{"ً":{"ٌ":9499,"ٍ":"قواعد العلل وقرائن الترجيح","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العلل والسؤالات/قواعد العلل وقرائن الترجيح - الزرقي - ط دار المحدث","files":["64167.pdf"]},"ّ":"الكتاب: قواعد العلل وقرائن الترجيح\nالمؤلف: عادل بن عبد الشكور بن عباس الزرقي\nالناشر: دار المحدث للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1225,"ٕ":9,"ٖ":1770155551,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"(مقدمة وتعريف)","level":1,"page":2},{"title":"١- تعريف العلة:","level":1,"page":4},{"title":"٢- أهمية علم العلل وصعوبته:","level":1,"page":10},{"title":"٣- أقسام الحديث المعل:","level":1,"page":22},{"title":"٤ - المؤلفات في العلل:","level":1,"page":28},{"title":"٥ - طرق معرفة علة الحديث:","level":1,"page":35},{"title":"٦ - طرق معرفة علة الحديث: الأمر الثاني","level":1,"page":39},{"title":"٧ - من مهمات علم العلل:","level":1,"page":46},{"title":"٨ - قرائن الترجيح والموازنة بين الروايات المختلفة:","level":1,"page":51},{"title":"أ- قرائن أغلبية.","level":2,"page":51},{"title":"١. العدد:","level":3,"page":51},{"title":"٢. الحفظ:","level":3,"page":53},{"title":"٣. الاختصاص:","level":3,"page":66},{"title":"٤. سلوك الجادة:","level":3,"page":69},{"title":"٥. غرابة السند واتفاق البلدان:","level":3,"page":76},{"title":"٦. اتفاق البلدان:","level":3,"page":79},{"title":"ب - قرائن خاصة.","level":2,"page":82},{"title":"١) رواية الراوي عن أهل بيته:","level":3,"page":82},{"title":"٢) الرواية بالمعنى:","level":3,"page":83},{"title":"٣) اختلاف المجلس:","level":3,"page":86},{"title":"٤) سعة رواية المختلف عليه:","level":3,"page":87},{"title":"٥) شذوذ السند:","level":3,"page":88},{"title":"٦) فقدان الحديث من كتب الراوي:","level":3,"page":89},{"title":"٧) مخالفة الراوي لما روى:","level":3,"page":91},{"title":"٨) وجود تفصيل أو قصة في السند أو المتن:","level":3,"page":93},{"title":"٩) التفرد:","level":3,"page":95},{"title":"١٠) غرابة المتن:","level":3,"page":97},{"title":"١١) اختلاف ألفاظ الروايتين:","level":3,"page":98},{"title":"١٢) اضطراب إحدى الروايتين:","level":3,"page":98},{"title":"١٣) وجود أصل للرواية:","level":3,"page":100},{"title":"١٤) وجود رواية تجمع الوجهين المختلفين:","level":3,"page":101},{"title":"١٥) تصحيح الحفاظ لإحدى الروايات:","level":3,"page":102},{"title":"١٦) تشابه الاسمين:","level":3,"page":103},{"title":"١٧) رواية أهل المدينة:","level":3,"page":105},{"title":"١٨) احتمال التدليس ممن وصف به:","level":3,"page":105},{"title":"١٩) التصريح بالسماع:","level":3,"page":106},{"title":"تعارض القرائن:","level":1,"page":106},{"title":"علل ألفاظ حديث المغيرة بن شعبة ﵁ في المسح","level":1,"page":109},{"title":"أما بعد","level":2,"page":109},{"title":"ترجمة موجزة لراوي الحديث","level":2,"page":111},{"title":"بيان لتلك الألفاظ، وطرقها وتخريجها وبيان عللها","level":2,"page":112}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108},"ٜ":{"1":[5,112]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112",null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"10":[3],"22":[4],"28":[5],"35":[6],"39":[7],"46":[8],"51":[9,10,11],"53":[12],"66":[13],"69":[14],"76":[15],"79":[16],"82":[17,18],"83":[19],"86":[20],"87":[21],"88":[22],"89":[23],"91":[24],"93":[25],"95":[26],"97":[27],"98":[28,29],"100":[30],"101":[31],"102":[32],"103":[33],"105":[34,35],"106":[36,37],"109":[38,39],"111":[40],"112":[41]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"قواعد العلل\nوقرائن الترجيح\n\nالدكتور: عادل عبد الشكور الزرقي","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>(مقدمة وتعريف)</span>\nإِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله من شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ محَمَّدًَا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.\nأَمَّا بَعْدُ.\nفَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْي هَدْيُ محَمَّدٍ -ﷺ-، وَشرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ.\nوَبَعْدُ.\nفَإنَّهُ لمَّا كان عِلْمُ الحَدِيثِ من أَجَلِّ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَأَفْضَلِهَا. وَكان عِلْمُ عِلَلِ الأَحَادِيثِ من أَصْعَبِ فُرُوعِ هذا العِلْمِ التي تَفَرَّعَتْ مِنْهُ.\nكان مِنَ الَّلازِمِ على أَهْلِ العِلْمِ الاهتِمَامُ بهَذَا الأَمْرِ، خِدْمَةً لدِينِ الله وَسُنَّةِ نَبِّيهِ -ﷺ-.\nوفي هذا الكتاب (١) جمعت قواعد هذا العلم العملية، وقرائنه الترجيحية، من كلام أهله السابقين، مما شرد وندر في كتب العلل والتواريخ\n_________\n(١) أصل هذا الكتاب جزء من رسالة \"دكتوراه\" في الحديث وعلومه، مقدمة إلى كلية أصول الدين، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وقد أجيزت بمرتبة الشرف الأولى، بفضل الله (الكاتب /د. عادل الزرقي).","vol":"1","page":5},{"text":"والسؤالات والمسائل والمصطلح وغيرها.\nوسلكت فيه مسلك التوسع في جمع أصوله العملية لا النظرية غالبًا، مع الاختصار في التقرير والتمثيل.\nوجعلت لكل موضوع مبحثًا مستقلًا، تيسيرًا للفهم، وترتيبًا للذهن.\nمعتمدًا على العلماء السابقين، مراعيًا في ذلك اصطلاحات علمائه اللاحقين وفهمهم.\nوالمرجو من كل قارئ يجد فيه نقصًا أو خلالًا أن يسدِّده بدعوة صادقة، وأن يبعث إليَّ بما تجود به نفسه من فائدة على عنوان دار المحدِّث، لتداركه في زمن لاحق.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>١- تَعْرِيفُ العِلَّةِ:</span>\nالعِلَّةُ في اللُّغَةِ: - قال في القَامُوسِ: «والعِلَّةُ - بالكَسْرِ -: المَرَضُ. عَلَّ يَعِلُّ، واعتلَّ، وأعلَّه الله تعالى فهو مُعَلٌّ، وعَلِيل، ولا تقل: مَعْلُول ...» (١) . وقال النَّوويُّ عن \"مَعْلُول\": «هو لحن»، وتبعه السّيوطي (٢) . بينما عبَّر ابن الصلاح بقوله: «والمَعْلُول مرذول عند أهل العربية واللُّغة»، وعلق العراقي على ذلك بقوله: «واعتُرِض عليه بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللُّغة، منهم قُطْرُب (٣)، بينما حكاه اللَّبْلي (٤) والجوهري (٥) في الصِّحاح والمُطَرِّزي (٦)\nفي المُغْرِب»، ثم قال العراقيُّ: «والجواب عن\n_________\n(١) القاموس: مادة «علل» .\n(٢) تدريب الراوي (١/٢٩٤) .\n(٣) هو أبو علي محمد بن المستنير البصري، أحد العلماء بالنحو واللغة، توفي سنة ٢٠٦هـ - تاريخ بغداد (٣/٢٩٨) .\n(٤) هو أبو العباس أحمد بن يوسف الفهري، ولد بلَبْلَة غرب الأندلس عام ٦٢٣هـ، وتوفي سنة ٦٩١هـ، له تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح - مقدمة فهرس اللبلي (ص٥) وما بعدها.\n(٥) هو أبو نصر إسماعيل بن حمَّاد الجوهري الفارابي، من بلاد الترك، إمام في علم اللغة، وخطه يضرب به المثل في الحسن، توفي سنة ٣٩٨ هـ - إنباه الرُّوَاة للقفطي (١/٢٢٩) .\n(٦) هو ناصر بن عبد السَّيِّد الخوارزمي الحنفي، شيخ المعتزلة، له شرح المقامات، توفي سنة ٦١٠هـ - السير (٢٢/٢٨) ..","vol":"1","page":7},{"text":"المصنِّف - أي ابن الصَّلاح - أنه لا شكَّ في أنَّه ضعيف وإنْ حكاه بعض من صنَّف في الأفعال كابن القُوطيَّة (١) . وقد أنكره غير واحد من أهل اللُّغة كابن سيده (٢) والحَريري (٣) وغيرهما» (٤) . وفيما قاله نظر، ولعلَّ قول الزَّركشي أَقرب حيث قال: «والصَّواب أنه يجوز أن يقال: علَّه، فهو مَعْلُول، من العِلَّة والاعتلال، إلا أنه قليل ... ويشهد لهذه العِلَّة قولهم: عليل كما يقولون قتيل وجريح ... وظهر بما ذكرناه أن قول المصنِّف: \"مرذول\"، أجود من قول النَّووي في اختصاره: \"لحن\"، لأن اللَّحن ساقط غير معتبر البتة، بخلاف المرذول. وأما قول المحدِّثين: \"علَّله فلان بكذا\"، فهو غير موجود في اللغة، وإنَّما هو مشهور عندَهم بمعنى ألهاه بالشيء وشغله، من تعليل الصَّبي بالطَّعام. لكنَّ استعمال المحدِّثين (٥) له في هذا المعنى على سبيل الاستعارة» (٦) .\nوأقدم من وجدته استعمل كلمة معلول بمعنى مريض - ممن يحتجُّ بكلامه في اللُّغة - مع العلم والإمامة في الدِّين - الإمامُ الشَّافعي، حيث قال في كتاب الرَّهن من كتابه \"الأمِّ\": «ومن يجوز ارتهانه ثلاث أصناف: - صحيح وآخر مَعْلُول وآخر فاسد ...»، إلى أنْ قال: «فهذا الرَّهن\n_________\n(١) هو أبو بكر محمد بن عمر الأندلسي النحوي، كَانَ رأسًا في اللغة والنحو، ذا عبادة ونسك، توفي سنة ٣٧٦هـ - السير (١٦/٢١٩) .\n(٢) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل المرسي الضرير، عالم باللغة، توفي سنة ٤٥٨هـ - السير (١٨/١٤٤) .\n(٣) هو أبو محمد القاسم بن علي البصري، صاحب المقامات، توفي سنة ٥١٦هـ - السير (١٩/٤٦٠) .\n(٤) التقييد (ص١١٦) .\n(٥) لم أجد عمَّن سلف من المحدثين من استعملها، فالمراد من تأخر منهم، فلا ينسب إليهم هذا الاستعمال بإطلاق.\n(٦) النكت للزركشي (٢/٢٠٥-٢٠٦) .","vol":"1","page":8},{"text":"الصَّحيح الذي لا علة فيه، وأما المَعْلُول ...» (١) .\nفهذا النَّصُّ يردُّ على كلِّ من أنكره لغةً، فاللفظة قليلة الاستعمال، صحيحة لغة، لا مرذولة.\nوأقدم من وجدته استعمل لفظة: \"معلّ\" هو العقيليُّ (٢)، وهي صحيحة.\nأما لفظة: «مَعْلُول» فقليلة عند السلف من المحدثين (٣)، فيما يظهر.\nالعِلَّة في الاصطلاح:\nعرَّف العراقي (٤) العِلَّة في منظومته الألفية بقوله: -\nوهي عبارة عن أسباب طرت ... فيها غموض وخفاء أثَّرت (٥) .\nفيؤخذ مما قال أن العِلَّةَ: سببٌ خفيٌ وغامضٌ مؤثِّرٌ في الحديث الذي\n_________\n(١) الأم (٣/١٨٤)، وقد قال عبد الملك بن هشام النحوي وأبو عبيد القاسم: «الشافعي ممن تؤخذ عنه اللغة» - مناقب الشافعي لابن أَبي حاتم (ص١٣٦) . ولم أجد شاهدًا - بعد البحث - من الشعر القديم المحتج به على المراد هنا.\n(٢) الضعفاء (٣/٢٨٧) .\n(٣) من أقدم من ذكر هذه اللفظة:\n١. البخاري فيما نقله عنه الترمذي في علله الكبير (١/٥٥١-ترتيبه)، والخليلي في الإرشاد (٣/٩٦١) .\n٢. أَبُو داود في رسالته (ص٣٤) .\n٣. الترمذي في جامعه في موضعين (٩٧و١١١٩)، ولم أجده عن غيرهم من العلماء ممن هو في طبقتهم المتقدمة.\n(٤) وهو مقتضى كلام الحاكم وابن الصلاح وغيرهما، كما سيأتي.\n(٥) فتح المغيث (١/٢٥٨) .","vol":"1","page":9},{"text":"ظاهره السَّلامة. فللعلة ركنان هما: -\n١. الخفاء والغموض.\n٢. القدح في الحديث، سندًا أو متنًا.\nويلزم عليه أنه إن تخلَّف أحدهما فلا يسمى الحديث مُعَلًا اصطلاحًا.\nوهذا التَّعريف الذي استقرَّ مؤخرًا - وهو ما سار عليه غالب العلماء.\nفهو يخصِّص العلَّة ويحصرها بوصفين، أما السابقون من المحدِّثين فإن العِلَّة عندهم أعمُّ مما اشتهر بعد، فهي: «كلُّ ما أثَّر - ولو لم يقدح - في الحديث سندًا أو متنًا، لفظًا أو معنىً، ظهر أم خفي» .\nحيث نجد في كتب الحديث والعلل الكثيرَ من تعليلِ أحاديثٍ بغيرِ ما تقدَّم في التعريف الأول (١)، فيعللون بعلل غير خفية بل في غاية الوضوح كالرَّاوي المتروك (٢)، ويعللون بغيْر قادحٍ كتغيير الصَّحابي.\nويشهد لذلك تسميةُ التِّرمذيِّ المنسوخَ معلولًا لعدم العمل به (٣)، لا لعدم صحته، لاشتمال الصَّحيح على أحاديث منسوخة (٤) .\n_________\n(١) علوم الحديث لابن الصلاح (١٢٢-التقييد) والنكت لابن حجر (٢/٧٧١) وتوضيح الأفكار (٢/٢٧) .\n(٢) قال ابن أَبي حاتم: «سألت أَبي عن حديث رَوَاهُ عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه أن عليًا انكسرت إحدى زنديه فأمره النبي -ﷺ- أن يمسح على الجبائر فقال أَبي: هذا حديث باطل، لا أصل له، وعمرو بن خالد: متروك الحديث» - العلل (١/٤٦) . وسئل الدارقطني عن حديث آخر من حديث ابن عباس عن أَبي بكر أن النبي -ﷺ- قال: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» . فقال: يرويه الوليد بن سلمة الأردني، وهو متروك الحديث عن عمر بن قيس سندل، وهو ضعيف أيضًا ويضطرب في إسناده ...» - العلل للدارقطني (١/٢١٣) .\n(٣) فتح المغيث (١/٢٧٢) .\n(٤) النكت للزركشي (٢/٢١٥) .","vol":"1","page":10},{"text":"ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه قوله: «حديث ابن مسعود في التطبيق منسوخ» (١) .\nونصَّ ابن الصلاح على ما سبق، فقال: «إنَّ بعضهم - أي المحدِّثين - أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح» (٢) .\nولعلَّ تخصيص المتأخِّرين هذا النوع باسم العلل لأن أكثر أحاديث كتب العلل من هذا النَّوع، كما هو ظاهر وصرَّح به السخاوي (٣)، أو لأنه أدقُّها وأغمضُها، وقد اعتَرَض بعضُهم بشدة على هذا التخصيص، ولكلٍ وجهٍ ما يؤيده، ولعل ما ذهب إليه المتأخرون نوع من الحصر والتقييد، لا تغيير في المنهج بالمعنى العام، وإلا فما سلف من صنيعهم أولى، وصنيع الخلف أسهل للتعلم والفهم، والخلاف في النهاية غير مؤثر إذا سلم النهج العام.\nوعلى ما سبق، فالحديث المعلُّ اصطلاحًا متأخرًا هو: \"الحديث الذي ظاهره السَّلامة، اطُّلع على قادح في صحته سندًا أو متنًا\".\nفلا يكون الحديث معلولًا - اصطلاحًا - إلا إذا توفر فيه شرطان هما: -\n١. السَّلامة في الظاهر بتحقق شروط صحة الحديث - سندًا (٤) - أولًا.\n_________\n(١) العلل (١/٩١) .\n(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص-التقييد) .\n(٣) فتح المغيث (١/٢٧١) .\n(٤) عبَّر العراقي عن ذلك بقوله: «ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر» - التقييد (ص١١٦)، ولذا لا يشتغل بتعليل رواية الضعفاء كما قال أَبُو حاتم لابنه: «ليس عبد الله في هذا الوزن أن يشتغل بخطئه، عامة حديثه على هذا» - العلل (٢/٢٦٦) .","vol":"1","page":11},{"text":"٢. الوقوف على قادح في أحد هذه الشروط - غالبًا - ثانيًا.\nقال الحاكم: «وإنَّما يعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإنَّ حديث المجروح ساقط واهٍ (١)، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثِّقات، أنْ يحدِّثوا بحديثٍ له علة فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولًا ...» (٢) .\nويظهر أن الحاكم أول من خصَّص هذا المصطلح، وتبعه من بعده دون أن يستدرك عليه، بل إنَّ ابن حجر قال بعد كلام لابن الصلاح: «وفي هذا ردٌّ على من زعم أن المعلول يشمل كلَّ مردود» (٣)، وقال أيضًا: «المعلول ما علته قادحة خفية» (٤)، وعلى هذا التعريف الأخير سار الرُّكبان من أهل الحديث.\nتنبيه: لا يلزم من الإشارة إلى وجود علة في حديث أن يكون معلًا مطلقًا.\nقال العلائي: «وإنَّما يقوى القول بالتَّعليل عند عدم المعارض، وحيث يجزم المعلِّلُ بتقديم التَّعليل، أو أنَّه أظهر، فأمَّا إذا اقتصر على الإشارة إلى العِلَّة فقط، بأن يقول - مثلًا - في الموصول: رواه فلان مرسلًا، أو نحو ذلك، ولا يبيِّن أي الرِّوايتين أرجح، فهذا موجود في كلامهم، ولا يلزم منه رجحان الإرسال على الموصول» (٥)، وبنحوه لابن حجر (٦) أيضًا.\n* * *\n_________\n(١) يعرف ضعف المحدِّث - غالبًا - بمخالفة بقية الثقات، كما قال الدارقطني عن راوٍ: «يحدِّث بأحاديث يسندها، ويوقفها غيْره» - سؤالات الحاكم للدارقطني. (٣٣٤) .\n(٢) معرفة علوم الحديث (ص١١٢-١١٣) .\n(٣) النكت لابن حجر (٢/٧٠٩) .\n(٤) النكت لابن حجر (٢/٧٧١) .\n(٥) النكت لابن حجر (٢/٧٧٧) .\n(٦) المصدر السابق.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>٢- أهمية علم العلل وصعوبته:</span>\nيعتبر علم العلل من أجلِّ أنواع علوم الحديث (١)، وأدقِّها وأشرفها. وإنَّما يضطَّلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثَّاقب (٢) .\nقال ابن حجر عن هذا العلم: «هو من أغمض أنواع علوم الحديث، وأدقِّها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله فهما ثاقبًا، وحفظًا واسعًا، ومعرفة بمراتب الرُّواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون. ولذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشَّأن كعلي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري ويعقوب بن شيبة وأبي حاتم وأبي زرعة الرَّازيَّين والدَّارقطني»، قال: «وقد تقصر عبارة المعلِّلِ عن إقامة الحجَّة على دعواه، كالصَّيرفيِّ في نقد الدِّينار والدِّرهم» (٣) .\nقال ابن المديني: «لأنْ أعرف علة حديث هو عندي أحب إليَّ من أن أكتب عشرين حديثًا ليس عندي» (٤) .\nوقال ابن مهدي: «لأَنْ أعرفَ علةَ حديثٍ واحدٍ أحبُّ إليَّ من أن أستفيد عشرة أحاديث» (٥) .\nوقال الحاكم: «هو عِلْمٌ برأسه غير الصَّحيح والسَّقيم، والجرح والتَّعديل» .\n_________\n(١) قاله الخطيب في الجامع (٢/٤٥٠) .\n(٢) علوم الحديث لابن الصلاح (ص ١١٦) .\n(٣) نزهة النظر لابن حجر (ص ٨٩)، وقوله بقصور العبارة أمر نسبي نادر، والنص كرره في النكت (٢/٧١١) بنحوه.\n(٤) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٠) .\n(٥) المعرفة للحاكم (ص١١٢) والجامع للخطيب (٢/٤٥٢) والسير (٩/٢٠٦) وشرح العلل (١/١٩٩) .","vol":"1","page":13},{"text":"وقال أيضًا: «معرفة علل الحديث من أجلِّ هذه العلوم» (١) .\nولأهمية هذا العلم كان بعض المحدِّثين يعقدون مجالس خاصة به.\nقال ابن عبد الحكم: «ما رأينا مثل الشَّافعي كان أصحاب الحديث ونقَّاده يجيئون إليه فيعرضون عليه فربما أعلَّ نقد النُّقاد منهم ويوقفهم على غوامض من علل الحديث لم يقفوا عليها فيقومون وهم يتعجَّبون منه» (٢) .\nوقال الخطيب: «أشبه الأشياء بعلم الحديث معرفة الصَّرف ونقد الدِّنانير والدِّراهم، فإنه لا يعرف جودة الدِّينار والدِّراهم بلون ولا مسٍّ ولا طراوة ولا دنس ولا نقش ولا صفة تعود إلى صغر أو كبر ولا إلى ضيق أو سعة، وإنَّما يعرفه النَّاقد عند المعاينة، فيعرف البَهْرَجَ الزَّائِفَ والخالص والمغشوش، وكذلك تمييز الحديث، فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب بعد طول الممارسة له والاعتناء به» (٣) .\nواقترن بهذه الأهمية صعوبات كثيرة لا يكاد يدركها إلا الحافظ ومن خاض غمار هذا الأمر وعاناه.\nقال ابن المديني: «أخذ عبد الرحمن بن مهدي على رجل من أهل البصرة - لا أسميه - حديثًا، قال فغضب له جماعة، قال: فأتوه، فقالوا: يا أبا سعيد من أين قلت هذا في صاحبنا؟ قال فغضب عبد الرحمن بن مهدي وقال: أرأيت لو أن رجلًا أتى بدينار إلى صيرفي فقال: انتقد\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث للحاكم (ص١١٢و١١٩) .\n(٢) تاريخ دمشق (٥١/٣٣٥)، والنص يحتمل أن المراد بالعلة فيه الفقهية ونحوها.\n(٣) الجامع (٢/٣٨٢) .","vol":"1","page":14},{"text":"لي هذا. فقال: هو بهرج. يقول له: من أين قلت لي: إنه بهرج؟ الزم عملي هذا عشرين سنة حتى تعلم منه ما أعلم» (١) .\nقال ابن نمير: قال عبد الرحمن بن مهدي: «معرفة الحديث إلهام. لو قلت للعالم يعلِّل الحديث من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة»، قال ابن نمير: «وصدق، لو قلت له من أين قلت؟ لم يكن له جواب» (٢) .\nوعقَّب السخاوي على قول ابن مهدي الأخير: «يعني يعبر بها غالبًا، وإلا ففي نفسه حجج للقبول والرفض» (٣) .\nوقال ابن مهدي أيضًا: «إنكارنا للحديث عند الجهَّال كهانة» (٤) .\nوقال ابن نمير: «معرفة الحديث بمنزلة الذهب، إنما يبصره أهله، وليس للبصير فيه حجة ...» (٥) .\nومما يدلُّ على قولِ ابنِ مهدي ما حكاه أبو زرعة الرَّازي، وسأله رجل: «ما الحجَّة في تعليلكم الحديث»؟ قال: «الحجَّة أن تسألني عن حديث له علَّة، فأذكر علته. ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميِّز كلام كلٍ مِنَّا على ذلك الحديث، فإن وجدَّت بيننا خلافًا في علته، فاعلم أنَّ كلًا مِنَّا تكلَّم على مراده، وإن وجدَّت الكلمة متَّفقة فاعلم حقيقة هذا العلم» . قال: ففعل\n_________\n(١) الجامع للخطيب (٢/٣٨٣) .\n(٢) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٠) والجامع للخطيب (٢/٣٨٣) .\n(٣) فتح المغيث (١/٢٣٦) .\n(٤) المصدران السابقان، وعني بالجهال من لا علم لهم بالعلل.\n(٥) الجامع للخطيث (٢/٣٨٤) .","vol":"1","page":15},{"text":"الرجل فاتفقت كلماتهم. فقال: «أشهد أن هذا العلم إلهام» (١) .\nوقال نعيم بن حماد لابن مهدي: «كيف تعرف صحيح الحديث من سقيمه؟ قال: كما يعرف الطبيبُ المجنونَ» (٢) .\nوقال الحاكم: «إن الصَّحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنَّما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السَّماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يخفى من علة الحديث، فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصَّحيحة غير المخرَّجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم، لزم صاحب الحديث التَّنقير عن علته، ومذاكرة أهل المعرفة لتظهر علته» (٣) .\nوقال ابن رجب عن الحفَّاظ: «فإنَّ هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث مختصون بمعرفته كما يختصُّ البصير الحاذق بمعرفة النُّقود، جيِّدها ورديئها ومشوبها ...، وكلٌّ من هؤلاء لا يمكن أن يعبِّر عن سبب معرفته، ولا يقيم عليه دليلًا لغيره»، قال: «وبكل حال، فالجهابذة النُّقاد والعارفون بعلل الحديث أفراد قليل من أهل الحديث جدًا ...» (٤) .\nوقوله: «لا يقيم عليه دليلًا لغيره»، أراد به الدَّليل القطعي اليقيني على ما ذكر من وَهْمٍ أو خطأ للراوي. أما الدليل بالقرائن والخبرة فهذا ما لا\n_________\n(١) المعرفة للحاكم (ص١١٣) والجامع للخطيب (٢/٣٨٤)، وقد عبر السخاوي عن ذلك بتعبير آخر فقال: «أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم ردُّه، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها» - فتح المغيث (١/٢٧٤)، وفي عبارته شيء، فلو عبر بما عبر السلف لكان أولى وأدق.\n(٢) الجرح (١/٢٥٢) والمجروحين (١/٣٢) .\n(٣) المعرفة للحاكم (ص٥٩-٦٠) .\n(٤) جامع العلوم (٢٧) .","vol":"1","page":16},{"text":"يُنفى علمهم به.\nوقال ابن قيِّم الجوزية: «وربَّما يظنُّ الغالط الذي ليس له ذَوق القوم ونقدهم أَنَّ هذا تناقضٌ منهم، فإنهم يحتجُّون بالرَّجل ويوثقونه في موضع، ثم يضعِّفونه بعينه ولا يحتجُّون به في موضع آخر. ويقولون: إن كان ثقة وجب قبول روايته جملة، وإن لم يكن ثقة وجب ترك الاحتجاج به جملة. وهذه طريقة فاسدة مُجمعٌ بين أهل الحديث على فسادها، فإنهم يحتجُّون من حديث الرجل بما تابعه غيره عليه وقامت شهوده من طرقٍ ومتونٍ أخرى، ويتركون حديثه بعينه إذا روى ما يخالف النَّاس أو انفرد عنهم بما لا يتابعونه عليه. إذِ الغلط في موضع لا يوجب الغلط في كل موضعٍ والإصابة في بعض الحديث أو في غالبه لا توجب العصمة من الخطأ في بعضه ولا سيَّما إذا عُلم من مثل هذا أغلاطٌ عديدةٌ ثم روى ما يخالف النَّاس ولا يتابعونه عليه فإنَّه يغلب على الظن أو يجزم بغلطه.\nوهنا يعرِض - لمن قَصُرَ نقدُهُ وذَوقه عن نقد الأئمَّة وذوقهم في هذا الشَّأن - نوعان من الغلط ننبِّه عليهما لعظيم فائدة الاحتراز منهما:\n١. أحدهما: - أن يرى مثل هذا الرَّجل قد وثق وشهد له بالصدق والعدالة أو خرج حديثه في الصَّحيح فيجعل كلَّ ما رواه على شرط الصَّحيح، وهذا غلط ظاهر فإنه إنَّما يكون على شرط الصَّحيح إذا انتفت عنه العلل والشُّذوذ والنَّكارة وتوبع عليه فأما مع وجود ذلك أو بعضه فإنه لا يكون صحيحًا ولا على شرط الصَّحيح. ومن تأمَّل كلام البخاري ونظرائه في تعليله أحاديث جماعة أخرج حديثهم في صحيحه، علم إمامته وموقعه من هذا الشأن وتبيَّن به حقيقة ما ذكرنا.\n٢. النوع الثاني من الغلط: - أن يرى الرَّجل قد تكلِّم في بعض حديثه","vol":"1","page":17},{"text":"وَضُعِّفَ في شيخ أو في حديث فيجعل ذلك سببًا لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجد كما يفعله بعض المتأخِّرين من أهل الظَّاهر وغيرهم وهذا أَيضًا غلط. فإن تضعيفَه في رجل أو في حديث ظهر فيه غلطُه لا يوجب التَّضعيف لحديثه مطلقًا. وأئمَّة الحديث على التَّفصيل والنَّقد واعتبار حديث الرَّجل بغيره، والفرق بين ما انفرد به أو وافق فيه الثِّقات. وهذه كلمات نافعة في هذا الموضع، تبيِّن كيف يكون نقد الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه ومعلوله من سليمه (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًَا فَمَا لَهُ من نُورٍ)» (١) .\nوالنَّص التالي عن أبي حاتم الرَّازي - على طوله - يبيِّن أهمية هذا العلم وصعوبته، بل وغرابته أَيضًا على عموم النَّاس، حيث قال: «جاءني رجل من جلِّة أصحاب الرَّأي من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر فعرضه عليَّ، فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديث باطل، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح، فقال: من أين علمت أَنَّ هذا خطأ وأَنَّ هذا باطل وأَنَّ هذا كذب؟ أخبرك راوي هذا الكتاب بأنَّي غلطت وأنَّي كذبت في حديث كذا؟ فقلت: لا! ما أدري هذا الجزء من رواية مَن هو؟ غير أني أعلم أَنَّ هذا خطأ، وأَنَّ هذا الحديث باطل، وأَنَّ هذا الحديث كذب فقال: تدَّعي الغيب؟ قال: قلت: ما هذا ادِّعاء الغيب، قال: فما الدَّليل على ما تقول؟ قلت: سلْ عمَّا قلتُ مَنْ يحسن مثلَ ما أحسنُ فإن اتفقنا علمت أنَّا لم نجازف ولم نقله إلا بفهم. قال: من هو الذي يحسن مثلَ ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة. قال: ويقول أبو زرعة مثلَ ما قلتَ؟ قلت: نعم. قال: هذا\n_________\n(١) الفروسية (ص٤٤-٤٥)، وفي النسخة أغلاط كثيرة أصلحت من طبعة أخرى.","vol":"1","page":18},{"text":"عجبٌ! فأخذ فكتب في كاغدٍ (١) ألفاظي في تلك الأحاديث ثم رجع إليَّ وقد كتب ألفاظ ما تكلَّم به أبا زرعة في تلك الأحاديث. فما قلت: إنه باطل، قال أبو زرعة: هو كذب. قلت: الكذب والباطل واحد، وما قلت: إنه كذب قال أبو زرعة: هو باطل، وما قلت: إنه منكر قال: هو منكر، كما قلت، وما قلت: إنه صحاح قال أبو زرعة: هو صحاح فقال: ما أعجب هذا! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما. فقلت: فقد دلَّك، أنَّا لم نجازف، وإنَّما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا، والدَّليل على صحة ما نقوله، بأنَّ دينارًا نَبَهْرَجًا (٢)\nيحمل إلى النَّاقد فيقول: هذا دينار نَبَهْرَج، ويقول لدينار: هو جيد فان قيل له: من أين قلت أَنَّ هذا نبهرج! هل كنت حاضرًا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا فان قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجت هذا الدينار قال: لا، قيل: فمن أين قلت: أَنَّ هذا نَبَهْرَج؟ قال: علمًا رزقت. وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك. قلت له: فتحمل فصَّ ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين فيقول: هذا زجاج ويقول لمثله: هذا ياقوت، فان قيل له: من أين علمت أَنَّ هذا زجاج وأَنَّ هذا ياقوت هل حضرت الموضع الذي صنع فيه هذا الزجاج؟ قال: لا قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه بأنه صاغ هذا زجاجًا؟ قال: لا، قال: فمن أين علمت؟ قال: هذا علم رُزقت. وكذلك نحن رُزقنا علمًا لا يتهيَّأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأَنَّ هذا الحديث كذب وهذا حديث منكر إلا بما نعرفه» اهـ.\nقال ابن أبي حاتم عَقِبَ ذلك: «تعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره فإن تخلف عنه في الحمرة والصَّفاء علم أنه مغشوش ويعلم جنس الجوهر بالقياس\n_________\n(١) الكاغد القرطاس، كذا في القاموس (ص٤٠٢) .\n(٢) قال ابن الأعرابي: «البَهْرَجُ الدرهم المُبْطَلُ السِّكَّةِ، وكلُّ مردود عند العرب بَهْرَجٌ ونَبَهْرَجٌ. والبَهْرَجُ: الباطلُ والرَّدِيءُ من الشيء» - اللسان (٢/٢١٧) ..","vol":"1","page":19},{"text":"إلى غيره فان خالفه بالماء والصَّلابة علم أنه زجاج ويقاس صحة الحديث:\nأ- بعدالة ناقليه.\nب- وأن يكون كلامًا يصلح (١) أن يكون من كلام النُّبوة.\nويعلم سقمه وإنكاره بتفرُّد مَن لم تصحَّ عدالته بروايته، والله أعلم» (٢) .\nفأشار - ﵀ - إلى قرائن معرفة ذلك بالقياس على رواية بقية الرواة، والقياس لا يحسنه كل أحد، ولا يصبر عليه السِّنين إلا القليل.\nوقال العلائي: «التَّعليل أمر خفي، لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث دون من لا اطلاع له على طرقه وخفاياه» (٣) .\nومما سبق يتبيَّن أَنَّ هذا العلم شاقٌّ وأنَّ معرفة علة الحديث قد لا تظهر إلا بعد سنين.\nقال الخطيب: «فمن الأحاديث ما تخفى علته، فلا توقف عليها إلا بعد النَّظر الشَّديد، ومضي الزَّمن البعيد»، ثم أسند عن ابن المديني قوله: «ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة» (٤) .\nوقال ابن أبي حاتم عن أبيه في حديث ذكره: «ولم أزل أفتِّش عن هذا الحديث، وهمَّني جدًَّا حتى رأيته في موضع ...» (٥) .\n_________\n(١) هذا القيد مهم جدًا في تصحيح الأحاديث التي أسانيدها قوية في الظاهر، وقد غفل عنه كثير من المعاصرين.\n(٢) الجرح (١/٣٤٩-٣٥١) .\n(٣) النكت لابن حجر (٢/٧٨٢) .\n(٤) الجامع للخطيب (٢/٣٨٥) .\n(٥) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٢٧٠) .","vol":"1","page":20},{"text":"وقال أيضًا: «قلت لأبي زرعة: أيهما عندَك أشبه؟ قال: الله أعلم. ثم تفكَّر ساعةً، فقال: حديث الدَّراوردي أشبه ...» (١) .\nولربما رجَّح العالم ما خفي على من هو أعلم منه بالحديث أو ما خالفه هو بعد زمن، كما حصل لأبي حاتم الرَّازي، حيث سأله ابنه عن حديث اختلف فيه، هل هو عن ابن مسعود -﵁- أو عن جابر -﵁- قال: «قلت لأبي أيهما أصحُّ؟ قال: عبد الله أصحُّ ... ثم قال ابن أبي حاتم: سألت أبي مرةً أخرى عن هذا الحديث فقال: يحيى القطَّان ومعتمر وغيرهما يقولون عن التَّيمي عن أبي نضرة عن جابر عن النَّبي -ﷺ-، وهو أشبه بالصَّواب» (٢) .\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه احمد بن حنبل وفضل الأعرج عن هشام بن سعيد أبي أحمد الطَّالقاني عن محمد بن مهاجر عن عقيل بن شبيب عن أبي وهب الجشمى وكانت له صحبة قال: قال رسول الله -ﷺ-: (سموا أولادكم أسماء الأنبياء وأحسن الأسماء عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة وارتبطوا الخيل وامسحوا على نواصيها وقلدوها ولا تقلدوها الأوثان) . قال أبي: سمعت هذا الحديث من فضل الأعرج وفاتني من أحمد، وأنكرته في نفسي وكان يقع في قلبي أنه أبو وهب الكلاعي صاحب مكحول، وكان أصحابنا يستغربون فلا يمكنني أن أقول شيئًا لما رواه أحمد، ثم قدمت حمص فإذا قد حدثنا ابن المصفى عن أبي المغيرة قال حدثني محمد بن مهاجر قال حدثني عقيل بن سعيد عن أبي وهب الكلاعي قال: قال النبي -ﷺ-\n_________\n(١) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٢٦٦) .\n(٢) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٤١٦) .","vol":"1","page":21},{"text":"قال أبي: فعلمت أن ذلك باطل وعلمت أن إنكاري كان صحيحًا وأبو وهب الكلاعى هو صاحب مكحول الذي يروى عن مكحول واسمه عبيد الله بن عبيد وهو دون التابعين يروى عن التابعين وضربه مثل الأوزاعي ونحوه فبقيت متعجبًا من أحمد بن حنبل كيف خَفِيَ عليه فإني أنكرته حين سمعت به قبل أن أقف عليه» (١) .\nوهذا الحافظ ابن حجر على سعة علمه بالعلل وطرق التَّرجيح فيه يقول في حديث: «وقد رجَّح البخاري أنه عن جابر، وخالفه أبو مسعود والبيهقي فرجَّحا أنه عن أبي هريرة، ولم يظهر لي في ذلك ترجيح، والله أعلم» (٢) .\nوكان هذا العلم ذا أهمية وصعوبة لعدَّة أمور منها:\n١- أنه يتعلق بكلام رسول -ﷺ-، «والثقة إذا حدَّث بالخطأ، فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ، يعمل به على الدَّوام للوثوق بنقله، فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشرع» (٣) .\n٢- ظهور صحة الحديث بالنَّظر إلى ظاهر السَّند والمتن، وفي هذه الحالة يبعد لدى النَّاظر احتمال وجود علة خفية، ويكثر وقوعه ممن أكثر من الحكم على الأحاديث من المتأخِّرين كالسّيوطي ومن سار على نهجه في التَّصحيح بظواهر الأسانيد فحسب، أو بتتبع الشَّواهد دون تمحيصها وتتبع عللها الخفيَّة، أو أهمل إعلال الأئمَّة لها اتكالًا على قوة الطُّرق عنده وكثرة الشَّواهد.\n_________\n(١) العلل لابن أبي حاتم (٢/٣١٢) .\n(٢) الفتح (٢/٦١١) .\n(٣) الفتح (١/٢٦٥) حديث (١٠٧) .","vol":"1","page":22},{"text":"٣- اختلال العمل بمنهج المحدثين قرنًا بعد قرن، باعتماد كثير من المتأخِّرين على ظواهر الأسانيد من حيث لا يشعرون، ودخول علم المنطق في علوم الحديث من خلال كتب المصطلح المتأخِّرة خاصَّة، فأهمية إبراز علة الحديث تزداد بقدر ذلك الاعتماد المشار إليه.\n٤- تفرُّق كثير من الأحاديث المعلَّة في بطون عشرات الكتب، ولا شكَّ أن التَّنقير عن ذلك واستخراجه من الصُّعوبة بمكان.\nوهذا العلم قد قلَّ من يفهمه ويُعنى به في العصور السَّابقة، فكيف بهذا الزمن قال أبو حاتم: «جرى بيني وبين أبي زرعة يومًا تمييز الحديث ومعرفته، فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها، وكذلك كنت أذكر أحاديث خطأ وعللها وخطأ الشيوخ، فقال لي: يا أبا حاتم قلَّ من يفهم هذا، ما أعزَّ هذا. إذا رفعت هذا من واحد واثنين فما أقلَّ أن تجد من يحسن هذا ...» (١) .\nوقال ابن حجر: «لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم» (٢) .\nولا يفهم من النصوص السابقة في صعوبة علم العلل وغرابته أنه لا قيام لشأنه بعد رحيل أهله الأوائل. فإن أصوله وقواعده باقية وطرائق أصحابه متداولة، تعتمد على الفهم والذكاء والخبرة وطول الممارسة ودقة التنقير.\nوقد تصعب العلة وتدق، بحيث لا يقدر على حل رمزها وكشف\n_________\n(١) الجرح (١/٣٥٦) .\n(٢) النكت (٢/٧١١) .","vol":"1","page":23},{"text":"غامضها إلا القليل من أهل هذا العلم.\nوليتنبه إلى أن أهمية علم العلل لا يعني نشر هذا العلم بين العامة، لعدم فهمهم حقيقته، ولاحتمال ورود الشك عندهم في الحديث وأصوله.\nقال أبو داود: «ضررٌ على العامة أن يكشف لهم كلُّ ما في هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث، لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا» (١) .\n* * *\n_________\n(١) رسالة أبي داود لأهل مكة (ص٣٠) .","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>٣- أقسام الحديث المعل:</span>\nتنوعت أساليب العلماء في تقسيم الأحاديث المعلَّة على ما يلي:\n١. تقسيمها - حسب أثر العِلَّة - قسمين اثنين هما:\nأ- علة قادحة، كالإرسال في السَّند، وتغيير المعنى في المتن (١) .\nب- علة غير قادحة، كتعيين الصَّحابي (٢) .\nوهذا التقسيم عبر عنه ابن حجر بـ: «مراتب العلل» (٣) .\n٢. تقسيمها حسب موضعها إلى علل في السَّند وعلل في المتن.\nأ- فمن علل السَّند: - رفع الموقوف ووصل المنقطع وإبدال راوٍ بآخر وإسقاط راوٍ أو زيادته وإبدال سند بآخر أشهر منه، ونحو ذلك.\nب- ومن علل المتن: - إدراج متن بآخر، والرِّواية بالمعنى مع تغيير\n_________\n(١) هذه النوع الأخير قليل جدًا في الأحاديث المعلة بحمد الله، مما يدلُّ على اهتمامهم بألفاظ الحديث أكثر من الأسانيد، ومن أشهر الأمثلة في ذلك قول ابن أَبي حاتم في علله (١/٦٤و٦٦): «سألت أَبي عن حديث رواه علي بن عياش عن شعيب بن أَبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: كان آخر الأمر من رسول الله -ﷺ- ترك الوضوء مما مست النار. فسمعت أَبي يقول: هذا حديث مضطرب المتن، إنما هو إن النبي -ﷺ- أكل كتفًا ولم يتوضأ، كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيبٌ حدَّث به من حفظه فوهم فيه» .\n(٢) النكت لابن حجر (٢/٧٤٦-٧٤٧) .\n(٣) الفتح (١٠/٦٣١) .","vol":"1","page":25},{"text":"المراد، ومخالفة الصَّحابي لما رواه، والتَّفرد بزيادة في المتن.\n٣. تقسيم ينظر فيه إلى قوة تأثير العِلَّة في الحديث على التالي:\nأ- ما يغلب على الظَّنِّ قبول علته.\nب- ما يغلب على الظَّنِّ رده.\nج- ما يجزم بِرَدِّه.\nد- ما يتوقف فيه لقوَّة تردُّده (١) .\nوهذا التَّقسيم مرتبط بقرائن التَّعليل الآتي ذكرها بعد، وعلى هذا اختلف العلماء في اعتبار العلة وعدم اعتبارها، استنادًا على قوة العِلَّة وأثرها في صحة الحديث، مع احتمال اتفاقهم على وجود أصل العِلَّة في حديث معين.\n٤. تقسيم بالنَّظر إلى نوع العِلَّة الظَّاهرة - وجعل كل قسم نوعًا من أنواع علوم الحديث - ومن هذه الأقسام:\n١- اختلاف الوصل والإرسال.\n٢- المضطرب (٢) .\n_________\n(١) نصب الراية (١/٢٣٧) .\n(٢) قال ابن حجر: «الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربا إلا بشرطين:\n١- أحدهما استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدِّم ولا يعلُّ الصحيح بالمرجوح.\n٢- ثانيهما - مع الاستواء - أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك» - هدي الساري (ص٥٠٩) .","vol":"1","page":26},{"text":"٣- زيادة الثِّقَات (١) .\n٤- الشَّاذ (٢) والمنكر.\n٥- المقلوب (٣) .\n٦- المدرج (٤) .\n٧- المزِيد في متَّصل الأسانيد.\n٨- المصحَّف والمحرَّف.\nوواضح أن هذه الأنواع جزء من الحديث المعل (٥) وإن اشتهر عند علماء المصطلح إفرادها في أبواب مستقلة وهي في الواقع جزء من العلل - الذي جعلوه مستقلًا - لأمور منها:\n١- أن الذين ألَّفوا في العلل أو تكلَّموا فيها عَرَضًَا، قد ذكروا أحاديث\n_________\n(١) هذا المبحث من أشكل مسائل علم العلل، وسيأتي تفصيل القول فيه عند الكلام عن قرينة الحفظ (ص ٣٧) .\n(٢) قليل جدًا استخدام المحدثين السابقين لهذه اللفظة فيما اصطلح عليه بعد، أما النوعان السابقان فكثيران جدًا في الأحاديث المعلة كما هُوَ معلوم لمن نظر في كتب العلل وغيرها.\n(٣) ممن ذكر هذا النوع في التعليل ابن أَبي حاتم (١/٧٠و١٥١و٢/٢٤) عن أبيه، والدارقطني (٥/٨٩) كلاهما في علله.\n(٤) ممن ذكر هذا النوع في التعليل ابن المديني (ص٧٧) وابن أَبي حاتم (٢/١٤٩) والدارقطني (٢/٩٥) في عللهم.\n(٥) أما قول الحاكم في المعرفة (ص١١٩و١٢٠) بأن الشاذ يغاير المعلل من حيث إن المعلل وقف على علته بخلاف الشاذ، فلا دليل عليه من صنيع من سلف، ولم يفصل الحاكم في دليله، بل إنه أسند عقب كلامه عن الشافعي أنه قيد الشاذ بقيدين هما: -\n١- المخالفة.\n٢- من الثقة خصوصًا، وهذا جزء من علم العلل كما سبق، وأكثر الروايات الشاذة قد عرف سبب شذوذها، وقول الشافعي بالمخالفة يدل على خلاف كلام الحاكم.","vol":"1","page":27},{"text":"فيها أكثر ما تقدَّم.\n٢- أن هذه الأنواع إنَّما عرفت بالنَّظر إلى رواية المخالف، وهذا بلا شك داخل في علم علل، حيث إنَّه يقوم على جمع الرِّوايات، والنَّظر في الاختلاف، ومن ثم الحكم كما سيأتي تفصيله فيما بعد (١) .\n٣- أن في الحكم على حديث بشيء من الأنواع السَّابقة في بعضه تعليل لسند ظاهره الصِّحة، اضطُّلع على علته الخفية بالاعتبار، ويبقى بعد التَّعليلِ النَّظرُ في أثر العِلَّة، أقادحة هي أم لا.\n٤- أنَّ إفراد جزء من علم بالتأليف، لا يعني أنه مستقل عنه في قواعده. فإفراد علماء الحديث السَّابقين بعض جزئيات العلل بالتأليف لا يفهم منه أنه علم مستقل يذكر بجانب علم العلل في كتب المصطلح.\nومن المآخذ المترتبة على إهمال ما سبق أمران:\n١- أنه عند التَّمثيل بأحاديث معلَّة لا تذكر بعض الأنواع السَّابقة، لأنها من علم آخر - اصطلاحًا - عند البعض.\n٢- أن ذلك قد يُوحي لدى البعض أيضًا أن قواعد هذه الأنواع وأسس التَّرجيح فيها غير التي في علم العلل. وهذا غير صحيح باعتبار الأصل، وإن كان قد يتميَّز كل نوع بجزئية تخصُّه لا تخرجه عن أصل علم العلل، ونوع المدرج يبين صحة ما سبق ذكره، حيث ظن البعض أن الرواية التي تبين الإدراج فاصلة في الأمر، وأغفل قرائن قبولها أو ردِّها، فليس كل من ميز وبين الإدراج في الرواية يقبل قوله إذا خالف من هو أرجح.\n_________\n(١) (ص٢٥) .","vol":"1","page":28},{"text":"ولعل إفرادهم هذه الأنواع من باب جمع الأمثلة المتشابهة، وفي هذا لطافة علمية ظاهرة وتجديد، وممن قام بذلك الحافظ ابن حجر، فقال السَّخاوي: «وقد أفرد شيخنا من هذا الكتاب - أي علل الدَّارقطني - ما له لقب خاص كالمقلوب والمدرج والموقوف، فجعل كلًا منها في تصنيف مفرد، وجعل العلل المجرَّدة في تصنيف مستقل ...» (١) .\nوذكر ابن حجر (٢) والسَّخاوي (٣) أن في العلل للدَّارقطني أمثلة للمضطَّرب. وقال الصَّنعاني عن علمي العلل والمضطَّرب: «والبحثان متقاربان، والاضِّطراب نوع من العلل» (٤) .\nوذكر أبو عبد الله الحاكم أجناسًا كثيرةً للعلل تمثيلًا فحسب (٥) .\nوقال ابن حجر عند قول ابن الصلاح \"ويصلح مثالًا للمعلل\": «لا يختصُّ هذا بهذا المثال، بل كلُّ مقلوب لا يخرج عن كونه معللًا، أو شاذًا، لأنه إنما يظهر أمره بجمع الطُّرق واعتبار بعضها ببعض، ومعرفة من يوافق ممن يخالف ...» (٦) .\nفالحاصل أنَّ كلَّ اختلاف على الرَّاوي داخل في علم العلل بصنيع من سلف من علماء الحديث وعلله، سواء كان الاختلاف قادحًا أم لا، وسواء\n_________\n(١) فتح المغيث (١/٢٧٥) .\n(٢) النكت لابن حجر (٢/٧٧٤) .\n(٣) فتح المغيث (١/٢٧٥) .\n(٤) توضيح الأفكار (٢/٣٧) .\n(٥) المعرفة للحاكم (ص١١٣-١١٩) .\n(٦) النكت لابن حجر (٢/٨٧٤) .","vol":"1","page":29},{"text":"كان في السَّند أم المتن. وأما إدخال روايات الضُّعفاء في كتب العلل فلأَنَّ هذا يسمى علة من حيث الأصل، ولأنَّ الاصطلاح لم يستقرَّ بعد، والأمر سهل، ولا مشاحة في الاصطلاح، إن لم يترتب على ذلك تأثير في النهج العلمي التطبيقي، والحاجة إلى تنويع العلم وتقسيمه من سمات العصور المتأخرة - كما هو معلوم - في شتى العلوم، والإنكار على هذا فيه تشديد.\n* * *","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>٤ - المؤلفات في العلل:</span>\nلعل ما أُلِّفَ في حديث رسول الله - ﷺ- من أكثر المؤلفات التي تركها علماء السَّلف الصالح لمن بعدهم. ومن بين هذه المؤلَّفات ما كتبه المحدثون في علل حديث رسول الله - ﷺ-. إلا أنَّ ما ألِّف في العلل قليل بالنِّسبة لبقية تلك المؤلَّفات، كما أنَّ ما سَلِم منها وبقي حتى الآن لا يكاد أن يذكر كذلك. ولا شكَّ أَنَّ هذا يترك شيئًا من الحزن في قلب أهل العلم، أن فاتهم ما فيها من علم.\nقال الخطيب وذكر مصنفات ابن المديني: «وجميع هذه الكتب قد انقرضت ولم نقف على شيء منها إلا على أربعة أو خمسة حسب ولعمري إنَّ في انقراضها ذهاب علوم جمة وانقطاع فوائد ضخمة» (١) .\nوقال أَيضًا بعد ذكر العشرات من كتب ابن حبان المفقودة: «مثل هذه الكتب الجليلة كان يجب أن يكثر بها النسخ ويتنافس فيها أهل العلم ويكتبوها لأنفسهم ويخلدوها أحرازهم، ولا أحسب المانع من ذلك إلا قلة معرفة أهل تلك البلاد لمحل العلم وفضله وزهدهم فيه ورغبتهم عنه وعدم بصيرتهم به، والله أعلم» (٢) .\nولا شكَّ أنَّ هذه المؤلفات تعطي لنا تصورًا مجملًا عن نشأة علم\n_________\n(١) الجامع للخطيب (٢/٤٦٧) .\n(٢) الجامع للخطيب (٢/٤٧١) .","vol":"1","page":31},{"text":"العلل، وأنه بدأ في عصر مبكر جدًا بالنِّسبة لبقية علوم الحديث التي فرَّعها علماء الحديث بعد سنين من بداية نشأتها. فبينما انتشرت كثير من فروع علوم الحديث بعد زمن، فإنَّ علم العلل - على قدم نشأته - قوبل بعكس ذلك، حيث قلَّ الاهتمام به وضعُف جانبه كثيرًا، مع قول علماء الحديث بأهميته وعظم شأنه بين علوم الحديث!!\nومن أشهر المؤلفات في علل الحديث ما يلي:\n١. العلل لعبد الله بن المبارك (١) .\n٢. علل الحديث ليحيى القطان (٢) .\n٣. العلل ليحيى بن معين (٣) .\n٤. العلل لابن المديني، بعدة روايات عنه (٤)، في عدة أجزاء (٥)، وله أَيضًا علل حديث ابن عيينة في (١٣) جزءًا.\n٥. العلل لأحمد بن حنبل، بعدة روايات عنه (٦)، طبع بعضها. ويغلب عليها الجرح والتَّعديل ومسائل فقهية وغير ذلك، جمعها الخلال في ثلاثة مجلدات، جمع فيها ما تفرق من الرِّوايات عن أحمد. انتخب منه ابن\n_________\n(١) ذكره مغلطاي في إكماله (١١/١٤٨)، وأشك في التسمية أو النسبة.\n(٢) شرح العلل لابن رجب (٢/٨٠٥) وتسمية ما ورد به الخطيبُ دمشقَ (٨٩) .\n(٣) شرح العلل (٢/٨٠٥) .\n(٤) كرواية ابنه عبد الله بن علي عنه، ذكرها حمزة في سؤالاته للدارقطني (٣٢٣) .\n(٥) سؤالات حمزة السهمي (٣٢٣) وتاريخ بغداد (٦/٢٨٠و١٠/٩) والكفاية (ص٣٧٩) والجامع للخطيب (٢/٤٦٦و٤٦٧) والمعرفة للحاكم (ص٧١)، ولعل المطبوع برواية ابن البراء جزء من هذه العلل.\n(٦) سردها الذهبي في السير (١١/٣٣٠-٣٣١) .","vol":"1","page":32},{"text":"قدامة، وطبع بعضه.\n٦. علل الحديث ومعرفة الشيوخ لابن عمَّار الشَّهيد الموصلي (١) . وله علل أحاديث صحيح مسلم أَيضًا، وهو مطبوع.\n٧. العلل لأبي حفص الفلاس (٢) .\n٨. العلل للبخاري، ذكره أبو القاسم بن منده، وذكر أنه يرويه عن محمد بن عبد الله بن حمدون عن أبي محمد عبد الله بن الشرقي عنه (٣) . وكتابه التاريخ الكبير من أهم مصادر العلل وتراجم الرُّواة وغير ذلك.\n٩. علل حديث الزُّهري لمحمد بن يحيى الذُّهلي (٤)، برواية الخفَّاف (٥) .\n١٠. العلل لمسلم بن الحجاج (٦) .\n١١. التمييز لمسلم أَيضًا، طبع جزءٌ منه برواية مكي بن عبدان، وهو من كتب العلل كما ذكر الخطيب (٧) .\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٥/٤١٧) وقال ابْنُ حَجَرٍ في ترجمته عن أحد تلاميذه: «الحسين بن إدريس الهروي له عنه سؤالات في العلل والرجال» - التهذيب (٣/٦١٠) .\n(٢) تسمية ما ورد به الخطيب دمشق (٨٨) .\n(٣) هدي الساري (ص٦٨٦) والمعجم المفهرس لابن حجر (ل٦٦) وصلة الخلف للروداني (ص٣٠٣) .\n(٤) نقل منه ابن خزيمة في صحيحه (٢/١٢٦) وفي سؤالات السلمي (٢٣١)، ونقل قول الدارقطني: «من أحب أن يعرف قصور علمه عن علم السلف فلينظر في علل الزُّهْرِي» .\n(٥) فهرست ابن خير (ص٢٠٣) .\n(٦) الفهرست للنديم (١/٣٢٢) وصيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (ص٥٩) وتذكرة الحفاظ (١/٥٩٠) .\n(٧) الجامع لخطيب (٢/٢٧٣) وصيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (ص٥٩) .","vol":"1","page":33},{"text":"١٢. المسند المعلل ليعقوب بن شيبة (١)، عثر على قطعة منه من مسند عمر بن الخطاب -﵁-. وهو برواية حفيده أبي بكر محمد بن أحمد بن يعقوب، وقد طبع ما وجد منه.\n١٣. العلل لأبي زرعة الرَّازي (٢) .\n١٤. العلل لأبي بشر إسماعيل بن عبد الله الأصبهاني، المعروف بسمُّويه (٣) .\n١٥. العلل لأبي حاتم الرَّازي، برواية محمد بن إبراهيم الكتَّاني (٤) .\n١٦. العلل لابن ماجة القزويني (٥) .\n١٧. العلل الكبير برواية أبي حامد التَّاجر أحمد بن عبد الله المروزي، والعلل الصَّغير، وهما لأبي عيسى التِّرمذي (٦) .\n١٨. العلل لأبي إسحاق إبراهيم الحربي (٧) .\n_________\n(١) تكلم عنه الخطيب في تاريخه (١٤/٢٨١) .\n(٢) تسمية ما ورد به الخطيب دمشق (٨٥) .\n(٣) فتح المغيث للسخاوي (٣/٣١١) .\n(٤) الإعلام (ص٤٣٥-٤٣٦) وتوضيح المشتبه (١/٢٢٥و٥/١٨٥و٧/١٧٤) كلاهما لابن ناصر الدين الدمشقي.\n(٥) ذكره الزركشي في التذكرة (ص٢١٨- الباب الثامن في الفتن)، ونقل منه نصًا!\n(٦) طبع الكبير بترتيب أَبي طالب القاضي التميمي، أما الصغير فمطبوع آخر الجامع، وشرحه ابن رجب الحنبلي.\n(٧) التهذيب لابن حجر في عدة مواضع منها (١/٦١)، والإكمال (٤/٤٢و٨/١٠و١١/٢١٠) وشرح سنن ابن ماجة (١/٢٢٥) كلاهما لمغلطاي وحاشية البوصيري على تحفة التحصيل لابن العراقي (ص٢٦١) .","vol":"1","page":34},{"text":"١٩. العلل لابن أبي عاصم (١) .\n٢٠. المسند الكبير المعلل، لأبي بكر البزَّار - برواية محمد بن أيوب الصَّموت -، وقد طبع بعضه باسم: «البحر الزَّخار» .\n٢١. العلل لأبي علي عبد الله بن محمد البلخي الحافظ (٢) .\n٢٢. العلل لأبي إسحاق إبراهيم بن أبي طالب النَّيسابوري (٣) .\n٢٣. العلل لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة (٤) .\n٢٤. مسند حديث الزُّهري بعلله والكلام عليه للنَّسائي (٥) .\n٢٥. العلل لزكريا السَّاجي (٦) .\n٢٦. العلل لأبي جعفر العُقيلي (٧) .\n٢٧. العلل لابن أبي حاتم الرَّازي، مطبوع، وراويه هو أبو أحمد الحسين بن علي التميمي (٨) . وقد شرع ابن عبد الهادي في وضع شرح عليه (٩)، فاخترمته المنيَّة بعد أن كتب منه\n_________\n(١) ذكره في الآحاد في عدة مواضع منها (١/٢٣٨و٢٤٠و٣١٧) .\n(٢) السير (١٣/٥٢٩) .\n(٣) السير (١٣/٥٥٠) .\n(٤) الفهرست للنديم (١/٣٢٠) .\n(٥) فهرست ابن خير (ص١٤٥) .\n(٦) الكامل لابن عدي (١/٤٣٠) وتاريخ بغداد (١/٣٤٩) ونقل منه اللالكائي في السنة (١٣٦٦)، وقال الذهبي عنه إنه كتاب جليل يدلُّ على تبحُّره في هذا الفن - التذكرة (٢/٧١٠) .\n(٧) ذكره في الضعفاء (٤/٣٥١) .\n(٨) تاريخ بغداد للخطيب (٩/٦٧-٦٨) .\n(٩) وقد طبع ما وجد منه.","vol":"1","page":35},{"text":"مجلدًا على يسير منه (١) .\n٢٨. العلل لأبي علي النَّيسابوري (٢) .\n٢٩. علل حديث الزُّهري في (٢٠) جزءًا، وعلل حديث مالك في (١٠) أجزاء، وعلل ما أسند أبو حنيفة في (١٠) أجزاء، وما خالف الثوريُ شعبة في (٣) أجزاء، وما خالف شعبة الثوريَ في جزأين، وموقوف ما رفع، وكلها لابن حبَّان البستي (٣) .\n٣٠. المسند الكبير المعلل لأبي علي الماسرجسي، في (١٣٠٠) جزء (٤) .\n٣١. العلل لأبي الحسين محمد بن محمد الحجَّاجي (٥) .\n٣٢. العلل لأبي أحمد الحاكم الكرابيسي (٦) .\n٣٣. العلل، والتتبع للدَّارقطني، وهما مطبوعان.\n٣٤. الأجوبة لأبي مسعود الدِّمشقي، أجاب فيها عن انتقادات الدَّارقطني على صحيح مسلم، وهو مطبوع.\n٣٥. العلل لأبي عبد الله الحاكم (٧) .\n_________\n(١) فتح المغيث للسخاوي (٣/٣١١-٣١٢) .\n(٢) الجامع للخطيب (٢/٢٧٣) .\n(٣) الجامع للخطيب (٢/٤٦٨) .\n(٤) السير للذهبي (١٦/٢٨٨) .\n(٥) تاريخ بغداد للخطيب (٣/٢٢٣) .\n(٦) السير (١٦/٣٧٢)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٣/٩٧٦) .\n(٧) ذكره في المدخل إلى الصحيح (١١٠) .","vol":"1","page":36},{"text":"٣٦. تمييز المزِيد في متَّصل الأسانيد (١)، والفصل للوصل المدرج في النَّقل وهو مطبوع، وهما للخطيب.\nهذه أهم الكتب التي ذكرت في علم العلل حتى عصر الخطيب، الذي قال عنه ابن نقطة: «لا شبهة عند كلِّ لبيب أن المتَّأخرين من أَصحاب الحديث عيالٌ على أبي بكر الخطيب (٢) .\n* * *\n_________\n(١) ذكره في كتابه الموضح (١/٢٨٥) وقال عنه ابن رجب إنه مصنَّف حسن - شرح العلل (١/٤٢٧) .\n(٢) التقييد لابن نقطة (١/١٧٠) .","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>٥ - طرق معرفة علة الحديث:</span>\nهذا المبحث من أهم المواضيع في علم العلل، لأنه الثَّمرة والُّلب في تلك الدِّرَاسَة، وهو كذلك من أصعب مسائله.\nوقبل الحديث عنه يستحسن معرفة سبب إعلال الأئمة للحديث.\nوالجواب عنه بأن السبب الباعث على إعلالهم للمرويات التي ظاهر سندها الصحة هو: \"الغرابة\".\nوسبب هذا الاستغراب أمران هما: - المخالفة والتفرد.\nولذا اشتد نكير المحدثين على من اعتمد أو تتبع الأحاديث الغرائب والأفراد والفوائد، لتضمن أكثرها المعلَّ من الأحاديث.\nقال أحمد: «إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون هذا الحديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ أو دخل حديث في حديث» .\nوقال أيضًا: «تركوا الحديث، وأقبلوا على الغرائب، ما أقلَّ الفقه فيهم» .\nوقال أيضًا: «شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها» (١) .\nوقال ابن معين: «ما أكذب الغرائب» (٢) .\n_________\n(١) الكفاية (ص١٧٢) .\n(٢) رواية الدوري (٥٤١) .","vol":"1","page":39},{"text":"فالمخالفة والتفرد تستدعي استغراب العالم، والغرابة تدل على بعض المخالفة. سواء كانت في السند أو المتن.\nوأهم الأسباب التي قد تذكر في أسباب الإعلال راجعة - فيما يظهر لي - إلى سبب واحد هو المخالفة، وينشأ عنها كثيرًا لا دائمًا: التفرد، فبالاهتمام بهما، يتمكن المرء من دراسة تعليلات العلماء ومعرفة علة الحديث وطريقة ذلك.\nوطريقة معرفة علة الحديث إجمالًا تعتمد على أمور ثلاثة:\n١- جمع طرق الحديث المختلفة بتوسع عند الحاجة.\n٢- تحديد مدار الخلاف على من يكون، والنَّظر في كل رواية هل فيها خلاف آخر. والنَّظر في حال رواتها وبلدانهم واختصاصهم بالرَّاوي المختلف عليه. قال ابن حجر: «مدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف» (١)، ويتنبه إلى التأكد من سلامة المرويات جملة، وأن الاختلاف على أصحاب المدار غير مؤثر في أصل الخلاف، وإلا احتاج إلى دراسة مستقلة.\n٣- التَّرجيح بين الرُّواة أو الجمع بين رواياتهم على أسس علمية وقواعد منهجية مستنبطة من صنيع علماء العلل السَّابقين فحسب، دون نظر إلى قواعد المنطق واحتمالات العقل.\nوإلى هذا أشار الخطيب البغدادي بقوله: «والسَّبيل إلى معرفة علة الحديث:\n_________\n(١) النكت (٢/٧١١) .","vol":"1","page":40},{"text":"١- أن تجمع بين طرقه.\n٢- ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضَّبط» (١) .\nأما الأمر الأول: - فمن شواهده من كلام المحدِّثين السَّابقين قول ابن المبارك: «إذا أردت أن يصحَّ لك الحديث، فاضرب بعضه ببعض» (٢) .\nوقال أحمد: «الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه ...» (٣) .\nوقال ابن المديني: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه» (٤) .\nوقال ابن معين: «اكتب الحديث خمسين مرةً، فإن له آفاتٍ كثيرة» .\nوقال أَيضًا: «لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه» (٥) .\nويوضِّحه قوله أيضًا: «إنَّ حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميِّز خطأَه من خطأ غيره، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء، علمت أن الخطأ من حماد نفسه (٦)، وإذا اجتمعوا على شيء عنه وقال واحد منهم خلافهم، علمت أن الخطأ منه لا من حماد، فأميِّز بين ما أخطأ هو بنفسه، وبين ما أُخْطِئَ عليه» (٧) .\n_________\n(١) الجامع للخطيب (٢/٤٥٢) .\n(٢) الجامع للخطيب (٢/٤٥٢) .\n(٣) المجروحين لابن حبان (١/٣٣) والجامع للخطيب (٢/٣١٥) .\n(٤) الجامع للخطيب (٢/٣١٦) .\n(٥) المجروحين لابن حبان (١/٣٣) والضعفاء لابن شاهين (ص٤٢) والجامع للخطيب (٢/٣١٥) والإرشاد للخليلي (٢/٥٩٥) .\n(٦) تأتي قصة تدل على هذا التقعيد (ص ٢٨) .\n(٧) المجروحين لابن حبان (٢/٣٢)، وأعلها الذهبي بالانقطاع - السير (٧/٤٥٦) .","vol":"1","page":41},{"text":"قال الميموني: «تعجب إليَّ أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل ممن يكتب الاسناد ويدع المنقطع، ثم قال: وربما كان المنقطع أقوى إسنادا وأكبر! قلت: بينه لي كيف؟ قال: تكتب الإسناد متصلًا وهو ضعيف ويكون المنقطع أقوى إسنادًا منه وهو يرفعه ثم يسنده وقد كتبه هو على أنه متصل وهو يزعم أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي ﷺ معناه لو كتب الاسنادين جميعًا عرف المتصل من المنقطع يعني ضعف ذا وقوة ذا» (١) .\nوقال أبو حاتم: «لو لم نكتب الحديث من ستين وجهًا ما عقلناه» (٢) .\nوهذه القصة على طولها تدلُّ على ما ذكر من النَّظر إلى مَن أخطأ ومَن أُخْطِئَ عليه. قال عبد الرحمن بن مهدى: «ما رأيت صاحب حديث أحفظ من سفيان الثَّوري حدَّث يومًا عن حماد بن أبى سليمان عن عمرو بن عطيَّة عن سلمان الفارسي قال: البصاق ليس بطاهر. فقلت: يا أبا عبد الله هذا خطأ! فقال لي: كيف! عمَّن هذا؟ قلت: حمَّاد عن ربعي عن سلمان. قال: من يحدَّث به عن حماد؟ قلت: حدثنيه شعبة عن حمَّاد عن ربعي، قال: أخطأ شعبة فيه ثم سكت ساعة، ثم قال: وافق شعبة على هذا أحد، قلت، نعم، قال: من؟ قلت: سعيد بن أبى عروبة وهشام الدَّسْتَوائي وحمَّاد بن سلمة، فقال: أخطأ حماد هو حدثني عن عمرو بن عطيَّة عن سلمان، قال عبد الرحمن: فوقع في نفسي، قلت: أربعة يجتمعون على شيء واحد. يقولون عن حماد عن ربعي، فلما كان بعد سنة أخرى سنة إحدى وثمانين ومائة أخرج إليَّ غندر كتاب شعبة فإذا فيه عن حماد عن ربعي،\n_________\n(١) الجامع للخطيب (١٥٧٦) .\n(٢) فتح المغيث (٢/٣٧٠) .","vol":"1","page":42},{"text":"وقد قال حمَّاد مرة: عن عمرو بن عطيَّة، قال عبد الرحمن: فقلت: رحمك الله يا أبا عبد الله. كنت إذا حفظت الشَّيء لا تبالي من خالفك» (١) .\nوقال أيوب السَّختياني: «إذا أردت أن تعرف خطأ معلمك فجالس غيره» (٢) .\nوبما ذُكر ظهرَ علم الجرح والتَّعديل وعلم العلل.\nقال أبو زرعة: «نظرت في نحو من ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر، وفي غير مصر، ما أعلم أني رأيت له حديثًا لا أصل له» (٣) .\nومن رام - في هذا الزمن - جمعَ عُشْرِ ما ذكر أبو زرعة لما استطاع.\nفبرواية الغير تظهر علة الحديث غالبًا كما قال أبو حاتم الرازي في حديث: «وروى أبو معاوية الضَّرير عن هشام بن عروة فأظهر علة هذا الحديث» (٤) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٦ - طرق معرفة علة الحديث:\nالأمر الثاني: </span>- وهو تحديد المدار الذي حصل عليه الخلاف، فيكون بالنَّظر في الرَّاوي المشترك بين الطُّرق، ومعرفة الوجه الإسنادي الذي يأتي بعد ذكر اسمه، وتحديد الرُّواة الذين اختلفوا عليه في كل إسناد وضمِّ كل راوٍ إلى الرَّاوي الذي وافقه في روايته عن ذلك الشَّيخ نفسه، لذلك الوجه الإسنادي، وتكرار ذلك حتى تتمَّ معرفة الأوجه التي اختلف فيها على ذلك\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٩/١٦٨) .\n(٢) سنن الدارمي (٦٤٩)، وهذا النص يصلح قاعدة لكل العلوم.\n(٣) الجرح والتعديل لابن أَبي حاتم (١/٣٣٥)، كذا ذكر أبو زرعة، بينما قال أحمد في رواية المروذي (٤٥٦): «إيش كان عنده من الحديث»، ولعله يعني به المرفوع.\n(٤) المراسيل (ص١١٨) .","vol":"1","page":43},{"text":"الشَّيخ ومعرفة عددها، والتَّنبُّه إلى احتمال وجود خلاف على التَّلاميذ أيضًا، واستبعاد ما قد يظنُّ أنه اختلاف وهو خلاف ذلك، كما لو ذكر أحد الرُّواة الاسم، والآخر ذكر كنيته، فيظنُّ من لا يعرفه التَّعدد.\nومن شواهد هذا الأمر في طلب تحديد المدار قول أبي حاتم في حديثٍ رواه الحُميديُّ عن ابن عيينة: «هذا عندي من ابن عيينة، وابن الطَّبَّاع ثبت، فقال ابنه عبد الرحمن: قلت أنا: حدثنا ابن المقريء عن ابن عيينة كما رواه الحُميديُّ، وحدثنا سعد بن محمد البيروتي قال: حدثنا حامد بن يحيى عن ابن عيينة كما رواه الحُميديُّ. فدلَّ - لاتفاق هؤلاء الثلاثة - أنَّ الخطأ من ابن الطَّبَّاع» (١) .\nالأمر الثالث: - الموازنة بين هذه الطُّرق بالفهم والمعرفة، وتطبيق قواعد وطرائق المحدِّثين السَّابقين في التَّرجيح بين الرِّوايات المختلفة، وتنزيل كلامهم في الجزئيات على تلك الرِّوايات، حيث إنَّ كلامهم في تلك الجزئيات بمجموعه يدلُّ على قواعد منهجية ساروا عليها دون خلاف أو اختلاف منهم لها من حيث الأصل، ولا يعني ذلك أنَّ بعض الحفاظ قد لا يخالف إحدى القواعد في حديث ما، فإذا خالف رجعنا إلى الأصل الذي أُخذ من خلال التَّطبيقات المتكرِّرة المتعدِّدة من ذلك الحافظ وبقية الحفاظ الآخرين. ومعرفة هذه القواعد والضوابط والإحاطة بمراتب الرُّواة في شيوخهم ليس بالأمر اليسير.\nفإنَّ «حذَّاق النُّقاد من الحفَّاظ لكثرة ممارستهم للحديث - ومعرفة بالرِّجال وأحاديث كل واحد منهم - لهم فهمٌ خاص يفهمون به أَنَّ هذا\n_________\n(١) العلل لابن أَبي حاتم (١/٢١٥) .","vol":"1","page":44},{"text":"الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعلِّلون الأحاديث بذلك، وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره، وإنَّما يرجع فيه أهله إلى مجرد الفهم والمعرفة التي اختصوا بها عن سائر أهل العلم» (١) .\nواللهُ ﷿ قد خصَّ بمعرفة هذا العلم «نفرًا يسيرًا من كثيرٍ ممن يدَّعي علم الحديث، فأما سائر النَّاس ممن يدَّعي كلام الحارث المحاسبي (٢) والجنيد (٣) وذي النُّون (٤) وأهل الخواطر، فليس لهم أن يتكلموا في شيء من علم الحديث إلا من أخذه عن أهله وأهل المعرفة به، فحينئذٍ يتكلَّم بمعرفته» (٥) .\nفإذا ظهر لنا صحة حديث بعد النَّظر في إسناده وطرقه، ووجدنا أن جماعةً من حفَّاظ الحديث على تضعيفه أو تعليله بعلة، بدون خلاف معتبر بينهم، فإنَّه من المتحتِّم علينا الأخذ بقولهم وترك ما عداه، حيث إنَّ «اتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة» (٦) .\nقال ابن حجر: «فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمَّة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا\n_________\n(١) شرح العلل لابن رجب (٢/٧٥٧-٧٥٨) .\n(٢) هو أبو عبد اللهِ الحارث بن أسد البغدادي شيخ زاهد، مات سنة ٢٤٣هـ - السير (١٢/١١٠) .\n(٣) هو الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي البغدادي القواريري، إمام زاهد، تفقه على أبي ثور، ومات سنة ٢٩٨هـ - السير (١٤/٦٦) .\n(٤) هو ثوبان بن إبراهيم، وقيل فيض بن أحمد النوري أبو الفيض، روى عن مالك والليث، وروى عنه الجنبد، مات سنة ٢٤٥هـ - السير (١١/٥٣٢) .\n(٥) شرح العلل لابن رجب (١/٣٤) .\n(٦) قاله أَبُو حاتم فيما نقله عنه ابنه في المراسيل (٣٠٧) .","vol":"1","page":45},{"text":"صحَّحه ...، وهذا حيث لا يوجد مخالف منهم لذلك المعلَّل ...، وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه» (١) .\nوالسبب في ذلك أن الله ﷿ «بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالًا نقَّادًا تفرَّغوا، فأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ومعرفة مراتبهم في القوة واللين. فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النَّظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفَّاظ الوقت، مع الفهم، وجودة التَّصور، ومداومة الاشتغال، وملازم التقوى والتواضع، يوجب لك - إن شاء الله - معرفة السُّنن النبوية، ولا قوة إلا بالله» (٢) .\nقال ابن تيمية: «وقد يترك- أي البخاريَّ أو مسلمًا - من حديث الثِّقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظنُّ من لا خبرة له أنَّ كلَّ ما رواه ذلك الشَّخص يحتجُّ به أصحاب الصَّحيح، وليس الأمر كذلك. فإن معرفة علل الحديث علم شريف يعرفه أئمَّة الفن ...» (٣) .\nوقال أيضًا: «... فإنهم أيضًا يضعِّفون من حديث الثِّقَة الصَّدوق الضَّابط أشياء تبيَّن لهم أنه غلط فيها بأمور يستدلُّون بها، ويسمُّون هذا \"علم العلل\"، وهو أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط، وغلط فيه، وغلطه قد عُرِفَ» (٤) .\n_________\n(١) النكت لابن حجر (٢/٧١١) .\n(٢) فتح المغيث للسخاوي (١/٢٧٤)، وقوله بالتقليد، أراد به المحمود منه وهو الاقتداء!\n(٣) مجموع الفتاوى (١٨/٤٢) .\n(٤) مجموع الفتاوى (١٣/٣٥٢-٣٥٣) .","vol":"1","page":46},{"text":"وقال ابن القيِّم عند حديث عن مطر الورَّاق: «ولا عيب على مسلمٍ في إخراج حديثه، لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضَّرب ما يعلم أنه حفظه (١)، كما يطَّرح من أحاديث الثِّقة ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع حديث الثِّقة، ومن ضعَّف جميع حديث سيِّء الحفظ. فالأولى طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية طريقة أبي محمد ابن حزمٍ وأشكاله، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشَّأن، والله المستعان» (٢) .\nوتقوم قواعد المحدِّثين في التعليل والتَّرجيح على قاعدة عامة مهمة تجمع علوم الحديث كلَّها، وهي: «إعمال القرائن للجمع أو الترجيح» .\nوهذه القاعدة قد نَصَّ على فحواها جماعةٌ من علماء الحديث والمصطلح.\nقال ابن الصَّلاح عن العلل: «ويستعان على إدراكها بتفرُّد الرَّاوي، وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضمُّ إلى ذلك تنبِّه العارف بهذا الشَّأن ...» (٣) .\nوبنحوه قال العراقيُّ (٤) .\nفظهر من كلامهما أن العلَّة تدرك بثلاثة أمور هي:\n١. التَّفرد، وهو أمر غالبي، فكم من حديث معل رواه اثنان أو ثلاثة، وقد لا يكون فيه مخالفة، فهو أخص من المخالفة من وجه.\n_________\n(١) يعضده قول الإمام أحمد في حسين بن قيس: «متروك الحديث، وله حديث واحد حسن» - الكامل لابن عدي (٣/٢١٨) .\n(٢) زاد المعاد (١/٣٦٤) .\n(٣) مقدمة ابن الصلاح (ص١١٦-التقييد والإيضاح) .\n(٤) التبصرة والتذكرة للعراقي (١/٢٢٦) .","vol":"1","page":47},{"text":"٢. المخالفة، وهو أخص من التفرد من وجه، فقد يتفرد راوٍ بحديث يعله الحفاظ، ولا يخالف في إسناده أحدٌ، فبينهما عموم وخصوص وجهي.\n٣. القرائن.\nوقال العلائي عند كلامه عن الاختلاف: «فإن استوى مع استواء أوصافهم وجب التَّوقف حتى يترجَّح أحد الفريقين بقرينة من القرائن، فمتى اعتضدت إحدى الطَّريقين بشيء من وجوه التَّرجيح حكم بها، ووجوه التَّرجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها، بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كلُّ حديث يقوم به ترجيح خاص، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن، الذي أكثر من الطرق والروايات» (١) .\nوقال ابن عبد الهادي عند ذكر زيادة الثِّقات: «... وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصُّها، ومن حكم في ذلك حكمًا عامًا فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم» (٢) .\nفَفُهِم مما قال الفرقُ بين الحكم العام والقاعدة الكلية.\nوقال ابن حجر: «ثم الوهم إن اطُّلع عليه بالقرائن الدَّالة على وهم راويه من وصل مرسل أو منقطع، أو إدخال حديث في حديث، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة، وتحصل معرفة ذلك بكثرة التَّتبع وجمع الطُّرق، فهذا هو المعلَّل» (٣) .\n_________\n(١) النكت لابن حجر (٢/٧١٢) وتوضيح الأفكار (٢/٣٨)، وسيأتي ضابط هذه الأوجه - من حيث علم العلل - (ص ٣٦) .\n(٢) نصب الراية (١/٣٣٦) .\n(٣) نزهة النظر (ص٨٩) بتصرف.","vol":"1","page":48},{"text":"وقال أيضًا: «والذي يجري على قواعد المحدِّثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والردِّ، بل يرجِّحون بالقرائن» (١) .\nوقال: «فتبيَّن أن ترجيح البخاريِّ لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الوصل معه زيادة ليست مع المرسل، بل بما يظهر من قرائن التَّرجيح» (٢) .\nأما قول ابن دقيق العيد عن قبول الزِّيادة: «ذلك ليس قانونًا مطردًا، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول» (٣)، فلا يفهم منه خلاف ما سبق. لأنه نفى الحكم المطرد (العام)، وهو ما عبر عنه بقوله: «قانونًا» .\nويوضحه قول البقاعي: «لا يحكمون فيها بحكم مطرد، وإنَّما يديرون ذلك على القرائن» (٤) .\nوخلاصة ما سبق نقله، أنَّ الحكم في علل الحديث ليس قولًا واحدًا مطردًا في كلِّ حديث، بل كلُّ حديث له حكم خاص به، يعرف ذلك من قواعد عامة كلية استقرائية، مجموعة من كلام الحفَّاظ، من خلال أحكامهم على الجزئيات، بتلمس الأسباب التي دعتهم إلى ترجيح رواية على أخرى مع سلامة المرجوح ابتداءً.\nقال العلائي: «التعليل أمر خفي، لا يقوم به إلا نقاد أئمَّة الحديث\n_________\n(١) النكت لابن حجر (٢/٦٨٧) .\n(٢) النكت لابن حجر (٢/٦٠٧) .\n(٣) النكت لابن حجر (٢/٦٠٤) .\n(٤) توضيح الأفكار (١/٣٤٠) .","vol":"1","page":49},{"text":"دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياه» (١) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>٧ - من مهمات علم العلل:</span>\nومما يجب التَّنبُّه له هنا - ويعدُّ من مهمات علم العلل - أمورٌ منها:\nالأول: - أن قواعد هذا العلم وأصوله وضوابطه الكلية والفرعية لا تؤخذ إلا عن أهله السابقين الراسخين. فلا تؤخذ عن أقوال المعتزلة وأشباههم ممن ألف في الأصول، وكانوا لا يعرف شيئًا عن الحديث وعلومه، بل إن بعضهم كان عدوًا له ولأهله بقوله بردِّ أخبار الآحاد (٢) . ومع هذا يتكلَّمون عن قواعد الحديث والرِّواية بكلام منطقي نظري في الأذهان، لا نصيب له في الأعيان.\nفكما نأخذ القراءات عن القرَّاء، والفقه عن أهله وهكذا، ولا نتقدَّم على أقوالهم، ومن خالفهم جملةً رُدَّ قولهم وصار خارجًا عن العلم ورسمه، فكذلك يقال لكل من خالف طرائق المحدِّثين السَّابقين تمامًا.\nقال الإمام مسلم: «أعلم رحمك الله أنَّ صناعةَ الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيره» (٣) .\nقال ابن القيِّم: «طريق الأصوليين وأكثر الفقهاء أنهم لا يلتفتون إلى علَّةٍ للحديث إذا سلمت طريق من الطُّرق منها فإذا وصله ثقة أو رفعه لا\n_________\n(١) النكت لابن حجر (٢/٦٠٦)، وقد سبق.\n(٢) من أهم مؤلفاتهم في النكاية بأهل الحديث كتاب: \"قبول الأخبار ومعرفة الرجال\" لأبي القاسم البلخي المعتزلي، وقد طبع مؤخرًا!!\n(٣) التمييز (ص٢١٨) .","vol":"1","page":50},{"text":"يبالون بخلاف من خالفه ولو كثروا، والصَّواب في ذلك مع أئمة هذا الشَّأن العالمين به وبعلله، وهو النَّظر والتَّمهر في العلل والنَّظر في الواقفين والرَّافعين والمرسلين والواصلين أنهم أكثر وأوثق وأخص بالشَّيخ وأعرف بحديثه إلى غير ذلك من الأمور التي يجزمون معها بالعلَّة المؤثِّرة في موضع وبانتفائها في موضع آخر لا يرتضون طريق هؤلاء ولا طريق هؤلاء» (١) .\nالثاني: - أن مصطلح الاختلاف والمخالفة أعمُّ عند المحدِّثين منه عند غيرهم من الفقهاء والأصوليين - ممن لم يمشِ على طريقتهم في علم الحديث -.\nفأيُّ فرقٍ مؤثِّرٍ بين روايتين - سندًا أو متنًا - يعدُّ اختلافًا عند المحدِّثين يحتاج إلى ترجيح بينهما - غالبًا -، وإن تعذَّر قيل بالجمع، هذا إذا لم يكن الاختلاف داخلًا في علم مشكل الحديث (٢) .\nفوصل المرسل أو المنقطع يعدُّ مخالفة، ورفع الموقوف يعدُّ مخالفة، والزِّيادة في المتن تعدُّ مخالفة كما نصَّ على ذلك أكثر المحدِّثين السَّابقين الذين تكلَّموا في العلل، فنجدهم يقولون: «خالفه فلان»، ثم يذكرون رواية من أرسل أو أوقف أولم يذكر ما ذكر غيره، وهكذا مما تواتر في كتبهم.\nقال أحمد وذُكِرَ له حديثُ نافعٍ عن ابن عمر: «من باع عبدًا وله مالٌ\n_________\n(١) حاشية أَبي داود (١٠/٢٥)، مع التصويب.\n(٢) هذا العلم من أهم علوم متن الحديث، ومهمته الإجابة عن متون الأحاديث المشكلة من حيث الدلالة، أو الجمع بين الأحاديث التي تتعارض في الأذهان عند البعض، وربما اعتمد في الإجابة على قواعد علل الحديث السابق ذكرها، ومن أشهر الكتب المؤلفة فيه كتاب: «اختلاف الحديث» للإمام الشافعي وكتاب: «مشكل الحديث» لأبي جعفر الطحاوي، رحمهما الله تعالى، وقد طبع باسم: «شرح مشكل الحديث»، وليس في مخطوطاته هذا الاسم!!","vol":"1","page":51},{"text":"فماله للبائع»، فقال: «خالفه سالم، هكذا رواه الزُّهري عن سالم عن ابن عمر عن النَّبي ﷺ» (١) .\nوقال ابن المديني في حديث: «رواه حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة، وخالفه الأعمش فرواه عن أبي سلمة عن كعب» (٢) .\nوقال البخاري: «وروى محمد عن نافع عن ابن عمر مرفوع في التيمم. وخالفه أيوب وعبيد الله والنَّاس فقالوا: عن نافع عن ابن عمر فعله» (٣) .\nوقال ابن معين: «قد روى شعبة أيضًا في القطع في ربع دينار فصاعدًا حديث الزُّهري، لم يروه غيره، وقد خالفه غيره ولم يرفعه أبو سفيان ...» (٤) .\nوقال الدَّارقطني: «... وقد اتفق عنه رجلان ثقتان فأسنده عن عمر، ولولا أن الثوري خالفه، فرواه عن زيد العمي فلم يذكر فيه عمر، لكان القول قول من أسند عن عمر، لأنه زاد. وزيادة الثِّقَة مقبولة» (٥) .\nوقال الخطيب: «وخالفه معمر بن راشد فرواه عن الحكم عن عكرمة قوله، لم يذكر فيه النَّبي ﷺ ولا أبا هريرة» (٦) .\nوكل كتب العلل مليئة بمثل هذه النصوص التي تدلُّ أن المخالفة عند المحدِّثين أعمُّ منها عند غيرهم من الفقهاء والأصوليين.\n_________\n(١) رواية المروذي (٢٧٤) .\n(٢) العلل (١٢٩) .\n(٣) التاريخ الكبير (١/٥٠) .\n(٤) رواية ابن طهمان (٥٨) .\n(٥) العلل (٢/٧٤) .\n(٦) تاريخ بغداد (١/٢٦٨) .","vol":"1","page":52},{"text":"الثالث: - إن كثيرًا من المحدِّثين يذكرون المخالف بمبهمًا بقولهم: «خالفه النَّاس أو خالفه الثِّقات أو خالفه غيره» (١)، ويعتمدون ذلك، ولم يرُدُّ من بعدهم قولهم بحجَّة أنَّ ما ذكر مبهم، والمخالف ثقة مسمىً، فدلَّ هذا على اعتماد ما ذكر إلا إذا ثبت بالأدلَّة أو كلام السَّابقين ما يخالف قول المعِلِّ.\nالرابع: - أنَّ الأصل عند المحدِّثين التَّرجيح بين الرِّوايات المختلفة - لحديث واحد - ثم الجمع بينها عند تكافئ (٢) الأدلَّة، خلاف ما تقرَّر في الفقه وأصوله من الجمع بين المتون المتعارضة بادئ الرَّأي، ثم التَّرجيح عند تعذر ذلك بقواعد مقررة هنالك، لأن قواعد هذا العلم غير ذاك، ولا يلزم من ذلك خطأ أحد المنهجين.\nفالنَّاظر في كتب العلل وترجيحات علماء الحديث، يجد أن نسبة القول بالجمع بين الرِّوايات المختلفة قليلة جدًا بالنِّسبة لما رجَّحوه من روايات، فهذا بيان للواقع الذي استند على أدلة وقرائن أدَّت إلى هذه النَّتيجة الاستقرائية.\nفلا يصار إلى القول بالجمع بين الرِّوايات أو القول بالاضِّطراب إلا بعد محاولة التَّرجيح بالقرائن الآتي ذكرها.\nقال ابن حجر في بيان ذلك: «وإذا كان شعبة - وهو أتقن من غيره - حَفِظَ عن خبيب فيه الشَّكَّ، فذاك دليل على أنَّ خبيبًا لم يضبطه، فلا يحتاج إلى الجمع الذي جمعه ابن خزيمة، ثم هجم ابن حبَّان فجزم به» (٣) .\n_________\n(١) الأمثلة على ذلك كثيرة جدًا منها: - العلل لابن أَبي حاتم (١/١٩و٦٦و٢/٤٤و٢٠٨) وعلل الدارقطني (٢/١٤و٤/١٤٣) .\n(٢) يأتي قول لابن خزيمة ينص على ذلك (ص ٤٠) .\n(٣) النكت لابن حجر (٢/٨٨١)، وربما خالف ابن حجر ما قرره هنا، فيجمع في شرح للبخاري بين روايات مختلفة، فينقده بعضهم بالتكلُّف في ذلك، وهذا ظاهر في مواضع يسيرة فحسب، ولعله في القصص أكثر منه في غيره.","vol":"1","page":53},{"text":"وقال أيضًا: «الاختلاف عند النُّقاد لا يضر إذا قامت القرائن على ترجيح إحدى الرِّوايات أو أمكن الجمع على قواعدهم» (١) .\nوقال أيضًا: «وأما المخالفة وينشأ عنها الشُّذوذ والنَّكارة، فإذا روى الضَّابط والصَّدوق شيئًا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدِّثين، فهذا شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ، فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرًا» (٢) .\nالخامس: - أنَّ على من أراد الاشتغال بعلم العلل، والتبحر فيه وضبطه بشكل تام أن يهتم بأمور في الحديث تعدُّ من مهماته، ومن ذلك:\nأ. معرفة الثقات من الضعفاء.\nب. معرفة مواليدهم ووفياتهم وبلدانهم.\nج. معرفة المكثرين من رواة الحديث (٣) .\nد. معرفة مراتب أصحابهم فيهم (٤)، كأصحاب الزهري وقتادة ونحوهما.\nهـ. معرفة أشهر الأسانيد.\nو. معرفة المدلسين والمختلطين.\nز. معرفة المنقطع من الأسانيد (٥) .\n* * *\n_________\n(١) هدي الساري (ص٥٣١) .\n(٢) هدي الساري (ص٥٤٤) .\n(٣) قد قمت بجمع أشهرهم في كتاب \"طبقات المكثرين\" - طبع دار طويق.\n(٤) قمت بجمعهم في كتاب كبير بعنوان \"مراتب الثقات\".\n(٥) قمت بجمعها في كتاب فجاوز عددها ثلاثة آلاف سند منقطع، نص العلماء عليها.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>٨ - قرائن التَّرجيح والموازنة بين الرِّوايات المختلِفة:</span>\nويظهر بعد التَّتبع والسبر أن القرائن المسلوكة عند علماء العلل نوعان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>أ- قرائن أغلبية</span>.\nوهذه القرائن يعود الجمع والتَّرجيح إليها في أكثر الأحاديث، وهي ستة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>١. العدد:</span>\nوهي تعدُّ من أقوى القرائن المسلوكة للتَّرجيح بين الرِّوايات المختلفة. واعتمدها كثير من الحفَّاظ السَّابقين. ومن أشهرهم يحيى القطَّان حيث قال: «كنَّا نظنُّ أنَّ الثَّوريَّ وهم فيه لكثرة من خالفه» (١) .\nونصَّ عليها الشافعي فقال: «والعدد أولى بالحفظ من الواحد» (٢) .\nوقال أيضًا: «إنَّما ندع تثبيت ما خالفه فيه غيره مما هو أكثر منه عددًا فأمَّا ما لم يكن يخالفه فيه أحد وهو لفظ غير الَّلفظ الذي خولف فيه وأمر غير الأمر الذي خولف، فنثبته إذا لم يكن فيه مخالف» (٣) .\nوقال أيضًا: «إنَّما يغلط الرَّجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو يأتي بشيء\n_________\n(١) العلل للدارقطني (٥/٢١١) .\n(٢) اختلاف الحديث (ص١٢٧) وشرح العلل (١/٤٢٥) .\n(٣) السنن المأثورة (٤٨١) - برواية المزني - والأم (٨/٥٦٣) .","vol":"1","page":55},{"text":"في الحديث يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ، وهم عدد وهو منفرد» (١) .\nوقال أبو حاتم محتجًا بهذه القرينة في حديثٍ: «اتفق ثلاثة أنفس على التَّوصيل» (٢) .\nوقال ابن معين في حديث: «الناس يحدثون به مرسلًا» (٣) .\nوقال البيهقي: «وكما رجَّح الشَّافعي إحدى الرِّوايتين على الأُخْرَى بزيادة الحفظ، رجَّح أيضًا بزيادة العدد» (٤) .\nوقال أيضًا: «والجماعة أولى بالحفظ من الواحد» (٥) .\nوقال الخطيب: «ويرجَّح بكثرة الرُّواة لأحد الخبرين، لأن الغلط عنهم والسَّهو أبعد، وهو إلى الأقلِّ أَقرب» (٦) .\nوقال الدَّارقطني في حديث: «واجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه ابن أبي كثير يدلُّ على ضبطهم للحديث» (٧) .\nوسئل الدَّارقطني عن الحديث إذا اختلف فيه الثِّقات، فقال: «ينظر ما اجتمع عليه ثقتان فيحكم بصحته، أو ما جاء بلفظة زائدة، فتقبل تلك\n_________\n(١) اختلاف الحديث (ص٢٩٤) .\n(٢) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٣٩١) .\n(٣) رواية الدوري (٢٩٧٣) .\n(٤) القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣١٦) .\n(٥) الشعب (٤/٧) .\n(٦) الكفاية (ص٤٧٦) .\n(٧) السنن (٣/٤٤) .","vol":"1","page":56},{"text":"الزِّيادة من متقن، ويحكم لأكثرهم حفظًا وثبتًا على من دونه» (١) .\nوقال الذهبي: «وإن كان الحديث قد رواه الثَّبت بإسناد، أو وقفه أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثِّقات، فالواحد قد يغلط ...» (٢) .\nوقال الصَّنعاني: «الملاحظ القرائن. والكثرة أحد القرائن» (٣) .\nوهذه القرينة إنما تفيد إذا كانت الرواة محتجًا بهم من الطرفين (٤) المختلفين، أما مع الضعف فالأمر يحتاج إلى قرائن أخرى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٢. الحفظ:</span>\nوهذه القرينة - أيضًا - تعدُّ من أهم القرائن في التَّرجيح بين الرِّوايات المختلفة، ويشمل الحفظ هنا حفظ الصدر، وحفظ الكتاب.\nأما حفظ الصدر (٥)، فقال ابن رجب: «قاعدة: إذا روى الحفَّاظ الأثبات حديثًا بإسناد واحد، وانفرد واحد منهم بإسناد آخر، فإن كان المنفرد ثقة حافظًا فحكمه قريب من حكم زيادة الثِّقات في الأسانيد والمتون ...»، قال: «ويقوى قبول قوله إن كان المرويُّ عنه واسع الحديث يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة كالزُّهري والثَّوري وشعبة والأعمش» (٦) .\n_________\n(١) النكت لابن حجر (٢/٦٨٩)، والنص ورد في سؤالات السلمي (٤٣٥) بنحوه.\n(٢) الموقظة (ص٥٢) .\n(٣) توضيح الأفكار (١/٣٤٤) .\n(٤) قاله الزيلعي في نصب الراية (١/٣٦٠) .\n(٥) يأتي ذكر حفظ الكتاب (ص٤٥) .\n(٦) شرح العلل (٢/٧١٩) .","vol":"1","page":57},{"text":"وهنا اختلف الحفَّاظ في بعض الأحاديث قبولًا وردًا، لأجل اعتبار هذا الأمر، فقال ابن رجب بعد ذلك: «وقد تردَّد الحفَّاظ كثيرًا في مثل هذا، هل يردُّ قول من تفرد بذلك الإسناد لمخالفة الأكثرين له؟ أم يقبل قوله لثقته وحفظه.\nومثَّل ﵀ لذلك بحديث ميمونة عن النَّبي ﷺ في الفأرة إذا وقعت في السَّمن.\nحيث رواه أصحاب الزُّهري عنه عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ميمونة. كذا رواه مالك وابن عيينة والأوْزاعي.\nوخالفهم معمر، رواه عن الزُّهري عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة.\nقال ابن رجب: «فمن الحفَّاظ من صحَّح كلا القولين، ومنهم الإمام أحمد ومحمد بن يحيى الذُّهليُّ وغيرهما، ومنهم من حكم بغلط معمر لانفراده بهذا الإسناد، منهم البخاريُّ» (١) .\nووافقه على اختياره التِّرمذيُّ في الجامع حيث قال عن رواية معمر: «غير محفوظ»، ثم نقل قول البخاريِّ: «أخطأ فيه معمر. والصَّحيح حديث الزُّهريِّ عن عبيد الله ...» (٢) . كما وافقهم أبو حاتم الرَّازيُّ على ذلك (٣) .\n_________\n(١) شرح العلل (٢/٧٢٢) .\n(٢) الجامع للترمذي (١٧٩٨) والعلل الكبير (٢/٧٥٨-ترتيبه) .\n(٣) العلل لابنه (٢/١٢) .","vol":"1","page":58},{"text":"وقال الدَّارقُطني في حديث: «وعند الزهري فيه أسانيد أخرى صحاح»، ثم ذكر جملة منها (١) .\nوالذي يظهر أن سعة رواية المحدِّث الحافظ كالزُّهري وقَتادة - مثلًا - قرينة خاصة - كما سيأتي - تدلُّ على صحة الوجهين عنه، ومخالفة الرَّاوي الواحد لجماعة من الثِّقات الحفَّاظ، قرينة عامة أقوى منها، تدلُّ على وهم الوجه الذي أتى به عنه، فَيُحتاج إلى قرينة أخرى تسند ما قاله.\nومما يعضد رواية الجماعة أنَّ الَّليث رواه عن الزُّهري عن سعيد مرسلًا - كما ذكر الإسماعيليُّ (٢) - فلعلَّ مَعْمَرًا وهِم فزاد أبا هريرة.\nوأكثر مسائل علم العلل دخولًا في هذه القرينة: زيادة الثِّقات.\nهل تقبل مطلقًا، أم تردُّ مطلقًا، أم يفصَّل في ذلك، ومن أين يؤخذ هذا التَّفصيل ومن المعتبر قوله في هذا الأمر. آلمحدِّثون أم الفقهاء والمتكلمون من الأصوليين.\nيعدُّ الشَّافعي من أوائل من قعَّد لهذه المسألة حيث قال: «ويكون إذا شرك أحدًا من الحفَّاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه - وُجِدَ حديثه أنقصَ - كانت هذه دلائل على صحَّة مخرج حديثه» (٣) .\nقال ابن عبد الهادي معقِّبًا على ذلك: «وهذا دليل من الشافعيِّ ﵀ على أن زيادة الثِّقَة عنده لا يلزم أن تكون مقبولةً مطلقًا كما يقوله كثير\n_________\n(١) العلل (١/٤٤) .\n(٢) فتح الباري (٩/٨٢٦)، عند حديث (٥٥٣٨) .\n(٣) الرسالة (١٢٧٢) .","vol":"1","page":59},{"text":"من الفقهاء من أصحابه وغيرهم، فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه، ولم يعتبر المخالف بالزِّيادة، وجعل نقصان هذا الرَّاوي من الحديث دليلًا على صحَّة مخرج حديثه، وأخبر أنه متى خالف ما وصف أضرَّ ذلك بحديثه، ولو كانت الزِّيادة عنده مقبولة مطلقًا لم يكن مخالفته بالزِّيادة مضرًا بحديثه» (١) .\nوقال الشافعي أيضًا: «إنَّما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو يأتي بشيء في الحديث يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ، وهم عدد وهو منفرد» (٢) .\nوقال ابن حجر معقبًا على كلامه: «فأشار إلى أن الزِّيادة متى تضمَّنت مخالفةَ الأحفظ أو الأكثر عددًا أنها تكون مردودة» (٣) .\nوحيث إنَّ هذه المسألة من أهم مسائل علم العلل، فإنَّ نقل كلام علماء الحديث وعلله مما يزيد الأمر وضوحًا، فمن المفيد جدًا ذكر شيءٍ من ذلك نظريًا وعمليًا.\nأما النَّظري فمن ذلك:\nما قاله أبو زرعة الرَّازي: «إذا زاد حافظ على حافظ قُبِلَ» (٤) .\nوقال أيضًا: «حديث أبي إسحاق عن جرير مرفوع أصح من\n_________\n(١) الصارم المنكي (ص١٠٠) .\n(٢) اختلاف الحديث (ص٢٩٤) .\n(٣) النكت لابن حجر (٢/٦٨٨) .\n(٤) العلل لابن أَبي حاتم (١/٣١٨و٢/٣٠٢) .","vol":"1","page":60},{"text":"موقوف، ولأن زيد بن أبي أنيسة أحفظ من مغيرة بن مسلم» (١) .\nوقال مسلم: «والحديث للزائد الحافظ» (٢) . وقال أيضًا: «والزِّيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفَّاظ الذين لم يكثر عليهم الوهم في حفظهم» (٣) .\nوقال التِّرمذي: «وربَّ حديث إنَّما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنَّما يصح إذا كانت ممن يعتمد على حفظه ...» (٤) .\nوقال أبو زرعة: «زيادة الحافظ على الحافظ تقبل» (٥) .\nوقال البزَّار: «زيادة الحافظ مقبولة إذا زادها على حافظ، فإنَّما زادها بفضل حفظه» (٦) .\nوقال ابن طاهر: «إن الزِّيادة إنَّما تقبل من الثِّقة المجمع عليه» (٧) .\nوقال ابن خزيمة: «لسنا ندفع أن تكون الزِّيادة في الأخبار مقبولة من الحفَّاظ، ولكنَّا إنَّما نقول إذا تكافأت الرُّواة في الحفظ والإتقان والمعرفة بالأخبار فزاد حافظ متقن عالم بالأخبار كلمة قُبِلَت زيادته، لا أنَّ الأخبار إذا تواترت بنقل أهل العدالة والحفظ والإتقان بخبر، فزاد راوٍ ليس مثلهم في الحفظ والإتقان زيادة أنَّ تلك الزِّيادة تكون مقبولة» (٨) .\n_________\n(١) العلل لابن أَبي حاتم (١/٢٦٧) .\n(٢) التمييز (ص١٩٩) .\n(٣) التمييز (ص١٨٩) وشرح العلل (١/٤٣٥) .\n(٤) العلل الصغير بشرح ابن رجب (١/٤١٨) .\n(٥) العلل لابن أبي حاتم (٢/٣٠٢) .\n(٦) البحر الزخار (١/٥٤) .\n(٧) النكت لابن حجر (٢/٦٩٣) .\n(٨) القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣١٦) .","vol":"1","page":61},{"text":"وقال ابن المنذر: «والحافظ إذا زاد في الحديث شيئًا فزيادته مقبولة» (١) .\nوقال ابن عبد البر في كلام له: «... ليست حجَّة، لأنَّ الذي لم يذكره أحفظ، وإنَّما تقبل الزِّيادة من الحافظ المتقن» (٢) .\nوقال أيضًا: «إنَّما تقبل الزِّيادة من الحافظ إذا ثبتت عنه، وكان أحفظ وأتقن ممن قصر أو مثله» (٣) .\nوقال ابن عبد الهادي بعد سياق الاختلاف: «والصَّحيح التَّفصيل، وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الرَّاوي الذي رواها ثقة حافظًا متقنًا، والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثِّقَة ...» (٤) .\nوخالف في تقريراتهم كثير من مقلِّدة الفقهاء ومتكلِّمة الأصوليين فقالوا: «تقبل زيادة الثِّقة مطلقًا، مالم تخالف (٥) رواية من هو أولى» .\nولا يعني هذا أنه لم يقع - تنظيرًا - بعضُ كبار المحدِّثين فيما وقع فيه المتكلِّمون والأصوليون، من نقل أقوالهم على أنَّها مذاهب معتمدة وهي لا تعرف إلا عنهم. فإنَّ علم الكلام قد أثَّر على كثير من متأخري علماء هذه الأمة.\n_________\n(١) الأوسط (٢/٢٧٠)، وعنده: والحفاظ ...\n(٢) التمهيد (٦/٥-٦) .\n(٣) التمهيد (٣/٣٠٦) .\n(٤) نصب الراية (١/٣٣٦) .\n(٥) تقدم (ص ٣٣) أن تفسيرهم للمخالفة أخص من تفسير المحدثين.","vol":"1","page":62},{"text":"قال ابن رجب في تقرير ذلك: «وكلام أحمد وغيره من الحفَّاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضًا»، قال: «وقد صنَّف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفًا حسنًا سمَّاه: \"تمييز المزِيد في متصل الأسانيد\"، وقسمه قسمين:\nأحدهما: - ما حكم فيه بصحة ذكر الزِّيادة في الإسناد، وتركها.\nوالثاني: - ما حكم فيه بردِّ الزِّيادة وعدم قبولها.\nثم إنَّ الخطيب تناقض، فذكر في كتاب \"الكفاية\" للنَّاس مذاهب في اختلاف الرُّواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحدٍ من متقدمي الحفَّاظ، وإنَّما مأخوذة من كتب المتكلِّمين. ثم إنه اختار أن الزِّيادة من الثِّقة مقبولة مطلقًا كما نصره المتكلِّمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرُّفه في كتاب \"تمييز المزِيد\". وعاب تصرُّفَهُ في كتاب \"تمييز المزِيد\" بعضُ محدثي الفقهاء، وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب \"الكفاية\"»، ثم قال: «... ومن تأمَّل كتاب البخاريِّ تبيَّن له - قطعًا - أنَّه لم يكن يرى زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة، وهكذا الدَّارقطني. فدلَّ على أنَّ مرادهم زيادة الثِّقَة في مثل تلك المواضع الخاصَّة، وهي إذا كان الثِّقة مبرزًا في الحفظ» (١) .\nولكثير من المتكلِّمين والفقهاء وبعض المتأخِّرين المنتسبين لعلم الحديث ممَّن خالف المحدِّثين في منهجهم في العلل عمومًا وفي زيادة الثِّقات خصوصًا حججٌ مأخوذة من علم الكلام لا تنطبق على منهجهم الاستقرائي الواقعي.\n_________\n(١) شرح العلل (١/٤٢٧-٤٢٩) .","vol":"1","page":63},{"text":"فمن ذلك:\n١. قولهم أن الزَّائد معه زيادة علم، ومن حفظ حجَّة على من لم يحفظ.\nوالجواب: أن ما ذكر ليس هو موطن النِّزاع، لأنَّه صحيح عند ثبوت الزِّيادة عن الرَّاوي المختلف عليه، أما مع قرينة الاختلاف فهذا ما ينازع فيه المحدِّثون، فيقال إنَّ الزِّيادة لم تثبت أصلًا ليقال ما ذكروه.\nبل إنَّ في قولهم تناقضًا لأنهم «شرطوا في الصَّحيح ألا يكون شاذًا، وفسَّروا الشُّذوذ بأنه ما رواه الثِّقة، وخالفه من هو أضبط، وأكثر عددًا، ثم قالوا: تقبل الزِّيادة مطلقًا. فلو اتفق أن يكون من أرسل أكثر عددًا، أو أضبط حفظًا أو كتابًا على من وصل. أيقبلونه أم لا؟ أم هل يسمُّونه شاذًا أم لا؟ والحقُّ في هذا أنَّ زيادة الثِّقة لا تقبل دائمًا» (١) .\n٢. قولهم عمَّن وقف الحديث إنه رأي للرَّاوي، وأن الواقف قد قصر في حفظه أو شكَّ في رفعه.\nوجوابه أَنَّ هذا «مقابل بمثله، فيترجَّح الوقف بتجويز أن يكون الرَّافع تبع العادة، وسلك الجادَّة. وهذا إذا كان للمتن إسناد واحد، أما إذا كان له إسنادان منفصلان تمامًا، فلا يجري فيه هذا الخلاف غالبًا» (٢) .\n٣. قولهم: إن الرَّاوي: «إذا كان ثقةً وانفرد بالحديث من أصله كان مقبولًا، فكذلك انفراده بالزِّيادة. وهو احتجاج مردود، لأنه ليس كلُّ حديث تفرد به أي ثقة - كان - يكون مقبولًا. ثم إن الفرق بين تفرُّد الرَّاوي\n_________\n(١) النكت لابن حجر (٢/٦١٢-٦١٣) .\n(٢) النكت لابن حجر (٢/٦١٠-٦١١) .","vol":"1","page":64},{"text":"بالحديث من أصله وبين تفرُّده بالزِّيادة ظاهر، لأن تفرُّده بالحديث لا يلزم منه تطرُّق السَّهو والغفلة إلى غيره من الثِّقات إذ لا مخالفة لهم، بخلاف تفرُّده بالزِّيادة إذا لم يروها من هو أوثق وأكثر عددًا، فالظنُّ غالب بترجيح روايتهم على روايته، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن» (١) .\nقال ابن حجر مبينًا هذه المسألة: «والحقُّ في هذا أن زيادة الثِّقة لا تقبل مطلقًا دائمًا، ومن أطلق ذلك من الفقهاء والأصوليين فلم يصب، وإنَّما يقبلون ذلك إذا استووا في الوصف، ولم يتعرض بعضهم لنفيها لفظًا أو معنى» (٢) .\nوقال أيضًا: «تفرُّد واحد عنه بها - أي الزِّيادة - دونهم مع توفر دواعيهم على الأخذ عنه، وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقُّف عنها» (٣) .\nوقال السخاوي بعد كلام له: «رواه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه، ورواه من هو دونهم في الضبط والإتقان والعدد على وجه يشتمل على زيادة في السند، فكيف تقبل زيادتهم وقد خالفهم من لا يغفل مثلهم عنها، لحفظهم وكثرتهم، والغرض أن شيخهم الزهري ممن يجمع حديثه ويعتني بمروياته بحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها، ولما تطابقوا على تركها، قال شيخنا [أي ابن حجر]: والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة» (٤) .\nوقد تقدَّم قول ابن عبد الهادي: «... وتقبل في موضع آخر لقرائن\n_________\n(١) النكت لابن حجر (٢/٦٩٠-٦٩١) .\n(٢) النكت لابن حجر (٢/٦١٣) .\n(٣) النكت لابن حجر (٢/٦٩٢) .\n(٤) الأجوبة المرضية (١/٢٠١) .","vol":"1","page":65},{"text":"تخصُّها، ومن حكم في ذلك حكمًا عامًا فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم» (١) .\nأما العملي فمن ذلك:\nردُّ جماعةٍ من حفَّاظ الحديث زياداتٍ - في الأسانيد وفي المتون - لرواةٍ ثقاتٍ، ولم يردْ عن هؤلاء الحفَّاظ - عند الاختلاف - احتجاج بحجج المتكلِّمين وغيرهم، بل إذا قبلوها فذلك لمكان من زادها من الحفظ والعدد وغير ذلك من القرائن، فكلُّ حديث أعلُّوه بالإرسال أو الوقف هو ردٌّ لزيادة في السَّند، وهو متواتر في كتبهم.\nومن ذلك ردُّ البخاريِّ زيادةً لشعبة عن سلمة بن كهيل فقال: «وزاد فيه علقمة، وليس فيه» (٢) .\nوقال أبو داود: «سمعت أحمد وقد ذكرت له ما زاد هشيم - في حديث عبيد ابن عمير عن عمر في المفقود - على يحيى بن سعيد، فقال: يحيى أحفظ من هشيم» (٣) .\nوقال الآجري: «سمعت أبا داود يقول: حماد بن سلمة وهم فيه، زاد: \"وأبوالها\"» (٤) .\nوقال ابن منده في حديث: «رواه جماعة عن أبي الأحوص وفيه زيادة أنَّ الحمار يقال له: عفير، ورواه أبو مسعود عن أبي داود عن شعبة وفيه هذه\n_________\n(١) نصب الراية (١/٣٣٦) .\n(٢) التاريخ الكبير (٣/٧٣) .\n(٣) سؤالات الآجري (ص٣٤٥) .\n(٤) سؤالات الآجري (٤٣٩) .","vol":"1","page":66},{"text":"الزِّيادة، وهو وَهْمٌ» (١) .\nوقال ابن عمَّار الشهيد: «حديث سليمان التَّيمي عن قَتادة عن أبي غلاب حديث أبي موسى وفيه من الزِّيادة: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" ... وقوله: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" هو عندَنا وهم من التَّيمي ...» (٢) .\nوفي مقابل ذلك قبول بعض الحفَّاظ لزيادة الضعيف، لأنَّ النَّقص أسهل.\nقال ابن أبي حاتم لأبيه: «لِمَ حكمت برواية ابن لهيعة؟ فقال: لأن في رواية ابن لهيعة زيادة رجل، ولو كان نقصان رجل كان أسهلَ على ابن لهيعة حفظُهُ» (٣) .\nإلا أن هذه القرينة ربما أهملت لأسباب أخرى يراها الناقد، فلا يعترض على الحافظ في ترجيحه إذا كان على أصل ثابت وله فيه حجة مسلوكة، وإن كان قوله في حديث معين مرجوحًا.\nقال ابن معين مرجحًا من هو أقل حفظًا: «القول قول مستلم بن سعيد، وصحَّف شعبة» (٤) .\nوقال النسائي في حديث: «قَتادة أثبت وأحفظ من أشعث، وحديث أشعث أشبه بالصواب» (٥) .\n_________\n(١) الإيمان لابن منده (١٠٨) .\n(٢) العلل لابن عمار (ص٧٣) .\n(٣) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٧١) .\n(٤) رواية الدوري (٤٨٤٩) .\n(٥) الصغرى (٦/٥٩) .","vol":"1","page":67},{"text":"وأما حفظ الكتاب (١)، فإن الكتابة من أهم وسائل الضَّبط والإتقان، وبدونها وقع كثير من المحدِّثين في الوهم والخطأ.\nفإذا اختلف راويان فأكثر على شيخ، نظر فيمن كان يكتب عنه، فإذا وجد، كان جانبه أقوى من هذه الحيثية.\nقال أحمد عن عبيد الله الأشجعي الكوفي: «كان يكتب في المجلس، فمن ثَمَّ صحَّ حديثه» (٢)، وتعليله هنا كالنصِّ على القرينة، لذا قال ابن معين عنه بأنه أعلم النَّاس بسفيان الثَّوريِّ من أهل الكوفة (٣) .\nومن دلائل هذه القرينة قول ابن المبارك: «إذا اختلف النَّاس في حديث شعبة، فكتاب غُنْدَر حكم بينهم» .\nوذكر ابن خِراش عن الفلاس قوله: «كان يحيى وعبد الرحمن ومعاذ بن خالد وأصحابنا إذا اختلفوا في حديث شعبة، رجعوا إلى كتاب غُنْدَر، فحكم بينهم» .\nولذا أصبح من أقلِّ أصحاب شعبة خطأً كما قال الإمام أحمد.\nوقدَّمه أبو زرعة - في حديث - على اثنين، هما أبو داود الطَّيالسي ويحيى بن زكريا، خالفاه في شعبة (٤) .\nومما ذكر في أوهامه النادر عنه قول أبي حاتم: «هذه الزِّيادة التي زاد\n_________\n(١) هذا عطف على حفظ الصدر الوارد (ص٣٧) .\n(٢) تاريخ بغداد (١٠/٣١٢) .\n(٣) تاريخ بغداد (١٠/٣١٢) والتهذيب (٣/٢٠) .\n(٤) العلل لابن أَبي حاتم (١/٢٥) .","vol":"1","page":68},{"text":"غُنْدَر عن شعبة في الإسناد، ليس بمحفوظ» (١) .\nومن شواهد الاعتماد على الكتاب، الخلافُ على الَّليث بن سعد في حديث، أهو عن سعد بن مالك مرفوعًا أم سعيد بن أبي سعيد مرسلًا؟ قال أبو زرعة: «في كتاب الليث في أصله: سعيد بن أبي سعيد، ولكنْ لُقِّنَ بالعراق: عن سعد» (٢) .\nوقال يزيد بن هارون: «أدركت البصرة وإذا اختلفوا في حديث، نطقوا بكتاب عبد الوارث» (٣) .\nوقال منصور: «قلت لإبراهم النخعي: مالسالم بن أبي الجعد أتمَّ حديثًا منك؟ قال: لأنه كان يكتب» (٤) .\nوقال أبو حاتم: «وأما الحفَّاظ وأصحاب الكتب فكانوا يميِّزون كلام الزُّهري من الحديث» (٥) .\nوقال أيضًا مرجحًا بالكتاب: «مالك صاحب كتاب» (٦) .\nوهذا أحمد يرجِّح بسبب الكتابة.\nقال أبو طالب لأحمد: «من أحبُّ إليك، يونس أو إسرائيل في أبي\n_________\n(١) الجرح لابن أَبي حاتم (٣/٥٠٧) والعلل أيضًا (١/٤٢٨) .\n(٢) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٨٨) .\n(٣) التمييز (ص١٧٨)، وعبد الوارث هو ابن سعيد.\n(٤) علل الترمذي (١/١٥٣-الشرح) .\n(٥) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٣٠) .\n(٦) العلل لابن أَبي حاتم (١/٣٢) .","vol":"1","page":69},{"text":"إسحاق؟ قال: إسرائيل، لأنه كان صاحب كتاب» (١) .\nوهذه القرينة ربما خانت صاحبها فأثرَّت عليه، كما حصل لجرير بن عبد الحميد الضَّبِّي حيث قال: «اضطرب عليَّ حديث أشعث وعاصم، فقلت لبهز بن أَسَد البصري، فخلَّصها لي، وكانت في دفتر واحد» (٢) .\nمن أهم القرائن التي بُنِي عليها علم العلل في التَّرجيح بين الرُّواة المختلفين على شيوخهم المكثرين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٣. الاختصاص:</span>\nوهذه من أهم القرائن التي بُنِي عليها علم العلل في التَّرجيح بين الرُّواة المختلفين على شيوخهم المكثرين.\nوقد اهتم علماء الحديث وعلله بمعرفة طبقات الحفَّاظ ومراتب أصحابهم. فقسم ابن المدينيِّ والنَّسائيُّ (٣) أصحاب نافع تسع طبقات مع اختلافهما في ذكر رواة كل طبقة.\nكما قسم النَّسائي أصحاب الأعمش سبع طبقات (٤) .\nوهذا الاختصاص يعود إلى عدَّة قرائن، منها قوة الحفظ أو الكتابة - وقد تقدَّم ذكرها - أو طول الملازمة وقِدَمِهَا، أو قرابة الرَّاوي، ونحو ذلك من الأسباب الكثيرة.\nوالاهتمام بهذه القرينة ومعرفة طبقات أصحاب الحفَّاظ ومنازلهم من شيوخهم، ومراتبهم بين بعض، يعطي المرء قوَّة وملكة في تعليل الحديث\n_________\n(١) التهذيب (١/١٣٣) .\n(٢) رواية ابن محرز (٥٤٧) .\n(٣) في كتابه: الطبقات (ص٥٣) .\n(٤) الطبقات (ص٧٨) وشرح العلل (١/١٠٤-١٠٥) .","vol":"1","page":70},{"text":"والتَّرجيح عند الاختلاف، دون كثير عناء أو جهد، قد يبذله من جهل ذلك.\nفإذا روى جماعة عن حافظٍ له أصحاب، وتفرد راوٍ عنه - دونهم - بزيادة أو وجه، وجب التَّوقف عن قبولها لأنَّ «تفرَّد واحد عنه بها دونهم مع توفر دواعيهم على الأخذ عنه وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التَّوقف عنها» (١) .\nقال ابن رجب: «اعلم أن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين: - أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هيِّنٌ (٢)، لأنَّ الثِّقات والضُّعفاء دٌوِّنوا في كثير من التَّصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التَّواليف.\nالوجه الثاني: معرفة مراتب الثِّقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في السَّند، وإما في الوقف والرَّفع، ونحو ذلك. وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث ...» (٣) .\nويستخدم علماء الحديث هذه القرينة بقولهم - مثلًا -: - فلان أثبت، أو أحفظ فيه، أو كان يعرض، أو كان يكتب، أو لازمه كثيرًا، ونحو ذلك مما يدلُّ على التَّميز عن غيره في شيء يقتضي تقديمه عند الاختلاف.\nقال ابن القيِّم في تقرير قاعدة هذه القرينة: «ولا تنافي بين قول من ضعَّفه وقول من وثَّقه، لأنَّ من وثقه جمع بين توثيقه في غير الزُّهري\n_________\n(١) النكت لابن حجر (٢/٦٩٢) وقد سبق نقله.\n(٢) هذا أمر نسبي لا مطلق.\n(٣) شرح العلل (٢/٤٦٧-٤٦٨) .","vol":"1","page":71},{"text":"وتضعيفه فيه، وهذه مسألة غير مسألة تعارض الجرح والتَّعديل، بل يظنُّ قاصر العلم أنها هي، فيعارض قول من جرَّحه بقول من عدَّله، وإنَّما هذه مسألة أخرى غيرها وهي الاحتجاج بالرَّجل فيما رواه عن بعض الشُّيوخ وترك الاحتجاج به بعينه فيما رواه عن آخر، وهذا كإسماعيل بن عيَّاش، فإنه عند أئمَّة هذا الشَّأن حجَّة في الشَّاميين أهل بلده وغير حجَّة فيما رواه عن الحجازيين والعراقيين وغير أهل بلده.\nومثل هذا تضعيف من ضعَّف قبيصة في سفيان الثَّوريِّ واحتجَّ به في غيره كما فعل أبو عبد الرحمن النَّسائي.\nوهذه طريقة الحذاق من أَصحاب الحديث أطباء علله يحتجُّون بحديث الشَّخص عمن هو معروف بالرِّواية عنه وبحفظ حديثه وإتقانه وملازمته له واعتنائه بحديثه ومتابعة غيره له ويتركون حديثه نفسه عمَّن ليس هو معه بهذه المنزلة»، إلى آخر كلامه الذي سبق (١) .\nومن الأمثلة عليها قول ابن معين: «حماد بن سلمة أعرف بعلي بن زيد من حماد ابن زيد» (٢) .\nوقال أبو حاتم: «المسعودي أفهم بحديث عون» (٣) .\nويدخل في هذه القرينة من سمع من الراوي قبل الاختلاط، فيرجح جانبه لاختصاصه بالسماع منه قبل تغيره، وقد تفرد هذه القرينة، والأمر سهل.\n_________\n(١) الفروسية (ص٤٤)، وقد سبق ذكر بعض كلامه (ص ١٠) .\n(٢) رواية ابن الجنيد (٨٤٠) .\n(٣) العلل لابن أبي حاتم (٢/١٧٩) .","vol":"1","page":72},{"text":"ومن أمثلته قول أبي حاتم: «إسرائيل أقدم سماعًا من زهير في أبي إسحاق»، ثم ذكر اختلاط أبي اسحاق (١) .\nمن أهم القرائن التي بُنِي عليها علم العلل في التَّرجيح بين الرُّواة المختلفين على شيوخهم المكثرين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٤. سلوك الجادة:</span>\nوهذا تعبير استعمله جماعة من العلماء كابن حجر (٢)، وقال أيضًا: «تبع العادة» (٣) .\nومن تعابير المحدِّثين السابقين قول ابن المديني: «سلك المحجَّة» (٤) .\nأما أبو حاتم فقد أكثر من قوله: «لزم الطَّريق» (٥) .\nوقال الحاكم: «أخذ طريق المجرة» (٦)، والفرق بين العبارات يسير.\nقال ابن رجب: «قول أبي حاتم: مبارك لزم الطَّريق، يعني به أن رواية ثابت عن أنس سلسلة معروفة مشهورة، تسبق إليها الألسنة والأوهام، فيسلكها من قلَّ حفظه، بخلاف ما قاله حمَّاد بن سلمة، فإن في إسناده ما يستغرب، فلا يحفظه إلا حافظ، وأبو حاتم كثيرًا ما يعلِّل الأحاديث بمثل هذا، وكذلك غيره من الأئمَّة» (٧) .\nوقال أيضًا: «لا ريب أن الذين قالوا فيه عن أبي هريرة ﵁\n_________\n(١) العلل لابن أبي حاتم (١/١٠٣) .\n(٢) بذل الماعون (ص٢١٢) .\n(٣) النكت لابن حجر (٢/٦١٠) .\n(٤) نتائج الأفكار لابن حجر (٢/١٩٤) ومن المعاني الواردة في مادة (حجج): الطريق - القاموس (حجج) .\n(٥) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٠٧و٢٠٣و٤٢٨و٢/١٠٩و٢٤٩و٢٦٧) .\n(٦) معرفة علوم الحديث (ص١١٨) .\n(٧) شرح العلل (٢/٧٢٦) .","vol":"1","page":73},{"text":"جماعة حفاظ، لكن الوهم يسبق كثيرًا إلى هذا الإسناد، فإن رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁، أو عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، سلسلة معروفة تسبق إليها الألسن، بخلاف رواية سعيد عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان، فإنها سلسلة غريبة، لا يقولها إلا حافظ لها متقن» (١) .\nوهذا السلوك قسمان هما:\n١. سلوك للجادة في المتن، وهو قليل، فإن الأصل في الأحاديث المروية الرفع، فإذا جاء تفصيل من بعض الثقات، برفع بعضه ووقف بعضه الآخر، فإن هذا قرينة على سلوك غيره للجادة برفعه كله. ومن أمثلته العملية قول الدَّارقُطني عن حديث أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي ﷺ أنه كان يخطب يوم الخميس قائمًا يقول: يا أيها الناس إنما هما اثنتان الهدى والكلام وأصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة الحديث بطوله، قال: «يرويه أبو إسحاق واختلف عنه. فرواه إدريس الأودي وموسى بن عقبة ورفعا الخطبة كلها إلى النبي صلى الله عليه ورواه شعبة وإسرائيل وشريك من كلام عبد الله إلا قوله ألا أنبئكم ما العضة هو النميمة فإنهم رفعوه إلى النبي صلى الله عليه. وكذلك قوله: إن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقًا، وقول شعبة ومن تابعه أولى بالصواب» (٢) .\n٢. سلوك للجادة في السند، وهو الغالب. فإنه إذا اختلف على قَتادة - مثلًا - في حديث، فرواه بعض أصحابه عنه بسند غير مشهور، وآخر\n_________\n(١) فتح الباري لابن رجب (٨/١١١) .\n(٢) العلل (٥/٣٢٣) .","vol":"1","page":74},{"text":"رواه عنه عن أنس ﵁، فإنَّ جانب من رواه بالوجه الأخير يضعُف، لاحتمال أن يكون وهِم بسبب شهرة هذا السَّند عن قَتادة.\nومثله ما لو روى ثقة عن مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄، وغيره يرويه بسند آخر أقل شهرة، ولذلك أمثلة كثيرة.\nمنها ما رواه جرير بن حازم عن ثابت عن أنس ﵁ مرفوعًا: «إذا أقيمت الصَّلاة فلا تقوموا حتى تروني (١) .\nضرب على هذا الحديث أبو الوليد الطيالسيُّ (٢)، وأعلِّه أحمد (٣) والبخاريُّ والترمذيُّ (٤) وأبو داود (٥) والدَّارقطنيُّ (٦) بأن جريرًا وحجاجًا الصَّوَّاف كانا عند ثابت البناني، فحدَّث به حجاج عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قَتادة عن أبيه ...، فوهم جرير فظنَّ أنَّ الحديث: عن ثابت عن أنس. وإنَّما روى ثابت عن أنس قال: «كان النَّبي ﷺ إذا أقيمت الصَّلاة يتكلَّم مع الرَّجل حتى ينعس بعض القوم» (٧) .\nوثابت عن أنس جادة، حيث قال الإمام أحمد - في رواية الميموني -: «هؤلاء الشيوخ إنما يلحقون عن ثابت عن أنس إسنادًا عرفوه» (٨) .\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١١١٣) وابن ماجة (١١١٧) والترمذي (٥١٧) والنسائي (١٤١٩) .\n(٢) نقله عنه أبو داود كما في سؤالات الآجري (٥٧٧) .\n(٣) العلل لعبد الله (٢/١٧٢) ومسائل أَبي داود (ص٢٨٨) .\n(٤) العلل الكبير للترمذي (١/٢٧٦-٢٧٨-ترتيبه)، ونقل تعليل البخاري.\n(٥) حيث قال: «والحديث ليس بمعروف عن ثابت» - السنن (١١١٣) .\n(٦) العلل (ج٤/ل٣٥) .\n(٧) العلل الكبير للترمذي (١/٢٧٨-ترتيبه)، وحديث أنس الأخير أخرجه البخاري في جامعه (٦٤٢و٦٣٤) ومسلم (٣٧٦)، وقد رواه جرير على الصواب عند الترمذي (٥١٧) .\n(٨) إكمال مغلطاي (٤/١٠٣) .","vol":"1","page":75},{"text":"ومن أقدم النُّصوص التي أشارت إلى هذه القرينة قول يحيى القطَّان: «كنت إذا أخطأت، قال لي سفيان الثوريُّ: أخطأت يا يحيى، فحدَّث يومًا عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنَّما يجرجر في بطنه نار جهنَّم» (١)، قال يحيى بن سعيد: فقلت: أخطأت يا أبا عبد الله، هذا أهون عليك، قال: فكيف هو يا يحيى؟ قال: فقلت أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر عن أمِّ سلمة (٢) أنَّ رسول الله ﷺ ... فقال لي: صدقت يا يحيى ...» (٣) .\nومن الأمثلة القديمة أيضًا قول الحميديُّ: «قيل لسفيان - أي ابن عيينة -: إن عبد الرحمن بن مهدي يقول: إن سفيان أصوب في هذا الحديث من مالك! قال: سفيان: وما يدريه؟ أدرك صفوان؟ قالوا: لا، لكنه قال: إن مالكًا قال: عن صفوان عن عطاء بن يسار، وقال سفيان: عن أنيسة عن أم سعيد بنت مُرَّة عن أبيها. فمن أين جاء بهذا الإسناد؟ فقال سفيان: ما أحسن ما قال! لو قال لنا صفوان عن عطاء بن يسار كان أهون علينا مِن أنْ نجيء بهذا الإسناد الشَّديد» (٤) .\n_________\n(١) رواه كذلك عن نافع به، برد بن سنان - أخرجه عنه الطبراني في الأوسط (٤١٨٩) والصغير (٥٦٣) وفي مسند الشاميين (٣٥٥) والخطيب من طريقه في تاريخه (١/٣٧٧)، وفي سنده العلاء بن برد، قال ابن ججر: «ذكره بن حبان في الثقات وقال محمود بن غيلان: ضرب أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو خيثمة عليه واسقطوه» - اللسان (٤/٢٢٣) .\n(٢) أخرجه من طريق نافع البخاري في جامعه (٥٦٣٤) ومسلم (٢٠٦٥) .\n(٣) تاريخ بغداد (١٤/١٣٦-١٣٧) .\n(٤) شرح العلل (٢/٧٢٨) .","vol":"1","page":76},{"text":"وقد يقع في سلوك الجادَّة جماعة عن راوٍ واحد، كما قال ابن حجر: «... ورواه سفيان بن عيينة ومعتمر بن سليمان ومحمد بن عبيد عن عبيد الله بن عمر بإسقاطه وكأنهم سلكوا الجادَّة، لأن عبيد الله بن عمر معروف بالرِّواية عن نافع مكثر عنه» (١) .\nومن الغريب هنا قول ابن حجر عند حديثٍ: «قال ابن عبد البر: رواية عبد العزيز خطأٌ بيِّن، لأنَّه لو كان ثمَّ عبد الله بن دينار عن ابن عمر ما رواه عن أبي صالح أصلًا انتهى. وفي هذا التَّعليل نظر وما المانع أن يكون له فيه شيخان. نعم الذي يجري على طريقة أهل الحديث أن رواية عبد العزيز شاذة لأنه سلك الجادَّة ومن عدل عنها دلَّ على مزيد حفظه» (٢) .\nفكيف يقول بأن في تعليله نظرًا وهو موافق لطريقة أهل الحديث كما ذكر.\nوهو قد قال في موضع آخر من كتبه: «وأما المخالفة وينشأ عنها الشُّذوذ والنَّكارة، فإذا روى الضَّابط والصَّدوق شيئًا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدِّثين، فهذا شاذ، وقد تشتدُّ المخالفة أو يضعف الحفظ، فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرًا» (٣) .\nوقال أيضًا: «والأول أقعد بطريقة المحدِّثين» (٤) .\n_________\n(١) الفتح (١٠/٤٤٦) .\n(٢) فتح الباري (٣/٣٤٤) .\n(٣) هدي الساري (ص٥٤٤) .\n(٤) تغليق التعليق (٥/٣٦٣) .","vol":"1","page":77},{"text":"وقوله: «وما المانع ...»، يجاب عنه بقول ابن القيِّم: «وهذه التجويزات لا يلتفت إليها أئمة الحديث وأطباء علله ... ولهم ذَوق لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات» (١) .\nوبقول البلقيني: «ولو فتحنا باب التأويلات لاندفع كثير من علل الحديث» (٢) .\nومن القواعد المتعلقة بهذه القاعدة، قول أحمد: «أهل المدينة إذا كان الحديث غلطًا يقولون: ابن المنكدر عن جابر. وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما» (٣) .\nوقال أيضًا: «كان ابن المنكدر رجلًا صالحًا، وكان يعرف بجابر، وكان يحدِّث عن يزيد الرَّقاشي، فربَّما حدَّث بالشَّيء مرسلًا، فجعلوه عن جابر» (٤) .\nوقد أكثر ابن عدي من قوله: «أسهل عليه» (٥)، في نقده لمن سلك الجادَّة في الأسانيد من الرُّواة.\nوقال أبو حاتم في حديث اختلف فيه على هشام بن عروة: «هذا الحديث أفسد حديث روح بن عبادة وبيَّن علته، وهذا الصَّحيح، ولا يحتمل أن يكون عن أبيه عن عائشة عن النَّبي ﷺ، فيروى عن يحيى عن\n_________\n(١) حاشية أبي داود (١/١٦٩) .\n(٢) فتح المغيث (٣/٨١) وتدريب الراوي (١/٣٤٤) .\n(٣) شرح العلل لابن رجب (٢/٥٠٢) .\n(٤) مسائل أحمد برواية أَبي داود (ص٣٠٢) .\n(٥) في عدة مواضع من كتابه الكامل، منها (١/٣٣١و٢/١٤٤و٣٩٧) .","vol":"1","page":78},{"text":"سعيد عن عائشة، ولو كان عن أبيه كان أسهل عليه حفظًا» (١) .\nوقد يرجِّح الحفَّاظ رواية من سلك الجادَّة على رواية من أتى بإسناد غريب، أو تقل الرِّواية به، كما سيأتي في قرينة غرابة السَّنَد (٢) .\nكما قد ترجح هذه القرينة على العدد الكثير لقوتها.\nقال البخاري: «حدثنا عاصم بن علي حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبي شريح أن النبي ﷺ قال: \"والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل ومن يا رسول الله قال الذي لا يأمن جاره بوائقه\"، تابعه شبابة وأسد بن موسى وقال حميد بن الأسود وعثمان بن عمر وأبو بكر بن عياش وشعيب بن إسحاق عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة» (٣) .\nوعلق ابن حجر على ذلك بقوله: «وإذا تقرر ذلك فالأكثر قالوا فيه: \"عن أبي هريرة\" فكان ينبغي ترجيحهم. ويؤيده أن الراوي إذا حدث في بلده كان أتقن لما يحدثه به في حال سفره، ولكن عارض ذلك أن سعيدا المقبري مشهور بالرواية عن أبي هريرة فمن قال عنه: \"عن أبي هريرة\" سلك الجادة، فكانت مع من قال عنه: \"عن أبي شريح\" زيادة علم ليست عند الآخرين، وأيضا فقد وجد معنى الحديث من رواية الليث عن سعيد المقبري عن أبي شريح كما سيأتي بعد باب، فكانت فيه تقوية لمن رآه عن ابن أبي ذئب فقال فيه \"عن أبي شريح\" ومع ذلك فصنيع البخاري يقتضي تصحيح الوجهين، وإن\n_________\n(١) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٣٥٤) .\n(٢) (ص ٥٣) .\n(٣) الجامع الصحيح (٦٠١٦) .","vol":"1","page":79},{"text":"كانت الرواية عند أبي شريح أصح» (١) .\nوبكلِّ حالٍ فإن وقوع الخطأ في الأسانيد المشهورة (٢) كان بسبب سلوك الجادة، لتعلقه بذهن الرواة، خصوصًا ممن خفَّ ضبطه عن المكثرين، فكيف بالضُّعفاء إذا رووا عنهم!\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٥. غرابة السند واتفاق البلدان:</span>\nغرابة السند: مع أنَّ وصف الحديث بالغرابة مما قد يضعف جانبه، إلا أنه ربما يقوى جانبه عند الاختلاف. ومعنى ذلك أنه إذا اختلف على راوٍ في حديث، وروى أحد أصحابه وجهًا غريبًا صحيحًا، لا احتمال فيه لسلوك الجادَّة، ومثل هذا الوجه يندر الوهم فيه، ويعد الخطأ فيه نادرًا، فإن روايته تكون أقوى من هذه الجهة.\nوشاهده قول عبد الله بن أحمد: «سألت أبي عن حديث هشيم عن حصين عن عمرو بن مرة عن علقمة بن وائل عن أبيه عن النَّبي ﷺ في الرفع. قال: رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل عن النَّبي ﷺ. خالف حصينٌ شعبة. فقال: شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين. القول قول شعبة، من أين يقع شعبة على: أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل» (٣) .\n_________\n(١) الفتح (١٠/٥٤٦) .\n(٢) قمت بجمع أشهرها في كتاب \"المشهور من أسانيد الحديث\" - طبع دار طويق.\n(٣) العلل لعبد الله بن أحمد (١/١٨١) .","vol":"1","page":80},{"text":"وقال أبو حاتمٍ في حديثٍ: «لو كان عن ابن عمر كان أسهل عليه من أبي الصِّديق ...» (١) .\nوقال أيضًا: «حديث عثمان بن حكيم أشبه، لأن حفظ زيد بن ثابت أسهل من يزيد بن ثابت» (٢) .\nوهذا الحوار الذي دار بين أبي حاتم وابنه يبيِّن شيئًا من هذه القرينة، واختلاف الحفَّاظ فيها لاختلاف قوتها.\nقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن المعوذتين فقيل لأبي: إن أبا زرعة قال: هذا خطأ! قال أبي: الذي عندي إنه ليس بخطأ، وكنت أرى قبل ذلك أنه خطأ، إنَّما هو معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن عن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ؛ قيل لأبي: كذا قاله أبو زرعة. قال أبي: وليس هو عندي كذا، الذي عندي أنه صحيح - الذي كان الحديثين جميعًا - كانا عند معاوية بن صالح، وكان الثوري حافظًا، وكان حفظ هذا أسهلَ على الثوري من حديث العلاء، فحفظ هذا ولم يحفظ ذاك، ومما يدلُّ أَنَّ هذا الحديث صحيح؛ أَنَّه يرويه الحمصيون عن عبد الرحمن بن جبير عن عقبة ﵁، ومحال أن يغلط بين هذا الإسناد إلى إسناد آخر، وإنَّما أكثر ما يغلط النَّاس إذا كان حديثًا واحدًا من اسم شيخ إلى شيخ آخر، فأما مثل هؤلاء فلا أرى يخفى على الثوري» (٣) .\n_________\n(١) العلل لابن أَبي حاتم (١/٣١٥) .\n(٢) العلل لابن أَبي حاتم (١/٣٥٩) .\n(٣) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٦٠) .","vol":"1","page":81},{"text":"فرجح أبو حاتم الوجهين عن معاوية خلافًا لأبي زرعة بقرينة أن الوهم من الثوري في سند كامل غريب مثل ذلك محال عادةً، بخلاف الوهم في رجل واحد في السَّند.\nومن الغرابة المقوِّيَّة قول ابن رجب: «... فإنَّ في إسناده ما يُستغرب، فلا يحفظه إلا حافظ» (١) .\nوقال أيضًا: «لا ريب أن الذين قالوا فيه عن أبي هريرة ﵁ جماعة حفاظ، لكن الوهم يسبق كثيرًا إلى هذا الإسناد، فإن رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁، أو عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، سلسلة معروفة تسبق إليها الألسن، بخلاف رواية سعيد عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان، فإنها سلسلة غريبة، لا يقولها إلا حافظ لها متقن» (٢) .\nومن أقوى الأمثلة على ما ذكره ترجيح الدارقطني (٣) - حرب بن شداد- على هشام وشيبان بسبب زيادته اسم غريب، مع أن هشامًا أثبت بكثير، وقد تابعه آخر.\nومن أمثلة الغرابة المضعِّفة للحديث قول أبي حاتم: «أبو سلمة عن ثوبان لا يجيء» (٤) .\nوقال أيضًا: «واصل عن أبي قلابة لا يجيء» (٥) .\nويدخل في هذا الباب قول البرقاني للدَّارَقُطْنِي: «قلت موسى بن ثروان، قال: ويقال ابن سروان عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن عائشة -﵂- إسناد محمول حمله النَّاس» (٦) .\n_________\n(١) شرح العلل (٢/٧٢٦) .\n(٢) فتح الباري لابن رجب (٨/١١١) .\n(٣) العلل الواردة (١١/٢٤٣) .\n(٤) العلل لابنه (١/٣٦٤) .\n(٥) العلل لابنه (١/٣٧٦) .\n(٦) سؤالات البرقاني (٥٠٠) .","vol":"1","page":82},{"text":"ومن هذا الباب الاختلاف في تسمية الشيخ على وجهين، وقد روى عن أحدهما دون الآخر فهو غريب، فيرجح جانب المتصل لغرابة ذاك السند، ومن شواهده قول أبي حاتم: «لا يشبه هذا الحديث حديث الأعمش، لأن الأعمش، لم يروِ عن أبي تميمة شيئًا، وهو بأبي إسحاق أشبه» (١) .\nويلحظ أن هذه القرينة عكس لقرينة سلوك الجادة - السابقة - إلى حدٍّ ما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>٦. اتفاق البلدان:</span>\nوهذه القرينة من القرائن القوية، التي قد تخفى على كثير ممن يعمل بالعلل.\nفمما لاشكَّ فيه أنَّ أهل البلد أعلم بحديث شيوخهم، كما أنهم أعلم بفتواهم من حيث الأصل.\nفإذا اختلف على مالك، رجَّحنا المدنيين منهم. وإذا اختلف على قَتادة رجَّحنا البصريين منهم، وإذا اختلف على الأعمش أو أبي إسحاق رجَّحنا الكوفيين منهم، وهكذا، مالم تأتِ قرينة أقوى تعارض ذلك.\nقال حماد بن زيد: «بلديُّ الرجل أعرف بالرَّجل» (٢) .\nوقال أبو زرعة الدمشقي أحمد في تفضيل عبيد الله بن عمر عن نافع: «هو من أهل\n_________\n(١) العلل لابن أبي حاتم (٢/١٢٥) .\n(٢) الكفاية للخطيب (ص١٣٣) .","vol":"1","page":83},{"text":"البلد، يريد أن أهل البلد أعلم بحديثهم» (١) .\nوقال أبو حاتم في صالح: «أحبُّ إليَّ من عقيل لأنه حجازيٌّ» (٢)، قدَّمه في الزُّهريِّ وهو مدني.\nوقال أيضًا: «الأوزاعي من أهل بلده، والأوزاعي أفهم به» (٣) .\nوقال ابن حبان: «الثوري كان أعلم بحديث أهل بلده من شعبة وأحفظ لها منه» (٤) .\nوقال ابن عدي: «هو من أهل بلدنا ونحن أعرف به» (٥) .\nوقال أبو سعد السَّمعانيُّ: «هو أعرف بأهل بلده» (٦) .\nومن أمثلته العملية اختلاف آدم بن أبي إياس الخراسانيُّ وموسى التَّبوذكيُّ البصري على حماد بن سلمة - وهو بصري - في رفع حديث ووقفه.\nوقد رجَّح البخاري (٧) رواية موسى بوقف الحديث على رفع آدم. والسَّبب في ذلك أن موسى (٨) بصري.\nكما غلَّط أبو حاتم الرَّازي ابنَ المبارك في حديثٍ، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنَّ أهل الشَّام أَعرف بحديثهم»، وقال: «وأهل الشَّام أضبط لحديثهم\n_________\n(١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١٠٧٥) .\n(٢) التهذيب (٢/١٩٩) .\n(٣) العلل لابن أبي حاتم (٤٩٤) .\n(٤) الإحسان (٨/١٧٩) .\n(٥) الكامل (٤/٣٩٨) .\n(٦) الأنساب (٣/١٧٣) .\n(٧) التاريخ الكبير (١/٢٢٤) .\n(٨) التهذيب (٤/١٧٠) .","vol":"1","page":84},{"text":"من الغرباء» (١) وقال أيضًا: «الأوْزاعي أعلم به، لأنَّ شدَّادًا دمشقي وقع إلى اليمامة، والأوْزاعي من أهل بلده، والأوْزاعي أفهم به ...» (٢) .\nوقال أيضًا مرجِّحًا على الثوريِّ غيرَه في نافع: «أهل المدينة أعلم بحديث نافع من أهل الكوفة» (٣) . وقال أيضًا: «يحيى بن حمزة أفهم بأهل بلده» (٤) .\nفهذه القرائن الخمسة العامة هي أصول قرائن الترجيح، ومن أهم ضوابطه.\n_________\n(١) العلل لابن أَبي حاتم (١/٨٠و٣٦٩) .\n(٢) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٧٣) .\n(٣) العلل لابن أَبي حاتم (١/٣١١) .\n(٤) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٥٢) .","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>ب - قرائن خاصة</span>.\nوهذه القرائن يصعب حصرها في عددٍ، وإنَّما تعرف من كل حديثه بعينه، وهي كثيرة، فينبغي الحرص على أهمها، وقد يدخل بعضها في القرائن الأغلبية.\nومن أهم هذه القرائن - تمثيلًا - مما قد يتكرر في أحاديث أخرى:\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>١) رواية الراوي عن أهل بيته: </span>وبيان ذلك أن الإنسان أعلم بأهل بيته، غالبًا.\nفإذا روى راوٍ حديثًا عن رجل من أهل بيته، وخالفه آخر فيه، فإن الأول أرجح من حيث هذه القرينة.\nومن شواهده قول ابن حجر - عن حديث: «لا نكاح إلا بولي» (١): «الاستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاريِّ في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم، لأنَّ البخاريَّ لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنَّما حكم له بالاتصال لمعانٍ أخرى رجحت عنده حكم الموصول. منها أن يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شكَّ أن آل الرَّجل أخص به من غيرهم» (٢) .\nوقال ابن حجر أيضًا مبيِّنًا سبب تخريج البخاريِّ لرواية معلَّة:\n_________\n(١) أخرجه أَبُو داود في السنن كتاب النكاح / باب في الولي (٢٠٧٦) والترمذي في جامعه كتاب النكاح / باب ١٤ (١١٠١) من حديث أَبي موسى الأشعري ﵁.\n(٢) النكت لابن حجر (٢/٦٠٦) .","vol":"1","page":86},{"text":"«وترجَّح ذلك عنده بقرينة، كونها تختصُّ بأبيه فدواعيه متوفِّرة على حملها عنه» (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٢) الرواية بالمعنى: </span>ومن أمثلته ما رواه هشيم بن بشير عن الزُّهري حديث: «لا يتوارث أهل ملتين» (٢)، فقد رواه كلُّ أصحاب الزُّهري عنه بلفظ: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (٣) .\nقال أحمد: «لم يسمع هشيم من الزُّهري حديث علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد عن النَّبي ﷺ: «لا يتوارث أهل ملتين شتى»، قال أبي: وقد حدثنا به هشيم» (٤) .\nوقال ابن حجر: «وقد حكم النَّسائي وغيره على هشيم بالخطأ فيه، وعندي أنه رواه من حفظه بلفظٍ ظنَّ أنه يؤدِّي معناه. فلم يصبْ، فإن الَّلفظ الذي أتى به أعمُّ من اللفظ الذي سمعه. وسبب ذلك أن هشيمًا سمع من الزُّهري بمكة أحاديث، ولم يكتبها، وعلق بحفظه بعضها، فلم يكن من الضَّابطين عنه، ولذلك لم يخرج الشَّيخان عنه شيئًا» .\nويشهد لقول ابن حجر ما رواه عمرو بن عون عن هشيم قال: «سمعت من الزهري نحوًا من مئة حديث، فلم أكتبها» (٥) .\n_________\n(١) هدي الساري (ص٥٣٤) .\n(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٤/٨٢) والطحاوي في شرح المعاني (٣/٢٦٦) .\n(٣) أخرجه البخاري: كتاب الحج / باب توريث دور مكة (١٥٨٨) ومسلم في أول كتاب الفرائض (١٦١٣) .\n(٤) العلل لعبد الله (٢/٣٤١) .\n(٥) تاريخ بغداد (١٤/٨٦) والتهذيب (٤/٢٨٠) .","vol":"1","page":87},{"text":"ووقع هشيم بسبب الرِّواية بالمعنى في وهم آخر.\nفقد روى سفيان بن عيينة قال حدثنا عمرو قال سمعت أبا فاتخة سعيد بن علاقة يقول سمعت ابن عباس يقول: «يصوم المجاور المعتكف» .\nفحكى سفيان أن هشيمًا يقوله عن عمرو عن أبي فاتخة أن ابن عباس قال: لا اعتكاف إلا بصوم.\nقال سفيان: «أخطأ هشيم، وهو كما قلت لك» (١) .\nوقال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يذكر حديث عبد الرَّزَّاق عن معمر عن الزُّهري عن أنس أنَّ النَّبي ﷺ أشار في الصَّلاة بأصبعه. قال أبي: اختصر عبد الرَّزَّاق هذه الكلمة من حديث النَّبي ﷺ أنه ضَعُفَ فقدَّم أبا بكرٍ يصلي بالنَّاس فجاء النَّبي ﷺ فذكر الحديث. قال أبي: أخطأ عبد الرَّزَّاق في اختصاره هذه الكلمة لأنَّ عبد الرَّزَّاق اختصر هذه الكلمة وأدخله في باب من كان يشير بأصبعه في التَّشهد وأوهم أنَّ النَّبي ﷺ إنَّما أشار بيده في التشهد وليس كذاك هو ...» (٢) .\nوقال التِّرمذي: «حدثنا محمود بن غَيلان حدثنا عبد الرَّزَّاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث\" (٣) . سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: جاء مثل\n_________\n(١) المعرفة ليعقوب (٣/١١٠) .\n(٢) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٦٠) .\n(٣) أخرجه أحمد (٢/٣٠٩) والترمذي في جامعه (١٥٣٢) وابن ماجة (٢١٠٤) وابن حبان في صحيحه (٤٣٤١) .","vol":"1","page":88},{"text":"هذا من قبل عبد الرَّزَّاق وهو غلط، إنَّما اختصره عبد الرَّزَّاق من حديث مَعْمَر (١) عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ في قصة سليمان بن داود حيث قال: لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأة» (٢) .\nونقل ابن حجر عن شيخه العراقي قوله في شرح التِّرمذيِّ: «بأنَّ الذي جاء به عبد الرَّزَّاق في هذه الرِّواية ليس وافيًا بالمعنى الذي تضمَّنته الرِّواية التي اختصره منها، فإنه لا يلزم من قوله ﷺ لو قال سليمان: إن شاء الله لم يحنث أن يكون الحكم كذلك في حقِّ كل أحد غير سليمان، وشرط الرِّواية بالمعنى عدم التَّخالف، وهنا تخالف بالخصوص والعموم. قلت: وإذا كان مخرج الحديث واحدا فالأصل عدم التعدد ...» (٣) .\nوقال ابن حجر في حديث: «قلت: هذا يوهم أن هؤلاء أرسلوه وليس كذلك، فقد أخرجه الشيخان من رواية حماد بن زيد وسفيان بن عيينة ومسلم من حديث أيوب وابن جريج كلهم عن عمرو بن دينار موصولا، وإنما أراد الدارقطني أن شعبة خالف هؤلاء الجماعة في سياق المتن واختصره، وهم إنما أوردوه على حكاية قصة الداخل، وأمر النبي ﷺ له بصلاة ركعتين والنبي ﷺ يخطب، وهي قصة محتملة للخصوص وسياق شعبة يقتضي العموم في حقِّ كلِّ داخل، فهي مع اختصارها أزيد من روايتهم وليست بشاذة، فقد تابعه على ذلك روح بن القاسم عن عمرو بن دينار» (٤) .\n_________\n(١) أخرج روايته البخاري (٤٩٤٤) ومسلم (١٦٥٤) .\n(٢) العلل الكبير (٢/٦٥٦-ترتيبه) والجامع (١٥٣٢) .\n(٣) فتح الباري (١١/٧٣٧) .\n(٤) هدي الساري (ص٥١٦) .","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>٣) اختلاف المجلس: </span>ومعنى ذلك أن يروى الرَّاوي حديثًا موصولًا - مثلًا في مجلس، ثم يرسله في مجلس آخر، فيرجح الوصل لاختلاف المجلس، ولأنه ثبت أنَّ التَّلميذ لم يهم عليه في الوصل أو الإرسال.\nومن شواهده الحديث السَّابق حيث رواه شعبة وقال: «سمعت الثَّوريَّ يسأل أبا إسحاق ...» فذكره مرسلًا (١) .\nقال التِّرمذي عن رواية من وصله عن أبي إسحاق: «أصحُّ، لأنَّ سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء ...، فإن هؤلاء عندي أشبه، لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد ...» (٢) .\nقال ابن رجب: «والذين وصلوه جماعة، فالظَّاهر أنهم في مجالس متعدِّدة» (٣) .\nوقال ابن حجر: «ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدِّث في مجالس متعدِّدة على ما أخذ عنه عرضًا في محل واحد» (٤) .\nولم أقف على أمثلة واضحة أو صحيحة يمكن الجزم فيها بهذه القرينة.\nوينبغي هنا التنبُّه إلى أمرين اثنين:\n_________\n(١) جامع الترمذي (١١٠٢) .\n(٢) المصدر السابق والكفاية للخطيب (ص٢٥٤) .\n(٣) شرح العلل (١/٤٢٥) .\n(٤) النكت لابن حجر (٢/٦٠٧) .","vol":"1","page":90},{"text":"١. أنه لا تقبل دعوى تعدُّد المجلس - التي يتوصل بها البعض لقبول الزيادات - إلا بدليل. أما فتح باب الاحتمالات فسهلٌ على كل أحد.\nقال ابن حجر مبينًا ذلك: «فإن قيل: إذا كان الرَّاوي ثقة، فلم لا يجوز أن يكون للحديث إسنادين عند شيخه حدَّث بأحدهما مرويًا وبالآخر من رأيه (١) .\nقلنا: هذا التَّجويز لا ننكره، لكن مبنى هذا العلم على غلبة الظَّنِّ وللحفَّاظ طريق معروفة في الرُّجوع إلى القرائن في مثل هذا، وإنما يعوَّل في ذلك على النُّقَّاد المطَّلعين منهم» (٢) .\nوقال أيضًا: «إذا كان مخرج الحديث واحدًا فالأصل عدم التَّعدُّد ...» (٣) .\nقال أيضًا: «فإن أمكن الجمع بالحمل على التَّعدُّد مع بعده وإلا فالصَّحيح الأول» (٤) .\n٢. أنَّ اضَّطراب الرَّاوي وتردُّده في ذكر الزِّيادة - مثلًا - في عدَّة مجالس مما يوجب التَّوقف في صحتها وقبولها منه، لا في ثبوتها عنه. وفرق بين الأمرين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٤) سعة رواية المختلف عليه: </span>ومعنى ذلك أن يُختلف على راوٍ كثير الرِّواية واسع الحفظ - كقَتادة والزهري ونحوهما - على وجهين من قِبَلِ أصحابه الثِّقات، فيقبل الوجهان\n_________\n(١) في الأصل: مرارًا، ولا معنى لها.\n(٢) النكت لابن حجر (٢/٨٧٦) .\n(٣) فتح الباري (١١/٧٣٧) .\n(٤) العجاب (ص٢٧٣) .","vol":"1","page":91},{"text":"عنه لأجل هذا الأمر.\nولا يعني هذا عدم التَّرجيح لأنه هو الأصل كما سبق (١) .\nومن أمثلته ما تقدَّم قبلُ في قرينة الحفظ (٢)، والخلاف في حديث ميمونة -﵂-.\nومن ذلك أيضًا قول ابن حجر: «... الزُّهري صاحب حديث فيكون الحديث عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطَّراده في كل من اختلف عليه في شيخه إلا أن يكون مثل الزُّهري في كثرة الحديث والشُّيوخ» (٣) .\nوقال أبو حاتم: «كان أبو إسحاق واسع الحديث، يحتمل أن يكون سمع من أبي بصير، وسمع من ابن أبي بصير عن أبي بصير، وسمع من العيزار عن أبي بصير ...» . بينما ضعَّف أبو زرعة الوجه الأخير فقط عنه (٤) .\nوقال أبو حاتم أيضًا: «وفي حديث قَتادة مثل ذا كثير، يحدِّث بالحديث عن جماعة ...» (٥) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٥) شذوذ السند:</span>\nومعنى ذلك أن يُروى الحديث بوجه قد عرف أنه خطأ، ولا يصحُّ حديث بهذا الإسناد.\n_________\n(١) ص ٣٤.\n(٢) ص ٣٧.\n(٣) الفتح (١٣/١٨) .\n(٤) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٠٢) .\n(٥) العلل لابن أَبي حاتم (١/٢٣٦) .","vol":"1","page":92},{"text":"ويعرف ذلك بأمرين هما:\n١. الاستقراء، وهو لحفَّاظ الحديث السَّابقين يسير.\n٢. تنصيص علماء الحديث على ذلك.\nومن ذلك قول أبي حاتم: «عكرمة عن أنس ليس له نظام» (١) .\nوقول البَرْديجي عن سلسلة: قَتادة عن الحسن عن أنس: «لا يثبت منها حديث أصلًا من رواية الثِّقات» وقال عن سلسلة: قَتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: «هذه الأحاديث كلها معلولة» وقال ابن المديني عن سلسلة: يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: «لم يصحَّ منها شيء مسند بهذا الإسناد» (٢) .\nكذا نقله عنه البَرْدِيجي مطلقًا ثم خصَّه بإسناد معين، وقد أخرج البخاري في المتابعات في جامعه حديث: «يعقد الشيطان على قافية أحدكم ...» (٣)، من هذا الطريق نفسه!! فلعلَّ ابن المديني أراد الغالب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٦) فقدان الحديث من كتب الراوي: </span>وهذا وروده قليل. ومن أمثلته حديث: «الأئمة من قريش» .\nله عدة طرق منها ما رواه أنس بن مالك ﵁، وجاء بأسانيد\n_________\n(١) العلل لابن أَبي حاتم (١/٢٧٣) .\n(٢) شرح العلل (٢/٧٣٢-٧٣٣) وإكمال مغلطاي (١٢/٣٢٠) .\n(٣) الجامع الصحيح (٣٢٦٩)، وأورد له طريقًا آخر (١١٤٢) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.","vol":"1","page":93},{"text":"منها رواية إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أنس (١) .\nوهذا سند ظاهره الصحة، إلا أن الإمام أحمد أعلَّه بقوله: «ليس هذا في كتب إبراهيم، ولا ينبغي أن يكون له أصل» (٢) .\nوقال أيضًا: «كتب ابن جريج مدونة فيها أحاديثه، من حدَّث عنهم، ثم لقيت عطاء، ثم لقيت فلانًا، فلو كان محفوظًا عنه لكان هذا في كتبه ومراجعاته» (٣) .\nوقال الذهلي معلًا لحديث نواصي الخيل: «لم يكن في أصل عبد الرزاق» (٤) .\nوقال ابن معين معلًا لحديث: «لم يوجد في كتاب الدراوردي، وأخبرني من سمع كتاب العلاء من الدراوردي إنما كانت صحيفة، ليس هذا فيها» (٥) .\nوكان أبو حاتم من أكثر العلماء اهتمامًا بهذه القرينة، فمن ذلك قوله معِلًا: «لو كان صحيحًا لكان في مُصنَّفات ابن أبي عَروبة» (٦) .\nوقال أيضًا: «وكان الوليد [أي ابن مسلم] صنَّف كتاب الصَّلاة، وليس فيه هذا الحديث» (٧) .\n_________\n(١) أخرجه الطَّيالسي (٢١٣٣)، ومن طريقه البزار (١٥٧٨-زوائد) - كلاهما في المسند -.\n(٢) مسائل أَبي داود (ص٢٨٩) .\n(٣) العلل لابن أَبي حاتم (١/٤٠٨) .\n(٤) أجوبة البرذعي (ص٧٤٨) .\n(٥) رواية ابن طهمان (٣٦٢) .\n(٦) العلل لابن أَبي حاتم (١/٣٢) .\n(٧) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٧٠) .","vol":"1","page":94},{"text":"وقال أيضًا: «هذا الحديث ليس هو في كتاب أبي صالح عن الليث، نظرت في أصل الليث، وليس فيه هذا الحديث» (١) .\nوكذلك قال الدَّارقطني: «ولا يثبت هذا الحديث، لأنه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات» (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>٧) مخالفة الراوي لما روى: </span>وليس المراد هنا ما يذكره الأصوليون، بل إن حفَّاظ الحديث قد يعلُّون الحديث المرفوع - من جهة الثبوت لا الدلالة - إذا ورد عن الرَّاوي نفسه ما يدلُّ على وهم الرفع، أو على مخالفته الصريحة، سواء اختلف في رواية الرفع أم لا.\nقال ابن رجب (٣) مبينًا ذلك: «قاعدة: في تضعيف حديث الرَّاوي إذا روى ما يخالف رأيه. قد ضَعَّفَ الإمام أحمد وأكثر الحفَّاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا»، ثم ذكر أمثلة لذلك ومنها: حديث ابن عباس ﵁ أن امرأة رفعت صبيًا للنبي ﷺ وقالت: ألهذا حج؟ قال \" نعم، ولك أجر \". فقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير الاختلاف على إبراهيم ابن عقبة والثوري في وصله وإرساله. ثم قال: «أخشى أن يكون هذا مرسلًا في الأصل ...» ثم ذكر رواية أبي ظبيان وأبي السفر عن ابن عباس قال: «أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج» قال البخاري عَقِبَه: «وهذا المعروف عن ابن عباس» (٤) .\n_________\n(١) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٣٥٣) .\n(٢) العلل (٥/٣٤٦) .\n(٣) شرح العلل (٢/٧٩٦) .\n(٤) التاريخ الكبير (١/١٩٨-١٩٩)، والمرفوع أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٣٦) وغيره.","vol":"1","page":95},{"text":"فرجح البخاري الإرسال للاختلاف فيه، وجعل الموقوف المخالف قرينة على ترجيحه، لا سببًا وحيدًا لذلك.\nومن المعلوم أن الرِّواية مقدَّمة على الرأي المجرَّد إذا ثبتا جميعًا. ولكن الحفَّاظ جعلوا مخالفة الرَّاوي لما روى، قرينةً على وهم الرِّواية لا مُقَدَّمَةً عليها، وفرق بين الأمرين واضح، هذا مع ما قد يحتفُّ بالطُّرق من قرائن أخرى يتبين بها الصَّواب.\nومن الأمثلة على ذلك مما قد تخفى مخالفته، ما رواه مجاهد عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ أكثر من عشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب: «قل يا أيها الكافرون»، و«قل هو الله أحد» (١) .\nقال مسلم معِلًا هذه الرِّواية: «وهذا الخبَرُ وهمٌ عن ابن عمر. والدليل على ذلك الرِّوايات الثابتة عن ابن عمر أنه ذكر ما حفظ عن النَّبي ﷺ من تطوع صلاته بالليل والنهار، فذكر عشر ركعات، ثم قال: «وركعتي الفجر، أخبرتني حفصة ...» قال مسلم: «فكيف سمع منه أكثر من عشرين مرة قراءته فيها؟ ثم يخبر أنه حفظ الركعتين من حفصة عن النَّبي ﷺ» (٢) .\nوبنحو هذا أعلَّ أبو حاتم الرَّازي أَيْضًَا (٣) .\nوكذا أعلَّ البخاري حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من استقاء فقد\n_________\n(١) أخرجه ابن أَبي شيبة في المصنف كتاب الصلاة / باب ما يقرأ فيهما (٢/٥٠) ومسلم في التمييز (ص٢٠٧) .\n(٢) التمييز (ص٢٠٨) .\n(٣) العلل لابن أَبي حاتم (١/١١٨) .","vol":"1","page":96},{"text":"أفطر» (١)، بأنه قد روي عن أبي هريرة أنه كان لا يرى القيء يفطر الصائم (٢) .\nبل ربَّما أعلَّ الحفَّاظ رواية مختلفًا فيها بقرينةِ مخالفةِ التَّابعيِّ لما روى، كما أعلَّ الدَّارقطني حديث أبي هريرة عن النَّبي ﷺ أنه كره السَّدل.\nقال الدَّارقطني: «وروي هذا الحديث عن عطاء عن النَّبي ﷺ مرسلًا. وفي رفعه نظر، لأن ابن جريج روى عن عطاء بن أبي رباح أنه كان يسدل في الصَّلاة» (٣) .\nوقال ابن حجر: «قال الدارقطني في العلل: رواه يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال الدارقطني: وتابعه بقية عن عبيد الله، والصحيح عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى. وقد روى طلق بن حبيب قال: قلت لابن عمر: هل سمعت من النبي ﷺ في الحرير شيئًا؟ قال: لا. قال: فهذا يدلُّ على وهم بقية ويحيى بن سليم في إسناده» (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٨) وجود تفصيل أو قصة في السند أو المتن:</span>\nفمن روى خبرًا مرسلًا - مثلًا - بقصة، فإن روايته مقدَّمة على من ذكر الخبر وحده موصولًا مجردًا من القصة. لأنَّ ذلك دلالة على حفظ الأول.\nقال أحمد: «إذا كان في الحديث قصة دلَّ على أن راوية حفظه» (٥) .\n_________\n(١) التاريخ الكبير (١/٩١-٩٢) .\n(٢) العلل الكبير للترمذي (١/٣٤٣-ترتيبه) .\n(٣) العلل (٨/٣٣٨) .\n(٤) التلخيص (٥١) .\n(٥) هدي الساري (ص٥٢٥) .","vol":"1","page":97},{"text":"قال الخطيب البغدادي: «وقد يُرَجَّح أحد الخبرين بأن يكون مرويًا في تضاعيفه قصة مشهورة متداولة معروفة عند أهل النقل، لأنَّ ما يرويه الواحد مع غيره أقرب في النفس إلى الصحة مما يرويه الواحد عريًا عن قصة مشهورة» (١) .\nومن شواهد اعتبار هذه القرينة في المتن قول ابن أبي حاتم (٢): «سألت أبي عن حديث رواه أشعث بن عبد الملك عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن التبتل، ورواه معاذ بن هشام عن أبيه عن قَتادة عن الحسن عن سمرة أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن التبتل. قلت أيهما أصح؟ قال أبي: قَتادة أحفظ من أشعت، وأحسب الحديثين صحيحين، لأن لسعد بن هشام قصةً في سؤاله عائشة عن ترك النِّكاح يعني التبتل» .\nوقال الدَّارقُطني: «حديث حجاج غير مدفوع، لأنه أتى بالقصة على وجهها، وشعبة اختصرها» (٣) .\nأما في السند فمن ذلك قول ابن حجر مرجحًا لرواية: «وهذا يشعر بأن من قال: عن أبيه عن جده سلك الجادة، وإلا فلو كان عنده عن أبيه عن جده لما احتاج أن يرحل فيه إلى المدينة، ويكتفي فيه بحديث مرسل» (٤) .\nومثل قول ابن حجر هنا قول أبي حاتم: «لو كان عند قيس عن\n_________\n(١) الكفاية (ص٤٧٥) .\n(٢) العلل (١/٤٠٢) .\n(٣) العلل (١١/١٠٤) .\n(٤) الفتح (٩/٤٧٦)، كتاب الطلاق / باب ٩.","vol":"1","page":98},{"text":"المغيرة عن النبي ﷺ، لم يحتج أن يفتقر إلى أن يحدث عن عمر موقوف» (١) .\nومن أمثلة الترجيح بورود تفصيل في رواية دون أخرى قول الدَّارقُطني: «والصحيح قول من فصله» (٢) .\nوقال أيضًا: «وحديثهما أولى بالصواب، لأنهما فصلا ما بين حديث أبي مسعود وغيره» (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٩) التفرد: </span>وهذه القرينة لا تَرِدُ في الاختلاف بين الرُّواة، بل تَرِدُ في الحديث الفرد الواحد الذي لا طرق له أخرى. ومن أكثر الحفَّاظ تعليلًا بها الإمام البخاري، فهو كثيْرًا ما يقول في كتبه: «لا يتابع عليه» (٤) مع عدم ذكر أي اختلاف على الرُّواة.\nوأشدُّ ما يكون ضعفُ ذلك إذا تفرد صدوق أو نحوه عن حافظ كبيْر - كالزُّهري ومالك - له أصحاب كثيرون يحملون حديثه ولا يروون ما روى - ما تتوفر الهمم والدواعي على رواية ما رواه، فإن الحفَّاظ - غالبًا - ما يردُّون هذه الرِّواية ويعلُّونها بالتَّفرد.\nفمن ذلك قول أحمد في حديث: «أصحاب أبي هريرة المعروفون ليس هذا عندهم» (٥) .\n_________\n(١) العلل لابن أبي حاتم (١/١٣٦) .\n(٢) العلل (٥/١٣١) .\n(٣) العلل (٦/١٨٤) .\n(٤) من ذلك في تاريخه الكبير (١/١١٠و١٢٧و١٣٩) .\n(٥) المنتخب من علل الخلال (١٣٧) .","vol":"1","page":99},{"text":"وقال ابن معين: «هذا وهم، لو كان هذا هكذا لحدَّث به الناس جميعًا عن سفيان» (١) .\nومن شواهد ذلك أيضًا قول أبي حاتم في حديث رواه إسماعيل بن رجاء: «أين كان الثوريُّ وشعبة عن هذا الحديث» (٢) .\nوقال أيضًا: «فلو كان هذا الحديث عن الحرِّ كان أول ما يسأل عنه، فأين كان هؤلاء الحفَّاظ عنه» (٣) .\nوقال أيضًا: «ولو كان هذا الحديث عند شعبة كان أول ما يسأل عن هذا الحديث» (٤) .\nومن شواهد الصريحة في ذلك قول أبي حاتم عن حديث رواه قُرَّان بن تمَّام عن أيمن بن نابل ... قال: «لم يروِ هذا الحديث عن أيمن إلا قُرَّان، ولا أراه محفوظًا، أين كان أصحاب أيمن بن نابل عن هذا الحديث» (٥) .\nقال ذلك وأيمن ليس بالمشهور المكثر. فكيف إذا تفرد راوٍ مختلف فيه، عن مثل الزهري وقَتادة ونحوهما من الحفَّاظ المكثرين، فكلام أبي حاتم وغيره فيه من باب أولى.\nوقد يقبل التفرد لسبب آخر.\n_________\n(١) رواية الدوري (١٦٧١) .\n(٢) العلل لابن أَبي حاتم (١/٩٢) .\n(٣) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٣٩٢) .\n(٤) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٤٠١) .\n(٥) العلل لابن أَبي حاتم (١/٢٩٦) .","vol":"1","page":100},{"text":"قال ابن رجب: «مما يستدل به الأئمة كثيرًا على صحة رواية من انفرد بالإسناد، إذا روى الحديث بالإسناد الذي روى به الجماعة» (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>١٠) غرابة المتن: </span>ومعنى هذا أن يكون في لفظ الحديث من الغرابة ما تجعل كونه مرفوعًا بعيدًا، حيث إنَّ حفَّاظ الحديث لكثرة ممارستهم لهذا العلم، تكون لديهم ملكة قوية في فقه المتون وعادة النصوص النبوية لفظًا ومعنىً.\nومن شواهد ذلك حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّما سمِّي البيت العتيق لأنه عتق من الجبابرة» (٢)، أرسله معمر ووصله غيْره، فأعله أبو حاتم الرَّازي بقوله: «حديث معمر عندي أشبه، لأنه لا يحتمل أن يكون عن النَّبي ﷺ مرفوع» (٣) .\nوفي حديث ابن عباس مرفوعًا: «خير الجيوش أربعة آلاف ...» (٤)، قال أبو حاتم: «مرسل أشبه، لا يحتمل هذا الكلام [أن] يكون كلام النَّبي ﷺ» (٥) .\nوقال أيضًا في حديثٍ: «ولا أحسبه إلا وهم، يشبه كلام الزُّهري» (٦) .\n_________\n(١) شرح العلل (٢/٧٢٠) .\n(٢) أخرجه البخاري في الكبير (١/٢٠١) والبزار في مسنده (٢٢١٥) من حديث عبد الله بن الزبير.\n(٣) العلل لابن أَبي حاتم (١/٢٧٥) .\n(٤) أخرجه الترمذي في جامعه (١٥٥٥) وأعله بالإرسال.\n(٥) العلل لابن أَبي حاتم (١/٣٤٧) .\n(٦) العلل لابن أَبي حاتم (١/٣٨٠) .","vol":"1","page":101},{"text":"ومن هذا الباب أن يكون المتن مما يشتهر مثله عند رواة بلده، فيأتي من بلد آخر، فيستغرب من هذه الحيثية، أن كيف لم يروه أهله، وهم أولى به.\nفقد قال قتادة: إن إنسانًا وقع في بئر زمزم، فمات، فأمر ابن عباس بالعيون فسُدَّت، وأن ينزح الماء. قال ابن عيينة عقبه: ولا يعرف أهل مكة هذا الحديث، وإنما جاء من قِبَلِ العراق (١) .\nوهذا المبحث إنما يقدر عليه من عاش مع الحديث وعلله وطرقه وألفاظ رواته السنين الطويلة، مع ملازمة أهل الفهم به، والعكوف عليه، فيصير لديهم ملكة لا يعبر عنها بأمر سوى ما يهجم على قلوبهم ويسبق على ألسنتهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>١١) اختلاف ألفاظ الروايتين: </span>ومن أمثلته الاختلاف على قَتادة - على وجهين - في حديث، فسأل ابن أبي حاتم أباه عن الراجح فقال: «الحديثان عندي صحيحان، لأنَّ ألفاظهما مختلفة» (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>١٢) اضطراب إحدى الروايتين: </span>وأصل ذلك أن الاضِّطراب مما يوهن الرِّواية، وإن لم يستلزم القدح فيها بالكلية.\nفإذا رُوِيَ حديثٌ عن قَتادة - مثلًا - ورواه عنه سعيد بن أبي عَروبة وهشام الدَّسْتَوائي، واختلف على سعيد بن أبي عَروبة، فإن جانب هشام الدَّسْتَوائي هنا أقوى من هذه الحيثية فيقدم لذلك.\n_________\n(١) تاريخ ابن أبي خيثمة (٤٢٤-المكيون) .\n(٢) العلل (٢/٤٤٢) .","vol":"1","page":102},{"text":"وإذا كان الاختلاف عليه قد وصل إلى حدِّ الاضِّطراب؛ فإن روايته مرجوحة قولًا واحدًا كما هو معلوم.\nقال ابن خلاد الباهلي: «سمعت يحيى - وهو ابن سعيد القطَّان - لا يقدِّم على يحيى بن سعيد أحدًا من الحجازيين، فقيل له: الزُّهريُّ؟ فقال: الزُّهريُّ خولف عنه، ويحي لم يختلف عنه» (١) .\nوقال ابن محرز: «وسمعت يحيى - يعني ابن معين - وقيل له: من كان أثبت أصحاب إبراهيم في إبراهيم، وأحبُّهم إليك؟ قال: منصور، فقيل له: فمن بعده؟ فقال: الأعمش، وذلك أنه لم يختلف على منصور» (٢) .\nقال ابن مهدي: «إنَّما يستدلُّ على حفظ المحدِّث إذا لم يختلف عليه الحفَّاظ» (٣) .\nوقال الخطيب عند ذكره لبعض قرائن ترجيح أحد الخبرين: «ومما يوجب ذلك أيضًا، أن يكون سنده عاريًا من الاضِّطراب، وسند الآخر مضطرب، واضطراب السَّند أن يذكر راويه رجالًا فيلبس أسماءهم وأنسابهم ونعوتهم تدليسًا للرواية عنهم ...» (٤) .\nوقال ابن حجر: «فحديث لم يختلف فيه على راويه - أصلًا - أصحُّ من حديث اختلف فيه في الجملة، وإن كان ذلك الاختلاف في نفسه يرجع\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١٤/١٠٥) .\n(٢) رواية ابن محرز (١/١١٩) .\n(٣) الكفاية (ص٤٧٥) .\n(٤) الكفاية (ص٤٧٥) .","vol":"1","page":103},{"text":"إلى أمر لا يستلزم القدح» (١) .\nولذا رجح العلماء رواية على أخرى بحجة أن الراوي روى مثل هذا السند في حديث آخر فوهم فيه.\nأما إذا اضطرب الثقات على راوٍ فيه كلام، فإن إلصاق السبب به أولى.\nقال الدَّارقُطني بعد ذكر خلاف: «والاضطراب فيه من جهة ابن عقيل» (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>١٣) وجود أصل للرواية: </span>ومعنى ذلك أن يختلف على راوٍ في زيادة رجل في سند الحديث أو في ذكر الوجه الذي أتى به، ويكون لذلك الرجل المزِيد أو الوجه الآخر أصل بأن ذكر في روايات أخرى من غير ذلك الطريق، فيكون ذلك قرينة على حفظ الرَّاوي لما ذكر.\nقال أبو حاتم: «أنا إلى حديث الشَّعبي بلا عروة أميل، إذ كان للشَّعبي أصلٌ في المسح» (٣) .\nوقال أبو حاتم في حديث اختلف في ذكر أبي رافع فيه، فاحتج برواية أخرى موقوفة خارجة عن ذلك الخلاف بقوله: «كان حديث أبي رافع ﵁ أشبه، لأن حميد الطويل رواه عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع عن\n_________\n(١) النكت لابن حجر (٢/٨١٠) .\n(٢) العلل (٧/١٩) .\n(٣) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٣) .","vol":"1","page":104},{"text":"أبي موسى ﵁ موقوفًا»، ووافقه أبو زرعة على ذلك (١) .\nوقال أبو حاتم أيضًا: «حديث موسى أشبه، لأن الحديث يروى عن سعيد من طرق شتَّى، ولا يعرف عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النَّبي ﷺ في هذا شيء» (٢) .\nويشبه هذا ترجيح العلماء رواية على أخرى بحجة أن هذا السند قد روي به أحاديث أخرى، لم تصل إلى درجة سلوك الجادة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>١٤) وجود رواية تجمع الوجهين المختلفين: </span>ومعنى ذلك أن يختلف على راوٍ في حديث على وجهين - سواء أمكن التَّرجيح بينهما أم لم يمكن - ونجد رواية أخرى تجمع الوجهين جميعًا عن الشَّيخ نفسه. فتكون هذه قرينة على صحة الوجهين عن ذلك الشَّيخ.\nومن شواهد ذلك قول أبي حاتم: «لولا أن ابن الهاد جمع الحديثين، لكنا نحكم لهؤلاء الذين يروونه» (٣) .\nوقال التِّرمذي: «سألت أبا زرعة عن هذين الحديثين، أيهما أصح؟ حديث أنس أو حديث أبي سعيد؟ فقال: كلاهما صحيح، وقد رواهما عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه الحديثين جميعًا. وسألت محمدًا، فقال مثله» (٤) .\n_________\n(١) العلل لابن أَبي حاتم (١/٢٣٤) .\n(٢) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٣٦٦) .\n(٣) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٣٣و١٩٣) .\n(٤) العلل الكبير (١/٤٠٠-ترتيبه) .","vol":"1","page":105},{"text":"وقال الترمذي أيضًا بعد حديثٍ: «وكلا الوجهين صحيح، لأن إسرائيل جمعهما» (١) .\nوقال ابن خزيمة بعد حديث اختلف فيه على وجهين عن النخعي: «غير مستنكر لإبراهيم النخعي - مع علمه وطول مجالسته أصحاب ابن مسعود - أن يروي خبرًا عن جماعة من أصحاب ابن مسعود» (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>١٥) تصحيح الحفاظ لإحدى الروايات: </span>حيث إنَّ حفَّاظ الحديث السابقين من أعلم النَّاس بعلمهم، فإن تصحيحهم لوجه من أوجه الخلاف يعد قرينة لمن أتى بعدهم على قوة هذا الوجه على غيرهم، حيث إنَّ علمهم بالعلل والخلاف، وقرائن التَّرجيح، تجعل تصحيحهم في أعلى درجات القوة. وهذا يختلف بحسب المصحح ومنهجه، وقوة كتابه الذي اشترط فيه الصحة.\nفليس تصحيح ابن حبَّان والحاكم وغيره كتصحيح ابن المديني والبخاري ومسلم وأمثالهم من الكبار.\nفإذا اختلف على قَتادة مثلًا على وجهين متقاربين في القوَّة، وقد صحَّح البخاري أو مسلم أو غيرهما من الحفَّاظ أحد الوجهين، استدللنا بذلك على صحة هذا الوجه لأن علمهم بالعلة غالب على الظن، ومنهجهم في التَّرجيح من أصح المناهج، فلا عذر بعد ذلك لمن خالفهم إلا عند اختلافهم مع قوة قرينة الوجه الآخر.\n_________\n(١) الجامع (١١٠٥) .\n(٢) التوحيد (١/١٨٣) .","vol":"1","page":106},{"text":"ومن شواهد ذلك قول ابن حجر في حديث أخرجه البخاري بزيادة: «وأغرب الأصيلي فيما حكاه ابن بطال فقال: ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوْزاعي؛ لأن شيبان وغيره رووه عن يحيى بدونها فوجب تغليب رواية الجماعة على الواحدة.\nقال وأما متابعة معمر فليس فيها ذكر العمامة، وهي أيضا مرسلة؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من عمرو. قلت: سماع أبي سلمة من عمرو ممكن، فإنه مات بالمدينة سنة ستين، وأبو سلمة مدني، ولم يوصف بتدليس، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو، وقد روى بكير بن الأشج عن أبي سلمة أنه أرسل جعفر بن عمرو بن أمية إلى أبيه يسأله عن هذا الحديث فرجع إليه فأخبره به، فلا مانع أن يكون أبو سلمة اجتمع بعمرو بعد فسمعه منه، ويقويه توفر دواعيهم على الاجتماع في المسجد النبوي، وقد ذكرنا أن ابن منده أخرجه من طريق معمر بإثبات ذكر العمامة فيه، وعلى تقدير تفرد الأوْزاعي بذكرها لا يستلزم ذلك تخطئته، لأنها تكون زيادة من ثقة حافظ غير منافية لرواية رفقته، فتقبل ولا تكون شاذة، ولا معنى لرد الرِّوايات الصحيحة بهذه التعليلات الواهية» (١) .\nفقول ابن حجر: «بهذه التعليلات الواهية»، يريد بها قرائن التَّرجيح التي يعملها ابن حجر نفسه في كثير من المواضع من شرحه. ولكن لما كانت الرِّواية في الصَّحيح والقرائن مخالفة لما صحَّحه البخاري في الظَّاهر، ردَّ ابن حجر ذلك بقرينة تصحيح البخاري الذي استند على قرائن أخرى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>١٦) تشابه الاسمين: </span>ومعنى ذلك أن يختلف على راوٍ، في تسمية شيخٍ، ويكون اسمهما\n_________\n(١) الفتح (١/٤٠٨) .","vol":"1","page":107},{"text":"متقاربًا، فَيَهِمُ الرَّاوي إلى الأشهر منهما.\nومن أمثلة ذلك قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه يزيد بن عطاء عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع وعطاء عن ابن عمر عن النَّبي ﷺ قال: \"صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خِفت الصبح فأوتر بواحدة\". فقلت: لا نرى أَنَّ هذا خطأ لأنه هذا الحديث رواه جماعة عن عطيَّة ونافعٍ عن ابن عمرَ وليس في شيء من الأخبار ذكر عطاء، ويشبه أن يكون يزيد بن عطاء أراد أن يقول عن عطيَّة، فقال عن عطاء - والله أعلم -» (١) .\nوقال أبو حاتم: «فلعله قاله: عن عبد الله بن مسعود، فظنَّ أنه يقول: عن عبد الله بن غافل» (٢) .\nوقال أبو زرعة: «أما القلب، فقوله عن أبي بردة، أراد ابن بريدة» (٣) .\nوقال الدَّارقطني في حديث: «... وإنَّما الصَّواب: شعبة عن بيان، فوهم ابن سيف في بيان فجعله سيار ...» (٤) .\nومن الأوهام في تعيين الرَّاوي بسبب الاتفاق في الاسم ما رواه أبو سلمة التَّبوذكيُّ قال: حدثنا أبان قال حدثنا شدَّاد بن عبد الله بن الهاد ... فقال أبو حاتم: «كذا قال أبو سلمة: ابن الهاد، وهو خطأ، هو عندي شدَّاد أبو عمَّار» (٥) .\n_________\n(١) العلل (١/٩٨) .\n(٢) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٢٣١) .\n(٣) العلل (٢/٢٤) .\n(٤) سؤالات حمزة السهمي للدارقطني (٣٤) .\n(٥) العلل لابن أَبي حاتم (١/٣٥٧) .","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>١٧) رواية أهل المدينة: </span>والمراد بذلك أن يخالف أهل المدينة غيرهم في حديث - وإن اختلف مخرجه. فيرجح جانبهم لأنَّ علم الحديث نبع من تلك الأرض وأهلها، فجانبهم عند الاختلاف أقوى.\nومن شواهد ذلك الاختلاف في ذكر عمَّار وبلالٍ في حديثٍ، فأهل الكوفة ذكروا عمارًا مسندًا، وأهل المدينة ذكروا بلالًا بروايةٍ مرسلةٍ. فرجَّح أبو زرعة بينهم بأمرٍ جديدٍ فقال: «رواه المدنيون على أنه بلال، وهم أعلم، وإن كان روايتهم مرسلًا، فلولا أنهم سمعوه من أَصحاب النَّبي ﷺ ما كانوا يقولونه» (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>١٨) احتمال التدليس ممن وصف به: </span>فإذا اختلف على راوٍ - رُمِيَ بالتدليس - بزيادة بينه وبين شيخه، وكانت القرائن متقاربة، فإن القول بالزيادة في السند محتمل، لاحتمال التدليس من ذلك الراوي، فيكون أسقطه مرة.\nقال الدَّارقُطني وسئل عن حديث الخوارج فقال: «وروى هذا الحديث أبو إسحاق السبيعي واختلف عنه.\nفرواه إسرائيل عن أبي إسحاق عن سويد بن غفلة عن علي.\nورواه سعاد بن سليمان عن أبي إسحاق عن قيس بن سويد عن علي ووهم.\n_________\n(١) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٠٠) .","vol":"1","page":109},{"text":"ورواه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق فضبطه عن أبي إسحاق فقال عن أبي قيس الأودي عن سويد بن غفلة عن علي. وهو الصواب» (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>١٩) التصريح بالسماع: </span>فإذا روى راوٍ بزيادة في السند، وأسقطها آخر مع التصريح عن الشيخ الأعلى، أو صرح عن شيخ آخر، كان ذلك قرينة على صحة هذه الرواية - مالم تعارض بأقوى -، ويقوى ذلك إذا كان المسقط مدلسًا قد عنعن.\nقال ابن حجر في ذكر خلاف على سالم: «وليس لجرير بن زيد في البخاري سوى هذا الحديث، وقد خالف فيه الزهري، فقال عن سالم عن أبي هريرة والزهري يقول عن سالم عن أبيه. لكن قَوِيَ عند البخاري أنه عن سالم عن أبيه وعن أبي هريرة معًا، لشدة إتقان الزهري ومعرفته بحديث سالم، ولقول جرير بن زيد في روايته: كنت مع سالم على باب داره فقال: سمعت أبا هريرة، فإنها قرينة في أنه حفظ ذلك» (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>تعارض القرائن:</span>\nوللتَّرجيح قرائن خاصة أخرى يمكن استنباطها من تعليلات الحفَّاظ، والنظر في سياق كلامهم، واستخراج أسباب ترجيحهم رواية على أخرى، مع التَّنبُّه إلى أنَّه قد تقدَّم قرينةٌ على أخرى لأسبابٍ تظهر من كل حديثٍ بعينه.\nومن الأمثلة على اختلاف الحفاظ في الترجيح بسبب الاختلاف في تقديم القرائن قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه\n_________\n(١) العلل (٣/٢٢٩) .\n(٢) الفتح (١٠/٣٢٢)، حديث (٥٧٩٠) .","vol":"1","page":110},{"text":"الثوري عن الزبير ابن عدي عن أبي رزين عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في المعوذتين.\nقال أبو زرعة: ورواه عنبسة بن سعيد قاضي الري عن عمرو بن أبي قيس عن الزبير بن عدي عن أبي رزين عن حذيفة عن النبي ﷺ. قال أبو زرعة: حديث عنبسة وعمرو أشبه عندي إذا اتفق عليه النفسان، وهما الرواة عن الزبير، وأخاف أن يكون اشتبه على الثوري عاصم عن زر، ولعله من الزبير.\nقال أبي: حديث الثوري أصح عن أُبيّ، وهو أحفظهم وأعلى من هؤلاء بدرجات والحديث بأُبي أشبه إذْ كان قد رواه عاصم عن زر عن أبي عن النبي ﷺ وليس لحذيفة عن النبي ﷺ في المعوذتين معنى» (١) .\nفاختلافا في قرينة الترجيح، فبينما اعتمد أبو زرعة على العدد والاختصاص، اعتمد أبو حاتم على الحفظ والمتابعة القاصرة.\nومما سبق يتبين إجمالًا إنه ينبغي في الترجيح بين الرواة الثقات عند خفاء القرائن العامة النظرُ في تراجمهم لاستنباط قرائن خاصة دقيقة تساعد على الحكم بدقة، كما لو كان الراوي معروفًا بقصر الأسانيد، أو وقفها، كما هو مذهب بعض السلف، وصرَّح به أحمد بن حنبل فقال: «وقد كان مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه» (٢) .\nوقال الدَّارقُطني إنَّ ابن سيرين وابن عون ومالك ربما أوقفوا المرفوع أو أرسلوا الموصول (٣) .\n_________\n(١) العلل (٢/٥٤-٥٥) .\n(٢) رواية المروذي (٧٨) وشرح العلل (٢/٦٨٩) .\n(٣) علل الدَّارقُطني (١٠/١٤و٢٣و٦/٦٣) .","vol":"1","page":111},{"text":"ويمكن للناظر في هذه القرائن أن يقسمها إلى ما يلي:\nأ/ باعتبار القرب والبعد، قسمان:\n١ - قرائن داخلية: تعرف من الرِّوايات التي تذكر مع العلة، فيُرجَّح بينها من خلال ذلك دون حاجة - أحيانًا - إلى تتبع الطُّرق وجمعها، ومن أمثلتها قرينة البلد والاختصاص.\n٢ - قرائن خارجية: قد يتعذر الحكم على الحديث بدونها، ومن أمثلتها قرينة العدد والاختلاف على الرَّاوي ونحو ذلك.\nب/كما أنها باعتبار الظهور والخفاء قسمان آخران:\n١ - قرائن ظاهرة: كالقرائن العامة.\n٢ - قرائن خفية: كالرواية عن أهل بلده.\nج/ وباعتبار التنصيص، قسمان:\n١ - قرائن نص العلماء على عليها، كقولهم: «فلان أحفظ».\n٢ - قرائن مسكوت عنها، تعلم بالقياس والاستنباط.\nوالأمثلة على القرائن السابقة من كلام أهل العلم على الأحاديث كثيرة جدًا، ولعل فيما ذُكر كفاية في الدلالة على أصل كل مسألة، والله أعلم.\nوصلى الله على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>عِلَلُ أَلْفَاظِ حَدِيثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ ﵁ في المَسْحِ </span>(*)\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>أما بعد:</span>\nفإن الله ﵎ من رحمته وفضله أن بيَّن للناس ما يحتاجون إليه من أمور دينهم أتمَّ البيان، وأكمله، فأرسل رسله وأنزل كتبه، حجة للعالمين.\nوكان من الأمور التي بيَّنها الله - تعالى- لعباده المؤمنين، أحكام الطهارة، فذكرها -سبحانه- في آيات من كتابه، وفصَّلها رسوله ﷺ في جملة من أحاديثه.\nومن أهم مسائل الطهارة التي بيَّنها ﷺ: المسح على الخفين. وصار من أهميتها أنْ ذكرها العلماء في كتب العقيدة؛ ردًا على من أنكر ما جاءت به السُّنة من جواز المسح.\nفهذا سهل بن عبد الله التستري - ﵀ - قيل له: متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ فذكر أمورًا عدة منها ألا يترك المسح على الخفين (١).\nوقال أبو عصمة: «سألت أبا حنيفة: مَن أهل الجماعة؟ قال: من فضَّل أبا بكر وعمر وأحبَّ عليًا وعثمان ﵄، وآمن بالقدر خيره وشره من الله، ومسح على الخفين، ولم يُكَفِّرُ مؤمنًا بذنب، ولم يتكلم في الله بشيء» (٢).\nوقال أبو الحسن الأشعري -﵀-: «واختلفوا في المسح على الخفين، فقال: أكثر أهل الإسلام بالمسح على الخفين، وأنكر المسح على الخفين الروافض والخوارج» (٣).\nوقال أيضًا: «ويثبتون المسح على الخفين سنة ويرونه في الحضر والسفر» (٤) ومن أشهر الأحاديث الثابتة في شأن هذه السُّنة، حديث المغيرة بن شعبة ﵁، حيث ذكر فيه بعض ما لم يروه غيره من الصحابة ﵁.\n_________\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا المبحث ليس في المطبوع\n\n(١) أخرجه اللالكائي في السنة (٣٢٤).\n(٢) أخرجه البيهقي في الاعتقاد (ص ١٦٣).\n(٣) مقالات الإسلاميين (٢/ ١٦١).\n(٤) المقالات (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":null},{"text":"قال عبد الرحمن بن مهدي: «عندي ١٣ حديثًا عن المغيرة في المسح» (١).\nوقال ابن المديني: «حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة» (٢).\nوقال أبو نعيم بعد أن سرد ٢٣ تابعيًا: «رووا عن المغيرة عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، منهم من ساق القصة، ومنهم من اقتصر على المسح على الخفين والجوربين» (٣).\nوقال ابن عبد البر بعد سرد بعض طرقه: «وكلهم يصف ضيق الجبة ويصف إمامة عبد الرحمن بن عوف، والقصة على وجهها بألفاظ متقاربة ومعنى واحد، إلا قليلًا منهم ممن اختصر القصة، وقصد إلى الحكم في المسح على الخفين وعلى الناصية» (٤).\nولأهمية هذا الحديث، قمت بجمع طرقه عن المغيرة ﵁ - من كتب الحديث والسنة - التي ذكر فيها المسح، فأربى عدد رواته على الأربعين راويًا.\nأخرج الشيخان عن ثلاث من رواته فحسب، وهم:\n١.عروة بن المغيرة (٥).\n٢. مسروق (٦).\n٣. الأسود بن هلال (٧).\nولفظ الحديث المشهور الذي رواه الثقات وخرجه أصحاب الكتب السبعة وغيرهم، يدور على \"أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ\".\n_________\n(١) المعجم للإسماعيلي (٢/ ٧٠٣)، ويعني بالحديث الطريق والسند.\n(٢) الكبرى للبيهقي (١/ ٢٨٤).\n(٣) معرفة الصحابة (٦٢٢٩).\n(٤) التمهيد (١١/ ١٣٠).\n(٥) البخاري (١٨٢ و٢٠٣) ومسلم.\n(٦) البخاري (٣٦٣) ومسلم (٢٧٣).\n(٧) مسلم (٢٧٤).","vol":"1","page":null},{"text":"وزاد بعض الرُّواة عن المغيرة القصَّة كاملة، يقول فيه المغيرة ﵁: «تخلَّف رسول الله ﷺ وتخلَّفت معه، فلما قضى حاجته قال:\" أمعك ماء \"؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفَّيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كمُّ الجبَّة، فأخرج يده من تحت الجبَّة وألقى الجبَّة على منكبيه، وغسل ذراعيه، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه، ثم ركب وركبت، فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصَّلاة، يصلِّي بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة، فلما أحسَّ بالنبي ﷺ ذهب يتأخَّر، فأومأ إليه، فصلَّى بهم، فلما سلَّم قام النَّبي ﷺ وقمت، فركعنا الرَّكعة التي سبقتنا».\nفزاد فيه أيضًا المسح على العمامة والرأس، وهي رواية جماعة أيضًا عن المغيرة في الصحيح.\nومن الرواة من ذكر قصة عبد الرحمن بن عوف ولم يذكر المسح فيه (١).\nواقتصرت في هذا البحث على الألفاظ الخارجة عن رواية الجماعة سواء كانت في الصحيحين أم لا.\nوفي البدءِ أذكر<span data-type=\"title\" id=toc-40> ترجمة موجزة لراوي الحديث: </span>المغيرة بن شعبة ﵁.\nقال ابن سعد عنه: «المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، ويُكْنَى أبا عبد الله، وأول مشاهده الحديبية، وولَّاه عمر بن الخطاب البصرة، ثم عزله عنها، وولَّاه بعد ذلك الكوفة، فَقُتِلَ عمر وهو على الكوفة، فعزله عثمان بن عفان عنها، وولاها سعد بن أبي وقاص، فلما ولي معاويةُ ولَّى المغيرةَ بن شعبة الكوفة، فمات بها» (٢).\nوقال أيضًا: «كان يقال له مغيرة الرأي، وكان داهية لا يشتجر في صدره أمران إلا وجد في أحدهما مخرجًا» (٣).\n_________\n(١) كما وقع في رواية عند الدارمي (١٤٥١).\n(٢) الطبقات الكبرى (٦/ ٢٠).\n(٣) الطبقات الكبرى (٤/ ٢٨٤).","vol":"1","page":null},{"text":"وقال ابن جرير: «كان ضخم القامة عبل الذراعين بعيد ما بين المنكبين أصهب (١) الشعر جعده، وكان لا يفرقه. أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها وبيعة الرضوان، وله فيها ذكر، وحدَّث عن النبي ﷺ، روى عنه أولاده: عروة وعقار وحمزة، ومن الصحابة: المسور بن مخرمة، ومن المخضرمين فمن بعدهم: قيس بن أبي حازم، ومسروق، وقبيصة بن ذؤيب، ونافع بن جبير، وبكر بن عبد الله المزني، والأسود بن هلال، وزياد بن علاقة، وآخرون» (٢).\nونقل الخطيب الإجماع على أنه مات بالكوفة سنة خمسين (٣).\nوقال ابن حِبَان: «له سبعون سنة، وكان من دهاة قريش» (٤) أ. هـ.\nروى المغيرة ﵁ حديث المسح على الخفين عن رسول ﷺ، ورواه عنه جماعة، ولبعضهم ألفاظ وزيادات على البعض.\nوهذا<span data-type=\"title\" id=toc-41> بيان لتلك الألفاظ، وطرقها وتخريجها وبيان عللها</span>، سالكًا فيه طريق الإيجاز والاختصار مع تمام البيان للمراد، مجانبًا للتطويل والحواشي غير المهمة، ساكتًا فيه عن حال الرواة الثقات الذين ترجم لهم المزي وابن حجر في التهذيبين.\nاللفظة الأولى: عن ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة ﵁:\" أنَّ رسول الله ﷺ مسح أعلى الخفِّ وأسفله\".\nكذا رواه جماعة عن ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن ورَّاد به، منهم:\n١. الوليد بن مسلم - أخرجه أحمد (٤/ ٢٥١)، والبخاري في الأوسط (٩٨٠) - تعليقًا -، والترمذي (٩٧)، وابن ماجة (٥٥٠)، وابن الجارود (٨٤)، وأبو داود (١٦٧)، وقال: «بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء».\n_________\n(١) حمرة في سواد - أساس البلاغة (ص ٢٦٠) \"صهب\"، والعبل: الضخم من كل شيء - لسان.\n(٢) الإصابة (٦/ ١٩٨).\n(٣) تاريخ بغداد (١/ ١٩١).\n(٤) المشاهير (٢٦٩).","vol":"1","page":null},{"text":"قال الترمذي في جامعه وفي العلل الكبير (١/ ١٨٠): «هذا حديث معلول»، ونقل عن البخاري وأبي زرعة قولهما: \"ليس بصحيح، لأنَّ ابن المبارك روى هذا الحديث عن ثور قال: حُدِّثت عن رجاء عن كاتب المغيرة مرسل عن النبي ﷺ، ولم يذكر فيه \"المغيرة\".\nوقال أحمد: «لم يسمع ثور من رجاء» - التمهيد (١/ ١٤) والتنقيح (١/ ١٩٤).\nوأعلَّ ابن حجر في التلخيص (٢١٩) رواية من صرَّح فيه بالتحديث.\nوقال أبو حاتم: «ليس بمحفوظ، وسائر الأحاديث عن المغيرة أصح» - العلل لابنه (١٣٥).\nوكذا وصفه أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (٧٨) والعلل الكبير (١/ ١٨٠).\nوقال أحمد أيضًا: «لا أرى الحديث يثبت» - تاريخ بغداد (٢/ ١٣٥).\nوضعَّفه أيضًا ابن القيم في حاشيته على تهذيب السنن (١/ ٢٨٤)، ونقله عن الشافعي أيضًا، ثم قال: «الأحاديث الصحيحة كلُّها تخالفه»، فهذا السند ضعيف.\n٢. عتبة بن السكن - أخرجه تمام في فوائده (١/ ٢٣٩) مرسلًا، بإسقاط المغيرة ﵁.\nوعتبة قال عنه الدارقطني: متروك، وضعفه البزار، وابن حبان، والبيهقي - اللسان (٤/ ١٥٢) - فالسند ضعيف.\n٣. محمد بن عيسى بن سُميع، أشار إليه الدارقطني في علله (٧/ ١٠٩)، ومحمد صدوق - التهذيب (٣/ ٦٧٠) - ولم أجد من وصله، وتفرُّد ابنِ سُميع لا يحتمل هنا.\n٤. عبد الله بن المبارك، رواه عن ثور لكنه قال: حُدِّثت عن رجاء عن كاتب المغيرة مرسلًا - ذكره البخاري في الأوسط (٩٨٠)، والترمذي في جامعه (٩٧)، والدارقطني في علله (٧/ ١١٠)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٢٩٠)، والخطيب في تاريخه (٢/ ١٣٥).\nوهذا الوجه احتج به البخاري وأبو زرعة على تضعيف رواية الوليد الموصولة -كما سبق-.\nوقال الدارقطني في علله (٧/ ١١١): «وحديث رجاء بن حيوة الذي فيه ذكر أعلى الخف وأسفله لا يثبت، لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلًا».","vol":"1","page":null},{"text":"وحكى أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه سُئِلَ عن حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أنَّ النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله، فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك أنه قال عن ثور: حُدِّثتُ عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة وليس فيه المغيرة، قال أحمد: وأما الوليد فزاد فيه عن المغيرة وجعله: ثور عن رجاء ولم يسمعه ثور من رجاء لأن ابن المبارك قال فيه عن ثور: حدثت عن رجاء» - التمهيد (١/ ١٤)، وتاريخ بغداد (٢/ ١٣٥).\nقال ابن القيم: «فهذا حديث قد ضَعَّفَهُ الأئمة الكبار -البخاري، وأبو زرعة، والترمذي، وأبو داود، والشافعي- ومن المتأخرين أبو محمد ابن حزم، وهو الصواب؛ لأن الأحاديث الصحيحة كلها تخالفه» - حاشية تهذيب السنن (١/ ١٩٣).\nاللفظة الثانية: قال أحمد في مسنده (٤/ ٢٥٤): «ثنا أبو المغيرة ثنا مُعان بن رفاعة حدثني علي بن يزيد عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: دعاني رسول الله ﷺ بماء فأتيت خباءً فإذا فيه امرأة أعرابية قال: فقلت: إنَّ هذا رسول الله ﷺ وهو يريد ماء يتوضأ، فهل عندك من ماء؟ قالت: بأبي وأمي رسول الله ﷺ، فوالله ما تظلُّ السماء ولا تقلُّ الأرض رُوحا أحبَّ إليَّ من روحه، ولا أعزَّ، ولكن هذه القربة مسك ميتة، ولا أحبُّ أن أنجس به رسول الله ﷺ، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال:\" ارجع إليها فإن كانت دبغتها فهي طهورها \"، قال: فرجعت إليها فذكرت ذلك لها، فقالت: أي والله، لقد دبغتها، فأتيته بماء منها وعليه يومئذ جبة شامية وعليه خفان وخمار، قال: فأدخل يديه من تحت الجبة - قال: من ضيق كميها - قال: فتوضأ فمسح على الخمار والخفين».","vol":"1","page":null},{"text":"وهذا اللفظ بطوله منكر، مخالف لكلِّ الروايات عن المغيرة ﵁.\nفعلي بن زيد هو الألهاني ضعيف - التقريب (٤٨١٧).\nومُعان مختلف فيه، فقد ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، وابن حبان، وابن عدي، والجوزجاني، ويعقوب، والأزدي، وقال عنه أحمد، وأبو داود، ومحمد بن عوف: لا بأس به، ووثقه ابن المديني، ودحيم - التهذيب (٤/ ١٠٤).\nفالرجل إلى الضعف أقرب لكثرة من قال بذلك.\nاللفظة الثالثة: زيادة: \"هكذا أمرني ربي ﷿\"، وجاءت من طريقين:\nأ- الطريق الأولى: روى جماعة عن بكير بن عمر البجلي عن عبد الرحمن بن أبي نُعم عن المغيرة بن شعبة: أنَّ رسول الله ﷺ مسح على الخفين، فقلت: يارسول الله، نسيت؟ قال:\" بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي ﷿ \".- أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٦ و٢٥٣)، وأبو داود، (١٥٧)، والعقيلي (١/ ١٥٣)، وابن عدي (٢/ ٢٠٢ و٢٠٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٧٠) - وصححه -، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٣٥)، والخطيب في جامعه (١١٤٧).\nوهذا اللفظ شاذ من هذا الوجه فبكير ضعيف - التقريب (٧٥٩).\nوقد خالف الجماعة عن بكير راوٍ آخر هو: منديل، حيث قال عن بكير عن الشعبي عن عروة عن المغيرة بالزيادة - أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٧٤)، ومندل ضعيف - التقريب (٦٩٣١)، وقد اضطرب فرواه مرةً أخرى كرواية الجماعة عند الطبراني (٢٠/ ٤١٧).\nب- الطريق الثانية: قال ابن عدي في الكامل (٦/ ١٩٦): حدثنا الحسن بن الحباب المقري قال ثنا الربيع بن ثعلب قال ثنا عمرو بن جميع الحلواني عن الأعمش عن أبي ظبيان عن المغيرة بن شعبة قال: «توضأ رسول الله ﷺ فمسح، فقلت: نسيت يا رسول الله؟ فقال: \" بل أنت نسيت، هكذا أمرني ربي ﷿\"».\nوهذا سند واهٍ، فعمرو بن جميع: متروك - اللسان (٤/ ٤١١).","vol":"1","page":null},{"text":"وقد خالفه في إسناده ومتنه جماعة، رووه عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن المغيرة ﵁، ولم يذكروا فيه \" أمرني ربي \" - أخرجه البخاري (٣٦٣ و٣٨٨ و٢٩١٨ و٥٧٩٨)، ومسلم (٢٧٣). فذكر النسيان لا يصح أصلًا، وقوله: \" أمرني ربي \" لا تثبت في هذا الحديث، وإن كان معناه صحيحًا.\nاللفظة الرابعة: ذكر التوقيت، وجاءت من طريقين:\nأ - الطريق الأولى: رواه عمر بن رُدَيح عن عطاء بن أبي ميمونة عن أبي بردة عن المغيرة قال: «آخر غزاة غزونا مع رسول الله ﷺ أمرنا أن نمسح على خفافنا للمسافر: ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم: يوم وليلة، ما لم يخلع» - أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٤١٨)، والبيهقي (١/ ٢٩٠).\nوقوله: \" ما لم يخلع \" منكر، لم يأت له شاهد بخلاف أوله، فله شواهد صحيحة عن غير المغيرة ﵁.\nوعمر مختلف فيه.\nفقال ابن معين: صالح الحديث، وذكره ابن شاهين في الثقات وقال ابن حبان: مستقيم الحديث، بينما ضعفه أبو حاتم، وقال عنه ابن عدي: يخالف الثقات في بعض ما يرويه -اللسان (٤/ ٣٠٦).\nوقال البيهقي عقبه: «تفرد به عمر بن رُدَيح وليس بالقوي».\nفذكر التوقيت عن المغيرة ﵁ شاذ، لعدم ذكره في بقية الروايات عنه.\nب - الطريق الثانية: قال أسلم في تاريخ واسط (ص ٢٤٢): حدثنا الحسين بن المبارك قال: ثنا عبد الله بن رجاء عن عمر بن أبي زائدة عن ابن أبي السفر عن الشعبي عن عقَّار بن المغيرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ في المسح على الخفين: «للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن».\nوهذا اللفظ بهذا السند شاذ أيضًا، فقد روى مسلم في صحيحه (٢٧٤) الحديث عن إسحاق بن منصور عن عمر ... به، بدون ذكر التوقيت بل فيه: أنه وضَّأ النبي ﷺ فتوضأ، ومسح على خفيه، فقال: إني أدخلتهما طاهرتين.","vol":"1","page":null},{"text":"وأخرجه أيضًا الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٧) قال: حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا عبد الله بن رجاء ... به مطولًا، وليس فيه ذكر التوقيت، لكنه ثبت في أحاديث متواترة عن غير المغيرة ﵁.\nاللفظة الخامسة: زيادة \" ثم لم أمش حافيا بعد \".\nقال أحمد في مسنده (٤/ ٢٤٦) ثنا عبدة بن سليمان أبو محمد الكلابي ثنا مجالد عن الشعبي عن المغيرة بن شعبة قال: وضَّأت النبي ﷺ في سفر فغسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه ومسح على خفيه، فقلت: يا رسول الله، ألا أنزع خفيك؟ قال:\" لا إني أدخلتهما وهما طاهرتان، ثم لم أمش حافيا بعد \". ثم صلى صلاة الصبح».\nوهذه الزيادة لا تصح، لأن مجالدًا خالف كلَّ من روى الحديث عن الشعبي في السند والمتن، منهم:\nأ/ زكريا - أخرجه البخاري (٢٠٦) ومسلم (٢٧٤).\nب/ عمر بن أبي زائدة - أخرجه مسلم (٢٧٤).\nج/ عبد الله بن عون - أخرجه النسائي (٨٢).\nد/ يونس - أخرجه أبو داود (١٥١).\nكلهم رووه عن الشعبي عن عروة عن أبيه المغيرة، فزادوا في السند لا المتن.\nومجالد ضعيف الحديث - التهذيب (٤/ ٢٤)، فهذه اللفظة لا تصح.\nاللفظة السادسة: زيادة \"الجوربين والنعلين\"، وجاءت من طريقين:\n١ - الطريق الأولى: قال الإسماعيلي في معجمه (٢/ ٧٠٣): حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن مرداس الواسطي أبو بكر - من حفظه إملاءً - قال: سمعت أحمد بن سنان يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: عندي عن المغيرة بن شعبة ثلاثة عشر حديثًا في المسح على الخفين، فقال أحمد الدورقي: حدثنا يزيد بن هارون عن داود بن أبي هند عن أبي العالية عن فضالة بن عمرو الزهراني عن المغيرة بن شعبة \"أنَّ النَّبي ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين\". قال: فلم يكن عنده فاغتمَّ».\nوهذا سند حسن رجاله ثقات عدا فضالة، حيث سكت عنه البخاري في الكبير (٧/ ١٢٤) وقال: فضالة بن عمير الزهراني، وقيل ابن عبيد.","vol":"1","page":null},{"text":"وكذا قال ابن أبي حاتم في الجرح (٧/ ٧٧)، وزاد: بصري.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢٩٦)، وقال العجلي: «بصري تابعي ثقة» - الثقات (١٤٧٨).\nلكن اللفظة معلة بأمور منها:\nأ. المخالفة لبقية مَنْ رواه عن المغيرة ﵁ بدونها.\nب. أنَّ الطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٢٥) روى الحديث، فذكر الرأس والخفين، ولم يذكر الجوربين.\nج. أنَّ الحديث جاء في المذاكرة بين المحدِّثين، وقد قال ابن حبان: «ولقد كنا نجالسهم - أي حفاظ الحديث - برهة من دهرنا على المذاكرة، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة يشيرون إليها» - شرح العلل لابن رجب (١/ ١٥١).\nد. أن مخرج الحديث الإسماعيلي متأخر توفي سنة ٣٧١ هـ، فأين السابقون من سلف الأمة عن هذا الحديث - لو صح -؟\nوما كان هذا حاله فلا سبيل للاحتجاج به.\n٢ - الطريق الثانية:\nرواها أبو قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة ﵁ - أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٢)، والترمذي (٩٩) - وصححه -، وأبو داود (١٦٠)، وابن ماجة (٥٥٩)، والنسائي في الكبرى (١٣٠)، وابن حبان (١٣٣٨ - إحسان)، وابن خزيمة (١٩٨)، وغيرهم، من طرق عن الثوري عن أبي قيس به بلفظ: «توضَّأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين».\nوهذا سند علته في أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان الأودي.\nقال عنه أبو حاتم: ليس بقوي، ليس بحافظ، قليل الحديث. وحرَّك أحمد يده في أمره عندما سئل عنه وقال: هو كذا وكذا، وذكره العقيلي في الضعفاء بسبب حديثه هذا، ووثقه ابن نمير وابن حبان والدارقطني - التهذيب (٢/ ٤٩٥).\nوهذا اللفظ من هذا الطريق شاذ أيضًا لمخالفته كلَّ الطرق الصحيحة عن المغيرة ﵁.\nقال عبد الرحمن بن مهدي: «قلت لسفيان الثوري: لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعيف، أو واهٍ، أو كلمة نحوها».","vol":"1","page":null},{"text":"وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: «حدثت أبي بهذا الحديث، فقال أبي: ليس يروي هذا إلا من حديث أبي قيس. قال أبي: إنَّ عبد الرحمن بن مهدي أبَى أنْ يحدِّث به يقول: هو منكر».\nوقال علي بن المديني: «حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا أنه قال: ومسح على الجوربين وخالف الناس».\nوقال مسلم: «أبو قيس الأودي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هذا، مع مخالفتهما الأجلة، الذين رووا هذا الخير عن المغيرة، فقال: مسح على الخفين» - الكبرى للبيهقي (١/ ٢٨٤).\nوقال أيضًا: «والحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه أولى منه بهذيل لأنَّ أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارًا غير هذا الخبر ...» - التمييز (ص ٢٠٣).\nونقل البخاري عن القطان استنكاره لهذا الحديث - التاريخ الكبير (٣/ ١٣٧).\nقال أبو داود: «كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين» - السنن (١٦٠).\nوقال النسائي: «ما نعلم أن أحدًا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين» - السنن الكبرى (٢/ ٩).\nوقال العقيلي عقبه: «الرواية في الجوربين فيها لين» - الضعفاء (٢/ ٣٢٧).\nوقال الدارقطني: «لم يروه غير أبي قيس، وهو مما يغمز عليه به، لأن المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين» - العلل (٧/ ١١٢).\nوعن حكم المسح على الجوربين قال ابن المنذر: روى المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي ﷺ: علي، وعمار، وأبي مسعود الأنصاري، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وزاد أبو داود، وأبو أمامة، وعمرو بن حريث، وعمر، وابن عباس ﵃».","vol":"1","page":null},{"text":"قال ابن القيم عقبه: «فهؤلاء ثلاثة عشر صحابيًا، والعمدة في الجواز على هؤلاء ﵃ لا على حديث أبي قيس» - حاشية تهذيب السنن (١/ ١٨٧).\nاللفظة السابعة: رواها أبو عامر الخزاز عن الحسن عن المغيرة بن شعبة قال: «رأيت رسول الله ﷺ بال ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين».\nأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ١٧٠)، وفي مسنده (١١١ - المطالب)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٢٩٢).\nوهذا سند لا يصح لأمور منها:\nأ. أن الحسن لم يسمع من المغيرة أصلًا.\nقال الحربي في علله: «أحسب لو كان الحسن معه في بلد سمع منه» - الإكمال لمغلطاي (٤/ ٨٦).\nوقال الدارقطني بعد هذا الحديث: «لم يسمع الحسن هذا من المغيرة» - العلل (٧/ ١٠٦).\nوقال الذهبي: «لم يسمع من المغيرة» - السير (١/ ٨٠).\nب. أنَّ أبا عامر صالح الخزاز قال فيه ابن حجر عقب حديثه هذا: «صالح بن رستم فيه ضعف، والحسن لم يسمع - عندي - من المغيرة» - المطالب (١١١).\nج. أن قتادة - وهو أثبت أصحاب الحسن-، رواه عنه بدون ذكر المسح أصلًا، بل بذكر أصل القصة - أخرجه عنه أبو داود في سننه (١٥٣).\nوهذه الرواية تفردت بذكر تفصيل كيفية مسحه ﷺ. أما قوله \"مسحة واحدة\" فصحيحة المعنى، حيث لم ينقل عن النبي ﷺ تكرار المسح على الخفين، والأصل عدمه.\nاللفظة الثامنة: قال الطيالسي في مسنده (٧٢٧): حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن المغيرة عن المغيرة بن شعبة ﵁: أن النبي ﷺ مسح ظاهر خفيه».\nوهذا سند علته أنَّ الطيالسي جعل عروة فيه ابن المغيرة، فخالف بذلك جماعة رووه عن ابن أبي الزناد، فسموه: ابن الزبير، منهم:","vol":"1","page":null},{"text":"١. سليمان الهاشمي - أخرجه ابن الجارود (٨٥)، والدارقطني (١/ ١٩٥).\n٢. إبراهيم بن أبي العباس - أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٦ و٢٥٤).\n٣. علي بن حُجر - أخرجه الترمذي (٩٨).\n٤. محمد بن الصباح - أخرجه البخاري في تاريخه الأوسط (٩٨١)، وأبو داود (١٦٢).\n٥. سعيد بن منصور - أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٥٤).\nفالصواب ما رواه الجماعة، ويظهر أنَّ الوهم في هذا الحديث سندًا ومتنًا من عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه.\nففي قوله \"عروة بن الزبير\"، قد خالف كلَّ من روى الحديث عن عروة عن المغيرة ﵁، حيث جعلوا عروة فيه ابنًا للمغيرة لا لابن الزبير.\nوعبد الرحمن بن أبي الزناد ضعَّفه ابن مهدي، وأحمد - في رواية -، وابن المديني، والنسائي، وابن معين، والسَّاجي، وخالفهم الترمذي، والعجلي - التهذيب (٢/ ٥٠٤).\nوقوله \" ظاهر خفيه \" لم ترد في بقية الطرق الصحيحة، فهي لا تثبت من حديث المغيرة ﵁، أما المعنى فصحيح بلا ريب، يشهد لها ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه» - أخرجه أبو داود (١٦٣).\nتم بحمد الله\nوالله أعلم وصلِّ اللهم على نبينا محمد\nوعلى آله وصحبه وسلِّم.","vol":"1","page":null}]}