{"ً":{"ٌ":934,"ٍ":"شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل\nالمؤلف: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ\nعدد الصفحات: ٧٥٨\n[الكتاب مرقم آليا، دروس مفرغة]","ْ":"[شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ]\n\nللإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي\nوالمسمى بـ «إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل»\nشرحها فضيلة الشيخ العلامة\nصالح بن عبد العزيز آل الشيخ\nوزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد\nحفيد مفتي الديار السعودية\nوسليل شجرةٍ مباركة حَمَلَت راية التوحيد والدعوة ابتداءً من أصلها المبارك الإمام المجدد\nمحمد بن عبدالوهاب ﵀\n\nقال سماحته «والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يُخَلِّصَ نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة» .\n\nبدأ فضيلته بشرحها في مدينة الرياض يوم السبت ١٣ ذي القعدة ١٤١٧هـ\nوقد انتهى منه يوم السبت بعد العشاء الموافق ٢٠/١١/١٤٢٠هـ.","ٓ":"1.0","ٔ":61,"ٕ":1,"ٖ":1770153816,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الغلاف","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"من قوله (هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة) إلى قوله (وما يعتقدون من أصول الدين)","level":1,"page":4},{"title":"[المسألة الأولى: معنى العقيدة]","level":2,"page":4},{"title":"[المسألة الثانية: من هم أهل السنة والجماعة؟]","level":2,"page":5},{"title":"[المسألة الثالثة: أن هذه العقيدة موافقة لعقائد السلف إلا في مسألة الإيمان]","level":2,"page":6},{"title":"[المسألة الرابعة: أن كلمة أصول الدين يعبر بها عن العقيدة]","level":2,"page":7},{"title":"قوله: نقول في توحيد الله -معتقدين بتوفيق الله- إن الله واحد لا شريك له","level":1,"page":8},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":12},{"title":"قوله: ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره","level":1,"page":13},{"title":"[المسألة الأولى: أن قوله (ولا شيء مثله) مأخوذ من قول الله ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾]","level":2,"page":14},{"title":"[المسألة الثانية: أن قوله (لا شيء مثله) راجع لنفي المماثلة وليس المشابهة.]","level":2,"page":15},{"title":"[المسألة الثالثة: ليس كل أنواع مشابهة الله لخلقه منفية إذ أن الاشتراك في أصل معنى الاتصاف غير منفي]","level":2,"page":16},{"title":"[المسألة الرابعة: أن أهل السنة عندهم النفي مجملا والإثبات مفصلا والعكس عند أهل البدع]","level":2,"page":17},{"title":"[المسألة الخامسة: معنى الكاف في قوله (ليس كمثله شيء)]","level":2,"page":18},{"title":"قوله (ولا شيء يعجزه)","level":1,"page":19},{"title":"[المسألة الأولى: أن نفي العجز عن الله في قوله (ولا شيء يعجزه) مأخوذ من قول الله؟وما كان الله ليعجزه من شيء؟ وذلك لكمال علمه وقدرته]","level":2,"page":20},{"title":"[المسالة الثانية: أن النفي إذا كان في الكتاب والسنة فإنه لا يراد به حقيقة النفي، وإنما يراد به كمال ضده]","level":2,"page":21},{"title":"[المسألة الثالثة: أن التمثيل عن العام ببعض أفراده في توحيد الربوبية صحيح]","level":2,"page":22},{"title":"[المسالة الرابعة: أن دلالة قول الله (وما كان الله ليعجزه من شيء) أبلغ على النفي من قول المصنف (ولا شيء يعجزه)]","level":2,"page":23},{"title":"قوله (ولا إله غيره)","level":1,"page":24},{"title":"[المسألة الأولى: أن قوله (ولا إله غيره) مطابق لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله)]","level":2,"page":25},{"title":"[المسألة الثانية: في معنى كلمة الإله]","level":2,"page":26},{"title":"[المسألة الثالثة: في معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)]","level":2,"page":27},{"title":"[المسألة الرابعة: في إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)]","level":2,"page":28},{"title":"[المسألة الخامسة: أن توحيد العبادة لله ﷿ لا يستقيم إلا بشيئين كما ذكرنا: بنفي وبإثبات]","level":2,"page":29},{"title":"الأسئلة:","level":1,"page":30},{"title":"قوله: قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء","level":1,"page":31},{"title":"[المسألة الأولى: أن إدراج اسم القديم في أسماء الله هذا غلط، ولا يجوز، وذلك لأمور]","level":2,"page":32},{"title":"[المسألة الثانية: ما ضابط كون الاسم من الأسماء الحسنى؟]","level":2,"page":33},{"title":"[المسألة الثالثة: أن الله أوليته عند أهل السنة في ذاته وفي صفاته، وآخر سبحانه في ذاته وفي صفاته]","level":2,"page":35},{"title":"قوله: لا يفنى ولا يبيد","level":1,"page":36},{"title":"قوله: ولا يكون إلا ما يريد","level":1,"page":37},{"title":"[المسألة الأولى: أن إرادة الله منقسمة إلى: إرداة كونية وإرادة شرعية]","level":2,"page":38},{"title":"[المسألة الثانية: أن إرداة الله موافقة للحكمة وأما إرادة العبد فقد توافق الحكمة وقد لا توافقها]","level":2,"page":39},{"title":"قوله: لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام","level":1,"page":40},{"title":"[المسألة الأولى: نظرية حصول المعارف]","level":2,"page":41},{"title":"[المسألة الثانية: الرب ﷿ لا يمكن تخيله، ولا يمكن أيضا أن يفكر فيه فيدرك]","level":2,"page":42},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":43},{"title":"قوله: لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة","level":1,"page":45},{"title":"قوله: حي لا يموت، قيوم لا ينام","level":1,"page":46},{"title":"[المسألة الأولى: اشتراك المخلوقات مع الرب في اسم الحي وفي صفة الحياة هذا اشتراك في أصل المعنى]","level":2,"page":47},{"title":"[المسألة الثانية: وصف الرب بالنفي ليس مقصودا لذاته وإنما هو لإثبات كمال ضد ما نفى]","level":2,"page":48},{"title":"[المسألة الثالثة: تفسير معنى الحي ومعنى القيوم وذكر آثارهما]","level":2,"page":49},{"title":"[المسألة الرابعة: اسم الحي واسم القيوم بلازمهما تدل على بقية صفات الرب]","level":2,"page":50},{"title":"قوله: خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة","level":1,"page":51},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":53},{"title":"من قوله (خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، مميت بلا مخافة) إلى قوله (لا يحتاج إلى شيء)","level":1,"page":54},{"title":"قوله: مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة","level":1,"page":55},{"title":"[المسألة الأولى: المميت اسم كمال مع قرينه المحيي، والمميت صفة كمال مع قرينتها المحيي]","level":2,"page":56},{"title":"[المسألة الثانية: الموت عند جمهور أهل السنة ومن وافقهم من غيرهم مخلوق موجود]","level":2,"page":57},{"title":"[المسألة الثالثة: أن إماتة الرب متعلقة بكل شيء، إلا ما استثنى الله ﷿]","level":2,"page":58},{"title":"من قوله (لم يزدد بكونهم شيئا) إلى قوله (وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم)","level":1,"page":59},{"title":"[المسألة الأولى: أن الرب أول بصفاته، وصفاته قديمة وأن صفات الرب لابد أن تظهر آثارها]","level":2,"page":60},{"title":"[المسألة الثانية: أن الطحاوي كأنه يميل إلى قول الماتريدية في أن الرب كان متصفا بالصفات وله الأسماء، ولكن لم تظهر آثار صفاته ولا آثار أسمائه بل كان زمنا طويلا طويلا معطلا عن الأفعال]","level":2,"page":62},{"title":"[المسألة الثالثة: مسألة التسلسل]","level":2,"page":63},{"title":"[المسألة الرابعة: أن أهل السنة يعبرون بقول (كان الله بصفاته أزليا) فيأتون بالباء المقتضية للمصاحبة وأما المعتزلة وأشباههم فيعبرون بالواو فيقولون (الله وصفته)]","level":2,"page":64},{"title":"[المسألة الخامسة: أن أهل السنة يجعلون قدرة الرب متعلقة بكل شيء أما أهل البدع فيعلقون القدرة بما يشاؤه الرب]","level":2,"page":65},{"title":"قوله: خلق الخلق بعلمه وقدر لهم أقدارا","level":1,"page":66},{"title":"[المسألة الأولى: تعريف القدر لغة وشرعا]","level":2,"page":67},{"title":"[المسألة الثانية: أسباب الضلال في باب القدر، وأن من صنف في القدر يجب أن تنظر إلى كلامه على أنه قابل للأخذ والرد إذا دخل في أمر عقلي لا دليل عليه]","level":2,"page":68},{"title":"[المسألة الثالثة: الفرق في هذا الباب المنتسبة للأمة ثلاث فرق: القدرية والجبرية وأهل السنة والجماعة]","level":2,"page":70},{"title":"[المسألة الرابعة: أن هناك ألفاظا تستعملها الطوائف جميعا في مبحث القدر، ولكن لكل طائفة قصد ومصطلح في استعمالها مثل لفظ (الكسب) و(نفوذ المشيئة)]","level":2,"page":71},{"title":"قوله: وضرب لهم آجالا","level":1,"page":72},{"title":"قوله: ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم. وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم","level":1,"page":73},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":74},{"title":"قوله: وإن محمدا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى","level":1,"page":77},{"title":"[المسألة الأولى: تعريف النبي لغة واصطلاحا والفرق بين النبي والرسول]","level":2,"page":78},{"title":"[المسألة الثانية: ذكر أقوال الطوائف في كون نبوة الأنبياء هل هي واجبة أو ممكنة؟]","level":2,"page":80},{"title":"[المسألة الثالثة: نبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تحصل؟ وكيف يعرف صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يدعي أنه نبي أو رسول]","level":2,"page":81},{"title":"[المسألة الرابعة: الأنبياء يجوز في حقهم الأمراض والعاهات، والتفصيل في مسألة الذنوب بالنسبة للأنبياء]","level":2,"page":84},{"title":"[المسألة الخامسة: الرسول والنبي فيهم شروط أو أوصاف عامة جاءت في القرآن والسنة]","level":2,"page":85},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":86},{"title":"الأسئلة ٢","level":1,"page":88},{"title":"قوله: وإنه خاتم الأنبياء","level":1,"page":89},{"title":"[المسألة الأولى: ذكر أوجه استدلال العلماء بآية ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ بفتح التاء، على أن النبي محمد هو خاتم الأنبياء والمرسلين]","level":2,"page":90},{"title":"[المسألة الثانية: أن من الأفراد المنتسبين إلى الفلسفة وإلى الصوفية الغالية من قال إن النبوة مكتسبة]","level":2,"page":91},{"title":"[المسألة الثالثة: من ادعى أنه يسمع كلام الله فقد ادعى أنه يوحى إليه وادعى النبوة]","level":2,"page":92},{"title":"[المسألة الرابعة: أن ادعاء الوحي كفر كدعوى النبوة، وهذا باتفاق أهل السنة]","level":2,"page":93},{"title":"[المسألة الخامسة: أن ختم النبوة وكون النبي خاتم الأنبياء لا يعارض نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان]","level":2,"page":94},{"title":"قوله: وإمام الأتقياء","level":1,"page":95},{"title":"[المسألة الأولى: أن التفضيل بين الأنبياء جاء به النص كما قال ﷿ ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾]","level":2,"page":96},{"title":"[المسألة الثانية: أن التفاضل بين الأنبياء إما ان يكون عاما كقول (محمد أفضل المرسلين، سيد المرسلين) أو في مقابلة نبي بذاته كقول (محمد أفضل من موسى) هذا لا يجوز]","level":2,"page":97},{"title":"[المسألة الثالثة: أوجه الجمع بين الأدلة التي تدل على عدم التفضيل بين الأنبياء وبين قوله ﷿ ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾]","level":2,"page":98},{"title":"قوله: وحبيب رب العالمين","level":1,"page":99},{"title":"[المسألة الأولى: أن المحبة بمراتبها التي تضاف إلى رب العالمين إنما هي ما ورد، وهي: الإرداة الخاصة التي هي بمعنى المحبة، ولفظ المحبة، والمودة، والخلة]","level":2,"page":100},{"title":"[المسألة الثانية: لفظ العشق هو من مراتب المحبة؛ ولكنه يمنع في إطلاقه من العبد على ربه ومن الرب للعبد]","level":2,"page":101},{"title":"قوله: وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء","level":1,"page":102},{"title":"[المسألة الأولى: أن الجن ليس منهم رسل]","level":2,"page":103},{"title":"[المسألة الثانية: أن بعثة النبي لا تشمل الملائكة]","level":2,"page":104},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":105},{"title":"الأسئلة ٢","level":1,"page":106},{"title":"من قوله (وإن القرآن كلام الله) إلى قوله (ولا يشبه قول البشر)","level":1,"page":108},{"title":"[المسألة الأولى: أسباب نشأة القول بخلق القرآن ومخالفة المخالفين]","level":2,"page":109},{"title":"[المسألة الثانية: ذكر أقوال الفرق في القرآن، وكلام الله]","level":2,"page":110},{"title":"[المسألة الثالثة: أدلة أهل السنة والجماعة على اعتقادهم في القرآن]","level":2,"page":111},{"title":"[المسألة الرابعة: الرد على استدلال المخالفين في القرآن]","level":2,"page":112},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":115},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":117},{"title":"من قوله (فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر) إلى قوله (وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر)","level":1,"page":119},{"title":"[المسألة الأولى: لفظ (إعجاز القرآن) سمي بهذا الإسم؛ لأجل التحدي وعجز الكفار أن يأتوا بمثله]","level":2,"page":121},{"title":"[المسألة الثانية: أن كلام الله ﷿ هو المعجز ولا يقال أن الله ﷿ أعجز البشر عن الإتيان بمثل هذا القرآن]","level":2,"page":122},{"title":"[المسألة الثالثة: ذكر أقوال الناس في أوجه إعجاز القرآن، لم كان القرآن معجزا؟]","level":2,"page":123},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":129},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":130},{"title":"من قوله (والرؤية حق لأهل الجنة) إلى قوله (ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه)","level":1,"page":132},{"title":"[المسألة الأولى: أن المؤمن يرى أن الإنعام عليه بأن يكون من أهل الجنة هذا أعظم الإنعام لأن من دخل الجنة قد ﵁ ومتعه بملاذها وأفاض عليه الزيادة وهي رؤية وجه الله الكريم.]","level":2,"page":133},{"title":"[المسألة الثانية: أن أهل السنة والجماعة جعلوا الرؤية حق، والرؤية بالعينين، مع ذكر الأدلة]","level":2,"page":134},{"title":"[المسألة الثالثة: أهل السنة اختلفوا في رؤية الله ﷿ في الموقف: هل هي للمؤمنين وحدهم أم للمؤمنين والمنافقين أم للناس جميعا؟]","level":2,"page":135},{"title":"[المسألة الرابعة: ذكر مذاهب الفرق المخالفة في رؤية الله ﷿ في الآخرة]","level":2,"page":136},{"title":"[المسألة الخامسة: أن رؤية المؤمنين في الجنة لربهم ﷿ عامة بالإنس والجن، للرجال وللنساء، وللملائكة أيضا]","level":2,"page":139},{"title":"[المسألة السادسة: هل رأى النبي ﷺ ربه أم لا؟]","level":2,"page":140},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":141},{"title":"من قوله (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا) إلى قوله (إلا على ظهر التسليم والاستسلام)","level":1,"page":144},{"title":"[المسألة الأولى: أن الناس في تلقي الشريعة انقسموا إلى ٣ أقسام: من كان عقليا محضا، ومن جعل الشريعة خالية من البرهان العقلي البتة، ومن توسط بين الفئتين]","level":2,"page":145},{"title":"[المسألة الثانية: أن البرهان الديني الشرعي يقين وأن البرهان العقلي ناقص وأن البرهان العاطفي فطري، مع التفصيل]","level":2,"page":146},{"title":"[المسألة الثالثة: أن القرآن محكم كله، والقرآن متشابه كله والقرآن محكم ومتشابه]","level":2,"page":149},{"title":"[المسألة الرابعة: أن أصل الديانة مبنية على التسليم ومن لم يستسلم فهو شاك والشاك ليس بمسلم]","level":2,"page":151},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":152},{"title":"الأسئلة ٢","level":1,"page":153},{"title":"من قوله (فمن رام علم ما حظر عنه علمه) إلى قوله (زل ولم يصب التنزيه)","level":1,"page":154},{"title":"من قوله (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام) إلى قوله (ترك التأويل ولزوم التسليم)","level":1,"page":155},{"title":"[المسألة الأولى: معنى التأويل لغة]","level":2,"page":156},{"title":"[المسألة الثانية: أقسام التأويل الوارد في الكتاب والسنة وفيما جرى عليه كلام العلماء]","level":2,"page":157},{"title":"[المسألة الثالثة: الرد على الذين حرفوا نصوص الصفات وسموا تحريفهم تأويلا]","level":2,"page":158},{"title":"[المسألة الرابعة: إبطال المجاز في اللغة وفي نصوص الصفات]","level":2,"page":160},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":163},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":164},{"title":"قوله: ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه","level":1,"page":165},{"title":"[المسألة الأولى: أن نفاة الصفات منهم نفى صفات الله كلها ومنهم من نفى أكثر الصفات ومنهم من نفى بعضا منها]","level":2,"page":166},{"title":"[المسألة الثانية: أن النفي تارة يتوجه لأصل الصفة، وتارة لظاهر الصفةـ وتارة لكيفية الصفة، وتارة لمعنى الصفة]","level":2,"page":167},{"title":"[المسألة الثالثة: أن التشبيه مراتب فمنه: التشبيه الكامل، والتشبيه في بعض الصفة، وتشبيه المخلوق بالخالق]","level":2,"page":168},{"title":"قوله: فإن ربنا - ﷿ - موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية","level":1,"page":170},{"title":"قوله: وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات","level":1,"page":171},{"title":"[المسألة الأولى: إذا احتاج الموحد لبيان عقيدته في المناظرة إلى كلمات توضح الأمر فإنه لا بأس باستعمالها، وتعليل ما قام به بعض السلف في ذلك]","level":2,"page":172},{"title":"[المسألة الثانية: إزالة الإشكال الذي قد يقع بحديث (حجابه النور. لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)]","level":2,"page":173},{"title":"قوله: والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات","level":1,"page":174},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":175},{"title":"من قوله (والمعراج حق) إلى قوله (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به -غياثا لأمته- حق)","level":1,"page":176},{"title":"[المسألة الأولى: هل تكرر الإسراء والمعراج، أم كانا مرة واحدة؟]","level":2,"page":178},{"title":"[المسألة الثانية: متى وقع الإسراء والمعراج؟]","level":2,"page":179},{"title":"[المسألة الثالثة: الإسراء والمعراج هل وقعا بجسده النبي وروحه، أم بروحه فقط، أم كانا مناما؟]","level":2,"page":180},{"title":"[المسألة الرابعة: ذكر تفاصيل ما جرى في الإسراء والمعراج]","level":2,"page":181},{"title":"[المسألة الخامسة: هل لقي النبي أجساد الأنبياء مع أرواحهم؟ أم إنه لقي أرواحهم دون أجسادهم؟]","level":2,"page":183},{"title":"[المسألة السادسة: رؤية النبي لآيات ربه الكبرى لما في السماء السابعة وما فوقها وما صار بالبصر وبالقلب جميعا، وهل رأى النبي ربه؟]","level":2,"page":184},{"title":"[المسألة السابعة: التخفيف في فرض الصلاة هل كان خمسا خمسا؟ أم كان عشرا عشرا حتى وصلت إلى خمس في آخرها؟]","level":2,"page":185},{"title":"[المسألة الثامنة: معنى الصلاة من الله ومن الملائكة ومن المؤمنين على النبي؟، والصلاة من الله U مختصة بالأنبياء والمرسلين، أما غيرهم فلا يصلى عليه على وجه الانفراد، وقد يصلى عليه على وجه التبع]","level":2,"page":186},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":187},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":189},{"title":"قوله: والحوض الذي أكرمه الله تعالى به -غياثا لأمته- حق","level":1,"page":190},{"title":"[المسألة الأولى: أن الحوض دل عليه القرآن باحتمال، ودلت عليه السنة بقطع]","level":2,"page":191},{"title":"[المسألة الثانية: ذكر صفات الحوض الواردة في النصوص]","level":2,"page":192},{"title":"[المسألة الثالثة: أين يكون الحوض؟ هل هو قبل الصراط أم بعد الصراط؟]","level":2,"page":193},{"title":"[المسألة الرابعة: أن الذود عن الحوض نوعان: ذود عام، وذود خاص]","level":2,"page":194},{"title":"[المسألة الخامسة: ذكر أقوال المخالفين في الحوض مع الرد عليهم]","level":2,"page":195},{"title":"[المسألة السادسة: الأسباب التي توجب للمؤمن ورود الحوض]","level":2,"page":196},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":197},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":198},{"title":"قوله: والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار","level":1,"page":199},{"title":"[المسألة الأولى: تعريف الشفاعة لغة واصطلاحا]","level":2,"page":200},{"title":"[المسألة الثانية: أن الشفاعة قسمان: شفاعة في الدنيا وشفاعة في الآخرة]","level":2,"page":201},{"title":"[المسألة الثالثة: أن الشفاعات في الآخرة منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه]","level":2,"page":202},{"title":"[المسألة الرابعة: ذكر أنواع شفاعات النبي]","level":2,"page":203},{"title":"[المسألة الخامسة: الشفاعة يوم القيامة ليست خاصة بالنبي ولا بالأنبياء]","level":2,"page":205},{"title":"[المسألة السادسة: الشفاعة لا تنفع إلا بوجود شرطين: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضا الله عن المشفوع له]","level":2,"page":206},{"title":"[المسألة السابعة: ذكر مذاهب الفرق في الشفاعة]","level":2,"page":207},{"title":"[المسألة الثامنة: الرد على الخوارج والمعتزلة في إنكارهم الشفاعة لأهل الكبائر]","level":2,"page":208},{"title":"[المسألة التاسعة: أن الشارح ابن أبي العز في شرحه ذكر في هذا الموضع مسائل التوسل بالجاه والتوسل بالحق كقول القائل (بحق فلان)، (بحق نبيك)، (بحق عمر)]","level":2,"page":209},{"title":"[المسألة العاشرة: الأسباب التي بها يحصل المرء المسلم شفاعة نبيه]","level":2,"page":210},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":211},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":213},{"title":"قوله: والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق","level":1,"page":215},{"title":"[المسألة الأولى: معنى الميثاق لغة]","level":2,"page":216},{"title":"[المسألة الثانية: أن الميثاق الذي أخذه الله من آدم وذريته لا دليل عليه من القرآن، ومن استدل بقول الله؟وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم؟ فقد أخطأ]","level":2,"page":217},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":221},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":222},{"title":"من قوله (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل) إلى قوله (ولا نبي مرسل)","level":1,"page":223},{"title":"[المسألة الأولى: أن علم الله أزلي وأبدي، وأن علمه سبحانه أول، وهذه كلها بمعنى واحد]","level":2,"page":224},{"title":"[المسألة الثانية: أن علم الله من حيث هو صفة له سبحانه متعلق بكل شيء]","level":2,"page":225},{"title":"[المسألة الثالثة: أن من أنكر مرتبة العلم فقد كفر]","level":2,"page":226},{"title":"[المسألة الرابعة: الرد على شبه المنكرين لمرتبة العلم]","level":2,"page":227},{"title":"[المسألة الخامسة: أن علم الله شامل لكل شيء، وهذا يفيد المؤمن في إيمانه بالقدر]","level":2,"page":228},{"title":"قوله: وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل","level":1,"page":229},{"title":"[المسألة الأولى: تعريف القدر]","level":2,"page":230},{"title":"[المسألة الثانية: ذكر مراتب القدر الأربعة مع التفصيل]","level":2,"page":231},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":232},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":233},{"title":"قوله: قال (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه","level":1,"page":237},{"title":"[المسألة الأولى: معنى القدر لغة واصطلاحا]","level":2,"page":238},{"title":"[المسألة الثانية: في الفرق ما بين القضاء والقدر]","level":2,"page":239},{"title":"[المسألة الثالثة: في مراتب الإيمان بالقدر عند أهل السنة والجماعة]","level":2,"page":240},{"title":"[المسألة الرابعة: أسباب نشأة الضلال في القضاء والقدر]","level":2,"page":242},{"title":"[المسألة الخامسة: ذكر الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة في القدر]","level":2,"page":244},{"title":"[المسألة السادسة: في تفسير لفظ الكسب]","level":2,"page":246},{"title":"[المسألة السابعة: في معنى خلق الله لفعل العبد، وتحقيق مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك]","level":2,"page":247},{"title":"[المسألة الثامنة: في معنى الاستطاعة التي وصف الله بها المكلف في قوله ﴿فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا﴾ ونفاها عن بعض في قوله ﴿وكانوا لا يستطيعون سمعا﴾ .]","level":2,"page":248},{"title":"[المسألة التاسعة: معنى التوفيق والخذلان]","level":2,"page":249},{"title":"[المسألة العاشرة: أفعال الله ﷿ معللة، والله يفعل الفعل لعلة، ويأمر بالأمر لعلة]","level":2,"page":251},{"title":"[المسألة الحادية عشر: ذكر أنواع الكتابة]","level":2,"page":253},{"title":"من قوله (فهذا جملة ما يحتاج إليه) إلى (وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما)","level":1,"page":255},{"title":"قوله: ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم","level":1,"page":256},{"title":"[المسألة الأولى: في ذكر صفة اللوح المحفوظ]","level":2,"page":257},{"title":"[المسألة الثانية: أن القلم الذي كتب الله به القدر كتب به ما يتعلق بهذا العالم.]","level":2,"page":258},{"title":"[المسألة الثالثة: أن القلم لما خلقه الله أمره أن يكتب، فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة]","level":2,"page":259},{"title":"[المسألة الرابعة: أيهما خلق قبل اللوح أم القلم؟]","level":2,"page":260},{"title":"[المسألة الخامسة: المراد بقول النبي ثم إني رفعت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام]","level":2,"page":261},{"title":"من قوله (فلو اجتمع الخلق كلهم) إلى قوله (وما أصابه لم يكن ليخطئه)","level":1,"page":262},{"title":"من قوله (وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه) إلى قوله (وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما)","level":1,"page":263},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":264},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":266},{"title":"قوله: والعرش","level":1,"page":268},{"title":"[المسألة الأولى: أن العرش حق وهو من مخلوقات الله العظيمة، وذكر لبعض صفاته]","level":2,"page":269},{"title":"[المسألة الثانية: معنى العرش لغة]","level":2,"page":270},{"title":"[المسألة الثالثة: ذكر أقوال المخالفين في العرش والرد عليهم]","level":2,"page":271},{"title":"قوله: والكرسي","level":1,"page":272},{"title":"[المسألة الأولى: تفسير الكرسي وأنه موضع قدمي الله]","level":2,"page":272},{"title":"[المسألة الثانية: معنى الكرسي لغة]","level":2,"page":273},{"title":"[المسألة الثالثة: ذكر أقوال الفرق في الكرسي مع الرد عليهم]","level":2,"page":274},{"title":"[المسألة الرابعة: أثر الإيمان بالعرش والكرسي]","level":2,"page":276},{"title":"قوله: وهو مستغن عن العرش وما دونه","level":1,"page":277},{"title":"[المسألة الأولى: الله ﷿ غني عن العرش وعن كل شيء لكمال قدرته]","level":2,"page":278},{"title":"[المسألة الثانيةأن العرش وما دونه محتاج إليه ومفتقر إلى الرب ﷻ]","level":2,"page":279},{"title":"[المسألة الثالثة: تفسير معنى إحاطة الرب ﷿ بكل شيء]","level":2,"page":280},{"title":"[المسألة الرابعة: ربناعز وجل مع إحاطته بكل شيء فهو فوق جميع الأشياء]","level":2,"page":281},{"title":"قوله: وفوقه","level":1,"page":282},{"title":"[المسألة الأولى: أن العلو بتقسم إلى علو ذات وعلو قهر وعلو قدر]","level":2,"page":282},{"title":"[المسألة الثانية: الأدلة من القرآن في إثبات علو الذات لله ﷿]","level":2,"page":283},{"title":"[المسألة الثالثة: الأدلة من السنة في إثبات علو الذات لله ﷿]","level":2,"page":284},{"title":"[المسألة الرابعة: دلالة العقل في إثبات علو الذات لله ﷿]","level":2,"page":285},{"title":"[المسألة الخامسة: دلالة الفطرة في إثبات علو الذات لله ﷿]","level":2,"page":286},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":287},{"title":"الأسئلة ٢","level":1,"page":288},{"title":"[المسألة السادسة: شبه نفاة العلو والرد عليها]","level":2,"page":290},{"title":"[المسألة السابعة: مقولة (إن السماء قبلة الدعاء) هذه باطلة، فالسماء ليست قبلة الدعاء، بل قبلة الدعاء بيت الله الحرام]","level":2,"page":292},{"title":"[المسألة الثامنة: شرح معنى عدم إحاطة الخلق بالله]","level":2,"page":293},{"title":"قوله: ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما","level":1,"page":294},{"title":"[المسألة الأولى: صفتي المحبة والخلة ثابتة للرب ﷿ بالكتاب والسنة]","level":2,"page":295},{"title":"[المسألة الثانية: أن صفة المحبة والخلة ثبتت في النصوص، أما غيرها من معاني المحبة إذا لم يجئ في الدليل فإنه لا يثبت لله ﷿، وكذلك ينبغي أن لا يستعمله العبد في حبه لله تعبيرا عن ذلك، كمثل لفظ العشق]","level":2,"page":296},{"title":"[المسألة الثالثة: كلمات المحبة المستعملة تنقسم إلى: قسم يجوز إطلاقه، وقسم يمنع]","level":2,"page":297},{"title":"[المسألة الرابعة: نؤمن بصفة الكلام لله ﷿، وكلامه قديم النوع حادث الآحاد]","level":2,"page":298},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":299},{"title":"قوله: ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين","level":1,"page":301},{"title":"[المسألة الأولى: أن الإيمان بأركان الإيمان الستة معناه التصديق الجازم، وأنه ينقسم إلى قسم واجب، وقسم مستحب]","level":2,"page":302},{"title":"قوله: ونؤمن بالملائكة","level":1,"page":303},{"title":"[المسألة الأولى: معنى الملائكة لغة واصطلاحا]","level":2,"page":303},{"title":"[المسألة الثانية: الملائكة درجات وطبقات، وهم يختلفون في قربهم من الله U، وأيضا يختلفون في وظائفهم وما وكلوا به.]","level":2,"page":304},{"title":"[المسألة الثالثة: الملائكة خلقوا من نور وملؤوا السماء، وكونهم ملؤوا السماء ليس ملأ أجسام تحول دون العبور في السماء؛ بل هذه أجسام نور، الله أعلم كيف تكوينها وكيف صفاتها على وجه الكمال]","level":2,"page":305},{"title":"[المسألة الرابعة: أن من لم يؤمن بالملائكة فلم يؤمن بالله وهو كافر، وبيان مراتب الإيمان الوجبه والمستحبه]","level":2,"page":306},{"title":"[المسألة الخامسة: الإيمان بالملائكة تبع للعلم، وكلما زاد العلم بالعقيدة وبالنصوص زاد الإيمان بالملائكة لمن وفقه الله]","level":2,"page":307},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":309},{"title":"قوله: والنبيين","level":1,"page":310},{"title":"[المسألة الأولى: تعريف النبي والرسول، وذكر الفرق بين النبي والرسول]","level":2,"page":311},{"title":"[المسألة الثانية: الأنبياء والرسل درجات في الفضل والمنزلة عند الله]","level":2,"page":313},{"title":"[المسألة الثالثة: الأنبياء يعطيهم الله آيات، فنؤمن بالأنبياء ونؤمن بآيات الأنبياء.]","level":2,"page":314},{"title":"[المسألة الرابعة: معنى الإيمان بالأنبياء، وذكر مراتب الإيمان بالأنبياء]","level":2,"page":315},{"title":"[المسألة الخامسة: من كذب برسول بعد العلم به فإنه مكذب بجميع الأنبياء والمرسلين]","level":2,"page":316},{"title":"والكتب المنزلة على المرسلين","level":1,"page":317},{"title":"[المسألة الأولى: وحي الله ﷿ بكتبه إلى أنبيائه يكون من الله مباشرة أو يكون بواسطة الملك]","level":2,"page":318},{"title":"[المسألة الثانية: الكتب السماوية من جهة التوحيد متفقة، ومن جهة الشرائع فهي مختلفة]","level":2,"page":319},{"title":"[المسألة الثالثة: الإيمان بالكتب ينقسم إلى إيمان إجمالي وإيمان تفصيلي]","level":2,"page":320},{"title":"[المسألة الرابعة: اختلف العلماء في الكتب التي أنزلها الله على المرسلين هل يدخل فيها الصحف، أم أن الكتب غير الصحف؟]","level":2,"page":321},{"title":"[المسألة الخامسة: يدخل في الكلام على الكتب الكلام على القرآن، وعلى إعجاز القرآن، وقد سبق ذكره]","level":2,"page":322},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":323},{"title":"قوله: ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين","level":1,"page":325},{"title":"[المسألة الأولى: (أهل القبلة) يشمل كل أهل الأهواء، كل الفرق الثلاث والسبعين]","level":2,"page":326},{"title":"[المسألة الثانية: المشركون الذين يعبدون مع الله غيره ويدعون غير الله ويستغيثون بغير الله ويذبحون لغير الله ويعبدون غير الله، هل يصدق عليهم اسم أنهم من أهل القبلة أم لا يصدق عليهم.]","level":2,"page":327},{"title":"[المسألة الثالثة: أن قول الطحاوي (مسلمين مؤمنين) لا يلزم منه أنه يسوي ما بين المسلم والمؤمن]","level":2,"page":328},{"title":"[المسألة الرابعة: أن إسم أهل القبلة واسم المسلم والمؤمن لابد من بقاء ما دل عليه ما داموا بما جاء به النبي معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين]","level":2,"page":329},{"title":"[المسألة الخامسة: باب الإيمان والخروج من اسم الإسلام واسم الإيمان هذا من المواضع التي تزل فيها الأقدام]","level":2,"page":330},{"title":"قوله: ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله","level":1,"page":331},{"title":"[المسألة الأولى: الخوض في ذات الله محرمة، وكذلك التفكر في ذات الله أيضا منهي عنه، لكن المأمور أن يفكر المرء في آلاء الله]","level":2,"page":332},{"title":"[المسألة الثانية: المراء مذموم وضابطه هو أن يورد الشيء بقصد الانتصار للنفس أو إضعاف من أمامه]","level":2,"page":334},{"title":"من قوله (ولا نجادل في القرآن) إلى (ولا نخالف جماعة المسلمين)","level":1,"page":335},{"title":"[المسألة الأولى: معنى المجادلة، وذكر أقسامها، والفرق بينها وبين الجدل، وتوضيح معنى المجادلة في القرآن]","level":2,"page":336},{"title":"[المسألة الثانية: المراد بكون القرآن محكم كله، ومتشابه كله، ومنه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه]","level":2,"page":337},{"title":"[المسألة الثالثة: عقيدة أهل السنة في القرآن]","level":2,"page":339},{"title":"[المسألة الرابعة: الروح الأمين هو جبريل ﵇]","level":2,"page":340},{"title":"[المسألة الخامسة: لماذا كان القرآن معجزا؟]","level":2,"page":341},{"title":"[المسألة السادسة: أن معتقد الصحابة ومعتقد التابعين وتبع التابعين وأئمة الإسلام أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود]","level":2,"page":342},{"title":"[المسألة السابعة: ذكر شبهة من قال بخلق القرآن]","level":2,"page":343},{"title":"[المسألة الثامنة: ذكر معنى قول الطحاوي (جماعة المسلمين)، مع ذكر سبيل النجاة من الفرق الضالة]","level":2,"page":344},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":346},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":347},{"title":"قوله: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله","level":1,"page":349},{"title":"[المسألة الأولى: الأدلة من القرآن والسنة والنظر على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر، وأن الذنوب تؤثر في الإيمان]","level":2,"page":350},{"title":"[المسألة الثانية: التكفير بلا علم أيضا حرام، وقد يكون من كبائر الذنوب مع ذكر الأدلة]","level":2,"page":352},{"title":"[المسألة الثالثة: أن الأمة في مسألة التكفير اختلفت إلى ثلاث طوائف: أهل السنة والخوارج والمرجئة]","level":2,"page":353},{"title":"[المسألة الرابعة: أن الناس ثلاثة أصناف لا رابع لهم، وهم: المؤمنون، الكفار، المنافقون، فمن كان من أهل الإيمان: فإنه ليس كل ذنب يخرجه من الإيمان]","level":2,"page":354},{"title":"[المسألة الخامسة: من أصول أهل السنة والجماعة في هذا الباب أنهم فرقوا بين التكفير المطلق وما بين التكفير المعين]","level":2,"page":355},{"title":"[المسألة السادسة: في قول الطحاوي (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب) أخذ على الطحاوي أنه قال (بذنب) وهذا يفيد أنه لا يكفر بأي ذنب]","level":2,"page":356},{"title":"[المسألة السابعة: تعريف الإستحلال المكفر]","level":2,"page":357},{"title":"[المسألة الثامنة: ذكر الفرق بين الاستحلال وبين الجحد وبين التكذيب]","level":2,"page":358},{"title":"[المسألة التاسعة: أن أهل البدع لا يكفرون بإطلاق بل قد يكون مذنبا، وقد يكون مخطئا أو متأولا]","level":2,"page":359},{"title":"[المسألة العاشرة: أن تكفير المعين يشترط فيه إقامة الحجة، ولايشترط فهم الحجة]","level":2,"page":360},{"title":"[المسألة الحادية عشرة: قوله (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) هذا فيه مخالفة للمرجئة]","level":2,"page":361},{"title":"[المسألة الثانية عشرة: ما خالف فيه أهل السنة الخوارج والمرجئة فرع لأصل ومثال لقاعدة؛ وهي قاعدة الوسطية لأهل السنة والجماعة]","level":2,"page":362},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":363},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":365},{"title":"نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم","level":1,"page":367},{"title":"[المسألة الأولى: أن الرجاء للمحسن بالعفو وعدم الأمن والاستغفار للمسيء والخوف عليه، هذا عقيدة يتعامل بها المرء مع نفسه وكذلك مع المؤمنين]","level":2,"page":368},{"title":"[المسألة الثانية: الرجاء للمحسن من المؤمنين بالعفو هذا يشمل كل أحد حتى من لم يعرف لنفسه ذنبا]","level":2,"page":369},{"title":"[المسألة الثالثة: الجمع ما بين الرجاء للمحسن والاستغفار للمسيء هذا تبع لأصل عظيم وهو الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء]","level":2,"page":370},{"title":"[المسألة الرابعة: الخوف والرجاء هل يجب تساويهما أم يرجح أحدهما على الآخر]","level":2,"page":371},{"title":"[المسألة الخامسة: الأسباب التي يكفر الله ﷿ بها الخطايا أو يمحو بها أثر السيئات]","level":2,"page":372},{"title":"[المسألة السادسة: لا نشهد لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله]","level":2,"page":376},{"title":"[المسألة السابعة: كيف يتعامل المسلم مع إخوانه إن كانوا مفرطين أو كانوا تائبين]","level":2,"page":377},{"title":"[المسألة الثامنة: لن يدخل أحد الجنة بعمله بل ما ثم إلا عفو الله ورحمته]","level":2,"page":378},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":379},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":382},{"title":"الأسئلة٣","level":1,"page":386},{"title":"قوله: والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة","level":1,"page":387},{"title":"قوله: ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه","level":1,"page":389},{"title":"[المسألة الأولى: أجمع أهل السنة والجماعة على أن من دخل في الإيمان بيقين فإنه لا يخرج منه إلا بيقين]","level":2,"page":390},{"title":"[المسألة الثانية: الحصر في قوله (إلا بجحود ما أدخله فيه) ليس مرادا في أنه لا يخرج أحد من الإيمان إلا بالجحد]","level":2,"page":391},{"title":"[المسألة الثالثة: تعريف الجحد عند أهل السنة والفرق بينهم وبين الخوارج في تعريفه]","level":2,"page":392},{"title":"[المسألة الرابعة: أهل السنة والجماعة خالفوا الخوارج والمرجئة في إخراجهم الواحد من أهل القبلة من الإيمان، فعندهم المخرجات من الإيمان منها التكذيب والجحد والإعراض والشك]","level":2,"page":393},{"title":"قوله: والإيمان: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان","level":1,"page":394},{"title":"[المسألة الأولى: الإيمان في اللغة هو التصديق الجازم الذي يكون معه عمل يأمن معه]","level":2,"page":395},{"title":"[المسألة الثانية: أنه لا يطلق لفظ مصدقا في اللغة على من صدق حتى يعمل]","level":2,"page":397},{"title":"[المسألة الثالثة: الضابط لما جاء في القرآن من استعمال الإيمان في الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية]","level":2,"page":398},{"title":"[المسألة الرابعة: الرد على أدلة المرجئة في إخراج العمل عن مسمى الإيمان]","level":2,"page":400},{"title":"من قوله (والإيمان: هو الإقرار باللسان) إلى قوله (وملازمة الأولى)","level":2,"page":402},{"title":"[المسألة الخامسة: ذكر أقوال الفرق في الإيمان]","level":2,"page":404},{"title":"[المسألة السادسة: الفرق بين قول مرجئة الفقهاء وبين قول أهل السنة والجماعة في الإيمان]","level":2,"page":405},{"title":"[المسألة السابعة: مسألة زيادة الإيمان ونقصانه وأقوال الفرق فيها]","level":2,"page":407},{"title":"[المسألة الثامنة: الفرق ما بين (التصديق بالجنان) و(الإعتقاد بالجنان)]","level":2,"page":408},{"title":"قوله: وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق","level":1,"page":409},{"title":"قوله: والإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى","level":1,"page":410},{"title":"[المسألة الأولى: الرد على الطحاوي في قوله (وأهله في أصله سواء)]","level":2,"page":411},{"title":"[المسألة الثانية: أن أصل الإيمان إذا قلنا هو التصديق، فإنه يتفاوت، مع ذكر أساب زيادة التصديق ونقصه]","level":2,"page":412},{"title":"[المسألة الثالثة: أن قوله (والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى) هذا صحيح؛ لكنه وجه تفاضل وليس كل أوجه التفاضل]","level":2,"page":414},{"title":"قوله: والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن","level":1,"page":415},{"title":"[المسألة الأولى: تعريف الولي لغة واصطلاحا]","level":2,"page":416},{"title":"[المسألة الثانية: الدليل على هذا التعريف للولي]","level":2,"page":417},{"title":"[المسألة الثالثة: الله ﷿ ولي للعبد، والعبد أيضا ولي لله ﷿]","level":2,"page":418},{"title":"[المسألة الرابعة: الأولياء قسمان فيما دلت عليه الأدلة: مقتصدون وسابقون مقربون]","level":2,"page":419},{"title":"[المسألة الخامسة: الإرتباط ما بين مسألة الولاية ومسألة الكرامة]","level":2,"page":420},{"title":"[المسألة السادسة: من أعظم مظاهر التقوى في المؤمنين المتقين عدم تزكية النفس]","level":2,"page":421},{"title":"[المسألة السابعة: لشيخ الإسلام مصنف مهم في الفرق ما بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان سماه (الفرقان ما بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) يحسن مطالعته]","level":2,"page":422},{"title":"[المسألة الثامنة: أولياء كل أمة شاهدون لأنبيائها ولرسلها وهذا أصل مهم يقضي بأن الولي لا يخرج عن طاعة النبي الذي اتبعه]","level":2,"page":423},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":424},{"title":"قوله: والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى.","level":1,"page":426},{"title":"[المسألة الأولى: كلمة الأركان سواء أركان الإسلام أو أركان الإيمان أو غير ذلك هي تسمية اصطلاحية، لم يأت بها الدليل أن هذا ركن]","level":2,"page":427},{"title":"[المسألة الثانية: خلاصة الكلام على الإيمان بأركان الإيمان الستة]","level":2,"page":428},{"title":"[المسألة الثالثة: أركان الإيمان كلها أمور اعتقادية بحتة، فأين العمل في هذه الأركان الستة؟]","level":2,"page":430},{"title":"قوله: ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به","level":1,"page":431},{"title":"[المسألة الأولى: الرسل دينهم واحد ولكن الشرائع تختلف، ومن الباطل قول القائل الأديان السماوية]","level":2,"page":432},{"title":"[المسألة الثانية: شرائع الرسل تختلف، وذكر الفرق ما بين الدين العام والشريعة]","level":2,"page":433},{"title":"[المسألة الثالثة: أننا (لا نفرق بين أحد من رسله) خلافا لكل أهل الملل والديانات]","level":2,"page":434},{"title":"قوله: وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون","level":1,"page":435},{"title":"[المسألة الأولى: تعريف أهل الكبائر، وضابط الكبيرة]","level":2,"page":436},{"title":"[المسألة الثانية: هل الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة أم لا؟]","level":2,"page":437},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":438},{"title":"[المسألة الثالثة: أن عدم الخلود في النار لأهل الكبائر ليس خاصا بأمة محمد بل هو عام لهذه الأمة ولغيرها]","level":2,"page":439},{"title":"[المسألة الرابعة: أن مرتكب الكبيرة من أهل الوعيد إلا في حالات، مع ذكر هذه الحالات]","level":2,"page":440},{"title":"[المسألة الخامسة: من لم يغفر له ممن لم يتب فإنه يشترط لعدم خلوده في النار شرطان]","level":2,"page":441},{"title":"[المسألة السادسة: الخلود في النار نوعان: خلود أمدي إلى أجل، وخلود أبدي]","level":2,"page":442},{"title":"[المسألة السابعة: قوله (لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين) هذه الجملة معروفة أصلا لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فهي من باب التأكيد وليست إشارة لخلاف ولا إشارة لشرط ونحو ذلك]","level":2,"page":443},{"title":"[المسألة الثامنة: التعقيب على تعقب ابن أبي العز للطحاوي في قوله (لقوا الله عارفين)]","level":2,"page":444},{"title":"[المسألة التاسعة: أن أهل الكبائر إذا ماتوا غير تائبين تحت المشيئة]","level":2,"page":445},{"title":"[المسألة العاشرة: أن ولاية الله لعباده المؤمنين تتبعض]","level":2,"page":446},{"title":"قوله: اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به","level":1,"page":447},{"title":"قوله: ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم","level":1,"page":448},{"title":"[المسألة الأولى: الصلاة خلف الإمام الأعظم أو الأمير الخاص هذه سنة ماضية دل عليها سنة النبي، ودل عليها عمل السلف الصالح]","level":2,"page":449},{"title":"[المسألة الثانية: أن الصلاة نراها ونفعلها خلف كل إمام بر أو فاجر أو أيضا ممن نجهل عقيدته]","level":2,"page":450},{"title":"[المسألة الثالثة: قوله (خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة) هذا إذا كان إماما مرتبا، ولم يكن بوسع المرء أن يختار الأمثل]","level":2,"page":451},{"title":"[المسألة الرابعة: التفصيل في الصلاة على المؤمن الصالح والمؤمن الفاجر بمعاص مختلفة، والمؤمن الفاجر بمعاص نصض عليها في الشرع والمنافق]","level":2,"page":452},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":453},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":454},{"title":"قوله: ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى","level":1,"page":456},{"title":"[المسألة الأولى: أن قوله (ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بشرك ونفاق) هذا في أهل لقبلة فقط ولايدخل فيه الكافر]","level":2,"page":457},{"title":"[المسألة الثانية: ذكر أقوال العلماء في الشهادة للمسلمين للجنس والمعين من المسلمين بالجنة والنار]","level":2,"page":458},{"title":"[المسألة الثالثة: أننا نشهد للجنس والنوع بالجنة والنار دون تنزيله على معين]","level":2,"page":459},{"title":"[المسألة الرابعة: أننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء]","level":2,"page":460},{"title":"[المسألة الخامسة: الشهادة بما يدل على الشهادة بالجنة مثل أن يقال فلان شهيد، ممنوعة]","level":2,"page":461},{"title":"قوله: ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى","level":1,"page":462},{"title":"[المسألة الأولى: المعين من أهل القبلة قد يجتمع فيه إيمان وكفر، ويجتمع فيه إسلام وشرك، ويجتمع فيه طاعة وإسلام وإيمان ونفاق]","level":2,"page":463},{"title":"[المسألة الثانية: أن قوله (ولا نشهد عليهم ما لم يظهر منهم) يعني أنه إذا ظهر منهم فإننا قد نشهد عليهم وجواز ذلك منوط بالمصلحة]","level":2,"page":464},{"title":"[المسألة الثالثة: من خرج من الإسلام بكفر أكبر أو بشرك أكبر أو بردة وقامت عليه الحجة في ذلك فإنه يشهد عليه بعينه]","level":2,"page":465},{"title":"قوله: ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد إلا من وجب عليه السيف","level":1,"page":466},{"title":"[المسألة الأولى: (ولا نرى السيف) هذه الكلمة مصطلح شائع عند العلماء يوصف به يحبذ الخروج ولو لم يدخل فيه بفعله وإنما يستحسنه لفظا ويؤيد من يفعله]","level":2,"page":467},{"title":"[المسألة الثانية: أدلة عدم جواز قتل من لم يجب عليه القتل]","level":2,"page":468},{"title":"[المسألة الثالثة: ولي الأمر هو الذي بيده أن يسفك الدم وليس لآحاد الناس من العلماء أو من العامة هذا الأمر]","level":2,"page":469},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":470},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":472},{"title":"قوله: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا","level":1,"page":473},{"title":"[المسألة الأولى: لفظ الأئمة وولاة الأمور مما جاء به الكتاب والسنة]","level":2,"page":474},{"title":"[المسألة الثانية: الأصل أن ولي الأمر يجمع ما بين حسن التدبير في أمور الناس والعلم بأحكام الشريعة بما يناسب]","level":2,"page":475},{"title":"[المسألة الثالثة: الذي عليه الصحابة جميعا وعامة التابعين وأئمة الإسلام أن الخروج على ولي الأمر محرم وكبيرة من الكبائر، ومن خرج على ولي الأمر فليس من الله في شيء]","level":2,"page":476},{"title":"[المسألة الرابعة: الأدلة من القرآن والسنة على وجوب طاعة الولاة وتحريم الخروج عليهم]","level":2,"page":477},{"title":"[المسألة الخامسة: الخروج على الولاة يكون بالسيف وكذلك باعتقاد جواز الخروج عليهم]","level":2,"page":478},{"title":"[المسألة السادسة: أسباب الخروج على الولاة]","level":2,"page":479},{"title":"[المسألة السابعة: الأمور الواجب طاعة ولاة الأمور فيها]","level":2,"page":480},{"title":"[المسألة الثامنة: أن الطاعة لا تتقيد بأنها لولي الأمر العدل بل وإن كان منه جور فإنه يطاع]","level":2,"page":481},{"title":"قوله: ولا ندعو عليهم","level":1,"page":482},{"title":"ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة","level":1,"page":483},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":484},{"title":"قوله: ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة","level":1,"page":485},{"title":"[المسألة الأولى: حكم التقليد في العقائد عند أهل السنة والجماعة]","level":2,"page":487},{"title":"[المسألة الثانية: في قوله (ونتبع السنة) السنة يراد بها العلم الموروث عن النبي في مسائل الاعتقاد]","level":2,"page":488},{"title":"[المسألة الثالثة: لفظ (أهل السنة والجماعة) إنما يدخل فيه أهل الحديث والأثر الذين لم ينحرفوا في مسائل الاعتقاد]","level":2,"page":489},{"title":"[المسألة الرابعة: معنى الشذوذ في العلم والعقيدة، وحكم من شذ فيهما]","level":2,"page":490},{"title":"[المسألة الخامسة: أقسام الخلاف في الشريعة وصوره.]","level":2,"page":491},{"title":"[المسألة السادسة: معنى الإفتراق وأنواعه]","level":2,"page":492},{"title":"قوله: ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة","level":1,"page":493},{"title":"[المسألة الأولى: تعريف أهل العدل وأهل الجور]","level":2,"page":494},{"title":"[المسألة الثانية: تعريف أهل الأمانة وأهل الخيانة]","level":2,"page":495},{"title":"قوله: ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه","level":1,"page":496},{"title":"[المسألة الأولى: المراد بقول الطحاوي (الله أعلم)]","level":2,"page":497},{"title":"[المسألة الثانية: الاشتباه في الأمور المشتبهة قد يكون اشتباها في الدليل، وقد يكون اشتباها في المدلول، وهدي أهل السنة والجماعة في المشتبهات]","level":2,"page":498},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":499},{"title":"قوله: ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر","level":1,"page":501},{"title":"[المسألة الأولى: الذي يرى هنا في قوله (نرى) المقصود بهم أهل السنة]","level":2,"page":502},{"title":"[المسألة الثانية: (المسح على الخفين) جاء في الأثر عن النبي، وهو متواتر]","level":2,"page":503},{"title":"[المسألة الثالثة: الاستدلال بقول الله ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ على المسح على الخفين فيه نظر]","level":2,"page":504},{"title":"[المسألة الرابعة: قراءة الجر قيل إنها دليل على إبطال المسح على الخفين مع الرد]","level":2,"page":505},{"title":"قوله: والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما","level":1,"page":506},{"title":"[المسألة الأولى: المخالف في هذا الأصل هم الروافض والخوارج أو من شابه الخوارج]","level":2,"page":507},{"title":"[المسألة الثانية: قوله (إلى قيام الساعة) هذا المقصود منه إلى قرب قيام الساعة]","level":2,"page":508},{"title":"[المسألة الثالثة: لا يبطل الحج شيء من معصية الولاة ولا ينقض الحج والجهاد مع ولاة الأمر شيء من فجورهم أو نقصهم]","level":2,"page":509},{"title":"قوله: ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين","level":1,"page":510},{"title":"[المسألة الأولى: إيضاح كون الملائكة حفظة، وكتبة، ويعلمون ما تفعلون]","level":2,"page":511},{"title":"[المسألة الثانية: أن الملائكة الكتبة غير الحفظة]","level":2,"page":512},{"title":"[المسألة الثالثة: الكتابة التي في صحف الملائكة هذه هي التي تجمع على العبد، وهي كتابه الذي يجمع معه في عنقه إذا أدخل القبر]","level":2,"page":513},{"title":"قوله: ونؤمن بملك الموت، الموكل بقبض أرواح العالمين","level":1,"page":514},{"title":"[المسألة الأولى: ملك الموت له أعوان وجنود فهو كالأمير لهم]","level":2,"page":515},{"title":"[المسألة الثانية: الملائكة تقبض الروح بأمر مجدد من الله]","level":2,"page":516},{"title":"[المسألة الثالثة: الله ﷿ خلق الملائكة وجعل لهم هذه المهمة وغيرها من المهام للتعبد لا لنقص في ملكوت]","level":2,"page":517},{"title":"[المسألة الرابعة: ذكر الشارح الكلام على الأرواح والروح وحقيقتها والنفس والفرق بينها وبين الروح، وهل الروح مخلوقة الآن، فيرجع إليه]","level":2,"page":518},{"title":"[المسألة الخامسة: في قوله (أرواح العالمين) لفظ (العالمين) يريد به هنا من له روح من المكلفين]","level":2,"page":519},{"title":"قوله: ونؤمن ... وبعذاب القبر لمن كان له أهلا]","level":1,"page":520},{"title":"[المسألة الأولى: عذاب القبر اسم لما بعد الموت، وقيل عنه عذاب القبر تغليبا، وقد يكون عذابا في القبر وقد يكون عذابا في غير القبر]","level":2,"page":522},{"title":"[المسألة الثانية: عذاب القبر يتناول الروح والجسد معا]","level":2,"page":523},{"title":"[المسألة الثالثة: من المنتسبين للسنة من العلماء من يقول العذاب على الروح والنعيم للروح وأما البدن فإنه لا يعذب ولا ينعم]","level":2,"page":524},{"title":"[المسألة الرابعة: الروح والبدن ذكر العلماء أن لها أربعة أنواع من التعلق]","level":2,"page":525},{"title":"[المسألة الخامسة: نعيم غير المكلفين تبع لحال آبائهم]","level":2,"page":526},{"title":"قوله: ونؤمن بسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه","level":1,"page":527},{"title":"[المسألة الأولى: أن سؤال الملكين يقع عن ثلاثة أشياء: أولا: عن ربه، ثانيا: عن دينه، ثالثا: عن نبيه]","level":2,"page":528},{"title":"[المسألة الثانية: هذا السؤال لهذه الأمة ولجميع الأمم]","level":2,"page":529},{"title":"[المسألة الثالثة: سؤال منكر ونكير، هل يكون للكافر أم لمن أجاب النبي ظاهرا]","level":2,"page":530},{"title":"قوله: والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران","level":1,"page":531},{"title":"قوله: ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان","level":1,"page":532},{"title":"[المسألةالأولى: ذكر بعض ما يحدث في البعث]","level":2,"page":533},{"title":"[المسألة الثانية: جزاء الأعمال لا يكون بعد البعث مباشرة؛ بل يكون متأخرا]","level":2,"page":534},{"title":"[المسألة الثالثة: العرض معناه: أن يعرض المكلف وأن يعرض عمل المكلف]","level":2,"page":535},{"title":"[المسألة الرابعة: الحساب من حيث هو تقرير للعمل مع الجزاء والعقاب، وهو يحصل في سرعة خاطفة]","level":2,"page":536},{"title":"[المسألة الخامسة: في قوله (وقراءة الكتاب) يعني بالكتاب الصحف التي كتبت فيها أعماله]","level":2,"page":537},{"title":"[المسألة السادسة: في قوله (والثواب والعقاب) الثواب والعقاب يكون بعد الوزن]","level":2,"page":538},{"title":"[المسألة السابعة: الصراط وذكر صفته]","level":2,"page":539},{"title":"[المسألة الثامنة: الميزان حقيقة وليس هو العدل كما تقوله المعتزلة، وهي موازين متعددة وليست ميزان واحد، وذكر ما يوزن فيها]","level":2,"page":540},{"title":"[المسألة التاسعة: ترتيب ما يحصل يوم القيامة]","level":2,"page":541},{"title":"قوله: والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدا ولا تبيدان","level":1,"page":543},{"title":"[المسألة الأولى: قوله (الجنة والنار مخلوقتان) يعني به أن خلقهما قد تم، ليس موقوفا على قيام الساعة، وإنما خلقهما الله قبل خلق الخلق]","level":2,"page":544},{"title":"[المسألة الثانية: الجنة خلقت للبقاء والنار خلقت للبقاء، وأهلهما خالدين فيها أبدا، وذكر أقوال المخالفين]","level":2,"page":545},{"title":"[المسألة الثالثة: الجنة التي سكنها آدم هي الجنة المعروفة دار الكرامة عند رب العالمين]","level":2,"page":547},{"title":"قوله: وخلق لهما أهلا","level":1,"page":548},{"title":"[المسألة الأولى: الأعمال سبب في دخول الجنة ولكنها ليست كافية في تحقيق المراد بل لا أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله]","level":2,"page":549},{"title":"قوله: وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له","level":1,"page":550},{"title":"قوله: والخير والشر مقدران على العباد","level":1,"page":551},{"title":"[المسألة الأولى: أن أفعال الله ليس فيها إلا الخير]","level":2,"page":552},{"title":"[المسألة الثانية: ذكر الفرق المخالفة في مسألة القدر والرد عليهم]","level":2,"page":553},{"title":"من قوله (والاستطاعة التي يجب بها الفعل) إلى (وكسب من العباد)","level":1,"page":556},{"title":"من قوله (والاستطاعة التي يجب بها الفعل) إلى (وهو كما قال تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾)","level":2,"page":557},{"title":"[المسألة الأولى: لماذا افترق الناس في مسألة الإستطاعة، ولماذا نشأت أقوال القدرية والجبرية]","level":2,"page":558},{"title":"[المسألة الثانية: الاستطاعة على قسمين: استطاعة قبل الفعل وإستطاعة مع الفعل، وتفصيلاتها]","level":2,"page":559},{"title":"[المسألة الثالثة: الاستطاعة التي قبل الفعل هي مناط التكليف، والاستطاعة التي مع الفعل هي مناط الثواب والعقاب، والاستطاعة التي قبل الفعل هذه تتعلق بها الأوامر والنواهي]","level":2,"page":562},{"title":"قوله: وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد","level":1,"page":563},{"title":"[المسألة الأولى: ذكر أقوال الفرق في خلق الله لأفعال العباد]","level":2,"page":564},{"title":"[المسألة الثانية: أدلة أهل السنة على قولهم إن الله خالق أفعال العباد]","level":2,"page":565},{"title":"[المسألة الثالثة: تفسير الكسب عند أهل السنة والجماعة]","level":2,"page":566},{"title":"قوله: ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم","level":1,"page":567},{"title":"[المسألة الأولى: يصح أن يقال على هذا عن العبادات الشرعية أنها تكليف لأجل قول الله ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾]","level":2,"page":568},{"title":"[المسألة الثانية: أن الله لا يكلف بما لا يطاق في جهتين: في أصل التشريع، وفي التشريع المتوجه إلى الفرد بعينه]","level":2,"page":569},{"title":"[المسألة الثالثة: توجيه قول الطحاوي (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) بما يوافق معتقد أهل السنة]","level":2,"page":570},{"title":"قوله: وهو تفسير: \"لا حول ولا قوة إلا بالله\"","level":1,"page":571},{"title":"[المسألة الأولى: توضيح معنى (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وأنها متضمنة لتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات]","level":2,"page":572},{"title":"قوله: نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله","level":1,"page":574},{"title":"[المسألة الأولى: التوفيق لفظ شرعي جاء في النصوص]","level":2,"page":575},{"title":"[المسألة الثانية: معنى التوفيق عند أهل السنة والجماعة وعند الأشاعرة]","level":2,"page":576},{"title":"[المسألة الثالثة: معرفة العبد المؤمن بمعنى التوفيق والخذلان يوجب له أن ينطرح دائما بين يدي ربه U متبرئا من نفسه ومن حولها وقوتها]","level":2,"page":577},{"title":"من قوله (وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى) إلى (وتنزه عن كل عيب وشين ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾)","level":1,"page":578},{"title":"[المسألة الأولى: تفصيل مراتب القدر]","level":2,"page":579},{"title":"[المسألة الثانية: تفسير الظلم عند المعتزلة والجبرية وأهل السنة والجماعة]","level":2,"page":580},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":582},{"title":"قوله: وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات","level":1,"page":583},{"title":"[المسألة الأولى: علماء أهل السنة من الأئمة من أهل الحديث ومن الفقهاء ومن أهل التفسير اتفقوا على نوعين انتفاع الميت بسعي الحي دون خلاف بينهم]","level":2,"page":584},{"title":"[المسألة الثانية: اختلف العلماء في مسائل العبادات التي لا تدخل في معنى الصدقة المالية هل يصل الثواب فيها للميت]","level":2,"page":585},{"title":"[المسألة الثالثة: دليل أهل السنة والجماعة على أصل الانتفاع، وذكر الراجح في انتفاع الميت بالعبادات التي لا تدخل في الصدقة المالية]","level":2,"page":586},{"title":"[المسألة الرابعة: ذكر حجج المبتدعة والرد عليها]","level":2,"page":588},{"title":"[المسألة الخامسة: استئجار من يقرأ القرآن على الأموات ونحو ذلك بدعة ولم يأت دليل من السنة ولا من فعل السلف]","level":2,"page":589},{"title":"[المسألة السادسة: في قوله (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم) (صدقاتهم) هنا يعنى بها الصدقات المالية خاصة]","level":2,"page":590},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":591},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":592},{"title":"قوله: والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات","level":1,"page":594},{"title":"[المسألة الأولى: الأدلة على أن الله يجيب الدعاء]","level":2,"page":595},{"title":"[المسألة الثانية: ذكر حجج المخالفين والرد عليها]","level":2,"page":596},{"title":"[المسألة الثالثة: دعاء العبد لله وتضرع العبد عند الله فيه أمور:]","level":2,"page":597},{"title":"[المسألة الرابعة: العبد إذا دعا الله ولم يعط ما سأل فإن لهذا عدة تعليلات:]","level":2,"page":598},{"title":"[المسألة الخامسة: مما ينبغي على العبد أن يتأدب به أن يعد للدعاء عدته وأن يجتهد في حسن المسألة]","level":2,"page":599},{"title":"قوله: ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء","level":1,"page":600},{"title":"قوله: ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين ومن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر وصار من أهل الحين","level":1,"page":601},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":602},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":605},{"title":"قوله: والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى","level":1,"page":609},{"title":"[المسألة الأولى: أدلة إثبات صفتي الغضب والرضا]","level":2,"page":610},{"title":"[المسألة الثانية: ضب الله ورضاه متعلق بمشيئته وقدرته، وذكر مذاهب المخالفين في ذلك]","level":2,"page":611},{"title":"[المسألة الثالثة: الصفات الذاتية والفعلية وأقسامها، والشبهة التي ضل بسسببها المخالفون في الصفات]","level":2,"page":612},{"title":"[المسألة الرابعة: الرد على من أول صفتي الغضب والرضا]","level":2,"page":614},{"title":"[المسألة الخامسة: قاعدة مهمة في الرد على المتأولين للصفات والخائضين في عموم الغيبيات]","level":2,"page":615},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":616},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":619},{"title":"من قوله (ونحب أصحاب رسول الله) إلى (وبغضهم كفر ونفاق وطغيان)","level":1,"page":622},{"title":"[المسألة الأولى: تعريف الصحابي، وذكر الأدلة الدالة على فضل الصحابة، وماذا نستنبط منها]","level":2,"page":623},{"title":"[المسألة الثانية: حب الصحابة فرض وواجب وهو من الموالاة الواجبة للصحابة، وهذا الحب يقتضي أشياء، وأهل السنة وسط بين الغالين وبين المنتقصين لهم]","level":2,"page":624},{"title":"[المسألة الثالثة: أصحاب رسول الله على مراتب، يختلفون في منزلتهم، مع ذكر مراتبهم]","level":2,"page":625},{"title":"[المسألة الرابعة: على المؤمن من مقتضى المحبة والنصرة أن يحمل جميع أعمال الصحابة على إرادة الخير والدين وحب الله وحب رسوله، وأنهم مجتهدون]","level":2,"page":626},{"title":"[المسألة الخامسة: حكم من سب الصحابة]","level":2,"page":627},{"title":"[المسألة السادسة: الأدلة على أن حب الصحابة دين وإيمان وإحسان]","level":2,"page":628},{"title":"[المسألة السابعة: الأدلة على أن بغضهم كفر ونفاق وطغيان]","level":2,"page":629},{"title":"[المسألة الثامنة: الدفاع عن الصحابة والتأليف في ذلك من الجهاد، وخاصة في الأزمنة التي يكثر فيها أو يوجد فيها من يقدح في الصحابة]","level":2,"page":630},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":631},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":633},{"title":"قوله: ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق","level":1,"page":634},{"title":"[المسألة الأولى: خلافة أبو بكر ثبتت بالنص الجلي]","level":2,"page":635},{"title":"[المسألة الثانية: أسباب تأخر بيعة علي ﵁ وطلحة لأبي بكر]","level":2,"page":637},{"title":"[المسألة الثالثة: الرد على استدلالات الرافضة في طعنهم بخلافة أبي بكر]","level":2,"page":638},{"title":"قوله: ثم لعمر بن الخطاب ﵁","level":1,"page":639},{"title":"قوله: ثم لعثمان ﵁","level":1,"page":640},{"title":"قوله: ثم لعلي بن أبي طالب ﵁","level":1,"page":641},{"title":"قوله: وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون","level":1,"page":642},{"title":"[المسألة الأولى: أن من بعد أبو بكر يصح أن يوصف بلفظ الخليفة]","level":2,"page":643},{"title":"[المسألة الثانية: لو كان ثم من يستحق الخليفة الراشد الخامس فهو معاوية بن أبي سفيان]","level":2,"page":644},{"title":"[المسألة الثالثة: الحسن بن علي تنازل لمعاوية عن الخلافة، وسمي هذا العام عام الجماعة]","level":2,"page":645},{"title":"قوله: وإن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة، نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ، وقوله الحق","level":1,"page":646},{"title":"[المسألة الأولى: العشرة المبشرين بالجنة]","level":2,"page":647},{"title":"[المسألة الثانية: أهل السنة وسط بين الفرق في مسألة موالاة الصحابة، وذكر كيف تكون موالاتهم]","level":2,"page":648},{"title":"[المسألة الثالثة: أهل السنة والجماعة لا يشهدون لمعين من أهل القبلة لا بجنة ولا بنار إلا من شهد له رسول الله ومنهم العشرة المبشرون بالجنة]","level":2,"page":649},{"title":"قوله: ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق","level":1,"page":650},{"title":"[المسألة الأولى: إحسان القول في الصحابة يشمل إحسان القول القلبي، وإحسان القول الكلامي]","level":2,"page":651},{"title":"[المسألة الثانية: أزواج النبي طاهرات، ومعنى كونهن أمهات للمؤمنين]","level":2,"page":652},{"title":"[المسألة الثالثة: توضيح قول الطحاوي (وذرياته المقدسين من كل رجس)]","level":2,"page":653},{"title":"[المسألة الرابعة: في قول الطحاوي (فقد برئ من النفاق) يعني به ما يشمل النفاق العملي والنفاق الاعتقادي]","level":2,"page":654},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":655},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":656},{"title":"قوله: وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين -أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر-، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل","level":1,"page":658},{"title":"[المسألة الأولى: ذكر العلماء بالجميل وعدم ذكرهم بسوء امتثال لأمر الله، ولأنه يضعف في النفوس محبة الشرع]","level":2,"page":659},{"title":"[المسألة الثانية: لا يشترط في العالم أن لا يخطئ]","level":2,"page":660},{"title":"[المسألة الثالثة: توضيح المراد بكلمة السلف أو علماء السلف]","level":2,"page":661},{"title":"[المسألة الرابعة: من هم أهل الفقه والنظر ومن هم أهل الأثر]","level":2,"page":662},{"title":"[المسألة الخامسة: الواجب على طلبة العلم أن يدافعوا عن أهل العلم السابقين والأئمة وأن يثنوا عليهم وأن لا يقعوا في أحد من العلماء بسوء]","level":2,"page":663},{"title":"قوله: ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء","level":1,"page":664},{"title":"[المسألة الأولى: تفضيل الأولياء على الأنبياء هذا نشأ مع عقيدة عند المتصوفة هي عقيدة ختم الولاية]","level":2,"page":665},{"title":"[المسألة الثانية: عقيدة ختم الولاية]","level":2,"page":666},{"title":"[المسألة الثالثة: الرد على عقائد بعض الفرق التي ترفع الولي فوق منزلة النبي]","level":2,"page":667},{"title":"قوله: ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم","level":1,"page":668},{"title":"[المسألة الأولى: تعريف الكرامة وضابطها]","level":2,"page":669},{"title":"[المسألة الثانية: الأدلة من القرآن والسنة على حصول الكرامات]","level":2,"page":670},{"title":"[المسألة الثالثة: أسباب حصول الكرامة أحيانا لأهل البدع]","level":2,"page":671},{"title":"[المسألة الرابعة: الفرق بين خارق العادة للشياطين وخارق العادة للأولياء]","level":2,"page":672},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":673},{"title":"الأسئلة٢","level":2,"page":676},{"title":"[المسألة الخامسة: ذكر أقسام الكرامة]","level":2,"page":677},{"title":"[المسألة السادسة: الفرق بين معجزة النبي وكرامة الولي وشعوذة السحرة]]","level":2,"page":678},{"title":"[المسألة السابعة: الرد على من أنكر كرامات الأولياء]","level":2,"page":679},{"title":"[المسألة الثامنة: الفرق ما بين الكرامة وبين الإعانة الخاصة من الله لبعض عباده]","level":2,"page":680},{"title":"[المسألة التاسعة: الكرامة إذا أعطاها الله ﷿ الولي فإنه ليس معنى ذلك أنه مفضل وأعلى منزلة على من لم يعط الكرامة]","level":2,"page":681},{"title":"[المسألة العاشرة: الفراسة وأقسامها]","level":2,"page":682},{"title":"[المسألة الحادية عشر: قد تحصل الكرامات لأهل البدع في بعض الحالات]","level":2,"page":683},{"title":"[المسألة الثانية عشر: الواجب على المؤمنين أن يسعوا في الإيمان وأن لا يلتفت العبد مهما بذل إلى حصول الكرامة أو عدم حصول الكرامة]","level":2,"page":684},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":685},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":686},{"title":"قوله: ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها","level":1,"page":687},{"title":"[المسألة الأولى: تعريف أشراط الساعة]","level":2,"page":688},{"title":"[المسألة الثانية: أقسام أشراط الساعة]","level":2,"page":689},{"title":"[المسألة الثالثة: لا يدل كون الحدث من أشراط الساعة على مدحه أو ذمه]","level":2,"page":690},{"title":"[المسألة الرابعة: ذكر أشراط الساعة الكبرى مع التفصيل]","level":2,"page":691},{"title":"[المسألة الخامسة: أشراط الساعة لا يتعرض لها بمجاز ولا بما ينفي حقيقتها ولا بالتأويل الذي يصرفها عن ظواهرها]","level":2,"page":694},{"title":"[المسألة السادسة: عيسى ابن مريم ﵇ إذا نزل فإنه ينزل تابعا لشريعة النبي محمد]","level":2,"page":695},{"title":"[المسألة السابعة: التحذير من تنزيل أشراط الساعة على الواقع دون تحقيق]","level":2,"page":696},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":697},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":699},{"title":"قوله: ولا نصدق كاهنا ولا عرافا، ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة","level":1,"page":700},{"title":"[المسألة الأولى: سبب ادعاء الكهان أو العرافين لعلم الغيب هو أن الشياطين تمدهم بالمعلومات]","level":2,"page":701},{"title":"[المسألة الثانية: الفرق بين الكاهن والعراف]","level":2,"page":702},{"title":"[المسألة الثالثة: حكم الكاهن والعراف، وحكم من يأتيهما]","level":2,"page":703},{"title":"[المسألة الرابعة: التفصيل لاستراق الشياطين السمع قبل البعثة، وبعد البعثة، وبعد عهد النبي]","level":2,"page":705},{"title":"[المسألة الخامسة: بعض صور الكهانة والعرافة القديمة والحديثة، ومنها التنويم المغناطيسي]","level":2,"page":706},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":707},{"title":"قوله: ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة","level":1,"page":709},{"title":"[المسألة الأولى: أن مخالفة الكتاب والسنة وإجماع الأمة مذمومة وضلال وقد تصل بصاحبها إلى الكفر في باب الاعتقاد، ولماذا جمع الطحاوي بينها وبين تصديق الكهان]","level":2,"page":710},{"title":"[المسألة الثانية: أقسام الذين نسبوا إلى الولاية وعدوا من الأولياء وأهل الزهادة]","level":2,"page":711},{"title":"[المسألة الثالثة: الواجب على كل مسلم أن يعتقد أن علم الغيب مختص بالله، وأنه قد يعطي بعض علم الغيب لرسول]","level":2,"page":712},{"title":"[المسألة الرابعة: ذكر ابن أبي العز أحوالا متنوعة فيمن ادعى أشياء مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة، وأضاف عليها الشيخ صالح (الطائفة الملامكية)]","level":2,"page":713},{"title":"قوله: ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا","level":1,"page":714},{"title":"[المسألة الأولى: كلمة (نرى) في كتب عقائد أهل السنة إذا جاءت بصيغة الجمع فإنه يراد بها ما قرره أئمة أهل السنة والجماعة في عقائدهم دون خلاف بينهم]","level":2,"page":715},{"title":"[المسألة الثانية: توضيح معنى الجماعة وأنواعها]","level":2,"page":716},{"title":"[المسألة الثالثة: من دعا إلى الدين والاجتماع عليه وتحقيق التوحيد ونبذ البدع ووسائل الشرك والبدع وإحلال الحلال وتحريم الحرام والأمر بما أوجب الله والنهي عن ضد ذلك أن هذا في الحقيقة يدعو إلى الاجتماع في الأبدان]","level":2,"page":717},{"title":"[المسألة الرابعة: توضيح قول الطحاوي (الجماعة حقا وصوابا)]","level":2,"page":718},{"title":"قوله: والفرقة زيغا وعذابا","level":1,"page":719},{"title":"[المسألة الأولى: ذكر أنواع الفرقة]","level":2,"page":719},{"title":"[المسألة الثانية: الفرقة التي حصلت في الأمة في الدين على مراتب]","level":2,"page":720},{"title":"[المسألة الثالثة: تفصيل الكلام في مسألة الخلاف الفقهي]","level":2,"page":721},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":723},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":726},{"title":"قوله: ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام","level":1,"page":727},{"title":"[المسألة الأولى: أن الإسلام ينقسم إلى إسلام عام وإسلام خاص، وتعريف كل قسم]","level":2,"page":728},{"title":"[المسألة الثانية: من الغلط قول القائل: الأديان السماوية الثلاثة]","level":2,"page":729},{"title":"[المسألة الثالثة: قول الطحاوي (دين الله)، هنا إضافة الدين إلى الرب ليست إضافة إلى الفاعل، بل هي إضافة إلى الآمر بها]","level":2,"page":730},{"title":"[المسألة الرابعة: ذكر أقسام الإسلام من عدة إعتبارات]","level":2,"page":731},{"title":"قوله: وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن واليأس","level":1,"page":732},{"title":"[المسألة الأولى: وسطية الإسلام بين الغلو والتقصير]","level":2,"page":733},{"title":"[المسألة الثانية: وسطية الإسلام بين التشبيه والتعطيل]","level":2,"page":734},{"title":"[المسألة الثالثة: وسطية الإسلام بين الجبر والقدر]","level":2,"page":735},{"title":"[المسألة الرابعة: وسطية الإسلام بين الأمن الإياس]","level":2,"page":736},{"title":"قوله: فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا، ونحن برآء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه","level":1,"page":737},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":738},{"title":"الأسئلة٢","level":1,"page":740},{"title":"من قوله (ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان) إلى (وبالله العصمة والتوفيق)","level":1,"page":743},{"title":"[المسألة الأولى: عظم شأن الدعاء]","level":2,"page":746},{"title":"[المسألة الثانية: الثبات على الإيمان يكون بالثبات على أصله وعلى كماله]","level":2,"page":747},{"title":"[المسألة الثالثة: عمل الأكياس وعمل الصالحين أنهم يستعدون للخاتمة، وذكر كيفية الإستعداد لها]","level":2,"page":748},{"title":"[المسألة الرابعة: تفسير معنى العصمة]","level":2,"page":749},{"title":"[المسألة الخامسة: تعريف بسيط بالمشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية]","level":2,"page":750},{"title":"[المسألة السادسة: قول الطحاوي (خالفوا السنة والجماعة)، هذا مما يؤكد لك أن قصده بالثبات على الإيمان والعصمة من الأهواء هي موافقة الجماعة، وذكر كيفية مخالفة السنة والجماعة]","level":2,"page":753},{"title":"[المسألة السابعة: الواجب على المسلم أن يتبرأ جملة وتفصيلا من القول ومن المذاهب الردية ومن أصحابها، ولا يقول أتبرأ من العمل دون صاحب العمل]","level":2,"page":754},{"title":"[المسألة الثامنة: في قوله (وبالله التوفيق) التوفيق هو الهداية إلى طريق الرشاد والإعانة على سلوك هذا الطريق جملة وتفصيلا]","level":2,"page":755},{"title":"الأسئلة","level":1,"page":756}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,422":421,"1,423":422,"1,424":423,"1,425":424,"1,426":425,"1,427":426,"1,428":427,"1,429":428,"1,430":429,"1,431":430,"1,432":431,"1,433":432,"1,434":433,"1,435":434,"1,436":435,"1,437":436,"1,438":437,"1,439":438,"1,440":439,"1,441":440,"1,442":441,"1,443":442,"1,444":443,"1,445":444,"1,446":445,"1,447":446,"1,448":447,"1,449":448,"1,450":449,"1,451":450,"1,452":451,"1,453":452,"1,454":453,"1,455":454,"1,456":455,"1,457":456,"1,458":457,"1,459":458,"1,460":459,"1,461":460,"1,462":461,"1,463":462,"1,464":463,"1,465":464,"1,466":465,"1,467":466,"1,468":467,"1,469":468,"1,470":469,"1,471":470,"1,472":471,"1,473":472,"1,474":473,"1,475":474,"1,476":475,"1,477":476,"1,478":477,"1,479":478,"1,480":479,"1,481":480,"1,482":481,"1,483":482,"1,484":483,"1,485":484,"1,486":485,"1,487":486,"1,488":487,"1,489":488,"1,490":489,"1,491":490,"1,492":491,"1,493":492,"1,494":493,"1,495":494,"1,496":495,"1,497":496,"1,498":497,"1,499":498,"1,500":499,"1,501":500,"1,502":501,"1,503":502,"1,504":503,"1,505":504,"1,506":505,"1,507":506,"1,508":507,"1,509":508,"1,510":509,"1,511":510,"1,512":511,"1,513":512,"1,514":513,"1,515":514,"1,516":515,"1,517":516,"1,518":517,"1,519":518,"1,520":519,"1,521":520,"1,522":521,"1,523":522,"1,524":523,"1,525":524,"1,526":525,"1,527":526,"1,528":527,"1,529":528,"1,530":529,"1,531":530,"1,532":531,"1,533":532,"1,534":533,"1,535":534,"1,536":535,"1,537":536,"1,538":537,"1,539":538,"1,540":539,"1,541":540,"1,542":541,"1,543":542,"1,544":543,"1,545":544,"1,546":545,"1,547":546,"1,548":547,"1,549":548,"1,550":549,"1,551":550,"1,552":551,"1,553":552,"1,554":553,"1,555":554,"1,556":555,"1,557":556,"1,558":557,"1,559":558,"1,560":559,"1,561":560,"1,562":561,"1,563":562,"1,564":563,"1,565":564,"1,566":565,"1,567":566,"1,568":567,"1,569":568,"1,570":569,"1,571":570,"1,572":571,"1,573":572,"1,574":573,"1,575":574,"1,576":575,"1,577":576,"1,578":577,"1,579":578,"1,580":579,"1,581":580,"1,582":581,"1,583":582,"1,584":583,"1,585":584,"1,586":585,"1,587":586,"1,588":587,"1,589":588,"1,590":589,"1,591":590,"1,592":591,"1,593":592,"1,594":593,"1,595":594,"1,596":595,"1,597":596,"1,598":597,"1,599":598,"1,600":599,"1,601":600,"1,602":601,"1,603":602,"1,604":603,"1,605":604,"1,606":605,"1,607":606,"1,608":607,"1,609":608,"1,610":609,"1,611":610,"1,612":611,"1,613":612,"1,614":613,"1,615":614,"1,616":615,"1,617":616,"1,618":617,"1,619":618,"1,620":619,"1,621":620,"1,622":621,"1,623":622,"1,624":623,"1,625":624,"1,626":625,"1,627":626,"1,628":627,"1,629":628,"1,630":629,"1,631":630,"1,632":631,"1,633":632,"1,634":633,"1,635":634,"1,636":635,"1,637":636,"1,638":637,"1,639":638,"1,640":639,"1,641":640,"1,642":641,"1,643":642,"1,644":643,"1,645":644,"1,646":645,"1,647":646,"1,648":647,"1,649":648,"1,650":649,"1,651":650,"1,652":651,"1,653":652,"1,654":653,"1,655":654,"1,656":655,"1,657":656,"1,658":657,"1,659":658,"1,660":659,"1,661":660,"1,662":661,"1,663":662,"1,664":663,"1,665":664,"1,666":665,"1,667":666,"1,668":667,"1,669":668,"1,670":669,"1,671":670,"1,672":671,"1,673":672,"1,674":673,"1,675":674,"1,676":675,"1,677":676,"1,678":677,"1,679":678,"1,680":679,"1,681":680,"1,682":681,"1,683":682,"1,684":683,"1,685":684,"1,686":685,"1,687":686,"1,688":687,"1,689":688,"1,690":689,"1,691":690,"1,692":691,"1,693":692,"1,694":693,"1,695":694,"1,696":695,"1,697":696,"1,698":697,"1,699":698,"1,700":699,"1,701":700,"1,702":701,"1,703":702,"1,704":703,"1,705":704,"1,706":705,"1,707":706,"1,708":707,"1,709":708,"1,710":709,"1,711":710,"1,712":711,"1,713":712,"1,714":713,"1,715":714,"1,716":715,"1,717":716,"1,718":717,"1,719":718,"1,720":719,"1,721":720,"1,722":721,"1,723":722,"1,724":723,"1,725":724,"1,726":725,"1,727":726,"1,728":727,"1,729":728,"1,730":729,"1,731":730,"1,732":731,"1,733":732,"1,734":733,"1,735":734,"1,736":735,"1,737":736,"1,738":737,"1,739":738,"1,740":739,"1,741":740,"1,742":741,"1,743":742,"1,744":743,"1,745":744,"1,746":745,"1,747":746,"1,748":747,"1,749":748,"1,750":749,"1,751":750,"1,752":751,"1,753":752,"1,754":753,"1,755":754,"1,756":755,"1,757":756,"1,758":757},"ٜ":{"1":[1,758]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"4":[3,4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"12":[9],"13":[10],"14":[11],"15":[12],"16":[13],"17":[14],"18":[15],"19":[16],"20":[17],"21":[18],"22":[19],"23":[20],"24":[21],"25":[22],"26":[23],"27":[24],"28":[25],"29":[26],"30":[27],"31":[28],"32":[29],"33":[30],"35":[31],"36":[32],"37":[33],"38":[34],"39":[35],"40":[36],"41":[37],"42":[38],"43":[39],"45":[40],"46":[41],"47":[42],"48":[43],"49":[44],"50":[45],"51":[46],"53":[47],"54":[48],"55":[49],"56":[50],"57":[51],"58":[52],"59":[53],"60":[54],"62":[55],"63":[56],"64":[57],"65":[58],"66":[59],"67":[60],"68":[61],"70":[62],"71":[63],"72":[64],"73":[65],"74":[66],"77":[67],"78":[68],"80":[69],"81":[70],"84":[71],"85":[72],"86":[73],"88":[74],"89":[75],"90":[76],"91":[77],"92":[78],"93":[79],"94":[80],"95":[81],"96":[82],"97":[83],"98":[84],"99":[85],"100":[86],"101":[87],"102":[88],"103":[89],"104":[90],"105":[91],"106":[92],"108":[93],"109":[94],"110":[95],"111":[96],"112":[97],"115":[98],"117":[99],"119":[100],"121":[101],"122":[102],"123":[103],"129":[104],"130":[105],"132":[106],"133":[107],"134":[108],"135":[109],"136":[110],"139":[111],"140":[112],"141":[113],"144":[114],"145":[115],"146":[116],"149":[117],"151":[118],"152":[119],"153":[120],"154":[121],"155":[122],"156":[123],"157":[124],"158":[125],"160":[126],"163":[127],"164":[128],"165":[129],"166":[130],"167":[131],"168":[132],"170":[133],"171":[134],"172":[135],"173":[136],"174":[137],"175":[138],"176":[139],"178":[140],"179":[141],"180":[142],"181":[143],"183":[144],"184":[145],"185":[146],"186":[147],"187":[148],"189":[149],"190":[150],"191":[151],"192":[152],"193":[153],"194":[154],"195":[155],"196":[156],"197":[157],"198":[158],"199":[159],"200":[160],"201":[161],"202":[162],"203":[163],"205":[164],"206":[165],"207":[166],"208":[167],"209":[168],"210":[169],"211":[170],"213":[171],"215":[172],"216":[173],"217":[174],"221":[175],"222":[176],"223":[177],"224":[178],"225":[179],"226":[180],"227":[181],"228":[182],"229":[183],"230":[184],"231":[185],"232":[186],"233":[187],"237":[188],"238":[189],"239":[190],"240":[191],"242":[192],"244":[193],"246":[194],"247":[195],"248":[196],"249":[197],"251":[198],"253":[199],"255":[200],"256":[201],"257":[202],"258":[203],"259":[204],"260":[205],"261":[206],"262":[207],"263":[208],"264":[209],"266":[210],"268":[211],"269":[212],"270":[213],"271":[214],"272":[215,216],"273":[217],"274":[218],"276":[219],"277":[220],"278":[221],"279":[222],"280":[223],"281":[224],"282":[225,226],"283":[227],"284":[228],"285":[229],"286":[230],"287":[231],"288":[232],"290":[233],"292":[234],"293":[235],"294":[236],"295":[237],"296":[238],"297":[239],"298":[240],"299":[241],"301":[242],"302":[243],"303":[244,245],"304":[246],"305":[247],"306":[248],"307":[249],"309":[250],"310":[251],"311":[252],"313":[253],"314":[254],"315":[255],"316":[256],"317":[257],"318":[258],"319":[259],"320":[260],"321":[261],"322":[262],"323":[263],"325":[264],"326":[265],"327":[266],"328":[267],"329":[268],"330":[269],"331":[270],"332":[271],"334":[272],"335":[273],"336":[274],"337":[275],"339":[276],"340":[277],"341":[278],"342":[279],"343":[280],"344":[281],"346":[282],"347":[283],"349":[284],"350":[285],"352":[286],"353":[287],"354":[288],"355":[289],"356":[290],"357":[291],"358":[292],"359":[293],"360":[294],"361":[295],"362":[296],"363":[297],"365":[298],"367":[299],"368":[300],"369":[301],"370":[302],"371":[303],"372":[304],"376":[305],"377":[306],"378":[307],"379":[308],"382":[309],"386":[310],"387":[311],"389":[312],"390":[313],"391":[314],"392":[315],"393":[316],"394":[317],"395":[318],"397":[319],"398":[320],"400":[321],"402":[322],"404":[323],"405":[324],"407":[325],"408":[326],"409":[327],"410":[328],"411":[329],"412":[330],"414":[331],"415":[332],"416":[333],"417":[334],"418":[335],"419":[336],"420":[337],"421":[338],"422":[339],"423":[340],"424":[341],"426":[342],"427":[343],"428":[344],"430":[345],"431":[346],"432":[347],"433":[348],"434":[349],"435":[350],"436":[351],"437":[352],"438":[353],"439":[354],"440":[355],"441":[356],"442":[357],"443":[358],"444":[359],"445":[360],"446":[361],"447":[362],"448":[363],"449":[364],"450":[365],"451":[366],"452":[367],"453":[368],"454":[369],"456":[370],"457":[371],"458":[372],"459":[373],"460":[374],"461":[375],"462":[376],"463":[377],"464":[378],"465":[379],"466":[380],"467":[381],"468":[382],"469":[383],"470":[384],"472":[385],"473":[386],"474":[387],"475":[388],"476":[389],"477":[390],"478":[391],"479":[392],"480":[393],"481":[394],"482":[395],"483":[396],"484":[397],"485":[398],"487":[399],"488":[400],"489":[401],"490":[402],"491":[403],"492":[404],"493":[405],"494":[406],"495":[407],"496":[408],"497":[409],"498":[410],"499":[411],"501":[412],"502":[413],"503":[414],"504":[415],"505":[416],"506":[417],"507":[418],"508":[419],"509":[420],"510":[421],"511":[422],"512":[423],"513":[424],"514":[425],"515":[426],"516":[427],"517":[428],"518":[429],"519":[430],"520":[431],"522":[432],"523":[433],"524":[434],"525":[435],"526":[436],"527":[437],"528":[438],"529":[439],"530":[440],"531":[441],"532":[442],"533":[443],"534":[444],"535":[445],"536":[446],"537":[447],"538":[448],"539":[449],"540":[450],"541":[451],"543":[452],"544":[453],"545":[454],"547":[455],"548":[456],"549":[457],"550":[458],"551":[459],"552":[460],"553":[461],"556":[462],"557":[463],"558":[464],"559":[465],"562":[466],"563":[467],"564":[468],"565":[469],"566":[470],"567":[471],"568":[472],"569":[473],"570":[474],"571":[475],"572":[476],"574":[477],"575":[478],"576":[479],"577":[480],"578":[481],"579":[482],"580":[483],"582":[484],"583":[485],"584":[486],"585":[487],"586":[488],"588":[489],"589":[490],"590":[491],"591":[492],"592":[493],"594":[494],"595":[495],"596":[496],"597":[497],"598":[498],"599":[499],"600":[500],"601":[501],"602":[502],"605":[503],"609":[504],"610":[505],"611":[506],"612":[507],"614":[508],"615":[509],"616":[510],"619":[511],"622":[512],"623":[513],"624":[514],"625":[515],"626":[516],"627":[517],"628":[518],"629":[519],"630":[520],"631":[521],"633":[522],"634":[523],"635":[524],"637":[525],"638":[526],"639":[527],"640":[528],"641":[529],"642":[530],"643":[531],"644":[532],"645":[533],"646":[534],"647":[535],"648":[536],"649":[537],"650":[538],"651":[539],"652":[540],"653":[541],"654":[542],"655":[543],"656":[544],"658":[545],"659":[546],"660":[547],"661":[548],"662":[549],"663":[550],"664":[551],"665":[552],"666":[553],"667":[554],"668":[555],"669":[556],"670":[557],"671":[558],"672":[559],"673":[560],"676":[561],"677":[562],"678":[563],"679":[564],"680":[565],"681":[566],"682":[567],"683":[568],"684":[569],"685":[570],"686":[571],"687":[572],"688":[573],"689":[574],"690":[575],"691":[576],"694":[577],"695":[578],"696":[579],"697":[580],"699":[581],"700":[582],"701":[583],"702":[584],"703":[585],"705":[586],"706":[587],"707":[588],"709":[589],"710":[590],"711":[591],"712":[592],"713":[593],"714":[594],"715":[595],"716":[596],"717":[597],"718":[598],"719":[599,600],"720":[601],"721":[602],"723":[603],"726":[604],"727":[605],"728":[606],"729":[607],"730":[608],"731":[609],"732":[610],"733":[611],"734":[612],"735":[613],"736":[614],"737":[615],"738":[616],"740":[617],"743":[618],"746":[619],"747":[620],"748":[621],"749":[622],"750":[623],"753":[624],"754":[625],"755":[626],"756":[627]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح العقيدة الطحاوية\nللإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي\nوالمسمى بـ «إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل»\nشرحها فضيلة الشيخ العلامة\nصالح بن عبد العزيز آل الشيخ\nوزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد\nحفيد مفتي الديار السعودية\nوسليل شجرةٍ مباركة حَمَلَت راية التوحيد والدعوة ابتداءً من أصلها المبارك الإمام المجدد\nمحمد بن عبد الوهاب ﵀\n\nقال سماحته «والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يُخَلِّصَ نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة» .\n\nبدأ فضيلته بشرحها في مدينة الرياض يوم السبت ١٣ ذي القعدة ١٤١٧هـ","vol":"1","page":1},{"text":": [[الشريط الأول]]:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة:</span>\n\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُوًا أحد، واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ﷾ وتقدس وتعاظم ربنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبد الله ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:\nفهذا الدرس شروعٌ في شَرْحِ مُخْتَصَرٍ في العقيدة؛ مُخْتَصَرٍ مهمّ لأنَّ أهل العلم يُحَبِّذُونَ إقْرَاءَهُ وشرحه ويؤكدون على أهمية ما اشتمل عليه من مسائل الاعتقاد بلفظٍ مُوجَز وبيانٍ حَسَنْ.\nوهذه العقيدة التي نبتدئ شرحها في هذه الدروس هي عقيدة العالم المحدِّث: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة ٣٢١هـ، وهي المسماة بالعقيدة الطحاوية نسبةً إليه.\nوهي عقيدةٌ موافقة في جُلِّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، كما سيأتي في بيانه إن شاء اللهُ تعالى.\nوهذه العقيدة الطحاوية ذَكَرَ عددٌ من أهل العلم أنَّ أتْبَاعَ أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المُتَّفَقِ عليه بين أهل العلم، وذلك في الإجمال لأنَّ ثَمَّ مواضع اُنتُقِدَت عليه كما سيأتي بيانه.\nوأبو جعفر الطحاوي من علماء الحديث المعروفين ومن الفقهاء المشهورين أيضًا، وكان شافعيًا تَفَقَّهَ على المُزَنِي ﵀ تلميذ الشافعي، ثم انتقل في الفروع من مذهب الشافعية إلى مذهب الحنفية فصار في المذهب حنفي المذهب إلا أنَّهُ لا يتعصب لقول أبي حنيفة ولا يُقَلِّدُهُ؛ بل صنيع العلماء المحققين أنْ يتابعه فيما ظهر فيه الدليل وأن يأخذ بالدليل إذا خالف قول الإمام.\nوجرت مناظرة في ذلك، أو جرى حوارٌ في ذلك بين الطحاوي وبين أحد العلماء في مصر من الحنفية، فقال الطحاوي في مسألة بغير قول الإمام أبي حنيفة، فذاك قال له: ألست من أتباع أبي حنيفة؟\nقال: بلى، ولكني لا أقَلِّدُهُ؛ لأنَّهُ لا يُقَلِّدُ إلا عصبي - يعني متعصبًا -.\nفقال الآخر وغبي أيضًا - يعني لا يقلد من أهل العلم إلا عصبيٌ أو غبي -.\nفصارت الكلمة مثلًا في مصر تداولها الناس في مقولة هذين العالمين، وذلك يدل على تحرّي أبي جعفر الطحاوي للحق وعلى ابتغائه له.\nوهو في الفروع كما ذكرنا حنفي المذهب، وأما في الأصول ففي الجملة هو على مذهب أهل السنة والجماعة أتباع أهل الحديث والأثر إلا في مسائل تَبِعَ فيها مُرجئة الفقهاء.\nوفي جُمَلِ كلامه في هذه العقيدة يوافق معتقد السلف إلا في المواضع التي ذكر فيها مسألة الإيمان في تعريفه حيث قال (والإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان) وقال (وأهله في أصله سواء) وهذه من مقالة المرجئة، وقد ذكر هو في صدر عقيدته هذه أنَّ هذا الُمعتَقَد الذي كتبه هو اعتقاد أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وهذا ظاهر فيما ذَكَرَ من مسألة الإيمان.\n* فنقول: هذا الكتاب -كما سيأتي- كتابٌ مشتملٌ على أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بعبارةٍ حسنة جيدة وبتقريرٍ لها طيِّب، إلا في مسائل انتُقِدَتْ عليه.\nولهذا كان بعض مشايخنا عافاهم الله وخَتَمَ لهم برضاه يقول: هذه عقيدة الطحاوي ولا يقال هذه عقيدة أهل السنة والجماعة إذا أُرِيدَ الجميع، لأنّه ثَمَّ مسائل خالف فيها معتقد أهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر في الأصول وفي التعبير عن الاعتقاد كما سيأتي بيانه.\nوهذه العقيدة اهتَمَّ بها علماؤنا لأجْلِ شَرْحِهَا العظيم؛ وهو شَرْحُ ابن أبي العز الحنفي من تلامذة الحافظ ابن كثير صاحب شرح العقيدة الطحاوية المشهور بينكم.\nعلى أنَّ هذه العقيدة لها شروحٌ كثيرة، فالماتريدية شَرَحُوهَا بشروحٍ متنوعة، ووجَّهُوا الكلام فيها على معتقد أتباع أبي منصور الماتريدي.\nولكن شرح ابن أبي العز وجَّهَهَا توجيهًا سلفيا تابِعًَا فيه طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية وطريقة ابن القيم - رحمهما الله تعالى - وأجاد في ذلك بحيث صار هذا الشرح مرجعًا في علم الاعتقاد بعامة، ودافع الشارح عن المصَنِّفْ الطحاوي في مواضع مما عبَّرَ فيه بغير ما ينبغي من التعبير أو فيما قرَّرَهُ في مسألة الإيمان، بما هو معروفٌ في موطنه وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى عند التعرض لعبارات المصنف.\nهذا الكتاب أو هذه الرسالة والنبذة؛ العقيدة الطحاوية فيها كما ذكرنا ذِكْرُ الاعتقاد بعامة ولكنَّهُ أُخِذَ عليه أنه لم يُرَتِّبْهُ، ولهذا وقع الكلام على الصفات مُفَرَّقًا، ووقع الكلام على القدر مُفَرَّقًَا، ووقع الكلام على الإيمان مُفَرَّقًا، وهكذا في نظائر هذه المسائل.\nفهي كانت شبيهةً بالإملاء على ما جاء في قلب المؤلف ﵀ وأجزل له المثوبة - دون ترتيبٍ علميٍ يجمَعُ المسائلَ بعضَهَا إلى بعض؛ يجمع النظير إلى نظيره، والشبيه إلى شبيهه.","vol":"1","page":2},{"text":"ولهذا وَقَعَ كلام الشارح علي بن علي بن أبي العز الحنفي وقَعَ كذلك تَبَعًا للأصل غير مرتَّبْ.\nوذَكَرَ في أواخر شرحه أنه تَمَنَّى أنْ لو رَتَّبَ هذا الشرح على ترتيب أركان الإيمان، ثم ما يتصل بذلك من الكلام، ليكون أبلغ في الانتفاع؛ فيجعل الكلام في الألوهية مُتَتَابِعًَا، والكلام في الصفات مُتَتَابِعًَا، والكلام في الإيمان مُتَتَابِعًَا، وفي القدر مُتَتَابِعًَا، وفي النبوات مُتَتَابِعًَا إلى آخر ذلك.\nوهذا لو حصل لكان أنفع وأدعى لاستحضار شرح تلك المسائل.\nهذه العقيدة أيضا على جلالتها ووَجَازَةِ ألفاظها تحتملُ شرحًا طويلًا كما صنع الشارح ابن أبي العز الحنفي، وتَحْتَمِلُ شَرْحًَا متوسطًا، وتحتمل شرحًا مُخْتَصَرًَا، ولما كُنَّا قد شرحنا عددًا من كتب العقيدة في سِنِيِّنَا التي مَرَّتْ، رأيت -والتوفيق بيد الله - ﷿ - أن أجعل الكلام عليها ليس على طريقة الشارح في الاستطراد في ذكر الشرح وإدخال المسائل بعضها في بعض، ولكن على طريقةٍ مرتبة متعلقة:\n- أولا: بألفاظ المُصَنِّفْ.\n- ثانيًا: بالمسائل التي أورَدَهَا المُصَنِّفْ.\n- وثالثا: بتحقيق القول في أنَّ ما ذَكَرَهُ هو مذهب أهل السنة والجماعة.\n- ورابعا: في أدلة ما ذكره من المسألة.\n- خامسا: في ذِكرِ تفريعاتِ تلك المسألة على اعتقاد أهل الحديث والأثر.\n- وسادسًا: في ذِكر الأقوال المخالفة؛ أقوال أهل الفِرَقْ، وأدلَّتِهَا والرد عليها.\nوكما تنظر في هذا التقسيم يحتمل تطويلًا كبيرًا، ويحتمل توسطًا، ويحتمل اختصارًا.\nفأسأل الله - ﷿ - أن يوفقني لما ينفعكم وأن ينفعكم بما تسمعونه إن شاء الله وأرجوا أن يكون منكم الاجتهاد في متابعة الشرح والتَّفْرِيْعْ على هذه المسائل من جهة النظر في الشروح، وكلام شيخ الإسلام وابن القيم وأئمة الدعوة رحمهم الله تعالى جميعا؛ لأنَّ في بحثك بعد الدرس ومراجعتك للدرس ما يُؤَكِّدُ هذه المسائل ويُبَيِّنُهَا، لأنَّ التطويل والتفصيل قد يُذهِبُ بَعضُه بعضًا عند المبتدئ والمتوسط، لكن إذا راجعت وأكدت على نفسك بالمراجعة المستمرة الأسبوعية كان في ذلك إن شاء الله تعالى خير كثير واستحضارٌ لتلك المسائل.\nاللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك فهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا، اللهم لا يسير إلا ما يَسَّرْتْ، ولا سَهْلَ إلا ما جعلته سَهْلًَا، أنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.\nاللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وسددنا في القول والفهم والعمل إنك على كل شيء قدير. نعم","vol":"1","page":3},{"text":"قَالَ الْعَلَّامَةُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ الطَّحَاوِيُّ -بِمِصْرَ﵀:\nهَذَا ذِكْرُ بَيَانِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، عَلَى مَذْهَبِ فُقَهَاءِ الْمِلَّةِ: أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ الْكُوفِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- وَمَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَيَدِينُونَ بِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ.\n_________\nهذه المقدمة اشتملت على مسائل:\n[المسألة الأولى]:\nأنَّ هذه عقيدة، والعقيدة فَعِيلَة بمعنى مَفْعُولْ؛ يعني مَعْقُودًَا عليه.\nوالمسائل منقسمة إلى أخبار وأحكام كما قال - ﷿ - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] .\nتمت كلمة الله على هذين القسمين: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي.\nوالأخبار يجب تصديقها.\nفما كان مرجعه إلى التصديق والإيمان به ولا دخل للعمليات به فإنه يُسَمَّى عقيدة؛ لأنّ مرجعه إلى علم القلب.\nفسُمِّي هذا عقيدة لأنه معقودٌ عليه القلب - يعني كأنَّهُ دخل إلى القلب فعُقِدَ عليه فلا يخرج منه من شدة الاستمساك به ومن شدة الحرص عليه - لأنْ لا يخرج أو ينفلت.\nوهذا اللفظ لفظ (العقيدة) كما ذكرتْ راجعٌ إلى علم القلب؛ لأنه هو الذي يُعْقَدُ الشيء الذي فيه، وأمَّا العمليات فهذه من الإيمان -كما هو معروف- لكن مورِدُهُا عمل الجوارح، لذلك لم تدخل في العقيدة.\nوهناك ألفاظ مرادفة للعقيدة للدلالة على ما ذكرنا وهي: التوحيد، السنة، الشريعة، وأشباه ذلك:\n- فمنها ما يكون مختصًّا بالعقيدة كالتوحيد.\n- ومنها ما يكون لها ولغيرها كالسنة والشريعة، فإنَّ لفظ الشريعة يشمل العقيدة أيضًا؛ لأنَّ الله ﷿ بَيَّنَ لنا أنَّ الأنبياء اجتمعوا على شريعةٍ واحدة فقال - ﷿ - ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فهذه شريعةٌ أُجْمِعَ عليها بين المرسلين، والمقصود بها التوحيد والعقيدة الواحدة.\nوتأتي الشريعة ويُرَادُ منها العمليات كما قال - ﷿ - ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، وكما ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال (الأنبياءُ إِخْوة لعَلاّتٍ الدين واحد والشرائع شَتّى) (١) .\nنخْلُصُ من ذلك إلى أنَّ التصانيف في العقيدة قد تكون باسم: العقيدة أو باسم التوحيد أو باسم السنة أو باسم الشريعة كما هو موجودٌ فعلًا في تصانيف أئمة أهل السنة والجماعة.\n_________\n(١) البخاري (٣٤٤٣) / مسلم (٦٢٧٩)","vol":"1","page":4},{"text":"[المسألة الثانية]:\nقوله (أهلُ السنَّة والجماعة) أهل السنة والجماعة، هذا لفظٌ أُطْلِقَ في أواخر القرن الثاني الهجري على أتْبَاعِ الأثر والمخالفين للفِرَقْ المختلفة الذين خرجوا عن طريقة الصحابة والتابعين.\nوأول من استعمله بعض مشايخ البخاري - رحمهم الله تعالى - وجَمَعَ بين لفظين، بين (السنة) و(الجماعة)؛ لأنَّ هناك من يدَّعِي اتّباع السنة ولكنه لا يكون مع الجماعة، وهناك من يدعو إلى الجماعة بلا اتِّبَاعِ سنة.\nفصارت طريقة أهل الحديث والأثر أتباع السلف الصالح مشتملة على شيئين: اتِّبَاعْ السنة والجماعة.\nوكلٌ منهما في الحقيقة لازمٌ للآخر، فاتّباع السنة هو اتّباع الجماعة، واتّباع الجماعة هو اتّباع السنة، وذلك لأنَّ النبي ﷺ صَحَّ عنه في الحديث الذي في السنن أنه قال (وَسَتَفْتَرِقُ هذه الأمَّة عَلَى ثلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً. كُلّهَا فِي النّارِ، إِلاّ وَاحِدَةً. وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) (١) .\nفصارت الفِرَقْ في النار؛ يعني مُتَوَعَّدَةْ بدخولها في النار، والناجية فرقة واحدة هي الجماعة، وهم المتبعون للسنة الممتثلون لقول النبي ﷺ (عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الْخُلفَاء الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيين مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكوا بها، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) (٢) ... الحديث.\nوإذا أُفْرِدَ أهل السنة فقد يُطْلَقُ ويُرَادُ بهم ما يقابل الرافضة والشيعة.\nلأنَّ لفظ (أهل السنة) يطلق ويراد به ما يخالف التَّشيُّع، ويُطلق ويراد به أهل الحديث والأثر.\nولهذا زادوا على السنة (الجماعة)، مع أنَّ كلًا منهما ملازمٌ للآخر لأجل أن يكون هناك تحديد في الإطلاق، فيكون المراد بالإطلاق ما يخالف الفرق كلها: الرافضة والخوارج والجهمية، المرجئة والقدرية، والجبرية إلى آخر أصول الفرق.\nوقد ذكرنا لكم في أول شرح الواسطية تفصيل معنى أهل السنة والجماعة، ومعنى الجماعة؛ وجماعة الدين وجماعة الأبدان بما يُرجع في ذلك إليه.\n_________\n(١) أبو داوود (٤٥٩٦) / الترمذي (٢٦٤٠) / ابن ماجه (٣٩٩٣)\n(٢) أبو داوود (٤٦٠٧) / الترمذي (٢٦٧٦) / ابن ماجه (٤٢)","vol":"1","page":5},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنّ هذه العقيدة التي ذكرها الطحاوي - ﵀ - بُنيت على مذهب فقهاء الملة:\nأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن.\nوهؤلاء عند أهل الحديث والأثر وافقوا السنة والجماعة في أكثر المسائل، لكنَّهُم خالفوهم في أصلٍ عظيمٍ من أصول الدين ألا وهو الإيمان، ولهذا أُطْلِقَ عليهم مرجئة الفقهاء.\nفهُم مرجئة لأنَّ كلامهم في الإيمان كلام المرجئة لأنهم أرجَؤُوا العمل عن مسمى الإيمان، وقالوا (إنّ أهله في أصله سواء)، وقيل لهم مرجئة الفقهاء؛ لأنهم فقهاء، اشتهروا بذلك.\nفإذن يظهر من هذا التقديم أنَّ هذا المُؤَلَّفْ مبنِيٌّ على كلام أهل السّنة والجماعة بعامة، وعلى مذهب مرجئة الفقهاء في الإيمان بخاصة.\nوهذا هو الواقع فِعلًا؛ فإنَّ كلامه في الإيمان هو كلام المرجئة.\nفإذًا قوله (أهل السنة والجماعة) يُدخِل فيهم المرجئة؛ مرجئة الفقهاء.\nوهذا منه يدل على أنَّ مدلول (أهل السنة والجماعة) يشمل أهل الحديث والأثر ويشمل الماتُريدية والأشاعرة، وهذا باطل.\nوهذا القول صَرَّحَ به بعض الشُّرَّاحْ من المتقدمين ومن المتأخرين كالسَّفَّاريني في (لوامع الأنوار) (١) حيث قال في فصلٍ له (اعلم أنَّ أهل السنة والجماعة ثلاث طوائف؛ أهل الحديث والأثر والأشاعرة والماترودية) .\nوهذا باطِلٌ؛ لأنَّ أهل السنة والجماعة هم الذين أخذوا بالسنة والجماعة في كل أصول المسائل.\nوأعظم المسائل التي حصل فيها الاختلاف أولًا هي مسألة الإيمان ومسائل الأسماء والأحكام، فخالَفَ فيها الخوارج، كما هو معلوم، ثم تَبِعَ ذلك ظهور المرجئة إلى آخر ما حصل.\nفإذًا هذه المسألة -مسألة الإيمان- من مسائل الأصول العظيمة فلا يكون من نفاها -يعني من نفى دخول العمل في مسمى الإيمان- على طريقة أهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر؛ لمخالفة قولهم للنصوص الكثيرة الدالة على أنَّ العمل من الإيمان كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) لوائح الأنوار البهية. كما في المنجد في اللغة والأعلام.","vol":"1","page":6},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nقوله (وما يعتقدون من أصول الدِّين) هذه الكلمة (أصول الدِّين) يُعبَّرُ بها عن العقيدة لأنَّ التعبير عن العقيدة صار فيه اشتراك.\nفيُعَبَّر عنها -عن العقيدة- عند أهل الحديث بما ذكرنا لك من العبارات: العقيدة، السنة، التوحيد، الشريعة، وعَبَّرَ عنها المخالفون بِعِلْمِ الكلام.\nوالذين تركوا الفلسفة وما أصَّلَهُ علماء الكلام في بيان العقيدة إلى ما دَلَّ عليه كلام مُعَظَّمِيهم كالأشعري والماتريدي عَدَلُوا عن (علم الكلام) إلى (أصول الدين) .\nلأنَّ كلمة أصول الدين فيها مخالفة للفظ علم الكلام المذموم، وفيها تَوَسُطْ ما بين الألفاظ الشرعية (السنة، العقيدة، التوحيد، الشريعة) وما بين قولهم: علم الكلام.\nفأَتوا بهذا اللفظ الذي هو بيْن اللفظين.\nولهذا نقول هذا اللفظ إن كان دليله ومَأخَذُهُ هو مَأْخَذْ التوحيد والسنة والعقيدة والشريعة فلا بأس باستعماله، ولهذا يستعمله أهل السنة والجماعة، ويريدون به المعنى الصحيح وهو أنَّ (أصول الدين) المقصود بها أصول الإيمان الستة وما يَنْدَرِجُ في ذلك من المسائل الأصلية والتّبَعِيَّة.\nفكلمة (أصول الدين) كلمة مُرَكَّبَة مُضَافَةْ، ولذلك يقولون هي مُرِكَّبٌ إضافي؛ أُضيف فيه الأصل إلى الدين.\nو(أصول الدين) كلمة معناها العقيدة.\nيريدون بكلمة (أصول) ما يخالف الفروع وهي العمليات.\nوإذا كان اللفظ محدثا أو مُصطَلحًا عليه فنقول لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح إذا كان لم يختص به أهل البدع، فاستعمله طائفة من علماء الحديث والسنة ويعنون به ما دلت عليه الألفاظ الشرعية؛ العقيدة، السنة، التوحيد، الشريعة.\nفإذن (وما يعتقدون من أصول الدين) يعني المقصود بها أصول الإيمان المعروفة، وما يتصل بذلك من مباحث، وما خالف فيه أهل السنة أهل البدعة.","vol":"1","page":7},{"text":"نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ -مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ- إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ.\n_________\nقوله (نقُولُ) هذا لأنه لا يُكْتَفَى في الاعتقاد باعتقاد القلب؛ بل لا بد من قول اللسان.\nوأعظم قول اللسان وكافِيْهْ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لأنَّ العقيدة الصحيحة اعتقادٌ بالجنان، وقولٌ باللسان حتى يكون الإيمان صحيحًا، ثم امتثال العمليات في الأمر والنهي.\nوقوله (مُعتَقدينَ) هذه حال من (نقُولُ) يعني أقول حَالَةَ كوني معتقدا هذا الكلام، عاقدا عليه قلبي، غير متردد فيه ولا مرتاب.\nفـ (مُعتَقدينَ) ولو تأخرت فهي حال من الضمير في (نقُولُ) .\nوقوله (بتوفيق الله) هذه استعانة بالله - ﷿ - أنْ يوفقه في القول الحق في ذلك.\nوالتوفيق اختلفت فيه التفسيرات بما سيأتي بيانه إن شاء الله مفصلًا في ذكر مسائل القدر، فأهل السنة لهم تفسير للتوفيق وللخذلان، وأهل البدع كلٌ له مَشْرَبُه في تفسير التوفيق والخذلان.\nقال (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله: إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) اشتملت هذه الجملة على ذِكر التوحيد وعلى تفسيره.\nوكلمة (التوحيد) هذه مصدر: وَحَّدَ، يُوَحِّدُ، تَوْحِيدًا؛ يعني جَعَلَ الشيء واحداُ.\nقد جاء في السنة عن النبي ﷺ أنه قال في حديث معاذ (إنّك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أنْ يوحدوا الله) (١)، وجاء أيضا في قول الصحابي ﵁ (فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد) (٢) في قوله لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك -التلبية المعروفة في أول الحج-، (فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد)، فإذًا كلمة (التوحيد) جاءت في السنة.\nومعنى التوحيد كما ذكرنا جعل الشيء واحدًا في اللغة، فتوحيد الله معناه أنْ تجعل الله واحدًا.\nواحِدْ فيما وحَّدَ الله - ﷿ - نفسه فيه فيما دلت عليه النصوص.\nوالنصوص دلَّت على أنَّ الله واحدٌ في ربوبيته، واحدٌ في إلهيته، واحدٌ في أسمائه وصفاته.\nفالتوحيد إذًا في الكتاب والسنة راجع إلى توحيد الربوبية، توحيد الإلهية، توحيد الأسماء والصفات، وهذا على التقسيم المشهور.\nوقَسَمَهُ بعض أهل العلم إلى تقسيمٍ آخر وهو أنَّ توحيد الله ينقسم إلى قسمين؛ ينقسم:\n- إلى توحيدٍ في المعرفة والإثبات.\n- وإلى توحيدٍ في القصد والطلب.\nوعَنَى بقوله (في المعرفة والإثبات) في معرفة الله - ﷿ - بأفعاله، وهذا هو الربوبية و(الإثبات) له فيما أثبت لنفسه، وهذا هو الأسماء والصفات.\nوقوله (في القصد والطلب) وهو توحيد الإلهية.\nوتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات جاء في عبارات المتقدمين من أئمة الحديث والأثر، فجاء عند أبي جعفر الطبري في تفسيره وفي غيره من كتبه، وفي كلام ابن بطة، وفي كلام ابن منده، وفي كلام ابن عبد البر، وغيرهم من أهل العلم من أهل الحديث والأثر، خلافًا لمن زعم من المبتدعة أنَّ هذا التقسيم أحدثه ابن تيمية، فهذا التقسيم قديم يعرفه من طالع كتب أهل العلم التي ذكرنا.\nإذا تقرر ذلك:\nفمعنى توحيد الربوبية: اعتقاد أنَّ الله واحدٌ في أفعاله سبحانه لا شريك له.\nوأفعال الله - ﷿ - منها خَلْقُه سبحانه، ومنها رَزْقُهُ وإحياؤه وإماتته وتدبيره للأمر وإغاثته للناس ونحو ذلك\nيعني أنَّ توحيد الربوبية راجعٌ إلى أفراد الربوبية التي هي السيادة والتصرف في الملكوت.\nفكل ما رَجَع إلى السيادة والتصرف في الملكوت رجع إلى توحيد الربوبية.\nفالإيمان بتوحيد الربوبية معناه أنَّهُ إيمانٌ بأنَّ الله وحده لا شريك له هو المتصرف في هذا الملكوت أمْرًَا ونهيًا، هو الخالق وحده، وهو الرَّزَاقُ وحده، وهو المحيي المميت وحده، وهو النافع الضار وحده، وهو القابض الباسط وحده في ملكوته، إلى آخر مفردات الربوبية، كما قال - ﷿ - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١]، فأثبت أَنَّهُم أقروا بالرُّبُوبِيَّة، وأنْكَرَ عليهم أنهم لم يتقوا الشرك به وتَرْكَ توحيد الإلهية.\nوتوحيد الإلهية: هو توحيد الله بأفعال العبيد.\nالتوحيد في القصد والطلب؛ بأن يُفْرِدَ العبد ربه - ﷿ - في إنابته وخضوعه ومحبته ورجائه، وأنواع عبادته من صلاته وزكاته وصيامه ودعائه وذبحه ونذره إلى آخر أفراد العبادة بما هو معلوم في توحيد الإلهية.\n_________\n(١) البخاري (١٤٩٦) / مسلم (١٣٠)\n(٢) مسلم (٣٠٠٩) / ابن ماجه (٣٠٧٤)","vol":"1","page":8},{"text":"وتوحيد الأسماء والصفات: هو جعل الله - ﷿ - واحدًا لا مِثْل له في أسمائه وصفاته كما قال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وكما قال ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وكما قال - ﷿ - ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] .\nإذًا قوله (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله) هنا ذَكَرَ التوحيد لأنَّ الخلاف قائمٌ فيه:\n- ففي الربوبية قام الخلاف مع الدُّهْرِيَةْ والفلاسفة الذين يقولون: إنَّ هذا العالمَ قديم لم يزل، وأنه ليس له خالق، بل وُجِدَ هكذا العالم باتفاق، وغير ذلك من مقالات نُفاة الرب - ﷿ -.\nوكذلك مخالفة للذين جعلوا الله ربًا ولكن جعلوا معه شريكًا في الربوبية، وهم طوائف من الملل مختلفة، وفي هذه الأمة دَخَلَ ذلك في قول غلاة المتصوفة الذين يقولون:\nإنَّ لهذا العالم فيه من يتصرف فيه من الأولياء والأقطاب الذين لكل بلد قطب يمنع ويعطي فيها ويرزق ويحيي ويميت، إلى آخر ما يعتقدون فيه.\n- في الإلهية ثَمَّ من خالف.\n- في الأسماء والصفات ثَمَّ من خالف كما سيأتي تفصيله.\nهنا سؤال: وهو أنه قَدَّمَ القول في الاعتقاد في الله - ﷿ -، لم؟\nوالجواب عن ذلك أنه قدَّم ذلك لأمرين:\n- الأمر الأول: أنّ الإيمان بالله مُقَدَّمٌ على غيره من أركان الإيمان كما قال - ﷿ - ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]، فَقَدَّمَ الإيمان بالله على غيره، وكما في قوله - ﷿ - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٧٥]، وقول النبي ﷺ في حديث جبريل المعروف (الإيمان أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلهِ وَاليَوْمِ الآخِر، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ) (١) .\n- الأمر الثاني: أنَّ الاعتقاد في الله - ﷿ - هو أصل الإيمان، وبه يصير المرء مؤمنًا، بالاعتقاد في الله - ﷿ - بالوحدانية بما دَلَّتْ عليه شهادة أن لا إله إلا الله وأَنَّ محمدا رسول الله، وأَنَّ ذلك هو أول واجبٍ على العبيد.\nوفي هذا مخالفة للذين زعموا أنَّ أول واجبٍ على العبد -ويقدمونه في عقائدهم- أن يَعْرِفَ الله، أو أَنْ يستدل على معرفة الله، أو ما يسمونه بالنظر للتوحيد أو للمعرفة، أو بالقصد إلى النظر.\nفلما كان أول واجب هو التوحيد قَدَّمَه، مخالَفَةً لمن قال إنَّ أول واجب هو أَنْ تنظر في الدلائل وفي الملكوت لمن كان أهلًا لذلك.\nقال (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ)، (إنَّ الله واحدٌ)، لفظ (واحدٌ) هذا من أسماء الله الحسنى، كما قال الله - ﷿ - ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:٤]، وأيضا من أسمائه الحسنى الأحد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] .\nو(واحدٌ) يعني أنه لا شريك له، ولذلك كانت كلمة (لا شريكَ لَهُ) هذه مؤكِّدَة تأكِيْدًَا بعد تأكيد.\nقال الحافظ ابن حجر وغيره في قوله (واحدٌ لا شريكَ لَهُ) هذا تأكيد بعد تأكيد لبيان عِظَمِ مقام التوحيد.\nوكلمة (واحدٌ) هذه راجعة عند أهل الاعتقاد إلى أَحَدِيَّتِه سبحانه.\nونقول الصحيح أنه لا فرق بين واحد وأحد.\nوالمتكلمون يُفَرِّقُونَ ما بين الواحد والأحد؛ أو واحد وأحد، فيُرْجِعُون الوَاحِدِيَّةْ للصفات، والأَحَدِيَّة للأفعال.\nلكن الصحيح أنَّ اسم الله - ﷿ - الواحد يرجع إليه أَحديته سبحانه في الذات وفي الصفات وفي الأفعال؛ في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.\nقوله (شريكَ لَهُ) هذا تفسير لـ (واحدٌ) وتأكيدٌ له.\nولهذا دلَّ قوله (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) على أَنَّ التوحيد أعظم ما يُفَسَّرُ به نَفْيُ الشريك عن الله - ﷿ -، (نقُولُ في تَوحيدِ الله إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) فالتوحيد يُفسَّر بِضِدِّهِ وهو نفي الشرك كما قال الشاعر:\nفالضد يظهر حسنه الضد ****** وبضدها تتبين الأشياء\nفقد لا يستقيم معرفة التوحيد بتفاصيله إلا بالإيقان بِنَفْيِ الشرك بأنواعه.\nلهذا نقول هنا قوله (لا شريكَ لَهُ) هذا عام يشمل نفي الشريك في الربوبية، ونفي الشريك في الألوهية، ونفي الشريك في الأسماء والصفات.\n١ - النوع الأول من أنواع نفي الشريك في قوله (لا شريك له) نفي الشريك لله في ربوبيته:-\nوالشَّرِكَة في الربوبية راجِعَةْ إلى جعل المخلوق له من صفات الرب - ﷿ - في صفات الربوبية؛ يعني أنْ يَجْعَلَ للمخلوق تصرفًا.\nإذا جعل للمخلوق تصرفًا في الكون مما يختص به الله - ﷿ -، فهذا ادِّعَاءٌ للشريك معه في الربوبية.\nأو أن يعتقد أنَّ الله معه مُعِينٌ أو ظهير أو وزير.\n_________\n(١) البخاري (٥٠) / مسلم (١٠٢)","vol":"1","page":9},{"text":"وهذا كله منفي، وكل هذا داخل في الاشتراك في الربوبية، كما قال - ﷿ - ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبإ:٢٢]، فذكر أنواع الاشتراك في الربوبية:\n- إما شَرِكَةْ مستقلة ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني استقلالًا.\n- أو معاونة.\n- أو اتخاذ ظهير ووزير لله - ﷿ -.\nوهذه المعتقدات موجودة في طوائف من هذه الأمة.\nوالإيمان بتوحيد الربوبية ونَفْيِ الشَّرِكَةْ في الربوبية على درجتين:\nأ - الدرجة الأولى: واجبة على كل مُكَلَّف، ومن لم يأتِ بها فليس بموحّد، بل هو مشرك، وهو ما ذكرنا من الاعتقاد بأنَّ الله واحدٌ في ربوبيته؛ في أفعاله سبحانه، فهو الخالق وحده، وهو الرزّاق وحده، وهو المحيي المميت وحده، وهو النافع الضار وحده - ﷿ -، وهو مُدَبِّرُ الأمور وحده، وهو خالق الخَلق وحده، إلى آخر أفراد ذلك، وهذه واجبة على كل أحد.\nب - الدرجة الثانية: وهي مرتبةٌ للخاصة وأهل العلم وهي شهود آثار الربوبية في خَلْق الله - ﷿ -، وهذه بحيث لا يَرَى غير الله - ﷿ - مُؤَثِرًا في هذا الملكوت، ولو كان تأثير معلولات عن عِلَلْ، أو تأثير مُسَبَّبَاتْ عن أسباب، فإنّه يَرَى أنْ لا مؤثر في الحقيقة ولا خالق إلا الله - ﷿ -، وينظر لذلك في الملكوت متفكرًا، متدبرًا.\nوهذه حال الخاصة وهي مستحبة، وهي لأهل العلم ولأهل الإيمان، وليست واجبة على كل أحد، كما قال سبحانه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران:١٩٠-١٩١]، وكما وصف الله - ﷿ - بعض عباده بالتفكر والنظر والتدبر في خلق الله - ﷿ -، بل أمر بذلك في بعض الآيات بقوله ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١]، وكقوله ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ [الأعراف:١٨٤]، وكقوله - ﷿ - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبإ:٤٦]، فهذا التَّفَكُرْ في ربوبية الله - ﷿ -، في خلق الله يدل على توحيده في الربوبية، وهو حال الخاصة، كما قال الحسن البصري ﵀ (عاملنا القلوبَ بالتفكر فأورثها التذكر، فرجعنا بالتذكر على التفكر، وحركنا القلوب بهما، فإذا القلوب لها أسماع وأبصار) (١) .\nوهذه عند أهل البدع وأهل الكلام مطلوبة وواجبة لمن كان أهلًا لها.\nفيوجِبُونَ النظر، ويوجبون التفكر، ولا يصح إيمان أحدٍ - عند طائفة منهم- ممن كان أهلا للنظر إلا بالنظر.\nفلو مات المتأهل للنظر من غير نَظَرٍ لم يكن مؤمنا بربوبية الله - ﷿ -، وإنْ كانت تجري عليه أحكام أهل الإسلام في الدنيا فإنهم لا ُيجرُونَ عليه أحكام أهل الإسلام في الآخرة على تفصيل مذهب أهل الكلام في ذلك.\n٢ - النوع الثاني من أنواع نفي الشريك في قوله (لا شريك له) نفي الشريك لله في إلهيته:-\nوالإلهية معناها العبادة، يعني لا شريك له في عبادته، كما دلت عليها كلمة التوحيد (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) .\nفيعتقد أنَّ الله - ﷿ - ليس معه إله يستحق العبادة، وأنّ كل من أُدُّعِيَ فيه الإلهية وأنه يُعْبَدْ، فإنما عُبِدَ بالبغي والظلم والعدوان والتعدي.\nوكل من أشرك بالله - ﷿ - فهو ظالمٌ أبشع الظلم وأكبر الظلم؛ لأنه سبحانه توعَّد أهل الشرك بالنار، بل أوجب لهم النار في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وكما قال المسيح ﵇ ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] .\nلبيان هذا التوحيد وما يتصل به كتب توحيد العبادة المعروفة ومن أعظمها وأشملها كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀.\n٣ - النوع الثالث من أنواع نفي الشريك في قوله (لا شريك له) نفي الشريك لله في الأسماء والصفات:-\nوذلك بأنْ يعتقد أنَّ الله - ﷿ - لا شريك له في كيفية اتصافه بالصفات.\nيعني لا مُماثِلَ له، ولا مشابه له في كيفية اتصافه بالصفات.\n_________\n(١) يأتي ذكره (٣٣٢)\n(٢) سورة النساء في الآيتين:٤٨ و١١٦.","vol":"1","page":10},{"text":"وأنه سبحانه لا شريك له في المعنى المطْلَقْ لصفاته سبحانه ولأسمائه، ولا مُشَابِهَ له في المعنى المطلق لأسمائه وصفاته.\nوأنَّ اشتراك بعض خلقه معه سبحانه في الصفات إنما هو اشتراك في مطلق المعنى وفي أصله لا في المعنى المطلق ولا في كماله ولا في الكيفية.\nفيعتقد أنَّهُ لا شريك له في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله سبحانه، بل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\nلأجل هذا المعنى العام، عَطَفَ عليها المصنف بقوله (ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره) كما سيأتي تفصيل الكلام على هذه المسائل في ذكر معنى هذه الجُمل الثلاث.\nإذًا هذا إجمالٌ لمعنى التوحيد ونفي الشريك، ويأتي تفصيلها مع بيان كل مسألة:\nتوحيد الربوبية وأبحاثه، توحيد الأسماء والصفات وأبحاثه، توحيد الإلهية وأبحاث توحيد الإلهية.\nبَقِيَ أن نقول: إنَّ في قوله (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) إنَّ هذه العبارة (لا شريكَ لَهُ) تفسيرها على طريقة أهل السنة ذكرناها.\nوأمَّا أهل البدع فيقولون في تفسير (واحدٌ لا شريكَ لَهُ) عبارات مختلفة تجدونها في التفاسير، ويُكْثِرُ منها أهل البدع.\nفيقولون في تفسير (واحدٌ):\nواحد في ذاته لا قسيم له، وواحدٌ في صفاته لا شريك له، وواحدٌ في أفعاله لا نِدَّ له.\nوفي قولهم في أوَّلِهَا (واحد في ذاته لا قسيم له) هذه من التعبيرات المحدثة، وإن كان يمكن أن تَحْتَمِلَ معنَىً صحيحًا؛ لكن التوحيد والأَحَدِيَة تُفسَّرُ بواحديته سبحانه وأحديته في ربوبيته وإلهيته وفي أسمائه وصفاته.\nوأهل البدع في التوحيد اختلفت عباراتهم؛ وسبب اختلاف عباراتهم في التوحيد أنهم نظروا في تعريف التوحيد إلى حال النصارى وأهل الملل، فَفَسَّرُوا التوحيد بما يخالِفُ ما عليه بعض الطوائف.\nفقالوا (واحدٌ في ذاته لا قسيم له) يعني نفيا للأقانيم الثلاثة التي هي صُوَرْ لله - ﷿ - مختلفة كما هو اعتقاد النصارى أو طائفة من النصارى، وكذلك اعتقاد السِّنَوِيَّة والذين يقولون أنَّ ثَمَّ إلهين، هو إله واحد لكن له أُقنومان شيءٌ للخير وشيءٌ للشر.\nوالله - واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، واحدٌ في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ـ.\nسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لقول المخالفين في تفسير الربوبية والألوهية والأسماء والصفات فيما نستقبل إن شاء الله تعالى.\nنكتفي الليلة بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه أنْ يوفقكم لما يحب ويرضى، وأن يزيدني وإياكم من العلم النافع والعمل الصالح، وأن يختم لنا برضاه، وصلّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الأسئلة:</span>\nس١/ قد يُفهم من الدرجة الثانية من توحيد الربوبية نفي الأسباب أو آثارها؟\nج/ لا يُفْهَم ذلك؛ لأنَّ المقصود أن يرى، أن يشهد آثار الأسماء والصفات، وشُهود آثار الأسماء والصفات، هذا ليس نفيًا للأسباب، بل هو جعل الأسباب أسبابًا، وعدم مجاوزتها لكونها أسبابًا، فيرى أنّ الفاعل هو الله - ﷿ -، وأنه سبحانه أجرى الأسباب بجعلها أسبابًا، وأنْتَجَ ﷾ عنها مسبباتها، وأنَّ العِلَلْ تُنْتِجُ معلولاتها، وأنَّ المؤثرات تنتج الآثار، إلى غير ذلك مما هو معلوم من اعتقاد أهل التوحيد.\nس٢/ ما نكاد نقرأ كتابا من كتب السنة، كالسنة لعبد الله، واللالكائي، والإبانة إلا ونجد فصلًا أو بابا في طعن الأئمة في أبي حنيفة فما هو السبب؟ وما موقفنا من هذه الآثار؟\nج/ هذا كان في ذلك الزمان لأنَّ أبا حنيفة ﵀ خالف السنة والآثار في مسائل كثيرة جدًا، ورَدَّ عليه أهل السنة والحديث حتى لا يأخذ الناس بكلامه في ذلك، فالتآليف هذه لأجل انتشار مذهب الحنفية في البلاد، فكتبوا ذلك تحذيرًا من اتِّبَاعِهِ فيما أخطأ فيه، لكن لمَّا استَقَرَّتْ المذاهب، واستقرت الفرق، وصار أبو حنيفة ﵀ أحد الأئمة الأعلام الذين يشار إليهم، والذين يُتَّبعون في مسائل الفقه، ترك أهل السنة إيراد ذلك بعد نهاية القرن الخامس، واجتمعوا على عدم ذكرها، بل عَدُّوهُ من الأئمة الأعلام كما عَقَدَ ذلك شيخ الإسلام في كتابه المعروف (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وذكر منهم أبا حنيفة ﵀.\nفأخطأ هو في مسائل، وخالف السنة في مسائل، وعُدَّ من مرجئة الفقهاء، لكن ما ورد في تلك الكتب من شتمه ولعنه وسبه أو نحو ذلك، هذا تَرَكَهُ أهل السنة؛ فلم يَصِرْ من شعار أهل السنة أن يُفعَلَ ذلك، كما قرَّرَهُ الأئمة وفي كتبهم وتركوه في مؤلفاتهم بعد نهاية القرن الخامس.\nس٣/ بعض أهل العلم يقسّم التوحيد إلى أربعة أقسام: توحيد الإلهية، توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الحاكمية فهل هذا التقسيم صحيح أم لا؟\nج/توحيد الحاكمية داخِلٌ إما في توحيد الربوبية أو في توحيد الإلهية أو فيهما معًا؛ لأنَّ الله - ﷿ - جعل الحكم إليه سبحانه بقوله ﴿إِن الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (١)، وقال - ﷿ - ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ونحو ذلك من الآيات، وكقوله ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢] .\nفالحاكمية من جهة تحاكم الناس هذا فِعْلُ العبد، وفِعْلُ العبد داخلٌ في توحيد الإلهية، ولهذا أَدْخَلَ إمام الدعوة مباحث هذا النوع من التوحيد في (كتاب التوحيد) فعَقَدَ عدة أبواب في بيان هذه المسألة العظيمة المهمة، ولهذا نقول إنَّ إفراده بالذكر لا يصلح؛ لدخوله في توحيد الإلهية، فهو من ضمن مسائله الكثيرة.\nلكن قد يُقْسَمْ التوحيد عند طائفة من أهل العلم إلى أربعة أقسام ويجعلون الرابع توحيد المتابعة؛ يعني متابعة النبي ﷺ، وهم يقصدون بهذا التقسيم ما دلَّتْ عليه الشهادتان.\nفإذا قالوا (توحيد الله) قالوا ينقسم إلى ثلاثة أقسام.\nوإذا قالوا (التوحيد) بدون الإضافة إلى الله - ﷿ -، جعلوه أربعة أقسام؛ ثلاثة مختصة بالله - ﷿ -، والرابع هو توحيد المتابعة للنبي ﷺ، لأنْ لا يُتَّبَعَ في التشريع غير المصطفى ﷺ.\n_________\n(١) الأنعام:٥٧، يوسف:٤٠، يوسف:٦٧.","vol":"1","page":12},{"text":"وَلَا شَيْءَ مِثْلُهُ، وَلَا شَيْءَ يُعْجِزُهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ\n_________\nهذه الجمل الثلاث وهي<span data-type=\"title\" id=toc-10> قوله (وَلا شيءَ مِثْلُهُ، وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ، وَلا إلهَ غَيْرُهُ) </span>تفصيلٌ لما يعتقده في توحيد الله - ﷿ -.\nوالتوحيد -كما ذكرنا- منقَسِمٌ إلى الأقسام الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الإلهية.\nفذَكَرَ هذه الأقسام الثلاث في قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ، وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ، وَلا إلهَ غَيْرُهُ) .\nفقوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) راجِعٌ إلى توحيد الأسماء والصفات والأفعال.\nوقوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) راجع أو مُثْبِتٌ لتوحيد الربوبية.\nوقوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) مثبتٌ لتوحيد العبادة والألوهية.\nوقدَّمَ ﵀ ما يدل على توحيد الأسماء والصفات بعد ذِكْرِ توحيد الإلهية في قوله (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ)؛ لأنَّ النزاع كائنٌ في توحيد الإلهية وفي توحيد الأسماء والصفات.\nفَمَعَ أهل الشرك النزاع في توحيد الإلهية، وهو الذي كان النزاع فيه ما بين الرسل وبين أقوامهم.\nولهذا قَدَّمَ ما يعتقده بقوله (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) لأنَّ هذا هو حقيقة النزاع بين الرسل وبين أقوامهم.\nثم قال (وَلا شيءَ مثْلُهُ) لأن هذا هو حقيقة النزاع ما بين أهل السنة والجماعة وما بين مخالفيهم من المبتدعة على أصنافهم من المجسمة والمعطلة والنفاة وأشباه هؤلاء.\nوأيضا قَرَنَ بينهما لأنَّ البدع بريد الشرك، فإنَّ تَرْكَ تنزيه الله - ﷿ - عن مماثلة المخلوقين تؤدي إلى الشرك به - ﷿ -، ولهذا قال من قال من السلف (المعطِّل يعبد عدما والممثل يعبد صنما) (١) .\nفالتمثيل ثَمَّ اقترانٌ بينه وبين الشرك؛ لأنَّ الممثل اتَخَذَ صورَةً جَعَلَهَا على صفات معينة فصارت صنمًا له، كما أنَّ المشركين عبدوا الأصنام واتخذوها آلهة.\nوأما قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) فهو توحيد الربوبية كما سيأتي ذلك مفصلا.\nإذًا فترتيب المصنف الطحاوي ﵀ لهذه الجمل الأربع ترتيبٌ مناسب، وهو مَتَنَقِلٌ بِفَهْمٍ في أمور الاعتقاد وموقف أهل السنة وأهل الإسلام من مخالفيهم.\nوالجملة الأولى في هذا اليوم هي قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) والكلام عليها يكون في مسائل:\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٥/١٩٦) / الصواعق المرسلة (١/١٤٨)","vol":"1","page":13},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) مأخوذٌ من قول الله - ﷿ - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ومن قوله - ﷿ - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ومن قوله - ﷿ - ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، ومن قوله سبحانه ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال َإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]، وأشباه هذه الأدلة التي تدل على أنَّ الله سبحانه لا يماثله شيء من مخلوقاته.","vol":"1","page":14},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ قوله (لا شيءَ مثْلُهُ) راجِعٌ لنفي المماثلة.\nوهذا هو الذي جاء في الكتاب والسنة أنْ يُنْفَى عن الله - ﷿ - أن يُمَاثِلَ أحدًا أو شيئًا من خلقه، وكذلك يُنْفَى عن المخلوق أن يكون مُمَاثِلًَا لله - ﷿ -.\nوإذا كان كذلك، فالمماثلة أو التمثيل أو المِثلِيَّة تُعَرَّفُ بأنها المساواة في الكيف والوصف:\nوالمساواة في الكيفية راجعة إلى أَنْ يكون اتصافه بالصفة من جهة الكيفية مُمَاثِلٌ لاتصاف المخلوق، كقولهم: يد الله كأيدينا وسمعه كأسماعنا وأشباه ذلك.\nوأما المماثلة في الصفات فهي أن يكون معنى الصفة بكماله التام في الخالق كما هو في المخلوق.\nإذا تِقِرَّرَ ذلك، فإنَّ اعتقاد المماثلة في الكيفية أو في الصفات على النحو الذي ذكرتُ هذا تمثيل يَكْفُر صاحبه.\nولهذا كَفَّرَ أهلُ السنة النصارى، وكَفَّرَ أهلُ السنة المُجَسِّمَة؛ لأنَّ النصارى شَبَّهُوا المخلوق بالخالق، وشَبَّهُوا عيسى بالله - ﷿ -، والمُجَسِّمَة شَبَّهُوا الله - ﷿ - ومثَّلُوه بخلقه.","vol":"1","page":15},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالفرق ما بين المماثلة والمثلية وبين التشبيه.\nولتقرير ذلك تنتبه إلى أنَّ الذي جاء نفيه في الكتاب والسنة إنما هو نفي المماثلة.\nأما نفي المشابهة؛ -مشابهة الله لخلقه- فإنها لم تُنْفَ في الكتاب والسنة؛ لأنَّ المشابهة تحتملُ أن تكون مشابهةً تامة، ويحتمل أن تكون مشابهةً ناقصة.\nفإذا كان المراد المشابهة التامة فإنَّ هذه المشابهة هي التمثيل وهي المماثلة، وذلك منفِيٌ، لقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] .\nفإذًا لفظ المشابهة ينقسم:\n- إلى مُوَافِقٍ للمماثلة، الشَبِيهْ موافِقٌ للمثيل وللمِثِلْ.\n- وإلى غير موافق.\nيعني قد يشترك معنى الشبيه والمثيل ويكون المعنى واحدًا، إذا أُريْدَ بالمشابهة المشابهة التامة في الكيفية وفي تمام معنى الصفة.\nوأمَّا إذا كان المراد بالمشابهة المشابهة الناقصة وهي الاشتراك في أصل معنى الاتصاف، فإنَّ هذا ليس هو التمثيل المنفي، فلا يُنْفَى هذا المعنى الثاني، وهو أن يكون ثَمَّ مشابهة بمعنى أن يكون ثَمَّ اشتراك في أصل المعنى.\nوإذا كان كذلك فإنَّ لفظ الشبيه والمثيل بينهما فرق -كما قَرَّرْتُ لك- ولفظ المشابهة لفظ مجمل لا يُنْفَى ولا يُثْبَتْ.\nوأهل السنة والجماعة إذا قالوا: إنَّ الله - ﷿ - لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء يعنون بالمشابهة المماثلة.\nأما المشابهة التي هي الاشتراك في المعنى فنعلم قَطْعًَا أنَّ الله - ﷿ - لم ينفها؛ لأنه سبحانه سَمَّى نفسه بالملك ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١) وسَمَّى بعض خلقه بالمَلِكْ ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ (٢) وأشباه ذلك من الآيات، وكذلك سَمَّى نفسه بالعزيز، وسَمَّى بعض خلقه بالعزيز، وكذلك جَعَلَ نفسه سبحانه سميعًا، وأخبرنا بصفة السمع له، والبصر، والقوّة، والقدرة، والكلام، والاستواء، والرحمة، والغضب، والرضا وأشباه ذلك، وأثبت هذه الأشياء للإنسانِ فيما يناسبه منها.\nفَدَلَّ على أَنَّ الاشتراك في اللفظ وفي بعض المعنى ليس هو التمثيل الممتنِع؛ لأنَّ كلام الله - ﷿ - حق وبعضه يفسر بعضًا.\nفَنَفَى المماثلة سبحانه بقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وأثبت اشتراكًا في الصفة.\nوإذا قلتُ اشتراكًَا ليس معنى ذلك أنها من الأسماء المُشْتَرَكَة في الصفات، ولكن أثْبَتَ اشتراكًا في الوصف يعني شَرِكَةً فيه، فإنَّ الإنسان له مُلْكْ والله - ﷿ - له الملك، والإنسان له سمع والله - ﷿ - له سمع، والإنسان له بصر والله - ﷿ - له بصر، وهذا الإثبات فيه قَدْرٌ من المشابهة، لكنَّهَا مُشَابَهَةٌ في أصل المعنى، وليست مشابهة في تمام المعنى ولا في الكيفية.\nفتحَصَّلَ من ذلك أنَّ المشابهة ثلاثة أقسام:\n١ - الأول: مشابهة في الكيفية، وهذا ممتنع.\n٢ - الثاني: مشابهةٌ في تمام الاتصاف ودلالة الألفاظ على المعنى لكمالها، وهذا ممتنع.\n٣ - الثالث: مشابهة في معنى الصفة - في أصل المعنى - وهو مطلق المعنى وهذا ليس بمنفي.\nولهذا صار لفظ التمثيل، ونفي التمثيل، ونفي المِثْلِيَّة شرعيًا؛ لأنه واضح، دلالته غير مجملة.\nوأما لفظ المشابهة فإنَّ دلالته مجملة فلم يأتِ نفيه.\nونحن نقول إنَّ الله - ﷿ - لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء - ﷾ -.\nونعني بقولنا (لا يشابهه شيء) معنى المماثلة في الكيفية أو المماثلة في تمام الاتصاف بالصفة وتمام دلالة اللفظ على كمال معناه.\n_________\n(١) طه:١١٤، المؤمنون:١١٦.\n(٢) يوسف:٤٣، ٥٠، ٥٤.","vol":"1","page":16},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nأَنَّ إثبات الصفات لله - ﷿ - قاعدته مأخوذةٌ من هذه الجملة (وَلا شيءَ مثْلُهُ) .\nفإثبات الصفات مأخوذ من قوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فنفى - ﷾ - وأَثْبَتْ.\nوعند أهل السنة والجماعة أنَّ النفي يكون مُجْمَلًَا (لا شيءَ مثْلُهُ)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأنَّ الإثبات يكون مُفَصَّلًَا ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .\nوهذا بخلاف طريقة أهل البدع فإنهم يجعلون الإثبات مُجْمَلًَا، والنفي مُفَصَّلًَا، فيقولون في صفة الله - ﷿ -: إن الله ليس بجسمٍ ولا بشبحٍ ولا بصورةٍ ولا بذي أعضاء ولا بذي جوارح ولا فوق ولا تحت ولا عن يمين ولا عن شمال ولا قُدّام ولا خلف وليس بذي دم ولا هو خارج ولا داخل. إلى آخر تصنيفهم للمنفيات، وإذا أتى الإثبات، إنما أثبتوا مُجْمَلًَا.\nفصار نفيهم وإثباتهم على خلاف ما دَلَّتْ عليه الآية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .\nفطريقة أهل السنة أنَّ النفي يكون مُجْمَلًَا وأن الإثبات يكون مُفَصَّلًَا على قوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .\nوالنفي المُجْمَلْ فيه مدح، والإثبات المُفَصَّلْ فيه مدح.\nوالنفي المُجْمَلْ والإثبات المُفَصَّلْ من فروع معنى استحقاق الله - ﷿ - للحمد.\nوالله سبحانه أثْبَتَ أنه مَحْمُودٌ ومُسَبَّحٌ في سماواته وفي أرضه - ﷿ -، كما قال سبحانه ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، وكقوله ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم:١٨]، وكقوله ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧]، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، ونحو ذلك.\nوالجمع بين التسبيح والحمد هو جَمْعٌ بين النفي والإثبات؛ لأنَّ التسبيح نفي النقائص عن الله فجاء مُجْمَلًَا، والحمد إثبات الكمالات لله - ﷿ - فجاء مفصلًا.\nفإثبات الكمالات من فروع حمده ـ، ولهذا صار محمودًا - ﷿ - على كل أسمائه وصفاته، وعلى جميع ما يستحقه سبحانه، وعلى أفعاله - ﷿ -.\nوتنزيهه سبحانه بالنفي - يعني بالتسبيح - أنْ يكون ثَمَّ مُمَاثِلْ له ﷾.\nفمعنى (سبحان الله) تنزيهًا لله - ﷿ - عن أن يماثله شيء أو عن النقائص جميعًا.\nوالحمد إثبات الكمالات بالتفصيل.\nفإذًا من نَفَى مُجْمَلًَا وأثْبَتَ مُفَصَّلًَا، فإنه وافق مقتضى التسبيح والحمد الذي قامت عليه السموات والأرض.\nومن نفى مُفَصَّلًَا وأثبت مُجْمَلًَا، فقد نافى طريقة الحمد والتسبيح الذي قامت عليه السماوات والأرض.\nلهذا صارت طريقة القرآن أن يكون النفي مُجْمَلًَا والإثبات مُفَصَّلًَا، وطريقة أهل البدع بعكس ذلك.\n_________\n(١) الجمعة:١، التغابن:١.","vol":"1","page":17},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nأنَّ قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، الذي هو دليل (وَلا شيءَ مثْلُهُ)، قد اختلَفَ فيه المفسرون في معنى الكاف في قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .\nوالكاف هنا، على أي شيء تدل؟ على أقوال:\n١ - القول الأول: أنَّ الكاف هذه بمعنى مِثْل، فيكون معنى قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ليس مِثْلَ مِثْلِه شيء، مبالغة في النفي عن وجودِ مِثْلِ المِثْل، فكيف يوجد المِثْلْ، فنَفْيُه من باب أولى.\nومجيء الكاف بمعنى الاسم هذا موجود في القرآن وكذلك في لغة العرب:\n- فأما مجيئه في القرآن -مجيء الكاف بمعنى الاسم، وهي حرف- كما في قوله - ﷿ - ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، فقوله (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) عَطَفَ الاسم على الكاف التي هي في قوله (كَالْحِجَارَةِ)؛ (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ)، ومعلوم أنَّ الاسم إنما يُعْطَفُ على الاسم فقوله (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ) يعني فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة.\n- ومجيئه في اللغة أيضًا ظاهر ومحفوظ، كقول الشاعر:\nلو كان في قلبي كقدر قُلَامَةٍ ****** حبا لغيركِ ما أتتكِ رسائلي\nفقوله (لو كان في قلبي كقدر قلامة) هذا جَعَلَ شبه الجملة الجارّ والمجرور (في قلبي) مُقَدَّمْ، وجَعَلَ الاسم (كقدر) لكون الكاف بمعنى (مِثْل)؛ يعني لو كان في قلبي مِثْلُ قَدْرِ قُلَامة.\nوهذا التوجيه الأول لطائفة من المفسرين في أنَّ الكاف هنا بمعنى (مِثْل) على ما ذكرنا.\nوهذا التوجيه لهم وجيهٌ وظاهرٌ في اللغة ومستقيمُ المعنى أيضًا في الآية.\n٢ - القول الثاني: أنَّ الكاف في قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) هذه صلة، وهي التي تُسَمَّى عند النحويين زائدة؛ وزيادتها ليس زيادَةً للفظ، وإنما هو زيادَةٌ لها لكون المعنى زائدًا.\nفليست زائدة بمعنى أن وجودها وعدم وجودها واحد، حاشا وكلا أنْ يكون في القرآن شيء من ذلك، وإنما تُزادْ ليكون مبالغةً في الدلالة على المعنى.\nفقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) تكون الكاف صلة ومجيء الصلة في مقام تَكْرَارِ الجملة تأكيدًا.\nكما حَرَّرَهُ ابن جِنِّي النحوي المعروف في كتابه (الخصائص) حيث قال:\nإنَّ الصلة والزيادة تكون في الجمل لتأكيدها وتكون مقام تكريرها مرتين أو أكثر. أو كما قال.\nفيكون معنى قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ): ليس مِثْلَه شيء، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، وهو السميع البصير. وهذا تفهمه العرب في كلامها.\nوجاءت الزيادة بالصلة في مواضع كثيرة من القرآن كقول الله - ﷿ - ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] .\nفقوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ﴾ يعني: فبرحمة من الله لنت لهم، فبرحمة من الله لنت لهم. يعني ليس من جهتك وإنما هو رحمة من الله ﷾.\nوكقوله - ﷿ - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة:١٣] يعني: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم، فبنقضهم ميثاقهم لعناهم، وكقوله ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] في أحد وجهي التفسير.\nإذا تقرر لك ذلك فإنَّ الوجه الأَوْلى من هذين التفسيرين هو الثاني من كون الكاف صلة زائدة في مقام تكرير الجملة؛ يعني أنَّ النفي أُكِّد فتكون أبلغ من أنْ يُنْفَى مِثْلْ المِثْل؛ لأنه قد يُشْكِلْ في نفي مثل المثل أن يكون (١)\n\n: [[الشريط الثاني]]:\n\nنفيُ المِثْليِةِ الأولى ليس مستقيمًا دائمًا، أو ليس مفهومًا دائمًا.\nأما الثاني فإنه واضح من جهة العربية، وواضح من جهة العقيدة، وواضح من جهة دلالته على تأكيد النفي الذي جاء في الآية.\nهذا خلاصة الكلام على قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) .\n_________\n(١) انتهى الشريط الأول","vol":"1","page":18},{"text":"ثم قال ﵀ (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)\n_________\nومعنى (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) يعني أنه ﷾ لا شيء مما يصح أن يُطلق عليه أنه شيء يعجزه - ﷿ - ويُكْرِثُهُ ويُثْقِلُهُ ولا يكون قادرا عليه، بل هو سبحانه الموصوف بكمال القدرة وكمال العلم وكمال اتصافه بالصفات وكمال القوة، فلذلك لا شيء يعجزه ﷾.\n(وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) فيها تقرير لتوحيد الربوبية كما ذكرنا آنفا؛ لأن نفي العجز لأجل كمال القدرة، كمال الغنى، وكمال قوته ﷾، وهذا راجع إلى أفراد توحيد الربوبية.\nوفي الكلام على<span data-type=\"title\" id=toc-16> قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) </span>مسائل:","vol":"1","page":19},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأن هذا منتزع من قوله الله - ﷿ - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤]، فنفى سبحانه أن ثَمَّ شيءٌ يعجزه في السماوات وكذلك في الأرض، وعلَّلَ ذلك بكونه (عَلِيمًا قَدِيرًا) .\nونفي العجز في الآية جاء مُعَلَّلًا بكمال علمه وقدرته؛ وذلك لأنَّ العجز في الجملة:\n- إما أن يرجع إلى عدم علم، فلأجل عدم علمه بالأمر عجز عنه.\n- وإما أن يرجع لعدم القدرة، فَعَلِمَ ولكن لا يقدر على إنفاذ ما علم أو ما يريد.\n- وإما أن يرجع إليهما معا.\nولذلك لما قال ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ عَلَّلَه بقوله ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، ومن المتقرر في علم الأصول في مسالك العلة من أبواب القياس: أنّ التعليل في القرآن والسنة يُستفادُ من جهات؛ ومنها مجيء (إنَّ) بعد الخبر أو بعد الأمر والنهي.\nوهنا لما أخبر عن نفسه بعدم العجز، وعلل ذلك بكونه سبحانه عليما قديرا، عَلِمْنَا أنَّ سبب عدم العجز هو كمال علمه سبحانه وكمال قدرته.","vol":"1","page":20},{"text":"[المسالة الثانية]:\nأن هذه الجملة نأخذ منها قاعدة قَعَّدها أئمة أهل السنة والجماعة وهي أنَّ النفي إذا كان في الكتاب والسنة فإنه لا يُراد به حقيقة النفي، وإنما يُراد به كمال ضده.\nيعني أنّ كل نَفْيٍ نُفِيَ عن الله - ﷿ -.\nأنَّ كل نَفْيٍ أُضِيفَ لله - ﷿ - فنُفِيَ عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله في القرآن أو في السنة، فإن المقصود منه إثبات كمال الضِّد.\nلأنَّ النفي المحض ليس بكمال، فقد يُنفَى عن الشيء الاتصاف بالصفة؛ لأنه ليس بأهلٍ لها، فيقال: فلان ليس بعالم. لأنّه ليس أهلًا لأن يتّصف بذلك، ويقال: فلان ليس بظالم لأنه ليس بقادر أصلا، كما قال الشاعر في وصف قوم يذمهم:\nقُبَيِّلَةٌ لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ****** وَلاَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْذَلِ\nلأنهم لا يستطيعون أصلا أنْ يظلموا أو أن يعتدوا لعجزهم عن ذلك؛ لأن العرب كانت تفتخر بأنّ من لم يَظلِمْ يُظلَم كقول الشاعر وهو زهير:\nومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ****** ومن لا يظلم الناس يظلم\nفتقرر أنَّ النفي المحض ليس بكمال، ولذلك نقرر القاعدة: أنّ النفي في الكتاب والسنة إنما هو لإثبات كمال الضد.\nوأخذنا ذلك من قوله - ﷿ - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، فصار النفي نفي العجز عنه سبحانه فيه إثبات كمال علمه وقدرته.\nوهذا خُذْهُ مطّرِدًا في مثله قوله - ﷿ - ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥]، وفي قوله - ﷿ - في أول آية الكرسي ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، لكمال حياته وكمال قيوميته سبحانه، ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ فيه إثبات كمال قدرته - ﷿ - وكمال قوته، وفي قوله ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] لكمال عدله سبحانه، وفي قوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] وذلك لكمال اتصافه بصفاته، وفي قوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] لكمال استغنائه سبحانه.\nففي كل نفيٍ جاء في الكتاب والسنة تأخذ إثبات الصفة التي هي بضد ذلك النفي.\nولهذا تُثْبَتُ بعض الصفات وتُثبتُ بعض الأسماء عند طائفة من أهل العلم بألفاظ لم ترد صراحة وأخذوها من النفي الذي جاء في الكتاب والسنة.","vol":"1","page":21},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنّ قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) كما ذكرتُ لك من أفراد توحيد الربوبية.\nوالتمثيل عن العام ببعض أفراده في التوحيد صحيح؛ لأنَّ دِلالة الخاص على العام مؤكَّدةٌ واضحة لا يمكن أن تخرج دلالة الخاص عن الأمر الكلي العام.\nولهذا يجيء الإثبات مفصلا كما ذكرنا لأجل أنَّ الإثبات العام لله - ﷿ - في جميع الصفات حق، فيُثْبَتُ في كل موضع بحسبه.\nفمن مثَّل في موضع ببعض أفراد الربوبية، فإن تمثيله لذلك حق وإنْ لم يُمَثِّل بجميع أفراد الربوبية، بخلاف الأسماء والصفات فإنَّ الأسماء والصفات تُمَثِّل عليها بأنواعها.\nأهل السنة إذا ذكروا الأسماء والصفات تمثيلًا في هذا المقام فإنهم يذكرون تلك الأسماء والصفات والأفعال التي تدل على أنواع الصفات.\nفيذكرون مثالًا للصفات الذاتية، ومثالًا للصفات الاختيارية، ومثالًا للصفات الفعلية حتى يكون ذلك عامّا لأجل أن لا يشترك أهل السنة مع أهل البدع في التعبير.\nفإذا أتى مثلا في إثبات الصفات لا يقولون إننا نثبت صفات الرب - ﷿ - كالحياة والقدرة والسمع والعلم والبصر والإرادة والكلام ويسكتون، لأنَّ هذه السبع هي التي أثبتها الكُلَّابِيَّة والأشاعرة وطائفة، ولا يقولون نثبت الحياة والكلام لله والسمع والبصر ويسكتون، ولكن يذكرون هذا وهذا، فإذا ذكروا هذه السبع يقولون أيضا معها فهو سبحانه سميع بصير أو موصوف بالسمع والبصر والقدرة والكلام والإرادة والحياة والاستواء والنزول والرحمة والغضب والرضا فيجمعون -والوجه واليدان، إلى آخره- فذكر الصفات ما جرى عليه الاتفاق وما لم يجرِ عليه الاتفاق - يعني بينهم وبين أهل البدع - تمييزًا لقول أهل السنة عن غيرهم.\nوأما في الربوبية لأجل أنه لم يَجْرِ فيها الخلاف فإنه يسوغ أن يمثل لها ببعض أفرادها.","vol":"1","page":22},{"text":"[المسالة الرابعة]:\nأنَّ العجز هنا كما في الآية؛ جاء نفيه متعلقًا بالأشياء، ودِلالة الآية على النفي أبلغ وأعظم في قول المصنف (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)، لأنه جاء في الآية زيادة (مِنْ) التي تنقل العموم من ظهوره إلى النَّصِّيَّة فيه، فقال سبحانه ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٤]، فقوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ لو قال: وما كان الله ليعجزه شيء لصَحَّ النفي وصار ظاهرا في العموم، وأما لمَّا قال (مِنْ شَيْءٍ) جاءت زيادة (مِنْ) هذه، لتنقل العموم المستفاد من مجيء النكرة في سياق النفي من ظهوره إلى النَّصِّيَّة فيه.\nومعنى الظهور في العموم: أنّه قد يَتَخَلَّفُ بعض الأفراد على سبيل النُّدْرَة.\nوأما النَّصِّيَّة في العموم: فإنه لا يتخلَّفُ عن العموم شيء.\nفلما نفى بمجيء النكرة في سياق النفي وجاء بزيادة (مِنْ) التي دلت على انتقال هذه النكرة المنفية من ظهورها في العموم إلى كونها نصًا صريحًا في العموم.\nإذا تقرر هذا فالمَنْفِيُّ أن يعجزه ﷾ هو الأشياء.\nوالأشياء جمع شيء، والشيء الذي جاء في الآية ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾، وفي قوله هنا (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)، وكذاك في قوله قبل (وَلا شيءَ مثْلُهُ)، تعريف شيء عندنا: أنّه ما يصح أن يُعْلَمَ أو يَؤُولُ إلى العلم، سواءً كان في الأعيان والذّوات، أو كان من الصفات والأحوال.\nفكلمة (شيء) في النصوص تُفَسَّر عند المحققين من أهل السنة بأنها: ما يصح أن يُعلم أو يؤول إلى العلم.\nقولنا (يصح أن يعلم) مما هو موجود أمامك أو ما يؤول إلى العلم لعدم وجوده ذَاتًا ولكنه موجود في القَدَرْ، كقول الله - ﷿ - ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، وقد كان شيئا لكن لا يذكره الناس؛ لأنهم لم يروه، ولكنه شيء يُعْلَمُ في حق الله - ﷿ -، وسيؤول إلى العلم في حق المخلوق والذِّكْرْ.\nولهذا في قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)، وقوله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) راجع هنا إلى ما هو موجود وإلى ما ليس بموجود من الذوات والصفات والأحوال؛ لأنها جميعا إما أن تكون معلومة، أو تكون آيلة إلى العلم.","vol":"1","page":23},{"text":"قال بعدها ﵀ (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) .\n_________\nو<span data-type=\"title\" id=toc-21>قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) </span>هذا مُنْتَزَع من قول الله - ﷿ - ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ هذه جاءت بها الرسل جميعا؛ جاء بها نوح، وجاء بها هود، وجاء بها صالح، وجاءت بها الأنبياء والرسل جميعا.\nوهذا في المعنى كقوله - ﷿ - ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود:١-٢]، وكقوله - ﷿ - ﴿أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٢]، وكقوله - ﷿ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] .\nوفي قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) مسائل:","vol":"1","page":24},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ هذه الكلمة هي معنى كلمة؛ أو هي مطابقة لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) .\nوكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) معناها (لا إلهَ غَيْرُهُ) .\nوالإله في كلمة التوحيد وفي قوله (لا إلهَ غَيْرُهُ) هذا دخل عليه النفي.\nفالمَنْفِيُّ جنس الآلهة التي تستحق العبادة، والله - ﷿ - ليس داخلا في هذا النفي -كما سيأتي بيانه في إعراب كلمة التوحيد-.\nوكلمة (إلا الله) موافقة لـ (غَيْرُهُ)؛ لأن الغَيرِيَّةْ:\n- ربما كانت غيرية في الذوات كقولك: ما دخل رجل غيرُ زيد، فهنا ذات الرجال غير ذات زيد.\n- أو في الصفات كقولهم: جاءكم بوجه غير الذي ذهب به.\nالوجه من حيث هو واحد لكن من حيث الصفة اختلف.\nفإذًا الغَيرِيَّةْ قد ترجع إلى غيرية الذات، وقد ترجع إلى غيرية الصفات.\nوفي النفي (لا إله إلا الله) هنا الإله المنفي هو جنس الآلهة التي تستحق العبادة.\n* و(إلا الله) ليس هذا مُخْرَجًا من الآلهة؛ لأنه لم يدخل أصلًا فيها حتى يخرج منها لأن النفي راجع إلى الآلهة الباطلة.","vol":"1","page":25},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ قوله (لا إلهَ غَيْرُهُ) مشتمل على كلمة (إله) وكلمة (الإله) هذه اختلف الناس في تفسيره.\n- فالتفسير الأول لها:\nأنّ الإله هو الرب، وهو القادر على الاختراع، أو هو المستغني عمَّا سواه، المفتقر إلى كل ما عداه.\nوهذا قول أهل الكلام، في أنّ الإله هو الرب؛ يعني هو الذي يَقْدِرُ على الخَلْقِ والاختراع والإبداع، وهو الذي يستغني عمَّا سواه وكل شيء يفتقر إله.\nكما ذكرنا إليكم مرارا عبارة صاحب السَّنوسية وعبارة أهل الكلام في ذلك.\nوهذا التفسير بكون الإله هو القادر على الاختراع وهو الرب لأهل الكلام، من أجله صار الافتراق العظيم في فهم معنى كلمة التوحيد وتوحيد العبادة وفي فهم الصفات وفي تحديد أول واجب على العباد.\n- التفسير الثاني لها:\nنأتي للجملة هذه [.....] (١) وأنّ الإله، إله (فِعَالْ) بمعنى مَفْعُولْ يعني مَأْلُوهْ.\nسُمِّيَ إلهً لأنه مألوهٌ.\nوالمألُوهُ مفعول من المصدر وهو الإلهَةْ.\nوالإلهة مصدر أَلَهَ يَأْلَهُ إِلَهَةً وأُلُوهَةً إذا عَبَدَ مع الحب والذل والرضا.\nفإذًا صارت كلمة الإله هي المعبود، والإلهة والألوهية هي العبودية إذا كانت مع المحبة والرضا.\nفصار معنى الإله إذًا هو الذي يُعْبَدُ مع المحبة والرضا والذل.\nوهذا التفسير هو الذي تقتضيه اللغة؛ وذلك لأنَّ كلمة (إله) هذه لها اشتقاقها الراجع إلى المصدر إلهة، الذي جاء في قراءة ابن عباس في سورة الأعراف ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَك﴾ [الأعراف:١٢٧] يعني ويذرك وعبادتك، وأما مجيؤُها في اللغة فهو كقول الشاعر كما ذكرنا لكم مرارا:\nلله درّ الغانيات المُدّهِ ****** سبّحن واسترجعن من تألهِ\nيعني من عبادتي.\nفالإله هو المعبود، ولا يصح أن يفسَّر الإله بمعنى الرب مطلقًا.\nلأنَّ الخصومة وقعت بين الأنبياء وأقوامهم، بين المرسلين وأقوامهم في العبودية لا في الربوبية.\nفالمشركون أثبتوا آلهة وعبدوهم، كما قال - ﷿ - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨١-٨٢]، وكقوله ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] يعني أَجَعَلَ المعبودات معبودًا واحدًا.\nوهذا يدلك على أنَّ هذا النفي في قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) راجعٌ إلى نفي العبادة.\nوهذا القول الثاني هو قول أهل السنة وقول أهل اللغة وقول أهل العلم من غير أهل البدع جميعًا، وهو المنعقد عليه الإجماع قبل خروج أهل البدع في تفسير معنى الإله.\nوهذا هو معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) يعني لا معبود بحق إلا الله ﷻ.\n_________\n(١) يوجد كلام مقطوع.","vol":"1","page":26},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nراجعة إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ما معناها؟\nمعناها: لا معبود حق إلا الله - ﷿ -.\nوكما هو معلوم الخبر في قوله (لا)، خبر (لا) النافية للجنس محذوف (لا إله)، ثم قال (إلا الله) .\nوحذْفُ الخبر؛ خبر (لا) النافية للجنس شائع كثير في لغة العرب كقول النبي - ﷺ - (لاَ عَدْوىَ، وَلاَ طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ، وَلاَ صَفَرَ، وَلاَ نَوْءَ، وَلاَ غُولَ) (١) فالخبر كله محذوف.\nوخبر (لا) النافية للجنس يحذف كثيرا وبشيوعٍ إذا كان معلوما لدى السامع، كما قال ابن مالك في الألفية في البيت المشهور: وشاع في ذا الباب -يعني باب لا النافية للجنس:\nوَشَاعَ فِي ذَا الْبَابِ إِسْقَاطُ ****** الخَبَر إِذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَر\nفإذا ظهر المراد مع السقوط جاز الإسقاط.\nوسبب الإسقاط؛ إسقاط كلمة (حق)، (لا إله حق إلا الله) أنّ المشركين لم ينازعوا في وجود إله مع الله - ﷿ -، وإنما نازعوا في أحقِّيةِ الله - ﷿ - بالعبادة دون غيره، وأنّ غيره لا يستحق العبادة.\nفالنزاع لمَّا كان في الثاني دون الأول؛ يعني لمَّا كان في الاستحقاق دون الوجود، جاء هذا النفي بحذف الخبر لأن المراد مع سقوطه ظاهر وهو نفي الأحقية.\nفي (لا إله) صار الخبر راجعًا أو صار الخبر تقديره حق كما قال تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٩٢]، وفي الآية الأخرى قال - ﷿ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان:٣٠]، فلما قال سبحانه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ قرن بين أحقّية الله للعبادة وبطلان عبادة ما سواه، دلّ على أن المراد في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هو نفي استحقاق العبادة لأحد غير الله - ﷿ -.\nفإذًا صار تقدير الخبر بكلمة (حق) صوابا من جهتين:\n- الجهة الأولى:\nأنّ النّزاع بين المشركين وبين الرسل كان في استحقاق العبادة لهذه الآلهة، ولم يكن في وجود الآلهة.\n- الجهة الثانية:\nأنّ الآية بل الآيات دلت على بطلان عبادة غير الله وعلى أحقية الله - ﷿ - بالعبادة دون ما سواه.\nإذا تقرر ذلك فكما ذَكَرْتُ لك الخبر مقدر بكلمة (حق)؛ (لا إله حق) .\nو(لا) نافية للجنس، فنفت جنس استحقاق الآلهة للعبادة.\nنفت جنس المعبودات الحقّة، فلا يوجد على الأرض ولا في السماء معبود عَبَدَهُ المشركون حق، ولكن المعبود الحق هو الله - ﷿ - وحده وهو الذي عبده أهل التوحيد.\nوتقدير الخبر بـ (حق) كما ذكرنا لك هو المتعين خلافا لما عليه أهل الكلام المذموم، حيث قدروا الخبر بـ (موجود) أو بشبه الجملة بقولهم (في الوجود) (لا إله في الوجود) أو (لا إله موجود) .\nوهذا منهم ليس من جهة الغلط النحوي، ولكن من جهة عدم فهمهم لمعنى (الإله) لأنهم فهموا من معنى (الإله) الرب، فنفوا وجود رب مع الله - ﷿ -، وجعلوا آية الأنبياء دليلا على ذلك وهي قوله - ﷿ - ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، وكقوله في آية الإسراء ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]، ففسروا آية الأنبياء وآية الإسراء بالأرباب؛ بالرب، ولكن هي في الآلهة كما هو ظاهر لفظها.\nإذا تقرر ذلك فنقول: إن عبادة غير الله - ﷿ - إنما هي بالبغي والظلم والعدوان والتعدي لا بالأحقية.\n_________\n(١) البخاري (٥٧٠٧) / مسلم (٥٩٢٠)","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>[المسألة الرابعة]:\nفي إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) </span>.\n(لا) نافية للجنس.\n(إله) هو اسمها مبني على الفتح.\nو(لا) النافية للجنس مع اسمها: في محل رفع مبتدأ.\nوحق: هو الخبر؛ وحق المحذوف هو خبر، والعامل فيه هو الابتداء أو العامل فيه (لا) النافية للجنس على الاختلاف بين النحويين في العمل.\nو(إلا الله)\n(إلا) استثناء؛ أداة استثناء.\n(الله) مرفوع، وهو بدل من الخبر، لا من المبتدأ؛ لأنه لم يدخل في الآلهة حتى يُخرَج منها؛ لأن المنفي هي الآلهة الباطلة، فلا يَدخل فيها -كما يقوله من لم يفهم- حتى يكون بدلا من اسم لا النافية للجنس، بل هو بدل من الخبر.\nوكون الخبر مرفوعا والاسم هذا مرفوعا، يُبيِّنُ ذلك أن التابع مع المتبوع في الإعراب والنفي والإثبات واحد.\nوهنا تَنْتَبِهْ إلى أن الخبر لما قُدِّرَ بـ (حق) صار المُثبَتْ هو استحقاق الله - ﷿ - للعبادة.\nومعلوم أنّ الإثبات بعد النفي أعظم دلالة في الإثبات من إثباتٍ مجرد بلا نفي.\nولهذا صار قوله (لا إله إلا الله) وقول (لا إله غير الله) هذا أبلغ في الإثبات من قول: الله إله واحد، لأن هذا قد ينفي التقسيم ولكن لا ينفي استحقاق غيره للعبادة.\nولهذا صار قوله - ﷿ - ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]، وقول القائل (لا إله إلا الله) بل قوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥] جمعت بين النفي والإثبات، وهذا يسمى الحصر والقصر، ففي الآية حصر وقصر.\nوبعض أهل العلم يعبر عنها بالاستثناء المفرّغ وهذا ليس بجيد، بل الصواب فيها أن يقال هذا حصر وقصر، فجاءت (لا) نافية وجاءت (إلا) مثبتة ليكون ثَمَّ حصرٌ وقصرٌ لاستحقاق العبادة في الله - ﷿ - دون غيره.\nوهذا عند علماء المعاني في البلاغة يفيد الحصر والقصر والتخصيص، يعني أنَّهُ فيه لا في غيره.\nوهذا أعظم دلالة فيما اشتمل عليه النفي والإثبات.\nومعنى كلمة التوحيد وتفصيل الكلام عليها ترجعون إليه في موضعه من كلام أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى.","vol":"1","page":28},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nعلى قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) أنَّ هذه الكلمة فيها إثبات توحيد العبادة لله - ﷿ - كما ذكرنا.\nوتوحيد العبادة لله - ﷿ - لا يستقيم إلا بشيئين كما ذكرنا: بنفي وبإثبات.\nفالنفي وحده لا يكون به المرء موحدًا، والإثبات وحده لا يكون به المرء موحدًا، حتى يجمع ما بين النفي والإثبات.\nنفي استحقاق العبادة لأحد من هذه الآلهة الباطلة، وإثبات استحقاق العبادة الحقة لله - ﷿ - وحده دون ما سواه.\nوهذا هو معنى الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، فلا يستقيم توحيد أحد حتى يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله.\nومن كان إيمانه بالله صحيحا كان كفره بالطاغوت صحيحا، إذ ثَمَّ ملازمة ما بين هذا وهذا.\nوإثبات توحيد الإلهية على هذا المعنى بين النفي والإثبات يتضمن إثبات توحيد الربوبية؛ لأنَّ كل موحد لله في الإلهية موحد لله - ﷿ - في الربوبية، وكذلك مستلزم لإثبات صفات الكمال لله - ﷿ -؛ لأنه لا يُعبد إلا من كان متصفا بصفات الكمال.\nهذا خلاصة ما يشتمل عليه قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) .\nفي هذا القدر كفاية وأسأل؛ الله - ﷿ - لي ولكم النور في الدنيا وفي الآخرة والإهتداء التام والأمن التام إنه كريم جواد سميع الدعاء، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الأسئلة:</span>\nس١/الكلام على مسألة التشبيه من حيث الكيفية والمعنى، والأصل نرجوا توضيحها والتمثيل عليها؟\nج/هذه المسألة كما هو معلوم بسطها أهل السنة وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه، وكذلك هو في شروح الواسطية المطولة تذكر هذه المسألة:\nالتشبيه من حيث الكيفية هو التمثيل كقول المجسمة: إن الله جسم كأجسامنا، ويده كأيدينا، وقدمه كأقدامنا، واستوائه كاستوائنا، في كيفية الاستواء مماثل لنا ومشابه لنا. فهذا تشبيه من حيث الكيفية.\nوتشبيه من حيث تمام المعنى كأن يقول معنى استواء الله هو معنى استوائنا تماما، المعنى في هذا هو هذا، معنى سمع الله هو معنى سمعنا تماما، لا فرق بين هذا وهذا، وهذا أيضا تشبيه مذموم باطل.\nولكن المشابهة التي لا تُنفى هي ما كان من جهة الاشتراك في أصل المعنى؛ لأن المعنى كما هو معلوم يوجد كليا في الأذهان، وأما في الخارج فيكون مختلفا بحسب الإضافة والتخصيص، فإذا كان المعنى الكلي هذا له جهتان:\nجهةُ مطلق المعنى، أقل درجات المعنى، فهذه هي، أو هذا هو القدر المشترك بين كل من اتصف بالصفة، فمثلا في السمع: البعوضة لها سمع، والذباب له سمع، والضأن له سمع، والنمل له سمع، والإنسان له سمع، هؤلاء اشتركوا في أصل معنى السمع؛ لكنهم يتفاوتون فيه بقدر ما هم عليه، بقدر ما يناسب ذواتهم، بقدر ما يناسب أبدانهم، بقدر ما يناسب استعداداتهم التي جعلها الله - ﷿ - لهم، فسمع البعوض ليس هو كسمع الإنسان، وسمع النمل ليس كسمع الإنسان، لكن أصل معنى السمع مشترك بين هذه المخلوقات، فكذلك جنس المخلوقات التي لها سمع نُثبت لها أصل السمع كما هي عليه؛ ولكن سمع الله - ﷿ - يناسب ذاته، كما أن ما بين الإنسان وما بين النمل في السمع قدر مشترك في هذا المعنى؛ معنى السمع ومعنى البصر، فما بين المخلوق وبين الله - ﷿ - هو قدر مشترك في أصل المعنى.\nأما في تمام المعنى فكل له ما يناسبه؛ فالله - ﷿ - يناسب ذاته العلية العظيمة الجليلة الاتصاف بالصفات الكاملة المطلقة؛ الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص في وجه من الوجوه، والمخلوق له ما يناسب ذاته من نقص وحال. فهذا معنى الكيفية تمام المعنى أصل الاتصاف بالصفات.\nس٢/ كيف نفرق بين الكيفية وتمام المعنى؟\nتمام المعنى غير مضاف كلي والكيفية تمثيل:\nفإذا قلت السمع هو كالسمع صار هذا تمثيلا.\nوإذا قلت سمعه - ﷿ - أو بصره في كيفية الاتصاف هو ككيفية اتصاف المخلوق بالسمع والبصر صار هذا تكييفا.\nفإذا قلت السمع والسمع صار هذا تمثيلا، تمثيلا في المعنى.\nوإذا قلت اتصف بالسمع بكيفية اتصافنا بالسمع، واتصف بالبصر بكيفية اتصافنا بالبصر، صار تجسيما أو صار هذا من جهة الكيفية.\nلأنَّ السمع إدراك المسموعات، أنت تدرك المسموعات بواسطة أذن وطبلة إلى آخره، والله - ﷿ - إدراكه للمسموعات ليس بكيفية إدراك المخلوق للمسموعات، كذلك البصر؛ عين الله - ﷿ - ليست كعين المخلوق في الكيفية، نثبت لله عينًا كما يليق بجلاله وعظمته؛ لكن لا نقول عينه سبحانه كعين الإنسان في الكيفية؛ فيها سواد، بياض، أو لها حدقة، شبكية إلى آخره.\nفإثبات المعنى هذا كمال المعنى لله - ﷿ -، والكيفية التمثيل فيها هذا تجسيم وهو من المكفرات، لأنه تمثيل للمخلوق بالخالق.\nس٢/ما رأيك في كتاب المنحة الإلهية في تعريف شرح الطحاوية؟\nج/ ما شفت الكتاب هذا.\nس٣/قولك المنفي جنس الآلهة التي تستحق العبادة؟ ج/المقصود بقول تستحق العبادة في ظن العابدين وإلاّ (لا إله حق) فنفت كلمة التوحيد أحقية الآلهة في العبادة، المقصود بحسب ظنهم، أو نقول المنفي جنس استحقاق الآلهة للعبادة.\nس٤/هذا سؤال في الأصول ومتعلق بكلمة الكاف في ﴿كَمِثْلِهِ﴾؟\nج/والجواب عليها تقسيم الألفاظ إلى شرعي ووضعي وعرفي ونقص وزيادة ونقل واستعارة [.....] (١) وكازدياد الكاف في (كَمِثْلِه) . هذا البحث فيه معروف لكن هذا يحتاج إلى بسط آخر.\nس٥/قال أهل السنة كما ذكرتم قاعدة أهل السنة: أن النفي مجمل والإثبات مفصل، وأنَّ أهل البدع عكس لأهل السنة، فما القول عندما يقول أحد من أهل البدع (املأ الكون نفيا ولا تقل بإثبات) فيكون الإثبات عندهم والإثبات مجمل؟\nج/ أنا ما أفهم الكلام -املأ الكون نفيا يعني انْفِ كما تريد (ولا تقل بإثبات) يعني لا تفصل، هذا موافق لقولهم إن النفي مفصل والإثبات مجمل.\nنكتفي بهذا القدر وصل اللهم وبارك على نبينا محمد. (٢)\n_________\n(١) كلام لم أفهمه.\n(٢) انتهى الوجه الأول من الشريط الثاني.","vol":"1","page":30},{"text":"قَدِيمٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ دَائِمٌ بِلَا انْتِهَاءٍ\n_________\nهذه الجمل من هذه العقيدة المختصرة؛ عقيدة الإمام الطحاوي ﵀ وأجزل له المثوبة، اشتملت على جملة من صفات الله - ﷿ -، وهي ليست راجعة إلى ترتيب معين؛ يعني في ذكر صفاتٍ لله - ﷿ - أو في ذكر قواعد في الصفات، أو فيما يخالف فيه أهل السنة والجماعة غيرهم، إلا في بعضها كما سيأتي، وهذا كما ذكرنا لك من قبل راجع إلى أنه لم يرتّب هذه العقيدة على ترتيب موضوعي منهجي بحيث ينتقل من أنواع الإيمان إلى غيرها وبين أنواع الإيمان يعني أركان الإيمان وهكذا، ولهذا نذكر البيان على كل جملة بحسب ما اشتملت عليه، وفي ذلك إن شاء الله تعالى فوائد.\nقال ﵀ (قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء)\nأراد ﵀ بذلك أَنْ يُبَيِّنْ أَنَّ الله - ﷿ - منزّهٌ عمّا خَلق، فهو سبحانه خَلَقَ الزمان، والزمان لا يحويه، وكذلك خلق المكان، والمكان لا يحويه، ﷾، وذكر هنا أنّ الله - ﷿ - سبق الزمان، وأيضا سيدوم بعد انتهاء الزمان بلا انتهاء.\nوهذا المعنى الذي أراده عبَّرَ عنه بتعبير المتكلمين في أبدية الزمان في الماضي وفي المستقبل.\nوهذا خروج منهم عمّا جاء في النص من التعبير عن أبدية الزمان من الجهتين؛ وذلك أنّ أبدية الزمان يعني أنّ الله - ﷿ - لا يُوصَفُ بأنه ابتدأ في زمان ولا أنه ينتهي في زمان؛ لأن الزمان محدود مخلوق، والله ﷾ كان قبل خلقه، وسيبقى سبحانه بلا انتهاء.\nهذا المعنى يُعِّبُر عنه المتكلمون ويعبر عنه أهل العقائد المختلفة بأنواع من التعبير منها هذا الذي ذكره الطحاوي.\nومن المعلوم أن التعبير الذي جاء في الكتاب والسنة هو قول الحق - ﷿ - ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] .\nوقوله سبحانه ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ هذا في المعنى الذي أراده الطحاوي، لهذا فسَّرَهُ النبي؟ في دعائه بقوله (أنت الأول ليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعد شيء) (١) فليس قبل الرب - ﷿ - زمان، وليس بعده ﷾ زمان، كما أنه ليس قبله شيء من المخلوقات، ولا بعده أيضا شيء من المخلوقات.\nوهذان الاسمان (الْأَوَّلُ) وَ(الْآخِرُ) دلاَّ على أنه سبحانه (قَديمٌ -كما ذكر- بلا ابتدَاء) وأنه (دَائمٌ-سبحانه- بلا انْتهاء) .\nوما جاء في وصف الله - ﷿ - في القرآن وفي سنة المصطفى - ﷺ - هو الأكمل؛ بل هو الصحيح، وأما ما ذَكَرْ من الوصف، فسيأتي ما فيه في المسائل المتعلقة بهذه الجملة.\nفإذًا<span data-type=\"title\" id=toc-28> قوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء) </span>من جهة المعنى ومن جهة الدليل عرفتها.\nوالمتكلمون يعنون بكلمة (قَديمٌ) غير ما يُعنَى بها في اللغة.\nفإنهم يعنون بالقديم الذي تَقَدَّمَ على غيره.\nوالغيريّة هنا مطلقة بلا تقييد فتشمل كل ما هو غير الله - ﷿ - يعني من جميع المخلوقات.\nفيكون قولهم في وصف الله بأنه (قَديمٌ) أو في أسماء الله بأنه سبحانه القديم يعنون به المُتَقَدِّم على غيره مطلقًا.\nوهذا التقدم يشمل كل الأزمنة الماضية وزيادة.\nولذلك احترز المصنف ﵀ بقوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء)؛ لأن كونه متقدمًا على غيره قد يكون من جهة التقسيم العقلي أنّ له ابتداء سبحانه معروف، وهذا مما لم يأذن الله - ﷿ - لنا بعلمه، ولا تدركه أوهامنا ولا عقولنا ولا قلوبنا فلذلك قال (قَديمٌ بلا ابتدَاء) وهذا هو معنى كما ذكرت لك اسم الله (الأول الذي ليس قبله شيء) .\nفإذًا تعبير المتكلمين عن الرب - ﷿ - عن اسمه الأول بكونه قديم وأنه القديم هذا أرادوا به غير المعنى اللغوي.\nوأما المعنى اللغوي فإنّ القديم هو الذي صار متقدما على غيره، وسيعقبه غيرُه، وقد سبقه غيره، كما قال - ﷿ - ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] وكقوله الحق - ﷿ - ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف:١١]، وأشباه ذلك.\nوالقِدَمْ أو التَقَدُّمْ أو القَدَمْ في اشتقاق هذه المادة في اللغة راجعة إلى ما تقدم على غيره، وهذا في اللغة.\nومعلوم أنَّ اللغة موضوعة للأشياء المحسوسة التي رآها، أو عرفها العرب، ولهذا دخل في اسم القديم المخلوقات.\nوإذا كان كذلك فإنَّ القديم لا يوصف الله - ﷿ - به كما سيأتي في المسائل.\nإذًا فكلمة (قَديمٌ بلا ابتدَاء) هذه عند المتكلمين لها معنىً غير المعنى في اللغة، ومعناها عند المتكلمين كما ذكرتُ لك هو المتقدم على غيره.\nوفي اللغة المعنى أخص، المتقدم أو ما كان متقدمًا على غيره وتَقَدَّمَهُ غيرُه، وهذا يجوز في اللغة، وهم لم يريدوا هذا المعنى، ولذلك جعلوا القديم من أسماء الله، وجعلوا القِدَمَ صفة للحق - ﷿ -.\nإذا تبين لك ذلك فقوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء) هذا راجع إلى ما سُمِّيَ بالأزلية؛ بأزلية الرب - ﷿ -، وقوله (دَائمٌ بلا انْتهاء) راجع إلى أبديته - ﷿ -.\nولفظ (أزلية) هذا مركب أو منحوت من (لم يزل)، فلما أرادوا النسبة جعلوها للأزل؛ يعني الزمان الماضي القديم جدا الذي لم يزل، لا يعرف له بداية.\nفيُقَالُ هم يعبرون بأنه أزلي - ﷿ -، أو أنَّ صفات الرب - ﷿ - أزلية، والتعبير عن هذه الأشياء بما جاء في الكتاب والسنة هو الحق، فلا يُعبَّر عن هذه الأشياء بما لم يرد في الكتاب والسنة؛ لأنه قد يشتمل على باطل، والمرء لا يعلم ذلك، حتى من جهة الاحتمالات العقلية أو الاحتمالات اللغوية.\nالمؤلف احترز فقال (قَديمٌ بلا ابتدَاء) وهذا فيه احتراز، جعل الجملة حق في نفسها لكن فيها مخالفة، وعَبّر عن الأبدية بقوله (دَائمٌ بلا انْتهاء) .\nإذا تبين لك ذلك، فعندهم أنَّ القِدَمْ هو قِدَمْ الذات - يعني عند المتكلمين وعند الأشاعرة وأشباه هؤلاء، والمعتزلة - عندهم القِدَمْ حينما يطلقونه يريدون به قدم الذات، وأما قِدَمْ الصفات فهذا فيه تفصيل.\nفقوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء) يعنون به قِدَمَ الذات، ودائم الذات، أما الصفات فلهم فيها تفصيل، وكأنّ الطحاوي درج على ما درجوا عليه لأنه عبَّرَ بتعبيرهم.\nإذا تقرر لك ذلك، ففي قوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء) مسائل:\n_________\n(١) مسلم (٧٠٦٤) / أبو داود (٥٠٥١) / الترمذي (٣٤٠٠) / ابن ماجه (٣٨٧٣)","vol":"1","page":31},{"text":"[المسألة الأولى]:\nاسم القديم: هذا كما ذكرت من الأسماء التي سمَّى اللهَ - ﷿ - بها المتكلمون.\nفإنهم هم الذين أطلقوا هذا الاسم القديم على الرب - ﷿ -، وإلا فالنصوص من الكتاب والسنة ليس فيها هذا الاسم.\nوإدراج اسم الله وإدراج القديم في أسماء الله هذا غلط، ولا يجوز، وذلك لأمور.\n- الأمر الأول:\nإن القاعدة التي يجب اتّباعها في الأسماء والصفات ألاّ يُتجاوز فيها القرآن والحديث، ولفظ أو اسم القديم أو الوصف بالقدم لم يأتِ في الكتاب والسنة، فيكون في إثباته تعدٍّ على النص.\n- الأمر الثاني:\nأنّ اسم القديم منقسم إلى ما يُمدح به، وإلى ما لا يمدح به، فإنّ أسماء الله - ﷿ - أسماء مدح؛ لأنها أسماء حسنى واسم القديم لا يمدح به؛ لأن الله وصف به العرجون، والقديم هذا قد يكون صفة مدح وقد يكون صفة ذم.\n- الأمر الثالث:\nأنَّ اسم القديم لا يدعا الله - ﷿ - به، فلا يدعا الله بقول القائل يا قديم أعطني، ويا أيها القديم، أو يا ربي أسألك بأنك القديم أن تعطيني كذا، والأسماء الحسنى يُدْعَى الله - ﷿ - بها فذلك لقوله ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، فالأسماء الحسنى يُدْعَى بها؛ يعني تكون وسيلة لتحقيق مراد العبد، ولهذا لم يدخل الوجه في الأسماء، ولم تدخل اليدان في الأسماء، ولا أشباه ذلك، لأن هذه صفات وليست بأسماء، والأسماء هي التي يُدْعَى الله - ﷿ - بها.\nوإذا تبين ذلك فننتقل إلى:","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>[المسألة الثانية]:\nما ضابط كون الاسم من الأسماء الحسنى</span>؟\nالاسم يكون من أسماء الله الحسنى إذا اجتمعت فيه ثلاثة شروط، أو اجتمعت فيه ثلاثة أمور:\n- الأول: أن يكون قد جاء في الكتاب والسنة، يعني نُصَّ عليه في الكتاب والسنة، نُصَّ عليه بالاسم لا بالفعل، ولا بالمصدر، وسيأتي تفصيل لذلك.\n- الثاني: أن يكون مما يُدْعَى الله - ﷿ - به.\n- الثالث: أن يكون متضمِّنا لمدحٍ كاملٍ مطلقٍ غير مخصوص.\nوهذا ينبني على فهم قاعدة أخرى من القواعد في منهج أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وهي:\nأنَّ باب الأسماء الحسنى أو باب الأسماء أضيق من باب الصفات، وباب الصفات أضيق من باب الأفعال، وباب الأفعال أضيق من باب الإخبار. واعكس ذلك.\nفتقول: باب الإخبار عن الله - ﷿ - أوسع، وباب الأفعال أوسع من باب الصفات، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء الحسنى.\nوهذه القاعدة نفهم منها أنَّ الإخبار عن الله - ﷿ - بأنه (قَديمٌ بلا ابتدَاء) لا بأس به لأنه مشتمل على معنى صحيح، فلما قال (قَديمٌ بلا ابتدَاء) انتفى المحذور فصار المعنى حقا، ولكن من جهة الإخبار.\nأما من جهة الوصف، وصف الله بالقدم فهذا أضيق لأنه لا بد فيه من دليل.\nوكذلك باب الأسماء وهو تسمية الله بالقديم هذا أضيق فلا بد فيه من اجتماع الشروط الثلاثة التي ذَكَرْتُ لك.\nوالشروط الثلاثة غير منطبقة على اسم القديم، وعلى نظائره كالصانع والمتكلم والمريد وأشباههم لـ:\n- أولا:\nلم تَرِدْ في النصوص فليس في النصوص اسم القديم، ولا اسم الصانع، ولا اسم المريد، ولا اسم المتكلم، ولا المريد، ولا القديم، أما الصانع فله بحث يأتي إن شاء الله.\n- ثانيًا:\nاسم القديم لا يدعا الله - ﷿ - به؛ يعني لا يُتوسل إلى الله به؛ لأنه في ذاته لا يحمل معنىً متعلقا بالعبد فيسأل الله - ﷿ - به، فلا يقول يا قديم أعطني، لأنه لا يتوسل إلى الله بهذا الاسم، كما هي القاعدة في الآية ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، فثَمَّ فرق ما بين التّوسل بالأسماء والتّوسل بالصفات.\n- ثالثًا:\nمن الشروط: الذي ذكرناه هو أن تكون متضمنةً على مدحٍ كاملٍ مطلق غير مختص.\nوهذا نعني به أنّ المدح، أنَّ أسماء الله - ﷿ - هي متضمنة لصفات.\nوهذه الأسماء لابد أن تكون متضمنةً للصفات الممدوحة على الإطلاق.\nغير الممدوحة في حال والتي قد تذم في حال، أو ممدوحة في حال وغير ممدوحة في حال أو مسكوت عنها في حال.\nوذلك يرجع إلى أنَّ أسماء الله - ﷿ - حسنى؛ يعني أنها بالغة في الحسن نهايتَه.\nومعلوم أن حُسن الأسماء راجع إلى ما اشتملت عليه من المعنى؛ ما اشتملت عليه من الصفة.\nوالصفة التي في الأسماء الحسنى والمعنى الذي فيها لا بد أنْ يكون دالا على الكمال مطلقا بلا تقييد وبلا تخصيص.\nفمثل اسم القديم، هذا لا يدلّ على مدحٍ كامل مطلق، ولذلك لما أراد المصنف أنْ يجعل اسم القديم أو صفة القِدم مدحا قال (قَديمٌ بلا ابتدَاء)، وحتى الدائم هنا قال (دَائمٌ بلا انْتهاء) .\nلكن لفظ القديم قيّده بكونه (بلا ابتدَاء) وهذا يدل على أن اسم القديم بحاجة إلى إضافة كلام حتى يُجعل حقا وحسنا ووصفا مشتملا على مدح حق.\nلهذا نقول إنّ هذا الأسماء التي تُطلق على أنها من الأسماء الحسنى يجب أن تكون مثل ما قلنا صفات مدح وكمال ومطلقة غير مختصة، وأمّا ما كان مقيَّدا أو ما كان مختصا المدح فيه بحال دون حال، فإنه لا يجوز أن يطلق في أسماء الله.\nولهذا مثال آخر أبْيَنْ من ذلك، مثل المريد والإرادة، فإنَّ الإرادة منقسمة إلى:\n١ - إرادة محمودة؛ إرادة الخير إرادة المصلحة، إرادة النفع، إرادة موافقة للحكمة.\n٢ - والقسم الآخر إرادة الشرّ، إرادة الفساد، إرادة ما لا يوافق الحكمة، إلى آخره.\nفهنا لا يسمى الله - ﷿ - باسم المريد، لأنّ هذا منقسم، مع أنَّ الله - ﷿ - يريد ﷾، فيُطْلَقْ عليه الفعل، وهو سبحانه موصوف بالإرادة الكاملة، ولكن اسم المريد لا يكون من أسمائه لما ذكرنا.\nوكذلك اسم الصانع لا يقال أنه من أسماء الله - ﷿ -؛ لأن الصّنع منقسم إلى ما هو موافق للحكمة، وإلى ما هو ليس موافقا للحكمة، والله ﷾ يصنع وله الصنع سبحانه، كما قال ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] وهو سبحانه يصنع ما يشاء وصانِعٌ ما شاء كما جاء في الحديث «إِنّ اللهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ» (١) ﷾، ولكن لم يُسَمَّ الله - ﷿ - باسم الصانع لأنّ الصُّنع منقسم.\n_________\n(١) مسلم (٦٩٨٩)","vol":"1","page":33},{"text":"أيضا اسم المتكلم، المتكلم لا يقال في أسماء الله - ﷿ - المتكلم؛ لأن الكلام الذي هو راجع إلى الأمر والنهي، منقسم: إلى أمر لما بما هو موافق للحكمة؛ أمر بمحمود، وإلى أمر بغير ذلك، ونهي عمّا فيه المصلحة؛ نهي عمّا فيه الخير، ونهي عن ما فيه الضر، والله ﷾ نهى عمّا فيه الضرر، ولم ينهَ عما فيه الخير، بل أمر بما فيه الخير، ولذلك لم يسمَّ الله - ﷿ - بالمتكلم.\nهذه كلها أطلقها المتكلمون على الله - ﷿ -، فسموا الله بالقديم، وسموا الله - ﷿ - بالمتكلم، وسموا الله - ﷿ - بالمريد، وسموا الله - ﷿ - بالصانع، إلى غير ذلك من الأسماء التي جعلوها لله - ﷿ -.\nفإذا تبين لك ذلك فإن الأسماء الحسنى هي ما اجتمعت فيها هذه الشروط، واسم القديم لم تجتمع فيه الشروط؛ بل لم ينطبق عليه شرط من هذه الشروط الثلاثة.\nوالمؤلف معذور في ذلك بعض العذر؛ لأنّه قال (قَديمٌ بلا ابتدَاء) .\nأمَّا الخالق غير الصانع وذلك لـ:\n- أولًا:الخالق جاء في النص والصانع لم يأت في النص.\n- ثانيًا: من جهة المعنى الصنع فيه كلفة وليس ممدوحًا على كل حال، والخَلق هذا إبداع وتقدير فهو ممدوح\n- ثالثًا: الخلق منقسم إلى مراحل، وأمّا الصنع فليس كذلك؛ ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤] فالخلق يدخل من أول المراحل، والصنع لا، الصنع ليس كمالا، فممكن أ، يصنع ما هو محمود ويصنع ما هو مذموم، يصنع بلا برء ولا إنفاذ، وقد يصنع شيئا لا يوافق ما يريده.\nفلهذا اسم الخالق يشتمل على كمال ليس فيه نقص، وأما اسم الصانع فإنه يطرأ عليه أشياء فيها نقص من جهة المعنى ومن جهة الانفاذ، فلذلك جاء اسم الله الخالق ولم يأتي في أسماء الله الصانع.","vol":"1","page":34},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنَّ قوله (قَديمٌ) و(دَائمٌ) كما ذكرنا عند أهل السنة يُعَبَّرُ عنه بالأول والآخر كما جاء في النص.\nوالله ﷾ أوليته عند أهل السنة في ذاته وفي صفاته، وآخِرٌ سبحانه في ذاته وفي صفاته.\nفهو سبحانه لم يزل متصفا بالصفات، وهو أولٌ بصفاته، وهو سبحانه لن ينقطع اتصافه بصفاته ﷾ من الجهة الأخرى.\nيعني أنَّ آخريته سبحانه آخِرِيَةُ ذاتٍ وصفات، وأوليته سبحانه أولية ذات وصفات.\nفنقول عِلْمُ الله ﷾ أَوَّل، ورحمة الله - ﷿ - أُولى، وخلقه سبحانه أول.\nيعني اتصافه بهذه الصفات كذاته سبحانه، فهو الأول الذي ليس قبله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، وهذا سيأتي له مزيد بيان عند قوله (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديمًا قَبْلَ خَلْقِهِ، لم يَزدَدْ بِكَوْنِهِم شَيْئًا، لم يكنْ قَبلَهُم مِنْ صِفَتِهِ، وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا) .\nالمقصود أنّ التعبير عن صفات الله - ﷿ - بكونها أُولى والله - ﷿ - أوّل بذاته وصفاته هذا الموافق للنص، أما نقول الكلام القديم أو خَلْقُهُ القديم أو حكمته القديمة وأشباه ذلك فإنّ هذا يَرِد وأيضا يحتمل معنى غير صحيح.","vol":"1","page":35},{"text":"الجملة الثانية<span data-type=\"title\" id=toc-32> قوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ) </span>.\n_________\nوكونه سبحانه (لا يَفنَى ولا يَبيدُ) ذلك لكمال حياته - ﷿ - وكمال قيوميته.\nدلّ على ذلك قوله سبحانه ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] ويدل عليها قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] في أحد التفسيرين، ويدل عليها قوله - ﷿ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] وذلك لكمال حياته وكمال قيوميته، وإذا انتفى الأدنى انتفى الأعلى من باب أولى، ولهذا قال (لا يَفنَى ولا يَبيدُ) ﷾.\nوأراد المصنف بقوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ) أراد شيئين فيما يظهر:\n- الأول:\nأن هذا فيه مزيد وصْفْ لله - ﷿ - بكمال الحياة وكمال القيومية - ﷿ -، وتفسير لقوله (دَائمٌ بلا انْتهاء)\n- والثاني:\nأنّ بعض أهل البدع زعموا أنَّ بعض صفات الله - ﷿ - تفنى، أو أن بعض آثار أسمائه - ﷿ - يبيد.\nونحن نطلق القول بأنه - ﷿ - لا يفنى ولا يبيد ﷾ في ذاته وفي أسمائه وصفاته، ولا نقيِّدُ ذلك في الزمن المستقبل بشيء، بل نقول هو على إطلاقه؛ بأنه سبحانه آخر فليس بعده شيء، وأنه لن يزال متصفًا بصفاته بمشيئته وقدرته - ﷿ -.\nفإذًا قوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ) هذا لكمال ربوبيته سبحانه وكمال اتصافه بالصفات.","vol":"1","page":36},{"text":"ثم قال (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ)\n_________\nوهذه الجملة الأدلة عليها كثيرة من الكتاب والسنة؛ فإنَّ الله ﷾ قال ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، وقال سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، و«ما شَاءَ الله كَانَ وَما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكْنْ» (١) والله سبحانه يشاء الأشياء فتكون كما شاءها - ﷿ -، ولا تخرج مشيئة العبد عن مشيئة الله - ﷿ - للأشياء.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-33>قوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) </span>يريد به المشيئة - يعني لا يكون إلا ما يشاؤه سبحانه - فالإرادة هنا المعني بها الإرادة الكونية.\nوأراد بهذه الجملة الرد على القدرية الذين يزعمون أنّ الرب - ﷿ - أراد طاعة المطيع، وأراد إيمان المؤمن؛ أراد إيمان المكلف، ولكن المكلف أراد الكفر وأراد المعصية فكان ما لم يرد الله - ﷿ -،\nوهذا قول الذين يقولون إنّ العبد يخلق فعل نفسه كما هو قول المعتزلة وطوائف أيضا من القدرية.\nيقولون إن العبد يخلق فعل نفسه وأنّ الله - ﷿ - لا يخلق فعله، فيحصل في الكون ما لا يريده - ﷿ - لأن الله سبحانه لا يريد الكفر ولا يريد الضلال ولا يريد المعصية.\nوهذا القول باطل كما ذكرنا لك لأن الإرادة المراد بها هنا الإرادة الشرعية.\nوهنا نخلص في هذه الجملة إلى مسائل:\n_________\n(١) أبو داود (٥٠٧٥) / سنن النسائي الكبرى (٩٨٤٠)","vol":"1","page":37},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنه أراد بقوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) أراد بالإرادة هنا المشيئة.\nوالإرادة؛ إرادة الله - ﷿ - منقسمة إلى:\n- إرادة كونية - يعني فيما يحصل في كون الله - ﷿ -.\n- وإرادة شرعية.\nفأما الإرادة الكونية فكثيرة في النصوص وهي مرادفة للمشيئة، فمشيئة الله هي الإرادة الكونية، فإذا قلنا شاء الله كذا؛ يعني أراده كونا.\nأما المشيئة فلا تنقسم إلى مشيئة كونية وإلى مشيئة شرعية؛ بل هي نوع واحد، هو مشيئة في كونه، أما الشرع فإنما يوصف بإرادة شرعية.\nوهذا يعني أنّ الإرادة الكونية التي هي المشيئة هي التي لا يخرج أحد عنها.\nفقد يقع الشيء مأذونا من الله - ﷿ -؛ شاءه الله ﷾ كونًا وقَدَرًَا، ولكنه لم يُرده شرعًا ولم يُرده دينًا.\nفتختلف الإرادتان إذا تعلقت بمعصية العاصي وكفر الكافر.\nفمِن جهة معصية العاصي وقعت بإرادة الله الكونية لكنها لم تقع بإرادة الله الشرعية، والله سبحانه قال ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١] وقال سبحانه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وفي المشيئة قال - ﷿ - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٩] وهذا راجع إلى عِلم الله - ﷿ - فيهم بأنه سبحانه ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن ﷾.\n﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ يعني في عِلم الله - ﷿ - فيما لم يقع، ولن يقع، لو وقع، ولو شاءه كيف يكون.\nفإذًا صارت مشيئة الله - ﷿ - هي الإرادة، والإرادة مرتبطة بالعلم وبالحكمة.\nوهذا خلاف الإرادة الشرعية فإنَّ الإرادة الشرعية مطلوبة من العبد؛ أَمْرْ.\nأَمَرَ بكذا، وَنَهَى عن كذا، فصار المأمور به والمنهي عنه مرادًا له شرعا.\nإذا تبين هذا فإذن قولنا (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) هذا راجع إلى الإرادة الكونية فقط.\nوالذين لم يفرقوا ما بين الإرادتين وقع منهم الغلط في معصية العاصي وضلال الكافر فيما سيأتي بيانه إن شاء الله في موضعه من مباحث القدر.","vol":"1","page":38},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأن قوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) فيه تداخل ما بين إرادة الله - ﷿ - وإرادة العبد.\nوإرادة العبد هي مشيئته، وهي خارجة عن رؤية الحكمة.\nوأما إرادة الله - ﷿ - الكونية فهي منظور فيها بالحكمة.\nفالله سبحانه يريد بما يوافق الحكمة، والعبد يريد ما لا يوافق الحكمة وقد يريد ما يوافق الحكمة.\nوإذا كان كذلك فإرادة الله - ﷿ - بالعبد موافقة للحكمة سواء تَعَلَّقَتْ بالمعين أو تَعَلَّقَتْ بالمجموع.\nوهذا يعني أنّ إرادة العبد فيما يريده خارجة عن مقتضى حكمة الله - ﷿ -؛ إذا أراد شيئا في نفسه له - يعني له بخصوصه -.\nوالله - ﷿ - يريد من العبد ما يوافق حكمته، فقد تجتمع الإرادتان فيما فيه حِكمَةٌ لله - ﷿ -، وقد تختلف الإرادتان فيما كان يريده العبد ولا يوافق حكمة الله - ﷿ -.\nوهذا يعني أنَّ العبد قد يتجه بإرادته إلى شيء فيُصرَفُ عنه لعدم موافقته لحكمة الله - ﷿ - في نفسه؛ يعني فيما يتعلق بالعبد أو فيما يتعلق بالمجموع.\nوالله - ﷿ - قد يريد الشيء كونًا، ولا يكون إلا ما يريد لموافقته للحكمة في خصوص العبد في نفسه، أو ظهور الحكمة في نفسه أو لظهور الحكمة في المجموع- يعني في غيره -.\nولهذا نقول ما من شيء يريده الله ﷾ في ملكوته إلا وهو موافق للحكمة، والشر ليس إلى الله - ﷿ -؛ بل الله سبحانه لا يوصف أو لا يضاف إليه إلا الخير.\nوأما العبد فقد يريد الشيء ويكون بالنسبة له شرًا فيخرج من هذه الجهة عن كونه موافقا للحكمة -يعني حكمة العبد ومصلحته-، ولكنه بالنسبة لفعل الله - ﷿ - وإرادته يوافق الحكمة التي هي منظور فيها إلى المجموع.\nوهذا يعني أنَّ إرادة الله - ﷿ - في ملكه إنما تكون على وفق الحكمة، وحكمة الله هي القاضية لهذه الأشياء جميعا في الإرادات.\nوهذا فيه رد على طوائف كثيرة من المبتدعة في مسائل القدر يأتي بيانها مفصلًا إن شاء الله في موضعها في تعريف الظلم والعدل، وفي التحسين والتقبيح، وفي أيضا الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وفي وقوع المعصية ووقوع الكفر، وفي فعل العبد بنفسه.\nوهذه مسائل كبيرة تحتاج إلى بيان وتفصيل في موضعها.\nالمقصود من ذلك أنّ قوله (لا يكونُ إلا ما يُريدُ) هذا موافق لما -أو تضيف عليها عبارة- أنّ ما يريده موافق لمقتضى الحكمة المطلقة سواء وافقت العبد المعين أو وافقت المجموع.\nفالله سبحانه الشر ليس إليه كما وصفه به النبي - ﷺ - بقوله في الدعاء (وَالشّرّ لَيْسَ إِلَيْكَ) (١) ففعله سبحانه خير محض، وقد يأذن بالشر المضاف إلى العبد، ولا يكون شرا بالنسبة لإرادته سبحانه، فالله لا يريد ظلما للعباد، ولا يريد شرا بالعباد، وإنما العباد أرادوا ذلك بأنفسهم، وإذا وقع ذلك فإنما يقع بالإضافة إلى فعل العباد، وليس مضافا إلى الله سبحانه لأنّ فعله سبحانه خير محض.\n_________\n(١) مسلم (١٨٤٨) / أبو ادود (٧٦٠) / الترمذي (٣٤٢٢) / النسائي (٨٩٧)","vol":"1","page":39},{"text":"قال في الجملة بعدها (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ)\n_________\nهذا يَرُدُّ به على المجسمة والمعطلة جميعا.\n(لا تَبلُغُه الأوْهَامُ) يعني أنّ تفكير المُفَكِّرْ ونظرَه بخياله لا يمكن أن يبلغ بخياله وفِكْرِهِ وصف الله - ﷿ - ولا كُنْهَ ذاته ﷾، فليست الأفهام مَوضُوعَةٌ لإدراكه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] سبحانه.\nو(لا تَبلُغُه الأوْهَامُ) يعني مهما فكَّر العبد فلن يبلغ كُنْهَ ذاته سبحانه ولا كُنْهَ اتصافه بصفاته - ﷿ -، ولا يمكن للأفهام مهما عَلَت أن تدرك ذلك.\nففيه رد على المجسمة الذين جعلوا الله - ﷿ - جسما كالأجسام.\nوفيه رد على المعطلة الذين جعلوا الله - ﷿ - مُعُطَّلًا عمَّا وَصَف به نفسه، لأنه شبَّهُوا أولًا، ثُمَّ عطلوا ثانيًا، فقام بقلوبهم في صفات الله أنها على صفة شيء معين، فمنعوا ذلك، فدخلوا بأوهامهم وأفهامهم في تحديد كُنْه الاتصاف بالصفة، ثم عطلوا ونفوا ثانيًا.\nوفيه رد على المتصوفة؛ غلاة المتصوفة أيضا، وهي الطائفة الثالثة الذين زعموا أنَّ العبد بالرياضة قد يبلغ إلى مرتبة يرى فيها الرب - ﷿ -، وأنه يمكن إذا فَنِيَ عن المحسوسات أن يدرك بوهمه غير المحسوسات - يعني الغيبيات -، وهذا هو الذي يسمونه الفناء بالدرجة العليا عندهم، وهو أنه يفنى عن المخلوق ويبقى في رؤية الخالق - ﷿ -.\nإذا تبين ذلك، ففي<span data-type=\"title\" id=toc-36> قوله (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ) </span>مسائل:","vol":"1","page":40},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ القاعدة العقلية المتفق عليها بين العقلاء والحكماء أنَّ معرفة الإنسان تنشأ شيئًا فشيئًا، وهذا قد جاء في القرآن في قوله تعالى (١)\n\n: [[الشريط الثالث]]:\n\n﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]، فمعرفة الإنسان باتفاق العقلاء والحكماء واتفاق أهل الشرع أنها إنما تكون شيئًا فشيئًا، وهذا هو الذي يسمى عند الفلاسفة نظرية المعرفة، أو نظرية حصول المعارف، وهي كما قلنا تأتي شيئا فشيئا.\nوهي مبنية على قسمين:\n- القسم الأول:\nأنَّ هناك أشياء يدركها بحواسه؛ باللمس، بالبصر، بالشم، بالذوق، بالسماع، بحواسه يدرك، وهذا نوع من تحصيل المعارف، نوع من المعارف يحصل للإنسان بحواسه، وهذا أول ما يبدأ بها الصغير.\n- القسم الثاني:\nما يحصل بعقله وإدراكه، وهذا مبني على المقارنة.\nوهذا القسم الثاني مبني على الأول، وهو أنه يقارن الأشياء مع ما أحسها.\nفالمحسوسات التي أدركها بعينه وبشمّه وبذوقه وبسمعه وبلمسه للأشياء، هذه تسمى ضرورية؛ لأنَّ وجودها لا يحتاج إلى برهان.\nوغيرها مما يَحْصُلُ به المعرفة، إنما يكون منسوبًا عنده لهذه الأشياء.\nفيرى مثلًا هذا العمود، فيراه بإحساسه ذا حجم، ثم يرى عمودًا آخر أصغر منه، فيراه مختلفًا عنه في الطول، فعقد المقارنة وقال هذا أصغر من هذا، ثم عقد المقارنة فقال هذا أكبر من هذا، عقد المقارنة بين الألوان فقال هذا أبيض وهذا أسود وهذا أحمر، عقد المقارنة بين الأشياء الحرارية فقال هذا بارد وهذا متوسط وهذا دافئ وهذا حار إلى آخر ذلك.\nوهذا نتحصَّلُ منه على القاعدة المتفق عليها بين القائلين بنظرية المعرفة، وهي صحيحة شرعًا على القَدْرْ الذي ذكرتُ لك بأنه لا يمكن للوَهَم - وهم الإنسان - ولا يمكن لفهمه أن يدرك شيئا ولا أن يبلغه وهَمه وفهمه إلا:\n- إذا رآه.\n- أو أحس بأحد الحواس.\n- أو رأى ما يماثله ويشابهه فيقيس عليه.\n- أو رأى ما يقيسه عليه ولو لم يَرَ ما يماثله أو يشابهه إذا أمكنه القياس.\nفمثلا نذكر صفة حيوان ما، إذا قيل لك هناك حيوان اسمه (القَلَعَ) - أَيُ اسْمْ - فأنت مباشرة تتصور ولو لم تعرف حقيقته، أنه ما دام أنه حيوان يمكن أن تقيس وتُخْرِجْ بعض الصفات لأننا ابتدأنا وقلنا حيوان، فإذا قلت إنه أكبر من الفيل ذهبت إلى شيء آخر، إذا قلت أنه أصغر من الفيل بَدَأَتْ تَتَحَدَدْ وتَقْرُبْ عندك؛ لأنك أدركت هذه الأشياء بما رأيت، أو بما يمكنك أن تقيس عليه.\nولهذا نقول لا يمكن لأحد أن يدرك شيئًا ولا أن يَتَحَصَّلَ منه على معرفة يبلغها وهمه ويدركها فهمه:\n- إلا إذا رآه.\n- أو رأى مثيله وشبيهه.\n- أو رأى ما يقاس عليه.\nالمثيل والشبيه، مثلًا تقول أكلنا خبزًا في بلد كذا، ما دام ذكرت الخبز. نحن أكلنا الخبز هناك، إذا قلنا لك الخبزة طولها ثلاثة أمتار طولها نأخذها ونقطعها، تعرف أنَّ الخبز دقيق أوبر إلى آخره، فعرفت مثيله أو شبيهه، فيمكن أن تدرك الآخر برِؤيتك لما يدخل معه في الشبه أو في المثلية.\nالله ﷾ لم تُدْرِكْهُ الحواس ﷾، ولم يُرَ مثيل له أو شبيه له، ولم يُرَ ما يمكن أنْ يقاس الحق عليه - ﷿ -.\nولذلك دخول المعرفة أو إدراك المعرفة أو حصول المعرفة بالله - ﷿ - لا يمكن أن تكون بالأوهام أو الأفهام أو بالأقيسة أو بما تراه.\nولهذا احتاج الناس إلى بَعْثَةْ الرسل تُبَيِّنْ لهم صفة ربهم - ﷿ - وصفة خالقهم؛ لأنه - ﷿ - لم يُر، ولم يُدْرَكْ مثله، ولا ما يشبهه سبحانه، ولا يمكن أيضا أن يُقَاسْ على شيء، لذلك كان لابد من بعثة الرسل لبيان ذلك.\nوهذا يعني أنه سبحانه (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ) كما ذكر المصنف.\nفإذًا قوله (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ) مُنْطلِق من مسألتين كبيرتين ذكرتهما لك في هذه المسألة.\n_________\n(١) انتهى الشريط الثاني.","vol":"1","page":41},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ (الأوْهَامُ) و(الأفْهَامُ) هذه عَبَّر عنها بقوله (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ) في (الأوْهَامُ)، وفي (الأفْهَامُ) قال (ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ) .\nوهذا راجع إلى أن الوهَم - يعني ما يتوهمه الإنسان - غير ما يفهمه.\nفالوهم راجع للخيال، والفهم راجع للأقيسة والمقارنات.\nولهذا الرب - ﷿ - لا يمكن تَخَيُّلُهْ، ولا يمكن أيضا أنْ يُفَكَّرَ فيه فَيُدْرَكْ.\nوهذا معنى قول الله - ﷿ - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ﷾.\n(لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) سبحانه، هنا الأبصار يأتي معنى البصر؛ هو سبحانه لا يحيط به البصر إذا رآه أهل الإيمان في الآخرة.\nوفي الدنيا لا تدركه الأبصار أيضًا التي هي الرؤى والعيون، وكذلك الأبصار التي هي الأفهام والأوهام لا تدركه - ﷿ -.\nفالفهم إذًا منقطع، والوهم إذًا منقطع.\nولهذا قال بعض السلف (ما خطر ببالك فالله - ﷿ - بخلافه)، لم؟\nلأنه ذَكَرْتُ لك أنّه لا يمكن أنْ يخطر ببالك ولا أن تتخيل إلا شيء مبني على نظرية المعرفة من قبل، وهذا مقطوعٌ يقينًا.\nإذًا فصار الأمر أنّ إثبات الصفات لله - ﷿ - بأنواعها مع قَطْعْ الطَّمع في بلوغ الوهَم لها من جهة الكيفية والكُنْه، وكذلك من جهة إدراك الأفهام لتمام معناها، فمن الجهتين:\n-كنه الصفة (الكيفية)\n- وكذلك تمام المعنى.\nهذا لا يمكن أن تبلغه الأوهام، ولا أن تدركه الأفهام.\nنقف عند هذا القدر وهذه الجمل في أولها، مثل ما ذكرت لك راجع إلى مسائل مختلفة لا ينتظمها زِمَامْ، ويأتي بعد ذلك المسائل العقدية بتفصيلها إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الأسئلة:</span>\nس١/ يقول على القاعدة التي ذكرتم؛ وهي أنَّ الاسم إذا كان منقسمًا فإنه لا يطلق على الله، فماذا يقال في اسم الباسط والقابض، فإن هذين الاسمين منقسمين فالبسط يكون للخير وقد يكون للشر، وكذلك القبض قد يكون للخير وقد يكون للشر؟\nج/هذا سؤال جيد، وجوابه راجع إلى معرفة أنّ الأسماء الحسنى منها ما لا يكون كمالا إلا مع قرينه، مثل الخافض الرافع، فالرافع لما اقترن بالخافض صار كمالًا مثل القابض الباسط، الله - ﷿ - قال ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ﴾ [البقرة:٢٤٥] القابض الباسط ﷾، الضار النافع - ﷿ -، فثَمَّ من الأسماء الحسنى ما لا يكون دالًا على الكمال بمفرده، ولا يسوغ التعبيد له، مثل الضار هو من الأسماء الحسنى، ما نقول عبد الضار وأشباه ذلك، مثل المميت، المحيي المميت، ما نقول عبد المميت؛ لأن هذه الأسماء تطلق على وجه الكمال وتكون حسنى مع قرينتها، لهذا تجد أنها ملازمة للاسم القرين.\nلهذا نقول الباسط صار كمالا بالقابض، فيطلق منفردا لأن كماله باسم الله القابض، والقابض أيضا هو كمال باسم الله الباسط لكنه لا يُعَبَّدُ له كما يعبد للباسط، ومثله النافع والضار، الضار كماله بالنافع والنافع كماله بالضار، لأنه يدل على القهر والجبروت لله - ﷿ -، وكذلك المحيي المميت. وهذا يأتينا عند قوله إن شاء الله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) .\nس٢/ لماذا تقولون أنّ عقيدة أهل السنة والجماعة من عقيدة التابعين، ونجد كثيرا من التابعين قد غلط في الأسماء والصفات؟ فهل نقول عقيدة الصحابة ولا نقول عقيدة التابعين؟\nج/ أولًا من حيث الأدب في السؤال ما يناسب لطالب العلم أن يسأل بقوله (لماذا تقولون؟) لأن هذا فيه منافاة لأدب المتعلم مع المعلم، هذه واحدة.\nثانيًا أنَّ قوله (نجد كثيرا من التابعين قد غلط في الأسماء والصفات) التابعون إذا أراد بالذين غلطوا في الأسماء والصفات من أدركوا الصحابة، فليس هؤلاء من التابعين للصحابة بإحسان، لهذا قال - ﷿ - ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] ليس كل من تبع فجاء تابعا للصحابة يكون محمودا.\nلهذا نقول عقيدة الصحابة والتابعين. المراد بالتابعين الذين أثنى الله عليهم بأنهم تبعوهم بإحسان، أما الذين تبعوا الصحابة زمانا وخالفوهم عقيدة، وابتدعوا في الأسماء والصفات أو في القدر أو في الإيمان، كالخوارج والمرجئة والقدرية وأشباه هؤلاء، هؤلاء لا يدخلون أصلا في التابعين بإحسان، خير الناس قرن الرسول؟ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، والمراد من كان منهم على الحق.\nإن أراد السائل بعض الغلط المروي عن التابعين من أهل السنة؛ يعني ممن تبع الصحابة بإحسان، فإنه لا يقال أنهم غلطوا في الأسماء والصفات، وإنما حصل بعض العبارات التي يُنازعون فيها؛ لأنهم اجتهدوا، لكن لا يقال إنهم غلطوا في ذلك، ولكن يقال لهم اجتهدوا فينسب إليهم اجتهادهم ولا يعابون لا يعتبرون غلطوا، ما فيه مسألة يقال غلطوا فيها في الصفات؛ التابعين بإحسان، ولا غلطوا في الأسماء؛ لأنه إن غلط في هذا الأمر في أصل من أصول الصفات أو من الأسماء فإنه لا يكون من التابعين بإحسان.\nس٣/ ورد في الحديث (نعوذ بِوَجْهِك الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِك الْقَدِيمِ) (١)؟\nج/ هذا معروف في البحث، السلطان هنا المقصود به الخَلْقْ؛ يعني الملكوت أو يُقْصَدْ به الصفة المتعلقة بذلك، وهذا فيه بحث زيادة على ما ذكرت، ولكن هذه الكلمة لا تعني أن القديم من أسماء الله - ﷿ -، أو أنه من صفاته سبحانه؛ لأنه وُصِفَ به سلطانه سبحانه «أَعُوذُ بِوَجْهِ الله الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ» سلطان الله القديم الذي هو صفة تدبيره سبحانه، وهذه ليست راجعة إلى الاسم القديم الذي يدل على الذات، كما هو معلوم أن الأسماء تدل على الذات وتدل على الصفات.\nس٤/ ما الفرق بين الصفات والأفعال في قولك باب الصفات أضيق من باب الأفعال؟\nج/ يعني قد يكون هناك أفعال تضاف إلى الله - ﷿ -، ولا نشتق منها صفة نصف بها الرب - ﷿ -، فباب الأفعال أضيق من باب الصفات، فليس كل فعل أطلق أو أضيف إلى الله - ﷿ - من فعله سبحانه نشتق منه صفة من الصفات، وكذلك ليس كل ما جاز أن يُخبَر به عن الله - ﷿ - جاز أن نجعله اسما له سبحانه، أو أن نجعله صفة له سبحانه، وكذلك ليس كل صفة له - ﷿ - يجوز أن نشتق منها اسم، مثل مثلا الصُّنع الله - ﷿ - قال في آخر سورة النمل ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] فالصنع هذا صفة (صُنْعَ اللَّهِ)، (صُنْعَ اللَّهِ) هذا صفة لكن لا يجوز أن نشتق منها الصانع، لأنه كما ذكرنا الشروط لا بد أن تكون:\n١ - أولا: جاءت في الكتاب والسنة.\n٢ - ثانيًا: أن يكون يدعى بها، واسم صانع لا يدعى به الرب - ﷿ -، لا نقول يا صانع اصنع لي كذا؛ لأنه لا يتوسل إلى الله به.\n_________\n(١) أبو داود (٤٦٦)","vol":"1","page":43},{"text":"٣ - ثالثًا: أنه ليس مشتملا على مدح كامل مطلق غير مختص.\nمثال للأفعال مثل ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وهنا ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) جاء إضافة الأفعال هذه إلى الله - ﷿ -، ما نقول نشتق منها صفة فيوصف الله بالمكر ويوصف الله بالاستهزاء وأشباه ذلك، هذا غلط؛ لأن باب الأفعال كما ذكرنا أوسع من باب الصفات، وباب الصفات أضيق؛ لأن المكر منقسم (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) جاء هنا إضافة (يَمْكُرُ) إلى الله - ﷿ - (يَمْكُرُ اللَّهُ) لكن المكر صفة منقسمة إلى:\n- المكر الذي هو بحق، وهو ما دلّ على كمال وقهر وجبروت وهو المكر بمن مكر به سبحانه، أو مكر بأوليائه، أو مكر بدينه، هذا.... حق.\n- وإلى مكر مذموم وهو ما كان على غير وجه الحق [.....] (١)\nكذلك، ما نقول إنَّ من صفة الله الاستهزاء، كذلك الملل لا نقول من صفات الله الملل، وأشباه ذلك «إِنّ الله لاَ يَمَلّ حَتّى تَمَلّوا» (٢) أُطلق الفعل لكن لا نشتق منه الصفة؛ لأن الصفة منقسمة، كذلك من الصفة إلى الاسم، وهذا فيه قواعد ذكرها ابن القيم ﵀ في أول (بدائع الفوائد) .\nنقف عند هذا نسأل الله التوفيق والسداد.\n_________\n(١) - كلام غير واضح\n(٢) البخاري (٥٨٦١) / مسلم (١٨٦٣)","vol":"1","page":44},{"text":"لَا تَبْلُغُهُ الْأَوْهَامُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَفْهَامُ، وَلَا يُشْبِهُ الْأَنَامَ، حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لَا يَنَامُ، خَالِقٌ بِلَا حَاجَةٍ، رَازِقٌ بِلَا مُؤْنَةٍ.\n_________\nهذه الجمل التي سمعنا من هذا المتن العظيم -الذي هو متن العقيدة الطحاوية- متصلة بما قبلها، والكلام فيما تقدَّم كان عن وصف الله - ﷿ - بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال.\nفقال رحمه الله تعالى في وصفه ﷾ (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْركُهُ الأفْهَامُ، وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ) وهذه كما ذكرنا لك فيما سلف عامة في جميع الصفات وأنّ صفات الحق - ﷿ - لا تشبه صفات الأنام بالقيد الذي ذكرناه لك مُفَصَّلًَا فيما سلف.\nوبعدها ذَكَرَ جملة من ما يُفارق به وصف الله - ﷿ - صفة المخلوق فقال بعد قوله (وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ) (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ، خَاِلقٌ بِلا حَاجَة، رَازقٌ بلا مَؤُونَة، مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) .\nوهذه الصفات هي صفاتٌ وأسماء للحق - ﷿ -، فإنّ صفة الحياة ثابتةٌ له - ﷿ -، وكذلك صفة القيومية وصفة الخلق والرَّزق والإماتة والبعث له سبحانه.\nوهو سبحانه المحيي والحي وهو القيوم - ﷿ - كما قال سبحانه ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وكما قال ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١-٢]، وكذلك صفة الخَلق وصفة الرَّزق وغير ذلك من الصفات.\nفأسماء الله - ﷿ - كما هو معلوم مشتملة على صفات، وصفات الحق - ﷿ - مباينة لصفات المخلوق من جهات:\n١ - الجهة الأولى: أنّ الرب - ﷿ - يتصف بالصفة على وجه الكمال، والمخلوق يتصف بالصفة على وجه النَّقص.\n٢ - الجهة الثانية: أنَّ الرب - ﷿ - صفاته متلازمة؛ لأنه سبحانه له الكمال المطلق، وله الصفات العُلا الكاملة من كل وجه، وأما المخلوق فصفاته غير متلازمة بل قد يكون فيه جملة من صفات النقص، ويكون ثَمَّ فيه بعض الصفات التي هي كمال في حقه، وإن كانت في الجملة لا يتصف بها إلا لنقصٍ فيه.\n٣ - الجهة الثالثة: أنّ اتصاف المخلوق بالصفات وإن كان في أصل المعنى مشتركة مع صفات الحق - ﷿ - لكنه اتصف بها على وجه الحاجة إليها، وأما الرب - ﷿ - فهو متصف بصفاته لا على وجه الحاجة إلى آثار الأسماء والصفات؛ فمثلا المخلوق يُقدِّرُ أو يُقِيْمُ الأشياء لحاجته، ويخلق ما يخلق لحاجته، والله ﷾ (خَاِلقٌ بِلا حَاجَة) ويَهَبُ المخلوقُ ويَرْزُقُ لحاجته، والله ﷾ يهب ويرزق ويُعطي وهو الغني - ﷿ - ﴿أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، وهكذا في بقية الصفات.\nفإذًا اتصاف المخلوق بالصفات التي يشترك فيها من حيث أصل المعنى مع الرب - ﷿ - هو اتصاف على سبيل النقص، وهذا الاتصاف مع ضَمِيْمَةِ ما سبق أنْ ذكرنا لك فيما سلف لا يشبه فضلا أن يماثل صفات الرب - ﷿ -.\nلهذا فصَّل الطحاوي ﵀ بعد قوله (وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ) بعض صفات الحق - ﷿ - التي يتصف بها وفارق بها صفة المخلوق الذي ربما اتصف بتلك الصفات.","vol":"1","page":45},{"text":"فقال ﵀ (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ)\n_________\nوكونه - ﷿ - حيًا، هذا دلَّ عليه العقل ودلَّ عليه السمع؛ يعني دل عليه الكتاب والسنة.\nوقبل ورود الكتاب والسنة فالعقل يدلُّ على أنَّ الله - ﷿ - موجود لكثرة الدلائل وتواترها وتتابعها على وجود الحق - ﷿ -.\nوكونه ﷾ موجودًا يدل باللازم الذي لا انفكاك منه على أنّه حي ﷾، وحياته - ﷿ - تدل على أنه متصف بصفات كثيرة.\nفإذًا صار اسم الله (الحيّ) يدل عليه العقل قبل ورود السمع.\nوكذلك اسم الله (القيوم) وصفة القيومية له - ﷿ - هذه أيضًا يدل عليها العقل ويدل عليها السمع لأنه سبحانه هو الذي أقام الأشياء.\nفكونه هو الخالق للأشياء يدل عقلًا أنه هو الذي أقامها وأنّ قيومِيَّتَهَا به - ﷿ -.\nإذا كان كذلك فنقول هذان الاسمان (الحي) و(القيوم) قد قيل فيهما -وهو قول قوي، وله حظ من الترجيح- أنهما اسما الرب - ﷿ - الأعظمان.\nفالاسم الأعظم الذي إذا دُعي به الرب - ﷿ - أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى كما جاء في الحديث، هو في سورة البقرة وسورة آل عمران، وفيهما قول الله - ﷿ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) .\nوهذا له معنى وذلك أنَّ الحي والقيوم بلوازمه؛ بلوازم اسم الحي وما يلزم من اسم القيوم يقتضي جميع الأسماء التي هي من أفراد الربوبية والصفات التي هي من أفراد الربوبية.\nولهذا عُلِّقَ إعطاء السائل سؤله في هذين الاسمين الأعظمين؛ لأنَّ إجابة السُّؤَّال وإعطاء الداعي ما دعا هذا متعلق بربوبية الله - ﷿ -، فإذا انضم إليها إدانة العبد وإقراره بتوحيد الإلهية وأن الله - ﷿ - لا إله إلا هو، صار هذا الدعاء (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) متضمنًا لتوحيد الإلهية ولتوحيد الربوبية ولتوحيد الأسماء والصفات.\nلهذا فإن اسم الحي واسم القيوم هما اسما الله الأعظمان اللذان إذا دُعي بهما أجاب وإذا سئل بهما أعطى، في قول قوي مرجَّح لأحد القولين في اسم الله الأعظم.\nإذا تبين لك ذلك ففي<span data-type=\"title\" id=toc-41> قوله (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ) </span>مسائل:\n_________\n(١) البقرة:٢٥٥، آل عمران:٢.","vol":"1","page":46},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنّ صفة الحياة صفةٌ مُشتَرَكة بين كل مخلوقات الله - ﷿ -.\nوكل حياة لها ما يناسبها، حتى الجماد له حياة تناسبه؛ حتى الشجر والحجر له حياة تناسبه.\nوإنما سمي جمادًا لأنه جامد في الظاهر؛ ليس له حركة ظاهرة، وإلا فإنه ليس بميت يعني لا حراك فيه ولا حياة، وإنما هو:\n- ميت باعتبار عدم الحركة.\n- وجماد باعتبار عدم الحركة.\nولهذا فإنَّ اشتراك المخلوقات مع الرب - ﷿ - في هذا الاسم وفي صفة الحياة هذا اشتراكٌ في أصل المعنى فكل له حياة تناسبه، على حسب القاعدة المعروفة: وهي أن الصفات بما يناسب الذوات.\nفإثبات الصفات إثبات وجود لله - ﷿ - لا إثبات كيفية، وصفات المخلوقات تناسب ذواتهم الوضيعة الضعيفة الفقيرة.\nوهذا ظاهر أيضًا في صفتي السمع والبصر كما قد قرَّرْنَاهُ لكم مِرارًا في قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فإنّ صفة السّمع وصفة البصر مشتركة بين أكثر الكائنات الحية، وكذلك الحياة فهي مُشْتَرَكَة بين جميع الكائنات الحية، منها ما حياته بالروح والنفس، ومنها ما حياته بالنماء، ومنها ما حياته خاصة به كالصخور والتراب، وأشباه ذلك ولهذا كان؟ يقول كما رواه مسلم في الصحيح «إني لأعلم حجرا بمكة ما مررت عليه إلا سلَّم علي (١) .\nفإذًا إثبات هذه الصفة واسم الحي لله - ﷿ - يدل على نفي التعطيل بجميع أنواعه، ويدل على إبطال التجسيم بجميع أنواعه.\nولهذا صار اسمًا عظيمًا مختصًا بالرب - ﷿ - على وجه الكمال، لأنَّ المخلوق يعرف أنَّ حياته قصَّة قليلة يريد زيادتها فلا يستطيع، يريد أن يكون في وَصْفِهِ بالحياة أكمل من وصف غيره فلا يستطيع، فدلَّ على ظهور نقصه في الصفة المشتركة بينه وبين جميع المخلوقات.\nالمقصود من هذا إنَّ في إثبات صفة الحياة لله - ﷿ - إبطال للتعطيل وإبطال للتجسيم على الوجه الذي ذكرته لك، وهو ظاهر في قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الثالث، أما الحديث فهو في مسلم (٦٠٧٨) .","vol":"1","page":47},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالله - ﷿ - قال ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ وذلك لكمال حياته ولكمال قيوميته - ﷿ -.\nوقوله هنا (حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لَا يَنَامُ) دلَّتا على القاعدة المقرَّرة عند أهل السنة والجماعة وهي:\n*أنَّ وصف الرب - ﷿ - بالنفي ليس مقصودًا لذاته وإنما هو لإثبات كمال ضد ما نفى.\nلهذا سبحانه أثبت الكمال له ثم نفى ليدل على إثبات الكمالات له - ﷿ -، فلمَّا قال ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ ليدل على أنَّ قول ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ لكمال حياته ولكمال قيوميته، فنفى لتأكيد الإثبات.\nوهذه هي القاعدة المقررة عند أهل السنة والجماعة فيما يُنفَى في القرآن وفي السنة عن الله - ﷿ - إنما هو لإثبات كمال ضده من صفات الحق - ﷿ - كما في قوله سبحانه ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] لكمال عدله، وكما في قوله سبحانه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] لكمال علمه سبحانه وحِفظِهِ سبحانه وقيوميته، وكقوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾] الإخلاص] وأشباه ذلك.","vol":"1","page":48},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنَّ اسم القيوم لله - ﷿ - واسم الحي هذان الاسمان مُتَعَلِّقانِ بخلقه - ﷿ -، يعني أنَّ لهما الأثر في خلقه سبحانه، وكل حياةٍ تراها في خلقه فهي من آثار حياته - ﷿ -، وكل صلاح أو فعل تراه في خلقه فهو من آثار قيوميته - ﷿ -.\nواسم القيوم مبالغة لإثبات كمال قيامه ﷾ على الوجه المطلق بنفسه وبخلقه، فلفظ القيوم، اسم القيوم يدل على أنه سبحانه كامل فيما يختاره ﷾ لنفسه من الصفات التي تقوم بمشيئته واختياره وقدرته، وكذلك له الكمال فيما يقيم به خلقه - ﷿ -.\nوإذا تبيَّن ذلك فإن قول المؤلف (قَيُّومٌ لَا يَنَامُ) راجع إلى الآية ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ وذلك لكمال حياته، ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ وذلك لكمال قيوميته - ﷿ -.\nففسَّر القيوم بأنه الذي لا ينام، وهذا كما ذكرت لك ليس تفسيرًا لمعنى القيوم، فإنَّ معنى القيوم أنّهُ الذي قام بنفسه وأقام غيره، فليس ثَمَّ شيء إلا والله - ﷿ - مُقيمٌ له على وجه ما تقتضيه حكمة الرب - ﷿ -.\nفإذا تبيَّن ذلك فإنَّ اسم القيوم لله - ﷿ - واسم الحي له ﷾ لهما أثر في إجابة السؤال.\nوهذا الأثر مرتبط بقاعدة كلية في ارتباط الإجابة بحسن السؤال، ولهذا قال - ﷿ - ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] فدعوة الله - ﷿ - بأسمائه يعني بما يناسب مقصودك من الأسماء.\nوكل [.....] لك في حياتك فهو من آثار اسم القيوم، لأنك تحتاج ما تقيم به حياتك، وكل ما تُقيمُ به حياتك إنما هو من القيوم - ﷿ -، فإذا أقامك - ﷿ - على شيء أو أقام لك شيئًا فإنه سبحانه القيوم الذي هو ﴿قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣] ﷾.\nلهذا فإنَّ فقه الدعاء مرتبط بفقه الأسماء والصفات، فكلما كان العبد أعرف بأسماء الله وصفاته وآثارها في خلقه، كُلَّما كان أعرف وأعلم بسؤال الله بها وباستحضاره لمعنى ذلك كان ذلك أرجى لقبول الدعاء وحصول المطلوب.","vol":"1","page":49},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nأنَّ اسم الحي واسم القيوم بلازمهما تدل على بقية صفات الرب - ﷿ -، لأنَّ الحياة مستلزمة لكثير من الصفات، والقيومية مستلزمة لكثير من الصفات.\nلهذا قال طائفة من المحققين من أهل العلم في هذا الباب (إنَّ الصفات التي أثبتها الأشاعرة أو أثبتها غيرهم من أهل البدع وزعموا إثباتها بالعقل أنَّهُم قَصَّروا في ذلك لأنَّ العقل بالتلازم واللزوم يُثْبِتُ صفات كثيرة لله - ﷿ - أكثر من السبعة التي أثبتها طائفة منها بالعقل) .\nلهذا اسم الحي يستلزم صفات كثيرة، واسم القيوم يستلزم صفات كثيرة، لذا ينبغي أن يُتَاَمَّل هذا الموضع من جهة أنَّ حياة الرب - ﷿ - واسم الرب - ﷿ - (الحي)، وقيومية الرب - ﷿ - واسمه القيوم يستلزمان عقلًا عددًا كبيرًا جدًا من الصفات لله - ﷿ -.\nوهذا موضع يُحْتَجُّ به على من يُثبِتُونَ الصفات بالعقل لأنَّ حياته سبحانه ثابتة عقلًا عند الجميع وكذلك قيوميته سبحانه ثابتة عقلًا عند الجميع.","vol":"1","page":50},{"text":"قال بعدها (خَالِقٌ بِلَا حَاجَةٍ، رَازِقٌ بِلَا مُؤْنَةٍ)\n_________\nوكما قال فيما سبق (حَيٌّ لَا يَمُوتُ) قال هنا (خَالِقٌ بِلَا حَاجَةٍ، رَازِقٌ بِلَا مُؤْنَةٍ) .\nو(خَالِقٌ) اسم فاعل من الخَلْقْ، فالخَلْقْ مصدر خَلَقَ الشيء يَخْلُقُهُ خَلْقًَا.\nواسم الخالق لله - ﷿ - هو على مقتضى اللغة يشمل مراتب:\n١ - المرتبة الأولى لصفة الخلق واسم الخالق: التقدير:\nفإنَّ الخلق في اللغة هو التقدير كما قال - ﷿ - ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] وقال سبحانه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] تقدير الشيء على وفق علم المُقَدِّر.\nوفي هذا قول الشاعر:\nفأنت تَفْرِي ما خَلَقْتَ ****** وبعض القوم يخلق ثم لا يَفْرِي\n(تَفْرِي ما خَلَقْتَ) يعني تقطع ما قدرت من الأمر أو من الصناعة.\n(وبعض القوم -لعجزه- يخلق) يعني يقدر، (ثم لا يَفْرِي)\nوهذه المرتبة ثابتة لله - ﷿ -، فهو سبحانه المُقَدِّر للأشياء ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ خَلَقَ كل الأشياء فقدَّرَها، فخَلْقُهُ كان مشتملًا على تقديرها شيئًا فشيئًا أو تقدير ما يصلح لها.\nهذا وتقديره سبحانه للأشياء بلا حاجة لهذا التقدير.\nفالمخلوق يُقَدِّر خشية ألا يصل إلى ما يريد، فإنَّ تقديره للأشياء شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى نهايتها وحتى يكون ما يريد على وفق ما قدَّرْ أو على وفق ما يريده، فيحتاج إلى التقدير ليتم الأمر.\nوالله سبحانه حين قدَّر لا لحاجته لذلك، بل هو سبحانه يُجْرِي الأشياء وفق (كن فتكون) على وفق حكمته سبحانه بمشيئته الكونية، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\nفكونه سبحانه قدَّر الأشياء لا لحاجة إلى التقدير، ولكن ليكون ذلك موافق لحكمته سبحانه، ولله الحكمة البالغة كما خلَقَ السموات والأرض في ستة أيام وهو قادر أن يخلقها - ﷿ - بمباشرة الأمر لها بكن فتكون مرة واحدة.\n٢ - المرتبة الثانية لصفة الخلق واسم الخالق: هو تصوير الأشياء:\nوتصوير الأشياء هو خَلْقٌ لها لأنها أعظم من التقدير العام، فإذا صوَّر الأشياء فقد خلقها كما قال سبحانه ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٦] وفي حديث ابن مسعود المتفق عليه قال؟ (إنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم أربعين يومًا مضغة ثم أربعين يومًا علقة» ... إلخ، فجعل هذه المراتب داخلة في الخلق، وهذا يدل مع دلالات كثيرة على أنَّ التصوير خلق، وحين [.....] لا لحاجته سبحانه للتصوير بأنه لم ينفذ أمره إلا إذا صور كما يفعل الإنسان فإنه يصور الشيء الذي يريده بمعنى يركب أعضاءه بأن يجعل هذا مع هذا لأنه لن يتم إلا بهذا، ولو لم يفعل هذه الخطوة لا تتم له الخطوة التي بعدها لأنه بحاجة إلى ذلك.\nفإذًا التصوير عند المخلوق لحاجته إليه، والله ﷾ يخلق مُصَورًا لا لحاجته إليه، فهذه داخلة في قول المؤلف ﵀ (خالق بلا حاجة)\n٣ - المرتبة الثالثة لصفة الخلق واسم الخالق: هو البرء:\nالبرء، برء ما صور وهو إنفاذه على آخر مراحله وجعله خلقًا سويًا يريده الرب - ﷿ -، ولهذا قال في آخر سورة الحشر ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]، وهو ﷾ حين خَلَقَ وبَرَءَ البرية وصوَّرَها وجعلها على هذا المنوال وعلى اختلافها: الإنسان، الملائكة، الحيوان على ظهر الأرض وبطن الأرض والماء وفي السماء إلى آخر ذلك ليس لحاجته لهم ولا لأنه يستكثر بهم بل لابتلائهم ولإقامة هذا الملكوت على العبودية.\nفإذًا قول المؤلف ﵀ (خَاِلقٌ بِلا حَاجَة) هذا لكمال غناه ﷾ وكمال حمده سبحانه كما قال - ﷿ - ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦-٥٨]، وكما قال؟ في الحديث القدْسي (قَالَ اللهُ تعَالَى: يَا عِبَادِي إِنَّي؛ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي) (١) إلى أن قال (فإنَّكم لَنْ تَبْلُغُوا ضُرَّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي) وقد قال - ﷿ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] .\nوكذلك قوله (رَازقٌ بلا مَؤُونَة)\n_________\n(١) مسلم (٦٧٣٧)","vol":"1","page":51},{"text":"وكونه سبحانه يرزق بلا نفقة يُنْفِقُهَا تُنْقِصُ مما عنده سبحانه، وبلا تعب، فهو سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب، وما يفتح للناس من رحمة فإنه لا ممسك لها، وقد قال ﷾ ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]، وقال - ﷿ - ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، وفي حديث أبو ذر المعروف قال (أَرَأَيْتُمْ مَا أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السّمَاوَاتِ والأرض، فَإِنّهُ لَمْ يَغِضْ ممّا فِي يَمِينِهِ شَيْئًا) (١)، وهذا لا شك أنه صفة الرب - ﷿ -.\nأما المخلوق فإنه إذا رَزَقْ فإنه يَرْزُقْ بكلفة وتعب، ويرزق لحاجته أن يرزق، ويرزق أيضًا لمؤونة تنقص وتزيد، والله سبحانه له الملك الأعظم في ذلك.\nفتَبَيَّنَ أَنَّ معنى قوله (رَازقٌ بلا مَؤُونَة) يعنى بلا كلفة ولا مشقة، أو بلا مؤنة يأخذ منها فتحتاج إلى أن تُمَوَّنَ، بل هو سبحانه لا يُنْقِصَ ما يُعْطِي خلقه من ملكه شيئًا، ولا يزيد فيه شيئا، بل هو سبحانه الرازق بلا مؤونة ﷾.\nنكتفي اليوم بهذا القدْر، ونكمل إن شاء الله تعالى الأسبوع القادم.\n_________\n(١) البخاري (٤٦٨٤) / مسلم (٢٣٥٦)","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الأسئلة:</span>\nس١/ هل يوصف المخلوق بكونه خالقا للأشياء؟\nج/ الجواب: لا، خلْق الأشياء هذا مختص بالرب - ﷿ -، فهو ﷾ الذي يخلق الأشياء.\nأما أن يوصف بكونه خالقا، فنعم، لكن لا يقال خالق للأشياء، الأشياء بيد الله - ﷿ -، لكن يخلق ما يناسب، كما قال سبحانه ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، ويُعنى بالخلق هنا التقدير أو التصوير أو ما يناسبه، ولهذا قال؟ في الحديث الذي رواه البخاري وغيره (مَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقوا حَبّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً) (١) فأثبت لهم خلقا قال (يَخْلُقُ كَخَلْقِي)، ثم نفى عنهم خلقا فقال (فَلْيَخْلُقوا حَبّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً)، فدلّ على أنّ المخلوق يخلق أشياء؛ بمعنى يصورها أو يقدرها، أما برء الأشياء، أو برء الأمور؛ بمعنى إخراج الصور يعني فيها حياة فهذه لله - ﷿ -.\nأما تصنيع الجمادات فهذا نوع من الخلق؛ لأنه تقدير وتصوير.\nس٢/ يستدل أهل التعطيل والتجسيم بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] على باطلهم، وقد رد أهل السنة والجماعة بردود عليهم في ورود الكاف والمِثل في الآية، فما هو وجه استدلال المعطلة والمجسمة؟ وما هو الرد الصحيح والوجه الصحيح من ردود أهل السنة في زيادة الكاف؟\nج/ سبق أن ذكرناه أظن مفصلًا في الدرس الماضي، أو الذي قبله، أظن في أول الدروس، أو عند قوله ولا يشبهه شيء أو (وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ)، أو في أوله عند قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) (٢) .\nالمقصود أن استدلال المبتدعة بقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) مَصِيرٌ منهم إلى أن المثلية هنا قد تكون ناقصة، فيكون هناك مطلق التشابه منفيا، وهذا سيكون مطلق التشابه منفيا، وقد ذكرنا لكم أنّ المراد هنا المماثلة والمماثلة منفية في كل حال، والمشابهة في الكيفية أو في كمال المعنى؛ يعني في المعنى المطلق أيضا منفي، وأما المشابهة في مطلق المعنى وهو أصله الذي حصل به الاشتراك فإن هذا ليس منفيا؛ لأن هذا أثبته الرب - ﷿ -.\nس٣/ ما هو أفضل كتاب شرح الأسماء الحسنى واعتنى بمعناها؟\nج/ أحسن ما أُلف في ذلك فيما أعلم كتاب (النهج الأسمى) لأحد طلبة العلم في الكويت محمد الحمود، وهو من أنفع ما كتب في ذلك، ويليه ما فرقه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في كتبه من معاني الأسماء والصفات.\nس٤/ هل الله - ﷿ - محتاج إلى عبادة العابد كما قال ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦-٥٧]، فهو لا يحتاج سبحانه للرَّزق ولا للإطعام ولكن أثبت العبادة؟\nج/ ما أدري ما وجه السؤال.\n(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) اللام هنا هذه لام (كي) لام الحكمة وليست لأجل الحاجة.\nس٥/ هل يقال إنَّ الصفات الذاتية راجعة إلى صفة الحياة، والصفات الفعلية راجعة إلى صفة القيومية؟\nج/ لا، لا يقال ذلك من مثل صفة الرحمة ذاتية باعتبار وفعلية أيضا، ولكنها راجعة أيضا لقيوميته، فهو سبحانه أقام خلقه على الرحمة.\nس٦/ كيف نعرف أن نفي صفة من صفات النقص تدل على الكمال المطلق؟\nج/ أي نفي جاء في الكتاب والسنة؛ نفي صفة عن الله - ﷿ - فالمراد من هذا النفي إثبات كمال الضد؛ لأنَّ النفي المجرد ليس مدحًا وليس كمالًا، نفي الصفة عن المتصف أو عمن يتصف بها أو عمن يقال أو تنسب إليه قد يكون لنقصه ولعجزه؛ لعدم علمه أولعدم قدرته، فيقال مثلا فلان لا يسيء إلى أحد؛ لأجل أنّه ضعيف، حتى الكافر المشرك المعاند لا يسيء إليه لضعفه، ويقال فلان مثلًا ليس كثير الكلام قد يكون لعجزه عن الكلام بما ينفع، ولهذا قال الشاعر في ذم قبيلة من القبائل:\nقُبَيِّلَة لا يخفرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل\n(قبيلة لا يخفرون بذمة) لعجزهم، والعرب كانت تفتخر بالاعتداء وبالقوة، فهو نَفَى عنهم صفة لأجل عجزهم عنها فقال (ولا يظلمون الناس حبة خردل) لعجزهم ولهذا إذا نفى الرب - ﷿ - عن نفسه صفة دلَّ ذلك على كمال ضد هذه الصفة، فمثلًا قوله تعالى ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا نفي يدل على كمال حياته ﷾، لا لأرقه مثلاَ أو لاهتمامه بخلقه أو لعدم إرادة تركهم حتى لا يفسد الملك أو نحو ذلك، بل (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ) لكمال حياته، كذلك ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] لكمال علمه وإحاطته.\n﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] لكمال غناه ﷾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] لكمال أَحديته سبحانه، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وهكذا في غير ذلك من الصفات.\n_________\n(١) البخاري (٧٥٥٩)\n(٢) ذكره الشيخ تحت شرح (وَلا شيءَ مثْلُهُ) في المسألة الخامسة.","vol":"1","page":53},{"text":"خَالِقٌ بِلَا حَاجَةٍ، رَازِقٌ بِلَا مُؤْنَةٍ، مُمِيتٌ بِلَا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلَا مَشَقَّةٍ، مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ، لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ، وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا كَذَلِكَ لَا يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِيًّا، لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ \"الْخَالِقِ\"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ \"الْبَارِي\"، لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ، وَمَعْنَى الْخَالِقِ وَلَا مَخْلُوقَ، وَكَمَا أَنَّهُ مُحْيِي الْمَوْتَى بَعْدَمَا أَحْيَا اسْتَحَقَّ هَذَا الِاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ، كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْخَالِقِ قَبْلَ إِنْشَائِهِمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\n_________\nهذه تكملة وصِلَة لما تقدم الكلام عليه من بيان معاني جُمَلِ هذه العقيدة النافعة؛ عقيدة العلامة أبي جعفر الطحاوي ﵀.\nووقفنا عند قوله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) وهذا كالجمل التي قبله، فيها إثبات كمال الرب - ﷿ -، وأنه في كمالاته وصفاته غير مماثل لخلقه، بل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\nفذَكَرَ فيما تقدم جملة من صفات الرب - ﷿ - وأنه في اتصافه بتلك الصفات لا يماثل المخلوق الذي إذا اتصف بصفة فهو لحاجته لمقتضى تلك الصفة ولضعفه ولافتقاره، والله ﷻ متَّصِف بصفات الكمال التي مرجعها إلى أنه سبحانه هو الغني الحميد.\nهو الغني غير محتاج لمقتضى صفاته وغير محتاج سبحانه لأثر تلك الصفة.\nبل هو ﷾ فيما يفعل، يفعلُ لحكمة لا لحاجة - ﷿ -.\nفخَلْقُهُ ﷾ للخلق بلا حاجة، ورَزْقه ﷾ لهم لحاجتهم إليه لا لحاجته ﷾ إليهم، كما مرّ معنا على حد قول الله - ﷿ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُم الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] .\nوجميع صفات الكمال ترجع إلى صفة الغنى وصفة الحمد له سبحانه، وإلى هذين الاسمين العظيمين الغني والحميد، سواءٌ في ذلك صفات الجلال، أو صفات الجمال، صفات الربوبية، أو الصفات التي ترجع إليها معاني العبودية للرب ﷻ.","vol":"1","page":54},{"text":"قال هنا (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ)\n_________\nيعني أنّه سبحانه يميت من شاء أنْ يُمِيتَهُ، ويُفْقِدَ من شاء أن يُفقده الحياة، لا لخوف من هذا الذي أفقده الحياة أن يعتدي على مقام الربّ - ﷿ -؛ ولكن لحكمته سبحانه.\nفهو الذي أحيا وأمات، وهو الذي أفقر وأغنى سبحانه لحكمته البالغة العظيمة.\nفهو فيما يُحيي لم يُحيِ لحاجة، وفيما أمات سبحانه ما أمات لمخافة؛ بل هو سبحانه الذي يحيي ويميت لحكمة بالغة.\nفقال هنا (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) والمخلوق البشر أو غير البشر يعتدي بالإماتة على من يخاف من شره.\nوهذا دليل النَّقص في المخلوق؛ لأنه لمَّا لم يكن دافعًا عن نفسه إلا بهذا الفعل صارت في المخلوق هذا من صفات النقص في أنه يميت لمخافته.\nوهذا لا يدخل فيه معنى مشروعية الجهاد لأنَّ هذا لمعنىً آخر لا يتعلق بالمخلوق، بل يتعلق بحق الله - ﷿ - وإقامة دينه وإعلاء كلمته.\nفهذا معنى قوله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) .\nوأنه سبحانه (بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ)\nباعث الخلق بعد موتهم سواءٌ في ذلك بَعْثُ المكلَّفين أو بَعْثُ غير المكلَّفين بلا مشقة تلحقه سبحانه، ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]، وهذا لكمال صفات الرب - ﷿ -.\nإذا تبين لك ذلك، فإنَّ في هذه الجملة من كلامه مسائل أعني قوله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) فيها مسائل:","vol":"1","page":55},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ (مُمِيتٌ) اسم فاعل من (أمات) المتعدي.\nوالاسم للرب - ﷿ - المميت، هو سبحانه المحيي المميت.\nوالمميت صفة كمال مع قرينتها المحيي.\nالمميت اسم كمال مع قرينه المحيي، فهو سبحانه الموصوف بكونه أحيا وأمات - ﷿ -.","vol":"1","page":56},{"text":"[المسألة الثانية]:\nمعنى (مُمِيتٌ) أي خَلَقَ الموت، فيمن شاء سبحانه، يعني جعل من شاء مِنْ خَلْقِهِ ميِّتًا بعد أن كان حيا.\nوالموت عند جمهور أهل السنة ومن وافقهم من غيرهم مخلوق موجود.\nوهو الذي يعبِّرون عنه بأن الموت صفة وُجودية وذلك لقول الله - ﷿ - ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] فجعل الموت مخلوقا وتَسَلَّطَ عليه الخلق، وهذا يدل على أنه موجود، (خَلَقَ الْمَوْتَ) وخَلْقُهُ يدل على أنه صفة وُجودية.\nوكذلك ما جاء في السنة من أحاديث كثيرة فيها أن الموت يؤتى به يوم القيامة على هيئة كبش فيذبح على قنطرة بين الجنة والنار (١)، فهذا يدل على أنَّ الموت موجود وله صفة الوجود.\nوهذا له أدلة أيضا كثيرة تدل على ما ذكرنا من أنَّ الموت ليس عدما للحياة، وإنما هو وجودٌ لصفةٍ ليست هي الحياة.\nفالحياة وصف صفة، وهو وجود لصفة أخرى، وهذه الصفة الأخرى هي الموت.\nهذا هو الذي قرره جمهور أهل السنة.\nوقال غير أهل السنة من الفلاسفة وبعض من وافقهم من أهل السنة وهو قول أهل الكلام فيما ذكروه في كتبهم الخاصة بالكلام، قالوا في تعريفهم للموت: الموت عدم الحياة عمّا من شأنه أن يكون حيّا.\nوهذا التعريف تجده في كثير من كتب التفسير التي ينحو أصحابها منحى أهل الكلام، حتى إنَّ بعضها المنتسبين لمنهج السلف ظنَّ أنَّ هذا التعريف يمشي فنقل بعض النقولات فيها هذا التعريف.\nوهذا هو تعريف أهل الكلام والفلاسفة يقولون: الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا.\nويجيبون عن الآية في قوله ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ بأنّ الخلق هنا بمعنى التقدير، فيكون عندهم معنى الآية الذي قدّر الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا.\nوهذا مصيرٌ منهم إلى أن الموت عدمٌ محض.\nوهذا خلاف الأدلة الكثيرة من السنة وأيضا من القرآن التي تدل على أنَّ الموت حياة أخرى.\nولهذا نقول لمن مات إنه في الحياة البرزخية وليس في عدمٍ.\nفحياة الإنسان متعلقة بروحه ومتعلقة بجسده.\nوحياة الجسد بحلول الروح فيه، فإذا فارقت الروح الجسد صار الجسد عديم الحياة.\nلذلك تنتثر أجزاؤه في التراب ويذهب.\nوأما الروح وهي داخلة في جملة تسمية الإنسان إنسانا، أما الروح فهي مخلوقة للبقاء لا للعدم.\nلهذا إذا قيل ماتَ يعني صار جسمه للعدم أو صار جسمه للفناء، وأما روحه فهي للبقاء، لكن لها حياة تخصُّها.\nوالجسد عند أهل السنة في القبر له تَعَلُّقْ بالروح؛ فإنَّ الحياة البرزخية للروح عند أهل السنة، والجسد تبع لها؛ تبع للروح، ليست الحياة للروح فقط؛ بل هي للروح والجسد تابع.\nعكس الحياة الدنيا؛ فإن الحياة فيك الآن للجسد والروح تبع، فيألم الجسد فتألم الروح، وهكذا يسعد الجسد فتسعد الروح إلى غير ذلك من التفصيل.\nوأما بعد الحياة البرزخية يعني بعد الموت، فإنَّ الموت حالة، صفة وُجِدَتْ أدَّت إلى انفصال الروح عن البدن، فصارت الروح بالموت لها حياة تخصُّها، وصار البدن بالموت له صفة تخصه، وبين هذا وهذا تَعَلُّقْ.\nيدلُّكَ هذا على صحة ما اختاره أئمة أهل السنة بما دلتهم عليه الأحاديث وظاهر القرآن من أنَّ الموت صفة توجد وليس عدمًا محضًا، بل هو موجود له خصائصه.\nوالموت في الآية مخلوق ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ .\nوقولهم إنَّ الموت والحياة هنا تَسَلَّط عليها الفعل (خلق) فيكون بمعنى التقدير، نقول هذا غير مستقيم لأنه علَّلَ ذلك بعده بقوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وحُسْنُ العمل إنما يكون بعد الوجود، ولهذا قدَّمَ الموت على الحياة؛ لأنّ الموت يكون بعده الجزاء على حُسن العمل، ولِما جاء في السنة من الأدلة.\n_________\n(١) لما رواه الشيخان: البخاري (٤٧٣٠) / مسلم (٧٣٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي؟ قال (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِى يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ) .","vol":"1","page":57},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنّ الموت متعلِّق - يعني إماتة الرب - ﷿ - - متعلقة بكل شيء، كما قال سبحانه ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، فكل شيء كُتب عليه الموت، فلا بد أن يموت، (كُلُّ شَيْءٍ) يعني مما حَلَّتْهُ الحياة بالروح فلا بد أن يفنى.\nوهناك ما اسْتُثْنِيَ مما يموت وذلك في قوله - ﷿ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] .\nوالاستثناء هنا في قوله ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ اختلف فيه أهل العلم على عدة أقوال ترجعون إليها في التفسير:\nمنها أن يكون المستثنى أرواح الشهداء؛ لأنَّ الشهداء أحياء بنص الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:١٦٩-١٧٠] الآيات في آل عمران.\nوهذا هو أظهر الأقوال؛ أنَّ المُسْتَثْنَى أرواح الشهداء، فيكون عموم قوله - ﷿ - ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ على ظاهره في أنه سَيَهْلِكُ كل شيء إلا الرب - ﷿ -.\nوهذا قد جاء في تفسير قوله تعالى ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ إلى قوله ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٤-١٦]؛ لأنّ الرب - ﷿ - إذا أمات الملائكة المقربين نادى (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ ثم أجاب نفسه العَلِيَّةْ بقوله ﷻ (الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، ثم قال ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧] .\nوهذا يدلّ على أنَّ المخلوقات جميعًا ضعيفة محتاجة إلى ربها.\nفكل من استحضر صفة الموت الذي سيحل به وسيحل أيضا بغيره من المخلوقات، فإنه يظهر له عِظَمْ الرب - ﷿ - الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، وأنه ﷾ هو المحيي المميت، وأنه هو - ﷿ - هو الواحد الأحد الغني الكامل في صفاته ونعوت جلاله وعظمته.\nوأمّا قول الطحاوي (بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) فهذا فيه صفة البعث لله - ﷿ - وفي موضعه سيأتي إن شاء الله تعالى ذكر مسائل البعث والنشور بتفصيلاتها.","vol":"1","page":58},{"text":"مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ، لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ، وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا كَذَلِكَ لَا يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِيًّا.\nلَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ \"الْخَالِقِ\"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ \"الْبَارِي\".\nلَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ، وَمَعْنَى الْخَالِقِ وَلَا مَخْلُوقَ.\nوَكَمَا أَنَّهُ مُحْيِي الْمَوْتَى بَعْدَمَا أَحْيَا اسْتَحَقَّ هَذَا الِاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ، كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْخَالِقِ قَبْلَ إِنْشَائِهِمْ.\nذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ:؟لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] .\n_________\nقوله (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديمًا قَبْلَ خَلْقِهِ ...) إلى آخره، أراد به أنه - ﷿ - لم يزل بصفاته؛ متصفًا بصفاته قبل أن يخلُق الخلق، فصفاته سبحانه ثابتة له قبل وجود المخلوقات المنظورة، التي تراها الآن، والتي لا تُرَى مما هو موجود.\nقال (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديمًا) وهذا فيه بحث مرّ معكم في اسم القديم أو في وصف الله - ﷿ - بالقِدم.\nوقوله (قَبْلَ خَلْقِهِ) أراد به أنَّه سبحانه ما اتَّصَفَ بالصفات هذه بعد أن خَلَقَ الخلق كما سيأتي في قوله (لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ \"الْخَالِقِ\"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ \"الْبَارِي) . (١)\n\n: [[الشريط الرابع]]:\n\nثم قال (لم يَزدَدْ بِكَوْنِهِم شَيْئًا، لم يكنْ قَبلَهُم مِنْ صِفَتِهِ)\nتركيب هذه الجملة كالتالي:\nلم يزدد شيئا - ﷿ - من صفاته، لم يزدد شيئا بكونهم - يعني بوجودهم وإيجادهم وخلقهم - لم يزدد شيئًا.\nوهذا الشيء وُصِفْ بأنه لم يكن قبلهم من صفته.\nيعني أنّ الرب - ﷿ - ما ازداد شيئًا لم يكن عليه سبحانه قبل أن يخلقه؛ بل هو سبحانه بصفاته قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقْ وبعد أن خَلَقَ الخلق؛ لأنه لا يجوز أن يُعَطَّل الرب - ﷿ - من صفاته؛ لأنَّ تعطيل الرب من صفاته نقص، والله سبحانه متنزه عن النقص بأنواعه.\nوهذا الكلام منه مع ما بعده متصل ولذلك سنذكر ما يتعلق به من المسائل متتابعًا بعد بيان معنى هذه الجمل الآتية:\n\nقال (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا)\nيعني أنّ صفات الرب - ﷿ - كما أنه لم يزل عليها وهو أولٌ بصفاته فهو أيضا - ﷿ - آخرٌ بصفاته ﷾.\nفصفات الرب - ﷿ - أبدية أزلية لا ينفك عنه الوصف في الماضي البعيد ولا في المستقبل، بل هو ﷾ لم يزدد بخلقه شيئا لا في جهة الأولية ولا في جهة الآخرية، بل هو ﷾ لم يزل بصفاته أولًا سبحانه وآخرًا.\n\nقال (لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ \"الْخَالِقِ\"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ \"الْبَارِي\")\nأراد بذلك أنه - ﷿ - من أسمائه الخالق ومن صفاته الخلق قبل أن يَخْلُقْ، فلم يَصِرْ اسمه الخالق بعد أن خَلَقَ؛ بل هو اسمه الخالق - ﷿ - قبل أن يَخْلُقْ، ولم يكن اسمه الباري بعد أن بَرَأَ الخليقة بل اسمه الباري قبل أن يبرأ الخليقة.\n\nلهذا قال بعدها (له معنى الرُّبُوبيَّةِ ولا مَرْبُوبَ، ومعنى الخالق ولا مخلُوقَ)\nفقبل أن يكون سبحانه خالقا للخلق، يعني قبل أن يكون ثَمَّ مخلوق هو خالق.\nوقبل أن يكون ثَمَّ مربوب هو - ﷿ - الرب ﷾.\n\nقال (وكما أنَّه مُحيِي الموْتَى بَعْدَما أَحْيَا، استحقَّ هَذَا الاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهم)\nفهو سبحانه المحيي قبل أن يكون ثَمَّ مَيْتْ، قبل أن يُمِيتَ الموتى هو المحيي، وكذلك هو المستحق لاسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير.\nهذه الجمل مترابطة في الدِلَالَة على المعنى الذي ذكرته لك.\nوهذا المعنى الذي دلّ عليه كلام الطحاوي يرتبط به مسائل مهمة جدًا في هذا الموضع.\nوهذا الموضع مما يظهر منه أنّ الطحاوي ﵀ خالف ما عليه أهل الحديث والأثر في هذه المسألة العظيمة.\nوذلك أنَّ أصول هذه المسألة قديمة في البحث بين الجهمية وبين المعتزلة وبين الكلابية والأشاعرة وبين الماتريدية وبين أهل الحديث والأثر، والمذاهب فيها متعددة.\nولهذا نُبَيِّن ما في هذه الجمل من مباحث على مسائل إيضاحًا للمقام.\n_________\n(١) انتهى الشريط الثالث.","vol":"1","page":59},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنّ الناس اختلفوا في اتصاف الله - ﷿ - بصفاته هل هو مُتَّصِفٌ بها بعد ظهور آثارها، وأسماء الرب - ﷿ - سُمِّيَ بها بعد ظهور آثارها أم قبل ذلك على مذاهب:\n١ - المذهب الأول:\nهو مذهب المعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم مِنْ أنَّه - ﷿ - لم يَصِرْ له صفات ولا أسماء إلا بعد أن ظهرت آثارُها، فلما خَلَقَ صارت له صفة الخلق، وصار من أسمائه الخالق.\nوذلك على أصل عندهم، وهو أَنَّ أسماء الله - ﷿ - مخلوقة، فلما خَلَقَ سَمَّاهُ الناس الخالق، وخَلَقَ له اسم الخالق.\nفعندهم أَنَّ الزمان لما ابتدأ فيه الخلق أو الرَّزق أو الإنشاء صار بعده له اسم الخالق، وقبل ذلك لم يكن له هذا الاسم ولم تكن له هذه الصفات.\nفقبل أن يكون ثَمَّ سَامِعْ لكلامه فليس هو سبحانه مُتَكَلَّمًَا، فلما خَلَقَ سامِعًا لكلامه، خَلَقَ كلاما - عند المعتزلة والجهمية - فأسمعهم إياه، فصار له اسم المتكلم أو صفة الكلام، لمَّا خلق مَنْ يسمع كلامه.\nكذلك صفة الرحمة على تأويلهم الذي يؤولونه أو أنواع النِّعَم، والمنعم والمحيي والمميت كل هذه لا تطلق على الله عندهم إلا بعد أن وُجد الفعل منه على الأصل الذي ذكرته لكم عنهم أنَّ الأسماء عندهم والصفات مخلوقة.\n٢ - المذهب الثاني:\nهو مذهب الأشاعرة والماتريدية ومذهب طوائف من أهل الكلام في أنّ الرب - ﷿ - كان مُتَّصِفًَا بالصفات وله الأسماء، ولكن لم تَظْهَرْ آثار صفاته ولا آثار أسمائه بل كان زمنًا طويلا طَويلا مُعَطَّلًا عن الأفعال ﷿.\nله صفة الخلق وليس ثَمَّ ما يخلقه، له صفة الفعل ولم يفعل شيئًا، له صفة الإرادة وأراد أشياء كونية مؤجلة غير مُنجزة وهكذا.\nفمن أسمائه عند هؤلاء الخالق، ولكنه لم يخلق، ومن أسمائه عندهم أو من صفاته الكلام ولم يتكلم، ومن صفاته الرحمة بمعنى إرادة الإنعام وليس ثَمَّ مُنْعَمٌ عليه، ومن أسمائه المحيي وليس ثَمَّ من أحيا، ومن أسمائه الباري وليس ثَمَّ بَرْأْ، وهكذا حتى أَنْشَأَ الله - ﷿ - وخَلَقَ - ﷿ - هذا الخلق المنظور الذي تراه من الأرض والسموات وما قصَّ الله علينا في كتابه، ثُمَّ بعد ذلك ظهرت آثار أسمائه وصفاته.\nفعندهم أنَّ الأسماء والصفات متعلقة بهذا العالَمْ المنظور أو المعلوم دون غيره من العوالم التي سبقته.\nوقالوا هذا فِرارًا من قول الفلاسفة الذين زعموا أنَّ هذا العالم قديم، أو أَنَّ المخلوقات قديمة متناهية أو دائمة من جهة الأولية؛ من جهة القدم، مع الرب - ﷿ -.\n٣ - المذهب الثالث:\nهو مذهب أهل الحديث والأثر وأهل السنة؛ أعني عامة أهل السنة وهو أنّ الرب - ﷿ - أَوَّلٌ بصفاته، وصفاته ﷾ قديمة، يعني هو أوَّلٌ ﷾ بصفاته.\nوأنه سبحانه كان من جهة الأولية بصفاتهِ -كما عبر الماتن هنا بقوله (كانَ بصفاته) .\nوأنّ صفات الرب - ﷿ - لابد أن تظهر آثارها؛ لأنه سبحانه فَعَّالٌ لما يريد.\nوالرب - ﷿ - له صفات الكمال المطلق، ومن أنواع الكمال المطلق أنْ يكون ما أراد ﷾.\nفما أراده كونًا لابد أن يكون.\nما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\nومن مذهب أهل السنة والحديث والأثر أنّه سبحانه يجوز أن يكون خَلَقَ أنواعًا من المخلوقات وأنواعًا من العوالم غير هذا العالم الذي نراه.\nفجنس مخلوقات الله - ﷿ - أعمّ من أن تكون هذه المخلوقات الموجودة الآن، فلا بد أن يكون ثَمَّ مخلوقات أوجدها الله - ﷿ - وأفناها ظَهَرَت فيها آثار أسمائه وصفاته - ﷿ -.\nفإنَّ أسماء الرب - ﷿ - وإنّ صفات الرب - ﷿ - لابد أن يكون لها أثرُها؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد.\nفما أراده سبحانه فَعَلَهُ، وَوَصَفَ نفسه بهذه الصفة على صيغة المبالغة الدالة على الكمال بقوله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (١)، فما أراده سبحانه كان.\nوهذا متسلسل -كما سيأتي بيانه- في الزمن الأول، يعني في الأولية وفي الآخرية فهو سبحانه (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا) .\nوهذا منهم -يعني من أهل الحديث والأثر والسنة- هذا القول منهم لأجل إثبات الكمال للرب - ﷿ -.\nوقول المعتزلة والجهمية فيه تعطيل للرب عن أسمائه وصفاته.\nيعني أنَّ الله - ﷿ - كان بلا صفات وبلا أسماء، وأنَّه لمَّا فَعَلَ وُجِدَت صفات الرب - ﷿ -، وهذا نسبة النقص لله - ﷿ - لأنّ الصفات هي عنوان الكمال، والله ﷾ كمالاته بصفاته.\nأمّا قول الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم، فهذا أيضًا فيه وصف الرب - ﷿ - بالنقص؛ لَأَنَّ أولئك يزعمون أنه متصف ولا أثر للصفة.\nومعلوم أَنَّ هذا العلم المنظور الذي تعلقت به عندهم الأسماء والصفات، هذا العالم إنما وُجِدَ قريبًا.\n_________\n(١) هود:١٠٧، البروج:١٦.","vol":"1","page":60},{"text":"فوجوده قريب وإن كانت مدته أو عمره طويل لكنه بالنسبة إلى الزمن بعامة -الزمن المطلق- لا شك أنه قريب لهذا قال؟ (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) (١) - ﷿ -.\nفالتقدير كان قبل أن يخلق هذه الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهي مدة محدودة، والله - ﷿ - لا يَحُدُّه زمان، فهو أول ﷾ ليس قبله شيء - ﷿ -.\nوفي هذا إقرار لأنه من جهة الأولية يتناهى الزمان في إدراك المخلوق، وننتقل من الزمان المنسوب إلى الزمان المطلق، وهذا تتقاصر عقولنا عنه وعن إدراكه.\nوأما هذا العالم المنظور فإنه مُحْدَثٌ وحدوثه قريب.\nولهذا نقول إن قول الآشاعرة والماتريدية بأنه كان متصفًا بصفات وله الأسماء، ولكن لم تظهر آثارها ولم يفعل شيئًا إلا بعد أن أَوْجَدَ هذا العالم، نقول معناه أَنَّ ثَمَّ زمانًا مطلقًا طويلًا طويلًا جدًا ولم يكن الرب - ﷿ - فاعلا، ولم يكن لصفاته أثر ولا لأسمائه أثر في المربوبات.\nولا بد أنَّ الله - ﷿ - له ﷾ من يعبده - ﷿ - من خلقه، ولا بد أن يكون له - ﷿ - مخلوقات؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد، وهذه صفة مبالغة مطلقة في الزمن كله؛ لأنَّ (ما) اسم موصول وأسماء الموصول تعم ما كان في حيّز صلتها.\nبَقي أنْ يقال إن قولهم (أراد ولكن إرادته كانت مُعَلَّقَة غير مُنْجَزَة) ونقول هذا تحكم؛ لأن هذا مما لا دليل عليه إلا الفرار من قول الفلاسفة ومن نحا نحوهم بِقِدَمِ هذا العالَم المنظور.\nوهذا الإلزام لا يلزم أهل الحديث والسنة والأثر لأننا نقول إنَّ العوالِمْ التي سبقت هذا العالم كثيرة متعددة لا نعلمها، الله - ﷿ - يعلمها.\nوهذا ما قِيلَ إنَّهُ يُسَمى بقِدَمِ جنس المخلوقات، أو ما يسمى بالقِدم النوعي للمخلوقات، وهذه من المسائل الكبار التي نكتفي في تقريرها بما أوردنا لكَ في هذا المقام المختَصَرْ.\nالمهم أن يتقرر في ذهنكَ أنَّ مذهب أهل الحديث والأثر في هذه المسألة لأجل كمال الربّ - ﷿ -، وأنَّ غَيْرَ قولهم فيه تنقّص للرب - ﷿ - بكونه مُعَطَّلًا عن صفاته أو بكونه ﷾ مُعَطَّلًَا أن يفعل وأن تظهر آثار أسمائه وصفاته قبل خَلْق هذا العالم المعلوم أو المنظور.\n_________\n(١) مسلم (٦٩١٩) / الترمذي (٢١٥٦)","vol":"1","page":61},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنّ الطحاوي ﵀ كأنّه يميل إلى المذهب الثاني؛ وهو مذهب الماتريدية.\nوهذا من أغلاط هذه العقيدة التي خالف فيها مؤلفها منهج أهل الحديث والأثر.\nهذا ظاهِرُ كلامه كما اعترف به الشارح.\nومن شَرَحَ هذه العقيدة من الماتريدية قرّروا هذا الكلام على أنَّ كلامه موافق لكلام أبي منصور الماتريدي والأشعري ومن نحا نحوهم.","vol":"1","page":62},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nوهي متصلة بهذا البحث، وهذا البحث من أصعب المباحث التي ستعرض لك في شرحنا لهذه العقيدة، لكن نعرضها بشيء من الوضوح والاختصار، وهو ما يسمى بمسألة التسلسل.\nوالتسلسل معناه: أنه لا يكون شيء إلا وقبله شيء تَرتَّبَ عليه، أو لا يكون شيء إلا وبعده شيء ترتب عليه.\nوالتسلسل على اعتبارات:\n* الجهة الأولى المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل: التسلسل في صفات الرب - ﷿ -.\nوللناس في التسلسل المتعلق بصفات الرب - ﷿ - مذاهب:\n١ - المذهب الأول:\nمن قال إنَّ الرب - ﷿ - يمتنع تسلسل صفاته في الماضي، ويمتنع تسلسل صفاته في المستقبل:\nفلا بد من أمد يكون قد ابْتَدَأَ في صفاته أو قد ابْتَدَأَتْ صفاتُه، ولا بد أيضًا من زمن تنتهي إليه صفاته، وهذا هو قول الجهمية -والعياذ بالله- وقول طائفة من المعتزلة كأبي الهذيل العلاَّف وجماعة منهم.\n٢ - المذهب الثاني:\nهو أنَّ التسلسل في الماضي ممتنع، والتسلسل في المستقبل لا يمتنع:\nيعني أنَّ الاتصاف بالصفات لا بد أن يكون له زمن ابتدأ فيه، وهذا الزمن قريب من خلق هذا العالَم الذي تعلّقت به الأسماء والصفات أو الذي ظهرت فيه آثار الأسماء والصفات، وفي المستقبل هناك تسلسل في الصفات يعني عدم انقطاع للصفات، وهذا هو قول أهل الكلام والأشاعرة والماتريدية.\n٣ - المذهب الثالث:\nالمذهب الثالث هو مذهب أهل السنة والحديث وهو أنّ التسلسل ثابت في الماضي وثابت في المستقبل، وثبوته في الماضي غير متعلق بخَلقٍ تَتَسَلْسَلُ فيهم الصفات أو تظهر فيهم آثار الصفات، بل يجوز أو نقول بل تتنوع التعلقات باختلاف العوالم، وفي المستقبل - يعني في الآخرة- هو - ﷿ - آخر بصفاته ﷾، فهناك التسلسل في جهة المستقبل.\nمقتضى القسمة أن يكون ثَمَّ قسم رابع: وهو أنه لا تسلسل في المستقبل وهناك تسلسل في الماضي.\nهذا مقتضى السبر والتقسيم في القسمة، وهذا لا قائل به من المذاهب المعروفة، يعني لا يُعْرَفُ أنَّ أَحَدًَا قال بهذا القسم.\n* إذا تبين لك ذلك، فهذه المسألة بُحثَتْ أولا -مسألة التسلسل- قبل بحث المسألة الأولى التي ذكرناها لكم من جهة مذاهب الناس في الصفات وتعلقها بالخلق - يعني الثلاثة المذاهب التي ذكرناها - فلما بُحِثَ التسلسل نتج منه البحث الأول.\nولهذا إذا أردت أن تفهم جهة التسلسل تفهم أثرها الذي ذكرته لك في الأول؛ لأنَّ كُلًاّ من هاتين المسألتين مرتبطٌ بالمسألة الأخرى.\n* الجهة الثانية المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل: التسلسل في المخلوقات:\nوالتسلسل في المخلوقات للناس فيه مذهبان فيما أعلم:\n١ - المذهب الأول:\nتسلسل في الماضي، وهذا ممتنع عند عامة الناس إلا الفلاسفة الذين قالوا إنه لا عَالَم إلا هذا العالم، وأنَّ هذا العالم لم يزل في الماضي، وأنه ما من عِلَّة فيه إلا وهي مُؤَثرة لمعلول فيه أيضًا، وأنَّ هذا العالم ترتب التسلسل فيه الآخر عن الأول والثاني عما قبله وليس ثَمَّ غيره.\nنقول إنَّ هذا من هذه الجهة عامة الناس عدا الفلاسفة على ما ذكرنا، يعني اتفق عليها المعتزلة وأهل السنة على أَنَّ التسلسل؛ تسلسل المخلوقات في الماضي أنه ممتنع إلا قول الفلاسفة.\nوالفلاسفة كما هو معلوم من قالوا بهذا القول خارجون عن الملة؛ لأنهم يرون قِدَمَ هذا العالم مُطْلَقًَا، وأَنَّ المؤثر فيه الأفلاك بِعِلَل مختلفة يبحثونها.\n٢ - المذهب الثاني:\nفي المستقبل التسلسل في المخلوقات غير ممتنع عند الجمهور إلا في خلاف جهم وبعض المعتزلة في أنّ تسلسل الحركات والمخلوقات في المستقبل أيضا ممتنع وأنهم لا بد أن يصيروا إلى عَدَمٍ أو إلى عدم تأثير؛ إمّا عدم محض أو عدم تأثير.\n* الجهة الثالثة المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل؛ تسلسل الأثر والمؤثر والسبب والمُسَبَّبْ والعلة والمعلول:\nوهذا لابد من النظر فيه وأيضا نقول أشهر المذاهب فيه اثنان:\n١ - المذهب الأول:\nمذهب نفاة التعليل والعِلَلْ والأسباب الذين يقولون لا أثر لعلةٍ في معلولها، ولا أثر لسببٍ في مُسَبَبْ، وإنما يفعل الله - ﷿ - عند وجود العلة لا لكونها علة.\nوهذا هو مذهب نفاة التعليل، كقول الآشاعرة، القدرية، وابن حزم، وجماعات.\n٢ - المذهب الثاني:\nأنَّ الأسباب تُنْتِجُ مُسبَّباتِها ويتسلسل ذلك، وأَنَّ العلة تُنْتِجُ معلولًا ويتسلسل ذلك - يعني جوازًا - ولكن ذلك كله بخلق الله - ﷿ - له، وأنّ التسلسل في الآثار ناتجا عن المؤثرات ليس لذاتها بل لسنة الله - ﷿ - التي أجراها في خلقه ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣] .","vol":"1","page":63},{"text":"[المسألة الرّابعة]:\nقوله (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا)، وهذا القول في قوله (كانَ بصفاته) هذا حق؛ لأنَّ أهل السنة يعبرون عن الله - ﷿ - بأنه ﷾ بصفاته.\nفيعبرون بالباء المقتضية للمصاحبة؛ لأن الله - ﷿ - لم تنفكَّ عنه صفاته.\n(وكما كانَ بصفاته) ﷾ فلم يكن ﷾ ولا صفة، بل كان بصفاته.\nوالباء هنا للمصاحبة؛ يعني أنه ﷾ كان أزليًا بصفاته التي هو - ﷿ - موصوف بها.\nوالمعتزلة وأشباههم يعبِّرون في مثل هذه المسائل عن الصفات بالواو، فيقولون: الله وصفتُه، الله وعلمه، والله وقدرته، الله وحِلمه، الله ورحمته، الله وقهره، وهكذا.\nفيُعَبِّرُونَ بالواو لِأَنَّ الصفة عندهم منفكة عن الموصوف، فعندهم الصفة غير ملازمة للموصوف وليست قائمة به.\nولهذا بَحَثَ الشارح عندك هل الصفات غير الذات؟ والاسم هل هو عين المسمى ونحو ذلك، عَرَضَ لذلك بما نستفيده من بحثه لأنه نوع من الاستطراد.\nلكن ننبهك إلى أنَّ قوله (كانَ بصفاته) هو الاستعمال الذي يستعمله أهل السنة، ولا نقول الله - ﷿ - وقدرته مثلًا، أو نقول الله - ﷿ - وعلمه، هذا استعمال الواو في هذا المقام لا يسوغ، بل تُستعمل الباء، فنقول الله - ﷿ - بعلمه، الله ﷾ بقدرته؛ لأن الباء تدل على المصاحبة؛ لأن هذه الصفات قائمة بذات الرب - ﷿ -.\nقوله (أزَليًّا) مرّ معنا البحث فيه وأنه منحوت من كلمة (لم يزل) .","vol":"1","page":64},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nقوله في آخر الكلام (ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ، وكلُّ شَيْءٍ إليهِ فَقِيرٌ، وكلُّ أمْرٍ عَلَيْهِ يَسيرٌ. لا يحتاجُ إلى شَيْءٍ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]) هذا تعليل لما مرّ.\n(ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ) على إحياء الموتى وعلى إفنائهم، وعلى رَزق المخلوقات وجميع ذلك.\nوقوله (ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ) تتعلق به المسألة الخامسة هذه.\nوهي أنّ أهل السنة يجعلون قدرة الرب - ﷿ - متعلقة بكل شيء، واسم الله القدير متعلق بكل شيء، وقدرة الله - ﷿ - غير محصورة، بل هو سبحانه قادر على ما شاء وعلى ما لم يشأ - ﷿ -.\nوهذا هو مذهب أهل الحديث والسنة، وبه جاء القرآن العظيم، فكلّ ما في القرآن تعليق القدرة بكل شيء ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء:١٣٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ونحو ذلك من الآيات التي فيها تعليق القدرة بكل شيء.\nأهل البدع وأهل الكلام يُعلِّقون القدرة بما يشاؤه الرب - ﷿ -.\nفيقولون تَعَلُّقْ قدرة الرب - ﷿ - بما يشاؤه.\nولذلك ترى أنه يعدلون عما جاء في القرآن، بقول ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إلى قولهم والله على ما يشاء قدير؛ لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله وليست متعلقة بما لم يشأه.\nفعندهم قدرة الله تتعلق بما شاء أن يحصل أما ما لم يشأ أن يحصل فإنه لا تتعلق به القدرة.\nفإذا قيل هل الله قادر على أن لا يُوجَدْ إبليس؟ فيقولون: لا غير قادر.\nهل الله قادر على أن لا توجد السموات؟ يقولون: لا، غير قادر. لأنّ القدرة عندهم متعلقة بما شاءه - ﷿ -، وما لم يشأه في كونه وفي ملكوته مما لم يحصل بعد أو مما حصل خلافه فإنّ القدرة غير متعلقة به.\n* ولذلك فيقول قائلهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان.\nلأنَّ القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله - ﷿ -.\nوهذا القول باطل بوضوح وذلك لدليلين:\n١ - الدليل الأول: فإن الذي جاء في القرآن كما ذكرنا لك، تعليق القدرة بكل شيء في الآيات التي ذكرت لكم طرفا منها.\n٢ - الدليل الثاني: أنَّ الله - ﷿ - قال في سورة الأنعام ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥]، ولما نَزَلَتْ هذه الآية تلاها؟ فقال ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال؟ (أعوذ بوجهك) ثم تلا ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال؟ (أعوذ بوجهك) ثم تلا ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال؟ (هذه أهون) (١) .\nوالله - ﷿ - لم يشأ أن يبعث على هذه الأمة عذابا من فوقها أو من تحت أرجلها، فيُهْلِكَكُم بسَنَةٍ بعامّة، بل جعل بينهم بأسهم شديد، لحكمته ﷾ العظيمة العلية.\nفدلت الآية على أنّ قدرة الله - ﷿ - تتعلق بما لم يشاء أن يحصل ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، وهذا لم يشأه الله - ﷿ - ومع ذلك تعلقت به القدرة.\n* وهذه من الكلمات التي يكثر عند أهل العصر استعمالُها فليتنبه أنها من آثار قول أهل الاعتزال.\nفي بعض الأحاديث جاء (والله على ما يشاء قادر) و(إني على ما أشاء قادر) (٢) وهذا الجواب عنه معروف بأنه متعلق بأشياء مخصوصة، وليست تعليقا للقدرة بالمشيئة، أو أن يقال قدرته على ما يشاء لا تنفي قدرته على ما لم يشأ - ﷿ -.\nنكتفي بهذا القدر، وأسأل الله - ﷿ - لي ولكم التوفيق والسداد.\nفي هذا القدر كفاية وإن شاء الله نلتقي في الأسبوع القادم إن شاء الله وفقكم الله جميعا. (٣)\n_________\n(١) البخاري (٤٦٢٨) / الترمذي (٣٠٦٥)\n(٢) مسلم (٤٨١)\n(٣) ٧ انتهى الوجه الأول من الشريط الرابع.","vol":"1","page":65},{"text":"خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ وَقَدَّرَ لَهُمْ أَقْدَارًا\n_________\nشرع الطحاوي ﵀ في ذكر بعض صفات الرب - ﷿ - المتعلقة بقدره السابق، وبمشيئته العامة، وأنه سبحانه ذو العلم الكامل المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه، وأنه سبحانه الذي أجرى كل شيء على وفق ما أراد، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\nوهذه المسائل التي سمعتم والجمل متصلة ببحث القَدَرْ، والمؤلف الطحاوي لم يجمع الكلام في القَدَرْ في موضع واحد، بل فرقه في نحو ثلاثة مواضع.\nولهذا كان من عيوب هذه الرسالة أنها جرت على وفق ما تيسر لمؤلفها، والترتيب ينفع المُتَلَقِّي لكن بالنسبة لنا سنجري على وفق ما جرى هو عليه، ونذكر ما يفيد إن شاء الله في كل موضع بحسبه.\n\nقال هنا (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ)\nقال (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) هو سبحانه خلق المخلوقات عالمًا بها غير جاهل بما هي عليه ومتى يؤول إليه أمرها.\nوأورد هذه الجملة الطحاوي مخالفًا أهل الاعتزال الذين لا يجعلون العلم مصاحبًا لصفات الله - ﷿ - ولأفعاله.\nوعِلْمُ الله ﷾ صفة ملازمة، هو ﷾ عالم بعلمٍ، وخالق بعلمٍ، وقادر بعلم، ورحيم بعلمٍ، يرحم من يشاء عن علمٍ، وهذا العلم صفته - ﷿ - الملازمة له لا تنفك عنه.\nوعلمه سبحانه أَوَّلْ، قبل خلق الخلق كان عالِمًَا، بما يصلح لهم وما تقتضيه حكمته فيهم.\nلهذا قال (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) ففي هذا رد على المعتزلة من جهة الصفات، وفيه ردّ أيضا على القدرية - أعني بهم الذين ينفون علم الله السابق، القدرية الغلاة نفاة القدر - الذين يقولون إنَّ العلم حَدَثَ بعد وجود الأشياء فهو سبحانه عَلِمَ بعد وقوع الأشياء، فَخَلَقَ الخَلْقْ فَفَعَلَ الناس فَعَلِمَ - ﷿ - ذلك.\nواستدلوا على هذه النِّحلة بقوله - ﷿ - ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة:٩٤]، وبقوله - ﷿ - في تحويل القبلة ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣]، ونحو ذلك من الآيات التي فيها تعليل بعض الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية وحصول الأشياء بأن يعلم الله - ﷿ - ذلك.\nقال - ﷿ - في هذه الآية ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ .\nفزعموا أنّ هذه الآيات وأشباه هذه الآيات تدلّ على أنه - ﷿ - لا يعلم الأشياء إلا بعد أن تقع.\nوأهل السنة مثبتون لعلم الله - ﷿ - الكُلِّي بالأشياء ولِعِلْمِ الله - ﷿ - التفصيلي بأجزاء الأشياء وحوادثها المفردات.\nوإذا عُلِّلَ شيء في القرآن أو في السنة لكي يعلم الله - ﷿ - ذلك الشيء فإن معناه عندهم - بما دلت عليه الأدلة - معناه حتى يَظْهَرَ عِلْمُ الله في الأشياء في هذه الأمور ليقع حسابُه وليقع تعذيبه أو تنعيمه أو نحو ذلك، يعني إظهار ما تنقطع به الحجة.\nفقوله سبحانه ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ يعني إلا ليظهر علمنا فيمن اتبع الرسول ممن انقلب على عقبيه؛ لأنَّ الله - ﷿ - لو آخذ العباد، وآخذهم وحاسبهم على علمه السابق فيهم لكان لهم حجة.\nفهو سبحانه جعل هذه الأشياء مع علمه السابق بما سيفعله العباد لكي يظهر علمه فيهم.\nفجاء إذًا هنا (لكي) في قوله (لِنَعْلَمَ) حتى يظهر العِلْمُ فيكون ذلك حجة على الناس.\nوهذا ظاهر بَيِّنْ أنَّ علم الله ﷾ للأشياء قبل وقوعها، قال سبحانه ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠]، هذا وفي الآية الأخرى ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت:٥٢]، وهذا يدلك على أنَّ الله ﷾ عَلِم قبل الكتابة، والكتابة متأخرة على العلم، وهذا الذي يجعلنا نقول أنّ علم الله - ﷿ - أول بالأشياء.\nوهنا يُقَيَّدُ ذلك بعلم الله - ﷿ - بما أراده ﷾.\nفإذا أراد الله - ﷿ - شيئًا علم تفصيلاته، وخلق المخلوقات وخلق الأشياء بعلمه؛ يعني على وَفق علمه ﷾ بها، وهو عالم بها غير جاهل بها.\nولهذا قرأتم أو قرأ بعضكم ما في مناظرات المعتزلة مع أهل السنة في أنَّ المعتزلة يقولون في أسماء الله - ﷿ - إنه سبحانه مثلًا عالم بغير علم، وخالق بغير خلق، وحي بغير حياة، وهكذا، يجعلون الصفات مخلوقات منفصلة.\nفعندهم العلم هو المعلومات.\nفتعلقت الصفات التي يثبتونها بالمعلوم فصار عالمًا، لا لعلم حدث فيه.\nوذلك فرارا منهم من مسألة حدوث مفردات العلم.\nلأنَّ العلم له مفردات وإذا حلت المفردات؛ - يعني عَلِمَ هذه - معناه أنه حل به عِلْمٌ بهذا الشيء الذي حصل، أو تعلق به خَلْقُ هذا الشيء، فكأنه - ﷿ - صارت له صفة لم تكن له من قبل.\nوهذا يستلزم والتركيب، والتركيب يستلزم الجسمية، والجسمية تنافي ألوهية الرب - ﷿ - كما هو مقرر في موضعه.\nالمقصود أنَّ قوله (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) ظاهر.\nمعناه أنه خلق سبحانه المخلوقات وهو عالم بها، وهو - ﷿ - عَلِمَ قبل خلقها، وأيضا يعلمها بعد خلقها.\n\nثم قال رحمه الله تعالى (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا)\nيعني قَدَّرَ للخلق أقدارًا، وذلك لقول الله - ﷿ - ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، ولقوله سبحانه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال ﷾ أيضا ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:١-٣]، والإيمان بِقَدَرِ الله - ﷿ - هذا ركن من أركان صحة الإيمان، فهو واجب لأنَّ التكذيب به باطل كما سيأتي مفصلًا في موضعه.\nفقول المؤلف (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) يعني أنه جعل للمخلوقات أقدارًا، لا تُحَصِّل المخلوقات ما هي عليه بلا ترتيبٍ سابق، بلا تقدير سابق.\nوهذا يشمل أشياء -يعني تقدير الأقدار لهم- يشمل أشياء:\n١ - الأول:\nتقدير ما به تمام خلقهم، فإنَّ الله - ﷿ - قَدَّرَ لكل مخلوق خِلقَةْ يكون عليها، ووصوله إلى غاية هذه الخِلْقَة أيضا يحتاج إلى تقدير، فالجنين لا يخرج من بطن أمه إلا وقد سبقه تقدير تفصيلي لكل المراحل التي سيمر بها وما يَعرِضُ له من كمال أو نقص، كما قال - ﷿ - ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] .\n٢ - الثاني:\nأنَّ مقادير المخلوقات مُقَدَّرَة في الصفات التي تكون عليها المخلوقات من الغرائز والأحوال التي يسميها الآخرون الأعراض، فكل الأعراض التي تَعرِضُ على الذوات الله - ﷿ - قَدَّرَهَا، فَقَدَّرَ الألوان بتفصيلاتها، وقَدَّرَ الصفات من الحرارة واليبوسة، وقَدَّرَ الذكاء، وقَدَّرَ تفصيلات الحياة التي في المخلوق بجميع أحواله، سواء في ذلك المخلوقات التي حياتها بالروح، أو المخلوقات التي حياتها بالنماء، أو المخلوقات الجامدة عن الحركة الظاهرة.\n٣ - الثالث:\nقَدَّرَ الله - ﷿ - على المكلَّفين من مخلوقاته ما هم عليه من الشقاوة ومن السّعادة ومن الهدى ومن الضلال، ولهذا قال ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٢-٣]، فَرَتَّبَ الهداية بعد التقدير لأنه عنى بالتقدير هنا المرتبتين الأُوليين؛ لأنه جعلها بعد قوله ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ يعني جعل الخلق على نهايته يعني سَوَّاه، يعني جعله على نهايته المقدرة له، ثم قال ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ يعني لِمَا خلق من الأشياء الغريزية والخلقية فهدى للطريقين.\nإذا تبين لك ذلك فالله ﷾ قَدَّرَ للأشياء المقادير، وتعبير المؤلف بقوله (قَدَّرَ لهمْ) هذا مناسب من لو قال: قَدَّرَ عليهم أقدار لأنَّ التقدير لهم يشمل ما سيكونون عليه من خير أو شر.\nإذا تبين هذا ففى قوله (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) مسائل:","vol":"1","page":66},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالقَدَرْ معناه في اللغة: تهيئة الشيء لما يصلح له، فإذا هيأت شيئًا لما يصلح له فقد قَدَّرْتَهُ.\nوتقول أُقَدِّر أن يكون كذا وكذا، يعني هَيَّأْتَ هذا الأمر على أن يكون كذا وكذا، فتكون داخلًا في هذا الأمر بتقدير، إذا دخلت فيه بتهيئة.\nوهذا هو المعنى اللغوي العام كما قال سبحانه ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠]، والآيات في هذا كثيرة ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]، ونحو ذلك.\nأما في الشرع فالقَدَرْ: سرّ الله - ﷿ - الذي لم يُطْلِعْ عليه أحدًا، لم يُطْلِعْ عليه ملكًا مُقَرَّبًَا، ولم يُطْلِعْ عليه نبيًا مرسلًا، بل هو سر الله - ﷿ -، الذي لا يعلمه على وجه الكمال أحد.\nوتعريف القَدَرْ اختلف فيه الناس، وحتى تعريفه عند المنتسبين للسنة مُخْتَلِفْ.\nلكنه عُرِّفْ بتعريف أُخِذَ من مراتب القدر التي جاءت الأدلة على مفرداتها.\nفقيل في تعريف القدر عند أهل السنة: إنه علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها، وكتابته لذلك في اللوح المحفوظ قبل خلقها وإيجادها، ومشيئته النافذة الشاملة، وخَلْقُهُ - ﷿ - لكل ما قدَّر، أو خَلْقُهُ - ﷿ - لكل شيء.\nوهذا يشمل المراتب جميعا وسيأتي ذكر مراتب القدر ودرجاته في موضعه فيما نستقبل من هذه الرسالة.","vol":"1","page":67},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنّ القَدَرْ - لَمَّا كان هذا أول موضع فيه - يجب أن يُبْحَثْ من جهة النصوص فقط؛ لأنَّ النبي - ﷺ - صحّ عنه أنه قال (إذا ذُكر القدر فأمسكوا) (١) يعني فأمسكوا عن الخوض فيه بما لم يَدُلَّكُمْ عليه كلام الله - ﷿ - أو كلام نبيكم؟.\nفإذا تكلمنا في القَدَرْ أو خاض المرء فيه بعقله وفهمه فيجب أن لا يَتَعَدَّى ما دلت عليه النصوص، وذلك لأن تجاوز ما دلت عليه النصوص في باب القَدَرْ بسببه ضَلَّ الناس.\nوهذا الخوض يسبّب الضلال، إذا تَعَرَّضَ الناظر لأمور تسبب له الضلال في القدر -:\n١ - الأمر الأول: الخوض في أفعال الله - ﷿ - بالتعليل.\nإذا خاض في أفعال الله - ﷿ - بالتعليل الذي يظهر له دون حجة فإنه يضل، لأنّ أفعال الله - ﷿ - صفاته ﷾، وهي مرتبطة عندنا بعلل توافق حكمة الربّ - ﷿ -، والمخلوق لا يفهم من تعليل الأفعال إلا بما أدركه أو بما يصل إليه إدراكه.\nبما أدركه يعني يرى مثيله، علَّلَ هذا بهذا لأنه مرّ عليه، أو أدْرَكَهُ بما شاهد، أو أنَّهُ يصل إليه إدراكه بالمعلومات المختلفة التي يُقَدُِّرَها.\nوقد قدمنا لكم أنّ الأساس في صفات الله - ﷿ - أنه لا يُدرَكُ كيفية الاتصاف بالصفات، كما لا يُدرَكُ كمال معرفة حكمة الله ولا كمال التعليل. (٢)\nولهذا من خاض في التعليلات، في الأفعال بالعِلَلْ، فإنه لابد أن يخطئ إذا تجاوز ما دلَّ عليه الدليل.\nوالعلل قسمان: عِلَلْ كونية وعِلَلْ شرعية.\nوأفعال الله مُعَلَّلَةْ لاشك: أفعال الله في ملكوته مُعَلَّلَةْ وأفعال الله - ﷿ - في شرعه - يعني أحكام الله - ﷿ - في الشرعية مُعَلَّلَةْ، يعني الشرعيات في الغالب مُعَلَّلَةْ -.\nإذا تبين لك ذلك فإن الخوض في التعليلات، في الأفعال بالعِلَلْ هو سبب ضلال الفِرَقْ المختلفة في باب القَدَرْ، هو سبب ضلال القدرية المشركية، وهو سبب ضلال القدرية الغلاة النافية للعلم، وهو سبب ضلال القدرية المتوسطون أو المعتزلة؛ لأنَّ الفِرَقْ الرئيسية في القَدَرْ ثلاث كما سيأتي بيانه:\n- قدرية مشركية: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] .\n- وقدرية غلاة: نفاة العلم الذين قالوا إنَّ الأمر أُنُفْ ولا يَعْلَمُ الأشياء.\n- وقدرية متوسطة: وهم المعتزلة في باب القَدَرْ الذين لم ينفوا كل مراتب القَدَرْ، لم ينفوا العلم السابق كما سيأتي تفصيله في موضعه.\nوكل هذه الفرق خاضوا في مشيئة الله وإرادته والتعليلات بعقولهم، فَلَمَّا لم يفهموا التعليل ضلوا، كما قال شيخ الإسلام في تائيته القدرية:\nوأصلُ ضلالِ الخَلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةٍ ****** هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ\nفإنَّهمُ لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ ****** فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ\nفإذًا الأمر الأول من أسباب الضلال في هذا الباب الخوض في الأفعال.\nلِمَ أغنى؟ ولِمَ أفقر؟ ولِم أصحّ؟ لِمَ خلَقَ هذا الشيء على هذا النحو؟ لِم أعطى؟ لِم شرع؟ لِم جعل هذه الأمة كذا وهذه الأمة كذا؟ لِم جعل الأرض كذا؟ لِم جعل الجنة كذا؟ لِم جعل مصير هذا كذا؟ إلى آخره، كل هذا إذا خاض فيه العبد فإنه باب ضلال لأنّ القَدَرْ سر الله - ﷿ -.\n٢ - الأمر الثاني: قياس أفعال الله - ﷿ - على أفعال المخلوقين، أو جعل ميزان تقدير الله على وجه الكمال والصحة هو ميزان تقدير المخلوقين.\nفإنَّ العباد إذا نظروا في فِعْلِ المخلوق وفي تقديره وتصرفاته فإنهم يجعلون الصواب والكمال في حق المخلوق على نحوٍ ما، فإذا نقلوا هذا الذي أدركوه في المخلوق إلى فِعْلِ الله - ﷿ - فإنه أتى بابٌ كبير من أبواب الضلال - يعني حصل باب كبير من أبواب الضلال -.\nكما حصل للقدرية من المعتزلة وأشباههم، فإنهم قاسوا أفعال الله بأفعال خلقه، فأوجبوا على الله - ﷿ - فعل الأصلح بما عهدوه من فعل الإنسان، وأوجبوا على الله - ﷿ - العدل ونفوا عنه الظلم بما عهدوه من فعل الإنسان.\nولهذا قالوا إنَّ الله - ﷿ - يجب عليه فعل الأصلح، وأنه يَحسُنُ في فعل الله كذا، ويقبح كذا، فما حسَّنَتْهُ عقولهم بما رأوه في البشر حَسَّنُوهُ في فعل الله، وما قبَّحَتْهُ عقولهم من أفعال المخلوقين قَبَّحُوهُ في فعل الله، فنفوا أشياء عن الله - ﷿ - ثابتة له لأجل هذه المسائل الثلاثة التي ذكرتها لكم:\n- مسألة التحسين والتقبيح.\n- مسألة الصالح والأصلح.\n- مسألة الظلم والعدل.\nفهذه المسائل الثلاث هي أعظم أبواب ضلال القدرية، ولهذا يجب أن لا يَدْخُلَ فيها المكلف إلا بما دلت عليه النصوص.\nوالأصل في هذا أَنَّ الله سبحانه لا يُشَبَّهُ بِخَلْقِهِ في أفعاله ولا في صفاته، كما قال سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\n_________\n(١) المعجم الكبير (٢/ ١٤٢٧)\n(٢) راجع (٤٥)","vol":"1","page":68},{"text":"٣ - الأمر الثالث: مما ينبغي مراعاته في بحث القَدَرْ وإذا قرأت في هذا الباب، أنَّ العلماء الذين تكلموا في مسائل القَدَرْ من المتقدمين من علماء السلف، فصنفوا فيه كابن أبي داوود، بل قبله ابن المبارك، ومن كَتَبَ في ذلك في مصنفات مستقلة، أو ضمن كتب السنة الأخرى، أو من صَنَّفَ من المتأخرين في هذا الأمر يجب أن تَنْظُرَ إلى كلامه على أنه قابل للأخذ والرد إذا دخل في أمرٍ عقلي لا دليل عليه.\nإذا دخل في أمر عقلي لا دليل عليه من كلام الله - ﷿ - أو كلام رسوله - ﷺ - فتوقف؛ لأننا وجدنا أَنَّ طائفة من الناس أخذوا كلام من وثقوا به من أهل العلم في مسائل القَدَرْ على أنه مُسَلَّمْ لَمَّا كان منتسبا إلى السنة؛ لكنه خاض باجتهاده في بعض المسائل من جهة العقل، فيأتي الناظر فلا يدرك كلامه على وجه التمام، أو يكون ذاك مخطئا فيتابعه هذا وينسبه إلى السنة.\nوالسنة في باب القَدَرْ هي ما دل عليه القرآن وحديث المصطفى - ﷺ - فحسب، وما زاد عنه فيجب الإمساك عنه.\nقد يحتاج طالب العلم إلى التفصيل العقلي بما دلت عليه النصوص والالزامات، بما علم من النصوص في مقام الرد على المخالفين، لا في مقام التقرير.\nفإذًا ينبغي أن يُفْهَمْ كلام أهل العلم على مرتبتين:\n- المرتبة الأولى: مقام تقرير مسائل القَدَرْ. -هذا واحد-.\n- والمرتبة الثانية: مقام الرد على الخصوم في القَدَرْ.\nفإذا كان المقام مقام تقرير للاعتقاد الصحيح في القَدَرْ فلا يجوز أن يُتَجَاوَزَ القرآن والسنة، لا يجوز أن يُتَجَاوَزَ كلام الله - ﷿ - وحديث المصطفى ﷺ؛ لأن القدر سر الله - ﷿ -.","vol":"1","page":69},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنَّ الفِرَقْ في باب القَدَرْ -قبل أن نخوض أو نبحث هذا الموضوع نعطيك تصور عام وسيأتي له تفصيل-، فالفِرَقْ في هذا الباب المنتسبة للأمة ثلاث فِرَقْ:\n- الفرقة الأولى: القَدَرِيَّة.\n- الفرقة الثانية: الجبرية.\n- الفرقة الثالثة: أهل السنة والجماعة.\nوالقدرية طوائف كثيرة منهم الغلاة، ومنهم المتوسطون.\nوقولنا عنهم قَدَرِيَّة، نعني به نفاة القَدَرْ، ننسبهم للقدر؛ لأنهم نفوه، قال أهل العلم عنهم قَدَرِيَّة لأنهم نفوا القَدَرْ:\n- منهم من نفى العلم\n- منهم من نفى عموم المشيئة.\n- أو عموم خلق الله - ﷿ - لكل شيء\n- ومنهم الجبرية الذين قالوا إنّ العبد مجبور.\n* وهؤلاء الذين قالوا إنَّ العبد مجبور:\n- منهم الغلاة كالجهمية وغلاة الصوفية الذين يقولون هو كالريشة في مهب الريح.\n- ومنهم المتوسطون الذين قالوا هو مجبور في الباطن ومختار في الظاهر وهم الماتريدية والأشاعرة.\nوالمؤلف الطحاوي ينتمي في الجملة في المسائل المُشْكِلَة إلى الماتريدية، ولهذا ينبغي أن يُنتبه لكلامه في المواطن ذات الزلل كمسألة القَدَرْ، هل قرَّرَهَا على وجه الجبر أم على وجه كلام أهل السنة والجماعة كما سيأتي.","vol":"1","page":70},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nنختم بها قوله (قَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) أنَّ هناك ألفاظًا تستعملها الطوائف جميعا في مبحث القَدَرْ، ولكل طائفة قصد ومصطلح في استعمالها، وهذه يجب عليك أن تنتبه لها.\nمثال ذلك - ستأتي مفصّلة في موضعها إن شاء الله تعالى -.\nمثال ذلك (مسألة الكَسْبْ)، فإنَّ الكسب عند أهل السنة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند المعتزلة له معنى.\nفَلَفْظٌ واحد يرد في كتب أهل السنة، ويرد في كتب الأشاعرة والماتريدية، ويرد في كتب المعتزلة، وكل له في هذا المقام اصطلاحه ومعناه.\nكذلك (نفوذ المشيئة، مشيئته نافذة)، هذا عند المعتزلة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند أهل السنة له معنى، نفوذ المشيئة، عموم المشيئة، شمول المشيئة.\nفالقدرية يعنون بذلك معنى - يعني المعتزلة ومن نفوا القَدَرْ - والجبرية يصرفونه لمعتقدهم، وأهل السنة يذكرونه على ما دلت عليه النصوص.\nالمقصود من هذه المقدمات دخول لك في هذه المباحث المهمة؛ لأننا في تقرير هذه العقيدة الطحاوية نريد أن ننتقل بكَ من سرد المعلومات التفصيلية فقط في معتقد أهل السنة إلى ما يفتح لك آفاقا في رؤية كتب أهل العلم في الاعتقاد بعامة؛ لأننا الأصل أنَّ الذين يحضرون معنا سبق أن حضروا كتب كثيرة يعني كالواسطية وما قبلها في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة.\nفتنتبه إلى أَنَّ الألفاظ في باب القَدَرْ متشابهة لكن المعاني مختلفة.\nإذا قرأت كتابًا من كتب التفسير في الآيات التي فيها عموم المشيئة، في الهدى والضلال، في عموم خلق الله - ﷿ -، الله خالق كل شيء، في التفضيل، إذا قرأت كلاما لمفسر سلفي قد يستعمل العبارات التي يستعملها الأشعري أو يستعملها المعتزلي، وكل له اصطلاحه، ولهذا قال من قال عن كتاب \"الكشّاف\" للزمخشري إنه دسّ فيه مذهب المعتزلة في الصفات وفي القَدَرْ وهو أعظم بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير.\nهذه المسائل بتفصيلاتها تأتي إن شاء الله تعالى في مواضعها.","vol":"1","page":71},{"text":"قال ﵀ بعد ذلك (وَضَرَبَ لهم آجَالًا)\n_________\nضرب لهم آجالًا، الآجال جمع أجل.\nوضَرْبُ الآجال معناه: أنه - ﷿ - جعل لكل شيء أجلًا ينتهي إليه فما من شيء إلا وله أجل ينتهي إليه المراد من خلقه.\nفالسماوات لها أجل والأرض لها أجل تنتهي إليه، وهكذا مخلوقات الله - ﷿ -، ومنها ما جعل الله - ﷿ - له أجل يعلمه سبحانه ولا يعلمه العباد قد يطول جدا وقد لا يكون له نهاية، بعلم الله ﷾ له.\nالآجال غير الأعمار فالعمر أخص من الأجل، ولهذا قال من قال من أهل العلم إنَّ الأجل في القرآن لا يقبل التغيير ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]، ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [يونس:٤٩] في الأمم، وقال - ﷿ - في العمر ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١]، وهذا يدلك على أنَّ الله ﷾ ضَرَبَ آجَالًا وجعل أعمارًا.\nوالجمع بين هذا وهذا عند طائفة من المحققين من أهل العلم أنَّ الأجل لا يقبل التعديل ولا التغيير، وأما الأعمار فهي قابلة لذلك، بأسباب أناط الله - ﷿ - بها التغيير في قَدَرِهِ السابق، كما قال سبحانه ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨]، ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] .\nفإذًا أجَلْ العباد، أجَلْ المخلوقات، أجَلْ الأمم هذا هو الذي في اللوح المحفوظ، لا يقبل التغيير، ولا يقبل التبديل، جعله الله - ﷿ - على هذا النحو على ما اقتضته حكمته ﷾، وأما الأعمار فإنها تقبل التغيير.\nوقَبُولها للتغيير لما في التقدير السنوي للعباد؛ لأنَّ القَدَرْ منه قدر عام وهو الأصل العظيم، وهو ما جاء في قوله؟ (قدر مقادير الخلائق قبل أن يخل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) (١) هذا التقدير العام في اللوح المحفوظ.\nومنه تقدير خاص، التقدير الخاص يختلف فيه تقدير لكل مخلوق في رحم أمه، وثَمَّ تقدير سنوي في ليلة القدر، وثَمَّ تقدير يومي أيضا لما يفعله العباد.\nإذا تبين ذلك فإنَّ التقدير الذي يقبل التغيير هو ما في صحف الملائكة.\nوهذا الذي يُحْمَلُ عليه قول الله - ﷿ - ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١] .\nبعض أهل العلم في التفسير فَهِمَ الآية أنَّ معناها وما يعمر من مُعَمَّرٍ ولا يُنقص من عمر مُعَمَّرٍ آخر إلا في كتاب، وأنّ تعمير المعمر يكون بسببٍ قد قُدِّر هو والتعمير معا، فيكون قد عُمِّر، لا بالنسبة إلى أنه كان عمره ليس بطويل فأطيل فيه.\nوهذا يخالف ما جاءت به السنة الصحيحة من قول المصطفي؟ (من سرَّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه) (٢)، وبقوله؟ فيما صح عنه (ولا يزيد العمر إلاّ البِر) (٣) .\nقال هنا (من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره) يعني أنَّ زيادة الأرزاق منوطة بسبب، وأن تعمير المعمَّر زيادة في عمره، نَسْءُ الأثر هذا مربوط بسبب، وهذا هو الذي ارتبط بالأعمار، بالآثار.\nأما الآجال فلا، الآجال لا تقبل تغييرًا، لأنها هي الموافقة لما في اللوح المحفوظ، يعني الأجل الذي إليه النهاية، أما العمر فهذا يقبل التغيير.\nولهذا صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى في سورة الرعد ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩] أنه في صحف الملائكة، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] يعني اللوح المحفوظ وهذا واضح.\nفقول المؤلف ﵀ (وَضَرَبَ لهم آجَالًا) يعني ما كان من التقدير السابق قبل خلق السماوات والأرض.\n_________\n(١) سبق ذكره (٦١)\n(٢) البخاري (٢٠٦٧) / مسلم (٦٦٨٧)\n(٣) الترمذي (٢١٣٩)","vol":"1","page":72},{"text":"قال (ولم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم. وَعَلِمَ ما هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُم\nوأَمَرَهُم بِطَاعَتِهِ، ونَهَاهُم عَنْ مَعْصِيتِه)\n_________\n(لم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم) هذا عام يعني من الطاعات ومن المعاصي، من الخير ومن الشر، مما سيعملون، ومما لم يعملوه لو عملوه كيف يكون، فإنه ﷾ يعلم أحوال الخلق على وجه التفصيل، فيما سيعملون وفيما لم يعملوه، ومثاله قول الله - ﷿ - ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) [فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨٠-٨١] .\nإذًا فالله ﷾ تَعَلق علمه بكل شيء.\nقال (لم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم. وَعَلِمَ ما هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُم) لم؟\nلأنه سبحانه بكل شيء عليم، كما قال - ﷿ - ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقوله (كُلِّ شَيْءٍ) هذا عموم لا يخرج منه شيء، والأشياء كما فسّرناها لكم قبل ذلك جمع شيء، والشيء ما يصح أن يعلم أو يؤول إلى العلم.\n﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعني بكل ما يصح أن يُعْلَمْ أو ما يؤول إلى أن يُعْلَمْ (١)\n\n: [[الشريط الخامس]]:\n\nهو بكل شيء عليم ﷾، لهذا قال علماؤنا، عِلْمُ الله - ﷿ - متعلق بكل شيء:\nعَلِمَ ما سيكون\nعَلِمَ ما لا يكون.\nعَلِمَ ما قَدَّرَ ألا يكون، لو حصل كيف يكون.\nفهذه الثلاث فيها مخالفة للقدرية والمعتزلة في مذاهبهم.\nعَلِمَ ما سيكون وما لم يكن، يعني والذي لا يكون أيضًا عَلِمَهُ - ﷿ -، لأنه اختار أن يكون الأمر على نحو كذا، وهو عَلِمَ ما سيكون والذي لا يكون أيضًا عَلِمَهُ - ﷿ -، وعَلِمَ ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما قال - ﷿ - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] .\n\nقال ﵀ بعد ذلك (وأَمَرَهُم بِطَاعَتِهِ، ونَهَاهُم عَنْ مَعْصِيتِه)\nهذا تعليق للأشياء بالأمور الشرعية.\nيعني أنَّ الخَلْقَ والعِلْمْ والتقدير السابق وضَرْبْ الآجال هذا نافذ فيهم، ومع ذلك أَمَرَهُمْ سبحانه بطاعته ونهاهم عن معصيته - ﷿ -.\nوهذا الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية أراد منه مخالفة المعتزلة في أَنَّ الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي أنه جاء عقليًا وليس شرعيًا، ولكن الحق أنَّهُ إنما جاء في الشرع لا في العقل.\nلبسط هذه المسائل تفصيل يأتينا إن شاء الله في موضعه.\nهذه كلها الذي قدمناه من أول العقيدة إلى الآن وإلى قوله (وإنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المصطَفى) هذه كلها مقدمات ما دخلنا في تفصيل الكلام على معتقد أهل السنة والجماعة في مواضعه.\nلذلك أنا أرجئ الكلام على تفصيلات القَدَرْ ومسائله في موضعه حتى يكون لك في مكانه مجتمعًا غير ما ذكرناه في هذا الموضع.\n_________\n(١) انتهى الشريط الرابع.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>الأسئلة:</span>\nفيه كثير من الاخوة سألني في المسائل التي كنا تكلمنا فيها الأسبوع الماضي كمسألة التسلسل؛ التسلسل الماضي والمستقبل وحلول الحوادث، وكلام الشارح أيضا في هذا الموضع، في هذا الموطن، والمسألة يعني شائكة لكن ما ذكرته لك هو الحد الأدنى في فهمها، فينبغي أن لا تكثر من الخوض فيها لأنها عسرة بعض الشيء.\nس١/ يقول: ما أفضل كتاب تكلم عن القدر وتعريفه ومراتبه وجميع ما يتصل به؟\nج/ أفضل كتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم ومن الكتب المعاصرة كتاب القدر للدكتور عبد الرحمن المحمود كتاب قرّب فيه المسألة لطالب العلم فهو كتاب نافع في هذا الباب جدًا.\nس٢/ ألا نستفيد من قوله سبحانه ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩-٣٨]، ألا نستفيد منه تغيير الأجل لقوله سبحانه (يَمْحُوا)؟\nج/ لا، (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) يعني ما في صحف الملائكة أما الآجال فهي ثابتة.\nس٣/ (لا يرد القدر إلا الدعاء) (١)؟.\nج/ هذا جاء في الحديث الذي رواه الحاكم وغيره وهو حديث صحيح.\nس٤/ ذكرتم في الدرس السابق أنَّ الخلق في اللغة يشمل مراتب منها التقدير، فأرجو إيضاح هذه المرتبة بتفصيل أكثر؟\nج/ لعلك ترجع إليها لأنها تحتاج إلى تفصيل.\nس٥/ ذكرتم في الدرس السابق أن صفات الله ﷾ متلازمة وله الكمال المطلق، معنى قولكم متلازمة؟ وهل تجوز هذه العبارة (إن الله على ما يشاء قدير)؟.\nج/ أما كون الصفات متلازمة فنعم الصفات بعضها ملازم للآخر، أو الصفة تدل على الصفة الأخرى بالتلازم؛ يعني لا يُتَصَوَّرْ أن صفة الرحمة بلا صفة الحياة، ولا يُتَصَوَّرْ أن هناك صفة قهر بلا صفة القدرة ولا يُتَصَوَّرْ أن هناك صفة علم بلا صفة إرادة، ولا أن هناك صفة كلام بلا صفة إرادة وملك وقوة.\nإذًا فصفات الله - ﷿ - متلازمة، لهذا أهل العلم لما تكلموا على الأسماء الحسنى قالوا إنَّ الاسم من أسماء الله الحسنى يدل على:\nمسماه ومعناه جميعا بالمطابقة.\nويدل على أحدهما بالتضمن.\nويدل على الصفة الأخرى أو على الاسم الآخر باللزوم، كما هو معروف في موضعه.\nقال هل تجوز هذه العبارة (إن الله على ما يشاء قدير) كنا ذكرنا لكم تفصيلات الكلام عليها، (على ما يشاء قدير) هذه عبارة الأشاعرة وأشباههم؛ لأنهم علَّقُوا القدرة، قدرة الله - ﷿ - بما يشاؤه، وأما ما لم يشأه فعندهم أن الله - ﷿ - ليس بقادر عليه، هذا كلام الأشاعرة.\nالمعتزلة علقوا القدرة بما هو مقدور له، وما لم يكن مقدورا له فليس بقادر عليه، يعني عندهم أنَّ ثَمَّ أشياء ليست بمقدورة لله - ﷿ -، فليس بقادر عليها.\nمثل الظلم، أصل الظلم هو ليس قادر عليه، لم؟\nلأنه ليس ظالما فليس بمقدور له - ﷿ - أن يظلم - ﷿ -.\nوعندنا الله - ﷿ - قادر على كل شيء، ما يشاؤه وما لم يشأه، والظلم لم يشأه سبحانه بل حرَّمه على نفسه (إني حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلاَ تَظَالَمُوا) (٢) .\nإذن فتعلُّقْ القدرة، هذه مسائل تعلق الصفات، يعني القدرة لها مُتَعَلَّقْ، العلم له متعلَّق -عند الطوائف جميعا- الكلام له متعلق، الرحمة لها متعلق، وهكذا فتعلق الصفات هذه تختلف فيها الفرق المختلفة، وهو معلوم في موضعه.\nالمقصود أن قول القائل إن الله على ما يشاء قدير هذا من البدع التي لا تجوز، وقائلها ينبه على مخالفته بما جاء في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .\nس٦/ هل أوضحتم ثمرة الخلاف المرتبة الناتجة عن الاختلاف لكون الموت صفة وجودية أو عدمية؟\nج/ المقصود الكلام على هل الموت صفة وجودية أو صفة عدمية؟ هذا متعلق بحياة الروح والعذاب والنعيم، هذا الخلاف بين أهل السنة وبين الفلاسفة الذين يقولون إن الموت عدم أو الموت حياة، يعني هل أن الموت حياة جديدة أو هو عدم حياة وزوالها؟\nالفلاسفة لهم مذهب في هذا، في أن الموت هنا موت البدن، الروح هذه تذهب إلى مكان لها ثم تعود في جسد جديد تناسبه، فعندهم الموت عدم الحياة، انتهى.\nعندنا لا، الروح كل روح مستقلة، روح المكلف هذه باقية، خُلقت للبقاء، لا تنتقل من فلان إلى فلان كما هو قول الفلاسفة ومن شابههم، بعض من ينطق بهذه الكلمة يعني بأن الموت صفة عدمية قد لا يستحضر أو قد لا يقول بهذا المذهب، لكن هو من أنشأ هذا الكلام ويقول بهذا المذهب من أن الأرواح محدودة والأجساد متعددة فالأرواح تتنقل فيها.\nيعني مثلا عندهم نعيم الروح، كيف روح منعمة؟\n_________\n(١) الترمذي (٢١٣٩) / ابن ماجه (٩٠)\n(٢) سبق ذكره ص ٥١","vol":"1","page":74},{"text":"يقول الروح تعذب بمصيرها في جسد حياته شقاء، يعني الآن فلان مثلا- أعوذ بالله ما نريد أن نقلق أسماعكم بهذا الباطل نعوذ بالله منه - لكن ما من مسأله نتكلم عنها إلا ولها ثمرات، يعني في العقيدة ما فيه خلاف لا ثمرة له، خذها كلية.\nس٧/ كيف عرف ميل الإمام الطحاوي إلى مذهب الأشاعرة في مسألة اتصاف الله بصفاته؟\nج/ لا، ليس في مسألة الصفات، مسألة التسلسل.\nس٨/ هل يصح أن يقال إن العلم بالله لا يكون إلا بالعلم النظري، لا الضروري؟\nج/ يعني يصح مع أحد الاعتبارات، لكنه قد يصل العكس إلى أن يكون علمه بالله ضروريا ما يحتاج معه إلى استدلال، صار واضحا عنده بحيث لا يحتاج منه إلى نظر، نَظَرَ واسْتَقَرَ الإيمان في قلبه واتضح له حتى صار عنده وجود الحق - ﷿ - ضرورة لا يحتاج إلى استدلال، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] أصبح ضروريا؛ لأن الضروري هو ما لا يُحْتَاجُ له إلى استدلال، والنظري ما يحتاج في إثباته إلى نظر واستدلال.\nس٩/ ذكرت أن الروح لها صفة البقاء، فكيف نوفق بين هذا وبين المراد من المستثنى عند قوله تعالى (إلا من شاء الله) وهل معنى هذا أن أرواحهم غير ميتة؟\nج/ لا، ما لها علاقة (إلا من شاء الله) في الاستثناء يعني أرواح الشهداء أو أشبه ذلك، الأرواح لا يحلها الموت، تجتمع في الصور فيُنفخ فيه فتعود إلى الأجساد.\nس١٠/ هل الموت عرض أو عين؟ أو عرض يقلبه الله عينا؟\nج/ الموت صفة إذا سَمَّيْتَ الصفات أعراض فلا بأس، الموت حياة جديدة؛ حالة فيها حياة جديدة، يعني سمي الانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية سمي موتا، هو انتقال إلى حياة جديدة، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] وكذلك كل مؤمن حي عند ربه يرزق.\nهل الموت عرض أو عين؟ أو عرض يقلبه الله عينا؟\nفي الآخرة يؤتى بالموت على صفة كبش فيكون قد قُلِبَ إلى عين.\nس١١/ هل لابد أن يكون لله مخلوقات ليوصف بالخلق أو أنه يوصف بالخلق ولو لم يخلق شيئا أبدا؟\nج/ هذا سؤال في غير مكانه لأنه ﷾ خالق وله مخلوقات، ولم يزل ﷾ خالقا - ﷿ - يعني هذه صفة ملازمة له سبحانه.\nس١٢/ هل ابن حزم من أهل السنة والجماعة؟\nج/ لا، ابن حزم ليس سنيا بل له مذهب خاص، ابن عبد الهادي وغيره يعتبرونه من الجهمية، طائفة تعتبره من الفلاسفة يعني خليط، هو في العقيدة مخلّط لا يتبع مذهب من المذاهب عنده تجهم، وعنده أشعريات، وعنده فلسفة يعني مختلط.\nس١٣/ ما هو الرد على من استدل بحديث (إن أول شيء خلقه الله القلم) (١) على عدم التسلسل في الماضي بالنسبة للمخلوقات؟\nج/ الأخ سألني قبل الصلاة أظن عن ذلك، وقلت اترك المسألة إلى وقت آخر، وحديث (إن أول شيء خلق الله القلم) هذا لفظ، واللفظ الآخر المعروف (إن أول ما خلق الله القلم) (٢) أول هنا بمعنى حين، إنه حين خلق الله القلم قال له أكتب، لماذا فسرنا بهذا التفسير؟\nلحديث عبد الله بن عمرو بن العاص (قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) (٣) هذا التقدير هل هو راجع إلى العلم علم الله؟\nالجواب: لا؛ لأن عِلْمَ الله ما يُعَلَّقْ بقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، إذًا يتعلق بالكتابة، كتب الله مقادير الخلائق قبل خلقها بخمسين ألف سنة، هذا الحديث (إن أول ما خلق الله القلم قال له أكتب) وفي رواية (فقال له أكتب) هنا يعني خلق القلم فأمره بالكتابة؛ يعني التقدير، فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، فالمراد من الحديث أنَّ الله - ﷿ - خلق القلم فأمره بكتابة المقادير فوْر خلقه له، هذا الذي نفهمه مع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأن التقدير هناك لابد أن يكون للكتابة، والأولية هنا إن كانت أولية مطلقة قبل المخلوقات يعني وُجد قلم وليس ثم مخلوق البتة، فقوله (فقال له أكتب) تقتضي الترتيب (خلق فقال) وهذا يعني أنه هناك زمن طويل ما بين خلقه وما بين ابتداء الكتابة، وهذا يشوش على الموضوع.\nإذن فهذا الحديث فُهِمَ منه منع التسلسل في الماضي كما هو معلوم، وأن أول المخلوقات القلم وهذا عند المحققين كشيخ الإسلام وابن القيم الذين ضمّوا الأحاديث في هذا الباب وفهموها مع صفات الله - ﷿ - وما دل عليها من الآيات وكلام السلف، فهموا أن القلم في هذا الحديث أوليته هنا بالنسبة إلى الكتابة، فحين خُلق القلم كتب، (إن أول ما خلق الله القلم قال له أكتب) أو (فقال له أكتب) يعني حين خلق القلم قيل له أكتب فجرى بما هو كائن على قيام الساعة، فالحديث ليس في أولية المخلوقات، الأولية بالنسبة لغيرها وإنما الأولية من جهة التقدير والكتابة.\n_________\n(١) المستدرك (٣٨٤٠)\n(٢) أبو داود (٤٧٠٠) / الترمذي (٢١٥٥)\n(٣) سبق ذكره (٦١)","vol":"1","page":75},{"text":"ولهذا تنازع العلماء مع ورود هذا الحديث، تنازعوا في أول هذه المخلوقات من هذا العالم المعلوم في الكتاب والسنة.\nهل أول المخلوقات من هذا العالم المعلوم العرش أو القلم؟\nوالصواب أنّ العرش كان قبل لأنه في حديث عمرو بن العاص قال ﷺ (قَدَّرَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) صار عندنا خلق للقلم كتابة المقادير، وجود العرش على الماء، وهذا هو الذي عقده ابن القيم في النونية بقوله:\nوالناس مختلفون في القلم الذي *** كتب القضاء به من الديان\nهل كان قبل العرش أو هو بعده *** قولان عند أبى العلا الهمداني\nوالحق أن العرش قبل لأنه *** عند الكتابة كان ذا أركان\nوالمسألة فيها بحث أطول من هذا نرجئه إلى وقته إن شاء الله تعالى.\nوفقكم الله ونلتقي إن شاء الله على خير وتقوى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. (١)\n_________\n(١) انتهى الشريط الخامس.","vol":"1","page":76},{"text":": [[الشريط السادس]]:\n\nوإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى، وإنَّه خَاتمُ الأنبياءِ، وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ، وسيِّدُ المرسَلينَ، وحَبيبُ ربِّ العالَمين، وكُلُّ دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ فَغَيٌّ وَهَوى، وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّةِ الوَرَى بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء.\n_________\nقول المصنف ﵀ (وإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المصطَفى) إلى قوله (بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء) .\nهذه الجملة من كلامه من التوحيد، وذلك أنَّهُ قال في أول الكلام - يعني في أول هذه العقيدة- (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله: إنَّ اللهَ واحدٌ لا شريكَ لَهُ) ثم مضى في ذلك وأتى إلى مقام الرسالة والكلام على النبوة فقال (وإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المصطَفى)، فهي معطوفة على قوله (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) .\nو(إِنَّ) هنا مكسورة لأنها معمول القول، ومن المعلوم في النحو أنّ (إِنَّ) تُكْسَرْ إذا كانت تُقَدَّرُ مع ما بعدها بجملة؛ يعني أنَّ (إِنَّ) مع ما دخلت عليه تُقَدَّرُ بجملة.\nفلذلك تُكسر إذا كانت بعد كلام يُقَدَّرْ ما بعده بجملة.\nومعلوم أنَّ القول له مَقُولْ، ومَقُولُ القول جُمَلْ وليس بمفردات، وهذا بخلاف فتح الهمزة في (أَنَّ) فإن القاعدة فيها أنها تفتح إذا كانت في تقدير المفرد أو المصدر، كما هو مقرر في النحو كما هو معلوم لكم جميعا.\nالمقصود أنَّ قوله (وإِنَّ مُحَمَّدًا) هذا بكسر همزةِ (إِنَّ)؛ لأنها مقول القول في أول الرسالة وهو قوله (نقُولُ في تَوحيدِ الله) .\nوبحث الرسالة والنبوة هو من توحيد الله - ﷿ -، ووجه ذلك:\n١ - الوجه الأول:\nأنَّ توحيد الله - ﷿ - يُطْلَقْ ويُعْنَى به العقيدة بعامة، فكل العقيدة بأركان الإيمان تدخل في توحيد الله، فتوحيد الله - ﷿ - هو الإيمان، وهو المشتمل على أركان الإيمان الستة، والكلام على نبوة محمد ﷺ من ضمن ذلك.\n٢ - الوجه الثاني:\nأنّ نبوة محمد ﷺ هي طريق التوحيد؛ لأنَّ توحيد الله - ﷿ - لم يُعْلَمْ إلا عن طريق الرسل، وفي ذلك تقريرُ أنَّ العقول لا تستقل في معرفة توحيد الله - ﷿ - وما يتضمنه ذلك وما يستلزمه ذلك؛ بل إنّه لا بد من بعثة رسلٍ وأنبياء للبيان ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] .\nوبَعْثَةُ الرسل بها عُلِمَ حق الله - ﷿ - وتوحيده؛ توحيد الإلهية، وبها عُلِمَ نعت الله - ﷿ - وأسماؤه وصفاته الكاملة الجليلة.\nفإذًا بعثة محمد ﷺ وبعثة الرسل جميعا هي طريق توحيد الله - ﷿ - ولهذا قال هنا (نقُولُ في تَوحيدِ الله [مُعتَقدينَ بتوفيق الله]: إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) واستمر ومرّ حتى قال (وإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المصطَفى) يعني (ونقُولُ في تَوحيدِ الله: إِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى) .\nوهذه الجملة من كلامه ﵀ فيها تقرير عقيدة عظيمة، وهي أنَّ ﷺ جُمِعَتْ له أوصاف ونعوت ومراتب:\n- فمنها أنه عبد.\n- ومنها أنه نبي.\n- ومنها أنه رسول.\n- ومنها أنه خاتَم الأنبياء والمرسلين.\n- ومنها أنه حبيب رب العالمين وخليله.\n- ومنها أنّ بعثته عامة للجن والإنس، وكافة الورى.\nوسيأتي بيان هذه الجمل والصفات في شرح كل جملة بما تقتضيه.\n\nنخصُّ الآن من هذه الجمل المتعلقة بالنبوة<span data-type=\"title\" id=toc-67> قولَه (وَإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى)</span>\nذكر ثلاث مقامات لمحمد بن عبد الله ﷺ.\nوقوله (إِنَّ مُحَمَّدًا) بدون أوصاف زائدة كسيدنا محمد ونحو ذلك فيه إتّباع لما جاء في الأحاديث الكثيرة من ذكر التعبد باسم النبي ﷺ مجردًا عن وصف السيادة وغير ذلك، وهذا هو المسنون والمشروع كما في دعاء المصلي في التحيات إذا جلس للتشهد وأشباه ذلك، وكما في قول المؤذن، وكما في الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة وفي غيرها.\nفالسنة التي جاءت بها الأحاديث الكثيرة وعَمَلْ السلف أنّ مقام المصطفي ﷺ أرفع ما يوصف به أنْ يوصف بمقام العبودية والنبوة والرسالة، وذلك لأنَّ الله - ﷿ - وصف نبيه بذلك في أعلا المقامات وفي أَجَلِّهَا، فقال سبحانه ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ [الإسراء:١]، فوصفه في هذا المقام العظيم وهو مقام الإسراء وما تبعه من المعراج إلى رب العالمين بأنه أسرى بعبده، وقال سبحانه في وصف نبوة محمد ﷺ وتذلله ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] فقال سبحانه في المعراج وقُرْبِ محمد ﷺ من رب العالمين قال ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] .\nوهذا الوصف -وصف العبودية الخاصة- هو أعلا المقامات التي يوصف بها الإنسان، فإذا زاد عليه وصف النبوة ووصف الرسالة كان ذلك أعلا الكمال.\nولهذا يَعْظُم العبد بتحقيق كمال العبودية لله - ﷿ -.\nوتحقيق كمال العبودية إنما هو في الأنبياء والمرسلين.\nفإذًا وصف محمد ﷺ بأنه (عَبْدُهُ المصطَفى) هذا فيه رفعٌ له وإكرام للنبي ﷺ؛ لأنّ الله - ﷿ - هو الذي رضي له هذا الوصف وهذا النعت وهذا المقام.\nوهذا هو الذي ينبغي على من يكتب ويصنف أو يخطب أو يحاضر أن يتَّبِع السنة في الألفاظ، فنقول (وإن محمدا عبده المصطفى) دون زيادة لسيدنا وأشباه ذلك وإن كان هو ﷺ سيد المرسلين كما ذكر، هنا وهو سيد ولد آدم ﷺ.\nقال (إِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المصطَفى)\nوالاصطفاء هو الاختيار، ومحمد ﷺ اُصْطُفِيَ للرسالة.\nوهذا اللفظ مأخوذ من قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] .\nفكل مُرْسَلٍ مُصْطَفَى لأن الله اصطفاه يعني اختاره وقرَّبَهُ لمقام الرسالة ولمقام العبودية الخاصة.\nقال (ونبيُّه المجْتَبى)\nوالاجتباء هو الاختصاص.\nاجتباهم ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [الأنعام:٨٧]، هذا معناه الاختصاص؛ يعني جعله نبيًا فاجتباه، جعله حبيبًا له وخليلًا ومختارًا ومختصًا بالمقامات العالية.\nوالوصف الثالث قال (ورَسُولُهُ المُرْتَضَى)\nوهذا مأخوذ من قوله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٧-٢٨] .\nهذا البيان لمعاني تلك الكلمات نُتبِعُهُ بأنَّ هذا الكلام، هذه الجمل من المصنف فيها تقريرٌ لعقيدة عامة وهي أنّ محمد بن عبد الله ﷺ عبدٌ ونبي ورسول، وأنّه خاتم الأنبياء، وأنّ كل دعوة للنبوة فغيٌّ وهوى.\nوهذا من جملة ما يدخل في أركان الإيمان، فلا يصح إيمان عبد حتى يعتقد بأنّ محمدا ﷺ عبدٌ نبيٌ رسول، وأنه خاتم الأنبياء وخاتم المرسلين، وأنه لا تصح دعوى للنبوة بعده، وكل دعوة للنبوة بعده فكذب وضلال وغيٌّ وهوى، إلى آخر ما سيأتي في بيان تلك الجمل.\nوهذه الجملة فيها تقرير لـ: أنَّ النبوة مختلفة عن الرسالة، وأنَّ النبوة تسبق الرسالة كما قال (ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ [المُرْتَضَى]) .\nوهذا هو المعروف عندكم فيما هو مقرر من أنَّ محمد ﷺ نُبِأَ (بإقرأ) وأُرْسِلَ (بالمدثر) .\nفالنبوة مرتبة دون مرتبة الرسالة، كما سيأتي.\nوجَعْلْ العطف متغايرًا أولى من جَعْلِهِ -يعني متغايرًا في الذات- أولى من جَعْلِهِ متغايرًا لفظي؛ يعني أنَّ المصنف الطحاوي يرى أنَّ النبوة غير الرسالة وأنَّ النبي غير الرسول، وهذا هو الحق كما سيأتي بيانه.\nهذه الجملة فيها تقرير ما ذكرت من العقيدة العامة المعروفة، ويدخل تحتها مسائل:","vol":"1","page":77},{"text":"[المسألة الأولى]:\nتعريف النبي والرسول.\nوالنبي والرسول لفظان موجودان في لغة العرب، فتعريفهما في اللغة يؤخذ من موارده في اللغة.\nوهو أنَّ: النبي: مأخوذ من النَّبْوَة وهي الارتفاع وذلك لأنَّه بالإيحاء إليه وبالإخبار إليه أصبح مرتفعًا على غيره.\nوالرسول: هو من حُمِّل رسالةً فبُعث بها.\nولهذا نقول إنَّ كلمة نبي جاءت في القرآن في القراءات على وجهين؛ يعني على قراءتين متواترتين:\nالأولى (النبي) بالياء.\nوالثانية (النبيء)، (يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ) .\nوالفرق ما بين (النبي) و(النبيء) أنَّ النبيء هو من نُبِّئَ.\nوكلا الأمرين حاصل في النبي ﷺ وفي كل نبي، فهو مرتفع ولأجل ذلك فهو نبي، وهو مُنَبَأٌ ولأجل ذلك فهو نبيءٌ.\nولهذا نقول إن كلمة (نبي) صارت من الرفعة لأجل (نبيء) لأجل أنه نبيء؛ يعني أنه نُبِّئَ فصار في نَبْوَةٍ وارتفاع عن غيره من الناس.\nأما في الاصطلاح -التعريف الاصطلاحي للنبي والرسول- فهذا مما اختلف فيه أهل العلم كثيرًا، والمذاهب فيه متنوعة:\n١ - المذهب الأول:\nقول من قال إنه لا فرق بين الرسول والنبي، فكل نبي رسول وكل رسول نبي.\n٢ - المذهب الثاني:\nأنَّ النبي والرسول بينهما فرق، وهو أنَّ النبي أدنى مرتبةً من الرسول فكل رسول نبيٌ وليس كل نبيٍ رسولًا.\n٣ - المذهب الثالث:\nأنَّ النبي أرفع من الرسول، وهو قول غلاة الصوفية وأنَّ الرسول دون النبي.\n&amp; المذهب الأول: قال به طائفة قليلة من أهل العلم من المتقدمين ومن المتأخرين، ومنهم من يُنْسَبُ إلى السنة.\n&amp; والمذهب الثاني: وأنَّهُ ثَمَّةَ فرق بين النبي والرسول وأنَّ كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، هذا قول جمهور أهل العلم وعامة أهل السنة، وذلك لأدلةٍ كثيرة استدلوا بها على هذا الأصل مبسوطة في مواضعها، ونختصر لكم بعضها:\n@ الدليل الأول:\nقوله - ﷿ - في سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:٥٢]\nقال سبحانه هنا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾:\n١ - ووجه الاستدلال أنَّ الإرسال وهو فعل (أَرْسَلْنَا) وقع على الرسول وعلى النبي، فإذًا الرسول مرسل والنبي مرسل؛ لأنّ هذا وقع على الجميع.\n٢ - وجه الاستدلال الثاني أنه عطف بالواو فقال (مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ)، والعطف بالواو يقتضي المغايرة؛ مغايرة الذات أو مغايرة الصفات، وهنا المقصود منه أنَّ الصفة التي صار بها رسولاَ غير النعت الذي صار به نبياَ، وهو المقصود مع تحقق أنَّ الجميع وقع عليهم الإرسال.\n٣ - والوجه الثالث من الاستدلال أنه عطف ذلك بـ (لَا) أيضا في قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾، ومجيء (لَا) هنا في تأكيد النفي الأول؛ في أول الآية وهو قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا)، فهي في تقدير تكرير الجملة مَنْفِيَّةً من أولها، كأنه قال: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا أرسلنا من قبلك من نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته.\n@ الدليل الثاني:\nأنَّ النبوة ثبتت لآدم ﵇، فآدم كما صح في الحديث (نبي مُكَلَّم) (١) وأن هناك أنبياء جاؤوا بعد آدم ﵇ كإدريس وشيث وكغيرهما.\nوإدريس ذكره الله - ﷿ - في القرآن، والرسل أولهم نوح ﵇.\nوجعل الله - ﷿ - أولي العزم من الرسل خمسة، وجعل أولهم نوحا ﵇.\nفهذا يدل على أنّ آدم ﵇ لم يحصل له وصف الرسالة، بل جاء في الحديث قوله ﷺ «آدم نبي مُكَلَّمْ»، ووُصف نوح بأنه رسول، ووُصف إدريس بأنه نبي، فدل هذا على التفريق بين المقامين.\n@ الدليل الثالث:\nالذي أورده أصحاب هذا القول ما جاء في حديث أبي ذر من التفريق ما بين عدد الأنبياء وعدد المرسلين، فجُعِلَ عدد الأنبياء أكثر من مائة ألف؛ مائة وأربعة وعشرين ألف أو نحو ذلك، وجُعل عدد الرسل أكثر من الثلاثة مائة بقليل؛ بضعة عشرة وثلاثمائة رسول.\nوالله - ﷿ - قص علينا خبر بعض الرسل وحجب عنا قَصص البعض الآخر فقال - ﷿ - ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤]، وهذا الحديث -حديث أبي ذر- حسّنه بعض أهل العلم وإن كان إسناده عند التحقيق فيه ضعف؛ لكن فيه جمل صحيحة وهو حديث طويل رواه ابن حبان غيره.\nوثَمَّ أدلة أخرى في هذا المقام، قد لا تكون دالة بوضوح على المراد.\nإذا تبين لكَ ذلك، وأنَّ الصحيح هو قول الجمهور وهو أن ثمة فرقًا بين النبي والرسول، فما تعريف النبي وما تعريف الرسول في الاصطلاح؟\nقلنا إنَّ النبي يقع عليه الإرسال؛ ولكن لا يسمى رسولًا عند الإطلاق.\n_________\n(١) المسند (٥/٢٢٣٤٢) / المعجم الكبير (٧٨٧١) / مصنف ابن بي شيبة (٣٥٩٣٣) / شعب الإيمان (١٣٠)","vol":"1","page":78},{"text":"والرسول يقع عليه الإرسال وهو الذي يسمى رسولا عند الإطلاق.\nوالله - ﷿ - جعل ملائكة مرسلين، وإذا قلنا الرسول فلا ينصرف بالإطلاق على المُبَلِّغ للوحي جبريل ﵇.\nوالله - ﷿ - أرسل الريح وأرسل المطر وأرسل أشياء من العذاب، ولا يقع عند الإطلاق أنْ يقال هذه مرسلة أو هذه رسالة الله أو هذه الأشياء رسول من إطلاق المفرد وإرادة الجمع به.\nولهذا نقول قد يقال عن هذه الأشياء كما جاء في القرآن، قد يقال عنها إنها مرسلة ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١]، ولكن إذا أُطلق لفظ الرسول فلا ينصرف إلى من أُرْسِلَ من الملائكة وإنما ينصرف إلى من أرسل من البشر.\nوهذا يدل على أنَّ الفرق قائم ما بين النبي وما بين الرسول، وأنّ النبي إرساله خاص وأنَّ الرسول إرساله مطلق.\nفلهذا نقول دلّت آية سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ على أنّ كلا من النبي والرسول يقع عليه إرسال.\nفما الفرق بينهما من جهة التعريف؟\nالجواب: أنَّ العلماء اختلفوا على أقوال كثيرة في تعريف هذا وهذا، ولكن الاختصار في ذلك مطلوب: وهو أنَّ تعريف النبي–وهي مسألة اجتهادية-:\nالنبي هو من أَوْحَى الله إليه بشرعٍ لنفسه أو أَمرَه بالتبليغ إلى قوم موافقين؛ يعني موافقين له في التوحيد.\nوالرسول: هو من أَوْحى الله إليه بشرع وأُمِرَ بتبليغه إلى قوم مخالفين.\nوتلحظ أنَّ هذا التعريف للنبي وللرسول أَنه لا مَدْخَلَ لإيتاء الكتاب في وصف النبوة والرسالة، فقد يُعطى النبي كتابًا وقد يعطى الرسول كتابًا، وقد يكون الرسول ليس له كتاب وإنما له صحف ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٩]، وقد يكون له كتاب.\nفإذًا من جَعَلَ الفيصل أو الفرق بين النبي والرسول هو إيتاء الكتاب، وحي جاءه بكتاب مُنَزَّلْ من عند الله - ﷿ -، فهذا ليس بجيد، بل يقال كما ذكرت لك في التعريف أنَّ المدار على:\n-النبي مُوحَى إليه، والرسول موحى إليه.\n-النبي يوحى إليه بشرع أو بفصلٍ في قضية؛ شرع يشمل أشياء كثيرة، -وكذلك الرسول يوحى إليه بشرع.\n-النبي يُوحى إليه لإبلاغه إلى قوم موافقين أو ليعمل به في خاصة نفسه كما جاء في الحديث (ويأتي النبي وليس معه أحد) (١)، الرسول يُبعث إلى قوم مخالفين له.\nولهذا جاء في الحديث أن (العلماء ورثة الأنبياء) (٢) ولم يجعلهم ورثة الرسل، وإنما قال (وإن العلماء ورثة الأنبياء)، وذلك لأنّ العالم في قومه يقوم مقام النبي في إيضاح الشريعة التي معه، فيكون إذًا في إيضاح شريعته، في إيضاح الشريعة يكون ثَمَّ شَبَه ما بين العالم والنبي، ولكن النبي يُوحى إليه فتكون أحكامه صوابًا؛ لأنها من عند الله - ﷿ -، والعالم يوضِحُ الشريعة ويعرض لحُكْمِهِ الغلط.\nيتعلق بهذه المسألة بحث أنَّ الرسول قد يكون متابعًا لشريعة مَنْ قَبْلَهْ، كما أنَّ النبي يكون متابعًا لشريعة مَنْ قَبْلَهْ.\nفإذًا الفرق ما بين النبي والرسول في إتباع الشريعة -شريعة مَنْ قَبْلْ- أَنَّ النبي يكون متابعا لشريعة مَنْ قَبْلَهْ، والرسول قد يكون متابعًا -كيوسف ﵇ جاء قومه بما بعث به إبراهيم ﵇ ويعقوب-، وقد يكون يُبْعَثُ بشريعة جديدة.\nوهذا الكلام؛ هذه الاحترازات لأجل أنَّ ثمة طائفة من أهل العلم جعلت كل مُحْتَرَزٍ من هذه الأشياء فرقا ما بين النبي والرسول.\nفإذًا كما ذكرت لكم:\n- الكتاب قد يُعطاهُ النبي وقد يُعطاهُ الرسول.\n- بَعْثُهُ لقوم موافقين أو مخالفين هذا مدار فرق ما بين النبي والرسول.\n- الرسول قد يبعث بشريعة مَنْ قَبْلَهْ بالتوحيد بالديانة التي جاء بها الرسول لمن قبله، لكن يُرْسل إلى قوم مخالفين، وإذا كانوا مخالفين فلا بد أن يكون منهم مَنْ يُصَدِّقُهُ ويكون منهم من يُكَذِّبُه؛ لأنه ما من رسول إلا وقد كُذِّب، كما جاء في ذلك الآيات الكثيرة.\n_________\n(١) البخاري (٥٧٠٥) / مسلم (٥٤٩)\n(٢) أبو داود (٣٦٤١) / الترمذي (٢٦٨٢) / ابن ماجه (٢٢٣)","vol":"1","page":79},{"text":"[المسألة الثانية]:\nنبوة الأنبياء هل هي واجبة أو ممكنة؟\nالصواب أنَّ نبوة الأنبياء وإرسال الرسل مما جعله الله - ﷿ - على نفسه، كما قال سبحانه ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] .\nوقد اختلف الناس في ذلك:\n$ فقالت طائفة إرسال الرسل جائز.\n$ وقالت طائفة إرسال الرسل واجب على الله - ﷿ -.\n$ وقالت طائفة إرسال الرسل ونبوة الأنبياء لا يقال فيها جائزة ولا واجبة بل هي تبع للمصلحة.\n$ وكما ذكرنا أنّ قول أهل السنة في ذلك: أنَّ إرسال الرسل جعله الله - ﷿ - حجة على الناس كما في الآية، ولا يُطلق القول بوجوبها ولا بإمكانها أو جوازها أو ردِّ ذلك، بل يُتَّبع في ذلك النص الوارد لأنّ أفعال الله - ﷿ - والإيجاب عليه والتحريم إنما يكون من عنده - ﷿ -.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>[المسألة الثالثة]:\nنبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تَحْصُل؟ وكيف يُعْرَفُ صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو رسول </span>أو من يأتي بالأخبار المغيبة أو يجري على يديه شيء من الخوارق؟\nوالجواب عن ذلك: أنَّ المتكلمين في العقائد نظروا في هذا على جهات من النظر.\nونُقَدِّمُ قول غير أهل السنة، ونُبَيِّنْ لكم قول السلف وأهل السنة والجماعة في هذه المسألة العظيمة.\nوهي من المسائل التي يقل تقريرها في كتب الاعتقاد مُفَصَّلَة.\nفنقول: إنَّ طريقة إثبات نبوة الأنبياء وإرسال الرسل للناس فيه مذاهب:\n١ - المذهب الأول:\nأنَّ الرسل والأنبياء لديهم استعدادات نفسية راجعة إلى القوى الثلاث والصفات الثلاث وهي السمع والبصر والقلب، فإنه يكون عنده قوة في سمعه، فيسمع الكلام؛ كلام الملأ الأعلى، وعنده قوة في قلبه، فيكون عنده تخيلات أو يتصور ما هو غير مرئي، وعنده بصر أيضا قوي يبصر ما لا يبصره غيره.\nوهذه طريقة باطلة، وهي طريقة الفلاسفة الذين يجعلون النبوة من جهة الاستعدادات البشرية، لا من جهة أنها وحي وإكرام واصطفاء من الله ﷻ.\n٢ - المذهب الثاني:\nقول من يقول إنَّ النبوة والرسالة طريق إثباتها والدليل عليها هو المعجزات.\nوهذا قول المعتزلة والأشاعرة وطوائف من المتكلمين، وتبعهم ابن حزم وجماعة، وجعلوا الفرق ما بين النبي وغيره هو أنَّ النبي يجري على يديه خوارق العادات.\nفمنهم من التزم -وهم المعتزلة وابن حزم- في أنَّه ما دام الفرق هو خوارق العادات وهي المعجزات فإذًا لا يُثْبَتُ خارقٌ لغير نبي.\nفأنكروا السحر والكهانة، وأنكروا كرامات الأولياء، وأنكروا ما يجري من الخوارق؛ لأجل أن لا يلتبس هذا بهذا وجعلوا ذلك مجرد تخييل في كل أحواله.\nوأما الأشاعرة فجعلوا المسألة مختلفة، وسيأتي تفصيلها في موضعها إن شاء الله عند كرامات الأولياء.\n٣ - المذهب الثالث:\nهو مذهب أهل السنة والجماعة والسلف الصالح فيما قرره أئمتهم وهو أنَّ النبوة والرسالة دليلها وبرهانها متنوع، ولا يُحصرُ القول بأنها من جهة المعجزات الحسية التي تُرى أو تجري على يدي النبي والولي.\nفمن الأدلة والبراهين لإثبات النبوة والرسالة:\n- أولًا: الآيات والبراهين.\n- ثانيًا: ما يجري من أحوال النبي في خَبَرِهِ وأمره ونهيه وقوله وفعله مما يكون دالًاّ على صدقه بالقطع.\n- ثالثًا: أنَّ الله - ﷿ - ينصر أنبياءه وأولياءه ويمكِّن لهم ويخذل مدعي النبوة ويُبيد أولئك ولا يجعل لهم انتشارا كبيرا.\nوهذه ثلاثة أصول.\n@ أما الأول: فمعناه أنَّ من قَرَّرَ نبوة الأنبياء عن طريق المعجزات، فإننا نوافقهم على ذلك؛ لكنَّ أهل السنة لا يجعلونه دليلًا واحدًا، لا يجعلونه دليلًا فردًا؛ بل يجعلونه من ضمن الدلائل على النبوة.\nوهذا الدليل وهو دليل المُعْجِزَات -كما يُسَمَّى- يُعَبِّرْ عنه أهل السنة بقولهم الآيات والبراهين، وذلك لأنَّ لفظ (المُعْجِزْ) لم يرد في الكتاب ولا في السنة، لفظ (المُعْجِزَةْ) وإنما جاء في النصوص الآية والبرهان ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل:١٢]، وقال ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٣٢]، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة:١١١]، ونحو ذلك من الآيات التي تدل على أنَّ ما يؤتاه الأنبياء والرسل إنما هو آيات وبراهين.\nوبعض أهل العلم جعل لفظ المُعْجِزْ نتيجة في أنَّ آية النبي وبرهان النبوة مُعْجِزْ، لكن لفظ الإعجاز فيه إجمال.\nوذلك لأنه مُعْجِزٌ لمن؟\nفيه إجمال وفيه إبهام.\nفإعجاز ما يحصل لمن هو معجز؟\nفإذا قلنا مُعْجِزْ لبني جنسه فهذا حال، مُعْجِزْ لبني آدم فهذا حال، معجز للجن والإنس فهذا حال، معجز لكافة الورى فهذا حال.\nولهذا جعل المعتزلة والأشاعرة في الخلاف ما بينهم في المعجزات جاءت من هذه الجهة:\nأَنَّ لفظ معجز اختلفوا فيه، معجز لمن؟\nكما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله.\nولهذا نعدل عن لفظ الإعجاز إلى لفظ الآية والبرهان.\nونقول الآية والبرهان التي يؤتاها الرسول والنبي للدِّلالة على صدقه تكون معجزة للجن والإنس جميعًا.\nفما آتاه الله - ﷿ - محمدا ﷺ يكون مُعْجِزًَا للجن والإنس جميعا، كما قال تعالى ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] .\nأما إعجاز بعض الإنس دون بعض، أو الإنس دون الجن، فهذا هو الذي يدخل في الخوارق ويدخل في أنواع ما يحصل على أيدي السحرة والكهنة وما أشبه ذلك.\nأما الفرق ما بين الآية والبرهان الدال على صدق النبي مع ما يؤتاه أهل الخوارق، أنَّه هل هو معجز عامة الجن والإنس أم لا؟\nفإن كان معجز لعامة الجن والإنس فهو دليل الرسالة والنبوة.","vol":"1","page":81},{"text":"هذه الآيات والبراهين التي آتاها الله - ﷿ - محمدا ﷺ أنواع:\n+ النوع الأول منها القرآن وهو حجة الله - ﷿ - وآيته العظيمة على هذه الأمة، فتَحَدَّى الله - ﷿ - به الجن والإنس، ولم يستطيعوا ذلك مع أنهم متميزون في الفصاحة والبلاغة وأشباه ذلك.\nفإذًا الآية والدليل الأول هو القرآن العظيم وهو الحجة الباقية.\n+ النوع الثاني آيات وبراهين سمعية؛ يعني تكون دالة من جهة ما يُسمع، ومن ذلك:\nتسبيح الحصى، تسبيح الطعام على عهده - ﷺ - كما روى البخاري في الصحيح أن ابن مسعود قال: (كنا نسمع تسبيح الطعام ونحن نأكل مع رسول الله ﷺ. (١)\n+ النوع الثالث آيات وبراهين راجعة إلى البصر وهو ما يُبْصَرُ من أشياء لا تحصل لغيره؛ بل هي آية وبرهان على عجز الثقلين عن ذلك، مثل نبع الماء ما بين أصابعه، ومثل حركة الجمادات وأشباه ذلك.\n+ النوع الرابع أدلة وبراهين فيها نُطْقُ ما لم يَنْطِقْ وهذه تشمل الأول المسموعة، وتحرك ما لم يتحرك بالعادة ويشمل حركة الجمادات، وشعور من لا يُعرف بشعورِهِ وهذه إنما يُخْبِرُ عنها نبي وتحصل للرسل والأنبياء، مثل (حنين الجذع) (٢) وتسليم الحجر وأشباه ذلك\nهذا نوع وهو الآيات والبراهين (٣)\n@ أما الثاني هو أنَّ الرسول يأتي بخبر وأمر ونهي وللرسول قول وفعل، فهذه خمسة أشياء.\nوهذا النوع من الدلائل أهم من الدلائل التي ذَكَرْتُ لك فيما قبل عدا القرآن فهو أعظم الأدلة؛ وذلك أنَّ محمدا ﷺ جاء بأخبار -هذه تَصْدُقْ على جميع النبوات والرسالات-:\n- جاء بخبر عن الله - ﷿ -، وهذا الخبر: منه ما يتعلق بالماضي، ومنه ما يتعلق بالحاضر، ومنه ما يتعلق بالمستقبل.\n- وجاء بأمر ونهي، وهذا الأمر والنهي هو ما يدخل في الشريعة، والأوامر متنوعة والنواهي متنوعة.\n- وجاء بأقوال هو قالها في التبليغ وأفعال له.\nوكل هذه بمجموعها تدل للناظر على أنَّ من قال وأخْبَرَ عن الله وفَعَلَ وأَمَرَ ونَهَى فإنه صادق فيما قال؛ لأنّ كلَّ مدَّعٍ للخبر والأمر والنهي وله أقوال وله أفعال وليس على مرتبة النبوة فلابد أن يظهر لكل أحد أن يظهر كذبه فيما ادعاه وتناقضه في أقواله وأفعاله وضَعْفُ أمْرِهِ ونَهْيِهِ وعدم إِصْلَاحِهِ وأشباه ذلك.\nولهذا محمد ﷺ جعل الله - ﷿ - له الكمال فيما أخبر به، وفيما أمر به، وفيما نهى، وفي أقواله وأفعاله، فَجَعَل إتِّباعه في الأقوال والأفعال إتِّباعًا مأمورا به ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، وجعل ما يخبر به الرسول - ﷺ - كخبر الله - ﷿ -؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، ونحو ذلك.\nفاستقام أمره ﷺ في هذه الأمور الخمسة، ولم يُعْرَف أنَّ أحدًا طعن في شيء من هذه الأشياء واستقام على طعنه ولم يستسلم؛ بل كُلُ من طعن في واحد من هذه الأشياء فإنه آل به أمره إلى الاستسلام، أو أن يكون طعنه مكابرة دون برهان.\nلهذا نقول إن هذا الدليل من أعظم الأدلة التي تُفَرِّقُ ما بين الرسول والنبي الصادق وما بين مُدّعي النبوة، فإنّ الرسول له أحوال كثيرة يُسْمَعْ في أقواله، يُرَى في أفعاله، أوامره ونواهيه جاءت بماذا؟ أخباره جاءت بماذا؟\nونبينا محمد ﷺ أخْبَرَ عن أشياء حدثت في الماضي لم يكن العرب يعرفونها، وجاء تصديقها من أهل الكتاب وما كان يقرأ ﷺ كتب أهل الكتاب، وجاء بأخبار عما سيحصل مستقبلًا، وجاء بأخبار عما سيحصل بين يدي الساعة وحصلت بعده ﷺ شيئًا فشيئًا، منها ما حصل بعد موته سريعا، ومنها ما يحصل شيئا فشيئا، ومنها ما سيحصل بين يدي الساعة، وكل هذه الأخبار في تصديقها دالة على أنه لا يمكن أن يُعْطَاهَا إلا نبي.\nكذلك ما أمر به ﷺ وما نهى عنه فهو موافق للحكمة البالغة التي يعرفها أهل الدين ويعرفها أهل العقل الراجح، حتى إنَّ الحكماء شهدوا في الزمن الماضي وفي الزمن الحاضر بأن شريعة محمد ﷺ هي شريعة ليس فيها خلل لا من جهة الفرد في عمله ولا من جهة التنظير في المجتمع بعامة.\nوكذلك ما في أفعاله ﷺ فكان ﷺ له المقام الأكمل في التخلص من الدنيا والبعد عن الرَّفْعَة - يعني والترفع على الناس - بل كان ﷺ أكمل الناس في هديه وفي تواضعه وفي قوله وفي عمله ﷺ، وكان أكمل الناس في عبادته، وكلُّ دعوى لمن ادَّعَى النبوة فلا بد أن يظهر فيها خلل في هذه الأشياء.\n_________\n(١) البخاري (٣٥٧٩) / الترمذي (٣٦٣٣)\n(٢) البخاري (٣٥٨٥) / الترمذي (٥٠٥) / ابن ماجه (١٤١٤)\n(٣) انتهى الوجه الأول من الشريط السادس.","vol":"1","page":82},{"text":"أيضا هو ﷺ تحدّى الناس في قوله فيما أتى به، وأخذ يدعو كما يظهر لك من قصة هرقل مع أبي سفيان وسؤالات هرقل لأبي سفيان، وأخذ يدعو غير ملتفت لخلاف من خالف، والناس يزيدون وأعداؤه ينقصون، وهذا مع تطاول الزمن ونصره الله - ﷿ - له، فإنَّ هذا دليل على صدقه فيما أخبر وفي أمره ونهيه وقوله وفعله ﷺ.\n@ أما الثالث -كما ذكرنا- هذه جنس أجناس الأدلة أنَّ الله - ﷿ - هو صاحب الملكوت وهو ذو الملك والجبروت، وهو الذي يَنْفُذُ أمره في بريته، فمحال أن يأتي أحد ويَدَّعِي أنه مرسل من عند الله، ويصف الله - ﷿ - بما يصفه به، ويذكر الخبر عن الله وأسمائه ونعوته، ثم هو في مُلْكِ الله - ﷿ - يستمر به الأمر إلى أن يُشَرِّع ويأمر وينهى وينتشر أمره ويغلب من عاداه ويسود في الناس ويُرفع ذكره دون أن يعاقب، ولهذا قال - ﷿ - في بيان هذا البرهان ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٧]، لو كانت الدَّعْوَةُ في ملك الله - ﷿ - وهذا يَدَّعِي أنه مُرْسَلٌ ونبي ويأتي بأشياء يقول هي من عند الله، فإنّ مالك الملك لا يتركه وحاله بل ربما جعل ذلك ابتلاءً وامتحانا للناس، ولكن لا يُنْصَرْ وتكون شريعته هي الباقية ويكون ذكره هو الذي يبقى، ويكون خبره عن الله وعن أسمائه وصفاته ودينه وشرعه وعن الأمم السالفة وعما يحصل هو الذي يبقى في الناس، فإنَّ هذا مخالف لقول الله - ﷿ - (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) والمشركون لما كذّبوا النبي ﷺ قالوا ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠]، لأنّ السُّنَّةَ ماضية عند العقلاء أن الذي يَدَّعِي عن الله - ﷿ - فإنما يُتَرَبَصُ به الهلاك والإفناء.\n﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ فجاء البرهان ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور:٣١]، لأنّ هذا برهان صحيح، فتربصوا فإنِّي معكم من المتربصين ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ وقد صدقتم في هذا البرهان لأنه لو كان كما تقولون كاذب فإنه يُتَرَبَصُ به ريب المنون وأن يُهْلِكَهُ الله - ﷿ - وأن يجعله مخليا وأن يجعله عبرة لمن اعتبر.\nفالنبي ﷺ وسائر الأنبياء والمرسلين جعلهم الله - ﷿ - حملةً لرسالته وشَرَّفَهُم ورَفَعَ ذِكْرَهُمْ ونَصَرَهُم بين الناس، ولهذا تجد أنَّ الرسالات هي الباقية في الناس، رسالة موسى ﵇ ورسالة إبراهيم ورسالة عيسى ﵇ ورسالة محمد ﷺ، وكل واحدة منها دخلها من التحريف ما دخلها، فأتباع إبراهيم حرَّفُوا في دينهم حتى أصبحوا على غير ملة إبراهيم، وأتباع موسى من اليهود الآن على غير دين موسى، وأتباع عيسى ﵇ الآن على غير دين عيسى، وأتباع محمد ﷺ هم الذين حفظهم الله - ﷿ - وجعل منهم طائفة ظاهرين بالحق يقومون به إلى قيام الساعة.\nهذا ما يتعلق بالمسألة الثالثة.","vol":"1","page":83},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nأنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بشر يجوز في حقهم ما يجوز في حق البشر مما هو من الِجِبِلَّةْ والطبيعة، ولهذا في القرآن يكثر وصفهم بأنهم بشر وأنّ محمدا ﷺ بشر لكن يُوحَى إليه.\nوأما من جهة الذنوب والآثام أو نجعل البحث هذا يعني رأس المسألة منقسم إلى ثلاثة أقسام:\n- القسم الأول من حيث الأمراض والعاهات:\nفعند أهل السنة والجماعة أنَّ الرسل والأنبياء يُبتَلَونَ ويمرضون مرضًا شديدًا، وعند الأشاعرة أنهم يمرضون ولكن بمرض خفيف ولا يمرضون بمرض شديد.\nهذا غلط بَيِّنْ فإنّ ابن مسعود دخل على النبي ﷺ وقال: يا رسول الله إني أراك تُوعَكَ - يعني فيك حمى شديدة - قال (أجل إني أُوعَكَ كما يوعك رجلان منكم) قال ابن مسعود: ذلك بأن لك أجرين؟ قال (نعم) (١) إلى آخر الحديث، والأنبياء يُضَاعَفُ عليهم أو يشتدّ عليه البلاء بأنواع.\nفإذًا من جهة الأمراض والأسقام التي لا تؤثر على التبليغ وصحة الرسالة فإنهم ربما أُبْتلُوا في أجسامهم وأبدانهم بأمراض متنوعة شديدة.\n-القسم الثاني، من جهة الذنوب:\nالذنوب أقسام:\nفمنها الكفر وجائز في حق الأنبياء والرسل أنْ يكونوا على غير التوحيد قبل الرسالة والنبوة.\nوالثاني من جهة الذنوب، فالذنوب قسمان كبائر وصغائر:\n- والكبائر جائزة فيما قبل النبوة، ممنوعة فيما بعد النبوة والرسالة؛ فليس في الرسل من اقترف كبيرة بعد النبوة والرسالة أو تَقَحَّمَها عليهم الصلاة والسلام بخلاف من أجاز ذلك من أهل البدع.\n- أما الصغائر فَمَنَعَ الأكثرون فِعْلَ الصغائر من الأنبياء والرسل، والصواب أَنَّ الصغائر على قسمين:\nأ - صغائر مؤثرة في الصدق؛ في صدق الحديث وفي تبليغ الرسالة وفي الأمانة، فهذه لا يجوز أن تكون في الأنبياء، والأنبياء منزهون عنها؛ لأجل أنها قادحة أو مؤثرة في مقام الرسالة.\nب - والثاني من الأقسام صغائر مما يكون من طبائع البشر في العمل أو في النظر أو في ما أشبه ذلك، أو من جهة النقص في تحقيق أعلا المقامات وأشباه ذلك، فهذه جائزة، ولا نقول واقعة؛ بل نقول جائزة، والله - ﷿ - أنزل على نبيه ﷺ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١-٢] الآية، فالنبي ﷺ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\n_________\n(١) البخاري (٥٦٤٧) / مسلم (٦٧٢٤)","vol":"1","page":84},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nهي أنّ الرسول والنبي فيهم شروط أو أوصاف عامة جاءت في القرآن والسنة:\nأولا أَنَّ الرسول يكون ذكرًا وكذلك الأنبياء ذكورًا، فليس في النساء رسولة ولا نبية، وإنما هم ذكور.\nالثاني أنهم من أهل القرى يعني ممن يسكنون القرى ويتَقَرَّون ويجتمعون، وليسوا من أهل البادية يعني ممن يبدون كما جاء في آية يوسف.\nالثالث أنَّ الرسول لابد أن يُكَذَّب، فلم يأتِ رسول إلا وكُذِّب كما قال - ﷿ - ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠] .\nمباحث النبوة والرسالة كثيرة متنوعة، وهذه يعني بعض المسائل المتعلقة بها، وقد لا تجد ذلك مجموعًا في موضع واحد.\nولاشك أَنَّ هذا البحث، خاصة دلائل النبوة بحث مهم، واعتنى به أئمة السنة والسلف، وصنف فيه عدد من العلماء في دلائل النبوة وفي آيات وبراهين النبي محمد ﷺ.\nنكتفي بهذا القدر، ونقف عند قوله (وإنَّه خَاتَمُ الأنبياءِ، وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ) إن شاء الله.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الأسئلة:</span>\nس١/ يقول ذكرتم أنَّ العطف بالواو يقتضي المغايرة فهل فَصَّلتم أكثر وكيف تكون المغايرة في قوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:١]؟\nج/ أنا ذكرتُ لك أنَّ المغايرة نوعان: مغايرة في الذات، ومغايرة في الصفات.\nمغايرة في الذّات: تقول هذا قلم وكتاب، هذان قلم وكتاب، خُذ القلم والكتاب، معلوم أنَّ القلم شيء في ذاته والكتاب شيء في ذاته، دخل محمد وخالد، هذا شيء وهذا شيء، فالعطف بالواو يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه في هذه الأمثلة؛ مغايرة ذات، هذه ذات وتلك ذات، هذا له حقيقة وهذا له حقيقة، هذا له ماهية وهذا له ماهية.\nالنوع الثاني من المغايرة مغايرة في الصفات: أن يكون المعطوف والمعطوف عليه في الدلالة على مسمى واحد، ولكن يكون ثمة فرق ما بين الصفات، كما ذكر في المثال قوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:١]، الكتاب المبين هو القرآن، لكن العطف في اختلاف الصفات، فالقرآن سمي قرآنا لأنه صار مقروءا، وسمي كتابا مبينا لأنه يُكتب فيستبين به كل شيء كما قال ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] .\nفإذًا حقيقة المصحف في كونه قرآنا غير حقيقة المصحف في كونه كتابًا، فهذا وصف له وهذا وصف له كما ذكرنا في الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج:٥٢]، فالنبي والرسول قد يجتمعان في شخص واحد فيكون الرسول والنبي العطف لتغاير الصفات، يكون مقام النبوة غير مقام الرسالة كما نقول في نبينا ﷺ نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، وقد يكون هنا الرسول والنبي في الفرق ما بين الذاوت، الرسول واحد أحد المرسلين والنبي المقصود به نبي آخر، وهكذا في نظائرها.\nمثل هذه المباحث ترجعون فيها إلى كتب اللغة ومن أمْثَلِها في الحروف كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام وأمثل الكتب في حروف المعاني.\nالكتب التي في دلائل النبوة منها كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم وقد طبع مختصرا في مجلدين معروف، ودلائل النبوة للبيهقي، ودلائل النبوة للبغوي، وفي كتب الحديث أبواب أو كتب تتعلق بدلائل النبوة.\nس٢/ ما معنى قول بعض السلف النبوة العلم والعمل، وهل هذا صحيح أم لا؟\nج/ الجواب أنّ هذا القول ليس بقول لبعض السلف بل قاله ابن حبان صاحب الصحيح وغُلِّطَ في ذلك وهُجِرَ بسبب هذه الكلمة؛ فإنه سُئِلَ عن النبوة فقال النبوة العلم والعمل.\nوهذا كقول الفلاسفة؛ لأنَّ الفلاسفة عندهم أنَّ النبوة ليست اصطفاء واجتباءً واختيارا إنما هي كسبية يكتسبها الحكيم، هذا لما سئل ابن حبان ﵀ وقيل له ما النبوة؟ فقال: العلم والعمل اتُّهِمَ بالفلسفة وكان ﵀ ربما طالع بعض كتبها ولذلك صَنَّفَ كتابه في الصحيح على التقاسيم والأنواع، قالوا إنه تأثر بما في المنطق من الترتيبات ونحو ذلك، التقاسيم والأنواع كتاب ابن حبان معروف انه غير موجود ولكنه رتبه الفارسي ابن بلبان، وهو المطبوع رتّبه على الأبواب، ولكن نفس كتاب ابن حبان ليس على هذه البابة، لكن الواقع أن ابن حبان سليم مما رمي به ﵀ فإنَّ تصنيفه للكتاب ليس مأخذه مأخذًا فلسفيًا، ولكنه رأى طلاب العلم يعتمدون على ما في الكتب وتركوا الحفظ فصنف لهم كتابا جمع فيه صحيح السنة -بحسب رأيه، بحسب اجتهاده في التصحيح- وجعله غير مُبَوَّبٍ على الأبواب المعهودة حتى يُحْفَظْ رغبة في الحفظ وتوجيه الناس إلى الحفظ وإلزام الطلبة بالحفظ، ومعلوم أن حسن الظن بأهل العلم هذا أولى من إساءة الظن بهم.\nوأما قوله النبوة العلم والعمل يعني أنّ النبوة فيها كمال العلم وكمال العمل، وهذا كما هو معروف في ذكر الشيء بأعظم صفاته كما سئل النبي ﷺ عن الحج فقال (الحج عرفة) (١) يعني مع بقية الأركان والشروط، فلا يَنْفِي أن النبوة وحي من الله - ﷿ - وأنها اصطفاء وأنّ النبي هو من أوحي إليه ونحو ذلك، لا ينفي ذلك وإنما ذكر الصفة التي يبلغها النبي؛ كمال العلم وكمال العمل، وهذه ليست إلا في الأنبياء، ﵀، لكن ليس بقولٍ هذا للسلف فلينتبه لذلك.\nس٣/ أشكل عليَّ قولك: النبي قد يكون على غير التوحيد قبل الرسالة؟\nج/ نعم النبي قد يكون على غير ذلك، فيصطفيه الله - ﷿ - وينبهه؛ يعني ما فيه مشكل في ذلك، قد يكون غافلا.\nس٤/ لم تذكروا ما إذا كان هناك رسول من الجن أولا؟\n_________\n(١) الترمذي (٨٨٩) / النسائي (٣٠١٦) / ابن ماجه (٣٠١٥)","vol":"1","page":86},{"text":"ج/ الصواب إن الجن ليس فيهم رسول وإنما الجن تبع للإنس في الرسالة، كما قال - ﷿ - ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف:٢٩]، صرفهم الله جل علا إلى محمد حتى يسمعوا الرسالة ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ فالصارف هو الله - ﷿ - والمصروفون هم الجن لسماع الرسالة، قال ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍا﴾ [الأحقاف:٢٩-٣٠] الآية، فدلّ على أنهم متبعون لموسى قبل ذلك، متبعون للأنبياء، فلما جاءت رسالة محمد ﷺ خوطبوا بذلك، فهذا هو الصحيح في الآية، وأما قوله ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، المقصود التغليب لأنَّ الجنسين جنس واحد في التكليف.\nس٥/ أرجو بيان بعض الكتب التي بحثت هذا الموضوع؟\nج/ إنَّ هذا الموضوع تَفَرَّقَ في بيان الآيات في تفسير الآيات التي فيها ذكر النبوة والرسالة والآيات والبراهين، وشيخ الإسلام ابن تيمية كتب كتابة عظيمة في هذا الباب خاصة في المعجزات والآيات والبراهين والفرق بين النبوة والرسالة في كتابه النبوات، لكنه طويل يحتاج إلى اختصار من طالب علم يقربه لطلاب العلم.\nس٦/ ما رأيكم في عبارة أشرف الأنبياء؟\nج/ هذه العبارة ما جاءت في الأحاديث، والشرف متنوع، الشرف نوعان:\n- شرف كسبي.\n- وشرف نَسَبي.\nوهذا من حيث تقسيم الشرف؛ يعني في تعريفه.\nالشرف النَّسَبي: هذا النبي ﷺ قال (إنّ الله اصطفى من قريش كنانة) (١) إلى أن قال (فأنا خيار من خيار من خيار) .\nالشرف الكسبي أو شرف النبوة: هو الكمال، كمال العبودية، كمال الصفات.\nونبينا محمد ﷺ فيه كمال الصفات؛ الصفات الكاملة التي صار بها أكمل من غيره -وإن كنا لا نقول إنه أفضل من غيره في جهة الموازنات- لكن هو اجتمعت فيه صفات الكمال، ولهذا الناس يأتون يوم القيامة إلى كل أولي العزم من الرسل فيمتنعون من إجابتهم -في حديث الشفاعة المعروف- ويأتون إلى محمد ﷺ فيقول أنا لها، فقد كَمَّلَهُ الله - ﷿ - بصفات لم يجعلها في غيره ﷺ.\nفإذًا الشرف هنا شرف الصفات، ولهذا يقول أهل العلم وأشرف الأنبياء والمرسلين.\nوحدثني الشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد ﵀ وكان من مشايخنا العباد الزهاد ﵀ ورفع درجته في الجنة، أنه كان يقرأ على شيخه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وكان يقول هذه الكلمة والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين فقال له أحد الإخوان هذه ما جاءت؛ يعني كيف تقول أشرف الأنبياء والمرسلين، فعظمت عليه، يقول فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي أنا أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين، وهذه لها حُكم المنامات التي هي للبشرى، وإلا المعنى كما ذكرت لكم صحيح.\n٦س/ هل أرسل للعرب رسول غير محمد ﷺ؟\nج/ الجواب: لا.\nنكتفي بهذا القدر وأسأل الله لي ولكم التوفيق وصلى الله وسلم على ونبينا محمد.\n_________\n(١) مسلم (٦٠٧٧) / الترمذي (٣٦٠٥)","vol":"1","page":87},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nقبل البدء بعض الاخوة اقترح أن يكون أول الدرس خمس دقائق أسئلة إما فيما مضى أو في غيره؛ لأجل أن يحضر الذين يصلون في أماكن بعيدة، فما أدري، الحق لكم يا الذين تحضرون مبكرين، هو مناسب أو لا؟ الذي عنده أنه غير مناسب يرفع يده، الذي يرى أنه غير مناسب يرفع يده. فكان إجماعا.\nطيب، فيه أسئلة عندك، انتهت؟ طيّب.\nس١/ قال: ظهرت قبل فترة أشرطة تكلمت بالتفصيل على ما وقع بين الصحابة من فتن، واسم هذه السلسلة قصص من التاريخ الإسلامي، فما رأيكم فيها؟\nج/ لم أستمع لها ولكن ذُكِرَ لي من عدد من الإخوة أنَّ عليها ملاحظات، والذي ذكر لي ذلك كان يوردها ويناقش على الأشرطة فإذا كانت لا توافق طريقة أهل السنة فيما وقع بين الصحابة من شجار وجب منعها حينئذ.\nذكر الأخ أنّ سماحة الشيخ يقول أنه منعناها، فالحمد لله. فهذا شيء طيب.\nس٢/ هل تارك العمل بالكلية مسلم؛ تارك الأركان وتارك غيرها من الواجبات والمستحبات والأعمال الظاهرة بالجوارح؟\nج/ الجواب: أنَّ العمل عند أهل السنة والجماعة داخل في مسمى الإيمان؛ يعني أنَّ الإيمان يقع على أشياء مجتمعة وهي الاعتقاد والقول والعمل، ولذلك من ترك جنس العمل فهو كافر؛ لأنَّهُ لا يصحّ إسلام ولا إيمان إلا بالإتيان بالعمل.\nس٣/ هل يُتَصَوَّر وجود مطلق الانقياد في القلب ولا يظهر له أثر على الجوارح؟\nج/ والجواب: أنَّ هذا فرع المسألة التي قبلها، فإنَّ الانقياد في أصله عقيدةً واجب وهو من عمل القلب، ولا يصح الإيمان حتى يكون الانقياد ظاهرًا على الجوارح؛ يعني حتى يعمل.\nس٤/ ما هو التوجيه الصحيح للحديث الذي في مسلم «لم يعمل خيرا قط»؟\nج/ وردت عدة أحاديث بهذا اللفظ، فينبغي أن يُحْضِرَ النص لأنَّ لكلٍ جوابه.\nس٥/ هل يشترط في مسائل العقيدة معرفة الدليل حتى للعامي، وهل يسوغ التقليد في مسائل العقيدة؟\nج/ هذا بحث يطول سبق أن تكلمنا عليها أظن في بعض الشروح، ويأتي إليه بحث إن شاء الله في هذا الكتاب شرح العقيدة الطحاوية بإذنه تعالى.","vol":"1","page":88},{"text":"وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ\n_________\nتكلمنا على الجمل الأولى وهي قوله (وإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى) ﷺ.\nووقفنا عند<span data-type=\"title\" id=toc-75> قوله (وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ) </span>وهذه الجملة فيها تقرير أنَّ محمدا ﷺ به خُتمت النبوة، (وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ) يعني الذي خَتَمَهُمْ فصار خاتِما لهم، ليس بعده أحد.\nوهذا مُجْمَعٌ عليه بين طوائف هذه الأمة جميعًا حتى الطوائف الخارجة أو الفرق الخارجة عن الثنتين والسبعين فرقة كالجهمية والرافضة وأشباه هؤلاء من المتقدمين فإنهم مقرون بأن بَعثة محمد ﷺ بها خُتمت النبوة وأنه ﷺ خاتم الأنبياء وخاتم المرسلين ﷺ.\nفهذا إجماع، وقد ادَّعَتْ طوائف خلاف هذا؛ ادَّعت طوائف من المعاصرين كالقاديانية وأشباههم خلاف هذا.\nوبعض المتقدمين أشار إلى أنَّ النبوة قد لا تُختم وهذا سيأتي له البحث إن شاء الله فيما نعرض من مسائل، ولكن لا يُنْسَبُ إلى طائفة عامة، ولكن قد يكون نُسِبَ إلى بعض الأشخاص أو بعض الأفراد المنتسبين إلى الفلسفة أو الغلو أو أشباه ذلك.\n\nفقول المؤلف ﵀ (وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ)\nيعني النبي ﷺ هذا كما قلنا مجمع عليه لدلالة القرآن والسنة على ذلك ولإجماع أهل السنة عليه، قال ربنا - ﷿ - ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، قرأ قوله ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ عاصم وحده من بين القرّاء بفتح التاء؛ (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، وقرأ الباقون من السبعة (وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ) وبأحد القراءات كان يقرأ الطحاوي ولذلك اخترنا الكسر على الفتح لاتباع الآي قراءة الآية على ما يقرأ به المصنف ﵀.\n* وهذا موضوع يحتاج من طلاب العلم إلى التنبه إليه وإلى التنبيه عليه، وهو أنَّ كثيرين إذا نشروا كتبًا أو حققوا رسائل ضبطوا الآيات بما يقرأ به المحقق أو يقرأ به الباحث.\nوهذا غلط؛ لأنَّ حق المؤلف أن تُورِدَ الآية بحسب قراءته، فإذا عُرِفَتْ قراءته التي كان يقرأ بها، فإنه تُورَدُ الآية على نحو ما كان يقرأ، فإن كان يقرأ بحفص فتُثبت على حفص، وإن كان يقرأ بأبي عمر أُثْبِتَتْ كذلك، وإن كان يقرأ على قراءة نافع فتثبت كذالك، وهكذا.\nفينبغي التنبه في ذلك؛ لأنَّ بعض العلماء يُورِدُ آية ويذكر وجه الاستدلال، وقد لا يذكره فيقع إشكال في أنَّ وجه الاستدلال أو أنَّ الدليل لا يطابق القضية التي تُبْحَثْ، وذلك من جهة أنَّ الناظر أو المحقق أو الناشر أورَدَ الآية على نحو ما يقرأ هو، ولذلك يقع في إشكال.\nوهذه بالمناسبة قضية كبيرة فالذين نشروا كتبًا متنوعة أو ينشرون ينبغي لهم العناية بهذا الأمر.\nوأعظم منها إذا نشروا تفسيرا للقرآن فإنهم قد يجعلون التفسير بقراءة ليست هي قراءة المؤلف، كما في عامَّةِ طبعات ابن كثير، فإن ابن كثير الحافظ المفسر لم يكن يقرأ بقراءة حفص عن عاصم، وكما في غير ذلك.\nوكذلك في كتب السنة، كتب الحديث، معلوم أنها روايات، والروايات مختلفة لكتب الحديث، فالبخاري له روايات متعددة، وأبو داوود له روايات قد تكون عن أبي داوود نفسه وقد تكون عن من تلقى عنه باختلاف، فيأتي الناشر ويثبت نصًا للكتاب يخالف النص الذي شرح عليه الشارح، ولهذا كل النشرات أو الطبعات لكتاب فتح الباري ليست موافقة لرواية صحيح البخاري المثبت معها، فإنَّ الحافظ ابن حجر ﵀ لم يشرح البخاري على واحدة من الروايات المثبتة طبعًا مع نسخ فتح الباري وهذه المسألة ينبغي لطلاب العلم أن يتنبهوا عليها. وخُذْ ما جَرَّهُ الأمر في صحيح مسلم حيث أدخل بعض الناشرين التبويب في داخل صحيح مسلم، وكأَنَّ مسلمًا ﵀ هو الذي بَوَّبَ صحيحه، ومعلوم أنَّ مسلما ﵀ لم يبوّب كتابه وإنما جعله كتبا، وأما التبويب الداخلي فإنه من صنع الشراح فلا ينبغي لطالب العلم أن يقول رواه مسلم في كتاب صفة القيامة باب كذا، أو في كتاب الصلاة باب كذا، لأنَّ التبويب ليس من صنعه والكتب (١) .\n\n: [[الشريط السابع]]:\n\nينبغي أن تُرَاعَى أيضا هل ذَكَرَهَا في أولها أو لم يذكرها.\nالمقصود من هذا أنَّ الله - ﷿ - قال ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وفي القراءة الأخرى التي قرأ بها ستة من السبعة القراء ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾، وفي هذه الآية دِلالة على أنّ النبي ﷺ خُتٍمَتْ به النبوة.\n\nوخَتمُ النبوة يدل على خَتم الرسالة من باب أولى عند من يقول إنَّ الرسول أرفع رتبة من النبي وأنَّ كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا.\n\nوهو من قبيل دِلَالَة المساواة عند من يقول إنَّ الرسول والنبي بمعنى واحد.\n\nوالآية تدل على التفريق؛ لأنه قال ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ .\nوفي السنة دلَّت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ على أنَّ بعثته بها خُتِمتْ الرسالات والنبوات، فثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال من حديث ثوبان (إِنّهُ سَيَكُونُ كَذّابُونَ ثَلاَثُونَ كُلّهُمْ يدّعي أَنّهُ نَبِيّ -أو كُلّهُمْ يَزْعَمُ أَنّهُ نَبِيّ-، ولا نَبِيّ بَعْدِي) (٢)، وأيضا دل قوله ﷺ في ما في الصحيح (إنّه لاَ نَبِيّ بَعْدِي) (٣) على ذلك، ودل أيضا قوله ﷺ فيما رواه بعض أصحاب الصحيح وبعض أصحاب السنن؛ بل هو في مسألة ستأتي ليس فيها لفظ الختم.\nالمقصود أنَّ الأدلة من السنة التي فيها ذِكر ختم النبوة كثيرة متنوعة دالة على ما دلت عليه الآية من أنَّ رسول الله ﷺ به خُتِمَتْ النبوة وكما ذكرنا لكم أنَّ هذا إجماع.\nإذا تبين ذلك ففي هذا البحث مسائل:\n_________\n(١) انتهى الشريط السادس.\n(٢) البخاري (٣٦٠٩) / مسلم (٧٥٢٦)\n(٣) البخاري (٣٤٥٥) / مسلم (٤٨٧٩)","vol":"1","page":89},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ قوله - ﷿ - ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، بكسر التاء، هو فاعل من خَتَم، خَتَمَ الشيء يختِمه فهو خاتِم له؛ يعني جاء آخرًا فخَتَمَهُ فهو الآخر منهم.\nوهذا دلّ عليه قوله ﷺ (وأنا العاقب) (١) يعني الذي لا نبي بعده، وأما قوله - ﷿ - ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بالفتح ففسره العلماء على أوجه منها:\n- أنَّ الخاتَم في هذا ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنه كالطَّابَعِ على مسألة النبوة، والطَّابَعْ على الشيء يأتي آخر ما يأتي، فالذي يُرْسٍلْ الرسالة يجعل الخاتَم آخر شيء، فتكون دلالة ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ دالة على أنه هو الآخر؛ لأنَّ الخاتم إنما يأتي آخره.\n- وفيه أيضا أنَّ الخاتم هو زَيْنُ الشيء وما يُتَزَيَنُ به، فهو البارز حلية وزينة وفضلا.\nوهذا الوجه ذكره الشوكاني وغيره.\nفدلّ هذا على أنَّ القراءتين ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾، والقراءة الأخرى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنَّ دلالتهما على ختم النبوة واحدًا، وأنَّ قراءة ﴿وَخَاتَمَ﴾ تزيد على القراءة الأخرى بزيادة معنى وفضل دِلالة.\n_________\n(١) البخاري (٣٥٣٢) / مسلم (٦٢٥١)","vol":"1","page":90},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ مسألة ختم النبوة الكلام فيها راجع إلى بعض الكلام في مسألة النبوة والنبي والرسول التي مرت معنا.\nوذلك أنَّ مِنْ الأفراد المنتسبين إلى الفلسفة وإلى الصوفية الغالية مَنْ قال إنَّ النبوة مُكْتَسَبَة.\nوإذْ تُكْتَسَبْ النبوة بأشياء:\n- منها أشياء علمية.\n- ومنها أشياء عملية.\n- ومنها استعدادات ومواهب فطرية.\nكما قد يكون غير الأنبياء مساوين لهم في تلقي الأوامر وتلقي الوحي كما يزعمون.\nوهذا القول لا يُنْسَبُ إلى طائفة معروفة بحيث يقال إنَّ الفلاسفة قالوا هذا أو إنَّ الصوفية قالوا هذا؛ بل ربما وُجد عند بعض أفرادٍ منهم.","vol":"1","page":91},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنّ الكلام على ختم النبوة هو الكلام نفسه على ختم الوحي، فإنَّ النبوة إنما كانت بالوحي.\nفمن ادَّعَى أنه يسمع كلام الله - ﷿ - فقد ادَّعَى أنه يُوحَى إليه.\nوانقطاع الوحي بموت النبي ﷺ دالٌ على أنَّ الوحي لا يكون لأحد بعده ﷺ.\nفلهذا كفَّرَ طائفة من المحققين من أهل السنة من ادَّعَى أنه يوحى إليه وأنه يسمع كلام الله - ﷿ - مباشرة أو بواسطة جبريل ونحو ذلك؛ لأنَّ حقيقة سماع الوحي هي حقيقة النبوة.\nفإذًا من ادَّعَى أنَّهُ يوحى إليه فقد ادَّعَى أَنَّهُ نبي، ولو نفى النسبة عن نفسه.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>[المسألة الرابعة]:\nأنَّ ادِّعَاء الوحي كفر كدعوى النبوة، وهذا باتفاق أهل السنة</span>.\nفمن ادَّعَى أنه يُوحَى إليه فقد ادَّعَى منزلة النبوة، وهذا يدخل في عدم التصديق بختم النبوة وبالكذب على رب العالمين، وهذا هو الكفر.","vol":"1","page":93},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nأنّ ختم النبوة وكون النبي ﷺ خاتِم الأنبياء وخَاتَمَهُم لا يعارض نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، فإنّ نبوته ﵇ كانت قبل نبوة محمد ﷺ، وإذا نزل فالنبوة السابقة ملازمة له ﵇، ولكنه يأتي مؤمنًا بمحمد ﷺ حاكمًا بشريعته، قاتلًا الخنزير، كاسرًا الصليب، واضعًا الجزية على النصارى واليهود، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال (لَيُوشِكَنّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ عيسى بْنُ مَرْيَمَ حَكَما عدْلا. فَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَكْسِرُ الصّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ) (١) .\nوإذا نزل ﵇ جَعَل إمام هذه الأمة منها وصلى مأمومًا ﷺ، وقال في ذلك (إمامكم منكم تَكْرِمة الله لهذه الأمة) (٢) .\nفلا يُنْظَرْ من ادَّعَى بطلان تقرير ختم النبوة بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، فإن نبوته والوحي إليه كان سابقا لبعثة محمد ﷺ.\nوإذا نزل في آخر الزمان فإنه ينزل حاكمًا بالشريعة، حاكمًا بالقرآن، مؤمنًا بمحمد ﷺ، ولا يوحى إليه بشيء جديد.\nالحديث الذي ذكرتُ لكم أُنسِيْتُه، جاء الآن، وهو قوله ﷺ (مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبياءِ قبلي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى دَارًا فَحَسَّنَهَا وزينها إلا مَوْضِعَ لَبِنَةِ منها، فَجَعَلَ النّاسُ يطوفون بهذه الدار، ويقولون ما أحسنها ما أجملها لو كملت هذه اللبنة، فأنا تلك اللبنة وبي ختم النبيون) (٣) ﷺ.\n_________\n(١) البخاري (٢٢٢٢) / مسلم (٤٠٦)\n(٢) مسلم (٤١٢)\n(٣) البخاري (٣٥٣٥) / مسلم (٦١٠١)","vol":"1","page":94},{"text":"قال المؤلف ﵀ بعدها (وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ، وسيِّدُ المرسَلينَ)\n_________\nفكونه ﷺ إمامًا يعني أنه يُؤْتَمُّ به.\nوالأتقياء هم صفوة هذه الأمة.\nوفي قوله هذا إبطال لقول من قال: إنّ من الأتقياء من قد يخرج عن الائتمام بمحمد - ﷺ - كقول بعض غلاة الصوفية من أهل الزندقة الذين رأى بعضهم أنَّهُ يَسَعُهُ الخروج على شريعة محمد ﷺ كما وَسِعَ الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇.\nفكل تقي جاء بعده ﷺ فلا يكون تقيًا إلا بالإتمام بمحمد ﷺ.\nوهذا الإتمام يكون بالإتباع كما قال - ﷿ - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال - ﷿ - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] .\nوالأتقياء جمع تقي، والتقي هو من حَصَّلَ التقوى.\nوالتقوى في القرآن جاءت على ثلاث مراتب:\n١ - المرتبة الأولى:\nأن يتقي العذاب المؤبد بتحقيق التوحيد؛ بالإتيان بالتوحيد وبنبذ الشرك وتركه، يعني بالإسلام، وهذه هي التي جاءت في مثل قول الله - ﷿ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ فخوطب الناس جميعا بالتقوى؛ يعني باتقاء العذاب المُخَلَّدْ بالإيمان بتوحيد الله - ﷿ - وبترك الشرك والبراءة منه ومن أهله.\n٢ - المرتبة الثانية:\nأَنَّ المتقي هو الذي يفعل الواجب ممتثلًا ويترك المحرم ممتثلًا، وهذه هي مرتبة المقتصدين الذين جاء فيهم قول الله - ﷿ - ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، من تَرَكَ المحرم امتثالًا وأتى بالواجب امتثالًا فهو من المتقين؛ لأنَّهُ اتَّقَى العذاب، والعذاب يكون يترك الواجب أو بفعل المحرم.\n٣ - المرتبة الثالثة:\nأن يتقي الله - ﷿ - بترك صغائر الذنوب وبترك ما به بأس وبترك ما لا بأس به حَذَرًا مما به بأس، وهذه هي تقوى الله حق تقاته، كما قال - ﷿ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، يعني خُوفُوهُ واحذروه حق الخوف والحذر، وهذه المرتبة إنما هي للسابقين بالخيرات الذين يتركون المكروهات ويَسْعون في كل المستحبات.\n\nقال بعدها ﵀ (وسيِّدُ المرسَلينَ) .\nقوله (وسيِّدُ المرسَلينَ) معناه أنه ﷺ هو المقدم في المرسلين وهو أفضلهم؛ لأنَّ السيادة فرع الفضل بكمال الصفات المحمودة في السيد.\n(وسيِّدُ المرسَلينَ) من السيادة كما ذكرنا، والسيادة معناها يجمع أمورًا، ومنها أن يكون أمره نافذًا وأن يكون المرجع هو.\nوهذا إذا قيل في محمد ﷺ (وسيِّدُ المرسَلينَ) بهذا المعنى؛ يعني أنه هو المرجع فبالنظر إلى شيئين:\n١ - الأول: قوله ﷺ (أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ) (١) وولد آدم داخل فيهم المرسلون.\n٢ - الثاني: أنَّ رجوع الأمر إليه بالنسبة إلى الأنبياء يكون في عَرَصَات القيامة؛ حيث يذهب الناس إلى آدم ثم إلى نوح إلى آخره، ثم يأتون محمدا ﷺ يطلبون منه تعجيل الحساب، فيقول (أنا لها، أنا لها، فيخر تحت العرش فيحمد الله) (٢) إلى آخر الحديث.\nوهنا في معنى السيادة كما ذكرنا، في معنى السيادة التفضيل.\nولهذا بَحَثَ الشارح هاهنا ابن أبي العز مسألة التفضيل بين الأنبياء في هذا الموضع؛ لأنَّ من فروع السيادة أو من أسباب السيادة الفضل.\nوكون النبي ﷺ سيد المرسلين حق -كما ذكرنا- للدليل وهو قوله ﷺ (أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ) .\nإذا تبين ذلك ففي المسألة مسائل:\n_________\n(١) مسلم (٦٠٧٩) / أبو داود (٤٦٧٣) / الترمذي (٣١٤٨) / ابن ماجه (٤٣٠٨)\n(٢) البخاري (٧٥١٠) / مسلم (٥٠٠)","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>[المسألة الأولى]:\nأنَّ التفضيل بين الأنبياء جاء به النص كما قال - ﷿ - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [</span>البقرة:٢٥٣]، والرسل كثيرون وأفضلهم أولو العزم من الرسل وهم خمسة: نوح ثم إبراهيم، -يعني في الزمان- نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وقد جاء ذكرهم في سورتي الأحزاب والشورى.\nوهؤلاء الخمسة أفضلهم محمد ﷺ، فقد فُضِّل إبراهيم بالخُلّة ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، والله - ﷿ - جعل محمدا ﷺ خليلًا له، فَفَضْلُ إبراهيم جاء لمحمد ﷺ، وفُضِّل موسى بالتكليم ومحمد ﷺ أيضا مُكَلَّمْ كما في حديث المعراج.","vol":"1","page":96},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ الفضل والتفاضل والتخيير بين الأنبياء له حالتان: حالة عامة وحالة خاصة.\n- فالحالة العامة:\nيجوز فيها ذلك بمعنى أن يقال محمد ﷺ أفضل المرسلين سيد المرسلين، أشرف الأنبياء والمرسلين.\n- وأما في مقابلة نبي بحسب شخصه في مقابلة نبي بذاته:\nفهذا يكون خصوص فلا يجري التفضيل على وجه الاختيار، ولهذا جاء في السنة أنَّ النبي ﷺ قال (لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعَقون يومَ القِيامةِ فأكونُ أولَ مَن يُفِيقُ، فإِذا أنا بموسى آخذٌ -أو قال باطش- بقائمةٍ من قوائم العرشِ، فلا أدرِي أأفاقَ قبلي أم جُوزِيَ بصَعقةِ الطّور) (١) فقوله ﷺ هنا (لا تخيروني على موسى) وفي رواية (لا تفضلوني على موسى) (٢) دلّ على عدم جواز التفضيل الخاص.\n_________\n(١) مسلم (٦٣٠٢)\n(٢) البخاري (٣٤١٤) / مسلم (٦٣٠٠)","vol":"1","page":97},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنَّ هذا البحث وهو بحث التفضيل بين الأنبياء جاءت فيه أحاديث، منها هذا الحديث (لا تفضلوني على موسى)، (لا تخيروني على موسى)، ومنها حديث عام (لا تَخَيَّرُوا بين الأنبياء) (١)، ومنها حديث خاص بيونس ﵇ وهو قوله ﷺ (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى) (٢) وفي رواية قال (من قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب) (٣)، وهذا اختلفت فيه أنظار العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث والتفضيل وما جاء في القرآن من قوله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وأحسن الأجوبة على ذلك أن يقال:\n١ - أولا:\nأنَّ قوله (لا تخيروني على موسى) هذا قاله لسبب قصة وردت، وهو أنَّ اليهودي والمسلم اختلفا فافتخر اليهودي على المسلم بموسى، والمسلم ردّ على اليهودي ولطمه؟\nفإذًا يكون النهي إذا كان التفضيل الخاص جاء على جهة العصبية والحمية والفخر، ولهذا جاء في الحديث (أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ) (٤)، فدلّ على أنَّ التفضيل إذا كان مورده الفخر والعصبية فإنه يمنع منه.\n٢ - ثانيًا:\nأنَّ جهات الفضل متنوعة، والتفضيل من جهة الجنس؛ جنس الفضائل سائغ، ومن جهة كل فَضيلة بحسبها متعدد، ولهذا يقال إنَّ تفضيل محمد ﷺ من جهة مجموع الفضائل، ولا يُنَصَّ على أَنَّهُ أفضل من غيره من الرسل في كل فضيلة عند جميع الرسل؛ يعني من حيث النظر العام.\n٣ - ثالثًا:\nأن يقال إنَّ التفضيل بين الأنبياء لا حاجة إليه؛ لأنَّ الأنبياء والرسل رسالتهم واحدة، والله - ﷿ - وَصَفَ المؤمنين بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله، والرسل وَصَفَهُم النبي عليهم الصلاة والسلام بقوله (الأنبياء إخوة لعلات الدين واحد والشرائع شتى) (٥)، وتَوَلِّي الرسل جميعًا فرض، ومحبتهم جميعًا فرض، فإذًا الدخول في التفضيل دخول فيما لا طائل تحته، فالواجب أن يُبْقَى في ذلك على النص وهو ما ذكرناه أولًا من التفضيل العام دون التفضيل الخاص.\nأما قوله ﷺ (من قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب) فهذا لأجل أَنَّ بعض الناس قد يظن أَنَّ يونس ﵇ فعل ما يُلامُ عليه، وأَنَّهُ عُوقِبَ بأن كان في البحر وفي بطن الحوت، ثم قال: ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فقال إنَّ هذه الكلمة ربما تكون لمن فعل شيئًا يُلَامُ عليه وعوقب، فقال: إنَّ يونس بن متّى قالها لأنَّهُ فَعَلَ ما فعل.\nوهذا في الحقيقة غلط؛ لأنه لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى، كما قال ﷺ، فيَتْرُكْ الدعاء بهذا الدعاء العظيم ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فهذا قد دعا به آدم ﵇، ودعا به موسى ﵇، ودعا به غيرهما من الأنبياء والمرسلين.\nفإذًا هذا الدعاء وحال يونس بن متّى ليس فيها نص في حقه ﵇ - أعني يونس بن متّى ﵇ -، فإذًا لا ينبغي أن يقال إنَّ فلانا أفضل من يونس من جهة الاستحباب، لا ينبغي أن يقال ذلك، يعني لا ينبغي أن يقال إن محمدًا أفضل من يونس بن متّى على جهة الاستحباب، والدليل دلّ على عدم الجواز فيمن يقوله لنفسه فلا يجوز لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متّى. والنبي ﷺ ترك ذلك، وهو أكمل الخلق ﵇.\nهذا البحث ربما لم تظهر حاجتُه لكن بحَثَه العلماء في هذا الموضع؛ لأنَّ هناك مِن مَن يعتقد الكمال في الوَلاية من يظن أنّ حالتَه أرفع من حالة يونس بن متّى ﵇.\n_________\n(١) البخاري (٤٦٣٨)\n(٢) البخاري (٣٣٩٥) / مسلم (٤٣)\n(٣) البخاري (٤٦٠٤) / الترمذي (٣٢٤٥) / ابن ماجه (٤٢٧٤)\n(٤) سبق ذكره (٩٥)\n(٥) سبق ذكره (٤)","vol":"1","page":98},{"text":"قال ﵀ بعد ذلك (وحَبيبُ ربِّ العالَمين)\n_________\nفوصف النبي ﷺ بأنّه (حَبيبُ ربِّ العالَمين)، والمحبة، محبة رب العالمين، محبة الله - ﷿ - لنبيه ﷺ هذه متحققة، وإنما نُظِرَ في مسألة الخُلَّة.\nوالمحبة لفظ عام يدخل تحته مراتب في اللغة، وأعلى مراتب المحبة الخلّة.\nفالتعبير بـ (حَبيبُ ربِّ العالَمين) عند المصنف مال إليه لأجل ما ورد في بعض الأحاديث (أنّ إبراهيم ﵇ خليل الله ومحمد حبيب رب العالمين) (١) .\nوالجواب أنَّ الاقتصار على مرتبة المحبة العامة للنبي ﷺ هذا قصور؛ لأنَّهُ ﷺ هو حبيب رب العالمين وهو خليل رب العالمين أيضًا.\nفإبراهيم ﵇ خليل الرحمن كما قال - ﷿ - ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، وكذلك محمد ﷺ خليل الله كما ثبت ذلك في السنة، قال ﷺ (لَوْ كُنْتُ مُتّخِذًا أحدًا خَلِيلًا لاَتّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، إِنّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الرحمن -أو قال خَلِيلُ اللهِ-) (٢) فدل هذا مع أحاديث أُخَرْ في الباب على أنَّ المحبة ثابتة للنبي ﷺ، وفوقها مرتبة الخلة ثابتة له ﷺ.\nإذا تبين ذلك ففي هذه الجملة مسائل:\n_________\n(١) الترمذي (٣٦١٦) / سنن الدارمي (٤٧)\n(٢) مسلم (١٢١٦) / ابن ماجه (١٤١)","vol":"1","page":99},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ المحبة بمراتبها التي تضاف إلى رب العالمين - ﷿ - إنما هي ما ورد.\n- وبعض الناس غَلَوْا في ذلك فوصفوا الله - ﷿ - بكل مراتب المحبة، وهذا باطل وغلو.\n- وبعضهم جفا كالجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم فنفوا المحبة بمعناها الظاهر وما يكون من مراتبها؛ فنفوا حقيقة محبة الله لعبده ونفوا حقيقة اتخاذ الله - ﷿ - لعبده خليلًا، وأوَّلوا ذلك كما سيأتي في مواضعه في بيان أصولهم في الصفات.\nوأهل السنة والجماعة بين هاتين الطائفتين فلم يغلو في المحبة؛ يعني في محبة الله لعبده ولم يكونوا من الجفاة في ذلك، بل سلكوا الأصل الذي أصَّلُوهُ وأنَّ هذه المسائل تبع لما ورد في النصوص.\nفمن المراتب، مراتب المحبة التي جاءت في النصوص وتُثبت لله - ﷿ -:\n- الإرادة الخاصة التي هي بمعنى المحبة.\n- والمحبة بلفظها.\n- والمودة.\n- والخلة.\nوما ثبت من غير ما ذكرت هذه التي أذكرها الأربعة: إرادة، المحبة، المودة، الخلّة.","vol":"1","page":100},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ من ألفاظ المحبة التي هي من مراتبها لفظ (العشق) .\nوهذا اللفظ استعمله طائفة من أرباب السلوك فيما بين العبد وبين ربه، فقالوا:\nإنّ الله يُعشَقُ ويَعْشَقْ، وقالوا: إنني -يعني المتكلم الذي تَكَلَّمَ- أعشق الله - ﷿ -.\nولفظ العِشْقْ هو من مراتب المحبة -كما هو معلوم-؛ ولكنه يُمْنَعْ في إطلاقه من العبد على ربه ومن الرب للعبد، وذلك لأمور:\n١ - الأول: أنّ لفظ العشق لم يرد في النصوص لا في الكتاب ولا في السنة، لا من جهة العبد لربه ولا من جهة الرب لعبده، فيمتَنِعُ إطلاق هذا اللفظ واستعماله في المحبة لأجل الاتّباع.\n٢ - الثاني: -وهو تعليل لفظي أيضا- أنَّ لفظ العشق إنما تستعمله العرب فيما إذا كان لصاحبه شهوة في المعشوق، ومعلوم أنّ الشهوة إنما تكون لمن يَنكِح أو يُنكَح يعني للرجل أو المرأة.\nفإذًا استعمال اللفظ في حق الله - ﷿ - ممتنع لفظًا؛ لأنه لا يستعمل هذا اللفظ إلا في ذلك المعنى.\n٣ - الثالث: في رد لفظ العشق واستعماله- من جهة المعنى، وهو أَنَّ العشق فيه من جهة العبد، أو في إطلاقه على من وُصِفَ به فيه تعلُّق بالإرادة وبالإدراك.\nفلا عشق يحصل إلا وهو مُؤَثِرٌ في الإرادة بإضعافها ومؤثر في الإدراك بحصول خلل فيه.\nولهذا أجمع أهل اللغة في أنَّ معاني العشق لابد أن يكون في آثارها ما هو نوع اعتداء:\nإما على النفس، وإما على الغير.\n- اعتداء على النفس بإضعاف الإدراك أو بإضعاف الإرادة.\n- واعتداء على الغير بأنه لو أشعره بذلك فتعاشقا لصار عنده ضعف في الإدراك وضعف في الإرادة.\nوالله - ﷿ - لا يجوز أنْ يُقال في محبته إنها تُنْتِجُ ضعفًا في الإرادة أو ضعفًا في الإدراك؛ بل محبة الله - ﷿ - تبلغ بالعبد -يعني محبة العبد لربه- تبلغ بالعبد كمال الإرادة المطلوبة المحمودة وكمال الإدراك المطلوب المحمود؛ يعني في الإيمان، ولهذا امْتَنَعْ أنْ يوصف الله - ﷿ - بأنه يعشق عبدَه أو أن العبد يعشق ربَّه.","vol":"1","page":101},{"text":"قال ﵀ بعدها (وكُلُّ دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ فَغَيٌّ وَهَوى، وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء)\n_________\nوهذا فيه تقرير أنًّ كل دعوى للنبوة بعده ﷺ فهي ضلال وكذب كما قال ﷺ في حديث ثوبان (وَإِنّهُ سَيَكُونُ بعدي كَذّابُونَ ثَلاَثُونَ كُلّهُمْ يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ، وإنه لا نَبِيّ بَعْدِي) (١) فكل دعوى للنبوة كذب ولا شك؛ للإجماع المنعقد على ختم النبوة بمحمد ﷺ كما ذكرت لك من قبل.\nقوله (وَهَوى) يعني أنها ناشئة عن الهوى وليس ثَمَّ شبهة فيها، يعني من ادَّعَى النبوة فلا شبهة له، وإنما هي هوىً مُجَرَّدْ فلن ينزل عليه وحي ولن يكون معه معجزات -معجزات نبوة من عند الله- وإنما هي هوى، وقد يُسَخِّر الشياطين لنفسه فتعينه ببعض الخوارق إلى آخر ما ذكرنا في البحث السابق في الدرس الماضي.\n(دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ -ﷺ- فَغَيٌّ وَهَوى) يعني وكفر.\nوالذي يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو أنه يُوحَى إليه أو أنه رسول فإنه كافر يجب قتله.\nوهل يستتاب فتقبل توبته إن تاب؟\nهذا مبني على خلاف العلماء في قبول توبة الزنديق.\nوالذي يُرَجَّحُ في هذا أنه لا تُقْبَلُ توبته ظاهرًا، فإن كان صادقًا في الباطن فإنَّ الله - ﷿ - يقبل توبته، لكن ظاهراَ لا تُقْبَلُ توبته بل يجب قتله.\nوهذا هو الراجح وهو الصحيح، فيُقْتَلُ لما ادَّعَاهُ من النبوة ولو قال إني تبت ظاهراَ.\nوذلك لأنه قد يَدَّعِي ثانٍ وثالث ورابع وخامس كل يَدَّعِي النبوة والرسالة ثم يقول: تبتُ فيكون في ذلك خلل في الأمة.\nفإذًا الزنديق الذي يُظْهِرُ الكفر، يسب الله - ﷿ - أو يسب رسوله - ﷺ - أو يَدَّعِي النبوة أو أشباه هذه الأشياء أو يَدَّعِي الوحي، فهذا يُقْتَلُ على كل حال ولا تقبل توبته.\n\nالجملة الأخيرة قال ﵀ (وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء)\nقوله (وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى) يعني أنه ﷺ هو المبعوث إلى الجن والإنس أجمعين.\nوبعثته ﷺ للإنس والجن جميعًا ذَكَرَ عدد من أهل العلم الإجماع عليها، فنُقل عن ابن عبد البر وعن ابن حزم في [الفِصَل] أنهم ذكروا الإجماع على عموم بعثة النبي ﷺ للجن والإنس، وذكرها تقي الدين السُبْكِي أيضا في رسالة خاصة في عموم رسالته ﷺ.\nوالدليل على ذلك - يعني على عموم بعثته - الدليل على قول المؤلف (وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى) أدلة كثيرة من القرآن ومن السنة:\nفمن القرآن:\n١ - الدليل الأول:\nقوله - ﷿ - ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، والإنذار بلغ الجن كما في آيات أخر، فإذًا هو نذير للجن وللإنس.\n٢ - الدليل الثاني:\nقوله - ﷿ - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، والعالَمُون اسم لكل ما سوى الله - ﷿ -، وخرج من ذلك الملائكة على الصحيح كما سيأتي، فيكون من العام المخصوص، والعام المخصوص دالّ على ما بقي بعد التخصيص كما هو معلوم، فيكون كل الجن والإنس داخلين في لفظ العالمين ولم يُستثنوا ولم يخرجهم دليل فيبقون داخلين في عموم النِّذارة.\nوهذا الدليل أعْتُرِضَ عليه بأن قوله - ﷿ - ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ لأنَّ هذا هو القرآن وليس هو بمحمد ﷺ، وهذا وإنْ كان وجها لاحتمال رجوع الضمير في قوله (لِيَكُونَ) للقرآن في قوله في أوله (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ- يعني القرآن- لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) فهذا الوجه وإن كان محتملًا؛ لكنه خلاف الأَولَى، والأَولَى عند أهل العربية أَنَّ الضمير يرجع على أقرب مذكور وهو قوله ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾، (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ -عبدُه- لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) .\n٣ - الدليل الثالث:\nقوله - ﷿ - في سورة الأحقاف ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٢٩-٣٠]، إلى آخر الآيات.\n٤ - الدليل الرابع:\nقوله - ﷿ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن] يعني للجن وللإنس.\n٥ - الدليل الخامس:\nقوله - ﷿ - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن:١-٢]، وبعثة محمد ﷺ إلى الجن والإنس جميعًا دلَّت عليها هذه الأدلة.\nقال بعض العلماء إنها في القوة وفي عدم الاعتراض ممن خالف مُرَتَّبَة في قوتها بحسب ترتيب المصحف، فأقواها آية الأنعام، ثم آية الفرقان، ثم الأحقاف ثم الرحمن ثم آية الجن، وهذا وجيه.\nوالأدلة من السنة أيضًا على عموم بعثته ﷺ للجن والإنس كثيرة معروفة، منها:\nقوله ﷺ (كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعِثت للناس كافة) (٢) على لغة من يُدخل الجن في لفظ الناس، وسيأتي زيادة بيان لذلك.\nوثبت أيضًا في الصحيح أنه ﷺ قال (بعثت للأحمر والأبيض) (٣) قال بعض العلماء يدخل في قوله الأحمر الجن لأنهم مخلوقون من نار، والنار صائرةٌ إلى الحمرة أو لونها مائل إلى الحمرة.\nوغير ذلك من الأدلة التي تدل على عموم بعثته ﷺ للجن والإنس.\nأما عموم بعثته ﷺ للإنس جميعًا، للناس جميعًا فثَمَّ آيات كثيرة.\nإذا تبين ذلك في معنى قول المصنف وفي دليله، وأنَّ هذه المسألة ذَكَرَ عليها غير واحدٍ الإجماع فثمَّ في هذه الجملة مسائل:\n_________\n(١) سبق ذكره ص (٨٩)\n(٢) البخاري (٣٣٥) / النسائي (٤٣٢)\n(٣) لم أجده بهذا اللفظ وإنما وجدت (بعثت إلى كل أحمر وأسود) وهو في مسلم (١١٩١)","vol":"1","page":102},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ قوله - ﷿ - ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام:١٣٠] قوله ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ هذا على جهة التغليب لأنَّ الجن والإنس اجتمعا في شيء وافترقا في أشياء.\nفاجتمعا في التكليف، فلذلك صحَّ أن يشتركا في التثنية ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ لاشتراكهما في أصل التكليف ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون ِ﴾ [الذاريات:٥٦] والاشتراك في الجنس ولو اختلف النوع فإنه يُبقي الدلالة الأغلبية صحيحة.\nوقال بعض السلف: إنَّ الجن يكون منهم رسل.\nولكن هذا القول ضعَّفَهُ جماعة كثيرون من أهل العلم من التابعين فمن بعدهم.\nقال ابن عباس ﵁ (الرسل من الإنس ومن الجن النُّذُر) (١) .\nأخذ هذا من قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] .\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (الأنعام:١٣٠)","vol":"1","page":103},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ بعثة النبي ﷺ قيل فيها إنها تشمل الملائكة، وذلك لعموم قوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ وهذا ليس بجيد، هذا القول ليس بجيد؛ بل يترجح أنّه غلط وذلك لأمور:\n١ - الأول:\nأنّ قوله - ﷿ - ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ هذا فيه الإنذار، والملائكة مقيمون على عبادة الله - ﷿ - وعلى توحيده وعلى تسبيحه كما قال ﷺ (أَطّتْ السّمَاءُ وَحُقّ لَهَا أَنْ تَئِطّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعٍ إِلاّ وَمَلَكٌ قائم أو مَلَكٌ سَاجِد أو مَلَكٌ راكع) (١) فالملائكة موحدون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، الملائكة عُبَّادْ لله - ﷿ -، الملائكة متقربون إلى لله - ﷿ -، ومن كانت هذه حاله فلا يصلح له الإنذار.\nولهذا قوله - ﷿ - ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ليس فيه دليل لمن ذهب إلى أنّ بَعثة النبي ﷺ عامة للجميع؛ لأن الآية فيها تعليق بالإنذار والملائكة لا يُنْذَرُون.\n٢ - الثاني:\nأنَّ الملائكة جنسُهم أو نقول منهم من أتى بالرسالة إلى محمد ﷺ وهو جبريل ﵇، وأمَرَهُ أن يُبَلِّغها للناس، ودخول الآمِرْ في مثل هذا في الأمر يحتاج إلى دليل؛ لأنّ الأصل أنّ الآمِرْ إذا أََمَرَ غيره فإنه لا يدخل في الأمر، فطلب من النبي ﷺ أنْ يُعلن الرسالة للناس جميعا بل للثقلين، فإدخاله -إدخال جبريل﵇ يحتاج إلى دليل.\n٣ - الثالث:\nأنّ الملائكة ﴿يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، وهم أنصار الأنبياء يُرْسِلُهُم الله - ﷿ - إليهم لنصرتهم وهم أولياؤهم، وهذا يدل على أنهم خارجون عن الاتِّباع؛ لأنهم لو كانوا تابعين لصارت نصرتهم للنبي ﷺ وللمؤمنين مُتَعَيِّنَة بلا أمر لأجل عَقْدِ نُصْرَةْ الرسالة.\nقال هنا (المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّةِ الوَرَى)، (وكَافَّةِ) هذه في إضافتها للورى - الوَرَى يعني الناس- صحيحة، وجاءت في لغة قليلة عن العرب، واستعملها عمر بن الخطاب ﵁ وهي صحيحة، خلافا لمن قال إنَّ (كَافَّة) لا تُسْتَخْدَمْ إلا منصوبة على وجه الحال - يعني أن تكون حالًا - كما قال - ﷿ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبإ:٢٨]\nفالأصل أن تكون منصوبة حال، ويجوز أو في لغة قليلة استُعْمِلَتْ مضافة.\nقوله (بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء) هذه الأربع أوصاف وأسماء للقرآن.\nوبهذا نختم هذا الدرس.\nأسأل الله - ﷿ - أن يجعلنا من أتباع محمد ﷺ.\nمباحث النبوة سبق أن ذكرنا لكم أنها لم تُجْمَع في كتاب عام لكل مباحث الأنبياء تعريف النبي والرسول والمعجزات والبراهين وختم النبوة والرد على المخالفين في كل ما يتعلق بالنبوات، ولا شك أنَّ الحاجة داعية إلى ذلك، فهذه مباحث قد لا توجد في كتاب مجموع، لهذا حبذا لو يتوجه إلى هذا البحث بجمع كل مسائل النبوة، بعض طلبة العلم حتى يكون تناوله يسيرا في أيدي إخوانهم من طلبة العلم.\nنكتفي بهذا القدر.\n_________\n(١) الترمذي (٢٣١٢)","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الأسئلة:</span>\nس١/ ما حكم تكفير الكافر المعين والحكم عليه بالخلود في النار بعد الممات، وما معنى قول أهل السنة ولا نشهد لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد له، إلى آخره؟\nج/ الجواب: أنَّ قول أهل السنة ولا نشهد لأحد بجنة ولا بنار إلا من شهد له رسول الله - ﷺ -؛ يعني من هذه الأمة من المنتسبين للقبلة، أما المشرك الأصلي أو الكافر اليهودي أو النصراني فإنه يستصحب الأصل الذي كان عليه؛ فإذا مات على الكفر فإننا نقول هو كافر ومات عليه وهو من أهل النار، والنبي ﷺ قال لنا (حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار) (١) أبشر بالنار، هذا لا يدخل في قول أهل السنة لأنَّ المقصود من ذلك أهل القبلة، لا نشهد لمعين بجنة من أهل القبلة ولا لمعين من أهل القبلة بنار، إلا من شهد له الرسول ﷺ في الذين يدخلون الجنة وفي الذي غلّ وفي الذي قتل نفسه؛ وجَعَ نفسه بحديدة ونحو ذلك، من شهد عليه رسول الله - ﷺ - بنار من أهل القبلة فنشهد عليه بالنار وأما المشركون والكفار من أهل الكتاب فلا كرامة لهم فإذا ماتوا شهدنا عليهم بالنار وكفَّرْنَاهم في حياتهم وبعد مماتهم، ولا يقال في حقهم لا نكفر إلا من بلغته الحجة أو لا نشهد عليهم بالنار إلا من قامت عليه الحجة ونحو ذلك، كما بينا ذلك مرة في هذا المسجد حينما رددت على صاحب مقالة كفرية.\nس٢/ هل الملائكة أفضل أم الأنبياء؟\nج/ يأتينا البحث مطولا إن شاء الله في آخر العقيدة الطحاوية، والجواب باختصار الأنبياء أفضل من الملائكة.\nس٣/ هل يُقال أن أفضل الصحابة أبو بكر وأفضل أمة محمد عيسى ﵇؟\nج/ الجواب أنَّ عيسى ﵇ نبي من الأنبياء ومن أولي العزم من الرسل، وأيضا يصدق عليه حد الصحابي، ولذلك يُلْغِزُ بعض العلماء يقول مَن مِن هذه الأمة من هو أفضل من أبي بكر؟ فيقال عيسى ﵇، من جهة أنه لقيه، لقي النبي ﷺ لما أسري به وآمن به وإذا نزل يكون مؤمنا وحاكما بشريعة محمد.\nنكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.\n_________\n(١) ابن ماجه (١٥٧٣)","vol":"1","page":105},{"text":"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.\nالأسئلة:\nس١/ ما هو الفرق بين الفعل لله والصفة لله، ما هو الفرق بين الاسم والمسمّى مع الأمثلة؟ وحبذا ذِكر المرجع الذي تكلم عن هذه المسألة؟\nج/ الجواب: الفرق بين أفعال الله وصفاته أنَّ الأفعال مشتملة على صفة وعلى زمن؛ لأنَّ الفعل يشتمل على حدث وعلى زمن، والحدث هذا وصف، ولما كان كذلك كان الفعل المضاف إلى الله - ﷿ - لا يدلّ على الصفة التي اشتمل عليها هذا الفعل بإطلاق، بل قد يوصف الله - ﷿ - بها وقد لا يوصف؛ لأنّ باب الأفعال أوسع بمن باب الصفات.\nمثاله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩]، فاستواء الله - ﷿ - صفة أخذناها من فعل استوى؛ لأنَّ استوى مشتمل على حدث وهو الاستواء (الصفة)، ومشتمل على زمن وهو الماضي، ويُثبَتْ الاستواء هنا صفة لله - ﷿ - كما يليق بجلاله وبعظمته لأنه متضمن كمالا، فيقال من صفات الله الاستواء على العرش.\nمثال الثاني ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، (يَمْكُرُ اللَّهُ) هذا فعل مضارع مشتمل على حدث على صفة وهو المكر؛ يعني على مصدر وهو المكر، ومشتمل على زمن وهو المضارع؛ لكن لا يقال هذا الفعل يدلّ على إثبات صفة المكر؛ لأنّ صفة المكر ليست دائما صفة كمال، فلهذا قال أئمة أهل السنة رحمهم الله تعالى: إنَّ باب الأفعال أوسع من باب الصفات؛ فقد يضاف الفعل إلى الحق - ﷿ - ولا تُثْبَتُ الصفة التي تضمنها هذا الفعل، كما أنَّ باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ فقد تطلق الصفة على الله - ﷿ - ولا يطلق الاسم. من مثل الاستواء والمستوي، وممثل المكر بحق والماكر وأشباه ذلك.\nإذًا ثَمّ فرق بين أفعال الله - ﷿ - وبين صفاته من هذه الجهة.\nأما من جهة قيامها جميعا بالله - ﷿ - فالصفة قائمة بالله - ﷿ - ولها أثر في الخارج، لها أثر مثل صفة الخلق لها أثر في المخلوق، صفة الرحمة لها اثر في المرحوم، وهكذا، والفعل في تعقله بالله - ﷿ - قد يكون متعديا وقد يكون لازما.\nوللمسألة مزيد تفصيل المقصود أن باب الأفعال أوسع من باب الصفات، وأنه لا يطرد القول بالمساواة بيت الفعل القائم بالله - ﷿ - وبين الصفات القائمة بالله - ﷿ -.\nس٢/ما هو الفرق بين الاسم والمسمى؟\nالاسم والمسمى إذا اجتمعت فيُعْنَى بها بحث كلامي بحث عند أهل الكلام ودخل فيه أهل السنة ردًا على أهل الكلام وبيانا للحق فيها، وإلا فبحث الاسم والمسمى ليس من البحوث الموجودة في الكتاب والسنة ولا في كلام الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما الكلام فيها حادث؛ لكن جرّ إلى الكلام فيها أنَّ المعتزلة خاضوا في ذلك توطئةً لنفي الصفات ولتحريف الأسماء لله - ﷿ -.\nوتلخيص المسألة:\nأنّ الاسم مثل: الرحمن، الرحيم، الكريم، ونحو ذلك، المسمى بهذا الاسم هو الله - ﷿ -، محمد المسمى به رسول الله ﷺ، الكأس اسم المسمى هو هذا الذي ترى.\nفإذًا الاسم دلالة عامة والمسمى انطباق هذا الاسم على العين أو على الذات.\nإذا تبين ذلك، فإن المسألة التي اختلفوا فيها هي: قولهم هل الاسم عين المسمى أم أنَّ الاسم غير المسمى؟\nوهذه المسألة مبسوطة وطويلة الذيول؛ لكن اختصار القول فيها أنَّ مذهب الأئمة أنَّ الاسم لا يطلق القول بأنه عين المسمى ولا أنه غير المسمى؛ بل المسألة فيها تفصيل في دلالة الاسم على المسمى وأنَّ الأسماء مختلفة؛ لأنّ كل اسم يدل على المسمى وزيادة صفة، فهو يدل على الذات ويدل على الصفة التي تضمنها هذا الاسم، كما ذكرنا لكم الرحيم تدل على ذات الله - ﷿ - المتصفة بالرحمة، والذين قالوا إن الاسم هو عين المسمى جعلوا أنه لا فرق بين الأسماء في دلالتها على المسمّى فجعلوا العليم هو الرحيم مطابقة، وجعلوا الملك هو الودود، ونحو ذلك، بدون تفرقة بين الاسم والصفة، يعني جعلوا أنَّ الأسماء دالة على الذات كما قال المعتزلة عليم بلا علم، رحيم بلا رحمة، وهكذا وهلم جرًّا.\nوالمسألة فيها طول لكن هذا بيان لأصلها.\nس٣/ يتعرض كثير من الشباب لبعض الشبهات من خلال دراسته للعقيدة والفِرَقْ، أرجو حل هذه المشكلة كيف يتعامل الشخص مع هذه الشبهات؟","vol":"1","page":106},{"text":"ج/ لاشك أن هذا داء وكثير من المسائل يرغب المُعلِّم ربما في تفصيلها للخاصة من طلاب العلم، لكن لأجل حضور من ليس مستواه مهيئا لتلقي العلم العالي فإنه يُحجم، فذِكْرُ المسائل العقدية وذكر التفصيل وكلام أهل الفرق والشبهة وردها حقيقة في الأصل أنه لا يناسب المبتدئ في طلب العلم بل لابد أن يتلقاه من علم أصول أهل السنة والجماعة وفهم مذهبهم وطريقتهم وسنتهم في ذلك بعد قراءته الكتب الأولى، لهذا نوصي دائما بالمنهجية، إذا علم مذهب أهل السنة والجماعة من خلال مثلًا لمعة الاعتقاد كمنهج عام في تقرير مسائل الإيمان بأجمعها؛ عرف مذهبهم في الإيمان، مذهبهم في الصفات، مذهبهم في الأسماء، في القدر، في الغيبيات، في الصحابة، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في ولاة الأمر، وهكذا المسائل التي يعرضونها، في القدر، في اليوم الآخر، فيما يُعْرَضْ، عَلِمَ قول أهل السنة، بعد ذلك ينتقل إلى مرحلة تلي ذلك؛ حتى لا يطَّلِع على بعض الشبهات فيظن أن هذه مؤثرة على مذهب أهل السنة والجماعة، فيُعْرَضْ له شيء من التفصيل من الزيادة بقول أهل البدع مع الرد عليهم، ثم يترقى حتى يتوسع في ذلك.\nفلهذا من رأى أن حضوره لمجالس العلم التي فيها تفصيل يورد عليه الشبهات فينبغي له أن لا يحضر وأن يبتدئ العلم من أوله وأن لا يعرض نفسه للشبهة لأن الشبهة ربما استحكمت فأثرت\nس٤/ هل الرافضة والجهمية ليستا من الاثنين والسبعين فرقة وكيف؟\nج/ أما الجهمية فأهل السنة جميعا على أنهم ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة ليسوا من فرق الأمة.\nوأما الرافضة فجمهور أهل السنة على خروجهم من الثنتين والسبعين فرقة، والمقصود من الرافضة الغلاة؛ غلاة الشيعة الذين يلعنون أبا بكر وعمر ﵄، والذين يتدينون بسب الصحابة ويُبْغِضُون بعض أمهات المؤمنين ويقذفون عائشة ونحو ذلك، من معتقداتهم المعروفة.\nس٥/ ما حكم قول البعض شاءت الأقدار، ساقته الأقدار، اقتضته حكمة الله، شاءت إرادة الله، ونحو هذه العبارات؟\nج/ شاءت الأقدار، الأقدار جمع قدر، والقدر تبع المقدِّر وهو الله - ﷿ -، والذي يشاء القدر هو الله ﷾، فقول القائل شاءت الأقدار وأشباه ذلك، فإنّ هذا غلط لأن الأقدار ليس لها مشيئة، المشيئة لله - ﷿ - هو الذي شاء القدر وشاء القضاء ﷾.\nوساقته الأقدار هذه محتملة، محتملة لهذا وهذا، وتجنبها أولى.\nاقتضت حكمة الله، هذه صحيحة لا بأس بها استعملها أهل العلم؛ لأن الاقتضاء خارج عن الشيء؛ يعني حكمة الله نشأ عنها شيء هو مقتضاها، اقتضت حكمة الله أن يكون كذا وكذا؛ يعني من القضاء الذي حصل؛ يعني أن ما حصل موافق لحكمة الله - ﷿ -.\nشاءت إرادة الله، هذا أيضا مثل ما سبق فإنّ الإرادة الكونية هي المشيئة، فقول القائل شاءت إرادة الله كقوله شاءت مشيئة الله وهو تكرار لا وجه له.\nونرجئ بقية الأسئلة إلى وقتها.","vol":"1","page":107},{"text":"[وإِنَّ القرآنَ كَلامُ الله، منْهُ بَدَا بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلًا، وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْيًا، وَصَدَّقهُ المؤمنون على ذلك حَقًّا، وأَيْقَنُوا أنَّه كلامُ الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوقٍ ككلام البَرِيَّةِ، فمن سمِعَهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كلامُ البشرِ، فَقَدْ كَفَرَ، وقد ذمَّهُ الله وعابَهُ وأوعَدهُ بسَقَر، حيث قال تعالى ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، فَلَمَّا أَوْعَدَ اللهُ بِسَقَرٍ لمنْ قال ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر]\n_________\nهذه الجمل من كلام الطحاوي ﵀ اشتملت على:\n- تقرير قول السلف وأئمة الحديث والسنة وأهل السنة والجماعة والأثر في مسألة القرآن وكلام الله ﷿.\n- وأنّ القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود.\n- وأنّ القرآن ليس بمخلوق.\n- وأنّ من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر.\n- وأنّ من زعم أن القرآن كلام البشر فهو كافر لتواتر كلام (١) .\n\n: [[الشريط الثامن]]:\n\nالله - ﷿ - على ذلك بقوله ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] .\nوهذه المسألة وهي مسألة القرآن وكون القرآن كلام الله - ﷿ - منزل غير مخلوق، هذه أكبر المسائل التي اختلف فيها المنتسبون إلى القبلة.\nولأجلها وكثرة الكلام فيها سُمِّي أهل الكلام بأهل الكلام.\nفهي مسألة شرَّقت وغرَّبت في القرن الثاني الهجري، وكثر الكلام فيها وإثبات ذلك ونفيه؛ يعني إثبات أنَّ القرآن كلام الله وأنَّ الله يتكلم حقيقة وما أشبه ذلك، والكلام في نفي ذلك، حتى صارت عنوانا على الانحراف في التوحيد بما سمي بعلم الكلام.\nومذهب أهل السنة والجماعة الذي دلّت عليه النصوص من القرآن والسنة ودل عليه إجماع سلف هذه الأمة هو ما ذكره الطحاوي فيما سمعت وهو قوله (وإِنَّ القرآنَ كَلامُ الله، منْهُ بَدَا بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلًا، وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْيًا، وَصَدَّقهُ المؤمنون على ذلك حَقًّا) .\nوهذه الجمل إلى آخرها اشتملت على مسائل؛ يعني اشتملت على موضوعات:\n١ - الموضوع الأول: أنّ القرآن كلام الله.\n٢ - الموضوع الثاني: أنه ليس بمخلوق.\n٣ - الموضوع الثالث: أنَّ من زعم أنَّ القرآن كلام البشر فهو كافر.\nالموضوع الأول هي قوله (وإِنَّ القرآنَ كَلامُ الله ...) إلى آخره، هذه نذكر فيها بعض التعريفات المهمة لتصورها ولتصور مذهب أهل السنة والجماعة فيها:\nأولا قوله (القرآن) بل قبل ذلك نقول قوله (وإِنَّ القرآنَ) هذه الكلام في كسر همزة (إِنَّ) كالكلام في كسر الهمزة قبلها في قوله (وإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المصطَفى) يعني: نقُولُ في تَوحيدِ الله: إِنَّ القرآنَ كَلامُ الله لأنّ توحيد الله هو الإيمان، والكلام في القرآن كلام في ركن من أركان الإيمان وذلك أنَّ الإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه.\nفالكلام في القرآن وأنه كلام الله كلامٌ في التوحيد؛ في توحيد الله تعالى.\n\n* التعريفات:\n\nقال (وإِنَّ القرآنَ كَلامُ الله)\nالقرآن في اللغة: مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنًا، فالقرآن مصدر قرأ، كما قال الشاعر في وصف عثمان ﵁:\nضَحَّوا بِأَشْمَطَ عُنوانُ السُّجُودِ بِهِ ****** يُقَطِّعُ الليل تسبيحًا وقرآنًا\nيعني قراءة، ﵁.\nوأما في الاصطلاح: فالقرآن اسم لكل كتاب يُتلى أنزله الله - ﷿ - على نبي من أنبيائه.\nوذلك يدل على أنّ تخصيص القرآن بالاسم بما أُنزل على محمد ﷺ هو كتخصيص الدين الذي أنزل عليه بالإسلام.\nفالقرآن هو الذي أنزل على محمد ﷺ، كما أنَّ الإسلام هو الذي جاء به محمد ﷺ، وإنْ اشْتَرَكَ في الإسلام دعوة جميع الأنبياء والمرسلين، وكذلك القرآن.\nدلّ على ذلك قول النبي ﷺ فيما ثبت عنه وصح (ما أذن الله لشيء أذنه لنبي يقرأ القرآن يجهر به يتغنى به) (٢) فدَلَّ هذا على أنَّ قِراءة النبي لما أنزل عليه والتغني بذلك على أن هذه القراءة للقرآن كما نصَّ عليه الحديث.\nوهذا موافق لقولهم لأنَّ أصل كلمة قرآن مصدر لـ قَرَأَ يَقْرَأْ قراءة وقرآنًا، لكن هي لما فيه شرف ومنزلة.\n(كَلامُ الله) هذا اللفظ الثاني، كلام الله هو صفة من صفاته.\nوالكلام أصله في اللغة: ما سُمِعَ من الأقوال وتَعَدَّى قائله.\nوهذا مأخوذ من اشتقاق المادة أصلًا، مادة (الكاف واللام والميم) .\nفإنَّ (كَلَمَ) هذه تدل على قوة وشدة في تصريفاتها وتفريعاتها في لغة العرب كما حرَّرَ ذلك العلامة ابن جني في كتابه (خصائص اللغة) .\nوهذا يدل على أنَّ حديث النفس لا يسمى في اللغة كلامًا، وعلى أنَّ القول الذي يسمعه صاحبه دون غيره -يعني ما يجريه على نفسه- لا يسمى كلامًا - يعني في اللغة -، أو يحرك به لسانه لا يسمى كلامًا حتى يُسمِعَ غيره.\nوهذا يدل عليه من حيث الاشتقاق الأكبر والأوسط أنَّ هذه الأحرف الثلاثة هذه (كَلَمَ) حيثما فَرَّقْتَهَا لا تدل على خفاء ولا تدل على لين ولا تدل على رخاوة؛ بل هي تدل على قوة وصلابة وشدة.\nفخذ مثلا كَلَمَ بمعنى جَرَحَ.\nوكَلَّمَ بمعنى تحدّث.\nوقلب هذه الكلمة مَلَكَ فيه قوة.\nولَكَمَ فيه قوة.\nوكمُلَ فيها قوة.\nفحيث تَصَرَّفت هذه المادة وقَلَّبْتَهَا مُسْتَخْدِمًَا الاشتقاق الأكبر أو الاشتقاق الأوسط فإنَّ هذا يدل على قوة وشدة، ولا يدل على خفاء ورخاوة ولين، وهذا أصل مهم في هذا الباب في فهم معنى الكلام لغة.\nوسيأتي مزيد تفصيل عند الرد على قول الجهمية والمعتزلة في هذه المسألة.\nقوله (كَلامُ الله) الكلام صفة من صفات الله وإضافته إلى الله - ﷿ - هنا إضافة صفة إلى متصف بها.\nوالذي جاء في القرآن والسنة أنَّ ما يضاف إلى الله - ﷿ - نوعان:\n١ - النوع الأول:\nإضافة مخلوقات إلى الله سبحانه، أعيان قائمة بنفسها، وهذا كإضافة البيت (بيت الله)، وإضافة الناقة ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣]، وإضافة العبد ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن:١٩]، وكل هذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ولكن هذه الإضافة لتخصيصها بالله - ﷿ - تدل على شرف المضاف إلى الله - ﷿ - -، يعني على شرف البيت، شرف الناقة، شرف محمد ﷺ.\n٢ - النوع الثاني:\nمعاني وليست بأعيان، معاني لا تقوم بنفسها،مثل الرحمة لا يوجد أمامنا شيء يسمى رحمة مستقل عن من يقوم به، لا يوجد عندنا شيء يسمى كلام مستقل عن متكلم أو سامع، هذه المعاني والصفات إذا أُضيفت إلى الله - ﷿ - فإنها إضافة صفة إلى متصف بها، وهذا أخذ بقواعد اللغة العربية.\n\nقال بعدها (منْهُ بَدَا بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلًا)\nهذه الكلمة (منْهُ بَدَا بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلًا) أوردها لاستعمال طائفة من أئمة أهل السنة والحديث والأثر لهذه الكلمة، وهو أنهم قالوا:\nالقرآن كلام الله مُنَزَّلٌ غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، فاستعملها كما استعملها الأئمة من قبله.\nقوله (منْهُ بَدَا) بدأ منه، (مِنْ) هنا ابتدائية.\nو(مِنْ) لها استعمالات كثيرة في اللغة، ومنها أن تكون للابتداء، وقد جمع الناظم في حروف المعاني، جَمَعَ معاني (مِنْ) في اللغة العربية،جمعها في اثني عشرة معنى، وهي تزيد عن ذلك فقال:\nأتتنا من لتبيين وبعض ****** وتعليل وبدءٍ وانتهاء\nوزائدة وإبدال وفصل ****** ومعنى عن وعلى وفي وباء\nفأول معاني (من) التبيين ثم التبعيض والتعليل والبدء، هذه رتبها.\nومعنى (من) الابتدائية أن يكون الفعل بدأ من المُسْنَدِ إليه.\nوقوله هنا (منْهُ بَدَا) يعني أنه ابتدأ من الله - ﷿ -، يعني من الله ابتدأ.\nفيعني بـ (مِنْ) أن ابتداءه كان من الله - ﷿ -.\nوهذا دلت عليه آيات كثيرة كقوله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، وكقوله ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وغير ذلك كما سيأتي بيانه.\nقوله (بَدَا) هكذا بلا همز (منْهُ بَدَا) تفسيرها يعني ظهر، (منْهُ بَدَا) يعني كان ابتداء ظهوره وخروجه من الله - ﷿ -.\nويقال فيها أيضا (منْهُ بَدَأَ)، بَدَأَ بالهمز يعني به الابتداء، منه ابتدأ، وأن الله سبحانه هو الذي بدأه، لم يُبْتَدَأْ تنزيله من غير الله - ﷿ -؛ بل نَزَلَ من الله ابتداءً.\nقال (بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلًا) تقدير الكلام أو سياق سبر الكلام؛ المراد منه: منه بدا قولًا بلا كيفية.\nيعني منه بدا؛ لم يبتدئ منه معنًا ولكن بدأ منه قولًا، ظَهَرَ وخَرَجَ القرآن منه قولًا.\nفهو كلامه وقد ظهر وخرج أو ابتدأ منه قولًا.\nففي قوله قولًا إخراجٌ لمن ادعى أنه معنى من المعاني جُعِلَ في نفس جبريل.\nقوله (بلاَ كَيْفِيَّة) يعني بلا كيفية معقولة، وإلا فإنَّ كلام الله - ﷿ - لاشك أنَّ له كيف ولكن الكيف غير معقول.\nفيَصْدُقُ على هذا قول الإمام مالك في الاستواء: إنّ الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول.\n\nقال (وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْيًا)\n(أنْزلَه) يعني الإنزال من الله - ﷿ -.\nوالإنزال في القرآن والسنة جاء على نوعين:\n١ - النوع الأول:\nإنزال مطلق وهذا يكون من الله - ﷿ -، وقد يُذْكَرْ من الله وقد لا تُذْكَرْ فيكون الإنزال المطلق من الله - ﷿ -.\n٢ - النوع الثاني:\nأن يكون إنزالًا مقيدًا؛ يعني أنه يُقَيَّدُ ابتداء الإنزال من شيء مخلوق، ﴿وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ﴾ [ق:٩]، فصار هنا ابتداء الإنزال أو التنزيل من السماء، ونحو ذلك من الآيات التي فيها التنزيل المقيد.\nإذًا قوله (وأنْزلَه على رَسُولِهِ) هذا لأجل أنّ الآيات فيها ذكر التنزيل، والتنزيل مطلق منه - ﷿ -، كقوله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، وكقوله ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢-١٩٥] .\nوفي آية الشعراء هذه قوله (عَلَى قَلْبِكَ) لأنَّ القلب به تتميز المُدْرَكَاتْ المسموعة أو المُدْرَكَاتْ المرئية أو المُدْرَكَاتْ المعقولة، فذِكْر القلب في آية الشعراء لأجل تمييز المُدْرَكَاتْ بأنواعها؛ تمييز المسموعة عن المسموع، وتمييز المرئي عن المرئي، وتمييز المعقول عن المعقول وهكذا.\nوكذلك قوله ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وكذلك قوله ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، والآيات في هذا الباب كثيرة متنوعة.\nقال (وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْيًا) والوحي هنا المقصود به أنَّ الإنزال كان وحيًا.\n(أنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْيًا) أُوحِيَ على محمد ﷺ.\nوالوحي في اللغة -يعني تعريف الوحي في اللغة-: إلقاء الخبر أو العلم في خفاء وسرعة.\nولهذا سُمِّيَت الكتابة وحيًا وسُمِّيَت الإشارة وحيًا، وهكذا، وهذا بحث معروف في اللغة واضح.\nوالوحي من جهة الاصطلاح: اختلفت التعاريف فيه بحسب اصطلاح مذهب القائل.\nولهذا تجد في كثير من كتب التفسير تعريف للوحي لا ينطبق على مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الكلام، وربما نقله من لا يحسن.\nفإذًا لابد من معرفة تعريف الوحي في الاصطلاح - يعني عند أهل السنة والجماعة -.\nفعُرِّف الوحي اصطلاحًا عند أهل السنة والجماعة: هو إِعلامُ النبي بشيء إما بكتاب أو برسول أو بمنام أو بإلهام. وفي كلٍ مِنْ هَذِهِ خلاف لبعض المخالفين.\n\nقال (وَصَدَّقهُ المؤمنون على ذلك حَقًّا)\nيعني آمن به المؤمنون.\n\nقال (وأَيْقَنُوا أنَّه كلامُ الله تعالى بالحقيقة)\nقوله هنا (أَيْقَنُوا أنَّه كلامُ الله تعالى بالحقيقة) استعمل لفظ (بالحقيقة) ردًّا على قول من قال إنه كلام الله تعالى مجازًا كما هو قول المعتزلة وغيرهم.\nهذا من جهة استعمال لفظ الحقيقة بما اسْتُعْمِلَتْ فيه عند أهل هذه البحوث.\n\nقال (ليس بمخلوقٍ ككلام البَرِيَّةِ)\nيعني أنَّ الله سبحانه تكلم بهذا الكلام وهو صفته ليس بمخلوق؛ بل هو وحي منزل،كلام الله - ﷿ - صفته، وأما المخلوق فهو كلام البرية.\nإذا تبينت لك هذه التعاريف سنقف عند هذا، ونرجع إلى تقرير ما اشْتَمَلَتْ عليه.\nهذه الجمل فيها تقرير:\n- أنّ القرآن كلام الله - ﷿ -.\n- وأَنَّهُ منه بدأ.\n- وأَنَّهُ وحي.\n- وأَنَّهُ كلامه حقيقة.\n- وأَنَّهُ ليس بمخلوق.\nوهذه المسائل التي ذُكِرَتْ هي التي قررتها الأدلة في الكتاب والسنة بحيث إنه من نَظَرَ فيها أيقن أَنّ كل قول خلاف هذا القول فهو باطل.\nولبيان ذلك سنقول: الكلام على ما اشتمل عليه كلامه السابق ينتظم في مسائل:\n_________\n(١) انتهى الشريط السابع.\n(٢) البخاري (٧٥٤٤) / مسلم (١٨٨٣) / أبو داود (١٤٧٣) / النسائي (١٠١٧)","vol":"1","page":108},{"text":"[المسألة الأولى]:\nنشأة القول بخلق القرآن أو أنَّ كلام الله مجاز وأشباه ذلك؛ ما منشأ القول بهذه المسألة؟ ولم خالف المخالفون في ذلك؟\nمن المعلوم أنَّ أول من تَكَلَّمَ في هذه المسألة هو الجعد بن دِرْهَمْ وضُحِّيَ به؛ ضَحَّى به خالد القسري، وكان يقول إنَّ الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، كما رواه البخاري في خلق أفعال العباد.\nهذه المسألة تطورت عند الجهمية وعند جهم بخصوصه فَأَصَّلَ لها أصلًا.\nوهو أنه نظر في أصل الدين فوجد أنه مبني على إثبات وجود الله - ﷿ - -وانتبه! معي في سياق ما أذكرباختصار- نظر أنَّ أصل الدين مبني على إثبات وجود الله - ﷿ -.\nوقد ابْتُلِيَ هو بطائفة من منكري وجود الإله ـ، وحَيَّرُوهْ فيما أوردوا عليه من الأسئلة.\nفقالوا له: أقم لنا برهانًا عقليًا على أَنَّ الله - أو على أنَّ هذا الخَلْقَ له رب وله خالق وأنه موجود.\nفتحير ونظر في هذه المسألة، ثم قال لهم: وجدتها.\nفأقام البرهان بما يسمى عند أهله بحلول الأعراض في الأجسام.\nوهو أصل الانحراف في مذهب الجهمية ثم المعتزلة ثم الأشاعرة والماتريدية.\nولهذا السلف يَنْسِبُونَ كل من انحرف في الصفات إلى جهم فيقولون هو جهمي؛ لأنَّه ما انحرف إلا بموافقته لجهم في هذا الأصل الذي أصَّلَهُ وانحرف به عن منهج السلف.\nوهذه المسألة أو هذا البرهان الباطل - هو ليس ببرهان بل هو دليل باطل - قال في تقريره:\nإنَّ الجسم تحُلُّ فيه الأعراض -الجسم هو المتحيز: كتاب متحيز، كرسي متحيز، مبنى متحيز، إلى آخره- الأجسام تحل فيها الأعراض.\nوالأعراض مثل البرودة، الحرارة، مثل الارتفاع، الانخفاض، مثل الطول العرض العمق، مثل الحركة فيه والتحرك إلى آخره، هذه الأشياء مَعْلُومٌ أنها لا توجد بنفسها وإنما وُجِدَتْ بالجسم.\nوالجسم حَلَّتْ فيه هذه الأعراض دون اختياره، فبهذا صار هذا الجسم جسمًا محتاجا إلى العَرَض، لأَنَّ العرض وحده لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بالأجسام.\nوحلول الأعراض بالأجسام دلَّ على أنَّها مخلوقة وعلى أنَّهَا محتاجة لهذه الأشياء التي تميزها عن غيره وتصلح معها للوجود.\nفلهذا صار الجسم قابلًا لحلول الأعراض فيه.\nوصار إذًا الجسم محتاجًا لغيره فصار إذًا مخلوقا مُوجَدًَا.\nإذا تبين هذا، قالوا له هذا دليل صحيح في أنَّ الجسم لم يُوجِدْ نفسه - يعني الجسم المعين، العين المعينة هذه - لم يوجد نفسه وأنه موجود واقتنعوا بهذا البرهان مع أنه في حقيقته غير مقنع وغير مستقيم، فأثبت لهم وجود خالق، وجود رب لهذه الأشياء.\nفلما نظروا في هذا قالوا له: هذا دليل صحيح، فصِفْ لنا ربك.\nكان جهم فَقِيْهًا عنده علم بالكتاب والسنة، ولما سألوه هذا السؤال، نظر في الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة فتحيّر في أنّه لو أثبت هذه الصفات لعادت على هذا الدليل الذي لم يجد غيره في إثبات وجود الله عادت عليه بالإبطال.\nلأنه وَجَدْ في الكتاب والسنة أنَّ من الصفات الاستواء، من الصفات العلو، من الصفات الرحمة، من الصفات الانتقام، من الصفات الإعطاء، من الصفات الغضب، من الصفات الرضا إلى آخره، وهذه كلها معاني لا تقوم بنفسها، وهي تأتي وتذهب يعني من حيث هي.\nفلهذا قال إنه لو قال لهم إنَّ صفات الرحمن - ﷿ - هي التي جاءت في الكتاب والسنة على ظاهرها فإنه يعود إلى أن سيقال له: إذًا فالذي يتصف بهذه الصفات هو محتاج، إذًا هو مثل الجسم فهو جسم كالأجسام.\nفلهذا قال لهم إنَّ الله سبحانه لا صفة له إلا صفة الوجود المطلق.\nوعلى هذا الأصل مشى جهم في نفي الكلام ونفي جميع الصفات، حتى أسماء الرحمن - ﷿ - يفسرها بالآثار المخلوقة.\nجاء بعده المعتزلة فقالوا هذا البرهان صحيح، ولكن ثمّ صفات دلّ عليها العقل لا يمكن أن يكون الرب - ﷿ - موجودًا دون هذه الصفات.\nجاء الأشاعرة وقالوا كلام المعتزلة صحيح لكن الصفات أكثر من الثلاث التي أثبتها المعتزلة فهي سبع وتؤول إلى عشرين عندهم.\nبعد ذلك جاء الماتريدية وقالوا الصفات ثمان، لابد من زيادة على السبع صفة التكوين وهكذا.\nإذًا منشأ الضلال في هذه المسألة هو هذا البرهان الباطل على وجود الله - ﷿ - الذي جعل فيه دليل الأعراض هو الدليل على حدوث الأجسام، ومنه أبطل وصف الله - ﷿ - بصفاته ونفى الكلام.\nولهذا مسألة الكلام هي أعظم المسائل التي بُحِثَ فيها لأنه ورثها جهم من الجعد بن درهم وكانت أصل المسائل التي يفكر فيها من جهة الصفات، فلما أقام برهانه صارت هذه المسألة أو هذه الصفة من أوائل الصفات التي نفاها لأجل إقامة برهانه واستقامته.\nإذا تبين لك ذلك فثَمَّ تعبيرات مختلفة عن منشئ الضلال في هذه المسألة-وكلها حق-:\nفتارة تجد من يقول إنَّ منشأ الضلال هذه المسألة هو أنَّ إثبات صفة الكلام يستلزم التجسيم، وهي راجعة إلى ما ذكرنا.\nومنهم من يقول إنَّ صفة الكلام المضافة إلى الله صفة تشريف يعني إضافة تشريف لا إضافة صفة إلى موصوف.\nوهذان القولان هما اللذان ذكرهما الشارح ابن أبي العز في هذا الموضع - يعني شبهة الذين قالوا إنَّ كلام الله - ﷿ - مخلوق -.","vol":"1","page":109},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنّ الناس اختلفوا في مسألة الكلام هذه إلى أقوال كثيرة يهمك منها عدد -يعني لا نستوعب الأقوال لأنها طويلة وبعضها لا فائدة منه-:\n١ - المذهب الأول:\nقول أهل السنة والجماعة وهو الذي سمعت؛ وهو:\n- أنَّ القرآن كلام الله - ﷿ - سمعه منه جبريل فنزل به على محمد ﷺ فسمعه منه محمد ﷺ وأسمعه الناس وتلاه عليهم.\n- وأنه منه بدأ - ﷿ - وإليه يعود.\n- وأنَّ كلام الله - يُسْمَعْ، وإذا كان جبريل قد سَمِعَهْ ونَزَّلَهْ فإذًا هو صوت، سمعه بصوت وليس معنًا قُذِفَ في داخل جبريل أو أَخَذَهُ من اللوح المحفوظ.\n- وأنَّ كلام الله سبحانه هو كلامه حيث وُجِدْ، وأنه إذا تُليَ فالكلام كلام الباري والصوت صوت القاري، فهو كلامه الموجود في المصاحف، وهو كلامه الموجود الذي يسمع في تلاوة التالي، وهو كلامه الذي يُسْتَدَلُ به إلى آخره، لا يخرج من هذه الحالات عن كونه كلام الله - ﷿ -.\nوهذا هو الذي قُرِّرْ في هذا الموضع من الطحاوية.\n٢ - المذهب الثاني:\nمذهب الجهمية وهو أنَّ الله سبحانه لا يوصف بكلام أصلًا وليس بمتكلم ولا بذي كلام، فيُسْلَبُ عنه هذا الوصف، ويُفَسَّرْ الكلام بمخلوق منفصل يقال له كلام.\nفَخَلَقَ الله هذا القرآن وسمَّاهُ كلامًا له، فيكون كلام الله - ﷿ - خَلْقًَا من خلقه.\n٣ - المذهب الثالث:\nمذهب المعتزلة وهو شبيه بمذهب الجهمية إلا أنهم قالوا إنَّ القرآن مخلوق خَلَقَهُ الله - ﷿ - في نفس جبريل، فعبّر به جبريل أو نَقَلَ جبريل ما خُلِقَ في نفسه، فهو مخلوق في نفس جبريل، وكلام الله - ﷿ - يُخْلَقْ في أحوال مختلفة؛ من جهة كلام موسى خُلِقَ في الشجرة ويُخلق في كذا، ويُخلق في كذا إلى آخر قولهم.\nفإذًا يتفقون على أنه مخلوق مع الجهمية ويجعلون زيادة عليهم أنه مخلوق في موضع يناسبه.\nوهذا منهم فقه أعظم من فقه جهم؛ لأنه حتى لا يُعَارَضْ عليهم بأنَّ القرآن تنزيل وأنه أُنْزِلْ، فقالوا إنه أُنْزِلَ ولكنه خُلِقَ في نفس جبريل أو في رُوع جبريل.\n٤ - المذهب الرابع:\nهو مذهب الكُلاّبية أتباع ابن كلاب؛ بل مذهب ابن كلاب نفسه وأتباعه من الأشاعرة وغيرهم، وهو أنَّ كلام الله - ﷿ - مَعْنَىً واحدًا وكُتُبُ الله تعبير عن هذا المعنى الواحد فتارة يُعَبَّرُ عنه بالعربية فيسمى قرآن وتارة يُعَبَّرُ عنه بالسريانية فيسمى إنجيل وتارة يُعَبَّرُ عنه بالعبرانية فيسمى توراة، وهكذا.\nفإذًا هو معنى وليس ثَمَّ صوت يُسْمَعْ ولا كلام حقيقة، ولكنه معنىً قائم بنفس الرب - ﷿ - ألقاه في روع جبريل فنزل به جبريل، عَبَّرَ عنه جبريل بهذه التعبيرات المختلفة.\n٥ - المذهب الخامس:\nهو مذهب الفلاسفة وطائفة من الصوفية، وهو أنّ كلام الله - ﷿ - هو ما يُفاضْ أو ما يُفِيضُهُ على النفوس من المعاني الخيّرة، معاني الحكمة، وهذه الإفاضة قد تكون مباشرة منه إلى العقل الفَعَّالْ -عندهم-، والعقل الفَعَّالْ يفيضه على النفوس حسب استعداداتها، وقد تكون هذه الإفاضة منه - ﷿ - مباشرة على قلب الرجل، كقول طائفة من الصوفية، وقد تكون هذه الإفاضة في وقائع مختلفة.\nالمقصود من هذا تقريب للمذاهب المشهورة في هذه المسألة، وإلا فثَمَّ مذاهب أخرى لهذه المسألة، وكما ذكرت لك فإن هذه المسألة من كُبْرَياتْ المسائل التي تكلم فيها الناس.","vol":"1","page":110},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأدلة أهل السنة والجماعة على قولهم وردّ استدلال المخالفين، بل أولًا أدلة أهل السنة والجماعة على قولهم.\nفكما سمعت المسألة فيها أشياء:\n- ففيها أنَّ القرآن كلام الله وهذه أدلتها كثيرة معلومة لكم، ومنها قوله - ﷿ - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] .\nوقوله (منْهُ بَدَا ... قَوْلًا) هذا دليله قوله - ﷿ - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، وقوله - ﷿ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١-٤٢]، قال ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ ثم وَصَفَهْ، ثم قال ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .\n* ولهذا حَرْفْ (مِنْ) هذا من الأحرف المهمة في تقرير العقائد السلفية، فينبغي لطالب العلم أن يعتني به في كتب النحو وكتب المعاني؛ لأنه يفيد فيما ذكرنا في مواضع كثيرة، يفيد في هذا الموضع وفي غيره من المواضع.\nقال (بلاَ كَيْفِيَّة) يعني أَنَّ الكيف غير معقول، وهذا يدل عليه قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\n(وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْيًا) يعني أنّ القرآن وحي وهذا أمر ظاهر متواتر معروف للجميع.\nقال (وأَيْقَنُوا أنَّه كلامُ الله تعالى بالحقيقة) هذه الكلمة دليلها قوله - ﷿ - ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فتكليم موسى أُكِّد بالمصدر فقال (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) قال علماء العربية إنَّ تأكيد الفعل بالمصدر يدل على إرادة حقيقته وألا يراد به غير الظاهر والحقيقة.\nهذا القول من باب التنزل معهم بحسب لغتهم، وإلا فإنَّ استعمال الحقيقة والمجاز في هذا الموضع لا يصلح تأسيسًا، وإنما إذا كان في الرد على المخالفين فلا بأس به من باب حدثوا الناس بما يعرفون.\nقارِن بين هذه الآية وبين قوله ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فإذًا كلام الله - ﷿ - الذي تكلم به هو حقيقة جَمْعًَا بين الآيتين آية براءة وآية سورة النساء.","vol":"1","page":111},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nأقوال أهل البدع نخصّ منها قول المعتزلة وقول الأشاعرة، أما الأقوال الأُخَرْ الجهمية والفلاسفة هذه نطويها.\n١ - قول المعتزلة مشهور وهو أنَّ القرآن مخلوق:\nاستدلوا بدليل عقلي -كما ذكرنا-، وهو أنه لو أُثْبِتَ الكلام وأن الكلام يُسْمَعْ فمعنى ذلك أنَّ الرب - ﷿ - جسم؛ لأنَّ الكلام لا يصدر إلا بِتَغَيُّر وهذا التغير إذا حلّ في شيء فإنه يدل على أنه جسم، على الذي ذكرنا لك من قولهم.\nوهذا القول يدلهم على أنَّ الرب - ﷿ - يجب أن يُنَزَّهَ على جميع المظاهر الجسمية بأنواعها لأنَّ وصفه - ﷿ - بأنه جسم كفر.\nوهذا القول يُرَدُّ عليه من جهتين:\n@ الرد الأول:\nأنَّ ذِكْرْ صفة الكلام لله - ﷿ - وارتباط الجسمية بها، هذا ليس بصحيح؛ وذلك أنّ المقدمة التي بُنِيَ عليها هذا القول هي البرهان بما سموه حلول الأعراض في الأجسام.\nوهذا البرهان لم يدل عليه القرآن ولا السنة؛ بل دلّ القرآن والسنة على بطلانه، وذلك من جهة أنَّ الجسم موجود بأعراضه، وأنه إذا كان العَرَضُ يحِلُّ في الجسم فدل على أنَّ الجسم غَيْرُ مُخْتَارْ لحلوله.\nلاحظ معي، إذا كان الجسم يحل فيه العرض، والجسم لم يختر حُلُولْ العَرَضِ فيه فَدَلَّ على أنه محتاج، لا ينطبق على الصورة التي فيها الكلام.\nلأنّ من قال إنّ القرآن كلام الله تكلّم به، فلو قيل إنه عرض فيقال اتصافه به كان بمشيئته وقدرته واختياره ـ، فخالف من هذه الجهة البرهان.\nفدل:\n- أولًا: على أنَّ البرهان في نفسه غير صحيح على هذه المسألة - يعني تطبيق البرهان غير صحيح في مسألة الكلام-.\n- ثانيًا: دَلَّ على أنهم حينما أصّلوا البرهان لم يطبقوه على وجه الصواب في الصفات فجعلوا الجِسْمِيَّةَ والعَرَضِيَّة متلازمة دائما مع الحاجة، وهذا فيه نظر كما ذكرت لك.\n@ الرد الثاني:\nأنَّ النصوص دَلَّت على أَنَّ القرآن كلام الله - ﷿ -، وعلى أَنَّ الله يتكلم، وعلى أَنَّ هذا أُكِّدَّ بمؤكدات، ومجموع هذه النصوص، إذا أريد تأويلها فإنه:\n- أولًا: لا يستقيم في كل المواضع.\n- ثانيًا: أنه يلزم منه نفي الصفات التي وصف بها المعتزلة رب العالمين.\n* أما الأول: فلا يستقيم في كل موضع، فمثل ما قالوا في قوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، قالوا إنَّ معناه ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ بأنّ معنى كلم الله موسى يعني أنه سَمِعَ كلامه المخلوق في الشجرة، وهذا السماع أُكِّدَّ في حق موسى لأنه سمع كلامًا تكليمًا.\nيعني أنَّ التكليم ليس تأكيدًا للفعل الذي بدا من الله - ﷿ - ولكنه لإحساس موسى بما سمع، وقال بعض الناس في هذا ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ يعني جَرَّحَهُ بأظافير الحكمة تجريحا، أخذوه من كَلَّمَ يعني جَرَّحَ.\nوقد جاء بعض المعتزلة إلى أبي عمر بن العلاء -وهو أحد القُرَّاء الذين جعلوا قراءتهم معتمدة على النحو- فقال له في هذا الموطن: اقرأ (وَكَلَّمَ اللهَ مُوسَى تَكْلِيمًا)\nقال: هبني قرأت ذلك فما تصنع بقوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وما تصنع بقوله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] .\nوهذا يدل كما ذكرنا لك على أنه لا يستقيم مع الآيات الأخر.\n٢ - قول الأشاعرة:\nوهذا هو أخطر الأقوال لأنَّ قول المعتزلة جمهور الأمة يقول بخلافه يعني جمهور المنتسبين للقبلة يقولون بخلافه في زماننا هذا، ما فيه من يقول بقول المعتزلة إلا ثلاث طوائف:\nالرافضة والإباضية أو الخوارج والزيدية.\nقول الأشاعرة ذكرنا لكم أنَّ كلام الله معنىً وأنَّ القرآن أُلْقِيَ في نفس جبريل فَعَبَّرَ عنه.\nوهذا القول منهم لا شك أنه أخص من قول المعتزلة.\nولذلك تجد أنَّ الأشاعرة هم الذين أخذوا زمام الرد على المعتزلة في خلق القرآن في القرون المتوالية بعد زمن السلف كالإمام أحمد والبخاري والأئمة هؤلاء تولوا الرد وعثمان بن سعيد وغيره ومن صنف.\nلكن من رد على المعتزلة بردود عقلية وتوسّع في ذلك هم الأشاعرة وبينهم وبينهم مناظرات.\nولأجل خلاف المعتزلة والأشاعرة في هذه المسألة كان أهل الحديث والأشاعرة في أول الأمر متفقين غير مختلفين حتى حدثت فتنة ابن القُشَيْرِيْ المعروفة في أواخر القرن الخامس، فصارت المنابذة العظيمة ما بين الأشاعرة وأهل السنة.\nفكان الأشاعرة لا يعلنون مذاهبهم في كل المسائل على التفصيل حتى حدثت الفتنة.\nالمقصود من هذا أنَّ الأشاعرة ردوا على المعتزلة في خلق القرآن.\nوأَصْلُ مذهب ابن كُلَّابْ في هذه المسألة أنه توسط ما بين قول أهل الحديث -لأنه خالط أهل الحديث- وما بين قول المعتزلة فأتى بهذا الشيء الذي هو: أَنَّ القرآن معنى لأنَّ الذي من أجله قيل إنَّ القرآن مخلوق هو أنَّ كلام الله - ﷿ - أصوات وحروف وأنه يُسْمَعْ.","vol":"1","page":112},{"text":"فقال: ننفي هذه ونبقي كلام الله - ﷿ - غير مخلوق وأنه على حقيقته؛ ولكن نقول هو معنى دون لفظ، دون سماع.\nإذا تبين ذلك فنأخذ من هذا تفصيل وهو: أنَّ دِلالة الكلام في اللغة على اللفظ والمعنى فيها مذاهب:\n١ - مذهب أهل السنة والجماعة وأهل الحديث والأثر:\nأنَّ الكلام والقول إذا أُطلق، يعني إذا قيل الكلام كلام فلان،قول فلان،قول الله - ﷿ - فإنه يراد به شيئان معًا دون تَفْرِيقً بين والواحد والآخر؛ يراد به اللفظ والمعنى جميعًا.\n٢ - مذهب المعتزلة:\nوهو أنَّ الكلام هو في المعنى وفي اللفظ مجاز.\n٣ - مذهب الكلابية:\nوهو أنَّ الكلام للمعاني ولكن الحديث إخْرَاجُهُ هذا دليلٌ عنه.\nواستدلوا على هذا بقول الأخطل في الشعر المشهور المعروف عندهم في الاستدلال:\nإن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا\nوالكلام على هذا البيت ورد الإحتجاج به إلى آخره مرّ معنا في الواسطية فنحيلكم عليها؛ لأنه معروف مشهور كررناه أكثر من مرة.\nنرجع على أصل المسألة وهو أنَّ الكلابية والأشاعرة قالوا إنَّ الكلام معنى.\nكلام الله - ﷿ - معنى، ألقاه في روع جبريل.\nوهذا لأجل أنهم أصَّلُوا تأصيلات، ومنها أنَّ الكلام لا يدل على الإخراج وإنما يدل على ما قام في النفس، كما استدلوا بهذا البيت.\nلهذا ذكرت لكم في أول الكلام تعريف كَلَّمَ وكَلَمَ وهذه المادة واشتقاقها ليبطل معه قول من قال إنَّ الكلام معنى، فإنَّ اللغة دَلَّت على أَنَّ الكلام لابد أن يكون لفظًا ومعنى.\nوحتى كلمة لفظ تدل على شيء ملفوظ مفرد.\nوما أحسن قول المعري وإن كان ليس مجال احتجاج قال:\nمن الناس من لفظه لؤلؤٌ يُبَادِرُهُ اللَّقْطُ إذ يُلْفَظُ\nوبعضهم قوله كالحصى يقال فيُلْغَى ولا يُحْفَظُ\nيعني (من الناس من لفظه لؤلؤ) اللفظ لابد أن يُلْفَظْ، يُخْرَجْ، فكيف يكون الكلام والقول في الداخل دون الخارج؟\nوكيف يكون المعنى يُدَلْ عليه في الإنسان بلا لفظ؟\nوإذا كان ثَمَّ لفظ فإذًا ثَمَّ معنى، واللفظ لابد أن يُلْفَظْ ويُخْرَجْ.\nفدل ذلك على أَنَّ قولهم بأَنَّ الكلام معنىً وأَنَّ هذا هو الأصل فيه، هذا لاشك أنه مُعَارَضٌ باللغة في تأصيلاتها أو اشتقاقاتها وأيضا مُعَارَضٌ بالنصوص التي سقنا لك بعضا منها.\nالكلابية ورثهم أبو الحسن الأشعري والماتُرِيدي في الكلام في هذه المسألة:\n- تارة يعبرون عنه بقولهم الكلام صفة نفسية.\n- وتارة يعبرون عنه بأن كلام الله - ﷿ - قديم؛ يعني قبل أن يخلق الخلق، قبل أن يوجد شيء، تَكَلَّمَ بكلام قديم وانتهى.\n- تارة يعبرون عنه بأنه معنى قائم بالنفس.\n- وتارة يعبرون عنه بأنه عبارة، يعني القرآن عبارة عن كلام الله؛ يعني عُبِّر به عن كلام الله.\nإذا تبين لك ذلك، فحاصل معتقد هذه الطوائف -الكلابية الأشاعرة والماتريدية- أنّ القرآن قديم كلام الله - ﷿ - قديم.\nيعني تَكَلَّمَ الله - ﷿ - به في الأزل ثم لما أراد إنزاله على محمد ﷺ قام ما تكلم به في الأزل به معنى فألقاه في رُوعِ جبريل فنزل به جبريل وعبّر عنه، وإلاّ فكلام الله عندهم ليس بالعربية وليس بالسريانية وليس إلى آخره لتنزهه عندهم اللغات.\nإذا تبين ذلك، فمن أحسن الردود عليهم ما استشكله الآمدي.\nوالآمدي من حذاق الأشاعرة المعروفين ومن الأذكياء.\nقال: إني نظرت في هذا القول وهو أنَّ كلام الله قديم، وأنَّ القرآن قديم، وأنه حين أوحي إلى محمد ﷺ إنما أُوحِيَ بالعبارة وبما أُلْقِيَ في نفس جبريل، فأشكل علي أنَّ القرآن فيه آيات كثيرة فيها التعبير عنه بلفظ الماضي ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]، وهل كان ثَمَّ مُجَادِلَة؟ وهل كان ثم زوج؟ وهل كان ثَمَّ صوت حتى يسمع الله؟\nقال ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ﴾ فإذا كان الله - ﷿ - قال هذا القول في الأزل ولا زوجة ولا مُجَادِلَة ولا قول، فما الذي سمع؟\nفيلزم منه أنَّ قوله ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ وكل أفعال الماضي في القرآن أنها غير مطابقة للواقع، وهذا هو الكذب.\nوهذا لاشك أنه ردٌ منطقيٌ جميل لأنه يلزمهم على أصولهم ولا فرار لهم منه.\nإذا تبين لك ذلك، فنقول خلاصة الرد على هذه الطوائف يكمن في أشياء:\n@ الرد الأول:\nالاستدلال باللغة في معنى كَلَّمَ في معنى الوحي، هذا واحد.\n@ الرد الثاني:\nالاستدلال بالنصوص من القرآن والسنة التي فيها الإضافة، والقاعدة الفرق ما بين إضافة المخلوقات وإضافة المعاني.\n@ الرد الثالث:\nأنه يُرَدْ ما استدلوا به من أنواع الأدلة مثل ما أَصَّلُوهُ في أَنَّ الكلام يدل على المعنى فقط في اللغة، وأنّ الوحي يكون بالمعنى والإلقاء في الروع، وغير ذلك من الاستدلالات، مثل قولهم يلزم التشبيه يلزم التجسيم إلى آخره.\n@ الرد الرابع:\nبقول الآمدي في التفريق ما بين الماضي والحاضر.","vol":"1","page":113},{"text":"أطلنا عليكم، والكلام يطول لأنَّ هذه المسألة فيها طول يعني، وأكثر المسائل وأعظم المسائل بحثًا وتفصيلات هي هذه.\nعلى العموم نقف عند هذا؛ لأنَّ الوقت تأخر، ونكمل إن شاء الله تعالى المسائل في الدرس القادم.\nالحقيقة دائمًا إذا أوضحت أو أردنا مثل هذا، الواحد يتألم من جهة، وهو أنَّ مثل هذا الكلام لا ينبغي أن يُقَرَّرْ مثل مذاهب الفرق وأقوال الأقوام؛ لكن لابد منه لأنه مع الأسف مجتمعات المسلمين وبلادنا بخاصة وكل من سيصلهم هذا الكلام عن طريق الأشرطة، المجتمعات اختلطت، فصار فيها من أتباع الفرق جميعًا ولا يحسن أن يبقى طالب العلم السني السلفي عَرِيًَّا عن قوة الحجة وقوة الدليل وعن فهم كلام الناس في ذلك؛ لأنه قد يقال إنكم لا تفهمون تقلدون إلى آخره،فإذا فهم المسائل وضبطها واستطاع أن يرد على أولئك فقد نصر الحق، إضافة على أنَّ كتب التفسير المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة أكثر من كتب التفسير السلفية، فأكثر كتب التفسير والحديث وإلى آخره شروح الحديث يعني، وكتب الأصول كلها على منهج الأقوام؛ لا تجد كتابا في الأصول من الكتب المتقدمة إلا ما شذّ أثبت مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الكلام، حتى كتب الحنابلة تجد فيها ضلال في هذه المسألة؛ لأنهم وافقوا الأقوام في أن القرآن عبارة أو معنى ونحو ذلك.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>الأسئلة:</span>\nس١/ هذا يسأل عن أدلة المعتزلة عن مرادهم؟\nج/ أدلة المعتزلة كثيرة، مما استدلوا به أنَّ الله - ﷿ - قال ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، ونحو ذلك فذكر الجَعْلْ، والجَعْلْ قالوا هو بمعنى الخلق ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد:٣]، يعني خلق، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، يعني خلق وهكذا، والجواب على كلامهم معروف وهو أنَّ الجعل في اللغة إذا تعدى إلى مفعول واحد صار بمعنى خلق، وإذا تعدى إلى مفعولين صار بمعنى صيّر (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) يعني صيّرناه قرآنا عربيا يعني غير خلقناه، والآيات على هذا كثيرة وهذا من أضعف حججهم لأنها منقوضة باللغة.\nس٢/ ما رأيكم فيمن قاس الكلام على الاستواء؟\nج/ ذكرت لكم في إشارة أو ربما إني ما ذكرتها؛ لكن منهج السلف في الكلام أنَّ الكلام قديم النوع حادث الآحاد؛ يعني أصل صفة الكلام لم يزل الله - متصفا بها ﷾، واتصافه بالكلام أول ـ، اتصافه بالكلام أزلي، ولذلك يقولون كلام الله - ﷿ - قديم النوع حادث الآحاد.\nوكلامه نوعان - ﷿ -:\nكلام كوني قدري: وهذا الذي به تكون الأشياء ويتصرف - في ملكه وهو الذي جاءت فيه الاستعاذة: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. وفي مثل قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، ونحو ذلك من الآيات هذه الكلمات الكونية القدرية.\nوالنوع الثاني من كلام الله - ﷿ - الكلام الشرعي الديني وهو الذي تَعَبَّدَ الناس - ﷿ - أن يعملوا به في العمليات وأن يصدقوا بأخباره.\nطبعًا هذا منهج الأشاعرة يقولون هذا قديم؛ كله قديم.\nس٣/ هل القرآن الكريم حروفه ومعانيه مكتوب في اللوح المحفوظ؟\nج/ نعم، كما قال سبحانه ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢]، وقال - ﷿ - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٥-٧٨] الله - ﷿ - جَعَلَ القرآن في اللوح المحفوظ مكتوبًا قبل أن يتكلم به فما في اللوح المحفوظ هذه مرتبة الكتابة، مرتبة الكتابة لا علاقة لها بالكلام كما أنَّه سبحانه جعل في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء وفيه ثَمَّ تقدير سنوي وتقدير عمري وتقدير يومي إلى آخره، فكذلك جعل الله - ﷿ - كلامه الذي هو القرآن، جعله في اللوح المحفوظ تكرمَةً له ويصان، يعني مجموعًا كاملًا، ثم هو - ﷿ - تكلم به فسمعه منه جبريل.\nولهذا نقول إنَّ ترتيب الآيات في السور توقيفي، وكذلك ترتيب السور توقيفي، ما يجوز أن نقول الترتيب اجتهادي، لأنه هكذا أنزل على النبي ﷺ وجاءت به العرضة الأخيرة الموافقة لما في اللوح المحفوظ والنبي ﷺ كان يقرأ في أول الأمر البقرة ثم النساء ثم آل عمران كما جاء في حديث حذيفة وغيره، فهذا في الأمر الأول، ثم لما كَمُلَ القرآن وتمت آياته وعُرِضَ على النبي ﷺ، عَرَضَه النبي ﷺ على جبريل في العرضة الأخيرة على هذا الترتيب والصحابة كتبوه على ما سمعوا منه ﷺ.\nولهذا كانت إذا جاءت آية قال ﷺ (اجعلوها بعد آية كذا وقبل آية كذا) كما هو معروف.\nس٤/ هل نزل القرآن من الله إلى جبريل منطوقًا أو مكتوبًا؟\nج/ لا، منطوقًا يعني مسموعًا سمعه جبريل، أما المكتوب فلا علاقة لجبريل ﵇ به، هذا من أقوال الأشاعرة أنهم قالوا إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ، وقاله السيوطي وغيره، وهذا باطل لأن الكتابة لا علاقة لجبريل بها، جبريل سمع فأدى.\nس٥/ من سأل النبي ﷺ أن يدعو له وأن يطلب له المغفرة من الله بعد موته، هل هذا شرك؟","vol":"1","page":115},{"text":"ج/ الجواب نعم، هو شرك اكبر لأن النبي ﷺ لا يُدعى بعد موته، فطلب الدعاء من الميت، وطلب الدعاء بالإغاثة أو الاستسقاء؛ يعني أن يدعو الله أن يغيث، أو أن يدعو الله أن يغفر، أن يدعو الله أن يعطي ونحو ذلك، هذا كله داخل في لفظ الدعاء والله - ﷿ - قال ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، والذي يقول إنّ هذه الصورة وهي طلب الدعاء تخرج عن الطلب الذي به يكون الشرك شركا فإنه ينقض أصل التوحيد كله في هذا الباب، فكل أنواع الطلب؛ طلب الدعاء يعني طلب الدعاء من الميت، طلب المغفرة من الميت، أو طلب الدعاء من الميت أن يدعو الله أن يغفر، أو طلب الإغاثة من الميت أو طلب الإعانة أو نحو ذلك كلها باب واحد هي طلب، والطلب دعاء فداخلة في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]، وفي قوله ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وفي قوله ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣]، ونحو ذلك من الآيات، فالتفريق مضاد للدليل، ومن فهم من كلام بعض أئمتنا التفريق أو أن هذا طلب الدعاء من الميت أنه بدعة لا يعني أنه ليس بشرك بل هو بدعة شركية؛ يعني ما كان أهل الجاهلية يفعلونه، وإنما كانوا يتقربون ليدعوا لهم، لكن أن يُطْلَبَ من الميت الدعاء هذا بدعة ما كانت أصلا موجودة لا عند الجاهليين ولا عند المسلمين فحدثت فهي بدعة ولاشك، ولكنها بدعة شركية كفرية وهي معنى الشفاعة، إيش معنى الشفاعة التي من طلبها من غير الله فقد أشرك؟\nالشفاعة طلب الدعاء، طلب الدعاء من الميت هو الشفاعة.\nنكتفي بهذا القدر نلتقي إن شاء الله، وفقكم الله لما يحب ويرضى وصلى الله وسلم على نبينا محمد. (١)\n_________\n(١) انتهى الشريط الثامن.","vol":"1","page":116},{"text":": [[الشريط التاسع]]:\n\nالأسئلة:\nس١/ قال: ما حكم سب الدهر؟\nج/ سب الدهر محرم؛ لأنه إيذاء لله - ﷿ -، كما قال - ﷿ - في الحديث القدسي (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) (١)، فسب الدهر بمعنى أن يَتَنَقَّصَهَ أو أن يَنْسُبَ إليه الأفعال القبيحة وأشباه ذلك، هذا في الواقع لا يتوجه إلى الدهر؛ لأنَّ الله يُقَلَّب الدهر، الدهر ليس يفعل شيئا، وإنما يتوجه إلى من جعل الدهر على هذه المثابة، ومن جعل الدهر بهذه الصفة وهو الله - ﷿ -، لهذا قال (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار)، فمسبة الدهر حرام وإيذاء لله - ﷿ -.\nوقوله - ﷿ - في الحديث القدسي (وأنا الدهر) لا يُفهم منه أنَّ الدهر من أسماء الله - ﷿ -؛ بل يعني أنَّ الذي سب الدهر وقعت مسبته على الله - ﷿ -؛ لأنَّ الله - هو الذي يُصرِّف الدهر كيف يشاء.\nإذا تبين ذلك وقد ذكرنا مرارا أنّ وصف الدهر بأوصاف مما يقع فيه من الأوصاف المشينة ليست مسبّة للدهر، فقول القائل هذا يوم أسود أو هذا الشهر شهر نحس أو نحو ذلك، فإن هذا ليس بمسبة للدهر لأن هذا وصف لما يقع في الدهر لما يقع في اليوم أو لما وقع فيه، لما يقع في الشهر أو لما وقع فيه، وهذا كما قال - ﷿ - ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر:١٩]، وقال سبحانه ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت:١٦] فوصف الله - ﷿ - الأيام التي عذب بها الكفرة أنها أيام نحيسة، فمثل هذا ليس بسب للدهر؛ لأنه وصف لما وقع فيه بالإضافة إلى المخلوق.\nس٢/ قال: هل يدخل في سب الدهر قول القائل الدهر باطل والزمان غدار ونحو ذلك؟\nج/ الجواب: نعم لأنَّ هذا من التنقص، وهذا من سب الدهر؛ لأنَّ الدهر لا يبغي على أحد ولكن الذي دَبَّرَ الدهر وقَدَّرَ فيه ما قَدَّرَ هو الله - ﷿ -.\nس٣/ هل آية الرجم المعروفة تعتبر من كلام الله، غير أنها منسوخة ولا يجوز التعبد بتلاوتها؟\nج/ الجواب: نعم، كل آية نزلت على النبي ﷺ فهي من كلام الله - ﷿ -، سواء أكانت باقية أم كانت منسوخة، كما قال - ﷿ - ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، وفي القراءة الأخرى ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فالآية التي نُسِخَتْ قرآن ولكن نُسِخَتْ تلاوتها والتعبد بذلك، وحكمها منسوخ، وهذا إذا كانت منسوخة، وأما إذا لم تكن الآية منسوخة فإنه قد تُترك آية بغير النسخ كما قال ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ .\nس٤/ يستخدم بعض الكُتاَّب ألفاظ منسوبة إلى القرآن كقولهم: (قال القرآن)، أو (تحدث القرآن)، (فَنَّدَ القرآن هذه الشبهة)، هل يصح الحكم عليها بأنها متفرعة عن القول بخلق القرآن؟\nج/ الجواب: لا؛ لأنّ هذه الكلمات جرت على ألسنة كثير من أئمة أهل العلم السابقين، يقولون قال القرآن، ورد القرآن ونحو ذلك، فينسبون الفعل إلى القرآن، ومعلوم أنَّ القرآن كلام الله - ﷿ -، ففي الحقيقة القائل هو الله - ﷿ -، كأنهم قالوا قال الله في القرآن، تحدث الله في القرآن، وردّ الله في القرآن، وأشباه ذلك.\nس٥/ كان من الردود على المعتزلة في الدرس الماضي أنهم إذا أرادوا تأويل صفة الكلام فإنه يترتب عليه نفي الصفات التي أثبتها المعتزلة، مع أنه قد تقرر في كثير من الدروس أنَّ المعتزلة لا يثبتون أي صفة من الصفات، فما الجواب؟\nج/ الجواب: أنَّ الذي قَرَّرْنَاهُ وهو المعروف أنَّ المعتزلة يثبتون ثلاثة صفات، وأنَّ الذين لا يثبتون إلا صفة الوجود المطلق بشرط الإطلاق هم الجهمية.\nوكل من أثبت صفة من الصفات ونفى الباقي فإنه يُطْعَنْ بإثباته على ما نفاه.\nمثلا يقال لمن أثبت صفة الوجود قالوا إنَّ الله - ﷿ - ليس له إلا صفة الوجود فقط؛ الوجود المطلق، يقال له: لم نفيتَ غيرها من الصفات؟ لم نفيت صفة العلم؟ لم نفيت صفة الكلام؟ لم نفيت صفة المحبة؟ بل سيقول: إنَّ هذه الصفات تستلزم المشابهة التمثيل أو التشبيه، فيقال: لم؟ فيقول: لأن المخلوق يتكلم، فكيف نقول إنَّ الله يتكلم والمخلوق يتكلم، معناه فيه تشبيه. يقول: إنَّ الله يحب والمخلوق يحب معناه أنَّ هذا فيه تشبيه. فكذلك يقال: الصفة التي أثبتها وهي الوجود أيضا مشتركة، فالمخلوق موجود وتقول الله - ﷿ - موجود.\nالمعتزلة يثبتون القدرة لله - ﷿ -، والمخلوق عنده قدرة، فما الفرق ما بين ما أثبت وما بين ما نفى؟\n_________\n(١) البخاري (٤٨٢٦) / مسلم (٦٠٠٠) / أبو داود (٥٢٧٤)","vol":"1","page":117},{"text":"الوجود أيضا مشترك فيه التشبيه، إذا قلنا إنَّ وجود الصفة من حيث هي في المخلوق وفي الله - ﷿ - أنَّ هذا تشبيه فإذًا الوجود فيه تشبيه، فالله - ﷿ - موجود والبشر موجودون، إذًا ثَمَّ تشبيه، فالصفة التي أثبتها فيها تشبيه وهو يريد أن ينفي التشبيه أن ينفي الصفات الأخرى لأجل التشبيه.\nكذلك نأتي للأشاعرة نقول أنتم أثبتم سبع صفات السمع والبصر والعلم والكلام والإرادة إلى آخره، فنقول لم أوَّلتم صفة الوجه؟ لم أوَّلتم صفة اليدين؟ لم أوّلتم صفة الغضب، صفة الرضا، صفة المحبة، صفة الرحمة، إلى غير ذلك، يقولون؛ لأنّ هذه تستلزم التشبيه، فنقول: كذلك صفة السمع تستلزم التشبيه، كذلك صفة البصر تستلزم التشبيه، كذلك صفة الإرادة؛ الله - ﷿ - يريد والإنسان يريد، لماذا نقول إن هذا فيه تشبيه؟ يجيب الجميع منهم على اختلاف فرقهم بأن إرادة الله - ﷿ - مختلفة عن إرادة المخلوق، بأن قدرة الله - ﷿ - مختلفة عن قدرة المخلوق.\nنقول إذًا نقول في باقي الصفات مثل هذا الأصل فكلام الله - ﷿ - يختلف عن كلام المخلوق ورحمة الله تختلف عن رحمة المخلوق فإثبات الصفات إثبات وجود؛ إثبات لفظ ومعنى لا إثبات كيفية، فلا اشتراك في الكيفية، الله - ﷿ - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فكما أنه سبحانه له سمع يليق بجلاله وعظمته فكذلك له بصر يليق بجلاله وعظمته، له كلام يليق بجلاله وعظمته، وسمع الإنسان وبصر الإنسان وكلام الإنسان هذا يليق بحال الإنسان.\nفإذًا الاشتراك في أصل الصفة، أما الكيفية وتمام المعنى فهذه لا اشتراك فيها.\nفإذًا كل مؤول للصفات من الفِرَقْ يلزمه التناقض، كل من أول يلزمه التناقض؛ بل سيما أهل البدع دائمًا في التناقض؛ لأنه يتناقض، ولو أعملوا القاعدة أننا نسلم للقرآن والسنة وما قاله السلف والصالح لما صار التناقض في أبواب الاعتقاد أبدا، ولكنهم تارة يثبتون وتارة يتأولون بعقولهم لأنهم خلطوا قولا سنيا وآخر عقليا.\nس٦/ هل معنى قول من قال إن! َ القرآن مخلوق أنه مثل أعضائنا وغير ذلك من المخلوقات؟\nج/ الجواب: لا، يقولون القرآن مخلوق؛ يعني أنّ الله سبحانه خَلَقَ هذا الكلام وسماه قرآن، أو أنّ الله - ﷿ - خلقه في نفس جبريل فعبر جبريل بذلك، ليس أن! َ ثَمَّ شيء مخلوق يعني له صفته ويُمَسْ ويُحَسْ مثل الأعضاء، لا، خَلَقَ هذا الشيء يعني أنه ليس صفة،له خلقه في نفس جبريل وعبر جبريل عما وجده في نفسه.\nس٧/ كيف نوفق بين كون الله تكلم بالقرآن وأنَّ القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ؟\nج/ الجواب: أنَّ مرتبة الكتابة أو جهة الكتابة للقرآن غير جهة الكلام، فالله - ﷿ - يعلم ما سينزله على رسوله ﷺ ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، فالله سبحانه يعلم أنَّ هذا القرآن -هذا الكلام- سينزله على عبده محمد ﷺ، فَجَعَلَ هذا الذي سينزله مكتوبًا في القرآن تشريفًا له وتعظيمًا لمكانة هذا القرآن ولأنه حجة الله الباقية إلى قيام الساعة، أما التكلم فكلام الله - ﷿ - بالقرآن إنما هو حين أراد أن يبعث محمدا ﷺ، أو حين أراد أن ينبهه.\nأما نزول القرآن جملة إلى السماء الدنيا فهذا أيضا عند من قال به نزول مكتوب لا نزول مسموع.","vol":"1","page":118},{"text":"فمن سمِعَهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كلامُ البشرِ، فَقَدْ كَفَرَ، وقد ذمَّهُ الله وعابَهُ وأوعَدهُ بسَقَر، حيث قال تعالى ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، فَلَمَّا أَوْعَدَ اللهُ بِسَقَرٍ لمنْ قال ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر، وَمَنْ وَصَفَ الله بِمعنَى مِنْ مَعاني البشر، فقدْ كَفَر، فمن أبْصَرَ هذا اعْتَبر، وعَنْ مِثْلِ قول الكفَّارِ انْزَجَر، وعَلِمَ أنَّه بصفاته ليسَ كالبشر\n_________\nقد مضى الكلام في الدرس الماضي عن كلام الله - ﷿ -، وعلى أنَّ القرآن كلام الحق ـ، وعلى أنّ القرآن كلام الله - ﷿ - بحروفه ومعانيه، وأنّ الله سبحانه تكلم به، فمنه بدأ وسمعه منه جبريل ﵇، فبلغه إلى النبي ﷺ.\nوتقدم لنا إبطالَ قول من قال إنَّ القرآن مخلوق، أو أنَّ القرآن عبارة عن كلام الله، أو من قال إنَّ كلام الله - ﷿ - نفسي وكلام الله - ﷿ - قديم، ونحو ذلك من أقوال أهل البدع والضلالات؛ من أقوال المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة وغلاة الصوفية، وتقدم لنا ذلك مختصرا في أوجه الرد على أولئك.\nوفي مسألة الكلام النفسي ذكرنا بعض الأوجه، وسبق أن تقدم لنا في شرح الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية سبق ردود مزيدة على ما ذكرنا، وقد ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية على من قال بالكلام النفسي في تسعين وجها، في رسالة مطبوعة سميت (بالتسعينية)؛ لأنها اشتملت على تسعين وجها تردّ قول من قال إن كلام الله - ﷿ - نفسي؛ يعني أنه لم يتكلم بصوت يُسمع وإنما ألقى ما أراده في رُوعِ جبريل.\nقال الطحاوي ﵀ (فمن سمِعَهُ-يعني القرآن- فَزَعَمَ أَنَّهُ كلامُ البشرِ، فَقَدْ كَفَرَ، وقد ذمَّهُ الله وعابَهُ وأوعَدهُ بسَقَر، حيث قال تعالى ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، فَلَمَّا أَوْعَدَ اللهُ بِسَقَرٍ لمنْ قال ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر، وَمَنْ وَصَفَ الله بِمعنَى مِنْ مَعاني البشر، فقدْ كَفَر، فمن أبْصَرَ هذا اعْتَبر، وعَنْ مِثْلِ قول الكفَّارِ انْزَجَر، وعَلِمَ أنَّه بصفاته ليسَ كالبشر.)\nهذه الجمل مشتملة على تقرير مسألة عظيمة وهي أنَّ كلام الله - ﷿ - لا يشبه قول البشر.\nوكيف يشبه قول البشر وهو كلام الباري - ﷿ - الذي لا يشبه بصفاته البشر.\nفالبشر لهم صفاتهم في كلامهم وفي سمعهم وبصرهم وإدراكاتهم وأعضائهم، والله - ﷿ - له صفاته في كلامه وفي سمعه وبصره وجميع صفاته فلا يشبه في صفاته -التي منها كلامه- لا يشبه صفات البشر.\nفمن قال عن القرآن إنه قول بشر، أو إنه مخلوق، أو هو قول جبريل، أو نحو ذلك وليس بقول الله - ﷿ -، أو أنه كلام جبريل وليس بكلام الله - ﷿ - فإنّ هذا كافر بالله العظيم؛ لأنَّ من قال إنّ القرآن كلام بشر فإنَّ هذا كفر، كما قال سبحانه ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٥-٢٦] لقول الوليد.\nإذا تبين لك ذلك فإنهم قالوا أيضًا -أي المشركون- قالوا: إنما يُعَلِّمُه بشر كما قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، فالذين أبوا هداية [.....] وأبوا الإذعان له وصفوا القرآن بصفات:\n- قال بعضهم: هو كِهانة.\n- وقال بعضهم: هو شعر.\n- وقال بعضهم: هو قول البشر.\n- وقال بعضهم: أساطير الأولين.\nوكل هذه الأقوال يعلمون أنما هي لتنفير الناس عن قبول هذا القرآن، فلقد تواعد كما هو معلوم في القصة ثلاثة من كفار قريش ألا يأتوا إلى النبي ﷺ، بل قبل ذلك وكُلُّهُم كان يُرَادْ بالقرآن، ذهب أحد هؤلاء إلى النبي ﷺ في الليل يسمع قراءته للقرآن، ولما ذهب وجد فلانًا وفلانًا فإذا بهم ثلاثة يسمعون القرآن لما له من سلطان على نفوسهم، ثم لما رجعوا تقابلوا في الطريق، فتواعدوا ألا يسمعوا مرة أخرى لهذا القرآن؛ لأجل أن لا يراهم بعض العامة وبعض الناس فلا يقبل قولهم في رد القرآن، ثم لما جاء من الليلة الثانية اجتمعوا أيضًا ثم صارت أيضًا ثالثة حتى رأوا أنهم لابد أن يتفارقوا على ذلك، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [فصلت: ٢٦ -٢٧] .\nكذلك لما أُرْسِلَ الوليد أو عقبة إلى النبي ﷺ ليفاوضه في شأن القرآن وأن يترك هذا الأمر، قال له: يا محمد إنْ أردت ملكا ملَّكناك، وإنْ أردت مالًا جمعنا لك من المال ما تكون به أغنى العرب، وإن أردت نساء نظرنا في أجمل نساء العرب فأتينا بهن إليك.","vol":"1","page":119},{"text":"فقال ﷺ له هذا الذي عندك، اسمع، فتلا عليه صدر سورة فصلت ﴿حم (١) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:١-٤] ومر ﷺ في التلاوة حتى بلغ قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] .\nفالتفت إليه الرجل فقال حسبك الآن، فرجع إلى قومه.\nفلما رأوه مقبلًا، قالوا لقد أتاكم فلان بوجه غير الوجه الذي ذهب به، فلما حضر، قالوا ما عندك يا فلان؟\nقال: إني سمعت كلامًا ليس هو بالشعر، وليس هو بالكهانة، وليس هو بالكلام الذي نألف، إنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطُلاوة -أو طَلاوة أو طِلاوة مثلثة- وإنَّ أسفله لمورق، وإنَّ أعلاه لمثمر، وإنه ليعلو ولا يُعلا عليه.\nفتبيَّنَ بذلك أنَّ أولئك الذين قالوا هو كهانة وهو شعر وهو قول البشر أنهم هم الذين ردوا على أنفسهم ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] .\nهذه المسألة يمكن أن نمرّ عليها فيما ذَكَرْ بشيء من التقرير العام كما فعل الشارح؛ لكن هذه المسألة متصلة ببحث عظيم، وهو بحث (دلائل النبوة)؛ لأنَّ كون القرآن لا يشبه كلام البشر ولا يشبه قول البشر هو المسألة الموسومة عند العلماء بمسألة إعجاز القرآن وأنَّ القرآن مُعْجِزْ.\nوهذه ولاشك مسألة مهمة قلّ بل نَدَرَ أن تَتَعَرَّضَ لها كتب العقائد، ولها صلة ببحث دلائل النبوة فهي في التوحيد؛ لأنَّ صلتها تارة بدلائل النبوة من كون القرآن مُعْجِزًا ودليلًا على صحة نبوة محمد ﷺ، وأنه منزل من عند الله، ومن جهة أخرى لها صلة بمبحث كلام الله - ﷿ - وهو أنَّ القرآن لا يشبه كلام البشر وأنَّ كلام الله - ﷿ - ليس ككلام البشر.\nفلا بأس إذًا أن نقرر هذه المسألة وهي المسألة الموسومة بإعجاز القرآن؛ لأجل ندرة الكلام عليها في كتب العقائد مُفَصَّلَة، ونذكر منها بعض ما يناسب هذه الدروس المختصرة.\nلتقرير هذه المسألة وهي مسألة إعجاز القرآن، وقد تكلم فيها أنواع من الناس من جميع الفرق والمذاهب، نجعل البحث فيها في مسائل، نقول:","vol":"1","page":120},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ لفظ الإعجاز لم يرد في الكتاب ولا في السنة، وإنما جاء في القرآن وفي السنة أنّ ما يعطيه الله - ﷿ - للأنبياء والرسل وما آتاه محمد ﷺ هو آية وبرهان على نبوته.\nفلفظ المعجزة لم يأتِ كما ذكرنا من قبل في الكتاب ولا في السنة وإنما هو لفظٌ حادث ولا بأس باستعماله إذا عُنِيَ به المعنى الصحيح الذي سيأتي.\nالذي جاء في القرآن الآيات والبراهين؛ لكن العلماء استعملوا لفظ الإعجاز لسبب، وهو:\nأنَّ القرآن تَحَدَّى الله - ﷿ - العرب بأن يأتوا بمثله، أو أن يأتوا بعشر سور مثله أو أن يأتوا بسورة من مثله، فلما تَحَدَّاهُمْ فلم يَغْلِبُوا، ولم يأتوا بما تَحَدَّاهُمْ به، فدل ذلك على عجزهم، وذلك بسبب أنَّ القرآن مُعْجِزٌ لهم فلم يأتوا بمثله، قال - ﷿ - ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وقال - ﷿ - ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود:١٣-١٤] .\nإذا تبين ذلك فالتحدي لمَّا وَقَعَ وعَجِزُوا، وهم يريدون أي وسيلة لمعارضة القرآن وإثبات أنه قول البشر، ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾، ائتوا بمثله، ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾، لما عَجِزُوا سَمَّى العلماء فِعْلَهُمْ ذلك أو عجزهم سموه: مسألة إعجاز القرآن؛ لأجل التحدي وعجز الكفار أن يأتوا بمثله.","vol":"1","page":121},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ كلام الله - ﷿ - هو المُعْجِزْ، وليس أنَّ الله - ﷿ - أعْجَزَ لأجل السماع، أعْجَزَ لما أنزل القرآن.\nوالفرق بين المسألتين أنَّ الإعجاز صفة القرآن، ولكن لا يقال أنَّ الله - ﷿ - أعْجَزَ البشر عن الإتيان بمثل هذا القرآن؛ لأنَّ هذا القول يتضمن، بل يدل على أنهم قادرون لكنَّ الله - ﷿ - سلبهم القدرة على هذه المعارضة.\nفإذًا الإعجاز والبرهان والآية والدليل في القرآن نفسه لم؟\nلأنه كلام الله - ﷿ -، ولا يقال إنَّ الله - ﷿ - أعْجَزَ الناس، أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو صرفهم عن ذلك، كما هي أقوال يأتي بيانها.\nفإذًا تنتبه على أنَّ تعبير أهل العلم في هذه المسألة أنَّ القرآن آية، فآية نبوة محمد ﷺ وآية رسالته القرآن.\nبل محمد ﷺ لمَّا سَمِعَ كلام الله - ﷿ - خاف ﷺ، فلما فَجَأَه الوحي وهو بغار حراء فأتاه جبريل فَقَالَ له: اقْرَأْ، قَالَ (مَا أَنَا بِقَارِئٍ) فَقَالَ اقْرَأْ، قَالَ: (مَا أَنَا بِقَارِئٍ)، قَالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١-٢] (١) إلى آخر ما أُنْزِلْ في أول ما نبئ النبي ﷺ، فرجع بها ﷺ يرجُف بها فؤاده؛ لأنَّ هذا الكلام لا يشبه كلام أحد، ولم يتحمله ﷺ لا في ألفاظه ومعانيه ولفظه، ولا في أيضا صفة الوحي والتنزيل، فما استطاع ﷺ أن يتحمل ذلك فرجع بهن -يعني بالآيات- يرجف بها فؤاده ﷺ إلى آخر القصة.\nإذًا فالنبي ﷺ أول ما جاء الوحي لم يتحمل هذا الذي جاءه، لم؟\nلأنه كلام الله - ﷿ -، وأما كلام البشر فإنه يتحمله لما سمع منه.\n_________\n(١) البخاري (٣) / مسلم (٤٢٢)","vol":"1","page":122},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأقوال الناس في إعجاز القرآن.\nمسألة إعجاز القرآن -كما ذكرنا- لها صلة بدلائل النبوة.\nوالقرآن مُعْجِزْ لمن؟\nللجن والإنس جميعًا؛ بل معجز لكل المخلوقات، لم؟\nلأنه كلام الله - ﷿ -، وكلام الله - ﷿ - لا يشبه كلام الخلق، وكون القرآن معْجِزًَا، راجع إلى أشياء كثيرة يأتي فيها البيان.\nفاختلف الناس في وجه الإعجاز لأجل أَنَّ إعجاز القرآن دليل نبوة النبي ﷺ في أقوال:\n١ - القول الأول:\nذهب إليه طائفة من المعتزلة ومن غيرهم حتى من المعاصرين الذين تأثروا بالمدرسة العقلية في الصفات والكلام، قالوا:\nإنَّ الإعجاز في القرآن إنما هو بصرف البشر عن معارضته، وإلا فالعرب قادرة على معارضته في الأصل؛ لكنهم صُرِفُوا عن معارضته، فهذا الصرف هو قدرة الله - ﷿ -، لا يمكن للنبي ﷺ أن يصرفهم جميعًا عن معارضته.\nوهذا الصرف لابد أن يكون من قوة تَمْلِكُ هؤلاء جميعا وهي قوة الله - ﷿ -.\nفإذًا الصَّرْفَةْ التي تسمع عنها، القول بالصَّرْفَةْ؛ يعني أنَّ الله صَرَفَ البشر عن معارضة هذا القرآن، وإلا فإنَّ العرب قادرون على المعارضة.\nوهذا القول هو القول المشهور الذي ينسب للنّظّام وجماعة بما هو معلوم.\nوهذا القول يرده أشياء نقتصر منها على دليلين:\n- الدليل الأول سمعي نقلي من القرآن.\n- والدليل الثاني عقلي.\n@ أما الدليل الأول وهو الدليل القرآني: فهو قول الله - ﷿ - ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، فالله - ﷿ - أثْبَتَ أَنَّ الإنس والجن لو اجتمعت على أنْ تأتي بمثل هذا القرآن وصار بعضهم لبعض معينًا في الإتيان بمثل هذا القرآن أنهم لن يأتوا بمثله، وهذا إثبات لقدرتهم على ذلك؛ لأنَّ اجتماعهم مع سلب القدرة عنهم بمنزلة اجتماع الأموات لتحصيل شيء من الأشياء.\nفالله - ﷿ - بيّنَ أنهم لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن وكان بعضهم لبعض معينًا وظهيرا على المعارضة، فإنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن.\nفأثْبَتَ لهم القدرة لو اجتمعوا قادرين وبعضهم لبعض يعين، لكنهم سيعجزون مع قُدَرِتهم التي ستجتمع وسيكون بعضهم لبعض معينًا على المعارضة.\nوهذه الآية هي التي احتج بها المعتزلة على إعجاز القرآن، ففيها الدليل ضدهم على بطلان الصَّرْفَةْ.\n@ أما الدليل الثاني وهو الدليل العقلي: أنَّ الأمة أجمعت من جميع الفرق والمذاهب أنَّ الإعجاز يُنْسَبْ ويضاف إلى القرآن ولا يضاف إلى الله - ﷿ -.\nفلا يقال إعجاز الله بالقرآن، وإنما يقال باتفاق الجميع وبلا خلاف هو إعجاز القرآن.\nفإضافة الإعجاز إلى القرآن تدل على أنَّ القرآن مُعْجِزٌ في نفسه، وليس الإعجاز من الله بصفة القدرة.\nلأننا لو قلنا الإعجاز إعجاز الله بقدرته الناس عن الإتيان بمثل هذا القرآن، فيكون الإعجاز بأمر خارج عن القرآن.\nفلما أجمعت الأمة من جميع الفئات والمذاهب على أنّ الإعجاز وصْفٌ للقرآن علمنا بُطلان أن يكون الإعجاز صفة لقدرة الله - ﷿ -؛ لأنّْ من قال بالصرفة بأنّْ الله سلبهم القدرة هذا راجِعٌ الإعجاز -يعني تعجيز أولئك- راجع إلى صفة القدرة وهذه صفة ربوبية.\nفإذًا لا يكون القرآن مُعْجِزًَا في نفسه، وإنما تكون المعجزة في قدرة الله - ﷿ - على ذلك.\nوهذا لاشك أنه دليل قوي في إبطال قول هؤلاء.\nلهذا المعتزلة المتأخرون ذهبوا على خلاف قول المتقدمين في الإعجاز بالصرفة؛ لأنَّ قولهم لا يستقيم لا نقلًا ولا عقلًا.\n٢ - القول الثاني:\nمن قال القرآن مُعْجِزٌ بألفاظه، فألفاظ القرآن بلغت المنتهى في الفصاحة؛ لأنَّ البلاغيين يُعَرِّفُونَ الفصاحة بقولهم:\nفصاحة المفرد في سلامته من نُفرة فيه ومن غرابته\nفالقرآن مشتمل على أعلا الفصيح في الألفاظ.\nولما تأمل أصحاب هذا القول جميع كلام العرب في خطبهم وأشعارهم، وجدوا أنَّ كلام المتكلم لابد أن يشتمل على لفظ داني في الفصاحة، ولا يستقيم في كلام أي أحد -في المعلقات ولا في خطب العرب ولا في نثرهم ولا في مراسلاتهم إلى آخره- لا يستقيم أن يكون كلامهم دائمًا في أعلى الفصاحة، فنظروا إلى هذه الجهة فقالوا الفصاحة هي دليل إعجاز القرآن لأنَّ العرب عاجزون.\nوهذا ليس بجيد؛ لأنَّ القرآن اسم للألفاظ والمعاني، فالله - ﷿ - تَحَدَّى أن يُؤْتَى بمثل هذا القرآن، أو بمثل عشر سور مثله مفتريات -كما زعموا- وهذه المثلية إنما هي باللفظ وبالمعنى جميعًا وبصورة الكلام المتركبة.\nفإذًا كونه مُعْجِزًَا بألفاظه نعم لكن ليس وجه الإعجاز الألفاظ وحدها.\n٣ - القول الثالث:\nمن قال إنَّ الإعجاز في المعاني وأما الألفاظ فهي على قارعة الطريق.","vol":"1","page":123},{"text":"مثل ما يقول الجاحظ وغيره؛ يعني فيما ساقه في كتاب الحيوان يقول: الشأن في المعاني أما الألفاظ فهي ملقاة على قارعة الطريق.\nيعني أنَّ الألفاظ يتداولها الناس؛ لكن الشأن في الدِلالة بالألفاظ على المعاني.\nوهذا لاشك أنه قصور لأنَّ القرآن كما ذكرنا مشتمل على فصاحة الألفاظ وعظمة المعاني جميعًا. (١)\n٤ - القول الرابع:\nمن قال إنَّ القرآن مُعْجِزٌ في نظمه، ومعنى النظم هو الألفاظ المتركبة والمعاني التي دلت عليها الألفاظ وما بينها من الروابط.\nيعني أَنَّ الكلام يُحْتَاجُ فيه إلى أشياء، يُحْتَاجُ فيه إلى ألفاظ وإلى معانٍ في داخل هذه الألفاظ يُعَبَّرُ بها، يُعَبَّرُ بالألفاظ عن المعاني وإلى رابط يربط بين هذه الألفاظ والمعاني في صور بلاغية، وفي صور نحوية عالية، وهذا المجموع سماه أصحاب هذا القول النَّظم.\nوهذا هو مدرسة الجُرجاني المعروفة، العلامة عبد القادر الجرجاني فيما كتب في دلائل الإعجاز وفي أسرار البلاغة.\nوهذا القول لَمَّا قال به الجرجاني وهو مسبوق إليه من جهة الخطّابي وغيره يعني في كلمة، هو أراد به الرد على عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني، فإنه ألف كتاب المغني وجعل مجلدًا كاملا في إعجاز القرآن، وردّ عليه بكتاب دلائل الإعجاز وأنَّ الإعجاز راجع إلى اللفظ والمعنى والروابط؛ يعني إلى النظم،نظم القرآن جميعا، المقصود بالنظم يعني تآلف الألفاظ والجمل مع دلالات المعاني البلاغية واللفظية وما بينها من صلات نحوية عالية.\nوهذا القول قول جيد؛ ولكن لا ينبغي أن يُقصر عليه إعجاز القرآن.\n٥ - القول الخامس:\nمن قال إنَّ إعجاز القرآن فيما اشتمل عليه.\nفالقرآن اشتمل على:\n- أمور غيبية لا يمكن أن يأتي بها النبي ﷺ؛ بأمر الماضي وبأمر المستقبل.\n- واشتمل القرآن أيضا على أمور تشريعية لا يمكن أن تكون من عند النبي ﷺ.\n- واشتمل القرآن على هداية ومخالطة للنفوس لا يمكن أن تكون من عند بشر.\nوهذا قول لبعض المتقدمين وجمع من المعاصرين بأنَّ القرآن محتمل على هذه الأشياء جميعًا.\nولكن هذا القول يُشْكِلْ عليه أَنَّ إعجاز القرآن الذي تُحُدِّيَت به العرب، والعرب حينما خوطبوا به،خوطبوا بكلام مشتمل على أشياء كثيرة، وكان التحدي واقعًا أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة أو بعشر سور مثله مفتريات كما زعموا، وهذا يؤول إلى ما تميزت به العرب، وهو مسألة البلاغة وما تميزوا به من رِفعة الكلام وفصاحته وبلاغته.\nوالعرب لم تكن متقدمة عارفة بالأمور الطبية ولا بالأمور الفلسفية ولا بالأمور العقدية ولا بالغيبيات، وليس عندهم معرفة بالتواريخ على تفاصيلها ونحو ذلك، حتى يقال إنَّ الإعجاز وقع في هذه الجهة؛ لكنهم خوطبوا بكلام من جنس ما يتكلمون به -يعني من جهة الألفاظ والحروف-؛ لكنهم عجزوا عن الإتيان بذلك لأنه كلام الله - ﷿ -.\n٦ - القول الأخير –والأقوال متنوعة؛ لأنَّ المدارس كثيرة-:\nأنَّ القرآن مُعْجِزْ لأنه كلام الله - ﷿ -، وكلام الله - ﷿ - لا يمكن أن يشبه كلام المخلوق.\nوهذا القول هو الذي ذكره الطحاوي هنا،قال (عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر، وَمَنْ وَصَفَ الله بِمعنَى مِنْ مَعاني البشر، فقدْ كَفَر، فمن أبْصَرَ هذا اعْتَبر، وعَنْ مِثْلِ قول الكفَّارِ انْزَجَر، وعَلِمَ أنَّه بصفاته-التي منها القرآن- ليسَ كالبشر) .\nوهذا القول الذي أشار إليه لم يَتَفَرَّعْ إليه شارحوا هذه الرسالة سواء من السلفيين أو من المبتدعة من الماتريديين وغيرهم- في تقرير هذه المسألة، وهو من أرْفَع وأعظم الأقوال؛ بل هو القول الحق في هذه المسألة: أنَّ كلام الله - ﷿ - لا يمكن أن يشبه كلام البشر.\nخذ مثلًا فيما يتميز به المخلوقات ترى فلانًا فتقول هذا عربي، وترى آخر فتقول هذا أوروبي، وترى ثالثا فتقول هذا من شرق آسيا، لم؟\nلأنَّ الصفة العامة دَلَّتْ على ذلك، ولو أَخَذَ الآخِذْ يُعَدِّدُ أشياء كثيرة متنوعة دلته على أَنَّ هذه الصورة هي صورة عربي، وهذه الصورة صورة أوروبي، هذه الصورة الخَلقية صورة من شرق آسيا وهكذا.\nفإذًا الصورة العامة بها تتفرق الأشياء، فالذي يدل على الفرقان ما بين شيء وشيء، وأهمها الصورة العامة له.\nكلام الناس –إذا انتقلنا من الصورة الخَلقية- كلام الناس يختلف بعضه عن بعض.\nقول الصحابة إذا سمعنا كلاما نقول هذا من قول الصحابة أو من قول السلف؛ لأنَّ كلامهم لا يشبه كلام المتأخرين، كما قال ابن رجب (كلام السلف قليل كثير الفائدة وكلام الخلف كثير قليل الفائدة) .\nفكلام السلف له صورة عامة تعلم أنَّ هذا من كلام السلف، فلو أتينا بكلام إنسان معاصر وبكلمات له كثيرة وقارناها بكلام السلف لاتضح الفرق.\nفإذًا المخلوق البشر في كلامه متباين.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط التاسع.","vol":"1","page":124},{"text":"إذا رأيت كلام الإمام أحمد تقول هذا ليس كلام ابن تيمية، ترى كلام الشيخ محمد ابن عبد الوهاب في تقريره تقول هذا ليس بكلام مثلًا النووي، إذا رأيت كلام الإمام أحمد تقول هذا ليس هو كلام أبي حنيفة وهكذا.\nفإذًا الكلام له صورة، له هيئة من سَمِعَهَا مَيَّزَ هذا الكلام.\nوهذا هو الذي أشار إليه الطحاوي بأنَّ كلام الله - ﷿ - لا يشبه كلام البشر.\nإذا تبين ذلك فإنَّ كلام الله - ﷿ - صِفَتُهُ، فهذا القرآن من سَمِعَهُ أيقن أنه ليس بكلام البشر.\nولهذا بعض الأدباء الغواة مثل ابن المقفع والمعري ونحو ذلك أرادوا معارضة القرآن بصورة أدبية فظهر؛ بل افْتَضَحُوا في ذلك فَغَيَّرُوا منحاهم إلى مَنْحَى التأثير إلى ما أشبه ذلك في كتبهم المعروفة وهي مطبوعة.\nأرادوا المعارضة من جهة المعاني، من جهة الألفاظ، أن يأتوا شيء لكنهم افتضحوا لأنَّ كلام البشر لا يمكن أن يكون مثل كلام الله - ﷿ -.\nالعرب عندهم معرفة بالبيان، هم الغاية في البيان، هم الغاية في معرفة الفصاحة، هم الغاية في معرفة تركيب الكلام؛ لكنهم لما سمعوا القرآن ما استطاعوا أن يعارضوه لم؟\nلأنَّ الكلام لا يشبه الكلام، لا يمكن، لا يمكن أن يعارضوا؛ لأنَّ كلام الله - ﷿ - لا يشبه كلام المخلوق.\nإذا تبين لك ذلك، فنقول إذًا:\nما نُقَرِّرُهُ هو أنَّ وجه الإعجاز في كلام الله - ﷿ - هو أَنَّ كلام الله - لا يشبه كلام البشر، ولا يماثل كلام البشر، وأنَّ البشر لا يمكن أن يقولوا شيئًا يماثل صفة الله - ﷿ -، والناس لا يستطيعون على اختلاف طبقاتهم وتنوِّع مشاربهم أن يَتَلَقَّوا أعظم من هذا الكلام، وإلا فكلام الله - ﷿ - في عظمته لو تَحَمَّلَ البشر أعظم من القرآن لكانت الحجة أعظم؛ لكنهم لا يتحملون أكثر من هذا القرآن.\nلهذا تجد التفاسير من أول الزمان إلى الآن وكل واحد يُخْرِجُ من عجائب القرآن ما يُخْرِجُ، والقرآن كنوزه لا تنفذ ولا يفتر على كثرة الرد لا من جهة التِّلاوة ولا من جهة التفسير.\nإذا تبين لك ذلك فكلام الطحاوي هذا من أنْفَسْ ما سمعت وأصح الأقوال في مسألة إعجاز القرآن وهو أنَّ الكلام لا يشبه الكلام.\nإذا تبين هذا فنقول:\nكلام الله - ﷿ - في كونه لا يشبه كلام البشر، له خصائص.\nفأوجه إعجاز القرآن التي ذَكَرَهَا من ذَكَر، نقول هي خصائص لكلام الله - ﷿ - أوجبت أن يكون كلام الله - ﷿ - ليس ككلام البشر.\nمثل ما يقول الواحد: هذا الشعر موزون، هذا البيت فيه كسر، لماذا؟، حرف واحد نقص قال فيه كسر، أو هذا البيت ما يمكن أن يكون كذا، لماذا؟\nفي هيئته العامة؛ لكن له برهان يأتيك، يقول لأنه كذا، وكذا، وكذا.\nفلان بخصاله، دلنا بصفاته، حركاته تصرفاته على أنه ليس بعربي، هذه القضية العامة لم؟\nله أدلة عليها؛ لكن هذه الخصائص العرب وما تميزوا به عن غيرهم.\nيقول هذا الحديث ضعيف أو هذا الحديث معلول، ما وجه علته؟\nمثل ما قال أبو حاتم وغيره ممن تقدمه: إنَّ أهل الحديث يعرفون العلة كما يعرف صاحب الجوهر الزيف من النقي.\nأنت ترى هل هذا ألماس نقي أو ليس بنقي؟ يأتيك صاحب الخبرة ويقول هذا ألماس ليس بنقي، أنت ترى ما تعرف تُفَرِّقْ هل هذا نقي؟\nهذا الكتاب طبعته طبعة حجرية، الذي لا يعرف ما يعرف، هذا الكتاب مطبوع في روسيا كيف عرفت أنه مطبوع وليس عليه اسم البلاد؟\nهذا الكتاب مطبوع في بلدة كذا في الهند لماذا؟\nعنده البرهان ولكن الصفة العامة هي هذه.\nلهذا نقول وانتبه لهذا حتى تخلص من إشكال عظيم في هذه المسألة -مسألة إعجاز القرآن- لتنوع الخطاب فيها وتنوع المدارس فيها نقول:\nإنّ كلام الله - ﷿ - ليس ككلام البشر، وكلام الله - ﷿ - له خصائص ميزته عن كلام البشر.\nما هذه الخصائص؟\nكل ما قيل داخل في خصائص القرآن:\n- أولًا:\nالقرآن كلام الله - ﷿ -، واشتمل القرآن على ألفاظ العرب جميعًا.\nتجد القرآن فيه كلمات بلغة قريش، وفيه كلمات بلغة هذيل، وفيه كلمات بلغة تميم، وفيه كلمات بلغة هوازن، وفيه كلمات بلغة أهل اليمن، وفيه بلغات كثيرة بلغة حِمْيَر، ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم:٦١]، قال ابن عباس (السمود: الغناء بلغة حمير) (١) .\nبعض قريش خَفِيَ عليها بعض الكلمات مثل ما قال عمر ﵁ لما تلا سورة النحل في يوم الجمعة -يعني في الخطبة-، تلا سورة النحل فوقف عند قوله تعالى ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:٤٧]، نظر فقال: ما التخوف؟ (٢)\nفسكت الحاضرون، فقام رجل من هذيل فقال: يا أمير المؤمنين التخوّف في لغتنا التَّنَقُّص قال شاعرنا أبو كبير الهذلي:\nتخوّف الرَّحْلُ منها تامِكًا فردا كما تَخَوَّف عودُ النّبعة السَّفِنُ\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري (النجم:٥٩)\n(٢) انظر تفسير البيضاوي (النحل:٤٧) / تفسير روح المعاني","vol":"1","page":125},{"text":"تنقص، يعني ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ يعني يبدأ يتنقص شيئًا فشيئًا، ينقصون عما كانوا فيه من النعمة شيئًا فشيئًا، حتى يأتيهم الأجل، عمر القرشي خفيت عليه هذه الكلمة؛ لأنها بلغة أخرى.\nهل يستطيع أحد من العرب أن يحيط بلغة العرب جميعًا؟\nلا يمكن، أن يحيط بلغة العرب جميعًا بألفاظها وتفاصيلها لا يمكن.\nولهذا تجد في القرآن الكلمة بلغة مختلفة، وتجد فيه التركيب النحوي بلغة من لغات العرب، فيكون مثلًا على لغة حِمْيَرْ في النحو، أو على لغة [سَدُوسْ] في النحو، أو على لغة هذيل في النحو.\nفإذًا الألفاظ والمعاني والتراكيب النحوية في القرآن تنوَّعت ودخل فيها كل لغات في العرب.\nهذا لا يمكن أن يكون من كلام أحد، لا يستطيع أن يحيط هذه الإحاطة إلا من خَلَقَ اللغات وهو رب العالمين.\n- ثانيًا:\nالألفاظ، كما ذكرنا ألفاظ القرآن بلغت الأعلى في الفصاحة، والقرآن كله فصيح في ألفاظه، والفصاحة راجعة إلى الكلمات جميعا؛ الأسماء والأفعال والحروف، حتى ﴿الم﴾ فصيح.\nإذًا من خصائص القرآن التي دلت على إعجازه أنَّ ألفاظه جميعًا فصيحة، وما استطاع أحد من العرب الذين أنزل عليهم القرآن أن يعيبوا القرآن في لفظٍ مما فيه كما عابوا كلام بعضهم بعضًا، بل قال قائلهم: إنَّ له لحلاوة وإنَّ عليه لطُلاوة. إلى آخر كلامه.\n- ثالثًا:\nمن خصائصه المعاني، المعاني التي يتصورها البشر عند قول كلامه لابد أن يكون فيها قصور.\nفإذا تكلم البشر في المعاني العَقَدِيَة فلابد أن يكون عنده لاشك قصور، إذا تكلم في المعاني التشريعية لابد أن يظهر خلل، إذا تكلم في المعاني الإصلاحية التهذيبية لابد أن يكون فيها خلل، ولهذا قال - ﷿ - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .\nفإذًا تَنَوُّعُ المعاني على هذا الوجه التام بما يناسب المعاني الكثيرة التي يحتاجها الناس يدل على أنَّ هذا كلام الله - ﷿ -؛ يعني أنه صفته.\nهذه خصائص كلام الله - ﷿ -، فلو قيل تقديرًا: إننا سنصف القرآن الذي هو كلام الله - ﷿ - وبه فارق كلام البشر فَسَتُعَدِّدْ هذه جميعا.\nفهي خصائص أو أوجه للإعجاز بها صار القرآن معجزًا بجميعها، لا بواحدة منها.\n- رابعًا:\nأنَّ القرآن فيه النَّظم مثل ما قال الجُرْجَاني وهو من أحسن النظريات والكلام في إعجاز القرآن من جهة البيان.\nالقرآن فيه القِمَّةْ في فصاحة الألفاظ وفي البلاغة.\nالبلاغة مُتَرَكِّبَةْ من أشياء؛ مُتَرَكِّبَةْ من ألفاظ ومن معاني ومن روابط -الحروف التي تربط بين الألفاظ والمعاني وتصل الجمل بعضها ببعض-.\nفالقرآن إذًا من أوجه إعجازه أو من صفاته وخصائصه أنَّ نظمه - يعني أنَّ ترتيب الكلام والآيات فيه وترتيب الجمل في الآية الواحدة - يدل على أنَّه الغاية في البيان، ولا يمكن لبشر أو لا يمكن للجن والإنس لو اجتمعوا أن يكونوا دائما على أعلى مستوى في هذا النظم.\nولهذا تجد أنَّ تفاسير القرآن حارت في القرآن، حتى التفاسير المتخصصة في النحو تجده ينشط في أوله تجده يعجز في آخره، ما تجده ينشط، آخر تجده في البلاغة يريد أن يبين بلاغة القرآن فيُجَوِّدْ في موضع ثم بعد ذلك تأتي مواضع يكسل، ما يستطيع أن يُبِينْ عن ذلك.\nولهذا قال من قال من أهل العلم: العلوم ثلاثة:\nعلم نضج واحترق.\nوعلم نضج ولم يحترق.\nوعلم لم ينضج ولم يحترق.\nوالثالث هو التفسير، لم ينضج ولم يحترق؛ لأنه على كثرة المؤلفات في التفسير وهي مئات فإنها لم تأتِ على كل ما في القرآن، لم؟\nلأنَّ الإنسان يعجز، يعجز المبَيَّن أن يُبَيَّن عن كل ما في القرآن.\nإذًا نظرية النظم التي ذكرها عبد القادر الجرجاني في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة -على تفصيل ما فيها- لا شك أنها دالة على صفة من صفات القرآن.\n- خامسًا:\nأنَّ القرآن له سلطان على النفوس، وليس ثَمَّ من كلام البشر ما له سلطان على النفوس في كل الكلام.\nولكن القرآن له سلطان على النفوس بما تميز به من كلام الله - ﷿ -؛ لأنه كلام الله - ﷿ -، مثل ما صار السلطان على ذلك المشرك؛ يعني أنه يُرْغِمْ الأنوف.\nوقد كان مَرَّةً أحد الدعاة يخطب بالعربية وفي أثناء خطبته يورد آيات من القرآن العظيم يتلوها، فكانت امرأة كافرة لا تحسن الكلام العربي ولا تعرفه، فلما انتهى الخطيب من خطبته استوقفته -وكانت خطبته في سفينة-، لما انتهى من خطبته استوقفته، وقالت:\nكلامك له نمط، وتأتي في كلامك بكلمات مختلفة في رنتها وفي قرعها للأذن عن بقية كلامك، فما هذه الكلمات؟\nفقال: هي القرآن.\nوهذا لاشك إذا سمعت القرآن تجد له سلطان على النفس ينبئ النفس على الاستسلام له، إلا لمن ركب هواه.\nهذا السلطان تجده في أشياء:\n~ أولًا:","vol":"1","page":126},{"text":"أنَّ آيات القرآن في السورة الواحدة -كما هو معلوم- لم تُجْعَلْ آيات العقيدة على حِدَا، وآيات الشريعة على حدا؛ الأحكام، وآيات السلوك على حدا، إلى آخره؛ بل الجميع كانت هذه وراء هذه، فآية تخاطب المؤمنين، وآية أخرى تخاطب المنافقين، وآية تخاطب النفس، وآية فيها العقيدة، وآية فيها قصص الماضين، وآية تليها فيها ما سيأتي، وآية فيها الوعد وآية فيها الوعيد، وآية فيها ذكر الجنة وذكر النار، وآية فيها التشريع، وثم يرجع إلى آية أخرى فيها أصل الخلق قصة آدم، وهكذا في تنوع.\nوهذا من أسرار السلطان الذي يكون للقرآن على النفوس؛ لأنَّ الأنفس متنوعة.\nبل النفس الواحدة لها مشارب، فالنفس تارة يأتيها الترغيب وتارة يأتيها الترهيب، تارة تتأثر بالمثل، تارة تتأثر بالقصة، تارة هي مُلْزَمَة بالعمل، تارة هي ملزمة بالاعتقاد.\nفَكَوْنُ هذه وراء هذه وراء هذه تُغْدِقُ على النفس البشرية أنواع ما تتأثر به.\nوهذا لا يمكن أن يكون إلا من كلام من خَلَقَ هذه النفس البشرية، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] .\nفتجد أنَّ القرآن يحاصرك، فأيُّ إنسان أراد أن يفر لا يمكن أن يفر من القرآن، ستأتيه قوة بآية فيها وصف الكافرين، آيات فيها قوة في وصف المنافقين، آيات فيها قوة في وصف المؤمنين، آيات فيها العقيدة، فيها الماضي، فيها الحاضر، فيها النبوة، فيها الرسالة، فيها الدلائل، فيها حال المشركين، إلى آخر [.....] ما يحصر على النفس الحية والعقل الواعي الذي يتحرك وعنده همة يحصر عليه الهروب.\nوهذا لا يمكن أن يحصره في أنواع النفس البشرية الواحدة إلا من خَلَقَ هذه النفس وتَكَلَّمَ بهذا القرآن لإصلاحها، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] .\nفكيف إذًا بأنواع الأنفس المختلفة، هذا الذي يَصْلُحُ له الترغيب، وهذا الذي يَصْلُحُ له الترهيب، وهذا الذي يَصْلُحُ له وصف الجنة، وهذا الذي ينشأ عنده الإيمان بالحب وإلى آخره، وذلك الذي ينشأ عنده الإيمان بالجهاد، ونحو ذلك.\n~ ثانيًا:\nتنوع الأنفس وخطاب القرآن للناس جميعًا على تنوع أنفسهم هذا دليل على أنَّ هذا القرآن له سلطان على النفوس.\nأيضًا تجد أن القرآن خُوطب به من عنده فن الشعر وما يسميه بعض الناس موسيقى الكلام؛ يعني رنات الكلام.\nبعض الناس عنده شفافية في التأثر باللحن، بالرنات، بالصعود والنزول في نغمة الكلام، هذا النوع من الناس تجد في القرآن ما يجبره على أن يستسلم له.\nلَبيد بن رَبيعة صاحب معلقة وصاحب ديوان مشهور، قيل له: ألا تنشدنا من قصائدك، لم وقفت عن الشعر؟ قال أغناني عن الشعر وتذوقه -أو كما قال- سورتا البقرة وآل عمران.\nلأنَّ هذا الشيء هو له تذوق في هذا الفن بخصوصه، فيأتي القرآن فيجعل سلطانه على النفس فيقصره قصرا، لهذا قال - ﷿ - ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١-٤٢]، وقال سبحانه ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤] .\n- سادسًا:\nأنَّ القرآن فيه الفصل في أمور الغيبيات، فَثَمَّ أشياء في القرآن أُنزلت على محمد ﷺ وكان أميا ﷺ، ما لم يَظْهَرْ وجه بيانها وحجتها في كمال أُطْرِهَا إلا في العصر الحاضر، وهو ما اعتنى به طائفة من الناس وسموه الإعجاز العلمي في القرآن.\nوالإعجاز العلمي في القرآن حق؛ لكن له ضوابط، توسَّعَ فيه بعضهم فخرجوا به عن المقصود إلى أنَّ يجعلوا آيات القرآن خاضعة للنظريات، وهذا باطل؛ بل النظريات خاضعة للقرآن لأن القرآن حق من عند الله والنظريات من صنع البشر لكن بالفهم الصحيح للقرآن.\nفثَم أشياء من الإعجاز العلمي حق لم يكن يعلمها الصحابة رضوان الله عليهم على كمال معناها وإنما علموا أصل المعنى، فظهرت في العصر الحاضر في أصول من الإعجاز العلمي.\nالإعجاز الاقتصادي، الإعجاز التشريعي، الإعجاز العَقدي أشياء تكلم عنها الناس في هذا العصر -ما نطيل في بيانها- وكل واحدة منها دالة على أن هذا القرآن من عند الله - ﷿ - ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .\n- سابعًا:\nأنّ القرآن من صفاته أنّ الإنسان المؤمن كلما ازداد من القرآن ازداد حبًا في الله - ﷿ -، وهذا راجع إلى الإيمان، وراجع إلى أنَّ صفة القرآن فيها زيادة في الهدى والشفاء للقلوب.\nفالأوامر والنواهي والأخبار التي في القرآن هي هدى وشفاء لما في القلوب، كما قال سبحانه ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤]، وهذا سلطان خاص على الذين آمنوا في أنه يهديهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور في المسائل العلمية وفي المسائل العملية.","vol":"1","page":127},{"text":"لهذا ما تأتي فتنة ولا اشتباه إلا وعند المؤمن البصيرة لما في هذا القرآن؛ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] .\nفإذًا صفة كلام الله - ﷿ - في أنَّ المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعلم حدوده ويعلم معانيه، أنَّ عنده النور في الفصل في المسائل العلمية والعملية، وهذه لا يُلقاها إلا أهل الإيمان ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤]، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، وهذا أيضا سلطان خاص يزيد المؤمن إيمانا.\nلهذا إذا تليت على المؤمن آيات الله - ﷿ - ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، زادتهم إيماناَ لما فيه من السلطان على النفوس.\nإذا تبين لك ذلك فكلام الله - ﷿ - قديم النوع حادث الآحاد.\nوالقرآن من الحادث الآحاد وقت التَّنَزُّل كما قال - ﷿ - ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٢-٣] إلى آخر الآيات.\nيعني أنّ الله - ﷿ - تَكَلَّمَ به.\nوكلام الله - ﷿ - أوسع من الكلام بالقرآن.\nوالقرآن جاء على هذا النحو؛ لأنه الذي يتحمله الإنسان، الإنس والجن لا يتحملون أكثر من هذا، وإلا لصار عليهم كَلَفَة وعَنَفَة.\nبهذا يتبين لك ما ظهر لي من تحصيل أقوال أهل العلم في هذه المسألة العظيمة التي خاض فيها المعتزلة، وخاض فيها الأشاعرة، وقل بل نَدَرْ من أهل السنة من خاض فيها على هذا النحو، بل لا أعلم من جمع فيها الأوجه على هذا النحو في كتب العقائد؛ بل تجدها متفرقة في كتب كثيرة في البلاغة، وفي الدراسات في إعجاز القرآن، وفي التفسير، وفي كتب متنوعة.\nوما أجمل قول الطحاوي ﵀ رحمة واسعة (أَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر) وهذا هو الحق فالقرآن بصورته وهيئته وصفته لا يمكن أن يشبه قول البشر، حتى في رسمه وتنوع آياته وسوره لا يمكن أن يشبه قول البشر.\nأسال الله - ﷿ - أن يغرس الإيمان في قلوبنا غرسا عظيما، وأن يجعلنا من أوليائه الصالحين، وأن يهيئ لنا من امرنا رشدًا.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>الأسئلة:</span>\nس١/يقول نريد أن نرجع إلى مرجع في مسألة إعجاز القرآن؟\nالمسألة طويلة الذيول وما ذكرت متفرق بين مراجع كثيرة.\nس٢/ ما هي عقيدة أبي العتاهية؟\nج/ رحم الله أبا العتاهية، فهو من الصالحين، ولا تسل عن شيء ليس فيه مصلحة، أبو العتاهية شاعر من الشعراء الزهاد وشعره وديوانه مطبوع.\nس٣/ هل يوجد في القرآن ألفاظ أعجمية، وما معنى ﴿حم﴾، ﴿المر﴾؟\nج/ الجواب: الكلمات الأعجمية في القرآن، أعجمية الأصل لكنها عربية الاستعمال، ومعلوم أنّ العرب لما استعملوا هذه الكلمات صارت عربية كالسندس والإستبرق وأشباه ذلك؛ لأنها لم تأت على أوزان العرب.\nفأهل العلم في هذه المسألة لهم قولان:\n- منهم من ينفي وجود الكلمات الأعجمية أصلًا.\n- ومنهم من يقول هي موجودة لكنها بالاستعمال صارت عربية، وهذا هو الصحيح.\nأما الأحرف المقطعة في أوائل السور ﴿الم﴾، ﴿الر﴾، ﴿حم﴾ فهي دالة على إعجاز القرآن، فالحجة فيها عظيمة ﴿الر﴾، ﴿الم﴾ فصيحة ألفاظُها؛ يعني هذه الأحرف من حيث الاستعمال، ودالة على أعظم أنواع الإعجاز، أو على دليل عظيم من أدلة الإعجاز، كيف؟\n﴿المر﴾، ﴿حم﴾، ﴿كهيعص﴾ هذه الأحرف هي الأحرف التي بها يتكلم العرب وينشئون بها الكلام الذي يفاخرون به، فأشعار العرب من هذه الأحرف، وكلمات العرب وخطب العرب من هذه الأحرف، وما تفاخروا فيه من البيان والبلاغة والخطاب والفصاحة إنما هو مكوَّن من هذه الأحرف.\nفالله - ﷿ - في أول بعض السور افتتحها بالأحرف المُقَطَّعَة لينبه أنّ هذا القرآن كلماته وآياته من هذه الأحرف التي بها تنشئون كلامكم البليغ الذي تتحدون به، فَهَيَّا استعملوا هذه الأحرف في إنشاء كلام مثل هذا القرآن.\nولهذا تجد أنَّ الأحرف المقطعة في افتتاح السور أغلبها والغالبية العظمى منها يكون بعد ذكر الأحرف المقطعة ذكر الكتاب والقرآن، لا تجد سورة فيها ذكر الأحرف المقطعة إلا وفيها ذكر القرآن، والأغلب أن تكون بعد الأحرف المقطعة مباشرة.\nخُذ مثلا ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١-٢]، ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان:١-٢]، ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [١-٢]، ﴿حم (١) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:١-٢]، ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود:١]، ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:١]، إذًا فكلما ذُكِرَتْ الأحرف ذُكِرَ بعدها الكتاب، وتارة تكون بعد ذلك كسورة مريم ﴿كهيعص﴾ يأتي ذكر القرآن بعدها.\nفإذًا إيراد هذه الأحرف المقطعة في أوائل السور لتحدي العرب في تكوين كلام من هذه الأحرف التي يكونون منها كلامهم وينشئون بها خطبهم وأشعارهم وأن يعارضوا القرآن بمثل هذا الكلام.\nس٤/ ما رأيكم بمن يقول إنَّ الله ليس له لغة بدليل أنه يخاطب جميع البشر كلٌ حسب لغته؟\nج/ نقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللغة اصطلاحية، اللغة من آيات الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم:٢٢]، البشر احتاجوا للغات ليتفاهموا بينهم، الله - ﷿ - هو الذي خلق البشر وخلق لغات البشر وجعل اختلاف الألسن دليلًا على عظم الباري - ﷿ -.\nالله سبحانه أعظم من أن يقال فيه إنه يتكلم بكل اللغات، أو أنه ليس له لغة أو نحو ذلك.\nالله - ﷿ - أعظم وأجل من ذلك أو نحو ذلك، ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]ـ.\nس٥/ ما رأيك بقول الشخص للآخر لك خالص شكري؟\nج/ الجواب: نبهنا عليه مرارا أنّ الشكر عبادة؛ الشكر عبادة لله - ﷿ -، أمر الله بها ﴿أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]، ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]، ولما أمر الله - ﷿ - به فهو عبادة عظيمة من العبادات التي يتقرب إلى الله - ﷿ - بها، والعبادات من الدين، والدين الخالص لله - ﷿ -، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، فلا يجوز أن يقال لأحد: لك خالص شكري لأنَّ خالص الشكر لله ﷾، أو: لك خالص تحياتي. مع خالص تحياتي أو: خالص تقديري. هذه كلها لله - ﷿ -، خالص التحيات وخالص التقدير والقدر والتعظيم، وخالص الرجاء، ومثل ما يقول وفيك خالص رجائي، الرجاء والشكر، ومثل هذه الأشياء هي عبادة وخالصها لله - ﷿ -.\nفلا يجوز أن يقول القائل مثل ما هو شائع في كثير من الرسائل والمكاتبات وتقبل خالص شكري وتقدري؛ لأن هذا إنما هو لله - ﷿ -.\nفالشكر الخالص لله، يقال للبشر ولك عظيم شكري، أو يقال له مع عظيم شكري لك، مع جزيل شكري، ونحو ذلك، نعم يُشْكَرْ البشر على ما يقومون به من أنواع الخير، وذلك لقول النبي ﷺ (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) (١)، فالذي لا يشكر الناس لا يشكر الله - ﷿ -.\nأسأل الله - أن يتقبل مني ومنكم، وأن يزيدنا من العلم النافع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. (٢)\n_________\n(١) أبو داود (٤٨١١) / الترمذي (١٩٥٤)\n(٢) انتهى الشريط التاسع.","vol":"1","page":129},{"text":": [[الشريط العاشر]]:\n\nالأسئلة:\nس١/ ما حكم تعليق المشيئة على أمر متأكِدٍ أنه واقع كقوله هذا فلان الواقف أمامك إن شاء الله، كذلك حكم تعليقها على أمر قد حصل وانتهى؛ كقوله أكلتم إن شاء الله؟\nج/ المشيئة في استعمال المسلم على درجتين:\nالدرجة الأولى: أنه يُقْصَدُ بها حقيقة التعليق؛ يعني أنَّ ما سيفعله مُعَلَّق بمشيئة الله كما قال - ﷿ - ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، وقال ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤]، فإذا كان الأمر يُعَلَقُ على المستقبل فإنه يتأكد استعمال المشيئة، يعني أن يُعَلَّق الأمر على مشيئة الله؛ لأنَّ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\nالدرجة الثانية: أن تكون (إن شاء الله) لتأكيد تحقق الأمر بمشيئة الله؛ لأنَّ الأمر وقع ووقوعه ليس بمشيئتي ولكن بمشيئة الله، فلا بأس أن يُؤَكَدَ أي أمر وقع بكلمة (إن شاء الله) ويقصد بها أنه تحقق ووقع بمشيئة الله - ﷿ -، وعلى هذا جاء في القرآن قول الله - ﷿ - ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف:٩٩]، بعد أن دخلوا، وكقوله - ﷿ - ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧] .\nبالمناسبة بتعليق المشيئة: الكلمة المعروفة التي تروى عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لما حض الناس على جهاد التتر، فقال (إنكم منصورون) فقال له أحد القضاة (قل إن شاء الله) قال (إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا)، يعني أنتم منصورون والنصر بمشيئة الله يتحقق، وهذا لأجل أن الله - ﷿ - وعد عباده ووعده حق أن ينصرهم ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥٩]، وقال - ﷿ - ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]، وقال ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١-١٧٣]، ونحو ذلك من الأدلة.\nس٢/ ما حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المكروهات وترك المستحبات، مثل أن يترك الإنسان النوافل بعد الصلاة، فإذا حاجه أحد قال: هذا بقضاء الله وقدره؟\nج/ القدر لا يجوز الاحتجاج به على المعايب، فإذا كان ثَمَّ فِعْلْ للإنسان فيه عيب من ترك فريضة أو فعل محرم، أو من ترك نافلة أو فعل مكروه، فإنه لا يجوز أن يحتج على ذلك بالقدر.\nوإنما يجوز الاحتجاج بالقدر على المصايب؛ إذا أصيب الإنسان بمصيبة عَلَّقَ ذلك بقدر الله - ﷿ -؛ لأنه في تعليقه للقدر تطمئن النفس ويكمل الإيمان والهدى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، ما شاء الله كان، قدر الله وما شاء فعل، هذا في المصائب.\nأما في المعايب فإنَّ هذا من وسائل الشيطان؛ لأنَّ الاحتجاج بالقدر على المعايب ليس فيه في الحقيقة حجة، بل حجة على صاحبه الذي احتج به؛ لأنَّ الإنسان مُخَيَرْ هل يعمل هذا أو يعمل الأمر الثاني؟ فكونه اختار أحد الأمرين بإرادته التي توجهت إلى أحد الأمرين، وبقدرته التي توجهت إلى أحد الأمرين، فإن احتجاجه بالقدر حينئذ احتجاج للخروج من التَبِعَة؛ لأنه كان عنده إرادة، ولو صح الاحتجاج بالقدر في المعايب ما بقي معنى للتكليف ولا للحساب؛ لأنّ هذا هو معنى قول الجبرية.\nس٣/ ما الفرق بين معجزات الأنبياء القرآن وهل معجزات الأنبياء معجزة بنفسها كالقرآن أم لا؟\nج/ معجزات الأنبياء ومنها معجزات المصطفي ﷺ، ذكرنا أنها آيات وبراهين ودلائل، فلفظ المعجزة لفظ حادث، ولهذا تارة يقع الإشكال في توجيه بعض الأمور؛ لأنه يُنْتَقَل من استعمال العلماء لها في أحد معانيها أو في كثير من معانيها إلى أن تُجعل حقيقة شرعية عامة، وهذا يُنتبه له، فإنَّ كلام العلماء تقرير للحقائق فإذا كان الاستعمال الاصطلاحي لهم في الألفاظ لم يأت في القرآن ولا في السنة فينبغي أن يُجْعَلَ بِقَدَرِه، وألا يُزاد على ما استعملوه فيه، ولهذا لفظ المعجزة -كما ذكرنا لكم- لم يأت في القرآن ولا في السنة، وإنما فُهِمَ ذلك فهما وهذا الفهم صحيح إذا قُدِّرَ بَقَدَرِهِ الشرعي ولم يُنتقل عنه إلى ما لم يأت به دليل.","vol":"1","page":130},{"text":"ولهذا نقول آيات الأنبياء والبراهين الدالة على صحة رسالاتهم وعلى أنهم مرسلون من عند الله وأنَّ ما جاؤوا به حق، هذه كلها دليل صدقها في نفسها؛ لأنها شيء خارج عن قدرة الإنس والجن في ذلك الزمان جميعا، فكل معجزة، كل آية، كل برهان، اقترن بدعوى النبوة فهو خارج عن قدرة الإنس والجن جميعا، في النبي محمد ﷺ وفي جميع الأنبياء والمرسلين؛ لأننا نقول إنَّ كل نبي يُخَاطَبُ به؛ يعني يُخَاطَبُ برسالته الإنس الذين بعث فيهم وكذلك يُخَاطَبُ برسالته من سمع رسالته من الجن، فلهذا يقع الإعجاز وتقع الحجة بأن تكون الآية والبرهان خارجا عن مقدور الإنس والجن جميعا.\nوهذا هو في آيات وبراهين الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه، وكذلك في القرآن، فكلها آية وبرهان حجته في نفسه قاطِعٌ في نفسه لمعارضة المعترض.\nوتدبر هذا في جميع الآيات التي أوتيها الأنبياء والمرسلون عليهم صلوات الله وسلامه","vol":"1","page":131},{"text":"والرُّؤْيةُ حقٌّ لأهلِ الجَنَّةِ، بِغَيْرِ إحَاطَةٍ ولا كَيْفيَّةٍ، كما نَطق به كتابُ ربِّنا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، وتَفْسيرُهُ عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ.\nوكلُّ ما جاءَ في ذَلك مِنَ الحديث الصَّحيح عَن الرسولِ ﷺ فهو كما قال، وَمَعناهُ على ما أراد، لا نَدْخلُ في ذلك مُتَأَوِّلين بِآرَائنا، ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهْوَائنَا، فإنَّهُ مَا سَلِم في دينه إلاَّ مَنْ سَلَّمَ لله ﷿ ولرسُولِه ﷺ، وردَّ علْمَ ما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إلى عَالِمِهِ.\n_________\nهذه المسألة مسألة عظيمة جدًا، وهي مسألة رؤية الرب - ﷿ - في الجنة.\nورؤية الله - ﷻ - في جنات النعيم هي أعلا ما يَلتذُّ به أهل الجنة، فأهل الجنة أعلا نعيمهم رؤية وجه الله - ﷿ -، وذلك لأنه منتهى الجمال؛ ولأنّ في الرؤية الرضا، ولأنّ في الرؤية الإكرام، ولأنّ في الرؤية صلاح القلب برؤية محبوبه - ﷿ -.\nفكل أنواع الجمال التي يتعلق بها المتعلقون إنما هي بعض جمال صفات الرب - ﷿ -؛ يعني أنها شيء من جمال الصفات، كما أن رحمة الله - ﷿ - منها جزء يتراحم به الناس.\nوكذلك جمال الحق - ﷿ - في ذاته وصفاته وأفعاله من جماله أفاض على هذا الوجود، فصارت الأشياء جميلة لما أفاض عليها - ﷿ - من جماله ـ، كما قال ابن القيم ﵀:\nوهو الجميل على الحقيقة كيف لا وجمال سائر هذه الأكوان\nمن بعض آثار الجميل فربها أولى وأجدر عند ذي العرفان\nفكل جمال يطمع إليه الطامع وتتعلق به نفس المُتَعَلِّقْ من جمال مخلوقات الدنيا أو من أنواع الجمال والتلذذ في الجنة فإنه ليس بشيء عند الرؤية والتلذذ بمن أفاض ذلك الجمال، وأفاض تلك اللذات على من شاء من خلقه.\nولهذا قال بعض أهل العلم: إنَّ الرؤية لله - ﷿ - هي الغاية التي شَمَّرَ إليها المشمرون.\nفإذا كانت الجنة غاية في تشمير المشمر وفي تَعَبُّد العابد، فإنَّ أعلى نعيم الجنة وأعظم نعيم الجنة أن يرى المؤمنون ربهم - ﷿ -، كما قال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، نظرت إلى الرحمان فاكتست الوجوه نظرة وجمالا وبهاء وحسنى تبارك ربنا وتعالى.\n\nقال (والرُّؤْيةُ حقٌّ لأهلِ الجَنَّةِ)\nيعني أنَّ الرؤية ثابتة، وهي حق لا مِرْيَة فيه، ولا شك فيه، وهي حق لأهل الجنة فأهل الجنة يرون ربهم - ﷿ - ويتلذذون بذاك النعيم.\n\nقال (بِغَيْرِ إحَاطَةٍ ولا كَيْفيَّةٍ)\nفنفى الإحاطة؛ لأنَّ رؤية الله - ﷿ - لا يمكن أن تكون بإحاطة للمرئي، كما قال سبحانه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فرؤية الله - ﷿ - رؤية عيان؛ لكن لا يمكن أن يُحَاطَ بالله - ﷿ - رؤية كما لا يمكن أن يحاط بالله - ﷿ - علمًا ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ولكن أصل العلم بالله - ﷿ - ثابت، وكذلك الرؤية لا يحاط بها فلا تُدْرَكْ؛ لا تُدْرِكُ الربَّ - ﷿ - الأبصار، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، ولكن أصل الرؤية موجود.\nفالمنفي إذًا في الآيات الإحاطة، وهذا ليس في الرؤية وحدها ولكن في كل صفات الله - ﷿ -؛ فإنَّ الله سبحانه بذاته وبصفاته لا يحاط به علمًا ولا يحاط بالله - ﷿ - إدراكًا ورؤية.\nقال (ولا كَيْفيَّةٍ) يعني لا تُكيَّفُ رؤية الناس لربهم - ﷿ -؛ وإنّما هي حق على ما جاء في الأدلة، والكيفية منفية؛ لأنَّ رؤية الناس لله - ﷿ - -يعني بالناس المؤمنين في الجنة- فإنَّ رؤية المؤمنين لله - ﷿ - في الجنة تبع لصفاته، وصفات الرب - ﷿ - لا تُعْرَفُ كيفيتها.\nفرؤية الرائي للرب - ﷿ - في دار النعيم والخلود والسعادة ليست رؤية إحاطة ولا تُكَيَّفْ بكيفية:\n- لأنَّ الله - ﷿ - في علوه لا يُعْلَمُ كيف ذلك.\n- ولأنَّ الله - ﷿ - في رؤية المؤمنين إليه لا تُعْلَمُ كيفية ذلك.\n- ولأنَّ الله - ﷿ - في كشف الحجاب الذي يحجبه عن رؤية الخلق إليه لا تُعْلَمُ كيفية ذلك.\nفربنا أعلى وأعظم مما يدور في الذهن أو مما يحوم عليه الخاطر أو يتوهمه المتوهم.\nفلذلك نُثْبِتُ الرؤية دون نظر في كيف تكون هذه الرؤية، لكنها رؤية بالعيان رؤية بالعينين ليست رؤية قلب، وإنما هي رؤية عينين، كما سيأتي ذلك في الأدلة.\n\nوكما استدل المصنف ﵀ بقوله (كما نَطق به كتابُ ربِّنا)\nذكرنا لكم أنَّ هذا من الذي استعمله أهل العلم كثيرًا أن يُنْسَبَ القول والنطق والكلام للقرآن يعنون بذلك من تكلم به وهو الرب - ﷿ -، فقوله (كما نَطق به كتابُ ربِّنا) لا بأس به ويستعمله كثير من أهل العلم من المحققين والأئمة.\nقال - ﷿ - (﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]) هذه الآية فيها إثبات رؤية أهل الجنة للرب - ﷿ - وأنَّ وجوه من رأى الرب - ﷿ - ستكون (نَاضِرَةٌ) يعني حَسَنَة بَهِيَّة تعلوها النُّضرة والنَّضرة، كما دعا النبي ﷺ بقوله (نضّر الله امرَأً -امرؤا- سمع مقالتي فأداها كما سمعها) (١) الحديث، دعا له بنضارة الوجه يعني بالحسن والبهاء والزينة والجمال وهذا إنما هو لأهل الإيمان.\n﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ يعني يوم القيامة تلك الوجوه ناضرة حسنة بهية، وتلك الوجوه ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ناظرة إلى الرب - ﷿ -؛ يعني رائية ربها - ﷿ -، تنظر الوجوه إلى الرب - ﷿ -.\nووجه استشهاد المصنف بآية سورة القيامة من ثلاثة وجوه:\n١ - الوجه الأول:\nأنَّ النظر عُدِّي بـ (إِلَى)، وتعدية النظر بـ (إِلَى) تفيد أنَّ معناه الرؤية -كما سيأتي بيان ذلك في المسائل-.\nقال ناظرة إلى ربها، وناظرة،والنظر يأتي لمعاني فإذا عدي بـ (إِلَى) كان المراد رؤية العِيَان.\n٢ - الوجه الثاني:\nأنه جَعَلَ النظر إلى الرب - ﷿ - مضافًا على الوجوه، فجعل الوجوه هي التي تنظر إلى ربها، قال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فالوجوه ناظرة إلى ربها، ومحل الرؤية والنظر في الوجه هو العينان.\n٣ - الوجه الثالث:\nأنه قال ﴿يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، والنضرة: وهي الحسن والبهاء والسرور والحبور الذي يعلو الوجوه والاطمئنان، هذا إنما يكون بالرؤية لأنها منتهى النعيم واللذة، لا من الانتظار الذي لا يُدْرَى هل بعده نعيم أم بعده غير ذلك.\nفكون الأوجُهْ بالنظر صارت ناضرة، يعني حَسَنَة بَهِيَّة دَلَّ على أَنَّ هذا إنما هو الرؤية لأنه أثر الرؤية، وأما مجرد الانتظار فليس كل مُنْتَظِرٍ للرب - ﷿ - يُنضَّر وجهه، بل مِنَ المُنتظِرْ مَنْ يكربس في جهنم والعياذ بالله، وسيأتي مزيد بيان أوجه الاستدلال في المسائل إن شاء الله تعالى.\n\nقال (وتَفْسيرُهُ عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ)\n(تَفْسيرُهُ) يعني تفسير النظر إلى الرب - ﷿ - عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ.\nالتفسير هنا يراد به أحد نوعي التفسير:\nوذلك أنَّهُ جَعَلَ الرؤية حق ونفى في الرؤية التي هي حق ويثبتها: الإحاطة والكيفية.\nفدل على أنَّهُ يُثْبِتُ معنى الرؤية الذي يعلمه السامع للكلام من ظاهر الكلام.\nفلما نفى الإحاطة والكيفية دلَّ على أَنَّ قوله (الرُّؤْيةُ حقٌّ لأهلِ الجَنَّةِ) أَنَّ الرؤية على ظاهرها.\nوهذا هو المعنى الأول للأشياء، هو المعنى المتبادر للذهن في الصفات.\nنقول هذا على ما يتبادر إلى الذهن، فصفة الرحمة معروفة، وصفة الكلام معروف إلى آخره.\nوالنوع الثاني من التفسير هو التفسير لتمام المعنى وللكيفية.\nفإنَّ تمام المعنى والكيفية لا يعلمها إلا الله - ﷿ -، كما قال سبحانه ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، على مَنْ وَقَفَ هنا، فأراد بالتأويل الذي هو التفسير تمام المعنى والكيفية.\nفإذًا تفسير النظر إلى وجه الله الكريم، تفسير النظر إلى الرب الكريم - ﷿ - بتمام معناه لا نعلمه، تفسيره على ما أراده الله تعالى، هو حق، وتمام المعنى لا نعلمه كيف ذلك.\nكيف تُعْطَى العيون القدرة.\nالنبي ﷺ قيل له: أرأيت ربك؟ قال (نُورٌ أَنّىَ أَرَاهُ)؟ (٢) وقال (رَأَيْتُ نُورًا) (٣) كما في الصحيح من حديث أبي ذر، وموسى ﵇ سأل ربه قال ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]، قالت طائفة من السلف: كَشَفَ الله - ﷿ - من الحجاب قدر هذه؛ أنملة واحدة، فساح الجبل، فَرُدَّ طلب الرؤية على موسى لأنَّهُ لن يقدر على ذلك،كذلك قال ﷺ (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (٤) .\nفإذًا الناس ليس عندهم القدرة على الرؤية، فكيف تكون عندهم القدرة على الرؤية؟ وكيف تكون قُواهُم؟ وكيف تكون قُدَرُهُم؟ وكيف يُعطون؟ وعلى أي حال تكون الرؤية وتفسير ذلك على تمام معناه؟\nهذا كله لا يُعْلَمْ كما قال (تَفْسيرُهُ) -يعني بتمام معناه بما يزيد على إثبات الرؤية وأنها حق - على ما أراد الله تعالى وعلمه، لا ندخل في ذلك متأولين ولا متوهمين، كما ذكر بعد ذلك.\nوهذه الكلمة تشبه ما ذكره ابن قدامة وغيره عن الإمام أحمد وعن الإمام الشافعي في الآيات والأحاديث التي فيها إثبات الصفات؛ صفات الرب - ﷿ -، أنهم قالوا: أمروها كما جاءت لا كيف ولا معنى.\nوهذه استدل بها بعض أهل التأويل على أنهم - يعني الإمامين - يعنون بذلك التأويل.\nلا كيف فلا نكيف الصفات.\nولا معنى لا نثبت المعنى بل نفوض المعنى والكيفية.\nوهذا ليس بمراد، بل المراد من قولهم لا كيف ولا معنى أنَّ إمرار الصفات كما جاءت معناه إثبات الصفات على ما دل عليه ظاهر الكلام؛ لأنَّ الصفة لا تُثْبِتُهَا إلا بما دل عليه ظاهر الكلام.\nونفي الكيفية عن الصفة يعني الكيفية التي نحا إليها المجسمة.\nونَفْيُ المعنى بقولهم لا كيف ولا معنى؛ يعني المعنى الذي ذهب إليه المؤؤلة الذي يخالف ظاهر الكلام، ويخالف الإمرار كما جاءت.\nفإذًا الإمرار كما جاءت بما يُفْهَمْ، فمن كيَّف فقد صار مجسمًا أو صار مكيفًا، ومن تأول المعنى فقد دخل في الكلام بما يخرج اللفظ عن ظاهره.\nلهذا قول القائل لا كيف ولا معنى؛ يعني لا كيف كما يقول المجسمة ولا معنى كما يقول المؤولة بما يُخْرِجُ تلك الآيات والأحاديث عن ظاهرها المتبادر منها من إثبات صفات الرب - ﷿ - والأمور الغيبية بعامة، وهذا كما قال هنا (تَفْسيرُهُ عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ) .\n\nقال (وكلُّ ما جاءَ في ذَلك مِنَ الحديث الصَّحيح عَن الرسولِ ﷺ فهو كما قال)\nوقد ثبت عن النبي ﷺ رؤية المؤمنين لربهم - ﷿ - بالتواتر.\nعُدَّ ذلك متواترا في أكثر من عشرين حديثًا جاءت عن المصطفي ﷺ في إثبات الرؤية، بأحاديث متنوعة، مختلفة في ألفاظها وفي طرقها عن عدد كبير من الصحابة، فهي متواترة.\nولهذا كَفَّرَ طائفة من أهل السنة من أنكر رؤية الرب - ﷿ - لأنه إنكار للمتواتر من القرآن وللمتواتر من سنة النبي ﷺ.\n\nقال (فهو كما قال، وَمَعناهُ على ما أراد، لا نَدْخلُ في ذلك مُتَأَوِّلين بِآرَائنا، ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهْوَائنَا) .\n(لا نَدْخلُ في ذلك مُتَأَوِّلين بِآرَائنا) يعني نُخْرِجْ هذا الظاهر بتأويل.\n(ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهْوَائنَا) بما يجعل للرؤية كيفية مُعَيَّنَة، فَنُثْبِتْ الرؤية بكيفية أو لأجل الكيفية ننفي الرؤية كما ذهب إليه المعتزلة وكما ذهب إليه المجسمة.\nفالمعتزلة توهموا أنَّ الرؤية تكون بكيفية فنفوا، والمجسمة توَهَّمُوا أَنَّ الرؤية تكون بكيفية فأثبتوها على تلك الكيفية.\nإذا تبين لك هذا المعنى العام لكلام الماتن رحمه اللهففي هذه المسألة العظيمة، مسألة الرؤية مسائل:\n_________\n(١) أبو داود (٣٦٦٠) / الترمذي (٢٦٥٦) / ابن ماجه (٢٣٠)\n(٢) مسلم (٤٦١) / الترمذي (٣٢٨٢)\n(٣) مسلم (٤٦٢)\n(٤) مسلم (٧٩) / ابن ماجه (١٩٥)","vol":"1","page":132},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ المؤمن في تَعَلُّقِهِ بربه - ﷿ - في عبادته سبحانه بأنواع العبادة القلبية والعملية يرى أنّ الإنعام عليه بأن يكون من أهل الجنة هذا أعظم الإنعام؛ لأنَّ من دخل الجنة قد ﵁ ومَتَّعَهُ بملاذِّها وحبورها وسرورها وأفاض عليه الزيادة وهي رؤية وجه الله الكريم.\nومن أحب تَعَلَّقَ بالمحبوب، وإذا تَعَلَّقَ القلب بالمحبوب لم يهدأ له بال ولا يقر له قرار حتى يلقى محبوبه راضيًا عنه متمتعًا بلذة النظر إليه ومحادثته وتحيته، كما قال سبحانه ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣-٤٤]، فهذا أعلى أنواع التمتع.\nوالقلب إذا خشع لله - ﷿ - وتلذذ بتلاوة القرآن وبالصلاة، وعلم أنَّ هذه من اللذات الحاضرة التي هي التلاوة والصلاة، فكيف بأعظم اللذات وهو رؤية الرب - ﷿ - وهي الغاية كما ذكر العلماء التي شَمَّرَ إليها المُشَمِّرُون، الذين تعلقت قلوبهم بالرب - ﷿ -.","vol":"1","page":133},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ أهل السنة والجماعة جعلوا الرؤية حق، والرؤية بالعينين.\nوهذه الرؤية جاءت فيها آيات كثيرة وأحاديث متواترة عنه ﷺ، وأجمع أهل التفسير من الصحابة والتابعين على القول بالرؤية، ولم ينكرها أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم.\nومن الأدلة على أنَّ الرؤية حق:\nقول الله - ﷿ - ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقوله - ﷿ - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]،وقوله - ﷿ - ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]، وقوله - ﷿ - ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]،وقوله - ﷿ - عن الكفار ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]،وقوله - ﷿ - ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، ونحو ذلك من الأدلة.\nوكذلك الأدلة التي فيها ذِكْرُ لقاء الله - ﷿ - كلها صالحة للاحتجاج بها على رؤية الله سبحانه، كقوله سبحانه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، فَسَّرَهَا طائفة من العلماء من السلف فمن بعدهم بأنَّ لقاء الله برؤيته وهو المعروف لغة.\nوكذلك في قوله - ﷿ - ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٤] قال ثَعْلَبْ -وهو من علماء اللغة المبرزين العارفين-: أجمع أهل اللغة على أنَّ اللُّقْيَا هاهنا هي الرؤية، وذلك لأنَّه لا يمكن ملاقاة وتحية وخطاب باللغة إلا برؤية، والأدلة على ذلك متنوعة، في كل دليل فيه ذكر الرؤية لله - ﷿ - أو فيه ذكر اللقاء، أو ما فُسِّرَ بالسنة برؤية الله - ﷿ -.\nوأما من سنة النبي ﷺ فكما ذكرت لكم الأدلة كثيرة جدًا بلغت مبلغ التواتر، فمنها قوله ﷺ (إِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ يوم القيامة كَمَا تَرَوْنَ البدر ليلة التمام لاَ تُضَامّونَ فِي رُؤْيَتِهِ) (١) .\nوالحديث الآخر قال فيه ﷺ (هل تَرَوْنَ الشمس في وسط النهار، هل تُضَامّونَ فيها؟) قالوا: لا. قال (هل تَرَوْنَ القمر ليلة الْبَدْرِ، هل تُضَامّونَ فيه؟) قالوا: لا. قال (فإِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ كما تَرَوْنَ الشمس وسط الظهيرة لا تُضَامّونَ فيها وكما تَرَوْنَ القمر ليلة التمام لا تُضَامّونَ فيه) (٢) .\nوفيه أيضا قوله ﷺ في تفسير قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، من حديث صهيب ا، قال ﷺ في حديث طويل (الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم) (٣) .\nوأيضا في الباب قوله ﷺ في وصف الجنة (جنتان من ذهب وما فيهما، وجنتان من فضة وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا أن يُكشف الحجاب) (٤) .\nنسأل الله سبحانه المنّ والكرم لرؤيته - ﷿ -، وأن يغفر لنا ذنوبنا وآثامنا، وأن نلقاه وهو راض عنا، سبحانه إنه جواد كريم.\nهذه الآيات والأحاديث فيها تقرير لقول أهل السنة واضح الدِلالة.\nولا نخوض في ذلك بتقرير الأوجه اللغوية لما ذُكر لأنه بتكاثرها وتواردها بلغت مبلغ القطع في هذه المسألة، حيث إنَّ المسالة ليست بخفية حتى قال الإمام أحمد لمن قال له إنَّ فلانًا ينكر الرؤية قال: كافر، كافر. يعني لأنَّ هذه لا تحتمل التأويل، وليس ثَمَّ فيها شبهة.\n_________\n(١) البخاري (٥٥٤) / مسلم (١٤٦٦) / أبو داود (٤٧٢٩) / الترمذي (٢٥٥١) / ابن ماجه (١٧٧)\n(٢) مسلم (٤٦٩) / الترمذي (٢٥٥٤) / ابن ماجه (١٧٩)\n(٣) مسلم (٤٦٧) / الترمذي (٢٥٥٢) / ابن ماجه (١٨٧)\n(٤) البخاري (٤٨٧٨) / مسلم (٤٦٦) / ابن ماجه (١٨٦)","vol":"1","page":134},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنَّ قول أهل السنة في الرؤية؛ أنَّ الرؤية حق لأهل الجنة وللمؤمنين في عرصات القيامة.\nوالرؤية التي للمؤمنين هي رؤية سرور وتلذذ وإكرام.\nواختلف أهل السنة في رؤية الله - ﷿ - في الموقف:\n- هل هي للمؤمنين وحدهم.\n- أم للمؤمنين والمنافقين.\n- أم للناس جميعا، على ثلاثة أقوال.\nوكل الأقوال في مذهب أهل السنة - يعني قال بها طائفة -.\nوكما قال الإمام تقي الدين ابن تيمية ﵀: إنَّ الخلاف في هذه المسألة -يعني هل يرى الكفار ربهم يوم القيامة أو لا يرونه؟ هل يراه المنافقون أو لا يرونه؟ - لا ينبغي أن تكون من المسائل التي يُشَدَّدُ فيها الخلاف؛ بل الأمر فيها خَفِي، هذا نص عبارته.\nوالمذاهب فيها كما ذكرت لكم ثلاثة:\n- فجمهور أهل السنة والحديث على أنَّ الرؤية للمؤمنين في عرصات القيامة.\n- وقال طائفة (١) للمؤمنين والمنافقين، وممن ذهب إلى ذلك ابن خزيمة كما نصًّ عليه في كتاب التوحيد\n- القول الثالث: أنَّ الرؤية للجميع، للمؤمنين والمنافقين والكفار.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ الكافر يُحْجَبْ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، قالوا: فكونه حُجِبَ يومئذ دلَّ على أنَّه قبل ذلك لم يكن محجوبًا؛ لأنَّ الكلام في الآخرة، وأما في الدنيا فالكل محجوب عن رؤية الرب - ﷿ -.\nوهذه الأقوال جَمَعَتْ النظر في الرؤية.\nويبقى أنَّ رؤية الرب - ﷿ - نوعان:\n١ - النوع الأول: رؤية إكرام ولذة ونعيم وإنعام وحبور وسرور، فهذه للمؤمنين في الجنة وللمؤمنين في عرصات القيامة، فهي من الطمأنينة لهم.\n٢ - والنوع الثاني رؤية حساب وتقرير وتعريف، فهذه هي التي يمكن أن يقال: إنها مرادة في حديث المنافقين فيما ثبت في الصحيح (أنَّ الله - ﷿ - يأتي الأمة وفيه منافقوها، ثم يأتيهم في غير الصورة التي رأوها من قبل، ثم يأمرهم بالسجود فلا يسجدون، فيقولون نحن هنا حتى يأتي ربنا، ثم بعد ذلك يكشف الرب عن ساق، فيعرفونه فيسجد المؤمنون، ويبقى من لم يكن مخلصا في الدنيا يريد أن يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا) (٢) فهذا يدل على أنّ هذه الرؤية رؤية تعريف ورؤية حساب وهذا النوع من الرؤية لا ينبغي أن يكون الخلاف فيه؛ لأنَّ الحديث دل عليه.\nفإذًا الرؤية التي نقول: إنه أجمع أهل السنة على أنها للمؤمنين هي رؤية التنعم والتلذذ، وفي ضمن ذلك رؤية التعريف.\nوأما رؤية الله - ﷿ - للتعريف والحساب فهذه كُلٌ يراه بحسب حاله والله أعلم بكيفية ذلك وتفسيره.\nأما الكفار فعامة أهل العلم إلا من شذَّ وقلَّ يقولون إنَّ الكافر لا يرى الله - ﷿ - لا رؤية تعريف ولا رؤية تلذذ من باب أولى؛ لأنَّ الكافر محل العذاب والنكال.\nوأجابوا عن استدلالهم بقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، بأَّن هذا استدلال بالمفهوم، بمفهوم (يَوْمَئِذٍ)، (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) وهم محجوبون في الدنيا عن الرؤية وكذلك محجوبون في الآخرة عن الرؤية.\nوكلمة (يَوْمَئِذٍ)، ليس لها مفهوم كما قال - ﷿ - ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، وكما في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]، وفي آيات كثيرة عُلِّقَتْ أشياء تحصل يوم القيامة بـ (يَوْمَئِذٍ)، وقد يكون جنسها أو بعض أفرادها يحصل في الدنيا إما بالعموم أو بالخصوص.\nالمقصود من رد الاستدلال أنه كلمة (يَوْمَئِذٍ) ليس لها مفهوم، لا نفهم منه أنهم حُجِبُوا يومئذ فمعنى ذلك أنهم قبل ذلك يعني قبل الحجب يومئذ لم يكونوا محجوبين، بل كانوا محجوبين ثم صاروا محجوبين لكن توعَّدَهُم بين حالهم بقوله (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الجَحِيم)، فحُجِبوا ثم صاروا صالين للجحيم.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط العاشر.\n(٢) البخاري (٧٤٣٩) / مسلم (٤٧٢)","vol":"1","page":135},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nمذاهب الناس في الرؤية متعددة، منها -يعني من خالف قول أهل السنة- أشهرها مذهبان:\n١ - المذهب الأول:\nمذهب من منع الرؤية وتأَوَّلَ كل النصوص الواردة في ذلك: وهم المعتزلة، قبلهم الجهمية، والخوارج بعامة، والإمامية من الروافض؛ بل الروافض بعامة؛ لأنَّ الزيدية ينكرون الرؤية كقول المعتزلة.\nوهذا القول له حججه واستدلالاته ستأتي.\n٢ - المذهب الثاني:\nمذهب من أثبت الرؤية ولكن قال: الرؤية ليست إلى جهة، وإنما تكون إدراكًا، وهذا هو قول الأشاعرة ومن نحا نحوهم.\nفردُّوا قول المعتزلة في أنَّ الرؤية ممتنعة بإثباتها، ووافقوهم في أنَّ ليس على العرش رب وأنَّ الله سبحانه ليس في جهة - جهة العلو - فقالوا الرؤية لا إلى جهة.\nوكيف تكون رؤيةً إذًا وليست إلى جهة؟\nأما قول المعتزلة والخوارج، ويُشْهِرُ هذا القول في زمننا هذا طوائف الروافض والزيدية والإباضية من الخوارج ويستدلون له.\nفمن أدلتهم:\n١- قوله - ﷿ - حينما سأل موسى ﵇ الرؤية ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف:١٤٣]، إلى آخره، قالوا: وجه الاستدلال أنَّه نَفَى رؤية الله - ﷿ -، وموسى الكليم أحق الناس بالرؤية، والنفي بلن يفيد التأبيد.\n*والجواب عن هذه الحجة التي أدلى بها أوائل المعتزلة من شابههم إلى يومنا هذا: أنَّ النفي بلن في اللغة لا يفيد التأبيد، وإنما يفيد النفي المجرد.\nوأما من قال إنه يفيد التأبيد وهو الزمخشري في الكشاف وفي كتابه المفصل في النحو فإنه باطل، وردَّه ابن مالك في الكافية الشافية بقوله:\nومن رأى النفي بلن مؤبدا ****** فقوله اردد وسواه فاعضدا\nوردَّهُ أيضا ابن هشام في أوضح المسالك قال: ولا تفيد تأبيد النفي خلافا لمن قاله.\nويدل على ذلك أنَّ الله - ﷿ - قال ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥] يعني الموت، فقال (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) فنَفَى بالتأبيد بكلمة (أَبَدًا) وباستعمال (لَنْ) نفى التمني، وأثبت أنهم يتمنونه يوم القيامة قال - ﷿ - ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] يعني ليميتنا ربك قال (إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)، فدل على أنَّ نفيه بـ (لَنْ) وبكلمة (أَبَدًا) لم يفد التأبيد المستغرق للدنيا والآخرة معا.\nفإذًا أفاد:\nأولًا: أنَّ قوله (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) أنه لَمَّا استعمل (أَبَدًا) دلَّ على أنَّ (لَنْ) لا تفيد التأبيد.\nثانيًا: على أنَّ كلمة لن لَمْ تُفِدْ التأبيد؛ لأنهم تمنوا الموت في الآخرة، فدلت على أنها تفيد النفي في الدنيا.\n٢ - ومن أدلتهم أنهم قالوا: إنَّ النظر في القرآن وفي اللغة يفيد الانتظار، وهو أصله، وليس أصل النظر الرؤية، فالآيات التي فيها ذكر النظر تفيد الانتظار.\nفقوله - ﷿ - ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا﴾ (١) يعني فهل ينتظرون وقوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]؛ يعني منتظرة الفرج، ويستدلون عليه بقول الشاعر:\nوجوهٌ يوم بدرٍ ناظراتٌ ****** إلى الرحمن يأتي بالفلاحِ\nناظرات إلى الرحمن، قالوا معناها منتظرات.\n* وهذا القول في الاستدلال بمعنى النظر والإتيان عليه بهذا الشاهد اللغوي ليس على ما قالوا، وذلك أن اللغة فيها أفعال تختلف بالتعبير كثيرة جدًا، فيكون للفعل معانٍ متعددة مختلفة بأنواع التعبير، ومنها فعل:\nانْتَظَرَ ونَظَرَ، ومصدر ذلك واسم الفاعل ناظرًا.\nوتبيين ذلك أن يُقالَ -كما أوضحه الشارح وغيره من أهل اللغة- أَنَّ كلمة النظر وما اشْتُقَّ منها:\n- تارَةً تتعدى بنفسها فيكون المعنى الانتظار؛ يعني تصل إلى المفعول بنفسها فيكون معناه الانتظار.\n- وتارَةً تتعدى بـ (في) فيكون المعنى التفكر والاعتبار.\n- وتارَةً تتعدى بـ (إلى) فيكون المعنى الرؤية، وقد يكون مع الرؤية الانتظار بحسب السياق، لكن لا يمكن أن تتعدى بـ (إلى) ويكون انتظارًا بلا رؤية، لا يمكن، ولم يأتِ في أي شاهد في لغة العرب ولا في القرآن ولا في السنة أنَّ النظر يتعدى بـ (إلى) ويكون معناه الانتظار المجرد من الرؤية،بل النظر إذا تَعَدَّى بـ (إلى) صار معناه الرؤية، وقد يكون على قِلَّةْ مع الرؤية الانتظار، وهذا له نظائر في اللغة يطول الكلام ببيانها.\nفإذًا قوله - ﷿ - ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، كونه عدّى اسم الفاعل (نَاظِرَةٌ) الذي يعمل عمل فعله عداه بـ (إِلَى) دل على أنَّ المراد الرؤية، وكونه أضاف النظر إلى الوجوه التي هي مكان الرؤية دلّ على أنَّ الرؤية تكون بآلة في هذا الوجه وهي العينان.\n_________\n(١) فاطر:٤٣، محمد:١٨.","vol":"1","page":136},{"text":"٣ - من أدلتهم أيضا قوله - ﷿ - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، قالوا: فَنَفَى الإدراكَ، ونَفْيُ الإدراك مستلزم لانتفاء الرؤية.\n&amp; والجواب أنَّ هذا غلط كبير؛ لأنَّ نَفْيَ الإدراك لا يستلزم انتفاء الرؤية، فإنَّه قد ترى الشيء ولا تدركه؛ يعني لا تحيط به، فهذه السماء نراها ولا أحد يشك في أنه يرى السماء، ولو قلت لأي أحد يرى السماء: هل تدرك السماء رؤية وتحيط بها؟\nفسيكون جواب كل أحد: لا، يعني لا يدركها رؤية، وإنما يرى منها ما يمكنه أن يرى وكما قال - ﷿ - ﴿فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦١-٦٢] ووجه الدلالة أنَّهُ نفى الإدراك، ومع نَفْيِ الإدراك أثبت الله - ﷿ - الترائي وهو رؤية كل جمع لآخر فقال ﴿فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ﴾ هذا الجمع رأى الجمع وذاك الجمع رأى الجمع ومع ذلك ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فقال موسى (كَلَّا) يعني لن نُدْرَكْ يعني لن يُحاطَ بنا.\nفنَفْيُ الإحاطة لا يستلزم أن تُنْفَى الرؤية؛ بل نَفْيُ الإحاطة يستلزم إثبات الرؤية نقيض ما قالوا، وهو الوجه الثاني من الاستدلال عليهم بهذه الآية.\nالوجه الثاني من الاستدلال عليهم بهذه الآية أنَّ نفي الإدراك ليس كمالًا، والقاعدة المعروفة أنَّ كل نفي في القرآن فكماله بإثبات ضده، فربنا - ﷿ - قال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، وذلك لكمال سعته ﷾ وكمال علوه وكمال استغناه عن خلقه، إلى غير ذلك من أفراد صفات الجلال للرب - ﷿ -.\nفلا يقال إنه لا يُدْرَك ويكون المراد كمالًا إلا وأَصْلُ ذلك ثابتًا، وهو أنه في محل من يُرَى أو في محل الرؤية.\nمثال ذلك أنك لو قلتَ: إنني لم أر العقل، ولم أر الفهم، ولم أر القلب، ولم أر السمع، ولم أر الإبصار، وهكذا الصفات ولم أر الرحمة، ولم أر الرأفة، إلى آخرها، فإنَّ نفي هذه الرؤية ليس كمالًا في أنَّ هذه الأشياء تُرى، ولكنك عجزت.\nلأنك متى ما قلت في شيء إنك تراه أو لا تدركه رؤيةً فإنما يكون كمالًا إذا كان في محل ما يمكن أن يُرَى.\nأما الأشياء التي لا تُرَى أصلًا فإنه ليس من الكمال أن تَنْفِي الرؤية عنها.\nفكونك تنفي الرؤية عن الرحمة لا يعد هذا كمالا في الرحمة، وإنما هكذا وُجِدَتْ، كونك تنفي الرؤية عن الإبصار والإدراك لا يدل على كمال فيها.\nفإذًا دَلَّ نَفْيُ الإدراك عن الرب - ﷿ - أنَّ نَفْيَ الإدراك لأجل أنه عظيم - ﷿ - فإنه يُرَى، ولكنه لا يُدْرَكْ.\nوالإدراك ينقسم إلى قسمين:\n- إدراكٌ بِرُؤْيَةٍ\n- وإدراك بعلمه\nوالإدراك بعلم: نَفَاهُ الله - ﷿ - في قوله سبحانه ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] .\nوإدراك الرؤية: نفاه الله - ﷿ - في هذه الآية.\nوهذه الآية في إدراك الرؤية لا في إدراك العلم، دلَّ عليها قوله بعد النفي ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] .\nفكونه سبحانه ﴿يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ يعني يراها، وخَصَّ الإدراك بإدراك الأبصار لأنَّ الأبصار هي محل نَفْيِ الإدراك السابق، فقال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فلما قال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ دَلَّنَا على أَنَّ المنفي هو إدراك الرؤية لا إدراك العلم.\nوالأدلة التي استدلوا بها متنوعة كثيرة، لا نُشْغِلُكُم بها معروفة وهذه المسألة من أطول المسائل التي فيها الكلام، لكن دائمًا المؤمن أحق بالحجة من غيره، وفهم الحجة يكون بالأناة، تتأنى في فَهْمِ احتجاج أهل السنة، فإننا -ولله الحمد- بتجرد لا نعلم مسألة قال فيها أهل السنة قولًا واستندوا فيها إلى الأدلة، ويكون ثَمَّ فيها شبهة لا في الأصول -أصول صفات الرب - ﷿ - - ولا في الغيبيات بعامة؛ لأنَّ قولهم مُبَرَّأْ من الهوى، لا يدخلون متوهمين بأهوائهم ولا متأولين بآرائهم وقلوبهم، وإنما يثبتون ما ثبت في الكتاب والسنة، وإنما هم مستسلمون لنصوص الوحي، كما سيأتي إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله تعالى.\nمن العجيب أنَّ الحجج عند المعتزلة يحتجون بما ذكرنا ويَرُدُّونَ حُجَجَ أهل السنة على حسب أقوالهم بتفسير النظر كما قلنا بأنها ناظرة يعني منتظرة، إلى آخر ما ذكرت لكم.\nلكنهم إذا أتت السنة والأحاديث في تفسير الآيات وفي إثبات الرؤية وهي بالغة مبلغ التواتر فإنهم يشرحون ولا يستطيعون حتى الإبانة عن وجه ربها.\nيعني أنهم يقلقون ولا يحسنون إبانةً ولا تَفْقَهُ لهم قولًا.\nوقد سمعت كلام بعضهم، سمعته بأُذُنَيَ وقرأت كلام بعضهم أيضًا بعينيَّ فما أحسنوا جوابًا ولا خَلَصُوا إلى قول يردُّونَ به الأدلة من السنة.","vol":"1","page":137},{"text":"لهذا قال طائفة من المحققين من أهل السنة: إنَّ تأويل نصوص المعاد والبعث والقبر والصراط والجنة والنار ونحو ذلك - ما يحصل يعني في عرصات يوم القيامة وما يحصل في السماء- أسهل بكثير من تأويل آيات وأحاديث الرؤية؛ لأنها بلغت مبلغ التواتر وأُكِدَتْ بأنواعٍ من التأكيدات، وبُيِّنَتْ بأنواعٍ من البيان بما يقطع معه السامع أنَّ المراد بها ظاهرها على حقيقتها حتى عند قول من يجيز القول بالمجاز أو التأويل الذي ينحو إليه ألئك، فإنَّ هذه لا يمكن أن يجري عليها ما يجري على غيرها بقطع.\nفإذن الحجة فيها قوية وقاطعة وإنما هو الهوى، نسأل الله - ﷿ - السلامة والعافية، ولكن يجب على المؤمن الموحد أن يعلم الأدلة ووجه الحجة حتى يدلي بحجته في تلك المسائل.\nأما قول الأشاعرة في المسألة وهو أنهم قالوا يُرَى إدراكًا لا إلى جهة فإنه عجيب.\nفإنَّ قول المعتزلة في نفي الرؤية أقرب إلى العقل من قول الأشاعرة - يعني إلى عقل وفهم السامع - خلافًا لقول الشارح إنَّ قول الأشاعرة أقرب إلى العقل من قول من نفى.\nبل الحقيقة العكس:\nمن نَفَى الرؤية لأنه لا يثبت العلو قال ما دام أننا لا نثبت العلو فالرؤية لا يمكن أن تكون إلا إلى جهة.\nالإنسان كيف يرى؟\nلابد إلى جهة يراه، أما يرى شيئًا ليس أمامه ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن شماله وليس بأعلى منه ولا أسفل منه فكيف يراه؟ وأين يراه؟\nلا شك أنَّ هذا العقل يرده.\nولهذا نقول قول الأشاعرة إنه يُرَى لا إلى جهة؛ يعني لا يُرَى في جهة العلو ويُرَى إدراكًا، فإنَّ هذا ولو كان إثباتًا للرؤية فهو غير مقبول عقلًا ولا مقبول سمعًا.\nوالواجب إثبات النصوص التي جاء فيها ذلك وإثبات ما دلت عليه من أنَّ الرؤية تكون على ما أخبر الله - ﷿ -، وأنَّ الله سبحانه يطَّلع إلى أهل الجنة وأنه يكشف الحجاب فيرفعون رؤوسهم فينظرون إلى الرب - ﷿ -، وأنه سبحانه مستوٍ على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، وأنَّ عرش الرحمن فوق الجنة؛ يعني سقف الجنة، وهكذا في أدلة كثيرة.\nفمن نفى علو الرحمن - ﷿ - وقال هو –سبحانه- في كل مكان، فكيف يُقْبَلُ إثباته للرؤية؟\nلاشك أنَّ قول الأشاعرة عجيب وليس لهم حجة من جهة سمعية ولا من جهة عقلية، إلا شيئًا واحدًا وهو أنهم أبطلوا: نفي علو الله - ﷿ -؛ وأنّه سبحانه في كل مكان وفرَّعُوا عليه أنَّ الرؤية لمَّا جاءت بها الأدلة قالوا يُرَى لا إلى جهة وهذا باطل.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>[المسألة الخامسة]:\nأنَّ رؤية المؤمنين في الجنة لربهم - ﷿ - عامة بالإنس والجن، للرجال وللنساء، وللملائكة أيضًا</span>، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣-٢٤]، فالملائكة في الجنة يعني طائفة منهم في الجنة، وفي الجنة المؤمنون من الجن والإنس ومن الرجال والنساء، ولم يدلَّ دليل على اختصاص الرؤية بالرجال دون النساء ولا على اختصاص الرؤية بالإنس دون الجن، وهذه فيها أقوال:\n١ - القول الأول:\nمن قال: إنَّ الرؤية للإنس دون الجن، وهذا خلاف الصواب كما ذكرنا؛ لأنَّ الآيات عامة في الرؤية في كل مؤمن فمن دخل الجنة رآه.\n٢ - القول الثاني:\nإنَّ الرؤية للرجال دون النساء، واستدلوا على ذلك بقوله - ﷿ - ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] وأنَّ القصر في الخيام يدل على عدم خروجهن من ذلك.\n* والصواب أنَّ الرجال والنساء من المكلفين من الجن والإنس يرون ربهم - ﷿ - إذ كانوا من أهل الجنة.\nوأمَّا الاستدلال بالآية فعجيب لأنَّ:\n@ أولًا: الآية أولًا في الحور، والحور خلق ينشؤهن الله - ﷿ - إنشاءً في الجنة وليسوا من المكلفين في الدنيا.\n@ ثانيًا: أنَّ الله - ﷿ - قال ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس:٥٦] وقال - ﷿ - في الآية الأخرى ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾، فمن نعيم أهل الجنة أنهم يتمتعون هم وأزواجهم على الأرائك فيتكئون وينظرون، وإخراج النساء من الاتكاء ضده الآية وكذلك إخراجهم من النظر ضده الآية.\nلهذا نقول غلط من قال إنَّ الرؤية للرجال دون النساء، فالنساء يرون ربهم - ﷿ - كما يراه الرجال؛ لأنهم مكلفون متعبدون، والنعيم عام للإنسان الذي يدخل الجنة من الرجال والنساء جميعًا، نسأل الله الكريم من فضله.","vol":"1","page":139},{"text":"[المسألة السادسة]:\nرؤية النبي ﷺ لربه، وهل حين المعراج رأى ربه أم لا؟\nاختلف فيها أهل العلم على أقوال:\n١ - القول الأول:\nمن ينفي رؤية النبي ﷺ لربه - ﷿ -؛ يعني بعينيه.\n٢ - القول الثاني:\nمن يثبت الرؤية إما بالقلب أو بالعينين.\n٣ - والقول الثالث:\nالتوقف.\nوالتوقف لا ينبغي أن يكون قولًا؛ لكن هكذا قيل.\n&amp; أما القول الأول: وهو أنَّ النبي ﷺ لم ير ربه، فهذا هو القول الذي عليه الجماهير، ولمَّا قال مسحوق لعائشة ﵂: إنَّ قوما يقولون إنَّ النبي ﷺ رأى ربه، فقالت عائشة: لقد قَفّ شَعْرِي -يعني وقف شعري- مما قلتَ، وهذا مما يدل على:\n- تعظيم الصحابة لربهم - ﷿ -.\n- وأنهم قَدَرُوهُ سبحانه حق قدره.\n- وأنَّ منزلة النبي ﷺ في قلوبهم مهما علت وعظُمَتْ فإنه يعلمون عظمة الرب - ﷿ - وعظيم صفاته ـ.\nقالت: لقد قَفّ شَعْرِي مما قلت، من زعم أَنّ مُحمدًا ﷺ رَأَى رَبّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ على الله الفِرْيَةَ.\nوفي حديث أبي ذر عند مسلم أنَّ النبي ﷺ سئل فقيل له: هَلْ رَأَيْتَ رَبّكَ؟ قال (رَأَيْتُ نُورًا)، وفي الرواية الأخرى قال (نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)؟ (١)\nقوله (رَأَيْتُ نُورًا) يعني الحجاب، فإنَّ الله - ﷿ - نور وحجابه نور.\n(رَأَيْتُ نُورًا) يعني رأى الحجاب، ولم ير الرب - ﷿ -.\nولهذا في الرواية الثانية قال (نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)؟ يعني ثَمَّ نور حاجب فكيف أراه؟\nوهذا هو الصحيح لأنّ النبي ﷺ لم ير ربه، بل لا يرى أحدٌ ربه بعينيه في الدنيا.\n&amp; أمَّا القول الثاني: من قال إنَّ محمدا ﷺ رأى ربه بعينيه أو بقلبه وهو منسوب إلى ابن عباس وقاله طوائف قليلة من الناس، فهذا بناء على آية سورة النجم، والاستدلال بها فيه نظر.\n&amp; أما القول الثالث: التوقف فلا يصلح؛ لأنَّ الحديث دال على نفي الرؤية مع كلام عائشة ك.\nنكتفي بهذا القدر، وثَمَّ مسائل كثيرة في رؤية الله - ﷿ - نرجئها أو نطويها، والمسألة من أراد المزيد فيها فليراجعها في مظانها.\nأسأل الله سبحانه أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (٢)\n_________\n(١) سبق ذكره (١٤٢)\n(٢) انتهى الشريط العاشر.","vol":"1","page":140},{"text":": [[الشريط الحادي عشر]]:\n\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>الأسئلة</span>\nس١/ يقول ذَكَرَ العلماء أَنَّ لفظ الجلالة أصله إله فأدخلت الألف واللام وحذفت الهمزة وأدغمت اللام في التي تليها، والسؤال هو: ألا يتنافى هذا مع كون أسماء الله عظيمة؟\nج/ لفظ الجلالة واسم الله: اختلف العلماء فيه؛ هل هو مشتق أم هو غير مشتق؟\nوالخلاف واسع.\nوالذي يرجحه جمع كثير من المحققين وهو المعتمد عند أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى أنَّ لفظ الجلالة مشتق، ومعنى كونه مشتقًا أنَّ اسم الله دال على المعبود بحق دلالة مطابقة؛ يعني أنَّ كلمة الله أصلها الإله والإله هو المعبود.\nأما الذي يقول أنه ليس بمشتق فيقول: إنَّ الله علم على الذات -ذات الرب - ﷿ -- وليس فيه معنى.\nوالقاعدة عامة عندنا أنَّ اللغة في الأسماء لابد أن تكون دالة على معاني.\nفالاسم يكون دال على معنى، أسماء الله الحسنى دالة على معاني فيها\nفليس ثَمَّ اسم ليس له دلالة على معنى، والدلالة على المعنى تارة تكون دلالة جامدة وتارة تكون دلالة مشتقة.\nوهذا في اسم الله الأعظم أو اسم الله (الله) لفظ الجلالة العظيم هذا مشتق من إله؛ لأنَّ العرب تُسَهِّلْ في مثل هذا كثيرًا.\nوالبحث فيه بحث نحوي وصرفي وأَكْثَرَ العلماء منه.\nالمقصود من الجواب أنَّ اسم (الله) مشتق ولا ينافي هذا تعظيم لفظ الجلالة؛ لأننا كما نقول إنَّ الجبار يتنوع إلى عدة معاني أو يدل على عدة معاني ومشتق من كذا واسم الله العظيم مشتق واسم الرحمن مشتق من الرحمة، وهكذا.\nفالذين يقولون إنَّ الاشتقاق ينافي التعظيم هذا ينخرم الكلام فيما أوردوه بجميع الأسماء الحسنى، فأسماء الله الحسنى كلها مشتقة، والاسم (الله) مشتق من الألوهة وهي العبادة؛ لأنَّ الله عَلَمٌ على المعبود بحق.\n[.....]؟ (١)\nهذا بحث آخر؛ يعني هل تظن أنَّ أسماء الله - ﷿ - هي قبل اللغات؟\nلا، اللغات دالة على أسماء الله - ﷿ - وصفاته، كما تدل اللغات على أشياء أخر، ولا يعني هذا أنها مُواضَعَةْ؛ أنَّ الناس اصطلحوا عليها، ليس كذلك؛ لأنَّ الله - ﷿ - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]، فالأسماء ومن ضمنها أسماء الله - ﷿ - مُعَلَّمَةْ، وكذلك في اللغات دلالة الكلمة على أنها اسم من أسماء الله هذا بالتعليم، وليس العباد الذين يضعون أسماء لله - ﷿ -، فهذا لا يعني أنَّ أسماء الله - ﷿ - بالمواضعة -يعني بالاصطلاح-، الناس وضعوها واشتقوا هذا من هذا إلى آخره، يعني أنهم هم الذين فعلوا ذلك، لا، أسماء الله - ﷿ -، الله سبحانه لم يزل له الأسماء الحسنى والصفات العلا قبل أن يخلق الخلق.\n[.....]؟\nهذا على كل حال بحث لغوي طويل، لا أظن يسع مثل هذا المقام أن يُفَصَّل فيه.\nاللغات في نشأتها، كيف نشأت اللغات؟ اللغة العربية كيف نشأت؟ هل آدم ﵇ كان يتكلم باللغة العربية؟ ما قبل إبراهيم ﵇ هل كان يتكلم باللغة العربية؟ نوح ﵇ هل كان يتكلم باللغة العربية؟\nالله - ﷿ - جَعَلَ من آياته اختلاف الألسن والألوان، فَأَصْلُ اللُّغات أسماء عَلَّمَهَا ربُّنا - ﷿ - آدم، ثم حَصَلَ هناك أنواع من الاشتقاق وتداخل الناس لما تفرقوا في اللغات.\nاللغات بعضها يأخذ من بعض، وعند العلماء المعاصرين يعني علماء اللغة، علماء فقه اللغة وخاصة اللغات السامية دَلَّتْهُم البحوث والكتابات القديمة التي وجدوها في الجدران وفي الآثار القديمة على أَنَّ مجموعة من الكلمات كانت مشتركة ما بين اللغات، وهذا طبعًا يدل على أَنَّ أصل اللغات واحد، وهذا لا شك فيه، ثم بعد ذلك بدأت تتوسع اللغات وتختلف.\nفلهذا جاء في الحديث «أول من فُتِقَ لسانه عن العربية الفصحى إسماعيل ﵇» (٢) .\nإذًا فُتِقَ اللسان، من الذي فَتَقَ اللسان؟\nيعني هذه القواعد التي أوردها العلماء -قواعد النحو- هذا استنتاج، لا يُتصور أَنَّ العرب اجتمعت في مؤتمر عام وقالت بنضع القواعد في لغتنا، هذا غير موجود.\nكذلك أغرب منه في العلل والاشتقاق.\nولهذا قال بعض العلماء في العلل الضعيفة هذه أضعف من علة نحويّ؛ لأنها مستنتجة.\nمثلًا: تقول: محمد قادم، ثم تقول: لمحمد قادم، ثم تقول: إنَّ محمدا لقادم.\n(محمد قادم) خبر أُكِّدَ باللام الأولى في الجملة الثانية (لمحمد قادم) .\nواللام هذه لام التأكيد، لام الابتداء لها حق الصدارة.\n(إنَّ محمدًا لقادم)، هنا أُخّرَتْ ولذلك سميت إيش؟\nالمزحلقة؛ لأنها زُحْلِقَت من المبتدأ حين كانت فيه (لمحمد قادم) إلى الخبر فصارت (إن محمدا لقادم) .\nهنا لماذا حصل هذا؟\n_________\n(١) مداخلة من احد الطلبة\n(٢) لم أجده بهذا اللفظ وإنما ورد عن ابن عباس ﵁ أنه قال (أول من نطق بالعربية ووضع الكتاب على لفظه ومنطقة ثم جعل كتابا واحدا مثل بسم الله الرحمن الرحيم الموصول حتى فرق بينه ولده إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما) المستدرك (٤٠٢٩)","vol":"1","page":141},{"text":"يأتي النحاة ويوجِّهُونَ ذلك، وثَمَّ كتب كثيرة في علل النحو لا تُحْصَى، وهي عدة مدارس في تعليل الأحكام النحوية.\nمن تعليلاتهم يقولون: إنَّ العرب من عادتها أن تكرم الضيف، فلما أتت اللام ضيفًا على محمد قادم كان لها حق الصدارة، فلما أتى الضيف الجديد إنَّ تأخرت اللام؛ لأنها كانت في الجملة موجودة فتأخرت.\nيعني هذه كلها التماسات.\nكذلك إذا قال لماذا (كَانَ) نصبت الخبر ورفعت الاسم؟\nلأنها مشبهة بالفعل وهي فعل ماضي ناقص، وكذلك أخواتها.\n(إن وأخواتها): إنَّ وأَنَّ وليس إلى آخره، هذه لماذا انعكست فيها القضية؛ مُخالِفةً لـ (كان)؟\nلأنها تَقَعَّدَت (كان) وهذه وهذه بعضها يشبه بعضًا، يعني (كان وأخواتها) و(إن وأخواتها) بالدخول على الجملة الاسمية، فَفَرَّقُوا بينها.\nإذًا كل هذا نخلص منه إلى شيء مهم جدًا في علم اللغة وهو أنَّ صنعة العلوم إنما أتت بعد انتهاء اللغة.\nفإذًا هي التماس.\nفإذا قال لك العالم: إنَّ كلمة (الله) كانت إله ثم أُدْخِلَتْ فإنَّ هذا من جهة التحليل، وليس أنَّ العرب صنعت ذلك على مراحل؛ لكن هذا من جهة التحليل.\nيقول لك: ولكثرة الاستعمال صارت كذا، يعني هذا من جهة التحليل.\nيعني اعكس المسألة وقل: لأنَّ لفظ الجلالة الله موضوع لكثرة الاستعمال فجاء على لفظ الله ولم يأت على لفظ الإله؛ لأنَّه موضوع لكثرة الاستعمال.\n* وهذه انتبه لها قاعدة في اللغة.\nولهذا يخطئ بعض الذين يعتنون بمباحث الاشتقاق ويستغربون بعضها من هذه الجهة، فيظنون أنَّ العرب اجتمعت ووضعت للغتها قواعد.\nوالصحيح الذي لا ينبغي المحيد عنه: أنه ليس ثَمَّ وَضْعْ في اللغة، وعِلْمُ الوَضْعْ الذي يُسَمَّى علم الوضع إنما هو تقريب للعلوم التي صُنِّفَت في هذه الأمة، وليس هو وَضْعْ العرب، فإنَّ العرب ما اجتمعت، العرب متفرقة، العرب كانت في اليمن ثم تَفَرَّقَت، والعرب القديمة - العرب العاربة- ثم العرب المستعربة تفرقت، واللغة بدأت تتدرج وتنمو وتصل إلى مراحل في نموها.\nفاللغة مثل الإنسان، اللغة مثل الإنسان، مرَّ به طفولة، ثم مرَّ به شباب، ثم مرّ به فتوة وقوة ثم يمرُّ به اكتهال إلى آخره، فهذه اللغات تمر بهذه المراحل.\nأما اللغة العربية فثبتت وقويت ولم تمر بها فترة الكهولة التي تُسَمَّى فترة الكهولة؛ لأنَّ فيها القرآن، القرآن هو الذي أبقاها حية قوية في شبابها.\nفلهذا كل ما تراه من التعليلات عند النحويين أو الذين يعتنون بالنحو ويوغلون فيه بحثًا فيما يستبعدون أو يقبلون هي كلها في ظنهم أنَّ المسألة ليست هكذا وإنما هي هكذا.\nما كان فيه إله، وكيف يكون فيه إله؟ أو كيف يشتق هذا من هذا؟ والعرب ما اشتقت هذا من هذا، وإنما الوضع الأول هو كذا.\nالوضع الأول في الأسد هو كذا، الوضع الأول في الجناح هو في الطائر، من الذي يقول هذا؟ كل هذا من الذي يقوله؟\nيقولون الجناح للطائر من الذي قال أنَّ الجناح للطائر؛ من؟ هل ثَم برهان؟\nلذلك يأتون عند قوله تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] يقولون هنا استعارة؛ لأنَّ الجناح للطائر واستعير للإنسان، استعارة يعني مجاز.\nطَيِّبْ من الذي قال إنَّ العرب وضعت الجناح للطائر،؟\nلا يوجد.\n* فإذًا تنتبه لأنَّ من أوغل في المباحث اللغوية دون معرفة لأصولها والتحقيق فيها قد تدخل عليه إشكالات في العقيدة.\nلهذا اعتنى المعتزلة بالمباحث اللغوية لصدّ كثير من الناس عن الحق في مسائل الاعتقاد، ظنًّا منهم أنهم حققوا المسائل العقدية.\nفانتبه إلى هذه القاعدة: وهي أنّه لا يُتَصَوَّرْ في القواعد التي وُضعت في هذه الأمة -القواعد العلمية- في النحو أو في الأصول أو في أي فن من الفنون أو في المصطلح أنها وضعت هكذا باجتماع واتفق العلماء على هذا، لا، هي التماس.\nولهذا المجتهد إذا بلغ في الاجتهاد مبلغًا عظيمًا وصارت عنده آلات الاجتهاد له أن يخالف.\nابن جرير الذي ذكرتَ أنتَ المثال عنه، ابن جرير لا يمثل مدرسة البصريين في النحو، ولا يمثل مدرسة الكوفيين في النحو، وإنما له مدرسة مستقلة في تفسيره؛ تارَةً يذهب إلى هؤلاء وتارة يذهب إلى هؤلاء، عندما يملي عليه الراجح وما يسمعه وما يحفظه من كلام العرب.\nكذلك في القراءات ليس عنده شيء اسمه قراءات سبع ولا قراءات عشر، وإنما عنده قراءات أنصاف –اذا كنت اطلعت على التفسير-.\nلماذا يصنع هذا؟\nلأنَّه لا يتقيد بمصطلحات أهل العلم وبمواضعات أهل العلم.\nنحن إذا تقدمنا في العلم ترى أنَّكَ تمرُّ على العلم، وترى أنَّ العلم يسبح في قرون، يسبح في القرون هكذا بين مد وجزر، في التواليف، وفي صنيع أهل العلم.\nلكن هل هذا هو العلم أو هو وَضْعْ لقواعد العلم؟\nهو وَضْعْ لقواعد العلم؛ لأنَّ العلم موجود قبل ذلك، العلوم موجودة قبل ذلك؛ العلوم اللغوية والشرعية والحديث كلها موجودة قبل ذلك، وإنما وَضَعُوا القواعد.\nووَضْعُ القواعد هذا هل هو إجماع أو اجتهاد؟","vol":"1","page":142},{"text":"اجتهاد؛ ليس ثَمَّ قواعد علم من العلوم مُجْمَع عليها، وإنما تجد في العلم ما هو مُجْمَعٌ عليه:\nفي النحو فيه مسائل مُجْمَعٌ عليها، في الفقه فيه مسائل مُجْمَعٌ عليها، في المصطلح فيه مسائل مُجْمَعٌ عليها، في الأصول ثَمَّ مسائل مُجْمَعٌ عليها، وتجد أنَّ المسائل المجمع عليها في كل فن قليلة.\nإذًا ننتبه إلى أنَّ التعليلات التي ترد في العلوم المختلفة إنما هي التماس هذه [.....]\nولذلك من أتى يُحَلَّلُ لك هي التماس، وقد يكون صاحبه مصيبًا في التماسه وفي تعليله، وقد لا يكون كذلك.\nمثلًا البحث المشهور عند قوله تعالى ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣] ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ وفي قراءة سبعية متواترة ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ .\nطيب (إِنَّ) ما تنصب الاسم، لماذا ما صارت (إنَّ هذين لساحران)؟\nبدؤُوا يُعَلِّلُون فمنهم من يخطئ، يقارن، هذا غلط علمي كبير، لماذا؟\nلأنك تُحَكِّمْ قواعد وضَعَهَا النحاة على الحق المطلق الذي هو القرآن؛ لأنها قراءة متواترة فهي الحق، يجب أن تبحث في القواعد لا العكس، فالقواعد اصطلاحية.\nيأتي في مسند أبي يعلى في مطالعتي عند حديث قال فيه النبي ﷺ «إنّ هذان لشيطانان» (١) في الحديث الذي في المتن قال «إنَّ هذين لشيطانان» - أنا لدي بحث على الآية، وأعرف كلام المحققين عليها وما يتعلق بها.\nاستغربت:\n«إنَّ هذين لشيطانان» ليس هو اللفظ وإنما لأجل أنه يَخْرِمُ القاعدة جَعَلَهَا هكذا، وإذا به في الحاشية يقول: في الأصل «إنَّ هذان لشيطانان» وهذا يخالف القاعدة النحوية فغيرتها إلى (إنَّ هذين لشيطانان) .\nطبعا سيطرة القواعد النحوية على الحق المطلق، سيطرة القضايا الاصطلاحية كلها على الحق المطلق هذه قضية كبيرة في العلم وفي نشأة العلوم وتوسع العلوم، فطالب العلم ينبغي له أن يرتقي في هذه المسائل ولا يعجل.\nفمسائل الاشتقاق في أسماء الله - ﷿ - هي من هذه البابة، فينبغي أن يُنظر إليها نظرًا.\n_________\n(١) مسند أبي يعلى (٢٥٨٨)","vol":"1","page":143},{"text":"لَا نَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ بِآرَائِنَا، وَلَا مُتَوَهِّمِينَ بِأَهْوَائِنَا، فَإِنَّهُ مَا سَلِمَ فِي دِينِهِ إِلَّا مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ - ﷿ - وَلِرَسُولِهِ ﷺ، وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ، وَلَا تَثْبُتُ قَدَمُ الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِسْلَامِ\n_________\nهذه الجمل من كلام العلامة الطحاوي ﵀ جاءت بعد الكلام على الرؤية؛ رؤية الرب - ﷿ - في الجنة في العرصات فيما سبق لنا شرحه في الدرس الماضي.\nوأيضًا بعد هذه الجمل التي سمعنا تكلم عن الرؤية متعلقًا بهذا البحث حيث قال (وَلا يَصحُّ الإيمانُ بالرُّؤْية لأهْل دارِ السَّلامِ لِمن اعْتَبَرَهَا مِنْهُم بِوَهْمٍ أوْ تأوَّلَها بِفَهْمٍ) إلى آخر ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.\nهذه الجمل التي سمعنا تشتمل على أصل عظيم من أصول الدين الذي تميز به أهل السنة والجماعة في مسائل العقيدة بعامة وفي مسائل العمل.\nوالعقيدة والعمل مبناهما واحد من جهة الإيمان، وذلك أَنَّ العقيدة والعمل الجميع يُعْمَل به ويُعْلَم من جهة أنَّه من الله - ﷿ - ومن رسوله ﷺ.\nفالكل كلمة الله ـ، كما قال - ﷿ - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١١٥]\n﴿تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا﴾ يعني في الأخبار.\n﴿وَعَدْلًا﴾ في الأمر والنهي، ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ .\nفالشريعة بابها واحد ولا تفريق ما بين باب الاعتقاد وبين باب العمل -يعني الأبواب العلمية والأبواب العملية- من جهة مصدر التلقي وهو الكتاب والسنة، ما كان من الوحي.\n\nلهذا قال هنا ﵀ (فَإِنَّهُ مَا سَلِمَ فِي دِينِهِ إِلَّا مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ - ﷿ - وَلِرَسُولِهِ - ﷺ -، وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ)\nوذلك أنَّ أمور العقيدة في الاعتقاد، وأمور الفقه في العمل لابد أن يكون ثَمَّ إشكال في عِلَلِهَا أو في القناعة بها ولا مَجال في ذلك في الإيمان إلاَّ أن يكون على ظهر التسليم والاستسلام.\nوهذا ينبني على مسألة عظيمة من مسائل الاعتقاد والعمل وهي: أنَّ الدّين قائم على البرهان.\nوالأمور التي يتعاطاها النّاس ثلاثة:\n- أمور عاطفية؛ يعني برهانها العاطفة، الغرائز، يعرف الجوع، يعرف العطش، يعرف الخوف، يعرف الرحمة بعاطفته وفطرته.\n- والنوع الثاني برهان عقلي وهي الأمور التي يتعاطاها بعقله فيقيس ويُعَلِّل ونحو ذلك من الأمور العقلية، وهي التي خدمها المنطق بشكل عام.\n- والنوع الثالث من البراهين: البراهين الدّينية، والبرهان الدّيني مبني على مقدمة، وهي مقدمة الاستسلام لمصدر التلقي.\nولهذا لا يصحّ أن يُخْلَطَ بين هذه البراهين، فالدّين ليس مصدره العقل وليس مصدره العاطفة، وإنما مصدره نوع من البراهين، وذلك لم يتكلم عليه الفلاسفة ولا المناطقة وهو البرهان الديني المبني على مقدمات دينية بحتة.\nوهذه المقدمات الدينية الشرعية في التصديق بها مبنية على براهين متنوعة:\nالتصديق بوجود الله، استحقاقه للعبادة، التصديق بالرسول ﷺ، وبالرسل، الآيات التي أوتيها، البراهين، فيما ذكرنا لك كل هذه براهين.\nوهذه البراهين عقلية في أولها ودينية في ثانيها؛ يعني أنّنا حين نستسلم سنستسلم للبرهان الذي استسلمت له الأمم التي قبلنا.\nفالصحابة رضوان الله عليهم رَأَوا هذه البراهين واستسلموا لها بصدق عن قناعة وعن ديانة، ثُمَّ بعد ذلك تَبِعَهُم من تَبِعَهُم في التسليم لأنهم سلَّموا، ثُمَّ تَبِعَهُم من بعدهم في التسليم لأنَّ من قبلنا سلَّم في كثير من الدلائل.\nويبقى الدليل العام للشريعة في العقيدة وفي الفقه وهو أنه ما كان في كتاب الله - ﷿ - أو في سنة الرسول - ﷺ - فهو حق وهو البرهان.\nوما قبل هذا البرهان ثَمَّ براهين أُخر لا مجادلة في هذه الملّة -يعني في أتباع الفرق- على صحة هذا البرهان من الكتاب ومن السنة؛ لأنَّ الجميع يُقرّون بهذا البرهان ما جاء في كتاب الله وما جاء في سنة رسول الله ﷺ فإنه حق.\nفإنه هو برهان؛ لكن هل هو البرهان الأول أو هو البرهان الثاني؟ هل يُسَلَّط العقل على الكتاب والسنة أم لا يُسَلَّط والعقل تبع؟ ونحو ذلك.\nهو جاء من جهة الخلط ما بين أنواع البراهين الثلاثة التي ذكرتها لك.\nهذه مقدمات بين يدي المسائل.\nالعقلانيون خَلَطُوا بين أنواع البراهين الثلاثة، فجعلوا البرهان العقلي والبرهان الديني واحد؛ بل جعلوا البرهان العقلي متسلطا على البرهان الديني، وظنّوا أنه إذا تسلَّط عليه وسُلِّط عليه عُرفت صحة الشرع لأنَّ العقل به عُرف الشرع.\nوهذا ليس بصحيح كما سيأتي في رد هذه المقالة.\nالطحاوي ﵀ استحضر القسمين معًا:\nاستحضر مسائل العقيدة ومسائل الفقه، وجعل هذه الكلمات مناسبة لهذا البحث -بحث الرؤية-.\n\nولهذا قال (فإنَّهُ مَا سَلِم في دينه إلاَّ مَنْ سَلَّمَ لله ﷿ ولرسُولِه ﷺ)\nيعني أنَّه بدأ من حيث إنَّ الكتاب والسنة هما البرهان، بدأ من هذه، فإذا صدَّقت وأيقنت أنَّ الكتاب والسنة هما الحق المطلق؛ لأنّها من عند الله - ﷿ - -فالسنة وحي-، فإذًا الرجوع في البرهان والدليل سيكون إلى الكتاب والسنة، وإذا كان ثَمَّ شك أو ثَمَّ تردّد فإنّ المرء لا يَسْلَمُ في دينه؛ لأنَّ العقول لأنّ البراهين كما ذكرنا لك ثلاثة:\n- برهان عاطفي.\n- وبرهان عقلي.\n- وبرهان ديني.\n$ والبرهان العاطفي لا ينضبط -فعواطف الناس مختلفة-.\n$ البرهان العقلي لا ينضبط؛ لأنّ القائل حينما قال -وهم العقلانيون من المعتزلة والأشاعرة وجماعات- حينما قالوا: العقل ينبغي أن يُقدّم على الشرع، فالعقل هنا غير منضبط، العقل عقل من؟\nهل ثَمَّ عقل واحد أُجْمِعَ عليه في النظر إلى الأشياء؟\nلا، في النظر إلى الكونيات ليس ثَمَّ عقل واحد عند الفلاسفة، اختلفوا في النظر إلى الطبيعيات في الأرض.\nالذين قدّسوا العقل اختلفوا في مقتضيات ذلك.\nاتّفقوا على قاعدة: العقل، لكن عقل من؟ هل اجتمعوا؟\nلا، ولذلك اختلف أصحاب المدرسة العقلية إلى أنواع شتّى:\nفالجهمية من أصحاب المدرسة العقلية.\nوالمعتزلة من أصحاب المدرسة العقلية.\nوالأشاعرة أيضا من أصحاب المدرسة العقلية إلى حد ما، ونحو ذلك.\nولكنهم مختلفون في عقولهم وإدراكاتهم.\nإذًا فإذا كان البرهان العاطفي غير منضبط، والبرهان العقلي غير منضبط، فإذًا البرهان الديني يجب أن يبدأ من المستوى أو يبدأ من المقدمة التي هي ثابتة بيقين.\nوهذه المقدمة الثابتة بيقين هي الكتاب والسنة؛ لأنَّ الكتاب وحي الله - ﷿ -، وآمنا بذلك عن برهان، وبراهين سبق أن ذكرنا لكم ذلك في الكلام على الإعجاز وبرهان النبوة في الكلام على معجزات وبراهين وآيات الأنبياء.\nفإذًا المقدمة التي يُتَّفَقُ عليها ويمكن أن يُجْمَعْ عليها هي التّسليم والاستسلام للكتاب والسنة.\nفإذا كان كذلك كان البرهان الذي يصحّ أن يقال إنه يُتَّفَقُ عليه بلا خلاف هو برهان الكتاب والسنة.\nولهذا إذا جاء إشكال في الاعتقاد تُرجِعُهُ إلى التّسليم لله - ﷿ - ولرسوله ﷺ.\nفالكتاب والسنة برهان صحيح، فإذا لم تُدْرَكْ العلة فإنّ ذلك ليس معناه أنّه خلل في البرهان إنما هو خلل في التلقي، خلل في إيضاح ذلك البرهان، أو لأنّ البرهان الذي هو الدّليل لم يوضح لنا هذه الأسرار.\nكذلك في أمور العبادات الصلوات ليش خمس؟ ليش أربع؟ الفجر ثنتين ثلاث، لماذا الحجّ على هذه الصفة؟ لماذا الطهارة على هذه الصفة؟ كل هذه مبنية على مقدمة من التّسليم، وهو التسليم للكتاب والسنة.\nفلهذا هذا البحث الذي ذكره الطحاوي في هذه الجمل يسمّيه بعض المعاصرين تسمية حديثة وهي: وحدة مصدر التلقي\nفمصدر التّلقي من أهمّ المسائل التي يجب أن يُبْحَثَ فيها، فإذا اختلفت أنت وأناس على شيء، فلا بد أن يكون هناك مرجعية في البرهان حتى تنطلقوا منها.\nأيضا مرجعية في التلقي، والأمة -كما قلنا- لا يمكن أن يَصْلُحَ لها إلا أن تتلقّى من الحق المطلق والبرهان المطلق، الذي هو البرهان الديني، الذي هو الكتاب وسنة النبيّ ﷺ، فما وضح فيهما وما أُبِينَ فيهما وجب اعتقاده والعمل به، وما اشتبه على الفرد -لأنه ليس في الشريعة مُشْتَبَه مطلق كما سيأتي في المسائل- إذا اشتبه على الفرد وجب عليه التسليم.\n\nقال (وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ)\nيعني إذا اشتبه عليك شيء تَرُدَّهُ إلى عالمه؛ لأنَّ الله - ﷿ - قال ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]، دلَّت الآية على أَنَّ القرآن مشتمل على مُحْكَم وعلى متشابه وعلى أنّ أهل العلم يقولون آمنا بالمتشابه.\nما اشتبه عليه عِلْمُهُ فإنه يَرُدُّهُ إلى عالِمه إلى الله - وإلى رسوله ﷺ.\n\nقال (وَلَا تَثْبُتُ قَدَمُ الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِسْلَامِ)\nيعني أنَّ من خاض في مسائل الإيمان والإسلام ومسائل الشريعة والعقيدة في الفروع والأحكام، إذا خاض فيها مدقِّقًَا ليس مستسلمًا، وإنما مناقشًا في كل مسألة؛ لم؟ فإنه يُحجب عنه الإيمان.\nلأنَّ هذا الدين؛ بل الأديان بعامة مبنية على الاستسلام للغيب.\nلهذا أول إيمان في القرآن هو الإيمان بالغيب ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١-٣]، فأصل الدين الذي جاء من عند الله هو الإيمان بالغيب والإيمان بالله - ﷿ - بالجنة والنار والملائكة وبمسائل القدر إلى غير ذلك؛ باليوم الآخر بالكتب السّابقة، كل هذه مسائل غيب.\nفإذًا (لاَ تَثْبتُ قَدَمُ الإسلام إلاَّ على ظَهْرِ التَّسْليم والاسْتِسْلاَمِ)\nفَشَبَّه التسليم والاستسلام بالأرض الصّلبة التي من وَطِئَهَا فإنه لا تَزِلُّ قدمه بل تثبت؛ لأنها أرض قوية صلبة.\nأمَّا غير التسليم والاستسلام في مسائل العقيدة وفي مسائل العمل فإنها أرض دحض؛ مزلة أقدام وإنها موطن متعثر للأقدام لمن وطئها ورضي بها.\nلهذا نقول: إذا تبين لك ذلك فإنَّ هذه الكلمة أو هذه الجمل التي مرت معنا فيها مسائل:","vol":"1","page":144},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ الناس في تلقّي الشريعة -الناس؛ يعني هذه الأمة، الفرق جميعًا- انقسموا إلى أقسام:\n١ - القسم الأول:\nمن كان عقليًا محضًا؛ يعني جعل العقل حَكَمًا على الشريعة، وجعل الشريعة تابعة للعقليات.\n٢- القسم الثاني:\nمن جعل الشريعة خالية من البرهان العقلي البتة؛ بل الشريعة جميعًا عندهم ليس فيها عِلَل ولا تعليل بقسميها العقيدة والشّريعة.\n٣ - القسم الثالث:\nمن توسّط بين الفئتين، وقال: إنَّ الشّريعة في العقيدة، في الأمور الغيبية وكذلك في العمليات: العقل مفيد فيها، والعقل خادم للشريعة وليس حَكَمًَا عليها، فنستفيد من العقل: بيان العلل والأحكام وفهم الشريعة واستخراج الأسرار؛ لأنَّ الله - ﷿ - جعل القرآن لقوم يعقلون.\nهذه الثلاث مدارس كبيرة:\n- المدرسة الأولى: يمثلها الجهمية والمعتزلة، والأشاعرة في أصول مباحثهم.\n- والمدرسة الثانية: يمثلها الظاهرية في الفقه وكذلك في الاعتقاد، ويمثلها الأشاعرة والماتريدية في مسائل الأسباب.\n- والمدرسة الثالثة: منهج أهل السنة والجماعة.\nولتفصيل هذه المدارس الثلاث بحوث تطول نرجئها إلى مواضعها إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":145},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ التسليم لله ﷿ ولرسوله ﷺ هو تسليم للحق المطلق.\nوالبراهين التي يتعاطاها الناس في العقليات وفي مصدر التلقي هذه البراهين تختلف -كما ذكرت لك تنقسم إلى أقسام ثلاثة-.\nوالتسليم يعني أنَّ البرهان الديني الشرعي يقين وأنَّ البرهان العقلي ناقص وأنَّ البرهان العاطفي فطري.\nمعنى ذلك أنَّ البرهان الديني يقيني في مُقَدِّمَاته، نصل إلى صدق الكتاب وصدق السنة بمقدمات. [.....] (١) .\n[.....] البرهان العقلي يعتمد على أشياء:\n- الأول منها يعتمد على الحس.\n- والثاني يعتمد على التجربة.\n- والثالث يعتمد على تصديق اللاحق بالسابق.\n١ - النوع الأول من البرهان العقلي الذي اعتمدته المدرسة العقلية: (الحس):\nفالله - ﷿ - جعل للإنسان أعضاء: سمع، بصر، لسان؛ يعني جعل له حواسًّا كما قال سبحانه ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]، فهذه الثلاث هي التي يسميها الفلاسفة والمناطقة يسمّونها وسائل تحصيل المعرفة.\nهذه وسائل ضرورية حِسِّيَّة؛ يعني بعينك حَصَلَ لك البرهان، بسمعك حَصَلَ لك البرهان، بيدك لمست الشيء حَصَلَ لك البرهان.\nفالمعرفة جاءت من براهين ضرورية مُحَسَّة ليست خارجة عن المحسوس.\nولذلك ما يُجادل أحد في هذا بهذه البراهين إلا طائفة لا يُعبأ بها يجادلون في الضروريات.\nثُمَّ بعد ذلك بُنِيَتْ المعرفة بالحسيات من طريق المقارنة بين هذه المعلومات التي جاءت بالوسائل الحسية.\nيعني نأتي نقول: هذا طويل، هذا العمود طويل، الآخر ليس في طوله. عرفنا حجم هذا وطوله بالعين، فصار الحجم وصار الطول مُدرَكًا محسوسا بأمر ضروري، ثم بعد ذلك يُنسب له الشيء آخر، فإذا رأينا ما هو أقل منه قيل هذا أقصر، ما هو أطول منه قيل هذا أطول، فيأتي أحد وينازعك يقول القصير أطول من الطويل، لا يُقبل، لماذا؟\nلأنه المقارنة ما بين هذا وهذا حَصلت بمقدمات يقينية؛ لأنَّ المقدمات الحسية يقينية، مُقَدِّمَة العين أنها حَسَّت بهذا أنه أطول من ذاك، ما يمكن يأتي يجادل ويقول لا هذا أطول، يعني القصير أطول من الطويل؛ لأنَّ هذا شيء مُدْرَك بالعين، وهذا ينتج في كل المقدمات الحسّية.\nوانتبه لمسألة المقدمات الحسّية؛ لأنها أقوى البراهين اللي هي الضروريات، أقوى البراهين.\nتشرب ماء تقول هذا بارد يأتي آخر ويقول -إذا كان بارد جدًا- يأتي آخر ويقول: هذا حار يغلي. لا يمكن، لماذا؟\nلأنَّ البرهان عليه الحسّ.\nفلان مثلا ملتحي، يأتي آخر، يقول: لا هذا حالق لحيته.\nهذا لا يمكن أن يكون ثَمَّ لأنَّ البرهان حسّي.\nكذلك السمع يقول هذا صوت إنسان، قال الآخر: لا هذا صوت مثلًا إيش؟\nصوت سيّارة مثلا، لا يمكن، هذا يتكلم\nلماذا؛ لأن البرهان جاء سمعي.\nوهذه تعتمدها هذه النقطة لأنها تفيد في قضية الاستسلام.\nهذا البرهان الحسي هو الذي بنى عليه طائفة من الناس الكلام على نظرية المعرفة وتكلّموا فيه.\nقلنا اعتمدوا على الحس -يعني أهل العقل-:\nاعتمدوا على الحس، وعلى التجربة، وعلى تقليل أو متابعة اللاحق للسابق.\n٢ - النوع الثاني من البرهان العقلي الذي اعتمدته المدرسة العقلية: (التجربة):\nفما يَصْلُحُ للتجربة تَكُونُ التجربة برهانًا صحيحًا له؛ لكن ما لا يَدْخُلُ تحت التجربة، كيف تكون التجربة برهانا صحيحا له؟\nونقول الله - ﷿ - جَعَلَ الأشياء على قسمين:\n- قسم لا تدخله الأهواء لتُغَيِّرْ حقائقه.\n- وقسم يدخله الهوى ليُغَيِّرَهُ.\nوالله - ﷿ - جعل كلماته تامّة ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]\nما لا يدخله الهوى لم تأتِ الشرائع ببيانه، وهو غاص فيه الفلاسفة، وغاص فيه العلماء، وغاص فيه الباحثون.\nلم تأتِ الشرائع ببيانه؛ لأنه لا يدخله الهوى، واحد زائد واحد يساوي اثنين يساوي ثلاثة يساوي أربعة.\nلم تأتِ به الشرائع؛ لأنَّ هذا الله - ﷿ - خَلَقَ الأشياء واحد زائد واحد يساوي اثنين، خَلَقَ الله - ﷿ - الجبل فيه من المكونات كذا وكذا، خَلَقَ الله - ﷿ - الجاذبية على هذا النحو وقوانين الجاذبية على هذا النحو، لا يمكن لهذه الأشياء أن تدخلها الأهواء.\nولهذا لم تتعرّض لها الشرائع، ولم تتعرض لها الديانات، وتُرِكَ إستنتاجها والبحث فيها للناس؛ لأنَّ هذه سيصلون إليها بالتجربة، سَيُخَطَّأ المخطئ وسيُصَوَّبْ المصيب؛ لأنّ الشيء ماثل أمامهم، ليس لهم هوى في أن يجعلوا معامل الجاذبية كذا يزيدون واحد ولا ينقصون واحد من عشرة ما لهم.\nالهوى ما يدخل في هذه المسائل.\nإذًا قلنا إنَّ الشرائع جاءت لما فيه إخراج الإنسان من داعية هواه.\nفالأشياء التي يَتَحَكَّمُ فيها الهوى جاءت الرّسالات لها.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الحادي عشر","vol":"1","page":146},{"text":"يَتَحَكَّمُ الهوى في علاقات الناس بعضهم ببعض، يَتَحَكَّمُ الهوى في العبادة، واحد يريد أن يخرج من التّكاليف، يريد أن يعمل ما يشاء، يفعل ما يشاء، يقتل، يسرق، يفعل ما يشاء، الهوى يدخل في حرّية الإنسان، يدخل في هل يتعبّد أم لا يتعبّد؟، في علاقته بأهله، في علاقته بمجتمعه، في علاقته بأسرته، إلى آخره، هذه أشياء يدخلها الهوى؛ لهذا جاءت الشريعة بضبطها.\nإذًا فنقول: التجربة في العقليات صحيحة لكن فيما لا يَدْخُلُهُ الهوى، أما ما يَدْخُلُهُ الهوى فلا تصح التجارب فيه، لابد أن يُتلقَّى من حَكَمٍ يفرض على الأهواء لا تتنازع فيه ويسلمون له، ولهذا قال - ﷿ - ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون:٧١]؛ لأنَّ الأهواء غير منضبطة، والحق واحد لا يخضع لهوى.\nتجارب المجربين تصلح إذًا فيما يمكن عمل التجارب عليه لكن الأمور الكونيةمثل الغيب هل ثَم سلطان للتجربة عليها؟\nلا، الأمور الكونية لا مجال للتجربة عليها ولهذا قال من قال من العلماء المعاصرين في الأمور الدنيوية -الغربيين وغيرهم من الحذاق-: إنَّ المرء كلما أوْغل في العلم بالكونيات كلما ازداد معرفة بأنَّ فيها أسرارا لا تُدْرَكْ.\nولهذا الأمور الكونية صعب أن تخوض فيها بإدراكٍ تام، تجارب لكن ستبقى تجارب، وإذا كانت ليست مُسَلّمات، فإذًا لا يمكن أن نُخضع لها الحق المطلق.\n٣ - النوع الثالث من البرهان العقلي الذي اعتمدته المدرسة العقلية: (أنَّ المتأخر يسلّم للسابق):\nأنظر مثلًا للمعتزلة، المعتزلة في أصلهم سَلَّمُوا للفلاسفة بصحّة أنواع البرهان العقلي، فإذًا ثَمَّ تقليد.\nالمتأخرون سلّموا لمن قبلهم، الأشاعرة سلّموا للأولين في البرهان، إذًا ثَمَّ تقليد.\nفقولهم برهان عقلي، وهذا عقل؛ لأنَّ الشرائع مبنية على التقليد، هذا غير صحيح منطقيًا؛ لأنه أيضًا أهل البرهان العقلي يسَلِّمُونَ لأوائلهم بصحة في البرهان.\nفيبتدئ من برهان الأشعري، الأشعري مثلًا بدأ ووصل إلى شيء، فيبتدئ أصحابه من النقطة التي وصل إليها، وينطلقون منها.\nفإذًا قولهم العقليات تُخْلِي من التقليد ومن التسليم ومن الاستسلام وتطلق الحرية، فهذا غير صحيح.\nلأنَّهُ ما من أحد إلا ويُسَلِّمُ لمقدمات من سبقه، فإذا كان التسليم لبشر ليس معصومًا من الخطأ، فالتسليم لمن هو معصوم من الخطأ من جهة البرهان أَوْلَى.\nفإذا كانت المسألة مسألة تسليم واستسلام، فالتسليم لمن لا يُخْطِئْ أَوْلَى.\nلهذا تجد أنَّ من المتأخرين -حتى في العصر الحاضر من أهل العقليات- تجد أنهم يحيلونك على شيء؛ لكن هذا الشيء بنوه على التقليد، يقولون طبعا هو كذا، طبعا في عُرْفِ من؟\nلماذا هذا صار طبعًا؟\nلأنه شيء غير مشكوك فيه\nلماذا صار غير مشكوك فيه؟\nإذا كان المرجع إلى حس فلا مجادلة إلى الحسيات.\nإذا كان المرجع على أمور تجريبية أو إلى نظريات فإنَّ الذي يُحيل الأمور في الاستسلام على الدّين أَوْلى فيمن يحيل الأمور في الاستسلام على أصحاب العقليات.\nذلك لأنَّ أصحاب العقليات يُقَلِّدُ بعضهم بعضًا، أما أصحاب الديانات فصحيح نقول المتأخر يسلم للأول براهينه ولكنه يصل إلى برهان يقيني هو الكتاب والسنة.\nوأما تقليد العقليات فإذا كانت راجعة إلى أشياء صحيحة فهذا تسليم لاشك فيه ما نجادل فيه؛ لكنهم في كثير من مباحثهم يتابع المتأخر الأول.\nأنظر مثلًا إلى قضية ترتيب الأفلاك، الناس قرون بل آلاف منذ بدأ اليونان الكلام على ترتيب الأرض والشمس والكواكب السبعة في الكون وهم على نحو ما، إلى وقت قريب تَغَيَّر.\nهذه الأمم آلاف السنين التي مَرَّت من الفلاسفة والفلكيين الإسلاميين والفلكيين اليونان والمدرسة الرومانية إلى آخره، هذه الأمم والمدرسة الهندية في الأمور العلمية والفلك، التتابع في الطب كذلك، كلّ هذه ألم يسلم المتأخر للأول؟\nسَلَّمَ له، وظَهَرَ الآن أَنَّ تلك الأشياء جميعًا غير صحيحة، لماذا كانت غير صحيحة؟\nلأنهم -كما ذكرنا لك- وضعوا تجارُبًا؛ لكن التجارُب صارت على أمور خارجة عن حيز التجربة الذي يُنتج نتائج صحيحة.\nفهذه مسألة عظيمة ما نحب نطيل فيها، هذه المسألة راجعة إلى البرهان الحقّ في أنَّ أقوى البراهين هو البرهان الديني.\nلذلك نقول لك: هذه الثلاثة من الأشياء العقلية:\n- البرهان الحسي نقول صحيح، ما فيه إشكال فيه، وكل المعرفة قامت على هذه البراهين الحسية.\n- برهان التجربة منقسم إلى ما يكون ثَمَّ تجربة ناجحة فيه، وما لا تنجح فيه التجربة.\n- برهان متابعة اللاحق للسابق، هذا أيضًا لابد يخضع للدراسة لأنه قد يكون الأول مخطئًا في برهانه العقلي، كما هي كثير من الأمور العلمية والنظرية، فضلا عن أمور الغيبيات والإلهيات.","vol":"1","page":147},{"text":"إذًا نستخلص من هذه المسألة الثانية إلى أنَّ أنواع البراهين الثلاثة، من قال البرهان العقلي، هذا تجده عند جميع العقلانيين حتى في العصر الحاضر، وكثير من الناس تعجبه البراهين العقلية، ولكن عندما تخوض في صحة البرهان تجد أشياء.\nفإذًا نقول: المنطق أو العقل منقسم على ثلاثة أقسام:\n- شيء حسي.\n- تجربة.\n- فيه أشياء فيها تقليد.\nكيف عرفت أنّ هذا المنطق؟\nقال: فلان، فيحيله على من قبله، فإذًا تكون المناقشة مع من قبله.\nإذًا تبقى المسألة خاضعة للبحث والرد.\nأما المصدر المُتَيَقّن بمقدماته هو مصدر الكتاب والسنة كما ذكرتُ لك:\n- وبرهان كون الكتاب من عند الله - ﷿ - تَقَدَّمْ.\n- برهان وجود الله - ﷿ - معروف.\n- برهان النبي؛ برهان النبوة متقدم.","vol":"1","page":148},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nفي قوله (وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ) كلمة (الاشتباه) و(المشتبه) معناها ما لا يُدْرَكُ معه العلم ويُقابَلْ ما بين المُحْكَمْ والمتشابه.\nوالله - ﷿ - جعل القرآنَ مُحْكَمًَا ومتشابهًا؛ يعني صَيَّرَ القرآن مُحْكَمًَا ومتشابهًا.\nوالقرآن يصحّ أن يقال:\n- إِنَّهُ مُحْكَمٌ كله.\n- وإِنَّهُ متشابهٌ كله.\n- وإِنَّهُ محكم ومتشابه.\nفالقرآن منه محكم ومنه متشابه، والقرآن محكم كله، والقرآن متشابه كله، بكل قسم باعتبار.\n@ أما كونه مُحْكَمٌ كله:\nفالله - ﷿ - بيَّن أَنَّهُ أحكم القرآن كما قال ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود:١]، فالقرآن مُحْكَمٌ كله ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:٢]؛ يعني المحكم في أحد أوجه التفسير.\n@ وأما كونه متشابهٌ كله:\nفكما قال سبحانه ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣]، فالقرآن كله متشابه؛ لكن هذا بمعنى أنَّ بعضه يشبه بعضًا.\nلأنَّ المسائل محدودة وبعضه يشبه بعضًا: هذا قصص في سورة وقصص في سورة وقصص في سورة، هذا الكلام على الإيمان والإيمان والإيمان، والكلام على الجنة والنار في سور مختلفة، في صفات الله، وأسماء الله - ﷿ - فهو متشابه.\n@ وأما كونه منه محكم ومنه متشابه:\nوهذا هو الذي أشار إليه الطحاوي في هذا الموضع قال (وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ) .\n(منه محكم) يعني ما معناه واضِحٌ للجميع.\n(ومنه متشابه) ما يشتبه معناه على البعض.\nوإذا تبين ذلك فليس ثَمَّ في القرآن إذًا متشابه على كل أحد، ليس ثَمَّ في القرآن متشابه مطلق.\nنقول هذه المسألة متشابهة بمعني أنَّه لا أحد يعلمها، أي في القرآن آية لا أحد يعلم معناها هذا مستحيل لأنَّ الله - ﷿ - جعل القرآن محكمًا كله، وجعل منه محكم ومنه متشابه، والراسخون في العلم يعلمون المتشابه الذي هو المعنى.\nأما المتشابه النسبي فنعم، هذا المتشابه النسبي ما معناه؟\nمعناه أنَّهُ ما من شيء إلا ويشتبه عليّ أو عليك أو على فلان، فليس ثَمَّ أحد بعد النبي - ﷺ - عَلِمَ كل شيء، عَلِمَ كل القرآن، عَلِمَ كل السنة، لابد أن يشتبه عليه شيء، بمعنى أن يستسلم لبعض الشريعة فإنه لا يعلم المعنى.\nوقد جاء عن أبي بكر ﵁ أنه قال عند قوله تعالى ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] قال: (أي سماء تظلّني وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم) (١) .\nمثلًا: عند قوله تعالى ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢] كم عِدَّةْ أصحاب الكهف؟\nمتشابهة؛ يعني أنا لا أعلم، أنت لا تعلم، ابن عباس ﵁ حينما جاء إلى هذه الآية قال (أنا من القليل الذي يعلمه) (٢)، لأنَّهُ متشابه نسبي.\nفإذًا الذي يقول إنَّ في القرآن متشابه مطلق على كل أحد، هذا غير موجود لا في العقائد ولا في العمليات.\nلكن هناك متشابه على الجميع وهو الكيفيات؛ كيفيات الأشياء، كيفيات الغيبيات.\nولهذا قال كثير من السلف إنَّ الوقف على لفظ الجلالة في آية آل عمران ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]؛ يعني تأويل الآيات، تأويل المتشابه المحكم ما يعلمه إلا الله في أمور الكيفيات، في أمور تمام المعنى، في الجنة جاءت صفتها نعلم معنى الأنهار ومعنى الشجر؛ لكن كيفية ذلك هذا مشتبه علينا.\nلذلك نقول: الاشتباه نسبي، أما الاشتباه المطلق لا يوجد.\nفإذا كان كذلك: لزم أن نَرُدَّ علم ما اشتبه علينا إلى عالمه، نقول الله اعلم.\nلهذا قال من قال من أهل العلم (إذا ترك العالم الله أعلم أُصِيْبَتْ مقاتله)، وفي رواية قال: (إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله) (٣)، لأنَّهُ لابد أن يشتبه عليه شيء.\nإذا تقرر لك ذلك: فإنّ الاشتباه الحاصل يكون في العقيدة وفي الشريعة.\nفكلّ ما لا تعلم عِلّتَه أو حكمته أو السِّر فيه فهو متشابه، فَسَلِّم للشريعة، سلِّم للكتاب والسنة الحق وأيقن بذلك ورُدَّ ما اشتبه إلى عالمه.\nمثلًا في العقائد يأتينا أنواع الاشتباه.\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة (٣٠١٠٧)\n(٢) المعجم الأوسط (٦/١٧٥) وانظر تفسير الطبري لسورة الكهف (٨/٢٠٥) / ابن كثير (٣/١٠٧) / البغوي (١/١٦١)\n(٣) حلية الأولياء (٧/٢٧٤) عن سفيان بن عيينة قال (إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله) .","vol":"1","page":149},{"text":"في العقائد في مسائل الغيبيات، واحد يشكل عليه في مسائل الغيبيات أشياء: أمر الجنة، أمر النار، أمر الناس كيف يعذّبون في النار بعد الموت، تأتيك أسئلة، تأتيك أسئلة كثيرة، هذه الأسئلة، الرؤية مثل التي ذكر، كيف يرى الفرد المؤمن بقواه المحدودة يرى الرب - ﷿ - الذي السموات مطويات بيمينه وهو سبحانه وسع كل شيء رحمة وعلما، كيف يكون؟ ما يتحمل العقل ذلك، العرش كيف أنّ السموات السبع كدراهم سبعة ألقيت في ترس، كيف أنَّ الكرسي وسع السموات والأرض؟ كيف الماء وكان عرشه على الماء؟ تأتي مثل هذه الأسئلة لا تدركها.\nفإذا جاء عدم الإدراك في مسائل الإيمان بالغيبيات فيجب أن تُسَلِّم إلى عالمه.\nفي القدر لم كان كذا؟ لم قضى الله كذا؟ لم أغنى الأغنياء؟ لم أفقر الفقير؟ لماذا أمرض؟ لماذا أصاب بكذا؟\nإذا بدأت الأسئلة فيأتي بِدْأْ الاعتراض ويُحرم المرء كما سيأتي في الجملة التالية.\nفإذًا تحتاج إلى الاستسلام في العقائد أعظم الاستسلام؛ لأنها مبنية على الغيبيات.\nوالأمور الغيبية برهانها إذا استسلمت للبرهان فصدقه، الأمور الغيبية مبنية على برهان، هل هو البرهان للغيبي نفسه؟\nلا، هو برهان لبرهان الغيبيات.\nبرهان الغيبيات هو القرآن والسنة.\nعندنا برهان لصحة القرآن والسنة، هذا برهان واضح صحيح؛ لكن البرهان على الغيبيات بأفرادها ما عندنا.\nلكن عندنا برهان على البرهان الأصلي وهو الكتاب والسنة.\nبالنسبة لأمور العبادات والفقه تأتي مسائل العلل؛ التعليلات.\nالشريعة مُعَلَّلَة ولاشك، والله - ﷿ - جعل الأحكام الشرعية منوطة بعللها.\nلكن من العلل ما ظهر ومنه ما لم يظهر، لهذا تجد أنَّ بعض العلماء يُعَبِّرْ عن مسائل العلل في العبادات بأنَّ علته قاصرة، فتجده تارةً يقول (فإنَّ العلة تعبدية)، كما أنَّ هناك علل معروفة.\nفإذًا إذا جاءتك المجاهيل في أمور العبادات فإنك تُسَلِّم دون خوف؛ لأنه ثَمَّ أشياء تغيب عن العبد.","vol":"1","page":150},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nقوله (وَلَا تَثْبُتُ قَدَمُ الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِسْلَامِ) التسليم والاستسلام هما دين الإسلام.\nفإنَّ الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.\nفإذًا دين الإسلام هو دين الاستسلام.\nولهذا كل الأنبياء دينها الإسلام يعني دينها الذي دعت إليه الاستسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]، نوح ﵇ بُعِثَ بالإسلام، وعيسى بُعِثَ بالإسلام، وموسى ﵇ بُعِثَ بالإسلام، الذي هو الدين العام؛ لكن الشرائع مختلفة (١) .\nودين محمد ﷺ الذي بُعِثَ به هو الإسلام العام الذي اشترك فيه مع جميع الأنبياء والمرسلين والإسلام الخاص الذي هو شريعة الإسلام.\nكل هذه لا تَثْبُتُ إلا على قدم التسليم والاستسلام.\nيعني أنَّ من لم يستسلم فهو شاك والشاك ليس بمسلم.\nلأنَّ أصل الديانة مبنية على التسليم، فإذا شك في أمر يجب الإيمان به، فإنَّ الإيمان يجب أن يكون عن يقين.\nلا تنفع (لا إله إلا الله) إلا بيقين، لا تنفع (محمد رسول الله) إلا بيقين، لا ينفع الإيمان بالجنة والنار إلا بيقين كما جاء في حديث عبادة «وأن الجنة حق وأن النار حق (٢)»، فلا بد من اليقين بذلك بدون تردد.\nفإذا جاء الشك والارتياب وعدم التسليم والاستسلام، هذا معناه أنَّ الإسلام غير قائم.\nوقد يكون الشك في بعض الناس لطلب الحقيقة، فهو يبحث عن جواب، السؤال هذا لا يقدح في دينه؛ لأنه قد يعرض للمرء؛ لكن يجب أن لا يُظْهِرَهُ بل يكتم ذلك ويسأل عنه من يثق بعلمه حتى يزيل الشبهة، فمعنى ذلك أنَّ عدم الاستسلام والتسليم ينقسم إلى قسمين:\n١ - القسم الأول:\nالشك المستمر الذي يستكين له صاحبه، وهذا خلاف اليقين الواجب، وهذا ليس بمسلم، عنده الشك في الغيبيات وعنده الشك في الجنة، شك في النار، شك في صدق الرسالة، شك في القرآن، هذا ليس بمسلم.\n٢ - القسم الثاني:\nعنده شك في بعض الأفراد؛ مسألة في السنة، مسألة في القرآن، فليس الشك في الأصل وإنما عنده شك في الأفراد، فهذا يجب عليه أن لا يستسلم لهذا الشك، وأن يبحث عمّن يزيل عنه الشبهة.\nنكتفي بهذا.\n_________\n(١) ذكر الشيخ هذه المسألة في الشريط (٥١) بتفصيل\n(٢) البخاري (٣٤٣٥) / مسلم (١٤٩)","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>الأسئلة</span>\nس١/ هل يكون اتباع ما لا علة عقلية له أعظم أجرًا من اتّباع ما دل النقل والعقل عليه؟\nج/ لا، من كان بالتسليم وبالبرهان فهو أعظم، والتسليم والبرهان، البرهان بأنواعه.\nس٢/ كيف يكون البرهان بالتجربة في أمور العقيدة؟\nج/ الدرس ما أدري فُهِمْ أو ما فهم.\nالمقصود العقيدة هذه برهانها ديني والذي قد قلنا حس وتجربة ومتابعة هذا هو (البرهان العقلي) واضح؟\nهذا تأصيل مهم في منهج التلقي ومعرفة الدليل والاستسلام له لأنه ما يسوغ لطالب علم العقيدة بالخصوص أن يكون غير مُبَرْهَنْ، العقيدة ليست قضايا نظرية! لا، برهانية لكن نوع من البرهان، برهانية واضحة مثل هذه اللّمبة التي أمامنا مثل الشمس في رابعة النهار، ما عندنا شك في ذلك؛ لكنها بأنواع البرهان الذي ذكرت.\nنكتفي بهذا القدر وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.","vol":"1","page":152},{"text":"الحمد لله الذي مَنَّ على عباده بالهداية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:\nالأسئلة\nس١/ هذا سائل يقول: ذكر ابن التّين في شرحه للبخاري في مسألة إثبات اليدين لله - ﷿ -: أنَّ يدي الله - ﷿ - لا توصف بأنها جارحتان وذكر خِلافًا، فهل إثبات اليدين يقتضي كون أنهما جارحتان، أرجو توضيح ذلك؟\nج/ الجواب أنَّ معتقد أهل السنة والجماعة مبني على متابعة الكتاب والسنة، وعلى أن لا يُتجاوز القرآن والحديث، نُمِرَّ ما جاء على ظاهره لا نتجاوز القرآن والحديث، فإثبات صفة اليدين لله - ﷿ -، هذا لأنها جاءت في القرآن وفي السنة، كما قال - ﷿ - ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، وكما قال - ﷿ - في سورة ص ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وكما قال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] ونحو ذلك من الآيات، وفي السنة أيضا أحاديث كثيرة في هذا الباب.\nفإذا تَقَرَّرَ ذلك، فإثبات صفة اليدين لله - ﷿ - لا يُتجاوَزْ فيه ما جاء في الكتاب والسنة، فلا نقول اليدان جارحتان، ولا نقول اليدان كأيدينا، ونحو ذلك مما فيه مجاوزة، اليد معروفة كلّ يعقل معنى اليد؛ لكن لا تُشَبَّهْ يد الرحمن - ﷿ - بيد عباده؛ بل على قاعدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فإثبات الصفات إثبات وجود وإمرار على ظاهرها لما اشتملت عليه الصفة من المعنى، لا إثبات كيفية، فلا نَدْخُلُ في الصفات متوهمين بأوهامنا ولا مجتهدين بآرائنا؛ لأنَّ الباب باب غيبي لا يخاض فيه بالآراء والأوهام، وهكذا كل صفات الرب - ﷿ - مثل صفة الوجه صفة العينين وصفة السمع والبصر وصفة الإتيان والمجيء والاستواء والرحمة والرضا والغضب، وسائر صفات الرب - ﷿ - كلها تُثْبَتْ؛ لأنها جاءت في النصوص جاءت بالحق المطلق بالكتاب والسنة، وما لم يأت بالكتاب والسنة فلا نثبته ولا نطلقه على صفات الله - ﷿ - إذْ ذلك زيادة على ما عُلِّمْنَا، والله - ﷿ - قال ناهيا ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] فمن زاد على ما جاء في النصوص في الصفات فقد قفا ما ليس له به علم. (١)\n\n: [[الشريط الثاني عشر]]:\n\nس٣/ قال في سؤاله: إذا ثَبَتَتَ لله تعالى صفة بلفظ معين، فهل يجوز أن يُطْلَقَ على الله - ﷿ - مُرَادف هذه الصفة، مثل قول بعض العامة الله يشوف، يريدون أنه يرى؟\nج/ هذا إذا كان من باب الخبر فلا بأس؛ لكن من باب إثبات الصفة فلا يجوز لأنَّ الصفات توقيفية.\nس٤/ ما هو التسلسل الواجب والممتنع والممكن؟\nج/ هذا ذكرناه فيما مضى في أول شرح العقيدة الطحاوية ويمكن أن ترجع إلى شرح الطحاوية ففيها تفصيل ذلك.\nس٥/ ذكرتم مسألة مهمة في تقعيد العلوم، ولكن هل لكم أن تنبهوا الطلاب إلى أنّ معرفة هذه لا تعني تطاولهم على القواعد وعدم الاعتداد بها لأدنى سبب؟\nج/ نعم هذه التي ذكرناها ليس تعليما لها؛ ولكنه تنبيه لمَّا سأل السائل عن مسألة لفظ الجلالة هل الأسماء هي قديمة إلى آخره.\nس٦/ هل التّرضي على أهل الشجرة دعاء لهم بأن يرضى الله عنهم أو تقرير رضا الله - ﷿ -؟\nج/ هذا سؤال جيد وهو مبني على أنَّ قول القائل: ﵁، ﵀. هذا دعاء في أصله، فإذا كان قد أُمْتُنَّ عليهم بذلك من الرب - ﷿ - فالترضي معناه التحقيق تحقيق ذلك والدخول في تأكيده؛ لأنَّ الله سبحانه منَّ عليهم ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] .\nس٨/ الحروف المقطعة هل هي من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، أو يوجد من يعلمه من العلماء؟\nج/ الحروف المقطعة اختلف أهل العلم فيها إلى اثني عشرة قولًا، وهذه الأقوال جماعها قولان:\nالأول أنه يُعْلَمُ معناها.\nوالثاني أنه لا يُعْلَمُ معناها.\nومن قال يُعْلَمُ معناها اختلفوا فيها إلى أقوال، والصحيح أنَّ معناها معلوم معروف، وأنه لا يقال لا يُعْلَمُ معناها؛ لأنها ذُكِرَتْ -كما بينتُ لكم مرارا- للتحدّي، فهذه الأحرف المقطعة ليست أوائل كلمات، وليس مجموعها يدل على أسماء الله - ﷿ -، وليست أسماء للسور كما هي أقوال مختلفة في المسألة، وإنما هذه الأحرف المقطعة هي الأحرف التي يُنشئ بها العرب كلامهم، والتي بها يُفاخرون في إنشاء الأشعار وإنشاء الخطب، فإذا كان كذلك فهذا القرآن من هذه الأحرف، تكَلَّمَ الله - ﷿ - بالقرآن بلسان عربي مبين، فإذا كان كذلك، فتكلموا بمثل هذا القرآن أو بمثل عشر سور مثله، أو بمثل سورة، والجميع عجزوا عنه، ولهذا هذه الأحرف المقطعة الصحيح أنه لا يقال لا يعلمها إلا الله؛ بل هذه الأحرف المقطّعة جُعِلَتْ في صدر السّور للتحدّي؛ تحدّي الكفار أن ينشئوا مثل هذا القرآن الذي هو من هذه الأحرف.\n_________\n(١) انتهى الشريط الحادي عشر.","vol":"1","page":153},{"text":"فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَقْنَعْ بِالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ، حَجَبَهُ مَرَامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ، وَصَافِي الْمَعْرِفَةِ، وَصَحِيحِ الْإِيمَانِ، فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، مُوَسْوَسًا تَائِهًا، زَائِغًا شَاكًّا، لَا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا، وَلَا جَاحِدًا مُكَذِّبًا.\n_________\nقوله (فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَقْنَعْ بِالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ، حَجَبَهُ مَرَامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ، وَصَافِي الْمَعْرِفَةِ، وَصَحِيحِ الْإِيمَانِ)\nهذه الجملة فيها النهي عن أنْ يتعدى المؤمن ما عُلِّمَهُ في الكتاب والسنة وأن يقتصر عليه.\nوذلك لأنَّ ما لم يُعَلَّم إياه من أمر التوحيد والإيمان والعقيدة فإنَّ الخير فيما عُلِّمناهُ، والتعدي على ما عُلِّمناه فيه خوض فيما لم يأتِ لنا به علم وهذا منهيّ عنه، كما قال - ﷿ - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، فشيء في أمور الغيبيات لم يرد النص في الكتاب ولا في السنة فإنه يُسْكَتُ عنه ولا يُتَكَلَمُ فيه، وإذا كان معارضًا لما في الكتاب والسنة فيُرَدْ؛ لأنَّ الحق فيما قال ربنا - ﷿ - وقاله رسوله ﷺ.\n\nفقوله (فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ)\nيعني ما لم يأتِهِ به علم، رام شيئًا، أراد علمًا لم يأتنا فيه علم وهو الدليل البرهان من الكتاب والسنة.\n\n(وَلَمْ يَقْنَعْ بِالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ)\nكما ذكرنا لكم أنَّ ثمة أشياء قد تشتبه فواجب على المسلم أن يُسَلِّم بما جاء في النص من الأمور الغيبية، فإذا لم يقنع بالتسليم الفهم، ورام شيئًا محظورًا عنه ودخل في أقوال وعقليات وآراء فإن هذا الذي فَعَل يَحْجِبُهُ عن خالص التوحيد.\n\nقال (حَجَبَهُ مَرَامُهُ)\nوهو طلبه لشيء لم يرد فيه العلم.\n\n(عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ) .\n(خَالِصِ التَّوْحِيدِ) يعني كامل التوحيد، التوحيد الذي لا شيء يُكَدِّره.\nخالص: الشيء الخالص الذي لا شيء يكدّره، صافي خالص وسامي.\nفمن بحث في أشياء لم يأت بها العلم الشرعي لم يأت بها الدليل فإنَّ توحيده ناقص، وهذا يدلّ على أنَّ من خاض في المُشَكِّكاتْ واستمر معها مُتَشكّكًا ولم يُسَلِّم فإنه لابدّ وأن يُحجب عن خالص التوحيد.\nولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ في تائيته القدرية:\nوأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةِ ****** هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ\nفإنَّهمُ لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ ****** فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ\nخاضوا في شيء لم يأت لهم به خبر ولم يأت لهم به دليل، فخاضوا في أفعال الله - ﷿ -.\nفكل من خاض في أشياء غيبية لم يأت بها الدليل فإنه يُحْجَبُ عن خالص التوحيد.\nولهذا واجب في مسائل الإيمان أن لا يُتَجَاوَزْ فيها ما جاء في الأدلة، واجب في مسائل القدر أن لا يُتَجَاوَزْ فيها ما جاء في الكتاب والسنة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح «إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا» (١) يعني أمسكوا عن أن تخوضوا في هذه الأشياء في غير ما عُلِّمْتُمْ.\nفمن خاض في شيء لم يُعَلَّمْهُ فإنه يُحْجَبُ عن خالص التوحيد؛ لأنه قد يقوده ذلك إلى الشك وعدم الاستسلام.\n\nقال (وَصَافِي الْمَعْرِفَةِ)\nالمعرفة في كلام أهل العلم تتناوب مع العلم.\nإذا قيل المعرفة فيراد بها العلم، ولهذا قَسَمَ طائفة من العلماء التوحيد إلى قسمين:\n- توحيد المعرفة والإثبات.\n- توحيد القصد والطلب.\nوتوحيد المعرفة والإثبات يعني توحيد العلم؛ يعني التوحيد العلمي الخبري، والتوحيد الطلبي الإرادي.\nوالمعرفة إذا كانت بذلك بهذا المعنى فلا بأس بذلك.\nونبهتكم مرارا على أنَّ كلمة المعرفة جاءت بمعنى العلم في السنة كما روى أصحاب الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال لمعاذ «إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم عرفوا ذلك» (٢) يعني علموا ذلك وأقرّوا به ونحو ذلك، هذا من المعنى الجائز الذي ورد.\nوأكثر ما جاء في القرآن بل كل ما جاء في القرآن أنَّ المعرفة أضيفت لمن يُذَمْ وليس لمن يُمْدَحْ، كما قال - ﷿ - ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل:٨٣]، وكما قال ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:٢٠]، ونحو ذلك من الآيات، وهذا سبق بيانه.\nفإذًا قوله (وَصَافِي الْمَعْرِفَةِ) يعني وصافي العلم، فالعلم الصافي لا يؤتاه إلا من سَلَّم.\nوهذا أمر عجيب لأنَّ العلم الشرعي وخاصَّة التوحيد يؤتاه العبد بشيئين سلوكيين من أعمال القلوب:\n١ - الأمر الأول:\nأنْ لا يعترض، فإذا اعترض حُجِبْ.\n٢ - والأمر الثاني:\nأن يعمل، فإذا تعلم الإخلاص عَمِلَ به، تُفتح له من أبواب الإيمان والعلم بالإيمان والإخلاص ما لا يُفتح للآخرين؛ بل المرء نفسه يجد في حاله في تارات من حياته أو تارات من طلبه للعلم مرةً يُفْتَح له لإخلاص كان عنده وصدق وعمل صالح كان عنده، ومرات يُحْجَبْ عنه كثير من أنواع الإخلاص وأنواع العلوم القلبية والأعمال القلبية.\nفهذان الأمران مهمان:\n- الأول عدم الاعتراض.\n- والثاني العمل بمفردات التوحيد ومفردات الإخلاص.\nفصفاء العلم يكون بهذين الشيئين.\nحتى الأمور العملية -أمور الصلاة، الأحكام الفقهية من العبادات في المعاملات وغير ذلك-، إذا علمت شيئا فَسَلَّمْتَ للدليل، وسَلَّمْتَ لكلام أهل العلم، فعَمِلْتَ بذلك أورثك الله - ﷿ - ثباتًا في هذا العلم الذي عَلِمْتَهُ وفهمًا لِمَا لم تعلم، كما قال بعض السلف (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم) (٣) وقد قال - ﷿ - في سورة النساء ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٦] .\n﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ إذا فعل المرء ما يُوعَظ به؛ يعني في القرآن والسنة خير أن تعمل ما وُعِظْتَ به وأشد تثبيتا للإيمان وللعلم.\nولهذا عدم الاعتراض في أمور العقائد والتوحيد على النصوص يُعْطَى العبد به نور ويَخْلُصْ توحيده وتصفى معرفته وعلمه ويَصِحَّ إيمانه كما ذكر ﵀.\nوكذلك في الأمور العملية إذا عَمِلَ بعد العلم وسَلَّم ولم يعترض فإنه يصفى من جهة العمل ويكون إيمانه وعمله داعيًا له إلى العلم وإلى الازدياد من العمل.\nنسأل الله - ﷿ - أن يجعلنا وإياكم من أهل صحة الإيمان وصفاء العلم.\n\nقال (فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، مُوَسْوَسًا تَائِهًا، زَائِغًا شَاكًّا، لَا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا، وَلَا جَاحِدًا مُكَذِّبًا.)\nوهذا كثير في الذين عرضت لهم الشكوك وساروا معها ولم يقنعوا بما دلهم عليه الكتاب والسنة.\nفإنهم يبقون متشككين حائرين ليسوا مؤمنين وليسوا كفارًا، تارة يَنْزَعُ إلى هؤلاء بِشَكِّهِ، وتارَةً يكون مع أهل الإيمان بتصديقه، وتارَةً يعرض له التكذيب، وتارَةً يعرض له التصديق، تارَةً يعرض له الإقرار وتارَةً يعرض له الإنكار، فليس في قلبه يقين للحق، ليس في قلبه علم لا شك فيه؛ بل هو متردد بل هو ذو ريب وذو شك، والله - ﷿ - وصف المنافقين بأنهم لا يزالون في ريبهم فقال سبحانه ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة:٤٥] .\n* ننبه إلى أنَّ قوله (فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقِ.... مُوَسْوَسًا تَائِهًا) ونحو ذلك، الوسوسة هذه لها حالات إذا عَرَضَتْ فلم يتكلم بها العبد، وحَكَّمَ العلم على قلبه فإنَّ هذه الوسوسة دليل الإيمان، كما قال ﷺ لمَّا سُئِلَ فقيل له (إن أحدنا ليجد في نفسه أشياء لا يتجاسر أن يتكلم بها) قال «أو قد وجدتم ذلك، ذلك صريح الإيمان» (٤) يعني أنَّ الشيطان إذا لم يتمكن من العبد إلا أَنْ طَرَحَ في قلبه بعض الوساوس فهذا يدل على أنَّه لم يستطع عليه؛ بل هو مؤمن وهذا دليل صريح الإيمان الذي في القلب.\nلكن هذا في حق من؟\nمن تعْرِضُ له هذه الأشياء ثم ينفيها بالعلم، فإنَّ كل أحد لا يسلم من هذه العوارض التي تأتي والشكوك أو الوساوس التي يُلقيها الشيطان لكن صاحب العلم ينفيها ولا يستأنس لها، وأما الذي يستأنس لها ويسير معها ويبحث متشككًا حائرًا كما ذكرنا ولم يستسلم فإنَّ هذا هو الذي وُصِفَ هنا بقوله (فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ) إلى آخره.\nهذه المسائل التي سمعتموها وما سيأتي تأصيلية، في مسائل التلقي والموقف من العقل، والاستسلام للنص، ووحدة مصدر التلقي، وأنَّ العقيدة مأخوذة بالاستسلام، ونحو ذلك والمباحث العقدية يأتي بعد ذلك بقية ما أورده المصنف.\n\nثم قال ﵀ (وَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالرُّؤْيَةِ لِأَهْلِ دَارِ السَّلَامِ لِمَنِ اعْتَبَرَهَا مِنْهُمْ بِوَهْمٍ، أَوْ تَأَوَّلَهَا بِفَهْمٍ)\nهذا سبق أن ذكرنا الرؤية رؤية الرب - ﷿ - والمباحث فيها والرد على أهل الزيغ فيها وتقرير مذهب أهل السنة والجماعة أهل الحديث في ذلك، سبق أن ذكرنا ذلك بتفصيل.\n_________\n(١) تقدم ذكره (٦٨)\n(٢) البخاري (٧٣٧٢)\n(٣) حلية الأوليا (٦/١٦٣) عن عبد الواحد بن زيد قال (كان يقال من عمل بما علم فتح الله له ما لا يعلم) .\n(٤) مسلم (٣٥٧) / أبو داود (٥١١١)","vol":"1","page":154},{"text":"قال هنا (وَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالرُّؤْيَةِ لِأَهْلِ دَارِ السَّلَامِ لِمَنِ اعْتَبَرَهَا مِنْهُمْ بِوَهْمٍ أَوْ تَأَوَّلَهَا بِفَهْمٍ، إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكِ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ)\n_________\n(دَارِ السَّلَامِ) التي هي الجنة ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:١٢٧]؛ لأنَّ فيها السلامة بجميع أنواعها؛ السلامة في البدن والسلامة في القلب، والسلامة في الخواطر، حتى اللغو لا يسمعون وحتى كما قال ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية:١١]، حتى ما يُؤذي السمع فلا يُسْمَعْ، وخرير الأشجار وحركة الأوراق ألحان في الجنة، فكل ما فيها سلام، وتحية أهلها السلام.\n\nقال (وَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالرُّؤْيَةِ لِأَهْلِ دَارِ السَّلَامِ لِمَنِ اعْتَبَرَهَا مِنْهُمْ بِوَهْمٍ)\nيعني أنَّ الإيمان بالرؤية فرض؛ لأنَّ الله - ﷿ - ذكرها في كتابه وذكرها النبي ﷺ في سنته، فهي عقيدة الإيمان بها فرض، فمن تأول الرؤية فلا يصح إيمانه.\nوهذا ليس للرؤية فحسب، بل كل من تأَوَّلَ شيئًا من الغيبيات فلا يصح إيمانه به، لأنَّ الإيمان بالأمور الغيبية إيمانٌ بما دلَّ عليه ظاهر اللفظ، إيمانٌ بما دلَّ عليه ظاهر الصفة، إذ كانت قاعدة السلف أمِرُّوهَا كما جاءت لا يُتجاوز القرآن والحديث.\n\nقال (لِمَنِ اعْتَبَرَهَا بِوَهْمٍ، أَوْ تَأَوَّلَهَا بِفَهْمٍ) .\n(اعْتَبَرَهَا بِوَهْمٍ) من تخيَّل شيئًا ما.\n(أَوْ تَأَوَّلَهَا) يعني سلَّط على نصوص الرؤية التأويل.\n\nقال في التعليل (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكِ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ) .\nيعني أنَّ تأويل الرؤيا وتأويل الصفات الحق هو ترك التأويل وهذا يأتي بيانه في المسائل.\nفتأويل الصفات هو ما تؤول إليها حقائقها، والعقل والقلب لا يدرك الغيبيات، فلذلك عدم إدراكه للغيبيات يدلُّ على أنها على ظاهرها.\nفقوله هنا (وَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ) إلى آخره علَّلَهُ بقوله (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ) يعني إلى الرب - ﷿ - من الصفات جميعًا تأويلُ ذلك الحق هو (تَرْكِ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ، وَعَلَيْهِ دِينُ الْمُسْلِمِينَ) .\nوهذه الجملة من كلامه واضحة المعنى فيما ذكرت لك لكن ينبني عليها لفهم مراده مسائل:","vol":"1","page":155},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالتأويل لغةً: هو ما تؤول إليه الأشياء، آلَ الأمر إلى كذا؛ يعني صار إلى كذا، والتأويل هو إِيَالُ الأشياء إلى نحو ما، هذا في اللغة.\nتأويل الرؤية: ما تَؤُولُ إليه الرؤية، تأويل الطاعة ما تَؤُولُ إليه الطاعة ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء:٣٥] يعني وأحْسَنُ عاقبة، أَحْسَنُ مآلًا.\nفإذًا كلمة تأويل هذه اسم مصدر: آلَ الشيءُ، يَؤُولُ، إِيَالًَا، وتَأْويْلًَا، فَإِيَالُهُ؛ نهايته تسمى تأويله.\nوالكل يشترك في المعنى الأول اللغوي الذي ذكرته لك.","vol":"1","page":156},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالتأويل في استعمال أهل العلم أو فيما جاء في الكتاب والسنة وفيما جرى عليه كلام العلماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١- القسم الأول: التأويل بمعنى التفسير.\nتأويل كذا يعني تفسيرَه، ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي﴾ [يوسف:١٠٠] يعني هذا تفسير ﴿رُؤْيَاي﴾ .\nو[ذهب] قول العلماء في تفسير القرآن (قول أهل التأويل)؛ مثل ما يستعمل الإمام ابن جرير في تفسيره ويكثر منه، فيقول (قال أهل التأويل) يعني أهل تفسير القرآن.\n٢- القسم الثاني: تأويل الأخبار وتأويل الأمر والنهي.\nتأويل الخبر ما تؤول إليه حقيقة الخبر.\nيعني أنه إذا ذُكِرَ شيء لك فأُخْبِرْتَ به فتَأْوِيْلُهُ حينما تراه كما قال - ﷿ - ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ يعني تأويل ما ذَكَرَ الله في سورة الأعراف من خبر يوم القيامة من الجنة والنار ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ﴾ [الأعراف:٥٣] إلى آخر الآية.\nقوله ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ يعني ما يؤول إليه حقيقة الخبر وهو ما سيراه الناس.\nفتأويل كل خبر في الأمور الغيبية هو حقيقته التي هي عليه.\nفتأويل الجنة هو حقيقة الجنة، تأويل النار حقيقة النار.\nفهذه الأخبار التي أَخْبَرَ الله - ﷿ - بها من الغيبيات تأويلها هي حقائقها في الأمور الغيبية، ولهذا قال - ﷿ - ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] على من وقف عند لفظ الجلالة.\nلأنَّ أَحَدًَا لا يعلم التأويل إلا الله؛ يعني تأويل المتشابه.\nيُعنى بهذا التأويل ما تؤول إليه حقائق هذه الأشياء، يعني ما هي عليه وهذه لا يعلمها إلا الله.\nلا يعلم حقيقة الصفات إلا الله، لا يعلم حقيقة الجنة والنار إلا الله، لا يعلم حقيقة يوم القيامة إلا الله، لا يعلم حقيقة ما في السماء إلا الله، لا يعلم حقيقة الصراط وأحوال البرزخ إلا الله - ﷿ -.\nفهذه الحقائق لا يعلمها إلا الله؛ لكن المسلم يعلم المعاني في الأمور الغيبية، أُخبرنا في الأمور الغيبية بأشياء لها معنى فنعتقدها، وأما حقيقة ما هي عليه بكمالها من جهة المعنى والكيفية، هذه لا يعلمها إلا الرب - ﷿ -.\nلهذا صَحَّ عن ابن عباس ﵄ أنَّهُ قال (ليس في الجنة من دنياكم إلا الأسماء) (١) .\nيعني أنك تعرف أصل المعنى، أما الحقائق فالمسألة ليست بمقدور الناس أن يفهموا حقيقة ما في الجنة.\nحقائق الأخبار إذًا، حقيقة الخبر من جهة تمام المعنى ومن جهة كيفية الأمور الغيبية هذه لا يعلمها إلا الله.\nفيكون الوقف عند الآية ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .\nوالراسخون في العلم لا يعلمون تأويل الأخبار بمعنى حقائق الغيبيات على ما هي عليه من جهة الكيفية ومن جهة تمام المعنى.\nأمَّا الأمرُ والنهي: فالله - ﷿ - أَمَرَ بأوامر ونَهَى عن نواهي: فتأويل الأمر امتثاله، وتأويل النهي الانتهاء عنه؛ لأنَّ الله - ﷿ - قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]؛ يعني وأحسن امتثالًا لأمر الله - ﷿ - وأحسن عاقبة.\nفإذًا كل من أُمِرَ بِأَمْرٍ فتأويلُ الأمْرِ؛ يعني ما تؤول إليه حقيقة الأمر هو أنْ يمتثله.\nفمن لم يمتثل فلم يستسلم للأمر ولم يطع في ذلك.\nتأويل النهي هو ما تؤول إليه حقيقة النهي وهو امتثاله - امتثال النهي يعني أن يجتنب النهي؛ أي ما نُهِيَ عنه.\nثم يزيد على الأمرين:\n- في الامتثال بالأوامر عاقبة أو جزاء الامتثال.\n- وفي الإنتهاء جزاء الانتهاء عما نهي عنه بالنواهي.\nفإذًا التأويل بالأمر والنهي يشمل شيئين:\n- الأول: أن يمتثل الأمر ويجتنب النهي.\n- والثاني: ما سيراه في الآخرة من جزاء الأمر، وما امتثله، ومجازاة العبد على انتهائه عن ما نهي عنه.\n٣ - القسم الثالث التأويل بمعنىً حادث لم يأتِ في القرآن وفي السنة.\nوهو أنْ يُصرَفْ دليل عن ظاهره لِحُجَّة.\nوهو صحيح إذا كان بضابطه الذي ضبطه به أهل العلم.\nويُعَبِّرْ عنه الأصوليون بقولهم: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة.\nوهذا للأصوليين فيه تفصيلات حيث أنَّه ينقسم إلى ثلاثة أقسام.\nلكن هذا المعنى من التأويل صحيح، يعني أنَّ النصوص ربما صُرِفَ اللفظ إلى غيره، صُرِفَتْ دلالة الدليل إلى آخر لدليل آخر لقرينة.\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري (البقرة/٢٥)","vol":"1","page":157},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nهذا التأويل الأخير هو الذي به تسلَّط (١) [.....]\n[.....] وأوَّلوها بالتأويلات.\nفنصوص الرؤية حَرَّفُوهَا وسَمَّوا تحريفهم تأويلًا.\nونصوص إثبات الصفات من الوجه واليدين والرحمة والرضا من الصفات الذاتية والصفات الفعلية جميعا حَرَّفُوهَا وسمَّوا تحريفهم لها تأويلًا.\nوهذا هو الذي أراده الطحاوي بقوله (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكُ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ)؛ لأنَّ تأويلهم له كان باطلًا، وحقيقة التأويل أن يُتْرَكْ التأويل.\nيعني التأويل المطلوب شرعًا أن يُترك التأويل، وهذا يحتاج على تطبيق.\nفالتعريف، عَرَّف الأصوليون التأويل بأنه صرف اللفظ -يعني الذي جاء بالدليل- عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة.\nهنا القرينة لابد أن تَدُلَّ على أنَّ الظاهر غير مراد حتى يُمكن أن يُصرَفْ اللفظ عن ظاهره لأنّ الظاهر هو الأصل.\nفإذا أردنا أن نُؤَوَّلْ الظاهر لابد من قرينة.\nهذه القرينة هي التي بها قلنا الظاهر غير مراد.\nفأتوا بهذه القرينة وسَلَّطُوهَا على نصوص الصفات.\nفقالوا في الرؤية مثلًا: الرؤية ظاهرها يقتضي التجسيم، يقتضي التحيز، يقتضي التشبيه - رؤية الرب - ﷿ --، يعني أنَّهُ يكونُ مُتَحِيِّزًَا حتى يمكن أن يراه الناس، لابد أن يكون في جهة حتى يمكن أنَّ الناس يروه، لابد أن يكون في مقابلة العينين حتى تراه العينين، وهكذا.\nفلَّمَا كانت هذه القرينة العقلية عندهم وهي أنَّ الله - ﷿ - لا يشبه المخلوق ولا يماثل المخلوق، قالوا: إذًا الرؤية تُؤَوَّل لأنَّ معناها الظاهر غير مراد قطعًا؛ لأنَّ فيه تمثيلًا وتشبيهًا لله بخلقه.\nوهذا ينطبق على جميع الصفات، فيمكن أن تُطَبِّقْ هذه القاعدة على كل ما أُوِّلَ من النصوص في الصفات والأمور الغيبية سواءً كان في الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية.\nونناقش هؤلاء -وأنا أريد منكم أن تتابعوا معي؛ لأني أريد كلمة مهمة لبناء ما بعدها عليها-:\nهؤلاء جاءوا بشيءٍ سَمَّوهُ قرينة فحَكَّمُوهُ على النص، فسَمَّوا هذا الذي فَعَلُوهُ تأويلًا.\nونحن بقاعدة الأصوليين -بتعريف الأصوليين- نناقشهم، هل طبقتم التأويل حقا؟ أم أنكم عملتم شيئًا سَمَّيتُمُوهُ تأويلًا؟\nالقاعدة ما عليها غبار، القاعدة صحيحة.\nفنقول هنا (صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة):\nلصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لابد أن يكون الظاهر الذي صُرِفَ عنه معلوم المعنى حتى نصرفه إلى غيره؛ ونقول هذا الظاهر الأول غير مراد لأنَّهُ لا يصلح، حتى يمكن أن نصرفه.\nوهذا في التقعيد واضح.\nصفات الرب - ﷿ - في ظاهرها المتبادِرْ منها أصل المعنى، وليس ظاهرًا في الكيفية وليس ظاهرًا في كل المعنى.\nإذًا فعندنا في النص ثلاثة أشياء:\n- عندنا أصل المعنى الذي نفهم به، نفهمه من اللغة.\n- وعندنا كمال المعنى، تمام الصفة، كمال معنى الصفة.\n- وعندنا ثالثا الكيفية.\nفإذًا ظاهر النص مشتمل على أصل المعنى؛ يعني على إثبات الصفة من حيث الوجود، صفة الرحمة ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا فيه إثبات صفة الرحمة؛ لكن ما هو كمال معنى الرحمة؟\nليس واضحًا في النص، إِذْ النصوص فيها أصل إثبات الصفة.\nفإذًا صرف اللفظ عن ظاهره المتبادِرِ منه إلى غيره لقرينة، هم لم يصرفوا الظاهرَ، وإنما صَرَفُوا شيئًا تَوَهَّمُوهُ زيادةً على الظاهر.\nفالظاهر يجب الإيمان به والاستسلام له.\nفهم تَوَهَّمُوا للظاهر شيئًا زائدًا على دلالة النص، توهموا تمام معنىً وتوهموا كيفيةً.\nفإذًا لم يقتصروا على الأمر الأول؛ وهو أنَّ النص جاء في الصفات وفي الأمور الغيبية لأصل المعنى وإنما توَّهَمُوا كيفية، فقالوا: كيف أن الإنسان يرى الله - ﷿ - بعينيه؟\nمعناه أنَّ الله - ﷿ - يكون متحيز، وسوف يكون في جهة، وسوف يكون إلى آخره من الأمور الباطلة.\nونقول هذه زائدة على النص.\nفإذن التأويل الذي سُلِّطَ على النص في الحقيقة سُلَّطَ على ما في الأوهام ولم يُسلَّط على النص، فإنكم تَخَيَّلْتُم أنَّ النص يشمل الثلاث هذه جميعًا: في أصل المعنى وفي تمامه وفي الكيفية، ثُمَّ سَلَّطْتُم التأويل عليها.\nفسلطتم إذًا التأويل ليس على اللفظ وإنما على ما تَوَهَّمْتُمُوهُ من اللفظ.\nفإذًا قاعدة التأويل في الحقيقة لم تُطَبَّقُوهَا وإنما طبَّقتم ما في أذهانكم.\nلهذا نقول: إنَّ إثباتَ الصفة هو إِثْبَاتُ وجودٍ لمعنى وليس إثبات تمام المعنى أو الكيفية.\nفالقرينة التي بها تَسَلَّطُوا على النص هي قرينة المماثلة أو المشابهة.\nفيقولون: هذا يقتضي التمثيل، يقتضي التشبيه، يقتضي التجسيم، فلذلك يُؤَوَّلْ.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الثاني عشر.","vol":"1","page":158},{"text":"فالقرينة عندهم عقلية بحتة وليست نصًا، القرينة عقلية في أنَّ هذه الأشياء ظاهرها يماثل صفات المخلوقين، يشابه صفات المخلوقين، فلذلك يجب أن نَنْفِي هذا الظاهر.\nوهذا في الحقيقة ليس هو ظاهر النص.\nظاهر النص ليس فيه الكيفية، ظاهر النص ليس فيه كمال المعنى.\nوإنما ظاهر النص الذي يجب الإيمان به أنَّ فيه أصل اتصاف الله - ﷿ - بالصفة.\nفنؤمن بأنَّ الله - ﷿ - ذو وجه - ﷿ -، وأنه سبحانه مُتَّصِفٌ بصفة السمع.\nلكن كيف يسمع؟\nيسمع دبيب النملة على ظهر الصخرة الملساء.\nكيف حصل هذا السمع؟\nتمام معنى السمع لا نستطيع أن ندخل فيه، وإنما نقول الله - ﷿ - موصوفٌ بصفة السمع وله من هذه الصفة كمالها؛ كمال هذه الصفة، الكمال المطلق.\nلكن هل نستطع أن نخوض في تفصيلاته؟\nلا نستطيع.\nكذلك صفة الوجه، صفة اليدين، إلى غير ذلك من الصفات.\nفإذًا هو إِثْبَاتُ وجود لا إثبات كيفية، إثبات اتصاف بالصفة لا إثبات كيفية.\nفإذًا الذين سَلَّطُوا القرينة سَلَّطُوهَا بشيءٍ مُتَوَهَّمْ، فلهذا لا يَصِحُّ أن يُقَال إنهم طَبَّقُوا قاعدة التأويل، بل هم حرَّفوا؛ لأنهم جعلوا للنص دِلَالَة بأوهامهم خلاف دلالة النص، ثم بعد ذلك سلطوا عليها تأويلهم.\nلهذا قال طائفة من أهل العلم (كل مُؤَوِّلْ مُمَثِّلْ، كل مُؤَوِّلْ مُشَبِّهْ) .\nلأنه لا يمكن أن يُؤَوِّلْ إلا وقد قام في قلبه من دِلَالَةِ النص التشبيه أو التمثيل، هذا واحد.\nالأمر الثاني نقول لهم: إذا لم تُسَلِّمُوا بذلك وقلتم:\nإنَّ تأويلنا كان لأصل المعنى وليس لما قام في أوهامنا وفي أذهاننا.\nفنقول يلزم من ذلك أن تُأَوِّلُوا صفة السمع، يلزم من ذلك أن تُأَوِّلُوا صفة البصر، يلزم من ذلك أن تُأَوِّلُوا صفة الكلام، فما الفرق بين صفة الكلام لله - ﷿ - وصفة السمع والإرادة والحياة وصفة الرحمة؟ ما الفرق بينها؟ ما الفرق بين هذه الصفات وبين صفة اليدين؟\nفإذًا في صفة السمع: للمخلوق سمع، فالمشابهة حاصلة بحسب أفهامهم.\nفالنص الذي به أَثْبَتُّمْ صفة السمع والبصر وصفة الكلام هو النص الذي أُثْبِتَتْ به سائر الصفات.\nفلِمَ لم تتعرضوا لهذا بتأويل وتَعَرَّضْتُم للآخر بتأويل؟\nإنْ كان الآخر أخذتم كما قلتم أصل المعنى فأوّلتم، فهذه أنتم أخذتم أصل المعنى فيلزمكم التأويل.\nإذًا فالحاصل من هذا أنَّ كل مؤول لا يصح أن يقال إنه مُؤَوِّل؛ بل هو مُحَرِّفْ لأَنَّ التأويل لا ينطبق على قاعدته، لا ينطبق على هذه الحالة.\nفالنصوص الغيبية بابها باب واحد، تطبيق القاعدة الأصولية التي هي التأويل لا يصلح على هذه المسائل، المسائل الغيبية لما ذكرته لك.\nتتميم للمسألة، إذًا قول الطحاوي هنا دقيق للغاية يُتنبه لقوله، قَالَ (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكِ التَّأْوِيلِ) .\nإذا أردت أن تُطَبِّقْ قاعدة التأويل فتخرج منها وسَتَسْتَنْتِجْ منها أنَّ التأويل تَرْكُ التأويل.\nكيف؟\nإذا قلنا إنَّ القرينة غير ممكنة؛ لأنَّ هذا المعنى غيبي، فإذًا سينتج منه أنَّ القاعدة غير منضبطة.\nفإذًا التأويل سَيُؤَدِّيْكَ إلى ترك التأويل؛ لأنَّ القاعدة غير جائية وسارية في مسائل الغيبيات.\nوهذه كلمة دقيقة منه ﵀ (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكِ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ) لأنك لو طَبَّقْتَ قاعدة التأويل نَتَجَ منها تَرْكُ التأويل.\nالتأويل: يعني أن تترك التأويل.","vol":"1","page":159},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nمِثْلُ التأويل في تسليطه على نصوص الغيبيات ما يسمى بالمجاز.\nوالتأويل والمجاز يُستخدَمَانِ في مباحث الصفات والأمور الغيبية بعامة، يستخدمها أهل البدع الذين لم يُسَلِّمُوا للنصوص دِلَالَتِهَا.\n(المجاز) لم يأتِ هذا اللفظ لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة ولا في كلام التابعين ولا في كلام تبع التابعين.\nيعني انقضت القرون الثلاثة المفضلة ولم يُستعمل هذا اللفظ، فلفْظُهُ حادث.\nوالألفاظ الحادثة بحسب الاصطلاح:\n- إن كان هذا المصطلح أُسْتُخْدِمَ في شيءٍ سليم، في شيء مقبول شرعًا، فلا بأس به إذ لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح، مِثْلْ ما قالوا التأويل هو كذا وكذا فَعَرَّفُوهُ، ومثل ما تَعَارَفُوا على أشياء كثيرة في العلوم.\nولهذا اسْتَعْمَلَ لفظ المجاز بعض العلماء في معاني صحيحة؛ فَكَتَبَ أبو عبيدة مَعمَر بن مثنى كتابًا سَمَّاهُ مجاز القرآن، وتجد في ألفاظ لابن قتيبة أيضًا ذِكْرًَا للمجاز -للمجاز العام-؛ يعني المجاز المقبول؛ وله هو نَظَرْ في المجاز لا نَعْرِضُ له الآن.\nإذًا هذا تاريخ اللفظ أنَّ اللفظة حادثة ما كانت مستعملة.\nماذا يُقْصَدْ بلفظة (مجاز) من حيث اللغة؟\nالمجاز يعني: ما يجوز، هذا في اللغة.\nولهذا قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون:٢٨]، قال: مَجَازُهُ علا على العرش، وهذا يعني أَنَّهُ معناه في اللغة؛ يعني ما تُجِيْزُهُ اللغة.\nيعني هذا مجازه اللفظي في اللغة وما أجازته العرب من المعنى.\nإذا نظرت لذلك وجدت أَنَّ استعمال من استعمل لفظ المجاز غير استعمال المُحَرِّفين.\nلهذا نقول: المجاز عند أهل التّحريف عَرَّفُوهُ بما يلي:\nقالوا: المجاز هو نقل اللفظ من الوضع الأول إلى وَضْعٍ ثانٍ لعلاقة بينهما.\nوعَرَّفَهُ آخرون بقولهم: المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وُضع له.\nمثاله عندهم، يقول مثلا: أَلْقَى فلان عَلَيَّ جناحه.\nفمجاز الجناح هنا قالوا: الجناح يعني كنفه ورعايته ويده إلى آخره.\nقالوا: أصل الجناح للطائر، جناح الطائر.\nفلما اسْتُعْمِلَ في الإنسان صار استعمال اللفظ لغير ما وُضِعَ له، لهذا سَمَّوهُ مَجَازًَا.\nإذا تبين لك ذلك فنقول:\nأولًا قولهم في تعريف المجاز: إنَّ المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له مَبْنِيٌّ على أنَّ الألفاظ موضوعة لمعاني.\nومن الذي وَضَعَ المعنى أو اللفظ للمعنى؟ من الذي وضع؟\nيقولون العرب وَضَعَتْ.\nالتعريف الأول -وهو المشهور عند الأصوليين- المجاز نقْلُ اللفظ من وضع أول إلى وضع ثاني.\nيعني أنَّ العرب وضعت للألفاظ شيئًا ثم نقلته من الوضع الأول إلى الوضع الثاني.\nهذا التصور مبني على خيالٍ في أصله.\nوهو أنه يُطَالَب من عَبَّر هذا التعبير بأن يقال له: من الذي وَضَع الوضع الأول؟\nهذا أَوَّلًَا في التعريف\nلهذا لا تدخل مع الذين يبحثون في المجاز أصلًا، يعني في الغيبيات\nأما في الأمور الأدبية، هذا الأمر سهل؛ يعني الخلاف الأدبي سهل.\nلكن إذا أتى المجاز في الأمور الغيبية والصفات فَنَاقِشْهُ في التعريف.\nالآن ما هو تعريف المجاز؟\nاستعمال اللفظ في غير ما وُضِعَ له، أو نَقْلُ اللفظ من الوضع الأول إلى الوضع الثاني.\nهذا الوضع الأول والوضع الثاني كيف عرفنا أَنَّ هذا هو الوضع الأول؟\nالجواب: لا سبيل إلى الجواب.\nليس ثَمَّ أحد يمكن أن يقول هذا اللفظ وُضِعَ لكذا، إِذْ معنى ذلك أَنَّ العرب اتفقت، عَقَدَتْ مُؤْتَمَرًَا، اجتمعت جميعًا وقالت: الآن نحدد لغتنا في الوضع الأول.\nهذا السقف السماء وضعها الأول هو ما علا.\nالأرض هي هذه هذا الوضع الأول.\nالسَّيْرُ، جَرَى، مَشَى، معناه كذا.\nجَنَاحْ هُوَ لهذا الطائر، حَمَامْ هو لهذا الطائر، وهكذا.\nفَيُتَصَوَّرْ من التعريف أنَّ العرب اجتمعت وجَعَلَتْ لكل لفظٍ معنىً في لغتها.\nوهذا خيال؛ لأنّ من عَرَفَ ودرس نشأة اللغات لا يمكن أن يتصوّر أنَّ اللغة العربية نشأت على هذا النّحو.\nلهذا نقول: أولًا التعريف غير صحيح، لأنَّ الوضع الأول يَحْتَاجُ إلى برهان لإِثْبَاتِ أَنَّهُ وَضْعٌ أول.\nأَثْبِتْ لي أَنَّ هذا هو الوضع الأول ولا بأس.\nولا سبيل إلى الإثبات.\nلهذا نقول: إنَّ المعاني في اللغة العربية كثيرٌ منها كُلِّيَّةْ.\nوكلما ذهبت إلى المعنى الكلي كلما كنت أحْذَقْ وأَفْهَم للغة.\nوهذا ما جرى عليه العالم المحقق ابن فارس في مقاييس اللغة، كتاب سماه (معجم مقاييس اللغة) جَعَلَ الكلمات لها معاني كلية ثم تندرج التفريعات تحت المعنى الكلي، وليس وضعًا أول ثم وضعًا ثانيا، وهذا حقيقة وهذا مجاز، ليس كذلك.\nإذا تبين ذلك فنقول: لفظ التأويل ولفظ المجاز يُسْتَعْمَلَانِ كثيرًا.\nالظاهر: يقابله التأويل.\nوالحقيقة: يقابلها المجاز.\nفيُقَال هذا حقيقة وهذا مجاز، ويُقَالْ هذا ظاهر وهذا تأويل.","vol":"1","page":160},{"text":"ولا يقال في التأويل مجاز وللمجاز تأويل، لا، التأويل يختلف عن المجاز كما ذكرته لكم مرارًا.\nالمجاز كتطبيق لأجل أن تفهم كيف يطبقون المجاز على قاعدتهم وكيف أنَّ هذا الكلام الذي طبقوه غير جيد غير صحيح.\nيقولون مثلًا: الرحمة مجاز عن الإنعام.\nطيب مجاز عن الإنعام يعني أنَّ لفظ الرحمة وضعته العرب للمخلوق للإنسان.\nفلما أسْتُعْمِلَ في صفات الرب - ﷿ - نَقَلُوهُ من الوضع الأول إلى وضع ثانٍ وهو الإنعام لأنَّ العرب استعملت الرحمة بمعنى الإنعام.\nفإذًا الرحمة تشمل رحمة الأم بولدها، ورحمة الوالد بولده، ورحمة الإنسان بمن يتعرض لشيء أمامه من المكروهات، وتشمل الإنعام.\nرَحِمَهُ يعني أنْعَمَ عليه.\nقالوا الإنعام هذا وضع ثاني والرحمة التي يجدها الإنسان في نفسه هذا الوضع الأول.\nففي صفات الرب - ﷿ - لا نقول إنه متصف بالرحمة لم؟\nقالوا لأنَّ الرحمة لا تحصل إلا بضعف، إلا بانكسار، وهذا منزه عنه الرب - ﷻ -.\nفإذًا نقلوا من الوضع الأول إلى وضعٍ ثانٍ لعلاقة.\nالعلاقة بينهما هي مناسبة هذا لله - ﷿ -.\nيعني الإنعام مناسب في هذا وفي هذا.\nالعلاقات عندهم في المجاز نحو ثلاثين علاقة، وأُلِّفَتْ فيها كتب، يعني من باب الذكر وليست مهمة.\nطيب، عندكم الرحمة بمعنى الإنعام، والرحمة حينما فسرتموها قلتم الوضع الأول في الإنسان لماذا؟\nالرحمة هذا اللفظ وُجِدَ مع الإنسان، أليس كذلك؟\nوُجِدَ مع الإنسان، أحَسَّ بهذا الشيء الذي في نفسه وهذا الشيء سُمِّيَ رحمة.\nفهل هذه الرحمة حينما وُضع لها هذا المعنى هي في لغة العرب أو هي في اللغات جميعًا؟\nالجواب أنها في لغة العرب؛ يعني من حيث لفظ (رحمة) .\nوأما المعنى المُشْتَرَكْ لهذه الصفة فهذا عام في جميع اللغات؛ يعني موجود في كل لغة ما يدل عليه.\nاللغة هل تضع الأشياء محدودة أو كلية؟\nاللغة المفروض فيها أنها تجعل الألفاظ للمعاني الكلية، لا لمعانٍ محدودة.\nفنأتي للرحمة فنقول الإنسان عنده هذه الرحمة، وَجَدَ هذه الصفة في نفسه فَسَمَّاهَا رحمة.\nلكن لا يوجد تعريف في أي كتاب من كتب اللغة للرحمة بتعريف جامع مانع محدود.\nكذلك الرأفة، كذلك الوُد، كذلك المحبة، ونحو ذلك، فالمعاني النفسية هذه الموجودة في داخل نفس الإنسان هذه لا يوجد تعريف محدّد لها حتى في كتب اللغة.\nإذًا فهي ليست موضوعة لما يحسُّهُ الإنسان، وهي إذًا موضوعة لمعانٍ كلّية تشمل هذه الصفة.\nولهذا نجد أنّ كل الصفات المعنوية لا يمكن تعريفها.\nلو أتاك أحد وقال عرف لي هذه الرحمة التي في قلبك؟\nلا يُحْسِنْ حتى هؤلاء الذين يَحْكُمُون بالمجاز وبالتأويل لا يُحْسِنُونَ أَنْ يُعَرِّفُوا الرحمة بشيءٍ جامعٍ مانع.\nهات الرحمة بتعريف جامع؟\nفيُفَسِّرْ الرحمة بأثر الرحمة، فيُفَسِّرْ الرأفة بأثر الرأفة، فيُفَسِّرْ المحبة بأثر المحبة.\nلكن كل إنسان في أي لغة إذا طَرَقَ سمعه الرحمة هو يعرف مدلول الرحمة بما يجده في نفسه.\nإذًا فالمعاني النفسية هذه التي هي ليست ذوات هذه كليات، والكليات ليست مفردات، الكليات للجميع.\nفإذًا جَعْلُ الكلية اللغوية مُفْرَدًَا في حال الإنسان، وجَعْلُ هذه المفْرَدَةَ وضْعًَا أول هذا لاشك أنه ليس له دليل في اللغة وليس له أيضًا برهان وهو تَحَكُّم.\nفإذًا لكل شيء يناسبه.\nإذا قلت للعربي رحمة الطير، الطير حينما رَحِمَ، هل كانت الرحمة في الإنسان واستعار للطَّيْرِ الرحمة؛ أي جَعَلَهَا في الطير مجازًا؟\nالجواب: لا، يقول لا، الطير فيه رحمة، طيب هذا المعنى الكلي بين الطير والإنسان هل كان في الوضع الأول خاصًَّا بالإنسان ثم عُدِّيَ أو كان للجميع؟\nفإن قال للإنسان وحده فإنه لن يقوله؛ لأنه لا يُسَلَّمْ له.\nوإن قال للإنسان والطير وللحيوان فيما يَرْحَمْ، قيل له فإذًا العرب وضعت هذا اللفظ بالوضع الأول للجميع لهذين فقط، أو وضعت كُلِّيَّة فَطُبِّقَتْ على الإنسان والحيوان وعلى الطير؟\nفَمُؤَدَّى الأمر أَنَّ هذه الكلمات مبنية على برهانين:\n١ - البرهان الأول:\nمعرفة نشأة اللغات، وأنَّ الوضع الأول للأشياء في الإنسان أو في الطير فقط أنَّ هذا غير جارٍ؛ لأنه ما يُتَصَوَّرْ -كما قلت لك خَيَالٌ أنَّ العرب اجتمعت ووضعت هذه الأشياء على هذا النحو-.\n٢ - البرهان الثاني:\nأن يُقَال المعاني الكلية المشتركة هذه لها تعريف عام لُغَوِي، وإذا كان لها تعريف عام، ووجودها في الإنسان تمثيل، ووجودها في الطير تمثيل ووجودها في الأم من الحيوان لولدها تمثيل، وهكذا، فإذًا القضية الكلية أو التعريف الكلي لا يُسَلَّط عليه المجاز بالأمثلة.\nهذه القضية كبيرة بلا شك، ولابد منكم لمن أراد التحقيق في علوم العقيدة وفي علوم اللغة أن ينتبه إلى هذه المسألة؛ وهي نشأة اللغات.\nكيف نشأت اللغات؟\nكيف نشأت اللغة العربية؟\nفي اللغة العربية أتى العرب موجودون فكانت أمامهم لغة؟\nلا، الأسماء عُلَّمها آدم ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] .","vol":"1","page":161},{"text":"هذه الأسماء هل كانت باللغة العربية؟\nلا، كانت بلغة، ثم بعد ذلك تداخل أولاد آدم تنوعت لغاتهم، اكتسبوا أشياء من الأصوات، اكتسبوا أشياء من الرؤية.\nكلمة كانت بسبب الصوت مثلًا.\nمِثْلْ كلمة جَرَّ، جَرَّ هذه أنْتَ لو حَمَلْتَ جذع شجرة تحتاجه في إيقاد النار، تأتي به من مكان بعيد عن المكان الذي تطبخ فيه، تسمع صوته في الأرض بهذه الكلمة جَرْرْرْرْ، فتسمع هذه.\nمثل كلمة خرير؛ خرير الماء هذا الصوت.\nمثل كلمة وسوسة الصوت هذه الوسوسة مأخوذة بالسمع.\nإذًا اللغة تَشَكَّلَت من أشياء، ومَنْ دَرَسَ نشأة اللغات يقول:\nإنَّ البرهان على الوضع الأول الذي أعْتُمِدَ عليه بالمجاز ممتنع.\nوأنا أريد الحقيقة من باب طلب الحق أن يأتي باحث ممن يبحث في اللغة ويُثبت لي هذا الوضع الأول كيف جاء؟ كيف تواضعت العرب على أنّ الكلمة بهذا المعنى في الإنسان المحدَّدْ أو في الحيوان إلى آخره.\nخذ مثلا كلمة جناح.\nجناح في اللغة فيها دِلَالَة على المَيْلْ، ميل واستطالة في الميل؛ يعني مَالَ وثَمَّ زيادة واستطالة في الميل، ليس ميلًا خفيفًا لكن فيه استطالة، لهذا قال ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال:٦١]، ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠]؛ يعني لا إثم عليكم لأنَّ الإثم ميل واستطالة.\nإذًا فتسمية جناح الطائر بجناح، هل هو لأنهم أطلقوا على هذا الجزء؛ يعني قَسَّمُوا الطائر إلى أجزاء، وقالوا هذا سَمُّوهُ جناح، أو هو لمعْنىً كلي موجود قبل وَجَدُوهُ في هذا الجزء من الطائر فَسَمَّوهُ بِهِ.\nهم عندهم الميل، رأوا أَنَّ جناح الطائر فيه استطالة وميل، يمتد يستطيل ويميل إلى آخره، نفس الجناح، لكن جسم الطائر ثابت، لكن هذا الذي يذهب ويجيء هذا الجناح، فسمّوا هذا الجناح بهذا الاسم.\nطيب جاء في الإنسان: الإنسان فيه أيضًا شيء يميل وهو اليد، فاليد تميل.\nإذًا اليد أيضا جناح، ولذلك قول الله - ﷿ - ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤]، كما قال المفسرون اخفض لهما جناحك الذليل، ليست استعارة وليست مجازًا وإنما اليد جناح؛ لأنها فاعلة وتذهب وتجيء، ولهذا قال - ﷿ - في قصة موسى ﵇ ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٣٢] .\n﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ﴾ الجناح ما هو؟\nاليد ليست استعارة لأنها المعنى الكلي.\nإذن في هذه المسائل تطول.\nيعني العنق سُمَّيَ عنق يعني هكذا أم ثَمَّ معاني نشأت منها اللغات ثم تَوَسَّعَتْ؟\nلهذا نقول اللغة كليات جاءت أمثلة عليها تطبيقات في الواقع، قواعد عامة.\nلهذا من عَرَفَ أَقْيِسَةَ اللغة فَهِمَ حقيقتها، أما وجود وضع أول يُبْنَى عليه المجاز فهذا غير ممكن.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>الأسئلة</span>\nس١/ لو ذكرتم كتبًا تكفي طالب اللغة تتحدث عن نشأة اللغات؟\nج/ نشأة اللغات فيها كتب كثيرة ليست سليمة؛ يعني لم أر كتابًا سليمًا في جملة تفاصيله، لأنه لا يخلو كل باحث من خلفيات عنده ومُقَرَّرَات سابقة تسيطر عليه في بحثه ذاك.\nلكن من أحسنها أو مما يطلعك على ذلك كتاب اسمه (مولد اللغة) للشيخ مصطفى الغلاييني وثَمَّ كتب أخرى.\nس٢/ أول درس لي في العقيدة هو هذا الدرس في الطحاوية ولم أدرس الواسطية وغيرها، فبماذا تنصحني؟\nج/ إذا كان هذا أول درس فصعب؛ لأنه راعيت في هذا الشرح من انتقل معنا من الواسطية إلى الطحاوية لذلك يُذكَرْ أشياء فيها مباحث لم تذكر فيما قبل؛ ما نكرر المعلومات تماما، إنما نزيد بعض المسائل.\nفأنا أوصي الأخ الذي هذا أول درس له أن يبتدئ مع أحد أهل العلم في كتاب لمعة الاعتقاد، وينتقل منه إلى الواسطية، ثم بعد ذلك ينتقل إلى شرح الطحاوية.\nس٣/ هل اللغات توقيفية أم اصطلاحية؟\nج/ فيها عدَّة أقوال والصحيح أنَّ الأسماء المطلقة توقيفية، الأسماء اللغوية بدون أن نقول بلغة فلان، بلغة العرب، أو باللغة السريانية، وهكذا.\nالأسماء مطلقًا توقيفية لقوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] أمَّا بعد ذلك التداخل والتوسع، فما يوجد برهان واضح، واللغة تنمو، وإذا كان المعنى الكلي موجود فكل ما يُذْكَر مثال لأنَّ المعنى الكلي يختلف باختلاف الإضافة.\nمثلا عندك السمع، السمع هذه كلمة عامة، صحيح، السمع معروف لو أردت أن تعبر عن السمع تقول إدراك المسموعات واضح، وأيضا فيه إشكال لأنك رجعت بتعريف السمع إلى المسموع، واضح، المسموع رجعنا بالمسموع إلى السمع، صار فيه دور، لذلك لا يصح تعريفًا على طريقة المناطقة وإنما هو تقريب، إذا قلنا السمع إدراك المسموعات، سمع الإنسان يصح أن يطلق عليه سمع، سمع البعوضة يصح أن يطلق عليه سمع، الإنسان في سمعه تلحظ فيه أذن، وفيه صماغ، وفيه الغضاريف الزائدة هذه التي يتلقى بها، هذا وسيلة حصول السمع؛ لكن البعوضة ما فيها شيء عندها سمع.\nفإذن الكلية الحاصلة وهو إدراك المسموع موجود، لكن تمام المعنى بالنسبة للإنسان يناسب ذاته، الكيفية مختلفة، ما يناسب البعوضة أو الذبابة من السمع يناسبها بقدْرها، آلة السمع عندها مختلفة عن آلة السمع عندنا، البصر في بعض الحيوانات تبصر بإيش؟ بالذبذبات أو لا؟ يعني بإرسال الأصوات، يعني عندها إحساس آخر قلنا تبصر؛ لأنها تدرك المبصرات، إذا جاءت للشيء مالت عنه، وهي ليس لها ما تبصر.\nإذًا كيف الاتصاف بالصفة، كيفية الاتصاف بالصفة، هذا لا يجوز أن يُجْعَلَ حَكَمًَا على المعنى الكلي، فالمعنى الكلي ما يشمل هذه الصفات المشتركة بين الكائنات، بل المعاني المشتركة العامة، هي تأتي في الإنسان تطبيقا، يطبقها على نفسه، يطبقها على الحيوان، وإنما تختلف من حيث كمال المعنى ومن حيث الكيفية مثل ما مثلت لك.\nولهذا قال طائفة من أهل العلم في قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، أنَّ الله - ﷿ - نَبَّهَ على السمع والبصر في هذا لأجل اشتراكه بين كل الكائنات الحية، الكائنات الحية لها سمع ولها بصر ومع ذلك أثبته لنفسه مع قاعدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لأنَّه موجود ووَصَفَ الله به نفسه، فمعنى ذلك أنه إثبات صفة لا إثبات مشابهة أو كيفية.\nس٤/ هل يصح إطلاق لفظ العارف أو قاضي القضاة على العَالِمْ؟\nج/ أما لفظ العارف فلا بأس به، استعمله أئمتنا في بعض كلامهم، قال بعض العارفين، قال فلان العارف بالله، على قلة، والأحسن أن يترك.\nوأما لفظ قاضي القضاة فهو محرم؛ لأنَّ قاضي القضاة هو الرب ﷻ.\nس٥/ ما رأيكم في من قال ليس لله مكان؟\nج/ هذا باطل، المكان ما يُطْلَقْ ولا يُنْفَى لأنه ما جاء في الكتاب والسنة، وإنما نقول الله - ﷿ - مستوٍ على عرشه بما وصف به نفسه.\nهذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. (١)\n_________\n(١) انتهى الشريط الثاني عشر.","vol":"1","page":163},{"text":": [[الشريط الثالث عشر]]:\n\nالحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nالأسئلة:\nس١/ ما معنى هذه العبارة: لا يُستعمل في العلم الإلهي قياس تمثيلي أو شمولي وإنما يستعمل قياس الأَوْلى.\nج/ هذه الأقيسة الثلاث مستعملة عند المناطقة:\n- قياس التمثيل.\n- وقياس الشمول.\n- وقياس الأولى.\nوالتمثيل والشمول يقتضي الاشتراك في الجنس؛ لأنَّ المثال هو أحد أفراد الجنس، وأمَّا القياس الذي يصح أن يُطَبَّقَ في صفات الله - ﷿ - وفيما يليق به ﷻ وهو قياس الأولى.\nيعني أن يقال كُلُّ كمال في المخلوق فالله - ﷿ - أوْلَى به؛ لأنَّ الله سبحانه متصف بصفات الكمال المطلق، وإذا في المخلوق نوع كمال يناسبه فالله - ﷿ - له الكمال المطلق.\nمثاله: الغِنَى كَمَالٌ في حق المخلوق -يعني عند الناس-، وكذلك سلامته في حكمته وإدراكه، وهذا كمال في حقه، كذلك قدرته كمال في حقه، كذلك سمعه وبصره وسلامة آلاته هذا كمالٌ في حقه، وهكذا، فهذه الصفات التي في المخلوق التي تكون فيه كمال، فهي تُثْبَتُ لله - ﷿ -؛ لأنَّ الله سبحانه أولى بالكمال، وأولى بنَفْيِ النقص عنه - ﷿ -.\nومن الأمثلة التي تُشْكِلْ على بعض الناس في هذا الباب هو أَنْ يُقَال أنَّ الله - ﷿ - نَفَى عنه الولادة، فقال ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، فليس له ولد لأنه غير محتاج إليه، والمخلوق الولد في حقه كمال؛ إذ العقيم ليس بكامل عند الناس.\nوهذا ليس مُتَّجِهًَا ولا مُعَارِضًَا للقاعدة؛ لأنَّ المخلوق صار الولد في حقه كمالًا لحاجته إليه، فهو يستكثر بالولد ويستقوي به لحاجته إليه؛ لأنه قد ينتفع منه بأنواعِ الانتفاع، والولد في حق المخلوق نقص، ولهذا يُنْفَى عن الله - ﷿ -، وليس كمالًا كما قد يُظن.\nالمقصود أنَّ عبارات (القياس التمثيلي، والقياس الشمولي، وقياس الأَوْلى) من عبارات المناطقة أصحاب المنطق وعلم الكلام، ولا يصح استعمالها عند أهل السنة والجماعة إلا في قياس الأوْلى دون غيره.\nس٢/ ذكر أحد طلبة العلم أنَّ التوراة الإنجيل والزبور ليست كلها محرفة؛ بل أغلبها، لذا اختلف العلماء في مس الجنب لها، ويجوز الحلف بها؛ لأنها من كلام الله، وكلام الله ﷿ صفة من صفاته.\nالسؤال: هل هذا الكلام صحيح؟ وهل يجوز الحلف بالتوراة والإنجيل والزبور؟ أرجو التوضيح.\nج/ أولًا التوراة والإنجيل والزبور التي أُنزِلَتْ على موسى وعيسى وداوود هذه كلام الله - ﷿ -؛ لكن هذا المُنَزَّل على هؤلاء الأنبياء الموجود الآن لا يُتَيَقَّنْ أنَّهُ ذلك المنزل؛ بل قد يكون الموجود اختلط به كلام الله - ﷿ - وكلام علمائهم وزيادات باطلة من التحريفات، والعلماء اختلفوا هل وقع التحريف في هذه الكتب من جهة المعنى أو من جهة الألفاظ؛ يعني هل حُذِفَتْ بعض الأشياء وأُبْدِلَتْ بأخرى وحُرِّفَتْ بنقص، بحذف، ثم زيادة أشياء من كلام الناس، أم كان التحريف في المعنى فقط، فهم حَرَّفُوا من جهة المعنى مع بقاء الأصل، على ثلاثة أقوال لأهل العلم.\nوالصواب منها أنَّ التوراة والإنجيل فيها وفيها:\n- فيها ما هو من كلام الله.\n- وفيها ما هو من إضافات الناس الباطلة.\n- وفيها ما حُرِّف لفظه. .\n- وفيها ما حُرِّف معناه.\nاجتمعت فيها كل أنواع التحريف؛ تحريف اللفظ وتحريف المعنى وترك الأحكام، وهذا له تفاصيل في محلها.\nس٣/ ما المراد بالغِل في قوله تعالى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]؟\nج/ الغل هو الحقد والضغينة التي تتخلل النفس والفؤاد، وأصل هذه المادة في اللغة -مادة غلّ- لما يكون مُتَخَلِّلًَا للشيء، ولهذا قيل للغُل الذي يُغَلُّ به -تُغَلُّ به الرقبة- ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس:٨] سُمِّي غُلًاّ لأنَّ الرقبة تتخلله وهو أيضًا يتخلل الرقبة يحيط بها، وكذلك يقال أيضًا للماء الذي يجري بين السواقي من هذه المادة، ويسمى الماء الغليل وأشباه ذلك.\nفالمقصود أنَّ هذه المادة تدور على التغلل، وعلى التسلل، فلهذا الحقد والضغينة إذا كانت مُتَسَلِلَةً في النفس محيطة بها سميت غِلًّا، كما قال هنا ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾، ويدعو أهل الإيمان ربنا ﴿لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، فأهل الجنة ليس في قلوبهم غل ولا حسد ولا ضغينة؛ بل هم أحباب متآخون.","vol":"1","page":164},{"text":"وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشْبِيهَ زَلَّ وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ\n_________\nهذا رد على الطائفتين: طائفة المؤولة المحرّفة وطائفة المجسمة.\nالمجسمة شَبَّهُوا، والمُأوِّلَة أو المُحَرِّفَة نَفَوا.\nفهؤلاء نفوا الصفات والمجسمة مثَّلُوا، فمن كان مُمَثِّلًَا أو مُحَرِّفًَا فقد زَلَّ ولم يصب التنزيه.\nولهذا نقول: إنَّ قوله (وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشْبِيهَ) أنَّ هذا تحذير حتى للمُوَحِّدْ.\nلا يخطر ببالك أنَّ الله - ﷿ - في صفته ثَمَّ مُشَابَهَة بينه وبين صفة الخلق، وكل ما خطر بباك فالله - ﷿ - بخلافه، لا من جهة تمام الصفة ولا من جهة الكيفية، وإنما نثبت كمال الصفة، الكمال المطلق؛ لكن كيف هذا الكمال حدود هذا الكمال؟ لا نستطيع ذلك.\n\nقال ﵀ (وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشْبِيهَ زَلَّ وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ)\nهذه العبارة مُقَرِّرَةْ لقاعدة عامة من قواعد أهل السنة والجماعة: أنَّ صفات الرب - ﷿ - يجب أن لا يُسَلَّطَ عليها النفي، ولا أن يُعْتَقَدَ فيها التشبيه؛ بل يجب على المسلم في إثباته للصفات أن يَتَوَقَّى نفيها بدرجاته، وأن يَتَوَقَّى التشبيه؛ فلا يُثبِتْ مُشَبِّهًا ولا ينفي مُعَطِّلًا.\nقال (زَلَّ وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ) لأنه ليس على الطريق الحق، فكلّ من تَعَرَّضَ للصفات بنفي أو بتشبيه فإنّه ليس بموحّد.\nقال (لَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ) يعني لم يُصِبْ التوحيد وتنزيه الرب - ﷿ - عمّا لا يليق بجلاله وعظمته.\nوهذا الأصل معلوم في الكتاب والسنة في مواضع كثيرة:\nمنها قول الله - ﷿ - ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص] .\nوقال سبحانه ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] .\nوقال أيضا - ﷿ - ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧]ـ.\n﴿لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يعني له النعت الأعلى والوصف الأعلى.\nو﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ يعني يُسَامِيه يُمَاثِلُهُ يُشَاِبُهُه في كمال أسمائه وما تضمنته من الصفات، فهو سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\nإذا تبين لك هذا المعنى العام لهذه الجملة فقوله (النَّفْيَ) و(التشْبِيهَ) و(التنْزِيهَ) هذه ألفاظ تحتاج إلى شرح، ونتناولها في مسائل:\n١ - (النفي):","vol":"1","page":165},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ النفي يشمل أشياء:\n- أَنْ ينفي صفات الله - ﷿ - كلها.\n- أو أَنْ ينفي أكثرها.\n- أو أَنْ ينفي بعضا منها\n@ فالذين نفوا كل الصفات هم الجهمية.\n@ والذين نفوا أكثر الصفات هم المعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية.\n@ والذين نفوا بعض الصفات طوائف كثيرون من المفسرين ومن شُرَّاح الأحاديث، يَغْلَطُونَ فيُثْبِتُونَ في موضع ويناقضون أنفسهم فينفون في موضعٍ آخر.\nفإذًا النفي من جِهَةِ أصله فيه هذه الدرجات، والدرجة الأخيرة وهي نَفْيُ بعض الصفات فأكثر ما يَغْلَطُ فيه من غَلِطَ من المفسرين وشُرَّاح الحديث في الصفات التي هي من جهة صفات الأفعال.\nوهذه يعني الصفات الاختيارية مثل: الرضا والغضب والنزول والمَقْتْ والأَسَفْ وأشباه ذلك من الصفات.\nفالصفات الاختيارية قَلَّ من ينْهَجُ فيها منهج السّلف الصالح؛ وذلك لأنَّ الباب بابٌ واحدٌ في الصّفات الذّاتية وفي الصّفات الفعليّة.","vol":"1","page":166},{"text":"[المسألة الثانية]:\n- النفي تارَةً يَتَوَجَّهْ لأصل الصفة.\n- وتارَةً يَتَوَجَّهْ لظاهر الصفة.\n- وتارَةً يَتَوَجَّهْ لكيفية الصفة.\n- وتارَةً يَتَوَجَّهْ إلى معنى الصفة.\n١ - المرتبة الأولى توجهه لأصل الصفة: ينفي أَصْلًَا اتصاف الله - ﷿ - بالسمع، ينفي أَصْلًَا اتصاف الله - ﷿ - بالحكمة، ينفي أَصْلًَا اتصاف الله - ﷿ - بالعلم، وهكذا.\n٢ - المرتبة الثانية توجهه لظاهر الصفة: فيقولون نثبت الصفة لكن ظاهرها غير مراد، كيف؟\nيقولون: نثبت الاستواء لكن ليس على ظاهره، فالاستواء له معنى غير المعنى الظاهر المتبادر منه، له معنى آخر.\nوهؤلاء على فرقتين:\n- منهم من يقول: المعنى كيت وكيت.\n- ومنهم من يقول: المعنى لا أحد يعلمه.\nفأما الأوّلون فهم المؤولة.\nوأما أصحاب القول الثاني فهم أهل التجهيل الذين يسميهم العلماء المُفَوِّضَة، يُثْبِتُونَ لكن يُفَوِّضُونَ كل الصفة لله - ﷿ -، لا يعلمون لها معنى، ولا يعلمون لها كيفية، جميع الصفة منفية؛ يعني مثبتة لكن منفي العلم بها.\n٣ - المرتبة الثالثة توجُّهُهُ لكيفية الصفة: هذا النّفي الذي يَتَّجِه إلى كيفية الصفة هذا واجب، وهو منهج أهل السنة والجماعة فإننا ننفي العلم بالكفية؛ لأنَّ الله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فنُثْبِتْ الصفة مع نفينا للكيفية.\nوهذا المعنى ليس مرادًا في قوله (وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ)؛ بل هذا نَفْيٌ واجب وهو أن نَنْفِي عِلْمَنا بالكيفية.\nفالكيفية لا يعلمها إلا الله - ﷿ -، كما قال - ﷿ - ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] .\n٤ - المرتبة الرابعة توجُّهُهُ لمعنى الصفة: والنفي المتجه للمعنى هذا يُثْبِتُ كثيرون الصفة لكن ينفون المعنى؛ يقولون ليس لها معنى، ليس لها معنى مطلقا؟\nفاسم الرحيم هو العليم، والرحمة هي العلم؛ لكن لَمَّا تَعَلَّقَتْ إرادة الله بالمُعَيَّن فَرُحِمَ سُمِّي هذا التَّعَلُّق رحمة، لما تَعَلَّقَتْ به قُدْرَة سُمِّيَ ذلك قدرة إلى آخره.\nفيقولون هي من جهة قيامها بذات الرب - ﷿ - شيء واحد، ولذلك ننفي أن يكون لهذه الصفات معاني متعددة، وهذا يشترك فيه جملة من أصحاب المذاهب المختلفة.\nفقوله إذًا (وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ) يدل على أنَّ ترك النفي مطلوب وواجب، وهو ألا تُنْفَى أصل الصفات، وألا يُنْفَى الظاهر، وألا يُنْفَى العلم بالمعنى؛ بل يُنْفَى شيء واحد وهو الكيفية دونما سواها.\n٢ - (التَّشْبِيهَ):\nالتشبيه مصدر شبَّهَهُ بغيره تَشْبيهًَا، أو شَبَّهَ الشيء بكذا تشبيهًا.\nفالتشبيه: هو جعل المخلوق مشابهًا لله - ﷿ -، أو جعل الله - ﷿ - مُشَابِهًَا في صفاته للمخلوقات.","vol":"1","page":167},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالتشبيه مراتب أيضا:\n١ - فالمرتبة الأولى التشبيه الكامل وهو المساوي للتمثيل:\nيعني أن يقول يده كيدي، كقول المجسمة والعياذ بالله، وصورته كصورتي والعياذ بالله، وأشباه ذلك، فهذا تشبيه كامل؛ يعني شَبَّهَ الله - ﷿ - بالمخلوق من جهة الصفة في الكيفية وفي المعنى.\nوهذا كفر بالله - ﷿ - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ والمُشَبِّهُ يَعْبُدُ صَنَمًا، الممثل يَعْبُدُ صنمًا.\nفهو تَخَيَّلَ في نفسه صورة للرب - ﷿ - فجَعَلَهَا عليه.\nوهذا كما قلنا لكم لا يمكن أن يكون لله - ﷿ - في ذاته وصفاته شيء يَتَخَيَلُهُ العبد أو يتصوره؛ لأنَّهُ كل ما خطر ببالك فالله - ﷿ - بخلافه، كل ما جاء في بالك فالله - بخلافه.\nلأنَّ المعرفة واستقبال المعارف والإدراكات في الإنسان ستأتي شيئًا فشيئًا.\nوهو أصلًا جاء من غير إدراك.\nوالله - ﷿ - جعل له السمع والبصر والفؤاد ليدرك.\nفإذًا كل المُدْرَكَات في الإنسان مَجْلُوبَةٌ له من واقع ما رَأَى، ومن واقع ما سمع، أو من واقع ما قارن.\nوالشيء الذي لم يره ولم يسمعه وليس ثَمَّ ما يُقَارَنُ به، فكيف تحصل له معرفته؟\nولذلك تجد أنَّ الإنسان لا يمكن أنْ يَتَصَوَرْ شيء ما رآه أو رأى مثيلًا له أو رأى ما يُقَاسُ عليه؛ ما يجتمع هو وإياه في أشياء.\nما يمكن أن يتصوَّرَ شيء لم يره أصلًا أو لم ير مثيلا له.\nلكن لو رأى ما يُقَاسُ عليه ممكن، لو رأى مثيلًا له ممكن.\nمثلا تقول الإنسان الياباني مختلف في صورته عنَّا لكن يبقى التَخَيُّلْ العام عندك أنه ما دام أنه إنسان فهو على هذه الصفة.\nتقول مثلا الخبز في بلدٍ له شكل غريب، أنت لا تتصور هذا الشكل لكن تعرف الخبز ما هو من حيث الصفة؛ لأنك تعرف أنَّ ذاك سيكون في مادته مشابِهًَا لهذا الذي عرفته.\nلو ذُكر لك شيء غريب، مثلا في بلد من البلاد رأينا بناءً عجيبًا جدًا، ممكن أن تتصور البناء على نحو ما إذا كنت رأيت شبيهًا له أو ما يقاس عليه؛ أو مُرَكَّبَات هذا البناء وطريقة البناء وأنه أَدْوَار مثلًا.\nمَثَلًَا: شُرِحَ لك عن الأهرامات من صفتها كذا وكذا، يمكن أن تتصور لأنَّكَ رأيت مثيلًا له، رأيت ما يُقَاسُ عليه، رأيت ما يمكن أن تُعْقَدَ مقارنة فتصل على نوع إدراكٍ لذلك.\nأما الرب - ﷿ - وتقدست أسماؤه وصفاته فلا يقاس بخلقه ولم يُرَ مثيلًا له - ﷿ - ولا يُقَارَنْ بشيء، ولذلك كل ما يخطر في البال إنما هو من جَرَّاءِ إدراكات مختلفة لا يمكن أن يكون منها حقيقة الرب - ﷿ -.\nولهذا كل ما خطر في بالك فالله - ﷿ - بخلافه، فإذا استرسل مع هذا وشَبَّهْ فإنّه يعبد صنمًا.\nيعني تَخَيَّلَ في نفسه صورة وهيأ له إلهًا يكون على نحو ما فَعَبَدَهُ.\nولهذا قال أئمة السلف (المشبه يعبد صنمًا والمعطل يعبد عدمًا) .\nهذا التشبيه الكامل هو التّمثيل\nوهذا التمثيل أو التشبيه:\n- قد يكون في الذات بأجمعها.\n- وقد يكون في صفة من الصفات.\nقد يقول: الله - مثلي، على صفتِي -والعياذ بالله- وهذا كفر.\nأو يقول: يده كَيَدي، وسمعه كسمعي، وعينه كعيني وأشباه ذلك وهذا أيضا كفر بالله - ﷿ -.\n٢ - المرتبة الثانية التشبيه في بعض الصفة، لا في الكيفية ولكن في المعنى:\nفيقول: الكيفية لا نعلمها لكن معنى الصفة في الله - ﷿ - هو معناها في المخلوق.\nوهذا أيضًا مما ينبغي تَجَنُّبُه؛ لأنَّ صفة الرب - ﷿ - معناها في حقه كامل لا يعتريه نقص من وجه من الوجوه، وأما في المخلوق فهو فيه الصفة ولكنها ناقصة تناسب نقص ذاته.\nولهذا يقال في مثل هذا: إنَّ الله - ﷿ - له الكمال المطلق في صفة السمع، والمخلوق متصف بالسمع، أو تقول لله - ﷿ - سمع وللمخلوق سمع وليس السمع كالسمع؛ يعني في أصل المعنى موجودٌ سمع وسمع؛ لكن في تمام المعنى وكماله مختلف ليس الاتصاف في الله - ﷿ - مثل الاتصاف في المخلوق.\n٣ - المرتبة الثالثة تشبيه العكس وهو تشبيه المخلوق بالخالق والعياذ بالله:\nوتشبيه المخلوق بالخالق، يعني أن يَجْعَلَ للمخلوق صفة من صفات الله - ﷿ -.\nمثل أن يُغِيثْ أو أنَّهُ يسمع وهو غائب، أو أنَّ له قدرة أو أنَّ له تصرف في الكون أو أشباه ذلك.\nوهذا كحال عُبَّاد الأصنام والأوثان والقبور وعُبَّاد عيسى والملائكة وعُبَّادْ الأولياء، كلهم على هذه الصفة، يجعلون للمخلوق بعض صفات الله - ﷿ -.\nوهذا لاشك أنه تشبيه وهو في حد ذاته من جهة التشبيه كفر لمن اعتقده.\nفمن وَصَفَ المخلوق بصفة الله - ﷿ - من تصريف الكون أو يقولون فلان من الأولياء له ربع الكون يتصرّف فيه أوله نصف الكون يتصرف فيه، أو فلان المَلَكْ له التَّصَرُّفْ في الملكوت بنفسه فَيُطْلَبْ منه ويُسْتَغَاثْ به ويُسْأَلْ أو يُلْجَأْ إليه ونحو ذلك، من الأموات أو من الغائبين.","vol":"1","page":168},{"text":"فكل هذا تشبيه للمخلوق بالخالق وتمثيل للمخلوق بالخالق وهو شرك بالله - ﷻ -.\nلهذا لم يُطلق أكثر السلف نفي التشبيه، وإنما أطلقوا نفي التمثيل؛ لأنَّ الله - ﷻ - قال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .\nولفظ التشبيه لم يرد فيه النفي في الكتاب ولا في السنة فيما أعلم، وإنما ورد لفظ التمثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .\nوفرق ما بين التمثيل وبين التشبيه:\n- فالتمثيل: معناه المساواة هذا مثل هذا؛ يعني يساويه في صفة أو في صفات.\n- أما التشبيه فهو من التَّشَابه، وقد يكون التشابه كاملًا، فيكون تمثيلًا، وقد يكون التشابه ناقصًا فيكون في كلّ المعنى أو في أصل المعنى على نحو ما فَصَّلْتُ لك (١) .\nفإذًا إذا قيل لا نُشَبِّه فلا يندرج في ذلك إثبات أصل المعنى، يعني التشابه في المعنى.\nلأنه لا يستقيم إثبات الصفات إلا بمشابَهَةٍ في المعنى، ولكن ليس مُشَابَهَة في كل المعنى، ولا في الكيفية؛ لأن هذا تمثيل.\n* فلهذا لا يُطلق النفي للتشبيه، لا نقول التشبيه منتفيا مطلقًا، كما يقوله من لا يحسن، بل يقال التمثيل منتفٍ مطلقا.\nأما التشبيه فنقول: التشبيه منتف؛ فالله - لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء.\nوينصرف هذا النفي للتشبيه في الكيفية أو في تمام المعنى في كماله.\n٣ - (التنزيه):\n(التَّنْزِيهَ) يعني تنزيه الرب - ﷿ - عما لا يليق بجلاله وعظمته.\nقال (لَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ) فالذي لم يَحْذَرْ النفي ولم يَحْذَرْ التشبيه، فإنه يَزِلُّ ولن يصيب تنزيه الرب - ﷿ - عما لا يليق بجلاله وعظمته.\nوالتنزيه هو التسبيح؛ فمعنى ذلك أنَّ من نَفَى أو شَبَّهَ فإنَّهُ لم يُسَبِّح الله - ﷿ - كما يليق بجلاله وعظمته.\nلأنَّ معنى سبحان الله هو: تَنْزِيهًَا لله، والكون كله يردد سبحان الله وبحمده، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] .\nفإذن من الواجب أن يُنَزَّهْ الله - ﷿ - عما لا يليق بجلاله وعظمته.\nولهذا نقول: إنَّ اتقاء النفي والتشبيه هو طريق التنزيه والتسبيح الحق لله - ﷿ -.\nفالمعتزلة الجهمية والمبتدعة من الأشاعرة والكلابية وسائر الطوائف التي نفت بعض الصفات هؤلاء لم يُنزِهُوا الرب - ﷿ - عن ما لا يليق بجلاله وعظمته بل وقعوا في شيءٍ من عدم التنزيه.\nلذلك قال (وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ) يعني لم يُنَزِّهْ سواءً أَكَانَ مُرَادُهُ التنزيه فَأَخْطَأَ أو هو في الحقيقة لم يُنَزِّهْ؛ لأنه ما نَزَّهَ الله - ﷿ - عما لا يليق بجلاله وعظمته؛ لأنَّ الله سبحانه له الكمال المطلق في الاتصاف بالصفات.\nفمن لم يثبت جميع الصفات، فهو لم يُثْبِتْ الكمال المطلق، فمعناه أنَّهُ نقص حمده لله - ﷿ - ومعنى ذلك أنه لم يُنَزِّهْ الله - ﷻ - عما لا يليق بجلاله وعظمته.\nوهذه الجملة عظيمة من كلام الطحاوي ﵀ (وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشْبِيهَ، -يعني من سائر طوائف الضلال- زَلَّ وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ) وإن زَعَمَ أنه يُنَزِّهْ فإنه لم يُصِبْ، وهذا يكثر في المعطلة وفي المؤولة وفي النفاة، يقولون: نفينا وأوَّلنا وعَطَّلْنَا لأجل التنزيه.\nوهذا يُرَدُّ عليهم بأنَّ ما فعلتموه هو وصف لله بالنقائص، وليس تنزيها للرب ـ.\n_________\n(١) راجع المسألة الثالثة (الشريط ١/ص ١٦)","vol":"1","page":169},{"text":"ثم علل ذلك ب<span data-type=\"title\" id=toc-133>قوله (فَإِنَّ رَبَّنَا - ﷿ - مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ، لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَرِيَّةِ</span>.)\n_________\nهذا أخذه من قول الله - ﷿ - ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص] .\nقوله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، (أَحَدٌ) يعني واحد في أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله، فليس له شريك في ملكه، وليس له مثيل في صفاته وأفعاله، وليس له ند في فردانيته وفي صَمَدانيته ﷿.\nولهذا بعدها جاء بأنواع التوحيد قال ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ يعني الذي تَصْمُد إليه المخلوقات بأجمعها في طلب ما ينفعها ودفع ما يضرها.\nفإذًا في قوله ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ إثبات توحيد الإلهية.\nقال ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وهذا فيه إثبات التفرد بالربوبية.\nقال ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وهذا فيه توحيد الأسماء والصفات، فلا أحد يكافئه ويماثله، فلذلك هو - ﷿ - أحد في أسمائه وصفاته وأفعاله ﷻ.\nقال (فَإِنَّ رَبَّنَا - ﷿ - مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ) يعني أَنَّهُ متوحد في صفاته.\n(مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ) يعني أنَّ كل نَعْتْ يُنْعَتْ به الرب - ﷿ - على أساس أنه منفرد فيه، فهو سبحانه فرد في أسمائه وصفاته وذاته، فهو سبحانه وِتْرْ وفرد، وصفاته هو فيها سبحانه فَرْدْ فلا يماثله شيء ولا يشاركه فيها أحد - ﷻ -.\nإذا تبين لك ذلك فالصفة والنعت هنا غايَرَ بينهما قال (مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ)، والصفة والنعت في اللغة متقارب.\nوهو لم يُرِدْ التفريق ما بين الصفة والنَّعْتْ لأنَّ الله سبحانه له الصفات العلى وله النعوت العلى، له المثل الأعلى.\nوالصفة والنعت هي المثل في القرآن في قوله ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧]؛ يعني له النعت والصفة العليا ـ، أما المخلوق فله الوصف الأدنى الذي يناسب ذاته الوضيعة الضعيفة المحتاجة.\nصفات الرب - ﷿ - ونعوته تنقسم إلى أقسام باعتبارات مختلفة:\n&amp; فتنقسم باعتبار قيامها بالرب - ﷿ - إلى قسمين:\n- إلى صفات ذات.\n- وإلى صفات فعل.\n@ القسم الأول صفات الذات: وهي التي لا ينفكُّ ربنا - ﷿ - عن الاتصاف بها، لم يزل موصوفًَا بها وهو متصف بها دائمًا، مثل الوجه والعينين واليدين، مثل الرحمة والسمع والبصر، فإنَّ الله سبحانه لم يزل ذا وجه وذا سمع وذا بصر ـ، وكذلك في صفاته الذاتية، ومنها صفة الرحمة، فالله - ﷿ - متصف بصفة الرحمة وهي ملازمة له ـ.\n@ القسم الثاني صفات الأفعال: وصفات الفعل لله - ﷿ - يسميها بعض الناس من أهل العلم الصفات الاختيارية، وهي التي يفعلها ربنا - ﷿ - تارة ولا يفعلها تارة، صفات الفعل هي التي تقوم بالرب - ﷿ - بمشيئته وقدرته ـ.\nوهذه الصفات التي هي الصفات الاختيارية أَوَّلُ من نفاها بخصوصها الكُلَّابية، وتبعهم على ذلك أبو الحسن الأشعري؛ يعني ابن كُلَّابْ أَوَّلْ من نفاها ثم تبعه أصحابه ثم تبعهم أبو الحسن.\n&amp; من جهة أخرى نَقْسِمْ الصفات إلى قسمين:\n- إلى صفات جلال.\n- وإلى صفات جمال.\n@ القسم الأول صفات الجلال: هي الصفات التي فيها نعت الرب - ﷿ - بجلاله وعظمته وقهره وجبروته ـ، وهي التي تجلب في قلب الموحد الخوف منه ـ، مثل صفة القوة، القدرة، القهر، الجبروت وأشباه ذلك.\nصفات الجلال يعني من تأمَّلها أجَلَّ الله - ﷿ - وهابه وخافه ـ.\n@ القسم الثاني صفات الجمال: وصفات الجمال هي الصفات التي تبعث في قلب الموحد [....] الرب - ﷿ - والأنس به وبلقائه وبمناجاته وبالإنابة إليه، وهذه صفات كثيرة لله - ﷿ -، مثل صفة الرحمة والرأفة والمغفرة وقَبُول التوبة والسلامة؛ اسم الله السلام، والمؤمن وأشباه ذلك.\nفإذًا صفات العَظَمَة هذه يقال لها صفات جلال، وصفات ونعوت الرحمة والمحبة يقال له صفات جمال، هذا اصطلاح لبعض علماء السنة وهو اصطلاح صحيح.\nولهذا في الختمة التي تُنسبُ لشيخ الإسلام ابن تيمية رجَّحَ طائفة من أهل العلم أن تكون لشيخ الإسلام لورود هذا التقسيم فيها، وهو قوله في أولها «صدق الله العظيم المُتَوحّدُ بالجلال لكمال الجمال تعظيما وتكبيرا» .\nولا أعلم من أَشْهَرَ هذا التقسيم قبل شيخ الإسلام ابن تيمية -يعني تقسيم الصفات إلى صفات جلال وجمال.\nوفي هذه الختمة جُمَلْ معروفة في الاستعمال عن شيخ الإسلام دون غيره.\nوابن القيم ﵀ بحث صفات الجلال والجمال في بعض كتبه.\n&amp; التقسيم الثالث للصفات:\n- صفات ربوبية.\n- وصفات ألوهية.\nهذا باعتبار التوحيد؛ يعني رجوع الأسماء والصفات إلى نوعي التوحيد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.\n@ القسم الأول صفات ربوبية: وهو ما كان من أفراد الربوبية: مثل المُلْكْ والهيمنة والانتقام والقدرة والقوة والإحاطة وأشباه ذلك.\n\n@ والقسم الثاني صفات الألوهية: وهي التي وحَّد العبد ربه - ﷿ - بها مثل اسم الإله وما فيه، مثل الصمد وأشباه ذلك مما فيه توجه من العبد إلى الرب ﷻ.","vol":"1","page":170},{"text":"قال بعدها (وَتَعَالَى عَنِ الْحُدُودِ وَالْغَايَاتِ وَالْأَرْكَانِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَدَوَاتِ، لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ.) (١)\n_________\nهنا ذَكَرَ هذه الألفاظ متابَعَةً لما جرى عليه المتكلمون في زمنه.\nوهو ذّكَرَهَا بعد إثبات، فأثبت الصفات ثم نَفَى.\nوقاعدة أهل السنة والجماعة: أنَّ النفي يكون مُجْمَلًَا وأنَّ الإثبات يكون مُفَصَّلًَا.\nففي قوله هذا نوع مخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة؛ لكن كلامه محمول على التنزيه بعد الإثبات.\nوالتنزيه بعد الإثبات يُتَوَسَّعُ فيه لأنَّ طريقة أهل البدع أنهم يُنَزِّهُون أو ينفون بدون إثبات.\nينفون مفصلا ولا يثبتون.\nولكن المؤلف أثْبَتَ مُفَصَّلًا ونَفَى وكان في نفيه بعض التفصيل.\nولهذا نقول: عند الاختيار لا نقول هذا الكلام (تعالى ربنا عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء ونحو ذلك) عند الاختيار لا نقوله كما ذكرت لك وذلك أنَّ هذه الألفاظ فيها مخالفة من أوجه:\n١ - الوجه الأول: أنَّ هذا نفي مُفَصَّل، وهو مخالف لطريقة أهل السنة؛ لأنَّ طريقتهم مأخوذة من قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فنَفَى مُجْمَلًَا وأثْبَتَ مُفَصَّلًَا.\n٢ - الوجه الثاني: أنَّ هذه الكلمات لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة، فلهذا الذي لم يَرِدْ لا يَحسُن أن ننفيه ولا أن نُثْبِتَه؛ لأنَّ طريقتنا هو اقتفاء الكتاب والسنة.\nفلفظ الحد والغاية والركن والأعضاء والأدوات والجهات، كل هذه ما جاءت في القرآن ولا في السنة، فلذلك لا نثبتها ولا ننفيها.\n* وليس معنى النفي أَنَّهَا مُحْتَمِلَة، فإذا قال أهل السنة (لا ننفيها) لا يُفهم منه يعني أنَّ معناها محتملة، لا؛ ولكن لا ننفيها لأننا لا نتجاوز القرآن والحديث، هذا أمر غيبي كيف نتجاسر عليه بدون دليل.\nفلذلك نقول لا نُثْبِتْ إلا بدليل ولا ننفي إلا بدليل.\nفإذًا استعمال هذه الألفاظ لا يسوغ، والمؤلف يُؤَاخَذْ -﵀- في استعماله هذه الألفاظ؛ لأنها من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة.\nطبعا الحد والغاية متقارب في أن يكون له حد ينتهي إليه اتصافه بالصفة، وفي هذا مسألتان:\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الثالث عشر.","vol":"1","page":171},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ طائفة من العلماء لما ذَكَرُوا الاستواء على العرش لله - ﷿ - سُئِلُوا: بحدٍّ؟\nقالوا: بحد.\nوهم طائفة من أئمة أهل السنة كابن المبارك والثوري وجماعة من الأئمة، وهذا يُوَجَّه بأنَّ استعمالهم لفظ (الحد) مع أنه لم يأتِ في الكتاب والسنة لأجل أن يبطلوا دعوى الجهمية في أنَّ الله في كل مكان.\nوإذا احتاج المُوَحِّد لبيان عقيدته في المناظرة إلى كلمات تُوضِح الأمر فإنه لا بأس باستعمالها للمصلحة؛ لكن لا تُثْبَتُ عقيدةً مُستقِلة.\nيعني إذا جاء أحد يقول: ما هي عقيدتك؟ فلا تقل: عقيدتي أنَّ الله مستوى على عرشه بحد.\nإنما نقول: هو - ﷿ - مستوٍ على عرشه.\nإذا احتيج إلى ذلك في مقامه فقد يُقال ذلك؛ لأنَّ لفظ (بحد) يعني أنه ليس مختلطًا بخلقه - ﷻ -.\nفهو سبحانه الحدود والغايات التي تنتهي إليها صفاته كما قال (تَعَالَى عَنِ)، لأنَّ الله سبحانه ليس لصفاته حد يعلمه البشر.\nقال (تَعَالَى عَنِ الْحُدُودِ) يعني المعلومة (وَالْغَايَاتِ) المعلومة.","vol":"1","page":172},{"text":"[المسألة الثانية]:\nيُشْكِلْ على هذا ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم وغيره وهو قوله ﷺ في وصف الرب - ﷿ - «حِجَابُهُ النّورُ. لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (١)، فهل معنى ذلك أنَّ البصر محدود بالخلق؟\nوالجواب عن ذلك: أنَّ هذا إحالة على -يعني في قوله «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» - في أنَّ الإحراق إحراق السبحات لما انتهى إليه البصر.\nوالبصر لا ينتهي لحد، فكذلك الإحراق لا ينتهي لحد.\nفإذًا هو بناء شيء على شيء، فلا يُثْبَتْ الثاني لأجل ورود الأول بل الثاني مَنْفِي فكذلك الأول نقول ليس له حد.\n«مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» الله - ﷿ - ينْفُذُ بصره في جميع بريته ـ، وكل ما سواه - ﷿ - مخلوق.\nفإذًا بصره ينتهي في جميع مخلوقاته، فإذًا لو كَشَفَ الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل مخلوقاته.\nفإذًا هذا ليس فيه إثبات الحد والغاية، وإنما هذا فيه إثبات أنه - ﷿ - مُطْلَق في اتصافه بصفاته لا حد؛ يعني لذلك يُثبت؛ بل نقول: هو سبحانه كامل في صفاته.\n_________\n(١) سبق ذكره (١٣٢)","vol":"1","page":173},{"text":"قال (وَالْأَرْكَانِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَدَوَاتِ، لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ)\n_________\nهذه الألفاظ الثلاث -الركن والعضو والأداة-، هذه راجعة إلى الصفات الذاتية يعني مثل اليد، القدم، العينين ومثل الوجه إلى آخره، فهذا ينفي أن يكون هذا عضو أو ركن أو أداة أو نحو ذلك؛ لأنَّ هذه الأشياء في المخلوق فينزّه الرب - ﷿ - عنها، هذا مراده.\nوكما ذكرت لك المُقَرَّرْ أنَّ هذه الأشياء لا تُقال لا نفيًا ولا إثباتًا؛ بل لا نذكر ذلك؛ لأن الله سبحانه أعظم من أن يُنفى عنه استعمال هذه الألفاظ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .\n\nقال (لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ) .\n(الْمُبْتَدَعَاتِ) يعني المخلوقات.\nوقوله (كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ) سائر في اللغة تستعمل بمعنى بقية، ولذلك قيل لبقية الشراب سؤر.\nفكلمة سائر يعني البقية، تقول مثلا أتاني محمد وسائر الإخوان. يعني وبقية الإخوان.\nلكن هنا استعملها بمعنى (كل) (كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ) يعني ككل المخلوقات.\nالمخلوقات تحويها الجهات الست.\n(لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ) الجهات الست ما هي عندهم؟\nالجهات الست أمام وخلف ويمين وشمال وأعلى وأسفل.\nهذه الجهات الست مخلوقة، وهذه المخلوقة لا تحوي الرب - ﷻ -؛ بل الله - فوق مخلوقاته.\nلكن ما من مخلوق من هذه الجهات الست إلا وهو نسبي إضافي ليس مطلقًا.\nفما من شيء إلا وأمامه شيء، وهو أمام شيء، وهو يمين شيء وثَم شيء آخر يمين، وهكذا.\nمثل ما نقول: نحن الآن أسفل -يعني في أرض المسجد-؛ لكن بالنسبة لمن تحتنا -في الْقَبُوْ مثلا إذا كان فيه قَبُوْ- نحن فوق مثلًا، واحد ساكن في أدوار الدور الأول فوق الدور الأرضي فهو أعلى؛ لكن هو بالنسبة للدور الثاني أسفل.\nإذًا الجهات هذه ليست مطلقة، وإنما هي نسبية.\nفتقول: يمين، ليس ثَمَّ يمين مطلق في حياة المخلوقات وإنما هو يمين إضافي.\nلا تقل شمال مطلق إنما هو شمال إضافي.\nأمام مطلق إنما هو أمام إضافي؛ يعني نسبي تَنْسُبُه إليك وتَنْسِبُه إليك.\nتقول أمامي، أمام فلان، يمين فلان إلى آخره.\nولهذا الجهة -جهة العلو- إذا نسبتها للمخلوق فثَمَّ جهة لنا هي حال وثَمَّ جهة لمن هم في الجهة الثانية من الأرض هي لها حال أخرى، فنحن جهة العلو عندنا فوق، وجهة السُّفل هم، وهم بالعكس يعني الذين في الجهة الثانية من الأرض.\nإذًا فجهة العلو وجهة السُّفل هذه نسبية لك، تقول: هذا أعلى، ليس هذا هو العلو المطلق\nهذا العلو المنسوب إليك.\nوالذي في الجهة الثانية من الكرة الأرضية العلو هو المنسوب إليه.\nفإذن هذه أمور نسبية في الجهات.\nفإذا أردت المطلق فثَمَّ شيء واحد فقط وهو العلو المطلق على جميع المخلوقات، غير منسوب لطائفة من المخلوقات أو لبعض المخلوقات، وهو علو الرب ﷻ.\n* إذًا فنقول: هذه الجهات الست إذا أريد بها النسبي، فنقول نعم الله ﷾ لا تحويه الجهات النسبية؛ يميني وفوقي وأمامي وشمالي وإلى آخره، لا تحويه.\nلكن المطلق لا نقول تحوي ولا ما تحوي؛ لأنَّ الله سبحانه فوق مخلوقاته، والمخلوقات هذه محتاجة إليه، لكن له العلو المطلق، هو سبحانه - ﷿ - كلتا يديه يمين، اليمين المطلق ليس النسبي، وهو سبحانه وسع كل شيء، واسع ـ.\nفإذًا تنتبه إلى أنَّ هذه المخلوقات نسبية وليست مطلقة.\nفإذًا قوله (لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ) ليس في هذا مَنْحَى من منحى أهل البدع في نفي العلو، لا؛ لكن هذه يعني بها الجهات الست النسبية كسائر المخلوقات.\nكل مخلوق لابد أن يكون محصور بهذه الجهات؛ يعني أعلى أسفل يمين شمال والثاني كذلك والثالث كذلك.\nوهذه مسألة مهمة تفيدك في كل ما يوصف الرب - ﷿ - به لا تقسه بالمخلوق؛ اجعله مطلقًا.\nمثل الآن مسألة النزول «ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر (١)» أو «في النصف الآخر من الليل» أو «آخر كل ليلة» على اختلاف الروايات والألفاظ.\nهذه ثلث الليل هل هو منسوب لك أو منسوب للزمان المطلق؟\nهنا ننسبه للزمان المطلق، الذي يدخل فيه الزمان النسبي بالنسبة للمخلوق الواحد.\nكذلك جهة العلو أنت تدعو ربك - ﷿ - إلى أعلى، ونعلم أنه فوقنا ـ، ومن هو في الجهة الثانية هو فوقه أيضا وهو في جهة أخرى، نحن مثلا نتجه كذا وهو في الجهة الثانية من الأرض يتجه عكس الاتجاه، أليس كذلك؟\nلكن هذا علو نسبي وهذا علو نسبي.\nوإذا أردت العلو المطلق فتأمل قول الله - ﷿ - ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧]، وتأمل أنَّ السموات السبع الأرض بالنسبة لها صغيرة، والسموات السبع بالنسبة للكرسي صغيرة، والكرسي بالنسبة للعرش أيضا كحلقة ألقيت في ترس صغير.\nفإذًا كلها تتلاشى، ويبقى الإطلاق في الزمان وفي المكان بما يجعل معه أنَّ تَصَوُّرْ العبد لما يوصف الله - ﷿ - به نسبيًا يجني على نفسه ويدخل في النفي أو التشبيه.\nفيجب أن يكون ما يؤمن به الموحد من صفات الله - ﷿ - على ما جاء في الكتاب والسنة، وكل ما جاء هو على الإطلاق، لا على ما تعرفه أنت من نفسك.\nوالإطلاق اللائق بالله - ﷿ - يدخل فيه ما يختص بالمعيَّن من المخلوقين، تبارك ربنا وتعاظم وتقدس - وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وكان الله بكل شيء محيطا ﷻ وتقدّست أسماؤه.\nنقف عند هذا والأسبوع القدم إن شاء الله من قوله (وَالمِعْرَاجُ حقٌّ) .\nوأسأل الله سبحانه أن ينفعنا وإياكم في هذه العقيدة، وأن يجعلنا صالحين مصلحين، وأن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن.\n_________\n(١) البخاري (١١٤٥) / مسلم (١٨٠٨)","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الأسئلة:</span>\nس١/ يا شيخ، قلنا المخلوق له ملك، والله - له ملك، وملك الإنسان مقيد، وأنَّ ملك الله مطلق، هل هذا صحيح؟\nج/ ملك الله مطلق في الأشياء، صحيح، ملك الإنسان مقيد، صحيح.\nس٢/ هل الفرد اسم لله؟\nج/ لا، ليس من الأسماء الحسنى الفرد، لكن الإخبار عن الله - ﷿ - بأنه فرد موافق لاسم الله الصّمد والأحد وأشباه ذلك.\nس٣/ قلتَ نفي الكيفية واجب، فهل نفي الكيفية هو الواجب أم تفويض الكيفية؟\nج/ الجواب أنَّ النفي؛ يعني نفي الكيفية المعقولة، نفي العلم بالكيفية، أما اتصاف الرب - ﷿ - بالصفات بكيف، هو سبحانه في صفاته متصف بها بكيف بكيفية، لكن نعلمها؟ لا نعلمها.\nفإذًا النفي يتوجه إلى العلم بالكيفية، لا إلى وجود الكيفية.\nس٤/ ذكرت أنَّ صفة الرحمة صفة جمال، فهي اختيارية وذكرت أنها ذاتية؟\nج/ ما ذكرت أنَّ صفة الرحمة اختيارية، التقسيمات غير متساوية، هذه تنتبه لها في العلوم جميعًا، إذا قسمنا الصفات إلى ذاتية وفعليه، ثم باعتبار آخر -يعني باعتبار نوعها- إلى جلال وجمال، لا يعني أنَّ الجلال هي الذاتية والجمال هي الاختيارية، لا، هذا تقسيم آخر.\nمثل ما نقول مثلا: شرك أكبر وأصغر، شرك ظاهر وخفي، مُو معنى الكبر والأصغر، أن الخفي هو الأصغر، الخفي منه أكبر مثل شرك المنافقين.\nمثل غَلَطِ من غَلِطَ، تقسيم الكفر إلى كفر أكبر وأصغر، ثُم قُسِّمَ باعتبار آخر إلى كفر اعتقاد وكفر عمل، فظُنَّ أن كفر العمل هو الكفر الأصغر، وأنّ كفر الاعتقاد هو الكفر الأكبر، هذا ليس بصحيح، فمن فَهِمَ من كلام ابن القيم ﵀ في تقسيم الكفر إلى أكبر وأصغر، ثُمَّ إلى كفر اعتقاد وكفر عمل: إن العمل هو الأصغر. هذا ليس بصحيح، حتى على كلام ابن القيم؛ لأنّ العمل هذا تقسيم باعتبار المورد، مورده يكون من جهة الاعتقاد، ومورده يكون من جهة العمل، فكفر العمل منه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر -كما نبهنا عليه مرارا-، يعني في التقسيمات تنتبه.\nمثل ما يقسّم الأصوليون الواجب مثلا، يقولون:\nالواجب ينقسم إلى واجب موسَّع وواجب مضيَّق، طيب.\nثم يقسمون باعتبار آخر إلى واجب عيني وواجب كفائي.\nثم يقسمون القسمة الثالثة إلى: واجب معيّن وواجب مخيّر، مثل [خصال] الكفارة.\nفإذًا هناك تقسيم، التقسيم باعتبارات مختلفة، وإذا علمت التقسيم مع جهة اعتباره فهمت العلم، أما التقسيم هذا مطلقًَا بدون أن تفهم جهة اعتبار التقسيم فهذا يُحدث لَبْسا.\nس٥/ هل الإنسان إذا رأى ربه في المنام تكون الرؤية صحيحة؟\nج/ مثل ما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال «رأيت الليلة ربي في أحسن صورة (١)»، يرى المؤمن ربه - ﷿ - في صورة إيمانه بالله، فإذا كان إيمانه بالله كاملا رأى صورة حسنة أحسن الصور، وإذا كان إيمانه بالله ناقصا رأى صورة تناسب إيمانه؛ لكن ما يرى في المنام الرب - ﷿ - على ما هو عليه ﷻ.\nس٦/يسأل عن وصف اليمين والشمال لله - ﷿ -.\nج/ هذا جاء في حديث رواه مسلم (٢) وأثبته طائفة من أهل العلم.\nوالصواب عندي عدم إثبات صفة الشمال لله - ﷿ -.\nس٧/ ذكرتَ في هذا الدرس: صفة العين مع عدم وروده، فما وجه ذلك؟\nج/ كيف صفة العين مع عدم وروده؟!! الله - ﷿ - متصف بهذه الصفة كما قال سبحانه ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، وقال سبحانه ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، والجمع هذا يُراد به المثنى؛ لأن لغة العرب إذا أضافت المثنى إلى ضمير تثنية أو إلى ضمير جمع جَمعت المثنى، كما في قوله تعالى ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، مع أنَّ لهما قلبين: قلب عائشة وقلب حفصة، ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أصل الكلام: فقد صغى قلباكما. لكن لما كانت التثنية تضاف إلى ضمير التثنية أو الجمع فيجمع الأول.\nوقد ثبت في حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال «إن الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة -أو طافية روايتان-، وإن ربكم ليس بأعور ﷻ» (٣)، العَوَر في اللغة هو ذهاب أحد ما له منه اثنان؛ يعني أحد العينين؛ هذا العور، عينان ذهبت إحداهما قيل عَوَر، فلهذا الدجال وصف بأنه أعور قال (وإن ربكم ليس بأعور)؛ يعني لا يشتبه عليكم الدجال له عين واحدة، والله سبحانه ليس بأعور؛ يعني له عينان.\nومن قال إنَّ الآية ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ فيها إثبات الأعين لله - ﷿ -، فهذا باطل من جهتين:\nالجهة الأولى: الإجماع فإنَّ أهل السنة أجمعوا على أن الله موصوف بصفة العينين.\nوالجهة الثانية: أنَّ الأعين مخالفة لقوله (وإن ربكم ليس بأعور)؛ لأن لفظة أعور في اللغة تدل على ذهاب إحدى العينين، فتكون الإضافة ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ هي إضافة مثنّى إلى مجموع فجمع لأجل هذه الإضافة كما هو مقرّر في لسان العرب يعني في لغة العرب.\nنكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم بارك على نبينا محمد.\n_________\n(١) الترمذي (٣٢٣٤)\n(٢) مسلم (٧٢٢٨)\n(٣) مسلم (٤٤٤)","vol":"1","page":175},{"text":"وَالْمِعْرَاجُ حَقٌّ، وَقَدْ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ فِي الْيَقَظَةِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعُلَا، وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِمَا شَاءَ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ مَا أَوْحَى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] . فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى.\nوَالْحَوْضُ الَّذِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ -غِيَاثًا لِأُمَّتِهِ- حَقٌّ.\n_________\nهذه الجملة من كلامه اشتملت على تقرير الإسراء والمعراج، وأنّ النبي ﷺ أُسْرِيَ به من مكة إلى بيت المقدس، وأنه عُرج به ﷺ إلى السماء في اليقظة إلى حيث شاء الله - ﷿ - من العلو.\nوهذه المسألة من المسائل الغيبية؛ يعني أنَّ حقيقة الإسراء وحقيقة المعراج من الغيب الذي لم يُعلم إلا من جهته ﷺ.\nيعني أنَّ الله - ﷿ - أسْرَى بِنَبِيِّهِ، ثم عَرَج به إلى السماء، فالعقل لا يدلّ على ذلك ولا يستلزمه، وإنما ذلك سُلِّمَ به وكان حقًّا من جهة أن الله - ﷿ - أخبر به في كتابه وأخبر به نبينا ﷺ، فالإيمان به واجب، وهو حق لا مِرْية فيه.\nوثَمَّ كما سمعت ارتباط ما بين الإسراء والمعراج.\nوالإسراء والمعراج معنيان مختلفان.\n- فالإسراء: هو المشي في الليل، سَرَى أي مشى في الليل، وأسرى أي مشى ليلًا.\n- والمعراج: فهو مِفْعَال من العروج، وهو اسمٌ للآلة التي عليها عُرِجَ به ﷺ.\nوالإسراء: هو الانتقال ليلا من مكة إلى بيت المقدس، وكان على دابة بين البغل وبين الحمار تسمى البُرَاق، والعروج إلى السماء فكان على آلة، على سُلَّمٍ خاص وهو المعراج.\nفإذن الإسراء اسم للفعل، والمعراج اسم للآلة التي عليها سار ﷺ إلى السماء.\nإذا كان كذلك، فالإسراء وهو المشي ما بين مكة إلى بيت المقدس ليلًا في ساعات معدودة ثم الرجوع، هذا أمر غيبي عجيب، لهذا الإيمان به واجب بتفاصيله التي وردت، فيكون له أصل الكلام على الغيبيات.\nفما جاء فيه يُصدَّق دون تعرض للعقل فيه؛ يعني أنَّ العقل لا مَسْرَح له في الأمور الغيبية فكل ما جاء فيه حق دون تفكير فيه من جهة العقل؛ هل هذا يمكن عقلا أو لا يمكن.\nكذلك المعراج وهو أبلغ في كونه غيبيًا، فإن آلة العروج وذهاب النبي ﷺ إلى السماوات السبع يُستَفْتَحُ له من سماء على سماء إلى أن بلغ سدرة المنتهى إلى أن كلَّم الرحمن - ﷻ -، هذا أمر غيبي،،ففي أصله وفي تفاصيله مندرِج عليه قاعدة الغيبيات عند أهل السنة والجماعة.\nإذًا فهذا الذي ذكره الطحاوي أصل في الإيمان بالإسراء والمعراج، وأنَّ الإسراء والمعراج أمران غيبيان، وإذا كان غيبيين فلا يُتعرَّضُ لهما ولا لما جرى فيهما بتأويل أو تحريف يخالف ظاهر ما دلت عليه النصوص.\nفالنص من الكتاب والسنة دلّ على أنَّ النبي ﷺ أُسْرِيَ به ليلًا في وقتٍ قصيرٍ ما بين مكة إلى بيت المقدس.\nوأخبر ﷺ أنَّ جبريل جاءه وهو مضطجع في الحطيم، فأخذه فشَقَّ صدره ما بين ثغرة نحره إلى شِعرته إلى أسفل بطنه، وكان أثر المَخيط يظهر في صدره ﷺ، فلمَّا شقّه أخرج قلبه وجِيء بطست فيه الإيمان والحكمة، طست من ذهب، قال ﷺ «فغُسِلَ قلبي به وحُشي إيمانا وحكمة» (١)، وكان هذا لأجل أن يستعد ﷺ لهذا الأمر الغريب؛ وهو أنه يقطع هذه المسافة الطويلة في الأرض في وقت وجيز ثم يُصْعَد به إلى السماء فيحتاج إلى قلب خاص.\nومعلوم أنَّ الإنسان إذا خاف أو استغرب فَأَوَلُ ما يتأثّر قلبُه.\nفإذا كان قلبه لا يتأثّر من الاختلاف، فإنه يتحمل بدنه ذلك بما أعدَّ الله - ﷿ - له في ذلك.\nقال «ثم أخذني جبريل فإذا دابة بين البغل والحمار، فقال: أركب فركبت، ثم سرنا إلى أن وصلنا بيت المقدس» إلى آخر الحديث.\nفهذه الصفات وما جاء فيه مما حصل له في بيت المقدس من لقاء الأنبياء ومن صلاته فيه -يعني صلاته في بيت المقدس- ومن كونه صار إماما، واجتماع الأنبياء له، وكونه ﷺ أمَّهُم كل هذا وما ثبت في الأحاديث الصحيحة من الأمور الغيبية التي تجري عليها قاعدة أهل السنة والجماعة في الأمور الغيبية بأنه:\n١ - يُسَلَّمُ بها.\n٢ - يُؤمَنُ بها.\n٣ - ألا يُتعَرَض لها بتأويل يصرفها عن ظاهرها، أو بتحريف يصرفها عن حقائقها.\nفنؤمن بها على ما جاء، من جنس جميع الأمور الغيبية التي أخبرنا بها - ﷿ -، أو أخبرنا بها نبينا ﷺ.\n\n[قال (وَالْمِعْرَاجُ حَقٌّ، وَقَدْ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ فِي الْيَقَظَةِ) .]\n(فِي الْيَقَظَةِ) يعني ليس في المنام.\n(وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ) يعني بجسده يعني بروحه، فنفهم من قوله (وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ) أنه عروج بالرّوح والجسد معًا.\nوقوله (فِي الْيَقَظَةِ) أنها ليست في المنام.\nوقوله (وَقَدْ أُسْرِيَ وَعُرِجَ) نفهم منه أنهما متلازمان كما قررتُ لك سالفا.\n\n[قال (إِلَى السَّمَاءِ)]\nوالمقصود بـ (السَّمَاءِ) جنس السماء وهي السموات.\n\n[قال (ثُمَّ إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعُلَا)]\nيعني مما فوق السماء السابعة.\n\n[قال (وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِمَا شَاءَ)]\nيعني من تكليمه ومن أنه رأى ﷺ أشياء لم يرها غيرُه ﷺ وما حباه الله - ﷿ - به.\n\n[قال (وَأَوْحَى إِلَيْهِ مَا أَوْحَى)]\nفي شأن الصلاة وفي غيره.\n\n[﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١])]\n﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ هذه قد تُفهَم على أنَّهُ رَأَى رَبَّهُ بفؤاده، يعني من حيث صياغة المؤلف.\nوقد يُفْهَمْ أنه أراد الاستشهاد بالآية ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ يعني ما رآه في أثناء الوحي من الأنوار والآيات العظام.\n_________\n(١) مسلم (٤٣٤) / الترمذي (٣٣٤٦)","vol":"1","page":176},{"text":"المعراج -كما ذكرتُ لك- آلة العُروج وقد جاء وصفها لأنَّ النبي ﷺ لما صلَّى في بيت المقدس أخذه جبريل، قال «فوجدتُ سُلَّمين أحدهما ذهب والآخر فضة، فقال لي جبريل: اصعد فصعدتُ»، وجاء في بعض الروايات أنَّ النبي ﷺ قال في المعراج «وهذا هو الذي يشخص إليه البصر حين تفارق الروح البدن» (١) يعني أنَّ هذا المعراج آلة خاصة يُعرج بالبدن وبالروح في السماء بها.\nفهي إذًا آلة من جنس الآلات الله - ﷿ - أعلم بحقيقتها.\nإذا تبين ذلك في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج، على هذا الوجه الإجمالي فثَم هاهنا مسائل:\n_________\n(١) مسند الحارث – زوائد الهيثمي (٢٧)","vol":"1","page":177},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ الإسراء والمعراج يُربطان معا، وأهل العلم مختلفون في هل تَكَرَّرَ الإسراء والمعراج، أم كانا مرة واحدة، على أقوال كثيرة، وأهمها قولان:\n١ - القول الأول:\nأنَّ الإسراء والمعراج لم يكونا إلا مرة واحدة.\n٢ - والقول الثاني:\nأنَّ الإسراء وقع مرتين، والمعراج وقع مرة واحدة، وهذا هو اختيار الحافظ ابن حجر.\nوالقول الأول أوْلى، وهناك من قال إنَّ المعراج تَكَرَّرَ وأنَّ الإسراء تَكَرَّرَ ثلاث مرات أو أربع مرات.\nوسبب الاختلاف في تكرر وقوعه هو اختلاف الروايات، فكلما جاءت رواية فيها مُخَالَفة لرواية أخرى مع ثقة النقلة قالوا: إنَّ هذا يُحمل على تعدد الوقوع.\nولكن هذا ليس بجيد ولا بصحيح حيث المنهج؛ لأنَّ الإسراء كما هو ظاهر الآية وقع مرة واحدة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] .\nوقد يكون ثَمَّ احتمال في بعض الروايات أنَّ الإسراء وقع مرتين؛ لكن الأقرب لظاهر الأدلة أنَّ الإسراء والمعراج وقعا مرة واحدة.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>[المسألة الثانية]:\nمتى وقع الإسراء والمعراج</span>؟\n١ - القول الأول:\nوهذا عليه أكثر أهل العلم على أنَّ الإسراء والمعراج وقعا قبل الهجرة بسنة، على تباين بينهم في هل السنة تحديدًا أم السنة تقريبا؟\n- فقال بعضهم سنة إلا شهر.\n- وقال بعضهم سنة إلا شهرين.\n- وقال آخرون ثمانية أشهر قبل الهجرة.\n- وقال آخرون عشرة، إلى آخره.\nوإذا تبين هذا الاختلاف في كونه قبل الهجرة بسنة لهذا القول، فإنّ معه عدم تحديد وقوع الإسراء والمعراج في شهر رجب.\nواشْتَهَرَ عند المؤرخين، أصحاب السير أنَّ الإسراء والمعراج وقعا في رجب؛ ليلة السبعة والعشرين.\nوهذا إنما هو عند طائفة من أهل السّير، وأما أهل العلم المحققون من المحدثين والفقهاء ومن المفسرين فإنهم لا يحملون ذلك على الوقوع في شهر رجب بظهور، وإنما يقولون وقع قبل الهجرة بسنة.\nومعلوم أنَّ الهجرة كانت في شهر ربيع الأول، وإذا كان كذلك فقولهم قبله بسنة يعني أنّ الإسراء والمعراج لم يقع في رجب.\nوالأكثرون من أهل العلم على أنه أكثر من سنة: سنة وشهرين، سنة وثلاثة أشهر ونحو ذلك، والقليل من قال إنه ثمانية أشهر.\nهذا قول أنه كان قبل سنة.\n٢ - القول الثاني:\nأنه كان قبل ثلاث سنين.\n٣ - القول الثالث:\nأنه كان قبل خمس سنين، واستدلّوا على ذلك بأنَّ خديجة صلّت وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين أو بخمس سنين، قالوا: كيف تصلي وإنما فُرضت الصلوات في ليلة المعراج؟ فكونها صلت يدلّ على أن المعراج وقع في حياتها، وهي ماتت قبل الهجرة بثلاث أو بخمس سنين.\nوالجواب عن هذا: أنَّ الصلاة كانت مفروضة ركعتين ركعتين؛ ركعة أول النهار وركعة آخر النهار، كما قالت عائشة ﵂ (فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأُقرت صلاة السفر) (١) .\nفخديجة ﵂ كانت تصلي؛ ولكن لم تكن الصلاة المفروضة؛ الصلوات الخمس التي فرضت ليلة المعراج.\n_________\n(١) البخاري (٣٥٠) / مسلم (١٦٠٢)","vol":"1","page":179},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالإسراء والمعراج هل وقعا بجسد النبي ﷺ أم بروحه؛ يعني بجسده وروحه، أم بروحه فقط، أم كانا مناما؟\nاختلف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك:\n- فقالت طائفة: كان الإسراء والمعراج بروحه.\n- وقال آخرون: بل بروحه وبجسده.\nولم يقل أحد منهم: إنَّ الإسراء والمعراج كانا مناما، فلهذا لا يسوغ أن يُنْسَبْ هذا القول للسلف؛ بل قاله بعض العلماء الذين لم يُدَقِّقوا الفرق بين قول من قال: إنه روح وبين أن يكون منامًا.\nوالصواب الذي عليه عامة أهل السنة؛ أكثر أهل السنة: أنه كان بجسده وروحه معًا في الإسراء والمعراج، ولم يقل أحد من المنتسبين لأهل العلم -فيما أعلم-: إنه أُسري بجسده وروحه وعرج بروحه فقط، وإنما ثَمَّ اتفاق ما بين الإسراء والمعراج؛ لأنه لم يقل أحد أنه ذهب ونام في بيت المقدس. (١)\n\n: [[الشريط الرابع عشر]]:\n\nإذًا نقول: الصواب أنَّ الإسراء والمعراج كانا بروحه وجسده معًا.\nويدلُّ على ذلك أدلة منها:\n١- أنَّ الله - ﷿ - قال ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]\nقوله ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ العبد: اسم للجسد والروح معًا، وليس اسمًا للروح، وإنما الروح تُخَصُّ بالإضافة، فيقال: روح العبد، «روح عبدي فلان»، كما جاء في بعض الأحاديث، وكذلك الجسد يُخَص، فيقال: جسد فلان، أو جسد عبدي فلان؛ يعني إذا كان من الله - ﷿ -.\nأما إطلاق لفظ العبد أو الإنسان فإنه يكون لمجموع الروح والجسد.\nفإذًا في قوله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ دليل على أنَّ الإسراء كان بالروح والجسد معًا، وإذا كان في الإسراء كذلك، فالمعراج كان بهما جميعا.\n٢- أنَّ النبي ﷺ أخبر أنه كان مضطجعًا في بيته، أو في بيت أم هانئ، ففُرِج السقف فنزل جبريل، وفي رواية (أنه ﷺ كان مضطجعا في الحطيم) (٢) -في الصحيحين- فأخذه جبريل فشق صدره ما بين ثُغرَةِ نحره إلى أسفل بطنه، استخرج قلبه إلى آخره، وهذه إنما تكون للجسد، ولا معنى للإسراء بالجسد بدون روح، فصار ثَمَّ تلازم ما بين الإسراء بالجسد والروح معًا.\nإلى أدلة أخرى في هذا المقام معروفة.\n_________\n(١) انتهى الشريط الثالث عشر.\n(٢) البخاري (٣٨٨٧)","vol":"1","page":180},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nأنَّ الإسراء والمعراج اختلفت فيها الأحاديث.\nفمن الأحاديث ما أُفرد فيه الإسراء دون المعراج، ومنها ما أُفرد فيه المعراج دون الإسراء، وهي في الصحيح وفي غيره.\nوما جرى في الإسراء وما جرى في المعراج يؤخذ من مجموع الأحاديث؛ يعني أن تُجمع الرّوايات الصحيحة التي جاءت في الإسراء وجاءت في المعراج، ويُنْظَرْ ما حدث في الإسراء والمعراج.\nيعني أنَّ بعض الروايات -مثلًا فيما رواه البخاري في صحيحه- قال «فأتاني جبريل فأخذني فأركبني على البراق فعرجت في السماء-أو فعرج بي إلى السماء- فاستفتح» وهذا فيه نقص؛ لأنَّ العروج في السماء إنما كان بعد الذهاب إلى بيت المقدس.\nوفي بعض الروايات فيها نقص.\nالمقصود أنَّ الإسراء والمعراج تنوعت الروايات فيه، ونبَّه أهل العلم على أنَّ أحد الروايات في الإسراء والمعراج -مما رُوِيَ عن أنس ﵁ أنَّ فيها خلطًا، وهي رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر في البخاري وفي غيره.\nومسلم ﵀ حينما ذكر الرواية في صحيحه أشار إلى رواية شريك بن عبد الله عن أنس، وقال: فزاد ونقص -يعني شريكًا- فزاد ونقص وقَدَّمَ وأَخَّرَ ولم يسق روايته، وفي روايته أغلاط عند أهل العلم، خالف فيها مجموع أهل العلم الذين رَوَوا ذلك عن الصحابة.\nإذًا فمسألة الروايات بها يُعلم ما حصل.\nوبالنسبة للمعراج رواية الإسراء فيها يعني الإسراء والمعراج معًا؛ يعني مجموع الروايات، فيه أنَّ فيه وصف الدابة، وفيه تسميتها بالبُراق.\nوتسمية هذه الدابة بالبُراق لأمرين:\nالأول:\nأنها في سرعتها كالبرق، وقد جاء في وصفها أنها -يعني البراق أو أنَّ الدابة- تضع حافرها حيث ينتهي بصرها، ومعلوم أنَّ الإسراء كان بالليل ومعنى ذلك أنها تبصر ليلًا وأنَّ سرعتها عظيمة، فلذلك كان من أوجُهِ تسميتها بالبراق أنَّ سرعتها كالبرق.\n٢ - الثاني:\nأنَّ لها بريقًا، ولذلك جاء في وصفها أنها دابة بيضاء بين البغل والحمار، ذلك لأنَّ لها بريقًا والبريق يؤخذ من البياض.\nالنبي ﷺ في الإسراء به مرَّ على أشياء كثيرة حتى وصل إلى بيت المقدس.\nقال طائفة من أهل العلم: ارتبط الإسراء بالمعراج مع أنَّهُ لا رابط بينهما من جهة العروج إلى السماء فإنه يمكن أن يكون العروج إلى السماء من مكة، ارتبط الإسراء بالمعراج لأمورٍ؛ يعني لِحِكَمْ فيما استظهروه:\n١- الحكمة الأولى: أن يطلع النبي ﷺ في مسيره على الأرض على أشياء تكون أقوى لحجته إذا سأله المشركون، ولو عُرِجَ به إلى السماء مباشرة فإذا سألوه فلن يكون عنده ما يُقَوِّي حجته عليهم بهذا الأمر، ولهذا لما رجع سألوه فأخبرهم عن خبر قافلة، فلما رجع أهل القافلة سألوهم فقالوا: نعم حصل كذا وكذا.\n٢- الحكمة الثانية: أنَّ فيها إظهارًا للترابط ما بين مكة وما بين بيت المقدس، وأنَّ بيت المقدس كان قبلة وأنَّ مكة كانت قبلة، فلم يَتَوَجَه أتباعُ الأنبياء إلا إلى: بيت المقدس وإلى مكة المكرمة -يعني إلى الكعبة-.\n٣-الحكمة الثالثة: أن يظهر فضل محمد ﷺ حيث يلتقي بالأنبياء في بيت المقدس ثم يصلي بهم.\nوقد جاءت روايات مختلفة صحيحة في دخول النبي ﷺ إلى المسجد الأقصى.\nففيها أنه دخل فقال له جبريل صَلِّ ركعتين، فصلى ركعتين أو صلى جبريل ركعتين، ثم وجد الأنبياء ووجد صفوفًا خلفه فصف معهم، ثم قَدَّمَه جبريل ﵇ فصلى بهم.\nففي هذا إظهار لفضله ﷺ ولمكانته ومَزِيَّتِهِ بالإمامة على سائر الأنبياء ﷺ.\nأيضا مما يذكر في الإسراء أنَّه ﷺ مَرَّ بموسى في قبره.\nقال -كما رواه مسلم - «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بمُوسَى وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي قَبْرِهِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ» (١) .\nوهذا الحديث رواه مسلم في الصحيح، وطائفة من أهل العلم قالوا: إنَّ في هذا الحديث شذوذًا أو نكارة ولم يقبلوه، والأكثرون على قَبوله؛ يعني أن هذا الحديث صحيح، وابن القيم ﵀ وجماعة ممن يميلون إلى أنَّ فيه مقالًا.\nأيضا مما حدث في الإسراء أنَّ أهل العلم اختلفوا في الدَّابة: هل رُبِطَتْ أم تُرِكَتْ؟\nفأنكر طائفة أن تكون رُبِطَتْ في الصخرة.\nوقَبِلَ هذه الرواية أكثر أهل العلم فقالوا: إنَّ جبريل وَخَزَ الصخرة فانثقبت فربط الدابة فيها.\nأما المعراج فلما عُرج به ﷺ أتوا إلى السماء الأولى فاستفتح جبريل.\nفقيل له: أمعك أحد؟\nقال: نعم.\nقيل من؟\nقال: محمد بن عبد الله.\nفقيل له: (أَوَقَدْ بعث؟) أو (أَوَقَدْ أرسل؟) أو (أَوَقَدْ أوحي إليه؟)\nفقال: نعم، فَفُتِحْ له.\nقال النبي ﷺ: فلما ولجنا السماء وجدتُ فيها آدم ﵇يعني السماء الأولى- إلى آخره، فقيل لي: هذا أبوك آدم فسلِّم عليه.\n_________\n(١) مسلم (٦٣٠٦) / النسائي (١٦٣١)","vol":"1","page":181},{"text":"قال: فسلمت عليه، ثم ردَّ علي السلام، فقال: مرحبًا بالابن الصالح والعبد الصالح.\nثُم عَرج به إلى السماء الثانية، فاستفتح -يعني حصل مثل الذي حصل؛ من معك؟، أَوَقَدْ أرسل؟ إلى آخره- فوجد في السماء الثانية عيسى ﵇ ويحيى وهما ابنا خالة.\nثُم إلى السماء الثالثة وجد فيها يوسف.\nثُم السماء الرابعة وجد فيها إدريس.\nثُم السماء الخامسة وجد فيها هارون.\nثُم السماء السادسة وجد فيها موسى عليهم جميعا السلام.\nثُم السماء السابعة وجد فيها إبراهيم، وكل يقول له مرحبًا بالأخ الصالح والعبد الصالح، إلا آدم\nوإبراهيم فيقولان: مرحبا بالابن الصالح والعبد الصالح.\nولما مَرَّ على موسى ﵇ وسلم عليه ورد عليه موسى، قال ﷺ: فلما انصرفت أو فلما ذهبت إذا بموسى ﵇ يبكي فقيل له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي أَنْ بُعِثَ غلام من بعدي يكون من يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل الجنة من أمتي.\nثُم لقي إبراهيم الخليل ﵇ في السماء السابعة، قال: ثم رُفِعَتْ لي سدرة المنتهى، فإذا نبتُهَا مثل قلال هجر وإذا ورَقُهَا مثل آذان الفيلة.\nقال: ثم رفع لي نهران باطنان ونهران ظاهران، فسألت: فقيل لي النهران الباطنان من الجنة والنهران الظاهران النيل والفرات.\nثم أُتِيْتُ بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فشربت الإناء من اللبن، فقيل لي: هُدِيت للفطرة أو هذه الفطرة فيك وفي أمتك. أو كما قال ﷺ إلى آخر الحديث.\nالمقصود أنَّ هذا حديث المعراج وما فيه، هذه إحدى الروايات والروايات في ذلك كثيرة، باختلاف أماكن الأنبياء، واختلاف المقالة، اختلاف ما حصل وكذلك في ما حصل في السماء السابعة.\nإذا تبين ذلك فثَمَّ كلام هنا على لُقْيا النبي ﷺ للأنبياء والمرسلين.","vol":"1","page":182},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nهل لقي النبي ﷺ أجسادَ الأنبياء مع أرواحهم؟ أم إنه ﷺ لقي أرواحهم دون أجسادهم؟\nالعلماء لهم في ذلك قولان:\n١- القول الأول:\nقال طائفة من أهل العلم: لَقِيَ أرواحا وأجسادًا، واستدلوا على ذلك بدليلين:\n- الدليل الأول: أن هذا هو الظاهر من الجَمْعْ - يعني من أنهم جُمِعُوا له وأنه كلّم آدم وكلّم فلان وكلّم فلان إلى آخره.\n- والدليل الثاني: أنه جاء في أحد الروايات قوله (وبُعِثَتْ لي الأنبياء) وبَعْثَةُ الأنبياء له، تدلُّ على أَنَّ ذلك خاص في ذلك الموقف الخاص.\n٢- القول الثاني:\nأن ذلك إنما هو للأرواح دون الأجساد حاشا عيسى ﵇ فإنه رُفِعَ إلى السماء بروحه وجسده.\nوفي إدريس قولان؛ إدريس ﵇ في السماء الرابعة فيه قولان، هل كان رفعه للسماء الرابعة بروحه فقط أم كان بروحه وجسده؟ وفي ذلك خلاف عند المفسرين وعند أهل العلم مأخوذ أو تجده عند قوله تعالى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] في قصة لا تثبت؛ يعني في قصة لسبب الرّفع لا تثبت.\n* والأظهر من القولين عندي أنَّ ذلك كان بالأرواح دون الأجساد خلا عيسى ﵇؛ وذلك أنَّ النبي ﷺ حين التقى بالأنبياء وصلوا معه ﷺ:\n- إما أن يُقال صَلَّوا معه بأجسادهم، وقد جُمِعَت أجسادهم له من القبور، ثم رَجعت إلى القبور وبقيت أرواحهم في السماء.\n- وإما أن يُقال هي بالأرواح فقط؛ لأنَّهُ لقيهم في السماء.\nومعلوم أنَّ الرّفع إنما خُصَّ به عيسى ﵇ إلى السماء رَفْعًا حيًّا، وكونهم يُرْفَعُون بأجسادهم وأرواحهم إلى السماء دائمًا ولا وجود لهم في القبور، هذا لا دليل عليه؛ بل يخالف أدلة كثيرة أنَّ الأنبياء في قبورهم إلى قيام الساعة.\nفمعنى كونهم ماتوا ودُفنوا أنَّ أجسادهم في الأرض، وهذا هو الأصل.\nومن قال بخلافه قال هذا خاص بالنبي ﷺ أنه بُعِثَتْ له الأنبياء فَصَلَّى بهم ولقيهم في السماء.\nوهذه الخصوصية لابد لها من دليل واضح، وكما ذكرت لك فالدليل التأمُّلي يعارضه.\nوعلى كل هما قولان لأهل العلم من المتقدمين والمتأخرين.","vol":"1","page":183},{"text":"[المسألة السادسة]:\nالنبي ﷺ حين رُفع إلى ما فوق السماء السابعة، ورأى البيت المعمور، ورأى سدرة المنتهى، رأى أشياء من آيات الله الكبرى، كما قال - ﷿ - ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] .\nوالنبي ﷺ رأى هذه الأشياء بقلبه ورآها بعينه، كما قال - ﷿ - ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، فصار للفؤاد رؤية، وقال ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] فصار للبصر رؤية.\nلهذا نقول: رؤية النبي ﷺ لآياتِ رَبِّهِ الكبرى لما فوق السماء السابعة وفي السماء السابعة وما رأى صار بشيئين: بالبصر وبالقلب جميعًا، ولا يقال بالبصر وحده ولا يقال بالفؤاد وحده؛ بل رأى بهما جميعًا.\nوهذا يعني أنَّهُ قد يكون ثَمَّ أشياء رآها ببصره وقلبه جميعًا، وثَمَّ أشياء رآها بفؤاده دون بصره.\nلهذا قال من قال من أهل العلم: إن النبي ﷺ رأى ربه - ﷿ - بفؤاده، وهذا يجرنا إلى المسألة المشهورة:\nهل رأى نبينا ﷺ ربه أم لا؟\nفي قولين للصحابة:\n- منهم من قال: رأى ربه.\n- ومنهم من قال: لم يره.\nكما هما قولان لعائشة وابن عباس ﵃ أجمعين.\n* والصحيح من ذلك أن النبي ﷺ لم يرَ ربه وإنما سمع كلامه، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قيل له: هَلْ رَأَيْتَ رَبّكَ؟؟ قال «نُورٌ فأَنّىَ أَرَاهُ» (١)؟\nيعني ثَمَّ نور وهو الحجاب، حجاب الرب - ﷿ - نور، قال «ثم نور أنى أراه»، وفي رواية أخرى قال «رأيت نورًا»؛ يعني نور الحجاب.\nإذًا فالصحيح أنَّ النبي ﷺ حصلت له أنواع رؤية:\n- منها رؤية أشياء بالبصر.\n- ورؤية أشياء بالقلب، بالفؤاد.\n- ورؤية أشياء بهما جميعًا.\nوأما الله ﷻ فلم يره وإنما سمع كلامه ﷺ.\n_________\n(١) سبق ذكره (١٣٢)","vol":"1","page":184},{"text":"[المسألة السابعة]:\nمن المشهور المعروف في قصة الإسراء والمعراج المراجعة التي حصلت بين النبي ﷺ وموسى في فرض الصلاة.\nفإنَّ الله - ﷿ - فَرَضَ الصلاة المفروضة على هذه الأمة خمسين صلاة، ثم رجع جبريل مع النبي ﷺ ثُم لمَّا لَقِيَ النبي ﷺ موسى سأله فقال: «فرض علي خمسين صلاة»، فقال: إنها لكثيرة وقد عالجت من أمر أمتي ما علمتُ أنَّ أمتك لن تطيق ذلك، فارجع فاسأل ربك التخفيف. ﷺ: «فاستأذنت جبريل فأذن لي فسألت ربي التخفيف» (١) .\nهنا وقع خلاف في الروايات: هل صار التخفيف خمسًا خمسًا؟ أم كان التخفيف عشرًا عشرًا حتى وصلت إلى خمس في آخرها؟\n* والصواب والأصح أنَّ التخفيف وقع عشرًا عشرًا؛ يعني كانت خمسين ثُمَّ خُفِّفَ عنه عشرًا فصارت أربعين، ثُمَّ خُفِّفَ عنه عشرًا فصارت ثلاثين، ثم خفف عنه عشرًا فصارت عشرين، ثم خفف عنه عشرًا فصارت عشرًا، ثم خفف عنه خمسًا، ثم لما رجع إلى موسى قال: إنها كثيرة إنَّ أمتك لن تطيق ذلك، فقد عالجتُ من أمر أمتي ما عالجت أو كما قال، فقال نبينا ﷺ: «لقد استحييت من ربي» قال فسمعت من يقول لقد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي.\nهذه بعض المسائل المشهورة في مسألة الإسراء والمعراج، ولا ندري هل غُطِّيَتْ أم لا؟\nنرجع إلى ألفاظ المؤلف.\n_________\n(١) البخاري (٣٨٨٧) / النسائي (٤٥٠)","vol":"1","page":185},{"text":"[المسألة الثامنة]: (١)\nفي قوله (فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) الصلاة هنا على النبي ﷺ من الله ﷻ معناها الثناء عليه ﷺ فإنَّ الصلاة لها استعمالات:\n- فالصلاة من الله - ﷿ - على عبده، على الأنبياء والمرسلين وعلى المؤمنين ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب:٤٣]، تكون الصلاة من الله - ﷿ - بمعنى الثناء؛ يعني يُثني على نبيه في الملإ الأعلى.\n(اللهم صلِّ على محمد) يعني اللهم أثْنِ على محمد في الملإ الأعلى بما هو أهله ﷺ.\n- والصلاة من الملائكة على المؤمنين هو الدعاء لهم والاستغفار ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ يعني الملائكة تدعو لابن آدم: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، تستغفر له كما قال - ﷿ - ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] .\n- والصلاة من العبد للعبد: اللهم صلِّ على فلان؛ يعني اللهم أثني على فلان، صليتُ عليك أو لك؛ يعني دعوت لك، لهذا قال - ﷿ - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] .\nإذا تبين ذلك، فالصلاة من الله - ﷿ - مُخْتَصَّة بالأنبياء والمرسلين.\nيعني لا يقال على وجه الانفراد (اللهم صلَّ على فلان) إلا أن يكون نبيًا أو رسولًا.\nأما غيرهم فلا يُصَلَّى عليه على وجه الانفراد، وقد يُصَلَّى عليه على وجه التَّبَع (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، (اللهم صل على محمد وآله وصحبه)، (صلى الله عليه وآله وصحبه)، هذا يجوز من جهة التّبع، أما من جهة الاستقلال فلا يقال: (صلى الله على آل محمد،) فقط، (صلى الله على الصحابة) فقط.\nوقد يجوز على المفرد إذا لم يكن شعارًا، مَرَّة مرتين تارةً تارتين ونحو ذلك، ولا يكون شعارًا، كما قال ﷺ لما جاءه ابن أبي أوفى بالصدقة قال «اللهم صل على آل أبي أوفى» (٢)، هذا دعاء لهم، هذا يكون على وجه الانفراد، ولا يكون شعارًا.\nفإذًا لا يكون شعارًا أَنَّا نُصَلِي على عَلِيٍّ ﵁، كلما ذكر علي ﵁ قلنا ﵇، أو بعض الآل نقول عليهم الصلاة والسلام أو نحو ذلك، فهذا مخالف للهدي هدي الصحابة رضوان الله عليهم.\nتجوز الصلاة على المفرد بشرطين -ذكرتهما لك-:\n١- الشرط الأول: ألا تكون دائمًا، بمعنى أن تكون أحيانًا.\n٢- الشرط الثاني: أن لا تكون شعارًا على شخص أو على مجموعة؛ مثل الأئمة (صلى الله على الأئمة)، هذه كلها من شعارات أهل البدع.\nهذا ما يتعلّق بهذه الجُمَلْ، ونؤجل الكلام على الحوض في المرة القادمة إن شاء الله تعالى.\nهذا الدرس حسب رغبة الكثيرين يكون كالعادة آخر درس لأجل قُرب الاختبارات، ونواصل إن شاء الله مع اليوم الأول من الدّراسة -إن شاء الله تعالى- بعد العيد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.\n_________\n(١) هذه المسألة لم يجعلها الشيخ مستقلة، وإنما قمت بجعلها مستقلَّةً تمييزًا لها.\n(٢) البخاري (١٤٩٧) / مسلم (٢٥٤٤) / أبو داود (١٥٩٠) / النسائي (٢٤٥٩) / ابن ماجه (١٧٩٦)","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>الأسئلة:</span>\nس١/ ما صحة الرواية التي فيها أنَّ شق صَدْرِهِ كانَ وهو مُسْتَرْضَعْ في بني سعد؟\nج/ الجواب أن هذا صحيح، النبي ﷺ شُقَّ صدره عدة مرات بكل مرة ما يناسبه، ثلاث مرات لكل مرة بما يناسبها، ومن العجيب ما رواه الإمام أحمد من حديث أنس (أنه ﷺ كان يُرَى المخيط في صدره من أثر الشق) (١)، المخيط في صدره من أثر شقِّ صدره ﷺ.\nس٢/ عندما صلَّى النبي ﷺ في بيت المقدس هل بالأجساد والأرواح؟\nج/ هذه ذكرناها.\nس٣/ هل كلّم النبي ﷺ ربه في قصة الإسراء والمعراج؟\nج/ هذه الأسئلة قبل تمام الدرس جاء الجواب عليها.\nس٤/ هل كان المعراج بالبُراق؟\nج/ لا، البراق دابة رُكِبَ عليها ما بين مكة إلى بيت المقدس فقط، أما المعراج فبالمعراج، يعني يكون السؤال بهذا الشكل معناه أنَّ الدرس ما فُهِم.\nس٥/ كيف نوّفق بين رواية أنَّ إبراهيم كان في السماء السابعة وموسى في السادسة وفي فرض الصلاة كان أول من قابل موسى؟\nج/لا، هو نزل فلما بلغ موسى راجعه موسى؛ يعني سأله موسى لا يعني أنه كان في السابعة.\nس٦/ هل الكلام من الله - ﷿ - يصل مباشرة أم هو وحي؟\nج/ كلام الله - ﷿ - ثلاثة أنواع كما قال سبحانه في أخر سورة الشورى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١]:\n١- الأول: أن يكون وحيًا ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ وهذا يدخل فيه النفخ بالروع ويدخل فيه الإلهام ويدخل فيه المنام ويدخل فيه أشياء كثيرة.\n٢- الثاني: أن يكون من وراء حجاب ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وهو ما كُلِّم به موسى ﵇ وما كُلِّمَ به النبي محمد ﷺ فكان من وراء حجاب.\n٣- الثالث: أن يرسل رسولًا ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ سبحانه.\nس٧/ ما معنى النهران في الجنة، النيل والفرات و..؟\nج/ هذا نؤمن به والله - ﷿ - أعلم بحقيقته، نؤمن بما جاء في الحديث والله - ﷿ - أعلم بحقيقته، نهران باطنان ونهران ظاهران.\nس٨/ هل التكليم مختصًا بالأنبياء فقط أو يدخل فيه غيرهم؟\nج/ أما تكليم الله - ﷿ -، فهو لم يكلم الله - ﷿ - مباشرة إلا موسى ﵇ ومحمد بن عبد الله ﷺ من الرسل، ونضيف عليهم آدم ﵇ من الأنبياء.\nس٩/ [سؤال عن الروح وشكلها]؟\nج/ الروح شكلها شكل الجسد؛ يعني بمعنى لو فُصِلَتْ روحك عنك صارت الصورة واحدة، يكون الجسد الجثمان، والروح مخلوق، الله - ﷿ - أعلم بحقيقتها لكن من حيث الصورة واحدة.\nويدل عليه أن النبي ﷺ قال «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» (٢) ومعلوم أنّ الرائِي للنبي ﷺ في المنام إنما يرى روحه؛ لأن جسده ﷺ مدفون، وإذا كان رأى روحه فإنه يرى روحه على صورة جسده ﷺ الذي كان يعيش في الدنيا بروحه وجسده.\nلهذا الروح صورتها صورة الجسد، الروح والجسد نفس الصورة، الروح تدخل في الإنسان؛ يعني في النفخ فيه حينما يكون جنينا وتتشكل مع الجسد، هيئة الروح هي هيئة الجسد والله أعلم بحقائق الأشياء.\nس١٠/ هل يجوز أن نقول إن القرآن مُؤَلَفْ؟\nج/ لا يجوز ذلك، هذا من امتهان القرآن؛ القرآن كلام الله - ﷿ -، التأليف معناه الجمع، يُؤَلِّفْ ما بين جملة وجملة ويناسق بينها، ألَّفه؛ يعني جَمَعَهُ ونسَّق بينه؛ بين جمله ومباحثه وإلى آخره.\nالقرآن كلام الله - ﷿ -، القرآن نزل على سبعة أحرف، هذا من العجيب في كلام الله - ﷿ - أنَّ القرآن أنزل على سبعة أحرف.\nيعني أنَّ القرآنَ سمعه جبريل على هذا النحو سبعة أحرف فنزل، هذا مما يدل على عِظَمِ كلام الرب - ﷻ -.\nس١١/ ما هو أوَّل مسجد وُضِعَ في الأرض؟\nج/ المسجد الحرام ثُمَّ بعده بأربعين عامًا وُضِعَ المسجد الأقصى، يعني وُضِعَ هذا المسجد الموجود.\nوالمسجد الحرام بنته الملائكة، يعني الكعبة بنتها الملائكة.\nوالمسجد الحرام حدد حرمته ابراهيم ﵇، وهو الذي حَرَّمَهُ، يعني ما حول الكعبة.\n_________\n(١) مسلم (٤٣١)\n(٢) البخاري (١١٠) / مسلم (٦٠٥٦) / الترمذي (٢٢٧٦) / ابن ماجه (٣٩٠٠)","vol":"1","page":187},{"text":"والمسجد الأقصى أيضًا بنته الملائكة بعد بناء الكعبة بأربعين سنة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] لفظة ﴿أَقْصَا﴾ هذه أَفْعَل فتدل على أنَّ ثَمَّ مسجدا ليس قاصي ولكنه ليس بأقصى، ولذلك فُهم من الآية أنَّ فيها بشارة بالهجرة، وفُهم من الآية فيها إرهاص بالهجرة، وأنه ثّمَّ مسجد سَيُعَظَّمْ سيكون قاصيًا عن المسجد الحرام ولكنه ليس أقصى.\nولهذا قال تعالى ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ فكونه كان أقصى يعني أقصى المساجد؛ يعني فيه جمع من المساجد، والمساجد هذه هي الثلاثة المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى.\nبيت المقدس أعم، المسجد خاص مثل ما تقول مكة والكعبة أو المسجد الحرام.\nبالمناسبة فيه تشوفون في الصور، في القبة الموجودة هذه الزرقاء وأنها ذهبية أو شيء، المهم القبة المعروفة هذه القبة (١) وُضعت على الصخرة، لذلك الذي تحتها يسمى مسجد الصخرة ما هو المسجد الأقصى، وهذا الذي حول الصخرة لا يصلَّى فيه يعني اختيارًا؛ لأنّ هذا عُظِّمَتْ فيه الصخرة، الصخرة لا يجوز تعظيمها لا ببناء قبة عليها ولا بتحويطها وإلى آخره، وإنما هي من جملة ما وصل إليه المسجد، فالتعظيم صار للصخرة بالبناء عليها ووضع القبة الحالية عليها هذا بعد زمن الصحابة رضوان الله عليهم.\nأما المسجد الأقصى وهو مسجد قديم تشوفونه بعيد، لو شفتوا الصورة هذا هو الذي فيه حصل الصلاة؛ صلاة النبي ﷺ والإسراء كان إليه.\nنعم توسعة المسجد الأقصى توسّع وشمل الصخرة هذه وزيادة عليها، فللجميع الاسم الآن، اسم المسجد الأقصى للجميع للمسجد القديم العتيق ولما ألحق به من التوسعة؛ لكن ليس المسجد الأقصى الذي فيه المحراب وفيه يعني الإمام الذي هو ما يسمى بمسجد الصخرة، وهذا من الأغلاط الشائعة.\nس١٢/ بالنسبة للنيل والفرات كيف أنهما من أنهار الجنة؟\nج/ هذا قلنا نؤمن بها على حقيقتها، النيل والفرات ولا يعني أنها من السماء بمعنى أن السماء متصلة بالأرض من هذا الموضع، لا، أنت إذا ذهبت إلى الجبال رأيت منابع النيل تجدها ومنابع الفرات تجدها؛ ولكن النيل والفرات وجدهما النبي ﷺ في السماء وهذا حق نؤمن به، كيف ذلك؟ وما اتصال النهرين اللذين في السماء بالنهرين الذين في الأرض؟ الله أعلم بحقيقة ذلك.\nس١٣/ أليس الذي بنى المسجد الحرام هو ابراهيم واسماعيل؟\nج/ قال - ﷿ - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:١٢٧] ولمَّا جاء ابراهيم ﵇ إلى الوادي، الوادي ليس فيه أحد فقال ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾، فهو قصد هذا المكان، هذا الوادي عند البيت.\nفالبيت موجود لكنه ما وجد منه إلا قواعده.\nلكن متى أقيم؟\nلمَّا بلغ اسماعيل وشارك أباه ابراهيم عليهما الصلاة والسلام في بنائه ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ يعني بعد بلوغ اسماعيل وإلا فالبيت موجود من قبل.\nس١٤/ يقال إنَّ يعقوب هو الذي بنى المسجد الأقصى؟\nج/ ليس بصحيح، المسجد الأقصى بنته الملائكة مثل المسجد الحرام.\n(وسئل النبي ﷺ عن أول مسجد وُضِعَ في الأرض، قال الكعبة، قيل ثم أي، قال المسجد الأقصى، قيل كم كان بينهما، قال أربعين سنة) (٢) .\nس١٥/هل من صفات الله - ﷿ - التَّدَلِّي، وما مفهوم الآية والحديث؟\nج/ هذا التدلي الذي في الآية ليس لله - ﷿ -، والتدلّي الذي جاء في الحديث هذا أهل العلم منهم من أثبته صفة، وذلك منه لأجل تصحيح الرواية، ومنهم من أنكر ذلك وهو الصّحيح؛ لأنَّ هذه من أفراد شريك بن عبد الله بن أبي نمر فلا يؤخذ منه، وعامة أهل العلم الذين رووا الحديث خالفوه في ذلك، أصحاب أنس خالفوه في ذلك.\nس١٦/ هل الصخرة لها مكانة شرعية معينة، وما سبب شهرتها؟\nلا الصخرة بناء القبة عليها حرام، والتعلق بها حرام، والصخرة ليس لها مكانة، وهي مثل غيرها من الأمكنة.\nوسبب شهرتها أنها رُبِطَ بها البراق، وهي قريبة من المسجد الأقصى، فرُبِطَ بها البراق ومشى النبي ﷺ ودخل المسجد.\nويقولون، وهذا لم أره في رواية ثابتة ويحتاج إلى تأمل أنَّه ﷺ عُرِجَ به منها، يعني صعد عليها ومنها طلع، لكن هذا لا أعرفه في رواية ثابتة، يعني لم أره في رواية ثابتة، ويقال إنَّ بها مغارة، وأنَّ النبي ﷺ من هنا خرج، يعني ثَمَّ بها تعلُّقات.\nوقد نبَّهَ أهل العلم أئمة السنة أنَّ كل هذه التعلقات بالصخرة وبناء القبة عليها ... إلخ، كل هذا حرام، ومن التعلقات تعلقات بدعية ومن وسائل الشرك.\nوفقكم الله جميعا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الرابع عشر.\n(٢) البخاري (٣٣٦٦)","vol":"1","page":188},{"text":"الحمد الله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسَلِّمْ اللهم تسليما مزيدًا، أما بعد:\nالأسئلة:\nس١/ أكملنا سنة منذ بداية الدروس، وتم شرح ثلث الكتاب تقريبًا، وهذا يعني أنه بقي سنتان والعمر قصير فنرجوا منكم النظر في ذلك؟\nج/ الجواب أنَّ الشرح الذي نشرح به الطحاوية الآن شرح متوسط، ليس بالطويل ولا بالقصير؛ لأني أراعي في الشرح حال الذين حضروا قبل ذلك في شروح كتب العقيدة المختلفة مثل الواسطية وغيرها كي يستفيد من سبق له الحضور، والمباحث القادمة ربما كانت أقصر من المباحث الماضية.\nس٢/ لقد صدر لكم كتاب بعنوان هذه مفاهيمنا، وقد رأيت أنَّ بعض أهل العلم يذكر أنَّ أمور العقيدة لا تطلق عليها مفاهيم؛ لأنها ترجع إلى ما يعتقده المرء مما دَلَّ عليه الكتاب والسنة لا إلى فهوم الناس، فما تعليقكم على ذلك، إلى آخره؟\nج/ الجواب أنَّ كلام بعض أهل العلم فيما ذكر إنما هو بالابتداء؛ يعني من سَمَّى بحوث العقيدة ابتداءً فُهومًا، مفهوم القدر في الإسلام، مفهوم الشفاعة في الإسلام، يعني من قرّر العقيدة ابتداءً باسم مفهوم.\nوهذا ظاهر لأنَّ العقيدة مبنية على النصوص وليست ابتداء يطلق عليها مفهوم أو نحو ذلك.\nوقد يُقال إنَّ المسألة إذا اختلف فيها أهل القبلة فإنه يقال فهم -يعني في غير المسائل قطعية الدّلالة- يقال فهم أهل السنة والجماعة كذا، وفهم السّلف الصّالح كذا، وهذا ظاهر بتعبير عدد من أهل العلم حيث عبّروا عن فهمهم لأصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بقولهم: والذي يفهمه أهل السنة والجماعة من هذه النصوص كذا.\nالحال الثانية وهي في الظاهر لم يُرِدْهَا من ظنَّ السائل أنه أراد بها كتابي (هذه مفاهيمنا)، الحالة الثانية أن تكون في مقابلة الرد، والرد معلوم أنه يُقابَلُ فيه [الأصل] ويكون كمالًا إذا كان فيه دفع للمبتدع.\nوهذا فيه مناسبة بلاغية أيضًا لأنّ الذي رُدَّ عليه بكتاب هذه مفاهيمنا سَمَّى كتابه (مفاهيم يجب أن تُصَحَّحْ) فالرد يكون باستعمال لفظ استعمله هُوَ لتأكيد قوة الأمر وتثبيته بقوله: هذه مفاهيمنا.\nوهذا له أصل في اللغة العربية وفي القرآن والسنة فإنَّ الله - ﷿ - لا يجوز عليه ابتداء أن يُوصَفَ بصفات؛ لكن إذا كان في مقابلة نقص البشر أو مكرهم أو استهزائهم فإنه يوصف، مثل المكر ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ [الأنفال:٣٠] فلا يطلق ابتداء المكر وإذا كان في مقابلة مكر فيقال يمكر الله بمن مكر، أو الاستهزاء يستهزئون الله يستهزئ بهم، أو المخادعة ونحو ذلك.\nففي تسمية الكتاب هذه مفاهيمنا في مقام الرد فيه صواب وذلك من جهتين:\n١ - الأولى: أنّ الرد فيه القوة وفيه الاستعلاء، بما استعلى به صاحب النص والدليل.\n٢ - الثانية: أنَّ فيه وجها بلاغيا؛ لأنّ مقابلة النص بتثبيته؛ تثبيت اللفظ والزيادة على ذلك بصحة المعنى، فإنه جائز بل مستعمل في اللغة وفي القرآن والسنة، ومن استعماله في اللغة قول عمرو ابن كلثوم في معلقته:\nألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nمع إجماع العقلاء على أنَّ الجهل من صفات السفهاء، لكنّ لما كان في مقابلة جهل الجاهل صار كمالًا لأنه يدلّ على قوة.\nفلما سمّى ذاك كتابه (مفاهيم يجب أن تصحح) كان من الكمال والرفعة أن يُقال (هذه مفاهيمنا)؛ يعني أنَّ وجوب تصحيحها الذي ادعاه إنما هو باطل ومردود.\nمع ظنِّي أنَّ من كتب في انتقاد هذه اللفظة يريد الوجه الأول وهو الابتداء لا الوجه الثاني.\nنكتفي بهذا القدر ونبدأ في الكتاب.","vol":"1","page":189},{"text":"وَالْحَوْضُ الَّذِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ -غِيَاثًا لِأُمَّتِهِ- حَقٌّ.\n_________\nقال الطحاوي ﵀ (وَالْحَوْضُ الَّذِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ -غِيَاثًا لِأُمَّتِهِ- حَقٌّ.)\nهذه الجملة مشتملة على تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الحوض، فقال: إنَّ الحوض حقّ.\nومعنى أنّ الحوض حق يعني أنه كما أخبر نبينا ﷺ حَقٌ، كما أخبر على ظاهر ما ورد فيه في صفته، وفيما جاءت الأخبار، فليس ثَمَّ شيء من ذلك يُرَدْ ولا يُؤَوَّلْ على خلاف ظاهره، فإنه حقّ يجب اعتقاد ما دلَّ عليه الدليل في ذلك، والحوض هذا أكرم الله - ﷿ - به محمدا ﷺ.\nلهذا نقول: إنَّ الحوض من المسائل العظيمة التي يبحثها أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، وبَحْثُهُم لها من جهات؛ يعني سبب بحثهم له في العقائد من جهات:\n١- الجهة الأولى: أنَّ الحوض أمر غيبي، والأمور الغيبية الإيمان بها واجب، فإنَّ الله سبحانه أثنى على خاصة عباده بقوله ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢-٣]، فجعل أخَصَّ صفاتهم الإيمان بالغيب.\n٢- الجهة الثانية: أنَّ الحوض دَلَّت عليه الأدلة من السنة بما يبلغ حد التواتر -التواتر النقلي والتواتر المعنوي-؛ لأنها رُويت من طريق أكثر من خمسين صحابيًا، وبعض أهل العلم أوصلها إلى طريق ثمانين صحابيا، كما سيأتي بعض مزيد بيان لذلك.\n٣- الجهة الثالثة: أنَّ الحوض خالف فيه المبتدعة من الخوارج والرافضة والمعتزلة.\n- خالف المعتزلة في إنكارهم للحوض أصلًا.\n- وخالف الروافض والخوارج في فهم أحاديث الحوض، كما سيأتي بيانه.\nفإذًا مسألة الحوض من المسائل العقدية التي ترتبط بأمر غيبي، وبنقل متواتر لا يجوز رَدُّهُ، وبمخالفة المبتدعة من أصحاب الفرق الضالة.\nقال الطحاوي (وَالْحَوْضُ الَّذِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ -غِيَاثًا لِأُمَّتِهِ- حَقٌّ.) فذَكَرَ أنَّ الحوض إكرام لنبينا ﷺ به، أكرم الله نبيه بهذا الحوض.\nوإكرامه بهذا الحوض لا يعني أن الحوض خاص بالنبي ﷺ؛ بل قد جاء في الحديث «إنّ لكل نبي حوضا» (١) وهذا يناسب ما سيأتي بيانه من أنَّ النبي ﷺ يذودُ الناسَ عنه؛ يعني ممن ليس من أمته صارفًا لهم عن إتيان حوضه إلى الذهاب إلى أحواض الأنبياء كما وَجَّهَهُ طائفة من أهل العلم.\nفإذًا الحوض إكرام للنبي ﷺ، وفي إكْرَامِهِ إِكْرِامٌ لأمته ﷺ بذلك الحوض الذي سيأتي وصفه إن شاء الله تعالى.\nقال (غِيَاثًا لِأُمَّتِهِ) وكلمة (غِيَاثًا) هذه نفهم منها أنَّ الطحاوي ﵀ أراد أنَّ الحوض تُغاثُ به الأمّة، وكون الأمّة تُغاث بالحوض يعني بماء الحوض؛ يعني أنها تُغاث به وقت حاجتها إلى الحوض.\nوهذا يدلُّ على أنَّ الطحاوي يذهب إلى أنَّ الحوض يكون في عَرَصَات القيامة قبل ورود الصراط وقبل العبور على النار وقبل تجاوز الصراط، يكون قبل ذلك إذا اشتدّ بالنّاس الحاجة إلى أن يشربوا من ذلك الحوض.\nفإنَّ مقام الساعة عظيم والزمن طويل يلبث الناس في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ويشتدّ عليهم البلاء، ويشتدّ عليهم الكرب، فيكرم الله - ﷿ - نبيّه ﷺ بالحوض، ويُكْرِمُ أُمَّتَهُ بأن يجعله غياثًا لهم، فمن شرب منه شربة في ذلك اليوم العصيب لم يضمأ بعدها أبدًا، فهذا معنى قوله (غِيَاثًا لِأُمَّتِهِ) .\nقال (حَقٌّ)\nيعني أنه واقع وحاصل، وأنه موجود، وأنّ الإيمان به فرض، وأنّ غير ذلك باطل.\nإذا تبيّن ذلك في بيان معنى ما قاله الطحاوي ﵀ ففي مسألة الحوض مسائل:\n_________\n(١) الترمذي (٢٤٤٣)","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>[المسألة الأولى]:\nأنَّ الحوض دلَّ عليه القرآن باحتمال، ودلَّت عليه السنة بقطع:</span>\nأما القرآن فدليل الحوض فيه قوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر]، وقد ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ فَسَّرَ الكوثر بأنه (حوض أعطاه الله إياه) (١)، وهناك عدة تفاسير للكوثر منها أنه نهر في الجنة، وقد جاء أيضا أنَّ الحوض يُسْكَبُ فيه من الكوثر ميزابان يعني يغذونه بماء الكوثر.\nوأما من السنة فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في وجود الحوض وفي صفته، وقد رواها عنه ﷺ أكثر من خمسين صحابيًا، ولهذا نقول: هي متواترة نقلًا ومتواترة تواترًا معنويًا، فجمعت بين نوعي التّواتر.\nوهذا النقل جاء عن أفاضل الصحابة وعن أكمل الصحابة.\nفمرويات الحوض ثابتة عن الصحابة عن أبي بكر ﵁ وعن عمر وعن عثمان وعن علي وعن فقهاء الصحابة كابن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبي ذر إلى غير هؤلاء.\nفجُلَّة الصحابة رووا أحاديث الحوض على خلاف بينهم في ألفاظها، والنّبي ﷺ كان يكرّر الكلام عن أحاديث الحوض كما روى أبو داوود في سننه عن أحد الصحابة أنه قال (سمعته مرارا لا أقول مرة أو مرتين) (٢) يعني عن النبي ﷺ.\nفكان يكرر الأحاديث في الحوض فلذلك حصل فيها بعض الاختلاف كما سيأتي فيما نستقبل.\n_________\n(١) مسلم (٩٢١) / أبو داود (٧٨٤) / النسائي (٩٠٤)\n(٢) أبو داود (٤٧٤٩)","vol":"1","page":191},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ صفة الحوض التي دل عليها الدليل من صحيح السنة.\n١- أولًا: من حيث شكله:\nهو مربع زواياه سواء وأضلاعه متساوية، وقد ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ «قال طوله شهر وعرضه شهر زواياه سواء» (١) فهذا يدل على أنَّ شكل الحوض مربع، وأنَّ زواياه قائمة، وأنَّ طوله وعرضه واحد وهو شهر.\nواختلفت الروايات كثيرا في طوله وعرضه، ومُحَصَّلُها ما ذكرتُ لك من أنه شهر في شهر، وقد جاء في بعض الروايات قال «هو كما بين المدينة وبيت المقدس»، وفي رواية قال «هو كما بين المدينة وعُمَان» (٢) أو قال «عَمَّان»، وفي رواية قال «هو كما بين المدينة إلى صنعاء» (٣)، وفي رواية قال «هو كما بين أيلة إلى صنعاء» (٤) وثَمَّ غير ذلك.\nوإذا قلنا مسيرة شهر في شهر، فالمراد بالشهر بسَير الجمال السّير المعتاد؛ لأنه هو الفصل في التقدير.\nهذا من حيث طوله وعرضه وشكله، شكله مربع وطوله وعرضه شهر في شهر.\n٢- ثانيًا: من حيث مكانه:\nمكانه هو في الأرض المُبَدَّلَة، يعني يوم يبدّل الله الأرض غير الأرض والسموات، هو في الأرض المُبَدَّلَة.\n٣- ثالثًا: من حيث آنيته:\nآنيته وصفَها ﷺ كما في حديث عبد الله بن عمر بن العاص وغيره قال «آنيته كنجوم السماء» (٥) وهذا التشبيه بقوله (كنجوم السماء) نفهم منه صفتين:\n- الصفة الأولى: الكثرة، في أنَّ كثرتها كثرة نجوم السماء، وهذا يدل على مزيد راحة وطمأنينة في الشرب منه وتناوله، وألا يكون هناك تزاحم على كيزانه، أو أنَّ الناس يشربون بأيديهم.\n- والصفة الثانية: أنَّ كيزانه أو كيسانه أو أباريقه أو نحو ذلك كنجوم السماء في الإشراق والبهاء والنور.\nفنجوم السماء فيها صفة الكثرة وفيها صفة النور والبهاء.\nهذا من جهة وصف كيزانه من حيث العدد ومن حيث الشكل.\n٤ - رابعًا: من حيث مائه:\nماؤه من حيث اللون أشد بياضًا من اللبن، كما ثبت في الحديث قال «حوضي طوله شهر وعرضه شهر ماؤه أشد بياضا من اللّبن وأحلى من العسل» (٦)، وقد جاء في رواية قال «ماؤه أشدّ بياضا من الوَرِقْ» (٧) يعني من الفضة.\nورائحة مائه قال «رائحته كرائحة المسك» (٨) .\nومصدر مائه من الكوثر؛ النهر الذي في الجنة، قال ﷺ «الكوثر نهر أعطانيه الله في الجنة» (٩) .\nوقد جاء في صفة الحوض «يشخب فيه من الكوثر ميزابان» (١٠) .\nهذه من جملة صفاته.\n_________\n(١) مسلم (٦١١١)\n(٢) ابن ماجه (٤٣٠٤) / ابن حبان (٦٤٥١)\n(٣) البخاري (٦٥٩١) / ابن ماجه (٤٣٠٤)\n(٤) البخاري (٦٥٨٠) / مسلم (٦١٣٥)\n(٥) ابن حبان (٦٤٥٢)\n(٦) مسلم (٦١٢٩) / الترمذي (٢٤٤٤) / ابن ماجه (٤٣٠٢)\n(٧) مسلم (٦١١١)\n(٨) البخاري (٦٥٧٩)\n(٩) سبق ذكره (١٩١)\n(١٠) مسلم (٦١٢٩)","vol":"1","page":192},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nاختلف العلماء أين يكون الحوض؟ هل هو قبل الصراط أم بعد الصراط؟ على قولين:\n١- القول الأول:\nوهو قول جمهور أهل العلم على أنَّه قبل الصراط وليس بعد الصراط؛ لأنّ الأحاديث التي فيها صفة الحوض فيها ذُكِرَ أَنَّ أناسا يُذَادُون عنه ويُدْفَعُون ويُؤْخَذ بهم إلى النار، فيقول النبي ﷺ «ربي أصيحابي أصيحابي» (١)، أو قال «أصحابي أصحابي فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (٢) .\n٢- القول الثاني:\nوبه قال طائفة من أهل العلم إنَّ الحوض حوضان حوض قبل الصراط وحوضٌ بعد الصراط، فمن لم يشرب منه قبل الصراط بأن أُخِذَ للعذاب من هذه الأمة ثم نَجَى بعد ذلك، فَثَمَّ حوض آخر بعد الصراط يشرب منه.\n* ولكن الذي تدل عليه الأحاديث بظهور وكثرة أنَّ الحوض يكون قبل الصراط لا بعده.\nثُمَّ القائلون بأنه قبل الصراط أيضًا اختلفوا: هل هو قبل الميزان أم بعد الميزان؟\nعلى قولين لأهل العلم، والأكثر أيضا أنّه قبل الميزان، وأنّه في العرصات قبل أنْ يأتي الله - ﷻ - لفصل القضاء وقبل أن تتطاير الصحف وإلى آخر ذلك.\nولشدة طول [.....] الناس فإنّ الله يكرم نبيه ﷺ بهذا الحوض حتى يشرَب منه المؤمنون فلا يظمؤون ولا يقلقون في شدة هول الموقف.\nفإذًا نقول الصواب أنَّهُ قبل الصراط وأيضًا أنه قبل الميزان.\nقال القرطبي صاحب كتاب التذكرة في الكلام المشهور عنه يتناقله العلماء قال (والمعنى يقتضي هذا؛ لأنَّ الناس يخرجون من قبورهم عطاشا فإذا وافوا الموقف فإنهم يحتاجون مع طول الموقف إلى ما به ذهاب ظمئهم وصدورهم، وهذا يناسب أن يكون إكرام النبي ﷺ بالحوض قبل الميزان) .\n_________\n(١) مسلم (٦١٣٦) / ابن ماجه (٣٠٥٧)\n(٢) البخاري (٦٥٨٢)","vol":"1","page":193},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nجاء في الأحاديث أنَّ الحوض يُذاد عنه، فقد جاء أنَّ النبي ﷺ يذود أناسًا عن الحوض.\nوجاء في أحاديث أخرى أنَّ النبي ﷺ يأتيه قوم فيعرفهم فيُذادُون عن الحوض؛ يعني يذودهم غيره ﷺ، فيقول «يا ربي أصيحابي أصيحابي» إلى آخر الأحاديث التي سيأتي توجيهها.\nوهذا يدلّ على أنّ التحقيق أنّ الذَّوْد عن الحوض نوعان:\n١- الأوّل ذود عام:\nوهو ذود النبي ﷺ غير أمته أن يستقوا من الحوض فيدفعهم أو يمنعهم ويذودهم عن الحوض الخاص بأمته ﷺ، وهذا الذّود العام منه ﷺ وإبعاد الناس عن حوضه إلا أمته يفيد فائدتين:\n- الفائدة الأولى:\nأنه ﷺ للمؤمنين به في هذه الأمة رؤوف رحيم، فيريد أن تختص أمته بحوضه، وذلك فيه إكرام لهم ومزيد عناية بهذه الأمة.\n- الفائدة الثانية:\nأنه قد جاء -كما ذكرنا- أن لكل نبي حوضا، والنبي ﷺ يريد من كل كل تابع لنبي ومؤمن بنبي من إخوانه الأنبياء والمرسلين، يريد أن يذهب إلى النبي ليكون أبلغ في ظهور عظم الرسالة -رسالة النبي إلى قومه- ورأفة قومه به، وإظهار لمن آمن بكل نبي على من لم يؤمن بذلك النبي.\nوهذا توجيه جيد أفاده عدد من أهل العلم منهم الحافظ ابن حجر ﵀ ومن تبعه.\n٢- الثاني ذودٌ خاص:\nفهذا يُذاد عن الحوض طائفة قليلة بالنسبة إلى كثرة من يرده، قد جاء فيه أحاديث كثيرة عنه ﷺ متعددة: أنه إذا ورد الحوض ورد عليه أناس يعرفهم ويعرفونه ثم يُذَادُونَ عن الحوض؛ يعني يُدفَعُونَ بشدة فيقول «يا ربي قومي قومي» وفي رواية «أصحابي» وفي رواية لأنس في الصحيح «أصيحابي أصيحابي»، فينادي المنادي «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، في رواية «إنهم لم يزالوا مرتدّين على أدبارهم مذ تركتهم»، فهذا دَفْعٌ بشدة عن الحوض لطائفة من المرتدّين ومن المُحْدِثِين.\nولهذا اختلف أهل العلم في هؤلاء الذين يُدفعون عن الحوض من هم؟ (١) على أقوال:\n\n: [[الشريط الخامس عشر]]:\n\n١- القول الأول:\nأنّ الذين يُذادُونَ عن الحوض هم الذين ارتدوا من الصحابة بعده ﷺ، كالذين تبعوا مسيلمة الكذاب أو سجاح أو كَفَرُوا وارتَدُّوا بعد ذلك، وهم قليل.\n\nويدل على قلتهم أنه ﷺ قال «يذاد قوم» أو يؤتى كما في رواية أخرى، قال «فيأتيني قوم فيُذادون عن الحوض» وهذا يدل على قلّتهم.\n\nويدل على ذلك أيضا قوله «يا ربي أصيحابي أصيحابي» . (٢)\n\nفقال أهل العلم إنَّ كلمة (قوم) و(أصيحابي) ونحوهما، يدل على قلة العدد لا على كثرتهم.\nوهذا يناسب هذا القول؛ لأنَّ عدد الذين ارتدوا بعد النبي ﷺ ممن صحبوه أو حجوا معه حجة الوداع قليل من شرذمة من الأعراب الذين لم يؤمنوا به حق الإيمان.\n٢- القول الثاني:\nأنِّ الذين يُذادون عن الحوض هم المنافقون.\nوالنبي ﷺ لم يعرف المنافقين جميعًا فقد قال الله؟ له ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] فيأتون يوم القيامة وعليهم سيما أهل الإيمان أو أنهم مع المؤمنين فيظنّهم ﷺ من المؤمنين به ظاهرًا وباطنًا، ثم يُذادون فيُدْفَعُونَ عن الحوض بشدة، ويساقون إلى النار فيقول «أصحابي أصحابي» باعتبار ما كان عليه ظاهر أمرهم، فيقول (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (٣)، (أو إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم مذ تركتهم) .\nيعني ظَهَرَ نفاقهم واستبان بعد وفاته ﷺ.\n٣- القول الثالث:\nأنَّ الذين يذادون هم كل من أحدث بعده ﷺ حدثًَا فَغَيَّرَ في دينه إمَّا بالارتداد عن الإسلام إلى الكفر أو بما هو دون ذلك من المحدثات كالبدع المضلة من أنواع البدع المضلة كبدعة الرِّفض والسبئية والخوارج والنّصب والاعتزال، كل هذه من أنواع المحدثات.\nوالنبي ﷺ قال في وصف من يُذاد «فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، وهذه من جملة أنواع المحدثات.\n(وهذا القول الثالث هو أظهر الأقوال لشموله للقولين السابقين، فنقول:\n- أولا: الذين يُذادون كما جاء في بعض الأحاديث الذين ارتدوا ممن شارك في حجة الوداع أو صحب النبي ﷺ ولم يؤمن به إيمانًا حقيقيًا، فهؤلاء يذادون.\n- ثانيًا: وأيضًا يذاد المنافقون.\n- ثالثًا: وأيضًا يذاد كل أصحاب الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة والرافضة، وأشباه هؤلاء من الفرق الذين ضلوا وأحدثوا في الدين وابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله.\nقال بعض أهل العلم: ويُلْحَقْ بذلك أيضًا من افترى على الله ﷿ في دينه؛ يعني كَذَبَ في أمر الدين.\nويدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده ونحو ذلك بألفاظ متقاربة من أنَّ النبي ﷺ قال «سيكون بعدي أمراء فمن صدَّقهم بكذبهم وأعانهم على ظُلمهم فليس مني ولست منه ولن يرد عليَّ الحوض» (٤) .\nقال في وصف هؤلاء «فمن صدَّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم» يعني يكذبون على الدين وهذا يُصَدِّقُهُم على ذلك ويعينهم على الكذب على الدين ويعينهم على الظّلم، فهذا مُحْدِثْ، ولهذا أُلحق بتلك الفئات بقوله ﷺ «فليس مني ولستُ منه ولن يرد عليّ الحوض» .\n_________\n(١) انتهى الشريط الرابع عشر.\n(٢) سبق ذكره (١٩٣)\n(٣) البخاري (٦٥٧٦) / مسلم (٦١١٨)\n(٤) الترمذي (٦١٤) / النسائي (٤٢٠٨) / المسند (٢٣٣٠٨)","vol":"1","page":194},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nخالف في الحوض طوائف من أهل البدع، خالف فيه المعتزلة والخوارج والرّافضة.\n١- المعتزلة:\nأما المعتزلة فخالفوا في إنكاره أصلًا فأنكروا الحوض، وقالوا هذه الصفة التي وردت لا تُعْقَلْ، فردُّوا الأحاديث المتواترة المتطابقة المتتابعة لفظًا ومعنىً، رَدُّوهَا بالعقل فقالوا (الحوض لا يُعْقَلْ وإنما له معنى يُؤَوَلْ إليه) .\nفليس عندهم حوض موجود يوم القيامة وإنما هو معنًى من المعاني.\nقالوا: فكيف يكون الحوض قبل الصراط وبين الناس وبين الجنة جهنم الكبيرة، ويكون الحوض يُغْذَى من الجنة، والصراط على جهنم؟\nيعني أنهم تخيَّلُوا ما ورد في صفة يوم القيامة بعقولهم، ثم بعد ذلك ردُّوا ذلك، ردُّوا بعض الأحاديث مما لا يتناسب مع الوصف العام الذي تخيّلوه.\nومن المعلوم أنَّ السنة إذا ثبتت ولو بالآحاد، فكيف إذا كانت بالتواتر اللفظي والمعنوي، إذا ثبتت فلا يجوز أن يُسَلَّطَ عليها العقل؛ لأنّ الأمر أمرٌ غيبي.\nوالمعتزلة كما هو معلوم في قاعدتهم يُؤَوِّلُونَ الغيبيات: فأنكروا الصراط وأوّلوا الميزان وأوّلوا الصحف وأوّلوا الحوض إلى غير ذلك، على أساس قاعدتهم من تسليط العقل على النّقل.\nفإذًا مخالفتهم مردودة.\nوقال بعض أهل العلم: من أنكر الحوض بعد علمه بالتواتر فإنّه يكفر.\nولكن هذا فيه نظر من جهة تطبيقه لأنَّ التواتر قسمان: تواتر لفظي وتواتر معنوي، وقد يُسَلِّمُونَ بصحة النقل لكن لا يُسَلِّمُونَ بصحة الدّلالة.\n٢- الخوارج والرافضة:\nأما الخوارج والرافضة: فمخالفتهم ليست في إثبات الحوض، ولكن في أنهم جعلوا أحاديث الحوض على غير ما هي عليه من جهة الصحابة رضوان الله عليهم.\nفقالت الخوارج والرافضة: إنَّ الذين ارْتَدُّوا فلم يَرِدُوا على الحوض هم الصحابة، وأولئك جمع كبير من الصحابة.\nفيؤمن الخوارج والرافضة بالحوض لكن يقولون هؤلاء الذين رُدُّوا هم الصحابة ويحتجون بأحاديث الحوض على تكفير الصحابة.\nفيقول الرافضة مثلا: إنَّ هؤلاء هم أصحاب النبي ﷺ فإنه لم يُسْلِمْ أو لم يبق على الإيمان بعده ﷺ من الصحابة إلا نفر قليل والأكثرون كَفَرُوا والعياذ بالله.\nوالرَّد على هذه الفِرْية من أوجه:\n١- الرد الأول:\nالألفاظ المختلفة تدلُّ على تقليل العدد، فقال ﷺ:\n- «فيُذاد قوم عن حوضي» هذا في لفظ.\n- والثاني «فيذاد أناس عن حوضي» .\n- وفي الثالث قال «فأقول يا ربي أصحابي» .\n- وفي الرابع قال «فأقول يا ربي أصيحابي» .\nفدل ذلك بمقتضى اللغة على أنَّ قوله «يذاد أناس فأقول يا ربي أصيحابي» على أنَّ العدد قليل كما يقول القائل في اللغة (أتاني بنو تميم، إلا قوم منهم لم يأتوا)، يعني إلا قليل منهم.\nفإذا أتت الجملة الكثيرة ثم أُستثني قوم دلَّ على قلة أولئك كيف وقد جاء الحديث فيه ذكر التقليل لقوله «أصيحابي أصيحابي» .\n٢- الرد الثاني:\nأنَّ الذين نقلوا أحاديث الحوض عن النبي ﷺ هم الذين زعمت الرافضة أنهم كَفَرُوا، وهم جمعٌ كبيرٌ أكثر من خمسين صحابيًا يقول الرافضة إنَّ هؤلاء كفروا، وهم الذين نقلوا أحاديث الحوض.\nفنقول: إن كنتم صَدَّقْتُم بأنَّ ما نقله هؤلاء من صفة الحوض وأحاديث الحوض وأنها صحيحة، فكيف تقبلون أحاديث من كفر عندكم؟\nوإنّ كان النقل عندكم إنما هو للتكاثر، فكيف يَنْقُلُ هؤلاء الجلة من الصحابة والعدد الغفير أحاديث فيها تكفيرُهم؟\nلا شك أنَّ فهم الجمع الغفير، بل عامة الصحابة، بل كل الصحابة لأحاديث الحوض، وكونهم رَوَوهَا وتناقَلُوهَا جميعًا -جميع الصحابة وجميع التابعين- نَقَلُوهَا وتَنَاقَلُوهَا مع تَرَضِّيهِمْ عن الخلفاء الأربعة جميعًا وعن العشرة المبشرين بالجنة ما يَدُلُّ دَلَالَةً قاطعةً على أَنَّ هذا الفهم لتلك الأحاديث لم يكن معروفًا عند الصحابة ولا التابعين ولا تبع التابعين.\nوكون فَهْمٍ في الأحاديث يكون غائبًا عن الصحابة جميعًا وعن التابعين وعن تَبَعِ التابعين ولا يظهر هذا الفهم إلا بعد مائتي سنة يدلّ على أنَّ هذا الفهم مردود؛ لأنه لم يفهمه أجيال من المسلمين.\nوإذا كان كذلك فالقاعدة المتفق عليها (أنَّ الفهم إذا كان مُحْدَثًَا وغابت القرون المفضلة ولم تَفْهَمْ هذا الفهم، فإنَّ معنى ذلك أنَّ هذا الفهم غير صحيح) .\nوهذا هو الذي يلاحظ في الواقع، فإنَّ الذين ارتدوا من أصحاب النبي ﷺ ممن لم يدخل الإيمان في قلوبهم نفر قليل ممن قاتلوا مع مسيلمة أو كَفَرُوا بعد إسلامهم من شذاذ الأعراب وطوائف ممن قال الله فيهم ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] .\nوكلام الرافضة لهم كلام طويل في الاستدلال بأحاديث الحوض على مسألة تكفير الصحابة ليس هذا محل بسطها وبيانها.","vol":"1","page":195},{"text":"[المسألة السادسة]:\nأَنَّ الشرب من الحوض -ورود الحوض- له أسباب في هذه الدنيا ينبغي؛ بل يجب على الموحّد أن يحرص عليها، بل يجب على كل مسلم أن يحرص عليها:\n١ - أن يكون غير مُحْدِث في الدين حَدَثًَا؛ يعني كلُّ ما لم يكن على عهده ﷺ من أنواع الاعتقاد والعلم فإنه يجب ردُّه، يعني أن لا يَعْتَبِرَهُ حقًَّا.\nفإذًا العقيدة والدين هو الذي كان عليه ﷺ وأصحابه في عهده، فكلّ من أتى بشيءٍ جديدٍ فإّنه لا يأمَن أن يكون داخلا في قوله «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، حتى إنَّ أهل العلم أدْخَلُوا في ذلك كما سمعت كل من أَحْدَثَ بِدْعَة في الاعتقاد من: المرجئة والخوارج والمعتزلة والكلاّبية والرّافضة والسّبئية إلى غيرها من الفرق الغالية والمتوسطة والخفيفة، كل من أحدث حدثًَا يدخل في ذلك.\n* فلهذا يجب على الموحد وعلى المؤمن أن يحرص تمامًا على أن يحظى بهذه التَّكرمة العظيمة وهو ورود حوض النبي ﷺ الذي (من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا) (١) وأمِن في يوم الفزع أمن في يوم الحَزَن حيث قال الله؟ ﴿لَا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٣]، ومن أسباب عدم الحَزَن أنه يأمن قبل تطاير الصحف بأن يشرب من حوض النبي ﷺ.\nلذلك صار اهتمام المهتم بالتوحيد وبالعقيدة وبالدين الصحيح لأجل أن يأمن على نفسه وأن يحظى بهذه التّكرمة العظيمة يوم القيامة.\n٢- أن يُخَلِّصَ قلبه من الغش والغل لخيرة هذه الأمة وهم صحابة رسول الله ﷺ، فإنَّ النبي ﷺ معه من أحب، والصحابة معه يوم القيامة كما ثبت «أنت مع من أحببت» (٢)، وإذا كان كذلك فلا يجوز لأحد أن ينتقد الصحابة أو أن يُبغض بعضًا منهم أو نحو ذلك؛ بل يجب عليه أن يحب الجميع فلعله أن يحشر في زمرتهم وأن يرد حوض نبيه ﷺ معهم.\n٣- أن يكون بعيدًا عن الافتراء في دين الله؟؛ كما ذكرت لك من الحديث الصحيح أن النبي ﷺ ذَكَرَ أنَّ من صفة الذين لا يردون عليه الحوض قال «يكون بعدي أمراء فمن صدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولن يرد عليّ الحوض»، وهذا الأمر شديد في أنَّ المرء لا يكذب على اسم الله، وأيضًا إذا خالط أحدًا فلا يصدقه على كَذِبِهْ، فلا يصدّق من يكذب على دين الله.\nولهذا المسألة العظيمة هي هذه؛ في أنَّ المرء يَعْلَمْ الدين ويعتقد الاعتقاد الصحيح ويَعْلَمْ الشريعة ولا يعين المرء المسلم مَنْ كَذَبَ على الدين؛ بل يجب عليه أن لا يُصَدِّقَ أحدًا في كَذِبِه وأن لا يُعِينَ أحدًا على ظلمه، بل يسأل الله؟ السلامة والعافية.\nوأكثر ما يورد الناس النار يوم القيامة اللسان، فذلك ينتبه المرء بأنه لا يقول شيئًا يكون كذبًا على الدين، يعني قد تقول لا أدري والمسألة سهلة، أو إن استطعت أن تنطق بالحق، فهذا يعني فيمن كذب على دين الله فهذه مرتبة عظمى.\nأما أن يقول المرء في دين الله؟ بما لا يعلمه فهذا قد يكون افتراء على الدين.\nولهذا ذكر السَّفَّاريني ﵀ في عقيدته المعروفة في منظومته ذكر جملة هذه الصفات بقوله:\nعنه يُذادُ المفتري كما ورد ومن نحا سبل السلامة لم يُرَد\nأي أَنَّهُ يُذاد عن الحوض المُفْتَرِي على الله؟؛ يعني من كَذَبَ على الله؟ في العقيدة أو في الدين فنسب شيئًا إلى الله؟ أو إلى دينه إنما هو محض تَخَرُّصْ منه، ما اجْتَهَدَ اجْتِهَادًَا أخْطَأَ فيه أو هو معذور في اجتهاده؟ لا، وإنما هو مَحْضُ تَخَرُّْص واستهانة وعدم مبالاة بما ينسبه للشريعة وللدين، وهذا أمْرٌ يجب على المرء أن يحافظ على لسانه من أن يفتري على الله؟، والله سبحانه نَهَى عن أن يُقَال عليه ما ليس للمرء به علم فقال ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، فقَرَنَ بين الشرك وبين القول على الله بلا علم.\n٤- أن يبتعد المرء عن الكبائر والذنوب؛ عن المداومة عليها، وإذا أَذْنَبَ يرجع ويستغفر لأنَّ جمعًَا من أهل العلم قالوا إنَّ الذين يُلَازِمُونَ الكبائر لا يرِدُون الحوض، وأخذوا ذلك من قوله ﷺ فيقال «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، والناس في عهد النبي ﷺ كانوا إذا أذْنَبُوا اسْتَغْفَرُوا ولم يكن بينهم -يعني من الصحابة- ممن هو مداوم على الكبيرة غير تائب منها.\nلهذا يحرص المرء على أن يأتي بالسبب الذي به غفران الله؟، وأن يُكْرِمَهُ الله بحوض نبيه ﷺ في أنه يبتعد عن الكبائر والموبقات والآثام، وأنّه إذا غشي شيء من المعاصي فيُنيب ويستغفر ويُتْبِع السَّيئة الحسنة لتُمحى عنه السيئات.\nأسال الله ﷿ أن يجعلني وإياكم ممن أُكْرِمَ بالورود على حوض النبي ﷺ، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد.\nمباحث الحوض كثيرة لو نسيت شيئا منها ستجدونه إن شاء الله في الكتب المختصّة.\n_________\n(١) الترمذي (٢٤٤٤) / ابن ماجه (٤٣٠٣)\n(٢) البخاري (٣٦٨٨) / مسلم (٦٨٧٨) / الترمذي (٢٣٨٥)","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الأسئلة:</span>\nس١/ تعريف الصحابي أَنَّهُ مات على الإيمان، فلماذا نقول إنَّ بعض الصحابة ارتدوا؟\nهل هناك فرق ما بين الإطلاق الاصطلاحي والإطلاق غير الاصطلاحي؟\nج/ أما الاصطلاحي فإنَّ الصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مُؤْمِنًَا به ومات على ذلك.\nوكلمة (مات على ذلك) هذه فيها خلاف، (مُؤْمِنًَا به) كم المدة ساعة شهر يوم؟ أيضا فيها خلاف بين أهل العلم.\nلكن التعريف الراجح للصحابي هو ما ذكرته لك.\n(من لقي) فلا نقول رأى؛ لأنَّ الرؤية في بعض الصحابة لم يكونوا مبصرين، نقول: من لقي النبي ﷺ مُؤْمِنًَا به ومات على ذلك.\nزاد بعض أهل العلم ولو تخللت ذلك ردة؛ يعني ارْتَدَّ ثم رجع، فمن لقي النبي عصلى الله عليه وسلم مُؤْمِنًَا به ومات على ذلك -يعني مات على الإيمان به- فهو صحابي وإن قلت المدة لشرف الصحبة، ولهذا نقول الذي جاء في الأحاديث يعني باعتبار ما كانوا عليه.\nالذي يقول لماذا نقول أن بعض الصحابة ارتدوا يعني بعض من كان صحابيا وارتد، كان صحابيا فارتد.\nس٢/ [.....]\nالقاعدة ما فيه فرق:\nألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nالجهل نقص، وكُمَّل الرجال لا يَجْهَلُون؛ لأنَّ الجهل من صفة السفهاء، ولذلك قال؟ ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، الجهل صفة نقص؛ لكن لمَّا كان جَهْلُهُ في مقابلة جهل الآخرين؛ يعني سَفَهِهِمْ ونَقْصِهِمْ، فإنَّ وصف نفسه بالجهل لا يريد منه صفة النقص، وإنما يريد منه صفة الكمال والقوة والقدرة عليهم والاستعلاء عليهم والمُلك إلى غير ذلك.\nلهذا نقول البيت يدل على أنَّ صفة النّقص إذا كانت في مقابلة صفة نقص أخرى فإنَّ الاتصاف بها كمال، ولهذا المكر في أصله نقص؛ لكن لَمّا كان في مقابلة مكر صار الاتصاف به كمالًا من جهة قوة الله؟ وقدرته وهيبته وجبروته وعظمته إلى غير ذلك، كذلك استهزأ به بعض العباد فقال ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]، يعني في مقابلة فعلهم ذلك مما يدل على كمال الله؟ وقدرته وعظمته وجبروته وقهره لعباده.\nس٣/ [.....]\nهذه مسألة أخرى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، يعني ما ساءك هذا راجع للتفسير، ما ساءك من اعتداء غيرك عليك فأثب إليه بالاعتداء عليه؛ لكن هو إساءته ظلم أو اعتداء، وإساءتك إليه هذه قِصاص وحق لك، هذا من جهة.\nوالجهة الثانية أنَّ قوله ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ يعني في اعتبار المتلقي لا في اعتبار الفاعل.\nس٤/ هل إذا قلنا إنَّ شكل الحوض مربع نجزم بذلك وهو من المغيبات التي لا نقول، أم نقول إنَّ زواياه متساوية وأضلاعه مسيرة شهر؟\nج/ زواياه سواء -هذا كلام النبي ﷺ- وأضلاعه مسيرة شهر؛ يعني كل ضلع مسيرة شهر وهذا يدل على أنه مربع، لذلك صرّح طائفة من علماء السنة بأنه مربع الشكل.\nنكتفي بهذا القدر وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.","vol":"1","page":197},{"text":"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:\nالأسئلة:\nس١/ ما رأيكم في من يقول بأنَّ الحوض مُدَوَّرْ، ويستدل لذلك بأن طوله وعرضه سواء، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا كان مُدَوَّرًَا؟\nج/ الجواب أنّ طوله وعرضه سواء لا يقتضي أن يكون مُدَوَّرًَا، وقد جاء في الرواية الأخرى «طوله مسيرة شهر وعرضه مسيرة شهر زواياه سواء»، وهذا يدل على أنَّهُ ليس بدائري.\nس٢/ ما معنى قول القائل: قَدَّسَ الله روح فلان؟\nج/ التقديس معناه التطهير، قَدَّسَ الله روح فلان يعني طَهَّرَ الله روح فلان من الذنوب أو من أثر الذنب من السيئات من المعاصي، وهذا التطهير يكون بمغفرة الله لذنبه، أو بمنّ الله؟ عليه بأن يجعل ما أصابه كفّارة، أو بغير ذلك من الأسباب بتهيئة دعاء المؤمنين.\nالمقصود أنّه دعاء بأن يطهر الله روح فلان، هذا لا بأس به، قدّس الله روح فلان لا بأس به؛ لأنّ معناه طهر الله روح فلان، ومن أسماء الله القدّوس؛ يعني المُطَهَرْ من كل عيب ونقص:\nلا في الذات، ولا في الأسماء، ولا في الصفات، ولا في الأفعال، ولا في الأمر: أمره الكوني القدري، ولا في أمره الديني، في هذه الخمسة.\nوهناك عبارة أخرى لا تجوز وهي قول بعضهم: قدّس الله سِرَّه، كلمة سرّه هذه هي المُنْكَرَة؛ لأنّ هذه اللفظة يستعملها من يعتقد في الأموات بأنّ روح فلان لها سِرْ، ولذلك يطلقون على من له السّر السيد، على اعتقاد أنّه الذي فيه السِرْ، فيخصُّونَ بعض الأولياء الذين يُعتَقَدُ فيهم بأنهم يجيبون، أو أنَّ الدعاء عند قبرهم مستجاب، أو أنَّ الاستشفاع بهم يحصل به المقصود ونحو ذلك، يخصونه بقولهم قدس الله سره، وهذا غلط ومنكر؛ لأنَّ الروح ليس فيها سر، روح الناس روح المؤمنين ليس فيها أسرار، وهذا بالإضافة إلى أنَّ هذه الكلمة لم تأتِ لا في اللغة ولا في الشرع.\nس٣/ ما معنى قول النبي ﷺ «إن الله خلق آدم على صورته» (١)؟\nج/ هذا الحديث يطول الكلام عليه؛ لكن خلاصة الكلام أنَّ الصورة هنا بمعنى الصفة؛ لأنَّ الصورة في اللغة تطلق على الصفة كما جاء في الصحيحين أنَّ النبي ﷺ قال «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر» (٢) يعني على صفة القمر من الوضاءة والنور والضياء، فقوله ﷺ «إن الله خلق آدم على صورته»؛ يعني خلق آدم على صورة الرحمن أ؛ يعني على صفة الرحمن، فخص الله؟ آدم من بين المخلوقات بأنَّ جعله مَجْمَع الصفات وفيه من صفات الله؟ الشيء الكثير؛ يعني فيه من أصل الصفة على التقرير من أنَّ وجود الصفة في المخلوق لا يماثل وجودها في الخالق، فالله؟ له سمع وجعل لآدم صفة السمع، والله؟ موصوف بصفة الوجه وجعل لآدم وجهًا، وموصوف بصفة اليدين وجعل لآدم صفة اليدين، وموصوف بالقوة والقدرة والكلام والحكمة، وموصوف - بصفة الغضب والرضا والضحك إلى غير ذلك مما جاء في الصفات.\nفإذن هذا الحديث ليس فيه غرابة كما قال العلامة ابن قتيبة ﵀ قال (وإنما لم يألفه الناس فاستنكروه) .\nفهو إجمالٌ لمعنى الأحاديث الثانية الأخرى في صفات الله؟، «خلق آدم على صورته» يعني خلق آدم على صفة الرحمن؟ فخصَّهُ بذلك من بين المخلوقات.\nالحيوانات قد يكون فيها سمع فيها بصر لكن ما يكون فيها إدراك ما يكون عندها حكمة ما يكون كلام خاص إلى آخره.\nفآدم خُصَّ من بين المخلوقات بأنْ جَعَل الله؟ فيه من الصفات ما يشترك بها في أصل الصفة لا في كمال معناها ولا في كيفيتها مع الرحمن ﷻ، تكريما لآدم كما ذكرنا لك.\nوهذا ملخص الكلام فيها وإلا فالكلام يطول لأنَّ هذا الحديث كثيرون لم يفهموا المراد منه، ولا حقيقة قول أهل السنة والجماعة في ذلك.\nس٧/ يقول ذكرت أن قول قدس الله سره لفظة منكرة، وقد أكثر منها الإمام السَّفَّاريني عند ذكره لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهل لذلك معنى؟\nج/ أحيانًا العالم أو المؤلف يستعمل عبارة على حسب ما دَرَجْ، ولا يعني حَقِيقَةَ العبارة، فلذلك يُفَرَّقْ بين من يستعلمها يقصد المعنى وبين من يستعمل العبارة مُشَارَكَةْ، فالحكم يختلف:\nفالذي يقصد المعنى أنَّ روح فلان لها سر وأنها تُغِيث فهذا شرك أكبر.\nوالذي يستعمل اللفظ من غير قصد لما يستعمله الآخرون منها، فإنه يقال تَسْتَبْدِلْ تلك بغيرها كما قال؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة:١٠٤]، فنهاهم على قول ﴿رَاعِنَا﴾ لاستعمال اليهود لها بمعنى الرعونة الإيذاء، ووجَهَهُم إلى غيرها مع أنها تحتمل أن تكون من المراعاة، فقال ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ فأبدلهم بكلمة لا إشكال فيها ولا شبهة ولا يشتركون فيها مع من يحرفون الكلم عن مواضعه.\n_________\n(١) مسلم (٦٨٢١)\n(٢) البخاري (٣٣٢٧) / مسلم (٧٣٢٨) / الترمذي (٢٥٣٥)","vol":"1","page":198},{"text":"وَالشَّفَاعَةُ الَّتِي ادَّخَرَهَا لَهُمْ حَقٌّ، كَمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ.\n_________\nالحمد لله، وبعد:\nقال العلامة أبو جعفر الطحاوي ﵀ في هذه العقيدة المباركة (وَالشَّفَاعَةُ الَّتِي ادَّخَرَهَا لَهُمْ حَقٌّ، كَمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ) .\nقوله (الشَّفَاعَةُ الَّتِي ادَّخَرَهَا) يعني ادَّخرها رسول الله ﷺ.\n(لَهُمْ) يعني لأمته.\n(حَقٌّ) يعني ثابتة كَمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ.\nوأراد بقوله (ادَّخَرَهَا) ما جاء في الحديث الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال «لكل نبي دعوة مجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي مُدْرِكة منهم من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه» (١)، وفي رواية قال «وإني أخَّرتُ شفاعتي» (٢) .\n(أخَّرت شفاعتي) أو (اختبأت دعوتي)، هذا يدل على أنَّهُ ادَّخَرَهَا لهم؛ يعني جعلها مُدَّخَرَةً مُرْجَأةً إلى يوم القيامة.\nفالله؟ جعل لكل نبيٍ شفاعَةً تحصل له جَزْمًَا بإكرام الله؟ له وإذْنِهِ ومحْضُ تَفَضُّلِهِ سبحانه.\nوالنبي ﷺ لأجل شِدَّةِ رحمته ورأفته بالمؤمنين ومعرفته بما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة أخَّرَ هذه الشفاعة إلى يوم القيامة.\nقال (حَقٌّ) يعني ثابتة (كَمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ) .\nوالشفاعة هذه التي ادَّخرها لهم يُعْنَى بها بأول ما يُعْنَى الشفاعة العامة لأهل الموقف أنْ يُعجِّل الله؟ لهم الحساب فيستريحون من العناء ويعرف كلٌ منزلته.\nهذا معنى<span data-type=\"title\" id=toc-159> قوله (وَالشَّفَاعَةُ الَّتِي ادَّخَرَهَا لَهُمْ حَقٌّ، كَمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ) </span>.\nوفي هذه الجملة مسائل:\n_________\n(١) البخاري (٦٣٠٤) / مسلم (٥١٢) / الترمذي (٣٦٠٢) / ابن ماجه (٤٣٠٧)\n(٢) مسلم (٥١٤)","vol":"1","page":199},{"text":"[المسألة الأولى]:\n- الشفاعة في اللغة: من الشَّفْع وهو الزوج ضد الفرد؛ لأنَّ الدّاعي أو المُتَوَسِّطْ صار زَوْجًَا للسائل بعد أن كان السائل فرْدًَا، فَسُمِّيَ شَفِيعًَا؛ يعني سُمِّيَ شَفِيعًَا لأنه شفع؛ يعني صار زوجًا له؛ يعني صار ثانيا معه.\nوحقيقة الشفاعة في اللغة هي السؤال، سؤال الشافع للمشفوع له في حاجةٍ ما وطلب ذلك.\nفَرَجَعَتْ في اللغة إلى معنى السؤال والدعاء، فمن قال لأحد اشفع لي عند فلان؛ يعني اسأل لي واطلب لي، توسط لي ونحو ذلك.\n- وأما في الاصطلاح: فالشفاعة اسم عام لكل دعاء للنبي ﷺ (١) يوم القيامة لأمته، فكل دعوى يدعو بها ﷺ في العرصات يوم القيامة فإنها تعدُّ من الشفاعة.\nيعني أنه إذا جاء في الحديث: فسألت الله لأمتي كذا، أو أسأل الله لأمتي، أو فأدعو الله لأمتي، هذه كلها شفاعة.\nولهذا أهل العلم جعلوا -لأجل ما جاء في الأحاديث- الشفاعة عدة أقسام لتنوع العبارات في ذلك.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الخامس عشر.","vol":"1","page":200},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ الشفاعة في أحكامها قسمان:\n- شفاعة في الدنيا.\n- وشفاعة في الآخرة.\nوالذي أراده الطحاوي هنا الشفاعة في الآخرة لأنه عبَّر بقوله (الَّتِي ادَّخَرَهَا لَهُمْ حَقٌّ) .\nولكن لما كان ثَمَّ من يخالف في أحكام الشفاعة في الدنيا والآخرة وفي تأصيلها وفي العقيدة الصحيحة فيها يذكر العلماء هنا ما يتّصل بالشفاعة في الآخرة وأيضا الشفاعة في الدنيا، ويبيِّنون أحكام ذلك بالنسبة للنبي ﷺ ولعموم المكلّفين.","vol":"1","page":201},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالشفاعة في الآخرة اختلف فيها الناس إلى أقوال متعددة:\n- فَثَمَّ شفاعة مُجْمَعْ عليها، وهي شفاعته ﷺ لأهل الموقف كما سيأتي.\n- وهناك شفاعة أنكرها المعتزلة والخوارج وطوائف وهي الشفاعة لأهل الكبائر من الأمة في أن يعفو الله؟ عنهم وأن يخرجهم من النار.\n-وهناك أنواع من الشفاعة يختلف فيها نَظَرُ العلماء من أهل السنة ومن غيرهم لأجل ورود الدّليل عليها.\n* وهذه الثالثة لا تُعَدُّ من الخلاف في العقيدة؛ لأنّه قد يُثْبِتُ الشفاعة من رَأَى صحة حديث وقد ينفيها آخر لعدم ثبوت الدليل عنده بذلك، فهي إذًا مأخذ اجتهاد.","vol":"1","page":202},{"text":"[المسألة الرّابعة]:\nأنَّ الشفاعة التي للنبي ﷺ بما جاء في الأخبار يوم القيامة أنواع:\n١- أولًا: الشفاعة العظمى:\nوهي شفاعته ﷺ لأهل الموقف أن يُحَاسَبُوا، فإنَّ الناس يوم القيامة يمكثون زمانًا طويلًا في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة، ينتظرون الفرج وهم في شدة كرب وشدة حر وخوف وهلع، ينتظرون الحساب، وينتظرون تبيين المنازل، فيأتون إلى الأنبياء، يأتون إلى آدم يستغيثون به يطلبونه أن يشفع لهم، قال «فيأتون إلى آدم فيقولون له أنت أبونا ألا ترى ما نحن فيه اشفع لنا» فيعتذر عن ذلك متذكرًا ذنبه ﵇، ثم يأتون إلى نوح فيسألونه، ثم يأتون إلى إبراهيم ثم يأتون إلى موسى ثم يأتون إلى عيسى عَلَيْهِم جميعا السَّلاَمُ، كل أولئك يعتذرون وبعضهم يذكر سؤالًا له وبعضهم يذكر ذنبًا له، كما جاء في الحديث الطويل المعروف حديث الشفاعة (١) .\nثم يأتون إلى النبي ﷺ فيقول ﷺ «أنا لها، أنا لها»، فيذهب فيخر تحت العرش بعد نزول الجبار أ)، قال ﷺ «فأحمد الله بمحامد يفتحها عليّ لا أحسنها الآن» فيقال: «يا محمد ارفع رأسك وسل تُعطَ واشفع تشفع» الحديث.\nوهذا فيه من جهة السياق ما يدل على أنَّ المراد من هذا السؤال أن يشفع لهم ﷺ في تحقيق ما طلبوا، وإن لم يرد له ذِكْرٌ في الحديث، في تحقيق ما طلبوا وهو أن يحاسبوا وأن يرتاحوا من الموقف.\nفهذه هي الشفاعة العظمى جاءت فيها عدة أحاديث، وعليها التفسير في قوله؟ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وكما جاء في دعاء المجيب للأذان (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم مقاما محمودا الذي وعدّته) .\n(المقام المحمود) هو المقام الذي تحمده عليه الخلائق جميعا، ويُثْنِي عليه به ﷺ جميع الخلائق الذين وقفوا في الحساب، وهو مقام الشفاعة العظمى؛ لأنه بدعائه ﷺ وشفاعته يرتاح الناس من ذلك الموقف العظيم الذي لا يُتَصوَّرْ ولا يَعرف هوله إلا من قام فيه، أعاننا الله؟ على كرباته وأمننا وإياكم من الفزع الأكبر.\n٢- ثانيًا: شفاعته ﷺ في أهل الكبائر:\nوهذه قد جاء بها الدليل الخاص في قوله ﷺ «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٢) .\nوقد سأل أبو هريرة ﵁ نبينا ﷺ فقال له (يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟) فقال ﷺ «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه» (٣) خَرَّجَاه في الصحيحين، فقوله «أسعد الناس بشفاعتي» يعني سعيد الناس بشفاعتي، فـ «أسعد» أَفْعَل على غير بابها بمعنى (فَعِيل)، يعني سعيد الناس بشفاعتي كما قال سبحانه ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤]، ليس معناه أنهم أحسن مقيلًا من أهل النار، فيشترك أهل النار معهم في حُسْنِ مقيل، بل معنى قوله ﴿أَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ يعني حَسَنٌ مقيلهم.\nفأفعل ليس على بابها في المفاضلة؛ ولكنها بمعنى المصدر يعني حَسَنٌ مقيلهم، سعيد الناس بشفاعتي ونحو ذلك.\nوهذه الشفاعة لأهل الكبائر لها نوعان؛ يعني لعموم اللفظ «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» نوعان:\nأ - النوع الأول: قومٍ أَهْلُ كبائر رَجحت سيئاتهم على حسناتهم، فأُمِرَ بهم إلى النار فيَشفع فيهم ﷺ في أن لا يدخلوا النار، فيُشفَّع فيهم ﷺ.\nب - النوع الثاني: في أقوامٍ دخلوا النار فيشفع فيهم ﷺ أن يخرجوا منها، فيخرجون منها كأنهم الحِمَمْ فيوضعون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحِبَّة في جانب السيل.\n٣ - ثالثًا: شفاعته ﷺ في أن يدخل أقوام الجنة بغير حساب ولا عذاب:\nوهذه يُستدلّ لها بقول عُكَّاشة في حديثه (يا رسول الله أدعوا الله أن يجعلني منهم) قال (أنت منهم) (٤) .\n٤ - رابعًا: شفاعته ﷺ في رفع درجات بعض أهل الجنة:\nوهذه يذكرها أهل العلم، ولم يورِدُوا عليها دليلًا بيِّنا، وهي شفاعة متفق عليها حتى عند أهل البدع.\nفيُسْتَدَلُّ لها:\n@ بالإتفاق.\n@ بما استدل به ابن القيم ﵀ في شرحه على تهذيب سنن أبي داوود حيث قال (ويستدل لها بقوله ﷺ لما صلى على أبي سلمة «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين» (٥) . فقوله «وارفع درجته» دعاء في الدنيا له وهذا معنى الشفاعة) .\n_________\n(١) البخاري (٣٣٤٠) مسلم (٥٠١) / الترمذي (٢٤٣٤) / ابن ماجه (٤٣١٢)\n(٢) أبو داود (٤٧٣٩) / الترمذي (٢٤٣٥)\n(٣) البخاري (٩٩)\n(٤) البخاري (٥٧٥٢) / مسلم (٥٤٩) / الترمذي (٢٤٤٦)\n(٥) مسلم (٢١٦٩) / أبو داود (٣١١٨)","vol":"1","page":203},{"text":"٥- خامسًا شفاعته ﷺ في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم وصاروا على الأعراف، في أن يعفوا الله؟ عنهم ويُدخلهم الجنة:\nفهؤلاء يدخلون في عموم قوله؟ ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف:٤٦]، على أحد أوجه التفسير من أنَّ أصحاب الأعراف هم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيُجعلون على رأس جبل بين الجنة والنار لأجل التساوي، إذا نظروا يمنة إلى الجنة سُرُّوا، وإذا نظروا شمالا إلى النار خافوا، فَيُشَفَّعْ فيهم ﷺ إكرامًا له في أن يجعلهم الله؟ من أهل الجنة.\n٦ - سادسًا شفاعته ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة:\nفإنَّ الناس إذا جاوزوا الصراط يُحبسون في عرصات الجنة مدة، ثم يأتي ﷺ فيقرع باب الجنة فيُفتح له، ويسأل الله؟ قبل ذلك أن يأذن لأهل الجنة بدخولها، فيدخلون برحمة الله؟، ثم بشفاعته ﷺ، وهو ﷺ أول شافع وأول مُشَفَّع؛ يعني من حيث الجنس هو أول شافع وأول مُشَفَّع.\n٧ - سابعًا شفاعته ﷺ لأبي طالب عمِّه في أن يخفف الله؟ عنه العذاب:\nفيُشَفَّع فيه فيكون في ضحضاح من نار نعلاه من نار يغلي منهما دماغه، نعوذ بالله من عذابه.\nهذه سبعة أنواع وبعض أهل العلم يجعلها ثمانية؛ لأجل أنَّ أهل الكبائر -كما ذكرنا لكم- نوعان، فيجعل شفاعته لأهل الكبائر يعدها نوعين من الشفاعة، وهي واحدة لأن الدليل فيها واحد.","vol":"1","page":204},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nالشفاعة يوم القيامة ليست خاصة بالنبي ﷺ ولا بالأنبياء؛ بل تَشفع الملائكة ويَشفع المؤمنون بدرجاتهم: (العلماء والشهداء والصالحون يشفعون)؛ كما ثبت في الصحيح أنَّ الله؟ يقول يوم القيامة «شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين فيأمر الله؟ بأقوام في النار لم يعلموا خيرا قط أن يخرجوا» (١) إلى آخر الحديث؛ يعني أنَّ الشفاعة ليست خاصة بالأنبياء بل الملائكة تشفع كما قال؟ في وصف الملائكة من حملة العرش وغيرهم ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]، وهذا استغفار قبل معاينة المصير والعذاب، وهم أرحم ومُتَوَلِّيْنَ لأهل الإيمان إذا رأوا العذاب ورأوا المصير.\nقال «شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون» فإذًا الشفاعة عامة فكل مؤمن صالح يشفع؛ يشفع في قريبه، يشفع في من شاء.\n_________\n(١) مسلم (٤٧٢)","vol":"1","page":205},{"text":"[المسألة السادسة]:\nالشفاعة لا تنفع عند الله؟ مطلقا كما قال سبحانه ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، فليس كل شافع يُشفَّع وليست كل شفاعة تُقبل بل لا تنفع الشفاعة لا من الأنبياء ولا من الملائكة إلا بوجود شرطين فيها:\n١- الشرط الأول: أي يأذن الله للشافع أن يشفع.\n٢- الشرط الثاني: رضا الرحمن أعن المشفوع له.\nكما قال سبحانه ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، وقال سبحانه ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، يعني فيمن تنفعه الشفاعة.\nلهذا قال العلماء يُشترط لحصول الشفاعة وقبولها:\n١ - إذن الله ﷻ\n٢ - الرضا.\nأ - أولًا: إذن الرحمن ﷻ.\nالمقصود بالإذن: الإذن الشرعي والإذن الكوني.\nفإنَّ العبد لا يبتدئ بالشفاعة كونًَا إلا بعد أن يشاء الله؟ أن تقع منه الشفاعة كونًَا؛ يعني في الدنيا وفي الآخرة.\nوكذلك لا بد لتحقيق هذا الشرط من الإذن الشرعي، فإذا شفع في من لم يُؤْذَنْ شرعًا بالشفاعة فيه، فإن الشفاعة لا تُقْبَلْ.\nمثاله شفاعة إبراهيم في أبيه قال ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] فلم تنفعه، وقال سبحانه في حقه ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة:١١٤]، فلما تبين له أنه عدوٌّ لله تبرأ منه.\nكذلك شفع نوح ﵇ في ابنه ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] فأجابه الرحمن؟ فـ ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود:٤٦] .\nوكذلك شَفَعَ النبي ﷺ في عمِّه وقال «لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عن ذلك» (١)، فنزل قول الله؟ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] .\nفإذًا: ولو وقعت الشفاعة بإذن الله الكوني فإنها لا تنفع حتى يكون إذن الله الشرعي؛ يعني حتى تكون الشفاعة موافِقَةً للشرع.\nموافِقَةً للشرع يعني الإذن الشرعي في صفتها وفي المشفوع له وفيما يكون في ذلك، وهذا الشرط مهم فيما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nب - ثانيًا الرضا:\nكما قال سبحانه ﴿وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، وقال؟ في سورة الأنبياء في ذكر الملائكة ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]، هذا الرضا هو:\n- رضا الله؟ عن الشافع....\n- رضا الله؟ عن المشفوع له.\n@ فرضا الله عن الشافع في قوله ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] .\n@ ورضا الله عن المشفوع له في قوله ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى﴾، وآية النجم في قوله ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] كذلك.\nإذًا فالرضا شرط:\n١ - رضاه سبحانه عن الشافع، ولذلك الكافر لا يشفع....\n٢ - رضا الله؟ عن المشفوع له.\n* ويرد على هذا شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب، فهي مستثناة من هذا الشرط لأجل أنَّ الله؟ رضي نصرته للنبي ﷺ، فحصل من أبي طالب مِنَ الفعل ما فيه نوع رضا لله؟ عن الفعل لا عن الفاعل.\nفإذًا هو إيراد على الشرط، والجواب أنَّ هذا استثناء وسبب الاستثناء ما ذُكِر.\n_________\n(١) البخاري (٣٨٨٤) / مسلم (١٤١) / النسائي (٢٠٣٥)","vol":"1","page":206},{"text":"[المسألة السابعة]:\nأنَّ الشفاعة من المباحث العظيمة التي ضلَّ فيها فئام من الناس.\nفضلت النصارى فيها، وضل مشركو العرب فيها، وضلّ مشابهو مشركي العرب من الذين يغلون في الأولياء والأنبياء والقبور فضلوا فيها، والجميع لسانهم قول المشركين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] .\nولهذا الشفاعة كما ذكرت لك لها جهتان في بحثها:\n١ - جهة تتعلق بالعقيدة والآخرة؛ وهي ما قدمنا ملخصًا ومختصرًا في يوم القيامة.\n٢ - جهة تتعلق بما يتصل بتوحيد العبادة وطلب الشفاعة من الأموات.\nوتحقيقا لذلك المقام فنقول: إنّ طلب الشّفاعة من الإنسان أو من المخلوق هذه منقسمة إلى قسمين:\n&amp; الأولى شفاعة أَذِنَ بها الشرع.\n&amp; الثانية: شفاعة نهى عنها الشّرع.\n؟@ أما التي أذن بها الشرع فهي طلب الشفاعة ممن يملكها ويستطيع أداءَها وهو الحيّ الحاضر الذي يسمع، ولهذا سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلمأن يشفع لهم في حياته ﷺ لأنه حي حاضر يسمع.\nوقد ثبت في الصحيح أن عمر ﵁ لما جاءت المجاعة وأصاب الناس الكرب في عام الرَّمادة أنه قال لما استسقى بالناس (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا استسقينا بنبيك، وإنا الآن نستسقي بعم نبيك اللهم فأسقنا، يا عباس قم فأدعُ ربَّك) (١) .\nفدل هذا على أنهم كانوا يطلبون الشفاعة من النّبي ﷺ.\nوطلب الشفاعة منه في حياته بمعنى طلب أن يدعو لهم ربّه أ، والنبي ﷺ دعواته الأصل فيها أنها مجابة، وقد يُرَدُّ بعضها لحكمة الله؟.\n@ وأما التي نهى عنها الشرع فهو طلب الشفاعة من المخلوق الذي ليس بحي -ميت- أو هو غائب فإنه شرك بالله ﷻ.\nلماذا؟\nلأنه طلب؛ لأنَّ حقيقة الشفاعة دعاء وطلب، فإذا سأل غيره الشفاعة، فهو سأل وطلب من المسؤول أن يسأل.\nفإذًا حقيقة طلب الشفاعة أنها دعاء، ولذلك من طلب من الميت أن يدعو له، فإنه يدخل في عموم نصوص الدّعاء؛ لأنّ الطّلب دعاء.\nولهذا نقول: كل طلبِ شفاعة من الأموات أو الغائبين ممن لا يملكها أو لا يستطيعها أو لم يُؤذن له فيها شرعا في حياة البرزخ فإنّ هذه من الشرك بالله ﷻ.\nلكنّ الشُّبْهَة في الشفاعة كبيرة وتحتاج إلى إقامة الحجة على المخالف أكثر من غيرها من مسائل العقيدة.\nالمشركون لم يكونوا يطلبون من آلهتهم الدّعاء، لم يكونوا يطلبون من أوثانهم لتشفع ولكن كانوا يتقربون إليها لتشفع.\nفإذًا صورة طلب الشفاعة من الميّت محدثة.\nولهذا يُعَبِّر كثير من أهل العلم عن طلب الشفاعة من الأموات بأنها بدعة محدثة؛ لأنّها لم تكن فيما قبل الزمان الذي أُحدثت فيه تلك المحدثات في هذه الأمة.\nفإذًا تعبير بعض أهل العلم عنها بأنها بدعة، لا يعني أنها ليست بشرك؛ لأنَّ البِدَعَ منها ما هو كفري شركي ومنها ما هو دون ذلك.\nتفاصيل مسألة الشفاعة من حيث تعلقها بتوحيد الإلهية مبسوط في شرح كتاب التوحيد كما هو معروف، والمقام في شرح العقيدة العامة لا يتسع لتفصيل الكلام على ذلك.\n_________\n(١) ابن خزيمة (١٤٢١) / ابن حبان (٢٨٦١) / المستدرك (٥٤٣٨)","vol":"1","page":207},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nاحتج المعارض والمخالف من المعتزلة والخوارج في أنَّ الشفاعة لأهل الكبائر لا تنفع، الشفاعة لمن في النار لا تنفع، بقول الله؟ ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] .\nووجه الاستدلال عندهم من الآية أنَّهُ قال ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ بالجمع، والذين يشفعون يوم القيامة هم الذين أذن الله لهم بالشفاعة وهم الأنبياء والمؤمنون، قالوا: فدلت الآية على أنَّ من في النار لا تنفعه الشفاعة -شفاعة الشافعين-، لأجل عموم لفظ الشافعين فهو عام في كل من يشفع.\nوالجواب عن ذلك:\n١- أولًا:\nأنَّ هذه الآية جاءت في سياق ذكر الكفار وأنهم في النار، فقال؟ ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٢-٤٨]، فقوله ﴿فَمَا﴾ الفاء هنا ترتيبية تُرَتِّبُ النتيجة التي بعدها على الوصف الذي قبلها، والوصف الذي قبلها في الكافرين الذين وصفهم بقوله ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ ووصفهم بقوله ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ وهؤلاء هم الكفار.\nوالمسألة التي هي الشفاعة لأهل الكبائر هي في مَنْ كان مسلمًا، أما المكذّب بيوم الدين والذي لم يصحَّ إسلامُه فإنه ليس هو محل البحث.\nفإذًا استدلالهم بالآية في غير محله؛ لأنَّ الآية يقول بها من يثبت الشفاعة لأهل الكبائر في أنَّ المشركين ولو شفع بعضهم لبعض وظنوا أنَّ آلهتهم تشفع فما تنفعهم شفاعة الشافعين؛ لأنهم مشركون كفرة، والكافر لم يرضَ الله؟ عنه، ومن شرط الشفاعة الرضا.\nفلو شفع على فرض أنَّ أحدًا شفع لهم من أقربائهم فإنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، والله سبحانه إنما تنفع الشفاعة عنده لمن يأذن الله؟ له ولمن يرضى.\n٢ - ثانيًا:\nأنَّ قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح بمجموع طرقه «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» هذه نص وليست بالظاهر؛ يعني لا يحتمل التأويل، وكذلك قوله «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ومن نفسه» (١) هذا فيه ظهور في الدلالة؛ لأنها تعم من قال لا إله إلا الله مخلصًا وصاحب الكبيرة قالها، وقد قال ﷺ «أسعد الناس بشفاعتي من قال» يعني الذي قال ومن المقرر أنَّ الاسم الموصول في العربية وعند الأصوليين يعم ما كان في حيِّزِ صلته بظهورٍ في العموم.\nولهذا نقول: إنَّ من مَنَعَ الشفاعة لأهل الكبائر من المعتزلة والخوارج هذا لأجل مذهبهم الرّديء في أنَّ فِعْلَ الكبيرة كُفْرْ وأنه يوم القيامة يكون من أهل النار والعياذ بالله، وهذا باطل كما هو مقرّر في موضعه من مباحث الأسماء والأحكام في الإيمان.\n_________\n(١) سبق ذكره مع ما قبله (٢٠٣)","vol":"1","page":208},{"text":"[المسألة التاسعة]:\nأنّ الشارح ابن أبي العز ﵀ في شرحه ذَكَرَ في هذا الموضع مسائل التوسّل بالجاه والتوسّل بالحق -يعني قول القائل: (بحق فلان)، (بحق نبيك)، (بحق عمر) ونحو ذلك، والتوسل بجاه فلان- وبَحَثَهَا بحثًا جيدا مُلَخَصًا من كتاب التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فلابد من الإطلاع على ذلك الكلام، ومراجعة كتاب التوسل والوسيلة؛ لأنَّ لفظ التوسل يشتبه بالشفاعة، فبعضهم يجعل (أتوسّل إليك) بمعنى الشفاعة، فيكون توسلًا متضمنًا الشفاعة أو متضمنًا التّشفع أو طلب التشفع.\nولهذا في قول القائل: أسألك بحق فلان، هذا فيه تفصيل ويُرْجَعْ فيه إلى شرح الطحاوية وإلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لا يناسب المتن؛ يعني لفظ الشفاعة التي ذكرها الطّحاوي ﵀، فهي فائدة استطرادية.","vol":"1","page":209},{"text":"[المسألة العاشرة]: (١)\nالأسباب التي بها يُحَصِّل المرء المسلم شفاعة نبيه ﷺ جاءت بها الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ.\nونذكر منها سببين:\n١- السبب الأول:\nوهو أعظم الأسباب وأرجاها وهو التوحيد وإخلاص الدين والعمل لله ﷻ وإسلام الوجه لله ﷿.\nوهذا قد دلَّ عليه ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال (يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال ﷺ له «لقد علمت أن لن يسألني أحد عن هذا قبلك أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه» (٢)، ومثله قوله ﷺ «لكل نبي دعوة مجابة وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي مدركة منهم من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ونفسه» (٣) أو كما قال ﷺ.\n٢- السبب الثاني:\nمتابعة المؤذن فيما يقول كما دل عليه الحديث الذي رواه البخاري وغيره أنه ﷺ قال «من سمع النداء فقال مثل ما يقول المؤذن، ثم قال اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة» (٤) .\nفمن أسباب نيل شفاعته ﷺ متابعة المؤذن بإخلاص وصدق؛ لأنّ ذلك دالٌّ على التوحيد وعلى الاستسلام لله؟ في شرعه وأمره، فيقول مثل ما يقول المؤذن، ثم إذا ختم لا إله إلا الله قال مثل ما يقول ثم يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته.\nوهنا فيه زيادات مروية في بعض الروايات في دعاء مجيب المؤذن منها:\nآتِ محمدا الوسيلة والفضيلة (والدرجة العالية الرفيعة)، وهذه الزيادة ضعيفة.\nوكذلك زيادة أخرى: وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته (إنك لا تخلف الميعاد) . وهذه رواها البخاري في صحيحه في رواية الكُشْمَيْهَنِي وهي عند المحققين شاذة لا تصحّ عن البخاري لمخالفة الكُشْمَيْهَنِي لجميع رواة الصحيح.\nوثَمَّ أسباب أخرى تجمعونها إن شاء الله تعالى فإنها من نفيس العلم جعلني الله وإياكم ممن ينال هذا الحظ العظيم وهو شفاعته ﷺ.\nلعلّ في هذا القدر كفاية.\n_________\n(١) هذه المسألة نسي الشيخ ذكرها في هذا الموضع ثم نَبَّهَ عليها في الشريط الـ ١٦\n(٢) سبق ذكره (٢٠٣)\n(٣) سبق ذكره (١٩٩)\n(٤) البخاري (٦١٤) / أبو داود (٥٢٩) / الترمذي (٢١١) / النسائي (٦٨٠)","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>الأسئلة:</span>\nس١/ يقول الحديث الوارد في شرح ابن أبي العز للطحاوية في موضوع الشفاعة فيه خلط بين أنواع الشفاعة، ثم لو أراد شخص الاستزادة هل يرجع إلى هذه الكتب؟\nج/ الحمد لله مسألة الشفاعة ليست من المسائل الغامضة أو العزيزة، هي موجودة في كل كتب العقيدة؛ لكن من حيث الحديث الذي ورد حديث الشفاعة الطويل كلام ابن أبي العز عليه حسن فيُرْجَعْ إليه.\nس٢/ ما حكم قول من قال لمن ذهب إلى الغزو: إن استشهدت فاجعلني من السبعين الذين تشفع لهم. وهل إذا قُتل يكون شهيدا؟\nج/ الله المستعان، كما جاء في البخاري أنَّ عمر ﵁ لمَّا كَثُرَ قول الناس في ذلك، لما رجعوا من معاركهم يقول (تقولون فلان شهيد وفلان شهيد، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله، والله أعلم بمن يُستشهد في سبيله) (١) .\nفالمسألة عسيرة ولذلك لا يقال لأحد إنه شهيد، الشهيد فلان، هذا جزم لأنّ الشهداء معلومة منزلتهم في الأحاديث، فلا يجوز أن يقال فلان شهيد لأنه حكم له من أنه من أهل الجنة وهذا موقوف على معرفة النية والخاتمة.\nوقد ذُكِرَ رجل بأنه استشهد فقال ﷺ في حقه «لا هو في النار» (٢) فلما رأوا إذا هو قد غلَّ شَمْلَةْ، نسأل الله العافية.\nوما أحسن قول أنس بن مالك ﵁ وأرضاه لما رأى الناس وما توسعوا فيه قال (إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نَعُدُّها على زمن رسول الله ﷺ من الموبقات) (٣) .\nوالناس لا يتوسعون في الألفاظ خاصة العالم، طالب العلم ما يتلاعب بالألفاظ الشرعية بالمدح؛ لأنه بالتلاعب بالألفاظ تذهب معالم الدين وتذهب حراسته، فلابد لطالب العلم أن يكون حريصًا على ألفاظه حتى يسلم أولًا وحتى لا ينشر شرًا بالألفاظ، ولهذا صار من علامات يوم القيامة أو مما يكون قرب الساعة أن يُقَالَ فلان أمين فلان فيه كذا فيه كذا من أنواع المدح، كما جاء في الحديث «فلان أمين ما أجلده ما أظرفه وليس في قلبه من الإيمان حبة خرذل» (٤) .\nفالثناء يكون بما فيه إذا أراد المرء أن يُثني على أحد يكون بما فيه وبما لا يتضمن محظورًا شرعيًا؛ لأنّ الثناء على المرء بما فيه يشجّع ويحثّ المرء به الآخرين على الخير وينتشر الخير، ولكن لا يكون في وجهه حتى لا يكون مدحا إلا لمصلحة شرعية.\nولهذا ينبغي على طلاّب العلم ألا يتوسّعوا في الألفاظ الخادشة بالشرع أو التي ليس لها أصل في الشرع أو التي فيها مؤاخذة في الاعتقاد كلفظ الشهيد، الشهيد فلان، الشهيد فلان، والله المستعان.\nس٣/ هل يشفع الغريق والمحروق بسبعين من أهل بيته؟\nج/ لا أعلم.\nس٤/ ذكر بعض أهل العلم أنَّ من أنواع الشفاعة: الشفاعة بأقوام استحقوا النار بأن لا يدخلوها، فما الدليل على هذا النوع من أنواع الشفاعة؟\nج/ الدليل «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، بعض أهل العلم قال وهذا النوع لا دليل عليه؛ لكن هذا ليس بصحيح، لأن قوله ﷺ «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» هذا يعم نوعي أهل الكبائر فيمن استحق النار وفيمن دخل النار، ولذلك جعلتهم لك في التقسيم في نوع واحد، في جعلتها لك في أحد (٥) أنواع الشفاعة لأجل أن الدليل واحد في النوعين معا.\nس٥/ ما توجيه قول الرسول ﷺ في الحديث «أسألك بحق السائلين عليك» (٦)؟\nج/ هذا ذكره الشارح والبحث فيه معروف، وخلاصة الكلام أنَّ دعاء الخارج إلى المسجد في قوله أسألك بحق السائلين عليك في الحديث المعروف الذي رواه ابن ماجه وغيره بإسناد ضعيف وحسَّنَهُ بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر وغيره، معنى «أسألك بحق السائلين عليك» يعني أسألك بصفة الإجابة أسألك بصفة إجابتك للسائل؛ لأن حق السائل على الله؟ أن يجيبه أو أن يثيبه، كما قال سبحانه ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] .\n﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الدعاء:\n- منه دعاء مسألة.\n- ومنه دعاء عبادة.\n﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ في دعاء المسألة بإعطائكم السؤال.\nو﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ في دعاء العبادة بالإثابة.\nولهذا قول القائل: «أسألك بحق السائلين عليك» حق السائلين صفة الله؟ وهي إثابتهم أو إجابتهم.\nفإذًا هو سأل بصفة من الصفات، والسؤال بالصفة جائز.\nس٦/ ما رأيك في من يقول إن شروط طلب الشفاعة أن يكون حاضرًا حيًّا قادرًا، وأنها تتوفر في الجن، وكيف نرد على ذلك؟\nج/ هذا ربما أنه من أصحاب الجن؛ لأنه إذا كان عَلِمْ أنه حاضر وحي، كيف علم أنه قادر؟\nثم كيف علم أنَّهُ مسلم؟ لأنَّ الجن عند أهل العلم خبرهم ضعيف وشهادتهم غير مقبولة.\n_________\n(١) النسائي (٣٣٤٩) / المسند (٢٨٥) / المستدرك (٢٥٢١)\n(٢) البخاري (٢٨٩٨) مسلم (٣٢٠)\n(٣) البخاري (٦٤٩٢) / المسند (١٢٦٢٥)\n(٤) البخاري (٦٤٩٧) / مسلم (٣٨٤) / الترمذي (٢١٧٩) / ابن ماجه (٤٠٥٣)\n(٥) وهو النوع الثاني من الشفاعة في المسألة الرابعة.\n(٦) ابن ماجه (٧٧٨)","vol":"1","page":211},{"text":"ولهذا الأحاديث التي يرويها أهل العلم وفي إسنادها جني عندهم ضعيفة كما هو معروف في مصطلح الحديث.\nكذلك قَبول الخبر -فضلًا عن الشفاعة- متوقّف على معرفة العدالة، والجني إنما يُسْمَعُ صوته عند من سمع صوته ولا يعرف عدالته، وقول القائل أنا مسلم وأنا أشهد، يعني لو قال الجني خاطبه بهذا الكلام، فإنه لا يعني أنه صادق في ذلك؛ لأنه تراه في الإنس يقول كذا وهو كاذب، فإذا كان شيطانًا فإنه قد يكذب في ذلك.\nلهذا نقول: قبول قول الجني في هذه الأشياء متوقّف على القول بعدالته، والعدالة مبنية على الرؤية والمشاهدة، وهذه غير حاصلة، فلذلك لا يؤخذ بقول الجن ولا بشهادتهم، نعم قد يكون خبرهم خبرًا من الأخبار التي يُتَثَبَتْ منها كما يقال، يعني قيل لا يعتمد ولا يؤخذ به.\nهذا في مسألة قبول الخبر. فكيف بأن تُطْلَبْ منه الشفاعة؟\nفإذا كان طلب الشفاعة من الإنسان فيها ما فيها، فكيف تطلب من جني لا يُرى ولا يُعرف حاله، لا شك أن هذا من وسائل الشرك ومن ذرائع التعلق بالجن والغائبين.\nنسأل الله؟ أن يعيذني وإياكم من مضلات الفتن، ومما يقرب إلى مساخطه، وأن يوفقنا إلى ما فيه رضاه، وأن يشرح صدورنا لطاعته، وأن يُعلي مقامنا في الجنة إنّه جواد كريم.\nكما أسأل المولى ﷻ أن لا يحرمنا شفاعة نبيه ﷺ، وأن يجعلنا ممن حظي بها ومُنَّ عليه بها.\nاللهم فاغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا واجعلنا من الصّالحين وثبت أقدامنا إنك على كل شيء قدير.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد. (١)\n_________\n(١) انتهى الشريط الخامس عشر.","vol":"1","page":212},{"text":": [[الشريط السادس عشر]]:\n\nالحمد لله رب العالمين وولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليما كثيرا.\nنجيب على بعض الأسئلة فيما يجتمع الإخوة.\nالأسئلة:\nس١/ هل يجوز لعن من فيه نَصٌّ بدخول النار كقاتل الزبير بن العوام ﵁، هذا إن صَحَّ حديث «بشّر قاتل ابن صفية بالنار» (١)، إلى آخره؟\nج/ هذه المسألة مبنية على حكم اللعن، وهل يجوز للمسلم أن يلعن أم لا؟\nواللعن:\n- إما أن يكون لمسلم، يعني أن يلعن مسلمٌ مُسْلِمًَا.\n- وإما أن يلعن المسلم كافِرًَا.\nفهاتان مسألتان.\nولعْن المسلم اختلف فيه أهل العلم؛ هل يجوز لعْن المسلم الذي ارتكب شيئا يستحق به اللعن أم لا؟ على أقوال.\nوالصحيح منها أنّ اللعن يجوز أن يتوجه للجنس لا للمُعَيَّنِ من المسلمين، فلا يجوز أن يَلعَنَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا معيّنا، ولو كان قد فعل كبيرة أو كان فَعَلَ أو كان كاذبًا أو كان ظالمًا ونحو ذلك، فلا يجوز أن يُلعَنَ المسلم، واستدلّوا على ذلك بقول الصحابة لرجل كان يشرب الخمر وجُلِدَ مرة ومرتين، ثم لما أوتي به بعد ذلك قال أحدهم (لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به) فقال ﷺ «لا تقولوا هذا فإنه يحب الله ورسوله» (٢) فدل هذا على أنَّ المسلم المعين الذي يشرب الخمر لا يُلعن مع أنَّ النبي ﷺ لعن الجنس فَلَعَنَ في الخمر عشرة؛ لعن شاربها وساقيها إلى آخره، فدلَّ على التفريق ما بين الجنس وما بين المعين، وهذا من مثل الآيات التي في هذا الباب ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٨-٧٩]، فالذي لا يتناهى عن المنكر من المسلمين لا يُلعن بعينيه وإنما قد يُلعن بوصفه، وكذلك أشباه هذه لعنة الظالم ولعنة الكاذب إلى آخره.\nفإذًا هذا النوع وهو لعن مسلم مسلمًا فإنه لا يجوز لعن المعين؛ لكن قد يُلعن الصفة، يُلعن الجنس كما لَعن الله؟ ولعن رسوله ﷺ.\nومن ذلك لعن الكاسيات العاريات وقول النبي ﷺ في حقهن «أينما لقيتموهن فالعنوهن فإنهن ملعونات» (٣)، هذا لعنٌ للجنس، والقاعدة منطبقة عليه لأنَّ المرء لا يجوز أن يلعن مُعَيَّنَة مسلمة لكونها كاسية عارية، فقوله «أينما لقيتموهن فالعنوهن» يعني لعن الجنس لا لعن المعينة، مثل لعن شارب الخمر ولعن المرابي وأشباه ذلك.\nأما المسألة الثانية وهي لعن مُسْلِمٍ كافرًا فالعلماء اختلفوا فيها على قولين:\n١- القول الأول: جواز أن يُلعن الكافر المعين؛ لأنَّ الكافر المعين ليس له حق وعِرضه غير مصان؛ ولأنَّ معنى اللعن طلب الطرد والإبعاد من رحمة الله وهو متحقق في الكافر، فجاز عند هؤلاء أن يَلْعَنُ المسلم الكافر المعين كما يلعن جنس الكفرة، واستدلوا لذلك أيضا بأنَّ النبي ﷺ لَعَنَ أقواما بعينهم من كفار قريش. (٤)\n_________\n(١) المسند (٦٨١) / المستدرك (٥٥٨٠)\n(٢) البخاري (٦٧٨٠)\n(٣) المسند (٧٠٨٣) / ابن حبان (٥٧٥٣) / المستدرك (٨٣٤٦)\n(٤) لما رواه البخاري (٢٤٠) وغيرخ من حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ا (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّى عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَيُّكُمْ يَجِىءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِى فُلاَنٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِىُّ - ﷺ - وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ، لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِى مَنْعَةٌ. قَالَ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» . ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ - قَالَ وَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِى ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ - ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِى جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِى مُعَيْطٍ» . وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْهُ قَالَ فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَرْعَى فِى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ)","vol":"1","page":213},{"text":"٢- القول الثاني: وهو الصحيح أنَّ الكافر أيضا لا يُلْعَنْ بعينه؛ لأن النبي ﷺ لما لعن أقواما نزل قول الله؟ في حقهم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]؛ ولأنه ﷺ كان لا يلعن؛ ولأنَّ اللَّعَّانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة، يعني من جرى اللعن على ألسنتهم.\nوكذلك يدل عليه أيضا -يعني على امتناع لعن الكافر المعين- أنَّ السنة لم تأتِ به، فإنَّ النبي ﷺ لم يلعن كافرا بعينه إلا هؤلاء ونزل فيهم قول الله؟ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، لهذا قال طائفة من العلماء: إنّ لعن الكافر المعين منسوخ بهذه الآية.\nويلحق ببحث لعن الكافر لعن الشيطان أو لعن إبليس، وهذا أيضا اختلف فيه أهل العلم على قولين:\n١- القول الأول: منهم من أجاز لعنه بعينه لقول الله؟ ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء:١١٧-١١٨]، وما جاء في الآيات في لعن إبليس وطرده عن رحمة الله؟.\n٢- القول الثاني: أنه لا يُلْعَنْ إبليس ولا الشيطان لما صَحَّ في الحديث أنَّ النبي ﷺ نهى عن لعن الشيطان أو عن لعن إبليس وقال «لا تلعنوه فإنه يتعاظم» (١) رواه تمَّام في فوائده وغيره بإسناد جيد، قالوا: فهذا يدل على النهي عن اللّعن، وهذا متّجه في أنَّ اللعن عمومًا في القاعدة الشرعية أنَّ المسلم لا يلعن؛ لأنّ اللعن منهي عنه المؤمن بعامة، ومن أعظم ما يكون أثرًا للعن أنَّ اللَّعان لا يكون شفيعًا ولا شهيدًا يوم القيامة.\nوالمسألة فيها أيضًا مزيد بحث فيما جرى من لعن يزيد، ولعن بعض المعينين؛ ولكن الإمام أحمد لما سئل عن حال يزيد قال: أليس هو الذي فعل بأهل المدينة يوم الحرة ما فعل، أليس هو كذا؟\nفقال له: لم لا تلعنه؟\nفقال: وهل رأيت أباك يلعن أحدًا.\nوهذا يدل على أنَّ ترك اللعن من صفات الأتقياء، وأنَّ اللَّعن من صفات من دونهم إذا كان في حقّ من يجوز لعنه عند بعض العلماء، أما لعن من لا يستحق اللعن فهذا يعود على صاحبه؛ يعني من لَعَنَ من لا يستحق اللعن عادت اللعنة؛ يعني الدعاء بالطرد والإبعاد من رحمة الله على اللاعن والعياذ بالله.\n_________\n(١) المسند (٢٣١٤١) / شعب الإيمان (٥١٨٤)","vol":"1","page":214},{"text":"وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ.\nوَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَلَا يُنْقُصُ مِنْهُ.\n_________\nقال ﵀ (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ) .\n(الْمِيثَاقُ) يُذْكَرُ في بعض كتب العقائد لا في كلِّها؛ بل كثيرٍ منها أو الأكثر لا يذكرون مسألة الميثاق.\nوالميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته متّصل بمسألة القَدَرْ؛ بل هو مبحوث في القَدَرْ، ولذلك لا يستقل بحثُهُ عن مسألة القَدَرْ؛ بل هو مرتبط بالقَدَرْ، وذلك أنَّ الروايات والأحاديث التي فيها أخْذُ الميثاق من آدم وذريتِه فيها أنّه جعل فئة إلى الجنة وفئة إلى النار وأنَّ النبي ﷺ سُئل فيم العمل؟ فقال «اعملوا فكل ميسر لما خُلِقَ له» (١) ونحو ذلك.\nفالأحاديث الصحيحة التي فيها ذِكْرُ الميثاق متصلة بالقَدَرْ وليس فيها تقرير لمسألة الميثاق في نفسه بكونه أمرًا غيبيًا أو لكونه حجةً على العباد دون مسألة القَدَرْ؛ بل هي المراد بها القَدَرْ.\nولذلك الطحاوي ﵀ جعل مسألة الميثاق مقدمة لبحثه في القدر؛ فقال (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ. وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَلَا يُنْقُصُ مِنْهُ.) فهذا العلم مذكور في أحاديث الميثاق.\nهذا الميثاق من الأمور الغيبية والاعتقاد؛ اعتقاد ذلك موافقٌ أو مُرَتَبٌ على معرفة ما جاءت به السنة.\nوأما القرآن الكريم فليس فيه ذِكْرٌ للميثاق الذي أخذه الله؟ من آدم وذريته، وإنما جاء ذلك في عددٍ من الأحاديث في الصحيحين وفي غيرهما.\nومسألة الميثاق من المسائل التي يتَّفِقُ عليها أرباب الفِرَقْ المختلفة، فلا خلاف في أنّ الميثاق أُخِذْ؛ لكن كيف يُفَسَّر؟\nيختلفون فيه كما سيأتي.\nفإذًا<span data-type=\"title\" id=toc-172> قوله (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ) </span>يعني أنَّهُ ثابِتٌ، وأنَّ هذا جاءت به الأدلة الصحيحة، وأننا نؤمن بذلك، وأنَّ الله ألمَّا أخذ الميثاق جعل الذّرية إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في النار، وأنَّ الرّب أمضت حكمته في استخراج ذرّية آدم من ظهره كأمثال الذَّرْ وجَعْلْ فريق في الجنة وفريق في النار.\nإذا تبين هذا الأصل العظيم فإنَّ هذه المسألة -وهي مسألة الميثاق- مما يَختلف فيها فَهْمُ أهل العلم جدًّا حتى إنك لا تجد فيها قولًا واضحًا واحدًا لأهل السنة والجماعة ولا لغيرهم؛ فما من فرقة إلا ولهم أقوال مختلفة في مسألة الميثاق.\nوكذلك أهل السنة والجماعة اختلفوا جدًا في مسألة الميثاق مع اتفاقهم على حصول الاستخراج من ظهر آدم وأخذ الميثاق عليه.\nإذا تبين هذا الإجمال في هذه المسألة المُشْكِلَة فإنَّ بحثها يكون في مسائل:\n_________\n(١) البخاري (٤٩٤٥) / مسلم (٦٩٠١) / أبو داود (٤٦٩٤) / الترمذي (٢١٣٦) / ابن ماجه (٧٨)","vol":"1","page":215},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالميثاق ذُكِرَ في القرآن بمعنى العهد الشديد المؤكد كما في قوله سبحانه ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٨٤]، وكما في قوله أ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧]، والآيات في ذكر الميثاق متنوّعة كثيرة.\nومعنى الميثاق هو العهد الشّديد المؤكّد ومنه قوله؟ في سورة يوسف ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ﴾؛ يعني عهدا شديدا مؤكّدا من الله؟ تُشهِدُون عليه ربّنا، تشهدون عليه الله ﴿لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف:٦٦] .","vol":"1","page":216},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ الميثاق الذي أُخِذَ من آدم معناه على ما جاء في بعض الأحاديث: أنَّ الله؟ استخرج ذرية آدم من ظهره؛ استخرج صورهم، وأنَّ هذا الاستخراج لأجل ظهور عِلْمِ الله؟ فيهم ولأجْلِ أخْذ العهد عليهم بما يشاؤه الله؟.\nوالأحاديث في هذا متعارضة متنوعة مختلفة، لهذا يُدْخِلُ أهل العلم تارَةً في بحث الميثاق دليل من القرآن على ذلك -وهو ليس بدليل في المسألة- وهو قول الله؟ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢-١٧٤]، فيجعلون هذه الآية لأجل اختلاف الأحاديث وتنوع العبارات فيها يجعلونها من أدلة هذا الميثاق.\nوسيأتي بيان أنَّ هذا ليس بصحيح، وأنّ الميثاق الذي أخذه الله من آدم وذريته لا دليل عليه من القرآن.\nالأحاديث تحتاج إلى عناية وإلى جمع، والاختلاف فيها كما ذكرنا والاضطراب والشذوذ كثير، فلعله أن يُجمَعْ ما صَحَّ من ذلك في الصحيحين ويُطَّرح الضعيف أو المضطرب أو المختلف، مع أنَّ كثيرًا من العلماء دخل عليهم بعض تلك الألفاظ في بعض ولذلك اضطربت أقوالهم في المسألة.\nهذا ذكر سبب الاضطراب في هذه المسألة العظيمة.\nفإذًا الميثاق أمرٌ غيبي، والأخذ من آدم وذريته على ما جاء في الأحاديث حق وصواب، وأنّ هذا الميثاق لأجل مسألة القَدَرْ ولأجل العهد عليهم وهذا العهد أمر غيبي وليس متّصلًا بآية الأعراف.\n[المسألة الثالثة]:\nأنَّ آية الأعراف التي ذكرنا وهي قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لا يصح بها الاستدلال على ما أَوْرَدَهُ هنا الطحاوي في قوله (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ) .\nوالطحاوي في كتابه مُشْكِلْ الآثار ذَهَبَ إلى تفسير الآية بالميثاق الذي أخذه ربنا من آدم وذريته، فَجَعَلَ الآية مُفَسَّرَةً بما جاء في السنة من حديث عمر وحديث ابن عباس وحديث عبد الله بن عمرو في أنَّ الميثاق مأخوذٌ من آدم وذريته تفسيرًا لقول الله؟ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فقال إنّ التفسير الصحيح هو ما جاءت به السنة من أنَّ آية الأعراف هذه تُفسَّر بالميثاق وأن قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ لأنَّ آدم هو السبب فَذُكِرَ المُسَبَّبْ وهم بنو آدم ولم يذكر آدم لأنه هو السَّبَبْ كما قال؟ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، ويعني بذلك آدم ﵇ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةْ﴾ [الأعراف:١١]، يعني آدم ﵇.\nولأجل هذا المأخذ من الطحاوي ذكر الشارح ابن أبي العز عندك هذه الآية في أول بحثه على هذه المسألة لأجل أنَّ الطحاوي نفسه ولأنَّ كثيرين جدًا من أهل العلم يوردون الآية دليلًا.\nوهذا الاستدلال من الطحاوي المُصَنِّفْ ومن عدد كثير من أهل العلم فيه نظر على هذه المسألة.\nفالميثاق كما ذكرنا أمرٌ غيبي، وأما الآية فليس فيها ذكر الميثاق بل قال الله؟ فيها ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فهذا الذي في الآية:\n١ - أنَّ الله سبحانه أَخَذَ من بني آدم ولم يأخذ من آدم.\n٢ - وأَخَذَ من الظهور على صفة الجمع ولم يأخذ من الظهر -ظهر آدم-.\n٣ - وأنه أشْهَدَ بعضهم على بعض ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ وهذا ليس موجودًا في مسألة الميثاق.\n٤ - وأنَّ هذا الاشهاد هو متعلق بمسألة الربوبية ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وأنهم أجابوا بـ ﴿بَلَى﴾ .\n* لهذا نقول: إنَّ الآية ليس فيها مسألة الميثاق، وإنما دَلَّهُمْ على أنَّها مسألة الميثاق وجعلوها دليلًا على تلك المسألة ورتَّبوا عليها أشياء لأجل أمور:\n@ الأمر الأول: أن الصيغة متشابهة ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وأنَّهُ جاء في الأدلة في السنة أنَّ الله سبحانه أخرج ذرية آدم من ظهره كهيئة الذَّرْ، فلما جاء هنا ذِكْرُ الظهر والاستخراج فجعلوا هذا تفسيرًا لهذا كما ذكرت لكم من كلام الطحاوي ومن كلام كثيرين من أهل العلم من السلف والخلف.","vol":"1","page":217},{"text":"@ الأمر الثاني: لأجل الربط ما بين الآية وبين مسألة الميثاق أنَّهُ قال ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ والإشهاد معناه الشهادة وهذا يقتضي أن يكون الاستخراج على ما جاء في الأحاديث وأنَّ الله خاطبهم وأنهم ردوا عليه إلى آخره.\n@ الأمر الثالث: هو أنَّهُمْ أجابوه بالقول ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وهذا صريح في القول دون غيره.\n* والجواب: أنَّ هذه الأمور اشتبهت على من استدل بالآية على مسألة الميثاق، والآية ليست دليلًا على مسألة الميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته، وأَنَّ تفسير الآية اخْتُلِفَ فيه على قولين:\n١ - القول الأول:\nهو الذي ذكرنا من أنَّ الله استَخْرَجَ من ظهر آدم ذريته إلى آخره، وجعلوا السنة تفسيرًا لما جاء في الآية والآية دليلًا، فلم يُفَرِّقُوا بين هذا وهذا.\n٢ - والقول الثاني:\nوهو قول جماعات كثيرة من أهل العلم من جميع المذاهب والفِرَقْ والمحققين من أهل العلم أيضًا فقالوا إنَّ الآية تفسيرها هو: أنَّ الله أخذ من بني آدم من ظهورهم يعني:\n﴿أَخَذَ﴾ يعني خَلَقَ وجَعَلَ، فجعلهم يتناسلون، و(أخذ بعضهم من بعض) يعني أنشأ بعضهم من بعض كما قال سبحانه ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٣] .\n(أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) يعني بما خَلَقَ من السبب من إراقة الماء في الأرحام إلى الحمل إلى الولادة.\nفقوله ﴿إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ لمَّا ذَكَرَ الربوبية هنا في الأخذ دلَّ على أنَّ معنى الأخذ هنا الخلق.\nقال ﴿أَخَذَ رَبُّكَ﴾ يعني خَلَقَ ربك.\n(من ظهور بني آدم ذريتهم) هذا سبك الآية ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ .\nفتكون ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل بعض من كل من بني آدم.\n﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ لأنَّ أصلاب الرجال فيها الماء فقال ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ .\nيعني خلق الذرية من الماء الذي في ظهور الآباء.\n(أخذهم) يعني أخَذَ بعضهم من بعض وهذا يُطْلَقْ من هذا وهذا يوجد بسبب هذا.\n﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ (أَشْهَدَهُمْ) هنا الإشهاد في القرآن له معنيان:\n- إشهاد بلسان المقال بأن يَشْهَدَ بقوله (اشهد أنه كذا وكذا قولًا) .\n- والثاني إشهاد بلسان الحال، يعني أنَّ حالته تشهد.\nوالإشهاد هذا بلسان الحال بمعنى ما جاء في قوله تعالى ﴿مَا كَانَ للمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهْ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالكُفْرِ﴾ [التوبة:١٧] فشهودهم على أنفسهم بالكفر هو بلسان حالهم من تألِيهِهِم غير الله وعبادتهم لغير الله، أمَّا هم فلا يقولون عن أنفسهم إنهم كفار؛ بل يقولون نحن الحنفاء.\nوكذلك في قوله؟ ﴿إِنَّ الإْنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات:٦] يعني شاهد بلسان حاله بأفعاله أنه كنود جاحد لنعمة الله؟.\nوهذا أيضًا في مثل قول الله تعالى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:١٣٥]\nهنا ﴿شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني بلسان الحال أو بلسان المقال.\nفدل إذًا على أنَّ الإشهاد في القرآن له هذان المعنيان.\nولهذا لمَّا كان الإشهاد على هذين المعنيين صار تفسير الآية ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ محتمل أن يكون بلسان المقال أو بلسان الحال.\nولمَّا كان أول الآية فيه الأخذ بالخلق صار الإشهاد على الربوبية بلسان الحال لا بلسان المقال.\n﴿أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ يعني بحالهم وما جَعَلَ الله؟ فيهم، في كل الأنفس من دلائل ربوبيته ووحدانيته التي تؤدي وتدل على أنَّهُ سبحانه هو المستحق للعبادة وحده دونما سواه.\n﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ بما جعل في أنفسهم من العبرة والدلالة على أَنَّ الذي خلقهم وفَطَرَهُمْ وأوجدهم وأبْدَعَهُم وبَرَأَهُمْ هو الله؟ كما قال سبحانه ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، وكما قال ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] .\nفإذًا تكون هنا الشهادة ﴿أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ يعني جَعَلَ حالهم وما هم مُرَكَبُونَ عليه دال على الوحدانية وأيضا جعل بعضهم دليلًا على بعض.\n﴿أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ يعني جَعَلَ هذه الذّرية بعضها شاهدًا على بعض بما أودع الله؟ في الناس من دلائل وحدانيته وآثار ربوبيته ومعالم صنعته وبرءه؟.\nلهذا قاله سبحانه هنا ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فذَكَرَ الربوبية التي هي الخلق وما يترتّب عليه.\n﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ يعني أنهم جميعًا جميع هذه الذرية إذا رجعوا لدلائل الوحدانية التي يشهدونها بلسان الحال فإنهم مقرون بالربوبية.\nوهذا هو الذي ذَكَرَهُ الله؟ عن جميع الفئات والمشركين في أنّهم مقرون بالربوبية منكرون للإلهية.","vol":"1","page":218},{"text":"﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ في قوله ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ وجهان من الوقف:\n- الوجه الأول: أن يُوقَفَ على ﴿بَلَى﴾ ثم تستأنف ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .\n- الوجه الثاني: أن يُوقَفَ على شهدنا ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ ثم تقف، وتقول بعدها ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ .\n* والوجه الأول وهو أن يكون الوقف على ﴿بَلَى﴾ هذا أولى وأظهر في معنى الآية، ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ .\n﴿شَهِدْنَا﴾ هذا من كلام بعضهم لبعض يعني بلسان الحال شهادة الحال.\nشهد بعضهم على بعض بلسان الحال، لم؟\nليكون ذلك دليلًا من الأدلّة التي تكون دافعةً لاحتجاجهم يوم القيامة، فإنّ الله؟ جعل دَفْعْ احتجاج المشركين يوم القيامة وتَنَصُّلِهِم من التّكليف ورغبتهم في عدم التّعذيب، جَعَل ثَمَّ حُجَجًا منها هذا الإشهاد؛ أنّ بعض هذه الذّرية شاهد على بعض.\nفهذه الآية فيها ذِكْرُ الشهداء وهم الذين يأتون يوم القيامة في قوله ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء﴾ [الزمر:٦٩] يشهد بعضهم على بعض بأنّ الدلائل ظاهرة وأنّكم مُقِرُّونَ بالربوبية، مُقِرُّونَ بالوحدانية، ويشهد الآباء على الأبناء، ويشهد الأبناء على الآباء، ويشهد بعضهم على بعض، حتى لا تكون ثَمَّ حجة.\nلكن هذه ليست الحجة التي يُحاسَبُون عليها ويُعَذَّبُونَ عليها وإنما هي دليل لقطع معذرتهم مع الدّليل الآخر وهو الأعظم وهو بعث الرسل.\nلهذا هذه الآية فيها ذِكْرُ دليل، وما رُتِّبَّ على هذا الإشهاد إنما هو مع بعثة الرسل.\nوتأمل حين قال ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ من الذي شَهِدَ؟\nالذرية شَهِدَ بعضهم على بعض ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ .\n﴿عَنْ هَذَا﴾ الإشارة إلى أي شيء؟\nلدليل الربوبية، ودليل الربوبية هو الذي احتجّت به الرسل على ما جاءت به وهو توحيد الإلهية.\nفإذًا في قوله ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ يعني أَشهد الله بعض الذرية على بعض على مسألة الربوبية لئلا يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين.\nوالرّسل جاءت بتقرير الحجة التي بعدها العذاب.\nمستمسكة الرسل بالأصل الذي شهد بعضهم على بعض فيه بلسان الحال وهو الإيمان بالربوبية.\nلهذا صارت الآية دليلًا على الربوبية وهذه حجة عليهم؛ ولكنها ليست الحجة التي بها يُعَذَبُون، ولكنها قاطعة لنزاعهم ورغبتهم في التنصّل من العذاب.\nوالثاني أنَّ في قوله ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ يعني عن هذا الدليل الذي هو التوحيد -توحيد الربوبية أو الفطرة- الذي ذَكَّرَتْ به الرسل أو الذي جاءت الرسل بإحيائه في الأنفس ليدلّ الناس على ما يستحقه الله؟ من توحيد العبادة.\n﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا﴾ يعني الذين يحتجون بالغفلة أو يحتجون بالتقليد، ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ فهم احتجوا إما بالغفلة أو احتجوا بعدم الشرك، بمتابعة الآباء وهذا لو حصل يوم القيامة أنْ احتجوا به فإن الله سبحانه أقام عليهم الحجة بالشهداء وأقام عليهم الحجة بالرسل والعذاب إنما يكون بـ[.....] (١)\nدلائل الصّنعة وما أقام الله؟ في الإنسان من عقل وفِكْرٍ بحيث يستدل بهذه المخلوقات على خالقها أ، وإنما بالثاني مع الأول وهو بعثة الرسل.\nإذا تبيّن لك ذلك فإنّ:\n١- أولًا: الآية إذاَ ليس فيها حجة لمن ذهب بأنَّ هذه الآية في الميثاق، ليس فيها دليل على الميثاق.\n٢- ثانيًا: الآية ليس فيها حجة لمن قال إنه بالفطرة أو بالتوحيد أو بما أُخِذَ من الميثاق الأول أنَّ هذا كافٍ عن إقامة الحجة على العباد، وأنّه بذلك الميثاق وذلك الإشهاد وإقرارهم على أنفسهم والشّهادة في الربوبية والعبادة؛ لأنه إذا لم تبلغهم الرّسالات ولم تأتِهم الرسل أنَّ تلك الشهادة كافية في تعذيبهم، فليس فيها دليل على أنّ هذه حجة كافية في تعذيبهم، بل لابد من إقامة الحجة الرّسالية.\nلذلك ترى أن أئمة أهل العلم المحققين كشيخ الإسلام وأئمة الدعوة دائمًا يذكرون الحجة الرّسالية، لابد من إقامة الحجة الرّسالية.\nلماذا لفظ الرّسالية؟\nحتى لا يَتَوَهَّمْ المُتَوَهِّم أنَّ الحجة الفطرية كافية.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط السادس عشر.","vol":"1","page":219},{"text":"إذا تبين ذلك فإنَّ تفسير الشهادة هنا وهذه الآية عند المحققين من أهل العلم على ما ذكرنا هو بالفطرة؛ الفطرة التي فطر الله؟ الناس عليها، وهي الفطرة في الربوبية التي تدل على الألوهية، وهي في معنى قوله؟ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، وفي معنى قوله ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة» (١) .\nوهذا الذي ذَكَرْتُ من تفسير الآية على وجه التفصيل والبسط هذا هو مذهب واختيار أئمة أهل السنة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير ﵀ في تفسيره وشارح الطحاوية وأئمة الدعوة والشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره وهو تفسير جماعات كثيرة من أهل العلم.\nوهو الذي يتعيَّن في الموافقة مع أصول التوحيد وأصول العقيدة بعامة.\nوهو الذي يتعين مُوَافَقَةً لحكمة الله؟.\nوهو الذي يتعين مُوَافَقَةً لما هو مقرر في الشريعة من مسألة إقامة الحجة في أحكام المرتد.\nلهذا غَلِطَ في هذه الآية جماعات، ومن المعاصرين جماعات أيضًا فجعلوها حجَّةً على أنَّهُ ليس ثَمَّ حاجة لإقامة الحجة على العباد؛ بل الفطرة كافية، والعهد الأول كافي وإلى آخره.\nوهذا ولاشك ليس بمرضيّ.\nوالحجة لا تقوم على العباد بشيء لا يتذكرونه أصلًا، وإنما العباد أمامهم الدّلائل.\nأما تَذَكُّر ميثاق وتَذَكُّرْ شهادة وتَذَكُّرْ هذه الأشياء، فإنّ أحدًا لا يتذكر ذلك، وإنما الرسل تُذَكِّرُهُمْ بذلك فتكون الحجة بالرسل لا بذلك الأمر الأول.\nلهذا ذكرتُ لك في أول البحث أنَّ مسألة الميثاق مرتبطة بالقدر، وليست متصلةً بالتكفير، ليست متصلةً بالحجة، ليست متصلة بهذه المسائل، وإنما هي -يعني الميثاق- مرتبط بالقدر لا غير، وليس حجة على خلاف القدر، إنما هو دليل على القدر فقط دون ما سواه.\nتقرؤون الكلام الطويل الذي ذكره شارح الطحاوية وفيه طُولْ.\nوالمسألة بما ذكرتُ لك تكون قريبةً واضحة، ولا يكون ثَمَّ إشكال في هذه الآية ولله الحمد، وهي من الآيات المُشْكِلَة كما ذكرتُ لك؛ لكن بتأمل قول المحققين والنّظر في تصحيح الأحاديث وعِلَلِهَا وأنَّ الأحاديث التي فيها الرّبط ما بين الآية والميثاق فيها اضطراب وفيها ضَعف في بعضها ضعف في الإسناد وفي بعضها علّة بالوقف وثَمَّ أشياء أُخر لا نطيل بالكلام عليها.\nبعدها ذَكَرَ مسألة القدر، مسألة القدر يطول الكلام عليها، ولعلنا نبحثها إن شاء الله المرة القادمة.\n_________\n(١) البخاري (١٣٥٨) / مسلم (٦٩٢٦) / أبو داود (٤٧١٤) / الترمذي (٢١٣٨)","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>الأسئلة:</span>\nس١/ ...\nج/ الله جعل المؤمنين شهداء على الكفار، فالإشهاد قائم، أنا مُشْهَدٌ على كل مخالف للرسالة، مُشْهَدٌ على كل مخالف لدليل الوحدانية، كل مؤمن لما كان مؤمنًا مستسلمًا للرسالة هو مُشْهَدٌ على غيره، مُشْهَدٌ على المخالف، فهو إشهاد، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾ يعني جعل بعضهم شهيدا على بعض، لذلك يوم القيامة سمى الشهداء يشهدون.\nس٢/ بعض أهل العلم يستشهد بقوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ يعني على أنَّ الذي يفعل الشرك ولو كان جاهلًا فإنه يكون مشركًا لهذه الآية، قال فإنه قد أُخذ عليه الميثاق إذ هو عالم، فما تعليقكم؟\nج/ هذا هو الذي بحثنا الكلام عليه، هذا قول ليس بصحيح، وهو مخالف لظاهر الآية، وسبب الاشتباه هو الذي ذكرنا أنه الربط ما بينه وبين الميثاق يعني هذا، هو أخذ الألفاظ على مسألة الميثاق.\nس٣/ هل هناك ميثاق أول وميثاق غيره أم هو ميثاق واحد؟\nج/ ثَمَّ ميثاق سابق هو الذي نؤمن به الذي جاءت به الأحاديث وهو أنَّ الله استخرج ذرية آدم من ظهره؛ لكن إيش معنى هذا الميثاق؟\nالله أعلم بحقيقته، ثُمَّ هناك عهود مؤكدة لكل فئة من بني آدم؛ فآدم أُخِذَ عليه عهد موثق لطاعة الله؟، كذلك ذرية آدم القريبين، كل رسول أُخذ عليه ميثاق، وأخذت على أمته المواثيق بأن تطيع وهكذا؛ يعني هذه مواثيق لفظية وعهود بما أنزل الله؟ من الكتب وبعث من الرسل.\nس٤/ كيف يكون أهل الفِرَقِ متّفقين على الميثاق، وهناك من الفِرَقِ من يأخذ بالقرآن فقط، والقرآن لم يأتِ بالميثاق؟\nج/ هل هناك من الفِرَقْ من يأخذ بالقرآن فقط؟ يعني من الفِرَقِ القديمة، هل فيه أحد؟ أنا ما أعرف؛ يعني من الذي يأخذ بالقرآن فقط؟\nأنا ودي أستفيد؛ لأنَّ الخوارج يأخذون بالقرآن والسنة، الرافضة بالقرآن والسنة، المعتزلة القرآن والسنة، المرجئة، القدرية، كلهم يأخذون بالقرآن والسنة، لكن السّنة يحتجون في العقائد بالمتواتر لا بالآحاد، الآحاد مقبولة عندهم لكنها تفيد الظن لا العلم، على تفصيل الكلام المعروف لديكم في هذا.\nس٥/ أورد الألباني -حفظه الله- الأحاديث في المسألة في السّلسلة الصحيحة، وقد جمعها وحقَّقَهَا وبَيَّنَ الصحيح منها.\nج/ أنا ما أدري عن بحث الشيخ ناصر؛ لكن المسألة تحتاج إلى نظر فيما قال لأنها راجعة إلى نَظَرٍ في المتن ونَظَرٍ في الإسناد، النظر في الإسناد غير النظر في المتن، النظر في المتن يحتاج إلى معرفة تفاسير الآية وأن لا يَحْمِلْ الآية على الأحاديث، يعني لابد من مراجعة البحث حتى نشوف إيش وصل إليه.\nس٦/ اتضح عدم دخول الآية في الميثاق فما معنى الميثاق الذي ذكره أهل العلم؟\nج/ معنى الميثاق هو العهد لكن إيش هذا العهد؟ إيش حقيقته؟\nقال العلماء: معناه الفطرة؛ الفطرة التي فطر الله الناس عليها.\nفإذًا مسألة الميثاق ما فيه شيء غريب، هو الفطرة (كل مولود يولد على الفطرة)، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾؛ يعني جَعَلَهُم مفطورون عليها لما أخَذَ الميثاق.\nفإذًا مسألة الميثاق -يعني العهد- لما استخرجت الذرية معناه الفطرة السابقة وهكذا، يعني الميثاق ما فيه شيء جديد، الميثاق ليس فيه شيء جديد عن غيره ولا يتميز بشيء.\nس٧/ هل الإشكال بين الآية والأحاديث جاء من قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:١٧٣]؟\nج/ لا، هذه ما لها علاقة؛ لأنَّ الآية قال ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني لئلا تقولوا يوم القيامة، أقام الله هذه الدلائل بالربوبية وأقام دلائل الوحدانية لئلا تقولوا يوم القيامة أو تحتجوا بالغفلة، ولئلا تحتجوا بالتقليد، ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف:١٧٣] فلا تحتجوا بالغفلة ولا تحتجوا بالتقليد، فثمَّ فِطْرَة مَرْكُوزَة ورُسُل أُرسِلَتْ إليكم تدلكم بهذه الفطرة المركوزة على حق الله أ، فليس ثَمَّ إذًا حجة لأولئك، فقطع الله المعذرة وأقام الحجة وأبان المحجة، ولله الحمد والمنة.\nنكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.","vol":"1","page":221},{"text":"بسم الله، نحمد الله ﷻ على نعمه التي لا تحصى وآلائه التي لا تعد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيدًا:\nفبين يدي هذا الدرس نجيب عن بعض الأسئلة.\nالأسئلة:\nس١/ هل يجوز الدعاء بهذه الصيغة: أسأل الله أن يوفقك إن شاء الله؟\nج/ الدعاء الأصل فيه أن يكون المرء إذا دعا عازمًا في المسألة غير متردد، ظانّا بالله؟ الظن الحسن؛ وهو أنَّه يجيب الدعاء ولا يرد العبد، وكلّما قوي يقين العبد بإجابة الدعاء كلما كان هذا من أسباب الإجابة.\nوتعليق الدعاء أو السؤال بالمشيئة يخالف عزم المسألة، ولهذا لما قال رجل (اللهم اغفر لي إن شئت)، قال النبي ﷺ «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت. وليعزم المسألة فإن الله لا مُكره له» (١) فتعليق الدعاء بالمشيئة الأصل فيه أنه خلاف أدب الدعاء، والله - لا مكره له على إجابة الدعاء حتى تُعَلِّقَهُ بالمشيئة.\nلكن إن كان تعليقه المشيئة ليس المقصود به التعليق، إنما المقصود به التبرك فهذا لا بأس به.\nوبعض أهل العلم يرى أنَّ قوله (إن شاء الله) في مثل هذا لا بأس به؛ وذلك لقول النبي ﷺ لَّما زار رجلا! وهو مصابا بالحمى فقال له «طهورٌ إن شاء الله» (٢)، فأجاب الرجل بجواب سيئ، المقصود أنه يُسْتَدَلُّ بقوله «طهور إن شاء الله» على أنَّه لا بأس أن يُعَلَقَ الدعاء بالمشيئة.\nوالأول هو الأوْلى، وللمسألة مزيد تفصيل لا يناسب هذه الأجوبة المختصرة.\nس٢/ هل يصحّ أن يُطْلَقَ على المسلم بأنه هالك إذا مات؟\nج/ إذا كان الهلاك بمعنى الموت فلا بأس، إذا كان إطلاق الهلاك بمعنى الموت فلا بأس، أما إذا قال إنّ فلانًا هلك ويعني به أنه آل به الأمر إلى عذاب أو نحو ذلك، فهذا لا يُجْزَمْ لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار ولا بعذاب ولا برحمة إلا من شهِد له الله أبذلك أو نبيُّه ﷺ، ولهذا مما درج عليه العلماء في تدريس علم الفرائض أنهم إذا ذكروا قسمة المسائل يقولون هلك هالك عن، ثُمَّ يذكرون الوَرَثة.\nنكتفي بهذا، نعم اقرأ\n_________\n(١) البخاري (٦٣٣٩) / مسلم (٦٩٨٨) / أبو داود (١٤٨٣) / الترمذي (٣٤٩٧) / ابن ماجه (٣٨٥٤)\n(٢) البخاري (٣٦١٦)","vol":"1","page":222},{"text":"وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَلَا يُنْقُصُ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ فِيمَا عَلِمَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ.\nوَالْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ.\n_________\nهذه الجُمل من هذه العقيدة المباركة شروعٌ من الطحاوي ﵀ في مسألة القَدَرْ.\nومسألة القَدَرْ والبحث فيها من المسائل العظيمة جدًا؛ لأنَّ الخلاف فيها بين أهل السنة والجماعة وبين المخالفين كثير ومتنوّع.\nوالطّحاوي لم يُرَتِّب الكلام على مسألة القَدَرْ ولم يتناوله تناولا منهجيا واضحا بيِّنًا بل فرَّقَهُ وذَكَرَ جُمَلًا منه، ولهذا فإننا سنذكر إن شاء الله تعالى كل ما يتصل ببحث القدر في هذا الموضع إنْ اتسع له الوقت، ونُحيل فيما نستقبل على هذا الموضع الذي نأتيه عند قوله (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ) .\n\nقال (وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَلَا يُنْقُصُ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ فِيمَا عَلِمَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ.)\nهذه الجملة أخذها انتزاعًا من عدد من أحاديث المصطفى ﷺ.\nوتلك الأحاديث متنوعة وثابتة في أَنَّ الله ﷻ خَلَقَ الجنة وخَلَقَ لها أهلًا وعَلِمَ ما هم عاملون، خَلَقَ النار وخَلَقَ لها أهلًا وعَلِمَ ما هم عاملون، وأنَّ الله سبحانه قَبَضَ قَبْضَةً إلى النار وقبض قبضة إلى الجنة، وأنّ الله سبحانه لما استخرج ذرية آدم من ظهره قال (هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار) فلا يُزاد من ذلك العدد ولا يُنقَصْ، والأحاديث في هذا كثيرة متنوعة.\nلكن المراد من ذلك هو ذِكْرُ أعظم مراتب الإيمان بالقدر ألا وهي مرتبة العلم.\nحيث ذَكَرَ أنَّ الله سبحانه عَلِمَ عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار، وكذلك عَلِمَ أفعالهم.\n(فعَلِمَ العدد): يعني عَلِمَ الأفراد وعَلِمَ الأعمال.\nوالأعمال يدخل فيها القول والعمل والاعتقاد والأحوال جميعا، من جميع تصرفات أصحاب الجنة وأصحاب النار.\nوهذا فيه إجمال لذكر هذه المرتبة العظيمة وهي مرتبة العلم.\n\nقال بعدها (وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)\nهذه الجملة ثبتت في الحديث عن النبي ﷺ حيث قال ﷺ «اعْمَلُوا فكُلٌّ مُيَسرٌ لما خُلِقَ لَه» (١) يعني بذلك قول الله - ﷿ - ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥-٧] .\nومعنى (كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) أنَّ الله - ﷿ - خَلَقَ الجنة وخَلَقَ لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، فهؤلاء أهل السَّعَادة سَيُيَسَّرُونَ لعمل أهل السعادة، خَلَقَ النار وخَلَقَ لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، فهؤلاء سَيُيَسَّرُونَ للعسرى؛ لعمل أهل الشّقاوة.\nوقوله (كُلٌّ مُيَسَّرٌ) لا تفيد الجَبْرْ؛ وإنما يعني أنَّ الله سبحانه علِمَ أنّ هؤلاء سيعملون بعمل أهل النار وكَتَبهُمْ من أهل النار، وأنهم لِمَا في نفوسهم من الخُبْثْ سيكونون من أهل النار، فسيتركهم الله - ﷿ - لأنفسهم؛ يعني سيخْذُلُهُمْ، فإذا خذلهم يُسِّر لهم سبيل الضلال.\nيعني أنَّ التيسير لأهل الجنة فيه زيادة فضل والتيسير لأهل النار فيه سلب الفضل.\nوهذا يعني أنْ لا جَبْرَ، وأَنَّ الجميع مُعامَلُون بعدل الله - ﷿ -، وأنَّ أهل الجنة عاملهم الله ﷾ زيادة على عدله بأن منحهم فضلًا ويَسَّرَ لهم وأعانهم على الخير.\n\nقال (وَالْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ)\nالأعمال بالخواتيم يعني بذلك ما جاء في قول النبي ﷺ «فإنّ أحدَكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلُها، وإنّ أحدهم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (٢) لهذا كان كثير من السلف إذا ذَكَرُوا الخاتمة بَكَوا كثيرًا، وقال بعضهم (قلوب الأبرار مُعَلَّقَةٌ بالخواتيم يقولون بماذا يُختَمُ لنا؟) (٣)\nوهذا التعلق بالخواتيم، وهذا الإيمان بهذا النوع من القدر، يجعل العبد المؤمن صاحب يَقَظَة وحرص على إيمانه؛ لأنّ الله سبحانه لا يظلم النّاس شيئًا، والعبد يُيَسَر لعمل أهل الشقاوة إذا اختار هذا الطّريق، فإذا جاهد نفسه فإنّ الله سبحانه أعظم فَضْلًَا ومِنَّةً وكرمًا، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، وقال سبحانه ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] .\n[.....] .\nيعني مدافعة نوازع الباطن في النفس.\n\nقال (وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللَّهِ)\nيعني أنَّ السّعيد هو من جعله الله سعيدًا إذْ قَضَى عليه أنْ يكون من المخلوقين، وهذا يُشير به إلى حديث (نفخ الروح وأنَّ الملك يأتي إلى الجنين ويقول: يا ربي شقي أو سعيد؟ ويؤمر بكَتْب أربع كلمات، بكتابة رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) (٤) .\nوهنا في قوله (بِقَضَاءِ اللَّهِ)، (مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللَّهِ) يعني به القدر.\nوهذا على أحد الوجهين أو أحد القولين في أنَّ القضاء والقدر بمعنى واحد، وسيأتي تفصيل لهذه الجملة والفرق بين القضاء والقدر.\nوهذا أيضا هو معنى قوله (وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ) .\nولهذا نقول: إنَّ هذه الجملة فيها تقريرٌ لمرتبة العلم، والكلام على هذه المرتبة يمكن أن نرتّبه لك في مسائل:\n_________\n(١) سبق ذكره (٢١٥)\n(٢) سبق ذكره (٢١١) في قوله ﷺ (لا هو في النار)\n(٣) شعب الإيمان (٨٦٦) / حلية الأولياء (١٠/١٢١) / تاريخ دمشق (٢٠/١٩١)\n(٤) البخاري (٣٢٠٨) / مسلم (٦٨٩٣) / أبو داود (٤٧٠٨) / ابن ماجه (٧٦)","vol":"1","page":223},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ عِلْمَ الله جل وعلا كما ذكر (عَلِمَ اللَّه فِيمَا لَمْ يَزَلْ) يعني أنَّ عِلْمَ الله أزلي وأبدي، وأنَّ عِلْمَهُ سبحانه أوّل، وهذه كلّها بمعنى واحد.","vol":"1","page":224},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنّ عِلْمَ الله ﷻ من حيث هو صِفَةٌ له سبحانه مُتَعَلِّقٌ بكل شيء، كما قال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢]، وقال ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال أيضًا أ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠] وقال سبحانه ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، ونحو ذلك من الآيات.\nفعِلْمُ الله أمتعلق بكل شيء، وكلمة (بِكُلِّ شَيْءٍ) هذه فيها شمول للأشياء.\nوالشيء يُعرَّف بأنه ما يصح أن يُعلَمَ أو ما يصح أن يَؤُولَ إلى أن يُعْلَمْ.\nفإذًا ما سيقع سواءً كان من جليل الأمر أو من حقيره هذا سَيَؤُولُ إلى العلم، وأيضًا يصح أن يُعلم ويصح أن يؤول إلى العلم ما لم يقع.\nلهذا نقول: إنَّ علم الله ﷻ بالأشياء شامل، وأنَّ عِلْمَ الله؟ بالأشياء أَوَّلْ؛ لكن بَدَأَ حيث أراد الله؟ أن يوجَد ذلك الشّيء، أو أن يكون الأمر على هذا النّحو، أو أن لا يكون هذا الأمر.\nيعني أنّ الله - عَلِمَ أحوال الأشياء على التفصيل وعلى الإجمال لَمَّا أراد خلقها وإيجادها ـ.\nوالله سبحانه يعلم تلك الأشياء على ما هي عليه، وعِلْمُهُ بها أوَّل، وإذا قلنا إنَّ علمه - بها شامل وأنه؟ عَلِمَ تلك الأشياء إذْ تَوَجَّهَتْ الإرادة إليها فإنَّ ذلك العلم لم يسبقه جهالة.\nوهذه من أصول المسائل أيضًا؛ لأنّ عِلْمَ الله ﷻ لم يسبقه جهالة، وهذه تنفعك في البحث مع القدرية؛ نفاة العلم.] (١)\nوقولنا: لم يسبقه جهالة؛ يعني لا في الأزل، فإذا قلنا: عَلِمْ، ليس معناه أنه قبل ذلك كان جاهلًا بهذا الشيء، لم؟\nلأنه لم يكن شيئًا إلا لمَّا تَوَجَّهَت الإرادة إليه، فلما توجهت الإرادة إليه بأنه يكون أو لا يكون أو إذا كان كيف يكون فإنه سبحانه عِلْمُه بذلك سابق.\nفإذًا عِلْمَ الله؟ لم يسبقه جهالة، لا حين توجه إلى الإرادة ولا حين وقع مشيئةً كونيةَ.\nوالإرادة في قولنا: توجّهت إليه الإرادة، ليست هي الإرادة الكونية المتعلقة -يعني التي تعرفونها التي هي المشيئة، إذا تعلقت بشيء كان- وإنما هي إرادة القدر؛ يعني تقدير الأشياء بأنَّ هذا سيكون أو لا يكون وأن هذا سيخلقه الله أو لا يخلقه الله؛ يعني الإرادة المرتبطة بالحكمة والتقدير في إيقاع الأشياء في أوقاتها.\n_________\n(١) قال الشيخ صالح إجابة عن سؤال وجه إليه في الدرس الحادي والعشرون: هذه كلمة أردت بها التوضيح، وأشكلت على كثير من الإخوان، وهي سليمة في نفسها صحيحة؛ لكن لأجل عدم الاستيعاب أتركوها، وهي للإيضاح ليست للاعتقاد، هي للإيضاح، كلمة للإيضاح فاحذفوها من كتاباتكم، وإن أمكن أيضا من التسجيل لئلا يوقع الناس في اللَّبس.","vol":"1","page":225},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنَّ مرتبة العلم من أنْكَرَهَا كفر، ومراتب القدر أربعة كما تعلمون:\n- أولها العلم.\n- ثم الكتابة.\n- ثم عموم المشيئة.\n- ثم عموم خلق الله؟ للأشياء.\nوالمرتبة الأولى وهي العلم من أنْكَرَهَا كَفَر.\nوعِلْمُ الله - -كما ذكر لك الطحاوي- أنه عَلِمَ أهل الجنة وعَلِمَ أهل النار؛ يعني عَلِمَ حال المكلفين وعددهم وصفاتهم، وعَلِمَ أيضًا أعمالهم، هذا القدر المتعلق بالمكلَّفين.\nوأيضا علم الله؟ بكل شيء حتى بغير المكلفين على التفصيل.","vol":"1","page":226},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nأنَّ المنكرين للعلم -علم الله ﷿ السابق- خَرَجُوا في زمن ابن عمر ﵁، فقال ابن عمر في حقهم لمن سأله (أعلمهم أني منهم بريء) وذكر حديث الإيمان -يعني حديث جبريل الطويل المعروف، وفيه من أركان الإيمان، الإيمان بالقدر خيره وشره-.\nوهؤلاء كانوا يقولون إنّ الله ﷿ لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها؛ يعني أنّ الأمر أُنُفْ مُستَأْنَفَ يقع ثم يُعْلَمْ.\nوشبهتهم -شبهة القدرية هؤلاء- أنهم قالوا: إنّ الله سبحانه عَلَّقَ أشياء في القرآن بالعلم الذي ظاهره أنَّه لم يكن قبل ذلك عالمًا، وذلك من مثل قوله؟ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وهذا فيه تعليق الأمر بعلمٍ سيحصل، قال ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ يعني أنه قبل ذلك -يعني كما يقولون- لم يكن يعلم من سيتّبع ممن سينقلب على عقبيه.\nوهذا الإيراد في الاستدلال بالآية هو استدلال بالمتشابه وتركٌ للمحكمات.\nولهذا يُرَدُّ عليهم هذا الاستدلال بأنَّ هذه الآية تُفهَمْ مع الآيات الأُخَرْ التي فيها عِلْمُ الله؟ بكل شيء، حتى قبل وقوع الأشياء كما قال سبحانه ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وكما ذكرتُ لك أنَّ الشيء يُعَرَّف بأنه ما يؤول إلى العلم؛ ما يصح أن يُعْلَمْ أو يؤول إلى العلم.\nوكذلك يُسْتَدَلُّ عليهم بقوله ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] والأحاديث الكثيرة التي فيها عِلْمُ الله؟ بأهل الجنة، وعِلْمُ الله؟ بأهل النار، وعلمه بعمل العاملين، ونحو ذلك قبل خلق الخلق.\nويُستَدَلُّ أيضًا عليهم بقوله سبحانه ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، وبقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢]، والآيات في ذلك كثيرة التي فيها ذكر العلم بلفظ ﴿كَانَ﴾؛ ﴿كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .\nإذًا يكون الرد على القدرية من وجهين: (١)\n١- الوجه الأول: هو أنَّ ذلك اتِّبَاع للمتشابه وترك للمحكم وذكرنا المُحْكَمَات.\n٢- الوجه الثاني: أنَّ معنى الآية ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة:١٤٣] ومعنى قوله تعالى ﴿وَلَمَّا يَعْلَم اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، وقوله ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦]، ونحو ذلك هو ظهور علم الله - ﷿ -؛ لأنَّ علم الله ﷾ خَفِيْ، ولا يُحَاسِب العبد إلا على ما ظهر من علم الله - ﷿ - المتعلق بالعبد، وإلا فلو أُنِيط ذلك بعلم الله الباطن دون ظهور الشيء في الواقع المتعلق بالمكلف لكان للمكلف حجة في رد التكليف.\nولهذا الآيات التي فيها ذِكْرُ العِلْمْ اللاحق أو ما سيأتي المقصود منه ظهور العلم.\n(العلم الذي سيأتي) يعني العلم الذي سيظهر.\nأما علم الله - ﷿ - المشتمل على ما خَفِيَ وما ظَهَرَ، أو عِلْمُ الله السّابق واللاّحق فهذا [.....] بعلم الله - ﷿ - للأشياء الذي هو مرتبة من مراتب القدر.\nفإذًا في قوله ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ يعني إلا ليظهر علمنا في المكلفين، فيظهر علمنا فيمن اتبع الرسول ممن انقلب على عقبيه، حتى تكون حجة على هذا العبد.\nكذلك ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ هذا مرتبط بالتّشريع.\nوعِلْمُ الله - ﷿ - الشّامل -يعني الظاهر والباطن- هذا متّصف الله - ﷿ - به؛ لكن لا يكون معه التّدرج في التشريع.\nفالله ﷾ جعل العبد المؤمن يقاتل عشرة، ثم ظَهَرَ عِلْمُهُ فيهم أنهم ضعفاء فخفّف، فالتخفيف إذًا مسألة شرعية لما ظَهَرَ عِلْمُ الله الباطن بحالهم فهنا شَرَعَ لهم التّخفيف.\nوهذا يعني أنّ الآيات هذه تدل على ظهور علم الله - ﷿ -.\nوظهور علم الله - ﷿ - فيهم مُناط بأمرين:\n١- الأمر الأول: أن تنقطع الحجة من العبد على التكليف والحساب.\n٢- الأمر الثاني: أن يُشَرَّع وتظهر الشريعة أو تُسن الأحكام.\nوهؤلاء القدرية هم الذين قال فيهم السلف (ناظروا القدرية بالعلم فإن أنكروه كفروا وإن أقرّوا به خُصِمُوا) .\nوالقدرية هؤلاء سُمُّوا قَدَرِيَّة لأنهم ينفون القَدَرْ.\nونفي القَدَرْ قد يتوجه إلى نفي مرتبة من مراتبه، أو إلى نفي أكثر من مرتبة.\nفَمِمَّنْ نفى أكبر المراتب وأعظمها وهي العلم، هؤلاء هم القدرية الأوائل الذين يقال لهم القدرية الغلاة.\nومن هؤلاء -يعني من القدرية- الذين ينفون مرتبة عموم الخلق كالمعتزلة.\nوالقدرية في ذلك مراتب، وقد لخَّصَ شيخ الإسلام أصناف القدرية بقوله في تائيته القدرية:\nويدعى خصوم الله يوم معادهم إلى النار طُرًَّا معشر القدرية\nسواء نفوا أو سعوا ليخاصموا به الله أو ماروا في للشريعة\nيعني أنَّ أعظم تلك الفرق التي تُدْعَى القدرية، الذين ينفون القدر، وهم الغلاة نفاة العلم أو المتوسّطون وهم المعتزلة ومن شابههم.\n_________\n(١) الرد على القدرية لم يذكره الشيخ في هذا الشريط وإنما ذكره إجابة لسؤالٍ في الشريط ١٧، ثم نبَّهَ الشيخ إلى أنَّه نسي ذكرها في الرد على القدرية، لذا قمت بوضعه في هذا الموضع.","vol":"1","page":227},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nأنّ عِلْمَ الله ﷿ شامل لكل شيء، هذا يفيد المؤمن في إيمانه بالقدر، وهو أنه سبحانه عَلِمْ الأشياء، وعَلِمَ حال العبد، وعَلِمَ ما ستكون عليه هذه الأمور جميعًا من دقائقها وتفاصيلها وإجمالها.\nوهذا يعني أنه ليس ثمَّ شيء يقع على وجه الصدفة بلا ترتيب سابق ولا تقدير سابق.\nفإذا كان الله عَلِمْ فإنَّ معنى ذلك أنه سبحانه جعل هذا الذي عَلِمَ أنَّهُ سيقع على وفق ما يشاؤه، على وفق الحكمة البالغة؛ لأنَّ الرب المتصرف ذا الملكوت لا يقع في ملكه إلا ما يشاء أن يقع، فإذا كان عَلِمْ وأيقن العبدُ هذا العلم الشامل الكامل فإنه يوقن بعده بالحكمة العظيمة.\nولهذا مسألة الحكمة من وجود الأشياء مرتبطة بالقدر عِلْمًا ونفيًا:\n- فحكمتة - مرتبطة بالقدر علمًا؛ لأنَّ الله - عليم؛ ولأنه سبحانه ما شاء كان.\n- ومرتبطة بالقدر نفيًا في أنَّ الخوض في الحكمة خوضٌ في القدر.\nولهذا قال الطحاوي في آخر كلامه (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ)\nوقال في آخرها أيضا (فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ) إلى أن قال (١)\n\n: [[الشريط السابع عشر]]:\n\n(فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ)، وهذه هي التي يُشكِلُ على البعض كيف دَخَلَتْ في القدر، وهي مسألة الحكمة.\nإذا قال المرء لم حصل كذا؟ ولم قُدِّرَ كذا؟ أو لم صار الأمر على هذا النحو؟ لم صار هذا غنيًا وهذا فقيرًا؟ ولم صار هذا مريضًا وصار ذاك صحيحًا؟\nكيف انتقل هذا السؤال في القَدَرْ وصار المتشكك من القدرية؟\nلأنَّ المتشكك ينفي الحكمة، ولو أيقن بعموم العلم وعموم المشيئة لأيقن بحكمة الله - ﷿ - الماضية، وأنَّهُ لا شيء يقع إلا والله ﷾ عَلِمَهُ قبل أن يقع وأَرَادَهُ كَونًَا وشَاءَهُ، وهذا يعني أنه لن يقع إلا على وفق حكمة الله - ﷻ -، فلهذا صار السائل في مسائل القدر بـ: لم؟ مُعَارضًِا للقدر.\nولهذا قال لك ابن تيمية في البيت الذي ذكرته لك آنفا (أو ماروا في الشريعة) يعني أنَّ القدرية منهم من يُمَارِي في الشريعة، يماري يعني يشكك ويجادل ويسأل وكذلك قال بعدها:\nوأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةِ هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ\nفإنَّهمُو لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ\nفأهل الجاهلية عارَضُوا الشريعة بـ: لم؟ والمتشككون عارَضُوا أفعال الله - ﷿ - بـ: لم؟\nإذًا فمِن أعظم مراتب الإيمان بالقدر، الإيمانُ بعلم الله - ﷿ - الشامل للأشياء، الشامل لكل شيء.\nفإذا أيقن العبد بهذا، بعموم العلم، وعَلِمَ معنى ذلك، أيقن أيضًا بحكمة الله - ﷿ - واستسلم لقدر الله ولم يخض فيه بالسؤال؛ لأنَّ القدر سر وهو مرتبط بعلم الله - ﷿ -.\nيوضّح لك ذلك أنَّ الله ﷻ قصَّ علينا في القرآن قصة الخَضِرْ مع موسى ﵇ أو ﵉.\nفالخَضِرْ مع موسى اختلفا واعترض موسى على الخَضِرْ، وسبب الاعتراض عدم العلم، لمَّا كان موسى في تلك المسائل أنْقَصَ علمًا من الخَضِرْ واعْتَرَضَ حُجِبَ عن علمٍ زائد.\nولذلك صار السؤال -سؤال الاعتراض- مُرْتَبِطًَا بالعلم، فإذا كان الخَضِرْ أعلم من موسى، وموسى حُجِبَ بالسؤال فدلَّ على أنَّ السؤال في أفعال الله أو السؤال في قدر الله أو السؤال في تصرفات خلق الله - ﷿ - أنَّ هذا اعتراض على العلم.\nوإذا كان الله - ﷿ - هو العليم بكل شيء فإنَّهُ لا يجوز للعبد أن يعترض على علمه وعلى حكمته بـ: لم؟\nلهذا قال في آخر الكلام هنا (فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يعني قوله ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] .\nهذه بعض المسائل في كلامه على مرتبة العلم.\n_________\n(١) انتهى الشريط السادس عشر.","vol":"1","page":228},{"text":"[ثم قال (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ)]\n_________\nيعني أنَّ القَدَرْ -وهو تقدير الأشياء- هذا سِرْ إذْ هو تصرُّف الرب ﷻ في ملكوته، وتصرف الرب ﷻ في ملكوته مما يختص به الله ﷻ فلم يُطْلِع عليه أحدًا ولم يطَّلِع أحد على ذلك، حتى أكرمُ عباده من الملائكة لا يدرون ما مصيرهم، لا يدرون ماذا يقضي الله في السماء، لا يدرون ما مصير أهل الأرض إلى غير ذلك، وكذلك أنبياء الله لا يدرون ولا يدرون عن الغيب ولا متى يموتون، إلى آخر ذلك.\nالمقصود أنّ القَدَرْ -وهو كما سيأتي تعريفه تقدير الله للأشياء- أنَّ هذا مما اختص الله - ﷿ - به، فلا أحد يعلم ما القَدَرْ، وما الذي قُدِّرْ، وما الذي كُتِبْ، وما الذي جعله الله - ﷿ - مكتوبًا في اللوح المحفوظ أو مكتوبًا في صحف الملائكة، هذا عِلْمُهُ عند الله - ﷿ -، وهو من مفاتح الغيب العظيمة التي قال الله فيها ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] .\nوالقَدَرْ معنى كونه سرًا أنّه لا يمكن أن يُطَّلَعَ عليه إذ هو سرٌّ عند الله - ﷿ -، والله سبحانه لم يُطْلِع على ذلك أحدًا فمعنى ذلك أنّه لن يَطَّلِعَ أحد على ذلك ولو خاض فيه.\nومبنى القدر على صفات الله - ﷿ -:\n- مبنى القدر على العلم.\n- مبنى القدر على عموم المشيئة.\n- مبنى القدر على عموم الخلق.\n- مبنى القدر على حكمة الله - ﷿ -.\n[.....] وعموم مشيئته، وإلى أي شيء تَتَوَجَهْ لا يعلمها العبد، وعموم خلقه - ﷿ - من أشياء إذا توجّه الشيء لا يعلمه العبد إلا بعد أن يقع، وحكمة الله لا يعلمها العبد.\nإذًا فصارت أنحاء القدر الأربعة لا يعلمها العبد، فكيف إذًا يمكن له أن يخوض في القَدَرْ؟\nفصار الأمر إذًا إلى الاستسلام.\nوهذا هو الذي أراده الطحاوي فيما قال، قال (وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ) يعني في القدر المبني على الأربعة أشياء التي ذكرتُ لك (التَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ) .\nإذا تبين هذا فيمكن أن نُجْمِلْ أو نُقَسِّم الكلام على القدر في مسائل كثيرة، نذكر منها ما يناسب الوقت بعض الأشياء.\n\nقال (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ)\nنقول إنه تحتها مسائل، هي مسائل بحث القدر جميعًا يمكن أن نجعلها في هذا الموضع.","vol":"1","page":229},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالقَدَرْ يمكن أن يُعرَّف بأنه: تقدير الله للأشياء قبل وقوعها، وعلمه الأوّل بكل شيء، وكتابته لذلك -يعني للمقادير- في اللوح المحفوظ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وعموم خلق الله للأشياء كلها.\nهذا لا ينطبق عليه حد التعاريف عند أهل التعاريف؛ لكن هذا يعُمْ ويَضُمْ كل مراتب الإيمان بالقدر الأربعة.","vol":"1","page":230},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالإيمان بالقدر إيمانٌ بما دَلَّ القرآن والسنة عليه مما يتصل بالقدر، وذلك إيمانٌ بأربع مراتب:\n- المرتبة الأولى: العلم.\n- المرتبة الثانية: الكتابة.\n- المرتبة الثالثة: عموم المشيئة.\n- المرتبة الرابعة: خلق الله - ﷿ - للأشياء كلها.\n@ أما المرتبة الأولى العلم: فأدلتها كثيرة ذكرنا لكم بعضًا منها.\n@ المرتبة الثانية الكتابة: الكتابة ثَمَّ أدلة كثيرة عليها منها قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، وفي قوله تعالى ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣]، ودلّ عليه قول النبي ﷺ «قدّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) .\nومعنى الكتابة أنّ الله سبحانه كَتَبَ كلَّ شيء في اللوح المحفوظ، سواء ما يتعلق بالمكلفين أو ما يتعلق بغير المكلَّفين وذلك لعموم قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠] يعني ما في السماء والأرض.\nوالكتابة هذه المقصود بها الكتابة في اللوح المحفوظ؛ كتابة مقادير الأشياء في اللوح المحفوظ.\nومن هذه الكتابة ثَمَّ أنواع من الكتابة تفصيلية لها: منها الكتابة العُمْرية، والكتابة السنوية، والكتابة اليومية، وأشباه ذلك مما دلت عليه الأدلة في القرآن والسنة.\n@ المرتبة الثالثة مرتبة المشيئة: ويُعْنَى بها أنَّ ما شاء الله - ﷿ - كان، لا تُرَدُّ مشيئة الله - ﷿ -، وأنَّ الذي لا يشاؤه الله سبحانه ولو شاءه العبد ورَغِبَ فيه فإنه لا يقع، ودليلها قوله سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، وقوله سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] .\nوالمشيئة مرتبطة بالكون؛ يعني أنَّ المشيئة كونية، فإذا شاء الله أن يقع هذا الشيء في هذا الوقت على هذه الصفة فإنّه يقع على ما شاءه الله - ﷿ - وأراده كونًا.\nوالمشيئة تساوي الإرادة الكونية.\nولهذا يُبْحَثْ هنا في مرتبة المشيئة الفرق ما بين المشيئة والإرادة.\nوأهل السنة على أنّ مشيئة الله - ﷿ - هي إرادته الكونية، وأنّ الإرادة منقسمة إلى: إرادة شرعية دينية وإلى إرادة كونية، وأنَّ الله سبحانه قد يشاء الشيء كونًا؛ يعني يريده كونًا فيقع ولا يريده دينًا وشريعة.\nفيجتمع إذًا في بعض الحالات إرادة وعدم إرادة، فيكون الفعل المعيّن مُرَادْ وغير مُرَادْ.\nشاءه الله فوقع وأراده فوقع؛ ولكن لم يُرِدْهُ سبحانه دينًا وشريعة، وهذا فيما يَكرهه الله ولا يرضاه دينًا مثل كفر الكافر، معصية العاصي، ضلال الضال إلى آخره.\nفإنّ الله سبحانه شاء الكفر من الكافر؛ لأنّه ما دام وَقَعَ فإنه قد شاءه وأراده كونًا؛ لأنه لا يحصل في ملكوته إلا ما أراده - ﷿ - كونًا؛ ولكن لم يرضه لم يُرِدْهُ دينًا؛ لأنَّ الله نهى في كتابه وعلى ألسنة رسله عن الكفر والفساد وبيَّن أنه لا يرضى ذلك ولا يحبه، كما قال ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، وقال ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] .\nوهذه هي المسألة المعروفة لدى كثير منكم بالفرق ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وسيأتي لها مزيد بيان عند ذكر الرد على المخالفين في القدر إن شاء الله تعالى.\n@ المرتبة الرّابعة مرتبة عموم خلق الله - ﷿ - للأشياء: وأنَّ الله سبحانه خالق كل شيء، وأنَّ طاعة المطيع خَلَقَهَا الله ومعصية العاصي خَلَقَهَا الله وأنَّ صلاة المصلي خَلَقَهَا الله كما خلق ذاته؛ يعني ذات المصلي فإنه يخلق أعمالهم.\nوهذه يُسْتَدَلُّ لها بقول الله سبحانه ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢]، وبنحو قوله سبحانه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، ونحو ذلك من الآيات.\nوفي خصوص عموم خلق الله للعمل يُستدل بقوله ﷾ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وفي هذه الآية دليل على أنَّ عمل العامل خَلَقَهُ الله.\nوذلك أنَّ كلمة ﴿مَا﴾ في الآية ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيها وجهان:\n١- الوجه الأول: أنها مصدرية بمعنى أنّها تُقَدَّرْ مع ما بَعْدَهَا بمصدر؛ يعني يكون سبك الآية (والله خلقكم وعملكم)، وهذا الوجه هو؟الأصح فيها.\n٢- الوجه الثاني: أنَّ ﴿مَا﴾ هنا موصولة بمعنى الذي فيكون المعنى (والله خلقكم والذي تعملونه) .\n* وهي على كلٍ من الوجهين دالة على المراد في عموم خلق الله - ﷿ - للعبد.\nووضوح الدليل الأول يعني في كونها مصدرية، وقد يكون ثَمَّ بعض الاعتراض على الاستدلال بالوجه الثاني.\n_________\n(١) سبق ذكره (٦١)","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>الأسئلة</span>\nس١/ ما الفرق بين القدر والقضاء؟\nج/ يأتي إن شاء الله.\nس٢/ يجعل الله سرّه في أضعف خلقه، إذا رأى مثلا شخصا ضعيفا؟\nج/ هذا المقصود به حكمته في الخلق، لا بأس به.\nس٣/ هل يدخل الغيب تحت القدر؟\nج/ نعم كل مُغَيَّب فهو مقدر.\nس٤/ هل يصح قول (ما ليس بشيء فإنَّ الله لا يعلمه)؟\nج/ ما معنى (ما ليس بشيء فإنَّ الله لا يعلمه)؟ والله على كل شيء قدير والذي ليس بشيء فإنَّ الله ﷾ غير قادر عليه لأنه ليس بشيء كالجمع بين النقيضين؟\nهذا الكلام غير منضبط لا من جهة كلام المناطقة ولا من جهة أيضا التعريف، فلا تُطْلَقْ عليه العبارة لأنها غير منضبطة؛ لأنه يقول ما ليس بشيء يعني الذي ليس بشيء، وما دام قال الذي فإنه شيء.\nس٥/ قبل إرادة الله الخلق للشيء وعلمه به، ماذا يسبقه، هل يسبقه جهل به؟\nج/ أستغفر الله وأتوب إليه، الله سبحانه علمه أول، وعلمه مرتبط بإرادته وحكمته - ﷿ - فلا يسبق علمه جهل - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\nس ٦/ نرجو أن تملوا علينا الأبيات الميمية في القضاء والقدر؟\nج/ الميمية هي أو التائية؟ تائية شيخ الإسلام القدرية هذه مشهورة ينبغي لطالب العلم أن يحفظ منها أو أن يحفظها؛ لأنها فيها ذكر كثير من مسائل القدر.\n[.....] (١)\nهذيك في التعليل مو في القضاء والقدر؛ في ترك تعليل أفعال الله - ﷿ - أو الخوض في ذلك، نأتيها إن شاء الله تعالى.\nهذه أبيات ذكرها ابن الوزير في كتابه إيثار الخلق على الحق دون نسبة، هي أبيات جميلة مهمة في مسألة تعليل الأفعال ومطلعها يقول فيها:\nتَسَلَّ عن الوفاق فربنا قد حكى بين الملائكة الخصاما\nكذا الخَضِرُ المكرّم والوجيه الـ ـمكلّم إذ ألم به لماما\nتكدَّر صفو جمعهما مرارا فعجّل صاحب السرّ الصَّرَاما\nففارقه الكليم كليم قلب وقد ثَنَّى على الخضر الملاما\nوماسبب الخلاف سوى اختلاف ال ـعلوم هناك بعضا أو تماما\nفكان من اللوازم أن يكون الإله مخالفا فيها الأناما\nفلا تجهل لها قدْرا وخُذها شكورًا للذي يحيى العظاما\nهذه قصة عظيمة قصة الخضر مع موسى فيها من الفوائد ما لا يحصى.\nنكتفي بهذا القدر ونلتقي إن شاء الله تعالى بخير وعافية، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.\n_________\n(١) مداخلة من أحد الطلبة","vol":"1","page":232},{"text":"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:\nالأسئلة:\nس١/ يقول: الإيمان بالأركان الستة منها ما لا يصح الإيمان إلا به، ومنها ما يجب على المؤمن أن يعتقده إذا بلغه بالدليل، فأرجو أن تبينوا دليل التفريق في ذلك؟\nج/ السؤال ما هو واضح من كل جهة، لكن مقصود السائل أنّ أركان الإيمان هي الأركان الستّة المعروفة قال - ﷿ - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقال - ﷿ - ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]، وقال - ﷿ - في ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦]، وقال - ﷿ - ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فأركان الإيمان الستّة دل الدليل على وجوب الإيمان بها وأنها أركان الإيمان، وهذه الأركان هي التي جاءت في حديث جبريل ﵇، قال: ما الإيمان؟ قال «الإيمان أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُِلهِ وَاليَوْمِ الآخِر، وبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ مِنَ الله تعالى»، هذا الإيمان الواجب متوقّف على العلم، فهذا القَدْرْ المجمل في الإيمان بالله، بالملائكة، بالكتب، بالرسل، القَدْرْ المجمل هذا واجب على كل أحد؛ لأنّه لا يصحّ الإيمان إلا بقدْرٍ منه، وهذا القَدْرْ هو الذي يتوقف عليه الإيمان بهذه الأمور الستّة، ولذلك ذكرنا لك التقييدات، ما ضابط الإيمان بالملائكة الذي يصح به الإيمان؟ ضابط الإيمان بالكتب؟ يعني القَدْرْ المجزئ، ما القَدْرْ المجزئ في الإيمان باليوم الآخر؟ ما القَدْرْ المجزئ من الإيمان بالقدر؟ ذكرناه لكم بالتفصيل ترجعون إليه.\nما زاد على ذلك -على القَدْرْ المجزئ- فهو راجع إلى العلم فمن عَلِمَ شيئًا وَجَبَ عليه أن يؤمن به من عَلِمَ أن ثَمة ملك اسمه جبريل وجب عليه أن يؤمن بجبريل، ثَمة ملك اسمه ميكال في القرآن ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨] وجب عليه أن يؤمن بميكال، من عَلِمَ أنَّ في السنة بعذاب القبر أو بالقرآن ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١] وجب عليه الإيمان بعذاب القبر.\nفإذًا ثمة قدر مجزئ من الإيمان هذا شرط في صحة الإيمان، أو هو شرط في صحة الإيمان بهذا الركن الخاص من الأركان الستة، ما بعد ذلك ما هو زائد على هذا القدر المجزئ فهو موقوف على العلم بالدليل، وهذه قاعدة الشريعة.\nس٢/ كثيرا ما نقرأ ونسمع هذا يدل على كذا بالمطابقة، وعلى كذا بالالتزام، وعلى كذا بالتضمن، فما معنى هذه الثلاث وما الفرق بينها؟\nج/ المطابقة والتّضمّن والالتزام هي في أصلها من البحوث المنطقية، مطابقة تضمّن والتزام يبحثها المناطقة في أول كتب المنطق، ونَقَلَهَا اللغويون ونقلها الأصوليون في كتبهم فأصبح الناس يستفيدون ممن لم يُقْبِلْ على كتب المنطق يستفيدونها من كتب الأصول، سيَّما أنّ أئمة أهل السنة استفادوا منها في مباحث الأسماء والصّفات كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وعدد من أئمة الدعوة، ومعناها:\n- المطابقة: هي دلالة اللفظ على كل معناه.\n- التضمن: دلالة اللفظ على بعض معناه.\n- اللزوم: دلالة اللفظ على شيء آخر يلزم لوجود هذه الصفة وجود ذلك الشيء الآخر.\nمثاله: في صفاته الله - ﷿ - الرحيم.\nالرحيم مطابقة هذا اللفظ يعني المعنى بالمطابقة ذاتٌ متصفة بالرحمة، فجمعت المطابقة ما بين الذات وما بين صفة الرحمة.\nفإذًا نقول الرحيم دال على الرحمة بالمطابقة، صح أو غلط؟\nهذا ليس بصحيح، نقول: دال على ذات متصفة بالرحمة؛ يعني الاثنين يعني هذا زائد هذا، جميعًا، هذا معنى المطابقة.\nيأتي التضمن على بعض المعنى إذا قلنا الرحيم دالٌّ على صفة الرحمة يكون بالتضمن.\nيأتي اللزوم الرحيم دالٌّ على صفة الحياة يعني هل هو يكون رحيما بلا حياة؟\nيدل على الإرادة، هل هو رحيم بلا إرادة؟\nيدل على الكرم، هل ثم رحمة بلا كرم؟\nونحو ذلك من أدوات أو دلالات اللزوم المختلفة.\nس٣/ من قواعد أهل السنة في باب الأسماء والصفات أنَّ الاسم من الأسماء الحسنى متضمن للصفة، ولا يشتق من الصفة الاسم، وقد أشْكَلَ عليّ بعض الأسماء التي ذَكَرَهَا العلماء مشتقة من الصفات كالمعز المذل المحيي المميت وكالخافض الرافع، القابض الباسط والمعطي المانع؟","vol":"1","page":233},{"text":"ج/ هذه الأسماء كمالها في اجتماعها في اقترانها، ومسألة الاشتقاق هذا في الانفراد، أما إذا كان الكمال في الاقتران فإنه لا بأس، ولذلك عدّوها من الأسماء الحسنى؛ لأنَّ الكمال في الاقتران، والاسم هذا من الأسماء الحسنى مع الاقتران يعني المميت ليس من الأسماء الحسنى؛ لكن المحيي المميت من الأسماء الحسنى، الخافض ليس من الأسماء الحسنى في نفسه، لكن الرافع الخافض من الأسماء الحسنى وهكذا.\nفإذًا هذه كمالها في اقترانها تدلّ على الكمال بالاقتران لا على وجه الانفراد.\nس٤/ هل يجوز الدعاء بـ: اللهم ربّ الأرواح الغائبة والأجساد البالية؟\nج/ الأرواح الغائبة مخلوقة لله - ﷿ - وهو ربها، والأجساد البالية أيضًا الله - ﷿ - ربها وهو أعلم بها وأين تفرقت أجزاؤها، فظاهر الدعاء أنه لم يشتمل على غلط.\nلكن مما ينبغي التنبيه عليه أنَّ القاعدة أن الدعاء يتحرى فيه المرء الصواب، وأن لا يكون معتديا في الدعاء، والاعتداء في الدعاء:\n- إما أن يكون في الطلب، يعني في صيغة الدعاء فيها اعتداء؛ ولكن يكون المطلوب طيّب.\n- وإما أن يكون في المطلوب، يعني في الشيء الذي سأله.\nمثال الثاني معروف الذي سأل وقال: اللهم إني أسألك القصر الأبيض ... الجنة إلى آخره، فهذا اعتداء في الدعاء من جهة المطلوب.\nلكن من جهة الطلب نفسه أن يستعمل صِيَغًاُ ليست من الصيغ التي فيها تَأَدُّبْ، أو صيغ ليس له أن يستعملها هو من جهة المعنى، أو أنّ فيها نوع نزول في مخاطبة الله - ﷿ - ونحو ذلك، هذه تكون من الاعتداء في الدّعاء، ولذلك كلّما اجتهد المرء في أن يكون دعاؤه مأثورًا كان أسلم وأعظم وأجمع للدّعاء.\nس٥/ ما هي الحجة التقريرية والحجة الفطرية في آية الميثاق؟\nج/ آية الميثاق أظنه يعني بها قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢-١٧٤]، هذه عند بعض أهل العلم تسمى آية الميثاق؛ لكن في الواقع ليس فيها ذكر للميثاق كما ذكرنا لكم وإنما فيها الإشْهَادْ، وهذا الإشهاد كما مر معنا تفسيره إنما هو دليل الفطرة والربوبية وآيات الله - ﷿ - في الآفاق وفي الأنفس.\nفإذًا الحجة التقريرية في حد سؤال السائل هي إقرار أولئك بما أقرَّهُمْ الله - ﷿ - عليه وشَهِدَ بعضهم على بعض أنَّ الله ربهم وأنه لا إله إلا الله.\nوالحجة الفطرية هي ما فُطِرُوا عليه يعني منذ بداية خلقهم هم فُطِرُوا على الإسلام فُطِرُوا على التوحيد، وهذه الحجة ليست حجة كافية في الحساب؛ بل لابد أن ينظمّ معها الحجة الرّسالية، فالحجة الفطرية لا تكفي؛ بل لابد من الحجة الرسالية في الحساب والعقاب.\nإلا فيمن لم يَبْلُغْ فإنّ الفطرة تكفيه، الفطرة الأصلية تكفيه، فيمن مات قبل البلوغ، فإنه على الفطرة من أبناء المسلمين، وأما أبناء المشركين فهم على الخلاف المعروف في شأنهم والنبي ﷺ سئل عن أطفال المشركين فقال «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١) رواه البخاري وغيره.\nس٦/ نقل المرداوي في شرح اللامية عن السلف أنَّ تفسير آيات الصفات عندهم هو قراءتها من غير التعرض لمعناها، ونقل عن الفضيل بن عياض أنَّ تفسير آيات الصفات قراءتها فهل ذلك صحيح؟\nج/ السلف ربما قال بعضهم (أمرّوها كما جاءت)، تفسيرها قراءتها، وربما قال بعضهم (لا كيف ولا معنى)، يعنون بذلك أنه ليس ثَمَّ شيء غير الظاهر، لا كيف كما يقول المجسمة، ولا معنى -غير الظاهر- كما يقول المؤولة، قراءتها تفسيرها يعني كما يتبادر إلى الذهن لأن هذه كلمات عربية فما تبادر للذهن من معناها فهو الذي يجب الإيمان به، مع قطع الطمع عن الإدراك.\nس٧/ أشكل علينا قولكم إن العلم يكون مع أول الإرادة، وما هي الإرادة المقصودة؟\nج/ هذه كلمة أردت بها التوضيح، وأشكلت على كثير من الإخوان، وهي سليمة في نفسها صحيحة؛ لكن لأجل عدم الاستيعاب أتركوها، وهي للإيضاح ليست للاعتقاد، هي للإيضاح، كلمة للإيضاح فاحذفوها من كتاباتكم، وإن أمكن أيضا من التسجيل لئلا يوقع الناس في اللَّبس.\nس٨/ لماذا نقول عموم المشيئة ولا نقول المشيئة دون ذكر كلمة العموم؟\nج/ لأنَّ المشيئة ما تُبَيِّنْ الفرق ما بين السني والقدري، في مباحث القدر نقول: عموم المشيئة لنُدخل طاعة المطيع ومعصية العاصي في مشيئة الله - ﷻ -.\n_________\n(١) البخاري (١٣٨٤) / مسلم (٦٩٣٥) / أبو داود (٤٧١١) / النسائي (١٩٤٩)","vol":"1","page":234},{"text":"س٩/ في سورة التكوير ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] إلى آخره، هل هذه الآيات بعد البعث وقيام أهل القبور أم قبله؟ وكيف الجمع مع قوله ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٤]؛ ﴿الْعِشَارُ﴾ معناها الإبل التي قَرُبَ حملها، فهل هي لم تتم أم ماذا؟\nج/ الجواب أنَّ هذه التغيرات التي تحدث في ملكوت الله - ﷿ - في الأرض وفي السماء وتفجير البحار وانشقاق السماء وما يحدث مما في القرآن كثير أو ذكر كثير من الآيات في هذا الباب.\nهذا على الصحيح أنه يحدث بين النفختين، بين النفخة الأولى التي هي نفخة الصعق والنفخة الثانية التي هي نفخة البعث، فبين النفختين تحدث هذه الأشياء والنبي ﷺ صح عنه أنه قال «مَا بَيْنَ النّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ» (١) قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قال النبي ﷺ «وكل شيء يَبْلَىَ من ابن آدم إلا عَجْبُ الذّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ وذلك لأنَّ السماء تُمْطِرُ يوم القيامة في هذه الأربعين مطرًَا كمني الرّجال، مُشَبَّهْ بذلك، تنبت منه أجساد الناس،، فإذا نبتت الأجساد وانشقت الأرض وأخرجت أثقالها؛ يعني من المدفونين، في هذه الفترة الأرض تغيرت، الجبال سُيَّرَتْ والسماء تغيرت وبُدِّلَتْ الأرض غير الأرض والسماوات، يعني صار الأمر أمرًا جديدًا ليس هو المألوف، لا الأرض هي الأرض، ولا السماء هي السماء، السماء الآن تستعد لنزول الله - ﷿ - لفصل القضاء، والأرض كذلك، فيستوي من دُفن وراء الجبال ومن دفن في ساحل البحر، كلهم يستوون، الأرض سيرت جبالها وتغيرت، فيسيرون سيرًا واحدًا.\nثم بعد ذلك ينفخ الله - ﷿ - في الصور نفخة البعث فتتطاير الأرواح، فتهتز الأجساد بالأرواح حية، ثم ينظرون يتلفّتون؛ لأنَّ الأرض مختلفة، كما قال سبحانه ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ لأنه انشقت بها الأرض ﴿يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] يعني ينظرون ما حولهم، ويكرم الله - ﷿ - أهل الإيمان بأن يأتي لهم بجوار قبورهم بجوار أمكنتهم بنَجَائِبَ من نور من الجنة فيحشرهم إليه وفدًا لا يتعبون في السير إلى أرض المحشر، وهذه أول البشائر لهم، ويُذل الله - ﷿ - أهل الكفر بأن يجعلهم يحشرون ويساقون إلى جهنم، وهذا معنى قوله تعالى ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥]، الوفد في اللغة هم الراكبون يقدمون راكبين مكرمين، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦]، والعياذ بالله.\nفهذا بعض ما يتعلّق بهذه المسألة.\nوهذه لابد أنك تعرفها، طالب العلم من المهم أن يعرف في إيمانه باليوم الآخر ماذا يحدث من حين الوفاة إلى دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، حتى ما بعد ذلك ما الذي يحصل.\nلا بد تعرف، نفخ في الصور، نفخة البعث، نفخة الصعق قبل ذلك، ما الذي يحصل؟ ثم نفخة البعث ما الذي يحصل بعدها، سِيْقُوا، ترتيب الأشياء.\nفي عرصات القيامة، ما الذي يحصل أول؟ الميزان أول، أم الحوض أول، ولا تطاير الصحف، يعني كل هذه الأشياء التي هي من جملة الإيمان باليوم الآخر لابد من أن يتعلّمها طالب العلم، فتكون عنده مرتبة من إحياء الله - ﷿ - الموتى إلى دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وهي مرتبة في كتب أهل العلم وإذا كانت غير مرتبة فرتّبها.\nوإذا فهمتها فهما جيدا فإذًا يكون بعد ذلك فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعرفة دلالات الآيات في ذلك واضحة في ذهنك مرتبة، إذا جاء مثلًا تطاير الصحف متى يكون؟ واضح زمنه عنك، إذا جاء عدم الكلام، ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس:٦٥] متى يكون ذلك؟ واضح عندك أيضا، وهكذا.\nفيتعلم المرء بذلك العقيدة وعلم الجزاء، وهذا من العلوم الثلاثة المهمة لأنَّ العلوم النافعة ثلاثة -العلوم الشرعية- التوحيد والفقه وعلم الجزاء اليوم الآخر وهذا هو الذي ذكره ابن القيم في النونية حيث يقول:\nوالعلم أقسام ثلاث مالها ****** من رابع والحق ذو تبيانِ\nعلم بأوصاف الإله وفعله ****** وكذلك الأسماء للديانِ\nوالأمر والنهي الذي هو دينه ****** وجزاؤه يوم المعاد الثاني\nوالكلُّ في القرآن والسنن التي ****** جاءت عن المبعوث بالفرقان\nس١٠/ هل من كلام حول من قال إنه يوجد في القرآن مجاز.\nج/ الله المستعان، هذه المسألة طويلة ذكرناها لكم الظاهر مرارًا، الكلام عليها يطول جدًا.\nس١١/ هل هناك فرق بين الأمر والقَدَرَ؟\nج/ ما فيه شك، الأمر أعم.\n_________\n(١) البخاري (٤٨١٤) / مسلم (٧٦٠٢)","vol":"1","page":235},{"text":"س١٢/ في قول النبي ﷺ «إنّ الله جميل يحب الجمال» (١)، «إنّ الله وتر يحب الوتر» (٢)، ونحوها من الأحاديث، هل هذه النصوص من باب الإخبار عن الله - ﷿ - بصفاته الذاتية والفعلية؟ أم المراد منها إثبات هذه الأسماء في الأسماء الحسنى؟\nج/ ذكرنا لك أنَّ الشروط التي بها يكون الاسم من أسماء الله الحسنى ثلاثة: (٣)\nالشرط الأول: أن يكون واردا في الكتاب أو السنة أو فيهما معًا؛ يعني قد جاء به النص؛ لأن باب الأسماء والصفات توقيفي ليس اجتهاديًا.\nالشرط الثاني: أن يكون الاسم متضمنًا لكمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه.\nالثالث: أن يكون الاسم يُدْعَى الله - ﷿ - به، كما قال سبحانه ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] .\nذكرنا لكم أنَّ هذه الشروط الثلاثة في شرح العقيدة الأصفهانية.\nس١٣/ ما المقصود بالمقلّد في العقيدة، وما هو حكمه؟\nالمقلد في العقيدة الذي أخذ ما يَصِحُّ به الدين أو ما لا يصح الدين إلا به تقليدًا لا عن دليل، وهذا لا يُقْبَلُ منه؛ بل لابد لكل أحد أن يعلم دينه بدليله، ليعلم معنى الشهادتين بدليله، يعلم فَرَضِيَّةْ الصلاة بدليلها، يعلم فَرَضِيَّةْ الزكاة بدليلها، يعلم فَرَضِيَّةْ الصوم بدليلها، يعلم فَرَضِيَّةْ الحج بدليله، هذه الأركان الخمسة.\nوهذه يكفي في تعلمها بدليلها مرّة في العمر في أن يتعلمها فيدخل في الإيمان عن عِلْمٍ بهذا الدّليل، فلو نسيه بعد ذلك أو غاب عنه أو غفل لم يؤثّر في استدامة وصحة إيمانه وإسلامه.\nهذا هو معنى التقليد وحكمه عند أهل السنة.\nأما تقليد المتكلّمين فهذا له بحث آخر، فتقليدهم يعنون به التقليد في النظر أو في إثبات دليل الوجود عن طريق التأمل في آلاء الله - ﷿ - أو القصد إلى التأمل.\nلعلنا نكتفي بذلك.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. (٤)\n_________\n(١) مسلم (٢٧٥)\n(٢) مسلم (٦٩٨٥) / أبو داود (١٤١٦) / الترمذي (٤٥٣) / ابن ماجه (١١٦٩)\n(٣) راجع الشريط الثاني (المسألة الثانية/٢١)\n(٤) انتهى الشريط الساّبع عشر.","vol":"1","page":236},{"text":": [[الشريط الثامن عشر]]:\n\nوَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ، فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ.\n_________\nهذه الجمل من كلام العلامة الطحاوي ﵀ فيها إشارة إلى القَدَرْ مع عدم ذِكْرِ معتقد أهل السنة والجماعة على وجه التفصيل فيه.\nوقد سبق أن ذكرنا بعض المسائل فيه؛ ولكن نعيد المسائل من أولها حتى يرتبط الموضوع لبُعْدِ العهد بما سبق.\n[قال (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ)]\nيعني بقوله (أَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ) أنَّ القَدَرْ من الأسرار في كمال درجاته ومراتبه فإنّ الله ﷾ لم يكشف قَدَرَهُ على وجه التفصيل لأحَدْ؛ بل هذا عِلْمُهُ عند الله - ﷿ -.\n\nلهذا قال بعدها (لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ)\nوإذا كان ملائكة الله المُقَرَّبُون لم يطَّلعوا على القَدَرْ على وجه التفصيل، وكذلك الأنبياء المرسلون الذين هم صفوة عباد الله لم يطَّلعوا على ذلك على وجه التفصيل فإنّ التعمق والنظر في ذلك ذريعة للخذلان.\nوذريعة الخذلان يعني وسيلة من وسائل سلب التوفيق؛ لأنَّ الله منع العباد عن ذلك ولم يأمرهم بالبحث في هذا ولا بالتعمق فيه.\nوإذا كان الصفوة لم يُطْلَعُوا على ذلك ولم يَطَّلِعُوا عليه فإذًا الباب مغلق وإذًا لا تحاول كشفًا للقدر.\nومعنى كشف القدر ما ذكره في جُمَلِهِ بأن يحذر المسلم من التفكير في تقدير الله - ﷿ - للأشياء نَظَرًَا في العلل وفِكْرًَا في الحِكَمْ ووسوسةً في لم فعل ذلك؟ ولم حصل؟ ولم قُدِّرَ كذا؟ ولم وفق هذا. ولم خذل ذلك؟ ولم حصل كيت وكيت؟\nفإنَّ الله سبحانه طوى علم القدر عن أنامه، ولذلك نهاهم عن تطلُّبه قال ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .\nفإذًا إذا تبين ذلك فإيماننا بقدر الله - ﷿ - إيمانٌ بما جاء في النصوص من تفصيل ما يجب علينا أن نؤمن به.\nثُمَّ إيمان إجمالي وهو ركن الإيمان؛ لأنّ كل شيء فإنه بتقدير الله - ﷿ -، لأنَّ من أركان الإيمان، الإيمان بالقدر خيره وشره.\nيعني أن نؤمن بأنَّ ما حصل من الخير والشر بالنسبة إلينا فإنه بتقدير الله - ﷿ -.\nيعني لَمْ تَحْصُلْ الأشياء ابتداءً دون تقديرً من الله وعِلْمٍ وكِتَابَةٍ ومَشِيئَةٍ وخَلْقٍ لله - ﷿ -، بل الله الذي عَلِمَهَا وكَتَبَهَا وقَدَّرَهَا وشَاءَهَا، فلم يحصل شيء ولا يحصل شيء إلا بتقدير الله - ﷿ - وإذنه الكوني.\nإذا تبين ذلك فإنَّ الإيمان الإجمالي لما ذكرت هذا ركن الإيمان، ما يصح إيمان أحد حتى يؤمن بهذا القَدْرْ، وهو أنَّ كل شيء بِقَدَرْ وأَنَّ الأشياء يُقَدِّرُهَا الله - ﷿ - فيما سبق.\nثُمَّ الإيمان التفصيلي بما عَلِمَ تَفْصِيلًَا من نصوص الكتاب والسّنة بما يدخل في بحث القَدَرْ.\nفإذا جاءه الدليل أنَّ مِنَ القدر عِلْمُ الله السابق فإنه يؤمن بذلك، وإذا جاءه الدليل أنَّ الله خالق كل شيء فيؤمن بهذا العموم؛ عموم خَلْقِ الله - ﷿ - للأشياء بما في ذلك طاعة المطيع ومعصية العاصي، إذا عَلِمَ عموم مشيئة الله - ﷿ - وأنَّ مشيئة العبد لا تستقل بإحداث الأشياء بل لابد من مشيئة الله - ﷿ - آمن بذلك على وجه التفصيل، فيكون ذلك من الإيمان الواجب لأنه عَلِمَ الدليل الذي يجب عليه الإيقان به.\nبحْثُ القَدَرْ بَحْثٌ طويل، وقد يحتاج الأمر لبسطه إلى مجالس عديدة ودروس متنوّعة، ولعلي أرتبه لك في مسائل فيها مزيد تفصيل عما سبق ذكره لك في الدروس السابقة مثل الواسطية والشروح الأُخَرْ ليحصل مزيد علم عمّا سبق إن شاء الله تعالى، فنقول:","vol":"1","page":237},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالقَدْرْ في اللغة بمعنى ترتيب الشيء ليكون على وَجْهٍ ما، فيُقَال قَدَّرْت أو تقول قَدَّرْتُ أن يكون الأمر كذا وكذا، إذا رَتَّبْتَ أن يكون الأمر على هذا المنوال.\nفإذًا القَدَرْ في معناه اللغوي يدخل فيه الفعل، ويدخل فيه الإرادة والمشيئة، ويدخل فيه العلم، ويدخل فيه أيضا الحكمة بحسب من قَدَّرْ.\nوأما في الشريعة فالقَدَرْ يجمع أربعة أشياء:\n- يجمع العلم السابق.\n- والكتابة السابقة.\n- وعموم مشيئة الله - ﷿.\n- وعموم خلقه - ﷿ - للأشياء.\nولهذا عرَّفَ بعض أهل العلم القَدَرْ بأنَّ القَدَرْ: هو علم الله بالأشياء قبل وقوعها وكتابته لها في اللوح المحفوظ وعموم مشيئته لما يقع وخلقه - ﷿ - للأشياء كلها.\nوهذا في الواقع تعريفٌ من باب ليس حدًّا، يعني على صناعة الحدود ولكنه تعريف يشمل مراتب الإيمان بالقدر الأربعة ولِيُدْخِلَ ذلك في تعريف القدر عند أهل السنة والجماعة.","vol":"1","page":238},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالقَدَرْ مرّ بك تعريفه.\nوأما القضاء فإنه في اللغة بمعنى إنهاء الشيء، وقد يكون الإنهاء إنهاء عمل وقد يكون إنهاء خبر، ولهذا جاء في القرآن تنوّع معنى القضاء إلى عدة معاني:\n١ - المعنى الأول أنَّ القضاء يكون بمعنى الإنهاء كما قال سبحانه ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]، وقال ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ [سبإ:١٤] .\n٢ - المعنى الثاني أنَّ القضاء بمعنى الوحي وذلك إذا عدي بـ (إلى)، قضينا إلى، قَضَى إلى، يكون إنهاء الخبر بالوحي كما قال - ﷿ - ﴿وَقَضَيْنَا إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء:٤] يعني أوحينا إلى بني إسرائيل وأعلمناهم وأخبرناهم، وقال أيضا - ﷿ - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٦٦] ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ يعني أوحينا إليه وأنهينا إليه ذلك الخبر بالوحي.\n٣ - المعنى الثالث أنَّ القضاء يكون بمعنى القَدَرْ كما قال - ﷿ - ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢]، يعني قَدَّرَ ذلك وخلقه وفعله، وكما في قوله أيضا ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾ [سبإ:١٤]، على أنَّهُ بمعنى القَدَرْ؛ لأنَّ الإنهاء يدخل في القَدَرْ.\nولهذا المعنى قال جمع من أهل العلم إنَّ القضاء والقَدَرْ بمعنى واحد؛ لأجل أنهم لحظوا أنَّ معنى القضاء داخل في معنى القَدَرْ، وأنَّ القدر والقضاء لا فرق بينهما.\nممن ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم منهم ابن الجوزي وكثير من العلماء السابقين.\n* وأما فيما دَلَّتْ عليه نصوص الكتاب والسنة فإنَّ القَدَرْ غير القضاء، وهذه الغيرية بمعنى أنَّ القَدَرْ أعم من القضاء، والقضاء قد يكون بعض مراتب القَدَرْ من حيث الإطلاق.\nولهذا قال بعض أهل العلم في تبيين ذلك: إنَّ القضاء هو القَدَرْ إذا وقع، وقبل وقوع المقدر لا يسمى قضاء.\nذلك لأنَّ كلمة قضاء -كما رأيت في معناها في اللغة وفي استعمالات القرآن أنها بمعنى الإنهاء إنهاء الشيء إنهاء الخلق إلى آخره.\nوالقَدَرْ إذا وقع وانتهى صار قضاءً، قُضِيَ ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف:٤١]، يعني انتهى ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]، يعني أحكم بما شئت وأنهى الأمر على أي وجه شئت.\nفإذًا يكون القضاء هو إنهاء القَدَرْ، وهذا يتبيّن بأنَّ مراتب القَدَرْ الأربعة التي سيأتي بيانها منها مرتبتان سابقتان وهي مرتبة العلم والكتابة، ومنها مرتبتان -وهي عموم المشيئة وعموم الخلق لله - ﷿ -- هاتان المرتبتان مقارنتان لوقوع المقدر.\nولهذا إذا نُظِرَ لوقوع المُقَدَّرْ من جهة عموم الخلق وعموم المشيئة فإنَّهُ حينئذٍ يكون قضاءً لله - ﷿ - لهذا الشيء.\nقضى الله - ﷿ - الأمر على كذا وكذا بمعنى خلقه وشاءه.\nولهذا نظر من نَظَرْ في أنَّ القضاء داخل في القَدَرْ فلذلك قالوا القضاء والقدر بمعنى واحد.\nلكن على التحقيق ليس القضاء والقدر بمعنى واحد، وإنما القضاء هو وقوع المُقَدَّرْ، فإذا وقع القَدَرْ السابق وانتهى سُمِّيَ قَضَاءً، قُضِيَ وانتهى وهو المُقَدَّرْ، ولاشك أنَّ الذي يقع مقدر ويكون قضاء.\nولهذا نقول القضاء، والقَدَرْ بينهما فرق فإن:\n- القَدَرْ أعم، والقضاء أخص.\n- والقَدَرْ سابق، والقضاء لاحق.\n- والقَدَرْ فيه عدة صفات لله - ﷿ -: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأما القضاء قضاء الله - ﷿ - للشيء في نفسه يدل على خلقه ﷾ للشيء ومشيئته له.\nلهذا على الصحيح أنَّ القضاء والقَدَرْ ليسا بمعنى واحد ولا يتواردان، يعني ما يُسْتَعْمَل أحدهما بمعنى الآخر؛ بل القَدَرْ أعم.","vol":"1","page":239},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالإيمان بالقدر يشمل أربع مراتب:\nأما مرتبتان فسابقتان قبل خلق السموات والأرض قبل خلق الأشياء وهما:\n١ - المرتبة الأولى: علم الله - ﷿ - السابق.\n٢ - المرتبة الثانية: كتابه - ﷿ - للأشياء في اللوح المحفوظ.\n@ وعلم الله السابق بالأشياء: علم أزلي والله ﷾ عِلْمُهُ صفة ذاتية له، فما شاء الله - ﷿ - أو أراد أن يُوقِعَهُ في ملكوته مُوَقَتًا بوقته مُقَدَّرًا بزمان وصفتة فإنه ﷾ عَلِمَ ذلك على وجه التفصيل لكمال علمه وأنه سبحانه بكل شيء عليم.\n@ وأما كتابه - ﷿ - للأشياء: فإنَّ الله كَتَبَ مقادير الخلائق مؤخرًا؛ يعني قبل خَلْقِ السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم وغيره «قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) .\nوقوله (قَدَّرَ الله) يعني كَتَبَ لأنَّ المرتبة السابقة للعلم هي قبل ذلك.\nعِلْمُ الله - ﷿ - أول علم الله أزلي، يعني لم يَزَلْ.\nفإذًا نقول إنَّ مرتبة الكتابة هي كتابة الله - ﷿ - للأشياء على وجه الإجمال والتفصيل في اللوح المحفوظ كما قال سبحانه ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣]، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال - ﷿ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، ونحو ذلك من الأدلة.\nوالأدلة لهاتين المرتبتين كثيرة في القرآن والسنة.\n٣ - أما المرتبة الثالثة فهي مرتبة عموم مشيئة الله - ﷿ -:\nفإنه ما شاء الله كان وما لن يشأ لم يكن.\nفطاعة المطيع وقعت بمشيئة الله، ومعصية العاصي وقعت بمشيئة الله، إحياء النفس وقع بمشيئة الله، وقتل النفس وإزهاق روحها ظُلْمًا وعدوانا وقع أيضا بمشيئة الله - ﷿ -.\nفالله سبحانه شَاءَ كل ما وقع، فما وقع في ملكوته لا يمكن أن يوقعه العبد إلا إذا شاءه الله - ﷿ - بما في ذلك الأمور المحمودة عند الإنسان والأمور المذمومة عند الإنسان، الخير بالنسبة للإنسان والشر بالنسبة للإنسان كل ذلك وقع بمشيئة الله - ﷿ -، ولا يخرج أحد عن مشيئته، قال سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، وقال سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وقال سبحانه ﴿مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]، وقال سبحانه أيضا ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٥] .\nفإذًا ما يقع من الإضلال هو بمشيئة الله؛ لكن وقع بمشيئة الله لحكمةٍ لله - ﷿ - في وقوعها.\nفإذًا الله سبحانه شَاءَ الخير وشاء الشر وأذِنَ بوقوع الخير، وأَذِنَ بوقوع الشر كَونًَا.\nوأما من جهة الشرع، من جهة الدين فإنَّ الله سبحانه نهى عن الشر، نهى عن الكفر، نهى عن الكبائر، نهى عن المعصية، نهى عن الظلم وأمر بالإيمان وأمر بالعدل وأمر بالطاعة وأمر بالعبادة.\nفإذًا ثَمَّ فرق بين الإرادة الكونية وبين الإرادة الدينية.\nفالإرادة الكونية لا يُشْتَرَطُ لها وهي المشيئة أن يكون الشيء وقع والله ﷾ يُحِبُّهُ ويرضاه؛ بل قد يأذن الله - ﷿ - ويشاء بالشيء وهو لا يحبه ويرضاه، يأذن به كَونًَا ويشاؤه ويقع وهو لا يحبه ويرضاه من عباده، وهو لا يحبه ويرضاه أن يقع؛ لكن أَذِنَ به وشاءه لحكْمَةٍ له - ﷿ - في ابتلاء العباد؛ لكنه لم يرضه دينا، يعني ما أراده شريعةً، ما أرده دينًا، وهذا يحتِّمْ كما قال - ﷿ - ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] مع أنه ﴿وَمَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ﴾، ولكنه ﴿لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ .\nفإذًا دَلَّتْ الأدلة على التفريق ما بين الإرادة الكونية والإرادة القدرية، والإرادة الكونية هي المشيئة.\nلأنَّ الإرادة تنقسم إلى:\n- إرادة كونية.\n- وإرادة دينية\nوأما المشيئة فلا تنقسم، المشيئة هي الكونية يعني هي الإرادة الكونية.\nإذا تبين لك ذلك فمرتبة المشيئة هي المرتبة التي فيها الخلاف والضلال ما بين القدرية المتوسطة وبين أهل السنة والجماعة، هي في مسألة المشيئة.\nوالقدرية الذين ينفون القَدَرْ كالمعتزلة والرافضة وأشباه هؤلاء والزيدية كل هؤلاء يُنَزِّهُون ويقولون:\nإنَّ المشيئة لا تدخل في معصية العاصي ولا في كفر الكافر، فإنَّ كفر الكافر ومعصية العاصي هذه لم يشأ الله - ﷿ - أن تقع وإنما شاءها العبد وهي مكروهة لله - ﷿ - استدلالًا بقوله ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ .\n_________\n(١) سبق ذكره (٦١)","vol":"1","page":240},{"text":"والصواب في ذلك أنه ما من شيء يقع إلا بإذن الله، وإلا فيكون الله - ﷿ - يقع في ملكه ما لم يأذن به، وهذا وَصْفٌ لله - ﷿ - بالنقائص.\nبل عموم قدرة الله - ﷿ - وقوته وملكوته وجبروته وقهره وملكه لهذا الملكوت أنَّهُ لا يحصل شيء إلا بعلمه سبحانه وبإذنه ومشيئته؛ لكن له حكمة في أَنْ يقع هذا الشيء.\nفقتل القتيل ظلمًا وَقَعَ بمشيئة الله الكونية لكنه لم يأذن به شرعًا بل نهى عنه، اقتحام الكعبة والمسجد الحرام وإسالة الدم فيه لم يقع بإذن الله الشرعي ولكنه وقع بإذن الله الكوني.\nفإذًا يجتمع في إذن الله الكوني الطاعات والمعاصي، المحمود والمذموم، الشر والخير.\nوأما إذن الله الشرعي، إرادة الله الشرعية فهي ما أَمَرَ الله - ﷿ - به.\nوأما ما نهى عنه فإنه لم يُرِدْهُ شَرْعًَا.\nوهذا بيان مهم والمسألة معروفة لأكثر طلبة العلم في التفريق ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لهذه المسألة.\n٤ - أما المرتبة الرابعة فهي مرتبة عموم خلق الله - ﷿ - للأشياء:\nوأما خلق الله للأشياء فجميع المنتسبين للإسلام بل وغير المسلمين يؤمنون بأنَّ الله خالق الأشياء.\nلكن عموم خلق الله الأشياء بِضَابِطِ وقَيْدِ العموم هذا مما تميَّزَ به أهل السنة والجماعة إعمالًا وإيمانًَا بقول الله - ﷿ - ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢]، وقوله سبحانه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] .\nفإذًا الأشياء التي خَلَقَهَا الله - ﷿ - داخلة في قَدَرِ الله ﷾.\nيدخل في عموم خلق الله - ﷿ - للأشياء الكُفْرْ، ويدخل في ذلك معصية العاصي، ويدخل في ذلك عمل الإنسان بجميع أنواعه من الخير والشر وذلك لقوله سبحانه ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، يعني خلقكم والذي تعملونه.\n- فتكون ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، يعني اسم موصول بمعنى الذي.\n- أو تكون ﴿مَا﴾ مصدرية يعني حرف مصدري تُقَدَّرْ مع الفعل بعدها بمصدر فيكون تقدير الآية (والله خلقكم وعملكم) . (١)\nفما عَمِلَهُ الإنسان خَلَقَهُ الله - ﷿ - كما خَلَقَ ذات الإنسان خَلَقَ عمله، والله خلقكم وعملكم، أو والله خلقكم والذي تعلمونه.\nوهذا ظاهر، ويأتي بيان شُبَهْ الفِرَقْ والرد عليها مزيد تفصيل لعموم خلق الله - ﷿ - للأشياء.\n_________\n(١) راجع (٢٣١)","vol":"1","page":241},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nمنشأ الضلال في القدر، منشأ ضلال الفرق: الجبرية والقدرية يرجع إلى عدة أسباب: (١)\n١- السبب الأول: قياس أفعال الله - ﷿ - وتصرفاته سبحانه بأفعال الخلق.\nفيجعلون ما كان محمودًا في الخلق محمودًا في فِعْلِ الله - ﷿ -، وما كان مَذْمُومًَا في الخلق فيكون مَذْمُومًَا في فعل الله - ﷿ -.\nفعندهم أنَّ العدل محمود والظلم مذموم، فيجعلون العدل بتفسيره في الخَلْقْ والظلم بتفسيره في الخَلْقْ في حق الله، فما اقتضى العدل في المخلوق جَعَلُوهُ لله وما اقتضى الظلم في المخلوق جعلوه منفِيًَّا عن الله - ﷿ -.\nولذلك نفوا عموم المشيئة ونَفَوا عموم الخلق، لأنهم جَعَلُوا أنَّ إِذْنَ الله - ﷿ - بالكفر يقتضي الظلم؛ لأنه معناه الإلزام.\nوجعلوا خلق الله - ﷿ - لمعصية العاصي ولكُفْرِ الكافر جعلوا ذلك ظلمًا؛ لأنَّهُ في حق الإنسان إذا جَعل غيره يفعل ذلك الشيء فإنَّهُ قَهَرَهُ عليه وأَجْبَرَهُ عليه أو أنه أَذِنَ له به وهذا ظلم في حق الإنسان فيما بينهم.\nفيقولون: إِذْنُ ما كان عدلًا في الإنسان فهو عدل في الله وما كان ظلمًا في الإنسان فهو ظلم في الله لأنَّ تعريف العدل والظلم فيما جاء في النصوص هو التعريف اللغوي وهو الذي يشمل الإنسان ويشمل الله - ﷿ -.\n* وهذا في الحقيقة هو أعظم أسباب الضلال في هذه المسألة.\n٢ - السبب الثاني: عدم التفريق ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية.\nفيجعلون الإرادة والمشيئة شيء واحد، فما نُفِيَ مما لم يُرِدْهُ الله - ﷿ - شرعا جعلوه مَنْفِيًَّا كونا.\nفالله - ﷿ - لم يرد الكفر فجعلوه - ﷿ - لم يشأ الكفر؛ لأنَّ الإرادة عندهم قسم واحد، لم يرد المعصية فجعلوه لم يشأ المعصية، لم يرد الكبيرة جعلوه لم يشأ الكبيرة.\nوالإرادة كما ذكرنا منها إرادة شرعية ومنها إرادة كونية.\nوالإرادة الكونية هي المشيئة، وأما الإرادة الشرعية فهي التي تدخل فيها صفة المحبة والرضا لله - ﷿ -.\n٣- السبب الثالث: دخول العقل في التحسين والتقبيح.\nفيجعلون الأفعال التي تقع في ملكوت الله وتقدير الله - ﷿ - للأشياء يدخل فيه العقل مُحَسِّنًا ومُقَبِّحًا.\nوذلك لأنَّ العقل عندهم أصل، فقالوا: العقل يُعْمَلُ في أفعال الله فما حَسَّنَهُ العقل في أفعال الله صار حسنًا وما قبَّحَهُ العقل في أفعال الله - ﷿ - وجب نفيه عن الله - ﷿ -.\nوهذه هي المسألة المشهورة بالتحسين والتقبيح العقليين التي لها صلة بالأصول وبالفقه يعني بالتكليف ولها صلة أيضا بمبحث القضاء والقدر.\n٤- السبب الرابع: الدخول في أفعال الله - ﷿ - وعدم التسليم لمراد الله - ﷿ -.\nيعني الخوض في أفعال الله ﷾.\nوالخوض في أفعال الله - ﷿ - كما ذكر لك الطحاوي في ذلك (ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ) .\n(ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ) يعني وسيلة لأن يُخْذَلْ العبد، لأنه معناه أنك تريد أن تصل إلى معرفة سر القَدَرْ وهذا لا يمكن.\n(سُلَّمُ الْحِرْمَانِ) لا يمكن أيضًا أن تدخل في أفعال الله فَتُحْرَمْ؛ ولأنَّ هذا سُلَّمُهُ الحرمان فتصل إلى أن تكون محرومًا.\nوكذلك أنَّه (دَرَجَةُ -من درجات- الطُّغْيَانِ) لأنَّ الإنسان رفع نفسه فوق ما لها، طَغَى وجاوز حَدَّهْ، فحَدَّهُ أن يتعبد الله - ﷿ - بالإيمان والتسليم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .\nفإذًا السؤال بـ (لم؟) هذا من منشأ الضلال فيمن ضَلَّ في الجبرية وفي القدرية وفي المتحيرين المتشككين الذين أنكروا الشريعة وضَلُّوا وأَلْحَدُوا بسبب الدخول في القَدَرْ.\nمن المعلوم أنَّ القَدَرْ فيه العِلْمْ، والعلم يتفاوت فيه الناس.\nوالله - ﷿ - يعلم ما يوافق حكمته - ﷿ -.\nالحكمة أين هي؟\nما يريده الله - ﷿ - من الابتلاء في خلقه.\nالله ﷾ يعلم ذلك، فأَوْقَعَ في خلقه ما يوافق الحكمة له؛ يعني ما يوافق مراداته في خلقه وحصول الابتلاء في ذاته، والإنسان قد ينظر فيكون علمه قاصرًا فلا يصل إلى حقيقة الإدراك.\nولهذا قال بعض السلف وتُنْسَبْ إلى أبي بكر ﵁ (العجز عن الإدراك إدراك)\nلم؟ (٢)\nلأنَّ إدراكات الذكي غير إدراكات البليد فإذا اعْتَرَضَ البليد على الذكي بأنَّ هذا الشيء ليس كذلك لأنَّ هذا ما يُعْقَلْ وهذا ما يحصُلْ فيكون هذا اعتراض لا عن علم وإنما عن جهل فَيُرَدْ على صاحبه فيكون هو المحروم.\nمثل جهل بعض الناس مثلًا ببعض الأجهزة.\nالكفار من النصارى أوَّل ما اخترع المسلمون الساعة أنكروها وخافوا منها، ورَجَعَ الأمر إلى أنَّ في بعض المخترعات للكفار في العصر الحديث رفضه بعض المسلمين وخافوا منه؛ وذلك لأنَّ ذلك فيه عَجْزًَا عن إدراك حقيقته، فرفضوا لأنهم عجزوا عن إلادراك.\n_________\n(١) راجع (٦٨)\n(٢) انتهى الوجه الأول من الشريط الثامن عشر.","vol":"1","page":242},{"text":"وهذا إذا كان في المخلوق فالله - ﷿ - له العلم الكامل وله العلم بكل شيء ﷾ يعلم الأشياء على تفاصيلها.\nوالإنسان علمه قاصر، فإذًا إذا خاض في القدر بعلمه القاصر فلاشك أنه سيعترض لأنه لا يعلم.\nوإذا اعترض على الله - ﷿ - فإنه سَيُخْذَلْ ويُحْرَمْ ويَتِيه ويُخْذَلْ ويضل الطريق كما حصل أنَّ أناسًا كثيرين ضلُّوا بسبب خوضهم في أفعال القدر.\nهذه وقد ذكرنا لكم كلمة شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته القدرية قال:\nوأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةِ هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ\nفإنَّهمُو لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ\nهذه بعض أسباب ومنشأ الضلال في باب القَدَرْ.","vol":"1","page":243},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nأنّ الناس في القَدَرْ الذين خالفوا أهل السنة والجماعة، لهم فِرَقْ كثيرة وهذه الفرق ترجع إلى فرقتين:\n١ - الأولى القدرية.\n٢ - الثانية الجبرية.\n@ ويُعنى بالقدرية: الذين أنكروا القدر، إما أنكروا كل المراتب، أو أنكروا بعض مراتب القَدَرْ التي ذكرنا لك.\n@ ويُعنى بالجبرية: الذين يزعمون أنَّ الإنسان لا اختيار له وأنه مجبور.\n&amp; أولًا: القدرية:\nالقدرية فرق يُلَخَّصْ اختلافهم في أنَّ:\n١- الفرقة الأولى: هم الغلاة الذين كانوا يُنكرون عِلْمَ الله - ﷿ - السابق فيقولون: إنَّ الله - ﷿ - لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه والأمر أُنُفْ، كما كان يقول معبد الجُهَنِي وغيلان الدمشقي وجماعة من الأولين.\nوهؤلاء هم الذين أنكروا علم الله السابق، فقالوا: إنَّ الله لا يعلم الأشياء حتى تقع والأمر أنف؛ يعني مستأنف جديد غير معلوم وغير مُقَدَّر له قبل ذلك.\nوهؤلاء هم الذين كفَّرَهُم السلف وكفَّرَهُم الصحابة كابن عمر وابن عباس وغير أولئك، وذلك لأنهم أنكروا مرتبة العلم، والله - ﷿ - ذكر عِلْمَهْ، فمعنى ذلك أنهم ردُّوا حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب فهو من الكافرين.\nوهؤلاء هم الذين قال فيهم السلف (ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خُصِمُوا وإن جحدوه كفروا) .\nوهذه الفرقة ذهبت ولا يُعْرَفْ أنها عقَّبَتْ وارثًا في الأعْصُرْ المتأخرة.\n٢ - الفرقة الثانية: وهم القدرية المتوسطة: المعتزلة والشيعة الرافضة والزيدية ومن نحا نحو أولئك.\nوهؤلاء لا يُنْكِرُونَ جميع المراتب؛ ولكن يُنْكِرُونَ بعض الأشياء في بعض المراتب.\nفيقولون: إنَّ المشيئة ثابتة لكن ليست عامة.\nويقولون: إنَّ الخلق ثابت ولكن ليس عامًَّا.\nوسُمُّوا بالقدرية لأنهم ينفون بعض مراتب القدر.\nوهذه الفرقة باقية إلى الآن المعتزلة موجودة الآن، الزيدية والرافضة والفرق موجودة في أمصار كثيرة من بلاد المسلمين، وهؤلاء هم الذين يأتي إن شاء الله ذكر بعض شبههم والرّد عليها بإذنه تعالى.\n&amp; ثانيًا: الجبرية:\nأما الجبرية فهم أيضا فِرَقْ منهم:\n١- الفرقة الأولى: هم الغلاة، وهم الذين يقولون إنَّ الإنسان مجبور على كل شيء، وحركاته كحركة الريشة في مهب الهواء، وكحركة الخشبة في البحر فإنَّ الأمواج تتقاذفها وليس لها اختيار، وكذلك الريشة يُقَلِّبُهَا الهواء وليس لها اختيار.\nالعبد يقولون ليس له اختيار وإنما هو مفعول به في كل أحواله، سواء من ذلك الطاعات والمعاصي، فَصَلَّى مجبورًا، وصام مجبورًا، وسرق مجبورًا، وغشّ مجبورًا.\nويقولون: إنَّ أفعال الله - ﷿ - غير مُعَلَّلَة، فقد يُدْخِلْ الله - ﷿ - إبليس الجنة، وقد يُدْخِلْ آدم النار؛ يعني من لازِمِ مذهبهم، فإنه لا تعليل في أفعال الله، قد يُعَذّب المطيع الصالح، وقد يُعْطِي ويُنَعِّم الكافر الطاغوت.\nلماذا؟\nلأنَّهُ يقول هؤلاء فَعَلُوا بغير اختيارهم، فالله ﷾ هو الذي أَجْبَرَ هذا أَجْبَرَ هذا، فله أن يَقْلِبَ الأمور لأنَّ هذا ما فعل الذنب باختياره، نعوذ بالله من الأقوال الضالة.\nوهؤلاء يمثّلهم -يعني الجبرية- يمثلهم طوائف من الصّلحاء في الزمن الأول ممن رأوا الفَنَاء في شهود الأمر الكوني.\nوممن قال أيضًا بهذا القول جهم ومن اتَّبَعَهُ، وأيضًا قال به طوائف من غلاة الصوفية يرون أنهم ليس لهم فعل البتة، فأفعالهم الظاهرة كحركة أمعائهم لا اختيار لهم فيها.\n٢- الفرقة الثانية: وهم الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم ممن غَلَوا في إثبات المشيئة، مشيئة الله - ﷿ - وخلقه، وقالوا إنَّ الإنسان ليس مجبورًا على كل حال؛ ولكن هو مجبور باطنًا لا ظاهرًا؛ يعني في الباطن مجبور ما يتحرك بإرادته ولكن في الظاهر تصرفاته بإرادته، فَيُحَاسَبُ على تصرفاته الظاهرة، وأما الذي دَفَعَهُ في الحقيقة فهو أمر باطن مُجْبَر عليه من الله - ﷿ -.\nوهذا في الحقيقة قولٌ بالجَبْرْ، ومشهور أنَّ الأشاعرة جبرية.\nولهذا لما عُرِضْت هذا الاعتراضات، اعْتُرِضْ على الأشعري في الحساب والعقاب والثواب قال: إنَّ الأفعال يُحَاسَبْ عليها العبد ويُنَعَّمْ ويُعَذَّبْ لأنه كسبها، وكَسْبُهُ لها من فعله.\nفإذًا يُعَاقَب ويُثَاب على ما كسب، والله - ﷿ - يقول ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] فأخذ من لفظ (كَسَبَ) في القرآن أنَّ الفعل الظاهر كَسَبَهُ العبد، يعني عمله فهو يحاسب على ما ظهر.\nوهذا الكسب عنده في الواقع ابتدأه أبو الحسن الأشعري دون سابق في هذه الأمة، فلهذا نَظَرَ أصحابه في تعريف الكسب، إيش معنى الكسب هذا الذي أحدثه الأشعري لقاء قوله بالجبر الباطن؟","vol":"1","page":244},{"text":"يقول إنَّ الإنسان يُفعل به وهو يَفْعَلْ، والأمر يحصل عند حركة الإنسان، مثل قطع السكين للخبزة، أو تكسير العصا للحجر، فإذا ضَرَبَ الإنسانُ الحجر بالعصا، يقول: إنَّ الحجر تنكسر لا بالضرب؛ ولكن عند الضرب، يعني كَسَرَ الله الحجر لا بِضَرْبِ الإنسان ولكن عند ضربه.\nيعني أنَّ الحجر ليس له خاصية الانكسار بضرب العصا، والعصا ليست لها خاصية الكَسْرْ -كسر الحجر-، والإنسان ليس فيه خاصية أنَّهُ يحمل العصا على الحقيقة ويكسر على الحقيقة.\nولهذا سماهم السلف نفاة التعليل ونفاة الأسباب، يعني ليس ثَمَّ شيء يُنْتِجُ شيئًا ليس ثم سَبَب يُنْتِجُ مُسَبَّبًَا\nعندهم كل شيء يحصل بخلْقٍ له منعزل عن غيره، لا بأسباب غيره.\nفالماء إذا نزل على الأرض نبت العشب لا بالماء، ولكن عند الإلتقاء.\nوما جاء في القرآن من ذكر حرف الباء ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ [النمل:٦٠] يعني لفظ ﴿بِهِ﴾ هذا يفسرونه بعنده هذا كثير في التفاسير فتنتبه لهم.\nإذًا خلصوا إلى أنَّ الإنسان يكسب العمل.\nوتفسير الكسب، كيف يَجْمَعْ ما بين الجبر الظاهر والجبر الباطن بالكسب اختلف فيه الأشاعرة على أقوال كثيرة وخلاصتها أنه لا مُحَصَّلَ لها وأنه مجبور لا مختار.\nولهذا قال القائل في البيت المعروف في بعض كتب العقائد المطولة قال:\nمما يقال ولا حقيقة تحته معقولةً تدنو لذي الأفهام\nالكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام (١)\nهذه ثلاثة أشياء لا حقيقة لها اخترعها أصحابها دون حقيقة.\nإذا تبين لك ذلك فلفظ الكسب له عدة استعمالات، أو الكسب عند الناس له ثلاث استعمالات، أو الناس في الكسب لهم ثلاثة أقوال -يعني بما تراه-:\n١- الأول: الكَسْبْ عند الأشاعرة هذا أوضحناه لك.\n٢- الثاني: كَسْبٌ بمعنى العَمَل، ما يعمله الإنسان باختياره ورغبته يكون كَسْبًَا له لأنه حَصَّلَهُ.\nمثل ما تقول: كسبتُ مثلا كذا من المال لأنَّه.... عمل شيئا فَحَصَّلْ هذا المال.\nكذلك الأعمال الصّالحة كَسْبٌ له؛ لأنه بذل فيها وعمل فكسب.\nوكذلك الأعمال السيئة عليه لأنه كسبها بجهده.\nوهذا هو المعنى الذي جاء في الكتاب والسنة، فمن استعمل الكسب في هذا المعنى فهو صحيح؛ لأنه قد جاء في القرآن والسنة مثل ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، ولفظ الكسب في القرآن كثير.\nفإذًا هذا المعنى واضح وصحيح.\nترجعون في تقسيم الكسب إلى الأقوال الثلاثة والحُجَجْ فيه؛ لأنه مهم إلى كتاب ابن القيم شفاء العليل.\nطولنا عليكم نرجئ بقية المباحث إن شاء الله إلى الأسبوع القادم. نكتفي بهذا القدر لأجل عدم الإطالة وإن شاء الله نلتقي بكم على خير حال.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.\n_________\n(١) قال شيخ الإسلام في رسالة له ضمن مجموع الفتاوي -أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل-ولهذا صار الناس يسخرون بمن قال هذا ويقولون: ثلاثة أشياء لا حقيقة لها طفرة النظام وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري.","vol":"1","page":245},{"text":"الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:\nذكرنا بعض المسائل التي تتعلق بمذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر، وآخر ما تكلمنا عليه تفسير الكَسْبْ عند الناس ونجعلها مسألة مستقلة أحسن فنقول:\n[المسألة السادسة]:\nلفظ الكَسْبْ جاء في القرآن في ذِكْرِ ما للمكلف وما عليه، فقال سبحانه ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (١) وقال - ﷿ - ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] ونحو ذلك من الآيات.\nولمَّا جاء لفظ الكسب في القرآن وفي السنة أيضًا جاء مذهب أهل السنة والجماعة بإثبات كَسْبْ المرء وتفسير الكَسْبْ بما دلت عليه النصوص وهو أنَّ كَسْبَ المرء هو عمله.\nفالكسب هو العمل والفعل، فقوله سبحانه ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يعني لها ما عملت، فالعمل هو الكَسْبْ، ودلّ على ذلك أنه - ﷿ - قال ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [النحل:١١١]، وفي الآية الأخرى ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ فدلّ على أنَّ الكَسْبْ هو العمل.\nوالناس أعني المذاهب الثلاثة المشهورة في باب القَدَرْ وهي مذهب الجبرية والقدرية وطريقة أهل السنة والحديث كلٌّ فسر الكَسْبْ على حسب معتقده:\n١- مذهب القَدَرِيَّةْ:\nفسَّرَ القدرية -وهم نُفاة القدر الذين يقولون: إنَّ العبد يخلق فعل نفسه وأنَّ الله - ﷿ - لا يخلق فعل العبد من المعتزلة ومن شابههم- قالوا: إنَّ معنى الكَسْبْ في هذه الآيات هو إيجاد العبد للفعل، وشَبَّهُوهُ بكسب التجارة فإنَّ كسب التجارة فعل، كما قال - ﷿ - ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] فما كَسَبَ الإنسان من التجارة أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧]، فَذَكَرْ الكسب في معرض التجارة فقالوا كذلك هو في فعله يكسب العمل الصالح كما يجتهد في كَسْبْ التجارة.\nفإذًا جعلوا الكَسْبْ هو إيجاد العبد الفعل على مذهبهم في خلق أفعال العباد.\nوذلك أنَّ لفظ الكَسْبْ فيه شيء من الاحتمال، ولهذا فسرته كل طائفة على مذهبها.\n٢- مذهب الجبرية:\nوالجبرية -كما ذكرنا لكم طرفًا من مذهبهم في قول الأشاعرة والجهمية- الجبرية فَسَّرُوا الكَسْبْ بأشياء كثيرة وبعبارات متنوعة لا حاصل معها على التحقيق، وذكرت لكم قول الشاعر أو قول أحد العلماء:\nمما يقال ولا حقيقة تحته معقولة تدنو لذي الأفهام\nالكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام\nفحين اخترع الأشعري مذهبه الذي هو جَبْرٌ باطن لا جَبْرًا ظاهرا، لما [.....] ووجد في لفظ الكَسْبْ في الكتاب والسنة مخرجًا له فقال الأعمال كسب.\nكيف يتوافق هذا مع قوله في القَدَرْ؟\nقال: الكَسْبْ عبارة عن تعلق القُدْرَةْ بالحال أو غير ذلك من التفاسير.\nواختلف أصحابه في تفسير الكَسْبْ على هذا الاصطلاح الذي هو كسب الجبر.\nكيف يكون للإنسان كسب وهو مجبور؟\nاختلفوا في تفسير الكَسْبْ على أوجه كثيرة أكثر من عشرة أوجه، وكلها راجعة إلى نوع من التعلق ما بين القدرة والإرادة والعمل والتكليف، وهذا فيه صعوبة في الربط بينها.\nولذلك أهل العلم حتى الأشاعرة قال محققوهم: إنه لا حصيلة تحت هذه العبارة التي هي عبارة الكَسْبْ على خلاف معنى العمل.\n٣ - مذهب أهل السنة والجماعة:\nأما القول الثالث في الكَسْبْ فهو قول أهل العلم والسنة والحديث من الصحابة رضوان الله عليهم فمن بعدهم فإنهم قالوا إنَّ الكَسْبَ هو العمل وهو الفعل، والله - ﷿ - قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وفَرَّقَ ما بين الكَسْبْ والاكتساب مع أنَّ كثيرًا من أهل العلم يجعلون الكَسْبَ والاكتساب بمعنى واحد؛ لكن في الآية قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يعني في الخير، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فجعل الاكتساب فيه زيادة في المَبْنَى؛ لأنّ فيه نوع كُلْفَة، فالخير موافق للفطرة فَيَكْسَبُهُ الإنسان لموافقته لفطرته مع أنَّه تكليف، وأمّا الشر والرَّدَى والضلال فإنه مخالف لفطرته.\nلذلك إتيان المحرمات وإتيان الموبقات ونحو ذلك على ما في الإنسان ربما من الشهوة لبعض ذلك لكن يحتاج معه إلى أن يُعْمِلَ نفسه، يعني أن يُتْعِبَ نفسه ويخالف فطرته في أن يأتي تلك الموبقات.\nلذلك زاد المبنى ليدل على أنها فيها نوع كَلَفَة ومشقّة في ما يعمله المرء من الشر، قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ يعني من الشر.\nفجعل أهل السنة الكسب بمعنى العمل.\n_________\n(١) البقرة:٢٨١، آل عمران:١٦١.","vol":"1","page":246},{"text":"[المسألة السابعة]:\nوهذه المسألة متعلقة بمعنى خلق الله - ﷿ - لفعل العبد، وتحقيق مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك.\nفقد قلنا: إنَّ الإنسان عَمَلُهُ من خير أو شر يضاف إليه حقيقة، فهو الذي عَمِلَ الخير حقيقة وهو الذي عَمِلَ الشر حقيقة.\nومع ذلك لا يقال: إنه خَلَقَ فعله، بل هو عَمِلَهُ ويُضَافُ إليه لأنه كَسَبَهُ وعَمِلَه.\nوأما خَلْقُ الفِعْلِ فالله - ﷿ - هو الذي خَلَقَ ﷾.\nوبيان ذلك في الفَرْقْ ما بين أهل السنة والجماعة وما بين مذهب القدرية والمعتزلة وأشباه هؤلاء:\nأنَّ العبد كَسَبَ العمل وعَمِلَ العمل حقيقة؛ لأنَّ ذلك العمل نتج عن شيئين فيه من الصفات لا يمكن له أن يُحْدِثَ العَمَلْ إلا بوجود هاتين الصفتين:\nفالصّفة الأولى: هي صفة القدرة التامة.\nوالصّفة الثانية: هي الإرادة الجازمة.\nفإذا كان عند العبد قدرة تامة وإرادة جازمة حَصَلَ له الفعل.\nتَوَجَّهَتْ قدرته التامة -يعني ليس بعاجز- وإرادته الجازمة -يعني ليس بمتردد- تَوَجَّهَتْ للشيء فعمله.\nفيكون الفعل حدث: بقدرة العبد وبإرادته.\n١ - بقدرته التامة.\n٢ - وبإرادته الجازمة.\nفالذي تكون قدرته ناقصة لا يُحْدِثْ الفعل.\nوالذي تكون إرادته مترددة لا يُحْدِثْ الفعل.\nمثلًا الإتيان إلى المسجد للصلاة: شخص لا يستطيع أن يأتي إمَّا لمرض أو لغير ذلك فهذا ربما عنده إرادة لكن ليس عنده قدرة، ولذلك لا يحصل منه (الفعل-العمل-الكسب) وهو إتيان المسجد.\nآخر عنده قدرة تامة ولكن ليس عنده إرادة البتة ليس عنده إرادة لإتيان المسجد فلا يمكن بالقدرة أن يُحْدِثْ الإتيان.\nوقد يكون عنده إرادة لكن عنده تردد، ما جَزَمَ على الإتيان فلا تتحرك جوارحه وآلاته؛ لأنَّ إرادته ليست جازمة.\nفإذًا العمل -فعل العبد- عند أهل السنة والجماعة لا يمكن أن يحدث إلا بقدرة تامة وإرادة جازمة.\nوقدرة العبد صفة من صفاته لم يُقْدِرْ هو نفسه باتفاق الناس.\nوإرادة العبد صفة من صفاته لم يُحْدِثْ- إرادة نفسه ويختار الإرادة يعني أن يكون مريدا بنفسه-، وإنما الله - ﷿ - هو الذي خَلَقَ فيه القدرة وآلات القدرة وخلق فيه الإرادة وله الإرادة ومقتضيات الإرادة.\nفإذًا ما نَتَجَ عن خلق الله - ﷿ - في الأمرين فهو مخلوق لله - ﷿ -.\nففعل العبد نتج عن الإرادة والقدرة وهما مخلوقان.\nفنتج شيء عن خلق الله - ﷿ -، فإذًا هو مخلوق لله - ﷿ - لأنَّ الله ﷾ جعل العمل نتيجة للقدرة والإرادة.\nمثل النبات: أنزل الله - ﷿ - من السماء ماءً فأنْبَتَ به أزواجًا من نبات شتى.\nالماء نَزَلْ، والأرض موجودة، فبِسَبَبِ الماء وبسبب الأرض خرج النبات.\nفهل يقال: إنَّ النبات خلقه الماء والأرض؟\nليس كذلك باتفاق المسلمين، باتفاق الناس، لم؟\nلأنَّه نتيجة لنزول الماء الذي هو مخلوق باتفاق القدرية وأهل السنة، ونتيجة لنزول الماء على الأرض والتراب، والتراب والأرض مخلوق باتفاق أهل السنة والجماعة والقدرية والناس جميعًا.\nفإذا كان كذلك كان ما ينتج عنهما وهو النبات مخلوق؛ لأنه نتج عن شيئين اجتمعا (الماء والتراب) وما نتج عن مخلوقين فإذًا له نفس الحكم.\nإذا تبين ذلك فإذًا نقول أهل السنة والجماعة في تقريرهم في خلق أفعال العباد استدلوا بالآية كما ذكرنا لكم من قبل ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وبقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وأيضًا استدلوا بهذه القاعدة وهو أنَّ عمل العبد لا ينتج إلا عن هاتين الصفتين.\nلهذا إذا لم يعط الله - ﷿ - العبد القدرة فإنه يرفع عنه التكليف «صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدًا» (١) ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] .\nوإذا لم يُعْطِهِ الإرادة كأن يكون مجنونًا لا يريد، أو كان صغيرًا إرادته لا تتوجه إلى شيءٍ بِجَزْمْ مع عقل فإنه أيضًا يكون التكليف مرفوعًا عنه لأنَّ الفعل لا يتوجه إليه.\nالحقيقة إذًا أنَّ العبد ابْتُلِيَ بهذه الصفات التي فيه.\nابتلي بالصفات الجسمانية هذه كلها ومنها صفة القدرة وصفة الإرادة.\nإذًا فَتَحَصَّلَ لك أَنَّ معنى خلق أفعال العباد والدليل عليها هو ما ذكرنا من الأدلة من القرآن.\nومن السنة قوله ﷺ «إن الله صانع كل صانع وصنعتِه» (٢) يعني صَنَعْ الناس وصَنَعَ أيضًا ما يصنعون.\nولهذا نقول إنَّ الدليل على خلق أفعال العباد واضح من الكتاب والسنة، وأيضًا مما قرّرنا لك من صفات الإنسان وما ينتج عن ذلك من الدليل العقلي.\nوثَمَّ بسط كثير في الاستلال على هذه المسألة محله المطولات.\nهذه ألفاظ ترد معك في مباحث القدر لا بد أن تعرفها بوضوح ثم بعد ذلك إذا قرأت ما شئت من الكتب في باب القدر ستكون واضحة إن شاء الله تعالى لك.\n_________\n(١) البخاري (١١١٧) / أبو داود (٩٥٢) / الترمذي (٣٧٢) / ابن ماجه (١٢٢٣)\n(٢) المستدرك (٨٥)","vol":"1","page":247},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nمعنى الاستطاعة التي وَصَفَ الله - ﷿ - بها المكلف ونفاها عن بعض فقال في النفي ﴿وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَا﴾ [البقرة:٢٦٧]، والعبد مستطيع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأَطِيعُوا﴾ [التغابن:١٦] .\nفالعبد أُثْبِتَتْ له استطاعة ونُفِيَتْ عنه استطاعة.\nوالاستطاعة التي أثْبَتَها ربنا - ﷿ - للعبد غير الاستطاعة التي نفاها.\nوهذه المسالة مسألة الاستطاعة فيها بحثٌ طويل مع القدرية والجبرية معًا، وسيأتي تفصيل الكلام عليها إن شاء الله تعالى في آخر شرح الطحاوية؛ لأنه تعرض لها الطحاوي في أواخر هذه العقيدة المختصرة.","vol":"1","page":248},{"text":"[المسألة التاسعة]:\nفي معنى إضلال الله - ﷿ - من أَضَلْ، وهدايته من هَدَى.\nإذا كنا نقول إنَّ الإنسان غير مجبور على الضلال وغير مجبور على الهدى.\nفما معنى قوله ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (١) وهذا من احتجاجات الجبرية؟\nما معنى ﴿وَمَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]؟\nما معنى ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَد﴾ [الكهف:١٧]؟\nما معنى ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدي﴾ [الأعراف:١٧٨]؟\nما معنى ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُم فِي طُغْيَانِهِم يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف:١٨٦]؟\nونحو ذلك من الآيات التي فيها لفظ الإضلال والاهتداء لله - ﷿ - وفق مشيئته ﷾ وإرادته.\nهذه المسألة ضل فيها الناس ومن أجلها ضَلَّت الجبرية والقدرية.\nوهي مرتبطة في بيانها بمسألة التوفيق والخذلان.\nفالله - ﷿ - عَلَّقَ الإضلال بمشيئته وعلق الهداية بمشيئته.\nونعلم أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله - ﷿ - خَلَقَهُ، الذي يشاؤه سبحانه وتعالىأن يكون فإنه يكون، والذي يشاء الله - ﷿ - ألا يكون فإنه لا يكون.\nإذا كان كذلك فإنَّ حدوث الهداية وحدوث الضلال نتيجة لأشياء.\nولذلك جاء لفظ التوفيق والخذلان في النصوص.\nجاء لفظ التوفيق في القرآن في قوله تعالى ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بْاللهِ﴾ [هود:٨٨]، ونحو ذلك فالله - ﷿ - يوفّق من يشاء ويخذل ﷾ من يشاء.\nما معنى وَفَّقَ وخَذَلَ؟ وما صلتها بـ (يهدي الله من يشاء ويضل من يشاء)؟\nإذا تبين لك معنى التوفيق والخذلان فإنه سيَتَبَيَّن لك بوضوح معنى أنَّ الله - ﷿ - يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﷾.\n* التوفيق: عند أهل السنة والجماعة هو إمداد الله - ﷿ - بعونه، إمداد الله - ﷿ - العبد بعونه -يعني بإعانته- وتسديده وتيسير الأمر وبذل الأسباب المعينة عليه.\nفإذًا التوفيق فَضْلْ لأنَّهُ إعانة.\n* وأما الخذلان: فهو سلب التوفيق، فهو سلب الإعانة.\nيعني التوفيق إعطَاءٌ، مَنٌّ، كَرَمٌ.\nوأما الخذلان فهو عَدْلٌ وسلبٌ.\nلأنَّ العبد أعطاه الله - ﷿ - القُدَرْ، أعطاه الصفات، أعطاه ما به يُحَصِّلُ الهدى، أعطاه الآلات، يَسَّرَ له، أنزل عليه الكتب، فلذلك هو بالآلات التي معه قامت عليه الحجة.\nلكِنَّ الله - ﷿ - يُنعم على من يشاء من عباده بالتوفيق فيعينهم ويسدِّدُهُم ويفتح لهم أسباب تحصيل الخير.\nويمنع من شاء ذلك فلا يُسَدِّدُهُ ولا يُعِينُهُ ولا يفتح له أسباب الخير بل يتركه ونفسه.\nوهذا معنى أنه - ﷿ - يخذل؛ يعني لا يُعِين، يترك العبد وشأنه ونفسه.\nومعلومٌ أنّ العبد عنده آلات يُحَصِّلُ بها الأشياء لكن هناك أشياء ليست في يده.\nهناك أشياء لا يمكن له أن يُحَصِّلَهَا، فهذه بيد من؟\nبيد الله - ﷿ -.\nلأنَّ الإنسان مرتبط قَدَرُهْ بأشياء كثيرة من الأسباب التي تفتح له باب الخير.\nمثل مثلًا أن يكون ذا أصحابٍ أو أن يُيَسَّرَ له أصحاب يعينونه على الخير.\nمثل أن لا يكون في طبعه الخَلْقِي مزيد شهوة، إما شهوة كِبِرْ من كبائر القلوب أو من كبائر البدن، هذه الأشياء موجودة فيه خَلْقًا، خارجة عن اختياره وتصرفه.\nفالله - ﷿ - يُوَفِّقْ بعض العباد بمعنى يعينهم على الأمر الذي يريدونه، إذا انفَتَحَ له بابُ خَيرٍ وأَرَادَهُ فَيُحِسُّ العبد أنه أُعين على ذلك، إذا أَرَادَ فِعْلَ أَمْرٍ ما من الخير يَسَّرَ الله - ﷿ - له أسبابًا تعينه فانفتح له طريق الخير.\nوآخَرُ حَضَرَتْهُ الشياطين وغلبته على مُرَادِهِ وأَطَاعَهَا؛ لأنه لم يُزَوَّد بِوِقَايَة، بإعانة، بتوفيق يمنعه من ذلك.\nفإذًا صار عندنا أنَّ مسألة إضلال الله - ﷿ - مَن يشاء هو بخذلان الله - ﷿ - العباد.\nوهداية الله - ﷿ - من يشاء بتوفيق الله - ﷿ - بعض العباد، يعني أعان هذا وترك ذاك ونفسه.\nكونه - ﷿ - أعان هذا هو بمشيئته.\nفإذًا من يشأ الله يُضْلِلْهُ يعني: يَسْلُبُ عنه التوفيق فيَخْذُلُهُ فينتج من ذلك أنَّ الله - ﷿ - سَلَبَ عنه إعانته، سَلَبَ عنه تسديده، سَلَبَ عنه أسباب الخير، سَلَبَ عنه غَلْقْ أبواب الشر من الكفر وما دونه.\nفإذًا يكون ضالًا، لاهٍ هو بفعل نفسه؛ لأنَّهُ وُكِلَ إلى نفسه، لأنَّ الله - ﷿ - لم يَمُنْ على هذا بمزيد توفيق.\nفإذًا مسألة الإضلال في كلام أهل السنة والجماعة عدل، ومسألة الهداية فضْل.\nولهذا أعظم الفضل والنعمة والإحسان نعمة التوفيق، الذي هو في الحقيقة نعمة الهداية.\n_________\n(١) النحل:٩٣، فاطر:٨.","vol":"1","page":249},{"text":"فإذًا نقول: إنّ ربنا - ﷿ - مَنَّ على عباده المؤمنين فوفّقهم، أَعَانَهُم، سَدَّدَهُم، هَيَّأَ لَهُمْ الأسباب التي توصلهم إلى الخير، حبَّبَ لهم العلم، حبّب لهم الجهاد، حبّب لهم الحكمة، حبّب لهم الأمر والنهي، حبّب لهم أهل الخير إلى آخره، حبّب لهم كتاب مثل ما جاء.\nوهذا التوفيق درجات أيضًا ففي البداية يكون فتح باب:\n- وبعض الناس إذا انْفَتَحَ له باب التوفيق نَفْسُهُ فيها قُبح فتنازعه للشر فيكون بين هذا وهذا.\n- وآخر نَفْسُهُ فيها خير، فَمِنَ الخير الذي معه أنَّهُ ينتقل من توفيقٍ إلى توفيقٍ أعظم منه حتى يصل بسبب عمله أنَّ الله - ﷿ - يُنْعِمْ عليه بتوفيقٍ زائد ثم بتوفيقٍ زائد ثم بتوفيقٍ زائد، مثل ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره «وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه -يعني وُفِّقَ في سمعه- الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها» (١) هذا كله توفيق، مزيد إعانة في هذه الجوارح، الجوارح هذه هي التي عليها الحساب والتي يُحَاسب العبد على ما صنعت جوارحه.\nإذًا فحقيقة إضلال الله - ﷿ - من شاء ليست جبرًا، وهداية الله - ﷿ - من شاء ﷾ ليست جبرًا.\nوإنما العبد عنده آلات، خوطب بالتكليف وعنده الآلات، ولو كانت جبرًا لصارت التكاليف -بعث الرسل، إنزال الكتب، الأمر والنهي، الجهاد- لكان كل ذلك عبثًا.\nوالله - ﷿ - منزّه عن العبث؛ لأنَّ العبث سلب الحكمة وشر والله - ﷿ - الشر ليس إليه، لا في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته - ﷿ - ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٧-١٨] .\nفالله ﷾ مُنَزَّهٌ عن العبث.\nيُضلِ ْجبرًا ويسلب العبد الاختيار بالمرة ثم يُحَاسبه ويُنْزِل عليه الكتب ويرسل الرسل ويأمره بالتكاليف كيف يكون ذلك؟\nيكون كالغريق الذي يقال له: (٢) إياك أن تبتل بالماء.\n\n: [[الشريط التاسع عشر]]:\n\nوهذا العياذ بالله هو حقيقة قول الجبرية الذين قال قائلهم:\nألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له ****** إيّاكَ إيّاك أن تبتلّ بالماء\nوهذا يُنَزَهُ عنه الحكيم الخبير - ﷻ -.\nفمن عَرَفَ صفات الله - ﷿ - وعَلِمَ حكمته، فإنَّ القول بالجبر في حقيقة الأمر إبطال للتكاليف أو رجوع إلى أفعال الله - ﷿ - بأنها لعب ولا حكمة فيها ولا تُوافق غاياتٍ محمودة، والله - ﷿ - منزه عن ذلك.\n_________\n(١) البخاري (٦٥٠٢)\n(٢) انتهى الشريط الثامن عشر.","vol":"1","page":250},{"text":"[المسألة العاشرة]:\nوهي في إثبات الأسباب، وأنَّ أفعال الله - ﷿ - مُعَلَّلَة، وأنَّ الله ﷾ يفعل الفعل لعِلَّة، ويأمر بالأمر لعلة.\nوهذه العلة هي حكمته - ﷿ - لإيجاد ذلك الشّيء.\nوهذا في الأمور الكونية وفي الأمور الشرعية.\nفما أحْدَثَهٌ الله - ﷿ - في ملكوته أمْرًا فَحَدَثْ فَلَهُ حِكْمَة - ﷿ - من إيجاده.\nوما أَمَرَ الله - ﷿ - به في الشرع من الأحكام التشريعية أو نهى عنه فهو لعلة.\nفالله سبحانه يأمر في الشرع بما مصلحته راجحة أو تامة، وينهى في الشرع عن ما مفسدته تامة أو راجحة.\nفإذًا أهل السنة والجماعة يُثبتون التعليل في أفعال الله - ﷿ -، وأنّ أفعال الله ﷾ الكونية وأوامره الكونية والشرعية كلّها مرتبطة بِحِكَمْ عظيمة كما قال سبحانه ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥] .\nإذا تبين ذلك ففي القرآن إثبات أفعال الله - ﷿ - مُعَلَّلَة، وتنزيه الله - ﷿ - عن أن يفعل الفعل لا لعلة كما قال سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٦-١٨] .\nوقال أيضًا - ﷿ - للسموات والأرض ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الدخان:٣٩]، وقال - ﷿ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، وفي الأشياء الشرعية -الأوامر والنواهي- الأدلة على التعليل كثيرة جدًّا جدًا.\nالمقصود من هذا أنَّ الله ﷾ إذا كانت أفعاله مُعَلَّلَة، فأفعاله - ﷿ - لم يفعلها في مخلوقاته مباشرة دون وسائط؛ بل جَعَلَ الله - ﷿ - إيصال الفعل إلى نهايته مَنُوطًَا بأسباب، وكلُّ سَبَبٍ يُحدِثُ مُسَبَّبًَا.\nولهذا قال أهل السنة بإثبات التعليل في أفعال الله - ﷿ - والأسباب.\nوأما أهل البدع من الجبرية وغيرهم فإنهم ينفون العِلَلْ وبالتالي ينفون الأسباب.\nولذلك يقال للجبرية -الأشاعرة ومن نحا نحوهم- يقال لهم نُفَاة الأسباب.\nوهم في الحقيقة نُفَاةُ التعليل، يقولون: أفعال الله - ﷿ - غير معللة.\nفإذًا السبب لا يُنْتِجُ المُسَبَّبْ؛ ولكن يَحْدُثُ عنه المُسَبَّبْ عند الالتقاء.\nوهذا القول -يعني في نفي الأسباب والتعليل- قول ابن حزم وجماعة من الذين ظاهرهم متابعة الحديث.\nإذا تبين ذلك فإنَّ حقيقة السبب؛ بأنَّ الله - ﷿ - يخلق شيئًا ويأمر بشيء أمرًا كونيًا ويكون ذلك سببًا لأشياء كثيرة.\nفمثلًا إنزال المطر من السماء، الله - ﷿ - أمَرَ بإنزاله، وفي إنزاله حِكْمَةٌ لله - ﷿ -.\nوأمْرُهُ ﷾ بأن يُنزَلَ هذا الماء على الأرض مرتبط بعلة؛ لأنَّ الأرض حياتها بالماء، وأيضًا إنزال المطر على هذه الأرض المعينة مرتبط بعلة الله - ﷿ - يعلمها وكما قال في بعض حكمته ﴿وَلَقَدْ صَرَفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورَا﴾ [الفرقان:٥٠] .\nإذا تبين ذلك فالماء ينتج عنه شيء آخر، الماء سَبَبْ، والله ﷾ بَيَّنَ أنه أَنْبَتَ النبات بالماء ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:٦٠]، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ﴾ [ق:٩٠]، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾، إذًا صارت كلمة ﴿بِهِ﴾ هذه تدل على أنَّ الإخراج بالماء، وأنَّ الماء بسببه صار الإخراج؛ يعني الماء أنتج الإخراج.\nأما غير أهل السنة فماذا يقولون؟\nيقولون عند التقاء الماء بالأرض حَصَلَ النبات، فيُفَسِّرُونَ حرف (بِـ) بنحو كلمة (عند) مِنَ الكلمات.\nفإذًا عندهم عِنْدِيَّةْ ولذلك ينفون السبب.\nيقولون: الماء لم يُنْبِتْ إلا على المَجَازْ العقلي، كما تقولُ: أَنْبَتَ الماء البقلَ والمنبِتُ هو الله - ﷿ -.\nولذلك يذكرون هذه القاعدة في كتب العقائد وفي كتب البلاغة الذي يسمونه المجاز العقلي: أنبت الربيع البقل أو نحو ذلك.\nفإذًا نقول: إنَّ الله - ﷿ - من حكمته أنه خلق الأشياء وجعلها أسبابًا لأشياء.\nخَلَقَ ماء الرجل وجعله سببًا لحمل المرأة، خَلَقَ اللباس وجعله سببا للدفء، خَلَقَ السّرابيل لِعِلَّة، خَلَقَ الأشياء لعلة، وهكذا فما من شيء تراه إلا وله حكمة، حتى في المُؤْذِيَات، حتى الهوام، حتى الحشرات، حتى ما تتأذى منه وتظن أنَّهُ لا حكمة فيه، فإنَّ فيه حكمة بالغة لله - ﷻ - وتقدست أسماؤه، هذه كلها أسباب والأسباب تُحْدِثْ المسببات.\nإذًا حقيقة قول نفاة الأسباب أنهم يقولون: إنَّ السبب يُحدِثْ المُسَبَبْ عند الالتقاء؛ لكن لا يُنْتِجُهُ بالإقتِضَاءْ، يعني لا ينتجه بما جعل الله - ﷿ - فيه من التأثير.","vol":"1","page":251},{"text":"ويمثّلون لذلك بالسكين التي يحملها الحامل لقطع الخبز، فيقولون: هذه السّكين لمَّا أَمَرَّهَا الحامل على الخبز قَطَعَتْ الخبز.\nفإذًا الواقع السكين ما قَطَعَتْ الخبز عندهم حسب ما يُقَرِّرُونَ -والعياذ بالله-.\nيقولون إنَّ الذي قَطَعَ في الواقع هو الحامل الذي حَمَلَ السكين، لكن صارت هذه لما التقت السكين بالخبز انقطع لأجل أنَّ الحامل أَمَرَّهَا.\nفيقولون لما التقى الرجل بالمرأة، جامَعَ الرجل المرأة وأَذِنَ الله بالحمل حَمَلَتْ، سواء بماء أو بغير ماء، فالماء عنده حَصَلَ الحمل، لما نزل الماء على الأرض نبتت، فإذًا عندهم عندية.\nوهؤلاء نفاة الأسباب وكثير من التفاسير مشحونة بهذا في مسائل القدر.\n* وأنا يعني أردت بمزيد من هذه التفاصيل إلى أنَكَ تنتبه للتفاسير.\nكثير من الناس يَحْذَرْ مسائل التأويل، ومعلوم أنَّ مذهب أهل السنة والجماعة وما في النصوص ليست هي مسائل التأويل فقط، يعني المخالف خالف في التأويل.\nلكن مسائل القدر أهم، مسائل القدر في التفاسير أهم ليس لأنها أعظم من مسائل الصفات ولكن لأجل خفائها على الناس فهي خفية.\nالآيات: آيات الإضلال، الهداية، آيات الأسباب، آيات أفعال الله - ﷿ -، الصفات، كلها تجد في كتب التفاسير فيها خلطٌ وخبطٌ وخروجٌ عن طريقة أهل السنة والجماعة، رَفَعَ الله مراتبهم.\nوأنتَ وبعد ذلك أقول تستفصل إن شاء الله وتزداد من هذه الأصول.","vol":"1","page":252},{"text":"[المسألة الحادية عشر]:\nفي أنواع التقدير.\nذكرنا لك أنَّ التقدير أربعة مراتب ومنها مرتبة الكتابة.\nومرتبة الكتابة جاء في الحديث أنها التقدير كما في قوله ﷺ «قدّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) يعني كَتَبْ، ولهذا نقول مراتب التقدير يعني مراتب الكتابة.\nفالله - ﷿ - جعل كتابته للأشياء لها خمس أحوال:\n١- الكتابة الأولى: وهي أوَّلُهَا وأقدمها وأعظمها كِتَابَةُ الله - ﷿ - مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة في اللوح المحفوظ، وهذه هي الكتابة التي كانت قبل الخلق، وهذه الكتابة لا تتبدل ولا تتغير، رُفعت الأقلام وجفَّتْ الصحف.\nفيجد العبد ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ من خير أو شر.\nوهذه مر معنا جُمَلْ الأدلة عليها وبعض التفصيل لها.\n٢- الكتابة الثانية: كِتَابَةٌ لمقادير الخلق من حيث الشّقاوة والسعادة، ونعني بالخلق خاصةَ المكلفين.\nوهذه التي تأتي فيها أحاديث الميثاق وأنَّ الله - ﷿ - استخرج ذرية آدم من صلبه فنثرهم أمامه كهيئة الذَّر وأخذ عليه أن لا يشركوا به شيئًا ﷾، وقَبَضَ قبضة إلى الجنة وقبضة إلى النار وكتب أهل الجنة وكتب أهل النار، ونحو ذلك مما جاء في السّنة من بيان ذلك.\nهذا تقديرٌ بَعْدَ الأول، وهو قبل أن يُخْلَقَ جِنْسُ المكلفين أي من الإنسان.\nلمَّا خلق الله - ﷿ - آدم حصل ذلك، حصل هذا التقدير العام لهم.\n٣- الكتابة الثالثة: وهي التقدير العمري، والعُمري هو الذي يكون والإنسان في بطن أمه فإنَّ النطفة إذا صارت في الرحم وبلغت ثنتين وأربعين ليلة أتاها ملك، فأمره الله - ﷿ - بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد.\nوهذه أيضا جاءت في حديث ابن مسعود المشهور الذي فيه (أنَّ الملك يأتي بعد أربعين وأربعين وأربعين؛ يعني بعد عشرين ومائة، فيأتي فيكتب رزق الإنسان وأجله وعمله وشقي أو سعيد، يؤمر بِكَتْبِ هذه الكلمات الأربع) . (٢)\nهذه الكتابة العُمرية هي تفصيلٌ لما في اللوح المحفوظ، لأنَّ الذي في اللوح المحفوظ شامل لكل المخلوقات، وهذا مُتعلِقٌ بهذا المخلوق المعين وحده.\nلهذا قال العلماء: إنَّ هذه تفصيل، فذاكَ فيه الجميع، وهذا للإنسان المعين بخصوصه، قالوا تفصيل ولك أن تقول تخصيص.\n٤- الكتابة الرابعة: الكتابة السنوية، والكتابة السنوية هي التي تكون في ليلة القدر قال - ﷿ - ﴿حم (١) وَالكِتَابِ المُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:١-٤] .\nوهذه تُكْتَبْ فيها المقادير في تلك السَّنَةْ.\nمن السَّنَةْ إلى السَّنَةْ.\nإيش معنى ذلك؟\nمعناها أنَّ الله - ﷿ - يوحي إلى ملائكته بأن يكتبوا أشياء مما في اللوح المحفوظ فتكون بأيديهم مما سيحصل للناس.\n٥- الكتابة الخامسة: هي التقدير الأخير وهي التقدير اليومي.\nواستدل له أهل العلم بقوله سبحانه ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] .\nإذا تَبَيَّنَتْ هذه المراتب فإنه قد ثبت في السنة أنَّ الله - ﷿ - يزيد في العُمُر، ينْسَأُ في الأَثَرْ، يبسط في الرزق، فقال ﷺ «من سرّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه» (٣) يعني الرزق صار يتغير والأثر العمر صار يتغير، وقال أيضًا في الحديث الآخر «إنّ العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه» (٤) فمعناه فيه حرمان لبعض الرزق.\nوهذا معنى قول الله - ﷿ - في آية سورة الرعد ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] .\nفنظر أهل العلم في ذلك فقالوا:\nإنَّ المراتب الثلاث الأُوَلْ هذه لا تتغير ولا تتبدل؛ يعني:\n- الأول السابق القديم الذي في اللوح المحفوظ.\n- وهؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار.\n- وكذلك كتب الملك الكلمات الأربع.\nلهذا جاء في آخر الحديث مُؤَكِّدًَا ﷺ على أنها لا تتغير «وإنّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (٥)، الثلاث الأُوَلْ هذه ما تتغير.\nإيش الذي يَتَغَيَّرْ ويتبدل ويحدث فيه المَحْوُ والإثبات والزيادة إلى آخِرِهْ ويؤثر فيه الدعاء وتؤثر فيه الأعمال الصالحة؟\nهذا التقدير السنوي.\nوالتقدير السنوي في الحقيقة هو من التقدير الأوّل.\nهو مِنَ اللوح المحفوظ؛ لكنه في اللوح المحفوظ وُجِدَ مُعَلَّقًَا فصار بأيدي الملائكة مُعَلَّقًَا.\n_________\n(١) سبق ذكره (٦١)\n(٢) البخاري (٣٢٠٨) / مسلم (٦٨٩٣) / أبو داود (٤٧٠٨) / الترمذي (٢١٣٧) / ابن ماجه (٧٦)\n(٣) البخاري (٥٩٨٥) / مسلم (٦٦٨٧) / أبو داود (١٦٩٣)\n(٤) ابن ماجه (٤٠٢٢)\n(٥) سبق ذكره (٢١١)","vol":"1","page":253},{"text":"وأما التقدير العمري فهو ما فيه النهاية؛ يعني ما كَتَبَهُ الله - ﷿ - بما فيه نهاية العبد وما فيه نتيجة أثر الدعاء وأثر الأعمال إلى آخره مما قد يكون مُتَغَيِّرًا.\nإذًا فقوله - ﷿ - ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ يعني مما في أيدي الملائكة من الصحف ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وكذلك من التقدير اليومي.\nإذا كان كذلك فهذا به تَفْهَمُ الأحاديث التي فيها تغيير الرزق وتغيير العمر والنَّسْءْ في الأثر أو حرمان الرزق بالذنب ونحو ذلك، ومنه أيضا تفهم قول عمر ﵁ فيما جاء عنه (اللهم إن كنت كتبتني شقيا فاكتبني سعيدا؛ يعني بما يتعلق بتلك السنة من الإضلال والهداية) (١) .\nهذه إحدى عشرة مسألة لعل فيها بيانًا لما تحتاج إليه في هذا الركن من أركان الإيمان.\nلعل في هذا كفاية إن شاء الله تعالى.\nوأسأل الله سبحانه أن ينور قلبي وقلوبكم بعلم سلفنا الصالح، وأن يزيدنا من العلم النافع وأن يوفقنا لحسن الظن به - ﷿ - وحسن التوكل عليه وعِظَمْ العلم به وحسن العمل إنه سبحانه جواد كريم سميع قريب.\nوصلى الله وسلم بارك على نبينا محمد.\n_________\n(١) لم أجد هذا الأثر عن عمر وقد ورد عن ابن مسعود أنَّه قال (اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاء فامحني واثبتني في أهل السعادة) المعجم الكبير (٨٨٤٧)","vol":"1","page":254},{"text":"فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ مُنَوَّرٌ قَلْبُهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ دَرَجَةُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ عِلْمَانِ: عِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَوْجُودٌ، وَعِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَفْقُودٌ، فَإِنْكَارُ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ كُفْرٌ، وَادِّعَاءُ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ كُفْرٌ، وَلَا يَثْبُتُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِقَبُولِ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ، وَتَرْكِ طَلَبِ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ.\n_________\nهذه الجُمَلْ من كلام الطحاوي ﵀ بَسَطَ فيها جُمَلًا من آداب الإيمان بِقَدَرِ الله - ﷿ -.\nوعلى خلاف العادة في المختصرات والمتون التي يراد حفظها وانتشارها فإنه قد أفاض في الكلام مما لا يدخل كله في ضمن القواعد والأصول والعقائد، وإنما فيه جمل من ذلك وأكثره تفصيل وزيادة في البيان.\nولهذا سنطوي -إن شاء الله- بيان الجمل على تفاصيلها، ونذكر ما اشتملت عليه من العلوم والعقائد؛ لأنّ المقصود هو العلم والإيمان بقَدَرِ الله - ﷿ - ومعرفة منهج السلف الصالح وعقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسائل العظام.\nلمَّا ذَكَرَ ما ذَكَرْ، وقد ذكرنا لكم جُمَلًَا من المسائل التي بها تعلم اعتقاد أهل السنة والجماعة في قضاء الله - ﷿ - وقدره.\n\nقال بعدها (فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ مُنَوَّرٌ قَلْبُهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ دَرَجَةُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ عِلْمَانِ: عِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَوْجُودٌ، وَعِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَفْقُودٌ)\nأراد بذلك أنّ ما ذَكَرَه في القَدَرْ وما ذكرناه لك من المسائل هذا من العلم الذي عَلّمنا ربنا - ﷿ - ورسوله - ﷺ - مع أنَّ الأصل أن القدر سِرُّ الله تعالى وغيبه الذي لم يُطْلِعْ عليه مَلَكٌ مقرب ولا نبي مرسل.\nولهذا أمر نبيُّنا ﷺ بأنه إذا ذُكِرَ القَدَرْ أمسكنا فقال ﷺ «وإذا ذكر القَدَرْ فأمسكوا» (١) يعني أمسكوا عن الخوض فيه بما لم تُوقَفُوا فيه على علم.\nفعلم القَدَرْ نوعان:\n- علم في الخلق موجود.\n- وعلم في الخلق مفقود.\nوهذا التفسير أنسب عندي لأجل أن نُعَلِّقَ تقسيم العلم إلى علم موجود وعلم مفقود فيما يتصل بالقَدَرْ لا في أصل العلوم؛ لأنه أشار في ذلك إلى ما سبق فقال (فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ مُنَوَّرٌ قَلْبُهُ) .\nومعلومٌ أنه لم يذكر كل ما يحتاج إليه من هو منوّر قلبه في مسائل العقائد؛ لأنه بقي كثير ستأتي في هذه الرسالة.\nفإرجاع قوله (فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ مُنَوَّرٌ قَلْبُهُ) إلى مسائل القَدَرْ منضبط.\nأما إذا قيل إنه إلى علم العقيدة جميعًا فإنه لم يذكر أشياء كثيرة وستأتي بعد الكلام على مسائل القدر كما ستراه إن شاء الله تعالى.\nفإذًا نقول: إنَّ الطحاوي ﵀ أراد أنَّ العلم بالقَدَرْ على نوعين:\nعلم في الخلق موجود: وهو ما عَلَّمَنَا الله - ﷿ - إياه في كتابه وما علمنا رسوله ﷺ.\n\n(وهذا كما قال (فَإِنْكَارُ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ كُفْرٌ)\nإذا تبين أنَّهُ من عند الله - ﷿ - وليس ثَمَّ شبهة ولا تأويل فإنّ إنكار العلم الموجود كفر؛ لأنه تكذيب لله - ﷿ - ولرسوله ﷺ.\nوالعلم الموجود في القَدَرْ كما رأيت مما جاء في الكتاب والسنة يعلَمُهُ الراسخون في العلم، وأما من ليس بذي رُسُوخٍ في العلم فإنه في مسائل القَدَرْ لا يزال على اشتباه وعلى عدم وضوح.\nفالواجب على من لم يكن من الراسخين في العلم من عامة أهل الإيمان أن يقول ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، كما وصف الله - ﷿ - الراسخين مع علمهم أنهم قالوا ذلك ليقْتَدِيَ بهم الناس فيما لم يعلموا، قال سبحانه ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، يعني آمنا بالمُحْكَمْ وآمنا بالمتشابه كلّ من عند الله - ﷿ - لا نفرق بين كلام الله - ﷿ -.\n﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ هم أهل الثُّبُوتْ والقوة في العلم الموروث عن النبي ﷺ، لأنَّ الرسوخ هو الثبات والاستقرار والقوة والتمكن.\nفهؤلاء يعلمون لأنَّ وصفهم بكونهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون؛ لأنَّ الذي لا يعلم لا يُوصَفْ بالرسوخ في العلم، وهم متميزون عن غيرهم بالعلم والإيمان.\nوالرُّسُوخُ في العلم هو الرُّسُوخُ في أنواع العلم الثلاثة:\n١ - العلم بالتوحيد.\n٢ - العلم بالفقه.\n٣ - العلم باليوم الآخر والغيبيات.\nفهؤلاء هم الراسخون في العلم، وقد يكون الرُّسُوخُ في العلم يتنوع أيضًا ولكن من لم يصحّ علمه بالتوحيد فإنه ليس بذي رسوخ في العلم مهما كان، لأنَّ أصل الأصول هو الاعتقاد، أصل الأصول هو التوحيد الذي معه يصح الفقه، يصح العمل، تصح العبادة، يصح الحكم والإفتاء إلى آخره.\nفإذًا أهل الرسوخ في العلم يعلمون أنَّ العلم-مما في القَدَرْ- علمان:\nعلم في الخلق موجود، يعني جعله الله - ﷿ - موجودًا في الخلق بما أنزل في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.\nوشيء كثير من مسائل القَدَرْ حجبها الله - ﷿ -.\nلهذا فإنَّ أهل الرسوخ في العلم يبسطون من مسائل القَدَرْ بما جاء في الأدلة، ويطوون من مسائل القَدَرْ ما لم يأتِ في الأدلة.\nولذلك كل ما لم يكن مبسوطًَا عند أهل العلم الراسخين من أهل الحديث والسنة والجماعة، فإنَّ هذا العلم -يعني الذي تكلم فيه الآخرون- ينبغي أن لا يتكلم فيه كل أحد.\nلأنَّ ما طوى الله - ﷿ - عنا عِلْمَهُ فإنَّ الخير في أن لا نبحث فيه، لهذا قال (وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ) يعني في النوع الذي هو من العلم المفقود (ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ، فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ) .\n\nقال الطحاوي ﵀ (وَادِّعَاءُ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ كُفْرٌ)\nلأنه غيبي، ومن ادَّعَى الغيب الذي اختصَّ الله - ﷿ - به فإنه كافر، وذلك لقوله - ﷿ - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدَا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٦-٢٨]، - ﷻ - وقال سبحانه ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] . وقال - ﷿ - ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ (٢) وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]، فهذه الخمس اختصّ الله - ﷿ - بها.\nلهذا علم القَدَرْ من علم الغيب، وعلم الغيب عام يشمل القَدَرْ ويشمل غيره.\n\nلهذا قال ﵀ (وَلَا يَثْبُتُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِقَبُولِ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ، وَتَرْكِ طَلَبِ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ.)\nفالمؤمن الحق لا يخوض في القَدَرْ إلا بحثًا عن العلم الموجود فيؤمن به وأما العلم المفقود فيترك طلبه.\n_________\n(١) سبق ذكره (٦٨)\n(٢) انتهى الوجه الأول من الشريط التّاسع عشر.","vol":"1","page":255},{"text":"قال بعد ذلك ﵀ (وَنُؤْمِنُ بِاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ، وَبِجَمِيعِ مَا فِيهِ قَدْ رُقِمَ) .\n_________\n(نُؤْمِنُ بِاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ) اللوح والقلم تَعَلَّقَ بالقَدَرْ من جهة أنَّ القَدَرْ من مراتب الإيمان به الكتابة.\nوالكتابة كانت بالقلم في اللوح، ولهذا لا يتم الإيمان بالكتابة إلا بالإيمان باللوح والقلم.\nوالله - ﷿ - أقسم بالقلم فقال سبحانه ﴿ن وَالقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] .\n﴿وَالقَلَمِ﴾ هذا هو القلم الذي كُتِبَ به القضاء، كُتِبَ به القَدَرْ في أحد وجهي التفسير.\nواللوح ذكره الله - ﷿ - في كتابه في غير ما آية كقوله - ﷿ - ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢]، وسماه سبحانه كتابًا مكنونًا فقال ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٨-٧٩]، وسماه - ﷿ - أم الكتاب فقال سبحانه ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، وسُمِيَ لوحًا لما فيه من البهاء والنور والإضاءة لأنه يَلُوحُ بمعنى أنه يظهر ويبين لما فيه من النور.\nفالإيمان باللوح والقلم من الإيمان بكتابة الله - ﷿ -.\n(وَبِجَمِيعِ مَا فِيهِ قَدْ رُقِمَ) كل ما كتبه الله - ﷿ - نؤمن به، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وما كتبه الله لابُدَّ أنَّهُ كائِنٌ.\nلهذا قال بعده (فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ أَنَّهُ كَائِنٌ؛ لِيَجْعَلُوهُ غَيْرَ كَائِنٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ) إلى آخر كلامه.\nإذا تبيّن هذا ففي مسألة اللوح والقلم عدة مسائل:","vol":"1","page":256},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ اللوح جاء وصْفُهُ في حديث حَسَّنَهُ طائفة من أهل العلم ويحتاج في بحث إسناده إلى مزيد نظر، فيه أنَّ اللوح كما جاء في الحديث «خلق الله اللوح من دُرَّةٍ بيضاء» (١) ووصفه بأنَّ حافتيه الدر والياقوت؛ يعني غطاء هذا اللوح أو دفتا هذا اللوح من دُرٍّ وياقوت، وصفحات هذا اللوح حمراء.\nجعل الله - ﷿ - هذا اللوح كما وصفه بعض السلف على يمين العرش، وهو بين جبين إسرافيل لا يَنْظُرُ فيه.\nوجاء أيضًا أنَّ الله خَلَقَ القلم وجعله من نور، وأنَّ طوله ما بين السماء والأرض، وأنَّ اللوح المحفوظ طوله ما بن السماء والأرض وعرضه كما بين المشرق والمغرب.\nوهذا كما ذكرتُ لك يحتاج إلى مزيد بحث لكن يذكره العلماء من أهل السنة وتتابعوا عليه في حديث رواه -يعني في أصل وصف اللوح والقلم- رواه الطبراني وغيره وحُسِّنَ إسناده كما ذكرت لك، وقد ساقه أو ذكر الحديث شارح الطحاوية وغيره.\n_________\n(١) المستدرك (٣٧٧١) / المعجم الكبير (١٠٦٠٥) / حلية الأولياء (١/٣٢٥)","vol":"1","page":257},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ القلم الذي كَتَبَ الله - ﷿ - به القَدَرْ كُتِبَ به ما يتعلق بهذا العالم.\nيعني كُتِبَ به القَدَرْ إلى قيام الساعة كما جاء في الحديث الصحيح حديث عبد الله بن عمرو أنّ النبي ﷺ قال «قدر الله مقادير الخلائق -يعني كتب مقادير الخلائق- قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) فالقلم متعلقة كتابته في اللوح المحفوظ بما هو كائن إلى قيام الساعة.\n_________\n(١) راجع (٦١)","vol":"1","page":258},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنّ القلم لمَّا خَلَقَهُ الله - ﷿ - أمره أن يكتب، فجَرَى بما هو كائِنٌ إلى قيام الساعة، كما جاء ذلك في حديث عُبادة بن الصامت الذي رواه أبو داوود والترمذي والإمام أحمد وجماعة بألفاظ متقاربة، وفيه أنَّ النبي ﷺ قال «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: أكتب، فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة» (١) .\nوهذا لفظ أبو داوود وغيره.\nوجاء أيضا بلفظ «أول ما خلق الله القلم قال له: أكتب. فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة» (٢) .\nولهذا اختلف العلماء هنا في هل هذا الحديث على ظاهره في أنَّ أول المخلوقات القلم أو أنَّ هذا الحديث له معنىً آخر؟ وجعلوا هذا الحديث وحديث عبد الله بن عمرو من الأحاديث التي ينبغي الجمع بينها وهذا هو المسألة الرابعة وهو الجمع ما بين الحديثين.\n_________\n(١) راجع (٨٧)\n(٢) المسند (٢٢٧٥٩) / مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٩٢٢)","vol":"1","page":259},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nتلحَظُ أَنَّ حديث عبد الله بن عمرو فيه قال «قدر الله مقادير الخلائق» ولما قَدَّرْ -يعني كتب- كان عرشه على الماء.\nوفي حديث عبادة قال «إن الله أول ما خلق الله القلم فقال له أكتب» فيقتضي حديث عبادة أنَّ الأمر بالكتابة كان مُرَتَّبًا على ابتداء خلق القلم.\nوتقدير القَدَرْ كان قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة والعرش على الماء.\nفدل حديث عبد الله بن عمرو على وجود تقدير وعلى وجود العرش -خلق العرش- وعلى خلق الماء.\nودلَّ حديث عبادة على أنَّ خَلْقْ القلم تَبِعَهُ قول الله - ﷿ - للقلم أكتب فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة.\nوهذا الترتيب جاء في حرف الفاء الذي يدل في مثل هذا السياق على أنَّ هذا بعد هذا دون تراخٍ زمني.\nولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة في الجمع بين هذين الحديثين هل القلم هو أول المخلوقات أم العرش خُلِقَ قبله على قولين للسلف فمن بعدهم:\n١- القول الأول: إنَّ العرش قبل القلم وكذلك الماء قبل القلم.\nوالقول الأول هو قول جمهور السلف كما نسب ذلك إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.\n٢- القول الثاني أنَّ القلم هو أول المخلوقات والعرش والماء بعد ذلك وهو قول طائفة من أهل العلم.\nالترجيح ما بين هذين القولين هو أنَّ الأحاديث يجب الجمع بينها وعدم تعارضها.\nوحديث عبادة بن الصامت في قوله ﷺ «إن أول ما خلق الله القلم فقال له أكتب» يقتضي أنَّ الكتابة كانت بعد خلقه.\nوحديث عبد الله بن عمرو يقتضي تقدم وجود العرش والماء على حصول الكتابة.\nفدلّ هذان الحديثان على أنَّ العرش والماء موجودان قبل، وأنَّ خلق القلم تبعته الكتابة.\nولهذا نسبه شيخ الإسلام إلى جمهور السلف بأنَّ القلم موجود بعد العرش والماء.\nوهذا تدل عليه رواية «أَوَلَ ما خلق الله القلم قال له أكتب» يعني حين.\n«أَوَلَ» بمعنى حين.\n«أَوَّلَ ما خلق الله القلم قال له أكتب» حين خَلَقَهُ قال له أكتب.\nوهذا هو معنى «إن أَوَلَ ما خلقه الله القلم فقال له أكتب» لأنَّ الجمع بين الروايات أولى من تعارضها.\nوقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه التِّبْيَان أنَّ قوله «إن أَوَلَ ما خلق الله القلم» ورواية «أَوَلَ ما خلق الله القلم» إما أن تُجعل جملتين أو جملة واحدة.\nوقد ذكر هذا النقل شارح الطحاوية فترجع إليه.\nوخلاصة البحث هو ما ذكرت لك من التقدير، فإن قوله «إن أَوَلَ ما خلق اللهُ القلمُ» هنا برفع القلم يكون خبر (إنَّ) .\nيعني: إنَّ أَوَلَ الذي خلق الله، إن أَوَلَ المخلوقات القلمُ فقال له أكتب.\nوإذا كان أَوَّلْ المخلوقات فكيف يُفَسَّرْ مع حديث «وكان عرشه على الماء» الذي ذكرته لك.\nفقوله إنَّ أَوَّلَ المخلوقات أو أَوَّلَ ما خلق الله أو أَوَّلَ الذي خلقه الله، يُفهم على أنَّ القلم جرى بما هو كائن إلى قيام الساعة قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.\nفالقلم متعلّق بما كُتِبَ في اللوح المحفوظ، مُتَعَلِّقًا بما يحدث في هذا العالم المخصوص لا في مطلق الأشياء، ولهذا عُلِّقْ بأنه إلى قيام الساعة.\nفإذًا يُفهم لمَّا كان تعلق الكتابة بهذا العالم الذي جرى التقدير عليه إلى قيام الساعة، يُفهم أنَّ القلم لمَّا تَعَلَّقَ بهذا العالم كتابةً لِتَقْدِيرِهِ ولِقَدَرِهِ ولآجاله إلى آخره فإنه من هذا العالم؛ لأنّ العوالم أجناس والله - ﷿ - جعل لمخلوقاته أقدارا وأجناسا.\nفإذًا يُفهم قوله «إن أَوَّلَ ما خلق الله القلم» يعني من هذا العالم.\nفالقلم قبل السموات وقبل الأرض وقبل الدخان المتعلِّق الذي خُلِقَ منه السموات والأرض وكل ما يتصل بهذا العالم المرئي المُشاهَدْ، فالقلم هو أول المخلوقات أما العرش والماء فليسا مُتَعَلِّقَينِ بهذا العالم.\nفإذًا إعمال الحديثين مع ما يتّفق مع عقيدة أهل السنة والجماعة واضح لا إشكال فيه، فيكون ذلك هو تقرير هذه المسألة.\nوقد لخّص ابن القيم المسألة في نونيته وبحثها مفصلًا في كتابه التبيان في أقسام القرآن، وفي غيره فقال في النونية ﵀:\nوالناس مختلفون في القلم الذي ****** كتب القضاء به من الديان\nهل كان قبل العرش أو بعده ****** قولان عند أبى العلا الهمذاني\nوالحق أن العرش قبل لأنه ****** عند الكتابة كان ذا أركان\nوهذا القول كما ترى من تقريره مع دليله هو الصحيح، وهو الموافق لفقه النص وفقه خلق العالم وآثار فعل الله - ﷿ - في ملكوته، ومتّفق مع القول بأن الله - ﷿ - فعَّالٌ لما يريد، وأن قَبْلَ هذا العالم ثَمَّ عوالم أخرى، والله - ﷿ - يخلق ما يشاء ويختار، وأنّه ثَم أشياء أخرى بعد قيام الساعة، والقلم مُتَقَيِّدٌ بما خلقه الله - ﷿ - له، والله سبحانه له الأمر كله يقضي ما يشاء ويحكم ما يريد ﷾.","vol":"1","page":260},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nجاء في حديث أنس الذي رواه البخاري وغيره في قصة الإسراء أنَّ النبي ﷺ ذَكَرَ عروجه إلى الله - ﷿ - ليلة المعراج، ثم قال في وصف ارتفاعه ﷺ «ثم إني رُفِعْتُ لمستوىً أسمع فيه صريف الأقلام» (١) .\nوهذه الأقلام غير القلم الذي كُتِبَ به القَدَرْ فإنَّ ذلك القلم من نور كُتِبَ به القَدَرْ في اللوح المحفوظ.\nوأما هذه الأقلام فهي التي بأيدي الملائكة.\nأقلامٌ يُكْتَبُ بها وحي الله - ﷿ - إلى ملائكته مما يُوَكَّلُونَ به من الأشياء.\nفهم يكتبون أَمْرَ الله - ﷿ -، وله ﷾ كلمات لا تنقضي كما قال - ﷿ - ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] .\nفالله - ﷿ - كلماته الكونية لا تنفذ يأمر وينهى ﷾ في ملكوته والملائكة تكتب، فهذه الأقلام نوع آخر.\nولك أن تقول هذا هو النوع الثاني وهي أقلام الوحي التي بأيدي الملائكة يكتبون ما يوحي الله - ﷿ - به في سَمَائه.\n_________\n(١) البخاري (٣٤٩) / مسلم (٤٣٣)","vol":"1","page":261},{"text":"قال ﵀ بعد ذلك (فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ -يعني في اللوح- أَنَّهُ كَائِنٌ؛ لِيَجْعَلُوهُ غَيْرَ كَائِنٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ؛ لِيَجْعَلُوهُ كَائِنًا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَخْطَأَ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ.) .\n_________\nوهذه العقيدة هي حقيقة الإيمان بالقضاء والقَدَرْ.\nهي أنْ يعلم العبد أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه لو فَعَلَ ما فَعَلْ فإنه لن يَحْجِبَ قضاء الله - ﷿ - وقدره، لم؟\nلأنه لا يمكن أن يفعل خلاف ما قدَّرَ الله - ﷿ -.\nلهذا وجب التسليم لله - ﷿ - في أمره، ووجب في أَمْرِ المصائب التي لا اختيار للعبد فيها أن يُسَلِّمَ لله - ﷿ - ذلك، وأن يؤمن بقضاء الله - ﷿ - الذي يقضيه.\nوقضاء الله - ﷿ - كما ذكرت لك هو إنفاذه ما قَدَّر - ﷿ -.\nوهذا القضاء له جهتان:\n١ - جهة متعلقة بالله - ﷿ -، وهي فعله ﷾.\nوفعله بأن يقضي صفة من صفاته.\nفهذه يجب على العبد أن يُحِبَّهَا وأن يرضى بها لأنها صفة من صفات الله - ﷻ -.\n٢ - جهة متعلقة بالعبد لا بالرب، فيكون مَقْضِيًا على العبد.\nوالمقضي على العبد نوعان:\n- مقضي عليه من جهة المصائب.\n- ومقضي عليه من جهة المعايب.\nوالمصايب ربما كان لا اختيار له فيها، والمعايب فَعَلَهَا بإرادته.\nلهذا بَحَثَ العلماء مسألة الرّضا بالقضاء وهل القضاء تسليم له، يعني الرضا به؟\nوتحقيق القول في هذه المسألة أنْ تَعْلَمَ أَنَّ القضاء غير المَقْضِي.\nالمقضي هذا تَعَلُّقْ القضاء بالعبد.\nوالقضاء هو قضاء الله - ﷿ - وهو فعله.\nوقد يقال فيما يتعلق بالعبد: هذا قُضِيَ عليه وصار قضاءً عليه، فيكون قَضَاء بالنسبة للعبد وهو مَقْضِي.\nلهذا نقول: جهة الرب - ﷿ - في القضاء هذه نرضى بها ونحبها.\nوأما ما يقضيه الله - ﷿ - على العبد فإنه ما كان من المعايب من المعاصي والآثام التي تقع منه فإنه يجب عليه أن لا يرضى بها.\nيعني وَقَعَتْ عليه لكن يجب عليه أن يكره ذلك الذي وقع منه ولو كان قضاءً، ويجب عليه أن يسارع بالانسلاخ من آثاره بالتوبة والإنابة، فلا يُحِبُّ هذا العيب ولا هذا الذنب مع أنه قضاء ولا يرضى به؛ بل يسارع في تخليص نفسه منه.\nوأما ما كان من قبيل المصائب التي يُصاب بها العبد فإنّ الرضا بها مُسْتَحَبْ غير واجب.\nإذا أُصِيبَ بمصيبة فإنَّ الرضا بها مستحب، كما قال - ﷿ - ﴿وَمَن يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، قال علقمة ﵀ (هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلّم) (١) .\nفالرضا بالمَقْضِيِّ الذي هو من المصائب مستحب لا واجب بالنظر إلى تعلّقه بالعبد وهو المَقْضِي.\nأما بالنظر إلى تعلقه بالله فسواء كان من المصايب أو من المعايب فإنه يجب الرّضا عن الله - ﷿ - بأفعاله وصفاته ومحبة أفعال الله - ﷿ - لأنّ الله - ﷿ - يفعل ما يفعل عن حكمة عظيمة، كما قال سبحانه ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٦-٤٧]، فالله - ﷿ - يقضي بحكمته ما يشاء، وله الحكمة البالغة، لا يُسْألُ عما يفعل وهم يسألون.\nفإذًا تَلَخَّصَ من ذلك أنَّ ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.\nويتصل بهذا البحث، أو نطويه لأنه قد يطول علينا.\nمباحث القدر طويلة ترجعون إليها إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري (التغابن:١١)","vol":"1","page":262},{"text":"وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَبَقَ عِلْمُهُ فِي كُلِّ كَائِنٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَقَدَّرَ ذَلِكَ تَقْدِيرًا مُحْكَمًا مُبْرَمًا، لَيْسَ فِيهِ نَاقِضٌ وَلَا مُعَقِّبٌ، وَلَا مُزِيلٌ وَلَا مُغَيِّرٌ، وَلَا نَاقِصٌ وَلَا زَائِدٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وَذَلِكَ مِنْ عَقْدِ الْإِيمَانِ وَأُصُولِ الْمَعْرِفَةِ وَالِاعْتِرَافِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُبُوبِيَّتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] .)،فَوَيْلٌ لِمَنْ صَارَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْقَدَرِ خَصِيمًا، وَأَحْضَرَ لِلنَّظَرِ فِيهِ قَلْبًا سَقِيمًا، لَقَدِ الْتَمَسَ بِوَهَمِهِ فِي فَحْصِ الْغَيْبِ سِرًّا كَتِيمًا، وَعَادَ بِمَا قَالَ فِيهِ أَفَّاكًا أَثِيمًا\n_________\nقال ﵀ بعد ذلك (وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَبَقَ عِلْمُهُ فِي كُلِّ كَائِنٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَقَدَّرَ ذَلِكَ تَقْدِيرًا مُحْكَمًا مُبْرَمًا، لَيْسَ فِيهِ نَاقِضٌ وَلَا مُعَقِّبٌ)\nيعني ليس له ناقض ولا معقب.\n\n(وَلَا مُزِيلٌ وَلَا مُغَيِّرٌ، وَلَا نَاقِصٌ وَلَا زَائِدٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وَذَلِكَ)\nيعني هذا الذي أشار إليه.\n\n(مِنْ عَقْدِ الْإِيمَانِ)\nيعني مما يجب أن يُعْقَدَ عليه القلب إيمانًا به، وقال (عَقْدِ الْإِيمَانِ) يعني من ما يجب في الإيمان يكون عقيدة يُؤْمِنُ بها.\n\n(وَأُصُولِ الْمَعْرِفَةِ)\nيعني أصول العلم بالله - ﷿ -.\n\n(وَالِاعْتِرَافِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُبُوبِيَّتِهِ)\nيريد بتوحيد الله تعالى في هذا الموطن توحيد الله - ﷿ - في تَصَرُّفِهِ في مُلْكِهِ وفي عبادته، فإنَّ العبد إذا اعترف بأنَّ الله - ﷿ - هو المتَصَرِّفْ في ملكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنَّهُ هو المدبر وهو الرب - ﷻ - فإنه يُوَحِّدُ الله في قَدَرِهِ، ويُوَحِّدُ الله - ﷿ - في أفعاله كما يُوَحِّدْ الله - ﷿ - في ربوبيته بعامة.\nففي الحقيقة من تأمل توحيد الربوبية وآمَنَ حَقًَّا بربوبية الله - ﷿ - فإنه يؤمن بالقَدَرْ؛ لأنَّ الإيمان بالقدر من ثمرات الإيمان التام بربوبية الله - ﷿ -، فإنَّ المؤمن بالربوبية، بأنَّ الله - ﷿ - هو الرب المتصرف في ملكه، هو السيد المطاع، هو الذي لا معقب لحكمه ولا راد لأمره، هو الذي ما شاء كان، هو الذي لا يُغالَب في ملكه، هو الذي يعطي ويمنع ويخلق ويرزق ويميت ويحيي، من آمن بالربوبية على تفاصيلها فإنه لن يجادل في القدر؛ لأنه يعلم أنه مربوب مستسلم لله - ﷿ -.\n\nختم ذلك بقول (كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] .)، قال (فَوَيْلٌ لِمَنْ صَارَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْقَدَرِ خَصِيمًا، وَأَحْضَرَ لِلنَّظَرِ فِيهِ قَلْبًا سَقِيمًا، لَقَدِ الْتَمَسَ بِوَهَمِهِ)\n(الوَهَمْ) بالتحريك، وَهَمْ: هو الفَهْمْ أو الإدراك أو الذهن أو ما أشبه ذلك.\nو(الوَهْمْ) بالسكون: هو الغفلة عن الشيء، يقال هذا وَهْمٌ يعني هذا غلط وغفلة ونحو ذلك، أما الوَهَمْ فهو الإدراك والفهم إلى آخره.\n\nقال (لَقَدِ الْتَمَسَ بِوَهَمِهِ فِي فَحْصِ الْغَيْبِ)\nيعني بذهنه وبفهمه وتفكيره\n\n(فِي فَحْصِ الْغَيْبِ سِرًّا كَتِيمًا، وَعَادَ بِمَا قَالَ فِيهِ أَفَّاكًا أَثِيمًا.) .\nفأسأل الله - ﷿ - أن يكتب لي ولكم الإيمان التام بقدر الله - ﷿ -، وأن يجعلنا ممن سَلَّمُوا لله - ﷿ -، وآمنوا بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته حقا وصدقا دون تردد ولا ريب ودون معارضة لما أمر الله - ﷿ - به وقضى.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>الأسئلة:</span>\nس١/ إنَّ من ضابط الكبيرة ما تُوُعِّدَ فيه بنفي الإيمان، فهل كل نَصٍ نُفِيَ فيه الإيمان دالٌّ على أنَّ مرتكبه فاعل للكبيرة، نرجو بيان الضابط في ذلك حيث أشكل هذا على بعض الأخوة؟\nج/ هذه المسألة أصْلُهَا أَنَّ الله - ﷿ - حَرَّمَ أشياء، وقَسَم - ﷿ - المحرّمات إلى قسمين: إلى كبائر وإلى صغائر. فقال - ﷿ - ﴿الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢]، فجعل ثَمَّ كبائر وثَمَّ صغائر، وقال - ﷿ - أيضا ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفَّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١]، وصحّ عنه ﷺ أنه قال «الكبائر سبع» (١) وفي الحديث المتفق على صحته «اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر» (٢) إلى آخره.\nفإذًا انقسام المحرمات إلى كبائر وصغائر أمْرٌ مُقَرَّر في الشريعة، في القرآن وفي السنة وعليه أكثر أهل العلم أو غالب أهل العلم.\nوقال آخرون: إنَّ الذنوب كلها كبائر؛ لأنَّ الصغيرة إذا نُظِرَ فيها إلى حق من عُصِيَ بها فهي كبيرة، واستدلوا لذلك بقوله ﷺ «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير» (٣) فجعله ليس بكبير ثم أثبت أنه كبير، فقالوا: إنَّ الذنب لا يكون صغيرًا.\nوهذا غَلَطْ ممن قال به لأنَّ النصوص دالة على التقسيم، ثُمَّ إنَّ النبي ﷺ قال في ذِكْرِ المكفرات «الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما ما اجتنبت الكبائر» (٤) وصحّ أيضا أنه ﷺ (جاءه رجل وقال يا رسول الله: إني لقيت امْرَأَةً في بعض السكك فأصبت منها غير أني لم أَنْكَحْ. فقال ﷺ «هل صليت معنا؟» فقال: نعم فقال «تلك كفارتها» (٥) وتلا قول الله - ﷿ - ﴿وأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى للذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]، قال الرجل: يا رسول الله أهي لي أم للناس عامة؟ قال «بل هي عامة» فدل هذا على أن الصغائر تُكَفَّرْ وعلى أن الكبائر لابد لها من التوبة.\nاختلف العلماء في ضابط الكبيرة ما هي الكبيرة؟ وبِمَ تُحَد؟ على أقوال كثيرة جدًا.\nلكن الذي نُرِجِّحُهُ في ذلك تَبَعًَا للمحققين من أهل العلم أنَّ الكبيرة ما تُوُعِّدَ فيه، يعني ما جاء الليل بأن صاحبه مُتَوَعَّدْ بالحد في الدنيا أو بالعذاب في الآخرة، وما كان فيه الوعيد بحد في الدنيا كشرب الخمر والزنا والسرقة والقذف وأشباه ذلك فإن هذا أو ما هو أكبر من ذلك فإن هذا كبيرة؛ لأنه متوعد صاحبُه بالعذاب بالنار في الآخرة أو بالحد في الدنيا.\nوزاد شيخ الإسلام ابن تيمية -اجتهادا منه- على هذا أنه ما جاء النص فيه بنفي الإيمان واللعن فإنه يدل على أنه كبيرة ونظمها ابن عبد القوي في منظومته المشهورة التي طُبعت مؤخرا فقال في ذلك في حد الكبيرة:\nفما فيه حد في الدُّنَى أو تَوَعُدٌ بأخرى فَسَمْ كبرى على نص أحمد\nيعني هذا هو الذي نص عليه الإمام أحمد وهو قول جمهور العلماء، قال:\nوزاد حفيد المجد أو جا وعيده بنفي لإيمان وطرد لمُبْعَدِ\nوزاد حفيد المَجْدِ) يعني الشيخ تقي الدين ابن تيمية\nيعني ما جاء في النص بنفي الإيمان «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» (٦) .\nوطرد لمبعد «لعن الله من غير منار الأرض» (٧) هذا يدل على أنه كبيرة عند شيخ الإسلام.\nإذا تبين ذلك فالسائل يسأل عن ضابط نفي الإيمان لأنه فيه نصوص نُفِيَ فيها الإيمان وبالإجماع أنه ليس بكبيرة كقوله ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٨) والضابط في نفي الإيمان أنه ما نُفِيَ الإيمان فيه عن مَنْ فَعَلَ مُحَرَّمًَا، أما من لم يفعل المحرم فإنَّ نَفْيَ الإيمان ليس من هذا الباب، لكن من فَعَلَ محرما فإنَّ دخول نفي الإيمان على الفعل المحرم ينقل هذا الفعل المحرم من كونه صغيرة إلى كونه كبيرة «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» .\nأما قوله «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» فهذا بالإجماع مستحب، قوله أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك من الخير بالإجماع على أنه مستحب.\n_________\n(١) الأدب المفرد (٥٧٨) / المعجم الكبير (١٠٢)\n(٢) البخاري (٢٧٦٦) / مسلم (٢٧٢) / أبو داود (٢٨٧٤) / النسائي (٣٦٧١)\n(٣) البخاري (٦٠٥٥) / مسلم (٧٠٣) / أبو داود (٢٠) / الترمذي (٧٠) / النسائي (٣١) / ابن ماجه (٢٠٦٩)\n(٤) مسلم (٥٧٢)\n(٥) مسلم (٧١٧٧)\n(٦) البخاري (٦٠١٦) / مسلم\n(٧) مسلم (٥٢٣٩) / النسائي (٤٤٢٢)\n(٨) البخاري (١٣) / مسلم (١٧٩) / الترمذي (٢٥١٥) / النسائي (٥٠١٦) / ابن ماجه (٦٦)","vol":"1","page":264},{"text":"وقال «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (١) ونحو ذلك فهذا لا يدخل في البحث، وإنما المقصود إذا كان الشيء محرما فاقترن بالشيء المحرَّم بنفي الإيمان عن من فعله. والله أعلم. (٢)\n_________\n(١) البخاري (١٥) / مسلم (١٧٨) / النسائي (٥٠١٣) / ابن ماجه (٦٧)\n(٢) انتهى الشريط التاسع عشر.","vol":"1","page":265},{"text":": [[الشريط العشرون]]:\n\nالحمد لله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>الأسئلة:</span>\nس١/ هل النبي ﷺ يُحَبُّ لذاته لأنَّ ذاته حميدة، أم يُحَبُّ في الله - ﷿ - لما اتصف بالنبوة والرسالة؟\nج/ هذا سؤال جيد، ونبينا ﷺ جَمَعَ من الأوصاف والعِلَلْ والأسباب التي لأجلها يُحِبُّ المُحِبْ من أحب، جَمَعَ كل الأسباب والأوصاف، فهو ﷺ يُحَبُّ من كل جهة:\n- يُحَبْ لله - ﷿ - لأنَّ الله - ﷿ - أمر بحبه ﷺ.\n- ويُحَبْ لأنَّ الله - ﷿ - اصطفاه وفَضَّلَهُ وجعله رسولًا ورحمةً للعالمين.\n- ويُحَبْ ﷺ لأنَّ الله خَصَّهُ بالقرآن خَصَّهُ بالآيات والبراهين، خَصَّهُ بما لم يخصّ به الأنبياء والرسل.\n- ويُحَبْ ﷺ لأجل جهاده في الله حق الجهاد ونصحه لهذه الأمة وتبليغه رسالة ربه - ﷻ -.\n- ويُحَبْ ّ ﷺ لعِظَمِ إحسانه لكل أحد، فما من أحد إلا وهو قد أحسن إليه ﷺ أيما إحسان، وإذا كان الناس فيما بينهم يحبون من أحسن إليهم كما قال شاعرهم:\nأحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ (١)\nفنبينا ﷺ أَحْسَنَ أيَّمَا إحسان وأفاض على هذه الأمة من إحسانه وفضله ﷺ بما بلغ من رسالة ربه واهتدى بهدي ربه - ﷿ -، فيُحَبُّ لذلك أعظم المحبة ﷺ، فلولا أنَّ الله - ﷿ - مَنَّ علينا ببعثة محمد ﷺ ثُمَّ باتِّبَاعِهِ لكنا من الهالكين، فنبينا ﷺ يُحَبْ لما في عنق كلّ أحد من هذه الأمة له ﷺ من المنّة، فمنّته ﷺ على كل أحد، ولهذا جعل الله - ﷿ - من جميل ثوابه لنبيه أنّ له مثل أجور أمته، فكل من عمل عملًا صالحا من الإيمان وشُعَبِه، فله ﷺ مثل أجره، والناس يُحِبُّونَ أيضًا لأنواع الصفات، فَيُحِبُّ المحب فلانًا لكرمه، ويُحِبُّ المحب فلانًا لخلقه ولشجاعته ولإمامته ولفتواه ولحكمه ولحسن تعامله ولأشياء كثيرة من الخلال والأوصاف ولتعامله مع أهله ولكماله في صفاته وأخلاقه وسجاياه.\nوالنبي ﷺ إذا نظرنا إلى كل جهة من هذه الجهات فإنه يُحَبْ عليها ﷺ.\nولكن مع هذا كله فإن القاعدة عند أهل العلم من أهل السنة أنَّ النبي ﷺ محبته ليست استقلالًا ولكن تبعٌ لمحبة الله - ﷿ -، وهذا يعظّم شأن نبينا ﷺ.\nففي الحقيقة من تأمل ذلك حق التأمل فإنه يحبه ﷺ، وبرهان المحبة قوله - ﷿ - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وقد قال الشاعر في معرض كلام له لمَّا ذكر بعض الصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها من يعظ الناس قال:\nلو كان حبك صادقًا لأطعته إنَّ المحبّ لمن يحبّ مطيع\nفالمحبة للنبي ﷺ ليست تراتيل تُنْشَد ولا أشعار يُتَباهى بها وليست هي قلادة يَتَزَيَّنْ بها من يَتَزَيَّنْ دون إتباع لسنته ﷺ، فحقيقة المحبة لمن أحب أنَّهُ يَتَّبِعْ سنة هذا النبي الكريم ﷺ، فهو الرسول المصطفى والخليل المُجتبى الذي أرسله الله - ﷿ - بالهدى، فطاعته ﷺ أول ثمرات محبته ﷺ، لهذا إذا عظمت المحبة فإنَّ الطاعة تكون أعظم، لهذا قال من قال من السلف (لهذا لما كَثُرَ الأدعياء طُولبوا بالبرهان ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾) .\nوقال آخر (ليس الشأن أن تُحِبَّ ولكن الشأن أن تُحَبْ) (٢)\nفليس الشأن أن تُحِبَ النبي ﷺ ولكن الشأن أن يحبك النبي ﷺ، ليس الشأن أن تُحِبَّ الله - ﷿ - ولكن الشأن أن يحبك الله - ﷻ -، والله - ﷿ - لا يحب إلا أهل توحيده والإنابة إليه وخلع الأنداد والشرك؛ الذين يحبون نبيه ﷺ ويحققون معنى الشهادة له لأنه رسول الله ﷺ.\nس٢/ في قوله تعالى ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤]، البعض يقول إنَّ الله - ﷿ - لم يقل وما تدري نفس ماذا تعمل غدًا؛ لأنَّ الإنسان قد يعلم ماذا يعمل إذًا فَعَلَى هذا يقولون إنَّ الكسب لا يعني العمل فما هو القول الصحيح في تفسير هذه الآية؟\n_________\n(١) - من قصيدة عنوان الحلم - للبستي.\n(٢) انظر: النبوات (١/٧٣) / روضة المحبين (١/٢٦٦) / مدارج السالكين (٣/٣٧) / تفسير ابن كثير (آل عمران:٣١)","vol":"1","page":266},{"text":"ج/ الآية هذه كنظائرها ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ يعني ماذا تعمل في الغد فإنَّ الكسب بمعنى العمل لكنه عمل يَتَحَصَّل منه على شيء وهو أجره، سُمِيَ العمل الصالح في النص كسبًا لأنه كأنه شيء يكتسبه، مثل شخصٍ يتاجر فيقال: كَسَبَ كذا، (فَكَسَبَ) يعني عمل وخرج له شيء من عمله، فلما كان العمل الصالح يؤجر عليه العبد سُمِيَّ بالنص كسبًا، لا بمعنى الكسب عند المبتدعة فإنَّ ذلك كما أوضحت لك في الدروس له معنى آخر.","vol":"1","page":267},{"text":"وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ، وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَهُ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ، وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ.\n_________\nقال ﵀ (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ.)\nقدَّمتُ لك معنى قوله (حَقٌّ) فيما سبق وأنَّ معنى ذلك أنّ العرش والكرسي يُؤْمَنُ به على ظاهره كما جاء في النصوص، وأنَّهُ ليس بالباطل؛ بل هو موجود كما وصف الله - ﷿ -، فهو حق ثابت لا مِرية فيه.\nقال هنا ﵀ (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ) وسبب إدخاله هذه المسألة في العقائد أنَّ أهل البدع خالفوا أهل السنة في تفسير العرش وفي تفسير الكرسي.\nفلما كانوا مخالفين لما دَلَّ عليه الدليل وكان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان، رضي الله عن الصحابة ومن تبعهم، فإنهم قد خالفوا في أمرٍ غيبي، ومن خالف في أمرٍ غيبي فقد خالف ما يجب معه عقد الإيمان.\nلأنَّ من سمة المؤمن بما أثنى الله - ﷿ - عليه أن يؤمن الغيب كما قال - ﷿ - في الثناء على خاصة عباده ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢-٣] .\nفوصف المتقين بأخص الصفات وهي الإيمان بالغيب، وهذه صفة أهل الإيمان.\nجَعَلَ الله - ﷿ - أهل الإيمان لا يرتابون في الكتاب وسبب ذلك أنهم يؤمنون بالغيب فمدارُهُ على التسليم.\nلذلك فإنَّ المخالفين للكتاب الذين عقدوا ألوية البدعة تَأَوَّلُوا وحَرَّفُوا أكثر الأمور الغيبية كما سيأتي بيانه.\nلذا كان لإدخال الإيمان بالعرش والكرسي في هذه العقيدة المختصرة مَأْخَذُهُ.\nولا شكّ أنَّ الإيمان بالعرش والكرسي حقٌّ على ما جاء في ظاهر الأدلّة.\nدلّ<span data-type=\"title\" id=toc-211> قوله (وَالْعَرْشُ </span>وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ) على أنّ معتقد أهل السنة والجماعة أنَّ العرش غير الكرسي فالعرش شيء والكرسي شيء آخر وكلاهما حقٌ.\nإذا تبين هذا كتقريرٍ لهذه الجملة، فإنَّ بحثها يمكن أن يكون في هذه المسائل:\n&amp; أولًا العرش","vol":"1","page":268},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ العرش حق لأنَّ الله - ﷿ - ذكره في كتابه في آيات كثيرة فقال - ﷿ - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، ووَصَفَ العرش بأنه عظيم، فقال ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ (١) ووصف عرشه - ﷿ - بأنه مجيد، ووصف عرشه بأنه يُحْمَلْ فقال سبحانه ﴿الذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر:٧]، ووصف عرشه أيضا بأنَّهُ يستوي عليه - ﷿ -، وأنَّ عرشه - ﷻ - موصوف بصفات العظمة التي فاق بها سائر العروش.\nفإذًا وُصِفَ بهذه الصفات، وجاء في السنة مزيد في وصفه بأنَّ العرش له قوائم تحمله الملائكة، كما قال ﵊ «يُصعق الناس فأكون أول من يُفيق، فإذا بموسى باطشٌ -أو قال آخذٌ- بقائمة من قوائم العرش» (٢) .\nفالعرش إذًا مخلوق من مخلوقات الله - ﷿ - العظيمة، ومن عِظَمِهْ أنه قال فيه ﷺ «مثل السموات السبع للعرش كمثل حلقة ألقيت في فلاة ومثل الكرسي للعرش كذلك» (٣) يعني كحلقة ألقيت في فلاة وهذا الحديث صححه وقواه جمع من أهل العلم، وروي من طرق كما ذكر الإمام ابن تيمية ﵀ والبحث يقتضي ذلك.\nوصْفُ العرش في النص جاء بأنه مجيد؛ يعني أنه ذو سَعَةْ، وأنه ذو جمال، وجاء بأنه عظيم؛ يعني أنه أعظم من غيره، وجاء في وصف العرش أنه كريم؛ يعني أنه فاق جنس العروش والمخلوقات في البهاء والحُسْنِ والعظمة؛ لأنَّ لفظ كريم في اللغة تعني أنه فاق غيره في الأوصاف التي يُحْمَدُ فيها، فقول العرب للإنسان الجواد الذي يبذل الندى ويبذل الطعام للأضياف أنه كريم داخلٌ في قاعدةٍ كبيرة في معنى كلمة كريم في لغة العرب.\nولهذا من فاق غيره في الأوصاف فإنه كريم، ومن أسماء الله - ﷿ - الكريم الذي بلغ المنتهى في علو صفاته وحُسْنِ أسمائه بحيث لا يشابهه ولا يماثله شيء فيما وُصِفَ به - ﷻ -، ووُصِفَ النبي ﷺ بأنه كريم لذلك؛ بل وُصِفَ في القرآن أنَّ النبات كريم لأجل ذلك، فقال سبحانه ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء:٧]، يعني الأزواج التي تفوق غيرها وجنسها في النضرة والبهاء وما خلقه الله - ﷿ -.\nفإذًا يقتضي وصف العرش في النص بأنه كريم ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] في الحديث، يقتضي ذلك أنَّ العرش من جنس العروش.\nيعني أنَّ له صفة العروش.\nيعني أنه عرش على ظاهره لكنه فاقها في جميع الصفات التي توصف بها العروش.\nفإذًا هو عرش على الحقيقة ليس على المعنى، هو عرش على الحقيقة، وفاق جنس العروش، والله - ﷿ - في القرآن ذكر العرش، عرش المخلوقين وعرش الملوك في آيات كثيرة فقال مثلا في قصة يوسف ﵇ ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدَا﴾ [يوسف:١٠٠]، وقال سبحانه في وصف عرش بلقيس قال ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣]، وقال سبحانه ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل:٤١] ونحو ذلك.\nفإذًا العرش هذا معناه، فيما جاء في الأدلة، وهذا عرش الرحمن، ووُصِفَ في الأدلة في الكتاب والسنة بهذه الأوصاف، وأنَّ العرش يُحْمَلْ، وأنَّ له قوائم، وأنه يُدَار حوله من الملائكة، وأنه مُقَبَّب كالقبة فوق سمواته، كما جاء في الحديث الذي في السنن واعتمد ما دلَّ عليه في جهة العرش أهل العلم لما جاء عن الصحابة في تقوية ذلك بأنَّ عرشه على سمواته هكذا وأشار بيديه مثل القبة، فقال أهل العلم إن العرش مُقَبَبْ.\nوكونه مُقَبَبْ لا يعني أنه أصغر كما يدل عليه النظر العقلي، مثل تقبيب سطح الأرض على مستوى النصف فيها فإنه مُقَبَب عليها وهو أعظم منها فكيف بالعرش.\n_________\n(١) التوبة:١٢٩، النمل:٢٦.\n(٢) سبق ذكره (١١٥)\n(٣) ابن حبان (٣٦١)","vol":"1","page":269},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالعرش في اللغة مأخوذ من الرفع والارتفاع كما قال - ﷿ - في ذكر فرعون ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]، يعني يَبْنُونَ ويرفعون من الأبنية، وقال - ﷿ - ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام:١٤١]، المعروشات يعني التي جُعِلَ لها البناء الذي يسمى تعريش أو العريش.\nولأجل هذا الارتفاع والعلو سُمِّيَ العرش عرشًا.\nفكلمة عرش والتعريش ونحو ذلك مأخوذة أو أصلها الإرتفاع، ولهذا حتى في أكل اللحم إذا أراد أن يأخذ اللحم إلى فِيْهِ ويأكله بفيه بدون أن يقتطع منه يقال عَرَشَهُ، عَرَشَ اللحم أو عَرَشَ اللحم على العظم ونحو ذلك لأنه يرفعه على هذا النحو.\nفإذًا مادة العرش في اللغة ترجع إلى الارتفاع وهذا التحليل اللغوي المختصر يفيد في الرد على المخالفين في مسألة العرش.","vol":"1","page":270},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنَّ العرش دَلَّتْ الأدلة على هذا الوصف، أما المخالفون فلهم في العرش أقوال:\n١- القول الأول:\nأنَّ العرش هو فَلَكٌ من الأفلاك، وهو نهاية الأفلاك مستديرٌ حولها.\nوهذا هو قول أهل الكلام المدون في كتبهم، ويُسَمُّونَ الفلك التاسع عندهم الأطلس، يعني الذي ليس فيه خروق ولا نجوم، قالوا وهو المسمى في الشريعة العرش لأجل علوه وارتفاعه على سائر الأفلاك.\nوهذا على أصلهم لأنهم جعلوا الأفلاك سبعة ثم الثامن ثم التاسع وهو الفلك الأطلس، ولأجل عُلُوِّهِ وارتفاعه جمعوا ما بين الشريعة والفلسفة فقالوا هو هذا الفلك التاسع الذي تسميه الفلاسفة وأهل الهيئة -وهم جزء من الفلاسفة- يسمونه الفلك التاسع أو الأطلس هو العرش.\nوهذا القول يُرَدُّ عليه بردود واضحات وهي:\n@ الرد الأول: أنَّ أهل الهيئة سَمَّوا فلكهم التاسع أطلس ولم يزعموا -يعني قبل الإسلام- أنَّهُ هو العرش، والعرش في النصوص له صفة أخرى غير صفة الفلكية، فوُصِفْ بأنَّ له قوائم وأنَّ الملائكة تحمله وأنه على السموات على هذه الصفة وأنه مُفَضَّلٌ على العروش إلى آخره، فدلَّ على أنه ليس بفلك، والفلك مسارٌ من المسارات وكرة من الكرات التي تكتنف الأفلاك الأخرى.\nفإذًا من جهة دلالة النص تُبطِلُ هذه الدلالة.\n@ الرد الثاني: أنَّ الدلالة العقلية أيضًا تُبْطِلْ ذلك ودليله أَنَّ أهل الهيئة والفلاسفة لم يُقَدِّموا باتفاقهم برهانًا قطعيًا على أنه ليس وراء الفلك التاسع كما سَمَّوهُ فلك، وإنما قالوا هذا نهاية ما رأينا بوضع الخسوفات، وتَقَدَّمَ هذا على هذا.... إلى آخره، فَرَتَّبُوهَا بحكم مشاهدة، ولم يقولوا إنه ليس وراء الفلك التاسع فلك؛ لكن على هذا رتبوا، ولهذا لم يقولوا -يعني بالبرهان القاطع- وإنما قالوا إنَّ الفلك التاسع هذا هو آخر الأفلاك بحكم ما شاهدنا؛ لكن قد يكون ثم شيء آخر وراءه.\nوهذا يخالف ما فَهِمُوهُ من كلمة العرش لأنهم أرادوا أن يجعلوا صِلَة بين العرش وبين كلام الفلاسفة، والعرش هذا الذي ذُكِرَ في النصوص لا يوافق هذا المبدأ؛ لأنه آخر المخلوقات والعرش أعظم المخلوقات وما تحته صغيرٌ بالنسبة إليه وليس دائريًا كما ذكروا.\nفإذًا كلامهم من الجهة العقلية لمَّا لم يأتِوا ببرهانٍ يدلُّ على أنه ليس وراء الفلك التاسع شيء ببرهانٍ قطعي عقلي وإنما قالوا هذا الذي يظهر من جهة النظر، فإنَّ هذا يدل على أنَّ تسمية الفلك التاسع بالعرش أنه ليس بصواب، وهذا واضح لكن لأنك قد تجده في بعض كتب التفسير فانتبه من ذلك.\n٢- القول الثاني:\nأنَّ العرش هو عبارة عن المُلْكْ ولكن عَبَّرَ عن الملك بالعرش لتلازمهما، فكما أنَّ لملوك الأرض عرشًا يجلسون عليه فإنَّ الله - ﷿ - جعل لنفسه عرشًا، وهذا العرش هو مُلْكُهُ، لكن من قبيل تعظيم الأمر.\nوهذا القول أيضًا باطلُ ومردود؛ لأنَّ مُلْكُ الله - ﷿ - لا يوصف بتلك الصفات في الشريعة، فإنَّ المُلْكَ لا يُحْمَلْ، والمُلْكْ ليس له قوائم، والمُلْكْ ليس ثَمَّ ملائكة تدور حوله ونحو ذلك، والمُلْكْ لا يأتي يوم القيامة محمول ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، إلى آخره، أيضا المُلْكْ مرتفع معنىً والعرش مرتفع حِسًّا يعني من جهة دلالة اللغة وهذا فرق بَيِّنْ.\n٣- القول الثالث:\nأنَّ حقيقة العرش هي الكرسي، وأنَّ الكرسي والعرش شيء واحد، وأنَّ الكرسي الذي وَسِعَ السموات هو العرش، وهذا قولٌ هنا وقولٌ في أقوال الكرسي يأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى، وهذا القول منسوب إلى الحسن البصري وهو قول ضعيف؛ لأنَّ:\n- الله - ﷿ - وَصَفَ العرش بصفات ليست هي صفات الكرسي.\n- ثم مادة العرش غير مادة الكرسي؛ يعني من جهة الاشتقاق.\n- ثم الآثار عن السلف متضافرة في أنَّ العرش شيء والكرسي شيء آخر\nولهذا عطف الطحاوي الكرسي على العرش فقال (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ.) لأنَّ العطف بالواو يقتضي المغايرة، مغايرة الذوات بين الكرسي والعرش.\n٤- أما بالنسبة مذهب الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم فإنهم في العرش مضطربون، ليس لهم مذهب واضح:\n- منهم من ينحو منحى أهل الكلام.\n- ومنهم من يقول العرش مخلوق من مخلوقات الله لا نعرف حقيقة تكوينه، ولا معنى الاستواء عليه ونحو ذلك.\n- ومنهم من يقول إنَّ العرش هو الملك.\n- ومنهم من يقول العرش تمثيل، أصلًا ليس فيه عرش وليس ثّمَّ شيء وإنما هو تقريب، تمثيل للأفهام.","vol":"1","page":271},{"text":"والكرسي\n_________\n&amp; ثانيًا الكرسي:\n[المسألة الأولى]:\nالكرسي ذَكَرَهَُ الله - ﷿ - في آية واحدة في القرآن سُمِّيَتْ بآية الكرسي لقوله - ﷿ - فيها ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهذه الآية هي أعظم آية في كتاب الله، قال ﷺ لأبي «أي آية في كتاب الله أعظم؟» فقال ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال «ليهنك العلم» (١) لأنَّ هذا يعني أنه فَقِهَ معنى هذه الآية لأنَّهُ لا يدرك كون هذه الآية أعظم ما في القرآن إلا أنَّهُ عَلِمَ معانيها ولا شك أنَّ هذه تعني علمًا عظيمًا.\nوفي السنة جاء بيان حجم الكرسي بالنسبة للسموات بأنَّ (٢) السموات السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض والكرسي بالنسبة إلى العرش مثل ذلك.\nوجاء في أثر عن ابن عباس موقوف يصح عنه موقوفًا، وروي مرفوعًا ولا يصح مرفوعًا، وهو قوله ﵁ (الكرسي موضع القدمين لله - ﷿ -) (٣) وهذا يعني أنَّ الكرسي مخلوق من مخلوقات الله عظيم جدًا، جعله الله بهذا العِظَمْ، وأنه وسع السموات والأرض، وأكثر من ذلك السموات صغيرة بالنسبة لكرسي الرحمن - ﷻ -.\n_________\n(١) مسلم (١٩٢١)\n(٢) انتهى الوجه الأول من الشريط العشرين.\n(٣) المستدرك (٣١١٦)","vol":"1","page":272},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ كلمة كرسي من جهة اللغة مأخوذة من الكَرْسِ، والكَرْسِ هو الجمع في اللغة، ويقال للكرسي المعروف إنه كرسي لأجل أنَّ أعواده تُجمَعْ على هيئة ما.\nفالكرسي يختلف عن المقعد الآخر بأنَّهُ أعواد مجموعة في اللغة، ومنه سُمِّيَ العلماء أيضًا كَرَاسِي لأجل أنهم جَمَعُوا العلم، لأجل معنى الجمع، وكذلك قيل للوَرَقْ المجموع على نحوٍ ما كُرَّاسة لأنها أوراق جُمِعَتْ.\nفمادة الجمع مادة الكَرْسْ تعود إلى الجمع، ويقال تَكَرَّسَ فلان بالشيء إذا جَمَعَهُ أو تكرَّس فلان الشيء إذا جمعه إلى صدره أو جمعه إليه.\nفإذًا مادة الكرسي مأخوذة من الجمع.\nوهذا يدل على أنَّ كرسي الرحمن - ﷻ - وتقدست أسماؤه له من الصفات العظيمة ما يختلف به عن صفة العرش؛ لأنَّ الله - ﷿ - سَمَّى العرش عرشًا وهذه لها دلالتها في اللغة، وسَمَّى الكرسي كرسيًَّا وهذه لها دلالتها في اللغة.","vol":"1","page":273},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالناس لهم في الكرسي أربعة أقوال، يعني غير أهل السنة:\n١- القول الأول: وهو قول الحسن وهو أنَّ الكرسي هو العرش وهذا قول ضعيف، الآثار ترده كما قلت لك.\n٢- القول الثاني: أنَّ الكرسي لمَّا ذُكِرْ في آيةٍ واحدة هي آية الكرسي في سورة البقرة، أَنَّهُ تمثيل وأنه ليس ثمَّ حقيقة للكرسي؛ ولكن هو تمثيل لتقريب عظمة الله - ﷿ -.\nوهذا هو قول الذين ينفون كثير من الصفات التي تدل على عظمة الله وقدرته كقوله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، ونحو ذلك فيقولون: إنَّ هذا كله تخييل؛ بل قالوا: إنَّ كل نص جاء في الكتاب والسنة من هذا القبيل فإنه لأجل التخييل لا تُقْصَدُ حقائقه، وإنما المقصود تعظيم الناس لله - ﷿ - وإلا فهذه ليست على حقائقها.\nوهذا القول معروف من أقوال المعتزلة وطائفة من الأشاعرة، ومن المعاصرين قرَّرَهُ في تفسيره سيد قطب في ظلال القرآن وجعله قاعِدَةً كلية في آخر سورة الزّمر عند قوله تعالى ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ .\nوفي الحقيقة إنَّ القول بأنَّ هذا كله على جهة التخييل إلغاء لكل الدلالات الشرعية للألفاظ وإلغاء لكل الغيبيات لأنه يكون المقصود في كل هذا التمثيل.\nوهذا القول قَدَّمَهُ الزمخشري في الكشاف وكأنه يميل إليه، وعلى قاعدتهم في أنَّ كل النصوص من هذا الباب على وجه التوهم والتخييل.\nوهذا القول كما ذكرت لك غلط عظيم؛ لأنَّ معناه نفي كل الأمور الغيبية هذه على هذه القاعدة، فما كان من الأمور الغيبية يدل على عظمة الله وكان فيها تمثيل بأشياء موجودة عند البشر فتُنْفَى ويكون المقصود التمثيل لا الحقيقة.\n٣- القول الثالث: أنَّ الكرسي هو العلم، فكرسي الرحمن - ﷿ - هو عِلْمُهُ، وقوله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني وسع علمه السموات والأرض.\nوهذا القول مروي عن ابن عباس ولكن الصحيح عن ابن عباس خلاف هذا القول.\nويُرَدْ على هذا القول بأمور:\n١ - أنَّ مادة الكرسي للجمع، والعلم شيء آخر، هذا من جهة اللغة.\n٢ - أنَّ الله - ﷿ - ذكر أنَّ الكرسي وسع السموات والأرض؛ ولكن علمه - ﷿ - وسع كل شيء، قال سبحانه ﴿ربنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، وقال - ﷿ - ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وعِلْمُ الله - ﷿ - يشمل علمه بذاته - ﷿ - وبأسمائه وصفاته وأفعاله وعلمه - ﷿ - الذي يسع السموات والأرض وعلمه - ﷿ - الذي يسع الجنة والنار وعلمه - ﷿ - بعد تغير السموات والأرض وقبل خلق السموات والأرض.\nفإذًا تفسير الكرسي بأنه العلم هذا يضاد أنَّ العلم يسع كل شيء ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾، وأما كرسي الرحمن - ﷿ - فقال ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ .\n٣ - أنَّ قولهم إنَّ الكرسي هو العلم وأنَّ مادة تَكَرَّسَ راجعة إلى العلم، والعلماء سُمُّوا كراسي لأجل العلم ونحو ذلك من الاحتجاجات واحتجاجهم بقول الشاعر يصف قنصه لفريسته:\nفلما احتازها تكرَّسا.................\nقالوا يعني علم.\nفهذا من الجهة اللغوية فيه ضعف، وذلك أنَّ العلم ليس راجعًا إلى الجمع والعلماء صحيح أنهم جمعوا علومهم لكنَّ العلم من حيث هو يَحْصُلُ بتلقي المعلوم ثُمَّ العِلْمُ به والمعرفة به، فليس كل علم ناتجًا عن جمع بل يكون ناتجًا عن تصور الخَبَر، فيكون معلومًا له.\nوهذا هو المقرر في اللغة وعند أهل نظرية المعرفة، فإن المرء يعلم بدون جمع، والله - ﷿ - وَصَفَ الصغير بقوله ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨]، فكُلَّمُا عَلِمَ المخلوق، كلما علم الصغير شيئا صار عالمًا به ولو لم يجمعه إلى غيره، فمادة الجمع غير مادة العلم، مادة الكَرْسْ غير مادة العلم والعلم ما صار علمًا للجمع، وإن كان العلماء سُمُّوا كراسي لأجل جمعهم العلم.\nفإذًا راجِعٌ تفسير كلمة التكرس إلى كلمة الجمع، واحتجاجهم بقول الشاعر كما ساقه ابن جرير الطبري في تفسيره:\nفلما احتازها تكرسا...............\nيدل على أنَّ التكرس بمعنى الجمع لا بمعنى العلم لم؟\nلأنه قال (فلما احتازها) يعني صارت في حوزته.\n(تَكَرَّسَا) وهو عَلِمْ بأنه قَنَصَهَا لمَّا صارت في حوزته.\nيكون تكرسه شيئًا جديدًا زائدًا على ما حَصَلَ له من الحيازة، فالحيازة بها عَلِمْ وزاد بعد الحيازة أن ضَمَّهَا وجمعها إليه.\nفإذًا من حيث اللغة فإنَّ دلالة التَّكَرُّس على العلم دلالة ضعيفة؛ بل الصواب أنَّ التَّكَرُّس ومادة كَرَسَ راجعة إلى الجمع في اشتقاقاتها جميعا.","vol":"1","page":274},{"text":"٤- القول الرابع: أنَّ الكرسي عبارة عن المُلْكْ كما قالوا في العرش، وقالوا إنَّ الكرسي إذا قيل إنَّ كرسي الملك واسع فهذا يدل على سعة مُلْكِهِ وعلى عُلُوِّ شأنه وقُوَّتِهِ.\nفيقولون: الله - ﷿ - قال ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، يعني أنَّ سلطانه وملكه وسع السموات والأرض.\nوهذا ليس بجيد أيضًا؛ لأنَّ:\n١ - الكرسي من جهة دلالة اللغة غير دلالته على الملك.\n٢ - أنَّ الكرسي موصوف في السنة وفي آثار السَّلف بأنه غير الملك، فدلَّ ذلك على أنَّ تفسيره بالملك تفسير حادث، والتفسير الحادث بعد زمن الصحابة رضوان الله عليهم لا يُصَارُ إليه في تفسير القرآن.","vol":"1","page":275},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nوهذه المسألة متصلة بالعرش والكرسي جميعًا، وهي راجعة إلى أثر الإيمان بالعرش والكرسي.\nفالمؤمن إذا آمن بأنَّ عرش الله - ﷿ - حق، وأنَّ هذه التي ذُكرت هي صفة العرش، وأنَّ عرش الله عظيم جدًا وأنه مجيد وأنه كريم، وأنَّ النبي ﷺ حَدَّثَ عن أحد حملة العرش بأنَّ مسيرة ما بين عاتقه إلى شحمة أذنه مسيرة خمسمائة عام، وأنَّ السموات بالنسبة للكرسي كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، وأنَّ الكرسي بالنسبة إلى العرش كذلك، وأنَّ الكرسي موضع قدمي الرحمن - ﷿ -، فلا شك أنَّ هذا يَؤُولُ بالمؤمن الحق إلى اعتقاد عظمة الله - ﷿ -، وإلى أنَّ الله سبحانه تتناهى المخلوقات عنده في الصِّغَر، وأنه - ﷿ - كما وصف نفسه بقوله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وجاء في الأثر في تفسير ذلك أنه يرمي بها يوم القيامة كما يرمي الصغير بالكرة فيقول أنا الله الواحد أنا الملك إلى آخره.\nفمعرفة صفة الكرسي وصفة العرش، ويبتدئ المرء من نفسه التي يُعَظِّمُهَا وكيف هو على هذه الأرض العظيمة جدًا وهو صغير جدًا جدًا، هذه الأرض، حتى إنَّ المدن الكبار إذا صعدت بالطائرة تراها صغيرة جدًا وهي تحوي ملايين الناس، فكيف بالفرد والأرض هذه بالنسبة للسماوات صغيرة، والسماوات السبع على سعتها وعِظم ما فيها من الأفلاك والنجوم والسيارات بالنسبة للكرسي صغيرة كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، والكرسي بالنسبة إلى العرش كذلك، والله - ﷿ - فوق العرش مستغن عن العرش، وكل شيء محتاج إليه، والله سبحانه محيط بكل شيء إحاطة سعة وقدرة وذات وشمول - ﷻ - وتقدست أسماؤه فإنَّ المرء ولاشك يصيبه بل يحصل له في قلبه نوع عظيم من الذل لله - ﷿ -، ونوع عظيم من احتقار النفس ومعرفة قدر الإنسان كيف هو، وأنه شُرِّفَ أعظم تشريف أَنْ جعله الله - ﷿ - عبدًا له سبحانه، ولهذا ينظر المرء إلى عِظَمْ المخلوقات هذه ويؤمن بها فيُعَظِّمْ الله - ﷿ -.\nحقيقةً الإيمان بأسماء الله - ﷿ - وصفاته يُثْمِرُ ثمراتٍ عملية في القلب من وَجَلِ القلوب، من إجلال الله - ﷿ - وحب القلوب لجمال الله - ﷿ - وأنواع ما يحدث في القلب من الإيمان ومدارج الإيمان التي تتصل بالإيمان بالأسماء والصفات، كذلك الإيمان بالجنة والنار، كذلك الإيمان بالعرش والكرسي لمن تأمله فإنه يجعل القلب خاضعا لربنا ويجعل القلب مُخْبِتًَا مُنِيبًَا لله - ﷿ - فإنْ غَفَلَ جاءه تعظيمه وإيمانه وعقيدته بالإنابة السريعة بالاستغفار الحق.\nإذًا حين نبحث هذه المباحث في العقيدة ليست كما يبحثها أهل الكلام المذموم في كونها أشياء لا ثَمَرَةَ لها على الإيمان والعمل الصالح وتَعَبُّدْ المرء لله - ﷿ -، فإنَّ كل شيء وَصَفَهُ الله - ﷿ - لنا من الأمور الغيبية لم يُقْصَدْ إيماننا به واعتقادنا له من جهة الوجود دون جهة الإيمان وما يُثْمِرُ منه؛ بل قُصِدَ الإيمان به -يعني بوجوده وأثر الإيمان الذي يُحْدِثُهُ في النفس- لأنَّ المقصود إصلاح القلوب بالله - ﷿ -.\nوأنت سمعت قول أولئك من المعتزلة وطوائف من المبتدعة إنَّ هذه الأشياء تمثيل لأجل إصلاح الناس وإيمانهم بعظمة الله - ﷿ -، والواقع أننا إذا قلنا بما جاء في الأدلة من الكتاب والسنة فإنها في تحصيل الإيمان وفي إحداث الإيمان في النفوس وتقوية الإيمان أعظم من أن تكون للتمثيل؛ لأنَّ ذِكْرَهَا على الحقيقة وعلى هذه الصفات يجعل المرء على الحقيقة يتصور كيف هذه المخلوقات جميعًا والأرض هذه الكبيرة وما فيها ثُمَّ السموات ثم الكرسي بعد ذلك ثم العرش ثم الملائكة الحافين من حول العرش لاشك يُحْدِثْ له أنواع من الإيمان والوجل والخوف وحب الله - ﷿ - وتعظيمه والإنابة إليه، وهذا لاشك كله من المقاصد الشرعية.\nفإذًا الإيمان بهذه يحتاج منك إلى تأمل وتدبر في أن تُعْمِلَ في قلبك هذه الأشياء وتتذكر عظمة الله - ﷿ -.\nهذه بعض المباحث المتعلقة بقوله (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ) وثَمَّ مباحث زائدة يعني قد تدخل في مباحث الكلام المذموم، فالذي يهمنا هو تقرير ما دل عليه الكتاب والسنة وما يجب اعتقاده أنَّ العرش والكرسي حق، وأنَّ العرش موصوف بتلك الصفات والكرسي موصوف بتلك الصفات، وأنَّ الأقوال الباطلة في العرش والكرسي متعددة والجواب عليها، وأسأله - ﷿ - لي ولكم التوفيق والسداد.\nوفي هذا القدر كفاية عسى الله - ﷿ - أن يرحمنا برحمته وأن يجعلنا من المنيبين إليه المتقين.\nنكتفي بهذا القدر، لا تنسونا من صالح الدعاء. (١)\n_________\n(١) انتهى الشريط العشرون.","vol":"1","page":276},{"text":": [[الشريط الواحد والعشرون]]:\n\n(وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَهُ. مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ، وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ\nوَنقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا) .\n_________\nقال العلاّمة الطحاوي في هذه النُبْذَةْ المختصرة في وصف الله - ﷿ - قال (وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَهُ. مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ، وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ)\nيريد بهذا الكلام أنَّهُ لمَّا أثْبَتَ عرش الرحمن - ﷿ - وأثْبَتَ الكرسي على ما جاء في النصوص وما في ذلك من الاستواء على العرش كما يليق بجلال الله - ﷿ -، بَيَّنَ أنَّ خلق العرش واستواء الرب - ﷿ - على العرش كما يليق بجلاله وعظمته ليس لحاجَةٍ من الله - ﷿ - لما خَلَقْ للعرش، ولكن الله - ﷿ - هو الغني ﷾، وهو مستغنٍ عن جميع المخلوقات؛ بل العرش وما دونه مفتقر إلى الرب - ﷿ -، إذْ ربُّنا - ﷿ - به تقوم الأشياء، فلا أحد يقوم ولا شيء يقوم إلاّ بالربّ - ﷻ -، والعرش من ذلك؛ فإنه مفتقر في قيامه وفي استمراريته وفيما عليه شأنه مفتقر إلى الربّ - ﷻ -، فالله سبحانه هو الذي يحفظه، وهو الذي بقدرته يحمله - ﷿ -، إلى غير ذلك.\nفإذًا استواء الربّ - ﷻ - على العرش ليس استواءً كما يظنه الجهلة وأهل البدع لمَّا نفوا الاستواء أنَّ ذلك يقتضي الحاجة إليه، لا وكلاّ؛ بل هذا فِعْلْ فَعَلَهُ الله - ﷿ - وصِفَةٌ اتصف الله - ﷿ - بها، والله سبحانه يتّصف بما يشاء - ﷻ - وتقدّست أسماؤه، والعرش شَرُفَ وعَظُم لأنَّ الله - ﷿ - جعله مكانًا لاستوائه عليه ﷾.\nلأجل مخالفة المخالفين ولأجل الرد على جَهَالَةْ الجاهلين قال الطحاوي هنا (وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ) .\nيعني أنَّ الله - ﷿ - موصوف بالغِنَى المُطْلَقْ من كل وجه، كما وصف بذلك نفسه في القرآن، وهو مستغن عن أعظم المخلوقات وأعلى المخلوقات وفوق المخلوقات وهو العرش، فاستغناؤه - ﷿ - عما دون ذلك الخلق العظيم وهو العرش لاشك أنه من باب أولى.\n\nقال ﵀ هنا في وصف الله (وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَهُ)\nوذلك لكمال غنى الرب - ﷿ -، وكمال جلاله وكمال قدرته سبحانه وكمال قهره، ولعلو ذاته ﷾ وأنه الحي القيوم.\n(القيوم) يعني أنَّ كل شيء إنَّمَا قيامه بالله - ﷿ -، فأي شيء في هذه الدنيا بل أي شيء من مخلوقات الله - ﷿ - لو تَخَلَّى ربنا - ﷿ - عنه لباد ولهلك ولما استقام له شأن.\nولهذا كان من دعاء أعرف الخلق بربه وأعلم الخلق بربه ﷺ أنه يقول «ولا تكلني لنفسي طرفة عين» (١) فهذا فيه التَّخَلِّي عن كل حول وقوة وعن أنْ يُوكَلَ العبد إلى نفسه طرفة عين.\nفإذًا كلّ الخلق قيامهم بالله - ﷿ -، وكل الخلق فقراء إلى الله - ﷿ - ومن ذلك العرش، والربّ سبحانه هو الغني الحميد المستغني عن كل ما عداه والمفتقر إليه كل شيء ﷾.\n\nقال (مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ)\nيعني أنَّ الربّ ﷾ موصوف بإحاطته لكل شيء وأنَّهُ سبحانه فوق كل شيء.\nوهذه الإحاطة يأتي بيانها بالتفصيل، ومعناها أنّ الرب - ﷿ - محيط بصفاته بكل شيء بعظمته - ﷿ - وبقدرته وبعلمه فهو سبحانه بكل شيء محيط.\nقال (وَفَوْقَهُ) يعني أنَّ الله - ﷿ - موصوف بالعلو المطلق؛ علو الذات والفوقية المطلقة؛ فوقية الذات له سبحانه وكذلك علو وفوقية الصفات.\n\nقال بعدها (وَقَدْ أَعْجَزَ ﷿ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ)\nيعني أنَّ الله - ﷻ - لِعِظَمِ قدرته ولكمالِهِ في غناه لا أحد ولا شيء يحيط به كما قال - ﷿ - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقال - ﷿ - لموسى ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] .\n- فإحاطة الرؤية بالله - ﷿ - ممتنعة.\n- وإحاطة العلم بالله - ﷿ - ممتنعة.\n-وإحاطة القدرة بالله - ﷿ - ممتنعة.\nإذًا فالعباد مهما بلغ شأنهم فيما أعطاهم الله من القوة فإنهم أحقر وأضعف وأذل لله - ﷿ - من أن يحيطوا به - ﷿ - علمًا أو يحيطوا به وصفًا أو يحيطوا به - ﷿ - قدرَةً إلى آخر ذلك؛ بل هو سبحانه المتصف بصفات الكمال.\nوهذا من الطحاوي ﵀ تَقْرِيرٌ لعقيدةٍ عظيمةٍ من عقائد أهل السنة والجماعة مُخَالَفَةً للمعتزلة والخوارج والرافضة والأشاعرة وطوائف كثيرة من الصفاتية ومن غيرهم.\nوفي هذه الجملة مسائل لبسط الكلام عليها.\n_________\n(١) أبو داود (٥٠٩٠)","vol":"1","page":277},{"text":"[المسألة الأولى]:\nفي قوله (وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ)، (مُسْتَغْنٍ) من الغِنَى وهو عدم الحاجة.\nوالله - ﷿ - سَمَّى نفسه بالغني كما في قوله سبحانه ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ وفي قوله ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦]، وفي قوله ﴿فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] وفي قوله أيضا - ﷿ - ﴿وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء:١٣١]، ونحو ذلك من الآيات، فهو سبحانه موصوف بالغنى، ومن أسمائه الغَنِيْ.\nومعنى هذا الاسم -الذي هو من أسماء الجلال لله - ﷿ - ومن أسماء الجمال لله - ﷿ -- أنه سبحانه الذي يحتاج إليه كل شيء، وهو المستغني عن كل شيء.\nوهذا الغِنَى غِنَىً بالقهر؛ فإنَّ الله سبحانه لا يحتاج إلى مُعينٍ لِيَقْهَرَ من شاء ويُذِلَّ من شاء، كما أنه غِنَىً في الملك؛ فالله سبحانه غَنِيٌّ عن أن يعينه أحد في تدبير ملكه ولكن يُشَرِّفُ من شاء من عباده ببعض ما يقومون به من عمل في ملكوت الله - ﷿ -، كما يُشَرِّف الملائكة وبعض عباده الصالحين.\nوغناه أيضا - ﷿ - غنىً لكمال قدرته ﷾.\nومن هذا الأخير غناه عن العرش، فهو سبحانه لكمال قدرته واستغنائه بقدرته عن أحد من خلقه فإنه مستغنٍ عن العرش.\nفإذًا عموم غِنَاهُ - ﷿ - وإطلاق غِنَاهُ - ﷿ - وأنَّ الخلق جميعًا فقراء إليه ﷾ هذا يشمل هذه المعاني جميعًا.","vol":"1","page":278},{"text":"[المسألة الثّانية]:\nاستغناؤه - ﷿ - عن العرش وما دونه يقتضي أنَّ العرش وما دونه محتاج إليه ومفتقر إلى الربّ ﷾، وهذا له جهتان:\n١- الجهة الأولى: أنَّ العرش وما دونه مُفْتَقِر لله - ﷿ -؛ لأنَّهُ لا قَوَامَةَ لَهُ ولا قيام له بنفسه، فهو محمولٌ، له قوائم كما مَرَّ معنا في وصفه، وهو محمول والذي يحمله خَلْقٌ سَخَّرَهُمْ الله - ﷿ - لحمله وأقْدَرَهُمْ على ذلك، فقُدْرَتُهُم في حمل العرش واستقراره وفي بقائه وقيامه إنما هو بقدرة الله - ﷿ -، فهذا نوع من الحاجة.\n٢- الجهة الثانية: أنَّ كلّ شيء عبدٌ لله - ﷿ -، ومن ذلك العرش، فالعرش من مخلوقات الله التي تَعْبُدُهُ وتُسَبِّحُهُ وتذِلُ له - ﷿ -، وكذلك حملة العرش، وكذلك من في السموات ومن في الأرض، وكذلك ما في السموات وما في الأرض، وقد قال - ﷿ - ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، وقال أيضًا ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، فقوله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه نكرة جاءت في سياق النفي بـ ﴿إِنْ﴾، لأَنْ ﴿إِنْ﴾ هنا بمعنى ما و﴿إِلَّا﴾ بعدها حاصرة أو قاصرة، فيكون المعنى: ما من شيء إلا يسبّح بحمده.\nوالعرش شيء، وتسبيحه بحمد الله - ﷿ - نوع من الذل والعبودية له ﷾، والعبودية والذل معنىً من معاني الافتقار إلى الرب - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\nوفي هذا تنبيه للعباد بعامة أنّ هذا المخلوق العظيم الذي الكرسي بالنسبة إليه كالحلقة الملقاة في فلاة من الأرض، (والكرسي) السموات السبع بالنسبة إليه كما جاء في كلام السلف كدراهم سبعة ألقيت في تُرْسْ أو كحلقات ألقيت في ترس، والأرض صغيرة بالنّسبة للسموات، فإنّ هذا يعني أنك أيها العبد أيها الإنسان المخلوق الضعيف الذي تعرف ضعفَك، تنظر إلى العرش الذي هو مفتقر إلى الله - ﷿ - مُسَبِّحٌ ذالٌ منيبٌ إلى ربه - ﷿ -، كيف أنه لا يستغني عن مولاه، وكيف أنه يُسَبِّحُ ويحمد ويَذِلُّ لله - ﷿ -، فهذا المخلوق الضعيف جدا الذي هو الإنسان وأُبتلي بالتكليف لاشك أنه أولى بالذل لله؛ لأنه ضعيف جدًا ومفتقر للغاية.\nفإذًا النظر إلى العرش وفَقْرْ العرش إلى الله - ﷿ -، وأنَّ قوامَةَ العرش على عِظَمِهِ وعِظَمِ خلق السموات وضعف نِسْبَةِ خلق السموات إلى العرش جدًا، كيف الإنسان ينظر إلى نفسه لاشك أنه يستفيد من هذا في قلبه وعمله أنه أولى بالافتقار إلى الله وأولى بالذل إلى الله، وأولى بالعبودية لله - ﷻ - وتقدّست أسماؤه وهذا من ثمرات التّفكر الشّرعي والنظر في ملكوت السموات والأرض، والنظر أيضا فيما ذكر الله - ﷿ - في كتابه من أنواع خلقه التي لم نر ومنها عرشه - ﷻ - وتقدست أسماؤه.","vol":"1","page":279},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nفي قول المؤلف هنا في وصف الرب - ﷿ - (مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ) .\n(مُحِيطٌ) هذا الوصف الإحاطة قد جاء وصف الله - ﷿ - به في القرآن في عدة آيات كما في قوله سبحانه في آخر سورة فُصِّلت ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:٥٤]، وكذلك في قوله ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٢٦]، وكذلك في قوله - ﷿ - ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠]، ونحو ذلك.\nوالإحاطة في اللغة: هي الإتيان بالشيء من جميع جهاته.\nيعني من جميع الجوانب يكون مُطَوَّقًَا كما في قوله تعالى ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]، يعني جاءهم من كل جهة.\nوتفسير إحاطة الله - ﷿ - بكل شيء السلف والمفسرون منهم من يمضي -وهم الأكثر- عن الدخول في هذا الوصف؛ -وصف إحاطة الله - ﷿ - بكل شيء-، وكأنهم هربوا من أن يُظَنَّ أنَّ الإحاطة إحاطة ذات، كإحاطة الفَلَك بما فيه وإحاطة السموات بالأرض ونحو ذلك.\nولاشك أنَّ معنى إحاطة الذات ليس مُرَادًَا، فإنّ الله - ﷿ - فوق مخلوقاته والمخلوقات صغيرة بالنسبة لذات الله - ﷿ -.\nولهذا أعرضوا عن الخوض في تفسيرها.\nوفَسَّرَهَا طائفة من العلماء تفسيرًا يوافق ما قاله السلف وما يعتقده أئمة أهل السنة في ذلك بقولهم: إنَّ الإحاطة أنواع:\n- إحاطة بمعنى أنها إحاطة عَظَمَة لله - ﷿ -.\n- إحاطة بمعنى أنها إحاطة سعة، فالله سبحانه وَصَفَ كرسيه بأنّه وسع السموات والأرض ووصف نفسه - ﷿ - بأنه واسع ﷾ الذي وسِع كل شيء.\n- إحاطة بمعنى أنها إحاطة صفات: إحاطة علم، إحاطة قدرة، إحاطة قهر، إحاطة مُلْكْ إلى غير ذلك.\nفهذه كلها من معاني إحاطة الرب - ﷿ - عباده، ولهذا أين المفر؟\nفكل أحد يُفَرُّ منه إلى غيره؛ ولكن الله - ﷿ - ولإحاطته بخلقه وإحاطته بجميع ملكوته ﷾إحاطة عظمة وسَعَةْ وقدرة وعلم إلى غير ذلك- فإنّه سبحانه إذا فررت منه فإنك لن تجد إلا أن تفر إليه ﷾ ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] .\nويقول القائل يوم القيامة أين المفر؟\nلا مفر من الله إلا إليه.\nوهذا إذا نَظَرَ إليه العبد مع التَّفُكُّرْ وَجَدَ نفسه تتصاغر جدًا أمام ربه - ﷿ -، فَيعْظُمُ الإيمان في قلبه، ويعْظُمُ اليقين، ويعْظُمُ توكله على الله، فيأنس بالله - ﷿ - وبما جاء من الله - ﷿ - حتى يصير راضيًا بكل ما جاء من الله - ﷿ - ذالًا لربه ﷾.\nوكلمة (شَيْءٍ) في قوله (بِكُلِّ شَيْءٍ) -ذكرنا لكم- أنها تُفَسَّر بأنَّ الشيء ما يصح أن يُعْلَمَ أو يؤول إلى أن يُعْلَمْ.\nوالله ﷾ إحاطته بالأشياء منها -كما ذكرنا- إحاطة علم وإحاطة قدرة، فهو ﷾ عالم بكل شيء، قدير على كل شيء، فإذًا كلمة (كُلِّ شَيْءٍ) هنا لأجل ما جاء في الآيات ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ ونحو ذلك لأجل ما جاء في الدليل.","vol":"1","page":280},{"text":"[المسألة الرّابعة]:\nوهي أعظم المسائل وأَجَلِّهَا في كلام الطحاوي هذا، وهي قوله في وصف الله - ﷿ - (مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ) .\nكما ذكرتُ لك أنَّ الإحاطة قد يتبادر إلى بعض الأذهان أنها إحاطة ذاتٍ، بمعنى أنَّ الأشياء جميعًا الله سبحانه بذاته محيط بها من كل جهة، وهذه قد نفاها العلماء ولم يجعلوها تفسيرًا للإحاطة.\nلهذا قال بعدها (وَفَوْقَهُ) يعني أنَّهُ مع إحاطته بكل شيء فهو فوق جميع الأشياء.\nوالفوقية هنا هي المسألة المشهورة العظيمة في هذه الأمة وهي مسألة علو الله - ﷿ - على خلقه وفوقية الرب - ﷿ - على خلقه.\nوالفوقية بمعنى العُلو، فالآيات التي فيها ذِكْرُ الفوقية تُفَسَّرُ بالعلو، والآيات التي فيها العلو تُفَسَّرُ بالفوقية، ففوقية الرب - ﷿ - هي علوه سبحانه على جميع خلقه.","vol":"1","page":281},{"text":"وفي<span data-type=\"title\" id=toc-225> قوله (وَفَوْقَهُ) </span>مسائل لبسط الكلام عليها.\n_________\n[المسألة الأولى]:\nأنَّ العلو والفوقية ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\n- إلى علو الذات.\n- وعلو القهر.\n- وعلو القَدْرْ والشرف.\nوكذلك الفوقية:\n- فوقية الذات.\n- وفوقية القهر.\n- وفوقية القَدْرْ والشَرَفْ.\nوبعض أهل العلم يقسمها إلى قسمين:\n- إلى فوقية الذات.\n- وإلى فوقية الصفات\nوكذلك العلو:\n- علو ذات.\n- وعلو صفات.\nوالأول هو الأكثر في تفسير أهل العلم الذين دوَّنُوا شرح عقائد أهل السنة والجماعة.\n١ - أولًا: علو الذات وفوقية الذات:\nوهذه معناها أنَّ الله - ﷿ - فوق جميع الأشياء وأنه الأعلى سبحانه، وهذا هو الذي فسّره به ﷺ، فَفَسَّرَ الآية وهي آية سورة الحديد ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣]، فسّر ﴿الظَّاهِرُ﴾ فقال «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» ﷾.\n٢ - ثانيًا: فوقية القهر وعلو القهر:\nوهذه معناها أنه ﷾ لا يُغْلَبْ ولا يُرَامُ جنابه؛ بل هو ﷾ هو الذي يَقْهَرُ من عداه، يُمْلِي ويستدرك ويَقْهَرْ ويَأْخُذُ على غِرَّةْ، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، فهو ﷾ عالٍ علو القهر، وهو فوق خلقه فَوقِيَّةَ قهر وجبروت وعظمة للمولى - ﷻ -.\n٣ - ثالثًا: علو القَدْرْ وفوقية القَدْرْ:\nوهذا المعنى هو الذي يُثْبِتُهُ المبتدعة من العلو فلا ينازعون في علو القَهْرْ والقَدْرْ والشَّرَفْ.\nفيقولون: معنى الله فوق خلقه كقول القائل المَلِكُ فوق شَعْبِهِ أو الأمير فوق رعيته؛ يعني من جهة قَدْرِهِ، وكقولهم: العالم فوق عامة الناس، من جهة القَدْرْ، وكقول القائل الذّهب فوق الحديد؛ يعني من جهة المنزلة والقَدْرْ.\nوهذا تفسير ناقص، كما سيأتي في هذه المسائل إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":282},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالعلو والفوقية لله - ﷿ - ثابت بدليل القرآن والسنة والعقل والفطرة.\nبل قال بعض العلماء: إنَّ في القرآن والسنة ألف دليل لإثبات علو الله - ﷿ - بذاته وفوقيته بذاته على خلقه.\nوهذا يعني أنَّ أمر العلو ومسألة العلو والفوقية من المسائل المتواترة العظيمة التي دلالتها صريحة؛ بل دلالتها نصية فدلالتها إذًا قطعية.\nولهذا دخل عدد من أهل العلم؛ بل صَرَّحَ عدد من أهل العلم بتكفير من أنكر علو الله - ﷿ - على خلقه لأجل عِظَمْ الأدلة في هذا كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nالأدلة التي دَلَّتْ على علو الله - ﷿ - على خلقه وعلى أنه سبحانه فوقهم بذاته وصفاته كثيرة جدًا.\nلهذا ابن القيم جعلها أنواع لأجل كثرتها، جعلها ثمانية عشرة نوعا كل نوع تحته جملة من الأدلة في الكتاب والسنة، ونذكر بعضا منها، وترجعون إلى الباقي:\n١ - أنَّ الله - ﷿ - صرَّحَ سبحانه ونص على أنه فوق عباده في قوله في سورة الأنعام ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ .\n٢ - أنه جاء التصريح بـ ﴿مِنْ﴾ قبل الفوقية في قوله سبحانه في سورة النحل ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] .\nومن مقتضيات اللغة أنَّ مجيء (من) قبل الظرف (فوق) تدل بظهور على أنَّ الفوقية فوقية ذات؛ لأنَّ فوقية الصفة أو القَهْرْ أو القَدْرْ لا يُؤتى فيها بـ (من)، فلا يُقَال الذهب من فوق الحديد ويُعنى به صفاته، أو الملك من فوق الرعية ويعنى بها من الصفات.\nإذا أُتيَ بـ (من) في اللغة قبل الظرف (فوق) فإنها تدل على فوقية المكان أو فوقية الذات لله - ﷿ -.\nيعني فوقية الذات لأي شيء، وفي الآية فوقية الذات لله - ﷿ -.\nفإذًا قوله سبحانه لما وصف الملائكة بأنَّهُم [...] إلى السماء وأنهم يسبحون قال ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني الذي هو فوقهم بذاته - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\n٣ - أنه سبحانه ذَكَرَ أنَّ الملائكة تعرج إليه فقال سبحانه ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، عروج الملائكة يعني صعودها، عروج الملائكة يعني ارتقاءها إلى أعلى وإلى فوق، وهذا يدل على فوقية الذات لله - ﷿ -.\n٤ - أنه سبحانه ذَكَرَ ونصَّ على أنَّ العمل الصالح يصعد إلى الرب - ﷿ -، والأعمال الصالحة تُرْفَعُ إليه ﷾، كما جاء في قوله تعالى في سورة فاطر ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، فقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ يعني لا إلى غيره لأنه سبحانه هو المتفرد بعلو الذات على خلقه جميعًا.\n٥ -أنَّ الله سبحانه ذَكَرَ أنَّهُ اخْتَصَّ بعض عباده بأن جعلهم عنده، ومن ذلك الملائكة، فالملائكة في السماء؛ ولكن هم متنوعون أيضًا في سُكناهم للسماء، فجعل - ﷿ - بعضهم مختص بأنه عنده سبحانه، وهذه العندية هي عندية علو وفوقية، كما في قوله سبحانه ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩-٢٠]، ونحو ذلك من الآيات، فالعندية -عندية الملائكة- يعني كون الملائكة عند الله ﴿الذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يقتضي أنه سبحانه شرَّفَهُمْ وخَصَّهُمْ بشيء وهو أنهم عنده؛ يعني في عُلاهُ - ﷿ -.\nوكذلك ما وصف الله - ﷿ - به الشهداء في قوله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هم بين الخلق جَسَدًَا ولكنهم عند ربهم روحًا يعني في العلا تكريمًا لهم وتعظيمًا لأجرهم وثوابهم.\n٦ - ما ذكر الله - ﷿ - من تنزيله للكتاب من عنده، كقوله ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] وكقوله ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢]، وكقوله ﴿تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]، وكقوله سبحانه ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣]، ونحو ذلك من الآيات.\nوهذه كلها ذكرها ابن القيم تحفظونها لأنها نافعة في الحجاج ومجادلة من ينكرون علو الله - ﷿ -.\nوالأنواع كثيرة يمكن أن تطلبوها، وفيها أقوى دلالة وأوضح برهان على أنَّ الله سبحانه هو العالي فوق خلقه بذاته - ﷿ -.","vol":"1","page":283},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nدلالة السنة على فوقية الله - ﷿ - أيضًا جاءت الأدلة فيها كثيرة جدًا.\nكقوله ﷺ «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» (١)، وكقوله «والعرش فوق سمواته والله فوق ذلك» في الحديث الذي مرَّ معنا البحث فيه وأنَّ أهل السنة يستدلون منه بهذا القَدْرْ لثبوته في أدلةٍ أخرى.\nوكذلك قوله ﷺ في حجة الوداع يشير إلى السماء ثم ينكث بإصبعه الأرض «اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد» (٢) .\nوكذلك قوله ﷺ في حديث الجارية لما سألها «أين الله؟» قالت: في السماء. قال ﷺ لسيدها «أعتقها فإنها مؤمنة» (٣)، والأدلة على علو الله - ﷿ - في السنة كثيرة.\n_________\n(١) مسلم (٧٠٦٤) / أبو داود (٥٠٥١) / الترمذي (٣٤٠٠) / ابن ماجه (٣٨٣١)\n(٢) البخاري (١٧٣٩)\n(٣) مسلم (١٢٢٧) / أبو داود (٩٣٠) / النسائي (١٢١٨)","vol":"1","page":284},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nوهي في الدِّلالة العقلية، دلالة العقل على علو الله - ﷿ - بذاته على خلقه.\nودلالة العقل متنوعة وكثيرة؛ لكن نكتفي منها بدليل عقلي واحد، وهو أنّ الله - ﷿ - موجود ﷾ بالاتّفاق، يعني كل من أثبت الله - ﷿ - أثبت وجوده، حتى جهم الذي ينفي جميع الصفات يثبت وجود الله - ﷿ -.\nفنقول لجميع هذه الفئات أنّ الوجود قَدْرٌ مشترك، فالله - ﷿ - موجود، وخلق الله - ﷿ - أيضا موجودون.\nوهذان الوجودان إما أن يتمايزا وإما أن يتداخلا.\nفإن تداخلا -يعني صار أحدهما داخل الآخر-:\nإما أن يكون الخَلْقْ محيطون والله - ﷿ - في داخل خلقه\nوإما أن يكون الخَلْقْ في داخل الله - ﷿ -.\nخَلْقْ الله - ﷿ - والكائنات منها أشياء مستقبحة (١) ومستقذرة وقبيحة مثل النجاسات ومثل القاذورات ومثل الأشياء التي لا يُصَرَّحُ بها ونحو ذلك استقذارًا واستهجانا وبعض المخلوقات السيئة ونحو ذلك، وهذه لا أحد - من جميع من يبحث هذه المسائل- يقول بجواز أن تكون في داخل الله - ﷿ -.\nفإذًا تَحَصَّلَ الأمر إلى أنَّه يتعَيَّنْ أن يكون الله - ﷿ - عاليًا على خلقه لأنَّ الإختلاط يقتضي هذا المعنى العقلي الفاسد، وكون الله - ﷿ - في داخل خلقه هذا فيه نَقص لله - ﷿ -.\nوهذا برهان عقلي صحيح، وذلك لأنه مبني على مقدمتين وهاتان المقدمتان إثباتهما مُشْتَرَكْ بين جميع الجهات:\n- المقدمة الأولى: وجود الله - ﷿ -.\n- المقدمة الثانية: تنزه الله - ﷿ - عن أن يكون في داخله شيء مما يُسْتَقْبَحْ أو يُسْتَقْذَرْ.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الواحد والعشرون.","vol":"1","page":285},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nوهي في الدليل الفطري، والدليل الفطري لعلو الله - ﷿ - هو أنّه كل أحد يحس من فطرته سواء عَلِمَ الدين أو لم يعلم الدين، عُلِّمْ أو لم يُعلَّم أنَّ قلبه عند الحاجة وعند الرّغَبْ إلى لله - ﷿ - وعند اقتطاع الأسباب وبقاء لطف الله - ﷿ - أنه يتجه القلب إلى العلو، وهذا شيء فطري مغروس في الإنسان.\nولهذا ذَكَرَ شارح الطحاوية وقد نقله أيضًا غيره قصة الزاهد الأثري الهمذاني مع أبي المعالي الجويني الذي يُلَقَّبْ بإمام الحرمين، حيث ذكر إمام الحرمين في درسه نَفْيَ علو الله - ﷿ - على خلقه -علو الذات-؛ وأنَّ المراد بذلك علو القهر وعلو القدر.\nفقال له الشيخ الهمذاني: يا أستاذ -وكلمة أستاذ في الزمن الأول تطلق على من أجاد فنًا من الفنون، وأما كلمة الشيخ فتطلق على من له مكانة وديانة وورع وخوف من الله - ﷿ --، فقال له: يا أستاذ -لإجادته فن الكلام- أخبرني عن هذه الضرورة التي أجدها في نفسي وهي أني أطلب العلو إذا احتجت إلى الله - ﷿ -.\nفقال أبو المعالي: حيرني الهمذاني، حَيَّرَنِي الهمذاني.\nلأنَّ قوله بنفي العلو لله - ﷿ - هذا منافٍ للفطرة، فلما استدل عليه بالفطرة قال حيرني الهمذاني.\nوقد ذكر بعض من صَنَّفَ في الرحلات كما ذكرته لكم في هذه الدروس، ذكَرُوا أنَّ وَفْدًا من الخليفة العباسي ذَهَبَ إلى روسيا يعني إلى بلاد الترك التي هي روسيا الآن، وقالوا: وجدنا أناسًا لا يعبدون الله - ﷿ - وليس عندهم رسالة يريدون أن يشرحوا لهم الإسلام، قالوا: ولكنا وجدناهم أنهم إذا أصابتهم شدة وعواتي إما من المطر ونحوه ومن قحط ونحو ذلك خرجوا إلى الفلاة ورفعوا أيديهم إلى السماء ونظروا إلى السماء يهمهمون، كأنهم يطلبون الفرج مِمَنْ هو في السماء، وهذا أمر مركوز في الفطرة كما ذكرنا لك.\nإذًا دليل علو الله - ﷿ - وفوقية الرب ﷾ دليل من القرآن والسنة ومن العقل ومن الفطرة.\nنكتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله تعالى ما يتصل بهذا البحث في الأسبوع القادم بإذنه تعالى.\nنجيب عن بعض الأسئلة","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>الأسئلة:</span>\nس١/ ذكرتم كثرة الأدلة على ثبوت علو الله - ﷿ - بذاته ومع ذلك فأكثر الفِرَقْ تُنكرهُ وتصرفه إلى المعاني الأخرى، فما سبب ذلك؟\nج/ سببه أنَّ إثبات علو الذات عندهم يقتضي إثبات الجهة؛ أن يكون الله - ﷿ - في جهة، وإثبات الجهة يقتضي التحيز، والتحيز ممتنع عندهم عقلًا لأنه من صفات الأجسام، فمنعوا العلو لأجل ذلك، يعني هذه شبهتهم.\nس٢/ ذكر بعض العلماء في مقدمة قول: الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار يبسط كفه بالأسحار. فهل العبارة الأخيرة صحيحة؟\nج/ هذه أخَذَهَا من الحديث الصحيح الذي في الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال «إن الله يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» (١)، العبارة صحيحة؛ لأنَّ السَحَرْ بعض الليل.\nس٣/ آية الأنبياء ﴿الذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، فهل هذه العندية عندية ذات أم عندية القهر؟\nج/ العندية عندية ذات، العندية لا تنقسم، العندية عندية ذات يعني عند الله - ﷿ - فوق سماواته هذا معناه.\nقوله تعالى في سورة الأنبياء ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩]، ليست ﴿الذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أو فالذين عند ربك ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩-٢٠]،.\nوالآية الآخرى ﴿وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٥-٢٠٦] .\nس٤/ ما معنى (ذات) في قولنا: ذات الله سبحانه؟\nج/ الذات في اللغة تأنيثه، يقال: هذا الشيء ذو صفات وهذه ذات صفات. هذا في الأصل ولا تطلق إلا مضافة ما تطلق الذات مستقلة إنما تطلق مضافة، وقد جاءت في قول الصحابي ﵁ في شعره المشهور قال:\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شِلْوٍ ممزّع (٢)\nاستعمال كلمة ذات مضافة لله - ﷿ - موجود وقد قال سبحانه ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]، استُعْمِلَتْ بعد ذلك الذّات ويُعْنَى بها ما يقابل الصفات فقُسِمَ الشيء إلى صفة وإلى ذات، ذات وصفات، لِم قُسِمْ هذا التقسيم؟\nلأنَّ الصفة تضاف إلى الموصوف، فكأنه قال القائل: الذات يعني الشيء الذي هو ذو الصفات، فالذات المتصفة بالصفات، فقَسَمُوهَا لأجل أَنَّ الذات كأنه نعتها بقوله الذات الموصوفة بالصفات، فيكون تتمة الكلام محذوف.\nثم اسْتُعْمِلْ يعني كلمة الذات هكذا بالتعريف، استعملت بدون إضافة ولا تنكير، معرفة الذات، استعملت استعمالًا واسعًا في كلام أهل العقائد.\nفإذًا نقول: الذات يُعنى بها الذات الموصوفة بالصفات؛ يعني ما يُضَافُ إليه الوصف ويتّصف به، طبعًا ربنا - ﷻ - وتقدست أسماؤه لا نضيف إليه من شيء إلا إذا ثبت به الدليل بالكتاب أو السنة، وما يُتَوَسَعُ في الكلام في بيان العقيدة من الألفاظ أو التعابير الأَوْلى بل الذي ينبغي ويتأكد على طالب العلم أن يستعمل تعابير السلف لأنها أبعد عن الخطأ في التعبير.\nلهذا يمرِّن طالب العلم نفسه على أن يعبر في هذه المسائل، مسائل التوحيد والعقيدة بتعابير السلف لأنهم أعلم وأحكم في هذه المسائل.\nس٥/ أين ذكر هذه الأدلة ابن القيم؟\nج/ ذكرها في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية غزو المعطلة والجهمية وفي النونية وفي غيرها، ذكرها شارح الطحاوية عندك.\nس٦/ ما هو ضابط الإسم والصفة فيما ورد في الكتاب والسنة مثلا ﴿وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء:١٣١] هل يقال الغنى هنا صفة أم اسم؟ وهل المحسن من أسماء الله - ﷿ -؟\nج/ الجواب (كان غنيًا) هذا وصفه بالغنى، لكن ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، هذا اسم، وإذا أُطلق الإسم فإنه يقتضي الاسم والصفة لأنَّ أسماء الله - ﷿ - مشتملة على الصفات، وأما إذا جاءت الصفة فإنه لا يستقل ورود الصفة بإثبات الاسم؛ بل قد تَرِدْ الصفة ولا نثبت لله - ﷿ - الاسم الذي فيه الصفة، وهذه فيها يعني بحث أطول في وقته إن شاء الله.\nالمحسن من أسماء الله - ﷿ -؛ لأنه جاء في الحديث «إن الله محسن» (٣) ومن أسماء العلماء من القديم عبد المحسن وشيخ الإسلام وابن تيمية وابن القيم وعلماء الدعوة أيضا إذا ذكروا أسماء الله - ﷿ - عدوا فيها المحسن. والمحسن صفة كمال والمحسن اسم متضمن لصفة كمال لا نَقص فيها بوجه من الوجوه.\nس٧/ قلتم من معاني العلو العندية، هل هذا المعنى لغوي أم شرعي؟\nج/ لا، العلو معانيه نقول: علو ذات علو قهر علو قدر، علو ذات علو صفات ونحو ذلك.\nلكن العندية يعني فيما جاء من الأدلة فيه ذكر ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾، ﴿عِنْدَ الله﴾ فهذه دليل لعلو الله - ﷿ - ونوع من أنواع الأدلة في الكتاب والسنة فلا نقول أنَّ معنى العلو الندية لا، نقول إنه قد تأتي (عند) ويراد بها العلو. وكما في قوله في الآيات التي ذكرنا لك ﴿الذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، ونحو ذلك.\nس٨/ ما حكم قول القائل: مادة القرآن في وقت كذا؟\nج/ الجواب أنّ القرآن كلام الله - ﷿ -، صفة من صفاته، تعظيمه واجب لأنه أعظم شعائر الله - ﷿ - التي أشعر عباده بتعظيمها وإجلالها وقد قال - ﷿ - في سورة الحج ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، فتعظيم شعائر الله واجب، تعظيم حرمات الله - ﷿ - واجب، والقرآن لا يُسَاوَى بغيره ولا يُجْعَلْ كغيره، فتُجْعَلْ مادة من المواد كغيره، فتعظيم القرآن يقضي بأن لا يُجعل في تسميته كغيره من المواد، يقال: مادة جغرافيا، مادة إنجليزي، ومادة قرآن. هذا فيه عدم تعظيم والله - ﷿ - أمرنا بتعظيم كتابه، ثم القرآن كلام الله وكلام الله - ﷿ - ليس بمادة؛ لأنَّ المادة قد تطلق ويراد بها المادة المخلوقة، أو يراد بالمادة المخلوق والقرآن كلام الله - ﷿ - صفة من صفاته ليس بمخلوق.\nنكتفي بهذا القدر، وأسأل الله - ﷿ - لكم التوفيق والسداد والعلم والعمل، وأن يجمعنا على المحبة فيه وعلى طاعته وعلى نصرة دينه إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.\n_________\n(١) مسلم (٧١٦٥)\n(٢) البخاري (٣٠٤٥)، حين أُسِرَ خبيب بن عدي ﵁ وقُدِّمَ للقتل، أنشد:\nولست أبالي حين أقتل مسلمًا ****** على أي شق كان لله مصرعي\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ ****** يبارك على أو صال شلوٍ ممزع\n(٣) مصنف عبد الرزاق (٨٦٠٣)","vol":"1","page":287},{"text":"الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ى شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:\nنجيب على بعض الأسئلة لمَّا يجتمع الإخوة.\nالأسئلة:\nس١/ هل يُفْهَمُ من قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، أنَّ المؤمنين في الجنة إذا تجلَّى لهم الرب ﷾ أنهم لا يرون جميع ذات الرب ﷾؟\nج/ أولًا تعلمون أنَّ الأصل في عقيدة السلف هو اتباع القرآن والسنة هو عدم تجاوز القرآن والحديث، وأنَّ الكلام في الصفات والكلام في تقرير العقائد بتفصيل إنما جاء بعد فُشُو البدع وكثرة كلام الضّالين من الفرق في ذلك، فتَوَسَّعَ من تَوَسَّعَ من أئمة السلف لأجل أنَّ المخالف توسّع والحق يُقذف به على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.\nفالأصل أنَّ المسلم السُنِّي المتبع لطريقة السلف الرّاغب في الاعتقاد الحق أن لا يُشْغِلَ نفسه بتفاصيل أسئلة في الصفات ليست على ظاهر الأدلة التي وقفنا عليها من سنة النبي ﷺ أو ما جاء في القرآن من آياته العظام.\nلهذا لا ينبغي تفصيلات الكلام في الصفات؛ بل قد يدخل ذلك في الكلام المذموم إذا كان ليس ثَمَّ حاجة في تفصيل الكلام في الرد على أهل البدع أو تقرير عقيدة من عقائد أهل السنة والجماعة.\nلهذا نقول: ظاهر قوله الله - ﷿ - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أنَّ الله - ﷿ - لا تحيط به الأبصار، وأنه وإن رآه من شاء الله - ﷿ - من عباده وشرَّفَهْ بأن يرى الرب - ﷻ - فإنه يراه رؤية وليست بإحاطة.\nلذلك ظاهر الآية أنَّ الإحاطة بالرب - ﷿ - ممتنعة، سواء أكان ذلك في عرصات القيامة أم كان ذلك بعد دخول أهل الجنة الجنة جعلني الله وإياكم منهم.\nس٢/ معلوم أنَّ الإمام أحمد ﵀ قال في مذهب المفوضة إنه من شر المذاهب، ومع ذلك وُجِدَ في كتب أصحاب مذهبه بعض التفويض كما في كتاب المرداوي في شرح لامية شيخ الإسلام وفي لمعة الاعتقاد، فهل هناك فرق بين ما يقصد الإمام أحمد وما وقع فيه بعض أتباعه أم لا؟ نرجو بسط القول في ذلك.\nج/ مذهب المفوضة مذهبٌ كبير، والذين قالوا بالتفويض كثرة جدًا وليسوا بالقليل سواء من المتقدمين يعني في عهد الإمام أحمد وما قبل إلى زماننا هذا.\nثَمَّ رسالة طُبِعَتْ مؤخرا بعنوان التفويض فيها تفصيل الكلام على المذهب بما لا يمكن أن يقال في هذا الموضع ما يستحقه المقام وتستحقه المسألة.\nلكن الذي ينبغي أن تعلمه أن التفويض قسمان:\n- تفويض للكيفية.\n- وتفويض للمعنى.\nوالذي ورد عن السلف فيمن قال منهم إنهم يفوضون، أو نفوض هذا، أو نَكِلُ علمه إلى قائله، أو نحو ذلك مما يفهم منه التفويض، فيراد به تفويض الكيفية؛ لأنَّ الكيفية من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله - ﷿ - كما قال سبحانه ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف:٥٣]، إلى آخر الآية في الأعراف، وكذلك قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران:٧]، عند الوقف على لفظ الجلالة يدخل في التأويل ما تؤول إليه حقائق الأخبار، ومنها العلم بالكيفيات.\nفلا شك أنَّ أحدًا لا يعلم كيفية اتصاف الرب - ﷿ - بصفاته، ولا كيفية الغيبيات على حقيقتها التي خَلَقَهَا الله - ﷿ - عليها؛ لأنَّ هذا من علم الغيب الذي اختَصَّ الله - ﷿ - به نفسه العلية - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\nفهذا النوع الأول تفويض الكيفية وهذا نؤمن به، فنُفَوِّضْ كيفية الأمور الغيبية ومن ذلك صفات الرب - ﷿ - ونعوت جلاله ومعاني أسمائه، وما يتصل بذلك من أمور الغيب نفوض كيفيتها إلى ربنا - ﷿ -.\nوالقسم الثاني من التفويض تفويض المعنى؛ يعني يقول أنا أُفَوِّضْ العلم بالمعنى، أفوض المعنى، لا أدري ما معنى (الرحمن الرحيم)، لا أدري ما معنى الرحمن، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشْ﴾ لا أعلم معنى استوى، أُفَوِّضْ معناها إلى الله، فالاستواء ربما يكون معناه القهر، ربما يكون معناه العلو، ربما يكون معناه الرحمة، ربما يكون معناه أي معنى، فيُفَوِّضُونَ المعنى.\nفيقولون: لا نعلم معاني الغيبيات ولا أحد يعلمها.\nولهذا ذَهَبَ إلى هذا المذهب قلة -يعني تفويض المعنى- قلة من المتقدمين يعني في القرن الثاني والثالث، وشاع عند طائفة من المتأخرين بسبب أنه قول للأشاعرة، وقد نَظَمُوهُ في عقائدهم بقول القائل في جوهرة التوحيد:\nوكلُّ نصٍ أَوْهَمَ التشبيها أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تنزيها\nفمذهب الأشاعرة له في الصفات قولان:\nالأول: وهو الراجح عندهم والأقوى أن تُؤَوَلْ الصفات التي تتعارض مع الصفات السبع التي أثبتوها وتتعارض مع العقل.\nوالثاني وهو صحيح عندهم؛ لكنه ليس بقول أهل العلم والحكمة هو تفويض المعنى.","vol":"1","page":288},{"text":"وهذا التفويض -تفويض المعنى- حيث يقول لا نعلم معنى الصفات، هذا موجود عند الأشاعرة من بعد أبي الحسن الأشعري إلى وقتنا الحاضر، وهو أيضا الذي راج على جملة من الحنابلة في كتبهم.\nحيث ظنّوا أنّ ذمَّ الإمام أحمد لمن فوّض أنه تفويض الإثبات في أصله.\nيعني يقول لا ندري نثبت أو لا، لا ندري الصفة موجودة أو ليست بموجودة أو نفي الصفة من أصلها، وفهموا أيضًا من قول الإمام أحمد وقول الشافعي ونحو ذلك (لا كيف ولا معنى) -يعني في الصفات- مثل ما ساقها صاحب لمعة الإعتقاد، فهموا منه أنَّهُ التفويض، وفهموا أيضًا من قول الشافعي (نؤمن بما جاء عن الله على مراد الله، ونؤمن بما جاء عن رسول الله ﷺ) أنه التفويض.\nهذا التفويض في الحقيقة تفويض المعنى هو الذي قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية وقال فيه غيره أيضا (إن التفويض هو شر المذاهب) وذلك لأنّ تفويض المعنى يرجع إلى عدم العلم به، ولهذا صنفهم ابن تيمية في أول درء التعارض: إلى أنَّ من فوّض فهو من أهل التجهيل، يعني الذين يقولون إنه لا يوجد أحد يعلم معنى الصفات، ما يوجد أحد، الصحابة يعلمون؟\nلا، هذه المعاني مجهولة حتى إن بعضهم يقول حتى النبي ﷺ لا يعلم هذه المعاني، إنما هو إثبات ألفاظ دون معاني لها، فنفوض المعنى لأنه لا معنى معقول من هذه الصفات.\nولاشك أنَّ مذهب المفوضة هو شر المذاهب؛ لأنه يقتضي تجهيل الصحابة ﵃ بل يقتضي أنَّ في القرآن كلامًا وآيات كثيرة لا أحد يعلم معناها، ومعلوم أنَّ أكثر القرآن في الغيبيات ولذلك جاء أول آية في القرآن في امتداح الذين يؤمنون بالغيب يعني في سورة البقرة ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١-٢]، والإيمان بالغيب يقتضي الإيمان بالكيفيات والله - ﷿ - أعلم بها، والإيمان بمعاني ما دلنا ربنا - ﷿ - به على الغيب، نؤمن بها على ظاهرها؛ يعني على ما دلت عليه لغة العرب.\nنعم معلوم أنَّ المعاني في الشيء الواحد تتفاوت، فمثلًا إذا أخذت السمع، إذا أخذت البصر، إذا أخذت القوة، خذ القوة مثلا والقدرة، الكائن الضعيف، النملة لها قوة ولها قدرة ولها نطق ولها سمع ولها بصر، فأصل القوة موجود فيها؛ يعني معنى القوة موجود فيها، ما هو أعلى منها في الخِلْقة من جهة مثلًا الهرة موجود عندها قوة، لاشك موجود عندها، بصر موجود عندها سمع، موجود عندها قدرة على أشياء، خذ الأعلى منها الأعلى إلى أن تصل إلى الإنسان إلى أن تصل من الحيونات إلى ما هو من جهة القوة والقدرة أقوى من الإنسان يعني بذاته يعني من جهة الحوانات المفترسة كالأسد ونحو ذلك.\nإذًا القوة قدر مشترك، القدرة قدر مشترك؛ لكن نقول إنه مادام أنها في النملة مختلفة عن الإنسان، نقول: لا فالإنسان ماله قوة لأنَّ قوة النملة هذه، هذا تحديد للصفة ببعض أفردها، ببعض من يتصف بها وهذا جناية على المعنى الكلي؛ لأنَّ اللغة العربية كليات، فيها كليات المعاني، أما الذي يوجد في الخارج فيه الذوات نعم نقول جدار جبل يد أشياء هذه تتصورها؛ لكن من جهة المعاني، المعاني تتصور هذا المعنى بالإضافة إلى من اتصف به.\nولهذا شيخ الإسلام انتبه لقوة هذا المعنى في الرد في المبتدعة الصفاتية والجهمية وغيرهم، فقرَّرَهُ في كتابه التدمرية كما تعلمون.\nإذًا فتفويض المعنى، المعنى أصلًا متفاوت فإذا فوضنا المعنى معناه أننا لا نعلم أي قدر من المعنى، وهذا لاشك أنه نفي وجهالة بجميع دلالات النصوص على الأمور الغيبية، وهذا باطل؛ لأنَّ القرآن حجة، وجعله الله - ﷿ - دالًا على ما يجب له - ﷿ - وما يتّصف به ربنا ﷾ من نعوت الجلال والجمال والكمال.\nالتفويض يحتاج إلى مزيد بسط؛ لكن يمكن أن ترجعوا إليه في مظانه، وكثير من العلماء فهم وظنْ أنَّ مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية والسلف هو التفويض، حتى إنهم ينقلون كلام شيخ الإسلام ويحملونه على الفويض مثل السَفَّارِيني ومثل مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات، وجماعة من المتأخرين ينقلون كلام شيخ الإسلام وفهموا أنَّ مذهب الإمام أحمد ومذهب شيخ الإسلام ومذهب السلف الذي هو أسلم أنه التفويض، وهذا ليس بصحيح، إذا كان المقصود تفويض المعنى بحيث إنه لا نعلم معنى استوى، لا نعلم معنى ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، إيش معنى العلي؟\nنقول لا نعلم معناها؟؟\nلا نعرف العلو، ما نعرف هنا العلي، قد يكون بمعنى الرحيم، قد يكون بمعنى القدير، فهذا تجهيل وجهالة؛ بل ربما آل إلى الطعن في القرآن..\nس٣/ ما الفرق بين الهداية والتوفيق عند أهل السنة وهل بينهما عموم وخصوص بيّنوا لنا ذلك؟\nج/ الهداية لفظ يشمل الدلالة على ما فيه أو ما الحاجة إليه، أنت محتاج إلى طريق تحتاج إلى من يهديك الطريق، تحتاج في مسألة إلى إيضاح، تحتاج من يهديك في هذه المسألة، فأصل الهداية الدلالة، فيها دلالة وإيضاح.\nفي القرآن العظيم جاءت الهداية في مواضع كثيرة، وقسَّمَهَا أهل العلم إلى أربعة أقسام، يعني على ما جاء في القرآن: (١)\n\n: [[الشريط الثاني والعشرون]]:\n\n١ - النوع الأول: الهداية الغريزية (٢) وهي هداية المخلوق إلى ما فيه بقاء حياته وحُسْنِ معاشه، والدليل على هذه المرتبة قوله - ﷿ - ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]، يعني هَدَاهُ إلى ما فيه مصلحته في دنياه، إلى آخر ذلك.\nفالله - ﷿ - هَدَى الرضيع كيف يلتقم الثدي ويحتاج إليه، وهَدَى الطائر لمصلحته، وهدى الحيوان لمصلحته، إلى آخر ذلك.\n٢ - النوع الثاني: الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد؛ دلالة وإرشاد من آخر لما فيه مصلحة العبد في دنياه أو في آخرته أو فيهما معًا، وهذه هي الأكثر في القرآن، الهداية بهذا المعنى، وهي هداية الدّلالة والإرشاد، وهي التي جاءت في مثل قوله - ﷿ - ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧]، يعني دالْ يدلّهم على الطريق.\n٣ - النوع الثالث: هداية التوفيق وهي أخصُّ من التي قبلها، وهذه خاصة بالله - ﷿ -، وهو الذي يُوَفِّقْ ويُلْهِم، فالرسل هُدَاة بمعنى أنهم يَدُلُّونَ ويُرْشِدُون؛ لكن هداية التوفيق هذه من الله - ﷻ - ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨]، هذا حصر التوفيق من الله - ﷿ - دون ما سواه، لهذا نفاها ربنا - ﷿ - عن نبيه ﷺ بقوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، فنَفَى عنه الهداية في هذه الآية وجعلها لله - ﷿ - مع إثباتها لنبيه ﷺ في قوله - ﷿ - ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢-٥٣] .\nفالنبي ﷺ يَهْدِي ولا يَهْدِي.\nيَهْدِي بمعنى أنه يَدُلُّ ويُرْشِدْ ويُعَلِّمْ إلى آخر هذه المعاني، ولا يَهْدِي بمعنى هداية التوفيق لا يُوَفِّقْ بل الذي يُوَفِّقْ ويُعِين العبد ويَصْرِفْ عنه السوء، ويُعِينُهُ على الطاعة ويصرف عنه الشياطين حتى يهتدي -بمعنى حتى يستقيم على أمر الله-، هذا رب العالمين - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\n٤- النوع الرابع: الهداية التي جاءت في سورة محمد وهي هداية أهل النار للنار وهداية أهل الجنة للجنة، فهداية أهل الجنة للجنة في قوله - ﷻ - ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٤-٥]، هذه الهداية وقَعَتْ بعد القتل، وما بعد القتل الهداية إلى أيّ شيء؟\nهداية إلى الجنة، لهذا قال بعدها ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٥-٦]، قال العلماء: يهديهم يعني إلى صراط وإلى طريق الجنة، وهداية أهل النار إلى النار كقوله في سورة الصافات ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٣-٢٤] .\nإذًا تَبَيَّنَ من هذا أنَّ التوفيق مرتبة من مراتب الهداية، والذّي يتصل بالإيمان بالقضاء والقدر وفعل العبد من هذه المراتب المرتبتان الثانية والثالثة -هداية الدلالة والإرشاد وهداية التوفيق والإلهام-، ولذلك شاع عند العلماء أن الهداية قسمان:\n- هداية دلالة وإرشاد.\n- وهداية توفيق وإلهام.\nلأنَّ هذين النوعين هما اللذان نحتاج إليها في أعظم المسائل المتعلقة بالهداية وهي مسألة القضاء والقدر والهداية والضلال، أما الهداية العامة، وهداية أهل الجنة للجنة وهداية أهل النار للنار هذه مُتَفَقْ عليها معلومة عند الجميع.\n_________\n(١) انتهى الشريط الواحد والعشرون\n(٢) الظاهر أنه سماها هنا الهداية العامة، وقد ذكر الشيخ صالح عند شريطيه (أفمن كان على بينة من ربه): أنَّ في القرآن أربع أنواع من الهداية أولها الهداية الغريزية، ذكر ذلك بتفصيل يحسن الرجوع إليه.","vol":"1","page":289},{"text":"[المسألة السادسة]:\nهي أنَّ نفاة العلو لربنا - ﷿ - يُعْنَى بهم من ينفي علو الذات لربنا ﷾.\nأما علو القَهْرْ والقَدْرْ فهذا يُثْبِتُهُ الجميع، فإذا قيل نفاة العلو فيُعْنَى بهم من ينفي علو الذات لله - ﷿ -.\nوالذين نَفَوا علو الذات لربنا - ﷿ - خالفوا الأدلة التي ذكرناها لكم من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وأيضًا احتجوا هم بأدلةٍ عقلية لنفي علو الله - ﷿ -، تعالى الله عن قولهم.\nوالدليل العقلي الذي من أجله نفوا صفة العلو لله ﷾ قالوا:\nإنَّ عُلُوَّ الذات يعني أنَّ الله - ﷿ - عالٍ على خلقه بذاته هذا يقتضي أن يكون في جهة؛ لأنَّ العلو أحد الجهات الست، والجهات الست هي أمام خلف يمين شمال تحت وفوق، فإثبات الفوقية وإثبات العلو يقتضي أن يكون الرحمن - ﷿ - في جهة من الجهات، وإثبات الجهة -على أصلهم- يقتضي أنه جسم.\nطيب إذا كان جسمًا عندكم، بحسب تأويلكم، هل هذه النهاية؟\nقالوا: لا، إذا كان جسمًا، إذا وصلنا إلى هذا فمعناه أننا نبطل الدليل الذي أثبتنا به وجود الرب - ﷻ -.\nما معنى هذا الكلام؟\nمعناه أنَّ الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم أثبتوا وجود الرب - ﷻ - عن طريق حلول الأعراض في الأجسام، وقالوا:\nإنَّ جعل الجسم مُحْدَثًَا له مُحْدِثْ إنَّمَا تَبَيَّنَاه بأنْ أثبتنا أنَّهُ جسم، وكيف أثبتنا أنّه جسم؟\nقالوا بحلول الأعراض فيه.\nحلول الأعراض فيه إيش معناها؟\nمعناها أنَّ هذا الجسم يتصف بصفات لا تُرَى، يحل فيه أشياء تُغَيِّرُهُ وتُسَمَّى الأعراض، تَعرِضُ له وتزول عنه، فمثلًا البرودة هذا عَرَضْ على حد كلامهم، والحرارة عَرَضْ، أيضًا الانتقال عَرَضْ، التقدم والتأخر عَرَضْ، الانخفاض عَرَضْ، العلو عَرَضْ.\nفهذه الصفات يجعلونها أعراض.\nوهذه الأعراض إنما تقوم بالأجسام.\nفلمَّا كان الجسم لا يقوم بنفسه، يحتاج إلى أعراض حتى تُمَيِّزَهْ وحتى يكون فاعلًا، استدللنا على أنّه يُفْعَلُ به لأنه هُوَ لم يجلب الأعراض بنفسه في الجسم، وإنّما جُلِبَتْ إليه فمعناه أنه محتاج فقير يُفعَلُ به.\nفإذًا ثَمَّ فاعل وثَمَّ مُحْدِثْ إلى آخره.\nفاستقام لهم بهذا أنَّ جميع الأجسام الموجودة ثَبَتَتْ جِسْمِيَّتُهَا بحلول الأعراض فيها، وما دام أنّه حلّت الأعراض فيها فثَمَّ من أَحَلَّ الأعراض فيها وأوجد الأعراض فيها والتي منها العلو والنزول والتقدم والتأخّر والمشي والهرولة والأخذ والرّد إلى آخره.\nفلهذا جعلوا هذا قاعدة -تنتبه لها- فيما نفوا من الصفات.\nيقولون الدليل العقلي يُبطل الإتصاف بهذه الصفة، أي دليل عقلي؟\nهو الدليل العقلي الذي هو حلول الأعراض في الأجسام الذي به أثبتوا أنّ الله - ﷿ - موجود.\nفإذًا قالوا:\nلو أثبتنا العلو، لو أثبتنا أنَّ الله عالٍ بذاته - ﷿ -، لعَادَ هذا الإثبات على دليلنا بالإبطال؛ لأننا أثبتنا حدوث الأجسام بالأعراض.\nطيب هذا عَرَضْ وهذه صفة تدل على أنه في جهة، وإذا صار في جهة معناه أنَّهُ متحيّز، وإذا صار متحيز معناه أنَّهُ جسم، إذا صار علو أيضًا عَرَضْ حلَّ في جسم، إذا صار جسمًا معناه أنَّ ثمة شيء فَعَلَ به، فهذا إبطال للربوبية وتوحُّد الله - ﷿ - في الخلق.\nولهذا نفوا كل صفة من الصفات تكون من الأعراض أو تكون من الحوادث.\nولهذا يتَّسِمْ الصفاتية عمومًا؛ بل وجَهْم قبلهم وهو الذي أنشأ هذا البرهان الباطل يَتَّسِمونْ بهذه السمة وهي أنهم يقولون الدليل العقلي يمنع الاتصاف بهذه الصفة، ويعنون به الدليل العقلي على إثبات وجود الله - ﷿ -.\nوهذه الجملة اليسيرة فصَّلتها لكم أظن في أحد الشروح أظن في شرح الواسطية بتفصيل، وهي سبب ونشأة القول بنفي الصفات، كيف ظهر القول بنفي الصفات؟\nلماذا اختلفت الأمة؟\nوما هو منشأ الضلال فيها؟\nوكيف تَفَرَّعَتْ؟\nذكرناها لكم أظن في دروس الواسطية أو في غيرها (١) .\nإذًا فالشّبهة التي من أجلها نفوا العلو، هي أنَّ العلو جهة، وكون الرحمن في جهة معناها أنَّهُ مُتَحَيِّز، فإذا كان مُتَحَيِّزًا فمعناه أنه جسم إلى آخره.\nوهذه كلها ناشئة من اعتقادهم صحة الدليل الأول.\nوالدليل الأول الذي هو إثبات وجود الرب - ﷿ - عن طريق حلول الأعراض في الأجسام لا نُسَلِّمُهُ، نقول هذا دليل أصلًا باطل ودليل غير صحيح ولا يستقيم لإثبات وجود الرب - ﷿ -.\nبل أعظم إثبات لوجود الرب - ﷿ - هو الدليل القرآني وهو قول الرب - ﷿ - في كتابه ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥-٣٦]، ليس ثَمَّ إلا احتمالين:\n- إما أن تكون خالقا أو مخلوقا.\nوالسموات والأرض:\n- إما أن تكون خالقة أو مخلوقة.\nتكون خالقة هذا ممتنع لأدلة كثيرة، فلابد أن تكون مخلوقة.\n_________\n(١) راجع شرح العقيدة الواسطية الشريط الثامن","vol":"1","page":290},{"text":"كذلك الشجر، كذلك النبات، كذلك المياه، كذلك أجزاء بدنك، كذلك كل تنظيم تراه ثَمَّ احتمالين:\n- إما أن يكون خالق.\n- وإما أن يكون مخلوقًا.\nوالأدلة على إثبات وجود الله - ﷿ - وأنه سبحانه المتفرّد بتصريف الملك أكثر من أن تُحْصَرْ وفطرة الإنسان تأبى أن يقول بغير ذلك.\nالمقصود هذه شُبْهَةْ من نَفَى العلو، ولهذا نقول لهم أَنَّهُم بنوا بنيانهم هذا على شفا جُرُفٍ هار، بَنَوهُ على قاعدة باطلة وعلى مقدمة باطلة، فيُرَدُّ عليهم بإبطال مقدمتهم.\nيعني هذا من جملة أدلتهم العقلية، ثَمَّ أدلة متنوعة من يريد المزيد يرجع لها في المطولات.","vol":"1","page":291},{"text":"[المسألة السابعة]:\nثَمَّ كلمة عند المتكلمين وطائفة من نُفَاة العلو وهي أنهم يقولون: إنَّ السّماء قبلة الدعاء.\nإذا قال لهم قائل: فطرة الإنسان أنَّهُ إذا أراد أن يدعو اتَّجَهَ إلى السماء. قالوا: هذا لأنَّ السماء قبلة الدعاء.\nوهذه الكلمة ربما ردَّدَها بعض المنتسبين إلى السنة قالوا: إنَّ السماء قبلة الدعاء.\nوهذا باطل، الكلمة هذه باطلة، فالسماء ليست قبلة الدعاء، فأعظم الدعاء الصلاة، والصلاة سُمِّيَتْ صلاةً لما فيها من دعاء العبادة ودعاء المسألة، ومع ذلك جُعِلَت قبلة الصلاة إلى بيت الله - ﷿ - الحرام، فقبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، وهي قبلة الميّت التي يُوَجَّهُ إليها عند احتضاره ويُوَجَّهُ إليها عند دفنه، وهي مكة أو الكعبة التي شرّفها الله - ﷿ -.\nفإذًا لا يصح قول من يقول: إنَّ السماء قبلة الدعاء، بل المشروع للدَّاعِي أنَّهُ إذا أراد أن يدعو أن يتوجه إلى القبلة، هذا أكمل حالات الدعاء، إذا دعا يتوجه إلى القبلة، ثُمَّ إذا رفع يديه فإنه يرفعها ويتجه ببصره وقلبه إلى القبلة، يتجه بوجهه وببصره إلى القبلة، قد يرفع وجهه إلى السماء، مثل ما حصل فالنّبي ﷺ في بدر رفع يديه شديدًا حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فقال له أبو بكر (يا رسول الله مهلًا بعض مناشدتك ربك فإنه منجزٌ لك ما وعدك) (١) .\nورَفْعُ وَجْهِهِ هذا لأجل الإلحاح في طلب الفرج من الله - ﷿ -، وليس لأجل أنَّ السّماء قبلة لأنَّ أكثر دعاء النبي ﷺ لا يرفع فيه وجهه إلى السماء؛ بل في الصلاة وهي دعاء نهى فيها نبينا ﷺ عن رفع البصر إلى السماء.\n_________\n(١) مسلم (٤٦٨٧) / الترمذي (٣٠٨١)","vol":"1","page":292},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nفي قول الطحاوي ﵀ (وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ) الإحاطة المقصود بها: إحاطة الخلق بالله - ﷿ -.\nفالخلق لا يحيطون بالله - ﷿ - لا بذاته ولا بصفاته.\nوالإحاطة لا تعني عدم العلم بالشيء وإنما تعني العلم الكُلِّي به أو الإحاطة به من جميع جهاته سواء كان من الصفات أم من غيرها فالله - ﷿ - أعظم وأجلّ أن يحيط به أحد من خلقه ﷾ لا في ذاته ولا في صفاته؛ بل هو الذي يحيط بكل شيء سبحانه ولا يحيط به شيء، بل (أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ) يعني في قوله سبحانه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، ونحو ذلك من الأدلة.\nالإحاطة ذكرنا لكم معناها -أظن في أول الكلام.\nوحاصل المعنى أنَّ الإحاطة -يعني في اللغة- هي إدراك الشيء من جميع جهاته.\nوقد يكون هذا الشيء معنىً وقد يكون ذاتًا.\nفالله ﷾ ذكر أنّ عباده لا يحيطون به علمًا وهذا لكمال صفاته ﷾ وعجز البشر عن أن يدركوا تمام صفاته.\nومن جهة اللغة إحاطة الذات كما في قوله - ﷿ - ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]، يعني صار من جميع الجهات.\nفإدراك الشيء من جميع جهاته المعنوية أو الذاتية يقال له في اللغة العربية إحاطة.\nولهذا سَمَّى بعض علماء الإختصاص البحار العظيمة محيطات لأجل المعنى اللغوي في أنها تحيط ببقع كبيرة من الأرض من جميع جهاتها.\nالإعجاز: كونه - ﷿ - (أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ) هذا في الدنيا وفي الآخرة.\nفالخلق لا يحيطون بالله - ﷿ - علمًا في الدنيا، وكذلك المؤمنون إذا رأوه يوم القيامة فإنها رؤية بصر، رؤية عين، وليست رؤية إحاطة ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ﷾.","vol":"1","page":293},{"text":"قال بعدها ﵀ (وَنقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا.)\n_________\nيريد بذلك أنّ أهل السنة والجماعة المتّبعين لسلف هذه الأمة وأئمة الحديث والعلم أنهم يُصدِّقُون ويؤمنون بما أخبر الله - ﷿ - في كتابه من صفاته ومن اصطفائه لبعض خلقه، ومن ذكر الغيبيات بأنواعها كما قال سبحانه في وصف أهل الإيمان ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣]، فكل الغيب يؤمن به أهل السنة والجماعة دون تفريق ما بين مسألة ومسألة ودون خوض في التأويل بما يصرفها عن ظاهرها.\nوقد ذكر الله - ﷿ - لنا في القرآن أنَّهُ تَّخَذَ إبراهيم خليلًا.\nقال سبحانه في سورة النساء ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، وكذلك اتخذ نبينا ﷺ خليلًا وكَلَّمَ الله - ﷿ - موسى تكليمًا، كلَّمَهُ فَسَمِعَ موسى كلام الربّ - ﷿ -، وكذلك ربنا - ﷿ - كلم نبينا محمدا ﷺ تكليمًا ليلة المعراج، فجمع الله - ﷿ - لنبينا ﷺ ما اختص به إبراهيم وما اختص به موسى من بين أهل زمانهم فجعله ﷺ كليمًا خليلًا.\nهذه الجملة وهي (وَنقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) دُوِّنَتْ في العقائد لأجل مخالفة الجهمية والجعدية وأشباه هؤلاء في إثبات خُلّة الله - ﷿ - وفي إثبات الكلام لله - ﷿ -.\nومن أعظم المقالات شناعة في الإسلام مقالة الجعد بن درهم الذي زعم أنَّ الله - ﷿ - لم يتّخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلّم موسى تكليمًا فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير مكة يوم عيد الأضحى تقرّبًا إلى الله - ﷿ - بإراقة دم ذلك الكافر الذي كذَّبَ الله - ﷿ - وكَذَّبَ رسوله ﷺ. (١)\nوهذه المقالة وَرِثَهَا الجهمية ثم وَرِثَهَا من يُؤَوِّل الصفات فينفون صفة الخُلَّة وينفون صفة الكلام لله - ﷿ -.\nقوله (إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا) هذه الكلمات الثلاث متغايرة، فالإيمان والتّصديق والتّسليم تتداخل، فمن آمن فقد سَلَّمْ، ومن صَدَّقَ فقد آمن، ومن آمن فهو مُصَدِّقْ؛ ولكن من جهة الحقيقة فإنّ المؤمن -يعني من قال هذا الكلام إيمانًا به- قد يكون إيمانًا لكن ليس تصديقًا باتخاذ الخلة كقول المفوضة فإنهم يؤمنون باللفظ وبالآية دون التصديق بالمعنى الذي فيه، والتّسليم، تسليمٌ بأن الله - ﷿ - يتصف ﷾ بالصفات، نُسَلِّمُ لربنا - ﷿ - ما اتصف به من صفات الجلال والكمال والمحبة والخلة إلى آخر ذلك.\nفإذًا (إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا) ظاهرها التقارب في المعنى، والذي يظهر أنه أراد لكل كلمة معنى أخص.\nهذه الجملة فيها مسائل تفصيلية:\n_________\n(١) انظر خلق أفعال العباد (٣) / الشريعة (١/٣٣١) / سنن البيهقي الكبرى (٢٠٦٧٦)","vol":"1","page":294},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالله - ﷿ - اتخذ إبراهيم خليلا، بمعنى أنه ﷾ اتَّصَفَ بأنه أَحَبَّ إبراهيم ﵇، وأَحَبَّهُ حتى جعله خليلًا له وهو الحِبْ الخاص.\nوالمحبة هي القَدْرْ المشترك بين معانٍ كثيرة، وقد ذكر ابن القيم وجماعة أنَّ المحبة لها عشر مراتب وفصَّلُوها؛ لكن هذا لا يعنينا في هذا المقام، وإنما الذي يعني أنَّ الخلة أخص من المحبة.\nفصفة محبة الرب - ﷿ - لعباده المؤمنين هذه ثابتة بالكتاب والسنة في أحاديث كثيرة وفي آيات كثيرة، كقول الله - ﷿ - ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، فهذه محبة الرب - ﷿ - لهؤلاء، وكذلك في صفات من يُحِبُّهُم الله - ﷿ - قال ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ونحو ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] .\nفالمحبة صفة جاءت في أدلة كثيرة، كذلك في السنة كما في حديث سهل بن سعد المعروف أنَّ النبي ﷺ لمَّا ذَكَرَ في فتح خيبر قال «لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه» (١) فكان علي بن أبي طالب ﵁.\nفصفة المحبة ثابتة، أما الخُلَّة فهي محبة خاصة، ولذلك كل من نَفَى المحبة فإنه ينفي الخُلَّة؛ لأنَّ الخُلَّة أخص، وليس كل من نَفَى الخُلَّة فإنه ينفي المحبة؛ لأنهم قالوا: إنَّ الخلة تتخلل النفس وفيها نوع من المعنى الذي لا يليق بالرب - ﷻ -.\nولهذا نقول: إنَّهُ في صفات الرب - ﷿ - لما ثَبَتَتْ صفة المحبة بالكتاب والسنة فإنَّ صفة الخُلَّة واتخاذ إبراهيم ﵇ خليلًا واتخاذ محمدًا ﷺ خليلًا كما في حديث «ولكن صاحبكم خليل الرحمن» (٢) هذا في المعنى واحد لأنَّ أصل الصفة وهي المحبة ثابت باضطراد.\nفالخلة محبة خاصة نثبتها كما جاء في الكتاب والسنة.\n_________\n(١) البخاري (٢٩٧٥) / مسلم (٤٧٧٩) / الترمذي (٣٧٢٤)\n(٢) مسلم (١٢١٦) / الترمذي (٣٦٥٥) / ابن ماجه (٩٣)","vol":"1","page":295},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ صفة المحبة والخُلَّة ثُبْتَتْ في النصوص، أما غَيْرُهَا من معاني المحبة إذا لم يجئ في الدليل فإنه لا يُثْبَتُ لله - ﷿ -، وكذلك ينبغي أن لا يستعمله العبد في حُبِّهِ لله - ﷿ - تعبيراٍ عن ذلك.\nويُمثِّلْ العلماء على ذلك بلفظ العشق، حيث أنه معلوم أنَّ العشق محبة عظيمة واستعمله الصوفية بأنَّ فلانًا يعشق الله أو هذا عاشق الرحمن أو مات من العشق ونحو ذلك من الكلمات التي يتداولونها.\nوالعشق لا شك أنه محبة خاصة وزائدة؛ لكن هل يُطلق على أنَّ العبد يعشق الله؟ أو أنّ الله - ﷿ - يعشق عبده؟\nهذا اللفظ لم يأتِ به الدليل لا في الكتاب ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة ولا في أقوال كبار التابعين إلى أن جاءت الصوفية.\nوسبب المنع من إطلاق هذا اللفظ في صفات الله - ﷿ -، أو أن يقول العبد هذا عاشق أو هذا شهيد العشق الإلهي ونحو ذلك من الألفاظ الباطلة، أنّ العشق حتى في عُرْفِ أهل اللغة وعند العرب لا يخلو من تَعَدِّي، فالذي تصل به المحبة إلى حد العشق فإنه إذا عَشِقَ فلا بد أن يكون ثَمَّ تعدٍ معه، إما تَعَدٍ على نفسه بالإيغال في هذه المحبة حتى العشق، وإما أن يوصله العشق إلى التعدي على غيره، ومحبة الله - ﷿ - لعباده مبنية على كمال العدل وكمال الجمال والرحمة بعباده المؤمنين، ومحبة العبد لربه - ﷿ - مبنية على تعظيم الله - ﷿ - وعلى توقيره ﷾، فلفظ العشق لمَّا كان غير وارد في الدليل والنص واشتمل على هذا المعنى الباطل وهو أنه يُشْعِرُ بالتعدي إما على النفس أو على الغير فإنه يمتنع إطلاقه على الرب - ﷻ - أو من العبد على ربه ﷾.","vol":"1","page":296},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nكلمات المحبة التي يستعملها بعض المتصوفة ويستعملها بعض أهل السلوك والتربية حتى من المعاصرين، هذه تنقسم إلى قسمين:\n- القسم الأول:\nنقول يجوز إطلاقه؛ يعني من العبد لربه - ﷿ -، وذلك إذا كان في معنى المحبة ولم يترتب عليه مخالفة للغة من جهة ما يليق بالله - ﷿ - من الصفات والكمال والجلال.\n- والقسم الثاني:\nيُمنع وهو ما لم يَرِدْ به الدليل، وكان مشتملًا على معاني باطلة، من ذلك؛ من الألفاظ التي تمتنع: العشق والغرام والتتيم ونحو ذلك.\nومن الألفاظ التي لا تمتنع: لفظ المودة والشوق وأشباه ذلك من المعاني، يعني الضابط فيها:\nالمحبة ثابتة في أصلها فهل يُخْبَرُ عن الله - ﷿ -، أو العبد يُخْبِرُ عن محبته لربه بلفظ لم يرد؟\nنقول هذه الألفاظ التي يُخْبِرُ بها العبد إما أن تشتمل على معنى صحيح وليس فيها تعدٍ فتجوز، وإما أن تشتمل على معنى باطل فلا تجوز.\nوترجعون في ذلك في تفصيله إلى قاعدة في المحبة للشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀.\nذَكَرَ بعد ذلك صفة الكلام فقال (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وصفة الكلام لربنا - ﷿ - نجعلها المسألة الرابعة.","vol":"1","page":297},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nصفة الكلام لله - ﷿ - نؤمن بها لأنَّ الله - ﷿ - أثبتها لنفسه في النصوص.\nوالكلام الذي هو صفة الله - ﷿ - عند أهل السنة والجماعة كلام قديم وحادث، قديم النوع حادث الآحاد.\nويعنون بقديم النوع حادث الآحاد:\nأنَّ الله - ﷿ - لم يزل مُتَكَلِّمًَا، يتكلم متى شاء، فهو سبحانه لم يزل مُتَكَلِّمًَا وكلامه ﷾ من صفاته.\nوكلامه لم ينقطع؛ بل أفراده وآحاده يعني لا تزال متجددة.\nوهذه -يعني الآحاد- تنقسم إلى قسمين:\n- الأول: الكلام الشرعي: وهو القرآن التوراة ونحو ذلك من كتب الله - ﷿ -.\n- الثاني: الكلام الكوني: وهو الذي يأمر الله - ﷿ - به في ملكوته كما قال سبحانه ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]، وكذلك قوله في لقمان ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، يُعْنَى بها الكلمات الكونية.\nولهذا سَمَّى الله - ﷿ - كلامه مُحْدَثًَا يعني حَدِيثًَا في قوله في أول سورة الأنبياء ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الإسراء:٢] مُحْدَثْ يعني حَدِيْثْ جَدِيْدْ، كذلك آية الشعراء ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء:٥] .\nفالمُحْدَثْ ليس بمعناه المخلوق تعالى الله - ﷿ - عن ذلك، ولكن بمعنى الحَدِيْثْ الجَدِيْدْ، ولهذا قال ﷺ في وصف ابن مسعود «من سره أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» (١) .\nصفة الكلام وما يتصل بها مَرَّ معنا أشياء تتعلق بذلك، لعله أن يأتيَ لها مزيد تفصيل.\nلكن المقصود هنا ليس إثبات الصفة من جملة الصفات؛ ولكن المقصود المخالفة في إثبات الخُلَّةْ والكلام لموسى ﵇ إيمانًا وتصديقًا وتسليمًا.\nسبق لنا الكلام عن صفة الكلام عند قوله (وَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ) في تفصيل الكلام على صفة الكلام، نكتفي بهذا القدر. (٢) نلتقي بكم إن شاء الله في الأسبوع القادم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.\n_________\n(١) ابن ماجه (١٣٨)\n(٢) انتهى الوجه الأول من الشريط الثاني والعشرين.","vol":"1","page":298},{"text":"أحمد ربي وأصلي وأسلم على عبده ورسوله وخليله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>الأسئلة:</span>\nس١/ هل صحيح أنَّ النبي ﷺ بنى مسجده فوق مِقْبَرَة؟ إن كان نعم فكيف يُجمع مع لعنه ﷺ الذين اتخذوا القبور مساجد؟\nج/ النبي ﷺ لمَّا بَرَكَتْ النّاقة في موضع مسجده الآن كان فيها مواضع قبور للمشركين، فأَمَرَ النبي ﷺيعني في جزءٍ منه- أمر بالقبور فنُبِشَتْ واتُّخِذَ هذا المكان مسجدًا.\nوالمقبرة إذا كانت موجودة وبُنِيَ على القبر مسجدًا فهذا هو الذي جاء فيه النهي.\nنبش القبور للمصلحة الشرعية جائز، ولهذا النبي ﷺ امتثل الأمر فبنى في ذلك المكان مسجدًا.\nوإن كان يعني أنه بُنِيَ المَسْجِدُ على قبر النبي ﷺ لأإنَّ آخر السؤال يدل عليه، وإن كان لا فما حكم المدرس، ايش القائل بذلك....إلخ.\nإذا كان المقصود أنَّ مسجد النبي ﷺ بُنِيَ على قبره فهذا غلط كبير، فالنبي ﷺ بُنِيَ مسجده في حياته، وهُوَ لما تُوُفِّيَ ﷺ دُفِنَ في حجرة عائشة وكانت ملاصقة للمسجد وليست من المسجد.\nولما احتاج المسلمون إلى توسعة المسجد لضيقه بالناس وُسِّعَ من الجهة الجنوبية ومن الجهة الشمالية ومن الجهة الغربية، وأما الجهة الشرقية التي فيها حجرات أزواجه ﷺ وبيت عائشة بالخصوص وبعض الحُجَرْ، فما كان يُؤْخَذْ منها إلا لمَّا احتيج، وبقيت حجرة عائشة التي فيها القبور على ما هي عليه، فكانت حجرة عائشة ليست من المسجد وإنما المسجد من جهاتها الثلاث وليست حجرة عائشة في الوسط.\nوبقي المسلمون على ذلك زمانًا طويلًا حتى أُدخِلْ في عصور متأخرة -أظن في الدولة العثمانية أو قبلها- أُدخل الممر الشرقي وذلك بعد شيوع الطواف بالقبور، أُدْخِلْ الممر الشرقي يعني وُسِّعَ المسجد أو جُعِلَ الحائط يدور على جهة الغرفة الشرقية.\nصار فيه هذا الممر الذي يمشي معه من يريد الطواف.\nوهذا الممر وإن كان السور سور المسجد من تلك الجهة خلفه لكن ليس له حكم المسجد ولا يقال القبر في المسجد إلى الآن، ولا يقال الحجرة الآن في المسجد وإن كان ظاهرها من حيث العين أنها في المسجد؛ لكنها حُكْمًا شرعًا ليست في المسجد؛ لأنَّ الجهة الشرقية هذه الممر لا يصحّ أن يكون مسجدًا شرعًا، فلذلك إدخاله في المسجد باطل، ولذلك الصلاة في الجزء ذاك لا تصح، ولهذا يُعْمَلْ في كثير من الأحيان أنَّهُ تُسَدّْ وقت الصلاة، تسد الجهات من ذلك الممر حتى ما يصلي المصلون من جميع الجهات.\nولذلك لما جاءت التوسعة الأخيرة توسعة الملك فهد لم يُبْتَدَأْ بالتوسعة من أول المسجد الأصلي وإنما ابْتُدِئْ بعد نهاية القبر؛ صار يعني نهاية الحجرة بكثير وبعد الباب وصار الامتداد هناك، فيكون:\n١- أولًا: الواقع الآن، يعني من حيث التاريخ ليس المسجد مَبْنِيًَّا على القبر.\n٢- ثانيًا: أنَّ القبر لم يُدْخَلْ في المسجد وإنما اكتنفه المسجد من الجهات الثلاثة جميعًا.\n٣- ثالثًا: الجهة الرابعة الشرقية من الحُجَرْ هذه أُدْخِلَتْ في عصور متأخرة لمَّا شاع الطواف بالقبور، ولمَّا قامت الدعوة ووصلت الدولة السعودية إلى ذاك المكان، واسْتُفْتِيَ أئمة الدعوة في ذلك فلم يَرَوا تغيير السور وتقطيع المسجد حتى ما تُثَارْ أشياء وإنما قالوا الوقف أو الجزء هذا الصلاة فيه باطلة فيُمْنَعْ الناس من أن يُصَلُّوا فيه، الذي هو الممر الشرقي للقبر.\nفإذًا من كل جهة لا ينطبق عليه أنَّ القبر هذا في المسجد، ولا أنَّ المسجد بُنِيَ على القبر، وإنما النبي ﷺ دُفِنَ في حجرة عائشة لا في المسجد، وحجرة عائشة ﵂ منفصلة عن المسجد وليست في داخل المسجد.\nبقي أيضًا أنه لما وُسِّع المسجد من الجهة الشمالية واشتُرِيَتْ بعض حجرات أزواج النبي ﷺ؛ يعني التي هي من جهة الآن دَكَّةْ الآغوات وما هو شمال منها، كانت حجرة عائشة، جُعل عليها جداران:\nالجدار الأول الذي هو يفصل حجرة عائشة عن بقية الحُجَرْ، وهذا الجدار له صفته، ممكن انكم تشوفونها في الخرائط موجودة.\nوجُعِلَ جدار آخر أيْضًَا مثلث من الجهة الشمالية، أصْبَحَ زاوية، يعني اتجاه السهم كأنه يتجه إلى الجهة الشمالية، وقد فَعَلَ ذلك من فَعَلَهُ من العلماء من التابعين وغيرهم بفتاويهم في ذاك الزمان حتى لا يَظُنْ أحد أنه يمكن أن يُسْتَقْبَلْ القبر، أي لا يُتصَوَّرْ أنَّ القبر أمامه وأنه الآن هو سيستَقْبِلُهُ، بيصير فيه الآن جدران مُحَرَّفَةْ ليبعد النظر عن أنَّهُ يَسْتَقْبِلْ القبر.\nثم بعد ذلك عُمِل جدار ثالث، وهو طويل يعني طوله في السماء يعني ارتفاعه نحو ستة أمتار ونحو ذلك، فهو غير مسقوف أيضًا.","vol":"1","page":299},{"text":"فهذه الجدران الثلاثة فَعَلَها المسلمون مع كون الحجرة ليست في المسجد حتى لا يَظُنْ الظان أنه إن صلى في الجهة الشمالية فإنه يستقبل القبر؛ لأنه إنْ صَحَّ ذلك، إن قال القائل أنا أستقبل القبر مع وجود هذه الثلاث جدران بينه وبين القبر فمعناه أنَّ كل إنسان بينه وبين المقبرة جدران فإنه يستقبل القبور، وهذا لا قائل به من أهل العلم، فلهذا جعلوا هذه الجدران الثلاثة حتى لا يُتّخذ قبره مسجدا يُصَلَى فيه ولا يُصَلَّى إليه، وحتى لا تتعلق القلوب به، ولا يُوصل إلى قبره، ولا يمكن لأحد أن يخلص إلى قبره، ليس هناك أبواب وليس هناك طريق أبدا أن يخلص واحد إلى قبر المصطفى ﷺ.\nثم بعد أزمان جُعِلْ هذا السياج الحديدي الموجود الآن، فهو الرابع الآن، هذا السياج الحديد الرابع بينه وبين الجدار الثالث الممر، والجدار الثالث هذا هو الذي ترون عليه السترة الخضراء أظنها أو شيء، وبعده جدار ثاني وبعد الجدار الثاني الجدار الأول.\nوهذه الثلاثة جدران هي التي ذكرها ابن القيم في النونية بقوله:\nفأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه به ثلاثة الجدران\nيعني في دعاء النبي ﷺ «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» (١) .\nالمقصود من هذه، المسألة من مهمات المسائل أن تكون واضحة لطالب العلم تماما؛ لأنَّ الشبهة بها كبيرة، والذين يرددون مثل هذا الكلام كثير.\nفلهذا نقول: إنَّ القبر ليس في المسجد، ولا أحد يمكن أن يستقبل القبر، وإنّما قد يَتَّخِذُ بعض الجهلة أو بعض المشركين في قلبه صورة القبر ويستقبل شيئًا في قلبه ويعبد شيئًا في قلبه، أما القبر فإنّه ليس وثنًا ولا يمكن أن يُتّخَذَ وثنًا وأنه محاط بإحاطات تامة إلى آخر ذلك.\nوالقبة الموجودة فوق سطح مسجد النبي ﷺ هذه ليست على القبر بالمُسَامَتَة إنما هي على جزء كبير يعني تشمل الجدران الأربعة كلها، ولذلك قطرها كبير جدًا والقبر في الداخل، وهذه القبة كانت في زمن مضى من الخشب بلون الخشب، وأول من صنعها أظن المماليك، ثُمَّ بعد ذلك جُعِلَتْ باللون الأبيض، ثم جُعِلَتْ باللون الأزرق، وهي التي كانت في وقت الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونحوه كان لونها أزرق، ثم في آخر عهد الدولة العثمانية جُعِلْ لونها أخضر واستمر هذا اللون.\nفلما قيل للشيخ محمد بن عبد الوهاب: إنَّكَ تقول لو أني أقدر على القبة التي على قبر النبي ﷺ؟\nقال: سبحانك هذا بهتان عظيم فما قلت هذا ولا أقوله. لأنه ما يترتب من المفاسد على إزالة هذا المنكر أكثر من المصالح، فالواجب التنبيه وتعليم الناس ودعوتهم إلى التوحيد وعدم تمكين الشرك.\nوالنّهي عن بناء القباب على المساجد نُهِيَ عنه سدا للذريعة، وللعلماء في ذلك كلام يعني في مسألة بقاء القبة.\nفالمقصود أنّ هذا الذي سار عليه أئمة الدعوة ﵏ في هذا الشأن فَرَأَوا أنَّ إبقاء القبة هذا أمرٌ لازم، وذلك لِمَا أشاعه الأعداء من بُغض أئمة الدعوة وبُغض أتباع دعوة الشيخ ﵀ للنبي ﷺ؛ بل هم عظَّمُوا النبي ﷺ وسدُّوا كل طريق يمكن أن يؤصل ما قالوه في هذا الباب؛ يعني ما قاله الأعداء.\n[...]؟\nإذا كان القبر في مقبرة مستقلة عن المسجد فإنَّ الصلاة في المسجد جائزة إذا كان في القبلة، يعني بمعنى أنه يكون للقبر سور مستقل عن سور المسجد، فإذا قال القائل لا القبر في المسجد أو هذا السور محيط، أو أنَّ القبر واضح أنه في جهة من المسجد فهذا يدلّ على أنَّ المسجد بُني على القبر فلذلك لا تجوز الصّلاة فيه، والصلاة فيه باطلة.\nوأما إذا كان المسجد وُجِدَ أَوَّلًَا ثُمَّ القبر أدخل فيه، فهذا يُفَرَّقْ فيه ما بين إذا كان القبر في قبلة المسجد أو في مؤخرة المسجد:\nفإذا كان في مؤخرة المسجد فطائفة من العلماء والمشايخ يقولون: إنَّ الصلاة فيه جائزة. وأما إذا كان في القبلة فإنّه لا تجوز الصلاة إليه؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور.\nفإذًا هنا يُفَرَّق في هذه الحال ما بين إذا كان المسجد جُعل على القبر؛ يعني إذا كان المسجد متأخرًا والقبر أولًا فيكون هذا حكم المقبرة يعني المسجد وضع على قبر فهذا الصلاة فيه لا تجوز؛ لأنَّ هذا منهي عنه والنهي يقتضي الفساد ولعن النبي ﷺ من فعل ذلك.\nوأما إذا كان المسجد موجودًا ثم جُعل في طائفة منه القبر:\nفهنا نقول إذا كان القبر في الأول في مقدمة المسجد فإنَّ الصلاة محرمة ولا تجوز باطلة لأنَّ النبي ﷺ قال «لا تصلوا إلى القبور» (٢) الصلاة إلى القبر إذا جُعِلَ القبر قبلة باطلة.\nوإذا كان القبر في مؤخرة المسجد والمسجد مبني أولًا فطائفة من العلماء يقولون بصحة الصلاة فيه، يعني من علمائنا.\n_________\n(١) الموطأ (٤١٤) / مصنف عبد الرزاق (٤١٤)\n(٢) مسلم (٢٢٩٥) / النسائي (٧٦٠)","vol":"1","page":300},{"text":"وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ.\n_________\nهذه الجملة من كلام العلامة الطحاوي ﵀ ذَكَرَ فيها أصول الدين وأركان الإيمان فقال (وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ.) .\nفبعد أن ذَكَرَ تفصيل الكلام على الصفات وعلى القَدَرْ وعلى العرش والكرسي وإحاطة الله - ﷿ - بكل شيء وعلو الرب ﷾ والخلّة، وما في ذلك من المباحث التي هي متصلة بركنين من أركان الإيمان، وهما الإيمان بالله والإيمان بالقدر خيره وشرّه من الله تعالى، ذكر بقية أركان الإيمان فقال (وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) وذلك أنّ أركان الإيمان التي جاءت في القرآن وفي سنة النبي ﷺ ستة من الأركان وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله ﷿.\n\nلهذا قال (وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) .\nوالإيمان بهذه المسائل من المُتَّفَقِ عليه بين المنتسبين إلى القبلة، فإنّهم يؤمنون بأركان الإيمان السِّتّة من الفِرَقْ الثلاث وسبعين، فإنَّ الجميع يؤمن بذلك على اختلافٍ بينهم في تفسير بعض المسائل فيها، وذلك لكثرة النصوص الدّالة على الإيمان بهذه الأركان السِّتّة.\nفمن الأدلّة التي دلت على أنَّ هذه الأركان الستة من الإيمان بل هي الإيمان:\n١- قول الله - ﷿ - ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] والبّر من الإيمان (١)\n\n: [[الشريط الثالث والعشرون]]:\n\nأو هو اسم للإيمان؛ لأنه يُطلق فيشمل الإيمان جميعًا ويُطلق البِرْ ويشمل بعض خصال الإيمان.\n٢- قوله - ﷿ - في آخر سورة البقرة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] الآية.\n٣- قول الله - ﷿ - في سورة النساء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [وَالْيَوْمِ الْآخِرِ] فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\n٤- الحديث المشهور عندكم وهو حديث جبريل في سؤاله للنبي ﷺ عن الإيمان فقال له ﷺ «الإيمان أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلهِ وَاليَوْمِ الآخِر، وبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ»، فقال جبريل ﵇: «صدقت» . ثم في آخره قال «هَذَا جِبْرِيلُ، أَتَاكُمُ يُعَلِمُكُمْ دِينَكُمْ» (٢) .\nفهذا القَدْرْ مُجمَعٌ عليه بين الفِرَقْ الثلاث وسبعين جميعًا، فكل فرقة من الفِرَقْ الثلاث والسبعين في هذه الأمة تؤمن بالملائكة والنبيين وتؤمن بالكتب؛ لكن هناك قدر يختلفون فيه في بعض تفصيلات الكلام على هذه المسائل.\nبعض العلماء يُعَبِّرُ عن هذه الأركان بأنها الأركان الخمسة، أركان الإيمان الخمسة، أو يجعلها أصول الدين الخمسة، وبعضهم يجعلها أصول الدين الستة أو الأركان الستة، وبعضهم يجعلها سبعة ونحو ذلك وهي كلها متقاربة إما بِحَذْفِ القَدَرْ لأجل أنَّ الآيات ليس فيها ذِكْرُ القَدَرْ، فيجعلونه موافِقًَا للآيات، وإما أن تُجْعَلَ جميعًا مع القَدَرْ كما دلّ عليه حديث جبريل المعروف، وأما من قال سبعة ففيه توسع بذكر الجنة والنار كما قاله بعض المتصوفة فإنهم قالوا: أركان الإيمان سبعة فذكروا اليوم الآخر والجنة والنار، والجنة والنار هي من الإيمان باليوم الآخر.\nهذا ما يتعلّق بهذه الجملة إجمالا، وتحتها مسائل:\n_________\n(١) انتهى الشريط الثاني والعشرون.\n(٢) سبق ذكره (٩)","vol":"1","page":301},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ الإيمان بهذه الأمور -الملائكة والنبيين والكتب المُنَزَّلَة على المرسلين- معناه التصديق الجازم بأنَّ ما أخبر الله - ﷿ - به عن هذه الأشياء فهو حق وأنَّ الملائكة كما سيأتي حق إجمالًا وتفصيلًا، وأنَّ النبيين حق إجمالًا وتفصيلًا، وأنَّ الكتب من عند الله - ﷿ - منزلة حق إجمالًا وتفصيلًا.\nهذا معنى الإيمان بهذه الأشياء؛ يعني يؤمن بالملائكة، بوجود الملائكة إجمالا وتفصيلًا، يؤمن بالنبيين كما سيأتي إجمالا وتفصيلا ويؤمن بالكتب أيضا إجمالا وتفصيلا.\nوهذا الإيمان مرتبتان:\n١- منه قَدْرٌ واجب لا يصح الإيمان إلا به فمن لم يأتِ بالقَدْرِ الذي سيأتي بيانه فإنه لم يؤمن بالملائكة ولم يؤمن بالنبيين ولم يؤمن بالكتب.\n٢- ومنه قَدْرٌ مستحب وهو الذي يتنافس فيه أهل العلم في إدراكه والعلم به والعمل بما تحته عمل من ذلك.","vol":"1","page":302},{"text":"[قال (وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ)]\n_________\nندخل في تفصيل الكلام على هذه المسائل، وأولها الإيمان بالملائكة.\nوالإيمان بالملائكة نجعله على مسائل:\n\n[المسألة الأولى]:\nفي معنى الملائكة:\nالملائكة في اللغة جمعٌ لِـ: مَلْأَكْ، ومَلْأَكْ قال العلماء إنها مقلوبة من مَأْلَكْ.\nوأصل مألك -هذا مصدر- فيه معنى الأَلُوكَةْ وهي الرسالة.\nلهذا مادة الأَلُوكَةْ هي الرّسالة، وأَلَكَ فلانا بكذا يعني أرسله بكذا.\nفمادة الملائكة وأَلَكَ والأَلُوكَةْ كلها في الرسالة ومن ذلك قول الشاعر فيها ذكرته لكم قبل في شروحنا السابقة حيث قال:\nأَلِكْنِي إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر\nيعني أرسلني إليها، والأَلُوكَةْ معروفة عند العرب بمعنى الرسالة.\nفإذًا الملائكة -معناه اللغوي- هم المُرْسَلُونَ؛ لكن رسالة خاصّة على وجه التّعظيم لها.\nفإذًا الملائكة هم المُرْسَلُونَ، ولهذا الله - ﷿ - سَمَّى الملائكة مرسلين في قوله ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١]، كما هو أصح أقوال المفسرين في ذلك، وكذلك في قوله ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، وسيأتي معنى الاصطفاء هنا ولماذا صار بعض الملائكة رسلًا إن شاء الله تعالى؛ يعني خُصّوا باسم الرسالة دون البقية.\nأمَّا فيما دَلَّت عليه الأدلة فالملائكة عباد من عباد الله - ﷿ -، خَلَقَهُمْ الله - ﷿ - من نور، وجعلهم مُتَفَرِّغين لعبادته مُوَكَّلين بشؤون ملكوته.\nوهم ليسوا بِبَنَاتٍ لله ﷾، وليسوا بأولادٍ له - ﷿ -، وإنما هم عباد مُكْرَمُونَ، يَعْمَلَون بما يأْمُرُهُم به ربهم - ﷿ -.\nفهم عِبَادٌ يَعْبُدُونَ ولا يُعْبَدُونْ مُكْرَمُونَ مُطَهَّرُونْ ليسوا بذوي نقص لا في خِلْقَتِهِمْ ولا في خُلُقِهِمْ ولا في عبادتهم لربّهم - ﷿ -.","vol":"1","page":303},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالملائكة درجات وطبقات، فأعْظَمُ الملائكة قَدْرًا الثلاثة الذين خَصَّهُم الني ﷺ في دعائه في الليل -يعني في صلاته في الليل- حيث كان يدعو ﷺ بقوله «اللهم ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اللهم اهدني فيما اختلف فيه من الحق بإذنك فإنك تهدي إلى صراط مستقيم» (١) فنصَّ على هؤلاء الثّلاثة لفضلهم ولرفعتهم عند الله - ﷿ -.\nوهؤلاء الثلاثة أفضلهم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل.\nأما جبريل ﵇ وميكائيل وإسرافيل فهم مُوَكَّلُونَ بأنواع الحياة.\nأما فجبريل مُوَكَّلٌ بحياة القلوب لأنَّهُ ينزل بالوحي من الله - ﷿ - كما قال سبحانه ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٣] .\nوأما ميكائيل مُوَكَّلٌ بأمر حياة الإنسان، يعني وسائل حياة الإنسان والحيوان من المطر والنبات والرياح، وما أشبه ذلك مما فيه حياته واستقامة أمره.\nوأما إسرافيل فهو المُوَكَّلٌ بالنفخ في الصور، إذْ به إعادة الناس إلى حياة جديدة بعدها لا موت.\nفإذًا الجميع يشتركون في أنّهم يُحيُون أو أنَّ معهم أسباب الحياة، ولذلك صاروا سادة الملائكة وأكابر الملائكة ﵈.\nهم طبقات يختلفون -يعني في فضلهم- ويختلفون في قُرْبِهِم من الله - ﷿ -، وأيضًا يختلفون في وظائفهم وما وُكِّلُوا به.\nولفظ التوكيل -أنَّ المَلَكْ مُوَكَّلْ- يعني أنَّ الله - ﷿ - أوْكَلَ إليه أن يعمل هذا العمل، وذلك لقول الله - ﷿ - ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١] .\nفالله - ﷿ - جَعَلَ ملك الموت مُوَكَّلًا بالإنسان، وكل سَيِّدْ من الملائكة معه كثير من الملائكة يأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه ويفعلون ما يأمرهم أميرهم أو قائدهم أو المطاع فيهم.\nلهذا صار ملك الموت معه رُسُل كما قال - ﷿ - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦] في سورة الأنعام، الرسل: يعني الذين هم أعوان ملك الموت، كذلك قوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، يعني ملائكة الموت.\nكذلك الله - ﷿ - سمَّى الملائكة الذين سَخَّرَهُمْ بالريح ووَكَّلهم وهم جنود مكائيل ﵇ سمَّاهم بِصِفَاتِهِم، فقال - ﷿ - ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١]، وقال ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات:٣-٤]، ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١]، ونحو ذلك وهؤلاء جنود مُوَكَّلُون.\n﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، ﴿النَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾، ﴿الْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ قال طائفة من العلماء في التفسير إنها الرّياح، وقال طائفة هي الملائكة، من الصّحابة ومن التابعين.\nوالقولان متقاربان لأنَّ الرياح لا تفعل هذه الأشياء من ذات أنفسها؛ بل هي مَسُوقة، مثل ما ترون اليوم يقولون ما تُمْلِيهُ الأرصاد فيما يرون ويَسْتَنْتِجُونَ وُجِدْ منخفض جوي في المكان الفلاني ومُرْتَفَعْ، منخفض في الهند ومُرْتَفَعْ ما أدري إيش، وسَبَّبْ وجود الرياح مشيها كذا والسحاب مشى كذا.\nوهذه كلها في ما يعتقده المؤمن أنَّ الله - ﷿ - هو الذي فعل هذه الأشياء، وأنه أَمَرَ الملائكة المُوَكَّلِين بهذه الأمور أن تفعل هذه الأشياء، ثُمَّ الناس ينظرون إلى الأسباب، ينظرون إلى المُسَبَّبَاتْ ولا ينظرون إلى الفعل الحقيقي، فيرون النّتيجة، يقولون اتجه بسبب المُنْخَفَضْ.\nلكن لماذا حصل المنخفض، كيف حصل؟ ونحو ذلك، لا يعرفون لأنهم عن ربهم معزولون.\nإذًا الملائكة وكَّلَهُم الله - ﷿ - بأمور ملكوته ولم [.....]\nحاجَةً منه - ﷿ - لهم تعالى الله - ﷿ - عن ذلك بل هو الغني.\nوالملائكة يَشْرُفُونَ بِعَمَلِ ما يَأْمُرُهُم به - ﷿ -؛ لكن لِيَظْهَرَ فَضْلُهُم ولينشغلوا بعبادة الله - ﷿ - وبامتثال أمره وبخوفه والانتهاء عن نهيه ونحو ذلك من المعاني.\n_________\n(١) مسلم (١٨٤٧) / أبو داود (٧٦٧) / الترمذي (٣٤٢٠) / النسائي (١٦٢٥) / ابن ماجه (١٣٥٧)","vol":"1","page":304},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالملائكة خُلِقُوا من نور ومَلَؤُوا السّماء، وهم كما قال - ﷿ - عن قولهم ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤]، يعني في السماء ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٥-١٦]، فهم ملؤوا السماء، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «أطت السماء وحُقَّ لها أن تئط ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع» (١) .\nوالملائكة لمَّا كانوا مخلوقين من نور فإنهم إذا مَلَؤُوا السماء ليس مَلْأَ أجسامِ تَحُولُ دون العُبُورِ في السماء؛ بل هذه أجسام نور، الله - ﷿ - أعلم كيف تكوينها وكيف صفاتها على وجه الكمال.\nثَمَّ كتب كثيرة أُلفت في ذكر الملائكة ولا أدري هل يناسب أن نطيل الحديث حولها أو أحيلكم على بعض الكتب التي فيها ذكر تفصيلٍ للملائكة منها:\nشرح الطحاوية الذي عندكم فيه بيان لا بأس به.\nوكذلك نَقَلَ عنه صاحب معارج القبول وزاد بعض الأدلة.\nومن الكتب المعاصرة كتاب الدكتور الأشقر عالم الملائكة وهو كتاب جيد في بابه يمكن أن ترجع إليه.\n_________\n(١) الترمذي (٢٣١٢)","vol":"1","page":305},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nأنَّ الإيمان بالملائكة رُكْنٌ من أركان الإيمان، ومعنى كونه رُكْنًَا أَنَّ الإيمان لا يوجد إذا فُقِدَ رُكْنُهُ؛ لأنَّ الركن هو ما يقوم عليه الشيء، فإذا فُقِد فإنه لا قيام للشيء بدونه.\nوهذا الكلام في تعريف الركن يَصْدُق على الإيمان -أركان الإيمان-، وأما أركان الإسلام ففيها بحث في هل الركن فيها ما هو بهذا المعنى أم ثَمَّ معنى آخر؟\nربما يأتينا في موضع آخر إن شاء الله.\nلكن بإجماع أهل العلم أنَّ من لم يؤمن بالملائكة فلم يؤمن بالله وهو كافر؛ لأنَّ الله - ﷿ - ذَكَرَهُمْ في كتابه فهو كافر بالله، كذلك من لم يؤمن بالنبيين، كذلك من لم يؤمن بكتب الله - ﷿ - المنزلة.\nهذا الإيمان الذي هو فرض وركن وواجب له حالان:\n- الحالة الأولى الإيمان الإجمالي.\n- الحالة الثانية الإيمان التفصيلي.\n@ فمعنى الإيمان الإجمالي أن كل أحد عليه فرض:\n١- أن يؤمن بوجود الملائكة.\n٢- أن يؤمن أَنَّ الملائكة عباد وليسوا ببنات لله - ﷿ - ولا يُعْبَدُونْ.\nهذا القَدْرْ واجب على كل أحد أن يؤمن به إجمالًا\n@ ومعنى الإيمان التفصيلي أن كل أحد يجب عليه:\nأن يؤمن بكل ما أخبر الله - ﷿ - به في كتابه أو أخبر به نبيه ﷺ في سنته الثابتة من ذِكْرِ الملائكة.\nففي القرآن لو قال لنا قائل: أنا أؤمن بالملائكة لكن جبريل ما أدري إيش جبريل؟ لأنه ما قرأ القرآن، فإنه إذا قرأ القرآن وسمع باسم جبريل وأنه ملك هنا وجب عليه الإيمان تفصيلا بجبريل.\nفمن كَفَرَ بجبريل فقد كَفَرَ ببقية الملائكة وكذلك وبالإيمان الإجمالي أصلًا.\nوكذلك من كَفَرَ بميكال، وكذلك من كفر بإسرافيل، وكذلك من كفر بملك الموت إلى آخره.\nفإذًا الإيمان الإجمالي هذا هو ركن الإيمان الواجب على كل أحد، ثُمَّ كُلُّ من سمع نَصًَّا ودليلًا فيه ذِكْرُ الإيمان بالملائكة من القرآن فإنه يجب عليه أن يؤمن بهذا على وجه بالتفصيل.\nفلا يجب على كل أحد -يعني من المسلمين- أن يعلم أنَّ ميكال مثلا هو المُوَكَلْ بالقَطْرْ، أو أنَّ إسرافيل مُوَكَّلْ بالنفخ في الصور.\nفلو قال لك قائل من العامة أو من جملة الناس مثلًا: أنا لا أدري، لا أعرف هذا، المهم أنا أومن بالملائكة.\nفهذا يكفي في الإيمان، ثُمَّ مَنْ عَلِمْ كل حالة أو كل اسم ملك أو دليل في ذلك وَجَبَ عليه الإيمان به.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>[المسألة الخامسة]:\nالإيمان بالملائكة تَبَعٌ للعلم، وكلما زَادَ العِلْمُ بالعقيدة وبالنصوص زَادَ الإيمان بالملائكة لمن وفَّقَهُ الله </span>- ﷿ -.\nولهذا نقول: الناس متفاوتون في إيمانهم بملائكة الله - ﷿ - وليسوا جميعًا سواء في ذلك، والتفاوت سَبَبُهُ تفاوت العلم، فكلما كان العلم أكثر كان الإيمان أكثر؛ لأنَّ الإيمان هنا معناه التصديق، فإذا عَلِمَ فَصَدَّقَ وآمَنَ جزمًَا فإنَّ إيمانه يزيد على غيره.\nوهذا من أَوْجُهِ معنى زيادة الإيمان ونقصانه في مجموع خصال الإيمان.\nلهذا نقول: الإيمان بالملائكة المستحب درجات كثيرة؛ السعي في البحث عن ذلك هذا من الإيمان المستحب، ثُمَّ إذا علم وَجَبَ عليه أن يؤمن.\nوطلب العلم في هذا ومعرفته ومعرفة أحوال الملائكة وكيف يعبدون الله - ﷿ - ويخافونه وخوفهم من الله - ﷿ - وامتثالهم لأوامره ونحو ذلك، طلب ذلك والسعي فيه هذا من العلم المستحب، فإذا عَلِمَ شيئًا من ذلك وجب عليه الإيمان به؛ لأنَّ الحجة قامت عليه.\nمِنَ المسائل أيضًا المتصلة بزيادة الإيمان بالملائكة وتفاوت الناس فيه أنَّ الإيمان بالملائكة له أَثَرٌ على العبد المؤمن.\nوهذا الأثر تارَةً يرجع إلى التّوحيد والعلم، وتارَةً يرجِع إلى السلوك والعمل، وتارة يرجع إلى خصال الإيمان أو أركان الإيمان الأخرى.\nالجهة الأولى التوحيد والعلم:\nفإنَّهُ يعلم أنَّ الملائكة كما وصفهم الله - ﷿ - بأنهم عباد ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦]، وأنهم مع كونهم ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]؛ لكنهم يخافون الله - ﷿ - ويعبدونه عبادة دائمة، وخوفهم من الجليل - ﷿ - مع قربهم منه ﷾، وهذه فيها إبطال لدعوى من عَبَدْ الملائكة أو قال إنهم بنات الله كما وصف الله - ﷿ - قولهم بقوله ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]، و﴿الْجِنَّةِ﴾ هنا هم الملائكة في أحد الأقوال وأصح الأقوال، والنَّسَبْ يعني أَنَّ الملائكة بنات الله، وهذه جاء مُصَرَّحًَا بها في آيات كثيرة كما في قوله ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩]، وكذلك قوله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]، إلى آخر الآيات في هذا.\nالمقصود أنَّ في الإيمان بالملائكة إبطال لدعوى كل من عَبَدَ غير الله - ﷿ -؛ لأنهم يعبدون غير الله - ﷿ - إما في ظَنِّهِمْ أنهم عبدوا الملائكة وهم يعبدون الجن أو عبدوا الأشجار والأوثان وهم يعبدون في الحقيقة أهواءهم والجن سيطرت عليهم، فكلُّ عبادة تَوَجَّهَت إلى غير الله - ﷿ - فإنّ الإيمان بالملائكة ومعرفة ما عليه الملائكة يدل على بطلان تلك العبادة.\nولهذا ذكر الله - ﷿ - في آخر سورة سبأ إشارَةً إلى هذا الأصل الذي يحتاج بيانه إلى تفصيل لقوله - ﷿ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ:٤٠-٤١]، وهذا يعم جميع أنواع عبادة غير الله - ﷿ -.\nكذلك في توحيد الله - ﷿ - في خصال العبادة من الخوف والمحبة وإتباع الأمر والنهي هذه كلها الإيمان بالملائكة ومعرفة أحوال الملائكة تزيد العبد معرفةً بخصال التوحيد؛ لأنَّ أهل السماء الذي هم ملائكة الله - ﷿ - كاملو توحيد الله - ﷿ - واتِّباعِهِمْ لأمره ونهيه ﷾.\nالجهة الثانية وهي جهة السلوك والعمل:\nفللإيمان بالملائكة أثر، وذلك أنَّ الملائكة لمن آمن بهم على وجه التفصيل فإنَّهُ يعلم أنَّ ثَمَّ ملائكة يكتبون ما يصدر من الإنسان كما قال سبحانه ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١١-١٢] فكونهم يكتبون، وكذلك ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، هذا يجعل إحسانه للعمل ومراقبته لربه في لفظه وفي عمله أعظم لأنه يعلم أنه معه قرين يلازمه لا ينفكّ عن كتابة شيء.\nولذلك يُحْسِنُ قوله ويُحْسِنُ عمله ما استطاع، وإذا أذْنَبَ فإنه يستغفر وطوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا؛ لأنّ الملائكة تكتب هذا وهذا و﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] .\nالجهة الثالثة وهي أَنَّ الإيمان بالملائكة له أثر في أركان الإيمان الأخرى:\nفإنَّ الملائكة لمن آمن بهم عَلِمْ أَنَّ منهم المُوَكَلْ بالوحي، وجبريل ﵇ هو المُوَكَلْ بالوحي.\nوهذا الوحي ما هو؟","vol":"1","page":307},{"text":"هو كُتُبُ الله - ﷿ - ووحيه على أنبيائه، فصار ثَمَّ صلة بين الإيمان بالملائكة والأنبياء، الإيمان بالملائكة والكتب.\nولهذا المعنى جَمَعَ الطحاوي-فيما يظهر لي- بين هذه الثلاثة في هذا الموضع لأنَّ كل واحدة منها تدل على الأخريتين البقيتين، الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة، وكل واحدة تدل على البقية.\nومن ثمرات الإيمان بالملائكة الإيمان بالكتب، ومن ثمرات الإيمان بالكتب الإيمان بالأنبياء وإلى آخره، فهذه كلها متصلة جميعًا.\nمن الملائكة من هو مُوَكَلْ -وهو إسرافيل- مُوَكَلْ بالبعث يعني بالنفخ في الصور، منهم الموكل بالموت إلى آخره، هذا يرجع إلى الإيمان باليوم الآخر.\nميكائيل مُوَكَلْ بالقطر وهذا يرجع إلى الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.\nمنهم الموكل بالأجنة ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء﴾ [آلأ عمران:٦] يأتي ملك فيقول: يا ربي أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد أمريض أم سليم؟\nفيقضي الله ما يشاء ويكتب الملك، فإذًا لها صلة بالقَدَرْ.\nفلهذا نقول: إنَّ الإيمان بالملائكة صار من أركان الإيمان:\n- لكثرة الأدلة الدالة على ذلك.\n- ولأن الإيمان بالملائكة يدل على الإيمان بجميع الأركان الأخرى.\nلهذا صار الإيمان بالملائكة بعد الإيمان بالله مُبَاشَرَةً.\nالإيمان بالله هذا يدل على الجميع، والإيمان بالملائكة يدل على الجميع.\nوكذلك الإيمان بالكتب يدل على الجميع، والإيمان بالرسل يدل على البقية، والإيمان باليوم الآخر يدل على الإيمان بالقدر.\nهذه كلمات مختصرة حول الإيمان بالملائكة؛ لكن الموضوع طويل ومهم ولابد أن تطَّلِعُوا عليه بتوسع في بعض الكتب التي ذكرت لكم، خاصة كتاب الدكتور الأشقر فإنه مفيد جدًا في هذا الباب.\nهناك مسألة تَطَرَّقْ إليها الشارح وهي مسألة المفاضلة بين الملائكة والأنبياء.\nوالشارح قال: كان الأَوْلَى أن لا أدخل فيها.\nشيخ الإسلام قال: كنتُ أظُنُّ أَنَّ البحث فيها، أنَّ المسألة من المسائل المبتدعة -يعني التفضيل- حتى رأيت البحث فيها سُنِّيًا أثريًا ومع ذلك فإني لا أحب الخوض في هذه المسألة؛ لأنه لا يندرج تحتها عمل.\nومن أراد الإطلاع ينظر في الفتاوى في بحث في نحو أربعين صفحة أو أكثر في هذه المسألة.\nلكنّ الذي يهمّ طالب العلم في العقيدة السلفية أن لا يُقِرْ من قال بتفضيل الملائكة مُطْلَقًَا، فهذا القَدْرْ مهم أن لا يُقِرِّ بِهِ، إما أن يُسْكَتْ عنها، وإما أن يقال فيها بقول جمهور أهل السنة وهو بتفضيل الأنبياء وصالح المؤمنين على الملائكة، وأما الخوض في الزيادة والأدلة والتفصيل والردود هذا من العلم الذي يُترك لعدم الحاجة إليه الآن.\nنكتفي بهذا القدر، ونلتقي إن شاء الله الأسبوع القادم بارك الله فيكم، وفقني وإياكم إلى ما فيه رضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"1","page":308},{"text":"الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا، أما بعد:\nنأخذ بعض<span data-type=\"title\" id=toc-250> الأسئلة</span>.\nالأسئلة:\nس١/ ما هو تعريف الشّرك الأصغر؟ وما هي الضوابط التي منها يمكن الحكم على القول أو الفعل أنه شرك أصغر؟\nج/ الشرك بجميع أنواعه سواءٌ الشّرك الأكبر أم الأصغر أم الخفي يشترك في كونه تنديدًا مع الله - ﷿ -، وهذا التنديد يعني أن يُجعَلَ لله ندًا فيما هو له - ﷿ -، يختلف من جهة الدليل، فمنه ما هو شرك أكبر، ومنه ما جاء في الدّليل أنه شرك؛ لكن لم يُجعل شركًا أكبر، وجاء في بعض الأحاديث تسمية بعض أنواعه الشرك الخفي، وسَمّاه العلماء الشرك الأصغر تمييزًا بينه وبين الأكبر.\nاختلفوا في ضابطه مع اتفاقهم على أنّ الشرك الأكبر هو دعوة غير الله معه، هو عبادة غير الله - ﷻ -، أو أنْ يُجْعَلَ لله نِدًّا ﷾ فيما هو من خصائصه - ﷿ -، وأعظمها العبادة؛ يعني استحقاق العبادة.\nاختلفوا في الشرك الأصغر في تعريفه على أقوال عند أهل العلم وفي ضبطه:\nالقول الأول: إنَّ الشرك الأصغر هو كل شرك أو عمل يكون وسيلة للشرك الأكبر، فما كان وسيلة وطريقًا إلى الشّرك الأكبر فيكون شركًا أصغر، وقد نحا إلى ذلك عدد من أهل العلم منهم الشيخ عبد الرحمن السعدي في حاشيته على كتاب التوحيد. (١)\nوالقول الثاني: وهو قول عامة أئمة الدعوة، وكذلك يُفْهَمْ من صنيع ابن القيم وابن تيمية ﵏ أنه يذهبون إليه، هو أنَّ الشرك الأصغر كل ذنب سمَّاهُ الشارع شركًا ولم يبلغ درجة عبادة غير الله - ﷿ -؛ يعني لم يبلغ درجة الشرك الأكبر.\nوالفرق بين الأول والثاني -يعني بين التعريف الأول والثاني- أنَّ هناك أعمال تكون وسيلةً للشرك الأكبر ولم يطلق عليه الشارع أنها شرك ولم يتفق العلماء على أنها شرك، فوسائل الشرك الأكبر كثيرة.\nمثلا بناء القباب على القبور هذا وسيلة إلى الشرك ووسيلة إلى تعظيم الأموات وإلى أن يُعتَقَدَ فيهم وأن يُتَقَرَبَ إليهم أو أن يُتَعَبَدَ عند قبورهم ونحو ذلك؛ يعني أن يُعبدوا عند قبورهم ونحو ذلك، فبناء القباب على القبور من هذه الجهة هو وسيلة إلى الشرك الأكبر لكن لم يسمّه أحد من أهل العلم المتقدمين لم يعدُّوهُ شركًا أصغر مع كونه وسيلة.\nفالأضبط هو ما ذكرته لك من أنَّ الشرك الأصغر هو كل ذنب أو معصية سمّاها الشارع شركًا في الدليل ولم تبلغ درجة الشرك الأكبر؛ يعني درجة عبادة غير الله معه ﷾.\nمثال آخر الذنوب: الذنب يُطْلِقُ عليه بعض العلماء أنه لا يصدر ذنب -يعني كبيرة من الكبائر أو ذنب من الذنوب- إلا وثَمَّ نوع تشريك؛ لأنه جعل طاعة الهوى مع طاعة الله - ﷿ - فحصلت المعصية، وطاعة الهوى وسيلة للشرك الأكبر، والذنوب عدد كبير منها وسيلة إلى الشرك الأكبر، ومع ذلك لم تُسَمَّ شركًَا أصغر وإن دخلت في مسمى مطلق التشريك، لا التشريك المطلق، مطلق التشريك، لا الشرك، فلهذا لا يَصْدُقُ عليه هنا أنها شرك أصغر مع كونها وسيلة في عدد من الذنوب والآثام إلى الشرك الأكبر.\nإذًا لا يستقيم التعريف الأول في عدد من الصّور، والأقرب والأولى هو الثاني وهو أنْ يقال الشرك الأصغر هو كل ذنب أو معصية سماها الشارع شركا ولم تبلغ درجة عبادة غير الله معه.\nنكتفي بهذا.\n_________\n(١) قال الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي تحت باب الخوف من الشرك: وأما الشرك الأصغر فهو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك؛ كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ مرتبة العبادة؛ كالحلف بغير الله، ويسير الرياء ونحو ذلك.","vol":"1","page":309},{"text":"وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ.\n_________\nنكمل بيان ما في هذه الجملة من المسائل، وقد ذكرنا في الدّرس السابق أصول الإيمان؛ يعني أركان الإيمان وأدلّة ذلك من الكتاب والسنة، وذكرنا بعض المسائل المتعلقة بالملائكة، وذكرنا لكم أنّ الكلام على الملائكة فيه تفصيل كثير يُطلَبُ من كتب التفسير ومن كتب الحديث والعقيدة ومن الكتب المصنّفة في هذه العقيدة؛ عقيدة الإيمان بملائكة الرحمن - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\n\nقال (وَالنَّبِيِّينَ)\nالإيمان بالنبيّين يعني الإيمان بالأنبياء والمرسلين؛ لأنّه إذا أُطلق النّبي في الإيمان فيُراد به الإيمان بالأنبياء والمرسلين، وذلك من جهتين:\nالجهة الأولى:\nأنَّ قول كثير من أهل العلم أنَّ كل رسول نبي، فإذا قلنا نؤمن بالأنبياء فمعنى ذلك نؤمن بالرسل لأنَّ كل رسول نبي.\n٢- الجهة الثانية:\nأنَّ القرآن الكريم جاء فيه ذِكْرُ المُرْسَلِينَ بِذِكْرِ الأنبياء؛ يعني سُمِّيَ المرسلون أنبياء، سورة الأنبياء من وَرَدَ فيها جُلُّهم مرسلون: أولهم محمد ﷺ، ثم إبراهيم الخليل ثم لوط، ثم نوح، ثم داوود، وسليمان، وأيوب إلى آخره.\nولهذا قوله (وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ) يعني بالرسل والأنبياء جميعًا.\nوالتعبير بالرُّسُلِ أولى؛ لأنه هو الذي جاء في الأدلة في الكتاب والسنة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، قال: أخبرني عن الإيمان. قال «أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلهِ» وفَرْض الإيمان أن يُؤْمَنْ بالأنبياء والرسل جميعًا لأنّ الله - ﷿ - أمرنا بذلك.\nوتحت هذا الأصل والركن وهو الإيمان بالنبيين مسائل:","vol":"1","page":310},{"text":"[المسألة الأولى]:\nفي تعريف النبي.\nالنَّبِيُّ في القرآن جاء فيه قراءتان ﴿النّبي﴾ والقراءة الأخرى ﴿النبيء﴾ بالهمز ﴿يا أيها النبيّ﴾، والقراءة الثانية ﴿يا أيها النبيء﴾ كما هي قراءة نافع وغيره.\nوفرق ما بين النبي والنبيء.\nفالنبيء: هو مَنْ نُبِّئَ.\nوالنبي: من صار في نَبْوَةٍ؛ يعني في ارتفاع عن غيره.\nفإذًا نقول: (النبي) و(النبيء) هو من اختصه الله - ﷿ - بالإنباء والوحي، فصار مرتفعًا عن غيره في المقام لأجل ما أوحى الله - ﷿ - إليه.\nهذا ليس تعريف -يعني حد- ليس حدًا ولكن هذا تقريب.\nأما الرُّسُلْ، الرسول، فظاهرٌ من اللفظ أنَّهُ أُرْسِلْ.\nفلفظ نبيء ونبي من جهة اللغة واللفظ الذي جاء في القرآن هذا فيه الإنباء وفيه الرفعة، والرسول فيه الإرسال.\nولهذا اختلف العلماء هل النبي والرسول واحد أو بينهما فرق؟\nعلى أقوال كثيرة مر معنا تفصيل الكلام عليها في عدد من الشروح وأقربها شرح الواسطية وغيره؛ لكن نذكر لك ملخص الكلام:\n١- القول الأول: من أهل العلم من قال النبي والرسول بمعنىً واحد، فكل رسول نبي وكل نبي رسول، وذهب إلى هذا جمع من أهل العلم من المفسّرين ومن الفقهاء وغيرهم.\n٢- القول الثاني: هو أنَّ النبي غير الرسول، ودلّ على الفرق بينهما:\nأ - قول الله - ﷿ - في سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:٥٢]، قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ فدَلَّ ظاهر الآية قوله ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ أنَّ النبي غير الرسول، وظاهر الدلالة على أنَّهُ ثَمَّ فرق بينهما، ولو كان النبي هو الرسول لما صح أن يُقَال ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ لأنَّ النبي هو الرسول كيف يقول ﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾، قد يكون بالعطف بالواو من رسول ونبي فتكون هنا مُغَايَرَةْ، في الصفات، لكن لمَّا أُدْخِلَتْ ﴿لاَ﴾ دل على أنَّ هذا غير هذا ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ .\nب - أنَّ النبي ﷺ ذَكَرَ الرسل والأنبياء الذين يأتون يوم القيامة فقال «يأتي النبي ومعه الرهط، ويأتي النبي ومعه كذا، ويأتي النبي وليس معه أحد» (١)، ووجه الدِّلالة من الحديث أنّ قوله «ويأتي النّبي وليس معه أحد» يحتمل:\n- أن يكون لم يُرْسَلْ إلى أحد.\n- ويحتمل أن يكون لم يستجب له.\nويتجه الاحتمال أنه لم يرسل إلى أحد؛ بل هو نبيّ لقوله ﷺ «ما بعث الله من نبيٍ إلا وأعطاه من الآيات ما على مثله آمن البشر وكان الذي أوتيته وحيا يُتلى» (٢) الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح حديث عياض بن حمار المجاشعي، فدلّ على أنّ كل نبي أعطي آية وآمن من آمن بتلك الآية.\nلهذا نقول: قوله ﷺ «ويأتي النبي وليس معه أحد» هذا لأجل قَصْرْ الرسالة على هذا النبي وحده؛ يعني أنَّهُ ليس مُرْسلًا إلى غيره.\nج - حديث أبي ذر المشهور الذي رواه ابن حبان في الصحيح ورواه غيره من أنَّ النبي ﷺ ذَكَرَ عِدَةَ الأنبياء، هو حديث طويل منه جمل ثابتة صحيحة بشواهدها، ومنه جمل مُخْتَلَفْ فيها، فمنها أنَّهُ ذَكَرَ عِدَّةَ الأنبياء وذَكَرَ عِدَةَ المرسلين، فقال في عدد الأنبياء إنهم مائة وأربعة وعشرين ألف، وقال في عدة المرسلين إنهم كعدة أهل بدر يعني نحو أربعة عشر وثلاثمائة رسول (٣)، فدلّ الحديث على الفرق بينهما، وكون هذا هو العدد أو أقل ليس هو هذا محل الشاهد، وإنما قَوّى صحة التّفريق ما بين النبي والرسول أنه في الحديث الإختلاف في العدد، ودِلالة الآية والحديث الذي قبله يقوي الاستدلال بحديث أبي ذر هذا.\nالمقصود دَلَّت هذه على ترجيح قول من قال إنَّ الرسول والنبي مختلفان وهذا ظاهر في الاستدلال كما ترى.\nما الفرق بينهما في التعريف؟\nاختلف العلماء في تعريف النبي والرّسول فقال مِمَّنْ قَالَ بالفرق بينهما:\n&amp; فقالت طائفة كثيرة من أهل العلم:\nإنّ النبي: هو من أُوحِيَ إليه بشرع ولم يُؤْمَر بتبليغه.\nوالرسول: من أُوحِيَ إليه بشرع وأُمِرَ بالتبليغ.\nفجعلوا الفرق ما بين النّبي والرّسول هو الأمر بالتبليغ.\n&amp; وقالت طائفة أخرى، وهو قولٌ أيضا مشهور عند عدد من المحققين وهو الذي اختاره ابن تيمية ﵀ في أول كتاب النبوات أنَّ الرسول والنبي يشتركان في وقوع الإرسال عليهما.\nالرسول مُرْسَلْ والنبي مُرْسَلْ لظاهر قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾، فالرسول مُرْسَلْ والنبي أيضا مُرْسَلْ لكن جهة الإرسال مختلفة، قال:\nالرسول: يُرْسَلْ إلى قوم يخالفونه في أصل الدين فيأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك.\n_________\n(١) سبق ذكره (٧٩)\n(٢) البخاري (٤٩٨١) / مسلم (٤٠٢)\n(٣) سبق ذكره (٢٦٩)","vol":"1","page":311},{"text":"وأما النبي: فإنه يُرْسَلْ إلى قوم موافقين يُجَدِّدُ بإرساله شِرْعَةَ الرسول الذي أُمروا باتباعه.\nمثل أنبياء بني إسرائيل كلما مات نبي خلفه نبي وكُلُّهُم تَبَعْ لموسى ﵇.\nوهذا التعريف أو هذا التقريب لتعريف الرسول والنبي هذا أقرب للدليل وأوضح في فهم الأدلة الشرعية.\nولذلك نقول هو المختار في أنَّ:\nالنبي مُوحًَا إليه بشرع وأُمِرَ بتبليغه إلى قوم موافقين أو لم يُؤْمَرْ بالتبليغ.\nقد يكون مُقْتَصِرْ على نفسه وقد يُؤْمَرْ بالتبليغ إلى من يوافقه.\nيوافقه في أي شيء؟\nفي اتِّبَاعِ الرسول الذي يَتَّبِعُهُ النبي ويَتَّبِعُهُ الناس.\nوأما الرسول فمن أوحي إليه بشرع أو بكتاب وأُمِرَ بإبلاغه أو بتبليغه إلى قوم مخالفين له يعني في أصل الدين.","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>[المسألة الثانية]:\nالأنبياءُ والرُّسُلُ درجات في الفضل والمنزلة عند الله </span>- ﷿ -، وهذا التفضيل جاء في قوله تعالى في سورة البقرة ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فنُؤْمِنُ بأنَّ الرسل والأنبياء بعضهم أفْضَلُ من بعض، وليسوا على مرتبة واحدة.\nأوّل الأنبياء آدم ﵇، وآخر الأنبياء محمد ﷺ.\nوأوّل الرسل نوح ﵇، وآخر المرسلين محمد ﷺ.\nفآدم نبي كما جاء في الحديث الصحيح «آدم نبي مكلّم» وينطبق عليه حد النبي لأنَّ الله - ﷿ - أوْحَى إليه وكَلَّمَهُ ﷾.\nمن الأنبياء والمرسلين أولو العزم من الرسل وهم الذين جاء فيهم قول الله - ﷿ - ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] .\nواختلف العلماء في أولي العزم من الرسل من هم؟ على أقوال كثيرة:\nالقول الأول:\nأنَّ كل رسول هو من أولي العزم، ومعنى أُولِيْ العَزْمْ يعني أولي الصبر والمصابرة والجَلَدْ والتجلد في دين الله - ﷿ -، فهم أهل عزم قوي في مواجهة أعداء الله وأهل صبر ومصابرة.\nفهذا القول أنَّ كل رسول هو من أولي العزم.\nما معنى قوله إذًا ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾؟\nقالوا ﴿مِن﴾ هنا ليست تبعيضية بل بيانية، مثل ما تقول الرجل من القوم.\nيعني فاصبر كما صبر أولو العزم من الناس؟ لا؛ من الرسل.\nوالرسل كلهم على هذا، فتكون ﴿مِنَ﴾ هنا على هذا التفسير بيانية لا تبعيضية.\n٢ - القول الثاني:\nأنَّ أولي العزم من الرسل هم ثمانية عشرة رسولًا وهم المذكورون في سورة الأنعام.\n٣- القول الثالث:\nأنَّ أولي العزم من الرسل خمسة وهم المذكورون في سورة الأحزاب وسورة الشورى، قال - ﷿ - ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]، فَجَمَعَ خمسة الرسل وهم المذكورون أيضًا في سورة الأحزاب.\nوهذا القول بأنهم الخمسة هؤلاء، هو الأظهر والأرجح ويَدُلُّ له ويُقَوِّيه أنَّ هؤلاء الخمسة هم الذين يستغيث الناس بهم يوم القيامة من شدة الحساب أو من شدة هول الموقف وطول المُقَامْ في طلب تعجيل المحاسبة والقضاء بين الخلق، أعاننا الله جل علا على شدائد ذلك اليوم، في حديث الشفاعة الطويل المعروف، يأتون آدم ثم قال يأتون نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمد ﷺ.\nآدم خَرَجَ لأنه ليس برسول بقي الخمسة لأنهم مرسلون.","vol":"1","page":313},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالأنبياء يُعْطِيهُم الله - ﷿ - آيات، فنُؤْمِنْ بالأنبياء ونؤمن بآيات الأنبياء.\nوهذه الآيات كما جاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال «ما بعث الله من نبي إلا وأعطاه من الآيات ما على مثله آمن البشر» (١) .\nفما يؤتيه الله - ﷿ - المرسلين أو الأنبياء للدِّلالة على صدقهم في دعوى الرسالة أو دعوى النبوة، هذه تسمّى آيات وتسمّى براهين في الكتاب والسنة.\nوأما تَسْمِيَتُهَا معجزات فهذا لفظٌ حادثٌ بعد ظهور علم الكلام وخاصَّةً من جهة المعتزلة.\nولا نمتنع من إطلاقه؛ لكن يُقَيَّدُ بتقييده الشرعي الصحيح؛ لأنها هي معجزات لكنها آيات وبراهين والفرق بينهما:\n- أولًا: أنَّ الآية والبرهان جاء الدليل بها، والمعجز لم يأت الدليل به.\n- ثانيًا: أنَّ اللفظ (معجزة) فيها إجمال؛ ووجه الإجمال يقال معجزة لمن؟\nهل هي معجزة للإنسان؟\nمعجزة للقوم الذين بُعِثَ فيهم النبي، أو معجزة للناس أجمعين؟\nأو معجزة للجني والإنس؟\nأو معجزة للجن والإنس والملائكة؟\nفهذه فيها إجمال ولذلك ما جاء بها الدليل.\nومن أطلقها اختلفوا فيها، هذا الإعجاز، هل هو إعجاز للناس أو إعجاز لأهل زمانهم دون غيرهم؟\nوالصحيح عند أهل السنة والجماعة أو الصحيح في قول أكثر أهل السنة والجماعة أنّ المعجزة هي ما صار الإعجاز به للجن والإنس جميعًا لا لطائفة منهم، فهي معجزة للجن والإنس جميعًا لا يستطيعون أن يأتوا بمثل ذلك.\nودلّ على هذا قول الله - ﷿ - ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] .\nوتسميتها آية وبرهان، هي آية يعني دليل واضح يُلزِمْ بنتيجته وهو قبول دعوى من كانت معه هذه الآية، وبُرهان وهو الدليل الواضح الجلي الذي هو كضوء الشمس في وضوحه ونصاعته وجلائه مما لا يُجَادَلُ فيه.\nوهذا هو الذي جاء في القرآن بتسميتها آيات وبراهين ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل:١٢]، وقال - ﷿ - أيضا ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:١٢]، وقال - ﷿ - ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٢-٢٣] ونحو ذلك.\nفهي إذًا في القرآن والسنة مُسَمَاة آيات وبراهين، وهذه التسمية شرعية، ولا يَرِدُ عليها ما يَرِدُ على لفظ المُعْجِزْ مما ذكرناه لك.\nالآيات والبراهين تختلف، فهي معجزات وهي تختلف، وثَمَّ بحث طويل فيها ربما يأتي في موضع آخر.\n_________\n(١) سبق ذكره (٣١١)","vol":"1","page":314},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nمعنى الإيمان بالأنبياء والمرسلين أننا نؤمن بأنَّ الله - ﷿ - بَعَثَ وأَرْسَلَ مُرْسَلين وأيَّدَهُم وكانوا أصلح أهل زمانهم وأيدهم بالآيات والبراهين الدّالة على صدقهم، وأنهم أتقى الخلق، أتقى الناس لربهم، وأعرف وأعلم الناس بربهم - ﷿ -.\nفنؤمن بكل نبي عَلِمْنَاه أو لم نعلمه؛ لأنَّ الأنبياء منهم من قُصَّ علينا والمرسلين ومنهم من لم يُقَصَّ علينا، قال - ﷿ - ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] .\nفإذًا الإيمان بالأنبياء والمرسلين على درجتين:\n١- إيمان إجمالي: وهو الإيمان بكل رسول أرسله الله - ﷿ - وكل نبي، علمنا أو لم نعلم.\n٢- إيمان تفصيلي: بأنَّ كلَّ من عَلِمْنَا رِسَالَتَهُ ونُبُوَّتَهُ بالدليل والقرآن فهذا يجب علينا أن نؤمن به وأن نتولاه وأن نحبه؛ لأنَّ (الأنبياء إخوة لِعَلَّاتْ دينهم واحد)، فكلُّهم أكمل الخلق توحيدًا وإيمانًا بالله - ﷿ - وطاعة له وخوفا منه - ﷿ -.\nثُمَّ ثَمَّ إيمان خاص بهذه الأمّة، أُمَّةْ الإجابة أُمَّةْ الدعوة، أنه يجب على الجميع الإيمان بمحمد بن عبد الله الهاشمي القرشي الذي أرسله الله - ﷿ - للنّاس أجمعين؛ بل للجن والإنس أجمعين، فيجب الإيمان به ﷺ؛ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وأنَّهُ بُعِثَ بالإسلام، وأنَّ الإسلام نَسَخَ ما عداه من الأديان، وأنَّ كلّ دعوى للدين غير ما جاء به محمد ﷺ فهي باطلة وردّ، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، فبه خُتِمَتْ النبوة وأعطاه الله - ﷿ - الإسلام وأنزل عليه القرآن حجة له ولأمته إلى قيام الساعة.\nومن الإيمان بالنبي ﷺ تحقيق شهادة أنَّ محمدًا رسول الله وهي: طاعَتُهُ فيما أمر وتصديقه فيما أخبر والانتهاء عما نهى عنه وزجر وأن لا يُعبد الله - ﷿ - إلا بما شرعه رسوله ﷺ.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>[المسألة الخامسة]:\nمن كَذَّبَ برسول بعد العلم به فإنه مُكَذِّبٌ بجميع الأنبياء والمرسلين</span>، فمن قال أُكَذِّبُ بفلان من الرسل وأومن بمحمد ﷺ فهو كافر؛ لأنه من كَذَّبَ برسول فقد كذّب بجميع المرسلين إذا بلغه العلم وقامت عليه الحجة، قال - ﷿ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء١٠٥-١٠٦]، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ فنحن اتَّفَقْنَا على أنَّ نوح ﵇ كان أوّل رسول، قال - ﷿ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ لأنهم لمَّا كَذَّبُوا نُوحًا فإنهم كَذَّبُوا بِتَكْذِيبِهم نوحًا جميع المرسلين؛ لماذا؟\nلأنّ دينهم واحد وهو توحيد الله - ﷿ - والبراءة والكفر بالطاغوت، كذلك قوله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وكذلك قوله ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٥٠] إلى آخره. (١)\n_________\n(١) انتهى الشريط الثالث والعشرون.","vol":"1","page":316},{"text":": [[الشريط الرابع والعشرون:]]\n\nننتقل إلى التي بعدها، قال <span data-type=\"title\" id=toc-257>(وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)</span>\n_________\nقوله (وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) خَصَّ إنزال الكتب بالمرسلين لأنهم هم الذين يؤتيهم الله - ﷿ - الكتاب.\nوأنزل الله - ﷿ - كُتُبًَا كثيرة منها ما نعلم ومنها ما لا نعلم، وقد أمر الله - ﷿ - عباده أن يؤمنوا بكل كتاب كما قال سبحانه ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [الشورى:١٥] الآية، والإيمان بالكتب ركن الإيمان كما ذكرنا وأَصْلٌ من أصوله، فلا يصحّ إيمان أحد حتى يؤمن بالكتب التي أنزل الله - ﷿ -.\nوتحت هذه الجملة مسائل:","vol":"1","page":317},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالكتاب الذي أنزله الله - ﷿ - هو وَحْيُهُ ﷾ لرسوله الذي أعطاه الله - ﷿ - ذلك الكتاب، ووحيه:\n- قد يكون بواسطة الرسول الملكي إلى الرسول البشري.\n- وقد يكون أنّ الله - ﷿ - أَوْحَى إليه مباشرة.\nفوَحْيُ الله - ﷿ - بِكُتُبِهِ ينقسم كما قال الله - ﷿ - في آخر سورة الشورى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١]، فَجَعَلَها ثلاثة أقسام:\n@ فمنها ما كتبه الله - ﷿ - بيده كما هي صحف موسى ﵇ والتوراة خَطَّهَا الله - ﷿ - بيده الكريمة العظيمة - ﷻ - (١) .\n@ ومنها ما نزل به جبريل ﵇ إلى الرسول ﷺ.\nكُتُبُ الله - ﷿ - من جهة أنها كلامه مُتَّفِقَة -يعني كلها كلام الله - ﷿ --، فالله ﷾ تَكَلَّمَ بما تَكَلَّمَ به وسَمِعَهُ جبريل منه فأنزله على رسوله.\nتَكَلَّمَ بالقرآن فنزل به جبريل على محمد ﷺ.\nوتَكَلَّمَ بالإنجيل فنزل به على عيسى.\nوتكلم بالتوراة - ﷿ - فنزل بها على موسى ﵇.\n_________\n(١) البخاري (٦٦١٤) / مسلم (٦٩١٢) / أبو داود (٤٧٠١) / ابن ماجه (٨٠)","vol":"1","page":318},{"text":"[المسألة الثانية]:\nكُتُبُ الله - ﷿ - هي من آياته التي أعطاها الرسول، يعني لأنَّهَا من الوحي.\nوموضوعات الكتب مختلفة:\n- فمنها ما هو مواعظ ورقائق.\n- ومنها ما هو شريعة.\n- ومنها ما هو خَبَرْ وأَمْرْ ونَهِيْ -يعني أخبار وإنشاءات وأوامر ونواهي، فهي مختلفة في موضوعاتها.\nالأنبياء دينهم واحد وشرائعهم شتى: فمن جهة التوحيد الكتب متفقة، والأنبياء دينهم واحد في توحيد الله - ﷿ -.\nواتفاق الكتب والأنبياء في التوحيد يُعْنَى به شيئان:\nالأول:\nأنّ أَصْلَ التوحيد وهو عبادة الله - ﷿ - وحْدَهُ، ورَدُّ عِبَادَةِ غيره، والكفر بالطاغوت، والبراءة من الشّرك وأهله، هذا قَدْرٌ مشترك في رسالة جميع الأنبياء، قال - ﷿ - ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، يعني من المرسلين ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، فهذا قدْرٌ مشترك بين جميع الأنبياء والمرسلين، والكتب دَلَّتْ على هذا وحضَّت عليه وأمرت به.\n٢ - الثاني:\nهو أصول الإيمان الستة، أركان الإيمان الستة وهي الإيمان بالله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، وهذا مُتَّفَقٌ عليه أيضًا بين الأنبياء لا خلاف فيه.\nوذلك أنَّ جهة الإيمان بهذه الأشياء الخَبَرْ، والخبر لا يُنْسَخْ ولا يُكْذَبُ فيه والله - ﷿ - إذا أخبر نبيًا بشيء من أمر الغيب فهو على ذلك.\nفالأنبياء في كتبهم وما أُرْسِلُوا به متفقون على هذين الأصلين العظيمين:\n- توحيد الله - ﷿ - على نحو ما ذكرت لك.\n- وأمور الغيب الستة هذه، أمور الإيمان الستة.\nولذلك معنى قوله «الدين واحد» يعني هذين الأصلين.\nوالكتب تختلف في الشرائع:\nتختلف في القَصَصْ، ما يُقَصُّ به في كتابٍ يكون مُفَصَّلًَا وكتاب يكون مختصرًا.\nتختلف في الشرائع والأمْرْ والنَّهْيْ، تكون التوراة شريعتها شديدة وفيها قُوَّةْ في الطَّهَارة وفي الصلاة وفي الجهاد وفي أشياء كثيرة، فهي شريعة فيها الشِدَّة ولا يَصْبِرْ عليها إلا صادق ولذلك ما صَبَرَ عليها بنو إسرائيل.\nوالإنجيل فيه الرقة والوعد والتسامح وإلى آخره وتحليل بعض ما حَرَّمَ الله - ﷿ - على بني إسرائيل.\nيعني أنَّ موضوعات كتب الله - ﷿ - مختلفة، والله ﷾ يُوحِي بما يشاء وفق حكمته - ﷿ - وَوِفْقَ ما يريد من عباده ﷾.\nفشرائع الأنبياء شتى، والكتب مختلفة باختلاف الشرائع، وأيضًا مختلفة فيما قَصَّ الله - ﷿ - في تلك الكتب لأنَّ القَصَصْ للعبرة والناس يختلفون في الأمم بما يُصلحهم من أمور القصص وما يُحْدِثُ عندهم العبرة.","vol":"1","page":319},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالإيمان بالكتب على نحو ما ذكرنا سالفًا في الإيمان بالملائكة والنبيين ينقسم إلى:\n- إيمان إجمالي.\n- وإيمان تفصيلي.\n@ الإيمان الإجمالي: يجب على كل أحد أن يؤمن بِكُلِّ كتابٍ أنزله الله - ﷿ - كما قال سبحانه ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى:١٥]، وقال - ﷿ - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فكل كتاب يجب على العباد أن يؤمنوا به عَلِمُوهُ أو لم يعلموه، فنؤمن بالتوراة ونؤمن بالإنجيل ونؤمن بالزبور ونؤمن بالقرآن ونؤمن بكل كتاب أعطاه الله - ﷿ - أنبياءه -يعني رسله-.\n@ الإيمان التفصيلي: وهو أنَّ كل كتاب عَلِمْناهُ في الدليل، كل كتاب سَمِعَ المسلم بِذِكْرِهِ في كتاب الله - ﷿ - أو في سنة النبي ﷺ فيجب أن يؤمن به على وجه التفصيل، التوراة ذُكِرَت، صحف موسى ذُكرت، صحف إبراهيم ﵇ ذُكرت، الزبور ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (١) الزبور ذُكِرْ، الإنجيل ذُكِرْ، وهكذا، فهذه نؤمن بها على وجه التفصيل.\nفَكُلُّ كتاب ذَكَرَهُ الله - ﷿ - في كتابه وجب علينا الإيمان به تفصيلًا.\nثُمَّ الإيمان بالكتب ثَمَّ مرتبة واجبة وأكيدة وهي آكدها وأعظمها وهي الإيمان بهذا القرآن، الإيمان بكتاب الله - ﷿ - الخاتَمْ الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ.\nوالإيمان بالقرآن يشمل أشياء:\n١- أولًا: الإيمان بأنَّ القرآن كلام الله - ﷿ - وليس بقول البشر؛ كلام الله - ﷿ - أوحَاهُ إلى عبده محمد ﷺ.\n٢- ثانيًا: أنَّ القرآن ناسخٌ لما قبله من الكتب فليس لأحَدٍ أن يَتَّبِعَ غير القرآن؛ بل الواجب أن يُصَدَّقْ بكل خبرٍ في القرآن ويُعْتَقَدْ، وأن يُعْمَلْ بكل أمرٍ ونهيٍ جاء في القرآن، وذلك بامتثال الأمر وانتهاء النهي.\n٣- ثالثًا: أن يُعْلَمْ أنَّ القرآن جعله الله - ﷿ - مهيمنًا على الكُتُبِ وشاهدًا عليها، كما وصفه بذلك في سورة المائدة، وهذا يدلّ على أنَّ الناس واجب عليهم ألا يلتفتوا عن هذا القرآن إلى غيره متى ما سمعوا هذا القرآن.\nلذلك الآن الكتاب من جهة السماع بالقرآن تكاد الحجة قامت من جهة السماع لهذا الوحي وأنه كلام الله - ﷿ - على أكثر الخلق.\n_________\n(١) النساء:١٦٣، الإسراء:٥٥.","vol":"1","page":320},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nالكُتُبُ التي أنزلها الله - ﷿ - على المرسلين اختلف العلماء هل يدخل فيها الصحف، أم أنَّ الكتب غير الصحف؟ على قولين:\n- من أهل العلم من قال: الصحف هي الكتب.\n- ومنهم من قال: لا؛ الصحف غير الكتاب.\nويَتَّضِحْ الفرق في صحف موسى ﵇ والتوراة، فإنَّ الله - ﷿ - أعطى موسى ﵇ صُحُفًَا وأعطاه أيضًا التوراة، فهل هما واحد أم هما مختلفان؟\nخلاف:\n- والقول الأول: أنهما واحد لأنَّ صحف موسى هي التوراة وهي التي كتبها الله - ﷿ - بيده.\n- القول الثاني: أنَّ الصحف غير الكتب، وهذا القول هو الصحيح وهي أنَّ كتب الله - ﷿ - غير الصحف.\nويدل على هذا الفرق أنَّ الله - ﷿ - أعطى موسى صُحُفًَا ﵇ وكَتَبَ له ذلك في الألواح كما قال ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٤٥]، وأوحى الله - ﷿ - إليه بالتوراة أيضًا.\nفقوله ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٩]:\nصحف إبراهيم: ذَكَرَ الله ما فيها في سورة النجم قال ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم:٣٧-٤١]، إلى آخره، فهذه كانت مما في صحف إبراهيم ﵇.\nوفي صحف موسى: ما كتبه الله - ﷿ - له.\nوأما التوراة: فهي وحْيٌ وكتَابٌ مستقل غير صحف موسى ﵇ أوحاها الله - ﷿ - إليه.\nصحف موسى بالذات وَقَعَ فيها الإشتباه من جهة أنَّهُ ظاهر القرآن أنَّ الله - ﷿ - كَتَبَ الصحف لقوله ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾، وجاء في الحديث أنَّ الله - ﷿ - كتب التوراة لموسى بيده، فمن هذه الجهة وقع الاشتباه، هل هما واحد لأجل أن هذه كُتِبَتْ وهذه كُتِبَتْ.\nوالأظهر كما ذكرتُ لك من سياق الآيات في سورة الأعراف أن الكتب غير الصحف.","vol":"1","page":321},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nيدخل في الكلام على الكتب الكلام على القرآن، وعلى إعجاز القرآن، وعلى بحث هذه المسألة؛ لأنَّ القرآن آية محمد ﷺ.\nوقد قَدَّمْنَا لك تفصيل الكلام على إعجاز القرآن في درس مستقل (١) أظن عند قول الشيخ الطحاوي ﵀ في أول الكلام (فَمَنْ سَمِعَهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كَلَامُ الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ) إلى قوله (عَلِمْنَا وَأَيْقَنَّا أَنَّهُ قَوْلُ خَالِقِ الْبَشَرِ، وَلَا يُشْبِهُ قَوْلَ الْبَشَرِ. وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ)، ومسألة إعجاز القرآن ومعرفة القرآن ووجه كونه آية وما فيه، هذا من أعظم المسائل في هذا الباب.\nإذا تبين ذلك فنقول:\nالإيمان بأركان الإيمان الستة -إذا أخرجنا الإيمان بالقَدَرْ- فإنَّ بعض أهل العلم يسميها أصول الدين الخمسة، وذلك لمجيئها في أكثر الآيات دون ذكر القَدَرْ، والقَدَرْ جاء منفصلًا في القرآن وجاء مع بقية الأركان في السنّة.\nهذه الأصول الخمسة تَبِعَ الإيمان بها أنَّ أهل البدع أصَّلُوا أُصُولًَا في مقابلة هذه الأصول الخمسة:\nفجاء المعتزلة مع إيمانهم بِجُمَلِ هذه الأصول الخمسة لكن جعلوا لهم أصولًا خمسة لتُمَيِّزَهُمْ عن غيرهم، وهذه المعروفة بالأصول الخمسة عند المعتزلة، وكَتَبَ فيها عبد الجبار كتابه الأصول الخمسة، ويعتني بها المعتزلة والإباضية والزيدية والرّافضة.\nالأصول الخمسة هذه هي:\n١- أولا: التوحيد.\n٢- والثاني: العدل.\n٣- والثالث: الوعد والوعيد.\n٤- والرابع: المنزلة بين المنزلتين.\n٥- والخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوالرافضة يعتقدون مُعْتَقَدْ المعتزلة في الغالب، فجعلوا لهم أصولًا أربعة في مقابلة ذلك وهي:\n١- التوحيد.\n٢- والعدل.\n٣- والنبوة.\n٤- والإمامة.\nيُدخلون في هذه الأصول عقائدهم في تدريس عقائدهم المخالفة لما دَلَّ عليه الكتاب والسنة.\nوهذه الجملة تحتاج إلى تفصيل طويل يمكن أن ترجع لها في الشرح أو في المطولات.\nالمقصود أن لفظ الأصول الخمسة أو أركان الإيمان الستة أو الخمسة -يعني بخلاف الإيمان بالقدر- هذه جُعِلَ في مقابلتها أشياء وَضَعَهَا أهل البدع للتعليم وللتميُّزْ لِيُعَلِّمُوا على أساسها وليتميزوا عن غيرهم.\nولاشك أنَّ الذي دلّ عليه الكتاب والسنة وقول سلف الأمة إلى أنْ ابتدعت المعتزلة بدعتها هو أنّ أركان الإيمان ستة، ولا دخل لتلك المسائل التي ذَكَرُوهَا من الوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل هذه لا أصل لها في الكتاب والسنة؛ يعني في كونها من أركان الإيمان أو من أصول الدين.\nفي هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالى.\nونقف عند قولنا (وَنُسمِّي أَهْلَ قِبْلَتِنَا مُسْلِمينَ مُؤْمِنينَ) .\nفيه مسائل -ذكّرني بعض الإخوان بها جزاهم الله خيرًا- وهي تحتاج منا إلى أنكم تقتفون أثر ما ذكرناه في الملائكة وهو ما في كل مسألة في الإيمان بالكتب والإيمان بالأنبياء ثَمَّ مسألتان:\nالمسألة الأولى: تفاضل الإيمان بأجمعه بتفاضل الإيمان الأنبياء والمرسلين. هذه مسألة. (٢)\nالمسألة الثانية: أثر الإيمان بالمرسلين جميعًا على الإيمان العام.\nكذلك في الكتب تأتيك الفقرتان جميعًا: تفاضل الإيمان بالكتب، والثانية أثر الإيمان بكتب الله - ﷿ - على الإيمان.\nيمكن أنتم تستنتجونها وتبحثونها إن شاء الله تعالى. نكتفي بهذا القدر، نستودعكم الله.\n_________\n(١) سبق ذكره (١٢٣)\n(٢) - راجع الشريط ٢٣","vol":"1","page":322},{"text":"الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nنُجيب على بعض<span data-type=\"title\" id=toc-263> الأسئلة</span>.\nالأسئلة:\nس١/ قال هل نفهم من كلام المؤلف في قوله (وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) أنَّ الأنبياء لا يُعطونَ كُتُبًَا مُنَزَّلَة؟ وهل كلّ رسول لابد أن ينزل عليه كتاب؟ نرجو الإفادة وجزاكم الله خيرا.\nج/ ذكرنا في شرح كلام الطحاوي ﵀ أنّ الكتب يُعْطِيها الله - ﷿ - الرسل حُجَّةً لهم، هذا هو الأصل، وقد يعطيها نبيا من الأنبياء، قال - ﷿ - ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (١)، وداوود في أحد الأقوال أنَّهُ كان نبيًا في بني إسرائيل ولم يكن رسولًا.\nالمقصود أنَّ الكتب الأصل العام فيها أنه يعطيها الله - ﷿ - رسله؛ لأنَّ الكتاب حجة وفيه شريعة هذا هو الأصل في ذلك، فنؤمن بكتب الله - ﷿ - التي أعطاها أنبياءه ورسله؛ لكن النفي بأنَّ النبي لا يُعْطى كتاب أصلًا هذا يحتاج إلى دليل.\nس٢/ ما حكم من أنكر الملائكة أو الجن أو المهدي والدجال؟ وهل من أنكر واحدًا من هذه الثلاث كافر؟ وما وجه التفريق بين تكفير من أنكر الملائكة وعدم تكفير من أنكر المهدي أو الجن مع أنَّ كلها من الغيب وثابتة بالنص؟\nج/: ذكرنا أنَّ من أركان الإيمان، الإيمان بالملائكة.\nوضبطنا الإيمان بالملائكة الذي هو ركن الإيمان ومن أنكره كَفَر وهو الإيمان بوجود الملائكة إجمالًا، فإذا آمن بوجود الملائكة لله - ﷿ - فهو مؤمن، فإذا كان سَمِعَ باسم جبريل ﵇ وأنه ينزل بالوحي وجب عليه الإيمان بذلك.\nفرجعت المسألة إلى أنَّ من أنكر الملائكة فلم يدخل في عقد الإيمان أصلًا؛ لأنَّ من أركان الإيمان الإيمانُ بالملائكة، ويدلّ أيضا على أنَّ التكذيب بأي خبر جاء في القرآن فإنه تكذيب بالقرآن، فإذا كَذَّبْ بجبريل، كذّب بميكائيل ونحو ذلك، كذّب بملك الموت، كذّب بأي ملك جاء ذكره في القرآن فيُعرَّف بالآية، فإن أصرّ فهو مكذب بالقرآن فيكون كافرا من هذه الجهة.\nوكذلك الجن فقد جاء ذكرهم في القرآن فالإيمان بالجن واجب والتصديق بخبر الله - ﷿ - بذلك واجب ويدخل الإيمان بالجن في الإيمان بالقرآن، الإيمان بالكتب؛ لأنَّ معنى الإيمان بالكتب لله - ﷿ - أن يعتقد العبد أنها حق وأنَّ الله - ﷿ - أنزل كتبه وأنَّ ما فيها حق، وخاصة الإخبار فإنَّ الأنبياء لم يختلفوا فيما أخبروا به لأنَّ الخبر مداره الصدق، أما الشرائع فتختلف، العقيدة واحدة.\nذكرنا لكم أنَّ الأنبياء اجتمعوا على ما أَخْبَرُوا به من الإعتقاد بالله - ﷿ - وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى، هذه اجتمعت عليها الأنبياء فدينهم واحد، لا فرق بين نبي ونبي، وبين رسول ورسول في أصول الدين، في تحقيق التوحيد، في الإسلام، الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، هذا أصل عام اجتمعت عليه الأنبياء، واجتمع عليه المرسلون، وكذلك أركان الإيمان الستة، هذه اجتمعت عليها الأنبياء؛ لكن الشرائع تختلف.\nمن الإيمان بالكتب الإيمان بالقرآن والقرآن فيه الخَبَرْ عن الغيب ومنه الخبر عن الجن، فالجن أنزل الله - ﷿ - فيهم آيات كثيرة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١-٢]، وقال - ﷿ - في آية الأحقاف ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، وقال - ﷿ - ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سيإ:٤١]، وقال سبحانه ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]، وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر الجن، ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩]، فالإيمان بالجن واجب؛ الإيمان بوجودهم وبما أخبر الله - ﷿ - عنهم من صفتهم في كتابه، وبما صحّ في حديث النبي ﷺ، فمن أنكر وجود الجن كفر لأنه كذَّبَ القرآن، فَيُعَرَّْف -إذا كان مثله يجهل- يُعَرَّفْ بما جاء في القرآن من الآيات، فإذا كذب بوجود الجن مع ذكرهم في القرآن فإن تكذيبه يعود إلى إنكار وجحد القرآن فيكون كافرًا بذلك.\nأما المهدي الذي ذَكَرْ فليس الكلام فيه كالكلام في الملائكة والجن؛ لأنَّ المهدي إنما جاء في السنة، ومجيئه في السنة هو من جنس الأخبار التي تكون مما أخبر بها النبي ﷺ، يتأوّلها المتأولون، ولا تكفير مع احتمال التأويل.\n_________\n(١) النساء:١٦٣، الإسراء:٥٥.","vol":"1","page":323},{"text":"مثل من تَأَوَّلَ الصفات، ومثل من تأوّل بعض الحقائق بعض الأسماء والأحكام وأشباه ذلك فإنه لا تكفير بذلك.\nأحاديث المهدي كثيرة أكثر من خمسين حديثا متنوّعة، قال طائفة من أهل العلم تبلغ درجة التواتر المعنوي لا التواتر اللفظي؛ لأنها مختلفة في ألفاظها.\nلكن وجود المهدي وأنه سيخرج في آخر الزمان، وأن اسمه محمد بن عبد الله، وأنه من ذرية الحسن، وأنَّ من صفاته كذا وكذا، وأنه يصلحه الله - ﷿ - في ليلة، وما أشبه ذلك من الأخبار، هذا جاء في السنة فجعله طائفة من أهل العلم مما يبلغ درجة المتواتر المعنوي لا المتواتر اللّفظي.\nوأحاديث المهدي تأوّلها جماعة ومنها ما لم يُصَحَحَ، ومنها ما صُحِّحْ، فالمقصود أنها ليست مثل الكلام في الجن والكلام في الغيبيات التي جاءت في القرآن وهي التي تكون متواترة بدِلالة قطعية، فلذلك من أنكر المهدي أو أنه سيخرج أو قال: لا مهدي بعد محمد ﷺ، ونحو ذلك فإنه يقال أخطأ وخالف ما جاء في الأحاديث ولا يحكم عليه بالكفر.\nوقد قال بهذا القول جماعة من المنتسبين إلى العلم وأخطؤوا في هذا خطأً شنيعا؛ لأنَّ الأحاديث كثيرة متعددة المخارج في السنن والمسانيد وغيرها.","vol":"1","page":324},{"text":"وَنُسَمِّي أَهْلَ قِبْلَتِنَا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ، مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ.\n_________\nقال ﵀ (وَنُسَمِّي أَهْلَ قِبْلَتِنَا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ، مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ.)\nيريد الطحاوي ﵀ أنَّ أهل السنة والجماعة يُسَمُونَ أهلَ القبلة وهم من تَوَجَّهَ في صلاته إلى الكعبة بيت الله الحرام، يُسَمُّونَهُم مسلمين مؤمنين؛ لأنّ هذا هو الأصل، فاستقبال القبلة دليل على تميُّزِ من استقبلها عن المشرك الوثني الأصلي؛ لأنه لا يستقبل القبلة يعني لا يُصَلِّي مثل مشركي قريش، وعن اليهودي والنصراني لأنهم يستقبلون جهة الشّرق، فالذي يستقبل الكعبة هذا يُسَمَّى مسلمًا كما جاء في الأحاديث الصحيحة «من أكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا له ما لنا وعليه ما علينا» (١) .\nلكن هذا ليس وصفًا مانعًا من خُروجه من الدّين، لهذا اشترط له شرطًا فقال (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ) يعني لو أنْكَرُوا ما جاء به النبي ﷺ أو شيئًا مما جاء به ﷺ فإنهم لا يُسَمَونَ مسلمين مؤمنين، وقال (وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ) يعني إذا كانوا لم ينكروا شيئا مما جاء به النبي ﷺ.\nويريد بهذه الجملة أيضًا مخالفة الخوارج والمعتزلة ومن شابههم ممن يكفرون بالذنوب ويسلُبون عن صاحب الكبيرة والمعصية، يسلبون عنه اسم الإسلام أو اسم الإيمان.\nوتحت هذه الجملة مسائل:\n_________\n(١) البخاري (٣٩٣)","vol":"1","page":325},{"text":"[المسألة الأولى]:\nقوله (أَهْلَ قِبْلَتِنَا) هذه الكلمة (أهل القبلة) لم ترد في النصوص في تحديد المراد بها؛ يعني في أن يكون لها اصطلاح شرعي؛ ولكن جاء في النص وفي الأحاديث ذِكْرُ من استقبل القبلة، ولهذا جُعِلَ هذا الإسم (أهل القبلة) بمعنى من استقبل القبلة، فكل من استقبل القبلة في صلاته فهو من أهل القبلة.\nوسبب هذه التسمية (أهل القبلة) هوما جاء في الأحاديث في الصحيح في البخاري وفي غيره «من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله ما لنا وعليه ما علينا»، (استقبل قبلتنا) لأنه تميز باستقبال القبلة في عهد النبي ﷺ عن الكفار إذْ يُصَلُّونْ وعن اليهود والنصارى إذ قبلتهم مختلفة.\nو(أهل القبلة) إذًا يشمل كل أهل الأهواء، كل الفِرَقْ الثلاث والسبعين التي أخبر بها وعنها النبي ﷺ في قوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» (١) فهذه الفرق الثلاث وسبعين كلها تدخل عند أهل العلم تحت هذا الاسم (أهل القبلة) .\nويدخل تحت هذا الاسم أيضًا المنافقون؛ لأنهم كانوا يستقبلون القبلة في عهد النبي ﷺ واسم الإسلام الظاهر ينطبق عليهم.\nلهذا اسم أهل القبلة كاسم المسلم ينطبق على من استقبل القبلة بصلاته ولو كان من أهل البدع أو من أهل الأهواء أو ممن يعتقد في الباطن اعتقادًا مُكَفِّرًا مناقضًا للدين، فالأصل فيه أنه من أهل القبلة.\nوهذا يتّضح بأن نقول أهل القبلة لفظ يُطْلَقُ على طائفتين: (٢)\nالطائفة الأولى:\nهم أهل الإسلام الصحيح الذين كانوا على مثل ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه، وهذا يدخل فيه -يعني هذه الطائفة- يدخل فيها دخولًا أوَّلِيًَّا صحابة رسول الله ﷺ والتابعون وتبع التابعين وكل من كان على منهجهم.\nفأولى الناس بهذا الوصف من كان على عقيدة الصحابة رضوان الله عليهم، وما أعظم قوله ﷺ «من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ذمة الله وذمة رسوله ﷺ فلا تُخفروا الله في ذمته» (٣) .\nويدخل في هؤلاء من تبعهم بإحسان على عقيدة أهل السنة والجماعة من أهل التوحيد الذين حَقَّقُوا كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلم يعبدوا إلا الله ولم يُحكِّمُوا إلا شرع محمد ﷺ، وهؤلاء في الحقيقة هم أهل القبلة لأنهم أولياء البيت، وهم الحقيقون بوصف المتقين، قال - ﷿ - لمَّا ذكر المشركين في سورة الأنفال قال ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾ [الأنفال:٣٤]، يعني أولياء البيت ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال:٣٤]، فأولياء البيت الحرام؛ أولياء القبلة يعني الذين يحبونها حقيقة وينصرونها وثَمَّ ولَايَةْ هم أهل البيت، هم أهل القبلة.\nالطائفة الثانية:\nهم كل منتسب إلى الإسلام سواءٌ كان فيه مُكَفِّرٌ باطنًا أم ليس فيه مُكَفِّرْ، فيدخل في ذلك أهل البدع والأهواء من فرق الضلال كالمعتزلة والخوارج والمرجئة والقدرية وإلى آخره وغلاة الصوفية، كل من خالف عقيدة أهل السنة والجماعة، وكذلك يدخل فيه المنافقون.\nفإذًا اسم الإسلام، المسلم، واسم أهل القبلة يشمل المبتدعة وأهل الأهواء والعصاة، ويشمل المنافقين في دار الإسلام؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يكن يميز ما بين المنافق وغير المنافق في الوَلاية الظاهرة؛ يعني في كونه له ما له وعليه ما عليه؛ لأنَّ المنافق له حكم الإسلام ظاهرًا؛ لأنه أظهر الإسلام، وكذلك أهل البدع والأهواء لهم حكم المسلم ظاهرًا لأنَّهُم أَظْهَرُوا الإسلام واستقبلوا القبلة.\nإذا تبين ذلك، فإذًا هذا الوصف أهل القبلة ليس وصفًا لطائفة واحدة؛ بل هو وصف متميّز ومُتَمَايِزٌ أهله فيه، فالوَلَايَةْ لأهل القبلة والنُّصرَة لأهل القبلة والمحبة لأهل القبلة ليست على درجة واحدة:\n- فكل من كان مُتَحَقِّقًَا بوصف الطائفة الأولى فله الوَلاية الخاصة لمن كان على مثل ما عليه ﷺ وأصحابه.\n- ومن كان من أهل البدع والأهواء فله حكم الإسلام وله حكم أنه من أهل القبلة، فلا يُسْتَباحْ دمه ولا يُكفَّر ولا يُخرَجْ من الدين إلا إذا أتى مُكَفِّرًا.\nفإذًا هذا الاسم واللقب أهل القبلة هذا فيه نوع اختلاط، وتعلمون أنَّ زمن المؤلف وما قبله لم يكن فيه إلا ما ذكرنا لك من هاتين الطائفتين:\n- طائفة من كان على منهاج أهل السنة والجماعة.\n- والطائفة الثانية طائفة أهل البدع والأهواء والمنافقون.\n_________\n(١) سبق ذكره (٥)\n(٢) انتهى الوجه الأول من الشريط الرابع والعشرين.\n(٣) البخاري (٣٩١)","vol":"1","page":326},{"text":"[المسألة الثانية] (١):\nظَهَرَ بعد زمان المؤلف المشركون -الشرك الأكبر- الذين يعبدون مع الله غيره ويدعون غير الله ويستغيثون بغير الله ويذبحون لغير الله ويعبدون غير الله - ﷿ -.\nفهل هؤلاء يصدق عليه اسم أنَّهم من أهل القبلة أم لا يصدق عليهم أنهم من أهل القبلة؟\nعلى قولين لأهل العلم:\nالقول الأول:\nليسوا من أهل القبلة لأنَّ صلاتهم باطلة؛ لأنَّ المشرك لا تُقبَلُ صلاته، فيكون استقباله للقبلة لَغْوًا؛ يعني ليس من أهلها، كما كان المشرك من قريش، ومن العرب يتوجه إلى الكعبة بالطواف ويؤدون عندها بعض العبادات ونحو ذلك، ولكنهم لم يكونوا موحدين فلم يتصفوا بوصف أنهم يستقبلون القبلة في الأحاديث.\n٢- القول الثاني:\nأنَّ الأصل في المسلم الإسلام حتى يَثْبُتَ عنه أو منه ما يُخرِجُهُ من الدين.\nوهؤلاء إنْ أُطْلِقَ عليهم أنَّهُم كَفَرُوا -يعني صار عليهم اسم الكفر- سُلِبَ عنهم اسم أهل القبلة.\nوإن لم يُطْلَقْ عليهم الكفر -يعني ليسوا بكفار- فإنهم يبقون في الطائفة الثانية من التقسيم الأول؛ يعني في أهل البدع والأهواء والمنافقين وأشباه هؤلاء؛ لأنه لا يُكَفَّرْ أَحَدْ إلا بعد أن تقوم عليه الحجة الرسالية التي يَكْفُرُ جاحدها أو يَكْفُرُ منكرها أو يَكْفُرُ رادُّها.\n*وهذا القول الثاني هو الأَوْلى وذلك أنَّ الأصل فيمن استقبل الكعبة أنه مسلم حتى يثبت عنه ما يخرجه من الإسلام.\nالعلماء -خاصةً بعض علماء الدعوة- بحثوا هنا في مسألة الكافر الأصلي، يعني من نشأ، بَلَغْ وهو يعبد الأوثان وهو يعبد الأضرحة وهو يعبد غير الله - ﷿ -، ومن كانت هذه الأمور عارضةً له، بَحَثُوا في هذه المسألة في بعض الردود؛ لكن ليس بحثها مؤثرًا على التقسيم الذي قلناه.\nالمقصود أَنَّ اسم أهل القبلة مثل اسم المسلم؛ يعني لا يترتب على هذا اللفظ (أهل القبلة) لا يترتب عليه حقوق إلا حقوق المسلم، فما دام أنه مسلم فله حق الإسلام له حقوق المسلم، إذا كان مسلمًا مطيعًا فله حق المسلم المطيع، مسلم عاصي صاحب كبيرة، مسلم مبتدع، مسلم ظاهرًا منافق باطنًا فهذا له حقوقه.\n_________\n(١) هذه النقطة لم يعدها الشيخ مسألة مستقلة وإنما جعلها مع ما قبلها، وقد جعلتها في مسألة مستقلة تميزًا لها.","vol":"1","page":327},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nقوله (مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ) هذا الوصف: (مسلم)، (مؤمن)، هذا بناءً على أنَّ الإسلام والإيمان عند الطحاوي واحد وأنَّه لا فرق ما بين الإسلام والإيمان.\nوهذا القول ليس بجيد؛ بل مخالفٌ للأدلة ويأتي بحثه في الكلام على الإيمان.\nوهناك وِجْهَةْ أخرى ظهرت لي أثناء تَأَمُّلْ كلمته أنه وإن قال ذلك لكن هذه الكلمة ليست مُلْزِمَةْ له بهذا القول؛ يعني لا نفهم منها أنه يُسَوِّيْ ما بين المسلم والمؤمن؛ لأنَّ من جهة التسمية نسميهم مسلمين أو نسميهم مؤمنين فالإسلام والإيمان إذا تفرّقا اجتمعا، فإذا قلنا هو مؤمن مع كونه مسلمًا صحيح، وحتى صاحب الكبيرة نقول هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.\nفإذًا هذه الكلمة (مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ) لا تدل بنفسها على أنَّهُ يجعل الإسلام والإيمان واحد وأنَّ المسلم هو المؤمن، ويأتي بيان أنَّ قول أهل السنة والجماعة -يعني جمهور أهل السنة والجماعة- والراجح عندهم أنَّ الإسلام غير الإيمان، والله - ﷿ - فرَّقَ بينهما في كتابه فقال - ﷿ - ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وهذا دليلٌ واضحٌ على التفريق ويأتي بقية الأدلة في موضعها.","vol":"1","page":328},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nأنَّ هذا الإسم أهل القبلة واسم المسلم والمؤمن لابد من بقاء ما دلَّ عليه، وهذا هو ما ذَكَرَهُ بعد ذلك بقوله (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ) يعني أنَّهُ لو ارْتَكَبَ مُكَفِّرًَا فإنه يَخْرُجُ من اسمه مسلم ومن اسمه مؤمن ولو استقبل القبلة، ولو كان السجود في جبهته فإنَّهُ ما دام أنه ثَبَتَ عنه بيقين ما حَكَمَ عليه عالم أو قاضي بكفره فإنه يكون حينئذ ليس له حكم المسلم المؤمن ولو كان مستقبل القبلة.\n\nقال (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ)\nمعنى الاعتراف هنا هو الإقرار بأنَّ ما جاء به النبي ﷺ في كل مسألة حق.\nلكن فَرْقٌ هنا ما بين الجحد وما بين التأويل:\nفإنَّ من جحد أمرًا جاء به النبي ﷺ وكان ثابِتًَا عن النبي ﷺ وكانت دلالته قطعية فإنه يكفر بذلك، مثل «عثمان في الجنة» (١) هذا دلالته قطعية «عثمان في الجنة» ما تحتمل معنى آخر، فإذا قال: لا، هذا لا يدل على أنه يُحْكَمْ له بالجنة، لا أنا ما أحكم لعثمان بالجنة مع أنَّ النبي ﷺ حَكَمَ له، أنا أَرُدْ كون عثمان ﵁ في الجنة، لا أدري هو من أهل الجنة أو من أهل النار، هذا ردٌّ لخبر دلالته قطعية.\nفإذًا قوله (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ) هنا الاعتراف بمعنى الإقرار بهذا الخبر وبما جاء به ﷺ.\n* وهذا الإقرار فيما كانت دلالته قطعية، أما إذا كانت دلالته محتملة وصار ثَمَّ للتأويل مَسْرَحْ؛ فإنه لا يُسلب عنه اسم الإسلام والإيمان.\nولهذا نصَّ أهل العلم من أئمة الدَّعوة ومن غيرهم على أنَّ متأولة الصفات ليسوا كمنكري الصفات، يعني ليس الأشاعرة مثل الجهمية، ليس المعتزلة مثل الجهمية في هذا الباب، الصفاتية الذين أثبتوا أصل الصفات وتأَوَّلُوا بعضًا هؤلاء لهم شُبْهَة التأويل فلم يُكَفِّرْهُمْ أهل السنة والجماعة في هذا الباب؛ لأنّهم معترفون بأصل ما جاء به النبي ﷺ في هذا الباب؛ لكن تَأَوَّلُوهُ إلى جهةٍ أخرى.\nفإذًا يُفَرَّقْ هنا ما بين الرد وما بين التأويل، فالاعتراف هو الإقرار.\n* كذلك يُفَرَّقُ هنا ما بين الإقرار الذي يقابله الجحد، وما بين الإلتزام الذي يقابله الامتناع:\n١- أولًا (الإقرار أو الإعتراف) الذي يقابله الجحد:\nفالاعتراف الذي هُوَ الإقرار يقابله الجحد، يقالُ أَقَرَّ واعترف أو حَجَدْ.\nأقر بأنَّ النبي ﷺ أَمَرَ بكذا، أو حَجَدَ أنَّ الصلاة واجبة، جَحَدَ أَنَّ الزكاة واجبة، جَحَدَ أَنَّ أَكْلْ نوع من المأكولات المباحة أنَّهُ حلال، جَحَدَ أن الخمر محرم، فهذا جحد يناقض الإعتراف، يعني أصلًا ما يقر بالتحريم أصلًا.\n٢- ثانيًا الإلتزام الذي يقابله الإمتناع:\nقد يُقرُّ ولكنه لا يلتزم.\nوقد لا يجحد ولكنه يمتنع.\nوالالتزام واجب والامتناع مُكَفِّرْ.\nما معنى الامتناع؟\nالامتناع أن يقول: أنا لا أدخل في هذا الخطاب، وهذا معنى قول العلماء: الطائفة الممتنعة، وقول إذا امتنع أحد عن كذا يعني لم يلتزم، فَجَعَلَ فِعْلَهُ غير داخل في هذا الخطاب.\nمثل حديث أبي بردة بن نيار المعروف (أنَّ النبي ﷺ بعثه في رجل نكح امرأة أبيه فأمره أن يقتله وأن يُخَمِّسَ ماله) (٢) .\nهذا رجل نَكَحَ امرأة أبيه، الفعل معصية كبيرة، كبيرة بشعة أن ينكح امرأة أبيه؛ لكن النبي ﷺ أمره أن يقتله وأن يخمّس ماله؛ يعني جعله مرتدًا لم؟\nلا لكونه جَحَدَ ولكن لكونه امتنع.\nفإذًا هنا في الاعتراف (مَا دَامُوا مُعْتَرِفِينَ):\n- فيه الإقرار ويقابله الجحد.\n- وفيه الالتزام ويقابله الامتناع\nالالتزام: أن يعتقد أنه مخاطب.\nوالامتناع: أنا غير مخاطب بذلك، مثل فعل مانعي الزكاة، فيقولون: الزكاة واجبة وأَدُّوهَا لكن نحن بذاتنا لا نحن لسنا داخلين في هذا الخطاب.\nفالرجل ظَنَّ أنه لا يدخل في هذا الخطاب في قوله - ﷿ - ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]، فهو مُقِرٌّ بوجوبها بدخوله في الإسلام أصلًا، مُقِرٌّ بهذه الآية بدخوله؛ لكنه امْتَنَعَ من الالتزام بها لأجل أنَّ هذه كانت فِعْلَةْ أهل الجاهلية، فكان من إكرام الرّجل لأبيه أن ينكح امرأة أبيه لأنَّ هذا يدل على بِرِّهِ، يدل على صلته، ويدل على شرفه، ويدل على أشياء عندهم، فلما أنَّهُ امتنع، يعني كان أَخَذَهُ إذًا مَأْخَذْ الحكم الجاهلي ما دام أنه لم يلتزم.\nإذًا في هذه الصورة لم يلتزم -هو مقر معترف- لكنه لم يلتزم، بمعنى امتنع.\nوليست المسألة مسألة تكفير بالعمل أو أن فِعْلَهُ دَلَّ على استحلاله.\nليست من هذا الباب، إنما هي من باب الامتناع فمن عَرَفَ واقع أهل الجاهلية في نكاح امرأة الأب إلى آخره وسبب نزول الآية ودلالة ذلك عرف.\nالمقصود من هذا أنَّ قول الطحاوي (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صلى ﷺ مُعْتَرِفِينَ):\nالاعتراف هو الإقرار، والإقرار يقابله الجحد.\nويأتي الكلام على الاستحلال في قوله (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) .\nفإذًا صارت عندك هنا أنَّ النسبة إلى الإسلام، النسبة إلى أهل القبلة يأتي الخروج منها بأشياء.\nوأما العمل فيأتي الكلام عليه (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) .\nلهذا هنا علقها بالاعتقادات (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَهُ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ) .\n_________\n(١) أبو داود (٤٦٤٩) / الترمذي (٣٧٤٧) / ابن ماجه (١٣٣)\n(٢) أبو داود (٤٤٥٧) / النسائي (٣٣٣٢)","vol":"1","page":329},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nهذا الباب، باب الإيمان، والخروج من اسم الإسلام واسم الإيمان ومِنْ معنى أهل القبلة، هذا من المواضع التي تَزِلُّ فيها الأقدام.\nولهذا الذي يجب على كل طالب علم أن يعلم:\n- ما قاله أهل السنة والجماعة في بيان الإيمان وبيان ضده.\n- وأنَّ الإيمان والإسلام إذا قامت بالشخص -يعني وُصِفَ أحد بالإسلام والإيمان-، المسلم والمؤمن لا يُخْرَجُ من إسلامه وإيمانه حتى يأتي بُمُكَفِّرٍ واضِحٍ مثل وضوح ما أدخله في الإيمان.\nفهو دخل باعتقادٍ واضح، دخل بكلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، دخل أيضا بِعَمَلٍ بالأركان، فلا بد أن:\n- يكون الاعتقاد مضاد للأصل -الإيمان بالله وملائكته ورسله إلى آخره.\n- كذلك القول يكون مضاد للأصل؛ يعني مواجه للأصل، مضاد للتوحيد، لكلمة التوحيد؛ يعني من الأقوال الشركية.\n- كذلك العمل يكون مضاد لما دلَّ عليه العمل من الاستسلام لله - ﷿ -.\nوهذه المسألة يأتي لها مزيد تفصيل فيما نستقبل إن شاء الله تعالى.\nفإذًا معتقد أهل السنة والجماعة في هذه المسألة أنَّ من ثَبَتَ في حقه اسم الإسلام والإيمان فإنَّهُ يبقى على هذا الاسم ما لم يأتِ بشيء من الأقوال أو الأعمال أو الاعتقادات تَرُدُّ هذا الأصل بوضوح لا باحتمال؛ لأَّن الواضح البَيِّنْ اليقيني لا يزيله إلا يقيني.","vol":"1","page":330},{"text":"قال بعدها (وَلَا نَخُوضُ فِي اللَّهِ، وَلَا نُمَارِي فِي دِينِ اللَّهِ) .\n_________\n(لَا نَخُوضُ فِي اللَّهِ) يعني في ذات الله - ﷿ -.\n(وَلَا نُمَارِي فِي دِينِ اللَّهِ) يعني لا نلقي الأُغْلُوطاتْ والشُّبَهْ والشكوك في دين الله - ﷿ -، فأصل الإسلام مبني على الاستسلام، والاستسلام لله - ﷿ - فيما أخبر به في أمور الغيب، فيما أنزله على رسوله ﷺ جملةً وتفصيلًا.\nفإذًا لا نخوض في الله -يعني في ذات الله ﷾- بل نتكلّم عن الذات العَلِيَّةْ - ﷻ - وعن صفاته ﷾ بما جاء في الكتاب والسنة.\nلهذا أَصْلُ أهل السنة مخالف لأهل الأهواء في هذا الأَصْلْ.\nفأهل الأهواء والبدع يخوضون في الله وفي صفاته ولذلك سُمُّوا أهل الكلام؛ لأنهم في كل مسألة يخوضون.\nفلو راجعت كتاب الأشعري (مقالات الإسلاميين) لوجدت أنَّهُ قسمه إلى قسمين:\n- القسم الأول جليل الكلام.\n- والقسم الثاني دقيق الكلام.\nدخَلُوا في أشياء هي خَوضٌ في الله - ﷿ - وفي صفاته بغير ما أنزل على رسوله ﷺ.\nإذًا قوله (وَلَا نَخُوضُ فِي اللَّهِ) يريد به مفارقة أهل الكلام ومفارقة أهل البدع والأهواء في أننا نتأدب مع الرب - ﷻ - فلا نخوض في شيءٍ إلا بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\n(وَلَا نُمَارِي فِي دِينِ اللَّهِ) يعني بإلقاء الشبه والشكوك إلى آخره ولو لقصد المناظرة؛ بل الِمرَاءْ مذموم بأنواعه.\nوتحتها مسائل:","vol":"1","page":331},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالخوض في ذات الله محرمة، وكذلك التفكر في ذات الله أيضًا منهيٌّ عنه.\nلكن المأمور به أن يُفَكِّرْ المرء في آلاء الله - ﷿ -.\nقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا» (١) .\nفالمأمور به العبد أن يتفكّر في آلاء الله، وآلاء الله - ﷿ - يعني في آياته.\nآيات الله - ﷿ - نوعان:\n- آيات مرئية وهي ملكوته في السموات وفي الأرض وما خَلًقً الله من شيء.\n- وآيات متلوة وهي القرآن.\nفمن تفكر في آلاء الله دلَّهُ على عِظَمِ ربه - ﷿ - وأصابه طمأنينة وسكينة وخشوع وخضوع للرب - ﷿ -.\nلهذا أمرنا ربنا سبحانه بالتفكر في آلائه وملكوته وآياته، قال سبحانه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠-١٩١]، وقال سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ (٢) وقال سبحانه أيضا ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١]، وقال - ﷿ - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبإ:٤٦]، تقف هنا ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبإ:٤٦]، والنبي ﷺ حُبِّبَ إليه الخلاء، حُبِّبَ إليه أن يدخل غار حراء ويمكث فيه الليالي ذوات العدد يَتَحَنَّثْ ويتأمل في ملكوت الله - ﷿ -.\nوهذا يُحدِثْ من حقائق الإيمان في النفس ومن الارتباط والذل لله - ﷿ - ما يُحدث.\nولهذا كان من هدي السلف رضوان الله عليهم قلة الكلام والتفكّر في آلاء الله - ﷿ -.\nقالت أم الدرداء في وصف زوجها أبي الدرداء (كانت أكثر عبادة أبي الدرداء التفكّر) (٣) .\nوكان الحسن البصري ﵀ يقول (عاملنا القلوب بالتفكر فأورثها التَذَكُرْ، فرجعنا بالتَذَكُرْ على التفكر وحركنا القلوب بهما، فإذا القلوب لها أسماع وأبصار) (٤) .\nهذه كلمة عظيمة، الناس قلوبهم مُضْغَة كلها تتحرك وتقذف الدم؛ ولكن القلب الحي ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ [يس:٧٠]، صاحب القلب الحي هذا يكون قلبه له سمع وبصر؛ يعني يرى أشياء ويتفرس في الأشياء ويكون له مرئيات، يرى ما لا يراه الآخرون.\nقال (عاملنا القلوب بالتفكر)، التفكر في آلاء الله، وليس التفكر في الله ولا في ذات الله إنما التفكر في آلاء الله - ﷿ -، فيما خلق، في آياته التي أعطاها المرسلين، في آياته المتلوة، القرآن إلى آخره، يعني في المنظورة والمقروءة.\n(فأورثها التَذَكُرْ)؛ يعني تَذَكَرْ العبد، إذا تفكر وخلا بنفسه فإنه سيتذكر؛ لكن تَذَكُرُهُ سيكون ضعيفًا؛ لأنه بدايات التذكر بعد التفكر.\nقال (فرجعنا) -هو يحكي حال السلف الحسن البصري يقول (عاملنا) يعني السلف يعني طبقة التابعين-\nقال (فرجعنا بالتَذَكُرْ) هذا الذي تذكرناه وصار في القلب نوع حياة رجعنا به على التَفَكُرْ، تَفَكَّرْنَا من جديد، نظرنا في الملكوت، في آلاء الله، في تصرف الله - ﷿ - في خلقه، في آيات الله في القرآن.\n(فرجعنا بالتذكر على التفكر وحركنا القلوب بهما)، يعني مرة ورا مرة، هذا تذكر بعد تفكر، تذكر بعد تفكر، يبقى العبد في الإيمان.\nقال (فإذا القلوب لها أسماع وأبصار)، ينفتح القلب من معارف الله - ﷿ - ومن الأُنْسِ به ومن لذة مناجاته ومن إيثار ما عنده على ما في هذه العاجلة، وعلى إيثار مَحَابِّهِ - ﷻ - على أهواء النفس ما لا يدركه إلا من وفّقه الله - ﷻ -.\nلهذا قال (وَلَا نَخُوضُ فِي اللَّهِ) سمة أهل السنة والجماعة أنهم لا يخوضون في الله، ولا يخوضون في صفات الله وإنما يذكرون ما دَلَّ عليه الكتاب والسنة ويُعَلِّمُونَ ذلك، وإنما المهم العمل، المهم هذا القلب أن يكون صالحًا، أن يكون خاشعًا لله، منيبا لله - ﷻ -، ولهذا صح عن النبي ﷺ أنه قال «عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (٥)، وقال في السبعة الذين يظلهم الله في ظلهم «ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» (٦) .\n_________\n(١) شعب الإيمان (١٢٠)\n(٢) الأعراف:١٣٤، الروم:٨.\n(٣) حلية الأولياء (١/٢٠٨)\n(٤) الفتاوى الكبرى (/٥١٧) / الإستقامة (١/٢١٠)\n(٥) الترمذي (١٦٣٩)\n(٦) البخاري (٦٦٠) / مسلم (٢٤٢٧) / الترمذي (٢٣٩١)","vol":"1","page":332},{"text":"فمن أعظم العبادات التَفَكُّرْ، تَفَكَرْ في القرآن، تُرَدِّدْ الآيات لتؤثر على قلبك، التَفَكُّرْ في ملكوت الله، في هذه السماء العجيبة، الأرض، في الخلق، هذا من سمة وخصال أهل السنة والجماعة، مخالفين بذلك لطريقة الصوفية الذين أورثهم العزلة التفكر والخوف في الله - ﷿ - والكشف؛ كشف الحُجُبْ ونحو ذلك مما زلَّتْ به أقدامهم.","vol":"1","page":333},{"text":"[المسألة الثانية]:\nعلى قوله (وَلَا نُمَارِي فِي دِينِ اللَّهِ) المِرَاء مذموم.\nوالمراء ضابطه هو أن يُورِدْ الشيء بقصد الانتصار للنّفس أو إضعاف من أمامه.\nيعني المغالبة، يريد يغالب، يريد يشكك، الشبه يوردها.\nهذا من الأمور المذمومة لأنّ أصل الدين مبني على الاستسلام، فالمراء في الدّين محرم وقد صحَّ عنه ﷺ أنه قال «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنّة لمن ترك المراء وهو محقّ وأنا زعيم بييت بوسط الجنة لمن ترك المراء» (١) .\n[.....]\nايش، المقصود الحديث اشتبه عليّ لفظه، «أنا زعيم في بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء» . النبي ﷺ تَكَفَّلَ ببيت لمن ترك المراء وإن كان محقا -ببيتٍ في الجنة-، لماذا؟\nلأنَّ المراء أحيانًا وأنت تماري يأتيك الحق معك لكن تغلبك نفسك للانتصار لنفسك لا للحق، والإنسان بين هذه وهذه يكون عنده شيء -يعني بين الانتصار للحق وبين الانتصار لنفسه-، وكثيرا ما تشتبه على أكثر الناس؛ يعني تختلط هذه بهذه، أنت ستنتصر لنفسك أو ستنتصر للحق، ولهذا يسمى هذا مراء، إذا صارت مجادلة وخشيت أن تنتصر فيها لنفسك، فالسكوت أفضل لأنَّ الانتصار لنفسك من المراء في دين الله - ﷻ -.\nفإذًا من صفة أهل السنة والجماعة ومن سماتهم أنهم لا يمارون في دين الله، لهذا قال الإمام مالك ﵀ لما سُئِلْ (الرجل تكون عنده السنة أيجادل عليها؟)\nقال (لا، يخبر بالسنة فإن قُبِلَتْ منه وإلا سكت) (٢) .\nلأنَّ المراء في ذلك يورث العداوة قد يورث الانتصار للنفس، وذلك كله مذموم.\nنقف عند هذا، وأسأل الله - ﷿ - لي ولكم الهدى والرشاد، وأن يحبب إلينا الإيمان ويزيّنه في قلوبنا.\nكما أسأله - ﷻ - أن يُكَرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان.\nنكتفي بهذا القدر، وفقكم الله. (٣)\n_________\n(١) أبو داود (٤٨٠٠)\n(٢) جامع العلوم والحكم (١/٩٣)\n(٣) انتهى الشريط الرابع والعشرون.","vol":"1","page":334},{"text":": [[الشريط الخامس والعشرون]]:\n\nوَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَعَلَّمَهُ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدًا ﷺ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.\n_________\nالحمد لله رب العالمين، وبعد:\nفهذه الجملة من هذه العقيدة التي ألّفها العلاّمة أبو جعفر الطحاوي ﵀ قال فيها (وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَعَلَّمَهُ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدًا ﷺ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.) .\nوهذه الجملة مشتملة على عقيدة مباركة عظيمة في القرآن.\nوالإيمان بالقرآن فرضٌ ورُكْنُ الإيمان؛ لأنَّ من أركان الإيمان الإيمان بكتب الله المنزلة، وأعظمها الكتاب الذي جعله الله مهيمنًا على كل كتاب وهو هذا القرآن العظيم.\nفالإيمان به ركنُ الإيمان، والإيمان به عند أهل السنة والجماعة يشمل:\n- الإيمان بأنه كلام الله تعالى.\n- وأنه منزّل من رب العالمين.\n- وأنَّ محمدا ﷺ عَلَّمَهُ إياه جبريل، وجبريل سَمِعَهُ من رب العالمين أوتقدست أسماؤه.\n- وأنَّ هذا القرآن لا يشبهه شيء من كلام المخلوقين، لا يماثله ولا يدانيه.\n- وأنه غير مخلوق؛ لأنه صفة الله ﷿، وصفات الله ﷾ كذاته العَلِيَّة، فهو سبحانه الخالق - ﷿ - وغيره مخلوق.\nوهذا التقرير من العلامة الطّحاوي مأخوذٌ من النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة التي تدلّ على هذه الأصول كقوله - ﷿ - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، وكقوله - ﷿ - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، وكقوله سبحانه ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢-١٩٥]، وكقوله - ﷿ - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦]، وغير ذلك من الآيات التي فيها أنَّ القرآن كلام الله، وأنه مُنَزَّلٌ من عنده وأنّ جبريل ﵇ هو الذي نَزَلَ به على قلب محمد ﷺ.\n\nقال (وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ)\nالمُجَادَلَةْ في القرآن دَلَّتْ السنة على أنها مذمومة ومحرّمة، وذلك كما روى مسلم في الصحيح أنَّ النبي ﷺ خَرَجَ عليهم يوما وهم يتجادلون في القرآن هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، فكأنما فُقئ في وجهه حب الرمان -يعني من الغضب﵊ فقال لهم «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا» (١) أو كما جاء عنه ﷺ، وقد جاء أيضًا أنَّ نبينا ﷺ نهى أن يَجْهَرَ بعض الناس على بعض في القراءة؛ وذلك لأجل التأدب مع القرآن وأن لا تكون القراءة سببًا للتخاصم أو للمجادلات؛ يعني بسبب القرآن أو في القرآن.\nوالمِرَاءْ مذمومٌ مُطلقًا سواء أكان بحق أو بغير حق، وهو المُرَادُ به نُصْرَةُ النفس والاستعلاء، ولو كان بالقرآن، فلا نجادل في القرآن؛ يعني في أدلته، ولا نجادل في القرآن في صفته؛ بل نُسَلِّم للقرآن أنه كلام الله - ﷿ -، ونستسلم لدليل الرحمن - ﷿ -، فالقرآن آيات الرب ﷾.\nفالتجادل بالاختلاف في القرآن المبني على الأهواء هذا ليس من صفة أهل الإيمان، وإنما -كما سيأتي- المجادلة تكون لبيان الحق ولبيان وجه الدليل وهذا هو المحمود، فالمجادلة في القرآن مذمومة، ولهذا قال الطحاوي هنا (وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ) .\n\n(وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)\nيعني نُعلِنُ ونُخبِرْ مع اعتقادنا ويقيننا بأنه ليس كَلَامَ مَخْلُوقْ بل هو كلام رب العالمين؛ أي أنه كلام الله ﷿\n\n(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ)\nالروح الأمين الذي هو جبريل، نزل به من رب العالمين، نزل به سَمَاعًَا، سَمِعَهُ جبريل ﵇ من رب العالمين، وأمره الله - ﷿ - أن ينزل به وحيًا على سيّد المرسلين (فَعَلَّمَهُ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدًا ﷺ) .\n\n(وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ)\nهذا منه تقرير لما أجمع عليه أهل السنة، وذلك خلافًا للمعتزلة والعقلانيين والخوارج والرافضة الذين قالوا بخلق القرآن كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nهذا الأصل الذي ذكره الطحاوي وهذه العقيدة المباركة تحتها مسائل:\n_________\n(١) البخاري (٣٧) / مسلم (٦٩٤٨)","vol":"1","page":335},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالمجادَلَةُ: عُرِّفَتْ بأنها إيراد الحجة على القول المخْتَلَفِ فيه مِن المُخْتَلِفِينَ.\nفإذا اختلفوا في مسألة؛ هذا يُورِدُ حُجَّتَهُ تقريرًا لقوله وهذا يُورِدُ حُجَّتَهُ تقريرًا لقوله، فتصير مجادلة.\nوفي الشرع المجادلة قسمان:\n١- مجادلة مذمومة: وهي التي يُرادُ بها الانتصار للنفس وللقول دون تحرٍّ للحق.\n٢- مجادلة محمودة: وهي المجادلة بالتي هي أحسن؛ يعني التي الغَرَضُ منها الوصول إلى الحق وإرشاد الضال وتبيين حجة الله - ﷿ -، وهي مأمور بها في الشرع.\nوهذه هي التي أثنى الله - ﷿ - على عباده بها، وأمرهم بها في قوله ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥]، وكقوله سبحانه في سورة العنكبوت ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] .\nويَشْتَبِهُ بالمجادلة الجَدَلْ.\nوالجَدَلُ قال بعض أهل العلم إنه هو المجادلة؛ لأنه مأخوذ من الجَدْلْ، جَدْلْ الحبل، وهو لَفُّ بعضه على بعض كَأَنَّ الأقوال التَفَّ بعضها على بعض من الإيراد.\nوالأظهر أنَّ الجَدَلْ نوعٌ من الخصومة؛ لكن لم يُمْدَحْ في القرآن، فذمّه الله - ﷿ - في قوله ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف:٥٧-٥٨] .\n﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ يعني في ذلك ذَمْ لهذا الإيراد، لأنَّهُم ما أَرَادُوا المجادلة ولا أَرَادُوا دفعًا للشُّبْهَة أو الوصول إلى الحق، وإنما هو جَدَلْ.\nوهنا ثَمَّ بعض البحوث التي كُتِبَتْ في هذا الموضوع خاصَّةً عند المعاصرين باسم الجَدَلْ، (الجَدَلْ في القرآن) .\nوالجَدَلْ إذا كان يصل معه المتجادلون إلى حقيقة فإنه في الحقيقة مُجَادَلَة ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]، فهي مجادَلات في القرآن.\nوإذا كان المقصود بالجَدَلْ في القرآن المجادلات فإنَّ هذا مقبول؛ لكن تكون تسميتها بالجدل هذه يكون فيها بحث اصطلاحي.\nوإذا كان المقصود بالجَدَلْ في القرآن -مثل ما كتبوا- ما ضُرِبَ جَدَلًا لغيرِ وصولٍ إلى الحق، فهذا لا يدخل فيه المجادلات التي للوصول للحق، لأنهم يُدْخِلُونَ فيها ما أقام الله - ﷿ - به الحُجَّة مثل مجادلة الملك مع إبراهيم ﵇ في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥٨]، هذه يُدْخِلُونَهَا في الجدل.\nفقوله هنا (وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ) المجادلة -كما ذكرنا- إذا كانت بالتي هي أحسن للوصول إلى الحق فهذه مطلوبة شرعًا، وأمر الله - ﷿ - بها عباده.\nلكنهم يجادلون بالقرآن لا فيه.\nيعني يُجَادِلُ غيره بحجة القرآن.\nوفَرْقٌ ما بين المُجَادَلَةْ بالقرآن وبين المُجَادَلَةْ في القرآن:\n- فالمجادلة بالقرآن: أن تُورد الحجة من كتاب الله - ﷿ - وتُورِدْ وجه الاستدلال من ذلك.\n- أما المجادلة في القرآن: فهو أن يُخْتَلَفْ في حُجِّيَتِهِ، أو تُضْرَبُ بعض الآيات ببعض، أو أنْ لا يُرَدْ المتشابه إلى المُحْكَمْ أو أن يُخَاضَ في الأمور الغيبية بأمور عقلية ونحو ذلك.\nفالمجادلة بالقرآن محمودة لإقامة الحجة، وأما فيه فإنها مذمومة.","vol":"1","page":336},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالذين جادلوا في القرآن في هذه الأمة، أمَّةْ الإجابة كثيرون.\nفكل طوائف الضلال ممن لم يستسلم لنص القرآن والسنة فإنه جادَلَ في القرآن.\nوذلك أنهم أسَّسُوا مذاهب لهم واعتقادات، فإذا جاءهم الدليل من القرآن على خلاف ما أَلِفُوا أو ما هَوَوهُ فإنهم يجادلون فيه.\nيعني يَرُدُّونَ حُجَّةَ الله - ﷿ - التي في القرآن ويأتون بآية تضرب هذه الآية.\nوالنبي ﷺ أتى بعض الصحابة- وهم يتجادلون في القرآن فغضب كما ذكرنا لك.\nفالتأدب مع القرآن أن يكون الإيراد به -يعني إيراد الدليل به- فإن اختلفت الأدلة وَجَبَ رد المتشابه إلى المحكم.\nفالقرآن حَقٌ كله لا يُنَاقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًَا؛ بل بعضه يدل على بعض.\n١- فالقرآن مُحْكَمٌ كُلَّهُ:\nجعله الله مُحْكَمًَا كما قال ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، وكما قال - ﷿ - ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١-٢]، حكيم يعني المُحْكَمْ في أحد أوجه تفسير ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ .\n٢- وكذلك القرآن مع كونه مُحْكَمًَا فإنه أيضًا متشابه؛ متشابه كله:\nفالقرآن مُحْكَمٌ كله وأيضًا هو متشابِهٌ كله؛ لأنَّ بَعْضَهُ يشبه بعضًا.\nمتشابه يعني يُشْبِهُ بَعْضُهُ بعضًا، وذلك لقوله - ﷿ - الله ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣]، يعني يشبه بعضه بعضًا؛ هذه آية في صفات الله وهذه آية في صفات الله، هذه آيات في تقرير التوحيد -توحيد الربوبية توحيد الألوهية- وهذه آيات من مثلها، وهذه آيات في الحِجاج مع المشركين، وهذه آيات في الحجاج مع المشركين، هذه آيات في قصص الأنبياء وهذه آيات في قصص الأنبياء، ونحو ذلك من المعاني.\nفهو متشابه، موضوعاته متشابهة مع اختلاف الآيات في ذلك.\n٣ - أن القرآن مُحْكَمٌ بعضه:\nيعني بعض آياته مُحْكَمَة، ومنه ما هو متشابه.\nوهذا هو المَعْنِيْ في قوله سبحانه في أول سورة آل عمران ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ لاحظ قوله ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ يعني أنَّ بعضًا منه آيات محكمات ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يعني يُرْجَعُ إليها في تفسير الكتاب ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، وقوله ﴿أُخَرُ﴾ يدل على قلة المتشابه بالنسبة إلى المحكم.\nفإذًا أقسام القرآن ثلاثة:\n١- محكم كله.\n٢- متشابه كله.\n٣- منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه.\nوكلٌ من هذه الأقسام دلَّتْ عليها آية أو آيات من القرآن العظيم.\nالمحكم والمتشابه الذي هو الأخير:\nعُرِّفَ المُحْكَمْ بأنه: ما اتضحت دلالته.\nوهو يختلف عن المَبَيَّنْ عند الأصوليين -يعني المجمل والمبين-؛ لأنَّ ذاك من عوارض الألفاظ يعني ما اتضحت دلالة لفظه وهذا ما اتضحت دلالة الآية في معناه.\nوالثاني المتشابه: وهو ما اشتبهت دلالته.\nوالمتشابه للعلماء في تفسيره وبيان نوعه أقوال كثيرة.\nلكن المُحَقَّقْ عند أهل السنة والجماعة أنَّ المتشابه في القرآن إنما هو متشابه على من نُزِّلَ عليه.\nمتشابه على بعض هذه الأمّة.\nأما المتشابه الكلي بحيث إنه يوجد في القرآن ما لا يُعَلَمُ معناه ولا يُعْلَمُ تأويله مطلقًا لِكُلِّ الأمة، فإنَّ هذا ممتنِع؛ لأنَّ القرآن جاء بلسان عربي مبين.\nوما ورد عن ابن عباس ﵄ فيما ساقه ابن كثير وغيره في (أنَّ من القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله) -يعني لا أحد يعلم تأويله-، فيريد به نوعًا من التأويل والتفسير.\nفالمتشابه مُتَشَابِهٌ نسبي.\nالمُتَشَابِهْ الكلي: آية لا أحد يعلم معناها لا النبي ﷺ ولا صحابته ولا العلماء إلى وقتنا الحاضر، فهذا ممتنع.\nحتى الأحرف المقطعة فإنَّ دلالتها عَلِمَهَا بعض هذه الأمة.\nوأما المشتبه النسبي، اشْتَبَهَ عليّ، اشتبه على من هو أعظم وأجل، على بعض الصحابة، فهذا موجود.\nأبو بكر ﵁ سأل عن الأب ما (الأب)؟ ثم قال (أيّ سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم) (١) .\nعمر ﵁ سأل الصحابة عن بعض الآيات.\nوابن عباس خَفِيَ عليه بعض الآيات وسأل عنها وهكذا.\nفالمتشابه النسبي الذي يشتبه معناه، تشتبه دلالته، إما لعدم معرفة معنى اللفظ أو لمعارضة آية لها أخرى تحتاج إلى تَأَمُلْ، فإنَّ هذا يكون نسبيًا.\nمثل ما سئل ابن عباس أنَّ الله - ﷿ - أخبر أنَّ الناس في يوم القيامة يُوقَفُونَ فَيُسْأَلُونْ ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] وفي آيات أُخَرْ أَخْبَرَ الله - ﷿ - أنهم لا ينطقون ولا يُسْأَلُونْ ونحو ذلك، فكيف يُجمع بينهما؟\nهذا متشابه، يعني آيات يَشْتَبِه معناها فيجب رَدُّهَا إلى المحكم.\nهذا النوع الثالث المحكم والمتشابه هو الذي تكون فيه المجادلة التي نَهَى عنها الطحاوي هنا ونهى عنها أئمة أهل السنة جميعًا، المجادلة في القرآن.\n_________\n(١) سبق ذكره (١٤٩)","vol":"1","page":337},{"text":"لهذا أثنى الله - ﷿ - على الراسخين في العلم بأنهم يَرُدُّونَ المتشابه إلى المحكم، ويقولون آمنا به.\nما عَلِمْتَ معنى الآية، ما عملت معنى سورة، معنى آية، ما عملت وجهه، ما عملت كيف تجيب عن الإشكال الوارد عليها، فنقول: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾، ونعلم أنَّ كلام الله - ﷿ - مُحْكَمْ وذلك كما قال سبحانه ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]؛ لكن الله ابتلى الأمة بوجود المتشابه لينظر كيف تُسَلِّمْ وتستسلم لكتاب الله - ﷿ -.\nالمقصود من ذلك أنَّ أصل الضلال في الفِرَقْ وُجِدَ من المجادلة في القرآن، والمجادلة في القرآن بأنهم اعتمدوا المتشابه ولم يُرْجِعُوا المتشابه إلى المحكم.\nفالخوارج إنما خَرَجَتْ بالمجادلة في القرآن.\nجادلوا في القرآن فجاءهم ابن عباس ﵁ فجادلهم بالقرآن.\nفقالوا: كيف يُحَكِّم عَلِيٌّ الرجال والله - ﷿ - يقول ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢] .\nفقال ابن عباس لهم (إنَّ الله - ﷿ - سمَّى بعض الرجال حَكَمًَا فقال ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥])، وحاجَّهُم في ذلك حتى رجع معه ثلث أو أكثر من الخوارج.\nالمرجئة، القدرية، المعتزلة، كلّهم لم يعتمدوا القرآن كله، وإنما جادلوا فيه فيَدخُلون في عموم قوله ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر:٥] .","vol":"1","page":338},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nقال (وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى قوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ)، هذا فيه تقرير لعقيدة أهل السنة في أنَّ القرآن كلام الله.\nوقد مرّ معنا تفصيل الكلام على هذه الجملة من جهة كون القرآن كلامًا لله وتفاصيل الأقوال في ذلك.\nوأهل السنة يعتقدون:\n- أنَّ القرآن حروف وكلمات وجُمَلْ وآيات وسور.\n- وأنَّهُ ألفاظ ومعاني.\n- وأنَّ هذه جميعًا من الله - ﷿ -.\nفالقرآن كلام الله - ﷿ - بحروفه ومعانيه، تَكَلَّمَ به الحق أ، فسمعه منه جبريل ﵇، فبلَّغَهُ لنبيه ﷺ كما سَمِعْ.\nوالقرآن الذي بلّغه جبريل محمدًا ﷺ هو القرآن المسموع، كلام الله المسموع وليس كلامَ الله المكتوب.\nلأنَّ القرآن كتبه الله - ﷿ - في اللوح المحفوظ جميعًا، كتب القرآن جميعه في اللوح المحفوظ كما قال سبحانه ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٥-٧٩] .\n﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ يعني جميع القرآن كريم، هو أعلى وأفضل وأميز الكلام.\nلأنَّ الكريم من الأشياء هو المتميز على غيره الفاضل الأفضل.\nقال ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ يعني في اللوح المحفوظ.\n﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الذين هم الملائكة.\nوكذلك قوله - ﷿ - في آية الحاقة.\nفالقرآن المكتوب في اللوح المحفوظ، جبريل لم يأخذه مكتوبًا وإنما أخذه مسموعًا، فهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة.\nفقوله هنا ﴿نَشْهدُ أَنَّهُ كَلاَمُ ربِّ العالمينَ﴾ يعني بحروفه وكلماته وآياته وسوره هو كلام الله - ﷿ -، سمعه جبريل فنزل به مسموعًا إلى النّبي ﷺ.\nغير أهل السنة لهم في ذلك أقوال كثيرة يأتي ذكر تَعْدَادٍ لها عند قوله (وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ) .","vol":"1","page":339},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nفي قوله (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) الروح الأمين هو جبريل ﵇.\nوسُمِّيَ روحًا: لفضله وتَمَيُّزِهِ عن الملائكة ولأنه يَنْزِلُ بالرّوح من أمر الله - ﷿ - وهو الوحي.\nوسُمِّيَ الأمين أو نَعَتَهُ الله - ﷿ - بالأمين في قوله ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤]: لأنه مُؤْتَمَنٌ على أعظم ما يؤتمن عليه وهو كلام الله - ﷿ - ووحيه في سماواته.","vol":"1","page":340},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nفي قوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ) كلمة (لَا يُسَاوِيهِ) هنا يعني لا يكون مساويًا له أيّ كلامٍ لمخلوق.\nوهذا للدلالة على إعجاز القرآن، ولهذا أكد بعد قوله (كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال (وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ) .\nوإعجاز القرآن، يعني وَجْهُ كَونِ القرآن مُعْجِزًَا للجن الإنس أن يأتوا بمثله من إنزال القرآن إلى قيام الساعة، ما وجه كون ذلك؟\nكيف صار القرآن مُعْجِزًَا؟\nذكرنا لكم هذا بالتفصيل في درس مستقل (١) .\nوبيانه هو ما ذكره الطحاوي هنا مُحَقِّقًَا بأنه كلام الله تعالى لا يشبه قول البشر.\nوهذا معنى قوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ) يعني لا يشابهه، لا يدانيه، لا يكون مساويًا له لأنّه مُعْجِزٌ.\nولماذا صار معجزا؟\nلأنه كلام الله.\nوهذا هو المراد بقوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ)، وإلا فلو كان المراد التقرير الابتدائي فليس مناسبا أن يُقال إنَّ كلام الله لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ابتداءً؛ لأنَّ هذا فيه نوع تركٍ للأدب الواجب مع القرآن، ولقد قال الشاعر:\nألم تَرَ أنّ السيف ينقص قدره ****** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا\nلكن هو لم يُرِدْ هذا المعنى، إنما أراد دليل الإعجاز أنَّ القرآن لا يشبه قول البشر، لا يساويه، ولا يماثله شيء من كلام المخلوقين، لم؟\nلأنه كلام الله تعالى.\n_________\n(١) سبق ذكره (١٢٣)","vol":"1","page":341},{"text":"[المسألة السادسة]:\nقال في آخر هذه الجملة (وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ) .\nفي قوله (وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ) بخصوصها يعني:\n- أنَّ مُعْتَقَدْ الصحابة رضوان الله عليهم ومُعْتَقَدْ التابعين وتبع التابعين وأئمة الإسلام وأئمة أهل السنة والجماعة ومُعْتَقَدْ عامة المنتسبين إلى الإسلام أنَّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ﷾.\n- نَّ القول بخلقه ضلال وخروج عن جماعة المسلمين؛ يعني عن ما اجتمع عليه المسلمون من زمن الصحابة إلى زمن المؤلف؛ بل إلى زمننا الحاضر.\nوالقول بخلق القرآن هذه عقيدة فُتِنَ بها كثيرون؛ لكنهم شواذ وقلة بالنسبة لعموم الأمة.\nوأول ما نَشَأْ القول بخلق القرآن من جهة الجَعْدْ بن درهم ثم الجهم بن صفوان ثم أخذه المعتزلة فَنَصَرُوهُ واستدلُّوا له.\nالقول بخلق القرآن الكلام عليه يطول جدًا.\nومما يُؤْسَفُ له ويَجِبُ جِهَادُهُ أيضًا أنَّ بعض الضُّلال والمفتونين بَدَؤُوا ينشرون لهذه الفكرة عن طريق بعض وسائل الإعلام والقنوات والمناقشة فيها، كما نشرته بعض الإذاعات فيما ذُكِرَ لي في مناظرات تتصل بذلك، وجَعْلْ الناس -يعني العامة- يتكلمون في هذه المسألة.\nوهي فتنة مشابهة للفتنة الأولى من حيث الابتداء.\nفنسأل الله - ﷿ - أن يكبِتَ شر من يريد صرف الأمة عن حُسن الاعتقاد وإضلال عامّة المسلمين.\nمن قال بخلق القرآن طوائف في هذه الأمة منهم: الجهمية والمعتزلة والخوارج والرّافضة.\nوالخوارج اليوم يوجد منهم طائفة الإباضية وهم من أخصِّ فرق الخوارج قولًا واعتقادات، ويوجدون في أكثر من مكان في العالم الإسلامي في الجزيرة وفي ليبيا وفي الجزائر وفي أنحاء أُخَرْ، ولهم كتب كثيرة ومصَنَّفَة في العقيدة وفي الفقه يعني تبلغ عشرات المجلدات أو أكثر.\nهم الذين ينصرون اليوم القول بخلق القرآن في مؤلفاتهم.\nومنهم اليوم الرافضة وعقيدتهم أيضًا في القرآن بأنه مخلوق.\nوكذلك الزيدية يعتقدون هذا الاعتقاد.\nومن العجب أنَّ بعض المنتسبين للسنة من أئمة الحديث أو ممن حاربوا التقليد ونصروا الدّليل لأجل ما راج في بلده اشتبهت عليه هذه المسألة، وهو العلامة الشّوكاني ﵀، فإنه اشتبهت عليه مسألة خلق القرآن؛ لأجل ما شاع في بلده وذهب فيها إلى الوَقْفْ، وذَكَرَ ذلك في تفسيره.\nفهذه الطوائف المعتزلة، والعقلانيون أيضًا في عصرنا الحاضر جماعة من العقلانيين من المنتسبين إلى الإسلام، يعني من المسلمين، وممَّن يدَّعون غير ذلك أيضًا هم ينصرون مذهب المعتزلة في خلق القرآن. (١)\nفإذًا مسألة خلق القرآن كغيرها من مسائل الاعتقاد لا يُقَالُ ذهبت أبدًا بل هي باقية، فطالب العلم يتعلم أدلة ذلك حتى يجادل بالقرآن من قال بخلقه والعياذ بالله.\nوهذه مسائل تحتاج إلى إيضاح طويل وتفصيل للكلام على الأدلة والخلاف في ذلك مما له موضع آخر إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الخامس والعشرين.","vol":"1","page":342},{"text":"[المسألة السابعة]:\nشبهة من قال بخلق القرآن وهم الطوائف الذين ذكرتهم لك قالوا:\nإنَّ القرآن حروف وكلمات وصوت، فإذا قيل إنه كلام الله - ﷿ - الذي هو صفته صار الله - ﷿ - مَحَلًا لِما هو من صفة الأجسام والتقطع في الكلام؛ لأنَّ القرآن حروف متقطعة؛ يعني حروف تكونت منها الجمل، تكونت منها الآيات.\nفنظروا إلى هذا فقالوا: هذا التقطع إنما هو من صفات من له نَفَسْ، من يُخْرِجْ الحرف ثم يَتَنَفَّسْ، ثم يقول كذا ونحو ذلك، وهذه من صفات المخلوقين، فلهذا جعلوه مخلوقًا.\nولهم في تبايُن صفات الخلق، أو كيف خَلَقَهُ وفي أي شيء خلقه، لهم أقوال كثيرة.\nوهذه الشبهة والإيراد مبني أيضا على اعتقادٍ لهم، وهو أنَّ -أظن أني ذكرته لكم قبل ذلك- حدوث الأجسام إنما كان بدليل الأعراض، يعني حلول العَرَض في الجسم تَبِينُ به حاجة الجسم وافتقار الجسم إلى العرض، والعرض يطرأ ويزول، فلهذا صار الجسم حادثًا مما هو معروف، وقد فصّلته لكم فيما قبل فيما يسمى بدليل الأعراض (١) .\nوهذا دليلٌ يعتمده المعتزلة وأخذه عنهم كتأصيل الأشاعرة والماتريدية وجماعة.\nوالقرآن إن قيل إنه صفة الله - ﷿ - صار عندهم أنَّ القرآن يكون في حالْ ولا يكون في حالْ؛ لأنَّ القرآن تَكَلَمَ الله - ﷿ - به ليس دَفعة واحدة، وإنما بحسب الوقائع، قالوا هذا يمتنع معه إلا أن يكون مخلوقًا.\nوالأشاعرة والماتريدية لما سلَّموا بأصل البرهان عارضوا ذلك ظاهرًا.\nعارضوا قول المعتزلة ظاهرًا وسَلَّمُوهُ باطنًا، فقالوا: القرآن قرآنان:\n- قرآن قديم وهو الذي تكلم الله - ﷿ - به.\n- وقرآن أُنْزِلَ على محمد ﷺ.\nفالقرآن القديم الذي هو صفة الله - ﷿ -، هذا تكلم الرب - ﷿ - به دفعة واحدة.\nوالقرآن الذي أنْزِلَ على محمد ﷺ هذا جُعِلَ في رُوعِ جبريل، ذلك القرآن جُعِلَ في روعه -يعني في نفسه بدون أن يسمع- فنزل به على نبينا ﷺ. (٢)\nوهذا منهم لأجل أن لا يُبطِلُوا الدليل السابق.\nواستدلوا على ذلك -يعني المعتزلة- بأدلة كثيرة، موجودة في كتبهم، ليس هذا محل بيانها.\nالمقصود أنَّ القول بخلق القرآن مبني على شبهة، ولأجل هذه الشُّبْهَة ولأجل إبطالها فإنَّ أئمة أهل الإسلام كفَّرُوا في خلق القرآن بالنوع ولم يُكَفِّرُوا كل أحد قال بخلق القرآن حتى تقوم عليه الحجة لأجل الاشتباه في الدليل.\nفإذًا نقول: من قال بخلق القرآن فهو كافر؛ لكن إذا جاء المُعَيَّنْ لابد من إيضاح الحجة له والرد على شبهته؛ وذلك لأنَّ هذه الفتنة عظيمة.\nكذلك من تَوَقَّفَ في ذلك ولم يستبن له الأمر، أو من أجاب في الفتنة -فتنة خلق القرآن- فإنَّ أئمة أهل السنة والجماعة لم يُكَفِّرُوا أحدًا في ذلك ولم يمتنعوا أيضًا عن الرواية ممن توقف في المسألة أو أجاب لأجل الافتتان.\nوهذا أصل عظيم مهم في هذا الأصل؛ يعني في مسألة خلق القرآن.\nفإذًا معتقد أهل السنة والجماعة:\n- أنّ القول بخلق القرآن من أبْطَلْ الباطل.\n- وأنَّ القول بخلق القرآن كفر، لأنَّ معنى القول بأنَّ صفة الله مخلوقة، والقرآن صفة الله كلام الله فالقول بأنَّ صفة الله مخلوقة هذا تنقّص عظيم للرب - ﷿ -، وتنقّص الرب - ﷿ - كفر بالله ﷾، فهو أعظم من الاستهزاء المجرّد لأنَّ هذا قول بالتنقص ومسبّة لله - ﷿ -.\nلكن ثَمَّ اشتباه وشبهة الوضع معها ما ذكرته لك آنفا.\nأما الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم فهم يَرُدُّونَ على المعتزلة وعلى العقلانيين وعلى الخوارج وعلى الرافضة في مسألة خلق القرآن، يَرُدُّونَ عليهم بأنواع من الردود.\n* لكن تنتبه إلى أنَّ مبنى هذه الردود على مذهبهم؛ وهو أنَّ كلام الله قديم وأنَّ الذي أُنْزِلَ على محمد ﷺ إنما كان في روع جبريل أو أخذه من اللوح المحفوظ -أخذه من المكتوب- أو نزل به من بيت العزة أو نحو ذلك من أقوالهم المعروفة.\n_________\n(١) انظر شرح الواسطية للشيخ صالح آل الشيخ -سلَّمهُ الله-/ الشريط الثامن\n(٢) لمزيد من التفصيل راجع الشريط السابع من شرح القصيدة النونية للشيخ ابن عثيمين - ﵀-","vol":"1","page":343},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nفي قوله (وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.)، (جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ) هذه الكلمة من الكلمات العظيمة التي تَرِدْ في كتب أهل السنة والجماعة وفي عقائدهم.\nوالجماعة عندهم يُراد بها نوعان:\n- النوع الأول: جماعة الدين.\n- والنوع الثاني: جماعة الأبدان.\nوكلٌ منهما مَأْمُورٌ التزامه، وكلٌ منهما مطلوبٌ التمسك به، جماعة المسلمين في دينهم وجماعة المسلمين في أبدانهم.\nوقد فصَّلْتُ لك الأقوال في ذلك في أول شرح الواسطية يمكن أن ترجع إليه للازدياد من هذا الموطن (١) .\nالجماعة تقابلها الفرقة.\nيعني لماذا قسمناها إلى جماعة دين وجماعة البدن جماعة الأبدان؟\nلأَّنُه جاء في النصوص الأمر بلزوم الجماعة وجاء في النصوص النهي عن الفُرْقَة.\nوالنهي عن الفرقة جاء النهي عن الفرقة في الدّين والنهي عن الفرقة في الأبدان، كما في قوله - ﷿ - ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]؛ يعني في الدين.\nوالتفرق في الدين يَؤُولُ إلى الترفق في الأبدان، فكلٌّ منها له صلة بالآخر.\nفجماعة الأبدان يقوى معها الاجتماع في الدين، والتفرق في الأبدان يحصل معه تَفَرُّقْ في الدين.\nوكذلك الاجتماع في الدين يحصل معه اجتماع في الأبدان، فكل منهما يقود إلى الآخر.\nولهذا لما ظهرت العقائد الباطلة في زمن عثمان وزمن علي ﵄ ظَهَرَ الافتراقُ في الأبدان والخروج على الأئمة ونحو ذلك، فهذه وهذه كل منهما يؤول إلى الآخر.\nقول الطحاوي هما (وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.) هذه عقيدة عظيمة يجب على كل مُعْتِقِدٍ لِمُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة أن يهتم بها.\nفجماعة المسلمين (جماعة الدين) واجِبٌ التزامها، وعدم الخروج عما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم وعما كان عليه السلف الصالح وأئمة الإسلام.\nوكذلك (جماعة الأبدان) بلزوم إمام المسلمين وولي أمرهم وعدم شقّ الطاعة والسمع والطاعة في المعروف، هذا واجبٌ أيضا الاجتماع عليه والائتلاف على ذلك.\nوهذا هو الذي كان عليه أئمة أهل الإسلام رحمهم الله تعالى.\nفإذًا من خالف في عقيدة من عقائد الإسلام ففي الواقع خالف جماعة المسلمين.\nجماعة المسلمين كانت على شيء قبل أن تَفْسُدَ الجماعة، كانوا على شيء في زمن الصحابة رضوان الله عليهم.\nولذلك تعلمون ما ذَكَرَهُ ابن القيم في أول إغاثة اللهفان وذَكَرَهُ غيره من أنَّ الرجل الواحد قد يكون في زمن من الأزمان هو الجماعة، متى؟\nإذا كان موافقا لِمُعْتَقَدْ الصحابة رضوان الله عليهم ومُعْتَقَدْ التابعين وأئمة الإسلام ولم يكن معه أحد فهو الجماعة وإن خالفه الناس جميعا، لماذا؟\nلأنَّ الجماعة معناها هو من كان في العقيدة مع الجماعة، من كان في الاعتقاد مع الجماعة فهو الجماعة.\nوفي زمن الإمام أحمد حينما حصلت فتنة القول بخلق القرآن، كان الإمام أحمد ومن معه ممن وقف في وجه أمراء ذلك الوقت في هذه العقيدة، وأقرّوا ما عليه جماعة المسلمين، كانوا هم الجماعة، والمخالفون لهم الأكثر كانوا قد خالفوا الجماعة.\nوهذه مسألة مهمة في أنَّ الجماعة بمعنى العقيدة هو من كان على الجماعة.\nفإذًا الجماعة لها إطلاقان:\n١- الإطلاق الأول: الجماعة بمعنى الاجتماع على عقيدة السلف، فمن كان على ذلك الاعتقاد فهو الجماعة في العقيدة وإن كان واحدًا.\n٢- الإطلاق الثاني: الجماعة في الأبدان وهو أن يلزم إمام المسلمين وجماعتهم فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فيعتزل الفرق كلها، ويعبد الله - ﷿ - على بصيرة، فيكون حينئذ أدى ما يجب عليه أداءه.\nفالواجب إذًا على كل طالب علم أن يأخذ بهذه الكلمة، وأن يوصي غيره بها؛ لأنها من أعظم ما يتقرب بها العبد إلى ربه أن يكون مع الجماعة؛ لأنَّ النبي ﷺ بيَّنَ الفرق الضالة، الفرق التي توعدها بالنار قال «كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟\nقال «هي الجماعة» (٢) وفي الرواية الثانية قال «الجماعة من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٣) أو نحو ذلك.\nوالرواية الأولى جيدة يعني من حيث الإسناد قال «هي الجماعة» يعني من كان على ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن سار على نهجهم.\nوهذا وعد عظيم كلها في النار إلا واحدة.\nإذا حصل أنَّ المرء اشتبه عليه شيء في مسائل فما الذي يجب عليه؟\nيجب عليه أن يأخذ بما يَتَيَقَّنُهُ من الدين وما يَتَيَقَّنُهُ من عمل أئمة الإسلام، وما دُوِّنَ في العقائد الصحيحة لأهل السنة والجماعة وأن يترك ما اشتبه عليه.\n_________\n(١) انظر الشريط الأول من شرح العقيدة الواسطية للشيخ.\n(٢) سبق ذكره (٥)\n(٣) الترمذي (٢٦٤١)","vol":"1","page":344},{"text":"لأنّ الله - ﷿ - له حدود كما جاء في حديث النعمان بن بشير «الْحَلاَلَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» (١) يعني في نفسها، مُشْتَبِهَات على من يريدها أو على من ينظر فيها، وفي رواية أخرى في البخاري «وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشَبَّهَاتٌ» (٢) يعني الله - ﷿ - جَعَلَهَا كذلك ليختبر العباد، مثل ما جعل بعض الكلام محكمًا وبعض كلامه متشابهًا.\nقال ﷺ في المتشابهات «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اِسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» يعني طَلَبَ البراءة وهذا هو الواجب؛ لأنه ما كل أحد يأتي للمتشابه يقول لا سَأَعْرِفُهُ.\nالذي يشتبه عليك اتركه أسلم لدينك، وخاصَّةً في مسائل الجماعة، في مسائل الاعتقاد، في مسائل الاختلاف لأنك لا تدري ما يؤول إليه الأمر.\nتَعْرِفْ أنَّ الخوارج صار معهم بعض من وُلِدَ في زمن النبي ﷺ؛ لكنه لم يكن منهم لكنهم شَبَّهُوا عليه كمحمد بن أبي بكر الصديق ولدته أمه أسماء بنت عميس في الحج -يعني في حجة الوداع- نفست فولدت بمحمد بن أبي بكر.\nيعني وُلِدَ في زمن النبي ﷺ، وحَصَلَ أنه أتى لعثمان لقوة الاشتباه، أتى لعثمان بعد أن تسلق عليه البيت وهو يتلو القرآن فشده من لحيته، وقال له -يعني وعظه عثمان- فبكى محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ فبكى وترك ذلك وتركهم ثُمَّ قُتِلَ عثمان، وضلَّ من قال أنَّ الذي قتله أو ساعد في قتله أنه محمد بن أبي بكر. (٣)\nالمقصود أنَّ المسائل المشتبهة قد تشتبه على الخيار، فطالب العلم الذي يرغب في سلامة دينه يعتمد ما كانت عليه الجماعة ولا يخالف ما كانت عليه جماعة المسلمين.\nوهذا من أعظم فوائد طلب العلم، أنّ المرء يعلم ما به السلامة له في دينه، ويكون مع الفرقة الناجية يوم القيامة، «كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال «هي الجماعة» .\nوهذا مما يُرَغِّبْ كل واحد منكم في طلب علم العقيدة لأنَّ معه سلامة القلب ومعه سلامة العمل ومعه سلامة الخروج بيقين عن الفرق الضالة والالتزام بطريق الجماعة.\nفهذه الكلمة كلمة عظيمة (وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.) يعني في اعتقادهم ولا في أقوالهم، وكذلك لا نترك جماعة المسلمين في أبدانهم لأنَّ هذا من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الذين تابعوا الكتاب والسنة ولم يخرجوا عن ذلك أعان الله الجميع على كل خير.\nنكتفي بهذا القدر، ونقف عند قوله (ولا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) .\nنأخذ بعض الأسئلة.\n_________\n(١) البخاري (٥٢) / مسلم (٤١٧٨)\n(٢) البخاري (٥٢)\n(٣) لمعرفة المزيد مما صح في هذه الفتنة راجع الشريط (٤٠٤) من سلسلة الهدى والنور.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>الأسئلة:</span>\nس١/ لماذا كفَّرَ أئمة الهدى القائلين بخلق القرآن مع أنهم متأوّلون، ولم يكفروا القائلين بإنكار الأسماء والصفات أو بعضها لأنهم متأولة؟\nج/ هذه مسألة كبيرة في مسألة التكفير، تكفير الفِرَقْ يقال به من جهة الوعيد والتنفير من هذا القول؛ لكن تكفير المعين، يعني تكفير المعتزلة لا يعني أننا نُكَفِّرْ الأفراد، تكفير من قال بخلق القرآن لا يعني نُكَفِّرْ كل من قال به، تكفير من أنكر الأسماء والصفات ليس معناه أنه كل فرد أنكر يُكَفَّرْ، ليس كذلك.\nولذلك أهل السنة والجماعة أجمعوا على عدم تكفير من تأول الصفات لأن ثَمَّ شبه.\nوالتكفير إخراج من الدين والإخراج من الدين لابد أن يكون بأمر يقيني في قوة ما به دخل إلى الإسلام أو ما به صار مسلما وصار مؤمنا.\nوهذه المسائل التي فيها تأويل أو اشتباه لو كَفَّرَ بعض الأمة بعضًا فيها لصار هناك تكفير كبير، وهذا لم يعمله أحد من أئمة الإسلام.\nفلذلك هناك تكفير بالنوع وهذا وعيد ولأجل إطلاق النصوص وحمايةً للشريعة.\nفإذا جاء المعين لابد في حقه من إقامة الحجة ورد الشبهة والجواب عن شبهته.\nقالوا حتى في مسائل الأسماء والصفات يُشْتَرَطُ فيها الفهم.\nيعني في تأويل الأسماء والصفات لا يقول أقمت الحجة وهذه لا يُشْتَرَطُ فيها الفهم.\nكما هو القول المعروف الصحيح أنَّ الذي يُشْتَرَطْ إقامة الحجة في التكفير أو في التبديع أو في التفسيق إلى آخره، أما فهم الحجة فلا يُشْتَرَطْ.\nقالوا إلا في الأسماء والصفات فلابد أن يفهم لأنَّ الشبهة فيها قوية وقال بها عدد من المنتسبين إلى الحديث والسنة، وفيها نوع اشتباه.\nوهذه الكلمة وهي استثناء الأسماء والصفات قالها بعض أئمة الدعوة كما هو موجود في الدرر السنية وفي غيرها، فينتبه لهذا الأصل.\nس٢/ يقول الفرق كلها في النار إلا فرقة واحدة هل الدخول في النار تخليد أم [.....]؟\nج/ لا ليس تخليدًا؛ لأنَّ قوله ﷺ «وستفترق هذه الأمة» قال العلماء المقصود بها أمة الإجابة لا أمة الدعوة، ولذلك أخرجوا منها الجهمية وأخرجوا منها الفرق التي لا تدخل في الإجابة أصلًا؛ يعني الجهمية باتّفاق وقد تدخل بعض الفرق الأخرى على اختلاف بينهم.\nفهذه الفرق هي من فرق الإجابة يعني أنها من فرق المسلمين.\nفقوله «كلها في النار» ليس إخراجًا لهم من الإسلام، وإنما هو وعيد لمخالفتهم لما كانت عليه الجماعة.\nمن هذه الفرق الخوارج، من هذه الفرق المعتزلة، من هذه الفرق المرجئة، من هذه الفرق أشباه هؤلاء الذين خالفوا الجماعة.\nلكن لا يُشْهَدْ على مُعَيَّنْ منهم بأنه كافر أو أنه من أهل النار ونحو ذلك على أصل أنه لا يُشهد لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار.\nفي هذا القدر كفاية، جمعني الله وإياكم على رضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"1","page":346},{"text":"الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.\nالأسئلة:\nس١/ كيف نجمع بين حديث أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ «لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى إِنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِى إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِى إِنْ شِئْتَ، وَلْيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ، إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لاَ مُكْرِهَ لَهُ» (١) وبين حديث ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ دخل على أعرابي يعوده فقال «لاَ بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله» (٢) قال قال الأعرابي: طهور؛ بل هي حمى تفور على شيخ كبير تُزِيرُهُ القبور، قال النبي ﷺ «فَنَعَمْ إِذًا»؟\nج/ الحديثان المذكوران كلاهما في الصحيح، والعلماء جمعوا بينهما بأوجهٍ من الجمع:\n- من أحسنها أنَّ قوله ﷺ «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله) هذا من باب الخبر لا من باب الدعاء، فهو قال للأعرابي هذه الحمى طهور لك؛ طهور لك في دينك وطهور لك أيضا في بدنك فتصبح بعدها سالما، فأخبره النبي ﷺ بذلك.\nلأنَّ قوله (طهورٌ) مرفوع، والرافع له مبتدأ محذوف أو الابتداء المحذوف بقوله (هي طهور إن شاء الله) وليس المراد الدعاء لأنه لو كان دعاءً لصارت منصوبة اللهم اجعلها طهورًا.\nلو قال: طهورًا إن شاء الله؛ يعني: اجعلها اللهم طهورًا، فيكون دعاء.\nفالظاهر من السياق من اللغة ومن القصة أنَّ المراد الخبر.\nفإذا كان المراد الخبر فلا يعارض الدعاء بقول القائل اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت؛ لأنَّ النبي ﷺ عَلَّقَ الخبر بالمشيئة فقال «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله»، كما قال - ﷿ - ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، وكقوله - ﷿ - ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف:٩٩]، فقوله اغفر لي إن شئت، هذا تعليق للدعاء بالمشيئة، والله - ﷿ - لا مُسْتَكْرِهَ له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد في خلقه - ﷻ -.\n- الوجه الثاني وهو وجه حسن أيضًا أنَّ قول الداعي: اللهم اغفر لي إن شئت هذا على جهة المخاطبة، اغفر لي إن شئت.\nوأما إذا كان على جهة الغَيْبَةْ فإنه لا بأس به، فلو قال غَفَرَ الله له إن شاء الله، هذا أخف من التعليق بالمواجهة اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت.\nلأنَّ المخاطبة تقتضي الذل والتقرب إلى الله - ﷻ - بما يحبه من نعوت جلاله وصفاته ومدحه سبحانه والثناء عليه.\nوالتعليق بالمشيئة فيه نوع استغناء، فلهذا قال في آخره «إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لاَ مُكْرِهَ لَهُ» وقال «إن الله لا مستكره له» .\nوهذا الوجه الثاني قال به بعض أهل العلم ولكنه ليس في القوة كالأول فالأول ظاهر، والثاني قيل به وليس هو المختار.\nس٢/ هل تعدد الجماعات مثل تعدد الآراء في المسألة الفقهية الواحدة؟\nج/ إذا كان يقصد بالجماعات الجماعات الإسلامية التي ظهرت في هذا الزّمن فليس ذلك مثل تعدد الآراء في المسألة الفقهية الواحدة؛ لأنَّ تعدد الآراء في المسألة الفقهية الواحدة هذا إذا كان مورده الاجتهاد فإنَّ كل واحد من القائلين بالمسألة الفقهية يؤجر على اجتهاده فيما اجتهد فيه؛ لأنَّ المسألة موردها الاجتهاد.\nكذلك في المسائل التي ينزع فيها المجتهد إلى دليل هو مأجور كما قال النبي ﷺ «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد (٣)» يعني أجر على اجتهاده، والثاني له أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الحق.\nوأما الجماعات الإسلامية الموجودة الآن فهي تختلف في طريقتها وتختلف في أصولها وتختلف في مبادئها وأهدافها إلى آخر ذلك، والأصل الواجب على كل مسلم أن يلزمه هو لزوم جماعة المسلمين قبل أن يَحدث الافتراق، فإنَّ الافتراق الحادث في الأمة لا يجوز إقراره ومعالجته بإحداث جماعات جديدة، فالواجب على المسلمين جميعا لزوم الجماعة قبل أن تفسد الجماعة.\n_________\n(١) البخاري (٧٤٧٧) / الموطأ (٤٩٦) / أبو داود (١٤٨٣)\n(٢) سبق ذكره (٢٢٢)\n(٣) البخاري (٧٣٥٢) / مسلم (٤٥٨٤)","vol":"1","page":347},{"text":"والجماعة التي هي على الحق لم يتركها الله - ﷿ - لم يُبَيِّنْهَا، ولم يتركها الرسول ﷺ لم يُبَيِّنْهَا؛ بل بَيَّنَهَا الله - ﷿ - بقوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، المراد بالمؤمنين هنا الصحابة؛ لأنهم هم المقصودون بذلك في وقت تنزّل هذه الآية ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني صحابة رسول الله ﷺ، وبَيَّنَ ذلك الأمر نبينا ﷺ بقوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال «هي الجماعة»، وفي رواية أخرى قال «هم الغرباء»، وفي رواية ثالثة قال «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» إلى غير لك، وهذا يدلّ على أن الجماعة موجودة في زمن الصحابة، وهي موجودة في زمن التابعين، وموجودة يحملها أئمة السلف وأئمة الإسلام امتثالًا لقول نبينا ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» (١) أو كما قال ﷺ.\nفالواجب على كل مسلم يريد السلامة في دينه وأن يكون ممن وَعَدَهُ النبي ﷺ بأن يكون من الفرقة الواحدة التي لم تأخذ سبيل الثنتين والسبعين فرقة أن يلزم أمر الجماعة قبل أن تفسد الجماعة، وهذا من أعظم مقاصد الدّين العظيمة التي يمتثلها العبد بامتثال قوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فالعبد المؤمن يلزم هذه الطريقة.\nوكيف يلزمها؟\nبتعلُّم هذه العقيدة المباركة فإنَّ دروس العقيدة والمحاضرات في التوحيد والعقيدة هي التي تنقلك إلى الالتزام بطريقة الجماعة الأولى قبل أن تفسد الجماعة.\nولهذا ففتّش أنت بنفسك وستجد أنَّ من خالف أمر الجماعة الأولى وأحدث شعارات جديدة وأهداف وآراء وكتبًا غير كتب السلف في هذه المسائل، ستجد أنه خالف شيئًا من أمور الاعتقاد ولا بد، فإذًا خالف طريق الجماعة قبل أن تفسد الجماعة.\nوهذه مسألة مهمة فتعدد الجماعات ليس مثل تعدد الفقهاء؛ بل الواجب على جميع أمة الإسلام أن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا امتثالًا لقول الله ﷻ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، يعني لا تتفرقوا في الأبدان ولا تتفرقوا أيضا في الدين بل التزموا بالقرآن الذي يدعو إلى الإجتماع على الحق. (٢)\n\n: [[الشريط السادس والعشرون]]:\n\nس٣/أشكلت علي مسألة وهي: أنَّ كل من انتسب إلى القبلة من أهل الأهواء والبدع وغيرهم ينتسبون إلى الإسلام، ومن قال إنَّ المجتمعات مجتمعات جاهلية، فكيف يكون الإيضاح على هذا الأمر؟\nج/ الأول ذكرناه وقَرَّرْنَاهُ لكم فيما سبق أنَّ من كان منتسبًا إلى القبلة بالصلاة إليها من أهل التوحيد فهو من أهل القبلة، وإذا عَرَضَ له هوى أو بدعة فإنَّ البدع درجات والأهواء أيضًا درجات، فلا نُخْرِجُهُ من الإسلام لبِدْعَةٍ فيه، يعني لمجرد بدعة فيه أو بكل بدعة فيه، ولا نُخْرِجُهُ من الإسلام بمجرد الهوى الذي يكون في هذه الأمة؛ بل لابد أن يكون الهوى مُؤَثِّرًَا أو أن تكون البدعة مُغَلَّظَةً مُكَفِّرَةْ.\nأما من قال مجتمعات المسلمين اليوم مجتمعات جاهلية، فهذا باطل؛ لأنَّ الجاهلية في النصوص هي اسم لفترة زمنية مضت، قال - ﷿ - ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب:٣٣] الأولى وقال سبحانه ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وهذه الجاهلية تكون في العقيدة، في العبادة، تكون في الأحوال الاجتماعية وتكون في الأخلاق وتكون في الآداب.\nفهي من جهة الزمان انقضت زمانها ببعثة محمد ﷺ.\nأما من جهة المكان فإنَّ الجاهلية اسم يتبع صفة الجهل، والجهل يتنوع، والجهل العام ارتفع ببعثة محمد ﷺ، لهذا قال ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي على الحق» (٣) ووجود هذه الطائفة على الحق حتى قيام الساعة يمنع رجوع الجهل العام ورجوع الجاهلية العامة.\nفإذًا الجاهلية العامة في الأمكنة ذهبت، وجاهلية الزمان ذهبت، بَقِيَ نوع آخر من الجاهلية وهو جاهلية الصِّفَات، فمن أَشْبَهَ أهل الجاهلية في صِفَةْ فهو مشارِك لهم في هذه الصفة، كما قال ﷺ لأبي ذر لما عَيَّرَ رجلا أسودا بأمه فقال له: يا ابن السوداء. قال له ﷺ «إنك امرؤ فيك جاهلية» (٤) يعني فيك خصلة من خصال أهل الجاهلية، وخصال الجاهلية متنوعة كثيرة دل عليها القرآن والسنة يعني فيما خالف فيه رسول الله ﷺ أهل الجاهلية.\nوألّف في هذا إمام هذه الدعوة الكتاب المشهور مسائل أهل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية.\nفتلك المسائل منها ما هو مُكَفِّرْ كعبادة غير الله، منها ما هو في الاعتقادات، ومنها ما هو في المسائل العملية، ومنها ما هو في الاجتماعيات، ومنها ما هو في الأقوال إلى آخره.\nفجاهلية الصفات هذه باقية، وقد صح عنه ﷺ أنه قال «لتسلكُنَّ مسلك الأمم من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع» قالوا: يا رسول الله فارس والروم؟\nقال «فمن الناس إلا أولئك» (٥) .\nفارس والروم خصالهم من خصال الجاهلية؛ بل خصالهم خصال جاهلية في الاعتقاد وفي الأقوال وفي الأعمال، فدل على أنَّ خصال الجاهلية تكون في هذه الأمم.\nفإذًا وَصْفُ الأرض بأنها صارت إلى جاهلية هذا باطل، ومناقض لحكم النبي ﷺ؛ بل وحكم الله - ﷻ - في قوله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨]، فظهر دين محمد ﷺ على كل دين وظهرت مِلَّتُهُ على كل مِلَّة وظهر هَدْيُهُ على كل هدي.\nوالحمد لله على ذلك كما قال - ﷻ - ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]، فَرُفِعَ ذِكْرُ محمدٍ ﷺ فوق ذكر غيره، فصار هو المُقَدَّمَ ﷺ في الإتِّبَاعْ وفي الهَدْيْ في أكثر الأرض ولله الحمد.\nكذلك جاهلية الزمان لا يوجد زمان يكون زمان جاهلية، لأنَّ زمن الجاهلية انتهى ببعثة محمد ﷺ.\nفلا يقال مثلًا هذا القرن قَرْنٌ جاهلي، أهل هذا القرن في جاهلية ونحو ذلك؛ بل لا تزال في أمة محمد ﷺ صنوف الخير ولله الحمد على منته وتوفيقه.\n_________\n(١) البخاري (٧٣١١) / مسلم (٥٠٥٩)\n(٢) انتهى الشريط الخامس والعشرون.\n(٣) سبق ذكره (٣٤٨)\n(٤) البخاري (٣٠) / مسلم (٤٤٠٣)\n(٥) البخاري (٧٣١٩) / مسلم (٦٩٥٢)","vol":"1","page":348},{"text":"وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ، وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.\n_________\nالحمد لله، وبعد:\nهذه الجملة من كلام العلامة الطحاوي ﵀ من الأصول العظيمة في معتقد أهل السنة والجماعة، أنهم لا يُكَفِّرونَ أحدًا من أهل القبلة بمجرد حصول الذنب منه إلا إذا اسْتَحَلَّهُ باعتقاد كونه حَلَالًا لَهُ أو حلالًا مُطْلَقًَا.\nوكذلك أنهم لا يُخَفِّفُونَ أمر الذنوب بحيث يجعلون الذنب غير مؤثّر في الإيمان.\nولهذا قالَ تقريراَ لهذا الأصل العظيم (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ، وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.) .\nوهذه الجملة من كلامه أراد بها أنَّ حصول الذنب من أهل القبلة لا يعني تكفيره كما ذهبت إلى ذلك الخوارج، وحصول الذنب من أهل القبلة لا يعني أنَّ هذا المؤمن لم يتأثر بحصول الذنب منه كما تقوله المرجئة.\nفخالف بهذا القول الخوارج والمعتزلة وخالف أيضًا المرجئة.\nوهذه المسألة لاشك أنها من المسائل العظيمة جدًا وهي مسألة تكفير المُنْتَسِبْ إلى القبلة الذي ثَبَتَ إسلامه وإيمانه إذا حصل منه ذنب.\nفإنَّ قاعدة أهل السنة والجماعة أنَّ من دخل في الإسلام والإيمان بيقين لم يُخرِجْهُ منه مجرد ذنب حَصَلَ منه، ولا يُخرجُهُ منه كُلُّ ذَنْبٍ حَرَّمَهُ الشارع؛ بل لابد في الذنوب العملية من الاستحلال بأن يعتقد أنَّ هذا العمل منه حلالٌ له وليس بذنب وأنه ليس بِمُحَرَّمْ.\nوهذا هو طريقة أهل السنة والجماعة بأنهم لا يُكَفِّرُونْ؛ بل يُخَطِئوُن أو يُضَلِّلُونَ أو يُفَسِّقُون.\nفنقول: مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته مسلم بما معه من التوحيد؛ ولكنه فاسقٌ لما ارتكب من الكبيرة التي أظهرها ولم يتب منها.\nفهذه الجملة فيها تقرير لعقيدة أهل السنة ومخالفتهم للخوارج والمعتزلة وكذلك فيها مخالفة أهل السنة للمرجئة.\nإذا تبين هذا فتحت هذه الجملة مسائل:","vol":"1","page":349},{"text":"[المسألة الأولى]:\nدليل أهل السنة والجماعة على أنَّ من أصاب ذنبًا من أهل القبلة فإنه لا يُكَفَّر دلَّ على ذلك جملة أدِلَّةْ من الكتاب والسنة:\n١- منها قول الله - ﷿ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، ومعلومٌ أَنَّ القاتل داخل في هذا الخطاب في النداء بالإيمان، وقال - ﷿ - بعدها ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فَسَمَّاهُ أخًا له، فدلَّ على أنَّ حصول القَتْلِ على عِظَمِهِ لم يَنْفِ اسم الإيمان.\n٢- كذلك قوله - ﷿ - ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩-١٠]، فَسَمَّاهم مؤمنين وسَمَّاهُمْ إخوة أيضًا ووَصَفَهُمْ بالأخوة، فدل على أنَّ وقوع القتل منهم لم ينفِ اسم الإيمان، مع قوله - ﷿ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]، فأثبت له جهنم وعيدًا، وغَضِبَ الله - ﷿ - عليه واللعنة، ومع ذلك لم ينف عنه اسم الإيمان.\nفدلَّ على أنَّ وقوع الكبيرة من المسلم لا يسلب عنه الإيمان، ووقوع الذنب ليس مُبِيحًا لإخراج هذا المذنب من أصل الإسلام إلى الكفر.\n٣- ويدل على ذلك أيضًا قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري وغيره حينما أوتي برجل من الصحابة يقال له حمار شرب الخمر فجلده، ثم شربها ثانية فأُتِيَ به فجلده، ثم لما أتي به الثالثة قال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به. فقال نبينا ﷺ «لا تقولوا ذلك فإنه يحبّ الله ورسوله» (١)، فدلّ على أنَّ وجود المحبة الواجبة لله - ﷿ - ولرسوله ﷺ مع حصول الكبيرة مانِعٌ من لَعْنِهِ، وهذا يعني أنها مانع من تكفيره ومن إخراجه من الدين من باب الأولى.\n٤- كذلك قال الله - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]، فناداهم باسم الإيمان مع حصول الذنب منهم وهو الإلقاء بالمودة إلى عدو الله - ﷿ - وعدو رسوله ﷺ، فدل على أنَّ إلقاء المودة لأمر الدنيا ليس مُخْرِجًَا من اسم الإيمان؛ بل يجتمع معه قال تعالى في آخر الآية ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١] .\n٥- في قصة حاطب بن أبي بلتعة في إسراره للكفار بخبر رسول الله ﷺ ما يدل على وقوع الذنب منه وعلى مغفرة الذنب له لأنه من أهل بدر، قال ﵊ في حقه «لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم» (٢) وفي الرواية الثانية «إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٣) .\nوالأدلة على هذا الأصل عند أهل السنة والجماعة كثيرة.\n٦- ومما يدل عليه من جهة النظر: أنَّ الكبائر كالسرقة والزنا وشرب الخمر والقتل والقذف ونحو ذلك شُرِعَتْ لها الحدود، والحدود مُطَهِّرَةْ، والمرْتَدُّ يُقْتَل على كل حال، ووجود الحدود هذه دليل ظاهر على أنَّهُ ارتكب فعلًا لم يُخْرِجْهُ من الملّة؛ لأنَّ النبي ﷺ قال «من بدّل دينه فاقتلوه» (٤)، وقال «والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٥) يعني ممن يحلّ دمه، فدل على أن وقوع هذه الذنوب من العبد تُطَهَّرُ بهذه الحدود وليست كفرًا؛ لأنها لو كانت كفرًا لكان يُقْتَلُ ردةً لقوله «من بدّل دينه فاقتلوه» .\n٧- ويدلّ عليه أيضا أنَّ ولي الدم في القتل يعفو، له السلطان إن شاءَ عَفَا وإنْ شَاءَ أخذ، قال - ﷿ - ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣]، قال ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وهذا يدلّ على أنَّ الحق هنا للمخلوق، وأما الرِّدَة فهي حق لله، يعني أمَّا الردة فجزاؤها حق لله - ﷿ - ليس لولي المقتول.\n_________\n(١) سبق ذكره (٢١٣)\n(٢) البخاري (٣٠٠٧)\n(٣) المسند (٧٩٢٧)\n(٤) البخاري (٦٩٢٢) / أبو داود (٤٣٥١) / الترمذي (١٤٥٨) / النسائي (٤٠٥٩) /ابن ماجه (٢٥٣٥)\n(٥) مسلم (٤٤٦٨) / أبو داود (٤٣٥٢) / الترمذي (١٤٠٢) / ابن ماجه","vol":"1","page":350},{"text":"فدلّت هذه الأدلة ودلَّ غيرها على بطلان قول الخوارج وعلى ظهور قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة في أنَّ صاحب الذنب من الكبائر العملية التي ذكرنا بعضًا منها أنَّهُ لا يَخْرُجُ من الإسلام بحصول الذنب منه؛ يعني بحصول ذنب منه، أو بحصول كل ذنبٍ، أو أي ذنبٍ منه؛ يعني ليس كل ذنبٍ مخرجًا له من ذلك؛ بل الكبائر العملية ليست كذلك -يعني مُخْرِجَةْ له من الإسلام- خلافًا لقول الخوارج والمعتزلة في التخليد في النار.\nوأما الجملة الثانية وهي قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.) فهذه أيضًا فيها مخالفة للمرجئة الذين يقولون: لا يَضُرُّ مَعَ الإيمَانِ ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة.\nوالأدلة دَلَّتْ على أنَّ الذنوب تؤثر في الإيمان، منها:\n١- قال - ﷿ - في ذكر القاتل ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] .\n٢- وقال - ﷿ - في الربا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] .\n٣- وقال - ﷿ - في المرابين ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] .\n٤- وشَرَعَ الله - ﷿ - الحد في السرقة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، وشَرَعَ الجلد في القذف وفي الزنا إلى آخر ذلك، وهذا يدل على أنَّ هذه الأمور أثَّرَتْ في الإيمان، هذه الكبائر أَثَّرَتْ في الإيمان.\n٥- والأحاديث عن النبي ﷺ في هذا الباب كثيرة «لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَتَّاتٌ» (١)، «لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَاطِعُ رَحِم» (٢) وهذا تأثير في الإيمان بسبب هذه الكبيرة.\n_________\n(١) البخاري (٦٠٥٦) / مسلم (٣٠٤)\n(٢) مسلم (٦٦٨٥)","vol":"1","page":351},{"text":"[المسألة الثانية]:\nهذه الجملة اشتملت على مُعْتَقَدٍ فيه النهي عن التكفير، وتكفير أهل القبلة بأيِّ ذَنْبٍ حرام، والخوض في مسائل التكفير بلا علمٍ أيضًا حرام، وقد يكون من كبائر الذنوب؛ بل هو من كبائر الذنوب لأَوْجُهٍ:\n١- الأول: أنَّ الإسلام والإيمان ثَبَتَ في حق الشخص -في حق المعين- بدليل شرعي، فَدَخَلْ في الإسلام بدليل، فإخراجه منه بغير حجة من الله - ﷿ - أو من رسوله ﷺ هذا من القول على الله بلا علم ومن التعدي -من تعدي حدود الله-، ومن التقدم بين يدي الله - ﷿ - وبين يدي رسوله ﷺ.\nوهذا فيه التحذير من هذا الأمر الجلل وهو مخالفة ما ثبت بدليل إلى الهوى أو إلى غير دليل.\nلهذا يقول العلماء: من ثَبَتَ إيمانه بدليل أو بيقين لم يزل عنه اسم الإيمان بمجرد شُبْهَةٍ عَرَضَتْ أو تَأْوِيْلٍ تَأَوَّلَه؛ بل بد من حُجَّةٍ بَيِّنَةْ لإخراجه من الإيمان، كما يقول ابن تيمية ولابد من إقامة حجة تقطع عنه المعذرة.\n٢- الثاني: من الأوجه في خطر التكفير وما تَضَمَّنَتْهُ هذه الكلمة من مُعْتَقَدِ أهل السنة والجماعة: أنَّ التكفير خاض فيه الخوارج وهم أول الفئات التي خاضت في هذا الأمر، والصحابة رضوان الله عليهم أنكروا عليهم أبلغ الإنكار بل عَدُّوهُمْ رأس أهل الأهواء.\nوأولُ مسألةٍ خاض فيها الخوارج وسَبَّبَتْ التَّوَسُّع في التكفير هي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؛ حيث احتجوا على عليٍ ﵁وكانوا من جيش علي- بأنَّهُ حَكَّمَ الرجال على كتاب الله، لمَّا حَصَلَتْ واقعة التحكيم بين أبي موسى الأشعري وبين عمرو بن العاص ﵄.\nفقالوا: حَكَّمَ الرجال على كتاب الله فهو كافر، فَكَفَّرُوا عليا ﵁، استدلالًا بقوله - ﷿ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة٤٤] .\nفذهب إليهم ابن عباس يناظرهم حتى احْتَجَّ عليهم بقول الله - ﷿ - ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] الآية، فرجع ثلث الجيش وبقي طائفة منهم على ضلالهم وظهرت فِرَقْ كثيرة من الخوارج.\nفيَدُلُّكَ على قُبْحِ الخوض في هذه المسألة بلا علم أنَّها شعار أهل الأهواء؛ أعني الخوارج وهم أول فرقة خرجت في هذه الأمة وخالفت الجماعة، ولا شك أنَّ التزام نهج أتقى أهل الأرض بعد رسول الله ﷺ هو المُتَعَيِّنْ.\n٣- الثالث: من أوجه بيان خطر التكفير والخوض فيه: أنَّ النبي ﷺ قال «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» (١) يعني إن كان كافرًا فهو كما ادُّعِيَ عليه وإلا عادت إلى الآخر، وهذا وعيد شديد.\n- وقد يكون التكفير مبعثه الهوى.\n- وقد يكون مبعثه الجهل.\n- وقد يكون مبعثه الغَيْرَةْ.\nفهذه ثلاثة أسباب لمنشإ التكفير: قد يكون الهوى -يعني التكفير بلا علم-، وقد يكون منشؤه الجهل، وقد يكون منشؤه الغيرة.\nأما الأول والثاني فواضح -يعني الهوى والجهل-وأمثلة أهل الأهواء فيه كثيرة.\nوأما الثالث وهو أنَّ التكفير قد يَحْمِلُ المَرْءَ عليه الغَيْرَةْ على الدين قصة عمر ﵁ مع حاطب ابن أبي بلتعة حيث لمَّا حصل من حاطب ما حصل، قال عمر لنبينا ﷺ: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق.\nوالحكم عليه بالنفاق حكم عليه بإبطانه للكفر، والنبي ﷺ لم يؤاخذ عمر ﵁ بذلك لأنَّهُ من أهل بدر ولأنه قالها على جهة الغيرة وخطؤه مغفورٌ له؛ لأنه من أهل الجنة؛ يعني لِسَبْقِ كونه من أهل بدر.\nفدلَّ هذا على أنَّ الغيرة ليست حجة شرعية في التوسع أو في ابتداء القول في هذه المسائل بلا علم أو في التكلم فيها.\nالغيرة ليست عُذْرًا، لهذا النبي ﷺ ما عَذَرَ عمر بالغيرة، وإنما عُذِرَ عمر ﵁:\n١- لاشتباه المقام أولًا في حق حاطب.\n٢- ثُمَّ لأنَّ النبي ﷺ ما بيَّنَ عذره -يعني ما بَيَّنَ الرجل للنبي ﷺ عذره-\nفقال النبي ﷺ لما أَخَذَ عمر بتلابيب حاطب، قال «أرسله يا عمر -أو دعه يا عمر-، يا حاطب: ما حملك على هذا؟» فلما استفصل منه رَجَعَ الأمر إلى الوضوح فيه.\n_________\n(١) البخاري (٦١٠٣) / مسلم (٢٢٥)","vol":"1","page":352},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nافترقت هذه الأمة في هذه المسألة العظيمة وهي مسألة التكفير إلى ثلاث طوائف.\nطائفتان ضَلَّتَا، وطائفة هي الوسط وهي التي على سبيل الجماعة، وهذه الطوائف الثلاث هي:\n١- الطائفة الأولى:\nمن كَفَّرَ بكل ذنب، وجعل الكبيرة مُكَفِّرَةً وموجبةً للخلود في النار، وهؤلاء هم الخوارج والمعتزلة وطوائف من المتقدِّمين ومن أهل العصر أيضًا ممن يَشْرَكُهُمْ في هذا الأصل والعياذ بالله.\n٢- الطائفة الثانية:\nمن قالت: إنَّ المؤمن لا يمكن أن يخرج من الإيمان إلا بانتزاع التصديق القلبي منه وحصول التكذيب، وهؤلاء هم المرجئة وهم درجات وطوائف أيضًا.\nوهذا مبني على أصلهم في أنَّ الإيمان هو تصديق القلب فلا ينتفي الإيمان عندهم إلا بزوال ذلك التَّصديق.\nوهذا أيضا غلط؛ لأدلة ربما تأتي إن شاء الله تعالى.\n٣- الطائفة الثالثة:\nوهم الوسط الذين نهجوا ما دَلَّتْ عليه الأدلة، وأخذوا طريقة الأئمة التي اقتفوا فيها هدي الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين، فقالوا:\nإنَّ المِلِّيَّ والوَاحِدَ من أهل القبلة قد يخرج من الدين بتبديله في الدين ومفارقته للجماعة بقولٍ أو عملٍ أو اعتقادٍ أو شك.\nوهذا هو الذي أورده الأئمة في باب حكم المرتد، وقالوا:\nإنَّ هذا يدخل في تبديل الدّين الذي قال فيه ﷺ «من بدّل دينه فاقتلوه»، ويدخل في قول الله - ﷿ - ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] آية البقرة ونحو ذلك، فدل ذلك على أنَّ المؤمن المسلم قد يحصل منه رِدَّةْ.\nوهذه الردة لها شروطها ولها موانعها بتفصيلٌ لهم في كتب الفقه في باب حكم المرتد.\nفعند أهل السنة والجماعة:\n-لا يُتَسَاهَلْ في أمر التكفير بل يُحذَّرْ منه ويُخوَّفْ منه.\n-وأيضا لا يَمْنَعُونَ تكفير المُعَيَّنِ مُطْلقًا؛ بل من أَتَى بقول كفري يخرجه من الملة أو فِعْلٍ كفريٍ يُخْرِجُهُ من الملة أو اعتقاد كفري يُخْرِجُهُ من الملة أو شك وارتياب يُخْرِجُهُ من الملة، فإنه بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع يَحْكُمُ عليه العالم أو القاضي بما يجب من الردة ومن القتل بعد الاستتابة في أغلب الأحوال.","vol":"1","page":353},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nدلّ القرآن والسنة على أنَّ الناس ثلاثة أصناف لا رابع لهم، وهم: المؤمنون، الكفار، المنافقون.\n- والمؤمن المسلم هو من دَخَلَ في الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأتى بلوازم ذلك.\n- والكافر الأصلي قد يكون كِتَابِيًَّا وقد يكون مشركًا وثنيًا، كأهل الكتاب مثل اليهود والنصارى، وقد يكون وثنيا مثل المجوس وعبدة الكواكب والأوثان ومشركي العرب وأشباه ذلك.\n- والمنافق هو من يُبْطِنُ الكفر ويُظهر الإسلام، فيُحْكَمُ بإسلامه ظاهرًا كما فعل النبي ﷺ مع المنافقين، حتى إنه باعتبار الحكم الظاهر ورَّثَهُمْ وَوَرِثَ الصحابة من آبائهم المنافقين، وهم في الباطن كفّار أشد من اليهود والنصارى لقوله ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] .\nفمن حَصَلَ منه ذنب ووقع في ذنب من الذنوب فإنه لا يخلو:\n- إما أن يكون من أهل الإيمان.\n- وإما أن يكون من أهل الكفر.\n- وإما أن يكون ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر.\nفمن كان من أهل الإيمان: فإنه ليس كل ذنب يُخرِجُهُ من الإيمان، فَلَمَّا شَهِدَ شهادة الحق بيقين وظُهُور فإنه لا يُخرِجُهُ منها إلا يقين مماثل لذلك مع إقامة الحجة ودرء الشبهة.\nوهذا التفصيل تنتفع به في مسائل تدل على هذا أو ذاك؛ يعني على أحد الأقسام.","vol":"1","page":354},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nمن أصول أهل السنة والجماعة في هذا الباب وما خالفوا به الخوارج والمعتزلة والمرجئة في باب الإيمان والتكفير أَنَّهُم فَرَّقُوا بين التكفير المطلق وما بين التّكفير المُعَيَّنْ، أو ما بين تكفير المطلق من الناس دون تحديد وما بين تكفير المُعَيَّنْ.\nفأهل السنة والجماعة أصْلُهُمْ أنهم يُكَفِّرُونَ من كَفَّرَهُ الله - ﷿ - وكَفَّرَهُ رسوله ﷺ من الطوائف أو من الأفراد.\nفيُكَفِّرُونَ اليهود ويُكَفِّرُونَ النّصارى ويُكَفِّرُونَ المجوس ويُكَفِّرُونَ أهل الأوثان من الكفار الأصليين؛ لأنَّ الله - ﷿ - شهد بكفرهم.\nفنقول: اليهود كفار، والنصارى كفار، وأهل الشرك كفار، يعني أهل الأوثان عباد الكواكب عباد النار عباد فلان إلى آخره هؤلاء كفار وهؤلاء كفار أصليون نزل القرآن بتكفيرهم.\nكذلك نقولُ بإطلاقِ القول في تكفيرِ من حَكَمَ الله - ﷿ - بكفره في القرآن، ممن أنْكَرَ شيئًا في القرآن فنقول:\nمن أنَكَرَ آيَةً من القرآن أو حَرْفًَا فإنه يَكْفُرْ.\nنقول من اسْتَحَلَّ الربا المُجْمَعْ على تحريمه فإنه يكفر، من استحل الخمر فإنه يكفر.\nمن بدّل شرع الله - ﷿ - فإنه يكفر.\nمن دعا الناس إلى عبادة نفسه فإنه يكفر وهكذا، فيطلقون القاعدة.\nوأما إذا جاء التشخيص على معين فإنهم يعتبرون هذا من باب الحكم على المُعَيَّنْ فيُرْجِعُوَنُه إلى من يصلح للقضاء أو الفتيا.\nفالأول وهو التكفير المطلق أو تكفير المطلق دون تحديد هذا مما يَلْزَمُ المؤمن أن يتعلّمه ليُسَلِّمَ لأمر الله - ﷿ - وأمر رسوله ﷺ، ويعتقد ما أمر الله - ﷿ - به وما أخبر به.\nفإنَّ تكفير من كَفَّرَهُ الله - ﷿ - بالنوع واجب والامتناع عن ذلك من الامتناع عن شرع الله - ﷿ -.\nوأمَّا المُعَيَّنْ فإنهم لا يُكَفِّرُونَه إلا إذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع.\nوعند من تجتمع الشروط وتنتفي الموانع؟\nعند من يُحْسِنُ إثبات البيّنات ويُحْسِنُ إثبات الشرط وانتفاء المانع وهو العالم بشرع الله الذي يَصْلُحُ للقضاء أو للفتيا، فيحكم على كل معين بما يستحقه.\n* فإذًا من أصولهم التفريق ما بين الحُكْمِ على المُعَيَّنْ وما بين القول المطلق.\nوهذا الأصل دَلَّتْ عليه أدلة من فعل أئمة السلف ومن أقوالهم، فإنَّ الإمام الشافعي مثلًا حَكَمَ على قول حفص الفرد لمَّا نَاقَشَهْ بأنه كُفْرْ ولم يحكم عليه بالردة.\nوكذلك من حكموا على من قَالَ بخلق القرآن أو أنَّ الله لا يُرَى في الآخرة بأنه كافر لم يُطَبِّقُوهُ في حق المعين، لهذا الإمام أحمد لما حَكَى أو قال بتكفير من قال بخلق القرآن لم يُكَفِّرْ عينًا أمير المؤمنين في زمانه الذي دعا إلى ذلك؛ بل أمراء المؤمنين الثلاثة المأمون ثم المعتصم ثم الواثق حتى جاء عهد المتوكل، فاستدل منه أئمة أهل الإسلام كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية على أنّ إطلاق الكفر غير تعيين الكافر.\nووَجْهُ ذلك ما ذكرته لك من أنَّ التعيين يحتاج إلى أمور؛ لأنه إخراج من الدين والإخراج له شروطه وله موانعه.","vol":"1","page":355},{"text":"[المسألة السادسة]:\nنرجع إلى قول الطحاوي هنا (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) أُخِذَ على الطحاوي أنه قال (بِذَنْبٍ) وهذا يفيد أنه لا يُكَفِّرْ بأي ذنب.\nقال (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) يعني أنَّ أي ذنب لا يُكَفَّرُ به حتى يستحله.\nوهذا ليس هو مُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة على هذا الإطلاق وإنما يُعَبِّرُونَ بتعبير آخر وهو مراد الطحاوي يقولون (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بمجرّد ذنب) كما يقوله طائفة من أئمة الدعوة، أو (لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكلّ ذنب) كما يقوله أيضًا طائفة من العلماء المتقدّمين ومنهم شارح الطحاوية تبعًا لغيره.\nفإذًا قول الطحاوي (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ) المقصود به الذنوب العملية من الكبائر كالخمر والزنا والسّرقة وقذف المحصنات والتولي يوم الزحف ونحو ذلك من كبائر الذنوب العملية التي كَفَّرَ الخوارج بها.\nويدل على هذا أنَّ العقيدة مُصَنَّفَةْ لبيان ما يخالف به أهل السنة أهل البدع والخوارج وما تميزت به الجماعة، ومعلوم أنَّ الخوارج خالفوا في تكفير مرتكب الكبيرة مثل القتل والزنا وشرب الخمر والسرقة وأشباه ذلك، فخالفهم بهذا القول، يعني لا نكفر بهذه الذنوب.\n(بِذَنْبٍ) يعني من الذنوب العَمَلِيَّة التي كفَّرَ بها الخوارج أو خلَّدَ أصحابَها في النار المعتزلةُ.\nويدل عليه أنه قال بعدها (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) والاستحلال غالبه في الذّنوب العملية.","vol":"1","page":356},{"text":"[المسألة السابعة]:\nقوله (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) الاستحلال معه يكون مرتكب الكبيرة كافرًا.\nوالاستحلال هو اعتقاد كون هذا الفعل حَلَالًا.\nقال ابن تيمية ﵀ في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ:\nوالاستحلال أن يعتقد أنَّ الله جَعَلَهُ حَلَالًا أو أَنَّ الله لم يحرمه.\nفإذا اعتقد أنَّ هذا الشيء حلال، أو أنَّ الله لم يُحَرِّمْ هذا سواءٌ كان حلالًا على الأمة جميعا أو حلالًا عليه هو، وسواءٌ كان عدم التحريم على الجميع أو عليه هو -لأنها صورتان- فإنَّ هذا هو الاستحلال.\nفإذًا ضابط الاستحلال المُكَفِّرْ هو الاعتقاد وذلك أنّ الإستحلال فيه جحد لكون هذا الذنب مُحَرَّمًَّا، لأنه إذا قال (١) الخمر حلال فإنَّهُ جَحَدَ تحريمها.\nويأتي الصلة ما بين الجحد والتكذيب والاستحلال في المسألة التي تليها إن شاء الله تعالى.\nفإذًا ضابط الاستحلال المُكَفِّرْ أن يعتقد كون هذا المحرم حلالًا وله صورتان:\n١- الصورة الأولى: أن يعتقد كونه حلالًا له دون غيره، وهذه تسمى الامتناع.\n٢- الصورة الثانية: أن يعتقد كونه حلالًا مطلقًا له ولغيره، وهذه تسمى التكذيب أو الحجد المطلق.\n* فالاستحلال المكفِّر هو الاستحلال بالاعتقاد.\nقال بعض أهل العلم: وأمَّا ما جاء في حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري الذي في البخاري مُعَلَّقًَا بل موصولًا، وهو قوله ﷺ «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ -يعني الزنا- والحرير والخمر والمعازف» (٢)، هل هذا الاستحلال من الاستحلال العملي أو الاستحلال المكفّر؟\nقال طائفة -كما ذكرتُ لك وهو ظاهر-: أنَّ هذا الاستحلال عملي وليس باعتقاد كون هذه الأشياء حلالًا:\n- فلم يُخْرِجْهُمْ من الإيمان إلى الكفر.\n- ولم يُخْرِجْهُمْ من كونهم من هذه الأمة لقوله «ليكونن من أمتي» فجعلهم بعض هذه الأمة.\nوهذا يُلْمِعُ إليه كلام ابن تيمية وكذلك للحافظ ابن حجر ولجماعة.\nوهو ظاهِرْ في أنَّ المدمن للذنوب يكونُ فِعْلُهُ فِعْلَ المُسْتَحِلْ؛ لكن ليس اعتقاده اعتقاد المُسْتَحِلْ.\nفقال «يستحلُّون» يعني يستحلون عَمَلًَا لا اعتقادًا لأجل ملازمتهم لها وإدمانهم لهذه الذنوب.\nفضابط الكفر في الاستحلال الذي ذَكَرَهُ هنا (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) يعني ما لم يعتقد أنَّ الله لم يُحَرِّمْ هذا، أو أنَّ الله أباح هذا، أو أنَّ هذا الأمر حلال، أو ليس بحرام إلى آخره.\n* وهذا القَدْرْ له ضابط أصلي عام وهو:\nأنَّ الذي يَنْفَعُ فيه ضابط الاستحلال هي الذنوب المُجْمَعْ على تحريمها، المعلومة من الدين بالضرورة.\nأما إذا كان الذنب مُخْتَلَفًَا فيه إما في أصله أو في صورة من صوره فإنه لا يُكَفَّرُ من اعْتَقَدَ حِلَّ هذا الأصل المُخْتَلَفْ فيه يعني في أصله أو الصورة المختلف فيها.\nيُوَضِّحْ ذلك النبيذ الذي أباحه طائفة من التابعين من أهل الكوفة وأَبَاحَهُ طائفة من الحنفية أو من أباح ما أسْكَرَ كثيره ولم يسكر قليله، فإنَّ أهل العلم من أهل السنة لم يُكَفِّرُوا الحنفية الذين قالوا بهذا القول وكذلك لم يُكَفِّرُوا من قال به من أهل الكوفة أو غيرهم.\nوكذلك من لم يقل بتحريم رِبَا الفضل لأنه فيه اختلاف، وكذلك بعض صور الربا، وكذلك بعض مسائل النظر إلى المحرمات يعني إلى الأجنبيات أو إلى الغلمان ونحو ذلك.\nفإذا كان هناك أصلٌ مُجْمَعٌ على تحريمه معلومْ من الدين بالضرورة -بالضرورة يعني ما لا يُحْتَاجْ معه إلى الاستدلال- فإننا نقول:\nمن اعتقد إباحة هذا أو حِلَّهُ فإنه يكفر.\nمثل الخمر المعروفة يعني في زمن النبي ﷺ التي تُسْكِرُ من شَرِبَهَا؛ تخامر عقله، مثل السرقة، مثل الزنا والعياذ بالله، مثل نكاح ذوات المحارم إلى آخر هذه الصّور.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط السادس والعشرين.\n(٢) البخاري (٥٥٩٠) / ابن حبان (٦٧٥٤)","vol":"1","page":357},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nمما له صلة بلفظ الاستحلال واشْتَبَهَ على كثيرين أيضًا الجحد والتكذيب.\nوطائفة من أهل العلم يجعلون التكذيب والجحد شيئًا واحدًا.\nوهذا ليس بجيد؛ بل هما شيئان مختلفان، قد يجتمعان وقد يفترقان.\nويدل على ذلك قول الله - ﷿ - في سورة الأنعام ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، فَنَفَى عنهم التكذيب وأَثْبَتَ لهم الجحد، فدل على أنَّ التكذيب والجحد متغايران.\nفما صلتها بالاستحلال؟\nالاستحلال: اعتقاد كون هذا الأمر حلالًا، يعني هذا المحرم حلالًا.\nوالجحد: أن يَرُدَّ الحكم بَأَنَّهُ حلال أو أَنَّهُ حرام.\nحَجَدَ وجوب الصلاة: يعني رَدَّ هذا الحكم، يعني قال: لا، الصلاة ليست واجبة.\nحَجَدَ حرمة الخمر قال: الخمر غير محرمة.\n* فإذًا الاستحلال وهو اعتقاد كون الشيء المحرم حلالًا، يكونُ مَعَهُ جَحْدٌ قلبي؛ ولكن ليس معه جحد لساني، قد يكون معه وقد لا يكون؛ لأنَّ ظاهر آية الأنعام ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يعني في الباطن ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يعني في الظاهر.\nفالجحد قد يكون في الظاهر وقد يكون في الباطن، والتكذيب قد يكون في الباطن وقد يكون في الظاهر.\nوالتكذيب: هو عدم اعتقاد صدق الخبر أو الأمر أو النهي.\nولهذا أَرْجَعَ كثيرٌ من أهل العلم من أهل السنة أكثر مسائل التكفير إلى التكذيب، وذلك لأنَّ التكذيب في أصله مناقض للتصديق الذي هو أصل الإيمان.\nوالمرجئة ومن شابههم قَصَرُوا الكفر على التكذيب فضلوا.\nوأهل السنة والجماعة جَعَلُوا الخروج من الإسلام والردة يكون بتكذيبٍ ويكون بغيره كما ذكرتُ لك.\nفإذًا من الكلمات التي لها صلة بالاستحلال وتُلَازِمُ الاستحلال أيضا الجحد والتكذيب.\nومن الكلمات أيضًا التي لها صلة بالاستحلال الالتزام والامتناع، التَزَمَ وامْتَنَعَ.\nومن الكلمات القَبول والرد.\nوهذه تحتاج في بيانها إلى مزيد وقت وسبق أن أوضحنا لكم بعض هذه المسائل.","vol":"1","page":358},{"text":"[المسألة التاسعة]:\nمن أهل العلم من جَعَلَ التكفير في الاعتقادات أو جعله في المسائل العلمية.\nفقال: المسائل العلمية التي دَخَلَ فيها أهل الأهواء والبدع فإننا نكفر المخالف فيها، وأما المسائل العَمَلِيَّةْ لا نكفر فيها إلا بالاسْتِحْلال.\nوهذا قال به بعض المنتسبين إلى السنة؛ ولكنه مُخَالِفٌ لقول أئمة أهل الإسلام وما تَقَرَرَ من اعتقاد أهل السنة والجماعة، فإنَّ الخطأ والاجتهاد والغلو ونحو ذلك يدخل في المسائل العلمية.\nفأهْلُ البدع لا يُكفَّرُونْ بإطلاق، فليس كل من خَالَفَ الحق في المسائل العلمية يُعَدُّ كافرًا بل قد يكون مذنبًا، وقد يكون مخطئا وقد يكون مُتَأولًا.\nوعلى هذه الثلاث حَكَمَ أهل السنة وأئمة الإسلام بأنَّ هذه بدعة:\n- قد تكون ذنب يوصله إلى الكفر.\n- وقد تكون ذنبًا فيما دونه.\n- وقد يكون سَلَكَ البدعة عن جهة الغلط منه والخطأ أو الجهل.\n- وقد يكون تأول في ذلك.\nويستدلون على هذا بقصة الرجل الذي (أوصى إذا مات بأن يُحْرَقَ ثم يُذَرْ رُفَاتُهُ وقال: لئن قَدِرَ الله علي ليعذبني عذاب لم يعذبه أحدا من العالمين، فجمع الله - ﷿ - رفاته وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: إنما فعلته خشية عذابك) . أو كما جاء. (١)\nفَفَعَلَ هذا الفعل الذي أنْشَأَهُ عنده الجهل أو عدم اعتقاد الحق في صفة من صفات الله - ﷿ - وهي صفة تَعَلُّقْ القُدْرَةْ بِرُفَاتِه (٢) هُوَ وبِقُدْرَةْ الله - ﷿ - على بعثه.\nوعفا عنه رب العالمين لأجل عِظَمِ حسناته الماحية أو لِجَهْلِهِ؛ لأنه قال فعلته من خشيتك أو خوفًا من عذابك أو نحو ذلك، وهذا اعتقاد عظيم وهو حسنة عظيمة قابلت ذلك الاعتقاد السيئ، فدلَّ على أنَّ الاعتقادات البدعية والمخالفة للحق قد يُعْفَى عن صاحبها.\nفإذًا قول من قال أنَّ أهل البدع والضلالات المخالفين في التوحيد أو في الصفات أنهم يُكَفَّرون إذا خالفوا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة هذا قولٌ غلط وليس بصواب عند أئمة أهل السنة والجماعة.\nبل الصواب تقسيمهم:\n- فمنهم من يكون كافرًا إذا قامت عليه الحجة الرسالية ودُفِعَتْ عنه الشبهة وبُيِّنَ له.\n- ومنهم من يكون مذنبًا لأنه مُقَصِّرْ في البحث عن الحق.\n- ومنهم من يكون متأولًا.\n- ومنهم يكون مخطئًا.\n- ومنهم من له حسنات ماحية يمحو الله - ﷿ - بها سيئاته.\n_________\n(١) المسند (٧٦٣٥) / ابن حبان (٧٦٣٥)\n(٢) الرُّفاتُ: مابَلِيَ فتَفتَّتَ/ تاج العروس (١/١٠٩٠)","vol":"1","page":359},{"text":"[المسألة العاشرة]:\nأنَّ تكفير المعين يُشْتَرَطُ فيه إقامة الحجة.\nوإقامة الحجة شرطٌ في أمرين:\nالأول: في العذاب الأُخْرَوِيْ؛ يعني في استحقاق العذاب الأخروي.\nوالثاني: في استحقاق الحكم الدنيوي.\nوالدليل على ذلك قول الله - ﷿ - ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وكذلك قوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ فَشَرَطَ لِتَوْلِيَةِ المُشَاقْ ما تولى وجَعْلِ جهنمَ له وساءت مصيرًا أن يكون تَبَيَّنَ له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، وكذلك قوله - ﷿ - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥]، وكذلك قوله - ﷿ - ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣]، وكذلك قوله - ﷿ - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٥-١٧٦]، فهذه كلّها فيها اشتراط العلم وإقامة الحجة، وكُلُّ رسولٍ بُعِثَ لإقامة الحجة على العباد.\nإذا تبين هذا فإنَّ إقامة الحجة تحتاج:\n- إلى مقيم.\n- وإلى صفة.\n@ أما المقيم: فهو العالِمُ بِمَعْنَى الحُجَّةْ، العالِمُ بحال الشخص واعتقاده.\n@ وأما صفة الحجة: فهي أن تكون حُجَّةً رساليّةً بَيَّنَةً، قال - ﷿ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] .\nواشْتَرَطَ أهل العلم أن تكون الحجة رسالية؛ يعني أن تكون قول الله - ﷿ - وقول رسوله ﷺ.\nيعني أما إن كانت عقليةً وليس المَأْخَذُ العَقْلِيُّ من النص فإنّه لا يُكتفى به في إقامة الحجة؛ بل لابد أن تكون الحجة رسالية.\nلهذا يُعَبِّرْ ابن تيمية ويُعَبِّرْ ابن حزم وجَمْعٌ بِأَنْ تكون الحجة رسالية؛ والسبب لأنها يَرْجِعُ فيها مَنْ لم يأخذ بالحجة إلى رَدِّ ما جاء من الله - ﷿ - ومن رسوله ﷺ.\nوأما فهم الحجة فإنه لا يُشترَطُ في الأصْلْ. (١)\nومعنى عدم اشتراطه: أننا نقول ليس كل من كَفَرْ فإنه كَفَرَ عن عناد، بل ربما كَفَرَ بعد إبلاغه الحجة وإيضاحها له لأنَّ عنده مانع من هوى أو ضلال مَنَعَهُ من فهم الحجة، قال - ﷿ - ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (٢)، والآيات في هذا المعنى متعددة.\nما معنى فهم الحجة؟\nيعني أن يَفْهَمَ وجه الاحتجاج بِقُوَّةِ هذه الحجة على شبهته.\nفهوعِنْدَهُ شُبْهَة في عبادة غير الله، عنده شُبْهَة في استحلاله لما حُرِّمَ مما أُجْمِعَ على تحريمه؛ لكن يُبلَّغُ بالحجة الواضحة بلسانه ليفهم معنى هذه الحجة.\nفإن بَقِيَ أَنَّهُ لم يفهم كون هذه الحجة رَاجِحَة على حجته فإنَّ هذا لا يُشْتَرَطْ-يعني في الأصل-؛ لكن في بعض المسائل جُعِلَ عدم فهم الحجة -يعني كون الحجة راجحة على ما عنده من الحُجَجْ- جُعِلَ مانعًا من التكفير كما في بعض مسائل الصفات.\nيعني أنَّ أهل السنة والجماعة من حيث التأصيل اشترطوا إقامة الحجة ولم يشترطوا فهم الحجة في الأصل؛ لكن في مسائل اشترطوا فيها فهم الحجة.\nوهذا الذي يَعْلَمُهُ من يقيم الحجة وهو العالم الرّاسخ في علمه الذي يعلم حدود ما أنزل الله - ﷿ - على رسوله ﷺ.\n_________\n(١) لمزيد من التفصيل انظر (٦٠٣)\n(٢) الأعراف:٢٥، الإسراء:٤٦.","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>[المسألة الحادية عشرة]:\nقوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ) هذا فيه مخالفة للمرجئة</span>.\nوالمرجئة جَعَلُوا أصل الإيمان التصديق، وجعلوا هذا التصديق لا يتأثر زيادةً ولا نقصًا، وإنما هو شيء واحد.\nلذلك لم يجعلوا الإيمان يزيد وينقص، ولم يجعلوا التصديق أيضًا واليقين يزيد وينقص بل جعلوه شيئًا واحدًا، لهذا لم يجعلوا ذنبًا يضر مع الإيمان.\nوالمرجئة في هذا على درجات مختلفة، يأتي بيانُها إن شاء الله تعالى عند قول المؤلف (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ) .","vol":"1","page":361},{"text":"[المسألة الثانية عشرة]:\nأَنَّ هاتين المسألتين وهما ما خالف فيه أهل السنة الخوارج وما خالفوا فيه المرجئة فرعٌ لأصل ومثالٌ لقاعدة؛ وهي قاعدة الوَسَطية لأهل السنة والجماعة بين فرق الضلال:\nفهم وسط في باب الأسماء والأحكام -يعني في أبواب الإيمان والكفر- ما بين الخوارج والمعتزلة الوعيدية وما بين المرجئة في قول أولئك وقول هؤلاء، فهم يحذِّرون من الذنوب ويَتَوَعَّدُونَ بها ويَتَوَعَّدُونَ بالكفر، ولكن لا يُخرجونه من الإيمان إلا بعد تمام الشروط وانتفاء الموانع.\nفهم -أعني أهل السنة والجماعة ثبَّتني الله وإياكم على طريقتهم- لهم في ذلك الطريق الوسط في هذا الباب وفي باب الأسماء والصفات، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي جميع أبواب الدين؛ بل وجميع أبواب الشَّريعة -يعني في أصولها-.\nلهذا فالطَّريقة المثلى هي أن يكون المرء بين طَرَفَي الغلو والجفاء، فالغلو مذموم بأنواعه والجفاء مذموم أيضًا لأنه قصورٌ عن أمر الله، والغلو أيضا مذموم لأنه زيادة على أمر الله - ﷿ -، والحق فيما بينهما.\nأسأل الله - ﷿ - أن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين، وأن يُعَلِّمَنَا ما يفعنا، وأن يزيدنا من الفقه في الدين، ومن متابعة سنة سيد المرسلين، وأن يغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، وأن يشفي قلوبنا من الأدواء والأهواء، وأن يشفي أبداننا من الأمراض نحن وجميع أحبابنا إنه سبحانه كريم جواد كثير النوال، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.\nنجيب على سؤالين ما يتعلق بالدرس.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>الأسئلة:</span>\nس١/ ما حكم الحكم بغير ما أنزل الله؟\nج/ مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ذَكَرَهَا الشّارح ضمن الكلام في المسألة على اعتبار أنها ذنب من الذنوب، والكلام فيه هل يكفر أو لا يكفر؟\nنَقَل فيها كلام ابن القيم ﵀، ولم أتطرق لها مع علمي بما ذَكَرَهُ الشارح لأجل أنها مسألة طويلة الذيول تحتاج إلى بحثٍ وتفصيل فيها، لعل لها مكانًا آخر إن شاء الله تعالى.\nس٢/ قول القائل: كان من المفترض أن يُحِلَّ الله هذا؟\nج/ بعض الناس يستعمل هذه الكلمة وما يقصد ظاهر الكلام؛ لأنَّ ظاهر الكلام بشع؛ لأنه يكون الشيء حرمه الله - ﷿ - ويقول هو من المفترض أن يكون حلالًا، هذا اعتراض واعتقاد أو تثبيت أنه حلال.\nلكن بعض الناس يستعمل هذه العبارة من جهة رأيه وما عنده، فيقول في المسائل إذا تجادل اثنان أو أكثر يقول: من المفترض أنه يصير هذا مباح لعدم علمه، ما يقولها مثلًا في الخمر من المفترض أن يكون الخمر حلال، وإنما في المسائل المشتبهة التي لا يعرف وجهتها.\nفإذًا هذه الكلمة لابد فيها من التفصيل قالها في أي ذنب، وما سياق؟، ولكنها من الكلمات الوخيمة.\nس٣/ هل هناك فرق بين عدم فهم الحجة وعدم الاقتناع بالحجة؟\nج/ نعم فيه فرق.\nس٤/ هل يُحْكَمْ على اليهودي المعين الذي مات على اليهودية أنه من أهل النار؟\nج/ نعم يحكم على المعين الذي مات على اليهودية أو على النصرانية بأنه من أهل النار، وهذا لأنه كافر أصلي والنبي ﷺ لمَّا زار الغلام اليهودي وقال له «قل لا إله إلا الله» أو «قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، فجعل الغلام ينظر إلى أبيه ولم يقلها فقال له والده اليهودي: أطع أبا القاسم. فقال الغلام وكان يخدم النبي ﷺ: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقال ﷺ «الحمد لله الذي أنقذه الله بي من النار» (١)، وقال ﷺ «والله لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أَكَبَّهُ الله في النار» (٢)، وقال أيضا كما في صحيح مسلم «حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» (٣) وقال أيضا - ﷿ - ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، وهذا لا يدخل في قول أهل السنة والجماعة، ولا نشهد لا معين من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ، هذا في حق المعين من أهل القبلة، أما من مات على كفره من اليهود والنصارى أو مات ونحن نعلم أنه يهودي أو نصراني فهذا كافر يُشْهَدُ عليه بأنه من أهل النار «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» .\nس٤/ هل من كَفَّرَ بغير علم يصبح مُرْتَدًَّا فَيُقْتَلْ، أو أنَّ عَمَلَهُ هذا يُقْتَلُ به؟\nج/ من كَفَّرَ بغير علم:\n- يلحقه الوعيد «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» هذا واحد.\n- ويلحقه الوعيد في مشابهة الخوارج؛ لأنَّ الخوارج كَفَّرُوا بغير علم.\n- ويلحقه الوعيد أيضا من جهة ثالثة وهو أنه تَعَدَّى على الدليل من القرآن والسنة؛ لأنَّهُ كما ذكرتُ لك في الأسباب أنَّ إثبات الإيمان جاء بدليل، فَنَفْيُ الإيمان عن المعين لابد فيه من دليل، فمن حَكَمَ بِكُفْرِ أحدٍ لهوى أو لغلو أو لقصور عنده في العلم فإنه تَعَدَّى ما أُذِنَ له به إلى أمر إنما هو لأهل العلم، فهو يؤاخذ بذلك، كما ذكرتُ لك في قصة عمر ﵁ وهي قصة تحتج منك إلى اعتبار في أنه قد يُطْلِقُ المرء التكفير من جهة الغَيْرَةْ وقد يُؤَاخَذْ وقد لا يُؤَاخَذْ، والواجب على العبد أن يحترز من فَلَتَاتِ لسانه، ويخاف أشد الخوف، فرُبّ كلمة قالها العبد لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا.\nومن منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم الذي قَرَّرَهُ أئمة أهل السنة أنَّ أهل العلم من أهل السنة يُخَطِّئونَ أو يُضَلِّلُونَ ولا يُكَفِّرُون.\nيقولون: هذا القول بدعة، هذا ضلال، هذا فسق، هذا خطأ، ونحو ذلك، وقد يحكمون على المعين إذا كان الحاكم من الأئمة والعلماء ولكن لا يُكَفِّرُونْ إلا ببينة ووضوح.\nوهذه المسائل مع الأسف شاعت عند الشباب في هذا العصر، وصاروا يتداولونها حتى في المجالس وهو يعلم من نفسه أنَّ مسائل الطهارة ما يعرفها، وكثير من مسائل الصلاة ما يعرفها، ومسائل يمكن معاشرة الزوجية يجيء فيها بحكم الطبيعة أو بحكم حياته ما آلفه وإلى آخره، ما يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله في هذه المسائل، ومع ذلك تجد أنه يقتحم هذه المسألة العظيمة وهي مسألة التكفير، وإنما هي لأهل العلم.\nذكرتُ لك أنَّ لها قسمين:\nالقسم الأول اعتقاد المسائل، اعتقاد مسائل التكفير مثل ما ذكرتُ لك.\n_________\n(١) أبو داود (٣٠٩٥)\n(٢) مسلم (٤٠٣)\n(٣) ابن ماجه (١٥٧٣)","vol":"1","page":363},{"text":"والثاني التطبيق: التطبيق ليس إليك إنما هو لأهل العلم والقضاء والفتيا ونحو ذلك.\nأمَّا الاعتقاد فهذا واجب أن تعتقد ما أمر الله - ﷿ - به، أو ما أخبر به - ﷿ - من إيمان المؤمن وكفر الكافر وكذا ما أخبر به ﷺ.\nفي هذا القدر كفاية، ونلتقي إن شاء الله بكم الأسبوع القادم.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.","vol":"1","page":364},{"text":"الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:\nنجيب على بعض الأسئلة:\nالأسئلة\nس١/ هل عدم اشتراط فهم الحجة أن لا يفهموا مقصود الشارع؟\nج/ ذكرنا لكم مرارًا أنَّ العلماء الذين نَصُّوا على أنَّ فهم الحجة ليس بشرط في صحة قيام الحُجَّةْ بَنَوا على الدليل وهو قول الله - ﷿ - ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (١) فالله - ﷿ - جَعَلَ على القلوب أَكِنَّةْ لِأَلَا يفهموه، فدلَّ على أنَّ الفهم والفقه -فقه الحجة- ليس بشرط؛ لأنَّ إقامة الحجة بالقرآن، تلاوة القرآن عليهم وهم أهل اللّسان كافٍ في قيامها.\nفصار إذًا الحال مشتملْ على:\n- أنَّ إقامة الحجة شرط، ومعنى إقامة الحجة أن تكون الحجة من الكتاب أو من السنة أو من الدليل العقلي الذي دل عليه القرآن أو السنة.\n- وأن فَهْمَ اللسان العربي، فَهْمْ معنى الحجة بلسان من أقيمت عليه هذا لابد منه؛ لأنَّ المقصود من إقامة الحجة أن يَفْهَمَ مَعَانِيَ هذه الكلمات، أن يفهم معنى الحديث، أن يفهم معنى الآية.\n* وأما ما لا يشترط وهو فَهْمُ الحُجَّةْ، فيُرَادُ به أن تكون هذه الحجة أرجح من الشبه التي عنده؛ لأنَّ ضلال الضالين ليس كله عن عناد، وإنما بعضه ابتلاء من الله - ﷿ -، وبعضه للإعراض، وبعضه لذنوبٍ منهم ونحو ذلك.\nلهذا فإنَّ فهم الحجة على قسمين:\n١- يُرَادُ بفهم الحجة فهم معاني الأدلة، فهذا لابد منه، فلا يُكْتَفَي في إقامة الحجة على أعجمي لا يفهم اللغة العربية بأن تُتْلَى عليه آية باللغة العربية، وهو لا يفهم معناها، ويقال قد بَلَغَهُ القرآن والله - ﷿ - يقول ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، هذا ليس بكافٍ، لابد أن تكون الحجة بلسان من أقيمت عليه ليفهم المعنى، قال سبحانه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] .\n٢- المعنى الثاني لفهم الحجة أن يَفْهَمَ كونَ هذه الحجة أرجَحَ من شبهته التي عنده، المشركون -كما قررنا لكم في شرح كشف الشبهات- عندهم علم وعندهم كتب وعندهم حُجَجَ كما أخبر الله - ﷿ - في كتابه.\nففَهْمُ حُجَّةْ الرسول ﷺ، وفهم القرآن، وفهم حجة النبي ﷺ العقلية التي أدلى بها عليهم بعد الوحي، هذه معناها أن يفهموا المعنى.\nإذا كانوا هم فهموا المعنى؛ لكن مثل ما يقول القائل: ما اقْتَنَعْ أَنَّ هذه الحجة أقوى من الشبهة التي عنده، فهذا ليس بشرط.\nفإذن ما يُشْتَرَطْ من فهم الحجة هوالقسم الأول؛ وهو:\n- فهم المعنى.\n- فهم دلالة الآية باللغة العربية ونحو ذلك.\nأما فهم الحجة بمعنى كون هذه الحجة أرجح في المقصود وأدلّ على بطلان عبادة غير الله أو على بطلان الباطل، هذا ليس بشرط، المهم يفهم معناها ودلالتها، ثم بعد ذلك الله - ﷿ - يُضل من يشاء ويهدي من يشاء.\nس٢/ يقول إذا كان الإمام أحمد ﵀ أقام الحجة على أحمد بن أبي دؤاد والمعتصم، فلم لم يُكَفَّرَا مع إصرارهما على البدعة؟ وإنْ كان لم يُقِمْ عليهما الحجة فلماذا لم يقم عليهما الحجة مع أنه في موقف يجب عليه إقامة الحجة؟\nج/ هذا السؤال يحتاج إلى تفصيل، وتفصيله ينبني على فهم واقع فتنة خلق القرآن.\nوفي الجملة منهج أهل السنة وأهل العلم أنَّهُمْ يجعلون هذه الفتنة فيها شبهة، فلم يُكَفِّرُوا بحصول الفتنة لا من جهة الوالي ولا من جهة من أجاب من المسلمين؛ لكن من أهل العلم من كفَّرَ ابن أبي دؤاد وكَفَّرَ أمثالَه العلماءَ.\nلأنَّ العالم يفهم حجة القرآن، وإذا كان بقيت عليه الشبهة في مثل هذا الأمر العظيم فإنه إما أن يكون مقصرا في البحث عن الحق، وإما أن لا يكون:\n- فإن كان مُقَصِّرًَا في البحث عن الحق مع قُرْبِهِ منه فلا يلومن إلا نفسه، وهذا لا يمنع من الحكم عليه بالكفر عينًا.\n- وإذا كان غير مقصّر في البحث عن الحق؛ ولكن بقيت الشبهة عنده، فهذا لابد من أن تُزَالَ عنه الشبهة مع اختلاف المسائل في ذلك، لكن هذا الكلام بخصوص القول بخلق القرآن.\nفمن أهل العلم من كَفَّرْ ابن أبي دؤاد ومنهم من لم يُكَفِّرُهُ عَيْنًَا لأجل الشبهة التي عنده.\nكما ذكرنا لكم مسائل المعتزلة والخوارج في مثل مسألة خلق القرآن ونفي رؤية الله - ﷿ - في الآخرة ونحو ذلك، أئمة أهل السنة يُكَفِّرُونَ بالنوع، يُكَفِّرُونَ بالمطلق يعني التكفير المطلق ولا يُكَفِّرُونَ الأعيان إلا بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، وهذه كما ذكرنا يقيمها من يصلح لإقامتها من أهل القضاء أو الفُتْيَا.\nس٣/ هل من فَعَلَ الذنب من الكبائر وجَاهَرَ به وأصبح يتاجر فيه كالغناء، نقول: إنهم لا يؤمنون بتحريمها واستخفوا بها ونحكم بردتهم عن الإسلام؟\n_________\n(١) الأعراف:٢٥، الإسراء:٤٦.","vol":"1","page":365},{"text":"ج/ الكبائر لها حد -بمعنى لها تعريف- وذكرنا تعريفها عدة مرات ويأتينا إن شاء الله تعالى في موضعه من شرح الطحاوية بتفصيل.\nفالحكم على الغناء بأنَّهُ من الكبائر هذا فيه نظر؛ لأنَّ الغناء التّغني بالصوت.\nوالتغني بالصوت قد يكون مُشْتَمِلًا على كلامٍ قبيح كفر أو نفاق أو دونه من التشويق بالنساء أو باستباحة المحرمات أو نحو ذلك، وقد يكون الكلام لا يشتمل على ذلك، ثُمَّ هو قد يكون مُصَاحَبًَا بمعازف وقد لا يكون مصاحبا بمعازف.\nفقول القائل أصبح يتاجر فيه كالغناء أنَّ هذا من الكبائر لأ، يختلف الحال فيه.\nلهذا من جهة إثبات الكبيرة لابد فيه من تفصيل، هل الغناء كله كبيرة؟\nليس بصحيح -يعني بهذا الإطلاق-، طالب العلم لابد أن يدقق في ألفاظه، إذا قال أحد الغناء من الكبائر، ليس صحيحًا هذا الكلام، فلابد من التفصيل فيه وهذا يرتبط بتعريف الكبيرة.\nالمسألة الثانية: المعازف من حيث هي والغناء المشتمل على المعازف لم يُجمِعْ العلماء على تحريمه، فمن أهل العلم -وهم نوادر- من قالوا بإباحته، وجمهور أهل العلم كما دَلَّتْ عليه الأدلة بالكتاب والسنة وهي كثيرة جدًا قالوا بحرمة ذلك، وهذا هو الحق الواضح الذي لا يجوز العدول عنه؛ لكن معرفة خلاف طائفة من أهل العلم من فقهاء المدينة في زمن الإمام مالك ومن بعدهم مثل ابن حزم والسمعاني وطائفة من الناس من قالوا بإباحة السماع واستعمال المعازف فهو خلافٌ في المسألة.\nولا تَكْفِيرَ إلا بما أَجْمَعَ العلماء على تحريمه.\nوالمسألة إذا أجمع العلماء على تحريمها من قال بخلافها فالقول بخلافها كفر، ثم تكفير المعين يحتاج أيضًا إلى بيان.\nالمسائل التي أجمع العلماء على حرمتها المخالِفْ فيها يختلف؛ لأنَّ المسألة قد تكون من المسائل التي يُعْلَمُ بالاضطرار من دين الإسلام أنها محرمة، مثل الخمر، مثل الزنا، الربا المتفق على تحريمه ونحو ذلك، هذا ما يحتاج، ينشأ الناشئ بين المسلمين وهو يعلم أنَّ هذه الأمور محرّمة باتفاق أهل العلم.\nلكن ثَمَّ مسائل خفية تحتاج إلى استدلال، فمثلًا لو قيلَ إنّ المعازف مُجْمَعْ على تحريمها فإنَّ هذا الإجماع هم لم يجمع على تحريمها، لكن هذا الإجماع غير معروف لم يكن معروفًا عند الناس، لو قال قائل ذلك أو يكون في بلد معروف نشأ الناشئ وأهل الفتوى في بلده على أن الغناء محرم فهنا لا يقال بالتكفير لأنَّ هذا مما يخرج عن كونه من الضروريات، يعني العلم به من الضروريات.\nفإذًا مسألة التكفير مسألة خطيرة ومهمة في أن يعلم طالب العلم حدوده، فالمسائل المحرمات لا تكفير إلا بما أُجمِعَ عليه. (١)\n\n: [[الشريط السابع والعشرون]]:\n\nثُمَّ هنا ما أَجْمَعَ أهل العلم عليه على قسمين:\n- منه ما يُعْلَمُ بالاضطرار من دين الإسلام، يعني لا يحتاج فيه العالم إلى بيان الأدلة.\n- ومنه ما فيه خفاء يحتاج فيه إلى بيان الأدلة.\nحتى غير المسائل هذه مثل مسائل السحر.\nالسحر لاشك أنه من كبائر الذنوب؛ بل لا يكون السحر إلا بشرك بالله - ﷿ -، لكن من أصناف السّحر ومن أحوال السَّحَرَةْ ما قد يخفى في بعض الأزمنة، فيحتاج إلى بيان وإيضاح.\nفالمسألة في نفسها قد تكون في زمان مما يُعْلَمُ بالاضطرار -يعني الدليل فيها لا يحتاج إلى إقامة-؛ لأنَّ كل الناس يعلمون هذا، وقد يكون في زمان أو مكان يخفى الدليل على طائفة فيُحتاجُ في الحكم على المُعَيَّن إلى بيان، وإن كانت عند طائفة أخرى مما يُعْلَمُ بالاضطرار.\nالعلماء يذكرون مثال ذلك مثلًا من قال الزنا غير مُحَرَّمْ وهو ممن نشأ بباديةٍ بعيدة عن دار الإسلام، ومثله يجهل، مثل ما حَصَلَ في زماننا الحاضر في بعض من يسكنون في بعض الأماكن يقولون ما نعلم أنه محرم، يفعل الفاعل الزنا وما يعلم أنه حرام مع أنَّ حُرْمَةْ الزنا مما يُعْلَمُ بالاضطرار من دين الإسلام.\nفالمقصود من هذا، أنَّ المسائل التي يقال فيها هذا مما يُعْلَمُ بالاضطرار من دين الإسلام، نعني بها ما لا يُحْتَاجُ معه إلى إقامة دليل؛ لأنَّه ينشأ الناشئ وهو يعرف هذا ولا يعرف غيره من دين الإسلام.\nهذه المسائل تختلف باختلاف الزمان والمكان فلهذا يحتاج من يريد بحث هذه المسائل إلى استفصال.\nآخر السؤال يقول: نقول إنهم لا يؤمنون بتحريمها واستخفوا بها فنحكم بِرِدَّتِهِمْ عن الإسلام.\nليس كذلك، من فَعَلَ الكبيرة مُسْتَخِفّا بها لا يعني ذلك أنه مرتد؛ بل الذين يفعلون الكبائر منهم:\n١- من يفعل الكبيرة لشهوةٍ غلبت عليه، شهوة طارئة، هو مؤمن صالح لكن غَلَبَ عليه أَمْرْ فَأَخَذَ مالًا من غَيْرِ حِلِّهِ، سرق لشهوة غلبت عليه ثُمَّ رَجَعْ، فهذا نقول فيه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.\nأو رأى امرأة أو خَلَا بامرأة ثم فعل معها الكبيرة عن غَلَبَةِ شهوة، فهذا لا يُخْرِجُهُ ما فَعَلْ عن كونه مؤمنًا إذا تاب وأناب، فَغَلَبَةْ الشهوة تبقي اسم الإيمان إذا تاب وأناب.\n٢- ومنهم الذي يخرج معه المؤمن من الإيمان إلى الإسلام وهو إذا استخف بالكبيرة.\nيعني تَهَاوَنَ بها وهو يعلم أنها كبيرة ويعلم أنه عاصي، أقَامَ عليها واسْتَمَرَّ على فعل الكبيرة فهذا يخرج من اسم الإيمان إلى اسم الإسلام؛ لأنَّ الإيمان الحق -الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر- الإيمان الحق بهذه، الإيمان الكامل لا يجتمع مع صاحبه في مداومة الكبائر.\nوفي هذا يروى الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند (أنَّ العبد إذا فعل المعصية ارتفع عنه الإيمان فصار على رأسه كالظلة فإذا تركه عاد إليه) (٢)، وهذا الحديث في إسناده ضعف؛ لكن يستدل به أهل العلم على أصلهم من أنَّ المؤمن حال مُوَاقَعَتِهِ للكبيرة التي كانت عن غلبة شهوة لا استمرار واستخفاف فإنه يبقى عليه اسم الإيمان؛ لكن يَنْتَزِعُ منه ما دام فاعلًا لهذا المنكر، فإذا ترك هذه الكبيرة وأناب إلى الله - ﷿ -، رجع فيقال مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.\nلكن المصر على الربا المصر على الزنا المصر على شرب الخمر لا يُخْرِجُهُ أهل السنة من اسم الإسلام ويجعلونه مرتدًا، وكذلك أصحاب المعازف والغناء المحرم وبيع مثل هذه وآلات اللهو ونحو ذلك إذا كان مُمَارِسًَا لها وهو يعتقد حرمة ذلك فيما أُجْمِعَ عليه فإنه يخرج من الإيمان إذا كان مداومًا عليها إلى الإسلام؛ لأنَّ الإسلام هو العمل الظاهر إذا كان جاء بأمور الإسلام.\nوهذه فيها مزيد تفاصيل تأتي في موضعها إن شاء الله في شرح الطحاوية.\n_________\n(١) انتهى الشريط السادس والعشرون.\n(٢) الترمذي (٢٦٢٥) / المستدرك (٥٦)","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ</span>.\n_________\nقال العلامة الطحاوي ﵀ وأجزل له المثوبة (ونَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ.) هذه الجملة فيها بيان لما يجب على المرء المؤمن أن يعامل به نفسه وأنْ يعامِلَ به غيره من إخوانه المؤمنين.\nفمع النفس أهل السنة والجماعة يرجون للمحسن ويخافون على المسيء.\nهذا أصلهم مخالفين أهل التَّقْنِيْطْ وهم أهل الإفراط، وأهل الأَمْنْ وهم أهل التفريط.\nوأصل هذا عندهم أنَّ المؤمن وعده الله - ﷿ - بموعدة لن يُخْلِفَها إياه؛ لأنَّ وعد الله - ﷿ - كان مفعولًا ولأنَّ وعد الله - ﷿ - كان مسؤولًا ﷾.\nفالله - ﷿ - وَعَدَ المؤمن الذي مات على الإخلاص بأن يعفو عنه وأن يدخله الجنة برحمته ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]، وكذلك الله - ﷿ - تَوَعَّدَ من عصاه، تَوَعَّدَ من خالف أمره واتبع هواه، ووعيده قد يَنْفُذْ - ﷿ - ويقع بمن تَوَعَّدَهُ ﷾.\nفلأجل وعيد الله - ﷿ - فإنَّ من فعل ذنبًا ومعصيةً فإنه يُخافُ عليه ولا يُؤْمَنْ جانبه أن يكون ممن دخلوا في الوعيد وعاقبهم الله - ﷿ -.\nفأهل الإيمان:\n- منهم المحسن.\n- ومنهم المسيء.\n- ومنهم من خَلَطَ عملًا صالحًا وآخر سيئًا، هذا يغلبه تارة وهذا يغلبه تارة.\n@ فالمحسن المُسَدَدْ نرجو أن يدخله الجنة ربُّه - ﷿ - برحمته.\n@ والمسيء نخاف عليه أن يُؤْخَذَ بجريرته ونستغفر له ولا نُقَنِّطُهُ من رحمة الله لكن نفتح له باب التوبة وباب الرجاء.\nهذه الجملة مبنية على أصل خالف فيه أهل السنة والجماعة المعتزلة والخوارج وطائفة من غلاة الصوفية في هذه المسائل.\nحيث إنَّ أهل السنة أصَّلُوا ما جاءت به الأدلة من أنَّ وعد الله - ﷿ - مَسْؤُول ومفعول، وربنا - ﷿ - لا يُخلف الميعاد، وأنَّ وعيدَه ﷾ قد يُدْرِكْ العبد وقد يتخلف، وذلك لأسباب يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.\nفالمقصود من هذه الجملة أنَّ أهل السنة والجماعة يُعْمِلُونَ الوَعْدْ فيرجون للمحسن، ويُعْمِلُونَ الوعيد لأنه قد يتحقق ويخافون على المسيء.\nولا يفتحون باب الوعد دون نَظَرٍ في الإساءة كحال المرجئة والصوفية وطوائف.\nولا يُعْمِلُونَ حال الوعيد ويقولون بإنفاذه قطعًا وأنه لا يتخَلَّفْ كحال الخوارج والمعتزلة.\nإذا تبين هذا من حيث الإجمال ففي المقام تفصيل نذكره في مسائل:","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>[المسألة الأولى]:\nأنَّ الرجاء للمحسن بالعفو وعدم الأمن والاستغفار للمسيء والخوف عليه، هذا عقيدة يتعامل بها المرء مع نفسه وكذلك مع المؤمنين:</span>\n- فمع نفسه تَسُرُّهُ حَسَنَتُهُ وتَسُوؤُهُ سيئته، ويرجو لنفسه إذا أَحْسَنْ، ويأمل ويطمع في أن يُدْخِلَهُ الله الجنة برحمته لا بعمله، ولا يأمن على نفسه أن يُقَلِّبَ الله - ﷿ - قلبه، وكذلك لا ينظر إلى نفسه بِعَمَلٍ صالح عَمِلَهْ أَنَّهُ استوجب به الجنة، فدائمًا ينظر إلى نفسه ما بين إحسانها بأن يطمع بثواب الله ورحمته وإذا أساءت فإنه يخاف ولا يقنط من رحمة الله - ﷿ -، هذا مع نفسه.\n- وكذلك مع المؤمنين فإنه ينظُرُ إليهم بهذا الأصل، فمن مات من أهل الإيمان فإنه يرجو أن يعفو الله - ﷿ - عنهم وأن يدخلهم الله الجنة برحمته، ومن مات من أهل الإساءة فإنه يستغفر للمسيء ويخافُ عليه ولا يُقَنِّطُ من أَسَاءَ مِنَ الأحياء وكذلك لا يُقَنِّطُ نفسه في من أساء من أن يعفو الله عن من مات.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>[المسألة الثانية]:\nالرجاء للمحسن من المؤمنين بالعفو هذا يشمل كل أحد حتى من لم يَعْرِفْ لنفسه ذنبًا</span>.\nوذلك لقول النبي ﷺ للصديق أبي بكر ﵁ بأن يدعو في آخر صلاته «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي فإنك أنت الغفور الرحيم» (١) .\nفقول أبي بكر «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرا» هذا تَبَعْ لهذا الأصل، وهو أنَّ المحسن من المؤمنين حتى صاحب المقامات العالية كالصديق ﵁ يرجو أن يعفوَ الله عنه وأن يدخله الجنة برحمته ولا يأمن، كذلك مَنْ دونه من المؤمنين من أهل الاقتصاد وعدم السبق بالخيرات لابد أن يرجو لنفسه ولا يأمن، ويظن أنه محتاج إلى العفو، يعني يعتقد أنه محتاج إلى عفو الله - ﷿ - وإلى رحمته.\n_________\n(١) البخاري (٨٣٤) / مسلم (٧٠٤٤)","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>[المسألة الثالثة]:\nالجمع ما بين الرجاء للمحسن والاستغفار للمسيء هذا تَبَعْ لأصل عظيم وهو الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء</span>.\nفالمأمور به شرعا أن يَجْمَعَ العبد ما بين خوفه من الله - ﷿ - وما بين رجائه في الله - ﷿ -، والخوف عبادة والرجاء عبادة.\n- والخوف المحمود: هو الذي يَحْمِلُ على طاعة الله - ﷿ - بِفِعْلِ أمْرِهِ وتركِ المحرمات، هذا هو الخوف المحمود، وهو المذكور هنا في قوله (نَخَافُ عَلَيْهِمْ) .\n- والخوف المذموم: هو الذي يَصِلُ إلى القنوط من رحمة الله - ﷿ - ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] .\nأ- أولًا: الخوف:\nالخوف من الله - ﷿ - عبادة مستقلة تحمل على:\n١ - فعل الأمر واجتناب النهي.\n٢ - عدم رؤية العمل الصالح -يعني رؤية أثره-، وكذلك على عدم رؤية العمل السيئ في أنه مُوْقِعٌ صاحبه وأنه مُهْلِكٌ له.\nوالله - ﷿ - مَدَحَ عباده الذين يخافونه في كتابه في مواضع كثيرة، كقول الله - ﷿ - في وصف الملائكة ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠]، وأمر الله - ﷿ - بالخوف في قوله ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال - ﷿ - ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]، وذَكَرَ خاصَّةَ عباده من المرسلين بالخوف فقال سبحانه ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] .\nفَأَصْلُ الخوف من الله - ﷿ - عبادة عظيمة لا تستقيم العبادة إلا بها ولا يستقيم الإيمان إلا بالخوف.\nفمن لم يكن عنده خوف أصلًا من الله - ﷿ - فليس بمؤمن لأنَّهُ يكونُ آمنًا، والأمن ينقل عن ملة الإسلام، يعني الأمن التام بعدم وجود الخوف أصلًا من الله - ﷿ -.\nب - ثانيًا: الرجاء:\nوالرجاء: أمل يحدو الإنسان في أن يتحقق له ما يريد.\nقال طائفة من العلماء ونقله الشارح عندكم: إنَّ الرجاء لا يكون إلا باجتماع أشياء:\n- الأول: المحبة لما رجاه، وهو يرجو أن يدخل الجنة فلابد أن يُحِبْ أن يدخل الجنة.\n- الثاني: الخوف وهو أن يخاف مما يقطع عليه أمله، يخاف من الذنوب، يخاف من الكفر، يخاف من النفاق أن يقطع عليه أمله في دخول الجنة.\n- الثالث: أن يعمل الأعمال الصالحة التي تكون سببًا فيما رجا، فمن تَرَكَ تقديم الأسباب وفعل الأسباب فلا يكون راجيًا.\nقالوا: والفرق ما بين الرجاء والأماني:\nأنَّ الرجاء يكون معه خوف وعمل، والأماني إنما هي طمع ليس معها خوف ولا سعي في الأسباب.\nوالمطلوب شرعًا من العبد المؤمن فيما يراه في نفسه ولإخوانه المؤمنين أن يكون راجيًا، وليس بذي أماني، قال الله - ﷿ - ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] .\nفإذًا دَلَّ هذا الكلام من الطحاوي على الأصل الشرعي وهو أنَّ العبد ينظر إلى نفسه في عبادته وفي أثر عبادته إلى أنه يجمع ما بين الخوف والرجاء، وكذلك في نظره إلى إخوانه المؤمنين.","vol":"1","page":370},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nاختلف العلماء في الخوف والرجاء هل يجب تساويهما أم يُرَجَّحُ أحدهما على الآخر على أقوال:\n١- القول الأول: أن يُغلَّبَ جانب الخوف مطلقًا.\n٢- والقول الثاني: أن يُغلَّبَ جانب الرجاء مطلقًا.\n٣- والقول الثالث: أن يستوي عند العبد الخوف والرجاء.\n٤- والقول الرابع: التفصيل، ومعنى التفصيل أنّ الخوف قد يُغَلَّبُ في حال، وقد يُغلَّبْ الرجاء في حال، وقد يُطْلَبُ تساويهما في حال.\nفَيُغَلَّبْ الخوف على الرجاء في حال أكثر المؤمنين؛ لأنَّ أكثر أهل الإيمان عندهم ذنوب فيُغَلِّبُونَ حال الخوف في حال الصحة والسلامة؛ لأنهم لا يخلون من ذنب والخوف يحملهم على ملازمة الطاعة وعلى ترك الذنب.\nوالرجاء يُغَلَّبُ في حال المرض لقوله ﷺ «لا يمت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه» (١) - ﷿ - وللحديث أيضا الآخر الذي رواه البخاري وغيره «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» (٢)، فدل هذا على أنَّ رجاء العبد مطلوب وإذا كان في حال المرض المَخُوفْ أو في أي مرضٍ كان فيه فإنه يُغَلِّب جانب الرجاء على الخوف.\nوفي حال يستوي فيه الرجاء والخوف، وهو في حال التَّعَبُّدْ، إذا أراد العبادة ودخل في العبادة، فإنه يخاف الله - ﷿ - ويرجو ربه - ﷿ -، يخاف العقاب ويرجو الثواب.\n*وهذا القول الأخير هو الصحيح وهو الذي عليه أهل التحقيق.\nومن قال من أهل العلم أنَّهُ يُغَلِّبْ جانب الخوف مطلقا نَظَرَ إلى أنَّ حال أكثر المنتسبين حالهم على ذنب وعلى قصور فتغليب جانب الخوف في حقهم يَرُدُّهُمْ إلى الحق.\nومن قال يُغَلِّبْ جانب الرجاء دائما عمم قوله ﷺ «قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» .\nومن قال بالاستواء دائما نظر إلى قول الله - ﷿ - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وكذلك قوله - ﷿ - ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] .\nوالتفصيل هو الصحيح لأن الأحوال تختلف باختلاف المقامات والناس.\n_________\n(١) المسند (١٤٥٢١)\n(٢) البخاري (٧٤٠٥) / مسلم (٦٩٨١)","vol":"1","page":371},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nقوله (نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) .\nقوله (لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) هذا على مورِدْ التقسيم من أنَّ أهل الإيمان منهم المحسن ومنهم المسيء.\nوليس شرطًا في رجاء العفو أن يكون من أهل الإحسان، وإنما المؤمن إما أن يكون محسنًا وإما أن يكون مسيئًا.\n- والمحسن هو من كان من المقتصدين أو من السابقين بالخيرات؛ لأنَّ أهل الإيمان ثلاث مراتب:\n- الظالم لنفسه.\n- والمقتصد.\n- والسابق بالخيرات.\nكما دلت عليهم آية فاطر ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] .\nوالمحسن من المؤمنين أو المسيء من المؤمنين نرجو أن يعفو الله - ﷿ - عنهم ونخاف على المسيء منهم.\nوعفو الرحمن - ﷿ - عن العبد وعدم مؤاخذته بفعله هذا قد يكون:\n١- مِنَّةً وتَكَرُّمًَا منه - ﷿ - في غير الشرك به ﷾، ومعنى مِنَّةْ أي يَمُنُّ على من يشاء، يعني ابتداءً منه ﷾ بدون أن يفعل العبد سببًا يُحَصِّلُ به ذلك\n٢- وقد يكون بسبب.\n@ فأما ما كان مِنْهُ مِنَّةً وتَكَرُّمًَا فالله - ﷿ - وَعَدْ بل تَوَعَّدْ أن لا يغفر الشرك به فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ قال ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فما دون الشرك يغفره سبحانه لمن يشاء مِنَّةً وتكرمًا منه - ﷿ -.\n@ وأما ما كان بسبب فالعلماء نظروا فيما جاء فيه الدليل من الكتاب والسنة في الأسباب التي تكون رافِعَةً لأثر الذّنب؛ لأنَّ الذنب إذا وقع من العبد فلابد من حصول الجزاء عليه، قال - ﷿ - ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] .\nولمَّا نَزَلَتْ هذه الآية شق ذلك على المسلمين مشقة عظيمة، فعرف ذلك منهم ﷺ فخرج عليهم وقال «سددوا وقاربوا فما يصيب المسلم» أو كما جاء في الحديث «فما يصيب المسلم من مصيبة كانت كفارة له حتى في النكبة يُنْكَبُها وحتى الشوكة يشاكها» (٢) رواه مسلم في الصحيح، فقول الله - ﷿ - ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ دلَّ على أنَّ هناك ما يُكَفِّرُ الله به هذا السوء الذي حصل من العبد وأنه لا يُجَازَى به بل يُرْفَعْ الجزاء بسبب من الأسباب.\nوقال سبحانه ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، يعني ما أصاب العبد من مصيبة في دنياه فهو بسبب ذنْبٍ عمله فتكون كفارةً له ويعفو الله - ﷿ - عن كثيرٍ من الذنوب التي حصلت من العبد.\nإذا تبين ذلك فالأسباب هذه التي يُكَفِّرُ الله - ﷿ - بها الخطايا أو يمحو بها أثر السيئات ويرفع بها أثر الإساءة على ثلاثة أقسام:\n- القسم الأول: أسباب يفعلها العبد.\n- القسم الثاني: أسباب من المؤمنين للواحد منهم.\n- القسم الثالث: أسباب من الله - ﷿ - ابتداءً منه ﷾.\n@ فالقسم الأول أسباب يفْعَلُها العبد:\nوهو ثلاثة أنواع:\n&amp; النوع الأول التوبة:\nوالتوبة مأمورٌ بها إجمالا وتفصيلًا قال - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]، هذا إجمالًا، كل مؤمن حتى الصالح حتى الأنبياء مأمورون بالتوبة، كان ﷺ يقول «إني ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة» (٣) وكان يُحْسَبُ له ﷺ في المجلس الواحد يتوب إلى - ﷿ - مائة مرة، وقال سبحانه ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] .\nفالتوبة مأمورٌ بها سواء كان العبد مُسَدَّدًَا أو كان دون ذلك.\nفأعظم الأسباب التي يفعلها العبد لمحو السيئات عنه التوبة، فمن فَعَلَ سيئة مهما كانت حتى الكفر والشرك فإنَّ الله - ﷿ - يمحو أثره بالتوبة إليه ﷾، قال - ﷿ - بعد أن ذَكَرَ أصناف الكبائر في سورة الفرقان ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧٠-٧١] .\nوالتوبة معناها -ضابط التوبة-: تاب بمعنى رجع.\nوهناك ثلاثة ألفاظ متقاربة لكن المعنى يختلف بدقة وهي:\n١ - آبَ.\n٢ - تابَ\n٣ - ثابَ\nوهي تشترك في الأصل من أنها فيها رجوع.\nآبَ: يعني رَجَعْ، آيبون تائبون تشمل هذه وهذه، فآب رجع، أو أَوَّابْ كثير الرجوع.\n_________\n(١) النساء:٣٨، ١١٦.\n(٢) مسلم (٦٧٣٤) / الترمذي (٣٠٣٨)\n(٣) مسلم (٧٠٣٣) / أبو داود (١٥١٥)","vol":"1","page":372},{"text":"تواب أيضًا كثير الرجوع، لكن تَوَّابْ أو تَابَ من شيءٍ سيئٍ فَعَلَهْ، وأما آبَ فهو رجوعٌ مُطْلَقْ سواء مما يسوء أو مما لا يسوء.\nوتاب مختص أيضًا برجوع خاص.\nإذًا التوبة رجوع إلى الله - ﷿ - بطلب محو تلك السيئات، فإذًا هي توبة ورجوع إلى الله - ﷿ - بطلب محو السيئات.\nهذا هو السبب الأول وهو التوبة وهي أعظم الأسباب قال - ﷿ - ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، أَجْمَعَ العلماء على أنَّ هذه الآية نزلت في التائبين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يعني لمن تاب.\nطبعًا التوبة تفصيل الكلام عليها وشروطها إلى آخره يُطْلَبُ من موضعه.\n&amp; النوع الثاني الاستغفار:\nوالاستغفار هو طلب المغفرة.\nوالمغفرة معناها سَتْرُ أثر الذنب؛ لأنَّ الذنب إذا وَقَعَ من العبد فلابد أن يوجد أثر ذلك الذنب، وهو إما أن يكون العقوبة عليه؛ -يعني أن يُعَاقَبَ العبد على ذنبه في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة-، وإما أن تَقَعْ عليه مصيبة يُكَفِّرُ الله بها ذنبه، وإما أن يُخْزَى بذنبه ﴿لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [البقرة:١١٤] والعياذ بالله -اللهم إنا نعوذ بك من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة-، الخزي يقع بسبب الذنوب.\nفإذًا الذنب إذا وقع من العبد فله أثره الكوني وأثره الشرعي الذي يحصل ولا بد؛ إلا إنْ عَفَا الله - ﷿ - مِنَّةً مِنْهُ وتكرمًا.\nإذا استغفر العبد، طَلَبَ غَفْرَ الذنب، طَلَبَ أن يُسْتَرَ هذا الذنب، فلا يُخْزَى به وأن يُسْتَرَ أثر الذنب فلا يؤاخذ به.\nوهذا قرين التوبة، لهذا جاء في عدة آيات اقتران التوبة والاستغفار؛ لأنَّ الاستغفار مثل التوبة في الأمْرِ بها والحث والحض عليها، قال - ﷿ - ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠]، وقال - ﷿ - ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:١-٣]، الاستغفار صار قبل التوبة من جهة أنَّهُ طَلَبْ مباشرة، طَلَبْ أن يُمْحَى أثر الذنب؛ لأنَّ أثر الذنب لو أخَّرْتَ طلب المغفرة فقد يقع الأثر سريعًا.\n﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ يعني أنَّ التوبة تكون بعد الاستغفار من الذنب، ولهذا النبي ﷺ كان يُقَدِّمْ طلب المغفرة على طلب التوبة فقال «ربي اغفر لي وتُبْ علي» (١)، «أستغفر الله وأتوب إليه» .\nالتوبة والاستغفار نظر فيها بعض العلماء وذكرها الشارح عندكم تبعًا لابن تيمية من أنَّ التوبة والاستغفار من الألفاظ التي إذا اجتمعت تفرقت وإذا تفرقت اجتمعت.\nإذا اجتمعت تفرقت لأنَّ التوبة على ما ذكرت لك من تعريفها والاستغفار على ما ذكرت لك من أنَّ:\n- الاستغفار: طلب ستر الذنب.\n- والتوبة: هي طلب محو الذنب، رجوع في طلب محو الذنب.\nإذا تفرقت فالمستغفر تائب والتائب مستغفر.\n&amp; النوع الثالث الحسنات التي تمحو السيئات:\nوالله - ﷿ - قال ﴿وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]، وقال ﷺ «وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» (٢) فالحسنة تمحو السيئة، فَفِعْلُ الحسنات يمحو الله - ﷿ - به السيئات.\nلكن هل كل حسنة يمحو الله - ﷿ - بها كل سيئة؟\nالجواب ليس كذلك؛ بل السيئة لها ما يقابلها من الحسنات التي تختص بها، والسيئات أيضا منها ما يُبْطِلُ الحسنات التي تقابلها.\nالأول مثل أنَّ الأعمال السيئة الكبيرة مثل الإفساد في الأرض بالشرك بالله - ﷿ - أو بقتل النفوس هذه ذنوب عظام يُكَفِّرُهَا الجهاد في سبيل الله - ﷿ -، كما قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠-١١] الآية.\nالكبائر لها ما يقابلها فإذا كانت الكبيرة بالسرقة وأخذ المال من غير حله وبالربا ونحو ذلك فيقابلها من الكفارات الصدقة.\nإذا كانت كبائر الذنوب من جهة أعمال البدن فيقابلها الصيام والصلاة ونحو ذلك.\nإذا كانت من جهة المال يقابلها الزكاة والصدقات وأشباه ذلك.\n_________\n(١) أبو داود (١٥١٦) / الترمذي (٣٤٣٤) / ابن ماجه (٣٨١٤)\n(٢) الترمذي (١٩٨٧)","vol":"1","page":373},{"text":"فإذًا الحسنات من حيث الجنس يمحو الله بها السيئات والسيئات قد يفعل العبد سيئةً تَبْطُلُ معها حسنةً كان يعملها، ويُسْتَدَلُّ لذلك لما رُوي (من أنَّ زيد بن أرقم تعامل بالعِينَةْ أو باع شيئًا بأجل، باع فرسًا له بأجل بثمانمائة درهم ثم اشتراه ممن باعه عليه بست مائة فربح هذا الفرق، فلما بلغ عائشة ذلك قالت اعلموا زيدًا أنه أَبْطَلَ جهاده مع رسول الله ﷺ) (١)، وهذا اجتهاد من عائشة ﵂.\nوالحديث فيه ضعف معروف يعني إسناده لا يصح، لكن استدل به بعض أهل العلم مثل ابن تيمية ووَجَّهَهُ بأنَّ هذا الفعل وهو حصول الربا مقابل للجهاد، فوقوع التبايع بالعينة هذه قابلت بها عائشة فعل الجهاد.\nولهذا جاء في الحديث اقتران ترك الجهاد بالتبايع بالعينة، جاء فيما صحَّ عنه ﷺ الحديث الذي في السنن وفي غيرها «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد» (٢) فقارَنَ بين هذا وهذا.\nفهذا الأصل يدلُّ على أنَّ الحسنات مُكَفِّرَات للسيئات، وعلى أنَّ بعض السيئات قد تُبْطِلُ بعض الحسنات؛ يعني تكون في مقابلتها من جهة عِظَمْ السيئة حتى أنها تُبْطِلُ -معنى تُبْطِل يعني أنها في الميزان تكون مقابلة لها في عظم الذنب- تلك حسنة كبيرة وهذا ذنب عظيم فتكون هذه مقابلة لهذه إذا وُضِعَت في الميزان.\nالحسنات يُكَفِّرْ الله - ﷿ - بها السيئات مثل ما ذكرنا في الآيات هذه أفعال العبد.\n@ القسم الثاني أسباب من المؤمنين للواحد منهم:\nوهذا المقصود به يعني ما يفعله المؤمنون لإخوانهم مما يكفر الله - ﷿ - به السيئات.\nوهذا يُجَامِعُ الرجاء، فعقيدة أهل السنة والجماعة أنَّ العبد يرجو لنفسه ويخاف على نفسه، فيعمل الأسباب التي لنفسه من الرجاء والخوف التي ذكرنا ومن الاستغفار والتوبة والحسنات، وكذلك يرجو لإخوانه ويخاف على إخوانه، فيعمل الأسباب التي تنفعهم فيما رجا لهم، ويعمل الأسباب أيضًا التي تنفعهم فيما خاف عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك.\nوهذا القسم ثلاثة أنواع أيضًا:\n&amp; النوع الأول الاستغفار والدعاء للمؤمنين (٣) .\nوهذا ينفع، الاستغفار والدعاء نافع سواء أكان من الملائكة أم من المؤمنين من الجن والإنس.\nوالملائكة يستغفرون ويدعون للمؤمنين كما قال - ﷿ - ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] إلى آخره هذا دعاء للملائكة.\nوكذلك دعاء المؤمن للمؤمن في خارج الصلاة أو في الصلاة هذا نافع له وهو من الأسباب التي يُكَفِّرُ الله - ﷿ - بها خطايا المؤمن، فتدعو لإخوانك المؤمنين، تدعو لفلان المعين المذنب هذا يمحو الله - ﷿ - به السيئات.\n&amp; النوع الثاني إهداء القُرَبْ وعَمَلُ العبادات عن المؤمن:\nوهذه تشمل الصدقة عن الغير، أو عمل العمل الصالح وإهداء ثوابه للغير، أو أن يعمل العبادة التي تَدْخُلُهَا النِّيَابَةْ مما جاء في السنة، ويجعلها لغيره مثل:\nالصيام والحج والصدقة ونحو ذلك، هذه يأتي مزيد تفصيل الكلام عليها عند قول الطحاوي (وفي دُعَاءِ الأَحْياءِ وَصَدَقَاتِهم مَنْفَعَةٌ لِلأَمْوَات) .\n&amp; النوع الثالث الشفاعة إما في الدنيا أو في الآخرة:\nفشفاعة المؤمن لإخوانه المؤمنين نافعةٌ له، وأصل صلاة الجنازة لأجل دعاء المؤمن والشفاعة له، ولهذا جاء في الحديث أنه ﷺ قال «ما من مسلمٍ يصلي عليه أربعون من أهل الإيمان إلا شفَّعَهُمْ الله فيه» وفي لفظ آخر قال «كلهم يشفعون له إلا شفّعهم الله فيه» (٤) .\nوالشفاعة تحصل في الدنيا بالدعاء وتحصل أيضًا في الآخرة، فشفاعة الأب لأبنائه والإبن لوالده ونحو ذلك والعالم لأحبابه وأهل القرابة لقراباتهم أو للمؤمنين، ومن ذلك؛ بل أعظم شفاعة النبي ﷺ لطوائف من أمته.\n@ القسم الثالث: أسباب من الله - ﷿ - ابتداءً منه ﷾:\nوهو أربعة أنواع:\n&amp; النوع الأول مغفرة الله - ﷿ - لعبده ابتداءً مِنَّةً منه وتكرّما:\nوهو أعظم الأنواع وأجَلُّهَا، فالله - ﷿ - مَنَّ على عبد بالإسلام وبالإيمان، فقد يَمُنُّ عليه بمغفرة الآثام ابتداءً، وهذا خلْقُ الله - ﷿ - هو سبحانه يثيب من يشاء، ويغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.\n&amp; النوع الثاني المصايب التي تحصل للعبد في الدنيا:\n_________\n(١) سنن الدارقطني (٢١١) / مصنف عبد الرزاق (١٤٨١٢)\n(٢) أبو داود (٣٤٦٢)\n(٣) انتهى الوجه الأول من الشريط السابع والعشرين.\n(٤) مسلم (٢٢٤٢)","vol":"1","page":374},{"text":"مصيبة يوقعها الله - ﷿ - بالعبد، مرض، فَقْدُ حبيب، حَزَن، هَم، نقص مال يهمه، ونحو ذلك مما يعني يفنى شيئا من ماله من بدنه يمرض يصاب بأشياء، هذه المصائب كفَّارَات، يُكفِّر الله - ﷿ - بها من ذنب العبد.\nقال العلماء: المصايب -مصايب بالياء ويجوز مصائب لكن الأصح مصايب أو يعني الأشهر المصايب- التي تحصل على العبد مِنَ الله - ﷿ - هي في نفسها كفارة؛ لأنها ليست من جهة العبد يعني العبد ما اختارها لنفسه، الله - ﷿ - ابتلى به المؤمن، فابتلاه بها ليكفر الله - ﷿ - بها من خطاياه.\nوهذا كما قال ﷺ «ما يصيب المسلم من هم ولا حَزَنٍ ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّرَ الله بها من خطاياه» (١) فالهم يأتي للمؤمن هَمْ، ضِيْقَةْ صَدْرْ لا يدري ما سَبَبُهَا، أو يُبْتَلى بشيء يُضَيِّقْ صدره أو يهمه ويصبح في غم أو في هم.\nهذا سبب لأنه خروج عما يُسْعِدْ العبد وابتلاء من الله - ﷿ - العبد فهذا سبب من أسباب كفارة الذنوب.\nكذلك المصايب في النفس أو في الولد أو في المال أو نحو ذلك هذه المصايب كفارة.\nوهل يؤجر عليها، أو هي كفارة بشرط؟\nالمصايب كفارة بلا شرط بإطلاق، فمن وقعت عليه مصيبة فالدليل دلَّ على أنَّ الله يُكَفِّرُ بها من خطاياه، والحمد لله على فضله وتكرمه ومنته؛ ولكن قد يؤجَرُ على المصيبة وقد يأثَمُ على المصيبة، وذلك إذا صبر أو تسخط، فإن صبر أُجِرْ وإن تسخط أثم.\nفإذًا المصيبة في نفسها كفارة فإن صار مع المصيبة صَبْرْ فهذا أَجْرٌ، وإن صار مع المصيبة تسخط فهذا إثم.\n&amp; النوع الثالث العذاب الذي يحصل على العبد في البرزخ:\nيعني العذاب الذي في القبر، يكون على العبد ذنب من الذنوب أو ذنوب كذا فيعذبه الله - ﷿ - في القبر ثم يوم القيامة لا يُدْخِلُهُ النار.\n&amp; النوع الرابع ما يكون في عَرَصَات القيامة من المصايب والأمور العظام التي قد يبتلي بها الله بعض عباده فيكون في ذلك كفارة لهم.\nفهذه عشرة أسباب فَرَّقَهَا الشارح وقَسَمْتُهَا لك بثلاثة من العبد، وثلاثة من المؤمنين لإخوانهم المؤمنين، وأربعة من الله - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\n_________\n(١) البخاري (٥٦٤١) / مسلم (٦٧٣٠)","vol":"1","page":375},{"text":"[المسألة السادسة]:\nقول الطحاوي (وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ) يعني لا نشهد للمحسن بالجنة، وكذلك لا نشهد للمسيء بالنار، فلا نشهد لأحد من أهل القبلة بجنةٍ ولا نار إلا من شَهِدَ له رسول الله ﷺ، وهذه الجملة يأتي تفصيل الكلام عليها عند قول الطحاوي (وَلاَ نُنَزِّلُ أحَدًا مِنْهُم جَنَّةً ولا نارًا) .","vol":"1","page":376},{"text":"[المسألة السابعة]:\nأَنَّ في قوله (وَلَا نُقَنِّطُهُمْ) التقنيط هو كاليأس أو التأييس من رحمة الله - ﷿ -.\nبمعنى أن يقول القائل هذا ذنب كيف يغفره الله - ﷿ - لك؟\nأو يستعظم أن يعفو الله - ﷿ - عن فلان.\nوهذا قد يكون في بعض من أحواله من كبائر الذنوب، والواجب على المؤمن تجاه نفسه وإخوانه المؤمنين أن يفتح عليهم باب الرجاء إذا أقبلوا تائبين، وأن يَفْتَحَ عليهم باب الخوف إذا كانوا مُفَرِّطين، فإذا كان مقيم على لهوه، مقيم على ذنوبه على كبائره على آثامه فَتَعِظُهُ بالخوف، ولا تَفْتَحْ له الأمل لأنَّ فتح باب الرجاء له في هذه الحال يزيد من فعله للذنوب.\nوهذا من المهمات لأهل الدعوة والمواعظ والخطباء وأئمة المساجد إلى آخره في أنَّ الناس إذا رآهم صالحين وعندهم تَشَدُّدْ يفتح لهم باب الرجاء وباب السهولة، كما قال ﷺ لما أَذِنَ باللعب في المسجد قال «لتعلم اليهود أنَّ في ديننا فسحة» (١) لأنَّ اليهود في شريعتهم ثَمَّ تشديد وآصار وأغلال وُضِعَتْ عليهم أو وضعوها على أنفسهم.\nوأما إذا رآه صاحب خوف وبكاء وكثرة بكاء من خوف الله - ﷿ - وكثرة الخوف من أنَّ الله لا يغفر ذنبه، ودائما يلاحظ ذنبه ويلاحظ كبيرته فهذا يفتح له باب الرجاء.\nفإذًا الواجب هو ما قال أن لا نأمَنَ على المحسن وأن لا نقنّط المسيء فهذه عقيدة وأيضا يتبعها عمل.\n_________\n(١) المسند (٢٤٨٩٩) / مسند الحميدي (٢٥٤)","vol":"1","page":377},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nفي قوله (نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ) قوله (بِرَحْمَتِهِ) هذا كما ذَكَرْتُ لك في أوله بأنه لن يدخل أحد الجنة بعمله بل ما ثَمَّ إلا عفو الله - ﷿ - ورحمته.\nفالله - ﷿ - وَعَدَ من عمل صالحًا بأن يدخله الجنة جزاءً بما عمل قال سبحانه ﴿جَزَاءَ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]، فالجنة يدخلها العبد بالعمل؛ لكن الباء هذه ليست باء المقابلة إنما هي باء السببية؛ يعني بسبب ما كنتم تعملون.\nفالعمل الصالح للعبد وأعلاه توحيد الله - ﷿ - والبراءة من الشرك وأهله والكفر بالطاغوت هذا العمل الصالح هو أعظم الأسباب التي يُدْخِلُ الله - ﷿ - بها العبد للجنة.\nأما المُقَابَلَةْ فإنَّ الجنة وما فيها من النعيم وما أعطى الله العبد مِنَ النِّعَمْ في الدنيا بل ما مَنَّ عليه أصلًا من الهداية لا يستحق الجنة بالمقابلة؛ لأنَّ حصول الهداية للعبد مِنَّةْ من الله - ﷿ - وتَكَرُّمْ ولو تُرِكَ العبد ونفسه لما اهتدى ولاحتوشته الشياطين.\nلهذا لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله - ﷿ - كما قال هنا (نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ) .\nفإذًا أهل السنة والجماعة يقولون إنَّ دخول أهل الجنة للجنة بسبب الأعمال الصالحة، وإلا فإنَّ الدخول برحمة الله - ﷿ - لما دَلَّ عليه قوله ﷺ «لن يُدْخِلَ أحدا منكم الجنة عملُه» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضلا» (١) .\nوأما المعتزلة وأهل إنفاذ الوعيد فيرون أنَّ دخول الجنة يكون بالعمل مقابلةً؛ لأنَّ الله سماه أجر كما يقولون والأجر يقتضي المقابلة.\nنكتفي بهذا، نقف عند هذا أسأل الله - ﷿ - لنا ولكم التوفيق والرُّشْدَ والسداد والعفو من السيئات والرحمة والرضوان.\n_________\n(١) البخاري (٦٤٦٣) / مسلم (٧٢٩٤)","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>الأسئلة:</span>\nس١/ هل جاء في الأثر أنَّ الرجل إذا فعل معصية ولم يتب قبل ست ساعات فإنه يُكْتَبْ عليه ذنب وإن تاب بعدها فلا ذنب عليه؟\nج/ جاء في تفسير قول الله - ﷿ - ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، أنَّ العبد المؤمن إذا فَعَلَ السيئة قال الملك المُوَكَّلْ بالكتابة انتظروا فلعله يتوب أو يفعل حسنةً لمحوها، هذا جاء في الأثر لكن ما أستحضر صحة ذلك.\nس٢/ حديث «من فاتته العصر فقد حبط عمله» (١) هل هو صحيح، ومن رواه؟\nج/ هو صحيح وقد رواه مسلم وهذا اختلف العلماء فيه، والظاهر منه أنّ قوله «من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله» يعني خرجت عن وقتها، يعني أخرجها عن وقتها كلها، يعني بعد المغرب.\nحَبِطَ عمله يعني العمل الذي يقابل هذه الصلاة، ليس مطلق العمل أوكل العمل، لأ.\nومن أهل العلم من قال العمل الذي هو عمل الصلاة ولو صلاها لأنها حابطة.\nس٣/ ما المراد بحديث «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله» (٢)؟\nج/ يعني أنَّ هذا الذنب الذي عمله من عظمه أنَّه كأنه فقد أهله وماله، يعني لو فقد أهله وماله كان أهون عليه.\nس٤/ الفتوى التي انتشرت باستحلال الربا، أي أنَّ بعض العلماء قال إنَّ الربا حلال، أو الفوائد البنكية حلال؟\nج/ هناك فرق بين القول بأنَّ الربا حلال وبين قول أنَّ الفوائد البنكية حلال.\nفمن قال إنَّ الربا حلال فهو كافر، لكن الفوائد فيها الخلاف، فالخلاف فيها قديم.\nوأوَّلْ من أباحها فيما أعلم الشيخ محمد عبده المصري، ولم يُؤَلِفْ فيها لكن أَلَّفْ فيها الشيخ محمد رشيد رضا رسالة معروفة مطبوعة بعنوان (الربا والمعاملات المالية)، ذَكَرْ في إباحة الفوائد، وليس الفوائد فقط حتى القروض التي فيها فائدة إذا كان المسألة ما فيها ظلم، إذا كان ما فيها استغلال للضعيف.\nقالوا لأنَّ الله - ﷿ - علَّلَ التحريم بالظلم فقال ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]، وربا الجاهلية كان فيه استغلال لحاجة الضعيف.\nلكن إذا كانَ ترك المال للبنك فيه قوة للبنك، ترك المال له فيه قوة له، كون بنك يعطيك ما فيه استغلال لحاجتك، وإنما فيه أنَّهُ أعطاكَ، ما استغل حاجتك، لأنك أنت أصلًا لست محتاج، لكن هو أعطاك لقاء عمله بالمال أو أقرض قروض ليست لاستغلال الحاجة إنما هي للإنتاج، يعمل استثمار، مصانع إلى آخره.\nمحمد رشيد رضا كتب فيه كتاب كبير ومشهور (الربا والمعاملات المالية في الإسلام) فيرى أنَّ هذه كلها ما فيها ظلم من الغني الذي هو صاحب البنك لصاحب المال، وإنما هذه فيها إعطاء وإعانة له فليست محرمة.\nوهذا أخذه مجموعة عن المصريين ومجموعة من علماء سوريا، وكثيرين أخذوه.\nلهذا نقول مسألة الفوائد البنكية هذه القول بإباحتها قول ضعيف والأدلة تشمل هذا وهذا، والتعليل بعدم الظلم، يعني الجواب عن هذا يطول، وقول جمهور أهل العلم بل عامة أهل العلم من عدم إباحتها لا هي ولا القروض الشخصية هذا هو الصواب.\nلكن معرفتك للخلاف مفيدة في عدم الدخول في التكفير، لأنَّ الذي يُكَفَّرْ به ما هو؟\nهو ما أُجْمِعْ عليه وهو ربا الجاهلية؛ يعني يعطيه قرض مثل ما قال قتادة ومجاهد وجماعة يعطيه قرض حسن ثُمَّ إذا أتى وقت السداد قال له جاء وقت السداد إما أن تقضي وإما أن تُرْبِيْ، ويكون هذا غالبًا من الغني للفقير استغلالًا لحاجتة، فهو يعرف أنه لا يستطيع، فهذا الذي فيه ظلم وفيه إذلال إلى آخره.\nهذا المجمع عليه وهو ربا الجاهلية والذي جاء فيه النص.\nفهذا من أباحه فهو كافر، يعني إباحة ذلك كُفْرْ، أما المسائل الثانية ربا القروض وربا الاستثمار والفوائد فهذه ما فيها تكفير فيها صواب وغلط، لكن ما فيها تكفير، وهذه مهمة.\nمثل شيخ الأزهر لما أباحها فهو مسبوق، كلامه فيها أضعف من كلام رشيد رضا، رشيد رضا أصَّلْهَا تأصيل يعني فيه شبهة.\nس٤/ذكر العلماء لفظ الحد لله، فما المراد به؟\nج/ الحد لله - ﷿ - يريدون به أنَّ الله ﷾ غير مختلط بخلقه، فالله - ﷿ - قالوا بِحَدْ يعني أنه غير مختلط بالخلق، غير ممازج لخلقه؛ لأنه لو كان ممازجًا كان ما صار فيه حد، لكن بِحَدْ يعني ثَمَّ حَدٌ ينتهي إليه الخلق، الخلق فيه حد ينتهون إليه ويبقى رب العالمين، هذا معنى بِحَدْ.\nس٥/ هل قال أحدٌ منهم أنه أراد به العلو؟\nهو العلو من ضمنه، فهو أوضح المسائل تطبيقًا، يعني استوى على عرشه.\nقال بحد؟\nقال نعم بحد، مثل ما قال سفيان وغيره وحماد بن سلمة، بحد يعني أنه مستوي على عرشه بذاته - ﷿ - غير ممازج لخلقه غير مخالط لخلقه، هذا معنى بحد.\nقال نعم، بحد؛ يعني غير مخالط منفصل.\nقال نعم بحد؛ يعني فيه حد ينتهي الخلقُ إليه، فيكون ما ثمَّ إلا رب العالمين.\nس٦/ الذي يقيم الحجة هل [.....]؟\nج/ ما هو شرط المهم يكون عالما.\n_________\n(١) البخاري (٥٥٣) / النسائي (٤٧٤)\n(٢) البخاري (٥٥٢) / مسلم (١٤٤٨)","vol":"1","page":379},{"text":"س٧ /ممكن يكون لا يعرفه يعني؟\nلا، ما يعرفه ما يصلح، لابد يكون عالمًا معروفًا.\nس٨ /هل يعني الذي تقام عليه الحجة عارف الذي يقيم عليه الحجة؟\nلا يعرفه شخصًا، هو يعرف أنه عالم وليس جاهلًا، فمثلًا اثنين [.....]، لا يكفي، لابد يكون عالمًا، وهذه تختلف، إقامة الحجة تختلف، فيه مسائل التي يمكن أي واحد -المعلوم من الدين بالضرورة- أي واحد يقيم، لكن في المسائل الخفية التي فيها شبه.\nس٩/هل الناس في البلاد العربية ينطبق عليهم حكم الأعجمي لأنهم قد ابتعدوا عن اللسان العربي من ناحية فهم الألفاظ والمعاني؟\nالعلماء لا ينطبق عليهم، العلماء الذين درسوا اللغة ودرسوا النحو وهو عالم يعرف العقيدة ودَرَسْ، هذا القرآن كافي في حقه؛ لأنه مفرط كونه ما عرف، لكن العوام وأشباه العوام هؤلاء يحتاجون إلى بيان.\nس١٠/ آحاد الناس ما يُكَفِّرُونَ أحدًا، فقط التكفير يقتصر على العلماء والقضاة و[.....]؟\nيعني في المسائل التي تحتاج إلى إقامة الحجة، لكن المعلوم من الدين بالضرورة.\nيعني مثلا شخصٌ قال لأحد من المسلمين الخمر حلال.\nهذا يكفِّرُهُ لأنَّ هذا لا يحتاج إلى استدلال، معلوم من الدين بالضرورة.\nلكن تجيء المسائل الخفية أو المسائل التي تحتاج إلى إقامة الحجة، المسائل الخفية يعني النادرة أو التي تحتاج إلى إقامة الحجة، فما دام فيه إزالة شبهة فلا بد من عالم يزيلها أو يحكم.\nلكن المعلوم من الدين بالضرورة الذي لا يُحْتَاجْ فيه إلى استدلال أصلًا.\nوهذه فيها تفصيلات تختلف باختلاف البلاد والأماكن.\nس١١/ذكر شيخ الإسلام في مسألة حفظ [..] ... لما قال إنه [.....] ذكر كلام قال لو كان كَفَّرَهْ لكان مثلًا سعى في قتله؟\nكلام شيخ الإسلام صحيح، حتى هو يقول أنا أقول للمخالفين لو قلت بما تقولون به لَكَفَرْتُ؛ لأنَّهُ عنده العلم الواضح، يقول للمخالفين لو قلت بما تقولون به لكفرت، فهذا أصل مهم.\nس١٢/إيش معنى تكفير الشافعي لحفص الفرد؟ (١)\nما كَفَّرَهُ عينًا.\nس١٣/لكن هو قال كفرت بهذا؟\nكَفَرْتْ يعني لم يحكم عليه بالردة، كَفَرْتْ يعني هذا من باب الوعيد، لكن ما حَكَمْ عليه بالردة في نفسه، يعني المقالة هذه التي قلتها أنت كفرتَ بها، كفرتَ بقولك هذا.\nلكن هل معنى كَفَرْتْ أنه جَعَلَ هذا الكفر مستديمًا معه يعني خَرَجْ من الإسلام به؟\nهذه لابد فيها إقامة الحجة، فإنه إذا كان اكتفى بذلك وأقام الحجة عليه خلاص يصير مرتد.\nفإذًا ظاهر كلام ابن تيمية الذي قلته الآن أنه يقول أن الشافعي ما حكم عليه بالردة.\nيقول شيخ الإسلام: قال له كَفَرْتْ من باب الوعيد لأن مقالته مقالة كفر؛ لكنه ما حكم عليه.\nس١٤/بما أَنَّهُ ناقشه، ألا يكون قد أقام عليه الحجة؟\nوالله كلام ابن تيمية ما يساعد بهذا، ما يساعد أنه كفّره.\nس١٥/ التسخط على المصيبة هل يكون في الألفاظ فقط؟\nج/ التسخط معروف، التسخط منافي للصبر، باللسان تكلم باللسان، أو الجوارح يضرب، أو في قلبه يظن الظن السوء بالله - ﷿ -.\nيقول ما الذي أتاني، أنا لا أستاهل هذا، غيري أولى مني.\nهل هو باللسان فقط؟\nالتسخط له ثلاثة، الصبر له ثلاثة موارد، وكذلك التسخط له ثلاثة موارد، تسخط بالقلب، تسخط باللسان، تسخط بالجوارح.\nس١٦/ [.....]؟\nج/ هو غلط كلامه، كلام الطحاوي ما هو صحيح، إذا كان أراد به ما نكفره بأي ذنب حتى يستحله، يدخل فيه الشرك بالله، يدخل فيه السجود للأوثان، مسبة النبي ﷺ ومسبة الله فكلامه غير صحيح، إنما ظاهر السياق أنه أراد مخالفة الخوارج والمعتزلة، الخوارج والمعتزلة كلامهم في إيش؟ في الكبائر العملية، لذلك بذنب يعني من الذنوب العملية أو بمجرد ذنب أو بكل ذنب.\nس١٧/ بالنسبة للقضاء والقدر، أحيانًا تحدث المصيبة بسبب فعل الإنسان، مثل أن يسعى فيها أو يسعى في بعض أسبابها، كأن يكون إنسان باعَ شيئًا واستعجل في بيعه ثم اكتشف أنه أخطأ في بيعه، ثم جلس يقول يا ليتني لم أبعه أو ما أشبهه، فهل هذا معارض للقضاء والقدر؟\nج/ أولا الرضا له جهتان:\n- الرضا بفعل الله - ﷿ -، بتصرف الله في ملكوته هذا واجب.\n- والثاني الرضا بالمصيبة بالذنب، الرضا بفقد المال، الرضا بالمرض هذا مستحب ولا يقدر عليه كل أحد.\nفالرضا بقضاء الله - ﷿ - الرضا بفعل الله ﷾، تصرف الله في ملكوته يعني حيث هو من فِعْلٌ الله - ﷿ - يرضى ولا يسخط تصرف الله في ملكوته.\nلكن يسخط المصيبة، يسخط المرض، لكن يقول الله - ﷿ - ما شاء فعل هذا ملكه وأنا عبد من عباده؛ لكن إذا نظر إلى المصيبة سخطها إذا نظر إلى المرض سخطه، فهذا مستحب أنه يرضى بالمصيبة.\n_________\n(١) سنن البيهقي الكبرى (١٩٦٩٠) / حلية الأولياء (٩/١١٣) / درء تعارض العقل والنقل (٤/٥)","vol":"1","page":380},{"text":"ولهذا مسائل الرضا فيها قال ﷾ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٢-٢٣] .\nقوله هنا (في كتاب) و(قدر) و﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ هذا تعليق أنَّ عدم اليأس وعدم الفرح يَعْظُمْ ويُوجَدْ بقوة إذا قوي إيمان العبد بفعل الله.\nالمقصود الواجب هو الرضا بفعل الله، أما الذي يسميه العلماء الرضا بالقضاء، يعني كون الله - ﷿ - قضى هذا الشيء، أما المقضي المصيبة ما هو واجب بل هو مستحب، يختلف فيها الناس، ناس رضاها دائم وناس يرضى ساعة وساعة ما يرضى، يختلف الناس، والله المستعان.\nس١٨/ عبارة ليس بالإمكان أبدع مما كان، قد يُكَفَّرْ قائلها؟\nج/ قد يُكَفَّرْ به إذا عنى شيئا، إذا عنى ليس بالإمكان أبدع مما كان أن الله - ﷿ - لا يقدر أن يخلق أجمل من هذا الكون، هذا كفر؛ لأن هذه الكلمة قد يقولها القائل وتحتمل معنىً صحيحا وقد يقولها وتحتمل معنى باطلا، وقد تصير كفر.\nإذا قال ليس في الإمكان أبدع مما كان يعني وجود هذه الطبيعة ما يمكن يكون فيه أحسن منها، ما يمكن أن الله أن يخلق أجمل من هذه أعوذ بالله، الله تعالى على كل شيء قدير.\nس١٩/ «لا يدخل الجنة قاطع رحم» هل معناها أنه لا يدخلها مطلقا؟\nج/ يعني لا يدخلها أولا؛ بل هو متوعد بالعذاب على قطعه الرحم حتى يُطهَّر هذا من أحاديث الوعيد.\nس٢٠/ الفخر بالأحساب هل يلحق بالطعن في الأنساب في الكفر وهل هناك ضابط؟\nج/ لا، هذا فعل جاهلي، هو فقط من خصال الجاهلية وليس كفرًا، هذا من خصال الجاهلية منها ما يصل إلى أنها كفر يعني من جهة أنها ذنب عظيم إلى آخره، ومنها من الخصال التي تركها واجب مثل التفاخر مثل التطاول.\nأما الضابط فليس فيها ضابط، فما دام أنه مسلم وحقق التوحيد فليس جاهلي، هذا أصل.\nقد يأتيه خصلة تكون من خصال الجاهلية مثل ما قال النبي ﷺ لأبي ذر «أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية»، فقد يكون في المسلم في المؤمن خصلة من خصال أهل الجاهلية، خصلة واحدة خصلتين، ثلاثة، عشرة؛ لكن ما يقال فلان جاهلي، جاهلي معناه أنك سلبته [.....]، أما أن تقول فيك جاهلية تفاخر بالأحساب الطعن بالأنساب تقول فيك جاهلية هذا صحيح.\nسبحانك اللهم وبحمدك. (١)\n_________\n(١) انتهى الشريط السابع والعشرون.","vol":"1","page":381},{"text":": [[الشريط الثامن والعشرون]]:\n\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.\nالأسئلة:\nس١/ هل هناك فرق بين فهم الحجة والاقتناع بالحجة؟\nج/ هذا مرّ معنا الجواب عليه (١) وهو أنَّ فهم الحجة الذي لا يُشترط في إقامة الحجة هو الاقتناع، كونه اقتنع أو لم يقتنع هذه ليس شرطًا؛ لكن المهم أن تُقَام عليه الحجة بوضوح وبدليل لأنه إذا قلنا بشرط الاقتناع معنى ذلك أنه لا يكفر إلا المعاند، والأدلة دَلَّتْ في القرآن والسنة على أنَّ الكافر يكون معاندًا ويكون غير معاند، يكون مقتنع وأحيانًا يكون غير مقتنع عنده شبهة لا زالت عنده ولكن لم يتخلص منها لأسباب راجعة إليه.\nس٢/ ما الدليل على أخذ جبريل ﵇ القرآن من الله تعالى مباشرة، لا من اللوح المحفوظ وأنَّ الله كلمه به؟\nج/ الدليل على ذلك أنَّ الله - ﷿ - نسب القرآن وأضاف القرآن إلى نفسه تكليما به قال - ﷿ - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] . ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فسَمَّاهُ كلامًا له - ﷿ -، وقال ﷾ في ذكر جبريل ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي في القرآن وجبريل ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢-١٩٥]، ودلّ على أنَّ هذا التنزيل تنزيل سماع لا تنزيل كتابة قوله ﷺ في الحديث الصحيح «إذا قضى الله الوحي في السماء سُمِعَ له كجر سلسلة على صفوان» (٢) إلى آخر الحديث، فيكون جبريل أول من يفيق فيقولون ماذا قال ربكم، لا، فتفيق الملائكة فينفذ ذلك فيهم.\n«إذا قضى الله الوحي في السماء برزت الملائكة بأجنحتها في السماء خضعانا لقوله فينفذهم في ذلك» يعني إلى قوله «فتقول الملائكة ماذا قال ربكم فيقول جبريل ﵇ «الحق وهو العليّ الكبير» فالوحي يسمعه جبريل ﵇ ثم يبلغه النبي ﷺ.\nوأما قول من قال من الأشاعرة إنه يأخذه من اللوح المحفوظ، فهذا ليس بصحيح وليس من أقوال أهل السنة البتة؛ لأنَّ ما في اللوح المحفوظ من القرآن هذا مجموع على جهة الكتابة، والقرآن له جهتان:\n- جهة سماع.\n- وجهة كتابة.\nجهة كلام من الله - ﷿ - يُسمع، وجهة كتابة.\nوجهة الكتابة هي ما في اللوح المحفوظ من القرآن بأجمعه من أوله إلى آخره، وجبريل ﵇ لا ينتقي هذه الآية يأخذها وينزلها في الوقت المحدد، ثم يأخذ الآية الأخرى وينزلها في الوقت المحدد، وإنما هو وحي الله - ﷿ -.\nقال سبحانه ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]، قالت عائشة ﵂: سبحان الذي وسع سمعُه الأصوات، فقد جاءت المجادلة تجادل رسول الله ﷺ وأنا في حجرتي لا أسمعها (٣)، وهذا مصيرٌ من عائشة ﵂ إلى أنَّ الله - ﷿ - سمع ذلك منها فقال ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ .\nالمقصود من ذلك أنَّ تنزيل القرآن تنزيل سماع، أما الكتابة فهي موجودة في ثلاثة أشياء:\n١ - موجودة في اللوح المحفوظ كما قال - ﷿ - ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩]، وقال - ﷿ - ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢]، هذه الأولى.\n٢ - والثانية في الكتابة ما هو موجود في بيت العزة في السماء الدنيا، وهذا على القول بصحة أثر ابن عباس ﵄ في ذلك.\n- والثالث المكتوب في المصاحف التي بين أيدي المسلمين.\nهذه ثلاثة كتابات، والكتابة ليست تكليما وإنما هي كتابة.\nوحيثما وجد في اللوح المحفوظ أو في بيت العزة أو في المصاحف كله كلام الله - ﷿ - ينسب إلى الله - ﷿ - أو يضاف إلى الله - ﷿ - إضافة صفة إلى موصوف.\nس٣/ قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤]، ما المقصود بالمعصية هل هي الصغائر أم الكبائر أم الشرك؟\nج/ المعصية هذه التي توعّد الله - ﷿ - عليها بدخول النار والخلود فيها والعذاب المهين هي الكفر بالله - ﷿ - والشّرك الأكبر والردة عن الإسلام والعياذ بالله، هذا هو الذي يترتب عليه ذلك.\n_________\n(١) انظر (٣٦٠)\n(٢) البخاري (٤٧٠١) / أبو داود (٤٧٣٨) / الترمذي (٣٢٢٣) / ابن ماجه (١٩٤)\n(٣) النسائي (٣٤٦٠) / ابن ماجه (١٨٨)","vol":"1","page":382},{"text":"والكبائر والصغائر داخلة في عموم المعصية ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يدخل فيها الكبائر والصغائر؛ لكن قوله ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ هذا يدُلُّ على أنَّ هذه المعصية هي المعاصي التي لا يدخلها التكفير، وهي الكبائر إن مات مصرًّا عليها ولم يتب؛ يعني ولم يشأ الله - ﷿ - أن يغفر له والكفر والشرك كما ذكرتُ لك.\nإذًا فالآية فيها الكبائر التي لم يَتُبْ منها مثل القتل مثل شرب الخمر ونحو ذلك، هذه إذا مات المسلم وهو يفعلها ولم يتب منها فإنه تحت المشيئة إن شاء الله - ﷿ - عفا عنه وإن شاء عَذَّبَهْ، وهذا يدخل في العذاب.\n﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ الخلود في القرآن نوعان:\n- خلود أبدي.\n- وخلود أمدي.\nالخلود في اللغة واستعمال القرآن على ذلك أنَّ الخلود معناه المكث الطويل، إذا مَكَثَ طويلا قيل له خالد، ولذلك العرب تسمي أولادها خالدًا تفاؤلًا بطول المكث، بطول العمر، سَمَّوهُ خالدًا؛ يعني أنه سيعمر عمرًا طويلًا، وليس معنى الخلود يعني أنه خلود ليس معه انقطاع، وإنما هذا يُمَيَّزْ بالأبدية لهذا في الآيات ثَمَّ آيات فيها ﴿أبدًا﴾، وثَمَّ آيات ليس فيها الأبدية، فلما جاء في القتل قال ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، أجمع أهل السنة على أنَّ الخلود في هذه الآية ليس أبديًا لأنَّ مرتكب الكبيرة يخرج من النار بتوحيده.\nوالآيات التي فيها الخلود الأبدي واضحة كقوله - ﷿ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦]، لا، الآيات متعددة ما استحضرتها الآن، فإذًا الخلود نوعان في القرآن.\nشيخ الإسلام ابن تيمية له بحث في هذا، لكن لا يُسَلَّمْ له. (١)\nس٤/ لو قال لي شخص: أنتم يا أهل السنة والجماعة متناقضون في تقسيماتكم؛ كيف تقولون إنَّ الله نُثْبِتْ له صفة العلو بذاته وفي نفس الوقت تقولون إنه ينزل في الثلث الأخير من الليل، والنزول من الصفات الفعلية، فهل هذا إلا جمعٌ بين نقيضين؟\nج/ ليس أهل السنة الذين قالوا بهذا، الذي قاله النبي ﷺ، هو الذي أثبت العلو لله - ﷿ - بذاته، وهو الذي أخبر بنزول الرّب - ﷿ - في آخر كل ليل، فإذا كان ثَمَّ تناقض فنُعِيذْ من يقول هذا أن ينسب التناقض للنبي ﷺ.\nوقوله هل هذا إلا جمع بين النقيضين هذه مشكلة كل مؤوّل وكل مُحَرِّفْ هذا السؤال يمثل مشكلته.\nوهي أنَّ المُؤَوِّلْ مُشَبِّهْ، ما أوَّلَ إلا لأنه شبَّه، قام في ذهنه أنَّ إثبات الصفة فيه مشابهة ومماثلة لما يعلمه من اتصاف المخلوق بالصفة، ثُمَّ شَبَّهَ ثُمَّ نَفَى.\nما ينفي أحد في مجال الصفات والعقائد إلا أنه شَبَّهَ قبل، وإلا كيف تنفي؟\nأنت لا تَقُلْ إنَّ الكيفية تعلمها أصلًا أو أنَّ الكيفية لها مماثل فيما ترى أو فيما رأيت، كيفية اتصاف الرب - ﷿ - بصفاته لا يعلمها أحد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فلا نعلم حقيقة اتصافه بالصفة ولا كيفية اتصافه بالصفة.\nفإذا قال قائل: هذا يمتنع إننا نقول أنه - ﷿ - عالٍ بذاته ﷾ وأنه ينزل، يقول هذا جمع بين النقيضين؛ فمعناه أنه شَبَّهْ.\nلأنه عَدَّهُ جمعًا بين النقيضين لماذا؟\nلأنه جَمْعٌ بين النقيضين في حق بعض المخلوقات، وليس كل المخلوقات؛ لأنه يمكن أن ينزل المخلوق ويبقى عاليًا، ينزل المخلوق ويبقى عاليًا؛ لكن النزول مع الاستواء على العرش هذا من خصائص الله - ﷿ -، لكن المخلوق يمكن أن ينزل وأن يكون عاليًا بذاته مثل الملائكة ينزلون وهم في العلو، أما الاستواء على العرش مع النزول هذا خاص بجلال الله - ﷿ -.\nفإذًا إثبات الصفات إثبات معنى لا إثبات كيفية، من قال هذه تجمع مع هذه، هذا فيه تناقض، كيف؟\nهذا معناه أنَّهُ شَبَّهْ، اسْتَحْضَرْ من الصفة مماثلة اتصاف المخلوق بها ثم نفى، وهذه مشكلة كل المؤولة.\nس٥/ أيهما أعظم جُرْمًَا وذنبًا الحلف بغير الله أو الزنا؟\nج/ الحلف بغير الله كفر والزنا ليس كفرًا، ومعصية سمَّاها الله - ﷿ - كفرًا هي أعظم من معصية لم يسمها الله - ﷿ - كفرًا، وهذا المقصود به من حيث الجنس يعني جنس الحلف بغير الله وجنس الزنا.\nلكن لو تطبقه على شخص لا يسوغ التطبيق، تقول هذا حَلَفَ بغير الله وهذا زنى، معناه هذا أبشع من هذا، فإنَّ هذا لا يُطَبَّقْ في كل نواحي الموازنة هل هذا أعظم أو هذا أعظم المقصود به النوع، أما إذا أتيت إلى الأفراد فهذا يختلف باختلاف الأحوال.\nس٦/ هل الذبح أمام أو عند قدوم الضيف شرك، حيث إنَّ بعض من ينتسب إلى أهل العلم يقول إذا كان على وجه الإكرام يجوز ذلك؟\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الثامن والعشرون.","vol":"1","page":383},{"text":"ج/ الذبح إراقة الدم من أعظم القربات لله - ﷿ -؛ لأنَّ الذي أجرى الدم في هذا المخلوق هو رب العالمين، فالدم هو الحياة، جريان الدم هو الحياة، فإراقته إنما تكون تقربًا لمن وهب هذه الحياة ووهب هذه الأنعام التي ينتفع بها الإنسان، التقرب بإراقة الدم إذا كان لمخلوق فهو كفر بالاتفاق، تقرّب بإراقة الدم لمخلوق تقربًا له تعظيمًا له هذا كفر بالإتفاق، هذا شرك من جهة العبادة، فإنْ سَمَّى غير الله - ﷿ - عليه صار مما أُهِل لغير الله به فرجع إلى الشك في الربوبية والاستعانة.\nالذي يحصل عند البادية في بعض البادية أنهم إذا أرادوا أن يُكْرِمُوا ضيفًا -وليس كل ضيف- الضيف الذي يعظمونه أو سلطان أو أمير أو نحو ذلك، فإنهم يذبحون الذبيحة ليسيل الدم أمامه وهو يرى، وهذا جرت عادتهم أنَّ هذا على جهة التعظيم للقادم لا على جهة الإكرام، يُكْرِمون أضيافهم بالذبح وراء البيت بالذبح في أي مكان؛ لكن كونه ينحر الإبل والدم يضرب بقوة والضيف يأتي، هذا لا يفعلونه إلا للمُعَظَّمْ فيهم، وهذا نوع تقرب للمخلوق بهذا الدم، ما نقول تقرب لكن هو نوع تقرب، ولذلك حَكَمَ العلماء على أنَّ هذه الذبيحة ليست مباحة بل هي ميتة، لا يجوز أكلها، ويجب الإنكار على من فعل ذلك، سواء فعله مع سلطان أو مع أمير أو فَعَلَهُ مع رئيس قبيلة أو فعله مع ضيف معتاد ممن يُعَظَّمْ؛ يعني ليس من هؤلاء، فإنه لا يجوز الأكل منها، إذا ذبحها أمامه ضابطها أن ينحر الإبل ويضرب الدم وهذا يدخل أمامه وهو يرى لدخوله.\nلكن لا يدخل في ذلك وهو جالس مثلًا في المكان أو في الخيمة أو في البر، هو جالس ثم دعوه على الكل فصاروا ذبحوا الذبيحة وهو ينظر إليها؛ لكن الضابط هو إراقة الدم وسيلانه وهذا يتحرك وهذا يقدم مثل ما حصل قريبًا، نسأل الله - ﷿ - العافية والسلامة، هذا كله محرم وكبيرة من الكبائر وبعض حالاته يكون شركًا في هذا؛ لكن على كل حال هذه الذبيحة محرمة ميتة لا يجوز الأكل منها.\nس١٩/ لُوحظ في الآونة الأخيرة على بعض الشباب الملتزم الأخذ من اللحية تخفيفًا، فما حكم هذا العمل؟ وما حدود اللحية؟، وهل يُصَلَّى وراء الإمام الرسمي؟ آمل التكرّم بتفصيل مسألة بدعية الأسابيع المتكررة: المساجد الشجرة إلى آخره؟\nج/ أما حكم الأخذ من اللحية، فحلق اللحية حرام بالإجماع نص ابن حزم على تحريم حلق اللحية بالإجماع، وكذلك غيره، وعلماء المذاهب الأربعة يختلفون في هذه المسألة من حيث تحريم الحلق أصْلًا.\nوالذي دَلَّتْ عليه الأدلة الواضحة في السنة بألفاظ مختلفة أنّ إعفاء اللحية مأمور به قال ﷺ «خالفوا المجوس أعفوا اللحى وحفوا الشوارب» وفي رواية أخرى قال «أرخوا اللحى» (١)، وفي رواية ثالثة قال «وفّروا اللحى» (٢)، وقال «أكرموا اللحى»، وهذا يدل على أنَّ هذه الأمور مأمور بها، وأنَّ حلق اللحية حرام، وقد روى ابن السعد أيضًا وغيره أنَّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ من المجوس وكان حالق اللحية وكان موفّر الشارب جدًا فانصرف عنه ﷺ فلما أقبل عليه قال له «من أمرك أن تفعل هذا؟» فأجابه الرجل، فقال ﷺ «ولكن الله أمرني أن آخذ من هذا» يعني شاربه «وأعفي هذه» (٣) يعني اللحية.\nإذا تقرر هذا فما هو حد الإعفاء لغةً وشرعًا الذي يحصل به الإعفاء، وهل معنى الإعفاء أنه لا يجوز أخذ شيء من اللحية، للعلماء في ذلك أقوال:\n- الإمام أحمد وأصحابه ذهبوا إلى أنَّ إعفاء اللحية بتركها على حالها سنّة، وأنّ الأخذ منها إذا لم يكن إلى حد الحلق فإنه مكروه، وهذا هو الذي مدوّنٌ في مذاهبهم، والإمام أحمد كان يأخذ من لحيته كما ذكره إسحاق ابن هانئ في مسائله.\n- والقول الثاني وهو المُفْتَى به عند علمائنا وذلك لظاهر الأدلة أنَّ معنى الإعفاء ألا يُؤْخَذَ منها شيء أصلًا بدليل قوله (وفّروا اللحى)، (أكرموا اللحى)، (أرخوا اللحى) وهذه كلها مأمور بها.\nلكن ما هو حد الإعفاء هذا؟\nالذين قالوا بأنَّ الأخذ من اللحية ليس مخالفًا للإعفاء، قالوا هذا الأمر، أعفوا، أرخوا، خالفه الصحابة بالأخذ بما زاد عن القبضة فَدَلَّ على أنَّ حد الإعفاء ليس مطلقًا؛ يعني بِأَنَّ من أَخَذَ فقد خالف الأمر بالإعفاء.\nولهذا ذهب جماعة من العلماء منهم الحنفية ونَصَرَهُ الشيخ ناصر الدين الألباني في هذا الوقت نصرًا بالغًا بأنَّ حد اللحية إلى القبضة، وما زاد على ذلك فلا يُشْرَعْ، وهذا القول فيه ضعف ظاهر؛ لأنَّ من الصحابة من كان كث اللحية جدًا وعظيمها وكانت لحيته تبلغ إلى صدره، كما ذُكر عن علي ﵁، والنبي ﷺ كان كثَّ اللحية جدًا ونحو ذلك مما يدل على أنَّ حد الإعفاء بالقبضة وأنه لا يجوز أن يُعْفِيَ أكثر من القبضة هذا قول يحتاج إلى أدلة واضحة في ذلك.\n_________\n(١) هذا اللفظ وما قبله في مسلم (٦٢٦)\n(٢) البخاري (٥٨٩٢)\n(٣) الطبقات لابن سعد (١/٤٤٩) / التمهيد (٢٠/٥٥)","vol":"1","page":384},{"text":"ولو كان أنَّ الزيادة على القبضة لا تجوز كما ذهب إليه الشيخ ناصر الدين الألباني -حفظه الله- لما خَصَّ الصحابة الأخذ من اللحية مما زاد عن القبضة بالنُّسك، ابن عمر كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما زاد عن القبضة أخذه، لو كان مطلق أنه ما يعفي أكثر من القبضة فمعناه أنه لا يُخَصْ بالنسك؛ لأنَّ تخصيصه بالنُّسك هذا يدل على معنى آخر وليس على الإطلاق.\nالمقصود من ذلك أنَّ العلماء لهم في ذلك أقوال:\nالقول الأول ما ذكرته لك من المفتى به عند علمائنا وهو أن الإعفاء بأنَّهُ يتركها على حالها، طبعًا إلا في حالة التشويه وهذه حالات نادرة.\nوالقول الثاني أنَّ الحلق يحرم وأنَّ تركها على حالها مستحب، والأخذ منها مكروه؛ يعني تَرَكَ فيه الأفضل.\nوالقول الثالث هو أنَّ الزيادة على القبضة لا يجوز؛ بل بدعة وهو قول الشيخ ناصر الدين الألباني، وهو قول ليس له حظ من الدليل.\n[.....]\nراجعة إلى كلمة (إعفاء) ما حدّه في اللغة؟ الأقرب من حيث النّظر وفعل الصحابة أنّ الإعفاء ما له حد؛ لكن المأمور به أن لا يكون المرء مشابهًا للذين يحلقونها أو يَقُصُّونَهَا شديدًا؛ لأنَّ النووي ﵀ ذكر خصال إثنا عشرة أو عشر خصال في اللحية مذمومة، ومنها أشياء يُوَافَقُ عليها ومنها الأخذ منها شديدًا وهذا من فعل المجوس ومنها حلقها، وهو من المعاصي لكن ليست كبيرة، حلق اللحية ليس من الكبائر.\nنكتفي بهذا القدر، وتعذورنا على الإجابة على الأسئلة لكن لعل فيها فائدة إن شاء الله تعالى. (١)\n_________\n(١) انتهى الشريط الثامن والعشرون.","vol":"1","page":385},{"text":": [[الشريط التاسع والعشرون]]:\n\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:\nالأسئلة:\nس١/ يقول: إذا كان لفظ الحَنَفِي من ألْفَاظِ الأضداد التي تُطْلَقْ على الميل والاستقامة، فلماذا لا يقال من الأصل إنَّ إبراهيم ﵇ كان مستقيمًا على التوحيد ولا يقال مائلًا عن الشرك؟\nج/ لفظ (الحَنَفْ) في اللغة هو الميل، والحنيف يعني المائل، والرجل به حَنَفْ إذا كان به ميل في ساقيه أو في إحدى ساقيه، والأمور التي قال فيها العرب ونطقت العرب فيها بالأضداد؛ يعني أن تُطْلَقْ الكلمة وتُسْتَعْمَلْ في الشيء وفي ضده، هذا شائع في لغة العرب، وهو في اللغة يعني في اللّسان على نوعين:\n- منها ما يُطْلَقُ على الشيء وعلى ضده ويُنْظَرُ فيه إلى التلازم؛ بمعنى أنَّ الشيء وضده متلازمان إذا وُجِدَ أحدهما وُجِدَ الآخر، ومن هذا الحنف، فيقال ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٠]، فَمَنْ مال عن الشرك فإنه لا يميل عنه إلا إلى التوحيد؛ لأنه ليس ثَمَّ إلا توحيد وشرك، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠]، إذا فررت من الكائنات فإنك تفر منها إلى مُكَوِّنْ الكائنات؛ لأنه ليس ثَمَّ إلا هذا وهذا.\n- النوع الثاني أن يُطْلَقَ بلا إرادة التلازم؛ بل من باب التفاؤل تَارَةً ومن باب آخر أو من أبواب أُخَرْ تارات أخر، مثل أن يُسمى اللديغ سليم، فاللديغ معروف لكن العرب قد تقول له سليم من باب التفاؤل، فكلمة سليم تُطْلَقْ على السالم وتُطْلَقْ على المريض، أُطْلِقَتْ على المريض من باب التفاؤل.\nوهذه لها تأثير في فقه اللسان العربي فالعرب تارةً تطلقا من باب التلازم وتارةً تطلقها من باب التفاؤل وتارة لا من هذا ولا من هذا، في فِقْهٍ لهم في هذه الألفاظ.\nإذا كان كذلك فلفظ الحنيف الذي جرى عليه السؤال لا يُتَصَوَّرْ أن يكون المرء حنيفًا أو حَنَفِيًَا أو حَنِيفِيًَا إلا أن يكون موحّدًا؛ لأنه إذا مال عن الشرك فإنه يميل عنه إلى الحق وهو التوحيد، حنيف عن أهل الشرك مائل عن أهل الشرك فإنه لابد أن يميل عنهم إلى أهل التوحيد، ولو كان مَنْ مَالَ إليه إبراهيم ﵇ وحده فإنه مع أُمَّةْ وليس مع واحد، وهكذا.\nفإذًا الأصل في هذه أنها من باب التلازم، الحَنَفْ من باب التلازم.\nومنها كلمة -أيضا يُطلقها أهل نجد وربما بعضكم سمعها، وليسوا أهل نجد جميعًا وإنما هم أهل الدعوة، العامة منهم في أول الأمر- يقولون نحن أهل العُوجه، ما معنى العوجه؟\nالعوجه هذا من أسماء كلمة التوحيد، أهل العوجه؛ يعني أهل التوحيد، أهل ملة إبراهيم، أهل الحنيفية؛ لأنها عوجه عن طريق الشرك إلى طريق أهل التوحيد، وهذا هو التفسير الصحيح الذي فيها، مثل ما جاء في حديث وصف النبي ﷺ في التوراة.","vol":"1","page":386},{"text":"وَالْأَمْنُ وَالْإِيَاسُ يَنْقُلَانِ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَسَبِيلُ الْحَقِّ بَيْنَهُمَا لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ.\n_________\nيُقَرِّرُ العلامة الطحاوي ﵀ بهذا وسطية أهل السنة والجماعة في هذا الأمر العظيم، وهو الأمن من مكر الله، واليأس من رَوحِ الله - ﷻ -، وأنَّ اليأس هذا سبيل الكافرين، والأمْنُ مِنْ مكر الله سبيل أهل الشّهوات الذين لا يرقبون الله - ﷿ - ولا يرقُبُونَ صفات الرب - ﷻ -.\nوالدليل على هذا الأصل قول الله - ﷿ - في الكافرين في اليأس ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، في قول يعقوب ﵇ لما قال لبنيه ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، فنهاهم عن اليأس من رَوْحِ الله وعلَّلَ ذلك بأن هذا من خصال الكافرين.\nوأما الأمن فالأمن من مكر الله - ﷿ - جاء النهي عنه في غير ما آية منها قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] .\nوالأمن من مكر الله كُفْرْ، واليأس من رَوْحِ الله كُفْرٌ أيضا كما قال (يَنْقُلَانِ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ) لأنَّ الله - ﷿ - وصف الكافرين والخاسرين الذين استحقّوا العقوبة منه والعذاب بأنهم يأمنون من مكر الله وييأسون من رَوْحِ الله - ﷿ -.\nوأما أهل السنة والجماعة فهم لا يَأْمنون بل يخافون ذنوبهم ويخافون عقوبة الله - ﷿ -، ويعلمون أنَّ الله سبحانه خافته ملائكته وهم أقرب الأقربين وهم المقربون إليه - ﷿ - المُطَهَّرُونَ من دنس الآثام ومن رجس الذنوب يخافون ربهم، كما قال ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠]، وكما قال ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبإ:٢٣] .\nواليأس أيضا من روح الله هذا صفة أهل القنوط، فأهل السنة والجماعة بين هؤلاء وهؤلاء، لا يأمنون بل يخافون الله - ﷿ - ولا ييأسون بل يرجون.\nوهذه راجعة إلى أنهم -يعني أهل الحق وأهل السنة- يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، كما وصف الله - ﷿ - أولياءَهُ المقربين بقوله ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]، وهذه من صفات المتقين، وكذلك في قوله في سورة الأنبياء ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، فجَمَعَ لهم بين الرّغب والرهب.\nإذا تبين ذلك فإنَّ الأمن والإياس رِدَّةْ عن الدين كما قال (يَنْقُلَانِ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ) بضابط.\nومن المهم معرفة هذا الضابط؛ لأنه هو نكتة المسألة وعُقْدَتُها، وهو:\n- أنَّ الأمن يكون كُفْرًا إذا انعدم الخوف.\n- واليأس يكون كُفْرًا إذا انعدم الرجاء.\nفمن لم يكن معه خوف من الله - ﷿ - أصلًا -يعني أصل الخوف غير موجود- فقد أَمِنَ فهو كافر.\nومن لم يكن معه رجاء في الله - ﷿ - أصلًا فقد يئس من روح الله فهو كافر.\nإذًا الأمن والإياس مرتبطان؛ بل معناهما الخوف والرجاء.\nالأمن لأجل عدم الخوف، واليأس لأجل عدم الرّجاء.\nفمن كان عنده خوف قليل ويأمن كثيرًا فإنه من أهل الذّنوب لا من أهل الكفر، فإن لم يكن معه خوف أصلًا فإنه كافر بالله - ﷿ - كما قال هنا (يَنْقُلَانِ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ) .\nأما أهل التوحيد، أهل الذنوب من أهل القبلة فإنهم بِقَدْرِ ما عندهم من الذّنوب يكون عندهم أَمْنْ من مكر الله - ﷿ -.\nفإذًا الأمن من مكر الله يتبعَّضْ، لا يوجد جميعًا ويذهب جميعًا؛ بل قد يكون في حق المعيَّنْ أنه يخاف تارة ويأمن تارة، يصحو تارة ويغفل تارة.\nوكذلك في اليأس من رَوحِ الله يغلب على المرء الموحّد تارةً أنه ييأس إذا نظر إلى ذنبه، أو نَظَرَ إلى ما يحصل في مجتمعه أو ينظر إلى ما قضى الله - ﷿ - في هذه الأرض وعلى أهلها من الشرك مثلًا أو من الذنوب أو من الكبائر أو من القتل أو من الفساد فيأته اليأس، فإنْ غَلَبَ عليه اليأس بحيث انعدم الرجاء لنفسه أو للناس فإنه يكفر بذلك.\nأما إذا وُجد عنده اليأس ووُجد عنده رجاء فإنه لا يخرج من الملّة.\nفإذًا هنا ضابط الأمن والإياس الذي ينقل عن الملة هو ما ذكرته لك.\nوأما المُوَحِّدْ المُعَيَّنْ من أهل الإيمان فإنه بحسب قوة يقينه يجتمع فيه أنَّهُ -يعني قد يكون عنده أَمْنْ بحسب ذنوبه-، ومن كَمَّلَ الإيمان وحقَّقَ التوحيد فإنه يخاف ولا يأمَنُ من مكر الله.\nوالأمن من مكر الله؛ يعني الأمن من استدراج الله - ﷿ - للعباد.","vol":"1","page":387},{"text":"وقد وصف الله - ﷿ - بعض عباده بقوله ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (*) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١)، هذا الاستدراج يُحدِثُ الأمن، وما عُذِّبَتْ أمة إلا وقد أَمِنَتْ؛ لأنَّ الله - ﷿ - يبلوهم بالخيرات ويبلوهم بالسيئات ويبلوهم بالشر والخير فتنة ثُمَّ هم لا يتوبون ولا هم يَذَّكَّرُون.\nفإذا وقع منهم الأمن وقعت عليهم العقوبة، نسأل الله - ﷿ - لنا ولإخواننا العفو والعافية.\nفهذا ضابط المسألة. (وَسَبِيلُ الْحَقِّ بَيْنَهُمَا لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ) .\nإذا تبين ذلك، فالواجب على كل مُوَحِّدْ، كل مؤمن: أن يُعَظِّمَ في قلبه جانب الخوف من الله - ﷿ -.\nفلا يُفْلِحْ مَنْ أمِنَ الله على نفسه طرفة عين، الله - ﷿ - يُقَلِّبُ القلوب ويقلب الأبصار، وقال في وَصْفْ الأولين ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] .\nيرى العبد أنَّ الخيرات تنفتح عليه وهم مُقِيم على الذنوب وهو مقيم على المعاصي وهو مقيم على الكبائر، سواء كان العبد فردًا أم كان مجتمعًا.\nبنوا إسرائيل ادَّعَوا أنهم أحباب الله - ﷿ - وأنهم أبناؤه وأنه لا يُعَذِّبُهُم ولو حصل لهم تعذيب فإنما تمسهم النار أيامًا معدودة، والله - ﷿ - عاقَبَ بني إسرائيل العقوبة العظيمة ولَعَنَهُم حيث قال سبحانه في سورة المائدة ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨-٧٩]، الآيات.\nفالواجب إذًا على المُوَحِّدْ أن يخاف ذنبه ولا ييأس من رَوْحِ الله.\nكل أحد يُذنِبْ ولكن إذا أَذْنَبَ استغفر.\nيخاف ذنبه ويخشى أنَّ الله - ﷿ - لم يقبل توبته، لم يقبل حوبته، لم يقبل إنابته، يرجو رحمة الله - ﷿ - ويخاف ذنوبه.\nفما اجتمع هذان في قلب أحد إلا ونجا، وهو رجاء الرحمة وخوف الذنوب.\nوهذا هو سبيل الحق الذي هو بين الأمن الإياس لأهل القبلة.\nأسأل الله - ﷿ - أن يجعلني وإياكم من الرّاغبين الرّاهبين الخاشعين، وأن يجنبنا الأمن كما أسأله أن يجنّبنا الإياس فإنه سبحانه على كل شيء قدير.\n_________\n(١) الأعراف:١٨٢-١٨٣، القلم:٤٤-٤٥.","vol":"1","page":388},{"text":"وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ.\n_________\nيُريد بذلك أنّ أهل السنة والجماعة خالفوا الخوارج والمعتزلة الذّين يوجبون للعبد النّار والخوارج الذين يُكَفِّرُونَ بالذنوب.\nفقال: إنَّ العبْدَ لا يَخْرُجُ مِنَ الإيمَانِ بعد أن دَخَلَ فيه وصار مؤمنًا إلا بجُحُودِ ما أَدْخَلَهُ فيه.\nوهذا لأجل أنَّ أَعْظَمَ المسائل التي يَتَّضِحُ فيها الخروج من الإيمان هو الجَحْدْ، وإلا فهذا الحصر غير مراد للمؤلف كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nفإذًا هذه الجملة فيها بيان مخالفة المُكَفِّرين بالذنوب من الخوارج وأشباههم أو الذين يحكمون على مرتكب الكبيرة بأنه خالد مخلَّد في النار من الخوارج والمعتزلة ومن شابههم.\nإذا تبين هذا فهذه الجملة المهمّة فيها مسائل:","vol":"1","page":389},{"text":"[المسألة الأولى]:\nدليل هذه الجملة.\nدليلها الإجماع؛ إجماع أهل السّنة والجماعة على أنَّ من دَخَلَ في الإيمان بيقين فإنه لا يَخْرُجُ منه إلا بِأَمْرٍ مُتَيَقَّنٍ مماثلٍ -يعني في اليقين- لما بِهِ دخل في الإيمان.\nوهذا الإجماع له أدلته من كتاب الله - ﷿ - ومن سنة رسوله ﷺ.","vol":"1","page":390},{"text":"[المسألة الثانية]:\nهذا الحصر في كلام المؤلف ليس مرادًا في أنَّهُ يقول (لا يخرج أحد من الإيمان إلا بالجحد)، فينفي التكفير أو الحكم بالردة بالاستحلال أو بالإعراض أو بالشك أو بغير ذلك مما يُحْكَمُ على من أتى به مع قيام الشروط وانتفاء الموانع بالردة.\nودليل عدم إرادته للحصر أنَّهُ ذَكَرْ في المسألة الثالثة التي مضت أنَّ المؤلف تبعًا لأهل السنة لا يُكَفِّرُ أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله فقال في المسألة التي مرت علينا قريبا (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) واستحلال الذنب غير الجحد، الاستحلال صورة والجحد صورة، فدلَّ على أنَّ الطحاوي لا يريد بالحجد الحصر، ففيه ردّ على من حَصَرَ الردة أو الكفر بالتكذيب أو بالجحد.","vol":"1","page":391},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالجَحْدْ من الكلمات التي استُعْمِلَتْ في القرآن والتي جاءت في القرآن، ولها دلالتها في لغة العرب.\n- فَدِلالة الجحد في اللغة: الجحد هو الرد والإنكار، جَحَدَ الشيء يعني رَدَّهُ أو أنْكَرَهُ، هذا من جهة اللغة\nفيجتمع في اللغة مع التكذيب بالشيء ظاهرًا أو مع التكذيب به باطنًا.\n- وأما في القرآن: فإنَّ الله - ﷿ - ذكر الجَحْدْ في عدة آيات، وبيَّنَ أَنَّ الجَحْدَ قد يجتمع مع التكذيب وقد لا يجتمع مع التكذيب، قال - ﷿ - في سورة الأنعام في وصف المشركين ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنبياء:٣٣-٣٤] فدل على أنهم لم يُكَذِّبُوا وجَحَدُوا.\nولهذا حقيقة الجحد عند أهل السنة والجماعة مرتبطة بالقول لأجل هذه الآية قال ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يعني باطنًا ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يعني ظاهرًا، وهذا مرتبط بالقول لأنهم رَدُّوا على النبي ﷺ.\nوالخوارج ذهبوا إلى أنَّ الجحد يكون بالقول وبالفعل معًا، فعندهم أنَّ الجحد يكون بالقول كقول أهل السنة، ويكون أيضًا بالفعل فيدُلُّ الفعل على جحده.\n* وهذا خلاف ما أَجْمَعَ عليه أهل السنة والجماعة من أنَّ الجحد ليس مورده الفعل؛ لأنَّ الفعل مُحْتَمِلْ يَدْخُلُهُ التأويل ويَدْخُلُهُ الخطأ ويَدْخُلُهُ أشياء كثيرة، وأما القول فإنه يقين وواضح؛ لأنّه دخل في الإيمان بالقول -بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله-، فلا يخرُجُ منه إلا بجحودِ ما أدخله فيه، وما أدخله فيه كان قولًا أعلنه، وجَحْدُ ما أدخله فيه هو رَدُّهُ وتكذيبه أو إنكاره لما دخل فيه.\nوهذه الكلمة كلمة الجحد من الكلمات التي يَحصُلُ فيها خلط وخَلَلْ، والواجب الرُّجوع في فهمها إلى دلالة الكتاب والسنة وإلى ما أجمع عليه سلف الأمة.","vol":"1","page":392},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nأهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى في تأصيل قولهم في الإيمان -الذي سيأتي في المسألة التي بعدها- خالفوا الخوارج والمرجئة.\nوكذلك أيضًا في إخراجهم الواحد من أهل القبلة من الإيمان خالفوا الخوارج والمرجئة.\nلهذا ثَمَّ ارتباط ما بين الدخول والخروج من جهة اليقين.\nولهذا المؤلف الطحاوي ذكَرَ لك تنبيه على هذا بقوله (وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ.)، ولم يقل إلا بالجحد أو إلا بالجحود فيكون مُطْلَقًَا؛ بل قال (إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ)، وذلك لأنَّهُ إذا ثبت الأمر بيقين لم يَزُلْ بالشك؛ بل لابد في زواله من يقين يماثل الأول، والمكفِّرات وما يُحْكَمُ على الواحد من أهل القبلة فيه بالردّة اختلف فيه الفقهاء والعلماء؛ لكن يجمع ذلك أنه لا يُخَصُّ عند أهل السنة بالجحد.\nولهذا نقول: الذين قيَّدُوا التكفير وإخراج العبد من الإيمان بالجحد فقط-يعني دون الاستحلال ودون الشّك ودون الإعراض إلى آخره- هؤلاء ذهبوا إلى أنَّهُ لا يَكْفُرُ إلا المعاند المكذّب ظاهرًا كحال الكفّار والمشركين، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الله - ﷿ - بيّن أنَّ كُفْرَ من كَفَرَ من العرب:\n- بعضهم من جهة الإعراض.\n- وبعضهم من جهة الشك.\n- وبعضهم من جهة الجحد ظاهرًا والاستيقان باطنًا وهو العناد.\nولهذا نقول: إنَّ المرجئة هم الذين قالوا: لا يخرج المرء من الدين إلا بالتكذيب فقط، فلابد من التكذيب، والتكذيب قد يكون مع الجحد، وقد يكون الجحد بلا تكذيب كما نصت عليه الآية ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] .\nإذا تبين هذا: فأصلُ قول المرجئة في الإيمان -كما سيأتي- أنَّ الإيمان أصله الاعتقاد، فلذلك جعلوا المُخْرِجَ منه التكذيب.\nومَنْ أضاف الاعتقاد والقول جعل المُخْرِجْ التكذيب والجحد، مثل كلام الطحاوي هنا؛ لأنَّهُ يأتي أنَّ الإيمان عنده هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، فيجعل التكذيب مُخْرِجًَا ويجعل الجحد مُخْرِجًَا لعلاقة التكذيب بالاعتقاد وعلاقة الجحد بالإقرار باللسان.\nوأما أهل السنة الذين خالفوا المرجئة في هذه المسألة العظيمة؛ فقالوا إنَّ الركن الثالث من أركان مسمى الإيمان وهو العمل أيضا يدخل في هذا، وهو أنَّهُ يَخْرُجُ من الإيمان بِعَمَلٍ يعمله يكون من جهة اليقين مُخْرِجًَا للمرء مما أدخله فيه من الإيمان، وهذا سيأتي مزيد تفصيل له.\nفإذًا أهل السنة عندهم المُخْرِجَات من الإيمان:\n- منها التكذيب وهو أعظمها.\n- ثم الجحد.\n- ثم الإعراض وهو الذي جاء في قوله - ﷿ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة:٢٢]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُون﴾ [الأحقاف:٣]، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٢٤] .\n- ومنه الشّك، الريب، يرتاب ما عنده يقين، المؤمن هو من لا يرتاب، أما إذا ارتاب لا يدري أمحمدٌ ﷺ رسول أم لا؟ فإنَّ هذا صفة المنافق وهو المُعَذَّبْ في قبره بقوله حيث يقول: ها ها لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. وهذه جُمَلْ يأتي لها مزيد بيان.","vol":"1","page":393},{"text":"وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.\n_________\nيريد بالإيمان: الإيمان الذي أمَرَ الله - ﷿ - به الناس والذي يصير به المرء معصوم الدم والمال.\nفَعَرَّفَ الإيمان بأنه (الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ)، وهذا التعريف من جهة مورد الإيمان وهو اللسان والجنان، فيتعلق باللسان عبادة الإقرار في الإيمان ويتعلق بالجنان عبادة التصديق في الإيمان.\nوهذا التعريف من جهة المورِدْ هو المشهور عن الطائفة التي يسميها العلماء مرجئة الفقهاء، وهم الإمام أبو حنيفة ومن تبعه من أصحابه، ومنهم أبو جعفر الطحاوي صاحب هذه العقيدة.\nوهذه الجملة مما وافَقَ فيه المؤلف الطّحاوي المرجئة وقَرَّرَ فيها عقيدتهم.\nوطريقة أهل السنة ومذهب أهل الحق خلاف هذا لأدلةٍ كثيرة في هذا الموطن.\nإذا تبين ذلك من جهة أنَّ الطحاوي في هذا الموطن لم يُقَرِّرْ عقيدة أهل السنة والجماعة وإنما ذَكَرَ مُعْتَقَدْ طائفته وهم الحنفية في هذه المسألة، وهو قول المرجئة -مرجئة الفقهاء- فإننا نقول: لابد من بيان لهذا الأصل العظيم وذلك يُرَتَّبُ على مطالب أو مسائل:","vol":"1","page":394},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ الإيمان لفظٌ مُسْتَعْمَلٌ في اللغة قبل ورود الشرع.\nوالألفاظ لها في استعمالها قبل ورود الشرع حالان:\n- الأول: الحال العُرْفِي.\n- والثاني: الحال الأصلي.\nوالحال العرفي جعلناه الأول لِقُرْبِهِ.\nوالحال الثاني الأصلي جعلناه الثاني لأنه بعيد؛ يعني من جهة العموم.\nوهذا هو الذي يسميه طائفة من العلماء يسمونه الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية، فإنَّ الألفاظ المُستعملة لها حقائق لغوية حقيقة ليست مجاز، ولها حقائق عرفية يعني في استعمال أهل العرف لها.\nمثال ذلك لفظ الدّابَّةْ، فإنه في اللغة الأصلية- في لغة العرب في الاستعمال العام- الدابة كل ما يَدُبُّ على الأرض سواءٌ أكان يَدُبُّ على بطنه أم يَدُبُّ على رجلين أم يَدُبُّ على أربع، ودلّ على هذا قول الله - ﷿ - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ يعني من الدواب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور:٤٥] .\nثم خُصَّتْ في الاستعمال العُرْفي بأنَّ الدابة هي ذات الأربع التي تُرْكَبُ في الاستعمال، يعني يركبها الناس أو يحرثون عليها أو إلى آخره، فهذه تسمى حقيقة عرفية، والمعنى الأول يسمى حقيقة لغوية.\nفإذًا صارت الحقيقة العرفية أخص من الحقيقة اللغوية.\nاللغة دائمًا تكون عامة، ثُمَّ الناس يُقَيِّدُونَ المعنى اللغوي ببعض ما يحتاجون إليه في الاستعمال، فتكون الحقيقة العرفية دائمًا أضيق من الحقيقة اللغوية.\nثُمَّ لمَّا أَتَى الشرع ظهرت ما سَمَّاهُ العلماء الحقيقة الشرعية، أو ما سَمَّاهُ طائفة ممن ألَّفَ في فقه اللغة بالأسباب الإسلامية.\nالأسباب الإسلامية يعني ألفاظ جُعِلَ لها معانٍ لأجل سبب مجيء الإسلام. (١)\nمن الأمثلة على ذلك لفظ السجود:\nففي اللغة لفظ السجود للخضوع والذل بحركة البدن.\nوفي العُرْفْ أنَّ السجود يكون بالانحناء إمَّا بركوعٍ أو بما نسميه السجود؛ يعني وضع الجبهة على الأرض.\nوفي الشرع السجود هو من وضع جبهته وأنفه على الأرض.\nقال - ﷿ - لبني إسرائيل ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة:٥٨] يعني راكعين؛ لأنَّ السجود العرفي يدخل فيه الركوع.\nأمَّا في شريعة الإسلام صارت الحقيقة الشرعية للسجود هي وضع الجبهة على الأرض.\nهذه المقدمة مهمة في تأصيل هذه الحقائق الثلاث على مسألة الإيمان.\nاللغة مرتبطة بالاشتقاق، اللغة لها اشتقاق يجمع الكلام الذي حروفه واحدة:\nفالإيمان والأَمْنْ والأَمان هذه كلماتها واحدة، (أَمْنٌ وأمان وإيمان) فاشتقاقها من حيث الأصل واحد، ولهذا الإيمان يرجع إلى الأمْنْ في اللغة، والأمان يرجع إلى الأمْنْ وإلى الإيمان.\nفهذه الألفاظ في أصل اللغة اشتقاقها واحد وذلك من الأمن الذي هو المصدر.\nما علاقة الإيمان في اللغة بالأمن يعني في دلالة اللغة؟\nلأنه من آمَنَ فقد أمِنَ، آمَنَ بالشيء أمِنَ على نفسه، آمَنْ يعني صدَّقْ استسلم أطاع إلى آخره فإنه يعتبر مُسْتسلما؛ يعني يُعْتَبَرْ أَمِنَ عدوه، لو آمَنَ بما قال عدوه صَدَّقَهُ فإنه يكون أَمِنَ غائلته.\nإذا تبين هذا فهذا الأصل اللغوي الذي هو مجيء الاشتقاق من كلمة واحدة يدلُّكَ على أنَّ أصْلْ كلمة الإيمان في اللغة من حيث الاشتقاق من الأمن، ثُمَّ في الاستعمال العرفي -عُرْف العرب- (٢) خَصَّتْ ذلك المعنى إلى أنَّ الإيمان هو التصديق، التصديق الجازم الذي يكون معه عمل يَأْمَنُ معه.\nوهذا جاء في القرآن يعني في استعمال المعنى اللغوي للإيمان في مواضع:\nكقوله - ﷿ - في قصة يوسف مخبرًا عن قول إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] لاحظ الأَمْنْ يعني بِمُصَدِّقٍ لنا التصديق الجازم الذي يتبعه عمل أنَّكَ لا تؤاخنا بما فعلنا، قال ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف:١٨]، فما أعطاهم الأمْنْ.\nكذلك قال - ﷿ - في قصة إبراهيم ﵇ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] ﴿آمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ يعني صَدَّقَهُ تصديقًا جازمًا تبعه عملٌ له بحيث يأمن من العذاب الذي توعد به إبراهيم قومَه.\nكذلك في وصف النبي ﷺ في سورة براءة قال ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [براءة:٦١] ﴿وَيُؤْمِنُ﴾ أي يُصَدِّقُهُمْ فيما يقولون فيَأْمنون معه عقوبة النبي ﷺ.\nإذًا فالإيمان في اللغة اُستُعْمِلَ ويُرادُ به التصديق الجازم الذي يكون معه عمل يأمن معه؛ لأنه فيه صلة دائمًا بين المعنى العرفي، الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية.\n_________\n(١) لأجل مزيد من التفصيل في هذه المسألة استمع لشريط بعنوان: المصطلحات وأثرها في العلن والثقافة والرأي العام للشيخ صالح، وهو مفرّغ أيضا.\n(٢) انتهى الوجه الأول من الشريط التاسع والعشرين.","vol":"1","page":395},{"text":"جاء الشرع فَأَمَرَ الناس بالإيمان، فهذا الإيمان فيه كما ذكرنا لك أنَّ الحقيقة العرفية تخصيص للحقيقة اللغوية، والحقيقة الشرعية أسباب زائدة، فيها زيادة عن الحقيقة العرفية، قد تكون تخصيصًا لها وقد تكون رجوع إلى أصل المعنى اللغوي وتكون أوسع منها.\nفالإيمان في الشرع جاء بأنه مُتَّجِهْ إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخر أركان الإيمان الستة، وهذا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر عَرَفْنَا منه أنَّهُ لا يكون إلا بِعَمَلْ ولا يكون إلا بإقرار ولا يكون إلا بتصديق، قال - ﷿ - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦]، ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى﴾ [البقرة:١٧٧] الآية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] .\nفإذًا وَصَفَ الله - ﷿ - المطلوب من المؤمن بأنَّ المؤمن مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأيضًا أنه يعمل، وأيضًا أنه يقول بلسانه.\nولهذا جعل الله - ﷿ - الصلاة للدلالة على هذا الأصل، جعل الصلاة هي الإيمان فقال سبحانه ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، -نحن الآن نبحث هذا من جهة لغوية، من الجهة التأصيلية للكلمة لا من جهة التعريف- ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ هذا استعمال لكلمة الإيمان ويراد بها الصلاة.\nالصلاة هي الإيمان معنى هذا أنَّ هذا تخصيص لكونه تصديق، فهو ليس تصديقًا فقط، بل الإيمان صار صلاةً.\nإذًا هذا من جهة الاستعمال اللغوي زاد على العُرْفْ ورَجَعَ إلى سَعَةِ اللغة، وهو تخصيص في الواقع للتصديق ببعض ما يشمله التصديق الذي يتبعه عمل.\nإذا تبين هذا فيظهر لك أنَّ الإيمان في الشرع نُقِلَ عن الإيمان في العُرف، كما أنَّ الإيمان في العرف نُقِلَ عن الإيمان في اللغة.\nفتأصيل الإيمان على أنه في اللغة هو إقرارٌ وتصديقْ ليس صحيحًا؛ لأنَّ الإيمان في اللغة أعم من ذلك، مثل ما ذكرنا لك، الإيمان ما يَجْلُبُ الأمن من عمل، من إقرار، من تصديق، من تصرف، من موالاة، كل ما يجلب الأمن فهو إيمان.\n- في اللغة قُيِّد ذلك على نحو ما ذكرت لك من الآيات.\n- في الشرع جاء تسمية الإقرار إيمانًا، وجاء تسمية الاعتقاد إيمانًا، وجاء تسمية العمل إيمانًا.\nفإذًا من حيث الدلالة اللغوية والدلالة العرفية والدلالة الشرعية تبيَّنَ لك أنَّ هناك اختلاف في معنى الإيمان.\nالمرجئة مع أهل السنة في هذه المسألة اختلفوا، وهذا الاختلاف طويل الذيول كما هو معلوم؛ لكنهم اتفقوا من حيث الأصول -أصول الفقه- على أنَّ الكلمة إذا اعتراها هذه الأمور الثلاثة: الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية اتفق الجميع -الحنفية مع الشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم- اتفقوا على أن تُقَدَّمَ الشرعية، لماذا؟\nلأنَّ الألفاظ الشرعية تخصيص، فلا يقول الحنفية -الذين قالوا في الإيمان بهذا التعريف- لا يقولون إنَّ السجود إذا أُمِرَ به فإنه يصلح بالركوع.\nيعني مثلا لو قرأ القارئ القرآن وهو يمشي، ثم مَرَّتْ آية سجدة، فهل يركع ويُكْتَفَى بها؟ أم أنه يصير إلى السجود؟\nالسنة في السجود الشرعي، ولماذا؟\nلأنَّ السجود جاء بهذا اللفظ الشرعي وبَيَّنَتْهُ السنة فإذًا يكون هو المراد لا السجود العرفي.\nالمسألة لها نظائر في الفقه في العقيدة في اللغة بعامة.\nفإذًا نقول: اجتمعوا على أنَّ الحقيقة الشرعية مُقَدَّمَة، ثم هل تقدم اللغوية أو العُرْفِيَة؟\nخلاف بينهم.\nلهذا نقول: ما دام أنَّ الجميع اتفقوا على تقديم الحقيقة الشرعية، فما هي أدلة الحقيقة الشرعية في الإيمان؟ الأدلة على ذلك يطول الكلام عليها، ونرجئها مع تفصيلها في الكلام والمذاهب للدرس القادم، لكن نكمل المُقَدِّمَات.\nأنا أريدك تفهم مسألة الإيمان لأنها مسألة مُشْكِلَة، وكثير ممن خاض فيها في هذا العصر ما أدرك حقيقة الفرق ما بين قول أهل السنة وقول المرجئة في هذا الباب.","vol":"1","page":396},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالإيمان في اللغة هو التصديق الجازم -كما ذكرنا لك- الذي يتبعه عمل يأمن معه المُؤْمِنْ الغائلة أو العقوبة إلى آخره.\nوقولنا التصديق الذي معه عمل هذا تحصيل حاصل؛ لأنَّهُ إذا كان الشيء يلزَمُ منه العمل فإنه لا يُطْلَقُ لفظ مُصَدِّقًَا في اللغة على من صَدَّقَ حتى يعمل.\nمثاله: أتى شخص وقال لآخر سيارتك الآن تُسْرَقْ.\nفقال له الآخر: جزاك الله خيرًا.\nقال: لك فيها أموال ولك فيها أشياء وهي الآن تُسْرَقْ.\nقال الآخر: جزاك الله خيرا وجَلَسَ ولم يتحرك.\nفهل يُعْتَبَرُ في اللغة مُصَدِّقًَا؟\nإذا كان قد صَدَّقَ الخبر فإنه لابد أن يتبعه بعمل يدلُّ على صدقه؛ لأنَّ الناس لا يُفَرِّطُونْ بأموالهم ولا يفرِّطُون بما فيه قوام حياتهم.\nفإذا مَكَثَ وقال أنا مُصَدِّقْ، وهو ما ذَهَبَ، ما أتْبَعَهُ عمل، فلا يُسَمَّى مُصَدِّقًَا في اللغة، ليس في الشرع، لا يسمى مُصَدِّقًَا في اللغة.\nودلَّ على هذا الأصل قول الله - ﷿ - في قصة إبراهيم الخليل مع ابنه إسماعيل في سورة الصافات قال ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٢-١٠٣]، لاحظ العمل ﴿فَلَمَّا﴾ و﴿لَمَّا﴾ انتبه لكلمة ﴿لَمَّا﴾، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٣-١٠٥]، رؤيا الأنبياء حق، إذا رآها النبي صدَّقَ بأنها وحي من الله - ﷿ -.\nلكن متى صار مُصَدِّقًَا بالرؤيا؟\nلمَّا امتثل دلالتها ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ وهذا تصديق لغوي وهو أيضًا تصديق شرعي.\nإذًا فالإيمان في العُرْفْ - الحقيقة العرفية- ولو أرجعناه إلى التصديق فإنَّ حقيقة التصديق أن يكون معه عمل، فلا يُسَمَّى مُصَدِّقًَا من ليس يعمل أصلًا فيما صدّق به.","vol":"1","page":397},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nيمكن أن يُضْبَطَ ما جاء في القرآن من استعمال الإيمان في الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية بضابط وهو أنه:\n- إذا اقْتُرِنَ بالإيمان الأمَنْ ْأو كانت الدِّلَالَةُ عليه فإنَّ المراد به سعة المعنى اللغوي.\n- وإذا عُدِّيَ الإيمان باللام في القرآن أو في السنة فإنَّ المراد به الإيمان العرفي؛ يعني اللُّغَوِي العرفي.\n- وإذا عدي الإيمان بالباء، فإنه يراد به الإيمان الشرعي.\nوهذه كل واحدة لها طائفة من الأدلة تَدُلُّ عليها.\n١- المعنى اللغوي: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، ﴿آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ﴾ هذا دلالة على عموم المعنى اللغوي.\n٢- المعنى العرفي: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، لاحظ التعدية باللام ﴿بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [براءة:٦١] يعني النبي ﷺ ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا المعنى العرفي.\n٣- الإيمان الشرعي: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، لاحظ الباء، عُدِّيَ الباء للدلالة الشرعية.\nلماذا اختلفت التعدية؟\nلأنَّ المطلوب اختلف.\nكيف؟\n@ الإيمان اللغوي ما دام أنَّهُ تصديق فتقول: العرب صَدَّقَ لفلان، تعديه باللام، صَدَّقَ لفلان، وتقول صَدَّقَ بكذا أيضا فتعديه بالباء\n@ لكن الإيمان الشرعي آمن بكذا -لاحظ التعدية مُضَمَّنٌ أَقَرَّ بكذا -أَقَرَّ تتعدى بالباء في اللغة أليس كذلك؟ - أَقَرَّ بكذا، فتكون صحيحة، عمل بكذا صحيحة، صَدَّقَ بكذا صحيحة.\nولهذا لمَّا عُدِّيَ الإيمان في اللغة بالباء علمنا أنه ضُمِّنَ المعنى الأصلي في اللغة وزيادة تصلح للتعدية بالباء.\nفالمعنى اللغوي يتعدى باللام، فلماذا عُدِّيَ بالباء تفريقًا ما بين الإيمان الشرعي والإيمان اللغوي؟\nهو تضمين العمل للإيمان الذي هو زيادة على ما جاء في المعنى العُرفي.\nهذا كثير: في القرآن وفي اللغة أنه يأتي الفعل ويراد منه معنى، ثم تختلف التعدية بالحرف فيُضَمَّنْ الفعل معنى فعل آخر.\nسنضرب له مثالًا حاضر عندكم جميعًا وإن كان الأمثلة كثيرة لكن لقربه منكم.\nمثلا تعلمون قول ابن القيم وابن تيمية وعدد من مشايخنا حفظ الله الجميع ورحم الأموات في قوله تعالى في المسجد الحرام ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، قالوا هنا ما معنى الإرادة؟\nالهم، يعني الهم الجازم.\nلماذا؟\nقالوا لأنَّ الإرادة بنفسها تَتَعَدَّى، الإرادة المعروفة تتعدى بنفسها، تقول أردت الذهاب، أردت المجيء، أردت القراءة، ما تقول أردت بالقراءة، فلما قال ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾، ما قال (ومن يرد فيه إلحادًا)، بل قال ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ علمنا أنَّ كلمة ﴿يُرِدْ﴾ هذه فيها فعل يناسب التعدية بالباء وهو هَمَّ.\nهَمَّ بكذا هَمَّ فلان بكذا هذا الذي يناسب.\nولذلك فسره الأئمة بأنَّ المراد بالإرادة هنا الهم الجازم فيُؤَاخَذْ عليه ولو لم يحقق الإرادة من كل وجه وإنما يَصْدُقُ عليه الهَمْ؛ إذا هَمَّ بالفعل، هَمَّ به صار داخلًا في الفعل.\nنرجع هنا في اللغة ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، يعني صَدَّقَ له، أَقَرَّ لَهُ، تقول أنا أقررت لك، إيش أقول أقررت إياك؟\nلا، أقررت بكذا؛ لكن لفلان، أقررت بفلان ولا أقررت لفلان ما قال؟\nأقررت لفلان ما قال، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ يعني صَدَّقَ له، أَقَرَّ له، إلى آخره.\nلاحظ هذا التصديق والإقرار الذي هو المعنى اللغوي؛ لكن جاء المعنى الشرعي في القرآن بزيادة عن التعدية باللام إلى التعدية بالباء قال - ﷿ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦] . ما قال آمنوا لله ولرسوله مع أنه قال في النبي - ﷺ - ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [براءة:٦١]، وقال في لوط ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ قال ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى آخره ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٣٦] .\nفإذًا دَلَّنَا على أَنَّ هذا المعنى هو المعنى اللغوي، وزيادة عليه ما دخل فيه مما يناسب التعدية بالباء وهو العمل.\nتقول عملت بكذا يعني آمنت بكذا فعملت به، آمنت بأنَّ الأمر واقع فعملت به؛ يعني عَمِلْتَ بما آمنت، فلذلك دخلت زيادة تعدية بالباء لتدلنا على أنَّ العمل دخل في مسمى الإيمان أصلًا، وهذه يأتي لها مزيد تفصيل في الأدلة إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":398},{"text":"إذا تبين هذا فمن المهم في تأصيل هذه المسألة التي غَلِطَ فيها الكثيرون منذ نَشَأَتْ المرجئة، أن يُعرَفَ أنَّ الإيمان في اللغة في حقيقته تصديق وإقرار؛ لكن تصديق معه نوع عمل وليس لازمًا في حقيقته؛ لكن لا يُسَمَّى تصديقًا حتى يكون معه عمل يأمن به، لصلته بالمعنى اللغوي العام.\nأما في الشرع فهو إقرارٌ وتصديقٌ وعمل؛ لأنَّ الشرع جاء بزيادة على المعنى اللغوي في هذه المسألة العظيمة.","vol":"1","page":399},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nتعريف الطحاوي لهذه المسألة وهي (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ)، هذا فيه إخراج العمل أن يكون مورِدًَا للإيمان وقَصْرْ الإيمان من حيث المورد على الإقرار والتصديق، وهذا كما ذكرت لك مذهب مرجئة الفقهاء.\nوالمرجئة في هذه المسألة لهم أقوال متعددة أشهرها قولان:\n١- قول جمهور المرجئة وهو أنَّ الإيمان هو التصديق، ولا يلزم معه إقرار.\n٢- ثُمَّ مرجئة الفقهاء -وذهب إليه الماتريدية والأشاعرة وجماعة- أنَّ الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان.\nوسُمُّوا مرجئة لأنهم أرجؤوا العمل عن مسمّى الإيمان؛ يعني أخَّرُوهُ عن مسمى الإيمان، فجعلوا الإيمان متحققًا بلا عمل.\nواستدلوا لمذهبهم بعدة أدلة من أشهرها قول الله - ﷿ - في آيات كثيرة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهذا من أقوى أدلتهم على هذه المسألة، فعَطَفَ العمل على الإيمان، قالوا فهذا يدل على التغاير ما بين العمل وما بين الإيمان؛ لأنه لو كان عمل الصالحات في الإيمان لما قال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلمَّا عَطَفَ العمل على الإيمان قالوا دلَّنَا على تأخير العمل وإرجاء العمل عن مسمى الإيمان.\nوالجواب عن ذلك؛ يعني عن هذا الاستدلال بجواب مختصر ونرجئ الجواب المطول، الجواب عن ذلك أنَّ اللغة فيها:\n&amp; العطف بالواو ويُرَادُ بالعطف بالواو التَّغايُرْ:\nوالتغاير:\n- تارةً يكون تغاير ذوات:\nومعناه أنك تقول مثلًا في اللغة: دخل محمد وخالد، فمحمد ذاته غير ذات خالد، هذا له حقيقة ذات وهذا له حقيقة، هذا يسمى تغاير ذوات.\n- وتارةً يكون تغاير صفات.\nتغاير الصفات تقول عندي مُهَنَّدٌ وصارمٌ وحسام، والذي عندك سيفٌ واحد يعني الذي عند العربي سيفٌ واحدٌ، لكن يقول:\nمُهَنَّدٌ من جهة وصفه أنه صُنِعَ في الهند.\nوصارمٌ من جهة شهرته وأنه يَصْرِمْ.\nوحسام من جهة أنه من وَقَعَ عليه حَسَمَهُ وقتله.\nمنه في القرآن قال - ﷿ - في تغاير الصفات ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:١]، الكتاب هو القرآن، والقرآن هو الكتاب، عَطَفَ بالواو هل لتغاير الذوات، الكتاب شيء والقرآن شيء؟\nلا أحد يقول بهذا من المتقدمين لا أحد يقول بهذا، فصار التعاطف هنا لتغاير الصفات ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ نُظِرَ فيه إلى جهة كونه مكتوبًا باقيًا، ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ يعني أنه يُقْرَأُ ويُنْظَرُ فيه إلى التلاوة والقراءة فهذا تغاير صفات.\n@ وتارةً يكون العطف بالواو لا لأجل التغاير ولكن تَغَايُرٌ ما بين الجزء والكل، وما بين العام والخاص:\nفيُعْطَفْ الخاص على العام ويعطف العام على الخاص، ومثاله قول الله - ﷿ - في سورة البقرة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] ﴿عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ لاشك الملائكة غير الله - ﷿ -، الملائكة مخلوقة والرب - ﷿ - هو مالك الملك وخالق الخلق.\n﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ الرسل منهم رسل من الملائكة، ومنهم رسل من ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، فالرسل هنا أعم من الملائكة لأنَّ منهم الرسل من الملائكة ومنهم الرسل من البشر.\nفإذًا هنا صار عطفًا: عَطْفْ الكلي على الجزئي.\nثم قال ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ جبريل وميكال من الرسل أو لا؟\nمن الرسل.\nمن الملائكة؟\nنعم.\nفعطفهم، هل حقيقة جبريل وميكال غير الملائكة؟\nلا، هذا تغاير صحيح؛ ولكن تغايرٌ بين حقيقة الجزء والكل والكل والجزء، وليس تغاير ذوات ولا تغاير صفات ولا تغاير حقيقة.\nومن هذا عَطْفُ الخاص على العام لأجل التغاير ما بين الجزء والكل بقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ [الكهف:١٠٧]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، الآيات كثيرة آمنوا وعملوا الصالحات، عَطَفَ العمل على الإيمان لأجل هذا وإلا فهو داخل في حقيقته.\nهنا لماذا تُخَصُّ الخاص بالذكر بعد العام؟\nلأجل التنبيه على شرفه.\nفالعرب تَعْطِفُ الخاص على العام وتغاير في هذا لأجل التنبيه على شرف ما ذُكِرْ.\nلأنك تقول مثلا جاءني المشايخ وسماحة الشيخ عبد العزيز، هل هو ليس من المشايخ؟\nلكن هنا للتنبيه على شرفه أنه هو المقصود، جاءني المشايخ جميعًا وجاء المقصود أو المقدم فيهم إلى آخره تنبيهًا على شرفه ومنزلته إلى آخره.\nفإذًا الاستدلال بهذا، هذا جواب مختصر ونذكر لكم بقية الأدلة والإجابة عليها فيما يأتي.","vol":"1","page":400},{"text":"* أنا أردت بهذا التطويل اللغوي تأصيل المسألة لكم؛ لأنَّ مسألة الإيمان خاض فيها كثيرون في هذا العصر، كتبوا فيها كتابات سواء في الإيمان أو في التكفير، وهم لم يدركوا حقيقة مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.\nفمنهم من أدخل مذاهب المرجئة في مذهب أهل السنة وقَصَرْ الكفر على التكذيب والإيمان على التصديق وإما قولًا أو باللازم.\nومنهم من ذهب إلى أنَّ الإيمان قول واعتقاد وأنَّ العمل ليس من الإيمان أصلًا كما هو قول المرجئة، والأقوال في هذا متعددة.\nنسأل الله - ﷿ - أن يثبتني وإياكم على طريقة أئمتنا، وأن يَكُفَّ عنا الشر وأن لا يخذلنا وأن ينور بصائرنا وبسائر أحبابنا إنه جواد كريم.\nنكتفي بهذا القدر ونكمل المرة القادمة.","vol":"1","page":401},{"text":"وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.\n_________\nقال ﵀ (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ) هذه الجملة من كلامه في تعريف الإيمان المقصود بها التعريف الشّرعي للإيمان عند الطحاوي ﵀.\nوالذي دَلَّتْ عليه الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأئمة -أئمة أهل الحديث والسنة- أنَّ الإيمان قول وعمل.\nوبعض أهل العلم يُعَبِّرْ بقوله (الإيمان قول وعمل ونية) كما قالها الإمام أحمد في موضع؛ ويعني بالنية الإخلاص يعني الإخلاص في القول والعمل.\nوهذا الأصل وهو أنَّ الإيمان قول وعمل وُضِّحَ بقول أهل العلم:\nالإيمان اعتقادٌ بالقلب يعني بالجنان، وقولٌ باللسان وعملٌ بالجوارح والأركان، يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان.\nفشمل الإيمان إذًا فيما دلت عليه الأدلة هذه الأمور الخمسة، وهي:\nأنه اعتقاد، وأنه قول، وأنه عمل، وأنه يزيد، وأنه ينقص.\nوتعريف الطحاوي للإيمان بقوله (هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ) هذا تعريفٌ بالمقارنة مع ما سبق فيه قصور، وهو موافقٌ لما عليه الإمام أبو حنيفة ﵀ وأصحابُه، فإنهم لم يجعلوا العمل من مُسَمَّى الإيمان، وجعلوا الإيمان تصديق القلب وإقرار اللسان، وجعلوا الأعمال زائدة عن مُسَمَّى الإيمان مع كونها لابد منها ولازمة للإيمان.\nفقول الطحاوي هذا ليس مستقيمًا مع معتقد أهل السنة والجماعة وأتباع أهل الحديث والأثر، وفيه قصور لأنه أخرَجَ العمل عن تعريف الإيمان.\nوكون العمل من الإيمان له أدلةٌ كثيرة من الكتاب والسنة أظن أني قدمت لكم بعضها قبل رمضان:\nومنها في هذا المقام قول الله - ﷿ - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، ويعني بالإيمان الصلاة، فسمى الصلاة إيمانًا والصلاة عمل.\nوقال أيضا - ﷿ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ .\nوقال ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] . دَلَّتْ الآية على أنّ الإيمان له حقيقةٌ هي الاعتقاد والإيمان بهذه الأركان الخمسة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ فإذا كان العمل ناشئًا عن هذه، فإنه لا يُتَصَوَّرْ الانفكاك ما بين العمل والإيمان، ولهذا في آية البقرة ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ جَعَلَ العمل هو الإيمان لأنّه منه ولأنه ينشأ عنه.\nفنفهم إذًا أنَّ قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ونحو ذلك، بما فيه عَطْفْ العمل على الإيمان -كما قدّمنا آنفًا- أنَّ هذا عَطْفُ الخاص بعد العام وعَطْفُ الجزء بعد الكل، وهذا كثير في القرآن وفي اللغة كما قدمته لك.\nومن السنة قول النبي ﷺ كما قال لوفد عبد القيس لما أتوه في المدينة قال «آمركم بالإيمان بالله وحده أتدرون ما الإيمان بالله وحده» ثم فَسَّرَهٌ بأركان الإيمان ثم قال «وأن تؤدوا الخمس من المغنم» (٢) وهذا -أداء الخمس- عمل فجعله تفسيرًا للإيمان.\nوكذلك قوله ﷺ «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» (٣) فجعل الإيمان:\n- له قولْ مرتبط بالنطق.\n- وله عمل الذي هو إماطة الأذى عن الطريق-يعني الذي هو نوع العمل-.\n- وجَعَلَ له عمل القلب وهو الحياء.\nففي هذا الحديث مَثَّلَ النبي ﷺ شُعَبْ الإيمان بثلاثة أشياء منها القول ومنها الاعتقاد أو عمل القلب ومنها عمل الجوارح.\nويأتي مزيدُ بيان لهذا الأصل في المسائل إن شاء الله تعالى.\nثُمَّ زيادة الإيمان ونقصانه دلَّ على الزيادة قول الله - ﷿ - ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، وكذلك قوله ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وكذلك قوله ﴿زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، ونحو ذلك مما فيه زيادة، وإذا كان فيه الزيادة فإنه لابد أن يكون فيه النقص بمقابل ما تُرِكَ مما يسبب الزيادة في الإيمان.\n_________\n(١) الشعراء:٢٢٧، ص:٢٤، الإنشقاق:٢٥، التين:٦، العصر:٣.\n(٢) البخاري (٨٧) / أبو داود (٤٦٧٧)\n(٣) البخاري (٩) / مسلم (١٦٢)","vol":"1","page":402},{"text":"ولهذا بعض الصحابة لما ذَكَرَ زيادة الإيمان وذَكَرَ نقصانه قال (إذا سَبَّحْنَا الله وحمدناه وذكرناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا فذلك نقصانه) (١) .\nفزيادة الإيمان ونقصانه دل عليها قول الله - ﷿ - والسنة وقول الصحابة رضوان الله عليهم.\nفمن هذا يتقرر أنَّ قول الطحاوي (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.) هذا يوافق قول مرجئة الفقهاء وهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام المعروف، وأصحابه ممن أخرجوا العمل عن كونه جزءا من الماهيَّةْ؛ عن كونه ركنًا في الإيمان.\nإذا تقرّر هذا فإنَّ في مسألة الإيمان مباحث كثيرة جدًا، وذلك لكثرة الخلاف في هذه المسألة وطول الكلام عليها وكثرة التصانيف التي صنفها السلف ومن بعدهم في هذه المسألة؛ لكن يمكن تقريب هذه المسألة لطالب العلم في مسائل:\n_________\n(١) عن عمير بن حبيب بن خماشة أنه قال «الإيمان يزيد وينقص قيل له وما زيادته وما نقصانه قال إذا ذكرناه وخشيناه فذلك زيادته وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه» مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٣٢٧) / شعب الإيمان (٥٦)","vol":"1","page":403},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nالإيمان يجمع:\n- أولًا: الاعتقاد بالقلب، وهو الذي يسميه المرجئة -مرجئة الفقهاء- أو يسميه العامة التصديق.\n- ثانيًا: قول اللسان.\n- ثالثًا: عمل الجوارح والأركان.\n- رابعًا: الزيادة.\n- خامسًا: النقصان.\nهذه خمسة أشياء فيها اختلف المنتسبون إلى القبلة على أقوال:\n١- القول الأول:\nهو أنَّ الإيمان تصديقٌ فقط، وهذا هو قول جمهور الأشاعرة، وهو أيضًا قول أبي منصور الماتريدي والماتريدية بعامة.\nوهذا مبنيٌ منهم على أنَّ القول ينشأ عن التصديق، وعلى أنَّ العمل ينشأ عن التصديق، فَنَظَرُوا إلى أصله في اللغة بحَسَبِ ظنهم، وإلى ما يترتّب عليه فجعلوه التصديق فقط.\nواستدلوا له بعدة أدلة مما فيه أنّ الإيمان تصديق كقوله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وهذه أمور غيبية والإيمان بها يعني التصديق بها، وغير ذلك من الأدلة التي فيها حَصْرْ الإيمان بالغيبيات، والإيمان بالغيبيات يُفْهَمْ على أنه التصديق.\nوهؤلاء يُسَمَّونَ المرجئة، وهم المشهورون بهذا الاسم.\nومن المرجئة طائفة غالية جدًا وهم الذين جعلوا الإيمان ليس التصديق بالقلب ولكن هو المعرفة بالقلب، وهو القول المنسوب إلى الجهمية وغلاة الصوفية كابن عربي ونحوِهِ ممن صَنَّفُوا في إيمان فرعون.\n٢- القول الثاني:\nمن قال إنَّ الإيمان قول باللسان فقط، وهؤلاء يُسَمَّونَ الكَرَّامِيَّة -بالتشديد-.\nالكَرَّامِيَّة يُنْسَبونَ إلى محمد بن كرّام، وهذا يقول: الإيمان هو الإقرار باللسان.\nلم؟\nقال لأنَّ الله - ﷿ - جَعَلَ المنافقين مخاطَبِينَ باسم الإيمان في آيات القرآن، فإذا نودي المؤمنون في القرآن فيدخُلُ في الخطاب أهل النّفاق، والمنافقون إنما أقرُّوا بلسانهم ولم يصدِّقُوا بقلوبهم فدخلوا في اسم الإيمان لهذا الأمر.\n٣- القول الثالث:\nهو مذهب مرجئة الفقهاء الذين قالوا: إنَّ الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، إقرارٌ باللسان وتصديق بالجنان، ويجعلونَ أنَّ الناس في التصديق -كما سيأتي- وفي أعمال القلوب أنهم واحد، فأعمال القلوب التي أصلها التصديق عندهم شيءٌ واحد، والعمل ليس من الإيمان عندهم يعني من حقيقة الإيمان وإن كان لا بد منه في تحقيق الإيمان، بخلاف أهل القولين السابقين يعني الماتريدية (١) .\n\n: [[الشريط الثلاثون]]:\n\nوالأشاعرة والكرامية فإنهم يقولون أنَّهُ لو وَافَى بلا عمل فإنه ناجٍ، لو لم يعمل قط فإنه ينجو.\nوأما مرجئة الفقهاء فيقولون لابُدَّ لَهُ مِنَ العمل فإذا ترك العمل فهو فاسقٌ، لكن [لا] (٢) يُدْخِلُونَهُ في مُسَمَّى الإيمان.\nوأظن شبهتهم نَصْ أبي حنيفة في هذه المسألة وهو بَنَاهُ على أنَّ الذين خُوطِبُوا بالإيمان هم المؤمنون والمنافقون، والمنافقون ليس لهم عمل، عَمَلُهُم باطل، وإنما أَقَرُّوا باللسان فقط، والمؤمنون مُصَدِّقُونَ مُقِرُّونْ، فَجَمَعَ لهم ما بين -يعني بين الطائفتين- ما بين الإقرار باللسان والتصديق بالجنان؛ يعني في الخطاب الظاهر، وأما الأعمال فالحساب عليها آخر.\nومن أدلّتهم الأصل اللغوي الذي هو حَسَبْ ما قالوا أنَّ الإيمان هو التصديق، والإقرار أُخِذَ من زيادة في الشريعة لأنه لابد من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.\n٤- القول الرابع:\nهو قول الخوارج والمعتزلة وهو أنَّ الإيمان: اعتقادْ بالجنان أو تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.\nوهذا العمل عندهم بِكُلِّ مأمورٍ به، والانتهاء عن كلِّ منهيٍّ عنه.\nفما أُمرِ َبه وُجُوبًا فيدخل في مسمى الإيمان بِمُفْرَدِهِ، وما نُهِيَ عنه تحريمًا فيدخل في مسمَّى الإيمان بمفرده.\nيعني أنَّ كلَّ واجبٍ يدخل في مسمى الإيمان على حِدَهْ، فيكون جزءًا وركنًا في الإيمان، وكُلُّ محرمٍ في الانتهاء عنه يدخل في مسمى الإيمان بمفرده.\nوبناءً على ذلك قالوا: فإذا تَرَكَ واجبًا فإنه يكفر، وإذا فعل محرمًا من الكبائر فإنه يكفر؛ لأنَّ جزء الإيمان وركن الإيمان ذَهَبْ.\nفعندهم أنَّ هذا العمل جزء واحد، إذا فُقِدَ بعضه فُقِدَ جميعه.\nوبين الخوارج والمعتزلة خلاف فيمن استحق النار بالآخرة ماذا يسمى في الدنيا؟\nعلى القول المعروف عندهم:\n- وهو عند الخوارج في الدنيا عند يُسَمَّى كافر.\n- وعند المعتزلة هو في منزلة بين المنزلتين لا يقال مؤمن ولا يقال كافر.\nمع اتفاقهم على أنه في النار مخلدْ فيها لانتفاء الإيمان في حقه.\n٥- القول الخامس:\nهو قول أهل الحديث والأثر وقول صحابة رسول الله ﷺ وهو أنَّ الإيمان:\nاعتقاد -ومن الاعتقاد التصديق-، وقول باللسان وهو إعلان لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعمل بالأركانـ وأنه يزيد وينقص.\nويعنون بالعمل جنس العمل؛ يعني أنْ يكون عنده جنس طاعة وعمل لله - ﷿ -.\nفالعمل عندهم الذي هو ركن الإيمان ليس شيئًا واحدًا إذا ذَهَبَ بعضه ذهَبَ جميعه أو إذا وُجِدَ بعضه وُجد جميعه؛ بل هذا العمل مُرَكَّبٌ من أشياء كثيرة، لابد من وجود جنس العمل.\nوهل هذا العمل الصلاة؟ أو هو أيُّ عملٍ من الأعمال الصالحة بامتثال الواجب طاعةً وترك المحرم طاعةً؟\nهذا ثَمَّ خلافٌ بين علماء الملة في المسألة المعروفة بتكفير تارك الصلاة تهاونا أو كسلًا.\n* الفرق ما بين مذهب أهل السنة والجماعة وما بين مذهب الخوارج والمعتزلة:\n- أنَّ أولئك جعلوا تَرْكَ أي عمل واجب أو فعل أي عمل محرّم فإنه ينتفي عنه اسم الإيمان.\n- وأهل السنة قالوا: العمل ركن وجزءٌ من الماهية؛ لكن هذا العمل أبعاض ويتفاوت وأجزاء، إذا فات بعضه أو ذهب جزء منه فإنه لا يذهب كله.\nفيكون المراد من الاشتراط جنس العمل؛ يعني أن يُوجَدَ منه عملٌ صالح ظاهرًا بأركانه وجوارحه، يدلُّ على أنَّ تصديقه الباطن وعمل القلب الباطن على أنه استسلم به ظاهرًا.\nوهذا مُتَّصِلٌ بمسألة الإيمان والإسلام، فإنه لا يُتَصَوَّرْ وجود إسلام ظاهر بلا إيمان، كما أنه لا يُتَصَوَّرْ وجود إيمان باطن بلا نوع استسلام لله - ﷿ - بالانقياد له بنوع طاعةٍ ظاهرًا.\n_________\n(١) انتهى الشريط التاسع والعشرون.\n(٢) لعل الشيخ لم يقصد هذا الحرف وإنما أراد أنهم يُدْخِلُونَهُ في مسمى الإيمان إذ قال عن مرجئة الفقهاء في شرح العقيدة الواسطية/ الشريط (٢٣) ما نصه «فقالوا الايمان قول واعتقاد وأما العمل فليس من مُسَمَّى الايمان وإنما هو لازم له - يعني لابد أنه يعمل لكن لو لم يعمل ما خرج عن اسم الايمان)","vol":"1","page":404},{"text":"[المسألة السادسة]:\nالطحاوي هنا تَرَكَ العمل؛ يعني ما ذَكَرَ العمل في مسمى الإيمان، وكما ذكرتُ لك أنَّ العمل عند أهل السنة والجماعة داخِلٌ في مسمى الإيمان وفي ماهيته وهو ركن من أركانه.\nوالفرق بينهما يعني بين قول مرجئة الفقهاء -وهو الذي قرَّرَهُ الطحاوي- وبين قول أهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر، الفرق بينهما:\n- من العلماء من قال: إنه صُورِي لا حقيقة له؛ يعني لا يترتب عليه خلافٌ في الاعتقاد.\n- ومنهم من قال: لا، هو معنوي وحقيقي.\nولبيان ذلك؛ لأنَّ الشارح ابن أبي العز ﵀ على جلالة قدره وعُلُوِّ كعبه ومتابعته للسنة ولأهل السنة والحديث فإنه قَرَّرَ أنَّ الخلاف لفظي وصوري، وسبب ذلك أنَّ جهة النظر إلى الخلاف منفكَّة:\n- فمنهم من ينظر إلى الخلاف بأثَرِهِ في التكفير.\n- ومنهم من ينظر إلى الخلاف بأثرِهِ في الاعتقاد.\n@ فمن نظر إلى الخلاف بأثرِهِ في التكفير قال الخلاف صوري، الخلاف لفظي.\nلأنَّ الحنفية الذين يقولون هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان هم متّفقون مع أهل الحديث والسنة مع أحمد والشافعي على أنَّ الكفر والرِدَّةْ عن الإيمان تكون بالقول وبالاعتقاد وبالعمل وبالشك.\nفهم متفقون معهم على أنَّ:\n- من قال قولًا يخالف ما به دخل في الإيمان فإنه يكفر.\n- ومن اعتقد اعتقادًا يخالف ما به دخل في الإيمان فإنه يكفر.\n- وإذا عمل عملًا ينافي ما دخل به في الإيمان فإنه يكفر.\n- وإذا شَكَّ أو ارتاب فإنه يكفر.\nبل الحنفية في باب حكم المرتد في كتبهم الفقهية أشد في التكفير من بقية أهل السنة مثل الحنابلة والشافعية ونحوهم.\nفهم أشد منهم، حتى إنهم كَفَّرُوا بمسائل لا يُكَفِّرُ بها بقية الأئمة كقول القائل مثلا سورةٌ صغيرة فإنهم يُكفِّرون بها، أو مسيجد أو نحو ذلك أو إلقاء كتاب فيه آيات فإنهم يُكَفِّرون إلى آخر ذلك.\nفمن نَظَرَ -مثل ما نَظَرْ الشارح، ونَظَرْ جماعة من العلماء- من نَظَرَ في المسألة إلى جهة الأحكام وهو حكم الخارج من الإيمان قال:\nالجميع متّفقون، سواءٌ كان العمل داخلًا في المسمى أو خارجًا من المسمى فإنه يكفُرُ بأعمال ويكفُرُ بترك أعمال.\nفإذًا لا يترتّب عليه على هذا النحو:\n١ - دُخُولٌ في قول المرجئة الذين يقولون: بلا عَمَلٍ ينفع، ولا يَخْرُجُ من الإيمان بأي عَمَلٍ يعمله.\n٢ - ولا يدخلون مع الخوارج في أنهم: يُكَفِّرونَ بأي عمل أو يترك أي واجب أو فعل أي محرم.\nفمِنْ هذه الجهة إذا نُظِرَ إليها تُصُوِّرْ أنَّ الخلاف ليس بحقيقي؛ بل هو لفظي وصوري.\n@ الجهة الثانية التي يُنْظَرُ إليها وهي أنَّ العمل -عمل الجوارح والأركان- هو مما أمَرَ الله - ﷿ - به في أن يُعْتَقَدَ وجوبُهُ أو يُعْتَقَدَ تحريمه من جهة الإجمال والتفصيل.\nيعني أنَّ الأعمال التي يعملها العبد لها جهتان:\n١- جهة الإقرار بها.\n٢- وجهة الامتثال لها.\nوإذا كان كذلك فإنَّ العمل بالجوارح والأركان، فإنه إذا عَمِلَ:\n- فإما أن نقول: إنَّ العمل داخِلٌ في التصديق الأول؛ التصديق بالجنان.\n- وإما أن نقول: إنه خارجٌ عن التصديق بالجنان.\n&amp; فإذا قلنا إنَّهُ داخلٌ في التصديق بالجنان -يعني العمل بالجوارح باعتبار أنَّهُ إذا أقَرَّ به امتثل- فإنه يكون التصديق إذًا ليس تصديقًا، وإنما يكون اعتقادًا شاملًا للتّصديق وللعزم على الامتثال، وهذا ما خَرَجَ عن قول وتعريف الحنفية.\n&amp; والجهة الثانية أنَّ العمل يُمتَثَلُ فعلًا فإذا كان كذلك كان التنصيص على دخول العمل في مسمى الإيمان هو مقتضى الإيمان بالآيات وبالأحاديث، لأنَّ حقيقة الإيمان فيما تُؤْمِنُ به من القرآن في الأوامر والنواهي في الإجمال والتفصيل أنَّكَ تؤمن بأنّ تَعْمَلْ، وتؤمن بأن تنتهي، وإلا فلو لم يدخل هذا في حقيقة الإيمان لم يحصل فرقٌ ما بين الذي دخل في الإيمان بيقين والذي دخل في الإيمان بنفاق.\nيُبَيِّنُ لك ذلك أنَّ الجهة هذه وهي جهة انفكاك العمل عن الاعتقاد، انفكاك العمل عن التصديق هذه حقيقةً داخلةٌ فيما فَرَّقَ الله - ﷿ - به فيما بين الإسلام والإيمان.\nومعلومٌ أنَّ الإيمان إذا قلنا إنَّهُ إقرارٌ وتصديق فإنه لابد له من إسلام وهو امتثال الأوامر والاستسلام لله بالطاعات.\nلهذا نقول إن مسألة الخلاف هل هو لفظي أو هو حقيقي راجعة إلى النظر في العمل.\nهل العمل داخلٌ امتثالًا فيما أمر الله - ﷿ - به أم لم يدخل امتثالًا فيما أمر الله - ﷿ - به؟","vol":"1","page":405},{"text":"والنبي ﷺ بَيَّنَ أنه يأمُرُ بالإيمان «آمركم بالإيمان بالله وحده» (١)، والله - ﷿ - أمر بالإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦] . فالإيمان مأمور به، وتفاصيل الإيمان بالاتفاق بين أهل السنة وبين مرجئة الفقهاء يَدْخُلُ شُعَبْ الإيمان، يَدْخُلُ فيها الأعمال الصالحة؛ لكنها تَدْخُلُ في المُسَمَّى من جهة كونها مأمورًا بها، فمن امتثل الأمر على الإجمال والتفصيل فقد حَقَّقَ الإيمان، وإذا لم يمتثل الأمر على الإجمال والتفصيل فإنه بعموم الأوامر لا يدخل في الإيمان.\nوهذه يكون فيها النظر مُشْكِلًَا من جهة:\nهل يُتصوَّرْ أن يوجد أحد يؤمن بالإيمان، يؤمن بما أنزل الله - ﷿ - ولا يفعل خيرًا البتة، لا يفعل خيرًا قط، لا يمتثل واجبًا ولا ينتهي عن محرم مع اتساع الزمن وإمكانه؟؟\nفي الحقيقة هذا لا يُتَصَوَّرْ أن يكون أحد يقول أنا مؤمن ويكون إيمانه صحيحًا ولا يعمل صالحًا مع إمكانه، لا يعمل أي جنس من الطاعات خوفا من الله - ﷿ -، ولا ينتهي عن أي معصية خوفا من الله - ﷿ -، هذا لا يُتصَوَّرْ.\nولهذا حقيقةً المسألَةُ تَرْجِعُ إلى الإيمان بالأمر، الأمر بالإيمان في القرآن وفي السنة كيف يؤمن به؟ كيف يحققه؟\nيحقق الإيمان بعمَلٍ، بِجِنْسِ العمل الذي يمتثل به، فَرَجَعَ إذًا أن يكون الامتثال داخل في حقيقة الإيمان بأمره، وإلا فإنه حينئذ لا يكون فرقًا بين من يعمل ومن لا يعمل.\nلهذا نقول إن الإيمان الحق بالنص، بالدليل يعني بالكتاب والسنة بالله وبرسوله ﷺ وبكتابه لابد له من امتثال، وهذا الامتثال لا يُتَصَوَّرُ أن يكون غير موجودٍ للمؤمن، أن يكون مؤمن ممكن أن يعمل ولا يعمل البتة.\nوإذا كان كذلك، كان إذًا جزءًا من الإيمان لـ:\n- أولا لدخوله في تركيبه.\n- والثاني أنه لا يُتَصَوَّرْ في الامتثال للإيمان والإيمان بالأمر أن يؤمن ولا يعمل البتة.\nإذًا فتحَصَّلْ من هذه الجهة أنّ الخلاف ليس صوريًا من كل جهة؛ بل ثَمَّ جهة فيه تكون لفظية، وثَمَّ جهة فيه تكون معنوية.\nوالجهات المعنوية والخلاف المعنوي كثيرة متنوّعة، لهذا قد ترى من كلام بعض الأئمة من يقول أنَّ الخلاف بين مرجئة الفقهاء وبين أهل السنة صوري؛ لأنهم يقولون العمل شرط زائد لا يدخل في المسمى، وأهل السنة يقولون لا هو داخل في المسمى فيكون إذًا الخلاف صوري.\nمن قال الخلاف صوري فلا يُظَنْ أنَّهُ يقول به في كل صُوَرِ الخلاف، وإنما يقول به من جهة النظر إلى التكفير وإلى ترتب الأحكام على من لم يعمل.\nأما من جهة الأمر، من جهة الآيات والأحاديث والاعتقاد بها والإيقان بالامتثال فهذا لابد أن يكون الخلاف حينئذ حقيقيًا.\n_________\n(١) سبق ذكره (٤٠٢)","vol":"1","page":406},{"text":"[المسألة السابعة]:\nزيادَةُ الإيمان ونقصانُهُ اختلف فيها العلماء على أقوال:\n١- القول الأول:\nوهو قول جمهور أهل العلم من أهل السنة ومن المرجئة ومن غيرهم، قول الجمهور من جميع الطوائف أنَّ الإيمان يزيد وينقُصْ.\n٢- القول الثاني:\nأنَّ الإيمان يزيد ولا ينقُصْ، وهذا منسوبٌ إلى بعض أئمة أهل السنة؛ لأنَّ الدليل دلَّ على زيادته وهذا أمْرٌ لا يدخله القياس، فلا نقول بنقصانه لعدم ورود الدليل في ذلك.\n٣- القول الثالث:\nمن قال إنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص وهو قول طائفة من المرجئة ومن غيرهم.\n* ولا ارتباط ما بين الإرجاء والخلاف في الثلاثة أركان الأولى وما بين القول بزيادة الإيمان وبنقصانه.\nتارَةً تجد من ذهب إلى أحد الأقوال يقول بزيادته ونقصانه ومن ذهب إليه لا يقول بزيادته ونقصانه.\nيعني مثلًا الأشاعرة الذي هم مرجئة والماتريدية منهم من يقول بزيادته ونقصانه ومنهم من لا يقول بذلك لعدم ترتبها على حقيقة الإيمان، هذا أمر زائد أَدْخَلُوهُ في البحث.\nفإذًا لا أثر في الخلاف في مسألة زيادته أو نقصانه على كونه مرجئًا.\nفإذا قال أحد (الإيمان ما يزيد ولا ينقص) فإن هذا لا يدل على كونه مثلًا مرجئًا؛ لكنَّهُ يدل على أنه ليس من أهل السنة.\nإذا قال (الإيمان نقول بزيادته ونقصانه) فهذا لا يدل على أنه من أهل السنة والجماعة، بل قد يكون مرجئًا.\nفلا ارتباط بين مسألة الزيادة والنقصان ومسائل التعريف السالفة للإيمان.","vol":"1","page":407},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nعرَّف الإيمان بقوله إقْرارٌ باللِّسانِ، وتصديقٌ بالجَنَانِ، وقلنا في التعريف اعتقاد بالجنان.\nوالفرق ما بين التصديق والاعتقاد:\nأنَّ التصديق شيء واحد؛ بمعنى أنَّهُ أمْرٌ واحد، عِبَادَةٌ واحدة.\nوأما الاعتقاد فإنه يشمل أشياء كثيرة من أعمال القلوب.\nلهذا قالت طائفة من السّلف في تعريف الإيمان (الإيمان قول وعمل) وهذا دقيق لأنه يشمل قول القلب وقول اللّسان.\n(قول القلب) هو تصديقه وإخلاصه في الله - ﷿ -.\n(وقول اللّسان) هو إعلانه الشّهادة.\nوعَمَلْ: يشمل عمل القلب وعمل الجوارح.\n(وعَمَلُ القلب) من محبة الله - ﷿ - والتوكل عليه والخوف منه - ﷻ - ورجاؤه والإنابة إليه وخشية الرّب - ﷻ - ونحو ذلك من أعمال القلوب.\nفإذًا ما يتّصِلُ بالقلب من أمور الإيمان ليست شيئًا واحدًا، ليس هو التصديق فقط، بل ثَمَّ أشياء كثيرة في القلب، والتصديق هو أحدها.\nولهذا فإنَّ التفاضل -الزيادة والنقصان- زيادةٌ ونقصان باعتبار العمل الظاهر، وزيادةٌ ونقصان باعتبار عمل القلب الباطن.\nفالناس يتفاوتون في الإيمان من جهة:\n١ - زيادته ونقصانه في أعمالهم الظاهرة وهي أمور الإسلام: من الصلاة والزكاة والصيام والحج والاستسلام لله - ﷿ - في الأوامر والانقياد ونحو ذلك والانتهاء من المحرمات.\n٢ - وكذلك أعمال القلوب.\nوأعمال القلوب نوعان:\n- أعمالٌ واجِبَةُ الفعل.\n- وأعمالٌ مُحَرَّمَةُ العمل أو واجبة الترك.\n@ أما واجبة الفعل مثل: محبة الله - ﷿ -، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخشيته، والخوف منه، والطمأنينة له، ونحو ذلك من أعمال القلوب.\n@ وما يجب تركه من أعمال القلوب المحرمات، محرمات أعمال القلوب التي هي الكِبْرْ والبَطَر وتزكية النفس وسوء الظن بالله - ﷿ - ونحو ذلك، هذه كلها يجب تركها.\nفإذًا أعمال القلوب مشتملة على:\n١ - تصديق.\n٢ - ومشتملة على أمور واجبٌ أن يعملها القلب، وأمور واجب أن ينتهي عنها القلب.\n* وهذه كلها في الحقيقة متصلة؛ فالتصديق مُتَأَثِرٌ زيادَةً ونُقْصَانًَا بأعمال القلوب.\nفأعمال القلوب تؤثر على تصديقه، فأعمال القلوب الواجبة إذا زادت محبته لله - ﷿ - زاد تصديقه، إذا زادت إنابته إلى الله وزاد خشوعه وخضوعه بين يدي الله وزاد توكله على الله ﷾ زاد تصديقه وزاد يقينه.\nوكذلك إذا انتهى عن المحرمات، خضع لله - ﷿ -، لم يكن مُتَكبرا، ذليلًا لله - ﷿ -، غير مترفع على الخلق، مُحِبًَا لسلامته -سلامة قلبه-، مُبْتَعِدًا عما يفسد القلب، هذه كلها مؤثرة في تصديقه.\nفإذًا رجع الأمر في زيادة الإيمان وفي نقصانه إلى زيادة الإيمان في أركانه الثلاثة ونقصان الإيمان في أركانه الثلاثة.\nفإذًا زيادة الإيمان (يزيد بطاعة الرحمن) يعني:\n- يزيد التصديق أو الاعتقاد بطاعة الرحمن.\n- يزيد الإقرار باللسان بطاعة الرحمن.\n- يزيد العمل بالأركان أيضا بطاعة الرحمن.\nفزيادة الإيمان راجِعَةٌ للثلاثة جميعًا.\nلأنَّ الزيادة: تارةً تكون بالعمل الظاهرمثل زيادة صلاة، زيادة صدقة، زيادة بر، زيادة جهاد في سبيل الله، طلب علم ونحو ذلك، فيَرْجِعُ هذا إلى التصدِيقِ وإلى الإقرار بزيادة.\nفيكون تصديقه واعتقاده أكثر وأعظم وأمتن وأثبت وكذلك إقراره.\nوهذا يُحِسُّهُ الإنسان من نفسه فإنه إذا زاد إيمانه زاد لَهَجُهُ بذكر به - ﷿ - تهليلًا وتسبيحًا وتحميدًا وتكبيرًا وتمجيدًا.\nالمسائل كثيرة نرجئ البقية إلى موضعٍ آتٍ إن شاء الله.","vol":"1","page":408},{"text":"قال بعدها (وَجَمِيعُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الشَّرْعِ وَالْبَيَانِ كُلُّهُ حَقٌّ.)\n_________\nيعني به أنَّ المؤمن لا يُفَرِّقُ بين كلام الله - ﷿ - ولا بين السُّنَنِ، فكل ما جاء في الكتاب أو صح عن رسول الله ﷺ في أمور العقيدة والشريعة هذا يجب التسليم له، وكله حق يجب الإيمان به، وذلك كما قال - ﷿ - في وصف اليهود ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ﴾ [البقرة:٨٥] الآية، وكذلك قوله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وكذلك قوله ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥٠] .\nفالواجب هو الإيمان بجميع ما أنزل الله - ﷿ - على رسوله في القرآن، وما صَحَّ عن رسول الله ﷺ في السنة، فالكل حق صَدَرَ عن مشكاة واحدة، عن الرب - ﷻ - وتقدست أسماؤه.","vol":"1","page":409},{"text":"(وَالْإِيمَانُ وَاحِدٌ وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ، وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى)\n_________\nهذه العبارة منه تقريرٌ لكلام أبي حنيفة وأصحابه الذين يُسَمَّونَ مرجئة الفقهاء في أنَّ الإيمان واحد؛ يعني أنَّهُ في أصل وجوده شيءٌ واحد، إذا دَخَلَ في الإيمان دَخَلَ بشيءٍ واحد، إذا وُجِدَ سُمِّيَ مؤمنًا وإذا لم يوجد لم يُسَمَّ مؤمنا.\nوهذا القدر القليل الذي هو الأصل نظروا إليه بأنه شيء واحد وأنَّ أهله في أصله سواء.\nيعني أنَّ أصل الإيمان يتساوى فيه المؤمنون، فجعلوا إيمان الناس كإيمان النبي ﷺ، كإيمان أبي بكر، كإيمان محمد ﷺ؛ بل كإيمان الرسل جميعًا بل جعلوه كإيمان الملائكة جميعًا.\nلمَّا كان أصل الإيمان واحدًا -يعني ما يحصل به الإيمان أول الأمر- جَعَلُوا أهله في أصله سواء.\nوهذا كما ذكرتُ لك راجع إلى أنَّ التصديق عندهم، وما يتصل به من أعمال القلب أنه شيءٌ واحد، وقد نَصَّ على ذلك أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر في أنَّ: التصديق واحد وأنَّ التوكل واحد والمحبة واحدة وأنَّ الخشية خشية القلب واحدة ونحو ذلك.\nفجعلوا ما في القلب مما يَحصُلُ به الإيمان جعلوه شيئًا واحدًا.\nوالذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة أنَّ أهل الإيمان متفاضلون فيما بينهم، فالله - ﷿ - فَضَّلَ بعض الرسل على بعض فقال سبحانه ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] . وتفضيل بعضهم على بعض نتيجة وسبب ونتيجة لسبب وهو تفاضلهم في الإيمان.\nفالرسل منهم أولوا العزم وهم أعظم الرسل مقامًا وأرفع الرسل مكانَةً ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، فالرسل ليسوا في منزلةٍ واحدة عند الله - ﷿ -.\nوالتفاضل هنا يكون بالإيمان -بإيمان القلب- ويكون بإيمان الجوارح بفعلها.\nوهنا جَعَلْ الطحاوي التفاضل بالأمور الظاهرة قال (بِالْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى) ولكن هذا التفاضل هو بعض التفاضل؛ لكن القلب يكون بين هذا وهذا من التفاضل في أعمال القلوب وفي تصديق القلب ما ليس بمحدود.\nولهذا خصّ الله - ﷿ - أبا بكر الصديق ﵁ بأنه صَدَّقَ من بين سائر الصحابة، فقال - ﷿ - ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]، فخَصَّهُ بالتصديق لأنَّ عنده تصديقًا زائدًا عن غيره، وكذلك قوله - ﷿ - في سورة الليل ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل:١٧-٢٠] فهذا الابتغاء الذي هو أصل الدخول في الدين الذي هو ابتغاء ما عند الله - ﷿ - خُصَّ به أبو بكر لأنَّ له في ذلك مزيدًا ليس لغيره.\nلهذا قال ﷺ «لو وُزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرَجَح إيمان أبي بكر» (١) وقال أيضًا التابعي الجليل أبو بكر شعبة القارئ المعروف (ما سبقهم أبو بكر بكثرة صدقة ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه) (٢) .\nهذا الشَّيء الذي وَقَرَ في القلب الذي هو التصديق، الناس يعرفون أنَّ فلانًا وفلانًا من جهة تصديقهم للخبر يختلفون -أي خبر-.\nفيأتي ثقة إلى أناس فيقول هذا حاصل، فهذا مُصَدِّقٌ وهذا مُصَدِّقٌ؛ لكن تصديق الأول يختلف عن تصديق الثاني من حيث قوته، من حيث الجزم به بقوة وثبات ويقين.\nولهذا أبو بكر ﵁ حصل له من المقامات كما هو معروف في السيرة ما ليس لغيره.\nهذا التصديق أيضًا فيه أشياء تؤثر فيه من جهة التفاضل كما سيأتي بيانه.\nإذًا كلام الطحاوي فيما سمعت جعل التفاضُلَ بأمورٍ خارجة عن تصديق القلب، عن اعتقاد القلب، جعلها، الخشية الظاهرة والتقوى الظاهرة ومخالفة الهوى وملازمة الأَوْلى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي.\nإذا تبين هذا فنذكر على هذا عدة مسائل:\n_________\n(١) فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل (٦٥٣) / شعب الايمان للبيهقي (٣٦) / كشف الخفاء للعجلوني (٢١٣٠) / إتحاف السادة المتقين للزبيدي (١/٣٢٣) / مسند اسحاق بن راهويه (١٢٦٦)\n(٢) منهاج السنة (٦/٢٢٣)","vol":"1","page":410},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ قوله (وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ) يُرَدُّ عليه بأنَّ أصل الإيمان:\n- إما أن يكون لُغَويًا.\n- وإما أن يكون شرعيًا.\nفإذا كان المراد الشرعي -يعني الإيمان الشرعي-، فإنّ الإيمان يَصْدُقُ على:\n- ما به يدخل المرء فيه.\n- وأيضًا يكون أصله فيما بعد ذلك من الزيادات.\nبمعنى أنَّهُ يدخل في الإيمان بتصديقٍ وبكلمة، ثم بعد ذلك يكون تصديقه غَيْرَ تصديقه الأول، وتكون كلمته غيرَ كلمته الأولى.\nفلهذا كلمة (أَصْله) فيها إجمال وعدم وضوح.\nهل المقصود بالأصل أنه الأصل الشرعي حين دخل في الإسلام؟\nأو المقصود الأصل الشرعي الذي يتابعه ويمشي معه، يعني يلازم الإنسان دائمًا وأنه أصل واحد لا يزيد دائما؟.\nهذا فيه إجمال، وأيضًا لا يتفق هذا وذاك، فلا يَتَّفِقُ أَصْلُ إيمانِهِ أَوَّلَ ما دَخَلَ مع أَصْلِ إيمانه الذي يصاحبه، وكُلُّ أحد يعرف من نفسه الفرق ما بين أصل الإيمان حين أسلم وأصل إيمانه حين رسخت قدمه وحَسُنَ إسلامه.\nفإذًا كلمة (أَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ)، أصل الإيمان ما هو؟\nهذه كلمة مجملة غير واضحة مرجعها غير واضح ولا دليل من الكتاب أو السنة على هذه الكلمة؛ يعني التعبير بأصل الإيمان وعدم التفريق فيما بين الإيمان اللغوي والشرعي.","vol":"1","page":411},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ أصل الإيمان إذا قلنا هو التصديق، فإنَّ التصديق يتفاوت.\nالتّصديق نفسه الذي هو حد الإيمان -لأنهم عَرَّفُوا الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان- هذا التصديق الذي هو في تعريف الإيمان يتفاوت الناس فيه، وأيضًا يزيد في المعين وينقص.\nوأسباب زيادة التصديق ونقصان التصديق أمور:\n١ - الأول: أنَّ مسائل الشّرع، مسائل الكتاب والسنة كثيرة، سواء في الأمور الاعتقادية أو في الأمور العملية، وهذه كلها يجب الإيمان بها على الإجمال والتفصيل.\nفإيمانُ وتَصْدِيْقُ مَنْ كَانَ مُقْتَصِرًَا على الإجماليات من جُهَّال المسلمين ليس كإيمان وتصديق من صَدَّقَ بكل ما عَلِمَهُ.\nفالعَالِمُ تصديقُه مُجْمَلْ وتَصْدِيقُهُ مُفَصَّلْ بكل ما عَلِمَهْ، وأمّا الجاهل فتصْدِيقُهُ مُجْمل وما عَلِمَهُ من الشريعة قليلٌ صَدَّقَ به لكنه تصديقٌ ببعض الأمور.\nفمن صَدَّقَ بكل الفروع -سواءٌ فروع العقيدة أو فروع الشريعة- من صَدَّقَ بها جميعًا فتصديقه أعلى ممن صَدَّقَ تصديقًا إجماليًا لا تفصيل فيه.\nفإذًا نفس التصديق من جهة أوامر الشريعة والإيمان بالنصوص يختلف من جهة الإجمال والتفصيل.\n٢- الثاني: الأعمال الظاهرة أيضًا امتثالًا للأوامر واجتنابًا للنواهي تُؤَثِّرْ في التصديق ويؤثر فيها التصديق.\nويدل على ذلك قول النبي ﷺ «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة ذات شرف يرفع إليه فيها الناس أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» (١) كما في الصحيح، وفي مسند الإمام أحمد قال «إذا زنى العبد ارتفع الإيمان فكان على رأسه كالظلة فإذا ترك عاود» (٢)، فإذًا هو حينما يفعل هذه الكبيرة، كبيرة الزنا أو كبيرة شرب الخمر أو كبيرة السرقة أو ما شابهها، حين يفعل، قال «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»؛ لكن هنا هل زال تصديقه بالكلية؟\nلا، لكن التصديق القوي المُسْتَحْضَرْ بالله - ﷿ - وبالدّار الآخرة وبعقابه والحساب والعذاب وما يكون بعد ذلك ومن العقوبات في الدنيا، هذا التصديق المتجزِّئ الكثير، هذا التصديق غاب عنه حين واقع المحظور، فلذلك قال «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» .\nفإذًا الأعمال الظاهرة امتثالًا للواجب وانتهاءً عن المحرم هذه تزيد في التصديق، قال - ﷿ - ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال:٢]، وزيادة الإيمان ترجع إلى أركان الإيمان، إذْ تخصيص بعض الأركان دون بعض ليس عليه دليل، زيادة التصديق وزيادة العمل وزيادة الإقرار، وكذلك قوله - ﷿ - ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾، ﴿إِيمَانًا﴾ هنا نكرة فتفيد الإطلاق في هذا المقام يعني إيمانًا من جهة العمل وإيمان من جهة الإقرار وإيمان من جهة التصديق والاعتقاد.\n٣- الثالث: أعمال القلوب مختلفة، الإنابة إلى الله - ﷿ -، ومحبة الرب سبحانه والخضوع له والتلذذ بمناجاته والأُنْسْ بتلاوة كتابه والتعرض لنفحاته في الأوقات الفاضلة، هذه أمور تزيد من اعتقاد القلب، وكل أحد يعلم من نفسه أنَّ حاله مع وجود هذه الأمور ومجاهدة النفس فيها ليس كحاله بدونها، وإيقانه بالجنة والنار وبالنعيم وبالعذاب وتوكُلُهُ على الله - ﷿ - ويقينه وقوّته في الإيمان تختلف فيما إذا تعاطى هذه العبادات وفيما إذا تهاون بها.\nفإذًا إيقانه وتصديقه متصل بعبادات القلوب، وعبادات القلوب تزيد في التصديق والتصديق زيادته يؤثر فيها، فعمل القلب واحد، وإذا قلنا عمل القلب نسميه كذا ونسميه كذا فباعتبار التَّجْزِيء باعتبار الإيضاح؛ لكن في الحقيقة القلب شيء واحد، إذا جاءه التوكل قَوِيَ التصديق، إذا قَوِيَ التصديق قويت محبة الله - ﷿ -، إذا قويت محبة الله ﷾ قويت الإنابة إليه وامتثال أوامره والرغبة فيما عنده.\nفالقلب -إذًا- تفريقُ أعماله إنما هو للإيضاح والبيان، وإلا فكل عملٍ قلبيٍ مؤثر على العمل الآخر صِدْقًَا في الاعتقاد وإنابة وخضوع وامتثال ظاهر وامتثال باطن وإقرار وإيقان.\nولهذا تجد أنّ أعظم المؤمنين إيمانا أكثرهم خضوعًا وذلًا لله - ﷿ - وعدم ترفع على الخلق؛ لأنَّ هذا الذي في القلب بعضه يؤثر على بعض.\nالصلاة يؤثر على الثواب فيها وعلى حُسنها تصديق القلب وخشية القلب وإنابته وحضوره إلى آخره، وكذلك هي تؤثر في هذه الأعمال.\n_________\n(١) البخاري (٢٤٧٥) / مسلم (٢١١)\n(٢) الترمذي (٢٦٢٥) / المستدرك (٥٦)","vol":"1","page":412},{"text":"إذًا في التفريق ما بين أعمال القلوب هذا تصديق وهذا توكل وهذه خشية وهذه إنابة بأنه تفريق منطقي صحيح يعني بمعنى يمكن أن ترى هذه بلا هذه ولا صلة بينهما هذا بحثٌ نظري لا حقيقة له، فالإيمان -إيمان القلب- وأعمال القلوب مترابطة بعضها آخذٌ ببعض فإذا زاد التوكل زاد التصديق، وإذا قوي التصديق واليقين بأسباب الأعمال الظاهرة قوي التوكل قويت الخشية قويت المحبة قوي الرجاء ونحو ذلك.\nفإذًا من أوجُهِ زيادة التصديق وزيادة أصل الإيمان -إذا صح التعبير موافقةً لأولئك- فإنه يُنْظَرُ فيه إلى تفاوت الأعمال؛ أعمال القلوب.\nهذه بعض أسباب تفاوت الناس في تصديق القلب، وهناك أوجُهْ أخرى ذَكَرَهَا أهل العلم في مواطنها وخاصَّةً ابن تيمية في كتاب الإيمان؛ فإنه ذكر سبعة أوجه أو أكثر في تفاوت الناس في أصل الإيمان أو في التصديق أو في الاعتقاد، وأسباب الزيادة والنقصان بما يتعلق باعتقاد الناس. (١)\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الثلاثين.","vol":"1","page":413},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nقوله (وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى) هذا صحيح؛ لكنَّهُ وجه تفاضل وليس كل أوجُهْ التفاضل.\n(فالتفاضل قد يكون مِنَّةً مِنَ الله - ﷿ - وتَكَرُّمًَا أن يَمُنَّ على أحد بأن يكون أفضل من أحد، والله - ﷿ - يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.\n(ويكون التفاضل أيضًا بأمورٍ زمانية مثل صحبة النبي ﷺ، وهذه زائدة عن الأمور التي ذكرها وهي (الْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى)، وقد جاء في الحديث لمقام أحدهم ساعة مع رسول الله ﷺ خير من عبادة أحدكم ستين سنة أو كما جاء عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم (١)، وقد قال ﷺ أيضًا في الحديث الذي في الصحيحين «لا تسبوا أصحابي -لما نِيلَ من عبد الرحمن بن عوف وهو من السابقين- فوالذي نفس محمد بيده فلو أنفق أحكم مثل أحدٍ ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (٢) يعني ولا نصف المد، وذلك فضل خاص زماني لأنهم اتّصلوا وصبحوا رسول الله ﷺ.\n(الوجه الثالث: التفاضل يكون بأعمال القلوب دون الأعمال الظاهرة، فقد تكون الأعمال الظاهرة قليلة؛ لكن أعمال القلوب عظيمة.\nوأعمال القلوب يُؤْجَرْ عليها العبد في الواجبات، ويُؤْجَرْ على الانتهاء عن المنهيات -منهيات أعمال القلوب من الكِبْرْ والبَطَرْ ورؤية النفس ونحو ذلك وسوء الظن بالله أو سوء الظن بالخلق يعني بالمسلمين-، ومنها أعمال يؤجر على فعلها ويأثَمْ على فعلها؛ يعني يؤجر على فعل بعض الأعمال ويأثم على فعل بعض الأعمال.\nفإذا كان كذلك كان فعل القلب ميدانًا للتفاضل، عمل القلب ميدانًا للتفاضل.\nلهذا يُرْوَى عن الحسن البصري ﵀ أنه سئل: لماذا سَبَقَ الصحابة وفُضِّلوا مع أنّ عبادة من بعدهم يعني التابعين أكثر من عبادتهم؟ فقال الحسن (كانوا يتعبدون -يعني الصحابة- والآخرة في قلوبهم، وهؤلاء يتعبدون والدنيا في قلوبهم) .\nالعمل الظاهر واحد؛ بل ربما يكون أكثر، ولهذا صار الابتلاء بحسن العمل، وحُسْنُ العمل فيه الإخلاص وفيه المتابعة، وإذا اتّفق هذا وهذا في المتابعة، فهل يتّفقان في عمل القلب؟\nوهل يتّفقان في الإخلاص؟ وهل يتّفقان في حسن العمل الباطن وفي الخشية والإنابة؟\nلا يتفقون، هذا وهذا يصلون جنب بعضٍ وهذا وهذا يختلفون تماما.\nهذه بعض المسائل المتعلقة بذلك، فتحصَّلَ من هذا أنَّ قوله (أَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ) ليس صوابًا بل هو غلط، وليس إيمان الرسل كإيمان عامة أتباعهم، وليس إيمان الناس كإيمان الصحابة، وليس إيمان الصالحين كإيمان الفاسقين، وليس إيمان المُقَرَّبين كإيمان سائر خلق الله من المكلَّفين.\nهذا فيه اختلاف فهم يختلفون أعظم الاختلاف في إيمانهم بالله وأسمائه وصفاته وربوبيته وألوهيته، وما في قلوبهم من العلم الإجمالي والعلم التفصيلي وما في قلوبهم من الأعمال الصّالحة وكذلك ما عملوه ظاهرًا من الأعمال الصّالحة وانتهوا عما نهاهم الله - ﷿ - عنه، فهم يختلفون في ذلك أعظم الاختلاف.\nأسأل الله - ﷿ - أن يجعلني وإياكم من أهل المقامات العالية في الإيمان، وأن يغفر لنا ذنوبنا الكثيرة وزللنا وتقصيرنا، وأن يبارك لنا في قليل أعمالنا، وأن يُصلح لنا نياتنا وذريّاتنا وأهلينا، إنه سبحانه جواد كريم.\nوصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.\n_________\n(١) ابن ماجه (١٦٢)\n(٢) البخاري (٣٦٧٣) / مسلم (٦٦٥١)","vol":"1","page":414},{"text":"وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ، وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ.\n_________\nقال الطحاوي ﵀ (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ، وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ.)\nيقرّر الطحاوي مُعْتَقَدْ أهل السنة في أنّ وَلَايَةْ الرحمن متعلقة بكل مؤمن.\nفأولياء الرحمن هم المؤمنون، وكلُّ مؤمن له نصيبٌ من وَلَايَةِ الله - ﷿ - التي وَعَدَ بها عباده المؤمنين المتقين.\nوكذلك يُقَرِّرْ أنَّ التفاضل فيما بينهم يعني فيما بين المؤمنين إنما هو باتِّبَاعِهِم للقرآن وتقواهم وكثرة طاعتهم لله - ﷿ -، فمن كان أكْثَرَ طاعةً لله - ﷿ - وأحسَنَ طاعة وأتْبَعَ للقرآن فإنه أحقُّ بتفضيلٍ في ولاية الرحمن - ﷿ - له.\nوهذا الأصل الذي قَرَّرَهُ الأئمة في عقائدهم في أنّ كل مؤمن وليٌ للرحمن - ﷿ -، ويتفاضلون في الوَلاية بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى هذا الأصل مُقَرَّرٌ في القرآن وفي السنة:\nففي كتاب الله - ﷿ - قال ربنا ﷾ ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢-٦٤]، قال ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، قوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الأظهر فيها أنها نعت للأولياء؛ يعني منصوبة على أنها نعت للأولياء، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ ....المؤمنين المتقين، أو أنها بدل منه والأمر قريب.\nفأولياء الله هم المؤمنون المتقون.\nوكذلك قال الله - ﷿ - ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، فبيَّنَ الله - ﷿ - في الآية هذه أنَّ الله سبحانه هو ولي المؤمنين.\nوكذلك قوله - ﷿ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] .\nوكذلك قوله - ﷿ - ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥-٥٦] .\nونحو ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى، وهي أنَّ وَلَايَةَ الله - ﷿ - للعبد إنما هي بسبب إيمانه، وكل مؤمن له نصيبٌ من التقوى بحسب إيمانه، فإنه ما آمَنَ إلا طلبًا للأمن، والأمن تقوى وخوف وخشية، يعني طلب الأمن تقوى وخوف وخشية.\nإذا تَبَيَّنَ هذا الأصل وهو واضح في معتقدهم -يعني في مُعْتَقَدْ أتباع السلف الصالح رضوان الله عليهم- فهذه المسألة وهي: مسألة أولياء الرّحمن، ومسألة الكرامة، ومن هو الأكرم عند الله - ﷿ -، يمكن أن نُبَيِّنَها في مسائل:","vol":"1","page":415},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالولي في اللغة: هو الناصر والمعين ﴿إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف:١٩٦]، يعني إنَّ ناصري ومُعِيني الله - ﷿ -.\nوالوَلَايَةَ في اللغة -بالفتح- المحبة والنُّصْرَةْ.\nوالوِلَايَة -بالكسر- الإمارة أو السُّلْطَة.\nيعني في غالب استعمال العرب، ومنه قول الله - ﷿ - ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف:٤٤]، يعني المحبة والنُّصْرَة يستحقها الرب - ﷻ -.\nوفي تعريف أهل العلم بما فهموا من الأدلة قالوا: الولي هو كلُّ مؤمِنٍ تقي ليس بنبي.\nويمكن أن تقولَ: كل مؤمن ليس بنبي؛ لأنَّ كل مؤمن له نصيب من التقوى.\nلكن في الاصطلاح الخاص لابد من تكميل الإيمان والتقوى بحسب الاستطاعة، كما سيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله.","vol":"1","page":416},{"text":"[المسألة الثانية]:\nفي دليل هذا الأصل وهو قول الله - ﷿ - ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣]، فجَعَلَ الرب - ﷿ - لمن أوْحَى إليه اسمًا -وهو اسم النبي أو الرّسول- ولمن أطاع وآمن واتقى اسمًا وهو أنَّهُ ولي، فصار اسم الولي غير اسم النبي، فهذا شيء وهذا شيء، وكل نبي له وَلَايَة بِحَسَبِه.\nفإذًا الوَلَايَةُ داخلةٌ في النبوة لأنَّ النبوة أعظم وأرفع، والإيمان والتقوى هما سببا الوَلاية.\nوإذا كان كذلك، فإنَّ المُتَقَرِرْ عند أهل السنة والجماعة: أنَّ الإيمان يتفاضل أهله فيه والتقوى يتفاضل أهلها فيها.\nوإذا كان الإيمان مُتَفَاضِلًا والتقوى متفاضلةً فينتج من ذلك أنَّ وَلاية الله لعبده متفاضلة.\nفيجتمع -إذًا- في حق المؤمن المُعَيَّنْ ما يُوجِبُ الولاية من الله - ﷿ - بإيجابه على نفسه ووعده الحق، وما يُسَبِّبُ العداوة.\nفمادة الإيمان والتقوى أثرُهَا وَلَاية الله - ﷿ - لعبده وهي محبته له ونُصْرَتُهُ له.\nومادة الظلم والطغيان والذنب عليها وعيد من الله - ﷿ - بسلب الوَلَايَة الكاملة، فهذه تجتمع في حق المؤمن، من جهة يكون وليًا ومن جهةٍ يكون ظالمًا لنفسه.","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>[المسألة الثالثة]:\nالله - ﷿ - وليٌّ للعبد، والعبد أيضًا وليٌّ لله - ﷿ </span>-، وهذا عند أهل السنة والجماعة له جهتان:\n- جهة الوَلاية من الله.\n- وجهة الوَلاية مِنَ العبد.\nفالله - ﷿ - يَنْصُرُ عبده، والعبْدُ ينصُرُ ربه - ﷻ -.\nوالله - ﷿ - يُحِبُّ عبده المؤمن التَّقي، والمؤمن التقي يُحِبُّ ربه - ﷻ -.\nفهاتان جهتان تجمع الوَلَاية من جهة المحبة والنُّصْرَةْ من العبد لربه -يعني محبته لله ولرسوله ولكتابه ولدينه-، وكذلك نُصْرَتُهُ لله - ﷿ - ولكتابه ولدينه ولنبيه ﷺ.\nفمن العبد فِعْلُ وَلَايَةْ، ومن الرب - ﷿ - وَلَايَةْ للعبد.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>[المسألة الرابعة]:\nالأولياء قسمان فيما دَلَّتْ عليه الأدلة:\n- مقتصدون.\n- وسابقون مُقَرَّبون</span>.\nوذلك أنَّ الله - ﷿ - جَمَعَ في آية سورة فاطر أنواعَ الذين أُورِثُوا القرآن فجعلهم ثلاثة أصناف في قوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] فجعلهم ثلاثة أصناف:\n- الظالم لنفسه.\n- والمقتصد.\n- والسابق بالخيرات.\nوالظالم لنفسه لا يستحق اسم الإيمان المطلق ولا التقوى المطلقة، فخَرَجَ من قوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ فبقي أنَّ الأولياء المؤمنين المتقين صنفان:\n- المقتصد.\n- والسابق بالخيرات.\nوالسابق بالخيرات أطوَعُ وأتبَعُ للقرآن مِنَ المقتصد، فنصيبه من الولاية وهي محبة الله - ﷿ - له ونُصْرَتُهُ له أعظم من نصيب المقتصد.\nوهؤلاء هم الذين جاء فيهم الحديث المشهور المسمى بحديث الولي وهو قوله ﷺ «قال الله تعالى: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته -هذا سابق بالخيرات- كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له من ذلك» (١) . رواه البخاري وغيره، وهو حديث صحيح لا مَطْعَنَ فيه، فدَلَّ الحديث على أنَّ السابق بالخيرات أحَقْ وأعظم وَلاية لله - ﷿ - من الذي يتقرب إلى الله بالفرائض.\nقال «وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، وما افْتَرَضَهُ الله - ﷿ - على العباد أوامِرْ يمتثلها ونواهٍ يجتنبها، فيتقرب إلى الله بفعل المأمور، ويتقرب إلى الله - ﷿ - بترك المنهي المُحَرَّمْ، وهذا هو حال المقتصد، ثم ذَكَرَ الفئة الثانية وهم السابقون بالخيرات.\n_________\n(١) البخاري (٦٥٠٢)","vol":"1","page":419},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nارتبطت مسألة الوَلَاية -ولاية الله - ﷿ - للمؤمن العبد- بمسألة الكرامة، ولهذا أكثر من يتكلم عن الأولياء في صفاتهم وتقرير المُعْتَقَدْ فيهم لابد أن يتكلم عن الكرامات.\nوهذه أشار إليها الطحاوي في قوله (وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ) .\nوالكرامة هذه عُرِّفت بأنها: أمر خارق للعادة جرى على يدي ولي.\nوهي متصلة بالآية والبرهان عند الأنبياء، وبالخوارق مُطلقًا عند الأنبياء والأولياء والكهنة والسحرة وأشباههم.\nولهذا فتعريف الكرامة بأنها أمرٌ خارقٌ للعادة جَرَى على يدي ولي متصلٌ بذلك:\nأولا من كونها خارقة للعادة.\nوثانيا هذه العادة عادة من؟\nوالثالث أنه جرى على يدي ولي.\nفقولهم (أمر خارق للعادة جرى على يدي ولي) أخْرَجَ الخوارق التي تجري على أيدي الكهنة والسحرة، وأخْرَجَ الخوارق التي هي الآيات والبراهين والمعجزات التي تجري على أيدي الأنبياء.\nلهذا يُقَرّرونَ في هذه المسألة أنواع الخوارق، وسيأتي في آخِرِ هذه العقيدة المباركة قول الطّحاوي (وَلاَ نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الأوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ﵈، ونقولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الأوْلِيَاءِ. وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِم، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِم) فنرجئ الكلام المُفَصَّلْ عن الكرامات وما يتعلق بها إلى موضعه.\nلكن الذي يتصل بهذا البحث وهو أنَّ المؤمن ولي الرحمن أنّ الكرامة هذه التي يُفردُونها بالبحث هي ما اشتهر عند الناس أنها أَثَرُ الوَلاية، والكرامة عندهم أمرٌ خارق للعادة -مثل ما عرفناه لكم-.\nوهذا ليس بدقيق؛ لأنَّ الكرامة بعضُ أنواع البشرى، والله - ﷿ - ذَكَرَ أنّه جعل لأوليائه البشرى فقال ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] .\nو﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ منها الإكرام بأمْرٍ خارقٍ للعادة يُجْريهُ الله لهذا الولي، قد يشعر به وقد لا يشعر، وقد يَتَفَطَّنْ لأثره وقد لا يَتَفَطَّنْ ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف:١٠٠]، لكن البشرى التي وعد الله - ﷿ - بها أولياءه إكرامًا هذه كثيرة الأنواع وكثيرة الأسباب.\nفالسلف اختلفوا في تفسير البُشْرَى واختلافهم من باب اختلاف التنوع؛ لأنَّ كلًا ذَكَرَ بِشارة:\n١ - فمن البشارة وعد الله - ﷿ - بنصرة المؤمن التقي ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] .\n٢- كذلك البشرى في الدنيا بأنَّ الله - ﷿ - يثبته ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] (١) .\n\n: [[الشريط الواحد والثلاثون]]:\n\n- من البشرى وعد الله - ﷿ - بمعيته لعبده، معية التوفيق والتأييد في كل موطن -في الحِجَاجْ باللسان أو في المُجَاهَدَة بالبدن أو في ترك مُشْتَهَيَات النفس والرغبة فيما عند الله - ﷿ -.؟\n- من البشرى التي ذُكِرَتْ في الآية الرؤية الصالحة كما ثَبَتَ في الصحيح «لم يبقَ من النبوة إلا المُبَشِّرَات الرؤية الصالحة يراها المؤمن أو تُرَى له» (٢) وقد رَأَى عدد من أهل العلم لبعض العلماء والأئمة أنَّهَم في الجنة وأنهم مع الأئمة أو مع النبي ﷺ أو مع الصحابة ونحو ذلك، وهذه من المُبَشِّرَات.\n- من البشرى في الحياة الدنيا أنَّ الله - ﷿ - يجعَلُ بعض الأعمال التي عَمِلُوها مُكَفِّرَةً لسيئاتهم -الكبائر والصغائر جميعًا-، كما تَفَضَّلَ الله - ﷿ - لأوليائه من الصحابة من أهل بدر فقال «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٣) قال يقتضي مغفرة الكبائر والصغائر وهي التي غفرت لحاطب بن أبي بلتعة ﵁ ما فعل من إسراره بخبر رسول الله ﷺ ومَسِيرِهِ إلى مكة إلى الكَفَرَةْ من قريش.\nفالبشرى إذًا أنواع عظيمة:\n١ - وَعْدُ الله - ﷿ - بالجنة لعبده\n٢ - توفيقه لمِحَبَّتِهِ للإيمان\n٣ - محبته للعمل الصالح، محبته للقرآن\n٤- انشراح صدره بالصلاة وبتلاوة كتابه\n٥ - الأُنْسْ بالله ﷻ والرغبة في ذلك والاشتياق إلى عبادة الرب ﷾ والإسراع في ذلك\nهذه كلها من أنواع البشرى التي يُبَشِّرُ الله - ﷿ - بها في ذلك.\nفإذًا كرامة الله - ﷿ - لعبده بأن جَعَلَ الله له البُشْرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ومن البشارة هذه ﴿لَهُمْ الْبُشْرَى﴾ منها أنواع الكرامات.\nلكن أنواع الكرامات قد تحصل وقد لا تحصل، قد تكون للولي وقد لا تكون.\nكما سيأتي بَحْثُهُ من أنَّ الكرامة بحسب حاجة العبد إليها لا بِحَسَبْ إيمانه وتقواه.\nيعني ليس بحسب رِفْعَةْ مقامه وأنَّهُ كلما ارتفع المقام أُعْطِيَ كرامة، لا، ولكن بحسب حاجته، وهذا له تفصيل إن شاء الله يُرْجَؤُ إلى موطنه، لكن هذ نوع من البشرى وأنواع البشرى التي للأولياء كثيرةٌ متنوعة.\n- ومنها التسديد في السمع والبصر وما يكتبه بيده وما يمشي برجله كما جاء في حديث الولي قال «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به» يعني أُسَدِّدُهُ وأُوَفِقُهُ في سمعه، فلا يأنس لسماع إلا ما يحبه الله، أُسَدِّدُهُ في بصره وأُوَفِقُهُ، فلا يأنس لنظر ولا إبصار إلا ما يحبه الله - ﷿ -، أُسَدِّدُهُ في يده التي يبطش بها فلا يبطش ولا يعتدي إلا بما أذن الله - ﷿ - به، أُسَدِّدُهُ وأُوَفِقُهُ في رجله في ممشاه فلا يمشي إلا ممشىً يحبه الله - ﷿ - ورسوله ﷺ.\nقال هنا «ورجله التي يمشي بها» يعني يكون فيما يُحِبُّ الله - ﷿ -.\nوهذا أمر عظيم أن يكون إِلْفْ العبد ما يُحِبُّ الله - ﷿ -، ولا تُنَازِعُهُ نفسه للشر، لا تُنَازِعُهُ نفسه للمعصية، لا تُنَازِعُهُ نفسه لمخالفة الأمر وارتكاب المنهي، يكون إلفُهُ الخير وإلفُهُ ما يحبه الله - ﷿ -، هذا من إعانة الله - ﷿ - العبد على نفسه الأمارة بالسوء، وعلى قرينه الذي يأمره بالشر.\nفهذا إذًا نوع من الإكرام وهي بُشْرَى يَحُسُّهَا العبد ويحمد الله - ﷿ - عليها ويسأله ﷾ الثبات على ذلك.\n_________\n(١) انتهى الشريط الثلاثون.\n(٢) البخاري (٦٩٩٠)\n(٣) سبق ذكره (٣٥٠)","vol":"1","page":420},{"text":"[المسألة السادسة]:\n[أولياء الله] هم المؤمنون المتقون، ومن أعظم مظاهر التقوى فيهم عدم تزكية النفس؛ لأنَّ الله - ﷿ - قال ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]، فجَعَلَ العلم بالتقوى مَوكُولًا أو مِنْ خصائصه سبحانه، جعله مَوكُولًا إلى علمه ﷾.\nفإذًا صفة المؤمن التقي الذي هو وليٌ لله - ﷿ - أنَّهُ لا يُزَكِّيْ نفسه، فمن زَكَّى نفسه وقال: أنا تقي أو أنا من أولياء الله ونحو ذلك، فهو حقيقٌ بالبُعْدِ عن استحقاق هذا اللفظ، لأنَّ التواضع لله - ﷿ - والذُلَّ لَهْ والخضوع له ﷾ والخوف منه والعلم بأنَّ العبد مهما عمل لن يَبْلُغَ التقوى هذا يوجِبْ أن لا يُثْنِي على نفسه بأنَّهُ وَلِي وأنه مُتَّقٍ ونحو ذلك.\nفإذًا ما شاع في العصور المتأخرة وهو موجود إلى الآن من أنَّ طائفة يذكرون لِمُرِيدِيهِمْ، يذكرون لأتباعهم أنهم أولياء ويُحَدِّثُونَ بكراماتهم، هذا من أسباب الجرح في حقيقة التقوى، ويعني ذلك أنَّ أولياء الرحمن ليسوا على هذا الوصف.","vol":"1","page":422},{"text":"[المسألة السابعة]:\nلشيخ الإسلام ابن تيمية مَصَنَّفْ مُهِمْ في الفرق ما بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان سماه (الفرقان ما بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) . يحسُنُ مطالعته (١) في معرفة صفات أولياء الرحمن، وصفات أولياء الشيطان لأنه بَسَطَ هذه الصفات بَسْطًَا شافيا كافيا كعادته ﵀ وأجزل له المثوبة وجزاه عنا وعن أهل السنة خير الجزاء.\n_________\n(١) وللشيخ صالح آل الشيخ شرحا لهذا المصنف في ٩ أشرطة وهي مفرغة تحت اسم: التعليقات الحسان على الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.","vol":"1","page":423},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nأولياءُ كُل أمَّةٍ شاهدون لأنبيائها ولِرُسُلِهَا، مُؤَيِّدُونَ لما اتَّصَفُوا به لكون ما جاء به الرسول الذي اتبعوه حقًا.\nفأولياء بني إسرائيل يشهدون بِفِعْلِهِمْ واتِّبَاعِهِمْ على أنَّ ما جاء به موسى حَقٌ من عند الله - ﷿ -، وكذلك حواريو عيسى وهم أولياء يشهدون بِفِعْلِهِمْ ونُصْرَتهم ووَلَايَتِهِم أنّ ما جاء به عيسى حق، وكذلك صحابة رسول الله ﷺ الذين هم أفضل أَتْباع الرسل يشهدون بما اتصفوا به من الإيمان والتقوى والجهاد والعلم والبذل بأنَّ رسالة محمدصلى الله عليه وسلم حق.\nولهذا تتصل مباحث الأولياء والكرامات بمعجزات الأنبياء، فالكرامة والوَلاية -يعني أنْ يكون وليًا وأن يكون له كرامة- لها اتصال بالمعجزات التي هي الآيات والبراهين.\nفكل اتِّبَاعْ شاهِدٌ لأصله، وكل كرامة دالَّةٌ على المعجزة التي أُعْطِيَها النبي ﵇ أيًا كان ذلك النبي.\nوهذا أَصْلٌ مهم يقضي بأنَّ الولي لا يخرج عن طاعة النبي الذي اتَّبَعَهُ، بخلاف ما زعمت طائفة من الغلاة المتصوفة والرافضة من أنَّ الولي قد يكون أفضل من النبي كما سيأتي بيانه في موضعه مُفَصَّلًا إن شاء الله، وصَنَّفَ فيه الحكيم الترمذي ختم الأولياء) كتاب معروف طُبِعَ، وصَنَّفَ فيه أيضًا ابن عربي الطائي وذَكَرَ فيه أنَّ الولي يكون أفضل من النبي، وأيضا هذا مُعْتَقَدْ الرافضة من أنَّ الأولياء أفضل.\nالأصل العام الذي ذكرنا لك في هذه المسألة تُخَالِفُ كل هذا من أنَّ الولي ناصِرٌ وتَبَعٌ؛ بل كونه وليًا يشهد لنبيه الذي اتّبعه، وبالتالي يكون تابعًا دائمًا والتابع متأخر.\nنكتفي بهذا القدر.","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>الأسئلة:</span>\nس١/ ذَكَرَ أحد الباحثين أنَّ الإرجاء أثَّرَ على بعض العلماء فلم يُكَفِّرُوا تارك الصلاة تهاونًا وكسلًا، فهل هذا الكلام على إطلاقه؟\nج/ هذا الكلام غير صحيح، فليس لمسألة تكفير تارك الصلاة تهاونًا وكسلًا صلة بالإرجاء.\nفالنزاع جارٍ ما بين أهل السنة في تكفير تارك الصلاة تهاونًا وكسلًا، وليس في هذا فحسب؛ بل في تكفير من ترك رُكنًا من أركان الإسلام، تكفير تارك الصلاة وغيره، ترى من ترك ركنًا من أركان الإسلام الزكاة والصيام والحج، عن الإمام أحمد أيضًا وعن غيره، حتى الإمام أحمد ثَمَّ خلاف عنده -يعني في الروايات- في تكفير من ترك رُكْنًَا من أركان الإسلام.\nومن العجائب أنَّ الإمام أحمد ﵀ له في هذه المسألة خمس روايات في هل يكفر من ترك أركان الإسلام العملية -يعني غير الشهادتين-:\nالرواية الأولى: أنه يكفر بترك أي ركن من أركان الإسلام.\nالرواية الثانية: أنه يكفر بترك الصلاة والزكاة.\nوالثالثة: يكفر يترك الصلاة والزكاة إذا قاتل عليها الإمام؛ يعني إذا قاتَلَ في الزكاة الإمام، ليس مطلق الترك.\nوالرابعة: يكفر بترك الصلاة فقط.\nالخامسة: نسيت الخامسة.\nالمقصود أنّ الخلاف في تكفير من ترك رُكْنًَا من الأركان تهاونًا وكسلًا ليس له صلة بالإرجاء، وما ذكره الباحث محل نظر.\nس٢/ ما هو ضابط الإعراض الذي هو من نواقض الإسلام؟\nج/ الإعراض ذَكَرَهُ العلماء في باب حكم المرتد، وذَكَرَهُ إمام الدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ الناقض العاشر في رسالته النواقض، قال: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به.\nوالدليل على أنَّ الإعراض ناقِضْ من النواقض قول الله - ﷿ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُون﴾ [الأحقاف:٣]، في أول سورة الأحقاف ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، وكذلك قوله ﷻ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٢٤]، ونحو ذلك ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤]، ونحو ذلك من الأدلة.\nوالإعراض ضابطه أنه لا يتعلم الدين ولا يعمل به، ليس له هِمَّةْ في معرفَةِ توحيدٍ ولا عبادة لا من جِهَةِ العلم ولا من جهة العمل؛ يعني جميعًا، لا من جهة العلم ولا من جهة العمل جميعًا؛ بل لا يهمه الأمر وليس من شأنه هذا الأمر مع تمكنه من ذلك.\nمثاله شخص في بلدنا عنده الوسائل كافية، والكتب موجودة، والدراسة موجودة، وأهل العلم موجودين، والخُطَبْ والجُمَعْ، ولا يهتم بهذا أبدا، مُعْرِضْ تمامًا؛ مادِّي لا يهتم لا بصلاةٍ ولا بسماع آية ولا بسماع خطبة ولا يتعلم.\nهذا هو الذي يكفر بالإعراض، لا يتعلم الدين ولا يعمل به، لا يرفع به رأسًا ولا يهمه لا من قريب ولا من بعيد، ولو احتاج خبزًا لمعيشته لذهب وبحث حتى يأتي به، لو احتاج لأمر في بيته لذهب حتى يأتي به، وأما الدين فهو مُعْرِضٌ عنه لا يتعلم ولا يعمل، فهذا هو ضابط الإعراض.\nلا يبحث عن علم ولا يهتم به -يعني في توحيد الله - ﷿ - وفي بيان الواجب ومعرفة ما أنزل الله - ﷿ -- ولا يهتم بالعمل جميعا؛ يعني علم وعمل لا يهتم بهما.\nأما إذا كان عنده علم ولم يعمل أو كان عنده عمل ولا يعلم هذا لا يُسَمَّى مُعْرِضًَا.\nوتطبيقها على المُعَيَّنْ صعب جدًا، فلان مُعْرِضْ تمامًا.\nغالب أهل القبلة بل لا يوجد أحد من أهل القبلة يعني من يَصِحْ ممن شهد أن لا إله إلا الله أو عنده انتساب أنه لا يهتم أصلًا، مُعْرِضْ تماما.\nلكن قد يكون أحيانًا تأتي دعوة للتوحيد مثل ما حصل في وقت إمام الدعوة، يعني أناس يرون جهاد قائم ودعوة ومُجَادَلَة ومجاهدة باللسان ومجاهدة بالسنان، وهو لا يهتم، لا يسأل، يقول أنا ما علي منهم ولا عَلي من هذا الدين، ولا يعني لنفسه؛ يعني مادي.\nيمكن أنك تُلَخِّصْهَا المُعْرِضْ هو المادي البحت، لا يتعلمه ولا يعمل به.\nس٣/ قال بعضهم: إنَّ جُلْ السلف الصالح كانوا من الصوفية، فهل هذا صحيح؟\nج/ الصوفية ما نشأت إلا في القرن الثاني الهجري؛ يعني بعد سنة مائة وخمسين (١٥٠) كَنِحْلَةْ بَدَأَتْ تتأطر في عُزْلَةْ وأَوْرادْ وأشياء.\nوالسلف الصالح القرون الثلاثة المفضلة الصحابة والتابعون وتبع التابعين.\nفهذا الكلام الرد عليه من جهات كثيرة؛ لكن ليس كلامًا ذا بال.\nس٤/ ذكرت في الدرس السابق الخلاف في تعريف الإيمان وأنَّ الخلاف صوري من وجه وحقيقي من وجه آخر، أرجو إعادة هذه النقطة وذلك لأهميتها؟\nج/ ذكرنا لكم أنَّ عددًا من أهل العلم قالوا: إنَّ الخلاف صوري أو لفظي يعني، غير معنوي وغير حقيقي. وذكرنا أنَّ هذه المسألة لها جهتان:\nالجهة الأولى: جهة الحكم.\nوالجهة الثانية: جهة امتثال الأوامر العلمية والعملية.","vol":"1","page":425},{"text":"من جهة الحكم ومرتكب الكبيرة وخروجه من الإيمان و[.....]، المرجئة -مرجئة الفقهاء- كحماد بن أبي سليمان والإمام أبي حنيفة ومن تبِعَهُمْ ليس ثَمَّ خلاف مع بقية أهل السنة في الحكم، فهم لا يُكَفِّرُونَ مرتكب الكبيرة، وأيضًا لا يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب؛ بل الحنفية من أشد الناس في التكفير وفي الحكم بالردَّة كما هو معروف من كتبهم.\nولهذا ابن تيمية ﵀ في كتاب الإيمان لما ذَكَرَ الخلاف -وهذه احتج بها بعضهم وليست في محل الاحتجاج- قال: (وأغلبُ أو قال أكثر الخلاف الذي بين أهل السنة في مسألة الإيمان لفظي) .\nوهذا نستفيد منه فائدتين:\nالفائدة الأولى: أنَّ مرجئة الفقهاء لا يُخْرَجُونَ من أهل السنة في هذه المسألة إِخْرَاجًَا مُطلقًا؛ بل يُقَيَّدْ يُقال أنهم من أهل السنة إلا في مسألة الإيمان، فهم من جملة أهل السنة إلا في هذه المسألة.\nفشيخ الإسلام في كتابه الإيمان يُدْخِلْ مرجئة الفقهاء خاصة في عموم أهل السنة؛ لأنَّ الخلاف كما قال أكثَرُهُ لفظي.\nالفائدة الثانية: أنَّ قوله أكثره لفظي يدلُّ على أنَّ ثَمَّةَ منه ما ليس كذلك، وهو الذي ذكرته لك أنه من جهة الأوامر واعتقاد ذلك، وامتثال جهة الأوامر العملية والعلمية.\nس٥/ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى أنَّ الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا فهل هذا التقسيم كان معروفا، مُجْمَعًَا عليه عند السلف؛ لأنَّ الأحناف فيما أعلم يُدْخِلُونَ العمل في مسمى الإسلام؟\nج/ الإسلام والإيمان هل هما شيء واحد؟ أم هما أمران مختلفان؟ وهل إذا اجتمعا افترقا أو لا؟\nهذه مسألة فيها خلاف كبير بين السلف، مسألة الإيمان والإسلام، الخلاف فيها:\n- من قال الإيمان والإسلام واحد.\n- أو قال هما شيئان مختلفان.\n- أو قال إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.\nفالكل من أقوال أهل السنة، الخلاف في هذه المسألة لا يُخْرِجْ القائل من أهل السنة.\n[....] فثَمَّ جَمْعْ قالوا الإسلام هو الإيمان، واستدلوا عليه بقوله تعالى ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] .\nومنهم من قال لا، الإسلام شيء والإيمان شيء مختلف تمامًا عنه، ويستدلون عليه بقوله ﴿قَالَتْ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فجعل الإيمان شيئًا وجعل الإسلام شيئا آخر، وكذلك حديث جبريل قال الإسلام كذا والإيمان كذا.\nوالثالث الذي هو التحقيق أنّ الإسلام لابد له من إيمان حتى يَصِحْ، والإيمان لابد له من إسلام حتى يصح، فليس ثَمَّ مسلم بلا أي قَدْرْ من الإيمان وليس ثَمَّ مؤمن بلا أي قدْر من الإسلام؛ بل لابد هذا وهذا، والإسلام على كماله والإيمان على كماله قد يُطلق الإسلام مع الإيمان فيُعْنَي بالإيمان ما جاء في حديث جبريل:\n- الأعمال: الباطنة؛ يعني الإيمان الباطن.\n- والإسلام الظاهر.\nمثل ما جاء في الحديث الذي رُوي في مسند الإمام أحمد قال «الإسلام علانية والإيمان في القلب» (١) فيجتمعان فتكون هذا دلالته على حديث جبريل، تكون دلالته الشهادتين والأركان العملية الأربع، والإيمان التصديق الباطن مع العلم.\nويفترقان فيكون الإسلام يدل على الإيمان، ويكون الإيمان يدل على الإسلام.\nالمسألة الخلاف فيها سائغ، يعني من خالف فيها، الخلاف منقول عن أئمة السنة؛ ولكن التحقيق هو ما ذكرنا.\nزادني الله وإياكم من كل خير ومن حمل الفقه في الدين، وغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا ومن له حق علينا، ووفق ولاة أمورنا وعلماءنا لكل خير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. (٢)\n_________\n(١) المسند (١٢٤٠٤)\n(٢) انتهى الوجه الأول من الشريط الواحد والثلاثون.","vol":"1","page":426},{"text":"وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.\n_________\nقال ﵀ (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى)\nلَمّا ذَكَرَ الإيمان وأنَّهُ الإقرارُ باللسان والتصديق بالجنان، ومَرَّ معك أنَّهُ لابد فيه من العمل وهو جزء مسماه، عَرَّفَ الإيمان الذي يُصَدَّقْ به والذي يُقَرْ به.\nما هو الإيمان؟\n(الْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ)\nتصديق بالجنان بأي شيء؟ وإقرار باللسان بأي شيء؟\nفذَكَرَ لك أركان الإيمان الستة المعروفة التي دلَّ عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة.\nوهذه الأركان الستة تسمى أركان الإيمان؛ لأنها جاءت حصرًا في جواب سؤال وهو قول جبريل ﵇ للنبي ﷺ: أخبرني عن الإيمان؟\nقال «الإيمانُ أن تؤمن باللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكتبهِ، وَرُسُلِهِ، واليومِ الآخِر، وَالقَدَرِ: خَيْرِهِ وشَرِّهِ» (١) قال: صدقت.\nوسُمِّيَت أركان الإيمان هذه عند أهل السنة والجماعة وعند غيرهم أيضًا؛ لأنها جاءت جوابًا على سؤال، والأصل في الجواب أنه يقتضي الحصر والحد الأدنى مما يَصْدُقُ عليه الجواب، وذِكْرُهَا للتنصيص عليها في القرآن والسنة:\nأما في القرآن فجاءت في غير موضع كقول الله - ﷿ - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] .\nو﴿الْبِرَّ﴾ هنا المقصود به الإيمان.\nوكذلك قوله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] .\nوكذلك قوله ﷻ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] .\nوفي القَدَرِ قوله - ﷿ - ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وكذلك قوله ﷻ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] .\nومن السنة حديث عمر ﵁ الذي رواه مسلم في الصحيح -المعروف بحديث جبريل- حيث جاء أعرابي في الحديث المعروف لديكم إلى النبي ﷺ لا يُرَى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، إلى أن سأله عن الإيمان فقال أخبرني عن الإيمان فذكر هذه الستة.\nوكذلك هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁.\nوهذه الأصول الستة، أركان الإيمان الستة هي التي يجب التصديق بها والإقرار بها لسانًا؛ يعني يُقِرْ بلسانه أنَّهُ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وكذلك يعتقد بقلبه مُصَدِّقًَا بهذه الأشياء الستة.\nوقد مر معنا فيما قبل تفصيل الكلام على هذه الأركان الستة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويأتي الكلام على الإيمان باليوم الآخر تفصيلًا، وتتمة الكلام على الإيمان بالقدر.\nوعلى هذه الجملة نذكر بعض المباحث والمسائل.\n_________\n(١) سبق ذكره (٩)","vol":"1","page":427},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ هذه الستة يُعَبَّرُ عنها بالأركان، وكلمة الأركان سواءً أركان الإسلام أو أركان الإيمان أو غير ذلك هي تسمية اصطلاحية، لم يأتِ بها الدّليل أنَّ هذا ركن.\nفالأدلة ليس فيها تفريق في المباني ما بين الركن وما بين غيره من حيث التّسمية.\nوفي العبادات أيضًا ليس في الأدلة تسمية الأركان أركانًا والواجبات واجبات.\nوالعلماء من جهة الاصطلاح وما دلَّ عليه الدليل:\n- جعلوا ما يقوم عليه الشيء ويسقُطُ بسقوطه رُكنًا.\n- وجعلوا ما يتمّ به الشيء على جهة اللزوم جعلوه واجبًا.\nولهذا سَمُّوا أركان الإسلام الخمسة أركانًا وهي واجبات؛ لأنَّ الركن أعظم من الواجب فيُسَمَّى واجبًا وهو ركن بسقوطه يسقط البناء.\nومما يدلّك على أنَّ التسمية اصطلاحية أنهم مع اتِّفَاقِهِم على أنَّ أركان الإسلام خمسة فهم اختلفوا اختلافًا شديدًا فيمن ترك ركنًا من هذه الأركان الخمسة غير الشهادتين والصلاة والزكاة؛ يعني من ترك الصيام أو ترك الحج فهل يقال انهدم إسلامُه.\nوكذلك في أركان الإيمان هل من تَرَكَ بعض أفراد هذه الأركان يعني شكَّ أو تَرَكَ الإيمان ببعض ما يتصل باليوم الآخر لجهله أو لتأويله أو نحو ذلك هل يسقط الركن في حقه؟ أو ما تتصل به مسائل القدر هل يسقط الركن في حقه؟ مما للعلماء فيه بحث.\nهذا مهم لك لأجل أنَّ تسمية الركن تسمية اصطلاحية، ولا يعني أن تُرَتِّبَ عليها أنَّ ذهاب ما تظن أنه الركن أو بعض أفراده أنَّهُ يعني عدم صحة الإيمان أو عدم صحة الإسلام أو الكفر.\nوحقيقة الركن في الاصطلاح هو ما تقوم عليه ماهية الشيء ولا يُتَصَوَّرُ بدونه.\nوالإيمان بالله - ﷿ - ركْنٌ، فمن لم يؤمن بالله لم يصحّ إيمانه، كذلك الإيمان بالملائكة وأنهم موجودون وعلى نحو ما فصَّلنا لك في القَدْرِ المُجْزِئِ من الإيمان هذا ركن.\nفلكل ركنٍ من هذه الأركان الستة قَدْرٌ يَصِحُّ به، وهناك شيء زائد قد يكون واجبًا؛ ولكن يأثم الإنسان على عدم الإيقان به ولكن ليس داخلًا في حد الركن؛ يعني بمعنى إذا سَقَطْ أو لم يأت به فإنه لا يَصِحّ إيمانه.\nفإذًا الإيمان إقرارٌ باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وما يتصل بأركان الإيمان الستة هذه تصديق بالجنان على نحو ما فصلنا لك سابقا في القَدْرِ المجزئ من كل مسألة وركن منها.\nمن تتمة البحث مسألة أركان الصلاة وواجبات الصلاة، ثَمَّ خلاف كبير بين العلماء هل هذا ركن أو هذا واجب؟ ولماذا سَمَّوا هذا ركنًا وهذا واجبًا؟ إلى آخره مما له صلة بفهمك لمعنى الركن ومعنى الواجب.","vol":"1","page":428},{"text":"[المسألة الثانية]:\nخلاصة الكلام على هذه الأركان السّتة بحيث يمكنك معه أن تُقَرِّرْ حقيقة الإيمان وعقيدة السلف فيما يتصل بهذه الأركان الستة.\n١- أولًا الإيمان بالله:\nالإيمان بالله ثلاثة أقسام:\n@ إيمان بالربوبية: يعني إيمان بأنَّ الله واحد في ربوبيته، في تدبيره لهذا الملكوت، وفي رجوع كل شيء إليه.\n@ إيمان بالألوهية: يعني بأنَّ الله واحد في استحقاقه العبادة، ولا أحد معه يستحق شيئا من العبادة.\n@ إيمان بالله في أسمائه وصفاته: يعني بأنَّ الله واحدٌ في أسمائه وصفاته ليس له مثيلٌ ولا ند وليس له كُفُو وليس له سَمِيٌ في أسمائه وصفاته من جهة الكيفية ومن جهة تمام المعنى وشمول ما دلّ عليه الاسم والصفة من المعنى.\n٢- ثانيًا الإيمان بالملائكة:\nالإيمان بالملائكة إيمانٌ بأنهم موجودون، وهذا الإيمان فيه إجمال وتفصيل، وكلُّ من عَلِمَ شيئًا مما جاء في الدليل من كتاب الله ﷻ أو في سنة المصطفى ﷺ الصحيحة فإنه يجب إيمانه به، كما ذكرنا لك سابقًا أنَّ القَدْرَ المجزئ للإيمان بالملائكة الإيمان بوجود الملائكة، وأنهم عُبَّادْ لله - ﷿ - لا يُعبَدُون.\n٣- ثالثًا الإيمان بالكتب:\nوهو الإيمان بكل كتاب أنزله الله - ﷿ - ما عَلِمْنَا منه وما لم نعلم، إيمانًا إجماليا في المجملات -يعني فيما لم نعلم- وتفصيليًا فيما وقفنا على اسمه من كتب الله - ﷿ -.\n٤- رابعًا الإيمان بالرسل:\nالإيمانبالرسل أيضًا على نفس المنوال؛ إيمانٌ بأنَّ الله - ﷿ - أرسَلَ رُسُلًا وأيّدهم بالبراهين والآيات والمعجزات، وجعلهم هُدَاةً إلى الحق دالّين عليه، وهم كثير منهم من قُصَّ علينا ومنهم من لم يُقَصَّ علينا، فتؤمن بهم إجمالا ونؤمن بهم تفصيلا فيما بلغنا تفصيله.\nهذه كلها جمل سبق الكلام عليها مُفَصَّلًا -تذكرون- في مواضعها.\n٥- خامسًا الإيمان باليوم الآخر:\nالقَدْرْ المُجْزِئْ منه أن يؤمن العبد ويوقن ويُصَدِّقْ بأنَّ هناك يومًا يبعث الله فيه العباد فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ثُمَّ تحته مباحث كثيرة من الحال في البرزخ، ثم ما بعد النفخة الأولى، ثم ما بعد النفخة الثانية، ثم اجتماع الناس في العَرَصَات -عرصات القيامة-، ثم الحوض، ثم الصحف، ثم الميزان والصراط والظُلْمَة والنار والجنة والحساب والاقتصاص وانقسام الناس كل ما في القرآن من ذلك.\nواليوم الآخر كثيرٌ تفاصيله في القرآن جدًا، وكذلك في السنة كثيرٌ تفاصيله.\nويمكن أن يضبطه طالب العلم من جهة التفصيل بأن يُرَتِّبَ ما جاء فيه من الأدلة في القرآن أو في السنة، يرتبها في قلبه من حين نفخة البعث إلى دخول أهل الجَنة الجنة ودخول أهل النّار النار.\nتُرَتِّبْ ما يحدث على مراحل:\nالنفخة، ما يحصل بعدها، مسير الناس، كيف يجتمعون، ما يحصل أثناء اجتماعهم بما جاء في الأدلة، ثم بعد ذلك ما هي الأشياء التي تحصل تباعًا شيئًا فشيئًا وتفاصيل ذلك إلى دخول أهل الجنة الجنةَ وأهل النار النارَ، وسيأتي تفصيلٌ للكلام على اليوم الآخر إن شاء الله تعالى في آخر هذه العقيدة المباركة.\n٦- سادسًا الإيمان بالقدر:\nذكرنا لك أنَّ مراتب الإيمان بالقدر أربع، وأنه يجب على العبد والقَدْرْ المجزئ من الإيمان به أن يعلَمَ أنَّ كل شيء يحصل إنما هو بإذن الله وبمشيئته وبعلمه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الرب ﷻ قَدَّرَ كل شيء إجمالًا وتفصيلًا.\nالإيمان بالقدر كما ذكر قال (وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) والخير والشر والحلو والمر في القَدَرْ المقصود بها ما يضاف للعبد من القَدَرْ -يعني المقدور- فالقَدَرْ له جهتان:\n- جهة صفة الله - ﷿ - وفعل الله - ﷿ -: وهذه مرتبطة بعددٍ من صفات الرب ﷻ: أولها العلم، والثاني الكتابة والمشيئة والخلق والحكمة وهي وضع الأمور مواضعها اللائقة بها الموافقة للغايات المحمودة منها، والعدل في حُكْمِهِ - ﷿ - القدري وهو وضع الأمور والمقادير في مواضعها، هذه جهَةٌ تتعلق بالله ﷻ.\n- جهة تتعلق بالعبد: وهي المقدُورْ، وقوع المقدور وقوع المُقَدَّر عليه، وقوع القَدَرْ عليه أو حصول القَدَرْ وهذه تسمى المقدُور، وتسمى القضاء كما أسلفنا لكم في الفرق ما بين القَدَرْ والقضاء. هذا المُقَدَّر هو الذي ينقسم إلى خير وشر وإلى حلو ومر.\nأما الجهة الأولى وهي صفة الله - ﷿ - فليس فيها شر؛ بل كلها خير؛ لأنَّ الله - ﷿ - طيبٌ ولأنه سبحانه ليس في أفعاله إلا الجميل والخير وما يؤولُ إليه فِعلُهُ وقَدَرُهُ هوالحكمة وما ينبغي أن تكون الأمور عليه.","vol":"1","page":429},{"text":"لهذا صحّ عنه ﷺ في دعائه في الليل أنه قال في ثنائه على ربه - ﷿ - «والشر ليس إليك» (١)؛ يعني أنّ الشر ليس إلى الله - ﷿ - فِعْلًا وليس إلى الله - ﷿ - إضافة، فلا يُنْسَبْ الشر إلى الله ﷾ لا من جهة الفعل ولا من جهة إضافة الشر إليه، وإنما هو شَرٌ بالنسبة إلى العبد فيؤمن بما كان خيرًا، له بما كان حسنة في حقه، ويؤمن بما كان شرًا في حقه أو كان سيئة تسوؤه في حقه، وكذلك ما كان حلوًا وما كان مُرًَّا.\nوهذا للعباد فيه أحوال عظيمة، وهو الذي يظهر من العبد الإيمان به؛ يعني الإيمان بالمَقْدُورْ، يعني ما موقفه من المقدور هذا شر وخير بالنسبة إليه.\nلكن معظم الناس -حاشا أهل العلم والحكمة- لا ينظرون إلى الجهة الأولى وهي جهة فعل الله - ﷿ - وعلمه ومشيئته وتقديره وخلقه ونحو ذلك في وقوع المُقَدَّرَاتْ عليهم أو فيما يرون من تقدير الله - ﷿ - الناس، هذا حاله كذا وهذا حاله كذا، لا ينظرون إلى الجهة الأولى، في الغالب يكون نظرهم من جهة الإضافة إليه، هذا حلو بالنسبة له هذا شر، ينظر إلى الناس هذا جاءه كذا وما جاءه كذا، هذا من صفته كذا وليس من صفته كذا.\nولأجل هذا نُصَّ على الخير والشر والحلو والمر هنا، وأصله -التنصيص عليه- في الحديث الصحيح عنه ﷺ قال «أن تؤمن بالقدر خيره وشره» (٢) وفي الحديث الآخر أيضا قال «خيره وشره وحلوه ومره» (٣)، وهذا هو الذي يُحَاسِبْ العبد نفسه عليه فيما يراه حاصلًا من المُقَدَّرْ.\nومن جهة الإيمان بالقَدَرْ يأتي كثير من السّيئات التي يُصَاب العبد بها، وهي جهة سوء الظن بالله ﷿.\nولهذا كان الإيمان بالقدر خيره وشره فيما يضاف إلى العبد من وقوع المُقَدَّرَات كان الإيمان به عظيمًا؛ لأنَّ أكثر الخلق يُسيئون الظن بالله - ﷿ - وهذه من سِمَةِ أهل الجاهلية ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، يأتيه الشيطان في خاطره فيما وقع عليه مما يسوؤه من الشر يقول: غيري كذا وأما لا أستحق هذا أو كيف يحصل هذا ونحو ذلك.\nولقد أحسن ابن القيم ﵀ حينما ذكر سوء الظن بالله - ﷿ - وقال في أواخر بحثه (ففتش نفسك فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمة وإلا فإني لا إِخالُك ناجيا) (٤)\nوقلَّ من يسلم من سوء الظن بالله - ﷿ - ومن الاعتراض.\nفهو أعظم وأكثر من التَطَيُّرْ؛ لأنَّ التَطَيُّرْ يحصل أحيانًا؛ ولكن وقوع المُقَدَّرَات هذا كل لحظة.\nولهذا ينبغي للعبد في إيمانه بالقدر خيره وشره؛ بل يجب عليه أن يُحَسِّنْ الظن دائما بالله - ﷿ -، وأن يُسَلِّمَ لما أراده الله - ﷿ - بعبده من الأمور الكونية.\n_________\n(١) مسلم (١٨٤٨) / أبو داود (٧٦٠) / الترمذي (٣٤٢٢) / النسائي (٨٩٧)\n(٢) سبق ذكره (٩)\n(٣) ابن حبان (١٦٨) / المعجم الكبير (١٣٥٨١) / مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٤٢٩)\n(٤) زاد المعاد (٣/١٩٦) / إغاثة اللهفان (٢/٢٥٦) / مفتاح دار السعادة (٢/٧١)","vol":"1","page":430},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالإيمان إقرارٌ وتصديقٌ وعمل، وهذه الأركان أركان الإيمان الستة لا يظهر تعلُّقُها بنفسها بالعمل، فهي كلها أمور اعتقادية بحتة، فأين العمل في هذه الأركان الستة؟\nالجواب عن هذا من جهتين:\nأ - الجهة الأولى:\nأنَّ العمل مُتَضَمَّنٌ في هذه الأركان الستة:\nفالإيمان بالله إيمانٌ بربوبيته وألوهيته وبالأسماء والصفات.\nوالإيمان بتوحيده في العبادة يعني بأنه هو المستحق للعبادة وحده - ﷿ - فيه التوجه إليه بالعبادة.\nوكذلك الإيمان بالربوبية فيه الاعتراف له بالربوبية.\nوهذا يَلْزَمُ منه أن يُعْبَدْ أو أن يُشْكَرْ أو نحو ذلك وهذا مَدْخَلٌ للعمل في الإيمان.\nالإيمان بالملائكة يتصل به العمل من جهة المراقبة، باعتقاده أنَّ الملائكة موجودون وأنَّ منهم من يُرَاقب العبد ويكتب ويحسب عليه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] .\nالإيمان بالكتب فيها الإيمان بأعظم الكتب وهو القرآن، والإيمان بالقرآن فيه العمل بما في القرآن من أوامر ونواهٍ والحكم به، وهذا عمل.\nالإيمان بالرسل فيه الإيمان بمحمدصلى الله عليه وسلم؛ بل هو أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله ﷻ، والإيمان بالنبي ﷺ أنه رسول لابد فيه من العمل.\nالإيمان باليوم الآخر وأن الله يحاسب العباد فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، هذا يَبْعَثُ على العمل في أن يَتَقِيَ السوء ويعمل بالخير.\nالإيمان بالقدر كذلك من جهة أنه متضمّن إلى أنَّ العبد لا يعمل عملًا يسخط الله - ﷿ - فيما قدر، ويعمل عملًا يشكر الله - ﷿ - به فيما قدر.\nلأنَّ القدر إما خير يستوجب الشكر، أو شر بالنسبة للعبد (١)\n\n: [[الشريط الثاني والثلاثون]]:\n\nيستوجب الصبر، وهذه أعمال.\nهذه هي الجهة الأولى من التعلق.\nب - الجهة الثانية:\nأنه لا يُتصَوَرُ في الشرع أنَّ ثَمَّ إيمان بلا إسلام، كما أنَّهُ لا يُتَصَوَّرْ أن ثمة إسلامًا بلا إيمان.\nفكل إسلامٍ لابد فيه من قَدْرٍ من الإيمان يصح معه الإسلام الظاهر.\nكذلك كل إيمان بهذه الأركان السّتة الباطنة الاعتقادية لابد معه من عملٍ، من إسلامٍ، يُصَحِّحُ هذا الإيمان.\nولهذا كان من الشرطِ في صحة الإسلام أن يكون ثَمَّ إيمان، وفي صحة الإيمان أن يكون ثَمَّ إسلام.\nفلا يُتَصَوَّرُ مسلمٌ ليس معه من الإيمان شيء، ولا يُتَصَوَّرُ مؤمنٌ ليس معه من الإسلام شيء.\nفإذًا دَخَلَ العمل بدخول الإسلام -وهو أركان الإسلام- في صحة هذا الإيمان، فالإيمان المُنْجِي إيمانٌ لابد معه من إسلام، وهذا ظاهرٌ بَيِّنْ في أنَّ الله لا يقبل عمل أحدٍ حتى يكون مؤمنًا.\n_________\n(١) انتهى الشريط الواحد والثلاثون.","vol":"1","page":431},{"text":"قال بعدها (وَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَنُصَدِّقُهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى مَا جَاءُوا بِهِ) .\n_________\n(نَحْنُ) يعني به أهل الإسلام -أهل القبلة-.\n(مُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ) يعني بأركان الإيمان الستة.\nوفي الإيمان بالرسل للتنصيص على ذلك وكذلك الإيمان بالكتب، (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)؛ وذلك لأنَّ الله - ﷿ - أثنى على عباده بعدم التفريق بين الرسل؛ لأنَّ الرسل جميعًا جاءوا بشيءٍ واحد قال - ﷿ - ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]، وهذا قول أهل الإيمان بثناء الله - ﷿ - عليهم، وكذلك قول الله - ﷿ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِوَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٥٠]، وهذا فيه الذم الشديد لهؤلاء اليهود.\n(نُصَدِّقُهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى مَا جَاءُوا بِهِ) يعني أنَّ الرسول الذي بُعِثَ إلى قومه برسالةْ فكل ما قاله عن الله - ﷿ - حَقْ ما عَلِمْنَا منه وما لم نعلم، فلم يَقُل رسولٌ من لدن نوح ﵇ إلى محمد ﷺ قولًا ينسبه إلى الله - ﷿ - ويجعله من شريعته، من دينه ولا يكون في ذلك مُحِقًَّا؛ بل كل ما قالته الرسل فيما بلَّغوا عن الله - ﷿ - حق يجب التصديق به إجمالًا فيما لم نعلم وتفصيلًا فيما عَلِمْنا وعُلِّمنا.\nوالرسل صلوات الله وسلامه عليهم دينهم واحد -كما سيأتي في المسألة التالية-.\nيريد الطحاوي بذلك أنَّ نَفْسَ أهلِ السنة وأهل القبلة سليمة تجاه رسل الله - ﷿ - فيؤمنون بالجميع ويُسَلِّمُونَ للجميع، خلافًا لأهل الملل الباطلة الزائغة الذي يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥٠] .\nعلى هذه الجملة بعض المسائل:","vol":"1","page":432},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالرّسل دينهم واحد، والله - ﷿ - لم يبعث رسولًا إلا بدين الإسلام.\nولكن الشّرائع تختلف كما قال - ﷿ - ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، وقال ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] يعني سواءٌ أكان من قبل محمد ﷺ أم كان بعد محمد ﷺ، لا يقبل الله من أحد إلا الإسلام.\nفالرّسل جميعا دينهم واحد كما صح عنه ﷺ أنه قال «الأنبياء إخوة لعلاّت الدين واحد والشرائع شتى» (١) .\nوهذا يُبَيِّنُ لك أنَّ أهل الإسلام وخاصَّةً أهل السنة والجماعة لا يقولون ولا يعتقدون بأنَّ الأديان التي جاءت من السماء متعددة، كما يقول الجاهل الأديان السماوية، فالسماء التي فيها الرب - ﷻ - وتقدس في علاه ليس منها إلا دينٌ واحد، وهو الإسلام، جاء به آدم ﵇، وجاء به نوح وجاء به جميع المرسلين إلى نبينا محمد ﷺ.\nفدين موسى ﵇ الإسلام، ودين عيسى ﵇ الإسلام، ودين إبراهيم ﵇ الإسلام، وهكذا، فجميع المُرسلين جاؤوا بدين الإسلام الذي لا يقبل الله - ﷿ - من أحد سواه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ .\nومن الباطل قول القائل الأديان السّماوية، ففي هذا القول تفريق بين الرسل؛ لأنَّ الرسل دينهم واحد نُصَدِّقُهُمْ كلهم على ما جاءوا به لم يأتوا بعقائد مختلفة ولا بأخبار مختلفة غيبية، فكل الرسل يُصَدِّقُ بعضهم بعضًا فيما أخبروا به عن غيب الله - ﷿ -، ما يتعلق بأسماء الله - ﷿ -، بصفاته بذاته العلية - ﷿ -، بالجنة بالنار، فالأخبار ليس فيها نسخ، الأخبار ليس فيها تغيير ما بين رسول ورسول، فالأمور الغيبية كل ما جاءت به الرسل فيها حق.\nلهذا نُصَدِّقُ إجمالًا بكل ما جاءت به الرسل، ونحبهم جميعًا ونتولاهم جميعًا، وننصرهم جميعًا ننصر دينهم -دين الإسلام- الذي جاءت به الرسل جميعًا.\n_________\n(١) سبق ذكره (٤)","vol":"1","page":433},{"text":"[المسألة الثانية]:\nشرائع الرسل تختلف وهي التي تُضَافْ إليها الملة، فيقال اليهودية، يقال النصرانية ونحو ذلك، هذا باعتبار الشرائع، باعتبار اختلاف الشرائع.\nوالشريعة هي: ما لا يختص بأمور الغيب مما يتعلق بالأمور العَمَلِيَّة، الله - ﷿ - يَشْرَعُ ما يشاء بما يوافق حكمته البالغة تقدس ربنا وجل في علاه.\nفإذًا الفرق ما بين الدين العام والشريعة:\n- أنَّ الدين العام هو ما يتصل بالغيب.\n- والشريعة هي ما يَخْتَلِفُ به من جهة العمل.\nولهذا تجد بين بعض الرسالات ربما كان في الشرائع اختلاف في بعض الوسائل، مثلًا وسائل الشرك، ففي بعضها ما يُبَاح وفي بعضها مُنِعَتْ.\nمثلًا اتخاذ التماثيل كان مباحًا في شريعة موسى وسليمان ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبإ:١٣]، كذلك بعض أنواع التوسل، بعض أنواع الانحناء والتحية، هذه وسائل راجعة إلى جهة العمل ليس على جهة الاعتقاد الغيبي وما يختص الله - ﷿ - به.\nهذه منعُهَا مَنْعُ وسائل، فهي راجعة إلى الشرائع وما يَشْرَعُهُ الله - ﷿ - لكل أمة.\nأما العقيدة المتصلة بالغيب فهذا هو الدين العام، دين الإسلام العام الذي بعث الله به جميع المرسلين.\nمحمد ﷺ له خصوص وهو أنَّ رسالته جمعت دين الإسلام وشريعة الإسلام.\nفالاسم -اسم الإسلام الكامل- الأحق به محمد ﷺ لأنَّ شريعته سَمَّاهَا الله الإسلام ولأنَّ الدين الذي جاء به الإسلام، كما جاءت به جميع الرسل.\nفجمع الله له ما بين شريعة الإسلام ودين الإسلام فصار مُخْتصًا بهذا الإسلام دون غيره.","vol":"1","page":434},{"text":"[المسألة الثالثة]:\n(لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) خلافًا لكل أهل الملل والديانات.\nويجوز أن نقول ديانات؛ لأنَّ لكل أمَّةٍ دين، لكن ما نضيفها إلى السماء؛ يعني ما نقول ديانات سماوية، الديانات اليهودية والنصرانية إلى آخره باعتبار ما هي عليه.\nهذه جميعا فَرَّقَتْ بين الرسل.\nولهذا في الحقيقة من فَرَّقَ بين الرسل فليس له حَظٌ في الإيمان بالرسل، حتى إنَّ رسولهم الذي أُرْسِلَ إليهم ما دام أنهم فرَّقُوا فليس لهم حظ في الإيمان به.\nفإذًا نقول: حقيقةً النصارى لم يؤمنوا بعيسى، حقيقةً اليهود -بعد تحريف الدين- لم يؤمنوا بموسى ﵇، وإنما أحبّوا وآمنوا بشيء وضعوه في أذهانهم سَمَّوهُ عيسى وسموه موسى وسموه داوود وسموه سليمان، وإلا فالرسل مُتَبَرِّئون ممن عبدهم أو ممن لم يؤمن بكل رسول.\nمن الذي آمن؟\nالمسلمون آمنوا بكل رسول.\nلهذا الأحق بحماية ميراث الأنبياء جميعًا والرسل وبالدفاع عنهم وبأن يَرِثَ ما ورَّثُوهُ هم أهل الإسلام، ولهذا جعل الله - ﷿ - القرآن مهيمنا على كل كتاب.","vol":"1","page":435},{"text":"قال بعدها (وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي النَّارِ لَا يُخَلَّدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ)\n_________\nهذه الجملة يقرر فيها الطحاوي ﵀ عقيدة أهل الأثر وأهل السنة في أهل الكبائر، مُخَالِفين في اعتقادهم ذلك لطوائف الضلال من الخوارج والمعتزلة والوعيدية بعامة.\nفأهل السنة في أهل الكبائر وسط ما بين فرقتين غالية كالخوارج والمعتزلة وجافية كالمرجئة.\nوسَطٌ ما بين من يقول (يخرج من الإيمان بكل كبيرة) وما بين من يقول (لا يضر مع الإيمان كبيرة) .\nفيعتقد أهل السنة والجماعة أنَّ أهل الكبائر من هذه الأمة مُتَوَعَّدُونَ بالنار؛ لكن إذا دخلوها وكانوا مُوَحِّدِينَ فإنهم لا يخلدون فيها، وقد يعذِّبهم الله - ﷿ - وقد يغفر لهم.\nوهذه مسألة واضحة من جهة الصّلة بمباحث الإيمان -كما سيأتي-، وسبق أن تكلمنا عن القول أو صلة البحث في الكبائر وأهل الكبائر مع الإيمان والمسألة المُسَمَّاةْ بمسائل الأسماء والأحكام.\nودليل الطحاوي على هذه الجملة من النصوص كثير لا يُحْصَى-يعني كتقعيد-أنَّ كل آية فيها ذِكْرُ وَعْدٍ لأهل الإيمان فإنه يدخل فيها أهل الكبائر؛ لأنهم يدخلون في أنهم مؤمنون.\nوكل وعيد جاء لأهل الكفر بالخلود في النار فإنه يخرج منه أهل الكبائر من هذه الأمة إذا ماتوا موحّدين؛ لأنهم ليسوا من أهل الإشراك والكفر.\nفنصوص الوعد تشمل أهل الكبائر، ونصوص الوعيد للكفار لا يدخُلُهَا أهل الكبائر، وإنما لأهل الكبائر من هذه الأمة وعيدٌ خاص في أنهم قد يُعذَّبون وقد يُغفر لهم، وأنهم يَؤُول بهم الأمر بتوحيدهم إلى الجنة.\nومن ذلك قول الله - ﷿ - في وعد أهل الإيمان ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، وهذا في حق الصحابة رضوان الله عليهم، وكان منهم بالنَّصْ من عَمِلَ بعض الكبائر، وكذلك قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، وكذلك قوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء:٥٧، ١٢٢]، ونحو ذلك من آيات الوعد التي فيها وَعْدٌ لأهل الإيمان بدخول الجنة تشمل أهل الكبائر لأنهم مؤمنون.\nومِنَ السّنة ما صح عنه ﷺ من دخول الموحد الجنة وإن زنى وإن سرق إذا مات على التوحيد.\nوالمسألة مشهورة؛ يعني الأدلة فيها أنواع «يَخْرُجُ من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (١)، «أخْرِجُوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (٢)، «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٣)، «من قال لا إله إلا الله مُخْلِصًَا من قلبه أو نفسه دخل الجنة» (٤) كما رواه البخاري عن أبي هريرة؛ يعني أنواع النصوص في وعد المؤمنين بعامة، وكذلك في التنصيص على أنه يدخل الجنة وإن حصلت منه الكبيرة.\nنذكر هنا مسائل:\n_________\n(١) الترمذي (٢٥٩٨)\n(٢) الترمذي (٢٥٩٣)\n(٣) أبو داود (٣١١٦)\n(٤) البخاري (٩٩)","vol":"1","page":436},{"text":"[المسألة الأولى]:\n(أهل الكبائر) يُسَمَّى من ارتكب الكبيرة أنه من أهل الكبائر، أو يُوصَفُ أنه من أهل الكبائر إذا اجتمع فيه وصفان:\n- الأول: العلم.\n- والثاني: عدم التوبة.\nفإذا عَلِمْ أنَّ هذا الفعل معصية واقتَحَمَهُ وكان مَنْصُوصًَا عليه أنَّهُ من الكبائر فيكون من أهل الكبائر.\nوالثاني أن لا يكونَ أَحْدَثَ توبة فإذا أحدث توبة فلا يُوصَفُ أنه من أهل الكبائر.\nوالكبائر جمع كبيرة، والكبيرة اختلف فيها العلماء اختلافًا كبيرًا، على أقوال شتى -ذكر لك عددا من الأقوال الشارح ابن أبي العز-:\n- فمن أهل العلم من قال هي سبع مُقْتَصِرًا على حديث «اجتنبوا السبع الموبقات» (١) .\n- ومنهم من قال هي سبعون -يعني من جهة العدد-.\n- ومنهم من قال كل معصية كبيرة.\nوهذه الأقوال ليست جيدة؛ بل الجميع غلط، فلا يُحَدُّ العدد بِحَدْ لعدم النص عليه، وليست كل معصية كبيرة للفَرْقِ في القرآن -كما سيأتي-، وكذلك ليست هي سبعين؛ يعني لم يثبت في العدد ولا في أنَّ كل معصية كبيرة شيء يمكن أن يُستَدَلَ به على ذلك.\nولهذا صار أجود الأقوال في الكبيرة قولان:\n١- القول الأول: أنّ الكبيرة ما فيه حَدٌ في الدنيا أو عيدٌ بنار أو غضب.\n٢- والقول الثاني: أنّ الكبيرة هي المعصية التي يُؤَثِّرُ فِعْلُهَا في أحد مقاصد الشّرعْ أو كُلِّيَاتِهِ الخمس، مقاصد الشّرع العظيمة أو في أحد كلياته الخمس.\nوالقول الأول هو المعروف عن الإمام أحمد وعددٍ من أهل العلم من أهل السنة.\nوالقول الثاني اختاره جمع من العلماء كالفقيه العز بن عبد السلام في قواعده، وقوّاهُ جمعٌ ممن تبعه في ذلك، وذكره النووي أيضًا في شرحه على مسلم من الأقوال القوية في المسألة.\nهذان القولان قريبان.\nوالقول الأول عُرِّفَتْ فيه الكبائر بـ (ما فيه حد في الدنيا أو وعيد) .\n(حد في الدنيا) يعني ما رُتِّبَ عليه حَدْ مَحْدُودْ، مثل السرقة فيها حد كبيرة، الزنا فيه حد كبيرة، شرب الخمر فيه حد كبيرة، السحر فيه حد كبيرة، الشرك بالله - ﷿ - هو رأس الكبائر، وكُلُّ ما رُتِّبَ فيه حد، فهذا ضابط لمعرفة أنه كبيرة.\n(أو وعيد) ما تُوُعِّدَ عليه بالنار، فِعْلٌ تَوَعَدَ الله - ﷿ - عليه بالنار، جاء في الكتاب أو السنة التَوَعُّدْ عليه بالنار، قتل النفس هذا فيه حد وأيضًا تَوَعُّدْ بالنار، والخيانة، وأكل المال بالباطل أكل مال اليتامى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، وأشباه ذلك، فما كان فيه حد أو كان توعد بنار فهذا ظاهر في أنه كبيرة.\nابن تيمية أضاف (ما نُفِيَ فيه الإيمان -لا يؤمن-، أو جاء فيه -ليس منا-):\nما نُفِيَ فيه الإيمان (لا يؤمن): يعني أضاف على التعريف الأول ما نُفِيَ فيه الإيمان «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» (٢) يقول: عَدَمُ أَمْنِ الجار من البوائق والاعتداء عليه هذا صار من الكبائر؛ لأنه نَفَى فيه الإيمان، ونَفْيُ الإيمان لا يُطْلَقُ عند ابن تيمية إلا على نَفْيِ الكمال الواجب، ولا يُنْقِصْ الكمال الواجب عنده إلا ما كان كبيرة.\nأو جاء فيه (ليس منا): ليس منا من فَعَلَ كذا، ليس منا من غش، «من غشنا فليس منا» (٣)، «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٤) هذا يدُلْ على أنَّ الفعل كبيرة عند ابن تيمية؛ لأنَّ النفي هذا (ليس منا) يقول يتوجَهُ إلى أنَّهُ ليس من أهل الإيمان وهذا النفي يرجع إلى الأول في أنه فَعَلَ كبيرة.\nوذكرت لكم مرة أو أكثر أنَّ ابن عبد القوي في منظومته في الآداب الطويلة ذكر التعريف بقوله:\nفما فيه حد في الدُّنى أو تَوَعُدٌ ****** بأخرى فَسَمْ كبرى على نَصِّ أحمدِ\nوزاد حفيد المجد أو جا ****** وعيدُه بنفي لإيمان وطرد لمُبْعَدِ\nيعني جَمَعَ قول الإمام أحمد واستدراك ابن تيمية عليه.\nوالتحقيق أن يُقال هذه الأقوال أعني هذين القولين قريبة، وهي صواب، وما كان فيه قَدْحٌ في مَقْصَدْ من مقاصد الشارع أو ضروري من الضروريات الخمس وصار إِحْدَاثُهُ أو فِعْلُهُ مَضَرَّتُهُ وإِفْسَادُهُ يرجع إلى هذه فهو في الحقيقة يكون في الشرع مُرَتَّبًَا عليه حد أو يكون في الشرع مُرَتَّبًَا عليه لعن أو طرد أو وعيد.\nيدخل في التعريف الأول -يعني على كلام ابن تيمية- اللعن، كل ما فيه لعن أيضًا يدخل في حد الكبيرة -سبق أن ذكرنا لكم شيئا من ذلك-.\n_________\n(١) سبق ذكره (٢٦٤)\n(٢) سبق ذكره (٢٦٤)\n(٣) مسلم (٢٩٤) / ابن ماجه (٢٢٢٤)\n(٤) البخاري (١٢٩٤)","vol":"1","page":437},{"text":"[المسألة الثانية (١)]:\nهل الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة أم لا؟\nيعني من أَصَرَّ على كبيرة قلنا هو من أهل الكبائر من أمة محمد ﷺ أم لا؟\nللعلماء في ذلك قولان:\nالقول الأول:\nأنَّ الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة، كما جاء عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم كابن عباس وغيره.\n- القول الثاني:\nأنَّ الصغائر تختلف، وأنَّ الإصرار على الصغائر لِمَنْ تَرَكَ الكبائر لا يبقى معه صغيرة؛ لأنَّ الله - ﷿ - جعل الصلاة إلى الصلاة مُكَفِّرَات لما بينهن، إذا اجتُنِبَتْ الكبائر وجعل رمضان إلى رمضان مُكَفِّرًَا لما بينهما إذا اجتُنِبَتْ الكبائر، وهكذا العمرة إلى العمرة، وهكذا الحج ليس له جزاء إلا الجنة، الحج المبرور «ومن حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (٢)، ونحو ذلك من الأذكار التي يمحو الله بها السّيئات، كذلك اتْبَاع السّيئة الحسنة، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الموحد الذي لم يفعل الكبائر فإنَّ هذه العبادات العظيمة بفضل الله - ﷿ - تمحو عنه الصغائر التي وقعت منه، فلا يُتَصَوَّرْ أنَّ الصغائر تجتمع في حقه فتتحول إلى كبيرة، وهذا النّظر ظاهر من حيث الاستدلال.\nومن قال: إنَّ المُدَاوَمَة على الصغائر تحولها إلى كبيرة. يحتاج إلى دليل واضح من الكتاب أو السنة، والأدلة كما ذكرت تدلُّ على أنَّ الصغيرة من الموحد تُكَفَّرْ، فلا تجتمع عليه؛ ولكن هذا بشرط اجتناب الكبائر كما قال - ﷿ - ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفَّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١] .\nنقف هنا، ونكمل بقية المسائل على بحث الكبائر في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.\nوفّقكم الله لما يحب ويرضى، وجمعنا على الحق والهدى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.\n_________\n(١) هذه المسألة لم يجعلها الشيخ مستقلة وإنما هي تابعة لما قبلها، وقد جعلتها في مسألة مستقلة تنبيهًا عليها.\n(٢) البخاري (١٥٢١)","vol":"1","page":438},{"text":"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>الأسئلة</span>\nس١رحمه الله ما توجيهكم لحديث البطاقة وحديث «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطيئة ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» رواه مسلم (١) مع العلم أنَّ صاحب الكبيرة تحت المشيئة؟\nجرحمه الله ما فهمت وجه الاستشكال؛ لكن لعله أنه فَهِمْ من العموم في حديث «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» فَهِمْ من العموم أنَّ هذا يعارض كون صاحب الكبيرة تحت المشيئة إذا مات غير تائب.\nوهذا غير وارد لأنَّ النصوص يُصَدِّقُ بعضها بعضًا، والآيات يفسر بعضها بعضًا، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، وكذلك الوعد لا ينافي الوعيد، فقوله «أتيتك بقرابها مغفرة» هذا وعدٌ من الله - ﷿ - لمن حقَّقَ التوحيد لا يُشْرِكُ بالله شيئا، وكون صاحب الكبيرة تحت المشيئة لا يُعَارِضُ هذا الأصل؛ لأنَّ هذا والوعد والوعيد يُطلقان ويكونان على إطلاقهما، وكذلك يجتمعان في حق المعين، فيجتمع في حق المعين الوعد والوعيد، وهذا في حق مرتكب الكبيرة، ويدخُلُ في عموم أهل الإيمان الذين وعدهم الله - ﷿ - بالجنة، كل مؤمن وعَدَهُ الله - ﷿ - بالجنة، يدخل في المسلمين الذين جعل الله - ﷿ - لهم مغفرة وأجرا عظيما كما في آية الأحزاب ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥] ونحو ذلك.\nفأهل السنة والجماعة في مثل هذه الأدلة التي فيها الوعد وفيها الوعيد، يُعمِلُونَ الوعد ويُعمِلُونَ الوعيد والوعد بشرطه والوعيد أيضا بشرطه، فلا مُنافاةَ ما بين الأدلة بل الأدلة يُصدِّق بعضها بعضا.\nس٢/ ﵀ ما الضابط في التفريق بين الفعل والصفة في صفات الله - ﷿ - وأفعاله؟\nج/ ﵀ صفة الرب - ﷻ - مُشتملة على فِعلٍ له ﷾ ومُشتملة على ما هو لازِمٌ من غير الفعل؛ يعني أنَّ صفات الرب - ﷻ - منها ما هو صِفَةُ فعل ومنها ما هو صفة ذات، فليست كلها متعدية تَعَدِّي الأفعال.\nفمثلا وجه الرّب - ﷻ - صفة وليس بفعل، اليدان للرب - ﷻ - وصف له سبحانه وليستا باسْمٍ ولا فعل.\nفإذًا الفعل هو فِعْلٌ يفعله الله - ﷿ - له أثره، فالصفات منها ما هو صفة فعلٍ مثل الرحمة وهي صفة ذات لكن لها أثرها ومثل النزول وأشباهه والغضب الرضا، وهذا يتعلق بالمخلوق، فيفعله - ﷿ - ويتصف به ﷾.\nوهناك القسم الآخر التي هي صفات الذات، صفات الذات كثيرة لا علاقة لها بالأفعال.\nفإذًا نقول: ليست كل صفة لله - ﷿ - فِعْلًا، فقد تكون متعلِّقَة بفعل أو لها فعل أو أثرُها فيه فعل، وقد لا يكون ذلك، ولهذا لا يُشْتَقُ من الصفة فِعْلْ مُطْلَقًَا، كما أنه لا يُشتق من الفعل صفة مطلقًا، وذلك أنّ الأفعال أوسع في باب وصف الله - ﷿ - من الصفات، فقد يكون ثَمَّ فعل لله - ﷿ - ولا نشْتَقُ منه صفةً؛ يعني لا نشتق من الحدث المُسْتَكِنّْ في الفعل صفة لله - ﷿ -.\nمثلًا الأفعال المنقسمة إلى محمود ومذموم مثل المكر ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، ومثل ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، ومثل ﴿مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٤-١٥]، ونحو ذلك من الأسماء نشتق منها صفات مُطْلَقًَا (٢)، ونقول الفعل أُطْلِقَ على الله - ﷿ - فنقول له صفة الاستهزاء، له صفة المخادع، له صفة المكر، وهكذا، بل تُطْلَقْ هذه الصفات مُقَيَّدَة لأنَّ المكر والمخادعة والاستهزاء ليست كمالًا في كل حال؛ بل قد تكون كمالًا، وقد تكون نقصًا، فتكون كمالًا إذا كانت بحق، ومن آثار صفات الكمال الأخّرْ، وتكون نقصًا إذا كانت بباطل، وكانت من آثار صفات النقص في المخلوق.\nفإذًا باب الأفعال أوسع من باب الصفات، وليس كل فعل نشتق منه صفة لله - ﷿ -، وليست كل صفة نشتق منها الفعل لله - ﷿ -؛ لأن الصفات منها ما هو صفة ذات ومنها ما هو صفة فعل.\nنكتفي بهذا.\n_________\n(١) مسلم (٢٦٨٧)\n(٢) - لعل مراد الشيخ (ونحو ذلك من الأفعال لا نشتق منها صفات مطلقًا)","vol":"1","page":439},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nفي قوله (مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ) هذه الجملة أو شبه الجملة لا مفهوم لها، فليس هذا الحكم خاصًا بأمة محمد ﷺ بل هو عام لهذه الأمة ولغيرها؛ لأنه:\n- لم يَدُلَّ دليل على تخصيص هذه الأمة بهذا الفضل.\n- ولأنَّ هذه ترجع إلى قاعدة الوعد والوعيد، وهما مما تشترك فيه الأمم لأنَّ أصلها واحد، قال (وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ لَا يَخْلُدُونَ -أو يُخَلَّدُونَ-) بشرط (إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ) .","vol":"1","page":440},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nدخول أَهْلُ الكَبَائِرِ في النَّارِ، هذا وعيد، وهذا الوعيد يجوز إخلافُهُ من الرب - ﷻ -؛ وذلك أنَّ مرتكب الكبيرة إذا تابَ في الدنيا تابَ الله عليه، وإذا طُهِّرَ بِحَدٍ أو نحوه كتعزير فإنه تكون كَفَّارَةْ له.\nفإذًا يكون مرتكب الكبيرة من أهل الوعيد إلا في حالات:\nالحال الأولى:\nأن يكون تائبًا كما ذكرنا لك؛ لأنَّ التوبة تَجُبُّ ما قبلها، قال الله - ﷿ - في آخر سورة الزمر ﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] أجمَعَ أهل التأويل والتفسير-: أنها نزلت في التّائبين، فمن تَابْ تابَ الله - ﷿ - عليه، فلا يلحق التائب وعيد لأنه قد مُحِيَتْ عنه زلته وخطيئته بالتّوبة.\n٢- الحال الثانية:\nأن يُطَهَّرَ من تلك الكبيرة إما بِحَدْ كمن شرب الخمر مثلًا فأُقيمَ عليه الحد فهو طهَّارَةْ وكفَّارة له، وكذلك من قَتَلَ مسلمًا فقُتِلَ، أو من قَتَلَ مسلمًا خطأً فَدَفَعَ الدّية، فإنَّ هذا كفارةٌ له، أو سرق فقُطِعَتْ يده فهو كفارة له، أو قَذَفْ فأقيم عليه حد القذف (١) فهو كفارة له، أو زنى إلى أخره، أو كان تعزيرًا أيضًا فإنه طهارة.\nيعني أنَّ ما يُقَامُ على المسلم من حد أو تعزير من عقوبة في الدنيا فإنها من جنس العقوبة في الآخرة تُطَهِّرُهُ من هذا الذنب.\n٣- الحال الثالثة:\nبعض الذنوب الكبائر تكون لها حسنات ماحية، مثلًا الصدقة في حق القاتل قال - ﷿ - ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة:٤٥]، ومثل الجهاد العظيم فإنه يُنْجِي من العذاب الأليم، قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠-١١]، والعذاب الأليم هو لمن فعل الكبيرة؛ لأنه وعيد شديد.\n٤- الحال الرابعة:\nأن يكون الله - ﷿ - يغفر له ذلك لأسباب متعددة، ذكرنا لكم شيئا منها فيما مضى في العشرة أسباب المشهورة (٢) وقد يدخُلُ بعضها فيما ذكرنا لكم آنفا.\n٥- الحال الخامسة:\nأن يغفر الله - ﷿ - له بعد أن صار تحت المشيئة.\nيعني يوم القيامة، لا يكون عنده حسنات، ولا يكون أتى بشيء؛ ولكن يغفر له الله - ﷿ - مِنَّةً منه وتَكَرُّمًا.\nوهؤلاء هم الذين يقال عنهم تحت المشيئة؛ يعني إذا لم يتوبوا ولم يُقَم عليهم الحد أو طُهِّرُوا ولم يأتوا بشيءٍ من أسباب تكفير الذنب، فإنهم تحت المشيئة إن شاء الله - ﷿ - غفر لهم وإن شاء عذّبهم في النار ثم يخرجون لا يخلدون.\nوهنا شَرَطَ المؤلف -شرط الطحاوي﵀ لهؤلاء الذين لا يَخلُدون في النار إذا دخلوها -يعني لمن لم يغفر الله - ﷿ - له؛ بل شاء أن يعذبه- شَرَطَ له شرطين نذكرهما في المسألة الخامسة.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الثاني والثلاثين.\n(٢) انظر (٣٧٢)","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>[المسألة الخامسة]:\nمن لم يُغْفَرْ له ممن لم يتب فإنه يُشتَرَطُ لعدم خلوده في النار شرطان:</span>\n@ الشرط الأول: أن يكون مات على التوحيد، وهذا كما هو شرطٌ عام في دخول الجنة، كذلك هو شرطٌ عام في الخروج من النار، كما ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان» (١)، فالتوحيد أساس لعدم الخلود في النار، فكل موَحِدٍ لابد أن يخرج من النار.\n@ الشرط الثاني: أنه لا يَخْلُدُ في النار إذا لم يأتِ في ارتكابه لهذه الكبيرة بما يجعله مُسْتَحِلًا لها، فقد يكون من جهةٍ مُوَحِّدًا في الأصل، في نطقه بالشهادتين، ويكون من جهة أخرى في هذه الكبيرة بعينها مُسْتَحِلًا لها، وهذا بقيد:\n١ - أن تكون الكبيرة مما أُجْمِعَ على تحريمه.\n٢ - وكان المُسْتَحِلُّ لها غير متأول.\nوهذه قد تدخل مع شيء من النظر في الحال الأول لأنَّ حقيقة الموحد هو أنه غير مستحلٍ لشيءٍ من محارم الله - ﷿ -.\n_________\n(١) سبق ذكره (٤٣٦)","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>[المسألة السادسة]:\nالخلود في النار نوعان: خلودٌ أمدي إلى أجل، وخلودٌ أبدي</span>.\n- والخلود الأمدي: هو الذي تَوَعَّدَ الله - ﷿ - به أهل الكبائر.\n- والخلود الأبدي؛ المُؤَبد: هو الذي تَوَعَّدَ الله - ﷿ - به أهل الكفر والشرك.\n&amp; فمن الأول: قول الله - ﷿ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، فهذا خلود لكنه خلود أمدي؛ لأنَّ حقيقة الخلود في لغة العرب هو المُكث الطويل، وقد يكون مُكْثًَا طويلًا ثُمَّ ينقضي، وقد يكون مُكْثًَا طويلًا مؤبدًا.\n&amp; ومن الثاني: وهو الخلود الأبدي في النار للكفار قول الله - ﷿ - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣]، وكذلك قوله - ﷿ - في آخر سورة الأحزاب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٦٤-٦٥]، هذا خلود أبدي.\nولذلك يُمَيَّزْ الخلود في القرآن بالأبدية في حق الكفار، وأما في حق الموحدين فإنه لا يكون معه كلمة (أبدًا) .\nوهذا الذي بسببه ضَلَّتْ الخوارج والمعتزلة فإنهم رأوا (خالدين فيها) في حق المُرَابي وفي حق القاتل فظنوا أنَّ الخلود نوع واحد، والخلود نوعان.\nومما يتصل بهذا أيضًا لفظ التحريم في القرآن، ولفظ عدم الدخول للجنة في القرآن، وكذلك عدم الدخول إلى النار.\nيعني لفظ التحريم (إنَّ الله حَرَّمَ الجنة)، أو (حَرَّمَ الله عليه النار)، أو (لا يدخل الجنةَ قاطع رحم)، أو (لا يدخلون الجنةَ)، ونحو ذلك.\nفهذه مما ينبغي تأمُلُهَا وهو أنَّ التحريم في القرآن والسنة ونفي الدخول نوعان:\n- تحريمٌ مؤبد.\n- وتحريمٌ إلى أمد.\nكما أنّ نفي الدخول:\n- نفْيُ دخولٍ مؤبد.\n- ونفي دخولٍ إلى أمد.\nفتَحَصَّلَ من هذا أنَّ الخلود في النار نوعان: خلود إلى أمد، وخلود أبدي.\nوأنَّ تحريم الجنة -كما جاء في بعض النصوص- أو تحريم النار وقد يكون تحريمًا إلى أمد وقد يكون تحريمًا إلى الأبد.\nوكذلك نفي الدخول (لا يدخل الجنة) (لا يدخل النار) هذا أيضا نفي دخولٍ مؤبد أو نفي دخولٍ مؤقت\nوهذا التفصيل هو الذي به يفترق أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح مع الخوارج والمعتزلة وأهل الضلال بجميع أصنافهم فإنهم جعلوا الخلود واحدًا وجعلوا التحريم واحدًا وجعلوا نفي الدخول واحدًا، والنصوص فيها هذا وهذا.","vol":"1","page":443},{"text":"[المسألة السابعة]:\nفي قوله (لَا يَخْلُدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ) هذه الجملة معروفة أصلًا لأنَّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فهي من باب التأكيد ليست إشارة لخلاف ولا إشارة لشرط ونحو ذلك.","vol":"1","page":444},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nفي قوله (بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ مُؤْمِنِينَ) هنا توقف الشارح ابن أبي العز عند قوله (بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ) وتَعَقَّبَ الطحاوي في لفظ (عَارِفِينَ) وأنَّ المعرفة ليست ممدوحة، فإنَّ بعض الكفار كانوا يعرفون، إبليس يعرف، وفرعون يعرف، وأنَّ في هذا القول وهو (بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ) فيه نوع مشاركة للجهمية ولغلاة المرجئة.\nوهذا التعقيب من الشارح ﵀ في هذا الموطن فيه نظر؛ لأنَّ لفظ العارف أو المعرفة هذه ربما جاءت في النص ويُرادُ بها التوحيد والعلم بالشهادتين، فكأنَّ الطحاوي يقول: بعد أن لقوا الله عالمين بالشهادتين مؤمنين.\nوهذا جاء في حديث معاذ المشهور أنَّ النبي ﷺ لمَّا بعثه إلى اليمن قال له «إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإن هم عرفوا ذلك فأعلمهم» (١) إلى آخره وهذا اللفظ رواه مسلم في الصحيح، فاستَعْمَلَ لفظ المعرفة ويُعنَى به العلم بالشهادتين.\nوتوجيه كلام الطحاوي إلى هذا الأصل أولى من تخطئته فيه؛ لأنَّ الأصل في كلام العلماء الإتباع إلا ما دَلَّ الدليل على خلافه.\n_________\n(١) البخاري (٧٣٧٢)","vol":"1","page":445},{"text":"[المسألة التاسعة]:\nفي قوله (وَهُمْ فِي مَشِيئَتِهِ وَحُكْمِهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ، وَعَفَا عَنْهُمْ بِفَضْلِهِ، كَمَا ذَكَرَ - ﷿ - فِي كِتَابِهِ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨، ١١٦]، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ فِي النَّارِ بِعَدْلِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ) هذه الجملة الطويلة تقريرٌ لأصل عند أهل السنة والجماعة خالفوا به الخوارج والمعتزلة: أنَّ أهل الكبائر إذا ماتوا غير تائبين تحت المشيئة.\nوقول الله - ﷿ - ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يعني في الكبائر لمن مات غير تائبٍ منها.\nوالمحققون من أهل العلم جمعوا بين هذه الآية وآية سورة الزمر ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، وهنا ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأطْلَقَ في آية الزمر وهنا قال ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وذلك أنَّ هذه الآية في حق غير التائبين، وأما آية الزمر ففي حق من تاب.\nفهو سبحانه لمن مات غير تاب إن شاء غفر وعفا وهذا فضل وإن شاء عَذَّبَ وهذا عدل منه سبحانه بعباده.\nثم قوله (ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ) هذا فيه ذِكْرُ سببين للخروج من النار في حق أهل الكبائر.\nوهذان السَّببان ضَلَّتْ فيها الفرق من المعتزلة والخوارج ومن شابههم:\n١- السبب الأول: رحمة الله - ﷿ -، والرحمة قاعدة عامة في كل فَضْلٍ يحصل للعبد في الدنيا وفي الآخرة.\nفالخروج من النار برحمة الله، التخفيف من الحساب برحمة الله، دخول من دَخَلَ الجنة برحمة الله - ﷿ -، كما صح عنه ﷺ أنه قال «لن يُدْخِلَ أحَدَكُم الجنة عملُه» (١) أو «لن يَدْخُلَ أحدكم الجنة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»، فهذا السبب عام، فكل من خَرَجَ هو برحمة الله، حتى فيمن شَفَعْ وشُفِّعْ فإنَّ العبد يخرج بعد شفاعة الشافعين برحمة الله - ﷿ -، وهذا يعني أنَّ قوله (بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ) أنها نفهم منها أنه أراد شيئًا مستقلًا وهو أنه محض تفضِّلٍ منه - ﷿ -؛ عَذَّبَ ثم أخرجهم برحمته.\nوهذه الرحمة في هذا الموطن لها تفسيران:\n- الوجه الأول: أنَّ جَعْلْ الكبيرة مع ما فيها من عِظَمْ المبارزة لله - ﷿ - والتهاون بأمره ومخالفته وارتكاب نهيه، أنَّ هذه الكبيرة لم يحكم الله - ﷿ - على من ارتكبها أنَّهُ يُعَذَّبُ أبدًا.\nفكون العذاب إلى أمد رحمة، ثم انقضاء العذاب رحمة، ثم بعثهم إلى الجنة أيضا رحمة.\n- الوجه الثاني: أنّ الله - ﷿ - يُخرجُ من النار أيضًا أقوامًا صاروا حِمَمًا، يعني صاروا على لون السواد من شدة العذاب -والعياذ بالله-، ثم يُلْقَونَ في نهر الحياة فينبُتون فيه من جديد كما تنبت الحِبَّةُ في جانب الوادي وحميل السيل، وهذا أيضًا رحمةٌ من الله - ﷿ - في حق من ارتكب الكبيرة.\n٢- والسبب الثاني: شفاعة الشافعين من أهل طاعته.\nوشفاعة الشافعين:\n- أعلاها شفاعة النبي ﷺ في أهل الكبائر أن يخرجوا من النار.\n- ثم شفاعة الملائكة للمؤمنين الذين ارتكبوا الكبائر أن يخرجوا من النار.\n- ثم شفاعة الوالدين لأولادهما.\n- وهكذا شفاعة المُحِبْ لحبيبه من أهل الإيمان فيمن شاء الله - ﷿ - أن يُشَفِّعَهُ.\nوهذان الأمران: الرحمة على ما ذكرت، وشفاعة الشافعين أيضًا على هذا الوصف- وقد تقدم أظن بحث الشفاعة مُطولًا-، وهذان خالف فيهما أهل الفرق وخاصةً الخوارج والمعتزلة ومن شابههم.\n_________\n(١) سبق ذكره (٣٧٨)","vol":"1","page":446},{"text":"[المسألة العاشرة]:\nقال (وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى أَهْلَ مَعْرِفَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ الَّذِينَ خَابُوا مِنْ هِدَايَتِهِ، وَلَمْ يَنَالُوا مِنْ وَلَايَتِهِ) هذه الجملة يُذَكِّرُ بها الطحاوي ﵀ كُلَّ من أَنْعَمَ الله - ﷿ - عليه بنعمة أن يتذكَّرْ بأنه أُنْعِمَ عليه وتُفُضِّلَ عليه وأُحْسِنَ إليه ومَنَّ الله - ﷿ - عليه بهذه النعمة، فالذي عَصَى الله - ﷿ - وعفا الله عنه أو عَذَّبَهُ ثم أنجاه، هذا كله من آثار تولي الله - ﷿ - لأهل الإيمان.\nوهذا يدل على أنَّ وَلاية الله - ﷿ - لعباده المؤمنين تتبعض ليست كاملة، فإنَّ وَلايَة الله - ﷿ - -وهي محبته لعبده ومودته له ونُصرتُه له وتوفيقه ونحو ذلك- لا يكون جملةً واحدة؛ إما أن يأتي في المعيّن وإما أن يزول كقول الوعيدية، بل يجتمع في حق المعين في الدنيا والآخرة أنه محبوبٌ من جهة ومُبغَضٌ من جهة، مُتولًا من جهة ومخذول من جهة أخرى.\nوهذا هو الذي أراده في أنَّ أهل الكبائر في اعتقاد أهل السنة والجماعة لا يَخْلُون من نوع وَلايَةِ لله - ﷿ - لهم، فالله - ﷿ - (تَوَلَّى أَهْلَ مَعْرِفَتِهِ) يعني أهل توحيده، (وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ) في الدنيا والآخرة (كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ)؛ يعني أهل الكفر الذين ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل:٨٣]؛ بل لهم نصيب من وَلايَةِ الله - ﷿ -.\nفوَلايَةُ الله وهي محبَتُهُ ونُصرَتُهُ في حق المُعيَّن من أهل القبلة تتبعَّض، يعني تكون في فلان أعظم منها في فلان، فالمؤمن المًسَدَّد الذي كَمَّلَ إيمانه بحسب استطاعته له من وَلايَةِ الله - ﷿ - الولاية الكاملة التي تناسب مقامه في الإيمان، والذي يخلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا له نصيب من محبة الله - ﷿ - ووَلايَتِهِ ونُصرَتِهِ بحسب ما عنده من الإيمان.\nفإذًا في حق المُعَيَّنْ حتى من أهل الكبائر يجتمع فيه وَلَايَة من جهة وخُذلان من جهة أخرى، وهذا هو معتقد السلف وأهل السنة والجماعة في هذه المسألة العظيمة.","vol":"1","page":447},{"text":"ثم دعا آخرًا ب<span data-type=\"title\" id=toc-362>قوله (اللَّهُمَّ يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ثَبِّتْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى نَلْقَاكَ بِهِ)</span>\n_________\nوهذه الجملة رُوِيَتْ في حديث لكن لا يصح، وهي دعاءٌ طيب.\nومعنى (وَلِيَّ الْإِسْلَامِ) يعني ناصر الإسلام؛ لأنَّ الولي هو الناصر، والله - ﷿ - وَعَدَ بنصر دينه ﷾ قال - ﷿ - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨] . وقال أيضًا - ﷿ - ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، ونحو ذلك كقوله في آخر الصّافات ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١-١٧٣] .\nفقوله (اللَّهُمَّ يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ) يعني اللهم يا ناصر الإسلام وأهله، فالله - ﷿ - وَعَدْ بنُصرة دينه ونصرة أهل الإسلام ووعده حق.\nفنسأل الله - ﷿ - الذي وَعَدَ بنصر الإسلام ونصر أهل الإسلام أن يثبتنا على هذا الدين حتى نلقاه، وأن يرينا نَصْرَ دينه وإعجاز كلمته وإعلاء رايته إنه سبحانه على كل شيء قدير.","vol":"1","page":448},{"text":"وَنَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وعَلَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ.\n_________\nقال ﵀ (وَنَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وعَلَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ)\nهذه الجملة يريد بها تقرير ما دلَّتْ عليه الأدلة العامة والخاصة في أنَّ الصلاة عند أهل الأثر، أتباع الصحابة رضوان الله عليهم تُقَامُ خلف كل إمام؛ إمام عام وهو ولي الأمر أو إمام خاص وهو إمام المسجد -سواءٌ أكانَ برًا أو كان فاجرًا- إذا كان من أهل التوحيد؛ يعني من أهل القبلة.\nوهذا يريد به مخالفة من ضلُّوا عن سبيل السلف فيمن لم يُصَلُّوا إلا خَلْفَ من يماثلهم في العقيدة أو يماثلهم في العمل أو يكون سليمًا من الفجور، يعني لا يصلون إلا خلف من يعلمون بِرَّهُ وتقواه ونحو ذلك.\nوهذا صنيع الخوارج وكل أنواع المُتعصِّبَة من الضُلاَّل من أهل الفرق جميعًا.\nفكل فرقة من الفِرَقْ تُكَفِّرْ الفرقة الأخرى أو تُضَلِّلُها ولا يرون الصلاة خلف الآخرين، ولو كانوا مبتدعةً أو كانوا فجارًا، فإنهم يقولون: لا نصلي إلا خلف من نعلم دينه أو خلف من هو مثلنا في الاعتقاد.\nبل زاد الأمر حتى صار أصحاب المذاهب المتبوعة: الشافعية والحنفية المالكية لا يصلي أحدٌ منهم إلا خلف من كان على مثل مذهبه الفقهي، وهذا مخالف لهدي السلف الصالح في أعظم مُخَالَفَةْ في مسائل البِدَعْ والاعتقاد، ومسائل الفقه كذلك مخالفتها شنيعة جدًا.\nوكذلك يرون الصلاة على كل ميتٍ من أهل القبلة ما دام أنَّه مات على التوحيد ولم يُعرَفْ بكفرٍ أو نفاق.\nوتحت هذه الجملة مسائل:","vol":"1","page":449},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالصّلاة خلف الإمام الأعظم أو الأمير الخاص هذه سُنَّةٌ ماضية دلَّ عليها سنة النبي ﷺ، ودلَّ عليها عمل السلف الصالح.\nأما السّنة ققد صحَّ عنه ﷺ كما في البخاري وغيره أنه ذكر الأئمة والأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فقال «يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم» (١) .\nوكان السلف إذا صلَّوا خلف من يعلمون فجوره فإنهم لا يفارقونه لأجل فجوره، كما صح عن ابن مسعود ﵁ أنه صلى خلف أمير الكوفة الفجر وصلاها أربعًا فقال ذاك الأمير: أزيدكم؟ يعني هل أنا نَقَصْتُ من الصلاة وكان في سُكرِهِ، فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك في زيادة (٢) .\nفلم يحمله فِعْلُ الكبيرة، شرب الخمر وما ظهر من أماراتها من تضييع عدد الركعات من أن لا يصلي خلفه لأنَّ مصلحة الاجتماع وعدم التفرق عن الأمير أعظم من هذه المصلحة الخاصة.\nكذلك لما أُمِّرَ الحجاج بن يوسف الثقفي على الحج في سنةٍ من السنوات من قِبَلِ خلفاء بني أمية وحَجَّ بالناس، فجاء يوم عرفة وكان ابن عمر هو مفتي الحج بأمر ولي الأمر، فجاء ابن عمر للحجاج وقال له: اخرج إلى الصلاة -لمَّا قَرُبَ الزوال- لأنَّ هذه هي السنة أن يصلي الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في أول وقت الظهر.\nفقال: أُخْرُجْ إلى الصلاة.\nفقال الحجاج: أفي هذه الساعة يا أبا عبد الرحمن؟\nقال: نعم أترغب عن السنة؟\nفخرج فصلى الحجاج وصلى خلفه ابن عمر وصلى وراءه المسلمون. (٣)\nوهذه أيضًا ثبتت عن أنس في صلاته خلف الحجاج، وعدد من الصحابة رضوان الله عليهم وجمعٌ كثير من التابعين صَلَّوا خلف من يعلمون فجوره ويعلمون إسرافه بقتلٍ أو معاصٍ كبائر ونحو ذلك.\nوالصلاة خلف هؤلاء سُنَّةٌ ماضية وعمل للسلف، لذلك صار من المتقرر في قواعد أهل السنة والجماعة أن يصلي المرء خلف الإمام على أي حالٍ كان ما دام أنه مسلم، ويصلي خلف الأمير -الأمير العام أمير البلد-، ويصلي خلف الأمير المُقَيَّدْ أيضًا -أمير السفر أو أمير الحج أو المسؤول أو نحو ذلك-؛ لأنَّ مصلحة الاجتماع مطلوبة والخلاف شر، وهذه صارت سُنَّةْ ماضية لأهل السنة والجماعة.\n_________\n(١) البخاري (٦٩٤)\n(٢) الإستيعاب (١/٤٩٢)\n(٣) الموطأ (٨٩٦) / النسائي (٣٠٠٩)","vol":"1","page":450},{"text":"[المسألة الثانية]:\nمما نَصَّ عليه السلف أيضًا في هذا الأصل أنَّ الصلاة نراها ونفعلُهَا خلف كل إمامٍ بر أو فاجرٍ أو أيضًا ممن نجهل عقيدته.\nوقد بَدَّعَ الأئمة الأربعة وأئمة السلف من قال لا أصلي خلف أحدْ إلا بعد أن أعلم عقيدته؛ بل يُصَلَّى خلف مستور الحال، ومن لا نعلم حاله ولا نبحث ولا نمتحن الناس في عقيدتهم قبل الصلاة، ونرى هل هو موافق أم ليس بموافق، هل هو مبتدع أم ليس بمبتدع.\nنرى ظاهر الأمر، وما دام أنَّ ظاهر الأمر السلامة فإننا نصلي خلفه دون بحث.\nفإذًا على هذا الأصل لا يجوز امتحان الناس في عقيدتهم عند إرادة الصلاة، ولا بَحْثْ أَمْرْ الباطن وإثارة الباطن؛ لأنَّ الأصل الظاهر.\nوهذا هو الذي نصَّ عليه الأئمة الأربعة وجماعة كثيرون من أئمة السلف، وقرَّرَهُ المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة.","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>[المسألة الثالثة]:\nقوله (خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ) هذا إذا كان إمامًا مُرَتَّبًَا، ولم يكن بوسع المرء أن يختار الأمثل</span>.\nأما إذا كان في سَعَةْ في أن يختار من هو أمثل لصلاته وإمامته، فإنه يتعيَّنْ عليه أن يصلي خلف الأقرء «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (١)،.\nوهذا في حال الاختيار، يعني جماعة موجودون من يقدموا؟، تَقَدَمْ رجل يُعْرَفْ عنه فجور فيقال له تأخر؛ لأنه ليس بإمامٍ للمسلمين وليس أميرًا وليس إمامًا راتبًا في هذا المسجد أو في هذا المكان، فلم يتقدم؟\nفتقديمه والرضا بذلك هذا نوع قصور بل مخالفة لأمر النبي ﷺ.\nوهذه المسائل ما فيها حياء ولا فيها مجاملات، يعني إذا كان الأمر في الاختيار لا تجعل أحد يتقدم ممن هو معروف بفجور أو بدعة أو مخالفات أو كبائر أو نحو ذلك من المسائل؛ لأنَّ هذا الإمام هو بين يدي الله - ﷿ -، وهو مُقَدَّمْ الوفد بين يدي الله ﷾، وهو الذي يدعو لهم ويَؤُمُهُم فلا يُجَامَل في هذه المسائل.\nمما يتصل بذلك أيضًا إذا كانت صلاة الجماعة، وإذا تَرَكَ هذا المسجد فإنه يَجِدُ مسجدًا آخر فيه إمامٌ أسلم له في دينه وأَتْبَعْ، فإنه يذهب يصلي خلف الأسْلَمْ؛ لأنَّ هذا مما فيه السَّعَةْ؛ يعني لم يتعين عليه أو ليس ثَمَّ مفسدة أن يصلي خلف هذا، بخلاف ما إذا كان هذا الإمام أمير البلد أو ولي الأمر أو نحو ذلك فإن التخَلُّفَ عنه يثير مفسدة والأصل الجواز.\n_________\n(١) مسلم (١٥٦٤) / أبو داود (٥٨٢) / النسائي (٧٨٠) / الترمذي (٢٣٥)","vol":"1","page":452},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nأهل القبلة هم من يُوصَفُ بالإسلام، والذين يُوصفون بالإسلام أنواع:\n١- النوع الأول: المؤمنون الصالحون.\n٢- النوع الثاني: مسلم له فجور بمعاصٍ مختلفة.\n٣ - النوع الثالث: مسلم له فجور بمعاصٍ خاصة يأتي بيانها.\n٤ - النوع الرابع: المنافق.\n@ أما القسم الأول: فالصلاة على من مات منهم قُرْبَةْ وحَقْ، في أنَّهُ إذا مات المسلم المُسَدَّدْ أن يُصَلَّى عليه وأن تُشهَدَ الصلاة عليه وأن تُشهَدَ جنازته لأنَّ هذا من حق المسلم على المسلم.\n@ وأما القسم الثاني: أن تكون الصلاة على من له فجور عام؛ يعني المعاصي المختلفة، هو ممن خَلَطَ عملًا صالحًا وآخر سيئا وعُرِفَ بذلك في معاصٍ مشهورة عنه، فهذا يُصَلَّى أيضًا عليه بإطلاق، ولا يُشرَعُ التخلف عن الصلاة عليه إذا كان غير داعٍ ومُعْلِنٍ لهذا الفجور بدعوة غيره إليه.\n@ أما القسم الثالث: من أهل الإسلام هو من له فجور بكبائر خاصَّةْ، وهي التي جاء الدليل بأن يَتْرُكَ طائفة الصلاة عليه، مثل الغَالْ، ومثل من قَتَلَ نفسه، وأشباه هذه الذنوب، ومن أقيم عليه الحد -حد القتل- وأشباه ذلك، فهذا يُصَلِي عليه بعض المسلمين ويترك الصلاة عليه أهل الشَّارَةْ والعلم، كما جاءت بذلك السنة عن النبي ﷺ.\n@ وأما القسم الرابع: أهل النفاق، والنفاق قسمان:\n١- القسم الأول: نفاق يعلمه كل أحد، وهذا لا يكون في المسلمين لأنه يكون زنديقًا؛ يعني مُعْلِنْ الاستهزاء بالله - ﷿ - في كتبه أو في قصائده أو نحو ذلك، مُعْلِنْ عدم الإيمان بالقرآن ولا بالمعاد وأشباه ذلك فهذه زَنْدَقَةٌ ظاهرة.\nب - والقسم الثاني نفاقٌ خَفِي يَعْلَمُهُ البعض ولا يَعْلَمُهُ البعض.\n&amp; أما القسم الأول وهو الظاهر فهو لا يجوز الصلاة على من كان زنديقًا أو منافقًا وذلك لقول الله - ﷿ - في المنافقين ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، إلى آخر الآية، وقال - ﷿ - أيضا لنبيه ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، فمن كان معلومًا ظاهرًا النفاق منه -الزندقة، محاربة الدين والزندقة الظاهرة، الكفر الظاهر مما يكون معه المرء منافقًا خالص النفاق- فهذا لا يُصَلَّى عليه فيجب على المسلمين أن لا يُصَلُّوا عليه؛ لأنه حينئذ لا يكون من أهل القبلة بالوصف العام.\n&amp; وأما القسم الثاني وهو من نفاقه مُلْتَبِسْ، هل هو منافق أم ليس بمنافق؟\nفهذا من عَلِمَ نفاقه بيقين له أن لا يصلي عليه، إذا حَضَرَ في المسجد أو نحو ذلك، فإنه إذا علم نفاقه بيقين فإنه لا يُصَلِّيْ عليه ويترك البقية يصلون لأنَّ الصلاة عليه هي باعتبار الإسلام الظاهر ولم يظهر منه ما يخالف هذا الأصل.\nويدل على ذلك أنَّ عمر ﵁ كان لا يصلي على من لا يعلم حاله إلا إذا صَلَّى عليه حذيفة؛ لأنَّ حذيفة بن اليمان ﵁ أخبره النبي ﷺ بأسماء المنافقين، فكان عمر بن الخطاب الخليفة الرّاشد ينظر هل يُصَلِّي عليه حذيفة أم لا يصلي عليه؟\nفإن صَلَّى عليه حذيفة أو توجه للصلاة عليه أو لم يحكم عليه فإنه يصلي عليه.\nوهذا يدل على التفريق في هذه المسائل، ما بين ما يُعْلَمُ من حال المنافق وما لا يُعْلَمُ.\nفمن عَلِمَ حاله لم يُصَلَّ عليه ومن لم يعلم فإنه يُصَلِّي عليه، ولا يَلْزَمُ من عَلِمْ أن يُعْلِنَ وينهى الآخرين عن الصلاة عليه؛ لأنَّ الأصل هو ظاهر الإسلام.\nوقد قرَّر الأئمة من أهل السنة أنَّ المنافق له أحكام المسلمين؛ لأنَّ له حكم الإسلام الظاهر فيرث ويورث ويُصَلِّيْ عليه من لا يعلم حاله ونحو ذلك مما هو من آثار الإسلام الظاهر (١)\n_________\n(١) انتهى الشريط الثاني والثلاثون.","vol":"1","page":453},{"text":": [[الشريط الثالث والثلاثون]]:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>الأسئلة</span>\nس١/ فإن لم يكن مرتكب الكبيرة من أهل الوعيد، إلا في حالات ذكرتم فيها بعض الذنوب ... وقال الله - ﷿ - ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة:٤٥]، وما وجه ذلك؟\nج/ وجهها الإطلاق؛ يعني من تصدَّقَ بِقَتْلِ القاتل فهو كفَّارة له، والقتل كبيرة فكفارته كونها تُكَفِّرْ الصغائر غير مناسب، تُكَفِّرْ ما يقابلها من كبيرة، ولهذا قال العلماء في تفسير ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ يعني فيما يناسب عِظَمْ العمل، ذاك قتل والآن يستحق أن يُقْتَل وأن يُسْفَكَ دمه فهو تصدق به، تصدق بتلك النفس يعني باستحقاقه القتل ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣]، واضح.\nس/ [.....]\nكفَّارة لمن قتل وكفَّارة للمتصدّق، الكفَّارة هنا هل هي للصغائر، الصغائر تُكَفِّرها الصلاة إلى الصلاة، لكن كفارة لما يناسب؛ لأنَّ عِظَمْ الذنب يقابله عِظَمْ التكفير.\nس٢/ الصلوات الخمس والجمعة ورمضان هل يكفر الله سبحانه بها الكبائر والصغائر أم لا يكفر إلا الصغائر، أما الكبائر فلا بد لها من توبة؛ لأنَّ من أهل العلم من يقول بذلك؟\nج/ الحديث نصَّ على أنَّ الصلوات الخمس والجمعة ورمضان إلى رمضان أنها مُكفرات لما بينهما ما اجتُنبت الكبائر، فتُكفر الصغائر، الصلاة في الجماعة إلى الصلاة في الجماعة تُكفر ما بينهما من الصغائر؛ لكن الكبائر لابد فيها من توبة.\nوأما من قال أنَّ هذه الحسنات تُكفر الصغائر والكبائر كابن حزم وغيره، وهذا قول باطل وردَّ عليه ابن عبد البر في التمهيد ردًا جيّدًا مطولًا.\nس/ عدم الإصرار على الكبيرة ألا ...؟\nلا، لأنه لو كانت الكبيرة تُكفَّر بغير التوبة ما يبقى أحد من أهل القبلة يلحقه وعيد، ولهذا قال ابن رجب ﵀ في معرض كلامٍ له (ومن قال إن الكبائر تُكفَّر بمثل هذه الأمور فهذا أشبه بقول المرجئة؛ لأنَّ المؤمن يصلي ويصوم ويحج ويعتمر إلى آخره)، معناه أنَّ كل هذه الأفعال تكفر الكبائر، يعني أنَّ أهل الإسلام سيموتون ولا....؛ بمعنى أنه لا يلحق مسلم وعيد، وهذا أشبه بقول أهل الإرجاء.\nفالصحيح أنَّ الأحاديث التي فيها تكفير السيئات بفعل الطاعات أنَّ هذا للسيئات الصغائر.\nفي بعض الأعمال خلاف، بعض الأعمال مثل الحج قال «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (١) يعني هذا التمثيل يدخل فيه الصغائر والكبائر ولذلك فيه طائفة من أهل العلم خصُّوا الحج، قالوا الحج غير العمرة إلى العمرة «حج فلم يرفث ولم يفسق» هذا يكفر الكبائر والصغائر، ولهذا شبه النبي ﷺ الحج بالجهاد، والجهاد يمحو الله - ﷿ - به السيئات لأنها حسنة عظيمة، وهذه فيها خلاف؛ لكن القاعدة أنَّ الحسنات من الصلاة والصيام والجمعة والعمرة إلى العمرة أنها مُكَفِّرَة للصغائر دون الكبائر بشرط اجتناب الكبائر؛ لقوله ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفَّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] . فجعل شرط التكفير اجتناب الكبائر.\nثم هنا اختلف العلماء هل ترك الكبيرة وحده تُكفَّر به السيئات أم لابد أن يترك الكبيرة مع عمل صالح؛ يعني ترك مع فعل، أم الترك وحده مُكَفِّر؟\nعلى قولين: والظاهر من قول المحقّقين أنَّ ترك الكبيرة لا تُكَفَّر به السيئات وحده بل لابد من فعل.\nيعني ترك الكبيرة مع الصلاة إلى الصلاة، ترك الكبيرة مع عمرة إلى عمرة، ترك الكبيرة مع رمضان إلى رمضان وهكذا، وهذا هو الذي تجتمع به الأدلة. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد.\nس٣/ قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في قوله: الشفاعة شفاعتان: شفاعة منفيّة وشفاعة مثبَتة، ما المقصود؟\nج/ يعني أنَّ الله - ﷿ - أثبت شفاعة ونفى شفاعة.\nنفى شفاعة فقال ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٥١]، هذه شفاعة منفية.\nوهناك شفاعة مُثبَتَة، وهي في قوله ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فأثبت شفاعة ونفى شفاعة.\nفإذًا الشفاعة المنفية هي عن أهل الكفر والشرك.\nوالشفاعة المثبتة بشرطين الإذن والرضا، هذا مراد الشيخ.\n_________\n(١) سبق ذكره (٤٣٨)","vol":"1","page":454},{"text":"الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:\nالأسئلة:\nس١/ كيف نجيب على الإشكال في الأحاديث النبوية التي تذكر دخول الجنة والنار بالفعل الماضي، مثل حديث «عُذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت بها النار» (١)، هل المقصود عذاب القبر أم ماذا؟\nج/ ما ذُكِرَ من العذاب لمن أخبر الله - ﷿ - أنه يُعَذَّب في النار أو يُعَذَّب مطلقًا أو أنه عُذِّب، هذا محمول عند أهل السنة والجماعة على حقيقته، فإنَّ الجنة والنار مخلوقتان الآن لا تفنيان ولا تبيدان.\nفمن شاء الله - ﷿ - أن يعذبه في النار من أهل القبلة أو من استحق النار من أهل الشرك والضلال فهو إذا مات في النار وهو في قبره يكون مُعَذبًا في النار، والقبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، وقد قال - ﷿ - في سورة غافر لما ذَكَرَ عذاب آل فرعون قال ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فدَلَّت الآية على أنَّ عذاب أولئك في النار حاصل في زمنين: الآن وبعد قيام الساعة. وكلها على حقيقتها يعذبون في النار؛ لأنَّ الواجب الأخذ بالظاهر، وهذه أمور غيبية، والنار مخلوقة والجنة مخلوقة والنعيم في الجنة حاصل الآن والعذاب في النار حاصل الآن.\nلكن ينبغي أن يُفهَمَ أنَّ العذاب في البرزخ يختلف عن العذاب في الآخرة:\nوهو أنَّ العذاب في البرزخ يقع على الروح والبدن تَبَعْ، كما أنَّ النعيم في البرزخ للروح والبدن تَبَعْ.\nوأما بعد قيام الساعة فإنَّ النعيم والعذاب للإنسان بروحه وبدنه جميعا في أكمل تعلقٍ بينهما.\nويوضِّح ذلك أنَّ الأحاديث جاء فيها ذِكْرُ نَسَمَةْ المؤمن وروح المؤمن أنها في الجنة، وأنَّ روح الكافر يؤخذ بها في النار، فالعذاب والنعيم في البرزخ يقعان على الروح، ليس الروح فقط ولكن الروح والبدن تبع، بعكس الحياة الدنيا، الحياة الدنيا التنعم أو التعذُّب يكون على البدن والروح أيضًا تتنعم وتتعذب لكن بالتّبع، وبعد الموت عكس حالة الحياة الدنيا هي على الروح والبدن تبعٌ لها، وهذا هو ما قرَّرَهُ أئمة أهل الإسلام.\nوهذا خلاف قول من يقول أنَّ النعيم يكون للروح والعذاب على الروح فقط وأنَّ البدن في البرزخ لا يُعَذَّبْ، هذا غلط كبير ولا ينبغي أن يُنْسَبَ هذا إلى أحد من أئمة الإسلام؛ بل هو على الروح والبدن جميعًا؛ وذلك أنَّ الأدلة جاء فيها أنَّ الميت يُعَذب، وأنَّ الإنسان يُعَذّب، والميت والإنسان اسم لبدنه وروحه معًا، فمن ادعى الانفصال فلابد له من إقامة دليل على ذلك، هذا من جهة في جواب السؤال.\nوالجهة الأخرى هو أنَّ ما جاء في الكتاب أو السنة من التعبير عن الشيء بالفعل الماضي له أنحاء:\nالأولى: أن يُعَبَّر أو يوصَفْ الشيء الذي لم يتحقق، لم يأتِ بعد، بالفعل الماضي، أو الذي يكون دائم التحقق بالفعل الماضي.\nمثال الأول ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ﴿أَتَى﴾ هذا فعل ماضٍ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ يعني بقيام الساعة ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾؛ يعني كأنَّه من شدة التأكيد على حصوله وأنه يقينًا حاصل لا محالة، ووقوعه لا شك فيه ولا ريب، كأنه قد وقع وانقضى، والناس يرون ما وقع وانقضى يقينًا؛ لأنهم شاهدو، حصل أمس وشاهده الناس وانتهى، فيُعَبَّرُ عما يُسْتَقْبَلْ بالماضي إذا كان وجوده وتحصيله يقينًا بلا ريبٍ ولا شك، وكأنه قد وقع وانقضى في حصول اليقين لمن علم به.\nوالوجهة الثانية: أو الحال الثانية أن يكون الشيء منه ما وقع ومنه ما يقع الآن ومنه ما يقع في المستقبل، وهذا وصْفُهُ بالفعل الماضي، التعبير عنه بالفعل الماضي لتَحَقُقِ الاتصاف به وللتأكيد على الاتصاف به، وهذا ما يُحمَلُ عليه مثل قول الله - ﷿ - ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]، ﴿كَانَ اللَّهُ﴾ هذا فعل ماضي، الله - ﷿ - سميع بصير صفة ذاتية في الماضي والحال والاستقبال، هذا للتأكيد على تحقق هذا الاتصاف وتحقق آثاره، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥]، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء:٤٧، الأحزاب:٣٧]، وهكذا في أمثالها مما يدل على هذا المعنى.\nس٢/ هل الكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن جميعها من كلام الله وكُتِبَتْ مثل ما كُتِبَ القرآن الكريم؟ أم أنها لم تُكْتَبْ حتى تُوُفِّيَ الرسل الذين نزلت عليهم وكتبها من بعدهم؟\n_________\n(١) البخاري (٣٣١٨) / مسلم (٦٨٤٥)","vol":"1","page":455},{"text":"ج/ لا أعلم شيئا يدل على تعميم أنَّ الكتب السماوية جميعا كُتِبَتْ، أو أنها نُقِلَتْ بعد ذلك؛ لكن الكتب السماوية بمعنى الكتب التي أنزلها الله - ﷿ - هي كلام الرب أأوحاه إلى الرسول البشري بواسطة جبريل ﵇، ومنها ما اختصه الله - ﷿ - بأنْ كتبه بيده كصحف موسى ﵇ قال - ﷿ - ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٤٥]، فالله - ﷿ - كتبها بيده الكريمة العظيمة تبارك ربنا وتعالى وتقدس.\nفالأصل أنَّ الكتب السماوية كلام الله - ﷿ -، وأنها كُتِبَتْ، وهل هذا يعُمُّ كل كتاب أم يُستثنى منه بعضها تحتاج المسألة إلى بحث وتحقيق. والله أعلم.","vol":"1","page":456},{"text":"وَلَا نُنَزِّلُ أَحَدًا مِنْهُمْ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ وَلَا بِنِفَاقٍ، مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَنَذَرُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.\n_________\nقال ﵀ (وَلَا نُنَزِّلُ أَحَدًا مِنْهُمْ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ وَلَا بِنِفَاقٍ، مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَنَذَرُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى)\nيريد العلامة الطحاوي ﵀ أنّ أهل السنة والجماعة يتَّبِعُونَ في الأمور الغيبية ما دلَّ عليه الدليل من كتاب الله - ﷿ - ومن سنة رسوله ﷺ فلا يَقْفُون ما ليس لهم به علم ولا يقولون على الله - ﷿ - ما لا يعلمون امتثالًا لقوله سبحانه ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، وامتثالًا لقوله - ﷿ - ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، فَحَرَّمَ الله - ﷿ - القول عليه بلا علم، ومن القول عليه بلا علم أن يُشهَدَ في أمرٍ غيبي أنَّ الله - ﷿ - لا يغفر لفلان، أو أنَّ فلانًا من أهل الجنة؛ يعني قد غُفِرَ له، أو أنه من أهل النار المُعَيَّن لأنه لم يشأ الله أن يغفر له.\nفأصل هذه المسألة وهي ما قَرَّرَهُ من أننا لا نُنَزِّلُ أَحَدًا من أهل القبلة جنةً ولا نارًا، هذه لأجل أنَّ هذا الأمر غيبي والله - ﷿ - حًكمُهُ في أهل القبلة قد يُعذِّبْ وقد يغفر؛ يغفرُ لمن يشاء ويعذبُ من يشاء، فمن نزَّلَ جنةً أو نارًا أحدًا من أهل القبلة ممن لم يدل الدليل على أنه من أهل الجنة أو من أهل النار فقد قال على الله بلا علم وتجرأ على الرب ﷻ.\nفالواجب اتِّبَاعْ النص وتقديس الرب - ﷿ - وتعظيم صفات الرب ﷻ، وأن لا يُشْهَدَ على مُعين من أهل القبلة بأنه من أهل الجنة جزمًا أو من أهل النار جزمًا إلا من أخبر الوحي بأنه في هذا الفريق أو في هذا الفريق.\nوهذا نَصَّ عليه خِلافًا لأهل الضلال في مسائل الأسماء والأحكام من المعتزلة والخوارج قبلهم ومَنْ يرون السيف ونحو ذلك ممن يشهدون لمن شاءوا بالجنة ولمن شاءوا بالنار؛ بل قد شَهِدُوا على بعض الصحابة بأنهم من أهل النار وعلى بعضهم من أنهم من أهل الجنة بمحض أهوائهم وآرائهم.\nوأهل السنة يخالفون الفِرقْ الضالة في هذا الباب ويتَّبِعُون ما دلّ عليه الدليل ويُعظمون الله - ﷿ -، ولا يتجاسرون على الغيب، ويُعَظمون صفة الرب سبحانه بأنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.\nوتحت هذه الجملة مسائل:","vol":"1","page":457},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ هذا الحكم ذَكَرَ أنه مختصٌ بأهل القبلة فقال (وَلَا نُنَزِّلُ أَحَدًا مِنْهُمْ) يعني من أهل القبلة (جَنَّةً وَلَا نَارًا)؛ لأنَّ أهل القبلة ظاهرهم الإسلام والله - ﷿ - قد وَعَدَ المسلم بالجنة، وقد تَوَعَّدَ من عصاه من أهل الإسلام بالنار.\nفهذا الحكم مختصٌ بأهل القبلة، فمن مات من أهل الإسلام لا يُشْهَدُ عليه بأنه من أهل النار ولا يُشْهَدُ له بالجنة، إلاّ من شَهِدَ له رسول الله ﷺ كما سيأتي.\nوإذا تبيَّنَ هذا فلا يدخل في كلامه من مات على الكفر وقد كان في حياته كافرًا؛ كان طول حياته نصرانيًا، أو كان طول حياته يهوديًا، أو كان طول حياته وثنيًا أو مشركًا الشرك الأكبر المعروف؛ يعني من أهل عبادة الأوثان أو ممن لا دين له.\nفهؤلاء لا يدخلون في هذه العقيدة؛ بل يُشهَدُ على من مات منهم بأنه من أهل النار؛ لأنه مات على الكفر وهو الأصل.\nوقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال «حيثما مررت بقبر كفار فبشره بالنار» (١) وهذا عموم وهو الموافق للأصل، وهو أنَّ من مات على الكفر نحكم عليه بالظاهر، ولا نقول قد يكون مات على الإسلام؛ لأنَّ هذا خلاف الأصل.\nوالقواعد المُقَرَّرَةْ تقضي باتباع واستصحاب الأصل.\nلهذا المسلم نستصْحِبُ أصلَه -كما سيأتي- فلا نشهد عليه بشركٍ ولا كفرٍ ولا نفاق إذا مات، كذلك نستصحب الأصل في من مات على الكفر من النصارى واليهود والوثنيين وأشباه هؤلاء.\nومِنْ أهل العلم من أدخَلَ الحكم على المُعَيَّنْ الذي ورد في هذه الجملة الكفار بأنواعهم فقال: حتى الكافر لا نشهد عليه إذا مات لأننا لا ندري لعله أسلم قبل ذلك.\nوهذا خلاف الصواب وخلاف ما قرَّرَهُ أهل التوحيد وأئمة الإسلام في عقائدهم، فإنَّ كلامهم كان مُقَيدًا بمن مات من أهل القبلة، أما من لم يكن من أهل القبلة فلا يدخل في هذا الكلام.\n_________\n(١) سبق ذكره (١٠٥)","vol":"1","page":458},{"text":"[المسألة الثانية]:\nذكرنا لك أنَّ أصل هذه العقيدة تعظيم صفات الله - ﷿ - وعدم الخوض في الأمور الغيبية، والعلماء في إعمالِ هذا الأصل في هذه المسألة لهم أقوال:\n١- القول الأول: من قال: لا أشهد لأحدٍ ولا على أحدٍ مُطلقًا، وإنما نشهد للوصف للجنس دون المعين، فنقول: المؤمن في الجنة، والظالم في النار، والمؤمن المسدد في الجنة، ومرتكب الكبيرة متوَعَدْ بالنار، ونحو ذلك من ذكر الجنس والنوع دون ذكر المعين، إعمالًا منهم للأصل الذي ذكرنا، وأنَّ الحكم بالخاتمة أمرٌ غيبي لا ندري هل حصل الختام بالتوحيد أم لا.\n٢- القول الثاني: وهو قول جمهور أهل العلم وأئمة أهل الحديث والسنة والأثر أنَّ هذه المسألة غيبية فمجالها ومدارها على قاعدة الأمور الغيبية أنّه يُقْتَفَى فيها الدليل دون تجاوز للقرآن والحديث، فلا يُنَزَّلُ أحد جنة ولا نار إلا من أنزله الله - ﷿ - الجنة أو أنزله النار بدليلٍ من الكتاب أو من السنة، وسواءٌ في هذا النوع الوصف الجنس أو المعين.\nفجاءت الشهادة لأبي بكر ﵁ بأنه من أهل الجنة في القرآن، وجاءت الشهادة لأهل البيت بأنهم مُطَهَّرُون أيضا بالقرآن منهم علي ﵁ وفاطمة وزوجات النبي ﷺ الذين قال الله - ﷿ - فيهم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] ونحو ذلك، وجاء في السنة الشهادة على مُعَيَّنِينَ من الصحابة بأنهم في الجنة كما في العشرة المبشرين بالجنة: الخلفاء الأربعة، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعد بن أبي وقاس، وسعيد بن زيد إلى آخره، وكذلك الشهادة لبلال ﵁، ونحو ذلك ممن جاء في الحديث أنه من أهل الجنة، وكذلك من شُهِدَ عليه بالنار ممن هو منتسب إلى القبلة مِما جاء في السنة فإننا نشهد عليه بالنار.\nوهذا القول هو المراد بكلام الطحاوي هذا وهو قول جمهور أهل الحديث والسنة.\n٣- القول الثالث: فهو مثل القول الثاني؛ لكنه زاد عليه بأنَّ الشهادة المستفيضة للإنسان من أهل القبلة بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل الوعيد فإنه يُشهَدُ للمعين أو يُشهَدُ عليه بالشهادة المستفيضة.\nوهذا جاء رواية عن الإمام أحمد وعن غيره من الأئمة واختارها الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمهم الله تعالى، وقال (دلت السنة على هذا الأصل فإنَّ النبي ﷺ مُرَّ عليه بجنازة فأثْنِيَ عليها خيرًا فقال «وجبت»، ثم مُرَّ بجنازة أخرى فأثنى الصحابة عليها شراَ، فقال «وجبت»، قالوا يا رسول الله ما وجبت؟ قال «تلك أثنيتم عليها خيرا فوجبت لها الجنة، وهذه أثنيتم عليها شرًا فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه» (١)، وأيضًا جاء عنه ﷺ أنه قال «يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار» قالوا وكيف ذلك يا رسول الله قال «بالثناء الحسن وبالثناء السيئ» (٢) .\nفيدخل في هذا القول المعرُوفون الذين شُهِدَ لهم بقدم الصدق من صحابة رسول الله ﷺ، وكذلك من شُهِدَ له من أئمة الإسلام بهذا المقام كالإمام مالك مثلًا والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم ونحوهم من أئمة الإسلام.\n* والأظهر هو القول الثاني وهو قول الجمهور؛ لأنّ الشهادة بالاستفاضة هذه الدليل يتقاصر على أنْ يُشهَدَ له مطلقًا، ولكن يكون الرجاء فيه أعظم، ولهذا في الحديث الأول قال «وجبت»، فدلَّ على أنَّ شهادتهم له في مقام الشفاعة له لأنه قال «أثنيتم عليها خيرا فوجبت» فدل على أنَّ الوجوب له بالجنة مترتب على الثناء عليه بالخير، وليس الثناء عليه بالخير نتيجة وإنما هو سبب لوجوب الجنة، فكأنه في مقام الشفاعة له والدعاء له، وليس هذا مطلقًا.\nوالحديث الثاني أيضا يُحْمَلْ على هذا بأنه في مقام الشفاعة والدعاء له، بالإضافة إلى أنّ القول الأول هو قول الأكثر من أئمة أهل الإسلام.\n_________\n(١) البخاري (١٣٦٧) / مسلم (٢٢٤٣)\n(٢) ابن ماجه (٤٢٢١)","vol":"1","page":459},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأننا إذا لم نشهد لأحدٍ أو على أحدٍ فإنَّ المقصود المُعَيَّنْ، أما الجنس والنوع فنشهد للجنس والنوع، فنشهد على الظالم بالنار دون تنزيله على معين، ونشهد للمطيع بالجنة دون تنزيله على معين.\nوالمقصود إذا مات على ذلك، إذا مات المطيع على الطاعة، وإذا مات الظالم على الظلم؛ لأنَّ المسألة مبنية على ما يُختَمُ للعبد، وقد صَحَّ عنه ﷺ في الصحيح أنه قال «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يَكُونَ بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكونَ بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (١)، وهذا يدل على أنَّ الأعمال بالسوابق -سوابق الكتاب- وبالخواتيم، وهذا يمنع من الشهادة المُعَيَّنَة لأنَّ الأعمال بالسوابق والخواتيم، والله - ﷿ - خلق الجنة وخلق لها أهلًا وهذا غيبي، وخَلَقَ النار وخَلَقَ لها أهلًا وهذا أمر غيبي.\nفإذًا الشهادة على الجنس أو للجنس بالجنة أو على نوع بالنار هذا المقصود من مات على ذلك، من مات على الطاعة فإننا نشهد لجنس الميتين على الطاعة، ولجنس من مات على الكبيرة بأنَّهُ مُتوَعَد بالعذاب قد يغفر الله - ﷿ - له وقد يُؤاخذه بذنوبه.\n_________\n(١) البخاري (٣٢٠٨) / مسلم (٦٨٩٣)","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>[المسألة الرابعة]:\nأننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء</span>.\nأهل السنة أهل رحمة لأنَّ النبي ﷺ كان رحيمًا بهذه الأمة، فيرِثُ أهل السنة الرحمة من صفاته ﷺ، فيرحمون هذه الأمة، ومن رحمتهم لها أنهم يرجون لأهل الإحسان ويخافون على أهل الإساءة.\nورجاؤُهُم لأهل الإحسان يحمِلُهُم على أن يَدْعُو لهم وأن يُصَلُّوا عليهم إذا ماتوا؛ لأنَّ حق المسلم على مسلم ست ومنها أنه إذا مات يُصَلِّي عليه ويدعو له.\nوتَحْمِلُهُم الرحمة للمسيء أنه إذا مات على الإساءة أنه يُخافُ عليه الإساءة، فيُسْأَلْ الرب - ﷿ - أن يغفر له ذنبه وأن يتجاوز عن خطيئته وأن يبارك له في قليل عمله، ونحو ذلك من آثار الرحمة.\nولهذا يدعو المسلم لجميع المسلمين لمن كان منهم صالحًا ومن كان منهم غير صالح؛ بل من الدعاء الذي تداوله أهل السنة والعلماء أن يُسأَلْ الرب - ﷿ - أن يُشَفَّعَ المحسن في المسيء، وأن يُوهَبْ المسيء للمحسن، مثل ما في دعاء القنوت الذي يتداوله الأكثرون: وهب المسيئين منا للمحسنين، (هب المسيئين) يعني من كان مُسيئًَا عاصيًا عنده ذنوب هبه للمحسن فَشَفِّعْ المُحْسِنَ فيه في هذا المقام بالدعاء.\nوهذا كله من آثار الرحمة التي كان عليها ﷺ، فإنه كان بهذه الأمة رحيمًا؛ بل كان رحمةً للعالمين ﷺ.\nفإذًا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ولرجائنا للمحسن آثار، ولخوفنا على المسيء آثار.\nفرجاؤنا للمحسن يحمِلُنَا على توليه وكثرة الدعاء له ونُصْرَتِهِ واقتفاء أثره.\nوخوفنا على المسيء يحملنا على الدعاء له والاستغفار ونحو ذلك، فكان أسيرًا للشيطان، ونسأل الله - ﷿ - له المغفرة الرضوان.","vol":"1","page":461},{"text":"[المسألة الخامسة]: (١)\nوهي مسألة الشهادة بما يدل على الشهادة بالجنة، مثل أن يقال فلان شهيد، إذا كان شهيدًا فالله - ﷿ - ذكر ونَصَّ على أن الشهداء بالجنة.\nوكذلك الشهادة له بالمغفرة، المغفور له، المرحوم، النفس المطمئنة، ونحو ذلك، مما هو من أسباب دخول الجنة.\nفإذا شُهِدَ له بهذه الأوصاف بأنه غُفِرَ له فقد شُهِدَ له بأمر غيبي، فإذا شُهِدَ له بأنه مرحوم فقد شُهِدَ له بأمر غيبي، إذا شُهِدَ له بأن نفسه مطمئنة ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٨-٣٠]، فقد شُهِدَ له بالجنة.\nفإذًا الشهادة للمُعَيَّنِ بالجنة ممنوعة، وكذلك بما يَدُلُّ على أنه يُشهَدُ له بالجنة، مثل هذه الأسباب ونحوها.\nمن ذلك الشهادة له بأنه شهيد وقد جاء في صحيح البخاري بحث هذه المسألة، وبَوَّبَ عليها هل يقال فلان شهيد؟ وذكَرْ أثر عمر (إنكم تقولون لمن مات في معارككم فلانٌ شهيد فلانٌ شهيد، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله، والله أعلم بمن يقتل في سبيله) (٢) .\nلأنه هل كان يُقَاتِلُ يريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؟\nهذا أمر غيبي فلذلك لا تجوز الشهادة لمعين؛ لكن نرجوا له، من مات في أرض المعركة نرجوا له الشهادة، نقول نرجوا له أن يكون شهيدًا وهذا تبع للأصل أننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء.\nنسأل الله سبحانه لنا جميعًا أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وأن يجزل لنا الأجر على قليل عملنا، وأن يغفر لنا كثرة الذنب والخطايا فإنه سبحانه جوادٌ كريم، اللهم فأجب واغفر جمًا إنك على كل شيء قدير.\n_________\n(١) هذه المسألة لم يذكرها الشيخ وإنما وردت في سؤال فقال الشيخ هذه كان ينبغي أن نذكرها في الشرح فتُضَافْ عليه.\n(٢) سبق ذكره (٢١١)","vol":"1","page":462},{"text":"قال ﵀ (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ وَلَا بِنِفَاقٍ، مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَنَذَرُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.)\n_________\nهذه الجملة مثل الأولى في تقرير هذه العقيدة المباركة وهي أنَّ الأمر ما دام تَبَعْ للخاتمة، والخاتمة مُغَيَّبَة وهذا أمر غيبي فلا نَقْفُ ما ليس لنا به علم، ولا نتجَرَأْ على الله - ﷿ - في وصف شيءٍ والحكم يَتَعَلَّقُ به والحكم على عباده بدون دليل.\nلهذا نعتبر الظاهر من كل أحد، فمن كان ظاهره السلامة في الدنيا ومات على ذلك، فإننا نحْكُمُ بالظاهر، والله يتولى السرائر، ومن كان ظاهره الكفر أو ظاهره الشرك أو ظاهره النفاق فإننا نحكم بالظاهر؛ ولأنه ظهر منه ذلك وأمره إلى الله - ﷿ -.\nوفيها بعض المسائل (١):\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الثالث والثلاثين.","vol":"1","page":463},{"text":"[المسألة الأولى]:\nقوله (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ وَلَا بِنِفَاقٍ) يعني على المُعَيَّن من أهل القبلة، وهذا يدلُّ على أنَّ المُعَيَّن من أهل القبلة قد يجتمع فيه إيمان وكفر، ويجتمع فيه إسلام وشرك، ويجتمع فيه طاعة وإسلام وإيمان ونفاق، وهذا هو المُتَقَرِّرْ عند الأئمة تَبَعًَا لما دلَّ عليه الدليل، فإنَّ المُعَين قد يجتمع فيه الإيمان فيكون مؤمنًا ويكون عنده بعض خصال الكفر؛ يعني من الكبائر مما لا يُخرجه من الإيمان.\nفمثلا قتال المسلم كفر وسبابه فسوق كما ثبت في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (١)، فسِبَابُ المسلم فسوق وقتاله كفر فيجتمع في المسلم فسوقٌ وطاعة وكفرٌ وإيمان، كذلك قال ﷺ «ثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت» (٢) ونحو ذلك من خصال الكافرين، فلا يعني وجود بعض خصال الكُفْرْ في المُعين أن يُحْكَمْ عليه بالكفر، الحكم بغير ما أنزل الله في حق القاضي أو في حق المُعَين إذا حَكَمَ بغير ما أنزل الله وهو لا يعتقد جواز ذلك أو يعلَمْ أنَّ بحكمه عاص، يعني حَكَمَ وهو يعلم أنه بحكمه عاصٍ ومُخطِئ فإنه اجتمع فيه كفر وطاعة.\nفلا يُخرَج أحد من الإيمان بخصلة من خصال الكفر وُجِدَتْ فيه، أو خصلة من خصال الشرك وُجِدَتْ فيه، أو خصلة من خصال النفاق وُجِدَتْ فيه، فإن المؤمن يجتمع فيه هذا وهذا.\nولهذا قال (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ وَلَا بِنِفَاقٍ) إذا كان مُسْتَسِرًَّا بذلك (مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ)، فإن ظَهَرْ تَشْهَدُ عليه بقدر ما ظَهَرْ، والشهادة عليه جوازًا لا وجوبًا كما سيأتي في المسألة التي بعدها.\nكذلك الشرك يكون مؤمن ويكون عنده شرك أصغر، يكون عنده حلف بغير الله مما هو من الشرك الأصغر، أو تعليق التمائم واعتقاد أنها أسباب، أو نسبة النِعَمْ إلى غير الله - ﷿ - أو نحو ذلك من أمور الشرك الأصغر أو الشرك الخفي من يسير الرياء ونحوه، فيجتمع في المؤمن هذا وهذا.\nوكذلك بعض خصال النفاق يكون المؤمن مطيعًا مسلمًا؛ لكن عنده خصال النفاق إذا وعد أخلف، وإذا حدَّثَ كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ونحو ذلك من خصال النفاق.\n_________\n(١) البخاري (٦٠٤٤) / مسلم (٢٣٠)\n(٢) مسلم (٢٣٦)","vol":"1","page":464},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأنَّ قوله (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ) يعني أنَّه إذا ظَهَرَ منهم فإننا قد نشهد عليهم، يعني يجوز لنا الشهادة إذا ظهر منهم شيء من ذلك، وجواز الشهادة عليهم منوطٌ بالمصلحة؛ لأنها من باب التعزير، فقد يجوز أن يُشْهَدَ على مُعَيَّنْ ببعض خصاله؛ خصال الكبائر التي فيه أو الشرك الأصغر الذي فيه أو بعض خصال النفاق الذي فيه إذا كانت الشهادة عليه بذلك عَلَنًَا فيها مصلحة مُتَعَدِّيَة، أما إذا لم يكن فيها مصلحة، فإنَّ الأصل على المسلم أنه لا يُشْهَدُ عليه بل يُسْتَرُ عليه.\nوهذا يدل على أنَّ الأصل في المؤمن ما دام اسم الإيمان باقيًا عليه الأصل فيه أن يكون على اسم الإسلام وعلى اسم الإيمان وعلى اسم الطاعة، فلا يُنْتَقَلْ عن الأصل في الثناء عليه وفي الشهادة له بالإسلام والإيمان والتسديد إلاّ إذا كانت فيها مصلحة.\nفإذًا ليس الأصل الشهادة على المُخَالف أو على من فيه كُفْرْ (خصلة من كفر أو شرك) نشهد عليه بهذه الأشياء؛ بل هذه منوطة بالمصلحة المتَوَخَّاة؛ لأنها من باب التعزير، ويدل على ذلك أنَّ النبي ﷺ ما شَهِدَ على هؤلاء الذين فعلوا هذه الأشياء إلا على مُعَيَّنِيْنْ قِلَّة، وأما الأكثر فإنه ﷺ حَمَلَهُمْ على الظاهر، وأهل النفاق الذين باطنهم نفاق ما أعلن أسماءهم ﷺ ولا شهد عليهم لكل أحد لأن المصلحة بخلاف ذلك.","vol":"1","page":465},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nهذا كله في أهل القبلة، أما من خَرَجَ من الإسلام بكفرٍ أكبر أو بشركٍ أكبر أو بردةٍ وقامت عليه الحجة في ذلك فإنه يُشهَدُ عليه بعينه لأنه ظهر منه ذلك واستبان.","vol":"1","page":466},{"text":"وَلَا نَرَى السَّيْفَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ.\nوَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ - ﷿ - فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ.\n_________\nقال ﵀ أيضًا (وَلَا نَرَى السَّيْفَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ)\nيريد بهذه الجملة أنَّ أهل الحديث والأثر والسنة والجماعة لا يعتقدون جواز الخروج على هذه الأمة وتفريق الجماعة بالسيف، وأيضا لا يرون جواز قتل أحد من هذه الأمة لغير الإمام الذي بيده الأمر.\nوهذا منهم اتِّبَاعًَا لما دَلَّتْ عليه الأدلة من حفظ دم المسلم وعدم جواز إراقته وأنَّ «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (١) ونحو ذلك من الأصول، والأدلة التي سيأتي ذكر بعضها إن شاء الله.\nوأرادوا بذلك أيضًا مخالفة الطوائف التي استباحت دم المسلمين رأت الخروج على جماعة المسلمين بعامة بالخروج على الإمام ولي الأمر أو بجواز قتل من حكموا هم بردته أو بكفره.\nوهم طوائف الخوارج والمعتزلة، وطائفة ممن يُنْسَبُ إلى الفقه من أتباع المذاهب فإنَّ طائفةً من أتباع المذاهب أيضًا - وهم في الجملة منسوبون إلى السنة- تَأَثَّرُوا بمذهب الخوارج في هذا والمعتزلة ونحو ذلك فَرَأَوا جواز الخروج -كما سيأتي- ورأوا جواز قتل المعين للعامة ولا يُخصُّ ذلك بولي الأمر.\nفيريد من ذلك تقرير القول الحق والمنهج العام لأهل السنة الذي صاحوا به وأعلنوه وصاحوا بالمخالف فيه من أنه لا يجوز لأحدٍ أن يخرج على أحد من هذه الأمة بالسيف ولا أن تُستباح الدماء ولا دم أحد إلا ببرهان من الله - ﷿ -.\nوفيها مسائل:\n_________\n(١) مسلم (٦٧٠٦) / أبو داود (٤٨٨٢) الترمذي (١٩٢٧)","vol":"1","page":467},{"text":"[المسألة الأولى]:\nقوله (وَلَا نَرَى السَّيْفَ) هذه الكلمة مصطلح شائع عند العلماء والناس في القرون الثاني والثالث والرابع، فكان يُمَيَّزْ مَنْ من يُحَبِّذْ الخروج ولو لم يدخل فيه بِفِعْلِهِ وإنما يَسْتَحْسِنُهُ لفظًا ويُؤَيِّدُ من يَفْعَلُهُ، كان يُوصم عند الأئمة بأنه كان يرى السيف، ويُوصَفْ من خالفهم ثناءً عليه بأنه كان لا يرى السيف.\nوقد ضَعَّفَ الأئمة جمعًا من الرواة وقدحوا فيهم بقولهم كان يرى السيف.\nوالإمام أحمد حذَّرَ من عدد وكذلك سفيان وغيرهما ووكيع وجماعة كانوا يُحَذِّرُونَ من فلان؛ لأنه كان يرى السيف.\nفإذًا مصطلح (لَا نَرَى السَّيْفَ) هذا يراد به أحد فئتين:\n- الفئة الأولى: من يرى الخروج على الولاة بعامة، سواء أدخل في الخروج بلسانه ويده أم كان يراه عقيدة.\n- الفئة الثانية: من رأى جواز قتل المعين إذا ثبت عِنده كفر منه أو ردة، ولا يكل ذلك إلى الإمام.\nوالسلف يُسَمُّونَ من كان على أحد هذين الوصفين يقولون (كان يرى السيف) .\nوفي تهذيب التهذيب عِدَّةْ تراجم، كثير من التراجم ممن طَعَنَ فيهم الأئمة بهذا القول كان يرى السيف ونحو ذلك.","vol":"1","page":468},{"text":"[المسألة الثانية]:\nهذه الجملة دَلَّ عليها القرآن والسنة في مواضع كثيرةٍ منها:\nقوله - ﷿ - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقوله ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، ومنها قوله - ﷿ - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢]، يعني لا يكون لمؤمن أن يتجرأ ويسفك دم مؤمن واحد إلا خطأ، أَمَّا يَتَعَمَّدْ فهذا معه لا يستحق وصف الإيمان؛ لأنه ارتكب هذه الكبيرة العظيمة التي قال الله - ﷿ - فيها بعد ذلك ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] .\nوأيضًا قول الله - ﷿ - ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ -يعني بالقتل- ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، فدَلَّ على أنَّ من تَجَرَأَ على المُقَاتَلَةْ أنه ليس من أمر الله في شيء؛ بل خَرَجَ عن أمر الله وهو شريعته ودينه الذي جاء به محمد ﷺ.\nومنها أيضًا في السنة قول النبي ﷺ «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وفي اللفظ الآخر «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة» (١)، فهذا يدل على أنَّ الأصل أنْ لا أحد يتجرأ ويسفك الدم أو يراه.\nفلا يحل ذلك فِعْلًا، وكذلك لا يحل أن يُعْتَقَدَ جواز قتل مسلم باقٍ على اسم الإسلام وهو ليس من هذه الأصناف الثلاثة.\n_________\n(١) البخاري (٦٨٧٨) / مسلم (٤٤٧٠)","vol":"1","page":469},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nقوله (إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ.) يعني من الأمة.\nووجوب السيف (وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ) هذا لمن بيده السيف وهو ولي الأمر المسلم.\nفولي الأمر هو الذي بيده أن يسفك الدم تحقيقًا للشرع لا بمحض الهوى، فيقتل تحقيقًا للشرع لا بمحض الهوى، ويحكم ويأمر بالقتال أو يأمر بقتل معين أو بقتال طائفة ونحو ذلك، فهو الذي بيده السيف وهو الذي له هذا الحكم.\nوليس لآحاد الناس من العلماء أو من العامة هذا الأمر، يعني أن يَقْتُلُوا؛ لأنَّ السيف ليس بيدهم وإنما السيف بيد ولي الأمر الذي بيده الحَلْ والأمر والنهي وبيده الأمور في القتال وفي إقامة الحدود وأشباهها.\n* وهذا يبين أنَّ المسألة التي تظهر في بعض الأمكنة وهي مسألة الاغتيالات؛ أن يُغْتَالَ من ظاهره الإسلام، أو من لم يَحْكُمْ عليه ولاة الأمر -من العلماء في الأمر الديني والحكام والأمراء في الأمر العام- من لم يحكموا عليه بأنه يقتل، فلا يحل لأحد أن يتجرأ على قتله أو على اغتياله.\nوالنبي ﷺ إنما أباح اغتيال كعب بن الأشرف في القصة المعروفة لمصلحة عامة ولأنه هو الإمام.\nوإلا فالأصل العام بالشريعة أنَّ هذا الأمر للإمام أولًا ثُمَّ أنَّه لا يُؤَاخَذُ أحد إلا بظهور ذلك منه وحُكْمٍ شرعي عليه.\nفمن ظَهَرَتْ منه زندقة أو كفر أو رِدَّةْ ولم يَحْكُمْ عليه ولي الأمر بذلك فلا يحل لأحد أن ينتهك دمه وأن يسفك دمه؛ لأنَّهُ حينئذ له حكم الزنادقة وله حكم المنافقين، والنبي ﷺ سيرته مع المنافقين ظاهرة، والصحابة ربما عَلِمُوا أنَّ فلانًا منافق ولم يتجرؤوا على قتله حتى يستأذنوا رسول الله ﷺ، واستأذنوه في قتل عدد فلم يأذن لهم، قال لهم مرة «لا، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» وأولئك النفر الذي استهزؤوا ونزل فيهم قول الله - ﷿ - ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦]، والقصة المعروفة في سبب نزولها ولم يَرِد أن محمدًا ﷺ قتلهم.\nولمَّا حصلت القصة المعروفة قالوا له يا رسول الله: أنقتل هؤلاء؟\nقال «لا، لا يُتحَدَّثْ أن محمدا يقتل أصحابه» (١) .\nوكانوا يستأذنونه، فقال عمر لمَّا حَصَلَ من حاطب ﵃ ما حصل قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، وهذا استئذان من النبي ﷺ.\nفإذًا القاعدة الماضية والتي دلَّتْ عليها الأدلة وسيرة النبي ﷺ وسيرة الصحابة، وكذلك ما قَرَّرَهُ الأئمة من أنَّ الحكم بقتل أحد أو تنفيذ ذلك ليس إلا لولي الأمر، وهذا فيه من المصالح العظيمة وتحقيق المقاصد الشرعية ما يجب معه الاعتناء بهذا الأصل، وأن لا يَدْخُلُ أحد من المسلمين في هذه التبعة العظيمة بقولٍ أو بفعل.\nولهذا جاء في الحديث وفي إسناده بحث لكن حسَّنَهُ عدد من أهل العلم رواه ابن ماجه وغيره «من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لم يرح رائحة الجنة أو كان من أهل النار (٢)» وهذا فيه الإعانة على قتل مسلم بشطر كلمة، فكيف من يتكلم بلسانه ويُعين على قتل مسلم أو يُفتي بذلك، وهو ليس من ولاة الأمر من العلماء أو القضاة أو ممن جُعِلَ لهم ذلك.\nفالواجب في هذا الأمر رعاية هذا الأصل العظيم، والسلامة في هذا الأصل، ولا يَتَجَرأَ أحد على هذا المقام؛ لأنَّ الأصل حُرْمَةْ دم من أَظْهَرَ الإسلام، ومن حصل منه ردة أو عُلِمَتْ منه زندقة أو نفاق فيوكل إلى ولي الأمر، ولا يجوز لآحاد الناس منهم أن يفتئتوا على ولي الأمر وأن يقْتُلُوا، ولو جاز ذلك لتسابق الصحابة رضوان الله عليهم على قتل المنافقين الذين علموا نفاقهم؛ بل لَقَتَلَهُم الرسول ﷺ.\nوالمسألة منوطة بالمصلحة وبإذن الإمام سواءٌ من القتل الابتدائي ممن عُلِمَ نفاقه أو رِدَّتُهُ أو زندقته، أو في الاغتيال الذي فيه قتل دون رجوع إلى الإمام.\nنكتفي بهذا القدر، ونقف عند قوله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا) .\n_________\n(١) البخاري (٣٥١٨) / مسلم (٦٧٤٨)\n(٢) ابن ماجه (٢٦٢٠)","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>الأسئلة:</span>\nس١/ تكلمتم أنَّ النصارى كفار يجوز الجزم بدخولهم النار فما موقفنا أمام الآيات التي تستثني بعضهم؟\nج/ ما جاء من استثناء بعضهم هو استثناء لمن مات مؤمنًا، لمن أسلم، من أسلم منهم فله حكم أهل الإسلام هذا ما مات على الكفر، كقوله - ﷿ - ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة:٨٢]، هذا في فئة آمنت أسلمت، لهذا قال - ﷿ - بعدها ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة:٨٣-٨٤] ونحو ذلك، فهؤلاء فيمن أسلم، وأما من يسلم فإنه باق على كفره.\nس٢/ إذا لم يكن للمسلمين إمامٌ مسلم يقيم الشرع مثل الأقليات المسلمة، فهل لرئيسهم المسلم أو لإمام المسجد أن يقيم الحدود عليهم؟\nج/ هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل وبحث، وهذه كل صورة لها حكمُها وكل بلد لها حكمها، فيَلْزَمْ أولئك أن يستفتوا أهل العلم ويأخذوا الفتوى، ليس ثَمَّ قاعدة؛ لأنَّ كل بلد لها حكمها، وكل أقلية لها حكمها وقد يدخلون في أشياء بمحض اجتهادهم، تكون عليهم ضرر، تكون تلك الأشياء عليهم ضررًا في عاقبة أمرهم، فلابد من استفتاء أهل العلم الراسخين فيه، وتُنْزَلْ كل مسألة منزلتها.\nس٣/ كيف قتلت حفصة أم المؤمنين الساحرة التي سَحَرَتْهَا وكيف قتل جُنْدُبْ الساحر الذي كان عند الوليد بن عبد الملك وليس لهما من الأمر شيء.\nج/ آخر السؤال: ليس لهما من الأمر شيء، هذا يحتاج إلى دليل؛ يعني فيه نوع تأصيل وهو ليس بظاهر.\nالظاهر العلماء لما ذَكَرُوا هاتين الصورتين وأمثالها قالوا إنَّهُ مُخَوَّلْ لهما ذلك.\nوما جاء في الأحاديث قد يكون ثَمَّ فيه اختصار، ففي أحاديث النبي ﷺ يكون اختصار فكيف بأفعال الصحابة رضوان الله عليهم، والأصل أنه لا تُعَارَضْ الأصول الشرعية والأدلة من الكتاب والسنة بفعل بعض الصحابة، فإذا فَعَلَ أحد من الصحابة فِعْلًَا يخالف الأصول، فإننا نُرْجِعُهُ إلى الأصول ونحمله على المُحْكَمَات؛ بل بعض أفعال النبي ﷺ بل بعض آيات القرآن إذا كان فيها اشتباه ولم يتضح لنا وجهها وكونها مخالفة للقواعد أو الأصول أو للآيات الأخرى فنُرْجِعُهَا إليها، فيكون من باب حمل المتشابه على المحكم وفهم المتشابه بالمحكم.\nأفعال الصحابة رضوان الله عليهم ليست حجة بمجردها فنفهمها على وفق الأدلة، فالعبرة بالدليل الكتاب والسنة وفعل النبي ﷺ سنته، أما فعل الصحابة فالصحابة حصل منهم أو بعض التابعين حصل منهم خروج أصلًا على الأئمة، فهذا اجتهاد اجتهدوه في بعض المسائل؛ لكن لا يُوَافِقُ الأدلة من الكتاب والسنة ولا يُوَافِقُ ما قرَّرَهُ الأئمة من الصحابة وأئمة الإسلام في أصل الاعتقاد وفي الاتباع.\nلهذا كتأصيل لا تُعَارَضْ الأدلة بفعلٍ قد يكون لم يُنْقَلْ جميع أسبابه، قد يكون أُختُصِرْ إلى آخره.\nفإذًا ليس لهما من الأمر شيء، هذه محل نظر وتحتاج إلى تأمل يعني في وجه هذه المقولة.\nوهذا ذكرته لكم مرة في محاضرة بعنوان قواعد القواعد في كيف تفهم الأدلة؟ كيف تفهم أفعال السلف؟\nالآن كل واحد يجيء يقول السلف فعلوا كذا؛ لكن فعل السلف أقل درجة من نص القرآن، والله - ﷿ - جعل نصوص الوحي منها محكم ومنها متشابه، وما ضَلَّتْ الفرق إلا بأخذ المتشابه من كلام الله بأخذ المتشابه من كلام النبي ﷺ، وعدم الرجوع فيه إلى العلماء من الصحابة والرجوع فيه إلى المُحْكَمْ فكيف بمن نَزَلَ مراحل واستدل بالمتشابه من أفعال السلف، هذا لابد أن يكون عندك فهم كيف تَعَامَلْ الأئمة والسلف في هذا، ويكون قاعدة لك في حمل المتشابه من أفعالهم على المُحْكَمْ من النصوص؛ لأن الأصل أنهم لا يخالفون وإذا لم يكن ثَمَّ مجال للحمل فيكون اجتهاد منهم خالفوا فيه الدليل وأمرهم إلى الله ﷿.\nولهذا جاء في كلام علي ﵁ في مقابلته لبعض الفرق قال (إذا سمعتم بالحديث عن النبي ﷺ فَظُنُّوا به الذي هو أهْنَاهُ وأَفْقَاهْ) الحديث عن النبي ﷺ قد يكون فيه أيضًا مجال شبهة.","vol":"1","page":471},{"text":"مثلًا الحديث المشهور أنَّ رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال له يا رسول الله إن امرأتي لا تَرُدُّ يد لامس. فقال له النبي - ﷺ - «غَرِّبها» وفي رواية «فارقها»، قال: يا رسول الله أخاف أن تَتْبَعُهَا نفسي. وفي الرواية الأخرى قال: يا رسول الله إني أحبها. قال «فاستمتع بها» (١) .\nقال الإمام أحمد: لم يكن النبي ﷺ ليأمره أن يبقيها مع فجورها، ولهذا صار تفسير (إن امرأتي لا ترد يد لامس) ليس معناه أنها تمشي في الفاحشة، أي أنَّ كل من جاءها يريدها في نفسها وافقت، وإنما معناه القول الثاني الذي هو قول جمهور العلماء أنها تتصرف في مالي، ومن أراد من قرابتهافإنها تأخذ من مالي في البيت وتعطيه، يعني تصرفت وأرهقتني في التصرفات المالية إلى آخره، هذه لا ترد يد لامس.\nيد لامس لها أو يد لامسٍ لمالي؟\nهذا ما ذُكِرْ، فهنا نظن بالنبي ﷺ مثل ما قال علي الذي هو أهناه وأفقاه.\nوهكذا أفعال السلف الصالح نظن بها الذي هو موافق للدليل، هذا الأصل أن تحملها على موافقة أهل السنة، موافقة أفعالهم للدليل، إذا خالفوا الأدلة فإنها اجتهاد، هم بشر يجتهدون ويُؤْجَرُون على اجتهادهم وقد يصيبون وقد يخطئون.\nأسأل الله - ﷿ - أن يبارك لي ولكم في العلم والعمل، وأن يقينا العِثَارْ وصلى والله وسلم وبارك على نبينا محمد. (٢)\n_________\n(١) النسائي (٣٤٦٥)\n(٢) انتهى الشريط الثالث والثلاثون.","vol":"1","page":472},{"text":": [[الشريط الرابع والثلاثون]]:\n\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، نعوذ بك اللهم من فتنة القول، كما نعوذ بك اللهم من فتنة العمل.\nالأسئلة:\nس١/ ورد في فتح المجيد حديث زينب زوج عبد الله بن مسعود أنها كانت تختلف إلى يهودي فيرقي لها عينها فتهدأ، إلى آخره، ما صحة الحديث وما توجيهه؟\nج/ الحديث هذا معروف، وهو سبب قول ابن مسعود ﵁: قال رسول الله ﷺ «إنّ الرقى والتمائم والتولة شرك» (١) وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد وأبو داوود وجماعة.\nأما قراءة اليهودي وكون اليهودي يرقي حَمَلَهُ العلماء على أحد الوجهين:\nالأول: أنه كان يرقيها بذكر الله، بالدعاء العام، والرُّقية تكون بكتاب الله - ﷿ - وبسنة رسوله - ﷺ - وبالدعاء الذي ينفع المشتمل على: خير واستعانة واستغاثة وتوسل إلى الله - ﷿ - ونحو ذلك، فيُحْمَلْ على أنه كان يدعو ورقيته كانت دعاء.\nوالثاني: أنه كان يرقي بالتوراة، بما يعلمه من التوراة مناسبًا للرقية، وهذا الوجه رُجِّحْ بقول ابن مسعود ﵁ (إنما ذلك الشيطان كان ينخسها بيده)، فإذا رقى اليهودي سكنت، وهذا يدل على أنَّ الرقية عنده لم تكن مشروعة على هذا النحو فلا تُحْمَل على أنها رقية بذكر الله - ﷿ - مطلقًا.\n_________\n(١) أبو داود (٣٨٨٣)","vol":"1","page":473},{"text":"وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ - ﷿ - فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ.\n_________\nقال الطحاوي ﵀ (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا)\nهذه الجملة يذكر فيها العقيدة التي أجمع عليها أئمة السلف الصالح ودوَّنُوهَا في عقائدهم وجعلوا من خالفها مُخالِفًَا للسّنة وللجماعة بأنّا (لَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا)؛ يعني الخروج بالسيف بالبغي عليهم أو بتشتيت الاجتماع وتفريق الكلمة، أو باعتقاد الخروج، أو باعتقاد جوازه أو ذهاب مذهب من أجازه-كما سيأتي-.\nفقوله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ)، (وَلَا نَرَى) يعني أهل السنة والجماعة المُتَّبِعِينَ للأثر ولهدي السلف ولما كان عليه الصحابة ولِما دلَّتْ عليه الأدلة، هؤلاء لا يَرَوْن الخروج على الأئمة وولاة الأمر حتى ولو كان عندهم جور وطغيان وظلم، فإنه يجب أن يُطاعوا؛ لأن طاعتهم فريضة، هاهنا مسائل:","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>[المسألة الأولى]:\nلفظ الأئمة وولاة الأمور مما جاء به الكتاب والسنة</span>.\nفولي الأمر العام -يعني ولي الأمر للأمة للناس- يُطْلَقُ عليه ولي الأمر، ويُطْلَقُ عليه إمام.\nأما ولي الأمر فقد جاء في الكتاب قال الله - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وسُمُّوا وُلَاةَ الأمر؛ لأنَّ ما يَنْفُذُ من الأمور الشرعية والأمور الاجتهادية في الناس إنما يكون عن أَمْرِهِمْ، فالأمر راجع إليهم.\nفإذًا ولي الأمر هو من بيده الأمر والنهي أو بالعُرْفْ المعاصر القرار الذي يَنْفُذُ في الناس، كما قال - ﷿ - ﴿وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .\nوهذا جاء في السنة في عددٍ من الأحاديث كما جاء في الآية بتسمية الحكام بولاة الأمور.\nأما لفظ الأئمة فولي الأمر هو الإمام، ومن ولَّاهُ الله أمر الناس وابتلاه بذلك فيُسَمَّى إمامًا؛ لأنه يُؤْتَمْ بأمره ونهيه وقراره وما يختاره اجتهادًا للأمة.\nولفظ الأمام لولي الأمر جاء في السنة في قول النبي ﷺ «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» (١)، وهذا ظاهر في تسمية ولي الأمر إمامًا.\n_________\n(١) مسلم (٤٩١٠)","vol":"1","page":475},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالأصل أنَّ ولي الأمر يجمع ما بين:\n- حسن التدبير في أمور الناس العامة، في أمور دنياهم وما يُصْلِحُهُمْ وما يحفظ بيضتهم ويدفع عنهم الأعداء.\n- العلم بأحكام الشريعة بما يناسب، ولا يُشْتَرَطُ فيه أن يكون الأعلم كما هو مبسوط في مكانه في كتب الفقه.\nواجتمعت الصفتان في الخلفاء الراشدين الأربعة وفي معاوية ﵁ وفي عددٍ من الأئمة وولاة الأمور في التاريخ إلى الآن.\nولكن ربما لم يجتمع في ولي الأمر الصفتان فحينئِذْ يكون ما يُشْكِلُ على الناس في أمر دينهم فَمَرْجِعُهُم فيه إلى أهل العلم بالدين، وما يكون من قبيل الأمر العام للناس فإنه يكون لولي الأمر العام، وولي الأمر العام يستشير ويأخذ بقول أهل العلم فيما يرى أن يستشيرهم فيه.\nوهذا المَأْخَذْ هو وجه قول من قال (إن ولاة الأمر هم الأمراء والعلماء)؛ يعني كلًاّ فيما يخصه:\n- الأمراء في الأمر العام، الأمر الدنيوي وما يُصْلِحُ الناس وما به تكون حياتهم.\n- والعلماء فيما يكون من أمر الدين بما يأتون وما يذرون.\nوهذا ليس هو الأصل، وإنما الأصل أنَّ ولي الأمر هو من يعلم، وهو الذي جاءت فيه الآيات ﴿وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وكذلك ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، لأنَّ الأصل اجتماع الصفتين في ولي الأمر.\nفإذا لم تجتمع الصفتان أُعْطِيَ ولي الأمر الذي بيده الأمر والنهي حق الإمام، وفي المسائل الدينية يُسْتَفْتَى ويُسْأَلْ أهل العلم.\nولهذا اجتنب كثير من العلماء بل أكثر العلماء والأئمة أن يُطْلِقُوا على العالم ولي الأمر؛ لأجل أن يكون هناك افتئات وخروج ولأجل أن لا يكون هناك مأخذ لمن يريد الخروج على الإمام أو ولي الأمر.\nومنهم من استعمل هذا وهذا؛ يعني أنَّ الأمور الدينية يُرجَعُ فيها إلى من يلي الأمر الديني، وهم العلماء في أمور الفتوى وفيما يأتي المرء ويذر فيما بينه وبين ربه - ﷿ -، وفي الأمور العامة فتكون لولاة الأمور.","vol":"1","page":476},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالخروج على ولاة الأمور وعلى من انْعَقَدَتْ له بَيْعَةْ هو مذهب طوائف من المنتسبين إلى القبلة، منهم الخوارج والمعتزلة، وبعض شواذ قليلين من التابعين وتبع التابعين، وبعض الفقهاء المتأخرين ممن تأثروا بمذهب المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوالذي عليه الصحابة جميعًا وعامة التابعين وهكذا أئمة الإسلام من أنَّ الخروج على ولي الأمر مُحَرَّمٌ وكبيرة من الكبائر، ومن خرج على ولي الأمر فليس من الله في شيء.\nوالأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة متعدّدة، احتجّ بها الأئمة ورأوا أنَّ من خالفها ممن تأول مِنَ السلف أنهم خالفوا فيه الدليل الواضح البَيِّنْ المتواتر تواترًا معنويًا، كما سيأتي ذكر الأدلة إن شاء الله.\nفإذًا أهل السنة والجماعة لما رَأَوْا ما أحْدَثَتْهُ اجتهادات بعض الناس ممن اتُّبِعُوا فخرجوا على ولاة الأمر من بني أمية، أو خَرَجُوا على ولي الأمر، على بعض ولاة الأمر من بني العباس، أو قبل ذلك ممن خرجوا على علي ﵁؛ بل قبل ذلك على عثمان وإن لم يكونوا من المنتسبين للسنة في الجملة، ذَكَرُوا هذا في عقائدهم ودَوَّنُوهْ، وجعلوا أنَّ الخروج بدعة لمخالفته للأدلة.\nوتلخيص ذلك أنَّ اجتهاد من اجتهد في مسألة الخروج على ولي الأمر المسلم كان اجتهادًا في مقابلة الأدلة الكثيرة المتواترة تواترًا معنويًا مِنْ أنَّ ولي الأمر والأمير تجب طاعته وتَحْرُمُ مخالفته إلا إذا أمر بمعصية فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله.\nومِنْ أهل العلم من قال تَوَسُّعًَا في اللفظ (الخروج على الولاة كان مذهبًا لبعض السلف قديم، ثم لما رُئِيَ أنَّهُ ما أَتَى للأمَّة إلا بالشر والفساد فأجمعت أئمة الإسلام على تحريمه وعلى الإنكار على من فعله) كما قاله الحافظ ابن حجر\n* وهذا فيه تَوَسُّعْ لأنَّهُ لا يقال في مثل هذا الأمر أنه مذهب لبعض السلف، وإنما يُقَالُ إنَّ بعض السلف اجتهدوا في هذه المسائل من التابعين كما أنه يوجد مِنَ التابعين من ذهب إلى القَدَرْ والقول المنافي للسّنة في القَدَرْ، ومن ذهب إلى الإرجاء، ومن ذَهَبَ إلى إثبات أشياء لم تَثْبُتْ في النصوص، فكذلك في مسألة طاعة ولاة الأمور فربما وُجِدَ منهم الشيء الذي الدليل بخلافه، والعبرة بما دَلَّتْ عليه الأدلة لا باجتهاد من اجتهد وأخطأ في ذلك.","vol":"1","page":477},{"text":"[المسألة الرّابعة]:\nهذا الأصل الذي قرَّرَهُ الطحاوي ﵀ دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة:\nأمّا القرآن فمنه قول الله - ﷿ - ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ووجه الدلالة منه أنّ النّبي ﷺ قال «من يُطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير فقد عصاني» (١) .\nوقال الله - ﷿ - أيضا في سورة النساء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، قال ابن القيم ﵀ وقاله غيره أيضًا: لفظ ﴿أَطِيعُوا﴾ جاء في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ؛ يعني الأمر بالفعل ﴿أَطِيعُوا﴾ ثُمَّ لَّما ذَكَرَ وُلَاةْ الأمور لم يُكَرِّرْ الفعل ﴿أَطِيعُوا﴾، فقال ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قالوا: وفي هذا مناسبة أنَّ طاعة ولي الأمر المسلم لا تكون إلا في غير مخالفة طاعة الله وطاعة رسوله، أما إذا كانت طاعته فيها مخالفة لطاعة الله وطاعة رسوله - ﷺ -؛ يعني أَمَرَ بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلم يُكَرِّرْ الفعل لأنَّ طاعة الله تجب استقلالًا؛ ولأنَّ طاعة رسوله ﷺ تجب استقلالًا، وأما طاعة ولي الأمر فإنها تجب تَبَعًَا لا استقلالًا.\nلهذا الرجل الذي أمَّرَهُ النبي - ﷺ - على سرية وقال لهم «أطيعوه» فأجَّجَ نارًا وأمر الناس أن يقتحموها، فأَبَوا وقالوا: إنَّما فررنا من النار، يعني بالإيمان والإسلام، فأخبروا رسول الله - ﷺ - بذلك، فقال «أَمَا لو أنهم أطاعوه لم يخرجوا منها» (٢)؛ لأنهم أطاعوه في معصية الله - ﷿ -، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nومن الأدلة قول الله - ﷿ - ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] الآية، ووجه الدّلالة من الآية أنّ الله - ﷿ - أَمَرَ داوود، وفي أَمْرِهِ أَمْرْ للأنبياء أَمْرْ لمن وَلِيَ الأمر أن يحكم بين الناس بالحق وأن لا يتّبع الهوى، وهذا مقصد والوسائل لها أحكام المقاصد، فطاعة ولي الأمر فيما فيه تحقيق الحق وتكثير الخير وتقليل الشر وإبعاد الهوى، هذه لها حكم المقصد فتكون واجبة وجوب المقاصد؛ لأنها وسيلة والوسائل لها أحكام المقاصد.\nومن السنة قول النبي ﷺ «من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني» (٣) .\nوأيضًا ثَبَتَ عنه ﷺ أنَّهُ قالَ «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٤) .\nوصحَّ عنه ﷺ أيضًا أنه قال «إنما الطاعة في المعروف» (٥) يعني طاعة ولي الأمر في المعروف.\nوأيضًا ثبت عنه ﷺ أنَّهُ قال «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليَكْرَهْ ما يأتي من معصية الله ولا ينزعَنَّ يدًا من طاعة» (٦) .\nوأيضًا صحَّ عنه ﷺ أنه قال «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» .\nوأيضًا في الباب الحديث الذي ذكرت لكم أنه ﷺ قال «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم»، ثم سئل ﷺ فقيل له: أفلا نقاتلهم؟ يعني هؤلاء الذين نُبْغِضُهُمْ ويُبْغِضُونَنَا ونلعنهم ويلعنوننا، قال «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَنْ وَلِيَ عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنّ يدا من طاعة» (٧) .\nوأيضًا صح عنه ﷺ أنه قال «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر» .\nوالأدلة على كثيرة في السنة كثيرة جدًا وأُفْرِدَتْ بالتأليف، وحَرِيٌ بطالب العلم أن يتتبعها في هذا الموضوع المهم الذي تكثر فيه الأهواء، وأصل الاتباع أن يَتَخَلَّصْ المرء من هواه، فقد كثر التأويل من القديم من عهد الصحابة، التأويل والتبرير في هذه المسائل، والواجب على المرء أن يموت على الطريقة الأولى بغير تغيير ولا تبديل.\nوهذه المسائل من المسائل التي كثر فيها التغيير والتبديل إمَّا عملًا وإما اعتقادًا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يُخَلِّصَ نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة.\n_________\n(١) البخاري (٢٩٥٧) / مسلم (٤٨٥٢)\n(٢) البخاري (٤٣٤٠) / مسلم (٤٨٧١)\n(٣) مسلم (٤٨٥٩)\n(٤) مسلم (٤٨٦٩) / النسائي (٤٢٠٦)\n(٥) البخاري (٧١٤٥) / مسلم (٤٨٧١)\n(٦) مسلم (٤٩١١)\n(٧) مسلم (٤٩١٠)","vol":"1","page":478},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nالخروج على ولي الأمر يكون بشيئين:\n- الصورة الأولى: عدم البَيْعَةْ واعتقاد وجوب الخروج عليه أو تسويغ الخروج عليه.\nوهذا هو الذي كان السلف يطعنون فيمن ذهب إليه بقولهم (كان يرى السيف)؛ يعني اعتقادًا ولم يُبَايِعْ.\n- الصورة الثانية: وهي المقصودة بالأصالة أنهم الذين يخرجون على الإمام بسيوفهم، يعني يَخْرُجْ على الإمام ويجتمعون في مكان ويريدون خلع الإمام وتبديله، أو إحداث فتنة بها يُقْتَلْ ولي الأمر أو يُزال أو نحو ذلك؛ يعني الخروج بالعمل عليه سعيًا في قتله أو إزالته.\nفهاتان الصورتان للخروج.\nوالخروج على هذا:\n- يكون بالاعتقاد\n- ويكون بالعمل.\n* أما الصورة الثالثة التي أدخلها بعض أهل العلم فيها وهي الخروج بالقول؛ لأنَّ ولي الأمر يكون الخروج عليه بالقول، فهذه لا تَنْضَبِطْ؛ لأنَّ الخروج بالقول قد يكون خروجًا وقد لا يكون خروجًا، يعني أنه قد يقول كلامًا يؤدي إلى الخروج فيكون سعيًا في الخروج، وقد يقول كلامًا هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يوصِلُ إلى الخروج ولا يُحْدِثُ فتنة في الناس، وهذا لا يدخل فيه.\nولهذا من أدخل من أهل العلم الخروج بالقول في صور الخروج، فإنَّ الخروج بالقول فيه تفصيل، لا يُطْلَقْ القول بأنه ليس بخروج ولا أنَّهُ خروج.\nومعاوية ﵁ قتل بعض الصحابة لما خَرَجُوا على أميرهم بالقول (١) ...\n[......] أنَّ يقول للناس شيئًا أو أنَّ الناس كرهوه فاجتمع حجر بن عدي أو عدي بن حجر مع بعض أصحابه فحصبوه، حصبوا الأمير وقالوا: لا نسمع ما تقول، فَأَرْسَلَ إلى معاوية فأمر معاوية بأن يُؤْخَذُوا وأن يُسَيَّرُوا إليه، وكانوا سبعة عشرة رجلًا منهم الصحابي هذا، فقبل أن يَصِلُوا إلى دمشق أمر بهم فَقُتِلُوا (٢)، وهذا اسْتُدِلَّ به على أنَّ فعل معاوية ﵁ مَصِيْرٌ منه إلى أنَّ الخروج يكون بالقول، وتُنَزَّلْ على هذا الأحاديث.\nوهذا الاستدلال محل نظر وليس بجيد؛ بل معاوية ﵁ فعل ذلك تعزيرًا وله اجتهاده في هذا الأمر.\nفإذًا نقول الذي عليه أهل العلم في تقرير العقائد أنَّ الخروج يكون في صورتين:\n- الصورة الأولى: عدم البيعة واعتقاد جواز الخروج أو تسويغه أو وجوبه؛ يعني على ولي الأمر المسلم.\n- والصورة الثانية: السعي باليد بالسيف بالسلاح على ولي الأمر.\nأمَّا بالقول فهذه فيها تفصيل فقد تكون وقد لا تكون.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الرابع والثلاثين.\n(٢) انظر المستدرك (٥٩٨١)","vol":"1","page":479},{"text":"[المسألة السادسة]:\nالخروج على الولاة والأئمة له أسباب، ولم يَخْرُجْ أحَدْ إلا وله في خروجه تأويل:\n@ فالخروج على عثمان ﵁ الذي أدى إلى مقتله ﵁ وأرضاه كان بسبب التصرفات المالية لعثمان ﵁ وتوليته قَرَابَتَهُ، فَتَجَمَّع الخوارج ممن يدينون بالخروج منكرين هذا الأمر متأولين، فخرجوا عليه حتى قتلوه ﵁ وأرضاه في قصة مبكية حتى إنَّهُ ﵁ لم يُدْفَنْ إلا ليلًا وتَبِعَهُ ثلاثة أو أربعة صُلِّيَ عليه سِرًَّا، ثم أُخِذَ ليلًا على النعش بسرعة ولم يُدْفَنْ في البقيع وإنما في حائط، يعني في بستان قريب من البقيع، حتى لا يُعْرَفْ أنه دُفِنْ، حتى جاء في الرِّواية أنهم كانوا من سرعة مسيرهم به قالوا نسمع رأسه يضرب في نعشه من شدة السير به خشية أن تصل أيدي الخوارج إليه.\nوهذا بسبب التأويل، التأويل في المال عندهم، يعني تَأَوَلُوا خروجهم بالرغبة في الصلاح في الأمور المالية، وكذلك في مسائل التولية ونحو ذلك.\nوأجْمَعَ الصحابة رضوان الله عليهم على تصويب عثمان وعلى مُعَاداةِ هؤلاء، رضي الله عن الصحابة أجمعين وخَذَلَ من خالف سبيلهم إلى يوم الدين.\n@ والسبب الثاني رُؤْيَةِ المرء ما يكره: في نفسه أو في بلده أو في مجتمعه بعامة، ما يكرَهُهُ دينًا أو ما يكرَهُهُ دُنْيًَا.\nوهذا السّبب في رؤية المرء ما يكرهه قد يكون معه عدم صبر فيُؤَدِيهِ إلى الانتصار مُتَأوّلًَا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون آخذًا بالخروج أو خارجًا فعلًا.\nوهذه المسألة وهي مسألة رؤية ما يكره المرء في الدين أو في الدنيا أعْظَمُهَا ما حَصَلَ في عهد الإمام أحمد ﵁ حيث رأى ورأى أئمة الحديث ما يكرهون في أعظم مسألة وهي مسألة خلق القرآن؛ حيث دُعِيَ الناس إلى القول بخلق القرآن الذي هو الكفر، وأُلْزِمُوا بذلك حتى وقع بعض الأئمة الكبار في الإجابة خشيَةً من بعض مسائل الدنيا.\nوالإمام أحمد لما قيل له بالخروج نفض يديه وقال: إياكم والدماء، وأَخَذَ بقول النبي ﷺ «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر» .\n(شيئا يكرهه) هذه عامة لأنها جاءت في سياق الشرط، وهذه تعمّ الكراهة الدينية والكراهة الدنيوية، فأَمَرَ بالصبر، والصبر معناه لزوم الطاعة وعدم الخروج.\nوكذلك ما دلَّ عليه الحديث الآخر «ألا من رأى أميره يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يدا من طاعة»، وعلى هذا كان هدي الصحابة، فابن مسعود ﵁ صَلَّى خلف أمير الكوفة من قبل عثمان ﵁، وصَلَّى وهو يشرب الخمر فصلوا معه حتى صَلَّى بهم الفجر أربعًا، ثم لما سَلَّمْ قال: أزيدكم؟ يعني هل أنا نقصت من الصلاة قالوا لازلنا معك اليوم في زيادة (١) .\nوالنصوص الدالة على وجوب الطاعة بالمعروف وتحريم نكث البيعة ونحو ذلك تدلُّ على عدم اعتبار هذا السبب سببًا للخروج، وهو أَنْ يَرَى ما يَكْرَهُهُ دينًا أو ما يكرهه دنيًا، إلا أن يرى كُفْرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، كما جاء في الحديث قال: أفلا ننابذهم؟ أو قال: أفلا نخرج عليهم؟ قال «لا إلا أَنْ تَرَوا كُفْرًَا بُوَاحًا عندكم من الله فيه برهان» (٢) .\nوالعلماء في هذا الحديث لهم قولان:\nالقول الأول:\nأنه عند رؤية الكفر البواح فإنه يَجِبُ الخروج، وإذا قالوا يَجِبْ؛ فمعناه أنَّ أخذ العدة والوسيلة فإنها تجب وجوب وسائل للمقاصد.\nوهذا قول طائفة من أهل العلم متفرقين في شروحهم للأحاديث.\n٢- القول الثاني:\nأنَّ هذا يجوز ولا يجب؛ بل الصبر أولى إلا إذا كان تغيير هذا الولي الذي كَفَرَ ليس فيه مفسدة من سفك الدماء.\n_________\n(١) سبق ذكره (٤٥٠)\n(٢) البخاري (٧٠٥٦) / مسلم (٤٨٧٧)","vol":"1","page":480},{"text":"[المسألة السابعة]:\nالأئمة وولاة الأمور طاعتهم مِنْ طاعة الله - ﷿ - ومِنْ طاعة رسوله ﷺ، فطاعة المؤمن لهم في المعروف عبادة وقُرْبَةْ؛ لأنَّ النبي ﷺ جعل طاعتهم من طاعته حِفْظًَا لبيضة هذه الأمة وجمعًا للكلمة وقوةً لها على أعدائها.\nوالعلماء ذكروا أنَّ تصرفات ولاة الأمور يعني من حيث التنظير تكون على أحد أنحاء:\n١- الأول: أن يأمروا بالطاعة، أن يأمروا بشيءٍ فيه طاعة، يأمروا الناس بإقامة الصلاة، يأمروا الناس بإيتاء الزكاة، يأمروا الناس بأداءْ الحقِّ الشرعي بعامَّة، ينهون الناس عن المحرمات، يقيمون الحدود، يأمرون بالمعروف ينهون عن المنكر ونحو ذلك مما هو مَعْلُومٌ الأمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب أو معلومٌ النهي عنه نهي تحريم أو كراهة في الشَّريعة.\n٢- الثاني: أن يأمروا بأَمْرٍ اجتهادي لهم فيه اجتهاد، وهذا الاجتهاد إما أنْ يكون عن خلافٍ شرعي واختاروا أحد الأقوال أو أحد الرأيين أو أحد الوجهتين، أو اجتهادهم كان مبنيًا في مسائل حادثة لا يَعْلَمُ الناس لها الحُكْمْ، أو لم يُرَاد أن تُبْحَثْ مثل المسائل الدنيوية والمسائل العامة التي تجري في الناس.\n٣- الثالث: أن يأمروا بمعصية الله - ﷿ -.\n@ أما الأول فإن طاعتهم في ذلك واجبة بالإجماع وطاعتهم في ذلك من طاعة الله - ﷿ - وطاعة رسوله ﷺ.\n@ والثاني: وهي المسائل الاجتهادية فإنَّ ولي الأمر إذا ذَهَبَ إلى أحد الأقوال في المسألة واجتهد، أو اجتهد في المسألة اجتهادًا له لا يُخَالِفُ مُجْمَعًَا عليه، فإنَّ طاعته في ذلك متعينة أيضًا إذا كان متعلقًا بالأمة بعامة.\nفالمسائل الاجتهادية داخلة في عموم الأحاديث التي فيها الطاعة في المعروف؛ لأنَّ طاعة الأمير في المعروف التي جاء فيها الدليل، إنَّما الطاعة في المعروف تشمل الصورتين: الصورة الأولى والصورة الثانية لأن الاجتهاد مُعتبرٌ شرعًا.\n@ والثالث: وهي أن يأمر بمعصية الله - ﷿ -، فالأمر بالمعصية قد يكون عامًا وقد يكون خاصًا، وعلى كلٍّ فلا تجوز طاعته فيما فيه معصيةٍ لله - ﷿ -؛ لأنَّهُ لا طاعة لمخلوقْ في معصية الخالق لقوله ﷺ «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكره إلا أن يؤمر بمعصية» .\nفإذًا الأدلة التي فيها الأمْرْ بطاعة ولي الأمر، أو التي فيها بيان الطاعة، إنما الطاعة في المعروف، تُفْهَمُ معًا ولا يُضْرَبُ بعضها ببعض؛ يعني أنَّ ولي الأمر يطاع إلا في المعصية:\n- يُطَاع فيما فيه طاعة.\n- ويطاع في المسائل الاجتهادية.\n- ولا يطاع بما فيه معصية لله - ﷿ -.","vol":"1","page":481},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nقوله في آخر الكلام (وَإِنْ جَارُوا) هذا فيه تَبْيِينْ لأَصْلِ المسألة أنَّ الطاعة لا تُتَقَيَّدْ بأنها لولي الأمر العدل؛ يعني للعادل من الأئمة أو للتقي من الأئمة أو لمن يسير في كل الشرع من ولاة الأمر؛ بل وإن كان منه جَوْرْ فإنه يُطَاع.\nوالجَوْرْ يكون في صورتين:\n- الصورة الأولى: جورٌ في الدين.\n- الصورة الثانية: جورٌ في الدنيا.\nوالجَورْ في الدين ضابطه أن لا يَصِلَ فيه إلى الكفر.\nوالجَورْ في الدنيا يطاع فيه حتى ولو أخذ مالك وضرب ظهرك، كما صح عنه ﷺ قال «أطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك» (١) .\nومن أهل العلم من فَرَّقَ بين ولاة العدل وولاة الجور في الطاعة، فقال:\n- ولي الأمر ذو العدل يطاع مُطْلَقًَا إلا في المعصية.\n- وأما ولي الأمر بالجور فإنه لا يُطَاع إلا فيما يُعْلَمُ أنه طاعة، أما إذا لم نعلم أنه طاعة قال فلا يُطَاعْ.\nوهذا الكلام وإن كان منسوبًا إلى بعض كبار أهل العلم المتقدمين؛ لكنه في مقابلة النصوص، ومُخَالِفٌ لإطلاق الأئمة في هذه المسائل.\nوالتفريق بين إمام العدل وإمام الجور له أصلٌ من كلام الأئمة؛ لكن في غير هذه الصورة.\nفهم فَرَّقُوا ما بين إمام العدل وإمام الجور في صورة الأمر بالقتل أو بالاعتداء، فإنه إذا كان يُعْلَمْ أنَّ جوره في قتل من لا يستحق القتل فإنَّهُ إذا أَمَرَ أحدًا أن يقتل فلانًا، قالوا: لا تتعين عليه الطاعة؛ لأنَّه قد يكون قَتْلُهُ ظُلْمًَا إذا لم يَسْتَبِنْ له أنه مستحقٌّ للقتل، وهذا يكون في أزمنة الفِتَنْ ونحو ذلك والعِدَاءات، يقول: أُقْتُلْ فلانًَا، ولا يسأل.\nفهنا فَرَّقَ طائفة من الأئمة المتقدمين ما بين إمام العدل وإمام الجور، قالوا: إمام العدل لا يُسْأَلْ، وأما إمام العدل فَيُتَحَرَى إذا كان يُعْرَفْ أنَّهُ يسفك الدماء فإنه لا يَقْتُلُ أحدًا إلا إذا استبان له أنه مستحقٌ للقتل.\n* والذي يظهر في هذه المسألة ويتعيّن الأخذ به أن يُعمَلْ بِمُطْلَقَاتْ الأدلة؛ لأنَّ المسائل إذا اشتبهت وجَبَ الرجوع -خاصة في مسائل العقيدة- وجب الرجوع إلى ظاهر الدليل، ولا يَسُوغْ لأحد مخالفة ظاهر الدليل فيما أجمع العلماء على جَعْلِهِ عقيدة، وهي مسألة الخروج على الولاة وطاعة ولاة الأمر.\nفحينئِذْ دلّتْ الأدلة على ما ذكرنا من أنَّ ولي الأمر يُطاع في الطاعة ويُطَاعُ في المسائل الاجتهادية، ولا يطاع في صورة -صورة واحدة-؛ وهي أن يأمر بمعصية الله - ﷿ - فلا سَمْع ولا طاعة.\nويكون إذًا الجور ليس سببًا في الخروج -سواء كان جورًا في الدين أو كان جورًا في الدنيا-؛ بل أكثر ما يكون الخروج بسبب الجَوْرِ في الدنيا، كما ذكر ذلك ابن تيمية في منهاج أهل السنة قال: أكثر تأويل من خَرَجْ بسبب جور بعض الولاة في أمور الدنيا.\nفإذًا قوله هنا (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا) يعني به أنّ عقيدة السلف الصالح أن يُسْمَعَ ويُطَاعْ ولي الأمر، ويحافظ على البيعة، ولا يخرج المرء ولا يَلْقَى الله وليس له حجة بنزع اليد من الطاعة، ومهما كان الذي رآه إذا لم يَرَ الكفر البَوَاحْ الذي فيه من الله برهان.\n_________\n(١) مسلم (٤٨٩١)","vol":"1","page":482},{"text":"قال الطّحاوي ﵀ بعدها (وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ)\n_________\nيريد أنَّ هَدْيَ السّلف الصالح وأئمة الإسلام أنَّهُمْ لا يَدْعُونَ على ولي الأمر والأئمة؛ لأنّ الدعاء عليهم سِيْمَا أهل الخروج وسِيمَا الذين يرون السيف إما اعتقادًا أو عملًا.\nوهدي السلف الصالح أنهم يدعون لهم ولا يدعون عليهم؛ لأنَّ:\n- بالدعاء لهم الصلاح والمعافاة كما سيأتي.\n- وفي الدعاء عليهم توطين القلوب على بُغْضِهِمْ وهو سَبَبٌ من أسباب اعتقاد الخروج عليهم والوسائل لها أحكام المقاصد، فكما أنَّ المقصد وهو الخروج واعتقاد الخروج ممنوع عند الأئمة في عقائدهم، فكذلك وسيلته في القلوب هي الدعاء عليهم لأنه يُحْدِثُ البغض لهم والبغض يؤدي إلى الخروج عليهم.\nوهذه تَضُمُّهَا إلى قوله في آخر الجملة (وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ) يعني أنَّ هدي السلف وأئمة الإسلام في عقيدتهم أنَّهُ كما أنَّا لا ندعو عليهم فإننا لا نسكت؛ بل ندعو لهم بالصلاح والمعافاة.\nوالدعاء لولي الأمر بالصلاح دعاءٌ للأمَّةْ في الواقع؛ لأنَّ صلاحه صلاح للناس.\n(وَالْمُعَافَاةِ) يعني أن يُعَافيه الله - ﷿ - مما ابتلاه به أو مما أَجْرَاهُ في رعيته من الأمور المخالفة للدين.\nوقد كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم -أظنه أبا ذر- كان يتكلم في معاوية ﵁ في بعض تصرفاته السلوكية أو المالية أو التولية، فأتى به وقال له: يا فلان أليس لك ذنوب؟\nقال: بلى.\nقال: فما ترجو في ذنوبك؟\nقال: أرجو العفو والمعافاة من الله - ﷿ -.\nقال معاوية ﵁: أفلا رجوتَ لي ما رجوتَ لنفسك.\nقال فسكت.\nوهذا يدل على أنَّ الدعاء بالصلاح والمعافاة والتوفيق لولاة الأمر أنَّهُ هو الهدي الماضي وهو الذي يوافق الأصول الشرعية.\nوقد قال جمع من الأئمة منهم الفضيل بن عياض ومنهم الإمام أحمد وجماعة (لو كان لنا دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان) (١) .\nوقد نصّ البربهاري ﵀ في كتابه شرح أصول السنة على أنَّ (من سيما أهل البدع الدعاء على ولاة الأمور ومن سيما أهل السنة الدعاء لولاة الأمور) .\nفهذه المسألة التي ذكرها الطحاوي هنا مقررة في كتب الأئمة تقريرًا مستفيضًا.\n_________\n(١) شرح السنة (١٠٧)","vol":"1","page":483},{"text":"*قال ﵀ (وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ - ﷿ - فَرِيضَةً)\n_________\nيريد أنَّ أهل السنة لا ينزعون اليد من طاعة ولي الأمر.\nوذَكَرَ اليد لأنها وسيلة البيعة؛ لأنَّ البيعة تكون بصفقة اليد، وهذه هي بيعة أهل الحل والعقد بأن يبايع يدًا بيد، وبيعة الناس تكون بمبايعة أهل الحل والعقد أو بمبايعة بعض المؤمنين لولي الأمر.\n(ولا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ) يعني بعد البيعة باليد؛ لأنَّ هذا سيما الخوارج.\n(وَنَرَى طَاعَتَهُمْ) طاعة ولي الأمر في غير المعصية من طاعة الله - ﷿ - فريضة واجب ما لم يأمروا بمعصية، وهذه الجملة مُقَرَّرَة فيما سلف وواضحة في دلالتها.\nنقف عند قوله (وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ) جعلنا الله وإياكم من المتبعين للسنة والجماعة المُهَيَّئِيْنَ لذلك إنه سبحانه جواد كريم.","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>الأسئلة:</span>\nس/ ما ضابط الكفر البواح؟\nج/الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، الذي عليه دليل، يعني واضح بَيِّنْ، وبعض أهل العلم قال أنه ترك الصلاة، أنه ما يأمر بالصلاة، وينهى عنها، مثل ما جاء في الحديث قال «ما أقاموا فيكم الصلاة» ففهموا حديث الكفر البواح بإقامة الصلاة، وآخرون قالوا: لا، ما يشترط إقام الصلاة، الكفر البواح هو إذا حصل منه كفر عندنا من الله فيه برهان وليس له شبهة فيه ولا تأويل.\nنُخْرِجْ منه صورة المأمون وأمثاله في عهد الإمام أحمد؛ لأنه كانت عندهم بنوع تأويل، أطاعوا بعض العلماء في هذه المسألة، وواضح في الحديث قال «عندكم فيه من الله برهان» يعني شيء مجمع عليه واضح.\nس٢/إن قال قائل إنَّ معاوية خرج على علي ﵁؟\nج/لا، هو ما دخل في البيعة أصلا.\nس٣/ فإن قيل إنَّ البيعة ثبتت لعلي؟\nج/ثبتت لعلي من أهل المدينة، وأهل الشام قالوا ما نبايعك حتى تُسَلِّمْ لنا قتلة عثمان؛ لأنَّ قتلة عثمان صاروا جيش علي، يعني الخوارج الذين قتلوا عثمان أجبروا علي أنه يخرج وخرج، علي ﵁ اجتهد وصارت البيعة له وأهل الحل والعقد في المدينة.\nفمعاوية ﵁ قال: لا، ما نبايع حتى تُسَلِّمْ لنا قتلة عثمان، ويرى معاوية أنه هو ولي الدّم ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، يقول أنا وليه، أنا ولي دم عثمان أنا أقرب الناس إليه، سَلِّمْ لي القتلة كي أقتلهم، فعلي ﵁ خشي إن سلمهم تصير فتنة أعظم، فأراد أنه يجتمع هو وإياه وسار إليه على أساس يجتمع معه ويبحث معه إلى آخره، فاجتمع معاوية، نقلوا له طبعًا الخوارج أنَّ هذا علي سار بجيشه فسار يخشى أنه يباغته، ثم لما اجتمعوا هذا في جهة وهذا في جهة، وقَصْدْ معاوية خير أنه يبحث مع علي وقصد علي ﵁ خير أنه يبحث مع معاوية، حَرَّكْ الخوارج الحرب بين الجهتين ووقعت وقعة صفِّين، هم الذين حركوها من تحت، لا الصحابة يريدون، وقعت بغير اختيارهم.\nسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك (١) .\n_________\n(١) انتهى الشريط الرابع والثلاثون.","vol":"1","page":485},{"text":": [[الشريط الخامس والثلاثون]]:\n\nوَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ.\n_________\nالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:\nقال الطحاوي ﵀ هنا (وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ.)\nهذه الجملة ذَكَرَهَا بعد الكلام على الخروج على الولاة أو قتل أحد من أمة محمد ﷺ لظهور معنى الجماعة في ذلك.\nوكلُّ ما ذَكَرَه من أول العقيدة إلى آخرها -يعني فيما أجمع عليه أهل السنة والجماعة- داخِلٌ في هذه الجملة.\nفكُلُّ مسائل العقائد التي قَرَّرَهَا أئمة الإسلام فإنها اتِّبَاعْ للسنة وللجماعة، وكُلُّ مُخَالَفَةْ لهذه العقائد التي دلَّ عليها الكتاب والسنة وقرَّرَهَا الأئمة فهي شذوذ وخِلافٌ وفُرْقَةْ.\nولهذا هذه الجملة قاعدة عظيمة من قواعد العقائد بجميع تفاصيلها، كما سيأتي في بيان السنة والجماعة وبيان ما يُضاد ذلك إن شاء الله تعالى.\nوهذا الاتِّبَاعْ الذي ذَكَرَهُ -اتِّبَاعْ السنة والجماعة واجتناب الشذوذ والخلاف والفرقة- هو منشأ السَّيْرْ على ما كانت عليه الجماعة الأولى؛ لأنَّ النبي ﷺ أوْرَثَ الجماعة الأولى -وهي جماعة الصحابة رِضوان الله عليهم- أورَثَهُمْ العلم النافع والعمل والهدى في أمور الدين كلِّه، في الأمور العلمية والأمور العملية.\nفَأَجْمَعُوا على مسائل العلم والعقيدة والتوحيد، وعلى كثيرٍ من مسائل العمل، واختلفوا في بعض مسائل العمليات والفروع.\nثُمَّ صار سبيل المؤمنين الذي هو سبيل الجماعة الأولى، صار عَلَمًا على اتِّبَاعِ النبي ﷺ وترك الأهواء، ثُمَّ تَبِعَهُمْ التابعون، ثم هكذا إلى زماننا؛ بل إلى أن يموت آخر المؤمنين.\nوهذا الأصل من أهم الأصول التي يُقَرِّرُهَا أئمة الإسلام؛ لأنه أصل وما بعده فرع.\nفالخلاف في توحيد العبادة، أو في طريقة إثبات الربوبية، أو في الأسماء والصفات، أو في الإيمان، أو في القَدَرْ، أو في الصحابة، أو في التعامل مع ولاة الأمور، أو في أي مسألة من المسائل التي تُذْكر، الخلاف في ذلك خِلافٌ للجماعة الأولى.\nولهذا قال من قال من أئمة الصحابة (إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد) .\n(إذا فسدت الجماعة) يعني إذا صارت الجماعة في اختلاف، فإنَّ المصيب منهم من وافق الجماعة التي كانت مجتمعة، غير مختلفة.\nولهذا صار هذا الأصل عَلَمًَا على أهل السنة والجماعة أتباع الصحابة والسلف الصالح، فَسُمُّوا أهل السنة والجماعة لهذا الأصل لأنهم يتَّبِعُونَ السنة والجماعة، ويأتي تفسير السنة وتفسير الجماعة.\nوهذا الذي ذكروه هنا أخذوه من النصوص التي لا تُحْصَى في الكتاب والسنة في الأمر بالاجتماع نصًا أو معنى، وفي النهي عن الفرقة نصًا أو معنى.\nفمن ذلك قول الله - ﷿ - ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، ومنه قوله - ﷻ - ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، ومنه أيضًا قول الله - ﷿ - ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]،ومنه قوله أيضًا - ﷻ - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور:٥٤]؛ يعني على الرسول ما حُمِّلَ من بيان السنة وبيان الشريعة وتبليغ ذلك.\n﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ من اتباع السنة والجماعة واتباع هدي النبي ﷺ.\nفحُمِّلَ الرسول ﷺ البلاغ وحُمِّلَتْ الأمة الاتباع والمتابعة.\nومنه أيضا قول الله - ﷿ - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، ونحو ذلك من الآيات الصريحة في اتباع الجماعة والنهي عن الافتراق.\nوالسنة فيها من ذلك شيءٌ كثير:\nكقوله ﷺ «وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال «هي الجماعة» (١)، وفي رواية قال «هي ما كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٢) .\n_________\n(١) سبق ذكره (٥)\n(٢) سبق ذكره (٣٤٤)","vol":"1","page":486},{"text":"ومنه أيضًا الأحاديث التي في خروج الخوارج وخلاف الخوارج للصحابة، وأمر النبي - ﷺ - بقتلهم، فقال في وصفهم «يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم» (١) وذلك لمخالفتهم للسنة والجماعة.\nكذلك قوله ﷺ في أهل الأهواء «يتجارى بهم الهوى كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه لا يبقى منه مفصل أو عِرْقْ إلا دخله» (٢) .\nومنه أيضا ما صحّ عنه ﷺ بقوله «الجماعة رحمة والفرقة عذاب» (٣) .\nومنه أيضا قوله «من أتاكم وأمْرُكُمْ جميع يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه كائنًا من كان» (٤) .\nومنه أيضا دعاء النبي ﷺ ألا يَجْعَلَ بأس هذه الأمة بعضها ببعض قال «فمنعنيها» . ونحو ذلك من الأدلة التي تدل على هذا الأصل العظيم.\nفإذًا هذا الأصل الأدلة عليه في منزلة التواتر لكثرة ما دلَّ عليه؛ بل هو أظهر أصول الشريعة، فإنَّ الخلاف والفُرْقَةْ عمَّا كان عليه النبي ﷺ والجماعة الأولى هو حقيقَةً خلافٌ لرب العالمين واتّباع غير السبيل الذي يرضى عنه - ﷻ -.\nفإذًا هذا الأصل -كما ذكرنا في أول الكلام- ذَكَرَهُ الطحاوي؛ لأنَّ كل مسائل العقيدة يتفرع عنه.\nوإذا تبين ذلك فنقول: إنَّ مسائل الاعتقاد التي يذكرها أهل السنة والجماعة:\n- منها ما هو من سبيل المقاصد.\n- ومنها ما هو من سبيل الوسائل إلى المقاصد.\n- ومنها ما هو من سبيل المحافظة على المقاصد.\n@ فأما الأول وهو المقاصد هي: أركان الإيمان الستة.\n@ وأما الثاني وهو وسائل المقاصد فهي القواعد العامة في التلقي والأخذ لأنها لا يُحْفَظُ أصل إلا بدليل، بقاعدة.\nولهذا صار هذا الكلام هنا وهو قوله (وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ.) هذا له حكم المقاصد من جهة وله حكم الوسائل من جهةٍ أخرى؛ لأنَّ اتباع السنة والجماعة مقصد تعبُّدِي مطلوب ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور:٥٤]، والثاني وهو اجتناب الشذوذ والخلاف والفُرْقَة هذا من وسائل المحافظة على أصول الاعتقاد.\nوفي هذه الجملة مسائل:\n_________\n(١) البخاري (٣٦١٠) / مسلم (٢٥٠٠)\n(٢) أبو داود (٤٥٩٧)\n(٣) المسند (١٩٣٦٩) / مسند الشهاب (١٥)\n(٤) مسلم (٤٩٠٤)","vol":"1","page":487},{"text":"[المسألة الأولى]:\nفي قوله (وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ) الاتباع هو أن تَقْفُوَ أثر الشيء، تَبَعَهُ أي قَفَا أثره، اتِّبَاع الحق أن تَقْفُوَ الأثر.\nوالأَثَرُ سواءٌ أَكَانَ أثر دليل أو كان أثر مسير -يعني أثر قول أو أثر مسير- كلٌ منهما دليل.\nولهذا صار الاتِّبَاعُ موسومًا عند أهل العلم بأنه أخذ القول بدليله.\nويقابل هذا التقليد، يقابل الاتباع التقليد.\nوالتقليد قَبُولْ القول والتِزَامُهُ دون حجةٍ واضحة.\nلأنه إن كان عنده حجة فهو مُتَّبِع ولو كان مُتأولًا أو مُخْطِئًا، وإذا كان ليست عنده حجة وإنما يتعصب أو يقبل قول الغير هكذا لأنه قاله فقط مع ظهور الحُجَّةْ في خلافه، فهذا يُسمى مُقَلدًا لأنه جعل القول قِلادةً له دون بيانه.\nوالتقليد في الاعتقاد فيه تفصيل:\n- فما كان مما يُشْتَرَطُ لصحة الإسلام والإيمان فلا ينفع فيه التقليد؛ بل لابُدَّ فيه من أخذ القول بدليله وجوبًا؛ لأنَّ هذا هو العلم الذي أمر الله - ﷿ - به في قوله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] .\n- أَمَّا التقليد في الاستدلال فلا بأس به؛ يعني أن يَعْلَمَ وجه الدليل من الحُجَّةْ ويُقَلِّدُ العالم في الاقتناع بهذا الدليل يعني بوجه الاستدلال، فهذا لا بأس به لأنَّ المجتهد في فهم الدليل هذا قليل في الأمة.\nفإذًا الواجب في الاتباع وما يَحْرُمُ من التقليد في العقيدة هو ما كان من أصول الإسلام؛ يعني ما لا يصح الإسلام إلا به، مثل العلم بالشهادتين، وأركان الإيمان الستة، وفرض أركان الإسلام الخمسة.\nإذا كان التقليد كذلك فهل يُشْتَرَطُ استدامة العلم واستصحاب العلم والاتِّبَاع أم لا يُشْتَرَطْ؟\nالذي عليه العلماء المحققون وقرَّرُوهُ أنَّ الاستدامة ليست شرطًا، وإنما يكفي أن يَعْلَمَ الحق في هذه المسائل في عمره مرةً بدليله، ويأخذ ذلك ويقتنع به، يأخذ ذلك عن دليل وبيِّنَة، ثم يعمل بما دلَّ عليه.\nفمن تَعَلَّمَ مسألةً، مثلًا تَعَلَّمَ معنى الشهادتين في عمره، ثم بعد ذلك نسي المعنى، أو تَعَلَّمَ أدلة أركان الإيمان ثم نسي، أو تَعَلَّمَ فرضية الأركان الخمسة، أركان الإسلام أو الأربع العملية ثم جاءه فترة ونسي، فإنَّ هذا لا يؤثر ولا يأثم بذلك، المهم أن يكون أصل استسلامه عن دليلٍ فيما لا يصح الإيمان والإسلام إلا به.\n* وهذا هو حكم التقليد عند أهل السنة والجماعة ووجوب الاتباع.\nوأما المخالفون من أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة وجماعات فإنَّهُمْ جعلوا العلم الواجب هو النَّظَرْ أو القصد إلى النظر أو إلى آخره من أقوالهم، ويعنون بذلك النظر في الكونيات.\nوأهل السنة يقولون: الاتِّبَاع النظر في الأدلة الشرعية، يعني النَّظَرْ في الشرعيات.\nوأولئك عندهم النظر في الكونيات؛ لأنهم جعلوا أنَّ أصل الإسلام والإيمان إنما يصح إذا نظر في برهان وجود الله - ﷻ -.\nوأما أهل السنة والجماعة فقالوا: وجود الله - ﷿ - مركوزٌ في الفِطَرْ، وإنما يتعلم ما يجب عليه أن يعتقده وما يجب عليه أن يعلمه مما أمر الله - ﷿ - به، وجعله فارقًا بين المؤمن والكافر.\nوبالمقابل التقليد عندهم في الكونيات، وعندنا التقليد في الأقوال والشَّرعيات.\nوثَمَّ تفاصيل لمسألة الإتِّبَاعْ والتقليد في مناهج التلقي ما بين أهل السنة والمخالفين.","vol":"1","page":488},{"text":"[المسألة الثانية]:\nفي قوله (وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ) السُّنَّة يُراد بها العلم الموروث عن النبي ﷺ في مسائل الاعتقاد؛ في المسائل الغيبية وما يتّصل بذلك من الوسائل وما يُحافَظُ به على الأصول.\nفما دَلَّتْ عليه الأدلة من كلام النبي - ﷺ - وكان عليه هديه فإنَّهُ السنة الماضية التي يجب اتِّبَاعُهَا وترك ما خالفها؛ لأنَّ المسائل العلمية في [.....] الغيبيات البيان فيها واضح وليست مجالًا للاختلاف وتنوع الآراء والأقوال.\nولهذا سمَّى طائفة من العلماء ممن صنَّفُوا في التوحيد كتبهم السنة، وهي كثيرة جدًا كالسنة لعبد الله بن الإمام أحمد، والسنة للخلال، والسنة لابن أبي عاصم، والسنة للطبراني، وكذلك السنة في كتب الحديث -يعني في أثناء الكتاب- قد يُبَوِّبُ بعضهم بكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة أو السنة أو ما أشبه ذلك.\nفإذًا يجمع السنة أنه هدي النبي ﷺ في العِلْمْ في هذا الموطن؛ في العِلْمِيَّاتْ، يعني فيما يُعْلَمْ ويُعْتَقَدْ فإنَّ منهجنا اتباع السنة في ذلك وأن لا نخوض فيه بالعقليات.","vol":"1","page":489},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالجماعة تُطْلَقُ إطلاقين:\n&amp; تُطْلَقْ الجماعة ويراد بها الجماعة في الدين، الجماعة في العلم بما أمر الله - ﷿ - به أن يُعْتَقَدْ، أو في تصديق الأخبار في الكتاب والسنة.\nوهذه الجماعة تكون في الدين، الجماعة في الدين؛ يعني الاجتماع على الدين الواحد.\n&amp; والمعنى الثاني للجماعة الجماعة في الأبدان، أنْ يجتمعوا في أبدانهم وأنْ لا يكون بأْسُهُم بينهم، وأن لا يتفرَّقُوا في أبدانهم بأنواع التَّفَرُّقْ.\nومسائل الاعتقاد تجمع هذين الأصلين، تجمع الاجتماع في الدين والاجتماع في الأبدان، وكل المسائل التي تُذكَرُ في مسائل العقيدة منها ما يرجع إلى هذا، ومنها ما يرجع إلى الثاني.\nثُم هذا اللفظ (السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ) صار عَلَمًا على من كان على ما كانت عليه الجماعة الأولى وهم الصحابة رضوان الله عليهم.\nوالذي عليه أئمة أهل الحديث والمحققون من أهل الإسلام أنَّ هذا اللفظ (أهل السنة والجماعة) إنما يدخل فيه أهل الحديث والأثر الذين لم ينحرفوا في مسائل الاعتقاد.\nوقد ذهب بعض الحنابلة من المتأخرين وبعض الأشاعرة وجماعات من الفقهاء إلى أنَّ لفظ (أهل السنة والجماعة) يشمل ثلاث طوائف:\n- يشمل أهل الحديث والأثر.\n- والأشاعرة.\n- والماتريدية.\nوممن صرَّحَ بذلك السَّفَّاريني في كتابه لوامع الأنوار وجماعة آخرون.\nوهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الأشاعرة والماتريدية خالفوا السنة والجماعة في مسائل كثيرة معلومة:\n@ فهم في إثبات وجود الله - ﷿ - خالفوا طريقة القرآن والسنة.\n@ وفي تفسير (لا إله إلا الله) خالفوا ما دلَّ عليه القرآن والسنة وكان عليه السلف.\n@ وفي إثبات الصفات خالفوا وقالوا طريقة السلف أسلم وطريقتنا أعلم وأحكم وجعَلُوا الصواب بين التأويل والتفويض:\nوكل نص أوهم التشبيهَ أوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تنزيهَا\nفالتأويل عندهم حق والتفويض حق وأما الإثبات فليس بحق.\n@ وفي مسائل الإيمان خالفوا، وقالوا بالإرجاء وعندهم الإيمان هو التصديق فقط دون الإقرار والعمل، @ وفي مسائل القدر هم جبرية متوسطة.\nوفي مسائل أُخَرْ خالفوا أيضا مما يضيق المقام عن ذكره.\nفإذًا من خالف في هذه الأصول العظيمة في الغيبيات والعقائد فإنَّ إدراجه في أهل السنة والجماعة وفي الفرقة الناجية هذا ليس بواضحٍ من جهة الدّليل والإتباع، ولهذا هم يدخلون في الفِرَقْ المخالفة للسنة والجماعة.\nلكن ينبغي أن يُعْلَمْ أنَّ إطلاق السنة قد يُرَادْ به ما يقابل الرافضة والشيعة والخوارج، فيدخل في إطلاق أهل السنة الأشعرية والماتريدية والمرجئة وجماعات لأجل مقابلتهم بالفرق التي ضلالها عظيم.\nلهذا من الأفضل؛ بل من المُتَعَيِّنْ عند إطلاق أهل السنة والجماعة أن يُنتَبَهْ أن لا يكون شعارًا يدخل فيه من ليس من أهل السنة والجماعة حتى لا يَضِلَّ الناس، وحتى يكونُ مُقتصرًا على من اعتقد الاعتقاد الحق، والباقون يمكن أن يُقَال عنهم أهل السنة؛ ولكن لا يُوصفون بأهل السنة والجماعة؛ لأنهم فَرَّقُوا دينهم وكانوا شيعًا ولم يقيموا الدين كما أمر الله - ﷿ -؛ بل فَرَّقُوا في ذلك وأخذوا ببعض الكتاب وتركوا بعضًًا كما هو معلوم من تفاصيل أقوالهم.","vol":"1","page":490},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nفي قوله (وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ):\nالاجتناب هو التَّرْكْ، ويريد بالترك أنه يَتْرُكُهُ دينًا وتَعَبُّدًَا وتقربًا إلى الله - ﷿ - لملازمته للسنة والجماعة.\nوالشذوذ: هو الانفراد، وقد جاء في حديث وفي إسناده ضعف «ومن شذَّ شذَّ في النار» (١) يعني من انفرد عن الجماعة التي وَعَدَهَا الله - ﷿ - بالجنة فإنه سينفرد عنهم أيضًا في الآخرة في النار، وهذا من جهة الوعيد.\nفمعنى الشذوذ في العلم والعقيدة الإنفراد بأشياء ليس عليها الدليل ولم تكن عليها الجماعة الأولى.\nولهذا كان الإمام أحمد ﵀ وجماعة من أئمة السلف يقولون في مسائل العقائد (لا نتجاوز القرآن والحديث)؛ لأنه إذا تجاوز المرء القرآن والحديث بمسائل الغيبيات والعقائد فإنه لا يُؤْمَنْ عليه الخلاف ولا يُؤْمَنْ عليه أن ينفرد بآراء ليست مُدَلَّلًا عليها.\nوالشذوذ قد يكون:\n- في أصل من الأصول-يعني الانفراد.\n- في فرعٍ لأصْلٍ من أصول الاعتقاد.\nفالشذوذ مرتبتان:\n١ - المرتبة الأولى: أن ينفرد ويَشُذْ في أصل من الأصول؛ يعني في الصفات، في الإيمان، في القدر، فهذا بانفراده في الأصل يخرج من الاسم العام المُطْلَقْ لأهل السنة والجماعة.\n٢ - المرتبة الثانية: أن يوافق في الأصول؛ لكن يُخَالِفُ في فرعٍ لأصل أو في فَرْدٍ من أفراد ذلك الأصل.\nمثلًا يؤمن بإثبات الصفات وإثبات استواء الرب - ﷻ - على عرشه وبعلو الرب - ﷻ - وبصفات الرحمن ﷾؛ لكن يقول: بعض الصفات أنا لا أثبتها، لا أثبت صفة السّاق لله - ﷿ -، أو لا أثبت صفة الصورة لله - ﷿ -، أو أُثْبِتُ أنَّ لله أعينًا، أو أثبت لله - ﷿ - كذا وكذا مما خالف به ما عليه الجماعة.\nفهذا لا يكون تاركًا لأهل السنة والجماعة؛ بل يكون غَلِطَ في ذلك وأخْطَأْ ولا يُتَّبَعُ على ما زلَّ فيه بل يُعْرَفُ أنه أخطأ، والغالب أن هؤلاء مُتَأَوِلُونَ في الاتباع.\nوهذا كثير في المنتسبين للسنة والجماعة كالحافظ ابن خزيمة فيما ذكر في حديث الصورة، وكبعض الحنابلة حينما ذكروا أنَّ العرش يخلو من الرحمن - ﷻ - حين النزول، وكمن أثبت صفة الأضراس لله وأثبت صفة العضد أو نحو ذلك ممَّا لم يقرره أئمة الإسلام.\nفإذًا من شذَّ في ذلك في هذه المرتبة، يقال: غَلِطَ وخالَفَ الصواب؛ ولكن لم يخالف أهل السنة والجماعة في أصولهم؛ بل في بعض أفرادِ أصلٍ وهو مُتَأَوِّلٌ فيه.\nوهذا هو الذي عليه أئمة الإسلام فيما عاملوا به من خالف في أصل من الأصول في هذه المسائل، وكُتُب ابن تيمية بالذات طافحة بتقرير هذا في من خالف في أصل أو خالف في مسألة فرعية ليست بأصل.\n_________\n(١) الترمذي (٢١٦٧)","vol":"1","page":491},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nفي قوله (وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ) الخلاف شَرٌّ ومذموم في الشريعة.\nوالخلاف يُطلق ويُراد به الاختلاف أيضًا كما قال - ﷿ - ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨-١١٩]، فمدح من لم يَخْتَلِفْ وذَمَّ من كان في اختلاف.\nوأهل الاصطلاح يُفَرِّقُونَ بين الخلاف والاختلاف، وهذا ليس هذا مورده وإنَّمَا في هذا الموضع الاختلاف والخلاف بمعنىً واحد وهما شر، كما قال ابن مسعود ﵁ (الخلاف شر) (١) .\nوالخلاف له صورتان:\n١- الأول خلاف في العِلْمِيَّاتْ: في العلم والعقيدة، وهذا البحث فيه كالبحث في الشذوذ والفرقة الآتي.\n٢- الثاني الخلاف في العَمَلِيِّاتْ: يعني فيما يُسَمَّى بالفروع.\nوالخلاف الثاني في الفروع ليس مُبَاحًَا أو مأذونًا به دائمًا؛ بل قد يكون الخلاف مذمومًا ولو كان في الفروع، وذلك إذا كان سيترتب عليه مفسدة في الناس أو افتراق أو إساءة ظن أو مخالفة لأئمة المسلمين.\nولهذا ابن مسعود ﵁ في قصته مع عثمان كان يُقَرِّرْ ويَذْكُرْ أنَّ السنَّة أن يُصَلِّي أهل منى في منى ركعتين للرباعية وعثمان ﵁ صَلَّى الرباعية أربعًا وكان ابن مسعود يُصَلِّي معه أربعًا، فقيل له في ذلك: تقول السنة ركعتان وتصلي مع عثمان أربع؟\nفقال: الخلاف شر.\nوهذا من عظيم فقهه ﵁ مع أنَّهُ كان بينه وبين عثمان ﵁ خُصومة أو نوع خلاف واختلاف في مسألةِ عطائه، فكان يَطْلُبُهُ وعثمان لم يُعْطِهِ عَطَاءَهُ الذي كان يرى ابن مسعود أنَّهُ له؛ لأنَّ ابن مسعود بدري، وكان له في ذلك قولْ يجادل به عثمان معروف؛ لكن مع ذلك تَخَلَّصَ من هوى نفسه وقال (الخلاف شر) .\nفإذًا الخلاف في الفروع، في العمليات ليس دائما مأذونًا به أو لا يُعَابُ صاحبه؛ بل قد يُعَابُ إذا كان في الخلاف مفسدة أوفُرْقَة أو الخلاف يُسَاءْ به الظن أو يَسُدُّ أبوابا من الخير ونحو ذلك.\nوالطحاوي هنا لا يريد تقرير هذا البحث الثاني، وإنما يريد أنَّ الخلاف الذي هو بمعنى الشذوذ والفُرْقَةْ يُجْتَنَبْ ويُحْذَرْ منه.\n_________\n(١) أبو داود (١٩٦٠)","vol":"1","page":492},{"text":"[المسألة السادسة]:\nالفُرْقَةْ هنا بمعنى الافتراق، والفُرْقَةْ أكثر النصوص في النهي عنها.\nوالأمر بالجماعة معه النهي عن الفرقة لأنه لا يجتمع الناس إلا إذا انتهوا عن الافتراق والفُرْقَةْ.\nولهذا كما قَدَّمْتُ لك بعض الآيات نَهَى الله - ﷿ - عن الافتراق فقال ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، دَلَّتْ هذه الجملة من الآية على أنَّ النهي عن الفُرْقَةْ هنا المقصود به الفُرْقَةْ في الأبدان، ثم قال - ﷿ - ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وهذه الفُرْقَة في الدين، وهذا كما في قوله مثلًا في سورة الشورى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، يعني في الدين.\nفتحَصَّلَ من هذا أنَّ الأدلة دَلَّتْ على أنَّ الفُرْقَةْ قسمان:\n- فُرقة في الأبدان.\n- وفُرقة في الدين.\nمُقَابِلَةٌ للجماعة التي هي:\n- جماعة في الدين.\n- وجماعة في الأبدان.\nفكذلك الفُرْقَةْ فُرقة في الدين وفُرقة في الأبدان.\n@ أما فُرقة الدين: فتكون بانتحال الأهواء والأخذ بطريقة أهل الهوى من الخوارج فمن بعدهم.\nوأعظم أهل الأهواء الخوارج -يعني ممن خَرَجَ على الصحابة-، ثُمَّ بعد ذلك إلى أن أتت الأقوال الكُفْرِيَة عند الجهمية والحلولية إلى آخره.\nوهذا أعظم افتراق في الدِّيْنْ، فإنّ الله - ﷿ - جعل الدين واضحًا لا لَبْسَ فيه، في أصوله وعقائده وفي قواعده العلمية لا لَبْسَ فيه، ولهذا قال - ﷿ - ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ (١) بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] .\n\n: [[الشريط السادس والثلاثون]]:\n\nفإذًا كل أنواع الافتراق التي حدثت إنما كانت لأجل الهوى، ولذلك سُمُّوا أهل الأهواء.\nهل وجود المتشابه في القرآن والسنة يُعْتَبَرُ سببًا في خروج أهل الأهواء؟\nالجواب ليس كذلك؛ لأنَّ الله - ﷿ - بيَّنَ أنَّ أهل الأهواء في قلوبهم زيغ قبل أن ينظروا إلى الأدلة، فقال - ﷿ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، قال سبحانه في أول الآية ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فبيَّنَ - ﷻ - أنَّهُ جَعَلَ كتابه منه محكم ومنه متشابه، يعني يشتبه على المرء العلم به.\nما الذي حصل؟\nأنَّ الذين في قلوبهم زيغ اتَّبَعُوا قال ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ﴾ فأَثْبَتَ الزيغ في قلوبهم ثم وصفهم باتباع المتشابه.\nفإذًا المتشابه في الكتاب والسنة ابتلاء ليظْهَرَ أهل الأهواء من أهل السنة والجماعة، فحُصُولُ الهوى والزيغ في القلب ينتج عنه أن يبحَثَ عمَّا يُؤَيِّدُ به هواه ويُؤَيِّدُ به زيْغَهُ، وهذا ما نصت عليه الآية قال ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ﴾ بالفاء الترتيبية.\nولهذا قال الأئمة (إنَّ أعظم ما أمر الله - ﷿ - به الاجتماع، وأعظم ما نهى الله - ﷿ - عنه الافتراق)؛ لأنَّ حقيقة الاجتماع اجتماع في الدين وفي الأبدان وبهما صلاح العباد، وأعظم المصائب الافتراق وبهما يحصل البلاء كله.\nفالشرك فُرْقَة، والتوحيد جماعة.\nوالبدعة فُرْقَة، والسنة جماعة.\nوالعقائد الصحيحة جماعة، والعقائد الفاسدة فُرْقَة.\nالاستدلال بالكتاب والسنة وصحة منهج التلقي جماعة، والاستدلال بالأهواء والعقول وما ألْفَ المرء آباءه وأقوامه عليه فُرقَة؛ لأنّه خالف المنهج الصحيح في الاستدلال.\nالاجتماع مع جماعة المسلمين وأئمتهم جماعة، والافتراق وترك أئمة المسلمين وجماعتهم فُرقة.\nوهكذا، فكل خير في الجماعة والسنة، وكل شر في الشذوذ والخلاف والفُرقة.\n_________\n(١) انتهى الشريط الخامس والثلاثون.","vol":"1","page":493},{"text":"قال بعدها ﵀ (وَنُحِبُّ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالْأَمَانَةِ، وَنُبْغِضُ أَهْلَ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ)\n_________\nالحب والبغض من مسائل النفس التي يدخلها الهوى.\nوقاعدة الشريعة والقرآن والسنة والصحابة أنَّ العبد لا يكون حقيقةً مستسلمًا حتى يتخلّص من هواه.\nومِنَ الهوى الذي يُتَخَلَّصُ منه الهوى في مَحَبَّتِهِ والهوى في بُغْضِه، ونستغفر الله ونتوب إليه.\nفمن أَحَبَ ما يُحِبُّ الله - ﷿ - ورسوله، ومن يُحِبُّ الله - ﷿ - ورسوله فقد تَخَلَّصَ من هواه، ومن أبْغَضَ ما يُحِبُّ الله - ﷿ - ورسوله من الحق أو أبْغَضَ من يُحِبُّهُ الله ورسوله فلم يتخلّص من هواه؛ بل الهوى هو الذي قاده إلى ذلك.\nولهذا كان من أعظم ما يتميز به أهل السنة والجماعة أئمة الحديث والأثر الذين تخلَّصُوا من أهوائهم أنهم أهل عدل في أقوالهم حتى مع مخالفيهم، فيُحِبُّونَ أهل العدل؛ لأنَّ الله يُحِبُّهُم وكذلك رسوله ﷺ، ويُحِبُّونَ أهل الأمانة؛ لأنَّ الله - ﷿ - يحبهم ورسوله ﷺ، ويبغضون أهل الجور والخيانة لأنَّ الله - ﷿ - ورسوله ﷺ يبغضونهم.\nفإذًا أصل هذه الجملة أساسها أنَّ محبة المؤمن المتبع لعقيدة السلف وبُغضَهُ يكون تبعاَ لنص الكتاب والسنة فيما يُحِبْ وفيما يُبْغِضْ، كما قال - ﷿ - ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وفي الحديث «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (١) وهذا الإيمان الكامل هو الذي يتخلص فيه صاحبه من الهوى.\nوهاهنا مسائل قليلة:\n_________\n(١) رواه الإمام المقدسي في كتاب الحجة على تارك المحجة بإسناد صحيح حسب ما ذكره النووي.","vol":"1","page":494},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأهل العدل وأهل الجَوْر متقابلان، كما أنَّ أهل الأمانة وأهل الخيانة متقابلان -يعني هؤلاء يقابلون هؤلاء، هؤلاء ضد هؤلاء، هذا صنف وهذا صنف-، ولا أعني بالتَّقَابُلْ والتضاد المصطلح الكلامي أو المنطقي فيه.\nفمن هم أهل العدل، ومن هم أهل الجَوْر؟\nالعدل أَمَرَ الله - ﷿ - به أَمْرًَا مُطلَقًَا فقال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]، وأقام السموات والأرض على العدل، ودينه وأحكامه كلها عدلٌ وخيرٌ للعباد في مآلهم وفي حاضرهم.\nالعدل الذي أمر الله - ﷿ - به أن يُعطَى كل ذي حق حقه، أن تُعْطِي الله - ﷿ - حقه الذي أمرك به، وأن تُعْطِي رسوله ﷺ حَقَّهُ الذي أُمِرْتَ به، وأن تُعْطِي الصحابة حقهم الذي أُمِرْتَ به، وأن تُعْطِي المؤمنين حقهم الذي أُمِرْتَ به، وهكذا في سائر أحكام في الشريعة.\nولهذا قال بعض التابعين على هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾، قال (أتت هذه الآية على جميع المأمورات)؛ يعني في العلميات وفي العمليات؛ لأنَّ المأمور:\n- إما أن يكون عَدْلًَا في العلم والعمل.\n- وإما أن يكون فَضْلًا في العمليات والعبادات وأنواع التعامل.\nيقابله أهل الجور وهم أهل الظلم، والجَورُ هو الحَيْفْ وهو بمعنى الظلم.\nوأهل الظلم:\n- تارَةً يكون ظلمهم في حق الله - ﷿ -.\n- وتارَةً يكون ظلمهم في حق النبي ﷺ.\n- وتارَةً يكون ظلما في حق العباد أو في حق أنفسهم.\nفإذًا هذه المَحَابْ؛ محبة أهل العدل والأمانة وبُغْضْ أهل الجور والخيانة هذه تَبَعْ لمحبة الله - ﷿ - ولبُغْضِه، وأهل العدل يُقَابِلُونَ أهل الجور بهذا المعنى.\nإذا تبيَّنَ هذا فإنَّ المتقرر عند أهل السنة أنَّ الله - ﷿ - يُحِبُّ ويُبْغِضْ، وهما صفتان حقيقيتان على ما يليق بجلال الرب - ﷿ -، لا يماثل في محبته وبُغْضِهْ محبة العباد وبغضهم، تعالى ربنا عن ذلك وتقدّس.\nوالله - ﷿ - يُحِبُّ العبد لما فيه من الصفات الحسنة، صفات الإيمان والعدل والطاعة، ويُبْغِضُ العبد لما فيه من صفات الظلم والطغيان أو المعصية والمخالفة ونحو ذلك.\nفإذًا قرَّرُوا أنَّهُ يجتمع في حق المعين في صفات الله - ﷿ - أنّ الله يُحِبُّ العبد من جهة ويبغضه من جهة.\nوهذا يخالف قول المبتدعة الذين قالوا: المحبة والبغض شيءٌ واحد، فالله - ﷿ - يُحِبُّ العبد الكافر حال كفره إذا كان سيوافيه على الإيمان، ويُبْغِضُ العبد المؤمن الصالح حال إيمانه إذا كان سيوافيه على الكفر.\nوهذا هو المسألة الموسومة بمسألة (الموافاة) عندهم، وهي مسألة المحبة والبغض عندهم أزلي، فالله يُحِبُّ من يُحِبْ مطلقًا ويُبْغِضُ من يبغض مطلقًا، والمحبة عندهم مؤولة بإرادة الخير، والبغض عندهم مُؤَوَلْ بإرادة الخذلان.\nإذا تبيَّنَ ذلك فإنَّ المؤمن فيما يُحِبُّ من إخوانه المؤمنين يُحِبُّهُمْ بقدر ما معهم من الإيمان والعدل والأمانة، ويبغِضُ فيهم بقدر ما معهم من الجَوْر والظلم والخيانة.\nفالمؤمن تَبَعٌ لمحبة الله - ﷿ - ليس عنده حبٌ كامل أو بغضٌ كامل؛ بل يُحِبُّ بقدر الطاعة ويُبْغِضُ بقدر المعصية، وهذا من العدل حتى في رغبات النفس وفي نوازع القلب.\nفإذًا يجتمع في المسلم العاصي الحب من جهة والبغض من جهة، ترى حسناته فتَسُرُّكْ فتحبه، وترى سيئاته فتسوؤك فتبغِضُهُ من هذه الجهة.\nفإذًا الحب الكامل لأهل الكمال والبغض الكامل لأهل الكفر، والمؤمن الذي خلط عملًا صالحا وآخر سيئًا فإنه يُحَبُّ من جهة ويُبْغَضُ من جهة.\nوهذا أهل السنة والجماعة فيه تبع لما دلت عليه النصوص التي أوجبت موالاة المؤمن ما دام اسم الإيمان باقيًا عليه، والبراءة من الكافر ما دام اسم الكفر عَلَمًا عليه.","vol":"1","page":495},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالأمانة والخيانة متقابلان أيضًا، ويُعنَى بالأمانة هنا الوفاء بأمانة التكاليف التي أخذ الله - ﷿ - العهد من آدم عليها في قوله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، وأصح الأقوال في تفسير الأمانة هنا أنها أمانة التكاليف؛ يعني أن يَقْبَلَ أنه يُخَاطَبُ بالأمر والنهي، وبعد ذلك الثواب والعقاب.\nوالخيانة ضد الأمانة وهي عدم رعاية التكاليف، فَرَجَعَ الأمر إلى أنّ حقيقة الأمانة في معناها الواسع يرجع إلى التكاليف العَقَدِيَة وإلى التكاليف العملية، والخيانة ترجع إلى التكاليف العقدية -خان فيها- وإلى التكاليف العملية.\nفالأمر إذًا فيه نوع ترادفٍ في معناه الواسع مع العدل والجور.\nفأهل العدل والأمانة بالمعنى الواسع يقابلون كطائفة أهل الجور والخيانة، فهؤلاء يُحَبُّونَ وهؤلاء يُبْغَضُونْ، ومن كان فيه عدل وأمانة وفيه جور وخيانة فإنه يُحَبُّ من جهة ويُبْغَضُ من جهة.","vol":"1","page":496},{"text":"قال بعد ذلك ﵀ (وَنَقُولُ: اللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ)\n_________\n(نقول) يريد به أتْبَاعْ الأئمة الأربعة وأتباع أهل الحديث والأثر، فإنهم يمتثلون ما أَمَرَ الله - ﷿ - به في أنَّهُمْ لا يقولون على الله ما لا يعلمون، وأنهم لا يَقْفُونَ ما لا يعلمون، امتثالًا لقوله - ﷻ - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، وقال - ﷿ - في بيان المحرّمات ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] .\nفالقول على الله - ﷿ - بلا علم محرم وهو قرينٌ للكفر والشرك؛ لأنَّهُ ما حصل الشرك والكفر وعبادة غير الله - ﷿ - إلا بالقول على الله بلا علم، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]، فإذًا كل ضلال حصل إنما هو بالقول على الله - ﷿ - بلا علم.\nفأهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر فيهم تَخَلِّي عن أهوائهم وغَلَبَة لأنفسهم وامتثال لأمر الله - ﷿ - وأمر رسوله ﷺ، فيقولون: الله أعلم فيما لا يعلمون.\nولهذا جبريل ﵇في حديث جبريل في سؤاله للنبي - ﷺ - الحديث المعروف السؤال عن الإسلام والإيمان إلى آخره- قال عمر ﵁ في آخره لمَّا سأله النبي ﷺ: «يا عمر أتدري من السائل؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال «هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم» (١)، فالصحابة رضوان الله عليهم استعملوا هذا الأصل في عهده ﷺ واستعمله العلماء والأئمة إلى وقتنا الحاضر.\nونذكر مسألتين:\n_________\n(١) سبق ذكره (٩)","vol":"1","page":497},{"text":"[المسألة الأولى]:\nفي قول (اللَّهُ أَعْلَمُ) أفعل التفضيل هنا (أَعْلَمُ):\n- إما أن ترجع إلى المتكلم، يعني نقول: الله أعلم منا أو مني فيما اشتبه علينا علمه.\n- أو الله أعلم بحكم هذه المسألة من خلقه.\n@ فالأُولى: فيها إرجاع للمتَكَلِّمْ.\n@ والثانية: فيها إرجاعٌ إلى الجميع.\nوأفعل التفضيل هنا (أَعْلَمُ) ليس معناها اشتراك الجميع في العلم في هذه المسألة؛ لأنَّ العبد إذا لم يعلم شيئًا قال: الله أعلم، ولو أراد (مني) فإنه لا يعني أنَّ عنده علم قليل.\nولهذا صار معنى (الله أعلم) أي الله هو العالم بحكم هذه المسألة فأنا لا أعلم.\nوقول (الله ورسوله أعلم)، لم يذكرها هنا لأنه لا يُقَال الله ورسوله أعلم إلا في حياته ﷺ، وأما بعد وفاته فلا يقال إلا الله أعلم؛ لأنَّ النبي ﷺ انقطع عن دار التكليف ودار الوحي الذي هو العلم الذي ينزل به جبريل ﵇ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":498},{"text":"[المسألة الثانية]:\nقوله (فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ) الاشتباه يعني بِهِ وُرُودْ ما لا تَعْلَم مُطْلَقًَا أو فيما تعلم واشتبه عليك هل هو الصواب أم لا.\nولهذا قال العلماء الاشتباه والمتشابهات المراد منها فيما جاء في النصوص ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، وهنا قال (فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ) المراد بـ: (ما اشتبه، والمتشابهات) المُتَشَابِهْ الإضافي النّسبي لمن قال هذه الكلمة، وأما المُتَشَابِهْ المُطْلَقْ فيما فيه تكليف علمًا أو عملًا فإنه لا يوجد في الكتاب والسنة.\nفكل ما فيه تكليف في الكتاب أو السنة -تكليف بالأوامر والنواهي- في العلم أو في العمل فلا يكون مُشْتَبِهًَا على الأمة كلها؛ بل قد يشتبه على البعض ويعلمه آخرون؛ لأنَّ الاشتباه الموجود نسبي إضافي بحسب علم العبد، لهذا قد يَرِدُ على العالم أو على من هو أقل علمًا أو على الإمام مسائل يشتبه عليه فيها العلم أو لا يعلمها أصلًا.\nترد عليه آية لا يعلم معناها أو مَخْرَجَها، فيسأل عنها، عمر ﵁ سَأَلَ عن آيات، أبو بكر ﵁ جاء عنه أنه قال (أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم) (١)، وعمر رُوي عنه نحو هذه الكلمة وسأل عن تفسير آيات وسُئِلَ، والصحابة لم يزل بينهم إِرْجَاعْ في المسائل إلى بعضهم بعضًا، بعضهم يُرْجِعُ إلى بعض المسائل.\nفإذًا هذا أصل في أنّ المرء إذا لم يعلم يقول (الله أعلم)، ويُحِيلُ إلى غيره ممن يعلم.\nالاشتباه هنا كما ذكرت لك قد يكون اشتباهًا في الدليل، وقد يكون اشتباهًا في المدلول:\n@ في الدليل: ما عَرَفْتَ وجه الدليل أو المسألة، لا تعرف دليلها أصلًا، ليس معنى ذلك أنها ليست بحق؛ لأنَّ علماء الأمة يعلمون دليلها.\n@ في المدلول: يكون الدليل معك؛ لكن وجه الاستدلال يشتبه عليك، فلا تَخُضْ في كتاب الله تفسيرًا ببيان وجه استدلال وأنت ليس عندك علم به، فتقول (الله أعلم، هذا هو الدليل لكن إيش وجه الاستدلال الله أعلم.\nلهذا الإمام مالك يُذْكَرْ عنه أنه سُئِلَ عن أربعين مسألة أو عن ثلاث وثلاثين مسألة فأجاب عن أربع والبقية قال (الله أعلم لا أدري) .\nوهذا من عظيم تعظيمهم لله - ﷿ - وأن يقولوا في دين الله ما لا يعلمون.\nوهذا في الحقيقة القاعدة هذه أو هذا الأصل تحتاجه كثيرًا في النقاش؛ لأنَّ المرء إذا ناقش غيره قد يأتيه الشيطان ويقول أنت تعلم كل شيء، فيترك لا أعلم ويترك الله أعلم ويترك لا أدري فيقع ويأثم.\nوهَدْيُ أهل السنة والجماعة التواضع في العلم كما أنَّهُ التواضع لله - ﷿ - في العلم والعمل، لهذا قال ابن المبارك ﵀ (إنَّ للعلم طغيانًا كطغيان المال) (٢) . والله - ﷿ - وصف أهل المال بقوله ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٨]، كذلك المرء قد يزداد عنده العلم حتى تُكْسِبَهُ تلك الزيادة طغيانًَا فيَتَعَدَّى على غيره، ولا يسلك مع الناس سبيل الشّرع في العدل في اللفظ وحمل أقوالهم ونحو ذلك مما يجب على المرء أن يعدل فيه؛ لأنَّ من أراد أن يُقَيِّمْ الأقوال فهو قاض، والقاضي يجب عليه أن يحكم بالعدل لا أن يحكم بالهوى ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]، والمرء إذا أخطأ (الله أعلم) جاءه كل غلط، تأتيه الآراء الخطأ ويقتنع بها ويُؤَيِّدُهَا ثم يَتَعَصَّبْ لها ثم يحصل فساد من أقواله؛ لكن إذا عَوَّدَ نفسه أن يمتثل هذا الأصل وهو ما لا يعلم يقول (الله أعلم) فُتِحَتْ لقلبه أنوار من العلم، ثم إذا عَلِمَ العلم ثبت عنده بإذن الله تعالى، تَوَاضَعْ لله - ﷿ - ومن تواضع لله - ﷿ - رَفَعَهُ.\nهذه بعض الكلمات على هذا الأصل.\nأسأل الله - ﷿ - أن يوفقني وإياكم لما فيه رضاه، وأن يغفر لأئمتنا الذين وَرَّثُونَا هذا العلم النافع، وأن يجمعنا بهم في دار كرامته وأن يُورِدَنَا حوض نبيه، إنه سبحانه أكرم مسؤول جوادٌ غفورٌ رحيم.\n_________\n(١) سبق ذكره (١٤٩)\n(٢) حلية الأولياء (٤/٥٥)","vol":"1","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>الأسئلة:</span>\nس١/ يقول ذَكَرْتَ أنَّ لفظ (أهل السنة والجماعة) صار عَلَمًا على من اقتدى بالصحابة، وذكرت أنَّ هذا اللفظ يُرَادُ به أهل الحديث والأثر، ألا ترى أنَّ هذه الألفاظ مُحْدَثَةْ ليست على نهج الله، فقد قال الله تعالى ﴿هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:٧٨]، فلماذا لا نلتزم بهذا المصطلح القرآني حتى وإنْ صارَ عَلَمًَا على طائفة معينة؟ فلماذا لا نلتزم به ونترك غيرها من المصطلحات الحادثة؟ وجزاكم الله خيرا.\nج/ أولًا قبل الدخول في الجواب استعمال لفظ (المصطلح القرآني) هذا استعمال حادث -والأخ عنده يعني رغبة في الاتِّبَاع-، لفظ المصطلح القرآني أو المصطلحات القرآنية هذه من الألفاظ الحادثة التي مرت قرون الإسلام ولا تعرف هذا اللفظ، وهذا لأنَّ كلمة (المصطلح) تعني اصطلاح، والاصطلاح هو أنْ يكون هناك من اصطلح مع غيره على هذه التسمية.\nوالله - ﷿ - أنزل القرآن بلسانٍ عربيٍ مبين، فإذًا العلماء يقولون: الدِّلالات القرآنية، الألفاظ القرآنية، المعاني، الآيات، ونحو ذلك مما هو مُسْتَعْمَلْ عند السلف.\nأما ما جرى السؤال عليه، فالتأصيل الذي ذكره صحيح، والتطبيق قاصر.\nأمَّا التأصيل فهو صواب؛ في أنَّهُ لا يُحدَثُ ألفاظ وأسماء يُجْمَعْ الناس عليها ويَتَعَصَّبُونَ لها، وهي ليست من الألفاظ الشّرعية؛ لأن َّهذا نوع من الفُرْقَةْ والخلاف والافتراق.\nولهذا قال العلماء: الله - ﷿ - سَمَّى أتباع محمد ﷺ مسلمين ومؤمنين، وَسَّمى منهم المهاجرين، وسَمَّى منهم الأنصار، وسَمَّى منهم الأعراب، وسَمَّى منهم إلى آخره، وهذه التسميات لأجل مجيئها في القرآن فهي شرعية، وهذه التسميات الشرعية إذا تُعُصِّبَ لها مع أنَّهَا شرعية صارت مذمومةً حاشا اسم الإسلام والإيمان.\nلهذا لما قام رجل من المهاجرين لأجل خلاف وقال: يا للمهاجرين. ينتخي بهم، وقام غلام من الأنصار فقال: يا للأنصار. ينتخي بهم فقال النبي ﷺ «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم» (١) لم؟\nلأنَّ النخوة هنا والتَّعَصُّبْ صار لطائفةْ من المؤمنين وللفظٍ ليس هو لفظ الإسلام والإيمان أو المسلمين والمؤمنين فصار هذا مُحْدِثًَا للتفرق، ولهذا قال (أبدعوى الجاهلية)؛ لأنَّ الجاهلية هم الذين ينتخون ويتعصبون للأسماء دون غيرهم.\nفكذلك الأسماء المحدَثَة في الأمة إذا تُعُصِّبَ لها دون غيرها فإنه يكون ذلك مردودًا على أصحابه، مثلًا اسم الحنابلة، اسم الشافعية، اسم المالكية، اسم السعوديين، اسم المصريين، اسم الشرقيين المغاربة الشُّوام إلى آخره، هذه أسماء إذا كانت في الأمَّة لأجل التعريف فإنَّ هذا الأمر فيه واسع؛ لكن إن كان ثَمَّ تَعَصُّبْ عليها وذم لما خالفها لأجل الاسم، أن يمدح الشافعية لأجل أنهم شافعية، أو يذم الحنابلة لأنهم ليسوا بشافعية، أو العكس فإنّ هذا من التعصُّبْ المذموم، وهو من التفرق والأخذ بالشعارات أو الأسماء التي لم يُدُلَّ عليها الدليل.\nإذا تَبَيَّنَ هذا الأصل وهو ما ذكره السائل جزاه الله خيرا في سؤاله، فإنَّ لفظ السنة والجماعة لفظان شرعيان قد ثبتا عنه ﷺ أنه قال «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (٢)، وسنَّتُهُ هي سنته وسنة الخلفاء الراشدين هي ما كان عليه الجماعة في وقت الخلفاء الراشدين، وفي الجماعة قال ﷺ في الفِرَقْ «كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال «هي الجماعة»، فالله - ﷿ - أَمَرَ باتِّبَاعِ نبيه ﷺ فقال ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧]، مطلقًا في كل مسألة ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، مطلقًا في كل مسألة يعني الأخذ بالسنة.\nفإذًا الأصل باتباع السنة واتباع الجماعة والثناء على اتباع السنة والثناء على الالتزام بالجماعة، هذا الأصل موجود في النصوص.\nجاء في أواخر زمن الصحابة، في عهد عثمان وفي عهد علي ﵁ بدأ خروج أهل الأهواء، وأهل الأهواء وهم الخوارج مثلًا في أول الأمر ثُمَّ الشيعة ثم المرجئة ثم القدرية، هؤلاء أهل الأهواء صارت لهم هذه الأسماء وهم مسلمون لا نُكَفِّرُهُمْ؛ لكن ليسوا آخذين بكل الحق فصار الاسم الذي سُمُّوا به عَلَمًا لهم على ترك بعض الحق والافتراق.\nفإذًا تَبَقَّى الطائفة الأولى التي كانت مواصلة للمأمور به من السنة والجماعة يبقون يُقَابَلُونْ، إن قلنا هؤلاء -أعني من مشى على الطريق ولزم السنة والجماعة- هؤلاء هم المسلمون، فماذا نسمي الآخرين؟\nنقول: هؤلاء هم المسلمون أيضًا، إذًا لم يَصِرْ فرقًا بين السنة والبدعة وما بين الاتباع والمخالفة ولا ما بين الخارجي والصحابي.\n_________\n(١) البخاري (٤٩٠٥) / مسلم (٦٧٤٨)\n(٢) أبو داود (٤٦٠٧) / الترمذي (٢٦٧٦) / ابن ماجه (٤٢)","vol":"1","page":500},{"text":"فإذًا لَزِمَ الفَرْقُ، واسم الإسلام من ورع الصحابة رضوان الله عنهم وعدلهم أنَّ الذين قاتلوهم وضَلَّلُوهُمْ لم يُخْرِجُوهم من الإسلام بل أبقوا عليهم اسم الإسلام واسم الإيمان؛ لكن من كان على وَفْقْ ما كان عليه النبي ﷺ والخلفاء الراشدين تميَّزُوا بالاسم الذي هو الاسم الأصلي وهو أنَّهُمْ أهل السنة وأهل الجماعة، ولا يَصِحْ أن يقال إنهم مسلمون فقط؛ لأنه إن قيل إنهم مسلمون فغيرهم أيضًا مسلمون، وهذا التخصيص لهم هو في الأصل مطابق لقولهم مسلم، ففي عهد النبي ﷺ المسلم يُقابل المنافق، المؤمن يقابل المنافق، والمسلم هم أهل السنة والجماعة، فلم يكن ثَمَّ فرق في عهده ﷺ، ولا في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر ما بين المسلم وما بين أهل السنة والجماعة؛ الدلالة واحدة، مسلم مؤمن أهل السنة والجماعة الكل واحد لا فرق.\nمتى ظهر الاعتناء بأهل السنة والجماعة؟\nلَمَّا ظَهَر الاختلاف.\nوالاعتناء بالاسم تمييزًا ليس ثناءً فقط لمن اتبع للسنة والجماعة؛ ولكن هو أيضًا عدل مع من خالف؛ لأنَّ الذي خالف لو قلنا هؤلاء مسلمون لكان ألئك نقول كفار، كيف تُخَصُّونَ أنتم بالمسلمين والآخرون؟\nفإذًا صار عند السلف من كان على الطريقة الأولى يقال له أهل السنة والجماعة ومن كان مُخَالفًا يقال له أهل الأهواء المرجئة الخوارج إلى آخر ذلك.\nولهذا أجمع أئمة الإسلام على صحة هذه التسمية من أهل الحديث؛ بل ومن غيرهم من الأشاعرة والماتريدية على أنَّ تسمية أهل السنة والجماعة صحيحة، وهذا اتفاقٌ منهم على ذلك، فالتسمية صحيحة مُجْمَعْ عليها؛ لكن دلالتها مُخْتَلَفْ فيها، والاختلاف في الدلالة لم يرد له ذكر في السؤال، إنما كان السؤال في إحداث الاسم فإيضاحه بما مر، والله الموفق.\nس٢/ ما يجده المسلم من ميل ومحبة للكافر إذا أحسن إليه كالطبيب والدكتور فهل يؤثر على الولاء والبراء، وكذلك محبة الزوج المسلم لزوجته الكتابية، هل يؤثر على الولاء والبراء علمًا بأنه لو أبغضها لما تزوجها؟\nج/ الحب هنا ليس مطلقًا، ما أحب الكافر مطلقًا ولا أحب الكتابية مطلقًا، وإنما أحبَّ ذاك لأجل النفع الذي وصل إليه منهم، وهذا محبة في واقع لنفسه لأمر دنيوي، ولهذا ذكر العلماء أنَّ محبة الرجل لزوجه الكتابية لا بأس به؛ لأنه كما ذكر لو لم يحبها أو يكون لها مودة في قلبه لما أبقاها معه.\nلكن المحبة التي هي في الولاء والبراء، لأنَّ الحقيقة الولاء والبراء هي المحبة والبغض:\nالمحبة لدينه ومن أحب الكافر لدينه فإنه يكفر.\nأو المحبة لدنياه مُطلقًَا وهذه مُوادة له لا تجوز ونوع موالاة.\nوالثالث محبةٌ مُقَيَّدَة لأجل النفع المُقَيَّد الحاصل له منه فهذه فيها سعة لأجل أنَّ النفوس جُبِلَتْ على حب من أحسن إليهم.\nوالذي ينبغي من جهة الكمال أن يكون تعامل المرء مع الكفار تعاملًا ظاهريًا بالعدل ولا يكون في قلبه ميل لهم ولا مودة لهم، وإنما إذا أحسنوا إليه فإنه يحسن إليهم.\nاستدل أهل العلم (١) على هذه الصورة الثالثة بحديث أظنه حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ وكانت أمها مشركة وقدمت عليهم في المدينة، فسألت النبي ﷺ عن أمها قالت: أَأَصِلُ أمي؟ قال: «نعم صِلِي أمك» (٢) والصلة المراد بها في هذا الحديث أنها تكرمها إكرام الولد لوالده إذا قدم عليه، وهذا الإكرام لا يخلو؛ بل لابد فيه من مودة.\nوالاستدلال الثاني وهو استدلال ضمني بأنَّ الله - ﷿ - نهى عن الإحسان إلى المحاربين وأَذِنَ بالصلة والإحسان لمن لم يحارب من الكفار فقال - ﷿ - ﴿لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨،٩]، وقوله هنا ﴿أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾ في وصف المحاربين يدل على أنَّ غير المحاربين له نوع موالاة جائزة بالإحسان والمودة الجزئية ونحو ذلك، وهذا واضح بالمقابلة.\nالمقصود من ذلك أن يعلم أنَّ الولاء والبراء للكافر -يعني للمعين- ثلاث درجات:\n١- الدرجة الأولى: موالاة ومحبة الكافر لكفره، وهذا كفر.\nالدرجة الثانية: محبته وموادته وإكرامه للدنيا مطلقًا، وهذا لا يجوز ومحرم ونوع موالاة مذموم.\nالدرجة الثالثة: وهو أن يكون في مقابلة نعمة أو في مقابلة قرابة، فإن نوع المودة الحاصلة أو الإحسان أو نحو ذلك في غير المحاربين هذا فيه رخصة.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط السادس والثلاثين.\n(٢) البخاري (٢٦٢٠) / مسلم (٢٣٧٢)","vol":"1","page":501},{"text":"وَنَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ.\n_________\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:\nيقول العلامة الطحاوي ﵀ (وَنَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ.)\nيريد بذلك أَنَّ أهل السنة والجماعة المتبعين للآثار لا يُعَارِضُون الآثار الثابتة عن رسول الله ﷺ وعن صحابته الكرام بالأقْيِسَةْ أو بالدِّلالات العقلية، وإنما يجعلونها مُقَدَّمَةً على ما هو دونها من القياس والدلالة العقلية ونحو ذلك؛ لأنَّ منهج الاستدلال عندهم أنْ يُؤْخَذَ بما جاء في الكتاب والحديث عن النبي ﷺ، وما جاء في القرآن حق وما جاءت به السنة حق، والحق يعضد الحق ولا يعارضه أو يناقضه؛ بل هذا يدل على هذا كما السنة تدل على القرآن وتُبَيِّنُهْ.\nوهذه المسألة كما هو ظاهر مسألة المسح على الخفين هي من مسائل الفقه لا من مسائل العقيدة؛ ولكن أُدْخِلَتْ في مسائل الاعتقاد لأجل أنَّ أهل السنة تميَّزُوا عن عدد من الفرق بأنَّهُمْ يرون المسح على الخفين، والمخالف في ذلك هم الخوارج -أعني طائفةً منهم- والرافضة وعدد من الناس مختلفون في أماكنهم لا يُنْسَبُونَ إلى فرقة من الفرق.\nفلأجل مخالفة تلك الفرق صارت المسألة من المسائل العقدية؛ لأنَّهَا تُمَيِّزْ أهل العقيدة الحقة من الفرق الباطلة، فصارت هذه المسألة وهي المسح على الخفين صارت عَلَمًَا يُفَرَّقُ به ما بين السني وما بين الرافضي والخارجي ونحوهما.\nولهذا فإنَّ مسائل الاعتقاد أعني المسائل التي تُذْكَرْ في العقيدة في مصنفات أهل السنة في الماضي وفي الحاضر على أقسام منها:\n١- القسم الأول: ما هو في بيان الأركان الستة.\n٢- القسم الثاني: ما تميَّز به أهل السنة عن غيرهم في مسائل المعاملة؛ معاملة ولاة الأمر أو معاملة المبتدع أو معاملة العصاة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التعامل مع صحابة رسول الله ﷺ وزوجاته ﷺ وهكذا.\n٣- القسم الثالث: ما هو من المسائل الفُروعية لكن القول بها صار عَلَمًَا لأهل السنة في مقابلة بعض فرق الضَّلالْ، فتُذْكَرْ في العقائد؛ لأنها مَيْزَةٌ لهم في مقابلة الفِرَقْ التي خالفت في ذلك.\n٤- القسم الرابع: أخلاق أهل السنة وصفاتهم التي تَحَلَّوا بها من العبادة واحتقار النفس والعمل الصالح والأمر والجهاد والدعوة والإحسان إلى الخَلْقْ والتواضع ونحو ذلك من المسائل التي ربما ذكرها بعض الأئمة في مصنفات الاعتقاد.\nوهذه المسألة التي ذكرها الطحاوي هنا من القسم الثالث وهي المسائل الفروعية التي صارت عَلَمًَا لأهل السنة في مقابلة بعض الفرق الضالة.\nوهاهنا مسائل:","vol":"1","page":502},{"text":"[المسألة الأولى]:\nفي قوله (وَنَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ)، كلمة (أرى) و(نَرَى) إذا قالها العالم فيعْنِي بها ما رآه عِلْمًَا وما رآه شرعًا، ليست رَأْيَهُ المجرد عن الدليل بأنواع الأدلة.\nوهذا هو الموافق لهذه المسألة ولغيرها، فإذا قال الإمام أَرَى أن يكون كذا فيكون مُعْتَمِدًَا على أحد الأدلة.\nوأنواع الأدلة عند الأصوليين ثلاثة عشر دليلًا منها وهو أولها النص من القرآن، والنص من السنة، ثم الإجماع ثم القياس إلى آخر الأدلة المعروفة.\nوالذي يَرَى هنا في قوله (نرى) المقصود بهم أهل السنة، وهؤلاء منهم أهل الأثر ومنهم بعض الفرق التي تخالف في الصفات، فهذه المسألة -كما ذكرتُ لك- خالف فيها الروافض والخوارج وعدد من العلماء أو من الناس المختلفين في فرقهم.","vol":"1","page":503},{"text":"[المسألة الثانية]:\n(الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ) جاء في الأثر عن النبي ﷺ، وهو متواتر لأنه منقولٌ عن نحو ثمانين من الصحابة رضوان الله عليهم، فَنَقْلُهُ من حيث الدّليل بالسنة متواتر، وكذلك نَقَلَهُ فئام من الأمّة؛ بل نقلته الأمة جيلًا بعد جيل بالرؤية وبالعمل، فهو متواترٌ نقلًا ومتواترٌ عملًا.\nوأمَّا المسح على الجوارب فليس كذلك؛ لأنَّهُ نُقِلَ عن نحو سبعة أو ثمانية من الصحابة أو أكثر بقليل، ولهذا المسح على الجوربين فيه خلافٌ فقهي معروف عند أهل السنة.\nأما المسح على الخفين فهو أصل من الأصول العظيمة في العمل؛ لأنَّ النبي ﷺ تواتَرَ عنه المسح وفَعَلَهُ صحابته وتواتر عنهم ونقلوه نقلًا قوليًا وعمليًا.\nوالآثار فيها مسحه ﷺ على الخفين في أسفاره وفي الحضر أيضًا، كما قال ﷺ «يمسح المقيم يوما وليلة، ويمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن» (١)، فهذا معنى قوله في السفر والحضر؛ لأنَّ السُّنَّةَ ماضية في هذا وهذا.\n_________\n(١) مسلم (٦٦١) / النسائي (١٢٨) / ابن ماجه (٥٥٢)","vol":"1","page":504},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nمما أُسْتُدِلَّ به على المسح على الخفين من القرآن قوله - ﷿ - في آية الوضوء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، أسْتُدِلَّ به على أنَّ المسح هنا -مسح الأرجل- يُرَادُ به المسح على الخفين، والقراءة هكذا بالجر هي أحد القراءتين السبعيَّتَين، هاهنا قراءتان:\n- القراءة الأولى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بنصب الأرْجُل عطفًا على المغسولات.\n- والثانية ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ عَطْفًَا على الرأس عند أصحاب هذا القول؛ يعني فتكون مجرورة.\nوهذا الاستدلال فيه نظر، وإن كان محلُّهُ كتب الفقه؛ لكن من باب الاستطراد نذكره، فيه نظر لأنَّ المسح على الخفين لا يكون إلى الكعبين، وإنما يَمْسَحُ ظاهر الخف على ظاهر القدم، وليست السُّنَّة أن تُسْتَوعَبْ الرجل مسحًا إلى الكعبين، ولهذا صار القول الظاهر في الآية على قراءة الجر أنَّ لها توجيهين:\n١- التوجيه الأول: أن يكون هذا الجر لأجل المجاورة، والجر بالمجاورة أسلوب عربي معروف كثير الاستعمال، ومنه قول الله - ﷿ - ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود:٢٦]، مع أنَّ الألم وصف للعذاب، وأما اليوم فهو ظرف ولا يُوصف اليوم بأنه مؤلم أو ليس بمؤلم، ولهذا صار الظاهر هنا في هذه الآية أنَّ معناها إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم، يعني عذابًا أليمًا في يوم، كما هو القول الأظهر من قولي العلماء هنا.\nوجُرَّ هنا لأجل المجاورة فهي أسهل في اللفظ ولأجل الختام قال ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، وأما في لغة العرب فهو كثير معروف ومنه قول الشاعر:\nفظلّ طُهَاةُ اللحم ما بين مُنْضِجٍ خفيفًا شواءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ\n(ما بين منضج خفيفًا شواء)؛ لأنها مفعول لاسم الفاعل.\n(خفيف شواء) فجر شواء لأنها مضاف إليه.\nثم قال (أو قديرٍ) مع أنَّ حقها أن يقول أو قديرًا لأنها معطوفة على ما يُنْضَجْ لكنه جَرَّهَا بالمجاورة.\n٢- التوجيه الثاني: أنَّ قراءة الجر إذا كانت معطوفة على الرأس فإنه يكون المسح هنا بأنَّ العطف في مقام تسليط الفعل الأول على الجملة الثانية أو على الاسم الثاني.\nفكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين.\nوالمسح هنا لما جَعَلَ له غاية وهي أنه إلى الكعبين دلَّ على دخول الكعبين في المسح، وهذا يدل على أنَّ المسح المراد به هنا الغسل الخفيف؛ لأنَّ العرب تُطْلِقُ على الغسل مسحًا لأنَّهُ إمرارٌ خفيف وهو موجودٌ في اللغة، ومنه قوله تعالى ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٣] يعني مَرَّ عليها قتلًا على خفة.\nفالمسح يكون بمرورٍ على خِفَّة، فالمسح الذي هو من الغَسْلْ هو غسل خفيف وهو مستعمل عندهم حيث يقولون مثلًا تَمَسَّحْتُ للصلاة إذا أراد أن يكون وضوؤه خفيفًا.","vol":"1","page":505},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nقراءة الجر هذه بأبْعَدَ من أن تكون دليلًا على المسح على الخفين؛ قيل إنَّهَا دليلٌ على إبطال المسح على الخفين، وهذا هو الذي يتوجه إليه من يتكلم على الآية وذَكَرَهُ عندكم الشارح والرَّدُّ بَأَوْجَهْ أن يكون بالوجهين السالفين.","vol":"1","page":506},{"text":"قال بعدها (وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ مَاضِيَانِ مَعَ أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، لَا يُبْطِلُهُمَا شَيْءٌ وَلَا يَنْقُضُهُمَا)\n_________\nيريد بذلك ﵀ تقرير مسألة من المسائل الفقهية التي صار القول بها عَلَمًا على أهل السنة مُخَالَفَةً للروافض والخوارج أيضًا، وهي أنّ الإمارة والوِلاية يُمْضَى مع أهلها -يعني مع الأمير أو ولي الأمر- في الطاعة والمعروف والحج والجهاد والعبادات جميعًا، سواءٌ أكان برًا أو فاجرًا، وسواءٌ أكان مطيعًا أم عاصيًا، وسواءٌ أكان كاملًا كالخلفاء الراشدين أم كان يخلط عملا صالحًا وآخر سيئًا كغيره.\nوذلك لأنَّ الحج عبادة عظيمة يجتمع فيها الخلق الكثير فلابد أن تُقَام عبادةً لله - ﷿ -، ثم لابد أن يكون فيها ولها أمير يُسَيِّرُ الناس وإلا لكانوا فوضى فيما يرون؛ لأنَّ أهواء الناس لا حد لها ولا غاية لها.\nوالجهاد فيه مقابلة الأعداء والنكاية بهم وإذلال العدو وهذا لا يكون إلا بولاية، والولاية هي التي تُسَيِّرُ هذا الأصل، وبر ولي الأمر أو عدم بِرِّهِ، صلاحه أم فساده هذا يرجع إلى نفسه، وهذه الأمور -أمور العبادات- من المعروف الذي يجب على المسلم أن يطيع فيه ومِنَ البر والتقوى التي يجب أن يتعاون مع ولاة الأمر فيه، كما قال - ﷿ - ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، الخطاب لجميع المؤمنين بجميع طبقاتهم.\nونذكرهنا بعض المسائل:","vol":"1","page":507},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنّ المُخَالِفْ في هذا الأصل هم الروافض والخوارج أو من شابه الخوارج.\n* أما الروافض فامتنعوا من الحج والجهاد مطلقًا حتى يخرج المعصوم؛ وهو الإمام الثاني عشر من أئمتهم وهو المدعو محمد بن عبد الله العسكري الذي يزعمون أنه دَخَلَ السرداب وكان صغيرًا، دخلت به أمه وهم ينتظرون خروجه، فلم يَحُجُّوا، أو رأوا أنَّ الحج غير قائم، لا يرونه إلا مع معصوم وكذلك الجهاد لا يرونه إلا مع معصوم.\nوليتهم أخذوا بهذا وانتظروا خروجه ولم يُشْغِلُوا المسلمين ببدعهم وفتنتهم.\n* وأما الخوارج فعندهم أنَّ هذه الأعمال إنما هي تبع للوِلاية، والوِلاية عندهم لا تصلح في مَنْ لم يكن بَرًَّا فلا بد أن يكون الإمام برًا صالحًا تقيًا كاملًا حتى يُجَاهَدَ معه وحتى يُحَجَّ معه، وإلا نَصَّبُوا لهم أميرًا وصاروا يجاهدون معه ويحجون معه ولا يدينون بدين الجماعة، وهذا ظهر منهم في خلافهم لعثمان ﵁ ثُمَّ وفي خلافهم لعلي ﵁ ثُمَّ في قتالهم لخلفاء بني أمية إلى آخره.\nوممن يشبه الخوراج في ذلك من لم ير الطاعة -الطاعة في الحج والجهاد وما فيه مصلحة عامة للمسلمين وما هو من البر والتقوى والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- إلا مع الإمام الصالح الذي ليس عنده فساد أو ليس عنده محرمات.\nوهذا قولٌ يُلْحَقُ بأقوال الخوارج؛ لأنَّ الحج والجهاد وكل أنواع المعروف أوْجَبَ النبي ﷺ الطاعة فيها فقال «إنما الطاعة في المعروف» (١) والمعروف هو ما عُرِفَ في الشرع أنه ليس بمعصية وأعلاه الطاعات التي يُتَقَرَّبُ بها إلى الله - ﷿ -.\n_________\n(١) سبق ذكره (٤٧٨)","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>[المسألة الثانية]:\nقوله (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) هذا المقصود منه إلى قرب قيام الساعة</span>؛ يعني إذا كان يوجد ولي أمر مسلم وجماعة وإمام وأناس يَحُجُّون ويُجَاهدون.\nوالذي دَلَّتْ عليه الأحاديث أنه يُتْرَكُ ذلك قبل قيام الساعة ولا يبقى في الأرض من يقول الله الله؛ يعني أطع الله أطع الله أو اتق الله اتق الله.\nوهذا كثير عند أهل العلم حتى في العقائد يذكرون إلى قيام الساعة، ويريدون به ما يَقْرُبُ مما هو زمن وجود المؤمنين.","vol":"1","page":509},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nقوله (لَا يُبْطِلُهُمَا شَيْءٌ وَلَا يَنْقُضُهُمَا) يعني لا يُبْطِلُ الحج شيء من معصية الولاة ولا ينقض الحج والجهاد مع ولاة الأمر شيء من فجورهم أو نَقْصِهِمْ؛ لأنَّ هذه من العبادات العظيمة فلا تبطل بمخالفة المرء على نفسه؛ بل يجب القيام بها الحج مع المسلمين والجهاد مع المؤمنين بأمرٍ عام.\nوهذا الأصل الذي ذُكِر -تذكرونها في أول الكلام- مضى عليه هَدْيُ الصحابة رضوان الله عليهم، فقد حَجَّ عدد من الصحابة أو حَجَّ الصحابة في عهد بعض ولاة بني أمية وكان فيهم من النقص ما فيهم؛ بل أُمِّرَّ الحجاج بن يوسف الثقفي على الحجيج من قبل والي بني أمية -والحجاج معروف بسفكه للدماء وظلمه وعدوانه وعدم رعايته للعلماء ولا لنفوس المؤمنين- مع ذلك أُمِّرَّ على الحج، وكان عالم الحج ابن عمر ﵁لأنه كان هدي السلف أن يكون ثَمَّ أمير وثَمَّ عالم يفتي الناس-، فكان ابن عمر هو الذي يُفْتِي الناس، وقيل للحجاج لا تعمل شيئًا من أمور الحج إلا بأمر ابن عمر -يعني في مناسك الحج-، فحج معه ابن عمر وصلى وراءه في حجة الوداع -يوم عرفة أتاه عند زوال الشمس وقال: أُخرج، قال: أفي هذه الساعة يا أبا عبد الرحمن؟ قال: نعم سنة أبو القاسم ﷺ، فخرج فخطب الناس ثم صلى بهم الظهر والعصر، وكان ممن صلى خلفه ابن عمر وطوائف من الصحابة وسادات التابعين (١) .\nفهذا الأصل كثير عند السلف كانوا يفعلونه، وتَلَقَوهُ جيلًا بعد جيل في مُضِيِّ الحج والجهاد مع ولاة الأمر مهما كانت مرتبتهم؛ لأنَّ ذلك فيه إعلام للدين وإعانة على الحق والهدى.\n_________\n(١) سبق ذكره (٤٥٠)","vol":"1","page":510},{"text":"قال بعدها (وَنُؤْمِنُ بِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُمْ عَلَيْنَا حَافِظِينَ)\n_________\nنؤمن أي نُصَدِّقُ ونعتقد وجود الكرام الكاتبين كما أخبرنا ربنا - ﷿ - بذلك وهم الملائكة الذين كَرَّمَهُم الله - ﷿ - بأنواع التكريم، وجعلهم مُوَكَّلين بابن آدم يكتبون عمله؛ ما يصدر منه من قول أو عمل.\nفهؤلاء الذين يُقَارِنُونَنَا من الكَتَبَة نؤمن بهم؛ لأنَّ الله - ﷿ - أخبرنا عنهم وأخبرنا عنهم نبينا ﷺ.\nوهذا فرعٌ للإيمان بموجود الملائكة أصلًا، فهذا تبعٌ لركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالملائكة، وقد مَرَّ معنا أنَّ الإيمان بالملائكة له درجتان:\n١ - الدرجة الأولى: إيمانٌ واجبٌ وفرض إجمالي وتفصيلي.\n٢ - الدرجة الثانية: إيمانٌ بما أخبر الله - ﷿ - مُطلقًا ما علمنا وما لم نعلم، وما جاء في السنة ما علمنا وما لم نعلم، وكل من بلغه شيء وجب عليه الإيمان به.\nفالإيمان بالكرام الكاتبين ليس شرطًا في صحة الإيمان، ليس رُكْنًَا في صحة الإيمان بحيث إنَّ من قال ليس ثَمَّ من يكتب من الملائكة، فيُقَال إنه لم يصح إيمانه بل هو كافر، إلَّا إذا عُرِّف بالآيات والأحاديث فأنكر فهنا له حُكْمُ أمثاله من المنكرين ما في الكتاب أو السنة، وإنما الإيمان الذي يتحقق به ركن الإيمان بالملائكة كما ذكرنا لكم، هو أن يؤمن بوجودهم وأنهم يعبدون الله لا يُعْبَدُون.\nثُمَّ الإيمان التفصيلي: فكل من سمع آية أو حديثًا صحيحًا واضحًا فيه الخبر بالغيبيات وجب عليه التصديق بذلك واعتقاد ما دل عليه.\nوالطحاوي فَرَّقَ الكلام على أركان الإيمان، وكثيرْ من العلماء الذين صَنَّفُوا في العقيدة ما رتَّبُوا الكلام على مسائل الاعتقاد بترتيبٍ منهجي؛ يعني ما جعلوا الكلام على الإيمان بالله وما يتّصل به أولًا ثم بالملائكة ثم بالكتب ثم بالرسل ثم بالقدر ثم باليوم الآخر، ثم انتقلوا إلى القسم الثاني إلى آخره؛ بل فرقوا ذلك.\nوهذا راجع إلى ما درجوا عليه من أنَّ المرء يكتب عقيدته بحسب ما يحضُرُهُ من المسائل، ولم يقصدوا فيها الترتيب المنهجي وإلا فمسائل الإيمان بالملائكة الكاتبين أو بملك الموت هذا متصل بإيمان بالملائكة.\nوهاهنا مسائل:","vol":"1","page":511},{"text":"[المسألة الأولى]:\nقوله (وَنُؤْمِنُ بِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ) إلى آخره، أخَذَهُ من قول الله - ﷿ - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠-١٢]، فوصفهم الله - ﷿ - بأنهم حَفَظَة علينا وبأنهم كرامٌ وبأنهم كتبة، والآيات التي تَدُلُّ لهذا الأصل متعددة -يأتي بيان بعضها إن شاء الله تعالى-.\nلكن هاهنا على هذه الآية وعلى لفظ الطحاوي ﵀: وَصَفَ الله - ﷿ - الملائكة هؤلاء:\n- الوصف الأول: بأنهم حَفَظَة على ابن آدم.\n- الوصف الثاني: بأنهم كَتَبَة.\n- الوصف الثالث: بأنهم يعلمون ما تفعلون.\n@ أما الوصف الأول: وهو أنهم حَفَظَة على ابن آدم فَفَرْقٌ ما بين أن يكون حافِظًَا على ابن آدم وما بين أن يكون حافظًا لابن آدم -وسيأتي بيان الفرق في المسائل التي بعدها-، ففي هذه الآية أنهم حَفَظَة على ابن آدم؛ يعني يحفظون على ابن آدم ما يصدر منه.\n@ ثُمَّ وَصَفَهُم بوصف ثانٍ: أنهم إذا حَفِظُوا على ابن آدم ما صَدَرَ منه فإنهم يكتبونه في صحُفْ عندهم بأيدي الملائكة، والملك مُوَكَّل بكتابة الحسنات والملك الآخر موكّل بكتابة السيئات.\nفإذًا الكتابة منقسمة إلى كتابة للحسنات في صحف والكتابة للسيئات في صحف.\n@ الوصف الثالث: أنَّهُ قال ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، والفعل الذي يفعله ابن آدم:\n- يكون بقلبه فيشمل أعمال القلوب.\n- ويكون بلسانه ويشمل ما يُحَرِّكُ به لسانه ولو لم ينطق به.\n- ما يعمله بجوارحه المختلفة من الأيدي والأرجل والفرْج واللسان إلى آخره، فكل ما يعمله بجوارحه أيضًا تَعْلَمُهُ الملائكة.\nهذه دلالة الآية.\nهل يُكْتَبُ هذا كله؟\nظاهر الآية أنَّ هذا بأجمعه يُكْتَبْ.\nوآية سورة (ق) فيها قول الله - ﷿ - ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] .\n﴿رَقِيبٌ﴾ يراقبه.\n﴿عَتِيدٌ﴾ يعني مُعَدٌّ للحفظ عليه ولمراقبته، فكل شيء -يعني مما يلفظه- يُعْلَمْ فَيُكْتَبْ.\nودلالة آية الانفطار هذه تشمل الأصناف الثلاثة، وهذا هو الصحيح أنَّ الملائكة تكتب أعمال القلوب؛ لأنها أفعال، وتكتب عمل اللسان ونطق اللسان، وتكتب عمل الجوارح؛ وذلك لأنَّ عمل القلب منه ما هو واجب وهو إخلاصه ونيته وتوكله على الله وخوفه ورجاؤه ونحو ذلك، من أعمال القلوب، وهي أعظم العبادات التي يتعبد بها المرء رَبَّه هذه العبادات الجليلة.\nثُمَّ من أعمال القلوب ما يكون من باب إتيان السيئات مِنَ: الهم، أو إرادة السيئة والعزم عليها، أو من المنهيات من سوء الظن بالمسلم، أو سوء الظن بالله - ﷿ -، أو نحو ذلك من الكِبْرْ إلى آخره من المنهيات.\nوالملائكة يعلمون هذا كله.\nوعِلْمُهُمْ به، هل هو لقدرتهم عليه ذاتًا؟ أو لأنَّ الله - ﷿ - أقْدَرَهُمْ عليه لأنهم مُوَكَّلون بهذا الأمر؟\nالظاهر هو الثاني؛ لأنَّ الملائكة ليس لهم سلطان على ابن آدم ولا علم بالغيب، وإنما الله - ﷿ - أقْدَرَ هذا الصنف من الملائكة بخصوصه على الإطلاع لأنهم موكلون بالكتابة، والقلب يُحَاسَبْ عليه الإنسان واللسان يُحَاسَبْ عليه وكذلك الجوارح يحاسب عليها.\nفإذًا كل هذه تُكْتَبْ وحتى ما يكون من قبيل الهَمِّ الذي يَهُمْ به الإنسان فإنه يُعْلَمْ ويُحفَظْ، ثم هل يُكْتَبُ عليه أو يُكْتَبُ له؟\nهذا فيه البحث المعروف لديكم في أنّ «الله تجاوز لهذه الأمة ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (١) والمقصود بـ (ما حدّثت به أنفسها) ما هو من قبيل الهم أو من قبيل الوسوسة أو من قبيل حديث النفس؛ لكن إذا انْتَقَلَ الهم أو حديث النفس إلى العزم والإرادة على الشرّ صار مُؤَاخَذًا عليه، إذا انتقل حديث النفس أو الهم هذا إلى شرف المكان وهو مكة فإنه يُؤَاخَذُ عليه في قول بعض أهل العلم وهكذا.\nفإذًا ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ هذه عامة يمكن أن يُسْتَثْنَى منها ما تجاوز الله - ﷿ - لهذه الأمة عنه والباقي على عمومه.\nوهذا مما يُعْظِمُ الخوف من حركات العبد وفي قلبه ولسانه وجوارحه، ويُعْظِمْ عند العبد المؤمن شأن الاستغفار فإذا كان النبي ﷺ يُحْسَبُ له في المجلس الواحد أنه يستغفر ويتوب إلى الله مائة مرة؛ لأجل عِظَمْ ما يفعله وما تَعْلَمُهُ الملائكة، فإنَّ أشباهنا أعظم وأعظم وأعظم حاجة إلى كثرة الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله - ﷿ -.\n_________\n(١) البخاري (٥٢٦٩) / مسلم (٣٤٧)","vol":"1","page":512},{"text":"[المسألة الثانية]:\nكثير من العلماء عند هذه المسألة -عند ذكر الكرام الكاتبين وعند الآية- يجعلون الكَتَبَة والحَفَظَة شيئًا واحدًا، فيجعلون الجميع أربعة ملائكة:\n- منهم اثنان للكتابة.\n- اثنان للحفظ.\nوهذا دَرَجَ عليه كثيرٌ من العلماء في شروحهم حتى شارح الطحاوية عندكم نَسَجَ على هذا المنوال.\nوهذا الأمر يحتاج إلى نظر وجمع للنصوص والأحاديث حتى تُنْظَرَ في دلالتها، والذي يظهر لي بنوعٍ من التأمل وليس ببحثٍ مستفيض: أنَّ الملائكة الكتبة غير الحَفَظَة.\nفالحَفَظَة يحفظون الإنسان، وأمَّا الكتَبَة فإنهم يحفظون عليه.\nالحَفَظَة هم المُعَقِّبَات الذين ذكرهم الله - ﷿ - في قوله في سورة الرعد ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، أوجَهْ التفاسير فيها أنَّ معنى ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ يعني يحفظونه بأمر الله؛ يعني يحفظونه وحِفْظُهُمْ له بأمر الله لهم أن يحفظوه، وفيه -يعني في الحفظة- قوله ﷺ «يتعاقبون فيكم ملائكة أربعة بالليل وأربعة بالنهار فيجتمعون» (١) إلى أخر الحديث «فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: آتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون» (٢)\n\n: [[الشريط السابع والثلاثون]]:\n\nوهذا الحديث يدل على أنَّ الحفظة هؤلاء يتعاقبون، منهم من يحفظ بالليل ومنهم من يحفظ بالنهار، وأنَّ هؤلاء يلتقون في وقت الصلاة، يعني في هذا الوقت من اليوم ثم يُفَارقون العبد.\nوهذا خلاف ما دَلَّتْ عليه الآية الأخرى والأحاديث في وصف الملائكة الكَتَبَة في أَنَّهُم لا يُغَادرون ابن آدم ولا يفارقونه على أيّ حال كان فيها حاشا الجنابة.\nفإذًا نقول: الذي يظهر من الأدلة التفريق في الحفظ ما بين الحفظ لابن آدم والحفظ عليه:\n- فحفظ ابن آدم هذا عمل الملائكة الذين يتعاقبون؛ المُعَقِّبَات.\n- وأما الحفظ عليه فهذا عمل الكَتَبَة.\nوالكَتَبَةُ اثنان: أحدهما يكتب الحسنات والآخر يكتب السيئات.\nوأما الحَفَظَة: فكما قال النبي ﷺ إنهم أربعة يتعاقبون في الليل والنهار.\n_________\n(١) البخاري (٥٥٥) / مسلم (١٤٦٤)\n(٢) انتهى الشريط السادس والثلاثون.","vol":"1","page":513},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالإيمان بالكَتَبَة يقتضي الإيمان بأنَّهُمْ يَكْتُبُون؛ لأنَّ أصل المسألة الإيمان بالملائكة الكَتَبَة، ويقتضي ذلك الإيمان بأنهم يكتبونَ في صحف، وقد جاءت الأدلة في السنة أنَّ منهم من يكتب الحسنات ومنهم من يكتب السيئات.\nوربما تنازعوا في كتابة بعض الأشياء فيحكم الله - ﷿ - بينهم.\nوالكتابة هذه في صحف الملائكة هذه هي التي تُجْمَعْ على العبد، وهي كتَابُهُ الذي يُجْمَعُ معه في عنقه إذا أُدْخِلَ القبر، وهو الذي جاء فيه قول الله - ﷿ - ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]، وهي الصُّحُفْ التي يُحَاسِبُ الله - ﷿ - العبد بها فَيُقَرِّرُه على ما فيها من أعمال، وفيه أنَّهُ يَسْأَلُهُم ربنا - ﷿ - هل ظَلَمَكُم ملائكتي؟ فيقولون: لا يا رب، يعني بعد أن يُحَاسِبَهُم الرب - ﷻ -.\nوإذا كان كذلك فإنَّ مقتضى الإيمان بالكتابة وأنَّ الإنسان على ما في قلبه يُكْتَبُ له أو عليه، وحركة لسانه يُكْتَبُ له أو عليه، وحركة جوارحه يُكْتَبُ له أو عليه، فإنَّ عِظَمْ الإيمان بهذا الأصل يطلب العبد إلى أَنْ يَجعَلَ صحائفه ليس فيها إلا الخير، وإذا عمل شيئًا من السوء فليُعظْمِ ْالحسنات الماحية وليُعظْمِ الاستغفار الذي يمحو الله - ﷿ - به السيئات.\nولهذا صار من نتائج الاعتقاد الصحيح أنَّ العبد يكون أذل ما يكون لله - ﷿ -، فأصحاب العقيدة الحَقَّة يَذِلُّونَ لله - ﷿ - حتى ولو عَصَوا أو صار عندهم ما صار فإنهم أكثَرُ ذُلًَّا لله - ﷿ -؛ لأنَّ عندهم من الإيمان بالغيبيات واليوم الآخر وبالكتابة وبمعرفة الله - ﷿ - والعلم به وصفاته وما هو عليه - ﷻ - من نعوت الجلال والكمال ما يوجب عليهم قسرًا أن لا يكون في قلوبهم إعراض أو كِبْرْ أو طاعة للشيطان في البعد عن ربهم - ﷻ -.\nولهذا الوصية للجميع أنّهم إذا عَلَّمُوا العقيدة فإنهم يُعَلِّمُونَهَا لأنَّ صلاح القلب به تَصْلُحْ الأعمال، وهذا واقع.\nوأما أهل الكلام وأهل البدع فإنهم يُعَلِّمُونَ مسائل الاعتقاد كمسائل عقلية، مسائل عقلية ينظرون إليها نظرًا عقليًا برهانيًا، عقليًا أو نقليًا دون نظر في آثار ذلك، ولهذا تجد فيهم من قسوة القلوب ومن قلة العبادة، وترك التواضع، والكِبِرْ إلى آخره من الصفات المذمومة ما فيهم.\nبخلاف أهل الحق من أهل السنة والحديث والعبادة، فإنهم ألْيَنْ قُلُوبًا لأجل ما معهم من العلم بالله - ﷿ -، وأكثر تواضعًا للخلق، ونفع للعباد وخوف من الله - ﷿ -، لأجل صحة العقيدة أثمرت في قلوبهم وفي أعمالهم.\nزادني الله - ﷿ - وإياكم من الهدى وغَفَرَ لنا ما كان منا من نقصٍ أو ضعف أو ذنب أو خطيئة إنّه سبحانه غفور رحيم.","vol":"1","page":514},{"text":"قال بعدها (وَنُؤْمِنُ بِمَلَكِ الْمَوْتِ، الْمُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ)\n_________\nمَلَكُ الموت الذي يقبض الأرواح ذَكَرَهُ الله - ﷿ - في القرآن في قوله ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١]، فالإيمان به إيمانٌ بالملائكة وإيمانٌ بما ذَكَرَ الله - ﷿ - وأخْبَرَ به من ملك الموت بخُصُوصِهِ ومن الرُّسُل التي تتوفى نفس المؤمن.\nفالإيمان بذلك فرض، والذين يُنْكِرُونَ الغيبيات ربما أنْكَرُوا حقيقة المَلَكْ الذي يقبض الأرواح، ومنهم من يقول: الروح إذا ذهبت فإنها تذهب إلى جسد آخر فَتَحِلُّ فيه، ونحو ذلك من أقوال الحلولية أو التناسخية أو ما أشبه ذلك ممن يرون التَّجَسُّدْ، يعني العودة إلى التَجَسُّد كما يزعمون من أهل القديم والحديث من المنتسبين للإسلام أو من ملل الكفر والضلال.\nيريد الطحاوي ﵀ بهذه الكلمة أن يقول: إنَّ أهل السنة والجماعة مُسَلِّمُونَ للنص فيؤمنون بملك الموت وأنه يقبض الأرواح وأنه مُوَكَّلٌ بها، مُفُوِّضٌ إليه قبض الأرواح، وهذا ظاهر في دلالة الآية على ما ذكرنا.\nونذكر عدة مباحث ومسائل:","vol":"1","page":515},{"text":"[المسألة الأولى]:\nملك الموت جاء ذكره مَرَّة مُفْرَدًَا وجاء ذكره في موضع آخر في القرآن مجموعًَا بأنهم رسل في سورة الأنعام في قوله ﴿إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]، وهؤلاء الرسل هم أعوان ملك الموت وجنود ملك الموت، فهو لهم كالملك أو كالأمير الذي يأمرهم ويطيعونه، هذا منهم من يقبض نفس فلان ومنهم من يقبض نفس فلان إلى آخره، فقوله - ﷿ - ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ هو بمعنى قوله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام:٦١]؛ لأنَّ ملك الموت ومن معه يمتثلون أمر الله - ﷻ -.","vol":"1","page":516},{"text":"[المسألة الثانية]:\nمتى يقبضون الروح هل هو بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ من الله - ﷿ -؟ أوإذا انتهى الأجل بما معهم من صُحُفْ بأنَّ أَجَلَ فلان ينتهي بالوقت الفلاني؟ خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة.\nوالذي يظهر هو الأول لأنَّهُم وُكِّلُوا والمُوَكَّلْ يقبض بأمر المُوَكِّلْ وهو الله - ﷻ -.","vol":"1","page":517},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nقوله (الْمُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) جاء فيه الآية نَصًَّا أنَّهُمْ مُوَكَّلُون، وهذا لا يعني أنَّ المُوَكِّلَ غائب أو أَنَّ المُوَكِّلَ قاصر؛ ولكنَّ الله - ﷿ - خلق الملائكة وجَعَلَ لهم هذه المهمة وغيرها من المهام للتَّعَبُّدِ لا لِنَقْصٍ في ملكوت الله - ﷿ - أو في صفاته - ﷻ -؛ بل هو الكامل وله الصفات الكاملة سبحانه ولكن لأجل التَّعَبُّدِ بذلك.\nوهذا فيه من الاعتقاد بتصرف الله - ﷿ - في ملكوته في جميع الخلائق ما يطول وصفه، إذا نُظِر إلى سَعَةِ ملك الله وسَعَةِ التصرفات في الملكوت وكثرة الملائكة وأنهم مُوَكَّلُون هذا بكذا وهذا بكذا إلى آخره.","vol":"1","page":518},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nذكر لك هنا الشارح ابن أبي العز كلامًا طويلًا في الكلام على الأرواح والروح وحقيقتها والنفس والفَرْقُ بينها وبين الروح، وهل الروح مخلوقة الآن، الأرواح مخلوقة أوغير ذلك من البحوث التي هي استطراد، لأجل ذِكْرْ الطحاوي لفظ (أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) .\nوتَبِعَ في ذلك؛ بل نقل نَصًَّا ما فتاوي ابن تيمية في الجزء الرابع من البحث في مسألة الروح والنفس والبحث في الآية ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، بما يُطَالَعُ ويُسْتَفَاد من كلامه إن شاء الله تعالى.\nيعني مباحث الروح ليست من المباحث المهمة في فهم كلام الطحاوي في هذا الموضع.","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>[المسألة الخامسة]:\nفي قوله (أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) لفظ (الْعَالَمِينَ) يريد به هنا من له رُوحْ من المُكَلَّفين</span>.\n(بِقَبْضِ أَرْوَاحِ العَالَمِينَ) يعني من له روح من المكلفين دون غيرهم، وذلك لِدِلَالَةْ ظاهر الآية على ذلك بقوله ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ الخطاب للمُكَلَّفين من الجن والإنس.\nولفظ (العَالَمينَ) له في القرآن عدة إطلاقات:\n١- الإطلاق الأول: وهوالمعروف وهو أنه اسم لكل ما سوى الله - ﷿ -، وهذا هو الذي يُذْكَرْ عند قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول العلماء: العالمون اسم لكل ما سوى الله - ﷿ -، فكل ما سوى الله عَالَمْ وأنا واحِدٌ من هذا العالم.\nلكن هذا الاستدلال أو هذا التفسير ليس تفسيرًا وحيدًا؛ يعني ليس إطلاق لفظ (العَالَمينَ) على هذا المعنى فقط، فإنَّ العالمين كلفظ في الكتاب والسنة يطلق على هذا المعنى ويُطْلَقُ إطلاقات أُخَرْ.\n٢- الإطلاق الثاني: أنَّهُ يراد بـ (العَالَمينَ) الناس الذين تُشَاهِدُهُم، كما في قوله - ﷿ - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾، ومعلومٌ أنَّ ﴿الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ لا يشمل الملائكة لأنهم ليسوا بإناث ولا يشمل الجن لأنهم لا يدخلون في هذا اللفظ.\nفقوله ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ يعني به - ﷿ - أو معنى الآية يعني الناس الذين يأتُونَهُم ويَرَونَهُم.\n٣ - الإطلاق الثالث: يأتي لفظ (الْعَالَمِينَ) ويُرَادُ به أهل الزمان الواحد من الإنس والجن، أهل الزمان الواحد يقال لهم عالمَوُنْ، وهذا يُسْتَدَلُّ عليه بقول الله - ﷿ - ﴿وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]؛ يعني بهم بني إسرائيل اخْتِيرُوا على العالمين المراد بهم أهل الأرض في ذلك الوقت، أهل ذلك الزمان من الجن والإنس، وقد اختار الله - ﷿ - بني إسرائيل على علم لأنَّهم أصلح ذلك الزمان.\nوهذه الإطلاقات الثلاث موجودة أيضًا في السنة.\nومن أهل العلم من يُقَسِّمْ هذا التقسيم ومنهم من يقول إنَّ المراد هو الأول فقط.\nوهذا الإطلاق الأول (عَالَمْ) وهو أنَّ كل ما سوى الله - ﷿ - عَالَمْ وأنا واحد من هذا العالم، هذا عامٌّ يُرَادُ به الخصوص في مواضع.\nوهذا وَجْهْ هو قوي وواضح؛ يعني أنَّ السياق يَدُلُّ على إخراج بعض ما دل عليه العموم، فقول الله - ﷿ - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ معلومٌ أنَّهُ لا يدخل فيهم الجن ولا يدخل فيهم من ليس مُشَاهَدًَا لهم إلى آخره، فلم يأتوا كُلَّ ذَكَر وإنما أَتَوا بعض الذكور الذين رَأَوهُمْ، فيكون هذا من العام الذي أُرِيْدَ به الخصوص، كذلك قوله ﴿وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يُرَادُ به العَالَموُن الذين في زمانهم فهذا من العام المخصوص؛ لأنهم لم يُفَضَّلُوا على أمة محمد ﷺ ولم يُفَضَّلُوا على الملائكة فيكون هذا من العام المراد به الخصوص.\nالمقصود من ذلك أنَّ قوله هنا (الْمُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) يُرَادُ به العالَمون الذين لهم روح ومن المكلّفين.\nنقف عند هذا إن شاء الله تعالى، ونكمل غَدًَا بإذن الله.","vol":"1","page":520},{"text":"وَنُؤْمِنُ بِمَلَكِ الْمَوْتِ، الْمُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ.\nوَبِعَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلًا\n_________\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:\nقال ﵀ هنا (وَنُؤْمِنُ ... بِعَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلًا، وَسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي قَبْرِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ)\nهذه الجملة تقريرٌ لما يجب الإيمان به بما دلّ عليه النص من الكتاب والسنة من أنَّ القبر يُعَذَّبُ أهلُه فيه ويُنَعَّمُ أهله فيه، فما بين مُعَذَّبٍ ومُنَعَّم، وما بين مُعَذَّبٍ دائمًا وما بين مُنَعَّم دائمًا.\nوهذا الأصل في الإيمان بعذاب القبر وبسؤال منكر ونكير وفتنة القبر، قد دَلَّ عليه القرآن والسنة وتظاهرت الأدلة وتواترت من سنة النبي ﷺ في الدلالة على أنَّ القبر والبرزخ يكون فيه عذاب ويكون فيه نعيم للإنسان المكلَّف على ما يَحْكُمُ الله - ﷿ - به على الميت.\nوأصل هذه المسألة في إيرادها في العقائد لأجل أنَّ طائفةً من المعتزلة والجهمية والفلاسفة وأهل الكلام يُنْكِرُونَ عذاب القبر ويُنْكِرُونَ السؤال والفتنة، وذلك لعدم إيمانهم بِدِلَالَةِ السنة والحديث على ذلك، ويتأولون ما جاء في القرآن مما يَدُلُّ على عذاب القبر.\nومن جنس المسائل السابقة فإنّ تقرير هذه المسألة في العقائد له أوجه:\n١- الوجه الأول: أنَّ عذاب القبر وفتنة القبر أمرٌ غيبي، والأمور الغيبية مجالها الاعتقاد؛ لأنَّهَا لا تُدرَك بالنظائر ولا تُدرِكها العقول؛ بل تَحَارُ فيها العقول، فيجب الإيمان بها والتسليم على نحو ما جاء في الخبر الصادق في الوحي.\n٢- الوجه الثاني: أنَّ الأدلة من الكتاب والسنة دَلَّتْ على حصول العذاب في القبر والنعيم فيه، وعلى السؤال والفتنة في القبر، وهذه في كثرتها معنىً تَدُلُّ على تواتر الدليل بثبوت العذاب وأنَّ دار البرزخ محل للنعيم وللعذاب على الإنسان، وإذا كان كذلك فيجب التسليم لما دَلَّ عليه الدليل، فكيف إذا كان متواترا معنىً أو متواترًا لفظًا وهو أعلاه.\n٣- الوجه الثالث: أنَّ المخالفين خَالَفُوا في هذا ممن يُحَكِّمُونَ العقل ويَرُدُّونَ عَالَم الغيب إلى عَالَم الشهادة، ويقيسون الأمور الغيبية على الأمور المُشَاهَدَة، ويُحَكِّمُونَ العقل فيما جاءت به النصوص في أنَّ هذا يُعْقَلْ وأنَّ هذا لا يُعْقَلْ فيحملونه على العقول.\nفلأجل مخالفة الضالين ممن ذكرنا من طوائف من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة وأهل الكلام وبعض فقهاء السنة إمَّا في كل المسألة أو في بعضها نَصَّ عليها وصارت من مسائل العقائد التي يُعْلِنُ أهل السنة الإيمان بها وتقرير ما دلت عليه.\nوكما ذكر لك الطحاوي هنا أنَّ هذا الإيمان سِمَةٌ لأهل السنة والجماعة المُسَلِّمِينَ للنُّصُوص، وأنه تَبَعٌ لما جاء في الأخبار عن رسول الله ﷺ، ونَصَّ الطحاوي على الأخبار ولم يذكر الآيات؛ لأنَّ الأخبار متواترة معنىً في الدلالة عليه، وأما الآيات فإنها قليلة وهي مجال للأخذ والتأويل عند من تَأَوَّلَ، والحجة هنا ظاهرة فيما تواترت بها السنة.\nفيجب أن يكون على ما أوْرَدَهُ هنا يجب أن يكون الاستدلال قائمًا على الكتاب والسنة؛ لكن إن كان المُعَارِضْ يَتَأَوَّلُ أحد الأدلة فإنه يُسْتَدَلُّ عليه بما لا يكون مجالًا لِتَأَوُّلِهِ فيه، وهذا هو الذي صنعه الطحاوي ﵀ هنا.\nوالأَدِلَّة التي دَلَّتْ على هذا الأصل من كتاب الله - ﷿ - ومن السنة كثيرة، يمكن أن تُراجَع في كتاب الروح للعلامة ابن القيم أو في شرح ابن أبي العز لهذا المتن، ونذكرمنها:","vol":"1","page":521},{"text":"١ - قول الله - ﷿ - لمَّا ذَكَرَ آل فرعون قال ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] .\n٢ - وقال أيضًا - ﷿ - ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١] .\n٣ - وقال - ﷿ - أيضًا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال:٥٠-٥١] .\n٤ - في آية الأنعام ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣] فقوله - ﷿ - هنا ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ هذا متعلقٌ بإخراج الرُّوحِ من بدن الكافر، و﴿الْيَوْمَ﴾ دِلَالَة على بداية العذاب وهو بداية الحياة البرزخية.\n٥ - وكذلك من الأدلة في القرآن قول الله - ﷿ - ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٨]، ويَعْنِي بـ ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ العذاب الأكبر يوم القيامة، وهو ما يكون في البرزخ، وهكذا في أنواعٍ من الأدلة.\nوهذه كما ذكرنا لك ربما تَأَوَّلَهَا المُعَارِضُ من الفِرَقِ الضالة؛ لكن كثرتها وظهور كلام السلف فيها يدلّ على أنها في عذاب القبر والبرزخ.\nوأما السنة فهي كثيرة جدا منها:\n١ - قوله ﷺ «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» (١) .\n٢ - ومنها «أنَّ المسؤول في القبر إذا أجاب بالإجابة الصائبة فيُفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من نعيمها ونسيمها، إلى آخره، وأما الذي لم يُحسن الجواب أو الكافر أو الفاجر أو المنافق فيُفتح له باب إلى النار فيأتيه من حَرِّهَا وسمومها» (٢) إلى آخره.\n٣ - ومن ذلك قوله ﷺ لما مَرَّ على قبرين «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير» (٣) فأثبت أنهما يعذبان.\n٤ - وذكر ﷺ أنَّ المسؤول «يُضْرَبْ إذا لم يحسن الجواب بمطرقة أو بمِرْزَبَّةٍ من حديد يسمعها من يليه إلا الجن والإنس» (٤) .\n٥ - وكذلك قوله ﷺ «لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر» (٥) .\n٦ - ومنه أيضًا سؤال النبي ﷺ في صلاة الجنازة بأنواع الأدعية للميت أن يقيه الله - ﷿ - عذاب القبر، وربما دعا لصغير لم يبلغ الحلم أن يقيه الله عذاب القبر (٦) .\nوالأدلة في السنة على هذا كثيرة جدًا كما ذكرنا تبلغ مبلغ التواتر المعنوي المختلف.\nفإذًا الأدلة على ذلك من الكتاب متنوعة، ومن السنة متواترة، وهذا يُثبت هذا الأصل العظيم، ويكون فيه أعظم رد على المخالفين من الفِرَقِ الضالة.\nإذا تبيَّن ما قرَّرَهُ هنا الماتن نذكر هاهنا عدَّة مسائل:\n_________\n(١) الترمذي (٢٤٦٠)\n(٢) المسند (١٨٥٥٧)\n(٣) البخاري (٢١٨) / مسلم (٧٠٣)\n(٤) أبو داود (٤٧٥٣)\n(٥) مسلم (٧٣٩٢) / النسائي (٢٠٥٨)\n(٦) النسائي (١٩٨٣)","vol":"1","page":522},{"text":"[المسألة الأولى]:\nقوله (بِعَذَابِ الْقَبْرِ) عذاب القبر اسم (١) لما بعد الموت، وقيل عنه عذاب القبر تَغْلِيبًا، وقد يكون عذابًا في القبر وقد يكون عَذَابًَا في غير القبر.\nيعني أنَّ من فارَقَتْ روحه جسده فإنَّهُ إمَّا أن يُنَعَّمْ وإما أن يُعَذَّبْ، وغالب الناس من جميع الملل والنِّحَلْ والديانات يُقْبَرون، فلذلك صارت سِمَةً للمسألة اسم نعيم القبر أو عذاب القبر، وإلا فحقيقتها عذاب البرزخ ونعيم البرزخ؛ لأنَّ الحياة المقصود بالتَّنَعُّمِ أو العذاب فيها هي الحياة الثانية وهي الحياة البرزخية.\nفالحياة ثلاث:\n- الحياة الدنيا.\n- والحياة البرزخية.\n- والآخرة.\nوالمقصود هنا الحياة البرزخية ولذلك من دُفِنَ أو من لم يُدْفَنْ وأُحْرِقَ وذُرَّ أو من أُكِل فَتَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ أو مَنْ رُمِيَ في البحر ولم يُقْبَرْ أو إلى آخره، أو من رُفِعَ في مكان ولم يُجْعَلْ تحت الأرض في قبر، فالجميع صاروا إلى حياةٍ برزخية.\nفإذًا قول العلماء عذاب القبر أو ما جاء في الدليل في بعض النصوص من تسميته عذاب القبر هذا من باب التغليب؛ لأنَّ غالب الناس يُدْفَنُون.\nوقوله هنا (لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلًا) يعني بِحَسَبِ عِلْمِ الله - ﷿ - فيه، فمن هُوَ أهل للعذاب عُذِّبْ، ومن هو أهل للنعيم صار في نعيم.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط السابع والثلاثين.","vol":"1","page":523},{"text":"[المسألة الثانية]:\nعذاب القبر مُسَلَّطٌ على الإنسان المُكَلَّفْ، والإنسان المُكَلَّفْ اسْمْ لِرُوحِهِ وجَسَدِهِ، ولذلك الأدلة التي دَلَّتْ على حصول عذاب القبر تتناول الروح والجسد معًا، فالعذاب والنعيم يقع على الروح ويقع على الجسد.\nيقع على الروح مُتَّصِلَةً بالجسد بنوع من الاتصال الذي يصلح للحياة البرزخية، ويقع على الروح مُجَرَّدَة، وربما على البدن مُجَرَّدًَا؛ يعني على البدن وحده ونحو ذلك.\nذكر هذا طائفة من العلماء لأجل دِلَالَةْ النصوص على هذا وهذا.\nوالظاهر أنَّ العذاب والنعيم وما يحصل في البرزخ يقع على الإنسان بروحه وجَسَدِه؛ لكن تَعَلُّقْ الروح بالجسد هنا يختلف، لهذا صار قول أهل السنة والجماعة أنَّ العذاب يقع على الروح وعلى الجسد، وأنَّ النعيم أيضًا في المقابل للروح وللجسد.","vol":"1","page":524},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالمخالف في تَعَلُّقْ الروح بالبدن هنا ربما كان من المنتسبين للسنَّة، فمن المنتسبين للسنة من العلماء من يقول العذاب على الروح والنعيم للروح وأما البدن فإنه لا يُعَذَّبْ ولا يُنَعَّمْ كما ذكرنا، ولهذا صارت أقوال أهل السنة في هذه المسألة؛ يعني المنتسبين للسنة ثلاثة أقوال:\n١- القول الأول: قول أهل السنة الذي دَوَّنوه في عقائدهم وقَرَّرَهُ أَئِمَّتُنَا أَنَّ العذاب -كما ذكرنا- والنعيم يقع على الروح والجسد معًا على هذا وهذا.\n٢- القول الثاني: أَنَّهُ على الروح فقط دون الجسد، وهذا قول طائفة منهم ابن حزم، وطائفة من المعتزلة والأشاعرة وجماعة، هذه إضافة المعتزلة والأشاعرة، وأقوال أهل السنة يدخل فيها ابن حزم.\n٣- القول الثالث: أَنَّ العذاب والنعيم يكون للروح والبدن ما دام باقيًا، وأما إذا تحلل فإنه يكون العذاب والنعيم للروح فقط.\nوظاهر الأدلة كما ذكرنا هو الأول وهو الذي قَرَّرَهُ الأئمة وللمسألة تفصيل وردود على ابن حزم وعلى غيره تُطْلَبْ من المطولات.","vol":"1","page":525},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nالروح والبدن ذكر العلماء أن لها أربعة (١) أنواع من التعلق وهو:\n١- أنَّ الروح تتعلق بالبدن قبل الولادة وبعد نفخ الروح: وهذا التعلق ناقص ليس للروح فيه إدراكات ولا إحساس، ولهذا الجنين في بطن أمه لا يحصل له بكاء ولا ضحك، إلى آخره من الأشياء التي يُسْتَدَلُّ بها على حصول الإحساس عنده في روحه حيث تعلقت ببدنه.\n٢- تعلق الروح بالبدن بعد الولادة: والروح تَتَنَمَّى معلوماتها وإدراكاتها مع الزمن، وتوحيدها وضِدُّهُ والشرك مع الزمن، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، إذا صُرف عن الفطرة فإنه يكون بالتعليم يَتَنَمَّى هذا في الروح، والبدن يتبع الروح في ذلك، فعنده من الاستعداد ما عند الروح فهو كالآلة وبينهما تَعَلُّق كبير؛ لكن الحياة المحسوسة للبدن من جهة النماء والاستعدادات إلى آخره والرُّوحُ هنا تبعٌ له.\n٣- تعلق الروح بالبدن في البرزخ: الحياة البرزخية بعكس الحياة الدنيا؛ لأنَّ الروح هنا اكتملت، والبدن في انتهاء، وأما الروح فقد اكتملت، فالحياة للروح والبدن تَبَعْ؛ يَتْبَعُ الروح فيما يختص بالروح، فإذا تَنَعَّمَتْ الروح وَصَلَ إلى البدن من النعيم، وإذا تَنَعَّمَ البدن يحصل ويصل إلى الروح النعيم أو العذاب، ولك أن تقيس ذلك بالحياة الدنيا فإنه في الدنيا يحصل العذاب والنعيم للروح والبدن لا يصيبه ظاهرًا عذاب أو نعيم؛ لكن يصل إليه لأجل تَعَلُّقْ الروح به والحياة في البرزخ للروح والبدن تبع؛ لأجل أنَّ النماء لا يكون للبدن بل يكون إلى زوال والروح مُسْتَقرُّها عند رب العالمين.\n٤ - تعلق الروح بالبدن في الحياة الأخرى: وهي أنَّ الحياة للروح والبدن جميعًا في أكمل تَعَلُّقْ بحيث إنَّ الروح كاملة للبقاء والبدن كامل للبقاء، لا يعطب البدن بحيث يَفْنَى ولا تعطب الروح، فالحياة بينهما كاملة والتَّعَلُّقْ أكمل ما يكون، ولهذا في الحياة الآخرة النعيم والعذاب يقع على هذا وهذا في أكمل حال.\nوقد جاء عن بعض السلف في ذكر العذاب أنَّ الروح والجسد اختصما يوم القيامة عند الحساب.\nفقال الجسد للروح: أنْتِ أمرتني بالشر، ونهيتني عن الخير.\nوقالت الروح للجسد: لو لم تفعل لما صار عليك العذاب.\nفاختصما إلى المَلَكْ، فقال: المَلَكْ إنما مثلكما مثل رجلين أعمى لا يَرَى، ومُقْعَدْ لا يستطيع القيام، أتيا على بستان فيه من الثمار، فقال: المُقْعَدْ إني أرى كذا وكذا من الثمار ولكني لا أستطيع الوصول إليه.\nوقال الأعمى: إني لا أرى شيئًا ولكني أستطيع الوصول إليه إنْ أرشدتني.\nقال له المقعد احملني: وأنا أتناول لي ولك، فالعمل صار بينهما جميعًا.\nقال الملك: فكذلك أنتما فلوما حالكما.\nوهذا واقع؛ لأنَّ حقيقة الروح والبدن في تَعَلُّقِهِما لا يعلم مداه إلا رب العالمين؛ لهذا وجب التسليم لما دَلَّتْ عليه النصوص في حال الروح وفي حال البدن وفي تَعَلُّقِ هذا وهذا دون أخْذٍ بما يدل عليه العقل المخطئ.\n_________\n(١) قال الشارح في شرحه للطحاوية بتحقيق أحمد شاكر صفحة ٣٩٥: فالروح لها خمسة أنواع من التعلق، متغايرة الأحكام:\nأحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينا.\nالثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض.\nالثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه.\nالرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى لها إليه إلتفات البتة، فإنه ورد ردها إليه وقت سلام المسلم، وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه وهذا الرد إعادة خاصة، لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيمة.\nالخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا، فالنوم أخو الموت.\nفتأمل هذا يزح عنك إشكالات كثيرة.","vol":"1","page":526},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nعذاب القبر هل هو عامٌّ لجميع فئات الأمة أم هو لبعض الفئات؟ يعني هل يشمل غير المُكَلَّفِين أم إنَّ عذاب القبر ونعيم القبر للمُكَلَّفِين؟\nيعني من مات وهو صغير لم يبلغ سن التكليف أو مات وهو مجنون أو إلى آخره، ممن ليسوا محل التكليف، هل يحصل لهم في القبر نعيم أو عذاب؟\nوالجواب: أنَّ المُتَقَرِّرْ عند أئمة الإسلام أنَّ نعيم هؤلاء إذا لم يجر عليهم التكليف أنهم في ذلك تبع لحال آبائهم، فآباؤهم لمَّا كانوا مسلمين فإنَّ هؤلاء من أهل الجنة، فأطفال المسلمين الذين يموتون هم من أهل الجنة ومن أهل النعيم؛ لأنهم على الفطرة ولم يَجْرِ عليهم التكليف.\nوالصغير تُكْتَبُ له الحسنات لأنها فَضْلٌ من الله - ﷿ - ونِعْمَةْ، ولا تُكْتَبُ عليه السيئات لأنه لم يَجْرِ عليه القلم، فإذا عمل بحسنة تكتب له ويثاب عليها، وإذا عمل بسيئة فإنه لا يُؤَاخَذُ عليها لأنه لم يجر عليه التكليف، فيكون تَنَعُّمُهُ في القبر هو الأصل؛ لكن قد يُعَذَّبْ كما ثبت في السنة في الموطأ وغيره أنَّ النبي ﷺ دعا لصبي أن يقيه الله عذاب القبر (١)، فهل يكون معنى عذاب القبر هنا العذاب الذي يصيب المكلفين أو هو معنىً آخر؟\nاختلف العلماء في ذلك -يعني علماء السنة-:\n١- القول الأول: إنَّهُ يُصِيبُهُ العذاب كما يُصِيبُهُ النعيم، والله - ﷿ - أعلم بما كان سيعمل لو كَبُر، وهذا قول طائفة من أهل السنة.\n٢- القول الثاني: وهو الصحيح الذي عليه أهل التحقيق أنَّ العذاب هنا ليس المراد منه العذاب الذي يصيب الكبار وهو العذاب على السيئات؛ لأنَّ الصغير ومن مات وهو مجنون لم يُكَلَّفْ -يعني جُنَّ وهو صغير ثم كَبُر ولم يُكَلَّفْ وأشباه هؤلاء- فإنهم ليس عليهم سيئات حتى يُعَذَّبُوا عليها؛ لأنَّ هذا الأصل واضح أنَّ القلم لا يجري إلا مع البلوغ.\nفإذًا تُفهم أحاديث الدعاء للصغار بأن يقيهم الله عذاب القبر كما دعا النبي ﷺ لصغير بقوله «اللهم قِهِ عذاب القبر» أنَّ العذاب هنا هو الألم الذي يحصُلُ للمدفون، والألم ليس دائمًا في مقابلة سيئات عَمِلَهَا فقد يكون من أنواع الآلام التي الله أعلم بها مما يحصل في القبر كضمته أو أشباه ذلك مما يكون فيه من الموجعات؛ لكن الألم لا يعني العذاب، والقبر والبرزخ عَالَمٌ الله أعلم به.\n* لذلك نقول: الصحيح أن يُحمل قول النبي في دعائه لمن لم يجر عليه التكليف «اللهم قِهِ عذاب القبر» على أنَّ المراد الألم والسوء وليس المراد العذاب الذي هو في مقابلة السيئات لأنَّ الصغير لم يجر عليه التكليف.\n_________\n(١) الموطا (٥٣٦)","vol":"1","page":527},{"text":"قال بعدها (وَنُؤْمِنُ بَسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي قَبْرِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ)\n_________\nمنكر ونكير مَلَكَانْ يأتيان الميت ويَسْأَلَانِهِ عن ربه وعن دينه ونبيه.\nوقد جاء في ذكر المَلَكَينْ عِدَّةْ أحاديث وهي حسنة أو صحيحة في التنصيص على اسميهما أنهما منكر ونكير، أو الأول المنكَر والثاني النكير.\nوقد قال بعض العلماء إنَّ الأول اسمه المُنْكِرْ -على اسم الفاعل- والثاني النَّكِيْرْ، وهذا ليس بصحيح بل هو مُنْكَرْ ونكير يعني أيضًا مَنْكُورْ، مُنْكَرْ في شكله وهيئته، ونكير أيضًا في شكله وهيئته وذلك لأنهما من صِفَتِهِمَا كما جاء في الحديث أنهما شديدان أزرقان يأتيان في صورة لم يألفها الميت (١) .\nالإيمان بسؤال منكر ونكير جاءت بها الأدلة في ذكر هذا السؤال وفتنة القبر بأنواعٍ من الذكر في الأخبار فالإيمان بذلك فرض وواجب على ما جاء في السنة.\nوطوائف من المعتزلة وأهل الكلام والفلاسفة يُنكِرُونَ فتنة القبر، ويقولون: إنَّ هذه ليست بصحيحة وينفون دِلَالَة الدليل عليها وربما تَأَوَّلَهَا بعضهم وربما رَدَّهَا بعضهم لأنها أخبار آحاد.\nوأهل السنة والجماعة قَرَّرُوا ذلك للأسباب التي ذكرت لك سالفًا في أنها:\n- أمور غيبية\n- أنه دلت عليها النصوص.\n- لمخالفة الفِرَقْ أو بعض الفرق الضالة في ذلك.\nوالأدلة على مجيء المنكر والنكير والسؤال كثيرة في السنة معلومة لا نُطِيل الكلام عليها أو إيرادها، ونذكر بعض المسائل هنا:\n_________\n(١) الترمذي (١٠٧١)","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>[المسألة الأولى]:\nأنّ سؤال الملكين يقع عن ثلاثة أشياء:\nأولًا: عن ربه.\nثانيا: عن دينه.\nثالثا: عن نبيه</span>.\nفيقولون: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟\nفأمَّا المؤمن المُسَدَّدْ الصالح يُثَبِّتُهُ الله - ﷿ - بالقول الثابت ويقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد ﷺ.\nوأما الفاجر المنافق فإنه يقول: ها ها، ها ها -يعني لا أعلم أو لا يُحْسِنْ الجواب- سمعت الناس يقولون شيئا فقلته؛ يعني لا يُلْهِمُهُ الله - ﷿ - حُسْنَ الجواب ولا يثبته عند السؤال.\nوالرب المسؤول عنه هنا (من ربك؟) المقصود به المعبود.\n(من ربك؟) يعني من تعبد، فالربوبية هنا بمعنى العبادة؛ لأنَّ الربوبية في النصوص تُطْلَقُ ويُرَادُ بها الألوهية في مواضع إذا دَلَّ عليها السياق، وهنا الحال يقتضي أنَّ السؤال ليس هو عن الخالق الرازق المحيي المميت الذي يجير ولا يجار عليه؛ لأنَّ هذه يُقِرُّ بها الجميع، والسؤال عن العبادة لأنها هي محل الابتلاء، فمعنى (من ربك؟) يعني من تعبد؟\nثم سؤال الثاني (ما دينك؟) يعني الذي تدين به، فإن كان يدين بعبادة الله وحده لا شريك له، بالإسلام أخبر بذلك، وإن كان يدين بعبادة الأوثان أخبر عن نفسه فيكون إقرارًا على نفسه بعبادة غير الله - ﷿ -، وهكذا في السؤال الثالث.","vol":"1","page":529},{"text":"[المسألة الثانية]:\nهذا السؤال هل هو مختص بهذه الأمة أم هو لجميع الأمم؟ هذه بَحَثَها العلماء، ولهم أقوال.\nوالقول الظاهر الصحيح منها أنَّ هذا السؤال لهذه الأمة ولجميع الأمم، فالجميع يُسْأَلُ إذا أُدْخِلَ القبر لأجل عدم ورود التخصيص.\nوأما ما جاء في بعض الأدلة من بعض الأحاديث «إنه أوحي إلي أن هذه الأمة تبتلى في قبورها» (١) هذا لا يقتضي التخصيص؛ لأنَّ هذا ليس له مفهوم مخالفة، فإثباته لهذه الأمة لا يعني أنها مخصوصة بذلك.\n_________\n(١) سبق ذكره (٥٢٣) برقم ٥","vol":"1","page":530},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nسؤال منكر ونكير، هل يكون للكافر أم لمن أجابَ النبي ﷺ ظاهرًا؟، أيضًا اختلف فيها علماء السنة على أقوال.\nوالصحيح منها أنَّ السؤال -لا نطيل الكلام فيها تجدونها في الكتب المطولة- والصحيح أن السؤال يكون لكل مُكَلَّفْ -من المسلمين المؤمنين، ومن المنافقين، ومن الكفار-، وهذا يدل له ورود لفظ الكافر في بعض روايات حديث البراء فيقول «وأما الكافر أو الفاجر» (١)، وفيها «أما المنافق أو الفاجر» فَذُكِرَ في الروايات المنافق والفاجر والكافر، وهذه سواء حملناها على ورودها بالمعنى أو أنَّ الجميع محفوظ؛ لكن التخصيص ليس له وجه، فالجميع يُسأل عن هذه المسائل؛ لأنها هي فاتحة ما سيكون بعدها في الحياة البرزخية.\n_________\n(١) انظر البخاري (١٣٣٨)","vol":"1","page":531},{"text":"قال ﵀ بعد ذلك (وَالْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ)\n_________\nيريد بذلك التصديق والإيمان بما دلت عليه الأحاديث والآيات من أنَّ المقبور يكون في نعيمٍ أو في عذاب وأنَّ قبره إما أن يكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار كما جاء في الحديث.\nوسبب إيراده أنَّ العقلانيين في مسائل عذاب البرزخ والفلاسفة وطائفة من أهل الكلام ينفون أن يكون القبر جنة أو نار، ويقولون بعقولهم إننا نفتح القبر فلا نجد فيه أثرًا لِخُضْرَةْ ولا أثرًا لكذا وكذا من النعيم، ونفتح القبر فلا نجد فيه أثرًا لنار، ونلمس الأرض من الخارج ولا نجد أثرًا لنار، وهذا من جَرَّاءِ قاعدتهم أنَّ عالم الغيب يُقَاس على عالم الشهادة وأنَّ الجميع يمكن إدراك العقول، يقولون: إنَّ خلق الله واحد وهذا وهذا مداره من حيث القياس واحد.\nوهذا الأصل الذي أصَّلُوه خلاف ما دَلَّتْ عليه الأدلة من أَنَّ عالم الغيب غير عالم الشهادة، وعالم الملائكة وعالم الجن غير عالم ما نراه، وهكذا في ما لا نراه من المخلوقات فإنَّ قوانينه وسنة الله - ﷿ - فيه تختلف عما نراه.\nوالحياة البرزخية والعذاب والنعيم والجنة والنار لا يعرف كيف يكون إيصال ذلك إلى الإنسان وإلى الأرض إلا رب العالمين - ﷿ -، ولهذا الواجب أنَّ المسائل الغيبية لا تُحكَّم عليها العقول لأنَّ الله - ﷿ - أخبر بها فيؤخذ بها على ظاهرها، وكما ذكر شيخ الإسلام وابن القيم وشارح الطحاوية وجماعة (بأنّ الشريعة تأتي بما تحار فيه العقول ولا تأتي بما تُحيله العقول) وهذه قاعدة مهمة في نظرك فيما يلتبس عليك، فإنَّ الشريعة تأتي بأخبار غيبية وبأشياء يحار فيها عقل الناظر لكن العقل الصريح الواضح السليم من الأهواء والآفات والذي يطبق القواعد الصحيحة تطبيقًا صحيحًا يخرج بأنَّ العقل لا يُحِيلُ هذه الأشياء؛ لكن يحار العقل في حقيقتها نعم، لأنَّ العقل إنما نَمَا بما شاهد، فالعقل تَنَوَّعَت إدراكاته ونما فيه أشياء بما شاهد ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨]، هذه وسائل الإدراك، فعقل الطفل لم يكن شيئًا فنمت فيه الإدراكات بِما شاهد من القوانين، وأما ما لم يُشَاهد فإنه لم يدركه عقله لأنه لم يشاهده ولم يعرف حقيقته، فلهذا لا يسوغ له أن يَحْكُمَ على ما لم ير بما رأى وبما حَصَّلَهُ من معلومات نشأت معه من صغره إلى أن وصل إلى ما وصل إليه.\nوعالم الغيب ليست قوانينه كعالم الشهادة، خذ مثلًا السموات وما فيها وبُعْدَها، وخذ مثلًا الشمس وبُعْدها وكيف تنير الأرض إلى آخره والقمر وحاله والخسوف والكسوف وأنواع ما يحصل، فإنَّ هذه عند من لا يعرف لا يدرك حقيقتها، وربما أدرك بعض الناس حقيقتها فأدركوا قوانين الرب - ﷿ - وسنة الرب - ﷿ - في بعض خلقه.\nفإذًا نقول: [.....]\nلهذا بنى ابن تيمية كتابه العقل والنقل الذي هو (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) أو (درء تعارض العقل والنقل) على هذه المسألة، وهي المسألة التي خالف فيها العقلانيون من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة إلى آخره وهذه من المسائل التي يذكرونها ويُشَنِّعُونَ أو يُؤَكِّدُونَ عليها.\nولاشك أنَّ كون القبر روضة أو حفرة هذا من عالم الغيب الذي لا يُدْرَكْ والإنسان تراه نائمًا بجنبك وهو إما في نعيم أو في تألم وأنت لا تدري؛ بل ربما استغاث وهو نائم بالذي حوله ويسمع كلامه؛ لكنه لا يجاب لأنَّ عالمه ليس فيه إيصال الصوت إلى الآخر، وهكذا في أنواع مما يدل على هذا الأصل.\nفإذًا الواجب في هذه المسائل التسليم بالغيبيات بما دلت عليه الأدلة، وأن لا يُقَاس عالم الغيب على عالم الشهادة، وأن لا يَعْتَرِضْ المرء بعقلياته على الشريعة بل يعلم ويُسَلِّمْ بأنَّ العجز عن الإدراك إدراك؛ لأنَّ الله - ﷿ - على كل شيء قدير.","vol":"1","page":532},{"text":"قال ﵀ بعدها (وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَجَزَاءِ الْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ) .\n_________\nقوله (وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ) هذا ركن من أركان الإيمان، فَرْضٌ الإيمان به، ولا يصح إيمانُ أحد ولا إسلامه حتى يؤمن باليوم الآخر، فمن أنكر البعث أو اليوم الآخر فإنه كافر بالله - ﷻ -، فالإيمان بالبعث ركن من الأركان؛ وهو أنَّ الناس لهم يوم يعودون فيه إلى الله - ﷻ -.\nوهذا الإيمان باليوم الآخر له تفاصيل هي التي ذَكَرَ بعضها هنا بأنه إيمان ببعث الناس؛ يعني بقيامهم من قبورهم وإرجاع أرواحهم إليهم، وإيمان بجزاء الأعمال، وإيمان بالعرض، وإيمان بالحساب، وإيمان بقراءة الكتاب، وإيمان بالثّواب، وإيمان بالعقاب، وإيمان بالصراط، وإيمان بالميزان، وإيمان بالجنة، وإيمان بالنار إلى آخره.\nفحقيقة الإيمان باليوم الآخر أنه إيمانٌ بحصول ذلك اليوم ورجوع الناس إلى ربهم، ثم إيمانٌ تفصيلي بكل ما يجري في ذلك اليوم.\nوهذا واجِبٌ الإيمان به لمن سمع النص والدليل في كل مسألة من مسائل ذلك اليوم.\nوهذه التي ذَكَرَ كُلُّهَا دَلَّتْ عليها الأدلة، فجزاء الأعمال يوم القيامة الأدلة كثيرة فيه في القرآن ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨]، ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، والآيات تعلمونها كثيرة جدًا في هذا الباب؛ بل بعد ذِكْرِ توحيد الله - ﷿ - والإيمان برسوله ﷺ أكثر ما في القرآن من التقرير تقرير الإيمان بالبعث ورجوع الأجساد؛ لأنَّ أكثر مخالفة المخالفين في هذا الأصل العظيم؛ يعني من المشركين يخالفون في البعث وما يجري مجراه.\nونذكر هنا مسائل فيها تفصيل لهذه الجمل:","vol":"1","page":533},{"text":"[المسألةالأولى]:\nقوله (نُؤْمِنُ بِالبَعْثِ وَجَزَاءِ الأعْمَالِ) لمَّا عَطَفْ دَلَّ على أنه يريد بالبعث بعض ما يكون في اليوم الآخر، وهو بعث الناس من قبورهم.\nوالذي دلّت عليه الأدلة أنَّ الله - ﷿ - يأمر المَلَكْ فينفخ في الصور نفخة الصعق فيَصْعَقْ الناس وتموت الخلائق، ثم تمضي أربعون بعد النفخة الأولى ثم يأمر الملك فينفخ نفخة ثانية -وقبلها يأمر الله - ﷿ - الأرواح فتجتمع في الصور الذي ينفخ فيه الملك-، فينفخ فتذهب الأرواح جميعًا من هذا القرن العظيم، والذي ينفخ فيه إسرافيل، فتذهب الأرواح إلى الأجساد، روح كل إنسان إلى جسده.\nقبل هذا فيما بين النفخة الأولى والنفخة الثانية تحصل أشياء حتى تحصل حياة الإنسان من جديد وهي أنَّ الله - ﷿ - يُغَيّر الأرض ويُغَيّر معالمها، وتُسَيَّر الجبال وتُدَكْ، والأرض تكون مستوية وتُعَدْ لمسير الناس إلى أرض محشرهم، ويُمْطِرُ الله - ﷿ - مطرًا تنبت منه الأجساد شيئًا فشيئًا حتى تتكامل، وتُخرج الأرض أثقالها من المدفونين، ثم بعد ذلك تكون الأجسام كالأشجار بلا أرواح.\nفينفخ إسرافيل فتعود الأرواح فتهتزُّ تلك الأجسام فإذا هم قيام ينظرون.\nهنا يعني هو الظاهر من مراد الطحاوي بالبعث، يعني قيام الأجساد من القبور.\nوهذا الأدلة عليه في الكتاب والسنة كثيرة كقوله - ﷿ - مثلًا في القرآن ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٨-٦٩]، وكقوله - ﷿ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥١-٥٢] إلى آخره، وكقوله ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَانِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٥-٨٦]، ونحو ذلك من الأدلة، ثم بعد البعث يسير الناس إلى محشرهم.","vol":"1","page":534},{"text":"[المسألة الثانية]:\nفي قوله (جَزَاء الْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الجزاء المراد به المُجَازَاةْ؛ يعني أنهم يُجْزَونَ على أعمالهم الصالحة ويُجْزَونَ على أعمالهم السيئة، على هذا وهذا.\nوالجزاء لا يكون بعد البعث مباشرة؛ بل يكون متأخرًا، ولهذا الطحاوي هنا لم يُرَتِّبْ ما يحصل يوم القيامة الشيء بعد الشيء مما يكون في ذلك اليوم العظيم، وإنما قَدَّمَ وأَخَّرْ بحسب أغراضٍ له في ذلك-يأتينا الترتيب إن شاء الله في مسألة لاحقة-.\nالجزاء بمعنى المجازاة ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني بعد أن يُقَرَّرَ على أعماله ويحاسب والوزن إلى آخره يُجْزَى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.","vol":"1","page":535},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nفي قوله (الْعَرْض) العرض جاء في الأدلة ذِكْرُهُ نصًا ومعنىً كقوله - ﷿ - ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة:١٨-١٩] الآيات ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ هذا العرض.\nوكذلك ما جاء في السنة من قوله ﷺ «عرضتان جدال ومعاذير» (١) .\nفالعرض على الرب - ﷿ - كثير في القرآن وفي السنة ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف:٤٨] ونحو ذلك.\nالعرض معناه: أنْ يُعْرَضَ المُكَلَّفْ وأن يُعْرَضَ عمل المكلف.\nفهناك عرْضٌ للمُكَلَّفِين على رب العالمين، ثُمَّ رب العالمين يَعْرِضُ أعمال كل مُكَلَّفْ عليه.\nومعنى العرض أنه يُقَالُ له: عملت كذا في يوم كذا، يعني يعرض عليه أنه عملت وعملت وعملت إلى آخره، فيُعْرَضُ الإنسان ويُعْرَضُ عمله بحيث يراه، وقد يُجَادِلْ وقد يعتذر إلى آخره ثم يكون بعد ذلك الكتاب والحساب إلى آخره.\n_________\n(١) الترمذي (٢٤٢٥) / ابن ماجه (٤٢٧٧)","vol":"1","page":536},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nفي قوله (الْحِسَاب) الْحِسَاب المقصود منه المحاسبة، يعني بعد أن يقرأ الكتاب فإنه يُحَاسَب هذا خير سَتُجْزَى عليه وهذا شرٌ سَتُجْزَى عليه، يحاسب الله - ﷿ - المؤمن حسابًَا يسيرًا، ويحاسب الكافر والمنافق حسابًا عسيرًا.\nوالحساب من حيث هو تقريرٌ للعمل مع الجزاء والعقاب هذا يكون بعد أخذ الكتاب وقبل أخذ الكتاب؛ لأنَّ حقيقة المحاسبة أنَّ الله - ﷿ - يُحَاسِبُهُم على ما عَمِلُوا بعرض ما عملوا من خيرٍ أو شر، وهذا يكون بالشهادة عليه من جسده ومن الكتاب، ويكون قبل ذلك بذكر الله - ﷿ - له.\nوهذا كله يحصل في سرعةٍ خاطفة، كما قال - ﷿ - ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] قال علماء التفسير: يحاسب الخلائق في ساعة، جميع الخلائق في ساعة ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾؛ يعني تكون المحاسبة بسرعة لهذا وهذا جميع الخلائق.","vol":"1","page":537},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nفي قوله (وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ) ويعني بالكتاب الصحف التي كُتِبَتْ فيها أعماله وهو الكتاب الذي يلقاه العبد يوم القيامة منشورًا ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣-١٤] (١)\n\n: [[الشريط الثامن والثلاثون]]:\n\nوهذا الكتاب هو الصحف.\nوالصحف هذه تُنْشَرْ للإنسان وتُوَزَع على الناس في الموقف؛ يعني أنَّ الناس في ذلك الموقف تُنْشَر لهم السِّجِلَّاتْ والكتب، ويُؤْمَرُون بأخذها وتتطاير أيضًا إليهم؛ يعني على اختلاف الصفات فمن آخذٍ كتابه بيمينه وآخذٍ كتابه بشماله وراء ظهره.\nفقِرَاءَةْ الكتاب، العبد يَقْرَأ والله - ﷿ - يُقَرِّرْ العبد على ما عَمِلْ حتى يكون عليه شاهدًا.\n_________\n(١) انتهى الشريط السابع والثلاثون.","vol":"1","page":538},{"text":"[المسألة السادسة]:\nفي قوله (وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب) يعني بعد الوزن؛ لكن هنا أراد الإيمان بأنَّ هذه الأشياء حاصلة لأجل ورود الدليل بها؛ بل معنى البعث إنما هو حصول الثواب والعقاب، فحَقِيْقَةْ معنى يوم البعث واليوم الآخر أن يُثَابْ المطيع وأن يُعَاقب الكافر.","vol":"1","page":539},{"text":"[المسألة السابعة]:\nفي قوله (الصِّرَاط) الصراط هو الطريق، والصراط طريق موضوع على ظهر جهنم؛ يعني فوقها -فوق جهنم-، وهو طريق يُوصِلُ من العَرَصَات من أرض المحشر إلى ساحات الجنة؛ يعني ما قبل دخول الجنة.\nوهذا العبور على الصراط هو المذكور في قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧١-٧٢] .\nوالصراط جاءت صفته في السّنّة، وجاء ذِكْرُهُ مُجملًا في القرآن.\nأما صفته في السنة فإنه: دقيق جدًا وطويل، وأنَّ على جَنَبَاتِهِ كلاليب تخطَفُ من قضى الله - ﷿ - أن يكون من أهل النار، وأنَّ الناس في العبور عليه يخافون خوفًا شديدًا، فالأنبياء يقولون قبل العبور اللهم سَلِّم سَلِّم.\nودون هذا الصراط ظُلْمَةْ لا يَتَبَيَّنْ أحد ممن يريد أن يعبر طريق الصراط إلا المؤمنين بما فيهم العصاة.\nوأما الكافرون والمنافقون فإنهم يجتمعون في الظلمة ويسيرون ويتهافتون في النار تهافت الجراد.\nوغير ذلك مما جاء في وصفه وأنه أَدَقُّ من الشعرة وأحَدُّ من السيف، إلى آخره.\nوهذه الصفات أنكرها المعتزلة وأنكرها العقلانيون والفلاسفة، وقالوا: هذه لا يُعْقَلْ أن يكون الطريق من صفته كذا وكذا.\nوإذا كان هذا الأمر قد جاء عن المصطفى ﷺ وثَبَتَتْ به السنة فالإيمان به واجب على نحو ما ورد على ما ذكرنا لكم من أنَّ عالم الغيب لا يقاس على عالم الشهادة.","vol":"1","page":540},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nفي قوله (الْمِيزَان) الميزان ذَكَرَهُ الله - ﷿ - في كتابه وجاء في السنة وصفه وذِكْرُهُ، فالإيمان به واجب.\nوالميزان حقيقةً وليس هو العدل كما تقوله المعتزلة؛ لأنَّ المعتزلة أنكروا حقيقة الميزان -كما سيأتي-، وقالوا: الميزان هو العدل مطلقًا، الله يحاسبهم بالعدل.\nوالله - ﷿ - بَيَّنْ أنَّ الميزان يوزن فيه العمل ولو كان مثقال ذرة، قال - ﷿ - ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وقال - ﷿ - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] الآية، وقال - ﷿ - ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف:٨]، الآية التي ذكرت لكم في الأعراف ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر الوزن والموازين.\nوالميزان هنا أفرده قال (وَالْمِيزَانِ) وهو قولٌ لكثيرٍ من العلماء بأنه يوم القيامة ليس ثَمَّ إلا ميزان واحد، وأنَّ الجمع هنا في بعض الآيات في قوله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أنَّ هذا على تعدد الموزونات وليس على تعدد الموازين.\nوالصحيح أنَّ الموازين متعددة لأنَّ الله - ﷿ - جَمَعَهَا فقال ﴿نَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ وهذا ظاهِرٌ في إرادة الموازين حقيقة وليست الموزونات؛ لأنَّ الموزونات لا يقال عنها إنها تُوضَعْ، قال ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ والموزونات لا توصف بأنها تُوضَعْ ولا تُوصَفْ بأنها قسط أيضًا.\nفإذًا ﴿الْقِسْطَ﴾ يعني العادلة التي لا تظلم في الوزن هذه متعددة على ظاهر الآية.\nوجاء في السنة أنَّ الميزان له كِفتان: كفة توضع فيها السيئات وكفة توضع فيها الحسنات، فمن ثقلت كفة حسناته أفْلَحْ وأَنْجَحْ ودَخَلَ الجنة، ومن ثقلت كفة سيئاته فهو مُعَرَّضٌ لوعيد الله - ﷿ -.\nقال بعض العلماء من السنة في عقائدهم: إنَّ الميزان له كفتان وله لسان.\nوكون الميزان له لسان كما ذكره ابن قدامة في اللمعة وذكره غيره، هذا لا أحفظ فيه دليلًا واضحًا -أو ما اطَّلَعْتُ فيه على دليل واضح-؛ لكن أخذوه من أنَّ ظاهر الوزن في الرُّجْحَان يتبين باللسان، فأَعْمَلُوا ظاهر اللفظ وجعلوا ذلك مثبتًا لوجود اللسان، فينبغي أن تكون محل بحث.\nالذي يوزن في الميزان ثلاثة أشياء:\n١ - يوزن الإنسان نفسه كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال لما ضَحِكُوا من دقة ساقي عبد الله بن مسعود قال «أتضحكون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده لهما في الميزان يوم القيامة أثقل من أحد» (١) .\n٢ - ويوزن أيضًا العمل، فالعمل الصالح يُوضَع في كفة، والعمل السيئ يوضع في كفة.\n٣ - ويوزن أيضًا صحائف العمل، الصحائف التي تُكْتَبُ فيها الأعمال توزن.\nوهذا من عِظَمِ عدل الله - ﷿ - وعِظَمِ إرادته أن يقطع عن العبد العذر، وأن يكون حجة العبد عليه من نفسه وعمله وصحائف عمله.\n_________\n(١) المسند (٣٩٩١) / ابن حبان (٧٠٦٩)","vol":"1","page":541},{"text":"[المسألة التاسعة]:\nوهذه المسألة في ترتيب هذه الأشياء يوم القيامة، وهي مسألة مهمة.\nفإنَّ ما يحصل يوم القيامة وما يكون فيه الذي جاء في الكتاب والسنة أشياء كثيرة، مثل ما ذَكَرْ قيام الناس، الحوض، الميزان، الصحف، الحساب، العرض، القراءة، تطاير الصحف، الكتاب، الصراط، الظلمة، وهذه أشياء متنوعة، فكيف ترتيبها؟\nالظاهر والذي قرَّرَهُ المحققون من أهل العلم أنَّ ترتيبها كالتالي:\n١ - إذا بُعث الناس وقاموا من قبورهم ذهبوا إلى أرض المحشر، ثم يقومون في أرض المحشر قيامًا طويلا، تشتد معه حالهم وظمؤُهُم، ويخافون في ذلك خوفًا شديدًا؛ لأجل طول المقام ويقينهم بالحساب وما سيُجري الله - ﷿ - عليهم.\n٢ - فإذا طال المُقام رَفَعَ الله - ﷿ - لنبيه ﷺ أولًا حوضه المورود، فيكون حوض النبي ﷺ في عرصات القيامة إذا اشتد قيامهم لرب العالمين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.\nفمن مات على سنّته غير مًغَيِّرٍ ولا مُحْدِثٍ ولا مُبَدِّلْ وَرَدَ عليه الحوض وسُقِيَ منه فيكونُ أول الأمان له أن يكون مَسْقِيًَا من حوض نبينا ﷺ، ثم بعدها يُرْفَعُ لكل نبي حوضه، فيُسْقَى منه صالح أمته.\n٣ - ثم يقوم الناس مُقامًا طويلًا ثم تكون الشفاعة العظمى -شفاعة النبي ﷺ- بأن يُعَجِّلَ الله - ﷿ - حساب الخلائق في الحديث الطويل المعروف أنهم يسألونها آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم إلى آخره، فيأتون إلى النبي ﷺ ويقولون له: يا محمد، ويصِفُونَ له الحال وأن يقي الناس الشدة بسرعة الحساب، فيقول ﷺ بعد طلبهم اشفع لنا عند ربك، يقول «أنا لها، أنا لها»، فيأتي عند العرش فيخر فيحمد الله - ﷿ - بمحامد يفتحها الله - ﷿ - عليه، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وسل تُعْطَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ. فتكون شفاعته العظمى في تعجيل الحساب. (١)\n٤ - بعد ذلك يكون العرض -عرض الأعمال-.\n٥ - ثم بعد العرض يكون حساب.\n٦ - وبعد الحساب الأول تتطاير الصحف، والحساب الأول من ضمن العرض؛ لأنه فيه جدال ومعاذير، ثُمَّ بعد ذلك تتطاير الصحف ويُؤْتَى أهل اليمين كتابهم باليمين وأهل الشمال كتابهم بشمالهم فيكون قراءة الكتاب.\n٧ - ثم بعد قراءة الكتاب يكون هناك حساب أيضًا لقطع المعذرة وقيام الحجة بقراءة ما في الكتب.\n٨ - ثم بعدها يكون الوزن، الميزان، فتوزن الأشياء التي ذكرنا.\n٩ - ثم بعد الميزان ينقسم الناس إلى طوائف وأزواج؛ أزواج بمعنى كل شكل إلى شكله، وتُقَامْ الألوية -ألوية الأنبياء- لواء محمد ﷺ، ولواء إبراهيم، ولواء موسى إلى آخره، ويتنوع الناس تحت اللواء بحسب أصنافهم، كل شَكْلٍ إلى شكله.\nوالظالمون والكفرة أيضًا يُحْشَرُونَ أزواجًا يعني متشابهين كما قال ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات:٢٢-٢٣]؛ يعني بأزواجهم يعني أشكالهم ونُظَرَاءَهُمْ، فيُحْشَرْ علماء المشركين مع علماء المشركين، ويُحْشَرْ الظلمة مع الظلمة، ويُحْشَرْ منكري البعث مع منكري البعث، ويُحْشَرْ منكري الرسالة وهكذا في أصناف.\n١٠ - ثُمَّ بعد هذا يَضْرِبُ الله - ﷿ - الظُّلمة قبل جهنم والعياذ بالله، فيسير الناس بما يُعْطَونَ من الأنوار، فتسير هذه الأمة وفيهم المنافقون، ثُمَّ إذا ساروا على أنوارهم ضُرِبَ السُّور المعروف ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الحديد:١٣-١٤] الآيات، فيُعْطِيْ الله - ﷿ - المؤمنين النور فيُبْصِرُون طريق الصراط، وأما المنافقون فلا يُعْطَون النور فيكونون مع الكافرين يتهافتون في النار، يمشون وأمامهم جهنم والعياذ بالله.\n١١ - ثم يأتي النبي ﷺ أولًا ويكون على الصراط، ويسأل الله - ﷿ - له ولأمته فيقول: «اللهم سلّم سلم، اللهم سلّم سلم» . فَيَمُرْ ﷺ وتَمُرُّ أمته على الصراط، كُلٌ يمر بقدر عمله ومعه نور أيضًا بقدر عمله، فيمضي مَنْ غَفَرَ الله - ﷿ - له، ويبقى في النار يسقط في النار في طبقة الموحّدين من شاء الله - ﷿ - أن يُعَذبه.\nثم إذا انتهوا من النار اجتمعوا في عَرَصَات الجنة يعني في السّاحات التي أعدها الله - ﷿ -؛ لأن يُقْتَصَّ أهل الإيمان بعضهم من بعض ويُنْفَى الغل حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غل.\n١٢ - فيدخل الجنة أول الأمر بعد النبي ﷺ فقراء المهاجرين، فقراء الأنصار إلى آخره ثم فقراء الأمة، ويُؤَخَرْ الأغنياء لأجل الحساب الذي بينهم وبين الخلق ولأجل محاسبتهم على ذلك.\nإلى آخر ما يحصل في ذلك مما جاء في القرآن العظيم.\n_________\n(١) حديث الشفاعة في البخاري (٤٤٧٦) / مسلم (٤٩٥)","vol":"1","page":542},{"text":"أسأل الله - ﷿ - أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة، وأن يعيذنا من سَخَطِهِ والنار.\nاللهم لَقِّنَّا حُجَّتَنَا في القبور واجعلنا ممن يأخذه كتابه باليمين وتُحَاسِبُهُ حسابًا يسيرًا يا أكرم الأكرمين.\nأسأل الله - ﷻ - لي ولكم ولأحبابنا جميعًا ولمن له حق علينا المغفرة والرضوان، وأن لا يؤاخذنا بسيئات أعمالنا وأن يغفر لنا ذنوبنا فإنه سبحانه أهل للجود والكرم والمغفرة والرحمة.\nسبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.\nوصلى الله وسلم بارك على نبينا محمد.","vol":"1","page":543},{"text":"وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ، لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ\n_________\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم نسألك العلم النافع والعمل الصالح، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، ومُنَّ علينا بحسن الختام، وقنا الشر وأسبابه، إنك على كل شيء قدير.\nقال ﵀ (وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ، لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ)\nيريد بذلك أن يُقَرِّرَ ما دلَّ عليه كتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله ﷺ مِنْ أنَّ الجنة موجودة اليوم، وأنّ النار موجودة وأنَّ الجنة مخلوقة قبل خلق آدم والنار موجودة خَلَقَهَا الله - ﷿ - كما خَلَقَ الجنة وخَلَقَ لها أهلًا كما قال (وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلًا) .\nوهذا الأصل قُرِّرَ في العقائد لأجل ما ذكرت لكم من الأسباب فيما قبله مِنْ أَنَّ هذه المسألة غيبية والدليل جاء بإثباتها، وطائفة من الفِرَقْ الضالة خالفت في هذا الأصل.\nوأهل السنة يذكرون في عقائدهم -كما سبق أن بَيَّنْتُ لكم- الأمور الغيبية وما يجب أن يُعْتَقَدَ فيها، ويذكرون ما دَلَّتْ عليه النصوص مما يجب التسليم له، ويذكرون أيضًا في عقائدهم ما يتميزون به عن الفِرَقْ الضالة أو عن بعض تلك الفِرَقْ.\nوهذه المسألة وهي مسألة خلق الجنة والنار، وأنَّ الجنة باقية أبدًا والنار باقية أبدًا، لا تفنى الجنة والنار ولا تبيدان، كانت من المسائل التي جرى فيها الكلام بعد ظهور الجهمية.\nوأصل هذه المسألة -كما سيأتي- مرتَبِطٌ بأصلين كلاميين زعمهما الجهمية ومن وافقهم في القدر، وفي تسلسل الأفعال والمخلوقات والمُؤثِرَات.\nفالله - ﷻ - لم يُجْرِ عالم الغيب على قياس عالم الشهادة، وهذا أصلٌ مهم في بيان ضلال من ضَلَّ في المسائل الغيبية، حيث جَعَلُوا عَالَم الغيب مَقِيسًا على عالم الشهادة، فما يصلح لعالم الشهادة يصلح لِعَالَم الغيب، والقوانين والسُنَنْ التي تحكم عالم الشهادة يجعلونها صالحةً لعالَم الغيب، والله - ﷿ - خلق كل شيء فَقَدَّرَُه تقديرًا، كلٌّ له تقديره الخاص.\nووجود الجنة والنار عقيدةٌ ماضية دلَّ عليها القرآن والسنة، والأدلة في ذلك كثيرة جدًا:\nنذكر منها قول الله - ﷿ - ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:١٩]، والجنة هذه هي جنة الخلد، التي فيها الخلود الذي لا يزول عنه المرء ولا يَحُولْ.\nووَصَفَ الله - ﷿ - حين عُرِجَ بنبيّه أن عنده جنة المأوى فقال - ﷿ - ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٣-١٦]، فأثبت - ﷿ - أنه حين عُرِجَ برسول الله ﷺ كانت الجنة هناك.\nوالنبي ﷺ أُرِيَ في ذلك المقام الشجرة الملعونة قال - ﷿ - ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠]، لهذا لما وَصَفَ لهم حال النار وحال تلك الشجرة قالوا ما قالوا في أَنَّ الزَّقُوم والتَّزَقُّمْ إنما هو خلط التمر بالزبد ونحو ذلك فقال - ﷿ - ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣-٤٦] والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nوفي السنة أيضًا في بيان هذا الأصل، وأنَّ نَسَمَةْ المؤمن في الجنة كقوله «نسمة المؤمن طائر يعلق من ثمار الجنة (١)»\nوكقوله في أرواح الشهداء «أرواح الشهداء في جوف طير خضر تهوي إلى قناديل معلقة تحت العرش في الجنة» (٢) .\nوكذلك قوله - ﷿ - في الشهداء ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩-١٧٠] .\nونحو ذلك مما فيه تقرير على أنَّ الجنة موجودة والنار موجودة، وأنَّ هذه سيدخلها من يدخلها وهذه سيدخلها من شاء الله أن يدخلها.\nفإذًا أهل السنة قَرَّرُوا هذا في العقائد تَبَعًَا للدليل، وهذا أمرٌ واضح بَيِّنْ فيما دلَّ عليه القرآن والسنة.\nونذكر المسائل المتعلقة بهذا:\n_________\n(١) النسائي (٢٠٧٣) / ابن ماجه (٤٢٧١)\n(٢) مسلم (٤٩٩٣) / أبو داود (٢٥٢٠)","vol":"1","page":544},{"text":"[المسألة الأولى]:\nقوله (الْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ) يعني به أنَّ خَلْقَهُما قد تَمَّ، ليس موقوفًا على قيام الساعة، وليس حال الجنة والنار كحال السموات والأرض ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، فذاك شان والجنة والنار شأنهما آخر، فهما مخلوقتان يعني الآن حين قال وحين بعث الله نبيه وقبل ذلك، فهما مخلوقتان لا يُعْلَمُ متى خَلَقَهُمَا الله - ﷻ -، وإنما خَلَقَهُمَا الله - ﷿ - قبل خَلْقِ الخَلْقْ -يعني قبل خلق آدم قبل خَلْقِ المُكَلَّفِين- وهذا يدلّ عليه قوله ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥، الأعراف:١٩] والألف واللام في ﴿الْجَنَّةَ﴾ للعهد يعني الجنة المعهودة التي هي دار النعيم.","vol":"1","page":545},{"text":"[المسألة الثانية]:\nقوله (لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ) يعني أنَّ الجنة خُلِقَتْ للبقاء والنار خُلِقَتْ للبقاء، وهذا هو الذي دَلَّ عليه القرآن والسنة؛ لأنَّ أهل الجنة خالدين فيها أبدًا، وأنَّ أهل النار خالدين فيها أبدًا، قال - ﷿ - في ذكر النار ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٣-٦٥]، وفي الجنة آيات كثيرة جدًا فيها ذكر الأبدية، وأنَّ من دخلها فهو خالد فيها أبدًا.\nوهذه الأبدية في الجنة والنار معًا مما أَجْمَعَ عليه أهل السنة والجماعة؛ بأنَّ الجنة والنار مخلوقتان للبقاء أبدًا.\nوالمقصود بالنار هنا في الإجماع جنس النار، فإنَّ الإجماع مُنْعَقِدْ على أنَّ جنس النار باقٍ أبدًا.\nوالفِرَقْ المخالفة لهم عدة أقوال في هذه المسألة تبلغ ستة أقوال أو أكثر، وأهمها:\n١- القول الأول من الأقوال الضالة:\nإنَّ الجنة والنار تفنيان في وقتٍ ويبقى نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار بالاستصحاب، لا بِتَجَدُدْ النعيم؛ يعني يحصل لهم نعيمٌ تَتَنَعَّمْ به أبدانهم ثم يَقِفْ، وتفنى الجنة.\nوهذا منهم لأَصْلٍ أَصِّلُوه وهو أنَّ العقل اقتضى أنَّ الحركة التي تبدأ فإنها ستنتهي، وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ بَدَأَ بحركة فلابد أن ينتَهِيَ بلا حركة، لهذا قالوا: أهل النار أيضًا لا يستمرون في العذاب بل تفنى النار ويبقى أهل النار ليسوا في نعيم وبذلك يَصِحُّ أنْ يُقَال عنهم إنهم في عذاب دائم.\nوهذا منسوب إلى الفِرَقْ الضالة الكافرة كالجهمية وطائفة أيضًا من غيرهم.\n٢- القول الثاني من الأقوال الضالة:\nإنَّ الجنة تبقى والنار تبقى لكن النعيم ينقطع والعذاب ينقطع، ويكون الجنة يفعل الله - ﷿ - بها ما يشاء والنار يفعل الله بها ما يشاء، وهذا لأجل الأصل السابق ولأجل النظر في القَدَرْ؛ حيث إنَّ استدامة النعيم عندهم على عملٍ صالحٍ قليل لا يُوَافِقُ العدل، واستدامة العذاب على عمل سيئٍ قليل الزمن لا يوافق العدل، ولهذا نفوا هذا الأصل.\nوثَمَّ أقوال أُخَرْ ليس مناسبا أن تُذْكَر في مثل هذا المكان.\nأمَّا قول أهل السنة المعروف هو ما ذكرته لك من أنَّ الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان ولا تفنيان أبد الآبدين، يُنَعَّمُ أهل الجنة في الجنة أبد الآبدين، ويُعَذَّب الكفار في النار أبد الآبدين.\nوقد صح عنه ﷺ أنَّهُ قال «يؤتى يوم القيامة بالموت على هيئة كبش فيُذْبَحْ بين الجنة والنار ثم ينادي المنادي يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت» (١)، والتنصيص على الأبدية في نعيم أهل الجنة وخلودهم فيها يدل على أنَّ المكان الذي يخلدون فيه يبقى، حيث قال - ﷿ - في الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٢)، وقال في النار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٣) فَهُمْ خالدون في المكان فيقتضي أنَّ المكان أيضًا يبقى أبد الآبدين.\n* ومن أهل السنة من قال: إنَّ النار منها ما يَفْنَى وينتهي بإنهاء ربِّ العالمين له وهو طبقة أو دَرَكُ الموحّدين من النار، وهي الطَّبَقَةُ العليا من النار؛ لأنَّ الموحدين موعودون بأن يخرُجُوا من النار، فلا يَخْلُدْ في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، لابد لهم من يوم يخرجون منها؛ لأنَّ معهم التوحيد ولو طالت مدتهم، ثم تبقى تلك الطبقة لا أحد فيها فيُفنيِهَا الله - ﷿ -.\nوهذا منسوبٌ إلى بعض السلف، وجاء في الأثر عن عمر وفي إسناده مقال وضعف: أنَّ أهل النار لو لبثوا فيها كقدر رمل عَالجْ -موضع فيه رمل كثير-، لكان لهم يوم يخرجون منها، وليأتين عليها يوم تَصْطَفِقُ أبوابها ليس فيها أحد (٤) .\nومما يُنسَبُ أيضًا إلى بعض أهل السنة من أئمة أهل السنة أنَّ فناء النار ممكن وأنَّ فناءها لا يمتنع، وهو القول المشهور عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ وعن غيره كابن القيم وجماعة من المتقدمين أيضًا ومن الحاضرين.\n_________\n(١) سبق ذكره (٦٠)\n(٢) النساء٥٧، ١٢٢، المائدة، ١١٩، التوبة:٢٢، ١٠٠، التغابن:٩، الطلاق:١١، البينة:٨.\n(٣) النساء:١٦٩، الأحزاب:٦٥، الجن:٢٣.\n(٤) انظر رفع الأستار (٩)","vol":"1","page":546},{"text":"وهذا القول مَنْشَؤُهُ -مع عِلْمِ هؤلاء بالدليل وبالنصوص- على وجه الاختصاص النظر في صفات الله - ﷿ -، وذلك أنَّ من المتقرر في النصوص أنَّ صفة الرحمة ذاتية ملازمة للرب - ﷿ -، والجنة من آثار رحمة الله - ﷿ - «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» (١) والنار أَثَرُ غضب الله - ﷿ - والغضب صفة فعلية اختيارية لا تنقَلِبُ إلى أن تكون صفة ذاتية كالرحمة، ولو بقي أثَرُ الغضب لبقي الأصل وهو الغضب، لو بقيت النار وهو أثر الغضب لبقي الغضب أبد الآبدين، وهذا يعني أنَّهُ أصبح صفة ملازمة، وهذا هو مأخذ هؤلاء الأئمة في هذه المسألة.\nوهذا فيه بحث ونظر معروف في تقرير هذه المسألة؛ لكن من بَحَثَهَا وكثيرٌ من الناس كتبوا فيها لم يلحَظُوا علاقة المسألة في قول هؤلاء بصفات الله - ﷿ -، وهي أصلُ منشأ هذه المسألة.\nقد قال ابن القيم (سألت ابن تيمية عنها فقال: هذه مسألةٌ عظيمة) (٢)، وذَكَرَ في موضع بعد أن ذَكَرَ أدلة الجمهور أهل السنة وأدلة هؤلاء، فقال في آخره: فإن قلت إلى أي شيءٍ انتهت أقدامكم في هذه المسالة العظيمة؟ قلنا انتهت أقدامنا إلى قول الله - ﷿ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] .\nومما لا ينبغي أن يُخَاضَ في هذه المسألة؛ لكن لمَّا أوردها الشارح وهي مسألةٌ مشهورة عند طلبة العلم أَوْرَدْتْ عليها هذا التقرير الموجز وهي معروفة بتفاصيل من التعليل لقول ابن تيمية وابن القيم.\n* ولم يُصِبْ من زَعَمْ أنه لا يَصِحْ نسبة هذا القول إلى الشيخين ابن تيمية وابن القيم.\n_________\n(١) البخاري (٤٨٥٠) / مسلم (٧٣٥١)\n(٢) شفاء العليل (١/٢٦٤)","vol":"1","page":547},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nقال في ذِكْرِ خلق الجنة والنار (خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ) وهذا مأخَذُهُ قول الله - ﷿ - ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:١٩]، وهذه الجنة معناه أنَّها موجودة بعد أن نُفِخَ الروح في آدم، وهذا يعني أنَّها تَقَدَّمَتْ قبل خلق آدم.\nوهذه الجنة التي سكنها آدم للعلماء فيها أقوال أشهرها:\n- الأول: أنها جَنَّةٌ مخلوقة في الأرض وليست بجنة الخلد.\n- الثاني: أنَّها الجنة المعروفة دار الكرامة عند رب العالمين.\nويُرَجِّحْ جماعة منهم ابن القيم وكثير من المفسرين من المعتزلة ومن أهل السنة أنَّ الجنة هذه ليست هي جنة الخلد، ولهم في ذلك أدلة طَوَّلَ عليها ابن القيم في أول مفتاح دار السعادة بأكثر من أربعين صحيفة في ذكر هذه المسألة.\n* والصحيح أنَّ الجنة هي الجنة المعهودة لأسباب كثيرة وأدلة من القرآن ومن السنة:\nمن أعظمها قوله - ﷿ - في وصف الجنة ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ (١) [طه:١١٨-١٢٠] إلى آخر الآيات وهذه الصفات (إن لك فيها..) إلى آخره هذه ليست مناسبة للأرض، فالأرض وإنْ كان فيها مكان مرتفع جَنَّةْ إلى آخره مُخْتَلِفْ عن بقية الأرض فلا يوصف مَنْ فيه بهذه الصفات أنَّهُ لا يظمأ ولا يضحى، يعني ما يأتيه شمس فيها ولا يجوع ولا يعرى ونحو ذلك من الصفات، فهذه صفات تدل على أنَّ المكان مُغَايِرْ للأرض.\nومن الأدلة أنَّ الله - ﷿ - قال في ذكرها لَّما عصى آدم ﴿اهْبِطَا مِنْهَا﴾ [طه:١٢٣]، وهذا الاهباط والخروج يقتضي أن يكون من جهةٍ عالية، والمكان الذي هو من جنسه فإنَّه وإنْ هَبَطَ منه فإنَّه ليس خارِجًا إلى غيره؛ بل هو منه إلى جنسه ولا تحصل العقوبة بالإهباط وإنَّما العقوبة بالإخراج، والله - ﷿ - جعل في القرآن هذا وهذا، الإخراج والإهباط، إلى أدلةٍ أخرى معروفة.\nالمقصود أنَّ قوله (خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ) الجنة واحدة هي المعروفة وكل الأدلة التي فيها ذِكْرْ الجنة الغيبية فهي دار الكرامة التي أعدَّهَا الله لعباده.\n_________\n(١) - انتهى الوجه الأول من الشريط الثامن والثلاثين.","vol":"1","page":548},{"text":"قال ﵀ (وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلًا)\n_________\nيعني به قبل خلق السموات والأرض، فإنَّ الله - ﷿ - كتب أنَّهُ سيخلق هؤلاء وهؤلاء وأنَّ الجنة لها أهلها وأنَّ النار لها أهلها، ولما خَلَقَ آدم أيضًا نَشَرَ ذريته من ظهره ثم قَبَضَ قبضة فقال هؤلاء إلى الجنة، وقبض أخرى وقال هؤلاء إلى النار.\nفالله - ﷿ - خَلَقَ الجنة وجعل لها أهلًا سيدخلونها فضلًا منه وتكرمًا، وخلق النار وجعل لها من يملؤها عدلًا منه وحكمة.\nقال بعدها (فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ فَضْلًا مِنْهُ، وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى النَّارِ عَدْلًا مِنْهُ)\nوهنا مسألتان:","vol":"1","page":549},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالفضل هو الإكرام، والله - ﷿ - عَلَّقَ دخول الجنة بالعمل الصالح ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢]، وعَلَّقَ دخول النار بالعمل السيئ وبالكسب السيئ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:٢٨]، ونحو ذلك من الآيات، وهذه الباء في المقامين هي باء السبب فإنَّ الله - ﷿ - جعل الأعمال الصالحة وأعظمها التوحيد سببًا في دخول الجنة، وجعل الأعمال السيئة وأعظمها الشرك بالله سببًا لدخول النار.\nولكن هذا السبب ليس كافيًا في تحقيق المراد؛ بل لا أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله - ﷿ -، لهذا صح عنه ﷺ أنَّهُ قال «لن يُدْخِلَ أحدكم عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضلا» (١)، فدلّ على أنَّ أصل دخول الجنة برحمة الله وفضله، وذلك لأنَّ:\n- الفضل هنا هو الامتنان، الفضل هنا هو الإعطاء والإكرام، والأعمال وإنْ كان للعبد فيها أجور فلو قوبِلَتْ بالنعم لصارت القسمة أو لصار الشأن واضحًا في أنَّ العبد قوبلت أعماله بالنِّعَمْ التي كرّمه الله - ﷿ - بها.\n- وأيضًا لو نظرت إلى أنَّ العمل الصالح أصلًا ما كان من العبد إلا بإعانة وتوفيق من الله - ﷿ -، فأصلًا نشوء العمل الصالح هو بفضل من الله وهدى من الله وإعانة وتوفيق فما يكون نتيجة فلابد أنَّهُ فضل أيضًا من العدل معناه أن يُعَامَل المرء بما يستحقه دون تَفُضُّلٍ عليه، يعني أن يُنظَرَ ويُنَاقَشْ الحساب ويُعْطَى ما يستحق.\nوأهل النار دَخَلُوا النار بما يستحقون عدلًا مِنَ الله - ﷿ -؛ لأنَّهُ سبحانه لِمَا عَلِمَ بما في صدورهم لم يُعِنْهُمْ إعانةً خاصة ولم يوفقهم للعمل الصالح؛ بل خذلهم يعني لم يوفقهم، ترك إعانتهم على أنفسهم، فوُكِلُوا إلى أنفسهم، وهذا عَدْلٌ أن تَعْمَلَ بما لديك، وبما عندك من الاستعدادات والآلات إلى آخره.\nولهذا قال الله - ﷿ - في بيان مِنَّتِهِ لأهل الإيمان ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧]، فدلّ على أنَّ الله - ﷿ - مَنَّ على هؤلاء بشيء، ولم يتفضّل على أولئك بل عاملهم بالعدل.\nوذلك بسبب أنَّ هؤلاء في قلوبهم الخير وهم يريدونه وأقبلوا عليه، وأولئك لا يريدون الخير ولا يحبون سماعه ولم يريدوا الإهتداء أصلًا، فعاملهم الله - ﷿ - بعدله، قال - ﷿ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٦-٧] الآية.\nفقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أنَّ الكفر وُجِدَ منهم، الكفر أصلًا في قلوبهم، ولهذا قال في آية النساء ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٣٧]، ﴿لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:١٦٨-١٦٩] الآية، فَدَلَّ هذا على أنَّ المعاملة بالعدل أن يُوكَلَ إلى نفسه، وهو أصلًا لم يُعَنْ ويُتَفَضَّلْ عليه لأنَّهُ لم يسع إلى الخير، لم يُوَفَّقْ لأنه لم يسعَ، وفي قلبه حب للشر ونوع بغض للخير، فلذلك لم يُعِنْهُ الله - ﷿ - على نفسه.\n_________\n(١) سبق ذكره (٣٧٨)","vol":"1","page":550},{"text":"قال بعدها (وَكُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا قَدْ فُرِغَ لَهُ، وَصَائِرٌ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ)\n_________\nيعني أنَّ مَنْ خَلَقَهُمْ الله - ﷿ - كلٌ يعمل لما كُتِبَ في الكتاب أنَّهُ سيؤولُ إليه فإنَّ الله - ﷿ - عالم بما العباد يفعلون، إذا خلقهم فهذا سيفعل الخير على تفاصيله فكتب عليه ذلك وهذا سيعمل الشر على تفاصيله فكتب عليه ذلك، وقد قال نبينا ﷺ «اعملوا فكل ميسر لما قد خلق له» يعني أنَّ الله - ﷿ - خلق الجنة وخلق لها أهلًا وهذا سيعمل حتى يصل إلى ما خلقه الله - ﷿ - له، وخلق النار إلى آخره، وهذا سيأتي مزيد بيان له في القدر في المسائل القريبة إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":551},{"text":"قال (وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ)\n_________\nيعني أنَّ ما يفعله العبد من الخير أو يفعله من السوء فهو لم يحصل ابتداءً منه دون قَدَرٍ سابق، بل الله - ﷿ - قَدَّرَ عليه ذلك.\nومعنى قَدَّرَ عليه ذلك أي أنَّهُ سبحانه عَلِمَ ذلك منه وكَتَبَهُ عليه، وأنَّهُ أعانه بالأدوات والقُدْرَةْ والإرادة، بحيث فَعَلَ الخير وفعل الشّر، ما شاء الله كان، وَقَعَ الخير ووَقَعَ الشر بمشيئته، وهو سبحانه خالق كل شيء.\nوذَكَرَهُ هنا لأنَّ:\n@ (الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ) لأجل قوله ﷺ في جواب جبريل «وأن تؤمن بالقدر خيره وشره» .\n@ ولأنَّ الفِرَقْ المخالفة في مسألة القدر والخير والشر وأفعال العباد ونحو ذلك طرفان:\n- الطرف الأول: الجبرية.\n- والطرف الثاني: القدرية.\n&amp; والجبرية يقولون: العبد مُجْبَرْ على كل شيء فهو كالريشة في مهب الريح وكحركة الأمعاء في داخل البطن ليس له فيها اختيار؛ بل هو يجري كما يشاء الله - ﷿ -، دون أن يكون العبد مُخْتَارًَا للخير أو مُخْتَارًَا للشر.\n&amp; والقدرية يقولون: الخير والشر ليسا مُقَدَّرَيْنْ؛ بل العبد يعملهما وهما عمل العبد وخَلْقُ العبد لفعله، والله - ﷿ - يحاسب الناس على ما فعلوا، ليس الخير خَلْقًَا له في فعل العبد، وليس الشر خَلْقًَا له في فعل العبد، ولم يُقَدِّرْهُمَا على العباد فِعْلًا وتركًا، وذلك لأنّه عندهم ينافي العدل الواجب فيما قاسوا به أفعال العباد على أفعال الله - ﷿ -.\nنذكر هنا عدة مسائل:","vol":"1","page":552},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ الخير والشر المُقَدَّرَيْنْ على العباد؛ يُعنَى بهما ما يصيب العبد من خيرٍ له ومن شرٍ عليه، أمَّا في فعل الله - ﷿ - فليس في أفعاله سبحانه إلا الخير، كما قال ﷺ في دعائه في صلاته «والشر ليس إليك» (١) يعني أنَّ أفعال الله - ﷿ - لا توصف بالشر؛ بل كلها عدل أو فَضْلٌ وخير لما فيها من الغايات المحمودة؛ لكن ما يُضَافُ للعبد يكون شرًّا بالنسبة له؛ لكن بالنسبة للقدر هو خير.\nمثلًا أصيب فلان بفقد والده، أصيب بفقد ماله فهذا بالنسبة له سوء وشر؛ لكن بالنسبة إلى الَقَدْر وفعل الله - ﷿ - هو خير؛ لأنَّهُ لا يُنْظَرُ إلى المسألة بمجردها؛ بل إلى الغاية المحمودة من ورائها، والغاية المحمودة من ورائها أن يَبْتَلِيَ العباد بذلك، يبتلي الحي يبتلي الميت ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] .\nفإذًا أفعال الله - ﷿ - كلها خير، وأما ما يضاف إلى العبد فينقسم إلى الخير والشر.\nفقوله (وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ) يعني الخير والشر الذي يحصل للعبد مُقَدَّرٌ.\n_________\n(١) سبق ذكره (٤٣٠)","vol":"1","page":553},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالقَدَرْ هنا في قوله (مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ) يعني أنَّهما لم يقعا استئنافًا؛ بل الله - ﷿ - يعلم ما سيحصل على العبد وكتب ذلك.\nوذَكَرْتُ لك أنَّ الفِرَقْ المخالفة في هذه المسألة -في القَدَرْ - أنها طرفان:\n١ - الجبرية:\nوالجبرية تنقسم إلى فرقتين:\n@ الفرقة الأولى الجبرية الغلاة:\nوهم الجهمية الذين يقولون: الله - ﷿ - يُجْبِرْ العبد على كل شيء، على الخير وعلى الشر، وإنما هو كالريشة في مهب الريح إلى آخره.\nويستدلون على ذلك بقوله - ﷿ - ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، يقولون إنَّ الذي رَمَى في الحقيقة هو الله - ﷿ - ولكن النبي ﷺ ما رَمَى.\nوهذا قول الغلاة منهم -غلاة الجبرية-، ويُرَدُّ عليهم في هذا الاستدلال على وجه الاختصار بجوابين:\n&amp; الجواب الأول: أنَّ الله - ﷿ - قال ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ يعني حين رميت فإنَّ الله - ﷿ - هو الذي رَمَى، وظاهر الآية كما هو واضح أنَّهُ أثْبَتَ للنبي ﷺ رميًا فقال ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، ونفى عنه رميًا بقوله ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾، والنظر الصحيح يدلُّ على أنَّهُ لا بد من الجمع ما بين الرمي المَنْفِي والرمي المُثْبَتْ، وهذا يتضح بأنَّ العبد إذا فَعَلَ الفعل فإنَّ الفعل الذي يفعله سَبَبٌ في حدوث المُسَبَّبْ، ولا يحصل المُسَبَّبْ ولا تحصل النتيجة بفعل العبد وحده في أكثر أو في جُلِّ المسائل؛ بل لابد من إعانة من الله - ﷿ -.\nوهذا ظاهِرٌ في الرمي بخصوصه؛ لأنَّ الرمي عن بعد له ابتداءْ وله انتهاءْ، فابتداء الرمي من النبي ﷺ لكن الانتهاء بأن يصيب رمي النبل أو رمي الحصاة أن يصيب فلانًا المشرك ويموت منه هذا من الله - ﷿ -؛ لأنَّ العبد ما يملك أن تكون رميته ماضية فتصيب.\nولهذا فيكون العبد هنا مُتَخَلِّصًَا مِن رؤيته لنفسه ومِن حَوْلِه وقُوَّتِهْ مع فعله، فأراد - ﷿ - أن يُعَلِّمَ نبيّه والمؤمنين أن يتخلصوا من إعجابهم ورؤيتهم لأفعالهم وأنفسهم، فقال: افعلوا ولكن الذي يَمُنُّ عليكم ويُسَدِّدْ رميكم هو الله - ﷻ -.\nفيكون إذًا معنى [.....] أصاب بما أعان على التسديد.\n&amp; الجواب الثاني: أنَّهُ لو قيل على قول الجبرية: إنَّ الله هو الذي يفعل الأشياء لكان تقدير الآية كما قاله جماعة أن يقال في كل فعل فعله العبد (ما فعله ولكن الله فعله) كأن تقول: ما صليت إذ صليت ولكن الله صلى، وما زكيت إذ زكيت ولكن الله زَكَّى، وما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى وهكذا في الأعمال القبيحة المشينة التي يُنَزَهْ الله - ﷿ - عنها بالإجماع كقول القائل -أعوذ بالله - وما سرقت إذ سرقت ولكن الله سرق، وما زنيت إذ زنيت ولكن الله إلى آخره، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\nوالقول إذا كان يلزم منه اللازم الباطل يدل على فساده وعدم اعتباره؛ لأنَّ القول الحقيق القول الصحيح القول الحق لا يلزم منه لوازم باطلة.\nوالقول الباطل هو الذي ينشأ عنه لوازم باطلة، ما الفرق بين هذه وهذه؟\n@ الفرقة الثانية الجبرية المتوسطة:\nوالجبرية المتوسطة -أو يعني الذين هم ليسوا بالغلاة-، هم الذين يتوسطون، فيقولون: العبد مجبور باطنًا لكنه في الظاهر مختار، يعني ظاهرًا هو يَخْتَارُ فيمشي ويروح ويأتي للمسجد ويذهب إلى المكان الثاني باختياره؛ لكنَّهُ في الباطن مُجْبَرْ.\nوهذا قول كثير من أهل الكلام والأشاعرة والماتريدية وجماعة ممن ينحون هذا المنحى بأنَّ الإنسان مجبور لكنه في الظاهر ليس بمجبور.\nوإذا كان كذلك فإنهم يجعلون أفعال الإنسان له ولكنَّهَا عديمة الفائدة، لا معنى لها.\nوهؤلاء هم الذين يقال عنهم نُفَاةْ الأسباب.\nيعني إنَّ الإنسان إذا جامع زوجته فَحَمَلَتْ، يقولون: لم يحدث الحمل بالجماع.\nإذًا كيف حدث الحمل؟\nيقولون: أَحْدَثَ الله الحمل عند التقاء الرجل بالمرأة؛ لكن أنَّ ماء الرجل يلتقي بماء المرأة أو ببويضة المرأة ويحدث منهما حمل بما أجرى الله الأسباب عليه ينفون ذلك، ويطرُدُونَ هذا في كل شيء.\nفيقولون: إنَّ فعل الإنسان فيما يفعله كحركة السّكين في قَطْعِهَا للورق أو قطعها للخبز أو قطعها لما تقطع، فيقولون بالتمثيل: إنَّ الله هو الذي كأنه يحمل السكين والسكين تتحرك هي التي تقطع؛ لكن في الواقع هي مجبورة على القطع وإن كانت ظاهرا تتحرك وقَطَعَتْ.\nوهذا القول وهو قول هؤلاء مع زعمهم أنَّهُمْ عقلاء وأنَّهُمْ متكلمون وأنهم فلاسفة إلى آخره، هؤلاء قولهم هذا ينفيه العقل البسيط، فضلًا عن العقل الرصين، وأحْدَثُوا قولًا على هذا يسمى الكسب سيأتي بيانه في موضعه.\nفالماء عندهم لم يُنْبِتْ الأرض، الله - ﷿ - يقول ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق:٩]\n﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ بإيش؟\nبالماء.","vol":"1","page":554},{"text":"﴿أَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ يعني أن النبات خرج بإيش؟\nبالماء، الماء سبب والتراب سبب.\nلكن هل هذا يعني أنَّ الله لم يفعل لم يخلق لم يُنَمِيْ؟\nلا.\nالجماع سبب، لكن هل معناه أنَّ الله لم يفعل؟\nلا.\nفإذًا إثبات الأسباب هو سبيل العقلاء في أنَّ السبب ينتج عنه المُسَبَّبْ، وأنَّ الشيء تَنْتُجُ عنه نتيجته، الفعل ينتج عنه نتيجته، الأثر يقتضي أن يُوجَدَ مؤثر، وهكذا.\nفإذا صار هنا هواء بارد لابد أنَّ فيه مصدر لهذا الهواء البارد الذي يأتينا.\nيقول هؤلاء الأشاعرة ونحوهم -نفاة الأسباب- يقولون: لا، الهواء أرسله الله - ﷿ - عند تشغيل الجهاز.\nوهذا مما يقتضي العقل أن ينفيه لأنَّهُ غير مطابق للعقل أصلًا.\nوهؤلاء تجد ذكرهم في كثير من كتب أهل العلم بعنوان نفاة الأسباب.\nإذا قيل لك نفاة الأسباب يعني الجبرية المتوسطة من الأشاعرة ونحوهم.\nعمل العبد بين فعل الله - ﷿ - -لأنهم يقولون بخلق الله للأفعال- وبين فعل العبد الحاصل يُسَمُّونَهُ كَسْبًَا ويأتي عند قوله (وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ) .\n٢ - القدرية:\nوالقدرية أيضًا فرقتان:\n@ الفرقة الأولى القدرية الغلاة:\nوهم الذين ينكرون علم الله السابق، ويقولون الأمر مُسْتَأْنَفْ جديد.\nهل الخير والشر مُقَدَّرْ؟\nلا، إنما هو مستأنف جديد، لا يعلم الله الخير حتى يقع، ولا يعلم الشر حتى يقع، تعالى الله عن قولهم عُلُوًا كبيرًا ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠] ﷾.\nفهؤلاء هم الذين صاح بهم السلف وكفَّرُوهم فقال فيهم الشافعي: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقرُّوا به خُصِمُوا وإن أنكروا العلم -يعني عِلْمَ الله - ﷿ -- كفروا.\nهؤلاء فرقة كانت موجودة وانتهت.\n@ الفرقة الثانية المعتزلة وأشباه المعتزلة:\nوهم الذين يُسَمَّونْ القدرية، وهم الذين يقولون: إنَّ الإنسان يخلق فعل نفسه، وأنَّ الله - ﷿ - لا يُضَافُ إليه خَلْقًَا كل ما هو سيئ، لا يُضَافُ إليه خَلْقًَا الشر ولا القتل ولا إلى آخره.\nويقولون أيضًا: إنَّ فعل العبد واستطاعة العبد وقدرة العبد، هذه ليس لله - ﷿ - فيها مأخذ؛ بل قدرة المطيع وقدرة العاصي وقدرة المؤمن وقدرة الكافر، إرادة المؤمن، إرادة الكافر للعمل واحدة.\nوهذا الأصل الذي قالوه وذهبوا إليه لأجل شبهةٍ عندهم وضلالٍ عندهم، وهو أنهم قالوا: إنَّ العدل يوجب على الله - ﷿ - أن يساوي بين العباد، والظلم بالتفريق ما بين هذا وهذا، ما بين المؤمن والكافر والمطيع والعاصي هذا ظلم.\nفَحَكَّمُوا عقولهم وآراءهم في فعل الله - ﷿ - وفي تَصَرُّفِهِ وصفاته - ﷿ -، والله ﷾ يقول ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧، البروج:١٦] ويقول - ﷿ - ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .\nوقوله ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لجهتين:\n- الجهة الأولى: أنَّ الله - ﷿ - له التصرف في ملكه كيف يشاء.\n- الجهة الثانية: أنَّ الله - ﷿ - له الحكمة البالغة فيما يفعل، وفيما يُجْرِيه في ملكوته ويشاؤه، والعباد قاصرون عن معرفة الحِكَمْ في أنفسهم، فكيف بالحِكَمْ في أفعال الله - ﷿ - وصفاته وتصرفه في ملكوته.\nوهؤلاء المعتزلة هم الذين يكثر رد الأشاعرة عليهم في مسائل القدر وهم كالأشاعرة في المخالفة لما دَلَّتْ عليه الأدلة.\n* الخلاصة: أنَّ هؤلاء وهؤلاء كُلٌ نَزَعَ بأدلة مختلفة، فهدى الله - ﷿ - أهل السنة ومَنَّ عليهم بأنهم لم يُفَرِّقُوا بين الكَلِمْ، ولم يُفَرِّقُوا بين الكتاب؛ بل اخذوا بكل الأدلة فقالوا:\n- بخلق الله - ﷿ - لفعل العبد.\n- وأنّ العبد يفعل حقيقة.\n- وأنَّ الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.\nفأعملوا كل النصوص والأدلة، وقالوا إنَّ ربك فعال لما يريد ﷾، لا مُعَقِّبَ لحكمه ولا رادَّ لقضائه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، جرى الأمر على ما يريده الرب - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\nثم أَعْمَلُوا العقل الصحيح في أنَّ الإنسان يُحِسُّ من نفسه أنَّهُ مُخْتَار، يُحِسُّ من نفسه أنَّهُ يذهب إلى الخير ويذهب إلى الشر، يذهب إلى الخير فينشرح صدره له، ويذهب إلى الشر فيقتل ثُمَّ يندم وتُعَاقِبُهُ نفسه وتؤنبه نفسه على ذلك.\nففي الإنسان ما يُحِسُّ به أنَّهُ يختار ويختار؛ يختار الشر ويختار الخير، وهذه ضرورة في قَلْبِ كل أحد لا مَفَرَّ منها، فالإنسان مختار لهذا ومختار لهذا.\nثم ثالثًا يُقال: إنَّ أهل السنة نظروا إلى المسألة في قولهم في القدر في أنَّ الخير والشر مُقَدَّرَانِ على العباد بأنَّ من احتج على القدر فإنه يناقض نفسه، لماذا؟","vol":"1","page":555},{"text":"لأنَّهُ كل من قال في القدر قولًا؛ يقول مثلًا: إنَّ الله - ﷿ - كتب علي السيئات وجعلني أفعل الشر وكذا ثُمَّ يُعَذبني بالنار؛ لكنهم لا يتجاسرون أن يُحَكِّمُوا القضية المقابلة لذلك وهي أن يقول القائل: كذلك إذا جعلني أصلي جعلني أطيع الله - ﷿ - وجعلني أفعل من الخيرات، فلماذا يثيبني؟\nوالمسألة هذه بمقابل هذه.\nفإذا قال القائل كتب علي السيئات فلماذا يعذب؟ فكذلك لابد أن يقول وكتب علي الخير فلماذا يُثِيْبْ؟\nوالإنسان بطبيعته يهرب مما هو عليه، فلا يُقِر على نفسه بما فيه مصلحته بأنَّ الخير الذي هو مصلحة له فيذهب ويسكت عنه؛ لأنَّهُ فيه مصلحة له.\nلكن يأتي بما فيه مضرة عليه أو بما فيه تبرير لفعله ليهرب من الواقع.\nوالحقيقة أنَّ العقل الصحيح وإدراك الإنسان لنفسه وفطرته وضرورياته يَجِدْ أنَّهُ يفعل الخير اختيارًا ويفعل الشر اختيارًا، يفعل الخير فتنشرح نفسه له، ويفعل الشر فتنكره نفسه عليه؛ لأنه مفطورٌ على حب الخير وعلى كراهة الشر.\nفإذًا اختياره دليل فطري في كل إنسان، مثل إحساس الإنسان، تحس بالشيء، الأعمى يحس ويقول هذا كذا ويستدل به ويكون مُتَيَقِّنًَا؛ لأن دليله صار ضروريًا، وكذلك يُحِسْ بالأمر الآخر فيكرهه لنفسه لأنَّ دليله صار ضروريًا.\nنكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"1","page":556},{"text":"وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ، فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ وَسَلَامَةِ الْآلَاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .\nوَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ.\n_________\nالحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليمًا، أما بعد:\nمضى معنا طائفة من الكلام على الإيمان بقدر الله - ﷿ - خيره وشره، وأنَّ الخير والشر مُقَدَّرَانِ من الله - ﷿ - فما يصيب العبد من خير فهو من الله - ﷿ - تقديراَ وتدبيراَ، وما يصيب العبد من شر وسوء فإنَّهُ من الله - ﷿ - تقديرًا وتدبيرًا.\nومَرَّ معنا مراتب الإيمان بالقَدَرْ وما يتصل بهذا المبحث مما فيه تقريرٌ لعقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة العظيمة، التي أَمَرَ الله - ﷿ - بالإيمان بها والتسليم لما جاء به رسوله ﷺ فيها.\nومَرَّ معنا أيضًا أنَّ القدر سِرُّ الله - ﷿ - في خلقه، لم يعطِ حقيقته لملكٍ مقرب ولا لنبيٍ مُرْسَلْ، وإنما هو ﷾ الذي يعلم كل شيء، وهو - ﷿ - الخالق لكل شيء، وهو سبحانه ذو الحكمة البالغة ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ونحو ذلك من المباحث والموضوعات التي سبق الحديث عنها، وسبق تقريرها على ما جاء في كتاب الله - ﷿ - وفي سنة نبيه ﷺ.\nومبحث القَدَرْ من المباحث العظيمة في الملة، ولأجل كونه سرًا من أسرار الله - ﷿ -، وإدراك كُنْهِهِ وحكمة الله - ﷿ - في عباده غير متحققة من كل وجه، فلذلك صار الخائض في القدر بلا دليل عُرْضَةً لمزلة القدم؛ بل لم يخض في القدر أحد بغير حجة وبرهان إلا وزلَّتْ قدمه وتَنَكَّبَ سواء الصراط.\nولهذا ينبغي أن يُتكَلَمَ في القدر بما جاء في النص دون زيادة لأنَّهُ أمر غيبي، ولا يمكن للعبد أن يخوض في الأمور الغيبية إلا مع الدليل، ودون الدليل فهو كالذي يسير في الظلمات ليس بخارج منها.\nوالمخالفون في القَدَرْ كثيرون، ولهذا الطحاوي ﵀ لم يُرَتِّبْ الكلام على مسائل القَدَرْ في موضعٍ واحد حتى يُمْكِنَ الناظر أن يبسط الكلام فيه بتقرير قول أهل السنة وقول المخالفين، وما يترتّب على ذلك؛ بل فَرَّقَهْ فأتى في آخر رسالته هذه بشيء من الكلام على القَدَرْ؛ لكن من جهة النظر إلى خلاف المخالفين.\nولهذا هذه الجمل التي معنا من قوله (وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ) إلى قوله (وفي دُعَاءِ الأَحْياءِ وَصَدَقَاتِهم مَنْفَعَةٌ لِلأَمْوَات) هذه كلها لأجل خلاف المخالفين من الجبرية والقدرية.\nوقبل أن نخوض في بيان كلامه وما فيه من المسائل نُلَخِّصْ شيئًا من أسباب الضلال في القَدَرْ، والذي به خَرَجَ القدرية سواء الغلاة أم المعتزلة أو الجبرية أو من ضَلَّ في مسألةٍ أو في مسائل في هذا الباب. (١)\n١- السبب الأول: هو ترك الاقتصار على ما جاء في الكتاب أو السنة من الواضحات المُحْكَمَات التي تُبَيِّنُ حقيقة القَدَرْ، والأخذ بما فيهما من المتشابهات وجعل ذلك أصلًا.\nومعلومٌ أنَّ الواجب على العبد أن يأخذ بالمُحْكَمْ وأن يَرُدَّ المتشابه إلى المحكم؛ فقد أمر الله - ﷿ - بذلك، وقد خرج النبي ﷺ مَرَّةً على الصحابة وهم يتنازعون في القَدَرْ، كلٌّ يَنْزِعُ إلى قوله بآية، فكأنما فُقِئَ في وجهه حَبُّ الرُّمَان ﷺ، يعني أحْمَرَّ وجهه ﷺ، وهذا لأجل أنَّ الواجب على العباد أن يُسَلِّمُوا للمحكمات والأصول العامة وأن يَرُدُوا المتشابه إلى المُحْكَمْ على ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم.\nوبالتالي فإنَّ كل تفسيرٍ لآيات القَدَرْ لم يكن معروفًا في زمن الصحابة رضوان الله عليهم فإنَّهُ باطلٌ وضلال؛ لأنه من الأخذ بالمتشابه وترك المحكم.\n٢- السبب الثاني: أنَّ العباد لم يعرفوا حكمة الله - ﷿ - في الأشياء ولا حِكْمَتَهُ فيما يُقَدِّرُ ويخلُقُ من الخير ومن الشر أو من المخلوقات بعامَّةْ، ولما لم يُدْرِكُوا الحكمة عارضوا فِعْلَ الله - ﷿ - في ملكوته بما يرون من ظاهر رأيهم.\nفعارض الجاهل العالم واقتنع بجهله فصار على شُعْبَةِ ضلالة.\nومعلومٌ أنَّ حكمة الله - ﷿ - في خلقه منها ما هو مُدَلَّلٌ عليه، ومنها ما ليس بمعروف، ولذلك إذا جُهلت الحكمة فإنَّ المرء يُسَلِّمْ ولا يعترض. (٢)\n\n: [[الشريط التاسع والثلاثون]]:\n\nوقد ذَكَرَ جماعة من أهل العلم أنَّ سبب الضلال في القدر هو الجهل بحكمة الله فيما يخلق ويُقَدِّرْ، ثُمَّ الخوض في ذلك وقد لخَّصَها شيخ الإسلام بقوله فيما ذكرته لكم مرارًا في تائيته حيث يقول:\nوأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةِ ****** هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ\nفإنَّهمُ لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ ****** فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ\nوهذا حق لأنَّ حِكْمَةَ الله غير معلومة؛ بل جَعَلَ الله - ﷿ - مثالًا لمن جَهِلَ حكمته في أنَّهُ حُرِم العلم، كقصة موسى مع الخضر ﵇، وهذا ظاهر بَيِّن لمن يتأمل سورة الكهف، فإنَّ موسى ﵇ عارَضَ الخَضِرْ لظاهر رأيه، والخَضِرْ يعمل على ما أمر الله - ﷿ - بما يوافق حكمته، وهي الغاية المحمودة من وراء الأفعال، فلما عَارَضْ، كان ممن لم يستطع صبرا فَحُرِمَ العلم، قال ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨] .\n٣- السبب الثالث: هو قياس أفعال الله - ﷿ - على أفعال العباد فيما هو من قبيل العدل والظلم.\nفنظروا إلى أفعال الرب - ﷿ - فجعلوا ما هو عَدْلٌ في تصرفات البشر واجِبًَا وعدلًا في تصرفات الرب - ﷻ -، وجَعَلُوا ما هو ظلمٌ من تصرفات البشر محرّمًا أو منفيًا وظُلْمًَا في تصرف الرب - ﷻ -.\nوهذا هو ضلال القدرية المعروف حيث جعلوا العدل والظلم في تفسيرها في حق الله - ﷿ - كتفسيرها في حق المخلوق، فقاسوا هذا على هذا وضَلُّوا في هذا الباب؛ لأنَّ الخالق - ﷿ - لا يُقَاسُ على المخلوق في أفعاله وفي تدبيراته في ملكوته.\n٤- السبب الرابع: إحداثُ ألفاظ ومصطلحات جُعِلَتْ أصلًا في هذا الباب، ثم حُمِل الكتاب والسنَّة عليها، مثل لفظ الاستطاعة بتفسيرهم، والطاقة، وما لا يطاق، والتكاليف وأشباه ذلك.\nومنها أيضًا عند الجبرية الكسب ونحوه.\nومن المعلوم أنَّ هذه الأمور الغيبية كالقَدَرْ الاصطلاح عليها بألفاظ وأسماء لمُسَمَيَّات لم يأتِ عليها برهان أنَّهُ يجعل المرء يُؤَصِلُ ويُقَعِّدْ بشيء لا أساس له.\nولهذا لَمَّا فهموا وظنوا من الشريعة أنَّهُ يُقال كذا، مثلًا الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، أو قالوا الاستطاعة لا تكون إلا قبل الفعل -كما سيأتي-، أو قالوا الكسب هو الاقتران، أو قالوا كذا وكذا في تكليف ما لا يطاق -كما سيأتي الآن في هذه المواضع-، فسَّرُوها بتفسيراتٍ تَخُصُّهُم.\nولهذا ضَلُّوا في أصلٍ يجب الرجوع فيه إلى الدليل؛ لأنَّ إحداث لفظ وإحداث مصطلح لا شك أنَّهُ سيترتب عليه أشياء كثيرة.\nوسيأتي الكلام على الكسب مثلًا وهو أنَّ الكسب مع وروده في الدّليل في قوله مثلا ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢، ٩٥]، ونحو ذلك مع ورود لفظ كَسَبَ، يَكْسِبُ، والكَسْبْ فإنَّ التفسيرات تَنَوَّعَتْ فيه وأحدثوا له فهمًا جديدًا غير المراد بالكتاب والسنة، فصار ثَمَّ كَسْبْ عند الجبرية، وصار ثَمَّ كَسْبْ عند القدرية، وصار ثَمَّ كَسْبْ عند أهل السنة لأجل أنَّ هذا اللفظ في أصله وإن كان واردًا لكن جُعِلَ مُصْطَلَحًَا على فكرة جديدة توافق ما هم عليه.\nفإذًا المصطلحات الجديدة في مسائل القَدَرْ هي سبب الافتراق فيه والضلال فيه، ولو أُلغِيَتْ هذه المصطلحات وبَقِيَ الناس على ما دلَّ عليه الدليل، فإنَّ كثير من الخلاف فيه سيذهب.\nولهذا عند النقاش والحوار مع المخالف في هذه المسائل سَيُبْحَثْ معه أصلًا في اللفظ وفي نشأته، ومن أين أتوا بهذه الألفاظ والتعريفات.\nلهذا العلم بالقرآن والسنة حُجَّةْ على كل مخالفٍ أحدث المصطلحات؛ لأنَّ إحداث المصطلحات عقلي واتِّبَاعُ الكتاب والسنة نقلي، ولهذا يغلب النقل العقل الحادث والمصطلح عليه في هذه المسائل.\n٥- السبب الخامس: من الأسباب التي أنشأت الخلاف والفُرْقَةْ في أبواب القَدَرْ، ما يَصْلُح أن يُقرًّرْ بأنْ نقول: إنَّ التساوي بين العباد في فعل الله - ﷿ - وادعاء أنَّهُم سواءْ في كل شيء -يعني فيما يفعل الله - ﷿ - بهم- هذا مع كونه مخالفة للدليل؛ لكنه نَشَأَ عنه تفريعات وأقوال جعلت الأقوال المخالفة في القَدَرْ كثيرة.\nأعيد صياغة هذا السبب بأن نقول: من أسباب ومنشأ الضلال في القَدَرْ الحكم على أفعال الله - ﷿ - بأحكام من جهة النظر إلى الخلق، فجعلوا فعلًا لله - ﷿ - واجبًا عليه بالنسبة للجميع، وجعلوا فعلًا لله - ﷿ - ممتنعًا عليه بالنسبة للجميع.\nوسيأتي فيما سنذكر اليوم إن شاء الله أنَّ خلاف القدرية في مسألة الاستطاعة ناشئٌ عن أنهم قالوا: الواجب على الله - ﷿ - أن يجعل الناس سواسية فيما يُعطيهم، فكون هذا يُوَفَّقْ وهذا يُخْذَلْ هذا غير سائغ؛ لأنَّهُ تفريق، فإذا جعلنا الأصل هو أن يكون الناس سواسية، فإنَّ هذا قاعدة نبني عليها غيرها من مسائل القَدَرْ.\nوهذا التقعيد أو هذه المقدمة نشأ عنها كثير من الخلاف، خاصَّةً عند المعتزلة، ولهذا نشأت أقوال كثيرة مُحْدَثة في القَدَرْ، وخلاف متنوع في المسائل العقلية، وما يجب على الرب - ﷿ - وما لا يجوز عليه.\nوهذه تتضح أكثر ببحثنا في الاستطاعة إن شاء الله.\nإذا تَبَيَّنَ هذا فالواجب في مسائل الغيب بعامَّة أن لا يُتجاوَزْ القرآن والحديث، وأن يُسَلَّمْ للدِّلَالَةْ، وإذا أشكل على المرء شيء فواجبٌ عليه أن يقول ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] كما يقول الراسخون في العلم، مع أنهم يعلمون التأويل في كثير؛ لكن قد لا يعلمون التأويل في بعضٍ؛ يعني طائفة من الراسخين قد لا يعلمون ويعلمه غيرهم، فيقولون ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ .\nأما ضرب النصوص بعضها ببعض، أو الأخذ بالمتشابه وترك المحكمات، أو قياس أفعال الله - ﷿ - على أفعال خلقه، ونحو ذلك من المسائل التي ذكرنا، أو الخوض في الحِكَمْ والمصطلحات، فإنَّ هذا يُنْشِئُ الافتراق والضلال في هذا الباب لأنَّهُ أمرٌ غيبي بحت.\nلهذا ما أحسن قول من قال -قول علي ﵁ وقول غيره (القدر سر الله فلا تكشفه) . يعني لا تحاول كشفه فإنَّ من حاول كشفه لا شك أنَّهُ سيضل؛ لأنَّهُ سِرٌّ من الأسرار اختص الله - ﷿ - به.\nهذه مقدمة للمسائل التي سيأتي بيانها إن شاء الله.\n_________\n(١) وقد ذكر الشيخ بعضًا منها، تجدها في (٦٨)، وكذا (٢٢٤)\n(٢) انتهى الشريط الثامن والثلاثون.","vol":"1","page":557},{"text":"قال الطحاوي ﵀ (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ، فَهِيَ- يعني الاستطاعة- مَعَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ وَسَلَامَةِ الْآلَاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾\n_________\nيريد ﵀ أن يُقَرِّرْ أنَّ مسألة الاستطاعة وهي القُدْرَةْ والطاقة اختلف فيها الناس ما بين الجبرية إلى القدرية، والقول الوسط فيها هو قول أهل السنة المتابعين لظاهر القرآن والحديث في أنَّ الاستطاعة منقسمة إلى قسمين:\n- استطاعة قبل الفعل.\n- واستطاعة مع الفعل.\nيعني استطاعة يُتَكَلَمُ عنها: قدرة وطاقة يُوصَفُ العبد بها قبل أن يفعل الفعل، وتستمر معه إلى أن يفعل.\nوقدرة أخرى -استطاعة أخرى- هذه تكون مع الفعل، ولا يجوز أن ينفَكَّ الفاعل عنها.\nوهذا الذي ذكر هو الذي دلَّتْ عليه الآيات ودلَّتْ عليه السنة من أنَّ الإنسان المُكَلَّفْ يوصف بأنَّهُ مستطيع ويوصف بأنه غير مستطيع.\nفقال - ﷿ - في الوصف بالاستطاعة ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وقال - ﷿ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، يعني ما تستطيع، الاستطاعة هي الوسع والطاقة والقدرة، وقال - ﷿ - أيضًا في هذا الباب ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن:١٦] .\nوفي الاستطاعة المنفية قال - ﷿ - في سورة هود ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠]، وقال - ﷿ - ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠٠-١٠١]، وقال ﷺ «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب» (١) ونحو ذلك.\nفإذًا الشريعة فيها استطاعةٌ مُثْبَتَة، وفيها استطاعة مَنْفِيَّةْ، وواجب إذًا أن يُنْظَرْ إلى هذه النصوص بالفهم وهي أنَّ المُثْبَتْ غير المنفي.\nفإذًا لابد أن تكون الاستطاعة على قسمين، وهذا هو الذي أراده هنا وهو الذي عليه عامة أهل السنة والجماعة، وسيأتي لها مزيد تقرير -إن شاء الله- في المسائل.\nوقوله هنا (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ) يعني يجب بها حُصُولُ الفعل وإيقاعُ الفعل ووجود الفعل؛ يعني العمل، فهناك استطاعة، قدرة إذا وُجِدَتْ وُجِدَ الفعل.\nلهذا قال هنا (مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ) وذلك أنَّ الله - ﷿ - هو الخالق لأفعال العباد.\nفقوله هنا (مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ) هذه جملة اعتراضية وسبك الكلام (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ) .\nوقوله (مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ) هذا ليُدَلِّلْ على أنَّ الاستطاعة هذه التي يجب معها حصول الفعل هذه فيها أمْرٌ غيبي زائد، فيها إعانة [....] فيها شيءٌ زائد عن الظاهر، ولهذا قال (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ)؛ لأنه لا يمكن أن يحدث الفعل إلا بقُدْرة، وهذه القدرة لا يمكن أن تكون قبله ثم تنعدم وقت الفعل، فكيف يمكن أن يحصل فعل بلا قدرة للفاعل على فعله؟؟\nلكن هل يستقل بهذه القدرة أم ثَمَّ أمر زائد؟\nلابد هناك أمر زائد يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nوقوله في (الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ وَسَلَامَةِ الْآلَاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ) وهذه الاستطاعة هي الاستطاعة المُثْبَتَة، وهي التي يتعلق بها الحساب والعقاب والخطاب والأمر والنهي؛ لأنَّ الله - ﷿ - جعل للمكلَّفِينَ من المشركين، جعل لهم أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، وجعل لهم قُدْرَة على أن يُصَلُّوا، قدرة على أن يتأملوا، وقدرة على تَبَيُّنِ ما أُيِّدَ به ﷺ من المعجزات والآيات والبراهين؛ لكنهم لا يريدوا أن يسمعوا مع وجود الآلات، ووجود الصحة ووجود القدرة.\nإذًا فالمنفي ليس هو الآلة، المنفي بعدم الاستطاعة هو ما يكون مع الفعل مِنَ التوجه إلى الخير والهدى والسماع النافع لما معهم مما يَصُدُّهُ وينفيه من الهوى واتباع الشهوات.\nإذا تبين هذا فإيضاح هذه الجمل في مسائل:\n_________\n(١) البخاري (١١١٧) / أبو داود (٩٥٢) / الترمذي (٣٧٢) / ابن ماجه (١٢٢٣)","vol":"1","page":558},{"text":"[المسألة الأولى]:\nهذه المسألة متصلة بالقدر والإيمان به وأَصْلُ بَحْثِهَا من المعتزلة.\nوذلك أنهم قَعَّدُوا قاعدة وهي أنَّ الناس في فعل الله - ﷿ - سواء، وهو أنَّ العاصي والمؤمن، الكافر والمؤمن، العاصي والمطيع كلهم أُعْطُوا شيئًا واحدًا، فهذا فَعَلَ الخير، وهذا فَعَلَ الشر بمحض قدرته.\nفهذه التسوية بين الجميع جعلتهم ينفون أنْ يكون هناك أمرًا زائدًا خُصَّ به هذا ومُنِعَ ذاك.\nفجعلوها جميعًا قبل الفعل، وأمَّا مع الفعل في أثناء الفعل فعندهم العبد هو الذي يخلق فعل نفسه.\nوبالتالي فلو جُعِلَ هذا مُسْتَطِيعًَا للفعل وهذا غير مستطيع للفعل لكان الناس ليسوا سواسية فيما أعطاهم الله - ﷿ -، وبالتالي يترتب على هذا أنَّ هذا ظُلِمْ وهذا أُعْطِيَ ما لم يُعْطَ غيره.\nفإذًا أصل بحث المسألة هي عند المعتزلة.\nولماذا بحثوها؟\nللقاعدة التي قَعَّدُوهَا هي أنَّ الجميع يجب أن يكونوا في فعل الله واحد، حتى لا يُظْلَمَ هذا ويُتْرَكْ ذاك.\nإذا فهمت هذا الأساس تفهم لماذا افْتَرَقَ الناس في هذه المسألة.\nفلمَّا قالوا الاستطاعة لا تكون إلا على هذا النحو؛ وهي أن تكون قَبْلْ، أما المُقَارِنَة فالعبد هو الذي يخلق فعل نفسه، هو الذي يقدر ويفعل، الله - ﷿ - لا يَجْعَلُ هذا مستطيعًا وذاك غير مستطيع؛ لأنَّ هذا ظلم.\nوإذا كان كذلك فقابلهم من يُثْبِتُ الاستطاعة المُقَارِنَة وهم الجبرية ونفوا أصلًا أن يكونَ للإنسان قدرة على فعل أي شيء.\nلهذا قالوا: ليس هناك استطاعة سابقة، وإنما الاستطاعة هي أنَّه يقدر على الفعل وهذه القُدْرَة في الواقع من الله - ﷿ -، لهذا الإنسان أصلًا لا يستطيع لأنَّ الله - ﷿ - نَفَى قال ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠١]، وقال ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠]، ونفى أيضًا عنهم الرمي فقال ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال:١٧] .\nإذًا لا يمكن أن يفعلوا شيئًا، فقابلوا القدرية في مسألة الاستطاعة لا في مسألة القَدَرْ والجبر.\nالقَدَرْ والجبر أصلًا الجبرية سبقوا القدرية في مسألة الجبر المُعَيَّنْ، أما القَدَرْ اللي هو نفي العلم فهو الذي كان أولًا.\nيعني الجهمية الذين هم الجبرية سابقين المعتزلة الذين هم القدرية، يعني كفرقة.\nالجهمية هم الذين أظهروا الجبر ونَصَرُوهُ، من جهة وجود الجهمية قبل وجود المعتزلة الذين هم القدرية.\nفإذًا نقول: إنَّ الجبرية قبل لأنَّ الذي مَثَّلَهُمْ الجهمية، وأولئك مَثَّلَهُمْ المعتزلة وهم متأخرون عنها.\nأما من جهة القَدَرْ والجبر كقول القدرية سابقون لأنَّ نفاة العلم ظهروا في زمن الصحابة، وأما الجبرية فجاؤوا بعد ذلك؛ لكن تفاصيل أقوال الجبرية والقدرية ما نشأت إلا مع ترسُّخْ المذهبين في الجهمية وفي القدرية المعتزلة.","vol":"1","page":559},{"text":"[المسألة الثانية]:\nقَرَّرَ الطحاوي هنا أن الاستطاعة على قسمين:\n- استطاعة مُتَقَدِّمَةْ، وهذه لا يجب أن تكونَ مع الفعل؛ بل تتقدم وهي المُتَعَلَّقْ بها الأمر والنهي.\n- واستطاعة مُقَارِنَة يَجِبُ بها الفعل؛ يعني إذا وُجِدَتْ الاستطاعة حصل الفعل دون تأخر.\n١ - أولًا: الاستطاعة قبل الفعل:\n«صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا» عدم الاستطاعة هنا هل هي خاضعة لِأَنْ يُجَرِّبْ إذا أراد أن يصلي، أو لعدم تمكن آلته من القيام، معروف قبل أن يدخل أصلًا في الصلاة.\n﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، يَبْدَأْ يَحِجْ ثم ينظر هل هو مستطيع أو لا، أم أنَّ الاستطاعة التي هي الزاد والراحلة وغير هذين أيضًا، هذه تكون قبله؟\nتكون قبله.\nإذًا هذه معلومة قبل.\nفإذًا التكليف الأمر والنهي والعُذْرْ إلى آخره، هذه مُتَقَدِّمَة، استطاعة؛ قدرة، وُسْعْ، آلات، سلامة، صحة، إلى آخره متقدمة.\nأيضًا ليست الاستطاعة المرادة في الشرع هي الاستطاعة الكونية؛ بل المراد الاستطاعة الشرعية. -وهذا أوضحت لكم أنَّ الدليل دلَّ عليه-.\nوالاستطاعة الكونية هذه أخصُّ من الاستطاعة الشرعية، فإنَّه قد يكون المرء مُستطيعًا كونًا ولكنه ليس بمستطيعٍ شرعًا.\nمثاله: يمكن له أن يُسِيْلَ الماء على جُرْحِهِ الذي لم يندمل، يمكن أن يغتسل ويُسِيْلْ الماء عليه، هذا يمكنه كونًَا ويستطيع، يمدُّ يده ويصب الماء عليه إلى آخره.\nيمكنه أن يصلي الصلوات قائمًا لأنَّه غير مشلول؛ لكنه شرعًا لا يُسَمَّى مُستطيعًا لأنَّ:\nالأول يورثه زيادة في المرض والشريعة مُتَشَوِّفَة للتيسير.\nوالثاني يورثه أيضًا عدم الخشوع في الصلاة والتعب إلى آخره ومجاهدة النفس وربما أورثه زيادة المرض، والشريعة متشوفة في الصلاة إلى خشوعه وحضور قلبه وإلى أن لا يزيد مرضه إلى آخره.\nفإذًا مما لم ينظُرُوا إليه في البحث أيضًا أنَّ الاستطاعة التي هي سلامة الآلات المُرَادَةْ في القَدَرْ والمرادة في تحقيق المسألة هي الاستطاعة الشرعية لا الاستطاعة الكونية.\nأما كونه يقدر، سليم الآلات إلى آخره، هذا قد يُدْخِلُنَا في تكليفه ما هو فوق طاقته أو فوق ما فيه مصلحته شرعًا.\nولهذا نقول: الاستطاعة التي هي قبل الفعل نقسمها إلى قسمين:\n- استطاعة كونية.\n- واستطاعة شرعية.\nوالاستطاعة الشرعية هي المُرَادَةْ؛ لأنها هي التي تَعَلَّقَ بها التكليف والأمر والنهي.\nفإذًا حَصَلَ من هذه المسألة أنَّ الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل، والتي قبل الفعل تنقسم إلى قسمين، يعني من حيث النظر إليها.\n٢ - ثانيًا: الإستطاعة مع الفعل:\nأما الاستطاعة التي مع الفعل (وهي المهمة في هذا الباب، وهذه المسألة عَرْضُهَا في الكتب غير واضح، ويُدْخِلُونْ بعض البحث في بعض، وأنا أُرَتِّبْهَا لك، فكن حاضر القلب معي حتى تستوعب الخطوات) .\nفالفعل لا يكون ولا يحصل لأي إنسان -ما يمكن أن يَفْعَلْ الشيء ولا أن يَحْدُثَ هذا الشيء- إلا بوجود ثلاثة أشياء، إذا تَخَلَّفَ واحدٌ منها ما حَصَلَ هذا الشيء أبدًا:\n@ - القدرة التامة على إيجاد الفعل:\nالقدرة التَّامَّة ما معناها؟\nمعناه أنَّهُ إذا لم يكن عنده القدرة على الفعل فإنَّه لا يمكن أن يحصل الفعل.\nالأعمى إذا أراد أن يقرأ كتابًا فهل يمكنه؟\nيأخذ الكتاب هذا الذي معي ويقرأه، وحروف الكتاب هي الحروف التي يقرأها الُمْبِصْر غير الحروف الثانية التي يستدل بها باللمس.\nلو وَضَعَهُ أمام عينيه فإنه لا يمكنه، لو أخذ المصحف ووضعه أمام عينيه فإنه لا يمكن أن يقرأ شيئًا، واضح، لماذا؟\nلأنه ليس عنده القدرة.\nالذي لم يتعلم الكتابة لو أخذ القلم بيده بين أنامله وأراد أن يَخُطَّ جملة لم يستطع، لماذا؟\nلأنَّهُ لم يتعلم.\nالمتعلم للكتابة باللغة العربية لا يمكن أن يكتب باللغة الصينية؛ لأنَّهُ وإن كان يعرف الحروف باللغة العربية؛ لكن لا يمكنه أن يكتب بالصينية، لأنه لا يقدر على هذا بخصوصه.\nفإذًا القدرة التامة هي التي يحصل بها الفعل.\n@ - الإرادة الجازمة:\nونعني بالجازمة غير المترددة، فإذا وُجِدَتْ الإرادة الجازمة مع بقية الشروط وُجِدَ الفعل.\nلكن لو وُجِدَتْ الإرادة فقط ولم توجد بقية الشروط -ونذكر مثالنا الآن الذي ذكرنا القدرة- فهل يمكن أن يحصل الفعل؟\nلا يمكن أن يحصل الفعل.\nيريد أن يذهب إلى مكة لكن ما عنده قدرة مالية، يمكن يذهب؟\nما يمكن.\nيريد أن يكون حافظًا لكتاب الله لكن ليس عنده القدرة على الحفظ هل يمكن؟\nولو كانت إرادته جازمة ويتمنى وإلى آخره، لا يمكن.\nفإذًا الإرادة الجازمة غير المترددة شرطٌ في حصول الفعل، لا يمكن أن يحصل الفعل بإرادةٍ مترددة [.....]\n@ - أن يشاء الله - ﷿ - حصول هذا الفعل:\nفما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومشيئته الكونية في هذا، إذا شاء أن يكون الفعل ممن عنده قدرة وإرادة فإنه يُعِينُ العبد على حصول هذا الفعل، كيف يعين العبد؟","vol":"1","page":560},{"text":"يعينه بأشياء:\n- الأول التوفيق.\n- الثاني أن يُعْدِمَ المُعَارِضْ.\nمثلًا هو يريد أن يذهب إلى مكة وعنده القدرة المالية وعنده الإرادة الجازمة، ويريد أن يحج هذا العام.\nالمُعَارِضْ الذي يُعَارِضْ أن يكون هذا من حصول خللٍ له في بدنه، من حصول خللٍ في الطائرة، من عدم تَمَكُّنِهِ، من سرقة المال، من أسباب كثيرة لا تُحْصَى من المُعَارِضَاتْ، هذه هل هي في قدرة العبد؟\nليست في قدرة العبد.\nإذًا هذا يدخل في الأمر الغيبي الذي لا يدخل العبد فيه.\nإذا اجتمعت هذه الثلاثة حَصَل الفعل، إذا تَخَلَّفَ واحدٌ منها لم يحصل الفعل.\nفإذًا الاستطاعة التي يجب بها الفعل، وهي القدرة التي يجب بها الفعل -يعني يحصل معها الفعل- المراد بوجوب حصول الفعل مع وجود الإرادة الجازمة، ووجود إعانة الله - ﷿ - ومشيئته وتوفيقه ودَفْعْ المُعَارِضْ إلى آخر ذلك من الأسباب الذي هو الأمر الغيبي المختص بالرب - ﷻ -.\nالقدرة في نفسها -قدرة العبد على الفعل- هل هو الذي أوجدها في نفسه أم الله الذي خلقها فيه؟\nالله - ﷿ - الذي خلقها فيه.\nالإرادة الجازمة للفعل، تَوَجُّهْ العبد للفعل هذا اختيارٌ منه أم هو مفروض عليه؟\nهو اختيار منه.\n&amp; ولذلك جاءت الجبرية وقالت:\nالقدرةُ منفية، لا قدرة له.\nوالإرادة هو مُرْغَمٌ على أن يريد.\nوالمشيئة: العبد خَضَعَ للمشيئة فَعَمِلَ ما يريده الرب.\nفإذًا: الفعل كله فعل الرب - ﷿ - بلا اختيار، فصار فعل العبد بعد أن حَدَثْ كحركات الأشجار والورقة في الماء والريشة في مهب الريح إلى آخره.\n&amp; جاءت القدرية في المقابل وقالت:\nالقدرة بيد العبد، والإرادة عنده هو، ولا علاقة لفعل الله - ﷿ - به؛ بل العبد هو الذي يَقْدِرْ، فالقدرة خَلْقُهُ، هُوَ الذي خَلَقَ الفعل بقدرته، والإرادة تَوَجَّهَتْ إليه، والقُدْرَة والإرادة يستوي الناس فيها.\nفهذا خَلَقَ أفعال الطاعات وهذا خَلَقَ أفعال المعاصي، فنفوا الجزء الثاني.\n&amp; أما أهل السنة والجماعة فنظروا إلى الأدلة فوجدوا فيها الثلاثة جميعًا فأثبتوها.\nفإذًا حقيقة بحث القدر وبحث الاستطاعة وبحث تكليف ما لا يُطَاق إلى آخره من المباحث، مَبْنِيَّةٌ على الفعل إذا وُجِدْ كيف وُجِدْ؟\nفَبَحَثُوا الفعل إذا وُجِدْ كيف وُجِدْ؟\nمنهم من بَحَثَ في أوائله فتَكَلَّمَ في الاستطاعة المقارنة والاستطاعة السابقة إلى آخره في الكلام الذي بحثنا.\nومنهم من نَظَرَ إلى نتائجه وهو أنَّ هذا فيه فعل طاعة فينتج عنه الجنة وهذا فيه فعل كفر فينتج عنه النار، فلما نَظَرَ إلى نتائجه والظلم والعدل إلى آخره حَكَمَ على المسألة بالنتائج.\nوالذي ذهب إليه أهل الوسط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، وسط في المِلَلْ ووسط في المذاهب وهم أهل السنة والجماعة قالوا: الفعل لا يوجد إلا بهذه الثلاثة أشياء.\nلهذا الطحاوي هنا أشار إلى هذا بإدخال التوفيق بقوله (مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ)\nوهذه الجملة في الواقع ليس لها علاقة بالكلام، والشارح عندكم -شارح الطحاوية- ما تَكَلَمَ على هذه الجملة لماذا أدخلها الطحاوي، وإلا الكلام يستقيم بدونها أن يقول (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْل فهي مَعَ الفِعْلِ)\nيريد الطحاوي أن يقول لك: إنَّ الفعل لا يمكن أن يكون إلا بالقدرة والإرادة وفِعْلُ الله - ﷿ - الذي فيه المشيئة وفيه التوفيق والإعانة وفيه دفع المعارض إلى آخره من المسائل.\nس/ [.....]\nلأ، هذا أمرٌ خارج، هذا فِعْلُ الله - ﷿ -، تنظر الآن فيه شيء ظاهر أنَّ العبد يملكه وهو قدرته وإرادته لكن فيه شيء ما يملكه، وهو دفع المُعَارِضْ.\nمثلًا شخص رَكِبَ طائرة جديدة من أحسن الطائرات سليمة ما طار عليها وكل أجهزتها جديدة وإلى آخره وأثناء طيرانها جاءتها زوبعة واحترقت أو ضَرَبَتْ في الأرض إلى آخره فتحطمت، أو جاءتها طائرة ثانية وهو لا يدري وضربتها، فهذا من جهة من؟\nليس من جهة العبد.\nمثلًا معك سيارة جديدة، جميع الآلات فيها سليمة، احتطت بجميع الاحتياطات، وأخذت بوسائل السلامة فهل ستنتج السلامة بهذه الأشياء التي عملتها؟\nلا، فقد يأتي بعير في الطريق وتصدمه وأنت لا تدري، أيضا قد تأتي أمامك شاحنة وتصدمك إلى آخره.\nولهذا من أعظم النظر في الأسباب أن تنظر في هجرة النبي ﷺ.\nالنظر في الهجرة يعطيك ما يجب على العبد أن يفعله، وما ليس للعبد أن يُحَقِّقَهُ من أسباب السلامة.\nالنبي ﷺ لمَّا أراد الهجرة إلى المدينة عَمِلَ جميع الاحتياطات:","vol":"1","page":561},{"text":"رأى الطريق البعيد الذي ما يمكن أن يظن المشركون أنَّ النبي ﷺ يسير فيه، واستأجر رجلًا هاديا خريتًا يقال له ابن أرقد لِيَدُلَّ على هذا الطريق البعيد، ثُمَّ بعد ذلك أيضًا مع هذا الطريق أَمَرَ راعي الغنم أن يمشي على أثره هو وأبو بكر والذي معهم حتى لا ينظروا إلى الأقدام، واختبؤوا في غار.\nهذه الأشياء التي فعلها النبي ﷺ وواجبٌ عليه أن يفعلها؛ لأنَّ الله أَمَرَ باتخاذ الأسباب.\nوقف المشركون على رأس الغار.\nيقول أبو بكر ﵁ لو أَبْصَرَ أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا.\nالآن الأشياء التي فعلها النبي ﷺ ويتحقق بها قَدَرُ السلامة، فعلها أو لم يفعلها؟\nفعلها.\nلكنها هل نَفَعَت؟\nلم تنفع، فالمشركون وقفوا على رأس الغار، أقرب شيء؛ لكن بَقِيَ لو أبصر أحدهم موضع قدمه لرأهما، لم يقدر أحد أن يُنْزِلْ عينيه إلى أسفل، هذا ليس من جهة فعل العبد.\nولهذا المعتزلة في ضلالهم لمَّا جعلوا العبد يخلق فعل نفسه فقط، وهو الذي يتصرّف في نفسه، في مثل هذا لا يستطيعون تفسيره.\nكيف هو لم يستطع أن يُنْزِلَ رقبته تحت؟\nكأنَّ في رقابهم غُلًاّ يمنعهم من النظر، وهم عدد ما فيهم أحد ينظر أسفل ولو بالغلط؟؟\nإذًا هذا فِعْلْ شيء لا يملكه العبد.\nلهذا المؤمن ينظر في باب الاستطاعة وباب الأفعال إلى ما يفعله هو وما يُكْرِمُهُ الله - ﷿ - به.\nولهذا ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ .","vol":"1","page":562},{"text":"[المسألة الثالثة]:\n- الاستطاعة التي قبل الفعل كما ذَكَرْ هي مناط التكليف: الأمر والنهي.\n- والاستطاعة التي مع الفعل -ولم يَذْكُرْها- هي مناط الثواب والعقاب. (١)\n- والاستطاعة التي قبل الفعل من جهة السلامة ومن جهة البلوغ مثلًا واليقظة إلى آخره من جميع الأسباب، هذه تتعلق بها الأوامر والنواهي وهي التي يتكلم عنها الفقهاء.\n@ أما التي مع الفعل وهي المنوط بها الثواب والعقاب، فمعلوم أنَّ فِعْلَ العبد -كما ذكرنا- لم يستَقِلْ بتحصيل النتيجة، وبالتالي فالثواب إذًا لم يستقل العبد بتحصيل أسبابه.\nولهذا فتقول إذًا: أنَّ إثابة الله - ﷿ - لعبده هو مِنَّةٌ من الله على عبده.\nلم؟\nلأنَّ أصل تحقيق الفعل لم يكن مُجَرَّدًَا باختيار العبد؛ بل هناك أمر زائد وهو مِنَّةْ الله وفضله على العبد وإعانته عليه.\nولهذا سألني أحد الإخوان الأسبوع الماضي سؤالًا متعلق بهذا المبحث وهو أنَّ رضا الله - ﷿ - عن العبد وإثابته للعبد هو نتيجة لشيءٍ فَعَلَهُ الله - ﷿ - وهو هداية العبد لأن يفعل.\nولهذا المؤمن الصالح كلما زاد علمًا عَلِمَ أنَّهُ ليس منه شيء وليس إليه شيء، مثل ما كان يقول ابن تيمية (اللهم ليس مني شيء ولا فِيَّ شيء ولا إِلَيَّ شيء؛ لكن مع ذلك ليس مجبورًا) .\nهُوَ ينظر إلى أنَّهُ يختار وعنده قُدْرَة ويعرف أنه مُحَاسَبْ؛ لكن إنْ أعانه الله - ﷿ - ووَفَّقَهُ على الفعل وصار من أهل الطاعة، فإنَّه يعلم أنَّهُ بِسَبَبٍ أَحْدَثَهُ الله - ﷿ - له وهداه إليه.\nوهذا معنى نصوص الهداية في القرآن، ليس معنى نصوص الهداية ونصوص القَدَرْ السابق، أنها إجبار على العبد وإنما معناها أنَّ الله هيأ لهذا العبد الأسباب التي تعينه على تحصيل المراد، وأعانه عليها.\nوهذا هو تفسير أهل السنة للتوفيق.\nفي المقابل من جهة العاصي فإنَّ الله - ﷿ - منعه أسباب الهدى.\nلماذا منعه؟\nلأمْرٍ يرجع إلى نفسه وفِعْلِهْ؛ لأنَّهُ كما أعطى ذاك بسبب فإنَّه مَنَعَ هذا بسبب وهو أنَّهُ رَغِبَ في هواه وتَرَكَ التخلي من هواه ومن شهوته.\nولهذا قال - ﷿ - في وصف الكفار ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]، وقال - ﷿ - في الآية الأخرى في سورة الجاثية ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣]، أضَلَّهُ الله على علم.\nإذًا فالذي أُعْطِيَ أُعِيْنْ، والذي حُرِمْ عُومِلَ بسبب فِعْلِهِ هو ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] .\nفإذًا نَظَرْ المعتزلة في المسألة وهي أنَّ الذي أُعْطِيَ والذي مُنِعْ إنما من أنفسهم، لم يُعْطِ الله هذا ولم يمنع هذا، هذا في الواقع نَظَرْ منهم إلى الظلم والعدل بما يُحَكِّمُونَ فيه فعل العبد.\nمثل أن يُعْطِي ولده هذا ويمنع هذا ويقول لهذا تزوج وهذا ما تزوج، هذا فيه تفريق، لأنَّهُ أُعْطِيَ هذا ومُنِعَ هذا.\nلكن هنا الإعطاء صار للجميع، أين الإعطاء الذي صار للجميع؟\nهو ما قبل الفعل وهو الاستطاعة المُثْبَتَةْ، لم يُكَلِّفْ الله - ﷿ - المجنون الكافر ورَفَعْ التكليف عن المجنون المؤمن، الجميع سواء لأنَّ هذا تكليف واستطاعة قبل الفعل.\nلكن الاستطاعة التي مع الفعل، ينتج عنها الفعل، فَأُعِيْنَ هذا بسبب وحُرِمَ ذاك بسبب، ولو أنَّ الكافر أو الذي ضل لو أنَّهُ سَلَكَ سبيل الهدى ورَغِبَ بإرادته لأعانه الله - ﷿ - ووفَّقَه؛ لكن كما قال - ﷿ - في وصفهم ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ .\nويُمَثِّلْ هذا قول أبي جهل قال (حتى إذا تنازعنا نحن وبنو هاشم الشَرَفْ وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء وليس منكم نبي، والله لا نؤمن به أبدًا) (٢)، هنا دخل الهوى، دخلت الشهوة، ودخلت الدنيا فصدَّتْ.\nفإذًا تحقيق القول في المسألة هنا أنَّ سبب ضلال المعتزلة في باب الاستطاعة وباب القَدَرْ في هذه أنهم جَعَلُوا الظلم واحدًا، جعلوا هذا وهذا متساويين في القُدْرَة وفي الآلات، ولهذا نَفَوا خلق الله - ﷿ - للأفعال، وقالوا العبد يخلق فعل نفسه لأجل أن لا ينتج عنها أنَّ الله ظَلَمْ فأدخل الجنة هذا وأدخل النار ذلك.\nونَظَرْ أهل السنة أنَّ الله - ﷿ - ساوى بين الناس في التكليف في الآلات في الاستطاعة التي هي قبل الفعل، أمَّا الاستطاعة التي مع الفعل، لا يحدث الفعل إلا بأشياء الله ﷾ أعان هذا بأسباب، ومنع هذا بأسباب، وهو ﷾ الحكم العدل في هذا كله.\n_________\n(١) انتهى الوجه الأول من الشريط التاسع والثلاثين.\n(٢) البداية والنهاية (٣/٦٤)","vol":"1","page":563},{"text":"قال بعدها ﵀ (وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ)\n_________\nيريد أنَّ فعل العبد ليس مَخْلُوقًا له بل الله - ﷿ - هو الذي خَلَقَ فعل العبد.\nوهذا يعني أنَّ العبد يفعل ولا يُنْفَى عنه الفعل؛ بل هو يفعل ويعمل، وأفعاله صدرت منه، وهو الذي فَعَلَهَا وهو الذي اختارها وهو الذي أنتجها بإرادته وقدرته، وأمَّا نتيجة الفعل-يعني مع اجتماع الأسباب: القدرة والإرادة إلى آخره- فالله - ﷿ - هو الذي خَلَقَ الفعل.\nوهذا يخالف مذهب القَدَرِيَّة الذين يقولون إنَّ العبد يخلق فعل نفسه.\nوقوله (خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ) يعني فِعْلْ وعَمَل من العباد، فالعبد يُنْسَبُ إليه الفعل ولا يُنْسَبُ إليه خلق الفعل.\nفهو يفعل حقيقة، والله - ﷿ - هو الخالق لفعله.\nودليل ذلك لأهل السنة والجماعة قول الله - ﷿ - ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال أيضًا - ﷿ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال - ﷿ - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] .\nإذًا فإثبات عمل العبد وكسب العبد وأنَّهُ هو الذي حَصَّلْ الفعل هذا واضح، وكذلك إثبات أنَّ الله - ﷿ - خلق كل شيء، هذا دليل هذه المسألة.\nونذكر عدة مسائل تفصيلية:","vol":"1","page":564},{"text":"[المسألة الأولى]:\nخَلْقْ الله - ﷿ - لأفعال العباد اختلف الناس فيه على أقوال ثلاثة:\n١- القول الأول:\nهو قول أهل الحق والسنة والهدى أنَّ الله - ﷿ - خَلَقَ العبد وخَلَقَ عمله أيضًا، فأعمال العبد من الخير والشر من الحسنات والسيئات هي خَلْقٌ من الله - ﷿ -؛ لأنَّهُ لا يحدث في ملك الله شيء إلا وهو خالقه ﷾.\n٢- القول الثاني:\nقول المعتزلة بأنَّ الله - ﷿ - لا يَخْلُقُ فعل المكلفين أما غير المُكَلَّفْ فهو خالق كل شيء أما فعل المُكَلَّفْ فلا يخلقه ﷾؛ بل العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، ويستدلون لذلك:\n- بأدلةٍ عقلية واضحة على مذهبهم.\n- وأدلة نقلية محتملة.\nأمَّا الأدلة العقلية فهم يقولون: إنَّ الله لا يُوصَفُ بأنَّهُ يخلق فعل العبد لسببين:\n@ السبب الأول: أنَّ فعل العبد فيه الأشياء المشينة، فيه الكفر وفيه الزنا وفيه السرقة وفيه القتل وفيه إلى آخره، ولو قيل أنَّ الله هو الذي يخلق هذه الأشياء لصار نسبةً للأشياء السيئة إلى الله وهو منزهٌ عنها.\n@ والسبب الثاني: أنَّ خَلْقَ الفعل من الله يقتضي التفريق بين المُكَلَّفِين، هذا خَلَقَ فعل طاعته فأدخله الجنة، وهذا خَلَقَ فعل معصيته فأدخله النار، وهذا ظلم لأنَّهُ لم يساوي بينهم في خلقه وفعله.\n٣- القول الثالث:\nقول الجبرية بأنَّ العبد لا يخلق فعل نفسه، بل الله يخلق فعله وهو ليس له فِعْلْ حقيقة، وليس له تَصَرُّفْ حقيقة، ولا كسب حقيقة، وإنما هذه أمور مَجَازِيَّة، وفِعْلُ العبد في الحقيقة هو فِعْلُ الله - ﷿ - لكن أُضِيفَ للعبد اقترانًا ولم يُضَفْ إليه حقيقةً، وأخرجوا لفظ الكسب كما سيأتي وعلَّلُوا به.","vol":"1","page":565},{"text":"[المسألة الثانية:]\nقول أهل السنة إنَّ العبد فِعْلُهُ مخلوق لله - ﷿ - استدلوا له بـ: -أدلةٍ نقلية. و-أدلة عقلية.\n$ أولًا: من الأدلة النقلية:\nقوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦، الزمر:٦٢] وهذا عموم لأنَّ كلمة ﴿كُلِّ﴾ في الأصول من الألفاظ الظاهرة في العموم، وهي في عموم كل شيء بحسبه.\nفهنا لم يدخل في ذلك صفات الرب ﷾، يعني الله - ﷿ - وذاته وصفاته لم تدخل لأنه سبحانه ليس بمخلوق بذاته وصفاته وأفعاله - ﷻ -؛ لأنَّ المخلوق حَادِثْ والله - ﷿ - مُتَنَزِّهٌ عن أن يكون حادثًا بل هو - ﷿ - هو الأول والآخر والظاهر والباطن.\nويُسْتَدَلْ أيضًا لهم بقوله تعالى في قصة إبراهيم ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٩٦] .\nوالعلماء يبحثون كلمة ﴿مَا﴾ هنا ﴿مَا تَعْمَلُونَ﴾ هل ﴿مَا﴾ هنا مصدرية أو موصولة بمعنى الذي؟ (١)\n- فقالت طائفة ﴿مَا﴾ هنا مصدرية فيكون المعنى: والله خلقكم وعملكم.\nفعند هؤلاء واضح الاستدلال بأنّ العمل مخلوق لله - ﷿ -.\n- وقال آخرون وهم أحظى بالتحقيق أنَّ ﴿مَا﴾ هنا ليست مصدرية بل بمعنى الذي فتقرير الآية: والله خلقكم والذي تعملون.\n@ فمن قال إنها مصدرية وليست موصولة ففيه ضعف من جهة أنَّهُ احْتَجَّ عليهم في عبادتهم لَِما نُحِتَ، فقال - ﷿ - في قول إبراهيم في سورة الصافات ﷺ ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٥-٩٦]، فإذا كانت مصدرية صار المعنى: والله خلقكم وعملكم.\nوعَمَلُهُمْ إيش؟\nالنحت.\nفيصير معنى الكلام والله خلقكم ونحتكم وهم لم يعبدوا النحت إنما عبدوا المنحوت.\n@والقول الثاني إنها موصولة أوضح في الاستدلال وموافق لقصة إبراهيم الخليل ﵇ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ يعني والذي تعملون، والاستدلال على هذا واضح وهو موافق للسياق.\nوتقدير ﴿مَا﴾ بمعنى الذي أفاد فائدتين:\n- الفائدة الأولى: أنَّهُ موافق لقوله ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ والذي يعملون هو ما ينحتون وهي الأصنام؛ يعني يقول: أنَّ الله خَلَقَكُم وخلق الأصنام التي تعلمونها.\n- الفائدة الثانية: أنه في إثبات هذا إثبات أنَّ الأصنام هذه التي عملوها أنها مخلوقة أيضًا؛ لأنهم مخلوقون، قال ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وخَلْقُهُمْ يشمل خلق ذواتهم وخلق تصرفاتهم، فرجع الأمر إلى أنَّ هذه الأصنام التي تعملونها مخلوقة لله وأيضًا هي عملكم الذي هو مخلوق لأنكم مخلوقون.\nفتحصَّلَ من هذا القول أنَّهُ مناسبٌ للسياق، ويشمل خلق الأصنام والاحتجاج عليهم بعبادتها -يعني في عدم عبادتها- وكذلك فعلهم لذلك.\n$ ثانيًا: من الأدلة العقلية:\nأنَّ الفعل لا يكون -مثل ما ذكرنا- إلا: بقدرةٍ وإرادة.\nوقدرة العبد لم يخلقها هُوَ وإنما خلقها الله.\nوالإرادة نفسها، وجودها في العبد لم يخلقها هو وإنما خلقها الله.\nثم الثالث وهو مشيئة الله.\nهذه الثلاث يحصل بها الفعل، والأول والثاني مخلوقة لله - ﷿ - والثالث هو فعل الله - ﷿ - مشيئته صفته ﷾.\nفإذًا ما ينتج عنها يكون مخلوقًا.\nفإذا كان العَمَلْ حَصَلَ بقدرة وإرادة، والقدرة مخلوقة والإرادة مخلوقة إذًا فالعمل مخلوق.\nوهذا استدلالٌ عقلي صحيح وهو موافق للأدلة.\nأما كلام المعتزلة والرد عليهم فله مكان آخر لأنَّ المقام يضيق عن بسطه.\n_________\n(١) سبق ذِكْرُ هذه المسألة (٢٣١) وكذلك (٢٤١)","vol":"1","page":566},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nفي قوله (كَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ) الكَسْبُ من الألفاظ التي جاءت في الكتاب والسنة.\n- فأُضيفَ الكسب إلى القلب فقال - ﷿ - ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] .\n- وأضيف الكسب إلى العبد فقال - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] .\n- وأضيف في التكليف أيضًا في قوله ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢، ٩٥]، ونحو ذلك.\nوتفسيره في الآيات أن يُقَال:\n@كسب القلب هو عمله وهو قَصْدُهُ وإرادته، يعني عمل القلب هو قَصْدُهُ وإرادته وتوجهه وعزمه إلى آخره، يعني في اليمين ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يعني بما قَصَدْتُمْ أن تُوقِعُوهُ يميناَ، ولهذا في الآية الأخرى في المائدة قال ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة:٨٩] الآية.\n@ أما كسب العمل ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني من طيبات ما تَمَوَّلْتُمْ من الأموال ومن التجارات ومما أُخْرِجَ لكم من الأرض نتيجة لعملكم.\n@ أما الكسب الذي هو نتيجة التكليف ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فالكسب هنا بمعنى العمل، لذا قال في الآية ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١، آل عمران:١٦١] وفي الآية الأخرى سورة [آل عمران]، قال ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١] .\nفإذًا كَسَبَتْ وعَمِلَتْ تتنوع في القرآن:\nفالكسب الذي هو نتيجة التكليف هو العمل؛ لكن قيل عنه كسب تفريقًا ما بينه وما بين الاكتساب؛ لأنَّ الله - ﷿ - لمَّا ذَكَرَ التكليف في آية البقرة قال ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ليبيِّنَ - ﷿ - أنَّ عمل العمل الصالح كسب سهل يمكن أن يعمله بدون كُلفةٍ منه ومشقة عليه، أما عمل السيئات التي عليه فيعملها بكُلفَةٍ منه ومخالفَةْ وزيادة اعتمال وتَصَرُّفْ في مخالفة ما تأمره به فطرته.\nلهذا قالوا: زاد المَبْنَى في ﴿اكْتَسَبَتْ﴾ لأنَّهُ يحتاج إلى جُهدٍ منه ومشقة بخلاف العمل الصالح فإنه يُقْبِلُ عليه بنفسه.\nفإذًا العمل هو الكسب، وهذا هو تفسير أهل السنة والجماعة للكسب على ما دلّت عليه الآيات.\nوأما الآخرون من الفِرَقْ: الجبرية والقدرية ففسَّرُوا الكسب بتفسيرات أُخَرْ.\n- أما القدرية فإنهم قالوا: الكسب هو خَلْقُ العبد لفعله؛ لأنَّهُ يوافق لمعتقدهم في ذلك.\n- والجبرية الذين هم الأشاعرة في هذا الباب فأخرجوا للكسب مصطلحًا جديدًا غير ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وقد ذكرته لكم عدة مرات في أنَّ الكسب عندهم هو اقتران الفعل بفعل الله - ﷿ -، اقتران ما يُحْدِثُهُ العبد بفعل الله - ﷿ -.\nفعندهم أنَّ الفعل حقيقة هو فعل الله، والعبد حَصَلَ له العمل؛ لكن النتيجة هي الكسب.\nفالعبد في الظاهر مُخْتَارْ، العبد في الظاهر يعمل، العبد في الظاهر يُحَصِّلْ ما يريد؛ لكنه في الباطن مفعول به.\nوالكسب هذا عندهم مما اختلفوا فيه على أقوال كثيرة جدًا وليس تحتها حاصل.\nالمقصود من الكلام أنَّ الكسب عند الجبرية عند الأشاعرة ما يُفَسَّر بتفسيرٍ صحيح، وهو من الألفاظ المبتدعة التي ضَلُّوا بسببها في باب القدر، أَحْدَثَهُ الأشعري ولم يُفَسِّرْهُ بتفسيرٍ صحيح، وأصحابه أيضًا لم يُفَسِّرُوهُ بتفسير صحيح إلا بدعوى الاقتران.\nإذا تبيَّنَ هذا، فإذًا حقيقة الكسب الذي أثبته الطحاوي هنا بقوله (خَلْقُ اللهِ، وَكَسْبٌ مِنَ العِبَادِ) نحمِلُهُ على قول أهل السنة والجماعة، مع أنَّهُ يمكن أن يُحْمَلَ على قول الأشاعرة والماتريدية في ذلك.\nوالأَوْلَى أن يُحْمَلْ على الأصل وهو ما يوافق القرآن والسنة؛ لأنَّهُ هو في جُلِّ عقيدته يوافق طريقة أهل السنة والحديث.\nكان بودي أن أذكر تفصيل أكثر؛ لكن على كل حال لها إن شاء الله موضع آخر، أو مناسبة أخرى.\nنكتفي بهذا القدر، فالجملة هذه ما أعطيناها حقها (خَلْقُ اللَّهِ) المفروض أن نتكلم على الردود على المعتزلة في قولهم بأنَّ العبد يخلق فعل نفسه ونُبْطِلُ مسألة الظلم والعدل والقياس في الأفعال، ونتكلم عن الكسب عند الأشعرية بتفصيل أكثر؛ لأني سبق أن أوضحته لكم أكثر من هذا في الواسطية (١)؛ لكن على كل حال، بعض العلم يخدم بعضًا.\nنكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. (٢)\n_________\n(١) ذكر الشيخ مسألة الكسب في الشريط ٢٢ من شرح العقيدة الواسطية\n(٢) انتهى الشريط التاسع والثلاثون.","vol":"1","page":567},{"text":": [[الشريط الأربعون]]:\n\nوَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا مَا يُطِيقُونَ، وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ.\n_________\nقال ﵀ (وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا مَا يُطِيقُونَ، وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ)\nيعني العباد المُكَلَّفِين؛ لأنَّهُ لما ذَكَرَ أفعال العباد وأنَّهَا خَلْقُ الله وكَسْبٌ من العباد، ذَكَرَ هذه المسألة وهي أنّه - ﷿ - لم يكلفهم إلا ما يطيقون (وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ، وَهُوَ تَفْسِيرُ: \"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ\") إلى آخره، يريد بهذا الكلام أن:\n- يَرُدَّ على طائفة ممن يقولون: إنَّ الله - ﷿ - كَلَّفَ العباد بما فوق طاقتهم، وأنَّ بعض الأوامر أو النواهي فوق طاقة العبد.\n- ويَرُدَّ على طائفة أخرى يقولون: إنَّ العباد لم يكونوا ليقدِرُوا على أكثر مما أمرهم الله - ﷿ - به.\nوهذا معنى كلامه هنا، وسيأتي ما فيه من الصواب والخلل في المسائل إن شاء الله تعالى.\nوالذي دَلَّت عليه النصوص أنَّ الرب - ﷻ - رحيم بعباده، يَسَّرَ لهم، وما جعل عليهم في الدين من حرج، ولم يُكَلِّفْهُمْ فوق ما يستطيعون، والآيات في هذا الباب كثيرة كقوله - ﷿ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وكقوله - ﷿ - ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦]، وكقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وكقوله - ﷿ - ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وكقوله - ﷿ - ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٥٨]، وكقوله ﷺ «أَحَبُّ الدين إلى الله الحنيفية السَّمحة» (١)، وكقوله «لن يشادَّ الدِّيْنَ أحد إلا غلبه» (٢)، وكقوله في الحديث الحسن «إنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفقٍ فإن الْمُنْبَتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرا أبقى» (٣) ونحو ذلك من الأحاديث التي فيها صفة الله - ﷿ - في تحريمه الظلم على نفسه وإقامته للعدل في ملكوته وفي أمره ونهيه.\nوفي هذه الجملة مسائل:\n_________\n(١) البخاري (٣٠) / المعجم الأوسط (٧٣٥١)\n(٢) البخاري (٣٩) / النسائي (٥٠٣٤)\n(٣) المسند (١٣٠٧٤) / شعب الإيمان (٣٨٨٥) / سنن البهقي الكبرى (٤٥٢٠)","vol":"1","page":568},{"text":"[المسألة الأولى]:\nقوله (وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ) التكليف جاء في نصوص الكتاب والسنة كقوله ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ويَصِحُّ أن يُقَال على هذا عن العبادات الشرعية أنَّهَا تكليف لأجل هذه الآية، فالأوامر والنواهي فيما يجب الإيمان به وفيما يجب عمله ويجب تركه ونحو ذلك، هذا تكليف.\nومعنى التكليف أنَّ الامتثال له يحتاج إلى كَلَفَةْ لِمُضَادَّتِهِ أصل الطَّبْعْ في استرسال النفس مع هواها.\nولهذا كان المؤمنون قليلين ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ:١٣] .\nفيسوغ أن يقال عن التكاليف الشرعية -يعني عن الأوامر الشرعية- إنها تكاليف لا بمعنى أنَّهَا فوق الطاقة أو أنها غير مرغوب فيها؛ لكن تمشيًا مع قول الله - ﷿ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ يعني أنَّ ما تَسَعَهُ النفوس وما يمكنها أن تعمله فإنَّ الله - ﷿ - كَلَّفَهَا به.","vol":"1","page":569},{"text":"[المسألة الثانية]:\nفي قوله (إِلَّا مَا يُطِيقُونَ) الطاقة هنا بمعنى الوُسْعْ والتَمَكُنْ؛ يعني ما يمكن أن يفعله وما يَسَعُهُ أن يفعله من جهة قدرته على ذلك.\nفيكون معنى الكلام أنَّ الرب - ﷿ - لا يطلب من الإنسان، لا يطلب من الناس؛ بل من الجن والإنس؛ من المكلفين، لا يطلب منهم شيئًا فوق وسعهم؛ بل إنَّ بعض الأوامر والنواهي قد تكون في حق البعض خارجة عن الوُسْعْ فتسقط في حقهم لقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقوله ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] .\nفبعض التكاليف -بعض الأوامر- تكون في حقِ بَعْضٍ في الوُسْعِ والطَّاقَةْ وفي حق بعضٍ خارجة عن الوسع والطاقة فتسقط عن بعضٍ وتجب على بعض.\nفيكون إذًا عدم تكليف ما لا يُطَاقْ فيه التفصيل: بأنه - ﷿ - لا يُكَلِّفُ الفرد المؤمن فوق طاقته.\nوهذا يعني أنَّ إطلاق الكلمة (لا يكلف الله - ﷿ - بما لا يُطاق) يعني في جهتين:\n- الجهة الأولى: في أصل التشريع فهو - ﷿ - الأعلم بخلقه.\n- الجهة الثانية: في التشريع المُتَوَجِّهْ إلى الفرد بعينه، فإنَّه - ﷿ - لا يُكَلِّفُ المسلم المُعَيَّنْ بما لا يطيق، وقد يكون ما لا يطيقه فلان يطيقه الآخر.","vol":"1","page":570},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nقوله (وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ) هذه العبارة أدخَلَهَا هنا لأجل تتمة الكلام السّابق في أنَّ العبد لا يطيق أكثر مما أُمِرَ به.\nوهو أراد بذلك أنَّ الأصل في الإنسان التَّعَبُّدْ وأنَّهُ عَبْدٌ لله - ﷿ -، وأنَّ الملائكة لمَّا كانت تطيق كذا وكذا من الأعمال والعبادات جعلهم الله - ﷿ - يقومون بذلك أمرًا لا اختيارًا، والإنسان بحكم أنَّهُ عَبْدْ لله - ﷿ -، ومربوب ومُكَلَّفْ، فإنه يجب عليه أن يُمْضِيَ عمره وجميع وقته في طاعة الله - ﷿ -.\nفَنَظَرَ إلى هذا -يعني نَظَرَ إلى جانب العبودية- وقال: إنَّ العباد لا يطيقون إلا ما كَلَّفَهُمْ، ويعني به أصل التشريع وجملة الشريعة، في أنَّ الناس لا يطيقون أكثر من هذا في التَّعُبُّدْ.\nوكأنَّهُ نظر إلى قصة فرض الصلاة أيضًا وما جاء من التردّد أو الحديث بين موسى ﵇ وبين النبي ﷺ حتى خُفِّفَتْ إلى خمس صلوات.\nوكأنَّهُ نَظَرَ أيضًا إلى جهةٍ ثالثة وهي أنَّ (لَا يُطِيقُونَ) هنا بمعنى أنَّهُ سبحانه لم يجعل عليهم شيئًا في فعله بالنسبة لهم تكليف فوق ما كُلِّفُوا به.\nيعني أنَّ نَفْسَ التشريع هو موافق لما كُلِّفُوا به من جهة الأصل العام.\nفيتفق جهة الفرد مع جهة التشريع ويدخل في ذلك حينئذ معنى التوفيق.\nوهذا التوجيه الذي ذكرته لك من باب حمل كلام الطحاوي ﵀ على موافقة كلام أهل السنة والقُرب من كلامهم، وإلا ففي الحقيقة فإنَّ الكلام هذا مُشْكِلْ، وقد رَدَّ عليه جمعٌ من العلماء ومن الشُّرَاحْ.\nولهذا نقول: إنَّ هذا التخريج الذي ذَكَرْنَاه وهذا التوجيه من باب إحسان الظن وتوجيه كلام العلماء بما يتفق مع الأصول لا بما يخالفها ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل.\nوإلا فإنَّ العبارة ليست بصحيحة وهي موافقة لبعض كلام أهل البدع من القدرية ونحوهم؛ في:\n- أنَّ العبد لا يَسَعُهُ ولا يَقْدِرُ إلا على ما كُلِّفَ به وأكثر من ذلك لا يستطيع.\n- وأنه لا يطيق إلا ما كُلِّفْ ولو كُلِّفَ بأكثر لما استطاع.\nوهذا بالنظر منهم إلا أنَّ الاستطاعة تكون مع الفعل، ولا يُدْخِلُونَ سلامة الآلات وما يكون قبل الفعل في ذلك كما فَصَّلْنَا لكم فيما سبق.\nولهذا نقول: إنَّ الأولى بل الصواب أن لا تُستعمل هذه الكلمة؛ لأنها مخالفة لما دلَّتْ عليه النصوص من الكتاب والسنة في أنَّ الله - ﷿ - خَفَّفَ عن العباد، فانظر مثلًا إلى الصيام في السّفر فإنه لو كُلِّفَ به العباد لأطاقوه ولكن فيه مشقة شديدة يَسَّرَ الله - ﷿ - وخَفَّفْ فقال - ﷿ - ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وكذلك مسألة التيمم والتخفيفات الشرعية من قصر الصلاة ونحو ذلك، وقد قال - ﷿ - ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء:١٠١]، والنبي ﷺ قَصَرَ في الخوف وقَصَرَ في الأمن، ومعلوم أنَّ قَصْرَ الصلاة في الأمن كونه يصلي ركعتين لو كُلِّفْ فرضًا بأن يصلي أربع ركعات كل صلاة في وقتها كما في الحضر لكان في وسعه أن يعمل وفي طاقته أن يعمل؛ لكنه فيه مشقة عليه، لهذا خُفِّفَ عنه، وهو يطيق أكثر من قصر الصلاة، يطيق لو صَلَّى كل صلاةٍ في وقتها أربع ركعات؛ لكن فيه مشقة.\nولهذا النصوص الكثيرة التي في تخفيف العبادة وفي الرُّخَصْ وفي التيسير كلها تَرُدُّ هذه الجملة من كلامه؛ بل العبد في بعض الأحكام يطيق أكثر مما كَلَّفَه، صَلِّ قائما فإن لم تستطع فقاعدًا، عدم الاستطاعة هنا لا تعني أنَّهُ إذا قام يَسْقُطْ وإلا يكون مستطيعًا بل إذا كان يُخْشَى عليه أن يزداد في مرضه أو يتعب أو قيامه يُذهب بخشوعه فإنَّه لأجل ما معه من المرض وعدم الاستطاعة النسبية فإنه يجلس، وهكذا.\nفإذًا هذه الجملة (وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ) ظاهرها غير صحيح، وإن كان إحسان الظن بالمؤلف ﵀ يمكن معه أن تُحمَلَ بِتَكَلُّف على محملٍ صحيح.","vol":"1","page":571},{"text":"قال بعدها (وَهُوَ تَفْسِيرُ: \"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ\")\n_________\nوفي هذه الجملة إلى آخرها يعني في تفسير كلمة (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه) مسائل:","vol":"1","page":572},{"text":"[المسألة الأولى]:\nكلمة (\"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ\") من أعظم الأذكار التي فيها الإقرار بربوبية الله - ﷿ - وبإلهيته وبأسمائه وصفاته، وفيها الإقرار بتَخَلِّي العبد عن كل حولٍ له وقوة ورؤية لما عنده من الآلات والقُدَرْ إلى ما عند الله وحده.\nففيها الفرار من الله - ﷿ - إليه وحده ﷾، وفيها التَّخَلِّي من رؤية النفس التي أوجبت الهلكة في الدنيا والآخرة على طائفة من الخلق.\nفمعنى (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ):\n(لَا): هنا نافية للجنس؛ يعني جنس الحول.\n(حول): هو إمكان التَّحَوُّلْ من حالٍ إلى حال، وحتى رَفع الكأس إلى فيك، وحتى حركة ثوبك وحركة عمامتك، وحتى حركة عينيك، فإنَّ هذا التحوّل من حالٍ إلى حال في أي شيءٍ تفعله فإنك تنفي جنسه، وتنفي القدرة على هذا التحول، إلا أن يكون بالله - ﷻ -.\nوهذا فيه التبرُّؤْ من الحول والقوة، وأنَّهُ لا يمكنك أن تتخلّى عن الله - ﷿ - طرفة عين، حتى في طرف عينك وفي حركة لسانك وفي حركة أنفاسك فإنَّه لا تَغَيُّرَ من حالٍ إلى حال ولا قدرة لك على تحول شأنٍ من شؤونك مهما قلّ إلا بالله - ﷿ -.\n(وَلَا): لَا نافية للجنس\n(قُوَّةَ): يعني أنَّكَ تنفي جنس القوة التي بها تُوجَد الأشياء والتي بها تُحَصِّل الأمور، تنفي جنسها أن تكون حاصلة لك استقلالًا، أو حاصلة لك في إحداث الأشياء، وهذا منفي، إلا أن تكون بالله - ﷿ -.\nوهذه الكلمة العظيمة فيها:\n١- أولًا: توحيد الربوبية:\nوهذا حقيقة توحيد الربوبية لله - ﷿ -، فإنَّ الإيقان بأنَّ الله - ﷿ - هو المدبر للأمر ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة:٥] وأنَّهُ - ﷿ - ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] وأنه - ﷿ - ﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨]، وأنَّهُ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]، وأنَّهُ ما تسقط من ورقة، وأنه ما من شجرة، ولا هبوب ريح، ولا تحرك في وليد ولا في جنين ولا في دمٍ في العروق، ولا في حركة حيوان صَغُرَ أم كَبُرْ، وأنَّ ذلك كلَّه بتدبير الله - ﷿ -، وأنَّ كلماته الكونية - ﷿ - وسعت كل شيء، كما قال - ﷿ - في آخر سورة الكهف ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]، يعني الكلمات الكونية لكثرة أوامره - ﷿ - الكونية فيما يحدث في أحوال العباد.\nفتَنْظُرْ إلى توحيد الربوبية وتَعْلَمْ أنَّكَ لا فِعْلَ لك ولا حول في أي شيء ولا قوة إلا بالكريم - ﷻ -.\nومن أعظم ذلك الذي تَتَبَرَأْ فيه من الحول والقوة الهداية وصلاح النفس وصلاح الظاهر وصلاح الباطن، فإنه لا يمكن لعبدٍ يرى نفسه أنَّهُ يفعل ويفعل وأنَّهُ يَقْدِرْ وأن يُوَفَّقَ أبدًا؛ بل لا يُوَفَّقَ إلا من تبرأ من الحول والقوة في شأن التكليف وفي شأن الهداية ﴿وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء:٩٧]، ﷾.\n٢- ثانيًا: توحيد الألوهية:\nفيها توحيد الإلهية أيضًا في أنَّهُ إذا كان لا حول ولا قوة إلا بالله وأنَّ المرء والمخلوق لا يمكنُ له أن يفعل إلا بالله وحده دون ما سواه، فلماذا يتعلق قلبه إذًا بغير الله من الآلهة والأنداد والأموات والأولياء والقوى المختلفة في حال البشرية، القوة المادية أو غيرها؟ لماذا يتعلق قلبه بهذه الأشياء؟\nفإنما يكون إذًا تعلق القلب بمن يملك الانتقال والنُّقْلَةْ من حالٍ إلى حال ومن يملك القوة.","vol":"1","page":573},{"text":"فإذًا تتوجه القلوب في الدعاء ويتوجه المرء في عباداته إلى الله - ﷿ - وحده، ويعلم أنَّ من توجَّهَ إليه الخلق بالعبادة وألَّهُوهُ من دون الله - ﷿ - هم كما وصفهم الله - ﷿ - بقوله ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩١-١٩٢]، وقال - ﷿ - في وصفهم يعني في وصف الآلهة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء﴾ [الأحقاف:٥-٦]، وفي قوله - ﷿ - ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦]، فالآلهة المختلفة مُحْتَاجَةْ ذليلة إلى الرب - ﷻ -، لا تملك لأنفسها شيئًا من الضر ولا النفع، فإذًا وجب التوجه إلى الله - ﷿ -.\n٣- ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:\nهذه الكلمة العظيمة فيها توحيد الأسماء والصفات عن طريق التّضمُّنْ واللُّزُومْ؛ لأنَّ وصف الله - ﷿ - هنا بأنَّهُ القوي القدير - ﷻ - يتضمن إثبات صفات الكمال التي تقتضي أنَّهُ لا انتقالَ من حالٍ إلى حال إلا به، فهل ينتقل المرء من حالٍ إلى حال إلا برحمته، هل يستقيم في حياته إلا بهدايته؟ هل يستقيم في أموره إلا بقدرته - ﷿ - وبرحمته وبعفوه وبمغفرته وبعدله إلى آخر الصفات؟\nفإذًا هذه الكلمة مُتَضَمِّنَة ويلزم أيضًا من إثباتها إثبات أنواع من الأسماء والصفات للرب - ﷻ -.\nفهي كلمةٌ عظيمة جليلة لذلك كانت من أعظم الكلمات التي هي غراس الجنة ووسيلة إلى الرب - ﷻ -.","vol":"1","page":574},{"text":"قال المؤلف ﵀ في تفسيرها (نَقُولُ: لَا حِيلَةَ لِأَحَدٍ، وَلَا حَرَكَةَ لِأَحَدٍ، وَلَا تَحَوُّلَ لِأَحَدٍ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ لِأَحَدٍ عَلَى إِقَامَةِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهَا إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.)\n_________\nفتلحظ هنا من هذا التفسير أنَّهُ خَصَّ من معنى هذه الكلمة الانتقال من المعصية إلى الطاعة والتوفيق للطاعات.\nوهذا هو الذي يناسب المقام في ذِكْرْ القَدَرْ؛ لأنَّ المخالفين في القَدَرْ -أعني بهم القَدَرِيَّة- ظنوا أنَّ المرء هو الذي يُحَصِّلُ الطاعة بنفسه وأنَّ الله - ﷿ - أعطاه الأسباب إلى آخره فهو القادِرُ على تحصيل الطاعة والهداية لكنه لم يفعل ذلك.\nوهذا خلاف ما دلَّتْ عليه هذه الكلمة فضلًا عن مخالفته لأصولٍ كثيرة.\nوتحت هذا التفسير مسائل:","vol":"1","page":575},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ تحوّل المرء عن المعصية إلى الطاعة والقوة على الطاعة لا يكون إلا بتوفيق الله - ﷿ -.\nوالتوفيق لفظٌ شرعي جاء في النصوص كما في قوله - ﷿ - ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]، ويقابله الخذلان.\nوالتوفيق والخذلان متصلان بالقَدَرْ اتصالًا وثيقًا، ولأجل ذلك فَسَّرَتْ كل فرقة من الفِرَقْ الضالة التوفيق والخذلان بما عندها من الاعتقاد في القدر:\nفالمعتزلة والقدرية يُفَسِّرُون التوفيق بما يوافق عقيدتهم.\nوالجبرية والأشاعرة والماتريدية ومن شابههم يفسرون التوفيق والخذلان بما يناسب عقيدتهم.\nوأهل السنة يُفَسِّرُونَهُ بما يوافق ما دلَّ عليه القرآن والسنة ويوافق العقيدة السلفية التي كان عليها هدي السلف الصالح.","vol":"1","page":576},{"text":"[المسألة الثانية]:\n١- أولًا: معنى التوفيق والخذلان عند أهل السنة:\nالتوفيق الذي ذكره هنا يقول (وَلَا تَحَوُّلَ لِأَحَدٍ [عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ] إِلَّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ لِأَحَدٍ عَلَى إِقَامَةِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهَا إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.)\n- التوفيق: هو إعانَةٌ خاصة من الله - ﷿ - للعبد بها يَضْعُفُ أثر النفس والشيطان وتقوى الرغبة في الطاعة، وإلا فالعبد لو وُكِلَ إلى نفسه لغلبته نفسه الأمّارة بالسوء والشيطان.\nوهذا يُحِسُّ به المرء من نفسه فإنَّه يرى أنَّ هناك قدرًا زائدًا من الإعانة على الخير زَائِدْ على اختياره، فهو يختار ويتوجه لكن يُحِسُّ أنَّ هناك مددًا مَدَّهُ الله - ﷿ - يُقَوِّيه على الخير فيما يتّجه إليه من الخير.\nوهذا ليس لنفسه وليس من قدرته وقوته ولكن هذه إعانة خاصة.\nولهذا فإنَّ العبد المؤمن يرى أنّه لا شيءَ من الطاعات حَصَّلَهَا إلا والله - ﷿ - وَفَّقَهُ إليها، يعني مَنَحَهُ إعانةً على تحصيلها وعدم الاستسلام للنّفس وللشيطان.\nفالتوفيق فيه معنى الهداية والإعانة الخاصة، ويقابله الخذلان.\n- فالخذلان: هو سلب العبد الإعانة التي تُقَوِّيْهْ على نفسه والشيطان.\n(نعوذ بالله من الخذلان) يعني نعوذ بالله من أن نُسْلَبَ الإعانة على أنفسنا وعلى كيد الشيطان.\n٢- ثانيًا: معنى التوفيق عند الأشاعرة:\nأما تفسير التوفيق والخذلان عند الأشاعرة، ويحسُنْ التنبيه عليه لأنَّهُ أكثر ما تجد في كتب التفسير وكتب شروح الأحاديث، وخاصَّةً تفسير القرطبي وتفسير أبي السعود والرازي وأشباه هذه التفاسير، وشروح الأحاديث كشروح النووي والقاضي عياض وابن العربي ونحو ذلك من شروح الأحاديث، فإنَّ أكثر ما تجد تفسير التوفيق والخذلان هو تفسيره عند الأشاعرة.\nلهذا ينبغي العناية بهذا الموطن لصلته بالقَدَرْ.\n- التوفيق عندهم: خلق القُدْرَةْ على الطاعة، يعني جَعَلُوا التوفيق هو القُدْرَةْ.\n- والخُذْلَان: هو عدم خلق القُدْرَةْ على الطاعة.\nيعني إِقْدَارُ الله - ﷿ - العبد على الطاعة هذا توفيق، وعدم إِقْدَارُ الله - ﷿ - العبد على الطاعة هذا خذلان.\nوهذا كما هو ظاهر لك فيه خلل كبير لأنَّهُ جعل التوفيق إقدارًا، وجعل الخذلان سلبًا للقدرة، وهذا فيه نوع قوة لاحتجاج المعتزلة على الجبرية في معنى التوفيق والخذلان.\nوتفسير أهل السنة وسط في أنَّ التوفيق زائد على الإِقْدار، فالله - ﷿ - أَقْدَرْ العبد على الطاعة بمعنى جَعَلَ له سبيلًا إلى فعلها وأعطاه الآلات وأعطاه القوة ليفعل؛ ولكن لن يَفْعَلَ هو إلا بإعانَةٍ خاصة؛ لأنَّ نفسه الأمارة بالسوء تحضُّهُ على عدم الفعل، عدم العبادة.\nوهذا يلحظه كل مسلم من نفسه فإنه يريد أن يتوجه إلى الصلاة ويأتيه نوع تثاقل يريد أن يقوم بنوعٍ من العلم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويصيب نفسه نوع من التثاقل، وهذا من الشيطان ومن النفس الأمارة بالسوء، فإذا منحه الله التوفيق وأعانه على أن يَتَعَّبْد، أعانه على أن يقول ما يقول بموافَقَةٍ للشرع فهذا توفيق وإعانة خاصة يمنحها الله - ﷿ - من يشاء من عباده.","vol":"1","page":577},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنَّ معرفة العبد المؤمن بحقيقة هذه الكلمة ومعنى توفيق الله - ﷿ - ومعنى الخذلان يُوجِبُ له أن ينطَرِحَ دائمًا بين يدي ربه - ﷿ - متبرئًا من نفسه ومن حولها وقوتها ومن أن لا يكله الله إلى نفسه طرفة عين.\nلهذا قال ﷺ «ربي لا تكلني لنفسي طرفة عين» (١) يعني حتى في تحريك العين وفي طرفها لا تكلني إلى نفسي، وهذا من عِظَمِ معرفته ﷺ بربه فهو أعلم الخلق بالرب - ﷻ - وأخشاهم له - ﷿ - وأتقاهم ﷺ إلى يوم الدين.\nفلهذا إذا علمت معنى (لا حول ولا قوة إلا بالله) ومعنى (التوفيق) ومعنى (الخذلان) فإنه يجب عليك أن تستحضر ذلك في كل حال، واستحضارك ذلك ومجاهدة نفسك على طلب التوفيق من الله - ﷿ - وعدم رؤية النفس وقوة النفس والرأي وما عندك من الأدوات والمال وما عندك من الأسباب، فإنَّ هذا من أسباب التوفيق.\nفلا يُطْلَبُ التوفيق من الله - ﷿ - بمثل الانطراح بين يدي الله - ﷿ - في الحاجة إلى توفيقه - ﷻ -، وإذا ظَهَرَ في العبد استغناء عن توفيق الله - ﷿ - ورؤية ما عنده فإنه يُخْذَلْ.\nألم تر إلى يوسف ﵇ وهو الكريم ابن الكريم وهو نبي الله - ﷿ - ورسوله ﷺ حين كان في السجن وظَهَرَ له من السّبب ما ظهر في تفسيره للرؤية ونجاة السّجين من السجن بسبب تفسيره للرؤيا، ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ قال - ﷿ - ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [الكهف:٤٢]، وهذا على أحد التفسيرين أنَّ الشيطان أنسى يوسفَ ﵇ ذِكْرَ الله - ﷿ - في هذا الموطن والتَّعَلُّقَ به - ﷿ - وحده، لا نقصًا في مقام يوسف ﵇ ولكنه بيانٌ لنوعٍ من الرسالة التي تُؤَدَّى بأقوال الأنبياء وبأفعالهم عليهم الصلاة والسلام.\nفالعبد إذا التَفَتْ إلى غير الله - ﷿ - طرفة عين فإنه يُوْكَلْ إلى نفسه ويخرج متضررًا.\nوهذا نبي الله - ﷿ - محمد ﷺ لما أراد الهجرة أخذ بالأسباب التي تُعِينُ على تحقيق المراد، الأسباب المشروعة التي تعين تحقيق المراد ولم يَرَ ﷺ تلك الأسباب ولم تقم في قلبه بأنه يتَّكِلْ عليها ﷺ وإنما فعلها لأنها مُقْتَضِيَة لحُدُوثِ مُسَبَّبَاتِهَا في العادة، فأتى برجل من المشركين هادٍ خرِّيت يعرف الطُرُقْ ليسير به ﷺ بطريقٍ آخر في الهجرة حتى لا يعلم المشركون طريقه، وأيضًا أَمَرَ أسماء وأَمَرَ راعي الغنم أن يَمُرَّ بالغنم على مسيرهم حتى لا يَرَوا الأقدام، فكل الأسباب بُذِلَتْ؛ ولكنها لم تنفع حتى قام المشركون على رأس الغار على ظهر الجبل والنبي ﷺ في الغار، وأبو بكر ﵁ يقول لنبيه ﷺ (يا رسول الله لو أبصر أحدهم موضع قدمه لرآنا) فقال له ﷺ (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) (٢)\nحركة عين المشرك من أن يرى، هم كانوا يرون ما أمامهم من جهة الساحل.\nحركة عين المشرك من أن يرى، كانوا يرون ما أمامهم جهة الساحل، حركة العين إلى أن ترى الأسفل، ترى موقع القدم، فيُبْصرون الغار ويبصرون النبي ﷺ وصاحبه هذه لا حيلة للنبي ﷺ ولا حيلة لأبي بكرٍ بها ولا تنفع فيها الأسباب التي فُعِلَتْ؛ لكن بقي توفيق الله وعونه وحقيقة التوكل عليه - ﷿ -.\nلهذا أَعْظِمْ في كل شأنٍ من شؤونك وخاصَّةً الهداية والتوفيق للصالحات وطلب العلم النافع والتوفيق للسنة والالتزام بها وملازمة هدي السلف الصالح ومُجَانَبَة طريق المخالفين للسنة والمخالفين لهدي السلف وهدي العلماء، دائمًا إِلْجَأْ إلى ربك في تحصيله، فما طُلِبَ من الله - ﷿ - شيء وبوسيلة أعظم من مسيلة التبرؤ من الحول والقوة.\nأسأل الله - ﷿ - أن يُفيض علينا من معرفته والعلم به وما به نزدلف إلى رضاه ونبتعد عمّا يسخط ويأبى إنه سبحانه جواد كريم.\n_________\n(١) أبو داود (٥٠٩٠)\n(٢) نهاية الوجه الأول من الشريط الأربعين، والحديث رواه البخاري (٣٦٥٣) / مسلم (٦٣١٩)","vol":"1","page":578},{"text":"قال بعد ذلك (وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ الْمَشِيئَاتِ كُلَّهَا، وَغَلَبَ قَضَاؤُهُ الْحِيَلَ كُلَّهَا، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أَبَدًا، تَقَدَّسَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَحَيْنٍ، وَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَشَيْنٍ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .)\n_________\nيريد ﵀ بهذا أن يُقَرِّرَ مُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة أنّه ما من شيء يحدث إلا وهو بمشيئة الله وعلمه وقضائه - ﷿ - وقدَرِه، وأنَّ الأمور لا تُسْتَأْنَفْ، لا يعلمها الله - ﷿ - إلا بعد وقوعها، كلا وحاشا، وإنما تقع على وَفْقِ تقدير الله - ﷿ - لها في الأزل.\nيعني علمه - ﷿ - بها، وكتابته - ﷿ - لها في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وأنَّهُ سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\nوفي هذه الجملة ذِكْرُ مراتب الإيمان بالقدر المعروفة.\n- المرتبة الأولى ذَكَرَهَا في قوله العلم.\n- والمرتبة الثانية ذَكَرَهَا في قوله القدر، وهو الكتابة.\n- والمرتبة الثالثة ذَكَرَهَا بقوله (بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ الْمَشِيئَاتِ كُلَّهَا) .\n- المرتبة الرابعة ذَكَرَهَا في قوله فيما سبق (وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ) .\nفهو لم يَنُصْ على مراتب القدر المعروفة وهي مُفَرَّقَةٌ في هذا الكلام.\nوها هنا مسائل:","vol":"1","page":579},{"text":"[المسألة الأولى]:\nتفصيل الكلام على مراتب القَدَرْ، هنا لم يُنَصَّ عليه، والشارح أيضًا لم يتعرض له في هذا الموطن وتفصيله أنَّ الإيمان بالقدر يشمل الإيمان بمرتبتين:\n١- المرتبة الأولى: سابقة لوقوع الواقعة أو لوقوع المُقَدَّرْ.\nوهذا الإيمان السابق يشمل درجتين:\n- الدرجة الأولى: الإيمان بعلم الله - ﷿ - بالأشياء قبل وقوعها عِلْمًا كُلِّيًَا وعلما جُزْئِيًَّا؛ يعني عِلْمًَا منه - ﷿ - بالكُلِّيَات وبالجزئيات، وعِلْمُهُ ﷾ بهذه الأشياء أوَّلْ كصفاته - ﷿ -.\n- الدرجة الثانية: وهو الإيمان بكتابة الله - ﷿ - للأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث الذي في الصحيح «قَدَّرَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١)\n(قدر الله مقادير الخلائق) يعني كَتَبَها في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، أما مرتبة العلم فهي سابقة فعلمه - ﷿ - بالأشياء أَوَّلْ لا حدود له.\n٢- المرتبة الثانية: إيمانٌ بالقدر إذا وقع المُقَدَّرْ.\nوهذا يشمل درجتين أيضًا:\n- الدرجة الأولى: أن يعلم العبد أنَّ مشيئته في إحداث الأشياء هي تَبَعٌ لمشيئة الله - ﷿ -، وأنَّ مشيئة الله نافذة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كما قال - ﷿ - ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وقال - ﷿ - ﴿وَمَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]، وقال - ﷿ - ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠-٣١] .\n- الدرجة الثانية: هو أنَّهُ لا يقع شيء مما يقع إلا والله - ﷿ - هو الذي قضاه، وهو الذي خَلَقَ هذا الفعل، فالله - ﷿ - هو الخالق لكل شيء، وفي ضمن ذلك حركات العبد وأفعال العباد كما قال سبحانه ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٩٦]، على نحو ما فصَّلْنَا في دلالة الآية.\nوالقضاء والقدر لفظان أتيا في الكتاب والسنة، والعلماء تَكَلَّمُوا في معنى القضاء والقدر والصلة بين هذا وهذا.\nوالتحقيق في ذلك أنَّ القَدَرَ هو ما يسبق وقوع المُقَدَّر، فإذا وَقَعَ المُقَدَّرْ صار قَضَاءً.\nقُضِيَ يعني انتهى، ومادة قَضَى في اللغة تدور حول هذا.\nفيُقَال قَضَى القاضي بكذا إذا أَنْفَذَ حكمه وانتهى، وقال - ﷿ - ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت:١٢]؛ يعني أَنْهَاهُنَّ بخلقهن سبع سماوات، وقال - ﷿ - ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] يعني احكم بما تحكم به حتى يكون قضاءً، وقال ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ [سبإ:١٤] .\nفالقضاء يُطْلَقْ بمعنى إنفاذ المقَدر، فإذا وَقَعَ المُقَدَّرْ سُمِيَّ قَضَاءً.\nوهذا نعني به القضاء الكوني؛ لأنَّ القضاء في النصوص يكون قضاءً كونيًا ويكون قضاءً شرعيًا.\nأما القضاء الكوني فهو على نحو ما مر.\nوأما القضاء الشرعي فمعناه أَمَرَ الله ووَصَّى كقوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، يعني أمر ربك ووَصَّى أن لا تعبدوا إلا إياه.\nويأتي القضاء في معنىً ثالث إذا عُدِّيَ بحرف (إلى) بمعنى أوحينا وأعْلَمْنَا.\nتقول قَضَيْتُ إليه أن يفعَلَ كذا يعني أخبرته أعلمته ولا يعني معنى الإنفاذ كما قال - ﷿ - ﴿وَقَضَيْنَا إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء:٤] وكما في قوله - ﷿ - في آخر سورة الحجر ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٦٦] .\n﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ﴾ يعني أوحينا ذلك الأمر، فهذا بابٌ آخر غير الباب الذي نتتكلم عنه.\n_________\n(١) سبق ذكره (٦١)","vol":"1","page":580},{"text":"[المسألة الثانية]:\nذَكَرَ هنا الظلم فقال (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أَبَدًا) ولفظ الظلم من الألفاظ التي أدخلها هنا لأنَّ الفِرَق الضالة تكَلَّمَتْ فيها:\n- فالمعتزلة لهم كلام في الظلم.\n- والجبرية لهم كلام في الظلم.\n- وأهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح وسط بين الفئتين.\n@ فالظلم عند المعتزلة في حق الله - ﷿ - هو الظلم في حق الإنسان، فما يفعله الإنسان ويكونُ ظلمًا منه إذا نُسب إلى الله - ﷿ - فإنَّه ظُلْمْ.\nفقاسوا الظلم الذي يضاف إلى الله - ﷿ - بالظلم الذي يقع من الإنسان.\nفعندهم الظلم واحد، سواءٌ أكانَ في المخلوق أم في الخالق، ضابطه واحد، وتعريفه واحد، وما يُنَزَّهُ الله - ﷿ - عنه من الظلم، هو ما لا يليق بالإنسان أن يفعله.\n@ وأما المتكلمون والأشاعرة ونحو هؤلاء فإنَّ الظلم عندهم هو الامتناع عن القدرة.\nوعندهم قُدْرَةْ الرّب - ﷿ - مُتَعَلِّقَة بما لا يشاؤه سبحانه في تَعَلُّقِهَا الأزلي وفي تعلقها الصُّلُوحي -على حد كلماتهم -لا ينشغل ذهنك بها-.\nفعندهم القدرة متعلقة بما يشاؤه سبحانه، فما لا يشاؤه غير مَقْدُور.\nفمعنى ذلك: الممتنع عن القدرة في تفسير الظلم هو الممتنع في حق الله - ﷿ - عما لم يشأه - ﷿ -.\nفعند المتكلمين أو -الأحسن طائفة من المتكلمين لأنها ليست موضع اتفاق بين المتكلمين والأشاعرة ثَمَّ خلاف بينهم وإن كان قليلا- عندهم الظلم هو الامتناع أو ما يمتنع أو ما هو مُمْتَنِعٌ مِنَ القُدْرَة.\nفما هو ممنوع ممتنع في قدرة الرب - ﷿ - هو الذي لو فَعَلَهُ لكان ظلمًا.\nلكن هذا كما ترى تحصيل حاصل، فإنَّه - ﷿ - إذا كان لم يفعل فيكون عدم ظُلْمِهْ في أنَّهُ - ﷿ - لا يفعل الأشياء؛ لأنه لا يَظْلِمُ أحدًا، فلو فَعَلَ شيئًا لا يدخل في قدرته -بحسب كلامهم- يكون ظلمًا.\nوهذا تفسير لا حاصل تحته لأن القدرة شيء والظلم شيء آخر.\nفالظلم إذًا في تفسيرهم -تفسير طائفة من المتكلمين والأشاعرة ومن نحا نحوهم- يرجع إلى المُمْتَنِعِ في صفة القدرة لله - ﷿ -، فَرَجَعْ إلى أنَّ المُمْتَنِعْ في مشيئة الله - ﷿ - لو فعله لكان ظلمًا؛ لأنَّ عندهم الأفعال أيضًا غير مُعَلَّلَة، وحكمة الله - ﷿ - غير مرتبطة بالعِلَلْ والأسباب في بحثٍ يطول ذكره هنا.\n@ وأما تفسير أهل السنة والجماعة والأئمة والذي دَلَّتْ عليه النصوص فهو أنَّ الظلم هو وضع الأشياء في غير موضعها اللائق بها الموافق للحكمة منه - ﷿ -.\nوالظلم بالتالي يكون غير مرتبط بالقُدْرَةْ وغير مَقيس على أفعال الإنسان؛ بل هو سبحانه متنزه عن الظلم وقد حَرَّمَهُ على نفسه.\nمما يتصل أيضًا أنَّ الظلم عند المعتزلة لا يكون إلا من مأمورٍ ومَنْهِي؛ يعني أنَّ حقيقة الظلم تكون فقط ممن يُؤْمَرْ ويُنْهَى، ويورِدُون الآيات في ذلك، ويقولون الآيات كلها دالَّةْ على أنَّ الظلم إنما يكون في حق من أُمِرْ فلم يفعل ونُهِيْ ففَعَلْ وهم المُكَلَّفُونْ.\nولذلك ينفون عن الله - ﷿ - حقيقة الظُّلْمْ لأجل أنَّهُ غير مأمور وغير مَنْهِي، ويَرُدُّون الأحاديث التي فيها تحريم الظلم على الله - ﷿ - ونحو ذلك.\nنقول: نضرب مثالا ًعلى ذلك في حديثين:\nأما الحديث الأول فقوله ﷺ فيما رواه مسلم في الصحيح حديث أبي ذر المعروف «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» (١) وهذا يدل على أنَّ الله حَرَّمَ الظلم على نفسه، فلو كان الظلم على تفسير أولئك لا يقع إلا من مأمور ومنهي، فكيف يكون تحريمه على الله - ﷿ -؟\nيكون تحريمه تحصيل حاصل لا معنى له، ولو كان الظلم هو الامتناع عن القدرة لكان أيضًا إضافته إلى الله - ﷿ - تحريم الظلم ليس له معنى.\nفإذًا تحريم الظلم «حرّمت الظلم على نفسي» يعني جعلت وضع الأشياء في غير موضعها الموافق للحكمة جعلته مُحَرَّمًَا على نفسي، وحَرَّمْتُ عليكم أن تظالموا.\nوالحديث الثاني وقوله ﷺ فيما رواه أبو داوود وغيره وصحَّحَهُ بعض العلماء قال ﷺ «لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم» (٢) الحديث.\nيعني أنَّ أهل السموات والأرض لو عَذَّبَهُمْ الله - ﷿ - لعذبهم وهو غير ظالمٍ لهم.\nالمعتزلة يَرُدُّون هذه الأحاديث أصلًا، والأشاعرة يُجَوِّزُونَ أن يُعَذِّبَ الله - ﷿ - الناس من غير سبب؛ لأنهم لا حكمة عندهم ولا تعليل لأفعال الله، يفعل ما يشاء بدون علة وبدون سبب، ومنها أَخَذَ صاحب السَّفَارينية في قوله في منظومته، السَّفاريني:\nوجَازَ للمولى يعذب الورى ****** من غير ما ذنبٍ ولا جُرْمٍ جرى\n_________\n(١) سبق ذكره (٥١)\n(٢) أبو داود (٤٦٩٩) / ابن ماجه (٧٧)","vol":"1","page":581},{"text":"يقول (جائز أن يُعَذِّبَ الورى) يعني الله - ﷿ - من غير ما ذنب ولا جرم جرى.\nهذا الحديث أهل السنة لا يُفَسِّرُونه بهذا ولا بهذا؛ يل يفسرونه بعِظَمِ معرفتهم لربهم - ﷻ - وخشيتهم له ومعرفتهم بحقوقه، فيقول أئمة أهل السنة:\nبأنَّ أهل السموات وأهل الأرض إنَّمَا قاموا برحمة الله - ﷿ -، فما فيهم حركة ولا حياة ولا شأن إلا وفي كلٍّ منها فضل من الله - ﷿ - ورحمة ونعمة أفاضها عليهم بها قامت حياتهم وبها استقاموا، كما قال - ﷿ - ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل:٥٣]، فمِنْ حَقِّهِ - ﷿ - على هذا العبد المكلف الذي لا ترمش عينه إلا بنعمة، ولا يأكل إلا بنعمة، ولا يتنفس إلا بنعمة، ولا يتعلم إلا بنعمة، ولا يخطو خطوة إلا بنعمة، ولا ينظر إلا بنعمة، ولا يسمع إلا بنعمة، ولا يتكلم إلا بنعمة، ولا يفرح إلا بنعمة، إلى آخر نِعم الله - ﷿ - التي لا تُحْصَى ولا تُعَد، من حقه - ﷿ - أن يُقَابَلَ مع كل نعمة بشكر يقابل تلك النعمة.\nفإذًا سيمضي حياته في شكر الله - ﷿ - على الصغير والكبير، فهل تسع حياة المكلفين ذلك؟\nلا تسع ذلك.\nولهذا تأمل مع هذا قول الله - ﷿ - لنبيه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١-٢] .\nوتأمَّلْ قول النبي ﷺ لعائشة لما قام حتى ورمت قدماه ﷺ «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (١) ولن يَبْلُغْ جميعَ ما يَسْتَحِقْ الله - ﷿ - من الشكر بالعمل؛ بل لابد من الاستغفار والإنابة حتى يكْمُلَ شكر العبد لربه - ﷿ -.\nوتأمل أيضًا ما عَلَّمَهُ - ﷺ - الصديق الذي هو أفضل هذه الأمة أن يقول في آخر صلاته: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك» (٢) كيف عَبَّرَ هنا بالظلم، «ظلمت نفسي ظلما كثيرا» لم؟ هل ظلم أبو بكر بارتكاب الكبائر؟\nحاشا وكلا.\nهل ظَلَمَ بِظُلْمِ العباد؟\nحاشا وكلا.\nهل ظلم أبو بكر ﵁ بالتقصير في حق رسول الله - ﷺ - وفي الاستجابة لله ولرسوله الظلم الكثير؟\nحاشا وكلا.\nولكن ينظر العبد إلى ما يُفَاضُ عليه من النِّعَمِ في كل لحظة، فيشعر بأنه مُقَصِّرْ والله - ﷿ - وصف القليل من الإعراض في حق العبد بأنه من الظلم، ووَصَفَ الكثير بأنه من الظلم، فلهذا يشعر المؤمن بأنَّهُ ظلم نفسه ظلمًا كثيرًا؛ لأنه لا يمكن أن يشكر حقيقة الشكر.\nفلو حاسَبْ الله - ﷿العباد، حاسب أهل السموات وأهل الأرض وأهل الأرض على حقيقة شكر ما أنعم الله به عليهم وأعظم ذلك أن جعلهم مُتَّصِلِينَ منه بسبب ومرفوعين إليه - ﷿ - وأنهم من المنيبين وأنهم من المهتدين لما قامت حيلة العبد ولما قام إيمانه ولما قام له شيء؛ ولكن ما ثَمَّ إلا رحمة الله - ﷿ - «لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضلا» (٣) .\nفإذًا ننظر إلى قوله «لو عذب الله أهل سمواته وأهل أرضه لعذبه وهو غير ظالم لهم» لأنَّ الشكر لن يكون في تمامه، فإذًا هم لن يُعْدَمُوا؛ بل لن يكونوا إلا مُقَصِّرِين، لن يكونوا إلا لم يُوَفُّوا مقام الشكر حقه.\nبل حتى التوبة والإنابة إذا العبد كَمَّلَ الشكر بتوبته وإنابته دائمًا واستغفاره فإن قَبُول التوبة وحصول المغفرة وقبول الإنابة من العبد أليست هذه نعمة تستحق شكرا مجددا؟\nفإذًا لو عَذَّبَ الله أهل سمواته وأهل أرضه لَعَذَّبَهُم وهو غير ظالم لهم، فلا يبرح العبد أن يرى نعمة الله - ﷿ - تُفِيْضَ عليه في أمر دينه وفي أمر دنياه وليس ثَمَّ أمامه سبيل إلا أن يشعر بالتقصير.\nوهذا المؤمن الحق دائمًا يقول مُحَقِّرًا نفسه، عسى الله أن يتغمدنا برحمة منه وفضل ولو كان يصوم النهار ويقوم الليل، وانظر إلى كلام أبي بكر ﵁ في دعائه.\nفكيف حال المغرورين الجهلة والمذنبين من هذه الأمة الذين لا يرون أثرًا لذنوبهم ولا لإعراضهم؛ بل إذا فعلوا القليل مَنُّوا وأدْلَوا على الله - ﷿ - به وهذه حال من لم يُوَفَّقْ.\nأسأل الله - ﷿ - أن يوفقنا جميعا إلى ما يحب ويرضى.\nهذا تفسير الظلم عند الطوائف المشهورة: القدرية وهم المعتزلة والجبرية وهم أصناف والمتكلمين وقول أهل السنة فيما بين هؤلاء وهؤلاء.\nنختم بهذا، وهذه المسائل التي ذكرت مختصرة جدا، وإلا فبحوث القدر كثيرة، ولا نريد منكم أن تتوسعوا أكثر إلا فيما شملته العقيدة الواسطية وشملته العقيدة الطحاوية، ففيهما بركة؛ لأنَّ كثرة الخوض في القدر مُلْبِسَة إلا بعلمٍ راسخٍ في الكتاب والسنة.\nفي الختام أسأل الله - ﷿ - لي ولكم التوفيق للصالحات وأن يرحمنا برحمته وأن يوفقنا إلى طاعته.\n_________\n(١) البخاري (١١٣٠) / مسلم (٧٣٠٢)\n(٢) سبق ذكره (٣٦٩)\n(٣) سبق ذكره (٣٧٨)","vol":"1","page":582},{"text":"الحمد لله الذي أنْعَمَ بالصالحات ويَسَّرَ لِسُبُلِ الخيرات، هو المحمود على كل حال، وهو المحمود على نعمه التي لا ينفكّ منها العبد في صباحٍ ولا مساء، له الحمد كلّه كثيرًا كما ينعم كثيرًا، وله الشكر - ﷿ - كثيرًا كما أنه يشفي ويتفضّل كثيرا، اللهم عاملنا بعفوك إنك سميع قريب، أما بعد:\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>الأسئلة:</span>\nس١/ هل الملائكة الموكلة بالإنسان سواء الكتبة أو الحافظون تكون ملازمة للإنسان؟ أم أنهم ينفكون عنه عند دخوله الخلاء؟ وما معنى قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]؟ (١)\n\n: [[الشريط الواحد والأربعون]]:\n\nج/ أما معنى الآية فقوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ فهذا قرب الملائكة، لا قرب الرب - ﷿ - بذاته ﷾؛ لأنَّ القرب كما هو معلوم نوعان:\n- قربٌ عام.\n- وقربٌ خاص.\nوالقرب العام لا يُثْبَتْ لله - ﷿ - قربٌ عام من جميع خلقه وإنما يُثْبَتْ القرب الخاص، وما جاء في النصوص من ذكر القرب العام كهذه الآية ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ فإنما هو قرب الملائكة كما حققه ابن تيمية وابن القيم وجماعة آخرون.\nوالملائكة أنواع منها ملائكة ملازمة للعبد لا تنفك عنه البتة، ومنها ملائكة تنفك عنه وتفارقه في بعض المواضع أو لبعض الأسباب.\nفدخول الخلاء، وجماع الإنسان لأهله، وكون الإنسان يكون جُنُبًَا، وأشباه ذلك مما جاء في الأحاديث، هذا من أسباب أنَّ بعض الملائكة لا يرافقونه، ينفكون عنه.\nثُمَّ هل الملائكة هذه هي الملائكة الكَتَبَة أم الحَفَظَة أم هما معًا؟\nخلافٌ بين أهل العلم، والصحيح أنَّ الحَفَظَة بخصوصهم هؤلاء ينفكون عن ملازمته وأما الكتبة فإنهم لا ينفكون.\nوالحَفَظَة يحفظ الله - ﷿ - العبد بهم كما قال ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]؛ يعني يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء قَدَرُ الله تَخَلَّوا عنه، فالله - ﷿ - ييسر لهم من أسباب الحفظ ما ييسر.\nهذا وجه في الجمع بين الأحاديث، وثَمَّ تفصيل آخر نكتفي بهذا، نعم\n_________\n(١) نهاية الشريط الأربعين.","vol":"1","page":583},{"text":"وَفِي دُعَاءِ الْأَحْيَاءِ وَصَدَقَاتِهِمْ مَنْفَعَةٌ لِلْأَمْوَاتِ.\n_________\nقال ﵀ (وَفِي دُعَاءِ الْأَحْيَاءِ وَصَدَقَاتِهِمْ مَنْفَعَةٌ لِلْأَمْوَاتِ.)\nيقرّر العلامة الطحاوي ﵀ مذهب أهل السنة والجماعة في أنَّ الميت ينتفع بِعَمَلٍ يعمله الحي، وأنَّ الميت إذا مات لا ينقطع من الانتفاع البتة؛ بل ربما انتفع ببعض الأعمال.\nفَذَكَرَ أنَّ الدعاء من الحي للميت ينفع، وأنَّ الصدقة تنفع بمعناها العام وبمعناها الخاص أيضًا.\nوهذا يريد منه تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في مُضَادَّةِ مذاهب المعتزلة ونحوهم من العقلانيين الذين يَرُدُّونْ النصوص أو يتأولونها على غير وجهها.\nوهذه المسألة كانت شائعة في ذلك الزّمان وأنَّ الحي لا ينفع الميت، وإنما الميت إذا مات انتهى وانقطع من أن ينفعه الحي، وإنما الحي ينفع نفسه وثَمَّ مجادلات في هذا.\nوأهل السنة والجماعة صاحوا على من خالف النُّصوص في ذلك من كل جانب وقَرَّرُوا ما جاءت به الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح في هذه المسألة.\nوفي الظاهر أنَّ هذه المسألة لا علاقة لها بالعقيدة؛ لأنها في الدعاء والانتفاع، وهذه المسألة يبحثها الفقهاء في آخر كتاب الجنائز كما هو معروف، وأمَّا وجودها في كتب الاعتقاد فليست لأنها مسألة عَقَدِيَّةْ داخلة في أحد أركان الإيمان الستة؛ ولكن لأجل أنَّ المبتدعة ضَلُّوا فيها عن تحكيم القرآن والسنة، وأهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح لهم فيها إجماع واتفاق، فصارت من جملة مسائل الاعتقاد لمخالفة أهل السنة فيها لأهل البدع ثُمَّ تقريرًا لما جاء فيها من النصوص والأدلة.\nثم هاهنا مسائل:","vol":"1","page":584},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ انتفاع الميت بِسَعْيٍ الحي هذا اتَّفَقَ عليه علماء أهل السنة من الأئمة من أهل الحديث ومن الفقهاء ومن أهل التفسير، اتفقوا فيه على نوعين دون خلافٍ بينهم:\n١- النوع الأول الدعاء: وهو أنَّ الدعاء نافع، فالدعاء يجيبه الله - ﷿ - من الحي للحي ومن الحي للميت، ولهذا شُرِعَتْ صلاة الجنازة وهي صلاةٌ بلا ركوع ولا سجود، وإنما هي ثناء على الله - ﷿ - وحمد له سبحانه وصلاة على نبيه ﷺ ثم دعاء للميت، فهي كلها دعاء وأدبها أدب الدعاء، ولذلك هي تَفْتَتِحْ بالفاتحة ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال العلماء: ولا يُسَنُّ هنا أن يستفتح بقوله: سبحانك الله وبحمدك. لأنه داعٍ وليست من جنس الصلاة الأخرى، ولم يأت في السنة ما يدل على الاستفتاح، ثم بعد الفاتحة وهي حمد لله - ﷿ - وثناء تأتي الصلاة على النبي ﷺ بعد التكبير الثاني، ثم إذا صلى فإنو يدعو.\nوهذا هو أدب الدعاء فإنَّ العبد إذا دعا ربه - ﷿ - في أي دعاء فإنه يحمد الله - ﷿ - ثُمَّ يصلي على نبيه ﷺ ثم يدعو الله بما شاء من المسائل.\nفصلاة الجنازة دعاء، وهي بالاتفاق مشروعة وبالإجماع مشروعة، فدعاء الحي للميت هذا جَارٍ عليه الاتفاق.\nوكذلك ما جرى عليه الاتفاق أيضًا أنَّ الحي يتصدّق عن الميت بصدقة مالية يبذلها لأجل الميت؛ يعني لينفع الميت بها تَبَرُّعًَا منه، وهذا اتفق عليه علماء السنة من علماء الحديث والتفسير والفقه -كما هو معلوم- على خلافٍ بينهم في بعض تفصيلات ذلك.\n٢- النوع الثاني كل عملٍ صالح تَسَبَّبَ فيه الميت في حياته فإنه ينفعه ذلك بعد وفاته: وذلك لقوله ﷺ «من دعا إلى هدى كان له من الأجور مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا» (١) وكما جاء في الحديث الثاني أيضا في صحيح مسلم «من سنّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من علم بها إلى يوم القيامة» (٢)، وهذا يعني أنَّ ما تسبب فيه في حياته فإنه ينفعه بعد وفاته.\nوكذلك الولد -الولد الصالح- فإنه تسبب فيه العبد، فإنه إذا دعا لأبيه فهو يدخل في ما أُجْمِعَ عليه أولا وما يدخل في السبب ثانيًا.\nفإذًا ثَمَّ صور أُجْمِعَ عليها، والأدلة على ما أُجْمِعَ عليه كثيرة متنوعة من الكتاب والسنة، يأتي بعضها إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) مسلم (٦٩٨٠) / أبو داود (٤٦٠٩) / الترمذي (٢٦٧٤) / ابن ماجه (٢٠٦)\n(٢) مسلم (٢٣٩٨) / النسائي (٢٥٥٤)","vol":"1","page":585},{"text":"[المسألة الثانية]:\nاختلف العلماء في مسائل العبادات التي لا تدخل في معنى الصدقة المالية، وهي العبادات البدنية، مثل تلاوة القرآن، ومثل الصلاة، ومثل الصيام والحج فيما فيه من البدن، ونحو ذلك؛ يعني فيما يصل فيه من الثواب هل هو الكل أو البعض، وإن كان الخلاف في الحج ضعيفًا.\nهذه المسائل التي اخْتُلِفَ فيها وهي العبادات البدنية:\nمن أهل العلم من قال تصل ومنهم من قال لا تصل.\n١- القول الأول: ذهب جمهور السلف كما عزاه إليهم ابن تيمية ابن القيم وغير ذلك وعَبَّرُوا بالجمهور وذهب الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وجماعات من أهل الحديث والأثر إلى أنَّ الميت ينتفع بما تَقَرَبَ الحي به إلى ربه وأهدى ثوابه إلى الميت؛ يعني أهدى الحي الثواب إلى الميت.\nويقول في هذا طائفة من العلماء: وأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَها المسلم وأهدى ثوابها لمسلمٍ حيٍ أو ميتٍ نَفَعَهُ ذلك.\n٢- القول الثاني: وهو ما ذهب إليه مالك والشافعي وطائفة من العلماء أنَّ الميت لا ينتفع من سعي الحي بالعبادات البدنية المحضة، العبادات التي فيها صلاة مثلًا قراءة القرآن الصيام وأشباه ذلك، وإنما ينتفع بما كانت عبادةً مالية أو دخل فيها المال كالحج، وأما غير ذلك فإنه لم تدلَّ الأدلة عن انتفاعه فيبقى الباب على عدم الانتفاع -وسيأتي التفصيل والترجيح-","vol":"1","page":586},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nمن أدلة أهل السنة والجماعة على أصل الانتفاع قول الله - ﷿ - ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] فأثنى عليهم بالدعاء وهذا يقتضي الإنتفاع.\nومنه قوله ﷺ «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١) .\nوفي الصحيح أيضًا أنَّ النبي ﷺ جاءه رجل فقال: إن أمي أُفْتُلِتَتْ نفسها -يعني ماتت فجأة- وإنها لو تكلمت لأوصت أو لتصدقت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال «نعم» (٢) .\nوجاء أيضًا في صدقات الصحابة عن الأموات الشيء الكثير.\nكذلك جاء رجل إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يحج عن ميتٍ له فأذن له بالحج.\nوفيه أيضًا أنَّ امرأة قالت: إنَّ أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها؟ قال «أرأيت إن كانت على أمك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم. قال «فاقض عنها، فإن الله أحق بالقضاء» (٣) .\nونحو ذلك في هذا الباب.\nأيضًا مما يدخل فيه مع تنوع الأعمال أصل الوقوف؛ يعني أصل الأوقاف، فإنَّ الصحابة ما كان منهم أحد له فضل مال إلا وحبس يعني أَوقَفَ -أوقف على نفسه- وهذا مما ينفعه ويدخل في قوله «صدقة جارية» .\nوأما الذين قالوا إنه لا ينتفع إلا بالعبادة المالية قالوا:\nإنَّ هذه المسائل منها:\n- ما هو مُجمعٌ عليه، وهذه اتَّفَقْنَا عليها وهي الصورتان الأوليان.\n- ومنها ما هو مُخْتَلَفٌ فيه وهي العبادات البدنية فهذه لم يأت دليل فيها؛ بل جاء الأثر عن ابن عباس بأنه قال (لا يصل أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد) (٤) فهذا يدل عن امتناع أن يكون أحد يصلّي عن أحد أو يصوم أحدٌ عن أحد.\nوأجاب الأولون عن ذلك بـ:\n- أنَّ الصيام جاء فيه أنَّ الحي يصوم عن الميت إذا كان عليه صيام، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري وغيره «من مات وعليه صوم صام عنه وليه» (٥) يعني صوم واجب.\nوهل الصوم الواجب هذا صوم النذر كما في الرواية الأخرى؟ أو كل صيامٍ واجب سواءٌ أكان صيام رمضان الواجب الذي لم يقضه مع إمكانه القضاء، أو صيام الكفارات أو نحو ذلك؟\nخلاف بين أهل العلم؛ ولكنهم قالوا: إنَّ الحي يصوم عن الميت الصيام الواجب بدلالة السنة على ذلك.\n- وأيضًا قالوا: إنَّ ما جاء في السنة من الأحوال هذه جاءت جوابًا عن أسئلة، فالنبي ﷺ سُئِلْ عن الصدقة فأوصى بها، سُئِلْ عن الحج فقال «حُج» أو قال «حُجي» ونحو ذلك.\nوهذه الأسئلة لا تفيد العموم فلا يُفْهَمْ من جواب السؤال أنه لا يجوز إلا فيما جاء السؤال والجواب عنه؛ لأنَّ السائل ليس هو المُشَرِّعْ، وإنما جواب النبي ﷺ كان بقدر السؤال.\nولهذا كان الأقرب أن يُعَمَّ ذلك وأن يُقَال إنَّ ما جاء الإذن فيه دَلَّ على وصول جنس الثواب دون تفريق لأنَّ التفريق ما بين نوع ونوع يحتاج إلى دليل، وهذه المسائل لم يبتدئها الشارع وأَذِنَ بكذا وكذا أصلًا يعني ابتداء وإنما كان إجابة لأسئلة.\nوبين هذا الاستدلال وهذا الاستدلال ذهب المفتون من العلماء إلى أحد هذين القولين من المتقدين والمتأخرين:\n@ فمنهم من يقول بالتعميم كما قال ابن القيم وجمهور السلف والإمام أحمد وأصحابه وابن تيمية وابن القيم وطائفة من أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى.\n@ ومنهم من يقول بقول مالك والشافعي بأنه يُقْتَصَرْ على ما ورد دون غيره.\nوهذا تجد من يفتي به وهذا تجد من يفتي به.\n* والأقرب في ذلك هو التفصيل وهو أنَّ إهداء الثواب غير ابتداء العبادة، فهما صوراتان:\n١- الصورة الأولى إبتداء العبادة:\nابتداء العبادة هذا عبادة فيحتاج إلى دليل يدلُّ على أنَّ المرء ينوب عن غيره عن حيٍ أو ميت في العبادة، فيبتدئ العبادة عن فلان، وهذا لابد فيه من التوقيف لأنَّ الأصل عدمه، وجاء الإذن في العبادات المالية فينبغي أن يكون أن يُقْتَصَرْ عليها بل يجب أن يُقْتَصَرْ عليه كما جاء في الأدلة؛ لأنها ابتداء عبادة وابتداء العبادة هذا لابد فيه من دليل؛ لأنَّ الأصل أنَّ أحدًا لا يعمل عن أحد، لا ينوب أحد عن أحد، وكل إنسان يعمل.\nلهذا الصحابة سألوا؛ لأنَّ الأصل متقرر عندهم، سألوا أأحج؟ أتصدق عنها؟\nوهذا يدل على أنَّ الأصل المستقر هو أن لا ينوب أحد عن أحد في ذلك.\n_________\n(١) الترمذي (١٣٧٦) / النسائي (٣٦٥١)\n(٢) البخاري (١٣٨٨) / مسلم (٢٣٧٣)\n(٣) البخاري (١٨٥٢)\n(٤) سنن النسائي الكبرى (٢٩١٨)، وروى الإمام مالك في الموطأ (٦٦٩) أنه بلغه أن عبد الله بن عمر: كان يسأل هل يصوم أحد عن أحد أو يصلي أحد عن أحد فيقول لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد.\n(٥) البخاري (١٩٥٢) / مسلم (٢٧٤٨)","vol":"1","page":587},{"text":"هذه صورة وهو أن يبتدئ العبادة، يحج لبيك حجا عن فلان عن فلانة، هذا ابتدأ العبادة عن فلان أو فلانة، أو اللهم إنَّ هذه الصدقة عن فلان أو عن والدي أو عن والدتي فلانة، فهذا ابتدأ العبادة، فهذه جاءت الأدلة بجوازه.\nلكن ابتداء الصلاة يقول: اللهم إنَّ هذه الصلاة عن والدي أو عن والدتي، اللهم إنَّ هذا الصيام عن والدي أو عن والدتي، فهذا لم يأتِ به دليل لأنه ابتداءُ به عبادة، وهذا يدل عليه أثر ابن عباس قال (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد إلا من مات وعله صيام صام عنه وليّه) .\nفدلَّ على أنَّ الأصل عدم النيابة في هذه العبادات؛ بمعنى أن لا يبتدئها فيجعل العبادة من أولها مَعْمُولَةً لفلان أو فلانة.\n٢- الصورة الثانية أن يبتدئ العبادة لنفسه ثم إذا فرغ من العبادة أهدى ثوابها:\nوهي مختلفة عن الصورة الأولى وهي أن يبتدئ العبادة لنفسه، أن يعمل العمل لنفسه، يصلي لنفسه، يقرأ القرآن لنفسه، يعتمر لنفسه، يصوم عن نفسه، وهكذا في أي عمل، يذكر الله - ﷿ - عن نفسه، ثم إذا فرغ من العبادة قال اللهم اجعل ثواب قراءتي هذه لوالدي لوالدتي، لمن له حق علي، لفلان إلى آخره.\nفهذا ليس الأصل المنع؛ لأنَّ العبادة وقعت صحيحة، وهو يقول أنَّ الأجر إنْ تقبله الله وثَبَتَ الأجر، فإنَّ هذا الثواب إذا استقر لي فإنه مهدىً إلى غيري؛ يعني دعا الله - ﷿ - أن يتقبل منه وأن يجعل فلانًا أو فلانة شريكين في الثواب.\nوهذا التفريق لا رَدَّ له، لا من جهة السنة ولا من جهة كلام السلف الصالح، فإنهم إنما نَهَوا عن الابتداء ولم ينهوا أو ينهى الأئمة ولا المعروفين من السلف لم ينهوا عن إهداء الثواب للميت.\nوهذا يقتضي أنَّ التفريق ما بين الابتداء وإهداء الثواب مُتَعَيِّنْ في هذه المسألة، وأنَّ إهداء الثواب بعد الفراغ من العبادة ليس تعبدًا وإنما هو محض تفضّل وإحسان.\nولهذا أئمة السنة المتحققون بالسنة ورد البدعة ذهبوا إلى جواز إهداء الثواب كالإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم وطائفة من أئمة الدعوة كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وجماعة.\nومن نهى من أئمة الدعوة فإنه لم يلحظ هذا التفريق في كلام الأئمة لأنهم رأوا إهداء الثواب ولم يرعوا النيابة في أصل العبادة.\nفقالوا: وأي قربة فَعَلَهَا المسلم وأهدى ثوابها، فالقربة فُعِلَتْ وانتهت وأهدى ثوابها لمسلم حي أو ميت والأجر يتصرف فيه من حازه على ما يرغب، فإذا أَعْطَى بعض أجره غيره، فإنَّ هذا له ولا أصل يدلُّ على المنع من ذلك.","vol":"1","page":588},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nالمبتدعة -أعني المعتزلة من شابههم- احتجوا بحجتين:\n١- الحجة الأولى: قالوا يقول الله تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، وهذا يدل على أنَّ سَعْيَ الإنسان لنفسه.\nوهذا الاحتجاج كذلك بعض أهل السنة احْتَجَّ به على هذا الشوكاني وبعض المعاصرين بأنه لا ينتفع البتة إلا بما سعاه فالولد من سعيه والصدقة الجارية من سعيه والعمل الصالح من سعيه والعلم النافع من سعيه، أما غير ذلك فلا يُعَدُّ من سعيه فلا ينتفع إلا بما سعى.\nفإذًا احتج المبتدعة وطائفة من أهل السنة على مذهبهم بقوله تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ قالوا فلو كان ينتفع لكان سعيه لغيره وهذا يخالف ظاهر الآية.\nوالجواب عن ذلك من وجهين:\nأ - الوجه الأول: أنَّ الله - ﷿ - في الآية قال ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ﴾ اللام هنا كما هو معروف لام المِلك؛ يعني الإنسان لا يملك إلا سعيه، أما غيره فلا يملك سعي فلان، أحمد لا يملك سعي خالد؛ بل إذا تَقَرَّبَ خالد إلى ربه بقربة فإنَّ سعيه له، ثواب السعي له هو وليس للآخر، فاللام هذه لام الملك.\nوالمسألة التي ذكروا أنَّ الآية رَدّْ عليها أو حجة فيها هي أنَّ الآخر ينتفع من سعي الأول، وهذا لا تناقض بينها وبين هذه؛ لأنَّ اللام إذا كانت للملك فالأجر للأول؛ ولكن هو ينفع الثاني بما يتصدق به عليه أو ما ينفعه به.\nب - الوجه الثاني: أنَّ قوله ﴿إِلَّا مَا سَعَى﴾ السعي هنا لابد أن يُنْظَرْ إلى مفهومٍ واحد، وهو أنَّ أعظم الأسباب في السعي في أنْ ينتفع الميت من سعي الحي، أعظم الأسباب هي دخوله في الإيمان، فإنَّ الإيمان والإسلام إذا تحقق به العبد يوجب وَلَايَةْ بين المسلم والمسلم، ويوجِبُ محبة بين المؤمن والمؤمن، وهذا أعظم أسباب العلاقة بين الناس، فجميع العلائق تَقَطَّعَتْ إلا سبب الإيمان والإسلام، قال - ﷿ - ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، فإذًا دخل في اسم الإيمان فقد أتى بأعظم سبب من أجله ينفع إخوانه، وأيضًا من أجله ينفعه إخوانه.\nفإذا كانت الولادة سبب بأن ينتفع الأب بسعي ولده، والعلم سبب فإنَّ أعظم الأسباب هو ما له من الإيمان بالرب - ﷻ -، فبالله - ﷿ - انعقدت الأواصر، وفي الله - ﷿ - قامت الوسائط والوسائل، وبالله - ﷿ - تقاربت القلوب، وهذا يعني أنَّ أعظم الأسباب في الانتفاع في السعي ما سعاه المرء في نفسه ولنفسه وهو سبب الإيمان.\nفإذًا الإيمان سَعْيٌ له، فقوله ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، إذا قلنا: إنَّ العمل له لا لغيره -كما قلنا سابقا- ويكون سعيه إذًا لغيره سَعْيٌ في شيءٍ تَسَبَّبَ ذلك الغير فيه.\nوانعقاد السبب في شيءٍ تَسَبَّبَ فيه هذا شيءٌ عمله العبد وتَسَبَّبَ فيه وهو الإيمان.\nولهذا صلاة الجنازة دعاء للميت وإذا أتى العبد المقابر دعا للأموات، واستَغْفَرَ لهم، هذا سببه الإيمان، فالمؤمن يصلي على المؤمن لأجل ما بينهما من وثيقة الإيمان ومن الحب في الله وما بينهما من الحقوق.\nإذًا فالإحتجاج بالآية ليس بظاهر كما هو بَيِّنْ فيما ذكرنا.\n٢ - الحجة الثانية: قالوا إنَّ النبي ﷺ قال «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» (١)، فدلَّ على أنَّ العمل ينقطع، وإذا انقطع العمل هذا يعني أنه لا ينتفع بشيء.\nوالجواب عن ذلك: أنَّ النبي ﷺ قال «انقطع عمله» ولم يقل: انقطع انتفاعه كما هي صورة المسألة التي نبحثها، ولم يقل أيضا: انقطع عمل غيره له، وإنما قال «انقطع عمله»، فعمل الإنسان بالوفاة في دار التكليف انتهت، فعمله انقطع كما جاء في الحديث، أما عمل غيره وانتفاع هذا بعمل غيره فإنه لم ينقطع.\nويدل على ذلك أنَّ الثلاثة التي ذُكِرَتْ وهي الصدقة الجارية والعلم والولد الصالح لم يُذْكَرْ فيها الدعاء -دعاء الحي للميت في صلاة الجنازة-، وهي بالاتفاق نافعةٌ للميت وهي لم تدخل في هذه الثلاث، لأنها ليست بعمل للميت ولكنها عملٌ للحي وهو ينفع للميت.\n_________\n(١) سبق ذكره (٥٨٧)","vol":"1","page":589},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nهاهنا مسائل تكلّم العلماء في هذا الموضع فيها وهي المتعلقة بقراءة القرآن وإهداء الثواب أو استئجار من يقرأ القرآن على الأموات في المقابر ونحو ذلك، وهذه المسائل واضح أنَّ التقرب فيها إلى الله - ﷿ - بِنَفْعْ الميت بالاستئجار أنَّ هذا بدعة ولم يأتِ دليلٌ من السنة ولا من فِعْلْ السلف على عمله.\nثُمَّ الاستئجار وهو دفع المال لفلان ليتعبد لفلان هذا مبطل للعمل في أصله، لم؟\nلأنَّ العلم لا يصلح ولا يتقبله الله - ﷿ - إلا بالإخلاص، فالإخلاص شرط في قَبول العمل، فإذا لم يعمل العمل الصالح لم يُصَلِّ إلا بمال، ولم يصم إلا بمال، ولم يقرأ القرآن إلا بِأُجْرَةْ يُسْتَأْجَرْ عليه، فيقول مثلًا أنا أقرأ لكم السورة بمائة ريال، أو يقول أقرأ الجزء بألف ريال، ونحو ذلك، فهذا لاشك أنه لم يُخْلِصْ لله - ﷿ - في هذه العبادة، فكيف ينتفع الميت من عبادةٍ لم يُخْلَصْ لله - ﷿ - فيها، وإنما عُمِلَتْ لأجل عرض من الدنيا.\nولهذا من البدع الوخيمة استئجار قوم عند المقابر يتلون، أو في المآتم يُعْقَدْ سُرَادَقْ كبير ويأتون بمن يقرأ القرآن ويقولون ننفع الميت، وهم يستأجرون هذا التالي للقرآن بأموال باهضة وعظيمة، وهذا فيه هلكة للفاعل؛ يعني للقارئ لأنه عَمِلَ عملًا لغير الله، وفيه أيضًا إفساد للمال في غير طاعة الله - ﷿ - وهذا لا ينفع الميت لأنه عمل لم يُخْلَصْ فيه لله - ﷿ -.\nأما لو تَبَرَّعَ أحد وقرأ القرآن لنفسه وبعد القراءة قال اللهم اجعل ثواب قراءتي لفلان فإنَّ هذا جائزٌ على الصحيح كما ذكرنا لك.\nوقد ذكر الجد الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ رحمةً واسعة في تقريرٍ له موجود في الفتاوى أنَّ رجلًا -لَمَّا عرض لهذه المسألة- ذَكَرَ أنَّ امرأة تُوُفِّيَتْ، وكان أحد قرابتها أظنه زوجها كان يقرأ القرآن، وبعد أن فرغ من الختمة أهدى ثوابها لنفسه ولزوجته، فلما فرغ وجاء وقت الصلاة أقبل رجل، وقال أنا رأيت فلانة في المنام، وقالت لي أنا الآن ختمت القرآن.\nوهذه وإن لم تكن حجة لكن هي للاستئناس ونقلها ثقات وذكرها علماء وأئمة، فهي ماشية مع الأصل وليس فيها ما يعارض ذلك.\n* فإذًا الانتفاع في إهداء الثواب لا يكون بالطرق البدعية التي يعملها أصحاب المآتم، والذين يستأجرون للقراءة على القبور.","vol":"1","page":590},{"text":"[المسألة السادسة]:\nفي قوله (وَفِي دُعَاءِ الْأَحْيَاءِ وَصَدَقَاتِهِمْ) صدقات هنا يُعْنَى بها الصدقات المالية خاصَّة، وعلى القول الصحيح الذي ذكرنا أنها كل شيء فيه صدقة؛ بالمفهوم العام للصدقة.\nفأمر الإنسان بالمعروف ونهيه عن المنكر والعلم والذكر وقراءة القرآن ونحو ذلك مما يدخل في اسم الصدقة العام وهي النوافل والطاعات التطوعية العامة فإنها تنفع الميت إذا أهدى الثواب لا إذا ابتدأ العبادة كما ذكرنا.\nفإذًا نقول: إنَّ الصحيح أن قوله (وَفِي دُعَاءِ الْأَحْيَاءِ وَصَدَقَاتِهِمْ) هذا يشمل جميع أنواع العبادات كما ذكرنا.\nنكتفي بهذا القدر، والمسألة التي بعدها تحتاج إلى تفصيل.","vol":"1","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>الأسئلة:</span>\nس١/ يقول: إذا حج رجل عن رجل ميت هل الرجل الحي يأخذ الأجر على هذا الحج، عِلْمًَا أنَّ هذه الحجة للميت؟\nما فهمت سؤالك بدقة: إذا حج رجل عن رجل ميت هل الرجل الحي يأخذ الأجر على هذا الحج، يعني قصده إذا أخذ مال.\nهذا الميت إذا مات وعليه حجٌ واجب فإنَّ أولى الناس بالحج عنه ولده أو أقربائه أو وليه، هذا هو أولى الناس بالحج عنه؛ لأنه نوع برٍ له وبراءة لذمته وقضاءْ للدَّيْنْ الذي عليه.\nأما إذا لم يوجد أو كان فيه كَلَفَة أو نحو ذلك أو كان يريدون السرعة بالحج عن الميت، فجاء من يرغب في الحج؛ ولكنه ليس عنده من النفقة ما يكفيه لأداء الحج فإنه لا بأس أن يُعطَى ليحج عن الميت لما قام في قلبه من الرغبة في شهود المشاعر ورؤية الكعبة والذكر هناك وشهود دعوة المسلمين في ذلك.\nفإذا كان الرجل يريد الحج أو كان المسلم يريد الحج؛ لكن لم يجد نفقة، فإنه لا بأس أن يأخذ نفقة ليحج عن غيره؛ ولكن لا يجوز أن يحج ليأخذ.\nيعني لا يقوم في قلبه محبة الحج ولا الرغبة في الآخرة وإنما إذا أتاه مال حج وإذا ما أتى مال يقول ما الذ يتعبني، لماذا أذهب أنا.\nهذا لا يجوز لأنه استئجار على عبادة، وكما قال ابن تيمية: إنما يجوز أن يأخذ ليحج، لا أن يحج ليأخذ فالأشبه أنَّ هذا ليس له في الآخرة من خلاق، وهو كما قال ﵀.\nفإذًا إذا أتى من يريد الحج وهذا الحي يريد أن يدفع من مال أبيه؛ يعني من التركة مال يحج به عنه مكانه فهذا لا بأس به.\nس٢/ يقول كيف يُجاب عن الحصر في قوله ﷺ «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»؟\nج/ الحصر على بابه؛ لكن عمل غيره لا يدخل في كلمة عمل. فعمله ينقطع، عباداته تنقطع إلا هذه الثلاث، وهي الصّدقة الجارية، علم ينتفع به، وولد صالح يدعو له.\nالصدقة الجارية هي الوقف المحبس الذي يبقى كبناء المسجد وحفر الآبار وتيسير سبل الماء، أو طباعة كتب أهل العلم النافعة أو المصحف، طباعة المصاحف ونحو ذلك، هذه من الصدقات الجارية عبادة.\nوالولد الصالح معروف ولده يدعو له ويستغفر لأبيه.\nوالعلم الذي يُنْتَفَعُ به هذا يشمل العلم الذي عَلَّمَه أو ما أَمَرَ به بالمعروف ونهى عن المنكر وسَنَّ سُنَّةْ حسنة ودعا إلى هدى، الدعوة بأنواعها هذه تدخل في العلم الذي ينتفع به؛ لأنَّ الأنبياء دعاة والنبي ﷺ داعية ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ﴾ [يوسف:١٠٨]، وإنما وَرَّثْ العلم، فإذًا العلم يدخل فيه كل أبواب الدعوة وتوريث العلم والتأليف وأشباه ذلك.\nفإذًا الحصر على بابه والحصر في هذه الأنواع في عمل الميت، أما عمل غيره فلا يدخل في ذلك كما ذكرنا.\nنكتفي بهذا القدر وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.","vol":"1","page":592},{"text":"الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:\nالأسئلة:\n[سائل] هنا تعليق لبعض الإخوان.\n[الشيخ] اقرأ التعليق.\n[السائل] بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين: اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وسائر أهل الحديث، وأهل المدينة ﵏، وأهل الظاهر، وجماعة من التابعين إلى أنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان. (١)\nقال: وهو قول المعتزلة أيضًا، فإنهم قالوا: الإيمان هو العمل والنطق والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته والسلف جعلوها شرطًا في كماله. وانظر شرح السنة إلى آخره. (٢)\nج/ هذا غلط، التعليق هذا غلط:\nأولا: ليس هو قول المعتزلة. (٣)\nثانيًا: ليس الفرق بين أهل السنة والمعتزلة، أهل السنة لا يرون العمل شرط يرونه ركن لأنَّ ما أُدْخِلَ في المسَمَّى فهو ركن.\nهذا تعليق شعيب؟\n[السائل] نعم.\nهذا ليس بسليم، هذا الكلام غلط، هذه أي طبعة، رقم ١٤١٣؟، لا هذا ما هو صحيح؛ تعليقه غلط.\nكل تعليقه غلط، هو جَعَلَ أَنَّ قول أهل السنة أنَّ الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان جعله قولًا للمعتزلة، وهذا ليس بصحيح، ثم جعل أيضًا الأعمال عند السلف شرطًا في الكمال، وجعله عند المعتزلة شرطًا في صحة الإيمان، وهذا أيضا ليس بصحيح، كل تعليقه مبني على فهم الماتريدية في الغالب؛ يعني ينحو منحى الماتريدية في هذه المسألة.\nس٢/ يقول: ما يقول الأئمة الأعلام في مخالفي أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات من المعطلة والمشبهة وغيرهم، هل هم كفار أم لا؟ وأي نوعي الكفر وقعوا فيه وما سبب ذلك؟ هل لقولهم على الله بغير علم أم لإنكارهم بعض نصوص الوحي أم ماذا؟ وما تأويل الإمام أحمد ﵀ عندما قال: الواقفة أو المفوّضة أشد ضلالًا من غيرهم أو كما قال؟\nج/ شُوف بعض الأسئلة كأنها أسئلة اختبارات، يعني هل هم كذا وهل؟؟، هل هم كفار أم لا وأي نوعي الكفر وقعوا فيه؟ وما سبب ذلك هل لقولهم على الله بغير علم؟؟ على كل حال الإفادة مطلوبة.\nالضالون في باب الأسماء والصفات درجات وأقسام، منهم الجهمية ومن شابههم ممن ينفون جميع الأسماء والصفات، إلا صفة الوجود المطلق، وهؤلاء هم الذين اشتد عليهم صوت السلف والأئمة؛ بأنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة وإنما هم خارجون أصلًا.\nفجهم ومن معه لا يُعتبرون أصلًا في الإسلام، يعني الجهمية الأصليين الذين ينفون جميع صفات الرحمن - ﷿ - وجميع أسماء الرحمن - ﷿ - إلا صفة الوجود المطلق، وهؤلاء لا وجود لهم اليوم بادوا في ذلك الوقت، هؤلاء ليسوا من المسلمين.\nوالفئة الثانية التي أيضًا يُحكم بكفرهم: المشبهة الذين يقولون وجه الله كوجه الإنسان، أو يده كأيدينا، أو عيناه - ﷿ - كأعيننا أو سمعه كسمعنا، يجعل المماثلة في ذلك في تمام الاتصاف بالصفة، هؤلاء أيضًا المجسمة على هذا النحو والممثلة فإنهم أيضا ليسوا من أهل الإسلام؛ لأنهم شبّهوا الخالق بالمخلوق أو شبهوا المخلوق بالخالق - ﷿ -.\nأما من ليسوا كذلك وإنما هم مبتدعة على درجاتٍ في الصفات، منهم المعتزلة ومنهم الأشاعرة والكلابية والماتريدية ومن على هذا النحو، فإنَّ هؤلاء منهم من يُثبت بعض الصفات، منهم من يُثبت سبع صفات أو ثمان أو أكثر أو أقل على خلافٍ بينهم، فلا يُطلَقْ القول بتكفير الطائفة، ولا يُطلَقْ القول بعدم التكفير أيضًا، وإنما يُقال هؤلاء أهل بدع، وبحسب ما نفى يكون الحكم عليه، ليسوا على بابٍ واحد، لكن الأصل أنَّ من أثبت بعض الصفات وتأوَّلَ في الباقي ونفى أو أوَّلْ فإنه لا يُحكَمُ بكفره، وإنما يُقال هذا من أهل البدع.\nلهذا أهل السنة والجماعة لمَّا تكلّموا في المعتزلة وحَكَمُوا بكفرهم، يعني بكفر أهل الاعتزال، ذكروا أنَّ ذلك متعلِقٌ بالقول بخلق القرآن أو ببعض المسائل الأخرى، أما نفي الصفات أصلًا فهو مردود وكفر كما هو عليه الجهمية، أما تأويل الصفات في إثبات بعضٍ أو نفي بعض فلا يُطلَقْ القول بتكفير هذه الفئة.\n_________\n(١) هذا تعليق شارح الطحاوية.\n(٢) هذا التعليق عليه: أنظر الصفحة ٤٥٩ الجزء الثاني من شرح العقيدة الطحاوية للقاضي أبي العز الحنفي تحقيق وتعليق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي وشعيب الأرنؤوط طبع مؤسسة الرسالة الطبعة ١٣ سنة ١٤١٩هـ/١٩٩٨م.\n(٣) قارن هذا بالقول الرابع في المسألة الأولى على شرحه لـ: (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.) في الشريط التاسع والعشرون","vol":"1","page":593},{"text":"ومن أهل العلم -من أهل السنة والجماعة- من خصّ مسألة علو الرحمن - ﷿ - لأجل ظهور دليلها (علو الذات للرّب - ﷿ -)، لأجل ظهور دليلها وقوّة برهانها وعدم وجود مجال للتأويل فيها خَصَّهَا بأنَّ من أنكر علو الذات للرب - ﷿ - فإنه يَكْفُرْ، لكن الأصل الذي عليه أئمة أهل السنة والجماعة أنهم يستعملون في هذا الباب عبارات الابتداع، البدعة والضلالة والمخالفة وطريقة الخلف وأشباه ذلك.\nوليس كل من نفى صفة أو تَأَوَلَهَا يعتبر كافرًا خارجًا من الدّين، وإنما ذلك الاتفاق مخصوص بالجهمية والمجسمة، وأما المعتزلة ففيهم تفصيل بحسب المسألة التي تُتَنَاوَلْ، أما الأشاعرة والماتُريدية والكلابية فلا أعلم أحدًا من أهل السنة أطلق عليهم الكفر.\nنكتفي بهذا.","vol":"1","page":594},{"text":"واللهُ تَعالَى يَسْتَجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَيَقْضِي الحَاجَاتِ.\n_________\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:\nفيقول الطحاوي ﵀: (واللهُ تَعالَى يَسْتَجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَيَقْضِي الحَاجَاتِ)\nيريد بذلك بيان بعض آثار ربوبية الله - ﷿ - على خلقه وأنَّهُ ﷾ خَلَقَ الخلْق، وهو ربهم ومالكهم وسيدهم والمتصرّف فيهم، وهو الذي يفيض عليهم من خيراته - ﷿ - ويُنَزِّلُ عليهم من رحماته، فإذا احتاجوا فإليه الملجأ، فكما أنه - ﷿ - يَبْتَدِؤُهُم بالعطايا ويُنْعِمُ عليه بأنواع النِّعَمْ، فإنهم إذا سألوه ودعوه فإنه ﷾ يُجيبهم؛ لأنَّ ربوبيته لهم وخَلْقَهُ لهم يقتضي أن يُيَسِّرَ ما يحتاجون إليه.\nوخصَّ هنا إجابة الدعوات وقضاء الحاجات لأجل خلاف طائفة من الفلاسفة وغلاة الصوفية ومن شابههم في هذا الأصل وهو أنَّه لا حاجة للدعاء ولا حاجة للسؤال ولا طَلَب الحاجات لأنَّ كل شيء إما أن يكون مُقَدَّرًَا من عند الله كقول الصوفية فلا يؤثِّر فيه شيء، وإما أن يكون أثرًا لمؤثِرٍ ومُنْفَعِلًَا لِفِعْلٍ كقول الفلاسفة أو غلاة الفلاسفة.\nوها هنا مسائل:","vol":"1","page":595},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالله - ﷿ - ذَكَرَ في القرآن كثيرًا إجابته للدعاء وللسؤال وإعطاءه، كقوله - ﷿ -: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، وأثنى الله - ﷿ - على الأنبياء بأنهم يدعون الله - ﷿ - خوفًا وطمعا، وبيَّنَ - ﷿ - أنه يُجيب دعوة المضطر فقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢]، بل بَيَّنَ - ﷿ - أنه أجاب دعاء إبليس، إذ قال سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر:٣٦-٣٧]، وبَيَّنَ الله - ﷿ - أنه ربما أجاب دعاء أولياء الشيطان والكفرة فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان.٣٢] .، ونحو ذلك من الآيات كقوله ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧]، وهذا مُنَوَّعٌ في القرآن كثيرًا في أنَّ الله سبحانه خَلَقَ الخلق جميعًا، فهو رب المؤمن ورب الكافر، وربوبيته للكافر تقتضي إعطاءه، وربوبيته للمؤمن تقتضي إعطاءه، وهكذا، ربما أعطى المؤمن فكان في حقه نعمة وربما أعطى الكافر فكان في حقه عذابًا ونقمة، فهم يَسْأَلُونْ والله - ﷿ - يجيب الداعي ويجيب المضطرّ إذا دعاه.\nوقضاء الحاجات أيضًا يبتدئه الرب - ﷿ - ويُعْطِيْ عبده إذا سأله قضاء حاجة، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥-١٧]، وصحّ عنه ﷺ أنه قال في حديث سلمان: «إن الله حييٌ [ستِّير] (١) يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا خائبتين» (٢) رواه أبو داوود، والإمام أحمد وجماعة بإسنادٍ صحيح، وأيضًا جاء في سنن ابن ماجه وعند غيره: «من لم يسأل الله يغضب عليه» (٣)، وفي إسناده نظر، وأيضًا صح عنه ﷺ أنه قال: «إنّ الله ينزل آخر كلّ ليلة إلى السماء الدنيا فيُنادي هل من داع فأستجيبَ له، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له» (٤)، وهذا يدلّ على أنَّ الرّب - ﷻ - يقضي حاجات العباد ويُفيض عليهم من الخيرات وهو سبحانه الذي دعا إلى دعائه وهو الذي يُجيب، وهذا يدل -كما سيأتي- على أنَّ الدعاء سبب من الأسباب العظيمة النّافعة التي جعلها الله - ﷿ - سببًا.\n_________\n(١) الصواب: كريم. والله أعلم.\n(٢) أبو داود (١٤٨٨) / الترمذي (٣٥٥٦) / ابن ماجه (٣٨٦٥)\n(٣) الترمذي (٣٣٧٣)\n(٤) سبق ذكره ص ١٧٤","vol":"1","page":596},{"text":"[المسألة الثانية]:\nسبب مخالفة من خالف -ولأجلها أورد الطحاوي هذه الجملة- من غلاة المتصوّفة وطائفة من الفلاسفة، فهؤلاء يقولون: الدعاء لا حاجة إليه وسؤال الرب - ﷿ - قَضَاءَ حاجة العبد لا حاجة إليه، وعَلَّلُوا ذلك بأمرين:\n١- الأمر الأول: أنه سبحانه قَدَّرْ الأشياء وجعل لكل أمرٍ سيحصلُ قَدَرًَا مقدورًا، فإذا كان مُقَدَّرًَا فسيقع، وإن لم يكن مُقَدَّرًَا قالوا: فلن يقع، فإذًا لا حاجة إلى الدعاء ولا فائدة منه.\n٢- الأمر الثاني: أنهم قالوا إنَّ الله - ﷿ - عَوَّدَ خلقه وسُنَّةُ الله فيهم على أنَّهُ يعطيهم ما يحتاجون، ولم يجعل قلوبهم مُعَلَّقَة بـ: هل يأتي الأمر أم لا يأتي، فتمام إخلاص القلوب عندهم أن ترضى بما هي عليه من الحال وأن تنتظر إفاضة الله - ﷿ - لما يريده ولما يعطيه.\nوهذا عندهم هو مقام الصديقين والعارفين والأولياء، وهذا الذي ذكروه لا شك أنَّ أهله انقرضوا إلا ما نَدَرْ بحيث أنه لا توجد الآن فئة تُنسب إليهم هذه المقالة.\nوسبب ذلك أنَّ الرَّدَ عليهم وبيان بطلان ما قالوا واضح بيِّنْ، لأنَّ:\n@ التعليل الأول الذي ذكروه وهو أنَّهُ لا حاجة إلى الدعاء لأنه إما أن يكون مُقَدَّرًَا أو غير مقدرٍ، فيُجاب عليهم ويُرد على ما قالوا بأنَّ الله - ﷿ - أَنَاطَ أشياء كثيرة جدًا، بل أناط أكثر ما يُوجِدُهُ في خلقه بالأسباب المقتضية بمُسَبَّبَاتِهَا، فأناط إخراج الولد وانعقاد الحمل بأن ينزوي الرجل على المرأة ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، لكن لا يهب إلا بسبب، وكذلك قَدَّرَ - ﷿ - أن فلانًا يمرض لكنه لم يُقَدِّرْ هذا المرض إلا -غالبا- بسبب، وكذلك هو - ﷿ - جعل فلانًا عالمًا وقَدَّرَ ذلك لكن لا يكون إلا بسبب وهو أن يتعلم، كما قال ﷺ: «إنما العلم بالتعلم» (١) .\nفإذًا قول غلاة الصوفية هو مصيرٌ منهم إلى نفي الأسباب ونفي النظر إليها وأنَّ الأمور بِجَبْرْ وليست منوطة بأسباب بل الله - ﷿ - يُجْبِرُ الأشياء على أن تكون على وفق ما يراد دون أن يرتبط شيء بسببه.\nوهذا لا شك قدحٌ في العقل لأنه إلغاء لما يُدركه كل عقل من أنَّ الشيء منوط بسببه.\nمن جملة الأسباب التي أناط الله - ﷿ - بها إيقاع ما قدّر: الدعاء.\nفَكَونُ العبد يدعو الله - ﷿ - يكون الدعاء سببًا في حصول ما قَدَّرَ الله - ﷿ -، فيكون ما قَدَّرَهُ الله - ﷿ - لا يقع إلا بعد وجود السبب، كما أنَّ الحمل لا ينعقد إلا بعد وجود السبب.\nبل الدعاء في الحقيقة أعظم أنواع الأسباب لأنَّ به يحصل إِمْدَادْ الله - ﷿ - في كلّ شيء ونفع الرب - ﷿ - بكل سبب يعمله العبد، فالدعاء أعظم أنواع الأسباب.\n@ أما التعليل الثاني: فإن ذاك مبني على أنَّ حالة النبي ﷺ وحالة الصحابة رضوان الله عليهم ليست هي الحال الكاملة؛ بل كيف ينظرون إلى فعل النبي ﷺ في أحواله كلها وأنه ﷺ لم يكن يترك الدعاء لنفسه ولأهله ولأمته ﷺ، بل أرشد الصديق وعمر إلى أن يُعْظِمُوا الرّجاء والدعاء وهذا يدل على أنَّ حال الكاملين بأن يتعرضوا لدعاء الله - ﷿ -، فكم دعا النبي ﷺ من دعاء في صلاته في آخر الليل وفي أوقات الإجابة ﷺ، وهذا لأنه أعرف الناس وأعلم الناس بربّه - ﷻ - وتقدّست أسماؤه.\nأما قول الفلاسفة، فالفلاسفة أنواع:\n- منهم من يوقن بنفع الدعاء؛ لكنهم يقولون: إنَّ الدعاء ينفع لأنه يؤثِّرُ فيما عقدته الأفلاك، لأنَّ عندهم أنَّ الأثر للفلك الثامن الذي يؤثر في مجموعة الأفلاك، فينقل فيها التأثيرات التي تؤثر على سلوك أهل الأرض وما يكون في الأرض.\n- ومنهم من يقول الدعاء أصلًا لا ينفع لأنَّ الأمور بنظام، وكل شيء يقع على مقتضى الطبيعة، والدعاء ليس سببًا طبيعيًا، وهذا قول الملاحدة منهم، وظاهِرٌ فيه أنهم لا يؤمنون بحال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n_________\n(١) المعجم الأوسط (٢٦٦٣)","vol":"1","page":597},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nدعاء العبد لله - ﷿ - وتَضَرُّعْ العبد عند الله - ﷿ - فيه أمور:\n١- الأمر الأول: أنَّهُ تَعَرُضٌ لرحمة الله - ﷿ - ولآثار ربوبيته، فهو ﷾ يُعْطِي من سأله ويجيب من دعاه - ﷿ -، لأنه هو الرب.\nولهذا قد يُعطي الله - ﷿ - الكافر كما أجاب دعاء إبليس، فقد يَمْرَضُ الكافر فيسأل الله - ﷿ - فيُشْفَى، وقد يَتَعَرَّضْ الكافر لمصيبة فيسأل الله - ﷿ - أن يكفيه شرها فيُجاب.\nبل يأتي المشرك والخرافي والمشرك المتعلق بالأموات فيأتي عند القبر بقلب مُضطرّ فيسأل الله - ﷿ - بصاحب هذا القبر أو يسأل الله - ﷿ - ثُمَّ يسأل صاحب القبر، فيُجاب الدعاء لما في قلبه من الاضطرار لله - ﷿ -، ويكون في حقه ابتلاء ويكون أيضًا فتنةً للآخرين.\nفإذن العطاء لا يقتضي الرضا عن المُعطَى، وإجابة الدعاء لا تقتضي الرضا عن من أُجِيبَ دعاه فهذا إبليس أُجِيبَ دعاه وقد دعا بأعظم دعوةٍ عنده وهي أن يطول عمره حتى يكون إلى يوم القيامة، ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي﴾ يعني أمد في عمري ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]، إلى أن ينتهي تكليف آدم وأبناءه، فأعطاه الله - ﷿ - هذا السؤال الذي لم يُعْطِهِ نبيًا من الأنبياء في إطالة العمر إلى هذا الحد، وهذا كما أعطى الكفار بعض ما سألوا، وكما يُعْطِي بعض من يعبدون المسيح أو يعبدون عزيرًا أو يعبدون غير الله، فيُعطيهم لأمر، لا لأجل كفرهم، ولكن لحكمةٍ يعلمها الله أو لأجل اضطرارهم أو لأنَّ هذا الإعطاء أصلًا من مقتضيات ربوبيته - ﷿ - لهم وهم بحاجة إليه، والله هو الذي خلقهم وجعل لهم قدَرًا مقدورا.\n٢- الأمر الثاني: أنَّ الدعاء فيه إثباتْ لصفاتٍ كثيرة من صفات الرب - ﷿ -.\nفمن دعا الله - ﷿ - بحق فإنه يستحضر إذ دعا، ولو لم يستحضر فإنَّ هذا متضمنٌ لدعائه:\n- الصفة الأولى: أنَّهُ موقن بوجود الرب - ﷿ -.\n- الصفة الثانية بأنه ﷾ يسمع دعاءه مع أنه في عليائه - ﷿ -، وهو يهمس همسًا لا يجهر، وهو يعتقد أنَّ الرب - ﷿ - سميعٌ لدعائه.\n- الصفة الثالثة: يوقن أنَّهُ - ﷿ - قدير على إجابة دعائه.\n- الصفة الرابعة: يوقن أنّه ﷾ غني يُعْطِي بغير حساب.\n- الصفة الخامسة: يوقن أيضا أنه - ﷿ - رحيم بعباده، فإن سؤال الرب - ﷿ - تَعَرُضٌ لآثار لرحمته ﷾.\n- الصفة السادسة: يوقن بأنه ﷾ حي، وهكذا.\nفمن تأمل دعاء العبد، نَظَرَ في أنَّ في دعاء العبد أنواعًا من إثبات الكمالات للرب - ﷿ -، ولذلك يَضْعُفُ التوحيد إذا ترك العبد دعاء ربه - ﷿ -، وكلّما قلّ الدعاء، قَلَّ تعلُّقْ العبد بالله - ﷿ -، لأنّ آثار التوحيد على النفس والنور الذي يُقْذَفْ في القلب من آثار التعلق بالله - ﷿ - يضعف شيئًا فشيئًا.\n٣ - الأمر الثالث: الله - ﷿ - في إجابة الدعاء، وفي إعطاء الحاجة التي سُئِلَت، جعل لذلك شروطًا وجعل لذلك موانع.\nفإنَّ العبد قد يسأل ولا يُعْطَى وقد يدعو دُعَاءَ سؤال ولا يُستَجَاب له في عين ما سأل؛ لأنه لم تكتمل الشروط في حقه أو قام مانِعٌ من الموانع، وهذا يتضح بمسألةٍ تأتي.\n٤- الأمر الرابع: أنَّ إجابة الدعوات وقضاء الحاجات ليس دليلًا على شيء، وإنما هو من جنس مطلق الإعطاء.\nفكما أنَّ الله - ﷿ - جعل هذا على صفة، وهذا على صفة، وهذا على صفة؛ فإنه سبحانه، يُعْطِي هذا، ويُعْطِي هذا، ويعطي هذا. وقد -كما ذكرتُ لك- يُعْطِي فاسق ويُعْطِي المبتدع ويُعْطِي الفاسق، ويجيب دعاء هذا وهذا وربما هذا بأكثر وهذا بأكثر.\nلكن يمتاز المؤمن والعبد الصالح وولي الله - ﷿ - أن يكون جواب الله - ﷿ - له وإعطاؤه لسؤاله -يعني إعطائه لما سأل-، عن محبَةٍ ورضا فيكون في حقه نعمة ولا يكون في حقه نقمة أو إبتلاء.\nوهذا هو الذي جاء في حديث الولي، حيث قال النبي ﷺ: «قال الله تعالى (١)\n\n: [[الشريط الثاني والأربعون]]:\n\nوما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه» (٢) هذا عطاء محبة، «ولئن استعاذني لأعيذنه» هذه إعاذة محبّة ورضا.\n_________\n(١) نهاية الشريط الواحد والأربعون.\n(١) سبق ذكره (٢٥٠)","vol":"1","page":598},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nالله ﷾ قال ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وقال «من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له»، وإجابة الدعاء عام يشمل إجابة دعاء العبادة وإجابة دعاء المسألة.\n- أما إجابة دعاء العبادة: فهو بالإثابة.\n- وأما إجابة دعاء المسألة: فهو بالإعطاء.\nولهذا في آية سورة غافر قال؟ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، ورجَّحَ طائفة من أهل العلم أنها في الدعاء الذي هو العبادة، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، يعني أعبدوني أُثِبْكُم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .\nوالنوع الثاني الذي هو دعاء المسألة فيكون إستجابة دعاء المسألة بإعطاء العبد ما سأل.\nوإجابة الدعاء يَعُمُّ إعطاء العبد ما سَأَلْ أو ما هو في مقام إعطائه ما سأل من صَرْفِ السُّوءِ عَنْهْ.\nولهذا قال العلماء: إنَّ العبد إذا دعا الله؟ ولم يُعطَ ما سأَل فإنّ لهذا عدة تعليلات:\n١- التعليل الأول: أنه يُصْرَفْ عنه من الشر بمثل ما سأل، فإنَّ النبي ﷺ قال: «ما من عبد مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاثة خصال: إما أن تُعَجَّلَ له دعوته، وإما أن يُصرَفَ عنه من الشر مثلُها، وإما أن تُدخَرَ له يوم القيامة» (١) . وهذا يعني أنَّ دعاء العبد المؤمن لا يضيع بل يُسْتَجَابْ لكن:\n- ربما أُستْجُيِبَ بثوابٍ يوم القيامة.\n- وربما أُستْجُيِبَ بعطاء.\n- وربما أُستْجُيِبَ بصرف الشرعنه.\nوالله؟ أعلم بما يُصْلِحُ العبد في دنياه وفي آخرته.\nقد تكون حاجة العبد المؤمن للحسنات في الآخرة أعظم من حاجته لما سَأَلْ في الدنيا، فَيُدَّخَرْ له ما سأل يوم القيامة، وهذا من أعظم لُطْف الله؟ ورحمته بعبده وعنايته بعبده؟ وتَقَدَّست أسماؤه، سبحان ربنا لا نُحصي ثناءً عليه.\n٢- التعليل الثاني: أنَّهُ كما ذكرنا أنَّ الدعاء يكون له شروط وله موانع، فقد يكون العبد في دعائه أتى بمانع من الموانع من إجابة الدعاء كما قال ﷺ: «ما من عبد مسلمٍ يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم»، قطيعة الرحم معروفة، والإثم قد يكون منه الإعتداء في الدعاء؛ لأنَّ الله؟ نَهَى عن الإعتداء في الدعاء فقال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، يعني المعتدين في الدعاء وأيضًا المعتدين في غيره، فالإعتداء لا يُحبه الله؟. (٢)\nفالإعتداء في الدعاء إثم وله صور كثيرة:\nفقد يدعو العبد ويعتدي في الدعاء فيزيد في أدعيته.\nأو يأتي بأشياء ليست من الأدب مع الرب؟، فيكونُ مانعًا من إجابة الدعاء لإثْمٍ وقع فيه في الدعاء، أو لإثمٍ وقع فيه في سلوكه فإنه صح عنه ﷺ أنه قال: «إنّ الرجل ليُحرَمُ الرزق بالذنب يصيبُه» (٣)، وهذا يكون مانعا.\nأيضًا هناك شروط للدعاء من الآداب فيه، فلا بدّ من توفرها.\n٣- التعليل الثالث: أنَّ حديث النبي ﷺ في نزول الرب؟ آخر الليل أو في النصف الأخير من الليل أو في الثلث الأخير من الليل على إختلاف الروايات، رَتَّبَ مسألة الدعاء على ثلاث درجات، فقال ﷺ «إنَّ الله يُنادي هل من داعٍ فأستجيبَ له، هل من سائِلٍ فأُعْطِيَهُ، هل من مستغفر فأغفر له» .\nومغفرة الذنب أخص من إعطاء السؤال، وإعطاء السؤال أخص من إجابة الدعاء.\nفلهذا رتّبها ﷺ على هذه الثلاث درجات -يعني في الحديث-، فالله؟ جعلها ثلاث مراتب:\n- ينادي من يدعو، والدعاء يَعُمُّ السؤال ويعمّ غيره كما أوضحت لك.\n- أو مَنْ يسأل.\n- ثُمَّ مَنْ يستغفر، فهذه مراتب ثلاث.\nفإذًا ليس كل سؤال إستغفار، وليس كل دعاء سؤال.\nوهذا يعني أنَّ إجابة الدعاء التي وَعَدَ الله؟ بها عباده: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، هذا يَعُمُّ كل مايحتاجه العبد في عبادته وفي دنياه، وأيضًا ما يحتاجه ثوابًا على العبادة وإعطاءً للسّؤال.\n_________\n(١) مسند أبي يعلى (١٠١٩) / حلية الأولياء (٦/٣١١)\n(٢) للمزيد عن الإعتداء في الدعاء انظر (٥٩٩)\n(٣) ابن ماجه (٤٠٢٢)","vol":"1","page":599},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nإذا كان الله ﷻ يستجيب الدُّعَاء ويقضي الحاجة ويُعطِي السَّائل، فإنَّ مما ينبغي على العبد أن يَتَأَدَّبَ به أن يُعِدَّ للدّعاء عُدَّتَه وأن يجتهد في حُسْنِ المسألة.\nولهذا أَحْسَنَ أمير المؤمنين عمر ﵁ أيَّما إحسان إذْ أرشد الأمة إلى قوله (إني لا أحمل هَمَّ الإجابة ولكن أحملُ هَمَّ الدعاء، فإذا وُفِّقْتُ للدعاء جاءت الإجابة) (١) .\nوهذا من أعظم الكلام الذي قاله عمر ﵁ ومن أحْسَنِهِ لأنّه لا يُدَلُّ عليه في بيانه ولا في تصويره لهذه المسألة من كلام الصحابة بمثله.\nلهذا ينبغي على العبد إذا أراد أن يدعو أن يَعْلَمْ أنَّهُ إنَّمَا يدعو مالك الملك الذي خَلَقْ، الذي هذه ﴿الْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، الذي ﴿عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، الذي ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، الذي ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧]، الذي يَطَّلِعُ على خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.\nلهذا ينبغي على العبد المؤمن أن يُعِدَّ للدعاء عُدَّتَه كما قال عمر ﵁ (إني لا أحمل همّ الإجابة ولكن أحمل همّ الدعاء، فإذا وُفِّقْتُ للدعاء جاءت الإجابة) .\nلهذا يَحْسُنْ بالداعي أن يجتهد في دعائه وأن يُحَضِّرَ له، أن يَسْتَعِدَّ في تحسينه لأنه سيدعو ويرفع يديه لله جل وعلا، وخاصَّةً إذا كان الدعاء في موقع من مواقع العبادة العظيمة كحال السجود إذا لم يَدْعُ بما أُثِرَ عن النبي ﷺ الذي هو جوامع الكلم في الدعاء فإنَّهُ لا بُدَّ أن يستعد ولا يدعو بإثم أو يجتهد فيتساهل في هذا الأمر.\nكذلك في موقع خطبة الجمعة، فإنّه ينبغي له أن يُعِدَّ العُدّة فيما يدعو به إذا دعا بشيءٍ لم يُؤْثَرْ.\nوكذلك في صلاته في قنوته كل ليلة أو في سجوده أو في صلاة التراويح من الأئمة الذين يقنتون بالناس فإنّهم ينبغي لهم أن يعلموا أنَّ إجابة الدعاء منوطةٌ بِحُسْنِ الدعاء، فمن أحسن الدعاء رُجِيَ له الإجابة، أما أنَّهُ يدعو بما خَطَرَ على باله ويَتَعَدَّى في ذلك وهو ليس بِمُحْسِنْ ويأتي بكلامٍ كثير ربما يكون فيه إعتداء في الدعاء وهو لا يشعر فيأثم ويأثم من خلفه وربما لم تُستَجَبْ دعواتهم بعموم أنواع الإستجابة التي ذكرنا، فهذا مما ينبغي التَّنَكُبْ عنه والبُعْد عنه.\nلهذا هذه المسألة عظيمة، فالدعاء أَثَرْ من آثار الإيمان وبه تُسْتَمْطَرُ الرحمات من الرب؟، ولهذا أَعِدُّوا له عُدَّتَهْ ولا يكن المرء مُستغنيًَا عن فضل الله؟.\nلابد من: الإلحاح في الدعاء، الإضطرار، في أوقات الإجابة.\nكلّ أحد له حاجة، فإذا أَحْسَنَ السؤال جاءت الإجابة.\nأسأل الله؟ أن يجعلني وإياكم ممن تُجَابُ دعواتهم وتُغْفَرَ زلَّاتُهُم، إنه سبحانه جواد كريم.\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٧٠٦)","vol":"1","page":600},{"text":"قال بعد ذلك (وَيَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَمْلِكُهُ شَيْءٌ)\n_________\nيريد بذلك أنه ﷾ هو المتَفَرِّدْ في أنَّهُ يملك كل شيء.\nفما من شيء إلا والله؟ ربّه، وهو مالكه وهو سَيِّدُهْ الُمَتصَرِّفْ في شؤونه، وكذلك هو ﷾ لا يَمْلِكُهُ شيء ولا يُؤَثِّرُ في ملكه شيء ﷾ إلا بإذنه، فهو الواحد الأحد في مُلكِه، الرّب وحده، والعباد محتاجون إليه في ذلك.\nوهذه الجملة واضحة في تقرير بعض أفراد الربوبية التي تجعل العبد يُقبِل على ربه في الدعاء، فهو سبحانه يقضي الحاجات لأنه يملك كلّ شيء ولا يملكه شيء ﷾.\nوالعبد يدعو ربّه لأنه يعلم أنَّ الله يملك كلّ شيء ولا يملكه شيء ﷾.\nوهذا يَدُلُّكْ على عِظَمِ شأن الرّب؟ وعلى أنَّهُ هو المتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال.","vol":"1","page":601},{"text":"قال بعدها (وَلاَ غِنَى عَنِ اللهِ تَعَالى طَرْفَةَ عَيْنٍ وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنِ اللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَقَدْ كَفَرَ وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الحَيْنِ) .\n_________\n(لاَ غِنَى عَنِ اللهِ تَعَالى طَرْفَةَ عَيْنٍ)، يعني أنَّ العبد في طَرْفِ عينه وحركة عينه لا يستغني فيها عن الله (؛ لأنه إنما حرَّكَ عينه برحمة الله، وبفضله وبإمداده وبإعطائه ﷾، فلا يستغني عن الله طرفة عين.\nوهذا مأخوذ من قول النبي ﷺ: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طَرفة عين (١)»، وهذا إذا وكَلَهُ إلى نفسه طرفة عين فمعناه أنه استغنى.\nقال: (وَمَنِ اسْتَغْنَى -هذا حُكْمْ- عَنِ اللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَقَدْ كَفَرَ وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الحَيْنِ) لأنه إستغنى عن الله (ورأى أنه يَقْتَدِرْ وأنه ليس بحاجة إلى الله؟، وهذا كما صَنَعَ إبليس اللّعين فإنه استغنى فكفر، وتَكَبَّرَ فاستحق الكفر والخلود في النار.\n(اسْتَغْنَى عَنِ اللهِ)، (اسْتَغْنَى) معناها كان في غِنَى وليس معنى اسْتَغْنَى طَلَبَ الغِنَى.\nفاستغنى: يعني ومن كان في غِنَىً عن الله طرفة عين فقد كفر، لأنَّ كلمة استغنى ليس فيها الطلب.\nفالأصل في السين والتاء الطلب إلا في مسائل.\nومن أهل العلم من يقول إنَّهُ لا قاعدة في السين والتاء أنَّهَا للطلب، لكن يُقال الأكثر في مجيئها أنَّهُ للطلب.\nوقد تأتي لبيان تمكُّنْ الصفة من الموصوف، فقول الله؟ في سورة التغابن: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن:٦]، ﴿اسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ يعني غَنِيَ الله فصارت صفة الغِنَى له صفة كمال، له الغِنَى الكامل الذي لا نقص فيه من وجه من الوجوه، لأن زيادة المبْنَى تدل على زيادة المعنى.\nوهنا في قوله (وَمَنِ اسْتَغْنَى) يعني ليس معناه من طلب الغِنَى، معناه كان في غِنَى.\n(مَنِ اسْتَغْنَى عَنِ الله)، يعني كان في غِنَى عن الله طرفة عين.\n(فَقَدْ كَفَرَ وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الحَيْنِ) (الحَيْنِ) هنا بمعنى الهلاك لأنه صار مُتَوَعَّدًَا بل صار من أهل العذاب لأنه كَفَرْ والعياذ بالله.\nهذه كلها يريد منها الطحاوي ﵀ بيان آثار ربوبية الله؟ وتَعَلُّقْ [العقل] بالله ﷾.\nنقف عند هذا، والجملة القادمة تحتاج إلى تفصيل طويل (واللهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى لاَ كَأحَدٍ مِنَ الوَرَى) لأنَّ لها تعلّق بالصفات الإختيارية وبمسائل كثيرة فيما ذهب إليه أهل البدع في الصفات الإختيارية صفات الأفعال، يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) سبق ذكره (٢٧٧)","vol":"1","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>الأسئلة:</span>\nس١/ما الفرق بين قيام الحجة وبين فهم الحجة؟ وهل من لم يفهم الحجة يُعاقَبْ على ما لم يَفْهَمْهُ، أفدني؟\nج/ ذكرنا الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة في أَجْوِبَةْ أسئلة، وكذلك فَصَّلْنَاهُ في كشف الشبهات، فأنا أريد الأخ السائل أنه يرجع إلى شرح كشف الشبهات ليستفيد أولًا ثُمَّ ينظر إلى هذا الموضوع. (١)\nوخلاصة الكلام أنَّ فهم الحجة ليس بشرط، وأما قيام الحجة فهو شرطٌ في التكفير ووقوع العذاب.\nوفهم الحجة -يعني الذي ليس بشرط- يراد منه أن يفهم أنَّ هذه الحجة أرجح مما عنده من الحُجَجْ.\nالمهم أن يَفْهَمَ الحُجَّةْ ودِلالة الحجة من كلام الله؟ وكلام رسوله ﷺ وأن تُزَالَ أو يُبيَّنْ له بطلان الشبهة التي عنده.\nوليس من شرط قيام الحجة أن يفهم الحجة كفهم أبي بكر وعمر والصحابة الذين نَوَّرَ الله قلوبهم، ولا من نَوَّرَ الله قلبه ممن تبعهم بإحسان؛ لأنه لو قيل بِفَهْمِ الحُجَّةْ هنا، صار لا يكفر إلا من عاند.\nيعلم أنَّ هَذِهِ الحُجَّةْ ويَفْهَمْ الحُجَّةْ ويفهم أنها صحيحة ويفهم أنها راجحة ومع ذلك لا يستجيب فهذا يعني أنه معاند، والله؟ بَيَّنَ في القرآن أنَّ منهم من لم يفقه أصلًا قوله كقوله؟ ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ يعني أن يفهموه فهم الحجة كما فهمها من أراد الله؟ هدايته.\nوهناك قسم آخر من فهم الحجة، الذي هو فهم اللسان.\nفهم اللسان هذا لا بد منه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، فلا بُدَّ أن يَفْهَمَ وجه الحجة باللّسان الذي يتكلم به.\nلكن ليس بلازم أن يفهم أَنَّ حجته هذه أرجح من الحُجَّةْ التي عنده، أو أنها أقوى من الشبهة التي عنده ونحو ذلك، المهم أن تُوَضَّحْ بشروطها الكاملة.\nوهذه يقوم بها العلماء فتختلف مسألة قيام الحجة وفهم الحجة بحسب نوع الشبهة التي تَعرِضْ، فمثلًا مسائل الإستغاثة بالله؟ وحده وأن الإستغاثة بغيره شرك أكبر ليست في قيام الحجة وفي مسألة فهمها مثل مسألة طلب الشفاعة من النبي ﷺ، فهذه مسألة ربما حَصَلْ فيها نوع اشتباه عند من لم يعلم، وتلك واضحة بيّنة.\nفإذًا مسألة قيام الحجة تختلف بإختلاف نوع قيام الحجة وكيف تُقَام الحجة وبِمَ تقام وتختلف بما يُبَيِّنُ المسألة إلى آخره.\nس٢/ هل يجوز أن يُدعى بقول القائل: يا مجيب دعوة نوح أجب دعائي.\nج/ هو سَأَلَ الله؟ وتعرّض لذلك، فلا بأس.\nس٣/ وهل يجوز نحو ذلك بقول القائل: يا مجيب دعوة إبليس أجب دعائي؟\nج/ هذا خلاف الأدب، فكونه ما يدعو إلا بهذا، هذا يدل على سوء أو على جهل؛ لأنه عليه أن يتعرض بما يناسب أنه يجيبه في الدعاء، ودعوة إبليس أُجِيْبَتْ امتحان وبلاء له لِيَعْظُمَ إثمه وإضلاله للخلق فيكون أعظم في عذابه هذا من الاعتداء في الدعاء ومن عدم الأدب مع الله؟.\nس٤/ هل القول أنَّ العمل شرط في صحة الإيمان صحيح، وإذا كان غير صحيح نرجو ذكر السبب، وكذلك القول إن العمل شرط في كمال الإيمان؟\nج/ ينبغي إيضاح مسألة وأنا أوضحتها لكم عدة مرّات وفي شرح الطحاوية أيضًا فَصَّلْنَا الكلام فيها، في الواسطية.\nكلمة (شرط) لا يُدْخِلُهَا أهل السنة في الكلام على مُسَمَّى الإيمان.\nالإيمان له حقيقة، وحقيقته التي يقوم عليها هي أركانه وليست شروطه.\nالشرط يسبق المشروط، أما الأركان فهي ما تقوم عليه حقيقة الشيء.\nفإذا لم قامت الأركان فما قامت حقيقة الإيمان.\nفالإيمان قول وعمل: قول اللسان، تصديق الجنان، عمل الأركان. هذه أَرْكَانٌ للإيمان (القول والعمل والإعتقاد) وليست شروطًا؛ لأنَّ الشروط خارجة عن المسمى، والسلف أجمعوا على أنَّ مُسَمَّى الإيمان: الإعتقاد والقول والعمل. وبه تميَّزُوا عن باقي الفرق الأخرى.\nلهذا إدخال كلمة شرط تدل على عدم فهم حقيقة مَعْنَى الركن وحقيقة معنى الشرط.\nقبل أن يُبْحَثْ هل هو شرط كمال أو شرط صحة، هذا ليس بحثًا صحيحًا لأنه:\n- عندنا أنَّ العمل ركن في الإيمان.\n- عند الخوارج العمل شرطٌ في صحة الإيمان.\n- وعند المعتزلة أنه شرط في الصحة.\nعندنا ليست كذلك؛ بل العمل ركن من الأركان.\nإذا نظرت إلى أنواع الحكم التكليفي والحكم الوضعي وماهِيَّةْ المُسَمَّيَات التي تدل على الأسماء بَانَ لك أنَّ الركن هو ما يقوم عليه الشيء؛ يعني لا يمكن أن يُتَصَوَّرْالشيء إلا به.\nوالشرط هو مُصَحِّحٌ للأركان، كيف؟\nخذ مثلًا البيع، ما أركان البيع، هل تحفظها؟\nهل تحفظ أركانه كذا وكذا حِفْظًَا؟\nلا، هي مُتَصَوَّرَة، لأنَّ الركن هو ما تقوم عليه حقيقة الشيء، بدونه لا يمكن أن يقوم هذا الشيء، يعني يقوم مسماه.\nفي البيع مثلا إذا قيل لك ما أركان البيع، ماذا تقول، أركان البيع ما هي؟\nلا بد من بائع، -وإلا فمن الذي يبيع؟ -\nولا بد من مشتري -صحيح؟ -.\nولا بد من مُثْمَنْ -شيء يقع عليه البيع-\n_________\n(١) انظر (٣٦٠)","vol":"1","page":603},{"text":"ولا بد من صيغة تبادل -بعتك، اشتريت- إلخ.\nلكن الأخ قال: الثمن، هل الثمن من الأركان؟\nيمكن أن يقع البيع -يعني صورة البيع تقع- بلا ثمنٍ موجود، يكون الثمن غير موجود أو يكون إلخ ...\nفالثمن من مقتضيات البيع لكن ليس ركنًا، المهم المُثْمَنْ الذي يقع عليه البيع، السلعة التي تبايعوها.\nإذا أتينا للشرط، شروط البيع، شروط البيع إيش؟\nهي مُصَحِّحَاتْ هذه الأركان.\nيعني مثلًا تقول البائع، إذا قلنا الشرط، الشرط ما معناه عند أهل العلم؟\nشَرْطٌ يُصَحِّحُ أن يكون هذا الرّكن شرعيًا.\nفالبائع ماشَرْطُهُ ليكون تصَرُّفُهُ شرعيًا؟\nأن يكون من أهل التصرّف إلخ ...\nطيب، المُثمَن -السلعة- ما شرط هذا الركن ليكون هذا مالًا يقع عليه المعاملة؟\nيقول لك اشترطوا أن يكون معلومًا، أن يكون له مالية، ما يكون محرّم إلخ ... أن يكون مباح النفع إلخ ...\nإذًا فالشروط خارجة عن حقيقة الشيء وإنما هي لتصحيح الشيء.\nخذ مثالًا آخر الصلاة:\nحقيقة الصلاة تقع بالأركان، أركان الصلاة هل هي خارجة عنها أو فيها؟\nهل فيه ركن للصلاة خاج عنها؟\nكلّ الأركان في داخلها إبتداءً من تكبيرة الإحرام وإنتهاءً بالتسليمة، كلها في داخل مسمى الصلاة.\nلكن الشروط؟\nيقول إستقبال القبلة، نأتي للطهارة قبْل، نجي للبقعة، يعني فيه أشياء قبل، وهناك النية تكون مُسْتَصْحَبَة إلى آخره.\nفإذًا في مسألة الإيمان -وأنا أوضحت لكم هذا في ما سبق لكن تأكيدًا عليه-، الذي يتكلم في الإيمان وإذا تكلم عن العمل أتى بكلمة شرط فإنه لم يفهم مذهب السلف لأنَّ الشرط، لا يمكن أن تقول الإيمان قول وعمل وتقول العمل شرط.\nكيف يكون الإيمان قول وعمل، ويكون العمل شرط؟\nالشرط خارج عن الحقيقة.\nفإذًا كانت حقيقة الإيمان قول وعمل، باتفاق السلف، بالإجماع، بإجماع السلف، حتى إن البخاري ﵀ ذكروا عنه أنه لم يرْوِ في كتابه لمن لم يقل الإيمان قول وعمل.\nإذا كان الإيمان قول وعمل معناه هذه حقيقة الإيمان، فكيف يُجعل العمل شرط؟\nفإذًا جعلنا العمل شرطًا معناه أخرجناه من كونه ركنًا وجعلناه شرطًا للقول أو شرطًا للإعتقاد.\nفإما أن نَدْخُلْ في مذهب المرجئة أو ندخل في مذهب الخوارج والمعتزلة.\nوهذه مسائل مهمة تُبَيِّنُ لك ضرورة الاتصال بعلم أصول الفقه وتعريفات الأشياء حتى يُفْهَمْ معنى اللفظ ودلالته، وهذا كتفصيل للإجمال الذي به غَلَّظْنَا المُحَشِّي للطحاوية على حاشيته. (١)\nس٥/ ما الفرق بين المشيئة والإرادة وهل تعلقهما واحد أم ثَمَّ تفريق بين الكوني والشرعي؟\nج/ هذا سؤال جيد ويدل على إدراك العلم إن شاء الله تعالى.\nمشيئة الله؟ غير الإرادة من جهة أنَّ الإرادة تنقسم إلى قسمين والمشيئة نوع واحد.\nفمشيئة الله؟ في النصوص واحدة، وتُفَسَّر بما يشاؤه كونًَا، يعني بما يريده كونًا، بما يأذن به؟ أن يحدث في ملكوته كونًا.\nأما الإرادة فلها قسمان في ألفاظٍ أُخَرْ جاءت في الشريعة مثل الإذن، والكتابة، والقضاء، والأمر إلخ..\nفالإرادة منها إرادة كونية، ومنها إرادة شرعية:\nالإرادة الكونية -وهي المشيئة-، لا تَعَلُّقَ لها بمحبة الله؟ وبرضاه، يعني يريد كونًا ويشاء كونًا مما شاءه أشياء يحبها؟ ويرضاها، ومما شاءه أيضًا وأراده كونًا أشياء يكرهها الله؟، لكن أَذِنَ بها في ملكه لحكمة.\nأما الإرادة الشرعية فهو؟ لا يريد شرعًا، لا يأذن شرعًا إلا بما يُحبُّهُ ويرضاه، فالله ﷾ لا يرضى لعباده الكفر ولذلك لا يريد الكفر شرعًا وإن أراده وشاءه كونًا، وهكذا.\nيقول: هل تعلقهما واحد أم ثَمَّ تفريق بين الكوني والشرعي؟\nالتَّعَلُّقْ مختف لأنَّ الإرادة الكونية تعلقها بما يكون، يعني تعلقها بالحُكْمِ، بالخلق.\nوالإرادة [الشرعية] (٢) تعلقها بالأمر وبما شَرَعْ.\nوالله ﷾ فَرَّقَ ما بين الخلق والأمر فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] .\nفالخَلْقُ: هذا تعلق المشيئة والإرادة الكونية به.\nوالأمر تعلق الإرادة الشرعية به.\nولهذا يختلف هذا عن ذاك.\nس٧/ هذا سؤال يقول ما الفرق بين الدعاء والمسألة؟\nج/ الدعاء قسمان: دعاء عبادة ودعاء مسألة.\nمَعْنَى دُعَاءْ العِبَادَةْ أنَّهُ يَتَعَبَّدُ الله؟ لِيَرْجُوَ ثَوَابَهْ، سُمِّيَتْ العِبَادَةْ دُعَاءً لأنَّ كُلَّ مُتَعَبِّدٍ يَطْلُبُ بعبادته الثواب، فهو طَالِبٌ ضِمْنًَا، من صَلَّى فَهُوَ في عبادة، كُلُّ مَصِلٍ سَائِلْ لأنَّهُ يَسْأَل الثِّوَاب ورِضَا الله؟ عنه إلخ، وإن لم يَقُلْ اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِّيْ، اللَّهُمَّ أَثِبْنِي إلخ.\nأمَّا دُعَاءْ المَسْأَلَةْ، وهُوَ السُّؤَالْ: فَهُوَ أَنْ يَرْفَعَ يَدِيهِ ويَقُولْ اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كَذَا، اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ كَذَا، هذا يُسَمَّى دُعَاءْ المَسْأَلَةْ.\n_________\n(١) يقصد شعيب الأرناؤوط.\n(٢) قال الشيخ حفظه الله: الكونية.","vol":"1","page":604},{"text":"والدُّعَاءْ في القرآن، في ما ورد في النصوص في القرآن والسنة تارةً يأتي بمعنى دعاء العبادة وتارةً يَأْتِيْ بِمَعْنَى دُعَاءْ المَسْأَلَةْ وتَارَةً يكون بما يحتمل هذا وذاك.\nفمما يحتمل هذا وهذا أو يشمل الأمرين معًا كقوله في الآية التي ذكرتها لكم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] .\nودعاء المسألة كقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] دعوا هنا يعني إيش؟ ليس معناها عبدوا، بل معناها سألوا الله مخلصين في سؤالهم والسؤال من الدين.\nوما خُصَّ به العبادة كقوله؟: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ﴾ [مريم:٤٨-٤٩]، فقوله هنا في الأولى ﴿تَدْعُونَ﴾ وفي الثانية ﴿يَعْبُدُونَ﴾ دلَّ على أنَّ معنى الدعاء هنا هو العبادة.\nفإذًا في النصوص الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء العبادة ودعاء المسألة.\nومعنى دعاء العبادة، يعني العبادات بأنواعها، ودعاء المسألة يعني السؤال ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، هذا يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة، وهكذا.\nوفقكم الله.","vol":"1","page":605},{"text":"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وعلى من اهتدى بهداه.\nالأسئلة:\nس١/ يقول: سمعت حديثًا أنه «ليس يتحسّر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة لم يذكروا الله تعالى فيها» (١)، فهل هذا التحسُّرْ مما ينافي النعيم أو غير ذلك؟\nج/ لا يحضرني الحديث في تخريجه، وعلى القول أو على فرض ثبوته، فإنَّ التحسُّرْ في فوات المراتب العالية نقص ولكنَّهُ ليس عذابًا؛ لأنَّ الذي مُنِعَ أهل الجنة من أن يكون عليهم هو العذاب، أما النَّقص في النعيم بأنواعه، هذا حاصل، فإنَّ نعيم أهل الجنة ليس بمرتبة واحدة ولا بمنزلةٍ واحدة، يتفاوتون في النعيم البدني وفي النعيم البصري والسمعي وكذلك النعيم النفسي، يتفاوتون في ذلك بحسب مراتبهم، فإذا وُجِدَ التحَسُّرْ فهذا نقص؛ يعني بمعني فوت بعض النعيم، يعني يقولون: ليتنا ذكرنا الله؟ في كل ساعة حتى تزيد أو ترتفع درجتنا.\nس٢/ يقول: عندما يتكلم العلماء على مسألة الزيادة والنقص في الإيمان يأتون بعبارات مثل: إنه متبعِّضْ، وإنه متفاضَل، وإنه يذهب بعضه ولا يذهب أصله، وإنه يذهب بعضه ولا يذهب كله. فهل هذه العبارات مقصودة أم أنها تدلُّ على مسألة الزيادة والنقص؟ أم أنها تدل على معنىً زائد عن الزيادة والنقص؟\nج/ الذي ينبغي على طالب العلم إذا درس مسألة من مسائل العلم أن يبتدئ بأصول المسألة ويستوعبَها جيّدًا؛ لأنَّ الأصول والمسائل الأولى في العلم أو في أي مسألة من المسائل قبل الدخول في التفصيلات هي التي عليها بناء هذا الباب أو بناء هذه المسألة.\nولذلك قد يُكثر طالب العلم من القراءة فتدخل عليه مسائل في مسائل، خاصةً في العقيدة ويشتبه عليه التأصيل بالتفريق ويشتبه عليه المسائل التي هي عُقَدْ ويُبْنَى عليها العلم من المسائل التي هي من الإيضاح أو من اللوازم أو من الاستطرادات وأشباه ذلك.\nالإيمان عند جمهور أهل السنة والجماعة يزيد وينقص، وزيادته دلّ عليها القرآن كما هو معلوم في قوله: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، وفي قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، وفي قوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، ونحو ذلك.\nوهذه الزيادة قال بها جميع أهل السنة؛ بأنَّ الإيمان يزيد، هذا إجماع من أهل السنة.\nلكن هل ينقص أم أنه يزيد ويقف ثمّ يزيد مرة أخرى؟\nعامة أهل السنة، جمهور أهل السنة إلا ما ندر يقولون ما زاد فإنه ينقص؛ وذلك لأنَّ سبب الزيادة وعلة الزيادة هي الإيمان، فدلّ على أنَّ النّقص علته وسببه هو ضد شعب الإيمان التي هي المعاصي، فإذا عصى الله؟ نقص إيمانه وإذا عَبَدَ الله؟ وتَقَرَّبَ إليه زاد إيمانه.\nوهذا يدل عليه أيضا جمع من الأحاديث الصحيحة منها قوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٢)، وفي لفظ عند الإمام أحمد «إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان فكان على رأسه كالظلّة، فإذا ترك ونزع عاد إليه» (٣)، وهذا يدل على أنَّ فِعْلَ المعاصي سبب في زوال بعض الإيمان، وهذا هو معنى النّقص. (٤)\nفإذًا الإيمان يزيد وينقص، هذا هو قول أهل السنة، يعني عامة أهل السنة، أكثر أهل السنة أو تقول كل أهل السنة إلا من ندر.\nأما مسألة التبعض فهذه متصلة -تذكرون الإيمان متبعض- هذه متصلة بمسائل الزيادة والنقصان ومسائل الأسماء والأحكام، يعني أنَّ الإيمان ليس شيئًا واحدًا، إما أن يأتي ويثْبُتَ كله، وإما أن يذهب ويزول كلُّه، لأنَّ هذا هو قول الخوارج ومن شابههم؛ في أنَّ الإيمان شيء واحد إما أن يُوجَدْ وإما أن يزول، هو شيء واحد لا يقبل التفاضل، وكذلك المعين، هذا من جهة الحكم، ومن جهة الأسماء فإنَّ من ارتكب المعصية فليس بمؤمن عندهم لأنه ارتكب ما يَذْهَبُ معه أصل الإيمان فليس بمؤمن.\nفإذًا مسألة التبعض وأنَّ الإيمان يزيد وينقص، يتبعض، يذهب بعضه لا يذهب أصله، هذه المسائل متعلقة بمذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان، ثُمَّ التبعض له علاقة بالأحكام والتكفير والأسماء التي تُطلق على مرتكب المعصية والكبيرة.\nفإذًا قولك في الأخيرة: هل تدل على مسألة الزيادة والنقص أم تدل على معنى زائدًا على الزيادة والنقص؟\nلا هي تدل على معنى زائد على الزيادة والنقص، لكن لها صلة بالزيادة والنقص، لأنَّ منبع الزيادة والنقص ومنبع التبعض واحد وهو أنَّ الإيمان ليس شيئًا واحدًا، وإنما الإيمان قد يأتي وقد يذهب قد يزيد وقد ينقص بحسب الحال.\nس٣/ يقول: قرأت كتابًا لأحد العلماء المعاصرين يقول فيه: إنَّ الوجه - وجه الرحمن- صفة ذاتية زائدة. فما المقصود بقوله ذلك؟\n_________\n(١) المعجم الكبير (١٨٢) / شعب الإيمان (٥١٢)\n(٢) سبق ذكره (٤١٢)\n(٣) سبق ذكره (٤١٢)\n(٤) نهاية الوجه الأول من الشريط الثاني والأربعين.","vol":"1","page":606},{"text":"ج/ أنا لا أعلم، لكن أحيانًا تُستعمل، المقصود بها زائدة على الذات، يعني للذهاب عن قول من يقول الوجه هو الذات، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] يعني وتبقى ذات ربك، فقد يكون مراده أنه زائدة يعني عن الذات، ليست هي الذات، صفة زائدة، توجد ذات ويوجد وجه للرب؟، لكنها ليست من العبارات المستعملة عند السلف.\nس٤/ لما مُيِّزت نصوص الوعيد بميزة أنها تُمَرُّ كما جاءت؟ وهل تُلْحَقْ بها نصوص الرحمة في هذا الوصف؟\nج/ الوعيد الذي هو توعُّدٌ من الله؟ للكافر أو للفاسق بالعذاب هذا حق، والله؟ خبره صدق، لكن وعيده؟ مع كونه حقًا وصِدْقًَا كما أخبر؟ فإنه في حق المسلم الموحّد على رجاء الغُفْرانْ، وعلى رجاء العفو.\nولذلك لا يُطَبَّقُ الوعيد في حق المعين؛ بل نقول: هذا الوعيد يُمَرُّ كما جاء ولا ندخل في تفصيلاته من حيث إنَّ هذا الوعيد لمن فعل كذا بالنار في تفصيلات هذا الوعيد، أو في تفصيلات المعيَّنْ الذي ارتكب شيئًا مما ينطبق عليه هذا الوعيد، الأصل أن نُمِرَّ ذلك كما جاء ونُبقيهِ وعيدًا للتخويف والجزاء عند رب العالمين.\nولهذا يقول العلماء: إخلاف الوعيد فضل وكرم، وأما إخلاف الوعد فكذب.\nولهذا الله جل وعلا لا يُخلف وعده، ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم:٦] وَعْد الله مفعول لا بدّ منه، ما وعد به عباده فلا بدّ منه.\nأما وعيده ﷾، فإنه قد يَتَخَلَّفْ في حَقِّ المعين بفضل منه وكرم. وكما جاء في الحديث الذي في الصحيحين: أنه يوم القيامة يكون آخر من يُخرَجْ من النار أقوام «يُخْرَجُونَ من النار وقد امتحشوا، فيلقون في نهر يقال له نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحِبة أو الحبة في جانب الشيء» (١)، هذا بفضله؟ فَيَخْرُجُ من النار أقوام لم يعملوا خيرًا قط، ويغفر الله؟ لمن يشاء ﷾.\nفإذًا الوعيد يبقى كما هو بدون تفصيل يُمَرْ كما جاء من جهة معناه ومن جهة من يتعلق به.\nثُمَّ وعيد الله؟ بالعذاب في الدنيا أو العقوبة في الدنيا، هذا متعلق بحكمته ﷾، وحكمة الله؟ غالبة، لهذا يُثبَتُ الوعيد في حقّ الكافر من جهة الجنس لا من جهة المُعَيَّنْ حتى يموت على الكفر، فإذا مات على الكفر فإنّه يُقال فيه ما أوْعَدَهُ الله؟، لأنه قد جاء في الحديث الصحيح «حيث ما مررت بقبر كافر فبشّره بالنّار» (٢)، وهو في بعض السنن بإسنادٍ جيّد.\nوهناك قسم ثاني من الوعيد وهو وعيد الحكم وليس وعيد العذاب وهو مثل: «من أتى كاهنا لم تُقبل له صلاة» (٣)، «من أتى كاهنا فصدقه فقد كفر بما أُنزل على محمّد» (٤)، «من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أُنزل على محمّد» (٥)، «لا يدخل الجنة قاطع رحم»، «لا يدخل الجنة قتّات» (٦)، ونحو ذلك، هذا وعيدٌ في الاسم، في الحكم وليس وعيدًا في نوع العذاب وأشباه ذلك.\nوهذا الوعيد هو الذي يكثر كلام السلف فيه، بأنه يُمَرُّ كما جاء، لماذا؟\nلأنَّ الدخول في نوعية حُكْمِهِ، يعني هل هو كافر كفر أكبر أو أصغر؟ هل هو لا يدخل الجنة؟ يعني نقول له لأنَّ الغرض من الوعيد هو التخويف من هذه الأفعال حتى يرتدع العباد، فإذا دخل الناس في تفصيلاتها ولم يُمِرُّوهَا كما جاءت كأنه يضعف جانب الوعيد فيها.\nلكن لها تفصيل، مع كونه يُمَرْ كما جاء فإنَّهُ له تفصيل بحسب ما عند أهل العلم من الأدلة.\nفمثلًا نقول في «لا يدخل الجنة قتّات» نُفَرِّقْ بين الدخول الأول والدخول المتأخِّر، مثلًا «من أتى كاهنًا فصدقه فقد كفر» نقول مثلًا هذا كفر أصغر وليس بكفر أكبر، وأشباه ذلك من الأدلة التي فيها الوعيد بالحكم.\nوهذا يحتاج إلى أدلة أخرى لبيان معنى هذا الحديث أو معنى هذه الآية، وإلا فالأصل أن يُمَرْ؛ بمعنى لا يدخل العالم أو طالب العلم في تفصيله أو في تفسيره لأن الغرض منه التخويف.\nلهذا مثلًا في حديث: «من أتى كاهنا فصدقه فقد كفر بما أُنزل على محمّد»، سُئِلَ عنه الإمام أحمد هل هو كفر أكبر أو أصغر فتوقف عن ذلك وقال -كما هي الرواية الثالثة أو القول الثالث- توقف وقال أقول كُفْر وبَسْ؛ يعني وسكت. وهذا لأجل أنَّ النَّصَ أَطْلَقْ والمقصود منه التخويف.\n_________\n(١) سبق ذكره (٤٣٦)\n(٢) سبق ذكره (١٠٥)\n(٣) مصنف عبد الرزاق (٢٠٣٤٩)\n(٤) المسند (٩٥٣٢) / مسند الطيالسي (٣٨٢) / مسند البزار (١٨٧٣)\n(٥) أبو داود (٣٩٠٤)\n(٦) سبق ذكره مع ما قبله (٣٥١)","vol":"1","page":607},{"text":"والقول الأول أنه كفر أكبر، كما ينحو إليه قلة من أهل العلم، والقول الثاني أنه كفر أصغر مع أنَّ النص نص وعيد لكن دخل العلماء في تفسيره لأجل ورود الأدلة الأخرى، كما جاء في مسند الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح ثابت أنه ﷺ قال: «من أتى كاهنا أو عرّافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة»، وهذا من رواية الإمام أحمد وهي زيادة مقبولة قوية زائدة على ما في صحيح مسلم «من أتى كاهنا أو عرّافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تُقبل له صلاة»، بدون زيادة «فَصَدَّقَهُ»، فقد جاءت بإسنادٍ ثابتٍ صحيح بل هي أرجح في الزيادة من رواية مسلم ولذلك اعتمدها إمام الدعوة ﵀ في كتاب التوحيد.\nالمقصود أنه قال «فصدَّقَهُ لم تُقبل له صلاة»، فكونه ﷺ حدَّ عدم قبول الصلاة بأربعين ليلة دلَّ على بقاء الإسلام، لأنَّ الكافر إذا كَفَرَ من بعد إيمانه فإنه لا تُقبَلُ له صلاة مطلقًا، أما عدم قبول الصلاة أربعين ليلة، فهذا يدل على أنَّهُ مُسلم لكن عدم القَبُولْ لأجل عِظَمِ ما فعل، ثُمَّ لأجل الشبهة في حقه، الشبهة في حق من يسأل الكاهن، فإنه قد يقول: أنا لا أقول أنَّهُ يعلم الغيب ولا أعتقد أنه يعلم الغيب ولكن قد يُخبر بالشيء الذي تُخبرُهُ به الشياطين أو من يسترق السمع فتوجد شبهة تمنع من مأخذ التكفير.\nأما الساحر فيختلف عن الكاهن، الساحر هذا شيء آخر لأنَّهُ لا يسحر إلا بالاستعاذة والاستغاثة بشياطين الجن.\nس٥/ هل دعاء: اللهم انصر جميع المستضعفين من المسلمين، أو دعاء ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا من باب التعدي في الدعاء بحيث إنَّ الأول قد كتبه الله في الأرض والثاني قال الله سبحانه كما في الحديث قد فعلت؟\nوالسؤال الثاني: هل اعتقاد القبوريين والصوفية في الأولياء وأنهم يملكون الشفاعة ونحوها ناشئ من الغلو في الدعاء أم ما هو سبب هذا الاعتقاد لديهم؟\nج / مسألة الاعتداء في الدعاء بحثنا فيها باختصار في الدرس الماضي، وهي مسألةٌ مهمة جدًا ينبغي لطلاّب العلم أن يعتنوا بها لأنَّ الداعي إذا اعتدى في الدعاء فإنه يأثم، والاعتداء في الدعاء سبب لردِّهْ؛ بل من أعظم أسباب ردّ الدعاء أن يدعو العبد ربّه الجليل العظيم ويعتدي ولا يتأدَّبْ وهو يدعو.\nوبعض البشر وهُمْ مَنْ هُمْ في ضعف شأنهم وقلة حيلتهم؛ لكنهم إذا رأوا من يسألهم ويعتدي في السؤال فإنهم لا يصبرون وربما عاقبوا وربما نَفَرُوا؛ لأنَّ من حُسْنِ أو من أسباب الإجابة حُسْنِ السؤال حتى في حق المخلوق، والله؟ هو المستحق لكل أدب من عبده وتَذَلُّلٍ من عبده وحُسْنِ السؤال وحُسْنِ الدعاء؛ ولهذا مبحث الاعتداء في الدعاء مما ينبغي على كل طالب علم أن يعتني به وخاصَّةً خطباء المساجد والأئمة الذين يدعون لأنفسهم وللمسلمين في القنوت وفي غيره.\nلهذا جاء مثل هذا السؤال لأجل الاهتمام بهذا الموضوع.\nقول القائل اللهم أنصر جميع المسلمين من المستضعفين هل هذا فيه اعتداء في الدعاء أم لا؟\nهذا فيه حسن رجاء وظن بالله؟، وليس فيه اعتداء، والنبي ﷺ دعا بنجاة المستضعفين فقال: «اللهم أنْجِ المستضعفين، اللهم أنْجِ فلانا وفلانا»، والدعاء بنجاة جميع المستضعفين من المسلمين أو بنصر المسلمين جميعًا، هذا طَلَبْ والطلب قد يُجابْ بنحوه؛ يعني قد يُجابْ بنفس المطلوب وقد يُجَابُ بصورةٍ أخرى كما أوضحنا في الدرس الماضي، «ما من عبد يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال، إما أن يُعجل له دعوته، وإما أن يختبئها له يوم القيامة، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها» وهذا يدل على أنَّ العبد إذا أعْظَمَ في الطلب فإنه هذا مع عِظَمِ الرجاء.\nالاعتداء في الدعاء لا يدخل في هذه اللفظة؛ لأنه لم يسأل سؤالًا فيه إثم، ولم يسأل سؤالًا ويدعو بدعاء فيه قطيعة رحم، ولا بشيءٍ مضادٍ لأمر الله؟ في القرآن والسنة ولم يدعُ بدعاءٍ فيه مناقضة لحكمة الله؟.\nمثال ما يناقض الحكمة- مثلًا يقول القائل: اللهم دمر اليهود والنصارى أجمعين، اللهم اجعلهم كذا واجعل ... إلخ، وتدميرهم بأجمعهم هذا ينافي الحكمة التي أخبرنا الله؟ بها أنه يؤخر هؤلاء حتى ينزل المسيح ﵇، فيُسْلِمْ النصارى ويُقتَلْ اليهود.\nفمثل هذا الدعاء العام هذا فيه مناقضة بما أُخبرنا منا الحكمة، وفيه -مثل ما ذكرت- اعتداء في الدعاء.\nولهذا كان من دعاء عمر ﵁ وهو الخليفة الراشد والفقيه الأعلم، في دعائه أنَّهُ لم يكن يدعُ على جميع الكفار بأصنافهم من اليهود والنصارى وغيرهم، وإنما كان يدعو دُعَاءً مقيد –في القنوت- فيقول ﵁ (اللهم عليك بكفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن دينك ويقاتلون أولياءك) .","vol":"1","page":608},{"text":"وهذا مما يوافق قول الله؟ في سورة الممتحنة: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] . ومن البِرّ في حقهم عدم الدعاء عليهم، ومن البر في حقهم الدعاء لهم بالهداية ونحو ذلك، ثمّ قال؟: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٩]، هؤلاء هم الذين يُدْعَى عليهم وهم الذين يُنْتَصَرْ عليهم إلخ.\nأما الشِّق الثاني في ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا هل هو من باب الاعتداء في الدعاء:\nعدَّهُ بعض العلماء من الاعتداء في الدعاء كالقرافي في الفروق وغيره، وسبب ذلك أنَّ الله؟ قال قد فعلت، والله؟ أجرى هذا حُكْمًا في أنه من نسي أو أخطأ فإنه لا يؤاخذه ولا يجعل عليه وِزْرًَا؟.\nفإذا دعوت وأنت عالم بأنَّ الله أعطى هذا فيقول هذا اعتداء لأنه أنت تدعو بشيء قد تَكَفَّلَ الله به فكأنك تقول إنَّ الله لم يتكفل به أو تشك في تَكَفُّلِ الله به.\nهذه وجهة القرافي ومن معه، وربما مال إليه بعض أهل العلم الآخرين.\nوالقول الثاني وهو الصحيح أنَّ هذا ليس من الاعتداء في الدعاء لأنّ الذي عفا الله؟ عنه أن يؤاخذه بالنسيان والخطأ هو المؤمن المُوَحِّدْ فهذا السائل لا يسأل بما يتعلق بإعطاء الله؟ ولا بفعل الله؟ وإنما يسأل أن يكون هو ممن أكرمه الله؟ بالدّخول في زمرة المؤمنين الذين أعطاهم هذا الفضل والإحسان، فكأنه قال: اللهم ثبتني على الإيمان، اللهم لا تُزغ قلبي حتى لا يُؤاخَذْ بنسيانه أو بخطئه، وهذا هو المعتمد في مثل هذه المسألة.","vol":"1","page":609},{"text":"واللهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى لاَ كَأحَدٍ مِنَ الوَرَى.\n_________\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:\nيريد الطحاوي ﵀ بهذه الكلمة إثبات صفات الله؟ الفعلية الاختيارية المتعلقة بمشيئته وقدرته؟.\nوهذا هو الذي تَمَيَّزَ به أهل الحديث والأثر مخالفين في ذلك كل الفِرَقْ الأخرى التي لم تُثْبِتْ صفات الذات أو لم تُثْبِتْ صفات الأفعال الاختيارية التي تقوم بذات الرب؟ إذا شاء الله؟ ذلك، يعني منوطة بإرادته وقدرته كما سيأتي.\nوذلك أنَّ الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشعرية والماتريدية، كل هؤلاء ينفون الصفات الفعلية الاختيارية على اختلافٍ بينهم في هذا النفي.\nفأراد الطحاوي ﵀ أن يُقَرِّرْ أنَّ منهج السلف الصالح وأنَّ عقيدة الصحابة وأئمة الإسلام أنهم يُثبتون صفة الغضب والرِّضا على حدّ قوله؟ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .\nفكما أنّه؟ يتكلم لا كأحدٍ من الورى، ويسمع لا كأحدٍ من الورى، ويُبصر لا كأحدٍ من الورى، وهو؟ له الحياة كاملة لا كأحدٍ من الورى، وله الإرادة؟ وله القدرة لا كأحدٍ من الورى، فكذلك هو؟ يُوصَفُ بأنَّ له وجهًا لا كأحدٍ من الورى، وأنَّ له يدين لا كأحدٍ من الورى، وأنه ﷾ مستوٍ على عرشه لا كأحدٍ من الورى، وأنه؟ يغضب لا كأحدٍ من الورى، ويريد لا كأحدٍ من الورى، ويرضى لا كأحدٍ من الورى، ويحب لا كأحدٍ من الورى، ويسخط لا كأحدٍ من الورى. وهكذا في كل الصفات، فباب الصفات باب واحد كما سيأتي بيانه.\nإذًا فالطحاوي ﵀ يريد بذلك أن يُقَرِّرَ هذه العقيدة، وأنَّ منهج السلف فيها كقولهم في غيرها من الصفات لا يُفَرِّقُونَ بين صفة وصفة.\nثُمَّ هاهنا مسائل:","vol":"1","page":610},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنّ صفة الغضب وصفة الرِّضَى من الصفات التي ذُكِرَتْ في القرآن والسنة في آيٍ وفي أحاديث كثيرة.\nأمَّا القرآن فكقوله (في الرضا ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وقال؟ أيضًا في الرضا ﴿رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ (١) في غير ما آية. وقال (في الغضب ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠]، وقال؟ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]، وقال؟: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠] . ونحو ذلك من الآيات.\nأمَّا السنة فقد قال ﷺ في الرضا، في الحديث الذي فيه ذِكْرُ نعيم أهل الجنة، قال في آخره: لمّا سألهم قال: «هل أعطيتكم؟ قالوا نعم، قال فإني أُحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (٣)، إِحْلَالْ الرضوان، إحلال الرضا من الله؟. ونحوه في قوله «من لم يسأل الله يغضب عليه» (٤)، والأحاديث في هذا الباب معروفة.\n_________\n(١) المائدة: ١١٩، التوبة ١٠٠، المجادلة: ٢٢، البينة ٨.\n(٢) البقرة:٦١، آل عمران:١١٢.\n(٣) البخاري (٦٥٤٩) / مسلم (٧٣١٨)\n(٤) سبق ذكره (٥٩٦)","vol":"1","page":611},{"text":"[المسألة الثانية]:\nفي قوله (يَغْضَبُ وَيَرْضَى لاَ كَأحَدٍ مِنَ الوَرَى)، الغضب والرضا من الصفات التي يتّصف بها الرب؟ إذا شاء.\nفَغَضَبُهُ سبحانه ورضاه متعلّق بمشيئته وقدرته.\nالغضب يحِلُّ ثمّ يزول، والرضا يحِلُّ ثُمَّ يزول، وهكذا، يعني أنَّ الغضب ليس دائمًا والرضا ليس دائمًا وإنما هذا مُرْتَبِطٌ كجنسه في الصفات الفعلية بمشيئة الله وبقدرته.\nوهذا هو الذي قَرَّرَهُ أهل الحديث والأثر وأئمة أهل السنة واستدلوا لذلك بقول الله؟: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه:٨١]، فدلَّ على أنَّ الغضب يحِلّ بعد أن لم يكن حالًَّا، وحُلُولُهُ يَدُلُّ على أنّه متعلق بمشيئة الله؟ لأنَّهُ ما شاء الله؟ كان.\nفإذا شاء الله أن يغضب فإنه سبحانه يغضب وإذا شاء أن يرضى فإنه؟ يرضى.\nوكذلك قوله ﷺ في الحديث: «أُحل عليكم رضواني فلا أسخط بعده أبدا»، دلَّ على أنَّ أهل الجنّة مَنَّ عليهم؟ بأنه أحَلَّ عليهم رضاه فلا يسخط بعده عليهم أبدًا، وهذا يدل على أنَّ الرضا متعلق بمشيئة الله؟ وإرادته وقدرته ﷾.\nهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في أنَّ الغضب والرضا صفات فعلية اختيارية للرّب؟ ومن جنسها صفة المحبة والسَخَطْ والوَلَايَةْ والعداوة وأشباه ذلك فإنها تختلف ومتعلقة بمشيئة الله وقدرته.\nأما مذاهب المخالفين في هاتين الصفتين بخصوصهما:\n@ فإنَّ الجهمية ومن شابههم ممن ينفون الصفات أصلًا يجعلون الآيات والأحاديث التي فيها ذِكْرْ الغضب أو فيها ذِكْرْ الرضا أنَّهَا أسماء للشيء الذي سُمِّيَ غَضَبْ، يعني العقوبة هي الغضب والنعيم هو الرضا.\nفعندهم أنَّ هذه الأشياء مخلوقات منفصلة متعلقة بمن قيل عنه: إنه غُضِبَ عليه أو ﵁.\nفإذا نَعَّمْ فهذا رضاه، يعني نفس النعيم هو رضا الله؟ ونفس العقوبة هي الغضب، وهذا مذهب الجهمية ومن شابههم.\n@ أما الكلابية وهم أوَّلْ من نفى هذه الصفات لأجل نَفْيِ تَعَلُّقِهَا بمشيئة الله وقدرته وتعليلهم لذلك بأنَّ إثباتها يقتضي أنّه؟ محلًَّا للحوادث.\nولهذا ذهبوا إلى أنَّ غضب الله؟ واحد وأنَّ رضاه واحد، فغضبه عندهم قديم، من غَضِبَ عليه فإنه لا يرضى عليه أبدًا، ومن رضي عنه فإنه لا يغضب عليه أبدًا.\nفعندهم أنَّ غضب الله؟ ليس له تَعَلُّقْ بعمل العبد أو بعمل العبيد وأنَّ رضاه ليس متعلقًا بعمل العبد أو بعمل العباد، وإنما هو شيءٌ واحد.\nولهذا يقولون إنه مَنْ كان مِنْ أهل الجنة في العاقبة فإنه مَرْضِيٌ عنه ولو كان حال عبادته للوثن، ولو كان حال زناه، شربه للخمر -يعني قبل أن يُسلم-، ومن غَضِبَ الله عليه وكانت خاتمته النار والعذاب فإنه مغضوبٌ عليه ولو في حال صلاته وخشوعه وبكائه بين يدي الله في حال إسلامه.\nوهذا يعني:\n١ - أنَّهُ إبطال للصفة.\n٢ - ثُمَّ أنَّهُ لا معنى حِيْنَئِذْ عندهم لكتابة الحسنات للمسلم ولكتابة السيئات على الكافر في حال إيمان الأول وكفر الثاني؛ لأنَّ الإنسان إذا أسلم فإنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فكيف يكون مَرْضِيًَّا عنه والملائكة تكتب عليه السيئات.\nثُمَّ هذا المسلم يكون خاشعًا تُكْتَبُ له الحسنات، ثمّ تأتي الرِدَّة فيحبط عمله فيكون عندهم دائمًا في حال الغضب وأشباه ذلك.\nوهذا خلاف ما دلَّتْ عليه الأدلة كما ذكرت لك في قوله: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾، «أُحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا»، وأشباه هذه الأدلة.\nإذًا فعند الكلابية، وهو الذي ذهب إليه الأشعرية والماتريدية أنَّ صفة الغضب والرضا ونحوها من الصفات أنها صفات قديمة ذاتية، يعني أنها لا تتعلق بمشيئةٍ ولا إرادةٍ ولا قدرة بل هي قديمة، غَضِبَ وانْتَهَى ورَضِيَ وانتهى وليس ثَمَّ شيء يتجدّد بتعلقه بالآحاد.","vol":"1","page":612},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nنقول: الذين تَأَوَّلُوا كابن كلاب ومن معه، على النحو الذي ذكرنا لك سالفًا، هم أول من أحْدَثَ هذا المصطلح وهو الصفات الذاتية والصفات الفعلية، وجعلوا الباب عندهم أنَّ إثبات صفات الفِعْلْ يعني حلول الحوادث بالرّب؟، وأهل السنة والجماعة استعملوا هذا التقسيم: الصفات الذاتية والصفات الفعلية على ما دَلَّتْ عليه النصوص.\nفَعُرِّفَت الصفات الذاتية بأكثر من تعريف وهو اجتهاد من العلماء، لكن لعله يكون من أقربها:\n- أنَّ الصفات الذاتية هي الملازمة للموصوف.\n- والصفات الفعلية هي الصفات غير الملازمة للمتصف بها، غير الملازمة للذات.\nويُعْنَى بالمُلَازَمَةْ التي لا تنفك عن الذات الموصوفة بهذه الصفة.\nففي حق الله؟ نقول الوجه صفة ذات لأنه لا ينفك، فالله؟ متصفٌ بهذه الصفة دائمًا وأبدًا وأنه سبحانه متصفٌ بالعظمة والكبرياء والجلال والنور وأشباه ذلك، هذه صفات ذاتية.\nوالقسم الثاني الصفات الفعلية، وهذه الصفات الفعلية هي غير الملازمة، يعني التي تتعلق بمشيئة الله؟ وقدرته واختياره ﷾، فليست ملازمة فإنها تكون في حال دون حال.\nوالصفات الفعلية:\n- منها ما يكون دائمًا صفة فعلية.\n- ومنها ما يكون آحاده صِفَةَ فِعْلٍ واختيار وأَصْلُهُ صفةَ ذات مُلازِمة.\n&amp; مثال الأول صفة الغضب والرضا فإنها متعلقة بمن يغضب عليه وبمن يرضى عنه.\n&amp; ومثال الثاني الكلام لله؟، فإنه سبحانه كلامه كما أنه قديم فإنه متجدد الآحاد.\nوالشبهة التي أوقعت الكلابية [.... (١)] .\nلمَّا ترك الاعتزال الذي كان عليه في أوّل أمره، ذهب يبحث عن جوابٍ لأسئلة عنده قبل تركه للاعتزال، فوجد في جامِعٍ في بغداد أصحاب ابن كُلاَّب يتباحثون ومنهم من يُعَلِّم فجلس فأعجبَه كلامهم لأنهم كانوا يَرُدُّونَ على المعتزلة، فأخذ مذهب الكُّلَّابِيَّة وهو المذهب الذي دَرَج عليه أصحابه -أصحاب الأشعري-، ثمّ مَرَّ عليه زمن في ذلك وصنّف في مذهبهم مصنفات، ثم نظر في قول أهل الحديث فرجع إليه فصار آخر أمره على أنّه من أهل الحديث كما هو مُقَرَّرْ في كتبه كالإبانة ومقالات الإسلاميين ورسالة أهل الثغر أو رسائل أهل الثغر وغيرها.\nالمقصود من هذا أنَّ هذه المدرسة الكلابية الأشعرية الماتريدية في هذه المباحث، مباحث الصفات رأيهم واحد وشُبْهَتُهُم في نفي الغضب والرضا والحب والبغض والعداوة وأشباه ذلك كالولاية، أنه إذا أُثْبِتَتْ مُتَعَلِّقَة بالمُعَيَّنْ فإنه يعني ذلك أنَّ يكون الله؟ مَحَلًَّا للحوادث مَحَلًَّا للمُتَغَيِّرَات، كيف؟\nقال ابن كُلَّاب ومن معه إنه إذا قلنا إنها متغيرة متجددة، يغضب ثُمَّ يتغَيَّر فيرضى على هذا ثُمَّ يغضب على هذا ثمّ..إلخ، فمعناه أنَّ ذاته؟ تتغيَّرْ.\nوهذا منهم لأنَّهُم قَعَّدُوا قاعدة، وهذا الكلام بناءً عل تلك القاعدة لا يستقيم.\nفلهذا وَجَبَ مناقشتهم في الأصل الذي بنوا عليه هذا النفي -هل الله محل الحوادث أو لا؟\nفيُقال لهم أولًا هذه الكلمة (محلّ للحوادث أو غير محل للحوادث)، هذه لماذا أتيتم بها، ولماذا قلتم هذا الكلام؟\nفيقولون: إنَّا قلناه لأننا أَثْبَتْنَا وجود الرّب؟ وأنَّهُ سبحانه موجود ورَبْ وخالق للأشياء عن طريق ما أسموه حُلُولْ الأعراض أو نظرية أو قاعدة حلول الأعراض في الأجسام.\nما معنى هذه النظرية؟\nنَظَرَ، وهي التي أتى بها جهم بن صفوان رأس الجهميّة الضالّة -وقد سبق أن أوضحتها لكم مُفَصَّلًا (٢)، نختصرها في هذا المقام-، لمَّا تَفَكَّرَ جهم في الدليل على وجود الله؟ وعلى أنَّ هذه الأجسام مخلوقة، قال: الجسم المعين فيه صفات تَتَغَيَّرْ، والجسم لم يَخْتَرْ هذه التغيرات.\nما هذه الصفات التي تَتَغَيَّرْ؟\nقال: الصفة؛ صفة البرودة، الحرارة، صفة كثافة الجسم، امتداده وضآلته، نوعية الجسم، ارتفاعه، انخفاضه إلخ ... فهذه أشياء لا يختارها الجسم بنفسه؛ بل هي حَالَّةٌ فيه.\nفكونها حَلَّتْ فيه دَلَّ على أنَّهُ هناك مُؤَثِّر جعلها تَحُلُّ في هذا الجسم.\nوهذا يعني أنَّ الجسم مُحْتَاجٌ إلى غيره، لأجل حلول هذه الأشياء فيه.\nفإذا كان محتاجًا، فإنه إنما احتاج لمن لا يحتاج، وهو الرّب؟.\nفَثَبَتَ عندهم أَنَّ الجسم مخلوق من جهة هذه الأشياء التي أَسْمَوهَا حلول الأعراض في الأجسام أو حلول الحوادث في الأجسام.\nفَثَبَتَ عندهم وجود الله؟، وأنّه خالق الأجسام، وأنّه هو المستغني، وأنَّ هذه الأجسام مُحْتَاجَة مُحْدَثَةْ بهذا الدليل الذي هو في أصله غلط ومخالف للكتاب والسنّة، والتفكير فيه وأنّه هو دليل وجود الله؟ تفكير فيما لم يدل عليه نص لا من القرآن ولا من السنّة.\n_________\n(١) انقطاع في الصوت.\n(٢) انظر ص ١٣١، ٣٩٨، كذلك ذكر الشيخ هذه النظرية بتفصيل في الشريط الثامن من شرح العقيدة الواسطية للشيخ.","vol":"1","page":613},{"text":"وإثبات وجود الله؟ موجود في القرآن والسنة، فَهُمْ ذهبوا عن الكتاب والسنة إلى العقل فهداهم عقلهم الخاطئ إلى برهان غلط من أصله، وإن ثبتت به نتيجة مؤقتة؛ لكنها فيما يترتب عليها غلط فادح.\nلهذا في القرآن، الدليل على وجود الله مختلف عن هذا ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥-٣٦] هنا عندنا احتمالان:\nهل خُلِقْتَ من غير شيء؟ هذا احتمال.\nهل أنت الخالق لنفسك؟ هذا احتمال.\nهل الإنسان هو الذي خلق السماوات والأرض؟ (١)،\n\n: [[الشريط الثالث والأربعون]]:\n\nأو يكون أنَّهُ هذه الأشياء كلها مخلوقة.\nوالسَّبْرْ والتَّقْسِيمْ يعطيك النتيجة الصحيحة لأنَّهُ برهانٌ عقلي.\nكذلك التفكير في الآحاد ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة:٥٧-٥٨] . هذه أدلَّةْ خلق الله - ﷿ -، الذي خلق فهو القادر على البعث ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ .\nما دليل صدق أنَّ الله - ﷿ - هو الذي خلق؟\n﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨-٥٩]، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٣-٦٤]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٨-٦٩]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة:٧١-٧٢] .\nإذًا فتفكير الإنسان في ضعفه وأنَّ الأشياء مُسَخَّرَةٌ له، وأنَّهُ لم يَخْلُقْ نفسه ولم يَخْلُقْ ولده، وإنما جَعَلَ الله - ﷿ - الخلق في أتفه الأسباب وهو هذه النطفة المُحتقرة التي تُماطُ كالأذى؛ ولكن جَعَلَ الله - ﷿ - فيها سرّ الخلق ليُبيِّنْ للإنسان أنَّهُ أعجز ما يكون عن الخلق؛ لأنَّ الله أودع في هذا الشيء المُحْتَقَرْ أو في هذا الشيء الذي هو كالأذى أسرار الخلق.\nفإذًا البرهان على وجود الله - ﷿ - في كل شيء:\nوفي كل شيء له آية ****** تدلّ على أنَّهُ الواحد.\nأولئك الجهمية ذهبوا إلى برهانٍ آخر فأصَّلُوا ذلك.\nلمَّا أتوا إلى إثبات الصفات وافَقَ جهم المعتزلة ووافَقَهُ على هذا البرهان الكلابية ووافقه عليه الأشاعرة والماتريديّة.\nمثلًا الكلابية جاؤوا في الصفات، في صفة الغضب والرضا -ولا نطيل في البحث-، لمّا أتوا إليها قالوا: لو أثبتنا صفة الغضب والرضا لكَانَ مَحَلًَّا للحوادث.\nطيب، إذا كان مَحَلًَّا للحوادث -هذه اللفظة لم تأت في الكتب ولا في السنة-، إذا كان مَحَلًَّا للحوادث فما النتيجة؟\nالنتيجة أنَّهُ يَبْطُلُ الدليل على وجود الله - ﷿ -، والدليل العقلي على وجود الله - ﷿ - هو الأصل الأصيل الذي لا يجوز أن يُتَعَرَّضَ له بشيء، وإذا كان شيء يُضْعِفُ أو يُبْطِلُ ذاك الدليل الذي هو دليل الأعراض، فإنَّهُ يجب إبطال ما يُضْعِفُهُ أو ما يُضَادُهُ، لا أن يُبْطَلَ أصل الدليل.\nلهذا أتوا إلى هذه المسألة في الغضب والرضا وقالوا هذا معناه أنَّهُ محل للحوادث إذا كانت الأشياء بمشيئته واختياره، فَنَفَوا هذه الصفة.\nفإذا أنتم أثبتم صفة الحياة، صفة القدرة، وصفة الإرادة، وصفة السمع وصفة البصر وإلخ ... فكيف أثبتموها؟\nقالوا: تُثْبَتُ بالدليل العقلي إمَّا بمطابقته أو بلزومه كما هو معروف في أدلتهم للصفات التي أثبتوها.\nإذًا في الحقيقة، أنَّ الذين عناهم الطحاوي ﵀ بقوله (واللهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى لاَ كَأحَدٍ مِنَ الوَرَى)، أننا نُثبِتْ الصفة ونَنفي مماثلة الرّب - ﷿ - لأحدٍ من خلقه في اتصافه بهذه الصفة.\nففيها رد على الكُلَّابِيَّة والأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم من الفِرَقْ المختلفة.\nأنا اختصرت لكم الكلام السابق، لكن تفصيله في عددٍ من الشروح التي شرحتها لكم، في الحموية ممكن والواسطية، وفي عدد فصَّلنا هذه المسألة لأنَّهُا مهمّة في مسألة نفي الصفات.\n_________\n(١) نهاية الشريط الثاني والأربعين.","vol":"1","page":614},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nأنَّ الذين لا يُثْبِتُونَ صفة الغضب والرضا كَصِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ اختيارية، يَتَأَوَلُوَنها بإرادة الانتقام والعذاب في الغضب وإرادة الإنعام والإحسان في الرِّضَى.\nفيقولون: إنَّ الغضب: هو إرادة الانتقام والعذاب، فجعلوها صفة الإرادة.\nالرضا: هو إرادة الإحسان والإنعام.\nلماذا أَوَّلْتُمُوها إلى صفة الإرادة؟\nقالوا: لأنَّ صفة الإرادة صفةٌ ثابتةٌ بالعقل، فوجب رَدْ هذه الصفة التي لا يَصْلُحُ أن يُوصَفَ الله - ﷿ - بها إلى ما دلَّ عليه الدليل العقلي.\nفصفة الإرادة نعم دلَّ عليها الدليل العقلي، هذا صحيح، كما دلَّ عليها الدليل السمعي.\nولكن تَسْمِيَتُكُمْ لهذا تأويلًا هو في الحقيقة نَفْيٌ للصفة؛ لأنَّ صفة الإرادة دلَّ عليه العقل ودلَّ عليها السمع كما عندهم، فكونكم تقولون: لا يتصف بالغضب، لا يتصف بالرضا وإنما يتصف بالإرادة، الإرادة أقسام: إرادة غضب، إرادة انتقام، إرادة إحسان، إرادة خلق إلخ ... لكن هي تبقى صفة إرادة.\nفإذًا لمَّا أَوَّلُوا الغضب والرضا بالإرادة، فإنَّهُم -يعني- ينفون صفة الغضب والرضا.\nولهذا في الحقيقة الذي يتأول الصفة بصفة أخرى فإنَّهُ ينفي الصفة، فكل مُتَأوِّلٍ نافٍ للصفة التي يقول أنَّهُا لا تصلح في حق الله - ﷿ -.\nولهذا يَدْخُلُ في نُفَاة الصفات عند السلف -مسمى نُفاة الصفات-، يدخل فيه الجهمية الذين ينفون جميع الصفات، والمعتزلة الذين ينفون جميع الصفات إلا ثلاث صفات، ويدخل فيه الكلابية الذين ينفون جميع الصفات إلا صفات سبع ومعهم الأشاعرة، ويدخل فيهم الماتريدية الذين ينفون جميع الصفات إلا صفات ثمان، وهكذا، فمسمى نُفاة الصفاة يدخل فيه كل هذه الفرق، في بعض الأحيان.\nوهذا في الحقيقة تَعَدٍّ على الشريعة وعلى النَّصْ لأنَّهُم ينفون -وحاشانا من ذلك- ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ.\nفهل يتجاسر مسلم على أن ينفي شيئًا وصف الله - ﷿ - به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ؟\nفتقول لهم: الله يغضب؟\nيقولون: لا يغضب.\nتقول: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء:٩٣] .\nيقولون لم يغضب عليه وإنما أراد به الانتقام وهكذا.\nلكن لأجل الشُّبْهَة عندهم فإنَّهُم يكونون من أهل البدع لعدم متابعتهم للسلف في هذه المسائل وإحداثهم لبدعة التأويل في هذه النصوص الغيبية ولا يُكَفَّرُونَ في تأويلهم لأجل الشبهة التي عندهم.","vol":"1","page":615},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nقوله هنا (لاَ كَأحَدٍ مِنَ الوَرَى)، يعني لا كأحدٍ من الخلق، فإنَّ غضب الإنسان يناسبه ورضا الإنسان يناسبه، وغضب الرب - ﷿ - ورضاه ومحبة الرب - ﷿ - وبُغْضُهُ ﷾، وهكذا جميع الصفات هذا بما يليق بجلاله - ﷿ - وعظمته.\nفالصّفات تناسب الذات، صفات الإنسان تناسب ذاته الحقيرة الوضيعة -الحقيرة يعني لا باعتبار أنَّهُ مُكَرَّمْ، الحقيرة بإعتبار ضآلته وضعفه وحاجته، وإلا فهو مُكَرَّمْ -، صفة الإنسان تناسب ذاته الضعيفة الفقيرة المحتاجة، وصفة الرب - ﷿ - تناسب ذاته الكاملة العَلَيَّة الجليلة الجميلة - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\nفإذن بين الصفة والصفة كما بين الذات والذات، فذات الرب - ﷿ - لا يمكن أن تُقَارَنْ ذات المخلوق بها بأي شكل من الأشكال فكذلك صفاته - ﷿ - لا يمكن أن تُقَارَنْ صفات المخلوق بها.\nإذا تَبَيَّنَ ذلك فإنَّهُ إذا أُطْلِقَ لفظ الصفة: غضب، رضا، محبة، إلخ ... فإنَّ بعض الناس يأتي في ذهنه معنىً للغضب، يأتي في ذهنه معنً للرضا، وذلك لأنَّ الإنسان لم يستقبل المعاني إلا لمَّا رأى المُسَمَّيَات.\nيعني لم يفهم الشيء إلا لمَّا رأى صورةً أمامه جعلت المعنى يرتبط في ذهنه بهذه الصورة، وإلا في الحقيقة فإنَّ هناك ثلاثة أشياء في أبواب الصفات:\n١- الشيء الأول: المعنى الكلي للصفة.\nما معنى المعنى الكلي؟\nيعني غير المتعلق لا بالرب - ﷿ - وغير المتعلق بالإنسان بالمخلوق، معنىً كلي.\nهل في الحقيقة، في الحياة، هل في الوجود هناك معنىً كُلِّيْ تراه يمشي أمامك؟\nإنَّمَا المعاني الكلية من اللغة ودلالات الألفاظ من حيث المعنى هذه إنما موجودة في الذهن للتَّصَوُّرْ.\nهذا التَّصَوُّرْ لا يُدركه كل أحد لأنَّ جمهور الخلق إنما يتَصَوَّرُونَ من المعاني بعد رؤية الصّور التي تدلهم عليها.\nفلا يَتَصَوَّرْ شيئًا لم يره؛ لأنَّهُ لا يمكن أن يتصور شيء، قدرته ما تستوعبه.\n٢ - الشيء الثاني وهو الصفة، أو هذا المعنى الكلي المضاف إلى الله - ﷻ -.\n٣- الشيء الثالث: المعنى الكلي المضاف إلى المخلوق المُعَيَّن.\nفإذا أُضيف المعنى الكلي إلى المخلوق فإنَّهُ في الحقيقة لا يبقى كليًَّا وإنما لابد أن يَتَخَصَّصَ بشيء.\nيَدُلُّ عليه أنك ترى في السمع مثلًا فإنَّ البعوضة لها سمع وبصر، والإنسان له سمع وبصر، هل نقول هنا:\nالسمع والبصر هو كلي في الإنسان وفي البعوضة؟\nلا، وإنما هو كُلِّيْ من جهة فهمك لمعنى السمع ومعنى البصر.\nفإذا كان عندك قدرة لاستيعاب المعاني الكلية دون تأثيرٍ لما ترى وما تسمع للمعاني والقواعد التي في ذهنك، فإنَّهُ يمكن أن تتصور المعاني الكلية، وإلا فإنَّهُ في الخارج، في الواقع، في الحياة، لا يوجد إلا مُخَصَّصْ.\nتقول: سمع الإنسان وبصر الإنسان، سمع المخلوق، سمع البعوض وبصر البعوض، سمع الفيل وبصر الفيل، سمع الوطواط وبصر الوطواط، وهكذا ...\nالغضب والرضا، المولود الذي وُلِدَ أليس عنده أساس من الرضا والغضب؟\nيرضى عن والديه فيفرح ويبتسم، ويغضب فيُعَبِّرْ بطريقةٍ أخرى.\nهل تعبير الطفل في غضبه ورضاه هوكتعبير أبيه في غضبه ورضاه؟\nلا، بل الإنسان في نفسه لمَّا كان طفلًا فإنَّهُ يُعَبِّرُ عن غضبه ورضاه بشيء، وإذا صار شابًا يُعَبِّرُ عن غضبه ورضاه بشيء، وإذا صار كهلًا وشيخًا فإنَّهُ يُعَبِّرُ عن رضاه وغضبه بشيء.\nوهذا يدلّك على أنَّ هذه المعاني لا يمكن أن تُنْفَى عن الله - ﷿ - وهذه الصفات بإعتبار النظر للمخلوق، لأنَّهُ أصلًا المخلوقات تختلف في حياتها وتختلف في آثار الغضب والرضا، وكيف يغضب ومتى يغضب وإلخ ...\nفإذا كان المخلوق يختلف فالله - ﷿ - له المثل الأعلى والصفات العليا.\n* وهذه قاعدة مهمة تستمسك بها في الرد على المتأولين للصفات والخائضين في عموم الغيبيات، فاستمسك بها وادرسها شيئًا فشيئًا فإنَّهُا مهمة.\nلهذا نقول: إنَّ الذين يقولون الغضب والرضا هو الإرادة نَفَوا الصفة ونَفْيُهُمْ لهذه الصفة لأجل اتصاف المخلوق بها هذا تَعَدٍّ على النص، وأيضًا جَهْلْ بالعقليات على الحقيقة.","vol":"1","page":616},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>الأسئلة:</span>\nس/ هل المعتزلة والكلابية في تأويل تلك الصفات مجتهدين عند تأويلها، وإذا كانوا مجتهدين فهل يُنْكَرُ عليهم وهل يحصل لهم ثواب على اجتهادهم لقوله ﵇ «من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر» (١)؟\nج/ أولًا هم مجتهدون نعم؛ لكن لم يُؤْذَنْ لهم في الاجتهاد، لأنَّهُم اجتهدوا بدون أن يأذن لهم الشرع بالاجتهاد.\nفالاجتهاد يكون في المسائل التي له فيها أن يجتهد، أمَّا مسائل الغيب والصفات والجنة والنار والشيء الذي لا يُدْرِكُهُ الإنسان باجتهاده فإنَّهُ إذا اجتهد فيه فيكون تعَدَّى ما أُذِنَ له فيه، والمُتَعَدِّي مُؤَاخَذ.\nولهذا هم لاشك أنَّهُم ما بين مبتدع بدعته كُفْرِيَّة وما بين مبتدع بدعته صغرى، يعني بدعة معصية.\nوالواجب على كل أحد أن يعلم أنَّ اجتهاده إنما يكون فيما له اجتهاد فيه، وهذا يختلف باختلاف الناس فيها، علماء الشريعة يجتهدون في الأحكام الشرعية، الأحكام الدنيوية التي فيها مجال الاجتهاد، أما الغيب فلا مجال فيه للاجتهاد ولم يُؤْذَنْ لأحَدٍ أن يجتهد فيه بعقله.\nلكن إنْ اجتهد في فهم النصوص في حمل بعض النصوص على بعض، في ترجيح بعض الدِّلَالاتْ على بعض، هذا من الاجتهاد المأذون به سواء في الأمور الغيبية أم في غيرها.\nلكن أن يجتهد بنفي شيء لدلالَةٍ أخرى ليست دلالة مصدر التشريع الذي هو الوحي من الكتاب والسنة، -في الأمور الغيبية مصدر التشريع الكتاب والسنة- فإنَّهُ ليس له ذلك.\nفلذلك لا يدخل هؤلاء من المعتزلة والكلابية ونفاة الصفات أو الذين يخالفون في الأمور الغيبية لا يدخلون في مسألة الاجتهاد وأنَّهُ إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطا فله أجر، وإنما هم مأْزُورُونَ لأنَّهُم اجتهدوا في غير ما لهم الاجتهاد فيه، والواجب أن يُسَلِّمُوا لطريقة السلف وأن يُمِرُّوا نصوص الغيب كما جاءت وأن يؤمنوا كما دَلَّتْ عليه.\nلهذا نقول: قد يكون لهذا المبتدع أو لهذا الموافق للمبتدعة أو لهذا المُتَأَوِّلْ أو لهذا المتكلّم في الغيب برأيه وعقله مع وزره وإثمه وبدعته، قد يكون لهم من الحسنات ما يمحو تلك السيئات؛ لأنَّ البدعة والتأويل وأشباه ذلك معصية، بدعة صغرى معصية وكبيرة من جنس غيرها من الذنوب -يعني من جنس غيرها بأنَّهُ يأثم فيها- لكنها هي أعظم لأنَّ جنس البدع أعظم من جنس الكبائر والذنوب، قد يكون له حسنات عظيمة مثل مقام عظيم من الجهاد في سبيل الله، أو نُصرة للشريعة في مسائل كثيرة ونحو ذلك، ما يُكَفِّرُ الله - ﷿ - به خطيئته أو تكون حسناته راجحة على سيئاته، ولكن من حيث الأصل ليس له أن يجتهد، وهو آثمٌ بذلك؛ لكن ربما يكون عَفْوُ الله - ﷿ - يدركه.\nولهذا لمَّا ذكر ابن تيمية في أول الواسطية -وهذه مهمة- قال: هذا اعتقاد الفرقة الناجية الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة.\nوعقدوا له المحاكمة على هذه العقيدة قالوا: ما تعني بقولك الفرقة الناجية؟\nقال يعني الناجية من النار.\nقال: هل يعني هذا أنك تقول إنَّ من لم يؤمن بهذه العقيدة ويقول بها بجميع ما أوردت أنَّهُ من أهل النار؟\nقال: لم أقل هذا ولا يلزم من كلامي لأنَّ هذه العقيدة هي عقيدة الفرقة الناجية الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة فمن اعتقدها فهو موعود بالنجاة وبالنصر، موعود بالنجاة من النار، «كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي» (٢) ومعلوم قطعًا أنَّ النبي ﷺ والصحابة لم يكن عندهم تأويل ولا خوض في الغيبيات باجتهاد ورأي، وأنَّ من لم يعتقد هذا الإعتقاد فهو على ذنب، وقد يغفر الله له فلا يُدخله النار لا يعذبه بالنار ابتداء يغفر له الله؛ لأنَّ هذا دون الشرك؛ وقد يغفر الله - ﷿ - له بحسنات ماحية، وقد يغفر الله - ﷿ - له بمقام صدق في الإسلام كجهاد ونحوه إلى آخره؛ لكنه مُتَوَعَّدْ لأنَّهُ أتى أو قال بغير دليل.\nلهذا ليس لأحدٍ أن يجتهد في الغيبيات بما لم يُوقَفْ فيه على دليل.\nس٢/ أليس الغضب والرضا مُتَعَلِّقْ حصوله بِمُسَبَّبات، ليس كما قَرَّرْنَا إنَّهُ متعلق بالمشيئة والقدرة، فإذا حصل سبب الرضا حصل رضا الله - ﷿ -، فمثله يُقَالُ في الغضب، فيُقَال رضا الله أو غضبه متعلقٌ بمشيئته إذا حصل السبب، وضح لي ما اشتبه عليَّ.\nج/ هذا الذي تفضل به أو ذكره السائل غير خاص بالغضب والرضا، كلها يعني المغفرة متعلقة بسبب، الرحمة متعلقة بسبب، إجابة الدعاء متعلقة بسبب، كلام الله - ﷿ - تنزيله القرآن متعلقٌ بسبب ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]، هذا متى صار؟\nبعد أن تكلمت وجادلت.\n﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَأنَّهُمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨]، هذا بعد سبب.\n_________\n(١) سبق ذكره (٣٤٧)\n(٢) سبق ذكره (٣٤٤)","vol":"1","page":617},{"text":"إذًا فتعليقه بالسّبب الذي من العبد ليس هو بحث في الصفات البحث المراد، إنما المُرَاد أنَّهُ يتّصف الله - ﷿ - بهذه الصفة إذا شاء ﷾، إذا شاء ﷾ فإنَّهُ يتصف بها؛ يعني إذا أراد الله - ﷿ - أن يغضب غَضِبْ، وقد لا يغضب، فلا يلزم من وقوع الشيء الذي يغضب عليه الله - ﷿ - أن يغضب ﷾ بل قد يغضب وقد لا يغضب، وإذا وقع ما يرضى عنه - ﷿ - فإنَّ رضاه ﷾ متعلق بمشيئته وقدرته.\nأما الأسباب من العبد فهذه في الجميع.\nس٣/ هذا يقول: صفة الغضب والرضا كصفة الكلام قديمة الأصل متجددة الآحاد، هل يقال بهذا؟\nج/ الكلام يختلف عن صفة الغضب والرضا، كلام الله - ﷿ - منه الكلام الكوني الذي به تُكُونْ المخلوقات، فالله - ﷿ - خلق الماء بكلامه الكوني، وخلق العرش بكلامه الكوني - ﷿ -، وخلق الهواء بكلامه الكوني، وخلق القلم بكلامه الكوني، وخلق اللوح المحفوظ بكلامه الكوني، خلق السموات والأرض ومن فيها من المكلفين وما فيها من المخلوقات ومن يغضب عليه ويرضى عليه بكلامه الكوني.\nالغضب والرضا صفةٌ فعلية تقوم بمشيئته - ﷿ - وبقدرته، أما أنَّهُا كالكلام في هذا فلا أعلم هذا ممن قرره أهل العلم بأنَّهُا قديمة النوع حادثة الآحاد، أنا لا اعلمه ممكن نبحثها زيادة أو يبحثها أحد الإخوان ويفيدنا فيها.\nشيخ الإسلام له رسالة مستقلة ترى في المسألة ممكن إني أُرَاجِعْهَا، اللي هي رسالة في الصفات الاختيارية، [.......] تعرفونها؟ ليست في الفتاوى، مستقلة في مجموعة الرسائل التي طبعها الدكتور محمد رشاد سالم ﵀، أول رسالة فيه رسالة في الصفات الاختيارية وبحث كل هذا، يمكن مراجعتها ونجدد المعلومة في الدرس القادم إن شاء الله.\nس٦/ يقول: نرجو من فضيلتكم -وتقرأه على ما هو عليه- التعليق على هذه الكلمة، إلى آخره.\nج/ الكلمة أعرفها، وأعرف من قالها وهذه الطريقة في الأسئلة أنا لا أحبها من قديم، الواحد لا يأتي يعني يأخذ المتكلم أو يأخذ الشيخ أو المعلم يسأله عن كلمة لا يُعْرَفْ.\nهُوَ ربما لا يَعْرِفْ من قالها، ثُمَّ يُقَال أنَّ فلان يقول في الشيخ الفلاني كذا وكذا، هذه كلمة معروفة يعني أُثِيْرَتْ هذه الأيام، لهذا ينبغي أن يكون السؤال واضحًا حتى يكون الجواب واضحًا.\nالمقصود أنَّ كون الأشاعرة من أهل السنة والجماعة أم لا، فبعض علماء الحنابلة المتأخرين أو أكثر المتأخرين ممن صَنَّفُوا في عقيدة السلف وهم لم يُحَقِّقُوا في هذا الأمر عَدّوا أهل السنة والجماعة ثلاثة فئات:\nأهل الحديث والأثر، والأشاعرة، والماتريدية.\nمثل ما فعلها السَّفَاريني وفعله أيضًا غيره، وهذه مشت على كثيرين وتبنَّاهَا أخيرًا بعض الجماعات الإسلامية وَوَسَّعُوا الكلام فيها كما هو معلوم.\nولكن في الحقيقة كلمة أهل السنة نعم، الجميع من أهل السنة ولاشك؛ لأنَّهُم جميعا يحتجون بالسنة ويؤمنون بها إلى آخره؛ لكن كلمة الجماعة كُلٌّ يدعيها، فالأشاعرة يقولون نحن أهل السنة والجماعة، الماتريدية يقولون نحن أهل السنة والجماعة، وربما لا يُفَرَّقْ بينهما فالجميع يقولون أهل السنة والجماعة يعنون الأشاعرة والمارتريدية، وأهل الحديث والأثر يقولون نحن أهل السنة والجماعة إلخ..\nلكن إذا نظرت للحقيقة، كُلٌ يَدَّعِي وَصْلًَا بالجماعة؛ لكن هل يصح ادِّعَاؤُهُ أم لا يصح؟\nكلمة (الجماعة) هنا معناه الذي لم يُفَرِّقْ في الدين، ما كانت عليه الجماعة الأولى وهم الصحابة والتابعون، فهل أقوال هؤلاء فَرَّقَتْ في الدين، وهل هي على ما كان عليه الأوائل أم لا؟\nإذا أتى الجواب جاءت النتيجة، فإذا كان فعلًا هم على ما كان عليه الأوائل؛ يعني الأشاعرة ونحوهم وبعض الفرق الموجودة الآن والجماعات الإسلامية وغيرها، إذا كانوا على ما كان عليه السلف فحافظوا على الجماعة الأولى ممن لم يُفَرِّقُوا بين دليل ودليل خاصة في الأمور الغيبية في مسائل العقيدة، ولم ينفوا شيئًا بل أثبتوا كما أثبت الله - ﷿ -، فإنَّ هؤلاء من الجماعة، لكن إذا كانوا يُفَرِّقُونَ ويَتَأَوَّلُون ويَتَعَرَّضُون للغيبيات بما يتعرضون له؛ بل يخالفون في معنى كلمة التوحيد، في أول واجب، وفي الإيمان يخالفون وفي القدر يخالفون، وفي الصفات يخالفون، وفي مسائل أُخَرْ أيضًا في العقيدة يخالفون ما كان عليه السلف كيف نقول أنَّهُم متمسكون بالجماعة.","vol":"1","page":618},{"text":"التمسك بأهل السنة والجماعة ليست دعوة وليست مِنْحَةْ يمنحها الإنسان باختياره، نقول فلان من أهل السنة والجماعة أو لا، ليست مزاجًا وليست عقلًا وليست هِبَات تُوَزَّعْ على الناس، هذا وصف جاء في الكتاب والسنة بأنَّ الذي فَرَّقَ دينه ليس من الجماعة، ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، نقول: إنّناَ نَصِفُ الله - ﷿ - بالسمع والبصر ما نتأول؛ لكن الغضب والرضا نتأوله يعني نقول هي الإرادة. معنا أنه ما يغضب؟ نقول: نعم ما يغضب.\nطيب الذي يعبد الصنم، نقول مثلًا: خالد ابن الوليد لما علا جبل أحد فأصبح يرمي النبل على النبي ﷺ والسهام على النبي ﷺ وعلى الصحابة وقُتِلَ من قُتِلْ من شهداء أحد، في تلك الحال كان مغضوبًا عليه أو مرضيا عنه؟\nعندهم أنَّهُ مرضي عنه لأنَّ بعد خمس سنين أو ست سنين سيسلم.\nإذًا فثَمَّ مخالفة ودخول في صفات الله بالعقليات، هذا خطا كبير.\nالأصل الأصيل عندهم أنَّ الشرع تَبَعٌ العقل، ولهذا يقول قائلهم (العقل هو القاضي والشرع هو الشاهد)\n(القاضي) يعني الذي يقضي في الخصومات هو العقل لكن الشرع شاهد، يأتي الدليل من الكتاب والسنة فيقول هذا شاهد، لكن يرجع إلى عقله، إن كان صحيح أمضاه، وإن لم يصح ما احتج به وقال: لا، لازم نشوف له طريقة.\nهذه لاشك أنَّهُا ليست طريقة الجماعة.\nالجماعة هم الذين لم يُفَرِّقُوا في الدين، أخذوا ما جاء من الله - ﷿ - وما جاء من الرسول ﷺ أخذًا واحدًا.\nنفرق!! نأخذ بآية ونقول هذه نُسَلِّمْ، نُمِرُّهَا، نُثْبِتُهَا، وآية أخرى لا، ما نُثْبِتْ.\nلماذا تُفَرِّقْ بين هذا وهذا؟ ما الفرق بين مسائل الصفات بعضها مع بعض؟\nلماذا تُثْبِتْ وتنفي؟\nلماذا تقول يُرَى الله في الآخرة ثُمَّ تقول لكن إلى غير جهة؟\nتَرُدُّ على المعتزلة بخلق القرآن وأنت تقول أنَّ الذي بين أيدينا مخلوق لكن القديم غير مخلوق؟\nإذًا فيه أشياء كثيرة عند الأشاعرة والماتريدية وأشباههم خالفوا فيها الجماعة قبل أن تتغير الجماعة.\nالجماعة ما هي؟\nقبل أن تحدث هذه الأقوال، يعني قبل أن يحدث القول في الصفات ما الذي كان عليه المسلمون قبل ذلك؟\nمائة سنة الناس ما يعرفون التأويل يكونون على ضلال؟، أو يكون غيرهم أدرك الصواب وهم لم يدركوه وفيهم الصحابة؟\nهذا ما يمكن.\nحَدَثْ الخوارج، قول الخوارج، ننظر إلى ما كان عليه الناس قبل ظهور الخوارج، قبله الصحابة ما الذي كانوا عليه في مسائل الإيمان ومسائل الأسماء والأحكام التكفير إلى غير ذلك ما الذي كانوا عليه؟\nلاشك أنَّ هذا هو الجماعة.\nالجماعة في مسألة الإيمان ومسألة الأحكام والأسماء هي ما قبل ظهور الخوارج.\nظَهَرَ بعد ذلك القدرية، غيلان الدمشقي ومعبد الجهني إلى آخره.\nفي مسائل القدر ما الجماعة قبل خروجهم؟\nيعني تبحث عما قبل، هل ما قبل فيه شيء يدل على؟\nما فيه شك أنه لا يوجد.\nولهذا عندك الذين ذَكَرُوا أنَّ الأشاعرة من أهل السنة والجماعة، نقول لهم: أهل السنة نعم؛ لكن الجماعة نحن نود ونرغب ونتمنى أنَّهُم من أهل السنة والجماعة حقيقة، وليست منحة ولا هوى؛ لكنهم هل كانوا على الجماعة؟\nلاشك أنَّ أهل العلم أُمَنَاء في الأوصاف التي عَلَّقَهَا الله - ﷿ - بمن وعده بالنجاة.\nأمناء في الأوصاف لا يجوز لهم أن يُوَزِّعُوا الأوصاف بمحض اجتهادهم هذا كذا وهذا كذا.\nلا هم أمناء على الشريعة.\nفلابد أن يُؤَدُّوا الشريعة على ما أؤتمنوا عليه.\nيُطَاعُون ما يطاعون، لكن لابد يكون ما عنده.\nنعم يأتي أسلوب ما يقول به وهو أن يقول بالتي هي أحسن، هذا رعاية مصالح ومفاسد.\nلكن الكلمة في نفسها لابد أن تكون حقًا واضحةً، لا مداهنة فيها ولا مجاملة.\nالجماعة وصف شرعي من تَحَقَقَ به وُصِفَ به، ومن لم يتحقق به فإنَّهُ لا يوصف به.\nولاشك أنَّ هذا مما الناس فيه متنوعون -خاصة المنتسبين للعلم والبحث-.\nفممن يغلو في أحد الطرفين وممن يتساهل فيجعل الأمور تمشي ودون أمانة في الحكم، ومنهم من توسط، وهم الذين تمسكوا بهدي السلف الصالح وبطريقة الجماعة لأنَّهُم لم يقولوا على الله - ﷿ - بلا علم.\nأسأل الله - ﷿ - أن يوفّقكم جميعا لما فيه صلاحكم في دنياكم وفي آخرتكم، وأن يقينا وإياكم العثار وأن يبارك لنا في الأعمار إنَّهُ سبحأنَّهُ رحيم جواد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"1","page":619},{"text":"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:\nالأسئلة:\nس١/ أليس البحث والتدقيق في بعض الأمور الغيبية والمستقبلية وكثرة المباحثات والمُطَارَحَات فيها، يعتبر من فضول العلم وإشغال النفس فيه إشغالٌ بالمفضول عن الفاضل، وذلك كبحث هل الحوض قبل الصراط أو بعده، وكبحث كفتي الميزان، وهل هما حقيقتان أم لا، ونحو ذلك من المسائل؟\nج/ هذا السؤال مفيد؛ لأنَّهُ يُنبِئْ عن رغبة في طريقة السلف في بحث المسائل العلمية العَقَدِيَّة، سواءٌ كانت من مسائل الغيب خالصةً أم من المسائل التي جرى فيها البحث.\nوالأصل لكل مؤمن أن يكون طالبًا للحق الذي ذكره الله - ﷿ - في كتابه أو ذكره النبي ﷺ في حديثه.\nوطلب الحق في هذه المسائل أو طلب العلم في معنى آي القرآن أو حديث النبي ﷺ هذا هو طلب العلم النافع.\nوالآي والأحاديث التي فيها ذِكْرُ المسائل الغيبية، تارةً يكون بَحْثُ أهل العلم فيها فيما دلَّ عليه النص، وتارةً يكون البحث فيها من جهة الرد على الذي خالف النص.\nأمَّا الأول كبحث الميزان مثلًا، هل له كفتان أم لا؟\nفإنه جاء في القرآن أنَّ الميزان يُوضَعْ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧]، وقال أيضًا ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] الآية، وكذلك قولك ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] .\nوهذا فيه إثبات الميزان والموازين، وأنَّهَا توزن بها الأعمال، وأنَّهُ يعلَمُ الناس؛ يَعْلَمْ المؤمن إذا ثَقُلَ الميزان وإذا خفّ، وهذه الإيمان بها واجب لأنَّ الله - ﷿ - أخبر بها، هذه المسائل الغيبية، والسنة دلَّتْ على أنَّ الميزان له كفتان كما في أحاديث كثيرة، وأنَّ مقتضى الوزن أن يكون له كفتان.\nلهذا من دار حول دِلَالَةْ الكتاب والسنة فهذا عقيدة، وليس من فضول العلم بل هذا من العلم النافع الذي يُؤْمَرْ طالب العلم بِتَتَبُّعِهِ والإيمان به؛ لأنَّهُ ما أخبر الله - ﷿ - به إلا ليُؤْمَنْ به ويُعْتَقَدْ، وما أخبر النبي ﷺ بذلك إلا لأنَّهُ من العلم النافع.\nأما المسألة الثانية أو الشق الثاني فإنَّهُم يبحثون في مسائل لم يَدُلَّ الدليل على عين المسألة ولكن لابد من الخوض فيها ردًّا على المخالفين.\nالأصل في هدي الصحابة رضوان الله عليهم هو إمرار النصوص التي جاء في الكتاب والسنة والإيمان بها والعلم بذلك والحرص عليه وتتبع العلم في هذه المسائل، هذا ظاهر.\nلكن تفصيلُ الكلام في مسائل لم يأتِ الدليل بها ومن جهة التعريفات ومن جهة الدلائل وبزيادة بعض الألفاظ الإيضاحية أو ذِكْرْ بعض المسائل الخلافية، مثل هل الحوض قبل أو الصراط قبل؟، وهذه المسائل ليس فيها نص عن الصحابة، ليس فيها قول واضح عنهم، ونَشَأَ القول في كثير من المسائل لأجل المخالفين، فكثير من مسائل الأسماء والأحكام التي يتكلم فيها الخوارج والمعتزلة لم يتكلم فيها الصحابة بالتفصيل، تكَلَّمْ فيها من بعدهم ردًَّا على هذه الفئات لمَّا قويت ولم يندحر شرها.\nكذلك في مسائل القدر فإنَّ الصحابة تكلموا في الرد على القدرية النفاة الذين أنكروا العلم، واشْتَدَّ إنكارهم على ذلك وأتوا بالأدلة التي فيها إثبات أنَّ مِنْ قَدَرِ الله - ﷿ - علمه ﷾ بالأشياء قبل حدوثها العلم السابق الأزلي وأن الأمر (١) ليس بمستأنف، بل كل شيء يجري بقدر.\nثم بعد ذلك أتى الذين ضلوا في هذا الباب فأتوا بمسائل جديدة.\nفإذًا بحث أهل السنة والجماعة في المسائل ليس بحثًا فضوليًا، وإنما هو بحث لتثبيت دلائل الكتاب والسنة بنفيه، لأنَّ الواجب الدفاع عن القرآن والسنة، وإبقاء دلالة القرآن والسنة وتوجيه الناس إلى الإيمان بهما وعدم البعد عنهما.\nفإذا جاء من يُشَكِّكْ في دلالة الآية على العقيدة أو دلالة السنة على العقيدة بأقوال وتعريفات وَجَبَ الدخول معه بقدْرِ ما يُدْفَعُ به شره، والصائل يجب دفعه بحسب القدرة، والصِّيال العلم على أصول الشريعة على الكتاب والسنة هذا أعظم من الصِّيال على الأبدان لأنَّ الصيال على الأبدان مؤقت ويذهب بذهاب بعض الأبدان، لكن الصيال على الشريعة به تحريف الشرع.\n_________\n(١) نهاية الوجه الأول من الشريط الثالث والأربعين.","vol":"1","page":620},{"text":"فلهذا صار أعظم الجهاد: الجهاد بالعلم، أعظم من جهاد العدو الذي هو الجهاد غير المتعين، جهاد العلم أعظم؛ لأنَّهُ به حفظ الشريعة وليس حفظ الثغور أو حفظ بيضة أهل الإسلام بها، حفظ الشريعة وبقاء هذه الشريعة للناس حتى يتحقق قول الله - ﷿ - ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢] وأعظم ما يوغر العدو المحافظة على العلم والبقاء عليه، والآن بل قبل ذلك بأزمان إلى الآن الشهوات والحروب على الأبدان هذه فيها مد وجزر؛ يعني تارَةَ يقوى أمر المؤمنين وتارة يضعف، والله - ﷿ - يقول ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] لكن الصِّيال على العلم وعلى الكتاب والسنة وعلى دلائل ذلك وإلقاء الناس في الشُّبَهْ وبعدهم عن دلائل الشرع هذا هو الذي يزيل الإيمان والذي به تحصل الشُّبَه ويَقْوَى جانب الشيطان في البُعْدْ عن الدِّيَانة.\nلهذا ما يتكلم فيه أهل العلم وخاصَّةً المحققين ليس من فُضُولِ العلم في مسائل الاعتقاد لأنَّ هذا بحسب الحال.\nنعم قد يأتي زمان يكون فيه بحث بعض المسائل من الفضول؛ لأنَّهُ ليس ثَمَّ حافز إليها في ذلك الزمن، فيكون بقاؤها عند طائفة قليلة من أهل العلم كفرض كفاية؛ لكن بَحْثُهَا -وليس ثَمَّ حاجة إليها- ليس هذا من صنيع أهل العلم.\nلذلك العلماء يذكرون للناس في كل زمان ما يحتاجون إليه، وليس كل ما يعلمون أو ليس كل ما في الكتاب ينقلون إليهم؟ لا، ما يحتاجون إليه بحسب ما يعلمون من الزمن وما فيه من مضادة للأدلة ونحو ذلك.\nلهذا مثلًا تجد أنَّهُ عندنا في الدروس نُفَصِّلْ في أقوال الأشاعرة والماتريدية والردِّ عليها أكثر من أقوال المعتزلة؛ لأنَّ المعتزلة أقوالهم الباقية الآن أقوال قليلة مثل يعني بعض المسائل المشهورة، أما الآن أكثر التآليف وأكثر المضادَّةْ والذين ينسبون إلى السلف التأويل، إنما هي من جهة الأشعرية والماتريدية ونحو ذلك، فَفَهْمُ مذهبهم الآن لطلاب العلم لأجل كثرة الاختلاط وكثرة الكتب المؤلفة في التشكيك في حقيقة مذهب السلف، هذا هو المتعين، لهذا يختلف هذا باختلاف البلد واختلاف الزمان والمكان.\nقد يذهب ذاهِبْ من طلاب العلم إلى بلد ويرى الحاجة فيها إلى تفصيل أقوال لا يحتاجها بلد آخر في بعض المسائل، يكون في بلد الناس لا يعلمون، فَذِكْرُهَا والتفصيل فيها ليس من المناسب.\nفطالب العلم يكون ربانيًا يُعَلِّمْ الناس ما يحتاجون إليه في جهادهم في فهمهم للشريعة وفي جهادهم ضدّ الذين عقدوا ألوية البدعة.\nس٢/ من قَسَمَ الدعاء إلى دعاء عبادة ودعاء مسألة، أين دعاء الثناء؟\nج/ دعاء الثناء هو دعاء العبادة، لأنَّ الثناء على الله - ﷿ - عبادة، فإذا أثنى على الله - ﷿ - في دعائه فدعا دعاء عبادة.\nس٣/ ذكرتم في كتابكم المنظار أنَّ الخوف من الجن يدخل في خوف السِّرْ الذي عَدَّهُ العلماء من الشرك الأكبر، فهل هذا على إطلاقه؟ وهل ينطبق ذلك على من يخاف إيذاء الجن في المناطق الموحشة كالصحاري والبيوت المهجورة؟\nج/ لا، خوف السر ضَبَطَهُ العلماء في شرح كتاب التوحيد في مسألة الخوف.\nخوف السر: أن يخاف المرء من غير الله - ﷿ - في إيصال الأذى إليه بدون سبب.\nهذا هو الذي يختص الله - ﷿ - به، الله - ﷿ - يُقَدِّرْ على العبد مرض بدون سبب يعلمه، يُقَدِّرْ الموت بدون سبب بدون ما يعلم، أما إذا كان الشيء له سبب ظاهر أو كان له سبب؛ لكنه يخشى أن يكون الجني يتسبب فيه فيما، ويكون سبب طبيعي مثل الخوف من الدخول في الأماكن المهجورة أو في الظلام أو نحو ذلك يخاف من الشياطين أو الجن هذه أسباب.\nلكن خوف السر أن يخاف أن يناله الولي أو أن يناله الجني أو نحو ذلك بغير سبب؛ يعني أن يعتقد أنَّ عنده قوة وتَصَرُّفْ حيث يؤذيه بدون سبب.\nهذا ليس بحاصل ما ممكن للجني أن يؤذي العباد بدون سبب، الجني هو مثل الإنسي ما يؤذي بدون سبب.\nفإذا خاف أن يوصله إلى الإيذاء بدون أسباب يعني لا اعتداء من الإنسي ولا فعل أو شيء يدل عليه من الجني، فهذا لا يجوز.\nوإذا كان الخوف -الخوف الطبيعي- ليس خوف اعتقاد وإنما ناتج عن ضعف الإنسان، وليس خوف اعتقاد في الجن وإنما يخاف من إيذائهم واعتدائهم في مثل البيوت، فهذا قد يدخل في الخوف الطبيعي الذي يخشاه الإنسان ولا يدخل في الخوف المحرم ولا في الخوف الشركي.\nفإذًا المسألة ليس على إطلاقها لكن يوضحها لك ضابط خوف السر الذي وصفته لك.\nس/ [......]\nبدون سَبَبٍ يمكنهم أن يعملوه، ليس بدون سبب ظاهر، قد يقول هو سبب خفي، قد يعمل ويقول للجني سبب خفي ما أدري عنه، لكن هو بدون سبب يمكنهم أن يعملوه.\nمثل مثلًا أن يتسلط الجني، يخاف من الجني أن يؤذيه دائمًا، يخاف من الجني أن يتسلط على أولاده، لماذا يخاف؟ يخاف لاعتقاد ليس خوفًا طبيعيًا، خوف اعتقاد، يعتقد الجن يتسلطون.","vol":"1","page":621},{"text":"مثل ما كان الكفار الذين نزلوا واديًا قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. يظنون كل وادي له جني يمسكونه وأنَّهُم يعتدون على الناس، وهذا هو الذي نزل في قوله تعالى ﴿وَأنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] لأنَّهُ سببه الخوف، خوف من شيء لا يملكون، فهذا خوف اعتقاد، خوف السر خوف اعتقاد، يعني يعتقد أنَّ هذا الذي خاف منه يُوصِلُ الأذى إليه بدون سبب يعلمه بدون سبب معقول؛ ولكنه هو عنده القدرة، فإذا اعتقد هذا الاعتقاد في الولي أو في الجني أو نحو ذلك فهذا هو خوف السر.\nأما خَاف من مكان مظلم أو خاف من جن هذا قد يدخل في الخوف الطبيعي في بعض الحالات، ليس خوف اعتقاد.\nس٤/ هل يجوز قراءة الأخبار الموجودة في كتب الأدب عن الصحابة وما جرى بينهم من الردود؟\nج/ يجوز لمن يقوى على فهم العقيدة أو عنده أصل شرعي يرجع إليه.\nس٥/ ما يحل بالمسلمين هذه الأيام في الشيشان فهل يجوز القنوت لهم في الفرائض؟\nج/ القنوت، قنوت النوازل هذا مربوط بإذن الإمام، إذن ولي الأمر، وليس لآحاد الناس أن يقنتوا لمن شاءوا، ونزلت بالصحابة رضوان الله عليهم نوازل كثيرة فما قَنَتُوا إلا إذا أذِنَ ولي الأمر فإنَّهُ يقنط.\nوالذي جرى عليه الأمر في هذه البلاد أنَّهُ إذا جرت الفتوى على القنوت فإنَّهُ يُرْفَعْ بذلك إلى ولي الأمر فيأذن بالقنوت، إذا جاءت الفتوى، وهنا لابد من فتوى ليس لأحدٍ من الناس في مسجده أن يقنت دون إذن، فالناس في هذا تبعٌ للإمام.\nمع أنَّ القول الصحيح في هذا أنَّهُ لا تقنت كل المساجد؛ لأنَّهُ لمَّا حَصَلْ القنوت في عهد النبي ﷺ إنما قَنَتَ هو في مسجده الأعظم ﷺ، أما المساجد الأخرى مسجد قباء والمساجد الأخرى مسجد العالية ومسجد بني [زُرَيْرْ] المساجد الأخرى لم تقنت في المدينة وإنما قَنَتَ المسجد الأعظم.\nلهذا الرواية الثالثة عن الإمام أحمد في المسألة أنَّ الناس تبعٌ للإمام إذا قَنَتَ، ليس إذا أذِن.\nيقصدون بالإمام يعني في المسجد الأعظم، فليس كل مسجد يَقْنُتْ، وهذا في الحقيقة هو أولى الأقوال وأحظاها بالدليل، أنَّهُ ليس كل المساجد تَقْنُتْ؛ لأنَّ هذا دعاء وإذا قام به بعض المؤمنين كفى عن الآخرين.\nكذلك إذا جاء الإذن بوقت ليس له أن يجعله في وقت آخر؛ يعني جاء الإذن مثلاَ أن يُقْنَتَ في الفجر فَيُقْتَصَرْ على الفجر، ليس له أن يقنت في المغرب أو في العشاء لأنَّ هذا تَبَعْ الفتوى وليس لآحاد الناس في المساجد أن يجتهدوا.","vol":"1","page":622},{"text":"وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رسُولِ الله ﷺ، وَلاَ نُفْرِطُ (١) في حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُم؛ وَلاَ نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُم، وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُم، وَبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُم، ولا نُذْكُرُهُم إِلاَّ بِخَيْرٍ، وَحُبُّهُم دِينٌ وإيمَانٌ وإحْسَانٌ، وَبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ.\n_________\nهذه الجملة من المسائل العظيمة لتعلّقها بخير الخلق من هذه الأمة وهم صحابة رسول الله ﷺ.\nوالكلام في الصحابة صار عقيدةً في حُبِّهِم وبُغْضِ من يُبْغِضُهُم لقيام طوائف من أهل البدع والضلال في شأن الصحابة بما يخالف الدلائل من القرآن والسنة التي أوجبت حُبَّهم ونُصْرَتَهُم والذبَّ عنهم ﵃ أجمعين، وذكَرتْ عدالتهم وفضلهم وسابقتهم.\nفخالف في ذلك من خالف من الخوارج والصابئة والرافضة من الخوارج والناصبة والرافضة وطوائف في شأن الصحابة جميعًا أو في شأن بعض الصحابة.\nفكان منهج أهل السنة والجماعة وعقيدتهم أن يُثنَى على جميع الصحابة وأن نُحِبَّ أصحاب رسول الله ﷺ جميعًا الحب الشرعي الذي ليس فيه إفراط بالتجاوز عن الحد المأذون به والغلو، وليس فيه تفريط بذم بعضهم أو سب بعضهم، أو أن يكون ثَمَّ تَبَرُؤْ من بعضهم أو أن لا تُثْبَتْ العدالة لهم.\nفلابد في حبّهم من الاعتدال، فلا غلو ولا تفريط في الحب بسلب بعض ما يَجِبُ لهم مما يُحَبُّونَ فيه، إذ الواجب أن يُحَبَّ جميع الصحابة على مجموع أعمالهم، فهم خيرة هذه الأمة وهم خير الناس بعد رسول الله ﷺ.\nوفي الأصل كما هو معلوم أنَّ هذا ليس من مسائل الاعتقاد لأنَّ مسائل الاعتقاد هو ما يجب على المرء أن يعتقده في أمور الغيب، فصارت من مسائل الاعتقاد لأنَّهُا مِمَّا تَمَيَّزَ به أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية بما خالفوا فيه الفرق الأخرى.\nفكان المسلمون على جماعة في اعتقادهم وفيما يقولون به ثُمَّ خالفت الفرق المختلفة كالخوارج والرافضة والناصبة وأشباه هؤلاء في مسائل.\nفصار أهل السنة في هذه المسائل التي خالف فيها أهل البدع والضلال والفِرَقْ التي خالفت الجماعة، صار القول فيها من الاعتقاد؛ لأنَّهُم خالفوا الفرق التي خالفت في الاعتقاد.\nوهذا من جنس مسائل أخرى في مسائل التعامل والحب، أو في مسائل المنهج والسلوك وأشباه ذلك مما سبق أن مَرَّ معنا.\nوقد مَرَّ معنا مثلًا مسألة المسح على الخفين، مسألة المسح على الخفين لاشك أنَّهُا مسألة من الفقه ولا تدخل في الاعتقاد دخولًا واضحًا لكن لمَّا خالف فيها من خالف دخلت في مسائل الاعتقاد.\nوحب الصحابة رضوان الله عليهم والموقف من الصحابة وعقيدة المسلم في صحابة رسول الله ﷺ صارت عقيدة لمُخَالَفَتِهَا اعتقاد الضالين في هذا الباب.\nويمكن أن نُفَرِّعْ الكلام في مسائل.\n_________\n(١) قال الشيخ صالح: نُفْرِطُ يعني نتجاوز الحد أما نفرّط لا، وَلاَ نُفْرِطُ في حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُم.","vol":"1","page":623},{"text":"[المسألة الأولى]:\nصحابة رسول الله ﷺ: هم من صَحِبَ رسول الله ﷺ بِلُقِيِّهِ ولو ساعةً مؤمنًا به ومات على ذلك.\nأو يقال الصاحب والصحابي: من لَقِيَ النبي ﷺ ولو ساعة مؤمنًا به ومات على ذلك.\nوالصحابة هم الذين صحبوا رسول الله ﷺ.\nوهذا اللُّقِي الذي سمعته في التعريف يختلف:\n- منهم من صَحِبَهُ والتقى به مدة طويلة.\n- ومنهم من قَلَّ ذلك.\n- ومنهم من تقدّم.\n- ومنهم من تأخر.\nوهذا يُبَيِّنُ لك أنَّ نوع الصحبة وقَدْرْ الصُّحْبَة يختلف فيه الناس ويختلف فيه الصحابة فليسوا على مرتبة واحدة كما سيأتي.\nوالصحابة كلهم أثنى الله - ﷿ - عليهم بدون استثناء وأثنى عليهم رسوله ﷺ، فقال - ﷿ - ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ إلى أن قال ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، وقال - ﷿ - ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنَّهُارُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وكذلك قوله - ﷿ - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، حتى سُمِّيَتْ هذه البيعة بيعة الرضوان؛ لأنَّ الله رَضِيَ ما عملوه، رَضِيَ بَيْعَتَهُمْ فَسُمِّيَتْ بيعة الرضوان، ومنها أيضًا قول النبي ﷺ «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (١) كذلك قوله ﷺ كما في الصحيحين «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفس محمد بيده فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدكم ولا نصيفه» (٢) وقال أيضًا - ﷿ - ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] والآيات في فضل الصحابة بِمُجْمَلِهِمْ في أنواعٍ من الدلالات والأحاديث كثيرة جدًا وصُنفت مصنفات في ذلك.\nوهذه الآيات والأحاديث تفيد في شأن الصحابة أمور:\n١- الأول: أنَّ الصحابِيَّ إذا مات على الإيمان فإنَّهُ موعودٌ بالمغفرة والرضوان.\n٢ - الثاني: أنَّ الصحابة كلهم عدول لتعديل الله - ﷿ - لهم وثنائه عليهم.\nومعنى العدالة هنا أنَّهُم عُدولٌ في دينهم وفيما يروون وينقلون من الشريعة، وأنَّ ما حَصَلَ من بعضهم من اجتهاد، فإنَّهُ لا يقدح عدالتهم ولا يُنْقِصُهَا، لِمُضِيِّ ثناء الله - ﷿ - عليهم مطلقًا.\n٣- الثالث: أنَّ سبَّ الصحابة ينافي ما دَلَّتْ عليه الأدلة من الثناء عليهم، وهو منهيٌ عنه بالنَّصْ، فلذلك أفادت هذه الآيات حُرْمَةْ سبِّ الصحابة كما سيأتي تفصيل الكلام على ذلك إن شاء الله.\n٤- الرابع: أنَّ الآيات دلَّتْ على أنَّ الصحابة يتفاوتون في المنزلة وفي المرتبة وأنَّهُم ليسوا على درجة واحدة.\n_________\n(١) البخاري (٢٦٥٢) / مسلم (٦٦٣٥)\n(٢) سبق ذكره (٤١٤)","vol":"1","page":624},{"text":"[المسألة الثانية]:\nحب الصحابة فرض وواجب وهو من الموالاة الواجبة للصحابة، وهذا الحب يقتضي أشياء:\n- الأول: قيام المودة في القلب لهم.\n- الثاني: الثناء عليهم بكل موضع يُذْكَرُونَ فيه والترضي عنهم.\n- الثالث: أن لا يَحْمِلَ أفعالهم إلا على الخير فكلُّهُم يريد وجه الله - ﷿ -.\n- الرابع: أن يَذُبَّ عنهم؛ لأنَّ مِنْ مقتضى المحبة والولاية؛ بل من معنى المحبة والولاية النُّصْرَةْ، أَنْ يَنْصُرَهُمْ إذا ذُكِرُوا بغير الخير أو انتقص منهم منتقص، أو شَكَّكَ في صدقهم أو عدالتهم أحد، فإنَّهُ واجبٌ أن يُنْتَصَرَ لهم ﵃.\nولذا توَسَّطَ أهل السنة والجماعة في الحب بين طرفين: بين طرف المُفْرِطِينْ وطرف المتبَرِّئِين.\n@ أما الغلاة والمُفَرِّطُون في الحب فهم الذين جعلوا بعض الصحابة لهم خصائص الإلهية كما فعل طائفة مع علي ﵁، وكما فعل طائفة مع أبي بكر، أو غلو بما هو دون الإلهية بأن يجعلو هذا الحب يقتضي انتقاص غيرهم، فيُحِبُّ أبا بكر وينتقص عليًا، أو يحبّ عليًا ﵃ وينتقص أبا بكر، هذا إفراط وغلو.\nفالوسط هو طريقة الصحابة وأهل السنة فإنَّ الحب يقتضي موالاة الجميع وأن لا يَغْلُوَ المسلم في أي صحابي؛ بل يُحِبُّهُم ويَوَدُّهُم ويذكرهم بالخير ولا يجعل لهم شيئا من خصائص الإلهية.\nبل أجمع أهل العلم أنَّ من ادَّعَى في صحابيٍ أنَّ له شيئًا من خصائص الإله، أو أنَّهُ يُدْعَى ويُسْأَلْ كما يُعْتَقَد في علي ﵁ ونحوه أنَّهُ كافر بالله العظيم.\nوهذا الغلو وقع فيه كثير في الأمة بعد ذلك فأُقِيْمَتْ المزارات والمشاهد والقبور والقباب على قبور الصحابة، كقبر أبي أيوبٍ الأنصاري قرب اسطنبول، وكقبر أبي عبيدة بن الجراح في الأردن، وكقبر عدد من الصحابة كالحسين والحسن وعلي إلى آخره في أمصارٍ مختلفة.\nفجعلوا قبورهم من فَرْط المحبة أوثانًا يأتون فيسألون ويدعون ويستغيثون ويتقربون للصحابة، وهذا إفراط وليس هو الحب المأذون به؛ بل هذا حبٌ معه الشرك المُحَقَّقْ إذا وصل إلى سؤال الميت ودعائه والتقرب إليه.\n@ وفي المقابل يكون فِعْلُ طائفةٍ ضالة أخرى تتبرأ من الصحابة جميعًا كفعل الزنادقة، أو تتبرأ من أكثر الصحابة كفعل الرافضة والخوارج، أو تتبرأ من طائفة من الصحابة كفعل النواصب ومن شابههم.\nفهؤلاء تبرؤوا.\n@ ومنهم من يعتقد أنَّهُ لا حُبَّ ولا ولاء إلا بِبَرَاءْ.\nيعني لا يصلح حب صحابي وولاء صحابي إلا بالتبرؤ ممن ضَادَّهْ.\nفيجعلون في ذلك أنَّ حب علي ﵁ والولاء لعلي والحسن والحسين يقتضي بُغْضَ أبي بكر وبُغْضَ عمر وبُغْضَ عثمان ومن سلب هؤلاء حقهم كفعل الرافضة عليهم من الله ما يستحقون.\nلهذا كان مُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة في هذا أنَّ التبرؤ من الصحابة واعتقاد أنَّهُ لا موالاة إلا بالبراءة أنَّ هذا ضلالٌ وقد يوصل إلى الكفر، كما سيأتي في المسألة إن شاء الله.\nلذا قال بعدها (وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُم، وَبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُم) وهذا من مقتضى المحبة الوَسَطْ، ودين الله وسط بين الغالي والجافي، فإننا من ذَكَرَهُمْ بخير أحببناه ومن ذَكَرَهُمْ بغير الخير أبغضناه؛ لأنَّ من مقتضى المحبة والولاية أن يُحَبَّ من يُحِبُّهُمْ وأن يُبْغَضَ من يُبْغِضُهُمْ.","vol":"1","page":625},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأصحاب رسول الله ﷺ على مراتب، يختلفون في منزلتهم.\n١ - فأعظم الصحابة وأرفع الصحابة العشرة الذين بُشِّرُوا بالجنة في مكانٍ واحد، وهم الذين يشتهر عند الناس أنهم العشرة المبشرون بالجنة.\nوالذين بَشَّرَهُمْ النبي ﷺ بالجنة أكثرمن عشرة، عددهم كثير من الصحابة؛ ولكن خُصَّ هؤلاء بفضلٍ لأنَّهُم بَشَّرَهُم ﷺ بالجنة في مكان واحد، وفي حديثٍ واحد ساقَهُم ﷺ «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الحنة، وسعد في الجنة» (١) إلى آخر العشرة.\nفهؤلاء هم أفضل الصحابة وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الذِّكْرْ؛ لأنَّ النبي ﷺ رَتَّبَهُمْ كترتيبهم في الفضل، فأبو بكر أفضل ويليه عمر ثم يليه عثمان ثم يليه علي إلى آخره.\n٢ - يلي هؤلاء المهاجرون -أعني جنس المهاجرين- الذين أسلموا في مكة وتقدم إسلامهم وصبروا مع رسول الله ﷺ وصابَرُوا حتى هاجروا.\n٣ - ثُمَّ الذين شهدوا بدرًا من المهاجرين والأنصار فهم يلونهم في الفضل.\n٤ - ثُمَّ جنس الأنصار الذين سبقوا وأثنى الله عليهم بقوله ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] والمراد بالسَّبْقْ هنا السبق إلى الإيمان به ﷺ وتصديق رسالته والجهاد معه، فهذا هو بالسَّبْقْ الذي له الفضل العظيم.\n٥ - ثُمَّ بعد ذلك يليهم من أسلم قبل الفتح، ويُقْصَدْ بالفتح هنا صلح الحديبية أو فتح مكة وهو الذي جاء فيه قول الله - ﷿ - ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] فالذي أسلم وآمن وأنفق وجاهد من قبل صلح الحديبية أو من قبل فتح مكة فإنَّهُ أفضل ممن بعدهم.\nولذلك يُقَالُ لكثيرٍ من الصحابة مُسْلِمَةْ الفتح، يعني الذين أسلموا بعد فتح مكة.\nوهؤلاء -وهم الفئة الأخيرة-: مَنْ أَسْلَمَ مِنْ بعد الفتح إلى عام الوفود.\nثُمَّ بعد ذلك دخل الناس في دين الله أفواجًا، يعني السنة التاسعة والعاشرة حتى حَجَّ النبي ﷺ، هؤلاء هم أقل الصحابة منزلة.\nوهذا الترتيب لِما دلَّتْ عليه الأدلة من التفضيل.\nوالمراد بهذا التفضيل الجنس؛ يعني جنس هذه الطائفة على جنس هذه الطائفة.\nيعني التفضيل في الظاهر باعتبار الجنس، فقد يكون في بعض الطبقات من هو أفضل ممن قبله.\nوهذا من حيث التَّنْظِيرْ لا من حيث التَّطْبِيقْ لأنَّنَا لا نعلم دليلًا يَدُلُّ على أنَّ فلانًا من المتأخرين أفضل من فلان من المتقدمين، أو أنَّ فلانًا من الأنصار أفضل من فلان من المهاجرين؛ لكنه من حيث الجنس فُضِّلَ ما فَضَّلَتْهُ الأدلة أو ما دَلَّتْ الأدلة على تفضيله جِنْسًَا؛ لكن حديث النبي ﷺ في المفاضلة بين عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد ظاهر، وعبد الرحمن بن عوف من العشرة المبشرين بالجنة، وهؤلاء هم أفضل الصحابة، هؤلاء فَضْلُهُمْ بأعيانِهِمْ ظاهر، وأهل بدر أيضًا قد يدخلون في أنَّ فضلهم بأعيانِهِمْ؛ لكن الكلام على الجنس مع الجنس.\nولمَّا وَقَعَ خالدٌ في مَسَبَّةِ عبد الرحمن بن عوف ﵄ قال النبي ﷺ «لا تسبوا أصحابي» إلى آخر الحديث، فخَصَّ المُتَقَدِّمْ باسم الصُّحْبَةْ فَكَأَنَّ الذي أسلم من بعد الفتح وقاتل لقِصَرِ إسلامه وقِصَرْ صحبته للنبي ﷺ وقِلَّةِ نُصْرَتِهِ بالنسبة إلى من قبله، كأنَّهُ صارَ تَحْقِيقُ اسم الصحبة عليه ليس كتحقيق من كان قبله، بل هذا هو الواقع، ولهذا خَصَّ النبي ﷺ السابقين باسم الأصحاب دون غيرهم مع اشتراك من أسلم بعد ذلك باسم الأصحاب؛ ولكن لأجل طول الصُّحْبَةْ صار عبد الرحمن بن عوف وسُلِبَ الاسم عن خالد بن الوليد لأجل هذه الحيثية، وإلا فالكل صاحب للنبي ﷺ، وهذا فيه تخصيص بالاسم لأجل مزيد الفضل وتَحَقُّقْ الصفة اللازمة في مقتضى الصحبة.\n_________\n(١) أبو داود (٤٦٤٩) / الترمذي (٣٧٤٨) / ابن ماجه (١٣٣)","vol":"1","page":626},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nالصحابة رضوان الله عليهم بشر يُصيبون ويُخطئون ويجتهدون فيما يجتهدون فيه، وربما وافق بعضُهُمْ الصواب، وربما لم يوافق الصواب.\nلهذا الواجب على المؤمن من مُقْتَضَى المحبة والنُّصْرَةْ أن يحمِلَ جميع أعمال الصحابة على إرادة الخير والدِّيْنْ وحب الله - ﷿ - وحب رسوله ﷺ، وأنَّ ما اجتهدوا فيه:\n- إما أن يكون لهم فيه الأجران إذ أصابوا.\n- وإما أن يكون لهم فيه الأجر الواحد إذ أخطؤوا.\nوكُلُّ عَمَلٍ لهم مما اجتهدوا فيه حتى القتال فإنَّهُ مَعْفُوٌّ عنهم فيه لأنَّهُم مجتهدون، فلا نَحْمِلُ أحدًا من الصحابة على إرادة الدنيا المحضة -يعني فيما اجتهدوا فيه من القتال- وإنما نحملهم على أنَّهُم أرادوا الحق واجتهدوا فيه فمن مُصيبٍ ومن مخطئ.\nولهذا كان الصحابة وهم يتقاتلون يُحِبُّ بعضهم بعضًا، ولا يتباغضون كما أَبْغَضَ طائفة منهم من جاء بعد ذلك من أهل البدع، فلم يكن أحَدُهُمْ يَذُمُّ الآخر ذَمًَّا يقدح في دينه، أو يقدح في عدالته، وإنما بين من يُصَوِّبُ نفسه ويُخَطِّئُ غَيْرَهْ وبين من يعتزل أو يُثْنِي على الجميع وأشباه ذلك.\nوهذا هو الواجب في أننا نحمل أفعالهم على الحق والهدى، وإن كان بعضهم يكونُ أصوبَ من بعض، أو يعضهم يكون مصيبًا والآخر مخطئًا.\nوما جرى من الصحابة من الشِّجَار فيما اجتهدوا فيه والقتال أو ما اجتهد فيه الصحابة في المسائل العملية في علاقتهما بعض الصحابة الآخرين، فهذا لا يُبْحَثُ فيه وإنما يُذْكَرُونَ بالخير، ونعتمد على الأصل الأصيل وهو أنَّ الله - ﷿ - أثنى عليهم، وخاصَّةً أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله - ﷿ - فيهم قوله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة﴾ [الفتح:١٨]، وكانوا إذ ذاك بين ألف وأربعمائة وألف خمسمائة قد ﵃ وأرضاهم.","vol":"1","page":627},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nسَبُّ الصحابة تَبَرُؤٌ منهم، وإذا سَبَّ بعضًا فهو تَبَرُؤٌ ممن سب أو بَعْضُ تَبَرُؤٍ ممن سب.\nلأنَّ حقيقة السبّ عدم الرضا عن من سُبَّ، وكُرْهْ ما فَعَلْ وإلا فإنَّ الراضي يحمد ويُثْنِي، والمُبْغِضْ هو الذي يسب ويتبرأ.\nلهذا نهى النبي ﷺ عن سب الصحابة فقال «لا تسبّوا أصحابي» وهذا يقتضي التحريم، فكل سَبٍّ للصحابة محرم، وأكَّدَّ ذلك ﷺ بقوله «من سبَّ أصحابي فقد آذاني» وأذيته ﷺ محرمة وكبيرة وكذلك إيذاء الصحابة فقد قال - ﷿ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، وإيذاء الصحابي احتمالٌ للإثم المُبِيْنْ، وهذا دخولٌ في المحرّمات الشديدة.\nومعنى السَّبْ أن يَشْتُمْ بِلَعْنٍ، أو يَتَنَقَّصْ، أو يطعن في عدالتهم، أو في دينهم، أو أن يتنقصهم بنوعٍ من أنواع التنقص عمَّا وصفهم الله - ﷿ - به، وهذا يختلف بأنواع:\n- فقد يشتم بعض الصحابة، فهذا سب.\n- قد يَتَنَقَّصْ من جهةٍ دينية.\n- وقد يَتَنَقَّصْ من جهة دنيوية لا تُنْقِصُ من عدالته.\nمثلًا في الجهة الدينية أن يقول: أنَّهُ لم يكن مؤمنًا مُصَدِّقًَا، كان فيه نفاق. أو أن يقول عن الصحابة: كان فيهم قلة علم، أو بعضهم فيه قلة دِيَانَة، أو كان فيهم شَرَهْ على المال أو حب للمناصب، أو كان في بعضهم رغبة في النساء، جاهدوا لأجل النساء، أْكَثُروا من النساء تلذذًا في الدنيا، هم طُلَّابُ دنيا.\nإمَّا في وصفهم جميعًا أو في وصف بعضهم.\nهذه أمثلة لأنواع السب والقدح الذي قد يرجع إلى قدحٍ في دينهم، وقد يرجع إلى تنقصٍ لهم في عدالتهم وما أشبه ذلك. (١)\n\n: [[الشريط الرابع والأربعون]]:\n\nوسَبُّ الصحابة رضوان الله عليهم كما أنَّهُ مُحَرَّمْ قد اختلف العلماء في هل يكون كفرًا أم لا يصل إلى الكفر؟\nوكما ذكرتُ لك فإنَّ السَّبَّ مورِدُهُ البُغْضْ؛ لأنَّهُ إذا أْبَغَضَ مُطْلَقًَا أو أَبْغَضَ في جزئية فإنه يَسُبْ، فإنَّ السَبَّ مورده البُغْضْ، ينشأ البغض والكراهة ثم ينطلق اللسان -والعياذ بالله- بالسب.\nلهذا الطحاوي هنا قال في آخر الكلام (وَبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ)\nفيقصد بالكفر هنا الكفر الأصغر ليس الكفر الأكبر، أو ما يشمل -وهو الذي حمله عليه شارح الطحاوية- أو ما يشمل القسمين، قد يكون كفرًا أكبر وقد يكون أصغر، والنفاق قد يكون نفاقًا أكبر وقد يكون نفاقًا أصغر بحسب الحال ويأتي تفصيل الكلام في ذلك.\nوالإمام أحمد ﵀ وعلماء السلف لهم في تكفير من سَبِّ الصحابة روايتان:\n١ - الرّواية الأولى: يَكْفُرْ وسَبَبُ تكْفِيرِهِ أَنَّ سَبَّهُ طعنٌ في دينه وفي عدالة الصحابي، وهذا رَدٌّ لثناء الله - ﷿ - عليهم في القرآن، فرجع إذًا تكفير السابِّ إلى أنَّهُ رَدَّ ثناء الله - ﷿ - في القرآن والثناء من النبي عليهم في السنة.\n٢ - والرواية الثانية: أنَّهُ لا يكفر الكفر الأكبر، وذلك لأنَّ مَسَبَّةْ مَنْ سَبَّ الصحابة من الفِرَقْ دَخَلَهُ التأويل ودَخَلَهُ أمر الدنيا والاعتقادات المختلفة.\n@ والقول الأول هو المنقول عن السلف بكثرة، فإنَّ جمعًا من السلف من الأئمة نَصُّوا على أنَّ من سَبَّ وشَتَمَ أبا بكر وعمر فهو كافر، وعلى أنَّ من شَتَمَ الصحابة وسبَّهُمْ فهو زنديق، بل قيل للإمام أحمد كما في رواية أبي طالبٍ: قيل فلانٌ يشتم عثمان، قال: ذاك زنديق. وأشباه هذا.\nوهذا هو الأكثر عن السلف لأنَّ شَتْمْ الصاحب تكذيبٌ للثتاء أو رد للثناء، سواءٌ كان شتمه لأجلٍ تأويلٍ عَقَدِي أو لأجل دنيا.\nوقد فَصَّلَ في بحث السَّبْ ابن تيمية في آخر كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول، وذكر الروايات والأقوال في ذلك ثم عَقَدَ فصلًا في تفصيل القول في الساب.\nوما فَصَّلَ به حَسَنْ، وما يدور كلامه عليه ﵀ وأجزل له المثوبة أنَّهُ يُرْجِعُ السَّبُّ إلى أحوال:\nفتارَةً يكون كفرًا أكبر، وتارةً يكون محرمًا ونفاقًا، ولا يتفق الحال؛ يعني ليس السَبُّ على حالٍ واحدة.\nفيكون للسّاب مراتب أو أحوال:\n١- الحالة الأولى: أن يَسُبَّ جميع الصحابة بدون استثناء ولا يَتَوَلَّى أحدًا منهم، فهذا كفر بالإجماع، يَسُبُّ جميع الصحابة، هذا فعل الزنادقة والمادِّيِينْ والملاحدة الذين يقدحون في كل الصحابة، فيقول: هؤلاء الصحابة جميعًا لا يفهمون، هؤلاء طلاب دنيا، بدون تفصيل، كل الصحابة ولا يستثني أحدًا.\nفمن سَبَّ جميع الصحابة أو تَنَقَّصَ جميع الصحابة بدون استثناء، تقول له: أتستثني أحدا؟، فلا يستثني أحدًا، فلا شك أنَّ هذه زندقة، ولا تصدر من قلبٍ يحب الله - ﷿ - ويحب رسوله ويحب الكتاب والسنة ومن نقل السنة وجاهد في الله حق جهاده.\n٢- الحالة الثانية: أن يَسُبَّ أكثر الصحابة تَغَيُّظًا من فِعْلِهِمْ كالغيض الذي أصاب مَنْ عَدَّ نفسه من الشيعة وهو من الرافضة، أو نحوهم ممن سَبُّوا أكثر الصحابة الذين خالفوا -كما يزعمون- خالفوا عليًا أو لم ينتصروا لعلي وأثبتوا الولاية لأبي بكر وعمر ثم عثمان، وأشباه ذلك فيَسُبُّونَهُمْ تَغَيُّظًَا وحَنَقًَا عليهم واعتقادًا فيهم.\nفهؤلاء أكثر السلف على تكفيرهم ونَصَّ الإمام مالك على أنَّ من سَبَّ طائفة من الصحابة تَغَيُّظًَا؛ يعني غَيظًَا من موقفهم في الدين، فإنَّهُم كفار لقول الله - ﷿ - في آية سورة الفتح ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، فالذي يكون في قلبه غَيْظْ ويَغْتَاظْ مِنَ الصحابة ألحقه الله - ﷿ - بالكفار، واستدلَّ بها مالك ﵀ إمام دار الهجرة على أَنَّ من سَبَّهُمْ أو سَبَّ طائفة منهم تَغَيُّظًَا فهو كافر، وهذا صحيحٌ ظاهِرْ.\n٣- الحالة الثالثة: أن يَسُبَّ بعض الصحابة لا تَغَيُّظًَا؛ ولكن لأجل عدم ظهور حُسْنْ أفعاله، مثلًا يقول:\nهؤلاء بعض الصحابة فيهم قلة علم أو فيهم جشع، أو هذا ما يفهم، أو فيه حب للدنيا، أو نحو ذلك، فهذا ليس بكفر، وإنما هذا محرم لأنه مَسَبَّةْ وهو مخالفٌ لمقتضى الوَلَايَةْ.\nوهذا هو الذي يُحْمَلُ عليه كلام من قال من السلف: إنَّ سابَّ الصحابة أو من سَبَّ بعض الصحابة لا يكفر، فيُحْمَلْ على أنَّ نوع السب هو أنَّهُ انْتَقَصَ في ما لا يظهر لَهُ وَجْهُهْ، إمَّا في -مثل ما ذكرت- نقص علم أو في رغبة في دنيا أو نحو ذلك، ولا يُعَمِّمْ وإنما قد يتناول واحد أو اثنين أو أكثر بمثل هذا.\nوهذه المسائل، كونه يَقِلْ عِلْمُهُ أو يقول يحب الدنيا، هذا ليس طعنًَا في عدالته لأنَّ قلة العلم ليست طعنًا في العدالة، وحب الدنيا بما لا يؤثر على الدين ليس طعنًا في العدالة -العدالة يعني الثقة والدين والأمانة-، وإنما هذا انتقاص وتَجَرُّؤْ عليهم بما لا يجوز فعله، ويخالِفُ مقتضى المحبة.\nهذا هو الذي يصدق عليه أنَّهُ لا يدخل في الكفر فهو محرم؛ لأنه ليس فيه رد لقول الله - ﷿ - ولكن فيه سوء أدب وانتقاص ودخولٌ في المسبة.\nوالواجب في أمثال هؤلاء أن يُعَزَّرُوا؛ وذلك لِدَرْءِ شَرِّهِمْ والمحافظة على مقتضى الثناء من الله - ﷿ - على صحابة نبيه ﷺ.\n٤- الحالة الرابعة: أن ينتقص الصحابي أو أن يَسُبَّهُ لاعتقادٍ يعتقده في أَنَّ فِعْلَهُ الذي فَعَلَ ليس بالصواب، وهذا في مثل ما وقع في مقتل عثمان وفِعْلْ علي ﵁ وفِعْلْ معاوية ونحو ذلك، فقد يأتي ويَنْتَقِصْ البعض؛ لأنَّهُ يرى أنَّهُ في هذا الموقف بذاته أنَّهُ كان يجب عليه أن يفعل كذا، لماذا لم يفعل كذا، وهذا يدل على أنَّهُ فَعَلَ كذا، وهذا أيضًا أخف من الذي قبله لأنه متعلق بفرد وبحالة.\nوهذا محرمٌ أيضًا، وهل يُعَزَّرْ في مثل هذه الحال أو لا يُعَزَّرْ؟\nهذا فيه اختلاف، ولاشك أنَّ قوله وفِعْلَهْ فيما فَعَلْ دُخُولٌ في المسبّة والانتقاص وهذا محرم ودون الدخول في رَدِّ ثناء الله - ﷿ - أو في انْتِقَاصٍ عام، إنما هذا يجب في حقه التوبة من الله - ﷿ - والإنكار عليه.\nوهل يُعَزَّرْ أو لا؟\nاختلف العلماء في مقتضى التَّعْزِيْرْ، التَّعْزِيْرْ المقصود به التَّعْزِيْرْ بالجلد أو بالقتل، أما التَّعْزِيْرْ بالقول والرَّدْ عليه وانتقاصه هذا واجب.\n٥- الحالة الخامسة: ربما تشتبه علي لكن تراجعونها أكثر، نتركها راجعونا أنتم.\n_________\n(١) نهاية الشريط الثالث والأربعين.","vol":"1","page":628},{"text":"[المسألة السادسة]:\nفي قول الطحاوي ﵀ (وَحُبُّهُم دِينٌ وإيمَانٌ وإحْسَانٌ):\n١- أولًا: حبُّ الصحابة دِيْنْ: لأنَّ الله - ﷿ - أثنى عليهم، وتصديق خبر الله - ﷿ - وانعقاد الوَلَاية لا شك أنَّ هذا دين؛ بل من أعظم الدين.\nوالصحابة اجتمع ذلك في حقهم من ناحيتين:\nأ - الناحية الأولى: أنَّ الله عَقَدَ الوَلَاية بين المؤمنين فقال ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] ومعنى الوَلَاية المحبة والنصرة، وأعظم المؤمنين إيمانًا هم صحابة رسول الله ﷺ فلهم من الوَلَاية والمحبة والنصرة أعلاها، كذلك قال الله - ﷿ - ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] فأثنى على هؤلاء لأجل اتِّصَافِهِمْ بالدين ولاشك أنَّ حب الصحابة من هذه الجهة دين.\nب - الناحية الثانية أنَّ تصديق خبر الله - ﷿ - فيما أثنى الله به عليهم في آياتٍ كثيرة، سواءٌ ما أثنى به على المهاجرين والأنصار كجنس، أو ما أثنى به على أهل بيعة الرضوان، أو ما أثنى به على السابقين، أو ما أثنى به على جميع مَنْ مَعَ النبي ﷺ ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ هذا يشمل الجميع، ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ هؤلاء حُبُّهُم لثناء الله - ﷿ - وتصديق خبر الله هذا لاشك أنَّهُ دين، وقال الله - ﷿ - في آخر سورة الفتح ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩] .\nوحرف الجر في قول الله - ﷿ - ﴿مِنْهُم﴾ (مِنْ) هذه، أهل السنة والجماعة؛ بل أهل السنة الذين يخالفون الرافضة والخوارج يجعلون (مِنْ) هنا بَيَانِيَّةْ لبيان الجنس، والآخرون من الرافضة يجعلونها تبعيضية، وهي لبيان الجنس.\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لو لم يقل ﴿مِنْهُم﴾ لصارت تشمل كل مؤمن عَمِلَ الصالحات، وهذا يدخل فيه أجناس التابعين وتبع التابعين ومن وَلِيَهُمْ إلى يوم القيامة، فأراد تخصيص جنس الصحابة بهذا الفضل وهو الوعد بالمغفرة والأجر العظيم، فقال ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ليس على الإطلاق ﴿مِنْهُم﴾ يعني مِنَ الصحابة مِنَ الذين مع محمد ﴿مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ .\nوليست (مِنْ) هاهنا تبعيضية لأنَّها لا تنطبق عليها شروط التبعيض في هذا الموطن وإنما فسَّرَهَا بأنها تبعيضية الرافضة ومن شابههم، وهو الموجود في تفاسيرهم، يريدون أن يكون هذا الوعد لبعض الصحابة لا لكل الصحابة.\nو(مِنْ) هنا لبيان الجنس وليست لبيان وليست للتبعيض كقولك: الكتاب من ورق، هذا لبيان جنسه أو ما شابه ذلك.\nأما التبعيض فهذا لا يكون في الوصف، يكون الثاني بعض الأول.\nوهنا جاء وعدًا بالوصف فقال ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور:٥٥] فلا يكون التبعيض في مثل هذا السياق.\nلهذا كان عامة بل كان كل مفسري السلف والأئمة على أنَّ (من) هنا لبيان الجنس لاتفاق آخر الآية مع أول الآية.\n٢- ثانيًا: أن حبهم إيمان: لأنَّهُ واجبٌ أَوجَبَهُ الله - ﷿ -، وما أَوجَبَهُ الله - ﷿ - فهو من شُعَبِ الإيمان، فَحُبُّ الصحابة إيمان، والنبي ﷺ نَصَّ في بعض الصحابة على أَنَّهُ إِيمانْ بقوله «آية الإيمان حُبُّ الأنصار، وآية النفاق بُغْضُ الأنصار» (١) .\n٣- ثالثًا: أنّ حبَّهم إحْسَانٌ: لأنَّهُ يدل على أنَّ المُحِبْ لهم مُحْسِنْ في دينه وأتى بما يجب عليه وما يتقرب به إلى ربه من أنواع إحسانه وصِدْقِهِ في دينه.\nطبعًا (وَحُبُّهُم دِينٌ وإيمَانٌ وإحْسَانٌ) كل هذه تتبعض، ليست شيئًا واحدًا، فالناس في حب الصحابة يختلفون، وأجرهم على قدر كثرة محبتهم ونصرتهم وفقههم لفضائلهم.\n_________\n(١) البخاري (١٧) / مسلم (١٢٨)","vol":"1","page":629},{"text":"[المسألة السابعة]: (١)\nفي قول الطحاوي ﵀ (وَبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ):\n١- أولًا: بُغْضُ الصحابة كُفْرْ:\nأ - فإذا كان البُغْضُ للدين أو للغيض كما فَصَّلْنَا فيكون الكفر هنا كفرًا أكبر.\nب - وإذا كان البُغْضْ لأجل الدنيا -كما قد تَتَنَاوَلْ النُّفُوسُ الكَرَاهَةَ والبُغْضَ لِأَجْلِ الدنيا-، فهذا كفرٌ أصغر ولا يصل إلى الكفر الأكبر، ولهذا قال النبي ﷺ «لا ترجعوا بعدي كفرا يضرب بعضكم أعناق بعض» (٢) .\nوكون بعض الصحابة قاتل بعضًا آخر، هذا فيه دخول في خصال الكفار، لهذا قال «لا ترجعوا بعدي كفارا»، ولاشك أنَّهُ قد يكون الباعث على ذلك البغض والكره لأنَّ القتال يكون معه ما في النفس؛ لكن مع تقاتل الصحابة فإنَّ بعضهم لم يُسُبَّ بعضًا يعني بلسانه والنفس قد يوجد فيها ما لا يسلم منه البشر.\nفإذًا الكفر هنا قد يكون كفرًا أصغر وقد يكون كفرًا أكبر بحسب نوع البغض.\n٢- ثانيًا: بُغْضُ الصَّحابة نِفَاقٌ: لأنَّ آية النفاق أن يُبغِضَ من نقل هذا الدين وحفظ الإسلام في الناس وجاهد في الله حق الجهاد وهم صحابة رسول الله ﷺ.\nوالمنافقون في عهده ﷺ كانوا يُبْغِضُونَ الصحابة ويَتَوَلَّونَ الكفار، ووصفهم الله - ﷿ - في ذلك بقوله ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة:٦٧] .\nوالنفاق هنا:\nأ - قد يكون نفاق أكبر اعتقادي بحسب حال البُغْضْ.\nب - وقد يكون نفاق عملي بحسب نوع البغض وعدم المحبة.\n٣- ثالثًا: بغض الصَّحابة طُغْيَانٌ: يعني أنَّ بُغْضَهُمْ طغيان، طَغَى فيه صاحبه وجاوَزَ الأمر.\nفالله - ﷿ - أَمَرَ بِحُبِّهِمْ أو أَمَرَ بِمُوَالاتِهِمْ، وهذا معناهُ أنَّهُ أَمْرٌ بِحُبِّهِمْ وأثنى على من تَرَضَّى عنهم واستغفر لهم ولم يكن في قلبه غِلٌّ لهم، وهذا معناه أنَّ الذي خالَفَ ذلك فهو قد طَغَىَ وتجاوز الحد في ذلك.\n_________\n(١) هذه المسألة لم يجعلها الشيخ مستقلة وإنما جعلها مع ما قبلها وقد جعلتها مسألة مستقلة حتى لا تشتبه المسائل.\n(٢) البخاري (١٢١) / مسلم (٢٣٢)","vol":"1","page":630},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nالعلماء صَنَّفُوا في الصحابة مُصَنفَاتْ في بيان ما يجب لهم وفي الثناء عليهم وذكر أخبارهم وسيرتهم، ولاشك أنَّ الدّفاع عن الصحابة والتأليف في ذلك مِنْ الجهاد، وخاصَّةً في الأزمنة التي يكثر فيها أو يوجد فيها من يقدح في الصحابة أو في بعضهم، فإنَّ مِنْ مُقتَضَى الوَلاية أن يُنْصَرْ الصحابة بالتآليف وبالرَّدْ وبالذبِّ عنهم وبِبُغْضِ من يُبْغِضُهُمْ.\nوهذا يقتضي أنَّ مِنَ الجهاد في سبيل الله ومن المحافظة على الدّين أن يُنَالَ وأن يُرَدْ وأن يُجَاهَدْ مَنْ يقدح في الصحابة أو يطعن في عدالتهم أو يُشَكِّكُ في صدق بعضهم وفي حفظه ونحو ذلك.\nوهذا هو الذي صنعه أئمة الحديث فإنهم رحمهم الله تعالى لم يُصَنِّفُوا المُصَنَّفَات لحُبِّ التَّصْنِيفْ في الغالب؛ ولكن لأجل نُصْرَةْ الدين وأَفْرَادْ ما أوجب الله - ﷿ - البيان فيه.\nالتأليف في الصحابة إما التآليف المستقلة أو في ما في كتب أهل الحديث، مناقب الصحابة، مناقب المهاجرين، مناقب أبو بكر، مناقب عمر إلخ..، كما في كتاب المناقب في البخاري، أو كتاب فضائل الصحابة في مسلم، أو غير ذلك كما هو معروف فهذا من الجهاد في سبيل الله ومن البيان للأمة.\nفالذي ينبغي لطلاب العلم خاصَّةً في هذا الزمن أن ينتبهوا لهذه الأصول، وأن يعلموا ما فيها، وأن تكون عُدَّتُهُم دائمة في هذا البحث للجهاد إذا جاء ما يستوجبه في المواطن التي تُنْتَقَصُ فيها مكانة الصحابة من المبغضين لهم أو لبعضهم قبّحهم الله.\nنكتفي بهذا القدر.","vol":"1","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>الأسئلة:</span>\nس١/ ذكرتم أنَّ مسائل الصحابة ليست في الأصل من مسائل الاعتقاد، وفي الحديث «حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق» فهل ثَمَّ فرق بين كونهم من الإيمان وكونها أنها ليست مسائل الاعتقاد؟\nج/الإيمان شُعَبُهُ كثيرة «الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة» (١) فمنها ما يدخل في مسائل الاعتقاد ومنها ما لا يدخل.\nفأصل حب الصحابة هي مسألة حب، موالاة، وهذه ليست من العقيدة لأنَّ أصل العقيدة ما يتعلق بمسائل الغيب ثُمَّ دخل فيها ما يتميز به أهل السنة عن غيره، فأصل العقيدة الذي يدخل في أركان الإيمان الستة: الاعتقاد في الله ربوبيته إلهيته الأسماء والصفات في الملائكة في الكتب والرسل اليوم الآخر والقدر هذه العقيدة، مسائل الإيمان في نفسها، أما المسائل الأخرى المُلْحَقَة هذه لأجل المُخَالفة، وصارت من العقيدة، وكونها من الإيمان هذا حق الإيمان ليست كل مسائله مسائل اعتقاد.\nس٢/ أراني أجد شيئًا في نفسي على معاوية ﵁ من حيث موقفه، لا سيما ورسول الله ﷺ يقول لعمار «تقتلك الفئة الباغية» (٢) فهل عَلَيَّ في هذا إثم، مع العلم أني لا أتكلم بذلك ولا أتحدث به؟\nج/ نعم عليك إِثْمْ في ذلك إذا كان العلم سهلًا عليك أن تتحصل عليه وأن تَجْلُوَ هذه الشبهة، وتَبْقَى وأنت لا تَجْلُوَ هذه الشبهة عندك، كون الشيء يكون في نفس الإنسان وليس عنده وسيلة لكشفه ولا وسيلة لتعلم ما يدفع عنه هذه الشبهة وتسويل الشيطان، هذه قد يُعْذَرُ معه؛ لكن إذا كان العلم قريبًا والكتب موجودة وأهل العلم الذين يكشفون الشُّبَه موجودون فهذا يأثم الإنسان بالتقصير ويأثم على بقاء هذا الشيء في نفسه.\nومعاوية ﵁ فَعَلَ فيما فَعَلَ أداءً لواجب شرعي يراه أنَّهُ مُتَقَدِّم على مسألة البيعة، وهو أنَّ دَمَ عثمان سُفِك ﵁، وهو وليه، هو ولي الدم، هو ذو القرابة من عثمان، وولي الدم لا بد أن يُسَلَّمْ من قَتَلْ، تحقيقًا لقول الله - ﷿ - ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، وكذلك الآيات التي فيها القصاص وأنَّ الولي ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨]، فمعاوية ﵁ أراد أخذ الحق الذي جعله الله له والانتصار من قتلة عثمان، وسفك دم عثمان، لاشك أنَّ دم عثمان إذ ذاك هو أطهر دَمٍ لإنسان سُفِكْ، فالانتصار لعثمان ﵁ واجب، وعلي ﵁ أخَّرَّ بحث دم عثمان حتى لا تذهب بيضة الإسلام وبيضة أهل الإسلام لأنَّ هؤلاء الخوارج الذين جاؤوا أرادوا الفتنة العظيمة، فأراد أن يستقر الأمر ثم يُسَلِّمْ القَتَلَةْ لمعاوية؛ لكنه لم يفهم هذا؛ يعني اختلف الاجتهاد فلم يفهم هذا مع سعي الخوارج في الإعلام الفاسد، فَسَعَوا في التفريق ما بين هؤلاء، ينقلون لمعاوية أخبار عن علي ولعلي أخبار عن معاوية، والحققية الصحابة كلُّهُم هدفهم واحد في ذلك وهو حفظ بيضة الاسلام والانتصار من قتلة عثمان، لكن حصل ما حصل.\nفمعاوية ﵁ مجتهد يريد أن يأخذ بحقه الشرعي؛ لكن الصواب مع علي؛ لأنَّ بيعة علي واستقامة أمر الناس في الخلافة وعدم حصول القتال هذا هو الواجب والحق مع علي في ذلك، ومعاوية ﵁ مجتهد مأجورٌ على اجتهاده ولكنه مُخْطِئ في ما اجتهد فيه في ذلك ولكن هو مأجور.\nوالإنسان لا يُبْغِضُ من اجْتَهَدَ أو يجد في نفسه شيئًا على من اجتهد في الحق، وإن كان أخطأ، فإنَّهُ إذا اجتهد في الحق وتَحَرَّاه، فإنَّ هذا هو الذي يجب عليه، ومعاوية ﵁ به استقام المسلمون وحُفظت البيضة بعد علي ﵁، فالناس في زمن علي كانوا متفرقين ولم يستقم الأمر لعلي في الخلافة ولم يجتمع الناس عليه.\nثُمَّ لمَّا حصل تنازل الحسن ابن علي في الولاية لمعاوية ﵃ أجمعين وحصل هذا الاجتماع العظيم في سنة إحدى والأربعين في العام الذي سُمِيَّ عام الجماعة يعني عام اجتماع الناس، حصل غيظ العدو، حتى الخوارج هربوا بعد أن كانت لهم الصولة وكانوا يُفَرِّقُون وسُفِكَتْ من دماء الصحابة ودماء التابعين ما سُفِكْ؛ ولكنهم لما اجتمع الناس كان أول من اندحر هؤلاء الخوارج أخزاهم الله.\n_________\n(١) سبق ذكره (٤٠٢)\n(٢) مسلم (٧٥٠٦) / الترمذي (٣٨٠٠)","vol":"1","page":632},{"text":"فمعاوية ﵁ له من الفضائل ما لَهُ، هو كاتب الوحي للنبي ﷺ، وهو من الصحابة الذين كانت لهم مواقف عظيمة في الجهاد، وجهاد الروم وجهاد الأعداء كما هو معلوم، ووَلِيَ الشام وكانت في سيرته في ولايته في عهد عثمان كان طيب السيرة، والاجتهاد في المال أو اجتهاد في بعض الأمور هذا إنما لا يمشي على وفق منهج الخوارج، أما الصحابة فكانوا يرون في ما اجتهد فيه أنه ما بين مصيبٍ وما بين مخطئ، والمخطئ لا يُعاب على ما اجتهد فيه إذا لم يكن مخالفًا للأصول، فمعاوية ﵁ مكانته وحبه من الإيمان، ولا يجوز لمسلم أن يُبْقِيَ في نفسه شيئًا على صحابي من صحابة رسول الله ﷺ.\nس٣/ هل يُفرَّقْ بين سَبِّ الصحابة بعضهم لبعض وسَبِّ غيرهم لهم؟\nج/ ما سبَّ صحابِيٌّ صحابيًا مطلقًا، وإنما قد يتسابون يعني مثل ما يحصل للبشر، يَتَرادُّونَ في موقف، لكن لا يَسُبُّهُم مطلقًا أو يذم صحابيًا مطلقًا؛ لكن يكون بينهم تَرَادْ في مجلس لأجل ما يحصل بين البشر مقاتلة مؤقتة تحصل بينهم؛ لكن سَبْ الساب المطلق وانتقاص قدر فلان من الصحابة مطلقًا هذا لم يحصل عند الصحابة.\nس٤/ ما حكم تقديم بعض الصحابة على بعض مثل تقديم علي على أبي بكر وعمر وعثمان؟\nج/ الصحابة أفضلهم كما ذكرت لكم العَشَرَة وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الذِّكر، ومُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة والذي دلَّتْ عليه النصوص ولا يجوز عليه خلافه أنَّ أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي هؤلاء هم أفضل الصحابة وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الذكر وكترتيبهم في الخلافة.\nأما تقديم علي على أبي بكر وعمر فكما قال السَّخْتَيَاني (من فَضَّلَ عليًا على أبي بكر عمر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) (١)، كيف يكون أفضل ويُقَدِّمُونَ غيره عليه، فمعناه أنَّهُمْ خَوَنَةْ كما يَدَّعِي الرافضة، أو أنَّ لهم كذا وكذا.\nوالصحابة من المهاجرين والأنصار قدَّمُوا من هو الأفضل لهم في دينهم وفي أيضًا في الولاية، تقديم علي على جملة الثلاثة هذا صنيع الرافضة.\nنكتفي بهذا وفقكم الله لما فيه رضاه وبارك فيكم.\n_________\n(١) حلية الأولياء (٧/٢٧)","vol":"1","page":633},{"text":"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:\nالأسئلة:\nس١/ كثير من الإخوان -جزاهم الله خيرا- إذا ما وقع بينهم خلاف في مسألةٍ ما إما فقهية أو غيرها وأُنْكِرَ عليهم شِدَّةْ الخلاف بينهم، قالوا: الصحابة اختلفوا فما بالك بحالنا؟\nج/ أولًا هذا ليس مما يسوغ أن يُذْكَرْ هذا عن الصحابة ويُجْعَلْ اختلاف الصحابة حُجَّةً مُطْلَقًَا لاختلاف غيرهم.\nالصحابة رضوان الله عليهم أولًا لم يختلفوا ولله الحمد في بابٍ من أبواب العقيدة والتوحيد والأصول وإنما اختلفوا في بعض المسائل الاجتهادية كالمسائل الفقهية وبعض مسائل الإمامة التي كانت في زمنهم لها تأويلها.\nثُمَّ إنّ من القواعد المقررة عند أهل السنة كما كتبوا في عقائدهم أنَّنَا نحمل جميع أعمال الصحابة وأقوال الصحابة وأفعال الصحابة على إرادة الخير وعلى أنهم لم يقصدوا إحداث الخلاف ولا الانتصار للنفس، ولم ويذهبوا إلى النزعة القبلية أو نزعة علو الشأن أو نزعات الدنيا وإنما كان لهم في ذلك تأويلات، وربما دخل بعض هذه المطالب كشيءٍ من الدنيا دَخَلَ في تأويل الدين، ولم يكن يُقْصَدْ أساسًا، فلم يكن في الصحابة ولله الحمد ممن يشار إليهم وحصل منهم الخلاف لم يكن منهم من يقصد الدنيا فقط محضة، وإنما يريدون الدين وربما يدخل في شيء من ذلك بعض استمساك بأمور الدنيا التي لهم فيها تأويل سائغ.\nولهذا لا يسوغ أن يحتج (١) أحد إذا اختلف مع غيره باختلاف الصحابة مطلقًا، وإنما في بعض الوسائل إذا اختلف فيها الصحابة فالخلاف يسع من بعدهم إذا كانت من المسائل التي ليس فيها دليل واضح، أما إذا كانت المسالة فيها نص أو فيها دليل ظاهر من الكتاب أو من السنة فأقوال الصحابة بين راجحٍ ومرجوح إذا اختلفوا، فالله - ﷿ - أمرنا أننا عند التنازع والاختلاف أن نرد إلى الله - ﷿ - وإلى الرسول ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]، وهذا هو الذي يجب أنَّهُ يُرَدْ للدليل، فإذا لم تظهر دلالة الدليل في المسائل فإنَّ في اختلاف الصحابة سعة إذا اختلفوا، وهم لم يختلفوا ولله الحمد في التوحيد ولم يختلفوا في العقيدة ولم يختلفوا في أصول الدين، وإنما اختلفوا في بعض مسائل اجتهادية معروفة، ولهم فيها تأويل وكل يقوم بحجته وأقوال ما بين راجح ومرجوح ﵃ وأرضاهم.\n_________\n(١) نهاية الوجه الأول من الشريط الرابع والأربعين.","vol":"1","page":634},{"text":"وَنُثْبِتُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوَّلًا لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ تَفْضِيلًا لَهُ وَتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ\n_________\nبعد أنْ ذَكَرَ الطحاوي ﵀ محبة صحابة رسول الله ﷺ، وأنَّنَا نتولاهم جميعًا، ولا نتبرأُ من أحدٍ منهم أتى إلى مسألةٍ عظيمة فارَقَ فيها جَمْعُ أهل السنة من عَدَاهم من الخوارج والرافضة وأشباههم في مسألة: الخلافة، ومن الأحق بالخلافة، ومن الأفضل، وترتيب هؤلاء على ما جاء في النصوص وعلى ما قَرَّرَهُ الصحابة والأئمة من بعدهم.\nفقال (وَنُثْبِتُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ)\nويعني بذلك أنَّ الخلافة يُثبِتُهَا أهل السنة لأبي بكر دون غيره استحقاقًا للخلافة أو تقديمًا له أو تفضيلًا، كما عليه الرافضة وبعض الفئات الأخرى.\nوهذا في الأصل كما ذكرت لكم قبل ذلك صار من العقيدة لأنَّهُ في أمر الخلافة التي بسببها وبسبب البحث في الخلافة افترقت الأمة إلى فِرَقٍ كثيرة.\nفأولُ خلافٍ وَقَعَ في الأمة بعد رسول الله ﷺ هو من الذي يلي المسلمين بعده ﷺ؟\nفوقع الخلاف بين المهاجرين والأنصار ولم يَطُلْ، وأجمع المسلمون في وقتٍ قصير على استحقاق أبي بكر للخلافة كما سيأتي بيانه.\nويمكن أن نتحدث عن هذا في عدة مسائل.","vol":"1","page":635},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ خلافة أبي بكر الصديق ﵁ أَجْمَعَ عليها أهل السنة والجماعة؛ بل وغيُرهُم من الخوارج والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والمتكلمين وسائر الفرق عدا الرّافضة ومن نحا نحوهم.\nفخلافة أبي بكر الصديق وأنَّهُ هو المستحق للخلافة بعد رسول الله ﷺ أمرٌ أجْمَعَ عليه هؤلاء، واختلفوا في مأخَذِ الخلافة وأحقية أبي بكر بالخلافة:\nهل لأنَّ خلافته ثبتت بالنص الجلي؟\nأو أنها ثبتت بالنص الخفي؟\nأو أنها ثبتت بالاختيار واتفاق واختيار الصحابة؟\nعلى ثلاثة أقوال:\n١- القول الأول: أنَّ خلافة أبو بكر الصديق ﵁ ثبتت بالنص الجلي، ويعنون بالنص الجلي أنَّ النبي ﷺ أرشد إلى خلافته وأَوْضَحَ أنَّهُ الأحق بعبارات مختلفة وأدلةٍ متنوعة بدلالات قولية وفعلية يحصل من مجموعها التنصيص على أنَّ الذي يلي الناس بعده ﷺ هو أبو بكر.\nوهذا القول هو الذي عليه جماعة كثيرة من أهل الحديث، وهو قول الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأصحابه الحنابلة وطائفة كبيرة من الشافعية، وهو اختيار أيضًا ابن حزم وجماعة من الظاهرية.\nوهو الذي حرَّرَهُ المحققون أيضًا كشيخ الإسلام ابن تيمية وكغيره فإنه قال:\nوالتحقيق أنَّ النبي ﷺ دلَّ على خلافة أبي بكرٍ الصديق بدلالات كثيرة من قوله وفِعْلِهْ ﷺ وسيأتي ذكر بعضها إن شاء الله.\n٢- القول الثاني: أنَّ خلافة أبي بكر ثبتت بالنص الخَفِيْ، يعني بالدليل الخفي والإشارة، فهذا هو الذي ذهب إليه الحسن البصري، فقال حينما سئل: هل كانت ولاية أبي بكر بالنص عليه؟\nفقال (لقد كان أبو بكر الصديق اتقى لله من أن يَتَوَسَّدَ عليها)، يعني الخلافة.\nوذهب إلى هذا أيضًا جماعة من أهل الحديث بأنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة والدليل، ويعنون بذلك ما أرشد إليه ﷺ من تقديم أبي بكر في أمر الدنيا وفي أمر الدين في الصلاة وفي صحبته له وفي بيان فضله وعدم تقديم غيره عليه؛ يعني في الفضل.\n٣- القول الثالث: أنها ثبتت بالاختيار ويُعْنَى بذلك اختيار المسلمين له ﵁ في سقيفة بني ساعدة، وإلا فعند هؤلاء لم يكن ثمَّ نص وإلا لاحتجوا به عند الخلاف.\nوهذا ذهب إليه أيضًا كثير من أهل الحديث وطائفة من الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد.\nوهو مذهب المعتزلة الأشاعرة والماتريدية وأهل الكلام فإنَّهُم يرون أنها إنما ثبتت بالاختيار.\n* والصحيح من هذه الأقوال هو القول الأول، وهو أنها ثبتت بالنص الجلي الذي لا يحتَمِلُ غَيْرَهُ.\nويدلّ على هذا عدد من الأدلة:\n&amp; الدليل الأول: هو أنَّ أبا بكر ﵁ هو أفضل الأمة حين مات رسول الله ﷺ، والصحابة جميعًا لم يكن أحد منهم يُقَدِّمُ أحدًا من الصحابة على أبي بكر في الفضل.\nومعلومٌ أنَّ فضله ﵁ كان بنص القرآن ونص السنة على تقديمه على غيره في الفضل وأنه اخْتُصَّ بالنبي ﷺ في القرآن في قوله ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وفي قوله «هل أنتم تاركي لي صاحبي» (١) وفي قوله «لو اتخذت خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» (٢) وفي قوله «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٣) -وهو دليل لمسألةٍ تأتي- ونحو ذلك من الأدلة التي فيها بيانُ فضله.\nوالمسلمون لمَّا مات النبي ﷺ لم بكن أحدٌ منهم يُقَدِّم أحدًا في الفضل في أبي بكر، ومعلومٌ أنَّ الإمامة تكون للأفضل.\nوالفضل له شُعَبْ منها الفضل في الدين، والفضل في العلم، والفضل في التقوى، ونحو ذلك، وكذلك أن يكون قرشيًا في إمامة الاختيار وهذه كلها كانت موجودة في أبي بكر الصديق ﵁.\nفالتنصيص على أنَّ أبا بكر هو أفضل هذه الأمة بمجموع أدلة كثيرة بالتنصيص على فضله وأنَّهُ أفضل وعلى اختصاصه بالنبي ﷺ يدلُّ على أنَّ الأفضل هو الأحق بالخلافة.\nهذا تنصيص على أنّ أبا بكر هو الذي توجد فيه شروط الخلافة.\n&amp; الدليل الثاني: أنَّ النبي ﷺ لمَّا مرض مرضه الأخير أمَرَ الناس أن يُقَدِّمُوا أبا بكر فقال «مروا أبا بكر فليصلي بالناس» (٤) قد قال بعض الصحابة: إذا ارتضاه رسول الله لديننا أفلا نرتضيه لدنيانا. يعني أنَّ تقديمه في الإمامة الصغرى وهي إمامة الصلاة دليل؛ بل هي نَصٌّ على أنَّهُ هو الأحق بالتقدم في الإمامة العظمى.\n_________\n(١) البخاري (٣٦٦١)\n(٢) سبق ذكره ص (٩٩)\n(٣) الترمذي (٣٦٦٢) / ابن ماجه (٩٧)\n(٤) البخاري (٦٦٤) / مسلم (٩٦٧)","vol":"1","page":636},{"text":"&amp; الدليل الثالث: أنَّ النبي ﷺ أمَرَ الصحابة أن يأتوا بكتابْ ليَكْتُبَ لهم، فقال «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر» (١) ثم إنه لما دَعَا بذلك الكتاب قال «إيتوني بكتابٍ أعهد إليكم عهدًا لا تختلفوا بعده» قال عمر ﵁ (عندنا كتاب ربنا وما أظنُّ رسول الله ﷺ إلا غلب عليه الوَجَعْ) (٢) .\nوهذا اجتهادٌ من عمر ﵁ حمَلَهُ عليه أنَّهُ ظَنَّ أنَّ النبي ﷺ سيذكر غير أمر الخلافة، غير أمر الوِلاية؛ لأنَّ أمر الولاية الدليل عليه قام بأدلة كثيرة أخرى فلا تحتاج إلى عهدٍ مكتوبٍ خاص يعهد إليهم به، فخَشِيَ أن يقول شيئًا آخر ويكون ذلك فتنةً للناس لأنَّهُ ﷺ في تلك الحال بشر، والناس قد لا يدركون كل شيء.\nولهذا النبي ﷺ أراد الكتابة بالعهد لأبي بكر، وعمر ﵁ مَنَعَ أو رَأَى -كما قال بعض أهل العلم- أنه لا يُجْلَبْ الكتاب لأنَّهُ إن كان تنصيصًا بالولاية فهذا مدلولٌ عليه بغيره.\nوقال بعض العلماء: ولا يُحْمَلُ قول عمر ﵁ على أنَّهُ ظَنَّ أنّ النبي ﷺ سيكتب شيئًا آخر، ولكن نَظَرَ في أنَّ الأمر لم يكن على الإيجاب وإنما كان على باب الشفقة والرحمة لهم، وباب الشفقة الرحمة لهم قال هؤلاء لا تلزم فيه الاستجابة وخاصَّةً في مثل مرضه ﷺ.\n* والأول هو الأظهر في تحليل قول عمر ﵁.\n&amp; الدليل الرابع: أن النبي ﷺ قال «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» .\n&amp; الدليل الخامس: أنَّ امرأةً أتت إلى النبي ﷺ في حاجة لها فوعدها موعدةً أخرى، فقالت كأنها تُشِيْرْ: إن لم أجدك -يعني بالموت- قال «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» (٣) .\nوالأدلة على هذا كثيرة متنوعة في أنَّ أبا بكر ﵁ كان منصوصًا على استحقاقه للخلافة بعدة أدلة يُؤْخَذُ منها أنَّهُ نصٌ جلي لا يحتمل التأويل.\nأما القول الثاني وهو من قال أنها ثبتت بالإشارة، فهذا فيه نظر؛ لأنَّ الإشارة هي الشيءٍ الخفي، وهذه الأدلة ظاهرة في الدلالة.\nوأما من قال بالاختيار فلاشك أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ اختاره المسلمون؛ بل أَجْمَعَ عليه السلمون، وقد نقل الحاكم في المستدرك وصححه أنَّ علي بن أبا طالب ذكر إجماع المسلمين على خلافة وولاية أبا بكر (٤)، ونُقِلَ ذلك أيضًا عن طلحة بن عبيد الله وعن الشافعي وعن جماعة حَكَوا الإجماع على اختيار المسلمين لأبي بكر الصديق ﵁.\nوثُبُوتُهَا بالاختيار هذا لاشك فيه لكنه ليس ثبوتًا مستقلًا بل هو تبعٌ لتنصيص النبي ﷺ على أبي بكر في بيان فضله ومنزلته وأنَّهُ هو الأحق بالتقدم في أمر الدين وفي الإمامة العظمى.\n_________\n(١) مسلم (٦٣٣٢)\n(٢) البخاري (١١٤) / مسلم (٤٣٢٢)\n(٣) البخاري (٧٣٦٠) / الترمذي (٣٦٧٦)\n(٤) المستدرك (٤٤٢٦)","vol":"1","page":637},{"text":"[المسألة الثانية]:\nخلافة أبي بكرٍ الصديق ﵁ وبيعة أبي بكرٍ الصديق تمت في سقيفة بني ساعدة في القصة المعروفة حيث اختلف المهاجرون والأنصار، ثم آل الأمر إلى أن يكون الخليفة من قريش لقوله ﷺ «الأئمة من قريش الخلافة فيكم» (١) يعني في قريش ثُمَّ قُدِّمَ أبو بكر للأدلة التي ذكرنا، واجتمع المسلمون على بيعة لأبي بكر.\nومنهم من المسلمين مِنَ الصحابة مَنْ حصلت منه البيعة التي هي التزام لهذا الإمام ولهذا الخليفة بالمبايعة اللفظية دون المبايعة بصفقة اليد، وهذا كما حصل من علي ﵁ ومِنْ طلحة بن عبيد الله، فإنهما -وهناك معهم آخرون- لم يبايعوا مباشرة بصفقة اليد وإنما بايعوا لمَّا بايع أهل الحل والعقد.\nومعلومٌ أنَّ المبايعة قسمان:\n- بيعة لأهل الحل والعقد ومن استطاع من المسلمين أن يبايع بصفقة اليد والعهد.\n- والبقية يبايعون بيعةً شرعية باللسان أو باعتقاد القلب بالتزام طاعة هذا الخليفة وهذا الإمام.\nوعلي ﵁ ومن معه قال طائفة: إنهم لم يبايعوا إلا بعد ستة أشهر أو بعد بضعة أشهر أو ثلاثة أشهر أو أكثر أو أقل وأنَّهُم لم يكونوا يرتضون تلك البيعة الأولى.\nوهذا غلطْ كبيرْ بل عليٌ ﵁ قد بايع ولكنه لم يَقْدَمْ على أبي بكر حتى تُوُفِّيَتْ فاطمة، وكذلك طلحة بن عبيد الله تأخر في إعطاء أبي بكر الصديق ثمرة القلب وصفقة اليد في البيعة.\nوهذا التأخر له أسباب من أهمها:\n١- السبب الأول: أنَّ عليًا وطلحة من العشرة ومن المُقَدَّمِين وقد أُخِّرُوا أو لم يُدْعَوا أو لم يأتوا إلى الشورى -السقيفة- وفي اجتماع الأمر، فرأوا أنهم لمَّا لم يكن لهم الأمر في الشورى أنهم حينئذ ليسوا من أهل الحل والعقد فلا يلزم أن يستعجلوا في إعطاء البيعة بصفقة اليد.\n٢- السبب الثاني: أنَّ عليًا ﵁ رَاعَى فاطمة فيما كان في شأنها -إن صَحَّتْ الحكاية- فيما كان في نفسها في تأخير بعض الميراث، وأبو بكر ﵁ أخَذَ بقول النبي - ﷺ - «إنا لا نُورَثْ ما تركناه صدقة» (٢) وكان عليٌ ﵁ يُراعي حال فاطمة لأنها بنت رسول الله ﷺ وكان ﷺ يقول في شأنها «إنما أنت بضعَةٌ مني يؤذيني ما يؤذيك» (٣)، فَتَأَخَّرَ عليٌ لسبب ليس براجع إلى أحقية أبي بكر بالخلافة ولا إلى أحقيته بالبيعة بل إلى مسألةٍ يرى أنَّهَا الأفضل في مراعاته لفاطمة أو لأنه لم يكن من أهل الشورى فلا تلزمه المبادرة مع حصول بيعته لأبي بكر، حيث ذكر هُوَ أنَّ المسلمين والصحابة أجمعوا على خلافة أبي بكر.\n٣- السبب الثالث: أَنَّ التأخر قد يحصل، والتأخر أو التقدم ليس أمرًا قادحًا في استحقاق أبي بكر للخلافة ولا إلى إجماع الناس عليه؛ لأنَّ التأخر -كما ذكرتُ لك- مَرَدُّهُ إلى ترك الأفضل من البَيعتَينْ وهو بيعة اليد، فإذا حصلت البيعة الواجبة وهي بيعة الاعتقاد، بيعة الالتزام بمبايعة المسلمين وارتضائهم، حصل القصد الشرعي، والأمر الثاني يمكن أن يكون له أكثر من سبب فلا يُجعَلْ قادحًا لا من جهةٍ علمية ولا من جهة أيضًا عملية.\nلهذا من نَقَلَ أَنَّ عليًا ﵁ أو طلحة أو نحو ذلك لم يكونوا يرتضون خلافة أبي بكر أو أنَّهُم جاملوا لمَّا رأوا الأمر استقر وأنَّ عليًا كان الأحق ونحو ذلك، هذه كلها أقوال هي من أقوال أهل الرِّفْضْ والبدع الوخيمة.\nولا يصح في هذا شيء عن صحابي أصلًا في أنه يقدم نفسه لا في الفضل ولا في الخلافة على أبي بكر ﵁؛ بل المسلمون تبعٌ لأبي بكر ﵁ وأرضاه.\n_________\n(١) البخاري (٣٥٠١) / مسلم (٤٨٠٧)\n(٢) البخاري (٤٢٤٠) / مسلم (٤٦٧٩)\n(٣) البخاري (٣٧١٤) / مسلم (٦٤٦١)","vol":"1","page":638},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nخلافة أبو بكر الصديق طَعَنَ فيها الرّافضة، فلم يقتصروا على ذلك بل طعنوا في أبي بكر الصديق.\nوطعنهم في الخلافة يريدون منها أنَّ أبا بكر وعمر اغتصبا الخلافة واغتصبا الولاية، وكان الأحق بها علي ﵁.\nويستدلون لذلك بقول النبي ﷺ لِعَلِيٍ في حديث غدير قم المعروف أنه ﷺ قال لِعَلِي «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنَّهُ لا نبي بعدي» (١) ومنزلة هارون من موسى أنَّهُ قال له ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:١٤٢]، وهذا الحديث وقد رواه مسلم في الصحيح -حديث غدير قم المعروف- حديثٌ صحيح.\nو«أنت مني بمنزلة هارون من موسى» لا تدُلُّ على استحقاقه للخلافة مُطْلَقًَا، وإنّما على استحقاقه للولاية في تلك السَّفرة التي سافرها النبي ﷺ، فهو لمَّا ذهب فإنَّ عليًا صار منه بتلك المثابة وطَمَّنَّ خاطره وشرح صدره بهذه المنزلة إذ لم يرافقه ﷺ، وهذا شيءٌ مؤقت لا يدل على التقديم في كل حال [.....]\nلمَّا حَجَّ أبو بكر بالناس عام تسعٍ من الهجرة كان هو أمير الحج، وعلي ﵁ كان معه ليقرأ على الناس أول سورة براءة، ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ [براءة:١-٢] الآيات.\nوسبب إرسال علي ﵁ مع أبي بكر أنَّهُ كان من عادة العرب أنها لا تقبل الأمر الجلل إلا من الرجل نفسه أو من ذي قرابَةٍ منه يقول بقوله، فَرِغِبَ ﷺ في أن لا يحدث اختلاف في هذا الأمر وأن يُعْلِنْ البراءة من المشركين في أن لا يحج بعد العام مشرك، أن يُعْلِنَهَا أقرب الناس من رسول الله ﷺ وهو علي ين أبي طالب ابن عمه وزوج بنته ﵁.\nوهذا يدل على أنَّهُ كان مع أبي بكر تابعًا، وكان أبو بكر ﵁ هو الأمير.\nوما ذكروه من قوله «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» إنما هذا في شيءٍ مؤقت لا يدل على منزلةٍ عامة.\nولهذا علي ﵁ كان في الستة نفر الذين عهد إليهم عمر ﵁ باختيار الخليفة، فكان من اختيارهم أن يختاروا عثمان ﵁ خليفةً للمسلمين، ولهم في ذلك -يعني للرافضة في ذلك - أقوال في القدح من أبي بكر وفي القدح من عمر وعثمان معروفة عاملهم الله بما يستحقون.\n[المسالة الرابعة]:\nقال (تَفْضِيلًا لَهُ وَتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ) وهذا هو الذي ذكرت لك في أول الكلام من أنَّ تقديم أبي بكر لأجل تَفْضِيلِهِ، فهو الأفضل وهو المُقَدَّم، كذلك عمر هو الأفضل وهو المُقَدَّم، كذلك عثمان هو الأفضل وهو المُقَدَّم، ثم علي هو الأفضل وهو المُقَدَّم، ﵃ أجمعين.\nفإثبات الخلافة فيها إثبات الفضيلة، وأيضًا المسألة تنعكس، إثبات فضل أبي بكر على جميع الأمة فيه إثبات الخلافة له ﵁ وتقديم أبي بكر على جميع الأمة في الفضل هو تقديمٌ لأبي بكر على جميع الأمة في استحقاقه في الولاية والخلافة.\n_________\n(١) البخاري (٣٧٠٦) / مسلم (٦٣٧٠)","vol":"1","page":639},{"text":"قال بعدها (ثُمَّ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁)\n_________\nعمر بن الخطاب هو في الأفضل في هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق وهو في الخلافة أيضًا هو الخليفة الثاني بعد رسول الله ﷺ.\nوخلافته بالإجماع ثبتت بالعهد من أبي بكر حيث إنَّ أبا بكر الصديق ﵁ نَصَّ على عمر بالخلافة بعده.\nلهذا لم يختلف المسلمون في أن يكون بعد أبي بكر عمر بن الخطاب ﵁.\nوفضائل عمر أكثر من أن تُحْصَرْ، ومناقبه كثيرة مبثوثة، وفي عهده ﵁ اتسعت بلاد الإسلام وانتشر لواؤُهُ وكَثُرَ الداخِلُونَ في الدين، وأُرغمت أنوف الكفرة والمشركين وسار الصحابة والمسلمون إلى أمكنة بعيدة.\nوكان في عهده يأخُذُ نفسه بالحزم والشدة على نفسه وعلى قرابته، حتى إنَّهُ قيل له في آخر أمره: ألا تعهد لعبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال (يكفي أن يشقى بهذا الأمر واحدٌ من آل الخطاب) (١) .\nوكان ﵁ وهو عمر من أحزم الناس في أمر الوِلَايَة؛ بل كان أحزم هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق في أمر الوِلاية.\nومع أنَّهُ كان متصفًا بالقوة والبأس والهيبة، وكان أبو بكر ﵁ متصفًا بالرفقة والرّحمة والسعي في الحاجات عن قلبٍ رحيم، فإنَّ أبا بكر كان في الولاية أفضل منه وفي مقامه مقام أبي بكر في الوَلاية كان أفضل وأرفع من عمر ﵁ في مقامه.\nفأبو بكر الصديق ﵁ هو الذي وقف في الردة ذلك الموقف العظيم الذي لم يثبت له عمر ولم يثبت له كثير من الصحابة ﵃ أجمعين.\nفولاية عمر بالاتفاق والإجماع من أهل السنة أنها ثبتت بالنص وثبتت بالعهد من أبي بكر، وأنه هو المستحق لها إلا خلاف الرافضة المعروف.\n_________\n(١) تاريخ الطبري (٢/٥٨٠)","vol":"1","page":640},{"text":"قال بعدها (ثُمَّ لِعُثْمَانَ ﵁)\n_________\nوعثمان ﵁ وَلِيَ الخلافة بالاختيار، فَعُمَرْ لمَّا وَلِيَ الخلافة وَلِيَهَا بِعَهْدْ، ثم استمر، فلما قَرُبَتْ وفاته وشهادته ﵁ قال (إنْ أَعْهَدْ فقد عَهِدَ أبو بكر، وإن أترك فقد ترك النبي ﷺ) (١)، وجعل الأمر شورى في الستة نفر فآل إليهم الأمر فاختاروا أفضلهم وأعظمهم صحبةً للنبي ﷺ ومقامُ صدقٍ في الإسلام وهو عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه.\nفخلافة عثمان ثبتت بالاتفاق ثبتت باختيار أهل الشورى الخاصِّينْ وهم الستة من العشرة - ﵃ -.\n_________\n(١) البخاري (٧٢١٨) / مسلم (٤٨١٧)","vol":"1","page":641},{"text":"(ثُمَّ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁)\n_________\nونثبت الخلافة بعد عثمان لِعَلِيٍ ﵁، وعلي بن أبي طالب لم يُجْمِعْ عليه المسلمون في عهده لأنَّهُ -مع أنه الأحق من كل وجه من غيره- لأنه كان بعد مقتل عثمان، ومقتل عثمان سعى فيه المفسدون من الخوارج ونحوهم وأوغروا الصدور في هذا الشأن حتى وقع قَتْلْ عثمان، ثُمَّ وقع الخلاف بين الصحابة بسبب ذلك، فمعاوية ﵁ في جهة وعلي ﵁ في جهة، وطلحة والزبير وعائشة في جهة، وحدث من ذلك ما حدث.\nفعلي ﵁ خلافته ثابتة باختيار أهل الحل والعقد له في المدينة، فخلافته بالاختيار؛ ولأنَّهُ هو الأفضل من هذه الأمة بعد عثمان، وإذا كان هو الأفضل فهو الأحق بالولاية وهو الأحق بالخلافة.\nلهذا كان الواجب على جميع المسلمين في وقته -يعني من الصحابة والتابعين- أن يعقدوا البيعة لِعَلِيٍ ﵁؛ لكن لم يجتمع الناس عليه وقضى في الخلافة ﵁ سنين لم يكن السِّلْكُ فيها منتظمًا ولا حبل الولاية فيها مستقيمًا؛ بل كان زمن قتال وخلاف، وعلي ﵁ لَقِيَ من الناس فيها الأمَرَّينْ.\nلهذا خلافة علي -وإن لم تكن مُجْمَعًَا عليها- فهي ثابتةٌ بيعة أهل الحل والعقد له في المدينة، وأهل الحل والعقد هم الذين يُصارُ إليهم في مسائل البيعة، وبعدهم لا يجوز لأحدٍ أن يَتَخَلَّفْ لأنَّ انتظام تلك واجتماع الأمة هذا فرضٌ ومن الفرائض، إضافةً إلى أنَّ عليًا هو الأفضل، وهو ﵁ في مكانته من رسول الله - ﷺ - بالمكان الذي لا يخفى.","vol":"1","page":642},{"text":"قال بعدها (وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ.)\n_________\nكلمة (الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ) مأخوذة من حديث النبي ﷺ في وصفهم بالرّاشدين في قوله مثلًا في حديث العرباض بن سارية «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعظوا عليها بالنواجذ» (١) ووَصْفُ الخلافة ووَصْفُ الرُّشْدْ ليس مُخْتَصًَّا بهؤلاء، فقد يكون بعدهم من يكون خليفةً، ويكون بعدهم من يكون راشدًا.\nلكنهم اتَّصَفُوا بِوَصْفٍ زائدٍ على الخلافة الراشدة في أنَّهُم على خلافةٍ راشدة على منهاج النبوة كما صَحَّ عنه ﷺ أنه قال «الخلافة ثلاثون سنة على منهاج النبوة ثم يكون ملكًا» (٢) إلى آخره.\nفهم الخلفاء الأربعة الذين شَهِد لهم النبي ﷺ بالخلافة وبالرُّشْدْ.\nوهاهنا مسائل.\n_________\n(١) سبق ذكره (٥)\n(٢) المسند (١٨٤٣٠) / المعجم الكبير (٣٦٨)","vol":"1","page":643},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأَنَّ وصف الخليفة استمر بعدهم في وُلاةٍ بني أمية؛ لكنَّهُ مع تغير الاسم إلى أمير المؤمنين.\nوهذا ابتدأ من عهد عمر ﵁ لما قيل له: أنت (١)\n\n: [[الشريط الخامس والأربعون]]:\n\n(خليفة خليفة رسول الله ﷺ، فقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم أو كما جاء عنه ﵁) (٢)\nوإلا فَهُمْ خلفاء، فيَصِحُّ أن يُقَال الخليفة عمر، الخليفة عثمان، والخليفة الراشد علي وهكذا؛ لكنه اقْتُصِرْ على أمير المؤمنين عمر وأمير المؤمنين عثمان وأمير المؤمنين علي، ثمَّ بعده أمير المؤمنين معاوية إلى آخره.\nوهؤلاء خلفاء لقول النبي «لا يزال هذا الدين عزيزًا إلى اثنتي عشر خليفة» (٣) وهذا يَدُلّ على دخول ملوك بني أمية مع اتِّصَافِهِم بالمُلْكْ باسم الخليفة؛ لأنَّ لفظ الخليفة ليس فيه مزيد فضل؛ ولكن معناه أنَّهُ الذي يخْلُفُ من قبله، وقد يكون يخلف بحسن، وقد يكون يخلف بغير ذلك.\nلكن قال ﷺ «لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثنتي عشر خليفة» وهذا يدل أيضًا على أنَّ ما بعد الاثني عشر خليفة يصح أن يُسَمَّوا خلفاء لكن لم يَخْتَصُّوا بهذا الاسم ولكن اخْتُصُّوا بألقاب أخرى، وربما أُطْلِقَ هذا اللقب.\n_________\n(١) نهاية الشريط الرابع والأربعين.\n(٢) تاريخ الطبري (٢/٥٦٩) / تاريخ الخلفاء (١/١٢٤)\n(٣) مسلم (٤٨١٢)","vol":"1","page":644},{"text":"[المسألة الثانية]:\nلو كان ثَمَّ خليفة خامس بعد الخلفاء الأربعة الذين اخْتُصُّوا باسم الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، لو كان ثَمَّ من يستحق الخليفة الخامس فالذي يستحقه الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان ﵁.\nوهذا هو الذي عليه أهل السنة بخلاف قول طائفة من أهل البدع في عمر بن عبد العزيز ﵀ إنَّهُ خامس الخلفاء الراشدين، أو الخليفة الخامس، أو الخليفة الراشد الخامس ونحو ذلك.\nهذا ليس من أقوال أئمة أهل السنة؛ بل لو كان ثَمَّ خامس فالأحق به معاوية بن أبي سفيان فهو أفضل من عمر بن عبد العزيز بلا شك لأنَّهُ:\n- اجتمع عليه الناس.\n- وصار في مدته إغاظة للكافرين.\n- ولأنه هو صاحب رسول الله ﷺ وكاتب الوحي، وقد قال ابن مسعود (لَمُقام أحدهم ساعة مع رسول الله ﷺ خير من عبادة أحدكم كذا وكذا سنة) (١) .\nوالنبي ﷺ قال «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٢)، وقد قال - ﷿ - أيضًا ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] .\nوعمر بن عبد العزيز لاشك أنَّهُ دون معاوية ولم يحصل له في ولايته الانتشار، وإنَّمَا أرادَ أشياء في نشر السنة، وفي الجهاد وفي إحقاق الحق والعدل بين الناس، وإزالة المظالم؛ لكن لم يستقم له الأمر فما عاش في ولايته إلا أقل من سنتين او نحو السنتين، ثم بعدها قُبِضْ.\nلهذا فلا يُقَدَّمْ أحد من التابعين على أحد من الصحابة - ﵃ -.\n_________\n(١) ابن ماجه (١٦٢)\n(٢) سبق ذكره (٤١٤)","vol":"1","page":645},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالحسن بن علي ﵁ ابن بنت رسول الله ﷺ وريحانة النبي ﷺ، لما قُتِلَ علي بايعوه بالخلافة، فما استقام الأمر له، فأراد ﵁ وأرضاه أن يحقن الدماء وأن يجمع كلمة المسلمين فتنازل بالخلافة والولاية إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁، وسُمِّيَ عام تنازله بعام الجماعة حيث اتفق المسلمون واجتمعوا، وهذا لشدّة ورعه وتقواه -أعني الحسن- فإنَّهُ هو الأحق بالأمر؛ لكن رأى أنَّ مصلحة العظمى للإسلام والمسلمين تقضي بأن يترك الأمر لمعاوية الصحابي.\nوفي اختيار الحسن الخير والبركة وهكذا كان، فعاش المسلمون نحوًا من عشرين سنة وهم في أمن وأمان وقوة على الأعداء ومَكَنَةٍ في أمر دينهم وفي أمر دنياهم.","vol":"1","page":646},{"text":"قال ﵀ بعدها (وَإِنَّ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَشَّرَهُمْ بِالْجَنَّةِ، نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ)\n_________\nهذا فيه تخصيص هؤلاء العشرة بالفضل وبالشهادة لهم بالجنة.\nودخل هذا في العقائد مخالفةً للرافضة وبعض الخوارج الذين يتبرؤون من أكثر هؤلاء العشرة، ويرون أنَّ لفظ العشرة لفظٌ مشؤوم، وأنَّهُ لا يصح الشهادة لهؤلاء بالجنة، ولا أن يُتَوَلَّوا، فصار من عقيدة أهل السنة مع توليهم لجميع الصحابة أن يُشْهَدَ لهؤلاء العشرة بالجنة وأن يُتَوَلَّوا بخصوصهم لمزيد فضلهم وسابقتهم وحبهم لرسول الله ﷺ وجهادهم معه.\nفأُدْخِلَتْ في العقيدة لأجل خلاف الرافضة في هذه المسألة وتَبَرُّئِهِم من أكثر العشرة ومن لفظ العشرة.\nوفي هذه الجملة مسائل:","vol":"1","page":647},{"text":"[المسألة الأولى]\nهؤلاء العشرة سمَّاهُم الطحاوي هنا: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵁، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف - ﵃ -.\nوذكرت لكم مسألة قبل ذلك (١) وهي أنَّ هؤلاء العشرة قيل عنهم إنَّهُم المُبَشَّرُونَ بالجنة لا لأجل اختصاصهم بهذه الشهادة والبشارة بل النبي ﷺ بَشَّرَ عددًا كبيرًا من الصحابة بالجنة فبَشَّرَ بلال بالجنة، وبَشَّرَ خديجة بالجنة، وبَشَّرَ عائشة بالجنة، وبَشَّرَ عكاشة بن محصن بالجنة، وبَشَّرَ آخرين بالجنة، وإنما اخُتُصَّ هؤلاء لأنهم أفضل هذه الأمة؛ ولأنهم بُشِّرُوا بالجنة في مكانٍ واحد، في حديثٍ واحد، فقد صح عنه ﷺ أنه قال «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة» أو كما جاء عنه ﷺ، وجاء أيضًا في حديثٍ آخر أنَّهُ بَشَّرَهُم واحدًا تلوى الآخر في دخولهم عليه في بستان فقال «أَدْخِلْهُ وبَشِّرْهُ بالجنة» لمَّا أَدْخَلَ أبا بكر، ثُمَّ دَخَلَ عمر فقال «أدخله وبشره بالجنة»، ثُمَّ لما أتى عثمان قال «أدخله وبشره بالجنة على بلوى تصيبه» (٢) ثُمَّ هكذا إلى آخره.\nفالمقصود من ذلك أنَّ هؤلاء نُصَّ عليهم لمزيد فضلهم ولاختصاصهم بالنبي ﷺ وكلّهم من المهاجرين.\n_________\n(١) انظر (٦٢٦)\n(٢) البخاري (٣٦٩٣) / مسلم (٦٣٦٥)","vol":"1","page":648},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالرافضة -خذلهم الله- ومن شابههم يتبَرَؤُونَ مِنْ أفْضَلِ هذه الأمة وهم هؤلاء العشرة ما عدا بعض المذكورين، ويرون أنَّ لفظ العشرة من الألفاظ المنكرة التي ينبغي التبرُؤْ منها، فيكرهون لفظ العشرة لأجل وروده في العشرة المبشرين، ولأجل مقتل الحسين في اليوم العاشر من محرم ونحو ذلك مما يعتقدونه.\nوالواجب أنَّ المسلم يتولى من تَوَلَّاهُ النبي ﷺ، فإذا كان النبي ﷺ هو الذي تولى هؤلاء، وهو الذي أشار إلى فضلهم وهو الذي بَشَّرَهُم بالجنة، فأيُّ خيبةٍ بعد ذلك على من عاداهم ولم يتولهم، فبِحُبِّ رسول الله ﷺ ونُصْرَتِهِم له أحببناهم ونصرناهم ودافعنا عنهم.\nفالذين يُبْغِضُونَ مَنْ أَحَبَّ النبي ﷺ ومن شَهِدَ له بالجنة هم الحقيقون بأن يُبْغَضُوا.\nوأهل السنة لكمال عدهم وأنَّهُم هم الوسط الذين شُهِدَ لهم بذلك في قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فأهل السنة هم الوسط فهم يتولون من توَلَّاهُ النبي ﷺ.\nوالفرق على اختلافها الخوارج والنّواصب والشيعة والرافضة يتولَّونَ بعضًا ويكرهون بعضًا؛ بل ربما كَفَّرُوا بعضًا وحكموا بالإيمان على بعض.\nوهذا كله من الاعتداء والحكم على ما ليس لهم الحكم فيه.\nلهذا الواجب على كل مسلم في أي مكانٍ كان من الأرض أن يُعْلِنَ موالاته لهؤلاء العشرة لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة، يعلن موالاته لهؤلاء لأنَّ موالاتهم من الدين.\nومن موالاتهم أيضًا الشهادة لهم بالجنة، ومن موالاتهم أن يُنْصَرُوا في موضعٍ يُنالْ منهم، ومن موالاتهم ومحبتهم أن يُجَاهِدَ المسلم في سبيل دفع الشُّبَه عنهم، الشُّبَه التي ربما يكون مَرَدُّهَا إلى الإثارات العلمية.\nفطالب العلم يَحْسُنُ به؛ بل هذا من الجهاد أن يكون عالمًا بما أُثير على أبي بكر الصديق وكيف أجاب أهل العلم عن ذلك لأنه قد يحتاج، ثُمَّ على عمر، ثُمَّ على عثمان، ثُمَّ على البقية كأبي عبيدة بن الجراح الذي يزعم الرافضة أنه كان متفقًا مع أبي بكر وعمر أن يلي الأمر بعدهما ولكنه مات قبل ذلك، وهذه دعوى يكذبون بها.\nفالواجب إذًا أن يكون مقتضى المحبة والوَلَايَة أن يكون المؤمن عالمًا بفضائلهم وأن يكون مدافعًا عنهم لأنَّ هؤلاء هم الصفوة، والله - ﷿ - يقول ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، وقال ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (١) وقال «المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يحقره» (٢)\nيخذله متى؟\nفي موضعٍ يحتاج فيه إلى نُصْرَتِهِ، فإذا وقع الناس في عرض خير الناس بعد رسول الله ﷺ، أو في عرض عائشة الصديقة بنت الصديق، أو في عرض عمر أو في عثمان أو أبي عبيدة أو نحوهم، فإنَّ الواجب أن يُنْتَصَرَ لهم، والانتصار لهم من الانتصار للدين لأنه انتصار لمن شهد الله - ﷿ - له وشهد له رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) البخاري (٤٨١) / مسلم (٦٧٥٠)\n(٢) مسلم (٦٧٠٦) / أبو داود (٤٨٨٢)","vol":"1","page":649},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأنَّ قوله (نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ) فيه إشارة إلى المسالة التي مَرَّتْ معنا سالفًا وهي أنَّنَا أهْلَ السنة والجماعة لا نشهد لمعينٍ من أهل القبلة لا بجنةٍ ولا بنار إلا من شهد له رسول الله ﷺ.\nفنشهد لهم بالجنة لا لأجل أنَّ لهم الفضائل السائرة وأنَّ لهم المنزلة بل لأنَّ النبي ﷺ شَهِدَ لهم بالجنة، فنشهد لشهادة رسول الله ﷺ.\nوقد ذكرت لكم (١) أنَّ أهل العلم في االشهادة بالجنة للمعين اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال ذكرتها لكم سالفًا، ومنها:\nأن يُشْهَدَ لمن استفاض عند الأمة الشهادة له بالخير والصلاح والتقوى؛ لأنَّ الله - ﷿ - وَعَدَ أهل الصلاح والخير والتقوى بالجنة، ووَعْدُهُ الحق، والأمة شُهُودُ الله - ﷿ - في الأرض كما جاء في الحديث الصحيح أنه لما مُرَّ بجنازة شَهِدُوا لها بالخير قال «وجبت» ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال «وجبت»، قالوا: يا رسول الله، ما وجبت؟ قال «تلك أثنيتم عليها خيرًا فوجبت لها الجنة، وهذه أثنيتم عليها شرًا فوجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض» (٢)، لهذا كان رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن تيمية وجماعة أنه بالاستفاضة يُشْهَدْ.\nوهؤلاء العشرة مع شهادة رسول الله ﷺ لهم بالجنة فإنَّ الأمة أجمعت عليهم، فليس ثَمَّ في الأمة إلى وقْتِ خروج الخوارج إلَّا مَنْ يُحِبْ هؤلاء العشرة ويَتَوَلَّاهم ويَنْصُرُهُم؛ لأنهم الذين نصروا الدين.\nفَكُلُّهُم ماتوا والأمة تشهد لهم بالخير والحق والصلاح ونُصْرَةْ النبي ﷺ والجهاد معه.\n_________\n(١) انظر (٤٥٩)\n(٢) سبق ذكره (٤٥٩)","vol":"1","page":650},{"text":"قال بعدها (وَمَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، وَذُرِّيَّاتِهِ الْمُقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ.)\n_________\nيريد بذلك أيضًا الردَّ على الروافض والزيدية والخوارج ومن شابههم في عدم تَوَلِّيهِم لجميع الصحابة ولجميع أزواج النبي ﷺ، وإنَّ من علامات الإيمان محبة الصحابة وزوجات النبي ﷺ جميعًا، ومن علامات النفاق بُغْضْ بعض الصحابة وبغض بعض زوجات النبي ﷺ، أو الوقيعة في بعض زوجاته ﷺ.\nتَمَيَّزَ أهل السنة وفارقوا طوائف من أهلٍ الفرق الضالة بأنهم يُحْسِنُونَ القول في الصحابة وفي الزوجات الطاهرات وفي ذرية النبي ﷺ أعني ذرية الحسن والحسين وبقية أولاد علي - ﵃ - وأرضاهم.\nويندرج الكلام في مسائل:","vol":"1","page":651},{"text":"[المسألة الأولى]:\nقوله (وَمَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) يَعْنِي بإحسانْ القول هنا:\n- ما يشملُ إحسان القول القلبي بما يُحَدِّثُ به المرء نفسه.\n- وإحسان القول الكلامي، وهو ما يتكلم به المرء.\nفمن لم يكن في نفسه شيءٌ على الصحابة والزَّوجات الطاهرات فقد بَرِئَ من النفاق.\nويُفْهَمُ من ذلك أنَّ من كان في نفسه شيء على بعض الصحابة أو لم يُحْسِنْ الظن أو لم يُحْسِنْ القول فيهم ظاهرًا أو باطنًا فإنه يُخْشَى عليه من النفاق بقدر ما فيه من الإساءة.\nوهذا يدل على أنَّ الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون اعتقادهم في صحابة رسول الله ﷺ أحسن الاعتقاد وأن يُثْنُوا عليهم بالجميل وأن يكِلُوا أمرهم إلى الله فيما اختلفوا فيه وأن يعلموا أنهم إنما اختلفوا في أمر لهم فيه اجتهاد وتأويل لأجل الدين.","vol":"1","page":652},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأزواج النبي ﷺ الطاهرات تسع، ووَصَفَهُمْ هنا بأَنَّهُنَّ طاهرات.\nويعني بطاهرات: ما وَعَدَ الله - ﷿ - به أو ما وصفهم الله - ﷿ - به في قوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] .\nوتَطْهِيرْهنَّ وإِذْهَابْ الرجس يعني: أنَّهُنَّ مع بقية أهل البيت طاهرات مُطَهَّرات، فمن وَصَفَهُنَّ بغير الطهر وقذف بعض نساء النبي ﷺ فإنه منافق وربما يكفر بقذفه أو بعدم تطهيره لهنّ.\nوالله - ﷿ - يقول ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ [الأحزاب:٣٢]، وهذا في التفسير معناه أنَّهُنَّ ﵅ لَسْنَ مثل بقية نساء المؤمنين؛ لأنهن زوجات النبي ﷺ في الدنيا وزوجاته في الآخرة؛ ولأنهنَّ أيضًا أمهات المؤمنين وقال ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] فأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، وهذا يدلُّ على فضلِهِنَّ على كل مؤمن وعلى تطهيرهِنَّ كما في آية الأحزاب السابقة، وعلى أنَّ الواجب نحوهُنَّ الموالاة التامة وأنَّهُ لا يجوز أن يُعْتَقَدْ في واحدةٍ منهن بغير الكمال في أمر دينها بحسب ما وَسِعَه.\nومعنى أزواج النبي ﷺ ومعنى كون أزواج النبي ﷺ أُمَّهَات للمؤمنين أنَّهُنَّ بمنزلة الأمهات كما جاء في القراءة الأخرى أو في الحَرْفْ الآخَرْ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ﴾ يعني هو ﷺ، فَهُنَّ أمهات المؤمنين في المنزلة وفي واجِبْ المحبة والتقدير وفي واجب النُّصْرَة وما يجب من الموالاة ونحو ذلك.\nأما في المَحْرَمِيَّة فليس أفراد المؤمنين محارم لزوجات النبي ﷺ؛ بل كان زوجات النبي ﷺ يَحْتَجِبْنَ عن بقية المؤمنين، فهن أمهات المؤممنين في المكانة والمنزلة والفضل وليسوا أمهات في المَحْرَمِيَّة؛ لأنَّ المَحْرَمِيَّة أقسام ثلاثة، هذا القسم أحدها.","vol":"1","page":653},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nفي قوله (وَذُرِّيَّاتِهِ الْمُقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ) يعني بكلمة (الْمُقَدَّسِينَ) المُطَهَّرِين لأنَّ التَّقْديس معناه التَّطهير، (الأرض المُقَدَّسة) يعني الأرض المُطَهَّرَة.\nوهنا نَوَّعْ العبارة مع أنَّهُ لم يأت في الكتاب ولا في السنة وصف ذرية النبي ﷺ بالقُدْسِيَة أو أنَّهُم مُقَدَّسُون وإنما استعمل ذلك في المعنى لثبوت المعنى وهو التطهير في قوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ .\nلهذا قال بعدها (الْمُقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ) إلْماحًا للآية وأنَّهُ يريد بالتقديس هنا التطهير من كل رجسٍ الذي هو الإثم والعيب.\nوذُرِّيَات النبي ﷺ:\n- منهم من انقطع النَّسْلْ وهم أولاده ﷺ وأولاد بناته الذين انقَطَعَ نسلهم.\n- ومنهم من بَقِيَ نسله إلى اليوم وهم الذين يُسَمَّونَ بآل البيت.\nوآل البيت الموجود الآن في الغالب من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب، ومنهم القليل من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب.\nومن ينتَسِبُ إلى الحسين أو إلى الحسن، فإنَّهُ في الغالب عندهم صكوك نسبة يَسْرِدُونَ فيها النِّسَبْ إلى الحسن أو الحسين، يعني إلى علي بن أبي طالب وإلى فاطمة الزهراء.\nوهذه النِّسَبْ سواءٌ اطّلع عليها المسلم أو لم يَطَّلِعْ عليها فإنَّ اعتقاده في جنس الذرية الذين طَهَّرَهُمْ الله - ﷿ - من الرجس، ولا يُنْسَبُ لِمُعَيَّنٍ من الذرية بأنَّهُ مُطَهَّرٌ من كل رجس.\nيعني أنَّ المسلم يُحْسِنُ القول في ذرية النبي ﷺ الذين شُهِدَ لهم بالتطهير من الأرجاس في الآية، وهذه شهادةٌ عامة وهي خاصَّةٌ بأهل ذاك الزمان، وما تَسَلْسَلَ الزمان ما بَقُوا على سنة النبي ﷺ، وإلا فإنَّ مِنَ المعلوم أنَّ القَرَابَة وحدها ليست بسببٍ كافٍ في نزع الآثام أو ثبوت التَّوَلِّي فقد يرتد القريب وقد يفْسُقْ وقد يكون كذا وكذا.\nلكن من كان منهم صالحًا فله حق التقديم وله حق التبجيل وله حق الاحترام -يعني أعظم من غيره- لمكانِهِ من رسول الله ﷺ، ولا يُبْحَثُ في مثل هذه المسائل في الأنساب؛ لأنَّهُ كما قال الإمام مالك ﵀ (الناس مُؤْتَمَنُونَ على أنسابهم) (١) .\nفلا يُبْحَثْ عن النَّسَبْ وإنَّمَا من كان صالحًِا فَيُصَدَّقُ بظاهره، ومعيار صِدْقِهِ المحافظة على سنة النبي ﷺ في أصل الأصول وهو التوحيد والعقيدة ثُمَّ في البراءة من البدع ونحو ذلك.\nقد صَحَّ عنه ﷺ أيضًا أنَّهُ قال «ثنتان أمتي من أمر الجاهلية لا يدعونهن: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت» (٢) وهذا يحصل كثيرًا الحقيقة في اختلاط بمن يَنْتَسِبُ إلى آل البيت لأنَّهُ قد يأتي آتٍ ويطعن في النَّسَبْ.\nوهذا لا يجوز شرعًا أن يُخَاضَ في مسألة النَّسَبْ إلَّا من شاعَ وانتَشَرْ وظَهَرْ أنَّهُ مقدوحٌ في نَسَبِهِ فهذا أمر آخر، لكن يُشَكَّكْ في النسب فهذا أمرٌ لا يعني.\nالمقصود الاستقامة والناس مؤتمنون على أنسابهم، ومن لم يكن مستقيمًا منهم فله الحق أن يُدْعَى له بالاستقامة والهداية ومغفرة الذّنب ونحو ذلك لأجل منزلته من رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) كشف الخفاء (٢٦٩٠)\n(٢) البخاري (٣٨٥٠) / مسلم (٢٣٦)","vol":"1","page":654},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nقوله في آخر الجملة (فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ) يعني به ما يشمل: النفاق العملي والنفاق الاعتقادي، لأنَّ ضد إحسان القول في الصحابة والزوجات والذرية هو الإساءة في القول ظاهرًا أو باطنًا، وهذه الإساءة قد تكون من النفاق العملي وقد تكون من النفاق الاعتقادي بحسب الحال.\nومن طَعَنْ مثلًا في عائشة ﵁ بما بَرَّأَهَا الله منه فإنَّ نفاقه حينئذٍ نفاق اعتقادي كما قال - ﷿ - في وصف المنافق ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١] .\nوقد يكون نفاقًا عمليًا بحسب إساءة الظن؛ لأنَّ آية الإيمان حُبْ الصحابة، وآية النفاق بُغْضْ الصحابة، وإذا كان النبي ﷺ قال في الأنصار «آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار» (١) فإنَّ المهاجرين أفضل من حيث الجنس من الأنصار، فلهم الحق أعظم، كذلك زوجات النبي ﷺ وعامة الصحابة لهم في ذلك المقام الأعظم.\nلهذا نقول إنَّ النفاق العملي قد يدخل إلى القلب في الإساءة في القول أو في الظن في صحابة رسول الله ﷺ أو زوجاته أو ذرياته.\n_________\n(١) سبق ذكره (٦٢٩)","vol":"1","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>الأسئلة:</span>\nس١/ بعض أهل العلم يذكر في تعريف الصحابي من آمن بالرسول ورآه ومات على ذلك وإن تخلَّلَتْهُ رِدَّة، فَذَكَرْ وإن تَخَلَّلَتْ صُحْبَتُهُ رِدَّةْ.\nج/ هذه المسألة معروفة في تعريف الصحابي في مصطلح الحديث؛ ويَعْنِي هذا القيد وإن تخلَّلَتْهُ رِدَّةْ، لا داعي له، لأنَّهُ آمن بالرسول ﷺ ورآه ومات على ذلك. فقوله وإن تخللته رِدَّةْ هذا لأجل خلاف من خالف في هذه المسألة؛ لكن قوله ومات على ذلك يكفي.\nوإن تخلَّلَتْهُ رِدَّة لا تصلح للتعاريف على ما هو معروف في موطنه.\nس٢/ هل يصح أَنْ يقال إنَّ حسان بن ثابت ﵁ جبان أو نحو ذلك كما ذكر ذلك ابن حجر في الإصابة، علمًا أنَّ وصف الجبان وصفٌ ليس عامًّا وإنما هو لحادثة أو نحوه؟\nج/ ليس كذلك، بل حسان بن ثابت ﵁ من الشُّجعان لأنَّهُ كان يهجو المشركين، وقد قال ﷺ لحسان «أُهجهم حسان وروح القدس معك» (١) وقال أيضًا له في وصفه هجائه للمشركين «لَهُوَ أشدُّ عليهم من وقع النبل» (٢)، والعرب كانت تثأر ممن يهجو وتكيد له بالسوء، فحسان ﵁ كان مِقدامًا لكنَّهُ كان كبير السن جدًا، فكان تَقَدَّمَ قبل النبوة قبل أن يسلم عليه ستون سنة، فأسلم وهو ابن ستين سنة، ولما جاءت المغازي كان كبيرًا فربما تَأَخَّرَ لضعفه لا لأجل شيءٍ في نفسه ﵁.\nفوصفه بهذا أولًا لا يجوز لأنه تَأَخَّرُه في بعض الوقعات لا لأجل ما ذكره هنا؛ ولكن لأسبابٍ أُخَر، وله له في ذلك مقام الصدق ﵁ وأرضاه.\nس٣/ ما رأيكم في ولاية عبد الله بن الزبير وهل هي ولاية شرعية؟\nج/ القرن يبدأ من سنة الصفر أو من سنة الواحد، بداية القرن يعني سنة واحد أو من سنة صفر؟ يعني الآن لما أقول عشرة هذه تتمة إيش؟ تتمة العاشرة أو هو هي تبدأ من عندما السنة تبدأ تتناقص.\nعلى كل حال هذا هروب من السؤال يعني.\nس٤/ هل لمن يَدَّعِي أنَّهُ مِنَ الأشراف حَقٌّ عَلَي وإذا كان من الفسقة هل يجب عليّ شيء تجاهه؟\nج/ لا، له حق المحبة لأنَّهُ من الأشراف أما من جهة الحقوق الأخرى فهي مُتَبَادَلَة كغيره من المسلمين، لكن له حق المحبة له حق التقديم، له حق المزيد من النصيحة.\nوالأشراف، الشرف المقصود به شرف النِّسْبَة يعني أنه مُنتَسِبْ إلى الآل، وفيه اصطلاح خاص، يعني كل واحد منتسب إلى على ﵁ يقال من الأشراف.\nلكن فيه اصطلاح خاص آخر وهو أن يُفَرَّقْ بين الأشراف والسّادة، يُقَال هذا من الأشراف وهذا من السادة.\nيُعْنَى بالسَّادَة من لم يكن من بيت الأشراف الذين وَلُوا الإمارة في وقتٍ من الأوقات، ولوا الحكم في مكة ونحوها في وقت من الأوقات، يقال لهؤلاء السادة.\nوسلسلة النسب الأخرى يقال هؤلاء الأشراف الذين وَلُوا الولاية والإمارة والملك.\nهذا اصطلاح خاص، يقال هذا سيد وهذا شريف.\nلكن المقصود أنَّ لفظ الشرف أو الأشراف المقصود به أنَّهُ من الآل ولا يُعْنَي به هذا المعنى الخاص أنه من أهل بيت الحكم السابق فهذا لا يُخَصُّونَ بشيء إنما هم مثل كل من انتسب إلى النبي، يعني إلى علي ﵁، لهم حق الذي لهم، ويُقَدَمُون إذا كان هم فضل وعلم ومزية وصلاح، أما إذا لم يكن لهم ذلك فلهم حقوق أخرى تُؤَدَّى ويُدْعَى لهم ويُنْصَحون ولهم في ذلك أكثر من غيرهم.\nس٥/ ما رأيك بمن يقول: لو كانت خلافة أبي بكر منصوصًا عليها لما اختلف الصحابة - ﵃ - في سقيفة بني ساعدة؟\nج/ أولًا دائما في الأسئلة لا تقول (رأيك فيمن) قل رأيك في قول كذا أحسن، يكون السؤال عن القول لا عن القائل، هذا أمر.\nالأمر الآخر، العلم يختلف الناس فيه، يختلف الناس في استحضاره ويختلف الناس أيضًا في العلم به، وقد يكون عند فلان من الناس علمًا لكنه في الموضع الفلاني ما استحضره ثُمَّ بعد ساعة قد يستحضر أكثر مما قال في الوقت ذلك، ثم قد يكون في وقت الخصومة ما فيه من ذهاب بعض ما يُسْتَحْضَرْ لكن الأمر صار إليهم وأجمعوا لما ذكّرهم في قوله (الأئمة من قريش) .\nوهذا من حسن سياسة أبي بكر ﵁ ومن حسن معالجته للأمور؛ لأنه لم يذكر هُوَ ولا من معه من المهاجرين لم يذكروا التنصيص على أبي بكر وإنما ذكروا التنصيص على قريش ليقطعوا بذلك دابِرْ تَمَسُّكْ الأنصار بالخلافة، وقال فيهم أبو بكر الكلمة الشهيرة (نحن الأمراء وأنتم الوزراء) (٣)، ثم لم يَختلفوا كثيرًا إنما كانت بعض الأيام.\nنكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.\n_________\n(١) المسند (١٨٦٦٥) / ابن حبان (٧١٤٦) / المستدرك (٦٠٦٢)\n(٢) قاله النبي ﷺ لعبد الله بن رواحة، النسائي (٢٨٩٣)\n(٣) البخاري (٣٦٦٨)","vol":"1","page":656},{"text":"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:\nالأسئلة:\nس١/ يقول كيف يُنَاظَرْ ويُجَادَلْ الروافض وهم لا يؤمنون بكتاب إلا بتحريف ولا بسنة إلا بتصحيف فعلى أي شيء نجادلهم وبأي شيء نُفْحِمُهُم؟\nج/ ينبغي للمجادل -يعني طالب العلم- أن ينظر في الكتب التي صُنِّفَتْ في الرد على الشيعة والزيدية والروافض؛ لأنَّ فيها من العلم ما يهيئ لطالب العلم تصور المسائل التي يختلف فيها أهل السنة مع تلك الطوائف وكيفية الرد.\nوخلاصة الخلاف مع الشيعة أو مع الرافضة بالخصوص:\nيرجع إلى خلافٍ في توحيد العبادة لأنهم يرون أنَّ لأئمتهم مقامًا يصلح معه أن يُسْأَلُوا وأن يُدْعَوا وأنْ يُسْتَغَاثَ بهم؛ بل بناء القباب على القبور والحج إلى المشاهد التي يسمونها مشاهد -يعني قبور الأولياء وما أشبه ذلك-، هذا راجعٌ إلى الشيعة الرافضة فإنهم هم أول من أحدث فتنة البناء على القبور وتعظيم ذلك وشد الرحال إليها.\nتوحيد العبادة ثَمَّ فرق بيننا وبينهم كبير؛ بل هم لا يُقِرُّونَ بتوحيد العبادة إلا على طريقتهم، فعندهم دعوة الأولياء ودعوة الأئمة الاثني عشر أو دعوة النبي ﷺ وتعظيم القبور والمقابر وشد الرحل إليها والتوسل بها والاستغاثة بأصحابها لتفريج الكُرَبْ وفي طلب الخيرات هذا كله عندهم مشروع ومطلوب؛ بل هو الحج أو من الحج عندهم.\nوأئمتهم -سيأتي بيان في هذا الدرس إن شاء الله- عندهم أَنَّهُم أبلغ وأرفع من الأنبياء مثل ما قال الخميني في كتابه الدولة الإسلامية يقول (ومن ضروريات مذهبنا أنَّ لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل وأنهم كانوا قبل خلق هذا العالم أنوارًا وجعلهم الله بعرشه مُحْدَثِين وجعل لهم من المنزلة والقربى ما لم يجعله لأحد من العالمين) .\nوهذا يعني أنَّ فيهم من صفة الملائكة أو من نور الله أو ما أشبه ذلك وأَنَّهُم أرفع من الأنبياء، دعوة أولئك والاستغاثة بهم هذه مطلوبة، هذا في توحيد العبادة.\nكذلك النبوة والوَلَاية هناك فرق، كذلك في مصدر التلقي الكتاب والسنة وما هو الكتاب وما هي السنة، في ذلك أيضًا هناك فرق، كذلك النظرة في مسائل العقيدة بعامة في الغيبيات والأسماء والصفات والقدر والإيمان ثَمَّ فروق كثيرة بين أهل السنة وبينهم.\nوهذه تتطلبها من كتب أهل العلم التي صنفوها في بيان هذه المسائل مثل كتاب ابن تيمية منهاج السنة ومثل المنتقى للذهبي ومثل جواب أهل السنة للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب وثَمَّ كتب كثيرة في هذا الباب.\nس٢/ من الذين يمثلون النّواصب وهل هم فقط الخوارج؟\nج/ النواصب هم الذين يناصبون العِدَاءْ للصحابة عقيدةً، فهؤلاء هم ضد الشيعة؛ يعني مَنْ مَدَحَهُ الشيعة هم يناصبونه، تجد أنَّهُم مَدَحُوا عليًا فهم يناصبون عليًا العداء ويتولون معاوية ويتولون يزيد بن معاوية ضد الحسين، وهكذا.\nوهؤلاء ثَمَّ فِرَقْ ينتسبون إلى هذه المقالة مثل فرقة اليزيدية في العراق وفي سوريا ونحو ذلك من الفِرَقْ.\nس٣/ يدعو بعض الأئمة هذه الأيام يقول: يا غِيَاثَ المستغيثين، فهل اسم غِيَاثْ من أسماء الله تعالى؟\nج/ هذا الدعاء صَحَّحَهُ الإمام أحمد ﵀، وصَوَّبَهُ ابن تيمية في الفتاوى أيضًا وذلك لأنَّ الله - ﷿ - هو الذي يُغِيثْ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، فمن استغاث بالله أغاثه، والاستغاثة نوع من الدعاء لأنها طلب الغوث الذي هو دعاء خاص ونداء خاص، فالله - ﷿ - يجيب المضطر إذا دعاه كما قال في سورة النمل ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢]، فهذا الدعاء مما صُحِّحْ، ومسألة النداء فيه يا غياث المستغيثين لا يلزم منه أن يكون اسم غياث من الأسماء الحسنى لأنَّ معناه ثابتٌ بطريقة أخرى وهذه يمكن الرجوع فيها كلام ابن تيمية.\nس٤/ من المعلوم أنَّ الاجتماع ونبذ الفرقة من أهم المقاصد الشرعية فما صِفَةْ الذين يجب علينا مراعاة هذا المقصد معهم وذلك أنَّ كثيرًا من المبتدعة كالأشاعرة والرافضة وغيرهم لو أُنْكِرَ عليهم مذهبهم حصلت الفرقة فهل يسكت عليهم مراعاة لذلك المقصد الكبير؟","vol":"1","page":657},{"text":"ج/ هذه مسألة كبيرة يضيق عنها المقام؛ لكن المقصود الاجتماع: الإجتماع على الدين، والدعوة تكون إلى الدين الذي أمرنا الله - ﷿ - بالاجتماع عليه، وهو ما نزل به القرآن وصَحَّ عن النبي ﷺ وكان عليه السلف الصالح، هذا هو الدين كما قال - ﷿ - ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣] الآية، وكذلك قوله - ﷿ - في سورة آل عمران ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران:١٠٣]، ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، والآيات في هذا المعنى كثيرة وأوضحت لكم هذا مرارًا.\nفالدين الذي يجب الاجتماع عليه هو الدين الذي كان عليه النبي ﷺ وكان عليه صحابته وكان عليه السلف الصالح، وأمَّا ما أحدثته الأمة من البدع في الاعتقاد أو البدع في العمليات والعبادات، فهذا لاشك أنه ليس الدين الأول هو شيء جديد، ولذلك صار فُرْقَةً وافتراقًا عما كانت عليه الجماعة الأولى، لهذا يجب أن يُحَافَظْ على ما كانت عليه الجماعة الأولى قبل أن تَفْسُدْ وتحدث الفِرْقَةْ والاختلاف، وهذا مما يجب الدعوة إليه بتثبيته، بتثبيت العقيدة في النفوس والدعوة إلى التوحيد والالتزام بالعمل الصالح، ونبذ الخلاف في هذه المسائل بتأصيل الأصول الشرعية في ملازمة الدليل وعدم الذهاب إلى العقليات.\nمن جهة ثانية الاجتماع والائتلاف يكون بالاجتماع على من ولَّاهُ الله - ﷿ - أمر المسلمين، فهذا الاجتماع مقصود في الشريعة أمَرَ به الله - ﷿ - وأمَرَ به النبي ﷺ وحض عليه وأبدى فيه وأعاد كما يقول إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب في مسائل الجاهلية حتى غدا عند كثيرين هذا الأصل كأنه لم يكن فيه شيء من حديث النبي ﷺ.\nفالإجتماع نوعان إجتماع في الدين وإجتماع على ولي الأمر وعدم مخالفته ولزوم طاعته في المعروف، فإذا أمر بالمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nس٥/ يوجد على كثير من السيارات تعليقات وخِرَقْ في مقدمتها ومؤخرتها، وأكثر هذه السيارات تَخُصُّ باكستانيين وأفغان، وتوضع هذه الخرق لدفع العين ولدفع الحوادث. فما توجيهكم للعمل على إزالتها وبالأخص أنَّهَا في بلد التوحيد؟\nج/ هذه الأشياء التي تُعَلَّقْ ربما تكون من التمائم، وربما لا تكون.\nولهذا ينبغي أن يُتَثَبَتْ من ذلك فإذا ثبت أنها تميمة عُلِّقَتْ مثل خيوط حمر أو أرنب على الزجاجة أو على خلف المقعد الخلفي يوضع رأس حيوان، أو وضع مصحف في الخلف خلف الناس قد أكلته الشمس من كُثُرْ ما أصابه منها وأشباه ذلك هذا ظاهر أنها من التمائم.\nفإذا كانت من التمائم وجب مناصحة من هي معه، وإزالتها إن أمكن إزالتها بدون مفسدة.\nووجب أيضًا أن يقوم أهل الحسبة الأمر بالمعروف والنهي في هذه المسائل؛ لأنَّ الشرك هو أخبث ما يكون، هو التعلق بغير الله واعتقاد النفع والضر في هذه الخرق والأشرطة والحيوانات، وأنها تدفع العين أو تجلب الخير أو نحو ذلك، هذه من الاعتقادات الفاسدة، والنبي ﷺ صَحَّ عنه أنَّهُ قال «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (١) وقال أيضا «من تعلق تميمة فقد أشرك» (٢) و(تَعَلَّقْ) تشمل شيئين:\nتشمل التعليق بنفسه وتَعَلُّقْ القلب.\nفمن عَلَّقَ شيئًا وتَعَلَّقَ قلبه به فقد أشرك.\nوالقرآن على الصحيح لا يجوز أن يُسْتَخْدَمْ تميمة، لا من جهة وضعه في السيارات للحفظ أو لدفع العين، ولا أيضًا من جهة لبسه كتمثال مثل ما يباع أحيانا لبعض النساء ويُلْبَسْ، هذا كله من جهة التمائم، أو يجعل القرآن في خرقة وتُرْبَطْ أو يُعَلَّقْ هذا كله من حهة التمائم ويجب أن ينهى عن ذلك، وأن لا يتخذ القرآن تميمة لأنه داخل في العموم وصيانَةً لهم من استعماله في غير ما شرع الله - ﷿ -.\n_________\n(١) سبق ذكره (٤٧٣)\n(٢) المسند (١٧٤٥٨)","vol":"1","page":658},{"text":"وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ -أَهْلُ الْخَيْرِ وَالْأَثَرِ، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ-، لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِالْجَمِيلِ، وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ.\n_________\nهذه الجملة من هذه العقيدة المباركة قَرَّرَ فيها الطحاوي منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع أهل العلم من أهل الأثر وأهل الفقه.\nفإنهم كما قال (لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِالْجَمِيلِ) لأنَّهُم نَقَلَةْ الشريعة ولأنهم المُفتون في مسائل الشريعة، ولأنهم المُبَيِّنُون للناس معنى كلام الله - ﷿ - في كتابه ومعنى حديث النبي ﷺ، وهم الذين يدفعون عن الدين ويذبُّونَ عنه بتثبيت العقيدة الصحيحة وتثبيت سنة النبي ﷺ ورد الموضوعات والأحاديث المنكرة والباطلة التي أضيفت للنبي ﷺ.\nفهم إذًا حُمَاةُ الشريعة -الحماية العلمية-، ولهذا كان العلماء ورَثَةَ الأنبياء؛ لأنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثُوا دينارا ولا درهما وإنما وَرَّثُوا العلم، والذين حَمَى العلم هم الصحابة رضوان الله عليهم، وهم التابعون من علماء السلف وعلماء تابعي التابعين من أهل الحديث ومن أهل الفقه.\nفهؤلاء منهج أهل السنة والجماعة أن يُذْكَرَ الجميع بالجميل، وأن لا نقع في عالمٍ من العلماء لا من أهل الحديث ولا من أهل الفقه، بل يُذْكَرُونَ بالجميل ولا يُذْكَرُونَ بسوء، وإنما يُرْجَى لهم فيما أخطؤوا فيه أنهم إنِّمَا اجتهدوا ورَجَوا الأجر والثواب والخطأ لا يُتَابَعُ عليه صاحبه.\nوهذا الأصل ذكره الطحاوي في هذا المقام لأجل أنَّ طائفةً من غلاة أهل الحديث في ذاك الزمن كانوا يقعون في أهل الفقه، وطائفة من غلاة أهل الفقه كانوا يقعون في أهل الحديث ويصفونهم بالجمود.\nوأهل السنة الذين تحققوا بالكتاب وبسنة النبي ﷺ وبهدي الصحابة يعلمون أنَّ الجميع مُحْسِنْ، وأنَّ هؤلاء وهؤلاء ما أرادوا إلا نصرة الشريعة والحفاظ على العلم والفقه.\nنعم هم درجات في مقامهم وفي علمهم، لكنَّهُم لا يُذْكَرُونَ إلا بالجميل، والله - ﷿ - سَخَّرَ هؤلاء لشيء وسَخَّرْ هؤلاء لشيء، والوسط هو سِمَةُ أهل الاعتدال وسِمَةُ أهل السنة والجماعة كما كان عليه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماعات أهل العلم فإنهم كانوا على هذا السبيل.\nونذكر هاهنا مسائل:","vol":"1","page":659},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ ذِكر العلماء بالجميل وعدم ذكرهم بأي سوءٍ أو قدح هذا امتثال لأمرين:\n١- الأمر الأول: امتثال لقول الله - ﷿ - ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، ولقوله ﴿يَرْفَع اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، ولقوله - ﷿ - ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، فَبَيَّنَ الله - ﷿ - منزلة أهل العلم وبَيَّنَ فضل العلم وفضل أهله وأنهم مرفُوعون عن سائر المؤمنين درجات لِمَا عندهم من العلم بالله - ﷿ -.\nوبَيَّنَ أنَّ المؤمن للؤمن مُوالي، أنَّ المؤمن يُوالي المؤمن، ومعنى هذه الموالاة في قوله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، هي من الوَلَاية وهي المحبة والنُّصْرَة.\nوهذه المحبة والنُّصْرَة عند أهل السنة والجماعة تتفاضل بتفاضل تحقق وصف الإيمان.\nفالمؤمن يحب ويوالي المؤمن الآخر إذا كان كامل الإيمان أكثر من نُصْرَتِهِ ومحبته لمن كان دونه.\nومعلومٌ أنَّ العلماء هم الذين أثنى الله - ﷿ - عليهم وأثنى عليهم رسوله ﷺ، فواجبٌ إذًا بنص الآية أن يُوَالَوا وأن يُذْكَرُوا بالجميل وأن يُحَبُّوا وأن يُنْصَرُوا وأن لا يُذْكَرُوا بغير الحَسَنِ والجميل.\n٢- الأمر الثاني: أنَّ القدح في أهل العلم فيما أخطؤوا فيه -وسيأتي مسألة مستقلة لذلك إن شاء الله- أنَّ القدح فيهم يرجع في الحقيقة عند العامة إلى قَدْحٍ في حَمَلَةِ الشريعة ونَقَلَةِ الشريعة وبالتالي فيضعف في النفوس محبة الشّرع؛ لأنَّ أهل العلم حينئذٍ في النفوس ليسوا على مقامٍ رفيع وليسوا على منزلةٍ رفيعة في النفوس.\nفحينئذ يُشَكْ فيما ينقلونه من الدين وفيما يحفظون به الشريعة، فتؤول الأمور حينئذ إلى الأهواء والآراء فلا يكون ثَمَّ مرجعية إلى أهل العلم فيما أشكل على الناس فَتَتَفَصَّمْ عرى الإيمان وتتناثر [.....] اليقين.\nلهذا كان ذِكْرُ العلماء بسوء هو من جنس ذكر الصحابة بسوء، ولهذا أتْبَعَ الطحاوي ذكر الصحابة بذكر العلماء، يعني لمَّا فَرَغَ من ذِكْرِ الصحابة ذَكَرَ العلماء؛ لأنَّ القدح في الصحابة والقدح في العلماء منشؤه واحد ونهايته واحدة، فإنَّ القدح في الصحابة طعنٌ في الدين، والقدح في العلماء المستقيمين، العلماء الربانيين فيما أخطؤوا فيه أو فيما اجتهدوا فيه هذا أيضًا يرجع إلى القدح في الدين، فالباب بابٌ واحد.","vol":"1","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>[المسألة الثانية]:\nلا يُشْتَرَطُ في العالم أنْ لا يُخْطِئ</span>، فعلماء الحديث والأثر وأهل الفقه والنظر ربما حصل منهم أغلاط لأنَّهُم غير معصومين، وهذه الأغلاط التي قد تحصل منهم حُصُولها من نِعَمِ الله - ﷿ -.\nولمَّا سُئِلَ بعض الأئمة عن غلط العالم؛ كيف يغلط العالم، كيف يخالف السنة، كيف يكون في سلوكه مُقَصِّرْ، كيف يغيب عن ذهبنه في مسألة التدقيق ويتساهل؟\nفقال (لئلا يُشَابِهْ العلماء الأنبياء)، لأنَّ النبي هو الذي لا ينطق عن الهوى، هو الذي يصيب في كل شيء وهو الذي يُتَّبَعْ في كل شيء، فإذا كان العالم على صوابٍ كثير وربما وقع في اجتهاد هو عليه مأجور ولكنه أخطأ في ذلك، لم يكن عند الناس رَفْعْ لعالم في منزلة النبي فَيُتَّبَعْ على كل شيء، فيحصل في النفوس التوحيد والبحث عن الحق من الكتاب والسنة والنظر فيما يُبَرِّئْ الذمة في ذلك.\nوهذه عبوديات في القلب يسلكها الناس مع وجود هذا الخلاف بين أهل العلم.\nولهذا إذا نظرت في هؤلاء الذين عَنَاهُمْ الطحاوي (أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر) هو عَنَى بهم أوَّلِيًّا الأئمة الأربعة:\n- أبو حنيفة: وهو من أهل الفقه والنظر ليس هو من أهل الحديث والأثر.\n- والإمام مالك والشافعي وأحمد: وهؤلاء هم أئمة أهل الحديث كما أنهم أئمة أهل الفقه في المذاهب المتبوعة المعروفة.\nهؤلاء بينهم خلاف في مذاهبهم، أبو حنيفة يذهب إلى قول، مالك يذهب إلى قول، الشافعي يذهب إلى قول، الإمام أحمد يذهب إلى قول.\nهؤلاء منهم من يكون قوله هو الصواب، ومنهم من يكون قوله خلاف الأولى، أو يكون قوله مرجوحًا وهكذا.\nفالعالم يُدَقِّقْ ويَتَحَرَّى من الأقوال ولا يُقَلِّدُ عالمًا في كل ما قال؛ لأنَّ المسائل كثيرة جدًا وهو بشر فقد يتهيأ له في المسألة أَنْ يُدَقِّقْ وفي مسألة أخرى لا يدقق وهكذا.\nلهذا وجب على أهل الإيمان أنْ يَتَوَلَّوا جميع العلماء وأن يذكروهم بخير وأن لا يذكروا أحدًا منهم بسوء، وخلافهم فيما اختلفوا فيه راجعٌ إلى أسباب يأتي ذكرها إن شاء الله.\nفليس منهم أحد أراد المخالفة وإنما كلهم أراد المتابعة وتَحَرِّيْ الحق ولكن ربما أصاب وربما لم يصب.","vol":"1","page":661},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nقوله في أول الكلام (وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ) الطحاوي ﵀ توفي أول القرن الرابع الهجري وعاش أكثر حياته في القرن الثالث، ويَعْنِي بعلماء السلف السابقين من كان سلفًا له؛ يعني من سَبَقَه من أهل العلم، وهذا يَصِحُّ أن يُعْتَبَرَ سلفًا باعتبار.\nفكلمة السلف أو علماء السلف إذا أطلقت فلها اصطلاحان:\n١- الإصطلاح الأول: تُطْلَق ويرادُ بها من سَلَفَ العَالِمْ ومن سَبَقَه.\nوهذا الإطلاق فيه سَعَة، ولهذا استعملها أناس في القرن الرابع وفي القرن الخامس وفي السادس، إلخ.. ويعنون بالسلف من سبقهم؛ لأنهم كانوا سَلَفًَا لهم، يعني كانوا سابقين لهم.\n٢- الاصطلاح الثاني: وهو المعتمد عند المحققين أنَّ كلمة علماء السلف يُعْنَى بها علماء القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة والتابعين وتبع التابعين، ومن كان من الأئمة على هذا النحو وإن لم يكن من تبع التابعين.\nفهؤلاء هم الذين شَهِدَ لهم النبي ﷺ بالخيرية «خير الناس قرني ثم الذي يلونهم ثم الذين يلونهم» (١) قال الراوي (فلا أدري أذَكَرَ بعد قرنه ثلاثة قرون أو أربعة قرون) .\nوالقرن هنا المراد به الجيل من الناس وليس القرن الزمني الذي هو مائة سنة.\n(قرني) يعني الذين اقْتَرَنْ زمانهم بي، وهم الجيل من الناس، انقضى الصحابة أتى التابعون، انقضى التابعون أتى تبع التابعين وهكذا.\nوهؤلاء هم الذين قَلَّت فيهم البدع وقَلَّ فيهم الخلاف للسنة، وكثر فيهم الخير بشهادة النبي ﷺ وبشهادة الواقع أيضًا.\nفإذًا كلمة السلف، علماء السلف يُعْنَى بها وقد تطلق على من سلف، وسبق على ما ذكرت لك من الإصطلاح الخاص.\n_________\n(١) سبق ذكره (٦٢٤)","vol":"1","page":662},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nالطحاوي في هذه الجملة قَسَمَ العلماء إلى قسمين، قالَ (أَهْلُ الْخَيْرِ وَالْأَثَرِ، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ) فجعل العلماء على فئتين:\n- الفئة الأولى: أهل الأثر.\n- والفئة الثانية: أهل الفقه والنظر.\n@ وأهل الأثر: هم الذين اعتنوا بالحديث روايَةً ودراية، -الدراية يعني بها الفقه-، ويدخل فيهم الإمام مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وابن جرير وجماعات على هذا النحو.\n@ وأهل الفقه والنظر هم الذين غَلَّبُوا القواعد المستنبطة الكلية على السُّنَنْ المروية، وهم أصحاب الرأي والنظر في مدرستيه الكبيرتين:\n&amp; في المدينة التي كان يتزعمها الإمام ربيعة المشهور بربيعة الرأي.\n&amp; وفي الكوفة التي كان يتزعمها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمهم الله تعالى أجمعين.\nأهل الفقه والنظر يعتنون بالسنة؛ ولكن عنايتهم بالسنة قليل، وأهل الحديث والأثر يعتنون بالنظر لكن عنايتهم بالأقيسة وبالتَّقْعِيد قليلة.\nولهذا صار هناك في الأمة في الاجتهاد صارت هناك مدرستان:\n- مدرسة أهل الحديث والأثر....\n- ومدرسة أهل النظر.\nولا تُقَابِلْ بين أهل الحديث وأهل الفقه؛ لأنَّ هذه المقابلة لا حقيقة لها.\nوإنما المُقَابَلَة بين أهل الحديث والأثر وبين أهل الفقه والنظر.\nوكلمة النظر أرادها الطحاوي لأنَّ الجميع موصوفون بالفقه وبالعناية به يعني استنباط الأحكام من الأدلة؛ لكن من جهة النظر والقياس والعقليات والقواعد هذه اعتنى بها الحنفية وأهل الرأي ولم يعتنِ بها أهل الحديث والأثر، وإنما اعتنوا باستخراج الفقه من الأدلة بدون تحكيمٍ للأقيسة على الدليل.\nمثاله: مثلًا عند الحنفية -أهل النظر- الحديث المرسل أقوى من المسند، فإذا اجتمع حديثان: مُرْسَلٌ ومُسْنَدْ حُكِمَ في الفقه بالمرسل ولم يُحْكَمْ بالمسند، لماذا؟\nلدليلٍ عقلي عندهم، وهو أنَّ المُرْسِلْ من أهل الفقه من علماء التابعين لا ينسب إلى النبي ﷺ شيئًا إلا وهو متحققٌ به لأنَّهُ من أهل الفقه، وأمَّا الروايات المُجَرَّدَة فإنها يدخلها الغلط ويدخلها ما يدخلها.\nولاشك أنَّ هذا تعليل عقلي ولكنه ليس بمنطقي.\nأيضًا ينظرون إلى القواعد أنَّهَا قطعية والأدلة غير المتواترة أنها ظنية فيقولون:\nإذا صار هناك قاعدة أو قياس كلي فإنه يكون قطعيًا في الدلالة على محتواه، وأما الدليل فيكون ظنيًا: إما ظَنِّيْ الرواية -يعني إذا كان من السنة-، وإما أن يكون ظَنِّيْ الدلالة، أيضًا غير قطعي الدلالة من الكتاب أو من السنة.\nفَيُحْكَمْ بالقاعدة ويُصْرَفْ ظاهر الدليل لأجل أنَّهُ يحتمل الظن والقاعدة قطعية.\nونحو ذلك من الخلاف المؤَسَّسْ على مشارب شتى.\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وذكره شارح الطحاوية وجماعة (إنَّ العلماء فيما اختلفوا فيه من عدم الأخذ بالدليل من الكتاب والسنة يمكن أن يرجع إلى عدة أسباب)، ومن أهم هذه الأسباب.\n- أولا: أنْ لا يثبت عند الإمام صحة الدليل.\n- الثاني: أن يكون منسوخا أو مُؤَوَّلًا.\n- الثالث: أن يكون مُعَارَضًَا بما هو أقوى عند الإمام من ذلك الدليل، إمَّا مُعَارَضْ بدليلٍ آخر وإما مُعَارَضْ بقاعدة كما عند الحنفية.\n- الرابع: أن يكون للإمام هذا شرط في الرواية ليس هو شرط الإمام الآخر في الحديث.\nمثلًا عندك الإمام الشافعي يقول حدثني الثقة ويعني به إبراهيم بن أبي يحيى، فإذا عَرَفْ الإمام أحمد أو غيره أَنَّ الرواية عن إبراهيم بن أبي يحيى هو عندهم ليس بثقة بل هو بضعيف بل ربما كان أدنى من ذلك مما اتُّهِمْ به بالكذب ونحو ذلك.\nفهو عند إمام ثقة فيما يرويه يأخذ بروايته، وعند آخر ليس بشيء فلا يأخذ بروايته.\nوهذا يُبَيِّنُ لك أنَّ اختلاف الأئمة من أهل الفقه والنظر وأهل الحديث والفقه والأثر في ذلك اختلاف ليس راجعًا إلى عدم الأخذ بالدليل؛ ولكنه راجع إلى فهم الدليل، وما هو الدليل الذي يُسْتَدَلُ به وكون الدليل راجحًا غير مرجوح.\nولهذا لا يوجد في مسألة أن يقال: ليس للعالم هذا دليل. (١)\n\n: [[الشريط السادس والأربعون]]:\n\nأنا لا أعلم مسألة يقال ليس للإمام أبي حنيفة فيها دليل أو ليس للإمام أحمد فيها دليل أو ليس للإمام مالك فيها دليل، كلٌ منهم لا يقول قولًا ولا يذهب إلى مذهب إلا بدليل.\nوالأدلة أعم من النصوص من الكتاب والسنة لأن جِمَاعْ الأدلة عند أهل الأصول يرجع إلى ثلاثة عشرة دليلًا وتصير بالتفريق كما ذكره أهل الأصول وذكره القرافي في الفروق إلى عشرين دليلًا.\nفهذه الأدلة منها ما هو مُتَّفَقٌ على الاستدلال به ومنها ما هو مُخْتَلَفٌ في الاستدلال به، فقد يكون الدليل دليلًا عند الإمام مالك وليس دليلًا عند الإمام أحمد مثل عمل أهل المدينة، وقد يكون الدليل مرعيًا عند أبي حنيفة وهو قاعدة ولا يكون مرعيًا عند الشافعي بورود دليلٍ من السنة في خلاف ذلك وهكذا.\nفإذًا مأخذ العلماء اجتهادي، وواجبٌ حينئِذْ إذْ كانت هذه مآخذهم أن لا يُذْكَرُوا إلا بالجميل، وأن لا يُذْكَرْ العالم حتى فيما أخطأ فيه وابتعد في الخطأ حتى إباحة المالكية لأكل لحم الكلب وحتى في إباحة الحنفية لشرب النبيذ يعني غير المُسْكِرْ لا يُشَنَّعْ عليهم في ذلك لأنها اجتهادات فيما اجتهدوا فيه.\n_________\n(١) نهاية الشريط الخامس والأربعون.","vol":"1","page":663},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nالواجب على طلبة العلم الذين يريدون أن يسلُكُوا هذا السبيل أن يُلْزِمُوا أنفسهم مع أهل العلم السابقين والأئمة الذين أشادوا للدين بنيانًا وللعلم أركانًا، واجبٌ عليهم أن يدافعوا عنهم وأن يُثْنُوا عليهم وأن ينشروا في الناس سيرتهم حتى يُقْتَدَى بهم وحتى يقوى ركن علماء الشريعة.\nوهكذا أيضًا واجبٌ على طلاب العلم أن لا يقعوا في أحدٍ من العلماء بسوء، فمن أصاب من أهل العلم من أهل الحديث والأثر أو من أهل الفقه والنظر فقد أحسن ويُثْنَى عليه ويُتَابَعْ فيما أصاب فيه، ومن أخطا فأيضًا قد أحسن إذ اجتهد؛ لكن الصواب من الله تعالى.\nوهذا لا يدخل في العلماء الذين نشروا الشّرك والبدع والخرافات ولم يكن لهم حظ لا من الحديث والأثر ولا من الفقه والنظر، وإنما سَخَّرُوا جهدهم في مخالفة السنة في البدع، فأرادوا نشر البدعة ونشر الخرافة ودافعوا عن الشرك وعَلَّقُوا الناس بالموتى وعَلَّقُوا الناس بالبدع والاحتفالات وأشباه ذلك.\nفهؤلاء لا يدخلون في هذا الكلام الذي ذكره؛ لأنهم أرادوا ما خالفوا به إجماع الأئمة الأربعة.\nهؤلاء يُرَدْ عليهم وربما يُحتَاج من باب التعزير إلى ذكرهم بما فيهم حتى يحذرهم الناس.\n* تنبيه أخير: إلى أنَّ قول الطحاوي في أول الكلام (وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ) قال بعدها (وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ)، كلمة (وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ) فيما أفهم أنه لا يريد بها التابعين عند أهل الاصطلاح؛ يعني التابعين الذين صحبوا الصحابة، وإنما يريد بهم من تبع علماء السلف على اصطلاحه؛ لأنَّ التابعين ما فيهم هذا التقسيم أهل الحديث وأهل النظر، التابعون والصحابة ما فيهم هذا التقسيم أهل الحديث وأهل النظر إنما هذا التقسيم فيمن بعدهم.","vol":"1","page":664},{"text":"قال بعدها ﵀ (وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ)\n_________\nيريد العلاّمة الطحاوي في هذا أن يُقَرِّرَ عقيدةً عظيمة وهي أنَّ أفضل الناس هم الأنبياء، وأنَّ النبي أفضل من جميع الأولياء، وأنَّ أهل السنة والأثر والجماعة هؤلاء لا يُفَضِّلُونَ وليًا على نبي؛ بل كل نبيٍ أفضل من جميع الأولياء.\nوأدْخَلَهَا في العقيدة مع أنها مسألة تفضيل لِصِلَتِهَا بالنبوة وبالوَلاية؛ ولأنَّهُ ظهر في عصره طائفة ممن زعموا أنَّ الولي قد يبلغ مرتبةً أعظم من مرتبة النبي.\nوهذه الطائفة التي تُفَضِّلُ الأولياء على الأنبياء تشمل فئتين كبيرتين:\n١- الفئة الأولى: الباطنية في زمنه من إخوان الصَفَا والإسماعيلية ومن شايعهم، وكذلك ربما دخل فيها طائفة من أهل الرفض والتشيع، فإنهم يُفَضِّلُونَ بعض الأولياء على بعض الأنبياء.\n٢- الفئة الثانية: هم غلاة المتصوفة في ذلك الزمن الذين تَزَعَّمَهُم الحكيم الترمذي، محمد بن علي بن حسن الترمذي في كتابٍ سَمَّاهُ (خَتْمْ الوَلَاية) كما سيأتي بيانه.\nفأراد أن يُبَيِّنْ أهل العقيدة الصحيحة لهذه الطائفة ولهذه الفئات جميعًا وأنَّنَا نعتقد أنَّ الولي مهما بلغ من الصلاح والطاعة فإنَّه حسنة من حسنات النبي الذي تَبِعَهُ، فإنَّمَا علا مقداره وظهر شأنه في متابعته للنبي لا باستقلاله، على الأنبياء جميعًا صلوات الله وسلامه.\nونذكر هنا مسائل.","vol":"1","page":665},{"text":"[المسألة الأولى]:\nتفضيل الأولياء على الأنبياء هذا نَشَأْ مع عقيدة عند المتصوِّفَة ومن شابههم -يعني غلاة المتصوفة- وهي ما أسموه بِخَتْمِ الوَلَاية.\nويعنون بِخَتْمِ الوَلَاية أنَّهُ كما أنَّ للأنبياء نبيًا خاتمًا لهم، فكذلك للأولياء وليٌ خاتمٌ لهم، وكما أنَّ خاتم الأنبياء أفضل من جميع الأنبياء، فكذلك خَاتَم الأولياء هو أفضل من جميع الأولياء.\nوعقيدة خَتْمْ الوَلَايَة ذَكَرَهَا الحكيم الترمذي في كتابٍ سَمَّاه (خَتْمْ الوَلَاية) وقد طُبِعَتْ منتخبات منه قديمًا، وأَسَّسَ فيها القول بأنَّ الأولياء يُخْتَمُونَ، وأنَّ الولي في باطنه قد يبلغ مقامًا يَتَلَقَّى فيه من الله - ﷿ - مباشرة، وأنَّ الولي قد يكون أفضل من النبي، وهذه لم يَنُصَّ عليها ولكنها تُفْهَمْ من فحوى كلامه.\nولاشك أنَّهُ غَلِطَ في ذلك غَلَطًَا فاحشًا، وإن كان هو من أهل العناية بالحديث كرواية، ومن أهل الخير والصلاح كما وصفه بذلك ابن تيمية؛ لكنَّهُ غَلِطَ في هذه البدعة الكبرى التي ابتدعها في الأمة والشرور التي حدثت من القول بوحدة الوجود وتفضيل الولي على النبي والاستقاء من الله - ﷿ - مباشرة إنَّمَا حدثت بعد هذا الكتاب وهذه النظرية الباطلة التي تُبْطِلُ شريعة محمد ﷺ على الحقيقة.\nوهذا لم يَخْتَصَّ به الحكيم الترمذي؛ بل تبعه عليه أُنَاس منهم ابن عربي في كتابه (الفصوص) وفي كتابه (الفتوحات المَكِيَّة)، ومنهم محمد بن عثمان المرغني السوداني الذي له طريقة معروفة عند أهل السودان (الطريقة الختمية)، ومنهم التيجاني، هؤلاء كانوا في القرن الثالث عشر، وصّرَّحْ المرغني في كتابه (تاج التفاسير) صَرَّح بهذه العقيدة، ومنهم التيجاني عند أهل المغرب فيما يعتقدون فيه ووُصِفَ به.\nهؤلاء يعتقدون أنَّ الولاية تُخْتَم؛ لكن ادَّعَى ابن عربي أنَّهُ هو الذي خَتَمَ الأولياء، وادَّعَى الميرغني أنَّهُ هو الذي خَتَمَ الأولياء وادَّعَى أيضًا التيجاني أنَّهُ هو الذي خَتَمَ الأولياء.","vol":"1","page":666},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>[المسألة الثانية]:\nعقيدة خَتْمْ الوَلَايَةَ </span>أو خَتْمْ الأَوْلِيَاءْ مبنيةٌ على ثلاثة أمور:\n١- الأمر الأول: أنَّ النبي إنما أتى بشريعةٍ ظاهرة، وخاتَمْ الأولياء جاء بشريعةٍ باطنة، فخَاتَمْ الأولياء في الظاهر مع النبي وفي الباطن مستقلٌ عن النبي.\nلهذا يقولون: إنَّ الأنبياء راعَوا الظاهر واهتموا بالعبادات الظاهرة، وخَاتَم الأولياء وصفوة الأولياء اهتموا بالأخذ عن الله - ﷿ -.\nولهذا ابن عربي في كتابه الفُصُوصْ لمَّا جاء إلى حديث النبي ﷺ الذي في الصحيح أنَّ بُنْيَان الأنبياء تَمْ ولم يبق فيه إلا موضع لبنة، قال ﷺ «مثلي ومثل الأنبياء من بنى بنيانا فكَمَّلَهُ وأحسنه حتى لم يبق منه إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويقولون لم كملت هذه اللبنة- قال:- فكنت أنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (١) .\nقال ابن عربي -قَبَّحَهُ الله- في هذا الموطن: وخاتَمْ الأولياء يَرَى نفسه في قَصْرْ الوَلَاية في موضع لبنتين لبنةُ فضة في الظاهر ولبنةُ ذهب في الباطن، فهو يَفْضُلُ النبي في الحاجة إليه؛ لأنَّ البنيان احتاج إلى لَبِنَتَينْ وذاك احتاج إلى لَبِنَة واحدة، ولَبِنَتُهُ الظاهرة من الفضة في متابعة النبي ظاهرًا، ولَبِنَتُهُ الذهبية في الباطن بها يأخذ من المشكاة التي تُنْزِلُ الوَحْيَ على خاتم الأنبياء، يعني يأخذوا عن الله مباشرة أو كما جاء في كلامه.\nوقد كرَّرَ هذا في مواضع في الفصوص وخاصَّةً في فَصٍّ واحد يعني كَرَّرَ الكلام وعَبَّرَ عنه.\nوهذا ليس خاصًًّا بهذا الرجل بل كذلك مَنْ بعده ممن شَرَحُوا أو الميرغني أو التيجاني أو مَنْ شابههم كان كلٌ منهم يعتقد في نفسه أَنَّهُ خاتم الأولياء.\n٢- الأمر الثاني: أنَّ خَاتَمْ الأولياء أفضل من خَاتَمْ الأنبياء؛ لأنَّ خَاتَمْ الأنبياء يأخذ عن الله بواسطة وخَاتَمْ الأولياء يأخذ مباشرة؛ ولأنَّ خَاتَمْ الأنبياء يأخذ الناس بما يُصْلِحِ ظاهرهم وخَاتَمْ الأولياء يُصْلِحُ باطنهم.\nولهذا يقول: مثلًا الميرغني في بعض كلامه: من رآني، ومن رَأَى مَنْ رَآني إلى خمسة أجيال فإنَّهُم مُحَرَّمُونَ عن النار، لما في خَاتَمْ الأولياء من النُّور الذي قذفه الله - ﷿ - فيه، فينبَعِثُ هذا النور فيمن رآه ورَأَى من رآه إلى آخره. أو كما قال.\nوهذا العقيدة بها جعلوا أنَّ للوَلِي ما يَفْضُلُ به النبي والعياذ بالله.\n٣- الأمر الثالث: أنَّ الولي والنبي بينهما فَرْقْ من جهة أنَّ النبي جاءَهُ الوحي اختيارًا من الله - ﷿ -، وأمَّا خَاتَمْ الأولياء فَفَاضَ عليه الوحي؛ لأنَّهُ اسْتَعَدَّ لذلك بتصفية باطنه، فعنده القَبُولْ والاستعداد لأَنْ يُفَاضَ عليه، وبهذا صار خَاتَمْ الأولياء أفضل من خَاتَمْ الأنبياء.\nهذه ثلاث مجملات في تلخيص كلامهم.\n_________\n(١) البخاري (٣٥٣٥) / مسلم (٦١٠١)","vol":"1","page":667},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nأهل السنة يعتقدون بكرامات الأولياء كما سيأتي لكن بالاعتقاد الصحيح، لكن عند كثيرين من الفئات التي تعتقد في الأولياء، مثل الباطنية والرافضة وغلاة الصوفية يعتقدون أنَّ أفضل المقامات مقام الولي، ويليه الدرجة الثانية مقام النبي، ويليه مقام الرسول، وفيها يقول قائلهم:\nمقام النبوة في برزخٍ ****** فُوَيْقَ الرسولِ ودونَ الولي\n(مقام النبوة في برزخٍ) يعني هو الوسط.\n(فُوَيْقَ الرسول) الرسول تحت النبي مع أنَّ الرسول هو أفضل من النبي، النبي تحته بقليل يعني بقليل.\n(فويق) يعني بينهما شيء يسير.\n(ودون الولي) يعني بينه وبين الولي مراتب.\nفالأعلى عندهم الولي ثُمَّ بعده النبي ثُمَّ الرسول.\nوهذا القول في الترتيب قال به غلاة الصوفية وكما ذكرت لك النقل عنهم، وقال به أيضًا أئمة مذهب الاثني عشرية مثل ما ذكرت لك في أول الكلام عن قول الخميني حيث قال (من ضروريات مذهبنا) .\n(ضروريات) معناها الشيء الذي لا يحتاج إلى استدلال، الذي يُحَسْ بأحد الحواس الخمس، ما يحتاج إلى دليل ولا برهان، الشيء الضروري ما يحتاج إلى دليل وبرهان لأنَّهُ محسوس.\nقال (من ضروريات مذهبنا أنَّ لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملكٌ مقرب ولا نبي مرسل) .\nيعني أَنَّ مقام الأولياء -يعني الأئمة الاثني عشر- أعلى من مقام الأنبياء.\nوهذا بلا شك طعنٌ في القرآن وطعنٌ في السنة وطعنٌ في الصحابة، وهكذا يبلغ الأمر عند من قاله؛ لِأَنَّ أفضل هذه الأمة وأحق الناس بأن يكون من الأولياء أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم العشرة المبشرون بالجنة، وهكذا، فهؤلاء هم الأولياء وهم سادة الأولياء والأصفياء وخير الصحابة رضوان الله عليهم.\nوإذا كان النبي ﷺ فَضَّلَ قرنه فقد فَضَّلَ أبا بكر وفَضَّلَ عمر.\nفكيف يكون واحد من هذه الأمة يأتي ويَزْعُمُ أَنَّهُ أفضل من الصحابة، ثم يَزْعُمُ أَنَّهُ أفضل الأولياء وخاتَمْ الأولياء، ثم يَزْعُمُ أَنَّهُ أفضل من الأنبياء.\nلا شك أنَّ هذا القول من صاحبه قد يُحْكَمُ بِكُفْرِ صاحبه؛ بل حَكَمَ كثير من العلماء بكفر من قال هذه المقالة؛ لأنَّهَا قدح في القرآن وقدح في السنة، ورفع لمقام الولي، وتهجين مقام النبي والرسول، ورفع خَاتَمْ الأولياء على خَاتَمْ الأنبياء.\nولهذا مع اختصارٍ في المقام، ذكر الطحاوي ﵀ هذه الجملة ورَكَّزَ عليها يعني في هذه العقيدة لأنها بدأت في زمانه وهي سبب الشر في افتراق الناس مع طرق الصوفية إلى هذا الزمان، وقال (وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدًَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈) ما فيه ولي يمكن أن يكون أفضل من نبي؛ بل أفضل الناس هم الأنبياء ثم يليهم الأولياء، صحابة رسول الله ﷺ وصحابة كل نبي إلى آخره.\nقال (وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ) ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ﷾.","vol":"1","page":668},{"text":"قال بعدها (وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ)\n_________\nيريد ﵀ أنَّ أهل السنة الجماعة وأهل الحديث والأثر والمتابعين للسلف الصالح يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة وما صَحَّتْ به الرواية من كرامات الأولياء وهم يُصَدِّقُونَ بكرامات الأولياء ولا ينفونها، وما صَحَّ عن الثقات من الروايات في بيانات كراماتهم فإنهم يُصَدِّقُونَ بذلك ويعتقدونه ويؤمنون به؛ لأنَّ هذا من فضل الله - ﷿ - عليهم لأنَّ في التصديق بهم تصديقًا بما أخبر الله - ﷿ - به في القرآن وأخبر به النبي ﷺ في السنة.\nويريد بذلك مخالفة طوائف من العقلانيين الذين أنكروا كرامات الأولياء، ويُخَصُّ بالذكر منهم المعتزلة، فإنهم أنْكَرُوا كرامة الأولياء وقالوا ليس لوليٍ كرامة لأنَّهُ لو صَحَّ أَنْ يكون لوليٍ كرامة لاشتبهت كرامات والأولياء بمعجزات الأنبياء، وحينئذْ تشتبه الكرامة بالنبوة ويشتبه الولي بالنبي وهذا قدحٌ في النبوة وقدحٌ في الشريعة.\nونذكر هنا مسائل:","vol":"1","page":669},{"text":"[المسألة الأولى]:\nكرامات الأولياء جمع كرامة، والكرامَةُ في اللغة: إِكْرَامْ من الإِكْرَامْ، وهو ما يُؤْتَى المُكْرَمْ من هِبَةٍ وعَطِيَّة وهِيَ في باب الكرامة من الله - ﷿ -.\nوفي الاصطلاح عُرِّفَتْ كرامة الولي بأنَّهَا أَمْرٌ خارق للعادة جرى على يدي ولي.\nوكونه خارِقًَا للعادة يخرُجُ به ما يُنْعِمُ الله - ﷿ - به من النِّعَمْ على عباده مما لا يدخل في كونه خارِقًَا للعادة، فأهل الإيمان يُنْعَمُ عليهم بنعم كثيرة وهي إكرامْ من الله - ﷿ -؛ لكن لا تدخل في حد الكرامة.\nفالكرامة ضابطها أنَّهَا أمرٌ خارقٌ للعادة.\nوالعادة هنا، خارقٌ للعادة أي عادة؟\nعادة أهل ذلك الزمان.\nفقد يكون خارقًَا لعادة أناس في القرن الثاني وهو ليس بخارِقٍ لعادتنا في هذا الزمن.\nمثلًا أنْ يَنْتَقِلْ من بلدٍ إلى بلد في ساعة، من الشام إلى مكة أو إلى القدس في ساعة، ويُصَلِّي هنا إلى آخره، أو أن يُحْجَبَ عن بعض المكروه، أو أن يكون عنده علم بحال أُنَاسٍ بالتفصيل يسمع كلامهم ويرى صورتهم في بلدٍ بعيدٍ عنه، هو في الجزيرة ويرى حالهم في الشام أو في مصر أو في خراسان أو ما أشبه ذلك.\nهذه في زَمَنٍ مَضَى كانت خوارق لعادة أهل ذلك الزمان لكنَّهَا بالنسبة لأهل هذا الزمان ليست بخارقٍ مُطْلَقًا.\nلهذا تُضْبَطْ العادة في تعريف الكرامة (خارقٌ للعادة) بأنها عادة أهل ذلك الزمن.\nوالمعجزة أيضًا أو الآية والبرهان للنبي وخوارق السَّحَرَة والكهنة كما سيأتي فيها خَرْقٌ للعادة لكن مع اختلاف الخارق واختلاف العادة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n(جرى على يَدَي ولي) قوله جرى يعني أنَّهُ أُكْرِمَ به الولي فَجَرَى على يديه.\nوقد يكون أُعْطِيَ القدرة وقد يكون الولي أَحَسَّ بالشيء وجَرَى على يديه دون قدرةٍ منه، إما من الملائكة أو بسببٍ شاءه الله - ﷿ -.\nوآخر جملة (على يدي ولي) يخْرُجُ منها ما جرى على يَدْ الأنبياء فهي أمرٌ خارق للعادة لكنَّهُ ليس على يدي ولي، وإنما على يدي نبي، كذلك خوارق السحرة والكهنة والمشعوذين فهي شيطانية ليست إيمانية، ولذلك لا تدخل في التعريف.","vol":"1","page":670},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالأصل في كرامات الأولياء من القرآن قول الله - ﷿ - ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٢-٦٤]، وقوله - ﷿ - أيضًا ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢]، وقوله ﷺ «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه» (١) .\nومن الواقع فإنَّهُ تواتر النَّقْلُ عن الصحابة وعن التابعين ومن تَبِعَهُمْ وعن الأُمَمْ السالفة، تَواتَرَ النقل بما لا يكون معه مجال للتكذيب ولا للرَّدْ بنَقْلِ عددٍ كبير يختلفون في أماكنهم ويختلفون في لغاتهم بحصول هذه الكرامات، فيكون معه النقل متواترًا ويكون دليلًا من الأدلة في هذه المسألة.\nفإذًا حصول الكرامات دَلَّ عليه القرآن والسنة ودَلَّ عليه التواتر في النقل عن الأمم السالفة وعن هذه الأمة.\n_________\n(١) سبق ذكره (٢٥٠)","vol":"1","page":671},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالكرامة تَبَعٌ للوَلَايَة، والأولياء جعلهم الله - ﷿ - هم أهل الإيمان والتقوى قال ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣]، فالولي الذي يُعْطَى الكرامة هو الموصوف بهذين الوصفين: الإيمان والتقوى.\nفلو جَرَى الخَارِقْ على يدي من لم يُوصَفْ بالإيمان والتقوى فليس هو مِنَ الكرامة؛ لأَنَّ الله - ﷿ - جَعَل الوَلاية في أهل الإيمان والتقوى، وهم الذين يُعْطَونَ الكرامة.\nوهاهنا سؤال: هل المبتدع أو الضَّالْ أو العاصي يُعْطَى كرامة؟\nوالجواب عن ذلك: أَنَّ الأولياء -كما قَرَّرَ أهل العلم- على فئتين:\n- الفئة الأولى السابقون.\n- والفئة الثانية المُقْتَصِدُونْ.\nفليس للظالم لنفسه المقيم على المعصية حظ في الكرامة.\nلكن قد تجري الكرامة على يَدَيْ من عنده بدعة أو معصية أو ظلم لنفسه، وذلك راجع لأسباب:\n١- السبب الأول: أن يكون ليس هو المراد بها وإنَّمَا يكون هذا المبتدع أو هذا الظالم لنفسه في جهادٍ مع الكافر، في جهادٍ مع العدو الكافر فيعطيه الله - ﷿ - الكرامة لا لذاته ولكن لما يُجَاهِدَ عليه، وهو الإسلام والإيمان ورد الكفر.\nفيكون إعْطَاؤُهُ الكرامة لا يغتر بها لأنها ليست لشخصه وإنما هي للدليل على ظهور الإيمان والإسلام على الكفر والإلحاد والشرك ونحو ذلك.\n٢- السبب الثاني: أن يكون إعْطَاؤُهُ الكرامة لحاجته إليها في إيمانه أوفي دُنْيَاه، فتكونُ سببًا له في استقامة أو في خير.\nفلهذا من جرى على يديه شيء في ذلك فينظر في نفسه:\n- إنْ كان من أهل الإيمان والتقوى فيحمد الله - ﷿ - ويُثْنِي عليه ويُلازِمُ الاستقامة على ما أكرمه الله - ﷿ - به.\n- وإن كان من أهل البدعة أو المعصية أو الظلم للنَّفْسْ، فيعلم أَنَّ في ذلك إشارة له أن يلازم سنة النبي ﷺ والإيمان والتقوى حتى تكون البُّشرى له في الدنيا والأخرى، وإلَّا يكون قد قامت عليه حُجَّةْ ونعمة من الله رآها ثُمَّ أَنْكَرَهَا.","vol":"1","page":672},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nكرامة الأولياء هي أمْرٌ خارِقٌ للعادة، وتشترك مع مخاريق السَّحَرَة والكَهَنَة في أنها أَمْرٌ خارق للعادة، وكذلك معجزات الأنبياء والآيات والبراهين هي أمر خارق للعادة.\nفخَرْقُ العادة في نفسه ليس مُثْنَىً عليه، فقد تُخْرَقُ العادة لِمُبْطِلْ، وقد تُخْرَقُ العادة لصالح -يعني لرجلٍ صالح-، وقد تُخْرَقُ العادة لكاهنٍ، ساحر، وقد تُخْرَقُ العادة لوليٍ صالح.\nولهذا وَجَبَ أن يكون ثَمَّ فُرْقَانْ في خَرْقْ العادة عند من حصلت له وعند الناس.\nهل خُرِقَتْ العادة لمؤمِنٍ تقي أو لمبطلٍ غير متابع للسنة من السحرة والكهنة وأشباههم؟\nفنعلم حينئِذْ الفُرقانْ البَيِّنْ بين كرامة الولي وخرق العادة له وأنَّهَا خَرْقٌ إيماني، خَرْقٌ من الله - ﷿ - لإكرامه وكرامته، وبين خرق العادة للساحر والكاهن والمشعوذ وأنها خارقٌ شيطاني؛ لأنَّ الشياطين لها قدرة في خَرْقِ عادة.\nلكن ثَمَّ فرق بين خارق العادة للشياطين وخارق العادة للأولياء، وهو:\n@ أنَّ خارق العادة للأولياء هذا:\n- أولًا: من الله - ﷿ - أولًا.\n- ثانيًا: وأَثَرٌ من متابعة الرسول ﷺ.\n- ثالثًا: أنَّهُ خرقٌ لعادة أهل الزمان، فهو في جنسه أعظم وأرفع من جنس خوارق السحرة.\n@ وأما خوارق السحرة فهي:\n- أولا: من الشيطان، مخاريق شيطانية نتجت من التَّقَرُبْ للشياطين والتعاون معهم حتى خدمتهم الشياطين، كما قال - ﷿ - في سورة الأنعام لما ذَكَرَ حشر الجن والإنس يوم القيامة قال ﴿وَيَوْمَ نحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨]، فاسْتَمْتَعَ الإنْسِيْ بالشيطان الجني واستمتع الشيطان الجني بالإنسي، فهذا تَقَرَّبَ وهذا خَدَمْ، لهذا منشؤُهَا من جهة الشيطان.\n- ثانيًا: أنها متابعة للمعصية والبدعة والشرك إلى آخره التي هي مخاريق السحرة.\n- ثالثًا: أنَّهَا محدودة، وفي الغالب أنها تَخْيِيْلْ وليست حقيقة، والشيطان هو الذي يَتَمَثَّلْ وليس من أُعْطِيَ الخارق أو من جَرَى الخارق على يديه في ظاهر أعين الناس أنه هو الذين انتقل.\nمثلًا وُجِدَ في الشام ووُجِدَ في مكة في نفس الوقت، وُجِدَ في مصر في القرية الفلانية ووُجِدَ في القرية الفلانية، هذا لا يمكن أن يكون إلا من الشيطان.\nمثلًا مثل ما قال عبد الوهاب الشعراني في ترجمة أحد من ادَّعَى أنهم مجاذيب ومجانين وأولياء-يعني في الثناء عليه- قال في ترجمته (وكان ﵀ يخطب الجمعة في سبع قرىً في مصر) .\nوهذا خارقٌ عند الناس، كيف القرية هذه والقرية هذه كلهم يخطب فيهم هذا؟؟\nفيكون الشيطان تَمَثَّلَ به وخَدَمَه حتى يُغوِي الناس، وبالإضافة إلى ذلك هو مجنون ومجذوب وما شابه ذلك.\nفإذن الشياطين تخدم الساحر والكاهن لكنْ أكثر ذلك تَخْيِيْلْ كما قال - ﷿ - ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، وثَمَّ تفصيل للكلام على هذه المسائل المهمة في مسائل نأتي إليها إن شاء الله تعالى في الدّرس القادم.","vol":"1","page":673},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>الأسئلة:</span>\nس٢/ ألا يقصد المؤلف ﵀ بأهل الحديث والأثر من ذُكِرُا في حديث (خير القرون قرني)؟\nج/ هذا قد يرد ولكن لا يُسَمَّى الصحابة أهل الأثر، لأنَّ التقسيم بين أهل الأثر وأهل النظر هذا إنما أتى بعد ذلك فلا نقول إنَّ في الصحابة أهل أثر وأهل نظر، إنما هذا نشأ في أوائل القرن الثاني من مدرسة المدينة أهل الرأي والكوفة الرأي إلخ، فانقسم أهل العلم إلى مدرستين مدرسة النظر والفقه ومدرسة الفقه والأثر.\nس٣/ تكثر المراثي والأشعار فيمن يموت من العلماء وغير ذلك، ويحصل من المبالغة في ذكر المحاسن والثباكي عليه وثَمَّ سؤالان:\nالأول: هل هذا من النياحة؟\nالثاني: يرد في كثيرٍ منها بعض الألفاظ الشركية أو قريب منها والمبالغة الشديدة إلى آخره. وذَكَرَ أمثلة من ذلك، وأظنه يقول القصائد كانت في رثاء الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ وثَمَّ مدخل لأهل البدع؟\nج/ لاشك أنَّ ما رُثِيَ به سماحة الشيخ عبد العزيز ﵀ فيه قسم منه حق وطَيِّبْ وجزى الله الرَّاثين خيرًا.\nوالعلماء يرثون العلماء والشعراء يرثون أهل العلم ومن في فقدهم على الإسلام والمسلمين الأَثَرْ.\nلكن القسم الثاني من تلك المراثي كما ذَكَرْ من الأمثلة فيها من الغلو ووسائل الشرك ونداء الميت ما فيه، وهذا مما يُبَيِّنُ لك غُرْبَةْ التوحيد، وأَنَّ الناس لا يَصِحُّ أن يقولوا التوحيد علمناه والحمد لله، الناس على الفطرة ولا يحتاجون للعقيدة والتوحيد.\nهذا في موت سماحة الشيخ لمَّا سِيْرَ بجنازته من الناس من تَمَسَّحَ به وألقى عليه غترة وسمح من الجهلة، ولمَّا جاءت القصائد فيه من يُشَارُ إليهم من ناداه في قصيدته يا أبا عبد الله وغوث الملاهيف (١) ونحوه من المبالغات.\nوهذا يدلك على أنَّ رسالة الشيخ ﵀ في حياته والدعوة التي أقامها في ملازمة السنة وترك البدع ورَدْ وسائل الشرك ووسائل البدع فيمن هو أفضل من الشيخ ﵀ هو النبي ﷺ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي إلى آخره.\nالشيخ أقام حياته لتقريض السنة والرد على البدع ووسائل الشرك، فيأتي من يغلو فيه إما لغرضٍ صالح أو لغرضٍ غير صالح أيضًا.\nلاشك أنَّ هذا ذنب وإثم على من قاله ويجب عليه التوبة وسحب هذه القصائد وأن يراجعها أهل العلم إذا كان فيها شيء منكر وجَبَ عليه أن.\nوهذه نتبرأ منها، نحن نتبرأ ممن غلا في مدح الأولياء، الصحابة، وفي مدح النبي ﷺ غلا فيه الغُلُو الذي أوصله إلى مقامٍ لم يجعله الله - ﷿ - له، فكيف بمن هو دون النبي ﷺ ودون الصحابة من العلماء والأولياء ومثل سماحة الشيخ ﵀؟\nلاشك أنَّ الواجب الإنكار ولا نُقِرُّ شيئًا من ذلك ونبرأ منه.\nوليس لأهل البدعة حجة في ذلك لأنَّ أهل التوحيد فيهم جَهَلَة أيضًا، مثل ما في أهل البدع جَهَلَة، فَمِنْ أهل البدع جَهَلَة يبالغون في المدح ويطرون، كذلك في المنتسبين إلى التوحيد وإلى أهل التوحيد وإلى أهل العقيدة فيهم من يجهل كثيرًا فيُخْطِئْ ويتجاوز.\nوذَكَّرَنِي هذا حينما رأيت بعض الأشياء، ذَكَّرَنِي هذا بحياة شيخ الإسلام ابن تيمية الذي عاش حياته للعقيدة وللتوحيد ولنصرة السنة ولرد البدع ووسائل الشرك والغلو في الأموات ثُمَّ بعد ذلك جنازته صُلِّيَ عليها الظهر وظلت تمشي إلى المقبرة والناس يُلْقُونَ عمائمهم ويُلْقُونَ أَرْدِيَتَهُمْ على جثمان شيخ الإسلام تَبَرُّكًَا به، فما حياته إذًا؟\nهؤلاء الجهلة الكثيرون حتى ولو انتسبوا إلى الثقافة وإلى العلم، هؤلاء الجهلة بحاجة إلى أن يدرسوا العقيدة ويعلمون ما يحل وما يحرُمْ.\nهو يريد أن يرثي إمامًا وعالمًا مثل سماحة الشيخ ويقع في الإثم ويجعل الإثم أيضًا ينتشر في الأمة والبدعة ووسائل الشرك، فبَدَلَ أن نسير في دعوته وما عاش في حياته له نخالفه بعد وفاته.\nوهذا لاشك أنه مما يَسُرُّ الشيطان ويأنس له.\nوالغلو شرٌّ، الغلو شر، وهدي الصحابة في ذلك هو الهدي الكامل، فكم المراثي في أبي بكر وكم المراثي في عمر وفي عثمان وكم المراثي في ابن عمر وابن عباس، اجمعوها أليس في زمنهم من الشعراء والعلماء من فيه؟\nلكنها قليلة، مُحَافَظَةً، لا لأنهم لا يستحقون؛ لكن خشيةً من الغلو، وأحيانًا بعض المسائل يُعَامِلْ فيها الإنسان الناس بنقيض القصد حتى لا يتوسعوا في الشرك والبدع.\nولهذا ينبغي عليكم جميعًا أن تَسْتَدِلُّوا بما حصل من هذه التجاوزات على غربة التوحيد ويعطيكم دليلًا على أنَّهُ في هذا البلد والذين هم قريبون من الشيخ ويعلمون دعوته ويعلمون الكتب التي شرحها ودَرَّسَها وفتاويه التي يرد فيها على أقل البدع وعلى أقل وسائل الشرك كيف أَنَّ الناس يخالفونه وهم عاشوا معه سنين عددًا.\nفما أشد الغربة وما أشد حاجة الناس إلى التوحيد والعقيدة العلم الصحيح والالتزام بالسنة.\n_________\n(١) نهاية الوجه الأول من الشريط السادس والأربعين.","vol":"1","page":674},{"text":"أسال الله - ﷿ - أن يرفع درجة شيخنا في عليين وأن يجزيه عنا خير الجزاء وأن يجعله مع الأئمة السابقين ممن أحبهم واقتفى أثرهم إنه سبحانه على كل شيء قدير.\nس٤/ ما رأيكم ما جاء في كتاب عبد الله بن الإمام أحمد من اتهام لأبي حنيفة وبالقول عليه بخلق القرآن إلى آخره؟\nج/ هذا سؤال جيد، هذا موجود في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وعبد الله بن الإمام أحمد في وقته كانت الفتنة في خلق القرآن كبيرة، وكانوا يستدلون فيها بأشياء تُنْسَبْ لأبي حنيفة وهو منها براء في خلق القرآن، وكانت تنسب إليه أشياء ينقلها المعتزلة من تأويل الصفات إلى آخره مما هو منها براء، وبعضها انتشر في الناس ونُقِلْ لبعض العلماء فَحَكَمُوا بظاهر القول، وهذا قبل أن يكون لأبي حنيفة مدرسة ومذهب؛ لأنَّهُ كان العهد قريبًا -عهد أبي حنيفة- وكانت الأقوال تُنْقَلْ: قول سفيان قول وكيع قول سفيان الثوري قول سفيان بن عيينة قول فلان وفلان من أهل العلم في الإمام أبي حنيفة.\nفكانت الحاجة في ذلك الوقت باجتهادِ عبد الله بن الإمام أحمد قائمة في أن ينقل أقوال العلماء فيما نَقَلْ.\nولكن بعد ذلك الزمان كما ذكر الطحاوي أَجْمَعَ أهل العلم على أن لا ينقلوا ذلك، وعلى أن لا يذكروا الإمام أبا حنيفة إلا بالخير والجميل، وهذا فيما بعد زمن الخطيب البغدادي، يعني في عهد بعض أصحاب الإمام أحمد ربما تكلموا وفي عهد الخطيب البغدادي نقل نقولات في تاريخه معروفة، وحصل ردود عليه بعد ذلك، حتى وصلنا إلى استقراء منهج السلف في القرن السادس والسابع هجري وكَتَبْ في ذلك ابن تيمية الرسالة المشهورة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، وفي كتبه جميعًا يذكر الإمام أبا حنيفة بالخير وبالجميل ويترحم عليه وينسبه إلى شيءٍ واحد وهو القول بالإرجاء، إرجاء الفقهاء دون سلسلة الأقوال التي نُسِبَتْ إليه لأنَّهُ يوجد كتاب أبي حنيفة الفقه الأكبر وتوجد رسائل له تدل على أنَّهُ كان في الجملة يتابع السلف الصالح إلا في هذه المسألة، في مسألة دخول الأعمال في مُسَمَّى الإيمان.\nوهكذا درج العلماء على ذلك كما قال الإمام الطحاوي إلا -كما ذكرت لك- بعض من زاد، غلا في الجانبين:\nإما غلا من أهل النظر في الوقيعة في أهل الحديث وسَمَّاهُمْ حَشْوِيَّةْ وسَمَّاهُم جهلة.\nومن غلا أيضًا من المنتسبين للحديث والأثر فوقع في أبي حنيفة ﵀ أو وقع في الحنفية كمدرسة فقهية أو في العلماء.\nوالمنهج الوسط هو الذي ذكره الطحاوي وهو الذي عليه أئمة السلف.\nلمَّا جاء الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أصَّلَ هذا المنهج في الناس وأنْ لا يُذْكَرَ أحد من أهل العلم إلا بالجميل وأن يُنْظَرْ في أقوالهم وما رَجَّحَهُ الدليل فَيُؤْخَذُ بِهِ وأن لا يُتَابَعْ عالم فيما أخطأ فيه وفيما زل؛ بل نقول هذا كلام العالم وهذا اجتهاده والقول الثاني هو الراجح.\nولهذا ظهر بكثرة في مدرسة الدعوة القول الراجح والمرجوح ورُبِّيَ عليه أهل العلم في هذه المسائل تحقيقًا لهذا الأصل.\nحتى أتينا إلى أول عهد الملك عبد العزيز ﵀ لمَّا دَخَلْ مكة، وأراد العلماء طباعة كتابة السنة لعبد الله بن الإمام أحمد وكان المشرف على ذلك والمراجع له الشيخ العلامة الجليل عبد الله بن حسن آل الشيخ ﵀ رئيس القضاة إذ ذاك في مكة، فَنَزَعَ هذا الفصل بكامله من الطباعة، فلم يُطْبَعْ لِأَنَّهُ من جهة الحكمة الشرعية كانَ لَهُ وقته وانتهى، ثُمَّ هو اجتهاد والسياسة الشرعية ورعاية مصالح الناس أن يُنْزَعْ وأن لا يُبْقَى وليس هذا فيه خيانة للأمانة؛ بل الأمانة أن لا نجعل الناس يَصُدُّونَ عن ما ذكره عبد الله بن الإمام في كتابه من السنة والعقيدة الصحيحة لأجل نُقُولٍ نُقِلَتْ في ذلك.\nوطُبِعَ الكتاب بدون هذا الفصل وانْتَشَرَ في الناس وفي العلماء على أَنَّ هذا كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد.\nحتى طُبِعَت مُؤَخَّرًَا في رسالةٍ علمية أو في بحثٍ علمي وأُدْخِلَ هذا الفصل -وهو موجود في المخطوطات معروف- أُدْخِلْ هذا الفصل من جديد، يعني أُرْجِعْ إليه، وقالوا إنَّ الأمانة تقتضي إثباته إلى آخره.\nوهذا لاشك أَنَّهُ ليس بصحيح، بل صنيع علماء الدعوة فيما سبق من السياسة الشرعية ومن معرفة مقاصد العلماء في تآليفهم واختلاف الزمان والمكان والحال وما استقرت عليه العقيدة وكلام أهل العلم في ذلك.\nولما طُبِعْ كُنَّا في دعوة عند فضيلة الشيخ الجليل الشيخ صالح الفوزان في بيته، وكان داعيًا لسماحة الشيخ عبد العزيز ﵀، فطَرَحْتْ عليه أول ما طُبِعْ كتاب السُّنَّة الطبعة الأخيرة التي في مجلدين إدخال هذا الباب فيما ذُكر في أبي حنيفة في الكتاب وأًنَّ الطبعة الأولى كانت خالية من هذا لصنيع المشايخ.\nفقال ﵀ في مجلس الشيخ صالح قال لي: الذي صنعه المشايخ هو المُتَعَيِّنْ ومن السياسة الشرعية أن يُحْذَفْ وإيراده ليس مناسبًا. وهذا هو الذي عليه منهج العلماء.","vol":"1","page":675},{"text":"زاد الأمر حتى صار هناك تآليف يُطْعَنْ في أبي حنيفة وبعضهم يقول أبو جيفة ونحو ذلك، وهذا لاشك أنه ليس من منهجنا وليس من طريقة علماء الدعوة، ولا علماء السلف لأننا لا نذكر العلماء إلا بالجميل، إذا أخطؤوا فلا نتابعهم في أخطائهم، وخاصَّةً الأئمة هؤلاء الأربعة؛ لأنَّ لهم شأنًَا ومقاما لا يُنْكَرْ.\nنكتفي لهذا القدر أسأل لكم التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"1","page":676},{"text":"الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:\nالأسئلة:\nس١/ هل في هذه الكلمة محذور شرعي وهي صورة لقطعة من الذُّرَة ومكتوب عليها: (هذه من خيرات الطبيعة) حيث أنها تنتشر دعاية لمثل هذا في الشوارع؟\nج/ هذا صحيح رأيناه في الشوارع، هذه الكلمة كلمة فيها سو؛ ء لأنَّ الخير من الله - ﷿ -، والطبيعة مطبوعة ليست طابعة للأشياء، فعيلة بمعني مفعولة، هي مطبوعة، طَبَعَهَا الله - ﷿ - وجعلها على هذا النحو من سُنَنِهِ، فالله - ﷿ - هو الذي جعل سُنَّتَهْ أَنَّ الماء ينزل وأَنَّ الأرض تُنبِتْ وأنَّ الأرض تتنوع، ما ينتج منها. ولهذا هذه الكلمة فيها مخالفة فينبغي بل يجب تجنبها حفظًَا لنعم الله - ﷿ - على عباده.\nس٢/ في قوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] هل إذا غلب على الظن عدم الانتفاع يجوز السكوت عن المنكر؟\nج/ هذه المسألة اختلف فيها العلماء، وقد ذكرت لكم الخلاف أظن في شرح الواسطية (١) أو في بعض المواضع، والآية استدَلَ بها جماعة من العلماء منهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية شيخ الإسلام ومنهم ابن عبد السلام في القواعد وجماعة، وذكر هذا أيضًا ابن رجب عن بعض أهل العلم في شرحه على الأربعين.\nوالآية فيها دليلْ على أنَّ الذِكْرَى مأمور بها إذا كانت ستنفع؛ لأنَّ الله قال ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَمَرَ بالتذكير إذا كانت الذكرى ستنفع.\nهل يدخل هذا في النهي عن المنكر، أم هذا في التذكير بما ينفع الناس؟\nظاهر لكلمة ﴿الذِّكْرَى﴾ أنها تشمل الأمر بالمعروف وتشمل النهي عن المنكر؛ لأنَّ التذكير يشمل هذا وهذا في القرآن والسنة.\nلهذا قال طائفة من العلماء ممن سَمَّيْنَا ومن غيرهم: إنَّهُ للمرء أنْ يترك الإنكار إذا غَلَبَ على الظن عدم الانتفاع، كذلك يجوز له أن لا يُذَكِّرْ إذا غَلَبَ على الظن عدم الانتفاع، أما إذا غلب على الظن الانتفاع بالإنكار أو الانتفاع بالذِّكْرَى فهنا يجب عليه أن يُنْكِرْ ويحب عليه أن يأمر بالمعروف بحسب الحال، هذا قول.\nالجمهور على خلاف ذلك وهو أنَّ الأحاديث دَلَّتْ على أَنَّ المنكر إذا رُئِيَ وَجَبَ تغييره، لهذا قالوا سواءٌ غلب على الظن أو لم يغلب على الظن فلابد منه حفاظًا على ما أجب الله - ﷿ -.\nولهذا قال ﷾ لمَّا ذَكَرَ حال أهل القرية ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤]، فَدَلَّ على هذا أنَّ المعذرة مطلوبة وأن لا يُسْكَتْ عن المنكر؛ لكن هذا لا يَدُلُّ على الوجوب، وحال الصحابة بكثيرٍ من أحوالهم وخاصَّةً لما دَخَلُوا على الولاة -ولاة بني أمية والأمراء- فيما سكتوا عنه وفيما لم يُنْكِرُوهُ، قال ابن عبد السلام ويُلْمِحُ إليه كلام ابن تيمية أيضًا أنهم أخذوا بأنه غلب على ظنهم أنهم لا ينتفعون بذلك لِعِلْمِ الواقع في المنكر ولأجل أنَّهُ يعلم أنَّهُ لو أُنْكِرَ عليه فإنه لن يستجيب.\nالمقصود من ذلك أن العلماء لهم في ذلك ثلاثة أقوال:\n١ - القول الأول: أنه يجب الإنكار مطلقا كما أمر النبي ﷺ.\n٢ - القول الثاني: أنَّهُ يجب مع غلبة الظن، وإذا لم يغلب على الظن فإنه يجوز له أن ينكر (٢) .\n٣ - والقول الثالث: وهو المتوسط بينهما أنَّهُ لا يجب ولكن يستحب إذا غلب على الظن عدم الانتفاع.\nوهذا معناه أنَّ الإنسان لا يُؤَثِّمْ نفسه فيما غلب على الظن عدم الانتفاع.\nوهذا يحصل في المسائل التي يغلب فيها الظن على عدم الانتفاع مثل المنكرات المنتشرة، مثل مثلًا حلق اللحى، ومثل الإسبال، ومثل كشف المرآة لوجهها، ومثل رؤية المجلات رؤية صور النساء المحرمة في المجلات، أو مثل هذه يغلب على الظن من الناس عدم الانتفاع مطلقًا أو عدم الانتفاع في وقتها؛ يعني بحسب الحال.\nلكن إذا غَلَبَ على الظن أنه إذا وَعَظَهُ أو أَمَرَهُ أو نهاهُ أنه ينتهي ولو في الوقت نفسه، فهذا يتعين عليه.\nيعني دَخَلَ في المسألة مثل غيرها مع القدرة؛ لكن إذا كان يظن أنَّهُ إذا قال له لا تحلق لحيتك أو هذا حرام أنه لن ينتفع، فلا يجب عليه حينئذ ويسلم من الإثم.\nالمقصود السلامة من الإثم في مثل هذه الحال، والله المستعان كلٌ في هذا الباب مقصر، نسأل الله - ﷿ - أن يعفو عنا وعنكم.\n_________\n(١) في الشريط الثامن والعشرون من شرح العقيدة الواسطية، وهو مفرغ أيضًا والحمد لله\n(٢) - لعل الشيخ أراد (يجوز أن لا ينكر)","vol":"1","page":677},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nكرامات الأولياء ترجع إلى نوعين:\n- ترجع إلى القُدْرَةْ.\n- وترجع إلى التأثير.\nوالقُدْرَةْ والتأثير قد يكونان في الأمور الكونية وقد يكونان في الأمور الشرعية.\n١ - القسم الأول: كرامات ترجع إلى القدرة:\nالقدرة قد تكون في الكونيات وقد تكون في الشرعيات:\n@ النوع الأول من القُدْرَةْ: قدرة في الكونيات:\nمثال القُدْرَةْ في الأمور الكونية: أن يُقْدِرَهُ الله - ﷿ - على ما لم يُقْدِرْ عليه غيره من الناس؛ بأن يَسْمَعْ ما لم يسمعوا، أو أن يَقْدِرْ من حيث المشي أو القُدْرَةْ البدنية على ما لم يقدروا، أو أنَّهُ يَغْلِبْ بما لم يَقْدِرُ عليه الواحد في العادة.\nيعني أنه راجعٌ إلى قُدْرَةٍ -يعني الكونيات- إلى قُدَرٍ في السماع، في الآلات، في السمع أو في البصر أو في القوى والأركان.\nهذا له مثال أو له أمثلة، فمن القدرة في السمعيات سَمَاعْ سارية كلام عمر ﵁ وهو في المدينة حيث كان يخطب، فقال (يا سارية الجبل الجبل)، يعني الزم الجبل، وسارية كان في بلاد فارس وسَمِعَ الكلام.\nوهذا لاشك قدرة في السماع خارقة للعادة أُوتِيَهَا.\nوكذلك هي من جهة عمر ﵁ قُدْرَةْ في الإبصار حيث إنَّهُ أَبْصَرَ ما لم يُبْصِرُهُ غيره، فقال: يا سارية الجبل الجبل. فنظر إلى سارية ونظر إلى الجبل ونظر إلى العدو وكأنَّ الجميع أمامه، ولهذا قال: الزم الجبل.\nهذه قدرة في الآلات، في السمع وفي البصر.\nكذلك قد تكون القدرة في القُوَى -يعني هذه في الكونيات- قد تكون القدرة في القُوَى بأن يَغْلِبْ ما لم يغلبه مثله، وبأن يمشي مثلًا على الماء مثل ما حصل لسعدٍ ومن معه، سعد بن أبي وقاص، ومثل أن ينوم نومة طويلة كأصحاب الكهف لا يتغير فيها البدن ولا يتأثر فيها أكثر ثلاثمائة وتسع سنين وهكذا.\nومثل إحياء الفرس، يُعْطَى قوة فيمسح على الفرس أو يأمره بأن يحيى فيحيى له فرسه.\nومثل أن يدخل في النار فلا تؤثر فيه أو فلا تأكله النار.\nالمقصود هذه القدرة راجعة إلى قُدَرٍ في الكونيات يُكْرِمُ الله - ﷿ - بها العبد بحيث تكون فيما يحصل له في ملكوت الله - ﷿ -.\n@ النوع الثاني من القُدْرَةْ: قدرة في الشرعيات:\nونقصد بالشرعيات يعني المسائل الدينية، فيكون عنده قدرة بأن يستقبل من العلم والدين ما لا يستقبله غيره من جهة الحفظ -حفظ الشريعة- أو الفهم الذي يُؤتيه الله - ﷿ - من خَصَّهُ من أوليائه أو ما شابه ذلك، فعنده قدرة في فهم الشرعيات وفي فهم مراد الله وفي الحفظ وفيما أُعْطِيَ بمزيد عن عادة أمثاله.\nهذا يكون بالإكرام إذا خَرَجَ عن مقتضى العادة، صار خارقًَا للعادة في حال بعض الناس.\n٢- القسم الثاني: كرامات ترجع إلى التأثير:\nالتأثير قد يكون أيضًا في الكونيات وقد يكون التأثير في الشرعيات.\n@ النوع الأول من التأثير: تأثير في الكونيات:\nيعني تأثيرٌ يرجع إلى تأثيرٍ في الكون بأن يُؤَثِّرْ في المكان الذي هو فيه، أو في أبصار الناس بأن لا يروه، مثل ما حصل مثلًا للحسن البصري ﵀ حيث دَخَلَ عليه بعض الشُّرَطْ لِطَلَبِهِ فلم يروه، دخلوا وداروا في المكان وهو جالس في وسط الدار فلم يروه، وأشباه ذلك مما فيه تأثيرٌ في قُدَرْ الآخرين.\nالأول قُدْرَةْ في نفسه والتأثير يكونُ في قُدَرِ الآخرين، التأثير في خصائص الأشياء، التأثير في خاصية الهواء، خاصية الماء ونحو ذلك، هذا قد يؤتيه الله - ﷿ - بعض أوليائه لحاجتهم إليه كما ذكرنا.\n@ النوع الثاني من التأثير: تأثير في الشرعيات:\nيعني أن يُؤَثِّرْ في ما هو مطلوب شرعًَا، إذا عَلَّمَ فإنَّهُ يقع تعليمه موقع النفع أكثر من غيره، يعني بشيءٍ لا يُسْتَطاع عادة، يكون فيه الأمر زائِدْ عن العادة، له قَبُولْ والكلام يقع موقعه أكثر مما اعتداده الناس في أمثال أهل العلم، كذلك تأثير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا أمر ونَهَى فإنه يؤثر التأثير البالغ بحيث لا يُعَارَضْ، ومثل أن يُؤَثِّرْ في الناس في هدايتهم إذا وعظ، إذا قال لفلان من الناس افعل كذا أطَاعَهْ، إذا وعظ رق قلبه، إذا أَمَرَ بالتوبة أُطِيع ونحو ذلك مما هو خارجٌ العادة إلَّا أنَّ الناس من عادتهم أن يطيعوا ولا يطيعوا.\nهذا التقسيم ذكره شارح الطحاوية في هذا الموقع، وشيخ الإسلام قَسَمَهُ في الواسطية -كما تعلمون- إلى أنَّ الخوارق التي تجري على يدي الولي وتُسَمَّى كرامة:\n- تارةً تكون في العلوم والمكاشفات.\n- وتارةً تكون في القدرة والتأثيرات.\nفَجَعَل القدرة والتأثير بابًا واحدًا، وجَعَلَ العلم والمكاشفة جعله بابًا آخر.\nوهذا التقسيم أيضًا ظاهر، وهي تقاسيم باعتبارات مختلفة.","vol":"1","page":678},{"text":"[المسألة السادسة]:\nذكرنا لكم أنَّ الخوارق ثلاثة أقسام:\n- خارقٌ للعادة جرى على يدي نبي ورسول، وهذا يسمى آية وبرهان ومعجزة.\n- وخارقٌ للعادة جرى على يدي ولي، وهذا يسمى كرامة.\n- وخارقٌ للعادة جرى على يدي شيطان أو عاصي أو مبتدع أو من ليس مطيعًا لله ومُتَّقِيًَا له، فهذا يسمى حالًا شيطانيًا.\nفالفرق بين هذه الثلاثة أشياء واضح:\n١ - أولًا: أنَّ الأمْرَ الخارق للعادة بحسب من يضاف إليه:\n- فإذا أضيف إلى النبي صار اسمه آية وبرهانا ومُعْجِزًَا.\n- وإذا أضيف إلى الولي فإنه يُسَمَّى كرامة.\n- وإذا أضيف إلى أصحاب الكهانة والسحر والشعوذة فيُسَمَّى حالًا شيطانيًا.\n٢- ثانيًا: أنَّ خرق العادة الذي يجري للولي لا يكون مصحوبًا بِدَعْوَى النُّبُوَة، فقد يجري للأولياء أحوالٌ عظيمة لكنها مع عدم دعوى النبوة.\nفإذا ادَّعَى مع تلك الأحوال النبوة صار شيطانًا، وصار ما يُسَاعَدُ به إنما هو من جهة الشياطين والسحرة وأشباه ذلك.\n٣- ثالثًا: أنَّ ما تُخْرَقُ به العادة للنبي أوْسَعْ بكثير وأعظم من مما تُخْرَقُ به العادة للولي، فخَرْقُ العادة للولي محدود بالنسبة لخرق العادة للنَّبِي.\nوخَرْقُ العادة للسحرة والكهنة الشياطين وأهل الشعوذة وأهل العصيان الذين يَدَّعُونَ الأحوال هذه ليست خرقًا للعادة في الحقيقة ولكنها قُدْرَةْ مما أَعْطَى الله الشيطان أن يوهم به الناس وأن يُضِلَّ الناس به، من جهة التخييل تارة، ومن جهة تصَوُّرِهِ وتَشَكُّلِهِ في صُوَرْ وأشكال تارة أخرى.\nأما خرق العادة بالنسبة للأنبياء، فالأنبياء يَخْرِقُ الله - ﷿ - لهم العادة أي عادة الجن والإنس في زمانهم، حتى يكون ما يُعْطَوهُ آيةً وبُرْهَانًَا؛ لأنَّ الساحر والكاهن قد يُعارِضُ النبي بما أُعْطِيَ من خارقٍ للعادة بما يمكِنُ للشياطين أن تُمِدَّ بِهِ هذا الساحر والكاهن إلى آخره.\nلكن جَعَلَ الله - ﷿ - الخارق للعادة بما لا يمكن للإنسي ولا للجني لو اجتمعت أن يُعْطَوا ذلك، كما قال - ﷿ - ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، فالقرآن آية، برهان، وهكذا آية موسى ﵇، الآيات التي أوليتها موسى لا تستطيعها السَّحَرَة ولا الكهنة، وكذلك ما أعطى الله - ﷿ - عيسى من الآيات، وكذلك كل نبي ورسول لا يستطيعه أهل زمانهم من الإنس والجن لو اجتمعوا، فإنهم لا يستطيعون ذلك.\nولهذا صار مثلًا حمل الشيء الكبير العظيم من بلدٍ إلى بلد لا يدخل ضمن معجزات الأنبياء كما حصل في قصّة سليمان ﵇: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩]، هذا حَمْلْ لِمُدَّةْ أنْ يقومَ بالمقام، ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٤٠]، فصار جَلْبْ هذا الشيء من مكانٍ إلى مكان، من اليمن إلى أرض سليمان ﵇ في فلسطين، صار جَلْبُهُ ليس من آيات الأنبياء ولا من براهين الأنبياء، فصار في حق الذي أُوتي علمًا من الكتاب: كرامة (١) .\n\n: [[الشريط السابع والأربعون]]:\n\nوما قام به الجن هذا مما يَقْدِرُونَ عليه، فَخَرْقُ الجن للعادة بما لا يستطيع البشر قُصَارَى ما عندهم أنْ يأتوا به قبل أن يقوم من هذا المقام، يعني ذلك الجني الذي قال تلك الكلمة، وهذا الذي أُكرِمْ، أُكرِمْ بأن يَدْعُوَ فيُؤْتَى بالعرش إلى سليمان ﵇.\nوهذا من جهة هو كرامة لمن أُعْطِي، ومن جهة أخرى هو أيضًا آية لسليمان ﵇ بالنظر إلى تسخير هذا الإنس والجن له مما لا يُسَخَّرُ معه الإنس والجن والطير لغير نبيِّ من الأنبياء.\nالمقصود من ذلك:\n- أنَّ خارق النبي آية وبرهان؛ لأنه يَخرِقُ عادة الجن والإنس في ذلك الزمان.\n- أمَّا خارق الولي فهو محدودٌ بالنسبة إلى خارق النبي في أَنَّهُ تُخْرَقُ له العادة التي لا يستطيعها الإنس ولا بعض الجن.\nلأنَّ اجتماع الإنس والجن، هذا خاص -يعني لو أرادوا أن يحدث شيء- هذا لا يمكن لأنَّ معجزة النبي أكبر وأعظم، وأما الولي فإنَّهُ بِحَسَبِ مَنْ هُوَ فيهم لأنها كرامة وليست آيةً ولا برهانًا على رسالةٍ ولا نبوة؛ بل هو خاصٌ بما يُكْرَمُ به هُوَ.\n- أمَّا خوارق الشياطين والسحرة بما يُولُونَ به أولياء الشياطين من الإنس فهذه محدودة:\n&amp; وقد تكون تَخْيِيلًا -يعني تصوير للعين-.\n&amp; وقد تكون تَشَكُّلًا لكن تَشَكُّلْ من الجني في صورة إنسي أو في صور حيوان أو ما أشبه ذلك.\nلهذا قد يظهر الجني في صورة إنسان، في صورة العبد الصالح ويكون في مكانٍ آخر، مثل ما قال ابن تيمية ﵀ في موضع (كان وَقَعَ بأصحابي شِدَّةْ، قال: فَرَأَوا صورتي عندهم فاستغاثوا بي، ثم أخبروني فَأَعْلَمْتُهُم أَنِّي لم أَبْرَحْ مكاني -يعني في دمشق وهم كانوا خارج دمشق-، وإنما هذا جني تَصَوَّرَ بي) .\nوهذا مما أَقْدَرَ الله عليه الجن، لكن لا يَقْلِبُونَ الحال؛ لكن يتشكلون في صورة ينظر إليها الإنسي أنَّ هذا هو صورة فلان، من قَبِيْلِ التَّشَكُّل، لكن ليس ثَمَّ مادة وقلب حقيقي.\nلكن قد يدخلون في جسد حيوان، قد يدخلون في جسد إنسان، هذه مسألة التَّلَبُّسْ مسألة أخرى لكن من حيث التَّشْكِيلْ والتَّصْوِير هذا من جهة التخييل، أو من جهة إظهار الشيء بدون حقيقة مادية؛ لأنهم هم ليس لهم مادة يعني مثل مادة الإنسان.\nلهذا صار صاحب الخوارق الشيطانية، هذا ليس بكرامة وإنما هو من جهة الشيطان، ولا يُعْطِيه الله - ﷿ - على ذنبه ومعصيته واستعانته بالشياطين، فيستعين بالشياطين على ذلك.\n٤- رابعًا: أنَّ كرامة الولي لا تبلغ جنس آية النبي.\nهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ -يعني أهل الحديث- في أنها لا تبلغ جنسها وإنْ شَرِكَتْهَا، يعني اشتركت معها في الصورة فلا تبلغ جنسها.\nيعني قد يدخل النار فلا يحترق، وإبراهيم ﵇ دخل نارًا فلم تضره أو صارت بردًا وسلامًا عليه؛ لكن لا يشتركان في الجنس، وإن اشتركوا في النوع.\nيعني إنْ اشتركوا لكن هذه قدْرَهَا ليس كَقَدْرِ هذه، صفة النار هذه ليست النار كصفة هذه، وصفة ما يحصل للولي ليس كصفة ما يُعْطَاهُ النبي.\nوأما الأشاعرة وطائفة فإنهم قالوا تتساوى، تتساوى الكرامة بآية وبرهان النبي والمعجزة من حيث الجنس، لكن الفرق بينهما أنَّ النبي يقول: أنا نبي، وأما الولي فيقول: أنا تابعٌ للنبي.\nوالأول مثل ما ذكرت لك هو المتَعَيِّنْ لأنَّ الله - ﷿ - فَرَّقَ بين ما يُعْطِيهْ النبي من خرق العادة وما يُعْطِيهْ غيره فقد قال فيما يُعْطِيهْ للنبي: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨]، وأما ما يُعْطِيهْ الإنسي فإنَّه قد يكون محدودًا.\nمثلًا أصحاب الكهف ناموا تلك النومة، ولم يتأثروا ثلاثمائة وتسع سنين، فيه من يعيش أكثر من ذلك.\nوهذا أقل مما يحصل للأنبياء في جنس ما يُعطَوْن.\n_________\n(١) نهاية الشريط السادس والأربعين.","vol":"1","page":679},{"text":"[المسألة السابعة]:\nأنكرت المعتزلة وجماعات كرامات الأولياء وقالوا: إنَّ إثبات كرامات الأولياء يعود على معجزات الأنبياء بالإبطال؛ لأنَّ الجميع خرقٌ للعادة، وما عَادَ على معجزات الأنبياء بالإِبْطَالْ فهو باطل.\nفالجواب عن ذلك أنَّ الله - ﷿ - أثبت هذه الأنواع الثلاث:\nأثبت الآيات والبراهين التي يعطيها للأنبياء.\nوأثبت - ﷻ - كرامات الأولياء.\nوأثبت - ﷿ - مخاريق السحرة وتخييلات السحرة.\nفَكُلُّ هذه في القرآن وفي السنة، وكلها تشترك في أنها أمور خارقة للعادة، فعدم الإيمان بها هو ردٌ للقرآن فيما دَلَّ عليه.\nوقد لا تكون الدِّلالة عندهم قطعية وبذلك لا تدخل المسألة في الكفر؛ لكن ظاهر أنَّ القرآن فيه هذا وهذا.\nفمثلًا مريم ﵍ أُعْطِيَتْ أشياء وليست بِنَبِيَّة لأنَّهُ ليس في النساء نَبِيَّةْ كما هو معلوم، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧]، وكذلك قصة أصحاب الكهف، وهؤلاء جميعًا ليسوا بأنبياء.\nالمقصود من ذلك أنَّ جنس الكرامة هذا ثابِتْ في القرآن وفي السنة وقَصَّهُ الله - ﷿ -، فَنَفْيُ الكرامة لأنها خارق للعادة هذا رَدٌّ لما أثبته الله - ﷿ -، والله - ﷿ - فَرَّقَ بين هذا وهذا.\nوأما أنها تشتَبِهْ مع خارق الأنبياء فهذا ليس بصحيح كما ذكرنا لك من الفروق السّابقة لأنَّهُ ثَمَّةَ فُروق ما بين كرامات الأولياء وما بين معجزات الأنبياء.\nوطَرَدُوا المعتزلة هذا الباب فقالوا: كل الخوارق الشيطانية وكل الخوارق التي تجري للعقل والسحر والأشياء كل هذه مما يدخل في باب خرق العادة، لا نؤمن به ويُرَدْ.\nوكُلُّهُ جَرْيًَا منهم على هذا الأصل، وهو أنَّهُ يعود على آيات الأنبياء بالإِبْطَال.","vol":"1","page":680},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nمما يشتبه بالكرامة: الإعانة الخاصة مِنَ الله - ﷿ - لبعض عباده، فقد يُعِينُ الله - ﷿ - بعض العباد بأشياء يُفَرِّجُ بها عنهم الهم والكرب والضيق لكن لا تدخل في باب الكرامة؛ لأنها ليست أمورًا خارقة للعادة، فَثَمَّ فَرْقْ بين نِعَمِ الله تعالى المتجددة مما يُنَجِّي الله به مثلًا عبده من حادث أو من مرض أو نحو ذلك ولا يكون هذا الإنْجَاءْ من الخوارق للعادة.\nفلذلك يُفرَّقْ ما بين جنس النِّعَمْ التي يُعطيها الله - ﷿ - خاصة العباد وما بين الكرامات، فليس كل ما يُنْعِمُ الله - ﷿ - به على العبد من الأمور العظيمة كرامة؛ بل الكرامة ضابطها أنها أمرٌ خارقٌ للعادة جرى على يدي ولي.\nولهذا أصحاب الطُّرُقْ والذين يريدون صرف وجوه الناس إليهم قد يُعَظِّمُون ذِكْرْ بعض الإِنْعَامْ حتى يجعلوه كرامةً، فيُغْرُونَ الناس بأنهم أولياء وأنهم أُكْرِمُوا بكذا وكذا إلخ.\nوالله - ﷿ - يُنعم على عباده بأنواع النِّعَمْ الدينية، والشرعية والكونية، وهذه الأنواع من الإِنْعَامْ هذه ليست دائمًا مما تُخرَقُ به العادة، لهذا نقول الكرامة مما تُخْرَقُ به العادة.","vol":"1","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>[المسألة التاسعة]:\nالكرامة إذا أعطاها الله - ﷿ - الولي فإنَّهُ ليس معنى ذلك أنَّهُ مُفَضَّلٌ وأعلى منزلة على من لم يُعْطَ الكرامة</span>.\nفالكرامة إكرامٌ وإِنْعَامْ من الله - ﷿ - للعبد لأجل حاجته إليها، وقد تكون حاجته إليها دينية وقد تكون حاجته إليها كونية دنيوية.\nلهذا قَلَّتْ الكرامات عند الصحابة، فالمُدَوَّنْ من الكرامات بالأسانيد الثابتة عن الصحابة أقل بكثير مما يُروَى عن التابعين، وهكذا فيمن بعدهم؛ لأنَّ المرء إذا قَوِيَ إيمانه وقَوِيَ يقينه فإنه قد يُتْرَكْ للابتلاء لا للتفريج كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي في الصحيحين: «يُبتلى الرجل على قدر دينه، أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل»، «يُبتلى الرجل على قدر دينه» (١) .\nوهذا يدل على أَنَّ الله - ﷿ - قد يختار للولي الصالح وللعبد الصالح الذي تَعْظُمُ منزلته في وَلَايَةِ الله - ﷿ - وإكرامه ومحبته له في أن يتركه للإبتلاء، وأن يتركه لغير هذه الأمور الخارقة للعادة.\nفتكون إذًا هذه الخوارق للعادة وهذه الكرامات لحاجته إليها ولأنه قد يصيبه ضعف في الإيمان لو لم يُعطَ.\nفبعض الناس قد يكون عنده عبادات عظيمة وقيام وصلاة وصيام ثُمَّ إذا أصابته شدة ولم يُفَرَّجْ عنه فإنه قد يعود على قلبه بالضعف في الإيمان، فيُكْرِمُهُ الله - ﷿ - لأجل ضعفه لا لأجل كماله.\nولهذا فإنَّ باب الكرامة ليس معناهُ تفضيل من جرت له، فقد يكون مُفَضَّلًا وقد لا يكون، فليست الكرامة بمجردها دليلًا عند السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام؛ بل الإيمان بالكرامات -كرامات الأولياء- لأجل وجودها وأنَّ الله - ﷿ - يُكْرِمْ بها عباده وأَنَّ الأدلة دَلَّتْ على ذلك وليس من أجل تفضيل من حصلت له الكرامة فقد يكون أقل درجة بكثير ممن من لم تحصل له الكرامة.\nإذا كان كذلك، فإنه حينئِذْ من دُوِّنَتْ عنه الكرامات لا يلزم أن يكون أعلم ولا أفضل ولا أن يُقْتَدَى به ولا أن تُؤْخَذْ أقواله لأجل أنَّهُ حصلت منه الكرامة؛ بل لم يزل الصَّالحون إذا حصلت لهم مثل هذه الأنواع من الكرامات لم يزالوا يكتمونها ولا يُشيعُونَها لأَنَّهَا قد تكون في حقّهم من الفتنة، وهم لِعِلْمِهِمْ بالله - ﷿ - وما يستحقه - ﷻ - من الطاعة والإنابة والإقبال عليه أَنْ لا يَفْتِنُوا الناس بذلك.\nوهذا من أسباب أنَّ المنقول عن الصحابة من الكرامات قليل جدًا، وعند التابعين أكثر، ثُمَّ هكذا، كلما ضَعُفَ الناس كلما أَحَبُّوا إذا حصل لهم أي شيء أن ينشروه وأنْ لا يكتموه.\nلهذا نقول: الواجب على الناس أن لا يعتقدوا فيمن حصل له إكرام أو كرامة.\nأن لا يعتقدوا فيه؛ بل يقولون: هذا دليل على إيمانه وتقواه إذا كان مُتَحَقِّقًَا بالإيمان والتقوى، وهذا دليلٌ على محبة الله - ﷿ - له.\nوهو يَسْأَلْ لنفسه الثبات ويحرص على ذلك.\nوهم أيضًا لا يأمنون عليه الفتنة، وإذا مات على هذه الحال أيضًا من الصّلاح والطاعة فإنه يُرْجَى له الخير ولا تتعلق القلوب به، أو يُستغَاثْ به أو يُؤْتَى لقبره ويُسْتَنْجَدْ به أو يُطْلَبْ منه تفريج الكربات أو يُرَاعَى وهو في غيبته في حال الحياة ونحو ذلك كما يفعله ضُلَّالْ أصحاب الطرق الصوفية ومن يعتقدون فيه ممن ينتسبون للأولياء وربما لم يكونوا منهم.\nلهذا فالواجب على المؤمن أن لا يتحدث بهذه إلا إذا رأى ثَمَّ حاجة دينية لذلك، أما إذا كانت لأجل إظهار منزلته أو لإظهار إكرام الله - ﷿ - له ونحو ذلك، فهذا الأفضل كتمانها سِيَّمَا إذا كان مع إظهارها والتحدث بها فتنة قد تصيب البعض، وإذا كان في مثل هذه الأزمنة التي يظهر فيها الجهل ويتعلق الناس بمن ظهر عليهم الصلاح لأجل الاعتقاد فيهم فإنه يجب على المؤمن أن يصد وسائل الشر وأن يسد ذرائع الشرك والغلو التي منها ذكر الكرامات وتداول ذلك.\n_________\n(١) ابن حبان (٢٩٠٠)","vol":"1","page":682},{"text":"[المسألة العاشرة]:\nمما يتصل بالكرامة من المباحث مبحث الفِرَاسَةْ؛ لأنَّ الفِرَاسَةْ الإيمانية بها يَعْلَمْ صاحب الفِرَاسَةْ ما في نفس الآخرين.\nوالفِرَاسَةْ لفظٌ جاء في السنة: «اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» (١)، والحديث حَسَّنَهُ جماعة من أهل العلم، وهو في الترمذي وفي غيره.\nهذه الفِرَاسَةْ عُرِّفَتْ بأنها: شيء من العلم يُلْقَى في رُوعِ المؤمن به يعلم حالْ من أَمَامَهْ، إمَّا حالُهُ الإيماني وإما حالُهُ في الصدق والكذب، وإما بمعرفة ما في نفسه ويجول في خاطره.\nولهذا عُرِّفت الفِرَاسَةْ أيضًا بأنها نور يقذفه الله في قلب بعض عباده، بها يعلم مُخَبَّئَاتْ ما في صدور بعض الناس.\nوالعلماء قسموا الفِرَاسَةْ إلى أقسام أشهرها ثلاثة:\n١- الأول: الفِرَاسَةْ الإيمانية:\nوهي التي قد يُدْخِلُهَا بعضهم في باب الكرامة وليست منها.\n٢- الثاني: فراسةٌ رياضية:\nيعني تحصل بالترويض وبالتعود وبتخفيف ما في النفس من العلائق، وهي التي يحصل فيها دُرْبَة عند بعض أصحاب الطُّرُقْ.\n٣- الثالث: فراسة خَلْقِيَّة:\nوهذه ليست راجعت إلى استبطان ما في النفوس ولكن باعتبار الظَّاهر.\nيُنْظَرُ إلى الخَلْقْ فيستدل بشكل الوجه على الخُلُق، ويستدل بشكل العينين على مزاج صاحبها، يستدل بشكل البدن أو شكل اليد أو تقاطيع الوجه على حاله مِنْ جِهَةْ الأخلاق.\nفهذه اعتنى كثير من الناس، وصُنِّفَتْ فيها مصنفات عند جميع الأمم، من الأمم السابقة لأمة الإسلام، وفي أمة الإسلام أيضًا لأنها فراسة خَلْقِيَّةْ، ويقولون: إنَّهُ ثَمَّ ترابط ما بين الخَلْقْ والخُلُقْ.\nومن الأئمة الذين اعتنوا بهذا الباب وتَعَلَّمُوهُ الشافعي ﵀ وصَنَّفَ طائفة من أصحاب الشافعي في الفِراسة مصنفات الفراسة الخَلقية.\nالمقصود من ذلك أَنَّ الفراسة -وهي النوع الأول الفراسة الإيمانية-، ليست من الكرامة لأنها أقرب ما تكون إلى الإلهام، والإلهام قد يكون خارقًا للعادة وقد لا يكون.\nفجنس الفراسة الإيمانية ليست من جنس الكرامات، وقد يكون من أنواع الفراسة ما يكون فيه خرق للعادة فيكون كالعلوم والمُكَاشَفَات التي يُجريها الله - ﷿ - على يد أوليائه.\n_________\n(١) الترمذي (٣١٢٧)","vol":"1","page":683},{"text":"[المسألة الحادية عشر (١)]:\nكرامات الأولياء قد تجري للمجموع لا للأفراد، وهذا في حال الجهاد سواءٌ أكان جهادًا علميًا أم كان جهادًا بدنيًا -يعني بالسِّنان-.\nفقد يُكْرِمُ الله - ﷿ - الأُمَّةَ المجاهدة، جماعة المجاهدين من أهل العلم، يعني من الجهاد باللسان بقوة في التأثيرات الشّرعية وبالنصر على من عاداهم بالمَلَكَة والحُجَّة وبما يعلمون به مواقع الحُجَجْ وما في نفوسهم بما يكون أقوى من قُدَرِهِمْ في العادة.\nقد يُكرمهم الله - ﷿ - بذلك وإن لم يكونوا من الملتزمين بالسنة.\nوقد يكون كما ذُكِرْ بعض أهل البدع يُعْطَى قوّة وينتصر على عَدُوِّهِ من النصارى مثلًا أو من اليهود أو من الملاحدة في أبواب المناظرات ويُكْشَفُ له من مُخَبَّآتِ صدر الآخر ما لا يكون لأفراد الناس، ويُكْشَفْ له من القوة والحجة في التأثير على الناس ما يدخل في باب التأثير في الكونيات والشرعيات كما ذكرت لك سابقًا.\nوكذلك في أبواب جهاد الأعداء بالسيف، فقد يُؤْتَى طائفة من المسلمين من أهل البدع والذنوب والمعاصي بعض الكرامات إذا جاهدوا الأعداء.\nوهذا يُنْظَرُ فيه إلى المجموع لا إلى الفرد، والمجموع أرادَ نُصْرَةْ القرآن والسنة ودين الله - ﷿ - ضِدْ من هو كافِرٌ بالله - ﷻ - وضد من هو مُعَارِضٌ لرسالة الرسل أو من يريد إذلال الإسلام وأهل الإسلام.\nفيُعطى هؤلاء بعض الكرامات وهي لا تدل على أنهم صالحون وعلى أنَّ مُعْتَقَدْ الأفراد أَنَّهُ مُعْتَقَدٌ صالحٌ صحيح؛ بل تدل على أَنَّ ما معهم من أصل الدين والاستجابة لله والرسول في الجملة أنهم أحَقُّ بنصر الله وبإِكرامه في هذا الموطن لأنهم يجاهدون أعداء الله - ﷿ - وأعداء رسوله ﷺ.\nولهذا لا يُغْتَرْ بما يُذْكَرْ عن بعض المجاهدين أنهم حصلت لهم كرامات وكرامات وكرامات.\nوهذه الناس فيها لهم أنحاء:\n- منهم من يُكَذِّبْ ويقول هؤلاء عندهم وعندهم من البِدَعْ والخُرَافات وإلخ، وبالتالي الكرامة لا تكون لهم، فينفي وجود هذه الكرامات.\n- ومنهم من يُصَدِّقُ بها ويجعل هذا التصديق دليلًا على أنهم صالحون وأنَّهُ لا أثر للبدعة وأنَّ الناس يتشددون في مسائل السنَّةْ والبدعة.\nوأما أهل العلم المتبعون للسلف كما قَرَّرَ ذلك ابن تيمية بالتفصيل في كتابه النَّبُوَاتْ فإِنَّهُم يعلمون أنَّ المجاهد قد يُعْطَى كرامَةً ولو كان مُبتدعًا، لا لذاته ولكن لما جاهد له، فهو جاهد لرفع راية الله - ﷿ - ضد ملاحدة، ضد كفرة، ضد نصارى، ضد يهود، ضد وثنيين، وهذا يستحق الإكرام لأنَّهُ بَذَلَ نفسه في سبيل الله - ﷿ -.\nوالبدع ذنوب، والجهاد طاعة، ومن أعظم الأعمال قُرْبَةْ، ومعلوم أَنَّ الحسنات تُذْهِبْ ما يقابلها من السيئات، فقد تكون في حَقِّ البعض حسنة الجهاد أعظم من سيئة بعض البدع والذنوب؛ بل الجهاد سبب في تكفير الذنوب والآثام كما قال - ﷿ -: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف:١٠-١٢] الآية.\nمن أعظم أسباب مغفرة الذنوب الجهاد، ومن أعظم أسباب تحقيق وَلَايَةْ الله ومحبته أَنْ يُجَاهِدْ العبد، لكن هذا يكون في موازنة الحسنات والسيئات والله - ﷿ - أعلم بنتيجة هذه الموازنة.\nالمقصود من ذلك أَنَّ أهل السنة والجماعة يُقَرِّرُون أَنَّ الكرامة هي للولي الصالح كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣]، وقد يُعْطِيْ الله - ﷿ - الكرامة لجَمْعٍ من المسلمين، أو لفردٍ في جَمْعٍ من المسلمين لأجل ما ذكرتُ لك من الحال إذا كان على غير التقوى والإيمان ومتابعة السّنة أو الأخذ ببعض البدع.\nولهذا لا يَغْتَرْ مُغْتَرْ بما يحدث من ذلك ويَزِنْ الأمور بموازينها:\n- فمن نَفَى مُطْلَقًَا فهو مَتَجَنِّي لأنَّهُ لا عِلْمَ له بذلك.\n- ومن قَبِلَ مُطْلَقًَا وجعلها دليلًا على الصلاح والطاعة وأنَّهُ لا أثر للعقائد ولا أثر للسنة في مثل هذه المسائل هذا أيضًا تَجَنَّى على الشرع وتَجَنَّى نفسه، والعلم يقضي بما ذكرته لك في ذلك.\n_________\n(١) ذكرها الشيخ حفظه الله تعالى تحت المسألة الثالثة عند الإجابة على السؤال: هل المبتدع أو الضال أو العاصي يعطى كرامة (٦٧٢)","vol":"1","page":684},{"text":"[المسألة الثانية عشر]:\nالواجب على المؤمنين أن يَسْعَوا في الإيمان (١) وفي شُعَبِهِ -امْتِثَالًَا للأوامر واجتنابًا للنواهي- طلبًا لمرضاة الله - ﷿ - وأن يبذلوا أنفسهم في الجهاد بأنواعه: الجهاد في العلم والجهاد في العمل والدعوة، أو الجهاد بالسيف والسنان إذا جاء وقته، أو إذا حَضَرَهُ المؤمن، أن يسعوا فيه طَلَبًَا لرضا ربهم - ﷿ -، وأن لا يلتفت العبد مهما بَذَلْ إلى حصول الكرامة أو عدم حصول الكرامة.\nفمن الناس من تعلّقت قلوبهم بالكرامات؛ بل بما هو دونها من الرُؤَى وربما الأحلام ومن القصص والحكايات والأخبار وأَثَّرَ ذلك على إيمانه سلبًا أو إيجابًا، ضعفًا أم زيادة.\nوهذه الأمور نؤمن بها -يعني مسائل الكرامات-، نؤمن بها لأَنَّهَا جاءت في النصوص؛ لكن العبد لا يَتَطَلَّبُهَا، لا يبحث عنها، كما ذكرت لك ربما كان الأكمل في حقه أن لا تحصل له الكرامة، وربما كان الأكمل في حقه أن يُبْتَلَى، وربما كان الأكمل في حقه أن يُذَلْ ولا يُعْرَفْ ما يقضي الله - ﷿ - به في هذه المسائل.\nومن نظر لسيرة من نعتقد فيهم أنهم من أفضل أهل زمانهم إيمانًَا وتقوى ومُتابعة للسنة وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر ومُجَاهدةً لأعداء الله، حصل لهم من الابتلاء والفتنة ما حصل، كما حصل لإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل، وكذلك ما حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، فالجميع حصل لهم من البلاء والسجن والفتنة، يعني والصد والإيذاء ما حصل لهم، ومع ذلك هم أكمل ممن هم دونهم ممن حصل لبعضهم من الكرامات فيما نُقل بأسانيد ثابتة.\nبل ابن القيم ﵀ طِيْفَ به في دمشق وهو العالم الإمام على حمار ظهره إلى السماء ووجهه إلى الأرض تنكيلًا به، ومع ذلك ما ضَرَّهُ لا في وقته ولا فيما بعده فالتراجم طافحة بالثناء عليه، لأنَّ هذه مسائل من الابتلاء التي يَبْتَلِي بها الله - ﷿ - بعض عباده كيف شاء.\nفالمقصود من هذا أنَّ الميزان هو متابعة السنة.\nتحقيق الإيمان والتقوى، متابعة طريقة السلف الصالح قد يحصل معه إكرام وقد لا يحصل معه، يحصل معه ضد ذلك من الابتلاء والإيذاء، وقد يكون المُبْتَلَى أكمل ممن لم يُبْتَلَ.\nفالعبرة بلزوم منهج السلف الصالح وطريقة السلف الصالح، فقد يُبْتَلَى من هو من أهل البدع، وقد يُبْتَلَى من هو من أهل السنة، وقد يُبْتَلَى العاصي المذنب، وقد يُبْتَلَى التقي الناصح، وهكذا.\nفإذًا الميزان هو كتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله - ﷺ - وملازمة طريقة السلف الصالح في ذلك.\nأسأل الله - ﷿ - أن يجعلنا من أوليائه وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يُكَفِّرَ عنا الخطايا والآثام، وصلى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد.\n_________\n(١) نهاية الوجه الأول من الشريط السابع والأربعين","vol":"1","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>الأسئلة:</span>\nس١/ يقول أشكل عند قول الطحاوي: (حب الصحابة دين وإيمان) (١)، وذلك من جهة تسمية حب الصحابة إيمان، والحب عمل القلب وليس هو التصديق، فيكون العمل داخِلًَا في مُسَمَّى الإيمان.\nج/ هذا مُشْكِلْ وقد ذكر الشارح أنه مُشْكِلٌ على أصل الشيخ، وهذا ظاهر أنه مُشْكِلْ، وما من أحد يخالف السّنة إلا ويقع في التناقض، لأنَّ الميزان الذي لا يختلف هو الكتاب والسنة، أما الرأي فيختلف، الإنسان يرى رأيًا اليوم وغدًا يبدو له شيء آخر، ما يلتزمه في كل كلمة، يلتزمه إذا جاء في التعريف، يلتزمه إذا جاء في الوصف ثُمَّ يخالفه في سَنَنْ كلامه وهكذا.\nولهذا بعض أهل البدع حتى في مسائل الصفات، إذا جاؤوا يتكلمون مثلًا عن الاستواء على العرش، لو تَحَقَّقَ هو من نفسه لوجد أنَّ نفسه تغلبه إلى أنَّ الله - ﷿ - مستوٍ على عرشه بذاته بائنٌ من خلقه حتى وهو يتكلم فيها.\nلكن إذا أراد أن يُقَرِّرْ المسألة ذهب إلى ما تَعَلَّمَهُ فَثَمَّ فرق مابين الشيء الفطري وهو التسليم لكلام الله - ﷿ - وكلام رسوله وما يأتي في باب التعليم تارَةً.\nولهذا نبهناكم مرارًا إلى غلط قول من يقول إنَّ أكثر المسلمين أشاعرة أو أكثر المسلمين ليسوا من أهل السنة والجماعة، وإنما أكثر المسلمين أشاعرة، أو أكثر المسلمين ماتريدية أو نحو ذلك، والقليل هم من يتبعون منهج السلف الصالح، هذا غلط كبير.\nبل أكثر المسلمين في المسائل الغيبية على الطريقة المرضية، لكن ليس أكثر العلماء؛ لأَنَّ العلماء هم الذين عندهم ما يخالف ظاهر الكتاب والسنة، وما يُخالف الفطرة، أما لو تسأل أي عامي في البلاد التي هي بلاد لنصرة المذاهب المخالفة لطريقة السلف، إما للأشعرية والماتريدية بحسب اختلاف البلدان وتأخذ عامي وتسأله عن الاستواء على العرش، ما يستحضر إلا ما يدل عليه الظاهر وما يؤمن به، إلا إذا أتى أحد من العلماء وعَلَّمَهْ أَنَّ هذه تأويلها كذا وكذا، فيذهب إلى كلام العالم.\nوالإيمان بالظاهر في الصفات ما يستحضر أَنَّ الله لا يُوصَفْ بالرحمة، ما يستحضر أنَّ الله لا يوصف بالرضا.\nلو تسأل عامي: هل الله يرضى؟\nيقول: نعم الله يرضى، في القرآن.\nهل الله يغضب؟\nيقول: نعم يغضب.\nفلذلك عامة الناس حتى في مسائل الإيمان، العمل، لو تسأل عامة الناس: هل العمل من الإيمان؟\nأكثر المسلمين يقولك نعم العمل من الإيمان، كذلك مسائل القَدَرْ ما عندهم مبحث الجبر ولا يعرفون الجبر الداخلي لا الظاهري الذي هو الكسب عند الأشاعرة، هذه مسائل مُخَالِفَة للفطرة ومخالفة لظاهر النصوص، والناس لا يستوعبونها إلا بالدرس والتعليم.\nولهذا مِيْزَةْ هَدْيْ السلف الصالح ومِيْزَةْ طريقة أئمة الحديث أنَّهُم على ظاهر القرآن والحديث، وهذا هو الذي يسع الذكي والبليد والعامي وغير العامي والعالم وغير العالم، يسع الجميع لأنها سهلة ميسورة، وإنما فصَّلنا في المسائل وكَثُرَ الكلام لأجل كثرة المخالفين وحماية للشريعة.\nمثل الإعداد بالسلاح، عندنا مال كثير نحتاج فيه إلى بناء مساجد فنذهب نبني المساجد لكن إن دَهَمَنَا عدو وَجَّهنَاه في العدو، أَخَّرْنَا بناء المساجد لأن لا يقضي ما هو موجود من الدين والمساجد.\nفلهذا النفوس، نفوس المسلمين هي على ظاهر الكتاب والسنة ما عندهم التأويل والعقلانيات إلخ.\nفأكثر المسلمين على طريقة السلف في الاعتقاد.\nلكن، أما العلماء فهذه هي المصيبة هم الذين تعلموا، منذ نشؤوا دخلوا في مدارس تعلمهم الأشعرية بقوانينها، دخلوا في مدارس تعلمهم دين الخوارج أو دين الرافضة أو إلخ، فأخذوا منها شيئًا فشيئًا بالتعليم وبالقصد، ولهذا كما جاء في الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» (٢) .\nالمقصود من ذلك أنَّ المُعَلِّمْ قد يكون أعظم من الأبوين في التأثير أو المربي أو الذي تخالط.\nولهذا احرص تمام الحرص على أن يسلم القلب من مخالفة الكتاب والسنة في الاعتقاد.\nالأعمال والذنوب فهي على باب الغفران كما قال ابن القيم ﵀ في النونية:\nفَوَالله مَا خَوْفِي الذُّنُوبَ فَإِنَّهَا ******* لَعَلَى سَبِيلِ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ\nلَكِنَمَا أَخْشَى انْسِلاَخَ الْقَلْبِ مِنْ ****** تَحْكِيمِ هَذَا الْوَحْيِ وَالْقُرْآنِ\nتحكيمه ليس معناه الدولة اللَّتي تُحَكِّمْ فقط، لا أنت أيضا تُحَكِّمْ الوحي والقرآن في المسائل، تعتقد ما في القرآن وتعتقد ما في السنة.\nفالمقصود من ذلك أنَّ الإشكال الذي وقع فيه الطحاوي يُبَيِّنُ لك أَنَّ بعض العلماء حتى من الذين ربما أصَّلُوا شيئًا مُخَالِفًا للسنة، مثل ما أصَّلْ في مسألة الإيمان شيئًا وبَيَّنَا عدم صحت ذلك هو يُخالفه.\nنحن نقول إشكال، لكن هو في الواقع مُخَالف وهو الصحيح أَنَّ حب الصحابة إيمان وحب الصحابة عمل القلب وأَدْخَلَهْ في الإيمان، حب الصحابة إيمان، خلاص واضح أنَّ هذا العمل إيمان.\nولهذا قال الشارح: وهذه الكلمة مُشْكِلَةْ على أصل الشيخ. كما ذكره السائل.\nس٢/ هل تُقاس الرؤية الصالحة على الكرامة؟ أي هل هي من الكرامة أم لا؟\nج/ الرؤية الصالحة ليست أمرًا خارقًا للعادة، الرؤية الصالحة تحصل لآحاد الناس ليست خارقة لعادة البشر ولا لعادة بعض الجن، فهي رؤية يَضْرِبُهَا الملك، فهي رؤية صالحة وليس لها دخل في الكرامات.\nأمَّا وهل هي مما قد يحتاج إليه المؤمن أو لا؟\nلا، المؤمن لا يتعلق قلبه بالرُّؤَى، إذا رأى رؤية صالحة حَمِدَ الله - ﷿ - ولازَمَ الطاعة حتى لا يفتتن، وإذا رأى رؤية لا تسره أو فيها سوء بالنسبة له فيعمل ما أَوْصَى به النبي ﷺ، أنه ينفث عن يساره ثلاثًا، ويستعيذ بالله - ﷿ - من شرها وينقلب على جنبه الآخر، فإنها لا تضره.\nس٣/ هل العاصي يُعْطَى كتابه بيمينه أم بشماله؟\nج/ العاصي يُعْطَى كتابه بيمينه، أما الذي يُعْطَى كتابه يوم القيامة بشماله فهو الكافر، يُعْطَى كتابه بشماله وراء ظهره، أما المؤمن فيُعْطَى كتابه باليمين سواءٌ أكَانَ من السابقين أم من المقتصدين أم ممن ظلم نفسه، ثم يأتي بعد ذلك الحساب والوزن ثم تأتي الْمُجَازات.\nس٤/ هل تصح هذه العبارة: كرامات الأولياء معجزات الأنبياء، ومعجزات الأنبياء كرامات الأولياء؟\nج/ يعني ما أدري من اللي قالها، ولكنها عبارة حلوة: كرامات الأولياء معجزات الأنبياء. لو قال كرامات الأولياء معجزاتٌ للأنبياء أو كرامة الولي معجزةٌ للنبي، يعني من حيث الجنس فربما صَحَّتْ، يعني باعتبار جميع الأولياء، كرامات جميع الأولياء ما حصلت لهم إلا باتِّبَاعِهِم لهذا النبي، فكل أنواع الخوارق التي حصلت للولي الأول والولي الثاني والعاشر والمائة، كل أنواع هذه الخوارق والكرامات في مجموعها هي معجزة للنبي؛ لأنها ما حصلت لهم إلا بالإتباع، قال: ومعجزات الأنبياء كرامات الأولياء. هذا عكس الكلمة السابقة، فهي إيضاحها على ما ذَكَرْتُ لك، إذا كان المقصود أنَّ كرامات جميع الأولياء هي معجزة وآية وبرهان للنبي الذي تابعوه، فهذا صحيح.\nنكتفي بهذا القدر ونراكم إن شاء الله على خير حال، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد (٣)\n_________\n(١) قال الطحاوي ﵀: وَحُبُّهُم دِينٌ وإيمَانٌ.\n(٢) سبق ذكره (٢٢٠)\n(٣) نهاية الشريط السابع والأربعين.","vol":"1","page":686},{"text":": [[الشريط الثامن والأربعون]]:\n\nالحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لمجده، وأشهد أنَّ محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، أما بعد:\nالأسئلة:\nس/ ما معنى قول (منه بدأ وإليه يعود)؟\nج/ قول طائفة من السلف في القرآن الكريم الذي هو كلام الله - ﷻ -: (منه بدأ وإليه يعود)، يعني منه - ﷻ - بدأ قولًا وكلامًا وتنزيلًا، فلما تَكَلَّمَ به سمعه منه جبريل ﵇ فبلَّغَهُ جبريل نبينا محمدا ﷺ كما سمعه، وقولهم (وإليه يعود) يعني في آخر الزمان حين لا يُعْمَلُ بالقرآن فَيُكَرِّمُ الله - ﷿ - كلامه أن يبقى في الأرض ولا ثَمَّ من يعمل به فيُسْرَى على القرآن في ليلةٍ، من الأوراق من الصحف ومن الصدور فلا يبقى منه في الأرض آية. هذا معنى قولهم (منه بدأ وإليه يعود) .\nنكتفي بهذا القدر ...","vol":"1","page":687},{"text":"وَنُؤْمِنُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ: مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّال، ونُزُولِ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ ﵇ مِنَ السَّماءِ، وَنُؤْمِنُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ دَابَّةِ الأرْضِ مِنْ مَوْضِعِهَا.\n_________\nيريد الطحاوي ﵀ أنَّ ما جاء في القرآن الكريم وفي سنة النبي - ﷺ - من ذِكْرِ أمورٍ غيبية تكون قريبًا مِنْ السّاعة، أو تكون من أشراطها فإنها داخلةٌ في الإيمان في أركان الإيمان، ويجب الإيمان بها.\nودخولها في أركان الإيمان من جهتين:\nالجهة الأولى: أنَّهَا غيب والإيمان كُلُّهُ إيمانٌ بالغيب الذي أخبر به الله - ﷻ - أو أخبر به نبيُّه الله ﷺ.\nالجهة الثانية: أنَّ من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر، ومُقَدِّمَات اليوم الآخر وأشراط الساعة التي ثبتت في كتاب الله وفي سنة محمد الله ﷺ فإنَّ الإيمان بها واجب إذا بلغ المسلم الخبر في ذلك فيجب عليه التصديق بالغيب والإيمان به.\nوقد خَصَّ الله - ﷿ - أهل الإيمان بصفة الإيمان بالغيب، فهي أَوْلَى وأُولَى صفات المؤمنين كما قال - ﷻ -: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة:١-٢] فالإيمان بالغيب يدخل فيه جميع أركان الإيمان لأنَّ الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه، هذا كله إيمانٌ بالغيب.\nويريد أيضًا ﵀ بإيراد هذه الجملة مخالفة عددٍ من الطوائف الضّالة الذين لا يؤمنون بما يخالف ما دَلَّهُمْ عليه عقلُهُم، فإنَّ طوائف أنكرت وجود الدجال، وطوائف أنكرت نزول عسى بن مريم ﵇، وطوائف أنكرت طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ونحو ذلك مما ليس مألوفًا لهم ولا يدخل في السُّنَنْ، فَنَفَوهُ لأجل ذلك.\nوأهل السنة باب الغيب عندهم بابٌ واحد، فما صح عن رسول الله - ﷺ - فإنه يجب الإيمان به.\nوهذه الجملة تحتها مباحث ومسائل:","vol":"1","page":688},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالأشراط جمع شرط، والشّرط هو العلامة التي تُفَرِّقُ الشيء وتُمَيِّزُهُ عن غيره.\nوأشراط الساعة المقصود به الآيات والعلامات التي تدل على قرب قيام الساعة، إما دُنُوًاّ فتكون أشراطًا كبرى، وإما دِلَالَةً على القُرْبْ فتكون من جملة الأشراط الصغرى.\nوقد جاء ذكر كلمة الأشراط في القرآن الكريم في سورة محمد، قال - ﷿ -: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أنَّ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، وأفادت الآية فائدتين:\n- الفائدة الأولى: أنَّ الساعَةَ لها أشراط وعلامات.\n- الفائدة الثانية: أنَّ أشراط الساعة قد وقعت في وقت تَنَزُّلِ القرآن على محمد ﷺ.\nوهذا يعني أنَّ مِنَ الأشراط ما يكون بعيدًا عن وقوع الساعة ومنها ما يكون قريبًا من وقوع الساعة.\nومن الأحاديث في ذلك: أنَّ النبي ﷺ لما تَذَاكَرُوا عنده الساعة قال: «إنها لن تكون حتى تروا قبلها عشر آيات» (١)، فدلَّ ذلك على أنَّ ثمَّتَ أشراط قريبة منها سَمَّاهَا النبي ﷺ آيات.\nوالآيات جمع آية وهي: ما يَدُلُّ دِلَالَةً واضحةً ظاهرة على المراد وعلى الشيء حيث لا يكون فيه لَبْسْ.\n_________\n(١) مسلم (٧٤٦٧) / أبو داود (٤٣١١) / الترمذي (٢١٨٣) / ابن ماجه (٤٠٥٥)","vol":"1","page":689},{"text":"[المسألة الثانية]:\nأشراط الساعة قَسَمَهَا العلماء إلى قسمين:\n- إلى أشراطٍ كبرى.\n- وإلى أشراطٍ صغرى.\nومن أهل العلم من قَسَمَهَا إلى ثلاثة أقسام:\n- أشراط صغرى.\n- ووسطى.\n- وكبرى.\nوالأول هو المعتمد والثاني اصطلاح تفسيري ولكن ليس ثَمَّ ما يدل عليه من وجود الوسطى وإن كانت موجودةً وداخلة في الصغرى.\nأما تعريف الأشراط الصغرى: فهي ما دلَّ الدليل على أنَّهُ مِنْ علامات قُرْبْ الساعة وليس من العشر آيات التي جاءت في الحديث أنها تكون بين يدي الساعة.\nفحصلت الأشراط الصغرى في زمن النبي ﷺ ولا تزال تحصل وتحصل إلى بَدْءِ الأشراط الكبرى.\nوسيأتي تفصيل الأشراط الصغرى والكبرى إن شاء الله.\nفمن أهل العلم من جعل الأشراط الصغرى كما ذكرت لك:\n- ما قَرُبَ من عهد النبي ﷺ فهي صغرى.\n- وما بَعُد من عهده فهي وسطى إلى حدوث الأشراط الكبرى.\nوالأول هو المعتمد في ذلك.","vol":"1","page":690},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالأشراط الصغرى كثيرة جدًا ومتنوعة، ولا يدلُّ كون الحَدَثْ من أشراط الساعة على مدحه أو ذمه، بل هي آيات ودلائل على القرب:\n- فتارةً تكون ممدوحةً غاية المدح، منها بعثة محمد ﷺ وانشقاق القمر باعتباره آية لمحمد ﷺ، ومنها فتح بيت المقدس.\n- وقد تكون مذمومةً مُحَرَّمَةً أو مكروهة، أو تكون واقِعَةً كونِيَّةً فيها ابتلاء أو عقوبة للعباد.\nوالمقصود من ذلك أنَّ ما جاء في الدليل أنَّهُ من آيات أو أشراط الساعة فلا يدلُّ كونه من أشراط الساعة على أنَّهُ ممدوحٌ أو مذموم إلا بدليلٍ آخر أو بحقيقة الأمر.\nوأشراط الساعة الصغرى كثيرةٌ جدًا جدًا، فمما يشار إليه فيها ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري وغيره، حديث عوف بن مالك أنَّ النبي ﷺ قال: «أُعْدُدْ سِتًَّا بين يدي الساعة، موتي ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتَانٌ يَأْخُذُ فيكم كقٌعَاصِ الغنم، ثم استفاضة المال» (١) ... إلخ الحديث.\nومنها مما حَدَثَ وهذه حدثت قريبًا من عهده ﷺ.\nومنها مما حَدَثَ بعيدًا عن عهده ﷺ، النار التي خرجت من المدينة في القرن السابع الهجرى، في نحو سنة أربع وخمسين وستمائة، وقال ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز» أو «من المدينة تُضيئ لها أعناق الإبل ببُصرى» (٢) .\nمنها ما يكون قريبًا من الأشراط الكبرى.\nوأشراط الساعة الصغرى والكبرى أُلِّفَتْ فيها مؤلفات كثيرة في جمعها وجمع الأحاديث التي جاءت في ذِكْرِ أشراط الساعة، وهي من العلم النافع الذي يدلُّ على صدق النبي ﷺ فيما أخبر به، لأنَّهُ ولا شك أخبر عن أمرٍ غيبيٍ لم يحدث، وكان خبره صِدْقًا ويقينًا.\nفهذه الأخبار التي فيها أنَّهُ بين يدي الساعة يكون كذا، أو لا تقوم الساعة حتى يكون كذا، أو من أشراط الساعة كذا، أو أُعْدُدْ بين يدي الساعة كذا، هذه كلها تدلّ:\n- على صدقه ﷺ.\n- ثُمَّ أيضًا تدلّ على أنَّ الساعة آتية لا ريب فيها؛ لأنَّ النبي ﷺ أخبر بحدوث هذه الأمور وحدوثها حَصَلَ وكان حقًا كما أخبر به ﷺ.\nلهذا كان التّحديث بأشراط الساعة الصغرى والكبرى وذِكْرُهَا مما يُقَوِّي اليقين ويُقَوِّي الإيمان وهو من دلائل نبوة محمد ﷺ.\n_________\n(١) البخاري (٣١٧٦) / ابن ماجه (٤٠٤٢)\n(٢) البخاري (٧١١٨) / مسلم (٧٤٧٣)","vol":"1","page":691},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nالأشراط الكبرى يُعْنَى بها العلامات والآيات التي تكون قريبةً من الساعة، بحيث إذا حدثت فإنَّ يوم القيامة قريبٌ جدًا جدًا.\nوسُمِّيَتْ كبرى لأنها آيات عظيمة تحدث ليس في حُسْبَانْ العِبَادْ أنْ تحدُثْ ولم يكن لها دليلٌ قبلها أو لها ما يشابهها.\nوهذه الأشراط الكبرى عشر كما جاءت في الأحاديث؛ ولكنها جاء في عدة أحاديث غير مرتبة، يعني من جهة الوقوع.\nوهنا ذَكَرَ الطحاوي ﵀ في هذه الجملة، أربعة من أشراط الساعة:\n- ذكر خروج الدجال.\n- ونزول عيسى ابن مريم.\n- وطلوع الشمس من مغربها.\n- وخروج الدابة.\nوهذه أربعة من عشرة أشراط، وهُوَ إنَّمَا ذَكَرَ هنا الأشراط الكبرى لأنها هي العظيمة وهي الآيات الكبيرة التي يجب الإيمان بها\nوهذه العشرة وهي مرتبة في الحدوث كما أسوقها:\n- أول ما يحدث خروج الدجال.\n- ثم نزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء.\n- ثم خروج يأجوج ومأجوج.\n- ثم ثلاثة خسوف: خسفٌ بالمشرق وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بجزيرة العرب.\n- ثم طلوع الشمس من مغربها.\n- ثم خروج الدابة على الناس ضحى.\n- ثم الدُّخان.\n- ثم خروج النار التي تحشر الناس إلى أرض المحشر.\nوفي ترتيب الدخان هل هو قبل طلوع الشمس من مغربها أو هو بعد طلوع الشمس فيه خلاف بين أهل العلم، والأظهر هو ما ذكرت لك مِنَ الترتيب.\n&amp; خروج الدجال:\nفالدجال جاءت النصوص الكثيرة بخروجه وأنه سيخرج من مَحْبَسٍ هُوَ فيه، إذا أَذِنَ الله - ﷿ - بخروجه، وأنَّهُ بَشَرْ من جنس البشر؛ لكنَّهُ أعور العين كأنَّ عينه عنبة طافية أو عنبة طافئة، مكتوب بين عينه (كَافْ- فَاءْ- رَاءْ) ثلاثة حرف يقرؤها كل مؤمن يعني (كافر)، يعطيه الله - ﷿ - من القدرة ما تَحَارُ معه الألباب، فيقول للناس (إني ربكم) فيكون معه جنة ومعه نار وتكون فتنته تستمر في الأرض أربعين، وتكون فتنته أعظم فتنة حدثت في الأرض؛ لأنَّهُ يَدَّعِي أنَّهُ رب العالمين وأنَّ معه جنة وأنَّ معه نار وأنه يُحيي الموتى.\nفيأتي في ذلك وتُحرَّم عليه مكة والمدينة والملائكة تحرسها، ويخرج إليه شاب فيقول له: أنا ربك.\nفيقول له: أنت الدجال الذي أخبرنا به رسول الله ﷺ.\nفيقول للناس: أنا أقتل هذا ثم أحييه، فيَقْتُلُه ثم يُحْيِيه.\nفيقول: قد ازددت الآن بك علمًا، -يعني أنك الدجال-.\nوهذا من خِيرة الناس على وجه الأرض، أو خير الناس على وجه الأرض في زمانه.\nوالدجال لا يخرج حتى لا يُذْكَرَ في الأرض، وما من نبي إلا حذَّرَ أمَّتَهُ فتنة المسيح الدجال، ولهذا كان من المتأكدات على المؤمن في كل صلاة قبل السّلام أن يستعيذ بالله من أربع ومنها فتنة المسيح الدجال.\nوأخبار المسيح الدجال والأحاديث التي جاءت فيه كثيرةٌ متنوعة معروفةٌ في كتب السنة وفي كتب من ألَّفَ في أشراط الساعة، لكن ننبه في هذا على عدة أمور:\n١- الأمر الأول: أنَّ المسيح الدجال لم يكن حيًا في عهده ﷺ، والأحاديث التي جاء فيها أنَّهُ حَيْ وأنه رُئِيَ إمَّا في المدينة كقصة ابن صائد أو ابن صيّاد، أو في حبسه في جزيرةٍ خرج إليها بعض الصحابة فرأوه فقصوا ذلك على رسول الله ﷺ، كل هذا لا يدلُّ أنَّهُ كان في ذلك الزمن، وأنه يبقى إلى وقت خروجه.\nوإنَّمَا في قصة الجزيرة في قصة الرجل المحبوس وسؤاله عن النبي ﷺ، الحديث الذي رواه مسلم المعروف، من العلماء من حَكَمَ عليه بالشذوذ، ومنهم من قال خَرَجَ آيَةً، جعله الله آية للدلالة على صدق رسول الله ﷺ وليس مستمر الحياة.\nوالمقصود من هذا أنَّ الدجال بَشَرْ يخلقه الله - ﷿ - في وقتٍ من الأوقات ثم يأذَنُ بخروجه من مكانٍ هو فيه على ما يشاء ربنا - ﷻ -.\n٢- الأمر الثاني: أنَّ خروج الدجال يكون بعد خروج المهدي، والمهدي ليس من أشراط الساعة الكبرى، وإنَّمَا يكون قريبًا من خروج الدجال.\nوالمهدي سُمِّيَ مَهْدِيًَّا لأنَّ الله - ﷿ - سيهديه ويُصْلِحُه في ليلة كما جاء في الحديث الصحيح أنَّهُ يذهب إلى مكة في حين اختلافٍ من الناس؛ يعني أنَّ الناس لا أمير لهم ولا إمام ولا جماعة، فيعود بالبيت فيخرج إلى الحرم يعني إلى مكة فيلوذ بالكعبة، ثم يأتيه الناس فيأمرونه بالخروج ويبايعونه.\nوقوله ﷺ: «يصلحه الله في ليلة» (١)، اختلف العلماء فيه، هل معناه:\nأنَّهُ يُصْلِحُهُ في أمر دينه ولم يكن صالحًا؟\nأو أنَّهُ يصلحه لأمر الوَلاية وإمارة الناس؟\n* والأظهر هو الثاني أنَّهُ يصلحه الله في ليلة لإمارة الناس ولقيادتهم.\nوهو من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب، واسمه كاسم محمد ﷺ، محمد بن عبد الله، وجاء في الأحاديث صفاته، وبلغت الأحاديث التي فيها ذكر المهدي بأسانيد صحيحة وحِسَانْ وضعاف أكثر من أربعين حديثًا.\n_________\n(١) ابن ماجه (٤٠٨٥)","vol":"1","page":692},{"text":"ولهذا قال طائفة من أهل العلم إنَّ أحاديث المهدي تبلغ مبلغ التواتر المعنوي، يعني الذي في جملته، لا في أفراده، يدل على أنَّ المهدي سيخرج في آخر الزمان قُرْبْ خروج الدجال.\nوفي قصة المهدي أنَّهُ حين [....] يصيح صائح إنَّ الدجال خَلَفَكُم في أهليكم وأولادكم أو أموالكم، وينقسم الناس، في القصة المعروف التي لا مجال لسردها بطولها.\n[.....] أنَّهُ في أثناء ولاية المهدي وغزوِهِ وجهاده وانتشار الخيرات في وقته يخرج الدجال فتعظُمُ فتنته.\n&amp; نزول عيسى ابن مريم ﵇:\nثم ينزل عيسى ﵇ وهو حَيٌّ الآن، ينزل من السَّماء في دمشق عند المنارة البيضاء شرقي دمشق.\nوالنبي ﷺ كما روى ابن ماجه وغيره أنَّهُ ينزل عند المنارة البيضاء في شرقي دمشق ثم يدرك الدجال بباب لُدْ فيقتله هناك، وأصله في مسلم (١) .\nوهذا قبل وجود المنارة وقبل بناء المسجد الأموي، والمنارة البيضاء الآن معروفة في دمشق.\nفما أصدق رسول الله ﷺ وما أعظم ما بيَّنَهُ لأمته ﷺ.\nثاني أشراط الساعة نزول عيسى بن مريم، والله - ﷿ - دلَّ على نزوله في القرآن بقوله - ﷿ - ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩]، وقد جاء في الصحيح أنَّ أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أنْ ينزل فيكم عيسى ابن مريم حَكَمًا عَدْلًا مُقْسِطًَا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال في عهده -أو في وقته- حتى لا يقبله أحد ويؤمن به أهل الكتاب»، قال أبو هريرة ﵁ واقْرَأُوا إنْ شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٢) .\nفقوله هنا ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، المقصود به قبل موت الكتابي أو قبل موت عسى ابن مريم؟\nمن أهل العلم من قال بالأَوَّلْ أنَّهُ قبل موت الكتابي فيؤمن بعيسى ابن مريم.\nوأكثر أهل العلم وأهل التفسير على أنَّ المقصود به ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني قبل موت عيسى ابن مريم لأنَّ سياق الآية والآيات قبلها يدل على ذلك، وظاهرها أيضًا وهو قوله ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾، يعني بعيسى ابن مريم ﵇، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، يعني موت عيسى أيضًا ابن مريم ﵇.\nوهذا في معنى الآية التي في سورة الزخرف وهي قوله - ﷻ - في ذِكْرِ عيسى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف:٦١]، وفي القراءة الأخرى ﴿وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ والعَلَمْ هو العلامة والشرط، ﴿لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ يعني شرط من أشراط الساعة، وهو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة واتفق عليه [......] حتى أنَّ أبا هريرة ﵁ إذا ساق ذلك قال لمن يروي له هذا الحديث: فإذا رأيت عيسى ابن مريم فأقرئه منّي السلام (٣)، ويرويها مَنْ بَعْدَه لمن بعده، فإذا رأيت عيسى ابن مريم فأقرئه مني السلام، وهذا من شدة إيمانهم وتصديقهم بنبينا ﷺ الذي ﴿مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] .\nعيسى ﵇ يمكث ما شاء الله في الأرض أنْ يمكث ثم يموت ثم يُصَلَّى عليه.\n&amp; خروج يأجوج ومأجوج:\nويخرج في عهد عيسى ﵇ يأجوج ومأجوج، وقد جاء ذكرهم في القرآن في سورتين، في سورة الكهف وفي سورة الأنبياء، قال - ﷿ -: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء:٩٦-٩٧]، يعني الساعة، وفي سورة الكهف: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤] الآيات، فأفادت الآيتان فائدتين:\n١- الفائدة الأولى: أنَّ يأجوج ومأجوج موجودان اليوم وموجودان قبل ذلك فهما قبيلان أو قبيلتان أو شَعْبَانِ كبيران يعْظُمُ أمرهما عند قيام الساعة.\n٢- الفائدة الثانية: أنَّهُمْ يأتون من كل حَدَبْ، قال في آية الأنبياء: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، والحَدَبْ هو الجهة، و(يَنْسِلُونَ) هذا من النَسَلاَن وهو السير ليلًا، فهم يأتون من كل جهة، فربما مروا على البحيرة العظيمة فشربوا ماءها إلخ.\nفخروج يأجوج ومأجوج في عهد عيسى ﵇، هذا من آيات الساعة الكبرى.\nثم يدعوا عليهم عيسى ﵇ فيموتون ثم تُنْتِنُ الأرض التي هم فيها بنَتَنِ أجسادهم فيأمر الله - ﷿ - ريحًا أو طيورًا بحملهم في البحر.\n_________\n(١) مسلم (٧٥٥٩) / أبو داود (٤٣٢١) / ابن ماجه (٤٠٧٥)\n(٢) البخاري (٢٢٢٢)\n(٣) المسند (٩١١٠)","vol":"1","page":693},{"text":"&amp; ثلاثة خسوف: خسفٌ بالمشرق وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بجزيرة العرب:\nوهذه الخسوف الثلاثة، خسوفٌ عظيمة لم يسبق أَنْ حَدَثَ مثلها.\nفالزلازل وخسوف الأرض تحدث في الأرض وهي من آيات الله - ﷻ - يبتلي بها ويعذِّبُ بها، ولكنها آيات عند قرب قيام الساعة لم يحدث لها مثيل، فهي غير مألوفة.\nخسوف عظيمة كبيرة تكون في الشرق وفي الغرب وفي جزيرة العرب.\nوالخَسْفْ معروف أنَّهُ ذهاب الأرض إلى أسفلها، يعني ذهاب علو الأرض إلى أسفلها. (١)\n&amp; طلوع الشمس من مغربها:\nوطلوع الشمس من مغربها جاء ذكره في القرآن وكذلك في السنة الصحيحة، كما في قوله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨] .\nوالتوبة (٢) لا تزال مقبولة من العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها.\nوطلوع الشمس من مغربها حقٌ وصدق وهي آية غير مألوفة؛ لأنَّ المألوف أنَّ الشمس تطلع من الشرق ثم تغرب في الغرب، فكونها تعود من حيث جاءت أو من حيث غَرَبَتْ، تعود من الغرب إلى الشرق هذه آية عظيمة غير مألوفة تجعل الناس جميعًا يؤمنون.\nولهذا إذا طلعت الشمس من مغربها فإنَّ الناس يؤمنون لكن ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، فيبقى بعد طلوع الشمس من مغربها الناس فيهم المؤمنون الذين آمنوا قبل طلوع الشمس من مغربها، وفيهم المنافقون والكافرون والمشركون.\n&amp; خروج الدابة على الناس ضحى:\nثم تخرج الدابة، والدابة حيوان عظيم الخِلْقَةْ يُعْطِيهْ الله - ﷿ - القدرة على وَسْمْ الناس، كما قال - ﷿ - في آخر سورة النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢] .\n﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني بقيام الساعة وبطلوع الشمس من مغربها.\n﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ وفي قراءة أخرى: ﴿تَكْلِمُهُمْ أنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ وأيضًا ﴿إِنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾، يعني بفتح الهمزة من ﴿أَنَّ﴾ وكسرها.\nوقوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ و﴿تَكْلِمُهُمْ﴾ قراءتان صحيحتان تدلاَّنِ على معنيين مختلفين:\n١- المعنى الأول: أنها تُكَلِّمْ وتحدِّثْ الناس، وهي آية، والعادة في الحيوان أنَّهُ لا يُكَلِّمُ الناس، فهي تكلم الناس بلغاتهم وبما يفهمون عنها.\n٢- المعنى الثاني: أنها تَكْلِمْ الناس بمعنى أنَّهَا تَسِمُ الناس، والوسْمُ سَمَّاهُ الله - ﷿ - هنا كَلْمًا لأنه يكون معه كَلْمُ الجلد والتأثير في الجلد كما يحصل في وسْمِ الدواب فإنه لا بد فيه من جُرْحٍ فيها أو من أثرٍ فيها، فتَسِمُ الناس هذا مؤمن وهذا كافر، وهذه هي الآية الثامنة.\nثم بعد ذلك تأتي وليست من الآيات تأتي ريح يرسلها الله - ﷿ - خفيفة في ليلة فتقبض أرواح أهل الإيمان أو يموت معها أهل الإيمان، فيبقى أهل الكفر والنفاق والشرك يتهارجون في الأرض كتهارج الحُمُرْ فلا يقال في الأرض (الله الله) (٣) كما جاء في الصحيح، يعني لا يُقَال في الأرض اتق الله اتق الله، أو أذكر الله أذكر الله.\n&amp; الدخان:\nثم يكون الدخان، والدخان حَصَلَ مَرَّةً كما في سورة الدخان؛ ولكنه ليس بالآية العظيمة كالدخان الذي يحصل قرب قيام الساعة، فذاك دخان يغشى الناس من أولهم إلى آخرهم في الأرض كلها ويشتد معه الخطب والأمر.\nومن أهل العلم من قال: إنَّ الآية في سورة الدخان المقصود بها ما هو في قرب قيام الساعة، وفي الأحاديث والسنة أنَّ الدخان حَصَلَ في المسلمين، يعني قد رآه المسلمون والمشركون في مكة، وهذا غير هذا.\n&amp; خروج النار التي تحشر الناس إلى أرض المحشر:\nوآخرها نار تخرج من جنوب الجزيرة من قعر عدن؛ يعني يبدأ خروجها من هذا الموطن، ثم تنتشر في الأرض فتحيط بالناس تحشُرُهُمْ إلى أرض المحشر، تبيت معهم وتَقِيلُ معهم، وهذا أيضًا آية عظيمة أنَّ نارًا تتحرك تمشي تقف مع الناس ومع خوفهم حتى تحشر الناس إلى أرض المحشر.\nثم بعد ذلك يحصل النفخ في الصور: النفخة الأولى، نفخة الفزع والصّعق، ثم تكون أربعون وتكون نفخة البعث أعاننا الله - ﷿ - على كربات يوم القيامة وغفر الله لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.\n_________\n(١) انقطاع في الشريط والله أعلم\n(٢) نهاية الوجه الأول من الشريط الثامن والأربعين\n(٣) مسلم (٣٩٢) / الترمذي (٢٢٠٧)","vol":"1","page":694},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nالناس في ما كتبوا من أهل العلم في أشراط الساعة ما بين مُصِيبٍ مُدَقِّقْ وما بين متساهل.\nولهذا المؤلفات في هذا الباب كثيرة جِدًَّا، يعني وما بين كُتُبٍ مُؤَلَّفَة مستقلة وما بين شروحٍ في كتبٍ مطولة.\nلكن ينبغي لطالب العلم أنْ يتحَرَّزْ في هذا الأمر وذلك لأنَّ أشراط الساعة أمرٌ غيبي، والأمور الغيبية يجب أنْ يُسَلَّمَ لها إذا صح فيها دليل، إذا كان الدليل من كتاب الله - ﷻ - أو كانَ الدّليل مما صح من كلام النبي ﷺ.\nوفيها ما في جنس أخبار الغيب بأنه لا يُتَعَرَضُ لها بمجاز ولا بما يَنْفِيْ حقيقتها ولا بالتأويل الذي يصرفها عن ظواهرها.\nفباب التأويل والمجاز مرفوضٌ في مسائل الغيب جميعهًا، أو رَدْ هذه الآيات بالعقلانيات وأنَّ العقل يُحيلُ مثل هذا، هذا كله مردود.\nولهذا تجد في الكتب المؤلفة والشروح، ربما ما يصرف الأحاديث عن ظاهرها والواجب هو التسليم لها.\nوهذا يَدْخُلْ في مقتضى الشهادة بالنبي ﷺ، لأنه من مقتضى الشهادة معناها تصديقه ﷺ فيما أخبر، فكل ما أخبر به من أمور الغيب ومن قصص السالفين ومما لم تُدْرِكْهُ فيجب التصديق به والإيمان بذلك لأنه ﷺ يُبَلِّغُ عن ربه - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\nوالناس في مسائل أشراط الساعة كما ذكرت لك في أول الكلام:\n- منهم من يتأولها وينفي ما لا يدل عليه العقل، ويأخذ بما دلَّ عليه العقل.\n- ومنهم من يتأول بعضًا.\n- ومنهم من يؤمن بها على ظاهرها كما جاءت لأنها أمورٌ غيبية وهذا هو الذي ينبغي.\nلهذا تجد مثلًا أنَّ في نزول عيسى ﵇ والمهدي إذا جاء أنَّهُ يكون مثلًا بالسيف وبالخيل، والسيف والخيل قال فيها ﷺ: «إني لأعرف -أو لأعْلَمُ- أسماء خيولهم وألوانها» (١)، أو كما جاء عنه ﷺ، وهذا تأكيد للحقيقة.\nوكذلك أشراط الساعة الأخرى مثل خروج الدجال وأن يسمع به الناس:\nفمِنَ الناس من قال أنَّ الدجال مثلًا يركب الطائرة، مما أُلِّفْ في هذا الباب، يركب الطائرة وأنه يَسْمَعْ الناس بخبره عن طريق كذا وكذا من الآلات التي هي موجودة الآن، وهذا مما لا يصلح أنْ يُثْبَتْ ولا أنْ يُنْفَى.\nبل الواجب في مثل هذا التسليم للخبر لأنه إثباته فيه إثبات أنَّ هذه الأشياء ستبقى إلى خروجه، وهذا ما ليس لنا به علم، والنفي أيضًا نفيٌ بما لم نُدْرِكْ علما.\nوالواجب في هذا التسليم وأن لا يخوض الناس في عقليات تنفي ظاهر الأدلة.\nفنؤمن بها كما جاءت ولا ندخل فيها كما ذكرت بتأويلٍ أو بمجازٍ يصرفها عن ظواهرها.\n_________\n(١) مسلم (٧٤٦٣)","vol":"1","page":695},{"text":"[المسألة السادسة]:\nعيسى ابن مريم ﵇ إذا نزل فإنَّهُ ينزِلُ تابِعًَا لشريعة محمد ﷺ، لأنَّهُ ببعثة محمد ﷺ وَجَبَ على من يكون حَيًَّا أنْ يؤمن به.\nولهذا عيسى ﵇ إذا نَزَلْ وكان الإمام يُصَلِّيْ بالناس أو يريد الصلاة، فيأتي يَتَأَخَّرْ ليتقدم عيسى ﵇، فيقول عيسى ﵇ (لا، إمامكم منكم تَكْرِمَةُ الله لهذه الأمة) (١) .\nوهذا فيه الدِّلالة من أول وهلة ومن أول لحظة على أنَّهُ تابعٌ لمحمد ﷺ، وليس رسولًا مُتَجَدِّدًَا يعني كما كان قبل بعثة محمد ﷺ.\nولهذا إذا نزل ﵇ فإنه يكون حاكمًا بكتاب الله - ﷿ - وبسنة رسوله ﷺ، وينطَبِقُ في حَدِّهِ ﵇ أنَّهُ صحابي أيضًا لأنَّهُ رأى النبي ﷺ ليلة المعراج حيًاّ وينزل بعد ذلك مُتَّبِعًَا له ويموت على اتِّبَاعِهِ لمحمدٍ ﷺ.\nوهذا ينطبق عليه حد الصحابي أنَّهُ من لقي النبي ﷺ ساعَةً مؤمنًا به ومات على ذلك.\nولهذا بعض أهل العلم ربما ألْغَزْ فقال: مَنْ رجل مِنْ أمة محمد ﷺ هو أفضل من أبي بكر بالإجماع؟\nربما ألْغَزْ بعض أهل العلم وليس من الألغاز السائرة -يعني المشهورة- مَنْ رجل مِنْ أمة ﷺ هو أفضل من أبي بكر بالإجماع؟\nوالجواب أنَّهُ عيسى ﵇ لأنَّهُ تفضيله لأنه رسول ومن أولي العزم من الرسل وهو من أتْبَاعِ محمدٍ ﷺ بعد نزوله.\nفبعد أنْ ينزل ويُخَاطَبْ ويحكم في الأرض بشريعة الإسلام لأنَّ شريعة الإسلام ناسخةٌ لما قبلها من الشرائع.\n_________\n(١) مسلم (٤١٢)","vol":"1","page":696},{"text":"[المسألة السابعة]:\nأشراط الساعة ربما حَلاَ لبعض الناس أنْ يُنَزِّلَهَا على الواقع الذي يعيش فيه، دون تحقيقٍ في انطباقها على ما ذكر.\nولهذا ألَّفَ مَنْ أَلَّفْ من المعاصرين في أنَّ هذه العلامة أو هذا الشرط هو كذا بعينه.\nوهذا مما لا يتجاسر العلماء عليه بل يتحرون فيه أَتَمْ التَّحَرِّيْ فإنَّ تطبيق الواقع على أنَّهُ هو ما أخبر به النبي ﷺ هذا يحتاج إلى علم لأنَّهُ إخبارٌ بما تؤول إليه أحاديثه ﷺ وهذا يحتاج إلى علم، والله - ﷿ - يقول: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف:٥٣]، يعني ما تؤول إليه حقائق أخباره، وهذا ربما لم يظهر لكل أحد، -يعني الآية في يوم القيامة لكن انتظار التأويل يعني ما تؤول إليه حقائق الأخبار-.\nبعضها ظاهر مثل بعثة النبي ﷺ، انشقاق القمر، موت النبي ﷺ، الموتان يعني الطاعون الذي حصل، طاعون عمواس في سنة ١٨ من الهجرة ونحو ذلك، مثل النار التي خرجت من المدينة.\nلكن في بعضها يكون ثَمَّ اشتباه، هل هو منطبق أو ليس بمنطبق، هل هو تمت، يعني هل الصفات منطبقة أو ليست كذلك.\nولهذا كما ذكرت لك في أول الكلام أنَّ أشراط الساعة إيرادُهَا من الشارع إنما هو لأمرين:\n١ - لأجل الإيمان بها.\n٢ - ثُمَّ لتكون دِلَالَةْ من دلائل نبوة محمد ﷺ.\nفوجود الأحاديث أو ذِكْرِ الشيء من أشراط الساعة لا يقتضي مدحًا ولا ذمًَّا ولا نستفيد منه حكمًا شرعيًا.\nمثلًا حديث: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد» (١)، وكما في حديث عمر المشهور في قصة جبريل، قال: أخبرني عن السَّاعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، قال: فأخبرني عن أشراطها، قال: «أنْ تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (٢) .\nمنهم من طَبَّقْ (أنْ تلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا) على عصرٍ من العصور أو على وضعٍ من الأوضاع.\nومنهم من طَبَّقَ (الحفاة العراة العالة رعاء الشاء) على وقتٍ من الأوقات.\nومثل ما جاء من نُطْقْ الحديد، مثل (وأَنْ تُحَدِّثَ المرأة عَذَبَةُ سوطه) (٣) .\nومثل الحديث الذي في السنن: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد»، هل هذا يقتضي ذمّ هذا الفعل أو لا يقتضي ذمًَّا ولا مدحًَا؟ يعني هل يُحكم عليه بالكراهة لأجل هذا الحديث؟\nالمعتمد عند أهل العلم أنَّ مثل هذه الأحاديث لم تَرِدْ للأحكام الشرعية وإنما وردت للإخْبَارِ بها لتكون دليلًا على نبوته ﷺ ولابتلاء الناس بالإيمان بخبره ﷺ حتى يظهر المُسَلِّمْ له ﷺ من غير المُسَلِّمْ.\nلهذا احذر من التطبيق، وخاصَّةً في ما يشتبه.\nقد مَرَّتْ أَزَمَاتْ ومَرَّتْ فِتَنْ ومَرَّتْ أشياء، من الناس من طَبَّقْ فأخطأ في ذلك، وهو ربما بَنَى على تطبيقه أشياء من التصرفات أو الآراء أو الأحوال فأخطأ في ذلك خطأً بليغًا، وظَهَرَ بيان خطئه.\nلهذا ما المقصود من إيراد أهل السنة والجماعة الإيمان بأشراط الساعة؟ وذكر أشراط الساعة وتقسيمات ذلك؟\nليس المقصود منه التطبيق، وإنما المقصود منه ما ذكرت لك من الأمرين العظيمين:\n١ - الأمر الأول: دلالة من دلالات نبوة النبي ﷺ كي يدخل ذكر أشراط الساعة في دلائل النبوة.\n٢ - الأمر الثاني: أنْ يُبتلى الناس بالإيمان بها كما أخبر بذلك النبي ﷺ.\nنكتفي بهذا القدر، وعلى العموم مباحث أشراط الساعة كثيرة وأُلِّفَ فيها عدة مؤلفات يمكن أنْ ترجعوا إليها للمزيد، حتى الشارح ابن أبي العز ررحمه الله اقْتَضَبَ جدًا في شرحه فاقتصر على إيراد الأحاديث الواردة في هذا الباب.\nمن أفضلها كتاب \"النهاية\" للحافظ ابن كثير لأنه مُحَرر، ومن الكتب المعاصرة كتاب أشراط الساعة ليوسف الوابل، وكذلك كتاب: \"إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة\" للشيخ العلامة حمود بن عبد الله التويجري ﵀، ونحو هذه الكتب.\n_________\n(١) أبو داود (٤٤٩) / النسائي (٦٨٩) / ابن ماجه (٧٣٩)\n(٢) سبق ذكره (٩)\n(٣) الترمذي (٢١٨١)","vol":"1","page":697},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>الأسئلة:</span>\nس١/ هل إيمان أهل الكتاب بعيسى ﵇ إيمانٌ ينفعهم أو إيمانُ إقرار لا ينفع؟\nج/ إذا نزل فكسر الصليب وقتل الخنزير ووضع الجزية فآمَنَ به أهل الكتاب واتَّبَعُوهُ، يعني اتَّبَعُوا ما أَمَرَ به من شريعة الإسلام فإنَّهُ ينفعهم؛ أما إذا آمنوا به يعني إيمانًا بنزوله لا بما جاء به وإلى ما دعا إليه فهذا لا ينفع. المسألة ترجع إلى الأصول العامة.\nس/ [.....]؟\nهل هذا في زمن عيسى أم في غيره؟ الحديث هذا صحيح كما هو معلوم، لكن هل هذا في زمن عيسى أم في غيره؟ أنا ما اتحدث وربما يكون قبل ذلك ثم تحدث فتنة وربما المقصود منه بعض البيوت لا كل بيوت الأرض.\nس٣/ ما رأيكم في القول بأنَّ قوله: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، على نحو قول تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]؟\nج/ إذا كان المراد بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، الأشراط الكبرى فهو على نحو قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، يعني قَرُبَ المجيئ ودَنَا، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ يعني بقيام الساعة، ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ يعني قَرُبَ جدًا، و﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، إذا كان المقصود بالأشراط الأشراط الكبرى يعني فُسِّرَتْ الأشراط بالأشراط الكبرى فيكون ﴿جَاءَ﴾، بمعنى قَرُبِ ودَنَا مجيؤها مثل ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ هذا صحيح.\nلكن التخصيص بأنَّ الأشراط هنا هي الأشراط الكبرى دون الصغرى يحتاج إلى دليل، والنبي ﷺ في حديث جبريل جاء ذكر أشراط الساعة وفسَّرَهَا بالأشراط الصغرى، قال (أخبرني عن الساعة)، ثم قال له (أخبرني عن أشراطها)، قال: «أنْ تلد الأمة ربتها» إلخ ...، كما ذكرت لك آنفًا وهذه من الأشراط الصغرى.\nإذن حَمْلْ آية سورة محمد ﷺ على الأشراط الكبرى دون الصغرى يحتاج إلى دليل، والأمران وشمول الآية للأمرين أولى.\nس٤/ إنَّ المسيح الدجال لم يكن حيًا في زمن النبي ﷺ ألا يُعارِضْ هذا شك النبي ﷺ في ابن صياد هل هو المسيح الدجال أم لا؟ وكذلك إقسام بعض الصحابة؟\nج/ المسألة معروفة من جهة البحث لكن في قصة ابن صائد أنَّهُ لما ذَهَبَ إليه النبي ﷺ ليراه، قال «ما ترى؟» .\nقال له: (إني أرى الدُّخْ) ولم يُكْمِلْ.\nفقال له ﷺ «اخسأ فلن تعدو قدرك» (١) .\nلأنه علم أنَّهُ كاهن، لهذا الأظهر فيه أنَّهُ كاهن صفته كانت مقاربة للصفة، لكن الدجال أمره يختلف، وابن صائد مات ودُفِنْ بإجماع الناس في ذلك الزمان.\nس٥/ أين يوجد يأجوج ومأجوج؟\nج/ لا أعلم.\nس٦/ ما علاقة ابن الصيّاد بالدجال، وهل رأى الصحابة ابن صائد؟\nج/ نعم ابن صيّاد أو ابن صائد كان موجودًا في المدينة، وظَهَرَ عليه بعض العلامات وخُشِيَ أنْ يكون الدجال، لكن من المعلوم أنَّ الدجال لا يخرج من المدينة، الدجال يخرج من مكان هو فيه محبوس وهذا الرجل مات ودُفن إلخ، فالقول أنَّ الدجال هو ابن صائد ليس [......]، الصحابة شَكُّوا ثم تبَيَّنْ لهم هذا الأمر، ومن أقسم على أنَّ ابن صياد هو الدجال هذا بحسب ظنه أو أنَّ المقصود أنَّهُ دجالٌ من الدجاجلة.\nس٧/ ما رأيكم في من قال أنَّ يأجوج ومأجوج هم شعوب الصين؟\nج/ هذا محتمل؛ لكن ما فيه ما يدل على الجزم به، لأنَّ بعض الصفات التي وردت منطبقة عليهم، في أشكالهم لأنهم قصيرو القامة جدًا وبعض الصفات قد ما تنطبق من كل جهة، والتحديد ما الذي يفيد فيه؟\nيعني كانوا شعوب الصين أو شعوب أخرى أو ناس يكثرون بقرب زمن خروج عيسى ﵇، يكثرون جدًا، يتناسلون ثم يذهبون للناس، يعني ما الذي يختلف من ذلك؟\nويأجوج ومأجوج مثل ما ذكرنا لك سابقًا هم موجودون من زمن الأنبياء قبل ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف:٩٤]، وأنهم يخرجون في زمن، فهم شَعْبان أو قبيلان أو قبيلتان كبيرتان موجودة، لكن ما المقصود بها؟\nقد يكون الصين وقد يكون غير ذلك، أنا ما أعلم لأنَّ ما عندي ما يحدد ذلك بالدليل.\nس٨/ ورد حديث فيه التردد بين خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، أيهما أول خروجًا فما الجواب عنه؟\nج/ يعني الحديث الذي في صحيح مسلم بأنها إذا خرجت إحداهما كانت الأخرى تليها، وهذا الحديث إذا كان فيه التَّرَدُّدْ، فإنَّ الأحاديث الأخرى دلت على أنَّ خروج الدابة تكون على الناس ضُحَى، طلوع الشمس، الطلوع ما يكون بعد الضحى، الطلوع يكون وقت الطلوع، يعني في أول إدبار الليل وإقبال الصباح، والصحيح أنَّ طلوع الشمس من مغربها أول ثُمَّ بعد ذلك خروج الدابة.\nوهذا يقتضيه أيضًا المعنى، لأنَّ طلوع الشمس من مغربها، هذا خلاص فاصلة الإيمان، يعني من لم يؤمن من قبل لا ينفعه إيمانه، ثمّ الدابة التي تَسِمْ الناس وتَكْلِمَهُمْ.\nس٩/ ألا يكون مفرد أشراط هو شَرَطْ؟ أما شَرْطْ فجمعه شروط؟\n_________\n(١) البخاري (١٣٥٤) / مسلم (٧٥٢٩)","vol":"1","page":698},{"text":"ج/ هذا صحيح لكن هو يصح شَرْطٌ وشَرَطْ، وهذا كثير، أعني شَرْطْ وشَرَطْ في المفرد يتبادلان، يعني من حيث القياس ومن حيث النقل، مثل نَهْرْ ونَهَرْ، وسَمْعْ وسَمَعْ، وفي القرآن في القراءات في كثير تناويع بين فَعْل وفَعَلْ في المفرد الذي جمعه أفعال، والنهر: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهْرًا﴾ [الكهف:٣٣]، وفي القراءة الأخرى: ﴿[وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾، اللي هو قراءتنا، وجمع نَهْرْ، أنهار وأنْهُر.\nفالمسألة صحيح شَرْطٌ وشَرَطْ، ولا يعني استعمال الشَرْطْ فيما ذُكر أنَّه.\nالمقصود أنها صحيح شَرْطٌ وشَرَطْ كلها.\nس١٠/ كيف تكون أطوار حياة الدجال الأولى؟\nج/ الله أعلم، الله يعيذنا من فتنتة.\nهم حذروا من الفتنة، خوفوا الناس من الفتنة، من فتنة المسيح الدجال.\nوبالمناسبة لم أذَكُرْ: في المسيح الدجال والمسيح عيسى ابن مريم، اشتركا في اسم المسيح والمعنى مختلف.\nالمسيح الدجال: فعيل بمعنى مفعول، يعني لأنَّهُ ممسوح العين اليسرى وعينه الأخرى كأنها عنبةٌ طافية، يعني بالية، فمسيح بمعنى ممسوح، يعني إحدى العينين غير موجودة، أعور.\nوأما المسيح عيسى ابن مريم ﵇: فهو مسيح بمعنى ماسح فاعل لأنَّهُ كان إذا مَسَحَ على مريضٍ أو من يشتكي أبرأه الله - ﷿ - كما جاء في القرآن في سورة آل عمران والمائدة: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة:١١٠] .\nفي بعض الكتب يقولون المسيخ، أو لا؟\nهذه أنا ما أعرف إيش أصلها، المسيخ يعني بمعنى ممسوخ! هل هو ممسوخ هو؟\nهل جاء في الأحاديث ممسوخ أو مسيخ؟\nأنا ما أعلم فيها، ولكن الأحاديث كلها اللي في السنن اللي في الصحيح، اللي في السنن كلها المسيح بالحاح لا بالخاء.\nس١١/ حبذا لو أبَنْتَ لي معنى قول بعض العلماء إنَّ القدرة لا تتعلق بالمستحيل، بل لا تتعلق القدرة إلا بالممكن بخلاف العلم، وهل هذا القول صحيح؟\nج/ يحتاج تَأَمُّلْ، ما أستحضر يعني، لكن كأنها من كلمات الأشاعرة، القدرة لا تتعلق بالمستحيل بل تتعلق القدرة بالممكن، قدرة الله - ﷿ - تتعلق بكل شيء كما هو نص القرآن: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥]، ونحو ذلك، فالقُدْرَةْ متعلقة بكل شيء.\nوكل شيء هذه تشمل ما أَذِنَ الله - ﷿ - بوقوعه وما لم يأذن بوقوعه.\nأما تَعَلُّقْهَا بالممكن، من قال تَتَعَلَّقْ بالممكن، فالممكن وقوعًا أو الممكن إذنًا؟\nفهذا الكلام فيه صلة بكلام الأشاعرة والماتريدية ونحوهم ممن يُعَلِّقُونَ القدرة بما يشاؤه الله - ﷿ - وما يأذن به.\nوالقرآن فيه الرد على هذا القول من جهتين:\n- الأولى: في عموم كل شيء في الآيات التي ذكرت لك.\n- الثانية: في آية سورة الأنعام، في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام:٦٥]، قال - ﷿ -: ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، هل حصل هذا العذاب من فوق؟\nقال ﷺ لما قرأها «أعوذ بوجهك»، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال «أعوذ بوجهك»، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ قال «هذه أهون» (١) . وهذه وقعت كما في الحديث الثاني أنَّ النبي ﷺ سأل ربه ثلاثًا فأعطاه اثنتين ومَنَعَهُ واحدة.\nفهناك أشياء كما في نص الآية الله - ﷿ - قادرٌ عليها ولم يأذن بوقوعها، فهي من جهة الوقوع ما دام أنَّهُ لم يأذن الله - ﷿ - بها ولم تقع لكن تعلّقت بها قدرته، فإذًا دلت الآية على أنَّ قدرته - ﷿ - متعلقة بكل شيء بما يشاء أنْ يقع وبما لم يشأ أنْ يقع، وهذا هو قول أهل السنة خلافًا لقول الآخرين.\n_________\n(١) سبق ذكره (٦٥)","vol":"1","page":699},{"text":"الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:\nالأسئلة:\nس١/ هل هذا [.....] عمار يعني، يقول - ﷺ - لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» (١)، هل هذا معناه أنَّ فرقة معاوية فرقة باغية؟\nج/ قول النبي ﷺ لعمار بن ياسر «تقتلك الفئة الباغية» هذا حديثٌ صحيح، وأهل العلم يستدلون به على أنَّ الحق مع علي ﵁ وأصحابه، وأنَّ معاوية ﵁ ومن معه أنهم كانوا متأولون وبغوا على علي ﵁، وإنما فعلوا ذلك باجتهاد كما هو معلوم.\nولهذا لما قيل لمعاوية هذا الحديث: (إنَّ عمارًا تقتله الفئة الباغية)، قال: (إنما قتله الذين أخرجوه) (٢)، يعني ما قتلناه، قتله الذين أخرجوه في أمرٍ ليس بحق، فتأوَّلَ حتى الحديث وجعل عليًا ﵁ ومن معه الذين بغوا على أولياء بني عثمان ﵁.\nوالصواب في ذلك هو ما عليه مُعتَقَد أهل السنة والجماعة من الترضي عن الجميع، واعتقاد أنَّ الصواب والحق مع علي ﵁ وأصحابه، وأنَّ معاوية ﵁ بَغَى على عليٍ في ما ذهب إليه وأنه لم يكن أيضًا كل ما حصل باختيار معاوية ﵁، بل كان ثَمَّ من يفسد بين الفئتين وهم الخوارج قاتلهم الله.\nفالمقصود من ذلك أنَّ محبة الجميع فرض، ومعاوية ﵁ كاتب وحي النبي ﷺ ولا يجوز التَّنَقُّص منه، وولايته كانت من خير الولايات، يعني هو خير ملِكٍ مَلَكْ لأنه صحابي وأقام الجهاد واجتمعت عليه الأمة في وقته، وعلي ﵁ من هذه الجهة لم تجتمع عليه الأمة، فلذلك حصل من الخير ومراغمة الأعداء وقتال أعداء الله وجهاد المشركين وسَعَةْ انتشار الإسلام في وقت معاوية ما لم يحصل في خلافة علي ﵁. فلهذا الله أعلم بمواقع حكمته وقدَرِهِ ولكن علي ﵁ هو المصيب وهو الحق وهو الخليفة الراشد وهو رابع الخلفاء ورابع المبشرين بالجنة وهو أفضل وأعلى مقامًا من معاوية - ﵃ - جميعًا بلا شك، ولكن معاوية كان في ذلك متأولًا وكان في عهده من الخير ما يُحمد له.\nس٢/ ما رأيكم بموسى الموسوي؟ قرأت له ردودًا على الإمامية وقيل إنَّهُ شيعي؟\nج/ هذا موسى الموسوي أحد الإمامية الرافضة، نَقَمَ ما على الخميني دعوته في ولاية الفقيه وفي بعض أمور السياسة فرحل إلى أمريكا وأنشأ له هناك دارًا ومركزًا، وألَّفَ بعض الكتب باللغة الإنجليزية والبعض باللغة العربية، وبعض كتبه كـ: (الشيعة والتصحيح) و(التشيع والتشيع)، و(يا شيعة العالم استيقضوا) ونحو هذه الكتب مفيدة في الرّد على الشيعة وبيان أنَّ منهم من يردُّ عليهم من كتبهم وأنهم متناقضون، وأنَّ الحقّ ليس معهم وأنَّ عندهم من التناقض وعندهم من مخالفة ما عليه أكابرهم المتقدمون ما يدل على فساد ما ذهبوا إليه، فكتبه مفيدة في ذلك.\nلكنه هو يذهب إلى شيء يجب أنْ تنتبه إليه، وهو أنَّ الشيعة حق وأنَّ التشيع حق وأنَّ الجعفرية حق، وأنه لا يجوز أنْ يُتَعَدَّى على التشيع من حيث هو، وأنَّ السنة والشيعة فرقتان من فرق الإسلام لا ينبغي أنْ يكون بينهما كبير فرق، ومع هذا فهو رَدْ على الشيعة في مواضع كثيرة.\nمَثَلًَا أذكر له في كتابه (الشيعة والتصحيح) ذَكَرَ عدة مسائل منها مسألة العصمة، مسألة ترك يوم الجمعة وزواج المتعة.\nوأيضًا ذَكَرَ وهي مسألة مهمة عقد لها بابًا سماه (الشيعة ومراقد الأئمة)، وذَكَرَ في هذا نقدًا واضحًا وتضليلًا للذين يُقَدَّسُون الأئمة ويتجهون إلى مراقدهم بالحج يعني إلى قبورهم، وقال حتى في صدر هذا الباب إنْ صح حفظي يقول في أول أسطر منه (يحلو لبعض الفئات أنْ تجعل مُعَظَّمَهُم مُقَدَّسًَا ويجعلون عليه خِلَعًَا من صفات الإله كما فعل الناس من المسلمين بمُعَظَّمِيْهِمْ، فلدى السنة مُعَظَّمُونْ خلعوا عليهم من صفات الإله وجعلوا يذهبون إليهم بالذبائح والنذور والطلبات والاستغاثات، وللشيعة أيضًا مُقَدَّسُون ومُعَظَّمُون خلعوا عليهم من صفات الإله ولم يَنْجُ -هذه عبارته- ولم ينجُ من هذا التخريف إلا الطائفة الموسومة بالسلفية) (٣) .\nفعلى العموم عنده ما عنده وكتبه تستفيد منها، يستفيد منها طالب العلم في بعض الأمور وخاصة في مسألة متى بدأ القول بالعصمة؟، ومتى بدأ انحراف الشيعة عن أقوال الأوائل؟\nأرَّخَهَا في كتبه تَأْرِيْخًَا جيدًا، وبَيَّنَ أَنَّ بداية الانحراف كانت في أوائل المائة الرابعة بدأ القول بالعصمة وبدأ الانحراف عن طريقة أئمتهم الأولين، فيُرَدُّ عليهم من كلام بعضهم (٤) .\n_________\n(١) سبق ذكره (٧٩٨)\n(٢) المسند (٦٤٩٩) / المستدرك (٢٦٦٣) / المعجم الكبير (٧٥٨)\n(٣) رفع الله لواءها\n(٤) نهاية الشريط الثامن والأربعين.","vol":"1","page":700},{"text":": [[الشريط التاسع والأربعون]]:\n\nوَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا، وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ.\n_________\nهذه الجملة منه في عقيدته يريد بها تقرير أصلٍ من أصول أهل السنة والجماعة؛ وهو أنهم لا يُصَدِّقُونَ من يَدَّعِي شيئًا من علم الغيب أو يَدَّعِي حالًا مخالفةً لما دل عليه القرآن وسنة النبي ﷺ وما أجمعت عليه الأمة في صدرها الأول.\nوسبب إيرادها في العقيدة أنَّ زَمَنَهُ كَثُرَ فيه من ينتسب إلى الأولياء ويكون له أحوال شيطانية ويكون له هَدْيْ يخالف به ما يجب على الأولياء من طاعة الله ورسوله ومعاداة الشياطين، وربما كان منهم من يَدَّعِي بعض علم الغيب فيكون كاهنًا، أو يُخبِرَ ببعض المُغَيَّبَاتِ فيكون عرَّافًا، أو يكون على حال لم يكن عليها السلف ولا ما أجمعت عليه الأمة فيكون مُدَّعِيًَا لشيءٍ يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.\nوهذا كما أَنَّهُ كان في الدجالين كذلك كان في السحرة والكهنة حقيقةً، وكذلك في بعض من ينتسب إلى الصلاح والطاعة ظاهرًا وهو في الباطن من إخوان الشياطين ومُوَاليهم.\nوما ذكره ظاهر الدليل من كتاب الله - ﷿ - ومن سنة رسوله ﷺ.\nونذكر تحت هذه الجملة مسائل:","vol":"1","page":701},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالله - ﷻ - هو المختص بعلم الغيب فلا يعْلَمُ أحدٌ الغيب، بل الله - ﷿ - هو الواحد الأحد وهو العالم بغيب السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن، قال - ﷿ - ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]، وقال - ﷿ - في سورة النمل ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وقال - ﷿ - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٦-٢٨]، الآية وكذلك في قوله - ﷿ - ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، فدَلَّتْ هذه الآيات أنَّ علم الغيب مختصٌ بالله - ﷿ -، والمقصود به علم الغيب المُسْتَقْبَلْ؛ يعني ما سيكون في الأرض أو في السماء هذا لا يعلمه على اليقين والحقيقة إلا الله - ﷿ -، وإنما الناس يَخْرُصونَ في ذلك فواجبٌ اعتقاد أنَّ الله - ﷿ - يعلم الغيب وحده - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\nومن ادَّعَى شيئًا من علم الغيب فإنما هو من الشياطين أو من إخوان الشياطين كما قال - ﷿ - ﴿وَيَوْمَ نحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨]، فذكر أَنَّ الجني يستمتع بالإنسي بعبادته له وتقرُّبِهِ له، وأنَّ الإنس يستمتع بالجني بما يخبره من المُغَيَّبَاتْ وما يكون.\nهذا دلَّتْ عليه أيضًا عدد من الأحاديث عن النبي ﷺ، وكانت الكهانة وهي ادِّعَاء ما يُسْتَقْبَلْ من الأمور من الغيبيات، أو العِرَافَةْ -سيأتي تفسيرها- كانت من الأمور الشائعة في زمنه ﷺ وقبل ذلك من أمور الجاهلية.\nوقد روى مسلمٌ في الصحيح (أنَّ معاوية بن الحكم السُّلَمِي أتى النبي ﷺ وقال له إنَّ رجالًا يَتَكَهَّنُونَ فنهاه النبي ﷺ عن ذلك) (١)، وقد جاء أيضًا في الحديث (ليس منَّا من تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له) (٢)، وسيأتي باقي الأحاديث في الكهانة.\nوسبب ادِّعاءْ علم الغيب في الناس من قبيل الكُّهَانْ أو العَرَّافِين أو المُنَجِّمِين أو من شابههم هو أنَّ الشياطين تُمِدُّهُم بالمعلومات.\nوالشياطين قد تُمِدُّهُم بمعلوماتٍ كاذبة، وقد تُمِدُّهُم بمعلومات فيها صدق، وقد يكذب الكاهن أو العراف أو المنجم مع ما أَتَاهُ من المعلومات مائة كذبة أو أكثر.\nوما يَصْدُقُونَ فيه من الإخبار بالمعلومات سببه أنَّ الله - ﷿ - إذا أوحى بالأمر في السماء وأَمَرَ ملائكته به مما يُنْفِذُهُ في خلقه -لأنَّ الملائكة مُنَفِّذُونَ لأوامر الله - ﷿ -- فإنَّ الشياطين أعطاهم الله - ﷿ - القدرة على الاستماع وعلى الصعود وأن يَعْلُوَ بعضهم بعضًا فيما أَقْدَرَهُمْ الله عليه.\nفربما استمعوا إلى بعض ما يوحيه الله - ﷿ - لملائكته وما يُلْقيه الملائكة بعضُهُمْ إلى بعض.\nولأجل هذا مُلِئَتْ السماء بالشهب وحُرِسَتْ بالنجوم التي تقتل من يسترق السمع، كما قال - ﷿ - ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ [الحجر:١٨]، وقال - ﷿ - ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١٠] وقال - ﷿ - ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] في بعض التفاسير.\nفجعل الله - ﷿ - في السماء رُجُومًَا للشياطين وهي هذه الشهب.\nوإذا كان كذلك فإن مَلْءْ السماء بالشُهُبْ واستراق السمع له تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألةٍ لاحقة.\n_________\n(١) مسلم (٥٩٤٩)\n(٢) المعجم الكبير (٣٥٥)","vol":"1","page":702},{"text":"[المسألة الثانية]:\nقال (وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا) العلماء اختلفوا في معنى الكاهن والعَرَّافْ وتفسير هذا وهذا على عدة أقوال.\nوظاهر صنيع المؤلف الطحاوي ﵀ أنَّهُ يُفَرِّقُ بين العَرَّافْ وبين الكاهن.\nوسبب التفريق أنَّ الأحاديث جاء فيها ذِكْرُ الكاهن مفردًا والعَرَّافْ مُفْرَدًا، وجاء فيها ذِكْرُ الكاهن والعرَّافْ مَجْمُوعَينِ مما يَدُلُّ على الفرق بينهما.\nلهذا إذا نظرت إلى أصل اللغة فإنَّ كلمة تَكَهَّنَ وكاهِنْ غير كلمة تَعَرَّفَ وعارِفَ وصيغة المبالغة عَرَّافْ.\nلأنَّ التَكَهُّنْ هو رَجْمُ الإنسان بالغيب فيما لا يعلم، يعني أنَّهُ يستقبل ما سيأتي بما لا علم له به.\nويدخل في ذلك عموم الظن؛ لكن الظن ليس معه ادِّعاءْ لعلم الغيب، وأما التَّكَهُّنْ فصار فيه ظَنٌّ هو في الأصل يعني في اللغة وظَنٌ فيما سيحصل مُسْتَقْبَلًَا.\nلهذا يجوز لغَةً أنْ يقول القائل تَكَهَّنْتُ أَنُّهُ سيكونُ كذا وكذا على اعتبار يعني في المستقبل أنَّهُ يظن أنَّه سيكون كذا وكذا.\nثم شاع هذا الاسم فيمن يَدَّعُونَ علم الغيب بواسطة الشياطين، فصار لَقَبًَا واسْمًَا على طائفةٍ مخصوصة وهم الذين يَتَوَلَّونَ هذه الصَّنْعَةْ ويُخْبِرُونَ الناس عمّا سيكونُ من أحوالهم فيما يستقبلون من الزّمان.\nفإذًا صار الكاهن كما عَرَّفَهُ بعض العلماء على هذا الاعتبار هو من يقضي ويُخْبِرُ بالمُغَيَّبات.\nوأما لفظ العَرَّافْ فهو في اللغة أَصْلُهُ من عَرَفَ أو تَعَرَّفَ يَتَعَرَّفُ فهو مُتَعَرَّفٌ أو عَرَّافْ.\nفهو الذي يُعَرِّفُ بأمورٍ غيبية يَعْرِفُهَا فَيُخْبِرُ بها.\nوهذا يشمل الأمور الغيبية في الزمان الماضي مما حدث أو مما سيكون؛ لأنَّ المعرفة والتَّعَرُّفْ تشمل الماضي والمستقبل.\nلكن خُصَّ في بعض الاستعمالات بأنَّهُ من يُخْبِرُ عن الأمور التي حصلت وانتهت مما خَفِيَ عن الناس كالإخبار عن مكان المسروق أو الضَّالَةْ أو عن شيءٍ أَضَاعَهُ الإنسان أو عن شيءٍ حصل وخَفِيَ عن الناس ونحو ذلك من المسائل.\nإذا نظرت إلى هذا الأصل اللغوي وارتباط ذلك بحال أهل الجاهلية، فالعلماء اختلفوا في ذلك على أقوال:\n١ - القول الأول:\nأنَّ الكاهن: هو القاضي بالغيب، وهو الذي يُخْبِرُ عن أمورٍ مُسْتَقْبَلَةٍ من الغيب مستعينًا في ذلك بالشياطين.\nوالعراف: هو الذي يُخْبِرُ عما خَفِيَ مما حَدَثَ وغاب عن الناس بالاستعانة أيضًا بالشياطين.\n٢ - القول الثاني:\nأنَّ الكاهن يَعُمُّ الجميع، فالعراف أخص، والكاهن يدخل فيه من يُخْبِرُ باُمورٍ مُسْتَقْبَلَة أو ماضية غابت عن الناس، أو التنجيم أو نحو ذلك، فيجعلون:\nالكاهن: اسمًا عامًا لكل من يَدَّعِي شيئًا من علم الغيب، فيدخل في صور كثير من الضرب بالرمل ومن الوَدَعْ ومن الخشب والاستقسام بالأزلام، خشبة (آبا جاد) والطرق بالحصى ونثر السُّبَح، والخط في الرمل ونحو ذلك مما هو شائعٌ عندهم، وأدْخَلَ فيها طائفة من المعاصرين -كما سيأتي بيانه- التنويم المغناطيسي وما يجري مجراه.\nوالعراف أخص من هذا فيكون مخصوصًا باسْمٍ، والاسم العام الكاهن.\nهذا القول الثاني هو المشهور عند أهل العلم والأكثر عليه.\n٣ - القول الثالث:\nأنَّ العراف أشمل والكاهن أخص منه.\nلأنَّ الكاهن مخصوص بالعلم المسْتَقْبَلِي عل حسب قولهم.\nوالعراف لكل من يدَّعي شيئًا من علم الغيب.\nوهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله عنه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد.\n* والراجح من هذه الثلاثة أنَّ الكاهن اسم غير اسم العَرَّافْ.\nفالكهانة لها صفتها وأحكامها، والعَرَّاف له صفته وأحكامه على نحو ما ذكرنا في القول الأول.","vol":"1","page":703},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nدَلَّتْ الأدلة في سنة النبي ﷺ على أنَّ تصديق الكاهن أو العراف محرَمٌ بل كفر، وعلى أنَّ إتيان الكهنة والعرافين فيها إثمٌ كبير.\nفمن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث حفصة -ولم يسمها مسلم-؛ بل قال عن بعض أزواج النبي ﷺ وهي حفصة أم المؤمنين أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (١) .\nوجاء في سنن أبي داوود حديث أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (٢) .\nوفي مسند الإمام أحمد أيضًا من حديث أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (٣) . وإسناده صحيح.\nفَدَلَّت هذه الأحاديث على أنَّ:\n- إتيان الكاهن أو العراف منهي عنه.\n- وأنَّ سؤاله كبيرة من كبائر الذنوب إثمها عظيم يَتَرتَبْ عليها أن لا تقبل للمرء صلاة أربعين ليلة من عِظَمِ الإثم.\n- وأنه إن سَأَلَ فَصَدَّقْ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ.\nإذا تبين ذلك فقوله ﷺ «من أتى عرافا فسأله عن شيء» هذا فيه عموم، (سأله عن شيء) يعني عن أي شيء سواءٌ أكَانَ فيما مضى عن ضالة أو عن شيءٍ مفقود أو عن شيءٍ في المستقبل فإنه لا تُقْبَلُ له صلاة أربعين ليلة.\nوسبب ذلك أنَّ العراف لا يستدل على ما غاب بأمورٍ ظاهرة أو بتجربة أو بأسبابٍ معلومة، وإنما يستعين بالجن، والاستعانة بالجن شرك لأنَّ الجن لا يُعينون الإنسان إلا إذا تَقَرَّبَ إليهم وأعطى بعض العبادة لهم ومَكَّنَهُم ليستمتعوا به، كما قال - ﷿ - ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، يعني زاد الجنيُّ الإنسيَّ رهقًا وإثمًا وبلاءً.\n«لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» اختلف العلماء هنا هل عدم القبول يعني الإجزاء ولكنه لا يثاب؟ أم أنها لا تقبل بمعنى أنها لا تُجْزِئُهُ لو صَلَّى ولكن يجب عليه أن يفعلها -يعني أن يقيمها-، وأنه لا يثاب عليها لأنها لم تُقْبَلْ منه؟\nوهذا في نظائره في تفسيره (عدم القبول) هل عدم القبول يعني عدم الإجزاء أو عدم الثواب؟\nوالظاهر هنا أنَّ عدم القبول بمعنى عدم الثواب؛ لكنه إذا أَدَّاهَا سقط عنه الفرض، لإجماع الأمة أَنَّهُ لا يجب عليه أن يعيدها بعد اقتضاء الأربعين ليلة.\nوأما تصديق الكاهن أو العراف -يعني إذا سَأَلَ كاهنًا فَصَدَّقَه- فما في الحديث ظاهر وهو أنه قال «فقد كفر بما أنزل على محمد» هذا في حال السائل المُصَدِّقْ فكيف بحال الكاهن نفسه؟؟\nيعني تُوُعِّدَ السائل الذي يسأل ويُصَدِّق أَنَّهُ قد كفر فكيف بالكاهن أو بالعراف؟\nلهذا هنا مسألتان:\n١ - المسألة الأولى: في حكم الكاهن أو العراف؟\nوالصحيح أنهم إذا استعانوا بالشياطين في ذلك، يعني لم يكونوا دجَّالين وإنما فعلًا يُخْبِرُونَ عن اسْتِعَانَةٍ بالشياطين فإنَّ هذا كفر، ويجب استتابتهم إنْ تابوا وإلا قُتِلُوا عند كثير من أهل العلم، على تفصيلٍ مَرَّ معنا في حكم الزنديق وأمثاله.\n٢ - المسألة الثانية: في حال السائل؟\nقال ﷺ «فقد كفر بما أنزل على محمد» وهنا الكفر هل هو كفرٌ أكبر مخرج من الملة أم كفرٌ أصغر دون كفر؟ أم يُتَوَقَّفْ فيه فلا يُقَالُ كفرٌ أكبر ولا كفرٌ أصغر لعدم الدليل على ذلك؟\nثلاثة أقوال لأهل العلم:\n@ من أهل العلم من المعاصرين وممن قبلهم من قال أنه كفرٌ أكبر لظاهر قوله «فقد كفر»، ويُفْتِي به عدد من مشايخنا هنا.\n@ ومن أهل العلم من يقول هو كفرٌ دون كفر، وهذا أظهر من حيث الدليل لأمرين:\n&amp; الأمر الأول: أنَّ النبي ﷺ كما في رواية أحمد قال «من أتى كاهنا أو عرافا فسأله عن شيء فَصَدَّقَهْ لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» فرتَّبَ عدم قبول الصلاة على السؤال والتصديق معًا ولو كان السائل الذي صَدَّقَ كافرًا فإنه لا تقبل صلاة حتى يتوب دون تحديدٍ لمدةٍ معلومة.\n&amp; الأمر الثاني: أنَّ الناس يُصَدِّقُونَ العراف والكاهن لا على اعتبار أنهم يَدَّعُونَ علم الغيب وأنهم ينفُذُونَ على علم الغيب بأنفسهم؛ ولكن يقولون: هذا -يعني ربما قالوا- هذا ممن اخْتَرَقَتْهُ الشياطين.\nفيكون لهم شبهة في ما يُصَدِّقُونَ به، وهذه الشبهة تمنع من أن يعتقدوا فيهم أنهم يعلمون علم الغيب مطلقًا.\nوهذا يكثر في حال من يُصَدِّقْ من ينتسبون إلى الصلاح أو يظهر عليهم الوَلَايَةْ والصلاح ويُخْبِرُونَ بالمغيبات، والناس يصدقونهم على اعتبار أنهم يُحَدَّثُونَ بذلك، ولهم في ذلك -كما ذكرنا- شبهة وهذه تمنع من إخراجهم من الملة والكفر الأكبر.\n_________\n(١) مسلم (٥٩٥٧)\n(٢) أبو داود (٣٩٠٤) / الترمذي (١٣٥) / ابن ماجه (٦٣٩)\n(٣) المسند (٢٣٢٧٠)","vol":"1","page":704},{"text":"ولهذا صار الصحيح هو القول بأنَّ تصديق الكاهن يعني في الخبر المُغَيَّبْ بخصوصه، يعني (من أتى فسأل فصدق) بالخبر بعينه أنَّ هذا كفر دون كفر لا يُخْرِجُ من الملة؛ لكن يجب معه التعزير البليغ والردع حتى ينتهي عمَّا سَمَّاهُ النبي ﷺ كفرًا.\n@ القول الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد أنَّه يُتَوَقَّف فيه، فلا يقال هو كفر أكبر ولا أصغر لأنَّ الحديث أطلق ثم لبقاء الردع في الناس والتخويف في هذا الباب.","vol":"1","page":705},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nالشبهة التي ذكرنا من اسْتِرَاقْ السمع هي التي جاءت فيها الآيات أنَّ الشهاب يُرْسَلُ على الشيطان أو على الشياطين الذين يسترقون السمع.\nواستراق السمع له ثلاثة أزمنة:\n١- الزمن الأول: ما كان قبل البعثة، قبل أن يُوحَى إلى محمد ﷺ، يعني في حال أهل الجاهلية، وهذا كان استراق السمع كثيرًا لحكمةٍ لله - ﷿ - في ذلك،، ولذلك كان ما يُخْبِرُ به الكُّهَان ويصدقهم الناس فيه كثيرًا.\n٢- الزمن الثاني: بعد أن أُوحِيَ إلى النبي ﷺ فإنَّ السماء مَلَأَهَا الله - ﷿ - حرسًا شديدًا وشُهُبًَا، كما قال - ﷿ - في سورة الجن مخبرا عن قول الجن في صدر السورة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] إلى أنْ قال ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨] فَدَلَّ على أَنَّهَا مُلِئَتْ، ولم يَعْهَدُوا ذلك من قبل؛ يعني أنَّ الله - ﷿ - جَعَلَهَا محروسةً لأجل وقت تَنَزُّلِ وحيه على رسوله محمد ﷺ حكمةً منه، وإلا فالله سبحانه قادر على أن لا يأذن بشيء من استراق السمع لكن لله - ﷿ - الحكمة والابتلاء لعباده.\nفمُنِعُوا من الاستماع، ومُنِعُوا من استراق السمع وبَقِيَ ما ينفذ القليل جدًا بالنسبة إلى ما سبق.\n٣- الزمن الثالث: هو ما بعد عهد النبي ﷺ، فإنَّ ظاهر الأدلة يدلُّ على أَنَّها لم تَخْلُ بعد ذلك من الشهب ومن حراستها في ذلك لئلا يَدَّعِّيَ أحدٌ النبوة وتكثر الشبهة معه فيما يخبِرُ بالمغيبات ممن يدَّعِي النبوة.\nوإذا كان الأمر كذلك في هذه الأحوال الثلاثة فإنَّ ادِّعاء علم الغيب كفر:\n- إما لتَهَجُّمِهِ على ما يختص الله - ﷿ - به.\n- أو لأَنَّهُ لا يدَّعِي علم الغيب إلا من يستعين بالجن ويتقرب إليهم.\nوأما الذي يُصَدِّقُ من يَدَّعِي علم الغيب في بعض الأحوال مثل ما ذكرنا هذه لها تفاصيل ذلك.\nوالواجب أن يُعْتَقَدَ أَنَّ الغيب كما قدَّمْتُ لك في أول المسائل مختصٌ بالله - ﷿ - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ هذا يعمّ لأنَّ أحدًا نكرة في سياق النفي، فتعم كل أحد، ثم استثنى الله - ﷿ - فقال ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:٢٦-٢٨] فاستثنى الله - ﷿ - الرسول الملكي والرسول البشري فيما يُطْلِعُهُم عليه من علم الغيب لدليل صدقهم أو لحكمةٍ لله - ﷿ - في ذلك.","vol":"1","page":706},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nالكِهَانَة والعِرَافَة متنوعة الصور.\nففي الزمن الأول كان لها صور متعددة مثل: الضرب بالحصى، ومثل الخط، هذه لو كانت توجد لَوْحَة لَبَيَّنْتُ لكم كيف يضربون بالحصى وكيف يَخُطُّونْ ويَصِلُون إلى النتيجة بزعمهم ويَتَّضِحْ لك أَنَّهُ دَجَلْ؛ لأنَّهُ لا دليل منطقي ولا سبب كوني ولا شرعي يَدُلُّ على النتيجة التي يَدَّعُونَها.\nلكن يُدَجِّلْ على الناس بأن يجعل شيئًا لا يفهمه الناس يَدَّعِي الكاهن أو العَرَّاف أو الضارب بالحصى والرمل إلى آخره يَدَّعِي أنها تَدُلُّهُ على المعلومة، وهو في الحقيقة لا يستدل عليها بالخط ولا يستدل عليها بالخشبة التي يكتب عليها، ولا يستدل عليها بالحصى وإنما هي من الشياطين.\nوهذه الأشياء، الصور المختلفة منها ما هو قديم ومنها ما هو حديث في أنحاء شتى لكن كُلُّهَا يُظْهِرُونَ أَنَّهَا سبب وليست بسبب.\nوبخصوص الخط فإنهم يَدَّعُون دَجَلًا وكَذِبًَا أَنَّ هذا من عِلْمِ الله لبعض أنبيائه.\nوهذا قد يَذْكُرُ عليه بعضهم قول النبي ﷺ لما سُئِلَ عن الخط كما رواه مسلم في الصحيح قال «كان نَبِيٌّ يَخُطْ فمن وافق خطه فذاك» (١) يعني أَنَّ أصل الخط آية لنبيٍ من الأنبياء، عَلَّمَهُ الله - ﷿ - نبيًا من الأنبياء ليكون دِلالَةً على ما يُعَلِّمُهُ الله - ﷿ -، وبقي في الناس لكن لا يوافقون آية النبي؛ لأنَّ آية النبي لا يستطيع أحد أن يفعلها؛ لأنها آية مُخْتَصَّة به، ولو كانت آية نبي تكون لكل أحد لما خُصَّ النبي بالآية.\nلهذا كان قال «كان نبي يخط» ثم قال «فمن وافق خطه فذاك» .\nقوله «فمن وافق خطه فذاك» هذا من الإحالة على مستحيل؛ يعني أنَّ أَحَدًَا من هؤلاء الذين يَخُطُّونْ والكهنة والعرافين ومن نحا نحوهم لا يمكن لأحدٍ أن يقول هكذا خَطَّ ذاك النبي أو أَنَّ هذه آية من جنس آية ذاك النبي [...] الكهنة والذين يَخُطُّونْ ويَدَّعُون علم الغيب من أنَّ الخط كان عند الأنبياء فَيُرَدُّ عليهم بهاتين الجهتين:\n- الأول: أنَّهُ آية وآية النبي لا يمكن لأحدٍ أن يدركها.\n- الثاني: أَنَّ النبي ﷺ أحَالَ على مستحيلٍ قال «فمن وافق خطه فذاك»، وهذا لا يمكن لأحد أنْ يُدْرِكَهْ.\nلهذا الخط في الرمل والضرب بالحصى والخشب وأنواع ذلك هذه من الصور القديمة وهي موجودة الآن في بعض البلاد، وهي كلها من وسائل الكُهَّان ومن نَحَا نحوهم.\nومن الصور الحديثة التي اختلف فيها العلماء، هل تدخل من الكهانة أم لا تدخل؟، وهل هي من استخدم الجن وعلم الغيب أم لا تدخُل؟ ما يُسَمَّى بالتنويم المغناطيسي.\nوهذا له صفته وثَمَّ كتب كثيرة مُؤَلَّفَةْ في ذلك من مختصين في هذا في أوربا وفي مصر وفي لبنان وفيه معاهد تُعَلِّمْ هذا الذي يَدَّعُونَ أَنَّهُ فَنٌ أو علم من العلوم.\nوقد أفتت اللّجنة الدائمة عندنا في فتوىً مشهورة مُطَوَّلَة بأنَّ التنويم المغناطيسي ضَرْبٌ من ضروب الكهانة واستخدام الجن ليتسلَّطَ -بحسب ما عَبَّرُوا- الجني على الإنسي فيَحْمِلُهُ ويَرْتَفِعْ عن الأرض ويُخْبِرْ بأمورٍ مُغَيَّبَة ويتسلط على نفسه وعلى روحه فيكون له عليها سلطان.\nوثَمَّ صور كثيرة، واليوم في عدد من البلاد -والعياذ بالله- ثَمَّ معاهد لتعليم عددٍ من هذه الأمور المنكرة، والواجب على المسلمين جميعًا أن يُنْكِرُوا هذا أشد الإنكار، لأنه:\n- أولًا: تَهَجُّمٌ على ما يختص الله - ﷿ - به.\n- ثانيًا: لأنَّهُ لا يكون إلا بالإشراك بالله - ﷿ - إذا صَدَقَ استخدامهم للجن.\n- ثالثًا: إنه فتحٌ لباب الدَّجَلْ وباب الكذب على الناس وأخذ أموال الناس بالباطل.\nوما يأخُذُهُ المُتَكَهِّنْ من المال فهو حرامٌ عليه وخبيث كما جاء في الحديث الصحيح «حُلْوانُ الكاهن خبيث» (٢) يعني أنه كَسْبٌ مُحَرَّمٌ خبيث.\n(وقد جاء غلام عند أبو بكر الصديق ﵁ فأعطاه طعامًا فأكله أبو بكر ﵁، ثم قال الغلام: أتدري من أين هذا؟\nقال: لا.\nقال: كنت تَكَهَّنْتُ -يقول غلام أبي بكر لبي بكر ﵁- يقول: كنت تَكَهَّنْتُ لرجلٍ في الجاهلية فأعطاني هذا الحلوان، فجعل أبو بكر الصديق ﵁ يُدْخِلُ أصبعه في فيه حتى قَاءَ كل ما في بطنه) (٣)\nفهذا من حيث الكسب حرام، ومن حيث السؤال حرام، وذلك لعِظَمِ هذا الذنب، فإنه لا يجوز إقْرَارُهْ ويجب على من يقدر على إنكاره أن يُنْكِرْ، وعلى أهل الحسبة ومن يلي هذا الأمر بخصوصه أن لا يتساهلوا في ذلك، وكذلك على الدعاة إلى الله - ﷿ - وأهل العلم أن يُبَيِّنُوا ذلك لأنه من مسائل التوحيد.\nنكتفي بهذا القدر، وثَمَّ مسائل أخرى متعلقة بالجملة الأخرى هي قوله (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ.) نرجئها إن شاء الله تعالى إلى الدرس القادم.\n_________\n(١) مسلم (١٢٢٧)\n(٢) ذكره شاح الطحاوية ولم أجده\n(٣) البخاري (٣٨٤٢)","vol":"1","page":707},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>الأسئلة:</span>\nس١/ قال بعض أهل العلم إنه لا يُسْتَعَانُ بالجن لا مسلمهم ولا كافرهم، وذكر أَنَّ الجن يُخْبِرُونَ أَنَّهُمْ مسلمون فهذا لا يُصَدَّقْ؛ لأنه من علم الغيب فنؤمن أنه من الجن من هو مسلم وكافر، إلى آخره؟\nج/ الاستعانة بالجن حرام سواءٌ كانت استعانة بالجني الكافر الشيطان أم بالجني المسلم، وذلك لعدة أدلة:\n١ - الدليل الأول: أنَّ استمتاع الجني بالإنسي والإنسي بالجني محرمٌ في نصوص الكتاب والسنة وأنه لا يُسْتَثْنَى من ذلك، لم يرد الدليل بالاستثناء ولا بالتخصيص، فبقاء الأمر على عمومه بما يشمل الجميع هذا هو الأصل وهو المتَعَيِّن.\n٢ - الدليل الثاني: أنَّ الجن لهم قُدَرْ كما هو معلوم وأنه في زمن النبي ﷺ كان منهم مسلمون كثير أسلموا، قال - ﷿ - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] إلى أن قالوا ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن:١١]، وكذلك قوله ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٤]، وكذلك في آخر سورة الأحقاف ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠] .\nفالجن في زمن النبوة كان منهم من صَحِبَ النبي ﷺ وأسْلَمَ على يديه، وعندهم من القُدَرْ ما ليس عند غيرهم، وقد مضى زمن النبوة بأزمان ولم يَسْتَعِنْ النبي ﷺ بالجن، ولم يَسْتَعِنْ الصحابة بهم وقد واجهتهم أشياء.\nفهذا الدليل وهذا الإجماع أعظم وأبْلَغْ مما يُسْتَدَلْ به على أَنَّ هذا الأمر من البِدَعْ لأنَّهُ لم يكن في زمن السلف.\nهذه المسألة أظهر وأبلغ لأنهم لم يستخدموا ذلك ولم يستعينوا بهم لا بمسلمهم ولا بكافرهم.\nوهذا له سبب، وهو أنَّ الجني إذا زَعَمَ أَنَّهُ مسلم فإنَّ إثبات إسلامه وإثبات صلاحه متوقِفٌ على أمر باطن لا يَطَّلِعْ عليه الإنسان، فأنت بالظاهر تحكم على الرجل إذا قابلك والجن منهم رجال ومنهم نساء ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:٦]، تَحْكُمْ عليه بالظاهر من هيئته وشكله على أنه مسلم ونحو ذلك، والجن لا تعلم صدقهم ولا تعلم حقيقة ما ادَّعَوا فبقي الأمر على الأمْرْ المُغَيَّبْ.\nولهذا قال أهل العلم إنَّ رواية الجن للأحاديث ضعيفة، فلو أَتَى جني وروى بالإسناد وقال: قال رسول الله ﷺ كذا وهذا يقول أنا مسلم والثاني يقول أنا مسلم في الإسناد فعند أهل الاصطلاح بَحَثُوا رواية الجن وقالوا: إنها ضعيفة لأنَّ الجن مجاهيل، حتى ولو قال أنا مسلم فلا يُصَدَّقْ في خَبَرِهِ.\n٣ - الدليل الثالث: أنَّ فتح باب الاستعانة هذا هو فتحٌ لباب الشرك بالله - ﷿ -، فيجب سَدُّهُ، وهو أولى من سَدِّ بعض أنواع ذرائع الشرك.\nفالشريعة حَرَّمَتْ البناء على القبور لئلا يكون وسيلة لتعظيم أصحابها، وجاء تحريم بعض وسائل الشرك لئلا يكون وسيلة، بعض وسائل البيوع المحرمة لئلا يكون وسيلةً إلى الربا وهكذا، والاستعانة بالجن الذين يُجْهَلُونَ ولا يُعْلَمْ حقيقة الحال، الاستعانة بهم لاشك أنَّهُ ذريعة لأن يأمر الجني الإنسي إذا فُتِحَ الباب أن يأمره بالتَّقَرُّبْ أو ببعض الأشياء.\nوقد بَلَغَنِي بيقين عن بعض من يتعاطى القراءة وهو من الجَهَلَة، ليس من أهل العلم ولا من طلبة العلم ممن فَتَحَ هذا الباب فسَيْطَرَ عليه الجن وهو لا يعلم في هذا، وأصبح يأمرونه بأشياء وينهونه عن أشياء، وربما أَذَلُّوهُ في بعض الأمور، فَسَدُّ الذريعة في هذا واجبٌ ولا يجوز التساهل به.\nوق استدل بعض من قال بجوازه ببعض التعبير، بعض العبارات عن شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر كتاب النبوات وفي الفتاوى معلومة كلام ابن تيمية في الموضوع؛ لكن شيخ الإسلام لا يريد بما قال إباحة الاستعانة، وإنما بَحَثَ في حال المسلم مع الجني، فقال في أوله (وأولياء الله لا يُعَامِلُونَ الجن إلا بأمرهم الشرع ونهيهم عن ضده، كما كانت حال النبي ﷺ وأصحابه) .\nثُمَّ ذكر الحال الثالثة: أنه قد يعرض الجني للإنسي في أَمْرٍ يُعِيْنُهُ فيه هذا لا بأس به.\nفيُحْمَلْ كلامه على أنه في حالة -لأن بعض السلف فعلها- في حالة أنَّهُ يَعْرِضْ له.\nمثلًا يأتيه ويقول أنا أيقظك لصلاة الفجر، أو يضيع من الطريق مثل ما حصل للإمام أحمد، قد يكون من الملائكة وقد يكون من الجن الله أعلم؛ لكن يقول الطريق من هاهنا فيتبعه.\nهذا ليس استعانة ليس طلبًا للعون، وإنما هو إرشاد، وهذا الإرشاد مُتَوَقِّفْ على صدق المُرْشِدْ وعلى كذبه.\nيعني ليس هو استعانة طلب للعون.\nهو يقول له مثلًا: هو كذا أو الطريق من هنا أو هذا الشيء في الفلاني من دون أن يطلب.\nوهذا خبر قد يكون صادقًا وقد يكون كاذبًا.","vol":"1","page":708},{"text":"واختبار الخبر لا ما نع منه، يختبر هل هو صادقٌ فيذلك أم لا.\nالمقصود هذه المسألة لا تتساهلوا فيها، لا في هذا الوقت ولا فيما بعده؛ لأني أخشى أن ينفتح علينا ذرائع الشرك ووسائل البدع من جَرَّاءِ القراء الجهلة الذين فتحوا باب الاستعانة بالجن في هذا الباب.\nولأجل طول الجواب نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.\nس٢/ ما ذكروه عن عمر ﵁ أنه كان يَسِمُ إبل الصدقة، ثم الصحابة سَأَلُوا عنه فقالوا إنَّ امرأة معها قرين، فأخبرته، فأخبرهم الجني أَنَّ عمر كان يسم إبل الصدقة، ذكره بعض العلماء الأثر؟\n[الشيخ]: لا أدري ما المقصود.\n[السائل]: يعني هنا الصحابة استعانوا بهذا القرين في البحث عن عمر ﵁ فأخبرهم أنه كان يسم إبل الصدقة، وهذا ذكره الشيخ ابن عثيمين في القول المفيد، فما رأيك هل هو طلب أو خبر؟\nالشيخ: لا أعرف، هذا يحتاج إلى إثبات أولًا ثُمَّ هذا قد يُحْمَلْ على أنَّهُ خبر لكن ما نُعَارِضْ.\nفيه شُبَهْ أكثر من هذا من الأفعال، لكن ما نعارض الأصول الشرعية.\nلماذا لم يُسْتَخْدَم في عهد النبوة؟\nفيه مسائل في التوحيد لو نأخذ بعض المسائل هي أيضًا تؤثر على كثير.\nلا نأخذ شيئًا لا يُعْرَفْ، يجب في المشتبهات هذه أن تُحْمَلْ على المُحْكَمْ، المُحْكَمْ هو الأصل ونرد له المشتبهات.\nكون حادثة حدثت لا تدري عن تأويلها لأنَّ حكايات الأفعال لها عدة توجيهات وعدة أحوال، ما تدري هذه تُوَجِّهُهَا بكذا ولا تُوَجِّهُهَا كذا.\nومن قال أنها تُوَجَّهْ إلى الاستعانة فقط هذا يحتاج إلى استدلال.\nهل هم طلبوا العون؟ أو أُخْبِرُوا؟ وش الحال في الحقيقة؟\nفما نحكم على فعل الصحابة بمناقَضَةْ حال النبي ﷺ.\nهذا في ما لو كان يعني فعلهم حجة في هذا، ومعلوم أنَّ أقوال الصحابة فيها نظر في الاحتجاج، فكيف بأفعالهم إذا خالفهم (١) ...\n_________\n(١) نهاية الشريط التاسع والأربعين.","vol":"1","page":709},{"text":": [[الشريط الخمسون]]:\n\nوَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا، وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ.\nوَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا، والفُرْقَةَ زَيْغًا وَعَذَابًا.\n_________\nمرّت معنا عدة مسائل تتعلق بالجملة الأولى وهي قوله (وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا) .\nوفي<span data-type=\"title\" id=toc-589> قوله (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ) </span>مسائل أيضًا:","vol":"1","page":710},{"text":"[المسألة الأولى]:\nأنَّ مخالفة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، هذه مذمومة وضلال وقد تصل بصاحبها إلى الكفر في باب الاعتقاد أو في باب العمليات أو في أبواب السلوك.\nوالواقع يدلُّ على أنَّ طائفةً ممن ادَّعوا الصلاح والسُّلوك والزُّهد والعبادة، ادَّعوا أشياء تحصل لهم، إمَّا بالإلهام أو بخبر الغيب أو بأحوال لم يدلَّ عليها الكتاب والسنة وأجمعت الأمة على خلافها.\nوهذا كثير فيمن يَدَّعُون التَّصَوُف ممن كانوا في زمن الطحاوي وما قبله.\nوالطحاوي ﵀ قرن -فيما ترى- ما بين تصديق الكُهَّانِ والعَرَّافِين وما بين ادِّعَاءِ أشياء تخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ لأنَّ الناس قد يظهرُ لهم في موضوع الغيب عدم تصديق الكاهن والعرَّاف لأنَّ الكاهن والعرَّاف حالهما معروف والناس يحذرون من أهل الكهانة لا سيما في الأوقات القريبة من السنة أو التي تظهر فيها ألوية السنة، فيكرهون الكِهَانَةْ والعِرَافَةْ ويكرهون الكاهن والعَرَّاف لأنهم من أولياء وإخوان الشياطين.\nلكن مسألة الصالحين والأولياء ومن يُظْهِرْ الصلاح فإنَّ هذه قد تشتبه كما هو الواقع في كثيرٍ من أحوال المسلمين الماضية والحاضرة، لهذا قرن بينهما؛ لأنَّ مسألة الكاهن والعَرَّافْ ظاهرة؛ لكن أيضًا لا نُصَدِّقُ من يَدَّعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة وإجماع ممن ظاهره الصلاح ويدَّعي أحوالًا أو العلم بأمور الغيب.","vol":"1","page":711},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالذين نُسِبوا إلى الوَلَاية -بفتح الواو- وعُدُّوا من الأولياء وأهل الزَّهَادَةْ فئات مختلفة متنوعة:\n- منهم الغلاة الذين زعموا أنهم يُوحَى إليهم.\n- ومنهم من هم دونهم ممن يزعمون أنهم يُلهَمون ويُخبَرونَ بالغيب.\n- ومنهم -وهم دونهم- من يزعمون أنهم على قُدْرَةٍ في تغيير الأحوال والعلم بالضمائر وأنهم يُحَدَّثُونَ بما أحدثه الناس بعدهم؛ يعني فيما مضى والذين قبلهم فيما سيأتي.\nولا شك أنَّ طريقة السلف في الزهد والعبادة هي التي أجمعت عليها الأمة، وهي أَنَّهُم يَتَعَبَّدُونَ ويَتَزَهَّدُون، ويرجون الله - ﷿ - ولا يَدَّعُونَ شيئًا من أحوال الكُهَّانْ والعَرَّافين ولا إخبار بالغيب ولا الأحوال الشيطانية المختلفة التي تُسَمَّى الكرامات عند بعضهم.","vol":"1","page":712},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالواجب على كل مسلم أن يعتقد أنَّ علم الغيب مختصٌ بالله - ﷿ -، وأنه قد يُعْطِي بعض علم الغيب لرسولٍ.\nوالرسول هو الذي جاء في قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٦-٢٨]، فالذي اِسْتُثْنِي هو الرسول.\nوالرسول نوعان:\n- رسول ملكي، نِسْبَةْ إلى الملائكة.\n- ورسول بشري.\nوهؤلاء يُسْتَثْنَونَ فيما أراد الله - ﷿ - أن يُعْلِمَهُم إياه من أمور الغيب، لحكمته - ﷿ - ولكمال علمه وقدرته.\nأما من ليس برسول فلا يُكْشَفُ له الغيب، لكن قد يكون لبعضهم كرامة، ليست من باب كشف الغيب المستقبلي، ولكن هي من باب الكشف العلمي الذي سبق أن ذَكَرنَاهُ لكم في نحو قصة عمر ﵁ مع سارية حيث قال له (يا سارية الجبل الجبل) يعني الزم الجبل.\nفصار بالنسبة إلى عمر كشف علمي، ليس علمًا للغيب المستقبلي، كشف علمي أو بصري، فرأى الجبل ورأى سارية.\nوبالنسبة إلى سارية أيضًا سَمِعَ كلام عمر فصار بالنسبة له كشف سمعي، وهذا من جهة الكرامة، وقد أوضحنا لك ذلك في قوله (وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ) فيما مضى.","vol":"1","page":713},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nذكر لك الشارح هنا -ابن أبي العز ﵀- أحوالًا متنوعة فيمن ادَّعَى أشياء مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة ترجع إليه فيها.\nوننبه زيادة على ذلك من أنَّ طائفة - أظنه ذكرها في هذا الموضع- أسْمَتْ نفسها بـ: (الطائفة المَلَامَكِيَّةْ) أو (الملامِيَّةْ) وهذه الطائفة من الصوفية نشأت في أواخر القرن الثامن الهجري تَزَعَّمَهَا طائفة من الزُّهَادْ والعُبَّادْ الذين أرادوا تصفية النفوس وتحقيق الإخلاص، فصاروا يُظْهِرُونَ حالًا خلاف ما هم عليه، يُظهرون المعصية، يُظْهِرونَ خلاف الطاعة، يُظْهِرونَ التفريق في الواجبات، لأجل أن يذمهم الناس وهم في الحقيقة في داخلهم ليسوا على هذا الأمر ويكرهونه وهم من أهل العبادة والزهد.\nفأرادوا الإخلاص عن هذا الطريق، وهذه لا شك حال تخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة في أنَّ العبد المُكَلَّفْ يجب عليه أن يستقيم على الطاعة وأن يُحَقِّقَ الإخلاص كما أمره الله - ﷿ - في حاله ظاهرًا وباطنًا.\nفإذن هذه الجملة (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ) تدلُّ على عدم تصديق كل من ادَّعَى الوَلَاية وهو يَدَّعِي شيئًا من علم الغيب أو يَدَّعِي شيئًا من المقامات العلية أو من الوحي أو من الإلهام مما يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.","vol":"1","page":714},{"text":"قال ﵀ بعد ذلك (وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا)\n_________\nيريد العلامة الطحاوي ﵀ وأجزل له المثوبة بهذه الجملة من هذه العقيدة النافعة بأنَّ:\n- أهل السنة والجماعة أهل الحديث والأثر أتباع السلف الصالح يَرَونَ الجماعة حقًا أَحَقَّهُ الله - ﷿ - وأَحَقَّهُ رسوله ﷺ ثابت وخلافه باطل.\n- وأنهم يرون الجماعة صوابًا في الالتزام بها وفي التمسك بها وفي الحال والمآل وفي الدنيا والآخرة.\n- وأنَّ خلاف الجماعة والتمسك بها أنه باطل وغلط وضلال.\nوقابلها بقوله (والفُرْقَةَ زَيْغًا وَعَذَابًا) يعني يرى أهل السنة والجماعة أهل الحديث والأثر أتباع السلف الصالح يرون الفرقة بأنواعها زيغًا عن الصراط، وزيغًا وبُعْدًَا عما أمر الله - ﷿ - به من الاعتصام بحبله والإتباع لرسوله ﷺ، ويرونها أيضًا عذابًا يعني عُقَوبَةً تُعَاقَبُ بها الأمة -كما سيأتي بيانه إن شاء الله.\nوسبب إيراد هذه الجملة في العقائد أمران:\n١ - الأمر الأول: أنَّ أعظم ما حصل به الزيغ والدَّمْ في الأمة وإضعاف الأمة والبدع والمحدثات والشرك وجميع الموبقات بأنواعها إنما حصل من جَرَّاءِ ترك الجماعة والأخذ بالفُرْقَةْ أو استحسان الفُرْقَةْ.\n٢ - الأمرالثاني: أنَّ الفِرَقْ الضالة رأت الفُرْقَةْ خيرًا وطلبتها ورَأَتْ الجماعة ضعفًا فنبذتها.\nومخالفتهم وترك سبيلهم هو سِمَةُ الفِرْقَةِ الناجية الذين قال فيهم النبي ﷺ: «كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة» (١) .\nإذا تبيَّنَ ذلك فهاهنا مسائل:\n_________\n(١) سبق ذكره (٥)","vol":"1","page":715},{"text":"[المسألة الأولى]:\nفي قوله (نَرَى)، كلمة (نَرَى) في هذا الموطن يُرادَ بها الاعتقاد، يعني ونعتقدُ، وليست مذكورةً لأجل أنَّ المسألة اجتهادية، كما يعبر الفقهاء (أرى كذا، وأرى أنَّ الأظهر كذا) فيما سبيله الاجتهاد.\nفكلمة (نَرَى) في كتب أهل السنة، في كتب العقائد إذا جاءت بصيغة الجمع فإنه يُرَادُ بها ما قَرَّرَهُ أئمة أهل السنة والجماعة في عقائدهم دون خلافٍ بينهم.","vol":"1","page":716},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالجماعة جاء ذِكْرُهَا في حديث الافتراق وفي أحاديث أُخَرْ كقوله ﷺ: «الجماعة رحمة والفُرْقَةْ عذاب»، وكقوله «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه كائنًا من كان» (١) وكذلك قوله في حديث الافتراق «إنَّ اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإنَّ النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وإنَّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلُّها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة»، وفي رواية قال: «هي ما كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٢) .\nفكلمة (الجَمَاعَةَ) جاءت في عدد من الأحاديث نَصًَّا، وجاءت في القرآن مَعْنَىً في قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران:١٠٣]، وفي قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ يعني جميعًا دون تفريق، و﴿السِّلْمِ﴾ في الآية يعني الإسلام.\n﴿ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ يعني ادخلوا في الإسلام كافة.\n﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:٢٠٨]، بأن تُفَرِّقُوا بين أمرٍ وأمرٍ من أمور الإسلام، فيجب الدخول فيه كافة، وألَّا يقول المسلم إذا أسلم (أنا أدخل في بعض الإسلام ولا أدخل في بعض، أو ألتزم ببعضٍ ولا ألتزم ببعض أو أُقِرُّ ببعضٍ ولا أُقِرُّ ببعض)، ونحو ذلك.\nو(الجَمَاعَةَ) في هذا الموطن اختلف السلف في تفسيرها على عدة أقوال -يعني الآية والحديث وفي غيرهما أيضًا من كلام السلف-.\nوالذي يجمع كلام السلف كما أوضحته لكم في غير موضع: أَنَّ الجماعة نوعان:\n- جماعَةٌ في الدين.\n- وجماعَةُ في الأبدان والدنيا.\nوأنَّ النصوص تشمل هذا وهذا، وأَنَّ من فَسَّرَ من السلف (الجَمَاعَةَ) بجماعة الدين فإنه -يعني من الصحابة والتابعين - تَفْسيرٌ للشيء ببعض أفراده، كما هو عادة السلف، ومن فَسَّرَهَا بأنها جماعة الأبدان والاجتماع على الإمام وولي الأمر فإنَّهُ يعني بها فردًا أو بعض أفراد الجماعة.\nفالجماعة نوعان:\n١ - أولًا: جماعةٌ في الدين: وهي الأساس الأعظم لما أنزل الله - ﷿ - به كتبه وأرسل به رسله، فإنَّ الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجل أن يجتمع الناس في دينهم، وهو توحيد الله - ﷿ -، عبادته وحده دون ما سواه والبراءة من الشرك وأهله، وطاعة رسوله الذي أرسله على الرسل صلوات الله وسلامه.\nوهذا هو الذي جاء في نحو قوله - ﷻ - في سورة الشورى ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] يعني واجتمعوا عليه، وهو المذكور في قوله ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران:١٠٣] .\nوهذا الاجتماع في الدين هو أَعْظَمُ أَمْرٍ لأجله بُعِثَتْ الرسل وأُنْزِلَتْ الكتب، وهو الذي من أجله يجاهد المجاهد ويدعو الدَّاعِي، وهو الذي من أجله آتى الله - ﷿ - الرسل الآيات والبينات، أن يجتمعوا لأجل تحقيق الدين، لأجل ألا يفترق الناس في الالتزام بما يُرْضِي الله - ﷿ - فيما يستحقه في العبادة والطاعة له ولرسوله ﷺ.\nفيدخل هنا في الاجتماع: الاجتماع في ملازمة الإسلام، والالتزام به، وألا نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض، وأن يُدْخَلَ في الإسلام كافَّةْ دون تفريقٍ ما بين مسألة ومسألة -يعني من حيث الاعتقاد والإقرار والإذعان والالتزام-.\n٢ - ثانيًا: جماعة الأبدان: يعني اجتماع الأبدان والدنيا بملازمة طاعة من وَلَّاهُ الله - ﷿ - الأمر، والسمع والطاعة في غير معصية الله - ﷿ -.\nوهذا النوع وسيلة لتحقيق الأوَّلْ، فالأمْرُ به والنهي عن الخروج عن الولاة والأمْرْ بالاجتماع فيما أَحَبَّ الإنسان وكَرِهْ، كما جاء في الحديث «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره» (٣)، هذا به يتحقق الاجتماع في الدين.\nوالتفريط في الأول أو في بعضه يُعَاقِبُ الله - ﷿ - به بالفرقة في الثاني أو بعضه -كما سيأتي بالبحث في الفُرْقَة-، وكذلك التفريط في الثاني وهو: السمع والطاعة لولاة الأمور في غير المعصية والاجتماع وعدم الخروج، التفريط في الثاني يُنْتِجُ التفريط في الأول أو في بعضه.\nولهذا ما مِنْ فُرْقَةٍ في الأبدان حصلت في الأمة إلا وكان معها وبعدها من الافتراق في العقائد ونفوذ البدع والمُحْدَثَات ما لا يدخل في حُسْبَان.\nفالأمران مترابطان، والجماعة مطلوبَةٌ في هذا وهذا ومأمورٌ بها، وجماعة الدِّين واجتماع الناس في دينهم حقٌ وصواب، وإحداث المحدَثَات باطل وغلط وضلال، وكذلك الاجتماع في الأبدان والدنيا حقٌ وصواب وخلافه بالفُرْقَةْ والخروج باطلٌ وزيغٌ وضلال.\n_________\n(١) سبق ذكره مع ما قبله (٤٨٧)\n(٢) سبق ذكره (٣٤٤)\n(٣) سبق ذكره (٤٨١)","vol":"1","page":717},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nجماعة الدين حصل فيها الافتراق أو حصل فيها الخلل ووقعت الفُرْقَة قبل الافتراق في الأبدان أو قبل اختلال جماعة الأبدان، وذلك حين نشأت الخوارج في عهد عثمان ﵁، وحدث منهم ما حدث حتى آل الأمر إلى قتل عثمان ثم بعد ذلك وقعت الفُرْقَة واخْتَلَّتْ الجماعة.\nوهذا يؤخذ منه أنَّ من دعا إلى الدين والاجتماع عليه وتحقيق التوحيد ونبذ البدع ووسائل الشّرك والبدع وإحلال الحلال وتحريم الحرام والأمر بما أوجب الله - ﷿ - والنهي عن ضد ذلك أنَّ هذا في الحقيقة يدعو إلى الاجتماع في الأبدان، لأنّه إذا اجتمع الناس في دينهم آل الأمر إلى اجتماعهم في أبدانهم، والمسائل مرتَبِطٌ بعضها ببعض.\nلهذا كان من اللَّوازِمْ على كل من يطلب معرفة منهج السلف والأئمة وأهل الحديث أن ينظر إلى التلازم العظيم ما بين الجماعة الأولى والجماعة الثانية أو الاجتماع الأول والاجتماع الثاني.\nوالتوازن فيما بينهما هو سبيل أهل العلم، فإنَّ الناس في هذين الأمرين على ثلاثة أنحاء:\n@ الفئة الأولى: منهم من قَدَّمَ تحقيق المطالب الدينية ورَعَاهُ حتى ولو حصل خلل في الاجتماع في الأبدان- يعني بحسب اعتقادهم -.\nوهذا هو طريقة من ضل في هذا الباب وغلا من الخوارج والمعتزلة، ومن رَأَى رأيًا يشابه ما قاله الخوارج والمعتزلة ونحوهما.\n@ الفئة الثانية: من تساهلت فرَأَتْ المحافظة على الجماعة في الأبدان والدنيا سبيلًا لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة الواجبة وإعلان الحق بضوابطه الشرعية في أمر الجماعة، فَتَرَكُوا إنكار المنكر من الشرك والبدع تَسَاهُلًَا وضَعْفًَا.\n@ الفئة الثالثة: هم الراسخون في العلم ومن تَوَلَّاهُ الله - ﷿ - بتوفيقه، فإنهم أخذوا بهذا وهذا، فدعوا إلى الاجتماع في الدين وتحقيق ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبنشر العلم النافع والدعوة إلى ذلك وبالنصيحة بطرقها الشرعية، ولم يروا ذلك مُخَالِفًَا لما أوجب الله - ﷿ - من الاجتماع في الأبدان والدنيا، فوازنوا بين هذا وهذا وأَجْرَوا الحكمة في هذا وهذا.\nولا شك أَنَّ أحوال الناس تختلف في مثل هذه المقامات ما بين مقام الأمن ومقام الخوف ومقام الفتنة ومقام الاستقرار.\nوالراسخون في العلم ومن تبعهم يضعون لكل شيءٍ موضعه، فلا يتركون الأمر والنهي والدعوة والنصيحة لأجل تَوَهُّم أَنَّ هذا يُفَرِّقْ، ولا يأمرون مع مَظِنَّةِ وجود الفرقة.\nولهذا يقول ابن تيمية ﵀ في رسالته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أَنَّ الآمر والناهي إذا ظَنَّ أنه ستحدث مفسدة لأمره ونهيه أكبر مما أَمَرَ به ونَهَى، فإنه لا يُنْكِرْ، وقال: يأثم إذا أنكر) .\nلأنَّ الشريعة جاءت لتحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.\nوهذا بخلاف التَّوَهُّمْ، لأنَّ التَّوَهُّمْ غير الظن الراجح، غير ما يعلمه أهل العلم مما ستُحْدِثُهُ الأمور.\nالتَّوَهُّمْ هذا راجع للخوف، فمن الناس من يخاف أن يقول لفلان: اتق الله في كذا وكذا أو صلّ الصلاة، يَتَوَهَّمْ أَنَّ كل شيءٍ سيؤثر على النفوس وأنَّ كل شيء سَيغَيِّرْ، الخ.\nوهذه حيلة وطريقة مَنْ تَرَكَ ما أوجب الله - ﷿ -، وهي طريقة بني إسرائيل التي ذم الله - ﷿ - الناس عليها.\nلهذا يجب في هذه المسائل أن يؤخذ بطريقة أئمة الإسلام الراسخين في العلم ممن رَعَوا هذا وهذا، وأَنَّ الاجتماع في الدين هو الأصل الذي يجب أن يُدْعَى إليه، وأنَّ الاجتماع في الأبدان والدنيا أنَّ هذا أصل عظيم يجب المحافظة عليه، والموازنة بين هذا وهذا إنما يدركه أهل العلم الراسخون.\nوما ضلت الخوارج - يعني في أصلها- إلا لأجل أنهم رأوا أنَّ تحقيق ما يَظُنُّونْ من الشريعة يحصل بقتل عثمان وبجمع الناس على ما يرون، ثم حصل من المعتزلة ما حصل، الخ، فحَصَلَ الفساد والشرّ بسبب التفريط في الموازنة والوسط في هاتين المسألتين العظيمتين.","vol":"1","page":718},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nفي قوله (وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا) معنى (حَقًَّا) يعني أَنَّهُ واجبٌ وثابتٌ.\nوالحق إمَّا أن يَنُصَّ الله - ﷿ - على أنَّهُ الحق أو يُعْلَمْ بما نَصَّ الله - ﷿ - عليه.\nو(الجَمَاعَةَ) علمنا ذلك بدلالة ما نَصَّ الله - ﷿ - عليه.\n(وَصَوَابًا) يعني أَنَّ من سلك غير طريقها فهو على غير السبيل، وأَنَّ من أراد الصراط المستقيم فهذا هو الصواب وهو ملازمة الجماعة.","vol":"1","page":719},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-599>قوله (والفُرْقَةَ زَيْغًا وَعَذَابًا): </span>فيها أيضًا مسائل:\n_________\n[المسألة الأولى]:\n(الفُرْقَةَ) تقابل (الجَمَاعَةَ)، وكما أنَّ (الجَمَاعَةَ) تكون في شيئين فـ (الفُرْقَةَ) أيضًا تكون في الأمرين نفسهما:\n- الأول: الفُرْقَةَ في الدين.\n- والثاني: الفُرْقَةَ في الأبدان.\nوعلى هذا تفاسير السلف لآي القرآن في نصوص الافتراق وما بَيَّنُوا من دِلَالَةِ بعض الأحاديث.\nفقوله - ﷿ - ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ دَلَّتْ على الاعتصام بالقرآن جميعًا يعني بأَجْمَعِه وهو الجماعة في الدين.\nوقوله ﴿وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ دَلَّتْ على النهي عن فُرْقَةِ الأبدان، لهذا قال بعدها ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] .\nفَذَكَرَ الاجتماع في الأبدان ونهى عن الفُرْقَةَ في الأبدان.\nوقوله - ﷿ - في الآية الأخرى مثلًا التي ذكرناها لكم ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] يعني في الدين؛ يعني الفُرْقَةَ في دين الله - ﷿ -، فما ذُكِرَ هناك من الاجتماع على الدين والاجتماع في الأبدان يُذْكَرُ هنا بضده، لأن (الفُرْقَةَ) تُقَابِلُ وتُضَادْ (الجَمَاعَةَ) .","vol":"1","page":720},{"text":"[المسألة الثانية]:\nالفُرْقَةَ في الدين التي حصلت في الأمة على مراتب:\n١- النوع الأول: هوأعظمها، وهومخالفة أصل الدين بحدوث البدع المختلفة الشركية الكفرية، كإنكار صفات الله - ﷿ - وكعبادة غير الله وإقامة المشاهد والحج إليها وتقريب القرابين لها ودعاء الأموات أو التقَرُّبْ للكواكب أو نحو ذلك، كما حصل من الفرق الباطنية أو فرق الرافضة ومن شابههم.\n٢ - النوع الثاني: الافتراق البدعي غير الكفري الذي حصل من الخوارج والمرجئة والقدرية ومن نحا نحوهم.\nوهذان النوعان مذمومان مُتَّفَقٌ على ذمِّهِمَا.\n٣ - النوع الثالث: الافتراق في المسائل العملية، في مسائل الفقه في أحكام الطهارة والآنية أحكام الصلاة الصيام، الخ، البيوع الجنايات، ما حصل من الاختلاف في هذه المسائل.\nوالاختلاف والفرقة التي حصلت في المسائل العملية:\n&amp; أولًا: هي مذمومة من حيث الأصل، وإنْ كان الذي قال قولًا باجتهاده معذور ويُؤْجَرْ؛ لكن في الجملة الافتراقُ مذموم لقوله - ﷿ - ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] .\n&amp; ثانيًا: أنَّ الفُرْقَةَ في المسائل الفقهية، والاختلاف الذي وقع بين الصحابة وبين الأئمة المجتهدين اختلافٌ لأصحابه فيه إما أجران وإما أجر واحد، فإذا اجتهد وتَحَرَّى الحق وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وتَحَرَّى الحق فأخطأ فله أجرٌ واحد على اجتهاده وتحريه الحق.\nوأما من قال قولًا ليس فيه بِمُتَحَرٍ للحق، وإنما هو نتيجة عن هوى ونتيجة عن شهوة، فهذا يأثم ولا يُؤْجَرْ، فإنَّ الذي يُؤْجَرْ هو المجتهد الذي يبحث عن الحق، يجتهد يتَحَرَّى الحق، كما هو صنيع السلف، أما إذا كان ميدانه الهوى والشهوة فإنَّ هذا مذمومٌ على كل حال.","vol":"1","page":721},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nنُفَصِّلْ الكلام في مسألة الخلاف الفقهي أكثر، وهو أنَّ الاختلاف - اختلاف العلماء في المسائل- هو اختلافٌ في مسائل من الدين في الفقهيات.\nوالعلماء إذا اختلفوا في الفقهيات فالواجب أن يُرْعَى معه ألاَّ يكون افتراقٌ في الأبدان ولا افتراقٌ في القلوب؛ لأنَّ هذا الخلاف الذي يُوجَدْ ابتلاء من الله - ﷿ - ابْتَلَى به الناس أن يختلف العلماء؛ وهذا يقول بقول وهذا يقول بقول، ويكون لهم فيه سَعَة في بعض البلاد ونحو ذلك، لكن هو ابتلاء يُبْتَلَى به الناس.\nفالواجب على أنَّهُ إذا وقع هذا الاختلاف في الأقوال الفقهية أن ينظر إليه الناس أنَّ المختلفين إذا اجتهدوا وتَحَرَّوا الحق وخاصةً من الأئمة الذين شُهِدَ لهم بتحري الحق وطلبه أنَّهم ما بين أجرٍ وأجرين، وأنَّ من وَثِقَ بإمام فاتَّبَعَهُ على ذلك ولم يَسْتَبِنْ له الحق، أنَّهُ معذور في اتِّبَاعِه له، وأَنَّ الله - ﷿ - إذا أراد بالعباد عقوبة فإنه يجعل هذا الخلاف سببًا للتفريط في الجماعة الثانية وهي جماعة الأبدان.\nإذا وقعت الفرقة -الاختلاف في الفقهيات- فإذا آل الأمر إلى اختلاف القلوب واختلاف الأبدان والفُرْقَةَ فيها فيكون هذا من العقوبة ومن الزَّيْغْ الذي حصل.\nولهذا قال هنا (والفُرْقَةَ زَيْغًا) عما يجب (وَعَذَابًا) يعاقب الله - ﷿ - به الناس.\nودليل ذلك قوله - ﷿ - لما ذَكَرَ أهل الكتاب قال ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ [المائدة:١٣] .\n﴿نَسُواْ حَظًّا﴾ يعني تركوا نصيبًا ﴿مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ يعني مما جاءهم في كتاب الله.\nما النتيجة؟\nقال ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ [المائدة:١٤]، ومما أَمَرَ الله - ﷿ - به وذَكَّرَنَا به أن نحرص على الاجتماع، الاجتماع في النفوس والاجتماع أيضًا في الأبدان.\nفإذا صار اختلاف أهل العلم سببًا لوقوع الفرقة ولوقوع التلاعن والتباغض والسبِّ والشتم وطعن كل فئة في أتْبَاعِ العالم الذي اجتهد وتَحَرَّى الحق فإنَّ هذا لاشك أنَّهُ بغيٌ وظلم يُعَاقَبْ عليه الإنسان، وهذا مما نهى الله - ﷿ - عنه.\nوهذا هو الذي حصل، وهو الذي يحصل عند من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، فإنَّهُ قَلَّ أن يحصل اختلاف إلا ويَبْغِي بعض الناس على بعض، إما بِتَجْهِيلٍ أو بسبٍّ أو بوقوعٍ فيه أو نحو ذلك من الأقوال.\nوالواجب أن يُنْصَرْ الحق وأن يُعْذَرْ من خالف في الفقهيات ويُعْلَمْ أنّه إذا اجتهد وتَحَرَّى الحق فإنَّهُ له أجر لكن لا يُتابع على ذلك.\nولا شك أَنَّ زلة العَالِمْ زلة العَالَمْ، ولكن هذا قضاء الله - ﷿ - وحكمته، فكم من مسائل ثَمَّ من الأئمة المشهورين من خالفوا فيها السنة وخالفوا فيها الدليل باجتهادهم فهم معذورون، ومن اتَّبَعَهُم بلا معرفةٍ للحق وإنما ثِقَةً بذلك الإمام معذور.\nولكن الواجب (١) هو تحرِّي الحق بإتِباعِ ما دَلَّ عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله أو وافق القواعد والأصول العامة للشريعة التي يعلمها أهل العلم.\nوهذا في الحقيقة هو أعظم ما حصل في كل زمان إلى زماننا الحاضر؛ بل وإلى يومنا هذا، فَقَلَّ من يعذُرُ في المسائل المُخْتَلَفْ فيها في الفقهيات؛ يعني التي فيها بحث، فينْظُرُ هذا فيه يجتهد في كذا وهذا يجتهد في كذا، حتى رمى بعضهم بعضًا بالضلال ورمى بعضهم بعضًا بمخالفة ما أمر الله - ﷿ - به؛ بل حُكِمَ على بعضهم بالبدع والمحدثات لأجل بعض المسائل الفقهية التي اختلف فيها الناس.\nوهذا مما ينبغي أن يُعْلَمَ كعقيدة أَنَّهُ إذا كانت الفُرْقَةَ في الفقهيات والعمليات والاختلاف في ذلك إذا كانت سببًا للفُرقة في الأبدان فقد بَغَى العباد بعضهم على بعض، ووقعت الفتنة، ووقع البلاء فيهم.\nوالواجب أن لا يقع فيهم البغضاء والشّحناء لأجل ذلك، كيف إذا زاد الأمر؟! إذا حصل القتال؟! وحصل التكفير؟! ونحو ذلك كما حصل من بعضٍ في بعضِ الأزمان حيث كَفَّرَ بعض الشافعية بعض الحنفية في مسائل، وكَفَّرَ بعضهم بعض الحنابلة في مسائل ونحو ذلك مما وقع فيه طائفة في أعلى درجات الظلم والبغي والعدوان من الناس بعضهم على بعض، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوهذا لا يزال يوجد إلى يومنا هذا، فكلما زاد العلم زادت البصيرة بأمور:\n- الأول: أن يحرص طالب العلم على تَحَرِّي الحق.\n- والثاني: ألا يجعل تَحَرِّيهِ للحق سببًا لفُرْقَةْ العباد ولا سببًا في وقوع الشحناء والبغضاء بينهم؛ بل يتودد في ذلك كثيرًا ولا يجادل في ذلك مجادلة الذي يريد الانتصار والقوة؛ بل يتكلم في ذلك بسكينة وهدوء.\nوما أجمل قول الإمام مالك ﵀ في نحو هذا لما قيل له (الرجل تكون عنده السنة أيجادل عنها؟)\n_________\n(١) نهاية الوجه الأول من الشريط الخمسين","vol":"1","page":722},{"text":"قال (لا) يعني يرى من يخالف السنة ويذهب إلى قولٍ آخر، تعرفون المدينة كان فيها مدرسة الرأي ربيعة الرأي ومن معه، مدرسة قريبة من مدرسة الكوفة في الأخذ بالرأي وعدم العلم بتفاصيل السنة، فقيل له: (الرجل تكون عنده السنة أيجادل عنها؟)\nقال (لا، يُخْبِرُ بالسنة، فإن قُبِلَتْ منه وإلا سكت) (١) .\nلماذا؟\nلأنَّ الشيطان يأتي فيجعل الإنسان ينتصر لنفسه لا للسنة، وهذا مَسْلَكٌ شائك في النفوس، ويُنَافي الإخلاص وينافي ما يجب، فيبحث فإذا هو يريد ينتصر للحق ثم تنقلب المسألة في النقاش أو في المجادلة أو في الإخبار بالصواب إلى انتصارٍ للنفس دون انتصارٍ للحق وهذا مما ينبغي تداركه.\nومما يدخل أيضًا في مثل هذا أنَّ اختلاف الفقهاء في المسائل العملية اختلافٌ كبيرٌ جدًا، حتى إنَّ المسائل المُجْمَعْ عليها قليلة، وليس كل قولٍ من الأقوال المختلفة يصحُّ أن يكونَ في الخلاف المعتبر، كما قال أحد مشايخ السيوطي في قصيدةٍ في بعض علوم القرآن:\nوليس كل خلافٍ جاء مُعْتَبَرًَا ****** إلا خلافٌ له حظٌ من النظر\nوإذا وقع الخلاف فإنَّ الخلاف على نوعين:\n- خلافٌ قوي.\n- وخلافٌ ضعيف.\n@ والخلاف القوي ضابطه: ما كان الخلاف فيه في فهم الدَّليل ولا مُرَجِّحْ.\n@ والخلاف الضعيف: ما كان الخلاف فيه بمخالفة الدليل أو بالغَلَطِ في فهم الدليل.\nوالخلاف القوي لا إنكار فيه، فإذا كانت المسألة فيها خلافٌ قوي فلا عَتْبَ من الأصل لمن أَخَذَ بأحد القولين، أخذ بهذا وأخذ بهذا، هذا يرى كذا وهذا يرى كذا، المسألة فيها سَعَة.\nوأما الخلاف الضعيف فإنَّهُ فيه الإنكار.\nوقول العلماء (لا إنكار في مسائل الخلاف) يعنون به الخلاف القوي على الصواب دون الخلاف الضعيف، لأنَّ الخلاف الضعيف خلافٌ بلا دليل أو غَلَطٌ في فهم الدليل.\nويشتبه هذا -يعني الخلاف- يشتبه بمسألةٍ مهمة وهي مسائل الاجتهاد.\n* والصواب: التفريق ما بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد.\nفمسائل الخلاف التي مرجعها الخلاف في فهم الأدلة، وهذه هي التي فيها التفصيل الذي ذكرت لك: في أنَّ الخلاف القوي لا إشكال فيه، وأَما الخلاف الضعيف يلزم فيه البيان والإيضاح بدون أن يُحْدِثَ الفُرْقَةَ وتنافر القلوب.\nأما المسألة الثانية وهي مسائل الاجتهاد: فهي الاجتهاد في النوازل.\nإذا نَزَلَتْ نازلة واجتهد العلماء فيها، هل هذه تُلْحَقْ بكذا وهذه تُلْحَقْ بكذا فإنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية قال في بعض كلامه (لا إنكار في مسائل الخلاف يُعْنَى بها مسائل الاجتهاد)، -أو نحو كلامه أنا أصوغه بفهمي-؛ لأنَّ مسائل الاجتهاد ليست هي مسائل الخلاف.\nولا إنكار في مسائل الخلاف يعنون بها لا إنكار في مسائل الاجتهاد.\nوهذا يحتاج إلى زيادة وهي أنَّهُ: لا إنكار في مسائل الخلاف، يعنون بها الخلاف القوي.\nأما مسائل الاجتهاد التي تحدث في الناس فهذه لا إنكار فيها من باب أولى؛ لأنَّ كل مجتهد له اجتهاده ونصيبه في إِلحاقِ النازلة ببعض الأصول والقواعد التي تدل عليها.\n* نختم هذا الموضع بوصية في هذا الموطن: بأَنَّ طالب العلم يَتَّسِعْ صدره للعلم، وهذا إذا حباك الله - ﷿ - اتساع الصدر في العلم فإنَّكَ تُؤْتَى عِلْمًَا جديدًا، وهذا هو الواقع والمُشَاهَدْ، أما من يضيق بالأقوال أو من يضيق باختلاف العلماء ولا يبحث في مَأْخَذِ هذا ومأخذ هذا، وإذا أورَدَ عليه أحد قولًا نَظَرْ في كلامه وتَأَمَّلْ فإنه يُحْرَمْ بعض العلم.\nلهذا كلما اتسع صدر طالب العلم كلما أُوتِيَ الصواب في العلم، وأُوتِيَ الصواب أيضًا في العمل، في عدم التعدي على المسلمين والتعدي على العلماء أو على طلبة العلم أو نحو ذلك، والله - ﷿ - يقول لعباده: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣]، والفُرْقَة والخلاف يحصل فيه التعدي في كثيرٍ من الأحيان، ولا يقول: العبد التي هي أحسن، والله - ﷿ - أمر بأن تقول التي هي أحسن.\nوأنا ألحظ وربما منكم كثير لَحَظُوا أنَّ أحدًا منا قد يقول قولًا يكون غير واضح، فيأتي أحد ويعترض عليه فهو يتألم ويتَحَرَّجْ لنفسه أنه أخطأ أو أنه ما أدرك الصواب، فيأتي الشيطان فيصرِفُهُ من تقرير المسألة إلى وجود مَخْرَجٍ لنفسه.\nوهذه من وسائل الحرمان، وإذا قوَّى الله طالب العلم على أن يكون قَوِيًَّا على نفسه في أنه إذا ما اتضحت له صورة المسألة:\nلا يتكلم فيها، ينتظر، يسكت.\nيُعَلِّمْ نفسه التؤدة، يُعَلِّمْ نفسه عدم الاستعجال في الكلام، عدم إلقاء الكلام على عواهنه، الدقة في الألفاظ، كيف يُعَبِّرْ عن المسائل.\nوإذا غلط يقول: غلطت -ما أسهل منها عند من يرى تحقيق الحق- فعلًا.\nيقول: أنا ما فهمت، أنا ظهر لي كذا، يبدو أنه انحرف ذهني إلى شيء آخر.\nيقول: أنا ما فهمت، أنا غلطت، ما أسهل منها.\nوهل من شرط طالب العلم ألا يخطئ؟!\nليس من شرطه.\nإنما من قَلَّتْ غلطاته سواءً في قوله وفي عمله فهو السديد، وهو الذي يُثْنَى عليه.\nأما أَنَّهُ يأتي أحد لا يخطئ لا يغلَط فيما يتكلم لا يغْلَطْ في تعامله، هذا لا يمكن.\nالنبي ﷺ وهو أكمل الخلق قال «اللهم أيما عبدٍ سببته أو شتمته فاجعلها عليه رحمة» (٢) .\nيعني من مقتضى الطبيعة أنْ يغلط الإنسان، فالإنسان لا يتحمل.\nلكنه من يَتَصَبَّر يُصَبِّرُهُ الله، ومن يَتَحَلَّم يعطيه الله - ﷿ - الحلم.\nلهذا عَوِّدْ نفسك على الحلم عَوِّدْ نفسك على الصبر، عَوِّدْ على ألا تنتصر لنفسك في المسائل العلمية.\nحتى لو جاء المُقَابِل وطعن في علمك، طعن في طريقة الإيراد، لا تتأثر بهذا واجعل الكلام على العلم لأنك مُبَلِّغ للعلم ولستَ منتصرًا لنفسك، والمنتصر لنفسه يَحْرِمْ نفسَه انتصار الله - ﷿ - له.\nأسأل الله - ﷿ - أن يمنحني وإياكم العلم والحلم والفقه في الدين، وأن يمنّ علينا بسلوك طريق السلف الصالحين، إنه سبحانه جوادٌ كريم، وهو ذو الفضل والإحسان والمنن والعطايا، اللهم فلا تحرمنا فضلك بذنوبنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، إنك على كل شيءٍ قدير.\n_________\n(١) سبق ذكره (٣٣٤)\n(٢) مسلم (٦٧٨١) / أبو داود (٤٦٥٩)","vol":"1","page":723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>الأسئلة:</span>\nس١/ جاء حديثٌ يدل على أنَّ الاختلاف في الأمة رحمة؟\nج/ هذا الحديث ليس بصحيح، وليس اختلاف الأمة رحمة، بل الاختلاف في الأمة أوقعها في بلابل كثيرة.\nس٢/ من اجتهد في إباحة نسبةٍ من الربا، كـ (٥ %) ونحوه، فهل يُؤجر على هذا وهل يُشَنَّعْ عليه؟\nج/ هذا الربا نوعان:\nربا مُتَّفَقٌ عليه ومُجْمَعْ عليه، فهذا الذي يخالف فيه الإجماع هو صاحب ضلالٍ وهوى، وهو ربا الجاهلية، الذي فيه القرض الحسن، فيقرضه ثُمَّ بعد ذلك يقول: إما أن تَقْضِيَ وإما أن تُرْبِيَ، ويجعلون الربا أضعافًا مضاعفة.\nوهذا هو الذي جاء فيه عدد من الآيات والأحاديث.\nأما الربا غير المتفق على تحريمه: فإنَّ هذا يدخل في باب الخلاف القوي والخلاف الضعيف على نحو ما فَصًّلْنَا.\nمثلًا خلاف ابن عباس في ربا الفضل وربا النسيئة كما معلوم، وأنه لا ربا في الفضل وإنما الربا ربا النسيئة استدلالًا بالحصر في قوله ﷺ «إنما الربا في النسيئة» (١)، فهذا اجتهادْ وخلاف، لكنه خلافٌ ضعيف، حتى خلاف الصحابة خلافٌ ضعيف -يعني خلاف ابن عباس في هذه المسألة-.\nكذلك إباحته للمتعة مثلًا في بعض المواطن أيضًا خلافٌ ضعيف، وما أشبه ذلك.\nمن الصور المعاصرة التي جرى فيها البحث: الفوائد الربوية، ومن أباحَهَا من بعض المنتسبين إلى العلم، فهذه الفوائد الربوية منها ما هو مُتَّفَقْ على تحريمه وهو ربا الجاهلية، ومنها ما هو مُخْتَلَفٌ في تحريمه.\nوما اخْتُلِفْ في تحريمه يدخل في الخلاف الضعيف أو في الاجتهاد في ما ليس بصواب، فيدخل في التفصيل الذي ذكرناه.\nوحسب علمي فإنَّ أول من أباح الفوائد الربوية يعني فوائد البنوك الربوية والقرض - القرض الصناعي ونحوه- الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار المعروف.\nوهو رَجُلٌ يميل إلى مذهب السلف ونصر التوحيد والعقيدة في مواطن كثيرة، وله إلمام بالحديث والسنة والتخريج، لكنه غَلِطْ في المسائل الفقهية، فلم يكن من صناعته الفتوى، فأباح أشياء تبعه عليها عدد.\nوله رسالة في هذا الموضوع بخصوصه وهو (الربا والمعاملات المالية) أجاز فيها هذه الفوائد لِشُبَهٍ عنده في ذلك ثم تبعه عليها عدد من المشايخ في مصر ما بين مُقَصِّرٍ وما بين [.....] في هذه المسائل.\nومعلومٌ أنَّ الحلاف -كما ذكرت لك في هذا - خلاف شاذ وضعيف وليس له حظ من الدليل.\nلكنه وجود الخلاف في هذه المسألة يفيد فائدتين:\nالأولى: أَنَّ مسألة الفوائد والقرض الصناعي ونحو ذلك ليس من مسائل الربا المُجْمَعْ عليها، فاعتقاد إباحتها والإفتاء بذلك أو إجازتها لا يدخل في إجازة واستحلال الربا؛ لأنَّ استحلال الربا المُجْمَعْ عليه كفر، والربا المجمع عليه هو ربا الجاهلية، أما ربا الفوائد وربا القرض وما أشبه ذلك فهذه محرمة ولا تجوز ويجب إنكارها لكن لا تدخل في الربا المتفق عليه.\nس٣/ أليس يُنكر على من خالف في الفروع الفقهية مع ظهور الدليل؟\nج/ هذا يدخل في التفصيل الذي ذكرته: الخلاف القوي والخلاف الضعيف، أو أَقَلُّ من الضعيف الخلاف الشاذ أو المنكر، يجب فيه الإنكار لأنه ما له\nس٤/ هل الفوائد الربوية من الخلاف الضعيف؟\nكيف؟ أو أقل من الضعيف أيضًا، الخلاف الشاذ المنكر، يجب فيه الإنكار، يعني استدلوا بقوله - ﷿ - ﴿لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٧٩] وأنَّ الفوائد هذه ليس فيها؛ يعني الربا المحرم قالوا: هو الذي فيه ظلم للمسكين، يعني ظلم لصاحب المال، وهذا - يقولون - هذا صاحب المال إذا أودع ماله في البنك ولم يأخذ عليه شيئًا والبنك صار هو المظلوم، فأخذ الفوائد عندهم أنه عدل، وأن ترك الأخذ ظلم له، لأن البنك يستفيد وهو لا يُعْطَى شيئًا، يُشَغِّلْ المال ويستفيد، ومعلوم أن المال يقبل النماء باليوم، يعني كل يوم فيه كسب، يعني على طريقة التجارات العالمية وأشباه ذلك، فعندهم هذه الشبهة.\nلكن هذا لو أُقِرْ لآل الأمر إلى أَنَّ البنوك - يعني من غير الأدلة النصية في الموضوع لكن على حد تعبيرهم بأن فيه ظلم وعدم ظلم - الحقيقة هو الذي فيه الظلم، لأنه لو أُقِرَ ذلك صارت البنوك تأخذ (١٠٠ %) وتُعْطِيْ هذا صاحب الفوائد (٥ %) (٦ %) (٧ %) ونحو ذلك، والأصل في ذلك أنَّ صاحب المال إذا أراد أن يُعْطِيْ من يشتغل له أن يكون شريكًا له في مكسبه وفي خسارته، فالناس تنمو أموالهم، يعني لو فرضنا أنهم سيودِعُون وسيأخذون هذا (٥ %) وهذا (٦ %) وهذا (٧ %) وهذا (١٠ %) سَيُودِعُون، البنك قد يُحَصِّلْ (٥٠ %) فسيبقى نمو المال عند هذه الفئة قليلًا، ونمو المال عند أهل البنوك عظيمًا فتقوى البنوك ويضعف الناس، ظاهر؟\nهذا هو حقيقة الظلم، الظلم الجماعي.\nس٥/ ما الفرق بين الإعتقاد والإعتماد الكلي؟\nج/ مثلًا في ماذا؟\n[السائل] مثلًا في فعل الأسباب قال الإعتماد كليا\n[الشيخ] الإعتقاد قلب والإعتماد فعل.\n_________\n(١) مسلم (٤١٧٣) / النسائي (٤٥٨١) / ابن ماجه (٢٢٥٧)","vol":"1","page":724},{"text":"[السائل] لكنه اعتد اعتمادًا كليًَّا على هذا الشيء، فهل يدخل في الإعتقاد؟\n[الشيخ] ليس بشرط، فقد يعتمد دون اعتقاد.\n[السائل] أنَّ..... إعتقاد بسبب الإعتماد؟\n[الشيخ] لا الإعتقاد هو أنَّهُ في قلبه ليس فيه أنَّ الله نافعه ولا، إنما هذا السبب مادِّي، يعتقد في داخله أنَّ المادة هي كل شيء، هذا هو الإعتقاد.\nلكن الإعتماد غفل قلبه واعتمد ظاهره.\nفلا يُسَوَّى هذا بهذا.\nلهذا صار الإعتماد على الأسباب –يعني بالكلية- ما هو بالإعتماد على الأسباب فقط، الإعتماد على الأسباب بالكلية يعني دون اعتماد القلب على الله - ﷿ -، هذا محرم، أو نقول يدخل في نقض التوحيد، شرك أصغر أو شرك خفي، أمَّ الإعتقاد فهذا كفر ظاهر، أن يعتقد أنَّ الأسباب كافية ولا نافع........ الله - ﷻ -.\nمثلًا الطبيب سيعمل لك عملية، يقول خلاص.......... ما جاء في قلبه أنَّه يعظم الإعتماد على الله، فعله....كذا بالطبيعة،...... هذا عمل يعني فاته الأفضل، لكن في قلبه فيه أصل الإعتماد، لكن فيه من اعتمد على السبب في هذا بالذات.\nمثلًا جاء وقال: أبد، الطبيب يكفي، ما دام في قلبه أي شيء من التوكل على الله، اعتمد على السبب فقط فهذا يدخل في...... إمَّا محرم أو شرك أصغر أو شرك خفي بحسب الحال.\nلكن المسألة الثانية: اعتقد أنَّ هذا السبب كافٍ، يعني قال يكفي الطبيب، هذا كفر إذا اعتقد قلبه، ما فيه أحد يعتقد أنَّ الإعتماد على الأسباب فقط، يعتقد الأسباب فقط ويكون عنده إيمان؟، ما يمكن، المؤمن لازم يكون عنده اعتماد على الله - ﷿ - لكن يعتمد على الأسباب ظاهرًا بحسب الحال.\nس٦/ ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد أنَّ الخوف الذي يحمل على ترك الواجب وفعل المحرم هذا خوفٌ محرم، والشيخ عبد الرحمن في فتح المجيد قال إنَّه شرك أصغر؟\nايه نعم، وش ظهر لك؟، أنَّه محرم، محرم ما هو بشرك أصغر، وهو توسع، الشرك الأصغر فيه نوع تشريك لأنه ما ترك الأمر والنهي خوفًا، يعني ما هو مصلحة، بس مجرد خوف، إلا أنَّه إيش؟، خاف منهمكخوف، أو قدَّمَ خوفه منهم على خوفه من الله، فيه نوع تشريك، بس الأظهر التعبير بالمحرم.\nس٧/ الخوف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذا التعريف لخوف الشرك يصح؟\nلا، لا يصح لأنه الخوف الشركي والخوف السري، يعني يُعطي شيء غيبي ما لله - ﷿ - من الخصائص، يعني يؤذي بدون سبب ظاهر.\nس٨/ لو قال شخص لولا فلان ما كان كذا، بدون....... مع الله ﷾ هل يكون فيه نوع من الشرك الأصغر؟\nهذا شرك أصغر، إذا كان أنَّهُ في مقابلة نعمة أو اندفاع نقمة، يعني فيه نعمة حصلت له، قال (لولا فلان ما حصل لي كذا)، أو اندفع عنه مصيبة فقال (لولا فلان لك يأتيني كذا) هذا هو الشرك الأَصغر.\nس٩/ والذي ورد في السنة (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) وقول عمر لحفصة (لولا أنا لطلَّقكِ رسول الله ﷺ)؟\nج/ هل القائل الآن هو المشفع المُتَفَضَّلْ عليه، أو المتفضِّل؟\nالمُتَفَضِّلْ، وصورتنا التي نتكلم فيها مُتَفَضَّلْ عليه، لأنَّ المُتَفَضَّلْ عليه يتعلَّق قلبه بمن تَفَضَّلَ عليه.\nمثلًا لو أقول لك (لولا أنا ما كنت من أهل السنة والجماعة) ....... لأنه من المتفضِّل، لكن القلب هنا ما فيه تعلُّق، هنا يدخل بحث آخر كالفخر مثلًا أو يدخل في ضوابط أخرى، لكن الضابط المنهي عنه أن يكون ممن انتفع وليس من النافع، لأنَّ من انتفع تعلَّقَ قلبه بمن أحسن إليه، فالتعلق هذا هو الذي يدخل له التشريك.\nأمَّا حديث (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) هذا لم يدخل من جهتين:\nالجهة الأولى: أنَّ النبي ﷺ مُتَفَضِّل، والأحاديث التي فيها النهي إنما هو في المنتفع بالنعمة أو اندفاع النِّقمة.\nالجهة الثانية: أنَّ قوله (لولا أنا) يقصد به لولا شفاعتي له، وشفاعته ﷺ تُقبَلْ ابتداءً أم بفضل الله؟\nبفضل الله، يعني شفاعته ما تُقْبَل إلا بإذن الله، فرجع الأمر –ولو لم يذكر ظاهر- إلى الله - ﷿ -.\nوكذا قول عمر (لولا أنا لطلَّقكِ رسول الله ﷺ) لأنَّهُ المُتَفضِّل عليها.\nولو قال إنسان (لولا الهوى ما اختلف الناس في هذا) فهذه ما فيها شيء.\nفأقرب شيء تنضبط به ما كان في أمرين:\nالأول: أن يكون استعمال لولا في تحصيل نعمة أو اندفاع نقمة بسبب من الأسباس، فيعزوه للسبب ولا يذكر الله.\nالثاني: أن يكون في ذكره تَعَلَّقَ القلب بهذا السبب، إذا حصل تعلق بالسبب حصل الشرك قلبًا ولفظًا.\nس١٠/ بالنسبة للصلاة خلف الكاهن أو العَرَّاف إذا كان هو إمام مسجد، فهل تصلِّي في بيتك أو تُصَلِّي في المسجد معه؟\nلا تصلي في بيتك، تصلي في جماعة أخرى إلَّا إذا اضطررت يعني للصلاة وتخشى من التفريط لأنَّه قصارى الأمر الصلاة خلفه باطلة، ظاهر؟، وفي الصلاة خلفه تقوية له أو تزكية له.","vol":"1","page":725},{"text":"فإذا اضطررت في هذا، لو صليت معه تعيد الصلاة لأنَّهُ كافر.\nيعني ممكن تصلي معاه في المسجد وترجع في البيت تصلِّي، بس ما هو بدايم، يعني إذا اضطررت.\nطيِّب إذا لم يكن هناك إلا هذا المسجد في الحي، فماذا تفعل؟\nتصلي في بيتك، ولا تصلي خلفه، أو تشوف لك مسجد آخر وجماعة ولو بعيد، أمَّا الكهان والعرافين فلا يُصَلَّى وراءهم.\nوفقكم الله وأعاننا وإياكم على الحق والهدى.","vol":"1","page":726},{"text":"الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:\nالأسئلة\nس١ هل عبارة (الله ما شفناه لكن بالعقل عرفناه) في قول العامة صحيح؟\nج/ هذا القول في غالب معناه صحيح وهو مأخوذ في الأصل من كلام علي ﵁ في خطبه، وهو موجود في نهج البلاغة -نسيت العبارة- لكن حاصلها يقول (والله إن لم تُدْرِكْهُ الأبصار بالشهود لكن عَرَفَتْهُ وعَنْعَنَتْ له العقول بالدليل) أو نحو ذلك.\nهي موجودة، يعني أصلها من كلام علي ﵁. (١)\n_________\n(١) نهاية الشريط الخمسون","vol":"1","page":727},{"text":": [[الشريط الواحد والخمسون]]:\n\nوَدِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] .\n_________\nالحمد لله رب العالمين، وبعد:\nقال العلامة الطحاوي ﵀ (وَدِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]) .\nهذه الجملة من كلامه ﵀ يُقَرِّرُ بها أنَّ دين الله - ﷻ - وهو ما يُدَانُ به ويُتَقَرَّب إليه به طاعةً تحقيقًا للغَرَضِ من الخَلْقْ هو الإسلام، فهو الذي تَعَبَّدَتْ به الملائكة في السماء، وهو الذي تَعَبَّدَ به الحجر والشجر ممن يعبدون الله - ﷿ - بمقتضى الخِلْقَة لا بمقتضى الاختيار، وهو الذي لا يرضى الله - ﷿ - أن يَتَعَبَّدَ به من أعطاه الاختيار إلا أن يَتَعَبَّدَ بالإسلام.\nوهذه الجملة يريد بها أنَّ الإسلام الذي هو الدِّين شيءٌ واحد اجتمعت عليه الرسل، وهو الدِّين الذي في السماء، وهو الدِّين الذي في الأرض، وهو الأمور الخَبَرِيَة أو العقائد الخبرية دون الأوامر والنواهي.\nوهذا يعني أنَّ كل مِلَّةْ وكل رسول إنما جاء بالإسلام الذي أذِنَ الله به ورَضِيَه وأَمَرَ به، وبه تَعَبَّدَ المُتَعَبِّدُونَ في السماء، وبه أمر أنْ يَتَعَبَّدَ المُتَعَبِّدُونَ في الأرض.\nوهاهنا مسائل:","vol":"1","page":728},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالإسلام ينقسم إلى قسمين وهو:\n- الإسلام العام.\n- والإسلام الخاص.\nوكلام المؤلف هنا يعني به الإسلام العام وهو: الاستسلام لله - ﷿ - بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.\nفهذا الإسلام وهو الاستسلام، هو الذي اجتمعت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، فدَعَوا إلى توحيد الله وإلى الاستسلام له بالتوحيد بعبادته وحده دونما سواه وخلع الآلهة والأنداد والبراءة من كل معبودٍ سوى الله - ﷿ - ومن كل عبادة لِمَا سوى الرب - ﷻ - وتقدست أسماؤه.\nوالانقياد لله - ﷿ - ظاهرًا بطاعته - ﷿ - فيما أمر وبالانتهاء عما نهى عنه - ﷻ -.\nهذا هو الإسلام العام، وهو الذي ينطبق على رسالة كل رسول، وهو الذي ينطبق على إِسْلَامِ كل شيء له كما قال - ﷿ - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣] .\nفقوله ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ يعني أفَغَير دين الإسلام يبغون، فكل ما في السماوات والأرض، وكل من في السماوات والأرض أسْلَمْ لله - ﷿ - طوعًا أو كرهًا، يعني اسْتَسْلَمْ ولا بد، إلا المشرك فإنَّ استسلامه كان استسلامَ انقيادٍ لأمر الله الكوني دون استسلامٍ وانقيادٍ لأمر الله الشرعي.\nوالنوع الثاني الإسلام الخاص وهو شريعة محمد ﷺ.\nدين كل الأنبياء هو الإسلام بمعناه العام، ودين محمد ﷺ هو الإسلام، وهو شريعة الإسلام، الإسلام الخاص.\nوهذا الإسلام الخاص هو الذي جاء تفسيره في قول النبي ﷺ «بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أَنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان» (١) حديث ابن عمر، وهو الذي جاء في جوابه ﷺ لجبريل حينما سأله عن الإسلام فقال «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله» ثم سأله عن الإيمان، ثم سأله عن الإحسان، ثم قال في آخره «هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم» (٢) .\nفالإسلام الخاص يشمل هذه المراتب الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان أيضًا.\nوكل واحدةٍ منها من شريعة محمد ﷺ.\nوطبعًا تفاصيل الشريعة قد تدخل مع العقيدة؛ يعني في ما دعا إليه جميع الأنبياء في الإسلام العام.\nيعني مثلًا الإيمان: أنْ تؤمن بالله وملائكته هذه تدخل في الإسلام العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء، كذلك شهادة أن لا إله إلا الله هذه أيضًا لكل المرسلين.\nفهذا الإسلام الخاص هو الشريعة التي جاءت في قول الله - ﷿ - ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، فالشِّرْعَةْ هي ما خَصَّ الله - ﷿ - به كل نَبِيٍّ عن النبي الآخر، خَصَّهُ بهذه الرسالة خَصَّهُ بهذا الوحي، فهذا هو الإسلام.\n_________\n(١) البخاري (٨) / مسلم (١٢٢)\n(٢) سبق ذكره (٩)","vol":"1","page":729},{"text":"[المسألة الثانية]:\n(دِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ) كما قال الطحاوي هنا، فحينئذٍ ليس عندنا أديان سماوية، ولا الأديان الثلاثة.\nومن عَبَّرَ عن اليهودية والنصرانية والإسلام أو غيرها أيضًا بأنها أديان سماوية، هذا غلط عَقَدِي، وغلطٌ أيضًا على الشريعة وعلى العقيدة؛ لأنَّ الدين واحد كما قال - ﷿ - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فالدِّيْنُ الذي جاء من السماء من عند الله وارتضاه الله في السماء وارتضاه في الأرض واحدٌ ليس باثنين، وليس بثلاثة.\nفمن الغلط قول القائل: الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلام؛ بل ليس ثَمَّ إلا دينٌ سماويٌ واحد وهو الإسلام فقط، على التفصيل الذي ذكرنا في المسألة الأولى.\nفشريعة عيسى ﵇ تُسَمَّى النصرانية، وشريعة موسى ﵇ تُسَمَّى اليهودية، أو تقول اليهودية والنصرانية وغير ذلك؛ لكن لا تَنْسِبْ هذه الثلاث بقول القائل الأديان السماوية الثلاثة؛ لأنه كما قال الطحاوي هنا (دِينُ اللَّهِ وَاحِدٌ) ليس متعددًا.\nوهذه ذَهَبَ إليها جمعٌ من النصارى ومن اليهود في تصحيح كل الديانات، يعني من القرون الأولى في أنَّ النصرانية دين من الله وأنَّ اليهودية دين من الله والإسلام دين من الله.\nوهذا لاشك أنَّهُ باطل ومخالف لنصوص الكتاب والسنة وللإجماع في أنَّ الله - ﷿ - لا يرضى إلا الإسلام، كما قال - ﷿ - ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] وقال ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] وقال - ﷿ - ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨] يعني من قبل يعني عند الرسل السالفة.","vol":"1","page":730},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nالدّين أصل اشتقاقه في اللغة من دَانَ يَدِينُ إذا التَزَمَ، أو أُلْزِمْ بما يكون مُلَازِمًَا له ومُعْتَادًَا في شأنه.\nولذلك قيل أيضًا الدَّيْدَنْ، دَيْدَنُهُ كذا يعني ما اعتاده كذا، دَيْدَنِي يعني ما اعتدته.\nومنه أيضًا الدِّين، يقول أنا ديني كذا -يعني في أصل اللغة- يعني أعتاد كذا والتَزِمُهُ.\nولهذا صار كل ما يُلْتَزَمْ يقال له دين، لهذا جاء في القرآن ذكر دِيْنْ الملك في قصة يوسف في قوله - ﷿ - ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، فقوله - ﷻ - ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ يعني في شريعة الملك؛ لأنها مُلْتَزَمَة والالتزام والحكم بها صارت عادة وصارت دَيْدَنًا، يعني صارت دينًا يُعتادُ ويُلْزَمْ به الناس.\nلهذا يقال فلانٌ دينه ضعيف أو دينه قوي يعني ما اعتاده من الالتزام بأمر الإسلام.\nإذًا فقوله هنا (دِينُ اللَّهِ)، هنا إضافة الدين إلى الرب - ﷿ - ليست إضافة إلى الفاعل هي إضافة إلى الآمر بها، تقول دين فلان لأنه هو يَتَدَيَّنْ، ودين الله يعني الدين الذي أمر الله به وأَلْزَمَ به الناس ولم يَرْضَ غيره هو الإسلام.\nوهنا فَرْقْ طبعًا بين الدين وبين الشريعة وبين العقيدة يحتاج إلى وقتٍ أطول لبيانه، يعني تشترك:\n- الدين يمكن أن يُطْلَقْ على الشريعة والعقيدة جميعا.\n- والشريعة يمكن أن تُطْلَقْ على الدين وعلى العقيدة أيضًا.\n- والعقيدة أيضًا يمكن أن تُطْلَقْ على الشريعة وعلى الدِّين.\nلكن بينها عموم وخصوص، فهي تشترك في أشياء وتختلف في أشياء، ويمكن أن يُعَبَّرْ عن كل واحدٍ بالآخر.","vol":"1","page":731},{"text":"[المسألة الرابعة]:\n&amp; الإسلام ينقسم من حيث الاستسلام إلى ثلاثة أقسام:\n- إسلام الوَجْهْ.\n- وإسلام العمل.\n- وإسلام القلب.\n@ القسم الأول: إسلام الوجْه: يُعْنَى به أن لا يَتَوَجَّهْ إلى غير الله - ﷿ - في عبادته، فيستسلم لربه - ﷻ - ويُقْبِلْ عليه بوجهه وحده دون ما سواه.\nوهذا جاء في نحو قوله - ﷻ - ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢]، وقوله - ﷿ - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥] .\n@ القسم الثاني: إسلام العمل لله - ﷿ -: وهو أن يكون العمل مُسْتَسْلَمًَا فيه لله مُتَخَلَّصًَا فيه من الهوى.\nفيُسْلِمْ العمل: يعني يَسْتَسْلِمْ في العمل فلا يُسَلِّطْ دَاعِيَ الهوى على الأعمال الصالحة.\n@ القسم الثالث: إسلام القلب: وهو أصل هذه الأنواع كلها، وهو أنَّهُ يُخْلِصُ في قوله وفي عمله، ويستسلم لربه - ﷿ - في كل أحوال قلبه.\n&amp; وينقسم الإسلام أيضًا باعتبارٍ آخر إلى شرائع ذكرناها لكم:\nفكل نبيٍ دينه الإسلام لكن شريعته مختلفة، وقد يقال دين النصرانية، دين اليهودية باعتبار التَّدَيُّنْ كما ذكرنا لك، باعتبار الالتزام، والمقصود الشريعة لكن لا يقال الأديان الثلاثة السماوية كما ذكرنا لك.\n&amp; باعتبارٍ آخر ينقسم الإسلام الخاص إلى ثلاثة أقسام:\n- الإسلام.\n- الإيمان.\n- الإحسان.\n&amp; وينقسم أيضًا باعتبارٍ رابع إلى:\n- إسلامٍ كامل\n- وإسلامٍ ناقص، يعني باعتبار الاستسلام\n@ إسلامٌ كامل يعني استسلام كامل.\n@ إسلام ناقص يعني استسلام ناقص.\nوهذا بَحَثَهُ أهل العلم واختلفوا فيه، هل الإسلام مثل الإيمان يزيد وينقص؟\nأم أنَّ الإسلام شيءٌ واحد، والإيمان هو الذي يزيد وينقص؟\nأم أنَّ كلًا منهما شيء واحد؟ أم العكس؟\nعلى أقوال متنوعة، والذي ينطبق على طريقة أهل السنة والجماعة، وإن لم يُصَرِّحْ به الأوائل؛ لكن صَرَّحَ به المتأخرون مثل ابن تيمية ونحوه من أهل العلم، أنَّ الإسلام يزيد وينقص باعتبار الاستسلام، وأنَّ الإسلام له كمال وله نقص، وهذا ظاهر باعتبار الاستسلام.\nفإذا نظرنا إلى إسلام الوجه والعمل والقلب أو القصد لله، فالناس في ذلك متباينون تباينًا شديدًا.\nوإذا نظرنا إلى التقسيم السالف وهو أنَّ الإسلام ينقسم إلى إسلام وإيمان وإحسان، والناس في الصلاة مختلفو المراتب وفي الصدقة الواجبة الزكاة مختلفو المراتب، وأنَّ الناس في الصيام مختلفو المراتب، وفي الحج مختلفو المراتب، ثُمَّ في الإيمان أيضًا مختلفو المراتب، فلابد أن يكون ما تَكَوَّنْ من هذه مُتَفَاضِلًَا.\nولذلك ليس من كان وصفه الإسلام على مرتبة واحدة.\nكذلك ليس كل مؤمن على مرتبة واحدة.\nفأهل الإيمان في الإيمان متفاوتو المراتب، وكذلك أهل الإسلام في الإسلام متفاوتو المراتب؛ لأنَّ الإسلام الذي هو الاستسلام يقبل التفاوت ويقبل الزيادة والنقص.","vol":"1","page":732},{"text":"قال ﵀ بعدها (وَهُوَ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ، وَبَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، وَبَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَبَيْنَ الْأَمْنِ وَالْيَأْسِ.)\n_________\nهذه الأربع الألفاظ المتقاربة نَصَّ عليها ﵀ لأجل أَنَّ الفِرَقْ الضالة أو التي خالفت نَحَتْ إلى أَحَدِ هذه الثمان صفات.\nفذكر ثماني صفات:\n- الأولى: الغلو.\n- الثانية: التقصير.\n- الثالثة: التشبيه.\n- الرابعة: التعطيل.\n- الخامسة: الجبر.\n- السادسة: القدر.\n- السابعة: الأمن.\n- والثامنة: اليأس.\nثم قال بعدها (فَهَذَا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا) إلى آخره.\nقوله (وَهُوَ بَيْنَ) يعني أَنَّ هذه الصفات الإسلام لا يرتضيها ودين الله الحق ليس مع الغُلُو كما أنه ليس مع التقصير، ودين الله الحق ليس مع التشبيه كما أنه ليس مع التعطيل، وكذلك دين الله الحق ليس مع الجبر في الأفعال كما أنه ليس مع إثبات الفعل للإنسان خَلْقًَا دون الله - ﷿ - وهو المسمى بالقَدَرْ، وكذلك بين الأمن من مكر الله - ﷿ -، وبين اليأس من روح الله - ﷻ -.\nفيريد أَنَّ أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح أخذوا بهذه الوسطية بين هذه المسائل.\nفهم وسط بين الغلو والتقصير وهم وسطٌ بين التمثيل والتعطيل وهم وسطٌ بين الجبر والقدر وهم وسط بين الأمن واليأس.\nوإذا تبين لك ذلك فهذه الجملة يُبْحَثُ فيها كل العقيدة، كل ما ذكرنا من شرحٍ في هذا الكتاب تدخل في هذه الجُمَلْ:\nفهو بين الغلو والتقصير في العمل والإيمان ومراتبه، بين التشبيه والتعطيل في مسائل الصفات والإثبات إلى آخره.\nالغلو ذهب إليه الخوارج، والتقصير ذهب إليه المرجئة وأهل الشهوات.\nالتشبيه ذهب إليه المجسمة، والتعطيل ذهب إليه المعَطِّلَة والمُؤَوِّلَة ونُفَاة الصفات.\nوالجبر ذهب إليه الجبرية: الجهمية والأشاعرة والماتريدية، والقَدَرْ يعني القَدَرِيَّة الأوائل نُفَاة العلم، ثم المعتزلة الذين أثبتوا خلق الإنسان لفعله.\nوالأمن من مكر الله - ﷿ - ذهب إليه أهل الشهوات، فعلوا ما يشاءون وأمِنُوا مكر الله، واليأس ذهب إليه طائفة من المتصوفة فيئِسُوا من رَوحِ الله - ﷿ -.\nوهكذا في أصنافٍ شتى في هذه الأمور.\nفإذًا هذه الجملة هي في الحقيقة تلخيصٌ لما سبق، وهي عَرَضْ لها كما تذكرون شيخ الإسلام ابن تيمية في مبحث الوَسَطِيَّةْ.\nوكل من صَنَّفَ في الاعتقاد يَعْرِضُ لها لكن بأساليب مختلفة.\nوهي التي سماها عدد من طلبة العلم في هذا العصر الوسطية، الوسطية في الاعتقاد في الصفات، الوسطية في الإيمان، الوسطية في القَدَرْ، الوسطية في السلوك، الوسطية في العبادة، الوسطية في الحُكْمْ على الناس وعلى الأحوال، وهكذا.\nولاشك أنَّ دين الإسلام وسط كما أثنى الله - ﷿ - على أهله بقوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] .\nوقوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ يعني أُمَّةً عَدْلًَا خِيَارًَا، كما فَسَّرَهَا السلف.\nلماذا صارت عدلا؟\nلأنها تَوَسَّطَتْ في ما ذهب إليه المِلَلْ من قبل.\nفعندك اليهود عندهم التشدد والغلو والأغلال والآصار، والنصارى عندهم التساهل والزيادة والابتداع إلى آخره.\nفأهل الإسلام وسط في كل أحوالهم، وسطٌ في العقيدة ووسطٌ في العبادات بجميع أحوالها وأنواعها.\nإذا تبين ذلك فنعرض لهذه الجُمَل سريعًا في مسائل:","vol":"1","page":733},{"text":"[المسألة الأولى]:\nالغلو والتقصير قد يُعَبَّرُ عنه بالغلو والجفاء.\nوالغلوُّ لفظٌ جاء في الكتاب والسنة، كما قال - ﷿ - ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ [النساء:١٧١]، وقال - ﷿ - في الآية الأخرى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٧٧]، وقال ﷺ في الحديث الذي في بعض السنن «بمثل هؤلاء فارموا» لما ذَكَرَ أَنَّ مَسَكَ أو قَبَضَ على حصى الحذف «وإياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» (١) فنهى عن الغلو ﷺ.\nوالغلو كما أنه يكون في الاعتقاد كذلك يكون في العبادة.\nوحقيقة الغلو في تعريفه الشرعي: هو الزيادة عما أُذِنَ به شرعًا في السلوك أو في التَّعَبُّدْ أو في الاعتقاد.\nيعني في الدين إذا زاد عما أُذِنَ به فإنه يكون غاليًا، كما أنه إذا زاد في الإنفاق عَمَّا، أو في الفعل عما أُذِنَ به صار مسرفًا.\nأما التقصير فهو: ترك ما أُمِرَ به العبد بأن يُقَصِّر ويجفو ويتبع الشهوات وهو عكس الغلو.\nوأولئك يغلون في الاعتقاد أو يغلون في الإثبات أو يغلون في السلوك.\nمثاله الخوارج غلوا في جانبين؛ بل في عدة جوانب.\nغَلَو في العقيدة: فَضَلُّوا، كَفَّرُوا، وتركوا نهج الصحابة.\nوغلوا في العبادة: حتى إنَّ أحد الصحابة يحقر صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم كما جاء في الحديث.\nوغلوا أيضًا في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقاتلوا جِهَادًَا من لا يستحق القتال شرعًَا؛ بل من يَحْرُمُ قتاله، حتى آل الأمر بغلوهم أنهم تَعَبَّدُوا بقتل خيار الله - ﷻ - مثل الصحابة.\nفأَكْرَمُ الصحابة وأعلاهم منزلة في زمنه علي بن أبي طالب ﵁، ومع ذلك تَقَرَّبُوا إلى الله بقتله؛ بل أساس قتل عثمان هو من فعل الخوارج ﵁.\nقَتَلُوا عليًا وهم يتمنون الجنة بقتل عثمان وبقتل علي من شدة غُلُوِّهِم.\nوكما وصفهم النبي ﷺ «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» (٢) يعني أهل الشرك.\nوأما التقصير فهو حال أهل الشهوات الذين تركوا العبادة وتركوا طاعة الله - ﷿ - ولم يَبْلُغُوا ما أَمَرَ الله - ﷿ - به.\nبل هم في تقصيرٍ وغِشيانٍ للشهوات والمحرمات والكبائر ولا يَرْعَونَ ولا يثوبون ولايتذكرون.\nهؤلاء يقابلون المتشددين، يقابلهم أهل التساهل والكبائر والذنوب والمعاصي.\n_________\n(١) النسائي (٣٠٥٧) / ابن ماجه (٣٠٢٩)\n(٢) البخاري (٣٣٤٤) / مسلم (٢٤٩٩)","vol":"1","page":734},{"text":"[المسألة الثانية]:\nفي قوله (بَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ)\n١ - القسم الأول: التشبيه:\nالتشبيه هو أن يُجْعَلْ شيء شَبَهًَا لشيء.\nفعملية الجَعْلْ هذه هي تشبيه، شَبَّهَ تَشْبِيْهًَا.\nوالتشبيه قسمان، يعني جَعْلْ الشَّبِيهْ قسمان:\n@ القسم الأول: جعْل الشبيه لله - ﷿ - في صفاته كلها، أو في بعض صفاته، أو في تمام معنى الصفة [.....] .\n[.....] يمكن أن تقول اختصارًا أنْ يُشَبَّهْ الله - ﷿ - بخلقه أو يُشَبَّهْ الخلق بالله - ﷿ - في كيفية الصفات أو كيفية صِفَةْ أو في تمام معنى بعض الصفة.\n@ القسم الثاني: أن تُشَبَّه صفة الله - ﷿ - بصفة خلقه في أصل المعنى دون تمامه، أن تُشَبَّه صفة الخالق - ﷿ - بصفة المخلوق في بعض المعنى أو في أصل المعنى.\nوهذان القسمان هل يُنْفَيَان عن الله - ﷿ - جميعًا أم ينفى أحدهما عن الآخر؟\nاختلف أهل العلم في ذلك.\nوالذي يوافق طريقة أهل السنة والجماعة أن يُنْفَى القسم الأول وهو المراد بالتمثيل دون نفي القسم الثاني؛ لأنَّ إثبات الصفات إثباتٌ للصفة مع المعنى، والمعنى يشترك المخلوق مع الخالق فيه في أصل الصفة، في أصل المعنى دون كماله.\nكما أنَّ المخلوق يُوصَفْ بالوجود والله - ﷿ - يُوصَفُ بالوجود فبينهما اشتراك في أصل المعنى دون تمامه ودون حقيقته.\nكذلك يُوصَفُ المخلوق بالسمع، والله - ﷿ - يُوصَفُ بالسمع وللمخلوق سمع يناسبه، ولله - ﷿ - سمعٌ كامل متنزه عن النقائص وما لا يليق بجلاله وعظمته - ﷿ -.\nفتحَصَّلَ من هذا أَنَّ:\n- الأول مُتَّفَقٌ على منعه وهو التمثيل.\n- والثاني مُخْتَلَفٌ في إطلاقه بين أهل العلم. (١)\n* والأوْلَى أن لا يُسْتَعْمَل التشبيه إلا في معنى التمثيل حتى لا يَظُنْ الظَّان ممن لا يفهم طريقة أهل السنة والجماعة أنهم يتساهلون في مسألة التشبيه، فَيُصَدِّقُونَ أنهم مُشَبِّهَة أو يؤكدون أنهم مُشَبِّهَة.\nوهذا وإن استعمله بعض أهل العلم كابن تيمية وغيره؛ ولكن أرادوا منه حَقًَا، وهو أن لا تُنْفَى الصفات.\nولكن من حيث الاستعمال لا تُسْتَعْمَلْ، لا يقال أنه هناك تشبيه جائز أو أنَّ من التشبيه ما هو حق، فهذا ليس كذلك.\nلذلك لفظ التشبيه لم يأت في الكتاب والسنة مَنْفِيًَّا، وإنما جاء نفي المثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ولكن لا نستعمل لفظ التشبيه، فالله - ﷿ - ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، وكذلك ليس له شبيه - ﷿ -، وأهل التشبيه هم أهل الضلال.\nلهذا قال هنا (وَبَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ) فالمُشَبِّهَة وهم الذين جعلوا صفات الله - ﷿ - مُشْبِهَةْ لصفات خلقه، إما جميع الصفات كحال أهل التجسيم أو بعض الصفات، هؤلاء نتبرأ منهم وليس في طريقة أهل السنة لفظ تشبيه مُثْبَتًَا.\nما نقول قد يكون مثل ما استعمله بعض المعاصرين ممن لم يتحقق بطريقة أهل السنة والجماعة وأهل الحديث.\n٢ - القسم الثاني التعطيل:\nوالتعطيل مأخوذٌ أو معناه الإخلاء، مأخوذ من العُطْلِ وهو التَّخْلِيَة.\nيقال جِيدٌ المرأة عاطل؛ يعني أنه خالٍ من الحُلِيْ كما قال الشاعر وهو امرئ القيس:\nوجيدٌ كجيد الرِّيم ليس بفا **** حِشٍ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بمُعَطلِ\n(بِمُعَطَّلِ) يعني بخالٍ من الحلية.\nفالتعطيل معناه التخلية.\nفالتعطيل في حق الله معناه أن يُخْلَى الله - ﷿ - من صفاته.\nفَنُفَاةْ الصفات مُعَطِّلَة، وكل من نفى صفة أو أكثر فله نصيب من التعطيل بقدر ما نفى؛ لأنَّ التعطيل إخلاء من الصفات.\nفنفاة الصفات مثل المعتزلة والأشاعرة، أو من نفى كل الصفات أو نفى بعضها؛ فإنه يطلق عليه مُعَطِّلَة.\nوبالمناسبة تجد في كتب أهل العلم، تارَةً يقولون عن هؤلاء نُفَاة الصفات، وتارة يقولون مُثْبِتَةْ الصفات، ففي موضعٍ يجعلونهم مع النفاة، وفي موضع يجعلونهم مع المُثْبِتَةْ بحسب السياق.\nفإذا نُظِرَ إلى نفيهم للصفات -يعني المعتزلة والأشاعرة- قيل لهم نفاة للصفات مع الجهمية لأنَّ الجهمية هم أصلًا نفاة الصفات.\nوإذا نُظِرَ إلى ما أثبتوا وأنَّ الجهمية تنفي جميع الصفات قيل عنهم أنهم مُثْبِتَةْ للصفات؛ يعني لأصل الصفات وليسوا منكرين لأصل الاتصاف.\nفالمقصود من ذلك أنَّ التعطيل ينطبق على نُفَاة الصفات سواءٌ نَفَى كل الصفات أو نفى بعض الصفات.\nإذا كان كذاك فدين الله بين التشبيه والتعطيل؛ يعني ما بين نفي الصفات، وما بين أن يُجْعَلْ لله - ﷿ - صفات كصفات المخلوق.\nفنُثْبِت لله - ﷿ - الصفات؛ لكن (٢) على قاعدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وعلى قاعدة أهل العلم أنَّ إثباتُ الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وأنَّ بين الصفة وبين الصفة، يعني بين صفة الخالق وبين صفة المخلوق كما بين الذات والذات.\nوالله - ﷿ - ضَرَبَ لنا مَثَلًا في المخلوقات:\nالمخلوقات ليست متساوية في الصفات، الذباب له قوة تناسبه والإنسان له قوة تناسبه، ولكن هنا ثَمَّ قوة وثَمَّ قوة، البعوض له سمع وله بصر يناسبه والإنسان له سمع وله بصر يناسبه، والفيل له قوة وله سمع وله بصر وله قدرة تناسبه.\nفإذًا المخلوقون، الأصناف التي خلقها الله - ﷿ - جعلها متفاوتة فيما تتصف به، وإذا كان كذلك فإذًا ما بين الخالق وما بين المخلوقين من البون والفرق الكبير في الاتصاف بالصفات كما بين ذات الرب - ﷻ - وذوات المخلوقين الوضيعة والناس يُدركون هذا تمام الإدراك فيما يزاولونه وينظرون إليه.\n_________\n(١) انظر المسألة الثالثة (١٦)\n(٢) نهاية الوجه الأول من الشريط الواحد والخمسون","vol":"1","page":735},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nفي قوله (بَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ) الجبر والقدر مر معنا تفصيلًا ذلك.\nوأنَّ الجبر يعني به الجبرية، وأنَّ الجبرية صنفان:\n- جبريةٌ غالية.\n- وجبريةٌ متوسطة.\nوكذلك القدرية صنفان:\n- قدريةٌ غلاة وهم الذين نفوا العلم.\n- وقدريةٌ ليسوا بغلاة وهم المعتزلة الذين نفوا مرتبة من مراتب القدر وهي خلق الله - ﷿ - لأفعال للعباد وعموم مشيئته ﷾.","vol":"1","page":736},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nفي قوله (وَبَيْنَ الْأَمْنِ وَالْإِيَاسِ) الأمن كما ذكرت لك هو الأمن من مكر الله واليأس هو اليأ س من روح الله - ﷿ -.\nوالواجب على المؤمن والمسلم أن يعلم أنَّ الإسلام لا يُقِرُّ الأمن من مكر الله كما لا يُقِرُّ اليأس من روح الله، فهو بين هذا وهذا، فهو أن يسير خائفًا راجيا يخاف من الله - ﷿ - أن يعاقبه، أو أن يستدرجه، وأنه إذا فعل ذنبًا فإنه لا ييأس من روح الله - ﷿ -.\nوهاهنا مسألة يذكرها أهل العلم: وهي الأمن والإياس والخوف يعني والرجاء أيهما يُغَلَّبْ؟ هل يكون خائفًا أو يكون راجيًا؟\nوهم متفقون على أنَّ الخوف الذي يُبْلِغُ المرء إلى اليأس فإنه مذموم، وأنَّ الرجاء الذي يُبْلِغُ المرء إلى الأمن من مكر الله فإنه مذموم.\nفإذا كان كذلك فهم يبحثون بين الخوف والرجاء ولا يقصدون الخوف الذي يوصل إلى اليأس، ولا الرجاء الذي يوصل إلى الأمن.\nاختلف أهل العلم في ذلك كما هو معلوم لديكم في أي الخوف والرجاء يُغَلَّبْ؟\n- قالت طائفة يُغَلَّبْ جانب الخوف.\n- وقال آخرون يُغَلَّبْ جانب الرجاء.\n* والصحيح في ذلك هو التفصيل وهو أنَّ الإنسان لا يخلو في حاله من أحد ثلاثة أحوال:\n- إما حال صحة.\n- أو حال مرض.\n- أو حال قرب للوفاة.\n@ فإذا كان في حال الصحة: فيغلب جانب الخوف على الرجاء حتى ينتهي عن الذنوب ولا تَغُرَنَّه صحته في الإقدام على الذنوب والمعاصي واقتحام ما لا يُرْضِي الله - ﷿ -، وكذلك يرجو حتى يعمل ويستمر في العمل، وهذه الحال قال فيها طائفة من أهل العلم: إنه يُسَوِّي بين الخوف والرجاء، وهذا ليس بموضعه كما سيأتي.\n@ وإذا كان في حال المرض: فحال المرض ينبغي على الإنسان أن يُغَلَّبْ جانب الرجاء في الله - ﷿ - ويكون أعظم من خوفه؛ لأنه في حالٍ الخوف عنده ولو أُمِرَ بتغليب الخوف خُشِيَ أن يصل به إلى عدم الرجاء في الله - ﷿ -، وقد قال نبينا ﷺ «قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» (١) ويناسب المريض أن يكون راجيًا مُغَلِّبًَا على الخوف حتى يَلْطُفْ الله - ﷿ - به.\n@ وإذا كان في حال قرب الوفاة: الأفضل للمرء فيها أن يُسَوِّيَ بين الجانبين، أن يكون خائفًا راجيًا، وقد جاء رجل للنبي ﷺ فقال له -أظنه كان مريضا فعاده- فقال: «كيف تجدك» قال: أجدني أخشى ذنوبي وأرجو رحمة ربي. فقال ﷺ له «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا إلا أنجاه الله من النار» (٢) أو كما جاء في الحديث.\nالمقصود أنه اسْتُدِلَّ به أنه في هذه الحال أن يُسَوِّيَ المرء بين الخوف والرجاء.\n_________\n(١) سبق ذكره (٣٧١)\n(٢) الترمذي (٩٨٣) / ابن ماجه (٤٢٦١)","vol":"1","page":737},{"text":"قال ﵀ بعدها (فَهَذَا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَحْنُ بَرَآءُ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ)\n_________\nيريد بذلك أنَّ جميع ما ذكره في هذه الرسالة وفي هذه العقيدة المباركة من أوله وآخره أنه دينه واعتقاده ظاهرًا وباطنا؛ يعني أنه لا ينافق في ذلك ولا يُظْهِرُ شيئًا ويُخْفِي شيئًا، كما كان عليه طائفة من أهل زمانه من أنهم يقولون (لا تُظهر عقيدتك عند أحد؛ لأنك بين مخالِفِينَ فإما أن يثنوا عليك وإما أن يذموك)، بل هذا ديننا وعقيدتنا واعتقادنا ظاهرًا وباطنًا؛ لأنَّ الاعتقاد والدّين الأصل في الإنسان أن يُعْلِنَهْ، وقد يجوز أن يستخفي به إذا كانت المصلحة في ذلك؛ لكن هذا في حال الفتنة وعدم استطاعة الثبات على البلاء؛ لكن الأصل أنَّ الإنسان يُعْلِنْ ما يعتقده ويدين به ظاهرًا وباطنًا.\nقال متبرئًا من كل من خالف طريقة أهل الحديث والسنة والجماعة (وَنَحْنُ بَرَآءُ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ)\nوقد تقدم لك أنه غلط ﵀ في عدد من المسائل، هذه توكل إلى اجتهاده، وغلط في ذلك وفي الجملة كلامه موافق لكلام أهل الحديث وكلام أهل السنة في إثبات الصفات وفي القدر وفي سائر المسائل، لكن في مسألة الإيمان تابع فيها قول أبي حنيفة ومرَّ معك البحث في ذلك.\nفنحن برآء إلى الله من كل مخالفة للكتاب والسنة لكل ما أمر الله - ﷿ - به أو أخبر من خالفه فنحن نتبرأ إلى الله - ﷿ - منه سواءً علمنا أو لم نعلم.\nوهذا هو الأصل وهذا هو الاعتقاد أننا ندين إجمالا بما أمرنا الله - ﷿ - أن ندين به بالتصديق بالأخبار وباعتقاد وجود الأوامر والانتهاء عن النواهي، وجوب امتثال الأوامر ووجوب الانتهاء عن النواهي، إذا كان أمر إيجاب أو نهي تحريم.\nوهذا ديننا وهذا اعتقادنا، أمَّا تعليقه بقول فلان أو بما ورد، فهذا يحتاج إلى تأمل ونظر لأن الناس يختلفون في ذلك اختلافًا بيِّنًَا.\nوما من عالم ممن كتب في العقائد إلا وله اجتهاد يكون في مسألة في مسألتين، وهذا لا يعني أنه ليس من أهل السنة أو أنه خالف أو أنَّ كتابه لا يصلح.\nفمثلا تنظر إلى أعظم الكتب التي كتبها السلف تجد فيها مسائل لا يُقِرُّهَا الآخرون لكنها مسائل نادرة في خِضَمِّ غيرها، إما أن يُثْبِتْ ما لا يَثْبُتْ مَثَلًَا في بعض الصفات، أو أنه يتأول واحدة بشيءٍ ظهر له، أو أنه يصف شيئًا ليس من العقيدة يجعله في العقيدة، مثل ما فعل البربهاري مثلًا في بعض المسائل، أو أنه ينسب شيء لأهل السنة وهو ليس من عقيدة أهل السنة.\nفلذلك ما قَعَّدُوهُ وأجْمَعُوا عليه واتفقوا عليه فهذا ما يجب اتباعه، ولا تجوز مخالفته لأنه هو عقيدة أهل السنة والجماعة، وما اختلفوا فيه فلكل واحدٍ منهم عذره في ذلك؛ لكنه لا يُتَّبَعُ على ما زَلَّ فيه.\nالحافظ ابن خزيمة كَتَبَ كتابا عظيما وهو قطعة من صحيح سماه التوحيد، ومع ذلك غلط فيه في بعض المسائل، في مسألة الصورة كما هو معروف لم يوافق بقية أهل السنة في ذلك.\nمثلا عندك البربهاري ذكر مسائل ليست من العقيدة أصلًا وأشياء لم تثبت.\nمن ألَّفْ مثلًا في العرش جاء بأشياء ليس فيها دليل واضح وهكذا.\nالمقصود من ذلك أنه ليس من شرط أن يكون الكتاب على طريقة أهل السنة والجماعة وأهل الحديث أن يكون سالما من كل اجتهاد؛ لكن إذا كانت أصوله التي انطلق منها هي الاستسلام للكتاب والسنة، ورَدْ التأويل والتعطيل واتباع الدليل، وعدم تسليط العقل على النصوص فهذا من أهل الحديث وأهل السنة، فلا بد أن يحصل له من الغلط ما يحصل له.\nلهذا عَظَّمْ أهل العلم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه قَرَّرَ فيها ما اتفقوا عليه وأجمعوا عليه، وترك فيها ما لكل واحدٍ من أهل العلم ممن كتبوا في العقائد اجتهادات.\nاعتنى المتأخرون من أئمة أهل السنة بكتب الشيخين شيخ الإسلام وابن القيم لسلامتها من المذاهب الردية وللاجتهادات التي [.....] يُوَافَقْ عليها.\nنقف عند هذاويبقى عندنا الجملة الباقية هذه نبقى معها الدرس القادم إن شاء الله تعالى.\nنسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد وأن يختم لنا برضاه إنه جواد كريم.","vol":"1","page":738},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-616>الأسئلة:</span>\nس١/ قال - ﷿ - ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة:١٣٥]؟\nج/ معلومٌ أنَّ موسى ﵇ جاء بالحنيفية مثل دين إبراهيم، جاء بالإسلام، وعيسى ﵇ جاء بالحنيفية عبادة الله وحده دون ما سواه.\nلكن اليهودية المُحَرَّفَة والنصرانية المُحَرَّفَة هذه إبراهيم ﵇ بريءٌ منها، ولهذا قال - ﷿ - ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]؛ لأنَّ كل طائفة ادَّعَتْهُ على ضلالها.\nفاليهود حَرَّفُوا دينهم وأرادوا أم ينسبوا التحريف إلى إبراهيم، وهو أنهم يدعون إلى الإبراهيمية، وكذلك النصارى، وكذلك المشركون ينسبون أنفسهم إلى إبراهيم الخليل وهو بريء من هؤلاء وهؤلاء ﵇.\nس٢/ هل تنصحون بإهداء كتب موسى الموسوي للرافضة؟\nج/ نعم، كتبه نافعة وتنفع القوم، تقيم الحجة عليهم أو تهز ثقتهم بأصولهم.\nس٣/ ما رأيك في مقولة لأحد الشباب ممن ينتسب إلى الدعوة يقول (إنَّ زمن القرآن وَلَّى بسبب وجود القنوات الفضائية فلابد أن نواجه الشباب بغير القرآن أن نكون عصريين) هذه رسالة في توجيه الشباب؟\nج/ ما أظن المسلم يقول هذا الكلام، ما أظن احد من الشباب يقول زمن القرآن ولّى هكذا بهذا النص، ما أظن أحد يصلي يقول هذا الكلام (زمن القرآن ولَّى) لا ما يمكن أحد يقول هذا.\nلكن يجب على الإنسان أن يتحرى في ألفاظه، وكما تعلمون الحديث «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا تهوي به في النار سبعين خريفا» (١) قد يقول كلمة ويقول مقصدي زين، وليست المسألة بالمقاصد، لازم أن تتقي الله - ﷿ - في ألفاظك، أن تخاف الله بما تنطق به حتى مع أهلك وحتى مع أولادك وحتى في عملك، المسلم وقور يتحَرَّى في لفظه ويتحرى في تعامله؛ لأن اللسان يحاسب عليه، تحاسب على لسانك في كل ما تقوله.\nحديث معاذ معلوم لديكم وهو قوله ﷺ «كُفَّ عليك هذا» حديث معاذ الطويل قال «وكف عليك هذا» قال: يا رسول الله أَوَ مؤاخذون بما نقول؟ قال «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم -أو قال على وجوههم- إلا حصائد ألسنتهم» (٢) .\nألحظ أنا من بعض طلبة العلم أو بعض الشباب أو بعض أهل الخير إذا جاوا يمزحون ما يهمه وش يقول أي كلام، هذا سيئ للغاية، أحيانا يطلقون كلاما قبيحا.\nاضرب لكم مثال، مثلًا يأتي ذكر القبر مثلًا وأنه نور يجيء واحد ويقول والله كهرباء زين، مثل هذا الكلام حرام وقد يهوي به القائل، أو يقول كشاف ألف شمعة أو مثل هذا الكلام؛ يعني قد يحصل أنهم يتناقلون مثل هذا الكلام ويقولونه بينهم؛ لكن مثل هذا لا يجوز البتة.\nالأمور الشرعية وطِّنْ نفسك على الهيبة فيها، لأنَّ هذا من تعظيم شعائر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، تطلق لفظ لا تلقي له بالا وآخر لا تلقي له بالا، ما تدري يعاقبك الله - ﷿ - بسلب الإيمان منك وأنت لا تشعر.\nفلذلك يجب على الشباب وعلى طلاب العلم أن يمزحوا بما مزح به النبي ﷺ ما يأتون للأمور الشرعية ويتعرضون لها بأقوال ليست كالتوقير.\nس٤/ أشكل علي قول بعض المؤلفين في كتب القرآن وغيرها أنَّ (الـ) في قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] للاستغراق عند أهل السنة خلافًا للمعتزلة بناءً على خلافهم لخلق أفعال العباد فلا يقولون بأنها للاستغراق؟\nج/ تحتاج إلى نظر، يعني معنى الاستغراق هل فعلًا المعتزلة ينكرون الاستغراق هنا؟ ما أعلم.\nلكن الحمد (الألف واللام) هنا استغراق الجنس؛ يعني جنس أو أجناس الحمد جميعا لله رب العالمين يعني مُسْتَحَقَّة لله - ﷿ -، وأجناس الحمد خمسة:\nحمد لله في ربوبية، وحمد في الألوهية، وحمد في الأسماء والصفات، وحمد في الشرع، وحمد في الكون والقدر.\nفأجناس الحمد كلها لله، إيش علاقة هذا بخلق أفعال العباد؟\nما أعلم، وأظن -إذا ما خانتني الحافظة- أظن أن الزمخشري يقول إنها للاستغراق في فاتحة التفسير وقال أل للاستغراق أظنه يقول ذلك. فيحتاج إلى مراجعة.\nس٥/ هل يجوز أن نَصِفَ القدر بالظلم؟\nج/ لا يجوز لأنَّ القدر فعل الله - ﷿ - وتقديره فلا يوصف بالظلم ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] .\nس٦/ أعرف أناسا جُلُّ مجالسهم الكلام في أعراض علمائنا الكبار من أنهم لا يفقهون واقع المسلمين وفتاواهم في حيضٍ وغيره، ما أفعل مع هؤلاء وكيف التوجيه؟\n_________\n(١) الموطأ (١٧٨٢) / الترمذي (٢٣١٤) / ابن ماجه (٣٩٧٠)\n(٢) الترمذي (٢٦١٦) / ابن ماجه (٣٩٧٣)","vol":"1","page":739},{"text":"ج/ أظن حصل من السنين الماضية ما فيه كفاية في وضوح هذه المسألة، وأنَّ من استعجل فوقع في أعراض العلماء أو استنقص رأيهم بَانَ الأمر على خلافه، وأنَّ مصالح الناس في الحال وفي المآل هي بقول أهل العلم الكبار، ورحم الله سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فقد كان لموقفه في الأزمة من الخير العظيم على الناس في ذلك الوقت وإلى وقتنا الحاضر ما لم يدركه إلا العالمون بالشرع وأحوال ما يُصْلِحُ الناس.\nوالواجب علينا جميعا ونحن طلاب علم وكلكم حريصٌ على الخير أن نكون متقين لله - ﷿ -، الكلام والغيبة ومحرمة، الكلام في الأعراض والغيبة محرمة.\nومن العجب أن يأتي شاب صغير لم يدرك من العلم شيئا فضلًا عن أنه يدرك الواقع، ويقع في حق كبارٍ من أهل العلم الذين عرفوا العلم وعرفوا الواقع؛ ولكن هل الواقع هو الأخبار السياسية؟\nهل الواقع هو التفصيلات؟\nهل الواقع هو تفصيلات الكيد؟\nأم الواقع هو واقع الأعداء وكيف تُطَبِّقُ حالهم على الشرع؟ أو تُطَبِّقُ حالهم على ما في القرآن والسنة؟\nيعني لا تنفك المسألة من وجود أعداء للإسلام والمسلمين، وهؤلاء الأعداء فَصَّلَهُمْ الله - ﷿ - في القرآن قال سبحانه ﴿للهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ [النساء:٤٥] بَيَّنَ لنا الله - ﷿ - حال اليهود وتفاصيل عداوة اليهود لنا والنصارى ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ لكن هل من شرط العالم أن يتتبع جميع الجرائد ويقرأها والأخبار والقنوات الفضائية والتحليلات السياسية حتى يكون فقيها بواقع؟\nلاشك أنَّ هذا ليس بمقصود.\nوالأحكام الشرعية لابد أن تكون عن فَهْمْ وفقه؛ لكن ليس كل ما عَلِمَهُ الناس يكون مؤثرًا في الفتوى أو في الحكم أو في التصرفات، فهناك أشياء تُعْلَمْ لا قيمة لها ولا أثر، وليس كل ما يُعْرَضْ لكم أو تسمعونه أو ينقل يكون صحيحًا؛ لأن الناس الآن يُضَلُّونَ بالأخبار، الأخبار والإعلام يُضِلْ وينوع الأقوال، ويجعل الناس يتصرفون تصرفات ويبنون أحكامًَا على ما نُقِلْ، ربما بعضكم ينظر في الأخبار التي تُعْرَضْ سواءٌ كانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية أنَّ تفاصيل الخبر واحدة تُنْقَلْ في جميع الوسائل، في الجرائد في أمريكا وفي أوربا وفي الشرق وفي المسموع في الأخبار، الصياغة متقاربة؛ بل الصورة الواحدة أحيانًَا المعروضة في أخبار في قنوات، تجد أن الصورة الواحدة تتردد في الأخبار في جميع القنوات، من الذي صاغ الخبر الأساسي؟ ومن الذي صَوَّرْ؟ ومن الذي فعل؟ ومن الذي ينشر هذه الأخبار في العالم؟\nوالناس يدورون حول هذه الأخبار، لاشك أنَّ هناك تسلط إعلامي عالمي على المسلمين وعلى غيرهم؛ يعني لتكون المواقف السياسية ولتكون رغبة الناس ولتكون آراء الناس على نحوٍ ما.\nلهذا فالذي ينبغي لطلاب العلم أولًا أن ينشغلوا بالعلم عن غيره؛ لأنَّ الأمة بل الدّين والجهاد الآن جهاد علم، الناس بحاجة إليكم، بحاجة إلى طلبة علم إذا ضيعتم الوقت في قيل وقال دون فائدة، نحن مرينا قبلكم بمراحل كان بعض الناس يتتبعون المجلات، يشترون المجلات الحوادث ومجلة الوطن العربي وأنا أذكر من ثلاثين سنة ومجلة كذا وجريدة وجرائد متنوعة لا فَقِهُوا في السياسة ولا فقهوا في العلم فضاعوا بين هذا وهذا.\nالناس بحاجة إليكم بحاجة إليكم في العلم النافع في توحيد الله - ﷿ -، وفي بيان السنة وفي بيان الأحكام الشرعية، فتعلموا العلم النافع واتركوا المسائل الكبار لأهل العلم فإن هذا أنفع لكم.\nطالب ينظر إذا رأى تحليلًا جيدًا في مجلةٍ مأمونة أو فيه خبر يتعلم ويفهم؛ لكن أن يَنْقُدْ على أهل العلم إذا لم يتتبعوا مثل تَتَبُعِهِ هذا ليس بنَصَفَةْ ولا بعدل فضلًا أن يكون مأمورا به في الشرع.\nفلنقي ألسنتنا من الغيبة ولنحفظ قليل أعمالنا -وإن أثابنا الله - ﷿ - عليها- من الضياع والغيبة كما تعلمون وقوع في العرض فلابد أن يؤخذ ممن اغتاب أن تؤخذ منه المظلمة يوم القيامة.\nوالله المستعان، يعني الواحد الذي يعرف نفسه وحريص على الآخرة وما يقربه إلى الله - ﷿ - يُضَيِّعْ نفسه بهذا اللسان الذي يقع دون عمل.\nوكثير من الأعمال النافعة -وأنتم انظروا- التي بقيت ونفعت في دينهم وفي دنياهم هي أعمال أهل العلم الكبار هي التي هادية ونافعة، وما أحسن قول ابن الوردي في لاميته:\nملك كسرى عنه تغني كسرة ****** وعن البحر اجتزاء بالوشل\nالبحر كثير لكنه مالح لا تشرب منه، والوشل ماء عذب قليل لكنه يطفئ الظمأ ويروي الغَلَّةْ.\nس/ مقولة (من لم يُكَفِّر الكافر فهو كافر) هل هي صحيحة وهل هي على اطلاقها؟\nصحيحة، من م يُكَفِّر الكافر الذ ي نصَّ الله - ﷿ - على تكفيره فهو كافر، والميتدع..... لا، هذه ما هي بقاعدة.\nأمَّا اللي نصَّ عليها أهل العلم أنَّ من لم يكفر الكافر فهو كافر، ويقصدون بالكافر، ابن تيمية ذكرها في موضع قال (والمقصود الكافر الذي جاء كفره في الكتاب والسنة، لأنه تكذيب للكتاب والسنة)، أمَّا لو كل واحد، هذا ما يكفر، هذا يكفر، يصير، لكن لابد من رجوعه إلى أصل.\nيعني مثلًا واحد يجي ويقول (والله فرعون مسلم) فيه من يقوله، وفيه من الصوفية من يقول (الجلال والدوافي وشركت، وابن عربي، أو يجي ويقول (أبو لهب أنا لا أكفره) أو يقول أبو طالب عم النبي ﷺ ما أكفره؟، وهو قد ثبت كفره بالكتاب والسنة وأنكر الكتاب والسنة.\nفي هذا القدر كفاية وبارك الله فيكم وعليكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد (١) .\n_________\n(١) نهاية الشريط الواحد والخمسون","vol":"1","page":740},{"text":": [[الشريط الثاني والخمسون]]:\n\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.\nالأسئلة:\nس١/ هل الميت يعلم عن الأحياء أخبارَهم؟ فقد سمعتُ من بعض أهل العلم من يقول ذلك وآخر ينفيه، وآخر من يقول هذه المسألة لا أحد يسأل عنها لأنها من علم الغيب؟\nج/ هذه المسألة من المسائل المهمّة جدًا، وكما ذكر السائل تنوَّعَتْ أقوال العلم فيها ما بين نافٍ مطلقًا وما بين مثبتٍ مطلقًا وما بين مفصلٍ للمسألة بحسب ما ورد في الدليل.\nوالصواب في ذلك التفصيل.\n- فمن نَفَى مطلقًا بأنَّ الأموات لا يسمعون ولا يعلمون؛ بل انقطع سبيلهم، استدلوا بقول الله - ﷿ -: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، واستدلوا أيضًا بأنَّ الميت انقطع من هذه الدنيا وارتحل إلى الآخرة وهو مشغولٌ عن هذه الدنيا بالآخرة، وهو في حياة برزخ، وحياة البرزخ مختلفة عن هذه الحياة، فَصِلَتُه بهذه الحياة تحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على سماعه مطلَقًَا فلذلك وجب نفيه لدلالة قوله ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، ولم يدل أيضًا الدليل على أنَّ الملائكة تُبَلِّغْ الأموات الأخبار والأحوال، فبنوا على هذا النفي العام بأنَّ الميت لا يسمع شيئًا.\n- والقول الثاني أنَّ الأموات يسمعون مطلقًا ويُبَلَّغُون، يعني يسمعون ما يحدث عندهم ويُبَلَّغُونَ ما يحصل من أهليهم وأقاربهم من خيرٍ وشر، فيأنسونَ للخير ويستاءون للشر، وهؤلاء بَنَوا كلامهم على أنَّ في الأدلة ما يدل على جنس سماع الميت لكلام الحي:\nكقوله ﷺ «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» (١)، واستدلوا بهذا على أنه يسمع.\nويستدلون أيضًا ببعض الأحاديث الضعيفة كحديث التلقين، حديث أبي أمامة الضعيف في التلقين ونحوه بأنه يسمع بعض السماع.\nويستدلون أيضًا بما ورد من الأحاديث بأنَّ الملائكة تُبَلِّغْ الميت بأخبار أهله من بعده، ويعرضون عليه ما فعلوا فإن وجد خيرًا فَرِحْ واستبشر وإن بُلِّغ غير ذلك استاء من أهله.\nويستدلون أيضًا بما يحصل للأحياء من رؤيةٍ لأرواح الأموات في المنام، وأنهم ربما قالوا لهم فعلت كذا وفعلت كذا وأتانا خبرك بكذا ونحو ذلك.\nوهؤلاء أيضًا في مسألةٍ خاصة استدلوا بفعل النبي ﷺ مع صناديد قريش لمَّا دَفَنَهُم في القليب ورماهم فأطَلَّ عليهم ﷺ، وقال لهم «هل وجدتُّم ما وعد ربكم حقا؟ فإنّي وجدت ما وعد ربي حقًا»، قالوا له: يا رسول الله أتُكَلِّمُ أمواتًا؟ قال: «ما أنتم بأسمع لي منهم» (٢)، واستدلوا بهذا اللفظ: «ما أنتم بأسْمَعَ لي منهم» على أنهم يسمعون، وإذا كانوا يسمعون فإنهم لهم نوع تعلق بالدنيا فلا يمنع أن يُبَلَّغُوا ويُقَوِّيْ ما جاء في هذا الباب من أحاديث.\n- والثالث وهو الصواب، التفصيل، وهو أنَّ المَيّت يسمع بعض الأشياء التي ورد الدليل بأنه يسمعها، والأصل أنَّ الميت لا يُسَمَّع لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، وأنه أيضًا لا يسمع، فما خَرَجَ عن الأصل احتاج إلى دليل، وكذلك التبليغ -تبليغ الأخبار- أيضًا خلاف الأصل، ولهذا كان من خصائص النبي ﷺ أنَّ الله جعل له ملائكة سيّاحين في الأرض يُبَلِّغُونَهُ من أمته السلام.\nوهذا هو الأقرب للدليل، وهو الأظهر من حيث أصول الشريعة، وهو أنَّ الميت لا يسمع كل شيء، لا يسمع من ناداه، لا يسمع من أتاه يُخْبِرُهُ بأشياء، وأنه لا دليل على أنّه يُبَلَّغ ما يحصل لأن هذا من خصائص النبي ﷺ، وأنَّ الأحاديث الواردة في ذلك بأنه يُبَلَّغ ونحو ذلك أنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها الحجة.\nفينحصر إذًا سماعه فيما دل الدليل عليه، وهو أنه يسمع قرع النعال وأنَّ أهل بدر سمعوا، يعني أنَّ المشركين من صناديد قريش سمعوا النبي ﷺ، لهذا في الرواية الثانية الصحيحة أيضًا أنه قال لما قالوا له: أتكلم أمواتًا؟ قال: «ما أنتم بأسمع لي منهم الآن» (٣) وهذه الرواية ظاهرة الدلالة بأنَّ إسْمَاعَهُمْ وتكليمهم هو نوع تبكيت وتعذيب لهم، وزيادة «الآن» زيادة صحيحة ظاهرة وبها يجتمع قول من نفى وقول من أثبت، فيكون الإثبات بالسماع فيه تخصيصٌ لهم بتلك الحال لازدياد تبكيتهم وتعذيبهم أحياء وميتين.\n_________\n(١) البخاري (١٣٧٤) / مسلم (٧٣٩٥)\n(٢) البخاري (١٣٧٠) / مسلم (٧٤٠٣)\n(٣) البخاري (٣٩٨٠) / النسائي (٢٠٧٦)","vol":"1","page":741},{"text":"والعلماء ألَّفُوا في هذا أيضًا تواليف في الثلاث اتجاهات، يعني في القول الأول والثاني والثالث، وابن القيم ﵀ في كتاب (الرّوح) توسَّعَ في هذا على القول الثاني، توسَّعَ فيه على القول الثاني، لكنه ليس هذا القول أو غيره موافقًا لقول المشركين الذين يجيزون مناداة الميت وسؤال الميت الحاجات وطلب تفريج الكربات وإغاثة اللهفات، وفي النذر والنذور أن يخاطبوه ليستغيثوا به أو يستشفعوا به. هذا غير داخل في المسألة، لكن هذه المسألة أساس يُرَوِّجُ به من دعا إلى الشرك لأنهم يعتمدون على مثل هذه الأقوال.\nألّف ابن القيم كتاب الروح وبَحَثْ في هذه المسألة وتوسع فيها جدًا حتى أنه ﵀ نقل منامات وحكايات في هذا المقام، هي من قبيل الشواهد على طريقته، لكن العبرة بما دلّ عليه الدليل من الكتاب والسنة ولا مُتَمَسَّكْ في كلام ابن القيم لمن زعم أنَّ الموتى يُغِيثُونْ وأنهم يسمعون ويجيبون من سألهم إلخ. بل ابن القيم ﵀ مع ما أورد فإنه ردَّ على المشركين والخرافيين وأهل البدع والضلال الذين يصفون الأموات بأوصاف الإله جلّ الله عمَّا ادَّعى المدَّعُون.\nوهناك من ذهب إلى المنع مطلقًا، وعدد من أهل العلم ومذهب الحنفية بالخصوص و(التواليف) طائفة من الحنفية في هذا الباب على هذا الأساس من أنَّ الأموات لا يسمعون أصلًا، فكيف يُبَلَّغُون وكيف يجيبون، والصواب اللي عليه الدليل هو التفصيل الذي مرَّ ذِكْرُهُ.\nسلام النبي ﷺ، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على البكري قاعدة مهمَّة في فحوى كلامه، وهو أنَّ الميت على القول بسماعه، وسماع النبي ﷺ بخصوصه فإنّه لا يسمع بقوة هي أكبر من قوته في الدنيا، لا يسمع البعيد لأنَّ إعطاءه قوة أكبر من قوته في الدنيا على السَّمَاع، هذا باطل ولم يدلَّ عليه أصل ولم يقل به أحد، ولهذا جاء في بعض الآثار، أو جاء في بعض الأحاديث وإن كان فيها مقال، طبعًا فيها تعليل والبحث معروف: «من سلَّمَ عَلَيَّ عند قبري أجبته أو رددت عليه، ومن سلَّمَ علي بعيدًا بُلِّغتُهُ» . وهذا الصواب أنه من قول بعض السلف، يعني إستظهارًا، في أنه من سلّم قريبًا أُجِيب ومن سلّم بعيدًا بُلّغ، ولا يصح الحديث في ذلك.\nالمقصود من هذا أنَّ تبليغ سلام من سَلَّمَ للنبي ﷺ يدل على أنَّهُ ليس عنده قوة تحضر في كلِّ مكان، من سَلَّمَ عليه ﷺ عند قبره فله حكم من سَلَّمَ عليه عند القبر، يَرُدْ ﵇. والآن القبر بعيد، قبر النبي ﷺ الآن بعيد، ليس قريب، وبينك وبينه أربع جدران كبيرة، فإذا تَكَلَّمَ المرء خافتًا بأدب وسَلَّمْ (السلام عليك يا رسول الله) بهدوء، فإنه لو كان ﷺ حيًا في مكانه أي في غرفته، في حجرته التي دُفِنَ فيها لَمَا سمع. ولهذا ليس ثَمَّ فيه إلا التبليغ، يعني أنه يُبلَّغ، الملائكة تبلغه من سَلَّمَ عليه، لأنَّ الذي يُسَلّم بعيد ولا يَسْمَع.\nذكر ابن تيمية أنه لم يَدُلَّ دليل على أنه يُعطَى قوّة غير القوة التي كانت معه في الدنيا، ولو قيل أنَّ الميت عامةً يسمع، فإنه لا يسمع من يُكَلِّمُهُ من خلف المقبرة، أو بينه وبينه عشرين متر (٢٠م) يتكلم بهدوء، أو نحو ذلك فإن هذا من وسائل الاعتقادات الباطلة أو من وسائل الشرك والخرافة.\nأما النبي ﷺ فحياته حياةٌ كاملة برزخية ولا شك أكمل من حياة الشهداء، على كل حال.\nس٢/ هل يجوز أن يقال لليهودي والنصراني يا أخ فلان؟ وما المراد بقوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء:١٦١]؟\nج/ الأخوة تختلف، فيه أُخُوَّةْ نسب، وثَمَّ أُخُوَّةْ دين، وفيه أخوة في صناعة، والأخ يُطلَقُ على المُصَاحِبْ أيضًا والقريب، فما يأتي في قصص القرآن مِنْ جَعْلِ النبي أخًا للمشركين الذين كَذَّبُوه، هذا من قبيل أُخُوَّةْ النسب لأنه منهم نسبًا كما نصَّ على ذلك أهل العلم، أمَّا أُخُوَّةْ الدِّين أو أُخُوَّةْ الملة أو أُخُوَّةْ المحبة فهذه لا شك منفية وباطلة.\nولهذا من قال لليهود والنصارى إخواننا ويقصد بذلك التودُّد فهذا يدخل من الموالاة المحرَّمَة، وإذا كان له للنصراني نسب أو صلة أو كان مشترك معه في صناعة أو في تجارة ويَقْصِدْ هذا الاشتراك فهذا له بابٌ آخر وفيه نوع موالاة ومُقَارَبَة والواجب تجنُبُهَا، أما أُخُوَّةْ النسب والقبيلة فهذه أمرها واسع كما في القرآن.\nس٣/ ما حكم الرقية على الكافر والحيوان؟","vol":"1","page":742},{"text":"ج/ الرقية هي دواء وعلاج فلا يختَصُّ بها مسلم أو آدمي، فإذا رَقَى كافرًا فلا بأس، إذا رقى أيضًا حيوانًا فلا بأس فهي دواء وعلاج، حديث أبي سعيد الخدري المعروف «بأنهم مَرُّوا بقومٍ فاستطعموهم أو استضافوهم فلم يُضَيِّفُوهُمْ، فلُدِغَ سَيِّدُ أولئك القوم، فأتوا لهؤلاء النفر من الصحابة، فقالوا: أفيكم راق؟ قالوا: نعم ولكن لا نرقي إلا بجُعْلٍ. فجَاعَلُوهُمْ على قطيعٍ من الغنم ثم جَعَلَ يرقي بفاتحة الكتاب ويتفل ويقرأ فاتحة الكتاب ويتفل حتى برأ كأن لم يصبه شيء. فلما أتوا للنبي ﷺ قالوا، قصوا عليه القصة، فقال: «وما يدريكم أنها رقية!! اضربوا لي معكم بسهم» .\nفالرقية علاج وقراءة القرآن على الكافر نوع إسماعٌ له أيضًا القرآن وليست من جنس مس المصحف، والله - ﷿ - قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، ففيها علاج وفيها إقامة لِحُجَّةٍ من الحُجَجْ عليه ونحو ذلك.","vol":"1","page":743},{"text":"وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ، مِثْلَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَحَالَفُوا الضَّلَالَةَ، وَنَحْنُ مِنْهُمْ بَرَآءٌ، وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلَّالٌ وَأَرْدِيَاءُ وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ.\n_________\nهذه هي الجملة الأخيرة من هذه العقيدة المباركة، عقيدة أبي جعفر الطحاوي ﵀ حيث بَيَّنَ فيها أصول الاعتقاد في الله - ﷿ - وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وبيَّنَ فيها تفاصيل الكلام على مسائل كثيرة تدخل تحت أركان الإيمان الستة، وذَكَرَ فيها كعادة من ألَّف في عقائد السلف ما يتصل بذلك من الكلام في الصحابة وما وقع من الفتن والكلام في من الأحق بالخلافة، والكلام في العشرة المبشرين بالجنّة، وما أشبه ذلك من المسائل المتصلة بمسائل الإيمان، وكذلك ذكر عِدَّةَ مسائل تتعلق بالقول في أهل العلم، وأننا لا نذكر أهل العلم سواءٌ أكانوا من أهل الحديث والأثر أو من أهل الفقه والنظر إلا بالخير ومن ذَكَرَهُم بغير الخير فهو على غير السبيل، وما شابه ذلك من المسائل.\nوهذه المسائل التي ذَكَرَهَا حقّ، ويُقِرُّها عامَّة الأئمة إلا فيما استُثْنِي مما وافق فيه أبا حنيفة ﵀ في بعض مسائل الإيمان ونحوه، مما لاحظنا عليه ولاحظ عليه العلماء من قبل وبعض الألفاظ التي تجنُّبُهَا أولى، كما مرّ معنا في مواضعه.\nفلما ذَكَرَ ذلك كله قال (فَهَذَا دينُنًا واعْتِقَادُنًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَنَحْنُ بُرَآءُ إلى الله مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وبَيَّنَّاهُ) .\nولا شك أَنَّ أبواب الاعتقاد متعلقة بالقلب، فالقلب أشد ما يكون في التغير، وأشد ما يكون في التقلُّب، ولهذا كان من دعائه ﷺ أنَّهُ كان يقول «يا مقلّب القلوب صرِّف قلوبنا إلى طاعتك» (١)، «يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك» (٢)، ونحو ذلك مما ورد في الآثار.\nفالقلب يَتَقَلَّبْ سريعًا وأكثر شيء يتقَلَّبُ فيه القلب قول القلب وعمل القلب واعتقاد القلب؛ لأنَّ هذه مبناها على العلم، والعلم ينفع ويذهب، فكلما ترك شيئًا من العلم كلما أثَّرَ ذلك على القلب، فإذا ترك مسائل العقيدة أَثَّرَ ذلك على عقيدة القلب إما أَثَّرَ بنقص العلم وهذا له أثر في اليقين والاعتقاد الحق، أو أَثَّرَ بوجود الشبهة مع عدم العلم أو ضعف العلم.\nوالشيطان أفرح ما يكون من الإنسان أن يَتَغَيَّرَ قلبه، لأنه إذا تغير قلبه فإنَّ الجوارح تتغير كما قال ﷺ «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (٣)، ففساد القلب يكون بالشبهات وبالشهوات، فإذا عَرَضَت الشُبُهَاتْ وتَمَكَّنَتْ، وسبب تمكنها نقص العلم فإنَّ القلب يفسد، وأعظم ما تعرض الشبهات في مسائل العقيدة.\nلهذا ما زال الأئمة وأهل العلم والنَّصَحَة للأمة حق النصيحة لأئمة المسلمين ولعامّتِهِم مازالوا يوصون بالاهتمام بالتوحيد والعقيدة؛ لأنَّهُ أقرب ما يكون تغَيُّرْ القلب في العقيدة لأنهها تُنْسَى، وقد تبقى المُجْمَلَات لكن التفصيلات تُنْسَى، ثُمَّ تأتي ذنوب القلب شيئًا فشيئًا وتقع الشُّبْهَة وتقع المِريَة ويقع الرَّيْبْ في القلب، ثمّ يُضِرُّ الإنسان بنفسه شيئًا فشيئا.\nلهذا من أعظم الأدعية التي علمنا إياها ربنا - ﷿ - الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم في الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٥]، والهداية للصراط طلب بأنْ يُهْدَى إلى الصراط، والصراط هو الإسلام والقرآن والسنة، والإسلام والإيمان والقرآن والسنة له تفاصيل، تفاصيل مختلفة، الإسلام شيء يتعلق بالقلب وشيء يتعلّق بالجوارح والعمل، والإيمان يتعلَّقْ بالقلب، والقرآن ثَمَّ أشياء كثيرة فيه آيات التوحيد وفي الغيبيات، هذه كلها عقائد والسنة كذلك.\n_________\n(١) مسلم (٦٩٢١)\n(٢) الترمذي (٢١٤٠)\n(٣) سبق ذكره (٣٤٥)","vol":"1","page":744},{"text":"فإذًا طلب الهداية إلى الصراط المستقيم في الحقيقة لمن أَحْسَنَ هذا الطلب وطلبه بحق وتضرّع إلى الله - ﷿ - به، رغبةً في تحقيق هذا المراد الأعظم هو عدم رضًا عن النفس؛ لأنَّ النفس لابد أن يكون فيها نقص عن تمام الهداية للصراط المستقيم، فلا دعاء الإنسان أحوج إليه من هذا الدعاء، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ولهذا كان من لطف الله - ﷿ - بعباده أن جَعَلَ هذا الدعاء هو أوَّل دعاء في القرآن وأوَّل سؤال في القرآن، وهو أوَّل سؤال واجبٍ أيضًا في الصلاة، يعني أوَّل سؤال في الصلاة واجب -دعاء الاستفتاح ليس بواجب-، هو الهداية للصراط، وهذا من أعظم الأدعية لأنَّ القلب يتقلب، والإيمان يتغيّر، والإسلام يتغير في العبد وهذا كله بحكم ضعف العلم وزيادته وضعف التطبيق وزيادته.\nلهذا أحسَنَ العَلَّامة أبو جعفر الطحاوي ﵀ حين دعا بهذا الدعاء في خاتمة هذه الرسالة والعقيدة الطيبة، فقال (نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ)، وهذا يُبَيِّنْ مقام هذا السؤال عند هؤلاء العلماء الربّانيين لأنهم يسألون الله الثبات على الإيمان الذي شَرَحَ في هذه العقيدة أركانها، وبَيَّنَهَا ومع ذلك هو أشد ما يكون حاجة إلى الثبات على الإيمان وإلى الخَتْمِ له في حياته به لشدة معرفته بأنَّ هذا الإيمان يُسْلَبْ سواءٌ أكان سَلْبًَا كاملًا أم سلب بعض كماله أو بعض التفاصيل فيه أو بعض أجزائه.\nفدعا بهذا الدعاء المتضمن الثبات على الإيمان، والذي تَضَمَّنَ أيضًا العصمة من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة.\nوهل مثل هذا العالم الذي عَلِمَ أحوال هذه الفرق الضالة من المُشَبِّهَة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية ومن نحا نحوهم والمرجئة والخوارج والرافضة وأشباه هؤلاء، هل من عَلِمَ هذا العلم الواسع يخشى على نفسه؟\nنعم، من عَلِمْ خَشِيَ وهذا هو الواقع لأنَّ الشيطان حريص ولأن الإنسان ضعيف جدًاّ.\nفلما كان الأمر كذلك كان واجبًا على العبد وجوب وسائل أن يحرص على أمرين:\n١- الأمر الأول: العلم النافع بالعقيدة الصحيحة والتوحيد بدلائله من الكتاب والسنة، وأن يكون ذلك ظاهرًا في قلبه لا شُبْهَةَ عنده فيه مُسْتَحْضِرًَا له، مُرَاجِعًَا له في كل حال، حتى يسلم قلبه من أن يكون فيه فجوة يدخل منها شيطان.\n٢- الأمر الثاني: لا بُدَّ من إستغاثته بالله وسؤاله لمولاه أن لا يُزيغَ قلبه بعد إذ هداه.\nهذه مسألة عظيمة، وسؤال جليل، وإنما يَعْرِفُ شدة الخطر من علم حَقَّ الله - ﷿ - وما له من الأسماء والصفات وعلم أثر هذه الأسماء والصفات في ملكوت الله - ﷿ -، فكم تَقَلَّبْ قلب أحد وكم ضَلَّ فلان وخُذِلْ فلان، وكم ضل من إنسان وكم زاغ من قلب إلخ ...\nفنسأل الله - ﷿ - بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يُثَبِّتَنَا على الإيمان وأن يختم لنا ولوالدين ولأحبابنا به، وأن يعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتَفَرِّقَة والمذاهب الرَّدِيَّة إنه سبحانه جواد كريم.\nوالأهواء المختلفة هذه منها ما هو كفري ومنها ما هو دون ذلك.\nوإمام الحنفاء ابراهيم ﵇ دعا بتلك الدعوات الصالحة التي قال فيها ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كًثِرًا مِنَ النَّاسْ﴾ [إبراهيم: ٣٥-٣٦]، فَجَعَلَ الأصنام المُضلة لكثيرٍ من الناس لما يقع في القلوب منها أو من أوليائها من الشبهة، فسأل ربه أن يُجَنِّبَهُ وأن يُجَنِّبَ بنيه عبادة الأصنام.\nوهذا يدلّ على عظم خوف الخليل إبراهيم ﵇ من هذا الزَّيْغْ وهو الكامل وهو الخليل وهو المجْتَبَى عند ربه - ﷿ -.\nولذلك تحفظون كلمة إبراهيم التيمي، من التابعين ﵀ عند تفسير هذه الآية كما رواه ابن جرير وغيره، حين تلا هذه الآية قال (ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم) (١) .\nوهذا يدل على أنَّ الناصح حقًاّ لنفسه وللأُمَّةْ ولأئمة المسلمين وعامّتهم حقًا، من نصح حقًاّ، فإنه يوصيهم بالاهتمام بتوحيد الله - ﷿ - الذي هو حقّ الله على العبيد وبتصفية القلب من أدران العقائد الفاسدة؛ لأنَّهُ بصلاح القلب وبسلامة عقيدته يُبارِكُ الله - ﷻ - في قليل العمل، فإنَّ في العمل القليل يُبَارَكْ ويزيد ويضاعفه الله - ﷿ - إذا سلِمَ القلب وسلمت العقيدة فإنَّ الله يبارك، أما إذا كان العمل كثيرا والعقيدة فاسدة فإن هذا ليس بشيء.\n_________\n(١) تفسير الطبري (٧/٤٦٠)","vol":"1","page":745},{"text":"ومن محاسن كلام أبي الدرداء الذي ذَكَرَهُ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه \"فضل الإسلام\": أنَّ أبا الدرداء ﵁ كان يقول (يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم، كيف يَغْبِنُونَ سَهَرْ الحمقى وصومهم؟ ولمثقالُ ذَرَّةِ من بر مع تقوى ويقين)، (بِرْ) يعني في الأعمال الظاهرة مع تقوى لله - ﷿ - وخوف ويقين في اعتقاده ويقين فيما ضَمَّهُ قلبه، قال (ولمثقال ذرة من بر مع تقوى ويقين، أعظم من أمثال الجبال عبادة من المغترين) (١) . وهذا هو الواقع ومن تَأَمَّلَ الكتاب والسنة وَجَدَ ذلك صحيحًا.\nفنسأل الله العصمة من الأهواء المختلفة وأن لا يُزيغَ قلوبنا بعد إذ هداها.\nوهذه الجملة إلى آخره فيها مسائل:\n_________\n(١) حلية الأولياء (١/٢١١)","vol":"1","page":746},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>[المسألة الأولى]:\nعِظَمِ شأن الدعاء</span>، وخاصَّة إذا ذُكِرَ في المذاهب الرَّدِيَّة وذُكِرَ الاعتقاد الحق فإنَّ الواجب على المسلم أن لا يَأمَنْ، بل الواجب عليه أن يخاف ويحذر ويعمل بأسباب الحَذَرْ، وأن يَتَقَرَّبْ إلى الله - ﷿ - بالدعاء العظيم لأنَّ الله - ﷻ - يجيب من سأله ويُعْطِي من دعاه سبحانه.\nفهذا الأصل يدخل تحت ما مَرَّ الكلام عليه من منفعة الدعاء وإجابة الله - ﷿ - للدعاء وقضاء الحاجات.","vol":"1","page":747},{"text":"[المسألة الثانية]:\nذَكَرَ هنا الثبات على الإيمان، والثبات على الإيمان نوعان:\n- ثباتٌ على أصله.\n- وثباتٌ على كماله.\nوالعبد محتاجٌ إلى هذا وهذا، وأهل العلم بالله - ﷿ - يسألون الله سبحانه ويُلِحُّونَ في السؤال أن يُثَبَّتُونَ على كمال الإيمان وأن يُغْفَرَ لهم ما فيهم من نقص.\nفقوله هنا (أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ) يعني على كماله، وكمال الاعتقاد وكمال العمل.","vol":"1","page":748},{"text":"[المسألة الثالثة]:\nقوله هنا (وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ)،ِ الخاتمة من أعظم وسائل النجاة إذا أَحْسَنَهَا الله - ﷿ -.\nفمن حَسُنَتْ خاتمته فهو إلى الجنة إن شاء الله ومن ساءت خاتمته فهو على خطر.\nولهذا جاء في الحديث الصحيح «أنَّ العبد يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة» (١)، فالخاتمة هي المقصود، أن يُختَم للعبد بما يحب الله - ﷿ - ويرضاه.\nوإذا كان الأمر كذلك، فإن حُسْنَ الخاتمة منوطٌ بمعرفتها، يعني إحسان العبد خاتمته منوطٌ بمعرفتها، أن يعرف متى تنتهي حياته حتى يستعد.\nوإذا كان ذلك محالًا أن يعلم متى سيموت ومتى سينتهي فإنَّ الواجب حينئذ أن يَحْذَرَ صباح مساء وليلًا ونهارًا، أن من سوء الخاتمة.\nهذا هو عمل الأكياس وعمل الصالحين جعلنا الله - ﷿ - منهم وغَفَرَ لنا ذنوبنا، أنهم يستعدون للخاتمة.\nالاستعداد للخاتمة من وسائل النجاة، وهما استعدادان:\n- استعدادٌ في صلاح القلب.\n- واستعدادٌ في صلاح العمل.\nوالاستعداد في صلاح القلب هو بالعلم النافع الذي يُورِثْ في القلب العلم بالله - ﷿ - ومعرفته وأسمائه وصفاته وبيقين في ذلك.\nثم العمل الصالح، يعني يمتثل الأمر ويجتنب ما نَهَى الله عنه، أونهى عنه رسوله ﷺ وأن يستغفر من الذنوب والخطايا.\n_________\n(١) سبق ذكره (٢٢٣)","vol":"1","page":749},{"text":"[المسألة الرابعة]:\nعَبَّرَ هنا بالعِصْمَة في قوله (وَيَعْصِمَنَا مِنَ الأهْوَاءِ المُخْتَلِفَةِ) والعِصْمَة كلمة لم يكن لها استعمال شائع عند السلف ولم تَأتِ بهذا المعنى في الكتاب ولا في السنة.\nلهذا العِصْمَة في الحقيقة تحتاج إلى تفصيل لأنها بهذا المعنى -يعني العِصْمَة من الذنوب، العِصْمَة من البدع-، فيها حق وفيها باطل.\nوسبب ذلك أنَّ العِصْمَة معناها أن يُعْصَمَ من الذنب، والذنْبُ قد يكون في العقيدة فيكون بدعَةً، وقد يكون في العبادة تقصيرًا أو زيادةً فيكون ما بين الإثم في البِدَعْ أو في ترك الواجبات.\nولهذا وجب أن تُفسَّر العِصْمَة في هذا الموضع وفي كُلُّ موضعٍ استعملها فيه أهل العلم، أن تُفَسَّرْ بالمعنى الصحيح لأنها مجملة ولا أحد بعد رسول الله ﷺ يُنَزَّهْ عن جنس الذنب، وقد يكون الذنب ذنب قلب، وقد يكون الذنب ذنب عمل جوارح.\nوالعِصْمَة تُوهَب كما قال هنا (نسأل الله العِصْمَة) لأنَّ العِصْمَة يَهَبُهَا الله - ﷿ -.\nوإذا كانت معناها عدم الوُقوع في الذنوب المُخِلَّة، فهي إنّما وَهَبَهَا الله - ﷿ - لرسوله ﷺ، أمّا الأُمَّة فلم تُوهَبْ هذا النوع وهو أنه يُعْصَمُ مُطْلَقًَا من كل ذنب: ذنب اعتقاد ذنب قول أو ذنب عمل.\nوإذا كانت توهب فالعِصْمَة ليست لله - ﷿ -، أو يقال (الله معصومٌ عن كذا)، أو كما قال بعضهم (العِصْمَة لله ولرسوله ﷺ) .\nفالعِصْمَة لله مُلْكًَا، هو الذي يملكها لكنه لا يوصَفُ بها، يملكها مُلْكْ كما يَمْلِكُ سائر ما في الملكوت من أعيانٍ وغيرها، فهو الذي يُعْطِي العصمة ويهبها لمن شاء من أنبيائه.\nفإذا كان كذلك تَلَخَّصَ الأمر بأنَّ العِصْمَة الكاملة هي للنبي ﷺ، وأما من عداه من الأمة فلم يُعطَ العِصْمَة الكاملة، ولا بد أن يقع في الذنب يصيبه.\nوالذنوب كما ذكرنا قسمان:\n- ذنوب اعتقاد.\n- وذنوب عمل.\n@ وذنوب الاعتقاد ليست موجودةً في الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذا يَصِحْ أن تقول: عَصَمَ الله الصحابةَ من الخَلَلْ في العقيدة. عَصَمَ الله السلفَ من مجانبة الحق في الاعتقاد.\nوهذا هو الواقع لأنهم أجمعوا على مسائل التوحيد والعقيدة، والأمة لا تجتمع على ضلالة.\n@ أما العمل فلم يُعْصَمُوا -يعني الذنوب لم يعصموا لهم ذنوب-، والنبي ﷺ عَلَّمَ أبا بكر أن يدعو بقوله (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي) (١) .\nحتى صغائر الذّنوب ربما حَصَلَتْ من النبي ﷺ مما لا يقدح في الرسالة، ولهذا قال الله - ﷿ - ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١-٢] .\nفإذًا مقصده هنا من الدعاء هذا (أن يَعْصِمَنَا مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ) يعني أن يَسْلُكَ الله - ﷿ - به سبيل السلف لأنهم عُصِمُوا من أن يَسْلُكُوا الأهْوَاءِ المُخْتَلِفَةِ، والآرَاءِ المُتَفَرِّقَةِ، أو المَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ.\nفمعنى سؤال العِصْمَة هنا أن يلزم طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين لم تظهر فيهم هذه الأهواء والآراء والمذاهب الردية.\n_________\n(١) سبق ذكره (٣٦٩)","vol":"1","page":750},{"text":"[المسألة الخامسة]:\nمَثَّلَ بعد ذلك بأمثلةٍ للأهواء والآراء والمذاهب فقال (مِثْلَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، الخ)\nهذه الفئات يُطْلَقُ عليها أهواء، ويُطْلَقُ عليها فِرَقْ، ويُطْلَقُ عليها أراء، ويُطْلَقُ عليها مذاهب.\nفيصح أن تقول المعتزلة من الأهواء كما يستعملها السلف أو يعني أئمة السنة في القرون الأولى، وقد يقولون (الجهمية مذهبٌ رَدِي)، أو (إياك وهذه الأهواء) (١)،، وهو جَمَعَهَا لاستعمال الأئمة في وقته وما قبله لها.\nفإذًا المعتزلة أهواء، والجهمية أهواء وآراء ومذاهب.\nإذا تَبَيَّنَ ذلك فنفصل الكلام في معنى هذه الفِرَقْ:\n١- الفرقة الأولى الْمُشَبِّهَةِ:\nظهرت فرق شَبَّهَتْ الله - ﷿ - في الصفات بخلقه سواءٌ أكانت صفات الذات أو صفات الأفعال، ويُحْكَى هذا عن طائفة كالجَوَارِبِيِّ ونحوه ويقال لهم المُجَسِّمَة كما عند مقاتل بن سليمان ونحوه.\nوالمقصود بها تشبيه الله - ﷿ - بخلقه، ويريدون بالتشبيه التمثيل، فيقولون: وجه الله كوجه الإنسان، كوجه ابن آدم، ويده كيده، وعيناه كعيني ابن آدم، وأصابعه كأصابعه الخ. ويقولون: إنَّ هذا مقتضى النص، مقتضى النص المشابهة، مقتضى النص المماثلة.\nوهؤلاء يقال لهم أيضًا المُجَسِّمَة، وقد ذكرت لكم فيما سبق أنَّ كلمة (التشبيه) فيها بحث، وأنَّ الذي جاء في النصوص هو التمثيل، فهم مُجَسِّمَة مُمَثِّلَة مُشَبِّهَة، تصح هذه الاستعمالات جميعها.\nوثَمَّ قسم ثاني من التشبيه لا يدخل في هذه الفئة أو الطائفة أو المذهب، وهو تشبيه المخلوق بالخالق، وأن يُجعَلْ للإنسان صفات مثل صفات الله - ﷿ -.\nمثل عيسى ﵇ جَعَلُوهُ إلهًا وجعلوا له صفات، تُخْتَصُّ به كصفات الله، ومثل الذين عبدوا الأولياء والموتى، جعلوا لهم التَّصَرُّفْ في الربوبية، وجعلوا لبعضهم ربع العالم، ولبعضهم سبع العالم، ولبعضهم جزءًا من أربعين جزءًا من العالم، حتى إنَّ بعضهم أَلَّفْ في أَنَّ في بلدة كذا أربعين من الأولياء الصّالحين هم الذين بيدهم تصريف أمورها من الأموات، وثَمَّ رسائل كثيرة في ذِكْرِ هذا الأمر.\nوهؤلاء الذين شَبَّهُوا المخلوق بالخالق في التصرف في الربوبية، -يعني في الملك- جعلوه بتفويض الله له نعم، لكنهم جعلوا التَّصَرُّفَ له.\nوهم على أربع فئات:\n- منهم من جَعَلَهُ لواحد وهو المُسَمَّى عندهم الغوث الأكبر أو القطب الأعظم أو نحو ذلك.\n- ومنهم من جَعَلَ التصرف في الأرض بهذا الملكوت لأربعة من الأولياء، ويختلفون في تحديد الأربعة.\n- ومنهم من جعله لسبعة.\n- ومنهم من جعله لأربعين.\nوالصوفية الغلاة الذين يَدَّعُونَ هذه الادعاءات الباطلة التي خالفوا بها طريقة السلف أصلًا وفرعًا وسلوكًا، واتَّبَعُوا أهل الضلال والكفر، ألَّفُوا كُتُبًَا كثيرة في هذا الباب في تَصَرُّفِ هؤلاء في الملكوت أو في أرزاق أهل الأرض أو في أحوالها.\nوالكلام حول الفِرَقْ يطول تأخذونه من المطولات.\n٢- الفئة الثانية المعتزلة:\nوالمعتزلة هم أتباع عمر بن عبيد وواصل بن عطاء اللذيْن كانا من تلامذة الحسن البصري كما هو معلوم، ولما دَخَلُوا في البحث في مسائل الإيمان يعني الأسماء والأحكام، الإيمان والحكم على مرتكب الكبيرة والكلام على الصحابة الذين تقاتلوا، خالف عمرو بن عبيد الحسن، كذلك واصل ابن عطاء فاعْتَزَلَا حلقة الحسن البصري، فسُئِل الحسن البصري عنهم فقال هؤلاء المعتزلة، فبقي الاسم عليهم، فكثر أتْبَاعُهُمَا حتى تَقَعَّدَ مذهبهم وسُمِّيَ بمذهب المعتزلة.\nفبنوا ذلك بعد الانعزال وتفصيل المذهب والنقاشات وما حَصَلَ من تطوّر فيه، بنوه على أصولٍ خمسة عندهم، وهي المسماة بالأصول الخمسة عند المعتزلة وهي:\n- التوحيد.\n- والعدل.\n- والوعد والوعيد.\n- والمنزلة بين المنزلتين.\n- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوأُلِّفَتْ فيها المؤلفات لتقعيدها في القرن الثاني الهجري.\nوهذه الأصول الخمسة جعلوها أُصُولًَا عقلية، دَلَّ عليها العقل، وأما الدليل النقلي أو السمع، فهو تابعٌ لها، ولهذا جعلوا دليلهم في الغيبيات ودليلهم في الأصول الخمسة، جعلوه دليلًا واحدًا وهو العقل، هوالحجة والنقل مُفَصِّلٌ له أو تابِعْ أو شاهد كما يزعمون.\nفهذه الأصول الخمسة تَمَّ تفاصيل لهم فيها تأخذونها من مواطنها.\nوالمعتزلة فئات وفِرَقْ مُخْتَلِفَة، فيه معتزلة البصرة وهم الأوائل، وثَمَّ معتزلة بغداد وهؤلاء هم الذين قَعَّدُوا مذهب الاعتزال وأَلَّفُوا فيه وأجابوا عن الشُبَهِ عليه.\nوهناك من أَلَّفَ في طبقات المعتزلة وفِرَقْ المعتزلة.\nوالمعتزلة قد يتفقون في المسألة وقد لا يتفقون، ولذلك تجد في بعض المسائل يقال مذهب المعتزلة كذا، لكن إذا بحثت وجد فيه اختلاف، فمن أثبت يكون مصيبًا ومن نفى يكون مصيبًا باعتبار من نقل عنه، وباعتبار مدارس المعتزلة وفرق أهل الاعتزال.\n_________\n(١) نهاية الوجه الأول من الشريط الثاني والخمسون","vol":"1","page":751},{"text":"فليسوا فرقة واحدة لكن في تفسير الأصول الخمسة وفي أصولها، أصول التوحيد عندهم، أصول العدل، المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الأصول يتفقون، لكن في التفاصيل يختلفون.\n٣- الفرقة الثالثة: الجهمية:\nوالجهمية يُنْسَبُونَ إلى جهم بن صفوان الترمذي وكان عالمًا فقيهًا، يُنْسَبُ إلى الحنفية في الفقه، ولكنه لشدة اعتنائه بالرأي كان يُناظِرُ ويُكْثِر من المناظرة حتى ناظر طائفة من دُهْرِيَّةِ الهند، الدُّهْرِيَّةْ بضم الدال يُنْسَبُونَ إلى القول بالدهر ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٨]، يُنْسَبُ إلى الدَّهْرِ، دُهري بضم الدال على غير [اعتياد] كما قاله المرتضى في كتاب تاج العروس وقاله غيره.\nالمقصود ناظره قوم من الدُّهْرِيَّةْ يقال لهم السُّنَّمية في الصفات لأنهم لا يؤمنون بوجود الله أصلًا ويريد أن يقنعهم بوجود الله، فجرى منه معهم مناظرة ذكرتها لكم في مكانٍ آخر، فآل به الأمر، نتيجة المناظرة وتوابعها وما حصل -وقد ذكر أصل القصة البخاري في خلق أفعال العباد-، نتج عن ذلك أنَّهُ نفى الصّفات وعطَّلَ الرب - ﷿ - من صفاته وآمن بالوجود المطلق.\nفالجهمية في مسائل العقيدة يذهبون في الصفات إلى النَّفْيِ، فينفون عن الله - ﷿ - كلّ الصفات، ويجعلون الصفة الواحدة الموجودة هي صفة الوجود المطلق، ويقولون بِشَرْطِ الإطلاق.\nوفي الأسماء يثبتون الأسماء كدِلالات على الذات -أسماء أعلام- ويفسِّرُونَهَا بمخلوقاتٍ منفصلة، فيجعلون الكريم هو الذات التي حصل عنها إكرام فلان -يعني يفسرونها بالكرم الذي خلقه الله-، القوي بالقوة التي خلقها الله، العزيز بالعزّة التي خلقها الله يعني في الإنسان، في المخلوق يعني من حيث هو، ويجعلون تفسير الأسماء في القرآن وفي السنة يفسرونها بمخلوقات منفصلة؛ لأنه لا دِلَالَةَ للأسماء على صفة، لأنهم ينفون الصفات، وإنما يجعلونها دالة على علم لا تفسير لها من حيث العلمية لكن تفسيرها من حيث الصّفة بأنها مخلوقات منفصلة.\nلهذا قال بعض أهل العلم ينفون الأسماء والصفات، الجهمية ينفون الأسماء والصفات، وهذا صحيح باعتبار الحقيقة.\nوطائفة يقولون لا، لا ينكرون الأسماء باعتبار أنهم يثبتون شيئًا من الأسماء على طريقتهم لأنَّ عندهم الأسماء دلالات على ذات بدون صفة في الاسم، وإنما هو مثل ما تقول مثلًا (ماء سلسبيل) أو تقول في السيف حسام ومهند وسيف إلخ للدلالة على شيء واحد بدون صفة، أما صفة أنه يحكم فلا، أما صفة أنه صُنِعَ في الهند فلا، أما صفة أنه كذا فلا.\nفهم يجعلونها من جهة الدلالة على الذات واحدة ومن جهة الدلالة على الصفات أنها لا تدل على صفة.\nولهذا في الآيات يفسرون الأسماء في الآيات بالمخلوقات المنفصلة، يعني أثر الصفة في المخلوق ويجعلونه مخلوقًا.\nأما في الإيمان فالجهمية مرجئة، وهم أشد فِرَقْ الإرجاء لأنهم قالوا يكفي في الإيمان المعرفة فقط.\nففرعون عندهم مؤمن وإبليس عندهم مؤمن.\nولم يكفر فرعون عندهم بعدم الإيمان وإنما بمخالفة الأمر، وإبليس لم يكفر بعدم الإيمان؛ بل بمخالفة الأمر، وهكذا، وهذا القول مشهور عنهم في أنه يَثْبُتُ الإيمان بالمعرفة.\nوفي القدر هم جبرية يرون أنَّ الإنسان في أفعاله هو كالريشة في مهب الريح لا اختيار له البتة، هو مُجْبَرٌ على كل شيء، وأنه يُفْعَلُ به ولا يَفْعَلُ شيئًا.\nوفي الغيبيات يُنْكِرُونَ كل ما لا يوافق العقل من أمور الغيب.\nوفي الآخرة يُنْكِرُونَ دوام الجنة والنار.\nيقولون الجنة لا تدوم والنار لا تدوم لأنَّ دوام الجنة والنار ظلم، فتفنى الجنة وتفنى النار معًا.\nبخلاف المعتزلة فإنهم يقولون بفناء النار والجنة كدار نعيم وعذاب، لكن التَّلَذُّذُ والألم يبقى، فيستمر التلذذ ويستمر الألم ولا تستمر الدار.\nفيه أقوالٌ مختلفة نسأل الله - ﷿ - السلامة منها ومما جَرَّ إليها.\nالمقصود فيه مباحث ترجعون إليها في مواطنها.\n٤- الفرقة الرابعة: الجبرية:\nوالجبرية مذهبٌ منسوبٌ إلى القول بالجبر.\nوالجبر هو أنَّ الله أجبر الإنسان المكلف على أفعاله.\nوالجبرية قسمان:\n- جبرية غلاة.\n- وجبرية متوسطة أو غير غلاة.\n@ أما الجبرية الغلاة فهم الجهمية وغلاة الصوفية الذين ينفون أصل الاختيار، ويقولون أنَّ الإنسان كالريشة في مهب الريح.\n@ وأما الجبرية غير غلاة فهم الذين يُثبتون الجبر باطنًا والاختيار ظاهرًا، يقولون:\nهو مجبورٌ في الباطن ومختارٌ في الظاهر، هؤلاء الأشاعرة ومن نحا نحوهم.\nوقد مَرَّ مَعَنَا البحث في هذه المسألة وأنهم اخترعوا لفظ الكسب وجعلوه مَخْرَجًَا للعلاقة ما بين جبر الباطن واختيار الظاهر مما ابتدعوه وأحدثوه.\nوذكرت لكم أنَّ الكسب على ثلاثة إطلاقات:\nفيه كسب عند أهل السنة وكسب عند الجبرية وكسب عند القدرية ترجعون له في مكانه.\n٥- الفرقة الخامسة: القدرية:","vol":"1","page":752},{"text":"القدرية يُنْسَبُونَ إلى القَدَرْ لا لإثباته ولكن لنفيه، وهي نِسْبَةٌ إلى من لا يُثبت.\nنَسَبُوهُمْ إلى القَدَرْ لأنهم لا يُثبتونه.\nوالذين ينفون القَدَرْ أقسام متنوعة يجمعهم أنّهم ينفون مرتبةً من مراتب القَدَرْ.\nوأشهر المسائل التي نُفِيَ فيها القَدَرْ مسألتان:\n- المسألة الأولى: العلم السابق وقد نفته طائفة.\n- المسألة الثانية: عموم خلق الله - ﷿ - في الأشياء ومشيئته الشاملة لكل شيء فقد نفته طائفة.\n@ أما الذين نفوا العلم فهم القدرية الغلاة الذين خرجوا في زمن الصحابة رضوان الله عليهم وردَّ عليهم الصحابة وتبرؤوا منهم، وأخبروا بأنهم ليس لهم في الإيمان ولا في الإسلام نصيب.\nوهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي ﵀ (ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خُصِموا وإن أنكروه كفروا)؛ لأنهم ينكرون علم الله السابق ويقولون إن الأمر أُنُفْ يعني مُستَأنَفْ، لا يعلم الله الأشياء عندهم إلا بعد وقوعها، لا يعلم الأشياء قبل أن تقع. أعاذنا الله منهم.\n@ أما القدرية الذين نفوا مرتبة عموم المشيئة وعموم خلق الله للأفعال فهؤلاء طائفة كبيرة، أصَّلَ مذهبهم أهل الاعتزال: المعتزلة، حتى صار عند الكثير أنَّ المراد بالقدرية النفاة: المعتزلة.\nوفي الحقيقة القدرية لفظٌ يصح إطلاقه على كل من لم يؤمن بالقدر على ما جاء في الكتاب والسنة بِنَفْيٍ لشيء منه.\nولهذا يدخل في القدرية من اعترض على القَدَرْ، أو على أفعال الله - ﷿ - أو على الحكمة وقد قال فيه ابن تيمية في تائيته القدرية:\nوَيُدْعَى خُصُومُ الله يَوْمَ مَعَادِهِم ****** إِلى النَّارِ طُرًّا مَعْشَرَ الْقَدَرِيَةِ\nيعني يا معشر القدرية هَلُمُّوا إلى النار جميعًا،\nسواء نفوه أو سعوا ليخاصموا ****** به الله أو ماروا به للشريعة\nفجعل نفي شيء من القَدَرْ يَدْخُلُ صاحبه في القَدَرِيَّة، وجعل أيضًا المخاصمة والمجادلة كحال المشركين، القدرية الذين قالوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، هؤلاء يدخلون في القدرية لأنهم نفوا حكمة الله - ﷿ - التي هي أساسٌ في القول بالقَدَرِ كما جاء في القرآن وسنة النبي العدنان ﷺ.\nثَمَّ بحوث أخرى أيضًا تُأخذ من كتبهم.\nقال (وَغَيْرِهم) لأنَّ الفِرَقْ كثيرة والمذاهب الرَّدِيَّةْ والأهواء والآراء مختلفة.\nوليشمل أيضًا ما ظهر في زمانه وما قبله وما سيظهر أيضًا في الأزمنة الأخرى.\nفممن لم يذكرهم: الخوارج والشيعة الغلاة والمرجئة الغلاة قد يدخلون مع هؤلاء في شيءٍ من الأقوال.\nويدخل أيضًا العقلانيون في ذلك الزمان وما بعده، ويدخل غلاة المتصوفة، ويدخل الذين ابتدعوا طرقًا بين هذا وهذا.\nلهذا أوصلهم النبي ﷺ إلى اثنتين وسبعين فرقة.","vol":"1","page":753},{"text":"[المسألة السادسة]:\nفي قول الطحاوي (مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ والجَمَاعَةِ وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ)، قال (خَالَفُوا السُّنَّةَ والجَمَاعَةِ)، هذا مما يُؤكد لك أنَّ قصده بالثبات على الإيمان والعصمة من الأهواء هي موافقة الجماعة، وهي الجماعة الأولى جماعة الصحابة، وجماعة التابعين الذين لم يُفَرِّقُوا بين ما أنزل الله - ﷿ - على رسوله؛ بل آمنوا به جميعًا، وحملوا المتشابه على المحكم ولم يبتدعوا دينًا لم يأذن به الله - ﷿ -.\nفمخالفة السنة والجماعة:\n- قد تكون مخالفةً كبيرةً جدًا توصِلُ صاحبها إلى الكفر والعياذ بالله كحال الجهمية ومن نحا نحوهم، والمشبهة المجسمة.\n- وقد تكون المخالفة أقل من ذلك فتوصِلُ صاحبها إلى ما دون الكفر.\n- وقد تكون بِدَعًَا مُغَلَّظَة وقد تكون بِدَعًَا خفيفة.\nفكل مخالفة للسنة والجماعة على النحو الذي أوضحنا في معنى السنة والجماعة في مكان سابق، هذا مذهبٌ ردي ولا شك؛ لكن صاحبه يكون ذنبه بقدر ما خالف.\nفمن خالف السنة والجماعة فإنه لا بد أن يكون حليفًا للضلالة، ولهذا قال بعدها (وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ) .\nفلا يمكن للإنسان أن يكون مخالفًا للجماعة وعلى مذهبٍ رديٍ في الاعتقاد ولا يقال إنه ضال.\nالله - ﷿ - وصف المرأة إذا أخطأت أو لم تدرك تمام الحقيقة في الشهادة بأنها تَضِلْ، فقال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، لأنها لم تصل إلى الحق والصواب الواقع، فكيف بحال بهؤلاء فلا شك أنهم ضُلاَّلْ.\nوأرى أنَّ بعض الناس يستنكف في ذكر بعض مسائل العقائد والتوحيد أن يصف المخالف للسنة والجماعة بأنه ضال؛ بل هو ضال لأنه ضلّ الطريق، وقد يكون ضلاله كبيرًا جدًا وقد يكون قليلًا لكنه ضلّ السبيل لأنه خالف السنة والجماعة وحالف الضلالة كما ذكر المؤلف ﵀.","vol":"1","page":754},{"text":"[المسألة السابعة]:\nأعلن المصنف ﵀ براءته منهم فقال (وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلاَّلٌ وأَرْدِيَاءُ)، (ونَحْنُ مِنْهُم بَرَآءٌ أو بَرَاء)، وهذا هو الواجب على المسلم أن يتبرأ جُمْلَةً وتفصيلا، أن يتبرأ من القول ومن المذاهب الردية ومن أصحابها.\nلأنَّ هذا عقيدة، لأنَّ ذلك اهتداء بهدي إبراهيم الخليل ﵇ إذ قال الله - ﷿ - في شأنه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، يعني من المرسلين.\n﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾، يعني لأقوامهم.\n﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤]، فأعلن البراءة منهم ومما عَبَدُوا، يعني من العبادة ومن العابدين، أي من العبادة ومن الذين عُبِدُوا ومن العابدين.\nوهذا هو الواجب أنَّ المرء يتبرّأ ولا يقول أتبرأ من العمل دون صاحب العمل، فإنَّ هذا لا أصل له؛ بل نتبرّأ من العمل ومن صاحبه الذي عَمِلَ بالبدع والضلالات أو بالشركيات، فلا مكان للتفريق ما بين العمل وبين صاحب العمل.\nإذا كان كذلك، فهل البراءة من العمل ومن صاحبه هل هي في حكمٍ واحد؟\nالجواب أنها ليست في حكمٍ واحد، البراءة من العمل -العمل الكفري الشرك في نفسه- واجبٌ، فمن لم يتبرّأ فإنه لم يُوَحِّد.\nفهو داخلٌ في معنى الشهادتين -يعني إذا دخلنا في الشرك-.\nالولاء والبراء في نفس العمل هذا داخلٌ في حقيقة التوحيد، ولاءٌ للتوحيد وبراءٌ من الشرك، ولاءٌ للتوحيد كفعل وعقيدة وبراءٌ من الشرك كفعل وعقيدة.\nأما موالاة أهل التوحيد والبراءة من أهل الشرك فهي واجبٌ لكن ليس تركها كفرًا إلا بشروطٍ وتفاصيل.\nولهذا يذكر العلماء في التوحيد وفي غيره أنَّ البراءة متلازمة.\nالبراءة ملازمة لمعنى التّوحيد، لمعنى الشهادة لله - ﷿ - بالوحدانية.\nفهكذا البراءة من أهل البدع ملازمة للسنة، فكما أنَّ البراءة من الشرك ملازمة لكلمة التوحيد.\nليست ملازمة، يعني هي من معنى كلمة التوحيد، فكذلك البراءة من البدع ملازمة للسنة.\nفلا يُتصوَّرْ من جهة الحق أن يكون مواليًا للسنة وهو ليس مُتَبَرِئًا من أهل البدع إلا إذا كان لم يفهم السنة أو أنَّ عنده هوى تفريق.\nفمن والى السنة فلا بد عليه أنه يتبرأ من البدعة، ومن والى أهل السنة فلا بد أن يتبرأ من أهل البدعة.\nلكن إذا حصل هذا التَّبَرُؤُ عقيدةً فهل يلزم منه أن يُظْهَر في كل حال؟\nلا، إظهاره بحسب المصلحة الشرعية.\nقد يُظْهَرْ ويكون إعلان للبراءة ظاهرًا في التبرؤ من الأشخاص.\nوقد يُؤَخّر بحسب ظهور السنة وخفائها وما يُنْظَرْ في ذلك من المصالح.","vol":"1","page":755},{"text":"[المسألة الثامنة]:\nقال في آخرها (وَبِالله العِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ)، وذكرنا لكم ما في العِصْمَة من البحث سابقًا وأنَّ الله - ﷿ - لم يعطِ العِصْمَة لأحد بعد الأنبياء، الأنبياء هم المعصومون وأما سائر البشر فهم على خطر في قلوبهم وفي أعمالهم.\n(وَبِالله َالتَّوْفِيقُ) التوفيق هو الهداية إلى طريق الرشاد والإعانة على سلوك هذا الطريق جملةً وتفصيلًا.\nرحم الله أبا جعفرٍ الطحاوي رحمةً واسعة وجزاه خيرا، فكم انتفع بكتابه هذا وبعقيدته الناس.\nونسأل الله - ﷿ - أن يغفر لنا وله زلَلَنَا وخَطَأَنَا وجدنا وهزلنا.\nاللهم إنا نعوذ بك أن نُشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك مما لا نعلم، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا واغفر لنا ذنوبنا وتوفنا وأنت راضٍ عنا.\nاللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا واجعلنا سالكين لسبيل السلف الصالحين، ومستمسكين بطريق السنة والجماعة. ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا، وأعنا على ذلك ووفقنا إليه.\nوكم استفدنا من هذا الكتاب من فوائد، ولا شك أنَّ طالب العلم لا يستغني عن مطالعة المختصرات ومعرفة شروحها مهما ظن أنَّ المسائل واضحة عنده، فَثَمَّ مسائل في هذا الكتاب كما ترون ما مررنا عليها لا في الواسطية ولا في لمعة الاعتقاد، ثَمَّ مسائل جديدة فيه لم تكن في غيره، فطالب العلم بتكراره لقراءة كتب العلم ولشرحها استماعًا أو أداءً فإنه ما بين معلومة يُؤَكِدُهَا ويثبتها، وما بين شيء جديد يستفيده.\nوفي الختام أرجوا وآمل لي ولكم أن نصبر على طريق العلم لأنه في الحقيقة من أراد نجاة نفسه فإنه لا نجاة إلا بالعلم والعمل الصالح، وأنَّ أعظم ما تكون به النجاة العلم بالتوحيد وبالعقيدة الصحيحة، لأنَّ هذا فيه قساءُ القلب وسلامته من الأهواء والشبهات المضلة.\nفأنا أوصي نفسي وإياكم بالتأكيد على ذلك ومطالعة هذه الكتب ونشر العلم بحسب ما تستطيعون، يعني المرء ينشره بحسب ما يستطيع في بيته مع زملائه، بل في أي مقام، ينشره بحسب ما يستطيع، والناس محتاجون إلى طلبة العلم أعظم حاجة.\nوالحمد لله أن هيَّأ لكم من العلم النافع ومن سُبُلِ تحصيله وجود العلماء وسهولة الكتب ووفرة الأمن والصحة وعدم الشواغل التي تشغل الإنسان في أموره العامة، يعني في الأمن وما يُشْغِلْ القلوب والعقول ما يهيئ لنا أن نطلب العلم وأن نبذل فيه، فلا ندري ربما يأتي في وقت قد لا يتمكن الإنسان من أن يطلبه على هذا الوجه، أو أن يتعلم على هذا الوجه.\nلهذا احرصوا واغتنموا فراغكم قبل شغلكم، وتفقهوا قبل أن تسوّدوا.\nوصلى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد.","vol":"1","page":756},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>الأسئلة:</span>\nس١/ لو أنَّ طالب العلم المستجد قرأ في هذه العقيدة وشرع فيها قبل الشروع في طلب العلم أجملت الاعتقاد العام؟\nج/ لا بأس، الواحد يحْضُر ما استطاع ويُكمل، يُكمل فيما فات.\nس٢/ هل من صفات الله تعالى الجَنْبْ لقوله تعالى ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]؟، وهل من صفات الله التردد لحديث «ما ترددت في شيء أنا فاعله»؟\nج/ هذه مما اختلف فيها من أهل السنة، هل يُطْلَقُ القول بإثباتها أم لا؟\nوالواجب هو الإيمان بظاهر الكلام، وهل الظاهر هنا في إطلاق صفة الجنب هل هو الظاهر الصفة؟ أم الظاهر غير ذلك؟\nالراجح أنَّ الظاهر غير ذلك وأنه ليس المقصود من قوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أنَّ المقصود الجنب الذي هو الجنب، لأنَّ العرب تستعمل هذه الكلمة وتريد بها الجَنَاب لا الجَنْبْ يعني الجهة، إنما تقصد الجناب المعنوي. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ يعني في حق الله، في ما يستحق الله - ﷿ -.\nفمن أهل العلم من أثبتها لكن ليس ذلك هو ظاهر الكلام.\nأما صفة التردد فهي تُثْبَتُ لله - ﷿ - على ما جاء، لكن تَرَدُّدُهُ بحق، وتردده ليس تَعَارُضًَا بين علمٍ وجهل أو بين علمٍ بالعاقبة وعدم علمٍ بالعاقبة، وإنما هو تردُّدٌ فيما فيه مصلحة العبد، هل يقبض نفس العبد أم لا يقبض نفسه، وهذا تردّدٌ فيه رحمة بالعبد، وفيه إحسان إليه ومحبة لعبده المؤمن وليس من جهة التردد المذموم الذي هو عدم الحكمة أو عدم العلم بالعواقب.\nيعني تردد فلان في كذا، صفة مذمومة أنه يتردّد، إذا كان تردده أنه ما يعلم، أتردد والله أفعل كذا أو أروح ولا ما أروح، لأنه إما عنده ضعف في نفسه أو أنه يجهل العاقبة، فتردد أتزوج ولا ما أتزوج، أشتري أم لا أشتري لأنه ما يدري هل فيه مصلحة له، أم ليس فيه مصلحة، هذا هو التردد الذي هو صفة نقص في من اتصف بها، ترددٌ ناتجٌ عن عدم العلم بالعاقبة، أما التردد الذي ورد في هذا الحديث هو تردد بين إرادتين لأجل محبة العبد «ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدٍ مؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له من ذلك»، وهو تردد لا لأجل عدم العلم ولكن لأجل إكرام العبد المؤمن ومحبة الرب - ﷻ - لعبده المؤمن.\nفهو إذًا ترددٌ بحق وصفة كمال لا صفة نقص فيُثبَتُ على ما جاء في هذا الحديث مُقَيَّدَة لا مطلقة.\nس٣/ يوجد من أعلام أهل السنة قديمًا وحديثًا من خالف عقيدة أهل السنة وطريقة السلف في بعض الأقوال وليس كلها فما موقفنا منها؟\nج/ ذكرت أنا عدة مرات الجواب يعني على مثل هذا، وهو أنَّ مخالفة من خالف على قسمين:\n١- القسم الأول: مخالفة في الأصول، الأصول العامة ما هي؟\nمثلًا الأصل في الغيبيات الإثبات،\nالأصل في صفات الله - ﷿ - الإثبات وعدم تجاوز القرآن والحديث،\nالأصل في الإيمان هو أنه قول وعمل، وقول اللسان واعتقاد الجنان وعمل الجوارح والأركان وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\nفي مسائل القدر، إثبات القدر على المراتب التي جاءت وأن الله - ﷿ - خلق كل شيء بقدر وأنه خالق الأفعال إلخ.\nهذه الأصول العامة التي يتفق عليها، هذه الأصول التي من خالفها فهو ليس من أهل السنة، الذي خالف في أصل من الأصول ليس من أهل السنة والجماعة على التمام.\n٢- القسم الثاني: أن يتفق معهم في الأصول لكن يخالف في بعض التفصيلات، يعني يؤمن بأنَّ الصفات لا نتجاوز القرآن والحديث لكن يظهر له فيه صفة أنها غير مثبتة، أنها منفية، فهذه ننظر في الصفة هل السلف متفقون عليها، أو هل الأئمة نصوا عليها واتفقوا وهذا خالف، أم أنه هو خالف ولم ينص عليها أحد من قبله، تختلف.\nيعني مثلًا من قال في مسألة الخلو من العرش هذه معروفة في النزول:\nهنا هذه المسألة من قال يخلو من العرش قول، لكنه هو موافق على أنَّ الله - ﷿ - مستوٍ على العرش، كما يليق بجلاله وعظمته ومثبت لنزول الله - ﷿ -، لكن جاء بقول لم يُسبق إليه وهذا يكون مما لا يَنْفِيهِ من أهل السنة ولكن يُغَلَّطْ في هذه الجهة.\nمثل نفي ابن خزيمة، صورة الرب - ﷻ -، يعني أنها على صورة، صورة آدم أنها على صورة الرحمان، نفي إثبات الصورة، وتفسير الصورة بشيء آخر.\nمثل ابن قتيبة لما نفى النزول، يعني حقيقة النزول وفسره بنزول الأمر، أو نزول الرحمة أو، هذه أغلاط لكنهم موافقون في الأصل، فانتبه إلى هذا، كذلك في الإيمان بالقدر، فمن وافق في الأصول فهو من أهل السنة فإذا غلط في التطبيق فيكون مخطئ فيه.\nالصفات، أن لا تُؤَوَّلْ الصفات، إذا قال: لا شك الصفات لله - ﷿ - تُثْبَتْ على ظاهرها بلا تأويل، ويُطبِّقْ هذه في كل الصفات، جاء في صفة أوَّلْ.\nمثل ما فَعَلَ الشوكاني في بعض المسائل، تجد أنه يُثبت ويجيء في صفة أو صفتين يتأول، لماذا تأولها؟","vol":"1","page":757},{"text":"لأنه لا يعرف حقيقةً كلام السلف فيها، أشكلت عليه، ظنَّ أن تأويلها هو الموافق لقول السلف، نَظَرْ في بعض الكتب وجد كلام بعض أهل التفسير ظنه أنه موافق لأهل السلف ولقول أهل السلف وهكذا.\nالمقصود من هذا أنَّ موافقة الأصول بها يكون المرء من أهل السنة، إذا أخطأ في مسألة أو في مسألتين في التطبيق لا ينفي أن يكون من أهل السنة فيقال أخطأ في هذا ولا حرج، يعني لا إخراج له من ذلك، أخطأ ويُناصح ويُبَيَن له أو يُبَيَن ما في كلامه من خطأ. (١)\n\n: [[الشريط الثالث والخمسون]]:\n\nس٤/ يقول في قوله تعالى ﴿قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣]، قال هل هي هنا باعتبار الإضافة أم هي غير ما يُراد فيما نحن بصدده، يعني يقصد بحث العصمة اللي مرّ معنا؟؟\nج/هذه العصمة مقيدة، يعني العصمة من الغرق، وهي ظاهرة، لا عاصم من الغرق هذا اليوم إلا من ﵀ - ﷿ -، فهي غير داخلة في العصمة العامة.\nس٥/ أهل المذاهب الردية كالمعتزلة والأشاعرة والجبرية والقدريّة أين يوجدون في هذا الزمان؟\nج/ في كلّ مكان يوجدون، المعتزلة والأشاعرة والجبرية والقدريّة، يوجدون في كل مكان، في كل مكان، وأيضًا كتبهم في كل مكان، ربما يَدُسُّون، يعني الواحد مثلا يقرأ كتاب أو تعليق ويجد أنه أدخلوا فيه بعض هذه الكلمات.\nس٦/ ما حال من يقول إنَّ العلماء لا يفهمون الاقتصاد وبالتالي لا يستطيعون إيجاد واستنباط الأحكام فيه؟\nج/ العلماء لا يُشترطُ فيهم أن يفهموا كل ما يجري في العالم من أمورٍ حادثة حالة وجودها أو حصولها.\nيعني جاءت مسألة في العالم اقتصادية، تَفْتَرِضْ أَنَّ العالم يفهمها مباشرة؟\nأصلًا حتى بعض المتخصصين لا يفهم الشيء في حقيقته بسرعة.\nيعني مثلًا الآن عندك مسألة البطاقات هذه: بطاقات الخصم أو بطاقات الائتمان أو أنواع البطاقات هذه الموجودة، هذه حقيقتها يجيء واحد يقول مفهومة، هو طبعًا يفهم استعمالُهُ هو لها، لكن هل يفهم حقيقة ما يجري في هذه الشركات؟\nقد ما يفهم، الشركات هذه كيف تتكوّن وكيف تخصم وفعلًا ما الذي يحصل؟، وهل ما يحصل في كل بلد ما يحصل في كل بلد ما أو يحصل في كل بلد، وفعل الشركات العظمى، يعني مثلًا إذا أخذت فيزا في شركة، هي تصدر عدد أنواع من القروض إلخ، هل هي تخصم من البنك أو تخصم من البائع؟، وكيف تسدّد وهل تُجْلِسْ الأموال عندها فترة أو ما تُجْلِسْ، وصفة المشتري، هل صفته حين اشترى هل الشركة ضامنة أو هي حوالة؟؛ يعني هنا الآن تكييف المسألة، أحيانًا تجيء الصورة تكون واضحة في صورة معيّنة، لكن تكييف المسألة فقهيًا يُشْكِلْ، تكييف المسألة فقهيًا.\nطبعًا العلماء يتباينون في مثل التكييف لكن شرح الصورة تُفْهَمْ الصورة.\nالآن النقد مثلًا، النقد، وتغطية النقد، وكيف يُغَطَّى النقد وكيف تصدر العملات، كيف يكون؟\nهذا لا شك أنه يختلف.\nيعني مثلًا بلد اقترضت فيها، لنفرض مثلًا -مع اعتذاري للإخوة السودانيين-، لنفرض السودان اقترضت من واحد عشرة آلاف دينار سوداني قبل عشر سنين، وجاء الآن بيردها، إذا يردها الآن عشرة آلاف سوداني كيف تمثل؟\nلا تمثل، لا تمثل قيمة عشرة آلاف دينار سوداني اللي كانت قبل عشر سنين، ممكن ما تمثّل ١٠% منها، الآن هل يرد العدد أو يرد ما يساوي القوة الشرائية له؟ فيُطْلَبْ أنه يُعَادَلْ هذا بهذه.\nهذه مسائل لها تعلق بفهم حقيقة الأمر، كيف يمشي، فيه من يقول لا يرد العدد هذا قرض، والقرض إحسان والعشرة آلاف هي العشرة آلاف.\nطيب لما أنا سلَّفتَهُ العشرة آلاف قبل عشر سنين، كان راتبه هو، كان راتبه خسمائة دينار والآن راتبه هو عشرين ألف دينار، كيف يعني يكون؟ يتضاعف راتبه أربعين ضعف؟\nما يكون، الآن الدينار السوداني بكم يا أخ صلاح؟ كم الدينار السوداني؟\n(مجيب من الحاضرين) قبل عشر سنوات كان يساوي ٣ دولارات)، يعني حوالي إحدى عشر ريال (والآن الدولار بمائتين) مئتين، يعني كم يطلع؟ ميتين؟ الدولار بمائتين، يعني أنا بعد مثالي كان متساهل، إذًا المسألة تحتاج إلى يعني معرفة بحركات كثيرة وأشياء.\nالأسهم الآن العالمية وما يدخل فيه والبورصة و، يعني فيه قضايا كثيرة لا يُشترط في العالم أن يفهمها فورًا، ويعطيك تفاصيلها فورا وإلا ما يكون عالم، ليس صحيحا، أيضًا فهمها على الدقة مشكل.\nوالعالم لا تشترط فيه أنه متجرئ أنه دائمًا يُبَيِّنْ، أحيانًا يتورّع حفظًا لدينه، مو ملزم، هذا أمر الله، مو ملزم بأنه يبين للناس ما لم يصل فيه إلى اجتهادٍ واضح.\nإذا قال أنا والله ما وصلت فيه إلى اجتهاد واضح، هل يلزمه أن يبين ما لم يصل فيه إلى حق عنده؟\nما يلزمه، هو يكون فهم المسألة لكن أنا والله ما أتحمل ذمة الناس، تأتيه أشياء ديانية، يعني من جهة التدين تمنعه، فالأصل طبعًا في هذا هو حسن الظن بالعلماء وأنهم يفهمون، لكن يفهمون ما يُعرَض عليهم لكن يعترض الأمور أشياء قد تسبب التأخير.\nس٧/ متى يكون الرياء شركًا أكبر؟\nج/يكون إذا كان كرياء المنافقين يُبطن الكُفر ويُظهر الإسلام.\nس٨/ ما حكم قول المسلم للكافر كلمة \"سيد\" أو \"السيد\"؟\nج/ كلمة \"سيد\" لا يجوز أن تُطلق على كافر ولا على منافق لأنه لا سيادة لهما؛ لكن طبعًا هذه لأن دلالتها بالعربية سيادة، لكن أحيانًا تكون بالإنجليزية مثلًا أو بلغة أخرى تُتَرجم بالعربية على أنها \"سيد\" لكن ليست ترجمتها صحيحة، يعني مثلًا كلمة \"ميستر\"، \"ميستر\" تُتَرجم سيد، وهو في الواقع ليس معناها، يعني السيادة معناها التصرف والملك الخ، لكن كلمة \"ميستر\" بالإنجليزي لا تعني السيادة والتصرف ونحو ذلك، هي أقرب إليها كلمة \"لورد\" يعني اللي هو الربوبية أو السيادة، أما كلمة \"ميستر\" يعني مثل ما تقول إيش؟ نعم؟ يعني المحترم أو وجيه أو، يعني كلمة تقدير. لكن تُرجمت في بعض البلاد المجاورة على أنها كلمة مجاملة، ويضعون بدلها كلمة سيد لأنها مستعملة عندهم، فإذًا إطلاقها باللغة العربية سيد، لا يصلح لكن لو قيل مثلًا \"ميستر\" فلان هذه لا تدخل في معنى السيادة في اللغة العربية.\nنكتفي بهذا القدر ونلتقي نحن وإياكم على خيرٍ وهدى، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.\n********************************************\nهذا ختام الشرح المبارك النافع للعقيدة الطحاوية\nللشيخ العلامة صالح بن عبد العزيز بن محمد بن ابراهيم آل الشيخ -حفظه الله-.\nوقد انتهى منه يوم السبت بعد العشاء الموافق ٢٠/١١/١٤٢٠هـ.\nجزا الله الشيخ ومن قام بتسجيل هذا الشرح ومن قام بتفريغه، ومن قام بتنسيقه عن الموحدين خير الجزاء.\n_________\n(١) نهاية الشريط الثاني والخمسون","vol":"1","page":758}]}