{"ً":{"ٌ":936,"ٍ":"دلائل التوفيق لأصح طريق لجمع الصديق","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/mbe_abme/mbe_067.pdf"]},"ّ":"الكتاب: دَلَائِلُ التَّوْفِيقِ لِأَصَحِ طَرِيقٍ لِجَمْعِ الصِّدِّيِقِ\nالمؤلف: عرفة بن طنطاوي\nبحث منشور في: مجلة البحوث الإسلامية العدد ٦٧، شعبان ١٤٤٢ هـ\nمجلة البحوث الإسلامية: مصرية محكّمة، بدأت في ١٤٣٦ هـ، تصدر شهريا، ويرأس تحريرها أ د عبد الفتاح محمود إدريس، أستاذ بقسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر\nعدد الصفحات: ٥٣\n[ترقيم صفحات البحث موافق للمجلة. ورقم الجزء هو رقم العدد]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3169,"ٕ":4,"ٖ":1780758865,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["67"],"ٚ":[{"title":"ملخص البحث","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":3},{"title":"منهجية البحث","level":2,"page":4},{"title":"أولا: أهمية موضوع البحث","level":3,"page":4},{"title":"أولا: حفظ القرآن الكريم في السماء","level":4,"page":5},{"title":"ثانيا: حفظ القرآن الكريم في طريق نزوله إلى الأرض","level":4,"page":5},{"title":"ثالثا: حفظ القرآن الكريم بعد نزوله على الأرض على النبي ﷺ.","level":4,"page":5},{"title":"ثانيا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها","level":3,"page":7},{"title":"ثالثا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث","level":3,"page":10},{"title":"رابعا: مشكلة البحث وأهدافه","level":3,"page":10},{"title":"خامسا: منهجية البحث","level":3,"page":10},{"title":"الفصل الأول بواعث جمع أبي بكر وأسبابه ودواعيه","level":1,"page":11},{"title":"المبحث الأول: بداية فكرة الجمع في عهد أبي بكر الصديق﵁-","level":2,"page":11},{"title":"المبحث الثاني: موقف الصحابة من جمع أبي بكر للقرآن","level":2,"page":14},{"title":"مفهوم البدعة في اللغة","level":3,"page":14},{"title":"البدعة في المفهوم الاصطلاحي","level":3,"page":15},{"title":"المبحث الثالث: أهم بواعث جمع أبي بكر﵁-","level":3,"page":17},{"title":"الفصل الثاني خصائصه ومزاياه","level":1,"page":17},{"title":"المبحث الأول: أبرز مزايا هذا الجمع","level":2,"page":17},{"title":"المبحث الثاني: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي","level":2,"page":18},{"title":"المبحث الثالث: عرض الأقوال الواردة في ترتيب السور مع الترجيح بينها","level":2,"page":22},{"title":"المبحث الرابع: بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبيان مصدره","level":2,"page":29},{"title":"الفصل الثالث بيان شروط جمع أبي بكر﵁- والصفة التي تم بها","level":1,"page":35},{"title":"المبحث الأول: التعريف بـ \" زيد \" المكلف بالجمع","level":2,"page":35},{"title":"المبحث الثاني: أبرز المقومات الداعية لاختيار \" زيد \"","level":2,"page":36},{"title":"المبحث الثالث: أسباب اختيار \" زيد \" لهذه المهمة إجمالا","level":2,"page":37},{"title":"المبحث الرابع: الدواعي لهذا الجمع","level":2,"page":38},{"title":"المبحث الخامس: مميزات جمع أبي بكر﵁-","level":2,"page":40},{"title":"المبحث السادس: منهج أبي بكر الذي وضعه لـ \" زيد بن ثابت \" في جمع وتدوين القرآن الكريم","level":2,"page":43},{"title":"المبحث السابع: مصير صحف أبي بكر﵁-","level":2,"page":45},{"title":"الفصل الرابع تاريخ وزمن هذا الجمع وأبرز نتائجه","level":1,"page":46},{"title":"المبحث الأول: أبرز نتائج جمع أبي بكر﵁","level":2,"page":46},{"title":"المبحث الثاني: أول من سمى القرآن بالمصحف","level":2,"page":47},{"title":"المراجع","level":1,"page":51}],"ٛ":{"67,97":1,"67,98":2,"67,99":3,"67,100":4,"67,101":5,"67,102":6,"67,103":7,"67,104":8,"67,105":9,"67,106":10,"67,107":11,"67,108":12,"67,109":13,"67,110":14,"67,111":15,"67,112":16,"67,113":17,"67,114":18,"67,115":19,"67,116":20,"67,117":21,"67,118":22,"67,119":23,"67,120":24,"67,121":25,"67,122":26,"67,123":27,"67,124":28,"67,125":29,"67,126":30,"67,127":31,"67,128":32,"67,129":33,"67,130":34,"67,131":35,"67,132":36,"67,133":37,"67,134":38,"67,135":39,"67,136":40,"67,137":41,"67,138":42,"67,139":43,"67,140":44,"67,141":45,"67,142":46,"67,143":47,"67,144":48,"67,145":49,"67,146":50,"67,156":51,"67,157":52,"67,158":53},"ٜ":{"67":[97,158]},"ٝ":["67,97","67,98","67,99","67,100","67,101","67,102","67,103","67,104","67,105","67,106","67,107","67,108","67,109","67,110","67,111","67,112","67,113","67,114","67,115","67,116","67,117","67,118","67,119","67,120","67,121","67,122","67,123","67,124","67,125","67,126","67,127","67,128","67,129","67,130","67,131","67,132","67,133","67,134","67,135","67,136","67,137","67,138","67,139","67,140","67,141","67,142","67,143","67,144","67,145","67,146","67,156","67,157","67,158"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4,5],"5":[6,7,8],"7":[9],"10":[10,11,12],"11":[13,14],"14":[15,16],"15":[17],"17":[18,19,20],"18":[21],"22":[22],"29":[23],"35":[24,25],"36":[26],"37":[27],"38":[28],"40":[29],"43":[30],"45":[31],"46":[32,33],"47":[34],"51":[35]},"ٟ":[51,52,53]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>ملخص البحث</span>\nفهذا بحث بعنوان: \" دَلَائِلُ التَّوْفِيقِ لِأَصَحِ طَرِيقٍ لِجَمْعِ الصِّدِّيِقِ\"، وهو الجمع الثاني للقرآن الكريم الذي نهض له وقام به وتعاهده الخليفة الراشد أبو بكر الصِّديق بمشورة الفاروق عمر بن الخطاب وتكليف زيد بن ثابت الأنصاري بمهمة رئاسة لجنة الجمع، كما تم الجمع- كذلك- بمشاركة الصحابة ﵃ أجمعين، وكان ذلك سنة اثنتي عشرة للهجرة.\nفقام الصِّديق ﵁ وجَمَعَ فيه القرآنَ بين دفتي لوح واحد بعد أن كان مفرقًا في عهد الجمع النبوي الأول، وكان ذلك إثر مقتل سبعين من القراء في موقعة اليمامة، والتي خُشِيَ من إثراها ذهاب القرآن بذهاب حملته.\nوهذا البحث قد جمعه الباحث ورغب في تقديمه في صورة مختصرة تجمع بين التأصيل العلمي، وبين التحقيق والتدقيق، ولا سيما في بعض المسائل التي وقع فيها خلاف بين بعض أهل العلم، وبعض المسائل والقضايا التي كثر تناولها وتداولها دون تثبت حتى أضحت من المسلمات البديهيات، كما اعتنى الباحث بسلاسة الأسلوب وسهولة العبارة وجزالة الألفاظ وحسن وجمال العرض، ليدنيه من نظر طالبيه، ويقربه ويسهل تناوله لراغبيه، راجيًا أن يتقبله الله من عبده الضعيف بقبول حسنٍ ويُنَمِّيه.","vol":"67","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>المقدمة</span>\nالْحَمْدُ لِلَّهِ والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه\nوبعد:\nفإن القرآن الكريم، كلام رب العالمين، ووحيه المبين، الذي أنزل الله على خاتم النبين والمرسلين نبينا محمد خير خلقه أجمعين ﷺ، قد عظَّمه اللهُ أيِّمَا تعظيم، وأجلَّه أيِّمَا إجلال، فوَصَفه بأحسن الصفات، ونعته بأجلِّ وأعظم النعوت، وسماه أجمل الأسماء، وهو سبحانه المبتدئ بتعظيمه وتوقيره وإجلاله، وقد حفظه سبحانه عنده في مكان مصون لا يقربه إلا الملائكة الأطهار، فقال في وصفه سبحانه: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ) (البروج: ٢١ - ٢٢)، ثم جَمَعَ وَصْفَهُ ومكانه المصون فيه، وَصِفَةَ الملائكة الذين لا يمسه سواهم، وَصِفَةَ منزله سبحانه في قوله جل في علاه: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الواقعة: ٧٧، ٨٠).\nولعظم قدر كلام ربنا فقد اصطفى سبحانه صفوة ملائكته من أهل السماء لينزل به في أعظم وأشرف بقعةِ من المعمورة، على صفوة خلقه من أهل الأرض، في سيدة الليالي من سيد الشهور.\nفقد اصطفى من الملائكة أكرمَهم وأصفاهم لتنزيله فقال سبحان في وصف الملك الكريم الذي نزل بالقرآن: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء: ١٩٣)، ثم اصطفى أطهر القلوب ليكون محل تنزل كلامه فيسكنه فؤاده لِيَعِيِهِ، ويحفظه له فيه، فيقوم بحقه في نفسه وفي بلاغه لأمته عن ربه ليرضيه، فقال سبحانه عن ذلك المحل الذي أنزله عليه وأودعه فيه: (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) (الشعراء: ١٩٤)، وقال سبحانه في ذلك أيضًا: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٩٧).\nوكان ذلك في أعظم ليلة والتي وصفها ربنا بأنها ليلة مباركة فقال سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (الدخان: ٣)، وتلك الليلة هي ليلة القدر التي قال سبحانه فيها: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر: ١ - ٣)، وكان ذلك في أفضل شهر كما قال ربنا: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: ١٨٥)\nوجعل بداية ونهاية تنزله في مكة المكرمة عند بيته العتيق الذي قال سبحانه فيه: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران: ٩٦)، وجعل مختتم نزوله وتوديع وحيه المنزل في حجة الوداع في شهر حرام","vol":"67","page":98},{"text":"بجوار بيته الحرام، قال سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: ٣).\nوعلى هذا الإجلال والتعظيم والتبجيل لكلام رب العالمين رَبَّى النبيُ الكريم أصحابَه ﵃، فأحبوا كلام الله وقاموا به في محاربيهم يتلونه زرفانًا ووحدانًا، وعمَّروا به أوقاتهم وتمسكوا بهداه فأحلُّوا حلاله وحرَّموا حرامه وجعلوه مِلْءَ قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وتداوا به من العلل الحسية والمعنوية، وتحاكموا إليه في كل شؤون حياتهم.\nوقد انتقل النبيُ ﷺ إلى الرفيق الأعلى والقرآن لم يجمع في مكان واحد، ولمَّا آلت الخلافة إلى الصِّدِيِق الأول ﵁ وقتل في عهده سبعون من القراء في حرب المرتدين في وقعة اليمامة، وَخُشِيَ ذهاب القرآن بذهاب حملته فهبَّ ﵁ ومعهم جموع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين للقيام بأعظم عمل من الأعمال التي عرفها تاريخنا المجيد، فجمع القرآن بين دفتي مصحف واحد.\nوهذا البحث هو نقل مشهد حِسِّي واقعي لهذا العمل العظيم الذي قام به صِّدِيقُ الأمة الأول وعاونه عليه هؤلاء الأعلام الكبار من السابقين الأولين للإسلام من طليعة هذه الأمة رضوان الله عليهم أجمعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-3>خطة البحث</span>\nوقد ضمَّن الباحثُ بحثَه خطة بحث مكونة من أربعة فصول، وكل فصل مكون من عدة مباحث، وقد بيَّن فيه ما يلي:\nأولًا: أهمية موضوع البحث\nثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها\nثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث\nرابعًا: مشكلة البحث وأهدافه\nخامسًا: منهجية البحث\nسادسًا: خاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة.\nسابعًا: مجموع الفهارس:\nوخطة البحث تشتمل على أربعة فصول على النحو التالي:\nالفصل الأول\nبواعث جمع أبي بكر وأسبابه ودواعيه\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: بداية فكرة الجمع في عهد أبي بكر الصديق﵁-\nالمبحث الثاني: موقف الصحابة من جمع أبي بكر للقرآن\nالمبحث الثالث: أهم بواعث جمع أبي بكر﵁-\nالفصل الثاني\nخصائصه ومزاياه\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: أبرز مزايا هذا الجمع\nالمبحث الثاني: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي\nالمبحث الثالث: عرض الأقوال الواردة في ترتيب السور مع الترجيح بينها\nالمبحث الرابع: بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبيان مصدره\nالفصل الثالث\nبيان شروط جمع أبي بكر﵁- والصفة التي تم بها\nوفيه سبعة مباحث:","vol":"67","page":99},{"text":"المبحث الأول: التعريف بـ \" زيد بن ثابت \" المكلف بالجمع\nالمبحث الثاني: أبرز المقومات الداعية لاختيار \" زيد \"\nالمبحث الثالث: أسباب اختيار \" زيد \" لهذه المهمة إجمالًا\nالمبحث الرابع: الدواعي لهذا الجمع\nالمبحث الخامس: مميزات جمع أبي بكر﵁-\nالمبحث السادس: منهج أبي بكر الذي وضعه لـ \" زيد \" في جمع وتدوين القرآن الكريم\nالمبحث السابع: مصير صحف أبي بكر﵁-\nالفصل الرابع\nتاريخ وزمن هذا الجمع وأبرز نتائجه\nوفيه مبحثان\nالمبحث الأول: أبرز نتائج جمع أبي بكر﵁\nالمبحث الثاني: أوّل من سمى القرآن بالمصحف\n\n<span data-type='title' id=toc-4>منهجية البحث</span>\n<span data-type='title' id=toc-5>أولًا: أهمية موضوع البحث</span>\nإذا كان شرف العلم من شرف المعلوم، فإن موضوع البحث متعلق بأشرف وأعظم وأجل كتاب \"القرآن الكريم\" هذا على العموم، وعلى الخصوص فإنه متعلق بقضية جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، تلك القضية التي أقلقت مضاجع صفوة الرعيل الأول من جيل الصحابة وهم حماة الدين وورثة علم النبوة وهم خيرة هذه الأمة، فقاموا بحق كتاب ربهم حق قيام ونهضوا لجمعه كما كان في عهده الأول سليمًا من الزيادة والنقصان، سليمًا من التغير والتبديل، وكان جمعهم للقرآن موافقًا للجمع الأول تمامًا، ولكنهم جمعوه في مكان واحد بعد أن كان مفرقًا بين العُسُبِ واللِّخَافِ وغيرها، كما جمعوه من المحفوظ في صُدُورِ الرِّجَالِ كذلك.\nوالقرآن الكريم قد تكفَّل الله تعالى في بحفظه في كل أطواره تنزله، والشواهد على ذلك من كتاب الله كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:\n١ - قال سبحانه في عموم حفظه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩) أي من أن يُزاد فيه أو يُنقص، وهذا قول عموم أئمة التفسير، ولا يُعلم له مخالف.\n٢ - ومن ذلك أيضًا قوله سبحانه: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) (فصلت: ٤٢) والباطل: إبليس، لا يستطيع أن ينقص منه حقًا، ولا يزيد فيه باطلًا. (^١).\n٣ - ومن ذلك أيضًا قوله سبحانه: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) (الكهف: ٢٧) وقوله: (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) أي: لا مغير لها، ولا محرِّف، ولا مؤوّل. (^٢)، والشواهد العامة على ذلك في كتاب الله تعالى أكثر من أن تُحصى.\nوالقرآن قد حفظه الله تعالى في كل أطواره تنزله، فأثبته الله تعالى وحفظه في اللوح المحفوظ في السماء قبل نزوله، وحفظه في طريق نزوله إلى الأرض، وحفظه بعد نزوله كذلك إلى الأرض على رسوله ﷺ، وسيبقى كذلك إلى أن يُرْفَعَ في آخر\n_________\n(^١) - تفسير الطبري: (٢١/ ٤٧٩). جامع البيان في تأويل القرآن، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ) المحقق: أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ٢٤\n(^٢) تفسير ابن كثير: (٥/ ١٥١). تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) المحقق: محمد حسين شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٩ هـ","vol":"67","page":100},{"text":"الزمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>أولًا: حفظ القرآن الكريم في السماء:</span>\nوالقرآن الكريم قبل نزوله محفوظ في اللوح المحفوظ في السماء كما قال ربنا: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: ٢١، ٢٢). فهو في اللوح المحفوظ، مصون مستور عن الأعين، لا يطلع عليه إلاّ الملائكة المقربون، ولا يمسه في السماء إلاّ الملائكة الأطهار، ولا يصل إليه شيطان، ولا يُنال منه. (^١)\nوقد جعله الله تعالى كتابًا معظمًا في كتاب معظم محفوظ موقر (^٢)، وقد أقسم الله تعالى على ذلك في كتابه فقال سبحانه: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الواقعة: ٧٥، ٨٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>ثانيًا: حفظ القرآن الكريم في طريق نزوله إلى الأرض</span>\nفالذي نزل به ملك منزه مطهر أمين على وحي الله كما قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥).\nفلا يستطيع شيطان الاقتراب من السماء لاستراق السمع طمعًا في الاطلاع على أخبار السماء وقت نزوله كما قال ربنا: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ. إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (الصافات: ٧ - ١٠)، والشياطين لمَّا حاولوا ذلك ما استطاعوا لأن السماء قد حفظت بحراسة مشددة من الملائكة وبالشهب الحارقة، وقد وصف الله تعالى محاولة فئة من الجنِّ ذلك في سورة \"الجنِّ\" في قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدَا. وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدَا﴾ (الجن: ٨ - ١٠)\n\n<span data-type='title' id=toc-8>ثالثًا: حفظ القرآن الكريم بعد نزوله على الأرض على النبي ﷺ.</span>\nلقد حفظ الله ﷿ القرآن الكريم كذلك بعد أن أنزله على رسوله ﷺ والذي قام بحقه خير قيام في حفظه وبلاغه عن ربه، وكان ﷺ من شدة حرصه على حفظه وتلقيه يحرص على التعجل بتلقيه من فِي جبريل ﵇، فقال له ربه: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: ١١٤)، ثم وعده الله تعالى بحفظه له في صدره، فطمأنه ربه بتحقيق وعده فقال له سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦ - ١٩).\nفكان ﷺ يحرك به لسانه ويتعجل ويبادر بأخذه من فِي جبريل محرِّكًا به شفتيه حين قراءة الملك للقرآن يَخْشى أن يَتَفَلَّتَ منه، فوعده الله أن يجمعه له في\n_________\n(^١) الضوء المنير، لابن القيم: (٥: ٥٨٧).\n(^٢) - تفسير ابن كثير: (٤/ ٥٣٧). بتصرف يسير.","vol":"67","page":101},{"text":"صدره ويُبيَّنه له على لسانه، ثم يقرأه على الناس من غير أن ينسى منه شيئًا.\nوهكذا يتبين لنا أن الله تعالى قد حفظ القرآن الكريم وهو في السماء، وحفظه وقت نزوله منها، وحفظه بعد نزوله إلى الأرض.\nولقد مر جمع القرآن بثلاث مراحل، وكان جمعه في مراحله جميعًا محفوظًا في الصدور مكتوبًا في السطور.\nأما المرحلة الأولى: فكانت في عهد النبي ﷺ، وقد حرص ﷺ على حفظ القرآن الكريم، وقد جمعه الله له في صدره، كما اعتنى ﷺ بتعليمه أصحابه ورغبهم في حفظه واستظهاره واتَّخَذَ من صفوة حفَّاظهم كتّابًا للوحي يكتبون كلّ ما ينزل عليه بين يديه، وانتقل النَّبيُ ﷺ إلى الرفيق الأعلى ولم يُجمع القرآنُ كله في مكان واحد في حياته لا في صحف ولا في مصاحف، بل كُتب مفرقًا بين الرِّقَاع، وَالأَكْتَافِ، وَالْعُسُبِ ونحوها من أدوات الكتابة المستخدمة في هذا العهد المبارك، وكان حرصه ﷺ على عدم جمع القرآن بين دفتي صحيفة واحدة ترقبًا لتجدد الوحي وتتابع نزول شيء جديد منه حتى وفاته، فلو أنه رتبه أولًا بأول وجمع القرآن في مكان واحد بين دفتي مصحف واحد لحصل من جراء ذلك من المشقة والعنت ما لا يخطر ببال، ولأدى هذا الترتيب إلى حدوث تغيير وتبديل في موضع السور والآيات كلما نزل عليه ﷺ شيء جديد من الوحي، وفي هذا مالا يخفى من المشقة البالغة التي جاءت الشريعة الغراء برفعها ودفعها.\nوأما المرحلة الثانية: فكانت في عهد أبي بكر الصديق ﵁،\nولقد ظل القرآن الكريم مفرقًا غير مجموع بين دفتي مصحف واحد، إلى أن آلت الخلافة إلى أبي بكر، وقامت حروب الردة، واستحرّ القتل بالقراء في وقعة اليمامة - سنة اثنتي عشرة للهجرة - التي قتل فيها سبعون قارئًا من حفاظ القرآن. فهالَ ذلك الأمر عمر بن الخطاب، وخشي أن يضيع شيء من القرآن بموت حفاظه وقرائه، فأشار على أبي بكر بجمع القرآن خشية ضياع شيء منه بقتل القراء والحفَّاظ، فكان هذا هو الدافع الرئيس لهذا الجمع، فقام الصديق بجمع ما كُتب مفرقًا في بين يدي رسول الله ﷺ من الرِّقَاع، وَالأَكْتَافِ، وَالْعُسُبِ، واللخاف، والأضلاع، والأقتاب، والأَلواحِ في مكان واحد، فكان جَمْعُهُ ﵁ هو نفس ما كتب في عهد النبوة مرتب الآيات والسور، لكنَّه جَمَعَهُ في مكان واحد بعد أن كان مفرقًا.\nوأما المرحلة الثالثة: فكانت في عهد عثمان بن عفان ﵁.\nولقد اختلفت أسباب الجمع في عهده عن أسباب الجمع في عهد الصدِّيق﵄-؛ ولقد كان الصحابة يقرؤون القرآن على الأحرف السبعة التي أقرأهم عليها رسول الله ﷺ، إلى أن وقع الاختلاف بين القراء في الفتوحات زمن عثمان ﵁، ولمّا عظم الخطب أفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في","vol":"67","page":102},{"text":"الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فتدارك عثمانُ الأمرَ قبل تفاقمه.\nويكتفي الباحث - هنا- ببيان هذه المرحلة بإيجاز بما رواه البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القُرْآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم (يعني ابتداءً)، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمانُ الصحفَ إلى حفصة، وأرسل إلى كل أُفُق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القُرْآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-9>ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها</span>\nلم يقف الباحث في حدود بحثه الضيق على بحث متأصل تناول جمع الصديق ﵁ ببحث علمي مستقل، ولكن جاء تناوله ضمن جمع القرآن في مراحله الثلاث في عدد من البحوث العلمية، ومن أبرزها ما يلي:\nالدراسة الأولى: جمع القران في مراحله التاريخية من العصر النبوي إلى العصر الحديث، تأليف: محمد شرعي أبو زيد، رسالة ماجستير، كلية الشريعة، جامعة الكويت، سنة النشر: ١٤١٩ هـ.\nوصف البحث:\nهذا البحث يُبرِز عناية المسلمين بحفظ القرآن من عهد النبوة إلى الآن، ويُؤكِّد أن نقل القرآن حظِيَ بأقصى درجات العناية من المسلمين، ويرُدُّ على شبهات الطاعِنِين من أعداء الإسلام على نقل القرآن الكريم، ولجودة البحث وحسن صياغته وجودة عرضه وسبك أسلوبه وقوة حجته قد أفاد منه الكثير من الباحثين ونهلوا منه.\nالدراسة الثانية: جمع القرآن (دراسة تحليلية لمروياته)، أصل الكتاب رسالة علمية، بكلية العلوم الإسلامية - جامعة بغداد، أشرف عليها الدكتور عمر محمود حسين السامرائي، ومؤلفها الباحث: أكرم عبد خليفة حمد الدليمي الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م، عدد الأجزاء: ١.\nوصف الكتاب:\nوهو عبارة عن أطروحة علمية، قدمها الباحث لكلية العلوم الإسلامية، ولم يحدد المرحلة التي نال شهادتها بهذا البحث. وقد قسم الباحث هذا البحث إلى\n_________\n(^١) - البخاري حديث (٤٩).","vol":"67","page":103},{"text":"مقدمة وأربعة فصول وخاتمة.\nوقد تناول بحثه في أربعة فصول، فتناول كتابة القرآن في عهوده الثلاثة، كل مرحلة في فصل مستقل، وقد تابع فيها كثيرًا ممن سبقه، ثم تناول فيه شبهات حول القرآن في الفصل الرابع.\nوالباحث في هذا البحث تراه ممسكًا من علمين بطرف، هما: علوم القرآن والحديث. لكنه أقرب إلى الحديث ودراسة الأسانيد منه إلى علوم القرآن. وقد جاءت دراسة أسانيده والحكم عليها وتخريجها مختصرة جدًا. وهذا يلحظه المتتبع لتلك المرويات.\nوقد بذل الباحث وفقه الله جهد مشكورًا وطرق موضوعًا رائعًا جديرًا بالبحث حاول أعداء الدين التسلل من خلاله للنيل من كتاب الله ومحاولة التشكيك فيه، وقد وفق في عرض شبههم والجواب عنها بأجوبة قريبة يستوعبها كل من يطلع عليها. (^١)\nالدراسة الثالثة: جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين، عبد القيوم بن عبد الغفور السندي، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، سنة النشر: ١٤٢١ هـ، عدد المجلدات: ١.\nوصف الكتاب:\nلقد تناول الباحث الجمع في عهديه الثاني والثالث، ولم يتعرض للجمع في العهد النبوي مع أهميته ومكانته لأن بحثه جاء ضمن محاور ندوة خاصة عقدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة بعنوان: عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه، ولكون بحثه هو أحد محاور الندوة ..\nوقد اشتمل بحثه على ثلاثة مباحث في مجلد واحد في حدود ٧٢ صفحة، وقد تناول في المبحث الأول: جمع أبي بكر ﵁، ثم تناول في المبحث الثاني: جمع عثمان ﵁، وأما المبحث الثالث فلم يسمه، وقد تناوله في مطلبين، أما المطلب الأول فتناول فيه الفروق المميزة بين الجمعين، وأما المطلب الثاني فقد تناول فيه الأحرف السبعة ومراعاتها في الجمعين.\nوكان على الباحث مراعاة جوانب هامة والانتباه لها، ومن أبرزها ما يلي:\n١ - التقدمة للجمع في العهد النبوي ولو في التمهيد لأنه الأساس الذي بنيت عليه مراحل الجمع كلها، ولارتباط الجمع في عهديه التاليين به ارتباطًا وثيقًا، غير أنه أشار إليه إشارة سريعة في سطرين فحسب.\n٢ - الانتبهاه لما ذهب إليه أبو عمر الداني في\"الأرجوزة المنبهة\"إلى أن جبريل ﵇ كان يعارض النبي ﷺ كل عام بواحد من الحروف السبعة، حيث يقول:\nوكان يعرض على جبريل … في كل عام جملة التنزيل\nفكان يقريه في كل عرضة … بواحد من الحروف السبعة\nحتى إذا كان بقرب الحين … عرضه عليه مرتين (^٢)\nوهذا التفصيل لا يصح وهو محل نظر عند أهل التحقيق وقد قال به غير\n_________\n(^١) يُنظر: تقرير عن كتاب (جمع القرآن: دراسة تحليلية لمروياته) للدكتور أكرم الدليمي، ملتقى أهل التفسير، عبدالله الحربي، بتاريخ: ٤/ ١١/ ٢٠٠٨ م. بتصرف يسير.\n(^٢) -الأرجوزة المنبهة لأبي عمرو الداني، البيت رقم: (٧٠ - ٧٢)، (ص: ٨٧).\nالأرجوزة المنبهة على أسماء القراء والرواة وأصول القراءات وعقد الديانات بالتجويد والدلالات، عثمان بن سعيد الداني أبو عمرو الأندلسي (٣٧١ - ٤٤٤ هـ)، تحقيق: محمد بن مجقان الجزائري، الطبعة الأولى عن دار المغني- الرياض- هـ ١٤٢٠ - ١٩٩٩ م، عدد المجلدات: ١","vol":"67","page":104},{"text":"واحد من أهل العلم غير الداني. وإذا تأملنا في زمن الاستزادة من الأحرف السبعة تحقق لدينا أن ذلك كان في المدينة قبيل وفاة النبي ﷺ بقرابة عام أو عامين اثنين، وقصة عمر وهشام بن حكيم في اختلاف قراءتيهما في سورة الفرقان خير شاهد، وذلك لأن هشامًا من مسلمة الفتح، وأن ذلك كان قُبيل انتقال النبي ﷺ للرفيق الأعلى بعامين على الأكثر، وكذلك ما وقع لأبي بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل.\nفكيف كان يعرض عليه جبريل في كل عام بحرف من الأحرف السبعة! وهي لم تنزل بعد! وهذا خلف من القول من عَلَمٍ كأبي عمرو الداني، ولكن جل من لا يسهو.\n٣ - الانتباه لكثرة النقول في البحث والتي غيبت وجود قلم الباحث في كثير من مواطن البحث.\nوهناك بعض ملاحظات أخرى غير جوهرية، وهذه الملحوظات وغيرها لا تقل من قيمة البحث العلمية ولا من جهدالباحث الذي قد أجاد وأفاد فجزاه الله خيرًا.\nالدراسة الرابعة: مواقف المستشرقين من جمع القرآن الكريم ورسمه وترتيبه عرض ونقد، د. أبو بكر كافي، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، نسخة منشورة (بي دي إف)\nوصف الكتاب:\nفي هذا البحث الماتع يستعرض لنا الباحث -أبو بكر كافي- المواقف المشهورة عن كبار المستشرقين من مسألة جمع القرآن الكريم وتدوينه وترتيبه والمراحل التي مر بها، حيث أثار كثير من المستشرقين شبهات ومزاعم باطلة حول هذه المسألة، وفي هذا الكتاب يعرض لنا المؤلف هذه المزاعم والشبهات كما أنه يحلل لنا دوافعها وأهدافها ويتعقبها بالنقد والرد ليدحضها بشكل علمي وموضوعي مبينًا كم الأغاليط الموجودة فيها.\nالدراسة الخامسة: جمع القرآن الكريم حفظا وكتابة، أ. د. علي بن سليمان العبيد، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، سنة النشر: ١٤٢١ هـ، عدد المجلدات: ١.\nوصف الكتاب:\nلقد تناول الباحث الجمع في عهوده الثلاثة باختصار شديد في قرابة: ٧٣ صفحة، وقد تبع من سبقه، وقد جاء بحثه متميزًا بسهولة الأسلوب ووضوح العبارة، فجزى الله الباحث خيرًا، ولكنه لم يضف إلى بحثه جديد بحث.\nالدراسة السادسة: جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين، أ. د. فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي، عدد الصفحات: ٤٢، مصدر الكتاب: موقع الإسلام.\nوصف البحث:\nهو بحث مختصر للغاية، غير أن صاحبه له رسوخ في تقديم مادة علمية مؤصلة وإن كانت موجزة.","vol":"67","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث</span>\nيُعد تقريب علوم القرآن بأسلوب علمي سهل المأخذ قريب التناول من الأسباب الرئيسة الدافعة لاختيار موضوع البحث، إضافة إلى أن جمع القرآن في عهوده الثلاثة ما يزال يحتاج إلى تقريب وتحقيق وتدقيق في بعض مسائله وتجليتها للعيان، وإلقاء الضوء على ما نقله جيلٌ عن جيلٍ بصورة صحيحة مع التنبيه على مالم تثبت صحته من آثار تتعلق بموضوع البحث، وقد اختار الباحث تناول جمع الصديق بالبحث والدراسة لأنه لم يقف في حدود بحثه على دراسة خاصة بهذا الجمع، كما رغب الباحثُ إبرازَ جانبِ العناية التامة والتحري والدقة التي لاقها جمع القرآن في عهد الصديق وأجمعت عليه الأمةُ سلفًا وخلفًا على صحته ودقته وسلامته.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>رابعًا: مشكلة البحث وأهدافه</span>\nهناك إشكالات تتعلق بموضوع البحث من أبرزها ما يلي:\n١ - لماذا لم يُجمع القرآن في عهد النبوة في مكان واحد؟\n٢ - هل اختلف جمع الصديق عن الجمع في عهد النبوة؟\n٣ - هل جمع القرآن في مكان واحد يُعد من الابتداع في الدين؟\n٤ - هل اشتمل جمع الصديق ﵁ على الأحرف السبعة؟\n٥ - هل كان ترتيب الآيات في السور بتوقيف من النبي ﷺ أم كان باجتهاد من الصحابة ﵃.\nوكان من أبرز أهداف البحث إبراز هذه الإشكالات الواردة وحلها بإلقاء الضوء عليها وتناولها بالبحث والدراسة والتحقيق والتدقيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>خامسًا: منهجية البحث</span>\nلقد سلك الباحث في تناول بحثه أكثر من منهج بحثي ومن أبرز ذلك ما يلي:\n١ - المنهج الاستقرائي التحليلي\n٢ - المنهج النقدي\n٣ - المنهج التاريخي\nففي الفصل الأول: استقرأ الباحثُ بواعث جمع أبي بكر وأسبابه ودواعيه، وربط العلاقة التي بينه وبين الجمع الأول في العهد النبوي.\nوفي الفصل الثاني: عرض الباحثُ خصائصَ هذا الجمع ومزاياه عرضًا تحليليًا باستقراء تلك المزايًا التي ميزة هذا الجمع، ثم تعرَّض لترتيب الآيات في السور، فعرض الأقوال الواردة فيها ثم قام بالترجيح بينها، ثم استقرأ بعد ذلك بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبين مصدره وعرض ذلك كله عرضًا تحليليًا، ثم نقده ونقضه.","vol":"67","page":106},{"text":"وأما الفصل الثالث: فتعرض الباحثُ فيه لبيان شروط هذا الجمع والصفة التي تم بها، ثم عَرَّفَ بـ \" زيد \" المكلف بالجمع، ثم استقرأ المقومات الداعية لاختياره، ثم عرض مميزات هذا الجمع والمنهج الذي وُضِعَ فيه لجمع وتدوين القرآن الكريم عرضًا تحليليًا، ثم بين في خاتمته مصير صحف أبي بكر﵁.\nوأما الفصل الرابع: فذكر فيه تاريخ هذا الجمع وأنه كان في زمن خلافة الصديق ﵁، وحدد فترة استغراقه، ثم عرض عرضًا تحليليًا استنتاجيًا لأبرز نتائج هذا الجمع، ثم ختم ببيان أوّل من سمى القرآن بالمصحف، وهو في كل مرحلة من مراحل البحث يقوم بعرض المادة العلمية ويحلل أجزاءها ثم يعرض الأقوال الوارد ويقوم بدراستها دراسة تحليلية نقدية.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>الفصل الأول\nبواعث جمع أبي بكر وأسبابه ودواعيه</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nبعد موت النبيﷺ- وقبل دفنه بُيع أبو بكر الصديق﵁بالخلافة وكانت مدة خلافته سنتين وبضعة أشهر، وذلك من عام (١١ هـ - ١٣ هـ)، وكانت وفاته في شهر جمادى الآخرة سنة ١٣ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>المبحث الأول: بداية فكرة الجمع في عهد أبي بكر الصديق﵁</span>-\nلقد كانت بداية فكرة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر﵁- في أواسط خلافته: سنة ١٢ من الهجرة.\nوذلك \"حينما ارتدت العرب واستشرى القتل بالمسلمين وخاصة يوم اليمامة وقد استحر بقراء القرآن، جاء إليه عمر وقال له: إني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القراءة والقرآن وإني أرى أن تجمع القرآن؛ وظل يراجع أبا بكر حتى شرح الله صدره لذلك؛ فكان أول من جمع القرآن\". (^١)\nوإنما كان ذلك بعد أن بُيع أبو بكر الصديق﵁ - وآلة الخلافة إليه بتلك البيعة، بعدها ارتدت أحياء من العرب ومنعوا الزكاة، وقد وقع هذا الأمر الجلل بعد وفاة النبي - ﷺ - حينما ارتدَّت العرب عن الإسلام قيل إلا ثلاثة مساجد كما نقل ابن إسحاق، ألا وهي: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جواثا الذي يصلي فيه بنو عبد القيس.\nوذكر القاضي عياض أن أهل الردة في ذلك الوقت على ثلاثة أصناف:\nالصنف الأول: صنف كفر بعد إسلامه وعاد لجاهليته، واتبع مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وصدَّق بهما.\nوالصنف الثاني: صنف أقر بالإسلام إلا الزكاة فجحدها.\nوالصنف الثالث: صنف أقر بوجوبها لكنه امتنع عن دفعها لأبي بكر﵁- وقالوا: إن ذلك خاص بالنبي - ﷺ - لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا\n_________\n(^١) الإتقان: (١/ ١٦٤)، الإتقان في علوم القرآن المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ) المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب الطبعة: ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م عدد الأجزاء: ٤، ويُنظر: الوجيز في فضائل الكتاب العزيز: (ص: ١٦٣).","vol":"67","page":107},{"text":"وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ (التوبة: ١٠٣).\nفرأى أبو بكر والصحابة﵃- قتالهم جميعهم، الصنفان الأولان لكفرهم والثالث لامتناعهم، والامتناع مع الإقرار يختلف حكمًا من الامتناع مع الجحود ولا شك في ذلك أبدًا.\nوقد ذكر أبو العباس القرطبي (٦٥٦ ت: هـ) في \"المفهم\"-﵀-:\nأن الصنف الثالث هم الذين أُشْكِلَ أمْرُهُم على عمر وراجع فيهم أبا بكر حتى ظهر الحق. ولا يعتبرون كفارًا وإنما بغاة. (^١)\nوهذا التقسيم الذي ذكره أبو العباس القرطبي قد ذهب إليه جمع من أئمة الإسلام، منهم الإمام الشافعي (ت: ٢٤٠ هـ) حيث يقول﵀: -- بنحوه- في \"الأم\"\n\"وأهل الردة بعد رسول الله -ﷺ- ضربان: منهم قوم كفروا بعد الإسلام، مثل طليحة ومسيلمة والعنسي وأصحابهم، ومنهم قوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات\".\nثم أشار إلى أن أبا بكر وعمر﵄- كانا مجمعين على إن الصنف الثاني ليسوا كفارًا.\nفيقول بعد أن ذكر ما دار بينهما من حوار:\n\" … معرفتهما معًا بأن ممَّن قاتلوا من هو على التمسك بالإيمان\". (^٢)\nوممَّن قرر هذا التقسيم أيضًا الخطابيُّ (ت: ٣٨٨ هـ) حيث يقول ﵀- في \"معالم السنن\"-:\n\"الذين يلزمهم اسم الردة من العرب كانوا صنفين: صنفًا منهم ارتدَّ عن الدين، ونابذ الملة، وعاودوا الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة﵁- بقوله: (وكفر من كفر من العرب)، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، ومن سلك مذهبهم في إنكار نبوة محمد ﷺ، وصنفًا آخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي\". (^٣)\nوممَّن قرر هذا التقسيم كذلك ابن حزم الأندلسي (ت: ٤٥٦ هـ) في محض كلامه عن أصناف المرتدين حيث يقول﵀- في \"المحلى\":\n\" … والقسم الثاني: قوم أسلموا، ولم يكفروا بعد إسلامهم، ولكن منعوا الزكاة من أن يدفعوها إلى أبي بكر -﵁- فعلى هذا قوتلوا\". (^٤)\nوقد قرر هذا التقسيم أيضًا جمع من العلماء الأعلام، منهم:\nأبو عمر ابن عبد البرـ وابن المنذر، والماوردي صاحب التفسير، والقاضي عياض، وابن العربي المالكي، والبغوي، والنووي، وابن حجر، وغيرهم كثير. (^٥)\nوكذلك هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) -﵀-، ولقد كان له بعض الأقوال والتقريرات التي يبدو ويظهر منها أنه يرى أن الصحابة﵃- كانوا يفرّقون بين أصناف المرتدين، فيجعلون بعضهم كفارًا، كالمرتدين من أتباع مسيلمة الكذاب، وبعضهم مسلمين بغاة لهم سائر أحكام أهل القبلة كما ذكر ذلك أبو العباس القرطبي في المفهم والنووي في شرحه لمسلم، ومن تلك الأقوال والتقريرات: أنه جعل قتال مانعي الزكاة من جنس قتال أهل القبلة، فقال﵀-:\n\"والعلماء لهم في قتال من يستحق القتال من أهل القبلة طريقان: منهم من يرى قتالًا علي يوم حروراء ويوم الجمل وصفين كله من باب قتال أهل البغي، وكذلك يجعل قتال أبي بكر لمانعي الزكاة،\n_________\n(^١) يُنظر: شرح النووي لمسلم حديث (٢٢، ٢٠) ويُنظر: المفهم للقرطبي حديث (١٨، ١٧) باب يقاتل الناس إلى أن يوحِّدوا الله ويلتزموا شرائع دينه.\n(^٢) الأم، للشافعي: (٩/ ٢٠٤).\n(^٣) أعلام السنن، الخطابي (١/ ٧٤١).\n(^٤) المحلى، ابن حزم (١١/ ١٩٣).\n(^٥) - يُنظر: الاستذكار، ابن عبد البر (٩/ ٢٦٦)، والإشراف على مذاهب أهل السنة، ابن المنذر (٣/ ٢٥٤)، والحاوي، الماوردي (١٣/ ٢١١)، وشرح السنة، البغوي (٥/ ٤٨٩)، شرح السنة المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٦ هـ) تحقيق: شعيب الأرناؤوط-محمد زهير الشاويش الناشر: المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م عدد الأجزاء: ١٥، وإكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض (١/ ٢٤٣)، وعارضة الأحوذي، ابن العربي (١٠/ ٧٣)، وشرح صحيح مسلم، النووي (٢/ ٢٠٢)، وفتح الباري، ابن حجر (١٢/ ٢٧٦)، وإكمال إكمال المعلم، الأُبي (١/ ١٧٣)، وغيرها كثير.","vol":"67","page":108},{"text":"وكذلك قتال سائر من قوتل من المنتسبين إلى القبلة، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم\". (^١)\nكتاب أبي بكر﵁- إلى المرتدين:\nومما يُستأنس به ها هنا أيضًا وبه نختم هذا المبحث الهام: كتاب أبي بكر﵁- إلى المرتدين، فقد كتب إليهم كتابًا طويلًا حوى أمورًا شتى ومتنوعة في مضمونها وفحواها، وممَّا ورد في كتابه إليهم قوله﵁-:\nبسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول الله -ﷺ- إلى من بلغه كتابي هذا، من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه (^٢).\nفهذا يدلُّ على إن بعض أهل الردة بقي على إسلامه ولم يخرج عنه، وكلامه قد وجهه إلى فئتين اثنتين، فيُؤخذ ويُفهم ويُستدلُّ منه على أن الذي ارتد عن الإسلام من الفئتين إنما هي فئة واحدة منهما لا الفئتين.\nوالشاهد الأول مما سبق ذكره:\nأن الصديق الأول﵁- قام مقام الجبال الرواسي الشامخات ليرد الأمة إلى دينها فحارب وقاتل المرتدين بشجاعة وثبات ورباطة جأش، فالموقف جد عصيب فقد ارتدت جموع غفيرة وأحياء كثيرة من العرب وقد عارضه في ذلك أول الأمر أقرب المقربين ومع هذا كله فقد ثبت - ﵁ - ثبات الجبال الرواسي واستطاع بعد عون الله وتوفيقه أن يُعيد الأمة إلى رشدها، وأن يعيد للإسلام صولته وقوته ومكانته، فكان﵁- للإسلام يوم الردة، كما كان الإمام أحمد للإسلام كذلك يوم المحنة.\nولنتأمل ما رواه البخاري﵀- من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللّهِ - ﷺ - وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ﵄-: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ - ﷺ - \"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلاَّ الله. فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلاَّ الله فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله؟ \" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالله لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَالله لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ﵁-: فَوَ الله مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللهَ ﷿ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ. فَعَرفتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. (^٣)\nولقد كلف الصديقُ﵁- للقيام بهذه المهمة وهذا العمل العظيم -زيد بن ثابت الأنصاري﵁-، ولنتأمل خبر تلك الواقعة العظيمة التي قيد الله لها الخليفتين الراشدين الجليلين صاحبي خير الخلق وحبيب الحق محمدﷺ- ولندع المجال للإمام البخاري ﵀ ليقص لنا الخبر على لسان من كُلِفَ بهذه المهمة الهامة الشاقة بنفسه ألا وهو الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري﵁- حيث يقول:\n\" أَرْسَلَ إلَيَّ أبو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ، قالَ أبو بَكْرٍ -﵁-: إنَّ عُمَرَ أتَانِي فَقالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَومَ اليَمَامَةِ بقُرَّاءِ القُرْآنِ، وإنِّي\n_________\n(^١) - يُنظر: مجموع الفتاوى: (٢٨/ ٥١٥). مجموع الفتاوى المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية عام النشر: ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م\n(^٢) - يُنظر: نص الكتاب: كتاب الردة، الواقدي (٧١)، وتاريخ الطبري (٣/ ٢٥٠).\n(^٣) أخرجه البخاري في \"كتاب الزكاة\" \"باب وجوب الزكاة\" حديث (١٣٩٩)، وأخرجه مسلم حديث (٢٠)، وأخرجه أبو داود في \"كتاب الزكاة\" حديث (١٥٥٦ و١٥٥٧)، وأخرجه الترمذي في \"كتاب الإيمان\" \"باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" حديث (٢٦٠٧)، وأخرجه النسائي في \"كتاب الزكاة\" \"باب مانع الزكاة\" حديث (٢٤٤٢).","vol":"67","page":109},{"text":"أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ بالمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وإنِّي أرَى أنْ تَأْمُرَ بجمع القرآن، قُلتُ لِعُمَرَ: كيفَ تَفْعَلُ شيئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ قالَ عُمَرُ: هذا واللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لذلكَ، ورَأَيْتُ في ذلكَ الذي رَأَى عُمَرُ، قالَ زَيْدٌ: قالَ أبو بَكْرٍ: إنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، وقدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللَّهِ- -ﷺ-، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَ اللَّهِ لو كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ ما كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ ممَّا أمَرَنِي به مِنْ جمع القرآن، قُلتُ: كيفَ تَفْعَلُونَ شيئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ-؟، قالَ: هو واللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أبو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ له صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ﵄-، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ واللِّخَافِ، وصُدُورِ الرِّجَالِ، حتَّى وجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مع أبِي خُزَيْمَةَ الأنْصَارِيِّ لَمْ أجِدْهَا مع أحَدٍ غيرِهِ، ﴿لقَدْ جَاءَكُمْ رَسولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عليه ما عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩] حتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ ﵂\". (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-15>المبحث الثاني: موقف الصحابة من جمع أبي بكر للقرآن</span>\nالصحابة﵃ - يدركون تمام الإدراك ويتيقنون كمال اليقين في أن الله تعالى وعده لا يتخلف أبدًا، وقد وعد سبحانه بحفظ كتابه من التغيير والتبديل ومن أن يزاد فيه أو يُنقص منه بقوله سبحانه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩) وهم يدركون كذلك أن سنن الله الكونية لها من الأسباب ما يقوم بها، ويدركون من خلال تلك السنن أيضًا أن هذا الدين لا يقوم بذاته بل لابد أن يكون له أنصار وأعوان من البشر يحملوا على عواتقهم هم نصرته وحمل رسالته والذب عن حياضه، ولهذا قاموا﵃- بواجبهم تجاهه ببذل الأسباب لحفظ كتاب ربهم من الذهاب والضياع، وهذا من قوة إيمانهم بالله ورسوله، ومن سعة علمهم بدين ربهم، وفهمهم لشرعته ومنهاجه، ومن إدراكهم لعظم الأمانة التي في أعناقهم، ولضخامة المسؤولية الملقاة على عواتقهم.\nهل يُعد جمع أبي بكر﵁- للقرآن من البدعة المحدثة في الدين؟\n\n<span data-type='title' id=toc-16>مفهوم البدعة في اللغة:</span>\nلنعلم أولًا أن البدعة في اللغة: مأخوذة من البَدْع، وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧].\nأي مخترعها على غير مثال سابق، قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]. أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل.\nويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدأ طريقة لم يسبق إليها.\nوالابتداع على قسمين:\nالقسم الأول: ابتداع في العادات\nكابتداع المخترعات الحديثة، وهذا مباح؛ لأن الأصل في العادات الإباحة.\nوالقسم الثاني: ابتداع في الدين:\nوهذا مُحرَّم؛ لأن\n_________\n(^١) - البخاري، التفسير: ٤٣١١، فضائل القرآن: ٤٦٠٣، الأحكام: ٦٦٥٤، الترمذي، التفسير: ٣٠٢٨، أحمد، مسند العشرة: ٧٢، جمال القراء: ١/ ٨٦، ويُنظر: تخريجه مستوفىً في كتاب المصاحف لابن أبي داود: ١/ ١٦٩ - ١٧٩، كتاب المصاحف المؤلف: أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني (المتوفى: ٣١٦ هـ)، المحقق: محمد بن عبده الناشر: الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م عدد الأجزاء: ١، ويُنظر: المقنع لأبي الداني: ٢ - ٣. المقنع في رسم مصاحف الأمصار المؤلف: عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني (المتوفى: ٤٤٤ هـ)، المحقق: محمد الصادق قمحاوي الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة عدد الأجزاء: ١","vol":"67","page":110},{"text":"الأصل فيه التوقيف، قال - ﷺ -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" وفي رواية: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\". (^١). (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-17>البدعة في المفهوم الاصطلاحي:</span>\nوالبدعة في المفهوم الاصطلاحي كما عرفها الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) - ﵀- في الاعتصام هي:\n\" طريقة في الدين مخترعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية\". (^٣)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) -- ﵀-:\n\" البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسولهﷺ-، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب\". (^٤)\nوإذا علمنا أن البدعة هي أمر محدث ومخترع في الدين يُضاهي الشرعية وهي ما لم يشرعه الله ورسولهﷺ- يُقصد به التعبد والتقرب إلى الله، على غير مثال سابق، وقد علمنا كذلك أن القرآن قد سبق وأَنْ جُمِعَ في صدور الرجال، وقد جُمِعَ كذلك في ألواحٍ عندهم، فاجتمع له جمعان: جمع في الصدور، وجمع في السطور.\nلذا فلا يُعد جمعه في مكان واحد من الأمور المحدثة في الدين، وإن جمع أبي بكر﵁- لم يكن من ذلك أبدًا، بدليل إجماع الصحابة- رضوان الله عليهم- على استحسانه، بل والمشارك فيه كذلك، وأن كل ما في الأمر أنه جمعٌ لما كتب مفرقًا في الجمع النبوي الأول فحسب.\nقال الحافظ (ت: ٨٥٢ هـ) في الفتح:\n\"وقد تسول لبعض الروافض أنه يتوجه الاعتراض على أبي بكر بما فعله من في المصحف فقال: كيف جاز أن يفعل شيئًا لم يفعله الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؟\nوالجواب: أنه لم يفعل ذلك إلاّ بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقد كان النبي- -ﷺ- أَذِنَ في كتابة القرآن، ونهى أن يكتب معه غيره، فلم يأمر أبو بكر إلاّ بكتابة ما كان مكتوبًا.\nثم قال: وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد من فضائله، وينوه بعظيم منقبته لثبوت قوله- -ﷺ- \" من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها \" (^٥) (^٦) فما أحدٌ بعده إلاّ وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة\". (^٧)\nوإن أبرز ما قيل في موافقة الصحابة﵃لهذا الجمع قول علي بن أبي طالب﵁-: …\n\"أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمعه بين اللوحين. (^٨)\nوقد ذكر الباقلاني (ت: ٤٠٢ هـ) -﵀- وجوهًا في فعل أبي بكر من أجودها خمسة:\nالأول: أن رسول اللهﷺ- ترك ذلك مصلحة، وفعله أبو بكر للحاجة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).\n(^٢) يُنظر: موسوعة توحيد رب العبيد، للشيخ الفوزان: (١/ ١٧٦). بتصرف يسير.\n(^٣) - الاعتصام (ص ٢٨).\n(^٤) مجموعة الفتاوى: (٤/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٥) - مسلم الزكاة (١٠١٧)، الترمذي العلم (٢٦٧٥)، النسائي الزكاة (٢٥٥٤)، ابن ماجه المقدمة (٢٠٣)، أحمد (٤/ ٣٥٩)، الدارمي المقدمة (٥١٤).\n(^٦) - الحديث أخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة. صحيح مسلم ج ٢ - ص ٧٠٥.\n(^٧) - فتح الباري ج ٩ - ص ١٠. فتح الباري شرح صحيح البخاري المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز عدد الأجزاء: ١٣\n(^٨) -أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن: (ص: ١٥٥)، وابن أبي داود في كتاب المصاحف (ص: ٥)، وأورده ابن كثير وقال عنه: إسناده صحيح، تفسير القرآن العظيم (فضائل القرآن)\n(١/ ٢٥). ويُنظر: أضواء على سلامة المصحف الشريف من النقص والتحريف: (ص: ٤٥ - ٤٧)، و: (ص: ٩٤).","vol":"67","page":111},{"text":"الثاني: أن الله أخبر أنه في الصحف الأولى، وأنه عند محمد -ﷺ- في مثلها بقوله: (يتلوا صحفًا مطهرة فيها كتب قيمة) (البينة: ٢ - ٣)؛ فهذا اقتداء بالله وبرسوله.\nالثالث: أنهم قصدوا بذلك تحقيق قول الله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩)؛ فقد كان عنده محفوظًا، وأخبرنا أن يحفظه بعد نزوله، ومن حِفظِه تيسير الصحابة﵃- لجمعه-، واتفاقهم على تقييده وضبطه.\nالرابع: أن النبيﷺ- كان يكتُبه كَتَبَتُهُ بإملائه إياه عليهم، وهل يخفى على متصور معنى صحيحًا في قلبه أن ذلك كان تنبيهًا على كتبه وضبطه بالتقييد في الصحف، ولو كان ما ضمنه الله من حفظه لا عمل للأمة فيه لم يكتبه رسول اللهﷺبعد إخبار الله له بضمان حفظه، ولكن علم أن حفظه من الله بحفظنا وتيسيره ذلك لنا وتعليمه لكتابته وضبطه في الصحف بيننا.\nالخامس: أنه ثبت: \" أن النبيﷺ- نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو \" (^١)؛ وهذا تنبيه على أنه بين الأمة مكتوب مستصحب في الأسفار.\nقال أبو بكر بن العربي (ت: ٥٤٣ هـ) -﵀-: في أحكام القرآن هذا من أبين الوجوه عند النظار\". (^٢)\nوقال الباقلاني (ت: ٤٠٢ هـ) - ﵀- أيضًا:\nوقد فهم عمر أن ترك النبيﷺ- جمعه لا دلالة فيه على المنع، ورجع أبو بكر لما رأى وجه الإصابة في ذلك … (^٣)\nكلام الباقلاني آنفًا كلام نفيس فيه من الدلائل الواضحات والحجج البينات الدامغات ما يُرُدُّ به كلُ الشبهات الواردات. والحمد لله رب الأرض والسموات.\nوقال الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) -﵀- في الموافقات:\nوحاصل الأمر أن جمع المصحف كان مسكوتًا عنه في زمانهﷺ -. (^٤)\nوالصحابة﵃- خير هذه الأمة وأكثرها تعظيمًا لله ولدينه ولشرعه وأبعدها من الابتداع والإحداث في دينه الله ما ليس منه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) - ﵀:\n\" … فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس دينًا غير ما جاء به الرسول، وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه نظر فيما قاله الله والرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر، وبه يستنير فهذا أصل أهل السنة\". (^٥)\nومشاركة جمعٍ غفيرٍ من الصحابة﵃- في هذا الجمع يُعد إجماعًا سكوتيًا لأنه ليس له أي معارض منهم أبدًا، وذلك وحده كاف في حسم القضية، لأنهم يستحيل اجتماعهم﵃- على ضلالة أبدًا.\nوالله تعالى قد أجار هذه الأمة من أن تجْتَمِع عَلَى ضَلالَة، ولقد أجمع أهل العلم على ذلك وأن هذه العصمة باقية إلى قيام الساعة.\nولقد صحت السنة الثابتة عن المعصومﷺ- بذلك، فقد ثبت من حديث كَعْبِ\n_________\n(^١) رواه البخاري: (٢٩٩٠)، ومسلم: (١٨٦٩)، من حديث عبد الله بن عمر﵄.\n(^٢) - يُنظر: أحكام القرآن: (٢/ ٦١٢).\n(^٣) - فتح الباري: (٨/ ٦٢٩).\n(^٤) الموافقات: (٣/ ٤١).\n(^٥) مجموع الفتاوى: (١٣ - ٦٢ - ٦٣).","vol":"67","page":112},{"text":"بْنِ عَاصِمٍ (ت: ١٨ هـ) ﵁ (أنه) قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺيَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ لِي عَلَى أُمَّتِي مِنْ ثَلاثٍ لا يَجُوعُوا، وَلا يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلالَةٍ، وَلا يستباح بيضة المسلمين\". (^١)\nومن حديث ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄:\nقال: قال رسول اللهﷺ-: \" إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله على الجماعة \"). (^٢)\nوعَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:\nسَمِعْتُ ابن مَسْعُودٍ﵁- يَقُولُ: \"عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَجْمَعُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺعلى ضلالة\". (^٣) وهذا لاشك له حكم المرفوع، بل هو موافق له تمامًا.\nوعصمة هذه الأمَّة المرحومة إنما هي عصمة عامة تمنعهم من الاجتماعِ على ضلالة؛ أي: إنهم لا يجتمعون على أمرٍ فيه ضلال واضح وبين مخالفٍ للسنَّة يقودُهم إلى الهلكة والضلالة والعمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-18>المبحث الثالث: أهم بواعث جمع أبي بكر﵁</span>-\nوكان من أهم بواعث هذا الجمع وأسبابه ما يلي:\n١ - إن من أهم البواعث التي دفعت الصحابة﵃- لجمع القرآن هو\nانقطاع الوحي من السماء بموت النبيﷺ- ذاك المصاب العظيم والحدث الجلل الكبير والذي يُخشى على القرآن الضياع بسببه.\n٢ - ومن أبرزها كذلك تحري القتل في قراء القرآن وحفاظه يوم اليمامة، ويُخشى بقتلهم ذهاب كتاب ربهم، وهم مع ذلك أيضًا معرضون للتفرق والانتشار في الأمصار للجهاد في سبيل الله، وللدعوة إلى الإسلام ونشره في أرجاء المعمورة، ولتعليم الناس أمر دينهم، لأنهم أمة بلاغ وأمة دعوة وجهاد، لا أمة نوم ورقاد.\nولذا كان من قول عمر لأبي بكر﵄-:\n\"إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن\". فذهاب بعض القراء قد يعني ذهاب الآخرين، فبهذا العمل أمكن تدارك الأمر منذ بدايته. (^٤)\n\"ولقد كانت معركة اليمامة معركة حامية الوطيس استشهد فيها كثير من قراء الصحابة وحفظتهم للقرآن ينتهي عددهم إلى السبعين وأنهاه بعضهم إلى خمسمائة من أجلهم سالم مولى أبي حذيفة. \" (^٥) فتم \" … تسجيل القرآن وتقييده بالكتابة مجموعًا مرتبًا خشية ذهاب شيء منه بموت حملته وحفاظه\". (^٦)\n\n<span data-type='title' id=toc-19>الفصل الثاني\nخصائصه ومزاياه</span>\nوفيه أربعة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-20>المبحث الأول: أبرز مزايا هذا الجمع</span>\nالمبحث الثاني: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي\nالمبحث الثالث: عرض الأقوال الواردة في ترتيب السور مع الترجيح بينها\nالمبحث الرابع: بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبيان مصدره\nويذكر الباحث المباحث الأربعة بشيء من الإيضاح والتفصيل على النحو التالي:\nالمبحث الأول: أبرز مزايا هذا الجمع\nاتسم جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق﵁- بخصائص ومزايا عدة، والتي كان من أبرزها ما يلي إجمالًا:\n_________\n(^١) - حسنه الألباني في الصحيحة (١٣٣١). قال الألباني بعد أن ساق للحديث عدة طرق: \"ورجاله ثقات غير محمد بن إسماعيل بن عياش، قال أبو داود: لم يكن بذاك.\nوقال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئا، حملوه على أن يحدث عنه فحدث.\nقلت (الألباني): فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن. يُنظر: \" الضعيفة \" (١٥١٠) \".\n(^٢) - قال الألباني في صحيح الجامع الصغير: (صحيح) … [ت] عن ابن عمر. المشكاة ١٧٣، السنة ٨٠، طب، ك، هق في (الأسماء) روي أيضًا موقوفًا على ابن مسعود ﵁.\n(^٣) - مصنف ابن أبي شيبة: (٣٧١٩٢)، السنة لابن أبي عاصم: (٨٥)، قال الألباني في ظلال الجنة: \"إسناده جيد موقوف رجاله رجال الشيخين. \"والحديث رواه الطبراني أيضًا من طريقين إحداهما رجالها ثقات كما في \"المجمع\" ٥/ ٢١٩. \"، قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: (ج ٦، ص ٣٢٢): \"إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ. \"\n(^٤) - يُنظر: أضواء على سلامة المصحف الشريف من النقص والتحريف: (ص: ٦١)، و:\n(ص: ٩١). وأصله مروي في البخاري وغيره من حديث زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ وقد سبق تخريجه.\n(^٥) مناهل العرفان: (١/ ٢٤٩). مناهل العرفان في علوم القرآن المؤلف: محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (المتوفى: ١٣٦٧ هـ)، الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه الطبعة: الطبعة الثالثة عدد الأجزاء: ٢\n(^٦) المرجع السابق: (ص: ٣٦)، الوحي والقرآن: (ص: ١٥٠).","vol":"67","page":113},{"text":"أولها: دقته وسلامته\nثانيها: استيفائه لشروط الجمع المتفق عليها وموافقته العرضة الأخيرة\nأبرز سمات وخصائص ومزايا جمع أبي بكر﵁- تفصيلًا:\nأولها: دقته وسلامته\nفقد كان التحري والتدقيق والتثبت والاستيثاق لقرآنية كل ما يُجمع من سور القرآن وآياته وثبوت تواتره ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته فحسب، وتجريده عن كل ما ليس بقرآن،\nهو أبرز خصائص هذ الجمع، وذلك بإجماع الصحابة﵃- ..\nثانيها: استيفائه لشروط الجمع المتفق عليها وموافقته العرضة الأخيرة\nإن كل ما استوفت فيه شروط الجمع المتفق عليها فإنه يضم إلى صحيفة واحدة في مكان واحد وهو ما عِرِف بعد ذلك بالمصحف، وترتب آياته وسوره ترتيبًا مصحفيًا لا ترتيبًا نزوليًا، وذلك وفق العرضة الأخيرة التي أُشِيعَ أن زيد بن ثابت (^١) -﵁ قد شهدها -، وذلك الجمع هو الموافق لما هو مثبت في اللوح المحفوظ.\nثبت عند البخاري وغيره عن عائشة عن فاطمة﵄- أنها قالت:\n\"أسَرَّ إليَّ النبيُّ -ﷺ- أنَّ جبريلَ كانَ يعارضُنِي بالقرآنِ كلَّ سنةٍ وأنهُ عارضَنِي العامَ مرَّتينِ ولا أراهُ إلا حضَرَ أجَلِي\". (^٢) (^٣)\nوفي ذلك يقول أبو عبد الرحمن السُلميّ (ت: ٧٤) - ﵀-:\nقرأ زيد بن ثابت على رَسُول اللهِ -ﷺ- في العام الذي توفَّاه الله فيه مرتين، وإنَّما سمِّيَت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرَسُول اللهِ -ﷺ-، وقرأها عليه وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بِها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف. (^٤)\nوفي نحو ذلك يقول أبو عمرو الداني﵀- في الأرجوزة المنبهة: (^٥)\nوكان يعرض على جبريل … في كل عام جملة التنزيل\nفكان يقريه في كل عرضة … بواحد من الحروف السبعة (^٦)\nحتى إذا كان بقرب الحين … عرضه عليه مرتين (^٧)\nويقول القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ) -﵀-:\n\"وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهدهﷺ-، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور\". (^٨)\nوذلك لأن الدواعي إلى عدم جمعه في موضع واحد مفتقرة إلى ذلك، ولا توجد ضرورة ملحة إليه في ذلك الوقت.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>المبحث الثاني: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي</span>\nوترتيب الآيات في السور أمر توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه البتة:\nقال الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) -﵀-:\nفأما الآيات في كل سورة، ووضع البسملة في أوائلها، فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها. (^٩)\nوقال السيوطي (ت: ٩١١ هـ) - ﵀-:\nالإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات\n_________\n(^١) وثبوت شهود زيد بن ثابت للعرضة الأخيرة محل نظر عند أهل التحقيق لضعف الروايات الواردة فيها، أما الثابت بأسانيد ثابتة صحاح فهو: شهود عبد الله بن مسعود لها، وأما شهود زيد لها فمشتهر فحسب، ومع اشتهاره فالباحث لم يقف على إسناد ثابت صحيح يُعول عليه في شهوده للعرضة الأخيرة إلا ما أشيع في مصنفات علوم القرآن وبعض كتب التفسير.\nولذا قال البغوي في \" شرح السنة\" (٤/ ٥٢٥) يُقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة، التي بُيِّن فيها ما نُسِخ وما بَقِي. فرواها بصيغة التمريض \"يُقال\" ولم يصرح بشهوده لها.\nوما سيُذْكَرُ من شهود زيد للعرضة الأخيرة في طيات البحث فإنما يُذْكَر تمشيًا مع ما أشيع واشتهر واستفاض لا على ما ثبت واستقر، الباحث.\n(^٢) - البخاري المناقب (٣٤٢٦)، مسلم فضائل الصحابة (٢٤٥٠)، الترمذي المناقب (٣٨٧٢)، ابن ماجه ما جاء في الجنائز (١٦٢١)، أحمد (٦/ ٧٧).\n(^٣) - البخاري، فضائل القرآن: ٦/ ١٠١، المناقب، رقم: ٣٣٥٣، مسلم، فضائل الصحابة رقم: ٢٤٥٠، أبو داود رقم: ٥٢١٧، مسند أحمد، رقم: ٢٥٢٠٩، وراجع فضائل القرآن لأبي الفضل الرازي، ص: ٥١، البرهان للزركشي: ١/ ٢٣٢، لطائف الإشارات للقسطلاني: ١/ ٢٣.\n(^٤) - رواه أحمد في مسنده، مسند بني هاشم (١/ ٥٩٨) ح ٣٤١٢، ورواه النسائي في السنن الكبرى كتاب فضائل القرآن (٣/ ٧)، وكتاب المناقب (٤/ ٣٦).\n(^٥) -عثمان بن سعيد بن عثمان، أبو عمرو الداني، القرطبي، علم من أعلام القراء، ثقة حجة في القراءات وعلومها، ولد بدانية من بلاد الأندلس في: ٣٧١ هـ، له أكثر من مائة مؤلف، أشهرها التيسير في القراءات السبع الذي نظمه الشاطبي في اللامية، توفي بدانية في ٤٤٤ هـ، معرفة القراء الكبار: ١/ ٤٠٦، غاية النهاية: ١/ ٥٠٣.\n(^٦) - وهذا التفصيل لا يصح وهو محل نظر عند أهل التحقيق وقد قال به غير واحد من أهل العلم غير الداني. وإذا تأملنا في زمن الاستزادة من الأحرف السبعة تحقق لدينا أن ذلك كان في المدينة قبيل وفاة النبي ﷺ بقرابة عام أو عامين اثنين فكيف كان يعرض عليه في كل عام بحرف من الأحرف السبعة! وهي لم تنزل بعد! وهذا خلف من القول من عَلَمٍ كأبي عمرو الداني، ولكن جل من لا يسهو .. الباحث.\n(^٧) -الأرجوزة المنبهة لأبي عمرو الداني، البيت رقم: (٧٠ - ٧٢)، (ص: ٨٧).\n(^٨) يُنظر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: (٧/ ٤٤٦).\n(^٩) - الزركشي، البرهان في علوم القرآن: (١/ ٢٥٦). البرهان في علوم القرآن المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: ٧٩٤ هـ) المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم الطبعة: الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركائه (ثم صوَّرته دار المعرفة، بيروت، لبنان - وبنفس ترقيم الصفحات) عدد الأجزاء: ٤","vol":"67","page":114},{"text":"توقيفي لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين. (^١)\nويقول السيوطي (ت: ٩١١ هـ) - أيضًا--﵀-:\n\"والذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيئًا، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه، ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى، ورتبه عليه رسوله ﷺ من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخر ولم يؤخر مقدم\". (^٢)\nوقال الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) -﵀-:\nولقد\" انعقد إجماع العلماء على أن ترتيب الآيات في السورة كان بتوقيف من النبي -ﷺعن الله ﷿، وأنه لا مَجال للرأي والاجتهاد فيه، ولم يُعْلَم في ذلك مُخالفٌ\". (^٣)\nوممن قال بالإجماع الذي حكاه السيوطي والزرقاني كذلك كل من:\n١ - ابن قدامة المقدسي (ت: ٦٢٠ هـ) حيث يقول﵀-:\nترتيب الآيات واجب؛ لأن ترتيبها بالنص إجماعًا. (^٤)\n٢ - وأبو جعفر الغرناطي (ت: ٧٠٨ هـ) حيث يقول﵀-:\nاعلم أولًا أن ترتيب الآيات في سورها وقع بتوقيفه وأمرهﷺ-، من غير خلاف في هذا بين المسلمين. (^٥)\n٣ - والملا على القاري (ت: ١٠١٤ هـ) حيث يقول﵀-:\nترتيب الآيات توقيفي، وعليه الإجماع. (^٦)\n٤ - وشهاب الدين النفراوي (ت: ١١٢٧ هـ) حيث يقول﵀-:\nترتيب الآيات توقيفي اتفاقًا. (^٧)\nوقد دل على ذلك أيضًا أدلة كثيرة من السنة الصحيحة الثابتة عن المعصوم -ﷺ- وهي أكثر من أن تُحصى ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:\n١ - منها ما أخرجه البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) إِلَى قَوْلِهِ (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) (البقرة من آية: ٢٤٠) قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا قَالَ تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ. (^٨)\nفردُ عثمانَ بن عفان على ابْن الزُّبَيْرِ يُفهم منه أنهم﵃ أجمعين- يعلمون أماكن ترتيب الآيات فتَرَكَهَا عثمان مكانها مثبتةً لأن القرينة تدل عليها، ولأنه هو الذي تعلموه وهو المعمول به لديهم.\n٢ - ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عمر قال ما سألت النبي - ﷺ- عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال ألا تكفيك آية الصّيْف التي في آخر سورة النساء. (^٩)\nفآية الكلالة مكانها في نهاية سورة النساء وخواتيمها، ولما سأل عمرُ ﵁ رسولَ الله ﷺ- أرشده إلى مكانها في آخر السورة.\nومن هنا يتبين لنا أمران:\nالأمر الأول: أن آيات السورة مرتبة ومتتابعة من أولها وحتى آخرها.\nوالأمر الثاني: أن ترتيب الآيات كان مما يُعَلِّمهُ النبيُ ﷺ- أصحابهَ الكرام ﵃.\n_________\n(^١) -السيوطي، الإتقان في علوم القرآن (١/ ٢١١). ويُنظر: إعجاز القرآن للباقلاني (صـ ٦٠). وأسرار ترتيب القرآن: (صـ ٤١). ومناهل العرفان في علوم القرآن (١/ ٣٤٧). وحاشيه الشهاب على تفسير البيضاوي عنايه القاضي وكفاية الراضي: (١/ ٢٥). وفتح البيان في مقاصد القرآن - أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (١٥/ ٣٠٧).\n(^٢) المرجع السابق: (ص: ١٦٣).\n(^٣) مناهل العرفان للزرقاني: (١/ ٣٤٦).\n(^٤) - كشاف القناع عن متن الإقناع: (١/ ٣٤٤). ويُنظر: المبدع في شرح المقنع (١/ ٤٣٣). والإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل: (١/ ١١٩).\n(^٥) - البرهان في تناسب سور القرآن - حمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي، أبو جعفر: (صـ ١٨٢).\n- أخرجه البخاري في الصحيح برقم (٤٥٣٦).\n(^٦) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - الملا علي بن سلطان محمد القاري: (٤/ ١٥٢٠). مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح المؤلف: علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: ١٠١٤ هـ) الناشر: دار الفكر، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م عدد الأجزاء: ٩\n(^٧) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: ١/ ٥٦، ٦٦. الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني المؤلف: أحمد بن غانم (أو غنيم) بن سالم ابن مهنا، شهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: ١١٢٦ هـ) الناشر: دار الفكر الطبعة: بدون طبعة تاريخ النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م عدد الأجزاء: ٢\n(^٨) أخرجه البخاري في الصحيح برقم (٤٥٣٦).\n(^٩) رواه مسلم برقم (١٦١٧).","vol":"67","page":115},{"text":"٣ - ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء مرفوعًا من حفظ عشر آيات من أول الكهف عصم من الدجال وفي لفظ عنده من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف. (^١)\nفقوله: (من أول الكهف) وقوله: (العشر الأواخر) واضح الدلالة على ترتيب آيات السورة كما هو شأن آيات القرآن قاطبة.\nوكذلك\" قراءته ﷺ للسور المختلفة بمشهد من الصحابة يدلّ على أن ترتيب آياتها توقيفي وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبًا سمعوا النبيﷺ- يقرأ على خلافة فبلغ ذلك مبلغ التواتر. \" (^٢)\n٤ - ومنها ما ثبت عند البخاري من حديث عائشة ﵂، (أنها) قالت: سمع النبيُ ﷺ رجلًا يقرأ في المسجد، فقال: \"﵀، لقد أَذْكَرَنِي كذا وكذا آية، أَسْقَطْتُهُنَّ من سورة كذا، وكذا\" (^٣).\nفهذا الحديث وأضرابه مما يُستدل به على تعليمه ﷺ أصحابه- رضوان الله عليهم- أماكن الآيات وترتيبها في السور وأنه أمر توقيفي لا محيد عنه ولا محيص.\nوهناك أدلة كثيرة جدًا تقرر هذه المسألة، فسماع النبي ﷺ للقرآن من أصحابه مرتب الآيات وإقراره ﷺ لقراءتهم، وكذلك صلاته بهم على مدار مرحلة نزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة وقد تكرر ذلك تكرارًا ومرارًا وهو معلوم في دواوين السنة، ففي الإشارة إليه غنية وكفاية.\nومن أراد زيادة فائدة في هذا الباب فليراجع فضائل قراءة بعض آيات من القرآن بعينها في مظانها من كتب السنة كفضل فاتحة الكتاب وهي أكثر من أن تحصى، وكفضائل الآيتين الآخرتين من سورة البقرة (^٤)، وكفضل العشر آيات الأُول من سورة الكهف (^٥) وكذلك ما واظب رسول الله ﷺ على قراءته لبعض سور القرآن ولم يغير في آياتها أي شيء، لا بتقديم ولا بتأخير، وذلك كقراءته لسور البقرة، والنساء، وآل عمران، وقراءته، لسورة \"ق\" في العيد. (^٦) وكذلك من فوق المنبر وفي الصلاة كذلك، كما كان يقرأ بـ\"المنافقون\" في الجمعة (^٧).\nوالنبي ﷺ مع مواظبته على قراءة هذه السور والآيات فقد واظب ﷺ- كذلك على ترتيبها، فإنه لا يُعْلَم عنه ﷺ أنه غير شيئًا منها البتة.\nولا ريب أن فعله ﷺ هذا من أوضح البراهين على أن هذا الترتيب هو ما وافق ترتيبه في اللوح المحفوظ والذي تلقاه عن جبريل﵇-.\nأدلة أخرى تؤكد على أن ترتيب الآيات توقيفي:\nومما يؤكد على أن ترتيب الآيات ترتيب توقيفي كذلك ويبرهن عليه نزول عدد من سور القرآن جملة ودفعة واحدة.\nوفي تقسيم نزول سور القرآن يذكر السيوطي النوع الثاني، وهو النوع الذي نزل جملة واحدة فيقول﵀-:\n\" … وَمِنْ أَمْثِلَةِ الثَّانِي: - ما نزل جملة واحدة - سُورَةُ الْفَاتِحَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْكَوْثَرِ وَتَبَّتْ وَلَمْ يَكُنْ وَالنَّصْرُ وَالْمُعَوِّذَتَانِ نَزَلَتَا مَعًا. وَمِنْهُ سُورَةُ الصَّفِّ. (^٨)\nونسوق بعض الأدلة الصحيحة الثابتة في نزول بعض السور جملة واحدة،\n_________\n(^١) - رواه مسلم برقم (٨٠٩).\n(^٢) - يُنظر: الإتقان: (١/ ٦٢ - ٦٥).\n(^٣) أخرجه البخاري كتاب فضائل القرآن باب من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا وكذا ٦/ ١٩٤ ح رقم ٥٠٤٢ ومسلم ٣٣ كتاب صلاة المسافرين ٣٣ - باب الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول نسيت آية كذا، وجواز قول أنسيتها ١/ ٥٤٣ ح رقم ٧٨٨.\n(^٤) يُنظر: مسلم في صحيحه برقم: ٨٠٩، وغيرهم.\n(^٥) يُنظر: البخاري في صحيحه برقم: (٥٠٠٨ - ٥٠٠٩ - ٥٠٤٠)، ومسلم برقم: (٨٠٧).\n(^٦) رواه مسلم برقم: (٨٩١)، وغيره.\n(^٧) -يُنظر: مسلم برقم: (٨٧٧)، وغيره من حديث أبي هريرة.\n(^٨) الإتقان: (١/ ١٣٦ - ١٣٧). بتصرف.","vol":"67","page":116},{"text":"فمن تلك السور التي نزلت جملة واحدة سورة براءة:\nفقد روى البخاري في صحيحه عَنِ البَرَاءِ﵁-، قَالَ: \" آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً بَرَاءَةٌ\". (^١)\nوقد رواه البخاري كذلك (^٢) بلفظ: \" آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ … \"\nدون لفظة \" كاملة \".\nوقد ذهب بعض العلماء إلى أن سورة براءة نزلت مفرقة ولم تنزل جملة واحدة مدعين عدم صحة لفظة \"كاملة \".\nقال بدر الدين العيني﵀-:\n\"قَوْله: (كَامِلَة) قَالَ الدَّاودِيّ: لفظ: كَامِلَة، لَيْسَ بِشَيْء لِأَن بَرَاءَة نزلت شَيْئًا بعد شَيْء، قلت: وَلِهَذَا لم يذكر لفظ: كَامِلَة، فِي هَذَا الحَدِيث فِي التَّفْسِير، وَلَفظه هُنَاكَ: آخر سُورَة نزلت بَرَاءَة \". (^٣)\nولكن الطاهر بن عاشور ذكر في \"التحرير والتنوير\" أنها نزلت دفعة واحدة وقد عزا هذا القول لجمهور العلماء. (^٤)\nومن تلك السور التي نزلت جملة واحدة كذلك سورة الفتح:\nفقد روى البخاري في صحيحه عن عمر﵁- عن النبي - ﷺ- قَالَ: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ، لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) ثُمَّ قَرَأَ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) (الفتح: ١). (^٥)\nومن تلك السور التي نزلت جملة واحدة كذلك سورة البينة:\nفعَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَبَّةَ الْبَدْرِيَّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب) [البينة: ١] إِلَى آخِرِهَا، قَالَ جِبْرِيلُ﵇-: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَهَا أُبَيًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: (إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ) قَالَ أُبَيٌّ: وَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (نَعَمْ) قَالَ: فَبَكَى أُبَيٌّ. (^٦)\nوكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورة الْكَوْثَر:\nفعن أنس، قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله قال: \"أنزلت علي آنفًا سورة\" فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (الكوثر كاملة: ١ - ٣). (^٧)\nوكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورة النصر:\nفعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قال لي ابن عباس: تعلم آخر سورة نزلت من القرآن، نزلت جميعًا؟ قلت: \" نعم، إذا جاء نصر الله والفتح \"، قال: صدقت. (^٨)\nوكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورة المسد:\nثبت في الصحيحين من حديث عَنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّﷺ- الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: (يَا صَبَاحَاهْ)، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، قَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ، أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟)\nقَالُوا: بَلَى، قَالَ: (فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) (المسد: ١). (^٩)\n_________\n(^١) رواه البخاري: (٤٣٦٤).\n(^٢) رواه البخاري: (٤٦٠٥).\n(^٣) - عمدة القاري: (١٨/ ١٨).\n(^٤) - التحرير والتنوير: (١٠/ ٩٧).\n(^٥) رواه البخاري: (٤١٧٧).\n(^٦) رواه أحمد في المسند: (١٦٠٠١)، وقال محققوه): حديث صحيح لغيره (. وأصله في البخاري: (٣٨٠٩)، ومسلم: (٧٩٩)، من حديث أنس.\n(^٧) أخرجه مسلم في ٤ - كتاب الصلاة ١٤ - باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة ١/ ٣٠٠ ح رقم ٤٠٠.\n(^٨) صحيح مسلم في صدر كتاب التفسير ٤/ ٢٣١٨ ح رقم ٣٠٢٤.\n(^٩) - رواه البخاري: (٤٨٠١)، ومسلم: (٢٠٨).","vol":"67","page":117},{"text":"وكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورتا المعوذتين:\nفعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. (^١)\nوالخلاصة فيما سبق:\nأن نزول كثير من سور قصار المفصل نزلت جملة واحدة هو أمر ثابت بأدلة صحيحة صريحة، كالفاتحة والقدر والماعون والمسد والكوثر والفيل والنصر والكافرون والإخلاص والفلق والناس. وكذا الفتح.\nوأما ما ذكره بعض أهل التفسير من أن سورًا عدة قد نزلت جملة واحدة كذلك ولا سيما من الطوال، فإن أغلب تلك الأقوال محل نظر واجتهاد والخلاف فيها معلوم لأنها أقوال اجتهادية لم تنهض بها حجة واضحة من دليل صحيح صريح ثابت، ولذا لم يذكر الباحث إلا ما ثبت لديه بالدليل الصحيح الثابت الصريح.\nهذا: ولابد أن يُعلم أن الأصل في القرآن الكريم أنه جُمع ورتب على أساس موافقته للعرضة الأخيرة، وقد استقرت العرضة الأخيرة لما هو مثبتٌ وموافق لما في اللوح المحفوظ كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-22>المبحث الثالث: عرض الأقوال الواردة في ترتيب السور مع الترجيح بينها</span>\nيقول السيوطي﵀- في الإتقان عن الخلاف في ترتيب السور:\nوأما ترتيب السور على ما هي عليه الآن في المصحف، فقد اختلف فيه أهل هذا الشأن على ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: وهو مذهب الجمهور الذي يرى أن ترتيب السور هو أمر توفيقي من اجتهاد الصحابة، حيث إن النبي ﷺ فوَّضَ ذلك إلى أمته من بعده. ومن أبرز من نحا إلى هذا الرأي الإمام مالك.\nالمذهب الثاني: يرى أن هذا الترتيب توقيف من النبي ﷺ، وبه قالت طائفة من أهل العلم.\nالمذهب الثالث: يجنح إلى أن ترتيب أغلب السور كان بتوقيف من النبي ﷺ وعلم ذلك في حياته، وأن ترتيب بعض السور كان باجتهاد من الصحابة. (^٢)\nمر بنا آنفًا ما ذكره السيوطي من أقوال العلماء في القول بترتيب السور إجمالًا، والخلاف في هذه المسألة واسع جدًا وله أهميته الكبرى لتعلقه بأمر عظيم يتعلق بكلام الله تعالى، وقد ساق أصحاب كل قول أدلة ما يترجح لديهم القول به، ومن تكلم في هذه المسألة أئمة كبار ممن يُعتد برأيهم، والموضوع ليس بحثًا رئيسًا في موضوع بحثنا، والباحث لم يسق أدلة كل فريق لمناقشتها مخافة الإطالة في بحث هو جانبي عن موضوع البحث الرئيس، وإن كان من الأهمية الكبرى بمكان، لمكانته وقدره\n_________\n(^١) - أخرجه مسلم ٦ - كتاب المسافرين وقصرها ٤٦ - باب فضل قراءة المعوذتين ١/ ٥٥٨ ح رقم ٨١٤.\n(^٢) البرهان (١/ ٢٥٨).","vol":"67","page":118},{"text":"وقدر متعلقه ألا وهو كتاب الله تعالى.\nوالكثير من الأئمة يرى أن ترتيب سور القرآن الكريم كان ترتيبًا توقيفيًا كما كان ترتيب آياته كذلك، وقد ساقوا من الأدلة الواضحات والحجج الدامعات ما يجعل الباحث يقف عندها طويلًا ويعيد التأمل والبحث والنظر فيها كثيرًا،\nومن أبرز هذه الأقوال ما يلي:\nالقول الأول: قول الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) في البرهان - ﵀-:\n\"قال بعض مشايخنا المحققين: قد وهم من قال: لا يطلب للآية الكريمة مناسبة لأنها على حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلًا وعلى حسب الحكمة ترتيبًا، فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف … قلت: وهو مبني على أن ترتيب السور توقيفي وهذا الراجح. (^١)\nولاشك أن مثل قول الزركشي له قيمته العلمية وله مكانته وقدره كذلك، لكونه قد ناقش أدلة كل فريق من جهة، ولتمكنه من هذا العلم من جهة ثانية.\nالقول الثاني: قول السيوطي (ت: ٩١١ هـ) في الإتقان﵀-:\n\"ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت وَلاءً \"يعني متوالية\" وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات وَلاءً، بل فصل بين سورها وفصل بين \"طسم\" الشعراء و\"طسم\" القصص بـ \"طس\" مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهادًا لذكرت المسبحات وَلاءً، وأخرت \"طس\" عن القصص\". (^٢)\nالقول الثالث: قول أبي بكر الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) حيث يقول﵀-:\n\"اتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن\". (^٣)\nالقول الرابع: قول الكرماني: (ت: ٨٩٣ هـ) - ﵀-:\n\"ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب\". (^٤)\nالقول الخامس: قول شرف الدين الطيبي (ت: ٧٤٣ هـ) كذلك﵀-:\n\"أنزل القرآن أولا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل مفرقًا على حسب المصالح، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ. \". (^٥)\nالقول السادس: قول محب الدين النُّوَيْري (ت: ٨٥٧ هـ) حيث يقول﵀-:\nوإنما أمرهم-عثمان- بالنسخ من الصحف؛ ليستند مصحفه إلى أصل أبى بكر المستند إلى أصل النبي ﷺ، وعيّن زيدًا لاعتماد أبى بكر وعمر عليه، وضم إليه جماعة مساعدة له، ولينضم العدد إلى العدالة، وكانوا هؤلاء؛ لاشتهار ضبطهم ومعرفتهم. وكتبوه مائة وأربعة عشر سورة، أولها \"الحمد\" وآخرها \"الناس\" على هذا الترتيب. (^٦)\nيتضح من كلام النويري أنه يرى بأن نسخ أبي بكر كان كاملًا مرتب الآيات\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن (١/ ٣٧). وانظر: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: ١/ ٥٦. والكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم: ١٠/ ٧٦.\n(^٢) الإتقان: السيوطي ج ١ ص ٦٣.\n(^٣) الإتقان: السيوطي ج ١ ص ٦٢.\n(^٤) -البرهان: الزركشي ج ١ ص ٢٥٩، والإتقان للسيوطي ط ١ ص ٦٢.\n(^٥) الإتقان: السيوطي ج ١ ص ٦٢\n(^٦) - شرح طيبة النشر (١/ ١٠٩).","vol":"67","page":119},{"text":"والسور أيضًا، وأنه استند إلى المكتوب، والمحفوظ عن رسول الله ﷺ، لا فرق بين الآيات والسور في التوقيف، ولذا أمرهم-عثمان- بالنسخ منه.\nالقول السابع: قول أبي جعفر النحاس (ت: ٣٣٨ هـ) حيث يقول﵀-:\n\"إن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول اللهﷺ- (^١).\nالقول الثامن: قول أبي الحسن ابن الحصَّار (ت: ٦٢٠ هـ) حيث يقول﵀-:\n\"ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحي\". (^٢)\nالقول التاسع: قول البغوي (ت: ٥١٦ هـ) حيث يقول﵀-:\nإن الصحابة﵃-، جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله ﷾ على رسوله ﷺ، من غير أن زادوا فيه، أو نقصوا منه شيئًا … فكتبوه كما سمعوا من رسول الله ﷺ، من غير أن قدموا شيئًا أو أخروا … فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد، لا في ترتيبه، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على الترتيب الذي هو في مصاحفنا، أنزله الله تعالى جملة واحدة في شهر رمضان ليلة القدر إلى السماء الدنيا، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: ١) (^٣).\nكلام البغوي في غاية الدقة، فهو يرى أن القرآن الذي في أيدينا ما زال كما كان في اللوح المحفوظ، فكان مرتبًا، ونزل مرتبًا إلى السماء الدنيا بكامل آياته وسوره، وأنه وإن نزل منجمًا بعد ذلك على رسول الله ﷺ، فقد جُمع بالوحي كما كان في اللوح المحفوظ، وكتبه الصحابة﵃- على هذا الجمع الذي تعلموه من رسول الله ﷺ.\nالقول العاشر: قول الملا علي القاري (^٤) حيث يقول﵀-:\nمع أن الأصح أن ترتيب السور توقيفي أيضًا، وإن كانت مصاحفهم مختلفة في ذلك قبل العرضة الأخيرة … ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت وَلَاءً، وكذلك الطواسين، ولم يرتب المسبحات وَلَاءً، بل فصل بين سورها، وكذا اختلاط المكيات بالمدنيات (^٥).\nوفي قول ودليل \"علي القاري\"، يتضح أن الترتيب وإن لم يرد فيه نص نظري لكنه كان أوكد من خلال التأمل في التطبيق العملي، الذي يوحي بما لا يدع مجالًا للشك بأن الترتيب كان توقيفيًا. وكلامه فحواه مقتبس من قول السيوطي. ولما سبق لم يتردد العلماء في ترجيح هذا الرأي القائل بالتوقيف، فقد قال أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي: والصحيح أن ترتيب السور والآيات أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه. (^٦)\nومما نُظم وقيل في ذلك قولُ أبي الحسن بن الحصار (ت: ٦٢٠ هـ) في كتابه \"الناسخ والمنسوخ \":\n_________\n(^١) -البرهان: الزركشي ج ١ ص ٢٥٩، والإتقان للسيوطي ط ١ ص ٦٢.\n(^٢) - الإتقان: السيوطي ج ١ ص ٦٢.\n(^٣) شرح السنة للبغوي: (٤/ ٥٢١). ويُنظر: المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود: ٥/ ٢٠٦.\n(^٤) - الملا على القارئ: (ت. ١٠١٤ هـ - ١٦٠٦ م)، هو الشيخ الفقيه المحدث المقرئ نور الدين أبو الحسن علي بن سلطان محمد، القارئ الهروي المكي المعروف بـ \" الملّا علي القاري \". لقب بالقاري؛ لكونه عالمًا بالقراءات، والهروي: نسبة إلى مدينة هراة، من أمهات مدن خراسان، وهي ضمن جمهورية أفغانستان الحالية.\nوالمكي: نسبة إلى مكة أم القرى؛ لأنه رحل إليها وأخذ عن مشايخها واستوطنها حتى توفي بها.\nولد في مدينة هراة في حدود سنة ٩٣٠ هجرية، وبها نشأ، وطلب العلم، وحفظ القرآن الكريم، وجوده على شيخه المقرئ معين الدين بن الحافظ زين الدين الهروي، وتلقى مبادئ العلوم الشرعية عن شيوخ عصره.\nثم رحل إلى مكة، حيث استقر بها، ولازم بها العلماء سنوات طويلة، واستمر في التحصيل، حتى صار من العلماء المشهورين.\nوكان ﵀ حنفي المذهب، كما هو معروف من مصنفاته، وسيرة حياته، وأسهم في تحرير كثير من مسائل المذهب الحنفي، وتأييدها بالأدلة الشرعية.\nوكان ﵀ معروفًا بالتدين والتورع والتعفف، وكان يأكل من عمل يده، متقللًا من الدنيا، غلب عليه الزهد والعفاف والرضا بالكفاف.\nوكان قليل الاختلاط بالناس، كثير العبادة والتقوى، وكان يكتب كل عام مصحفًا بخطه الجميل، ويهمشه بالقراءات والتفسير، فيبيعه ويكفيه قوتًا عامه كله.\nوكان يرى أن التقرب إلى الحكام وقبول منحهم يضر بالإخلاص والورع.\nوكان يقول: \" رَحِمَ اللَّهُ وَالِدِي، كَانَ يَقُولُ لِي: مَا أُرِيدُ أَنْ تَصِيرَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، خَشْيَةَ أَنْ تَقِفَ عَلَى بَابِ الْأُمَرَاءِ\". انتهى من \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣١١).\nوللاستزادة من سيرته وأخباره يُنظر:\n- الأعلام\" للزركلي (٥/ ١٢ - ١٣).\n- التعليق الصبيح على مشكاة المصابيح\" للكاندهلوي (ص ٦).\n- التعليقات السنية\" للكنوي (ص ٨ - ٩).\n- الملا علي القاري فهرس مؤلفاته وما كتب عنه\" لمحمد عبد الرحمن الشماع.\n(^٥) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري: (٤/ ١٥٢٢).\n(^٦) - الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد: أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي: ١٨/ ١٧٤. ويُنظر: فتح البيان في مقاصد القرآن - محمد صديق خان: ١/ ٣١ و١٥، ٣٠٧. وحاشية الشهاب على تفسير البيضاوي: ١/ ٢٥. وتفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن: المقدمة: ٩٦. والتفسير من سنن سعيد بن منصور: ١/ ٢٣٩. ومرعاة المصابيح شرح مشكاة المصابيح: ٧/ ٣٣٤.","vol":"67","page":120},{"text":"يا سائلي عن كتاب الله مجتهدًا … وعن ترتيب ما يتلى من السور\nوكيف جاء بها المختار من مضر … صلى الإله على المختار من مضر (^١)\nفابن الحصار يشير إلى أن ترتيب السور جاء بها النبيﷺ- وهي إشارة واضحة الدلالة من كلامه بأن ترتيب السور توقيفي منهﷺ-\nالقول الحادي عشر: جملة من أقوال بعض المعاصرين\nوقد رجح جمع من المعاصرين القول بالتوقيف كذلك، وهم على سبيل المثال لا الحصر على نحو التالي:\n\"جاء في التفسير الوسيط: ترتيب السور على ما جاء في المصحف الشريف بأمر الله ﷿ (^٢).\n١ - قال صاحب التفسير الوسيط:\nوالذي تميل إليه النفس أن ترتيب السور توقيفي، وأن كل سورة لها موضوعاتها التي نراها بارزة بصورة تميزها عن غيرها (^٣).\n٢ - وقال وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ (ت: ١٤٣٦ هـ):\nولا خلاف بين العلماء في أن ترتيب آيات السور توقيفي منقول ثابت عن النّبي ﷺ، كما أن ترتيب السور أيضًا توقيفي على الراجح (^٤).\nوممن قال به كذلك من المعاصرين محمد عبد الله دراز، أحمد شاكر.\nومن أبرز ما استدل به بعض هؤلاء على توقيف الترتيب المصحفي ما يلي:\n١ - إجماع الصحابة﵃- على ترتيب السور في المصحف العثماني،\nإذ لو كان هذا الترتيب ترتيبًا اجتهاديًا لما أجمعوا عليه ولتمسكوا بمصاحفهم ولما قدموها للحرق، ولما اجتمعوا على المصحف الإمام.\nولقد\" قام عثمان بن عفان﵁- بإحراق المصاحف التي وقع فيها الاختلاف، وأبقى لهم المتفَق عليه، كما ثبت في العَرْضة الأخيرة\". (^٥)\nوقد ثبت عند البخاري عن أنس بن مالك - ﵁-، أن حذيفة بن اليمان - ﵁- قدم على عثمان - ﵁-، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أنْ أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم (يعني ابتداءً)، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. (^٦) (^٧)\n_________\n(^١) وللاستزادة ينظر: الإتقان للسيوطي (١/ ٤٤).\n(^٢) - مجمع البحوث (١٠/ ٢٠٤٣).\n(^٣) التفسير الوسيط لـ محمد سيد طنطاوي (ت: ١٤٣١ هـ): (٦/ ٩)، وهذا التفسير تارة ينسب لـ\"طنطاوي\"، وتارة أخرى ينسب لمجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، كما هو الحال في طبعة: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية الطبعة: الأولى، (١٣٩٣ هـ = ١٩٧٣ م) - (١٤١٤ هـ = ١٩٩٣ م) عدد المجلدات: ١٠\n(^٤) - التفسير المنير للزحيلي (١/ ٢٣). يُنظر: الموسوعة الفقهية الكويتية: ١٤/ ١٨١.، الموسوعة الفقهية الكويتية صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت عدد الأجزاء: ٤٥ جزءا الطبعة: (من ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ) .. الأجزاء ١ - ٢٣: الطبعة الثانية، دار السلاسل - الكويت .. الأجزاء ٢٤ - ٣٨: الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة - مصر .. الأجزاء ٣٩ - ٤٥: الطبعة الثانية، طبع الوزارة، وينظر: ترتيب آيات وسور القرآن الكريم-الدكتور محمد أبو زيد عن موقعه. بتصرف\n(^٥) البداية والنهاية: لابن كثير: (٧/ ١٧٨). البداية والنهاية المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) الناشر: دار الفكر عام النشر: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م عدد الأجزاء: ١٥\n(^٦) رواه البخاري، حديث: (٤٩٨٧).\n(^٧) - قال عمر بن علي بن أحمد الشافعي، المعروف بابن الملقن: (ت: ٨٠٤ هـ)\nمعنى (يغازي) يغزو، وإرمينية: بكسر أوله، وفتحه ابن السمعاني، وتخفف ياؤها وتشدد كما قاله ياقوت، وقال صاحبا \"المطالع\": بالتخفيف لا غير. وقال أبو عبيد: بلد معروف سميت بكون الأرمن فيها، وهي أمة كالروم، وقيل: سميت بأرمون بن لمطي بن يومن بن يافث بن نوح. قال أبو الفرج: ومن ضم الهمزة غلط، قال: وبكسرها قرأته عَلَى أبي منصور اللغوي؛ وقال: هو اسم أعجمي، وأقيمت -كما قال الرشاطي- سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان على يد سليمان بن ربيعة الباهلي. قال: وأهلها بنو الرومي بن إرم بن سام بن نوح.\nوأذربيجان - بفتح أوله بالقصر والمد، وبفتح الباء وكسرها، وكسر الهمزة أيضًا، حكاه ابن مكي في \"تنقيبه\"- بلد بالجبال من بلاد العراق يلي كور إرمينينة من جهة المغرب. وقال أبو إسحاق البحيري: الفصيح ذربيجان. وقال الجواليقي: الهمزة في أولها أصلية، لأن أذر مضموم إليه الآخر. يُنظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح: (٢٤/ ٢٠ - ٢٥).","vol":"67","page":121},{"text":"قال علي بن أبي طالب - ﵁-:\n\" يا أيها الناس، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعًا \". (^١)\nوقول علي بن أبي طالب - ﵁- يدل على أنهم قد أجمعوا عليه إجماعًا سكوتيًا﵃ أجمعين-.\nموقف ابن مسعود﵁-:\nقال ابن كثير﵀-:\n\"روي عن عبدالله بن مسعود أنه غضب لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلَّم في تقدُّم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف، فكتب إليه عثمان بن عفان﵁ يدعوه إلى اتِّباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب عبدالله بن مسعود، وأجاب إلى المتابعة، وترك المخالفة﵃ أجمعين-\". (^٢)\nوكذلك إجاب ابن مسعود﵁- إلى المتابعة في تقديم مصحفه للحرق تعزز ما ذكرناه آنفًا من قول على بن أبي طالب﵁- تقوى وتؤكد وتعزز القول بالإجماع السكوتي من جهة، وتقرر الإجماع الفعلي من جهة أخرى كذلك، فرضي الله عنهم أجمعين.\nوفي ذلك يقول الزرقاني- (ت: ١٣٦٧ هـ) في مناهله-وهو يستعرض أدلة القائلين بالتوقيف:\n\"إن ترتيب السور كلها توقيفي بتعليم الرسولﷺ - كترتيب الآيات وأنه لم توضع سورة في مكانها إلا بأمر منه - ﷺ -. واستدل أصحاب هذا الرأي بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان ولم يخالف منهم أحد. وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم. لكنهم لم يتمسكوا بها بل عدلوا عنها وعن ترتيبهم وعدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه جميعا. ثم ساقوا روايات لمذهبهم كأدلة يستند إليها الإجماع\". (^٣)\nفلو سلمنا جدلًا أن ترتيب المصحف كان في أول أمره ترتيبًا اجتهاديًا لا توقيفيًا، لقلنا إن إجماع الأمة قد استقر على الترتيب المصحفي، حتى إن كُتب التفسير كلها على هذا الأمر لا نعلم منها أي مخالف عند السلف والخلف، لكن شذ عن ذلك ثلاثة نفر من المعاصرين، وسيأتي ذكرهم في المبحث القادم بإذن الله تعالى، فلا يجوز والحال كذلك خرق هذا العمل الذي أجمعت الأمة عليه، وإنما المعنى بذلك هو كتب التفسير، لأن أمر المصاحف لا يتجرأ أحدُ على مخالفته البتة إلا مما نادى بعض المستشرقين كما سيأتي بيانه.\n٢ - تحزيب الصحابة﵃- للقرآن\nومما استدلوا به كذلك على أن ترتيب السور توقيفي تحزيب القرآن وفي ذلك\nيقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) -رحمه الله تعالى:\n\"ومما يدل على أن ترتيب\n_________\n(^١) المصاحف،؛ لابن أبي داود صـ ٩٦.\n(^٢) - البداية والنهاية؛ لابن كثير: (٧/ ٢٢٨). بتصرف يسير.\n(^٣) - يُنظر: مناهل العرفان: (١/ ٣٥٤)","vol":"67","page":122},{"text":"المصحف كان توقيفيًّا ما أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أوس بن أبي أوس حذيفة الثقفي قال: كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف … وفيه … فسألنا أصحاب رسول الله -ﷺ - قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من \"ق\" حتى نختم\". ثم قال ابن حجر: \"فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبيﷺ - \". (^١)\nوهذا أيضًا دليل واضح جلي ذكره الحافظ في الفتح واستدل به على أن ترتيب السور على ما هو عليه في المصحف الأن كان كذلك في عهد تنزله الأول على عهد النبي -ﷺ-.\n٣ - النظم الترتيبي لبعض السور المتشابهة في مفتتحها، وفي ذلك يقول السيوطي -رحمه الله تعالى-:\n\"ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت وَلاءً \"يعني متوالية\" وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات وَلاءً، بل فصل بين سورها وفصل بين \"طسم\" الشعراء و\"طسم\" القصص بـ \"طس\" مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهادًا لذكرت المسبحات وَلاءً، وأخرت \"طس\" عن القصص\". (^٢) وقد مر ذكره عند عرض أقوال القائلين بتوقيف ترتيب السور.\nوهذا الترتيب الدقيق الذي ذكره السيوطي للسور المتشابهات في مفتتحها ومطلعها وصفة ترتيبها وتتابعها بتك الدقة المتناهية من سور \"آل حميم\" وسور \"آل طسم\"، إذ إن سور \"آل حم\" السبع رتبت ترتيبًا متواليًا وكذلك سور \"آل طسم\" الثلاث، وأما سور المسبحات السبع فرغم تشابه مفتتحها فإنها لم تأت متوالية. وقوله: (وأخرت طس) يعني النمل المفتتحة بـ (طس) فقد أخرت عن القصص فجاءت بعدها، وقد وقعت بين سورتي الشعراء والقصص المتشابهتين في الافتتاح بـ (طسم)، فدلل بذلك على أن ترتيب السور توقيفي بلا شك، وهذا استدلال من السيوطي له قوته ووجاهته وحجيته.\nوسور الحواميم هي: سور ذَوات \"آل حم\".\nوسور الطواسين أو الطواسيم هي: السور ذَوات \"آل طسم \". وقد جُمِعَتْ على غيرِ قِياس.\nأما سور \"آل حم\": فهي سور \"آل حم\" السبع التي افتتحت بـ\"حم\" وهي سور:\n١ - غافر\n٢ - فصلت\n٣ - الشورى\n٤ - الزخرف\n٥ - الدخان\n٦ - الجاثية\n٧ - الأحقاف.\nقال الكميت بن يزيد (^٣):\nوجدنا لكم في آل حاميم آية … تأوّلها منّا تقيّ ومعرب (^٤)\nوهي على الترتيب المصحفي على النحو التالي:\nالأولى: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢» [غافر].\nالثانية: (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢» [فصلت].\nالثالثة: (حم (١) عسق (٢» [الشورى].\n_________\n(^١) - فتح الباري: ابن حجر العسقلاني ج ٩ ص ٤٢، ٤٣.\n(^٢) - الإتقان: السيوطي ج ١ ص ٦٣.\n(^٣) -الكميت بن زيد الأسدي وكنيته أبو المستهل، (٦٠ هـ - ١٢٦ هـ) شاعر عرب من قبيلة بني أسد ومن أشهر شعراء العصر الأموي، سكن الكوفة واشتهر بالتشيع وقصائده في ذلك المسماة بالهاشميات. يُنظر الموسوعة الحرة-ويكيبيديا.\n(^٤) - البيت للكميت بن زيد الأسدي، مجاز القرآن لأبي عبيدة: (٢١٨ - ١) وديوانه طبعة الموسوعات بالقاهرة ١٨. وآل حاميم وذوات حاميم: السور التي أولها\" حم\" نص الحريري في درة الغواص، على أنه يقال: آل حاميم، وذوات حاميم، وآل طسم، ولا يقال: حواميم ولا طواسيم.","vol":"67","page":123},{"text":"الرابعة: (حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢» [الزخرف].\nالخامسة: (حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢» [الدخان].\nالسادسة: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢» [الجاثية].\nالسابعة: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢» [الأحقاف]\n\"وقد تجعل \"حم\" اسمًا للسورة ويدخل الإعراب ولا يصرف\". (^١)\nوأما سور \"آل طسم\": فهي السور المفتتحة بـ (طسم) أو (طس)، وهي ثلاث سور:\n١ - الشعراء\n٢ - والنمل\n٣ - والقصص.\nوهي على الترتيب المصحفي على النحو التالي:\nالأولى: (طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) [الشعراء].\nالثانية: (طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ) (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢» [النمل].\nالثالثة: (طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢» [القصص].\nأنشد أبو عبيدة:\nوبالطّواسيم الّتي قد ثلّثت … وبالحواميم الّتي قد سبّعت (^٢)\nوهو يعني بقوله: \" قد ثلّثت\" أنها ثلاث سور، وبقوله: \" قد سبّعت \"أنها سبع سور.\nوأما المسبحات فهي السور المفتتحة بالتسبيح، وهي سبع سور:\n١ - الإسراء.\n٢ - الحديد.\n٣ - الحشر.\n٤ - الصف.\n٥ - الجمعة.\n٦ - التغابن.\n٧ - الأعلى.\nوهي على الترتيب المصحفي على النحو التالي:\nالأولى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) (١) [الإسراء].\nالثانية: (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١) [الحديد].\nالثالثة: (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١) [الحشر].\nالرابعة: (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١) [الصف].\nالخامسة: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (١) [الجمعة].\nالسادسة: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١) [التغابن].\nالسابعة: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (١) [الأعلى].\nوبعد بيان استعراض أقوال وأدلة القائلين بالقول بأن ترتيب السور توقيفي والحكم عليها يتبين لنا ما يلي:\n_________\n(^١) - يُنظر: زاد المسير: ٧/ ٢٠٤ - ٢٠٥. زاد المسير في علم التفسير المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ\n(^٢) - يُنظر: زاد المسير: ٧/ ٢٠٤ - ٢٠٥، جمال القراء: ١/ ٣٤ - ٣٦.","vol":"67","page":124},{"text":"أولًا: قوة أدلتهم وحجيتها ووجاهتها ورجحانها\nثانيًا: أن ترتيب السور المصحفي الذي استقر عليه المصحف الإمام هو الموافق لما هو مثبت في اللوح المحفوظ بلا شك وهو الذي أجمع عليه الصحابة - ﵃ - وتلقته الأمة بالقبول وعليه يجب التمسك والاعتصام والعمل به وعدم الحيد عنه سواء كان هذا الترتيب ترتيبًا توقيفيًا أم ترتيبًا اجتهاديًا، مع رد الدعوات المغرضة المنادية بإعادة ترتيب المصحف ترتيبًا نزوليًا أو ترتيبًا موضوعيًا ورد أي دعوة مماثلة لتك الدعاوي الباطلة الهابطة كتلك الدعاوي التي صدرت من بعض المستشرقين الذين سيأتي ذكرهم ومن تأثر بهم وتابعهم ونادى بفكرتهم من بعض المعاصرين كذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>المبحث الرابع: بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبيان مصدره</span>\nلقد تَعرَّضَ لهذا الترتيب فئة من المستشرقين ولا غرابة في ذلك فهذا شأنهم وديدنهم، ولكن عندما يتعرض لهذا الترتيب فئة من بني جلدتنا وممن ينتمون لقبلتنا فمن هنا يأتي التعجب!.\nفقد أحدث ثلاثة نفر خرقًا لهذا الإجمال، فصنفوا تفاسيرهم على الترتيب النزولي، تاركين الترتيب المصحفي الذي عليه عمل السلف واستقر عليه إجماع الأمة.\nأما التفاسير الثلاثة فهي:\n١ - تفسير بيان المعاني: وهو \"تفسير كتاب الله الحكيم حسب النزول لـ\" عبد القادر ملا حُوَيِّش\" (ت: ١٣٩٨ هـ) (^١).\n٢ - التفسير الحديث: لـ\" محمد عزة دروزة \" (ت: ١٤٠٤ هـ) (^٢).\n٣ - كتاب \"معارج التفكر ودقائق التدبر\" لـ\" عبد الرحمن حبنكة الميداني\" (ت: ١٤٢٥ هـ). (^٣).\nأما الشيخ \"عبد القادر ملا حُوَيِّش \"، والأستاذ \"محمد عزة دروزة\"، وهما (معاصريين) قد أقرا بأن ترتيب السور في المصحف توقيفي ولا يجوز مخالفة هذا الترتيب، لأنه كان بوحي من الله إلى جبريل إلى رسول اللهﷺ- \". (^٤)\nومع ذلك فقد خالفا الترتيب التوقيفي في تفسيريهما، وقد احتجا بأن طريقة تناول التفسير تختلف عن الترتيب المصحفي، وقد قدما أعذارًا لا تقوم بها حجة ولا تضح بها محجة.\nولم يتعرض الباحث هنا لتلك الحجج الواهية ومناقشتها والرد عليها لضعفها ووهنها من جهة وطولها كذلك، ولكونهم لم يقدموا أي أدلة مقنعة يمكن أن تنهض للاحتجاج من جهة أخرى، وقد ناقشها الباحث مع مدارسة التفاسير الثلاثة في بحث خاص. (^٥)\nوقد أملى كل من \" حُوَيِّش \" و\"دروزة\" تفسيرًا معاصرًا قد رتبه كل منهما ترتيبًا نزوليًا لا\n_________\n(^١) وحُوَيِّش هو: عبد القادر بن ملّا حُوَيِّش السيد محمود آل غازي (ت: ١٣٩٨ هـ) العاني، الديرزوري، الفراتي. وهو حنفي أشعري.\n\"واتُهِمَ بأنه كان \"صوفيًا نقشبنديًا\"، ولكن ابنه نفى ذلك وأخبر أنه كان يذهب إلى شيخ الطريقة النقشبندية ويستضيفه في بيتنا\". فحسب! .. ! ..\nيُنظر: التفسير والمفسرون أساسه واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث. د فضل عباس حسن: (٣/ ٢٥٠).، دار النفائس-عمان-الأردن، ط ١، ١٤٣٧ هـ.\n(^٢) محمد عزة بن عبد الهادي دَرْوَزَة: (٢١/ ٦/ ١٨٨٧ م-٢٦/ ٦/ ١٩٨٤ م)، مفكر وكاتب ومناضل قومي عربي ولد في نابلس وتوفي في دمشق، إضافة إلى نضاله السياسي، كان أديبًا ومؤرخًا وصحفيًا ومترجمًا ومفسرًا للقرآن، هو أحد مؤسسي الفكر القومي العربي.\nللاستزادة من ترجمته يُنظر:\n١ - مولد محمد عزة دروزة: موقع قصة الإسلام. تاريخ الولوج ٦/ ١١/ ٢٠٠٩ م.\n٢ - محمد عزة دروزة: الكاتب المناضل موقع إسلام أون لاين. تاريخ الولوج ١٤/ ١٢/ ٢٠٠٩ م.\n٣ - العهد الناصري والانتقال من التنظير إلى التطبيق جريدة الوطن. شاكر النابلسي، تاريخ الولوج ٢٥/ ١١/ ٢٠٠٩ م. نقلًا عن الموسوعة الحرة.\n(^٣) - وُلدَ الشيخ عبد الرحمن حَبَنَّكَة المَيداني الدِّمشقي سنة: (١٣٤٥ هـ -١٩٢٧ م)، في أحد أعرق أحياء دمشقَ، حيِّ المَيدان، لأُسرة علمٍ ودعوة وجهاد؛ فأبوه العلاَّمةُ المربِّي المجاهد حاملُ لواء الدَّعوة في الشام، الإمامُ حسن حَبَنَّكَة المَيداني، عضوُ المجلس التأسيسيِّ لرابطة العالم الإسلاميِّ، وتَرجعُ أُصولُ أسرة الشيخ إلى عَرَب بني خالد الذين تمتدُّ منازلُهم إلى بادية حَماة من أرض الشام.\nوفي ليلة الأربعاء ٢٥ من جُمادى الآخرة ١٤٢٥ هـ قضى الله قضاءه الحقَّ بوفاة الشيخ عبد الرحمن حَبَنَّكَة المَيداني، عن ٨٠ سنة، في إثْر مرض ألمَّ به.\nللاستزادة: يُنظر: العلامة المفكر عبدالرحمن حبنكة الميداني-أيمن بن أحمد ذو الغني-مقال عن موقع الألوكة- بتاريخ: ١٩/ ٣/ ١٤٢٨ هـ.، ويُنظر \"زوجي كما عرفته\"-عائشة الجراح-دار القلم- دمشق (د. ت).\n(^٤) - يُنظر: بيان المعاني ١/ ٣، والتفسير الحديث ١/ ٩.، التفاسير حسب ترتيب النزول في الميزان: د. مصطفى مسلم. مقال عن موقع أهل التفسير، بتاريخ: ١٥/ ١٢/ ١٤٣٢ هـ. بتصرف يسير لينتظم الكلام ويتآلف فحسب.\n(^٥) - يُنظر: عرفة بن طنطاوي، التفاسير التي رُتِبَت على ترتيب النزول والرد عليها. عرض، ودراسة، ومناقشة.","vol":"67","page":125},{"text":"ترتيبًا مصحفيًا، و\"حُوَيِّش\" هو رأس الحربة الذي ابتدأ هذا الأمر الجلل، إذ هو أول من أقبل على هذا العمل الذي خالف فيه ما درج عليه أئمة التفسير وسادات التحبير والتأويل سلفًا وخلفًا، ثم تبعه \"دروزة\"- كذلك-، وقد تبعهما على هذا العمل كذلك - أيضًا- الشيخ \"عبد الرحمن حبنكة الميداني\".\nوجميع هؤلاء بذلك قد خرقوا إجماع الأمة على اتباع الترتيب المصحفي والذي عليه عمل أئمة التفسير من السلف والخلف، وفي حدود علم الباحث واطلاعه الضيق أن هذا العمل لم يسبقهم إليه أحدٌ أبدًا من هذه الأمة، إلا ما كان من دعوة ونداء بعض المستشرقين لإعادة ترتيب القرآن ترتيبًا نزوليًا وذلك سعيًا منهم لبث الشبهات حول القرآن ولزعزعة الثقة في كتاب الله ولاسيما في نفوس الأجيال المقبلة،\nومن أبرز هؤلاء المستشرقين:\n١ - المستشرق الألماني غوستاف ليبرشت فْلوجِل: (ت: ١٢٧٨ هـ).\n٢ - والمستشرق الألماني اليهودي غوستاف فايل: (ت: ١٣٠٦ هـ).\n٣ - والمستشرق الألماني فريدريش شفالي: (ت: ١٣٣٨ هـ)، وهو تلميذ تيودور نولدكه\n٤ - وشيخ المستشرقين الألماني تيودور نولدكه: (ت: ١٣٤٩ هـ).\nوهو من أوائل المستشرقين الذين أثاروا مسألة إعادة ترتيب القرآن الكريم، \"وفق ترتيب النزول\". ولقد أفنى جزءًا كبيرًا من حياته، معتمدًا على كتاب أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي من رجال القرن الخامس. (^١)\nويقال بأنه ندم في آخر حياته على الجهد الكبير الذي بذله في علم لا يمكن أن يصل فيه إلى نتائج قطعية بسبب اختلاف الروايات وتضاربها.\n٥ - والمستشرق الإنجليزي ديفيد صموئيل مرجليوث: (ت: ١٣٥٨ هـ).\n٦ - والمستشرق الفرنسي ريجي بلاشير: (ت: ١٣٩٣ هـ)\nوقد قام \"بلاشير\" (زعمًا منه) بترجمة القرآن الكريم للفرنسية عام ١٣٧١ هـ-١٩٥٠ م، والحقيقة أن الترجمة تمتنع تمامًا لأسباب كثيرة لا يسع المجال لذكرها، وإن الذي يمكن ترجمته إنما هو معاني القرآن فحسب.\nوقد رتب \"بلاشير\" تلك الترجمة المزعومة بحسب ترتيب النزول أول الأمر. ثم بعد سبع سنوات من تأمله ثبت لديه عدم صواب وجدوى طريقته الأولى التي استخدمها ألا وهي الترتيب بحسب ترتيب النزول فأعاد ترتيب ترجمته هذه بحسب الترتيب المصحفي.\nولقد تأثر بهؤلاء المستشرقين الكفرة بعض المعاصرين كذلك، ومن أمثال هؤلاء:\n١ - يوسف راشد (ت:؟) الذي يقول:\n\"إن ترتيب القرآن في وضعه الحالي يبلبل الأفكار ويضيع الفائدة من تنزيل القرآن، لأنه يخالف منهج التدرج التشريعي الذي روعي في النزول. ويفسد نظام التسلسل الطبيعي للفكرة، لأن القارئ إذا انتقل من\n_________\n(^١) - يُنظر: تاريخ القرآن لأبي عبد الله الزنجاني: (ص: ٧١).","vol":"67","page":126},{"text":"سورة مكية إلى سورة مدنية اصطدم صدمة عنيفة، وانتقل بدون تمهيد إلى جو غريب عن الجو الذي كان فيه. وصار كالذي ينتقل من درس في الحروف الأبجدية إلى درس في البلاغة\". (^١)\nوكذلك له رسالة تحت عنوان: \"رتبوا القرآن كما أنزله الله\".\nوقد أقام اللهُ لها الدكتورَ/ محمد عبد الله دراز﵀- فقام بالرد عليها بتقرير رفعه إلى إدارة الأزهر. (^٢)\n٢ - وميرزا باقر الأسكوئي الحائري الرافضي (ت: ١٣٠١ هـ)\n٣ - والدكتور/ يوسف صديق التونسي (معاصر) من مواليد (١٣٦٢ هـ)، هو فيلسوف وعالم انثروبولوجي.\n٤ - وعائشة بنت عبد الرحمن المعروفة بـ \"بنت الشاطئ\" (ت: ١٤١٩ هـ) والتي لها التفسير البياني للقرآن، وقدر صدر في جزئين تناولت فيه تفسير بعض سور القرآن.\nوأخيرًا فهل تحققت الأهداف التي رامها مُفْتَتِحُو هذا الباب\nأولًا: لم تتحقق تلك الأهداف كما مر معنا، وكيف تتحقق في أمر عظيم جلل أجمع عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا وقد خرقوا هذا الإجماع.\nثانيًا: كيف تتحقق تلك الأهداف ولم تقترن بأي مبررات مقنعة أو أي معالم ظاهرة أو حجج دامغة وبراهين ساطعة وأجوبة مسكتة.\nوإنما الذي تحقق من الأهداف هو ما أراده مُؤسسو ومرجو هذا الفكرة أولًا من المستشرقين، بل إن أحدهم قد تراجع عن هذا العمل ألا وهو المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير: (ت: ١٣٩٣ هـ) وقد مر معنا آنفًا ذكر خبر تراجعه عن ترتيب ترجمته للقرآن بحسب ترتيب النزول لما رأى خطأه، فأعاد ترتيب تلك الترجمة بحسب الترتيب المصحفي، هذا مع سوء نيته وخبث طويته.\nفهل كان للثلاثة نفر الذين خرقوا هذا الخرق أن يتراجعوا عن فعلهم كما تراجع عن مثله ذلك المستشرق، ويؤبوا إلى ما أجمع عليه أسلافهم الصالحون، لأنهم بذلك قد أفسدوا نظم القرآن.\nوقد قيل في نحو ذلك: \"من قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن\". (^٣).\nوَلَمَّا أنهم كانوا قد قضوا نحبهم وقضوا آجالهم فحق لأهل الحل والعقد من الجهات المعنية في الأمة أن يبرموا في ذلك أمر رشيدًا وأن يعملوا على رأب صدعهم بعد أن أفضوا إلى ربهم، فكان لزامًا عليهم أن يقوموا بما أوجب الله عليهم تجاه كتاب ربهم، ولقد عناهم الله بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: ١٨٧).\nقال ابن سعدي في تفسيره:\n\"الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه الله الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه،\n_________\n(^١) - مقال: \" النقد الفني لمشروع ترتيب القرآن الكريم حسب نزوله\"، عبد الله دراز، مجلة الأزهر، رئيس التحرير: محمد فريد وجدي بكّ، تحت إدارة ديوان الإدارة للأزهر، والمعاهد الدينية، بالقاهرة، عدد شهر رمضان سنة (١٣٧٠ هـ/ ١٩٥٠ م، مجلد ٢٢). مطبعة الأزهر، ص: ٧٨٤.\n(^٢) -وقد نشر هذا الرد في مجلة \" كنوز القرآن\" في عدد أكتوبر ١٩٥١ م. يُنظر: الجمع الصوتي للقرآن: (ص: ٣٥٩) وهامش (١).\n(^٣) الإتقان: السيوطي ج ١ ص ٦٢. وعزاه لابن الأنباري.","vol":"67","page":127},{"text":"ويوضح الحق من الباطل\". (^١)\nفلزمهم أن يقوموا بواجبهم تجاه كتاب ربهم ويردوا تلك المصنفات إلى ما أجمعت عليه الأمة وسارت عليه تلك القرون الطوال، كما يُرد المتشابه إلى المحكم، فإن من خصائص أهل الحق رد المتشابه إلى المحكم، كما إن من خصائص أهل الباطل اتباع المتشابه ورد المحكم.\nطوام كبرى نخشاها\nهذا ونخشى أن يأتي على الأمة زمان يأتي فيه من يُنادي بإعادة ترتيب آيات القرآن ترتيبًا نزوليًا كما نادى المستشرقون بترتيب السور ترتيبًا نزوليًا كذلك، وهم يريدون بذلك الطعن في القرآن ليفقد بذلك أعظم دلائل بقائه وحفظه، من مصداقيته، وتحقق أوجه إعجازه، وجزالة لفظه، ودقة نظمه، وترابط نصه، ووحدة موضوعيته، ولكن كما قال الله تعالى: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة من آية: ٣٢)، فقد تولى الله تعالى حفظ كتابه بذاته العلية فقال سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩)، ونخشى أن يتبعهم على ذلك من أعمى الله بصائرهم عن لزوم الحق والتمسك به ممن لا خلاق لهم ولا حظ ولا نصيب من علم ولا ورع ولا تقوى من بني جلدتنا، والله تعالى وحده من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين.\nبيان وجوب احترام الترتيب المصحفي وعدم التعرض له، والتصدي لمن تعرض له\nوالخلاصة فإن الأمر قد انتهى إلى أنه يجب احترام هذا الترتيب.\n\"وسواء أكان ترتيب سور القرآن اجتهاديًا (من الصحابة) أو توقيفيًا (من عند الله) فإنه يجب احترامه خصوصًا في كتابة المصاحف لأنه عن إجماع الصحابة والإجماع حجة. ولأن خلافه يجر إلى الفتنة ودرء الفتنة وسد ذرائع الفساد واجب. \". (^٢)\nوبعد الانتهاء من بيان أمر تلك التفاسير الثلاثة التي خالف مؤلفُوها جماهير السلف والخلف في لزوم الترتيب المصحفي، والجنوح عنه إلى الترتيب النزولي نرجع إلى أصل البحث هنا ألا وهو استعراض أقوال وأدلة القائلين بالقول بأن ترتيب السور توقيفي والحكم عليها،\nوقد تبين لنا أمورًا ذكرنا منها أمرين اثنين وننتقل إلى ما تبقى من تلك الأمور فيما يلي:\nثالثًا: إن كان في ترتيب آيات القرآن فيه من الإعجاز ما فيه، فإن ترتيب السور قد استخرج منه العلماء دررًا في علم المناسبات بين السور كذلك. فهو لا يقل شأنًا عن ترتيب آياته.\nقال محمد بن سيرين (ت: ١١٠ هـ) لعكرمة (ت: ١٠٧ هـ) أيّام الجمع الأول للقرآن:\n\"ألَّفوه كما أُنزل الأول فالأول، فقال عكرمة: لو اجتمع الإنس والجن على أن يألفوه ذلك التأليف ما استطاعوا \". (^٣)\nرابعًا: الأولى في تلاوة القرآن مراعاة الترتيب المصحفي سواء كان ذلك في الصلاة أم\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي: (١٦١/ ١).\n(^٢) - الزرقاني: مناهل العرفان: (١/ ٣٤٤).\n(^٣) السيوطيّ، الإتقان: (ص: ١٥٥).","vol":"67","page":128},{"text":"خارجًا عنها لأنه الأصل، وإن حاد عنه أحيانًا جاز له ذلك ولكنه ترك الأفضل والأولى والأحسن والأكمل والأتم، وذلك لأن ترتيب التلاوة أمر مندوب وليس بواجب بدليل فعله﵊- ذلك في صلاته في بعض الأحايين.\nويلحق البعض بذلك تعليم الصغار من بداية قصار المفصل لوجود المشقة والعنت في حفظ السور الطوال - بداية -، بل ولامتناعه عليهم أيضًا، وقد جرى على ذلك عمل الكثير من الأوليين في تعليم الصغار، وقد يلحق بهم كذلك تعليم الأعاجم الذين لا يحسنون العربية، وكذلك من أسلم وكان حديث عهد بكفر، وكذلك كبار السن ومن لديه تعثر وثقل في اللسان، وكل من يلحقه عنت ومشقة في الحفظ وتعلم التلاوة من بداية السور الطوال، وذلك لاشتراكهم جميعًا مع الصغار في العلة والسبب على حد سواء، ووجه الجواز في ذلك قراءة النبي ﷺ أحيانًا على غير الترتيب المصحفي مما يدلل على عدم وجوب ذلك تلاوة من- جهة-، كما يدلل على جوازه عند الحاجة التي يتعثر معها الحفظ كالتي ذكرنا وما في نحوها كذلك من - جهة ثانية-، ولأن تلاوة كل فرد غير مثبتة في مصحف خاص لديه، بل إن كل منهم يتلو ويحفظ من مصحف واحد في ترتيبه المصحفي الذي أجمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا وجرى قبوله إجماعًا والعمل عليه ماض في الأمة عبر كل أجيالها، فتغير الترتيب المصحفي سالم ومأمون. والله أعلم.\nومما يدلل على ذلك ما ثبت عند مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيَّ ﷺ، ذاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَح البقَرَةَ، فقلتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فقلتُ: يُصَلَّي بِهَا في ركْعَةٍ، فمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَح النِّسَاءَ فَقَرأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَها، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذا مَرَّ بِآيَةِ فِيها تَسْبيحٌ سَبَّحَ، وَإِذا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بتَعوَّذ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ … الحديث. (^١)\nوفي نحو ذلك يقول النووي﵀- في التبيان:\n\"قال العلماء ﵏: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة، ثم البقرة ثم آل عمران، ثم النساء إلى أن يختم بـ (قُلْ أَعوذ بربِ النَّاس) سواء قرأ في الصلاة أم خارجًا عنها، ويستحب أيضًا إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها السورة التي تليها، ولو قرأ في الركعة الأولى: (قُلْ أَعوذ بربِ النَّاس) يقرأ في الثانية من البقرة\nودليل هذا: أن ترتيب المصحف لحكمة، فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة، يقرأ في الركعة الأولى: (ألم تَنزيل) وفي الثانية: (هَلْ أتَى) وصلاة العيدين (قاف) و(اقتربت).\nولو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ التي قبلها، أو خالف الموالاة فقرأ قبلها ما لا يليها جاز وكان تاركًا للأفضل، وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفقٌ على منعه وذمِّه؛ فإنه يُذهب بعض أنواع الإعجاز، ويزيل حِكمة الترتيب \". (^٢)\n_________\n(^١) - رواه مسلم: (١٧/ ١١٧٦).\n(^٢) يُنظر: التحبير في علم التفسير: للسيوطي: (ص: ٦٣٧).","vol":"67","page":129},{"text":"وكما كانﷺ- يقرأ في الجمعة أحيانًا بـ الجمعة في \"الأولى\" والغاشية في \"الثانية\".\nخامسًا: بما أن الترتيب المصحفي قد أجمعت الأمة عليه سلفًا وخلفًا وجرى العمل عليه فلا يحق لأحد كائنًا ما كان خرق الإجماع الذي هو حجة في ذاته والحيد عنه إلى غيره من أنواع الترتيب، نزوليًا كان أو موضوعيًا أو تاريخيًا أو غير ذلك مما لم يجر عليه عمل من جمعوا القرآن في عهوده الثلاثة، ولم يجر عليه عمل أي أحد ممن اتبعوهم بإحسان، وسواء كان الترتيب المصحفي هذا ترتيبًا توقيفيًا، أم كان ترتيبًا اجتهاديًا، وذلك صيانة وحفظًا لكتاب الله تعالى من التبديل والتغيير والتحريف، ولما يترتب على ذلك من مفاسد وطوام لا تحمد عقباها، وكذلك لما قد يفتح باب التجرؤ على العبث في كتاب الله تعالى الذي (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤٢).\nمن هنا كان واجب التصدي لمثل هذا العمل وإبرازه للعباد بين الفينة والفينة انتصارًا لكتاب الله تعالى وردًا لمطاعن الطاعنين والمشككين في كتاب رب العالمين من سائر أعداء الملة والدين من الذين لا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم قرار ولا يتوقفون عن الطعن في كتاب الله تعالى ويعملون ويسعون في ذلك ليل نهار عبر الزمان والمكان، ورد سهامهم في نحورهم لينقلبوا إلى أهلهم خاسرين ويندحروا خاسئين ويرجعوا إلى جحورهم ذليلين وينقلبوا صاغرين.\n- نعم يقومون بذلك نصحًا لله تعالى ولكتابه كما قام الصديق الأول﵁- يوم الردة، وكما قام الإمام المبجل أحمد بن حنبل الشيباني إمام أهل السنة﵀- لكتاب الله يوم المحنة.\nفكان التصدي لهؤلاء وأمثالهم وأذنابهم جميعًا من أوجب الواجبات المتحتمات على المعنين بهذا الشأن العظيم من المرابطين على ثغور الإسلام وحماته ومن الغيور على دينهم وكتاب ربهم وممن يحبون أن يشملهم وصف ربهم لهم: (والذين اتبعوهم بإحسان) فيتحقق لهم وعده في قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: ١٠٠).\nوذلك كله سعيًا في تحقيق وعد ربهم الذي لا يتخلف ولا يتأخر ولا يتبدل ولا يتغير أبدًا، الذي قال فيه سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ١٠٩)\nوختامًا لهذا المبحث نسوق لطيفة للألباني - محدث العصر﵀-:\nوقد وُجِهَ إليه هذا السؤال:\nما الغاية من جمع القرآن ووضعه في المصحف وهل ترتيب السور في المصحف توقيفي أو اجتهادي.؟\nفكان مما أجاب عنه بعد كلام طويل﵀-: ما يلي:\n\" … ما أدري، لا أدري، هنا المسألة يقال فيها مسألة تعبدية لأن ترتيب القرآن ليس على حسب التاريخ، التاريخ النزولي الذي تشير إليه، هذه مسألة اختلف فيها العلماء هل","vol":"67","page":130},{"text":"هي توقيفية أم اجتهادية بعكس لما تنظم آية فتوضع في سورة، فهذا توقيفي يقينًا، أما ترتيب السور تقديمها وتأخيرها فمثلا اقرأ باسم ربك المفروض حسب السؤال المطروح آنفا أنها توضع في أول ما نزل فهي قد وضعت في آخر ما نزل، اختلفوا في هذا الترتيب للسور وليس في ترتيب الآيات في السور، ترتيب الآيات في السور توقيفي بدون أي تردد، أما ترتيب السور كما هو الآن في المصحف اختلفوا فمنهم من يقول هذا توقيفي أيضًا من الرسول﵇- ومنهم من يقول لا هذا باجتهاد من بعده، أما أنا شخصيًا ليس عندي رأي قاطع في الموضوع ولكن أقول إذا كان الراجح أنه توقيفي فهنا يأتي جواب السؤال السابق الله أعلم، وإذا كان هو باجتهاد ممن جمعوا القرآن بعد الرسول﵇- وصنفوه من بعده على هذا التصنيف فأنا ما عرفت ما هي الحكمة، ولذلك فأكل العلم إلى عالمه\". (^١)\nفلنتأمل كيف بعلم من الأعلام وسيد من سادات الأنام يقول مثل هذا الكلام، (ما أدري، لا أدري، … فأنا ما عرفت ما هي الحكمة، … ولذلك فأكل العلم إلى عالمه)\nفرحم الله الألباني ذاك العالم الرباني.\nوقد طال بنا البحث والتطواف فيما مضى ذكره لعظم الخطب. والحمد لله رب العالمين. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-24>الفصل الثالث\nبيان شروط جمع أبي بكر﵁- والصفة التي تم بها</span>\nوفيه سبعة مباحث:\nوهي إجمالًا على النحو التالي:\nالمبحث الأول: التعريف بـ \" زيد بن ثابت \" المكلف بالجمع\nالمبحث الثاني: أبرز المقومات الداعية لاختيار \" زيد \"\nالمبحث الثالث: أسباب اختيار \" زيد \" لهذه المهمة إجمالًا\nالمبحث الرابع: الدواعي لهذا الجمع\nالمبحث الخامس: مميزات جمع أبي بكر﵁-\nالمبحث السادس: منهج أبي بكر الذي وضعه لـ \" زيد \" في جمع وتدوين القرآن الكريم\nالمبحث السابع: مصير صحف أبي بكر﵁-\nوهي تفصيلًا على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-25>المبحث الأول: التعريف بـ \" زيد \" المكلف بالجمع</span>\nأما المكلف بالجمع فهو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، من كتَّاب الوحي لرسول اللهﷺ - وكان مشهورًا بالصدق والأمانة، وتفقَّه في الدين حتى أصبح رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض على عهد عمر وعثمان وعلي - ﵃-، وكان يُعدُّ من الراسخين في العلم، تُوفِّي سنة ٤٥ هـ، ولمَّا تُوفِّي رثاه حسان بن ثابت﵁ -، وقال أبو هريرة - ﵁ -: \"اليوم مات حبر هذه الأمَّة وعسى الله أن يجعل في ابن عبَّاس منه خلفًا\" (^٣)\nولقد \" ولد في المدينة، ونشأ بمكة، وقتل أبوه وهو ابن ست سنين، وهاجر مع النبي- -ﷺ- وهو ابن إحدى عشرة سنة، تعلم السريانية في سبعة عشر يومًا \". (^٤)\nوإنما اختصه النبي - ﷺ- بتعلم لغة اليهود، ليكتب النبيﷺ- إليهم وليقرأ له ما يكتبون. (^٥)\nولقد عُرِفَ زيدٌ واشتهر بكمال الدين والعلم مع حسن السيرة والعدالة، وكان من أصحاب الفتوى الستة من الصحابة - ﵃-.\nوحفظ القرآن الكريم كله عن ظهر قلب في حياة الرسولﷺ- وكان من أبرز كُتَّابِ الوحي بين يدي رسول اللهﷺ-، كما عرف أنه كان ممن يكتب للنبي - ﷺ- إلى الملوك كذلك، وغير ذلك من المناقب العظيمة.\nولقد بوب الإمام البخاري﵀ - في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب \" مناقب زيد بن ثابت ﵁. \" (^٦)\n_________\n(^١) - سلسلة الهدى والنور: (٢٥٧). بتصرف يسير جدًا في الألفاظ لأنها وردت مسجلة، فعدلت ألفاظ يسيرة جدًا ليستقيم المعنى كتابة.\n(^٢) - يُنظر: عرفة بن طنطاوي، التفاسير التي رُتِبَت على ترتيب النزول والرد عليها. عرض، ودراسة، ومناقشة.\n(^٣) - تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٩، تهذيب التهذيب: ٣/ ٣٩٩، غاية النهاية: ١/ ٢٩٦، الإصابة: ١/ ٥٦١، طبقات ابن سعد: ٢/ ٢٧٣، الأعلام: ٣/ ٥٧.\n(^٤) - يُنظر: كتاب المصاحف لابن أبي داود: ١/ ١٥٦، ت: د محب الدين واعظ.\n(^٥) - الكامل ٢: ١٧٦ والطبري ٢: ٥٦١ وسيأتي الكلام حوله وراجع الصحيح من السيرة ٥ المخطوط والمستدرك للحاكم ٣: ٤٢١ و٤٢٢ وتهذيب تاريخ ابن عساكر ٥: ٤٤٦ وثقات ابن حبان ١: ٢٦٤ والمعرفة والتاريخ ١: ٤٨٤ وكنز العمال ١٥: ٨ و٩ والمنتظم ٣: ٢٠٦.\n(^٦) - للاستزادة يُنظر: باب: مناقب زيد بن ثابت - ﵁ -، صحيح البخاري:\n(٣ - ٤٧) رقم: (٣٥٩٩).","vol":"67","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>المبحث الثاني: أبرز المقومات الداعية لاختيار \" زيد \"</span>\nلقد تحلى زيدٌ -﵁- وتجمل بمحاسن الصفات الذاتية والمقومات الإيمانية العالية التي تؤهله للقيام بهذه المهمة العظيمة وتحمل مسؤوليتها، وذلك من النشاط والقوة والحيوية المصحوبة برجاحة العقل والورع والأمانة والتقوى المقرونة بالجُرأة في الحق مع تعظيم شعائر الله، إضافة إلى تحمله للمسؤولية ومعرفة ضخامة المهمة، كل ذلك مع اتقانه وحفظه للقرآن المقرون بتوافر الخبرة السابقة في أداء المهمة نفسها، ألا وهى كتابة الوحي للنبي - ﷺ-.\nولا شك في أن تلك الصفات التي تحلى بها تعينه على دقة التحرِّي في جمع الكريم على الوجه المطلوب والذي يليق بمكانة كتاب الله تعالى سعيًا في تحقيق وعد الله تعالى الذي لا يتخلف الذي قال فيه سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).\nولنتأمل ما ثبت في الجامع الصحيح في الحديث المشهور الذي رواه البخاري بسنده عن زَيْد بْنَ ثَابِتٍ - ﵁- قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ﵁ -: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجمع القرآن، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِﷺ-؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جمع القرآن. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - ﵄-، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) (التوبة: ١٢٨) حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ﵁ -. (^١)\nوبدأ زيد بن ثابت - ﵁ - في مهمته الشاقة، معتمدًا على المحفوظ في صدور القراء والمكتوب لدى الكُتَّاب، وقد راعى غاية التثبت؛ فمع كونه حافظًا لم يكتفِ بمجرد وجدانه الآيات مكتوبة حتى يشهد بها من تلقَّاها سماعًا،\nقال ابن شامة:\nوكان غرضهم ألا يكتب إلا عين ما كتب بين يدي النبي -ﷺ-، لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة (لم أجدها مع غيره) أي لم أجدها مكتوبة مع غيره لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون\n_________\n(^١) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن حديث رقم ٤٩٨٦.","vol":"67","page":132},{"text":"الكتابة. (^١)\nلقد اختاره أبو بكر﵁- لهذه المهمَّة العظيمة والخطب الجسيم، لما تفرس فيه من الأمانة ورجاحة العقل، وقربه من الرسول -ﷺ-، واعتمادهﷺ-، عليه.\nويقول الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) - ﵀- في ذلك:\n\" اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن، ما لم يجتمع في غيره من الرجال، إذ كان من حفاظ القرآن، ومن كتاب الوحي لرسول الله -ﷺ-، وشهد العرضة الأخيرة (^٢) للقرآن في ختام حياته -ﷺ-، وكان فوق ذلك معروفًا بخصوبة عقله، وشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-27>المبحث الثالث: أسباب اختيار \" زيد \" لهذه المهمة إجمالًا</span>\nيمكن إجمال هذه الأسباب فيما يلي:\n١ - أنه من الحفاظ الذين اشتهروا بحفظ القرآن واتقانه على عهد النبي -ﷺ-\n٢ - توفر عنصر القوة والنشاط والحيوية فيه، وإنما يؤخذ ذلك من قول أبي بكر﵁- له: \"إنك رجل شاب\"؟ والشاب له من القوة والنشاط ما ليس لغيره.\nوالشباب له ميزة قد تخفى غالبًا، ألا وهي أنهم علموا ما نسخ مما بقيت تلاوته بخلاف الكثير من الكبار الذين تقدم إسلامهم، والذين قد يخفى على البعض منهم ما نسخ، وذلك بخلاف الشباب، والله أعلم.\n٣ - اتصافه بالذكاء والفطنة ورجاحة العقل وسرعة البديهة وهي مقومات تعينه على حسن التصرف ولا سيما عند تشابك وتشابه الأمور، ولاشك أن ذلك أدعى لكمال العمل وإتمامه وإحسانه، وإنما يؤخذ ذلك من وصف أبي بكر﵁- له بأنه: \"عاقل\"، ومما يدلل على ذلك أيضًا صدوره عن رأي أبي بكر وعمر﵄- ورجوعه إليه بعد أن علم أنه الحق. ويتبين ذلك من قوله: \" فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ﵄-\"، فما كان تردده﵁- وتوقفه في بادئ الأمر إلا عن رجاحة عقلٍ وإعمال فكرٍ.\n٤ - ما ناله من اطمئنان وتزكية أبي بكر﵁- له من خلوه من الموانع القادحة كخوارم المروءة ومما يشين من الصفات، فلا تتوجس النفس منه ولا ترتاب ولا تشك فيه، وبذلك لا تلحقه أدنى تهمة قادحة في دينه تمنع من قبول عمله وأداء مهمته الجسيمة، ويستنبط ذلك من قوله له: \" لا نتهمك \".\n٥ - وجود الخبرة السابقة لديه في نفس المهمة التي سيقوم بها ألا وهي كتابة الوحي للنبيﷺ، مع ما - قيل- واشتهر من شهوده للعرضة الأخيرة، وهي ما يشبه ما يسمى بـ\" شهادة الخبرة \" في عصرنا الحالي.\n_________\n(^١) - مباحث في علوم القرآن ١٢٧. مباحث في علوم القرآن المؤلف: مناع بن خليل القطان (المتوفى: ١٤٢٠ هـ) الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الطبعة: الطبعة الثالثة ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ١\n(^٢) - سبق بيان عدم ثبوت شهود زيد للعرضة الأخيرة بأدلة ثابتة صحيحة، ومعتمد البعض على الشهرة والاستفاضة، وفي مثل هذه القضايا يكتفى بهما عند البعض.\n(^٣) - مناهل العرفان: ١/ ٢٥٠، وراجع الفتح: ٩/ ١٣، والمقنع: ١٢٤.","vol":"67","page":133},{"text":"ذلك لأن زيدًا﵁- قيل- أنه شهد العرضة الأخيرة بين يدي النبي - ﷺ - والتي بيَّنَ لهم فيها ما نُسِخ من القرآن وما استقر بقاؤه، فأمَرﷺ - بإبقاء الناسخ وتركِ المنسوخ، وقرأﷺ- القرآن على الحالة التي استقر عليها على زيدٍ، فكان﵁ - يؤمُّ الناس به حتى وفاته - ﷺ-.\nولاشك أن تلك ميزة تميز بها زيدٌ لم تجتمع لأحد من الصحابة﵃ - سواه، إلا ما كان من ابن مسعود ﵁.\nولقد روى البَغَويُّ (ت: ٥١٦ هـ) عن أبي عبدالرحمن عبد الله بن حبيب السُّلَمِي (ت: ٧٤ هـ) أنه قال: قرأ زيد بن ثابت على رسول اللهﷺ- في العام الذي توفاه الله فيه مرتين … إلى أن قال عن زيد بن ثابت أنه: \" شهد العرضة الأخيرة، وكان يُقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كَتبة المصاحف﵃ أجمعين - \". (^١).\n\"وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت، لأنه كتبها لرسول اللهﷺ- وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة \". (^٢)\n٦ - تحليه بالتقوى وتعظيم شعائر الله. ويؤخذ ذلك أيضًا من قوله﵁- لأبي بكر وعمر ﵄: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-؟!\nقال ابن بطال﵀-:\n\" إنما نفر أبو بكر أولًا، ثم زيد بن ثابت ثانيًا، لأنهما لم يجدا رسول اللهﷺ- فعله، فكرها أن يحلا أنفسهما محل من يزيد احتياطه للدين على احتياط الرسولﷺ-\". (^٣).\nولا شك أن ذلك من شواهد تقوى الله- تعالى- وتعظيم شعائره.\n٧ - جُرأته في الحق، ويتبين ذلك من قوله لأبي بكر وعمر﵄ -: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ-؟!، فلم يمنعه قول ذلك لأكبر رأسين في الأمة لمَّا ظنَّ أنهما على غير صواب، وهذا من أبين المقومات التي تؤهله للقيام بهذه المهمة الجسيمة بلا مجاملة ولا محابة لأحد أبدًا.\n٨ - حرصه على الاتباع وخشيته من الابتداع وحرصه على لزوم حدوده الله، ويؤخذ ذلك من رفضه القيام بالمهمة أول الأمر وتردده في قبولها، فما لبث أن شرح الله صدره لما شرح له صدر أبي بكر وعمر﵃ أجمعين-.\n٩ - تحمله للمسؤولية ومعرفة ضخامة المهمة وعظم شأنها وجليل قدرها، ويتبين ذلك من قوله﵁ -: \" فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ \".\n\n<span data-type='title' id=toc-28>المبحث الرابع: الدواعي لهذا الجمع</span>\nأولًا: بيان تلك الدواعي بإيجاز\nكان السبب في جمع القرآن الكريم في زمن أبي بكر الصدّيق -﵁- خوفُ الصحابة -﵃- من ضياع شيءٍ منه، خاصّةً بعد استشهاد كثيرٍ من حَفَظة القرآن، فكان الأفضل أن يُجمَع في موضعٍ واحدٍ؛ لِما في ذلك من أمانٍ، وحِفاظٍ عليه؛ خوفًا ممّا قد\n_________\n(^١) - شرح السنة: البغوي ج ٤ ص: ٥٢٥ - ٥٢٦، والبرهان للزركشي، ج ١ ص: ٢٣٧، والإتقان للسيوطي ج ١، ص ٥٩. سبق بيان عدم ثبوت شهود زيد للعرضة الأخيرة بأدلة ثابتة صحيحة ..، ولذا يُذكر ذلك بصيغة التمريض، كما ذكرها البغوي. الباحث.\n(^٢) -المرشد الوجيز ص ٩٦. المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز المؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: ٦٦٥ هـ) المحقق: طيار آلتي قولاج، الناشر: دار صادر - بيروت سنة النشر: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م عدد الأجزاء: ١\n(^٣) - فتح الباري: (٩/ ١١).","vol":"67","page":134},{"text":"يحصل في المستقبل، (^١) وكانت معركة اليمامة التي جرتْ أحداثها في السنة الثانية عشرة للهجرة قد استشهد فيها قريبًا من سبعين صحابيًا من كبار القراء وحفّاظ القرآن الكريم. (^٢)\nولقد توفي رسول الله -ﷺ- ولم يتم جمع القرآن الكريم في عهده في المصاحف، بل كان محفوظًا في صدور الصحابة الكرام وبعض سوره مكتوبة في الألواح وبعض الصحُف، وعندما بُويع أبو بكرٍ الصدِّيق بالخلافة صار من الضروري أن يتم جمع القرآن الكريم كلِّه في الصحف وذلك لأسباب عديدة أولُها وفاة رسول الله -ﷺ- ونهاية الوحي، وكذلك بسبب وفاة الكثير من الصحابة في حروب الردة والذين كان من بينهم كثير من الحفظة لكتاب الله، وقد تنبَّه عمر بن الخطاب -﵁- لذلك فاقترح على الخليفة أبي بكرٍ الصديق أمرَ جمع القرآن الكريم وبسرعة، وتدوينه في الصحف حتى لا تضيع آياتُ الذكر الحكيم بموت الحفظة، واستجاب أبو بكر الصديق لذلك بعد تردده في بداية الأمر، لأنَّه أمرٌ غير مسبوق ولم يحدث في عهد رسول الله ﷺ. (^٣) - يعني جمعه بين دفتين في مصحف واحد.\nولقد \"كثرة الصُّحُف التي بين أيدي الصحابة الكرام، والتي اعتزَّ كلٌّ منهم أنه كتبها بين يدي رسول الله ﷺ، وفيهم مَنْ أسلم في بداية العهد المكي. ولا يُعقَل أن يكونوا كتبوها جميعًا، في عهد أبي بكر.\nوبهذا يطمئن القلب أن القرآن الكريم كله كان مكتوبًا في عهده النبي الكريم، وإن كان غير مجموع في موضع واحد\". (^٤)\nولقد ظل القرآن الكريم على هذه الحال مفرقًا غير مجموع في مصحف واحد، إلى أن كانت خلافة أبي بكر، فواجهته أحداث جسيمة، وقامت حروب الردة، واستحرّ القتل بالقراء في وقعة اليمامة - سنة اثنتي عشرة للهجرة - التي استشهد فيها سبعون قارئًا من حفاظ القرآن. هالَ ذلك عمر بن الخطاب، وخاف أن يضيع شيء من القرآن بموت حفظته، فدخل على أبي بكر، وأشار عليه بجمع القرآن وكتابته خشية الضياع، فنفر أبو بكر من مقالته، وكَبُرَ عليه أن يفعل ما لم يفعله النبي ﷺ، فظل عمر يراوده حتى اطمئن أبو بكر لهذا الأمر. ثم كلف أبو بكر زيد بن ثابت بتتبع الوحي وجمعه، فجمعه زيد من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال.\nحرص زيد بن ثابت على التثبت مما جمعه، ولم يكتف بالحفظ دون الكتابة، وحرص على المطابقة بين ما هو محفوظ ومكتوب، وعلى أن الآية من المصدرين جميعًا. فكان ذلك أول جمع للقرآن بين دفتين في مصحف واحد. واحتفظ أبو بكر بالمصحف المجموع حتى وفاته، ثم أصبح عند حفصة بنت عمر. (^٥)\nثانيًا: بيان الباعث الرئيس لجمع الصديق\nإن جمع أبي بكر الصِّدِّيق للقُرْآن كان بسبب خشيته أن يذهب من القُرْآن شيء بذهاب حَمَلتِه؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف\n_________\n(^١) -علي بن سليمان العبيد، جمع القرآن الكريم حفظًا وكتابة، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد، (ص: ٣٤ - ٣٥) بتصرّف.\n(^٢) مناهل العرفان، للزرقاني: (١/ ٢٤٩) بتصرّف.\n(^٣) جمع القرآن في عهد أبي بكر، حنين شودب، موقع: موضوع، بتاريخ: ١٩/ ٥/ ٢٠١٩ م. بتصرّف.\n(^٤) الإصابة، ابن حجر ٢/ ٤٤٤ (٢٥٤٦).\n(^٥) يُنظر: جمع القرآن، الموسوعة الحرة.","vol":"67","page":135},{"text":"مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي -ﷺ-. (^١)\nثالثًا: تتلخص أبرز الأسباب والدواعي لهذا الجمع فيما يلي:\n١ - انقطاع الوحي بوفاة رسول الله -ﷺ-، فكان لزامًا على المسلمين حفظ كتاب ربهم من الضَّياع.\n٢ - ويعد من الأسباب الرئيسة والباعثة على كتابة القرآن وجمعه في عهد الصديق ﵁ مقتل سبعين من القراء يوم اليمامة، إذا كان الخوف من ضياع شيء من القرآن وذهابه بذهاب وموت حملته وحفاظه في حروب الردة.\n٣ - كما كان خشية تكرار تحري القتل في حفاظ القرآن فيما يستقبل من معارك وجهاد المشركين من الأسباب الداعية لجمعه في مكان واحد كذلك، ويخشى أن يكون عند أحد من الصحابة شيء من القرآن المكتوب فيذهب بموت حامله.\nلذا فإنه لمّا تحر القتل في القراء يوم اليمامة وخشي الصحابة ﵃ ذهاب القرآن بذهاب حملته الذين قتلوا في حرب المرتدين، وخشيتهم استمرار ذلك القتل فيما يستقبل من معارك كذلك؛ فأجمعوا أمرهم على جمع القرآن في مكان واحد بقيادة أبي بكر﵃ أجمعين.\nوإن أمر هذا الجمع كان معتمده على المحفوظ في الصدور والمكتوب في السطور، ولذلك اعتنى الصديق بتلك الصحف عناية بالغة بالصحف فبقيت عنده حتى وفاته، ثم عند عمر حتى وفاته، ثم بقيت عند حفصة حتى طلبها عثمان ﵁ في جمع الأمة على \" الإمام\".\n\"وكان الغرض من هذا الجمع تقييد القرآن كله مجموعًا في مصحف واحد حتى لا يضيع منه شيء، دون أن يحمل الناس عليه لعدم ظهور الخلاف في قراءته\". (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-29>المبحث الخامس: مميزات جمع أبي بكر﵁</span>-\nأما عن مميزات هذا الجمع فيُجملها الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) - ﵀- في مناهله فيما يلي:\nمزايا جمع القرآن في عهد أبي بكر\nكان لِجمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ منزلة عظيمة بين المسلمين، فلم يَحصل خلاف على شيء مِمَّا فيه، وامتاز بِمزايا عديدة، منها:\nأولًا: أنه جمع القرآن على أدقِّ وجوه البحث والتحري، وأسلم أصول التثبت العلمي ..\nثانيًا: حصول إجماع الأمة على قبوله، ورضى جميع المسلمين به.\nثالثًا: بلوغ ما جُمِع في هذا الجمع حدّ التواتر، إذ حضره وشهد عليه ما يزيد على عدد التواتر من الصحابة.\nرابعًا: أنه اقتصر في جمع القرآن على ما ثبت قرآنيته من الأحرف السبعة، بثبوت عرضه في العرضة الأخيرة، فكان شاملًا لما بقي من الأحرف السبعة (^٣)، ولم يكن\n_________\n(^١) المصاحف لابن أبي داود: (١١/ ١٦).\n(^٢) أصولٌ في التفسير، لمحمد بن صالح بن عثيمين: (ص: ٣).\n(^٣) وثبوت الأحرف السبعة في هذا الجمع محل خلاف عند أهل التحقيق، وهو كذلك في مصحف عثمان، ويحتاج لدراسة متأنية وتحقيق وتدقيق وطول تأمل وإمعان نظر فيما كان عليه رسم هذا المصحف، وهل رسم محتملا لتك الأحرف السبعة كالمصاحف العثمانية التي نسخت عن المصحف الإمام وبعث بها عثمان إلى الأمصار وبعث مع كل مصحفٍ قارئًا يقرئ بما يحمله من رسم على الأغلب، والبعض يرى إن استفاضة القول بأن مصحف أبي بكر ﵁ اشتمل على الأحرف السبعة وتلقي العلماء له بالقبول لا تكفي للجزم والقطع ولكنها تكفي للظن الراجح، والظن الراجح كاف في هذه القضايا والمسائل-عند بعض أهل العلم-. والله أعلم. الباحث.","vol":"67","page":136},{"text":"فيه شيء مِمَّا نُسِخَت تلاوته.\nخامسًا: أنه كان مرتب الآيات دون السور.\nومن هنا يتأكد لدينا:\nأن هذا الجمع كان مرتب الآيات في مواضعها في السور، ولم يُكتب منه إلا نسخة واحدة من القرآن، وقد حظى هذا الجمعُ على إجماع الصحابة ومن ثم على الأمة قاطبة، كما أجمعوا على تواتر ما فيه.\nولا يطعن في ذلك التواتر أن آخر سورة براءة لم يوجد إلا عند أبي خزيمة؛ فإن المراد أنه لم يوجد مكتوبًا إلا عنده، وذلك لا ينافي أنه وجد محفوظًا عند كثرة من الصحابة بلغت حد التواتر، وكان المعتمد عليه وقتئذ هو الحفظ والاستظهار، وإنما اعتمد على الكتابة كمصدر من المصادر زيادة في الاحتياط، ومبالغة في الدقة والحذر. (^١)\nوختامًا لهذا المبحث الهام يحسن التنبيه هنا والتأكيد على خلاصة ما يلي:\nأولًا: إن المتأمل في جمع الصديق ﵁ يعلم يقينًا أن الباعث الأول عليه هو تحرِّ القتل في القراء يوم اليمامة، وقد قُتِلَ منهم عدد كبير ينتهي إلى السبعين وقد أنهاه بعضهم إلى خمسمائة. وكان الهدف الأسمى منه جمع القرآن في مكان واحد خشية ذهابه بذهاب حفظته.\nثانيًا: أن عمل الصديق ﵁ هو جمع القرآن النازل الثابت قراءته في مصحف واحدٍ بعد أن كان مفرقًا في الرقاع واللخاف والأقطاب والعسيب، وهو القرآن الذي جمعه وكتبه كتَّابُ الوحي ودوّنوه بين يدي رسول ﷺ، فكان عمل أبي بكر ﵁ هو جمع ما تفرق من القرآن في مصحف واحدٍ فحسب، ذلك لأن القرآن الذي جمع في عهد النبي ﷺ لم يجمع في مصحف واحد بل كان متفرقًا، فَجَمْعُ الصديق هو نفس الجمع النبوي، غير أن الجمع النبوي كان مفرقًا، وجمع الصديقِ صار جمعًا للقرآن بين دفتي مصحف واحد.\nثالثًا: أن الصديق ﵁ التزم في جمعه ترتيب سور وآيات القرآن وفق ما استقرت عليه العرضة الأخيرة، وهذا الترتيب هو الموافق للقرآن المثبت في اللوح المحفوظ لأنه توقيفي على القول الراجح، ولذا يبقى جمع الصديق للأصل الذي كان عليه القرآن في الجمع النبوي الأول مرتب السور والآيات، وهذا الأمر لا يمكن الحيد عنه إلا بنص واضح الدلالة؛ لأن الصديق انحصرت مهمته في جمع القرآن الذي جمع في العهد الأول مفرقًا، يجمعه في مصحف واحد متأسيًا ومتبعًا فيه ما انتهى إليه أمر الجمع الأول الذي أتمه النبي ﷺ، ولم يلحق ﷺ بالرفيق الأعلى إلا وقد اتضحت أماكن السور والآيات واستقرت في ترتيبها المصحفي وفق ما استقرت عليه العرضة الأخيرة، أما كونه قد اقتصر في جمعه على إثبات وتقيد وكتابة ما ثبتت تلاوته وقرآنيته في العرضة الأخيرة مما لم تنسخ تلاوته فحسب، وإهمال المنسوخ منها، فهذا القول وإن\n_________\n(^١) - مناهل العرفان للزرقاني: (١/ ٢٥٣). بتصرف.","vol":"67","page":137},{"text":"كان هو أقرب الأقوال للصواب، غير أنه يحتاج لزيادة تحقيق واستيثاق واستقراء للأدلة وتثبُّت منها، وإن كانت النفس تميل إليه. مع وجوب التنبه إلى ما سيأتي في فقرة \"رابعًا\".\nوقد نتج من جراء ذلك الجمع أن جمعت نسخة واحدة من القرآن بين اللوحين في مكان واحد وليس نُسَخًا متعددة لكل حرف نسخة، وبقيت في مصحف واحد عند خليفة المسلمين حياته.\nرابعًا: أن جمع الصديق ﵁ لم يتضمن نوع الزام للمسلمين وحملهم على هذا الجمع ولزومه، ولذا كان بعض من لم يشهد العرضة الأخيرة من الصحابة لا يعلم بنسخ بعض الآيات، فكان يقرأ ببعض ما نُسخ من القرآن مما سمعه من رسول الله ﷺ، دون علمه بالنسخ المتأخر الذي استقرت عليه العرضة الأخيرة.\nخامسًا: أن جمع الصديق ﵁ يصعب الجزم والقطع بأنه اشتمل على الأحرف السبعة، ومما يدلل حتمًا على ذلك أن هناك كلمات لا يكفي فيها الكتابة وحدها، إذ لابد فيها من الجمع بين الكتابة وطريقة النطق الصحيحة بها، ولا مجال لذلك البتة إلا بالصوت، ولنأخذ على سبيل المثال كلمة \"الصراط\" والتي قد كتبت في جميع المصاحف بالصاد، وقد قرئت بـ \"الزاي\" إشمامًا، أي بإشمام الصاد زايًا، وقد قرأ بها خلف عن حمزة، فالمعتمد فيها على الصوت نطقًا لا على المرسوم خطًا، وقل كذلك أيضًا في الإمالة والتقليل والإدغام وما شابه ذلك مما لا يمكن ضبطه إلا بالنقل والضبط الصوتي، ولاشك أن هذه الأمور لم ينقل ولم يحفظ أن جمع الصديق قد حواها، ومن ادعى غير ذلك فليأت ببرهان ساطع ودليل قاطع.\nوأقصى ما يُقال في ذلك أن جمع الصديق ﵁ لم يهمل وجوه القراءة وفق الرسم، وذلك لأن جمعه لم يكن بواسطة المكتوب في السطور فحسب، بل كان معتمدًا كذلك على مطابقته لما هو محفوظ في الصدور، ذلك لأنَّ الأصل في قراءة القرآن نقله وتلقيه بالمشافهة، ولا يفهم من هذا أن جمعه كان محتملًا لوجه واحد من الرسم فيكون قد أهمل إعمال وجوه القراءة الأخرى التي يحتملها الرسم؛ فإن مثل هذا لا يُنقل إلا عن طريق التلقي والمشافهة لا عن طريق الرسم المكتوب، ذلك لأن أخذ القراءة بالتلقي والمشافهة قاض على الرسم، ولذا فإن الصحابة حين كتابة الصحف لم يعتبروا اختلاف الرسم بل اعتبروا القراءة أولًا وجعلها قاضية وحاكمة على الرسم وذلك باعتبار أنها الأصل والرسم تابع لها.\nوالقول بثبوت الأحرف السبعة في الصحف البكرية قول يفتقر لحُجّة واضحة قاطعة ودليل ثابت صحيح يُعتمد عليه، لأن مثل هذه الدعوى لا يمكن قبولها أبدًا إلا بنقل ثابت صحيح يصلح للاحتجاج، إذ يلزم من هذا القول أن تكون الصحف البكرية قد كتبت جمعًا بين الأحرف السبعة في الرسم في المصحف الواحد وهو أمر محال،","vol":"67","page":138},{"text":"إذ يلزم بثبوتها في الصحف البكرية تكرار كتابة الكلمات التي فيها اختلاف في أوجه القراءة على غرار كتابة المصاحف العثمانية التي بعثها عثمان ﵁ إلى الأمصار، ويترتب على ذلك الجزم بعدم احتواء جمع الصديق ﵁ للأحرف السبعة، والباحث في حدود بحثه لا يعلم عن أحد من السلف قال خلاف هذا القول. والله أعلم. (^١)\nقال ابن أبي داوود﵀- (ت: ٣١٦ هـ) في \"كتاب المصاحف\":\n\" ظفر هذا الجمع باتفاق الصحابة - ﵃- على صحته ودقته وأجمعوا على سلامته من الزيادة أو النقصان وتَلقَّوه بالقبول والعناية التي يستحقها\nحتى قال عليّ بن أبي طالب﵁-:\n\"أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر فإنه أول من جمع ما بين اللوحين \". (^٢)\nقال الحافظ ابن حجر ﵀:\nوإذا تأمَّل المنصف ما فعله أبو بكرٍ من ذلك جزم بأنه يعد في فضائله، ويُنوِّه بعظيم منقبته؛ لثبوت قوله -ﷺ-: من سنَّ سنة حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بِها. (^٣)\nثم قال: فما جمع القرآن أحدٌ بعده إلا وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة. (^٤)\nوجمع أبي بكرٍ هو الذي نسخ منه المصحف الإمام ولم يتغير منه شيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>المبحث السادس: منهج أبي بكر الذي وضعه لـ \" زيد بن ثابت \" في جمع وتدوين القرآن الكريم</span>\nلقد نهج الصديق-رضي الله الله عنه- نهجًا محكمًا وطريقة متقنة بلغتا مبلغًا عظيمًا من الدقة والإحكام والإتقان في جمع القرآن الكريم، ثم أمر زيدًا- رضي الله الله عنه - بجمعه القُرْآن وفق الخطة والطريقة التي وضعها له والتي فيها من أخذ الحيطة ووضع الضمان والأمان لصيانة كتاب الله ولوزم الحذر والدقة والتأني والتثبُّت، فلم يكتفِ﵁- بما حفظ في صدره ولا بما سطره بيده ولا بما سمع بأذنه، بل جعل يتتبع ويستقصي كل أسباب التحري والدقة والإتقان والحيطة، آخذًا على نفسه الاعتماد في على مصدرين رئيسين:\nالمصدر الأول: المكتوب في السطور، وهو ما كتب بين يدَيْ رسول الله - ﷺ. -\nوالمصدر الثاني: المحفوظ في الصدور، وهو ما كان محفوظًا في صدور الصحابة -﵃ -.\nفلا يقبل شيئًا من المكتوب حتى يشهد له شاهدان عدلان أنه كُتب بين يدَيْ رسول اللهﷺ- وذلك لأخذ الحيطة والحذر والتأكد من إنه كُتِبَ فعلًا بين يدي رسول اللهﷺ-.\nروى ابن شبة عن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب (ت: ١٠٤ هـ) قال:\nأراد عمر﵁ - أن يجمع القرآن، فقام في الناس، فقال: من كان تلقَّى من رسول اللهﷺ- شيئًا من القُرْآن فليأتِنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان. (^٥)\nالمراد بالشاهدين:\nقال الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) - ﵀-: المراد بالشاهدين:\n_________\n(^١) يُنظر: عرفة بن طنطاوي، الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة: (ص: ٦٧٨). بتصرف يسير.\n(^٢) - المصاحف: لابن أبي داود السجستاني: (ص: ١١).\n(^٣) رواه مسلم عن جرير بن عبد الله: باب العلم، باب من سن سنة حسنة. صحيح مسلم مع شرح النووي (١٦/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\n(^٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٨/ ٦٢٨).\n- رواه مسلم عن جرير بن عبد الله: باب العلم، باب من سن سنة حسنة. صحيح مسلم مع شرح النووي (١٦/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\n- فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٨/ ٦٢٨).\n(^٥) تاريخ المدينة لابن شبة صـ ٧٠٥.","vol":"67","page":139},{"text":"الحِفظ والكتابة.\nويبين السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ) -﵀- المراد بالشاهدين فيقول:\nالمراد بهما رجُلان عدلان يشهدان على أن ذلك المكتوب كُتب بين يدَيْ رسول اللهﷺ-، ولم يعتمد زيدٌ على الحفظ وحده؛ ولذلك قال في الحديث الذي رواه البخاري: إنه لم يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة؛ أي: لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، مع أن زيدًا كان يحفظها، وكان الكثير من الصحابة يحفظونها، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، زيادةً في التوثُّق، ومبالغة في الاحتياط، وعلى هذا المنهج الرشيد تم بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وإجماع الأمة عليه دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيد في التنفيذ، وللصحابة في المعاونة والإقرار\". (^١)\nوما ختم به السخاوي - رحمه لله- كلامه آنفًا يُكتب بماء العين.\nونختم هذا المبحث باختصار كيفية تنفيذ زيد لمهمة جمع القرآن في الفقرات التالية:\nأولًا: قام الفاروق بالإعلان للناس عن إحضار ما لديهم من القرآن مكتوبًا.\nثانيًا: جلس زيد والفاروق على باب المسجد يستقبلون ما يجيء به الصحابة من القرآن. وهو مروي بسند منقطع كما أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح.\nفَيُرْوَى أن أبا بكر قال لزيد وعمر بن الخطاب:\nاقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه. (^٢)\nثالثًا: كان يطلب من كل من جاء بشيء من القرآن إحضار شاهدين على أنه كتب هذا بين يدي النبي ﷺ. (^٣)\nرابعًا: قام زيد بكتابة القرآن من خلال مطابقة ما كتب من القرآن في زمن النبي ﷺ بما يحفظه الصحابة في صدورهم من القرآن.\nقال زيد:\nفتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره. (^٤)\nأي لم يجدها مكتوبة إلا عند أبي خزيمة، وإلا فزيد وغيره من الصحابة يحفظ هذه الآيات، لكنه يريد أن تكون الآيات محفوظة ومكتوبة، وذلك لزيادة التوثيق والاحتياط.\nقال الحافظ ابن حجر:\nوفائدة التتبع المبالغة في الاستظهار والوقوف على عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ. (^٥)\nخامسًا: كان بداية مهمة جمع القرآن بعد معركة اليمامة في نهاية السنة ١١ للهجرة، وانتهت قبل وفاة أبي بكر في منتصف سنة ١٣ للهجرة.\nسادسًا: بعد كتابة القرآن وجمعه، سُلم لأبي بكر الصديق وبقي عنده حتى وفاته، ثم بقي عند عمر حتى استشهد على يد أبي لؤلؤة المجوسي، فبقي عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵄، ثم طلبها عثمان لينسخ منها نسخ للأمصار وأعادها لحفصة،\n_________\n(^١) - مناهل العرفان للزرقاني: (١/ ٢٥٣: ٢٥٢). وعزاه للسخاوي.\n(^٢) المصاحف لابن أبي داود صـ ١٢، وجمال القراء للسخاوي ١/ ٨٦، قال ابن حجر: ورجاله ثقات مع انقطاعه. الفتح ٩/ ١٤.، وإسناده منقطع؛ لأنَّ عروة لم يلق أبا بكر.\n(^٣) - مباحث في علوم القرآن، لمناع القطان: (ص: ١٣٢).\n(^٤) - صحيح البخاري (٤٩٨٦).\n(^٥) - الفتح ٩/ ١٥.","vol":"67","page":140},{"text":"فلما توفيت حفصة سنة ٤١ للهجرة، طلب أمير المدينة مروان بن الحكم هذا الصحف من عبد الله بن عمر وأتلفها، حتى تجتمع كلمة المسلمين على المصاحف التي نسخت عن مصحف الصديق ووزعت في البلاد بأمر عثمان ﵁.\nوبهذا أصبح القرآن الكريم مكتوبًا ومرتبًا ومجموعًا في مكان واحد، وذلك وفق أعلى معايير الضبط والتوثيق، ومن خلال عمل جماعي وعلمي وشفاف، أجمع كافة الصحابة رضوان الله عليهم على دقته وصحته وسلامته من الزيادة أو النقصان، بفضل الله وتوفيقه لأصحاب رسول الله ﷺ، بعد وفاة النبي ﷺ بسنة واحدة فقط. (^١)\nوختامًا فإنه قد تبين لنا تميز هذا الجمع بما يلي:\n١ - تميز هذا الجمع بمنتهى الدقة والإتقان\n٢ - وإهماله لما نسخ من الآيات، واشتماله على ما ثبت في العرضة الأخيرة دون سواه\n٣ - وظفر بإجماع الأمة عليه، وتواتر ما فيه\n٤ - ولم يكن منه إلا نسخة واحدة حفظت عند إمام المسلمين أبي بكر ﵁- باتفاق العلماء. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-31>المبحث السابع: مصير صحف أبي بكر﵁</span>-\nيبين السخاوي مصير صحف أبي بكر ﵁ فيقول:\nوقد قوبلت تلك الصحف التي جمعها زيد بن ثابت بما تستحق من عناية فائقة؛ فحفِظها أبو بكر عنده، ثم حفظها عمرُ بعده، ثم حفظتها أم المؤمنين حفصة بنت عمر بعد وفاة عمر، حتى طلبها منها خليفة المسلمين عثمان بن عفان﵃ أجمعين-، حيث اعتمد عليها في استنساخ مصاحف القُرْآن، ثم ردها. (^٣)\nويؤكد أبو شامة المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ) - ﵀- مصير تلك الصحف فيقول:\nبعد أن أتمَّ زيد﵁- في المصحف سَلَّمَه لأبي بكر الصديق﵁- فحفظه عنده حتى وفاته ثم انتقل إلى أمير المؤمنين من بعده عمر بن الخطاب - ﵁- وبعد وفاته انتقل المصحف إلى حفصة أم المؤمنين﵂- لأن عمر﵁- جعل أمرَ الخلافة من بعده شورى، فبقي عند حفصة إلى أن طلبه منها عثمان﵁- لنسخه بعد ذلك ثم أعاده إليها، ولما توفِّيت حفصة - ﵂- أرسل مروان بن الحكم إلى أخيها عبد الله بن عمر﵄- ساعة رجعوا من جنازة حفصة بعزيمة ليُرْسِلَنَّ بها فأرسل بها ابن عمر إلى مروان فمزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك خلاف ما نسخ عثمان﵁-. (^٤)\nوقد روى هذا الخبر عمر بن شبة في \"تاريخ المدينة\" من طريق حفص بن عمر الدوري فقال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت ﵁ قال: لما ماتت حفصة أرسل مروان إلى عبد الله بن عمر ﵄ بعزيمة، فأعطاه إياها، فغسلها غسلًا. (^٥)\nوهكذا جُمِعَ القرآنُ في عهد أبي\n_________\n(^١) قصة جمع القرآن الكريم، أسامة شحادة، موقع سلف، بتاريخ: ٣٠/ ١٢/ ١٤٣٩ هـ. بتصرف في الترتيب بـ\"الترقيم\".\n(^٢) - البرهان للزركشي ١/ ٢٩٧، ودراسات في علوم القرن لفهد الرومي صـ ٨٢. بتصرف وترتيب يسير.\n(^٣) - نفس المرجع السابق.\n(^٤) -المرشد الوجيز: أبو شامة المقدسي، ص ٥٢.\n(^٥) - جمع القرآن: (٧٨ - ٧٩).","vol":"67","page":141},{"text":"بكر﵁الجمع الثاني- على قطع متناسقة متساوية في الحجوم، مرتب الآيات والسور، بطريقة توثيقية لم يعرف التاريخ البشري لها مثيلًا من حيث الضبط والإتقان، يقول علي بن أبي طالب﵁-: أعظم الناس أجرًا في المصحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-32>الفصل الرابع\nتاريخ وزمن هذا الجمع وأبرز نتائجه</span>\nوفيه مبحثان\n\n<span data-type='title' id=toc-33>المبحث الأول: أبرز نتائج جمع أبي بكر﵁</span>\nلاشك أن الدافع لهذا الجمع هو خوف ذهاب حملته إبَّان مقتل سبعين من القراء يوم اليمامة، وكان بداية جمعه بعد تلك المعركة أي في قرابة نهاية السنة الحادية عشرة من الهجرة تقريبًا، وانتهت مهمة الجمع قبل وفاة أبي بكر﵁- في منتصف السنة الثالثة عشرة من الهجرة.\nفإن فترة خلافته-رضي لله عنه- كانت من: الثاني عشر من ربيع الأول سنة ١١ هـ إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ١٣ هـ.\nوقيل إن فترة الجمع قد استغرقت خمسة عشر شهرًا، وقيل غير ذلك أيضًا.\nوالحقيقية أن هذا الكلام تقريبي ولا يمكن الجزم به لعدم الوقوف على شيء ثابت موثق يثبت ويؤكد تلك المدة بالتحديد تمامًا. والله أعلم.\nوفي ختام الكلام عن هذا الجمع نبحث مسألتين هامتين:\nأولًا: لقد تم هذا الجمع بإجماع من الصحابة الكرام﵃ أجمعين-.\nثانيًا: حصل بجمعه نوع اطمئنان من الخوف من ضياعه أو تفلت من توثيقه بكماله وتمامه أي شيء.\nثالثًا: تم هذا الجمع على أوثق طرق الجمع والحيطة لكتاب الله تعالى، فقد جمع بطريقي الحفظ- صدرًا وسطرًا- ثم دون كل ما جُمِعَ في مكان واحد بناء على ذلك، ولم يقبل تدوين أي شيء فيه إلاّ ما أجمع الصحابة﵃على أنه قرآن وتواترت روايته كذلك.\nرابعًا: أصبح هذا الجمع هو النسخة الوحيدة الموثوقة والمقيدة والتي أجمع الصحابة كلهم﵃ أجمعين- على صحتها وسلامة كل ما فيها من الزيادة والنقصان.\nخامسًا: بإجماع الصحابة﵃- واتفاقهم على هذا الجمع زالت كل شبهة ولاسيما شبه التبديع والإحداث في الدين.\nوختامًا: فإنه قد تبين معنا في ثنايا البحث:\n\"أن جمع أبي بكر الصديق للقرآن كان بسبب خشيته أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي - ﷺ-\". (^٢)\nوبهذا يتبين الفرق بين الجمع في عهديه: الأول، والثاني.\n_________\n(^١) يُنظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان، ص ١٣٢.\n(^٢) -المصاحف لابن أبي داود ص ١١: ص ١٦.","vol":"67","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>المبحث الثاني: أوّل من سمى القرآن بالمصحف</span>\nقال الزركشي﵀- في البرهان: \" ذكر المظفري (ت: ٦٤٢ هـ) في تاريخه:\nلَمَّا جَمعَ أبو بكر القرآنَ قال: سَمُّوهُ. فقال بعضُهم: سَمُّوهُ إِنْجيلًا. فَكرهوه. وقال بعضُهم: سَمُّوهُ السِّفْرَ. فكرهوه مِنْ يهود. فقال ابنُ مَسعودٍ: رأيتُ للحَبَشَةِ كِتَابًا يدعونهُ المُصْحَفَ، فسمُّوهُ بهِ \". (^١)\nوالحقيقة أن رواية مثل هذه لا يُعتمد عليها لأن ليس لها أي سند يُعتمد عليه، وقد رويت مرسلة بغير عزو ولا إسناد، وهي مغايرة لما ثبت من حديث أنس﵁- عند البخاري وقد ذكر فيه الصحف في قوله:\nفأرسل عثمان إلى حفصة: أنْ أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف …\nإلى أن قال:\nففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. (^٢).\nوهناك آثار أخر كالتي ذكرها المظفري- كذلك- لكنها لا ترتقي لدرجة الثبوت واليقين.\n\"المصحف\" كلمة عربية:\nوكلمة صَحيفة اسم: والجمع صَحيفات وصَحائفُ صِحَاف وصُحُف، الجمع: صَحِيفٌ، والصَّحِيفَةُ: ما يكتب فيه من وَرَقٍ ونحوه ويطلق على المكتوب فيها والجمع: صُحُفٌ. (^٣)\nفالكلمة إذًا عربية بحتة، وعلى فرض ثبوت ما نُسِب من استعمال الحبشة لها - كذلك، فلعلها من مشترك الألفاظ بين اللغتين.\nضبط كلمة \"مصحف\" وبيان معناها في اللغة:\nوالأصل المشهور في ضبط كلمة: \"مُصْحَفُ\" بضم الميم، ويجوز \"مِصْحَفُ\" بكسرها، وهي لغة تميم.\nوالمصحف: اسمٌ لكلِّ مجموعة من الصُّحُف المكتوبة ضُمَّت بين دفَّتين، وجاء في (اللِّسان) عن الأزهري﵀ -: \"وإنَّما سُمِّي المصحفُ مصحفًا؛ لأنه أُصْحِفَ، أي جُعل جامعًا للصُّحُفِ المكتوبة بين الدَّفتَّين\". (^٤)\nومقتضى كلام الفيروز آبادي﵀-:\nأنَّ المُصحف (بالضم): اسم مفعول من أصْحَفَه إذا جمعه. والمَصحف (بالفتح): موضع الصُّحُف، أي: مجمع الصَّحائف. والمِصحف (بالكسر): آلة تَجْمع الصُّحف. (^٥)\nوقال الشهاب الخفاجي: (١٠٦٩ هـ):\n\"المصحف بضم الميم وكسرها ونقل فيه التثليث وهو مجمع الصحف من أصحف إذا جمع وهو مخصوص بالقرآن\". (^٦)\nقال الفراء (ت: ٢٠٧ هـ):\n\"وقد استثقلت العرب الضمة في حروف فكسرت ميمها وأصلها الضم من ذلك مصحف ومخدع ومطرف ومغزل ومجسد؛ لأنها في المعنى مأخوذة من أصحف جمعت فيه الصحف … \". (^٧)\nقال أبو إسحاق الوهراني المعروف بابن قُرْقُول: (ت: ٥٦٩ هـ):\n\"والمصحف مأخوذ من الصحيفة\". (^٨)\nوقال المطرزي (ت: ٦١٠ هـ):\n\"والمصحف الكراسة وحقيقتها مجمع\n_________\n(^١) - البرهان: (١/ ٣٧٧).\n(^٢) رواه البخاري، حديث: (٤٩٨٧).\n(^٣) - يُنظر: تعريف ومعنى صحيفة في معجم المعاني الجامع\n(^٤) -يُنظر: لسان العرب (٧/ ٢٩٠ - ٢٩١)، مادة: (صحف).\n(^٥) يُنظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (١/ ٨٦).\n(^٦) - يُنظر: نسيم الرياض في شرح شفا القاضي عياض ص ٥٥٤:\n(^٧) - يُنظر: إصلاح المنطق ص ١٢٠، وأدب الكاتب ص ٥٥٥، وتهذيب اللغة ٤/ ٢٥٤:\n(^٨) - يُنظر: مطالع الأنوار ٤/ ٢٦٤:","vol":"67","page":143},{"text":"الصحف\". (^١)\nوقال السمين الحلبي (ت: ٧٥٦ هـ):\n\"والمصحف هو الجامع للصحف المكتوبة … وغلب على ما كتب من القرآن\". (^٢)\nالمصحف اصطلاحًا:\nوأما المصحف في اصطلاح العلماء - ﵏- فهو اسمٌ للمكتوب فيه كلام الله تعالى بين الدَّفتَّين. (^٣)\nويصدق المصحف على ما كان حاويًا للقرآن كلِّه، أو كان ممَّا يُسمَّى مصحفًا عُرفًا ولو قليلًا كحزب، على ما صرَّح به القليوبي﵀-، أو أقلَّ من ذلك كورقة فيها بعض سورة، أو لوحًا، أو كتفًا مكتوبة. (^٤)\n\"وقيل للقرآن مصحف؛ لأنَّه جُمِعَ من الصَّحائِف المتفرِّقة في أيدي الصَّحابة، وقيل: لأنَّه جَمَعَ وحَوَى - بطريق الإجمال - جميعَ ما كان في كتب الأنبياء، وصُحُفِهم، (لا) بطريق التَّفصيل\". (^٥).\nو\" المصحف \"اسمٌ للمكتوبِ من القرآن الكريم، المجموع بين الدَّفَّتين، و\"القرآن\" اسمٌ لكلامِ الله تعالى المكتوبِ في المصاحف (^٦).\nوفي نحو ما سبق يقول القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ) - ﵀-:\n\" والفرق بين الصحف والمصحف: أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سورًا مفرقة، كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت، ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفًا \". (^٧)\nونختم هذ المبحث الهام ببعض نظم أبي عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) - ﵀- في \"الأرجوزة المنبهة\":\nالقَوْلُ فِي المَصَاحِفِ وَجَمْعِ القُرْآنِ فِيهَا\nوَاصْغَ إلى قَوْلِيَ فِي المَصَاحِفِ … وَمَا أَنُصُهُ عَنْ الأسَالِفِ\nمِنْ شَأنِهَا فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ … وَالمُرْتَضَى عُثْمَانَ ذِي التَوْفِيقِ\nلَمَّا تُوُّفِيَّ رَسُولُ اللَّهِ … صَلَى عَلَيهِ دَائِمًَا إلَهِي\nوَوَلِيَ الصِّدِّيقُ أمْرَ الأُمَّهِ … مِنْ بَعْدِ مَا جَرَتْ أُمُورٌ جَمَّه\nارْتَدَّتْ العْرَبُ فِي البُلْدَانِ … وَأعْلَنَتْ بِطَاعَةِ الشَّيْطَانِ\nوَمَنَعَتْ فَرِيضَةَ الزَّكَاةِ … وَفَرْضُهَا قُرِنَ بِالصَّلاةِ\nرَأى خَلِيفَةُ النَّبِيِّ المُصْطَفَى … جِهَادَهُم فَرِيضَةً وَشَرَفَا\nفَجَيَّشَ الجُيُوشَ وَالعَسَاكِرَا … نَحْوَهُمُ وَوَجَّهَ الأَكَابِرَا\nمِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ … مُرْتَجِيًا لِنُصْرَةِ القَهَّارِ\nفَحَقَقَ الإلَهُ مَا رَجَاهُ … وَرَضِيَ الرَأيَ الَّذِي رَآهُ\nوَأُيِّدَ الجَيْشُ الَّذِي أعَدَّه … فَقَتَلُوا وَأَسَرُوا المُرْتَدَّه\nوَلَجَأَ البَعْضُ إلى الحُصُونِ … وَصَالَحُوا عَلَى التِزَامِ الدِّينِ\nوَذَاكَ بَعْدَ مِحْنَةٍ وَشِدَّه … جَرَتْ عَلَى الصَّحْبِ مِنَ اهْلِ الرِدَّه\nوَاسْتُشْهِدَ القَرَأَةُ الأَكَابِرُ … يَوْمَئذٍ هُنَاكَ وَالمَشَاهِرُ\n_________\n(^١) - يُنظر: المغرب في ترتيب المعرب ١/ ٤٦٧\n(^٢) يُنظر: عمدة الحفاظ ٢/ ٣٧١\n(^٣) - يُنظر: الموسوعة الفقهية، لمجموعة من الباحثين (٣٨/ ٥).\n(^٤) - يُنظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٢٥)؛ حاشية القليوبي على منهاج الطالبين (١/ ٣٥).، ويُنظر: الفرق بين القرآن والمصحف-د. محمود بن أحمد الدوسري، مقال عن موقع الألوكة بتاريخ: ١١/ ٧/ ١٤٣٩ هـ.\n(^٥) يُنظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (١/ ٨٧).\n(^٦) يُنظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني (٣/ ٨ - ٩).\n(^٧) -لطائف الإشارات: (١/ ١٠٦).","vol":"67","page":144},{"text":"وَوَصَلَ الأمْرُ إلى الصِّدِّيقِ … فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى التَوْفِيقِ\nوَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ الفَارُوقُ … مَقَالَةً أيَّدَهَا التَوْفِيقُ\nإنِّي أرَى القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّا … بِحَامِلِي القُرْآنِ وَاسْتَمَرَّا\nوَرُبَّمَا قَدْ دَارَ مِثْلُ ذَاكَا … عَلَيهِمو فَعُدِمُوا بِذَاكَا\nفَاسْتَدْرِكْ الأمْرَ وَمَا قَدْ كَانَا … وَاعْمَل عَلَى أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَا\nوَرَاجَعَ الصِّدِّيقَ غَيْرَ مَرَّه … فَشَرَحَ اللَّهُ لِذَاكَ صَدْرَه\nفَقَالَ لابْنِ ثَابِتٍ إذْ ذَاكَا … إنِّي لِهَذَا الأمْرِ قَدْ أرَاكَا\nقَدْ كُنْتَ بِالغَدَاةِ والعَشِيِّ … تَكْتُبُ وَحْيَ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ\nفَأنْتَ عِنْدَنَا مِنَ السُّبَّاقٍ … فَاجْمَعْ كِتَابَ اللهِ فِي الأَوْرَاقِ\nفَفَعَلَ الَّذِي بِهِ قَدْ أَمَرَه … مُعْتَمِدًا عَلَى الَّذِي قَدْ ذَكَرَه\nوَجَمَعَ القُرْآنَ فِي الصَّحَائِفِ … وَلَمْ يُمَيْزْ أَحْرُفَ التَخَالُفِ (^١)\nبَلْ رَسَمَ السَّبْعَ مِنَ اللُّغَاتِ … وَكُلَّ مَا صَحَّ مِنَ القِرَاتِ\nفَكَانَتْ الصُّحُفُ فِي حَيَاتِه … عِنْدَ أبِي بَكْرٍ إلى مَمَاتِه\nثُمَّةَ عِنْدَ عُمَرَ الفَارُوقِ … حِينَ انْقَضَتْ خِلافَةُ الصِّدِّيقِ\nثُمَّةَ صَارَتْ بَعْدُ عِنْدَ حَفْصَه … لَمَّا تُوُّفِيَّ كَمَا فِي القِصَّه. (^٢) وبانتهاء المبحث الثاني ينتهي الفصل الرابع والأخير. والحمد لله العلي الكبير.\nخاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة.\nالحمد لله الذي أنعم عليّ عبده الفقير إليه سبحانه في كل أحواله، الظاهر ضعفه وذله واستكانته بين يديه جل في علاه في كل أطواره وفي حله وترحاله.\nوبعد:\nفقد توصلت تلك الدراسة المختصرة والمتواضعة إلى عدة حقائق ونتائج، ولعل من أبينها وأبرزها وأهمها ما يلي:\n١ - بيان عظم قدر الكتاب الخاتم المنزل من عند الله، ومدى تحقق حفظ الله له، وذلك بتقدير الأسباب والسنن الكونية التي قدرها سبحانه ويسر سبلها لحفظه، والتي في طليعتها الجمع في عهد الصديق ﵁.\n٢ - تحقق الخيِّرية لصدر هذه الأمة -الصحابة الكرام الأطهار الأبرار ﵃ أجمعين-، علمًا، وعملًا، ديانة وأمانة، همة وعلو قدر، سبقًا في كل خير ومسارعة في كل فضل، وقد تمثل ذلك في قيامهم بحفظ كتاب ربهم بعد نبيهم ﷺ خير قيام-جمعًا له- حفظًا له في الصدور، - وكتابته وتدوينه- حفظًا له في السطور.\n٣ - إن حفظ القرآن بطريقي \" الحفظ في الصدور- والكتابة في السطور\" يدلل ويشير إلى أبرز اسمين علمين على القرآن ألا وهما:\n_________\n(^١) - واشتمال جمع أبي بكر ﵁ على الأحرف السبعة أمر يصعب الجزم، به إذ ليس عليه دليل قطعي الثبوت عند أهل التحقيق، وقد سبق التنويه إليه في غير ما موضع في طيَّات البحث. الباحث.\n(^٢) -الأرجوزة المنبهة لأبي عمر الداني- (مرجع سابق)، الأبيات من رقم: (١٧٨ - ١٥٥)، (ص: ١٠٥ - ١١٠).","vol":"67","page":145},{"text":"\"القرآن والكتاب\"، فـ\"اسم القرآن\" يشير إلى حفظه في الصدور لأنه مقروء، و\"اسم الكتاب\" يشير إلى حفظه في السطور، لأنه مكتوب.\n٤ - ولقد تم هذا الجمع على أعلى درجة من الاحتياط لكتاب الله تعالى تحقيقًا، وتدقيقًا، وتوثيقًا وتحريًا لما جمعوه، واختيارًا لمن قاموا بجمعه على أحسن وأجود وأدق أساليب الاختيار- أداءًا للأمانة وإبراءً للذمة، ووفاء بالعهد لتحمل أمانة حفظ وصيانة القرآن من الضياع بعد نبيهم الخاتم - رسول رب العالمين ﷺ.\n٥ - وعلى هذا المنهج الرشيد تم- جمع القرآن- بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وإجماع الأمة عليه دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل، لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيد في التنفيذ، وللصحابة في المعاونة والإقرار\". (^١)\n٦ - أن هذا الجمع لا يُعد من الابتداع في الدين، لأن القرآن قد جمع في عهد النبوة لكنه كان مفرقًا، وهذا الجمع لم يأت بجديد، غير أنه جمع القرآن بين دفتين بعد أن كان مفرقًا فحسب.\n٧ - التحقق من أن ترتيب الآيات في السور توقيفي\n٨ - توصلت الدراسة إلى أن القول في ترتيب السور توقيفي لا اجتهادي.\n٩ - أن معارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي مخالف لإجماع الأمة-سلفًا، وخلفًا.\n١٠ - باكتمال هذا الجمع، وعلى هذه الدقة تم الاطمئنان على حفظ كتاب الله تعالى، والتأكد والتثبت من أن الذي بين دفتيه هو كلام الله ووحيه المنزل المتحقق قرآنيته، المنقول بالتواتر، وأنه ليس فيه أي آية من القرآن المنسوخ، وهو القرآن الذي استقرت عليه العرضة الأخيرة، وهو القرآن الموافق لما هو مثبتٌ في اللوح المحفوظ عند رب العزة جل في علاه، وأنه لا زيادة فيه ولا نقصان، ولا تحريف فيه ولا تغيير ولا تبديل، لأنه: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) (فصلت: من آية: ٤٢)، وذلك لأنه: (تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: من آية: ٤٢)، وهو متضمن لتحقيق وعد الله الذي لا يتخلف ولا يتبدل الذي قال فيه ﷾: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (الحجر: ٩).\nوهناك نتائج كثيرة متحققة في ثنايا البحث، وهي جلية غير خفية، ولم يذكرها الباحث هنا لوضوحها وجلائها.\n_________\n(^١) - مناهل العرفان للزرقاني: (١/ ٢٥٣: ٢٥٢)، وعزاه عن للسخاوي.","vol":"67","page":146},{"text":"أ- فهرس<span data-type='title' id=toc-35> المراجع</span>\n١ - الإتقان في علوم القرآن المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب الطبعة: ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م، عدد الأجزاء: ٤\n٢ - الأرجوزة المنبهة على أسماء القراء والرواة وأصول القراءات وعقد الديانات بالتجويد والدلالات، عثمان بن سعيد الداني أبو عمرو الأندلسي (المتوفى: ٤٤٤ هـ)، تحقيق: محمد بن مجقان الجزائري، الطبعة الأولى عن دار المغني- الرياض- ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م، عدد المجلدات: ١\n٣ - البرهان في علوم القرآن المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: ٧٩٤ هـ) المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م، الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركائه (ثم صوَّرته دار المعرفة، بيروت، لبنان - وبنفس ترقيم الصفحات) عدد الأجزاء: ٤\n٤ - البداية والنهاية المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، الناشر: دار الفكر، عام النشر: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م عدد الأجزاء: ١٥\n٥ - تفسير الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ)، المحقق: أحمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ٢٤\n٦ - تفسير ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، المحقق: محمد حسين شمس الدين، الناشر: دار","vol":"67","page":156},{"text":"الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٩ هـ\n٧ - عرفة بن طنطاوي، التفاسير التي رُتِبَت على ترتيب النزول والرد عليها. عرض، ودراسة، ومناقشة (د. ط). عدد الأجزاء: ١\n٨ - عرفة بن طنطاوي، الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة (د. ط) عدد الأجزاء: ٢\n٩ - زاد المسير في علم التفسير المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ)، المحقق: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ\n١٠ - شرح السنة المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٦ هـ، تحقيق: شعيب الأرناؤوط-محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م عدد الأجزاء: ١٥\n١١ - فتح الباري شرح صحيح البخاري المؤلف: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز عدد الأجزاء: ١٣\n١٢ - الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، المؤلف: أحمد بن غانم (أو غنيم) بن سالم ابن مهنا، شهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: ١١٢٦ هـ)، الناشر: دار الفكر، الطبعة: بدون طبعة تاريخ النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م عدد الأجزاء: ٢\n١٣ - كتاب المصاحف، المؤلف: أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني (المتوفى: ٣١٦ هـ)، المحقق: محمد بن عبده الناشر: الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م عدد الأجزاء: ١\n١٤ - المقنع في رسم مصاحف الأمصار المؤلف: عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني (المتوفى: ٤٤٤ هـ)، المحقق: محمد الصادق قمحاوي الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة عدد الأجزاء: ١\n١٥ - الموسوعة الفقهية الكويتية صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت عدد الأجزاء: ٤٥ جزءًا، الطبعة: (من ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ) .. الأجزاء ١ - ٢٣: الطبعة الثانية، دار السلاسل - الكويت .. الأجزاء ٢٤ - ٣٨: الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة - مصر .. الأجزاء ٣٩ - ٤٥: الطبعة الثانية، طبع الوزارة.\n١٦ - مباحث في علوم القرآن، المؤلف: مناع بن خليل القطان (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الطبعة: الطبعة الثالثة ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ١\n١٧ - مجموع الفتاوى المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية عام النشر: ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م\n١٨ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح المؤلف: علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: ١٠١٤ هـ)، الناشر: دار الفكر، بيروت.\n١٩ - المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز المؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: ٦٦٥ هـ)، المحقق: طيار آلتي قولاج، الناشر: دار صادر - بيروت سنة النشر: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م عدد الأجزاء: ١","vol":"67","page":157},{"text":"٢٠ - مناهل العرفان في علوم القرآن، المؤلف: محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (المتوفى: ١٣٦٧ هـ)، الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة: الثالثة، عدد الأجزاء: ٢\n٢١ - مجلة الأزهر، رئيس التحرير: محمد فريد وجدي بكّ، تحت إدارة ديوان الإدارة للأزهر، والمعاهد الدينية، بالقاهرة، عدد شهر رمضان سنة (١٣٧٠ هـ/ ١٩٥٠ م، مجلد ٢٢). مطبعة الأزهر.","vol":"67","page":158}]}