{"ً":{"ٌ":96178,"ٍ":"السنة قبل التدوين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/السنة قبل التدوين - الخطيب - ط الفكر","files":["skt.pdf"]},"ّ":"الكتاب: السنة قبل التدوين\nالمؤلف: محمد عجاج بن محمد تميم بن صالح بن عبد الله الخطيب\nالناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان\nالطبعة: الثالثة، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م\nعدد الصفحات: ٦٠٠\nأصل هذا الكتاب: رسالة ماجستير من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة\nأعده للشاملة: توفيق بن محمد القريشي\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[السنة قبل التدوين - محمد عجاج الخطيب]\n\nالسنة قبل التدوين\nرسالة ماجستير تحصل عليها الدكتور محمد عجاج الخطيب من كلية دار العلوم - القاهرة.\n\nيعود اختياري لكتاب \" السنة قبل التدوين \" للدكتور محمد عجاج الخطيب، لكتابته على نسق المكتبة الشاملة - وقبله كتاب \" أبو هريرة راوية الإسلام - لاستفادتنا ونحن كطلبة جامعيين من هذين الكتابين، وأنا اليوم أقدم زكاة استفادتي منهما، السبب الثاني: العمق في البحث الذي يتميز به الدكتور محمد عجاج الخطيب. فجازاه الله عن الإسلام والمسلمين كل الخير.\nكتاب بذل فيه صاحبه جهدا، يدل دلالة واضحة على حب هذا الرجل لسنة المصطفى - ﷺ -، ومن أمعن النظر فيما كتبه في هذا الكتاب يدرك مدى العمق في البحث والإخلاص في الطرح والجدية في الاستنتاج.\nحقا إنه كتاب لن يدرك قيمته إلا من قرأة بتدبر وتمعن وقراءة متأنية مرات ومرات.\n\nعملي في هذا الكتاب:\n- حرصت على نقل الكتاب إلى المكتبة الشاملة طبقا للمطبوع بدقة.\n- أنجزت فهرس الآثار والأقوال، وفهرس الكتب، … لكنني أرجأتها إلى وقت لاحق، لأهمية نشر الكتاب للباحثين كما ورد مطبوعا.\n- أضفت بعض الإضافات تعليقا، حتى يستفيد الباحث حسب ما اقتضت الحاجة.\n- ما بين [....] إصلاح لخطأ وَرَدَ أو تعليق أو استدراك.\nهذا وبالله التوفيق.","ٓ":"1.0","ٔ":1590,"ٕ":10,"ٖ":1770155691,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة:","level":1,"page":11},{"title":"تمهيد:","level":1,"page":19},{"title":"أولا - التعريف بالسنة:","level":2,"page":24},{"title":"ثانيا - موضوع السنة ومكانتها من القرآن الكريم:","level":2,"page":33},{"title":"الباب الأول: السنة في العهد النبوي:","level":1,"page":38},{"title":"تمهيد:","level":2,"page":39},{"title":"١ - الرسول - ﷺ -:","level":2,"page":40},{"title":"[أ] معلم ومرب:","level":3,"page":40},{"title":"[ب] تجاوبه مع دعوته:","level":3,"page":42},{"title":"[ج] موقف الرسول - ﷺ - من العلم:","level":3,"page":44},{"title":"١ - حض الرسول - ﷺ - على طلب العلم:","level":4,"page":45},{"title":"٢ - حضه على تبليغ العلم:","level":4,"page":48},{"title":"٣ - منزلة العلماء (المعلمين):","level":4,"page":50},{"title":"٤ - منزلة طلاب العلم:","level":4,"page":50},{"title":"٥ - وصية رسول الله - ﷺ - بطلاب العلم:","level":4,"page":52},{"title":"[د] منهجه - ﷺ - في التعليم:","level":3,"page":54},{"title":"تعليم النساء:","level":4,"page":61},{"title":"٢ - مادة السنة:","level":2,"page":64},{"title":"٣ - كيف كان الصحابة يتلقون السنة عن رسول الله - ﷺ -؟:","level":2,"page":65},{"title":"٤ - انتشار السنة في عهد الرسول - ﵊ -:","level":2,"page":76},{"title":"الباب الثاني: السنة في عصر الصحابة والتابعين:","level":1,"page":83},{"title":"الفصل الأول:","level":2,"page":84},{"title":"بين يدي الفصل:","level":3,"page":84},{"title":"المبحث الأول: اقتداء الصحابة والتابعين بالرسول - ﷺ -:","level":3,"page":87},{"title":"المبحث الثاني: احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث:","level":3,"page":99},{"title":"١ - رأي ابن عبد البر:","level":4,"page":106},{"title":"٢ - رأي الخطيب البغدادي:","level":4,"page":110},{"title":"المبحث الثالث: تثبت الصحابة والتابعين في قبول الحديث:","level":3,"page":119},{"title":"[أ] تثبت أبي بكر الصديق في قبول الأخبار:","level":4,"page":119},{"title":"[ب] تثبت عمر بن الخطاب في قبول الأخبار:","level":4,"page":120},{"title":"[ج] تثبت عثمان - ﵁ - في الحديث:","level":4,"page":123},{"title":"[د] تثبت علي بن أبي طالب - ﵁ - في الحديث:","level":4,"page":123},{"title":"المبحث الرابع: كيف روي الحديث في ذلك العصر .. باللفظ أم بالمعنى؟:","level":3,"page":133},{"title":"الفصل الثاني: وفيه ثلاثة مباحث:","level":2,"page":151},{"title":"المبحث الأول: النشاط العلمي في عصر الصحابة والتابعين:","level":3,"page":151},{"title":"المبحث الثاني: انتشار الحديث في عصر الصحابة والتابعين:","level":3,"page":170},{"title":"المبحث الثالث: الرحلة في طلب الحديث:","level":3,"page":183},{"title":"الباب الثالث: الوضع في الحديث:","level":1,"page":191},{"title":"الفصل الأول: ابتداء الوضع وأسبابه:","level":2,"page":192},{"title":"أولا: ابتداء الوضع:","level":3,"page":192},{"title":"ثانيا: أسباب الوضع:","level":3,"page":199},{"title":"[١] الأحزاب السياسية:","level":4,"page":200},{"title":"[أ] أثر الشيعة وخصومهم في وضع الحديث:","level":5,"page":200},{"title":"[ب] الخوارج ووضع الحديث:","level":5,"page":209},{"title":"[٢] أعداء الإسلام (الزنادقة):","level":4,"page":211},{"title":"[٣] التفرقة العنصرية والتعصب للقبيلة والبلد والإمام:","level":4,"page":213},{"title":"[٤] القصاصون:","level":4,"page":215},{"title":"[٥] الرغبة في الخير مع الجهل بالدين:","level":4,"page":218},{"title":"[٦] الخلافات المذهبية والكلامية:","level":4,"page":220},{"title":"[٧]- التقرب من الحكام وأسباب أخرى:","level":4,"page":221},{"title":"الفصل الثاني: جهود الصحابة والتابعين وأتباعهم في مقاومة الوضع:","level":2,"page":224},{"title":"أولا - التزام الإسناد:","level":3,"page":225},{"title":"ثانيا - مضاعفة النشاط العلمي والتثبت في الحديث:","level":3,"page":231},{"title":"ثالثا - تتبع الكذبة:","level":3,"page":235},{"title":"رابعا - بيان أحوال الرواة:","level":3,"page":237},{"title":"خامسا - وضع قواعد لمعرفة الموضوع من الحديث:","level":3,"page":244},{"title":"[أ] علامات الوضع في السند:","level":4,"page":244},{"title":"[ب] علامات الوضع في المتن:","level":4,"page":246},{"title":"الفصل الثالث: آراء بعض المستشرقين وأشياعهم في السنة ونقدها:","level":2,"page":254},{"title":"أولا - رأي جولدتسيهر:","level":3,"page":254},{"title":"ثانيا - رأي غاستون ويت:","level":3,"page":259},{"title":"ثالثا - رأي الأستاذ أحمد أمين:","level":3,"page":260},{"title":"الفصل الرابع: أشهر ما ألف في الرجال والموضوعات:","level":2,"page":265},{"title":"أولا: أشهر الكتب التي ألفت في الصحابة:","level":3,"page":266},{"title":"ثانيا: أشهر ما صنف في تواريخ الرجال وأحوالهم:","level":3,"page":269},{"title":"[أ] كتب في تواريخ الرجال وأحوالهم:","level":4,"page":270},{"title":"[ب] كتب الطبقات:","level":4,"page":278},{"title":"ثالثا: كتب في معرفة الأسماء والكنى والألقاب والأنساب:","level":3,"page":280},{"title":"[أ] كتب في الأسماء والكنى والألقاب:","level":4,"page":281},{"title":"[ب] وأما كتب الأنساب فأشهرها:","level":4,"page":284},{"title":"رابعا: كتب في الجرح والتعديل:","level":3,"page":285},{"title":"خامسا: المؤلفات في الموضوعات:","level":3,"page":292},{"title":"الباب الرابع: متى دون الحديث ..؟","level":1,"page":297},{"title":"الفصل الأول: حول تدوين الحديث ...:","level":2,"page":298},{"title":"١ - الكتابة عند العرب قبل الإسلام:","level":3,"page":298},{"title":"٢ - الكتابة في العصر النبوي وصدر الإسلام:","level":3,"page":301},{"title":"أولا - ما روي عن رسول الله - ﷺ - في الكتابة:","level":4,"page":306},{"title":"[أ]- ما روي من كراهة الكتابة:","level":5,"page":306},{"title":"[ب] ما روي من إباحة الكتابة:","level":5,"page":306},{"title":"ثانيا - كتابة الحديث في عصر الصحابة:","level":4,"page":312},{"title":"ثالثا - التدوين في عصر التابعين:","level":4,"page":324},{"title":"رابعا - خدمة عمر بن عبد العزيز للسنة:","level":4,"page":331},{"title":"خامسا - المصنفون الأوائل في الحديث:","level":4,"page":340},{"title":"أهم نتائج هذا الفصل:","level":3,"page":343},{"title":"الفصل الثاني: ما دون في صدر الإسلام:","level":2,"page":346},{"title":"\" الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص \"","level":3,"page":351},{"title":"\" صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري \"","level":3,"page":355},{"title":"\" الصحيفة الصحيحة \" لهمام بن منبه","level":3,"page":358},{"title":"الفصل الثالث: آراء في التدوين:","level":2,"page":365},{"title":"١ - رأي الشيخ محمد رشيد رضا:","level":3,"page":365},{"title":"٢ - رأي الشيعة في تدوين الحديث:","level":3,"page":367},{"title":"٣ - رأي في التدوين الرسمي:","level":3,"page":376},{"title":"٤ - المستشرقون ورأيهم في تدوين الحديث:","level":3,"page":378},{"title":"نتائج هذا الفصل:","level":2,"page":384},{"title":"الباب الخامس: أعلام رواة الحديث من الصحابة والتابعين:","level":1,"page":386},{"title":"الفصل الأول: بعض أعلام الرواة من الصحابة:","level":2,"page":387},{"title":"١ - تعريف الصحابي:","level":3,"page":388},{"title":"٢ - طبقات الصحابة:","level":3,"page":392},{"title":"٣ - كيف يعرف الصحابي؟:","level":3,"page":394},{"title":"٤ - عدالة الصحابة:","level":3,"page":395},{"title":"[١]- أدلة عدالة الصحابة من الكتاب:","level":4,"page":399},{"title":"[٢]- أدلة عدالة الصحابة من السنة:","level":4,"page":401},{"title":"٥ - عدد الصحابة:","level":3,"page":406},{"title":"٦ - علم الصحابي:","level":3,"page":408},{"title":"٧ - المكثرون من الصحابة:","level":3,"page":410},{"title":"(١) - أبو هريرة: (١٩ ق هـ - ٥٩ هـ):","level":4,"page":412},{"title":"١ - التعريف به:","level":5,"page":412},{"title":"٢ - إسلامه:","level":5,"page":413},{"title":"٣ - فقره وعفافه:","level":5,"page":414},{"title":"٤ - كرمه:","level":5,"page":415},{"title":"٥ - ولايته على البحرين:","level":5,"page":416},{"title":"٦ - اعتزاله الفتن:","level":5,"page":417},{"title":"٧ - مرحه ومزاحه:","level":5,"page":418},{"title":"٨ - وفاته:","level":5,"page":419},{"title":"٩ - حياته العلمية:","level":5,"page":421},{"title":"١٠ - حفظ أبي هريرة:","level":5,"page":428},{"title":"١١ - أبو هريرة والفتوى:","level":5,"page":429},{"title":"١٢ - شيوخه ومن روى عنه:","level":5,"page":430},{"title":"١٣ - عدة ما روي عنه من الحديث:","level":5,"page":431},{"title":"١٤ - الثناء على أبي هريرة:","level":5,"page":432},{"title":"١٥ - أصح الطرق عن أبي هريرة:","level":5,"page":435},{"title":"الرد على الشبه التي أثيرت حول أبي هريرة:","level":6,"page":437},{"title":"١ - عمر وأبو هريرة - ﵄:","level":7,"page":439},{"title":"٢ - هل تشيع أبو هريرة للأمويين؟:","level":7,"page":440},{"title":"٣ - هل وضع أبو هريرة الأحاديث كذبا على رسول الله - ﷺ -؟:","level":7,"page":442},{"title":"٤ - كثرة حديثه:","level":7,"page":447},{"title":"٥ - هل كان الصحابة يكذبون أبا هريرة ويردون أحاديثه؟:","level":7,"page":456},{"title":"[أ] هل ضرب عمر أبا هريرة لكثرة روايته؟:","level":8,"page":458},{"title":"[ب] أبو هريرة وعثمان بن عفان:","level":8,"page":460},{"title":"[ج] أبو هريرة وعلي بن أبي طالب - ﵄ -:","level":8,"page":461},{"title":"[د] أبو هريرة وعائشة - ﵄ -:","level":8,"page":462},{"title":"(٢) - عبد الله بن عمر بن الخطاب (١٠ ق هـ - ٧٣ هـ):","level":4,"page":470},{"title":"(٣) - أنس بن مالك (١٠ ق هـ - ٩٣ هـ):","level":4,"page":473},{"title":"(٤) - عائشة أم المؤمنين (٩ ق هـ - ٥٨ هـ):","level":4,"page":475},{"title":"(٥) - عبد الله بن عباس (٣ ق هـ - ٦٨ هـ):","level":4,"page":477},{"title":"(٦) - جابر بن عبد الله الأنصاري (١٦ ق هـ - ٨٧ هـ):","level":4,"page":479},{"title":"(٧) - أبو سعيد الخدري (١٢ ق هـ - ٧٤ هـ):","level":4,"page":481},{"title":"الفصل الثاني: بعض أعلام الرواة من التابعين:","level":2,"page":482},{"title":"من يعد تابعيا؟:","level":3,"page":483},{"title":"(١) - سعيد بن المسيب (١٥ - ٩٤ هـ):","level":3,"page":485},{"title":"(٢) - عروة بن الزبير (٢٢ - ٩٤ هـ):","level":3,"page":487},{"title":"(٣) - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري:","level":3,"page":489},{"title":"[١]- التعريف به - ولادته - نشأته:","level":4,"page":489},{"title":"[٢]- طلبه العلم:","level":4,"page":489},{"title":"[٣]- حفظه:","level":4,"page":491},{"title":"[٤]- علمه وآثاره:","level":4,"page":492},{"title":"[٥]- عدة أحاديثه ومنزلة روايته:","level":4,"page":496},{"title":"[٦]- أشهر من روى عنه:","level":4,"page":497},{"title":"[٧]- أقوال العلماء في ابن شهاب الزهري:","level":4,"page":498},{"title":"[٨]- وفاته:","level":4,"page":500},{"title":"رد الشبهات التي أثيرت حول الزهري:","level":5,"page":501},{"title":"[رأي اليعقوبي وجولدتسيهر في ابن شهاب]:","level":5,"page":502},{"title":"[١]-ليس من المعقول أن يمنع عبد الملك بن مروان أهل الشام من الحج:","level":6,"page":504},{"title":"[٢]- لم تذكر المصادر الإسلامية أن عبد الملك هو الذي بنى قبة الصخرة:","level":6,"page":505},{"title":"[٣]- لم يحمل عبد الملك الناس على الحج إلى المسجد الأقصى والزهري أرفع من أن يكذب على الرسول - ﷺ -:","level":6,"page":508},{"title":"(أ) صلة الزهري بالأمويين:","level":7,"page":508},{"title":"(ب) استحالة ما ادعاه اليعقوبي و(جولدتسيهر) تاريخيا:","level":7,"page":511},{"title":"[٤]- لم يكن الزهري صديقا قديما لعبد الملك، ولم يتفرد وحده برواية الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس:","level":6,"page":513},{"title":"(٤) - نافع مولى ابن عمر (٠٠ - ١١٧ هـ):","level":3,"page":516},{"title":"(٥) - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٠٠ - ٩٨ هـ):","level":3,"page":518},{"title":"(٦) - سالم بن عبد الله بن عمر (٠٠ - ١٠٦ هـ):","level":3,"page":519},{"title":"(٧) - إبراهيم بن يزيد النخعي (٤٦ - ٩٦ هـ):","level":3,"page":520},{"title":"(٨) - عامر بن شراحيل الشعبي (١٩ - ١٠٣ هـ):","level":3,"page":522},{"title":"(٩) - علقمة بن قيس النخعي (٢٨ ق هـ - ٦٢ هـ):","level":3,"page":524},{"title":"(١٠) - محمد بن سيرين (٣٣ - ١١٠ هـ):","level":3,"page":526},{"title":"الخاتمة:","level":1,"page":528},{"title":"فهارس الكتاب:","level":1,"page":537},{"title":"المصادر والمراجع","level":2,"page":538},{"title":"فهرس الكتب المعرف بها:","level":2,"page":555}],"ٛ":{"1,1":11,"1,2":12,"1,3":13,"1,4":14,"1,5":15,"1,6":16,"1,7":17,"1,8":18,"1,9":19,"1,10":20,"1,11":21,"1,12":22,"1,13":23,"1,14":24,"1,15":25,"1,16":26,"1,17":27,"1,18":28,"1,19":29,"1,20":30,"1,21":31,"1,22":32,"1,23":33,"1,24":34,"1,25":35,"1,26":36,"1,27":37,"1,29":38,"1,31":39,"1,32":40,"1,33":41,"1,34":42,"1,35":43,"1,36":44,"1,37":45,"1,38":46,"1,39":47,"1,40":48,"1,41":49,"1,42":50,"1,43":51,"1,44":52,"1,45":53,"1,46":54,"1,47":55,"1,48":56,"1,49":57,"1,50":58,"1,51":59,"1,52":60,"1,53":61,"1,54":62,"1,55":63,"1,56":64,"1,57":65,"1,58":66,"1,59":67,"1,60":68,"1,61":69,"1,62":70,"1,63":71,"1,64":72,"1,65":73,"1,66":74,"1,67":75,"1,68":76,"1,69":77,"1,70":78,"1,71":79,"1,72":80,"1,73":81,"1,74":82,"1,76":83,"1,77":84,"1,78":85,"1,79":86,"1,80":87,"1,81":88,"1,82":89,"1,83":90,"1,84":91,"1,85":92,"1,86":93,"1,87":94,"1,88":95,"1,89":96,"1,90":97,"1,91":98,"1,92":99,"1,93":100,"1,94":101,"1,95":102,"1,96":103,"1,97":104,"1,98":105,"1,99":106,"1,100":107,"1,101":108,"1,102":109,"1,103":110,"1,104":111,"1,105":112,"1,106":113,"1,107":114,"1,108":115,"1,109":116,"1,110":117,"1,111":118,"1,112":119,"1,113":120,"1,114":121,"1,115":122,"1,116":123,"1,117":124,"1,118":125,"1,119":126,"1,120":127,"1,121":128,"1,122":129,"1,123":130,"1,124":131,"1,125":132,"1,126":133,"1,127":134,"1,128":135,"1,129":136,"1,130":137,"1,131":138,"1,132":139,"1,133":140,"1,134":141,"1,135":142,"1,136":143,"1,137":144,"1,138":145,"1,139":146,"1,140":147,"1,141":148,"1,142":149,"1,143":150,"1,144":151,"1,145":152,"1,146":153,"1,147":154,"1,148":155,"1,149":156,"1,150":157,"1,151":158,"1,152":159,"1,153":160,"1,154":161,"1,155":162,"1,156":163,"1,157":164,"1,158":165,"1,159":166,"1,160":167,"1,161":168,"1,162":169,"1,163":170,"1,164":171,"1,165":172,"1,166":173,"1,167":174,"1,168":175,"1,169":176,"1,170":177,"1,171":178,"1,172":179,"1,173":180,"1,174":181,"1,175":182,"1,176":183,"1,177":184,"1,178":185,"1,179":186,"1,180":187,"1,181":188,"1,182":189,"1,183":190,"1,185":191,"1,187":192,"1,188":193,"1,189":194,"1,190":195,"1,191":196,"1,192":197,"1,193":198,"1,194":199,"1,195":200,"1,196":201,"1,197":202,"1,198":203,"1,199":204,"1,200":205,"1,201":206,"1,202":207,"1,203":208,"1,204":209,"1,205":210,"1,206":211,"1,207":212,"1,208":213,"1,209":214,"1,210":215,"1,211":216,"1,212":217,"1,213":218,"1,214":219,"1,215":220,"1,216":221,"1,217":222,"1,218":223,"1,219":224,"1,220":225,"1,221":226,"1,222":227,"1,223":228,"1,224":229,"1,225":230,"1,226":231,"1,227":232,"1,228":233,"1,229":234,"1,230":235,"1,231":236,"1,232":237,"1,233":238,"1,234":239,"1,235":240,"1,236":241,"1,237":242,"1,238":243,"1,239":244,"1,240":245,"1,241":246,"1,242":247,"1,243":248,"1,244":249,"1,245":250,"1,246":251,"1,247":252,"1,248":253,"1,249":254,"1,250":255,"1,251":256,"1,252":257,"1,253":258,"1,254":259,"1,255":260,"1,256":261,"1,257":262,"1,258":263,"1,259":264,"1,260":265,"1,261":266,"1,262":267,"1,263":268,"1,264":269,"1,265":270,"1,266":271,"1,267":272,"1,268":273,"1,269":274,"1,270":275,"1,271":276,"1,272":277,"1,273":278,"1,274":279,"1,275":280,"1,276":281,"1,277":282,"1,278":283,"1,279":284,"1,280":285,"1,281":286,"1,282":287,"1,283":288,"1,284":289,"1,285":290,"1,286":291,"1,287":292,"1,288":293,"1,289":294,"1,290":295,"1,291":296,"1,293":297,"1,295":298,"1,296":299,"1,297":300,"1,298":301,"1,299":302,"1,300":303,"1,301":304,"1,302":305,"1,303":306,"1,304":307,"1,305":308,"1,306":309,"1,307":310,"1,308":311,"1,309":312,"1,310":313,"1,311":314,"1,312":315,"1,313":316,"1,314":317,"1,315":318,"1,316":319,"1,317":320,"1,318":321,"1,319":322,"1,320":323,"1,321":324,"1,322":325,"1,323":326,"1,324":327,"1,325":328,"1,326":329,"1,327":330,"1,328":331,"1,329":332,"1,330":333,"1,331":334,"1,332":335,"1,333":336,"1,334":337,"1,335":338,"1,336":339,"1,337":340,"1,338":341,"1,339":342,"1,340":343,"1,341":344,"1,342":345,"1,343":346,"1,344":347,"1,345":348,"1,346":349,"1,347":350,"1,348":351,"1,349":352,"1,350":353,"1,351":354,"1,352":355,"1,353":356,"1,354":357,"1,355":358,"1,356":359,"1,357":360,"1,358":361,"1,359":362,"1,360":363,"1,361":364,"1,362":365,"1,363":366,"1,364":367,"1,365":368,"1,366":369,"1,367":370,"1,368":371,"1,369":372,"1,370":373,"1,371":374,"1,372":375,"1,373":376,"1,374":377,"1,375":378,"1,376":379,"1,377":380,"1,378":381,"1,379":382,"1,380":383,"1,381":384,"1,382":385,"1,383":386,"1,385":387,"1,387":388,"1,388":389,"1,389":390,"1,390":391,"1,391":392,"1,392":393,"1,393":394,"1,394":395,"1,395":396,"1,396":397,"1,397":398,"1,398":399,"1,399":400,"1,400":401,"1,401":402,"1,402":403,"1,403":404,"1,404":405,"1,405":406,"1,406":407,"1,407":408,"1,408":409,"1,409":410,"1,410":411,"1,411":412,"1,412":413,"1,413":414,"1,414":415,"1,415":416,"1,416":417,"1,417":418,"1,418":419,"1,419":420,"1,420":421,"1,421":422,"1,422":423,"1,423":424,"1,424":425,"1,425":426,"1,426":427,"1,427":428,"1,428":429,"1,429":430,"1,430":431,"1,431":432,"1,432":433,"1,433":434,"1,434":435,"1,435":436,"1,436":437,"1,437":438,"1,438":439,"1,439":440,"1,440":441,"1,441":442,"1,442":443,"1,443":444,"1,444":445,"1,445":446,"1,446":447,"1,447":448,"1,448":449,"1,449":450,"1,450":451,"1,451":452,"1,452":453,"1,453":454,"1,454":455,"1,455":456,"1,456":457,"1,457":458,"1,458":459,"1,459":460,"1,460":461,"1,461":462,"1,462":463,"1,463":464,"1,464":465,"1,465":466,"1,466":467,"1,467":468,"1,468":469,"1,469":470,"1,470":471,"1,471":472,"1,472":473,"1,473":474,"1,474":475,"1,475":476,"1,476":477,"1,477":478,"1,478":479,"1,479":480,"1,480":481,"1,481":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507,"1,508":508,"1,509":509,"1,510":510,"1,511":511,"1,512":512,"1,513":513,"1,514":514,"1,515":515,"1,516":516,"1,517":517,"1,518":518,"1,519":519,"1,520":520,"1,521":521,"1,522":522,"1,523":523,"1,524":524,"1,525":525,"1,526":526,"1,527":527,"1,528":528,"1,529":529,"1,530":530,"1,531":531,"1,532":532,"1,533":533,"1,534":534,"1,535":535,"1,537":536,"1,539":537,"1,540":538,"1,541":539,"1,542":540,"1,543":541,"1,544":542,"1,545":543,"1,546":544,"1,547":545,"1,548":546,"1,549":547,"1,550":548,"1,551":549,"1,552":550,"1,553":551,"1,554":552,"1,555":553,"1,556":554,"1,596":555,"1,597":556,"1,598":557,"1,599":558,"1,600":559},"ٜ":{"1":[1,600]},"ٝ":[null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,"1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,29","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,185","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,293","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,385","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,537","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600"],"ٞ":{"11":[1],"19":[2],"24":[3],"33":[4],"38":[5],"39":[6],"40":[7,8],"42":[9],"44":[10],"45":[11],"48":[12],"50":[13,14],"52":[15],"54":[16],"61":[17],"64":[18],"65":[19],"76":[20],"83":[21],"84":[22,23],"87":[24],"99":[25],"106":[26],"110":[27],"119":[28,29],"120":[30],"123":[31,32],"133":[33],"151":[34,35],"170":[36],"183":[37],"191":[38],"192":[39,40],"199":[41],"200":[42,43],"209":[44],"211":[45],"213":[46],"215":[47],"218":[48],"220":[49],"221":[50],"224":[51],"225":[52],"231":[53],"235":[54],"237":[55],"244":[56,57],"246":[58],"254":[59,60],"259":[61],"260":[62],"265":[63],"266":[64],"269":[65],"270":[66],"278":[67],"280":[68],"281":[69],"284":[70],"285":[71],"292":[72],"297":[73],"298":[74,75],"301":[76],"306":[77,78,79],"312":[80],"324":[81],"331":[82],"340":[83],"343":[84],"346":[85],"351":[86],"355":[87],"358":[88],"365":[89,90],"367":[91],"376":[92],"378":[93],"384":[94],"386":[95],"387":[96],"388":[97],"392":[98],"394":[99],"395":[100],"399":[101],"401":[102],"406":[103],"408":[104],"410":[105],"412":[106,107],"413":[108],"414":[109],"415":[110],"416":[111],"417":[112],"418":[113],"419":[114],"421":[115],"428":[116],"429":[117],"430":[118],"431":[119],"432":[120],"435":[121],"437":[122],"439":[123],"440":[124],"442":[125],"447":[126],"456":[127],"458":[128],"460":[129],"461":[130],"462":[131],"470":[132],"473":[133],"475":[134],"477":[135],"479":[136],"481":[137],"482":[138],"483":[139],"485":[140],"487":[141],"489":[142,143,144],"491":[145],"492":[146],"496":[147],"497":[148],"498":[149],"500":[150],"501":[151],"502":[152],"504":[153],"505":[154],"508":[155,156],"511":[157],"513":[158],"516":[159],"518":[160],"519":[161],"520":[162],"522":[163],"524":[164],"526":[165],"528":[166],"537":[167],"538":[168],"555":[169]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"السنة قبل التدوين\n\nالدكتور محمد عجاج الخطيب\n\n- عدد الأجزاء: ١.\n- عدد الصفحات: ٦٥٢.\nأعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه.\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"السنة قبل التدوين\n\nالدكتور محمد عجاج الخطيب\nرئيس قسم علوم القرآن والسنة بجامعة دمشق\nأستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة\n\nالطبعة الثانية: رمضان ١٤٠٨ - أبريل ١٩٨٨ م\n\nنشر مكتبة وهبة - مصر","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"السُنَّةُ قَبْلَ التَدْوِينِ:\n\nتَقْدِيمٌ:\n\nبِقَلَمِ فَضِيلَةِ الأُسْتَاذِ عَلِي حَسَبَ الله\nأستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة.\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nالحمد لله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، وأنزل عليه كتابه الكريم تبيانًا للحق وهدى إلى الصراط المستقيم، وأمره ببيانه وتنفيذ أحكامه بأقواله وأعماله ليكون للأمَّة من ذلك دستور كامل، لا يغادر من أمور معاشهم ومعادهم صغيرة ولا كبيرة إلاَّ وضع قواعدها، وقرَّر أصولها، وأضاء الوصول إلى الحق فيها.\n\nفله الحمد والشكر على ما منح عباده من أسباب الهداية، وما ضمن لهم من حفظ كتابه، وما وَفَّقَهُم إليه من العناية به، والاستشهاد في تفسيره وتطبيقه بقول رسوله - ﷺ - وعمله.\n\nأما بعد فقد اصطنع الله محمدًا - ﷺ - لنفسه، ورباه فأحسن تربيته، وكمل خُلُقه حتى قال فيه - وهو أصدق القائلين -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١)، ثم بعثه إلى الناس بشيرًا ونذيرًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٢).\n\n[أ]\n_________\n(١) [سورة القلم، الآية: ٤].\n(٢) [سورة الأحزاب، الآيتان: ٤٥، ٤٦].","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"[ب]\n\nولقد افترض عليه ما افترض على الناس من طاعته والعمل بكتابه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، وقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣).\n\nوأمره أن يُبلِّغَ ما أنزل إليه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٤)، فبلَّغَ - ﷺ - ما أمره الله بتبليغه، وشهد الله تعالى له بذلك في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٦)، ولو أنه قصَّر في تبليغ رسالته، أو بلَّغ ما لم يؤمر بتبليغه - لحَلَّتْ به عقوبة ربه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٧).\n\nكما أمره أن يبيِّن للناس ما خفي عليهم من مقاصده، ويشرح لهم طرق تنفيذه فقال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٨)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٩).\n_________\n(١) [سورة الأحزاب، الآيتان: ١ - ٢].\n(٢) [سورة الأنعام، الآية: ١٠٦].\n(٣) [سورة الجاثية، الآية: ١٨].\n(٤) [سورة المائدة، الآية: ٦٧].\n(٥) [سورة النجم، الآيات: ١ - ٥].\n(٦) [سورة الشورى، الآيتان: ٥٢، ٥٣].\n(٧) [سورة الحاقة، الآيات: ٤٤ - ٤٧].\n(٨) [سورة النحل، الآية: ٤٤].\n(٩) [سورة النحل، الآية: ٦٤].","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"[جـ]\n\nهكذا أعد الله رسوله للقيام بأعباد رسالته، ثم أمر الناس بطاعته:\nأمرهم بطاعته مقترنة بطاعته سبحانه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣).\n\nوأمرهم بطاعته استقلالًا فقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦).\n\nثم قرَّر سبحانه أنَّ طاعة رسوله طاعة له، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٧)، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٨).\n\nولا خفاء بعد هذا في أنَّ كتاب الله هو أصل دينه، وأنَّ سُنَّة نبيِّهِ -\n_________\n(١) [سورة الأنفال، الآية: ٢٠].\n(٢) [سورة الأحزاب، الآية: ٣٦].\n(٣) [سورة النساء، الآية: ٦٩].\n(٤) [سورة الحشر، الآية: ٧].\n(٥) [سورة النساء، الآية: ٦٥].\n(٦) [سورة النور، الآية: ٦٣].\n(٧) [سورة الفتح، الآية: ١٠].\n(٨) [سورة النساء، الآية: ٨٠].","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"[د]\n\nقولية كانت أو فعلية - هي الموضحة لأحكامه، والمفصِّلة لإجماله، والهادية إلى طرق تطبيقه، فهما صنوان لا يفترقان، ومنبعان للتشريع متعاضدان، ولا شبهة في أنَّ طاعة الرسول طاعة لله، ومخالفة أمره معصية لله تعالى، ومن عمل بالقرآن على غير المنهج الذي انتهجه الرسول - ﷺ - لا يكون عاملًا بالقرآن.\n\nوقد جرت سُنَّة الله تعالى في خلقه أنْ يختلف الناس في تقبُّل دعوات الرسل، والأخذ بأسباب الهداية والصلاح مهما قامت الدلائل ووضحت البينات؛ ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (١)، فمنهم من يستجيب لداعي الخير مسرعًا مطمئنًا، ويتجنَّب مزالق الجهل والخسران، ومنهم من يركب رأسه ويتبع هواه ويضل عن سواء السبيل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ﴾ (٢). ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٣)، ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٤).\n\nوقد ابتلي المسلمون في كل العصور بمن يحاول صرفهم عن الإسلام، تارة بالطعن في كتابه، وأخرى بمحاولة انتقاصه من أطرافه، بالطعن في السُنَّة التي تُفَصِّلُ ما أجمل منه، وتُوضِّحُ ما خفي، وكأنهم حين وقفوا من القرآن أمام جبل شامخ لا يلين، ورجعوا بعد العناء بخُفي حُنين - ظنوا أنهم قادرون على\n_________\n(١) [سورة هود، الآيتان: ١١٨، ١١٩].\n(٢) [سورة هود، الآية: ٣٦].\n(٣) [سورة الأنعام، الآية: ١١٢].\n(٤) [سورة يس، الآية: ٣٠].","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"[هـ]\n\nالنيل منه بتوهين السُنَّة التي هي عماد بيانه، فسلكوا لذلك طرقًا، وتكلفوا شططًا، فمنهم من تجنَّى على الرُواة وطعن في عدالتهم وصدقهم، ومنهم من طعن في متن الحديث فأنكر منه ما لم يوافق هوه، ومنهم من ادعى انقطاع الصلة بين الرسول وما يُروى عنه وتعذَّر تمييز الصحيح منه من السقيم، لإهمال تدوينه نحو قرنين من الزمان، وانتشار وضع الحديث انتصارًا لرأي أو إبطالًا لمذهب، فدعا إلى إهمال الحديث جملة والاكتفاء بالقرآن الكريم، ومن المؤسف حقًا أنْ يقول بهذا الرأي من يزعم أنه من المسلمين.\n\nولكن العلي القدير الذي تكفَّلَ بحفظ كتابه وأصول دينه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) كان يمنح معونته وتوفيقه دائمًا للمتقين المخلصين، ويخذل أعداءه المعاندين: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤).\n\nفلهذا هيأ لدينه في كل العصور من يَرُدُّ كيد الطاعنين في نحورهم، وهيَّأ لسُنَّة رسوله - ﷺ - من السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان مَنْ عُنِيَ بالدفاع عنها بعد البحث في سندها ومتنها، يتعرف أحوال رُواتها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ثم حفظها تارة في الصدور، وأخرى في السطور.\n\nلقد كان المسلمون بين أنْ يدفعهم الحرص على سُنَّة نبيِّهم إلى تَقَبُّل كل\n_________\n(١) [سورة الحجر، الآية: ٩].\n(٢) [سورة الأنعام، الآية: ١٠].\n(٣) [سورة الحج، الآية: ٥٢].\n(٤) [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"[و]\n\nما يروى حتى لا يفوتهم ما صح منها، وأنْ يتأثَّروا بشُبَه المُضَلِّلِينَ فيرفضوه كله حذرًا من الأخذ بالموضوع والوقوع في الباطل، ولكن الله جنَّبهم الخطتين وعصمهم من الوقوع في الورطتين، ووفَّقهُم إلى الطريقة الوسطى، طريقة الاعتدال البعيدة عن التعصب الأعمى والتحامل الذميم، طريقة الفحص والتمحيص للسند والمتن، ووضع القواعد العلمية الصحيحة لمعرفة من يقبل ومن لا يقبل من الرُواة، وما يقبل وما يُرَدُّ من الأحاديث، وبهذا ميَّزُوا الخبيث من الطيب، ونالت السُنَّة بجهودهم ما لم يعهد في شريعة من الشرائع، ولا في نص من النصوص غير الكتاب الكريم.\n\nوكان مما أثلج صدورنا، وفتح باب الأمل في شباب عصرنا - أنَّ الطالب المؤمن بربه، والغيور على دينه، والمُحبّ لسُنَّة الرسول - ﷺ - السيد «محمد عجاج الخطيب» - سار على توفيق من الله، وهُدى من السلف الصالح، فاختار لنيل درجة الماجستير في العلوم الإسلامية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة - موضوع «السنة قبل التدوين»، ليدفع ببحثه ما أثاره المُضَلِّلُونَ من انقطاع الصلة بين الرسول وما بين أيدينا من سُنَّته في عهد الرسول - ﷺ -، وبعضها في عهد الصحابة والتابعين، قبل أنْ تُدوَّنَ التدوين الرسمي المعروف.\n\nوقد رَجَّحَ أنَّ التدوين الرسمي بدأ في منتصف العقد الهجري الثامن من القرن الأول حين طلب أمير مصر: عبد العزيز بن مروان بن الحكم من كثير بن مُرَّة الحضرمي - الذي أدرك سبعين بدريًا من الصحابة في حمص - أنْ يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلاَّ حديث أبي هريرة فإنه كان عنده. ولا يظن بكثير إلاَّ أنْ يستجيب لطلب الأمير، فيجتمع له بهذا ما كان عنده من حديث أبي هريرة وما كان عند كثير، وحسبك هذا تدوينًا","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"[ز]\n\nرسميًا لقسط كبير من سُنَّة رسول الله - ﷺ - في ذلك العصر، ويكون ما فعله عمر بن عبد العزيز بعد هذا - من العناية بالحديث ومطالبة العلماء في الأقطار المختلفة بكتابته والجلوس لمدارسته - ليس إلاَّ امتدادًا لما شرع فيه أبوه من قبل. وهو رأي يُرَجِّحُهُ ما عرف عن السلف من الحرص على حفظ السُنَّة والعمل بها.\n\nوقد اقتضاه البحث أن يتكلم عن الوضع وأسبابه، وجهود الصحابة والتابعين ومن بعدهم في مقاومته وتطهير السُنّة من أوضاره، وأن يتحدَّث عن آراء بعض المستشرقين ومن انخدع بهم من المسلمين، فَفَنَّدَ مزاعمهم، ورَدَّ الحق إلى نصابه في مفترياتهم، وبيَّنَ فضل الصحابة وعدالتهم، وحرصهم على العمل بالسُنَّة وحفظها، وتثبُّتهم في روايتها، واقتداء من جاء بعدهم بهم في ذلك، كما تعرَّض لما أثر حول بعضهم من شبهات فنفاها عنهم.\n\nولا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إنَّ الطالب كان أصيلًا في بحثه، لم يُعْوِزْهُ توجيه وإرشاد؛ بل جمع بجده كل ما استطاع الوصول إليه من مراجع، وتناول منها كل ما يلائم بحثه، ثم عرض ذلك على مقاييس صحيحة في نزاهة وصدق وإيمان، وبهذا نَطَمَ نفسه في سلك المُحبِّين للسُنَّة، الذين بشَّرهم الرسول - ﷺ - بالجنة فيما روى الترمذي عن أنس - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَنْ أحبَّ سُنَّتي فقد أحبَّني، ومَنْ أحبَّني كان معي في الجنة».\n\nوالله المسؤول أنْ ينفع الإسلام والمسلمين برسالته، وأنْ يجعل من شبابنا شبابًا صالحًا لا تخدعه مظاهر المدنية الكاذبة، فيعكف على دراسة الدين القويم، والتراث المجيد، ويدفع عنهما تُهَمَ المبطلين، وضلال المُضِلِّين، وهو الهادي إلى الصراط المستقيم.\n\nالمحرم ١٣٨٣ هـ - يونية ١٩٦٣ م\n\nعلي حسب الله","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"الكِتَابُ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المُقَدِّمَةُ:</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.\n\nوبعد، فإن القرآن الكريم هو المصدر التشريعي الأول في الإسلام، والسُنَّة هي المصدر الثاني، لأنها مبيِّنة له، مُفَصِّلةٌ لأحكامه، مفرِّعة لأصوله، وهي التطبيق العملي للإسلام على يد رسول الإنسانية محمد - ﷺ -، دان المسلمون لأحكامها من لدُن الرسول الكريم إلى يومنا هذا، وستبقى إلى جانب القرآن مصدر الأحكام، ومعين الآداب والأخلاق، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فقد كان التمسك بهما سرَّ نجاج الأُمَّة الإسلامية، وتقدمها، مصداقًا لقوله - ﷺ - «تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّتِي».\n\nولكنه لم يرق لأعداء الإسلام قديمًا وحديثًا، أنْ يروا ازدهار الأُمَّة الإسلامية وتقدمها، فعملوا على هدم أسس الإسلام، وتشكيك المسلمين في دينهم، وكان من الصعب أنْ ينالوا من القرآن الكريم، فوجَّهُوا سهامهم إلى السُنَّة، وحاولوا تشويهها، فوضعوا الأحاديث، وطعنوا في بعض الصحيح منها، واتَّهمُوا بعض الرُواة الثقات، ولكن هذا لم ينل من السُنَّة أمام يقظة الأُمَّة وعلمائها الذين ذبُّوا عنها وحافظوا عليها.\n\nوسلك أعداء الإسلام سُبُلًا مختلفة لإنكار السُنَّة جملة بعد التشكيك فيها،","vol":"1","page":1},{"text":"فادَّعى بعضهم أن السُنّة أهملت بعد الرسول - ﷺ - أكثر من قرنين إلى أنْ جمعها بعض المُصَنِّفين في كتب السُنن في القرن الثالث الهجري، فلم تحفظ كالقرآن الكريم منذ ظهور الإسلام، ولهذا تسرَّبَ إليها الوضع، وأصبح من الصعب تمييز الحديث الصحيح من الموضوع ... !! وادَّعَى بعض المستشرقين أنَّ جانبًا من الحديث قد وضعه الفقهاء ليدعموا مذاهبهم الفقهية!!! وادَّعَى آخرون أنَّ السُنَّة كانت أحكاماَ مؤقتة لعصر النبي - ﷺ -، وأصبحت الآن عديمة الجدوى، وتسرَّبت هذه الفكرة إلى بعض البلاد الإسلامية، وأخذت شكلًا منظمًا، فظهر في الهند جماعة تنادي بعدم الاحتجاج بالسُنَّة، سَمَّتْ نفسها (أهل القرآن)، وألَّفَتْ كُتُبًا ورسائل كثيرة لنشر أفكارها (١).\n\nهذه بعض دعاوى أعداء الإسلام، الذين أرادوا من ورائها إبعاد المسلمين عن دينهم، وخلخلة العقيدة في نفوسهم، ليتمكَّنُوا من نشر مبادئهم في بلادنا الإسلامية الطيبة، والسيطرة عليها ماديًا بعد السيطرة عليها فكريًا، ومما يؤسف له أنَّ بعض شبابنا الذين لم يُتَحْ لهم أن يتثقَّفُوا بثقافة الإسلام قد اعتنقوا هذه الأفكار التي تخدم أعداءنا، وتفرق صفوفنا، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى التمسك بما جاء في السُنَّة من أحكام وأخلاق وآداب وتوجيه وإرشاد، كما تعتز الأمم بتراثها وتفخر به، ويشهد المنصفون من علماء الأمم الأخرى\n_________\n(١) انظر مقالة «تحقيق معنى السُنَّة وبيان الحاجة إليها» للعلامة السيد سليمان الندوي - ﵀ -.","vol":"1","page":2},{"text":"بعظمة تراثنا التشريعي، فكيف يتنكر له بعض المسلمين، ونحن أحوج ما نكون إلى التمسك به، بعد أن عانى المسلمون وطأة الإستعمار فترة طويلة، وذاقوا مرارة التفرقة والهوان، بعد أن كانوا سادة العالم.\n\nنحن - في نهضتنا - بحاجة إلى الرجوع إلى شريعتنا، إلى قرآننا وسُنَّة رسولنا، بعد أن حطمنا القيود، ونقضنا غبار الجهالة، ومزَّقنا عصابة العماية عن العيون، فلا بد لإتمام تحرُّرنا من أنْ نتخلَّص من هذه الأفكار التي تسرَّبت إلى صفوفنا، وحملها بعض إخواننا وأبنائنا، سواء أكان هذا عن حسن نية منهم أم عن سوء نية، لأنها تخدم أعداءنا الذين لا يسرهم اجتماع كلمتنا وسعادتنا.\n\nولما كانت السنة مُبيِّنة للقرآن الكريم، ولا يمكن الاستغناء عنها، ولما كان الواقع في حفظ السُنَّة يخالف ما ادعاه المغرضون، كان لا بد من تناول السُنَّة بدراستها وبحث تاريخها، وقد بيَّن الأصوليون وبعض المُحدِّثين مكانة السُنَّة من التشريع الإسلامي، وبقي أن تُبيِّن الحقيقة التاريخية للسُنَّة وكيف اعتنى السلف الصالح بها وحفظها ونقلها قبل أن تصلنا في كتبها المشهورة.\n\nوقد رأيت أن أتناول هذا الجانب من البحث في فترة ما قبل التدوين، وأقصد بالتدوين هنا التدوين والتصنيف المشهور، الذي كان في مطلع القرن الهجري الثاني تمشيًا مع عرف علماء الحديث، والذي يعود الفضل فيه إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، فليكن هذا هو التدوين الرسمي، ذلك لأنه قد ثبت تدوين جانب من السُنَّة في عهده - ﷺ - وعهد الصحابة.\n\nتلك أسباب لاختيار هذا الموضوع، وسبب آخر هو أنه لم يسبق لأحد أنْ بَحَثَ كيف اجتازت السُنَّة تلك الحقبة بحثًا دقيقًا وافيًا، إنما كان بحث السلف في هذه الناحية لا يعدو ذكر لمحات عن تلك الحقبة، لاقتناعهم واقتناع المسلمين بأنَّ","vol":"1","page":3},{"text":"السُنَّة قد حفظت على أحسن وجه، بفضل حُفَّاظها وعلمائها، لهذا توزعت مادة البحث في مراجع كثيرة، في كتب الحديث وشروحها، وكتب مصطلحه وعلومه، وفي تراجم الرُواة، وكتب التاريخ والأصول وغيرها، وإذا كانت هذه النتف تشكل معظم مادة الموضوع، فإنها لا تعطي - كما هي - صورة كاملة عن حقيقة السُنَّة وحفظها آنذاك.\n\nهكذا أقدمت على دراسة السُنَّة في تلك الفترة، من خلال أمهات المصادر، المخطوط منها والمطبوع، قديمًا وحديثًا، ويممت شطر أمهات دور الكتب العامة والخاصة، في دمشق وحلب والقاهرة .. ورجعت إلى مخطوطات نادرة، كما صَوَّرْتُ بعض المخطوطات من البلاد التي لم تتيسَّرْ لي زيارتها، فكان البحث شاقًا من جهة، ويتطلَّب الدقة من جهة أخرى، واضحًا حينًا، ومُعَقَّدًا أحيانًا، ومع هذا تابعت البحث بروح علمية، يحدوني الصبر، وتعللني ومضات الأمل. وكان لإشراف فضيلة الأستاذ علي حسب الله وتشجيعه، أثر طيب في إخراج هذا الموضوع بثوب جديد، يصوِّرُ السُنَّة في تلك الفترة تصويرًا دقيقًا، من حيث عناية الأمَّة بها وحفظها، والاهتمام بنقلها، والتثبت في روايتها على أسلم القواعد العلمية، وكتابتها ونشاط العلماء في تبليغها، وحرصهم على صيانتها، وعوامل انتشارها، ودراسة الأسباب التي كادت تسيء إليها، وجهود العلماء في سبيل حفظها.\n\nوقد تعرضتُ لكثير من الشبهات والآراء، وناقشتها، ورددت عليها، وبيَّنت وجه الحق مدعمًا بالأدلة والبراهين، فكان الموضوع في تمهيد وخمسة أبواب وخاتمة.","vol":"1","page":4},{"text":"التمهيد، وفيه:\nأولًا: التعريف بالسُنَّة لغة وشرعًا.\nثانيًا: موضوع السُنَّة ومكانتها من القرآن الكريم.\n\nالباب الأول: السُنَّة في العهد النبوي.\nوفيه تحدَّثتُ عن الرسول - ﷺ - من حيث هو معلم ومربّ، وبيَّنتُ موقفه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - من العلم، ومنهجه في التبليغ، وتعليم أصحابه - ﵃ -، وكيف كان الصحابة يتلقون السُنَّة عنه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.\n\nالباب الثاني: السُنَّة في عصر الصحابة والتابعين، وفيه فصلان:\n\nالفصل الأول، وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: تأسِّي الصحابة والتابعين بالرسول - ﷺ - وتمسُّكهم بسُنَّته.\nالمبحث الثاني: احتياط الصحابة والتابعين وورعهم في رواية الحديث.\nالمبحث الثالث: ثتبُّت الصحابة والتابعين في قبول الحديث.\nالمبحث الرابع: كيف رُوِيَ الحديث في ذلك العصر باللفظ أم بالمعنى؟\n\nالفصل الثاني، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: النشاط العلمي في عصر الصحابة والتابعين.\nالمبحث الثاني: انتشار الحديث في عصر الصحابة والتابعين.\nالمبحث الثالث: الرحلة في طلب الحديث.","vol":"1","page":5},{"text":"الباب الثالث: الوضع في الحديث، وفيه أربعة فصول:\n\nالفصل الأول: ابتداء الوضع وأسبابه.\nالفصل الثاني: جهود الصحابة والتابعين ومن تبعهم في مقاومة الوضع وحفظ الحديث.\nالفصل الثالث: آراء بعض المستشرقين وأشياعهم في السُنَّة ونقدها.\nالفصل الرابع: أشهر ما أُلِّف في الرجال والموضوعات، وهو ثمار جهود العلماء في المحافظة على الحديث.\n\nالباب الرابع: متى دُوِّن الحديث؟ وفيه ثلاثة فصول:\n\nالفصل الأول: حول تدوين الحديث، وفيه أخبار حول كتابة السُنَّة، وأخرى حول كراهية كتابتها، ومناقشة الأخبار وخلاصة هذه المناقشة.\nالفصل الثاني: ما دُوِّنَ في عصر الرسول - ﷺ - وفي صدر الإسلام.\nالفصل الثالث: آراء في التدوين.\n\nالباب الخامس: بعض أعلام رُواة الحديث من الصحابة والتابعين، وفيه فصلاة:\n\nالفصل الأول: بعض أعلام الرُواة من الصحابة.\nوفيه تعريف الصحابي، وعدالة الصحابة، ثم ترجمة المكثرين من الحديث منهم وهم:\n١ - أبو هريرة.\n٢ - عبد الله بن عمر.\n٣ - أنس بن مالك.\n٤ - عائشة أم المؤمنين.\n٥ - عبد الله بن عباس.\n٦ - جابر بن عبد الله.\n٧ - أبو سعيد الخدري.","vol":"1","page":6},{"text":"الفصل الثاني: بعض أعلام الرُواة من التابعين:\n١ - سعيد بن المسيب.\n٢ - عروة بن الزبير.\n٣ - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.\n٤ - نافع مولى ابن عمر.\n٥ - عبيد الله بن عبد الله.\n٦ - سالم بن عبد الله بن عمر.\n٧ - إبراهيم النخعي.\n٨ - عامر الشعبي.\n٩ - علقمة النخعي.\n١٠ - محمد بن سيرين.\n\nوقد يتبادر للوهلة الأولى أنه يمكننا الاستغناء عن الباب الخامس، بما جاء في كتب التراجم، ولكني رأيت من الأهمية بمكان أن أدرس بعض رجال الحديث من الصحابة والتابعين، لأُقَدِّم نموذجًا عظيمًا عن القلوب الواعية التي حفظت السُنَّة، والأيدي الطاهرية التي نقلتها بأمانة وإخلاص، على أسلم قواعد التثبت العلمي، وبخاصة أنَّ بعض أهل الأهواء والمستشرقين، كانوا قد طعنوا في مشاهير الرُواة منهم، فرأيت إتمامًا للبحث أنْ أُفَنِّدَ طعونهم وافتراءاتهم حين أترجم لهم، وأبيِّنُ الحق من الباطل، بعد أنْ أصحبت أمهات كتب تراجم رجال الحديث في عصرنا نادرة جِدًّا، وقد يعْسر على طلاب العلم الرجوع إليها، فرجح عندي الإقدام على ضم هذا الباب إلى الموضوع، وبهذا أكونُ قد بيَّنْتُ حياة السُنَّة في هذه الحقبة، ودرست مشاهير حُفَّاظها ونَقَلَتِهَا.\n\nوكانت الخاتمة خلاصة عامة للبحث.\n\nوإني لأرجو الله الكريم أنْ أكون قد وُفِّقْتُ لعرض الموضوع بشكل يحقق الغاية منه، فإني لم آلًُ جهدًا، ولم أدَّخِرْ وُسعًا للوصول إلى الحقيقة، وأنا مع هذا لا أدَّعي الكمال في بحثي، وكل ما قُمتُ به لا يعدو محاولة علمية لدراسة السُنَّة وتاريخها في فترة معينة على منهج علمي يسهل الرجوع إليه.","vol":"1","page":7},{"text":"وأسأل الله - ﷿ - أنْ يوفق الأجيال إلى دراسة الشريعة الإسلامية الخالدة، وفهمها وتطبيقها، وأنْ يجمع العرب والمسلمين جَمِيعًا على كتاب الله وسُنَّة رسوله، ليهتدي بهديه، وتعيد للعالم نضارته، وتُحَقِّقَ سعادته، كما حقَّقَها أسلافنا العظام.\n\nوأخيرًا أشكر فضيلة أستاذي المشرف، الذي شملني بعطفه وتوجيهاته، مع كثرة واجباته وتبعاته، وضيق وقته، كما أشكر كل مَنْ ساعدني مِنْ أساتذتي وإخواني، وسهَّل مُهمَّتي.\n\nوختامًا أرجو كل من يطَّلع على هذ البحث فيجد ما يحتاج إلى تعديل أو تبديل، أن يفيدني بما عنده، والله أسأله الرشاد والسداد.\n\n...\n٢٩ جمادى الأولى ١٣٨٢ هـ\n٢٨ أكتوبر (تشرين الأول) ١٩٦٢ م\n\nمحمد عجاج الخطيب","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تَمْهِيدٌ:</span>\n- التعريف بالسُنَّة لغة وشرعًا ...\n- موضوع السُنَّة ومكانتها من القرآن الكريم.\n\nختم الله - ﷿ - رسالات السماوات العلا إلى الأرض، برسالة الإسلام، فبعث محمدًا - ﷺ - رسولًا هاديًا، مُبشرًا ونذيرًا، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (١).\n\nونبأه بذلك عام ٦١٠ من ميلاد عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بعد أربعين سَنَة من مولده - ﷺ -، فشرَّفه الله - ﷿ - بحمل الرسالة السامية الخالدة، إلى الناس كافة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢).\n\nوأمره أنْ يبلِّغ أحكام الإسلام وتعاليمه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٣).\n\nوأمره أن يدعو أهله وعشيرته إلى الإسلام فقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). ليهدي قومه إلى سبيل الرشاد، فيحملوا عبء تبليغ الرسالة إلى الأمم الأخرى،\n_________\n(١) [سورة الأحزاب، الآية: ٤٦].\n(٢) [سورة الأعراف، الآية: ١٥٨].\n(٣) [سورة المائدة، الآية: ٦٧].\n(٤) [سورة الشعراء، الآية: ٢١٤ - ٢١٥].","vol":"1","page":9},{"text":"فيكون لهم شرف المُبَلِّغ الهادي، ويخلد اسمهم أبد الدهر كما أراد الله للرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وللأمَّة العربية التي انطلقت تحرِّرُ العالم من الظلم والطغيان، وتوجه مركب الإنسانية إلى شاطئ السلام، وتخرجه من الظلمات إلى النور سالكة سبيل الهداية والحق بعد أن تنكب الناس الصراط المستقيم، وتخبطوا في غياهب الجهالة والضلال. تتقاذفهم أمواج الأهواء كما تشاء، وتحملهم أعاصير الجبابرة كالهباء.\n\nإلاَّ أنَّ هداية العرب لم تكن سهلة، بل تحمَّلَ السلو الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - في سبيلها المشاق الكثيرة، وأُوذِيَ في جسمه وماله وأهله وأصحابه ووطنه، وكان يدعو ليلا ًونهارًا وسرًّا وإعلانًا، ويسأل الله السداد والرشاد، متطلِّعًا إلى هداية قومه ليتحمَّلوا الرسالة ويؤدوا الأمانة.\n\nلقد أحِيَ إلى الرسول - ﷺ -، وقومه على دين آبائهم، وثنية وأصنام، يسودهم النظام القبلي، وتربط بينهم صلة القرابة والدم، لا يحكمهم نظام عام، بل يخضعون للعادات والأعراف، يدفعهم الشرف والمفاخرة بالأنساب إلى المنافسة في المكارم والمروءات، يعيشون في حلقة القبيلة والأسرة، في إطار الجزيرة العربية.\n\nوكان لهذا أثر بعيد في صفاء نفوسهم ومحافظتهم على أمجادهم وعاداتهم، وتفانيهم في سبيل مثلهم الأعلى، حتى كانوا يسرفون في ذلك، فهم كرام يبذلون ما يستطيعون للضيف، فيبلغون في ذلك حدَّ الإسراف.\n\nويأبون العار ولو أدى بأعز ما لديهم إلى الردى، ولهذا وَأَدُوا بناتهم خشية الفقر والزلل. ويحبُّون تحقيق الأمجاد والبطولات، ولكنهم ضلوا الطريق وحرموا العقيدة الموصلة إلى ذلك، ترى العفة والكرامة من أخلاقهم،","vol":"1","page":10},{"text":"والكرم والشجاعة من سجاياهم، والحمية والثأر تسير في عروقهم، فلا ينامون على ضيم، وويل لمن غضب عليه العرب، إذْ كانوا يثورون لأتفه الأسباب، يكفي أنْ يستفز القبيلة فردٌ أهينت كرامته، فتنطلق جميعها كبارًا وصغارًا تدفع عنه ما أصابه، لأنَّ كرامة الفرد من كرامة القبيلة، وإلى هذا يمكننا أنْ نَرُدَّ أكثر الغزوات والغارات التي كانت بين القبائل قبل الإسلام.\n\nوقد حفظت ذاكرتهم القوية أشعارهم وأنسابهم التي كانت بمثابة سجل تاريخي لهم، وكان كل ذلك من المؤهلات التي أعدَّتْهُم لحمل الرسالة الإسلامية فيما بعد.\n\nوإذا كانوا قد عبدوا الأوثان فإنهم لم يروها خالقة مدبِّرة لأمور الكون وشؤونه، بل عبدوها زُلْفَى إلى الله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١).\nولم تكن عقائدهم معقدة مركبة كما كانت عليه عقائد سكان البلاد المجاورة من الفرس والهند، بل كانوا أصفياء النفوس، ويمكننا أنْ نقول: إنَّ عندهم فراغا عقديًا تستره تلك العبادات والمعتقدات الأولية، التي لم تقف على قدميها أمام عقيدة الإسلام المتماسكة الكاملة. ولهذا كان العرب يمتازون عن غيرهم من الأمم بتلك الصفات التي أهَّلَتْهُم فيما بعد لأنْ يكونوا جنود الإسلام وحملة لوائه إلى العالم.\n\nومع هذا لم يكن من السهل أنْ يستجيب العرب جَمِيعًا إلى دعوة الرسول الكريم بادئ ذي بدء، إذْ كان من الصعب أنْ يتركوا دين آبائهم وأجِدًّادهم، فإذا ما دعاهم إلى الله قال له أقرب الناس إليه: تبًّا لك!! ألهذا دعوتنا؟ وأوذي - ﷺ - في سبيل دعوته كثيرًا، ولم يؤمن به إلاَّ نفر قليل: زوجه،\n_________\n(١) [سورة الزمر، الآية: ٣].","vol":"1","page":11},{"text":"وبعض ذويه، وقليل من أهله. وكان لا يفتر عن دعوتهم، ويسخرون منه فيزداد نشاطًا وحيوية وراء أمله، ويصوِّرُهم الله تعالى في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (٢). إلاَّ أنَّ الباطل لا يقوى أمام الحق، فسرعان ما يتقوَّض، ويظهر ضعفه، كما يتلاشى الظلام حين يكون وراءه النور الساطع.\n\nوهكذا بدأ الإسلام يستولي على القلوب في مكة رُويدًا رُويدًا، ثم انتشر بين بعض سكان يثرب (المدينة المنورة)، وازداد إيذاء المشركين للمسلمين واضطروهم إلى هجر وطنهم فرارًا بدينهم.\n\nوفي المدينة بدأت الدولة الإسلامية منظمة برياسة رسول الله - ﷺ -، وانتشر خبر الإسلام في أطراف الجزيرة، ولم تمنع أضاليل المشركين العرب من الدخول في دين الله، دين المساواة والعدالة، عقيدة سهلة سامية، إيمان بالله وطاعة لرسول الله، وعبادات تدخل السعادة والطمأنينة إلى النفوس، نظام يضبط الجماعة ويُؤَمِّنُ حقوق الأفراد ... كل هذا جعل القبائل العربية تتهافت إلى المدينة من كل حَدَبٍ وصوبٍ، يعلنون إسلامهم، وعمَّ الإسلام الجزيرة العربية بعد الفتح الأكبر، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وانقلبت مكة والمدينة بل الجزيرة العربية إلى موطن إسلامي متماسك تنبع منه إشعاعات الهداية لتنير العالم.\n\nوقد تم ذلك للرسول الكريم خلال اثنتين وعشرين سَنَةً وبضعة أشهر.\n_________\n(١) [سورة البقرة، الآية: ١٧٠].\n(٢) [سورة المائدة، الآية: ١٠٤].","vol":"1","page":12},{"text":"وخرج العرب باعتناقهم هذا الدين الحنيف من نطاق القبيلة المغلق إلى صعيد الإنسانية الواسع، ومن إطار الصحراء إلى العالم الشاسع، وانقلبت رابطة الدم والقرابة إلى الأُخُوَّة في الدين، وانتهى نظام القبيلة وحلَّ مكانه نظام الدولة الإسلامية في مختلف مرافق الحياة وانتقلت حميَّتُهُم للقبيلة إلى نُصرة الحق، وأصبح اعتزازهم بالإسلام وبما يقدمونه من تضحيات وخدمات بدلًا من اعتزازهم بالأنساب، واتجه حُبُّهُم للأمجاد والبطولات صعدًا إلى تحقيق ما يُرضِي الله ورسوله، وتحوَّلَتْ شجاعتهم وجُرأتهم المحصورة في النطاق القبلي إلى شجاعة وجرأة في سبيل نشر الدين الجديد، وتحوَّل كرمهم الذي بلغ حَدَّ السرف إلى إعانة الفقراء وإغاثة الملهوفين، وتزويد الجيوش للدفاع عن معتقداتهم وعن إخوانهم في الدين، وتحرير الأمم من نير العبودية إلى الحرية وعبادة إله واحد ... فكان الإسلام شرفًا عظيمًا لهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (١) وكان العرب بحقٍّ كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢).\n\nيتبيَّنُ لنا مما ذكرت أنَّ هؤلاء العرب الذين انطوت نفوسهم على صفات كريمة، وخصال طيبة، وراءها دوافع قوية وحيويَّة فائقة، كان ينقصهم العقيدة الصالحة، والنظام الحسن، فما إنْ وجدوهما في الإسلام دين الحنيفية السمحة، حتى كانوا خير حافظ لها، وأول داع إليها، ومن ثمَّ فتحوا قلوبهم للرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وأصغوا إليه، والتفوا حوله\n_________\n(١) [سورة الزخرف، الآية: ٤٤] وإنه لذكر: أي لشرف عظيم. انظر \" تفسير أبي السعود \": ص ٤٥ جـ ٥.\n(٢) [سورة آل عمران، الآية: ١١٠].","vol":"1","page":13},{"text":"ينهلون من المعين الذي لا ينضب، ويتلقون تعاليم الإسلام من رائده ليقوموا بدورهم في هداية الناس جَمِيعًا، وهكذا تضافر العامل الفطري الذي تميَّز به العرب مع العامل المكتسب الجديد (الروحي)، فظهر الرعيل الأول الذي حمل مشعل النور والحق إلى العالم، ونقل القرآن الكريم والسُنَّة المطهَّرة بكل أمانة وإخلاص. ولما كان موضوعنا متعلِّقًا بالسُنَّة، فلننتقل إلى التعريف بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أَوَّلًا - التَّعْرِيفُ بِالسُنَّةِ:</span>\n١ - السُنَّة فِي اللُّغَةِ:\n\nالسُنَّة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة. قال خالد بن عتبة الهذلي:\nفَلاَ تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرةٍ أَنتَ سِرْتَهَا * ... * ... * فأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا\n\nوسننتها سنًا واستننتها سرتها، وسننت لكم سنة فاتبعوها.\nوفي الحديث: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً» (١)، يريد من عملها ليقتدى به فيها.\nوكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده، قيل هو الذي سنَّهُ.\nقال نُصَيْبٌ:\nكأَنِّي سَنَنتُ الحُبَّ، أَوَّلَ عاشِقٍ * ... * ... * مِنَ النَّاسِ، إِذْ أَحْبَبْتُ مِنْ بَيْنِهم وَحْدِي\n_________\n(١) روى الإمام مسلم بسنده عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ - «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». \" صحيح مسلم \": ص ٧٠٥ جـ ٢ وص ٢٠٥٩ جـ ٤.","vol":"1","page":14},{"text":"وقد تكرَّرَ في الحديث ذكر السُنَّة وما تصرف منها. والأصل فيه الطريقة والسيرة.\n\nوإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي - ﷺ -، ونهى عنه، وندب إليه قولًا وفعلًا، ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسُنَّة، أي القرآن والحديث.\nويجوز أن يكون لفظ (سُنَّة) من سننت الإبل إذا أحسنت رعيتها والقيام عليها (١).\n\n٢ - السُنَّةُ فِي الشَّرْعِ:\n\nيختلف معنى السُنَّةِ في اصطلاح المتشرعين حسب اختلاف فنونهم وأغراضهم، فهي عند الأصوليين غيرها عند المُحَدِّثين والفقهاء، ولذلك نرى مدلول معناها من خلال أبحاثهم.\n(أ) فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله - ﷺ - الإمام الهادي، الذي أخبر الله عنه أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كل ما يتَّصل به من سيرة، وخُلُقٍ، وشمائل، وأخبار، وأقوال، وأفعال، سواء أثْبَتَ ذلك حُكمًا شرعيًا أم لا.\n(ب) وعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله - ﷺ - المُشرِّع الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده، ويُبيِّنُ للناس دستور الحياة، ولذلك عنوا بأقواله، وأفعاله، وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها.\n(جـ) وعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله - ﷺ -، الذي تدُلُّ\n_________\n(١) \" لسان العرب \": في مادة (سنن).","vol":"1","page":15},{"text":"أفعاله على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع في أفعال العباد وجوبًا أو حرمة، أو إباحة، أو غير ذلك (١).\n\nمما تقدم يتلخَّص لدينا ما يلي:\n\nالسُنَّة في اصطلاح المُحَدِّثِينَ هي: كل ما أُثِرَ عن النبي - ﷺ - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صِفة خَلقية أو خُلُقيَّة، أو سيرة سواء أكان ذلك قبل البعثة كتحَنُّثِهِ في غار حراء، أو بعدها.\nوالسُنَّة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي.\n\nالسُنَّة في اصطلاح علماء أصول الفقه: هي كل ما صدر عن النبي - ﷺ - غير القرآن الكريم، من قول، أو فعل، أو تقرير، مما يصلح أنْْ يكون دليلًا لحكم شرعي.\n\nأما القول فهو أحاديثه - ﷺ - التي قالها في مختلف الأغراض والمناسبات، فترتَّب على ذلك حكم شرعي، كقوله - ﷺ - «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وقوله: «لاَ ضَرَر وَلاَ ضِرَارَ» (٢) وقوله في زكاة الزروع: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرَ، وَمَا سُقِىَ بِالنَّضْحِ نِصْفَ الْعُشْرِ» (٣) وقوله في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٤).\n_________\n(١) انظر \" فتح الغفار بشرح المنار \": ص ٧٥ جـ ٢ و\" المدخل إلى السُنَّة وعلومها \": ص ٧ و\" السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٦١.\n(٢) انظر \" سُبُل السلام \": ص ٨٤ جـ ٣ ورواه الإمام أحمد وابن ماجه.\n(٣) \" فتح الباري\": ص ٩٠ جـ ٤، والعثري: ما امتدَّت عروقه فضرب من نهر أو مستنقع من غير سقي.\n(٤) انظر \" سُبُل السلام \": ص ١٤ جـ ١ وأخرجه الأربعة وأبو بكر بن أبي شيبة.","vol":"1","page":16},{"text":"وأما الفعل فهو أفعاله التي نقلها إلينا الصحابة، مثل أدائه الصلوات الخمس بهيئاتها وأركانها، وأدائه - ﷺ - مناسك الحج، وقضائه بالشاهد واليمين (١)، وما إلى ذلك.\n\nوأما التقرير فكل ما أقرَّهُ الرسول - ﷺ - مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال، بسكوت منه وعدم إنكار، أو بموافقته وإظهر استحسانه وتأييده، فيُعْتبَرُ ما صدر عنهم بهذا الإقرار والموافقه عليه صادرًا عن الرسول - ﷺ -، ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخُدري - ﵁ - أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء فحضرت الصلاة فتيمَّما صعيدًا طيِّبًا، فصلَّيا ثم وجِدًّا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا النبي - ﷺ -، فذكرا ذلك له، فقال الذي لم يعد: «أَصَبْتَ السُنَّةَ» وقال للآخر: «لَكَ الأَجْرَ مَرَّتَيْنِ» (٢).\n\nومنه أَيْضًا إقراره الاجتهاد للصحابة في أمر صلاة العصر في غزوة بين قريظة، حين قال لهم: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدكُمْ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، ففهم بعضهم هذا النهي على حقيقته، فأخَّرها إلى ما بعد المغرب، وفهمه بعضهم على أنَّ المقصود حث الصحابة على الإسراع فصلاَّها في وقتها، وبلغ النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ما فعل الفريقان، فأقرَّهُما ولم ينكر على أحدهما (٣). ومنه إقرارُهُ لطريقة معاذ بن جبل في القضاء حينما بعثه إلى اليمن. إذْ قال له: «كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ\n_________\n(١) ثبت قضاء الرسول - ﷺ - بشاهد ويمين، راجع \" مسند الإمام أحمد \": الأحاديث رقم ٢٢٢٤ و٢٨٨٨ و٢٩٦٩ و٢٩٧٠ جـ ٤ و\" سبل السلام \": ص ١٣١ جـ ٤.\n(٢) \" سبل السلام \": ص ٩٧ جـ ١ رواه أبو داود والنسائي.\n(٣) \" المدخل إلى السنة وعلومها \": ص ١٠، و\" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٦٠.","vol":"1","page":17},{"text":"اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي لاَ آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» (١).\n\nوأما السُنَّة في اصطلاح الفقهاء: فهي كل ما ثبت عن النبي - ﷺ - ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب، فهي الطريقة المتبعة في الدين من غير افتراض ولا وجوب.\n\nوقد تطلق السُنَّة عند الفقهاء في مقابلة البدعة (٢). والبدعة لغة: الأمر المستحدث، ثم أطلقت في الشرع على كل ما أحدثه الناس من قول وعمل في الدين وشعائره مما لم يؤثر عنه - ﷺ - وعن أصحابه. وقد قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٣).\n\nومن ذلك قولهم «فُلاَنٌ عَلَى سُنَّةٍ» إذا عمل على وفق ما عمل النبي - ﷺ - وأصحابه، سواء أكان ذلك مما نص عليه في الكتاب أم لم يكن، وقولهم: «فُلاَنٌ عَلَى بِدْعَةٍ» إذا عمل على خلاف ما عملوه أو أحدث في الدين ما لم يكن عليه السلف.\n\nوتُطلَقُ السُنَّةُ أحيانًا عند المُحَدِّثِينَ وعلماء أصول الفقه على ما عمل به أصحابُ رسول الله - ﷺ -، سواء أكان ذلك في الكتاب الكريم أم في المأثور عن النبي\n_________\n(١) \" إعلام الموقعين \": ص ٢٠٢ جـ ١.\n(٢) انظر \" المدخل إلى السنة وعلومها \": ص ١٠ و\" السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٦١ عن \" إرشاد الفحول \": ص ٣١، و\" تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها \": ص ٢٢ و\" تاريخ التشريع الإسلامي \": ص ٦٤.\n(٣) \" صحيح مسلم \": ص ١٣٤٣ جـ ٣.","vol":"1","page":18},{"text":"- ﷺ - أم لا (١). ويحتج لذلك بقوله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (٢)، وقوله أَيْضًا: «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» (٣).\n\nومن أبرز ما ثبت من السُنَّة بهذا المعنى «سُنَّةُ الصَّحَابَةِ» حَدَّ الخمر، وتضمين الصناع، وجمع المصاحف في عهد أبي بكر برأي الفاروق، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين ... وما أشبه ذلك مما اقتضاه النظر المصلحي الذي أقرَّهُ الصحابة - ﵃ - (٤).\n\nوأعني بالسُنَّة في بحثي هذا ما أراده المُحَدِّثُونَ، وهي ما يرادف الحديث عند جمهورهم. وإنْ كان بعضهم يُفرِّقُ بينهما. فيرى الحديث ما ينقل عن النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، والسُنَّة ما كان عليه العمل المأثور في الصدر الأول، ولذلك قد تَرِدُ أحاديث تخالف السُنَّةَ المعمول بها، فيلجأ العلماء حينئذٍ إلى التوفيق والترجيح، وعلى ذلك يحمل قول عبد الرحمن بن مهدي: «لَمْ أرَ أَحَدًا قَطُّ أَعْلَمَ بِالسُنَّةِ وَلاَ بِالحَدِيثِ الذِي يَدْخُلُ فِي السُنَّةِ مِنْ حَمَّادٍ بْنَ زَيْدٍ» (٥).\n\nوكذلك قوله عندما سئل عن سفيان الثوري والأوزاعي ومالك: «سُفْيَانُ\n_________\n(١) انظر \" المدخل إلى السنة وعلومها \": ص ١١ و\" الحديث والمحدثون \": ص ٩ و\" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٦٠.\n(٢) من حديث طويل رواه العرباض بن سارية: \" سنن أبي داود \": ص ٥٠٦ جـ ٢، الطبعة الأولى لمصطفى البابي الحلبي: سَنَةَ ١٣٧١ هـ.\n(٣) انظر \" المقاصد الحسنة \": ص ١٥٨، و\" سنن ابن ماجه \": ص ١٣٢٢ جـ ٢ و\" الموافقات \": ص ٥ - ٦ جـ ٤.\n(٤) انظر \" المقاصد الحسنة \": ص ١٥٨، و\" سنن ابن ماجه \": ص ١٣٢٢ جـ ٢ و\" الموافقات \": ص ٥ - ٦ جـ ٤.\n[تنبيه]: في الطبعة الثانية: رمضان ١٤٠٨ هـ - أبريل ١٩٨٨ م، نشر مكتبة وهبة - مصر ورد في الهامش الآتي: (٣ و٤) انظر \" المدخل إلى السنة وعلومها \": ص ١١ - ١٣ و\" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٦٠.\n(٥) تقدمة \" الجرح والتعديل \": ص ١٧٧.","vol":"1","page":19},{"text":"الثَّوْرِيُّ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي السُّنَّةِ، وَالأَوْزَاعِيُّ إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الْحَدِيثِ، وَمَالِكٌ إِمَامٌ فِيهِمَا جَمِيعًا» (١).\n\nومما يدل على أنَّ السُنَّة هي العمل المُتَّبَع في الصدر الأول قول علي بن أبي طالب لعبد الله بن جعفر عندما جلد شارب الخمر أربعين جلدة: «كُفَّ. جَلَدَ رَسُولُ اللِه - ﷺ - أَرْبَعَينَ وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعَينَ، وَكَمَلَهَا عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ» (٢).\n\nوبعد أن بيَّنْتُ معنى السُنَّة لغة وشرعا أرى من واجبي أن أبيِّنَ معاني بعض الألفاظ التي تداولها أهل هذا الفن في علمهم.\n\n٣ - معنى الحديث والخبر والأثر:\n\nالحديث لغة: الجديد من الأشياء، والحديث الخبر يأتي على القليل والكثير، والجمع أحاديث كقطيع وأقاطيع وهو شاذ على غير قياس.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٣)، عني بالحديث القرآن الكريم، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٤) أي بَلِّغْ ما أرسلت به (٥).\n\nفالحديث والخبر في اللغة مترادفان من وجه.\n\nوقد تطور استعمال هذا اللفظ، وأصبح يطلق على نوع خاص من الأخبار في الأوساط الدينية بدون أن يخرجه ذلك عن معناة العام، يقول ابن مسعود:\n_________\n(١) انظر \" الزرقاني على الموطأ \": ص ٣ جـ ١.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٤٨ - ٤٩ حديث ٦٢٤ جـ ٢.\n(٣) [سورة الكهف، الآية: ٦].\n(٤) [سورة الضحى، الآية: ١١].\n(٥) \" لسان العرب \" في مادة (حديث): ص ٤٣٨ جـ ٢.","vol":"1","page":20},{"text":"«إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -» وهكذا أصبح القرآن أحسن الحديث، ثم حدَّدَ معنى الحديث أخيرًا بأخبار الرسول، سأل أبو هريرة رسول الله - ﷺ -، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فقال له الرسول: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلاَّ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ» (١).\n\nوقد سبق أن ذكرتُ معنى الحديث مرادفًا للسُنّة عند المُحَدِّثِينَ، وقيل الحديث ما جاء عن النبي - ﷺ - والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثم قيل لمن يشتغل بالسُنَّة مُحَدِّثٌ، وبالتواريخ ونحوها إخباري» (٢).\n\nوقال ابن حجر في \" شرح نخبة الفكر \": «الخَبَرُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْفَنِّ مُرَادِفٌ لِلْحَدِيثِ، فَيُطْلَقَانِ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَعَلَى الْمَوْقُوفِ وَالْمَقْطُوعِ»، فيشمل ما جاء عن الرسول - ﷺ - وعن الصحابة والتابعين، وقيل بينهما عموم وخصوص مطلق فكل حديث خبر ولا عكس.\n\nوقد سمَّى المُحَدِّثُونَ المرفوع والموقوف من الأخبار (أثرًا). إلاَّ أنَّ فقهاء خراسان يُسمُّون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر (٣).\n\nفخلاصة القول:\nإذا أطلق لفظ (الحديث) أريد به ما أضيف إلى النبي - ﷺ -\n_________\n(١) \" نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي \": ص ١١٦ والحديث أخرجه البخاري \" فتح الباري\": ص ٢٠٤ جـ ١.\n(٢) انظر \" تدريب الراوي \": ص ٦ و\" منهج ذوي النظر \": ص ٨.\n(٣) انظر المرجع السابق: ص ٦ و\" منهج ذوي النظر \": ص ٨ و\" المنهج الحديث في علوم الحديث \": ص ٣١.","vol":"1","page":21},{"text":"من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقية أو خُلُقية. وقد يراد به ما أضيف إلى صحابي أو تابعي، ولكن الغالب أن يقيد إذا ما أريد به غير النبي - ﷺ -.\n\nويطلق الخبر والأثر ويراد بهما ما أضيف إلى النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وما أضيف إلى الصحابة والتابعين وهذا رأي الجمهور. إلاَّ أنَّ فقهاء خراسان يسمُّون الموقوف أثرًا والمرفوع خبرًا.\n\nالحديث القدسي:\n\nوكل حديث يضيف فيه رسول الله - ﷺ - قولًا إلى الله - ﷿ - يُسمَّى بالحديث القدسي أو الإلهي، والأحاديث القدسية أكثر من مائة حديث، وقد جمعها بعضهم في جزء كبير (١)، ونسبة الحديث إلى القدس (وهو الطهارة والتنزيه) وإلى الإله أو إلى الرب، لأنه صادر عن الله - ﵎ - «من حيث إنه المتكلِّم به أولًا والمنشئ له. وأما كونه حديثًا، فلأنَّ الرسول هو الحاكي له عن ربه - ﷿ -، والفرق بينه وبين سائر الأحاديث، أنَّ هذه نسبتها إليه، وحكايتها عنه فهو القائل وهو الحاكي عن نسفه، وأما تلك فلا» (٢).\n_________\n(١) انظر \" قواعد التحديث \": ص ٣٩، وانظر \" الفرق بين الحديث القدسي والقرآن الكريم والحديث النبوي \": لنوح بن مصطفى الحنفي القونوي، مخطوطة دار الكتب المصرية (مجاميع تيمور ٣٣): ص ٧١ - ٧٢.\n(٢) \" المنهج الحديث في علوم الحديث \": ص ٣١، وقال: «وأما الفرق بينه وبين القرآن فقد ذكروا للقرآن مزايا لم تكن لتلك الأحاديث فقالوا [١] القرآن معجزة باقية على مر الدهور محفوظة من التغيير والتبديل، متواترة اللفظ في جميع الكلمات والحروف والأسلوب. [٢] حرمة روايته بالمعنى. [٣] حرمة مسِّهِ للمُحْدِثِ وتلاوته لنحو الجُنُب. [٤] تَعَيُّنُهُ في الصلاة. [٥] تسميته قرآنًا. [٦] التَعَبُّدُ بقراءته بكل حرف منه عشر حسنات. [٧] امتناع بيعه في رواية أحمد وكراهيته عند الشافعي. [٨] تسمية الجملة منه آية، ومقدار من الآيات مخصوص سورة =","vol":"1","page":22},{"text":"وقبل أن ندخل الباب الأول من الكتاب أرى من الواجب أنْ أبيِّنَ موضوع السُنَّة ومكانتها من القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>ثَانِيًا - مَوْضُوعُ السُنَّةِ وَمَكَانَتُهَا مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ: </span>(١)\nلم يكن للأحكام في عهد رسول الله - ﷺ - مصدر سوى الكتاب والسُنَّة. ففي كتاب الله تعالى الأصول العامة للأحكام، دون التعرض إلى تفصيلها جميعها والتفريع عليها، إلاَّ ما كان منها متفقًا مع الأصول ثابتًا بثبوتها، لا يتغيَّر بمرور الزمن، ولا يتطور باختلاف الناس في بيئاتهم وأعرافهم، كل هذا حتى يساير القرآن الكريم كل زمن، ويبقى صالحًا لكل أمَّة، مهما كانت بيئتها وأعرافها، فتجد فيه ما يكفل حاجتها التشريعية في سبيل النهوض والتقدم. وإلى جانب هذه الأصول في القرآن الكريم نجد العقائد والعبادات وقصص الأمم الغابرة، والآداب العامة والأخلاق ..\n\nوقد جاءت السُنَّة في الجملة موافقة للقرآن الكريم، تفسِّرُ مُبْهَمَهُ، وتُفَصِّلُ\n_________\n= [٩] القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، وأما الحديث القدسي فهو ما كان لفظه من عند رسول الله - ﷺ - ومعناه من عند الله ﵎، بالإلهام أو المنام. وقد يكون بوحي جليّ وليس الوحي الجلي شرطًا له بخلاف القرآن الكريم فإنه لا يكون إلاَّ بوحي جليّ، أي ينزل به الملك من عند الله بلفظه، وعلى هذا قد يكون الحديث النبوي بوحي، وقد يكون باجتهاد إلاَّ أنَّ الرسول لا يقرُّ على اجتهاد خطأ. والحديث القدسي لا يكون إلاَّ بوحي أعم من أنْ يكون جليًا، فيجوز روايته بالمعنى لأنَّ لفظه للرسول - ﷺ -.\nانظر \" المنهج الحديث في علوم الحديث \": ص ١٣ - ٣٢ وهوامشها نقلنا عنه بإيجاز وبتصرف.\n\n(١) لمعرفة منزلة السُنَّة من القرآن وعلاقتها به، راجع:\n\" الرسالة \" للإمام الشافعي - ﵀ -: ص ٩١ رقم ٢٩٩، و\" أصول التشريع الإسلامي \": ص ٤٠ وما بعدها، و\" المدخل إلى علم أصول الفقه \": ص ٥٥، و\" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٤٢٦ وما بعدها، و\" أسباب اختلاف الفقهاء \": ص ١١، و\" المدخل إلى السنة وعلومها \": ص ١٧ وما بعدها، و\" علم أصول الفقه \": ص ٤١ - ٤٣، و\" تاريخ التشريع الإسلامي \" للسبكي وإخوانه \": ص ٦٦ وما بعدها، و\" تاريخ التشريع الإسلامي \" للشيخ محمد الخضري: ص ٣٥.","vol":"1","page":23},{"text":"مجمله، وتُقيِّدُ مُطلقه، وتُخَصِّصُ عامه، وتشرح أحكامه وأهدافه كما جاءت بأحكام لم ينص عليها القرآن الكريم (١)، فكانت في الواقع تطبيقًا عمليًا لما جاء به القرآن العظيم، تطبيقًا يتخذ مظاهر مختلفة، فحينًا يكون عملًا صادرًا عن الرسول - ﷺ -، وحينًا آخر يكون قولًا يقوله في مناسبة، وحينًا ثالثًا يكون تصرُّفًا أو قولًا من أصحابه - ﷺ -، فيرى العمل أو يسمع القول ثم يقر هذا وذاك، فلا يعترض عليه ولا ينكره، بل يسكت عنه أو يستحسنه فيكون هذا منه تقريرًا.\n\nوهكذا كان رسول الله - ﷺ - يبيّن ما جاء في القرآن الكريم، والصحابة يقبلون ذلك منه، لأنهم مأمورون باتباعه وطاعته، ولم يخطر ببال امرئ منهم أن يترك قول رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أو فعله، وقد عرفوا ذلك من كتاب الله تعالى، ففيه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢)، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا (٣)﴾ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥)، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦).\nفتقبَّل المسلمون السُنَّة من الرسول - ﷺ - كما تقبَّلوا القرآن (٧)\n_________\n(١) انظر ص ٢٧ من هذا الكتاب.\n(٢) [سورة الفتح، الآية: ١٠].\n(٣) [سورة المائدة، الآية: ٩٢].\n(٤) [سورة النساء، الآية: ٨٠].\n(٥) [سورة الحشر، الآية: ٧].\n(٦) [سورة النساء، الآية: ٦٥].\n(٧) انظر كيف تلقى الصحابة السُنَّةَ وتمسكوا بها بعد قليل.","vol":"1","page":24},{"text":"الكريم استجابة لله ورسوله، لأنها المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم بشهادة الله - ﷿ - ورسوله.\n\nوقد بيَّنت السُنَّة القرآن من وجوه (١)، فبيَّنت ما أجمل من عبادات وأحكام، فقد فرض الله تعالى الصلاة على المؤمنين، من غير أن يبيِّن أوقاتها وأركانها وعدد ركعاتها، فبيَّن الرسول الكريم هذا بصلاته وتعليمه المسلمين كيفية الصلاة، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى» (٢). وفرض الحج من غير أن يبيِّن مناسكه، وقد بيَّن الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - كيفيته، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (٣). وفرض الله تعالى الزكاة من غير أن يبيِّن ما تجب فيه من أموال وعروض وزروع، كما لم يبيِّن النصاب الذي تجب فيه الزكاة من كل، فبيَّنت السُنَّة ذلك كله.\n\nومن بيان الرسول - ﷺ - للقرآن تخصيص عامه، من هذا ما ورد في بيان قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) فهذا حكم عام في وراثة الأولاد آباءهم وأمهاتهم يثبت في كل أصل موروث، وكل ولد وارث فخصَّت السُنَّةُ المُوَرِّثَ بغير الأنبياء، بقوله - ﷺ -: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ (٥)»، وخصَّت الوارث\n_________\n(١) راجع المصادر المذكورة في الهامش (١): ص ٢٣ وخاصة \" أصول التشريع الإسلامي \" لأستاذنا فضيلة الشيخ علي حسب الله: الصفحة ٤٠ وما بعدها.\n(٢) أخرجه البخاري في حديث طويل، انظر \" صحيح البخاري بحاشية السندي \": جـ ١ ص ١٢٥ - ١٢٦ وجـ ٤ ص ٥٢ وأخرجه الدارمي: \" سنن الدارمي \": ١٤٨ ط كانفور سَنَةَ ١٢٩٣ هـ وأخرجه الإمام أحمد.\n(٣) \" صحيح مسلم \" ص ٩٤٣ حديث ٣١٠ جـ ٢ وراجع \" جامع بيان العلم \": ص ١٩٠ جـ ٢.\n(٤) [سورة النساء، الآية: ١١].\n(٥) \" فتح الباري \": ص ٢٨٩، ٣٣٥، ٢٣٩ جـ ٦ وانظر \" صحيح مسلم \": ص ١٣٧٨ - ١٣٨٣ جـ ٣ و\" مسند الإمام أحمد \": ص ١٥٨ و١٦٠ جـ ١.","vol":"1","page":25},{"text":"بغير القاتل بقوله - ﷺ -: «لاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ» (١).\n\nومن بيانه - ﷺ - تقييد مطلق القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) فإنَّ قطع اليد لم يقيَّد في الآية بموضع خاص، فتطلق اليد على الكف وعلى الساعد وعلى الذراع. ولكن السُنَّة قيَّدَتْ القطع بأنْ يكون من الرسغ، وقد فعل ذلك رسول الله - ﷺ - عندما «أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقْطَعَ يَدُهُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ» (٣).\n\nوتأتي سُنَّة الرسول - ﷺ - مثبتة ومؤكدة لما جاء في القرآن الكريم أو مُفرّعة على أصل تقرر فيه، ومن ذلك جميع الأحاديث التي تدل على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج.\n\nومثال السُنَّة التي وردت تفريعًا على أصل في الكتاب (٤) منع بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها، ففي القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥).\n\nوعندما هاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وجد المزارعين يتبايعون ثمار الأشجار قبل أنْ يبدو صلاحها، من غير أنْ يتمكَّن المشتري من معرف كميتها وصلاحها، فإذا حان جني الثمار كانت المفاجئات غير الطيبة كثيرًا ما تثير النزاع بين المتعاقدين، وذلك عندما طرأ طارئ من برد شديد، أو مُرَاض شجري يقضي على الزهر، وينعدم معه الثمر. لذلك حرَّم رسول\n_________\n(١) \" سنن الترمذي \": كتاب الفرائض، الباب ١٧ و\" سنن ابن ماجه \": في كتاب الديات باب (١٤) وكتاب الفرائض باب (١٨) كما أخرجه الإمام مالك وأحمد وغيرهما.\n(٢) [سورة المائدة، الآية: ٣٨].\n(٣) \" سبل السلام \": ص ٢٧ و٢٨ جـ ٤ وقد روي هذا من حديث عمرو بن شعيب، وأخرجه الدارقطني.\n(٤) انظر \" المدخل إلى علم أصول الفقه \" ص ٥٦.\n(٥) [سورة النساء، الآية: ٢٩].","vol":"1","page":26},{"text":"الله - ﷺ - هذا النوع من البيع ما لم يبدُ صلاح الثمر (١)، ويتمكَّن المشتري من التثبت من تمام تكوُّنها، وقال: «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» (٢).\n\nوفي السُنَّةِ أحكام لم ينصَّ عليها الكتاب وليست بيانًا له، ولا تطبيقًا مؤكدًا لما نص عليه كتحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا (٣).\n\nبعد هذا التمهيد نتقدم لدراسة السُنَّةِ، منذ عهده - ﷺ - إلى عصر التصنيف المشهور وبالله التوفيق.\n\n...\n_________\n(١) راجع \" فتح الباري \": ص ٢٩٨ جـ ٥، كِتَابُ البُيُوعِ - بَابُ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا.\n(٢) المرجع السابق: ص ٣٠٢ جـ ٥، كِتَابُ البُيُوعِ - بَابُ إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَهُوَ مِنَ البَائِعِ. وقد روى هذا الحديث أنس بن مالك.\n(٣) إن النوعين السابقين من البيان:\n[١] بيان السنة للكتاب بتأكيد ما جاء فيه أو التفريع على أصوله كتطبيق له.\n[٢] «بيان السنة المجملة وتخصيص عامه وتقييد مطلقه». متفق عليهما إجماعًا كما ورد في \" الرسالة \": ص ٩١. وأما هذا النوع ففيه خلاف، والعلماء مذاهب في تخريج ذلك وتعليله، راجع \" الرسالة \": ص ٩٢ وما بعدها و\" إعلام الموقعين \": ص ٢٨٨ - ٢٩٠ جـ ٢ و\" أصول التشريع الإسلامي \": ص ٤٢ والمراجع المذكورة في الصفحة ٢٣ من هذا الكتاب.\n\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\nفي الكتاب المطبوع الذي بين يدي: في صفحة ٢٧ من طبعة دار الفكر: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م، حذف هذا الهامش.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>البَابُ الأَوَّلُ: السُنَّةُ فِي العَهْدِ النَّبَوِيِّ:</span>\n- نتحدث في هذا الباب عن الرسول - ﷺ - من حيث هو مُعَلِّمٍ وَمُرَبٍّ وعن تجاوبه مع دعوته، وموقفه من العلم، ومنهجه - ﷺ - في التعليم.\n\n- ونتناول مادة السُنَّةِ وحاجة المسلمين إليها، ثم نُبَيِّنُ كيف كان الصحابة يتلقَّونها عن الرسول - ﷺ -.\n\n- ثم نختتمه بانتشار السُنَّةِ في عهد الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وبيان عوامل هذا الانتشار آنذاك.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>تَمْهِيدٌ:</span>\nعرفنا البيئة التي ظهر فيها رسول الله - ﷺ -، والفترة التي قَضَّاهَا في دعوته الطاهرة وقد كانت مرحلة تعليمية تطبيقية، وأساسًا متينًا لبنيان الحضارة الإسلامية الشامخ، الذي غَيَّرَ وجه التاريخ، وَأَمَدَّهُ بذخيرة حضارية في مختلف نواحي الحياة.\n\nفإذا ما نظرنا إلى تلك الحقبة التي لا تتجاوز ربع قرن من عمر الزمن، منذ بدء دعوة محمد - ﷺ - حتى وفاته، ألفينا أنفسنا أمام مدرسة كبيرة جِدًّا تمر في مرحلة تربوية جديدة، يشرف على توجيهها وتربية طلابها وتعلمهم محمد - ﷺ -، و«موادها» القرآن وَالسُنَّةُ، وطلابها الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -.\n\nوإذا حاولنا أنْ نحكم على هذه التجربة التربوية، حُكْمًا عِلْمِيًّا صَحِيحًا كان لا بد لنا من أَنْ نستعمل طرق القياس والدراسة التربوية، لنتمكن من معرفة مدى نجاح تلك المدرسة الكبرى، ومقدار الإفادة من تلك المادة العلمية التي كانت موضوع الدرس والبحث والتطبيق، ولا يتحقَّق لنا هذا إلاَّ بدراسة شخصية المعلم المُرَبِّي، وتفاعله مع مادته ورسالته، وعلاقته بطلابه وتفاعلهم معه، ومدى تجاوب هؤلاء الطلاب مع مُرَبِّيهِمْ ومع مادته، لنعرف من خلال هذا الفائدة العلمية التربوية التي جنوها، ونطمئنَّ إلى مصير العلم الذي تلقَّوهُ وشاركوا في تطبيقه.\n\nلهذا كله كان لِزَامًا علينا أنْ نتعرف على شخصية الرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، مُربِّيًا وَمُعلِّمًا، ونطَّلِعَ على منهجه وأسلوبه، وعلى المادة","vol":"1","page":31},{"text":"التي كانت موضوع العناية والتطبيق من حيث اتصالها ببيئة الطلاب وحياتهم اليومية ونَطَّلِعَ على منهج الصحابة أنفسهم في التلقي، ومدى تجاوبهم مع رسول الله - ﷺ -، وتفاعلهم مع الشريعة الغراء، وخاصة السُنَّة الشَّرِيفَةَ، كل هذا ليكون بحثنا موضوعيًا دقيقًا، يُصَوِّرُ الواقع الذي كانت عليه السُنَّةُ تصويرًا صحيحًا.\n\nوإنَّ دراسة المُربِّي والمادة والطلاب لَتُبَيِّنُ مدى نجاح تلك التجربة لأنَّ كل جانب من هذه النواحي الثلاثة أثره البعيد في فهم المادة العلمية المدروسة وبقائها مدة طويلة في نفوس الطلاب واضحة جلية، فكلما تضافرت هذه العوامل الثلاثة في طرق الإيجاب، كانت الفائدة عظيمة جليلة، وبقيت المادة في أذهان الطلاب أَمَدًا بعيدًا، وإذا تنافرت هذه العوامل وَقَلَّ تجاوبها فيما بينها لم تؤت أكلها، وتضاءلت الفائدة المرجوة منها، وسرعان ما يأتي النسيان على تلك المادة التي كانت موضوع البحث والدراسة والتطبيق، وعلى ضوء هذا نتناول البحث من أطرافه الثلاثة المذكورة في هذا الباب.\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>١ - الرَّسُولُ - ﷺ </span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>[أ] مُعَلِّمٌ وَمُرَبٍّ:</span>\nمهما حاولت أنْ أصف الدرجة التي وصل إليها الرسول - ﷺ - من الخٌلُقِ الكريم والسلوك المستقيم فلن أستطيع الإحاطة بذلك، ولا غرابة فأي أديب يمكنه أن يُعبِّرَ عن العناية الإلهية التي شملت رسول الله - ﷺ - في جميع مراحل حياته؟ وأيُّ مؤرِّخ يمكنه أنْ يستقصي جميع أخباره دقيقها","vol":"1","page":32},{"text":"وجليلها في هذا المجال؟ ومع هذا فَإِنَّ المؤلفات التي دُوِّنَتْ عن حياة رسول الله - ﷺ - في مختلف ظواهرها لم يُدَوَّنْ مثلها لرجل في التاريخ قط. وأحاول الآن أنْ أتناول الخطوط الكبرى لموضوعنا هذا.\n\nلقد اصطفى الله تعالى مُحَمَّدًا - ﷺ -، وربَّاه وعلَّمه بعنايته الإلهية ليتمكَّن من حمل الرسالة وتبليغها، فأُعِدَّ إعدادًا عظيمًا، حَتَّى كَانَ القُرْآنُ خُلُقَهُ: يرضى برضاه، ويسخط بسخطه (١)، بُعث لِيُتَمِّمَ مكارم الأخلاق، «فَلَمْ يَكُنْ - ﷺ فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلاَقًا» (٢). «كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» (٣)، «وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ» (٤)، «وَإِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ» (٥) وَكَانَ أَصْحَابه يَعْرِفُونَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَلَمْ يَحْقِدْ عَلَى إِنْسَانٍ قَطُّ لِنَفْسِهِ، وَمَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ «إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا» (٦).\n\nكان سيد الناس في أخلاقه ومعاملاته؛ وكيف لا وقد اختاره الله تعالى ليكون للعالم أسوة حسنة، وأوحى إليه ليكون لهم بشيرًا ونذيرًا؟ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (٧) فكانت مُهِمَّتُهُ - عَلَيْهِ\n_________\n(١) روي عن عائشة نحوه، انظر \" سنن ابن ماجه \": الأحكام.\n(٢) روي عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -: \" فتح الباري \": ص ٢٨٥ جـ ٧.\n(٣) عن أبي سعيد الخُدري: \" فتح الباري \": ص ٣٨٧ جـ ٧.\n(٤) من طريق شُعبة بن الحجاج: \" فتح الباري \": ص ٣٨٨ جـ ٧.\n(٥) \" فتح الباري \": ص ٣٨٤ جـ ٧.\n(٦) المرجع السابق: ص ٣٨٧ جـ ٧ من حديث عائشة.\n(٧) [سورة الجمعة، الآية: ٢].","vol":"1","page":33},{"text":"الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - مُهِمَّة صعبة جليلة، يبلغ الناس آيات الله - جَلَّ وَعَلاَ -، وَيُفقِّهَهُمْ في الدين، ويطهرهم وينقذهم مما كانوا فيه، لذلك كله كان - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - يتمتع بصفات خُلُقِيَّةٍ سامية، وَيَتَمَيَّزُ بشخصية تربوية عالية، تتجلَّى فيها الآداب الكريمة، التي تتدفق من خصاله الحميدة الكثيرة، ويكفينا في ذلك كله شهادة الله - ﷾ - له إذْ يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١).\n\nأما من الناحية العلمية فقد شرح الله صدره وعلمه ما لم يكن يعلم، فبلغ - ﷺ - من العلم غاية لم يبلغها بشر سواه، فكان المرجع الأول للمسلمين في أحكام القرآن، وتعاليم الإسلام، وعرف سير الأمم الغابرة، وجمع إلى ذلك علم أهل الكتاب، وأُتِيَ جوامع الكلم، إلى جانب معرفته بالعلوم الأخرى التي تتصل بالحياة الإنسانية، يدرك ذلك من تتبع أخباره - ﷺ - وسيرته، قال تعالى: ﴿... وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ...﴾ (٢) فعلم دقائق أحكام القرآن فحمله إلى الناس، وَبَيَّنَهُ بِسُنَّتِهِ الطاهرة وسلوكه المستقيم، فكان المعلم الأول، والمُرشد الصادق الأمين إلى الطريق القويم، وكان بحق رحمة للعالمين.\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>[ب] تَجَاوُبُهُ مَعَ دَعْوَتِهِ:</span>\nلما كان لتجاوب المُرَبِّي مع مادته أثر بعيد في إفادة طلابه، وبقاء المادة العلمية ثابتة راسخة في أذهانهم، أحببت أنْ أُنَبِّهَ إلى تجاوب الرسول الكريم مع رسالته ودعوته، لندرك فيما بعد أثر ذلك في حفظ السُنَّةِ الشَّرِيفَةِ.\n_________\n(١) [سورة القلم، الآية: ٤].\n(٢) [سورة النساء، الآية: ١١٣].","vol":"1","page":34},{"text":"إنه لا يشك إنسان في أنَّ رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، قد اندفع من صميم فؤاده وبجميع قواه في سبيل تبليغ رسالته، وقد تَحَمَّلَ الكثير من الأذى وَقَاسَى الصعاب وصبر الصبر الجميل لتدعيم أركان الحنيفية السمحة، واضطهد كثيرًا حتى غادر مسقط رأسه. ومع هذا كان يَتَمَنَّى لقومه الهداية والرشاد، فَيُطَيِّبُ اللهُ خاطره، ويُخفِّفُ عنه، مُبيِّنًا أنَّ هدايتهم بيده - ﷿ - فيقول: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١).\n\nوَيُصَوِّرُ الله تعالى ضيقه - ﷺ - في سبيل هداية قومه فيقول: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٢).\n\nحتى إذا مَا رَسَتْ دَعَائِمُ الإسلام وقويت شوكته، وقامت دولته كان الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، القائد المُوجِّهَ والرئيس المشرف، والفقيه المعلم، والمُفتي الصادق يمارس كل هذا بنفسه الصافية، وروحه العالية مندفعًا في أداء الأمانة فقضى عمره داعيًا إلى الله مُعَلِّمًا وَمُرْشِدًا، يُحِبُّ أصحابه حُبًّا جَمًّا، يشاركهم آلامهم وأفراحهم، وفي هذا كله كان منسجمًا انسجامًا تَامًّا مع رسالته سعيدًا بدعوته، خير من يهتدي بسيرته في مختلف مظاهر الحياة، وقد كان الأسوة الحسنة لأصحابه الذين خالطوه ورأوه وسمعوا منه وعرفوا عنه كل دقيق وجليل، فنقلوه إلينا بإخلاص ودقة.\n\n...\n_________\n(١) [سورة القصص، الآية: ٥٦].\n(٢) [سورة الكهف، الآية: ٦].","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>[ج] مَوْقِفُ الرَّسُولِ - ﷺ - مِنَ العِلْمِ:</span>\nلقد نزل الوحي على رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أول ما نزل بآيات توجه النظر الإنساني إلى التعلم، وتطالبه بالقراءة، فصدع بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ...﴾ (١).\n\nوإنا لنجد القرآن يدعو إلى التعلم، ويحض على طلب العلم، وَيُبَيِّنُ درجات العلماء، ويخاطب العقلاء، ويحضهم على التدبر في آيات الله تعالى وآلائه، من ذلك قوله تعالى: ﴿... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ﴾ (٣) وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤) وقد حض على سؤال العلماء فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥) وأوجب نشر العلم وبيان أحكام الله فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ (٦) كما حض على طلب العلم والتعليم فقال: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٧)، بَلْ حَثَّ على الاستزادة من العلم فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٨).\n_________\n(١) [سورة العلق، الآية: ١].\n(٢) [سورة الزمر، الآية: ٩].\n(٣) [سورة آل عمران، الآية: ١٨].\n(٤) [سورة المجادلة، الآية: ١١].\n(٥) [سورة النحل، الآية: ٤٣] و[سورة الأنبياء، الآية: ٧].\n(٦) [سورة آل عمران، الآية: ١٨٧].\n(٧) [سورة التوبة، الآية: ١٢٢].\n(٨) [سورة طه، الآية: ١١٤].","vol":"1","page":36},{"text":"ولسنا بصدد إحصاء آيات العلم والتعليم والعلماء في القرآن الكريم، فإنَّ المقام لا يتسع لذلك، وإنما الغاية أنْ نعرف موقف الرسول - ﷺ - من العلم والحث على طلبه، وتشجيعه للعلماء وطلاب العلم على ممارسة التعليم والتعلم، فنطَّلع على سُنَّته - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - في ذلك، لأنَّ لهذا أثرًا بعيدًا في حفظ «السُنَّةِ» إلى جانب القرآن الكريم. وإنَّ ما سنعرضه الآن إنما هو غيض من فيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>١ - حَضُّ الرَّسُولِ - ﷺ - عَلَى طَلَبِ العِلْمِ:</span>\nبيَّنَ الرسول - ﷺ - منزلة العلم وحض على طلبه فقال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١) وقال - ﷺ -: «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» (٢)، وجعل العلم ركنا من أركان الخير وَمَيَّزَ الناس به فقال: «النَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلاَمِ إِذَا فَقهُوا» (٣).\n\nوجعل طلب العلم الشرعي الذي يحتاج إليه المسلم ليقيم أمور دينه فريضة على المسلم فقال - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (٤).\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة في \" مسنده \": ص ١٨٠ حديث ٧١٩٣ جـ ١٢، إسناده صحيح. ورواه الطبراني في \" الصغير \" ورجاله رجال الصحيح، انظر \" مجمع الزوائد \": ص ١٢١ جـ ١ و\" سنن ابن ماجه \": ص ٤٩ جـ ١، وأخرجه البخاري في \" صحيحه \" في غير موضع مسندًا ومعلقًا على صيغة الجزم فهي في حكم المسند.\n(٢) رواه ابن ماجه: ص ٥٠ جـ ١ وذكره ابن عبد البر في \" جامع بيان العلم \": ص ٢٦ جـ ١ كما أخرجه الترمذي.\n(٣) رواه الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله، انظر \" مجمع الزوائد \": ص ١٢١ جـ ١ وقال: رجاله رجال الصحيح، وانظر \" جامع بيان العلم \": ص ١٨ جـ ١.\n(٤) \" سنن ابن ماجه \": ص ٥٠ جـ ١، رواه أنس عن الرسول - ﷺ -.","vol":"1","page":37},{"text":"وأما العلوم الأخرى التي يحتاج إليها المسلمون في حياتهم فهي من باب فرض الكفاية، يأثم جميع المسلمين إذا احتاجوا إلى علم ولم يوجد بينهم من يكفيهم إياه، ثم لاَ يَتَحلَّلُونَ من ذلك حتى يَسُدُّوا ذلك النقص.\n\nوجعل العلم من الأمور التي يغتبط فيها ويتنافس في مضمارها فقال - ﷺ -: «لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ أَتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِى الْحَقِّ، وَآخَرُ أَتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (١).\n\nوحثَّ - ﷺ - المسلمين على أنْ يكون لكل منهم نصيب مِنَ العلم فقال: «اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا أَوْ مُسْتَمِعًا أَوْ مُحِبًّا، وَلاَ تَكُنِ الْخَامِسَةَ فَتَهْلَكَ» (٢)، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ لِي مِسْعَرُ: «زِدْتَنَا خَامِسَةً لَمْ تَكِنْ عِنْدَنَا، وَالخَامِسَةَ أَنْ تَبْغَضَ العِلْمَ وَأَهْلَهُ».\n\nوكان الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - يحض أصحابه على تفهم أمور دينهم، ويأمرهم أَنْ يسألوا عما يجهلونه، ويمنعهم أنْ يفتوا من غير علم، ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عباس: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَدْ أَصَابَهُ اِحْتِلاَمٌ، فَأُمِرَ بِالاِغْتِسَالِ فَمَاتِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فقال: «قَتَلُوهُ!! قَتَلَهُمُ اللَّهُ!! أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالَ؟!» (٣).\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \" عن عبد الله بن عباس: ص ٧٨ حديث ٤١٠٩ جـ ٦، إسناده صحيح. ورواه البخاري ومسلم، وانظر \" جامع بيان العلم \": ص ١٧ جـ ١. والمراد بالحسد هنا الغِبْطة وهي أنْ يتمنَّى المرءُ مثل ما عند غيره من غير أن يتمنَّى زواله عنه، وأما الحسد فهو أنْ يتمنَّى زوال النعمة عن غيره لتكون له وهو مُحَرَّمٌ في الإسلام ونهى عنه رسول الله - ﷺ -.\n(٢) \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٢ جـ ١ ورجاله موثوق بهم، وقد رواه الطبراني في \" معاجمه الثلاثة \"، والبزار.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد: ص ٢٢ حديث ٣٠٥٧ جـ ٥ بإسناد صحيح. وأخرج أبو داود عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: \" هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ \" فقالوا: \" فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى المَاءِ، =","vol":"1","page":38},{"text":"ولم يقتصر حض رسول الله لأصحابه على طلب العلم الشرعي من خلال القرآن والسُنَّةِ الطاهرة، بل دعاهم إلى كل علم يفيد المسلمين، حتى إنه أول ما قدم المدينة، وسمع من زيد بن ثابت بضع عشرة سورة من القرآن، وهو صغير السن أعجب به، وأمره أن يتعلَّم لغة اليهود، فقال: «يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي» وفي رواية: «إِنِّي أَكْتُبُ إِلَى قَوْمٍ فَأَخَافُ أَنْ يَزِيدُوا عَلّيَّ أَوْيُنْقِصُوا، فَتَعَلَّمَ السُّرْيَانِيَّةَ» قَالَ زَيْدٌ: «فَتَعَلَّمْتُهَا فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا» (١).\n\nوكان رسول الله - ﷺ - كثيرًا ما يدعو الله - ﷿ - فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ (٢)».\n\nوذكر - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - العلم النافع في ثلاثة لا ينقطع أجرها بعد الموت، فقال: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: صَدَقَةٍ جَارِية، أوَ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَهُ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٣).\n\nهكذا بَيَّنَ رسول الله - ﷺ - مكانة العلم وحض أصحابه\n_________\n= فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلاَ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ ... يَعْصِبَ - عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» انظر \" سنن أبي داود \": ص ٨٢ جـ ١.\n\n(١) \" تاريخ دمشق \" لابن عساكر: ص ٢٨٠ و٢٨١ جـ ٦، و\" طبقات ابن سعد \": ص ١١٥ قسم ٢ جـ ٢، وللاستزادة راجع كتابنا \" زيد بن ثابت \": ص ٤ و١٧.\n(٢) \" سنن ابن ماجه \": ص ٥٦ جـ ١ عن أبي هريرة وأخرج نحوه زهير بن حرب في كتاب \"العلم \"، انظر: كتاب \"العلم \": ص ١٩٤.\n(٣) \" جامع بيان العلم \": ص ١٥ جـ ١ عن أبي هريرة، ورواه البخاري في (الأدب) ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي.","vol":"1","page":39},{"text":"والمسلمين جَمِيعًا على طلبه، ولم يكتف بذلك بل أمر بتبليغه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٢ - حَضُّهُ عَلَى تَبْلِيغِ العِلْمِ:</span>\nإنَّ الغاية من العلم أن ينتفع أصحابه، وينفعوا غيرهم به، ولا فائدة من علم مكتوم أو فقه في صدور العلماء، لا ينال منه الناس شيئًا، لذلك أمر رسول الله - ﷺ - بنشر العلم، وَحَرَّمَ كتمانه، وذكر ذلك في مناسبات كثيرة، وشهد على هذا ألوف المسلمين. قال ابن مسعود: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيْثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَحْفَظُ لَهُ مِنْ سَامِعٍ» (١) والحديث مشهور، وطرقه كثيرة بألفاظ متقاربة، منها: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» ومنها: «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لاَ فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلاَثٌ لاَ يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ الْمُؤْمِنُ: إِخْلاَصُ الْعَمَلِ للهِ ﷿، وَطَاعَةُ ذَوِي الأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تَكُونُ مِنْ وَرَائِهِمْ» (٢).\n\nوكان يُبَلِّغُ الوفود التي تَفِدُ إليه أنْ يحملوا الإسلام إلى من خلفهم، ويُفَقِّهُوهُمْ في الدين، ومن ذلك ما فعله عندما قدم إليه وفد عبد القيس، قال - ﷺ -: «مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالقَوْمِ - أَو الْوَفْدِ -\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٩٦ حديث ٤١٥٧ جـ ٦ بإسناد صحيح، ورواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان.\n(٢) \" الجرح والتعديل \": ص ٩ و١٠ و١١ جـ ١. وانظر \" سنن ابن ماجه \": ص ٨٤ - ٨٥ جـ ١، و\" جامع بيان العلم \": ص ٣٩ جـ ١، رواه عن زيد بن ثابت.","vol":"1","page":40},{"text":"غيرَ خَزايا، ولا ندامَى. قالوا: إنا نأتيك (١) من شُقَّة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحيُّ من كفار مُضَرَ، ولا نستطيع أن نأتيَكَ إلاَّ في شهر حرام، فمُرْنا بأمرٍ نُخبر به مَنْ وراءنا، ندخُلُ به الجنة، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع .... قال: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ» (٢). ولم يترك رسول الله - ﷺ - طريقة من طرق التبليغ والإعلام في ذلك العصر إلاَّ استعملها في سبيل تبليغ الإسلام، فأرسل الرُّسُلَ، وطيَّرَ الكُتُبَ، ووجَّهَ الأمراءَ والقضاة، فكان مثالًا طيِّبًا لنشر الرسالة، وتلبيغ الأمانة، ومنع كتمان العلم: فقال: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَثَلُ الذِي يَتَعَلَّمُ عِلْمًا ثُمَّ لاَ يُحَدِّثُ بِهِ مَثَلُ رَجُلٍ رَزَقَهُ اللهُ مالًا فَكَنَزَهُ فَلَمْ يُنْفِقْ مِنْهُ» (٤) فهو بمعنى الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ\n_________\n(١) هكذا النص.\n(٢) \" فتح الباري \": ص ١٩٤ جـ ١. وتتمة الحديث: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ ﷿ وَحْدَهُ، قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ» وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ \" قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: «النَّقِيرِ» وَرُبَّمَا قَالَ: «المُقَيَّرِ» قَالَ: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ».\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٥ حديث ٧٥٦١ جـ ١٤ وص ٨٦ حديث ٧٩٣٠ جـ ١٥.\n(٤) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٧١: ب.","vol":"1","page":41},{"text":"وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٣ - مَنْزِلَةُ العُلَمَاءِ (المُعَلِّمِينَ):</span>\nيكفي رجال العلم فضلًا أنَّ رسول الله - ﷺ - رائدهم، وأول من حمل لواء التحرير من الجهالة والضلال. وَقَدْ بَيَّنَ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - منزلتهم فقال: «العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» (٢) وَحَثَّ الأُمَّةَ على احترام العلماء ومعرفة حقوقهم فقال: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِى مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ» (٣) وإنَّ للعالم نصيبه عند الله - ﷿ - من هذا الأجر كما لطالب العلم نصيبه منه. وفي ذلك يقول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - «العَالِمُ وَالمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي الأَجْرِ» (٤) وقال - ﷺ - «مُعَلِّمُ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي البِحَارِ» (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٤ - مَنْزِلَةُ طُلاَّبِ العِلْمِ:</span>\nمن أعظم ميزات الإسلام، أَنَّ كل عمل يقوم به المسلم يعود عليه بالفائدة\n_________\n(١) [سورة التوبة، الآيتان: ٣٤، ٣٥].\n(٢) \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٧ جـ ١ رواه عن أبي الدرداء وقال: «العُلَمَاءُ خُلَفَاءُ الأَنْبِيَاءِ» وله في \" السنن \" «العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» وقال: رواه البزار ورجاله موثوق بهم.\n(٣) \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٧ جـ ١. رواه الإمام أحمد والطبراني في \" الكبير \" وإسناده صحيح.\n(٤) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٢٨ جـ ١ من حديث طويل ذكره ابن عبد البر عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله - ﷺ -.\n(٥) \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٤ جـ ١، وقد رواه الطبراني في \" الأوسط \"، وفيه إسماعيل بن عبد الله بن زرارة وَثَّقَهُ ابن حبان وقال الأزدي: «مُنْكَرُ الحَدِيثِ»، ولا يلتفت إلى قول الأزدي في مثله، وبقية رجاله رجال الصحيح. عن جابر بن عبد الله.","vol":"1","page":42},{"text":"والخير يكتب له به عند الله أجره حتى طلب العلم، قال - ﷺ -: «مَنْ غَدَا إلَى الْمَسْجِدِ لاَ يُرِيدُ إلاَّ أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يُعَلِّمَهُ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامًّا (١) حِجَّتُهُ» (٢) وفي رواية: «كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٣) و«مَنْ طَلَبَ عِلْمًا فَأَدْرَكَهُ، كَتَبَ الله لَهُ كِفْلَيْنِ مِنَ الأَجْرِ، وَمَنْ طَلَبَ عِلْمًا فَلَمْ يُدْرِكْهُ، كَتَبَ الله لَهُ كِفْلًا مِنَ الأَجْرِ» (٤) وقال: «إِذَا جَاءَ المَوْتُ طَالِبَ العِلْمِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ مَاتَ شَهِيدًا (٥)». وإنَّ فضل العلم ليربو على فضل العبادة أحيانًا لقوله - ﷺ -: «فَضْلُ العِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ العِبَادَةِ، وَمِلاَكُ الدِينِ الوَرَعُ» (٦).\n\nوإنَّ منزلة طلاب العلم لتبدو مجسَّمة واضحة فيما روى أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «... وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ،\n_________\n(١) هكذا النص.\n(٢) \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٣ جـ ١. الأول رواه الطبراني في \" الكبير \" عن أبي أمامة ورجاله موثوق بهم، والثاني أخرجه الطبراني أَيْضًا في \" الكبير \" عن سهل بن سعد وفي سنده يعقوب بن حميد بن كاسب، وثَّقَهُ البخاري وابن حبان وَضَعَّفَهُ النسائي وغيره ولم يستندوا في تضعيفه إلاَّ إلى أنه محدود وسماعه صحيح. \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٣ جـ ١. وانظر \" سنن ابن ماجه \": ص ٥١ جـ ١ و\" جامع بيان العلم \": ص ٣٣ جـ ١.\n(٣) \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٣ جـ ١. الأول رواه الطبراني في \" الكبير \" عن أبي أمامة ورجاله موثوق بهم، والثاني أخرجه الطبراني أَيْضًا في \" الكبير \" عن سهل بن سعد وفي سنده يعقوب بن حميد بن كاسب، وثَّقَهُ البخاري وابن حبان وَضَعَّفَهُ النسائي وغيره ولم يستندوا في تضعيفه إلاَّ إلى أنه محدود وسماعه صحيح. \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٣ جـ ١. وانظر \" سنن ابن ماجه \": ص ٥١ جـ ١ و\" جامع بيان العلم \": ص ٣٣ جـ ١.\n(٤) \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٣ جـ ١ رواه الطبراني في \" الكبير \" عن واثلة بن الأسقع ورجاله موثوق بهم.\n(٥) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٣١ جـ ١ رواه البزار عن أبي هريرة وأبي ذر.\n(٦) المرجع السابق: ص ٢٢ جـ ١ رواه البزار والطبراني في \" الأوسط \" والحاكم.","vol":"1","page":43},{"text":"وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ ﷿ فِيمَنْ عِنْدَهُ. وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (١).\n\nوَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ مُتَّكِئٌ عَلَى بُرْدٍ لَهُ أَحْمَرَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي جِئْتُ أَطْلُبُ العِلْمَ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِطَالِبِ الْعِلْمِ، إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَتَحُفُّهُ الْمَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ مَحَبَّتِهِمْ لِمَا يَطْلُبُ» (٢) وفي رواية: «مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا طَلَبَ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٥ - وَصِيَّةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِطُلاَّبِ العِلْمِ:</span>\nعَنْ أَبِي هَارُونَ العَبْدِيِّ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: \" مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - \". قَالَ: \" قُلْنَا: وَمَا وَصِيَّةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ \" قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّهُ سَيَأْتِي بَعْدِي قَوْمٌ يَسْأَلُونَكُمْ الحَدِيثَ عَنِّي، فَإِذَا جَاؤُوكُمْ فَأَلْطِفُوا بِهِمْ، وَحَدِّثُوهُمْ» (٤). وفي رواية أنه: إِذَا رَأَى الشَّبَابَ قَالَ: \" مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٦١ حديث ٧٤٢١ جـ ١٣ بإسناد صحيح، رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان. ونحوه في \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٢ جـ ١، و\" سنن ابن ماجه \": ص ٥١ جـ ١.\n(٢) \" مجمع الزوائد \": ص ١٣١ جـ ١، رواه الطبراني في \" الكبير \" ورجاله رجال الصحيح، وانظر \" الجرح والتعديل \": ص ١٣ جـ ١.\n(٣) \" مجمع الزوائد \": ص ١٣١ جـ ١، رواه الطبراني في \" الكبير \" ورجاله رجال الصحيح، وانظر \" الجرح والتعديل \": ص ١٣ جـ ١.\n(٤) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ٧٢: آ، وقد رواه الخطيب البغدادي بسنده الآتي: «أَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ التَّمَّارُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الصَّفَّارُ إِمْلاَءً، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ السَّرَخْسِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ح وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ المُعَدِّلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، إِمْلاَءً، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ الوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو هَارُونَ العَبْدِيُّ». ولفظ الحديث لابن بشران.","vol":"1","page":44},{"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْصَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نُوَسِّعَ لَكُمْ فِي المَجْلِسِ وَأَنْ نُفَقِّهَكُمْ، فَإِنَّكُمْ خُلُوفُنَا، وَأَهْلُ الحَدِيثِ بَعْدَنَا \" (١).\n\nوفي رواية أخرى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُرَحِّبُوا بِطُلاَّبِ العِلْمِ، فَيَقُولُ: «سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ يَطْلُبُونَ العِلْمَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَقُولُوا لَهُمْ مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، [وَاقْنُوهُمْ] (*)» (٢).\nوفي رواية: «وَإِنَّهُمْ سَيَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ فَإِذَا جَاؤُوكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» (٣).\n\nتلك لمحة سريعة عن موقف رسول الله - ﷺ - من العلم، وتشجيعه العلماء وطلاب العلم على التعليم والتعلم، فَبَيَّنَ فضل العلماء وطلابه، ومنزلة كل منهم وأجره، حتى إنَّ المرء لا يكاد يسمع شَيْئًا من ذلك، إلاَّ اندفع تِلْقَائِيًّا، ليكون أحد أطراف الحياة العلمية، فهل بعد هذا كله وسيلة تشجيعية لطلب العلم وتحصيله؟ وهل وراء ذلك ما يثني الصحابة ومن بعدهم عن دراسة الحديث وحفظه وإتقانه؟!\n\nإِنَّ التشجيع العلمي بلغ أَوْجَهُ، وسبيل العلم متيسر للجميع ليس بينه وبين طلابه حاجز أو مانع، ومعلم الخير يرحب بكل طالب.\n\nوننتقل بعد هذا إلى منهج الرسول الكريم في تعليم أصحابه.\n\n...\n_________\n(١) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ٢٢: ب.\n(٢) \" سنن ابن ماجه \": ص ٥٥ جـ ١.\n(٣) \" سنن ابن ماجه \": ص ٥٦ جـ ١.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) ورد في المطبوع من الكتاب (وَأَفْتُوهُمْ) وإنما هي (وَاقْنُوهُمْ) كما أثبتها. انظر: ابن ماجه: \" السنن \"، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، المُقَدِّمَةُ، (٢٢) بَابُ الوَصَاةِ بِطَلَبَةِ العِلْمِ، حديث رقم ٢٤٧، ١/ ٩٠ و٩١، طبعة سَنَةَ: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>[د] مَنْهَجُهُ - ﷺ - فِي التَّعْلِيمِ:</span>\nإنَّ منهج الرسول الكريم في تبليغ أصحابه لاَ يَتَعَدَّى منهج القرآن العظيم، إذْ كان الرسول مُبَلِّغًا لكتاب الله تعالى، مُبَيِّنًا أحكامه، مُوَضِّحًا آياته، وقد نزل القرآن الكريم مُنَجَّمًا عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - خلال ثلاث وعشرين سَنَةٍ، والرسول الكريم يبلغ قومه، ومن حوله، ويفصل تعاليم الإسلام، ويطبق أحكام القرآن، فكان معلمًا وحاكمًا وقاضيًا ومفتيًا وقائدًا طيلة حياته - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، فكل ما يتعلق بِالأُمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ في جميع شؤونها، دقيقها وعظيمها، وكل ما يتناول الفرد والجماعة في مختلف نوحي حياتهم، مما لم يرد في القرآن فهو من السُنَّةِ، العملية أو القولية أو التقريرية، ومن ثَمَّ نجد بين يدينا أحكامًا وآدابًا وعبادات وقربات شُرِّعَتْ وَطُبِّقَتْ وَسُنَّتْ خلال ربع قرن، فلم توضع السُنَّةُ دفعة واحدة (١) كمجموعة من الشرائع الوضعية، أو الأحكام الخلقية، التي يمليها بعض الحكماء والوعاظ، وإنما شُرِّعَتْ لتربية الأُمَّة دينيًا واجتماعيًا وخلقيًا وسياسيًا، في السلم والحرب، في الرخاء والعسر، وتتناول النواحي العلمية والعملية، فلم يكن من السهل أن ينقلب الناس آنَئِذٍ فجأة، ويتحوَّلوا بين عشية وضحاها عن تعاليمهم القديمة، وديانتهم\n_________\n(١) وَالسُنَّةُ لم تكن قط نتيجة التطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني كما ادَّعَى «جولدتسيهر» الذي يضيف فيقول: «وليس صحيحًا ما يقال من أنه - أي الحديث - وثيقة للإسلام في عهده الأول عهد الطفولة، ولكنه أثر من آثار جهود الإسلام في عصر النضوج» راجع \" نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي \" عن \" دراسات إسلامية \" لجولدتسيهر. كما ذكر «غاستون ويت» هذا الرأي لجولدتسيهر في مقالته عن الحديث في \" التاريخ العام للديانات \": ص ٣٦٦ جـ ٤ بالفرنسية. وذكر واضعو \" دائرة المعارف الإسلامية \" قريبًا من هذا القول عن جولدتسيهر في مادة (حديث)، نَقْلًا عن كتابه \" دراسات إسلامية \" ويرى أَنَّ السُنَّةَ من وضع المسلمين. وهذا محض افتراء سَأَتَعرَّضُ له في «باب وضع الحديث»، فليراجع.","vol":"1","page":46},{"text":"وعاداتهم وتقاليدهم إلى الإسلام في نظمه وتعاليمه وعقائده وعباداته.\n\nلقد تَدَرَّجَ القرآن الكريم في انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة، ومحاربة المنكرات التي كان عليها الناس في الجاهلية، وثبت بالتدرج أَيْضًا العقائد الصحيحة، والعبادات، والأحكام، ودعا إلى الآداب السامية والأخلاق الفاضلة، وشجع الذين التفوا حول الرسول - ﷺ - على الصبر والثبات وفي هذا كله كان الرسول الكريم يُبيِّنُ القُرْآنَ، ويفتي الناس، ويفصل بين الخصوم ويقيم الحدود، ويُطبِّقُ تعاليم القرآن، وكل ذلك سُنّةٌ، وسنتناول الآن منهج الرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، في ذلك كله، مُتَوَخِّينَ الإِيجَازَ، وإِنَّ لدراسة أسلوبه ومنهجه لأثرًا بعيدًا في تثبيت سُنَنِ الرسول - ﷺ -، ولولا ذلك لَمْ نَتَعَرَّضْ لدراسته.\n\nكان الرسول - ﷺ - قد اتخذ دار الأرقم مَقَرًّا له ولأصحابه حين كانت الدعوة سرية، فيلتف حوله المسلمون الأوائل بعيدًا عن المشركين يتذاكرون كتاب الله، وهو يُعَلِّمُهُمْ مبادئ الإسلام، ويحفظهم ما يتنزل عليه من القرآن، وبعد ذلك أصبح منزل الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - في مكة ندوة المسلمين، ومعهدهم الذي يَتَلَقَّوْنَ فيه القرآن الكريم، وينهلون من الحديث الشريف على يدي رسول الله - ﷺ -.\n\nولا شك في أَنَّ الصحابة كانوا يستظهرون آيات القرآن، ويتدارسونها فيما بينهم، في بيوتهم وفي حوانيتهم، في المدينة وفي البيداء، ليثبتوا ما سمعوا من رسول الله - ﷺ -. وقد يتذاكرون تفسير مَا تَلَقَّوْهُ، وما تفسيره إلاَّ شرح رسول الله - ﷺ - وهو الحديث. فحفظ حديث رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - كان متمشيًا جنبًا إلى جنب مع حفظ القرآن العظيم من الأيام","vol":"1","page":47},{"text":"الأولى لظهور الإسلام. وقصة إسلام عمر تُثْبِتُ أَنَّ المسلمين كانوا يقرأون القرآن في بيوتهم، وَيَتَفَقَّهُونَ في الدين ...\n\nثم أصبح المسجد فيما بعد - المكان المعهود للعمل والفتوى والقضاء، إلى جانب العبادة وإقامة الشعائر الدينية، وعرض لأمور العامة على المسلمين.\n\nومع هذا لم يقتصر تبليغ الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - على مكان محدود ولا على مناسبة مُعَيَّنَةٍ، فقد كان يُسْتَفْتَى في الطريق فَيُفْتِي، وَيُسْألُ في المناسبات فيجيب، يُبَلِّغُ الأحكام في كل فرصة تسنح له، وفي كل مكان يتسع لذلك: في حله وترحاله، في سلمه وحربه.\n\nوإلى جانب هذا كانت له مجالس علمية كثيرة يتخول فيها أصحابه بالموعظة، فإذا جلس جلس إليه أصحابه حِلَقًا حِلَقًا (١). ويقول أنس - ﵁ -: «إِنَّمَا كَانُوا إِذَا صَلُّوا الغَدَاةَ قَعَدُوا حلقًا حلقًا، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ، وَيَتَعَلَّمُونَ الفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ» (٢) ومن تاريخ الصحابة وحياتهم العلمية تعلم أَنَّ الرسول الكريم لم يكن يضن على مسلم بالعلم، وأنه كان يكثر مجالسة أصحابه يعلمهم وَيُزَكِّيهِمْ. وسيظهر لنا ذلك من البحث.\n\nعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يَتَخَوَّلُنَا بِالمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» (٣) فقد كان - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - يخشى أَنْ يَمَلَّ أصحابه فَيَتَخَوَّلُهُمْ بالموعظة بين وقت وآخر، لأَنَّ الاستمرار في تعليمهم وتوجيههم، يدخل الملل إلى نفوسهم، فتقل الفائدة، فمن الحكمة سلوك هذا\n_________\n(١) انظر \" مجمع الزوائد \": ص ١٣٢ جـ ١. وإن كان في بعض رجالهما مقال فإنَّ الطرق الكثيرة التي رويا بها تؤيِّدُ الاستشهاد بهما.\n(٢) انظر \" مجمع الزوائد \": ص ١٣٢ جـ ١. وإن كان في بعض رجالهما مقال فإنَّ الطرق الكثيرة التي رويا بها تؤيِّدُ الاستشهاد بهما.\n(٣) \" فتح الباري \": ص ١٧٢ و١٧٣ جـ ١ و\" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٠٢ حديث ٣٨٥١ جـ ٥.","vol":"1","page":48},{"text":"الطريق في التعليم، وهو الطريق الذي تعتمده اليوم المؤسسات التربوية في مناهجها التعليمية، وهي خير طريقة لتثبيت ما يتلقاه الطالب من المعلومات.\n\nوكان - ﷺ - يخاطب الناس على قدر عقولهم، فإنَّ الكلام الذي لا يبلغ عقول السامعين ولا يفهمونه قد يكون فتنة لهم، فيأتي بغير المقصود منه.\n\nلقد كان الرسول الكريم يخاطب حضوره بما يدركونه، فيفهم البدوي الجافي بما يناسب جفاءه وقسوته، ويفهم الحضري بما يلائم حياته وبيئته، وكما أنه كان يراعي تفاوت المدارك، وانتباه أصحابه وقدرهم الفطرية والمكتسبة، فتكفي منه الإشارة إلى الألمعي الذكي، واللمحة العابرة إلى الحافظ المجيد. من ذلك: مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ وإنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟». قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟». قال: إنَّ فِيهَا لَوِرْقًا. قال: «فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟». قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: «وَهَذَا عَسَى أَنْ نَزَعَهُ عِرْقٌ» (١).\n\nومن ذلك أَنَّ فتى من قريش أتى النبي - ﷺ - فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي فِي الزِّنَا، فأقبل القوم عليه وزجروه فقالوا: مه مه!! فقال: «ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا». فقال: «أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ». قَالَ: لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِى اللَّهُ\n_________\n(١) \" صحيح مسلم \": ص ١١٣٧ من الحديثين ١٨ و٢٠ جـ ٢. الأورق الذي فيه سواد ليس بصاف، والمراد بالعرق هنا الأصل من النسب.","vol":"1","page":49},{"text":"فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ؟». قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ: «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ» - ثم ذكر له رسول الله أخته وعمَّته وخالته، وفي ذلك يقول الفتى مقالته: «لاَ وَاللَّهِ يا رسول الله جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاكَ» - قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ». قَالَ (الرَّاوِي): فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (١).\n\nلقد اتبع رسول الله - ﷺ - أسلوبًا جعل الفتى يدرك أثر الزنا في المجتمع، وكيف أَنَّ الناس جَمِيعًا لا يرضونه لأنفسهم وأهليهم كما أنه لا يرضاه هو لذويه، مما حمله على الاقتناع بالإقلاع عنه، وخير الأمور ما كان الدافع إليه من قرارة النفس.\n\nوكان يخاطب القوم بلغتهم ولهجتهم، ومن هذا ما رواه الخطيب البغدادي بسنده عَنْ عَاصِمٍ الأَشْعَرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقول: «لَيْسَ مِنْ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ». أَرَادَ لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَهَذِهِ لُغَةُ الأَشْعَرِيِّينَ يَقْلِبُونَ اللاَّمَ مِيمًا (٢).\n\nوَ«كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ ثَلاَثًا لِكَيْ يُفْهَمَ عَنْهُ» (٣)، وَإِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ فَصْلًا يُبَيِّنُهُ، فَيَحْفَظُهُ مِنْهُ مَنْ سَمِعَهُ (٤).\n_________\n(١) \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٩ جـ ١ عن أبي أمامة الباهلي، رجاله رجال الصحيح وقد رواه الطبراني في \" الكبير \".\n(٢) \" الكفاية \": ص ١٨٣ وقد أخرجه الإمام أحمد. وأخرج الشيخان ومالك وأبو داود والنسائي «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّوْمُ فِي السَّفَرِ» \" تيسير الوصول \": ص ٣١٢ جـ ٢.\n(٣) \" مجمع الزوائد \": ص ١٢٩ جـ ١ عن أبي أمامة رواه الطبراني في \" الكبير \" بإسناد حسن وأخرج البخاري نحوه عن أنس، انظر \" صحيح البخاري بحاشية السندي \": ص ٢٩ جـ ١.\n(٤) كتاب \" تسمية ما ورد به الخطيب \": ص ٢٩ جـ ١ رواه عن عروة عن عائشة، مخطوطة المكتبة الظاهرية، دمشق. مجموع (١٨).","vol":"1","page":50},{"text":"وعن عائشة «أنه - ﷺ - لاَ يَسْرِدُ الكَلاَمَ كَسَرْدِكُمْ، وَلَكِنْ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلاَمِ فَصْلٍ يَحْفَظُهُ مَنْ سَمِعَهُ» (١). وفي رواية: «إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ العَادُّ لأَحْصَاهُ» (٢).\n\nويظهر أنه كان من عادة رسول الله - ﷺ - أنْ يعيد كلامه ويكرره على السامعين حتى يدركوه جَمِيعًا فلا يفوت أحدهم بعضه فَعَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - «كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاَثًا (٣)». ولا يفهم من حديث أنس هذا أنه كان يفعل ذلك دائمًا بل بقدر ما تقتضيه الحاجة.\n\nفمن جميع ما سبق يَتَبَيَّنُ لنا أنه - ﷺ - كان يُبَيِّنُ للناس الأحكام جَيِّدًا حتى لا يبقى لسامع سؤال، ولا لسائل مشكل يقف عنده. حتى إنه كان يجيب السائل بأكثر مما سأله (٤).\n\nكان يتغيَّا التيسير في جميع أموره، وينهى عن التشديد والتعقيد، يريد من المسلمين أَنْ يأتوا الرخص كما يأتون بالعزائم، وينهى عن التنطع في العبادة. والتضييق في الأحكام، ولا بعد في ذلك كله، فإنه ناطق بلسان الشريعة السمحة الميسرة. ويظهر لنا أسلوبه في ذلك كله من تتبع سيرته - عَلَيْهِ\n_________\n(١) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٩٦: ب، و\" فتح الباري \": ص ٣٩٠ جـ ٧ القسم الأول من الحديث.\n(٢) \" فتح الباري \": ص ٣٨٩ جـ ٧ و\" قبول الأخبار ومعرفة [الرجال] \": ص ٥٨ ذكره أبو القاسم البلخي يريد الطعن في أبي هريرة فلم يفلح.\n(٣) \" فتح الباري \": ص ١٩٨ و١٩٩ جـ ١، ولعل المراد بالسلام هنا سلام الاستئذان في الدخول.\n(٤) انظر في ذلك \" فتح الباري \": ص ٢٤١ جـ ١. باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله.","vol":"1","page":51},{"text":"الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -. ويتجلَّى مع هذا حلمه تارة، وحبه لأُمَّته تارة أخرى وغضبه للحق حِينًا، ونهيه عن التعقيد أحيانًا. من ذلك ما رواه أبو هريرة - ﵁ -، قال: دَخَلَ أَعْرَابِىٌّ المَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا، وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا!!». ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِى الْمَسْجِدِ!! فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، أَهرِيقُوا عَلَيْهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سِجْلًا مِنْ مَاءٍ» (١).\n\nوكان يدعو إلى التيسير دائمًا، فعن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: «عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا، وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» (٢) وعن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، وخَيْرُ العِبَادَةِ الفِقْهُ» (٣) كما كان ينهى عن الأغلوطات\n_________\n(١) القسم الثاني من الحديث أي بول الأعرابي في المسجد ذكره البخاري عن أنس وعن أبي هريرة، انظر \" فتح الباري \": ص ٣٣٥ و٣٣٦ جـ ١ وقصة الدعاء في موضع آخر. والحديث المذكور أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح في \" مسنده \"، انظر \" المسند \": ص ٢٤٤ حديث ٧٢٥٤ جـ ١٢ وص ٢٠٩ حديث ٧٧٨٦ جـ ١٤، قوله - ﷺ -: «تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا»: أي ضيَّقْتَ ما وسعه الله، يقال: حجرت الأرض واحتجرتها إذا ضربت عليها مَنَارًا تمنعها به عن غيرك. ويرد الأستاذ أحمد شاكر على المستشرق بروكلمان لفهمه هذا الحديث فَهْمًا خَاطِئًا. راجع هامش ص ٢٤٥ جـ ١٢ منه.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٢ حديث ٢١٣٦ وص ١٩١ حديث ٢٥٥٦ جـ ٤ وص ١٥٠ حديث ٣٤٤٨ جـ ٥ و\" مجمع الزوائد \": ص ١٣١ جـ ١، وراجع \" فتح الباري \": ص ١٩٦ جـ ١. فيه غضبه مِمَّنْ يطول الصلاة وفي المصلين الضعيف وذو الحاجة، وطلب مِمَّنْ يصلي بالناس التخفيف لذلك.\n(٣) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٢١ جـ ١ وقال: رواه البخاري في \" الأدب المفرد \".","vol":"1","page":52},{"text":"وصعاب المسائل (١)، ومشهور عن معلم الخير - ﷺ - أنه: «مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ أَخَذَ (٢) أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ فَيَنْتَقِمَ للهِ بِهَا» (٣).\n\nوكان - ﷺ - في معاملته للمسلمين جَمِيعًا أَخًا مُتَوَاضِعًا ومُعلِّمًا حَلِيمًا، بَلْ كَانَ أَبًا رَحِيمًا، فإذا ما أراد أَنْ يُعَلِّمَ أصحابه بعض الآداب خاطبهم ألين الخطاب وأحبه إلى نفس المخاطب، فيقول مثلًا: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الوَالِدِ إِذَا أَتَيْتُمْ الغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا» (٤) وإذا ما أعجب أصحابه به، وحاول بعضهم الثناء عليه أو اطراءه أبى ذلك وقال: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (٥)، فلم يرض أن يرفعوه عن درجة البشر ويعظموه، وما كان ينتظر منهم جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>تَعْلِيمُ النِّسَاءِ:</span>\nجَاءَ نِسْوَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقْدِرُ\n_________\n(١) انظر \" عيون الأخبار \": ص ١١٧ جـ ٢، ذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الأُغْلُوطَاتِ». قال الأوزاعي: «يَعْنِي صِعَابَ المَسَائِلِ».\n(٢) كذا في النص.\n(٣) \" فتح الباري \" في حديث عائشة - ﵂ -: ص ٣٨٥ و٣٨٦ جـ ٧.\n(٤) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٠٠ حديث ٧٣٦٢ جـ ١٣ ونحوه في \" فتح الباري \": ص ٢٥٥ جـ ١.\n(٥) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٢٦ حديث ١٦٤ جـ ١ بإسناد صحيح عن ابن عباس عن عمر عن رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":53},{"text":"عَلَيْكَ فِي مَجْلِسِكَ مِنَ الرِّجَالِ، فَوَاعِدْنَا مِنْكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ. قَالَ: «مَوْعِدُكُنَّ بَيْتُ فُلاَنٍ». وَأَتَاهُنَّ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَلِذَلِكَ الْمَوْعِدِ، قَالَ (أبو هريرة): فَكَانَ مِمَّا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ ثَلاَثًا مِنَ الوَلَدِ تَحْتَسِبُهُنَّ، إِلاَّ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَتَانِ؟ قَالَ: «أَوِ اثْنَتَانِ» (١).\n\nوكانت النساء يسألن رسول الله - ﷺ - فيُجيبُهُنَّ عن أمور دِينِهِنَّ ولم يكن ذلك صدفة أو نَادِرًا، بل خَصَّصَ لَهُنَّ أوقاتًا خاصة يجلسن فيها إليه، وَيَتَلقَّيْنَ عنه تعاليم الإسلام، وَيُفْتِيهِنَّ، قالت عائشة - ﵂ -: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (٢).\n\nوها هي ذي أُمُّ سُلَيْمٍ - وهي بنت ملحان والدة أنس بن مالك - تأتي رسول الله - ﷺ - وأم سلمة حاضرة - فتقول: \" إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ \" فقال النَّبِيُّ - ﷺ - «إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ»، فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي وَجْهَهَا - وَقَالَتْ: يَا رَسولَ اللهِ، أَوَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟» (٣).\n\nوبهذه الروح الطيبة، والنفس السامية، والصدر الرحب، والمنهج التربوي الصحيح كان رسول الله - ﷺ - يُعَلِّمُ أصحابه والمسلمين عامة أحكام الإسلام وتعاليمه وآدابه، ولم يكن بين الرسول الكريم والمسلمين حاجب\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٨٥ حديث ٧٣٥١ جـ ١٣ و\" فتح الباري \": ص ٢٠٦ جـ ١، تحتسبهنَّ: أي تحتسب أجرها على الله في الصبر على المصيبة.\n(٢) \" فتح الباري \": ص ٢٣٩ جـ ١.\n(٣) \" فتح الباري \": ص ٢٣٩ جـ ١ عن هشام بن عروة عن زينب، ابنة سلمة عن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم (أو نحتلم) من غير همزة في الأصل وفي رواية الكشميهني (أو تحتلم).","vol":"1","page":54},{"text":"كالملوك والقياصرة، بل كان المسجد معهده يُعَلِّمُ فيه المسلمين الشريعة، وقد يرونه في الطريق فيسألونه، فيبش لهم ويجيبهم، وقد يعترضونه في مناسكه وَحَجِّهِ، أو على راحلته يستفتونه فيفتيهم (١) والابتسامة لا تفارق ثغره، وقد تكون إجابته لسائل عن مسألة وحوله جمع قليل أو كثير، وقد يكون على منبر مسجده يبلغ الناس الإسلام وتعاليمه، ويفصل الأحكام يشرحها ...\nفينقل السامعون ما تلقوه إلى إخوانهم وذويهم فإنْ سمع وشاهد ووعى ستبقى آثار ما تلقاه واضحة جلية في نفسه أَمَدًا طويلًا، حتى إذا ما شك فيما سمع، عاد إلى رسول الله - ﷺ -، ليزيل وهمه، ويثبته على الصواب ويرده إلى الحق.\n\nمن كل ما سبق يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّ منهج رسول الله - ﷺ - كَفِيلٌ بأنْ يُحَقِّقَ ما كان يريده الرسول الكريم من تعليم أصحابه وتربيتهم وتطبيق أحكام الشريعة، وكفيلٌ بأنْ يثبت تلك الأحكام والتعاليم في نفوسهم.\n\nبعد هذا نقدم على دراسة «المادة» لنرى تفاعل الصحابة معها وتجاوبهم.\n_________\n(١) راجع \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٧ حديث ٥٦٢ جـ ٢ حول حج رسول الله - ﷺ - وفيه: ... وَاسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمَ فَقَالَتْ: \" إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَفْنَدَ وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الحَجِّ، فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَ عَنْهُ؟ \" قَالَ: «نَعَمْ، فَأَدِّي عَنْ أَبِيكِ» قَالَ (علي بن أبي طالب): \" وَقَدْ لَوَى عُنُقَ الفَضْلِ \"، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ: \" يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ؟ \" قَالَ: «رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا» قَالَ: ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: \" يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ \".قَالَ: «انْحَرْ وَلا حَرَجَ». ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ؟ قَالَ: «احْلِقْ أَوْ قَصِّرْ وَلا حَرَجَ ...».\nإنَّ هذا القسم من الحديث يعطينا صورة حية عن فتاوى الرسول - ﷺ - للمسلمين.\nوراجع \" فتح الباري \": ص ١٩١ و٢٣٣ جـ ١.","vol":"1","page":55},{"text":"وإياها، ثم ننتقل إلى الصحابة وكيفية تَلَقِّيهِمْ الشريعة عن الرسول - ﷺ -.\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>٢ - مَادَّةُ السُنَّةِ:</span>\nعرفنا في مقدمة هذا الباب أَنَّ السُنَّةَ هي المادة التي تلقاها الصحابة - ﵃ - مع القرآن الكريم عن رسول الله - ﷺ -، وشاركوا في تطبيقها واتباعها.\n\nوإنا لنرى هذه المادة تتعلق بالمسلمين في جميع أمور حياتهم: في عقائدهم وعباداتهم، ومناسكهم، وبيوعهم ومعاملاتهم، وفي أحوالهم الشخصية، وفي آدابهم، كما تتصل اتصالًا وَثِيقًا بمختلف مظاهر حياتهم اليومية في السلم والحرب في اليسر والعسر.\n\nوالمادة التي تتصف بهذه الصفات تجعل التلميذ متعلقًا بها مُحِبًّا لها، حريصًا عليها، لأنها الناظم لأموره وتصرفاته. وقد كان الصحابة حريصين على سُنَّةِ رسول الله - ﷺ - مُحِبِّينَ لها، يتسابقون إلى مجالس الرسول - ﷺ -، يدفعهم إلى ذلك إيمانهم القوي وَحُبُّهُمْ لِمُعَلِّمِهِمْ الكَبِيرِ، وقد سمعوا وعرفوا ما للعلم من فضل ومكانة، وما للعلماء وطلاب العلم من منزلة وأجر فأقبلوا على تلقي السُنَّةَ وتطبيقها من قلوبهم صادقين مخلصين. ويظهر لنا ذلك جَلِيًّا في دراسة كيفية تَلَقِّيهِمْ السُنَّةَ عَنْ الرَّسُولِ - ﷺ -.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>٣ - كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَلَقَّوْنَ السُنَّةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ </span>-؟:\nما كان الإيمان يخالط قلوب المسلمين أصحاب رسول الله - ﷺ - وينير سبيلهم - حتى عرفوا عظمة الإسلام، فانكبوا ينهلون من القرآن الكريم: ذلك المعين الذي لا ينضب بعد أَنْ رأوا فيه المعجزة الكبرى والهداية العظمى وامتلأت قلوبهم حُبًّا للهِ ورسوله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، فتفانوا في الدفاع عن مبادئهم وحماية قائدهم وَمُعلِّمِهِمْ، حتى إنَّ الرجل منهم ليفديه بماله ودمه وولده. لقد تحولت جميع قواهم الفطرية، وفضائلهم الطبيعية، وحيوياتهم الدائمة، وتضافرت للمحافظة على الإسلام ونشره، وإِنَّ التاريخ ليحفظ تلك المفاخر الخالدة من التضحيات العظيمة النادرة ... فإذا ما دعت الحاجة إلى المال سارع المسلمون متنافسين في تقديم أموالهم بين يدي رسول الله - ﷺ - هذا يَتَبَرَّعُ بثلث ماله، وذلك بنصف ماله، وآخر بماله كله ... !! وقد تضيق الحال بالمسلمين أنفسهم، فترى عثمان - ﵁ - يهب قافلته التجارية القادمة من الشام للمسلمين، ويأبى أَنْ يبيعها بالمبالغ المغرية التي عرضت عليه ويقول: «دُفِعَ لِي بِهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ...».\n\nوقد بذلوا نفوسهم للذود عن حياض الإسلام، وَفَدَوْا الرسول - ﷺ - بأرواحهم فإذا ما نزل بهم الخطب في غزوة أُحُدْ رأيناهم يتسابقون للدفاع عن رسول الله - ﷺ -، وهذا أبو دجانة يجعل ظهره ترسًا لرسول الله - ﷺ -، حتى أثخنته الجراح، وإلى جانبه عَلِيٌّ يَذُبُّ عنه بسيفه، وسعد بن أبي وقاص يرمي بقوسه حتى كتب لهم النصر ..","vol":"1","page":57},{"text":"هذه نماذج قليلة لتفاني الصحابة وبذلهم في سبيل عقيدتهم ودينهم وبهذه الروح السامية والحيوية الدائمة أقدموا على تلقي العلم عن رسول الله - ﷺ -.\n\nكان الصحابة يتعلَّمون من النبي - ﷺ - القرآن الكريم آيات معدودات: يَتَفَهَّمُونَ معناها، ويتعلَّمون فقهها، ويطبقونه على أنفسهم، ثم يحفظون غيرها، وفي ذلك يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: «حَدَّثَنَا الذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا القُرْآنَ: كَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَغَيْرُهُمًا - أًنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يَتَجَاوَزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ ... قَالُوا فَتَعَلَّمْنَا القُرْآنَ وَالعِلْمَ وَالعَمَلَ جَمِيعًا» (١).\n\nوكان بعضهم يقيم عند الرسول - ﷺ - يَتَعَلَّمُ أحكام الإسلام وعباداته، ثم يعود إلى أهله وقومه يُعلِّمُهُم وَيُفَقِّهُهُمْ، ومن هذا ما أخرجه البخاري عن مالك بن الحويرث قال: أَتَيْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا، فَقَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (٢).\n\nوكان الصحابة يحرصون على حضور مجالس رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) \" المدخل لدراسة القرآن الكريم \" ص ٢٤، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِي هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة أحد كبار التابعين الذين سمعوا من عثمان - ﵁ - وابن مسعود وزيد بن ثابت، توفي سَنَةَ ٧٢ هـ، وقال البخاري بين سنتي (٧٠ و٨٠)، انظر \" الطبقات \" لابن سعد ص ١١٩ جـ ٦ و\" تهذيب التهذيب \" ص ١٨٣ جـ ٥.\n(٢) \" صحيح البخاري بحاشية السِنْدِي \" ص ٥٢ جـ ٤ و\" سنن الدارمي \" ص ١٤٨ طبعة كانفور سَنَةَ ١٢٩٣ هـ.","vol":"1","page":58},{"text":"حِرْصًا شَدِيدًا، إلى جانب قيامهم بأعمالهم المعاشية من الرعاية والتجارة وغيرها، وقد يعسر على بعضهم الحضور، فيتناوبون مجالسه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، كما كان يفعل ذلك عمر - ﵁ -، قال: «كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ - وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ - وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ» (١).\n\nوَيَقُولُ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ الأْوسِيِّ - ﵁ -: «مَا كُلُّ الحَدِيثِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، كَانَ يُحَدِّثُنَا أَصْحَابُنَا، وَكُنَّا مُشْتَغِلِينَ فِي رِعَايَةِ الإِبِلِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانُوا يَطْلُبُونَ مَا يَفُوتُهُمْ سَمَاعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَيَسْمَعُونَهُ مِنْ أَقْرَانِهِمْ، وَمِمَّنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يُشَدِّدُونَ عَلَى مَنْ يَسْمَعُونَ مِنْهُ» (٢).\n\nوفي رواية عنه: «لَيْسَ كُلُّنَا كَانَ يَسْمَعُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانَتْ لَنَا ضَيْعَةٌ وَأَشْغَالٌ، وَلَكِنِ النَّاسُ لَمْ يَكُونُوا يَكْذِبُونَ يَوْمَئِذٍ، فَيُحَدِّثُ الشَّاهِدُ الغَائِبَ» (٣).\n\nوعن أنس بن مالك - ﵁ -: «[وَاللَّهِ مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمْ سَمِعْنَاهُ] مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بَعْضُنَا بَعْضًا وَلاَ يَتَّهِمُ بَعْضُنَا بَعْضًا» (٤). وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:\n_________\n(١) \" فتح الباري \": ص ١٩٥ جـ ١.\n(٢) \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٤.\n(٣) \" المحدث الفاصل بين الراوي والواعي \": ص ٣٢ - ٣٣. و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٢: آونحوه في \" قبول الأخبار ومعرفة الرجال \": ص ٩ و١٠.\n(٤) \" قبول الأخبار \": ص ٩. أورد أبو القاسم البلخي في الصفحات الأولى من كتابه من (١ - ٤٦) أخبارًا جيدة عن السُنَّةِ والحديث وسماع الصحابة ثم ما لبث أَنْ قلب ظهر المجن لهم وبدأ يطعن في أهل الحديث، وهو معتزلي مشهور، وفاته (٣١٧ أو ٣١٩ هـ) وَسَأَتَعَرَّضُ لِلْرَدِّ عَلَيْهِ في مواطن أخرى من هذا الكتاب.","vol":"1","page":59},{"text":"أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟»، قَالَ: «نَعَمْ، أَوْ حَدَّثَنِي مَنْ لَمْ يَكْذِبْ، وَاللهِ مَا كُنَّا نَكْذِبُ وَلاَ كُنَّا نَدْرِي مَا الكَذِبُ». (١).\n\nوكان الصحابة يتذاكرون دَائِمًا ما يسمعون من رسول الله - ﷺ -، قال أنس بن مالك: «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَنَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ فَإِذَا قُمْنَا تَذَاكَرْنَاهُ فِيمَا بَيْنَنَا حَتَّى نَحْفَظُهُ» (٢).\n\nوإلى جانب هذه المجالس، كان الصحابة يَتَلَقَّوْنَ السُنَّةَ عن رسول الله - ﷺ - من وجوه يمكن حصرها فيما يأتي:\n[أ] حوادث كانت تقع للرسول نفسه، فَيُبيِّنُ حُكْمَهَا، وينتشر هذا الحكم بين المسلمين بمن سمعوه منه، وقد يكون هؤلاء كثرة تُمَكِّنُهُمْ كثرتهم من إذاعة الخبر بسرعة، وقد يكونون قلة فيبعث الرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - من ينادي في الناس بذلك الحكم.\n\nمِثَالُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -: نَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا، فَسَأَلَهُ: «كَيْفَ تَبِيعُ؟» فَأَخْبَرَهُ، فَأُوحِىَ إِلَيْهِ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ» (٣).\n\nوَمِثَالُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَهِيَ مُسْتَتِرَةٌ بِقِرَامٍ (٤)، فِيهَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ فَتَلَوَّنَ\n_________\n(١) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٢: آ، ورواه السيوطي في \" مفتاح الجنة \".\n(٢) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٤٦: ب.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٨ حديث ٧٢٩٠ جـ ١٣ بإسناد صحيح.\n(٤) القِرَامُ بكسر القاف: ثوب من صوف مُلَوَّنٍ. وهو صفيق يتخذ سترًا وقيل هو الستر الرقيق، وقيل هو ستر فيه رقم ونقوش وجمعه قِرَمٌ. انظر \" لسان العرب \": ص ٣٧٤ جـ ١٥.","vol":"1","page":60},{"text":"وَجْهُهُ، ثُمَّ أَهْوَى الْقِرَامَ فَهَتَكَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ ﷿» (١).\n\nوقد يرى رسول الله - ﷺ - أو يسمع صحابيا يخطئ، فيُصَحِّحُ له خطأه، ويرشده، من ذلك ما رواه عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه رأى رجلًا توضأ للصلاة، فترك موضع ظفر على ظهر قدمه، فأبصره النبي - ﷺ - فقال: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ»، فرجع فتوضأ ثم صلى (٢).\n\nومن ذلك ما رواه عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ [صَحَابَةِ] النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالُوا فُلاَنٌ شَهِيدٌ، فُلاَنٌ شَهِيدٌ حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا فُلاَنٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَلاَّ إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ المُؤْمِنُونَ» قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ أَلاَ إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ المُؤْمِنُونَ (٣).\n\n[ب] حوادث كانت تقع للمسلمين، فيسألون الرسول عنها، فيُفتيهم ويجيبهم، مُبيِّنًا حُكْمَ ما سألوا عنه، من الحوادث ما يتناول خصوصيات السائل نفسه، ومنها ما يتعلق بغيره، وجميعها من الوقائع التي تعرض للإنسان في حياته فترى الصحابة لا يخجلون في ذلك كله، بل يسرعون إلى المُعَلِّمِ\n_________\n(١) \" معرفة علوم الحديث \" للحاكم: ص ١٢٩ ونحوه في \" صحيح مسلم \": ص ١٦٦٧ حديث ٩١ جـ ٣.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢١٤ حديث ١٢٤ جـ ١ بإسناد صحيح ورواه مسلم أَيْضًا.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \" ص ٢٤٢ جـ ١، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":61},{"text":"الأول، ليقفوا على حقيقة تطمئن قلوبهم إليها، وتثلج صدورهم عندها. وقد يخجل الصحابي من الرسول - ﷺ - فيكلف غيره عبء السؤال، من ذلك ما يرويه عليُّ بن أبي طالب قال: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَكُنْتُ أَسْتَحْيِى أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ (١) فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» (٢).\n\nوَرَوَى قَيْسٌ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الصَّلاةِ ذَهَبْتُ أَحُكُّ فَخِذِي، فَأَصَابَتْ يَدِي ذَكَرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «هَلْ هُوَ إِلاَّ بِضْعَةٌ مِنْك؟» (٣).\n\nوقد يسألونه - ﷺ - عن أخص من ذلك كما روى عروة عن عائشة - ﵂ -، قال: جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: إنَّ رِفَاعَة طَلَّقَنِي، فَبَتَّ (٤) طَلاَقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ. فَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لاَ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلا تَسْمَعُ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ (٥).\n\nلقد كان المسلمون يسألونه عن أمورهم وأحوالهم، لا يحجبهم عنه حاجب،\n_________\n(١) \" فتح الباري \": ص ٢٩٤ جـ ١ و\" صحيح مسلم \": ص ٢٤٧ حديث ١٧ جـ ١.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٣٩ حديث ٦٠٦ وص ٤٦ حديث ٦١٨ جـ ٢ بإسناد صحيح، و\" فتح الباري \": ص ٢٩٤ و٣٩٤ جـ ١، و\" صحيح مسلم \": ص ٢٤٧ حديث ١٧ - ١٩ جـ ١.\n(٣) \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٣٢، وقال الحاكم ... «لم يذكر الزيادة في حك الفخذ غير عبد الله بن رجاء عن همام بن يحيى وهما ثقتان».\n(٤) بَتَّ وأَبَتَّ أي طلقني ثلاثًا. والبَتُّ: القطع. ورفاعة المذكور هو رفاعة القرظي.\n(٥) \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٣٠ و\" صحيح مسلم \": ص ١٠٥٥ حديث ١١١ وما بعده جـ ٢.","vol":"1","page":62},{"text":"لا يمنعهم منه مانع، لذلك نرى الأعرابي البعيد عنه يسأله كما يساله الصحابي الملازم له، كلهم يريدون الحق، قال عليٌّ - ﵁ -: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا نَكُونُ بِالبَادِيَةِ، فَتَخْرُجُ مِنْ أَحَدِنَا الرُّوَيْحَةُ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ الله - ﷿ - لاَ يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» (٢).\n\nإنَّ هؤلاء الصحابة الذي يسألون رسول الله - ﷺ - عن مثل هذه الأمور الشخصية التي قد يخجل منها غيرهم، كانوا لا يحجبون عن سؤاله في معاملاتهم وعباداتهم وعقائدهم وسائر أمورهم، بل إِنَّ بعضهم كان إذا وصله خبر عن رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، يعود إليه لينهل من معينه، وَيَتَزَوَّدُ مِنْ عِلْمِهِ، كَمَا حَدَثَ لِضَمَامٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَقَوْمَهُ حِينَ جَاءَهُمْ رَسُولُ رَسُولِ اللهِ يُبَلِّغُهُم الرِّسَالَةَ (٣)، فَانْطَلَقَ ضِمَامٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَ حَوْلَهُ أَصْحَابُهُ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ عَلَى جَمَلٍ، قَالَ أَنَسٌ: «... فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ، عَقْلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ. فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ (ضِمَامٌ): ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «قَدْ أَجَبْتُكَ» فَقَالَ الرَّجُلُ لِلْنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَة، فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ». قَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ\n_________\n(١) الرويحة تصغير رائحة وَكَنَّى بها هنا عن الريح الذي ينطلق من البطن عن طريق الشرج.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٦٤ حديث ٦٥٥ جـ ٢ (وقال مرة: «فِي أَدْبَارِهِنَّ»).\n(٣) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ٥ وقد أخرجه مسلم.","vol":"1","page":63},{"text":"كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّىَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ... فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَام بْن ثَعْلَبَة أَخُو بَنِي سَعْدٍ بْنِ بَكْرٍ» (١).\n\nومن ذلك ما حديث لأحد الصحابة حِينَ قبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا، فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ، فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أمٌّ المُؤْمِنِين، فَأَخْبَرَتْهَا فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَرَجَعَتْ المَرْأَةُ إِلَى زَوْجَهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَزَادَهُ ذّلِكَ شَرًّا!! وَقَالَ: لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللهِ، يُحِلُّ اللهُ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ. فَرَجَعَتِ المَرْأَةُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَوَجَدَتْ رَسُولَ اللهِ عِنْدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ «مَا بالِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ؟» فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: «أَلاَ أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ؟» فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «قَدْ أَخْبَرْتُهَا، فَذَهَبَتْ إِلَى زَوْجِهَا فَأَخْبَرَتْهُ فَزَادَهُ شَرًّا، وَقَالَ: لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللهِ، يُحِلُّ اللهُ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ».، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ» (٢).\n\nلقد حمله ورعه أن يظن هذا الحكم خَاصًّا بالرسول حتى أكد الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أنه حكم عام.\n\nوقد كانت السيدة عائشة أم المؤمنين لا تسمع شَيْئًا لا تعرفه إلاَّ راجعت فيه حتى تعرفه (٣).\n_________\n(١) \" فتح الباري \": ص ١٥٩ جـ ١ ونحوه في \" معرفة علوم الحديث \": ص ٥.\n(٢) \" الرسالة \": ص ٤٠٤ فقرة ١١٠٩ وهكذا اللام ثابتة في الأصل في (أَعْلَمُكُمْ).\n(٣) انظر \" فتح الباري \": ص ٢٠٧ جـ ١.","vol":"1","page":64},{"text":"وقد يختصم مسلمان في قضية أو حكم، فيرجعان إلى رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ليفصل بينهما ويبيِّن وجه الصواب. من ذلك ما رواه المسور بن مخرمة: أنَّ\n\nعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ بنَ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فَقَرَأَ فِيهَا حُرُوفًا لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ اللَّهِ أَقْرَأَنِيهَا، قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أُسَاوِرَهُ وأنا فِي الصَّلاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ القِرَاءَةَ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ مَا هَكَذَا أَقْرَأَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ أَقُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الفُرْقَانِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ فِيهَا حُرُوفًا لَمْ تَكُنْ أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَأْ يَا هِشَامُ»، فَقَرَأَ كَمَا كَانَ قَرَأَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» (١)، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ» فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ» (٢).\n\nإنَّ في هذه الأجوبة والفتاوى والأقضية مادة كثيرة في مختلف أبواب كُتُبِ السُنَّةِ، حتى إنها تُؤَلِّفُ جَانِبًا كَبِيرًا من سُنَّةِ رسول الله - ﷺ -، ويبعد أن ينسى هذه الحوادث من وقعت له وسأل عنها الرسول - ﷺ -، لأنها جزء من حياة السائل بل واقعة بارزة من وقائع عمره.\n\n[ج] وقائع وحوادث شاهد فيها الصحابة تصرفات الرسول - ﷺ -. وهذه كثيرة في صلاته وصيامه وحجه وسفره وإقامته ... فنقلوها إلى التابعين الذين بَلَّغُوهَا إلى من بعدهم وهي تُؤَلِّفُ جَانِبًا كَبِيرًا مِنَ السُنَّةِ، وخاصة\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٢٤ حديث ١٥٨ جـ ١ بإسناد صحيح.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٧٤ حديث ٢٧٧ جـ ١ بإسناد صحيح، وليس في هذه الرواية مُسَاوَرَةَ عمر لهشام في الصلاة. وأخرج البخاري ومسلم نحوه، انظر \" فتح الباري \": ص ٣٩٩ جـ ١٠ وصحيح مسلم ص ٥٦٠ حديث ٢٧٠ جـ ١.","vol":"1","page":65},{"text":"هديه - ﷺ - في العبادات والمعاملات وسيرته ... ومن ذلك سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان، والإسلام والإحسان وعلم الساعة، وإجابته - ﷺ - عن ذلك كله وقال: «يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (١).\n\nومن ذلك ما رواه علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: «أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَآخِرِهِ، وَأَوْسَطِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» (٢).\n\nومن ذلك أَيْضًا ما رواه سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ» (٣).\n\nومن ذلك ما رواه علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نُصَلِّى، إِذِ انْصَرَفَ وَنَحْنُ قِيَامٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى لَنَا الصَّلاَةَ، ثُمَّ قَالَ: \" إِنِّى ذَكَرْتُ أَنِّى كُنْتُ جُنُبًا حِينَ قُمْتُ إِلَى الصَّلاَةِ، وَلَمْ أَغْتَسِلْ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ فِى بَطْنِهِ رِزًّا (٤) أَوْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَلْيَنْصَرِفْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ أَوْ غُسْلِهِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى\n_________\n(١) \" شرح الأربعين النووية \": ص ١٢ رواه مسلم وانظر \" فتح الباري \": ص ١٢٣ - ١٣٢ جـ ١ و\" مسند الإمام أحمد \" ص ٣١١ حديث ٣٦٧ جـ ١ بإسناد صحيح. وكان جبريل - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قد جاء إلى الرسول - ﷺ - وأصحابه حوله على هيئة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا تظهر عليه علائم السفر قال عمر - ﵁ - ولا يعرفه منا أحد. والحديث مشهور عن عمر - ﵁ -.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٦٤ حديث ٦٥٣ جـ ٢ بإسناد صحيح.\n(٣) المرجع السابق: ص ٢٤٧ حديث ٤٥٣٩ جـ ٦ بإسناد صحيح.\n(٤) الرِزُّ: الصوت الخفي ويريد به القرقرة، وقيل هو غمز الحدث وحركته للخروج.","vol":"1","page":66},{"text":"صَلاَتِهِ» (١). وما رواه أَيْضًا فقال: كَانَ آخِرُ كَلاَمِ رَسُولِ اللِه - ﷺ -: «الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (٢).\n\nمما سبق يتضح لنا أنَّ عوامل ثلاثة تضامنت وتضافرت في سبيل حفظ السُنَّةِ المُشَرَّفَةِ في عهد رسول الله - ﷺ -، وهذه العوامل هي: شخصية الرسول من حيث هو مُرَبٍّ وَمُعَلِّمٍ، وفوق هذا، وأكثر من هذا من حيث هو رسول رب العالمين، وَالسُنَّةُ من حيث مادتها، والصحابة وهم الطلاب الذين تَلَقَّوْا السُنَّةَ وشاركوا في تطبيقها، وتجاوبوا مع المعلم الأول والمادة مُخلصين، بقلوب عظيمة انطوت على رغبة مُلِحَّةٍ، وإرادة قوية في اتباع ما به يتم إيمانهم، ويقطع صلتهم بما كانوا فيه من ضلال. كل ذلك كان له الأثر الكبير في حفظ الصحابة لِلْسُنَّةِ دقيقها وجليلها، ثم نقلها إلى التابعين الذين نقلوها إلى من بعدهم طِبْقًا لما قاله - ﷺ - لأصحابه: «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ يُسْمَعُ مِنْكُمْ» (٣).\n\nويمكننا أنْ نقول - ونحن واثقون مطمئنون -: إنَّ السُنَّةَ في عهد رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - كانت محفوظة عند الصحابة جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع القرآن الكريم، وَإِنْ كان نصيب كل صحابي منها يختلف عن نصيب الآخر، فمنهم المُكْثِرُ من حفظها، ومنهم المُقِلُّ، ومنهم المتوسط في ذلك. ومن ثم نستطيع تأكيد أنهم قد أحاطوا بِالسُنَّةِ، وتكفلوا بنقلها إلى التابعين.\n\nويخطئ من يَدَّعِي أَنَّ بعض السُنن فات الصحابة جَمِيعًا بعد أنْ رأينا مدى\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٧٤ رقم ٦٦٨ جـ ٢.\n(٢) المرجع السابق: ص ٢٩ جـ ٢ وإسناده صحيح.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٣٤٠ حديث ٢٩٤٢ جـ ٤ وانظر \" الجرح والتعديل \": ص ٨ جـ ١.","vol":"1","page":67},{"text":"عنايتهم بها، وحرصهم عليها، فكيف يغيب عنهم شيء منها، وهم الذين صحبوا رسول الله - ﷺ - نَيِّفًا وَعِشْرِينَ عَامًا قبل الهجرة وبعدها، فحفظوا عنه أقواله وأفعاله، «ونومه ويقظته، وحركته، وسكونه، وقيامه، وقعوده، واجتهاده، وعبادته، وسيرته، وسراياه ومغازيه، ومزاحه وزجره، وخطبه وأكله وشربه، ومعاملته أهله، وتأديبه فرسه وكتبه إلى المسلمين والمشركين، وعهوده ومواثيقه، وألحاظه وأنفاسه وصفاته، هذا سوى ما حفظوا عنه من أحكام الشريعة، وما سألوه عن العبادات والحلال والحرام أو تحاكموا فيه إليه» (١) فكانوا بحق خير خلف لخير سلف - ﵃ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٤ - انْتِشَارُ السُنَّةِ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ </span>-:\nانتشرت السُنَّةُ مع القرآن الكريم منذ الأيام الأولى للدعوة، يوم كان المسلمون قلة يجتمعون سِرًّا في دار الأرقم بن عبد مناف، يَتَلقَّوْنَ تعاليم الدين الجديد يقرأون القرآن، ويقيمون شعائرهم، وما لبث النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أنْ صدع بأمر الله تعالى، وكثر المسلمون، وَعَمَّ الإسلام الجزيرة العربية، وكان الرسول - ﷺ - في جميع مراحل الدعوة يبلغ الناس، ويفتيهم ويقضي بينهم، ويخطبهم ويسوسهم في السلم والحرب، وفي الشِدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَيُعَلِّمُهُمْ فيحفظون الأحكام وَيُطبِّقُونَهَا. وقد تضافرت عوامل عِدَّةٍ تَكَفَّلَتْ بنشر السُنَّةِ في الآفاق منها:\n_________\n(١) \" المدخل إلى كتاب الإكليل في أصول الحديث \": ص ٧، ٨.","vol":"1","page":68},{"text":"١ - نشاط رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وجده في تبليغ دعوته ونشر الإسلام، فلم يترك وسيلة للدعوة إِلاَّ استفاد منها، ولا سبيلًا إلاَّ سلكها، فعرض نفسه على القبائل، وَتَحَمَّلَ الصعاب وَصُنُوفَ الأذى، واتصل بوفود المواسم وعرض عليهم الإسلام ... فلم يَأْلُ جُهْدًا في تبليغ الرسالة .. حتى عَزَّ الإسلام وقويت دولته .. وفي جميع تلك التطورات كانت السُنَّةُ تأخذ مكانها في نفوس المسلمين.\n\n٢ - طبيعة الإسلام ونظامه الجديد، الذي جعل الناس يتساءلون عن أحكامه، وعن رسوله وأهدافه، فكان بعض من يسمع بالدعوة يُقْبِلُ على رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، يسأله عن الإسلام فيعلن إسلامه، وينطلق إلى قومه لِيُبَلِّغَهُمْ ما رأى ويخبرهم ما سمع ...\n\n٣ - نشاط أصحاب الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، واندفاعهم في طلب العلم وحفظه وتبليغه، وقد سبق أَنْ تكلمت مفصلًا عن نشاطهم العلمي في بحث «كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَلَقَّوْنَ السُنَّةَ؟».\n\n٤ - أمهات المؤمنين - ﵅ -:\nكان لأمهات المؤمنين فضل عظيم في تبليغ الدين، ونشر السُنَّةِ بين نساء المسلمين، فقد كان بعض النساء يخجلن مِنْ أنْ يسألن رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - عن أُمُورِهِنَّ فيجدن عند أزواجه ما يُشفي غَلِيلَهُنَّ، لأنهنَّ على صلة دائمة به، يَتَعَلَّمْنَ منه الأحكام، وَيَنْقُلْنَ عنه ما لا يتاح لغيرهن نقله، وقد اشتهرت السيدة عائشة - ﵂ - بعلمها الغزير، وحرصها على فهم الأحكام، فعن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ «كَانَتْ لاَ تَسْمَعُ شَيْئًا لاَ تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ:","vol":"1","page":69},{"text":"«مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ» (١).\n\nوقد عرف المسلمون سمو مكانتها، وتعمُّقها في أحكام الإسلام، فكانت - بعد وفاة رسول الله - ﷺ - - محطَّ أنظار طلاب العلم والمستفتين ومرجعهُم في كثير من أمور دينهم.\n\n٥ - الصحابيات: كان للنساء أثر عظيم في حفظ السُنَّةِ وتبليغها لا يقل عن أثر الصحابة - ﵃ -، وقد رأينا حِرْصَهُنَّ على حضور مجالس الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، حتى إذا ما رأين الرجال قد غَلَبُوهُنَّ على رسول الله - ﷺ -، طلبن منه أنْ يُعيِّنَ لهنَّ جلسات خاصة بِهِنَّ يسألنه فيها عن أمورهن ويستمعن إلى أحاديث رسول الله - ﷺ -، وقد كان لهؤلاء الصحابيات أثر عظيم في حمل أحكام كثيرة تتعلق بالنساء وحياتهن الزوجية، كان من الصعب أنْ يسأل الصحابة عنها رسولَ الله - ﷺ -.\n\n٦ - رُسُله - ﷺ - وَوُلاَّتُهُ:\nأصحبت المدينة بعد الهجرة مقر الدولة الإسلامية، وقاعدة الدعوة: تنبعث منها الهداية إلى الآفاق، وتتحطَّم على إثرها أصنام الشرك، وَتَتَقَوَّضُ أمامها عروش الطغيان، فمن يثرب انطلق رسل النبي - ﷺ - إلى القبائل المجاورة والنائية، يدعونهم إلى الإسلام، ويُعلِّمونهم أحكامه ونظمه، عندما كانت قريش تحول بين القبائل المسلمة والنبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وكان\n_________\n(١) \" فتح الباري \": ص ٢٠٧ جـ ١.","vol":"1","page":70},{"text":"رسول الله - ﷺ - يُوَجِّهُ رسله ويرشدهم وَيُعلِّمُهُمْ أصول الدعوة ويأمرهم أنْ يدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن ذلك وصيته لمعاذ بن جبل ولأبي موسى الأشعري عندما وَجَّهَهُمَا إلى اليمن (١): قال - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا»، وقال لمعاذ - ﵁ -: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (٢): «وَكَانَ يُشَجِّعُ عُمَّالَهُ وَقُضَاتَهُ، قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: \" بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنِي إِلَى قَوْمٍ هُمْ أَسَنُّ مِنِّي لأَقْضِيَ بَيْنَهُمْ \"، قَالَ: \" اذْهَبْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ وَيَهْدِي قَلْبَكَ \"» (٣).\n\nوقد كانت بعوثه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وَوُلاَّتُهُ خير من يحمل الرسالة وَيُؤَدِّي الأمانة.\n\nوفي السَّنَةِ السَّادِسَةِ كثرت بُعُوثُهُ - ﷺ -، فقد وجه بعد صلح الحديبية رسله إلى الملوك، يحملون إليهم كتبه، ففي يوم واحد انطلق ستة نفر إلى جهات مختلفة يَتَكَلَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بلسان القوم الذين بعث إليهم (٤)،\n_________\n(١) انظر \" صحيح البخاري \" بحاشية السِندي: ص ٧٢ جـ ٣ وكان ذلك في السنة التاسعة للهجرة.\n(٢) \" صحيح مسلم \": ص ٥٠ حديث ٢٩ و٣٠ جـ ١.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٧٣ حديث ٦٦٦ جـ ٢ بإسناد صحيح.\n(٤) انظر \" المصباح المضيء \": ص ٤٠.","vol":"1","page":71},{"text":"فقد اشتهر أنه أرسل رسله إلى قيصر الروم (١)، وإلى أمير بُصْرَى، وإلى الحَارِثِ بْنِ أَبِي شَمَّرْ أمير دمشق من قبل هرقل، وإلى المقوقس أمير مصر من قبل هرقل يدعوهم إلى الإسلام، كما وجه كتبه إلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، وأرسل كتبه ورسله إلى عُمَانَ وَاليَمَامَةَ وغيرها ... وكان الرسل يجيبون عما يسألهم عنه الملوك والأمراء ورؤساء القبائل، وَيُبَيِّنُونَ لهم الإسلام وغاياته على ضوء ما يزودهم به الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - من التوجيه والإرشاد، وكان - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - يولي على كل قوم قبلوا الإسلام كبيرهم، ويمدهم بمن يُفقِّهُهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ.\n\n٧ - غزوة الفتح (الفتح الأعظم).\n\nفي سَنَةِ ثمان من الهجرة نقضت قريش صلح الحديبية، فدعا رسول الله القبائل المسلمة أن تحضر رمضان في المدينة، وانطلق بعشرة آلاف (٢) مجاهد إلى مكة، ففتحها وقوض الوثنية وَحَطَّمَ الأصنام، ثم قام خطيبًا في ألوف المسلمين والمشركين فعفا عن أعدائه الذين اضطهدوه وآذوه. ثم أعلن كثيرًا من الأحكام، منها أَلاَّ يقتل مسلم بكافر، ولا يتوارث أهل مِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، ولا تُنكح المرأة على عمَّتها أو خالتها ... ثم أقبل الناس يبايعون رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ...\n\nلقد كان فتح مكة حدثًا تاريخيًا عظيمًا، نقله جموع غفيرة، ونقلت معه خطبة الرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - إلى الآفاق، كما نقل المسلمون\n_________\n(١) انظر \" سيرة ابن هشام \": ص ٢٧٩ جـ ٤ و\" صحيح مسلم: ص ١٣٩٣ و١٣٩٧ جـ ٣ وانظر أخبار الرسل إلى الملوك والأمراء في \" المصباح المضيء \": ص ٦٠ - ١١٤.\n(٢) انظر \" سيرة ابن هشام \": ص ١٧ جـ ٤.","vol":"1","page":72},{"text":"الجدد ما سمعوا من إرشاد وتوجيه إلى أهلهم وذويهم في مكة وغيرها.\n\n٨ - حجة الوداع:\nخرج رسول الله - ﷺ - في شهر ذي الحجة من السَّنَةِ العَاشِرَةِ للهجرة، إلى مكة المكرمة وَحَجَّ بالناس، وكان معه جمع عظيم يبلغ تسعين (١) ألفًا، ووقف في عرفة في هذه الجموع الكثيرة وخطب خطبة جامعة بَيَّنَ فيها كثيرًا من الأحكام، منها حرمة دماء المسلمين وأموالهم، وأداء الأمانة، ووضع ربا الجاهلية وإبطاله، كما وضع دماء الجاهلية التي كانت بينهم ومنع العادات الباطلة ... ومنع النسيء تأكيدًا لما في كتاب الله، وَبَيَّنَ بعض حقوق الرجال وحقوق النساء وحث على حُسْنِ مُعَامَلَتِهِنَّ ... ومنع الوصية للوارث ...\n\nلقد كانت هذه الخطبة الجامعة من أهم العوامل في انتشار السُنَّةِ بين القبائل العربية، لأنه سمعها عدد كبير جِدًّا، ونقلوها إلى الآفاق، طِبْقًا لما جاء فيها من قوله - ﷺ -: «أَلاَ هَلْ بَلَّغتُ؟ اللهُمَّ فَاشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغْ الشَاهِدُ مِنْكُمْ الغَائِبَ» (٢).\n\n٩ - الوفود بعد الفتح الأعظم وَحَجَّةِ الوداع:\nبعد فتح مكة أقبلت وفود العرب من سائر أطراف الجزيرة العربية يبايعون الرسول - ﷺ - وَيَنْضَمُّونَ تحت لواء الإسلام، وتتابعت هذه الوفود وكثرت بعد حجة الوداع، وكان رسول الله - ﷺ - يرحب بالوافدين، ويعلمهم الإسلام، وَيُزَوِّدَهُمْ بنصائحه وإرشاداته، وكانت بعض الوفود تقيم\n_________\n(١) اختلف في عدد من حضر حجة الوداع وفي رواية عن أبي زرعة أنهم أربعون ألفًا، انظر \" تلقيح فهوم أهل الأثر \" ص ٢٧: ب.\n(٢) انظر \" سيرة ابن هشام \": ص ٢٧٦ جـ ٤، ونحوه في \" صحيح مسلم \": ص ١٣٠٦ جـ ٣.","vol":"1","page":73},{"text":"عنده أيامًا ثم تعود إلى قبائلها تُبَلِّغُهُمْ الدين الحنيف، ومن هذه الوفود وفد ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ الذي علمه الرسول - ﷺ - الإسلام، فعاد إلى قومه ودعاهم فأسلموا، ووفد عبد القيس، ووفود بني حنيفة وطيء وَكِنْدَةَ وأزد شنوءة، ووفد رسول ملوك حِمْيَرْ، الذين أسلموا وأرسلوا رسولهم بذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فبعث إليهم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - كتابًا يخبرهم أنه علم بإسلامهم، وَيَحُثُّهُمْ على طاعة الله والتمسُّك بدينه، وفيه وَصِيَّتُهُ لهم برسله وببعوثه، ويوصيهم الخير في الرعية ... كما قدمت وفود همدان، وتجيب - قبيلة من كندة - ووفود ثعلبة وبني سعد من هُذَيْمٍ ووفود كثيرة يضيق المقام عن ذكرها (١).\n\nلقد كان رسول الله - ﷺ - يرى في هذه الوفود الخير، فيكرمهم وَيُعلِّمُهُمْ، وكانوا يسألونه ويجيبهم، وقد سمعوا حديثه، وشهدوا بعض مواقفه، وشاركوه في العبادة، ورأوا كثيرًا من تصرفاته. فكان لهذه الوفود أثر عظيم في نقل السُنَّةِ وانتشارها.\n\nونرى أَنَّ تلك العوامل الكثيرة كانت كافية لنشر السُنَّةِ وتبليغها المسلمين، في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية آنذاك.\n\nتلك لمحة سريعة عن انتشار السُنَّةِ في عهده - ﷺ -، وقد حرص الصحابة والمسلمون جَمِيعًا على حفظها وتبليغها، ولم ينتقل رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - إلى الرفيق الأعلى إلاَّ بعد أنْ انتشر الإسلام في الجزيرة العربية كلها وساد ربوعها، وملأ القرآن والسُنَّةُ صدور أهلها، مِصْدَاقًا لقوله - ﷿ - ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٢)\n_________\n(١) انظر \" سيرة ابن هشام \": ص ٢٢١ جـ ٤.\n(٢) [سورة المائدة، الآية: ٣].","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>البَابُ الثَّانِي: السُنَّةُ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:</span>\nالفصل الأول:\n١ - اقتداء الصحابة والتابعين بالرسول - ﷺ -.\n٢ - احتياط الصحابة والتابعين وورعهم في رواية الحديث.\n٣ - تثبت الصحابة والتابعين في قبول الحديث.\n٤ - كيف روي الحديث في ذلك العصر .. باللفظ أو بالمعنى؟\n\nالفصل الثاني:\n١ - النشاط العلمي في عصر الصحابة والتابعين.\n٢ - انتشار الحديث في عصر الصحابة والتابعين.\n٣ - الرحلة في طلب الحديث.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>بَيْنَ يَدَيْ الفَصْلِ:</span>\nكان مصدر التشريع في عهد الرسول - ﷺ - كتاب الله وَسُنَّةَ رسوله: ينزل الوحي، فيبلغه النبي الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - إلى الناس كافة، وَيُبيِّنُ مقاصده، ثم يطبق أحكامه، فكان - ﷺ - المرجع الأعلى في جميع أمور الأمَّة، في القضاء والفتوى، والتنظيم المالي والسياسي والعسكري: يعالج الأمور على مرأى من أصحابه - ﵃ -، وعلى ضوء القرآن الكريم، فإنْ وجد حُكْمًا للقضية فصل فيها، وإن لم يجد اجتهد فيها حِينًا، أو انتظر الوحي أحيانًا، ليعرف حكم الله تعالى، وقد يجتهد فينزل الوحي مُصَحِّحًا لاجتهاده، لأنَّ الله - ﷿ - لا يُقِرُّ رسوله على الخطأ.\n\nثم ما لبث أن انتقل محمد - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى، وانقطع الوحي. ولم يبق أمام الأُمَّةِ إلاَّ القرآن العظيم وَالسُنَّةِ الشَّرِيفَةِ، مصداقًا لقوله - ﷺ -: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّتِي» (١) وتمسك الصحابة والتابعون بِسُنَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - اتباعًا لأوامر الله تعالى بطاعته وقبول حكمه في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وقوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \" المستدرك \"، وانظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ١٨٠ جـ ٢.\n(٢) [سورة الحشر، الآية: ٧].","vol":"1","page":77},{"text":"حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢).\n\nوالاستجابة لرسول الله - ﷺ - واجبة في حياته وبعد وفاته، وقد امتثل الصحابة لأوامر الله تعالى في عهد الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وَنَفَّذوهَا مخلصين، وحموا الشريعة بالمال والدماء، وكذلك فعلوا بعد وفاته، وُقُوفًا عند وصيته - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، التي سمعها منه الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، ويرويها العرباض بن سارية - ﵁ - فيقول: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَوعظةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رسولَ اللهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنَا، قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تَأمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافًا كَثيرًا، فَعَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فإنَّ كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالةٌ» (٣). فأخذوا بِسُنَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وتمسكوا بها، وَأَبَوْا أنْ يكونوا ذلك الرجل الذي ينطبق عليه قوله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ﷿، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ\n_________\n(١) [سورة النساء، الآية: ٦٥].\n(٢) [سورة آل عمران، الآية: ١٣٢].\n(٣) الحديث الثامن والعشرون من \" الأربعين النووية \": ص ٦٧ وقال: رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وأقول: رواه أَيْضًا الدارمي في \" سننه \"، انظر \" سنن الدارمي \": ص ٢٦، طبعة سنة ١٢٩٣ هـ.","vol":"1","page":78},{"text":"حَرَّمْنَاهُ، أَلاَ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» (١)، بل وقفوا من السُنَّةِ موقفًا عظيمًا، وَرَدُّوا على كل من فهم ذاك الفهم، رَوَى أَبُو نَضْرَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَحَدَّثَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: حَدِّثُوا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿، وَلاَ تُحَدِّثُوا عَنْ غَيْرِهِ. فَقَالَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ!! أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ صَلاَةَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، لاَ يُجْهَرُ فِيهَا [بِالْقِرَاءَةِ]؟، وَعَدَّ الصَّلَوَاتِ وَعَدَّ الزَّكَاةَ وَنَحْوِهَا. ثُمَّ قَالَ: «أَتَجِدُ هَذَا مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ قَدْ أَحْكَمَ ذَلِكَ، وَالسُنَّةُ تُفَسِّرُ ذَلِكَ» (٢)، وَقَالَ رَجُلٌ لِلْتَّابِعِيِّ الجَلِيلِ مُطَرِّفْ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لا تُحدِّثُونا إلاَّ بِالقُرْآنِ. فَقَالَ لَهُ مُطَرِّفٌ: «وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ بِالْقُرْآنِ بَدَلًا، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالقُرْآنِ مِنَّا» (٣).\n\nوسنستعرض الآن تَأَسِّي الصحابة والتابعين بالرسول وَتَمَسُّكَهُمْ بِالسُنَّةِ المُطَهَّرَةِ، ثم احتياطهم وورعهم في رواية السُنَّةِ، ثُمَّ تَثَبُّتَهُمْ في قبول الأخبار والآثار عن النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) \" سنن ابن ماجه \": ص ٥ جـ ١ و\" سنن البيهقي \": ص ٦ جـ ١ رواه المقدام بن معدي كرب.\n(٢) \" كتاب العلم \" للمقدسي، مخطوطة الظاهرية: ص ٥١ و\" جامع بيان العلم وفضله \" ص ١٩١ جـ ٢.\n(٣) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ١٩١ جـ ٢.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المَبْحَثُ الأَوَّلُ: اقْتِدَاءُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِالرَّسُولِ - ﷺ </span>-:\nلقد استجاب المسلمون الأوائل إلى قوله - ﷿ -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) فتفانوا في اتباع محمد - ﷺ -، وساروا على هديه، وهذه صور سريعة عن تمسكهم بالسُنَّةِ النبوية، تتناول أحوال الرعية والرعاة في مختلف جوانب الحياة.\n\nفها هو ذا أبو بكر الصدِّيق يعقد لواء أسامة بن زيد، ويأبى أنْ يحتفظ بجيشه وهو في أشد الحاجة إليه، ويقول: «مَا كَانَ لِي أَنْ أَحِلَّ لِوَاءً عَقَدَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -»، ويعقد اللواء لخالد بن الوليد ليقاتل المُرْتَدِّينَ، وَيَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «نِعْمَ عَبْدُ اللهِ وَأَخُو العَشَيرَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَسَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ ﷿، سَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ» (٢).\n\nوتأتيه فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، تطلب سهم رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، فيقول لها: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَةً، ثُمَّ قَبَضَهُ جَعَلَهُ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ، فَرَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالَتْ فَأَنْتَ وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمُ» (٣) وقال: في رواية: «لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ\n_________\n(١) [سورة الأحزاب، الآية: ٢١].\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٧٣ جـ ١ بإسناد صحيح عن أبي بكر.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٦٠ جـ ١ بإسناد صحيح ونحوه في ص ١٧٧ و١٧٨ جـ ١.","vol":"1","page":80},{"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ بِهِ إِلاَّ عَمِلْتُ بِهِ إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ» (١).\n\nولما ارْتَدَّ مسيلمة الكذاب وقومه قال عمر لأبي بكر - ﵄ -: «تُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) -؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: \" وَاللهِ لاَ أُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، وَلأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا \". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: \" فَقَاتَلْنَا مَعَهُ فَرَأَيْنَا ذَلِكَ رُشْدًا \"» (٢).\n\nوَعَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ، أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِىِّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي خِلافَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا، فَإِذَا أُعْطِيتَ العُمَالَةَ كَرِهْتَهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ عُمَرُ: فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا، وَأَنَا بِخَيْرٍ، وَأُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عَمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: فَلا تَفْعَلْ، فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ أَرَدْتُ الذِي أَرَدْتَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، قَالَ: فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ، فَخُذْهُ وَمَا لاَ، فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» (٣).\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٦٧ جـ ١ بإسناد صحيح من حديث طويل.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٨١ جـ ١ بإسناد صحيح، وما بين القوسين الكبيرين نص الحديث الذي ذكره أبو هريرة أولًا ثم ذكر مناقشة عمر وأبي بكر - ﵄ -.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٩٧ جـ ١ بإسناد صحيح قال الحافظ ابن حجر في \" التهذيب \" =","vol":"1","page":81},{"text":"وَعَنْ فَرُّوخَ، مَوْلَى عُثْمَانَ، أَنَّ عُمَرَ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -، خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ فَرَأَى طَعَامًا مَنْثُورًا، فَقَالَ: مَا هَذَا الطَّعَامُ؟ فَقَالُوا: طَعَامٌ جُلِبَ إِلَيْنَا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ، وَفِيمَنْ جَلَبَهُ، قِيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ قَدِ احْتُكِرَ، قَالَ: وَمَنِ احْتَكَرَهُ؟ قَالُوا: فَرُّوخُ مَوْلَى عُثْمَانَ، وَفُلانٌ مَوْلَى عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ: مَا حَمَلَكُمَا عَلَى احْتِكَارِ طَعَامِ المُسْلِمِينَ؟ قَالاَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، نَشْتَرِي بِأَمْوَالِنَا، وَنَبِيعُ، فَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ احْتَكَرَ عَلَى المُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ، ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالإِفْلاسِ، أَوْ بِجُذَامٍ»، فَقَالَ فَرُّوخُ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أُعَاهِدُ اللَّهَ، وَأُعَاهِدُكَ، أَنْ لاَ أَعُودَ فِي طَعَامٍ أَبَدًا، وَأَمَّا مَوْلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّمَا نَشْتَرِي بِأَمْوَالِنَا وَنَبِيعُ. قَالَ أَبُو يَحْيَى: فَلَقَدْ رَأَيْتُ مَوْلَى عُمَرَ مَجْذُومًا (١).\n\nوفي وقعة اليرموك كتب القادة إلى عمر بن الخطاب: «إِنَّهُ قَدْ جَاشَ إِلَيْنَا المَوْتُ» يستمدونه، فكان فيما أجابهم: «إِنِّي أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَعَزُّ نَصْرًا وَأَحْضَرُ جُنْدًا، اللَّهُ ﷿ فَاسْتَنْصِرُوهُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ نُصِرَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي أَقَلَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ، فَإِذَا أَتَاكُمْ كِتَابِي هَذَا فَقَاتِلُوهُمْ، وَلا تُرَاجِعُونِي» (٢)!!\n\nوهكذا كان الصحابة يَتَمَسَّكُونَ بِهُدَى النَّبِيِّ - ﷺ -\n_________\n= جـ ٣ ص ٦٦ - ٦٧ في ترجمة حُويطب (روى له الشيخان والنسائي حديثًا واحدًا في العمالة، وهو الذي اجتمع في إسناده أربعة من الصحابة) يريد هذا الحديث والصحابة الأربعة هم: السائب وحويطب وعبد الله بن السعدي وعمر) انظر هامش ص ١٩٧ جـ ١ من \" مسند أحمد \". ومعنى مشرف في الحديث: متطلع إلى المال.\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢١٤ حديث ١٣٥ جـ ١ بإسناد صحيح وأبو يحيى المكي هو راوي الحديث عن فروخ.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٣٠٤ جـ ١.","vol":"1","page":82},{"text":"وَسُنَّتِهِ، ولو كانوا يشرفون على الموت والهلاك.\n\nوكان الصحابة جَمِيعًا يحرصون على سُنَنِ النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، ويأمر بعضهم بعضًا باتباعها، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنُ الخَطَّابِ رَأَى زَيْدَ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ يَرْكَعُ بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ فَمَشَى إِلَيْهِ وَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَقَالَ لَهُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اضْرِبْ فَوَاللَّهِ لاَ أَدَعْهُمَا بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «يَا زَيْدُ لَوْلاَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ [يَتَّخِذَهُمَا] النَّاسُ سُلَّمًا إِلَى الصَّلاَةِ حَتَّى اللَّيْلِ لَمْ أَضْرِبْ فِيهِمَا» (١).\n\nويرى عمر - ﵁ - الناس قد أقبلوا على طيبات الدنيا مما أَحَلَّ لهم الله تعالى، فيُذكِّرهم برسولهم - ﷺ -، فيقول: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي، مَا يَجِدُ دَقَلًا يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ». (٢).\n\nلقد كان عمر - ﵁ - وصحابة رسول الله - ﷺ - يَتَأَسَّوْنَ بالرسول الكريم ما استطاعوا في جميع أحوالهم، فلما طعن عمر - ﵁ - قِيلَ لَهُ: أَلاَ تَسْتَخْلِفُ؟ فَقَالَ: «إِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ» (٣).\n\nحَدَّثَ مَالِكٌ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الزِّيَادِيَّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانٍ، فَأَذِنَ لَهُ وَبِيَدِهِ عَصَاهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ، إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالًا، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَصِلُ فِيهِ حَقَّ اللهِ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ. فَرَفَعَ\n_________\n(١) كتاب \" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة \": ص ٩٢، وقد روى الإمام مسلم عن أنس قال: «كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الأَيْدِي عَلَى صَلاَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ».\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٣٠٧ و٣٢٤ جـ ١ بإسناد صحيح، والدقل هو رديء التمر ويابسه.\n(٣) المرجع السابق: ص ٢٨٤ جـ ١.","vol":"1","page":83},{"text":"أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَضَرَبَ كَعْبًا، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا أُحِبُّ لَوْ أَنَّ لِي هَذَا الجَبَلَ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي، أَذَرُ خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أَوَاقٍ» أَنْشُدُكَ اللهَ يَا عُثْمَانُ، أَسَمِعْتَهُ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ -؟ قَالَ: نَعَمْ (١).\n\nعَطَاءٌ الخُرَاسَانِيَّ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ قَاعِدًا فِي المَقَاعِدِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ فَأَكَلَهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ فَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ عُثْمَانُ: \" قَعَدْتُ مَقْعَدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَكَلْتُ طَعَامَ رَسُولِ اللهِ، وَصَلَّيْتُ صَلاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ \"» (٢).\n\nوَعَنْ مَيْسَرَةَ بْنَ يَعْقُوبٍ الطُّهَوِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا، يَشْرَبُ قَائِمًا قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ تَشْرَبُ قَائِمًا؟ فَقَالَ: «إِنْ أَشْرَبْ قَائِمًا، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ قَائِمًا، وَإِنْ أَشْرَبْ قَاعِدًا، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ قَاعِدًا» (٣).\n\nوَعَن عَبْدِ خَيْرٍ بن يَزِيدٍ الخَيْوَانِىِّ الهَمَدَاني (تابعي) عَنْ عَلِىِّ - ﵁ - قَالَ: «كُنْتُ أُرَى أَنَّ بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ أَحَقُّ بِالمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا» (٤).\n\nوَعَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَيْهَا قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ، سُبْحَانَ الَّذِي\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٣٥٧ جـ ١ بإسناد صحيح.\n(٢) المرجع السابق: ص ٣٧٨ جـ ١ بإسناد صحيح. ويظهر أنَّ المقاعد مكان في المسجد كانوا يتوضَّؤون عنده، وقد ورد ذكره في حديث رواية عثمان لوضوء الرسول - ﷺ -.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٧٩ حديث ٩١٦ جـ ٢ بإسناد حسن ومن طريق زَاذَان، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، شَرِبَ قَائِمًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوهُ، فَقَالَ: «مَا تَنْظُرُونَ؟ إِنْ أَشْرَبْ قَائِمًا»، الحديث بإسناد صحيح، نفس المرجع: ص ١٣٠ جـ ٢ حديث ٧٩٥.\n(٤) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٠٣ حديث ٧٣٧ و٩١٧ جـ ٢ بإسناد صحيح.","vol":"1","page":84},{"text":"سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ»، ثُمَّ حَمِدَ اللهَ ثَلاثًا، وَكَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَكَ لاَ إِلَهَ إِلا أَنْتَ، قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي». ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «يَعْجَبُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَيَقُولُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي» (١).\n\nوكان الصحابة يَتَأَسَّوْنَ بالرسول الكريم، ويحافظون على سُنَّتِهِ، سواء أعرفوا علة ذلك أم لم يعرفوا عِلَّةَ ذلك أم لم يعرفوا، وسواء أَتَوَقَّعُوا حكمة لما يفعلون أم لم يَتَوَقَّعُوا، وقد اشتهر عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ - بمحافظته الشديدة على سُنَنِ رسول الله - ﷺ -، فكان الرسول أسوته في كل شيء، في صلاته وَحَجِّهِ وصيامه، حتى في قضاء حاجته (٢) وكان كثيرًا ما يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣)، وكان إذا سمع من الرسول - ﷺ - شيئًا، أو شهد معه مشهدًا، لم يُقَصِّرْ دُونَهُ أَوْ يَعْدُوهُ (٤)، كان يقف عند الحد الوارد في الحديث أو الفعل النبوي من غير إفراط ولا تفريط.\n\nعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ، فَمَرَّ بِمَكَانٍ فَحَادَ عَنْهُ، فَسُئِلَ لِمَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ هَذَا فَفَعَلْتُ» (٥)، وَكَانَ يَأْتِي\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٠٩ حديث ٧٥٣ جـ ٢.\n(٢) راجع \" مسند الإمام أحمد \" ص ١٩١ حديث ٦٣٩١ و٦١٥١ جـ ٩.\n(٣) [سورة الأحزاب، الآية: ٢١].\n(٤) انظر \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٩٧ حديث ٥٥٤٦ جـ ٧ بإسناد صحيح، و\" سنن ابن ماجه \": ص ٣ جـ ١.\n(٥) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٥٤ حديث ٤٨٧٠ جـ ٧ بإسناد صحيح.","vol":"1","page":85},{"text":"شَجَرَةً بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ فَيَقِيلُ تَحْتَهَا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (١).\n\nووقف عمر بن الخطاب على الركن قائلًا: «إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْ لَمْ أَرَ حَبِيبِي ﷺ قَبَّلَكَ أَوْ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ وَلاَ قَبَّلْتُكَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾» (٢).\n\nوكان ينهى أن يزيد إنسان على ما فعله رسول الله - ﷺ - قَالَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ،: طُفْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا كُنْتُ عِنْدَ الرُّكْنِ الَّذِي يَلِي البَابَ مِمَّا يَلِي الحَجَرَ، أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِيَسْتَلِمَ، فَقَالَ: «أَمَا طُفْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟»، قُلْتُ: «بَلَى»، قَالَ: «فَهَلْ رَأَيْتَهُ يَسْتَلِمُهُ؟»، قُلْتُ: «لاَ»، قَالَ: «فَانْفُذْ عَنْكَ فَإِنَّ لَكَ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةً حَسَنَةً» (٣).\n\nوَقَالَ عليٍّ - ﵁ - في القيام للجنازة: «قَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فَقُمْنَا، وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا» (٤).\n\nوكان رسول الله - ﷺ - قد أمر الصحابة ومن معه يوم الفتح بِأَنْ يكشفوا عن مناكبهم، ويهرولوا في الطواف، ليرى المشركون قُوَّتَهُمْ وَجَلَدَهُمْ، وقويت دولة الإسلام ورأى عمر أَنَّ هذا الأمر قد ذهبت عِلَّتُهُ، ولكنه قال: «فِيمَ الرَّمَلانُ (٥) الآنَ، وَالكَشْفُ عَنِ المَنَاكِبِ، وَقَدْ أَطَّأَ اللهُ الإِسْلامَ، وَنَفَى الكُفْرَ\n_________\n(١) \" نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي \": ص ١٢٦ وقد أخرجه البزار.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢١٣ و١٩٧ جـ ١ بإسناد صحيح.\n(٣) المرجع السابق: ص ٢٦٥ جـ ١ بإسناد صحيح.\n(٤) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٥٢ جـ ٢ بإسناد صحيح.\n(٥) في الأصل (فيما) وانظر الهامش التالي.","vol":"1","page":86},{"text":"وَأَهْلَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ لاَ نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (١).\n\nوَقِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: لاَ نَجِدُ صَلاَةَ السَّفَرِ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّ اللهَ ﷿ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ، وَلاَ نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا مُحَمَّدًا يَفْعَلُ» (٢). وفي رواية «وَكُنَّا ضُلاَّلًا فَهَدَانَا اللهُ بِهِ، فَبِهِ نَقْتَدِي» (٣).\n\nكان الصحابة - ﵃ - لا يرضون ترك سُنَّةٍ كان عليها رسول الله - ﷺ - ولا يقبلون مع السُنَّةِ رأي أحد مهما كان شأنه، ومهما علت مكانته بل كانوا يغضبون عضبًا شديدًا وينكرون إنكارًا قَوِيًّا على من لا يستجيب لِسُنَّةٍ سَنَّهَا الرسول الكريم، أو لِخُلُقٍ تَخَلَّقَ بِهِ، ولو كان من ينكرون ذلك عليهم ولدهم أو أقرب الناس إليهم.\n\nومن ذلك ما رواه سعيد بن جُبير عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ (٤) أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا إِلَى جَنْبِهِ ابْنُ أَخٍ لَهُ فَخَذَفَ (٥) فَنَهَاهُ وَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا وَقَالَ: إِنَّهَا لاَ تَصِيدُ صَيْدًا وَلاَ تَنْكِي عَدُوًّا، وَإِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ،\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٩٣ حديث ٣١٧ جـ ١ بإسناد صحيح. أطَّأ: ثَبَّتَ وَأَرْسَى والهمزة فيه بدل واو (وطأ). فيما: استفهامية وظاهر كلام النحويين وجوب حذف ألفها إذا دخل عليها حرف الجر، ولكن قرأ عبد الله وأُبيْ وعكرمة وعيسى ﴿عَمَّا يَتَسَأَلُونَ﴾ بالألف.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٦٨ حديث ٥٦٨٣ جـ ٨ وص ٢٠٩ حديث ٥٣٣٣ جـ ٧ والسائل في الحديث المذكور هو خالد بن أسيد.\n(٣) المرجع نفسه: ص ٧٧ حديث ٥٦٩٨ جـ ٨.\n(٤) عبد الله بن مغفل صحابي جليل من أصحاب الشجرة روى عن النبي - ﷺ - وعن أبي بكر وعثمان وغيرهم، وعنه روى ثابت البناني. سكن المدينة ثم تحوَّل إلى البصرة وتوفي فيها سنة (٥٧ هـ)، وقيل ٦١ وقيل ٦٠. انظر \" تهذيب التهذيب \": جـ ٦ ص ٤٢.\n(٥) خَذَفَ: من الخذف وهو أَنْ يجعل الحصاة أو النواة بين سبَّابتيه ويرمي بها.","vol":"1","page":87},{"text":"وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ قَالَ: فَعَادَ ابْنُ أَخِيهِ فَخَذَفَ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا ثُمَّ عُدْتَ تَخْذِفُ لاَ أُكَلِّمُكَ أَبَدًا!!» (١).\n\nوَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّينَ فِي المَسْجِدِ» فَقَالَ ابْنٌ لَهُ: إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ (٢). وفي رواية: «فَانْتَهَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أُفٍّ لَكَ!! أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: لاَ أَفْعَلُ» (٣).\n\nوَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَمَتَّعَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ المُتْعَةِ!! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ!! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ! أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، وَيَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ!! (٤).\n\nوهذا عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيَّ، النَّقِيبَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، غَزَا مَعَ مُعَاوِيَةَ أَرْضَ الرُّومِ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَبَايَعُونَ كِسَرَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيرِ، وَكِسَرَ الْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ الرِّبَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لاَ تَبْتَاعُوا الذَّهَبَ\n_________\n(١) \" سنن ابن ماجه \": ص ٦ جـ ١.\n(٢) \" سنن ابن ماجه \": ص ٦ جـ ١ ونحوه في \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٦٦ حديث ٥٤٦٨ جـ ٧ بإسناد صحيح. وابن عبد الله بن عمر هذا هو بلال: كما ذكره في الحديث رقم ٥٦٤٠ من \" المسند \" ص ٤٣ جـ ٨.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٩٠ حديث ٦١٠١ جـ ٨ وص ١٣٢ حديث ٦٢٩٦ جـ ٩ بإسناد صحيح وانظر نحوه في \" جامع بيان العلم \": ص ١٩٥ جـ ٢.\n(٤) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٤٨ حديث ٣١٢١ جـ ٥ بإسناد صحيح.","vol":"1","page":88},{"text":"بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، لاَ زِيَادَةَ بَيْنَهُمَا وَلًا نَظِرَةً»، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: «يَا أَبَا الوَلِيدِ لاَ أَرَى الرِّبَا فِي هَذَا إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ نَظِرَةٍ»، فَقَالَ عُبَادَةُ: «أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ، لَئِنْ أَخْرَجَنِي اللَّهُ لاَ أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمْرَةٌ، فَلَمَّا قَفَلَ لَحِقَ بِالمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَبَا الوَلِيدِ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ، وَمَا قَالَ مِنْ مُسَاكَنَتِهِ. فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا الوَلِيدِ إِلَى أَرْضِكَ، فَقَبَحَ اللَّهُ أَرْضًا لَسْتَ فِيهَا وَأَمْثَالُكَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، لاَ إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، وَاحْمِلْ النَّاسَ عَلَى مَا قَالَ، فَإِنَّهُ هُوَ الأَمْرُُ» (١).\n\nأولئك صحابة رسول الله الذين حفظوا سُنَّتَهُ، وَوَجَّهُوا الأُمَّةَ إلى السبيل القويم، وحملوا الأمراء على تطبيق أحكام الشريعة، وَأَبَوْا أَنْ يماروا في دين الله صَادِعِينَ بِالحَقِّ، لا يخافون لومة لائم.\n\nوَعَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - عَنْ اسْتِلاَمِ الحَجَرِ فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ؟»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «اجْعَلْ (أَرَأَيْتَ) بِاليَمَنِ!! رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ» (٢).\n\nوَعَنْ وَبَرَة بنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيَصْلُحُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَأَنَا مُحْرِمٌ؟ قَالَ: «مَا يَمْنَعُكَ مِنْ ذَلِكَ؟»، قَالَ: إِنَّ فُلاَنًا يَنْهَانَا عَنْ\n_________\n(١) \" سنن ابن ماجه \": ص ٧ جـ ١. كَسِرَةُ الذهب كالقطعة لفظًا ومعنى، وجمعها كِسَرٌ كقطع. نَظِرَةٌ: انتظار أي أجل.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٩٤ جـ ٩ بإسناد صحيح وقد أخرجه \" البخاري \". ومن الخطأ أَنْ يَظُنَّ ظان من قول ابن عمر أَنَّ اليمن كانت تعتمد على الرأي إنما ضرب اليمن مثلًا لجهة قاصية يرمي إليها هذا الاعتراض أَدَبًا مَعَ السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، مُبيِّنًا أنه لا مجال للسؤال والجواب إذا ما وجدت السُنَّةُ في أمر ما، ويدل على، ذلك رواية \" الطيالسي \" وفيها: «اجْعَلْ (أَرَأَيْتَ) مَعَ [ذَلِكَ] الكَوْكَبِ».","vol":"1","page":89},{"text":"ذَلِكَ حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ مِنْ المَوْقِفِ وَرَأَيْتُهُ كَأَنَّهُ مَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا وَأَنْتَ أَعْجَبُ إِلَيْنَا مِنْهُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَسُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ مِنْ سُنَّةِ ابْنِ فُلاَنٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا» (١). وفي رواية أخرى: صَرَّحَ بِأَنَّ الذِي كُنِّيَ عَنْهُ بِفُلاَنٍ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ».\n\nوَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يُفْتِي بِالذِي أَنْزَلَ اللهُ ﷿ مِنْ الرُّخْصَةِ بِالتَّمَتُّعِ، وَبِمَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ، فَيَقُولُ نَاسٌ لابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تُخَالِفُ أَبَاكَ وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ: «وَيْلَكُمْ، أَلاَ تَتَّقُونَ اللهَ، إِنْ كَانَ عُمَرُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَيَبْتَغِي فِيهِ الخَيْرَ يَلْتَمِسُ بِهِ تَمَامَ الْعُمْرَةِ، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ ذَلِكَ وَقَدْ أَحَلَّهُ اللهُ وَعَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟!، أَفَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا سُنَّتَهُ، أَمْ سُنَّةَ عُمَرَ؟ إِنَّ عُمَرَ لَمْ يَقُلْ لَكُمْ إِنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ» (٢).\n\nوفي ختام ذلك أسوق تمسك عبد الله بن عمرو بن العاص بعبادته التي فارق عليها رسول الله - ﷺ -، فقد كان عبد الله بن عمرو من أعبد الصحابة وأورعهم وأزهدهم، كثير الصيام والقيام، وكان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٦٩ حديث ٥١٩٤ جـ ٧ بإسناد صحيح.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٧٧ حديث ٥٢٠٠ جـ ٨ وإسناده صحيح. وفي \" الموطأ \" كما رواه محمد: مالك عن نافع، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ» انظر هامش صفحة ٧٨ في الجزء الثامن.","vol":"1","page":90},{"text":"وقد رَخَّصَ له أن يصوم أَيَّامًا من كل شهر إلاَّ أنه وجد في نفسه القوة على الصيام وأراد أَنْ يصوم الدهر كله، وفي آخر أيامه ضعف عن ذلك فقال: «لأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ أَوْ عَدَلَ، لَكِنِّي فَارَقْتُهُ عَلَى أَمْرٍ أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ» (١).\n\n...\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٤٠ حديث ٦٤٧٧ جـ ٩.\nعدل به: أي وزن. أي من كل شيء يقابل ذلك من الدنيويات، أو عدل أي ساوى والمعنى مقارب في الحرفين.\nوانظر \" الرسالة \": ص ٤٤٦ فيها أخبار عن تمسك بعض الصحابة بِالسُنَّةِ وعدم قبول رأي لأحد مع حديث رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المَبْحَثُ الثَّانِي: احْتِيَاطُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي رِوَايَةِ الحَدِيثِ:</span>\nلقد عرف الصحابة منزلة السُنَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهَا، وَتَتَبَّعُوا آثار رسول الله - ﷺ -، وَأَبَوْا أنْ يخالفوها متى ثبتت عندهم، كما أَبَوْا أنْ ينحرفوا عن شيء، فارقهم عليه، واحتاطوا في رواية الحديث - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، خشية الوقوع في الخطأ، وَخَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَسَرَّبَ إِلَى السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ الكذب أو التحريف، وهي المصدر التشريعي الأول بعد القرآن الكريم، ولهذا تَتَبَّعُوا كل سبيل يحفظ على الحديث نوره، فآثروا الاعتدال في الرواية عن رسول الله - ﷺ - بل إِنَّ بعضهم فَضَّلَ الإقلال منها، قال ابن قتيبة: «كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأنْ يُقِلُّوا الرواية، يريد بذلك ألاَّ يتسع الناس فيها، ويدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي، وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله - ﷺ -، كأبي بكر والزُبير وأبي عُبيدة والعباس بن عبد المطلب - يُقِلُّونَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة» (١).\n\nوالتزم الصحابة - في الخلافة الراشدة - منهاج عمر - ﵁ -، وأتقنوا أداء الحديث، وضبطوا حروفه ومعناه (٢)، وكانوا يخشون كثيرًا أنْ يقعوا في الخطأ، لذلك نرى بعضهم - مع كثرة تحمُّلهم عن الرسول - صَلَّى\n_________\n(١) \" تأويل مختلف الحديث \": ص ٤٨، ٤٩.\n(٢) انظر المبحث الرابع من الفصل الأول في الباب الثاني فيما يلي، وقد بَيَّنْتُ فيه كيف رُوِيَ الحديث.","vol":"1","page":92},{"text":"اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يكثر من الرواية في ذلك العهد، حتى إنَّ منهم من كان لا يحدث حَدِيثًا فِي السُنَّةِ، ونرى من تأخذه الرعدة، ويقشعر جلده، وَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ وَرَعًا واحترامًا لحديث رسول الله - ﷺ -، ومن هذا، مَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنَ مَيْمُونٍ، قَالَ: \" مَا أَخْطَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ إِلاَّ أَتَيْتُهُ فِيهِ، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَنَكَسَ، قَالَ: «فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَهُوَ قَائِمٌ مُحَلَّلَةً، أَزْرَارُ قَمِيصِهِ، قَدْ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ» قَالَ: «أَوْ دُونَ ذَلِكَ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ شَبِيهًا بِذَلِكَ» (١).\n\nوَقَالَ أَنَسُ بْنَ مَالِكٍ - ﵁ -: «لَوْلاَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ أُخْطِئَ لَحَدَّثْتُكُمْ بِأَشْيَاءَ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -» (٢). وَكَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَدِيثًا فَفَرَغَ مِنْهُ، قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللِه - ﷺ - (٣)، وكذلك كان يفعل أبو الدرداء وغيره.\n\nوَجَالَسَ الشَّعْبِيُّ ابْنَ عُمَرَ سَنَةً فَمَا سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْئًا (٤).\n\nوَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا\n_________\n(١) \" سنن ابن ماجه \": ص ٨ جـ ١. نكس أي طأطأ رأسه وخفضه.\nوانظر نحوه في \" مسند الإمام أحمد \": ص ٤٦ حديث ٤٠١٥ جـ ٦ وفي \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٩٨: آ.\n(٢) \" سنن الدارمي \": ص ٧٧ جـ ١.\n(٣) \" سنن ابن ماجه \": ص ٨ جـ ١ و\" سنن الدارمي \": ص ٨٤ جـ ١ و\" السنن الكبرى \" للبيهقي: ص ١١ جـ ١.\n(٤) \" سنن الدارمي \": ص ٨٤ جـ ١ وانظر \" السنن الكبرى \": ص ١١ جـ ١ وأخرجه ابن ماجه في \" سننه \": ص ٨ جـ ١.","vol":"1","page":93},{"text":"أنَّ النبي - ﷺ - قال: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (١).\n\nوَعَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ: أَنَّ بَنِي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالُوا لأَبِيهِمْ: يَا أَبَانَا أَلا تُحَدِّثُنَا كَمَا تُحَدِّثُ الْغُرَبَاءَ؟ قَالَ: «أَيْ بَنِيَّ إِنَّهُ مَنْ يُكْثِرْ يُهْجِرْ» (٢).\n\nوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: «أَدْرَكْتُ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلاَّ وَدَّ أنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ إِيَّاهُ، وَلاَ يُسْتَفْتَى عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ وَدَّ أنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ المَسْأَلَةَ فَيَرُدَّهَا هَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الأَوَّلِ» (٣).\n\nقَالَ مُجَاهِدٌ: «صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلاَّ هَذَا الحَدِيثِ: \" مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ \"» (٤).\n\nوَقَالَ: السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ صَحِبَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: «فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَدِيثًا حَتَّى رَجَعَ» (٥).\n\nوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، مَالِيَ لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَسْمَعُ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً، يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ\n_________\n(١) \" صحيح البخاري بحاشية السندي \": ص ٣١ جـ ١.\n(٢) \" طبقات \" ابن سعد: ص ١٤ جـ ٧.\n(٣) \" مختصر كتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول \": ص ١٣.\n(٤) انظر \" صحيح مسلم \": ص ٢١٦٥ جـ ٤، و\" قبول الأخبار \": ص ٢٥.\n(٥) \" طبقات \" ابن سعد: ص ١٠٢ قسم ١ جـ ٣، وانظر \" سنن ابن ماجه \": ص ٩ جـ ١ و\" سنن البيهقي \": ص ١٢ جـ ١، وانظر \" المحدث الفاصل \": ص ١٣٤: آوفي \" قبول الأخبار \": ص ٢٥: أَنَّهُ صَحِبَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ ... الحديث.","vol":"1","page":94},{"text":"عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (١) وَفِي رِوَايَةٍ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (٢).\n\nوَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: قُلْنَا لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «كَبِرْنَا وَنَسِينَا، وَالحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَدِيدٌ» (٣).\n\nهكذا تشدَّدَ الصحابة في الحديث، وأمسك بعضهم عنه كراهية التحريف، أو الزيادة والنقصان في الرواية عن الرسول - ﷺ - لأَنَّ كثرة الرواية كانت في نظر كثير منهم مظنة الوقوع في الخطأ، والكذب على رسول الله - ﷺ -، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن الكذب عليه وعن رواية ما يرى أنه كذب، من ذلك قوله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبَيْنِ» (٤).\n\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٥).\n\nوكان الصحابة - ﵃ - يخشون أنْ يقعوا في الكذب عامة، فكيف\n_________\n(١) \" سنن ابن ماجه \": ص ١٠ جـ ١ وقوله: «أَمَا إِنِي لَمْ أُفَارِقْهُ» يعني به أَنَّ ذلك ليس لقلة صحبته.\n(٢) \" الكفاية \": ص ١٠٢، وأخرجه \" البخاري \" كذلك: انظر \" فتح الباري \": ص ٢١٠ جـ ١، ونظر \" المصباح المضيء \": ص ٢٠: ب و\" تمييز المرفوع من الموضوع \": ص ٢: ب.\nوفي رواية \" الكفاية \": قال: «قُلْتُ لأَبِي الزُّبَيْرِ ...» الحديث.\nوانظر \" طبقات \" ابن سعد: ص ٧٥ قسم ١ جـ ٣ من طريق وهب بن جرير وقال بعد رواية الحديث: «وَاللَّهِ مَا قَالَ مُتَعَمِّدًا وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ مُتَعَمِّدًا».\n(٣) \" سنن ابن ماجه \": ص ٨ جـ ١ و\" سنن البيهقي \": ص ١١ جـ ١٠ و\" المحدث الفاصل \": ص ١٣٢: آ.\n(٤) مقدمة \" التمهيد \" لابن عبد البر: ص ١١.\n(٥) مقدمة \" التمهيد \": ص ١١ وفي رواية ابن مسعود (إِنَّمَا) بدل (كَذِبًا) وانظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٥ جـ ١.","vol":"1","page":95},{"text":"يَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: «إذا حدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَدِيثًا فَلأَنْ أَخِرَّ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ ...» (١).\n\nوقد تَشَدَّدَ عمر بن الخطاب في تطبيق هذا المنهج، فحمل الناس على التثبت مِمَّا يسمعون، والتروي فيما يُؤَدُّونَ، فكان له الفضل الكبير في صيانة الحديث من الشوائب وَالدَّخل، وقد طَبَّقَ ذلك الصحابة أَيْضًا، يقول ابن مسعود: «لَيْسَ العِلْمُ بِكَثْرَةِ الحَدِيثِ، وَلَكِنَّ العِلْمَ الْخَشْيَةُ» (٢).\n\nويُصوِّرُ لنا أبو هريرة - ﵁ - محافظة الصحابة على السُنَّةِ في عهد عمر بإجابته عن سؤال طرحه عليه أبو سلمة، قال له: أكُنتَ تُحدِّثُ فِي زَمَانِ عُمَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ: «لَوْ كُنْتُ أُحَدِّثُ فِي زَمَانِ عُمَرَ مِثْلَ مَا أُحَدِّثُكُمْ لَضَرَبَنِي بِمِخْفَقَتِهِ» (٣).\nوفي رواية: «لَقَدْ حَدَّثَتُكُمْ بِأَحَادِيثَ، لَوْ حَدَّثْتُ بِهَا زَمَنَ عُمَرَ لَضَرَبَنِي عُمَرُ بِالدِّرَّةِ» (٤).\n\nوقد كان تَشَدُّدَ عمر هذا والصحابة معه للمحافظة على القرآن الكريم، بجانب المحافظة على السُنَّةِ، فقد خشي أنْ يشتغل الناس بالرواية عن القرآن الكريم، وهو دستور الإسلام، فأراد أنْ يحفظ المسلمون القرآن جَيِّدًا، ثم يعتنوا بالحديث الشريف الذي لم يكن قد دُوِّنَ كله في عهد الرسول - ﷺ - كالقرآن. فنهج لهم التثبت العلمي والإقلال من الرواية مخافة الوقوع\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٤٥ جـ ٢.\n(٢) \" مختصر كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول: ص ٦.\n(٣) \" تذكرة الحفاظ: ص ٧ جـ ١، وانظر في هذا الكتاب أبا هريرة. القسم الثاني في دفع شبهات عنه وقد اشتهرت الرواية عن أبي هريرة بأن عمر سَمَحَ لَهُ بِالرِّوَايَةِ عِنْدَمَا عَرَفَ خِشْيَتَهُ وَوَرَعَهُ.\n(٤) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ١٢١ جـ ٢.","vol":"1","page":96},{"text":"في الخطأ، وقد عرف إتقان بعض الصحابة وحفظهم الجيد فسمح لهم بالتحديث.\n\nوَيَتَجَلَّى منهاج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - في وَصِيَّتِهِ التي أوصى بها وفده إلى الكوفة فيما روي عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ إِلَى الكُوفَةِ، وَشَيَّعَنَا إِلَى مَوْضِعٍ قُرْبَ المَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: صِرَارٌ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟» قَالَ: «قُلْنَا: لِحَقِّ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلِحَقِّ الأَنْصَارِ». قَالَ: «لَكِنِّي مَشَيْتُ مَعَكُمْ لِحَدِيثٍ أَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثكُمْ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ تَحْفَظُوهُ لِمَمْشَايَ مَعَكُمْ: إِنَّكُمْ تَقْدِمُونَ عَلَى قَوْمٍ لِلْقُرْآنِ فِي صُدُورِهِمْ هَزِيزٌ كَهَزِيزِ المِرْجَلِ، فَإِذَا رَأَوْكُمْ مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالُوا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، فأقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَنَا شَرِيكُكُمْ» (١). وفي رواية: «فَلَمَّا قَدِمَ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ قَالُوا: \" حَدِّثْنَا \"، قَالَ: \" نَهَانَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - ﵁ - \"» (٢).\n\nورُوِيَ عن أمير المؤمنين عثمان - ﵁ - أنه اتَّبَعَ منهج الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - ﵁ - ومنع الإكثار من الرواية، قَالَ مَحْمُودٌ بْنُ لَبِيدٍ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: «لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ يَرْوِي حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَمْ أَسْمِعْ بِهِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَلاَ عَهْدِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنْ لا أكون أوعى لأصحابه منه، ألاَ إنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ:\n_________\n(١) \" سنن ابن ماجه \": ص ٩ جـ ١ و\" طبقات ابن سعد \": ص ٢ جـ ٦، والهزيز: الصوت. وقوله: أنا شريككم: أي شريككم في الإقلال أي أنصحكم بذلك وأعمل بنصيحتي لا كما ذهب إليه السِنْدِي من أنه شريك في الأجر بسبب أنه الدال الباعث لهم على الخير. انظر هامش ص ٩ جـ ١ من \" سنن ابن ماجه \"، ذلك لأنَّ المقام لا يحتمله.\n(٢) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٧ جـ ١ و\" جامع بيان العلم \": ص ١٢٠ جـ ٢ و\" شرف أصحاب الحديث \": ص ٩٧: آ، وانظر \" سنن الدارمي \": ص ٨٥ جـ ١، و\" سنن البيهقي \": ص ١٢ جـ ١.","vol":"1","page":97},{"text":"«مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١).\n\nوقد سبق لي أنْ بيَّنتُ تطبيق الإمام عَلِيٍّ - ﵁ - لمنهج الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -.\nوَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يَقُولُ: «اتَّقُوا الرِّوَايَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلاَّ مَا كَانَ يُذْكَرُ مِنْهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخَوِّفُ النَّاسَ فِي اللهِ تَعَالَى» (٢).\n\nتلكم طريقة الصحابة ومنهجهم في المحافظة على حديث رسول الله - ﷺ -، خشية الوقوع في الخطأ، أو تَسَرُّبِ الدَسِّ إلى الحديث الشريف من الجهلاء وأصحاب الأهواء، أو أنْ تحمل بعض الأحاديث على غير وجه الحق والصواب، فيكون الحكم بخلاف ما أخذ به. فعلوا ذلك كله احْتِيَاطًا للدين ورعاية لمصلحة المسلمين، لا زاهدًا في الحديث النبوي ولا تعطيلًا له. فلا يجوز لإنسان أنْ يفهم من منهاج الصحابة ومن تَشَدُّدِ عُمَرَ خاصة، هَجْرَ الصَّحَابَةِ لِلْسُنَّةِ أو زهدهم فيها، معاذ الله أن يقول هذا إلاَّ جاهل أو صاحب هوى، لا علم له بقليل من السُنَّةِ، ولم تخالط قلبه رُوحَ الصحابة، ولا أنار سبيله قبس مِنْ هُدَاهُمْ، فقد ثبت عن الصحابة جَمِيعًا تَمَسُّكَهُمْ بالحديث الشريف وإجلالهم إياه، وأخذهم به، وقد تواتر خبر اجتهاد الصحابة إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، وفزعهم إلى كتاب الله تعالى، فإنْ وجدوا فيه ما يريدون تَمَسَّكُوا به، وأجروا (حكم الحادثة) على مقتضاه، وإنْ\n_________\n(١) \" قبول الأخبار \": ص ٢٩. والحديث بإيجاز في \" مسند الإمام أحمد \": ص ٣٦٣ جـ ١ بإسناد صحيح.\n(٢) \" رد الدارمي على بِشر المريسي \": ص ١٣٥، وانظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٧ جـ ١.","vol":"1","page":98},{"text":"يجدوا ما يطلبون فزعوا إلى «السُنَّةِ»، فإنْ رُوِيَ لهم خبر أخذوا به، ونزلوا على حكمه، وإنْْ لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد والرأي (١).\n\nوطريقة أبي بكر وعمر في الحكم مشهورة: كان أبو بكر الصدِّيق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإنْ وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإنْ لم يجد في كتاب الله نظر في سُنَّةِ رسول الله - ﷺ -، فإنْ وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإنْ أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أنَّ رسول الله - ﷺ - قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإنْ لم يجد سُنَّةً سَنَّهَا النَّبِيُّ - ﷺ - جمع رؤساء الناس فاستشارهم (٢) .. وكان عمر - ﵁ - يفعل ذلك.\n\nهكذا كان منهج الصحابة جَمِيعًا في كل ما يرد عليهم، وليس لأحد بعد هذا أَنْ يتَّخذ بعض ما ورد عن الصحابة ذريعة لهواه، ونستعرض موقف بعض علماء الحديث في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>١ - رَأْيُ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ:</span>\nقال: «احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لاَ عِلْمَ لَهُ وَلاَ مَعْرِفَةً مِنْ أَهْلِ البِدَعِ وَغَيْرِهِمْ، الطَّاعِنِينَ فِي السُّنَنِ، بِحَدِيثِ عُمَر هَذَا قَوْلُهُ: \" أَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -» .. وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سُنَنِ رسول الله - ﷺ -، التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلاَّ بها، والطعن على أهلها ولا حُجَّةَ في هذا الحديث، ولا دليل على شيء مِمَّا ذهبوا إليه من وجوه قد ذكرها أهل العلم، منها:\n_________\n(١) انظر \" الملل والنحل \" للشهرستاني: ص ٤٤٦، ٤٤٧.\n(٢) \" إعلام الموقعين \": ص ٦٢ جـ ١ عن كتاب \" القضاء \" لأبي عبيد.","vol":"1","page":99},{"text":"- أنَّ وجه قول عمر كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه، إذ هو الأصل لكل علم، هذا معنى قول أبي عبيد في ذلك.\n\n- وقال غيره: إنَّ عمر إنما نهى عن الحديث عما لا يفيد حُكْمًا ولا يكون سُنَّةً.\n\n- وطعن غيرهم في حديث قرظة هذا وَرَدَّهُ، لأنَّ الآثار الثابتة عن عمر خلافه، منها ما روى مالك ومعمر وغيرهما\n\nعَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي حَدِيثِ السَّقِيفَةِ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ أَنْ أَقُولَهَا [لاَ أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي] فَمَنْ وَعَاهَا وَعَقِلَهَا وَحَفِظَهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ تَنْتَهِي بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَلاَّ يَعِيَهَا فَإِنِّي لاَ أُحِلُّ [لأَحَدٍ] أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ ...» (١).\n\nوهذا يدل على أَنَّ نهيه عن الإكثار، وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله - ﷺ - إنما كان خوف الكذب على رسول الله - ﷺ -، وخوفًا من [أَنْ] يكونوا - مع الإكثار - يُحَدِّثُونَ بما لم يَتَيَقَّنُوا حِفْظَهُ، وَلَمْ يَعُوهُ، لأنَّ ضبط من قَلَّتْ روايته أكثر من ضبط المستكثر، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار، فلهذا أمرهم بالإقلال من الرواية، ولو كره الرواية، وَذَمَّهَا لنهي عن الإقلال منها والإكثار، ألا تراه يقول: «فَمَنْ حَفِظَهَا وَوَعَاهَا، فَلْيُحَدِّثْ بِهَا»، فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول الله - ﷺ - وينهاهم عنه؟ هذا لا يستقيم، بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول الله - صَلَّى اللهُ\n_________\n(١) انظر هذا القول لعمر - ﵁ - رواه الخطيب البغدادي عن ابن عباس في \" الكفاية \": ص ١٦٦.","vol":"1","page":100},{"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويأمرهم بالإقلال منه، وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه، بقوله: «مَنْ حَفِظَ مَقَالَتِي وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ تَنْتَهِي بِهِ رَاحِلَتُهُ» ثم قال: «وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لاَ يَعِيَهَا فَلاَ يَكْذِبْ عَلَيَّ» وهذا يُوضِّحُ لك ما ذكرنا، والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا، وإنما يدور على (بيان) (١) عن (الشعبي) وليس مثله حُجَّةٌ في هذا الباب، لأنه يعارض السُنَنَ وَالكِتَابَ.\n\nقال الله - ﷿ -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢) ... وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) ...\nومثل هذا في القرآن كثير، ولا سبيل إلى اتباعه (٤) والتأسي به، والوقوف عند أمره، إلاَّ بالخبر عنه، فكيف يَتَوَهَّمُ أحد على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر الله به، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ...» الحديث. وفيه الحض الوكيد على التبليغ عنه - ﷺ -، وقال: «خُذُوا عَنِّي فِي غَيْرِ مَا حَدَّثْتُ وَبَلِّغُوا عَنِّي»، والكلام في هذا أوضح من النهار لأُولِي النُّهَى والاعتبار. ولا يخلو الحديث عن رسول الله - ﷺ - من أنْ يكون خَيْرًا أَوْ شَرًّا. فإنْ كان خَيْرًا ولا شك في أنه خير فالإكثار من الخير أفضل، وإنْ كان شَرًّا - فَلاَ (٥)\n_________\n(١) هو بيان بن بشر الأحمسي أبو بشر الكوفي كما في \" الخلاصة \". وهو ثقة، وطعن ابن عبد البر في روايته هذه لأنه خالف من هو أوثق منه. وهذا لا يمنع صحتها، وأرى أَنَّ جميع ما ورد عن عمر غير متعارض كما أبيِّنُهُ بعد قليل، وطَعَنَ ابن حزم في حديث قرظة أَيْضًا، وناقش نهي عمر - ﵁ - عن الإكثار من التَحَدُّثِ مناقشة طيبة قريبة من مناقشة ابن عبد البر، انظر \" الإحكام \": ص ١٣٧ جـ ٢ وما بعدها.\n(٢) [سورة الأحزاب، الآية: ٢١].\n(٣) [سورة الحشر، الآية: ٧].\n(٤) أي اتِّباع الرسول - ﷺ -.\n(٥) في الأصل (وَلاَ) وقد تكون خطأ من الناسخ فأثبتْناها (فَلاَ) لأنَّ الفاء رابطة لجواب (إِنَّ) الشرطية.","vol":"1","page":101},{"text":"يجوز أن يَتَوَهَّمَ أَنَّ عمر يوصيهم بالإقلال من الشر (١). وهذ يَدُلُّكَ أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله - ﷺ -، وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن، لأنَّ المكثر لا تكاد تراه إلاَّ غير مُتَدَبِّرٍ ولا مُتَفَقِّهٍ.\n\nوذكر مسلم بن الحَجَّاجِ في كتاب \" التمييز \" ... عن قيس بن عُبادة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: «مَنْ سَمِعَ حَدِيثًا، فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَ فَقَدْ سَلِمَ». ومما يدل على هذا ما ذكرناه فيما يُرْوَى عن عمر أنه كان يقول: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَالسُّنَّةَ كَمَا تَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ». فسَوَّى بينهما، ... وكتب عمر: «تعلَّمُوا السُنَّةَ وَالفَرَائِضَ وَاللَّحْنَ كَمَا تَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ» ... قالوا: اللحن معرفة وجوه الكلام وَتَصَرُّفِهِ وَالحُجَّةُ بِهِ، وعمر هو الناشد للناس في غير موقف بل في مواقف شتى: مَنْ عنده علم عن رسول الله - ﷺ - في كذا، نحو ما ذكره مالك وغيره عنه في توريث المرأة من دية زوجها، وفي الجنين يسقط مَيِّتًا عند ضرب بطن أمه وغير ذلك ... وكيف يَتَوَهَّمُ على عمر ما تَوَهَّمَهُ الذين ذكرنا قولهم وهو القائل: «إِيَّاكُمْ وَالرَّأْيَ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمُ الأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا» ... وعمر أَيْضًا هو القائل: «خَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -»، وهو القائل: «سَيَأْتِي قَوْمٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ ﷿ ...».\n\nويقول ابن عبد البر: «وَقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ الآثَارُ كُلُّهَا عَنْ عُمَرَ صَحِيحَةً مُتَّفِقَةً، وَيَخْرُجُ مَعْنَاهَا عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ تَرَكَهُ، وَمَنْ حَفِظَ شَيْئًا وَأَتْقَنَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ، وَأَنَّ الإِكْثَارَ يَحْمِلُ الإِنْسَانَ عَلَى التَّقَحُّمِ فِي\n_________\n(١) انظر ما رُوِي عن عمر - ﵁ - في الحرص على السُنن \" إعلام الموقعين \": ص ٥٥ جـ ١.","vol":"1","page":102},{"text":"أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ مِنَ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ وَغَثٍّ وَسَمِينٍ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم ...\nوَلَوْ كَانَ مَذْهَبُ عُمَرَ - ﵁ - مَا ذَكَرْنَا لَكَانَتِ الحُجَّةُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - دُونَ قَوْلِهِ، فَهُوَ الْقَائِلُ: «نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا وَبَلَّغَهَا» ... وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ»، رواه أبو داود والإمام أحمد والحاكم. اهـ.) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>٢ - رَأْيُ الخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ:</span>\nقال الخطيب: «إنْ قال قائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم (٢) عن رسول الله - ﷺ -، وتشديده عليهم في ذلك، قيل له: فعل ذلك عمر احتياطًا للدين وحسن نظر للمسلمين، لأنه خاف أَنْ يتَّكِلُوا عن الأعمال وَيَتَّكِلُوا على ظاهر الأخبار، وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها ولا كل من سمعها عرف فقهها، فقد يَرِدُ الحَدِيثُ مُجْمَلًا ويستنبط معناه وتفسيره من غيره، فخشي عمر أَنْ يُحْمَلَ حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه والحكم بخلاف ما أخذ، ونحو هذا، الحديث الآخر ... عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ عُفَيْر فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟» فَقُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ»، قُلْتُ: أَفَلاَ\n_________\n(١) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ١٢١ - ١٢٤ جـ ٢ باختصار.\n(٢) لم يُنكر عمر - ﵁ - على الصحابة روايتهم عن رسول الله - ﷺ -، إنما أنكر الإكثار منها عند عدم الحاجة، ولا يكون إكثار إلا عند عدم الحاجة إلى الإكثار.","vol":"1","page":103},{"text":"أُبَشِّرَ النَّاسَ؟ فَقَالَ: «لاَ، فَيَتَّكِلُوا» (١) ...\n\nوَأَخْبَرَنَا الحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو عَلِيٍّ الطُّومَارِيُّ كُنَّا عِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ثَعْلَبٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ايْشِ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَلِيٍّ، وَقَدْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ: «هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (٢)، لاَ تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ»؟ قَالَ: أَشْفَقَ [عَلَيْهِمَا] مِنَ التَّقْصِيرِ فِي العَمَلِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: وَكَذَلِكَ نَهَى عُمَرُ الصَّحَابَةَ أَنْ يُكْثِرُوا رِوَايَةَ الحَدِيثِ إِشْفَاقًا عَلَى النَّاسِ أَنْ يَنْكُلُوا عَنِ العَمَلِ إنْكَالًا عَلَى الحَدِيثِ.\n\nوَفِي تَشْدِيدِ عُمَرَ أَيْضًا عَلَى الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَاتِهِمْ، حِفْظٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَتَرْهِيبٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْ يُدْخِلَ فِي السُّنَنِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، لأَنَّهُ إِذَا رَأَى الصَّحَابِيَّ المَقْبُولَ القَوْلِ، المَشْهُورِ بِصُحْبَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَدْ تَشَدَّدَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ، كَانَ هُوَ أَجْدَرَ أَنْ يَكُونَ لِلْرِّوَايَةِ أَهْيَبَ) (٣). وبهذا يسلم حديث رسول الله - ﷺ -، فلا يتطرق إليه الكذب، ولا يزاد عليه ما ليس منه.\n\nوروى الخطيب عن عبد الله بن عامر اليحصبي، قال: «سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى المِنْبَرِ بِدِمِشْقَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلاَّ حديثًا كَانَ يُذْكَرُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ - ﵁ -، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ\n_________\n(١) ونحو هذا الحديث رواه البخاري في \" صحيحه \" عن أنس بن مالك أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، الحديث، وقال في آخر الحديث: وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. انظر \" فتح الباري \": ص ٢٣٦ جـ ١.\n(٢) انظر \" مسند الإمام أحمد \": ص ٣٧ حديث ٦٠٢ جـ ٢ ذكر نحوه بإسناد صحيح وفيه زيادة «سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَشَبَابِهَا بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ».\n(٣) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ٩٧ - ٩٨: ب.","vol":"1","page":104},{"text":"فِي اللهِ ﷿» (١). وإلى هذا المعنى الذي ذكرناه ذهب عمر في طلبه من أبي موسى الأشعري أن يحضر معه رجل يشهد أنه سمع من رسول الله - ﷺ - حديث السلام، لكن فعله على الوجه الذي بَيَّنَّاهُ من الاحتياط، لحفظ السنن والترهيب في الرواية والله أعلم. انتهى (٢).\n\nمما سبق يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّ الصحابة جَمِيعًا كانوا يَتَثَبَّتُونَ في الحديث، وَيَتَأَنَّوْنَ في قبول الأخبار وأدائها، وكانوا لا يحدثون بشيء إلاَّ وهم واثقون من صحة ما يَرْوُونَ، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث بكل وسيلة تفضي إلى ذلك، فاتَّبعوا مَنْهَجًا سَلِيمًا يمنع الشوائب من أنْ تدخل السٌنَّةَ النَّبَوِيَّةَ فتفسدها.\n\nوقد حمل لواء هذه المحافظة والحرص على السنن جميع الصحابة، وتميز منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقد ظهر لنا مما رُوِيَ عنه اهتمامه بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وإجلاله للحديث الشريف. وَإِنَّ الأخبار التي رويت عنه في هذا الشأن ليدعم بعضها بعضًا في سبيل نشر العلم والحرص على سلامة السُنَّةِ، ومن ثم ليس لأحد أنْ يرى تَنَاقُضًا بين وصية عمر لأهل العلم والآثار الأخرى المروية عنه، فهو إذا طلب الإقلال من الرواية فإنما يطلبه من باب الاحتياط لحفظ السُنَنِ والترهيب من الرواية، وأما من كان يتقن ما يُحَدِّثُ به ويعرف فقهه وحكمه فلا يتناوله أمر عمر - ﵁ -، فكل ما ورد عن أمير المؤمنين إنما يدل على المحافظة على السُنَّةِ ونشرها وتبليغها صحيحة، وَلاَ يَتَيَسَّرُ نشرها صحيحة مَا لَمْ يَتَثَبَّتْ حاملوها من مروياتهم، والإقلال من الرواية مظن عدم\n_________\n(١) انظر نحو هذا القول عن معاوية في كتاب \" رد الدرامي على بِشْر المريسي \": ص ١٣٥، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٧ جـ ١.\n(٢) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ٩٩: آ.","vol":"1","page":105},{"text":"الوقوع في الخطأ، ولهذا أمر به - ﵁ -. وهذا ما رآه ابن عبد البر والخطيب البغدادي وغيرهما من أئمة الحديث، وإليه أَذْهَبُ، وبه أقول، فالصحابة لم يزهدوا في السُنَّةِ، بل كان لهم الفضل الأول في المحافظة عليها.\n\nوقبل أنْ نختتم هذا الفصل لاَ بُدَّ مِنْ أنْ نَتَعَرَّضَ لما رُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أنه حبس بعض الصحابة لأنهم أكثروا الرواية عن رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -! فنتناول هذا الخبر من حيث صحته، ثم لو صَحَّ هذا الخبر فكيف كان ذلك الحبس؟\n\nروى الحافظ الذهبي (١) عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أَنَّ عمر حبس ثلاثة: «ابْنَ مَسْعُودٍ (٢) وَأَبَا الدَّرْدَاءَ (٣)، وَأَبَا مَسْعُودَ الأَنْصَارِيَّ (٤)، فَقَالَ: \" قَدْ أَكْثَرْتُمْ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - \"». هؤلاء ثلاثة من جِلَّةِ أصحاب الرسول - ﷺ -، وأتقاهم وأورعهم. هل يعقل من مثل عمر بن الخطاب أن يحبسهم؟ وهل يكفي أنهم أكثروا من الرواية؟.\n_________\n(١) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٧ جـ ١، وفيه سعيد بن إبراهيم والصواب سعد، وهو حفيد عبد الرحمن بن عوف كما في \" تهذيب التهذيب \"، و\" المحدث الفاصل \" ص ١٣٣: آ، وانظر \" مجمع الزوائد \": ص ١٤٩ جـ ١.\n(٢) عبد الله بن مسعود الهُذلي صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام كان مخالطًا لرسول الله - ﷺ - وصاحب وساده وسواكه ونعليه، وجهه عمر - ﵁ - إلى الكوفة - وَامْتَنَّ عَلَى أَهْلِهَا بِهِ - ليُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ وَيُعَلِّمَهُمْ القُرْآنَ، وقد جمع القرآن في عهد الرسول - ﷺ -، وقراءته مشهورة. توفي سَنَةَ ٣٢ هـ في المدينة. انظر بسط ترجمته في \" سير أعلام النبلاء \": ص ٣٣١ - ٣٥٧ جـ ١.\n(٣) أبو الدرداء: عويمر بن مالك بن قيس صحابي أنصاري خزرجي. كان حكيمًا، ولي القضاء لمعاوية في دمشق بأمر عمر بن الخطاب، وهو أحد من حفظ القرآن في عهد رسول الله - ﷺ - وتوفي في الشام سَنَةَ ٣٢ هـ، انظر \" تاريخ الإسلام \" للذهبي: ص ١٠٧ جـ ٢.\n(٤) أبو مسعود الأنصاري: هو عُقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري، كان أصغر من شهد العقبة مع الأنصار، توفي في الكوفة سَنَةَ ٣٩ أو ٤٠، انظر \" خلاصة \" الخزرجي، و\" تقريب التهذيب \": ص ٢٧ جـ ٢.","vol":"1","page":106},{"text":"إِنَّ المرء ليقف متسائلًا أمام هذا الخبر ويعتريه الشك فيه، ويتبادر إلى نفسه أن يتساءل عن الحد الذي يمكن أن يعرف به الإقلال والإكثار! وقد ناقش الإمام ابن حزم هذا وَرَدَّهُ، وقال: «هَذَا مُرْسَلٌ وَمَشْكُوكٌ فِيهِ مِنْ (شُعْبَةَ) فَلاَ يُصِحُّ وَلاَ يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بِهِ، ثَمَّ هُوَ فِي نَفْسِهِ ظاهِرُ الْكَذِبِ وَالتّوْلِيدِ، لأَنَّه لاَ يَخْلُو عُمَرُ مِنْ أَنْ يُكُونَ اِتَّهَمَ الصَّحَابَةَ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ، أَوْ يُكُونَ نَهَى عَنْ ' نَفْسِ الحَديثِ '، وَعَنْ تَبْلِيغِ سَنَنِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى المُسْلِمِينَ، وَأَلْزَمَهُمْ كِتْمَانَهَا وجَحْدِهَا وَأَنْ لاَ يَذْكُرُوهَا لأَحِدُ، فَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ الإِسْلاَمِ '، وَقَدْ أَعَاذَ اللهُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، وَلَئِنْ كَانَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ مُتَّهَمِينَ فِي الكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَمَا عُمَرُ إلاَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهَذَا قولٌ لاَ يَقُولُهُ مُسَلِمٌ أَصْلًا، وَلَئِنْ كَانَ حَبَسَهُمْ وَهُمْ غَيْرُ مُتَّهَمِينَ لَقَدْ ظَلَمَهُمْ، فَلْيَخْتَرْ المُحْتَجُّ لِمَذْهَبِهِ الفَاسِدَ بِمِثْلِ هَذِهِ الرِّوايَاتِ المَلْعُونَةِ أَيَّ الطَّرِيقَتَيْنِ الخَبِيثَتَيْنِ شَاءَ، وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا ...».\n\nثُمَّ قَالَ: «وَقَدْ حَدَّثَ عُمَرُ بِحَديثِ كَثِيرِ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى خَمْسَمِائَةِ حَدِيثٍ وَنَيِّفًا عَلَى قُرْبِ مَوْتِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَهُوَ كَثِيرُ الرُّوَاِيَةِ، وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ رِوايَةَ مِنْه إلاَّ بِضْعَةً عَشَرَ مِنْهُمْ» (١).\n\nوَلَوْ سَلَّمْنَا جَدَلًا بِصِحَّةِ الرواية فهناك خلاف في المحبوسين، فالذهبي يذكر ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، بينما يذكر ابن حزم - ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر، فهل تَكَرَّرَ الحبس من عمر؟ ولو تَكَرَّرَ لاشتهر ثم إِنَّ حادثة كهذه سيطير خبرها في الآفاق من غير أن تحتمل الشك في المحبوسين، لأنهم من أعيان الصحابة، ولو سَلَّمْنَا أَنَّ العبرة في الحادثة نفسها من حيث حبسه\n_________\n(١) \" الإحكام \" لابن حزم: ص ١٣٩ جـ ٢ وما بعدها.","vol":"1","page":107},{"text":"بعض الصحابة دون نظر إلى أعيانهم وأشخاصهم، لأنهم أكثروا الرواية، قلنا: قد كان غير هؤلاء أكثر منهم حَدِيثًا، ولم يَرِدْنَا خبر عن حبسهم، فلا يعقل أن يحبس أمير المؤمنين بعضًا دون بعض في قضية واحدة، هم فيها سواء، وهي الإكثار من الحديث، مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا عُمَرُ - ﵁ -، فيحبس هؤلاء ويترك أبا هريرة مَثَلًا وهو أكثر حَدِيثًا منهم. فقد رُوِيَ عن أبي هريرة (٥٣٧٤) خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حَدِيثًا وعن ابن مسعود (٨٤٨) ثمانمائة وثمانية وأربعون حَدِيثًا، وعن أبي الدرداء (١٧٩) مائة وتسعة وسبعون حَدِيثًا، وعن أبي ذر (٢٨١) مائتان وواحد وثمانون حَدِيثًا (١).\n\nفإن قيل إِنَّ أبا هريرة لم يكثر من الرواية في عهد عمر - ﵁ - لأنه خَشِيَهُ. فنقول لِمَ لَمْ يَخْشَهُ هَؤُلاَءِ؟ بل إِنَّ عمر نفسه سمح لأبي هريرة أن يروي عن رسول الله - ﷺ -، عندما عرف وَرَعَهُ وَخِشْيَتَهُ مِنَ اللهِ - ﷿ -، روى الذهبي عن أبي هريرة قال: «بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ فُلاَنٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لأَيِّ شَيْءٍ سَأَلْتَنِي. قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ يَوْمَئِذٍ: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).\nقَالَ: أَمَا لاَ، فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ (٢)». فهل يتصور إنسان أن يحبس عُمَرُ ابنَ مسعود وأبا الدرداء وأبا ذَرٍّ أو أبا مسعود الأنصاري وقد عرف حفظهم وورعهم؟ بل إِنَّ أمير المؤمنين امْتَنَّ على أهل العراق كما أسلفنا عندما أرسل\n_________\n(١) ذكر ذلك الإمام الحافظ بقي بن مخلد في \" مسنده \"، انظر \" البارع الفصيح في شرح الجامع الصحيح \" لأبي البقاء الأحمدي الشافعي. مخطوطة دار الكتاب المصرية: ص ٩ - ١٣: ب.\n(٢) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٤ جـ ٢.","vol":"1","page":108},{"text":"إليهم عبد الله بن مسعود فكتب إلى أهل الكوفة: «إِنِّي وَاللهِ الذِي لاَ إِلَهُ إِلاَّ هُوَ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي فَخُذُوا مِنْهُ» (١) وَذَكَرَ عُمَرُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: «كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا آثَرْتُ بِهِ أَهُلَ القَادِسِيَّةِ» (٢) كيف يأمر الناس بالأخذ منه، ويشهد له بالعلم، ثم يحبسه!!؟\n\nوما ورد على حبس ابن مسعود يرد على حبس الصحابة الباقين، ففيهم أبو الدرداء إمام الشام وقاضيها ومعلمها القرآن ..\n\nوبهذا البيان، لا يرقى إلى الصحة خبر حبس عمر للصحابة - ﵃ -، لأنهم أكثروا من الرواية عن رسول الله - ﷺ -، بل إنه يُرْوَى عن ابن مسعود أنه نهى عن الإكثار من الرواية، فهل يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ وَهُوَ يَفْعَلُهُ؟ وقد رُوِيَ عنه قوله: «لَيْسَ العِلْمُ بِكَثْرَةِ الحَدِيثِ، وَلَكِنَّ العِلْمَ الخَشْيَةَ» (٣).\n\nوفي رواية سعيد بن إبراهيم عن أبيه، التي ذكرها الخطيب البغدادي، ما يدل على أنه استبقاهم في المدينة حتى عرف لفظهم سواء. وهذه هي رواية الخطيب.\nقال: «بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَإِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَإِلَى أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيَّ فَقَالَ: \" مَا هَذَا الحَديثُ الذِي تُكْثِرُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ فَحَبَسَهُمْ بِالمَدِينَةِ حَتَّى اِسْتَشْهَدَ لَفْظَهُمْ سَواءَ» (٤). فيكون هذا من باب تَثَبُّتِ عُمَرَ - ﵁ - في الحديث، وهذه الرواية تثبت أنه لَمْ يَزُجَّ بهم في السجن، بل استبقاهم في المدينة ريثما يَتَثَبَّتُ من لفظهم، فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَلاَ ضَيْرَ عَلَيْهِمْ.\n_________\n(١) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٣٥١، جـ ١، وَالكُنَيْفُ: الوِعَاءُ.\n(٢) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٣٥١، جـ ١، وَالكُنَيْفُ: الوِعَاءُ.\n(٣) \" مختصر كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول \": ص ٦.\n(٤) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ٩٢: آ.","vol":"1","page":109},{"text":"ومما يؤكد لنا أنه لم يحبس أحدًا - وهو ما استنبطناه من مناقشة الروايات السابقة - ما يرويه الرامهرمزي عن شيخه ابْنِ البُرِّيِّ من طريق سعد بن إبراهيم عن أبيه (*): أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، حَبَسَ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: «قَدْ أَكْثَرْتُمُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ البُرِّيِّ: يَعْنِي مَنَعَهُمُ الحَدِيثَ، وَلَمْ يَكُنْ لِعُمَرَ حَبْسٌ (١).\nفقد فَسَّرَ ابْنُ البُرِّيِّ الخبر تَفْسِيرًا جَيِّدًا وَإِنْ جَاءَ مُقْتَضَبًا، فهو يريد أنه منعهم كثرة الحديث، خَوْفًا مِنْ أَنْ لاَ يَتَدَبَّرَ السامعون كلام رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - إذا كثر عليهم.\n\nكل ما سبق ينفي صحة ما ورد من أخبار حول حبس عمر - ﵁ - للصحابة لأنهم أكثروا الحديث عن رسول الله - ﷺ -.\n\nوفي عهد التابعين ازداد النشاط العلمي لانتشار الصحابة في الأمصار، ثم ما لبث التابعون أَنْ تَصَدَّرُوا للرواية، ومع هذا سلكوا سبيل الصحابة، وساروا على نهجهم، فكانوا على جانب عظيم من الورع والتقوى، وليس بَعِيدًا ما تقول، لأنهم تَخَرَّجُوا في مدارس الصحابة تلامذة رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، فنسمع الشعبي - وهو أحد كبار التابعين الحفاظ الثقات - يقول: «لَيْتَنِي انْفَلَتُّ مِنْ عِلْمِي كَفَافًا لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِي» (٢). وكأنه يشعر بأنه أكثر من التحديث فيقول: «كَرِهَ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُونَ الإِكْثَارَ مِنَ الحَدِيثِ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا حَدَّثْتُ إِلاَّ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الحَدِيثِ (٣)». وكان شُعْبِةُ بْنُ\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \": ص ١٣٣: آ.\n(٢) \" جامع بيان العلم \": ص ١٣٠، جـ ٢ وَيُرْوَى نحوه عن سفيان الثوري. انظر \" الكامل \": ص ٥: ب، جـ ٣ في المجلد الأول في دار الكتب المصرية تحت رقم (٩٥) مصطلح الحديث. و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ١٢٩، جـ ٢.\n(٣) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٧٧، جـ ١.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) إِبْرَاهِيْمُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ (خَ، م) الإِمَامُ، الفَقِيْهُ، أَبُو إِسْحَاقَ الزُّهْرِيُّ، العَوْفِيُّ، المَدَنِيُّ. وَقِيْلَ: كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، أَخُو أَبِي سَلَمَةَ الفَقِيهِ، وَحُمَيْدٍ.\nحَدَّثَ عَنْ: أَبِيهِ. وَعَنْ: عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَسَعْدٍ، وَعَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ، وَجُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، وَطَائِفَةٍ.\nرَوَى عَنْهُ: ابْنَاهُ؛ سَعْدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ قَاضِي المَدِيْنَةِ، وَصَالِحُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، وَعَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَمْرِو بنِ عَلْقَمَةَ، وَغَيْرُهُم.\nوَأُمُّهُ: هِيَ المُهَاجِرَةُ أُمُّ كُلْثُوْمٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ.\nانظر: \" سير أعلام النبلاء \" للذهبي، تحقيق الشيخ شُعَيْب الأرناؤوط، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م، نشر مؤسسة الرسالة: ٤/ ٢٩٢.","vol":"1","page":110},{"text":"الحَجَّاِج يقول: «التَّدْلِيسُ فِي الحَدِيثِ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا ; وَلأَنْ أَسْقُطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ» (١). وفي رواية عنه أنه كان يقول: «لأَنْ أَقَعَ مِنْ فَوْقِ هَذَا القَصْرِ - لِدَارٍ حِيَالَهُ (٢) - عَلَى رَأْسِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ لَكُمْ: قَالَ فُلاَنٌ، لِرَجُلٍ تَرَوْنَهُ، أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ ذَاكَ مِنْهُ وَلَمْ أَسْمَعْهُ» (٣).\n\nوَمِنْهُمْ مِنْ كَانَ يَقْتَصِدُ فِى رِوايَةَ الحَديثِ عَلَى طُلاَّبِهِ لِيَفْهَمُوا مَا يُحَدِّثُهُمْ بِهِ وَيَعْقِلُوهُ وَيَتَدَبَّرُوهُ، وَمِنْ هَذَا مَا رَوَاهُ خَالِدٌ الْحَذَّاء، قَالَ: «كُنَّا نَأْتِي أَبَا قِلاَبَةَ، فَإِذَا حَدَّثَنَا بِثَلاَثَةِ أَحَادِيثَ قَالَ: قَدْ أَكْثَرْتُ» (٤)، وَيُؤَكِّدُ هَذَا مَا قَالَهُ اِبْنُ عَبْدِ البَرِّ: «إِنَّمَا عَابُوا الإِكْثَارَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَرْتَفِعَ التَدَبُّرُ وَالتَّفَهُّمُ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا حَكَاهُ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلَنِي الأَعْمَشُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَأَنَا وَهُوَ لاَ غَيْرَ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ لِي: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا يَا يَعْقُوبُ؟ فَقُلْتُ: بِالحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثْتَنِي أَنْتَ، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ، فَقَالَ لِي: «يَا يَعْقُوبُ إِنِّي لأَحْفَظُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمِعَ أَبَوَاكَ (٥) مَا عَرَفْتُ تَأْوِيلَهُ إِلَى الآنَ» (٦).\nوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا: أَنَّهُ جَرَى بَيْنَ الأَعْمَشِ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِ الأَعْمَشِ: «أَنْتُمُ الأَطِبَّاءُ وَنَحْنُ الصَّيَادِلَةُ» (٧).\n_________\n(١) مقدمة \" التمهيد \": ص ٥: ب.\n(٢) هكذا النص والمعنى: لدار قريبة منه.\n(٣) مقدمة \" الجرح والتعديل \": ص ١٧٤، ويروى نحوه عن مطرف بن طريف، انظر نفس المصدر: ص ٤٢.\n(٤) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ١٤٥، ١٤٦.\n(٥) أي من قبل أنْ يُخْلَقَ، كناية عن أنه حفظه منذ زمن بعيد.\n(٦) هكذا النص والأصوب أَنْ تَكُونَ «إلاَّ».\n(٧) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ١٣٠، جـ ٢.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المَبْحَثُ الثَّالِثُ: تَثَبُّتُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي قَبُولِ الحَدِيثِ:</span>\nوكما احتاط الصحابة والتابعون في التحديث، احتاطوا وَتَثَبَّتُوا في قبول الأخبار عن رسول الله - ﷺ - وسنعرض هذا فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>[أ] تَثَبُّتُ أَبِي بَكْرٍ الصِدِّيقَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ:</span>\nكان أبو بكر - ﵁ - قُدوة حسنة للمسلمين في المحافظة على السُنَّةِ، والتثبت في قبول الأخبار خشية أن يقع ويقع المسلمون في خطأ يُؤَدِّي بهم إلى ما لا تحمد عُقْبَاهُ. وَسَأُورِدُ بعض الأخبار التي تُبَيِّنُ لنا طريق الصحابة ومنهجهم في ذلك.\n١ - قال الحافظ الذهبي: «كَانَ أَبُو بَكْرٌ - ﵁ -، أَوَّلَ مَنْ احْتَاطَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ، فَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ قَُبَيْصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّ الجَدَّةَ جَاءَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَلْتَمِسُ أَنْ تُوَرَّثَ، فَقَالَ: \" مَا أَجِدُ لَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا، وَمَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ الْلَّهِ ﷺ ذَكَرَ لَكِ شَيْئًا \"، ثُمَّ سَأَلَ النَّاسَ فَقَامَ المُغيرَةُ فَقَالَ: \" سَمِعُتُ رَسُولَ الْلَّهِ ﷺ يُعْطِيهَا الْسُّدُسَ \". فَقَالَ لَهُ: \" هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ \" فَشَهِدَ مُحَمَّدٌ بْن مَسْلَمَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُوْ بَكْرٍ - ﵁ -» (١).\n\n٢ - عَنْ يُونُسَ «بْنَ يَزِيدٍ» (٢) عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَ رَجُلًا\n_________\n(١) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٣، جـ ١. و\" معرفة علوم الحديث \": ص ١٥. و\" الكفاية \": ص ٢٦. وقد أخرجه الإمام مالك في \" الموطأ \": ص ٥١٣، جـ ٢. كما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه.\n(٢) يُونُسُ بنُ يَزِيدٍ بنِ أَبِي النِّجَادِ، سمع من الزُّهْرِيِّ، انظر ص ١٥٣، جـ ١ من \" تذكرة الحفاظ \".","vol":"1","page":112},{"text":"حَدِيثًا فاستفهمه الرجل إياه، فقال أبو بكر: «هُوَ كَمَا حَدَّثْتُكَ، أَيُّ أَرْضٍ تَقِلُنِي إِذَا أَنَا قُلْتُ مَا لَمْ أُعْلَمْ!؟».\n\nوَصَحَّ أنَّ الصِدِّيقَ خَطَبَهُمْ فَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، والفُجُورُ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» (١). فأبو بكر يُبَيِّنُ للناس جَمِيعًا أنه لا يُحَدِّثُ إلاَّ بما يعلم ويثق منه، ثم إنه لم يكتف بالحيطة لنفسه، بل أمر الناس بذلك أَيْضًا، وَحَثّهُمْ على التثبت فيما يُحَدِّثُونَ به أو يستمعونه، ومن ذلك ما رواه الذهبي من مراسيل ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: «أَنَّ الصِدِّيقَ جَمَعَ النَّاسَ بَعْدَ وَفَاةِ نَبِيِّهِمْ فَقَالَ: إِنَّكُم تُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُول الله ﷺ أَحَادِيثَ تَخْتَلِفُونَ فِيهَا وَالنَّاسُ بَعْدَكُمْ أَشَدُّ اخْتِلاَفًا فَلاَ تُحَدِّثُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئًا فَمَنْ سَأَلَكُمْ فَقُولُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنكُمْ كِتَابُ اللهِ فَاسْتَحِلُّوا حَلاَلَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ». ثم قال الذهبي: «يَدُلُّكَ (هَذَا) أَنَّ مُرَادَ الصِدِّيقِ التَثَبُّتَ فِي الأَخْبَارِ وَالتَحَرِّي، لاَ سَدَّ بَابَ الرِّوَايَةِ، أَلاَ تَرَاهُ لَمَّا نَزَلَ بِهِ أَمْرُ الجَدَّةِ وَلَمْ يَجِدْهُ فِي الكِتَابِ كَيْفَ سَأَلَ عَنْهُ فِي السُّنَنِ، فلَمَّا أَخَبَرَهُ مَا اكْتَفَى حَتَّى اسْتَظْهَرَ بِثِقَةٍ آخَرَ، وَلَمْ يَقُلْ حَسْبُنَا كِتَابَ اللهِ كَمَا تَقُولُهُ الخَوَارِجُ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>[ب] تَثَبًّتُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ:</span>\n١ - روى الإمام البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي\n_________\n(١) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٤ جـ ١، وفي مقدمة \" التمهيد \": ص ١١: قال أبو بكر الصِدِّيق - ﵁ -: «إِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّهُ مُجَانِبُ الإِيمَانِ».\n(٢) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٣، ٤، جـ ١.","vol":"1","page":113},{"text":"فَرَجَعْتُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ». فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ» (١) أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «وَاللَّهِ لاَ يَقُومُ مَعَكَ إِلاَّ أَصْغَرُ القَوْمِ، فَكُنْتُ أَصْغَرَ القَوْمِ، فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ» (٢). فَقَالَ عُمَرُ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -» (٣).\n\n٢ - روى مسلم عن المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - النَّاسَ فِي إِمْلاَصِ المَرْأَةِ (٤)، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ (٥) عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ»، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ (٦).\n\n٣ - وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى: أَخَبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالِ: كَانَ لِلْعباسِ بَيْتٌ فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَضَاقَ المَسْجِدُ عَلَى النَّاسِ فَطَلَبَ إِلَيْهِ\n_________\n(١) وفي رواية \" مسلم \": فقال عمر: «أَقِمْ عَلَيْهِ البَيِّنَةَ، وَإِلاَّ أَوْجَعْتُكَ».\n(٢) \" صحيح البخاري بحاشية السندي \": ص ٨٨، جـ ٤، وأخرجه الإمام مسلم في \" صحيحه \": ص ١٦٩٤، جـ ٣. كما أخرجه الإمام مالك في \" الموطأ \": ص ٩٦٤ جـ ٢، وانظره مُوجَزًا في \" الرسالة \" للإمام الشافعي: ص ٤٣٥.\n(٣) \" موطأ الإمام مالك \": ص ٩٦٤ جـ ٢، و\" الرسالة \": ص ٤٣٥.\n(٤) مَلاَصٌ: هو جنين المرأة، والمعروف في اللغة إِمْلاَصُ المَرْأَةِ .. يُقَالُ أَمْلَصَتْ بِهِ إِذَا وَضَعَتْهُ قَبْلَ أَوَانِهِ. انظر هامش ص ١٣١١ جـ ٣ من \" صحيح مسلم \".\n(٥) الغُرَّةُ بضم الغين وراء مشددة مفتوحة: العَبْدُ وَالأَمَةُ، فكأنه عَبَّرَ في الحديث عن الجسم كله، كقوله رقبة، وأصل الغرة بياض في جبهة الفرس، وَغُرَّةُ كل شيء أوله وأكرمه. انظر هامش ص ١٣١١ جـ ٣ من \" صحيح مسلم \"، و\" لسان العرب \" مادة (غَرَرَ).\n(٦) \" صحيح مسلم \": ص ١٣١١ جـ ٣.","vol":"1","page":114},{"text":"عُمَرُ البَيْعَ فَأَبَى فَذَكَرَ الحَدِيثَ (١) وَفِيهِ: فَقَالَ عُمَرُ لأُبَيٍّ: «لِتَأْتِينِي عَلَى مَا تَقُولُ بِبَيِّنَةٍ، فَخَرَجَا فَإِذَا نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: فَذَكَرَهُمْ، قَالُوا: قَدْ سَمِعْنَا هَذَا (٢) مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ عُمَرُ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ» (٣).\n\n٤ - عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ، يَقُولُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ\n_________\n(١) وَفِيهِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ سَالِمِ أَبِي النَّضْرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: «اخْتَرْ مِنِّي إِحْدَى ثَلاثٍ. إِمَّا أَنْ تَبِيعَنِيهَا بِمَا شِئْتَ مِنْ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ، وَإِمَّا أَنْ أَخْطُطَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ المَدِينَةِ وَأَبْنِيَهَا لَكَ مِنْ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ، وَإِمَّا أَنْ تَصَّدَّقَ بِهَا عَلَى المُسْلِمِينَ فَنُوَسِّعَ بِهَا فِي مَسْجِدِهِمْ» فَقَالَ: «لاَ، وَلا وَاحِدَةً مِنْهَا»، فَقَالَ عُمَرُ: «اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مَنْ شِئْتَ»، فَقَالَ: «أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ»، فَانْطَلَقَا إِلَى أُبَيٍّ، فَقَصَّا عَلَيْهِ القِصَّةَ فَقَالَ أُبَيٌّ: «إِنْ شِئْتُمَا حَدَّثْتُكُمَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -»، فَقَالاَ: «حَدِّثْنَا»، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ أَنِْ ابْنِ لِي بَيْتًا أُذْكَرُ فِيهِ». فَخَطَّ لَهُ هَذِهِ الخِطَّةَ، خِطَّةَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَإِذَا تُرْبِيعُهَا بَيْتُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَسَأَلَهُ دَاوُدُ أَنْ يَبِيعَهُ إِيَّاهُ، فَأَبَى. فَحَدَّثَ دَاوُدُ نَفْسَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَا دَاوُدُ أَمَرْتُكَ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا أُذْكَرُ فِيهِ فَأَرَدْتَ أَنْ تُدْخِلَ فِي بَيْتِيَ الْغَصْبَ، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِيَ الْغَصْبُ. وَإِنَّ عُقُوبَتَكَ أَنْ لا تَبْنِيَهُ. قَالَ: يَا رَبِّ فَمِنْ وَلَدِي؟ قَالَ: مِنْ وَلَدِكَ». قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ بِمَجَامِعِ ثِيَابِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَقَالَ: «جِئْتُكَ بِشَيْءٍ فَجِئْتَ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ». لِتَخْرُجَنَّ مِمَّا قُلْتَ. فَجَاءَ يَقُودُهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ الْمَسْجِدَ فَأَوْقَفَهُ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيهِمْ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ: «إِنِّي نَشَدْتُ اللَّهَ رَجُلًا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَذْكُرُ حَدِيثَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حِينَ أَمَرَ اللَّهُ دَاوُدَ أَنْ يَبْنِيَهُ إِلاَّ ذَكَرَهُ». فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -» وقَاَلَ آخَرٌ: «أَنَا سَمِعْتُهُ». وقَاَلَ آخَرٌ: «أَنَا سَمِعْتُهُ». يَعْنِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: فَأَرْسَلَ عُمَرُ أُبَيًّا.\nقَالَ: وَأَقْبَلَ أُبَيٌّ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَتَتَّهِمُنِي عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟»، فَقَالَ عُمَرُ: «يَا أَبَا المُنْذِرِ، لاَ وَاللَّهِ مَا أَتَّهَمْتُكَ عَلَيْهِ، وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ظَاهِرًا». قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ لِلْعَبَّاسِ: «اذْهَبْ فَلاَ أَعْرِضُ لَكَ فِي دَارِكَ». فَقَالَ الْعَبَّاسُ: «أَمَّا إِذْ فَعَلْتَ هَذَا فَإِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أُوَسِّعُ بِهَا عَلَيْهِمْ فِي مَسْجِدِهِمْ، فَأَمَّا وَأَنْتَ تُخَاصِمُنِي فَلاَ». قَالَ: فَخَطَّ عُمَرُ لَهُمْ دَارَهُمْ التِي هِيَ لَهُمْ اليَوْمُ وَبَنَاهَا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.\n(انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ١٣، ١٤. قسم ١، جـ ٤ وص ٢٠٣. قسم ١، جـ ٣.\n(٢) أي حديث بناء بيت المقدس الذي ذكره أُبَيُّ بن كعب.\n(٣) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٨ جـ ١ وانظر \" طبقات ابن سعد \": ص ١٣، ١٤. قسم ١ جـ ٤.","vol":"1","page":115},{"text":"وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ: نَشَدْتُكُمْ بِاللهِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِهِ أَعَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّا لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» قَالُوا: «اللهُمَّ نَعَمْ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>[ج] تَثَبُّتُ عُثْمَانٍ - ﵁ - فِي الحَدِيثِ:</span>\nعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَتَى عُثْمَانُ الْمَقَاعِدَ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَرِجْلَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ هَكَذَا يَتَوَضَّأُ، يَا هَؤُلاءِ أَكَذَاكَ؟» قَالُوا: نَعَمْ. لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَهُ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>[د] تَثَبُّتُ عَلِيٍّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - فِي الحَدِيثِ:</span>\nوَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قال: «كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَنِي، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٌ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ﷿، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ» (٣).\n\nتِلْكَ آثارٌ تُبَيِّنُ مَنْهَجَ الصَّحَابَةِ فِي التَثَبَُتِ وَالتَّأَكُّدِ مِنَ الأَخْبَارِ، وَهَذَا لاَ يَعْنِي أَبَدًا أَنَّ الصَّحَابَةَ اِشْتَرَطُوا قَبُولَ الحَديثِ، أَنْ يَرْوِيهِ رَاوِيَانِ فَأَكْثَرُ،\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٢٨ وص ١٨٦ و١٨٧، جـ ١ بإسناد صحيح.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٧٢، جـ ١ بإسناد صحيح.\n(٣) المرجع السابق: ص ١٥٤ و١٧٤ و١٧٨، جـ ١ بإسناد صحيح. ونحوه في \" الكفاية \": ص ٢٨، وانظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٠، جـ ١ ومقدمة \" معرفة علوم الحديث \". رواه مسلم.","vol":"1","page":116},{"text":"أو أنْ يشهد الناس على الراوي أو أنْ يستحلف، فإذا لم يحصل شيء من هذا رَدَّ خبره!! بل كان الصحابة يَتَثَبَّتُونَ في قبول الأخبار، ويتبعون الطريقة التي ترتاح إليها ضمائرهم، فأحيانًا يطلب عمر سماع آخر، وأحيانًا يقبل الخبر من غير ذلك، ولا يقصد من وراء عمله إِلاَّ حمل المسلمين على جادة التثبت العلمي والتحفظ في دين الله حتى لا يتقول أحد على رسول الله - ﷺ - ما لم يقل، ويتضح هذا في قول عمر - ﵁ - عندما رجع أبو موسى الأشعري مع أبي سعيد الخُدري وشهد له، قال عمر: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -» (١). ويظهر ذلك أَيْضًا من قول الذهبي بعد أن روى قصة أبي موسى: «أَحَبَّ عُمَرُ أَنْ يَتَأَكَّدَ عِنْدَه خَبَرَ أَبِي مُوسَى بِقَوْلِ صَاحِبٍ آخر، فَفِي هَذَا دَليلَ عَلَى أَنَّ الخَبَرَ إذَا رَوَاهُ ثِقَتَانِ كَانَ أَقْوَى وَأَرْجَحَ مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ وَاحِدٌ، وَفِي ذَلِكَ حَضٌّ عَلَى تَكْثِيرِ طُرُقِ الحَديثِ لِكَيْ يَرْتَقِي عَنْ دَرَجَةٍ الظَّنِّ إِلَى دَرَجَةِ العِلْمِ، إِذْ الوَاحِدُ يَجُوزُ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ وَالوَهْمُ، وَلاَ يُكَادُ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى ثِقَتَيْنِ لَمْ يُخَالِفْهُمَا أَحَدٌ» (٢).\n\nوَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ بَعْدَ إِيرَادِ طَرِيقَةً الصِدِّيقِ فِي التَثَبُّتِ: «إِنَّ مُرَادَ الصِدِّيقِ التَثَبُّتَ فِي الأَخْبَارِ وَالتَحَرِّي، لاَ سَدَّ بَابَ الرِوَايَةِ» (٣).\n\nوكما طلب الصحابة من الراوي شهادة غيره أَيْضًا، قبلوا أحاديث كثيرة برواية الآحاد وَبَنَوْا عليها أحكامهم.\n\nومن الغريب أن يجعل بعض المُتَطَرِّفِينَ في الإسلام عمل الصحابة هذا دُسْتُورًا في قبول الأخبار ولا يجعلون قبول الصحابة خبر الآحاد دُسْتُورًا لهم\n_________\n(١) \" موطأ مالك \": ص ٩٦٤ جـ ٢، و\" الرسالة \": ص ٤٣٥، و\" توجيه النظر \": ص ١٦.\n(٢) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٦، ٧ جـ ١.\n(٣) المرجع السابق: ص ٤ جـ ١.","vol":"1","page":117},{"text":"أَيْضًا بَلْ يَردُّونه ولا يقبلونه، وقد حكى ذلك الحافظ أبو بكر محمد بن أبي عثمان الْحَازِمِيُّ (١) عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْمُعْتَزِلَةِ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، قال شيخ الإسلام (ابن حجر): «وَقَدْ فَهِمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنْ خِلاَلِ كَلاَمِ الحَاكِمِ فِي \" عُلُومِ الْحَدِيثِ \"، وفي \" الْمَدْخَلِ \" ... وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمَيَانَجِيُّ (٢) فِي كِتَابِ \" مَا لاَ يَسَعُ الْمُحَدِّثَ جَهْلُهُ \": «شَرْطُ الشَّيْخَيْنِ فِي \" صَحِيحِهِمَا \" أَنْ لاَ يُدْخِلاَ فِيهِ» (٣) إِلاَّ مَا صَحَّ عِنْدَهُمَا، وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَمَا نَقَلَهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فَأَكْثَرُ، وَأَنْ يَكُونَ (٤) عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ». انْتَهَى.\n\nقَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ: «وَهُوَ كَلاَمُ مَنْ لَمْ يُمَارِسْ \" الصَّحِيحَيْنِ \" أَدْنَى مُمَارَسَةٍ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَيْسَ فِي الكِتَابَيْنِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمَا أَبْعَدَ».\nوَقَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ فِي \" شَرْحِ المُوَطَّأِ \": «كَانَ مَذْهَبُ الشَّيْخَيْنِ (البُخَارِي وَمُسْلِمٌ) أَنَّ الحَدِيثَ لاَ يَثْبُتُ حَتَّى يَرْوِيهِ اثْنَانِ، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، بَلْ رِوَايَةُ الوَاحِدِ عَنِ الوَاحِدِ صَحِيحَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ» (٥).\n_________\n(١) المُتَوَفَّى سَنَةَ (٥٨٤ هـ).\n(٢) المُتَوَفَّى سَنَةَ (٥٨٠ هـ).\n(٣) هكذا في \" التدريب \" والأصوب أَنْ يقول: «فِيهِمَا».\n(٤) هكذا في \" التدريب \" والأصوب أنْ يقول: «وَكَانَ رُوَاتُهُ».\n(٥) \" تدريب الراوي \": ص ٢٧. وقد قال باشتراط رجلين عن رجلين في شرط القبول إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّةَ (وهو إسماعيل بن مقسم الأسدي، حافظ من الطبقة الثامنة نُسِبَ إِلَى أُمِّهِ وهو ثقة كما في \" التقريب \") تُوُفِيَ سَنَةَ ١٩٣ هـ وهو من الفُقَهَاءِ المُحَدِّثِينَ، إلاَّ أنه مهجور القول عند الأئمة لميله إلى الاعتزال، وقد كان الشافعي يَرُدُّ عَلَيْهِ ويُحَذِّرُ مِنْهُ. انظر \" تدريب الراوي \": ص ٢٨.","vol":"1","page":118},{"text":"يقول الدكتور السباعي: «وَاِنْتَقَلَ هَذَا الفَهْمُ (أَنْ لاَ يَقْبَلَ الصَّحَابَةُ إِلاَّ مَا رَوَاهُ اثْنَانِ) إِلَى كَثِيرِ مِمَّنْ كَتَبَ فِي تَارِيخِ التَّشْرِيعِ الإِسْلاَمِيِّ وَتَارِيخِ السُنَّةِ فِي العَصْرِ الحَديثِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَهُمْ قَضِيَّةً مُسَلَّمَةً لاَ يَذْكُرُونَ غَيْرَهَا، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَسَاتِذَتُنَا الأَجِلاَّءُ مُؤَلِّفُو \" مُذَكَّرَةَ تَارِيخِ التَّشْرِيعِ الإِسْلاَمِيِّ \" فِي كُلًيَةِ الشَّرِيعَةَِ بِالأَزْهَرِ، فَقَدْ ذَكَرُوا فِي \" بَابَ شُرُوطِ الأَئِمَّةِ لِلْعَمَلِ بِالحَديثِ \" أَنَّ هَذَا كَانَ شَرْطُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍِّ، لِلْعَمَلِ بِالحَديثِ» (١).\n\nإِنَّ تثبت الصحابة في بعض الأحايث بطلب رَاوِيَيْنِ للخبر لم يكن شرطًا لقبول جميع المروايات، بل قبلوا أخبارًا كثيرة عن مُخْبِرٍ واحدٍ، وعملوا بها في مواضع كثيرة، مِمَّا يَدُلُّ على أنهم - ﵃ - كانوا يطلبون الراوي الثاني لمجرد التثبت والتأكد، لاَ لأَنَّ الخبر لا يثبت عندهم إلاَّ بِرَاوِيَيْنِ، والأخبار التي قَبِلَهَا الخلفاء الأربعة وغيرهم برواية آحَادٍ أكثر بكثير من الأخبار التي طلبوا فيها رَاوِيَيْنِ، وإليكم بعض تلك الآثار:\n١ - عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: «الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ، وَلاَ تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا، حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ»، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عُمَرُ - ﵁ - (٢).\n_________\n(١) \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٨١. ذكر الأساتذة مُؤَلِّفُو \" تاريخ التشريع الإسلامي \" بالحرف الواحد: «أَمَا الآحَادُ فَلِمَقَامِ الشُبْهَةِ فِي ثُبُوتِهُ اِخْتَلَفَتْ طُرُقُ الصَّحَابَةِ فِي الأَخْذِ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ وَلاَ عُمَرَ يَقْبَلاَنِ مِنْ الأَحَادِيثِ إلاَّ مَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُمَا سَمِعَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -». انظر الصفحة ٩٣ من \" تاريخ التشريع الإسلامي \" لِلْسُّبْكِي وزملائه، وهذا التعميم غير مطابق للواقع كما سنرى.\n(٢) \" الرسالة \" ص ٤٢٦، الفقرة ١١٧٢.","vol":"1","page":119},{"text":"٢ - عَنْ طَاوُوسَ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، - ﵁ -، قَالَ: \" أُذَكِّرُ اللهَ امْرَأً سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الجَنِينِ شَيْئًا \" فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ، فَقَالَ: \" كُنْتُ بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي - يَعْنِي ضَرَّتَيْنِ - فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِمِسْطَحٍ (١) فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِغُرَّةٍ \" فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: \" لَوْ لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ لَقَضَيْنَا بِغَيْرِهِ \"» (٢).\n\n٣ - «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغٍ، لَقِيَهُ أَهْلُ الأَجْنَادِ (٣)، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ» (٤).\n\nوَاِسْتَشَارَ المُهَاجِرِينِ وَالأَنْصَارَ وَمَشْيَخَةَ قُرَيْشِ مِنْ مُهَاجَرَةِ الفَتْحِ، وَاِخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ حَتَّى جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: \" إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ \" (٥) قَالَ: فَرَجَعَ عُمَرُ - ﵁ - بِالنَّاسِ لِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - ﵃ جَمِيعًا -.\n\n٤ - رَوَى الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ عَنْ الإِمَامِ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ (زَيْنُ العَابِدِينَ): أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ المَجُوسَ. فَقَالَ: \" مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي\n_________\n(١) المسطح: عود من أعواد الخباء والفسطاط.\n(٢) الغُرَّةُ: العَبْدُ أَوْ الأَمَةُ. \" الرسالة \" ص ٤٢٦، ٤٢٧، الفقرة ١١٧٤.\n(٣) سرغ: هي قرية في طرف الشام مِمَّا يلي الحجاز. والأجناد: المراد بها مُدُنُ الشام الخمسة، وهي فلسطين والأردن ودمشق وحمص وقنسرين. قال الإمام النووي: «هَكَذَا فَسَّرُوهُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِلَسْطِينَ اسْمٌ لِنَاحِيَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَالأَرْدُنُّ اسْمٌ لِنَاحِيَةِ سِيَّانَ وَطَبَرِيةَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا وَلاَ يَضُرُّ إِطْلاَقُ اسْمِ المَدِينَةِ عَلَيْهِ» انظر هامش الصفحة ١٧٤٠، جـ ٤ من \" صحيح مسلم \".\n(٤) \" صحيح الإمام مسلم \": ص ١٧٤٠، جـ ٤ ولَخَّصَ الخَبَرَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي \" رسالته \": ص ٤٢٩ فقرة ١١٨٠، وانظر \" الإحكام \" لابن حزم: ص ١٣، جـ ٢.\n(٥) \" صحيح الإمام مسلم \": ص ١٧٤٠، جـ ٤.","vol":"1","page":120},{"text":"أَمْرِهِمْ؟ \" فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (١)\n\n٥ - وَقَبِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ خَبَرَ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ في المسح عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَأَمَرَ ابْنَهَ عَبْدَ اللهِ أَلاَّ يُنْكِرَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: «إِذَا حَدَّثَكَ سَعْدٌ بِشَيْءٍ فَلا تَرُدَّ عَلَيْهِ، \" فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ \"» (٢).\nوفي رواية: «إِذَا حَدَّثَكَ سَعْدٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا فَلا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ» (٣). وهذا دليل واضح على قبول خبر الآحاد، حتى إنَّ عُمَرَ ينهى ابنه عن أنْ يسأل غير سعد إذا حَدَّثَهُ سعدٌ عن رسول الله، ولو كان شرط عمر عدم قبول الخبر إلاَّ عن رَاوِيَيْنِ لأَمَرَ ابنه أَنْ يطلب مع سَعْدٍ رَاوِيًا آخر، ولم ينهه عن سؤال غيره.\n\n٦ - وأراد رجم مجنونة حتى أُعْلِمَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ (٤)»، فَأَمَرَ أَنْ لاَ تُرْجَمَ.\nوأمر برجم مولاة حَاطِبٍ، حَتَّى ذَكَّرَهُ عثمان بِأَنَّ الجاهل لاَ حَدَّ عليه، فأمسك عن رجمها (٥).\n_________\n(١) \" الرسالة \": ص ٤٣٠ فقرة ١١٨٢ وانظر \" الكفاية في علم الرواية \": ص ٢٧ و\" الإحكام \": ص ١٣، جـ ٢.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٩١ حديث ٨٧، جـ ١ وفي ص ١٩٢ مختصرًا وكلاهما بإسناد صحيح.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٩٢ حديث ٨٨، جـ ١. بإسناد صحيح.\n(٤) أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن السيدة عَائِشَة عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ المُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ» \" الجامع الصغير \": ص ٢٣، جـ ٢ بإسناد صحيح. وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن عمر وعَلِيٍّ - ﵄ - عَنْ الرَّسُولِ - ﷺ - «رُفِعَ القَلَم عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنْ المَجْنُونِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنْ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ». المرجع نفسه.\n(٥) \" الإحكام \" لابن حزم: ص ١٣، جـ ٢.","vol":"1","page":121},{"text":"٧ - وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتى بلغه عن النبي - ﷺ - أمره بالمساواة بينها، فترك قوله وأخذ بالمساواة (١).\n\n٨ - وقد اشتهر خبر تناوب عمر - ﵁ - وجاره في حضور حلقات الرسول - ﷺ -، وفيه يقول عمر: «... يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنْ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ...» (٢). وهذا إقرار من أمير المؤمنين - ﵁ - بقبول خبر جاره، ولا فرق بين جاره وغيره ممن تقبل روايته.\n\nوهكذا نرى من تلك الأخبار وغيرها أَنَّ عمر - ﵁ - لم يشترط لقبول الأخبار راويين، وما صدر منه مع أبي موسى - ﵁ - بَيَّنَ سببه بنفسه كما سبق أنْ ذكرت ذلك، وكان من باب الاحتياط والتثبت، لا من باب عدم قبول الخبر إِلاَّ مِنْ رَاوِيَيْنِ.\n\nومثل هذا يقال في بقية الأخبار التي طلب فيها رَاوِيَيْنِ.\n\nوأما ما ذكر عن موقف أبي بكر - ﵁ -، وَتَثَبُّتِهِ فِي قبول الأخبار، فإنه لا يعدو باب الاستظهار والاستيثاق، ثم إنه لم يرو عنه أنه طلب رَاوِيًا آخر إلاَّ في تلك الحادثة التي ذكرها الإمام الذهبي، وقد رَدَّهَا ابن حزم (٣) وَأَعَلَّهَا بالانقطاع، فهي لا تصلح مِقْيَاسًا صَحِيحًا لشرط أبي بكر في قبول الأخبار، وهو\n_________\n(١) \" الإحكام \" لابن حزم: ص ١٣ جـ ٢، وانظر \" الرسالة \": ص ٤٢٢ فقرة ١١٦ إلاَّ أنَّ الشافعي يَنُصُّ على أنَّ الصحابة بعد وفاة عمر - ﵁ - وجدوا كتاب آل عمرو بن حزم وفيه أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِل»، فصاروا إليه. انظر الفقرة (١١٦٢) من الصفحة ٤٢٢.\n(٢) \" فتح الباري \": ١٩٥ جـ ١.\n(٣) انظر \" الإحكام \" لابن حزم: ص ١٤١ جـ ٢.","vol":"1","page":122},{"text":"الذي قبل أخبارًا كثيرة برواية مخبر واحد.\n\nوقد سبق أنْ بَيَّنْتُ منهجه في حكمه وقضائه كما ذكره ابن القيم، ولم يذكر أنه كان يطلب ممن يأتيه بالخبر شاهدًا على ما يقول ... وقد قَبِلَ خَبَرَ عَائِشَةَ - ﵂ - فِي كَفَنِ الرَّسُولِ - ﷺ - (١).\n\nوأما عثمان - ﵁ - فَإِنَّه لَمْ يَطْلُبْ رَاوِيَيْنِ لَكُلِّ خَبَرٍ، وَكُلُّ مَا صَدَرَ عَنْهُ أَنَّهُ اِسْتَشْهَدَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ وَضُوءَهُ، لِيُؤَكِّدُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَضُوءُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ عَمَلَ بِأَخْبَارِ الآحَادِ، فَقَدْ سَأَلَ الفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكٍ بْنَ سِنَانِ أُخْتَ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ عَنْ عِدَّتِهَا لِوَفَاةِ زَوْجِهَا (٢)، وَقَضَى بِخَبَرِهَا.\n\nوَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - من استحلاف مُخْبِرِيهِ، فَإِنَّ هذا لم يكن منهجه وديدنه في قبول جميع الأخبار، بل قَبِلَ بعض الأخبار من غير أَنْ يستحلف الرُوَاةَ، فَقَبِلَ أخبار أبي بكر - كما ذكر هو نفسه - ولا فرق بين أبي بكر - ﵁ - وغيره ممن تقبل روايته، كما عمل بخبر المقداد بن الأسود في حُكْمِ المَذْيِ (٣) من غير أنْ يحلفه.\n\nوهكذا يتبين لنا أَنَّ الخلفاء الأربعة لم تكن لهم شروط خاصة لقبول الأخبر، وَأَنَّ كل ما روي عنهم مما يوهم ذلك لا يعدو التثبت والاستظهار، وقد قبلوا أخبار الآحاد كما قبلها غيرهم من عامة الصحابة وعلمائهم. وكل ما صدر\n_________\n(١) \" الإحكام \" لابن حزم: ص ١٢ جـ ٢.\n(٢) أخرج حديث فريعة أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي والذهلي. انظر \" سبل السلام \": ص ٢٠٣ جـ ٣، وانظر \" الكفاية \": ص ٢٢ و\" الإحكام \": ص ١٥ جـ ٢.\n(٣) انظر \" مسند الإمام أحمد \" ص ٣٩ حديث ٦٠٦ وص ٤٦ حديث ٦١٨، جـ ٢ بإسناد صحيح، و\" فتح الباري \": ص ٢٩٤ و٣٩٤ جـ ١، و\" صحيح مسلم \": ص ٢٤٧ حديث ١٧ - ١٩ جـ ١.","vol":"1","page":123},{"text":"عنهم كان في سبيل المحافظة على السُنَّةِ الطَّاهِرَةِ.\n\n[هـ] ولم يكن التابعون وأتباعهم أقل اهتمامًا من الصحابة بالاحتياط لقبول الحديث، فكانوا يتثبتون من الراوي بكل وسيلة تطمئن إليها قلوبهم، وَإِنَّ من يتتبع تاريخ الرُوَاةِ، وكيفية تحملهم الحديث الشريف ليدرك تَمَامًا جهود التابعين وأتباعهم، تلك الجهود التي بذلوها لنقل السُنَّةِ إِلَى خَلَفِهِمْ. وإليكم بعض أخبارهم في هذا الموضوع:\nقِيلَ لِمِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ: مَا أَكْثَرَ تَشَكُّكَ؟ قَالَ: «تِلْكَ مَحَامَاةٌ عَنِ اليَقِينِ» (١).\n\nوكان يزيد بن أبي حبيب مُحَدِّثُ الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتَ الحَدِيثَ فَانْشُدْهُ كَمَا تُنْشَدُ الضَالَّةُ، فَإِنْ عُرِفَ فَخُذْهُ، وَإِلاَّ فَدَعْهُ» (٢).\n\nفلم يكن للتابعين وأتباعهم شروط خاصة في قبول الرواية، ولم يُرْوَ عن أحدهم أنه اشترط لقبول الخبر راويين أو أكثر، بل كانوا يتحملون عن كل من توافرت فيه شروط التحمل والأداء، إلى جانب العدالة التي أجمع عليها المحدثون، فإذا ما سقطت عدالة رَاوٍ طرحوا أخباره وامتنعوا عن الأخذ عنه. ومع هذا كانوا يتثبتون في قبول الأخبار بكل وسيلة تطمئن إليها قلوبهم، لأَنَّ وصايا الصحابة وكبار التابعين لا تزال قائمة في نفوسهم، تذكرهم «أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ».\n\nوكانوا يرون الأمانة في الذهب والفضة أيسر من الأمانة في الحديث (٣)، فَنَسْمَعُ عَنْ سُلَيمان بن موسى أنه لقي طاوسًا فقال له: «إِنَّ رَجُلًا حَدَّثَنِي بِكِيتَ\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \": ص ١٣٢: ب.\n(٢) \" الجرح والتعديل \": ص ١٩ جـ ١.\n(٣) انظر \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٦٠: آ.","vol":"1","page":124},{"text":"وَكِيتَ، فَيَقُولُ لَهُ: \" إِنْ كَانَ مَلِيًّا فَخُذْ مِنْهُ \"» (١). وكان ابن عون يقول: «لاَ يُؤْخَذُ هَذَا العِلْمُ إِلاَّ مِمَّنْ شُهِدَ لَهُ بِالطَّلَبِ (٢)». ويسمع شُعْبَةُ بن الحجاج عبدَ اللهِ بن دينار يُحَدِّثُ في الولاء وهبته عن عبد الله بن عمر، فيستحلفه: هل سمعه من ابن عمر؟ فيحلف له (٣). وَيُحَدِّثُ الحَكَمُ عن سعيد بن المسيب في دية اليهودي والنصراني والمجوسي، فيقول له شعبة: «أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ سَعِيدٍ بْنِ المَسَيِّبِ؟» فَيَقُولَ: «لَوْ شِئْتَ سَمِعْتَ مِنْ ثَابِتَ الحَدَّادِ»، قَالَ شُعْبَةُ: «فَأَتَيْتُ ثابتًا الحَدَّادَ فَحَدَّثَنِي عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ» (٤). فلا يمكننا أن نحكم على شعبة أنه لم يكن يقبل رواية أحد إلا بعد تحليفه، أو الاستيثاق برواية آخر معه. بل كل هذا كان من باب التثبت والاستيثاق والتأكد مما يسمعون، حِرْصًا منهم على حفظ الحديث النبوي الشريف.\n\n...\n_________\n(١) \" الجرح والتعديل \": ص ٢٧ جـ ١.\n(٢) المرجع السابق: ص ٢٨ جـ ١.\n(٣) تقدمة \" الجرح والتعديل \": ص ١٧٠.\n(٤) المرجع السابق: ص ١٧٠. ومن هذا الباب ما كان يتأكد منه رجال الحديث، فقد قال الليث بن سعد: «قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ يُرِيدُ الإِسْكَنْدَرِيَّةَ مُرَابِطًا، فَنَزَلَ عَلَىَ جَعْفَرَ بْنَ رَبِيعَةَ، قَالَ: فَعَرَضُوا لَهُ بِالحُمْلاَنِ، وَعَرَضُوا لَهُ بِالمَعُونَةِ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَصْحَابُنَا يَزِيدُ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ وَغَيْرَهُ فَأَقْبَلَ يُحَدِّثُهُمْ: حَدَّثَنِي نَافِعُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: فَجَمَعُوا تِلْكَ الأَحَادِيْثِ وَكَتَبُوا بِهَا إِلَى ابْنِ نَافِعٍ، وَقَالُوا لَهُ: \" إِنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَيْنَا وَخَرَجَ إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ مُرَابِطًا وَحَدَّثَنَا، فَأَجَبْنَا أَلاَّ يَكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ فِيهَا أَحَدٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ، \" وَاللهِ مَا حَدَّثَ أَبِي مِنْ هَذَا بِحَرْفٍ قَطُّ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ وَاحْذَرُوا قُصَّاصَنَا وَمَنْ يَأْتِيَكُمُ \"» انظر مقدمة \" التمهيد \": ص ١٤: ب.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المَبْحَثُ الرَّابِعُ: كَيْفَ رُوِيَ الحَدِيثُ فِي ذَلِكَ العَصْرِ .. بِاللَّفْظِ أَمْ بِالمَعْنَى</span>؟:\nرأينا كيف كان الصحابة والتابعون وأتباعهم يتثبتون في قبول الأخبار، وعرفنا وَرَعَهُمْ وَخِشْيَتَهُمْ عِنْدَمَا يَرْوُونَ حَدِيثًا عن رسول الله - ﷺ -، فكان أحدهم لا يروي الحديث إلا بعد الاستيثاق من ضبط حروفه وفهم معناه، وكان الواحد منهم إِذَا سُئِلَ يَوَدُّ لو أن أخاه كفاه مؤونة السؤال، حتى إن بعضهم كان يأبى أن يروي شيئًا عن رسول الله - ﷺ - مخافة الزيادة والنقصان، وَمِنْ هَذَا مَا يَرْوِيه اَلعَلاَء بْنِ سَعْدٍ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قِيلَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَا لَكَ لاَ تُحَدِّثُ كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟ فَقَالَ: «مَا بِي أَلاَّ أَكُونَ سَمِعْتُ مِثْلَ مَا سَمِعُوا، أَوْ حَضَرْتُ مِثْلَ مَا حَضَرُوا، وَلَكِنْ لَمْ يُدْرَسِ الأَمْرُ بَعْدُ، وَالنَّاسُ مُتَمَاسِكُونَ، فَأَنَا أَجِدُ مَنْ يَكْفِينِي، وَأَكْرَهُ التَّزَيُّدَ وَالنُّقْصَانَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (١).\n\nوإلى جانب ما رويناه من أخبار حول تثبت الصحابة والتابعين في رواية الحديث، وَمَنَاهِجِهِمْ في الإقلال من الرواية مخافة الوقوع في الخطأ، لا بد لنا من أن نتتبع بعض أخبارهم لنرى كيف كانوا يَرْوُونَ الحديث النبوي؟ وهل كانوا يحافظون على لفظ الرسول - ﷺ -، أو كانوا يَرْوُونَ ما يسمعون بألفاظ من عندهم دون أن يغيروا معنى ما سمعوا؟\n\nإذا استعرضنا تلك الأخبار رأينا كثيرًا من الصحابة حرصوا على نقل الحديث بألفاظه، وبعضهم ترخص عند الضرورة في روايته بالمعنى، وكما روى\n_________\n(١) \" الكفاية \": ص ١٧٢.","vol":"1","page":126},{"text":"بعض الصحابة الحديث باللفظ وبعضهم بالمعنى نرى التابعين أَيْضًا قد نهجوا نهج الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، ولكن مما لا شك فيه أن جميع الصحابة حرصوا على أداء الحديث كما سمعوه من الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، حتى إن بعضهم ما كان يرضى أن يبدل حرفًا بحرف، أو كلمة مكان كلمة، أو يقدم كلمة على أخرى وردت في الحديث قبلها، وقد رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ -، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَنْ سَمِعَ حَدِيثًا فَحَدَّثَ بِهِ كَمَا سَمِعَ، فَقَدَ سَلِمَ (١)» وَرُوِيَ نَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ اَللهِ بْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمْ.\n\nوَقَدْ اِشْتَهَرَ مِنْ بَيْنِ اَلصَّحَابَةِ الذِينَ كَانُوا يَتَشَدَّدُونَ فِي الحِرْصِ عَلَى لَفْظِ اَلرَّسُولِ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عَبْد اَللهِ بْنِ عُمَرَ. روى مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ قال: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا سَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللهِ ﷺ شَيْئًا، أَوْ شَهِدَ مَعَهُ مَشْهَدًا، لَمْ يُقَصِّرْ دُونَهُ أَوْ يَعْدُوهُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُصُّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، إِذْ قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: \" مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ، إِنْ أَقْبَلَتْ إِلَى هَذِهِ الْغَنَمِ نَطَحَتْهَا، وَإِنْ أَقْبَلَتْ إِلَى هَذِهِ نَطَحَتْهَا \"، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: \" لَيْسَ هَكَذَا \"، فَغَضِبَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَفْوَانَ، فَقَالَ: \" يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَيْفَ قَالَ رَحِمَكَ اللهُ؟ \" فَقَالَ: قَالَ: \" مَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الشَّاةِ بَيْنَ الرَّبِيضَيْنِ، إِنْ أَقْبَلَتْ إِلَى ذَا الرَّبِيضِ نَطَحَتْهَا، وَإِنْ أَقْبَلَتْ إِلَى ذَا الرَّبِيضِ نَطَحَتْهَا \"، فَقَالَ لَهُ: \" رَحِمَكَ اللهُ هُمَا وَاحِدٌ \"، قَالَ: \" كَذَا سَمِعْتُ \" (٢).\n\nوروى ابن عمر حديث «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ»، فأعاده رجل فقال له ابْنُ\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \": ص ١٢٧: ب و\" الكفاية \": ص ١٢٢.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٩٧ حديث ٥٥٤٦ جـ ٧. وانظر حديث ٥٣٥٩ ونحوه في ص ٢٠ حديث ٥٦١٠ جـ ٨.","vol":"1","page":127},{"text":"عُمَرَ: «لاَ، اجْعَلْ صِيَامَ رَمَضَانَ آخِرَهُنَّ، كَمَا سَمِعْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (١) ولهذا نرى في بعض الأحاديث، قول الراوي - كذا وكذا - لا أدري بأيهما بدأ، أو أيهما قال قبل، ونحو ذلك. وهذا تنبيه من الراوي إلى أنه أدرك الحديث وفهمه، ولكنه لم يتأكد من ترتيب اسمين فيه أو كلمتين فَبَيَّنَ موضع شكه وأن الشك منه ليس في أصل الحديث، ومن هذا ما رواه خالد بن زيد الجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ، وَأَسْلَمُ وَغِفَارٌ، - أَوْ غِفَارٌ وَأَسْلَمُ -» (٢).\n\nوتشدد بعض الرواة في المحافظة على نص الحديث بألفاظه، فمنع زيادة حرف واحد، أو حذفه وإن كان لا يُغَيِّرُ المعنى، ومن هذا ما رواه سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ» فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ؟ فَقَالَ: لاَ، هَكَذَا قَالَهُ لَنَا الزُّهْرِيُّ: «يُنْتَبَذَ فِيهِ» (٣).\n\nوكان بعض الرُوَّاةِ شديدي الحرص على اللفظ الذي سمعوه، فَلاَ يُخَفِّفُونَ حَرْفًا ثَقِيلًا، وَلاَ يُثَقِّلُونَ حَرْفًا خَفِيفًا، ولا يبدلون حركات الحروف التي يسمعونها، بل يروونها كما سمعوها، وإن كان ذلك التغيير لا يبدل معناها، نحو (نَمَا - نَمَّى) في حديثه - ﷺ - «لَيْسَ الكَاذِبُ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًا» قال حماد: «سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: \" نَمَا خَيْرًا \" (خفيفة) وَقَالَ الآخَرُ: \" نَمَّى خَيْرًا \" (مثقلة)» (٤).\n_________\n(١) \" الكفاية \": ص ١٧٦.\n(٢) المرجع السابق: ص ١٧٧.\n(٣) \" الكفاية \": ص ١٧٨.\n(٤) المصدر السابق: ص ١٨٠، ١٨١.","vol":"1","page":128},{"text":"وبلغ من حرص بعض المحدثين على لفظ الحديث أنهم لم يكونوا يحدثون طلابهم إلا إذا كتبوا عنهم، إذ كانوا يكرهون أن يحفظوا عنهم، خَوْفًا من الوهم عليهم، من هذا ما يرويه الخطيب البغدادي بسنده عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: «لاَ وَاللَّهِ لاَ أُحَدِّثُكُمْ حَتَّى تَكْتُبُوهُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَكْذِبُوا عَلَيَّ - وَفِي رِوَايَةٍ -: أَخَافُ أَنْ تَغْلُطُوا عَلَيَّ» (١).\n\nومنه ما رواه الرامهرمزي بسنده عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: «أَتَيْتُ القَاسِمَ وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقُلْتُ: أَكْتُبُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لابْنِهِ: \" انْظُرْ فِي كِتَابِهِ، لاَ يَزِيدُ عَلَيَّ شَيْئًا \"، قُلْتُ: \" يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنِّي لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَكْذُبَ لَمْ آتِكَ \"، قَالَ: \" إِنِّي لَمْ أُرِدْ، إِنَّمَا أَرَدْتُ إِنْ أَسْقَطْتَ شَيْئًا يُعَدِّلْهُ لَكَ \"» (٢).\n\nوَكَانَ الأَعْمَشَ يَقُولُ: «كَانَ هَذَا الْعِلْمُ عِنْدَ أَقْوَامٍ، كَانَ أَحَدُهُمْ لأَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ وَاوًا، أَوْ أَلِفًا، أَوْ دَالًا ...» (٣).\n\nوَقَدْ أَدْرَكَ اِبْنُ عَوْنٍ ثَلاَثَةَ مِمَّنْ يَتَشَدَّدُونَ فِي رِوَايَةِ اَلحَدِيثِ عَلَى حُرُوفِهِ، وَهُمْ اَلْقَاسِمُ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالْحِجَازِ، وَمُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِين بِالبَصْرَةِ، وَرَجَاء بْنِ حَيْوَةَ بِالشَّامِ (٤)، وكان إبراهيم بن ميسرة وطاووس يحدثان الحديث على حروفه (٥)، وَكَانَ طَاوُسٌ يَعُدُّ الحَدِيثَ حَرْفًا حَرْفًا (٦). وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَوْلَهُ: «مُحَدِّثُو الحِجَازِ ابْنُ شِهَابٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ يَجِيئُونَ بِالحَدِيثِ عَلَى\n_________\n(١) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٠١: آ.\n(٢) \" المحدث الفاصل \": ص ١٢٨: آ.\n(٣) \" الكفاية \": ص ١٧٨.\n(٤) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ١٢٦: ب. و\" الكفاية \": ص ٢٠٥. و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٠٠: ب. و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٨٠ جـ ١.\n(٥) انظر \" الكفاية \": ص ٢٠٥.\n(٦) \" المحدث الفاصل \": ص ١٢٧: ب.","vol":"1","page":129},{"text":"وَجْهِهِ» (١)، وَكَانَ مَالِكُ بْنِ أَنَسٍ يَحْرِصُ عَلَى أَدَاءِ حَدِيثِ رَسُولِ اَللَّهِ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حُرُوفِهِ (٢).\n\nوإلى جانب هذه الأخبار ترى أخبارًا أخرى تدل على أن بعض الصحابة والتابعين رَوَوْا بعض الأحاديث بمعانيها، أو أنهم أجازوا إبدال كلمة بأخرى عند الضرورة، وكان أحدهم إذا اضطر إلى هذا أشار إلى أن ما يرويه ليس لفظه - ﷺ -. لذلك نرى بعض الصحابة يَتَوَرَّعُونَ كثيرًا عند ذكر حديث رسول الله - ﷺ - خشية الخطأ.\n\nوَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ إِذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «هَكَذَا أَوْ نَحْوًا مِنْ هَذَا، أَوْ قَرِيبًا مِنْ هَذَا، وَكَانَ يَرْتَعِدُ» (٣).\n\nوَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا فَرَعَ مِنَ الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «هَذَا أَوْ نَحْوِ هَذَا أَوْ شَكْلَهُ» وَقَدْ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِلاَّ هَكَذَا، فَكَشَكْلِهِ» (٤).\n\nوَقَالَ مُحَمَّدٌ بْنُ سِيرِينَ: «كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَلِيلَ الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَ: وَكَانَ مِمَّا إِذَا حَدَّثَ عَنْهُ قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ» (٥).\n_________\n(١) تقدمة \" الجرح والتعديل \": ص ٤٣.\n(٢) انظر \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٠٦: ب. و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٨١ جـ ١. و\" الكفاية \": ص١٨٨.\n(٣) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٠٧: آ. و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٢٩ جـ ١. و\" الكفاية \": ص ١٨٨.\n(٤) \" الكفاية \": ص ٢٠٥. و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٩ جـ ١.و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٢٠٧. وذكر ذلك زهير بن حرب عن أبي الدرداء في كتاب \"العلم \": ص ١٩١: ب.\n(٥) \" الكفاية \": ص ٢٠٥. و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٩ جـ ١.و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٢٠٧. وذكر ذلك زهير بن حرب عن أبي الدرداء في كتاب \"العلم \": ص ١٩١: ب.","vol":"1","page":130},{"text":"وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ اَلزُّبِيرِ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ - ﵂ - «يَا بُنَيَّ [إِنَّهُ] يَبْلُغُنِي أَنَّكَ تَكْتُبُ عَنِّي الحَدِيثَ ثُمَّ تَعُودُ فَتَكْتُبُهُ»، فَقُلْتُ لَهَا: «أَسْمَعُهُ مِنْكِ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْمَعُهُ عَلَى غَيْرِهِ». فَقَالَتْ: «هَلْ تَسْمَعُ فِي المَعْنَى خِلاَفًا؟»، قُلْتُ: «لاَ»، قَالَتْ: «لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ» (١). وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «رُبَّمَا سَمِعْتُ الحَدِيثَ عَنْ عَشَرَةٍ، كُلِّهِمْ يَخْتَلِفُ فِي اللَّفْظِ، وَالمَعْنَى وَاحِدٌ» (٢).\n\nقَالَ مَكْحُولٌ: \" دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو الأَزْهَرِ، عَلَى وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا الأَسْقَعِ حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ فِيهِ وَهْمٌ وَلا تَزَيُّدٌ وَلا نِسْيَانٌ قَالَ: «هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا؟ قَالَ: فَقُلْنَا: نَعَمْ، وَمَا نَحْنُ لَهُ بِحَافِظِينَ جِدًّا إِنَّا لَنُزِيدُ الوَاوَ وَالأَلِفَ وَنُنْقِصُ. قَالَ: فَهَذَا القُرْآنُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ لاَ تَأْلُونُ حِفْظًا وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تُزِيدُونَ وَتُنْقِصُونَ فَكَيْفَ بِأَحَادِيثَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ أَنْ لاَ نَكُونَ سَمِعْنَاهَا مِنْهُ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، حَسْبُكُمْ إِذَا حَدَّثْنَاكُمُ الحَدِيثَ عَلَى المَعْنَى» (٣).\n\nوَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: «لَقِيتُ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظِ، وَاجْتَمَعُوا فِي المَعْنَى» (٤).\n\nوَقَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: «سَمِعْتُ الحَسَنَ يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ: الأَصْلُ وَاحِدٌ وَالكَلاَمُ مُخْتَلِفٌ» (٥)، وَقَالَ عِمْرَانُ القَصِيرُ، عَنِ الحَسَنِ: قُلْتُ لَهُ (لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ):\n_________\n(١) \" الكفاية \": ص ٢٠٥.\n(٢) \" المحدث الفاصل \": ص ١٢٦: ب. و\" جامع بيان العلم \": ص ٧٩ جـ ١ و\" الكفاية \": ص ٢٠٥.\n(٣) \" الجامع لأخلاق الراوي \": ص ١٠٦ و\" تدريب الراوي \": ص ٣١٢. وموجزًا في كتاب \"العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩١: ب.\n(٤) \" المحدث الفاصل \": ص ١٢٥.\n(٥) \" الجامع لأخلاق الراوي \": ص ١٠٦: آ.","vol":"1","page":131},{"text":"\" إِنَّا نَسْمَعُ الحَدِيثَ، فَلاَ نَجِيءُ بِهِ عَلَى مَا سَمِعْنَاهُ قَالَ: «لَوْ كُنَّا لاَ نُحَدِّثُكُمْ إِلاَّ كَمَا سَمِعْنَاهُ مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِحَدِيثَيْنِ وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ حَلاَلُهُ وَحَرَامُهُ فَلاَ بَأْسَ» (١).\n\nورويت إجازة التحديث بالمعنى عن عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين، وعمرو بن دينار، وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي، وابن أبي نجيح، وعمرو بن مرة، وجعفر بن محمد بن علي، وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان (٢).\n\nوقد أدرك ابن عون ثلاثة مِمَّنْ يُرَخِّصُونَ في روايةالحديث على المعنى هم: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي (٣).\n\nونرى هؤلاء الذين رَوَوْا بعض الحديث على المعنى بقولهم بعد التحديث، «أَوْ كَمَا قَالَ»، «أَوْ نَحْوِ هَذَا»، ومنهم من كان لا يبيح لمن يسمع أن يكتب عنه الحديث حتى لا يظن أن ما رواه لَفْظَ الرَّسُولِ - ﷺ -، فكان عمرو بن دينار يحدث على المعنى ويقول: «أُحَرِّجُ عَلَى مَنْ يَكْتُبُ عَنِّي» (٤).\n\nوَلاَ بُدَّ من أن نقرر أن من أباح رواية الحديث على المعنى أباحها بشروط، ولم يطلق هذا لأي إنسان، وأجازوا ذلك للضرورة، كأن يند اللفظ عن الذاكرة، أو يغيب لفظ الحديث عن المحدث عند الحاجة إلى روايته فيرويه بالمعنى، والضرورة تقدر بقدرها. قال الإمام الشافعي في صفات الراوي: «أنْ يَكُونَ مَنْ حَدَّثَ بِهِ ثِقَةً فِي دِينِهِ، مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ فِي حَدِيثِهِ، عَاقِلًا لِمَا يُحَدِّثُ\n_________\n(١) \" الجامع لأخلاق الراوي \": ص ١٠٦: آ.\n(٢) انظر المرجع السابق: ص ١٠٦.\n(٣) \" المحدث الفاصل \": ص ١٢٦: ب. و\" جامع بيان العلم \": ص ٨٠ جـ ١، \" الكفاية \": ص ٢٠٥.\n(٤) \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٠٧ جـ ١.","vol":"1","page":132},{"text":"بِهِ، عَالِمًا بِمَا يُحِيلُ مَعانِيَ الحَدِيثِ مِنَ اللَّفظِ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ يُؤَدِّي الحَدِيثَ بِحُرُوفِهِ، كَمَا سَمِعَهُ، لاَ يُحَدِّثُ بِهِ عَلَى المَعْنَى؛ لأنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِهِ عَلَى المَعْنَى، وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ، لَمْ يَدْرِ لَعَلَّهُ يُحِيلُ الحَلاَلَ إِلَى الحَرَامِ. وَإِذَا أَدَّاهُ بِحُرُوفِهِ فَلَمْ يَبْقَ وَجْهٌ يُخَافُ فِيهِ إِحَالَتُهُ الحَدِيثَ ...» (١).\n\nقَالَ الرَّامَهُرْمُزِي: «وَقَدْ دَلَّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي صِفَةِ المُحَدِّثِ مَعَ رِعَايَةِ اتِّبَاعِ اللَّفْظِ عَلَى أَنَّهُ يَسُوغُ لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يَأْتِيَ بِالمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، إِذَا كَانَ عَالِمًا بِلُغَاتِ العَرَبِ وَوُجُوهِ خِطَابِهَا، بَصِيرًا بِالمَعَانِي وَالفِقْهِ، عَالِمًا بِمَا يُحِيلُ المَعْنَى وَمَا لاَ يُحِيلُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ جَازَ لَهُ نَقْلُ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يَحْتَرِزُ بِالفَهْمِ عَنْ تَغْييرِ المَعَانِي وَإِزَالَةِ أَحْكَامِهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ أَدَاءُ اللَّفْظِ لَهُ لاَزِمًا، وَالعُدُولُ عَنْ هَيْئَةِ مَا يَسْمَعُهُ عَلَيْهِ مَحْظُورًا، وَإِلَى هَذَا رَأَيْتُ الفُقَهَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْهَبُونَ. [وَمِنَ الحُجَّةِ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا المَذْهَبِ] (*) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَصَّ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ قَصَصًا، كَرَّرَ ذِكْرَ بَعْضِهَا فِي مَوَاضِعَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَنَقَلَهَا مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ إِلَى اللِّسَانِ العَرَبِيِّ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهَا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالحَذْفِ وَالإِلْغَاءِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ» (٢).\n\nولم يكن الصحابة والتابعون بِدَعًا في رواية بعض الأحاديث بمعناها، بل وجدوا دليل الجواز في منهج القرآن الكريم - كما ذكر الرامهرمزي - وفي سُنَّةِ رسول الله - ﷺ -، فقد كان يرسل سفراءه ورسله فينقلون رسائله\n_________\n(١) \" الرسالة \": ص ٣٧٠، ٣٧١، الفقرة ١٠٠١ وانظر فيما يتعلق بالرواية على المعنى الفقرات: ٧٤٤، ٧٥٧، ١٠١٣ - ١٠١٥ و١٠٣٦ - ١٠٤٢ من \" الرسالة \". ونقل الرامهرمزي قول الشافعي في \" المحدث الفاصل \": ص ٧٩: ب وص ١٢٨: آ، وانظر أَيْضًا \" معرفة السنن والآثار \" للبيهقي: ص ٩ جـ ١.\n(٢) \" المحدث الفاصل \":ص ١٢٤: ب.\n\n---------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) هكذا ورد في \" المحدث الفاصل \" للرامهرمزي، تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، ص ٥٣٠، الفقرة رقم ٦٨١، الطبعة الأولى: بيروت ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م، نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت.","vol":"1","page":133},{"text":"ويترجمونها إلى غير العربية، فإباحة ترجمة الحديث إلى لغة ثانية دليل على إباحة نقله بنفس اللغة على معناه، بلفظ عربي هو أقرب إلى لفظ الرسول - ﷺ - من ألفاظ اللغة الأجنبية (١)، بل هذا أولى بأن يكون مُبَاحًا.\n\nوللذين كرهوا الرواية على المعنى أدلة منها حديث «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ»، وَمَا رَوَاهُ البَرَاءُ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَرَاءُ كَيْفَ تَقُولُ إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ طَاهِرًا، فَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، فَقُلْتُ كَمَا عَلَّمَنِي غَيْرَ أَنِّي قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي: «وَ(بِنَبِيِّكَ)، فَمَنْ قَالَهَا مِنْ لَيْلَتِهِ ثُمَّ مَاتَ، مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ» (٢).\n\nوقد أطال بعض العلماء القول في أدلة كل من المجيزين للرواية على المعنى والمانعين لها (٣). وأجمع العلماء كلهم على أنه لا يجوز للجاهل بمعنى ما ينقل أن يروي الحديث على المعنى. ومن أجاز هذه الرواية إنما أجازها للعالم بشروط، قَالَ المَاوَرْدِيُّ: «إِنْ نَسِيَ اللَّفْظَ جَازَ، لأَنَّهُ تَحَمَّلَ اللَّفْظَ وَالمَعْنَى، وَعَجَزَ عَنْ أَدَاءِ\n_________\n(١) انظر \" الكفاية \": ص ٢٠٣.\n(٢) \" الكفاية \": ص ١٧٥. و\" المحدث الفاصل \": ص ١٢٥: آ.\n(٣) تكلم الخطيب البغدادي في الرواية على المعنى واللفظ وذكر الأدلة في ذلك، راجع \" الكفاية \": ص ١٩٨ - ٢٠٣ وتكلم العراقي حول الرواية بالمعنى، انظر \" فتح المغيث \": ص ٤٨ جـ ٣ وما بعدها، وكذلك السيوطي في \" تدريب الراوي \": انظر ص ٣١١ وما بعدها. وكذلك الحافظ ابن كثير، انظر \" الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث \": ص ١٥٧ وما بعدها، وَفَصَّلَ الشيخ طاهر الجزائري أقوال العلماء وأدلتهم في \" توجيه النظر \": ص ٢٩٨ - ٣١٤ وهو خير من استوفى هذا البحث من المتأخرين.","vol":"1","page":134},{"text":"أَحَدِهِمَا فَيَلْزَمُهُ أَدَاءُ الآخَرِ، لاَ سِيَّمَا أَنَّ تَرْكَهُ قَدْ يَكُونُ كَتْمًا لِلأَحْكَامِ، فَإِنْ لَمْ يَنْسَهْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُورِدَهُ بِغَيْرِهِ، لأَنَّ فِي كَلاَمِهِ - ﷺ - مِنَ الْفَصَاحَةِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ» (١). وقال السيوطي: «وَلاَ شَكَّ فِي اشْتِرَاطِ أَنْ لاَ يَكُونَ مِمَّا تَعَبَّدَ بِلَفْظِهِ ... وَعِنْدِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ» (٢).\n\nبعد هذا يمكننا أن نحكم أن رواية الحديث بالمعنى كانت للضرورة، وكانت بقدر وخاصة بعد أن عرفنا ورع الصحابة والتابعين، ودقتهم في رواية الأخبار، وتحفظهم وتثبتهم مما يَرْوُونَ أو يسمعون، وهذا يُرَجِّحُ عندي أن الرواية بالمعنى إن وقعت تاريخيًا من بعض الصحابة، فإنما كانت بألفاظ قريبة جِدًّا من ألفاظه - ﷺ -، لأنهم رَأَوْا رَسُولَ اللهِ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وسمعوا منه وتخرجوا بحلقاته، واستضاءت قلوبهم بتوجيهه وعنايته، وكانوا على جانب عظيم من البيان والفصاحة، وهم أعلم الأُمَّةِ بلغة العرب، لم يتسرب إلى كلامهم اللحن، ولم يغير سليقتهم ولسانهم امتزاج الأمم والشعوب.\n\nوَيُقَوِّي عندي أن معظم ما رواه الصحابة والتابعون كان بلفظ الرَّسُولِ - ﷺ - أن بعضهم كان يكتب الحديث بين يدي النبي الكريم، وكانوا يعقدون الحلقات يتذاكرون فيها ما يسمعونه منه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، ويصحح بعضهم أخطاء بعض، وإذا شكوا في أمر أو أشكل عليهم شيء رجعوا إلى النبي الأمين - ﷺ -، وكان أكثر الرواة من التابعين يكتبون ما يسمعون من الصحابة ويحفظونه، فمنهم من يذاكر الحديث حتى إذا ما وعاه صدره محاه، ومنهم من يحفظه ويحتفظ بصحفه وألواحه، ومنهم من حرص\n_________\n(١) \" تدريب الراوي \": ص ٣١٣.\n(٢) المرجع السابق: ص ٣١٤.","vol":"1","page":135},{"text":"على كتابة الحديث وجمعه في كراريس أو في مصنف كالمصحف (١).\n\nوأما من كان لا يكتب من التابعين وأتباعهم فقد حرص على حفظ الحديث في صدره، وكانوا يتذاكرون الأحاديث بين آونة وأخرى، ويرحلون من بلد إلى آخر ليسمعوا من الصحابة - ﵃ -، أو ليتأكدوا من صحة ما سمعوه عن [رَسُولِ] اللهِ - ﷺ -، فيفهموا معناه ويضبطوا حروفه وألفاظه.\n\nويزيدنا ثقة بأن جل ما رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كان بلفظه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، تلك الحوافظ التي وهبها الله - ﷿ - لِحَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ، وَرُوَاةُ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعهمْ، فيروي لنا التاريخ ما كان يحفظه أبو هريرة وغيره، وإن المرء ليعجب عندما يطلع على أخبار صحيحة، تذكر تلك الحوافظ العظيمة التي حملت إلينا السُنَّةَ كذاكرة عبد الله بن عباس الذي اشتهر بسرعة حفظه، حتى إنه كان يحفظ الحديث من مرة واحدة، وَيُرْوَى أنه سمع قصيدة لابن أبي ربيعة عدتها ثمانون بَيْتًا فحفظها من المرة الأولى، وفي الصحابة أمثاله كزيد بن ثابت الذي حفظ معظم القرآن قبل بلوغه، وتعلم لغة اليهود في سبعة عشر يومًا، وفيهم عائشة أم المؤمنين التي كانت آية من آيات الذكاء والحفظ وغير هؤلاء.\n\nوفي التابعين نافع مولى عبد الله بن عمر الذي لم يخطئ فيما حفظ، وأجمع النُقَّادُ على دقة حفظه، وفيهم ابن شهاب الزُّهْرِي حافظ زمانه، وعامر الشعبي ديوان عصره، وقتادة بن دعامة السدوسي مضرب المثل في سرعة الحفظ والضبط والإتقان.\n\nفإذا طالعنا ما اختلف فيه الرواة من حيث اللفظ، مما تعددت طرقه وجدنا\n_________\n(١) تعرضت لهذا في الباب الرابع من هذا الكتاب، وفصلت القول فيه.","vol":"1","page":136},{"text":"معظمه مما كان أخبارًا عن عمل من أعماله - ﷺ -، أو تبليغًا لحكم واقعة شاهدوها بأعينهم، فنراهم يقولون: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِكَذَا»، و«نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ كَذَا»، والمعنى في كل هذا واحد، وهذا طبيعي لا يدخل الريب في مروياتهم، لاختلافهم في صيغ الأداء، لأن كل رَاوٍ عَبَّرَ عما شاهده بلفظه، ومن النادر أن نرى اختلافًا فيما نقلوه إلينا من جوامع الكلم، أو مما يتعبد بلفظه، كصيغ الأذان والإقامة والدعاء والتشهد وغير ذلك.\n\nوليس جميع ما نقل إلينا مما اختلف لفظه بسبب الرواية بالمعنى، فجله يعود إلى تعدد مجالس الرَّسُولِ - ﷺ - وكثرتها، فقد يتناول موضوعًا وَاحِدًا في مناسبات مختلفة، ويجيب السائلين بما يتناسب مع مداركهم، وقد يستفتيه أكثر من واحد في واقعة واحدة، فيفتي كل واحد بما يكفيه وَيُرْوِي غليله، بألفاظ مختلفة، وعبارات متفاوتة، تؤدي الغاية المقصودة، وما روي بالمعنى مع هذا لا يكاد يخفى على أهل هذا العلم، لكثرة دراستهم حديث الرَّسُولِ - ﷺ -، وللأمانة العلمية التي كان عليها الرواة، فكانوا مَثَلًا رَائِعًا في الضبط والدقة والإتقان، يتبعون بعض ما يَرْوُونَهُ بعبارة تفيد احتياطهم فيما نقلوه، وَيُنَبِّهُونَ في أثناء سياق الحديث على موضع السهو أو الظن، وكانوا يحرصون دائمًا على نقل اللفظ النبوي كما صدر عنه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.\n\nبعد هذا لا نرى داعيًا للتهويل الذي يثيره بعض الكُتَّابِ وبعض المغرضين حول رواية بعض الأحاديث بالمعنى، ولا وجه لإثارة خلاف أصبح طَيَّ التاريخ، وكان معظم ما ذهب إليه العلماء من إباحة رواية الحديث بالمعنى وعدم روايته خِلاَفًا عَقْلِيًّا نَظَرِيًّا، وإن وقع تَارِيخِيًّا فإنما وقع في الصدر الأول وبقدر","vol":"1","page":137},{"text":"لا ضرر منه، لذلك نرى أنه من العبث إثارة مثل هذا الموضوع - الذي انصرم أوانه - وتشكيك الأُمَّةِ في حديث رسولها الأمين، وليس هناك أي مسوغ لإدخال الريب في النفوس، بعد أن أجمعت الأُمَّةُ على قبول الكتب الصحاح، وعلى أنها حديث رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، الذي نُقِلَ إلينا بأسلم الطرق العلمية، على أيدي خيار علماء الأُمَّةِ من الصحابة والتابعين ومن تبعهم.\n\nوقد تناول (أَبُو رَيَّةَ) في كتابه \" أضواء على السنة المحمدية \" هذا البحث، إلا أنه أحاط الموضوع بهالة، تُوهِمُ من لا خبرة له بأن معظم الحديث النبوي قَدْ رُوِيَ بألفاظ الرواة (١)، وَجَسَّمَ خطر الرواية بالمعنى، بما لا يتفق والواقع التاريخي، وتحدث عن بعض الخلاف العقلي النظري على أنه مما وقع بالفعل، وَرَتَّبَ على جواز الرواية بالمعنى نتائج، إن صح ترتبها على رواية غير الحديث بالمعنى. لا يمكن أن تنتج عن رواية الحديث\n_________\n(١) افتتح أَبُو رَيَّةَ موضوعه فقال: «يحسب الذين لا خبرة لهم بالعلم، ولا علم عندهم بالخبرة أن أحاديث الرسول التي يقرؤنها في الكتب، أو يسمعونها ممن يتحدثون بها، قد جاءت صحيحة المبنى مُحْكَمَةَ التأليف، وأن ألفاظها قد وصلت إلى الرواة مصونة كما نطق النبي بها، بلا تحريف ولا تبديل، وكذلك يحسبون أن الصحابة ومن جاء بعدهم، ممن حملوا عنهم إلى زمن التدوين، قد نقلوا هذه الأحاديث بنصها كما سمعوها، وأدوها على وجهها كما لقنوها، فلم ينلها تغير ولا اعتراها تبديل، ومما وقر في أذهان الناس أن هؤلاء الرواة قد كانوا جَمِيعًا صِنْفًا خَاصًّا بين بني آدم في جودة الحفظ وكمال الضبط وسلامة الذاكرة ... ولقد كان ولا جرم لهذا الفهم أثر بالغ في أفكار شيوخ الدين - إلا من عصم ربك - فاعتقدوا أن هذه الأحاديث في منزلة آيات الكتاب العزيز، من وجوب التسليم بها، وفرض الإذعان لأحكامها، بحيث يأثم أو يَرْتَدُّ أو يفسق من خالفها، ويستتاب من أنكرها أو شك فيها». انظر \" أضواء على السنة المحمدية \": ص ٥٤. ولا مجال للرد على فريته هذه هنا، وستظهر لنا عناية النُقَّادِ والرواة وضبطهم في الفصول التالية من هذا الكتاب.","vol":"1","page":138},{"text":"فضلًا عن أنها لم تترتب من جراء رواية بعض الأحاديث بمعناها، لما عرفنا ما في الأمر أن بعض الأحاديث رويت بمعناها، ولم ينتج عن ذلك خطر على الدين ولا غاب ذلك عن المسلمين.\n\nونحن لا نشك أن الرواية بالمعنى قد تُوقِعُ فِي الخَطَأِ، ولكن هذا الخطأ - إذا وقع - لَمْ يَخْفَ عَلَى عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، فلا وجه لذلك التهويل والإيهام، لأن النُقَّادَ والعلماء اعتنوا عناية عظيمة بحفظ الحديث وروايته، وأشاروا إلى كل كبيرة وصغيرة وَرَوَوْا أكثر الأحاديث من طرق عدة تنفي الشك وتطرح الخبث، فما الداعي - بعد هذا - لأن يثير (أَبُو رَيَّةَ) شبهة حول الحديث وروايته؟\n\nعلى أنه لم يكتف بذكر اختلاف السابقين في الرواية وذكر أقوالهم، بل حاول أن يثبت أن جميع ما رُوِيَ مُخْتَلِفًا لَفْظُهُ إنما كان نتيجة لرواية الحديث بالمعنى، وساق شواهد على هذا، فذكر اختلاف صيغ التشهد، واستطرد وخرج عن الموضوع، ثم ذكر «حَدِيثَ الإِسْلاَمِ وَالإِيمَانِ» وحديث «زَوَّجْتُكهَا بِمَا مَعَك [مِنْ الْقُرْآن]» وغير ذلك، وما من شيء استشهد به إلا وللعلماء قول فيه.\n\nوقد رَدَّ على (أَبُو رَيَّةَ) العَلاَّمَة المعاصر (عبد الرحمن بن يحيى المُعَلَّمِي اليَمَانِي) رَدًّا مُفَصَّلًا (١) يكفي أن استشهد بفقرة واحدة منه.\n_________\n(١) في كتابه \" الأنوار الكاشفة \" الذي وضعه رَدًّا على كتاب أبي رية \" أضواء على السنة \". انظر ص ٨٢ - ٨٨ وانظر \" ظلمات أبي رية \" لمحمد عبد الرزاق حمزة: ص ٦٨ - ٩٩.","vol":"1","page":139},{"text":"قال العَلاَّمة اليماني: «قَالَ - أَبُو رَيَّةَ - (ص ٦٠): (صِيَغُ [اَلتَّشَهُدَاتِ])، وَذَكَرَ اِخْتِلاَفهَا (١). أَقُولُ: يَتَوَهَّمُ أَبُو رَيَّةَ - أَوْ يُوهِمُ - أَنَّ اَلنَّبِيَّ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا عَلَّمَهُمْ تَشَهُّدًا وَاحِدًا، وَلَكِنَّهُمْ أَوْ بَعْضهمْ لَمْ يَحْفَظُوهُ، فَأَتَوْا بِأَلْفَاظٍ مِنْ عِنْدِهِمْ مَعَ نِسْبَتِهَا إِلَى اَلنَّبِيِّ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا، فَإِنَّ اَلتَّشَهُّدَ يُكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةٍ عَلَى الأَقَلِّ فِي الفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ، وَكَانَ اَلنَّبِيُّ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَفِّظُ أَحَدَهُمْ حَتَّى يَحْفَظَ، وَقَدْ كَانَ اَلنَّبِيُّ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْرِئُ اَلرَّجُلَيْنِ اَلسُّورَةَ الوَاحِدَةَ هَذَا بِحَرْفٍ وَهَذَا بِآخَرَ. فَكَذَلِكَ عَلَّمَهُمْ مُقَدِّمَةْ اَلتَّشَهُّدِ بِأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ، هَذَا بِلَفْظٍ وَهَذَا بِآخَرَ، وَلِهَذَا أَجْمَعَ أَهْلُ اَلعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ اَلتَّشَهُّدِ بِكُلِّ مَا صَحَّ عَنْ اَلنَّبِيِّ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَّا ذِكْرُ عُمَرَ اَلتَّشَهُّدَ عَلَى اَلمِنْبَرِ، وَسُكُوتِ اَلحَاضِرِينَ فَإِنَّمَا وَجْهَهُ المَعْقُولَ تَسْلِيمِهمْ أَنَّ اَلتَّشَهُّدَ اَلَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيحٌ مُجْزِئٌ. وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَقْرَأُ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا القُرْآنَ وَلاَ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَحَدٌ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ تَلَقَّوْا عَنْ اَلنَّبِيِّ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَرْفٍ غَيْرَ الحَرْفَ الذِي تَلَقَّى بِهِ عُمَرُ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. وَمِنْ الجَائِزِ أَنْ يَكُونُوا - أَوْ بَعْضُهُمْ - لَمْ يَعْرِفُوا اللَّفْظ الّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ، وَلَكِنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّ اَلنَّبِيَّ - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَعُمَرُ عِنْدَهُمْ ثِقَةٌ» (٢).\n_________\n(١) بعد أن ذكر أَبُو رَيَّةَ صيغ التشهد عن الصحابة (ص ٦٠ - ٦٢) قال: «هذه تشهدات ثمانية وردت عن الصحابة، وقد اختلفت ألفاظها، ولو أنها كانت من الأحاديث القولية التي رويت بالمعنى لقلنا عسى!، ولكنها من الأعمال المتواترة التي كان يؤديها كل صحابي مرات كثيرة كل يوم، وهم يعدون بعشرات الآلاف، ومما يلفت النظر أن كل صاحب تشهد يقول: إن الرسول كان يعلمه التشهد كما يعلمهم القرآن، وأن تشهد عمر قد ألقاه من فوق منبر رسول الله والصحابة جَمِيعًا يسمعون، فلم ينكر عليه أحد منهم ما قال، كما ذكر مالك في \" الموطأ \"». اهـ. انظر \" أضواء على السنة \": ص ٦٣، إنه يريد أن يشككنا حتى فيما نتعبد به وفيما ثبت متواترًا، والرد على أَبِي رَيَّةَ وعلى دعواه في طي عبارته، فلو تجرد وانطلق إلى أفق أوسع من أفقه ما استغرب تعدد هذه الصيغ ولا فتح على المسلمين باب الشك والريبة ولا شكك في الصحابة حفظة الشريعة وَحُرَّاسِهَا.\n(٢) \" الأنوار الكاشفة \": ص ٨٣.","vol":"1","page":140},{"text":"وأرى أن نستكمل بحثنا هذا بما ذهب إليه أئمة اللغة العربية، الذين أجازوا الاستشهاد بالحديث النبوي لإثبات قواعد النحو.\n\nقال عبد القادر البغدادي صاحب \" خزانة الأدب \": «وَأَمَّا الاِسْتِدْلاَلُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ فَقَدْ جَوَّزَهُ اِبْنُ مَالِكٍ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ المُحَقِّقُ (اَلرَّضِيُّ) فِي ذَلِكَ، وَزَادَ عَلَيْهِ بِالاحْتِجَاجِ بِكَلاَمِ أَهْلِ البَيْتِ - ﵃ - وَقَدْ مَنَعَهُ اِبْن اَلضَّائِعِ وَأَبُو حَيَّانِ وَسَنَدَهُمَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ اَلأَحَادِيثَ لَمْ تُنْقَلْ كَمَا سُمِعَتْ مِنْ اَلنَّبِيِّ - ﷺ - وَإِنَّمَا رُوِيَتْ بِالمَعْنَى.\nوَثَانِيهمَا أَنَّ أَئِمَّة النَّحْوِ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المَصْرِيِّينَ لَمْ يَحْتَجُّوا بِشَيْء مِنْهَا.\n\nوَرَدَّ اَلأَوَّل - عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ - بِأَنَّ اَلنَّقْلَ بِالمَعْنَى إِنَّمَا كَانَ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ قَبْلَ تَدْوِينَه فِي الكُتُبِ وَقَبْلَ فَسَادِ اَللُّغَةِ، وَغَايَتِهِ تَبْدِيلَ لَفَظٍ بِلَفْظٍ يَصِحُّ اَلاحْتِجَاجُ بِهِ فَلاَ فَرْقَ، عَلَى أَنَّ اليَقِينَ غَيْرَ شَرْطٍ بَلْ الظَّنُّ كَافٍ. وَرَدَّ اَلثَّانِي بِأَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اِسْتِدْلَالِهِمْ بِالحَدِيثِ عَدَمَ صِحَّةِ الاسْتِدْلاَلِ بِهِ.\nوَالصَّوَابُ جَوَازُ الاِحْتِجَاجِ بِالحَدِيثِ لِلْنَّحْوِيِّ فِي ضَبْطِ أَلْفَاظِهِ وَيَلْحَقُ بِهِ مَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ البَيْتِ كَمَا صَنَعَ الشَّارِحُ المُحَقِّقُ». اهـ.\n\nثُمَّ قَالَ نَقْلًا عَنْ الدَّمَامِينِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ لاَ يَحْتَجُّ بِالحَدِيثِ فِي اللُّغَةِ: «وَقَدْ رَدَّ هَذَا المَذْهَب الذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ البَدْرُ الدَّمَامِينِيِّ فِي \" شَرْحِ التَّسْهِيلِ \" - وَلِلَّهِ دَرُّهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَجَادَ فِي الرَّدِّ - قَالَ: وَقَدْ أَكْثَرَ اَلْمُصَنَّفُ مِنْ الاسْتِدْلاَلِ بِالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَشَنَّعَ أَبُو حَيَّان عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ مَا اِسْتَنَدَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِك","vol":"1","page":141},{"text":"لاَ يَتِمُّ لَهُ، لِتَطَرُّقِ اِحْتِمَالِ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى فَلاَ يُوثَقُ بِأَنَّ ذَلِكَ المُحْتَجَّ بِهِ لَفْظُهُ - عَلَيْهِ اَلصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - حَتَّى تَقُومَ بِهِ الحُجَّةُ وَقَدْ أَجْرَيْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا فَصَوَّبَ رَأْي اِبْنِ مَالِكٍ فِيمَا فَعَلَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اليَقِينَ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ فِي هَذَا البَابِ، وَإِنَّمَا المَطْلُوبُ غَلَبَةُ الظَنِّ الذِي هُوَ مَنَاطُ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَكَذَا مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ مِنْ نَقْلِ مُفْرَدَاتِ الأَلْفَاظِ وَقَوَانِينِ الإِعْرَابِ، فَالظَّنُّ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ كَافٍ وَلاَ يَخْفَى أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى اَلظَّنِّ أَنَّ ذَلِكَ المَنْقُولَ المُحْتَجِّ بِهِ لَمْ يُبَدَّلْ، لأَنَّ اَلأَصْلَ عَدَمُ اَلتَّبْدِيلِ، لاَ سِيَّمَا وَالتَّشْدِيدُ فِي اَلضَّبْطِ وَالتَّحَرِّي فِي نَقْلِ اَلأَحَادِيثِ شَائِعٌ بَيْنَ اَلنَّقْلَةِ وَالمُحْدَثِينَ. وَمَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ بِجَوَازِ النَّقْلِ بِالمَعْنَى فَإِنَّمَا هُوَ عِنْده بِمَعْنى التجويز العقلِيِّ الَّذِي لاَ يُنَافِي وُقُوعَ نقيضه فَلذَلِك تراهم يَتَحَرَّوْنَ فِي الضَّبْطِ وَيَتَشَدَّدُونَ مَعَ قَوْلِهِمْ بِجَوَازِ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى، فيغلب عَلَى الظَّنِّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهَا لَمْ تُبَدَّلْ وَيَكُونُ احْتِمَالُ التَّبْدِيلِ فِيهَا مَرْجُوحًا فيلغى وَلاَ يقْدَح فِي صِحَة الاسْتِدْلاَل بهَا.\n\nثمَّ إِن الْخلاف فِي جَوَاز النَّقْل بِالْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لم يُدَوَّنْ وَلاَ كتب وَأما مَا دُوِّنَ وَحَصَلَ فِي بُطُونِ الكُتُبِ فَلاَ يَجُوزُ تَبْدِيلُ أَلْفَاظه من غير خلاف بَينهم قَالَ ابْن الصَّلاَحِ بعد أَن ذكر اخْتلاَفهمْ فِي نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى إِنَّ هَذَا الْخلاف لاَ نرَاهُ جَارِيًا وَلاَ أجراه النَّاسُ فِيمَا نَعْلَمُ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ بُطُونُ الكُتُبِ فَلَيْسَ لأحد أَن يُغَيِّرَ لَفْظَ شَيْءٍ مِنْ كِتَابٍ مُصَنَّفٍ وَيُثْبِتَ فِيهِ لَفْظًا آخَرَ». اهـ.\n\n«وَتَدْوِينُ الأَحَادِيثِ وَالأَخْبَارِ - بَلْ تَدْوِينُ (١) كَثِيرٍ مِنَ المَرْوِيَّاتِ - وَقَعَ\n_________\n(١) في الأصل (بل وكثير) فحذفنا الواو لأنه لا يجتمع حرفا عطف مَعًا وأضفنا كلمة (تدوين) تحريرًا للعبارة.","vol":"1","page":142},{"text":"فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ قَبْلَ فَسَادِ اللُّغَةِ العَرَبيَّةِ حِينَ كَانَ كَلاَمُ أُولَئِكَ المُبَدِّلِينَ - عَلَى تَقْدِيرِ تَبْدِيلِهِمْ - يَسُوغُ الاحْتِجَاجُ بِهِ، وَغَايَتُهُ يَوْمئِذٍ تَبْدِيلُ لَفْظٍ بِلَفْظٍ يَِصِحُّ الاحْتِجَاجُ بِهِ، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الجَمِيعِ فِي صِحَةِ الاسْتِدْلاَلِ ثمَّ دُونَ ذَلِكَ المُبَدَّلِ - عَلَى تَقْدِيرِ التَّبْدِيلِ - وَمَنَعَ مِنْ تَغْيِيرِهِ وَنَقْلِهِ بِالمَعْنَى، كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ فَبَقيَ حُجَّةً فِي بَابِهِ، وَلاَ يَضُرُّ تَوَهُّمَ ذَلِكَ السَّابِقِ فِي شَيْء مِنْ اسْتِدْلاَلِهِمْ المُتَأَخِّرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ» (١).\n_________\n(١) \" خزانة الأدب \": ص ٤ - ٧ جـ ١.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الفَصْلُ الثَّانِي: وَفِيهِ ثَلاَثَةُ مَبَاحِثَ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المَبْحَثُ الأَوَّلُ: النَّشَاطُ العِلْمِيُّ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:</span>\nشعر الصحابة بالتبعة الملقاة على عاتقهم لحفظ الشريعة وتطبيقها، فسارعوا إلى صيانة مصادرها الأولى خشية ضياع القرآن الكريم من صدور القُرَّاءِ (الحُفَّاظ)، إثر حروب الردة، ومن ثم جمعوه في مصحف على عهد الصِدِّيقِ، وخافوا عاقبة الاختلاف في القراءات في الأمصار المختلفة، فنسخوه في مصاحف وُزِّعَتْ على الأقاليم الإسلامية في عهد عثمان - ﵁ - وكانوا في أحكامهم يرجعون إلى الكتاب الكريم ثم إلى السُنَّةِ، يسألون عن حكم مأثور عن الرسول فيما يَجِدُّ لهم من قضايا، فإذا ما ثبت عندهم شيء عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تسمكوا به وطبقوه، وقد ذكرت طريقة اجتهادهم فيما سبق.\n\nوقد وجد الصحابة ضرورة تلح لحفظ السُنَّةِ، فحاول الصِدِّيقُ ثُمَّ الفَارُوقُ حفظها كتابة - وما منعهم من ذلك إلا حرصهم على القرآن وَالسُنَّةِ كما سيتبين لنا هذا في بحث تدوين السُنَّةِ - فما كان منهم إلا أن أَكَبُّوا على دراستها والسؤال عنها، والبحث عن الحديث عند حفاظه، ويكفينا مثالًا لهذا ما كان يفعله ابن عباس بعد وفاة رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فقد روى عِكْرِمَةُ [عَنْ] ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّهُمُ اليَوْمَ كَثِيرٌ، قَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْكَ، وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ فِيهِمْ؟ قَالَ: فَتَرَكَ ذَاكَ، وَأَقْبَلْتُ أَنَا أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحَدِيثِ، فَإِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِيَ الحَدِيثُ عَنِ","vol":"1","page":144},{"text":"الرَّجُلِ، فَآتِي بَابَهُ، وَهُوَ قَائِلٌ (١)، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ تُسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ؛ فَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: \" يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكَ؟ أَلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ؟ \" فَأَقُولُ: \" أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ \"، فَأَسْأَلُهُ عَنِ الحَدِيثِ» (٢).\n\nوكانت رغبة الصحابة في سماع حديث رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عظيمة، وهل أحب إلى المرء من أن يسمع حكم مُرَبِّيهِ وأحكامه وتشريعاته؟ وهل من شيء أعز على المسلم من أن يُحْيِي آثار منقذه من الضلال ورائده إلى الخير؟ لقد كان الصحابة مندفعين بإخلاص إلى سماع حوادث رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وسيرته وحديثه، فهذا أبو بكر الصِدِّيقُ يقف عند عازب والد البراء فيشتري منه رَحْلًا وهو للناقة كالسرج للفرس، ثم يقول له: «مُرْ البَرَاءَ فَلْيَحْمِلْهُ إِلَى مَنْزِلِي، فَقَالَ: لاَ، حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَنْتَ مَعَهُ؟»، فقص عليه خبر الهجرة (٣).\n\nوهذا عَلِيٌّ أمير المؤمنين يَلْتَقِي بكَعْبِ الأَحْبَارِ فَيَقُولُ لَهُ كَعْبٌ: \" يَا عَلِيُّ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي المُنْجِيَاتِ؟ \" قَالَ: \" لاَ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي المُوبِقَاتِ \"، فَقَالَ كَعْبٌ لِعَلِيٍّ: \" حَدِّثْنِي بِالمُوبِقَاتِ، حَتَّى أُحَدِّثَكَ بِالْمُنْجِيَاتِ \" فَقَالَ عَلِيٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «المُوبِقَاتُ: تَرْكُ السُّنَّةِ، وَنَكْثُ البَيْعَةِ، وَفِرَاقُ الْجَمَاعَةِ» فَقَالَ كَعْبٌ لِعَلِيٍّ: \" الْمُنْجِيَاتُ: كَفُّ لِسَانِكَ، وَجُلُوسٌ فِي بَيْتِكَ، وَبُكَاؤُكَ عَلَى خَطِيئَتِكَ \" (٤).\n_________\n(١) أي هو في نوم الظهيرة من القيلولة والقائلة.\n(٢) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٢٤: آ، وانظر ص ٢٤: ب منه و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٣٨ جـ ١.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٥٤ - ١٥٦ جـ ١ وانظر \" فتح الباري \": ص ٤٣٥ جـ ٧.\n(٤) \" المحدث الفاصل \": ص ١٤٩: آ.","vol":"1","page":145},{"text":"وقد روى بعض الصحابة عن بعض كثيرًا سواء في حياته - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أو بعد وفاته، من ذلك رواية الفاروق عمر عن الصِدِّيقِ - ﵄ - عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حديث «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» وهو حديث صحيح أخرجه \" مسلم \"، ومنها رواية عُثْمَانَ - ﵁ - عَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لاَ يَقُولُهَا عَبْدٌ حَقًّا إِلاَّ حُرِّمَ عَلَى النَّارِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ» أخرجه مسلم في \" صحيحه \"، ورواية أبي بكر عَنْ بِلاَلٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا بِلاَلُ أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ». ورواية عبد الرحمن بن عوف عن الفاروق - ﵄ - قَالَ: «رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ». وما رواه بجالة بن عبدة قال: «كُنْت كَاتِبًا لِجَرِيرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى مِنَاذَرِ (١)، فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرِ بْنِ اَلْخَطَّابِ - ﵁ -: اُنْظُرْ مَجُوسَ هَجَرَ مِنْ قِبَلِك، فَخْذ مِنْهُمْ الجِزْيَة، فَإِنَّ عَبْدَ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَنِي أَنَّ اَلنَّبِيَّ - صَلْىَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ أَهْلِ هَجَرَ»، وروت عائشة عن الصِدِّيقِ، كما روى عنها، وروى ابن عمر عن ابن عباس، وابن عباس عن ابن عمر، كما روت عائشة عنه، وروى ابن عباس عنها، وروى جابر بن عبد الله عن أبي سعيد الخُدري، كما روى أبو سعيد عن جابر، وأنس عن جابر، وجابر عن أنس، وروى ابن عباس عن جابر بن عبد الله كما روى جابر عنه، وروى أبو سعيد الخُدري عن ابن عباس كما روى ابن عباس عنه (٢)، ومن يراجع كتب السُّنَنِ، وتراجم الرواة يجد كثيرًا من روايات بعض الصحابة عن بعض،\n_________\n(١) مناذر هما بلدتان بنواحي خوزستان، مناذر الكبرى ومناذر الصغرى، وهما من كور الأهواز، وقد فُتِحَتَا سَنَةَ (١٨ هـ). انظر \" معجم البلدان \": ص ١٦٠ جـ ٨.\n(٢) انظر \" اللطائف في دقائق المعارف من علوم الحفاظ الأعارف \" مخطوطة الظاهرية: ص ١: آ - ٣: ب.","vol":"1","page":146},{"text":"وهذا دليل واضح على النشاط العلمي الذي كان بينهم، يتبادلون الأحاديث ويسمعون ويسمع منهم وَيَرْوُونَ وَيُرْوَى عنهم. كل هذا في سبيل معرفة الحق وحفظ السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ.\n\nولم يكتف الصحابة بدراسة الحديث فيما بينهم، بل حَثُّوا على طلبه وحفظه وحضوا التابعين على مجالسة أهل العلم والأخذ عنهم، ولم يتركوا وسيلة لذلك إلا أفادوا منها. من هذا ما رُوِيَ عن عمر - ﵁ -: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا» (١) وقال أَيْضًا: «تَعَلَّمُوا الفَرَائِضَ وَالسُّنَّةَ كَمَا تَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ» (٢). وكان أبو ذر مثلًا رائعًا لنشر الحق وتبليغ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، يروي عنه أنه قال: «لَوْ وَضَعْتُمْ الصَّمْصَامَةَ - السيف الصارم - عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُهَا» (٣). وما كان أبو ذر بِدَعًا من الصحابة، إنما كان أحد الألوف الذين ساهموا في حفظ السُنَّةِ.\n\nعَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، «عَلَيْكُمْ بِالعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ ذَهَابُ أَهْلِهِ ... (٤)» وكان ينهى عن البدع ويأمر باتباع السُنَّةِ فيقول: «الاقْتِصَادُ فِي السُّنَّةِ [خَيْرٌ] مِنَ الاجْتِهَادِ فِي البِدْعَةٍ» (٥). وقال أمير المؤمنين عَلِيٌّ بن أبي طالب: «تَزَاوَرُوا وَتَذَاكَرُوا الحَدِيثَ، فَإِنَّكُمْ إِلاَّ تَفْعَلُوا يَدْرُسُ» (٦).\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ص ١٧٥ جـ ١.\n(٢) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٣٤ جـ ٢.\n(٣) \" فتح الباري \" ص ١٧٠ جـ ١.\n(٤) \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٥ جـ ١ و\" مجمع الزوائد \": ص ١٢٥ جـ ١، وانظر حضه على مذاكرة الحديث في \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٤١.\n(٥) \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٥ جـ ١ و\" مجمع الزوائد \": ص ١٢٥ جـ ١، وانظر حضه على مذاكرة الحديث في \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٤١.\n(٦) \" شرف أصحاب الحديث: ص ٦٩. وانظر أَيْضًا \" معرفة علوم الحديث \": ص ٦٠ و١٤١.","vol":"1","page":147},{"text":"ووقف عمرو بن العاص على حلقة من قريش فقال: «مَا لَكُمْ قَدْ طَرَحْتُمْ هَذِهِ الأُغَيْلِمَةَ؟ لاَ تَفْعَلُوا، وَأَوْسِعُوا لَهُمْ فِي المَجْلِسِ، وَأَسْمِعُوهُمُ الحَدِيثَ، وَأَفْهِمُوهُمْ إِيَّاهُ، فَإِنَّهُمْ صِغَارُ قَوْمٍ أَوْشَكَ أَنْ يَكُونُوا كِبَارَ قَوْمٍ، وَقَدْ كُنْتُمْ صِغَارَ قَوْمٍ فَأَنْتُمُ اليَوْمَ كِبَارُ قَوْمٍ» (١).\n\nوكان ابن عباس يحض طلابه على مذاكرة الحديث، فيقول: «تَذَاكَرُوا هَذَا الحَدِيثَ، لاَ يَنْفَلِتْ مِنْكُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ القُرْآنِ، القُرْآنُ مَجْمُوعٌ مَحْفُوظٌ، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَذَاكَرُوا هَذَا الحَدِيثَ يَنْفَلِتْ مِنْكُمْ، وَلاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ حَدَّثْتُ أَمْسِ لاَ أُحَدِّثُ اليَوْمَ، بَلْ حَدِّثْ أَمْسِ، وَحَدِّثْ اليَوْمَ، وَحَدِّثْ غَدًا» ..، كما كان يقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ مِنَّا، شَيْئًا فَتَذَاكَرُوهُ بَيْنَكُمْ» (٢).\n\nوكان أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يحب طلاب العلم ويفسح لهم المجالس، وكثيرًا ما كان يقول: «تَحَدَّثُوا، فَإِنَّ الحَدِيثَ يُذَكِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا» (٣).\n\nوَمِمَّا يُرْوَى عَنْ أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِطُلاَّبِهِ: «إِنَّ هَذَا المَجْلِسَ مِنْ بَلاَغِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَأَنْتُمْ فَبَلِّغُوا عَنَّا أَحْسَنَ مَا تَسْمَعُونَ». وفي رواية: كَانَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا سَكَتَ قَالَ: «اعْقِلُوا، بَلِّغُوا عَنَّا كَمَا [بُلِّغْتُمْ]» (٤).\n\nوهكذا كان الصحابة الكرام يتواصون بحفظ الحديث ومذاكرته ويحضون طلابهم على ذلك، ويحثونهم على تبليغ ما يسمعون منهم.\n_________\n(١) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ٨٩: ب.\n(٢) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ٩٩: آ. وانظر نحوه في \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \" نسخة الظاهرية: ص ٤٨: ب.\n(٣) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ١٠٠: آ.\n(٤) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ١٠٠: آ.","vol":"1","page":148},{"text":"وقد سار التابعون وأتباعهم على نهج الصحابة، فكانوا يوصون أولادهم وتلاميذهم بحفظ السُنَّةِ وحضور مجالس العلم، فقد أوصى عُرْوَةُ بَنِيهِ بهذا كما أوصى طلابه (١)، وكان علقمة يشجع طلابه على مذاكرة الحديث ودراسته (٢)، كما كان عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، يَقُولُ: «إِحْيَاءُ الحَدِيثِ مُذَاكَرَتُهُ فَتَذَاكَرُوهُ» (٣). واشتهرت بين العلماء عبارة «تَذَاكَرُوا الحَدِيثَ فَإِنَّ الحَدِيثَ يُهَيِّجُ الحَدِيثَ» (٤).\n\nوأكثر من هذا، كان بعض الآباء يشجعون أبناءهم على حفظ الحديث، ويقدمون إليهم جوائز كلما حفظوا شيئًا منه، من هذا ما رواه النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ، يَقُولُ: قَالَ لِي أَبِي: «يَا بُنَيَّ، اطْلُبِ الحَدِيثَ، فَكُلَّمَا سَمِعْتَ حَدِيثًا، وَحَفِظْتَهُ، فَلَكَ دِرْهَمٌ. فَطَلَبْتُ الحَدِيثَ عَلَى هَذَا» (٥).\n\nومهما يكن موقف المُرَبِّينَ في هذا العصر من هذا التشجيع فإنه وسيلة مبدئية لحفظ الحديث ودراسته، إن كانت في نظر الطفل هي الغاية فإنها لا تلبث أن تصبح، وسيلة إذا ما ألف حفظ الحديث، وتعطشت نفسه إليه تجسمت الغاية الأصلية أمامه، وعرف قيمتها، وقدر نفع الحديث، وعرف معناه، وأصبح من عشاقه، سواء أنقطعت تلك الجوائز أم لم تنقطع.\n\nوإن التاريخ ليحفظ لنا أخبارًا كثيرة تثبت إقبال طلاب العلم على طلب\n_________\n(١) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ١٣٤، ١٣٥ قسم ٢ جـ ٢، وانظر \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ١٥: ب، جـ ١.\n(٢) انظر \" شرف أصحاب الحديث \": ص ١٠٠: ب، وانظر كتاب \"العلم \" لزهير بن حرب، فإن فيه بعض هذا: ص ١٨٩: ب وكذلك في \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٤٤٦: ب، و\" المحدث الفاصل \": ص ١٢٩: ب - ١٣٠: ب.\n(٣) انظر \" شرف أصحاب الحديث \": ص ١٠٠: ب، وانظر كتاب \"العلم \" لزهير بن حرب، فإن فيه بعض هذا: ص ١٨٩: ب وكذلك في \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٤٤٦: ب، و\" المحدث الفاصل \": ص ١٢٩: ب - ١٣٠: ب.\n(٤) انظر \" شرف أصحاب الحديث \": ص ١٠٠: ب، وانظر كتاب \"العلم \" لزهير بن حرب، فإن فيه بعض هذا: ص ١٨٩: ب وكذلك في \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٤٤٦: ب، و\" المحدث الفاصل \": ص ١٢٩: ب - ١٣٠: ب.\n(٥) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ٩٠، وإبراهيم بن أدهم عاصر الثوري ويغلب أن وفاته سَنَةَ (١٦١ هـ) كان وَرِعًا مجاهدًا، انظر \" البداية والنهاية \": ص ١٣٥ جـ ١٠.","vol":"1","page":149},{"text":"الحديث إقبالًا لا مثيل له، بدافع ذاتي، وميل نفسي، حتى إن بعض طلاب العلم المتفانين في حُبِّ الحديث كانوا يؤدون بعض الخدمات من أجل سماع حديث أو حديثين (١).\n\nوقد كانت المنافسة العلمية المحببة قائمة بين طلاب الحديث في ذلك العصر، فالذكي من تمكن من حفظ أحاديث في باب كذا وباب كذا، وَالمُجِدُّ من أسرع إلى صحابي وأخذ عنه قبل وفاته، وَالمُفْلِحُ من حظي بحب شيخه، وتمكن من الانفراد به، والكتابة عنه، والقراءة عليه ثم العرض والتصحيح بين يديه ..\n\nلكل هذا رأينا أصحاب الحديث يَجِدُّونَ في طلب العلم الشريف، ويتبارون في تحصيله (٢)، وكثر طلاب العلم كثرة تثلج لها الصدور، وتشرق بها النفوس حتى إن أحد الصحابة كان يحدث الناس، فيكثرون عليه، فيصعد فوق بيت ويحدثهم (٣). قال أنس بن سيرين: «قَدِمْتُ الكُوفَةَ قَبْلَ الجَمَاجِمِ، فَرَأَيْتُ [فِيهَا] أَرْبَعَةَ آلاَفٍ يَطْلُبُونَ\n_________\n(١) رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: «كَانَ أَبِي صَيْرَفِيًّا بِالكُوفَةِ، فَرَكِبَهُ الدَّيْنُ، فَحَمَلَنَا إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَى المَسْجِدِ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ، وَصِرْتُ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ، إِذَا شَيْخٌ عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ لِي: يَا غُلاَمُ أَمْسِكْ عَلَيَّ هَذَا الحِمَارَ حَتَّى أَدْخُلَ المَسْجِدَ فَأَرْكَعَ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ أَوْ تُحَدِّثُنِي، قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ أَنْتَ بِالحَدِيثِ؟، وَاسْتَصْغَرَنِي، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي، فَقَالَ: \" حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ \"، فَحَدَّثَنِي بِثَمَانِيَةِ أَحَادِيثٍ، فَأَمْسَكْتُ حِمَارَهُ، وَجَعَلْتُ أَتَحَفَّظُ مَا حَدَّثَنِي بِهِ، فَلَمَّا صَلَّى وَخَرَجَ، قَالَ: مَا نَفَعَكَ مَا حَدَّثْتُكَ، حَبَسْتَنِي فَقُلْتُ: حَدَّثْتَنِي بِكَذَا، وَحَدَّثْتَنِي بِكَذَا، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، تَعَالَ غَدًا إِلَى المَجْلِسِ، فَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ» (٤٨ - ١٢٦ هـ)، انظر \"المحدث الفاصل \" مخطوطة دمشق ص ١٦: ب - ١٧: آجـ ١.\n(٢) انظر \" المحدث الفاصل \" ص ١٤٣: ب، فيها أخبار عن ذلك.\n(٣) انظر كتاب \"العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٢.","vol":"1","page":150},{"text":"الحَدِيثَ» (١)، وفي رواية زاد: فقال: «وَأَرْبَعَمِائَةٍ قَدْ فَقِهُوا» (٢). فَقَبْلَ بِدَايَةِ الربع الأخير من القرن الأول أضحت الكوفة محط أنظار أهل الحديث، ولم يقتصر هذا النشاط على قُطْرٍ دُونَ آخَرٍ، بل كان عَامًّا شاملًا. فحلقات العلم كانت تعقد في كل مكان، ففي جامع دمشق حلقات أبي الدرداء التي تضم نَيِّفًا وخمسمائة وألف طالب (٣) إلى جانب حلقات غيره من شيوخ دمشق التي كان يكتب فيها الطلاب (٤)، كما كانت تعقد في حمص وحلب والفسطاط والبصرة والكوفة واليمن إلى جانب حلقات ينبوع الإسلام في مكة والمدينة، فقد كانت في المدينة كالروضة يختار منها طالب العلم ما يشاء (٥).\n\nوفي عهد عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، كان المسجد الحرام يغص بطلاب العلم، حتى إن الخلفية أعجب بهم عندما زاره فوجد فيه حِلَقًا لا تحصى، تضم أبناء المسلمين وطلاب العلم، فسأل عن شيوخ هذه الحلقات، فكان فيها عطاء، وسعيد بن جُبير، وميمون بن مهران، ومكحول، ومجاهد وغيرهم، فحث أبناء قريش على طلب العلم والمحافظة عليه (٦).\n\nوسيتجلى لنا نشاط المراكز العلمية في الدولة الإسلامية عندما نتكلم عن انتشار العلم في عهد الصحابة والتابعين.\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \": ص ٨١: آ، وكانت دير الجماجم وقعة مشهورة بين الحَجَّاجِ وعبد الرحمن بن الأشعث سَنَةَ (٨٢ هـ) وفيها قتل عبد الرحمن بن الأشعث وكثير من القُرَّاءِ. انظر \" تاريخ الطبري \": ص ١٥٧ جـ ٥. ودير الجماجم بظاهر الكوفة على سبعة فراسخ منها على طرف البر السالك إلى البصرة: \" معجم البلدان \": ص ١٣١ جـ ٤.\n(٢) \" المحدث الفاصل \": ص ١٣٥: ب.\n(٣) انظر \" التاريخ الكبير \" لابن عساكر: ص ٦٩ جـ ١.\n(٤) انظر \" التاريخ الكبير \" لابن عساكر: ص ٦٩ جـ ١.\n(٥) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ٩: ب.\n(٦) انظر المرجع السابق: ص ٣٥: ب - ٣٦.","vol":"1","page":151},{"text":"وقد قَيَّضَ الله لهذه الأُمَّةِ أساتذة أوتوا العلم والأدب وأصول التربية ترعرعوا بين يدي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ويدي أصحابه الكرام، واجتهد القائمون على التعليم منهم في ذلك العصر في تعليم تلاميذهم وجلسائهم، واعتنوا عناية عظيمة بالنشء الجديد، فنرى إسماعيل بن رجاء - من أقران الأعمش - «يَجْمَعُ الصِّبْيَانَ وَيُحَدِّثَهُمْ» (١) ومر رجل بالأعمش - سليمان بن مهران - وهو يحدث فقال له: تحدث هؤلاء الصبيان؟ فقال الأعمش: هؤلاء الصبيان يحفظون عليك دينك (٢). وكان مُطَرَّفٌ بن عبد الله يقول: «لأَنْتُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مُجَالَسَةً مِنْ أَهْلِي» (٣). وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيَّ، يَقُولُ: «لَوْ لَمْ يَأْتُونِي - (يعني طلاب الحديث) - لأَتَيْتُهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ» (٤). وكانوا يعلمونهم الحديث والأدب فيه، واحترامه وإجلاله (٥)، وكانت لحلقات العلم مكانة جليلة، وكان طلاب الحديث يوقرون أساتذتهم، ويفخرون بخدمتهم، والأخذ عنهم، وكان سلوكهم مع أساتذتهم في غاية الأدب والاحترام، سواء أكان هذا في التلقي عنهم أم في مناقشتهم، ويؤثر عن كثير من الصحابة والتابعين نصائح لطلاب العلم في هذا الصدد (٦).\n\nوأما حلقات العلم وشيوخها وطريقة تعليمهم فإنها تحتاج إلى بحث كبير قائم بذاته، وإن لدينا من الأخبار ما يملأ أكثر من مجلد في هذا. ولكن المقام يضيق بإيرادها، ويكفينا أن نذكر شَيْئًا مُوجَزًا عن الصحابة والتابعين يتناول طريقة تعليمهم.\n_________\n(١) انظركتاب \"العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٠.\n(٢) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ٨٩: آ، وانظر \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ١٥ جـ ١.\n(٣) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ١٠٢: ب.\n(٤) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ١٠٣: ب، واشتهر عن عروة بن الزبير أنه كان يتألف الناس على حديثه، انظر \" كتاب العلم \" لابن حرب: ص ١٨٧.\n(٥) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٣٤٥ جـ ٥.\n(٦) انظر \" العقد الفريد \": ص ٧٨ جـ ٢.","vol":"1","page":152},{"text":"وأول ما يسترعي انتباهنا في هذا خطوط كبرى تعتبر من الأسس الهامة في التربية الحديثة، من هذه الأسس:\n\n١ - مُرَاعَاةُ أَحْوَالِ المُحَدِّثِينَ:\n----------------------------\n\nفقد لاحظ الصحابة والتابعون أحوال طلابهم ملاحظة دقيقة، فكانوا لا يحدثونهم إلا بما يناسب مداركهم، ويشرحون الأحاديث، ويبينون مناسبتها حتى يدرك الطلاب ما يرويه شيوخهم، يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ فَيَسْمَعُهُ مَنْ لاَ يَبْلُغُ عَقْلَهُ فَهْمُ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِتْنَةً» (١) وفي رواية عنه: «مَا أَنْتَ مُحَدِّثٌ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلاَّ كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ» (٢). وعن حماد بن زيد قال: قَالَ أَيُّوبُ: «لاَ تُحْدِثُوا النَّاسَ بِمَا لاَ يَعْلَمُونَ فَتَضُرُّوهُمْ» (٣).\n\n٢ - الحَدِيثُ لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ:\n----------------------------\n\nوكما حرص الصحابة والتابعون على مراعاة أحوال الرواة، حرصوا على نشر الحديث بين أهله وطلابه، ورفعه عن السفهاء وأهل الغايات والأهواء، فكانوا يحاولون جهدهم ألا يحضر مجالسهم إلا طلاب العلم، وفي هذا كان يقول الزُّهْرِيِّ: «... وَهُجْنَتُهُ (أي الحديث) نَشْرُهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ» (٤)، وَ«كَانَ الأَعْمَشُ\n_________\n(١) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٢٩: ب.\n(٢) \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٥ جـ ١. وَرُوِيَ نحو هذا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، انظر \" المحدث الفاصل \": ص ١٤٣: ب.\n(٣) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٢٩: ب.\n(٤) \" المحدث الفاصل \": ص ١٤١: آ. وَالهُجْنَةُ وَالتَّهْجِينُ الأَمْرُ [القَبِيحُ].","vol":"1","page":153},{"text":"يَرَى أَنَّ إِضَاعَةَ الحَدِيثِ التَّحْدِيثُ بِهِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ» (١) وكثيرًا ما كان يَقُولُ: «لاَ تَنْثُرُوا اللُّؤْلُؤَ عَلَى أَظْلاَفِ الْخَنَازِيرِ» يَعْنِي الحَدِيثَ (٢) أي لا تحدثوا الحديث لغير أهله.\n\nوَرَأَى الأَعْمَشُ شُعْبَةَ بْنَ الحَجَّاجِ يُحَدِّثُ قَوْمًا، فَقَالَ لَهُ: «وَيْحَكَ يَا شُعْبَةُ! تُعَلِّقُ الدُّرَّ فِي أَعْنَاقِ الخَنَازِيرِ (٣)؟». قَالَ مُجَالِدٌ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ ... فَرَوَيْتُهُ عَنْهُ، فَأَتَاهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا حَدَّثْتُ بِهَذَا الحَدِيثِ قَطُّ، فَأَتَوْنِي، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَوَ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ: «أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثِ الحُكَمَاءِ، وَتُحَدِّثُ بِهِ السُّفَهَاءَ!؟» (٤). وكان يقول: «إِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ هَذَا العِلْمَ مَنْ جَمَعَ النُّسُكَ وَالعَقْلَ، فَإِنْ كَانَ عَاقِلًا بِلاَ نُسُكٍ قِيلَ: هَذَا لاَ يَنَالُهُ، وَإِنْ كَانَ نَاسِكًا بِلاَ عَقْلٍ قِيلَ: هَذَا أَمْرٌ لاَ يَنَالُهُ إِلاَّ العُقَلاَءُ» (٥).\n\nوأختتم هذه الفقرة بذكر شيء من أساليب الحيطة، التي كان يفعلها زائدة بن قدامة (٦) مع من يأتيه طالبًا للحديث، حِرْصًا منه على صيانة السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ وحفظها.\nرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ المُهَلَّبِ الأَزْدِيُّ، قَالَ: «كَانَ زَائِدَةُ لاَ يُحَدِّثُ أَحَدًا حَتَّى يَمْتَحِنَهُ، فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا، قَالَ لَهُ: مَنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ البَلَدِ قَالَ: أَيْنَ مُصَلاَّكَ؟ وَيَسْأَلُ كَمَا يَسْأَلُ القَاضِي عَنِ البَيِّنَةِ، فَإِذَا قَالَ لَهُ سَأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ قَالَ: لاَ تَعُودَنَّ إِلَى هَذَا المَجْلِسِ،\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \": ص ١٤١: آ.\n(٢) \" المحدث الفاصل \": ص ١٤١: آ.\n(٣) \" المحدث الفاصل \": ص ١٤٢: آ.\n(٤) \" المحدث الفاصل \": ص ١٤١: ب، ولعل الشعبي أنكر ذلك لأنه خشي من القوم السفهاء أن يتخذوا ما حَدَّثَ به ذريعة إلى أهوائهم.\n(٥) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٧٧ جـ ١.\n(٦) انظر ترجمته في \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٩٤ جـ ١، وهو إمام حُجَّةٌ تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٦١ هـ.","vol":"1","page":154},{"text":"، فَإِنْ بَلَغَهُ عَنْهُ خَيْرًا أَدْنَاهُ وَحَدَّثَهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا الصَّلْتِ، لِمَ تَفْعَلْ هَذَا؟ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ العِلْمُ عِنْدَهُمْ، فَيَصِيرُوا أَئِمَّةً يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ، فَيُبَدِّلُوا كَيْفَ شَاءُوا» (١).\n\nقد يُظَنُّ أن في تَشَدُّدِ زائدة مَنْعًا للعلم ونشره، وأن طريقته هذه تتنافى مع رسالة المعلمين المرشدين الهادين، والحقيقة أن منهجه هذا كان من وسائل المحافظة على السُنَّةِ، كما كان حائلًا دون أهل البدع والأهواء من أن يستغلوا الحديث الشريف، أو يُحَرِّفُوهُ تَبَعًا لأهوائهم.\n\n٣ - طَلَبُ الحَدِيثِ بَعْدَ القُرْآنِ الكَرِيمِ:\n-----------------------------------\n\nمن البدهي أن يهتم المسلمون بكتاب الله تعالى وحفظه ودراسته وتلاوته، وفهمه وتفسيره. وقد أجمع المُحَدِّثُونَ على أنه لا ينبغي أن يطلب المرء الحديث إلا بعد قراءته القرآن وحفظه كله أو أكثره، ثم يبدأ سماع الحديث وكتابته عن الشيوخ، وكان كثير من المُحَدِّثِينَ لا يقبلون الطلاب في حلقاتهم إلا إذا وثقوا من دراستهم القرآن الكريم وحفظ بعضه على الأقل، وفي هذا قَالَ حَفْصُ بْنَ غِيَاثٍ: «أَتَيْتُ الأَعْمَشَ فَقُلْتُ: \" حَدِّثْنِي \"، قَالَ: \" أَتَحْفَظُ القُرْآنَ؟ \" قُلْتُ: \" لاَ \"، قَالَ: \" اذْهَبْ فَاحْفَظِ القُرْآنَ، ثُمَّ هَلُمَّ أُحَدِّثُكَ \" قَالَ: \" فَذَهَبْتُ فَحَفِظْتُ القُرْآنَ، ثُمَّ جِئْتُهُ فَاسْتَقْرَأَنِي، فَقَرَأْتُهُ، فَحَدَّثَنِي \"» (٢).\n\n٤ - عَدَمُ تَتَبُّعِ المُنْكَرِ مِنَ الحَدِيثِ:\n---------------------------------\n\nخشي الصحابة والتابعون من بث بعض الأحاديث الواهية والضعيفة،\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \": ص ١٤٢: ب.\n(٢) \" المحدث الفاصل \": نسخة دمشق: ص ١٩ جـ ١.","vol":"1","page":155},{"text":"فنهوا عن روايتها وطلبوا التثبت في الرواية كما سبق أن ذكرنا، وحثوا على رواية الأحاديث المعروفة ونشرها بين طلاب العلم وخاصة الجدد منهم. وفي هذا يُرْوَى عن أمير المؤمنين عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ!! أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» (١). قال الإمام الذهبي: «فَقَدْ زَجَرَ الإِمَامُ عَلِيٌّ - ﵁ - عَنْ رِوَايَةِ المُنْكَرِ، وَحَثَّ عَلَى التَّحْدِيثِ بِالمَشْهُورِ، وَأَصْلُ هَذَا كَبِيرٌ فِي الكَفِّ عَنْ بَثِّ الأَشْيَاءِ الوَاهِيَةِ، وَالمُنكِرةِ مِنَ الأَحَادِيثِ فِي الفَضَائِلِ وَالعَقَائِدِ، وَالرَّقَائِقِ، وَلاَ سَبِيِلَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا مِنْ هَذَا إِلاَّ بِالإِمْعَانِ فِي مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ» (٢).\n\nوأما الأحاديث المنكرة والشاذة وطرقها، والأحاديث الموضوعة، فقد كان يحفظها الشيوخ حتى إذا ذكر لهم حديث منها بَيَّنُوهُ، وكانوا يَرْوُونَ منها لطلابهم بعد بيان عِلَلِهَا، وبعد أن يقطع الطلاب مرحلة جيدة في دراساتهم. وسنبين هذا عندما نتكلم عن الحديث الموضوع.\n\n٥ - التَّنْوِيعُ وَالتَّغْيِيرُ دَفْعًا لِلْمَلَلِ:\n--------------------------------\n\nعرف الصحابة والتابعون ما يجدد نشاط طلابهم، فعملوا به، وأفادوا منه لتحقق الغاية من دروسهم وحلقاتهم، فكانوا بتناولون دراسة الأحاديث المختلفة حِينًا، ويتكلمون في الرجال أحيانًا، وينتقلون إلى سيرة الرَّسُولِ - ﷺ - تارة، ويذكرون أسباب ورود الحديث ومناسبته تارة أخرى.\n_________\n(١) \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٢، ١٣ جـ ١، و\" فتح الباري \": ص ٢٣٥ جـ ١.\n(٢) \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٢، ١٣ جـ ١.","vol":"1","page":156},{"text":"فكانت دراسة الحديث شيقة، تجذب الطالب إليها لتعدد موضوعاتها وتناولها كَثِيرًا من الأمور التي تتعلق بدينه ودنياه. ومع هذا كان شيوخ الحلقات يخشون إدخال السآمة إلى نفوس تلاميذهم، فكانوا يتخولونهم بالموعظة كما كان يفعل رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وكما فعل الصحابة من بعده (١) وكانت السيدة عائشة توصي التابعين بهذا، فَقَدْ قَالَتْ لِعُبَيْدٍ بْنِ عُمَيْرٍ: «إِيَّاكَ وَإِمْلاَلَ النَّاسِ وَتَقْنِيطَهُمْ» (٢). ولهذا كانوا لا يطيلون المجلس حتى لا تضيع الفائدة عليهم، وفي هذا يقول الإِمَامُ الزُّهْرِيُّ: «إِذَا طَالَ المَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ» (٣) وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: - إِذَا فَاضَ مَنْ عِنْدَهُ بِالحَدِيثِ بَعْدَ القُرْآنِ وَالتَّفْسِيرِ -: «أَحْمِضُوا [بِنَا]». أَيْ: خُوضُوا فِي الشِّعْرِ وَ[الأَخْبَارِ] وغيره ...، وعن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: «إِنِّي لأَسْتَجِمُّ قَلْبِي بِالشَّيْءٍ مِنَ اللَّهْوِ، لأَقْوَى بِهِ عَلَى الحَقِّ» (٤).\n\nوقد كان الصحابة أحيانًا يتناولون في مجالسهم بعض الشعر وأيام الجاهلية ليسروا عن أنفسهم، فيبدلوا الموضوع ليستعيدوا نشاطهم، فَعَنْ أَبِي خَالِدٍ [الوَالِبِيِّ] قَالَ: «كُنَّا نُجَالِسُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَتَنَاشَدُونَ الأَشْعَارَ وَيَتَذَاكَرُونَ أَيَّامَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ» (٥)، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُحَدِّثُ ثُمَّ يَقُولُ:\n_________\n(١) انظر هذا عن عبد الله بن مسعود في \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٠٢ حديث ٣٥٨١ جـ ٥، و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ١٠٥ جـ ١.\n(٢) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٣٦: آ.\n(٣) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٣٦: آ.\n(٤) \" الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ \": ص ٤١، واللهو المقصود هنا اللهو المشروع مِمَّا يُرَوِّحُ القلب ويجدد النشاط.\n(٥) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ١٠٥ جـ ١.","vol":"1","page":157},{"text":"«هَاتُوا مِنْ أَشْعَارِكُمْ، هَاتُوا مِنْ أَحَادِيثِكُمْ، فَإِنَّ الأُذُنَ مَجَّاجَةٌ، وَالنَّفَسَ حَمْضَةٌ» (١).\n\nوكان يقول: «رَوِّحُوا الْقُلُوبَ سَاعَةً وَسَاعَةً» (٢).\n\n٦ - اِحْتِرَامُ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَتَوْقِيرُهُ:\n------------------------------------------------------------\n\nذكرت تمسك الصحابة والتابعين بالسنة، وتقديمها على كل شيء بعد القرآن، فقد كانوا لا يقبلون رَأْيًا مَعَ السُنَّةِ مهما يكن شأنه، ومهما تكن منزلة صاحبه، وكما تمسكوا بالسنة احترموا مجالس الحديث، ووقروا حفاظه، وتأدب الناس مع حديث رسول الله - ﷺ - شُيُوخًا وَطُلاَّبًا.\n\nعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: «كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحْدِثُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ (٣)»، قَالَ إِسْحَاقُ: «[فَرَأَيْتُ] الأَعْمَشَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَحَدَّثَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ تَيَمَّمْ (٤)». وَقَالَ قَتَادَةُ «لَقَدْ كَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ تُقْرَأَ الأَحَادِيثُ الَّتِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ عَلَى طُهُورٍ»، وفي رواية: «إِلاَّ عَلَى وُضُوءٍ (٥)». وروي هذا عن كثير من العلماء.\n\nويذكر سعيد بن المسيب - وهو على فراش المرض - حديثًا عن رسول الله - ﷺ - فيقول: «أَجْلِسُونِي، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُحَدِّثَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مُضْطَجِعٌ» (٦).\n_________\n(١) \" جامع بيان العلم \": ص ١٠٤ جـ ١. مَجَّ الشَّرَابَ مِنْ فِيهِ: رَمَى بِهِ، وَمَجَّ الحَدِيثَ طَرَحَهُ وَمَلَّ مِنْهُ. وَالحِمْضَةُ: الشَّهْوَةُ لِلْشَّيْءِ، وَحَمَضَتِ الإِبِلُ عَنْ الحِمْضِ: كَرِهَتْهُ وَبِهِ اشْتَهَتْهُ. انظر \" القاموس المحيط \".\n(٢) \" جامع بيان العلم \": ص ١٠٥ جـ ١.\n(٣) \" جامع بيان العلم \": ص ١٩٨ جـ ٢. و\" المحدث الفاصل \": ص ١٤٧: آ.\n(٤) \" جامع بيان العلم \": ص ١٩٩ جـ ٢.\n(٥) \" جامع بيان العلم \": ص ١٩٩ جـ ٢.\n(٦) \" جامع بيان العلم \": ص ١٩٩ جـ ٢.","vol":"1","page":158},{"text":"قال الرامهرمزي: كان أكثرهم يتطهرون عندما يتصدرون للتحديث فيلبس العالم أحسن ثيابه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ومن ذلك قول أَبِي الْعَالِيَةِ: «إِذَا حَدَّثْتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا فَازْدَهِرْ»، وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ يُحَدِّثَ، تَوَضَّأَ وَضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَلَبِسَ قَلَنْسُوَةَ، وَمَشَطَ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: «أُوَقِّرُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (١). وكان مالك يحدث أحيانًا أبناء كل قطر حتى لا يزداد الازدحام في داره، فكان مناد على بابه ينادي: «لِيَدْخُلَ أَهْلُ الْحِجَازِ»، فلا يدخل غيرهم، ثم يخرج فينادي: «لِيَدْخُلْ أَهْلُ الشَّامِ» (٢) ... يفعل هذا حتى لا يكثر الطلاب، فيكثر السؤال، وتفوت الفائدة جل الحاضرين.\n\nوهناك آداب كثيرة، وأصول متبعة للسؤال والقراءة والعرض على المحدث والجلوس بين يديه، وحضور حلقات العلم، تكفلت بذكرها كتب خاصة (٣)، وأفردت لها أبواب في أكثر كتب مصطلح الحديث وعلومه.\n\n٧ - مُذَاكَرَةُ الحَدِيثِ:\n--------------------\n\nلم يكن طلاب العلم يكتفون بحضور مجلس الحديث ثم ينصرفون إلى أعمالهم حتى يحين المجلس القادم، من غير أن يذاكروا ما يسمعونه. ولم يكن حضور حلقات العلم للتسلية وشغل أوقات الفراغ ..، متى شاء الطالب حضر ومتى أحب\n_________\n(١) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ١٤٦: ب.\n(٢) انظر المرجع السابق: ص ١٤٧: أ.\n(٣) فقد الف الخطيب كتابًا كبيرًا في هذا سماه \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \" تعرض فيه لجميع ما يتعلق بطلاب الحديث وأساتذتهم ودروسهم ومذاكرتهم ... الخ، ولا يزال هذا المؤلف مخطوطًا، ومنه نسخة كاملة في دار الكتب في الإسكندرية، صورت عنها نسخة ونقلت إلى دار الكتب المصرية في «١٩٦» لوحة، كل لوحة فوتوغرافية صفحتان من النسخة الأصلية، وقد باشرت تحقيقه مع بعض إخواني، أرجو أن نوفق لنشره فينتفع المسلمون به (*).\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) طبع الكتاب \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \" للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، الطبعة الثالثة: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م، ٢ مج، ١٠ ج، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان.","vol":"1","page":159},{"text":"انصرف منها، كلا، بل كان الطلاب يحضرون في أوقات معينة يخصصها لهم أستاذهم بعد صلاة الفجر مثلًا حتى الضحى، أو بين الظهر والعصر، فيتسابق الطلاب إلى الحلقة قبل انعقادها، ليتخذوا أماكنهم (١)، حتى إذا حضر الأستاذ كان جميع الطلاب على استعداد لتلقي الحديث عنه. وقد يتغيب عن الحلقة طالب، فيسأل عنه الشيخ ويعرف سبب غيابه، وقد يكلف بعض إخوانه السؤال عنه، فالحلقات في العصور الماضية كانت كالفصول النظامية في مدارسنا الحديثة.\nلهذا كان أصحاب الحديث يحرصون على حضور مجالسه، ويحفظون ما يسمعونه، ويذاكرونه.\n\nوقد كان الصحابة - ﵃ - يفعلون هذا في عهد رسول الله - ﷺ -، فعن أنس بن مالك قال: «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَنَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ فَإِذَا قُمْنَا تَذَاكَرْنَاهُ فِيمَا بَيْنَنَا حَتَّى نَحْفَظُهُ» (٢).\n\nوكان التابعون وأتباعهم يذاكرون حديث رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - جماعات وأفرادًا، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَمَّانِ (٣) قَالَ: «حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمًا بِحَدِيثٍ فَلَمْ نَحْفَظْهُ، فَتَذَاكَرْنَاهُ بَيْنَنَا حَتَّى حَفِظْنَاهُ» (٤). وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَيُحَدِّثُنَا، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ تَذَاكَرْنَا حَدِيثَهُ» (٥) ..، وَعَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا يَحْيَى الأَعْرَجَ - وَكَانَ عَالِمًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - اجْتَمَعَ هُوَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ،\n_________\n(١) انظر انعقاد المجالس في \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \". حيث بسط القول في هذا.\n(٢) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٤٦: ب.\n(٣) لم يذكر الحاكم لقبه وهو من أصحاب أبي هريرة وقد سمع من ابن عباس وهو ذكوان المدني. انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ١٣٢ جـ ١٢.\n(٤) \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٤١.\n(٥) كتاب \"العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٠: آ.","vol":"1","page":160},{"text":"فَتَذَاكَرَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ» (١). وقال مرة عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: «إِحْيَاءُ الْحَدِيثِ مُذَاكَرَتُهُ»، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ، كَمْ مِنْ حَدِيثٍ قَدْ أَحْيَيْتَهُ مِنْ صَدْرِي قَدْ كَانَ مَاتَ» (٢).\n\nوقد تطول مجالس المذاكرة من أول الليل حتى نداء الفجر (٣)، وكان من طلاب العلم من ينتظر انصرام الليل ليلقى إخوانه فيذاكرهم، وكان إِبْرَاهِيمُ النَّخعِي يَقُولُ: «إِنَّهُ لَيَطُولُ عَلَيَّ اللَّيْلُ حَتَّى أَلْقَى أَصْحَابِي فَأُذَاكِرُهُمْ» (٤). ومما يروى عن شعبة بن الحجاج أنه خَرَجَ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْنٍ، وَقَدْ عَقَدَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا فَكَلَّمَهُ بَعْضُ إِخْوَانِهِ، فَقَالَ: «لاَ تُكَلِّمْنِي فَإِنِّي قَدْ حَفِظْتُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ أَخَافُ أَنْ أَنْسَاهَا» (٥).\n\nهكذا كان يذاكر أصحاب الحديث حديث رسول الله - ﷺ -، حتى يثبت في صدورهم ولا ينسوه.\n\nوكان بعضهم يتخذ التحديث بما سمع وسيلة إلى حفظه، فإذا لم يجد من يحدثه حدث خادمه أو بنيه، وفي هذا يروى عَنْ الإِمَامِ الزُّهْرِيِّ كَانَ يَبْتَغِي الْعِلْمَ مِنْ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ، فَيَأْتِي جَارِيَةً لَهُ نَائِمَةً فَيُوقِظُهَا فَيَقُولُ لَهَا «حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِكَذَا، وَفُلاَنٌ بِكَذَا»، فَتَقُولُ لَهُ: «مَا لِي وَلِهَذَا؟» فَيَقُولُ: «قَدْ عَلِمتُ أَنَّكِ لاَ تَنْتَفِعِينَ بِهِ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ الآنَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَذكِرَهُ» (٦)، ولا يجد إسماعيل بن رجاء من يذاكر الحديث معه فيجمع غلمان المكاتب ويحدثهم كيلا ينسى حديثه (٧).\n_________\n(١) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٨٤: آ.\n(٢) كتاب \"العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٠: آ\n(٣) انظر المرجع السابق: ص ١٩١: ب.\n(٤) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٨٢: ب.\n(٥) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٤٧: آ.\n(٦) \" تاريخ الإسلام \" للذهبي: ص ١٤٨ جـ ٥.\n(٧) انظر \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ١٥: ب، وانظر \" عيون الأخبار \": ص١٣٤ جـ ٢، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٩٦ جـ ١.","vol":"1","page":161},{"text":"وكثيرًا ما كانت تعقد مجالس المذاكرة وتقام المناظرات بين أصحاب الحديث لتعرف طرقه، ويكشف عن القوي والضعيف منها، وفي هذا يقول يَزِيدُ بْنِ هَارُونَ: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَكْتُبُونَ عَنْ كُلٍّ - مِنَ المَشَايِخِ الأَقْوِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِ -، فَإِذَا وَقَعَتِ الْمُنَاظَرَةُ حَصَّلُوا» (١).\n\nمما سبق يتبين لنا اهتمام الصحابة والتابعين وأتباعهم بالسنة المطهرة، وحرصهم على الحديث النبوي الشريف، فعرفنا كيف كانوا يحدثون طلابهم وكيف كانوا يعتنون بصغارهم، ويحرصون على تربيتهم التربية الصالحة، على هدى محمد - ﷺ -، كما عرفنا آدابهم في الحديث وطلبه، واحترامهم لعلمائهم، وحرص الطلاب على دراسة السنة وحفظها ومذاكرتها وتثبيتها في صدورهم والعمل بها، كل ذلك يعطينا صورة حية عن النشاط الحديثي في ذلك العصر، صورة مخطوطة عن الحركة العلمية القوية التي كانت في عصر الصحابة والتابعين، تلك الحركة التي كان لها الفضل العظيم في حفظ السُنَّةِ.\n\nوإن ما قدمناه لا يعدو الخطوط العريضة لتلك الحركة الواسعة، التي كانت في الصدر الأول وقد أغفلنا كثيرًا من التفصيلات التي تتعلق بسن السماع وطريقة الرواية والتلقي، وكيفية القراءة على المحدث، وكل ما يتعلق بدرجات تحمل الحديث وأدائه، مما تكفلت بشرحه كتب مصطلح الحديث وعلومه.\n\nوهكذا خرجنا من هذا البحث بخلاصة هامة، هي أن الحديث الشريف لقي عناية وحفظًا واهتمامًا عظيمًا من أبناء ذلك العصر، الذين تولوا نقله بأمانة وإخلاص إلى الجيل الذي تلاهم، ثم أدت الأجيال المتعاقبة هذه الأمانة حتى وصلت إلينا في أمهات الكتب الصحيحة.\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \": ص ٨٣: ب، و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٦٧: آ.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المَبْحَثُ الثَّانِي: اِنْتِشَارِ الحَدِيثِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:</span>\nانتقل رسول الله - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى، بعد أن عم الإسلام الجزيرة العربية كلها، وأصبحت هذه البلاد قلعة حصينة للإسلام، وقاعدة تنبعث منها أضواء الهداية في العالم، وقد عقد رسول الله - ﷺ - قبل وفاته لواء جيش الرسول - ﷺ - أسامة لفتح الشام، ولكن المنية اخترمته قبل إنفاذه، وخلفه الصِدِّيقُ فوجه جيش الرسول - ﷺ - إلى بلاد الشام، واتسعت الفتوحات الإسلامية، وامتدت الدولة الإسلامية حول الجزيرة العربية، ففتحت بلاد الشام كلها (فلسطين والأردن وسوريا ولبنان) والعراق جميعها في سَنَةِ سبع عشرة هجرية (١)، وفتحت مصر سَنَةَ عشرين من الهجرة (٢)، ووصل المسلمون إلى ما وراء النهر في خلافة عثمان بعد أن فتحوا (فارس) سَنَةَ إحدى وعشرين، ووصلوا سمرقند سَنَةَ ست وخمسين (٣)، وما لبثت الرايات الإسلامية أن خفقت في ربوع الأندلس غربًا سَنَةَ ثلاث وتسعين (٤) وارتفعت بنود الإسلام وأعلامه على ذرا جبال البرانس (٥) (*) سَنَةَ ست وتسعين، وعلى حدود الصين شَرْقًا سَنَةَ ست وتسعين أَيْضًا (٦).\n\nكان في طليعة الجيوش الإسلامية صحابة رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر \" تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي \" للدكتور حسن إبراهيم حسن: ص ٢٩٩ جـ ١ وما بعدها.\n(٢) انظر المرجع السابق: ص ٢٣٦ جـ ١.\n(٣) انظر المرجع السابق: ص ٢٧٩ وما بعدها جـ ١.\n(٤) انظر المرجع السابق: ص ٣١٣ جـ ١.\n(٥) انظر المرجع السابق: ص ٣١٨ وما بعدها جـ ١.\n(٦) انظر المرجع السابق: ص ٣٠٥ جـ ١.\n\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) جبال البرانس، البيريني أو البرينيو (بالفرنسية:  Atlantiques Pyrénées) (بالإسبانية:  Pirineos)  سلسلة جبلية تقع جنوب غرب أوروبا، بين فرنسا وإسبانيا وتمثل الحدود الطبيعية بينهما. تمتد لمسافة قدرها ٤٣٠ كلم من خليج بسكاي بالمحيط الاطلسي في الغرب إلى البحر المتوسط في الشرق. أعلى نقطة بها تسمى \"بيكو دي أنيتو\" وتعلو بارتفاع ٣٤٠٦.٢ م. تفصل الجبال شبه جزيرة أيبيريا عن فرنسا. تقع إمارة أندورا بين قمم السلسلة. كما تقع ستة أقسام فرنسية وست مقاطعات إسبانية في السلسلة. توجد بعض الممرات التي تتخلل الجبال، ونشأ الممر الموجود في رونسافالز في القرن ١٢. مساحتها ٥٥٣٧٤ كم٢. من أشهر المدن الواقعة في السلسلة: بربينيان وبايون وأورتيز بفرنسا، وجيرونا وواسكا وبامبلونا وإيرون بإسبانيا. (نقلًا عن \" موسوعة ويكيبيديا \").","vol":"1","page":163},{"text":"وكانوا كلما دخلوا بَلَدًا فيه أقاموا فيه المساجد (١)، ومكث فيه بعض الصحابة والتابعين يدبرون أموره، وينشرون فيه الإسلام، ويعلمون أبناءه القرآن الكريم وَسُنَّةَ رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وكان الخلفاء يمدون البلاد الجديدة بالعلماء، وقد استوطن كثير من الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - تلك الأمصار، يرشدون أهلها، ويعلمون أبناءها، وقد دخل الناس في دين الله أفواجًا، والتفوا حول الرسول الكريم - ﷺ -، ينهلون من الينابيع التي أخذت عن الرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وتخرج في حلقاتهم التابعون الذين حملوا لواء العلم بعدهم، وحفظوا السنة الشريفة، وهكذا أصبحت في الأقاليم والأمصار الإسلامية مراكز علمية عظيمة، تشع منها أنوار الإسلام وعلومه، إلى جانب مراكز الإشعاع الأولى التي أمدت هذه الأقطار بالأساتذة الأول.\n\nويجدر بنا أن نذكر لمحة موجزة عن مراكز التعليم هذه فيما يخص بحثنا، فنتناول أهم تلك المراكز العلمية والقائمين عليها في الأمصار الإسلامية:\n\n١ - المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ:\n--------------------\n\nهي دار الهجرة، وحاضرة الدولة الإسلامية، التي آوت الرسول الكريم بعد هجرته، ومعه الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، وشهدت الجانب التشريعي الأول في صدر الإسلام، وفي مساجدها التف المسلمون حول محمد - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، يتلقون القرآن العظيم، ويسمعون الحديث الشريف، وفيها شاهدوا قضاءه وقسمته للغنائم، واستنفاره للجيوش، وموادعته لخصومه، وإليها التجأ المسلمون المهاجرون بدينهم، تحت ضغط قريش والقبائل الأخرى في أطراف الجزيرة العربية، وتعلقت بها الأنظار، وعقدت عليها الآمال، حتى كان صلح الحديبية\n_________\n(١) انظر \" الخطط \" للمقريزي: ص ٢٤٦ جـ ٢.","vol":"1","page":164},{"text":"ثم الفتح الأعظم، فأصبحت مركز الحجاز السياسي، وعاصمة الدولة الإسلامية إلى أوائل خلافة عَلِيٍّ - ﵁ -.\n\nوقد يخطر ببالنا أن المهاجرين عادوا إلى مكة بعد وفاته - ﷺ -، ولكن التاريخ يؤكد لنا أن الصحابة والخلفاء آثروا أن يجاوروا رسول الله - ﷺ - (١)، ويقيموا حيث أقام. لذلك نرى في المدينة كبار الصحابة الذين رسخوا في العلم، وكانت لهم مكانة عظيمة في الحديث، ومن هؤلاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - ﵃ - وأبو هريرة وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخُدري، وزيد بن ثابت الذي اشتهر بفهم القرآن والحديث والفرائض خاصة، وكانت له مكانة رفيعة عند الخلفاء الراشدين حتى إنهم ما كانوا يقدمون عليه أَحَدًا في القضاء أو الفتوى والفرائض والقراءة (٢).\n\nوقد تخرج في المدينة كبار التابعين، ومنهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وابن شهاب الزهري، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن المنكدر وغير هؤلاء ممن كانوا مرجع الأمة في السُنَّةِ والقضاء والفتوى.\n\n٢ - مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ:\n------------------\n\nلما فتح رسول الله - ﷺ - مكة، خلف فيها مُعَاذًا يعلم\n_________\n(١) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٣٢٨ جـ ٥، وفيه كان يكره المسلمون المهاجرون أن يعود أحدهم إلى مكة بعد أن فارق الرسول - ﷺ - في المدينة.\n(٢) انظر \" تاريخ دمشق \": ص ٢٨٤ جـ ٦، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٢١٥ جـ ١ و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٣٠ جـ ١.","vol":"1","page":165},{"text":"أهلها الحلال والحرام، ويفقههم في الدين، ويقرئهم القرآن الكريم، وكان معاذ من أفضل شباب الأنصار عِلْمًا وَحِلْمًا وَسَخَاءً، شهد مع رسول الله - ﷺ - المشاهد كلها، وكان يُعَدُّ من أعلم الصحابة بالحلال والحرام. قال رسول الله - ﷺ - فيه: «مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَرَامِ اللهِ وَحَلاَلِهِ» (١) وقال - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ» (٢). وقد روى عنه عدد كبير من الصحابة، منهم عبد الله بن عباس، الذي كانت له الصدارة بعد أن عاد من البصرة إلى مكة المكرمة، كما كان في مكة عتاب بن أسيد الذي أَمَّرَهُ رسول الله - ﷺ - للصلاة في أهلها (٣)، وأخوه خالد بن أسيد، والحكم بن أبي العاص، وعثمان بن أبي طلحة وغيرهم (٤).\n\nوقد تخرج في مكة على أيدي الصحابة مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم (٥).\n\nولا بد أن نذكر هنا علو منزلة مكة المكرمة، وأثرها في تبادل الثقافة ونشر الحديث النبوي في مواسم الحج، حيث يلتقي فيها المسلمون ويجتمع أكثرهم بصحابة رسول الله - ﷺ - وبالتابعين، يحملون معهم الكثير الطيب من حديثه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - إلى بلادهم، ولا تزال لمكة والمدينة هذه المكانة إلى يومنا هذا، وستبقى ما بقي الإسلام إلى يوم الدين.\n_________\n(١) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٣٢٠ جـ ١.\n(٢) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٣١٩ جـ ١.\n(٣) المرجع السابق: ص ٣٢١ جـ ١.\n(٤) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٩٢.\n(٥) انظر \" فجر الإسلام \": ص ١٧٤.","vol":"1","page":166},{"text":"٣ - الكُوفَةَ:\n------------\n\nلقد نزل في الكوفة عدد كبير من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وفي عهد عمر - ﵁ -، حين فتحت العراق للمسلمين، وأصبحت الكوفة والبصرة قاعدتي الفتح الإسلامي في خراسان وفارس والهند، فقد هبط الكوفة ثلاثمائة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر (١) من أشهرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن مسعود وغيرهم (٢). وكان لعبد الله بن مسعود أثر كبير في رفع اسم الكوفة، لما بذله في سبيل تعليم أبنائها، وقد تخرج في هذه المدرسة كبار التابعين الذين حفظوا الشريعة وحافظوا على السنة المطهرة، فقد كان في الكوفة ستون شَيْخًا من أصحاب عبد الله بن مسعود، وكان في بني ثور الذين نزلوا الكوفة ثلاثون رجلًا، ما فيهم رجل دون الربيع بن خثيم (٣) المشهور بعبادته وورعه وعلو مكانته في الحديث، وكان فيها كميل بن [زياد] النخعي، وعامر بن شراحيل الشعبي، وسعيد بن جبير الأسدي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير (٤) وغيرهم.\n\n٤ - البَصْرَةُ:\n-------------\n\nونزل البصرة من الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - أنس بن مالك، وكان إمام البصرة في الحديث، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس الذي وَلَّى إمارتها لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ -، ونزل فيها غير هؤلاء\n_________\n(١) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٤ جـ ٦.\n(٢) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٩١.\n(٣) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٤ جـ ٦.\n(٤) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ٢٤٣ - ٢٤٨.","vol":"1","page":167},{"text":"عتبة بن غزوان ن وعمران بن حصين، وأبو برزة الأسلمي، ومعقل بن يسار، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبو زيد الأنصاري، وعبد الله بن الشِخِّيرْ، والحكم وعثمان ابنا أبي العاص وغيرهم (١).\n\nوأشهر من تخرج من مدرسة البصرة الحسن البصري الذي أدرك خمسمائة من الصحابة، ومحمد بن سيرين، وأيوب السختياني، وبهز بن حكيم القشيري، ويونس بن عبيد، وخالد بن مهران الحذاء، وعبد الله بن عون، وعاصم بن سليمان الأحول، وقتادة بن دعامة السدوسي، وهشام بن حسان (٢) وغيرهم.\n\nوأما بغداد فلم تشتهر إلا منذ عهد المنصور العباسي.\n\n٥ - الشَّامُ:\n-----------\n\nنزل الشام من الصحابة عدد كبير كانوا في جيش الفتح الإسلامي، وقد استوطن أكثرهم المدن الكبرى بادئ الأمر، ثم ما لبث سكان القرى أن تمسكوا ببعضهم عندما شعروا بالفائدة العلمية الكبرى التي حملها إليهم المسلمون، ومن الصعب حصر عدد الصحابة الذين حلوا في بلاد الشام، ولكن الوليد بن مسلم يقرب هذا لنا فيقول: «دَخَلَتْ الشَّامَ عَشْرَةُ آلاَفِ عَيْنٍ رَأَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -» (٣). وكان يزيد بن أبي سفيان قد كتب إلى عمر بن الخطاب ليعينه بالعلماء، ليفقهوا أهل الشام (٤)، فأرسل إليه معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبا الدرداء - الذين توزعوا في بلاد الشام، فأقام عبادة\n_________\n(١) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٩٢.\n(٢) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ٢٤٨.\n(٣) \" التاريخ الكبير \": ص ١٦٩ جـ ١.\n(٤) انظر \" غوطة دمشق \": ص ١٣١.","vol":"1","page":168},{"text":"في حمص، وأبو الدرداء في دمشق، ومعاذ في فلسطين، ثم أرسل عمر بعد هؤلاء عبد الرحمن بن غنم (١).\n\nونشطت الحركة العلمية في بلاد الشام وخاصة في دمشق أيام الأمويين، وما زال بها فقهاء ومحدثون ومقرئون (٢)، وانتشر فيها العلماء حتى أضحت قرية داريا حاضرة العلم والأدب في غوطة دمشق، ويقول السمعاني: «إِنَّهُ كَانَ فِي دَارْيَا جماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ قَدِيمًا وَحَديثًا، وَمِمَّنْ نَبَغَ فِيهَا مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدٍ الأَزْدِيَّ الدَّارَانِيَّ، وَيُعَدُّ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ» (٣).\n\nوقد نزل بلاد الشام غير الصحابة المذكورين أبو عبيدة بن الجراح، وبلال بن رباح وشرحبيل بن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض بن غنم، والفضل بن العباس بن عبد المطلب - وهو مدفون بالأردن -، وعوف بن مالك الأشجعي، والعرباض بن سارية (٤) وغيرهم.\n\nوتخرج على أيدي الصحابة في هذه المدرسة كبار علماء الشام من التابعين منهم سالم بن عبد الله المحاربي قاضي دمشق، وأبو إدريس الخولاني (عائذ بن عبد الله) الذي تولى القضاء بدمشق لمعاوية وابنه يزيد، ومنهم أبو سليمان الداراني، قاضي دمشق لعمر بن عبد العزيز، وليزيد وهشام ابني عبد الملك، قضى لهم ثلاثين سَنَةً، ومنهم عُمير بن هانئ العنسي الداراني المُحَدِّثُ (٥).\n_________\n(١) انظر \" فجر الإسلام \": ص ١٨٨، ١٨٩.\n(٢) انظر \" الإعلام بالتوبيخ لمن ذم التاريخ \": ص ١٣٨.\n(٣) انظر \" غوطة دمشق \": ص ١٣٤.\n(٤) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٩٣.\n(٥) انظر \" غوطة دمشق \": ص ١٣٤، ١٣٥. وانظر \" تاريخ داريا \" للقاضي عبد الجبار الخولاني: ص ٢٩ - ٧٢.","vol":"1","page":169},{"text":"وتخرج في هذه المدرسة عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، الذي يقرن بمالك وأبي حنيفة ويلقب بإمام أهل الشام، ومكحول الدمشقي، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حيوة (١)، وبحير بن سعد الكلاعي، وثور بن يزيد الكلاعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر (٢) وغيرهم.\n\n٦ - مِصْرُ:\n-----------\n\nدخل المسلمون مصر في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - وكان معه من الصحابة عدد كبير منهم الزبير بن العوام، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، والمقداد بن الأسود، كانوا على رأس المدد الذي أرسله عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص (٣)، كما كان معه عبد الله بن عمرو: أحد الصحابة المكثرين عن رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - والذي كان يُدَوِّنُ الحديث بين يدي رسول الله - ﷺ -، فقد مكث بمصر إلى ما بعد وفاة والده، وعنه روى كثير من مُحَدِّثِيهَا.\n\nونزل مصر من الصحابة عقبة بن عامر الجهني، وخارجة بن حذافة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وَمَحْمِيَّةُ بْنُ جَزْءٍ، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأبو بصرة الغفاري، وأبوسعد الخير، ومعاذ بن أنس الجهني، ومعاوية بن حُديج، وزياد بن الحارث الصدائي وغيرهم (٤).\n\nوتخرج على أيدي هؤلاء في هذه المدرسة، يزيد بن أبي حبيب مُحَدِّثُ\n_________\n(١) انظر \" فجر الإسلام \": ص ١٨٩.\n(٢) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ٢٤٢.\n(٣) انظر \" تاريخ الإسلام السياسي \": ص ٢٣٦ جـ ١.\n(٤) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٩٣، وانظر \" فتوح مصر \" لابن عبد الحكم: ص ٢٤٨ - ٣١٩، وانظر \" حسن المحاضرة \": ص ٧٢ وما بعدها جـ ١.","vol":"1","page":170},{"text":"الديار المصرية، وعمر بن الحارث، وخير بن نعيم الحضرمي، وعبد الله بن سليمان الطويل، وعبد الرحمن بن شريح الغافقي، وحيوة بن شريح التجيبي، وغيرهم، وقد كان ليزيد بن أبي حبيب أثر بعيد في نشر الحديث في مصر، فقد تتلمذ عليه الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة (١) اللذان تتلمذ عليهما خلق كثير، وكانا في عصرهما مُحَدِّثِي الديار المصرية.\n\n٧ - المَغْرِبُ وَالأَنْدَلُسَ:\n----------------------\n\nكان عمرو بن العاص قد وصل إلى برقة وطرابلس سَنَةَ (٢١ هـ) في عهد عمر بن الخطاب، فاستأذن عمرو الخليفة بفتح إفريقية فلم يأذن له، فاستجاب لأمر أمير المؤمنين وعاد إلى مصر، فكان عمرو وأصحابه أول المسلمين الذين دخلوا أطراف المغرب، وعندما تولى عثمان - ﵁ - الخلافة أذن لأمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بغزو إفريقية، وكان ذلك سَنَةَ (٢٥ هـ) ثم أمده بجيش من المدينة فيه جماعة من الصحابة، منهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن جعفر، والحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير، ولقيهم عقبة بن نافع ببرقة، فتابعوا فتح البلاد (٢)، ثم خرج لفتح المغرب مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ سَنَةَ (٣٤ هـ) وكان في غزاته هذه جماعة من المهاجرين والأنصار (٣)، وقال سليمان بن يسار: «غَزَوْنَا إِفْرِيقِيَّةَ مَعَ ابْنِ حُدَيْجٍ وَمَعَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ بَشَرٌ كَثِيرٌ» (٤). ثم ولي عقبة بن نافع المغرب، وكان في جيشه كثير من الصحابة والتابعين وهو الذي فتح المغرب الأقصى ووطد أركان الإسلام في شمال إفريقية (٥).\n_________\n(١) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ٢٤١.\n(٢) انظر \" الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى \": ص ٦٧ - ٧٠ جـ ١.\n(٣) \" فتوح مصر وأخبارها \" لابن عبد الحكم: ص ١٩٣.\n(٤) \" فتوح مصر وأخبارها \" لابن عبد الحكم: ص ١٩٣.\n(٥) انظر \" فتوح مصر وأخبارها \": ص ١٩٣ وما بعدها، و\" الاستقصا \": ص ٦٩، ٧٠ جـ ١.","vol":"1","page":171},{"text":"وقد نزل إفريقية من الصحابة غير الذين ذكرناهم مسعود بن الأسود البلوي أحد الصحابة الذين بايعوا الرسول - ﷺ - تحت الشجرة، والمسور بن مخرمة، والمقداد بن الأسود الكِنْدِي أحد الصحابة السابقين (١)، وبلال بن الحارث بن عاصم المُزَنِيِّ صاحب لواء مزينة يوم الفتح، وجبلة بن عمرو بن ثعلبة أخو أبي مسعود البدري، كان فاضلًا من فقهاء الصحابة، وسلمة بن الأكوع الصحابي المشهور وغيرهم كثير (٢).\n\nودخل إفريقية من التابعين خلق كثير منهم السائب بن عامر بن هشام ومعبد أخو عبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن الأسود، وعاصم بن عمر بن الخطاب، وعبد الملك بن مروان، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وسليمان بن يسار فقيه المدينة، وعكرمة مولى ابن عباس (٣)، وأبو منصور والد يزيد بن منصور من كبار التابعين، كما أرسل عمر بن عبد العزيز عشرة من التابعين يفقهون أهل إفريقية منهم: حبان بن أبي جبلة، وإسماعيل بن عبيد الله الأعور، وإسماعيل بن عبيد (٤)، وعبد الرحمن بن رافع التنوخي الذي ولي قضاء إفريقية، وسعيد بن مسعود التجيبي وغيرهم (٥) ممن ساهموا في نشر الإسلام وتعليم أبناء البلاد وتفقيههم.\n_________\n(١) انظر \" الاستقصا \": ص ٧٥ - ٨٠ جـ ١.\n(٢) انظر \" فتوح مصر وأخبارها \": ص ٢٤٨ - ٣١٩. و\" طبقات علماء إفريقية \": ص ١٦، ١٧.\n(٣) لم يدخل عكرمة غازيًا، وكان له مجلس في مؤخر مسجد الجامع في غربي المنارة، الموضع الذي يسمى بِالرَّكِيبِيَّةِ. انظر \" طبقات علماء إفريقية \": ص ١٩.\n(٤) هو صاحب سوق مسجد إسماعيل والأحباس، وهو الذي يقال له تاجر الله. أنظر \" طبقات علماء إفريقية \": ص ٢٠.\n(٥) انظر \" طبقات علماء إفريقية \": ص ١٩ - ٢١.","vol":"1","page":172},{"text":"وقد تخرج على أيدي هؤلاء من أهل إفريقية خلق كثير منهم: زياد بن أنعم المعافري، وعبد الرحمن بن زياد، ويزيد بن أبي منصور، والمغيرة بن أبي بردة، ورفاعة بن رافع، وعمرو بن راشد بن مسلم الكناني، وعمران بن عبد المعافري، والمغيرة بن سلمة، ومسلم بن يسار الإفريقي، وغيرهم ممن حمل لواء العلم (١).\n\nوما لبثت مدينة القيروان أن أضحت محط أنظار أهل المغرب فكان فيها سحنون بن سعيد، وسعيد بن محمد الحداد (٢). كما لمعت قرطبة وإشبيلية وغرناطة وبلنسية، من بلدان الأندلس في مطلع القرن الثالث الهجري بيحيى بن يحيى وابن حبيب، وببقي بن مخلد وغيرهم (٣).\n\n٨ - اليَمَنُ:\n------------\n\nكان رسول الله - ﷺ - قد وجه معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، كما نزل غيرهما من الصحابة فيها، وتخرج في اليمن علماء من ألمع التابعين، منهم همام ووهب بنا منبه، وطاوس وابنه، ثم معمر بن راشد، ثم عبد الرزاق بن همام وأصحابه (٤).\n\n٩ - خُرَاسَانُ:\n-------------\n\nنزل خراسان من الصحابة وتوفي بها بُرَيْدَةُ بن الحصيب الأسلمي وهو مدفون بمرو، وأبو برزة الأسلمي، والحكم بن عمرو الغفاري، وعبد الله بن\n_________\n(١) انظر \" طبقات علماء إفريقية \": ص ٢١ - ٢٤.\n(٢) انظر \" إعلام الموقعين \": ص ٢٧ جـ ١.\n(٣) انظر \" الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ \": ص ١٤٠، وانظر \" إعلام الموقعين \": ص ٢٧ جـ ١.\n(٤) انظر \" الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ \": ص ١٣٩، ١٤٠.","vol":"1","page":173},{"text":"حازم الأسلمي المدفون بنيسابور، وقثم بن العباس المدفون بسمرقند (١)، وفي هذه البلاد ظهر كبار المحدثين.\nفي (بخارى) كان عيسى بن موسى غنجار، وأحمد بن حفص الفقيه، ومحمد بن سلام البيكندي، وعبد الله بن محمد السندي، ثم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.\nوفي (سمرقند) أبو عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ثم محمد بن نصر المروزي.\n\nكما ظهر في [الشاش] فيما بعد الحسن بن الحاجب والهيثم بن كليب.\n\nوفي (فرياب) تخرج جماعة من العلماء أقدمهم محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري، ثم القاضي جعفر بن محمد الفريابي صاحب التصانيف المُتَوَفَّى سَنَةَ (٢٢٦ هـ) (٢).\n\nمن كل ما تقدم يتبين لنا أن المسلمين عندما ساروا إلى البلاد المجاورة، لم يسيروا وراء دنيا يصيبونها، ولا خلف تجارة يربحون منها، وإنما انطلقوا ليحرروا الأمم من الظلم والطغيان، وينشروا بين أبناء البلاد الجديدة تعاليم الإسلام، ويأخذوا بأيديهم إلى جادة الصواب، ويفتحوا عيونهم على نور الهداية والحق. وبهذا، تتميز الفتوحات الإسلامية عن جميع الفتوحات التي عرفها التاريخ، إلى جانب ميزات كثيرة يضيق المقام بذكرها، ومن أجل تحقيق تلك الغاية المذكورة، استقر علماء الصحابة في الأقطار المختلفة، وأمد الخلفاء الأمصار\n_________\n(١) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٩٤.\n(٢) انظر \" الإعلان بالتوبيخ لم ذم التاريخ: ص ١٤٣.","vol":"1","page":174},{"text":"بالعلماء ليسرعوا في حركة التحرير والهداية والتعليم، وقد التف المسلمون الجدد حول من عندهم من الصحابة.\n\nوكان الصحابة يتفاوتون في العلم، ولم يكن عند كل واحد منهم جميع ما قاله الرسول - ﷺ - وشرعه، ولهذا بدأت الرحلات العلمية في سبيل جمع الحديث وتلقيه، وقد ظهرت هذه أَيْضًا بين الصحابة، وكثرت الرحلات من التابعين وأتباعهم ليسمعوا ما فاتهم، أو ليتأكدوا مما سمعوا، ولهذا نرى كثيرًا من التابعين يقصدون الصحابة في أقاصي البلاد يسافرون الليالي والأيام في طلب حديث أو حديثين كما سيظهر لنا بعد قليل. وقد رأينا بروز بعض الصحابة ولمعانهم في الأقطار المختلفة، فانطبع تلامذتهم بطابعهم وساروا على نهجهم، ثم حلوا محلهم وحملوا لواء العلم ونشره.\n\n***","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ:</span>\nكانت الرحلة في طلب الحديث قائمة في عهده - ﷺ -، فكان بعض من يسمع بالرسالة الجديدة، يسافر إلى الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ليسمع القرآن الكريم، ويتفهم تعاليم الإسلام، ثم ينصرف إلى قومه بعد أن يعلن إسلامه كما فعل ضمام بن ثعلبة.\nفالرحلة في عهد الرسول كانت عامة من أجل معرفة تعاليم الدين الجديد.\n\nوأما في عهد الصحابة والتابعين وأتباعهم فقد تمت رحلات كثيرة من العلماء في طلب الحديث خاصة، وكثيرًا ما كانوا يقطعون المسافات الطويلة لسماع حديث أو التأكد من حديث وضبطه، أو للالتقاء بصحابي وملازمته، للأخذ عنه، لأن الصحابة في عهد التابعين توزعوا في البلدان ونقلوا في صدورهم الحديث النبوي، فكان لا بد لمن أراد أن يجمع حديث محمد - ﷺ - من أن ينتقل من بلد إلى آخر، وراء الصحابة الذين سمعوا منه ورأوه وأخذوا الأحكام عنه، ثم رحل أتباع التابعين إلى التابعين، ولازموهم وأخذوا عنهم، حتى تم جمع الحديث في مراجعه الكبرى، ومع هذا لم تنقطع رحلة العلماء في سبيل المذاكرة والعرض على الشيوخ المشهورين.\n\nومما يروى في رحلة الصحابة ما حَدَّثَ به عَطَاءُ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ: \"خَرَجَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - غَيْرُهُ، وَغَيْرُ عُقْبَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَى مَنْزِلِ مُسْلِمَةَ بْنَ مَخْلِدٍ الأَنْصَارِيَّ - وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرَ -،","vol":"1","page":176},{"text":"فَأَخْبَرَهُ فَعَجَلَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَعَانَقَهُ ثُمَّ قَالَ: \" مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا أَيُّوبَ؟ \" فَقَالَ: \" حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - غَيْرِي وَغَيْرُ عُقْبَةُ، فَابْعَثْ مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى مَنْزِلِهِ \"، قَالَ: \" فَبَعَثَ مَعَهُ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَى مَنْزِلِ عُقْبَةَ، فَعَجَّلَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَعَانَقَهُ، وَقَالَ: \" مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا أَيُّوبُ \" فَقَالَ: \" حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَهُ غَيْرِي وَغَيْرُكَ فِي سَتْرِ الْمُؤْمِنِ \"، قَالَ عُقْبَةُ: \" نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى خِزْيَةٍ (١) سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ: \" صَدَقْتَ\"، ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَرَكِبَهَا رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ، فَمَا أَدْرَكَتْهُ جَائِزَةُ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ إِلاَّ بِعَرِيشِ مِصْرَ\" (٢).\n\nلقد خشي أبو أيوب أن يكون نسي شيئًا من حديث «سَتْرِ المُؤْمِنِ»، فأحب أن يتأكد من ذلك، ويتثبت من صحة ما يحفظه عن الرسول الكريم، فرحل من الحجاز إلى مصر، يقطع الفيافي والقفار في سبيل ذلك!!.\n\nوَعَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ بَلَغَهُ حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ:\" فَابْتَعْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ إِلَيْهِ رَحْلِي شَهْرًا، حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ أَنَّ جَابِرًا بِالبَابِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَقَالَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَخَرَجَ فَاعْتَنَقَنِي، قُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي لَمْ أَسْمَعْهُ، خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ أَوْ تَمُوتَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ\n_________\n(١) الخِزْيَةُ: هو الشيء الذي يستحيا منه. وانظر \" لسان العرب \": ص ٢٤٧ جـ ١٨.\n(٢) \" معرفة علوم الحديث \": ص ٨، و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٩٣، ٩٤ جـ ١. وذكره زهير بن حرب في كتابه \" العلم \" عن رجل ولم يذكر أبا أيوب الأنصاري، انظر: ص ١٨٧: ب. كما ذكر الخطيب مثله في \" الجامع لأخلاق الراوي \": ص ١٦٨: ب - ١٦٩: آ.","vol":"1","page":177},{"text":"ﷺ يَقُولُ: «يَحْشُرُ اللَّهُ العِبَادَ - أَوِ النَّاسَ - عُرَاةً غُرْلًا (١) بُهْمًا»، قُلْنَا: \"مَا بُهْمًا؟ \" قَالَ: \" لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ - أَحْسَبُهُ قَالَ: كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ -: أَنَا المَلِكُ، لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ، وَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَدْخُلُ النَّارَ، وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ \"، قُلْتُ: وَكَيْفَ؟ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً بُهْمًا؟ قَالَ: «بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (٢).\n\nوتنشط الرحلات في طلب الحديث بين التابعين وأتباعهم، حتى لقد كان أحدهم يخرج وما يخرجه إلا حديث عند صحابي يريد أن يسمعه منه لأنه سمعه من رسول الله - ﷺ -، وفي هذا يروى عَنْ أَبِي العَالِيَةِ قَوْلُهُ: «كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِالبَصْرَةِ، فَلَمْ نَرْضَ حَتَّى رَكِبْنَا إِلَى المَدِينَةِ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ» (٣).\n\nوَخَرَجَ الشَّعْبِيُّ [إِلَى مَكَّةَ] فِي ثَلاَثَةِ أَحَادِيثَ ذُكِرَتْ لَهُ، فَقَالَ: «لَعَلِيِّ أَلْقَى رَجُلًا لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ» (٤)، وروى الزُّهْرِي عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: «إِنْ كُنْتُ لأَسِيرُ ثَلاَثًا فِي الحَدِيثِ الوَاحِدِ» (٥). وأقام أبو قلابة بالمدينة وليس له بها حاجة إلا رجل عنده حديث واحد ليسمعه منه (٦). وَيُرْوَى أن «مَسْرُوقًا»\n_________\n(١) غُرْلًا: جمع (أغرل) وهو الذي لم يختن.\n(٢) \" الأدب المفرد \": ص ٢٣٧ و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٩٣ جـ ١ و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٦٨: ب.\n(٣) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٦٨: ب. \" الكفاية \": ص ٤٠٢.\n(٤) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ٢٩: آ.\n(٥) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ٢٨: ب. و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٦٩: ب، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٥٢ جـ ١، و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٤ جـ ١.\n(٦) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ٢٨: ب.","vol":"1","page":178},{"text":"رحل في حرف (١)، ويظهر أن «مَسْرُوقًا» (٢) كان كثير الترحال، ولذلك قَالَ عَامِرُ الشَّعْبِيِّ: «مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ كَانَ أَطْلَبَ [لِلْعِلْمِ] فِي أُفُقٍ مِنَ الآفَاقِ مِنْ مَسْرُوقٍ» (٣). ويروى عن الشعبي أنه حَدَّثَ بحديث ثم قال لمن حدثه: «أَعْطَيْتُكَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّاكِبُ لَيَرْكَبُ إِلَى المَدِينَةِ فِيمَا دُونَهُ» (٤).\n\nوكان الصحابة الكرام يشجعون على طلب العلم، وعلى الرحلة من أجله، من هذا ما رُوِيَ عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى مِنِّي، تَبْلُغُهُ الإِبِلُ، لأَتَيْتُهُ» (٥)، وكانوا يرحبون بطلاب العلم كما سبق أن ذكرنا، وكل هذا حَبَّبَ إلى التابعين الرحلة، حتى إِنَّ عَامِرًا الشَّعْبِيَّ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ مِنْ أَقْصَى الشَّامِ إِلَى أَقْصَى اليَمَنِ؛ لِيَسْمَعَ كَلِمَةَ حِكْمَةٍ مَا رَأَيْتُ سَفَرَهُ ضَاعَ (٦)»، وفعلًا كانوا يرحلون إلى الصحابة ولا يرون أن سفرهم قد ضاع.\n\nعَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، أَتَيْتُكَ مِنَ المَدِينَةِ، مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ\n_________\n(١) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٩٤ جـ ١.\n(٢) ومسروق هو ابن الأجدع الهمداني أبو عائشة تابعي ثقة يمني الأصل، رحل إلى المدينة أيام أبي بكر ثم سكن الكوفة وشهد حروب علي وكان يفتي، تُوُفِّيَ سَنَةَ (٦٢ هـ). انظر: \" تهذيب التهذيب \": ص ١٠٩ جـ ١٠.\n(٣) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٩٤ جـ ١. و\" المحدث الفاصل \": ص ٢٩: آ.\n(٤) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٩٤ جـ ١. و\" معرفة علوم الحديث \": ص ٧، وقد أخرج الشيخان نحوه، انظر \" صحيح البخاري بحاشية السندي \": ص ١٧١ جـ ٢، وانظر \" الأدب المفرد \": ص ٨١، و\" صحيح مسلم \": ص ١٣٥ جـ ١، كما أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.\n(٥) \" الكفاية \": ص ٤٠٢.\n(٦) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٩٥ جـ ١. و\" الرحلة الحجازية والرياض الأنسية \": ص ١٤.","vol":"1","page":179},{"text":"ﷺ؛ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: وَلاَ جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ العِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، حَتَّى الحِيتَانِ فِي المَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١).\n\nوَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ (٢)، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ المُرَادِيَّ، فَقَالَ: \" مَا جَاءَ بِكَ؟ \"، قُلْتُ: \" أُنْبِطُ العِلْمَ \"، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ خَارِجٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِي طَلَبِ العِلْمِ، إِلاَّ وَضَعَتْ لَهُ المَلاَئِكَةُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا بِمَا يَصْنَعُ» (٣).\n\nوأخبار العلماء ورحلاتهم كثيرة يضيق المقام بذكرها، ويكفينا أن نذكر شيئًا منها، فقد رحل ابن شهاب إلى الشام ليلقى عطاء بن يزيد وابن مُحيريز وابن حيوة، ورحل يحيى بن أبي كثير إلى المدينة للقاء من بها من أولاد الصحابة، ورحل محمد بن سيرين إلى الكوفة فلقي بها عبيدة وعلقمة وعبد الرحمن\n_________\n(١) \" سنن البيهقي \": ص ٨١ جـ ١، و\" الجرح والتعديل \": ص ١٢ جـ ١ وقد رواه ابن ماجه في \" سننه \": ص ٨١ جـ ١.\n(٢) زِرٍّ: بزاي مكسورة فراء مشددة بوزن هِرٍّ.\n(٣) \" سنن ابن ماجه \": ص ٨٢ حديث ٢٢٦ جـ ١ طبعة عيسى البابي الحلبي، وانظر \" مجمع الزوائد \": ص ١٣١ جـ ١، و\" الجرح والتعديل \": ص ١٣ جـ ١. و«أَنْبَطَ العِلْمَ»: أي طلبه واستخرجه من عند أهله.","vol":"1","page":180},{"text":"ابن أبي ليلى، ورحل الأوزاعي إلى يحيى بن أبي كثير باليمامة ودخل البصرة، ورحل سفيان الثوري إلى اليمن ثم دخل البصرة، ورحل عيسى بن يونس إلى الأوزاعي بالشام ... ورحل شعيب بن أبي حمزة إلى الزهري وهو يومئذٍ بالشام. وأما رحلة العلماء من بلد إلى بلد في الإقليم الواحد، فكثيرة كثرة تفوق الحصر (١).\n\nوكان لرحلات العلماء في طلب الحديث أثر بعيد في انتشار السُنَّةِ، فمما لا شك فيه أن الراوي يرى مَنْ يُرْوِي عَنْهُ، ويقف على سيرته، ويسأل أهل بلده عنه، وكثيرًا ما كانوا يتشددون في السؤال عن الراوي، حتى يقال لهم: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تُزَوِّجُوهُ؟» (*).\n\nكذلك كان للرحلات فائدة عظيمة في معرفة طرق كثيرة للحديث الواحد فقد يسمع الراوي من علماء المصر الذي رحل إليه زيادات لم يسمعها من علماء مصره وكثيرًا ما يجد عندهم ما لم يجده عند شيوخه، وقد تقع مناظرات بين علماء الأمصار، تعارض فيها طرق الحديث الواحد، فيحصل فيها القوي ويعرف الضعيف، ويزداد طلاب العلم معرفة لأسباب ورود الأحاديث، حين يلقون من سمع من رسول الله - ﷺ - أو أفتاه أو قضى له.\n\nويكفي الرحلة فائدة أن تساعد على نشر الحديث وجمعه، وتمحيصه والتثبت فيه، فكان لرحلات الصحابة والتابعين وأتباعهم أثر جليل في المحافظة على السُنَّةِ وجمعها وتدلنا تراجم الرواة على الصعاب التي كانوا\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \": ص ٣١: ب و٢٢: ب. وراجع \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٩٤ و٩٥ جـ ١.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) عَنْ الحَسَنِ بْنَ صَالِحٍ بْنَ حَيٍّ - أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَكْتُبَ عَنِ الرَّجُلِ سَأَلْنَا عَنْهُ حَتَّى يُقَالَ لَنَا: أَتُرِيدُونَ أَنْ تُزَوِّجُوهُ؟»، \"الكفاية في علم الرواية \" للخطيب البغدادي، تحقيق: أبو عبد الله السورقي، إبراهيم حمدي المدني، ١/ ٩٢، نشر المكتبة العلمية. المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":181},{"text":"يستعذبونها في سبيل حفظ السنة، وسماع أحاديث رسول الله - ﷺ - من منابعها الصحيحة، ويكفينا أن نقرأ في ترجمة أحدهم، هو فلان اليمني، ثم المكي، ثم المدني، ثم الشامي، ثم الكوفي، ثم البصري، ثم المصري، لنعرف مقدار ما قاسى في قطع الفيافي والبعد عن الأهل والأوطان، وما تحمله من مشاق حتى أصبح من رجال الحديث في عصره، فلم يصلنا الحديث في مصنفاته وكتبه، مرتبًا باسانيده، وعلى أبواب جامعة كل منها في موضوع خاص، إلا بعد أن خدمه الصحابة، والتابعون وأتباعهم، والعلماء من بعدهم ووقفوا عليه حياتهم، فجزاهم الله عنا خير الجزاء، وأسكنهم فسيح جناته.\n\nلا شك في أن الحديث النبوي قد انتشر جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع القرآن الكريم، ووصل إلى الأقاليم الإسلامية الجديدة، ولا نشك في أن العلم لم يبق مقصورًا على مكة والمدينة، بل تعددت مراكزه ومجالسه، وشهدت الأمصار البعيدة ما شهدته حواضر العالم الإسلامي، من نشاط علمي على يدي الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، ويمكننا أن نتصور مدارس متنقلة في مختلف الأمصار، روادها الصحابة وكبار التابعين، إذ كان يكفي لأهل خراسان مثلًا أن يحل بينهم صحابي حتى يسرعوا إليه، ويلتفوا حوله ويسألوه ويستقرئوه القرآن ويسمعوا منه حديث الرسول - ﷺ -.\n\nهذا جانب عظيم يصور لنا انتشار السُنَّةِ في أبعد حدود الدولة الإسلامية ولكن لا بد لنا من أن نقول الحق وإن كان مُرًّا، فإن بعض من دخل الإسلام - إثر الفتح - إنما دخله نفاقًا، أو اعتنقه على","vol":"1","page":182},{"text":"أنقاض عقائد فاسدة بقيت رواسبها في نفسه، فجعلته ينتهز أية فرصة للطعن في الدين الجديد، الذي قوض أمجاد آبائه، وأطاح بمصالحه الشخصية، ومنهم من كان متعصبًا لقومه وبلده. وهناك بعض الخلافات السياسية التي حدثت عقب الفتنة وظهور الفرق والأحزاب، كل هذا كان عاملًا في ظهور الوضع في الحديث الشريف إلى جانب انتشاره في الآفاق. وهذا ما سندرسه في الباب التالي ونفصل أسبابه ونبين جهود الصحابة والتابعين وأتباعهم، والعلماء من بعدهم، في سبيل المحافظة على السُنَّةِ، وصيانتها من عبث أعداء الدين.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>البَابُ الثَّالِثُ: الوَضْعُ فِي الحَدِيثِ:</span>\nالفصل الأول: ابتداء الوضع وأسبابه.\n\nالفصل الثاني: جهود الصحابة والتابعين ومن تبعهم في مقاومة الوضع وحفظ الحديث.\n\nالفصل الثالث: آراء بعض المستشرقين وأشياعهم في السُنَّةِ ونقدها.\n\nالفصل الرابع: أشهر ما ألف في الرجال والموضوعات وهو ثمار جهود العلماء في المحافظة على الحديث.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الفَصْلُ الأَوَّلُ: ابْتِدَاءُ الوَضْعِ وَأَسْبَابُهُ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>أَوَّلًا: ابْتِدَاءُ الوَضْعِ:</span>\nبقي الحديث النبوي صافيًا لا يعتريه الكذب، ولا يتناوله التحريف والتلفيق طول اجتماع كلمة الأمة على الخلفاء الأربعة الراشدين، قبل أن تنقسم إلى شيع وأحزاب، وقبل أن يندس في صفوفها أهل المصالح والأهواء وكانت المبادرة الأولى التي ترتبت عليها الاضطرابات الكثيرة في القرن الهجري الأول هي فتنة عثمان - ﵁ - واستشهاده، فقد هزت العالم الإسلامي هزة عظيمة، وأورثت الأمة عواقب وخيمة، امتدت آثارها إلى يومنا، ثم اجتمعت - بعد الفتنة - كلمة المسلمين على أمير المؤمنين عَلِيٌّ - ﵁ -، إلا أن الأحداث كانت أقوى من أن تفسح للهدوء والسلام سبيلهما إلى الدولة آنذاك، فحصل انقسام كبير في صفوف الأمة، تجسم في معسكر أمير المؤمنين عَلِيٌّ الذي انطوى تحت جناحه أهل الحجاز والعراق، ومعسكر أمير الشام معاوية الذي انضم إليه أكثر أهلها وأهل مصر.\n\nوقد جر هذا الانقسام على الأمة الحروب الطاحنة، وما لبث أن انتهى بالتحكيم الذي كان سببًا لظهور فرق سياسية مختلفة (١)، فالجمهور يؤيدون عَلِيًّا\n_________\n(١) انظر \" تاريخ الإسلام \" للدكتور حسن إبراهيم حسن: ص ٢٦٨ جـ ١، و\" التبصير في الدين \": ص ٦، و\" فجر الإسلام \": ص ٢٥٦.","vol":"1","page":187},{"text":"- ﵁ -، لأنه الخليفة الذي بايعته الأمة بعد مقتل عثمان - ﵁ -، وحزب معاوية قام مطالبًا بدم عثمان، وانتهى به الأمر إلى طلب الخلافة، وممارسة الحكم فعلًا بعد التحكيم، والخوارج قوم من شيعة أمير المؤمنين عَلِيُّ انشقوا عنه لأنه قبل التحكيم ونادوا (لاَ حُكْمَ إِلاَّ للهِ)، ونقموا على معاوية لأنه يريد أن يتولى أمر المؤمنين، وهذا لا يكون إلا بالشورى بينهم، وكان هؤلاء أشداء أقوياء، جلهم من العرب الجفاة القساة، وكان لأمير المؤمنين عَلِيٌّ - ﵁ - معهم مواقع كثيرة وحروب دامية مدة خلافته، كما كان لهم أثر بعيد في إقلاق مضاجع خلفاء بني أمية طيلة الحكم الأموي.\n\nوبعد استشهاد عَلِيٍّ - ﵁ - قام بعض شيعته يطالبون بحقهم في الخلافة.\n\nوهكذا نشأت الأحزاب والفرق التي اتخذت شكلًا دينيًا كان له أبلغ الأثر في قيام المذاهب الدينية في الإسلام (١). وقد حاول كل حزب أن يدعم ما يَدَّعِي بالقرآن والسنة، ومن البدهي ألا يجد كل حزب ما يؤيد دعواه في نصوص الحديث بما لا تحتمله، إلا أن هذا لم يحقق ما يرمون إليه، ولم يجد بعضهم إلى تحريف القرآن أو تأويله سبيلًا، لكثرة حفاظه، فتناولوا السُنَّةَ بالتحريف وزادوا عليها، ووضعوا على رسول الله ما لم يقل (٢)، ونشطت حركة الوضع مع الزمن، حتى اختلط الحديث الصحيح بالموضوع، وظهرت أحاديث موضوعة في فضائل الخلفاء الأربعة وغيرهم من رؤساء الفرق وزعماء الأحزاب، ثم ظهرت\n_________\n(١) انظر \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \" [للدكتور مصطفى السباعي]: ص ٨٩.\n(٢) انظر \" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٨ جـ ٢.","vol":"1","page":188},{"text":"أحاديث صريحة في دعم المذاهب السياسية والفرق الدينية، وكانت الأحاديث الموضوعة تولد مع ظهور الفرق، فينبري من يضع أحاديث تنتقص تلك الفرق، كما يقف الواضعون من الخصوم للدفاع عنها وهكذا، حتى تكونت مجموعة من الأحاديث الموضوعة التي كشف عنها جهابذة هذا العلم ورجاله، ولم يقتصر الوضع على فضائل الأشخاص، ودعم الآراء والأفكار العقائدية والمذاهب السياسية، بل تعداها إلى مختلف أبوب الحديث، وكادت الأحاديث الموضوعة تتناول جميع جوانب الحياة الخاصة والعامة، فوضعت أحاديث في الفضائل والمثالب، وأحاديث في مناقب البلدان والأيام، وأخرى في العبادات المختلفة، وفي المعاملات والأطعمة والأدب والزهد والذكر والدعاء، وفي الطب والمرض والفتن والمواريث وغيرها.\n\nويجدر بنا أن نبين أن الوضع لم يصل إلى ذروته في هذا القرن، لأنه نشأ قبل منتصف القرن الهجري الأول بقليل، وسرعان ما كان يعرف الحديث الموضوع لكثرة الصحابة والتابعين الذين عرفوا الحديث وحفظوه، ولم يؤخذوا بأراجيف الكذابين، وأخبار الوضاعين، هذا إلى أن أسباب الوضع في ذلك القرن لم تكن كثيرة، وكانت الأحاديث الموضوعة تزداد بازدياد البدع والفتن، وكان الصحابة وكبار التابعين وعلماؤهم في معزل عنها.\n\nويصور لنا الإمام ابن تيمية ذلك في قوله: «الصَّحَابَة - ﵃ - كَانُوا أَقَلَّ فِتَنًا مِنْ سَائِرِ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُ كلما تاخر الْعَصْر عَن النُّبُوَّة كثر التَّفَرُّق وَالْخلاف، وَلِهَذَا لم يحدث فِي خلاَفَة عُثْمَان بِدعَة ظاهرة فَلَمَّا قتل وتفرق النَّاسُ حدثت بدعتان متقابلتان بِدعَة الخَوَارِج المُكَفِّرِينَ لِعَلِيٍّ وَبِدْعَةُ الرَّافِضَةِ المُدَّعِينَ لإِمَامَتِهِ وَعِصْمَتِهِ أَوْ نُبُوَّتِهِ","vol":"1","page":189},{"text":"أَو إلاهيته (١)، ثمَّ لما كَانَ فِي آخر عصر الصَّحَابَة فِي إِمَارَة ابْن الزبير وَعبد الْملك حدثت بِدعَة المرجئة والقدرية. ثمَّ لما كَانَ فِي أول عصر التَّابِعين، فِي أَوَاخِر الخلاَفَة الأموية حدثت بِدْعَةُ الجَهْمِيَّةِ وَالمُشَبِّهَةِ الممثلة، وَلم يكن عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَة شَيْء من ذَلِك،\nوَكَذَلِكَ فتن السَّيْف، فَإِن النَّاس كَانُوا فِي ولاَيَة مُعَاوِيَة - ﵁ - متفقين يغزون العَدُوَّ، فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَة قتل الحُسَيْن، وَحُوصِرَ ابْنُ الزبير بِمَكَّة، ثمَّ جرت فتْنَة الحَرَّةِ بِالمَدِينَةِ (٢) ثمَّ لما مَاتَ يزِيد جرت فتْنَة بِالشَّام بَين مَرْوَان وَالضَّحَّاكِ بمرج راهط، ثمَّ وثب المُخْتَار على ابْن زِيَاد فَقتله وَجَرَتْ فِتْنَةٌ، ثمَّ جَاءَ مُصعب بن الزبير فَقتل المُخْتَارَ وَجَرت فتْنَة ثمَّ ذهب عبد الملك إِلَى مُصعب فَقتله وَجَرت فتْنَة، وَأرْسل الحجَّاج إِلَى ابْن الزبير فحاصره مُدَّة ثمَّ قَتله، وَجَرت فتْنَة ثمَّ لما تولى الحَجَّاجُ العِرَاقَ خرج عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الأَشْعَث مَعَ خلق عَظِيم من العراق وَكَانَت فتْنَة كَبِيرَة، فَهَذَا كُله بعد موت مُعَاوِيَة، ثمَّ جرت فتْنَة ابْن الْمُهلب بخراسان، وَقتل زيد بن عَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ وَقتل خلق كثير آخَرُونَ، ثمَّ قَامَ أَبُو مُسلم وَغَيره بخراسان وَجَرَتْ حروب وَفتن يطول وصفهَا (٣).\n\nوعلى هذا فإنا نستبعد ظهور الوضع قبل الفتنة، كما نستبعد تطوع أحد من الصحابة بوضع الحديث على لسان رسول الله - ﷺ -، ولا يعقل أن يتصور مسلم الصحابة الأجلاء، الذين بذلوا نفوسهم وأموالهم في سبيل الله\n_________\n(١) على اختلاف الرافضة في ذلك حسب فرقهم وما ذهبت إليه كل فرقة منهم.\n(٢) وقعة الحرة مشهورة كانت سَنَةَ ثلاث وستين أيام خلافة يزيد بن معاوية، وسميت بذلك نسبة إلى «حَرَّةِ وَاقِمٍ» قرب المدينة. انظر هامش صفحة: ٢٩٣ من \" المنتقى من منهاج الاعتدال \".\n(٣) \" المنتقى من منهاج الاعتدال \": ص ٣٨٦، ٣٨٧.","vol":"1","page":190},{"text":"ودافعوا عن رسول الله - ﷺ -، وهجروا أوطانهم وقاسوا ألوان العذاب، ومرارة العيش استجابة للرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، لا يعقل أن يتصورهم يفترون ويكذبون على رسول الله - ﷺ -. وهو الذين نشؤوا في رعايته، وتخرجوا في جامعته، ونهلوا من معينه، وتأسوا بفعله، فكانوا على جانب عظيم من التقى والورع والخشية، لذلك ننفي إقدام الصحابة الكرام على الكذب على رسول الله.\n\nوإن ما نقله بعض أهل الأهواء من أن بعض الصحابة والتابعين كانوا يضعون في عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - الأخبار القبيحة التي تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، إرضاء لمعاوية الذي «جَعَلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا يُرَغِّبُ فِي مِثْلِهِ فَاخْتَلَفُوا مَا أَرْضَاهُ. مِنْهُمْ: أَبُو هَرَيرَةَ، وَعَمْرُو بْنُ العَاصِ، وَالمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَمِنَ التَّابِعِينَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ» (١). إن ما نقله هؤلاء وغيرهم لا يرقى إلى الصحة، وتاريخ الصحابة ينفي هذه الادعاءات ويدحض مثل هذه المزاعم.\n\nوإن الواقع التاريخي في حياة رسول الله - ﷺ - وبعد وفاته ينفي كل افتراء على الصحابة في هذا الموضوع، والصحابة أسمى بكثير من أن يخوضوا في الكذب والوضع، وهم الذين سمعوا من رسول الله - ﷺ - في مواطن كثيرة قوله: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٢)، وقوله - ﷺ -: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ،\n_________\n(١) نقله ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الإسكافي، انظر \" شرح نهج البلاغة \" طبعة بيروت: ص ٤٦٧ جـ ١، وقد رددنا رَدًّا مفصلًا على هذا الادعاء في الفصل الثاني من (أبي هريرة)، وانظر كتابنا \" أبو هريرة راوية الإسلام \".\n(٢) أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني، وأخرج نحوه الإمام أحمد، انظر \" تمييز المرفوع من الموضوع \": ص ٢.","vol":"1","page":191},{"text":"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١)، فلا يعقل أن يقدم أحد من الصحابة - بعد أن عرف جزاء الكذب على رسول الله - على وضع واختلاق ما لم يقله - ﷺ -، ولا يعقل أن يجازف أحد منهم بالنور النبوي الذي خالط قلبه وروحه، فيطفئه بوضع حديث في سبيل دعم فكرة أو للانتصار لحزب أو للتقرب من شخص، وإن أية محاولة في سبيل إثبات الوضع من قبل الصحابة ستبوء بالفشل، لكثرة الأدلة القاطعة على ورعهم وخشيتهم وبعدهم عن المعاصي، واعتزال أكثرهم الفتن وابتعادهم عن الضلالات والبدع، بل إن الأدلة على أنهم كانوا حفظة للشريعة يَذُبُّونَ عن السُنَّةِ التحريف والتأويل أكثر من أن تحصى، ولو فرضنا جدلًا وقوع الوضع من بعض الصحابة - وهذا بعيد - فإن ذلك سينكشف أمره وينتقل إلينا كما انتقلت أخبار كثير من الحوادث الجليلة والدقيقة (٢) ويقوي هذا عندنا، ذلك الوعي الرفيع الذي كان يتميز به الصحابة وكبار التابعين، إلى جانب رسوخهم في الحديث النبوي، الذي يسهل عليهم معرفة الصحيح من الموضوع، وراء هذا كله جرأتهم\n_________\n(١) أخرجه الشيخان والترمذي عن المغيرة بن شعبة، انظر \" تمييز المرفوع من الموضوع \": ص ٢: ب.\n(٢) وقد ذكر لنا المؤرخون والمحدثون حادثة واحدة كذب فيها رجل على رسول الله فكان مصيره الموت: أخرج الطبراني في \" الأوسط \" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا لَبِسَ حُلَّةً مِثْلَ حُلَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ أَتَى أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ المَدِينَةِ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَنِي أَيَّ أَهْلِ بَيْتٍ شِئْتُ اسْتَطْلَعْتُ، [فَقَالُوا: عَهْدُنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لاَ يَأْمُرُ بِالفَوَاحِشِ] قَالَ: فَأَعَدُّوا لَهُ بَيْتًا، وَأَرْسَلُوا رَسُولًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «انْطَلِقَا إِلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدْتُمَاهُ [حَيًّا فَاقْتُلاَهُ، ثُمَّ حَرِّقَاهُ بِالنَّارِ]، وَإِنْ وَجَدْتُمَاهُ قَدْ كُفِيتُمَاهُ فَحَرِّقَاهُ، وَلاَ أَرَاكُمَا إِلاَّ وَقَدْ كُفِيتُمَاهُ»، فَأَتَيَاهُ فَوَجَدَاهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ اللَّيْلِ يَبُولُ، فَلَدَغَتْهُ حَيَّةٌ [أَفْعَى]، فَمَاتَ، فَحَرَّقَاهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَاهُ الخَبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». انظر \" تمييز المرفوع عن الموضوع \": ص ٤: ب. وفي سنده عطاء بن السائب قد اختلط. انظر \" مجمع الزوائد \": ص ١٤٥ جـ ١.","vol":"1","page":192},{"text":"المثالية في الحق، وهي جرأة لم ترض لهم أن يسكتوا عن آبائهم وأعز الناس إليهم إذا انحرفوا عن سواء السبيل، ولم يكن يخيفهم آنذاك سلطان الحاكم، ولا نفوذ القوي، بل كثيرًا ما كانوا يعترضون على الحكام والعلماء وغيرهم، يبينون وجه الحق، لا يخافون فيه لومة لائم. وإن التاريخ الإسلامي ليعتز بذلك الجيل الذي تمثل الإسلام، وعمل به فكان قدوة حسنة للأجيال التالية، وإن هذا كله ليدفع كل شبهة تحوم حول إيقاع الصحابة في نار الوضع (١).\n\nوكما نفينا عن الصحابة انغماسهم في الوضع ننفي عن كبار التابعين وعلمائهم ذلك أَيْضًا ونقرر أنه إذا حصل الوضع في النصف الأول من القرن الهجري الأول، فإنما صدر عن بعض المستهترين الجاهلين من طبقة التابعين وأتباع التابعين، الذين حملتهم الخلافات السياسية والأهواء الشخصية على انتحال الكذب، ووضع الأحاديث على رسول الله - ﷺ -. وفي هذا العصر - عصر التابعين - كان الوضع أقل من الوضع في عصر أتباع التابعين، لكثرة الصحابة الذين مَارَسُوا السُنَّةَ وَبَيَّنُوا السَّقِيمَ مِنَ الصَّحِيحِ، ولعدم تفشي التحلل والكذب في الأمة، لقربها من عصر الرسول - ﷺ -، إذ لا تزال متأثرة بتوجيهاته، محافظة على وصاياه، تعمها التقوى والورع والخشية، كل هذا خفف من انتشار الكذب والوضع، إلى جانب أن دواعي الوضع وأسبابه كانت ضيقة محدودة في نشأتها الأولى، ثم كثرة وازدادت فيما بعد.\n_________\n(١) لقد سبق أن بينت أن الصحابة كانوا لا يكذبون في عهد الرسول وبعد وفاته في بحث (تلقي الصحابة السنة عن الرسول الكريم) صفحة: ٥٧ وكيف كانوا يصدق بعضهم بعضًا، وانظر \" المحدث الفاصل \": ص ٢٣: ب - ٣٣: آ. و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٢: آ.","vol":"1","page":193},{"text":"ونرى الأحاديث الموضوعة قد ظهرت بكثرة في العراق، حيث قامت أكثر الفتن والحوادث في هذا الإقليم، كما نشأت بذور الفرق الدينية فيه، وكادت ثقة المحدثين تفقد بعلماء هذا القطر، لولا قيام نقاد الحديث ورجاله وعلمائه بالكشف عن الكذابين، وبيان أحوالهم وتتبعهم.\n\nوقد اشتهرت العراق بالوضع حتى سميت «دَارَ الضَّرْبِ» تضرب فيها الأحاديث كما تضرب الدراهم، وكان أهل المدينة يتوقون أحاديثهم، وكان مالك يقول: «نَزِّلُوا أَحَادِيثَ أَهْلِ العِرَاقِ مَنْزِلَةَ أَحَادِيثِ أَهْلِ الكِتَابِ، لاَ تُصَدِّقُوهُمْ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ». وَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بْنُ مَهْدِي: «يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ سَمِعْنَا فِي بَلَدِكُمْ - (المَدِينَةَ) - أَرْبَعمِائَةَ حَدِيثٍ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَنَحْنُ (أَيْ فِي العِرَاقِ) فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ نَسْمَعُ هَذَا كُلَّهُ»، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، مِنْ أَيْنَ لَنَا دَارَ الضَّرْبِ التِي عِنْدَكُمْ؟ دَارُ الضَّرْبِ تَضْرِبُونَ بِاللَّيْلِ وَتُنْفِقُونَ بِالنَّهَارِ» (١). وقال ابن شهاب: «يَخْرُجُ الحَدِيْثُ مِنْ عِنْدِنَا شِبْرًا فَيَعُودُ فِي العِرَاقِ ذِرَاعًا» (٢). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لجماعة من أهل العراق جاؤوا يسألونه أن يُحَدِّثَهُمْ: «إِنَّ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ قَوْمًا يَكْذِبُونَ وَيُكَذِّبُونَ وَيَسْخَرُونَ» (٣).\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ثَانِيًا: أَسْبَابُ الوَضْعِ:</span>\nذكرت فيما سبق أن أسباب الوضع الرئيسية هي انقسام الأمة إلى أحزاب سياسية، اتخذت شكلًا دينيًا، وحاول كل حزب أن يدعم موقفه ويؤيد آراءه\n_________\n(١) \" المنتقى من منهاج السنة \": ص ٨٨، ثم قال ابن تيمية بعد هذا: «وَمَعَ هَذَا إِنَّهُ كَانَ فِي الكُوفَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الثِّقَاتِ الأَكَابِرِ كَثِيرٌ».\n(٢) \" ضحى الإسلام \": ص ١٥٢ جـ ٢.\n(٣) \" طبقات ابن سعد \": ص ١٣ قسم ٢ جـ ٤.","vol":"1","page":194},{"text":"بوضع أحاديث على لسان رسول الله - ﷺ -، ثم ازدادت الأسباب التي كان لها أثر بعيد في وضع الحديث، ونجمل هذه الأسباب فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>[١] الأَحْزَابُ السِّيَاسِيَّةُ:</span>\nكان أول ما ظهر عقب فتنة أمير المؤمنين عثمان - ﵁ - شيعة الإمام عَلِيٍّ، وحزب معاوية، ثم ظهر الخوارج بعد وقعة «صِفِّينْ»، وسنتناول بإيجاز أثر كل حزب في وضع الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>[أ] أَثَرُ الشِّيعَةِ وَخُصُومِهِمْ فِي وَضْعِ الحَدِيثِ:</span>\nقال ابن أبي الحديد في \" شرح نهج البلاغة \": «إِنَّ أَصْلَ الأَكَاذِيبِ فِي أَحَادِيثِ الفَضَائِلِ كَانَ مِنْ جِهَةِ الشِيعَةِ، فَإِنَّهُمْ وَضَعُوا فِي مَبْدَإِ الأَمْرِ أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةً فِي صَاحِبِهِمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى وَضْعِهَا عَدَاوَةُ خُصُومِهِمْ. فَلَمَّا رَأَتْ البَكْرِيَّةُ مَا صَنَعَتْ الشِيعَةُ وَضَعَتْ لِصَاحِبِهَا أَحَادِيثَ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ» (١).\n\nومما يؤسف له أن بعض أهل الأهواء وأعداء الإسلام اتخذوا التشيع سِتَارًا لتحقيق أهوائهم، والوصول إلى مآربهم، فكان كثير من الفتن يقوم باسمهم، فنكب أهل البيت نكبات متوالية، ذهب ضحيتها خيرة أبناء أمير المؤمنين عَلِيٍّ - ﵁ - وأحفاده، وسجل لهم التاريخ مآسي تتفطر لها القلوب، وتقشعر لها الأبدان، كل ذلك بسبب استغلال أعداء الدين اسم أهل البيت، وهؤلاء المستغلون هم الذين وضعوا الأحاديث في سبيل تأييد حركاتهم وشجعوا على وضعها (٢).\n_________\n(١) \" شرح نهج البلاغة \": ص ٢٦ جـ ٣.\n(٢) من هذا ما روي عَنْ أَبِي أَنَسٍ الْحَرَّانِيِّ، قَالَ: قَالَ المُخْتَارُ (الثَّقَفِي) لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيثِ: «ضَعْ لِي حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَائِنٌ بَعْدَهُ خَلِيفَةً، مُطَالِبًا لَهُ بِتِرَةِ وَلَدِهِ، وَهَذِهِ عَشَرَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ وَخُلْعَةٌ وَمَرْكُوبٌ وَخَادِمٌ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَمَّا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ =","vol":"1","page":195},{"text":"وإنا لا نتصور قط أن يوافق الحسن أو الحسين أو محمد بن الحنفية أو جعفر الصادق أو زيد بن علي وغيرهم من أهل البيت على الكذب على رسول الله جدهم وهم على جانب عظيم من الورع والتقى والصفاء، وإن أهل البيت لأرفع بكثير من أن يكذبوا على رسول الله - ﷺ - لهذا أحببت أن أُبَيِّنَ من أول هذا البحث أن أهل البيت براء من هذا كله، وإنما حمل إثم الوضع باسمهم من لف حولهم من شيعتهم، وكثر الوضع، وأساؤوا إلى إمامهم عَلِيٌّ - ﵁ - أكثر مما أحسنوا إليه بذلك، قال أبو الفرج بن الجوزي: «فَضَائِلُ عَلِيٍّ الصَّحِيحَةُ كَثِيرَةٌ، غَيْرَ أَنَّ الرَّافِضَةَ لاَ تَقْنَعُ، فَوَضَعَتْ لَهُ مَا يَضَعُ، لاَ مَا يَرْفَعُ» (١).\n\nوقد كثر الوضع منهم حتى أساءوا إلى سمعة العراق، وأصبح أهل المدينة يتوقون حديثهم، «وَصَارَ الأَمْرُ يَشْتَبِهُ عَلَى مَنْ لاَ يُمَيِّزُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ الغَرِيبِ إِذَا دَخَلَ إِلَى بَلَدٍ نِصْفُ أَهْلِهِ كَذَّابُونَ خَوَّانُونَ، فَإِنَّهُ يَحْتَرِسُ مِنْهُمْ حَتَّى يُعْرَفَ الصَّدُوقُ الثِّقَةُ» (٢)، وقال أحد أصحاب عَلِيٍّ - ﵁ -: «قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا؟» (٣)، وَقَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: «مَا كُذِبَ عَلَى أَحَدٍ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَا كُذِبَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁» (٤)، ويقول ابن تيمية: «وَكَذِبُ الرَّافِضَةِ مِمَّا يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ» (٥)، وقال ابن المبارك: «الدِّينُ لأَهْلِ الحَدِيثِ، وَالكَلاَمُ وَالحِيَلُ لأَهْلِ الرَّأْيِ، وَالكَذِبُ لِلْرَّافِضَةِ» (٦)، و«سُئِلَ\n_________\n= عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ، وَلَكِنِ اخْتَرْ مَنْ شِئْتَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَحُطَّ مِنَ الثَّمَنِ مَا شِئْتَ»، قَالَ: «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْكَدُ» قَالَ: «وَالعَذَابُ عَلَيْهِ أَشَدُّ». انظر: \" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٨ جـ ٢، نقله عن ابن الجوزي.\n(١) \" المنتقى من منهاج الاعتدال \": ص ٤٨٠.\n(٢) المرجع السابق: ص ٨٨.\n(٣) \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ٨٣ جـ ١.\n(٤) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٧٧ جـ ١.\n(٥) \" المنتقى من منهاج الاعتدال \": ص ٤٨٠.\n(٦) \" المنتقى من منهاج الاعتدال \": ص ٤٨٠.","vol":"1","page":196},{"text":"مَالِكٌ - ﵁ - عَنْ الرَّافِضَةِ، فَقَالَ: \" لاَ تُكَلِّمْهُمْ، وَلاَ تَرْوِ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ \"» (١)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَمْ أَرَ أَحَدًا أَشْهَدَ بِالزُّورِ مِنَ الرَّافِضَةِ» (٢)، وقال يزيد بن هارون: «يُكْتَبُ عَنْ كُلِّ مُبْتَدِعٍ - إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً - إِلاَّ الرَّافِضَةَ، فَإِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ» (٣)، وَقَالَ حَمَّادٌ بْن سَلَمَةَ: «حَدَّثَنِي شَيْخٌ لَهُمْ تَابَ - يَعْنِي الرَّافِضَةَ - قَالَ: كُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا، فَاسْتَحَسَنَّا شَيْئًا جَعَلْنَاهُ حَدِيثًا» (٤).\n\nوقد صنع الشيعة أحاديث كثيرة، وحرفوا بعض الأحاديث حسب أهوائهم وفرقهم التي كانت تزداد يومًا بعد يوم، فوضعوا أحاديث في مناقب عَلِيٍّ - ﵁ -، وأخرى وضعوها في مثالب معاوية والأمويين، وكتب الموضوعات مملوءة بأكاذيبهم، وسنذكر بعض ما وضعوا على سبيل المثال، ونبين أثره في الأحزاب المعادية لهم.\n\nوكان يهم الشيعة إثبات وصية الرسول - ﷺ - لِعَلِيٍّ بالخلافة من بعده، فوضعوا كثيرًا من الأحاديث في هذا، منها: «وَصِيِّي، وَمَوْضِعُ سِرِّي، وَخَلِيفَتِي فِي أَهْلِي وَخَيْرُ مَنْ أَخْلُفُ بِعْدِي عَلِيٌّ» (٥) و«يَا عَلِيٌّ، أَخُصُّكَ بِالنُبُوَّةِ وَلاَ نَبِيَّ بَعْدِي» (٦). و«إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيًّا وَوَارِثًا، وَإِنَّ وَصِيِّي وَوَارِثِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ» (٧) وحديث: «لَمَّا أَنْ عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ [إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ]، أَرَاهُ اللَّهُ مِنَ\n_________\n(١) \" المنتقى من منهاج الاعتدال \": ص ٢١، وانظر \" الكفاية \": ص ١٢٦.\n(٢) \" المنتقى من منهاج الاعتدال \": ص ٢١، وانظر \" الكفاية \": ص ١٢٦.\n(٣) \" المنتقى من منهاج الاعتدال \": ص ٢٢، وانظر \" الجرح والتعديل \": ص ٢٨ قسم ١ جـ ١.\n(٤) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٨: ب، و\" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٨ جـ ٢.\n(٥) \" الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة \": ص ٣٦٩.\n(٦) \" اللآلئ المصنوعة \": ص ٣٢٣ جـ ١.\n(٧) \" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢ جـ ١.","vol":"1","page":197},{"text":"العَجَائِبَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ. فَلَمَّا أَصْبَحَ جَعَلَ يُحَدِّثُ النَّاسَ مِنْ عَجَائِبِ رَبِّهِ، وَكَذَّبَهُ مَنْ كَذَّبَهُ مَنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَصَدَّقَهُ مَنْ صَدَّقَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ انْقَضَّ نَجْمٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: \" فِي دَارِ مَنْ وَقَعَ هَذَا النَّجْمُ فَهُوَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي\"، وَطَلَبُوا ذَلِكَ النَّجْمَ فَوَجَدُوهُ فِي دَارِ علي بن أبي طالب - ﵁ -، فَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: ضَلَّ مُحَمَّدٌ وَغَوَى وَهَوَى أَهْلَ بَيْتِهِ، وَمَالَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (١)، وحديث: «خَلَقْتُ أَنَا وَعَلِيٌّ مِنْ نُورٍ، وكنا عَلَى يَمِينِ العَرْشِ ...» (٢) وافتنوا في وضع الأحاديث كما يحبون ويهوون، من ذلك: «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِخَصْلَتَيْنِ: كِتَابِ اللَّهِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ... وَهُوَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي» (٣) و«مَنْ لَمْ يَقُلْ: عَلِيٌّ خَيْرُ النَّاسِ، فَقَدْ كَفَرَ» (٤)، و«النَّظَرُ إِلَى عَلِيٍّ عِبَادَةٌ» (٥)، و«حُبُّ عَلِيٍّ يَأْكُلُ السَّيِّئَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» (٦)، و«مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ، وَنُوحٍ فِي فَهْمِهِ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي حُكْمِهِ، وَيَحْيَى فِي زُهْدِهِ، وَمُوسَى فِي بَطْشِهِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى عَلِيٍّ» (٧)، و«مَنْ مَاتَ وَفِي قَلْبِهِ بُغْضٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلْيَمُتْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» (٨)، وحديث: «مَثَلِي مَثَلُ شَجَرَةٍ، أَنَا أَصْلُهَا، وَعَلِيٌّ فَرْعُهَا، وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ ثَمَرَتُهَا، وَالشِّيعَةُ وَرَقُهَا. فَأَيُّ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنَ الطِّيبِ إِلاَّ الطَيِّبَ» (٩)، وحديث: «مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ عَلِيًّا، وَمَنْ أَبْغَضَ عَلِيًّا\n_________\n(١) \" الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة \": ص ٣٦٩ وانظره في \" المنتقى من منهاج السنة \": ص ٤٢٦، وفي رواية: «فَهُوَ الوَصِيُّ مِنْ بَعْدِي»، واختراع أسطورة الوصي كانت عند عبد الله بن سبأ. انظر هامش الصفحة ٣٠٧ من \" المنتقى من منهاج السنة \".\n(٢) \" الفوائد المجموعة \": ص ٣٤٢.\n(٣) \" الفوائد المجموعة \": ص ٣٤٥.\n(٤) \" الفوائد المجموعة \": ص ٣٤٧.\n(٥) المرجع السابق: ص ٣٥٩.\n(٦) المرجع السابق: ص ٣٦٧.\n(٧) المرجع السابق: ص ٣٦٧.\n(٨) \" الفوائد المجموعة \": ص ٣٧٣.\n(٩) المرجع السابق: ص ٣٧٩.","vol":"1","page":198},{"text":"فَقَدْ أَبْغَضَنِي، وَمَنْ أَبْغَضَنِي، فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ، وَمَنْ أَبْغَضَ اللَّهَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» (١)، وحديث: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ اللَّهَ [قَدْ] غَفَرَ لَكَ وَلِذُرِيَّتِكَ وَلِوَالِدَيْكَ وَلأَهْلِكَ وَلِشِيعَتِكَ وَلِمُحِبِّي شِيعَتِكَ» (٢).\n\nوإلى جانب هذا وضع الشيعة أخبارًا بشعة تنال من أبي بكر وعمر وغيرهما يزعمون فيها إساءة هؤلاء الصحابة إلى عَلِيٍّ - ﵁ - وأهله، وفي هذا يقول ابن أبي الحديد: «فَأَمَّا الأُمُورُ الشَّنِيعَةُ المُسْتَهْجَنَةُ التِي تَذْكُرُهَا الشِّيعَةُ مِنْ إِرْسَالِ قُنْفُذٍ إِلَى بَيْتِ فَاطِمَةَ ... وَأَنَّ عُمَرَ ضَغَطَهَا بَيْنَ البَابِ وَالجِدًّارِ ... وَجَعَلَ فِي عُنُقِ عَلِيٍّ حَبْلًا يُقَادُ بِهِ ... فَكُلُّهُ لاَ أَصْلَ لَهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَلاَ يُثْبِتُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلاَ رَوَاهُ أَهْلُ الحَدِيثِ وَلاَ يَعْرِفُونَهُ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ تَنْفَرِدُ الشِّيعَةُ بِنَقْلِهِ» (٣).\n\nلقد رأى بعض الوضاعين من الأحزاب الأخرى أن هذه الأحاديث تنتقص أبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية، فوضعوا مقابلها أحاديث أخرى ترفع من شأن الشيخين ومعاوية، من ذلك الحديث الموضوع: «لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ قُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَارْتَجَّتِ السَّمَوَاتُ، وَهَتَفَ بِي المَلائِكَةُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. يَا مُحَمَّدُ اقْرَأْ ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾، قَدْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَعْدِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ» (٤)، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرَادٍ، قَالَ: «كُنَّا عِنْد رَسُول الله، فَأُتِيَ بِفَرَسٍ فَرَكِبَهُ ثُمَّ قَالَ: \" يَرْكَبُ هَذَا الفَرَسَ مَنْ يَكُونُ الخَلِيفَةَ بَعْدِي، فَرَكبهُ أَبُو بَكْرٍ \"» (٥).\n_________\n(١) \" الفوائد المجموعة \": ص ٣٨٣.\n(٢) المرجع السابق: ص ٣٨٤.\n(٣) \" شرح نهج البلاغة \": ص ١٥٨، ١٥٩ جـ ١.\n(٤) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ٣٤٥ جـ ١.\n(٥) المصدر السابق: ص ٣٤٦ جـ ١.","vol":"1","page":199},{"text":"وَحَدِيثُ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِلْنَّبِيِّ - ﷺ - إِنِّي كُنْتُ مَعَكَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، فَكَبَّرْتَ وَكَبَّرْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ بِالحَمْدِ فَقَرَأْتُهَا، فَوُسْوِسَ إِلَيَّ شَيْءٌ مِنَ الطُّهُورِ فَخَرَجْتُ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ، فَإِذَا أَنَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِي وَهُوَ يَقُولُ: وَرَاءَكَ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِقَدَحٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ مَاءً أَبْيَضَ مِنَ الثَّلْجِ وَأَعْذَبَ مِنَ الشَّهْدِ، وَأَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ، عَلَيْهِ مِنْدِيلٌ أَخْضَرُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الصِّدِّيقُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذْتُ المِنْدِيلَ فَوَضَعْتُهُ عَلَى مَنْكِبِي وَتَوَضَّأْتُ لِلصَّلاةِ وَأَسْبَغْتُ الوُضُوءَ، وَرَدَدْتُ المِنْدِيلَ عَلَى القَدَحِ، وَلَحِقْتُكَ وَأَنْتَ رَاكَعٌ الرَّكْعَةَ الأُولَى فَتَمَّمْتُ صَلاَتِي مَعَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ النَّبِيُّ: \" أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ الذِي وَضَّأَكَ لِلْصَّلاَةِ جِبْرِيلُ وَالذِي مَنْدَلَكَ مِيكَائِيلُ وَالَّذِي مَسَكَ رُكْبَتِي حَتَّى لَحِقْتَ الصَّلاةَ إِسْرَافِيلُ \"» (١).\nوحديث: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَتِي عَلَى دِينِ اللَّهِ وَوَحْيِهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ تُفْلِحُوا، وَأَطِيعُوهُ تَرْشُدُوا» (٢)، وحديث: «عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَمَا مَرَرْتُ بِسَمَاءٍ إِلا وَجَدْتُ فِيهَا اسْمِي مَكْتُوبًا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مِنْ خَلْفِي» (٣)، وحديث: «إِنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ يَكْرَهُ أَنْ يُخَطَّأَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ» (٤)، وحديث: «لَمَّا أُسْرِيَ بِي رَأَيْتُ فِي السَّمَاءِ خَيْلًا مَوْقُوفَةً مُسْرَجَةً مُلْجَمَةً ... رُؤُوسُهَا مِنَ اليَاقُوتِ الأَحْمَرِ ... ذَوَاتُ أَجْنِحَةٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ: هَذِهِ لِمُحِبِّي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، يَزُورُونَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٥)، وحديث عن\n_________\n(١) \" الفوائد المجموعة \": ص ٣٣٠. وقد رُوِيَ نحو هذا لعلي بن أبي طالب وفيه: «ذِكْرُ السَّطْلِ وَالمِنْدِيلِ»، والكل كذب موضوع. انظر \" الفوائد المجموعة \": ص ٣٣١.\n(٢) المرجع السابق: ص ٣٣٢.\n(٣) \" الفوائد المجموعة \": ص ٣٣٣.\n(٤) المرجع السابق: ص ٣٣٥.\n(٥) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ٣٤٧ جـ ١، و\" الفوائد المجموعة \": ص ٣٣٧.","vol":"1","page":200},{"text":"عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبى أوفى: رَأَيْت النبى مُتَّكِئًا عَلَى عَلِيٍّ، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَقْبَلا، فَقَالَ «يَا أَبَا الحَسَنِ أَحِبَّهُمَا فَبِحُبِّهِمَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ» (١).\nوحديث: «إِنَّ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثَمَانِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لِمَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَفِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ثَمَانُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَلْعَنُونَ مَنْ أَبْغَضَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ» (٢). وحديث: «مَا فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلا مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْهَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ الْفَارُوقُ وَعُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ (٣)».\n\nووضع بعض الكذابين من حزب معاوية بعض الأحاديث، منها: «إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﵌، أَنْ يُحَوِّلَ الكِتَابَةَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَنَزَلَ الوَحْيُ بِاخْتِيَارِهِ» (٤)، ووضعوا أحاديث مطولة في كتابته آية الكرسي وغيرها، ذكرتها كتب الموضوعات، منها «أَنَّهُ - ﷺ - أَخَذَ القَلَمَ مِنْ يَدِ عَلِيٍّ فَدَفَعَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ» (٥)، وَ«الأُمَنَاءُ عِنْدَ اللَّهِ ثَلاثَةٌ: أَنَا، وَجِبْرِيلُ، وَمُعَاوِيَةُ» (٦)، وحديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ نَاوَلَ مُعَاوِيَةَ سَهْمًا. وَقَالَ: \" خُذْ هَذَا السَّهْمَ حَتَّى تَلْقَانِي بِهِ فِي الجَنَّةِ (٧)».\nوَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِي - ﷺ - بِوَرَقَةِ آسٍ أَخْضَرَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا لاَ إِلَه إِلاَّ الله مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ حُبُّ مُعَاوِيَةَ فَرْضٌ عَلَى عِبَادِي» (٨).\n_________\n(١) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ٣٤٧ جـ ١. و\" الفوائد المجموعة \": ص ٣٣٨.\n(٢) \" الفوائد المجموعة \": ص ٣٣٨.\n(٣) المرجع السابق: ص ٣٤٢.\n(٤) \" الفوائد المجموعة \": ص ٤٠٣. وانظر \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ١٩ جـ ٢ ذكره بطوله.\n(٥) \" الفوائد المجموعة \": ص ٤٠٣.\n(٦) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ٤ جـ ٢.\n(٧) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ٦ جـ ٢.\n(٨) المرجع السابق: ص ٢١ جـ ٢.","vol":"1","page":201},{"text":"وَحَرَّفَ الشِّيعَةُ حَدِيثَ: «اللَّهُمَّ أَرْكِسْهُمَا فِي الفِتْنَة رَكْسًا، اللَّهُمَّ دُعَّهُمَا إِلَى النَّارِ دَعًّا» (١) في أنه قيل في معاوية وعمرو بن العاص حين كانا يتغنيان، والواقع أنهما لم يفعلا شيئًا من هذا، إنما قيل هذا في معاوية بن رافع وعمرو بن رفاعة بن التابوت، فَحَرَّفَ الرَّوِاي الأَسْمَاءَ.\n\nووضع بعض المغرضين من أتباع حزب معاوية «... ثمَّ قَالَ النَّبِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ فِي جَهَنَّمَ كِلاَبًا زُرْقَ الأَعْيُنِ، عَلَى أَعْرَافِهَا شَعْرٌ كَأَمْثَالِ أَذْنَابِ الخَيْلِ، لَوْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلٍّ مِنْهَا أَنْ تَبْلَعَ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ فِي لُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ لَهَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، تُسَلَّطُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ لَعَنَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ» (٢).\n\nوأمثال هذه الأحاديث كثيرة، كلها من صنيعة الأحزاب المتناوئة، التي حاولت أن تدعم بها موقفها، وترفع من قدر أصحابها وزعمائها، وكان بوسع هؤلاء الابتعاد عن الكذب على رسول الله - ﷺ - مكتفين بما للصحابة من فضائل ثابتة، ولكن الهوى ساق بعضهم إلى ذلك والجهل أعمى قلوب بعضهم.\n\nوقد رأي بعض ذوي النيات الحسنة ما كان من هذه الأحزاب، وما دار بينهم من طعون مختلفة تناولت الصحابة، وانتقصتهم وكادت تقضي على فضائلهم، فدفعهم حبهم للصحابة جَمِيعًا إلى وضع أحاديث تذكر فضلهم، وترفع من شأنهم، وتبين أنه لا فرق بين الخلفاء الأربعة، وقد ظن هؤلاء - بحسن نيتهم - أنهم يفعلون خيرًا، لأنهم يمنعون بوضع هذه الأحاديث اللعن الذي\n_________\n(١) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ١٦ جـ ٢. و\" الفوائد المجموعة \": ص ٤٠٧.\n(٢) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ٢٣ جـ ٢.","vol":"1","page":202},{"text":"كان يتبادله أتباع كل صحابي، ويقطعون دابر الشتم والسباب فيجمعون أمر الأمة وكأنهم لم يعلموا أنهم يفتئتون على رسول الله الكذب. ومن ذلك حديث «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَتَّخِذَ أَبَا بَكْرٍ وَالِدًا وَعُمَرَ مُشِيرًا وَعُثْمَانَ سَنَدًا وَأَنْتَ يَا عَلِيُّ ظَهِيرًا. أَنْتُمْ أَرْبَعَةٌ أَخَذَ اللَّهُ لَكُمُ الْمِيثَاقَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، لاَ يُحِبُّكُمْ إِلاَّ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَلا يُبْغِضُكُمْ إِلا مُنَافِقٌ مُسِيءٌ أَنْتُمْ خُلَفَاءُ نُبُوَّتِي، وَعَقْدُ ذِمَّتِي» (١). حديث «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْش أَيْنَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ؟ فَيُؤْتَى بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - ﵃ -» (٢)، و«أَبُو بَكْرٍ وَزِيرِي، وَالقَائِمُ فِي أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي، وَعُمَرُ حَبِيبِي يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِي، وَأَنَا مِنْ عُثْمَانَ وَعُثْمَانُ مِنِّي، وَعَلِيٌّ أَخِي وَصَاحِبُ لِوَائِي» (٣). و«أَبُو بَكْرٍ أَوْزَنُ أُمَّتِي، وَأَرْحَمُهَا، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَيْرُ أُمَّتِي وَأَكْمَلُهَا، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَحْيَى أُمَّتِي وَأَعْدَلُهَا، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلِيُّ أُمَّتِي وَأَوْسَمُهَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَمِينُ أُمَّتِي وَأَوْصَلُهَا، وَأَبُو ذَرٍّ أَزْهَدُ أُمَّتِي وَأَرَقُّهَا، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ أَعْدَلُ أُمَّتِي وَأَرْحَمُهَا، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سفيان أَحْلَمُ أُمَّتِي وَأَجْوَدُهَا» (٤)، وَ«مَنْ شَتَمَ الصِّدِّيقَ فَإِنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَمَنْ شَتَمَ عُمَرَ فَمَأْوَاهُ سَقَرُ، وَمَنْ شَتَمَ عُثْمَانَ خَصْمُهُ الرَّحْمَنُ، وَمَنْ شَتَمَ عَلِيًّا فَخَصْمُهُ النَّبِيِّ ﵌» (٥)، ومن حديث طويل: «... ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى مُبْغِضِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ» (٦).\n\nوإذا رجعنا إلى كتب الموضوعات رأينا أن الشيعة قد أسرفوا في الوضع أكثر من غيرهم.\n_________\n(١) \" الفوائد المجموعة \": ص ٣٨٤.\n(٢) \" الفوائد المجموعة \": ص ٣٨٤.\n(٣) المرجع السابق: ص ٣٨٦.\n(٤) \" الفوائد المجموعة \": ص ٤٠٩.\n(٥) المرجع السابق: ص ٣٣٩.\n(٦) المرجع السابق: ص ٣٣٨.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>[ب] الخَوَارِجُ وَوَضْعِ الحَدِيثِ:</span>\nلم نعثر في المراجع القريبة منا على ما يدل على وضع الخوارج للحديث، أو على اعتمادهم على ذلك لدعم موقفهم وإثبات دعواهم، اللهم إلا ما ذكر عن ابن لهيعة قال: سمعت شيخًا من الخوارج تاب ورجع، وهو يقول: «إِنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ دِينٌ، فَانظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا إِذَا هَوَيْنَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا» (١). وما رواه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: قَالَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ: «إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَنْ مَنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ، إِنَّا كُنَّا إِذَا هَوَيْنَا أَمْرًا جَعَلْنَا فِي حَدِيثٍ» (٢). وما رواه السيوطي: رُوِيَ عَنْ شَيْخٍ خَارِجِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ دِينٌ، فَانظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا إِذَا هَوَيْنَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا» (٣).\n\nهذه أخبار ثلاثة بمعنى واحد، وطرق مختلفة، تدل على وضع الخوارج للحديث، إلا أننا لم نجد دليلًا يثبت عليهم هذا بين الأحاديث الموضوعة، وربما كان عدم كذبهم هذا لاعتقادههم أن مرتكب الكبيرة كافر، والكذب من الكبائر.\n\nوهناك أدلة كثيرة على أنهم أصدق من نقل الحديث، ومن هذا ما قاله ابن تيمية للرافضة في الرد عليهم: «وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الخَوَارِجَ شَرٌّ مِنْكُمْ، وَمَعَ هَذَا فَمَا نَقْدِرُ أَنْ نَرْمِيهِمْ بِالكَذِبِ، لأَنَّنَا جَرَّبْنَاهُمْ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَتَحَرَّوْنَ الصِّدْقَ لَهُمْ\n_________\n(١) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٨: ب وانظر \" المدخل \" للحاكم: ص ١٩.\n(٢) \" المحدث الفاصل بين الراوي والواعي \": ص ٨٣: آ.\n(٣) \" الآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٨ جـ ٢.","vol":"1","page":204},{"text":"وَعَلَيْهِمْ» (١)، كما قال أَيْضًا: «وَمَنْ تَأَمَّلَ كُتُبَ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ رَأَى المَعْرُوفَ عِنْدَ مُصَنِّفِيهَا بِالكَذِبِ فِي الشِّيعَةِ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، وَالخَوَارِجُ مَعَ مُرُوقِهِمْ مِنَ الدِّينِ فَهُمْ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَتَّى قِيلَ إِنَّ حَدِيثَهُمْ مِنْ أَصَحِّ الحَدِيثِ» (٢). وَقَالَ أَبُو دَاوُدُ: «لَيْسَ فِي أَصْحَابِ الأَهْوَاءِ أَصَحُّ حَدِيثًا مِنَ الْخَوَارِجِ» (٣).\n\nلا بد لنا بعد هذا من مخرج لما رُوِيَ عنهم من الكذب، فالأخبار الأولى تدل على وقوع الوضع منهم، باعتراف أحد شيوخهم، إلا أننا لم نعرف هذا الشيخ!! وقد روى الخطيب عن حماد بن سلمة (٤) نحو حديث ابن لهيعة عن (شيخ من الرافضة)، في نفس الصفحة التي روى فيها خبر ابن لهيعة، فيمكن أن يحمل على أنه خطأ من الكاتب أو الراوي. وإذا فرضنا أنه خطأ، فما موقفنا من الخبرين الآخرين اللذين لا سبيل إلى تسرب الخطأ إليهما؟ إلا أن الأخبار التي تدل على صدقهم تعارض هذه الروايات، والبحث لا يؤدي إلى دليل يُدِينُ الخوارج بالوضع فلا بد من حمل تلك الأخبار على وهم الراوي: أن «الشيخ» خارجي، وهو ليس كذلك. وَأُرَجِّحُ من هذا أن الخبرين ضعيفان لجهالة «الشيخ».\n\nوأما ما روي عن عبد الرحمن بن مهدي: أن الخوارج والزنادقة قد وضعوا هذا الحديث: «إِذَا أَتَاكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ فَإِنْ وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فَأَنَا قُلْتُهُ ..» - فقد فَنَّدَ الدكتور مصطفى السباعي هذا القول، وَبَيَّنَ أنه\n_________\n(١) \" المنتقى من منهاج الاعتدال \": ص ٤٨٠.\n(٢) المرجع السابق: ص ٢٢.\n(٣) \" الكفاية \": ص ١٣٠.\n(٤) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٨: ب.","vol":"1","page":205},{"text":"من وضع الزنادقة (١). وهكذا يثبت أن الخوارج لم ينغمسوا في حمأة الوضع لما عرف عنهم من الورع والتقوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>[٢] أَعْدَاءُ الإِسْلاَمِ (الزَّنَادِقَةُ):</span>\nلقد قوضت دولة الإسلام دولتي كسرى وقيصر، وقضت على عروش الملوك والأمراء الذين كانوا يحكمون الشعوب الخاضعة لهم، يذيقونها العذاب ويستنزفون خيراتها، ويسترقون أبناءها، وكان حول هؤلاء الحكام طبقة من الخواص والمستغلين، الذين يفيدون من وراء أولئك الملوك والأمراء، وكانت لهم وسائلهم الخاصة في استغلال رعاياهم، فعندما انتشر الإسلام، وخالط قلوب الأمم المظلومة، والشعوب المغلوبة على أمرها من قبل رعاياها تذوق هؤلاء نعمة الحرية، وشعروا بالكرامة الإنسانية، في حين أفلتت السلطة من يد الحكام، وخسروا مناصبهم، وضاعت تلك المنافع التي كانوا ينالونها باستغلال أبناء الشعب، الذي عرف قيمة الحياة بعد أن حطم قيود الظلم باعتناق الإسلام، ولم يرق الوضع الجديد أولئك المتسلطين، فأضمروا الحقد والكيد للإسلام والمسلمين، ولم يستطيعوا أن يحققوا آمالهم بقوة السيف، لقوة الدولة الإسلامية، فراحوا ينفرون المسلمين من العقيدة الجديدة، بدس الأباطيل والأكاذيب السخيفة على رسول الله، قاصدين من وراء ذلك إبعاد الناس عن الإسلام، الذي حاولوا أن يُصَوِّرُوهُ أبشع الصور في عقائده وعباداته وأفكاره، وظهر هؤلاء بمظاهر مختلفة، وتحت أسماء فرق متعددة، إلا أنهم لم يوفقوا إلى\n_________\n(١) انظر \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٩٧.","vol":"1","page":206},{"text":"ما أرادوا، وباءت محاولاتهم بالفشل أمام قوة الإسلام، وسمو مقاصده، وصفاء عقيدته.\n\nوسنذكر أمثلة موجزة مما صنعوه ليضللوا أتباع الدين، وَيُنَفِّرُوا مِنْهُ من يحب اعتناقه، فمن ذلك: ما رووه: «أَنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ أَتَوْا الرَّسُولَ - ﷺ -، فَقَالُوا: مَنْ يَحْمِلُ العَرْشَ؟ فَقَالَ: \" تَحْمِلُهُ الهَوَامُّ بِقُرُونِهَا، وَالمَجَرَّةُ التِي فِي السَّمَاءِ مِنْ عَرَقِهِمْ \"، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ - ﷺ -» (١).\nقال أبو قاسم البلخي: «هَذَا وَاللهِ تَقَوُّلٌ، وَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ مَلاَئِكَةٌ» (٢)، وحديث عن النبي - ﷺ -: «المَجَرَّةُ التِي فِي السَّمَاءِ عَرَقُ الأَفْعَى التِي تَحْتَ العَرْشِ» (٣). وقال أبو القاسم: «وَمَا يَسْتَجِيز أَن يَرْوِي مِثْلَ هَذَا عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - إِلاَّ مَنْ لاَ يُبَالِي بِدِينِهِ، وَمَتَى قَالَ المُسْلِمُونَ إِنَّ تَحْتَ العَرْشِ أَفْعَى؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ دَسِيسِ الزَّنَادِقَةِ لِيُقَبِّحُوا الإِسلاَمَ» (٤)، وحديث: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ رَبُّنَا؟ قَالَ: \" مِنْ مَاءٍ مَرُورٍ لا مِنْ أَرْضٍ وَلا سَمَاءَ، خَلَقَ خَيْلا فَأَجْرَاهَا فَعَرِقَتْ فَخَلَقَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ العَرَقِ» (٥). إنه لا يضع مثل هذه الأحاديث مسلم ولا عاقل!!.\n\nوإن هؤلاء لأشد ضَرَرًا وبلاء على الإسلام من غيرهم، فقد كان منهم من يفحش في الكذب والافتراء، ومن هؤلاء عبد الكريم بن أبي العوجاء، الذي اعترف قبل أن تضرب عنقه بوضعه الحديث، فقال: «وَاللهِ لَقَدْ وَضَعْتُ فِيكُمْ\n_________\n(١) \" قبول الأخبار \": ص ١٤.\n(٢) \" قبول الأخبار \": ص ١٤.\n(٣) \" قبول الأخبار \": ص ١٤.\n(٤) \" قبول الأخبار \": ص ١٤.\n(٥) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ١٣٤ جـ ١.","vol":"1","page":207},{"text":"أَرْبَعَة آلاَفِ حَدِيثٍ، أُحَرِّم فِيهَا الحَلاَلَ، وَأُحَلُّ فِيهَا الحَرَامَ» (١) وقال المهدي: «أَقَرَّ عِنْدِي رَجُلٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ أَنَّهُ وَضَعَ أَرْبَعِمِائَةِ حَدِيثٍ، فَهِيَ تَجُولُ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ» (٢).\nوقال حماد بن زيد: «وَضَعَتْ الزَّنَادِقَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إثني عشر ألف حديث، بثوها في الناس (٣)» وفي رواية قال: «وَضَعَتْ الزَّنَادِقَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ (٤).\n\nإلا أن هذه الأحاديث لَمْ تَخْفَ على رجال هذا العلم، فبينوها وتتبعوا الكاذبين الذين وضعوها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>[٣] التَّفْرِقَةُ العُنْصُرِيَّةُ وَالتَّعَصُّبُ لِلْقَبِيلَةِ وَالبَلَدِ وَالإِمَامِ:</span>\nاعتمد الأمويون في إدارة دولتهم وتسيير أمورها على العرب خاصة، وتعصب بعضهم للعرب والعربية، وربما نظر بعض العرب إلى المسلمين من العناصر الأخرى نظرة لا توافق روح العصر، حتى إن طبقة الموالي «وهم المسلمون من غير العرب» شعرب بهذه العنصرية، فكانوا يحاولون المساواة بينهم وبين العرب وانتهزوا أكثر الاضطرابات والحركات الثورية فانضموا إليها في سبيل تحقيق ذلك، (٥)\n_________\n(١) \" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٨ جـ ٢. وعبد الكريم هذا خال معن بن زائدة الشيباني المعروف وقد أمر بضرب عنقه محمد بن سليمان بن علي أمير مكة. وقال الذهبي في \" الميزان \": «أمير البصرة»، انظر \" توضيح الأفكار \": ص ٧٥ جـ ٢، وانظر \" ميزان الاعتدال \": ص ١٤٤ جـ ٢.\n(٢) \" الكفاية \": ص ٤٣١، و\" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٨ جـ ٢.\n(٣) مقدمة \" التمهيد \" لابن عبد البر: ص ١٢، و\" الكفاية \": ص ٤٣١.\n(٤) \" تدريب الراوي \": ص ١٨٦، و\" توضيح الأفكار \": ص ٧٥ جـ ٢. وذكر عنه أربعة آلاف، انظر\" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٨ جـ ٢، وأظن أنه خطأ مطبعي أو خطأ من الراوي.\n(٥) انظر \" تاريخ الإسلام \" للدكتور حسن إبراهيم حسن: ص ٣٤٢ جـ ١.","vol":"1","page":208},{"text":"وإلى جانب هذا كانوا يبادلون العرب الاعتزاز والفخار، فحملهم هذا على وضع أحاديث ترفع من قدرهم، وتبين فضائلهم، ومن ذلك حديث: «إِنَّ كَلامَ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ بِالفَارِسِيَّةِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَوْحَى أَمْرًا فِيهِ لِينٌ أَوْحَاهُ بِالفَارِسِيَّةِ، وَإِذَا أَوْحَى أَمْرًا فِيهِ شِدَّةٌ أَوْحَاهُ بِالعَرَبِيَّةِ» (١) فوضع مقابله حديث: «أَبْغَضُ الكَلامِ إِلَى اللَّهِ الفَارِسِيَّةُ، وَكَلامُ الشَّيَاطِينِ الخُوزِيَّةُ، وَكَلامُ أَهْلِ النَّارِ البُخَارِيَّةُ، وَكَلامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَرَبِيَّةُ» (٢)، وحديث: «دَعُونِي مِنَ السُّودَانِ إِنَّمَا الأَسْوَدُ لِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ» (٣).\n\nومنشأ وضع الأحاديث في فضائل بعض القبائل العربية يرجع - في غالب ظني - إلى إثارة تلك العصبية القبلية التي ظهرت في الدولة الأموية عقب وفاة يزيد بن معاوية (٤).\n\nوكانت وضعت أحاديث في الجنس والقبيلة واللغة وضعت أحاديثُ في تفضيل البلدان والأئمة، وأظن أن انتقال مركز إدارة الدولة الإسلامية من بلد إلى آخر كان له أثر بعيد في دفع بعض المتعصبين إلى وضع الأحاديث في فضائل بلدانهم أو أئمتهم.\n\nومما لا شك فيه أن التعصب للأئمة لم يظهر إلا في القرن الثالث الهجري، ولم تبد هذه الظاهرة إلا من الأتباع الجاهلين، فَوُضِعَتْ أحاديث كثيرة في فضائل البلدان منها: «أَرْبَعُ مَدَائِنَ مِنْ مُدُنِ الجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا: مَكَّةُ، وَالْمَدِينَةُ،\n_________\n(١) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ١٣٦ جـ ١.\n(٢) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ١٣٧ جـ ١.\n(٣) المرجع السابق: ص ٣١ جـ ٢.\n(٤) انظر \" تاريخ الإسلام \" للدكتور حسن إبراهيم حسن: ص ٣٣٧ جـ ١.","vol":"1","page":209},{"text":"وَبَيْتُ المَقْدِسِ وَدِمَشْقُ ...» (١) وفي الآئمة حديث: «يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ بْنُ إِدْرِيسَ هُوَ أَضَرُّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ إِبْلِيسَ، وَيَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ سِرَاجُ أُمَّتِي» (٢)، و«سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ وَيُكَنَّى أَبَا حَنِيفَةَ لَيُحْيَيَنَّ دِينُ اللَّهِ وَسُنَّتِي عَلَى يَدَيْهِ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>[٤] القَصَّاصُونَ:</span>\nظهرت حلقات القصاصين والوعاظ في أواخر عهد الخلافة الراشدة (٤)، وكثرت هذه الحلقات فيما بعد في مختلف مساجد الأقطار الإسلامية (٥)، وكان بعض القصاص لا يهمه إلا أن يجتمع الناس عليه، فيضع لهم ما يرضيهم من الأحاديث التي تستثير نفوسهم، وتحرك عواطفهم، وقد كان معظم البلاء من هذا الصنف الذي يكذب على رسول (٦) الله - ﷺ -، ولا يرى في ذلك إثمًا ولا بُهتانًا.\n\nومما يؤسف له أن هؤلاء القصاس - على تعالمهم وكذبهم على رسول الله\n_________\n(١) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ٤٨ جـ ٢.\n(٢) المرجع السابق: ص ٣٠ جـ ٢.\n(٣) المرجع السابق: ص ٣٠ جـ ٢.\n(٤) استشار تميم الداري - صحابي مشهور - عمر - ﵁ - ليقص على الناس فأبي عليه ولم يسمح له. انظر ص ١٨: ب من \" تمييز المرفوع عن الموضوع \". وعن نافع عن ابن عمر أنه لم يقص على عهد النبي - ﷺ -، ولا على عهد أبي بكر ولا عمر ولا عثمان وإنما قص حين وقعت الفتنة. انظر كتاب \" العلم \" للمقدسي: ص ٥٢، وانظر \" ذكر أخبار أصبهان \": ص ١٣٦ جـ ١، طبع ليدن سنة ١٩٣١.\n(٥) انظر \" الخطط \" للمقريزي: ص ٢٤٦ و٢٥٦ جـ ٢ حيث يذكر بعض القصاص والمساجد التي كانوا يقصون بها، وكذلك \" البيان والتبيين \": ص ٣٦٨ جـ ١.\n(٦) انظر \" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٩ جـ ٢.","vol":"1","page":210},{"text":"- ﷺ - قد وجدوا آذانًا نسمع لهم ونصدقهم وندافع عنهم، وكان هؤلاء من جهلة العامة التي لا يهمها البحث والتقصي.\n\nومما وضعه القصاص حديث: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يَخْرُجُ مِنْ أَعْلاهَا الْحُلَلُ، وَمِنْ أَسْفَلِهَا خَيْلٌ بُلْقٌ مِنْ ذَهَبٍ مُسَرَّجَةٌ مُلَجِمَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، لاَ تَرُوثُ وَلا تَبُولُ، ذَوَاتُ أَجْنِحَةٍ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فَتَطِيرُ بِهِمْ حَيْثُ شَاءُوا ...» (١).\n\nوقد قاوم رجال الحديث القُصَّاصَ، وبينوا كذبهم، فلقوا من أتباعهم الإنكار والأذى، وفي ذلك حوادث طريفة منها: أن الشعبي أنكر على أحد القصاص في بلاد الشام، فقامت عليه العامة تضربه، ولم يدعه أتباع القاص حتى قال الشعبي برأي شيخهم نجاة بنفسه (٢).\n\nوكان رجال الحديث ينهون طلابهم وإخوانهم عن مجالسة القصاص، من ذلك ما رواه عاصم قال: «كُنَّا نَأْتِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ وَنَحْنُ غِلْمَةٌ أَيْفَاعٌ، وَكَانَ يَقُولُ: لاَ تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ غَيْرَ أَبِي الأَحْوَصِ، وَإِيَّاكُمْ وَشَقِيقًا، قَالَ وَكَانَ شَقِيقٌ هَذَا يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَلَيْسَ بِأَبِي وَائِلٍ» (٣).\n\nوكان بعض هؤلاء القصاص شحاذين يضعون من الحديث ما يرغب الناس في الإحسان إليهم والعطف عليهم، من هذا ما روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي، قال: صَلَّى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ. فَقَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَاصٌّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ خَلَقَ اللهُ مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ طَيْرًا مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ،\n_________\n(١) \" تنزيه الشريعة المرفوعة \": ص ٣٧٨ جـ ٢.\n(٢) انظر \" تمييز المرفوع عن الموضوع \": ص ١٦: ب، و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \".\n(٣) \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ١٠٠ جـ ١.","vol":"1","page":211},{"text":"وَرِيشُهُ مِنْ مَرْجَانَ!!» وَأَخَذَ فِي قِصَّةٍ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ وَرَقَةً. فَجَعَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَنْظُرُ إِلَى يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، وَجَعَلَ يحيى بْنَ مَعِينٍ ينظر إِلَى أَحْمد. فَقَالَ لَهُ: «حَدَّثْتَهُ بِهَذَا!؟» فَيَقُولُ: «وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِهَذَا إِلاَّ السَّاعَةَ»، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات، ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهمًا لنوال، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: «مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الحَدِيثِ؟!» فَقَالَ: «أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ». فَقَالَ: «أَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ فِي حَدِيث رَسُول الله - ﷺ -!. فَقَالَ: «لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ أَحْمَقٌ، مَا تَحَقَّقْتُ هَذَا إِلاَّ السَّاعَةَ! ... كَأَنْ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ ابْن حَنْبَلٍ غَيْرُكُمَا؟. قَدْ كَتَبْتُ عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ!!» فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: «دَعْهُ يَقُومُ»، فقام كالمستهزئ بهما» (١)!!.\n\nوكان من هؤلاء القصاص المتكسبين من يحفظون أسانيد مشهورة، يكررونها كالببغاء ويلصقون بها ما يضعوه من الأحاديث العجيبة بكل وقاحة وصفاقة وجه، كما فعل القاص المذكور مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين،\n\nوَكَمَا فَعَلَ قَاصٌّ آخَرَ حَكَى عَنْه أَبُو حَاتِمٍ البُسْتِي جَهْلَهُ وَكذِبَهُ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: دَخَلْتُ مَسْجِدًا، فَقَامَ بَعْدَ الصَّلاَةِ شَابٌّ فَقَالَ: «حَدَثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ: حَدَثَنَا أَبُو الوَلِيدَ عَنْ شُعَبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ» وَذَكَرَ حَدِيثًا، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: «فَلَمَّا فَرَغَ دَعْوَتَهُ، قُلْتُ: رَأَّيْتَ أَبَا خَلِيفَةً؟ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: كَيْفَ تَرْوِي عَنْهُ وَلَمْ تَرَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّ المُنَاقَشَةَ مَعَنَا مِنْ قِلَّةِ المُرُوءَةِ! أَنَا أَحْفَظُ هَذَا الإِسْنَادَ،\n_________\n(١) \" الباعث الحثيث \": ص ٩٣، ٩٤، و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٤٩: آ - ١٤٩: ب، و\" تمييز المرفوع عن الموضوع \": ص ١٦: ب، و\" توضيح الأفكار \": ص ٧٦، ٧٧ جـ ٢.","vol":"1","page":212},{"text":"فكلما سمعت حديثًا ضممته إلى هذا الإسناد!!» (١).\n\nوقد بين أيوب السختياني أثر القصاص في إفساد الحديث فقال: «مَا أَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ حَدِيثَهُمْ إِلاَّ القُصَّاصُ» وقال أَيْضًا: «مَا أَمَاتَ العِلْمَ إِلاَّالْقُصَّاصُ» (٢).\n\nوالأحاديث التي وضعها القصاص في القرن الأول قليلة، ازدادت فيما بعد، وقد كشف عنها رجال هذا العلم وَبَيَّنُوا واضعيها وتتبعوهم حتى تميز الصحيح من الباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>[٥] الرَّغْبَةُ فِي الخَيْرِ مَعَ الجَهْلِ بِالدِّينِ:</span>\nبينت فيما تقدم أن بعض ما حدث من الفتن، وما ترتب عليه من ظهور الفرق والأحزاب السياسية والدينية، قد دفع هذه الأحزاب إلى وضع الأحاديث لتأييد مذاهبهم، ورفع شأن زعمائهم، والحط من قيمة خصومهم، وقد ظهر إثر هذا بعض الصالحين والزهاد وَالعُبَّادِ، الذين ساءهم هذا الانشقاق وتفرقة الأمة، فوضعوا الأحاديث يقربون فيها بين المتخاصمين ويرفعون قدر زعمائهم جَمِيعًا، ومع الزمن ساء هؤلاء أن يروا إنشغال الناس بالدنيا عن الآخرة، فوضعوا أحاديث في الترهيب والترغيب حسبة لله (٣)، وقد حملهم جهلهم بالدين\n_________\n(١) \" الباعث الحثيث \": ص ٩٣.\n(٢) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٤٧: ب.\n(٣) ومن هنا ما يرويه علي بن المديني أن جرير بن عبد الواحد روى أن عبد الله بن المسور كان «يَضَعُ الحَديثَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَلاَ يَضَعُ إلاَّ مَا فِيهِ أَدَبٌ أَوْ زُهْدٌ، فَيُقَالُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَيَقُولُ: إِنَّ فِيه أجرًا». انظر: ص ٧، ٨ \" قبول الأخبار \". وعبد الله بن المسور هو نفسه أبو جعفر المدائني الهاشمي الذي أرسل عن رسول الله - ﷺ - كَلاَمًا =","vol":"1","page":213},{"text":"على استساغة ما سولت لهم أنفسهم لِيُرَغِّبُوا الناس في صالح الأعمال، وكأن هذه الثروة من الأحاديث النبوية التي لا تدرك البيان وصفها - لم تشف صدروهم، ولم ترو ظمأهم، فراحوا يضعون الأكاذيب على رسول الله، وإذا ما ذُكِّرُوا بقوله - ﷺ -: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» قالوا: نحن ما كذبنا عليه، إنما كذبنا له (١). ومن الغريب والمؤسف أن صلاحهم خدع العامة، فكانوا يصدقونهم ويثقون بهم، فكان خطرهم شديدًا على الدين (٢)، بل هم أعظم ضَرَرًا من غيرهم، لما عرفوا به من الصلاح والورع والزهد، الذي لا يتصور معه العامي إقدام مثل هؤلاء الصالحين على الكذب، وفي هذا يروي محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه قوله: «لَمْ نَرَ الصَّالِحِينَ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الحَدِيثِ» (٣). وقال أبو عاصم النبيل: «مَا رَأَيْتُ الصَّالِحَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنَ الحَدِيثِ» (٤)، وفي رواية عن يحيى بن سعيد القطان «مَا رَأَيْتُ الكَذِبَ فِي أَحَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَى الخَيْرِ وَالزُّهْدِ» (٥).\n\nومما وضعه الصالحون أحاديث فضائل السور، وفي هذا مَا يَرْوِيهِ الْحَاكِمُ بِسَنَدِهِ\n_________\n= حقًا ليس عن رسول الله - ﷺ - فاحتمله الناس في الدعاء ونحوه، انظر أَيْضًا \" قبول الأخبار \": ص ١٥ وعبد الله بن المسور هذا هو الذي يروي عنه خالد بن أبي كريمة. انظر ترجمته في \" ميزان الاعتدال \": ص ٧٨ جـ ٢ ترجمه (٥٦٣) وذكر الإمام مسلم هذا في \" صحيحه \": انظر \" مسلم بشرح النووي \": ص ١٠٧ جـ ١.\n\n(١) انظر \" اختصار علوم الحديث \": ص ٨٦.\n(٢) انظر \" تدريب الراوي \": ص ١٨٤.\n(٣) \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ٩٤ جـ ١، ونحوه في مقدمة \" التمهيد \": ص ١٤: آ، وفي \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٥٩: آ.\n(٤) \" المحدث الفاصل \": ص ٨٣: آ.\n(٥) \" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٨ جـ ٢.","vol":"1","page":214},{"text":"إِلَى أَبِي عَمَّارٍ الْمَرْوَزِيِّ، أَنَّهُ قِيلَ لأَبِي عِصْمَةَ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ: «مِنْ أَيْنَ لَكَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ سُورَةً سُورَةً، وَلَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِ عِكْرِمَةَ هَذَا؟ فَقَالَ: \" إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ أَعْرَضُوا عَنِ الْقُرْآنِ وَاشْتَغَلُوا بِفِقْهِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ، فَوَضَعْتُ هَذَا الحَدِيثَ حِسْبَةً (١)». وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ لِمَيْسَرَةَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ: «مِنْ أَيْنَ جِئْتَ بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ، مَنْ قَرَأَ كَذَا فَلَهُ كَذَا؟» قَالَ: «وَضَعْتُهَا أُرَغِّبُ النَّاسَ فِيهَا» (٢)، وقال أبو عبد الله النهاوندي لغلام خليل - هو أحمد بن محمد بن غالب الباهلي -: «مَا هَذِهِ الرَّقَائِقُ التِي تُحَدِّثُ بِهَا؟» قَالَ: «وَضَعْنَاهَا لِنُرَقِّقَ بِهَا قُلُوبَ العَامَّةِ (٣)»، وقد كان مشهورًا بزهده حتى عرف بزاهد بغداد، وقد غلقت أسواق بغداد لموته (٤)، وحمل في تابوت إلى البصرة، وكان يحفظ علمًا كثيرًا، ومع هذا لم يحمل عنه العلماء وبينوا أمره وأمر غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>[٦] الخِلاَفَاتُ المَذْهَبِيَّةُ وَالكَلاَمِيَّةُ:</span>\nوكما دعم أتباع الأحزاب السياسية آراءهم وأحزابهم بوضع الأحاديث وضع أتباع المذاهب الفقهية والكلامية أحاديث لتأييد مذاهبهم؛ من هذا ما روي أَنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عُكَّاشَةَ الكِرْمَانِيِّ: إِنَّ قَوْمًا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الرُّكُوعِ، وَفِي الرَّفْعِ مِنْهُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ وَاضِحٍ ... عَنْ أَنَسٍ، مَرْفُوعًا:\n_________\n(١) \" تدريب الراوي \": ص ١٨٤، و\" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٨ جـ ٢.\n(٢) \" تدريب الراوي \": ص ١٨٤، و\" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٨ جـ ٢.\n(٣) \" ميزان الاعتدال \": ص ٦٦، ٦٧ جـ ١، و\" تدريب الراوي \": ص ١٨٥، و\" اللآلئ المصنوعة \": ص ٢٤٨ جـ ٢.\n(٤) كانت وفاته في رجب من سَنَةِ (٢٧٥ هـ). انظر \" ميزان الاعتدال \": ص ٦٦، ٦٧ جـ ١.","vol":"1","page":215},{"text":"«مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ» (١)، وحديث: «كُلُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ مَخْلُوقٌ غَيْرُ اللَّهِ وَالقُرْآنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ وَيَجِيءُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَقُولُونَ: القُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ العَظِيمِ، وَطُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ مِنْ سَاعَتِهِ، لأَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةٌ تَحْتَ كَافِرٍ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ سَبَقَتْهُ بِالقَوْلِ» (٢).وعلائم الوضع ظاهرة جلية في تعليلاته وركاكة لفظه.\n\nوَمِنْ هَذَا مَا رَوَاهُ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا مُحْرِزٌ أَبُو رَجَاءٍ، - وَكَانَ يَرَى القَدَرَ فَتَابَ مِنْهُ -، فقالَ: «لاَ تَرْوُوا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَدَرِ شَيْئًا، فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَضَعُ الأَحَادِيثَ نُدْخِلُ بِهَا النَّاسَ فِي القَدَرِ، نَحْتَسِبُ بِهَا، وَلَقَدْ أَدْخَلْتُ أَرْبَعَةَ آلاَفٍ مِنَ النَّاسِ». قَالَ زُهَيْرُ: فَقُلْتُ لَهُ: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِمَنْ أَدْخَلْتَهُمْ؟» قَالَ: «هَا أَنَا ذَا أُخْرِجُهُمْ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>[٧]- التَّقَرُّبُ مِنَ الحُكَّامِ وَأَسْبَابٌ أُخْرَى:</span>\nلم يذكر أحد - فيما اطلعت - أَنَّ أَحَدًا من رجال الحديث أو غيرهم تقرب من خلفاء بني أمية وأمرائهم بوضع ما يرضي ميولهم من الحديث، اللهم إلا ما اتهم به الشيعة بعض الصحابة والتابعين في ذلك، وقد رَدَدْنَا هذا في الفصل\n_________\n(١) \" تدريب الراوي \": ص ١٨١. و\" الباعث الحثيث \": ص ٩٠، وقال فيه عن الحاكم: فهذا مع كونه كذبًا من أنجس الكذب، فإن الرواية عن الزهري بهذا السند بالغة مبلغ القطع بإثبات الرفع عند الركوع وعند الاعتدال، وهي في \" الموطأ \" وسائر كتب الحديث. اهـ. من \" لسان الميزان \": ص ٢٨٨، ٢٨٩ جـ ٥.\n(٢) \" تنزيه الشريعة المرفوعة: ص ١٣٤ جـ ١.\n(٣) \" الجرح والتعديل \": ص ٣٢ جـ ١، وفيه (هُوَذَا) وما أثبته أصوب.","vol":"1","page":216},{"text":"الثاني من «أبي هريرة»، وطبيعي أن يتقرب بعض المرائين إلى الطبقة الحاكمة بوضع ما يرضيهم من الحديث، وقد حدث هذا فعلًا في عهد العباسيين، فقد أَسْنَدَ الحَاكِمُ «عَنْ هَارُونَ بْنِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ الْمَهْدِيُّ: أَلاَ تَرَى مَا يَقُولُ لِي مُقَاتِلٌ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ وَضَعْتُ لَكَ أَحَادِيثَ فِي العَبَّاسِ، قُلْتُ: لاَ حَاجَةَ لِي فِيهَا» (١).\n\nوقد كذب غياث بن إبراهيم للمهدي في حديث «لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» فزاد فيه «أَوْ جَنَاحٍ» حين رآه يلعب بالحمام، فتركها المهدي بعد ذلك، وأمر بذبحها، بعد أن أعطاه عشرة آلاف درهم، وقال فيه بعد أن ولي: «أَشْهَدُ عَلَى قَفَاكَ أَنَّهُ قَفَا كَذَّابٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -» (٢). وإن هذا الإنكار من المهدي لا يكفي، بل كان عليه ألا يعطيه عشرة آلاف درهم من أموال المسلمين، لكذبه على رسول الله - ﷺ -، وأن يمنعه من هذا ويزجره ويحبسه إذا لم يشأ أن يقتله (٣).\n\nوهناك أسباب أخرى بَيَّنَهَا رجال الحديث، وضربوا لها الأمثال، مثال ذلك ما أسنده الحاكم عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، فَجَاءَ ابْنُهُ مِنَ الكُتَّابِ يَبْكِي، فَقَالَ: \" مَالَكَ؟ \" قَالَ: \" ضَرَبَنِي المُعَلِّمُ \" فَقَالَ: \" لأُخْزِيَنَّهُمُ اليَوْمَ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ\n_________\n(١) \" تدريب الراوي \": ص ١٨٧، و\" الباعث الحثيث \": ص ٩٤ وأبو عبيد الله هو وزير المهدي.\n(٢) \" المدخل \": ص ٢٠، ٢١ و\" الباعث الحثيث \": ص ٩٤، و\" تدريب الراوي \": ص ١٨٧، و\" توضيح الأفكار \": ص ٧٦ جـ ٢.\n(٣) راجع \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ١٠٤، فقد كتب أستاذنا الدكتور السباعي كلمة طيبة جريئة لما كان لتساهل الخلفاء والأمراء مع الوضاعين من أثر سيء في الدين.","vol":"1","page":217},{"text":"شِرَارُكُمْ، أَقَلُّهُمْ رَحْمَةً لِلْيَتِيمِ وَأَغْلَظُهُمْ عَلَى المِسْكِينِ» (١). وحديث «خَيْرُ تِجَارَتِكُمُ البَزُّ وَخَيْرُ صَنَائِعِكُمُ الخَرْزُ» (٢)، و«مِنْ سِيَادَةِ المَرْءِ خِفَّةُ عَارِضَيْهِ» (٣) و«النَّاسُ أَكْفَاءٌ إِلاَّ حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ» (٤).\n\nومن الوضاعين من جعل الأسانيد المشهورة للحكم القديمة، وللأقوال المعسولة، ومنهم من وضع الحديث للإغراب ليقصدوا بالطلب لما عندهم من غريب الحديث، وهؤلاء من جهال أهل الحديث، بل من المتطفلين على الحديث النبوي وعلمائه، ومنهم من وضع الأحاديث في أصناف معينة من المآكل لترويجها، أو في مهن خاصة للرفع من قدرها .. وفي غير هذا وذاك، وقد بَيَّنَ العلماء جميع هذا، ووضعوا قواعد علمية دقيقة لحفظ الحديث.\n_________\n(١) \" تدريب الراوي \": ص ١٨٠، ١٨١. و\" الباعث الحثيث \": ص ٨٩ حيث قال: وسعد بن طريف هذا، قال فيه ابن معين: «لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْوِي عَنْهُ». وقال ابن حبان: «كَانَ يَضَعُ الحَدِيثَ». وراوي القصة عنه سيف بن عمر، قال فيه الحاكم: «اتُّهِمَ بِالزَّنْدَقَةِ وَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ سَاقِطٌ». اهـ.\n(٢) \" قبول الأخبار \": ص ٢١. وانظر في \" المدخل \": ص ٢٤ بعض ما وضعه الكذابون في الشهوات والملذات.\n(٣) \" قبول الأخبار \": ص ٢١. وانظر في \" المدخل \": ص ٢٤ بعض ما وضعه الكذابون في الشهوات والملذات.\n(٤) \" قبول الأخبار \": ص ٢١. وانظر في \" المدخل \": ص ٢٤ بعض ما وضعه الكذابون في الشهوات والملذات.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الفَصْلُ الثَّانِي: جُهُودُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ فِي مُقَاوَمَةِ الوَضْعِ:</span>\nكاد الوضاعون يسيئون إلى الدين إساءة خطيرة، ويشوهون بكذبهم وجه الإسلام، ويدخلون في تعاليمه ما ليس منه، لولا عناية الله - ﷿ - الذي حفظ الإسلام من التحريف والتبديل، وصان كلام نبيه - ﷺ - عن أن يكون مطية لأهل الأهواء، فَقَيَّضَ للأمة رجالًا أمناء مخلصين، قاوموا الوضاعين وتتبعوهم، ومازوا الباطل من الصحيح، فلولا الجهود التي بذلها الصحابة والتابعون وعلماء الأمة من بعدهم لاشتبه على كثير من الناس بعض أمور دينهم، لكثرة ما اختلقه الكذبة الوضاعون، ونسبوه إلى رسول الله - ﷺ - زُورًا وَبُهْتَانًا. وإن المنصف لا يسعه إلا أن يقف إجلالًا وإكبارًا لجهود علماء الأمة التي بذلوها - منذ عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السُنَّةِ - في تنقيح السُنَّةِ الشَّرِيفَةِ وتطهيرها مما أدخلته فيها يد الوضع، وإن المرء ليزداد إعجابًا بتلك القواعد العلمية الدقيقة التي طبقها العلماء، وبذلك المنهج الخاص الذي اتبعوه في سبيل الحفاظ على حديث رسول الله - ﷺ -، ولندرك قيمة بحثهم ودراستهم وصبرهم وتتبعهم إزاء تلك الكثرة من الأحاديث الموضوعة، التي يصعب استقصاؤها وحصرها - يكفينا لهذا أن نعلم أنه قد وضع أعداء الإسلام بشهادة حماد بن زيد أربعة عشر ألف حديث، وأقر محرز أبو رجاء القدري التائب بأنهم وضعوا أحاديث في القدر أدخلت أربعة آلاف","vol":"1","page":219},{"text":"إنسان فيه، وغير هؤلاء كثيرون، فكانت مهمة العلماء شاقة لما يحف بها من الحذر، وما يترتب عليها من الآثار الجليلة في الدين والدنيا، وبفضل الله ورحمته ذللت تلك الصعوبات على أيدي جهابذة الأمة، الذين شهد بعلمهم وفضلهم وحسن منهجهم ودقة قواعدهم علماء المشرق والمغرب، وحفظت السنة من عبث العابثين وتأويل المعرضين، وتحريف الجاهلين المضلين، وَصَدَقَ ابْنُ المُبَارَكِ حِينَ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ!!؟ فَقَالَ: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾» (١).\n\nونستعرض ما بذله علماء الأمة في سبيل حفظ الحديث الشريف، فقد بحثوا في كل ما يتعلق بالحديث النبوي رواية ودراية، وخطوا خطوات جليلة كفلت سلامة السنة من العبث، ونحن نلخصها فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>أَوَّلًا - الْتِزَامُ الإِسْنَادِ:</span>\nلم يكن المسلمون في صدر الإسلام - منذ عهد الرسول ﷺ إلى فتنة عثمان - يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، بل كانت الثقة تملأ صدورهم، والإيمان يغمر قلوبهم، حتى إذا ما وقعت الفتنة، وتكونت الفرق والأحزاب، وبدأ الكذب على رسول الله - ﷺ -، يُتَّخَذُ مطية لأهل الأهواء، وقف الصحابة والتابعون من هذه الظاهرة وقفة قوية للحفاظ على الحديث الشريف، وأصبحوا يشددون في طلب الإسناد من الرواة، والتزموه في الحديث، لأن السند للخبر كالنسب للمرء، ويخبرنا الإمام محمد بن سيرين عن ذلك فيقول: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا\n_________\n(١) \" تدريب الراوي \": ص ١٨٤ و\" الكفاية \": ص ٣٧، و\" الجرح والتعديل \": ص ١٨ جـ ١ وروي عن عبد الرحمن بن مهدي نحو هذا في \" توضيح الأفكار \": ص ٧٩ جـ ٢ والآية ٩ من سورة الحجر.","vol":"1","page":220},{"text":"لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (١).\n\nوهذا لا يدل على أن الصحابة والتابعين لم يكونوا يسندون الأحاديث قبل الفتنة بل كان بعضهم يسند ما يروي تارة ولا يسنده أخرى، لأنهم كانوا على جانب كبير من الصدق والأمانة والإخلاص، وهناك أمثلة واضحة تبين إسناد الصحابة للروايات قبل الفتنة، من هذا ما حَدَّثَ بِهِ عَلِيٌّ - ﵁ - عَنْ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: «أَنَّ فَاطِمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَهَا أَنْ تَحِلَّ، فَحَلَّتْ وَنَضَحَتْ البَيْتَ بِنَضُوحٍ» (٢). وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - (٣). وقد حَدَّثَ الصحابة بعضهم عن بعض.\n\nوخلاصة القول أن المسلمين قبل الفتنة لم يلتزموا الإسناد دَائِمًا لما كانوا عليه من الصدق والأمانة، عِلْمًا بأن الإسناد لم يكن طَارِئًا وجديدًا على العرب بعد الإسلام، بل عرفوه قبل الإسلام، وكانوا أحيانًا يسندون القصص والأشعار في الجاهلية (٤). وإنما التزم هذا التثبت في الإسناد بعد الفتنة في عهد صغار الصحابة وكبار التابعين، وفي هذا يروي الإمام مسلم بسنده المتصل عن\n_________\n(١) \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ٨٤ جـ ١. و\" سنن الدارمي \": ص ١١٢ جـ ١. ومحمد بن سيرين تابعي جليل ولد سَنَةَ ٣٣ هـ وتوفي سَنَةَ ١١٠ هـ، انظر ترجمته في الباب الخامس من هذه الرسالة.\n(٢) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٨٢: ب.\n(٣) انظر \" البداية والنهاية \": ص ١٠٩ جـ ٨، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٦ جـ ٢.\n(٤) وقد ينتهي الإسناد إلى الشاعر أو إلى راويته، ولم يكن التزام الإسناد المتصل دائمًا بل من النادر، أما الإسناد المرسل فهو أكثر و«يَكَادُ يَكُونُ مُلْتَزِمًا فِي رِوَايَةِ الأَدَبِ اِلْتِزَامًا لاَ إِخْلاَلَ فِيهِ». انظر: \" مصادر الشعر الجاهلي \": ص ٢٥٨.","vol":"1","page":221},{"text":"مُجَاهِدٍ - قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ العَدَوِيُّ (١) إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ، وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَالِي لاَ أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي، أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلاَ تَسْمَعُ؟، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ، وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَا نَعْرِفُ» (٢). وفي رواية عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: [جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ -] فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، تَرَكْنَا الحَدِيثَ عَنْهُ» (٣)، وكان بعدهم التابعون يسألون عن الإسناد ويلتزمونه، ومن هذا ما يرويه ابن عبد البر عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رِقَابٍ أَوْ رَقَبَةٍ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَقُلْتُ لِلرَّبِيعِ بْنِ خَثْيَمٍ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الحَدِيثِ؟ فَقَالَ: عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأَوْدِيُّ، فَلَقِيتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ فَقُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الحَدِيثِ؟ فَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، فَلَقِيتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَقُلْتُ: مَنْ\n_________\n(١) هُوَ بُشَيْرٌ - مُصَغَّرًا - ابن كعب بن أبي الحمير العدوي، أبو أيوب البصري ثقة، مخضرم من الطبقة الثانية، وفاته قبل سَنَةِ مائة من الهجرة. انظر \" تقريب التهذيب \": ص ١٠٤ جـ ١.\n(٢) \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ٨١ جـ ١.\n(٣) \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ٨٠ جـ ١.","vol":"1","page":222},{"text":"حَدَّثَكَ؟ قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (١).\nقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: «وَهَذَا أَوَّلُ مَا فُتِّشَ عَنِ الإِسْنَادِ» (٢).\n\nوقال أبو العالية: «كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ بِالْبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَا رَضِينَا حَتَّى رَحَلْنَا إِلَيْهِمْ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ» (٣). وكان التابعون وأتباعهم يتواصون بطلب الإسناد، قال هشام بن عروة: «إذَا حَدَّثَكَ رَجُلٌ بِحَدِيثٍ فَقُلْ عَمَّنْ هَذَ؟» (٤)، وكان الزهري إِذَا حَدَّثَ أَتَى بِالإِسْنَادِ وَيَقُولُ: «لاَ يَصْلُحُ أَنْ يُرْقَى السَّطْحُ إِلاَّ بِدَرَجِهِ» (٥)، وقال الأوزاعي: «مَا ذَهَابُ العِلْمِ إِلاَّ ذَهَابُ الإِسْنَادِ» (٦)،، وقال سفيان الثوري: «الإِسْنَادُ سِلاَحُ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاَحٌ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاتِلُ؟» (٧)، ويقول عبد الله بن المبارك: «الإِسْنَادُ مِنَ الْدِّينِ، وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» (٨)، وعنه أنه قال: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ القَوَائِمُ» يَعْنِي الإِسْنَادَ. (٩).\n\nوقد أتقن التابعون الإسناد وبرزوا فيه كما برزوا في غيره من علوم الحديث، وفي هذا يَقُولُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيَّ: «وَجَدْنَا الحَدِيثَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ: الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَالأَعْمَشِ، فَكَانَ قَتَادَةُ أَعْلَمَهُمْ بِالاخْتِلاَفِ، وَ[كَانَ] الزُّهْرِيُّ\n_________\n(١) مقدمة \" التمهيد \" لابن عبد البر: ص ١٤: ب. وانظر \" المحدث الفاصل \": ص ٢٠: آ.\n(٢) \" المحدث الفاصل \": ص ٢٠: آ.\n(٣) مقدمة \" التمهيد \": ص ١٥: آ. ونحوه في \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٦٨: ب.\n(٤) \" الجرح والتعديل \": ص ٣٤ جـ ١.\n(٥) المرجع السابق: ص ١٦ جـ ١.\n(٦) مقدمة \" التمهيد \": ص ١٥: ب.\n(٧) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ٨٠: ب مخطوط دار الكتب المصرية ضمن مجموعة برقم (ب - ٢٣٧٣٦) وعن مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق: ص ٣٩ جـ ١.\n(٨) \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ٨٧ جـ ١.\n(٩) المرجع السابق: ص ٨٨ جـ ١.","vol":"1","page":223},{"text":"أَعْلَمَهُمْ بِالإِسْنَادِ، وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ أَعْلَمَهُمْ بِحَدِيثِ عَلِيِّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ عِنْدَ الأَعْمَشِ مِنْ كُلِّ هَذَا ...» (١).\n\nوأصبح الإسناد أَمْرًا بَدَهِيًّا مُسَلَّمًا به عند العامة والخاصة، ويظهر هذا فيما يرويه الأصمعي فيقول: «حَضَرْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ وَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحَ الشَّيْخُ يَرْحَمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: بِخَيْرٍ نَحْمَدُ اللَّهَ، قَالَ: مَا تَقُولُ فِي امْرَأَةٍ مِنَ الحَاجِّ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ؟ فَقَالَ: تَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنَّهَا لاَ تَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ قُدْوَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ «عَائِشَةُ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ»، قَالَ: هَلْ مِنْ بَلاَغٍ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِذَلِكَ. قَالَ الأَعْرَابِيٌّ: لَقَدِ اسْتَسْمَنْتَ القُدْوَةَ، وَأَحْسَنْتَ البَلاَغَ، وَاللَّهُ لَكَ بِالرَّشَادِ» (٢)، وقال المدائني سمع أعرابي رجلًا يحدث بأحاديث غير مسندة فقال: «لِمَ تُرْسِلُهَ بِلاَ أَزِمَّةُ وَلاَ خَطْمِ (٣)؟».\n\nولا يطعن فيما قررناه من التزام التابعين للإسناد المتصل ما روي عن بعض التابعين من المراسيل، لأن هناك روايات تؤكد أن التابعي كان يذكر من حدثه عندما يسأل عن الإسناد، ومن هذا ما يرويه ابن عبد البر بإسناده المتصل عَنْ مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى الزُّهْرِيِّ وَإِلَى مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ فَيَقُولُ الزُّهْرِيُّ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ: الذِي ذَكَرْتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَنْ أَخْبَرَكَ بِهِ؟ قَالَ: ابْنُهُ سَالِمٌ. وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينْ: سَلْ الحَسَنَ مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ العَقِيقَةِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ:\n_________\n(١) \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٠٨ جـ ١.\n(٢) \" الكفاية \": ص ٤٠٤.\n(٣) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \"، نسخة الإسكندرية: ص ١٦٤: ب.","vol":"1","page":224},{"text":"مِنْ سَمُرَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ (ابن عبد البر): فَهَكَذَا مَرَاسِيلُ الثِّقَاتِ، إِذَا سُئِلُوا أَحَالُوا عَلَى الثِّقَاتِ ... قَالَ سُلَيْمَانُ الأَعْمَشِ: «قُلْتُ لإِبْرَاهِيمَ: إِذَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا فَأَسْنِدْهُ، فَقَالَ: إِذَا قُلْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ (عنه)، وَإِذَا سَمَّيْتُ لَكَ أَحَدًا فَهُوَ الَّذِي سَمَّيْتُ» (١).\n\nومن هنا يتبين لنا أن أكثر من أرسلوا الحديث كانوا على جانب كبير من العلم، وكانوا يعرفون السند، وإنما لم يذكروه اختصارًا، ويظهر لنا هذا فيما رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: «كُنَّا نَأْتِي قَتَادَةَ، فَيَقُولُ: بَلَغَنَا عَنِ النَّبِيِّ [عَلَيْهِ السَّلاَمُ]، وَبَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ، وَبَلَغَنَا عَنْ عَلِيٍّ، وَلاَ يَكَاد يُسْنِدُ، فَلَمَّا قَدِمَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ البَصْرَةَ جَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَفُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَبَلَغَ قَتَادَةَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: سَأَلْتُ مُطَرِّفًا، وَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَأَخْبَرَ بِالإِسْنَاد» (٢) ولم يكونوا يسألونه عن السند لثقة القوم به، ويدل على هذا ما رواه ابن سعد عَنْ مَعْمَرٍ: «وَكُنَّا نُجَالِسُ قَتَادَةَ وَنَحْنُ أَحْدَاثٌ، فَنَسْأَلُ عَنِ السَّنَدِ، فَيَقُولُ مَشْيَخَةٌ حَوْلَهُ: مَهْ، إِنَّ أَبَا الخَطَّابِ سَنَدٌ، فَيَكْسِرُونَا عَنْ ذَلِكَ» (٣).\n\nوَيَقُولُ شُعْبَةُ: «كُنْتُ أُجَالِسُ قَتَادَةَ، فَيَذْكُرُ الشَّيْءَ فَأَقُولُ: كَيْفَ إِسْنَادُهُ؟ فَيَقُولُ المَشْيَخَةُ الذِينَ حَوْلَهُ: \" إِنَّ قَتَادَةَ سَنَدٌ \"، فَأَسْكُتُ، فَكُنْتُ أُكْثِرُ مُجَالَسَتَهُ، فَرُبَّمَا ذَكَرَ الشَّيْءَ فَأَذْكُرَهُ، فَعَرَفَ مَكَانِي، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ يُسْنِدُ لِي» (٤).\n\nوهكذا نرى أن الإسناد المتصل كان قد أخذ نصيبه من العناية والاهتمام\n_________\n(١) مقدمة \" التمهيد \" لابن عبد البر: ص ١٠، وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي.\n(٢) \" طبقات ابن سعد \": ص ٧ قسم ٢ جـ ٢.\n(٣) المرجع السابق: ص ٧ قسم ٢ جـ ٢.\n(٤) \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ١٦٦.","vol":"1","page":225},{"text":"في عهد التابعين حتى أصبح من واجب المحدث أن يبين نسب ما يُرْوَى، وقد شبه بعضهم الحديث من غير إسناد بالبيت بلا سقف ولا دعائم، ونظموه في قولهم:\nوَالعِلْمُ إِنْ فَاتَهُ إِسْنَادُ مُسْنَدِهِ * ... * ... * كَالْبَيْتِ لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ وَلاَ طُنُبُ (١).\n\nوكان المحدث بإسناده الحديث يرفع العهدة عن نفسه، ويطمئن إلى صحة ما ينقل عندما ينتهي سنده المتصل إلى رسول الله - ﷺ - (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>ثَانِيًا - مُضَاعَفَةُ النَّشَاطِ العِلْمِيِّ وَالتَّثَبُّتُ فِي الحَدِيثِ:</span>\nمن نعم الله - ﷿ - على المسلمين أن انبث الصحابة في الأمصار والبلدان، وَكُتِبَ لبعضهم طول العمر ليساهموا في حفظ السُنَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إثر الفتنة، وبعد ظهور الكذب على رسول الله - ﷺ -، فكان طلاب العلم يسمعون\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \": ص ٢٢: آ.\n(٢) ونثبت هنا كلمة للدكتور [ناصر] الدين الأسد عن مرد التزام الإسناد المتصل في رواية الحَدِيثِ فَيَقُولُ: «وَيَبْدُو لَنَا أَنَّ الإِسْنَادَ المُتَّصِلَ فِي رِوَايَةِ الحَدِيثِ إِلَى أَمْرَيْنِ: أَمْرٌ دَاخِلِيٌّ، وَآخَرَ خَارِجِيٌّ. أَمَّا الدَّاخِلِيُّ فَمَبْعَثُهُ مِنْ نَفْسِ الرَّاوِي، وَمَصْدَرُهُ شُعُورُهُ بِالتَّحَرُّجِ الدِّينِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْقُلُ كَلاَمًا مِنْ كَلاَمِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ الذِي قَالَ فِي حَدِيثِهِ المَشْهُورِ: \"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\".وَفِي الإِسْنَادَ المُتَّصِلِ مَا يَجْعَلُ الُمَحَدِّثَ يَطْمَئِنُّ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ شُيُوخِهِ وَشُيُوخِ شُيُوخِهِ ثُمَّ التَّابِعِينَ وَالصَّحَابَةَ يَشْتَرِكُونَ مَعَهُ فِي تَحَمُّلِ تَبِعَةَ هَذَا الحَدِيثِ وَنَقْلِهِ، وَأَنَّهُ لاَ يَسْتَقِلُّ وَحْدَهُ بِحَمْلِ هَذَا العِبْءِ، وَأَنَّ تَبِعَتَهُ لاَ تَعْدُو النَّقْلَ الأَمِينَ لِمَا سَمِعَهُ عَنْ شَيْخٍ ثِقَةٍ ثَبْتٍ.\nوَأَمَّا الأَمْرُ الخَارِجِيُّ فَمَرْجِعُهُ إِلَى سَامِعِي الحَدِيثِ مِنَ الُمَحَدِّثِ، وذلك أن الحَدِيثَ يَتَضَمَّنُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنَ السُنَّةِ، أَوْ هُوَ السُنَّةُ كُلَّهَا، وَهُوَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَصْدَرٌ مِنْ مَصَادِرِ التَّشْرِيعِ الإِسْلاَمِيِّ، بَلْ إِنَّهُ هُوَ المَصْدَرُ الثَّانِي الذِي يَتْلُو فِي القِيمَةِ كِتَابَ اللهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِنَ التَّدْقِيقِ وَالتَّحْقِيقِ، وَمِمَّا يَبْعَثُ الطُّمَأْنِينَةَ فِي نُفُوسِ السَّامِعِينَ وَيُوحِي إِلَيْهِمْ بِالثِّقَةِ فِي حَدِيثِ الُمَحَدِّثِ أَنْ يَصِلَ بَيْنَ عَصْرِهِ وَعَصْرِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ بِسِلْسِلَةٍ مُتَّصِلَةٍ مِنَ الرُوَّاةِ المُحَدِّثِينَ كُلُّهُمْ يَشْهَدُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِمَّنْ قَبْلَهُ حَتَّى يَصِلَ الإِسْنَادَ إِلَى الصَّحَابِيِّ فَالرَّسُولَ». \" مصادر الشعر الجاهلي \": ص ٢٥٨، ٢٥٩.","vol":"1","page":226},{"text":"من الصحابة، وإذا ما سمعوا من غيرهم أسرعوا إلى من عندهم من أصحاب رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ليتأكدوا مما سمعوا، فكانوا يبينون لهم الغث من السمين، من هذا ما فعل ابن عباس مع ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا، وَيُخْفِي عَنِّي (١)، فَقَالَ: «وَلَدٌ نَاصِحٌ أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الأُمُورَ اخْتِيَارًا، وَأُخْفِي عَنْهُ»، قَالَ: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ، فَيَقُولُ: «وَاللهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ضَلَّ» (٢).\n\nوكان كثير من طلاب العلم يرحلون إلى الصحابة، يقطعون الفيافي والقفار، للتأكد من حديث سمعوه من تابعي عندهم، وهذا معنى قول أَبِي الْعَالِيَةِ السَّابِقِ: «كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِالبَصْرَةِ، فَلَمْ نَرْضَ حَتَّى رَكِبْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ». بل إن الصحابة رحل بعضهم إلى بعض في سبيل هذا، فقد ارتحل أبو أيوب إلى عقبة بن عامر في مصر (٣) ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أُنَيْسٍ في حديث (٤)، وغير هؤلاء ممن سبق ذكرهم.\n\nوأما التابعون وأتباعهم فقد كانوا على نطاق واسع من التنقل والارتحال في سبيل تحمل الحديث عن الثقات ومذاكرة الأحاديث، فهناك من ارتحل\n_________\n(١) «يُخْفِي عَنِّي»: أي يكتم عني أشياء ولا يكتبها. انظر \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ٨٢ جـ ١، ولعله كان يخفي عنه ما لا يثق بصحته.\n(٢) \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ٨٢ جـ ١.\n(٣) انظر \" جامع بيان العلم \": ص ٩٣ جـ ١.\n(٤) انظر \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٦٨: ب، و\" جامع بيان العلم \": ص ٩٣ جـ ١. و\" تهذيب التهذيب \": ص ١٤٩، ١٥٠ جـ ٥.","vol":"1","page":227},{"text":"إلى أبي الدرداء لحديث عنده في دمشق (١) كما رحل ابن شهاب إلى الشام إلى عطاء بن يزيد وابن مُحيريز وابن حَيْوَهْ، ورحل يحيى بن أبي كثير إلى المدينة للقاء من بها من أولاد الصحابة، ورحل محمد بن سيرين إلى الكوفة ليلقى عبيدة وعلقمة وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ورحل الأوزاعي إلى يحيى بن أبي كثير باليمامة ودخل البصرة، كما رحل سفيان الثوري إلى اليمن (٢) ... وقال سعيد بن المسيب: «إِنْ كُنْتُ لأَسِيرُ اللَّيَالِيَ وَالأَيَّامَ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ» (٣). وعن الزهري عن ابن المسيب: «إِنْ كُنْتُ لأَسِيرُ ثَلاَثًا فِي الحَدِيثِ الوَاحِدِ» (٤).\n\nوقد كان مسروق كثير الرحلة في طلب الحديث ومذاكرته (٥)، وَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بحديث ثم قال لسامعه: «خُذْهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ» (٦).\n\nوكثيرًا ما كان التابعون وأتباعهم يتذاكرون الحديث، فيأخذون ما عرفوا ويتركون ما أنكروا، قَالَ الإِمَامُ الأَوْزَاعِيَّ: «كُنَّا نَسْمَعُ الحَدِيثَ، فَنَعْرِضُهُ عَلَى أَصْحَابِنَا كَمَا يَعْرِضُ الدِّرْهَمَ [الزَّائِفَ]، فَمَا عَرَفُوا مِنْهُ أَخَذْنَا [بِهِ]، وَمَا [أَنْكَرُوا] تَرَكْنَا» (٧) (*)، وكانوا دائمًا يرجعون إلى من يثقون به، فإذا ما اختلف سعيد وأبو\n_________\n(١) انظر \" الجرح والتعديل \": ص ١٢ جـ ١.\n(٢) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ٣١: آ.\n(٣) \" جامع بيان العلم \": ص ٩٤ جـ ١، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٥٢ جـ ١ ونحوه في \" الجامع لأخلاق الراوي: ص ١٦٩: آ.\n(٤) \" المحدث الفاصل \": ص ٢٨: ب.\n(٥) انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٩٤ جـ ١.\n(٦) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٩٢ ونحوه في ص ٩٣ و٩٤ جـ ١.\n(٧) \" الجرح والتعديل \": ص ٢١ جـ ١، و\" المحدث الفاصل \": ص ٦٤: آ.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) في تصحيح ما بين [.....] انظر \" المحدث الفاصل \" للرامهرمزي، تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، ص ٣١٨، الحديث رقم ٢١٧، الطبعة الأولى: بيروت ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م، نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت. ٍ","vol":"1","page":228},{"text":"هلال وشعبة في قتادة رجعوا إلى هشام الدستوائي (١)، وَإِذَا اخْتَلَفَ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ قَالاَ: «اذْهَبَا بِنَا إِلَى المِيزَانِ مِسْعَرٍ» (٢). وَعَنْ الأَعْمَشِ، قَالَ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ صَيْرَفِيًّا فِي الحَدِيثِ، وَكُنْتُ أَسْمَعُ مِنَ الرِّجَالِ، فَأَجْعَلُ طَرِيقِي عَلَيْهِ، فَأَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا سَمِعْتُ، وَكُنْتُ آتِي زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ وَضُرَبَاءَهُ فِي الحَدِيثِ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً وَالمَرَّتَيْنِ، وَكَانَ الذِي لاَ أَكَادُ أَغَبُّهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ» (٣).\n\nوكان أئمة الحديث في هذا العصر على جانب عظيم من الوعي والاطلاع، فقد كانوا يحفظون الصحيح والضعيف والموضوع حتى لا يختلط عليهم الحديث، وليميزوا الخبيث من الطيب، وفي هذا يَقُولُ الإِمَامُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ،: «إِنِّي لأَرْوِي الحَدِيثَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ، أَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنَ الرَّجُلِ أَتَّخِذُهُ دِينًا، وَأَسْمَعُ مِنَ الرَّجُلِ أَقِفُ حَدِيثَهُ، وَأَسْمَعُ مِنَ الرَّجُلِ لاَ أَعْبَأُ بِحَدِيثِهِ وَأُحِبُّ مَعْرِفَتَهُ» (٤). وَيَرْوِي لَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَثْرَمَ، يَقُولُ: رَأَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ بِصَنْعَاءَ فِي زَاوِيَةٍ وَهُوَ يَكْتُبُ صَحِيفَةَ مَعْمَرٍ عَنْ أَبَانَ عَنْ أَنَسٍ، فَإِذَا طَلَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ\n_________\n(١) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ٧٦: آ. وسعيد أُرَجِّحُ أنه ابن أبي صدقة البصري من الطبقة السادسة، وأبو هلال هو محمد بن سليم الراسبي، بصري من الطبقة السادسة، مات سَنَةَ ١٦٧ هـ، وشعبة هو ابن الحجاج الإمام المشهور من الطبقة السابعة، توفي سَنَةَ ١٦٠ هـ، وهشام الدستوائي هو ابن عبد الله حافظ مشهور من كبار الطبقة السابعة، توفي سَنَةَ ١٥٤ هـ وله (٧٨) سَنَةً.\nانظر تفصيل تراجمهم في \" تهذيب التهذيب \".\n(٢) \" المحدث الفاصل \": ص ٧٥: ب، وسفيان هو ابن سعيد الثوري أبو عبد الله الكوفي أمير المؤمنين في الحديث، إمام حُجَّةٌ من رؤوس الطبقة السابعة، كان آية في الحفظ، توفي سَنَةَ (١٦١ هـ) وله أربع وستون سَنَةً. \" تهذيب التهذيب \": ص ١١١ - ١١٥ جـ ٤. وانظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٢٥٧ جـ ٦. ومسعر هو ابن كدام الهلالي العامري، أبو سلمة الكوفي، كان آية في الحفظ ثقة من الطبقة السابعة، توفي سَنَةَ (١٥٢ هـ). \" تهذيب التهذيب \": ص ١١٣ جـ ١.\n(٣) \" الجرح والتعديل \": ص ١٧ جـ ١، وانظر ترجمة إبراهيم النخعي في الباب الخامس من هذا الكتاب.\n(٤) \" الكفاية \": ص ٤٠٢، وانظر \" الكامل \" لابن عدي: ص ٢ جـ ١ وعنه: «إِنِّي لأَكْتُبُ الحَدِيثَ عَلَى ثَلاَثَةِ وُجُوهٍ ...». انظر \" الجامع لأخلاق الراوي \": ص ١٥٧: ب.","vol":"1","page":229},{"text":"كَتَمَهُ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: تُكْتُبُ صَحِيفَةَ مَعْمَرٍ عَنْ أَبَانَ عَنْ أَنَسٍ وَتَعْلَمُ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ؟ فَلَوْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ: إِنَّكَ تَتَكَلَّمُ فِي أَبَانَ ثُمَّ تَكْتُبُ حَدِيثَهُ عَلَى الوَجْهِ؟ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَكْتُبُ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ عَنْ عَبْدِ الرَزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَلَى الوَجْهِ فَأَحْفَظُهَا كُلَّهَا، وَأَعْلَمُ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ حَتَّى لاَ يَجِيءَ بَعْدَهُ إِنْسَانٌ فَيُجْعَلُ بَدَلَ أَبَانَ ثَابِتًا، وَيَرْويِهَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَأَقُولُ لَهُ: «كَذَبْتَ إِنَّمَا هِيَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبَانَ لاَ عَنْ ثَابِتٍ!» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>ثَالِثًا - تَتَبُّعِ الكَذَبَةِ:</span>\nإلى جانب احتياط العلماء وتثبتهم في قبول الأخبار كان بعضهم يحاربون الكذابين علانية ويمنعونهم من التحديث، ويستعدون عليهم السلطان. فقد كان عامر الشعبي «يَمُرُّ بِأَبِي صَالِحٍ صَاحِبَ التَّفْسِيرِ، فَيَأْخُذَهُ بِأُذُنِهِ وَيَقُولُ: وَيْحَكَ! كَيْفَ تُفَسِّرُ القُرْآنَ وَأَنْتَ لاَ تُحْسِنُ أَنْ تَقْرَأَ» (٢). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَوْلاَ شُعْبَةُ مَا عُرِفَ الحَدِيثُ بِالعِرَاقِ، كَانَ يَجِيءُ إِلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: لاَ تُحَدِّثْ وَإِلاَّ اسْتَعْدَيْتُ عَلَيْكَ السُّلْطَانَ» (٣). وقد كان شعبة شديدًا على الكذابين، قَالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الجُدِّيُّ الثِّقَةُ المَأْمُونُ: «رَأَيْتُ شُعْبَةَ مُغْضَبًا مُبَادِرًا فَقُلْتُ: \" مَهْ يَا أَبَا بِسْطَامٍ \" فَأَرَانِي طِينَةً (٤) فِي يَدِهِ وَقَالَ: «أَسْتَعْدِي عَلَى جَعْفَرِ\n_________\n(١) \" الجامع لأخلاق الراوي \": ص ١٥٧: ب.\n(٢) \" قبول الأخبار \": ص ٤٢، وَفِيهِ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ اِعْتَرَفَ لِلْكَلْبِيِّ بِأَنَّ كُلَّ مَا حَدَّثَهُ كَانَ كَذِبًا.\n(٣) \" الجامع لأخلاق الراوي \": ص ١٤٩: آ.\n(٤) هكذا في الأصل. والطينة واحدة الطين وهو الوحل، ولعل الراوي أراد بها (اللَّبِنَةَ) بفتح اللام وكسر الباء واحدة اللبن التي يُبْنَى بها الجِدَارُ، ولعله قال ذلك باعتبار أصلها.","vol":"1","page":230},{"text":"بْنِ الزُّبَيْرِ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ» (١). وفي رواية: «عَلَى هَذَا يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَضَعَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَمِائَةِ حَدِيثٍ كَذِبٍ» (٢).\n\nوَعَنْ حَمَّادٍ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَلَّمَنَا شُعْبَةُ أَنا وَعَبَّادَ بْنَ عَبَّادٍ وَجَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ فِي رَجُلٍ، يُرِيدُ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ فَقُلْنَا: لَوْ كَفَفْتَ عَنهُ؟ فَكَأَنَّهُ لاَنَ، وَأَجَابَنَا، قَالَ فَذَهَبتُ يَوْمًا أُرِيدُ الجُمُعَةَ، فَإِذَا شُعْبَةُ يُنَادِي مِنْ خَلْفِي فَقَالَ: «ذَاكَ الَّذِي قُلْتُمْ لاَ أرَاهُ يَسَعُنِي» (٣). وكان شعبة يفعل هذا كله حسبة لله (٤).\n\nوَعَنْ أَحْمَدَ بْنَ سِنَانٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: «اسْتَعْدَيْتُ عَلَى عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي يُحَدِّثُهَا عَنِ [القَاسِمِ]، فَقَالَ:\" لاَ أَعُودُ \"» (٥).\n\nوكان الإمام سفيان الثوري شديدًا على الكذابين، لا يتوانى عن إظهار عيوبهم، وفي هذا يقول ابْنُ أَبِي غُنَيَّة: «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَصْفَقَ وَجْهًا فِي ذَاتِ اللهِ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ - ﵀ -» (٦). وَحَدَّثَ حَمَّادٌ الْمَالِكِيُّ (٧) - وَكَانَ كَذَّابًا - حَدِيثًا فجاءه عَمْرُو الأَنْمَاطِيَّ وَقَالَ لَهُ: «وَاللَّهِ لاَ تُفَارِقُنِي حَتَّى أَسْتَعْدِيَ عَلَيْكَ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الحَسَنِ، وَحَلَفَ لاَ يُحَدِّثُ بِهِ، (قَالَ): فَكَتَبْتُ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَأَشْهَدْتُ عَلَيْهِ شُهُودًا» (٨). وكان بعض المحدثين لا يتحملون كذب هؤلاء،\n_________\n(١) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٤٩: ب.\n(٢) \" تهذيب التهذيب \": ص ٩١ جـ ٢.\n(٣) انظر \" الجرح والتعديل \": ص ٢١ جـ ١.\n(٤) انظر \" الجرح والتعديل \": ص ٢١ جـ ١.\n(٥) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٥٠: ب. ويروى نحو هذا عن أبي الوليد الطيالسي، انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٢٤٢ جـ ١٠.\n(٦) \" الكامل \" لابن عدي: ص ٢ جـ ١.\n(٧) هو حماد بن مالك ويقال المالكي، شيخ روى عن الحسن، رموه بالكذب: ص ٢٨٢ جـ ١ \" ميزان الاعتدال \".\n(٨) \" المحدث الفاصل \": ص ٦٣: ب، و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ١٥٠: آ.","vol":"1","page":231},{"text":"فيضربونهم ويهددونهم بالقتل، روى الإمام مسلم بإسناده المتصل عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ قَالَ: «سَمِعَ مُرَّةُ الهَمْدَانِيُّ مِنَ الحَارِثِ (الأَعْوَرِ) شَيْئًا فَأَنْكَرَهُ فَقَالَ: لَهُ اقْعُدْ بِالبَابِ، قَالَ: فَدَخَلَ مُرَّةُ وَأَخَذَ سَيْفَهُ، قَالَ: وَأَحَسَّ الحَارِثُ بِالشَّرِّ فَذَهَبَ» (١).\n\nوكان نتيجة هذا أن توارى كثير من الكذابين، وكفوا عن كذبهم، كما أصبح عند العامة وعي جيد: يميزون به بين المتطفلين على الحديث وأهله ورجاله الثقات، ويدل على هذا ما رواه ابن حجر عن يزيد بن هارون قال: «كان جعفر بن الزبير وعمران بن حُدَيْرٍ في مسجد واحد مصلاهما، وكان الزحام على جعفر بن الزبير وليس عند عمران أحد، وكان شعبة يمر بهما فيقول: يا عجبًا للناس! اجتمعوا على أكذب الناس وتركوا أصدق الناس، قال يزيد: فما أتى عليه قليل حتى رأيت ذلك الزحام على عمران، وتركوا جعفرًا وليس عنده أحد» (٢). وكان الناس لا يجرؤون على الكذب في زمن سفيان الثوري، لأنه كان شديدًا على الكذابين: يكشف عنهم، ويبين عوارهم، وفيه قال قتيبة بن سيعد: «لَوْلاَ سُفْيَانُ لَمَاتَ الوَرَعُ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>رَابِعًا - بَيَانُ أَحْوَالِ الرُوَّاةِ:</span>\nوكان لا بد للصحابة والتابعين ومن تبعهم من معرفة رواة الحديث،\n_________\n(١) \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ٩٩ جـ ١، وكان الحارث الأعور كذابًا من غلاة الشيعة، توفي سَنَةَ (٦٥ هـ)، انظر \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ٩٨ و٩٩ جـ ١، وانظر \" ميزان الاعتدال \": ص ٢٠٢ جـ ١، ومُرَّةُ بْنُ شَرَاحِيلَ الهَمْدَانِيُّ، أبو إسماعيل الكوفي تابعي ثقة عابد جليل توفي سَنَةَ (٧٦ هـ)، انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٨٨، ٨٩ جـ ١٠.\n(٢) \" تهذيب التهذيب \": ص ٩١ جـ ٢.\n(٣) \" الكامل \" لابن عدي: ص ٢ جـ ١.","vol":"1","page":232},{"text":"معرفة تمكنهم من الحكم بصدقهم أو كذبهم، حتى يتمكنوا من تمييز الحديث الصحيح من المكذوب، لذلك درسوا حياة الرواة وتاريخهم، وتتبعوهم في مختلف حياتهم، وعرفوا جميع أحوالهم، كما بحثوا أشد البحث «حَتَّى [يَعْرِفُوا] الأَحْفَظَ فَالأَحْفَظَ، وَالأَضْبَطَ فَالأَضْبَطَ، وَالأَطْوَلَ مُجَالَسَةً لِمَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ كَانَ أَقَلَّ مُجَالَسَةً (١)» ..، وقد قال سفيان الثوري: «لَمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الكَذِبَ اسْتَعْمَلْنَا لَهُمُ التَّارِيخَ» (٢).\n\nوكانوا يبينون أحوال الرواة وينقدونهم ويعدلونهم حسبة لله، لا تأخذهم خشية أحد ولا تتملكهم عاطفة، فليس أحد من أهل الحديث يحابي في الحديث أباه ولا أخاه ولا ولده، فهذا زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ يَقُولُ: «لاَ تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي (٣)!!!».\nوَقَالَ عَلِيٌّ بْنُ المَدِينِيِّ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ أَبِيهِ: «سَلُوا عَنْهُ غَيْرِي» فأعادوا المسألة، فأطرق، ثم رفع رأسه فقال: «هُوَ الدِّينُ، إِنَّهُ ضَعِيفٌ» (٤)، «وَكَانَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ لِكَوْنِ وَالِدِهِ كَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، يُقْرِنُ مَعَهُ آخَرَ إِذَا رَوَى عَنْهُ» (٥).\n\nوكان أئمة النقاد يُعَيِّنُونَ أيامًا للتكلم في الرجال وأحوالهم، قَالَ أَبُو زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ النَّحْوِيُّ: أَتَيْنَا شُعْبَةَ يَوْمَ مَطَرٍ فَقَالَ: «لَيْسَ هَذَا يَوْمَ حَدِيثٍ، اليَوْمَ يَوْمُ غِيبَةٍ، تَعَالَوْا حَتَّى نَغْتَابَ الْكَذَّابِينَ» (٦)، وكانوا يأمرون طلابهم وإخوانهم أن يبينوا حال الراوي الذي يكثر غلطه، والمتهم في حديثه، قال عبد الرحمن\n_________\n(١) \" شرف أصحاب الحديث \": ص ٣٨: ب.\n(٢) \" الكامل \" لابن عدي: ص ٤: ب، جـ ٣. و\" الكفاية \": ص ١١٩.\n(٣) \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ١٢١ جـ ١.\n(٤) \" الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ \": ص ٦٦.\n(٥) \" الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ \": ص ٦٦.\n(٦) \" الكفاية \": ص ٤٥.","vol":"1","page":233},{"text":"ابن مهدي: «سَأَلْتُ شُعْبَةَ وَابْنَ المُبَارَكِ وَالثَّوْرِيَّ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنِ الرَّجُلِ يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ، فَقَالُوا: انْشُرْهُ فَإِنَّهُ دِينٌ» (١). وعن يحيى بن سعيد قَالَ: «سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكًا، وَابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنِ الرَّجُلِ لاَ يَكُونُ ثَبْتًا فِي الحَدِيثِ، فَيَأْتِينِي الرَّجُلُ، فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ، قَالُوا: \" أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ \"» (٢).\n\nوكان طلاب العلم يسألون الأئمة ويكتبون إليهم ليخبروهم عن الرواة، من ذلك ما رواه الإمام مسلم بإسناده عن عبيد الله بن معاذ العنبري عن أبيه قال: «كَتَبْتُ إِلَى شُعْبَةَ أَسْأَلُهُ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ قَاضِي وَاسِطَ فَكَتَبَ إِلَيَّ: \" لاَ تَكْتُبْ عَنْهُ [شَيْئًا] وَمَزِّقْ كِتَابِي» (٣).\n\nوكان النقاد يدققون في حكمهم على الرجال، يعرفون لكل محدث ما له وما عليه، قال الشعبي: «وَاللهِ لَوْ أَصَبْتُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ مَرَّةٍ، وَأَخْطَأْتُ مَرَّةً لَعَدُّوا عَلَيَّ تِلْكَ الوَاحِدَةَ» (٤). وكانت المظاهر لا تغريهم، وكل ما يهمهم أن يخلصوا العمل لله، ويصلوا إلى ما ترتاح إليه ضمائرهم، لخدمة الشريعة ودفع ما يشوبها، وبيان الحق من الباطل، قَالَ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ: «إِنَّا لَنَطْعُنُ عَلَى أَقْوَامٍ لَعَلَّهُمْ قَدْ حَطُّوا رِحَالَهُمْ فِي الجَنَّةِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ» (٥). قال السخاوي: «أَيْ أَنَاسٌ صَالِحُونَ، وَلَكِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ» (٦).\n\nوَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلاَّدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ: أَمَا تَخْشَى\n_________\n(١) مقدمة \" التمهيد \": ص ١٢: ب.\n(٢) \" صحيح مسلم بشرح النووي\": ص ٩٢ جـ ١.\n(٣) المرجع السابق: ص ١١٠ جـ ١.\n(٤) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٧٧ جـ ١.\n(٥) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٦٠: آ.\n(٦) \" الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ \": ص ٥٢.","vol":"1","page":234},{"text":"أَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ تَرَكْتَ حَدِيثَهُمْ خُصَمَاءَكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: لأَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ خُصَمَائِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «لِمَ حَدَّثْتَ عَنِّي حَدِيثًا تَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ؟» (١).\n\nوهكذا تَكَوَّنَ علم الجرح والتعديل الذي وضع أسسه كبار الصحابة والتابعين وأتباعهم على ضوء الشريعة الحنيفية متأسين برسول الله - ﷺ -، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢). وقال النبي - ﷺ - في الجرح: «بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ»، وفي التعديل: «إِنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ» (٣)، وقال السخاوي: «وأما المتكلمون في الرجال فخلق من نجوم الهدى ومصابيح الظلام المستضاء بهم في دفع الردى، لا يتهيأ حصرهم في زمن الصحابة - ﵃ -، سرد ابن عدي في مقدمة \" كامله \" منهم خَلَْقًَا إلى زمنه (٢٧٧ - ٣٦٥ هـ) فالصحابة الذين أوردهم: عمر، وعلي، وابن عباس، وعبد الله بن سلام، وعبادة بن الصامت، وأنس، وعائشة - ﵃ -، و\" أَوْرَدَ \" (٤) تصريح كل منهم بتكذيب من لم يصدقه فيما قاله، وسرد من التابعين عَدَدًا كالشعبي، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، ولكنهم فيهم قليل بالنسبة لمن بعدهم من المتبوعين أكثرهم ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحد\n_________\n(١) \" الكفاية \": ص ٤٤.\n(٢) [سورة الحجرات، الآية: ٦].\n(٣) \" الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ \": ص ٥٢. وانظر \" الكفاية \": ص ٣٨، ٣٩.\n(٤) ليست في النص زدناها لتستقيم العبارة.","vol":"1","page":235},{"text":"بعد الواحد، كالحارث الأعور، والمختار الكذاب.\n\nفلما مضى القرن الأول ودخل الثاني كان في أوائله من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء الذين ضعفوا غالبًا من قبل تحملهم وضبطهم للحديث.\n\nفلما كان عند آخرهم (١) عصر التابعين وهو حدود الخمسين ومائة تكلم في التوثيق والتجريح طائفة من الأئمة، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ»، وَضَعَّفَ الأَعْمَشُ جَمَاعَةً وَوَثَّقَ آخَرِينَ، ونظر في الرجال شعبة وكان متثبتًا لا يكاد يروي إلا عن ثقة، وكذلك كان مالك، وممن إذا قال في هذا العصر قُبِلَ قوله: معمر، وهشام الدستوائي، والأوزاعي، والثوري، وابن الماجشون، وحماد بن سلمة، والليث بن سعد، وغيرهم، ثم طبقة أخرى بعد هؤلاء: كابن المبارك، وَهُشَيْمٌ، وأبي إسحاق الفزاري، والمعافى بن عمران الموصلي، وبشر بن المفضل، وابن عيينة، وغيرهم ...» (٢). وقد بَيَّنَ هؤلاء من تقبل روايته ومن لا تقبل، وتكلموا في العدالة وموجباتها، وفي الجرح وأسبابه، وقد نص عمر - ﵁ - في كتابه إلى أبي موسى الأشعري على العدالة، ووضع أول الأسس في ذلك، وَبَيَّنَ من تقبل شهادته ومن لا تقبل، ولما كانت الرواية لا تختلف عن الشهادة من ناحية التحمل والأداء، فبوسعنا أن نقول: إن عمر - ﵁ - قد نص على العدالة التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم حتى تقبل شهادته وروايته، فقد قال - ﵁ -: «وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إلاَّ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، أَوْ مَجْلُودًا فِي حَدٍّ، ... فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى مِنْ العِبَادِ السَّرَائِرَ» (٣). وتكلم بعده الصحابة والتابعون، وَبَيَّنُوا\n_________\n(١) أي ما كان عند آخر التابعين انتهاء عصر التابعين.\n(٢) \" الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ \": ص ١٦٣، ١٦٤.\n(٣) \" إعلام الموقعين \": ص ٨٦ جـ ١.","vol":"1","page":236},{"text":"من تترك روايته مطلقًا، ومن لا تقبل روايته ولو تاب، كالوضاعين الكاذبين على رسول الله، وأصحاب البدع إلى بدعهم إذا استحلوا الكذب، قال الإمام مالك: «لاَ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ، وَيُؤْخَذُ مِمَّنْ سِوَى ذَلِكَ: لاَ يُؤْخَذُ مِنْ صَاحِبِ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَوَاهُ، وَلاَ مِنْ سَفِيهٍ مُعْلِنٌ بِالسَّفَهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَرْوَى النَّاسِ، وَلاَ مِنْ رَجُلٍ يَكْذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ لاَ تَتَّهِمُهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلاَ مِنْ رَجُلٍ لَهُ فَضْلٌ وَصَلاَحٌ وَعِبَادَةٌ إِذَا كَانَ لاَ يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ» (١). وَقِيلَ لِشُعْبَةَ: مَتَى يُتْرَكُ حَدِيثُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: «إِذَا رَوَى عَنِ المَعْرُوفِينَ مَا لاَ يَعْرِفُهُ المَعْرُوفُونَ فَأَكْثَرَ، وَإِذَا أَكْثَرَ الغَلَطَ، وَإِذَا اتُّهِمَ بِالْكَذِبِ، وَإِذَا رَوَى [حَدِيثَ غَلَطٍ] مُجْتَمِعٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَتَّهِمْ نَفْسَهُ فَيَتْرُكْهُ طُرِحَ حَدِيثُهُ، وَمَا كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ [فَارْوِ] عَنْهُ» (٢).\n\nوَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «كَانَ ابْنُ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَطَاوُسٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنْ لاَ يَقْبَلُوا الحَدِيثَ إِلاَّ عَنْ ثِقَةٍ يَعْرِفُ مَا يَرْوِي وَيَحْفَظُ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ يُخَالِفُ هَذَا المَذْهَبَ» (٣).\n\nهكذا بَيَّنَ جهابذة هذا العلم - منذ صَدْرِ الإسلام إلى عهد التدوين والتصنيف - أحوال الرواة: المقبول منهم والمتروك. وتكامل علم الجرح والتعديل، وألفت مصنفات ضخمة في الرواة وأقوال النقاد فيهم، حتى إنه لم يعد يختلط الكذابون والضعفاء بالعدول الثقات، كما ألفت مصنفات ومعاجم خاصة\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \": ص ٧٩: آ - ٧٩: ب. و\" الجرح والتعديل: ص ٣٢ جـ ١، و\" الكفاية \": ص ١١٦.\n(٢) \" الجرح والتعديل \": ص ٣٢ جـ ١. و\" المحدث الفاصل \": ص ٨١: ب - ٨٢: آ. وروى نحو هذا عن ابن المبارك، انظر \" الكفاية \": ص ١٤٣، وأَيْضًا نحوه عن الإمام أحمد، انظر \" الكفاية \": ص ١٤٤.\n(٣) مقدمة \" التمهيد \": ص ١٠: ب.","vol":"1","page":237},{"text":"بالضعفاء والمتروكين، وأصبح من السهل جِدًّا على أصحاب الحديث أن يميزوا الخبيث من الطيب في كل عصر، وقد بنى النقاد حكمهم في الرواة على قواعد دقيقة، فقدموا للحضارة الإنسانية أعظم إنتاج في هذا المضمار، يفخر به المسلمون أبد الدهر، وتعتز به الأمة الإسلامية التي شهد لها كبار العلماء بأياديها البيضاء في خدمة السنة النبوية، قال المستشرق الألماني «شبرنجر» في تصدير كتاب \" الإصابة \" لابن حجر - طبعة كلكتا سَنَةَ ١٨٥٣ - ١٨٦٤: «لَمْ تَكُنْ فِيمَا مَضَى أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ تُوجَدُ الآنَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ المُعَاصَرَةِ أَتَتْ فِي عِلْمِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ المُسْلِمُونَ فِي هَذَا العِلْمِ العَظِيمِ الخَطِرِ الذِي يَتَنَاوَلُ أَحْوَالَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ وَشُؤُونِهِمْ ...» (١).\n\nولم يكتف العلماء بالتزام الإسناد، والتثبت من الأحاديث بالارتحال إلى الصحابة وكبار التابعين، وبمراجعتها ومقارنتها ومعرفة طرقها وأسانيدها ومعرفة رواتها وأحوالهم، والثقة منهم والمجروح، بل قسموا الحديث إلى درجات يعرف بها المقبول والمردود، والقوي والضعيف، فقسموه إلى صحيح وحسن وضعيف، وبينوا حَدَّ كل منها وما يندرج تحته، أما الحديث الحسن فلم يكن معروفًا عند المحدثين في القرن الهجري الثاني، وإنما عرف بعد ذلك، ويعتبر \" كتاب الترمذي \" أصلًا في معرفة الحسن (٢)، كَمَا «يُوجَدُ - الحَسَنُ - فِي مُتَفَرِّقَاتٍ مِنْ كَلاَمِ بَعْضِ مَشَايِخِهِ، وَالطَّبَقَةِ التِي قَبْلَهُ كَأَحْمَدَ وَالبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا» (٣).\n\nوتكلموا في أنواع الضعيف، وبنوا ذلك على منشأ الضعف من السند أو المتن،\n_________\n(١) \" أضواء على التاريخ الإسلامي \": ص ١٣٦.\n(٢) انظر \" اختصار علوم الحديث \": ص ٤٣.\n(٣) \" الباعث الحثيث \": ص ٤٤، أي في كلام بعض مشايخ الترمذي.","vol":"1","page":238},{"text":"وقد قسمه ابن حبان تسعة وأربعين قِسْمًا (١)، وقسمه ابن الصلاح أقسامًا كثيرة باعتبار الصفة التي فقدها من صفات القبول الستة، وهي: الاتصال، والعدالة والضبط، والمتابعة في المستور، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، وباعتبار فقد صفة مع صفة أخرى تليها أولًا، أو مع أكثر من صفة إلى أن تفقد الستة، فبلغت فيما ذكره العراقي في \" شرح الألفية \" اثنين وأربعين قسمًا (٢)، وقسمه غيره إلى أنواع أكثر من ذلك لا يتسع المجال لذكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>خَامِسًا - وَضْعُ قَوَاعِدَ لِمَعْرِفَةِ المَوْضُوعِ مِنَ الحَدِيثِ:</span>\nوكما وضع العلماء قواعد دقيقة لمعرفة الصحيح والحسن والضعيف من الحديث، وضعوا قواعد لمعرفة الموضوع منه، وذكروا ما يدل على الوضع في سند الحديث، وما يدل عليه في متنه، وسنوجز هذه العلامات فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>[أ] عَلاَمَاتُ الوَضْعِ فِي السَّنَدِ:</span>\n١ - أَنْ يَعْتَرِفَ رَاوِي الحَديثِ بِكَذِبِهِ، وَيُقِرُّ بِاِخْتِلاَقِهِ مَا يَرْوِي:\nكما أقر عبد الكريم الوضاع، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم، وكما اعترف أبو جزي وهو مريض فقال: «لَوْلاَ أَنَّهُ حَضَرَنِي مِنَ اللهِ مَا تَرَوْنَ كُنْتُ خَلِيقًا أَلاَّ أُقِرَّ وَلاَ أَعْتَرِفَ، وَلَكِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي وَضَعْتُ مِنَ الحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، وَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْهَا وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» (٣). وهذا أقوى دليل على كون الحديث موضوعًا.\n_________\n(١) انظر \" تدريب الراوي \": ص ١٠٥.\n(٢) انظر المرجع السابق: ص ١٠٥. و\" فتح المغيث \": ص ٥٥ جـ ١.\n(٣) \" قبول الأخبار \": ص ٦.","vol":"1","page":239},{"text":"٢ - وُجُودُ قَرِينَةٍ تَقُومُ مَقَامَ الاِعْتِرَافِ بِالوَضْعِ:\n\nكأن يروي عن شيخ لم يلقه، أو يروي عن شيخ في بلد لم يرحل إليه، أو يروي عن شيخ ولد بعد وفاته، أو توفي هذا الشيخ والراوي صغير لا يدرك، قِيلَ لِشُعْبَةَ: لِمَ لاَ تُحَدِّثْ عَنْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي اليَقْظَانَ، - وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ -؟ فَقَالَ: «كَيْفَ أُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ قَدْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ أُولَدَ!؟» (١). وإن هذا الصنف لا يمكن معرفته إلا بمعرفة مولد الشيوخ ووفاتهم، والبلدان التي رحلوا إليها، والأماكن التي أقاموا فيها، كيلا يستغل الوضاعون الشيوخ الثقات لترويج ما يضعون، وقد وفق علماء الأمة في هذا، فقسموا الرواة طبقات، وعرفوا كل شيء عنهم، ولم يخف عليهم من أحوالهم شيء، وفي هذا قال حفص بن غياث: «إِذَا اتَّهَمْتُمْ الشَّيْخَ فَحَاسِبُوهُ [بِالسِّنِينَ]» - يَعْنِي احْسِبُوا سِنَّهُ وَسِنَّ مَنْ كَتَبَ عَنْهُ -.\nوَقَالَ حَسَّانُ بْنُ يَزِيدَ: «لَمْ نَسْتَعِنْ عَلَى الكَذَّابِينَ بِمِثْلِ التَّارِيخِ. نَقُولُ لِلشَّيْخِ: كَمْ سَنَةٍ؟ وَفِي أَيِّ تَارِيخٍ وُلِدَ؟ فَإِنْ أَقَرَّ بِمَوْلِدِهِ عَرَفْنَا صِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ» (٢).\n\n٣ - أَنْ يَنْفَرِدَ رَاوٍ مَعْرُوفٍ بِالكَذِبِ بِرِوَاِيَةِ حَدِيثٍ، وَلاَ يَرْوِيهِ ثِقَةٌ غَيْرُهُ فَيْحَكَمُ عَلَى رِوَاِيَتِهِ بِالوَضْعِ:\nوقد استقصى جهابذة الأمة الكذابين، وبينوا ما كذبوا فيه حتى لم يخف منهم أحد.\n\n٤ - ومن القرائن التي يدرك بها الوضع، ما يؤخذ من حال الراوي، «كَمَا وَقَعَ لِمَأْمُونِ بْنِ أَحْمَدَ، أَنَّه ذُكِرَ بِحَضْرَتِهِ الخِلاَفُ فِي كَوْنِ الحَسَنِ سَمِعَ مِنْ\n_________\n(١) \" قبول الأخبار \": ص ١٦.\n(٢) \" تهذيب التاريخ الكبير \" لابن عساكر: ص ٢٦ جـ ١.","vol":"1","page":240},{"text":"أَبِي هُرَيْرَةَ أَوَّلًا، فَسَاقَ فِي الحَالِ إِسْنَادَهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَ الحَسَنُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» (١).\n\nومن هذا ما ذكرناه عن سيف بن عمر الذي روى خبر وضع سعد بن طريف لحديث «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ ...» (٢).\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>[ب] عَلاَمَاتُ الوَضْعِ فِي المَتْنِ:</span>\nمقدمة: قال الإمام ابن قيم الجوزية: «وَسُئِلْتُ: هَلْ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ [الحَدِيثِ] المَوْضُوعِ بِضَابِطٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْظَرَ فِي سَنَدِهِ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ وَإِنَّمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ تَضَلَّعَ فِي مَعْرِفَةِ السَّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وَاخْتَلَطَتْ [بِلَحْمِهِ وَدَمِّهِ] وَصَارَ لَهُ فِيهَا مَلَكَةٌ، وَصَارَ لَهُ اخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ بِمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآثَارِ وَمَعْرِفَةِ [سِيرَةِ] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَدْيِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَيُخْبِرُ عَنْهُ وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَيُحِبُّهُ وَيَكْرَهُهُ وَيُشْرِعُهُ لِلأُمَّةِ بحيث كَأَنَّهُ مُخَالِطٌ لِلرَّسُولِ ﷺ كَوَاحِدٍ مِنَ أَصَحَابِهِ.\nفَمِثْلُ هَذَا يَعْرِفُ مِنْ أَحْوَالِ الرَّسُولِ ﷺ وَهَدْيِهِ وَكَلامِهِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ وَمَا لا يَجُوزُ مَا لا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مُتَّبِعٍ مَعَ مَتْبُوعِهِ، [فَإِنَّ] لِلأَخَصِّ بِهِ الحَرِيصَ عَلَى تَتَبُّعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ وَمَا لا يَصِحُّ مَا لَيْسَ لِمَنْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ. وَهَذَا شَأْنُ المُقَلِّدِينَ مَعَ أَئِمَّتِهِمْ يَعْرِفُونَ أَقْوَالَهُمْ وَنُصُوصَهُمْ وَمَذَاهِبَهُمْ» (*) وأساليبهم ومشاربهم - ما لا يعرفه غيرهم (٣).\n_________\n(١) \" قواعد التحديث \": ص ١٣٣. وَقِيلَ لِمَأْمُونِ بْنِ أَحْمَدَ الهَرَوِيِّ: أَلاَ تَرَى إِلَى الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُ بِخُرَاسَانَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ... عَنْ أَنَسٍ، مَرْفُوعًا: «يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، أَضَرُّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ إِبْلِيسَ». انظر \" تدريب الراوي \": ص ١٨١.\n(٢) انظر ص ٢١٧، ٢١٨ في الفصل السابق من هذا الباب.\n(٣) \" المنار \" لابن قيم الجوزية: ص ١٥. وانظر \" قواعد التحديث \": ص ١٤٨.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) إلى هذا الحد ينتهي كلام ابن القيم، وما بعده من كلام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي.\nانظر \" المنار المنيف \" لابن القيم، تحقيق وتعليق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ص ٤٤، الطبعة الثانية: ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، سوريا.","vol":"1","page":241},{"text":"قال ابن دقيق العيد: «وَكَثِيرًا مَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ (أَيْ بِالوَضْعِ) بِاعْتِبَارٍ يَرْجِعُ إِلَى المَرْوِيِّ وَأَلْفَاظِ الحَدِيثِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا حَصَلَتْ لَهُمْ بِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ النَّبِيِّ - ﷺ - هَيْئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ وَمَلَكَةٌ يَعْرِفُونَ بِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَمَا لاَ يَجُوزُ، ... فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الوَضْعِ مِنْ قَرِينَةِ حَالِ المَرْوِيِّ أَكْثَرُ مِنْ قَرِينَةِ حَالِ الرَّاوِي» (١).\n\nومن القرائن التي تدل على الوضع في المتن:\n١ - ركاكة اللفظ في المروي:\nبحيث يدرك من له إلمام باللغة أن هذا ليس من فصاحة النبي، وقد وضعت أحاديث ركيكة تشهد ألفاظها ومعانيها لوضعها. قال الحافظ ابن حجر: «المَدَارُ فِي الرِّكَّةِ عَلَى رِكَّةِ المَعْنَى، فَحَيْثُمَا وُجِدَتْ دَلَّ عَلَى الوَضْعِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ رِكَّةُ اللَّفْظِ ; لأَنَّ هَذَا الدِّينَ كُلُّهُ مَحَاسِنُ، وَالرِّكَّةُ تَرْجِعُ إِلَى الرَّدَاءَةِ، أَمَّا رَكَاكَةُ اللَّفْظِ فَقَطْ، فَلاَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى، فَغَيَّرَ أَلْفَاظَهُ بِغَيْرِ فَصِيحٍ، ثُمَّ إِنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَكَاذِبٌ» (٢).\n\n٢ - فساد المعنى: كالأحاديث التي يكذبها الحس، نحو حديث: «البَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» (٣) و«البَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» (٤)، ومنها سماجة الحديث، وكونه مما يسخر منه كحديث: «لَوْ كَانَ الأَرُزُّ رَجُلا لَكَانَ حَلِيمًا، مَا أَكَلَهُ جَائِعٌ إِلا أَشْبَعَهُ» (٥). قال ابن قيم الجوزية: «فَهَذَا مِنَ السَّمِجِ الْبَارِدِ الَّذِي يُصَانُ عَنْهُ كَلاَمِ العُقَلاَءِ، فَضْلًا\n_________\n(١) \" توضيح الأفكار \": ص ٩٤ جـ ٢.\n(٢) \" الباعث الحثيث \": ص ٩٠.\n(٣) \" المنار \" لابن قيم الجوزية: ص ١٩.\n(٤) \" المنار \" لابن قيم الجوزية: ص ١٩.\n(٥) \" المنار \" لابن قيم الجوزية: ص ٢٠.","vol":"1","page":242},{"text":"عَنْ كَلاَمِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ» (١)، وحديث: «مَنِ اتَّخَذَ دِيكًا أَبْيَضَ لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ وَلا سِحْرٌ» (٢)، وكل ما يدل على إباحة المفاسد والسير وراء الشهوات كحديث: «ثَلاثَةٌ تُزِيدُ فِي البَصَرِ: النَّظَرُ إِلَى الخُضْرَةِ، وَالمَاءِ الْجَارِي، وَالوَجْهِ الحَسَنِ» (٣). وحديث «النَّظَرُ إِلَى الوَجْهِ الجَمِيلِ عِبَادَةٌ» (٤). قال ابن قيم الجوزية: «وَكُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ ذِكْرِ حِسَانِ الوُجُوهِ أَوِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، أَوِ الأَمْرِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِمْ، أَوِ الْتِمَاسِ الحَوَائِجِ مِنْهُمْ، أَوْ أَنَّ النَّارَ لا تَمَسَّهُمْ - فَكِذْبٌ مُخْتَلَقٌ، وَإِفْكٌ مُفْتَرَى» (٥).\n\nومن الموضوعات كل حديث تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه كـ «حَدِيثِ عَوَجْ بْنُ عُنُقٍ» الطويل، الذي قصد واضعه الطعن في أخبار الأنبياء، فإن في هذا الحديث: «أَنَّ طُولَهُ كَانَ ثَلاثَةَ آلافِ ذِرَاعٍ وَثَلاثِ مِائَةٍ وَثَلاثَةَ وَثَلاثِينَ وَثُلْثًا، وَأَنَّ نُوحًا لَمَّا خَوَّفَهُ الْغَرَقُ، قَالَ لَهُ: احْمِلْنِي فِي قَصْعَتِكَ هَذِهِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ [يَصِلْ] إِلَى كَعْبِهِ، وَأَنَّهُ خَاضَ البَحْرَ، فَوَصَلَ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الحُوتَ مِنْ قَرَارِ البَحْرِ فَيَشْوِيهِ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، وَأَنَّهُ قَلَعَ صَخْرَةً عظيمة عَلَى قَدْرِ عَسْكَرِ مُوسَى، وَأَرَادَ أَنْ يَرْمِيهِمْ بِهَا [فَقَوَّرَهَا] (*) اللَّهُ فِي عُنُقِهِ مِثْلَ الطَّوْقِ» (٦).\n\nوكذلك كل حديث يشتمل على سخافات لا تصدر عن العقلاء، فكيف تصدر عن رسول الله - ﷺ - الذي أوتي جوامع الكلم كحديث: «المَجَرَّةُ التِي فِي السَّمَاءِ مِنْ عَرَقِ الأَفْعَى الَّتِي تَحْتَ العَرْشِ» (٧)، وحديث: «المُؤْمِنُ حُلْوٌ يُحِبُّ الحَلاَوَةَ» (٨).\n_________\n(١) \" المنار المنيف \" لابن قيم الجوزية: ص ٢٠.\n(٢) المرجع السابق: ص ٢١.\n(٣) \" المنار \": ص ٢٤.\n(٤) \" المنار \": ص ٢٤.\n(٥) \" المنار \": ص ٢٤.\n(٦) المرجع السابق: ص ٢٩، ٣٠.\n(٧) المرجع السابق: ص ٢٣.\n(٨) \" المنار \": ص ٢٥.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) ورد في الكتاب المطبوع: (فَطَوَّقَهُ اللهُ) في حين أنه ورد في \" المنار المنيف \" كما أثبتها. انظر \" المنار المنيف في الصحيح والضعيف \" لابن قيم الجوزية، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ص ٧٧، حديث رقم ١٣٥، فصل ١٧، طبعة سَنَةِ ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب - سوريا.","vol":"1","page":243},{"text":"وحديث «الهَرِيسَةُ تَشُدُّ الظَهْرَ» (١) - كلها وأمثالها من وضع الوضاعين الذين افتروا على رسول الله الكذب، ووضعوا ما يخالف الشريعة وما ينافي رسالة الأنبياء الذين جاءوا يخاطبون أولي الألباب ويأمرون بالمعقول، ولم تكن رسائلهم لتفضيل طعام على طعام، وإثارة الشهوات، ورواية الأساطير، والخرافات، والإتيان بما يرده الحق ويرفضه العقل. وفي هذا كلمة لابن الجوزي قال: «مَا أَحْسَنَ قَوْلَ القَائِلِ: إِذَا رَأَيْتَ الحَدِيثَ يُبَايِنُ المَعْقُولَ أَوْ يُخَالِفُ المَنْقُولَ أَوْ يُنَاقِضُ الأُصُولَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ» (٢).\n\n٣ - ما يناقض نص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي (٣)، وما يناقض السنة مناقضة بَيِّنَةً:\nقال ابن قيم الجوزية: «وَمِنْهَا (٤) مُخَالَفَةُ الحَدِيثِ صَرِيحَ الْقُرْآنِ كَحَدِيثِ \" مِقْدَارِ الدُّنْيَا وَأَنَّهَا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ \" وَيَجِيءُ فِي الأَلْفِ السَّابِعَةِ» (٥). وهذا من أبين الكذب، لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحد عالمًا أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا (٦) مائتان وخمسون سَنَةً. والله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي، لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ. ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً. يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٧) وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ\n_________\n(١) \" المنار \": ص ٢٥.\n(٢) \" تدريب الراوي \": ص ١٨٠.\n(٣) انظر \" توضيح الأفكار \": ص ٩٦ جـ ٢.\n(٤) أي الأمور التي يعرف بها كون الحديث موضوعًا.\n(٥) لعله يريد أنه يجيء نهاية عمر الدنيا في الألف السابعة.\n(٦) عاش ابن قيم الجوزية من سَنَةِ (٦٩١ إلى سَنَةِ ٧٥٢ هـ).\n(٧) [سورة الأعراف، الآية: ١٨٧].","vol":"1","page":244},{"text":"عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١) وقال النبي - ﷺ - «لاَ يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللَّهُ» (٢).\n\nومما وضع مناقضًا للسنة مناقضة بينة «أَحَادِيثُ مَدْحِ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ أَحْمَدُ وَأَنَّ كُلَّ مَنْ يُسَمَّى بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ لا يَدْخُلُ النَّارَ. وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِهِ - ﷺ -: أَنَّ النَّارَ لا يُجَارُ مِنْهَا بِالأَسْمَاءِ وَالأَلْقَابِ، وَإِنَّمَا النَّجَاةُ مِنْهَا بِالإِيمَانِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ» (٣).\n\nوجميع الأحاديث التي تنص على وصاية عَلِيٍّ - ﵁ - أو على خلافته غير صحيحة، وهي موضوعة، لأنها تخالف ما أجمعت عليه الأمة من أنه - ﷺ - لم ينص على تولية أحد بعده.\n\n٤ - كل حديث يَدَّعِي تواطؤ الصحابة على كتمان أمر، وعدم نقله كما تزعم الشيعة: «أَنَّهُ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ، وَهُمْ رَاجِعُونَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَقَامَهُ بَيْنَهُمْ حَتَّى عَرِفَهُ الجَمِيعُ ثُمَّ قال: \"هَذَا وَصِيِّي وَأَخِي وَالْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا \" ثُمَّ اتَّفَقَ الكُلُّ عَلَى كِتْمَانِ ذَلِكَ وَتَغْيِيرِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ» (٤).\n\n٥ - كل حديث يخالف الحقائق التاريخية التي جرت في عصر الرسول - ﷺ -، أو اقترن بقرائن تثبت بطلانه، مِثْلَ «حَدِيثِ وَضْعِ الجِزْيَةِ عَنْ أَهْلِ خَيْبَرَ»، كذب من عدة وجوه:\n_________\n(١) [سورة لقمان، الآية: ٣٤].\n(٢) \" المنار \": ص ٢١.\n(٣) \" المنار \": ص ٢٢.\n(٤) \" المنار \": ص ٢٢.","vol":"1","page":245},{"text":"أحدها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق.\nالثاني: أن الجزية لم تكن نزلت حينئذٍ، ولا يعرفها الصحابة ولا العرب وإنما نزلت بعد عام تبوك، حين وضعها النبي - ﷺ - على نصارى نجران ويهود اليمن ... وَبَيَّنَ ابن قيم الجوزية كذب هذا في عشرة أدلة قوية (١).\n\nومثاله ما رواه الإمام مسلم بسنده عَنْ أَبِي وَائِلٍ قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ»، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ -: «أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ المَوْتِ؟» (٢) فابن مسعود تُوُفِّيَ قبل صِفِّينَ سَنَةَ ٣٢ هجرية.\n\n٦ - «أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ أَمْرٍ جَسِيمٍ كَحَصْرِ العَدُوِّ لِلْحَاجِّ عَنْ البَيْتِ، ثُمَّ لاَ يَنْقُلُهُ مِنْهُمْ إِلاَّ وَاحِدٌ، لأَنَّ العَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَظَاهُرِ الأَخْبَارِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَيُمَثِّلُهُ الأُصُولِيُّونَ بِقَتْلِ الخَطِيبِ عَلَى المِنْبَرِ، وَلاَ يَنْقُلُهُ إِلاَّ وَاحِدٌ مِنَ الحَاضِرِينَ» (٣).\n\n٧ - «مُوَافَقَةُ الحَدِيثِ لِمَذْهَبِ الرَّاوِي، وَهُوَ مُتَعَصِّبٌ مُغَالٍ فِي تَعَصُّبِهِ، كَأَنْ يَرْوِي رَافِضِيٌّ حَدِيثًا فِي فَضَائِلِ أَهْلِ البَيْتِ، أَوْ مُرْجِئٌ حَدِيثًا فِي الإِرْجَاءِ، مِثْلَ مَا رَوَاهُ حَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ قَالَ: «سَمِعْتُ عَلِيًّا - ﵁ - قَالَ: \" عَبَدْتُ اللهَ مَعَ رَسُولِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْبُدَهُ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَمْسَ سِنِينَ أَوْ سَبْعَ سِنِينَ \"، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: \" كَانَ حَبَّةُ غَالِيًا فِي التَشَيُّعِ، وَاهِيًا فِي الحَدِيثِ \"» (٤).\n_________\n(١) انظر \" المنار \": ص ٣٧، ٣٨.\n(٢) انظر \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ١١٧ جـ ١.\n(٣) \" توضيح الأفكار \": ص ٩٦ جـ ٢.\n(٤) \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \" للدكتور مصطفى السباعي: ص ١١٨.","vol":"1","page":246},{"text":"٨ - اشتمال الحديث على مجازفات وإفراط في الثواب العظيم مقابل عمل صغير، مثال ذلك: «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، خَلَقَ اللهُ لَهُ طَائِرًا لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ، سَبْعُونَ أَلْفَ لُغَةٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ». و«مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، أُعْطِيَ فِي الجَنَّةِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَدِينَةٍ، فِي كُلِّ مَدِينَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ سَبْعُونَ أَلْفَ حَوْرَاءَ».\n\nوأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقًا قصد التنقيص بالرسول - ﷺ - (١).\n\nوإلى جانب هذه القواعد، فقد تكونت عند أكثر العلماء ملكة خاصة، نتيجة لدراستهم حديث رسول الله - ﷺ -، وحفظه ومقارنة طرقه، فأصبحوا يعرفون - لكثرة ممارستهم هذا - ما هو كلام الصادق المصدوق وما ليس من كلامه، وفي هذا يقول ابن الجوزي: «الحَدِيثُ المُنْكَرُ يَقْشَعِرُّ لَهُ جَلْدُ الطَّالِبِ لِلْعِلْمِ، وَيَنْفِرُ مِنْهُ قَلْبُهُ فِي الغَالِبِ» (٢)، ويقول الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ - أَحَدُ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ -: «إِنَّ مِنَ الحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ النَّهَارِ نَعْرِفُهُ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ نَعْرِفُهُ بِهَا» (٣).\n\nهذه أهم القواعد التي وضعها جهابذة علم الحديث لتمييز الموضوع من\n_________\n(١) \" المنار \": ص ١٩.\n(٢) \" الباعث الحثيث \": ص ٩٠.\n(٣) \" معرفة علوم الحديث \": ص ٦٢، و\" المحدث الفاصل \": ص ٦٣: آ. وانظر \" الكفاية \": ص ٤٣١: وذكر الربيع بن خثيم في بعض المصادر (خَيْثَمُ) كما في كتاب \" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ١٣٤ جـ ١ والصواب (خُثَيْمٍ) كما في \" طبقات \" ابن سعد: ص ١٢٧ جـ ٦ وغيره.","vol":"1","page":247},{"text":"الصحيح، كما أنهم بحثوا بدقة تامة عن الأحاديث الموضوعة، وصنفوها حتى تعرف لأهل العلم ولا تشتبه عليهم، ونلاحظ أن هذه القواعد تناولت الحديث سَنَدًا وَمَتْنًا، فلم تقتصر جهود العلماء على نقد سند الحديث فقط دون متنه، كما ادعى بعض المستشرقين وَأَيَّدَهُمْ في ذلك بعض الكاتبين المسلمين، وسنستعرض بعض آرائهم في هذا الموضوع، ليظهر لنا بطلان ما ادعوا وزيف ما زعموا على ضوء ما بَيَّنَّاهُ.\n\n***","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الفَصْلُ الثَّالِثُ: آرَاءُ بَعْضِ المُسْتَشْرِقِينَ وَأَشْيَاعَهُمْ فِي السُنَّةِ وَنَقْدِهَا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>أَوَّلًا - رَأْيُ جُولدْتْسِيهِرْ:</span>\nيقول الدكتور علي حسن عبد القادر: «وهنا مسألة جد خطيرة، نجد من الخير أن نعرض لها ببعض التفصيل، وهي (وضع الحديث) في هذا العصر، ولقد ساد إلى وقت قريب في أوساط المستشرقين الرأي القائل: \" بأن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني، وأنه ليس صحيحًا ما يقال من أنه وثيقة للإسلام في عهده الأول عهد الطفولة، ولكنه أثر من آثار جهود الإسلام في عصر النضوج»، ويقول في الهامش: «هذا الرأي الذي ننقله هو رأي جولدتسيهر في كتابه \" دراسات إسلامية \"» (١).\n\nوقد انتشر رأي (جولدتسيهر) هذا في الغرب والشرق وأصبح من مُسَلَّمَاتِ البحث عند المستشرقين، كما أن (جولدتسيهر) نفسه بَيَّنَ رأيه في السُنَّةِ واضحًا في كتابه \" العقيدة والشريعة في الإسلام \"، فقد قال: «ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها طابع القِدَمِ، وهذه إما قالها الرسول، أو هي من عمل رجال الإسلام القدامى، ولكن من ناحية أخرى فإنه ليس من السهل تَبَيُّنُ هذا الخطر المتجدد عن بعد الزمان والمكان من المنبع الأصلي،\n_________\n(١) \" نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي \": ص ١٢٦، ١٢٧، وانظر \" دائرة المعارف الإسلامية \" مادة (حديث) و Shorter Encyclopedia of Islam by H.A.R. Gibb and J.H. Kramers P، ١١٦.","vol":"1","page":249},{"text":"بأن يخترع أصحاب المذاهب النظرية والعملية أحاديث لا يرى عليها شائبة في ظاهرها، ويرجع بها إلى الرسول وأصحابه. فالحق أن كل فكرة، وكل حزب وكل صاحب مذهب، يستطيع دعم رأيه بهذا الشكل، وأن المخالف له في الرأي يسلك أَيْضًا هذا الطريق، ومن ذلك لا يوجد في دائرة العبادات أو العقائد أو القوانين الفقهية أو السياسية مذهب أو مدرسة لا تعزز رأيها بحديث أو بجملة من الأحاديث ظاهرها لا تشوبه أية شائبة. ولم يستطع المسلمون أنفسهم أن يخفوا هذا الخطر، ومن أجل هذا وضع العلماء علمًا خاصًا له قيمته، وهو علم نقد الحديث، لكي يفرقوا بين الصحيح وغير الصحيح من الأحاديث، إذا أعوزهم التوفيق بين الأقوال المتناقضة، ومن السهل أن يفهم أن وجهات نظرهم في النقد ليست كوجهات النظر عندنا، تلك التي تجد مجالًا كبيرًا في النظر في تلك الأحاديث التي اعتبرها النقد الإسلامي صحيحة غير مشكوك فيها، ووقف حيالها لا يحرك ساكنًا.\n\nولقد كان من نتائج هذه الأعمال النقدية الاعتراف بالكتب الستة أصولًا، وكان ذلك في القرن السابع الهجري، فقد جمع فيها علماء من رجال القرن الثالث الهجري أنواعًا من الأحاديث كانت مبعثرة، رأوها أحاديث صحيحة» (١).\n\nإن سوء ظن هذا الباحث في السُنَّةِ ظهر في طيات كتابه المذكور، في أبحاث ونقاط كثيرة، وإنما استشهدتُ ببعض ما يتناول بحثنا، ويتجلى لنا مما أوردت عن جولدتسيهر ما يلي:\n١ - يرى أن أكثر الحديث نتيجة للتطور الإسلامي السياسي والاجتماعي أي أنه موضوع.\n_________\n(١) \" العقيدة والشريعة \": ص ٤٩، ٥٠.","vol":"1","page":250},{"text":"٢ - يرى أن رجال الإسلام القدامى (الصحابة والتابعين) كان لهم يد في وضع الأحاديث.\n\n٣ - إن بُعْدَ الزمان والمكان من عهد الرسالة يسمح لأصحاب المذاهب أن ينتحلوا الأحاديث لدعم مذاهبهم، بل ما من مذهب نظري أو عملي إلا وقد عزز رأيه في مختلف النواحي العقائدية أو الفقهية أو السياسية حتى في العبادات بأحاديث ظاهرها لا تشوبه أية شائبة.\n\n٤ - وجهة نظر النقاد المسلمين تختلف عن وجهة نظر النقاد الأجانب الذين لا يسلمون بصحة كثير من الأحاديث التي قرر المسلمون صحتها.\n\n٥ - يصور \" الكتب الستة \" بأنها ضم لأنواع من الأحاديث التي كانت مبعثرة رأى جامعوها أنها صحيحة.\n\nهذ النقاط الخمسة هي خلاصة رأي جولدتسيهر في الوضع والنقد، وله آراء كثيرة متفرقة خارجة عن إطار بحثنا (١)، وسنناقش هذه النقاط بإيجاز على ضوء ما سبق أن أثبتناه.\n\n[١]- إن ما ادعاه من أن أكثر الحديث نتيجة للتطور غير صحيح، لأن المسلمين منذ القرن الأول ومن عهد الصحابة كانوا يتثبتون في قبول الأحاديث، وكانوا يتتبعون الكذابين والوضاعين، وعرفوا الأحاديث الموضوعة والصحيحة.\nثم إن القرآن الكريم قد جاء بالقواعد الكلية التي تناسب كل زمان ومكان ولم يتعرض للجزئيات وطرق تنفيذها التي يمكن أن تتبدل وتتغير حسب البيئة والزمان دون أن تؤثر على القواعد الكبرى والأهداف العليا للإسلام، وترك\n_________\n(١) تصدى الدكتور مصطفى السباعي للمستشرقين ورد عليهم في كتابه \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \" وَرَدَّ على جولدتسيهر رَدًّا قَيِّمًا فليراجع هناك ص ٣٦٤ وما بعدها.","vol":"1","page":251},{"text":"الله تعالى للحكام وسائل التطبيق والتنفيذ في ظلال الكتاب والسنة والأصول التي تليها. فالمسلمون ليسوا بحاجة إلى اختلاق أحاديث تبرر ما يقومون به نتيجة لحياتهم الجديدة، فقد كفاهم الله - ﷿ - هذا بما شرعه لهم من أسس وقواعد خالدة إلى يوم الدين، رضيها لهم ورضوها لأنفسهم، وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١).\n\n[٢]- يرى أن رجال الإسلام القدامى لهم يد في الوضع. فمن هم رجال الإسلام القدامى إذا لم يكونوا الصحابة والتابعين؟ فإذا كان قصدهم فإننا قد بَيَنَّا فيما سبق احتراز الصحابة عن ذلك وعدم انغماس كبار التابعين في حمأة الوضع فلا داعي للتكرار.\n\n[٣]- إذا كان بعض أهل الأهواء قد استجازوا الكذب على رسول الله - ﷺ - لدعم أهوائهم فهذا لا يعني قط أن أصحاب المذاهب الفقهية والسياسية والعقائدية قد اختلقوا الأحاديث لدعم مذاهبهم، ثم لِمَ يَظُنُّ السوء بهذه المذاهب؟ وَلِمَ يَدَّعِي كذبها ووضعها بعض الأحاديث؟ يجب أن يعلم كل إنسان أن الاختلافات الفقهية بين الصحابة أو الفقهاء لم يكن مردها هوى في النفس أو تعصبًا في الرأي، وإنما كانت لأسباب كثيرة أهمها أن بعض الأحاديث وصلت إلى الأئمة دون بعض فحكموا بها، أو أنها وصلتهم ولكنها ثبتت عند بعضهم ولم تثبت عند الآخرين، أو أنها ثبتت عند الجميع واختلفوا في الاستنباط منها وما إلى هذا (٢)، فالفقهاء جَمِيعًا متفقون على اتباع سُنَّةِ الرسول - ﷺ -. فهل يعقل\n_________\n(١) [سورة المائدة، الآية: ٣].\n(٢) انظر \" رفع الملام عن الأئمة الأعلام \" لابن تيمية، وهي رسالة صغيرة جليلة القدر وعظيمة النفع.","vol":"1","page":252},{"text":"من هؤلاء أن يكذبوا على رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - لدعم مذاهبهم!؟ وإنما قامت مذاهبهم على القرآن الكريم والسنة المطهرة، وشربت من ينبوع الرسول الصافي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.\n\nإن تعميم جولدتسيهر لم يبن على دراسة موضوعية للمذاهب الفقهية والعقائدية بل اكتفى بما وجده عند أهل الأهواء من الأحاديث الموضوعة، أو بما رآه في كتب بعض أتباع المذاهب الفقهية التي دُسَّ فيها بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، ثم ألصق هذا بأصحاب هذه المذاهب جريًا وراء هواه، لدعم رأيه في وضع أكثر الأحاديث.\n\n[٤]- إن وجهة نظر النقاد المسلمين مبنية على القواعد والأصول التي وضعوها في نقدهم، وقد رأينا دقتها وعرفنا قيمتها، فمن الطبيعي أن تختلف عن وجهة نظر النقاد الأجانب، الذين لا يؤمنون برسالة محمد - ﷺ - ولا يعتقدون الإيحاء إليه، فنحن مختلفون معهم من نقطة البداية، لأن كثيرًا من الأحاديث التي تتناول العقائد والغيبيات سلمنا بصحتها بعد التحقيق العلمي، وسلمنا بكل ما جاء فيها لأنها عن الصادق المصدوق، فاختلاف وجهة نظرهم لا يضيرنا ما دمنا قد سلكنا في نقدنا وبحثنا أسلم طرق البحث العلمي وأدقها، وقد شهد لنا بذلك المنصفون منهم.\n\n[٥]- أما رأيه في \" الكتب الستة \": أنها مجموعة من الأحاديث التي ضمنها مؤلفوها بعد أن كانت مبعثرة في القرن الثالث، ورأوا أنها صحيحة، فهذا رأي مردود، فيه إنكار لجهود العلماء الجبارة التي بذلوها خلال القرن الأول والثاني في سبيل صيانة السنة وحفظها، فالسنة لم تكن مبعثرة متفرقة، بل كان معظمها عَمَلِيًّا، يطبقه المسلمون، ويقيمون تعاليم رسول الله - ﷺ - على","vol":"1","page":253},{"text":"هداه، ولم يقتصر هذا على عهد الصحابة والتابعين، أو على موطن الإسلام الأول، بل انتشرت سُنَّةُ رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - في القرن الأول والقرون التالية، وذاعت في الآفاق عندما حرر المسلمون الأوائل البلاد المجاورة من طغيان الحكام، وانتقلت السُنَّةُ العملية والقولية والتقريرية، جيلًا بعد جيل، تحفظًا صدور الحفاظ وصحفهم إلى أن جمعت في كتب مصنفة، وفي أجزاء مبوبة في منتصف القرن الثاني الهجري على أيدي كبار العلماء والحفاظ، وإن ما جمعه البخاري ومسلم وغيرهما في القرن الثالث لم يكن مُبَعْثَرًا، وإنما اختير من ألوف الأحاديث التي كانت عند الحفاظ متوخين الأحاديث الصحيحة وسيتضح هذا لنا جَلِيَّا عندما نتكلم عن تدوين السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>ثَانِيًا - رَأْيُ غَاسْتُونْ وَيَتْ:</span>\nكاتب مقال (الحديث) في التاريخ العام للديانات.\n\nأورد غاستون ويت رأي جولدتسيهر السابق وأيده (١)، ونعرض لنقد الحديث فقال: «وقد درس رجال الحديث السنة بإتقان إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى (السند) ومعرفة الرجال، والتقائهم وسماع بعضهم من بعض ...»، ثم يقول: «لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول مشافهة، ثم جمعه الحفاظ ودونوه، إلا أن هؤلاء لم ينقدوا \" المتن \" ولذلك لسنا متأكدين من أن الحديث قد وصلنا كما هو عن رسول الله من غير أن يضيف إليه الرواة شيئًا عن حسن نية في أثناء روايتهم الحديث، ومن الطبيعي أن يكونوا قد زادوا شيئًا عليه في أثناء\n_________\n(١) انظر:  Histoire Générale Des Religions (Islam) P.٣٦٦","vol":"1","page":254},{"text":"روايتهم (لأنه كان بالمشافهة)، ومهما كان هذا الرأي صحيحًا فإن المسلمين يقبلون الحديث على أنه كلام صحيح» (١).\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>ثَالِثًا - رَأْيُ الأَسْتَاذِ أَحْمَدْ أَمِينْ:</span>\nقال: «وَقَدْ وَضَعَ عُلَمَاءُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ قَوَاعِدَ لَيْسَ هُنَا مَحَلُّ ذِكْرِهَا وَلَكِنَّهُمْ - وَالحَقُّ يُقَالُ - عَنُوا بِنَقْدِ الإِسْنَادِ أَكْثَرَ مِمَّا عَنُوا بِنَقْدِ المَتْنِ، فَقَلَّ أَنْ نَظْفَرَ مِنْهُمْ بِنَقْدٍ مِنْ نَاحِيَةٍ أَنَّ مَا نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - لاَ يَتَّفِقُ وَالظُّرُوفَ التِي قِيلَتْ فِيهِ، أَوْ أَنَّ الحَوَادِثَ التَّارِيخِيَّةَ الثَّابِتَةَ تُنَاقِضُهُ، أَوْ أَنَّ عِبَارَةَ الحَدِيثِ نَوْعٌ مِنَ التَّعْبِيرِ الفَلْسَفِيِّ يُخَالِفُ المَأْلُوفَ فِي تَعْبِيرِ النَّبِيِّ، أَوْ أَنَّ الحَدِيثَ أَشْبَهُ فِي شُرُوطِهِ وَقُيُودِهِ بِمُتُونِ الفِقْهِ وَهَكَذَا، وَلَمْ نَظْفَرْ مِنْهُمْ فِي هَذَا البَابِ بِعُشْرِ مِعْشَارِ مَا عَنُوا بِهِ مِنْ جَرْحِ الرِّجَالِ وَتَعْدِيلِهِمْ حَتَّى نَرَى البُخَارِيَّ نَفْسَهُ - عَلَى جَلِيلِ قَدْرِهِ وَدَقِيقِ بَحْثِهِ - يُثْبِتُ أَحَادِيثَ دَلَّتْ الحَوَادِثُ الزَّمَنِيَّةُ وَالمُشَاهَدَةُ التَّجْرِيبِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، لاقْتِصَارِهِ عَلَى نَقْدِ الرِّجَالِ، كَحَدِيثِ: «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» وَحَدِيثِ «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ» (٢).\n\nإن ما ذكره (غاستون ويت) والأستاذ أحمد أمين - فيه حيف وظلم للجهود التي بذلها علماء السنة لحفظ الحديث الشريف وتخليصه من كل ما يشوبه، فإن علماء الجرح والتعديل تناولوا نقد سند الحديث كما تناولوا نقد متنه، وإن الجهود التي بذلوها في نقد المتن لا تقل عن جهودهم في نقد السند، وقد لمسنا تلك\n_________\n(١) (Histoire Générale Des Religions. Islam P.٣٦٥\n(٢) \"  فجر الإسلام \": ص ٢١٧، ٢١٨.","vol":"1","page":255},{"text":"الجهود حينما استعرضنا القواعد التي وضعوها لتمييز الموضوع من الصحيح.\nونستطيع أن نرد على كل من يدعي أن نقد العلماء كان مُنْصَبًّا على (السند) دون (المتن) بأنهم - كما وضعوا علامات لتمييز السند الضعيف من السند الصحيح - وضعوا علامات تمييز متن الخبر الموضوع عن غيره، وهذه العلامات ثمانية للمتن وأربعة للسند، كما ثبت لدينا، فهل بقيت مع هذا حُجَّةٌ لدعم ذلك الزعم!؟.\n\nوأما ما ادعاه (غاستون ويت) من زيادة الرواة شيئًا على مَا يَرْوُونَهُ عن حسن نية، فهذا مدفوع بما حققه العلماء في أبحاثهم الدقيقة عن زيادة الراوي شيئًا على الخبر، وَبَيَّنُوا أن هذه الزيادة قد تكون في المتن أو في الإسناد (١)، وما يضيفه الراوي يسمى (المُدْرَجَ)، والإدراج على الحقيقة إنما يكون في المتن، وبينوا صور المدرج ونصوا على كثير من إدراجات الرواة، فلم يلتبس على علماء الأمة المدرج، بل عرفوا كل ذلك.\n\nومعظم ما أدرج كان نتيجة لتفسير الشيخ، يسمعه الطالب فيظنه من الحديث.\n\nوقد عرف العلماء هذا، وَبَيَّنُوا أن ما يقع من الراوي خطأ من غير عمد فلا حرج على المخطئ، إلا إن كثر خطؤه، فيكون جَرَحًا في ضبطه وإتقانه (٢)، ويعرف ما أدرجه الراوي بإقراره، أو بمقارنة طرق الخبر، فيتبين بهذه المقارنة ما أدرج من قبل الراوي. وقد عرف النقاد هذا كله ونصوا عليه.\n\nوأما ما قاله الأستاذ أحمد أمين من أن «البُخَارِيَّ نَفْسَهُ - عَلَى جَلِيلِ قَدْرِهِ\n_________\n(١) انظر \" الباعث الحثيث \": ص ٨٠.\n(٢) انظر المرجع السابق: ص ٨٤.","vol":"1","page":256},{"text":"وَدَقِيقِ بَحْثِهِ - يُثْبِتُ أَحَادِيثَ دَلَّتْ الحَوَادِثُ الزَّمَنِيَّةُ وَالمُشَاهَدَةُ التَّجْرِيبِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، لاقْتِصَارِهِ عَلَى نَقْدِ الرِّجَالِ ...». فهذا حُكْمٌ لا نوافقه عليه ولا نقول به، لأن ما استشهد به لدعم رأيه لا يثبت هذا بل يعارضه، بل إن حديث «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» صحيح، وقد فهمه الأستاذ فهمًا مخالفًا للحقيقة، وذهب في تأويله مذهبًا بعيدًا كل [البُعْدِ] عن الصواب، فقد رُوِيَ هذا الحديث من طرق عدة فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فالمراد من الحديث أنه عند انقضاء مائة سَنَةٍ من قول رسول الله - ﷺ - لن يبقى أحد ممن كان مَوْجُودًا في عهده - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - لأنه لم يبق أحد ممن كان في عهده - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أكثر من مائة عام، فكل ما في الأمر أن رسول الله - ﷺ - بَيَّنَ لأصحابه أنهم لن يعمروا كما عمر من قبلهم من الأمم (١)، ولذلك عليهم أَنْ يَجِدُّوا في طاعاتهم، ويعملوا في دنياهم لآخرتهم وليس في هذا ما يخالف الحوادث الزمنية والمشاهدات التجريبية، ويقول الدكتور مصطفى السباعي: «فَأَنْتَ تَرَىَ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ الذِي كَانَ فِي الوَاقِعِ مُعْجِزَةً مِنْ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ - ﷺ - يَنْقَلِبُ فِي مَنْطِقِ النَّقْدِ الجَدِيدِ الذِي دَعَا إِلَيْهِ صَاحِبُ \" فَجْرِ الإِسْلامِ \" إِلَى أَنْ يَكُونَ مَكْذُوبًا مُفْتَرَىً!» (٢).\n\nوأما حديث «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ\n_________\n(١) انظر \" فتح الباري \": ص ٢٢٢ جـ ١، ذكر البخاري بعض الحديث وَبَيَّنَ ابن حجر أقوال العلماء فيه وأشار إلى الحديث كاملًا في (كتاب الصلاة) حيث تفسيره واضح كما بَيَّنَّا، وانظر \" تأويل مختلف الحديث \": ص ١١٩، وانظر \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٢٥٩ - ٣٦٣ حيث فَنَّدَ الدكتور السباعي أخطاء الأستاذ أحمد أمين وَرَدَّ عليه رَدًّا مُفَصَّلًا.\n(٢) \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٢٦١.","vol":"1","page":257},{"text":"اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ». فقد أخرجه الإمام البخاري في (كتاب الطب) (١) كما أخرجه الإمام مسلم (٢) والإمام أحمد (٣)، وقد بَيَّنَ العلماء هذا الحديث فمنهم من خَصَّصَهُ بتمر المدينة اعتمادًا على الأحاديث المقيدة بذلك، ومنهم من أطلقه، (والذي ارتضاه الأكثرون تخصيصه بعجوة المدينة)، قال ابن القيم في \" زاد المعاد \": «[وَهُوَ غِذَاءٌ] فَاضِلٌ حَافِظٌ لِلصِّحَّةِ، لاَ سِيَّمَا لِمَنِ اعْتَادَ الْغِذَاءَ بِهِ ... وَنَفَعَ هَذَا العَدَدُ مِنْ [هَذَا] التَّمْرِ مِنْ هَذَا البَلَدِ مِنْ هَذِهِ البُقْعَةِ بِعَيْنِهَا - مِنَ السُّمِّ وَالسِّحْرِ، بِحَيْثُ تَمْنَعُ إِصَابَتُهُ - مِنَ الخَوَاصِّ التِي لَوْ قَالَهَا أَبُقْرَاط وَجَالِينُوسْ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الأَطِبَّاءِ، لَتَلَقَّاهَا عَنْهُمُ الأَطِبَّاءُ بِالقَبُولِ وَالإِذْعَانِ وَالانْقِيَادِ، مَعَ أَنَّ القَائِلَ إِنَّمَا مَعَهُ الحَدْسُ وَالتَّخْمِينُ وَالظَّنُّ، فَمَنْ كَلاَمُهُ كُلُّهُ يَقِينٌ وَقَطْعٌ وَبُرْهَانٌ، وَوَحْيٌ أَوْلَى أَنْ تُتَلَقَّى أَقْوَالُهُ بِالقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَتَرْكِ الاعْتِرَاضِ».\n\n«هَذَا خُلاَصَةُ مَا ذَكَرُوهُ فِي هَذَا المَقَامِ، وَالذِي أَرَاهُ أَنَّ المُبَادَرَةَ إِلَى تَكْذيبِ حَديثٍ وَرَفْضِهِ لاَ تَصِحُّ، إلاَّ إذَا وَهُنَ طَرِيقَهُ، أَوْ حَكَمَ العَقْلُ وَالطُّبُّ حُكْمًا قَاطِعًا بِتَكْذيبِهِ وَبُطْلاَنِهِ، وَهَذَا الحَديثُ قَدْ صَحَّ سَنَدُهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ عَنْ أَئِمَّةِ الحَديثِ، وَرَوَاهُ ثِقَاتٌ عُدُولٌ لاَ مَجَالَ لِتَكْذِيبِهِمْ وَمَتْنُهُ صَحِيحٌ عَلَى وَجْهِ الإِجْمَالِ، إِذْ أَثَبْتَ لِلْعَجْوَةِ فَائِدَةً، وَحَضَّ عَلَى أَكْلِهَا، وَمِنَ المُقَرَّرِ حَتَّى فِي الطُّبِّ الحَديثِ أَنْ العَجْوَةَ مُغَذِّيَةٌ، مُلَيِّنَةٌ لِلْمَعِدَةِ، مُنَشَّطَةٌ لِلْجِسْمِ، مُبِيدَةٌ لِلْدِّيدَانِ المُنْتَشِرَةِ فِيهِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ الأَمْرَاضَ الدَّاخِلِيَّةَ مِنْ تَعَفُّنِ الأَمْعَاءِ وَاِنْتِشارِ الدِّيدَانِ، سُمُومٌ تُودِي بِحَيَاةِ الإِنْسَانِ إِذَا اِسْتَفْحَلَ أَمْرُهَا. وَإذًا فَالحَديثُ مِنْ حَيْثُ مُعَالَجَةِ العَجْوَةِ لِلْسُمُومِ بِالجُمَلَةِ، صَادِقٌ لاَ غُبَارَ عَلَيْهِ. أَمَا السِّحْرُ فَإذَا ذَهَبْنَا إِلَى أَنَّهُ مَرَضٌ نَفْسِيٌّ، وَأَنَّه يَحْتَاجُ إِلَى عِلاَجِ نَفْسِيٌّ، وَأَنَّ الإِيحَاءَ النَّفْسِيَّ لَهُ أَثَرٌ كَبِيرٌ\n_________\n(١) \" صحيح البخاري بحاشية السندي \": ص ٢٠ جـ ٤.\n(٢) \" صحيح مسلم \": ص ١٦١٨ جـ ٣.\n(٣) في \" مسنده \": حديث ١٤٤٢، ١٥٢٨، ١٥٧١، ١٥٧٢ جـ ٣.","vol":"1","page":258},{"text":"فِي شِفَاءِ المرضى بِمِثْلِ تِلْكَ الأَمْرَاضِ، وَإذَا أَخَذْنَا العَجْوَةَ إِلَى أَنَّهَا مُغَذِّيَةُ مُفِيدَةٌ لِلْجِسْمِ، مُقَوِّيَةٌ لِلْبُنْيَةِ، قَاتِلَةً لِلْدِّيدَانِ، قَاضِيَةً عَلَى تَعَفُّنِ الفَضَلاَتِ، وَأَنَّهَا مِنْ عَجْوَةِ المَدِينَةِ، مَدِينَةَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَنَّ هَذَا عِلاَجٌ وَصَفَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ، وَهُوَ الذِي لاَ يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى. فَلاَ أَشُكَّ فِي أَنَّ ذَلِكَ يُحْدِثُ أَثرًا طَيِّبًا فِي نَفْسِ المَسْحُورِ ... إِنَّكَ لاَ تَشُكُّ مَعِي فِي أَنَّ إِقْدَامَ مُؤَلِّفِ \" فَجْرِ الإِسْلاَمِ \" عَلَى القَطْعِ بِتَكْذِيبِ هَذَا الحَدِيثِ جُرْأَةٌ بَالِغَةٌ مِنْهُ، لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُقْبَلَ فِي المُحِيطِ العِلْمِيِّ بِأَيُّ حَالٍ: مَا دَامَ سَنَدُهُ صَحِيحًا بَلاَ نِزَاعٍ، وَمَا دَامَ مُتْنُهُ صَحِيحًا عَلَى وَجْهِ الإِجْمَالِ، وَلاَ يَضُرُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الطِبَّ لَمْ يَكْتَشِفْ حَتَّى الآنَ بَقِيَّةَ مَا دَلُّ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ العَجْوَةِ، وَيَقِينِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الحِجَازِ مَعَاهِدَ طِبِّيَّةً رَاقِيَةً، أَوْ لَوْ كَانَ تَمْرُ العَالِيَةِ مَوْجُودًا عِنْدَ الغَرْبِيِّينَ، لاسْتَطَاعَ التَّحْلِيلُ الطِّبِّيُّ الحَديثُ أَنْ يَكْتَشِفَ فِيهِ خَوَاصَّ كَثِيرَةً، وَلَعَلَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكْتَشِفَ هَذِهِ الخَاصَّةِ العَجِيبَةِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ اليَوْمَ فَفِي المُسْتَقْبَلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (١).انتهى ما نقلناه عن الدكتور مصطفى السباعي.\n\nولم يكتف الأستاذ أحمد أمين بما ذكرناه، بل حاول أن يستشهد بأحاديث عدة على اكتفاء النقاد بنقد السند دون المتن، إلا أنه لم يوفق إلى إثبات ما ادعى بما استشهد به، وما من حديث استشهد به إلا فَنَّدَ العلماء القول فيه، وبينوا طرقه، وأزالوا كل ما قد يستشكله الباحثون وأهل الأهوء (٢).\n_________\n(١) \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٢٦٣ - ٢٦٦.\n(٢) رَدَّ أستاذنا الدكتور مصطفى السباعي على الأستاذ أحمد أمين جميع شبهاته رَدًّا عِلْمِيًّا قَوِيًّا، فليراجع في كتابه \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٢١٢ - ٣٠٣ وما يتعلق بموضوعنا هذا: ص ٢٦٦ - ٢٧١.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الفَصْلُ الرَّابِعُ: أَشْهَرُ مَا أُلِّفَ فِي الرِّجَالِ وَالمَوْضُوعَاتِ:</span>\nوَهُوَ ثِمَارُ جُهُودِ العُلَمَاءِ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى الحَديثِ.\n\nكان لظهور الوضع أثر بعيد في نفوس العلماء حملهم على بذل تلك الجهود العظيمة للمحافظة على الحديث، وكان الوضع من الأسباب القوية التي دفعت العلماء إلى جمع الحديث وتدوينه وتصنيفه، حِرْصًا منهم على صيانته من عبث الوضاعين. وقد عبر الإمام الزهري عن هذا فقال: «لَوْلاَ أَحَادِيثَ تَأْتِينَا مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ نُنْكِرُهَا لاَ نَعْرِفُهَا، مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا وَلاَ أَذِنْتُ فِي كِتَابِهِ» (١).\n\nوقد فصلت القول في جمع الحديث الشريف وتصنيفه في الباب الرابع من هذا الكتاب، وفيه يتجلى لنا اهتمام العلماء بجمع الحديث، وتخليصه من الموضوع، ثم حرصهم على تصنيف الصحيح منه.\n\nوالآن سنستعرض آثار العلماء فيما صنفوه من كتب كان لها الأثر الطيب في حفظ الحديث النبوي، فيما يتناول موضوعنا من الرجال وتاريخهم وأحوالهم، وَكُنَاهُمْ وألقابهم وأنسابهم وضبط أسمائهم، وبيان الثقات والضعفاء منهم، وما ألف في الموضوع وغير ذلك - وإن كان قد ألف بعد هذا العصر - مما كان له فضل في صيانة الحديث. وتعتبر هذه المؤلفات حصنًا منيعًا حول الحديث، تتحطم على جنباته سهام أعداء السُنَّةِ، وستبقى أعظم دليل على اهتمام\n_________\n(١) \" تقييد العلم \": ص ١٠٨.","vol":"1","page":260},{"text":"المسلمين بِسُنَّةِ رسولهم - ﷺ - ومساهمتهم في بناء تراث الإنسانية العلمي.\n\nوقد اعتنيت بجمع هذه المؤلفات، وحاولت حصرها مما طالعته من المطبوع منها والمخطوط، ومما ذكره السيد محمد الكتاني في كتابه \" الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة \" الذي ذكر فيه مؤلفات كثيرة في الحديث وعلومه. وما ذكره الأستاذ عمر كحالة في كتابه \" معجم المؤلفين \"، وما ذكره الأستاذ خير الدين الزركلي في \" الأعلام \"، وما مَرَّ عَلَيَّ من كُتُبِ بعض علماء الحديث ورواته في طيات تراجمهم مما لم يذكر في هذه الكتب وما وجدته في فهارس دور الكتب - وكان من العسير حصر جميع ما أُلِّفَ في موضوعنا هذا - وإذا بي أمام ثروة علمية ضخمة تُرْبِى عَلَى نيف وخمسين ومائتي مؤلف، ورأيت المقام يضيق عن ذكرها، ولهذا فضلت أن أكتفي بذكر بعض المشهور منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>أَوَّلًا: أَشْهَرُ الكُتُبِ التِي أُلِّفَتْ فِي الصَّحَابَةِ:</span>\nكان الصحابة والتابعون وأتباعهم يعرفون من له صُحْبَةٌ، وخاصة من عانى منهم نقل الحديث وروايته عن الرسول - ﷺ -، وكانوا يحفظون أسماء كثير منهم، وقد حرص العلماء على حصرهم، وبيان مروياتهم وأحوالهم وأوطانهم وتاريخ وفاة كل منهم، وقد جَمَعْتُ قَرِيبًا مِنْ أَرْبَعِينَ مُؤَلَّفًا في الصحابة منها:\n١ - \" معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان \" في خمسة أجزاء للإمام الثقة صاحب التصانيف الكثيرة أبي الحسن علي بن عبد الله المديني (١٦١ - ٢٣٤ هـ) (١).\n_________\n(١) \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٥.","vol":"1","page":261},{"text":"٢ - \" كتاب المعرفة \" في مائة جزء وهو في معرفة الصحابة للإمام أبي محمد عبد الله بن عيسى المروزي مفتي مرو وعالمها (٢٢٠ - ٢٩٣ هـ) (١).\n\n٣ - \" كتاب الصحابة \" في خمسة أجزاء للإمام محمد بن حبان أبي حاتم البُسْتِي (٢٧٠ - ٣٥٤ هـ) (٢).\n\n٤ - \" الاستيعاب في معرفة الأصحاب \" لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي (٣٦٨ - ٤٦٣ هـ)، وقد طبع في مجلدين بالهند سَنَتَيْ (١٣١٨، ١٣١٩ هـ)، ثم طبع أخيرًا في أربعة أجزاء بمصر، وقد سماه بهذا الاسم ظَنًّا منه أنه استوعب الأصحاب، ولكنه فاته كثير منهم، وفيه خمسمائة وثلاثة آلاف ترجمة (٣).\n\n٥ - \" أسد الغابة في معرفة الصحابة \" في خمس مجلدات للمؤرخ عز الدين أبي الحسن علي بن محمد (ابن الأثير) (٥٥٥ - ٦٣٠ هـ)، وطبع الكتاب سَنَةَ (١٢٨٦ هـ) (٤) في مصر، وفيه سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسون ترجمة.\n\n٦ - \" تجريد أسماء الصحابة \" في جزأين للإمام الحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ)، وقد طبع بالهند سَنَةَ (١٣١٠ هـ) (٥).\n_________\n(١) \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٥، و\" معجم المؤلفين \": ص ١٣٥ جـ ٦.\n(٢) \" الأعلام \": ص ٣٠٦ جـ ٦.\n(٣) راجع نسخة دار الكتب المصرية تحت رقم (مصطلح الحديث ١٥٩ و١٦١ و٢٥٧) كما طبع \" الاستيعاب \" على هامش كتاب \" الإصابة \" في مصر سَنَةَ (١٣٢٨ هـ) في أربع مجلدات، يوجد منها في دار الكتب المصرية عدة نسخ تحت رقم (مصطلح الحديث: ٢٢٩ و٢٣٠).\nواختصر \" الاستيعاب \" العَلاَّمَةُ محمد بن يعقوب الخليلي في كتاب سماه \" إعلام الإصابة بأعلام الصحابة \" مخطوط في دار الكتب تحت الرقم (١٠٩ مصطلح). وَذَيَّلَ غير واحد على \" الاستيعاب \".\n(٤) راجع نسخة دار الكتب المصرية (مصطلح الحديث ١٠٣).\n(٥) راجع نسخة دار الكتب المصرية (مصطلح الحديث ٢٦٣).","vol":"1","page":262},{"text":"٧ - \" الإصابة في تمييز الصحابة \" للإمام شهاب الدين أحمد بن علي الكناني العسقلاني (ابن حجر) صاحب التصانيف الكثيرة (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) وهو أجمع ما كتب في هذا الباب، وقد طبع سَنَةَ (١٨٥٣ م) بالهند، ثم طبع في مصر سَنَةَ (١٣٢٣ هـ) في ثمانية أجزاء، جعلت الستة الأولى منها للأسماء، وفيها (٩٤٧٧) ترجمة والمجلد السابع لِلْكُنَى، وفيه (١٢٥٧) كُنْيَةً، والمجلد الثامن في تراجم النساء، وَهُنَّ (١٥٤٥) ترجمة (١).\n\n٨ - \" الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة \" للشيخ يحيى بن أبي بكر العامري اليمني (٨١٦ - ٨٩٣ هـ) وقد طبع في (٩٢) صفحة بالهند سَنَةَ (١٣٠٣ هـ) (٢) (*).\n\n٩ - \" در السحابة في من دخل مصر من الصحابة \" لخاتمة الحفاظ جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ). وهو جزء صغير طبع في أول كتابه \" حسن المحاضرة \" بمصر سَنَةَ (١٣٢٧ هـ) (**).\n\n١٠ - \" البدر المنير في صحابة البشير النذير \" للشيخ محمد قائم بن صالح السندي الحنفي القادري، كان حَيًّا قبل سَنَةِ ١١٤٥ هـ، وقد ذكر في كتابه أسماء الصحابة الذين وردت صحبتهم بطريق الرواية أو بما يدل على الصحبة بأي طريق (٣).\n_________\n(١) النسخة التي وصفناها مطابقة لنسخة الهند، محفوظة في خزانة قسم الإرشاد في دار الكتب المصرية، وطبعة \" الإصابة \" طبعات أخرى مختلفة منها طبعة مصر سَنَةَ ١٣٢٥ هـ - ١٩٠٧ م.\n(٢) ذكر في هذا الكتاب من له رؤية للرسول - ﷺ - ورواية في الصحيحين، وقد رتبه على الحروف، وذكر ما روى له الشيخان في كتابيهما ثم ما اتفقا عليه ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، وذكر للصحابي من روى عنه من أصحاب \" الكتب الأربعة \". راجع الكتاب المذكور في دار الكتب المصرية (مصطلح ١٦٢) وهو كتاب مفيد.\n(٣) ويسمى هذا الكتاب أَيْضًا \" تيسير المرام بذكر صحابة أفضل من طاف ببيت الله الحرام \" أو \" شموس الهدى في صحابة المصطفى المُقتدى \" وهو مخطوط في (٢٨٧) ورقة مسطرتها =\n\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) طبع كتاب \" الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة \" وأشرف على تحقيقه وتصحيحه: عبد الله بن إبراهيم الأنصار وعبد التواب هيكل، وطبع على نفقه الشؤون الدينية بوزارة التربية والتعليم - دولة قطر، طبع بمطابع الدوحة الحديثة، الطبعة بدون تاريخ، ٣٦٨ صفحة.\nوهناك تحقيق آخر: لعمر الديراواي أبو حجلة، ط١. بيروت: مكتبة المعارف، ١٩٧٤م.\n(**) \" در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة \" لجلال الدين السيوطي (المتوفى سنة ٩١١ هـ)، حققه وعلق عليه الدكتور حمزة النشرتي، الشيخ عبد الحفيظ فرغلي والدكتور عبد الحميد مصطفى إبرهيم، نشر المكتبة القيمة - القاهرة.","vol":"1","page":263},{"text":"وهناك كتب كثيرة استقت من هذه الأصول، كما اختصر بعض العلماء بعض هذه الكتب أو ذيلوا عليها.\nفهناك ذيول على \" الاستيعاب \" لابن عبد البر، كـ \" ذيل ابن فتحون الأندلسي \" (- ٥١٧ هـ)، و\" ذيل أبي الحجاج يوسف بن محمد بن مقلد \" (- ٥٥٨ هـ)، وغيرها من الذيول والمختصرات (١).\n\nكما اختصر الإمام السيوطي كتاب \" الإصابة \"، وسماه \" عين الإصابة في معرفة الصحابة \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>ثَانِيًا: أَشْهَرُ مَا صُنِّفَ فِي تَوَارِيخِ الرِّجَالِ وَأَحْوَالِهِمْ:</span>\nوإذا انتقلنا إلى أخبار الرواة وأحولهم نرى مصنفات مختلفة المنهج.\nفمن المحدثين والمؤرخين من صنف كتبه على ترتيب السنين، ومنهم من صنف حسب البلدان، ومنهم من رتب كتبه على الحروف، كما هي الحال في كتب التراجم، وآخرون جعلوا الرجال على طبقات أو أجيال.\n\nوتتفاوت هذه المصنفات بين إسهاب واختصار، فنرى الإيجاز في كتب التراجم، والتفصيل في التواريخ الكبيرة كـ \" تاريخ دمشق \"، و\" تاريخ بغداد \"، و\" تاريخ الإسلام \"، وقد جمعت نَيِّفًا وتسعين كتابًا أقتصر على ذكر أشهرها،\n_________\n= ٢١ سطرًا: ٢١ * ١٢ سم توجد نسخة منه في دار الكتب المصرية تحت رقم (مصطلح: ٣٢٥).\n\n(١) اختصر الشيخ محمد بن محمد السندروسي الشافعي الطرابلسي (- ١١٧٧ هـ) كتاب \" الاستيعاب \" لابن عبد البر وسماه \" الشموس المضية في ذكر أصحاب خير البرية \" وهو مرتب على حروف المعجم، حذف منه الطويل في ذكر الأنساب والأشعار. وذكر فيه ما للصحابي من أحاديث في الصحيحين أو في أحدهما. والكتاب مخطوط في (٣١٨) ورقة مسطرتها ٢٥ سطرًا: ٢٠ * ١٤سم. في دار الكتب المصرية تحت رقم (مصطلح: ١٣٠).\n(٢) \" الرسالة المستطرفة \": ص ١٥٣.","vol":"1","page":264},{"text":"فنستعرض أولًا أشهر ما كتب في التاريخ والتراجم التي تناولت أحوال الرجال، ثم نتناول بالبحث كتب الطبقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>[أ] كُتُبٌ فِي تَوَارِيخِ الرِّجَالِ وَأَحْوَالِهِمْ:</span>\n١ - \" تاريخ الرواة \" للإمام يحيى بن معين (١٥٨ ٢٣٣ هـ) وهو مرتب على حروف المعجم (١)، وله أَيْضًا \" معرفة الرجال \" و\" التاريخ والعلل \" (٢).\n\n٢ - \" التاريخ \" في عشرة أجزاء للمحدث النسابة الإخباري خليفة بن خياط الشيباني العصفري (- ٢٤٠ هـ) (٣).\n\n٣ - \" التاريخ \" للإمام أحمد بن محمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ) (٤).\n\n٤ - \" التاريخ الكبير \" لسيد الحفاظ وأميرهم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري أبي عبد الله (١٩٤ - ٢٥٦ هـ) وهو تاريخ عظيم ذكر فيه أسماء من رُوِيَ عنه الحديث، وكأنه حاول استيعاب الرواة من الصحابة فمن بعدهم إلى طبقة شيوخه، فبلغ عددهم قريبًا من أربعين ألفًا، بين رجل وامرأة وضعيف وثقة (٥)، وقد قدر شيوخه ومعاصروه تاريخه هذا، حتى إن شيخه الإمام أسحاق بن إبراهيم (ابْنُ رَاهُوَيْهْ) لما رأى التاريخ لأول مرة فرح به كثيرًا، ودخل به على الأمير عبد الله بن طاهر فقال: «أَيُّهَا الأَمِيرُ أَلاَ أُرِيكَ سِحْرًا» (٦). والكتاب في أربعة أجزاء كبيرة، رتبه على حروف\n_________\n(١) انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٦، ٩٧، وتاريخه معروف باسمه \" تاريخ ابن معين \".\n(٢) انظر \" معجم المؤلفين \": ص ٢٣٢ جـ ١٣.\n(٣) انظر \" الأعلام \": ص ٣٦١ جـ ٢.\n(٤) \" الأعلام \": ص ١٩٢ جـ ١.\n(٥) \" الرسالة المستطرفة \" ص ٩٦.\n(٦) \" مقدمة فتح الباري \": ص ٤٨٤.","vol":"1","page":265},{"text":"المعجم (١)، وفيه قال التاج السبكي: «إِنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ وَمَنْ أَلَّفَ بَعْدَهُ فِي التَّارِيخِ أَوْ الأَسْمَاءِ أَوْ الكُنَى فَعِيَالٌ عَلَيْهِ» (٢). وطبع \" التاريخ الكبير \" في ثمان مجلدات في حيدر آباد (٣) سَنَةَ (١٣٦١ - ١٣٦٢ هـ)، وله أَيْضًا \" التاريخ الوسط \" و\" الصغير \"، وقد طبع \" التاريخ الصغير \" بالهند سَنَةَ (١٣٢٥ هـ) وهو ثمانية أجزاء صغيرة في مجلد واحد (٤).\n\n٥ - \" التاريخ الكبير \" للمؤرخ الأندلسي أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي أبي عمر (٢٨٤ - ٣٥٠ هـ) وهو في المُحَدِّثِينَ، قال ابن الفرضي: «بَلَغَ الغَايَةَ»، وقال ابْنُ خَيِّرْ: «خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ جُزْءًا» (٥).\n\n٦ - \" الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد \" لأبي النصر أحمد بن محمد بن الحسين الكلاباذي (٣٠٦ - ٣٩٨ هـ) ذكر فيه الذين\n_________\n(١) بدأ بالمحمدين تعظيمًا لاسم الرسول - ﷺ -، وتوج غرة كتابه باسم الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ونسبه الشريفين. وقد جعل لكل اسم بابًا ورتب الأسماء في الباب الواحد على حروف المعجم وراعى هذا في الحرف الأول من أسماء الآباء أَيْضًا، ولم يراع ترتيب أبواب الأسماء حسب حروف المعجم فذكر (باب إبراهيم، ثم باب إسماعيل، ثم باب إسحاق، ثم باب أيوب، ثم باب أشعث، ثم باب إياس، وهكذا، ويذكر اسم المترجم له وبعض من روى عنهم وبعض من روى عنه وقد يذكر حديثًا له، وقلما يذكر جَرْحًا أَوْ تَعْدِيلًا، وإذا كان صحابيًا أشار إلى ذلك.\n(٢) \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٦.\n(٣) انظر الجزء الأول مطبوعًا في مجلدين فيهما (٢٨٩٤) ترجمة في خزانة دار الكتب المصرية تحت رقم (ح ١٠٣٤٠) ويوجد من \" التاريخ الكبير \" في دار الكتب المصرية الأجزاء (١ و٢ و٤) مصورة في ست مجلدات عن النسخة المخطوطة بمكتبة آيا صوفيا بالآستانة، ينتهي الجزء الأول والثاني منها في آخر باب الظاء ويبتدئ الرابع من ترجمة عباس إلى آخر الكتاب. راجع النسخة تحت الرقم (تاريخ: ١٨٩٠).\n(٤) توجد عدة نسخ منه في دار الكتب المصرية منها تحت الرقم (تاريخ ٤٠٢ و٢٧٠٧).\n(٥) انظر \" الأعلام \": ص ١٢٦ جـ ١، و\" معجم المؤلفين \": ص ٢٣٢ جـ ١.","vol":"1","page":266},{"text":"خرجهم الإمام البخاري في \" جامعه \" (١).\n\n٧ - \" تاريخ نيسابور \" لمحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، المعروف بابن البيع (٣٢١ - ٤٠٥ هـ) قال فيه السبكي: «وَهُوَ عِنْدِي مِنْ أَعْوَدِ التَّوَارِيخِ عَلَى الفُقَهَاءِ بِفَائِدَةٍ، وَمَنْ نَظَرَهُ عَرَفَ تَفَنُّنَ الرَّجُلِ فِي العُلُومِ جَمِيعِهَا» (٢)، وله أَيْضًا \" تراجم الشيوخ \"، و\" تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم \" (٣).\n\n٨ - \" تاريخ بغداد \" لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي الشافعي المعروف بالخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٩٣ هـ) وهو من أجل الكتب وأعودها فائدة، ذكر فيه رجالها ومن ورد إليهم وضم إليه فوائد جمة، وقد رتبه على حروف المعجم، وذكر فيه الثقات والضعفاء والمتروكين، وعليه ذيولات متعددة، وقد طبع بالقاهرة سَنَةَ (١٣٤٩ هـ - ١٩٣١ م) في أربعة عشر جزءًا تضم (٧٨٣١) ترجمة.\n\n٩ - \" السابق واللاحق في تباعد ما بين وفاة الراويين عن شيخ واحد \" للخطيب البغدادي أَيْضًا (٤).\n_________\n(١) توجد منه نسخ مخطوطة في دار الكتب المصرية منها نسخة كاملة تحت الرقم (١٦ مصطلح) تم نسخها سَنَةَ (٨٢٥ هـ) في (٢١٥) ورقة ومسطرتها ١٧ سطرًا ١٧ * ١٣،٥ سم ونسخة ثانية مقابلة ومعارضة تحت الرقم (٧٦ مصطلح) تم نسخها في سَنَةِ (٥٤٤) وفي أول هذه النسخة نقص. ورتبه على حروف المعجم وبدأ باب الألف بمن اسمه أحمد وباب الميم بمن اسمه محمد تصريفًا لاسمه - ﷺ -.\n(٢) ومما يؤسف له أن الكتاب مفقود، وقد اطلعت على قطعة منقولة ومنتخبة منه في (٧٤) لوحة في فلم محفوظ تحت الرقم (٦٥٧ تاريخ)، في معهد المخطوطات بالجامعة العربية.\n(٣) \" الأعلام \": ص ١٠١ جـ ٧، و\" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٩.\n(٤) انظر المخطوط رقم (٣٨١ مصطلح) في دار الكتب المصرية وهو في (١٤٨) لوحة مصورة، يذكر في هذا الكتاب من روى عنه راويان أو أكثر وبين وفاتهما أمد كبير مثال ذلك (أحمد بن محمد بن حنبل ... حدث عنه أبو عبد الله بن إدريس الشافعي ... وأبو القاسم بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، وبين وفاتيهما مائة وثلاث عشرة سنة).","vol":"1","page":267},{"text":"١٠ - \" الجمع بين رجال الصحيحين \": \" صحيح البخاري\" و\" مسلم \" للإمام الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني الشيباني (٤٤٨ - ٥٠٧ هـ) جمع فيه بين كتابي أبي نصر الكلاباذي وأبي بكر أحمد بن علي الأصبهاني في رجال \" البخاري \" و\" مسلم \". وطبع الكتاب بالهند سَنَةَ (١٣٢٣ هـ) في (٦٣٨) صفحة في مجلدين (١). وللمؤلف أَيْضًا \" تاريخ أهل الشام ومعرفة الأئمة منهم والأعلام \" مجلدان و\" إيضاح الإشكال فيمن أبهم اسمه من النساء والرجال \" (٢) وله \" المغني في أسماء رجال الحديث \" طبع في آخر \" تقريب التهذيب \" بالهند سَنَةَ (١٣٢٠ هـ).\n\n١١ - \" تاريخ دمشق \" في ثمانين مجلدًا أو أكثر (٣)، للحافظ المؤرخ أبي القاسم علي بن الحسين (ابن عساكر) الدمشقي (٤٩٩ - ٥٧١ هـ) وهو كتاب عظيم جامع، وقد اختصره الشيخ عبد القادر بدران بحذف الأسانيد والمكررات وسمى المختصر \" تهذيب تاريخ ابن عساكر \"، طبع منه سبعة أجزاء في دمشق ابتداء من سَنَةِ (١٣٢٩ هـ). ولابن عساكر أَيْضًا \" تاريخ المزة \"،\n_________\n(١) انظر نسخ دار الكتب المصرية منها تحت رقم (١٧١ و٢٦٤ مصطلح) وقد استدرك المقدسي في كتابه هذا ما فات الكلاباذي والأصبهاني، واختصر بعض ما يستغنى عنه من التطويل، ورتبه على حروف المعجم، وابتدأ حرف الألف بمن اسمه (أحمد) وحرف الميم بمن اسمه (محمد) تَبَرُّكًا باسمه - ﷺ -، ويترجم أولًا لمن اتفقا عليه ثم لمن أفرده البخاري ثم لمن أفرده مسلم.\n(٢) \" الأعلام \": ص ٤١ جـ ٧.\n(٣) انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٩ وهذا الكتاب يشتمل على ذكر من حل دمشق من أوائل البرية، واجتاز بها أو بأعمالها من ذوي الفضل والمزية ... والفقهاء والقضاة العلماء ... وإيراد ما ذكروه من تعديل وجرح وحكاية عنها ... وقد رتبه على التراجم وبدأ بمن اسمه (أحمد) تَبَرُّكًا باسمه - ﷺ -، وسلك في تأليفه مسلك الخطيب البغدادي في \" تاريخه \"، ويوجد منه في دار الكتب المصرية في قسم المخطوطات (٣٧ مجلدًا).","vol":"1","page":268},{"text":"و\" معجم النسوان \"، و\" معجم الشيوخ والنبلاء \" (١)، و\" المعجم المشتمل على أسماء الكتب الستة \"، قال في مقدمته: «فَإِنِّي لَمَّا أَخْرَجْتُ أَحَادِيثَ كُتُبِ السُّنَنِ لِلأَئِمَّةِ الأُوَلِ وَرَتَّبْتُهَا تَرْتِيبًا لاَ يُفْضِي بِالنَّاظِرِ إِلَى السَّآمَةِ وَالمَلَلِ، رَأَيْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَسْمَاءَ شُيُوخِهِمْ الثِّقَاتَ النُّبْلِ، وَأُضِيفَ إِلَيْهَا أَسْمَاءَ شُيُوخِ \" البُخَارِيِّ \" وَ\" مُسْلِمٍ \"» (٢).\n\n١٢ - كتاب \" الكمال في أسماء الرجال \" في مجلدين (٣) للحافظ أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجَمَّاعِيلِي الحَنْبَلِي الدِّمِشْقِي (٥٤١ - ٦٠٠ هـ).\n\n١٣ - \" جامع الأصول لأحاديث الرسول \" (٤) لمجد الدين أبي السعادات: مبارك بن محمد المعروف بابن الأثير (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ).\n\n١٤ - \" المعجم \" في تاريخ المحدثين في ثمانية عشر جزءًا. لأبي المظفر عبد الكريم بن منصور السمعاني (٠٠ - ٦١٥ هـ) (٥).\n\n١٥ - \" التدوين في ذكر أخبار قزوين \" لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (٥٥٧ - ٦٢٣ هـ) ذكر فيه خصائصها، وما ورد فيها من\n_________\n(١) انظر \" الأعلام \": ص ٨٢ جـ ٥.\n(٢) راجع مخطوطة دار الكتب المصرية (مصطلح: ٣٣٧) وهي في (١٠٠) ورقة ومسطرتها ١٣ سطرًا.\n(٣) راجع النسخة المخطوطة في دار الكتب المصرية تحت رقم (٥٥ مصطلح) وهي ثلاثة أجزاء في مجلدين في (٣٧٧ و٢٩٠) ورقة ومسطرتها ٢٥ سطرًا.\n(٤) يوجد من الكتاب المذكور في دار الكتب المصرية مجلد واحد فيه الجزءان التاسع والعاشر، وبه ينتهي الكتاب، وهو في أسماء الرجال والصحابة، في (٢٥٥) ورقة ومسطرتها: ٢٧ سطرًا: ٢٧ * ١٨ سم تحت رقم (مصطلح: ٢٢٥ طلعت).\n(٥) انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ١٠٣.","vol":"1","page":269},{"text":"الأخبار النبوية والآثار، وفي أسمائها، ومن وردها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن عرف بنوع من العلم والدراسة من سكانها وأهلها، ومن توطنها وغيرهم، ورتب التراجم على الحروف وابتدأه بذكر المحمدين تَبَرُّكًا بالرسول - ﷺ -، وهو في أربع مجلدات مصورة في دار الكتب المصرية (١).\n\n١٦ - \" التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد \" للحافظ محمد بن عبد الغني بن أبي بكر معين الدين: (ابن نقطة) الحنبلي البغدادي (- ٦٢٩ هـ) (٢). وقد ذَيَّلَ عليه تقي الدين محمد بن أحمد الحسيني الفاسي المكي المالكي (- ٨٣٢ هـ) (٣).\n\n١٧ - \" تهذيب الكمال في أسماء الرجال \" للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المِزِّي الدمشقي (٦٥٤ - ٧٤٢ هـ)، وهو تهذيب لما جمعه الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي في كتابه \" الكمال في أسماء الرجال \": رجال \" البخاري \" و\" مسلم \" و\" أبي داود \" و\" الترمذي \" و\" النسائي \" و\" ابن ماجه \"، فرتب المِزِّي في \" تهذيبه \" عامة رواة العلم وَحَمَلَةِ الآثار وعامة المشهورين من كل طائفة من طوائف أهل العلم على حروف المعجم، ثم ذكر أسماء\n_________\n(١) انظر الكتاب في خزانة دار الكتب المصرية تحت الرقم (٢٦٤٨: تارخ).\n(٢) جمع فيه كل من علمه روى شيئًا من كتب السُنَّةِ كـ \" الموطأ \" و\" الصحيحين \" و\" السنن الأربعة \"، و\" صحيح ابن حبان \" ومن المعاجم والمسانيد للإمامين الشافعي وابن حنبل، ومن كتب السير والتواريخ و\" الآداب \" للبيهقي.\nانظر النسخة الموصوفة في دار الكتب المصرية تحت الرقم (ب ٢٠٨٨٦) وهي مصورة في (٣١٧) لوحة في كل لوحة صفحتان، ومسطرتها ٢٥ سطرًا: ٢٢ * ٢٦ سم.\n(٣) جمع فيه كل من علمه روى شيئًا من كتب السُنَّةِ كـ \" الموطأ \" و\" الصحيحين \" و\" السنن الأربعة \"، و\" صحيح ابن حبان \" ومن المعاجم والمسانيد للإمامين الشافعي وابن حنبل، ومن كتب السير والتواريخ و\" الآداب \" للبيهقي.\nانظر النسخة الموصوفة في دار الكتب المصرية تحت الرقم (ب ٢٠٨٨٦) وهي مصورة في (٣١٧) لوحة في كل لوحة صفحتان، ومسطرتها ٢٥ سطرًا: ٢٢ * ٢٦ سم.","vol":"1","page":270},{"text":"النساء، وقد استغرق تأليفه من سَنَةِ (٧٠٥ - ٧١٢ هـ) وهو خمسون جزءًا في انثي عشر مجلدًا (١).\n\n١٨ - \" تذهيب تهذيب الكمال \" (٢) للحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ) وفيه اختصر \" تهذيب الكمال \" لِلْمِزِّي ثم اختصره أَيْضًا في كتابه \" الكاشف عن رجال الكتب الستة \"، واقتصر فيه على من له رواية في هذه الكتب، ووضع رُمُوزًا لمن أخرج له من أصحاب \" الكتب الستة \" أو أحدهم أو بعضهم، وذكر تواريخ وفياتهم، ورتبه على حروف المعجم، وبدأ في حرف الألف بالأحمدين، وفي حرف الميم بالمحمدين، تَشْرِيفًا لاسمه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - (٣).\n\n١٩ - \" تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام \" للإمام الذهبي أَيْضًا.\n_________\n(١) توجد نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية تحت رقم (٣٥ مصطلح) وقد كتبت العشرة المجلدات الأولى بين سَنَتَيْ (٧٤٠ و٧٤٨ هـ) وعدة أوراق الجميع على التوالي: ٣٩١/ ٤٠٨ / ٣٢٢/ ٤١١ / ٤٥٦/ ٤٠٣ / ٣٧٤/ ٤٢٦ / ٣٩٢/ ٣٧٥ / ٣٥٤/ ٣٣٦ ورقة.\nوقد استدرك المحدث الحافظ علاء الدين مغلطاي (٦٩٠ - ٧٦٢ هـ) على ما فات المزي في \" تهذيب الكمال \" في كتاب سماه \" إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال \" في (١٣) مجلدًا، انظر \" معجم المؤلفين \": ص ٣١٣ جـ ١٢، واختصر \" تهذيب الكمال \" وأضاف عليه محمد بن علي الحسيني. انظر \" الأعلام \": ص ١٧٧ جـ ٧.\n(٢) وهو في خمسة أجزاء مخطوطة، يوجد منها في دار الكتب المصرية الأجزاء (١ و٢ و٣ و٥) وهي نسخة مقابلة، ومصححة في حياة المؤلف سَنَةَ ٧٣٦ هـ أوراقها على التوالي: (٢٢٠/ ٢٤٨ / ٢٠٧/ ١٩٩) ورقة ومسطرتها مختلفة. وللحافظ صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩٢٣ هـ) كتاب \" خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال \" طبع بمصر سَنَةَ (١٣٠١ هـ) في مجلد.\n(٣) انظر النسخة المخطوطة في دارالكتب المصرية تحت رقم (٥٩ مصطلح) في مجلد عدة أوراقه (٢١٣) ورقة ومسطرتها ٢٣ سطرًا: ٢٧ * ٨ سم، وتوجد نسختان أخريان.","vol":"1","page":271},{"text":"جمع فيه بين الحوادث والوفيات ورتبه على السنين، فابتدأه من الهجرة النبوية، وانتهى فيه إلى آخر سَنَةِ (٧٠٠ هـ) وقسمه إلى سبعين طبقة، وجعل كل طبقة عشر سنين، ورتب أسماء كل طبقة على ترتيب حروف المعجم، والحوادث على السنين في ست وثلاثين مجلدًا (١)، طبع منهما في مصر خمسة أجزاء سَنَةَ (١٣٦٧ هـ - ١٩٤٧ م).\n\nواختصر الذهبي من \" تاريخه \" مختصرات منها \" سير أعلام النبلاء \" في أربعة عشر مجلدًا (٢)، طبع منها الجزءان الأول والثاني بمصر سَنَةَ (١٩٥٧ م) والثالث سَنَةَ (١٩٦٢ م).\n\n٢٠ - \" التذكرة برجال العشرة \" لمحمد بن علي بن حمزة الحُسيني الدمشقي (٧١٥ - ٧٦٥ هـ)، ضم في كتابه هذا إلى من في \" تهذيب الكمال \" لشيخه المزي من في \" الكتب الأربعة \": \" الموطأ \" و\" مسند الشافعي \" و\" مسند أحمد \" و\" مسند أبي حنيفة \" الذي خرجه الحسين بن محمد بن خسرو من حديث أبي حنيفة، واقتصر على من في \" الكتب الستة \" دون من أخرج لهم مصنفوها في مصنفاتهم الأخرى كـ \" الأدب المفرد \" للبخاري (٣).\n\n٢١ - \" تهذيب التهذيب \" للحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) وفيه لخص \" تهذيب الكمال \" للمزي\n_________\n(١) انظر \" الأعلام \" ص ٢٢٢ جـ ٦، ويوجد منه في دار الكتب المصرية (٣٤) مجلدًا مخطوطًا.\n(٢) انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ١٠١، وفي دارالكتب نسخة مصورة منه.\n(٣) انظر مقدمة \" تعجيل المنفعة \". وكان ابن حجر قد اطلع على الكتاب وتتبع ما في كتاب \" الغرائب عن مالك \" وما في \" معرفة السنن والآثار \" للبيهقي من الرجال الذين وقع ذكرهم في روايات الشافعي مما ليس في \" المسند \" وما في كتاب \" الزهد \" للإمام أحمد مما ليس في \" مسنده \" وما في كتاب \" الآثار \" لمحمد بن الحسن وسماه \" تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة \" طبع بالهند سَنَةَ ١٣٢٤ هـ.","vol":"1","page":272},{"text":"وزاد عليه فوائد كثيرة، وقد طبع بالهند سَنَةَ (١٣٢٥ - ١٣٢٧ هـ) في انثي عشر مجلدًا، ويعتبر \" تهذيب التهذيب \" من أجمع كتب تراجم رواة الحديث المتداولة بين العلماء في هذا العصر، وأصبحت نسخه نادرة وعزيزة، وقد لخصه ابن حجر في مجلد واحد سماه \" تقريب التهذيب في أسماء الرجال \" طبع بالهند سَنَةَ (١٣٢٠ هـ) ثم طبع سَنَةَ (١٣٥٦ هـ) مع \" تعقيب التقريب \" للمولوي أمير علي (١) (*).\n\n٢٢ - \" إسعاف المبطأ برجال الموطأ \" للحافظ جلال الدين السيوطي، وقد طبع بالهند سَنَةَ (١٣٢٠ هـ).\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>[ب] كُتُبُ الطَّبَقَاتِ:</span>\nوهي الكتب التي جعل مصنفوها الرجال على طبقات، وذكروا أحوالهم طبقة بعد طبقة إلى عصر المؤلف وقد جمعت نَيِّفًا وعشرين مُؤَلَّفًا في موضوعنا. أقتصر على ذكر أشهرها.\n\n١ - \" الطبقات الكبرى \" للمؤرخ الثقة محمد بن سعد بن منيع الحافظ كاتب الواقدي (المولود سَنَةَ ١٦٨ هـ والمتوفى سَنَةَ ٢٣٠ هـ). فقد صنف سيرة الرسول - ﷺ -، ثم ترجم للصحابة على طبقاتهم، فالتابعين، فمن بعدهم إلى وقته، فأجاد وأحسن، ويعتبر كتابه هذا من أوثق وأهم المصادر الإسلامية في التاريخ والرجال.\n_________\n(١) كما طبع على هامش \" التقريب \" كتاب \" المغني في أسماء رجال الحديث \" لِلْعَلاَّمَةِ محمد بن طاهر بالهند سَنَةَ (١٢٩٠ هـ) وهناك طبعات أخرى وظهرت أخيرًا طبعة جيدة لـ \" تقريب التهذيب \" طبعت في القاهرة سَنَةَ (١٣٨٠ هـ).\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) من بين الطبعات المحققة تحقيقًا علميَّا الطبعة التي حققها الشيخ محمد عوامة، حيث قدم للكتاب بمقدمة علمية ودراسة وافية وقابله بأصل مؤلفه مقابلة دقيقة، يقع الكتاب في ٧٨٨ صفحة، طبعة ثالثة منقحة: ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م، نشر دارالقلم للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت - لبنان. دمشق - سوريا.","vol":"1","page":273},{"text":"وقد طبعت \" الطبقات \" بمدينة لِيدِنْ سَنَةَ (١٣٢٢ هـ) في ثلاثة عشر مجلدًا خصص الأخير منها للنساء، وَوُضِعَ لِكُلِّ مَنْ تَرْجَمَ لَهُمْ ابن سعد في المجلد الرابع عشر فهرس عام، مما يسهل الرجوع إليه. ولابن سعد أَيْضًا \" طبقات صغرى ثانية \" و\" ثالثة \" (١).\n\n٢ - \" طبقات الرواة \" في ثمانية أجزاء (٢) للحافظ أبي عمرو خليفة بن خياط الشيباني العصفري (- ٢٤٠ هـ) أحد شيوخ البخاري.\n\n٣ - \" طبقات التابعين \" للإمام مسلم بن الحجاج القشيري (٢٠٤ - ٢٦١ هـ (٣».\n\n٤ - كتاب \" التابعين \" في انثي عشر جزءًا، للحافظ محمد بن حبان أبي حاتم البُسْتِيِّ، (٢٧٠ - ٣٥٤ هـ) وله \" أتباع التابعين \" و\" تباع التبع \" كلاهما في خمسة عشر جزءًا (٤) و\" الطبقات الأصبهانية \" (٥).\n\n٥ - \" طبقات المحدثين والرواة \" لأبي نعيم. أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني (٣٣٦ - ٤٣٠ هـ) (٦).\n\n٦ - \" طبقات الحفاظ \" للحافظ شمس الدين الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ)\n_________\n(١) انظر \" الطبقات الكبرى \" في قسم الإرشاد في دار الكتب المصرية، وانظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ١٠٤.\n(٢) \" الأعلام \": ص ٣٦١ جـ ٢ ويوجد في دار الكتب المصرية جزء من نسخة فيه من سكن المدينة من الصحابة والتابعين في (٢٠٩) ورقات، مسطرتها بين ٢١ و٢٢ سطرًا: ٢٩ * ٢٠ سم، نقلًا عن نسخة قديمة ترجع إلى القرن الرابع الهجري، محفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، ونسخة دار الكتب المصرية تحت الرقم (٤٧٥ مصطلح).\n(٣) \" معجم المؤلفين \": ص ٢٣٢ جـ ١٢.\n(٤) \" الأعلام \": ص ٣٠٦ جـ ٦.\n(٥) \" معجم المؤلفين \": ص ١٧٣ جـ ٩.\n(٦) \" الأعلام \": ص ١٥٠ جـ ١.","vol":"1","page":274},{"text":"ترجم فيه رواة الحديث من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن تلاهم إلى عصره وجعلهم على إحدى وعشرين طبقة، طبع في أربعة أجزاء بالهند، ويعتبر من أنفس كتب الطبقات (١).\n\n٧ - \" طبقات الحفاظ \" لجلال الدين السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ) ذكر فيه تراجم الحفاظ موجزة وقد طبع سَنَةَ (١٨٣٣ م) بغوطا.\n\nوغير هذه الكتب كثير، مما ألف في طبقات علماء المذاهب، وطبقات حفاظ البلدان ككتاب \" المحدثين بأصبهان والواردين عليها \" لعبد الله [بن] محمد الأصبهاني، و\" طبقات علماء [إفريقية] لأبي العرب محمد بن أحمد التميمي المغربي الإفريقي، وغير ذلك.\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>ثَالِثًا: كُتُبٌ فِي مَعْرِفَةِ الأَسْمَاءِ وَالكُنَى وَالأَلْقَابِ وَالأَنْسَابِ:</span>\nوكما صنف العلماء تراجم الرواة وأحوالهم، رأوا أن يصنفوا ما يضبط أسماء الرواة لدفع الالتباس، ومنع الوقوع في الخطأ بسبب تشابه أسماء الرجال وكناهم وأنسابهم، فصنفوا كُتُبًا كثيرة في الكُنَى والألقاب والأنساب، وهذه الكتب أكثر من أن تحصى، وقد جمعت منها نَيِّفًا وثلاثين كتابًا، سأذكر أشهر ما ألف في الأسماء والكنى والألقاب، ثم أتبعها بأشهر كتب أنساب الرواة.\n_________\n(١) انظر هذه النسخة في قسم الإرشاد من دار الكتب المصرية باسم \" تذكرة الحفاظ \".","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>[أ] كُتُبٌ فِي الأَسْمَاءِ وَالكُنَى وَالأَلْقَابِ:</span>\n١ - \" الأسامي والكنى \" في ثمانية أجزاء (١) لعلي بن عبد الله بن جعفر المديني (المولود سَنَةَ ١٦١ هـ، وَالمُتَوَفَّى سَنَة ٢٣٤ هـ).\n\n٢ - \" الأسماء والكنى \" (٢) للإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ).\n\n٣ - \" الكنى \" ألف بهذا الاسم كثير من أئمة الحديث في ذلك العصر، منهم الإمام البخاري والنسائي وعبد الرحمن بن أبي حاتم وغيرهم (٣).\n\n٤ - \" كتاب الكنى والأسماء \" (٤) للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري (٢٠٤ - ٢٦١ هـ).\n\n٥ - \" الكنى والأسماء \" لأبي بشر محمد بن أحمد بن حماد بن سعد الأنصاري الدولابي (٢٣٤ - ٣٢٠ هـ) وهو كتاب جامع مشهور، طبع في جزأين بالهند سَنَةَ (١٣٢٢ - ١٣٢٣ هـ) (٥).\n\n٦ - \" الأسماء والكنى \" (٦) في أربعة عشر مجلدًا للحاكم الكبير أبي أحمد محمد بن محمد بن أحمد النيسابوري الحافظ المحدث (٢٨٥ - ٣٧٨ هـ).\n\n٧ - \" فتح الباب في الكنى والألقاب \" لأبي عبد الله محمد بن إسحاق\n_________\n(١) \" معجم المؤلفين \": ص ١٣٢ جـ ٧.\n(٢) \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٠.\n(٣) انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٠، ٩١.\n(٤) توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب المصرية في (٧٦) ورقة متوسط مسطرتها ٢١ سطرًا تحت رقم (٢٢١ طلعت: مصطلح).\n(٥) الجزءان على التوالي (٢٠٢/ ١٧١) صفحة سوى (٩٤) صفحة فهارس وتوجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب المصرية تحت الرقم (٦٠ مصطلح).\n(٦) \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩١، و\" الأعلام \": ص ٢٤٤ جـ ٧. و\" معجم المؤلفين \": ص ١٨٠ جـ ١١.","vol":"1","page":276},{"text":"ابن منده الأصبهاني (٣١٠ - ٣٩٥ هـ) نشره وعلق عليه (وي دونج) بألمانيا سَنَةَ (١٩٢٧ م).\n\n٨ - \" المؤتلف والمختلف في أسماء نقلة الحديث \" و\" المشتبه في النسبة \" للإمام النسابة أبي محمد عبد الغني بن سعيد الأسدي المصري شيخ حفاظ الحديث بمصر في عصره (٣٢٢ - ٤٠٩ هـ) وقد طبع الكتابان في مجلد واحد في (٢١٦) صفحة بالهند سَنَةَ (١٣٢٦ هـ).\n\n٩ - \" تكملة المؤتلف والمختلف \" و\" الأسماء والألقاب \" (١) و\" الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة \" (٢) و\" تلخيص المتشابه في الرسم في أسماء الرواة \" (٣) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، المعروف بالخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٣ هـ).\n\n١٠ - \" الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب \" للأمير الحافظ أبي نصر علي بن هبة الله بن جعفر: ابن ماكولا البغدادي (٤٢١ - ٤٨٦ هـ)، وهو كتاب قيم، ألفه بعد أن اطلع على كتب البغدادي وعلى كتابي عبد الغني بن سعيد الأزدي (٤).\n_________\n(١) \" الأعلام \" ص ١٦٦ جـ ١ وبالنسبة لـ \" تكملة المؤتلف والمختلف \" انظر مقدمة \" ألإكمال في رفع الارتياب \" لابن ماكولا.\n(٢) توجد نسخة مخطوطة منه ضمن مجموعة بدار الكتب المصرية تحت الرقم (١٥٥٨ حديث).\n(٣) توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب المصرية تحت الرقم (٣١ مصطلح) وقد رتب الكتاب على خمسة فصول، وبعد أن انتهى من هذا الكتاب أتبعه بكتاب ثان ضمنه ما يتفق من أسماء المحدثين وأنسابهم، والكتابان في مجلد واحد، الأول في (٢٨٠) ورقة والثاني في (٦٨) ورقة، ومسطرته ٢٢ سطرًا: ٥ و٢٤ * ١٧ سم.\n(٤) انظر مقدمة الكتاب في النسخة المخطوطة منه في دار الكتب المصرية تحت الرقم (٨ مصطلح) وهي في جزأين، الأول (٣١٩) ورقة والثاني (٣٢٤) ورقة، ورتبه على الحروف الهجائية وجعل لكل اسم من الحرف بابًا.","vol":"1","page":277},{"text":"قال ابن خلكان: «لَمْ يُوضَعْ مِثْلُهُ» (١).\n\n١١ - \" كشف النقاب عن الأسماء والألقاب \" (٢) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي (ابن الجوزي) (٥٠٨ - ٥٩٧ هـ).\n\n١٢ - \" المستدرك على الإكمال لابن ماكولا \" للحافظ محمد بن عبد الغني البغدادي (ابن نقطة) المُتَوَفَّى سَنَةَ (٦٢٩ هـ) (٣).\n\n١٣ - \" المشتبه في أسماء الرجال \" للحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ) وهذا الكتاب ثمرة الجهود التي بذلها من سبق الذهبي في هذا الباب، مما جاء في كتب الأزدي وابن ماكولا وابن نقطة، وشيخ الذهبي أبي يعلى الفرضي وغيرهم، وأضاف إلى ذلك ما وقع له أو تنبه إليه (٤)، وطبع هذا الكتاب في ليدن سَنَةَ (١٨٦٣ و١٨٨١ م) في (٦١٢) صفحة، وقد له الدكتور (دوجونغ). وللذهبي أَيْضًا \" المقتنى في سرد الكنى \" وهو مختصر كتاب الحاكم الكبير بعد أن زاد الذهبي عليه ورتبه على حروف المعجم (٥).\n\n١٤ - \" تحفة ذوي الأرب في مشكل الأسماء والنسب \" لابن خطيب\n_________\n(١) \" الأعلام \": ص ١٨٣ جـ ٥.\n(٢) \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٠.\n(٣) توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب المصرية تحت الرقم (١٠ مصطلح) في ١٦٠ ورقة مسطرتها: ٢٧ سطرًا: ٢٨ * ٢٠ سم.\n(٤) ذكر الذهبي هذا في مقدمته. ولابن ناصر الدين محمد بن أبي بكر الدمشقي (٧٧٧ - ٨٤٢ هـ) كتاب \" التوضيح لكتاب المشتبه في الرجال \" للذهبي يوجد منه الجزء الأول في دار الكتب المصرية تحت رقم (ب ٢٣٢٩١) مصورًا عن النسخة الخطية في مكتبة سوهاج تحت رقم (١١١ حديث).\n(٥) \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩١.","vol":"1","page":278},{"text":"الدهشة محمود بن أحمد الهمذاني الفيومي الأصل، (٧٥٠ - ٨٣٤ هـ) وقد ألفه سَنَةَ (٨٠٤ هـ) وطبع بليدن سَنَةَ (١٩٠٥ م) مع مقدمة بالألمانية.\n\n١٥ - \" نزهة الألباب في الألقاب \" للحافظ أبي الفضل شهاب الدين: ابن حجر الكناني العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) جمع فيه ما لغيره وزاد أشياء كثيرة مما فات سلفه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>[ب] وَأَمَّا كُتُبُ الأَنْسَابِ فَأَشْهَرُهَا:</span>\n١ - \" ما اتفق من أسماء المحدثين وأنسابهم غير أن في بعضه زيادة حرف واحد \" (٢) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٣ هـ).\n\n٢ - \" الأنساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط والضبط \" للشيخ محمد بن طاهر المقدسي (٤٨٨ - ٥٠٧ هـ) وَذَيَّلَ تلميذه محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى الأصبهاني (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٨١ هـ) عليه وَطُبِعَا مَعًا في مجلد واحد بليدن سَنَةَ (١٨٦٥ م).\n\n٣ - \" اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة، ورواة الآثار \" لأبي محمد عبد الله بن علي اللخمي الأندلسي المعروف بالرشاطي (٤٦٦ - ٥٤٢ هـ) وهو كتاب قد أحسن فيه وأجاد، وتلقاه عنه الناس (٣).\n_________\n(١) توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب المصرية تحت الرقم (٣٣٦ مصطلح) في (٧٠) ورقة مسطرتها ٢٣ سطرًا: ٢٥،٥ * ١٧ سم. وقد رتبه على أبواب ثلاثة.\n(٢) توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب المصية ملحقة بكتاب \" تلخيص المشتبه \" في (٦٧) ورقة تحت رقم (٣١ مصطلح).\n(٣) \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٤.","vol":"1","page":279},{"text":"٤ - \" الأنساب \" لتاج الإسلام [أبي سعد] عبد الكريم بن محمد بن أبي المظفر التميمي السمعاني صاحب التصانيف الكثيرة (٥٠٦ - ٥٦٢ هـ) ذكر فيه أنساب الرجال، وذكر لمن يترجم له سيرته وقول الناس فيه من جرح أو تعديل، وشيوخه ومن روى عنه، ورتبه على حروف المعجم. قدم له المستشرق (مارجليوث) وطبع بالزنكوغراف سَنَةَ (١٩١٢ م) بمدينة ليدن (١).\n\n٥ - \" اللباب \" في ثلاثة مجلدات لعلي بن محمد الشيباني الجزري (٥٥٥ - ٦٣٠ هـ) اختصر به \" أنساب \" السمعاني وزاد فيه. وقد طبع في ثلاثة أجزاء بمصر سَنَةَ (١٣٥٦ - ١٣٥٩ هـ) (٢).\n\n٦ - \" نسبة المحدثين إلى الآباء والبلدان \" (٣) لمحمد بن محمود محب الدين: ابن النجار (٥٧٨ - ٦٤٣ هـ).\n\n٧ - \" الاكتساب في تلخيص كتب الأنساب \" للقاضي قطب الدين محمد بن محمد الخيضري الشافعي (٨٢١ - ٨٩٤ هـ) وهو مختصر كتاب \" أنساب \" السمعاني وضم إليه ما عند ابن الأثير والرشاطي وغيرهما (٤).\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>رَابِعًا: كُتُبٌ فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ:</span>\nإن ظهور هذا النوع من المصنفات كان نتيجة حتمية لجهود النقاد،\n_________\n(١) توجد نسخة منه في دار الكتب المصرية تحت الرقم (٢٦٣٦ تاريخ).\n(٢) وقد لخص السيوطي \" اللباب \" في كتابه \" لب اللباب في تحرير الأنساب \" وطبع في ليدن سَنَةِ (١٨٥١ م).\n(٣) انظر \" الأعلام \": ص ٣٠٧ جـ ٧، وقارن بـ \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٤.\n(٤) انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٤.","vol":"1","page":280},{"text":"ودراستهم أحوال الرجال من حيث قبول أخبارهم أو عدم قبولها، وقد رأينا القوانين التي طبقها النقاد على كل راو لمعرفة حاله، وعرفنا سُمُوَّهُمْ وَنَزَاهَتِهِمْ في نقدهم، قال الذهبي: «وقد ألف الحفاظ مصنفات جمة في الجرح والتعديل، ما بين اختصار وتطويل، فأول من جمع كلامه في ذلك الإمام الذي قال فيه أحمد بن حنبل: \" مَا رَأَيْتُ بِعَيْنِي مِثْلَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ القَطَّانَ \"، وتكلم في ذلك بعده تلامذته: يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وعمرو بن علي الفلاس، وأبو خيثمة، وتلامذتهم، كأبي زرعة، وأبي حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبي إسحاق الجوزجاني السعدي، وخلق من بعدهم، مثل النسائي، وابن خزيمة، والترمذي، والدولابي، والعقيلي، وله مصنف مفيد في معرفة الضعفاء ... ولأبي أحمد بن عدي كتاب الكامل ...» (١).\n\nوالمصنفون في هذا العلم لهم مناهج مختلفة في التصنيف، فمنهم من ذكر في مصنفه الكذابين والضعفاء، ومنهم من أضاف على ذلك فذكر بعض الموضوعات، ومنهم من صنف في الثقات فقط، ومنهم من صنف في الضعفاء والثقات مَعًا، ولذلك نستعرض في هذه الفقرة ما صنف في الضعفاء أو الثقات، أو ما صنف فيهما، ونفرد في فقرة خاصة ما صنف في الموضوعات. وقد جمعت في موضوع الجرح والتعديل نَيِّفًا وَثَلاَثِينَ كِتَابًا، أذكر أشهرها:\n\n١ - \" الجرح والتعديل \" (٢) للإمام أحمد بن محمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ).\n_________\n(١) انظر \" ميزان الاعتدال \": ص ٢ جـ ١.\n(٢) \" معجم المؤلفين \": ص ٩٦ جـ ١.","vol":"1","page":281},{"text":"٢ - \" الضعفاء \" (١) لمحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي الزهري (- ٢٤٩ هـ).\n\n٣ - \" الجرح والتعديل \" و\" الضعفاء \" (٢) لأبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني، المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٥٩ هـ.\n\n٤ - \" الضعفاء \" للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ هـ). وقد طبع بالهند مع \" التاريخ الصغير \" للبخاري، وطبع معه كتاب \" الضعفاء والمتروكين \" للنسائي. وذلك سَنَةَ (١٣٢٥ هـ).\n\n٥ - \" تاريخ \" في الثقات والضعفاء لأحمد بن أبي خيثمة النسائي البغدادي (١٨٥ - ٢٧٩ هـ) قال فيه الخطيب البغدادي: «لاَ أَعْرِفُ أَغْزَرَ فَوَائِدَ مِنْهُ» (٣).\n\n٦ - \" تاريخ الضعفاء والمتروكين \" للإمام الحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن علي النسائي (٢١٥ - ٣٠٣ هـ) وقد رتبه على حروف المعجم، وطبع ضمن (مجموعة بالهند سَنَةَ ١٣٢٥ هـ).\n\n٧ - \" الجرح والتعديل \" لعبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس الحنظلي الرازي (٢٤٠ - ٣٢٧ هـ) وهو من أعظم كتب الجرح والتعديل التي وصلتنا ومن أغزرها فائدة، وأوثقها صلة بنقاد الرجال الذين عرفهم تاريخ الحديث. لهذا لا بد من بسط القول فيه.\n\nفقد تتلمذ ابن أبي حاتم على والده أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي وعلى أبي زُرْعَةَ عبيد الله بن عبد الكريم الرازي وهما من طبقة البخاري، فأخذ عنهما\n_________\n(١) \" الأعلام \": ص ٩٢ جـ ٧.\n(٢) \" معجم المؤلفين \": ص ٢٨ جـ ١ وقارن بـ \" الرسالة المستطرفة \": ص ١١٠.\n(٣) \" الرسالة المستطرفة \": ص ٩٧. ويقع في ثلاثين مجلدًا صغارًا واثني عشر كبارًا.","vol":"1","page":282},{"text":"علم الجرح والتعديل، وأفاد منهما كثيرًا في تصنيف كتابه، وحرص على استيعاب نصوص أئمة العلم في الحكم على الرواة بتعديل أو جرح، وزاد فوائد وزيادات في كثير من التراجم، يندر وجودها عند من سبقه، كما استدرك على البخاري في بعضها، وقد جمع كتابه نصوص أبيه في الجرح والتعديل، ونصوص أبي زرعة، ونصوص البخاري، إلا أنه استغنى عن نصوص البخاري بموافقة أبيه للبخاري في غالب تلك الأحكام، وتتبع ابن أبي حاتم نصوص الأئمة، فأخذ عن أبيه وعن محمد بن إبراهيم بن شعيب ما روياه عن عمرو بن الفلاس مما قاله باجتهاده، ومما يرويه عن عبد الرحمن بن مهدي (١٣٥ - ١٩٨ هـ) ويحيى بن سعيد القطان (١٢٠ - ١٩٨ هـ) مما يقولانه باجتهادهما، ومما يرويانه عن سفيان الثوري (٩٧ - ١٦١ هـ) وشعبة بن الحجاج (٨٢ - ١٦٠ هـ)، وأخذ عن صالح بن أحمد بن حنبل ما يرويه عن أبيه، وأخذ عن صالح أَيْضًا وعن محمد بن أحمد بن البراء ما يرويانه عن علي بن المديني (١٦١ - ٢٣٤ هـ) مما يقوله باجتهاده ومما يرويه عن سفيان بن عيينة (١٠٧ - ١٩٨ هـ) وعن عبد الرحمن بن مهدي وعن يحيى بن سعيد القطان، واتصل بجميع أصحاب الإمام أحمد ويحيى بن معين (١٥٨ - ٢٣٣ هـ) فروى عن أبيه عنهما، وعن أبيه عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وروى عن غيرهم، كما أخذ عن عباس الدوري (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٧١ هـ).\n\nلهذا كان كتابه زاخرًا بنصوص الأحكام التي أصدرها جهابذة علم الجرح والتعديل، وبهذا يفوق كتاب \" التاريخ الكبير \" للبخاري، لأنه قلما ذكر البخاري في \" تاريخه \" جَرْحًا وَتَعْدِيلًا، وهذا لا ينقص من قيمة كتاب البخاري، فربما فعل ذلك عَمْدًا لأنه ألف في الضعفاء كتابًا منفردًا.\n\nورتب ابن أبي حاتم كتابه على حروف المعجم بالنسبة للحرف الأول من","vol":"1","page":283},{"text":"الاسم فقط، ففي باب الألف نرى باب أحمد، ثم باب إبراهيم، ثم باب إسماعيل، ثم باب أيوب، ثم باب آدم وهكذا، وإذا كثرت التراجم في الباب رتبها على أبواب ذيلية بحسب أول أسماء الآباء، فقدم في الأحمدين من أول اسم أبيه ألف ثم من أول اسم أبيه باء ... وإذا كثرت التراجم في الباب رَتَّبَهُمْ باعتبار اسم الأب والجد، كما فعل في من اسمه محمد واسم أبيه عبد الله، فذكر أولًا من أول اسم جده ألف ثم من اسمه محمد واسم أبيه عبد الله وأول اسم جده باء وهكذا جعله في أربعة أجزاء كبيرة ضمت (١٨٠٥٠) ترجمة ذكر كل راو وما قيل فيه بأسانيد صحيحة، وجعل للكتاب مقدمة هي مفتاح له، في جزء مفرد سماها (تقدمة المعرفة لكتاب \" الجرح والتعديل \")، وهي عظيمة جِدًّا، تكلم فيها حول هذا العلم وترجم لجهابذته ترجمة وافية، فكان الكتاب فريدًا في فنه، لا يستغني عنه عالم في الحديث وعلومه. وهو صورة صادقة عن مؤلفات لا ندري عددها كانت في ذلك العصر، لم يكتب لها الوصول إلينا، وقد طبع هذا الكتاب بالهند (سَنَةَ ١٣٧٣ هـ) في تسع مجلدات، مجلد للمقدمة، ومجلدان لكل جزء من أجزائه الأربعة (١).\n\n٨ - \" الثقات \" (٢) لأبي حاتم بن حبان البُسْتِي، (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٥٤ هـ)\n_________\n(١) راجع نسخة دار الكتب المصرية تحت الرقم (ب ٢٨١١٢) وقد حصلت مكتبة كلية دار العلوم أخيرًا على نسخة منه.\n(٢) توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب المصرية ولكنها ناقصة والموجود يبدأ من أسماء (أتباع التابعين) وقسم من (أتباع أتباع التابعين) من الألف إلى آخر حرف الذال في (١٨٣) ورقة تحت رقم (٢٠٨ طلعت مصطلح)، وقد رتب نور الدين الهيثمي (٧٣٥ - ٨٠٧ هـ) ثقات ابن حبان على حروف المعجم وسماه \" ترتيب كتاب الثقات \" توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب المصرية في مجلدين في (١٩٦/ ١٨٣) ورقة تحت رقم (٣٧ مصطلح).","vol":"1","page":284},{"text":"ولكنه تساهل في توثيق بعض من ذكرهم، ولهذا وجب التنبيه إلى أن توثيق ابن حبان دون توثيق غيره.\n\n٩ - \" الكامل \" (١) في معرفة المحدثين وعلل الحديث. للحافظ الكبير أبي أحمد عبد الله بن محمد بن عدي الجرجاني (٢٧٧ - ٣٦٥ هـ) ذكر في كتابه هذا كل من تكلم فيه ولو كان من رجال \" الصحيحين \"، وذكر في ترجمة كل واحد حديثًا فأكثر من غرائبه ومناكيره، وهو أكمل كتب الجرح وعليه الاعتماد فيها.\n\n١٠ - \" تاريخ أسماء الثقات ممن نقل عنهم العلم \" (٢) لأبي حفص، عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين (٢٩٧ - ٣٨٥ هـ). وقد رتبه على حروف المعجم.\n\n١١ - \" المدخل \" للإمام الحاكم (٣) أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري (٣٢١ - ٤٠٥ هـ) تكلم في قسم منه عن المجروحين وبسط القول في هذا.\n\n١٢ - كتاب \" الضعفاء والمتروكين - أو أسماء الضعفاء الواضعين \" (٤) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي: ابن الجوزي (٥١٠ - ٥٩٧ هـ)، وقد ذكر\n_________\n(١) يوجد منه في دار الكتب المصرية خمسة عشر جزءًا مخطوطًا بأرقام مختلفة تكون أجزاء مختلفة من \" الكامل \" لثلاث نسخ إلا أنها ناقصة وهي تحت رقم (٩٢ - ٩٦ مصطلح).\n(٢) انظر \" الأعلام \": ص ١٩٦ جـ ٥.\n(٣) طبع بحلب سَنَةَ (١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ م) بإشراف الشيخ راغب الطباخ.\n(٤) توجد نسخة منه في دارالكتب المصرية مأخوذة بالتصوير الشمسي عن نسخة كتبت سَنَةَ (٧١٠) في (١٧٦) لوحة وتشتمل كل لوحة على صفحتين وفيها طبارات كثيرة. تحت رقم (٣٧١ مصطلح).","vol":"1","page":285},{"text":"فيه الضعفاء الواضعين، وذكر من جرحهم من الأئمة الكبار الحافظين، ورتبه على حروف المعجم.\n\n١٣ - \" ميزان الاعتدال \" للإمام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ) وهو في ثلاثة أجزاء، سلك فيه مسلك ابن عدي، فذكر كل من تكلم فيه وإن كان ثقة، وذكر في ترجمة كل راو حديثًا أو أكثر من غرائبه ومناكيره. طبع في مصر سَنَةَ (١٣٢٥ هـ) في ثلاث مجلدات فيها (١٠٩٠٧) تراجم، وللذهبي \" رسالة في الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم \" (١).\n\n١٤ - \" الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط \" (٢) لبرهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي سبط ابن العجمي (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٨٤١ هـ) وله أَيْضًا \" التبيين لأسماء المدلسين \" (٣) وله أَيْضًا \" الكشف الحثيث على من رمي بوضع الحديث \" (٤).\n\n١٥ - \" لسان الميزان \" للحافظ ابن حجر (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) ضمنه \" الميزان \" وزاد عليه، وفيه نحو (١٤٣٤٣) ترجمة وقد طبع بالهند سَنَةَ (١٣٢٩ - ١٣٣١ هـ) في ستة أجزاء. ولابن حجر أَيْضًا \" طبقات المدلسين \" طبع بمصر سَنَةَ (١٣٢٢ هـ).\n\n١٦ - \" الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة \" لزين الدين قاسم بن قطلوبغا\n_________\n(١) طبع في مصر سَنَةَ (١٣٢٤ هـ - ١٩٠٦ م) وقد استدرك على الذهبي في \" ميزانه \" سبط ابن العجمي في كتاب سماه \" نثل الهميان في معيار الميزان \" توجد منه نسخة مخطوطة بخط المؤلف في دار الكتب المصرية تحت رقم (٢٣٣٤٦ ب).\n(٢) ذكر في كتابه هذا من اختلط في آخر عمره من الثقات، وذكر من نعته بذلك. وقد يبين أحيانًا السَّنَةَ التي اختلط فيها الراوي. وقد طبع بحلب سَنَةَ (١٣٥٠ هـ - ١٩٣١ م) بإشراف الشيخ راغب الطباخ.\n(٣) طبع بحلب بإشراف الشيخ راغب الطباخ مع \" رسالة الاغتباط \" السالفة الذكر.\n(٤) انظر \" تحذير المسلمين من الأحاديث الموضوعة على سيد المرسلين \": ص ١٨.","vol":"1","page":286},{"text":"(٨٠٢ - ٨٧٩ هـ) وهو في أربع مجلدات (١).\nوقد أغفلت كثيرًا من المؤلفات التي استمدت من هذه الأصول خشية الإطالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>خَامِسًا: المُؤَلَّفَاتُ فِي المَوْضُوعَاتِ:</span>\nجمعتُ في هذا الموضوع نَحْوًا من أربعين مؤلفًا أذكر أشهرها:\n\n١ - \" تذكرة الموضوعات \" لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي (٤٤٨ - ٥٠٧ هـ) [ورتبه] على حروف المعجم، وفيه يذكر الحديث مَنْ جَرَّحَ رَاوِيهِ من الأئمة. طبع بمصر سَنَةَ (١٣٢٣ هـ).\n\n٢ - \" الموضوعات في الأحاديث المرفوعات \" (٢) لأبي عبد الله الحسين بن إبراهيم الهمداني الجوزقي (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٤٣ هـ) نص فيه على أحاديث موضوعة، وَبَيَّنَ بطلان أحاديث واهية بمعارضة أحاديث صحاح لها.\n\n٣ - \" الموضوعات الكبرى \" لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (٥٠٨ - ٥٩٧ هـ) وهو في أربع مجلدات، تناول فيه ما ورد من الأحاديث في كتاب \" الكامل \" لابن عدي و\" الضعفاء \" لابن حبان \"، والعقيلي والأزدي و\" تفسير \" ابن مردويه و\" معاجم الطبراني الثلاثة \" وتصانيف الخطيب، ومصنفات أبي نعيم، وغيرها من الكتب، وتساهل في الحكم على تلك المرويات بالوضع، فقد أورد فيه الضعيف بل الحسن بل الصحيح مما ورد في \" سنن أبي داود \" (٣). لهذا كثر انتقاد العلماء له.\n_________\n(١) \" الرسالة المستطرفة \": ص ١١٠.\n(٢) \" الرسالة المستطرفة \": ص ١١٢.\n(٣) انظر مقدمة كتاب \" تنزيه الشريعة \": ص: ل، ويوجد الجزء الثاني من \" موضوعات \" ابن الجوزي في دار الكتب المصرية من نسخة تحت الرقم (١٤٧ م) والجزء الأخير من نسخة تحت الرقم (٤٨٨ حديث) وكلاهما مخطوط.","vol":"1","page":287},{"text":"٤ - \" المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم لم يصح شيء في هذا الباب \" للحافظ ضياء الدين أبي حفص عمر بن بدر الموصلي الحنفي (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٢٣) (١).\n\n٥ - \" الأحاديث الموضوعة التي يرويها العامة والقصاص \" (٢) رسالة لعبد السلام بن عبد الله (ابن تيمية) الحراني (- ٦٥٢ هـ) جد الإمام أحمد بن عبد الحليم (ابن تيمية)، وله رسالتان في الموضوعات تشدد فيهما كابن الجوزي (٣).\n\n٦ - \" الباعث على الخلاص من حوادث القصاص \" (٤) للحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي (٧٢٥ - ٨٠٦ هـ).\n\n٧ - \" اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة \" للحافظ جلال الدين السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ) اختصر فيه كتاب ابن الجوزي واستدرك عليه وزاد فيه ما ورد في \" تاريخ \" ابن عساكر، وابن النجار، و\" مسند الفردوس \"، وتصانيف أبي الشيخ (٥). وله أَيْضًا \" ذيل اللآلئ المصنوعة \"، و\" التعقبات على الموضوعات \"، و\" النكت البديعات \".\n\n٨ - تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة \" لأبي الحسن علي بن محمد (ابن عُرَاقْ) الكناني (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩٦٣ هـ) وهو كتاب جامع زاد فيه على السيوطي في \" لآلئه \" واستدرك عليه، وجعله في مقدمة وقسمين. ذكر في القسم الأول أسماء الوضاعين ومن اتهمهم بالكذب من رجال النقد، وذكر في القسم\n_________\n(١) طبع الكتاب سَنَةَ (١٣٤٢ هـ) بالقاهرة.\n(٢) انظر النسخة المخطوطة في دار الكتب المصرية تحت رقم (١٧٦ مجاميع).\n(٣) انظرهما تحت الرقم (٨٧ مجاميع) في قسم المخطوطات من دار الكتب المصرية.\n(٤) لخصه السيوطي في كتابه \" تحذير الخواص من أكاذيب القصاص \" في الفصل التاسع منه واستدرك عليه في الفصل العاشر، وقد طبع كتاب السيوطي سَنَةَ (١٣٥١ هـ) بمصر.\n(٥) انظر مقدمة \" اللآلئ \" وقد طبع الكتاب في مجلدين بمصر سَنَةَ (١٣١٧ هـ). وطبعت \" تعليقاته على ابن الجوزي \" سَنَة (١٨٨٦ م) بالهند.","vol":"1","page":288},{"text":"الثاني الأحاديث الموضوعة، وبين الرواة المتهمين بوضعها. وطبع الكتاب سَنَةَ (١٣٧٨ هـ) بمصر في مجلدين.\n\n٩ - \" تذكرة الموضوعات \" لرئيس مُحَدِّثِي الهند جمال الدين بن طاهر بن علي الفتني (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٩٨٦ هـ) وله أَيْضًا \" قانون الأخبار الموضوعة والرجال الضعفاء \" طُبِعَا (سَنةَ ١٣٤٣ هـ) بالقاهرة في مجلد واحد.\n\n١٠ - \" الكشف الإلهي عن شديد الضعف والموضوع الواهي \" لمحمد بن محمد الحسيني السندروسي (المُتَوَفَّى سَنَةَ ١١٧٧ هـ) جمع فيه الأحاديث الشديدة الضعف والواهية والموضوعة (١).\n\n١١ - \" الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة \" للقاضي أبي عبد الله محمد بن علي الشوكاني (١١٧٣ - ١٢٥٥ هـ) وقد أفاد من مؤلفات السلف، إلا أنه تساهل في الحكم على بعض الأحاديث بالوضع، فأدرج فيه بعض الأحاديث الصحيحة والحسنة، وقد نبه إلى هذا عبد الحي اللكنوي في كتابه \" ظفر الأماني \" (٢)، وطبع الكتاب سَنَةَ (١٣٨٠ هـ - ١٩٦٠ م) بمصر.\n\n١٢ - \" تحذير المسلمين من الأحاديث الموضوعة على سيد المرسلين \" لعبد الله: محمد البشير ظافر المالكي (- ١٣٢٥ هـ) ذكر فيه الأحاديث الموضوعة المشتهرة على الألسنة، ورتبها على حروف المعجم، وقدم لكتابه بتمهيد قيم جامع حول المؤلفات في الموضوعات والكتب والرسائل المشحونة بالموضوعات.\nوقد طبع هذا الكتاب سَنَةَ (١٣٢١ هـ - ١٩٠٣ م) بمصر.\n\nوهناك مؤلفات ورسائل كثيرة في مواضيع مختلفة، تذكر الأحاديث\n_________\n(١) توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب المصرية تحت رقم (١١٠ م - الحديث).\n(٢) انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ١١٤.","vol":"1","page":289},{"text":"الموضوعة في باب من أبواب العبادات أو المعاملات وغير ذلك لم أتعرض لذكرها وهي أكثر من أن تحصى.\n\nوإلى جانب هذه المؤلفات ظهرت مؤلفات كثيرة في الأحاديث المشتهرة بين الناس، تبين منزلة الحديث من القوة أو الضعف، أو الوضع، ومن أشهر هذه الكتب:\n\n١ - \" التذكرة في الأحاديث المشتهرة \" لبدر الدين الزركشي (٧٤٥ - ٧٩٤ هـ) (١).\n\n٢ - \" اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة، مما ألفه الطبع وليس له أصل في الشرع \" للحافظ شهاب الدين بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) (٢).\n\n٣ - \" المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة \" للحافظ المؤرخ محمد بن عبد الرحمن السخاوي (٨٣١ - ٩٠٢ هـ) رتبه على حروف المعجم، كما رتبه على الأبواب وهو كتاب جيد مفيد طبع سَنَةَ (١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م) بمصر.\n\nوقد أغفلتُ كثيرًا من الكتب التي ألفت في الأحاديث المشتهرة مما لخصه الخلف من كتب السلف، فلم أذكر مؤلفات السيوطي، والسمهودي، والمنوفي، والخليلي، والغزي العامري، والعجلوني الجراحي، وابن جار الله، والبيروتي وغيرهم. مكتفيًا بأمهات الكتب.\n\nتلك أشهر الكتب التي تناولت موضوعنا، وأما الكتب التي ألفت في مصطلح الحديث وعلومه وآراء العلماء فيها، والمقبول من الحديث والمردود،\n_________\n(١) \" الرسالة المستطرفة \": ص ١٤٣\n(٢) انظر \" تحذير المسلمين \" للبشير ظافر: ص ١٥.","vol":"1","page":290},{"text":"وغير ذلك مما تناولته كتب المصطلح الكثيرة المنظوم منها والمنثور - فهي تفوق الحصر، ومن النادر أن نرى مُحَدِّثًا ليس له مصنف أو رسالة يتناول فيها علم مصطلح الحديث أو بعضه.\n\nكما ألفت كتب كثيرة في علل الحديث وغريبه ومختلفه (١)، ومن يطلع على مخطوطات دار الكتب المصرية ومخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق وغيرهما من المكتبات الإسلامية يجد كنوزًا علمية نادرة ساهمت في حفظ الحديث سَنَدًا وَمَتْنًا، وَبَيَّنَتْ صحيحه من سقيمه، وقد كانت تلك المؤلفات نتيجة لجهود العلماء على مر السنين، وستبقى إلى ما شاء الله، لأنها الحصن المنيع لحماية السُنَّةِ الطاهرة المفسرة للكتاب الكريم. مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢).\n_________\n(١) انظر \" الرسالة المستطرفة \" التي ضمت معظم ما ألف في الحديث وعلومه.\n(٢) [سورة الحجر، الآية: ٩].","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>البَابُ الرَّابِعُ: مَتَى دُوِّنَ الحَدِيثُ </span>..؟\n- الفصل الأول: حول تدوين الحديث.\n\n- الفصل الثاني: ما دون في عصر الرسول - ﷺ - وفي صدر الإسلام.\n\n- الفصل الثالث: آراء في التدوين.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الفَصْلُ الأَوَّلُ: حَوْلَ تَدْوِينِ الحَدِيثِ </span>...:\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>١ - الكِتَابَةُ عِنْدَ العَرَبِ قَبْلَ الإِسْلاَمِ:</span>\nتدل الدراسات العلمية على أن العرب كانوا يعرفون الكتابة قبل الإسلام، فكانوا يؤرخون أهم حوادثهم على الحجارة، وقد أثبتت الأبحاث الأثرية ذلك بأدلة قاطعة، تعود إلى القرن الثالث الميلادي، وأكثر الآثار التي تحمل كتابات العرب كانت في الأطراف الشمالية للجزيرة العربية (١) حيث كان الاتصال وثيقًا بالحضارة الفارسية والرومية، ومما يذكر أن عدي بن زيد العبادي (- ٣٥ ق هـ) حين نما وأيفع طرحه أبوه في الكُتَّابِ حتى حذق العربية، ثم دخل ديوان كسرى، وهو أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى (٢).\n\nوهذا يدل على وجود بعض الكتاتيب في الجاهلية، يتعلم فيها الصبيان الكتابة والشعر وأيام العرب، ويشرف على هذه الكتاتيب معلمون ذَوُو مكانة رفيعة، أمثال أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس، وبشر بن عبد الملك السكوني، وأبي قيس بن عبد مناف بن زهرة، وعمرو بن زرارة المسمى بـ (الكاتب) وغيرهم (٣)، وقد اسْتُقْدِمَ أبو جفينة إلى المدينة ليعلم الكتابة (٤)، وَ«كَانَ بَعْضُ اليَهُودِ قَدْ عَلِمَ كِتَابَ العَرَبِيَّةِ، وَكَانَ يُعَلِّمُهُ الصِّبْيَانَ بِالمَدِينَةِ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ،\n_________\n(١) انظر \" مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية \": ص ٢٤ - ٣٢ وقد فصل القول في هذا.\n(٢) انظر \" الأغاني \": ص ١٠١، ١٠٢ جـ ٢.\n(٣) انظر كتاب \" المحبر \": ص ٤٧٥. وقد ذكرهم تحت عنوان (أشراف المعلمين).\n(٤) انظر \" تاريخ الأمم والملوك \" للطبري: ص ٤٢ جـ ٥.","vol":"1","page":295},{"text":"فَجَاءَ الإِسْلاَمُ وَفِي الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ عِدَّةٌ يَكْتُبُونَ» (١).\n\nوكان العرب يطلقون اسم (الكامل) على كل رجل يكتب، ويحسن الرمي، ويجيد السباحة (٢)، ولكن كثيرًا من الشعراء كانوا يفخرون بحفظهم، وقوة ذاكرتهم، بل إن بعضهم كان يخفي على الناس معرفته بالكتابة، ويخشى أن يكشف أحد أمره، وإذا ما كشف أمر أحدهم قال: «اُكْتُمْ عَلَيَّ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا عَيْبٌ» (٣).\n\nبعد هذا نستبعد أن يكون قول بعض المؤرخين: «دَخَلَ الإِسْلاَمُ وَبِمَكَّةَ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا يَكْتُبُ» (٤) - صورة دقيقة لحقيقة معرفة العرب بالكتابة قبيل الإسلام، ونستبعد أن يكون هذا على وجه الإحصاء والضبط، ومع هذا لا يباح لنا أن نغالي في معرفة العرب للكتابة، ونذهب مذهب من ادعى كثرة الكتابة عند العرب في الجاهلية، وكثرة الكاتبين القارئين، وقد حاول بعض المستشرقين وبعض الكاتبين العرب أن يدعموا رأيهم هذا بتأويل وصف الله تعالى للعرب (بِالأُمِّيِّينَ) - في قوله - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (٥) - بأنه «لاَ يَعْنِي بِالأُمِيَّةِ الكِتَابِيَّةِ\n_________\n(١) \" فتوح البلدان \": ص ٤٥٩.\n(٢) انظر \" طبقات \" ابن سعد: ص ١٣٦ قسم ٢ جـ ٢.و\" عيون الأخبار \": ص ١٦٨ جـ ٢. و\" فتوح البلدان \": ص ٤٥٩.\n(٣) \" الأغاني \": ص ١١٦ جـ ١٦ هذا ما روي عن ذِي الرُمَّةِ.\n(٤) انظر مثالًا على هذا ما جاء في \" قبول الأخبار \": ص ٦٤، وانظر عبارة المؤرخين التي يُرَدِّدُونَهَا: «وَكَانَتْ الكِتَابَةُ فِي العَرَبِ قَلِيلَةً». ومثال هذا في \" طبقات \" ابن سعد: ص ٨٣ قسم ٢ جـ ٢ وص: ٧٧ قسم ٢ جـ ٣.\n(٥) [سورة الجمعة، الآية: ٢].","vol":"1","page":296},{"text":"وَلاَ العِلْمِيَّةِ، وَإِنَّمَا الأُمِّيَّةُ الدِّينِيَّةُ، أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ قَبْلِ القُرْآنِ الكَرِيمِ كِتَابٌ دِينِيٌّ، وَمِنْ هُنَا كَانُوا أُمِّيِّينَ دِينِيًّا، وَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَ (أَهْلِ الكِتَابِ) مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى الذِينَ كَانَ لَهُمْ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلَ» (١). وَحَمْلُ هذا اللفظ على هذا المعنى من غير قرينة لا مسوغ له، لأنه يقتضي التفريق بين تفسير الأميين وهم العرب (جهلة الشريعة) وتفسير ما وصف به الرسول - ﷺ - من الأمية - في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ (٢). بأنه الذي لا يعرف القراءة والكتابة، ولا داعي لهذا التفريق في المعنى، ولا مؤيد له فلا بد من حمل اللفظ على أحد المعنيين، والأصل فيه عدم معرفة القراءة والكتابة (٣)، على أن الرسول الكريم - ﷺ - بَيَّنَ الأُمِّيَّةَ المعنية بما لا يرقى إليه الشك، فقد أخرج الشيخان وأصحاب السنن عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ. الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ...» (٤).\n_________\n(١) \" مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية \": ص ٤٥.\n(٢) [سورة الأعراف، الآية: ١٥٧].\n(٣) لقد اختار الدكتور [ناصر] الدين الأسد تفسير (الأُمِّيِّينَ) بمعنى جهلة الشريعة، أي الأمية الدينية لا الأمية المتعلقة بالقراءة والكتابة، ودعم رأيه هذا بشواهد فصل فيها، انظر ذلك في كتابه \" مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية \": ص ٤٥. وتعرض الدكتور صبحي الصالح في كتابه \" علوم الحديث ومصطلحه \" لهذا التفسير الذي اعتمد عليه المستشرقون في زعمهم أن الرسول - ﷺ - كان كاتبًا قارئًا، وأن وصفه بالأمية - كوصف العرب بها - لا ينافي معرفة القراءة والكتابة. انظر كتابه الصفحة: ٢ - ٤ وهوامشها، وقد رد عليهم رَدًّا جليلًا.\n(٤) وتتمة الحديث «وَهَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلاَثِينَ» انظر \" فتح الباري \": ص ٢٨، ٢٩ جـ ٥ و\" صحيح مسلم \": ص ٧٦١ حديث ١٥ جـ ٢ وقد رُوِيَ من طرق كثيرة، قال هذا - ﷺ - بمناسبة رؤية هلال رمضان، ورأى جمهور المحدثين على أن المراد بالأمة الأمة العربية آنذاك، والمراد من الأمية، أمية القراءة والكتابة، وقد قيل للعرب أميون لأن =","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>٢ - الكِتَابَةُ فِي العَصْرِ النَّبَوِيِّ وَصَدْرِ الإِسْلاَمِ:</span>\nمما لا شك فيه أن الكتابة انتشرت في عهد النبي - ﷺ - على نطاق أوسع مما كانت عليه في الجاهلية، فقد حث القرآن الكريم على التعلم، وحض الرسول - ﷺ - على ذلك أَيْضًا، واقتضت طبيعة الرسالة أن يكثر المتعلمون، القارئون، الكاتبون، فالوحي يحتاج إلى كُتَّابٍ، وأمور الدولة من مراسلات وعهود ومواثيق تحتاج إلى كُتَّابٍ أَيْضًا، وقد كثر الكاتبون بعد الإسلام فعلًا ليسدوا حاجات الدولة الجديدة، فكان للرسول كُتَّابٌ للوحي بلغ عددهم أربعين كاتبًا، وكتاب للصدقة، وكتاب للمداينات والمعاملات، وكتاب للرسائل يكتبون باللغات المختلفة (١) وإن ما ذكره المؤرخون من أسماء كُتَّابِ رسول الله - ﷺ - لم يكن على سبيل الحصر، بل ذكروا من دوام على الكتابة بين يديه، ويظهر هذا واضحًا في قول المسعودي: «وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَسْمَاءِ كُتَّابِهِ - ﷺ - مَنْ ثَبَتَ عَلَى كِتَابَتِهِ وَاتَّصَلَتْ أَيَّامُهُ فِيهَا وَطَالَتْ مُدَّتُهُ وَصَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ دُونَ مَنْ كَتَبَ الكِتَابَ وَالكِتَابَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ إِذَ كَانَ لاَ يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ أَنْ يُسَمَّى كَاتِبًا وَيُضَافَ إِلَى جُمْلَةِ كِتَابِهِ» (٢).\n_________\n= الكتابة كانت فيهم قليلة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [سورة الجمعة، الآية: ٢]. ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة كانت فيهم قليلة ونادرة آنذاك. والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا اليسير. انظر تفصيل هذا في \" فتح الباري \": ص ٢٨، ٢٩ جـ ٥.\n\n(١) راجع \" المصباح المضيء في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عرب وعجم \" لمحمد بن علي بن حديد الأنصاري. مخطوط مكتبة الأوقاف بحلب، تحت رقم (٢٧٠) وقد فصل القول في ذلك في ص: ١٦ - ٤٠.\n(٢) \" التنبيه والإشراف \": ص ٢٤٦.","vol":"1","page":298},{"text":"وقد كثر الكاتبون بعد الهجرة عندما استقرت الدولة الإسلامية، فكانت مساجد المدينة التسعة إلى جانب مسجد رسول الله - ﷺ - (١) محط أنظار المسلمين، يتعلمون فيها القرآن الكريم، وتعاليم الإسلام، والقراءة والكتابة، وقد تبرع المسلمون الذين يعرفون الكتابة والقراءة بتعليم إخوانهم، وأرجح أنه كان من أوائل هؤلاء المعلمين سعد بن الربيع الخزرجي أحد النقباء الاثني عشر (٢)، وبشير بن سعد بن ثعلبة (٣)، وأبان بن سعيد بن العاص (٤)، وغيرهم - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -.\n\nوكان إلى جانب هذه المساجد كتاتيب يتعلم فيها الصبيان الكتابة والقراءة إلى جانب القرآن الكريم (٥). ولا يفوتنا أن نذكر أثر غزوة (بدر) في تعليم\n_________\n(١) انظر \" مسالك الأبصار في ممالك الأمصار \": ص ١٣١.\n(٢) المُتَوَفَّى سَنَةَ «٣ هـ». انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٧٧ و١٤١ قسم ٢ جـ ٣.\n(٣) المُتَوَفَّى سَنَةَ «١٢ هـ». انظر \" طبقات ابن سعد: ص ٨٣ قسم ٢ جـ ٣. و\" تهذيب التهذيب \": ص ٤٦ جـ ١. و\" الإصابة \": ص ٦٣ جـ ١.\n(٤) انظر \" الإصابة \": ص ١٠، ١١ و\" المصباح المضيء \": ص ١٦ وقد اختلف في وفاة أبان بن سعيد، فقيل توفي سَنَةَ «١٣ هـ» وقيل سَنَةَ «١٥ هـ» وقيل غير ذلك والصواب أنه عاش إلى خلافة عثمان، وأنا أرجح هذا لأنه كان أحد الصحابة الذين نسخوا المصاحف مع زيد بن ثابت في عهد عثمان - ﵃ جَمِيعًا -، انظر \" صحيح البخاري بحاشية السندي \": ص ٢٢٥، ٢٢٦ جـ ٣، وكتابنا \" زيد بن ثابت \": ص ٣٥.\n(٥) كتب جولدتسيهر مقالًا هَامًّا في \" دائرة معارف الأديان والأخلاق \" عن التعليم الأولي عند المسلمين، وقد حاول أن يثبت أن كتاب تعليم القرآن ومبادئ الدين الإسلامي قد أنشئ في عهد مبكر، وأنه يرجع إلى صدر الإسلام، وقد دعم رأيه بالأسانيد الآتية:\nأ - أرسلت أم سلمة إحدى زوجات الرسول - ﷺ - مرة إلى معلم كتاب تطلب منه أن يرسل لها بعض تلاميذ كتابه ليساعدوها في ندف الصوف وغزله.\nب - كان عمر بن ميمون يحفظ الصيغة التي تقي الإنسان شر العين، وقد أسندها إلى سعد بن أبي وقاص الذي كان يعلمها أولاده، ويكتبها لهم كما يفعل المدرس مع تلاميذه.\nج - مر (ابن عمر) و(أبو أسيد) في مناسبة ما بكتاب، فلفتا إليهم إليهم أنظار التلاميذ =","vol":"1","page":299},{"text":"صبيان المدينة، حينما أذن رسول الله - ﷺ - لأسرى بدر بأن يفدي كل كاتب منهم نفسه بتعليم عشرة من صبيان المدينة الكتابة والقراءة (١)، ولم يقتصر تعليم الكتابة والقراءة على الذكور فقط، بل كانت الإناث تتعلمن هذا في بيوتهن، فقد روى أَبُو بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ لِي: «أَلاَ تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الكِتَابَةَ؟» (٢).\n\nثم اتسع نطاق التعليم، وانتشر في الآفاق الإسلامية، بانتشار الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، وكثرت حلقات العلم، وانتظمت في المساجد (٣)، وأضحت بعض الحلقات تضم نَيِّفًا وألفًا من طلاب العلم (٤)، وكثر\n_________\n= كان اللوح المخصص للكتابة موجودًا في وقت مبكر جِدًّا، فلقد روي عن أم الدرداء أنها كتبت على لوح من هذا النوع عبارات في الحكمة، ليقلدها تلميذ كانت تعلمه الكتابة والقراءة» انظر \" تاريخ التربية الإسلامية \" للدكتور أحمد شلبي، طبعة بيروت سَنَةَ [١٩٥٤ م] ص: ٢٦.\nونضيف إلى هذا - مما يؤكد وجود الكتاتيب - ما رواه عثمان بن عبد الله، قال: «رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ وَنَحْنُ فِي الكُتَّابِ». انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٩ قسم ٢ جـ ٤. وقد تعلم زيد بن ثابت في أحد هذه الكتاتيب. انظر \" مسند الإمام أحمد: ص ٢٥٩ جـ ٥.\n\n(١) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ١٤ قسم ١ جـ ٢.\n(٢) \" سنن أبي داود: ص ٣٣٧ جـ ٢. والنملة هي قروح تخرج من الجنب، وفي الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي الرُّقَى قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ العَيْنِ، وَالحُمَةِ، وَالنَّمْلَةِ». وَالحُمَةُ - بضم الحاء وفتح الميم - هي السم، انظر \" صحيح مسلم \": ص ١٧٢٥، حديث ٥٨ جـ ٤.\n(٣) مما يذكر عن النشاط العلمي وانتظام الحلقات أن أبا الدرداء - ﵁ - (- ٣٢ هـ) «كان إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفًا، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم، رجع إلى عريفهم، وإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء فسأله عن ذلك». انظر \" غاية النهاية في طبقات القراء \": ص ٦٠٦ جـ ١، و\" تهذيب التاريخ الكبير \" لابن عساكر: ص ٦٩ جـ ١.\n(٤) قال مسلم بن مشكم: «قال أبو الدرداء: اعدد من يقرأ عندي القرآن، فعددتهم بأمره ألفًا وستمائة ونيفًا، وكان لكل عشرة منهم مقرئ، وأبو الدرداء يكون عليهم قائمًا إذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء». انظر \" غاية النهاية في طبقات القراء \": ص ٦٠٧ جـ ١ ونحوه في \" التاريخ الكبير \" لابن عساكر: ص ٦٩ جـ ١ =","vol":"1","page":300},{"text":"المعلمون (١)، وانتشرت الكتاتيب في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية، وغصت بالصبيان، وضاقت بهم حتى اضطر الضحاك بن مزاحم معلم الصبيان ومؤدبهم إلى أن يطوف على حمار ليشرف على طلاب مكتبه، الذين بلغ عددهم ثلاثة آلاف صبي (٢)، وكان لا يأخذ أجرًا على عمله (٣).\n\nوقد ازدادت الحركة العلمية في أواخر القرن الأول، وظهرت الندوات التي تدل على آثار النهضة العلمية، فقد كان «عبد الحكم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان الجمحي قد اتخذ بيتًا، فجعل فيه شطرنجات، ونردات، وقرقات (٤)، ودفاتر فيها من كل علم، وجعل في الجِدَارِ أوتادًا، فمن جاء علق ثيابه على وتد منها، ثم جر دفترًا فقرأه، أو بعض ما يلعب به فلعب به مع بعضهم» (٥).\n\nفإذا رأينا - بعد ذلك - أن الحديث الشريف لَمْ يُدَوَّنْ رَسْمِيًّا في عهد الرسول - ﷺ -، كما دُوِّنَ القرآن الكريم - فلا بد لنا من البحث عن السبب الذي أدى إلى عدم تدوينه في عصره - ﷺ -.\n\nونحن في بحثنا هذا لا يمكننا أن نستسلم لتلك الأسباب التقليدية التي اعتاد\n_________\n= ولقد بلغت حلقات العلم في عهد عبد الملك بن مروان درجة عظيمة، فقد رأى في المسجد الحرام حلقات كثيرة لعطاء وسعيد بن جبير ولميمون بن مهران ولمكحول ولغيرهم، فأعجب بهم، وحث أحياء قريش على المحافظة على العلم. انظر تفصيل هذا في \" المحدث الفاصل \": ص ٣٥، ٣٦.\n\n(١) ذكر أبو علي أحمد بن عمر بن رسنة كثيرًا من المعلمين في هذا العصر، انظر \" الأعلاق النفسية (*): المجلد السابع، صفحة: ٣١٦، ٣١٧ وقد ذكرهم تحت عنوان صناعات الأشراف ... وانظر كتاب \" المحبر \" حيث ذكر كثيرًا من المعلمين وبينهم بالتفصيل في الصفحات: ٣٧٩ والصفحات: ٤٧٥ - ٤٧٧.\n(٢) انظر \" معجم الأدباء \": طبعة مصر، ص ١٦ جـ ١٢، وقد توفي الضحاك بن مزاحم سَنَةَ (١٠٥ هـ).\n(٣) انظر \" الأعلاق النفسية \": ص ٢١٦.\n(٤) النردات: جمع نرد، ما يعرف اليوم بالطاولة. وقرقات: جمع قرق وهي لعبة للصبيان.\n(٥) \" الأغاني \": ص ٢٥٣ جـ ٤.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) \" الأعلاق النفيسة \" لابن رسته، طبع الجزء السابع منه. انظر \" الأعلام \" لخير الدين الزركلي: ١/ ١٨٥، الطبعة الخامسة عشر: - أيار / مايو ٢٠٠٢ م، دار العلم للملايين.","vol":"1","page":301},{"text":"الكاتبون أن يعللوا بها عدم التدوين، ولا نستطيع أن نوافقهم على ما قالوه من أن قلة التدوين في عهده - ﷺ -، تعود قبل كل شيء إلى ندرة وسائل الكتابة، وقلة الكتاب، وسوء كتابتهم (١) - لا يمكننا أن نسلم بهذا بعد أن رأينا نَيِّفًا وثلاثين كاتبًا يتولون كتابة الوحي للرسول الكريم - ﷺ - وغيرهم يتولون أموره الكتابية الأخرى، ولا يمكننا أن نعتد بقلة الكتاب، وعدم إتقانهم لها، وفيهم المحسنون المتقنون أمثال زيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص، ولو قبلنا جدلًا ما ادعوه من ندرة وسائل الكتابة وصعوبة تأمينها، لكفى في الرد عليهم أن المسلمين دَوَّنُوا القرآن الكريم ولم يجدوا في ذلك صعوبة، فلو أرادوا أن يُدَوِّنُوا الحديث مَا شَقَّ عَلَيْهِمْ تحقيق تلك الوسائل، كما لم يشق هذا على من كتب الحديث بإذن رسول الله - ﷺ -، فلا بد من أسباب أخرى، وإنا لنرى تلك الأسباب من خلال الآثار الثابتة عن رسول الله - ﷺ - وعن الصحابة والتابعين، وسنرى أن تدوين الحديث مر بمراحل منتظمة حققت حفظه، وصانته من العبث، وقد تضامنت الذاكرة والأقلام، وكانا جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ في خدمة الحديث اشريف، ونستعرض الآن تلك الآثار التي تلقي لنا بعض الضوء على حقيقة تدوين السنة.\n\n...\n_________\n(١) انظر \" تأويل مختلف الحديث \"، قال: «وَكَانَ غَيْرُهُ - ابن عمرو بن العاص - مِنَ الصَّحَابَةِ أُمِّيِّينَ، لاَ يَكْتُبُ مِنْهُمْ إِلاَّ الوَاحِدُ وَالاثْنَانِ، وَإِذَا كَتَبَ لَمْ يُتْقِنْ، وَلَمْ يُصِبْ التَّهَجِّيَ» ص: ٣٦٦. إن هذا يتنافى مع ما بينهاه من تعلم المسلمين للكتابة، فتعميم ابن قتيبة هذا لا يستند إلى دليل. وانظر \" مقدمة ابن خلدون\": ص ٥٤٣.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>أَوَّلًا - مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الكِتَابَةِ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>[أ]- مَا رُوِيَ مِنْ كَرَاهَةِ الكِتَابَةِ:</span>\n١ - روى أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ» (١). وهذا الحديث أصح ما ورد عن رسول الله - ﷺ - في هذا الباب.\n\n٢ - وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «جَهِدْنَا بِالنَّبِيِّ - ﷺ - أَنْ يَأْذَنَ لَنَا فِي الكِتَابِ فَأَبَى». وفي رواية عنه قَالَ: «اسْتَأْذَنَّا النَّبِيَّ ﷺ فِي الكِتَابَةِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَنَا» (٢).\n\n٣ - رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَنَحْنُ نَكْتُبُ الأَحَادِيثَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي تَكْتُبُونَ؟»، قُلْنَا: أَحَادِيثَ نَسْمَعُهَا مِنْكَ. قَالَ: «كِتَابٌ غَيْرَ كِتَابِ اللَّهِ!؟، أَتَدْرُونَ؟ مَا ضَلَّ الأُمَمَ قَبْلَكُمْ إِلاَّ بِمَا اكْتَتَبُوا مِنَ الكُتُبِ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>[ب] مَا رُوِيَ مِنْ إِبَاحَةِ الكِتَابَةِ:</span>\n١ - قَالَ عَبْدُ اللَّه بْن عَمْرو بْن العَاصِ - ﵄ -: «كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَرَسُولُ اللَّهِ\n_________\n(١) \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ١٢٩ جـ ١٨، و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٣ جـ ١.\n(٢) \" المحدث الفاصل \": نسخة دمشق، ص ٥ جـ ٤. و\" الإلماع \": ص ٢٨ ونحوه في \" تقييد العلم \": ص ٣٢، ٣٣.\n(٣) \" تقييد العلم \": ص ٣٤.","vol":"1","page":303},{"text":"- ﷺ - بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ وَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ» (١).\n\n٢ - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أكْتُبُ» (٢).\n\n٣ - رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَشْهَدُ حَدِيثَ، رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلاَ يَحْفَظُهُ، فَيَسْأَلُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُهُ، ثُمَّ شَكَا قِلَّةَ حِفْظِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ، - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «اسْتَعِنْ عَلَى حِفْظِكَ بِيَمِينِكَ» (٣).\n\n٤ - رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ، أَفَنَكْتُبُهَا؟ قال: «اكْتُبُوا وَلاَ حَرَجَ» (٤).\n\n٥ - رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ أَنَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قيِّدُوا العِلْمَ بِالْكِتَابِ» (٥).\n_________\n(١) \" سنن الدارمي \": ص ١٢٥ جـ ١ ونحوه في ص ١٢٦ جـ ١ ونحوه في \" تقييد العلم \" بطرق كثيرة: ص ٧٤ - ٨٣. وفي \" جامع بيان العلم \": ص ٧١ جـ ١. و\" الإلماع \": ص ٢٧: ب.\n(٢) \" فتح الباري \": ص ٢١٧ جـ ١.\n(٣) \" تقييد العلم \": ص ٦٥، ٦٦. وفي \" الجامع لأخلاق الراوي \": ص ٥٠: آ. وقد أخرجه الترمذي أَيْضًا من طريق أبي هريرة، انظر \" توضيح الأفكار \": ص ٣٥٣ جـ ٢.\n(٤) \" تقييد العلم \": ص ٧٢، ٧٣. و\" المحدث الفاصل \": ص ٣: ب، جـ ٤ مخطوطة دمشق. وانظر \" توضيح الأفكار \": ص ٣٥٣ جـ ٢. وقد ضَعَّفَ «السيد رشيد رضا» صاحب \" المنار \" هذا الحديث، انظر مجلة \" المنار \": ١٠/ ٧٦٣ وله رأي في الأحاديث التي تسمح بالكتابة، انظر ص ٧٦٥ و٧٦٦ جـ ١٠ من المجلة.\n(٥) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ٤٤: آ. و\" تقييد العلم \": ص ٦٩. و\" جامع =","vol":"1","page":304},{"text":"٦ - رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ أَنَّهُ كَتَبَ كِتَابَ الصَّدَقَاتِ وَالدِّيَاتِ وَالفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ لِعَمْرُو بْنَ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ (١).\n\n٧ - رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ قَامَ الرَّسُولُ - ﷺ - وَخَطَبَ فِي النَّاسِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اكْتُبُوا لِي، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لَهُ» (٢). قال أبو عبد الرحمن (عبد الله بن أحمد): «لَيْسَ يُرْوَى فِي كِتَابَةِ الحَدِيثِ شَيْءٌ أَصَحُّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمْ، قَالَ: \"اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ\"» (٣).\n\n٨ - رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ» قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: «قُومُوا عَنِّي، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ» (٤). إن طلب الرسول هذا واضح في أنه أراد أن يكتب شيئًا غير القرآن، وما كان سيكتبه\n_________\n= بيان العلم \": ص ٧٢ جـ ١، وقد ضَعَّفَ السيد محمد رشيد رضا هذا الحديث لأن في سنده عبد الحميد بن سليمان وقد تكلم فيه الذهبي، كما ضعفه من طريق عبد الله بن المؤمل الذي قال فيه الإمام أحمد: «أَحَادِيثُهُ مَنَاكِيرُ». انظر \" مجمع الزوائد \": ص ١٥٢ جـ ١. أقول: إلا أن هذا الحديث روي من طريق إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي ذؤيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولا يطعن فيه تفرده به. انظر \" تقييد العلم \": ص ٦٩، والسيد رشيد رضا ضَعَّفَ الحديث من طريقيه الأوليين فلا يطعن برواية إسماعيل بن يحيى هذه. انظر مجلة \" المنار \": ص ٧٦٣ - ٧٦٦ جـ ١٠.\n\n(١) انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧١ جـ ١.\n(٢) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٣٢ جـ ١٢. و\" فتح الباري \": ص ٢١٧ جـ ١. و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٠ جـ ١. و\" تقييد العلم \": ص ٨٦.\n(٣) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٣٥ جـ ١٢.\n(٤) \" فتح الباري \": ص ٢١٨ جـ ١، و\" صحيح الإمام مسلم \": ص ١٢٥٧ و١٢٥٩ جـ ٣، وفي \" طبقات ابن سعد \": ص ٣٦ و٣٧ جـ ٢.","vol":"1","page":305},{"text":"هو من السنة، وإن عدم كتابته لمرضه لا ينسخ أنه قد هَمَّ به، وكان في آخر أيام حياته - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - الكتابة في أوقات مختلفة، ولمواضيع كثيرة، في مناسبات عدة، خاصة وعامة.\n\nوإذا كانت الأخبار الدالة على إباحة الكتابة منها خاص كخبر أبي شَاهٍ، فإن منها أَيْضًا ما هو عام لا سبيل إلى تخصيصه، كسماحه لعبد الله بن عمرو بالكتابة وللرجل الأنصاري الذي شكا سوء حفظه. ويمكن أن نستشهد في هذا المجال بخبر أنس ورافع بن خديج وإن تكلم فيهما، لأن طرقهما كثيرة يُقَوِّي بعضها بعضًا، وللعلماء مع هذا آراء في هذه الأخبار سأوجزها فيما يلي:\nحاول العلماء أَنْ يُوَفِّقُوا بين ما ورد من نَهْيٍ عن الكتابة وما وري من إباحة لها، وترجع آراؤهم إلى أربعة أقوال:\nالأول: قال بعضهم إن حديث أبي سعيد الخدري موقوف عليه فلا يصلح للاحتجاج به وَرُوِيَ هذا الرأي عن البخاري وغيره (١)، إلا أننا لا نسلم بهذا لأنه ثبت عند الإمام مسلم، فهو صحيح، ويؤيد صحته ويعضده ما رويناه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ -: رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ نَفْسَهُ إذْ يَقُولُ: «اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنْ أَكْتُبَ الحَدِيثَ، فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لِي» (٢).\n\nالثاني: أن النهي عن الكتابة إنما كان في أول الإسلام مخافة اختلاط الحديث بالقرآن، فلما كثر عدد المسلمين، وعرفوا القرآن معرفة رافعة للجهالة وميزوه من الحديث - زال هذا الخوف عنهم، فنسخ الحكم الذي كان مترتبًا\n_________\n(١) انظر \" فتح الباري \": ص ٢١٨ جـ ١. وانظر \" الباعث الحثيث \": ص ١٤٨. و\" توضيح الأفكار \": ص ٣٥٣ جـ ٢، و\" تدريب الراوي \": ص ٢٨٧. و\" منهج ذوي النظر \": ص ١٤٢.\n(٢) \" تقييد العلم \": ص ٣٢، ٣٣.","vol":"1","page":306},{"text":"عليه، وصاد الأمر إلى الجواز (١). وفي هذا قال الرامهرمزي: «وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: \"حَرَصْنَا أَنْ يَأْذَنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الكِتَابِ فَأَبَى \"، أَحْسِبُ (٢) أَنَّهُ كَانَ مَحْفُوظًا فِي أَوَّلِ الهِجْرَةِ وَحِينَ كَانَ لاَ يُؤْمَنُ الاشْتِغَالُ بِهِ عَنِ الْقُرْآن» (٣).\n\nوالقول بالنسخ أحد المعنيين اللذين فهمهما ابن قتيبة من تلك الأخبار. فقال: «أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ مَنْسُوخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ، كَأَنَّهُ نَهَى فِي أَوَّلِ الأَمْرِ عَنْ أَنْ يُكْتَبَ قَوْلُهُ، ثُمَّ رَأَى بَعْدُ - لَمَّا عَلِمَ أَنَّ السُّنَنَ تَكْثُرُ وَتَفُوتُ الحِفْظَ - أَنْ تُكْتَبَ وَتُقَيَّدَ» (٤)، ورأى هذا الرأي كثير من العلماء، وذهب إليه العلامة المحقق الأستاذ أحمد محمد شاكر (٥) فبعد أن دعم رأيه بالأخبار التي تبيح الكتابة قال: «كُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ - «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ» - مَنْسُوخٌ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ، حِينَ خِيفَ اخْتِلاَطُ غَيْرِ الْقُرْآنِ بِالقُرْآنِ وَحَدِيثُ أَبِي شَاهٍ فِي أَوَاخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَذَلِكَ أَخْبَارُ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الإِسْلاَمِ - \" أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَكْتُبُ، وَأَنَّهُ هُوَ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ \": يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللهِ كَانَ يَكْتُبُ بَعْدَ إِسْلاَمِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي النَّهْيِ مُتَأَخِّرًا عَنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ فِي الإِذْنِ وَالجَوَازِ لَعُرِفَ ذَلِكَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ يَقِينًا صَرِيحًا» (٦).\n\nويمكن أن نلحق هنا الرأي الذي يقول: إن النهي إنما كان عن كتابة\n_________\n(١) انظر \" توضيح الأفكار \": ص ٣٥٣، ٣٥٤ جـ ٢.\n(٢) في الأصل «فَأَحْسِبُهُ»، وما أثبتناه أصح لغة.\n(٣) \" المحدث الفاصل \": ص ٧١: آ.\n(٤) \" تأويل مختلف الحديث \": ص ٣٦٥.\n(٥) انظر \" الباعث الحثيث \": ص ١٤٨.\n(٦) المرجع السابق: ص ١٤٩.","vol":"1","page":307},{"text":"الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، لأنهم كانوا يسمعون تأويل الآية، فربما كتبوه معه، فَنُهُوا عن ذلك لخوف الاشتباه (١).\n\nالثالث: أن النهي في حق من وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة، والإذن في حق من لا يوثق بحفظه كأبي شاه (٢).\n\nالرابع: أن يكون النهي عَامًّا وخص بالسماح له من كان قارئًا كاتبًا مجيدًا لا يخطئ في كتابته، ولا يخشى الغلط، كعبد الله بن عمرو الذي أمن عليه - ﷺ - كل هذا، فأذن له (٣). وهذا هو المعنى الآخر الذي فهمه ابن قتيبة من تلك الأخبار.\n\nورأينا في هذه الأخبار هو صحة ما روي عن أبي سعيد من النهي، وصحة ما [وَرَدَ] عن غيره من إباحة الكتابة، فنحن لا نقول بوقف خبر أبي سعيد عليه. فالرأي الأول مردود، ويمكن أن تكون جميع هذه الآراء الثلاثة صوابًا، فَنَهَى - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - عن كتابة الحديث الشريف مع القرآن في صحيفة واحدة خوف الالتباس، وربما يكون نهيه عن كتابة الحديث على الصحف أول الإسلام حتى لاَ يُشْغَلَ المسلمون بالحديث عن القرآن الكريم، وأراد أن يحفظ المسلمون القرآن في صدورهم وعلى الألواح والصحف والعظام توكيدًا لحفظه، وترك الحديث للممارسة العملية، لأنهم كانوا يطبقونه: يرون الرسول فيقلدونه، ويسمعون منه فيتبعونه، وإلى جانب هذا سمح لمن لا يختلط عليه القرآن بالسنة أن يُدَوِّنَ السُنَّةَ كعبد الله بن عمرو، وأباح لمن يصعب عليه الحفظ أن يستعين بيده حتى إذا حفظ المسلمون قرآنهم وميزوه عن الحديث جاء نسخ النهي بالإباحة\n_________\n(١) انظر \" فتح المغيث \": ص ١٨ جـ ٣، وانظر \" توضيح الأفكار \": ص ٣٥٤ جـ ٢.\n(٢) انظر \" فتح المغيث \": ص ١٨ جـ ٣، وانظر \" توضيح الأفكار \": ص ٣٥٤ جـ ٢.\n(٣) انظر \" تأويل مختلف الحديث \": ص ٣٦٥، ٣٦٦.","vol":"1","page":308},{"text":"عامة، وإن وجود علة من علل النهي السابقة لا ينفي وجود غيرها ولا يتعارض معه، كما أن وجود علة النهي لا ينفي تخصيص هذا النهي بالسماح لبعض من لا تتحقق فيهم هذه العلة. فالنهي لم يكن عَامًّا، والإباحة لم تكن عامة في أول الإسلام، فحيثما تحققت علة النهي منعت الكتابة، وحيثما زالت أبيحت الكتابة.\n\nوأرى في حديث أبي شاه وفي حديث ابن عباس: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ ...» إذنًا عَامًّا، وإباحة مطبقة للكتابة، وعلى هذا لا تعارض بين جميع تلك الروايات فقد سهل التوفيق بينها وتبين وجه الصواب. وانتهى أمر رسول الله - ﷺ - بإباحة الكتابة، وسنرى فيما بعد بعض ما دُوِّنَ في عهده - ﷺ -.\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>ثَانِيًا - كِتَابَةُ الحَدِيثِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ:</span>\nمع ما روي عن النبي - ﷺ - من إباحة الكتابة، ومع ما كتب في عهده من الأحاديث على يدي من سمح لهم بالكتابة - نرى الصحابة يحجمون عن الكتابة، ولا يقدمون عليها في عهد الخلافة الراشدة، حِرْصًا منهم على سلامة القرآن الكريم وَالسُنَّةِ الشَّرِيفَةِ، فنجد بينهم - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - من كره الكتابة أولًا إباحته لها آخرًا، وذلك حين زالت علة الكراهة.\n\nروى الحاكم بسنده عن القاسم بن محمد عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «جَمَعَ أَبِي الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَكَانَ (١) خَمْسَمِائَةِ حَدِيثٍ، فَبَاتَ\n_________\n(١) في الأصل «كَانَتْ» وما أثبتناه أصح لتستقيم العبارة.","vol":"1","page":309},{"text":"لَيْلَةً يَتَقَلَّبُ كَثِيرًا ... فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: \" أَيْ بُنَيَّة، هَلُمِّي الأَحَادِيثَ التِي عِنْدَكِ \"، فَجِئْتُهُ بِهَا، فَدَعَا بِنَارٍ فَحَرَّقَهَا» (١) (*).\n\nوهذا عمر بن الخطاب يفكر في جمع السنة، ثم لا يلبث أن يعدل عن ذلك: عَنْ عُرْوَةَ - بْنَ الزَّبَيْرِ -، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَنَ فَاسْتَفْتَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يَكْتُبَهَا، فَطَفِقَ عُمَرُ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهَا شَهْرًا، ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ عَزَمَ اللَّهُ لَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ السُّنَنَ وَإِنِّي ذَكَرْتُ قَوْمًا كَانُوا قَبْلَكُمْ كَتَبُوا كُتُبًا، فَأَكَبُّوا عَلَيْهَا وَتَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أَشُوبُ كِتَابَ اللَّهِ بِشَيْءٍ أَبَدًا» (٢)، وفي رواية عن طريق مالك بن أنس أن عمر قال عندما عدل عن كتابة السُنَّة: «لاَ كِتَابَ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ» (٣).\n\nوكان خوف عمر من إقدامه على كتابة السُنَّةِ أن ينكب المسلمون على دراسة غير القرآن ويهملوا كتاب الله - ﷿ - (٤)، ولذلك نرى عمر - ﵁ - يمنع الناس من أن يتخذوا كتابًا مع كتاب الله، وينكر إنكارًا شديدًا على من نسخ كتاب (دانيال) ويضربه ويقول له: «انْطَلِقْ فَامْحُهُ ... ثُمَّ لاَ تَقْرَأْهُ وَلاَ تُقْرِئْهُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، فَلَئِنْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قَرَأْتَهُ أَوْ أَقْرَأْتَهُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ لأُنْهِكَنَّكَ عُقُوبَةً» (٥). ولهذا نراه يخطب في الناس قائلًا: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ فِي أَيْدِيكُمْ كُتُبٌ فَأَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ أَعْدَلُهَا وَأَقْوَمُهَا، فَلاَ يَبْقَيَنَّ\n_________\n(١) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٥ جـ ١.\n(٢) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٤ جـ ١، ونحوه في \" تقييد العلم \": ص ٥٠، و\" طبقات ابن سعد \": ص ٣٠٦ قسم ١ جـ ٣.\n(٣) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٤ جـ ١.\n(٤) انظر \" تقييد العلم \": ص ٥٠.\n(٥) \" تقييد العلم \": ص ٥٢ ونحوه مختصرًا في \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٤٢ جـ ٢، وفي \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٤٦: ب.\n---------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) ذكر ذلك الذهبي في \" تذكرة الحفاظ \": ١/ ٥ وأورده بسند الحاكم ثم عَقَّبَ على ذلك بفوله: «فَهَذَا لاَ يَصِحُّ». نقلًا عن \" السُنَّة وَمَكَانَتُهَا فِي التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِي \" للدكتور مُصْطَفَى السِّبَاعِي، ص ١٥٤، الطبعة الثالثة - بيروت: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان","vol":"1","page":310},{"text":"أَحَدٌ عِنْدَهُ كِتَابٌ إِلاَّ أَتَانِي بِهِ، فَأَرَى فِيهِ رَأْيِي» قَالَ: فَظَنُّوا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ (١) يَنْظُرَ فِيهَا وَيُقَوِّمَهَا عَلَى أَمْرٍ لاَ يَكُونُ فِيهِ اخْتِلاَفٌ، فَأَتَوْهُ بِكُتُبِهِمْ فَأَحْرَقَهَا بِالنَّارِ، ثُمَّ قَالَ: «أُمْنِيَةٌ كَأُمْنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ؟» (٢) كما أنه كتب إلى الأمصار «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَمْحُهُ» (٣).\n\nكل هذا يدل على خشية عمر من أن يهمل كتاب الله أو أن يضاهي به كتاب غيره، ونحن نرى عمر نفسه يأبى أن يبقى رأيه مكتوبًا ويأبى إلا أن يمحوه، فعندما طعن استدعى [طبيبًا]، فعرف دنو أجله، فنادى ابنه قائلًا: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرٍ نَاوِلْنِي الكَتِفَ فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُمْضِيَ مَا فِيهَا أَمْضَاهُ». فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرُ: «أَنَا أَكْفِيكَ مَحْوَهَا». فَقَالَ: «لاَ وَاللَّهِ لاَ يَمْحُوهَا أَحَدٌ غَيْرِي». فَمَحَاهَا عُمَرُ بِيَدِهِ وَكَانَ فِيهَا فَرِيضَةُ الجَدِّ (٤).\n\nونرى عمر نفسه حين يأمن حفظ القرآن، يكتب بشي من السنة إلى بعض عماله وأصحابه، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ \" النَّهْدِيِّ \" قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بِأَشْيَاءَ يُحَدِّثُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يَلْبَسُ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ هَكَذَا»، وَقَالَ: بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: «فَرَأَيْتُ أَنَّهَا أَزْرَارُ الطَّيَالِسَةِ حِينَ رَأَيْنَا الطَّيَالِسَةَ» (٥).\n\nوروي عن عبد الله بن مسعود كراهيته لكتابة الحديث الشريف: عَنْ\n_________\n(١) زدنا (أَنْ) على الأصل لتستقيم العبارة.\n(٢) \" تقييد العلم \": ص ٥٢، رواه محمد بن القاسم.\n(٣) \" تقيد العلم \": ص ٥٣، و\" جامع بيان العلم وفضله \" ص ٦٥ جـ ١.\n(٤) \" طبقات ابن سعد \": ص ٢٤٧ قسم ص٢ جـ ٣.\n(٥) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٦١ جـ ١.","vol":"1","page":311},{"text":"عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ عَلْقَمَةُ بِكِتَابٍ مِنْ مَكَّةَ، أَوِ اليَمَنِ صَحِيفَةٌ فِيهَا أَحَادِيثُ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ: بَيْتِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَدَفَعْنَا إِلَيْهِ الصَّحِيفَةَ، قَالَ: فَدَعَا الجَارِيَةَ، ثُمَّ دَعَا بِطَسْتٍ فِيهِ مَاءٌ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، انْظُرْ فِيهَا فَإِنَّ فِيهَا أَحَادِيثَ حِسَانًا، قَالَ: فَجَعَلَ يُمِيثُهَا (١) فِيهَا، وَيَقُولُ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ فَأَشْغِلَوهَا بِالْقُرْآنِ، وَلاَ تُشْغِلُوهَا بِمَا سِوَاهُ» (٢).\n\nإلا أن هناك رواية تنص على أن ما في الصحيفة كان من كلام أبي الدرداء وقصصه (٣)، وفي رواية قال أحد الرواة: «[نَرَى] أَنَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ أُخِذَتْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَلِهَذَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ النَّظَرَ فِيهَا» (٤). ولا يمكننا أن نجزم بأن ما في تلك الصحيفة كان من القصص أو مما أخذ من أهل الكتاب، لأنه ثبت عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلاَلٍ قَالَ: «أُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ بِصَحِيفَةٍ فِيهَا حَدِيثٌ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَحَاهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا [فَأُخْرِجَتْ]، ثُمَّ قَالَ: «أُذَكِّرُ بِاللَّهِ رَجُلًا يَعْلَمُهَا عِنْدَ أَحَدٍ إِلاَّ أَعْلَمَنِي بِهِ، وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهَا بِدِيرِ هِنْدٍ لَبَلَغْتُهَا، بِهَذَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ قَبْلَكُمْ حِينَ نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» (٥). إن تصرف ابن مسعود يدل على أنه خشي أن يشتغل الناس بكتابة السُنَّةِ وَيَدَعُوا القُرْآنَ، أو\n_________\n(١) مَاثَهُ: مرسه، أي فركه ليذوب في الماء وتتفرق أجزاؤه.\n(٢) \" تقييد العلم \": ص ٥٤ وورد عنه النهي عن كتابة ما سوى القرآن عندما علم أن بعضهم يكتب كلامه انظر \" سنن الدارمي \": ص ١٢٥ جـ ١، والآية هي: [سورة يوسف، الآية: ٣].\n(٣) انظر \" تقييد العلم \": ص ٥٤، ٥٥.\n(٤) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٦ جـ ١ ونحو هذا في \" سنن الدرامي \": ص ١٢٤ جـ ١.\n(٥) المرجع السابق: ص ٦٥ جـ ١، ونحوه في \" سنن الدرامي \" وفيه: «لو أنها (بدار الهندارية)، يعني - مكانًا بعيدًا بالكوفة - إلا أتيته ولو مشيًا»: ص ١٢٤ جـ ١.","vol":"1","page":312},{"text":"أن يشتغلوا بغير القرآن الكريم، ونراه يكتب بعض السُنَّةِ بيده حين زالت علة المنع، فَعَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْنٍ قَالَ: «أَخْرَجَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كِتَابًا وَحَلَفَ لِي: إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ بِيَدِهِ» (١).\n\nوهذا عَلِيٌّ - ﵁ - يخطب في الناس قائلًا: «أَعْزِمُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ كِتَابٌ إِلاَّ رَجَعَ فَمَحَاهُ، فَإِنَّمَا هَلَكَ النَّاسُ حَيْثُ [تَتَبَّعُوا] أَحَادِيثَ عُلَمَائِهِمْ وَتَرَكُوا كِتَابَ رَبِّهِمْ» (٢).\n\nوأبى زيد بن ثابت أن يكتب عنه مروان بن الحكم (٣) وقال: «[أَتَدْرُونَ] لَعَلَّ كُلَّ شَيْءٍ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ لَيْسَ كَمَا حَدَّثْتُكُمْ» (٤) وفي رواية قال: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا [أَنْ لاَ] نَكْتُبَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ» [فَمَحَاهُ] (٥).\n\nوكذلك أَبَى أبو هريرة أن يكتب عنه كاتب مروان بن الحكم (٦) وكان أحيانًا يقول: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لاَ يَكْتُمُ، وَلاَ يَكْتُبُ» (٧)، وفي رواية: «نَحْنُ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نُكْتِبُ» (٨).\n\nوقال ابن عباس: «إِنَّا لاَ نَكْتُبُ العِلْمَ وَلاَ نُكْتِبُهُ» (٩)، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵄ - أنه كان ينهى عن كتابة العلم، وقال:\n_________\n(١) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٢ جـ ١.\n(٢) المرجع السابق: ص ٦٣ جـ ١.\n(٣) انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٣ جـ ١.\n(٤) المرجع السابق: ص ٦٥ جـ ١.\n(٥) \" تقييد العلم \": ص ٣٥.\n(٦) انظر \" تقييد العلم \": ص ٤١. و\" الإصابة \": ص ٢٠٢ جـ ٧.\n(٧) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ١١٩ قسم ٢ جـ ٢ ونحوه في \" تقييد العلم \": ص ٤٢.\n(٨) \" جامع بيان العلم \": ص ٦٦ جـ ١. وقارن بـ \" سنن الدارمي \": ص ١٢٢ جـ ١.\n(٩) \" جامع بيان العلم \": ص ٦٥ جـ ١. ونحوه في \" تقييد العلم \": ص ٤٢.","vol":"1","page":313},{"text":"«إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالكُتُبِ» (١).\n\nوقد تمسك أبو سعيد الخُدري بحديث رسول الله - ﷺ - الذي رواه في النهي عن كتابة غير القرآن. وَأَبَى أَنْ يُكْتِبَ أَبَا نَضْرَةَ حِينَ قَالَ لَهُ هَذَا: أَلاَ تُكْتِبُنَا، فَإِنَّا لاَ نَحْفَظُ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «لاَ، إِنَّا لَنْ نُكْتِبَكُمْ، وَلَنْ نَجْعَلَهُ قُرْآنًا، وَلَكِنِ احْفَظُوا عَنَّا، كَمَا حَفِظْنَا نَحْنُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (٢).\n\nوَيُرْوَى عن عبد الله بن عمر - ﵁ - أنه كان يكره كتابة الحديث، رُوِيَ عَنْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا نَخْتَلِفُ فِي أَشْيَاءَ فَنَكْتُبَهَا فِي كِتَابٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهَا ابْنَ عُمَرَ أَسْأَلُهُ عَنْهَا خُفْيًا (٣) فَلَوْ عَلِمَ بِهَا كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ» (٤).\n\nوكره أبو موسى أن يكتب ابنه عنه مخافة أن يزيد أو ينقص، وَمَحَا مَا كَتَبَهُ بالماء (٥) وفي رواية قال: «احْفَظُوا عَنَّا كَمَا حَفِظْنَا» (٦)، وفي رواية عنه أنه قال: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَتَبُوا كِتَابًا وَاتَّبَعُوهُ وَتَرَكُوا التَّوْرَاةَ» (٧).\n\nهؤلاء معظم الذين كرهوا كتابة الحديث في الصدر الأول، حاولت أن\n_________\n(١) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٥ جـ ١، و\" تقييد العلم \": ص ٤٣.\n(٢) \" سنن الدرامي \": ص ١٢٢ جـ ١، وانظر \" تقييد العلم \" فيه روايات مختلفة عنه: ص ٣٦ - ٣٨ وكذلك في \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٤ جـ ١، وفي رواية عن أبي سعيد قال: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوهَا مَصَاحِفَ!، إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ كَانَ يُحَدِّثُنَا فَنَحْفَظُ، فَاحْفَظُوا كَمَا كُنَّا نَحْفَظُ». انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٤ جـ ١ وانظر كتاب \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩١.\n(٣) يريد خفية. أي ينظر إلى الكتاب من غير أن يشعر ابن عمر بذلك.\n(٤) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٦ جـ ١ و\" تقييد العلم \": ص ٤٤.\n(٥) انظر \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ٦ جـ ٤ وقارن بكتاب \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٣ و\" سنن الدارمي \": ص ١٢٢ جـ ١.\n(٦) \" جامع بيان العلم \": ص ٦٦ جـ ١.\n(٧) \" تقييد العلم \": ص ٥٦.","vol":"1","page":314},{"text":"أثبت رأي كل منهم إلى جانب وجهة نظره فيما ذهب إليه من المنع والكراهة، لأتمكن من استنتاج أسباب هذه الكراهة، فوجدت كما قال الخطيب البغدادي: «أَنَّ كَرَاهَةَ [مَنْ كَرِهَ] الْكِتَابَ مِنَ الصَّدْرِ الأَوَّلِ إِنَّمَا هِيَ لِئَلاَّ يُضَاهَى بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُهُ، أَوْ يُشْتَغَلَ عَنِ القُرْآنِ بِسِوَاهُ، وَنُهِيَ عَنِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ أَنْ تُتَّخَذَ لأَنَّهُ لاَ يُعْرَفُ حَقُّهَا مِنْ بَاطِلِهَا، وَصَحِيحِهَا مِنْ فَاسِدِهَا، مَعَ أَنَّ القُرْآنَ كَفَى مِنْهَا، وَصَارَ مُهَيْمِنًا عَلَيْهَا، وَنُهِيَ عَنْ كَتْبِ العِلْمِ فِي صَدْرِ الإِسْلاَمِ وَجَدْتُهُ لِقِلَّةِ الفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وَالمُمَيِّزِينَ بَيْنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، لأَنَّ أَكْثَرَ الأَعْرَابِ لَمْ يَكُونُوا فَقِهُوا فِي الدِّينِ وَلاَ جَالَسُوا العُلَمَاءَ العَارِفِينَ، فَلَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُلْحِقُوا مَا يَجِدُونَ مِنَ الصُّحُفِ بِالقُرْآنِ، وَيَعْتَقِدُوا أَنَّ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كَلاَمُ الرَّحْمَنِ» (١)، أضف إلى هذا ورع الصحابة وخشيتهم من أن يكون ما يملونه أو يقيدونه غير ما سمعوه من الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.\n\nمن أجل هذا أولى الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - كتاب الله - ﷿ - في هذه الحقبة عناية الحفظ في الصحف والمصاحف وفي الصدور، وجمعوه في عهد الصِدِّيقِ، ونسخوه في عهد عثمان، وبعثوا به إلى الآفاق، ليضمنوا حفظ المصدر التشريعي الأول من أن تشوبه أية شائبة، ثم حافظوا على السنة بدراستها و[مُذَاكَرَتِهَا] وكتابتها أحيانًا عند زوال مانع الكراهة، وقد ثبت عن كثير من الصحابة الحث على كتابة الحديث، وإجازة تدوينه.\n\nولا نشك في هذه الأخبار كما شك غيرنا، لأننا لا نرى فيها ذلك التعارض الذي تصوره بعض المستشرقين (٢)، حتى استجازوا لأنفسهم أن يحكموا على\n_________\n(١) \" تقييد العلم \": ص ٥٢.\n(٢) سنتكلم بعد قليل عن رأي جولدتسيهر في هذه الأخبار.","vol":"1","page":315},{"text":"بعضها بالوضع والاختلاق، وسنوجز فيما يلي بعض ما روي عن الصحابة من إجازة تقييد الحديث، ليتبين صحة ما ذهبنا إليه.\n\nوقبل أن أتناول هذه الأخبار لاَ بُدَّ لي من أن أقلب النظر فيما روي عن محاولة عمر - ﵁ - جمع السنة وتدوينها، كما جمع القرآن الكريم، ثم عدوله عن ذلك خَوْفًا من أن يلتبس الكتاب بالسنة، وخشية ألا يميز المسلمون الجدد بينهما. أقول: إن محاولته هذه تدل على اقتناعه بجواز كتابة الحديث الشريف، وهذا ما انتهى به أمر رسول الله - ﷺ - بعد النهي عن الكتابة، ولو شك عمر - ﵁ - في الجواز - مَا هَمَّ بأن يفعل ما منعه رسول الله - ﷺ -، وما كرهه، فإحجام الفاروق لم يكن لكراهة الكتابة، بل لمانع يقتضي أن يتريث في التدوين والجمع لمصلحة أخطر وأعظم، ولذلك رأيناه يكتب بنفسه لمن يأمن عليه اللبس ويثق به، وربما سمح عمر - ﵁ - بالكتابة بعد أن رأى حفظ الأمة لكتاب الله تعالى بجمعه في المصحف الشريف، ويقوي هذا ما يروى عن عمرو بن أبي سفيان من أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: «قيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ» (١).\n\nثم إن بعض الصحابة أنفسهم قد أجاز الكتابة، وكتب بعضهم بيده، وتغير رأي من عرف منهم النهي عن كتابة الحديث حينما زالت أسباب المنع، وخاصة بعد أن جمع القرآن في المصاحف وأرسل إلى الآفاق.\n\nولا ينقض هذا الرأي الذي ذهبنا إليه ما رُوِيَ عن أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق كتب له فرائض في الصدقة التي سَنَّهَا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ\n_________\n(١) \" تقييد العلم \": ص ٨٨، و\" جامع بيان العلم \": ص ٧٢ جـ ١. «وَوَجَدَ ابْنُ عُمَرَ فِي قَائِمِ سَيْفِ أَبِيهِ صَحِيفَةً». انظر \" الكفاية \": ص ٣٥٤، و\" توجيه النظر \": ص ٣٤٨.","vol":"1","page":316},{"text":"وَسَلَّمَ - (١) بأن هذا كان قبل نسخ المصاحف، لأننا لم نجعل الخشية من التباس الكتاب بِالسُنَّةِ السبب الوحيد لمنع الكتابة، بل هناك أسباب أخرى قد ذكرتها فيما سبق، ثم إن أنسًا - ﵁ - ممن لا يلتبس عليه ذلك، لأنه خدم رسول الله - ﷺ - وعرفه وتلقى عنه عشر سنوات، وعلى هذا نقول: إنه ثبت عن أبي بكر كتابة شيء من السُنَّةِ وكذلك ثبت عن الفاروق مثل ذلك (٢).\n\nوهذا عبد الله بن مسعود - ﵁ - يقول: «مَا كُنَّا نَكْتُبُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [مِنَ الأَحَادِيثِ] (*) إِلاَّ الاسْتِخَارَةَ وَالتَّشَهُّدَ» (٣) فهذا دليل على كتابة الصحابة غير القرآن الكريم في عهده - ﷺ -، وعلى عدم كراهة ابن مسعود للكتابة، وقد روينا خبر الكتاب الذي كان عند ابنه بخط يده (٤).\n\nوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - أنه كان يحض على طلب العلم وكتابته، فقد قال: «مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي عِلْمًا بِدِرْهَمٍ؟»، قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ: يَقُولُ: «يَشْتَرِي صَحِيفَةً بِدِرْهَمٍ يَكْتُبُ فِيهَا العِلْمَ» (٥)، وخبر صحيفة عَلِيِّ - ﵁ - مشهور، وقد كانت معلقة في سيفه، فيها أسنان الإبل وشيء من الجراحات (٦) ...\n\nوَهَذَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - ﵄ - يَقُولُ لِبَنِيهِ وَبَنِي أَخِيهِ «تَعَلَّمُوا تَعَلَّمُوا، فَإِنَّكُمْ صِغَارُ قَوْمٍ اليَوْمَ، وَتَكُونُونَ كِبَارَهُمْ غَدًا، فَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنْكُمْ\n_________\n(١) انظر \" تقييد العلم \": ص ٨٧، وفي \" مسند الإمام أحمد \" أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، كَتَبَ لَهُمْ: «إِنَّ هَذِهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ التِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّه» انظر: ص ١٨٣ جـ ١.\n(٢) انظر \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٦١ جـ ١، و\" الكفاية \": ص ٣٣٦.\n(٣) \" مصنف ابن أبي شيبة \": ص ١١٥: ب، جـ ١.\n(٤) انظر \" جامع بيان العلم \": ص ٧٢ جـ ١.\n(٥) \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٣: ب، و\" تقييد العلم \": ص ٩٠.\n(٦) انظر \" مسند الإمام أحمد \": ص ٤٥ و١٢٢ جـ ٢ وغيرها، و\" تقييد العلم \": ص ٨٨ - ٩٩، و\" جامع بيان العلم \": ص ٧١ جـ ١، و\" فتح الباري \": ص ٨٣ جـ ٧.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) [مِنَ الأَحَادِيثِ] أثبتها من المطبوع من الكتاب، انظر \" مصنف ابن أبي شيبة \" تحقيق الشيخ محمد عوامة: (٣) كِتَابُ الصَّلاَةِ (٦٩) بَابُ مَنْ كَانَ يُعَلِّمُ التَّشَهُّدَ وَيَأْمُرُ بِتَعْلِيمِهِ، حديث رقم ٣٠٢٣، ٢/ ٤٤، الطبعة الأولى: ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م، نشر دار القبلة للثقافة الإسلامية. جدة - المملكة العربية السعودية. ومؤسسة علوم القرآن. دمشق - سوريا.","vol":"1","page":317},{"text":"فَلْيَكْتُبْ» (١)، وفي رواية: «فَلْيَكْتُبْهُ وَلْيَضَعْهُ فِي بَيْتِهِ» (٢).\n\nوهذه أم المؤمنين عائشة - ﵂ - تقول لابن أختها عروة بن الزبير: «يَا بُنَيَّ [إِنَّهُ] يَبْلُغُنِي أَنَّكَ تَكْتُبُ عَنِّي الحَدِيثَ ثُمَّ تَعُودُ فَتَكْتُبُهُ»، [فَقُلْتُ] لَهَا: «أَسْمَعُهُ مِنْكِ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْمَعُهُ عَلَى غَيْرِهِ». فَقَالَتْ: «هَلْ تَسْمَعُ فِي المَعْنَى خِلاَفًا؟»، قُلْتُ: «لاَ»، قَالَتْ: «لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ» (٣)، فلو كرهت عائشة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا - الكتابة لمنعته ونهته، ولكنه لم يحدث شيء من هذا، بل لم تر بأسًا بعمله.\n\nوهذا أبو هريرة - ﵁ - يسمح لبَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ أن يكتب عنه، ويجيزه بالرواية عنه (٤)، وفي رواية يقول بشير: أَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِكِتَابِي الذِي كَتَبْتُهُ عَنْهُ فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: «هَذَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ؟» قَالَ: «نَعَمْ» (٥)، وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ أَنَّهُ رَأَى كُتُبًا كَثِيرَةً عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَة (٦).\n\nوَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -» فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ، وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ» (٧).\n_________\n(١) \" الكفاية \": ص ٢٢٩.\n(٢) \" تقييد العلم \": ص ٩١.\n(٣) \" الكفاية \": ص ٢٠٥.\n(٤) انظر \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٣: ب و\" المحدث الفاصل \": ص ١٢٨.\n(٥) \" طبقات ابن سعد \": ص ١٦٢ جـ ٧ و\" جامع بيان العلم \": ص ٧٢ جـ ١، و\" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٣ و\" الكفاية \": ص ٢٥٥ و٢٨٣.\n(٦) انظر \" جامع بيان العلم \": ص ٧٤ جـ ١، و\" فتح الباري \": ص ٢١٧ جـ ١ كما أنه أملى بعض أحاديثه على همام بن منبه وسنتعرض لذلك.\n(٧) \" معرفة علوم الحديث \": ص ١٠٠ واختصر الحاكم الخبر وتجد تفصيل ما كتبه المغيرة إلى معاوية في حديث شامل للبخاري في \" صحيحه \". انظر \" فتح الباري \": ص ٩٥ جـ ٩ طبعة مصر، بولاق سَنَةَ ١٣١٢ هـ.","vol":"1","page":318},{"text":"وكتب زياد بن أبي سفيان إلى السيدة عائشة - ﵂ - يسألها عن الحاج الذي يرسل هديه، وهل يحرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر، كما أفتى ابن عباس؟ فأجابته عن هدي رسول الله - ﷺ -، وقالت: «فَلَمْ يَحْرُمْ [عَلَى] رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ» (١).\n\nوَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُ أَبَا رَافِعٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَمَعَهُ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ (٢)، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ كَانَتْ مَعَهُ أَلْوَاحٌ يَكْتُبُ فِيهَا» (٣)، وكان ابن عباس يحض على التعلم والكتابة ويقول: «قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ، مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي عِلْمًا بِدِرْهَمٍ» (٤)، وكان يقول أحيانًا: «إِنَّا لاَ نَكْتُبُ فِي الصُّحُفِ إِلاَّ الرَّسَائِلَ وَالقُرْآنَ» (٥). إلا أننا نرى ابن عباس بنفسه يكتب غير الرسائل، فيملي التفسير على مجاهد بن [جبر]، ويقول له: «اكْتُبْ» (٦)، ويكتب إليه الحجاج أمير العراق يستفتيه في رجل أكره أخته، فيكتب إليه بحديث عن رسول الله - ﷺ - (٧).\n\nوسبق لي أن ذكرت كتابة عبد الله بن عمرو بن العاص، وسنتكلم عن صحيفته بعد قليل.\n_________\n(١) \" الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة \": ص ٩٥، ٩٦، وقد قال الإمام الزهري: «أَوَّلُ مَنْ كَشَفَ الغُمَّى عَنْ النَّاسِ وَبَيَّنَ لَهُمْ السُنَّةَ فِي ذَلِكَ عَائِشَةُ ...».\n(٢) انظر ترجمة عبد الله بن عباس في \" الإصابة \".\n(٣) انظر \" تقييد العلم \": ص ٩١، ٩٢ و١٠٩.\n(٤) \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٣، و\" جامع بيان العلم \": ص ٧٢ جـ ١، و\" تقييد العلم \": ص ٩٢.\n(٥) \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٨٧.\n(٦) انظر \" تفسير الطبري \" بتحقيق أحمد محمد شاكر: ص ٣١ جـ ١.\n(٧) انظر \" البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث \": ص ٢١٤، ٢١٥ جـ ٢، وقد ذكر هذا في سبب ورود حديث «مَنْ تَخَطَّى الحُرْمَتَيْنِ فَخُطُّوا وَسَطَهُ بِالسَّيْفِ» وهنا حرمة الزنا وحرمة الأخوة. وكان ابن عباس يفتي كتابة أَيْضًا، انظر فتواه لنجدة بن عامر في \" مسند الإمام أحمد \": ص ٥٦ جـ ٤.","vol":"1","page":319},{"text":"وهذا أبو سعيد الخدري الصحابي الجليل الذي روى عن رسول الله - ﷺ - حديث «... وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ» يقول: «كُنَّا لاَ نَكْتُبُ إِلاَّ القُرْآنَ وَالتَّشَهُّدَ» (١).\n\nوكان البراء بن عازب صاحب رسول الله - ﷺ - يُحَدِّثُ وَيُكْتِبُ مَنْ حَوْلَهُ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ [بْنِ حَنَشٍ] (*) قَالَ: «رَأَيْتُهُمْ عِنْدَ البَرَاءِ يَكْتُبُونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ بِالقَصَبِ» (٢).\n\nوهذا وَرَّادُ كاتب المغيرة بن شعبة يكتب ين يدي المغيرة (٣).\n\nوَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَانَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ غُدْوَةً حَتَّى يَنْظُرَ [فِي] كُتُبِهِ (٤).\n\nوهذا أنس - ﵁ - خادم رسول الله - ﷺ - وملازمه في بيته ليلًا ونهارًا عشر سنوات، كان يقول لبنيه: «يَا بَنِيَّ قيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ» (٥)، وَكَانَ يُمْلِي الحَدِيثَ (٦) حَتَّى إِذَا مَا كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ جَاءَ بِمَجَالَّ (٧) مِنْ كُتُبٍ، فَأَلْقَاهَا ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ أَحَادِيثُ سَمِعْتُهَا وَكَتَبْتُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ» (٨).\n_________\n(١) \" تقييد العلم \": ص ٩٣.\n(٢) \" جامع بيان العلم \": ص ٨١ جـ ١، وانظر كتاب \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٣: ب و\" تقييد العلم \": ص ١٠٥.\n(٣) انظر كتاب \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٨٧.\n(٤) انظر \" الآداب الشرعية \": ص ١٢٥ جـ ٢.\n(٥) انظر كتاب \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٢ و\" تقييد العلم \": ص ٩٦ ونحوه في ص ٩٧، وانظر \" صحيح مسلم بشرح النووي \": ص ٢٤٤ جـ ١ «حَيْثُ أَعْجَبَهُ حَدِيثٌ فَأَمَرَ ابْنَهُ بِكِتَابَتِهِ».\n(٦) انظر \" تاريخ بغداد \": ص ٢٥٩ جـ ٨.\n(٧) مجال جمع مجلة والمجلة صحيفة يكتب فيها. أي ألقى إليهم صحفًا. انظر \" لسان العرب \" مادة (جلل): ص ١٢٧ جـ ١٣.\n(٨) \" تقييد العلم \": ص ٩٥، ٩٦.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) هو عبد الله بن حنش الأودي وليس عبد الله بن خنيس كما ورد في المطبوع.\nانظر \" جامع بيان العلم وفضله \" لابن عبد البر، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، ١/ ٣١٦، حديث رقم ٤٠٨ الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م، نشر دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع. الرياض - المملكة العربية السعودية.\nوانظر كذلك: \" تقييد العلم \" للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور يوسف العش، ص ١٠٤، طبعة سنة ١٩٧٤ م، نشر إحياء السنة النبوية. بيروت - لبنان.\nوانظر \" المؤتَلِف والمختَلِف \" للدارقطني، تحقيق موفق بن عبد الله بن عبد القادر: ٢/ ٧٠١، الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، نشر دار الغرب الإسلامي. بيروت - لبنان.","vol":"1","page":320},{"text":"تلك أخبار متعاضدة، تثبت أن الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - قد أباحوا الكتابة، وكتبوا الحديث لأنفسهم، وكتب طلابهم بين أيديهم، وأصبحوا يتواصون بكتابة الحديث وحفظه، كما ثبت ذلك عن عَلِيٍّ - ﵁ -، وعن ابن عباس، وعن الحسن، وأنس بن مالك - ﵃ -، بعد أن كرهها بعض الصحابة عندما كانت أسباب المنع قائمة.\n\nويتجلى لنا رجوع بعض من كره الكتابة عن رأيه مما رويناه عن ابن مسعود وعن أبي سعيد الخدري، إذ بعد أن كانوا يكرهون أن يكتبوا في الصحف غير القرآن كتبوا الاستخارة والتشهد، وفي هذا دليل واضح أن النهي عن كتب ما سوى القرآن إنما كان مخافة أن يضاهي بكتاب الله تعالى غيره، وأن يُشتغل عن القرآن بسواه، ويقول الخطيب البغدادي: «فَلَمَّا أُمِنَ ذَلِكَ، وَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى كَتْبِ العِلْمِ لَمْ يُكْرَهْ كَتْبُهُ كَمَا لَمْ تَكْرَهِ الصَّحَابَةُ كَتْبَ التَّشَهُّدِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَبَيْنَ (١) غَيْرِهِ مِنَ العُلُومِ فِي أَنَّ الجَمِيعَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَلَنْ يَكُونَ كَتْبُ الصَّحَابَةِ مَا كَتَبُوهُ مِنَ العِلْمِ وَأَمَرُوا بِكَتْبِهِ إِلاَّ احْتِيَاطًا كَمَا كَانَ [كَرَاهَتُهُمْ] لِكَتْبِهِ احْتِيَاطًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (٢).\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>ثَالِثًا - التَّدْوِينُ فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ:</span>\nلقد تلقى التابعون علومهم على يدي الصحابة، وخالطوهم وعرفوا كل شيء عنهم، وحملوا الكثير الطيب من حديث رسول الله - ﷺ - عن طريقهم، وعرفوا متى كره هؤلاء كتابة الحديث ومتى أباحوه، فقد تأسوا بهم\n_________\n(١) كان ينبغي أن لا يكرر (بَيْنَ).\n(٢) \" تقييد العلم \": ص ٩٤.","vol":"1","page":321},{"text":"وهم الرعيل الأول الذين حفظوا القرآن والسنة، فمن الطبيعي أن تتفق آراء التابعين وآراء الصحابة حول حكم التدوين، فإن الأسباب التي حملت الخلفاء الراشدين والصحابة على الكراهة هي نفسها التي حملت التابعين عليها، فيقف الجميع موقفًا واحدًا، ويكرهون الكتابة ما دامت أسباب الكراهة قائمة، ويجمعون على الكتابة وجوازها عند زوال تلك الأسباب، بل إن أكثرهم يحض على التدوين ويشجع عليه. ولن نستغرب أن نرى خبرين عن تابعي أحدها يمنع الكتابة والآخر يبيحها، ولن نعجب من كثرة الأخبار التي تدل على الكراهة في مختلف أجيال التابعين - كبارهم وأوسطهم وصغارهم - والأخبار التي تدل على الإباحة - ما دمنا نوجه كل مجموعة من هذه الأخبار وجهة تلائم الأسباب التي أدت إليها، ونرى أن سبيل الصحابة المتأخرين وكبار التابعين إباحة تقييد الحديث، بشروط تمتنع معها كراهته المأثورة عندهم عن النبي وكبار الصحابة (١)، فقد امتنع عن الكتابة من كبار التابعين عَبِيدَةُ بن عمرو السلماني المرادي (- ٧٢ هـ)، وإبراهيم بن يزيد التميمي (- ٩٢ هـ)، وجابر بن زيد (- ٩٣ هـ) وإبراهيم النخعي (- ٩٦ هـ)، ولم يرض عبيدة أن يكتب عنده أحد، ولا يقرأ عليه أحد (٢)، وقد نصح إبراهيم فقال له: «لاَ تُخَلِّدَنَّ عَنِّي كِتَابًا» (٣)، وقبل وفاته دعا بكتبه فأحرقها وقال: «أَخْشَى أَنْ يَلِيَهَا قَوْمٌ يَضَعُونَهَا غَيْرَ مَوَاضِعِهَا» (٤)، وكره إبراهيم النخعي أن تكتب\n_________\n(١) انظر \" تقييد العلم \": انظر تصدير أستاذنا الدكتور يوسف العش: ص ١٩ ومقالته في مجلة \" الثقافة \" المصرية: العدد (٣٥٢) السنة السابعة، الصفحة (٨).\n(٢) \" جامع بيان العلم \": ص ٦٧ جـ ١، و\" تقييد العلم \": ص ٤٥، ٤٦، وانظر كتاب \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٣: ب.\n(٣) \" جامع بيان العلم \": ص ٦٧ جـ ١، و\" تقييد العلم \": ص ٤٥، ٤٦، وانظر كتاب \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٣: ب.\n(٤) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٧ جـ ١، ونحوه في \" سنن الدارمي \": ص ١٢١ جـ ١ وفي \" طبقات ابن سعد \": ص ٢ جـ ٦.","vol":"1","page":322},{"text":"الأحاديث في الكراريس، وتشبه بالمصاحف (١)، وكان يقول: «مَا كَتَبْتُ شَيْئًا قَطُّ» (٢)، حتى إنه منع حماد بن سليمان من كتابة أطراف الأحاديث (٣)، ثم تساهل في كتابتها، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: «رَأَيْتُ حَمَّادًا يَكْتُبُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ \" أَلَمْ أَنْهَكَ؟ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَطْرَافٌ \"» (٤).\n\nونسمع عَامِرًا الشَّعْبِيَّ (١٧ - ١٠٣ هـ) يردد عبارته المشهورة: «مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ، وَلاَ سَمِعْتُ مِنْ رَجُلٍ حَدِيثًا فَأَرَدْتُ أَنْ يُعِيدَهُ عَلَيَّ» (٥).\n\nوقد ازدادت كراهة التابعين للكتابة عندما اشتهرت آراؤهم الشخصية فخافوا أن يُدَوِّنَهَا طلابهم مع الحديث، وتحمل عنهم، فيدخله الالتباس.\n\nويمكننا أن نستنبط أن من كره الكتابة وأصر، إنما كره أن يدون رأيه، وفي هذا يقول الدكتور يوسف العش: «وَأَمَّا مَنْ وَرَدَ عَنْهُمْ\n_________\n(١) انظر \" سنن الدارمي \": ص ١٢١ جـ ١، و\" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٧ جـ ١، و\" تقييد العلم \": ص ٤٨.\n(٢) \" تقييد العلم \": ص ٦٠، وكان يقول: «لاَ تَكْتُبُوا فَتَتَّكِلُوا». وانظر \" جامع بيان العلم \": ص ٦٨ جـ ١.\n(٣) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ١٩٠ جـ ١.\n(٤) \" سنن الدارمي \": ص ١٢٠ جـ ١، ونحوه في كتاب \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٤. قال أستاذنا الدكتور يوسف العش: «وَلَقَدْ تَشَدَّدَ بَعْضُهُمْ فَأَرَادَ أَلاَّ يَكُونَ سَبِيلٌ لِلْشُّبَهِ أَبَدًا فَأَحَلَّ كِتَابَةَ العِلْمِ فِي الأَطْرَافِ - أَيْ عَلَى أَطْرَافِ العِظَامِ فَقَطْ - كَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ، فَهِيَ صَعْبَةَ الحِفْظِ، وَالمُضَاهَاةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الكَرَارِيسِ بَعِيدَةٌ». اهـ. انظر: الصفحة (٧) من مجلة \" الثقافة \"المصرية عدد ٣٥٢ السنة السابعة. أقول: ليس المراد من الأطراف (أطراف العظام) بل أطراف الأحاديث. وهي أن يكتب المصنف طرف الحديث بحيث يعرف بقيته مع الجمع لأسانيده، ويوضح ما ذهبنا إليه رواية زهير بن حرب وفيها قول إبراهيم: «لاَ بَأْسَ بِكِتَابِ الأَطْرَافِ». انظر كتاب \" العلم \": ص ١٩٤. وكتب الأطراف كثيرة عقد لها صاحب \" الرسالة المستطرفة \" بحثًا في رسالته (صفحة ١٢٥ - ١٢٧) وكتاب \" ذخائر المواريث \" لعبد الغني النابلسي (*) هو أحد كتب الأطراف المشهورة.\n(٥) \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٨٧: ب، و\" جامع بيان العلم \": ص ٦٧ جـ ١\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) [هو الشيخ عبد الغني النابلسي، الحنفي، الدمشقي، المُتَوَفَّى سَنَة ١١٤٣ هـ، وكتابه \" ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث \"، طبع على نفقة «جمعية النشر والتأليف الأزهرية بمصر»، الطبعة الأولى: سَنَة ١٣٥٢ هـ - ١٩٣٤ م، ونشرته دار الحديث بالقاهرة، ٤ أجزاء في مجلدين. جمع فيه أطراف \" الكتب الستة \" و\" الموطأ \"، على طريقة ترتيب \" تحفة الأشراف \" لِلْمِزِّي، وكأنه مختصر منه، لكنه امتاز بالتفنن في التصنيف حيث لاحظ التنوع في تراجم أسماء الصحابة، فقسم الكتاب بحسب ذلك إلى سبعة أبواب]. كما صدر في ٣ مجلدات عن دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان، الطبعة الأولى: ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م. وكنت قد بدأت في إعداده للمكتبة الشاملة.","vol":"1","page":323},{"text":"الاِمْتِنَاعَ عَنْ الإِكْتَابِ مِنْ هَذَا الجِيلِ، فَيُؤَوَّلُ اِمْتِنَاعُهُمْ بِمَا لاَ يُخَالِفُ مَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، فَهُمْ جَمِيعًا فُقَهَاءُ (١) وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ مُحَدِّثٌ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَالفَقِيهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الحَدِيثِ وَالرَّأْيِ، فَيَخَافُ تَقْيِيدَ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ إِلَى جَانِبِ أَحَادِيثِ الرَّسُولِ - ﷺ -» (٢)، ويوضح هذا بأمثلة تثبت ما ذهب إليه، فيقول: «إننا نجد في الواقع أخبارًا تَرْوِي كراهتهم لكتابة الرأي، كاعتذار زيد بن ثابت عن أن يكتب عنه كُتَّابُ مروان ... وجاء رجل إلى سيعد بن المسيب - وهو من الفقهاء الذي رُوِيَ عنهم امتناعهم عَنْ الإِكْتَابِ - فسأله عن شيء فأملاه عليه، ثم سأله عن رأيه فأجابه، فكتب الرجل، فقال رجل من جلساء سعيد: «أَيُكْتَبُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ رَأْيُكَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ لِلْرَّجُلِ: \" نَاوِلْنِيهَا \"، فَنَاوَلَهُ الصَّحِيفَةَ فَخَرَقَهَا» (٣)، وَقِيلَ لِجَابِرٍ بْنَ زَيْدٍ: إِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ رَأْيَكَ، قَالَ: «تَكْتُبُونَ مَا عَسَى أَرْجِعَ عَنْهُ غَدًا؟» (٤).\n\nوكل هذه الأقوال رويت من علماء، حَدَّثَ المؤرخون عنهم أنهم كرهوا إكتاب الناس، وهي تدل دلالة صريحة على أن الكراهة ليست في كتابة العلم أي الحديث، [بل] في كتابة الرأي، وأن [الأخبار] التي وردت في النهي دون تخصيص إنما قصد بها الرأي خاصة. ويشابه هذا الأمر ما حدث في أمر كراهة الرسول والصحابة الأولين: من التباس الحديث بالقرآن، أو الانكباب عليه.\n_________\n(١) ذكر أستاذنا هنا أسماء بعض من ذكرتهم قبل وأضاف «سعيد بن المسيب (- ٩٤ هـ). وطاوس (- ١٠٦ هـ) والقاسم (- ١٠٧ هـ) وغيرهم». انتهى ما لم نذكره في النص.\n(٢) \" تقييد العلم \": التصدير: ص ٢٠.\n(٣) راجع الخبر في \" جامع بيان العلم \": ص ١٤٤ جـ ٢.\n(٤) انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٣١ جـ ٢.","vol":"1","page":324},{"text":"دونه، فما كانوا يخشونه من الحديث، أصبح خشية التابعين الأولين من الرأي والتباسه بالحديث» (١).\n\nويقوي هذا الرأي عندنا ما ورد عن هؤلاء التابعين من أخبار يحثون فيها على الكتابة ويسمحون لطلابهم أن يكتبوا عنهم، وقد نشطت الكتابة عندما فرق طلاب العلم بين النهي عن كتابة الرأي والنهي عن كتاب الرأي مع الحديث، ونرى التابعين ينكبون على الكتابة في حلقات الصحابة، بل إن بعضهم كان يحرص على الكتابة حرصًا شديدًا، فهذا سعيد بن جبير (- ٩٥ هـ) كان يكتب عن ابن عباس، فإذا امتلأت صحفه كتب في نعله حتى يملأها (٢)، وعنه قال: «كُنْتُ أَسِيرُ بَيْنَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَكُنْتُ أَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنْهُمَا، فَأكْتُبُهُ عَلَى وَاسِطَةِ الرَّحْلِ حَتَّى أَنْزِلَ فَأَكْتُبَهُ» (٣)، ورخص سعيد بن المسيب (- ٩٤ هـ) لعبد الرحمن بن حرملة بالكتابة حينما شكا إليه سوء حفظه (٤)، ونرى عامرًا الشعبي بعد أن كان يقول: «مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ ...» يُرَدِّدُ قَوْلَهُ: «الكِتَابُ قَيْدُ العِلْمِ» (٥)، وكان يحض على الكتابة ويقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ مِنِّي، شَيْئًا فَاكْتُبُوهُ وَلَوْ فِي حَائِطٍ» (٦)، ومع هذا فقد روى أنه\n_________\n(١) مجلة \" الثقافة \" المصرية: الصفحة ٨، ٩ من العدد ٣٥٢ في السنة السابعة.\n(٢) انظر \" تقييد العلم \": ص ١٠٢، وانظر \" المحدث الفاصل \": نسخة دمشق ٤: ب قوله: «كَتَبْتُ فِي ظُهُورِهِمَا حَتَّى تَمْتَلِئَا».\n(٣) \" تقييد العلم \": ص ١٠٣، ونحوه في \" جامع بيان العلم \": ص ٧٧ جـ ١، وقارن بـ \" طبقات ابن سعد \": ص ١٧٩، ١٨٠ جـ ٦.\n(٤) انظر \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ٤: ب، و\" جامع بيان العلم \": ص ٧٣ جـ ١، و\" تقييد العلم \": ص ٩٩.\n(٥) \" تقييد العلم \": ص ٩٩، و\" جامع بيان العلم \": ص ٧٥ جـ ١.\n(٦) المرجع السابق: ص ١٠٠، وانظر نحوه في \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ٤: ب، جـ ٤، و\" العلم \" لزهير: ص ١٩٣: ب.","vol":"1","page":325},{"text":"لم يوجد له بعد موته إلا كتاب بالفرائض والجراحات (١)، وإذا كانت كتبه التي تركها قليلة ولا تدل على نشاطه العلمي، فإننا نعزو هذا إلى قوة حافظته، لأنه كان يعتمد على الحفظ أكثر من اعتماده على الكتابة، وهذا لا ينافي قط إملاءه لطلابه وحثهم على الكتابة. ويقول الضحاك بن مزاحم (- ١٠٥ هـ): «إِذَا سَمِعْتَ شَيْئًا، فَاكْتُبْهُ وَلَوْ فِي حَائِطٍ» كما أنه أملى على حسين بن عقيل مناسك الحج (٢).\n\nوانتشرت الكتب حتى قال الحسن البصري (- ١١٠ هـ): «إِنَّ لَنَا كُتُبًا نَتَعَاهَدُهَا» (٣). وكان عمر بن عبد العزيز (٦١ - ١٠١ هـ) يكتب الحديث، روي عن أبي قلابة قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ، وَمَعَهُ قِرْطَاسٌ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا لِصَلاَةِ العَصْرِ وَهُوَ مَعَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الكِتَابُ؟ قَالَ: \" هَذَا حَدِيثٌ حَدَّثَنِي بِهِ عَوْنُ بْنُ عبْدِ اللَّهِ، فَأَعْجَبَنِي فَكَتَبْتُهُ \" ...» (٤). وهذا يدل على أن الكتابة قد شاعت بين مختلف الطبقات ولم يعد أحد ينكرها في أواخر القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني. وقد كثرت الصحف والكتب في ذلك الوقت حتى لنرى مجاهد بن جبر (- ١٠٣ هـ) يسمح لبعض أصحابه أن يصعدوا إلى غرفته فيخرج لهم كتبه فينسخون منها (٥).\n_________\n(١) انظر \" تاريخ بغداد \": ص ٢٣٢ جـ ١١.\n(٢) انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٢ جـ ١.\n(٣) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٤ جـ ١، و\" العلم \" لزهير: ص ١٨٩: ب.\n(٤) \" سنن الدارمي \": ص ١٣٠ جـ ١، وسمع من يزيد الرقاشي أحاديث عن أنس فكتبها وفرض له في الديوان، انظر \" المحدث الفاصل: ص ٣: ب، جـ ٤ وسنتحدث عن خدمة عمر بن عبد العزيز لِلْسُنَّةِ وأمره بكتابتها بعد قليل.\n(٥) انظر \" سنن الدارمي \": ص ١٢٨ جـ ١، و\" تقييد العلم \": ص ١٠٥ ونرى في \" سنن الدارمي \": ص ١٢١ جـ ١ أنه كان يكره أن يكتب العلم في الكراريس، فتحمل الكراهة على أن يضاهي بهذه القرآن أو أن تؤول الكراريس إلى غير أهلها.","vol":"1","page":326},{"text":"ويطلب هشام بن عبد الملك من عامله أن يسأل رجاء بن حيوة (- ١١٢ هـ) عن حديث، فيقول رجاء: «... فَكُنْتُ قَدْ نَسِيتُهُ، لَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدِي مَكْتُوبًا» (١).\n\nوكان عطاء بن أبي رباح (- ١١٤ هـ) يكتب لنفسه، ويأمر ابنه أحيانًا أن يكتب له (٢) وكان طلابه يكتبون بين يديه (٣)، وقد بالغ في حض طلابه على التعلم والكتابة، فَعَنْ [عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ] الهَمْدَانِيُّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَنَحْنُ غِلْمَانُ فَقَالَ: «يَا غِلْمَانُ، تَعَالَوُا اكْتُبُوا، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لاَ يُحْسِنُ كَتَبْنَا لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قِرْطَاسٌ أَعْطَيْنَاهُ مِنْ عِنْدِنَا!!» (٤).\n\nونشطت الحركة العلمية وازدادت معها الكتابة والقراءة على العلماء، ويدل على هذا ما روي عَنْ الوَلِيدِ بْنُ أَبِي السَّائِبِ، قَالَ: «رَأَيْتُ مَكْحُولًا، وَنَافِعًا، وَعَطَاءً تُقْرَأُ عَلَيْهِمُ الأَحَادِيثُ» (٥)، وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: «رَأَيْتُ مَنْ يَقْرَأُ عَلَى الأَعْرَجِ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزْ (- ١١٧ هـ)، حَدِيثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَيَقُولُ: هَذَا حَدِيثُكَ يَا أَبَا دَاوُدَ؟ قَالَ: نَعَمْ ...» (٦). وها هو ذا نافع مولى ابن عمر (- ١١٧ هـ) يملي العلم على طلابه، وطلابه يكتبون بين يديه (٧). ويصور لنا قتادة بن دعامة السدوسي (- ١١٨ هـ) بإجابته لمن يسأله عن كتابة الحديث - موقف هذا الجيل من التابعين من الكتابة، بعد أن فشت فيهم وانتشرت وأصبحت من ضروريات\n_________\n(١) \" سنن الدارمي \": ص ١٢٩ جـ ١، و\" تقييد العلم \": ص ١٠٨.\n(٢) انظر \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ٣: ب جـ ٤.\n(٣) انظر \" سنن الدارمي \": ص ١٢٩ جـ ١.\n(٤) \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ٣: ب جـ ٤.\n(٥) \" الكفاية في علم الرواية \": ص ٢٦٤.\n(٦) \" طبقات ابن سعد \": ص ٢٠٥ جـ ٥.\n(٧) انظر \" سنن الدارمي \": ص ١٢٦ و١٢٩، جـ ١.","vol":"1","page":327},{"text":"كل طالب علم، فيقول: «وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَكْتُبَ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أَنَّهُ يَكْتُبُ، ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى﴾؟» (١).\n\nوكثرت الصحف المدونة، حتى إن خالدًا الكلاعي (- ١٠٤ هـ) جعل علمه في مصحف له أزرار وعرا (٢).\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>رَابِعًا - خِدْمَةُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ لِلْسُنَّةِ:</span>\nعاش عمر بن عبد العزيز في جو علمي، فلم يكن بعيدًا - وهو أمير الأمة - عن العلماء، ورأيناه يكتب بنفسه بعض الأحاديث، ويشجع العلماء، وقد رأى أن يحفظ حديث الرسول - ﷺ - ويجمعه، وربما دعاه إلى هذا نشاط التابعين آنذاك وإباحتهم الكتابة حين زالت أسباب الكراهة، لأننا لا نعقل أن يأمر بجمع السنة وتدوينها والعلماء كارهون لهذا، ولو كرهوا كتابتها ما استجابوا لدعوته، ومما لا شك فيه أن خشيته من ضياع الحديث دفعته إلى العمل لحفظه.\n\nويمكننا أن نضم إلى ما ذكرنا سببًا آخر كان له أثر بعيد في نفوس العلماء حَمَلَهُمْ على تنقيح السُنَّةِ وحفظها، وهو ظهور الوضع بسبب الخلافات السياسية والمذهبية، ويؤكد لنا هذا ما يرويه [ابْنُ أَخِي] (*) ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ - يَعْنِي ابْنَ شِهَابٍ -، يَقُولُ: «لَوْلاَ أَحَادِيثَ تَأْتِينَا مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ نُنْكِرُهَا لاَ نَعْرِفُهَا،\n_________\n(١) \" تقييد العلم \": ص ١٠٣، والآية ٥٢ من سورة طه، وانظر \" طبقات ابن سعد: ص ٢ قسم ٢ جـ ٧، وما روي عنه في \" سنن الدارمي مِنْ كَرَاهِيَةٍ يُحْمَلُ على الوجه الذي بيناه آنفًا، انظر \" سنن الدارمي: ص ١٢٠ جـ ١.\n(٢) انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٨٧ جـ ١.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) ورد في الكتاب المطبوع (ما يرويه أخو ابن شهاب الزهري) والصواب (عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ)، انظر \" تقييد العلم \" للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور يوسف العش، ص ١٠٧، طبعة سنة ١٩٧٤ م، نشر إحياء السنة النبوية. بيروت - لبنان.","vol":"1","page":328},{"text":"مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا، وَلاَ أَذِنْتُ فِي كِتَابِهِ» (١) ورأي الزهري هذا رأي أكثر علماء ذلك العصر، فإن حرصهم على حديث رسول الله - ﷺ - من أن يدرس لا يقل عن حرصهم على سلامته من الكذب والوضع، فكان هذان العاملان من أقوى العوامل التي حفزت همم العلماء إلى خدمة السنة وكتابتها، عندما تبنت الحكومة جمعها رسميًا على يدي الخليفة الورع عمر بن عبد العزيز، الذي اتخذ خطوة حازمة فكتب إلى الآفاق: «انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاجْمَعُوهُ» (٢).\n\nوكان فيما كتب إلى أهل المدينة: «انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكُتُبُوهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ، وَذَهَابَ أَهْلِهِ» (٣). وكان في كتابه إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (- ١١٧ هـ) عامله على المدينة أن «اكْتُبْ إِلَيَّ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَكَ مِنَ الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبِحَدِيثِ عَمْرَةَ، فَإِنِّي قَدْ خَشِيتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَهُ» (٤). وفي رواية: «أَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ العِلْمَ مِنْ عِنْدِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (- ٩٨ هـ)، وَالقَاسِمِ بْنَ مُحَمَّدٍ (- ١٠٧ هـ)، فَكَتَبَهُ لَهُ» (٥) وفي رواية: «فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهابَ العُلَمَاءِ، وَلاَ [يُقْبَلُ] إِلاَّ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ، ولْيُفْشُوا العِلْمَ\n_________\n(١) \" تقييد العلم \": ص ١٠٨.\n(٢) \" فتح الباري \": ص ٢٠٤ جـ ١، ورواه أبو نعيم في \" تاريخ أصبهان \".\n(٣) \" سنن الدارمي \": ص ١٢٦ جـ ١، وقارن بـ \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ٤: آجـ ٤ وقارن بكتاب \" الأموال \": ص ٣٥٨، ٣٥٩.\n(٤) \" سنن الدارمي \": ص ١٢٦ جـ ١، وقارن بـ \" طبقات ابن سعد \": ص ١٣٤ قسم ٢ جـ ٢ وبـ \" الأموال \" لابن سلام: ص ٥٧٨ وبـ \" التاريخ الصغير \" للبخاري: ص ١٠٥ و\" تقييد العلم \": ص ١٠٥.\n(٥) \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ٢١، والمراد أن يكتب له حديث عَمْرَةَ، لأنها توفيت قبل سَنَةِ (٩٩ هـ)، السَنَةُ التي تولى فيها عمر بن عبد العزيز الخلافة، وواضح هذا في الخبر الذي قبله.","vol":"1","page":329},{"text":"وَلْيَجْلِسُوا حَتَّى يُعلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ فَإِنَّ العَلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا». (١).\n\nكما أمر ابن شهاب الزهري (- ١٢٤ هـ) وغيره بجمع السنن (٢)، وربما لم يكتف عمر بن عبد العزيز بأمر من أمرهم بجمع الحديث، فأرسل كُتُبًا إلى الآفاق يحث المسؤولين فيها على تشجيع أهل العلم على دراسة السُنَّةِ وإحيائها، ومن هذا ما يرويه عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ يَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ فَأْمُرُوا أَهْلَ العِلْمِ أَنْ يَنْشُرُوا العِلْمَ فِي مَسَاجِدِهِمْ، فَإِنَّ السُّنَّةَ كَانَتْ قَدْ أُمِيتَتْ» (٣). كَمَا كَتَبَ «أَنَّهُ لاَ رَأْيَ لأَحَدٍ فِي [كِتَابِ اللَّهِ] (*)، وَإِنَّمَا رَأْيُ الأَئِمَّةِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ كِتَابٌ، وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلاَ رَأْيَ لأَحَدٍ فِي سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» (٤)، بل هناك أخبار تثبت أن عمر بن عبد العزيز قد شارك العلماء في مناقشة بعض ما جمعوه، من ذلك ما رواه أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي قال: «رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ جَمَعَ الفُقَهَاءَ، فَجَمَعُوا لَهُ أَشْيَاءَ مِنَ السًّنَنِ، فَإِذَا جَاءَ الشَّيْءُ الذِي لَيْسَ العَمَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: \" هَذِهِ زِيَادَةٌ لَيْسَ العَمَلُ عَلَيْهَا \"» (٥).\n\nلقد بذل عمر بن عبد العزيز جهده في المحافظة على السُنَّةِ - مع قصر\n_________\n(١) \" فتح الباري \": ص ٢٠٤ جـ ١.\n(٢) انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٦ جـ ١.\n(٣) \" المحدث الفاصل \": ص ١٥٣.\n(٤) \" سنن الدارمي \": ص ١١٤ جـ ١، وانظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٣٤ جـ ٢.\n(٥) \" قبول الأخبار \": ص ٣٠، وتوفي أبو الزناد سَنَةَ (١٣١ هـ)، ومن ذلك أَيْضًا (مَا رُوِيَ عن يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَضَرْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، دَخَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، فَأَجْلَسَ قَوْمًا يَكْتُبُونَ مَا يَقُولُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: «صَنَعْنَا شَيْئًا»، قَالَ: وَمَا هُوَ يَا ابْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ: «كَتَبْنَا مَا قُلْتَ»، قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟، قَالَ: فَجِيءَ بِهِ فَخُرِّقَ. \" تقييد العلم \": ص ٤٥). ربما كره الكتابة عنه لأنه ممن يحب الاعتماد على الحفظ كما سنذكر بعد قليل.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) ورد في الكتاب المطبوع (فِي كِتابٍ) والصواب (فِي كِتَابِ اللَّهِ)، انظر \" سنن الدارمي \"، تحقيق سليم أسد الداراني: المُقَدِّمَةُ (٣٩) بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَوْلِ غَيْرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ، حديث رقم ٤٤٦، ١/ ٤٠١، الطبعة الأولى: ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م، نشر دار المغني للنشر والتوزيع. الرياض - المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":330},{"text":"مدة خلافته، فقد طلب من أبي بكر بن حزم جمع الحديث، وأبو بكر هذا من أعلام عصره، قال فيه مالك بن أنس: «مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ بْنَ حَزْمٍ أَعْظَمَ مُرُوءَةً وَلاَ أَتَمَّ حَالًا ... وَلِيَ المَدِينَةَ وَالقَضَاءَ وَالمَوْسِمَ (١)» وعنه قوله: «لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا أَحَدٌ بِالمَدِينَةِ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ القَضَاءِ مَا كَانَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ» (٢). وكان قد طلب منه أن يكتب إليه حديث عمرة بنت عبد الرحمن، وهي خالته، نشأت في حجر عائشة، وكانت من أثبت التابعين في حديث عائشة - ﵂ - (٣).\n\nوأما القاسم بن محمد بن أبي بكر (٣٧ - ١٠٧ هـ) الذي ذكر في بعض الروايات فهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة، وعالم أهل زمانه، تلقى علمه عن عمته عائشة - ﵂ -، وعائشة أم المؤمنين معروفة بعلمها وتعمقها في السُنَّةِ، وهي غنية عن التعريف.\n\nوأما ابن شهاب أحد الذين شاركوا في الجمع والكتابة فهو أحد أعلام ذلك العصر، كان قد كتب السنن وما جاء عن الصحابة أثناء طلبه العلم (٤). وكان ذا مكانة رفيعة، فقد روي عن أبي الزناد أنه قال: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ» (٥).\n\nوإذا كانت المنية قد اخترمت الخليفة الراشد الخامس قبل أن يرى الكتب\n_________\n(١) \" تهذيب التهذيب \": ص ٣٩ جـ ١٢.\n(٢) \" تهذيب التهذيب \": ص ٣٩ جـ ١٢.\n(٣) انظر المرجع السابق: ص ٤٣٨ جـ ١٢، وقال سفيان بن عيينة: «أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ثَلاَثَةٌ: القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزَّبَيْرِ، وَعَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ». انظر \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ٤٥.\n(٤) انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٦ جـ ١، و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: ص ١٥٦: آ.\n(٥) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٣ جـ ١، وانظر ترجمة ابن شهاب في الفصل الثاني من الباب الخامس من هذا الكتاب.","vol":"1","page":331},{"text":"التي جمعها أبو بكر - كما يذكر ذلك بعض العلماء - (١) (*) فإنه لم تفته أولى ثمار جهوده، التي حققها ابن شهاب الزهري الذي يقول: «أَمَرَنَا عُمَرُ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بِجَمْعِ السُّنَنِ، فَكَتَبْنَاهَا دَفْتَرًا دَفْتَرًا، فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ أَرْضٍ لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٍ دَفْتَرًا» (٢)، وعلى هذا يحمل ما قاله المؤرخون والعلماء: «أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ العِلْمَ ابْنُ شِهَابٍ» (٣) وله أن يفخر بعلمه هذا، ويقول: «لَمْ يُدَوِّنْ هَذَا العِلْمَ أَحَدٌ قَبْلَ تَدْوِينِي» (٤).\n\nوقد اعتبر علماء الحديث تدوين عمر بن عبد العزيز هذا أول تدوين للحديث ورددوا في كتبهم هذه العبارة: «وَأَمَّا ابْتِدَاءُ تَدْوِينِ الحَدِيثِ فَإِنَّهُ وَقَعَ عَلَى رَأْسِ المِائَةِ فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ» (٥) أو نحوها.\n\nويفهم من هذا أن التدوين الرسمي كان في عهد عمر بن عبد العزيز، أما تقييد الحديث وحفظه في الصحف والرقاع والعظام فقد مارسه الصحابة في عهد رسول الله - ﷺ -، ولم ينقطع تقييد الحديث بعد وفاته - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، بل بقي جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع الحفظ حتى قَيَّضَ الله للحديث من يودعه في المدونات الكبرى.\n\nوسيتبين لنا بعد قليل أن والد عمر بن عبد العزيز قد سبق ابنه في طلب تدوين الحديث وأن أهل الحديث لم يمسكوا طوال القرن الأول عن تقييد حديث رسول الله - ﷺ - منتظرين سماح الخليفة وأمره، وقد ذكرنا\n_________\n(١) انظر \" قواعد التحديث \": ص ٤٧. (*).\n(٢) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٦ جـ ١.\n(٣) المرجع السابق: ص ٧٦ جـ ١، و\" حلية الأولياء \": ص ٣٦٣ جـ ٣.\n(٤) \" الرسالة المستطرفة \": ص ٤.\n(٥) \" تدريب الراوي \": ص ٤٠، و\" قواعد التحديث \": ص ٤٦، ونحو هذا في \" توجيه النظر \": ص ٦ و\" إرشاد الساري \": ص ١٤ جـ ١.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) خطأ في ترقيم الهوامش في الكتاب المطبوع، وأثبت الترقيم الصحيح للمصادر بعد الرجوع إليها.","vol":"1","page":332},{"text":"شيئًا من هذا فيما عرضناه من أخبار عن سماح الصحابة والتابعين بالكتابة وكتاباتهم لأنفسهم.\n\nوهكذا كانت نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني خاتمة حاسمة لما كان من كراهة الكتابة وإباحتها، فدونت السنة في صحف وكراريس ودفاتر، وكثرت الصحف في أيدي طلاب الحديث.\n\n...\n\nوقد يظن الباحث أن كراهة الكتابة قد ولت، وانهزمت أمام إباحتها، ولم تعد هذه الإباحة مجرد رأي، بل انتقل الرأي إلى التطبيق فعلًا، وتبنت الدولة الإشراف على الكتابة، ولكنا لا نثبت أن نسمع أصوات من يكره الكتابة تعلو من جديد، وكان بعض هؤلاء من نفس جيل التابعين الثاني (أواسطهم) ومن صغارهم، فقد راعهم أن يروا الحديث في كراريس ودفاتر، وأن يعتمد طلاب الحديث والعلماء على الكتب، ويهملوا الحفظ، فتمسكوا بالآثار التي تبيح الكتابة، وأبوا أن ينكب أهل الحديث على دفاترهم، ويجعلوها خزائن علمهم، ولم يعجبهم أن يخالف سبيل الصحابة في الحفظ والاعتماد على الذاكرة، وحق لهم أن يكرهوا الاتكال على الكتب، لأن في الاتكال على المكتوب وحده إِضْعَافًا للذاكرة، وانصرافًا عن العمل به.\n\nوها هو ذا الضحاك بن مزاحم الذي أباح الكتابة سابقًا، والذي أملى مناسك الحج حين زال خوفه من أسباب الكراهة - ها هو ذا يقول: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكْثُرُ فِيهِ الأَحَادِيثُ حَتَّى يَبْقَى المُصْحَفُ بِغُبَارِهِ لاَ يُنْظَرُ فِيهِ» (١)، وفي رواية عنه: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ [يُعَلِّقُونَ] الْمُصْحَفَ حَتَّى [يُعَشِّشَ] فِيهِ العَنْكَبُوتُ، لاَ يُنْتَفَعُ بِمَا فِيهِ، وَتَكُونُ أَعْمَالُ النَّاسِ بِالرِّوَايَاتِ وَالْحَدِيثِ» (٢).\n_________\n(١) \" جامع بيان العلم \": ص ٦٥ جـ ١.\n(٢) \" جامع بيان العلم \": ص ١٢٩ جـ ١.","vol":"1","page":333},{"text":"لقد تصور عاقبة هذا الإقبال على الكتابة، وجعل الحديث في دفاتر وكراريس، فأعلن إنكاره مدويًا: «لاَ تَتَّخِذُوا لِلْحَدِيثِ كَرَارِيسَ كَكَرَارِيسِ المَصَاحِفِ» (١).\n\nويمكننا أن نحمل قول الزهري: «كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ العِلْمِ، حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءُ، فَرَأَيْنَا أَنْ لاَ نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (٢) - على ما بيناه، لأننا نعرف أن الإمام الزهري كان يكتب الحديث وهو في دور طلب العلم، وكان يشجع أصحابه على الكتابة، حتى إنه كان يكتب في ظهر نعله خشية - أن يفوته الحديث (٣) وفعلًا عندما طلب منه الخليفة هشام بن عبد الملك أن يكتب لِبَنِيهِ خرج وأملى على الناس الحديث (٤) وقال: «اسْتَكْتَبَنِي الْمُلُوكُ فَأَكْتَبْتُهُمْ، فَاسْتَحْيَيْتُ اللَّهَ إِذْ كَتَبْتُهَا المُلُوكَ أَلاَّ أَكْتُبَهَا لِغَيْرِهِمْ» (٥).\n\nوقد سبق أن بينت أن حرصه على تنقيح السُنَّةِ كان عاملًا كبيرًا في تدوينه الحديث هو وبعض معاصريه.\n\nوكان سعيد بن عبد العزيز يفخر بحفظه ويقول: «مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا قَطُّ» (٦). ونرى الإمام الأوزاعي بعد أن كان يملي على طلابه ويصحح لهم ما يكتبونه عنه ليجيزهم بروايته (٧)، ينفر من الاعتماد على الكتاب، ويتشاءم مما سيؤول إليه الحفظ فلا يسره الميل عن طريق السلف الذين كانوا يتلقون الحديث من\n_________\n(١) \" تقييد العلم \": ص ٤٧.\n(٢) المرجع السابق: ص ١٠٧، و\" طبقات ابن سعد \": ص ٣٥ قسم ٢ جـ ٢.\n(٣) انظر \" تقييد العلم \": ص ١٠٧.\n(٤) انظر \" حلية الأولياء \": ص ٣٦٣ جـ ٣.\n(٥) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٧ جـ ١.\n(٦) \" سنن الدارمي \": ص ١٢١ جـ ١، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٢٠٣ جـ ١ وتوفي سعيد بن عبد العزيز سَنَةَ (١٦٧ هـ).\n(٧) انظر \" الكفاية \": ص ٣٢٢.","vol":"1","page":334},{"text":"أفواه العلماء، فيقول: «كَانَ هَذَا العِلْمُ شَيْئًا شَرِيفًا إِذْ كَانَ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ يَتَلَقَّوْنَهُ (١) وَيَتَذَاكَرُونَهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي الكُتُبِ ذَهَبَ نُورُهُ، وَصَارَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ» (٢).\n\nونرى بعض من كره الكتابة في هذا العصر يعتمد عليها في حفظ الحديث ثم يمحو ما كتبه بعد أن يحفظه، وقد قبل غير واحد من السلف أمثال سفيان الثوري (- ١٦١ هـ)، وحماد بن سلمة (- ١٦٧ هـ) (٣) وغيرهما، ويروى في هذا عن خالد الحذاء (- ١٤١هـ): «مَا كَتَبْتُ شَيْئًا قَطُّ إِلاَّ حَدِيثًا طَوِيلًا، فَإِذَا حَفِظْتُهُ مَحَوْتُهُ» (٤).\n\nوكان كثير من التابعين يمحون كتبهم قبل وفاتهم، أو يوصون بكتبهم إلى من يثقون به، ليفيد منها خشية أن تقع في غير موضعها، فقد أوصى أبو قلابة بكتبه إلى أيوب (٥)، كما أوصى شعبة بن الحجاج ابنه بغسل كتبه بعد موته (٦).\n\nإن محاولة هؤلاء المانعين من الكتابة، لم تخفف من نشاط الكتابة، ولم تقف أمام هذا الجيل الذي نشأ عليها، فقد كان تيار إباحة الكتابة أقوى بكثير من تيار كراهتها.\n_________\n(١) انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٨ جـ ١ وفيه «يَتَلاَقُونَهُ» وما أثبتناه أصوب ويتفق مع ما ورد في المصادر الأخرى، و\" سنن الدارمي \": ص ١٢١ جـ ١، و\" تقييد العلم \": ص ٦٤، توفي الأوزاعي سَنَةَ (١٥٧ هـ).\n(٢) انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٦٨ جـ ١ وفيه «يَتَلاَقُونَهُ» وما أثبتناه أصوب ويتفق مع ما ورد في المصادر الأخرى، و\" سنن الدارمي \": ص ١٢١ جـ ١، و\" تقييد العلم \": ص ٦٤، توفي الأوزاعي سَنَةَ (١٥٧ هـ).\n(٣) انظر \" تقييد العلم \": ص ٥٨ - ٦٠.\n(٤) المرجع السابق: ص ٥٩.\n(٥) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ١٣٥ جـ ٧، و\" تذكرة الحفاظ \":ص ٨٨ جـ ١، وتوفي أبو قلابة سَنَةَ (١٠٤ هـ).\n(٦) انظر \" تقييد العلم \": ص ٦٢، ولد شعبة بن الحجاج سَنَةَ (٨٢ هـ) وتوفي سَنَةَ (١٦٥ هـ).","vol":"1","page":335},{"text":"ونرى أيوب السختياني (- ١٣١ هـ) يرد على من يعيب تقييد الحديث، فيقول: «يَعِيبُونَ عَلَيْنَا الكِتَابَ!!، ثُمَّ يَتْلُو ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ [سورة طه، الآية: ٥٢]» (١).\n\nوما لبث التياران أن تَوَحَّدَا وألحت الحاجة القاهرة إلى الكتابة على هؤلاء المانعين بأن يجاوروا التيار العام، ويعتمدوا في حفظ السنة على الحفظ والكتابة مَعًا.\n\nيقول ابن الصلاح: «ثُمَّ إِنَّهُ زَالَ ذَلِكَ الخِلاَفُ وَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ، وَلَوْلاَ تَدْوِينُهُ فِي الكُتُبِ لَدُرِسَ فِي الأَعْصُرِ الآخِرَة» (٢).\n\nويقول الرامهرمزي: «وَالحَدِيثُ لاَ يُضْبَطُ إِلاَّ بِالكِتَابِ ثُمَّ بِالمُقَابَلَةِ وَالمُدَارَسَةِ، وَالتَّعَهُّدِ، وَالتَّحَفُّظِ، وَالمُذَاكَرَةِ، وَالسُّؤَالِ، وَالفَحْصِ عَنِ النَّاقِلِينَ، وَالتَّفَقُّهِ بِمَا نَقَلُوهُ وَإِنَّمَا كَرِهَ الكِتَابَ مَنْ كَرِهَ [مِنَ] الصَّدْرِ الأَوَّلِ، لِقُرْبِ العَهْدِ، وَتَقَارُبِ الإِسْنَادِ وَلِئَلاَّ يَعْتَمِدُهُ الكَاتِبُ فَيُهْمِلُهُ، أَوْ يَرْغَبُ عَنْ تَحَفُّظِهِ وَالعَمَلِ بِهِ، فَأَمَّا وَالوَقْتُ مُتَبَاعِدٌ، وَالإِسْنَادُ غَيْرُ مُتَقَارِبٌ، وَالطُّرُقُ مُخْتَلِفَةٌ، وَالنَّقَلَةُ مُتَشَابِهُونَ، وَآفَةُ النِّسْيَانِ مُعْتَرِضَةٌ، وَالوَهْمُ غَيْرُ مَأْمُونٌ، فَإِنَّ تَقْيِيدِ العِلْمِ بِالكِتَابِ أَوْلَى وَأَشْفَى» (٣).\n\nولم تكن ظاهرة الاختلاف هذه ناشئة عن انقسام العلماء إلى حزبين أو مدرستين، إحداهما تبيح الكتابة والأخرى تمنعها، بل نشأت من تلك الأسباب التي بيناها، فإذا ما زالت أسباب المنع أباح العلماء الكتابة، وإذا قامت عاد أكثرهم فمنع الكتابة، وإذا ما خيف من الاتكال على الكتاب وإهمال الحفظ علت أصوات المنع ثانية تطالب بالاعتماد على الذاكرة، حتى\n_________\n(١) \" تقييد العلم \": ص ١١٠، و\" سنن الدارمي \": ص ١٢١ جـ ١، و\" جامع بيان العلم \": ص ٧٣ جـ ١.\n(٢) \" مقدمة ابن الصلاح \": ص ١٧١.\n(٣) \" المحدث الفاصل \": ص ٧١.","vol":"1","page":336},{"text":"أجمعت الأمة على الكتابة التي أصبحت من ضروريات حفظ الحديث لا يمكن الاستغناء عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>خَامِسًا - المُصَنِّفُونَ الأَوَائِلُ فِي الحَدِيثِ:</span>\nلم يلبث هذا التيار من النشاط العلمي وكتابة الحديث أن طالع العالم بمدونات حديثية مختلفة على يدي أبناء النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وقد ظهرت تلك المصنفات والكتب في أوقات متقاربة، وفي مناطق مختلفة من الدولة الإسلامية، فبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب، وكانت هذه المصنفات تشتمل على السنن وما يتعلق بها، وكان بعضها يُسَمَّى مُصَنَّفًا وبعضها يُسَمَّى جَامِعًا أو مَجْمُوعًا وغير ذلك. وقد اختلف في أول من صنف وَبَوَّبَ، فقيل عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْجٍ البصري (- ١٥٠ هـ) بمكة، ومالك بن أنس (٩٣ - ١٧٩ هـ) أو محمد بن إسحاق (- ١٥١ هـ) بالمدينة المنورة، وصنف بها محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (٨٠ - ١٥٨ هـ) \" موطأ \" أكبر من \" موطأ مالك \"، والربيع بن صُبيح (- ١٦٠ هـ) أو سعيد بن أبي عروبة (- ١٥٦ هـ) أو حماد بن سلمة (- ١٦٧ هـ) بالبصرة، وسفيان الثوري (٩٧ - ١٦١ هـ) بالكوفة، ومعمر بن راشد (٩٥ - ١٥٣ هـ) باليمن، والإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (٨٨ - ١٥٧ هـ) بالشام، وعبد الله بن المبارك (١١٨ - ١٨١ هـ) بخراسان، وهُشَيْمٍ بن بشير (١٠٤ - ١٨٣ هـ) بواسط (١)، وجرير بن عبد الحميد\n_________\n(١) انظر \" تاريخ بغداد \": ص ٨٥ جـ ١٤، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٢٢٩ جـ ١.","vol":"1","page":337},{"text":"(١١٠ - ١٨٨ هـ) بالري، وعبد الله بن وهب (١٢٥ - ١٩٧ هـ) بمصر (١)، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، وقد كان هذا التصنيف بالنسبة إلى جمع الأبواب وضمها إلى بعضها في مؤلف أو جامع، وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد، فقد سبق إليه التابعي الجليل عامر الشعبي (١٩ - ١٠٣ هـ)، الذي يُرْوَى عنه أنه قال: «هَذا بَابٌ مِنَ الطَّلاَقِ جَسِيمٌ، إِذَا اعْتَدَّتِ المَرْأَةُ وَرِثَتْ» (٢)، وساق فيه أحاديث (٣).\n\nوكان معظم هذه المصنفات، والمجاميع بضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، كما يتجلى لنا هذا في \" موطأ الإمام مالك بن أنس \" (٤)، ثم رأى بعضهم أن تفرد أحاديث النبي - ﷺ - في مؤلفات خاصة، فألفت المسانيد، وهي كتب تضم أحاديث رسول الله - ﷺ - بأسانيدها خالية من فتاوى الصحابة والتابعين، تجمع فيها أحاديث كل صحابي - ولو كانت في مواضيع مختلفة - تحت اسم مسند فلان، ومسند فلان، وهكذا.\n_________\n(١) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ١٥٥: ب وما بعدها، و\" تدريب الراوي \": ص ٤٠، و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٨٦: ب - ١٨٧: آ، و\" مقدمة فتح الباري \": ص ٤، و\" منهج ذوي النظر \": ص ٥١٨.\n(٢) \" المحدث الفاصل \": ص ١٥٥، و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \" نسخة الإسكندرية: ص ١٨٨: آ، و\" مقدمة فتح الباري \"، و\" تدريب الراوي \": ص ٤٠.\n(٣) \" تدريب الراوي \": ص ٤٠، و\" منهج ذوي النظر \": ص ١٨، وهناك أخبار كثيرة، تثبت أن جمع الأبواب بعضها إلى بعض كان بعد جمع الأحاديث في باب واحد. من ذلك ما رواه خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: «قُلْتُ لأَبِي العَالِيَةِ: أَعْطِنِي كِتَابَكَ»، قَالَ: «مَا كَتَبْتُ إِلاَّ بَابَ الصَّلاَةِ، وَبَابَ الطَّلاَقِ». وقال يحيى بن سعيد: «كَانَ سُفْيَانُ صَاحِبَ أَبْوَابٍ». وقال سفيان الثوري: «كَمْ مِنْ أَحَادِيثَ طَنَّانَاتٍ لاَ يُؤْبَهُ لَهَا قَدْ أَخْرَجْنَا عَنْ صَاحِبِ هَذَا القَبْرِ (ابْنُ جُرَيْجٍ) فِي أَبْوَابٍ». انظر \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \" نسخة الإسكندرية: ص ١٨٨: آ - ١٨٨: ب وعن عاصم الأحول (- ١٤٢ هـ) قال: «قَرَأْتُ عَلَى الشَّعْبِيِّ أَحَادِيثَ فِي الفِقْهِ فَأَجَازَهَا لِي». انظر \" الكفاية \": ص ٢٦٤.\n(٤) في \" موطأ مالك \" ثلاثة آلاف مسألة وسبعمائة حديث. انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ١١.","vol":"1","page":338},{"text":"وأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي (١٣٣ - ٢٠٤ هـ) (١) وتبعه من عاصره من أتباع التابعين وأتباعهم، فصنف أسد بن موسى الأموي (- ٢١٢ هـ)، وعبيد الله بن موسى العبسي (- ٢١٣ هـ)، ومسدد البصري (- ٢٢٨) ونعيم بن حماد الخزاعي المصري (- ٢٢٨)، واقتفى الائمة آثارهم، كأحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ)، وإسحاق بن راهويه (١٦١ - ٢٣٨ هـ)، وعثمان بن أبي شيبة (١٥٦ - ٢٣٩ هـ) وغيرهم (٢).\n\nويعتبر \" مسند الإمام أحمد بن حنبل \" - وهو من أتباع أتباع التابعين - أوفى تلك المسانيد وأوسعها.\n\nجمع هؤلاء الحديث ودونوه بأسانيده، واجتنبوا الأحاديث الموضوعة، وذكروا طُرُقًا كثيرة لكل حديث، يتمكن بها جهابذة هذا العلم وصيارفته من معرفة الصحيح من الضعيف، والقوي من المعلول، مما لا يتيسر لكل طالب علم، فرأى بعض الأئمة أن يصنفوا في الحديث الصحيح فقط، فصنفوا كتبهم على الأبواب، واقتصروا فيها على الحديث الصحيح، وظهرت \" الكتب الستة \" في هذا العصر، عصر أتباع أتباع التابعين، وكان أول من صنف ذلك الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ هـ)، ثم الإمام مسلم بن الحجاج القشيري (٢٠٤ - ٢٦١ هـ)، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٠٢ - ٢٧٥ هـ) وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي\n_________\n(١) انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ٤٦، وقد طبع هذا \" المسند \" طبعة جيدة في حيدر آباد بالهند سَنَةَ ١٣٢١ هـ.\n(٢) انظر \" منهج ذوي النظر \": ص ١٨، و\" تدريب الراوي \": ص ٤٠، و\" الرسالة المستطرفة \": ٣٦ - ٤٧.","vol":"1","page":339},{"text":"(- ٢٧٩ هـ)، وأحمد بن شعيب الخراساني النسائي (٢١٥ - ٣٠٣ هـ)، ثم ابن ماجه، وهو عبد الله بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه القزويني (٢٠٧ - ٢٧٣ هـ) (١). وقد خدمت هذ الكتب بالشرح والتهذيب والاختصار والاستخراج عليها من قبل العلماء الذين جاءوا بعدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>أَهَمُّ نَتَائِجِ هَذَا الفَصْلِ:</span>\n١ - لم يكن السبب في عدم تدوين السُنَّةِ رَسْمِيًّا في عهده - ﷺ - جهل المسلمين آنذاك بالكتابة والقراءة، فكان فيهم القارئون الكاتبون، الذين دونوا التنزيل الحكيم، بل كان ذلك لأسباب أخرى، أهمها الخوف من التباس القرآن بالسنة، وكيلا ينشغل المسلمون بكتابة السنة عن كتابة القرآن ودراسته وحفظه.\n\n٢ - ليس هناك تعارض بين ما روي عن الرسول - ﷺ - من إباحة الكتابة وكراهتها، فَكَرِهَ الكتابة لمن لا يحسنها أو لمن يستطيع الحفظ، وأباحها لمن لا يستطيع الحفظ، وإن بعضهم يرى أن النهي كان أول الإسلام حتى لا يلتبس القرآن بالسنة، ثم انتهينا إلى إباحة الرسول - ﷺ - كتابة السنة مطلقًا، وليست هذه الأخبار من وضع مذاهب متخاصمة متضادة.\n\n٣ - ما ورد عن الصحابة والتابعين وأتباعهم من كراهة الكتابة أو إباحتها\n_________\n(١) ليس من موضوعنا أن نتكلم على هذه \" الكتب الستة \" الآن، ولكن لا بد لنا من أن نشير إلى أن \" صحيح الإمام البخاري \" و\" صحيح الإمام مسلم \" هما في الدرجة الأولى من هذه الكتب، ثم تأتي \" السنن الأربعة \" في رتبة تليها، و\" سنن ابن ماجه \" دونها جَمِيعًا لأن فيها ما أنكره وَضَعَّفَهُ بعض العلماء، ولعلماء الحديث في ذلك أقوال يضيق بنا المقام لذكرها. انظر \" تدريب الراوي \": ص ٣٩، ٤٠، ٤٧، ٤٩، و\" سبل السلام \": ص ١١، ١٢ جـ ١.","vol":"1","page":340},{"text":"لم يكن ناشئًا من قيام حزبين أحدهما يبيح الكتابة والآخر يكرهها، بل أباحوا الكتابة حين زالت أسباب المنع، وكرهوا الكتابة حين وجدت أسباب منعها وكراهتها، كخشية التباس القرآن بالسنة، أو الانشغال بالسنة عن القرآن، أو خوف مضاهاة الكتاب الكريم بكراريس الحديث وكتبه. وقد ثبتت أخبار الكراهة عن بعض من أباحوا الكتابة، كما ثبتت أخبار الإباحة عن بعض من كرهوا الكتابة، وكانت غايتهم جَمِيعًا واحدة، وهي المحافظة على القرآن والسنة: أن يلتبس أحدهما بالآخر، ثم انعقد الإجماع على إباحة الكتابة حين زالت أسباب كراهتها.\n\n٤ - خشي عمر بن عبد العزيز اندراس السُنَّةِ، وتسرب الوضع إليها، فأمر بجمعها على أيدي كبار علماء التابعين، وأمر المسؤولين في مختلف أقاليم الدولة الإسلامية بالاعتناء بالحديث الشريف، وتشجيع العلماء على عقد حلقات دراسته في المساجد، وشارك عمر بن عبد العزيز نفسه العلماء في ذلك، ووزع قبل وفاته ما كتبه الإمام الزهري، فَلِعُمَرَ الفَضْلُ الكَبِيرُ في تحميل الدولة مسؤولية حفظ السُنَّةِ رسميًا.\n\nوأما التدوين الفردي فقد وقع فعلًا في عهد الرسول - ﷺ -، وفي عهد الصحابة والتابعين، ولم تبق السُنَّةُ مُهْمَلَةً طلية القرن الأول إلى عهد عمر بن عبد العزيز، بل تم حفظها في الصدور جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع حفظها في الصحف والكراريس.\n\n٥ - في مطلع القرن الهجري الثاني، تحول عمل العلماء من جمع الحديث وتقييده، إلى تصنيفه على الأبواب وضم هذه الأبواب إلى بعضها","vol":"1","page":341},{"text":"في مصنف أو جامع، فلم يكن مطلع هذا القرن مبدأ لتدوين السُنَّةِ وتقييدها، بل كان مبدأ للتصنيف على الأبواب، وقد ظهرت هذه المصنفات في أوقاته متقاربة في مختلف مراكز الإشعاع العلمي بالدولة الإسلامية.\n\nثم ظهرت المسانيد فالصحاح، وبهذا يكون تدوين الحديث، قد مَرَّ بمراحل منتظمة حتى انتهى إلينا في كتب الصحاح والمسانيد.\n\n• • •","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الفَصْلُ الثَّانِي: مَا دُوِّنَ فِي صَدْرِ الإِسْلاَمِ </span>...:\nمن الثابت أن بعض الصحابة كانوا قد كتبوا عن رسول الله - ﷺ - بعض أحاديثه بإذن خاص منه كعبد الله بن عمرو، والأنصاري الذي كان لا يحفظ الحديث، ثم كتب غيرهم من حديثه بعد إذنه - ﷺ - بالكتابة إِذْنًا عَامًّا كما سبق، ولدينا أخبار كثيرة عما كتبه الصحابة من صحف.\n\nغير أنا لا نعرف كل ما تتضمنه هذه الصحف، لأن بعض الصحابة والتابعين كانوا يحرقون ما لديهم من الصحف أو يغسلونها قبل وفاتهم، وكان بعضهم يوصي بما عنده لمن يثق به، كانوا يفعلون هذا خشية أن تؤول تلك الصحف إلى غير أهل العلم (١). ونحن لا نشك في أن كثيرًا من صحف الصحابة قد كتب في عهده - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وأن أكثر ما كتب تناقله الناس في حياة أصحابه وبعد وفاتهم عن طريق أبنائهم وأحفادهم أو ذويهم. روى ابن عبد البر بسنده عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: وُجِدَ فِي قَائِمِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَحِيفَةٌ فِيهَا مَكْتُوبٌ «[مَلْعُونٌ مَنْ أَضَلَّ أَعْمَى عَنِ السَّبِيلِ]، مَلْعُونٌ مَنْ سَرَقَ تُخُومَ الأَرْضِ، مَلْعُونٌ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ» أَوْ قَالَ: «مَلْعُونٌ مَنْ جَحَدَ نِعْمَةَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ» (٢).\n_________\n(١) من أخبار محو الكتب وحرقها ما فعله أبو بكر - ﵁ - بما كان عنده من الصحف، انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٥ جـ ١، وانظر أخبار غيره في \" تقييد العلم \": ص ٥٩ - ٦٣، وفي كتاب \" العلم \" لزهير بن حرب: ص ١٩٢، وفي \" الجامع لأخلاق الراوي \": ص ٤٤: آ.\n(٢) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧١ جـ ١.","vol":"1","page":343},{"text":"وقد اشتهر في عهد رسول الله - ﷺ - كتاب خطير الشأن هو ذلك الكتاب الذي أمر رسول الله - ﷺ - كُتَّابَهُ بتدوينه في السَّنَةِ الأولى للهجرة، وقد نَصَّتْ فيه حقوق المسلمين المهاجرين والأنصار وعرب يثرب وموادعة يهودها، وتكررت فيه عبارة (أهل الصحيفة) خمس مرات، وجاء في مقدمته: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولُ اللهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَ[يَثْرِبَ]، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَلَحِقَ بِهِمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ، إنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ ...» الخ (١)، وهذا دليل على أن هذا الدستور أو الميثاق للدولة الإسلامية الفتية، كَانَ مُدَوَّنًا في صحيفة اشتهر أمرها وتواتر نقلها.\n\nوربما أرسل رسول الله - ﷺ - بعض الأحكام مكتوبة إلى عماله، ومن هذا ما يرويه ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أَنْ لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ» (٢).\n\nوكتب أبو بكر لأنس بن مالك كتابًا فيه الصدقات التي فرضها رسول الله - ﷺ -، وفي رواية: أن الكتاب كان ممهورًا بخاتم رسول الله - ﷺ - (٣).\n\nوروى نافع عن ابن عمر أنه وجد في قائم سيف عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللهُ\n_________\n(١) \" سيرة ابن هاشم \": ص ١١٩ جـ ٢، و\" الأموال \": ص ٢٠٢، وانظر \" مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي \": ص ١٥.\n(٢) \" معرفة علوم الحديث \": ص ٨٦، وقال الحاكم: هذا منسوخ بحديث ابن عباس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: «هَلاَّ اسْتَمْتَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا». انظر \" معرفة علوم الحديث: ص ٨٦، وانظر \" أخبار أهل الرسوخ في الفقه والتحديث بمقدار المنسوخ من الحديث \": ص ٢٧.\n(٣) \" رد الدارمي على بشر المريسي \": ص ١٣١، وذكر الإمام أحمد هذا الكتاب في \" مسنده \": ص ١٨٣، ١٨٤ حديث ٧٢ جـ ١.","vol":"1","page":344},{"text":"عَنْهُ - فيها صدقة السوائم (١)، وقد تكون هذه النسخة هي التي ورثها سالم بن عبد الله بن عمر، وقرأها عنده ابن شهاب الزهري (٢). ويؤكد لنا هذا ما روي عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري قال: «لَمَّا اسْتُخْلِفَ عَمْرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، أَرْسَلَ إِلَى المَدِينَةِ يَلْتَمِسُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الصَّدَقَاتِ، وَكِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ... وَوَجَدَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ كِتَابَ عُمَرَ فِي الصَّدَقَاتِ، مِثْلَ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَنُسِخَا لَهُ» (٣).\n\nوقد اشتهرت صحيفة أمير المؤمنين عَلِيَّ بن أبي طالب التي كان يعلقها في سيفه، فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وحرم المدينة، ولا يقتل مسلم بكافر (٤).\n\nوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ: محمد بن علي بن أبي طالب (- ٨١ هـ) قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي، قَالَ: «خُذْ هَذَا الكِتَابَ، فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى عُثْمَانَ، فَإِنَّ فِيهِ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِالصَّدَقَةِ» (٥).\n\nوَرُوِيَ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْنٍ قَالَ: «أَخْرَجَ [إِلَيَّ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كِتَابًا وَحَلَفَ لِي: إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ بِيَدِهِ» (٦).\n_________\n(١) انظر \" الكفاية \": ص ٣٥٣، ٣٥٤، وانظر \" توجيه النظر \": ص ٣٤٨.\n(٢) انظر \" الأموال \": ص ٣٦٠، و\" رد الدارمي على بشر \": ص ١٣١.\n(٣) \" الأموال \": ص ٣٥٨، ٣٥٩، ويقال: كان عند عمر بن الخطاب نسخ العهود والمواثيق ملء صندوق إلا أنها احترقت يوم الجماجم (٨٢ هـ) وما بقي منها قضت عليه ظروف الزمن وغارة التتار، انظر \" الوثائق السياسية \"، المقدمة: ي، وقد بقيت بعض كتبه - ﷺ - حتى القرن التاسع الهجري ككتابه بإقطاع تميم الداري، انظر \" مسالك الأبصار \": ص ١٧٣ - ١٧٥.\n(٤) انظر \" مسند الإمام أحمد \": ص ٣٥ و٤٤ و١٢١و ١٣١ جـ ٢ و\" فتح الباري \": ص ٨٣ جـ ٧، و\" رد الدارمي على بشر \": ص ١٣٠.\n(٥) \" رد الدارمي على بشر \": ص ١٣٠، و\" فتح الباري \": ص ٢٣ جـ ٧.\n(٦) \" جامع بيان العلم \": ص ٧٢ جـ ١.","vol":"1","page":345},{"text":"وكان عند سعد بن عبادة الأنصاري (- ١٥ هـ) كتاب أوكتب فيها طائفة من أحاديث رسول الله - ﷺ -، وقد روى ابن هذا الصحابي من كتب أبيه بعض أعمال الرسول - ﷺ - (١). ويروي الإمام البخاري أن هذه الصحيفة كانت نسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، الذي كان يكتب الأحاديث بيده، وكان الناس يقرءون عليه ما جمعه بخطه (٢).\n\nوكان عند أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ - (- ٣٥ هـ) (٣) كتاب فيه استفتاح الصلاة، دفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (- ٩٤ هـ) (٤) أحد الفقهاء السبعة.\n\nوكان عند أسماء بنت عُميس (- ٣٨ هـ) كتاب جمعت فيه بعض أحاديثه - ﷺ - (٥).\n\nعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيُّ (- ٤٢ هـ) (٦)، وَجَدْنَا فِي ذُؤَابَةِ سَيْفِهِ كِتَابًا: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ\n_________\n(١) انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٢ جـ ١، و\" نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي \": ص ١١٨ وانظر \" صحيفة همام بن منبه \": ص ١٦ نقلًا عن الترمذي.\n(٢) انظر \" علوم الحديث ومصطلحه \" للدكتور صبحي الصالح: ص ١٣ وهامشها وفيه: (عبد الله بن أوفى) وهو خطأ مطبعي والصواب (عبد الله بن أبي أوفى)، انظر \" صحيح البخاري بشرح السندي \": ص ١٤٣ جـ ٢، باب الصبر عند القتال، وعبد الله بن أبي أوفى صحابي شهد الحديبية، وَعَمَّرَ بَعْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، توفي سَنَةَ (٨٧ هـ) وهو آخر من توفي بالكوفة من الصحابة. انظر \" تقريب التهذيب \": ص ٤٠٢ جـ ١.\n(٣) وقيل وفاته بعد مقتل عثمان وقيل مات في خلافة عَلِيٍّ - ﵄ -.\n(٤) انظر \" الكفاية \": ص ٣٣٠.\n(٥) \" نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي \": ص ١١٨.\n(٦) كان محمد بن مسلمة من أفضل الصحابة وهو أحد الثلاثة الذين قتلوا كعب بن الأشرف واستخلفه - ﷺ - على المدينة في بعض غزواته، اعتزل الفتن ولم يشهد الجمل ولا صفين وتوفي وهو ابن (٧٧ سَنَةً). انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٤٥٤ جـ ٩.","vol":"1","page":346},{"text":"وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي بَقِيَّةِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ فَتَعَرَّضُوا لَهُ ...») (١).\n\nوكتبت سُبيعة الأسلمية إلى عبد الله بن عتبة تروي عن النبي - ﷺ - أنه أمرها بالنكاح بعد قليل من وفاة زوجها بعدما وضعت (٢).\n\nوكتب رسول الله - ﷺ - كتابًا لوائل بن حجر (- ٥٠ هـ) لقومه في حضرموت، فيه الخطوط الكبرى للإسلام، وبعض أنصبة الزكاة، وحد الزنا، وتحريم الخمر، وكل مسكر حرام (٣).\n\nوَوَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عمرو بن حزم (- ٥٣ هـ) على اليمن، وأعطاه كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات وغير ذلك (٤).\n\nوكان أبو هريرة (- ٥٩ هـ) يحتفظ بكتب فيها أحاديث عن رسول الله - ﷺ -.\n\nرَوَى [الْفَضْلِ] بْنِ حَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَحَدَّثْتُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ فَأَنْكَرَهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْكَ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ سَمِعْتَهُ مِنِّي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي»، فَأَخَذَ بِيَدِي إِلَى بَيْتِهِ فَأَرَانَا كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فَقَالَ:\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \": ص ١١٢.\n(٢) \" الكفاية \": ص ٣٣٧، وَسُبَيْعَةُ هذه هي بنت الحارث زوجة سعد بن خولة، انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٤٣٤ جـ ١٢.\n(٣) انظر \" الإصابة \": ص ٣١٢ جـ ٦، وانظر تفصيل ذلك في \" المصباح المضيء \": ص ١١٢: آ - ١١٢: ب.\n(٤) انظر \" الإصابة \": ص ٢٩٣ جـ ٤ ترجمة (٥٨٠٥). وقد أخرج الكتاب أبو داود والنسائي وابن حبان والدارمي وغير واحد كما ذكر ابن حجر في ترجمته وانظر \" رد الدارمي على بشر \": ص ١٣١، وانظر \" فتوح البلدان \": ص ٨١ وقارن بـ \" الأموال \": ص ٣٥٨، ٣٥٩.","vol":"1","page":347},{"text":"«قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنِّي إِنْ كُنْتُ قَدْ حَدَّثْتُكَ بِهِ فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي» (١). وكان بشير بن نهيك قد قرأ عليه الكتاب الذي كتبه عنه قبل أن يفارقه (٢).\n\nوجمع سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ (- ٦٠ هـ) أحاديث كثيرة في نسخة رواها عنه ابنه سليمان (٣)، ويحتمل أن تكون هذه النسخة هي الرسالة التي كتبها سمرة إلى بنيه، وقال فيها محمد بن سيرين: «فِي رِسَالَةِ سَمُرَةَ إِلَى بَنِيهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ» (٤).\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-86> الصَّحِيفَةُ الصَّادِقَةُ لِعَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرٍو بَنِ العَاصِ </span>\": (٧ ق هـ - ٦٥ هـ):\nكان رسول الله - ﷺ - قد سمح لعبد الله بن عمرو - ﵄ - بكتابة الحديث، لأنه كان كاتبًا محسنًا، فكتب عنه الكثير، واشتهرت صحيفة عمرو - ﵁ - (الصحيفة الصادقة) كما أراد كاتبها أن يسميها، لأنه كتبها عن رسول الله - ﷺ -، فهي أصدق ما يُرْوَى عَنْهُ، وقد رآها مجاهد بن جبر (٢١ - ١٠٤ هـ) عند عبد الله\n_________\n(١) انظر \" جامع بيان العلم \": ص ٧٤ جـ ١. قال ابن عبد البر بعد هذا الخبر: «هَذَا خِلاَفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ هَذَا البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَتَبَ، وَحَدِيثُهُ [ذَاكَ] أَصَحُّ فِي [النَّقْلِ] مِنْ هَذَا؛ لأَنَّهُ أَثْبَتُ إِسْنَادًا عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ». وقال ابن حجر: «وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الحَدِيث مَكْتُوبًا [عَنْهُ] أَنْ يَكُون بِخَطِّهِ». انظر \" فتح الباري \": ص ٢١٨ جـ ١. أقول وصحة خبر عدم كتابة أبي هريرة لا تنفي صحة وجود الكتب عنده، وقد يكون ممن يعرف القراءة دون الكتابة، فيكلف من يكتب له.\n(٢) \" طبقات ابن سعد \": ص ١٦٢ جـ ٧، و\" العلم \" لزهير بن حرب: ١٩٣: ب و\" الجامع لأخلاق الراوي \": ص ١٣٧: ب، و\" المحدث الفاصل \": ص ١٢٨: آ.\n(٣) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ١٩٨ جـ ٤.\n(٤) المرجع السابق: ص ٢٣٦ جـ ٤، أخرج البخاري أول رسالة سمرة بن جندب إلى بنيه في ترجمة محمد بن إبراهيم بن خُبَيبٍ وفيها: (بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ إِلَى بَنِيهِ؛ «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأمُرُنا أَنْ نُصَلِّيَ كُلَّ لَيْلَةٍ، بَعْدَ المَكتُوبَةِ، مَا قَلَّ، أَوْ كَثُرَ، ونَجعَلُهَا وِتْرًا»). \" التاريخ الكبير \": ص ٢٦ ترجمة ٢٩ قسم ١ جـ ١.","vol":"1","page":348},{"text":"ابن عمرو، فذهب ليتناولها، فقال له: «مَهْ يَا غُلاَمَ بَنِي مَحْزُومٍ». قَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ: «مَا كَتَبْتُ شَيْئًا» قَالَ: «هَذِهِ الصَّادِقَةُ، فِيهَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِيهَا أَحَدٌ» (١)، وكانت هذه الصحيفة عزيزة جِدًّا على ابن عمرو حتى قال: «مَا يُرَغِّبُنِي فِي الحَيَاةِ إِلاَّ الصَّادِقَةُ وَالوَهْطُ» (٢)، وَرُبَّمَا كَانَ يَحْفَظُهَا فِي صُنْدُوقٍ لَهُ حَلَقٌ (٣)، خشية عليها من الضياع، وقد حفظ هذه الصحيفة أهله من بعده، وَيُرَجَّحُ أن حفيده عمرو بن شعيب كان يُحَدِّثُ منها (٤).\n\nوتضم صحيفة عبد الله بن عمرو ألف حديث كما يقول ابن الأثير (٥).\n\nإلا أن إحصاء أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا يبلغ خمسمائة حديث (٦)، وإذا لم تصلنا الصحيفة الصادقة كما كتبها ابن عمرو بخطه،\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ٢: ب جـ ٤، و\" طبقات ابن سعد \": ص ١٨٩ قسم ١ جـ ٧ ونحوه في \" تقييد العلم \": ص ٨٤.\n(٢) \" سنن الدارمي \": ص ١٢٧ جـ ١، والوهط: أرض لعمرو بن العاص تصدق بها كان يقوم بها. المصدر نفسه.\n(٣) انظر \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٧١ حديث ٦٦٤٥ جـ ١٠، وكتاب \" العلم \" للمقدسي: ص ٣٠ بإسناد صحيح.\n(٤) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٤٨، ٤٩ جـ ٨.\n(٥) انظر \" أسد الغابة \":ص ٢٣٣ جـ ٣.\n(٦) انظر \" مسند عبد الله بن عمرو وصحيفته الصادقة \": ص ٦٧١ حيث أحصى السيد محمد سيف الدين عليش أحاديث الصادقة، فكان منها:\n٢٠٢ حديثًا من أصل ٦٣٢ حديثًا رواها الإمام أحمد في \" مسنده \" عن عبد الله بن عمرو.\nو٨١ حديثًا من أصل ٢٣٢ حديثًا رواها أبو داود في \" سننه \" عن عبد الله بن عمرو.\nو٥٣ حديثًا من أصل ١٢٨ حديثًا رواها النسائي في \" سننه \" عن عبد الله بن عمرو.\nو٦٥ حديثًا من أصل ١١٧ حديثًا رواها ابن ماجه في \" سننه \" عن عبد الله بن عمرو.\nو٣٥ حديثًا من أصل ٨٩ حديثًا رواها الترمذي في \" سننه \" عن عبد الله بن عمرو.\nفعدد أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهي أحاديث الصادقة كما هو المرجح بلغ =","vol":"1","page":349},{"text":"فقد نقل إلينا الإمام أحمد محتواها في \" مسنده \" (١)، كما ضمت كتب السنن الأخرى جانبًا كبيرًا منها (٢).\n\nولهذه الصحيفة أهمية علمية عظيمة، لأنها وثيقة علمية تاريخية، تثبت كتابة الحديث النبوي الشريف، بين يدي رسول الله - ﷺ - وبإذنه (٣).\n_________\n= (٤٣٦) حديثًا بما فيه المكرر عند الإمام أحمد وفي \" السنن الأربعة \"، وقد يكون حكم ابن الأثير مَبْنِيًّا على أن جميع ما روي عن ابن عمرو هو الصادقة وليس ببعيد.\n\n(١) انظر \" مسند الإمام أحمد بن حنبل \" بتحقيق أحمد محمد شاكر: الجزء التاسع من الصفحة ٢٣٥ الحديث ٦٤٧٧ والجزء العاشر بكامله وكذلك الحادي عشر والجزء الثاني عشر إلى الصفحة ٥٠ الحديث ٧١٠٣.\n(٢) انظر \" مسند عبد الله بن عمرو وصحيفته الصادقة \": ص ٦٧١.\n(٣) ورد طعن في الصحيفة الصادقة من بعض أهل العلم كالمغيرة بن مقسم الضبي الذي قال: «كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو صَحِيفَةٌ، تُسَمَّى الصَّادِقَةَ مَا تَسُرُّنِي أَنَّهَا لِي بِفِلْسَيْنِ» انظر \" تأويل مختلف الحديث \": ص ٩٣، وفي \" ميزان الاعتدال \": ص ٢٩٠ جـ ٢: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ صَحِيفَةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدِي بِتَمْرَتَيْنِ أَوْ بِفِلْسَيْنِ». إذا صحت هذه الرواية عن المغيرة فلا يجوز حملها على ظاهرها ولا قبولها هكذا مقتضبة لأنه ذكر ذلك في معرض الكلام على الروايات الضعيفة، فإذا ضعف نسخة ابن عمرو فإنما ضعفها لأنها انتقلت (وِجَادَةً) فهو لا يقبل أن تكون عنده هذه الصحيفة بالطريق الذي حملها الرواة، لأن الوجادة أضعف طرق التحمل، فقد كانوا لا يحبون أن ينقلوا الأخبار من الصحف بل عن الشيوخ ولا يجوز أن يحمل قول المغيرة على غير هذا الوجه، لأنه ثبت أن عبد الله قد كتبها بين يدي النبي - ﷺ -. ويمكننا للاستئناس أن تراجع أقوال العلماء في راوي هذه الصحيفة في \" ميزان الاعتدال \": ص ٢٨٩ جـ ٢ وفي \" تهذيب التهذيب \": ص ٤٨ - ٥٥ جـ ٨، وفي \" فتح المغيث \": ص ٦٨، ٦٩ جـ ٤، حيث يتبين لنا قيمة الصحيفة وثقة راويها عمرو بن شعيب. قال الإمام تقي الدين بن تيمية: «وأما أئمة الإسلام، وجمهور العلماء فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إذا صح النقل إليه مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ونحوهما، ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ... قالوا: وإذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبي - ﷺ - كان هذا أَوْكَدَ لَهَا وَأَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهَا».\nولهذا كان في نسخة عمرو بن شعيب من الأحاديث الفقهية التي فيها مقدرات ما احتاج إليه عامة علماء الإسلام. انظر \" قواعد التحديث \": ص ٣٦، ٣٧.","vol":"1","page":350},{"text":"وكان عبد الله يملي الحديث على تلاميذه (١)، وقد نقل عنه تلميذه حسين بن شفي بن ماتع الأصبحي في مصر كتابين، أحدهما فيه «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي كَذَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي كَذَا، والآخَرُ مَا يَكُونُ مِنَ الأَحْدَاثِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (٢). ونحن هنا لم نتعرض إلا للصحيفة الصادقة، فقد كان عند ابن عمرو كتب كثيرة عن أهل الكتاب أصابها يوم اليرموك في زاملتين (٣)، وقد ادعى بشر المريسي «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَرْوِيهِمَا لِلْنَّاسِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: لاَ تُحَدِّثْنَا عَنْ الزَّامِلَتَيْنِ»، وهذه الدعوى باطلة، فقد ثبت أن ابن [عمرو] كان أمينًا في نقله وروايته، لا يحيل ما روى عن النبي على أهل الكتاب، كما لا يحيل ما روى أهل الكتاب على النبي (٤).\n_________\n(١) انظر \" تاريخ دمشق \": ص ٤٩ جـ ٦.\n(٢) \" خطط المقريزي \": ص ٣٣٢، ٣٣٣ جـ ٢.\n(٣) الزاملة هي البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع. وقيل هي الدابة التي يحمل عليها الطعام والمتاع من الإبل وغيرها. انظر \" لسان العرب \"، مادة (زمل): ص ٣٢٩ جـ ١٣.\n(٤) انظر \" رد الدارمي على بشر \": ص ١٣٦، وقد ذكر محمود أبو رية صاحب كتاب \" أضواء على السنة المحمدية \" في الصفحة ١٦٢ هامش (٣) أن عبد الله بن عمرو (كان قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يرويها للناس (عن النبي) فتجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين، وكان يقال له: «لا تحدثنا عن الزاملتين»: ص ١٦٦ جـ ١ \" فتح الباري \"). انتهى ما نقلناه عن \" أضواء على السنة المحمدية \". ومن العجيب أن يسمع إنسان مثل هذا الخبر ويصدقه لأن الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - كانوا أصدق الناس لسانًا، وأنقى الأمة قلوبًا، وأخلص البرية للرسول - ﷺ -، فلا يعقل أن يكذب أمثال عبد الله بن عمرو - ﵄ - على رسول الله فيعزو إليه ما سمعه من أهل الكتاب. فَهَرَعْتُ إلى \" فتح الباري \" وإذا به - شَهِدَ اللهُ - خَالِيًا من عبارة أَبِي رَيَّةَ، فليس في قول ابن حجر (مِنَ النَّبِيِّ) إنما زادها الكاتب من عنده!!!\nفهل تكذيب الصحابة، والافتراء عليهم، والانتحال على العلماء، أمثال ابن حجر وغيره من الأمانة العلمية؟؟ وقد ثبت لنا سوء نية أَبِي رَيَّةَ في مواضع كثيرة يظهر بعضها في بحثنا عن أبي هريرة.","vol":"1","page":351},{"text":"ويكفي ابن عمرو أنه كان أول من دَوَّنَ الحديث بين يدي رسول الله - ﷺ - بإذنه وفي مختلف أحواله في الغضب والرضا.\n\nكُتُبُ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣ ق هـ - ٦٨ هـ):\n----------------------------------\n\nاشتهر ابن عباس بطلب العلم ودأبه عليه، وكان بعد وفاة رسول الله - ﷺ - يسأل الصحابة ويكتب عنهم، وكان رسول الله - ﷺ - قد دعا له: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُ الحِكْمَةَ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ» (١)، وعندما توفي ابن عباس ظهرت كتبه، وكانت حمل بعير (٢).\n\n• • •\n\nويروى أن عبد الله بن عمر (١٠ ق هـ - ٧٣ هـ) «كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى السُّوقِ نَظَرَ فِي كُتُبِهِ»، وقد أكد الراوي أن كتبه كانت في الحديث (٣).\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-87> صَحِيفَةُ جَابِرٍ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِي </span>\": (١٦ ق هـ - ٧٨ هـ):\nيحتمل أن تكون هذه الصحيفة غير المنسك الصغير الذي أورده مسلم في كتاب الحج (٤)، وقد ذكرها ابن سعد في ترجمة مجاهد، وكان يحدث\n_________\n(١) \" الكفاية \": ص ٢١٣، وراجع طلبه للعلم في \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٤: آ، وفي \" تقييد العلم \": ص ٩١، ٩٢ و١٠٩، وانظر ترجمته في الفصل الأول من الباب الخامس من هذا الكتاب.\n(٢) عَنْ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ (- ١٤١) صاحب المغازي قَالَ: «وَضَعَ عِنْدَنَا [كُرَيْبٌ]- مولى ابن عباس - حِمْلَ بَعِيرٍ [أَوْ عِدْلَ بَعِيرٍ] مِنْ كُتُبِ ابْنِ عَبَّاسٍ». انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٢١٦ جـ ٥.\n(٣) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٠٠: آ، ويروى أن ابن عمر كره كتابة الحديث، قَالَ سَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ (٤٥ - ٩٥ هـ): «كُنْتُ أَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ فِي صَحِيفَةٍ وَلَوْ عَلِمَ بِهَا كَانَتِ الفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ». انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ١٧٩ جـ ٦، وربما كان ابن عمر يكتب لنفسه أو سمح بذلك آخرًا.\n(٤) انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٤١ جـ ١.","vol":"1","page":352},{"text":"عنها (١)، وكان التابعي الجليل قتادة بن دعامة السدوسي (- ١١٨) يرفع من قيمة هذه الصحيفة ويقول: «لأَنَا لِصَحِيفَةِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ أَحْفَظُ مِنِّي لِسُورَةِ البَقَرَةِ» (٢).\n\nوفي رواية: «إِنَّمَا يُحَدِّثُ قَتَادَةُ عَنْ صَحِيفَةِ سُلَيْمَانَ اليَشْكُرِيَّ، وَكَانَ لَهُ كِتَابٌ عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ» (٣). ويحتمل أن يكون سليمان اليشكري قد نقل عن جابر صحيفته، وهو أحد تلاميذه، يروي ابن حجر أن سليمان جالس جابرًا، وكتب عنه صحيفته (٤)، ولعل قتادة كان قد روى صحيفة جابر بن عبد الله عن سليمان اليشكري، فإن أم سليمان قدمت بكتاب سليمان، فقرئ على ثابت وقتادة وأبي بشر ... فَرَوَوْهَا كُلَّهَا، وأما ثابت فروى منها حديثًا واحدًا (٥)، فصحيفة جابر كانت مشهورة، وكتاب سليمان اليشكري عنه كان مشهورًا أَيْضًا، ويدعم هذا روايات كثيرة، منها ما روي عن شعبة أنه كان يرى أن أحاديث أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر إنما هو كتاب سليمان اليشكري (٦) وكانت لجابر حلقة في المسجد النبوي يملي فيها على طلابه الحديث، فكتب منهم كثير أمثال وهب بن منبه (- ١١٤ هـ) (٧)، وقد روى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر\n_________\n(١) \" طبقات ابن سعد \": ص ٤٣٣ جـ ٥.\n(٢) \" طبقات ابن سعد \": ص ١، ٢ قسم ٢ جـ ٧.\n(٣) \" القياس \" لابن قيم الجوزية: ص ١٠٨.\n(٤) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٢١٤ جـ ٤، وانظر \" تقييد العلم \": ص ١٠٨ حول كتابته.\n(٥) انظر \" الكفاية \": ص ٣٥٤.\n(٦) انظر \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ١٤٤، ١٤٥.\n(٧) انظر \" صحيفة همام بن منبه \": ص ١٤. وكان كثير من التابعين يذهبون إلى جابر - ﵁ - يكتبون عنه الحديث، من هذا ما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: «كُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا وَمُحَمَّدٌ (*) وَأَبُو جَعْفَرٍ، مَعَنَا أَلْوَاحٌ نَكْتُبُ فِيهَا». انظر \" تقييد العلم \": ص ١٠٤، وأبو جعفر هو محمد بن علي (- ١١٤ هـ) ومحمد هو ابن الحنفية. كما كتب عنه أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس (- ١٢٦ هـ) كثيرًا، انظر: \" تهذيب التهذيب \": ص ٤٤٠، ٤٤١ جـ ٩.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) ورد في الكتاب المطبوع (أَنَا وَمُحَمَّدُ وَأَبُو جَعْفَرٍ ...) وفي \" تقييد العلم \" لم تذكر (وَمُحَمَّدٌ)، انظر \" تقييد العلم \" للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور يوسف العش، ص ١٠٤، طبعة سنة ١٩٧٤ م، نشر إحياء السنة النبوية. بيروت - لبنان.","vol":"1","page":353},{"text":"وهم قد سمعوا منه وأكثر ما رووه من الصحيفة (١).\n\nوَيُرْوَى عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (٢٢ - ٩٣ هـ) قَوْلَهُ: «كَتَبْتُ الحَدِيثَ ثُمَّ مَحَوْتُهُ فَوَدِدْتُ، أَنِّي فَدَيْتُهُ بِمَالِي وَوَلَدِي وَأَنِّي لَمْ أَمْحُهُ» (٢). وربما كتب غيرها ثم احترقت يوم الحرة فحزن عليها، فكان يقول: «وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ عِنْدِي كُتُبِي بِأَهْلِي وَمَالِي» (٣).\n\nوَكَانَ عِنْدَ خَالِدٍ بْنِ مَعْدَانَ الكِلاَعِيَّ الحِمْصِيَّ (- ١٠٤ هـ) مُصْحَفٌ لَهُ [أَزْرَارٌ] وَعُرًا أَوْدَعَ فِيهِ عِلْمَهُ (٤) (*). وَكَانَ عِنْدَ بَحِيرِ بْنِ [سَعْدٍ] (**) نُسْخَةً عَنْ خَالِدٍ بْنِ مَعْدَانَ (٥).\n\nوأوصى أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي (- ١٠٤ هـ) بكتبه لأيوب السختياني (٦٨ - ١٣١ هـ) فجيء بها في عدل راحلة (٦)، ودفع أيوب كراءها بضعة عشر درهمًا (٧).\n\nوَقَالَ الأَعْمَشُ قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ (٢١ - ١١٠ هـ): «إِنَّ لَنَا كُتُبًا نَتَعَاهَدُهَا» (٨).\n\nوكان عند محمد الباقر بن علي بن الحسين (٥٦ - ١١٤ هـ) كتب كثيرة\n_________\n(١) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٢١٤ جـ ٤، وعرضت على الشعبي صحيفة كتبت عن جابر فقال: «سمَِعْتُ هَذَا كُلَّهُ عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -». \" المحدث الفاصل \": ص ٩١: ب.\n(٢) \" تقييد العلم \": ص ٦٠. ونحوه في \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ٤: ب جـ ٤.\n(٣) \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧١ جـ ١، وفي رواية ابن سعد أنها كُتُبُ (فقه)، انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ١٣٣ جـ ٥.\n(٤) انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٨٨ جـ ١.\n(٥) انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٦٦ جـ ١.\n(٦) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٢١٦ جـ ٥ و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٨٨ جـ ١.\n(٧) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٢١٧ قسم ٢ جـ ٧.\n(٨) انظر \" المحدث الفاصل \" نسخة دمشق: ص ٣: ب جـ ٤. كما كانت له كتب حديث وفقه وكان بعض أصحابه يأخذها فينسخها ثم يردها. انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ١٧ قسم ٢ جـ ٧.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) انظر ص ٣٢٨ من هذ الكتاب.\n(**) جاء في الكتاب المطبوع (بحير بن سعيد)، والصواب (بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ)، انظر \" تذكرة الحفاظ \" للذهبي، ١/ ١٣٣، الطبعة الأولى: ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م، نشر دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.","vol":"1","page":354},{"text":"سمع بعضها منه ابنه جعفر الصادق، وقرأ بعضها (١).\n\nوكان عند مكحول الشامي كتب (٢) وعند الحكم بن عتبة (٣). وكان عند بكير بن عبد الله الأشج (- ١١٧ هـ) عالم المدينة كتب انتقلت إلى ابنه مخرمة بن بكير (٤).\n\nوكان عند قيس بن سعد المكي (- ١١٧ هـ) كتاب انتقل إلى حماد بن سلمة (- ١٦٧ هـ) (٥).\n\nومما لا شك فيه أن العلماء في مطلع القرن الهجري الثاني صنفوا كثيرًا من الكتب، وكثرت الكتب بين أيديهم، حتى بلغت كتب الإمام الزهري حَدًّا كبيرًا، نقلت بعد مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان (٨٨ - ١٢٦ هـ) من خزائنه على الدواب (٦).\n\nوقبل أن نتكلم عن شيوع التدوين وانتشاره في مطلع القرن الهجري الثاني وعن كتب ومصنفات العلماء آنذاك، لا بد لنا من أن نتكلم عن \" صحيفة همام بن منبه \" لما لها من أهمية تاريخية في تدوين الحديث.\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-88> الصَّحِيفَةُ الصَّحِيحَةُ \" لِهَمَّامَ بْنَ مُنَبِّهٍ </span>(٤٠ - ١٣١ هـ): (٧).\nلقي همام بن منبه أحد أعلام التابعين الصحابي الجليل أبا هريرة، وكتب\n_________\n(١) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ١٠٤ جـ ٢، ومحمد الباقر أحد الأئمة الاثني عشر عند الإمامية. انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٣٥٠ جـ ٩، و\" شذرات الذهب \": ص ١٤٩ جـ ١.\n(٢) \" الفهرست \" لابن النديم: ص ٣١٨.\n(٣) انظر \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ١٣٠.\n(٤) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٧٠، ٧١ جـ ١٠، و\" علوم الحديث \": ص ١١٠.\n(٥) \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٩٠ جـ ١.\n(٦) انظر \" تاريخ الإسلام \" للذهبي: ص ١٤١ جـ ٥.\n(٧) ذكر الدكتور صبحي الصالح وفاة همام سَنَةَ (١٠١ هـ) اعتمادًا منه على \" طبقات =","vol":"1","page":355},{"text":"عنه كثيرًا من حديث رسول الله - ﷺ -، وجمعه في صحيفة أو صحف أطلق عليها اسم (الصحيفة الصحيحة) (١)، وربما سماها بالصحيحة على مثال (الصحيفة الصادقة) لعبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، وحق له أن يسميها بالصحيحة، لأنه كتبها عن صحابي خالط رسول الله - ﷺ - أربع سنين، وروى عنه الكثير.\n\nوقد وصلتنا هذه الصحيفة كاملة، كما رواها وَدَوَّنَهَا همام عن أبي هريرة، فقد عَثَرَ على هذه الصحيفة الدكتور المحقق محمد حميد الله في مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين (٢).\n\nوتزداد ثقتنا بصحيفة هَمَّامٍ حينما نعلم أن الإمام أحمد قد نقلها بتمامها في \" مسنده \"، كما نقل الإمام البخاري عَدَدًا كَثِيرًا من أحاديثها في \" صحيحه \" في أبواب شتى (٣).\n\nولهذه الصحيفة أهمية تاريخية في تدوين الحديث الشريف، لأنها حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، ودليل ساطع على أن الحديث النبوي كان قَدْ دُوِّنَ في عصر مبكر، «وَتُصَحِّحُ\n_________\n= ابن سعد \": ص ٣٩٦ جـ ٥ لأنها أقدم المصادر، ثم قال في هامش الصفحة ٢٢: من كتابه \" علوم الحديث ومصطلحه \": «وَعِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ وَسِوَاهُمَا: تُوُفِّيَ هَمَّامٌ سَنَةَ ١٣١ هـ، وَلَعَلَّهُ تَصْحِيفٌ لِقَوْلِ ابْنِ سَعْدٍ (مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى أَوْ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ) وَانْظُرْ التَّصْحِيحَاتِ المُلْحَقَةِ بِصَحِيفَةِ هَمَّامٍ ص ٢».\nإلا أني أرجح وفاته سَنَةَ (١٣١ هـ) لأن سفيان بن عيينة قال: «كُنْتُ أَتَوَقَّعُ قُدُومَ هَمَّامٍ عَشْرَ سِنِينَ»، وسفيان بن عيينة ولد سَنَةَ (١٠٧ هـ)، فلا يعقل أن يقول هذا بعد وفاة همام بسنوات، ثم إن مَعْمَرًا كان قد أدركه وقد كبر وسقط حاجباه على عينيه، فهذا الوصف ينطبق على من سِنُّهُ أكثر من ستين سَنَةٍ وهي السن التي ذكرتها أو قالها ابن سعد. انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٦٧ جـ ١١. حيث ذكر إدراك معمر بن راشد لهمام.\n\n(١) \" أقدم تدوين في الحديث النبوي صحيفة همام بن منبه \": ص ٢٠ عن \" كشف الظنون \".\n(٢) راجع \" صحيفة همام \": ص ٢١ - ٢٣ حيث وصف الدكتور حميد الله المخطوطتين.\n(٣) انظر المرجع السابق: ص ٢.","vol":"1","page":356},{"text":"الخَطَأَ الشَّائِعَ: أَنَّ الحَدِيثَ لَمْ يُدَوَّنْ إِلاَّ فِي أَوَائِلِ القَرْنِ الهِجْرِيَّ الثَّانِي» (١)، ذلك لأن هَمَّامًا لقي أبا هريرة - ولا شك أنه كتب عنه - قبل وفاته وقد توفي أبو هريرة سَنَةَ (٥٩) للهجرة فمعنى ذلك أن هذه الوثيقة العِلْمِيَّةَ قد دونت قبل هذه السنة، أي في منتصف القرن الهجري الأول، وقد ثبت لنا أن عبد الله بن عمرو دَوَّنَ في عهد الرسول \" صحيفته الصادقة \"، وها نحن أولاء يثبت لنا تدوين \" صحيفة همام \" في منتصف القرن الهجري الأول، مما يدل على أن العلماء كانوا قد باشروا التدوين فعلًا قبل أمر عمر بن عبد العزيز - ﵀ - وكان من الأولى أن نذكر هذه الصحيفة بين كتب أبي هريرة، لأنها إملاؤه لهمام، إلا أننا فضلنا الكلام عنها هنا لاشتهارها باسمه، وقد رواها عنه تلميذه معمر بن راشد ثم عبد الرزاق عن معمر ثُمَّ هَلُمَّ جَرًّا (٢).\n\nوتضم صحيفة همام هذه (١٣٨) حديثًا وقد ذكر ابن حجر أَنَّ هَمَّامًا سمع من أبي هريرة نحو أربعين ومائة حديث بإسناد واحد (٣)، وهذا يزيدنا ثقة بهذه الصحيفة، لاتفاق عدد ما جاء فيها من الأحاديث وما ذكره العلماء.\n\n• • •\n\nوشاع التدوين في النصف الأول من القرن الهجري الثاني بين العلماء، حتى أصبح من النادر ألا نرى لأحدهم تصنيفًا أو جامعًا فيه بعض الأبواب في الحديث.\n\nوقد سبق أن ذكرت أول من صنف في مختلف البلاد الإسلامية.\nوممن شارك في التصنيف أو وجد عنده كتب في تلك الحقبة يحيى بن أبي كثير\n_________\n(١) \" علوم الحديث ومصطلحه \" للدكتور صبحي الصالح: ص ٢٢.\n(٢) انظر \" صحيفة همام بن منبه \": ص ٢٠.\n(٣) \" تهذيب التهذيب \": ص ٦٧ جـ ١١.","vol":"1","page":357},{"text":"(- ١٢٩ هـ) (١). معاصر الإمام الزهري. وكان عند محمد بن سوقة (١٣٥ هـ) (٢) كتاب، وكان عند زيد بن أسلم (- ١٣٦ هـ) كتاب في التفسير (٣) لعل فيه كثيرًا من حديث رسول الله - ﷺ -. وكان عند موسى بن عقبة (- ١٤١ هـ) (٤) أحاديث لنافع مولى ابن عمر مكتوبة في صحيفة.\nوكان للأشعث بن عبد الملك الحمراني (- ١٤٢ هـ) (٥) كتاب انتقل إلى سليمان صاحب البصري. وقد كتب عقيل بن خالد بن عقيل (- ١٤٢ هـ) (٦) حديثًا كثيرًا عن الزهري، وكان أعلم الناس بحديثه. وكان ليحيى بن سعيد الأنصاي (- ١٤٣ هـ) (٧) كتاب انتقل إلى حماد بن زيد.\n\nوكتب عوف بن أبي جميلة العبدي (- ١٤٦ هـ) (٨) أطراف الحديث عن الحسن البصري عن النبي - ﷺ -، وكانت هذه الأطراف بعد ذلك عند يحيى بن سعيد القطان (١٢٠ - ١٩٨ هـ) (٩). وكان عند جعفر الصادق بن محمد الباقر (٨٠ - ١٤٨ هـ) (١٠) رسائل وأحاديث ونسخ، وكان من ثقات المحدثين، وكان ليونس بن يزيد بن أبي النجاد (- ١٥٢ هـ)\n_________\n(١) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ١١٠، و\" المحدث الفاصل \": ص ٩٤، وفي رواية أنه توفي سَنَةَ (١٣٢ هـ) في اليمامة، انظر ص ١٥٦ منه.\n(٢) انظر \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ٧٥ و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢١٠ جـ ٩ ويفهم من المرجع الأول أن لمنصور بن المعتمر كتابًا أَيْضًا.\n(٣) انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٢٤ جـ١، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٣٩٥ جـ ٣.\n(٤) انظر \" الكفاية \": ص ٢٦٦.\n(٥) انظر \" المحدث الفاصل \": ١٣٦: ب.\n(٦) انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٥٢ جـ ١.\n(٧) انظر \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ١٧٨.\n(٨) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ١٦٧ جـ ٨.\n(٩) انظر \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ٢٣٦.\n(١٠) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ١٠٤ جـ ٢.","vol":"1","page":358},{"text":"كتاب شهد له ابن المبارك بالصحة (١)، وكان لعبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي (- ١٦٠ هـ) كُتُبٌ أتى بها شعبة من بغداد (٢)، وكان لزائدة بن قدامة (- ١٦١ هـ) كُتُبٌ عرضها على سفيان الثوري (٣)، وقد كان زائدة نظيرًا لشعبة بن الحجاج (٤) وكان لسفيان الثوري (٩٧ - ١٦١ هـ) كتب كثيرة منها في الحديث \" الجامع الكبير \" و\" الجامع الصغير \" (٥). وقال ابن المبارك: «إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَِ (- ١٦٣ هـ) وَالسُكَّرِي - يَعْنِي أَبَا حَمْزَةَ - (- ١٦٧ هـ) صَحِيحَا الكُتُبِ» (٦).\n\nوكان لشعبة بن الحجاج (- ١٦٠ هـ) كتاب \" الغرائب في الحديث \" (٧)، وكان لعبد العزيز بن عبد الله الماجشون (- ١٦٤ هـ) كتب مصنفة رواها عنه ابن وهب (٨)، وكان لعبد الله بن عبد الله بن أويس (- ١٦٩ هـ) - ابن عم مالك وصهره على أخته (٩) - كتب انتهت إلى ابنه إسماعيل (١٠)، وأوصى سليمان بن بلال (- ١٧٢ هـ) بكتبه إلى عبد العزيز بن أبي حازم (١١).\n_________\n(١) انظر \" تهذيب التهذيب: ص ٤٥٠ جـ ١١، و\" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ٢٧٢. وكان يونس يكتب عن الزهري. انظر \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ٢٠٥.\n(٢) انظر \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ١٤٥.\n(٣) المرجع السابق: ص ٨٠.\n(٤) انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٢٠٠ جـ ١.\n(٥) انظر \" الفهرست \" لابن النديم: ص ٣١٥.\n(٦) \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ٢٧٠.\n(٧) انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ٨٥.\n(٨) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٣٤٤ جـ ١. قال ابن وهب: «حَجَجْتُ سَنَةَ (١٤٨ هـ) وصالح يصبح لا يفتح الباب - إلى الخليفة - إلا لمالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ... وكان صاحب سُنَّةٍ وقد كتب عنه أهل بغداد». نفس المرجع.\n(٩) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٢٨٠ جـ ٥.\n(١٠) انظر \" الإصابة \": ص ١٩٩ جـ ٧.\n(١١) انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٢٤٧ جـ ١.","vol":"1","page":359},{"text":"ومن الجدير بالذكر أنه كان لعلي بن لهيعة (- ١٧٤ هـ) محدث الديار المصرية كتب كثيرة، احترقت سَنَةَ (١٦٩ هـ) وكانت كتبه صحيحة (١)، ولابن لهيعة صحيفة في الحديث تعتبر من أقدم مجموعات الحديث، وهي موجودة ضمن مجموعة أوراق البردي (بهيدلبرج) (٢)، وكان الليث بن سعد (٩٤ - ١٧٥ هـ) شيخ الديار المصرية وعالمها تصانيف كثيرة (٣).\n\nولدينا كثير من أخبار المصنفات والمصنفين إلا أن المقام يضيق بذكرها ويكفي دليلًا على كثرة هذه المصنفات في نهاية القرن الثاني، أن علي بن عبد الله المديني (١٦١ - ٢٣٤ هـ) صنف في مختلف أبواب الحديث ورجاله وغريبه وشاذه وعلله نَيِّفًا ومائة مصنف، ذكر منها محمد بن صالح الهاشمي نَيِّفًا وخمسة وعشرين مصنفًا، وكل كتاب في عدة أجزاء بلغ بعضها ثلاثين جُزْءًا (٤).\n\nهكذا ساهم علماء المسلمين في حفظ الحديث في صدورهم وفي كتبهم، وصدق علي بن المديني حين قال: «نَظَرْتُ فَإِذَا الإِسْنَادُ يَدُورُ عَلَى سِتَّةٍ: فَلأَهْلِ المَدِينَةِ ابْنُ شِهَابٍ (- ١٢٤ هـ)، وَلأَهْلِ مَكَّةَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (٤٦ - ١٢٦ هـ) (٥)، وَلأَهْلِ البَصْرَةِ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ السَّدُوسِيُّ (- ١١٧ هـ)، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ\n_________\n(١) انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٢٢٠ جـ ١. قال الإمام أحمد: «مَا كَانَ مُحَدِّثَ مِصْرَ إِلاَّ ابْنَ لَهِيعَةَ». ويعود عدم احتجاج البخاري ومسلم به إلا في المتابعات لاحتراق كتبه. انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٢٢٠ جـ ١.\n(٢) \" نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي \": ص ١١٨.\n(٣) انظر تذكرة الحفاظ ص ٢٠٩ جـ ١.\n(٤) انظر \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٩٤. وليس في هذا مبالغة، لأن بعض الأجزاء لا تتجاوز وريقات. كما لا يستبعد هذا بالنسبة لابن المديني إمام عصره الذي كان يجله الإمام أحمد ويحترمه لسمو مكانته وسعة علمه. انظر \" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ٣١٩.\n(٥) كان محسنا فقيهًا، قال فيه شُعْبَةُ: «مَا رَأَيْتُ أَثْبَتَ فِي الحَدِيثِ مِنْهُ». انظر \" تاريخ الإسلام \" للذهبي: ص ١١٤ جـ ٥ و\" تهذيب التهذيب \": ص ٣٠ جـ ٨.","vol":"1","page":360},{"text":"(- ١٢٩ هـ) (١)، وَلأَهْلِ الْكُوفَةِ أَبُو إِسْحَاقَ، عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ (٣٣ - ١٢٧ هـ) (٢)، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الأَعْمَشُ (٦١ - ١٤٨ هـ)».\nقَالَ عَلِيٌّ: «ثُمَّ صَارَ عِلْمُ هَؤُلاَءِ السِّتَّةِ إِلَى أَصْحَابِ الأَصْنَافِ» (٣).\n\n• • •\n_________\n(١) ذكر الرامهرمزي وفاته في اليمامة سَنَةَ (١٣٢ هـ). وما أثبته عن \" تذكرة الحفاظ \": ص ١٢١ جـ ١، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٨ جـ ١١.\n(٢) وهو من أعلام التابعين الثقات كان إمام الكوفة وشيخها في عصره، أدرك عَلِيًّا - ﵁ -، ويروى أنه سمع من (٣٨) صحابيًا، انظر \" تاريخ الإسلام \" للذهبي: ص ١١٦ جـ ٥، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٦٣ جـ ٨.\n(٣) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ١٥٦: آ - ب، و\" تقدمة الجرح والتعديل \": ص ٣٤ و١٢٩.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الفَصْلُ الثَّالِثُ: آرَاءٌ فِي التَّدْوِينِ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>١ - رَأْيُ الشَّيْخِ مُحَمَّدْ رَشِيدْ رِضَا:: </span>(١٢٨٢ - ١٣٥٤ هـ):\nقال الإمام محمد رشيد رضا: «لعل أول من كتب الحديث وغيره من التابعين في القرن الأول، وجعل ما كتبه مصنفًا مجموعًا هو خالد بن معدان الحمصي، روي عنه أنه لقي سبعين صحابيًا. قال في \" تذكره الحفاظ \": وَقَالَ بَحِيرٌ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَلْزَمَ لِلْعِلْمِ مِنْهُ، وَكَانَ عِلْمُهُ فِي مُصْحَفٍ لَهُ أَزْرَارٌ وَعُرًا». ثم قال: «فَخَالِدُ بْنِ مَعْدَانَ جمع علمه في مصنف واحد جعل له وقاية لها أَزْرَارًا وَعُرًا تمسكها لِئَلاَّ يقع شيء من تلك الصحف، وكان ذلك في القرن الأول، فإنه مات سَنَةَ ١٠٣ هـ أو سَنَةَ ١٠٤ هـ، ولكن المشهور أن أول من كتب الحديث ابن شهاب الزهري القرشي، ولعل سبب ذلك أخذ أمراء بني أمية عنه» (١).\n\nبعد أن رأينا موقف العلماء من الكتابة خلال القرن الأول الهجري وفي النصف الأول من القرن الثاني، وبعد أن وجدنا أدلة علمية قاطعة تثبت وقوع التدوين في عهد الرسول - ﷺ - وفي عصر الصحابة والتابعين - بعد هذا لا يمكننا أن نقبل رأي الأستاذ الإمام وذلك من ناحيتين:\n_________\n(١) مجلة \" المنار \": ص ٧٥٤ جـ ١٠.","vol":"1","page":362},{"text":"الأولى إذا اعتبرنا التدوين الشخصي الخاص بكل عالم فإن كثيرين من الصحابة والتابعين سبقوا خالدًا في هذا المضمار، وحافظوا على ما كتبوه، فابن عمرو حفظ صحفه في صندوق له حلق، وغيره في كراريس ودفاتر، كهمام بن منبه وابن شهاب، فمجرد وجود علم خالد بن معدان في مصحف له أزرار لا يكفي لأن يكون أول من دَوَّنَ الحديث في عصره.\n\nوالناحية الثانية إذا اعتبرنا التدوين الرسمي للحديث استجابة لرغبة عمر بن عبد العزيز فقد سبق خالدًا إلى التدوين أبو بكر بن حزم وابن شهاب الزهري، وقد ثبت أن ابن شهاب كتب لعمر الحديث في دفاتر وزعت على كل أرض له عليها سلطان، فخالد لم يكن أول من صنف، سواء أكان هذا التصنيف خَاصًّا أَمْ رَسْمِيًّا. فهناك من سبقه في جمع الحديث، ويمكننا أن نعتبر صحف خالد من أولى الصحف التي ضمت علمه في ذلك القرن.\n\nوإذا كان المشهور أن ابن شهاب الزهري أول من كتب الحديث، فإن هذا محمول على تنفيذه أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، لا لأن أمراء بني أمية أخذوا عنه، لأن أخذ الأمراء عنه لا يؤثر في الأدلة الأخرى التي تثبت استجابة لأمر الخليفة وتدوينه الحديث في دفاتر. وقد أسلفنا أنه كان قد كتب كثيرًا من حديث رسول الله - ﷺ -، في أثناء طلبه العلم. وهذا يدل على أسبقية ابن شهاب على غيره في التدوين ومع هذا فهناك من دَوَّنَ قبله - بشكل رسمي - وحفظ علمه في صحف واعتنى بصحفه وحرص عليها من الضياع. فقد ثبت لدينا مما سبق أن كثيرًا قبل ابن شهاب وقبل خالد بن معدان كتبوا الحديث وحفظوه في كل ما تيسر","vol":"1","page":363},{"text":"لديهم من وسائل، رغبة منهم في حفظ حديث رسول الله - ﷺ - من الضياع والتحريف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>٢ - رَأْيُ الشِّيعَةِ فِي تَدْوِينِ الحَدِيثِ:</span>\n[- أ -] قال المرجع الديني الأكبر السيد حسن الصدر (١٢٧٢ - ١٣٥٤ هـ): «وقد وهم الحافظ الجلال السيوطي في كتابه \" تدريب الراوي \"، حيث زعم: \" أن ابتداء تدوين الحديث وقع في رأس المائة. وقال: وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع في رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره، ففي \" صحيح البخاري \" في أبواب العلم: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم ... قال في \" فتح الباري \": يستفاد من هذا أن ابتداء تدوين الحديث النبوي، ثم أفاد أن أول من دَوَّنَهُ بأمر عمر بن عبد العزيز ابن شهاب \". انتهى ما في \" تدريب الراوي \"».\nقلت (السيد حسن الصدر): «كانت خلافة عمر بن عبد العزيز سنتين وخمسة أشهر مبدؤها عاشر صفر سَنَةَ ثمان أو تسع وتسعين ومات سَنَةَ إحدى ومائة لخمس أو لست مضين وقيل لعشر بقين من رجب، ولم يؤرخ زمان أمره ولا نقل ناقل امتثال أمره بتدوين الحديث في زمانه، والذي ذكره الحافظ ابن حجر من باب الحدس والاعتبار، لا عن نقل العمل بأمره بالعيان، ولو كان له عند أهل العلم بالحديث أثر بالعيان لما نصوا أن الإفراد لحديث رسول الله - ﷺ - كان على رأس المائتين، كما اعترف به شيخ الإسلام وغيره ... قال ابن حجر: إلى أن رأى بعض الأئمة أن تفرد أحاديث النبي - ﷺ - خاصة، وذلك في رأس المائتين وعدد جماعة ...\nوكذل الحافظ الذهبي في \" تذكرة الحفاظ \" نص أن أول زمن التصنيف وتدوين السنن وتأليف الفروع - بعد انقراض دولة بني أمية وتحول الدولة إلى بني","vol":"1","page":364},{"text":"العباس ... ولا يقاس بالذهبي غيره في الخبرة بالتورايخ في أمثال هذه الأمور، فلم يذكر ما ذكره السيوطي، بل كل من كتب في الأوائل من علماء السُنَّةِ لم يذكره، اللهم إلا أن يقال باستبعاد عدم الأخذ بقول مثل عمر بن عبد العزيز، فلعله جمع بعده فلا يكون الحكم بجمعه في رأس المائة من القول السديد المحقق، عصمنا الله تعالى من التسرع في القول» (١).\n\nأقول: إن ما ذكره السيوطي ليس وَهْمًا بل حقيقة علمية، كما تبين لنا من البحث.\nوأما قصر مدة خلافة عمر بن عبد العزيز، وعدم تأريخ زمن أمره فإنه لا ينافي استجابة العلماء لأمر الخليفة. وأما أنه لم ينقل هذا ناقل فهذا حكم يناقض الدليل، فقد كثر الناقلون، ونص ابن عبد البر على «أن ابن شهاب امتثل لأمر الخليفة وكتب الحديث في دفاتر، وبعث الخليفة إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا» (٢)، ولم يكن ما ذكره ابن حجر من باب الحدس والتخمين، ثم إن ما ذكره علماء الحديث من أن إفراد تدوين حديث رسول الله - ﷺ - كان على رأس المائتين - لا ينافي قط تدوينه استجابة لأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، ونحن لا نشك في أن بعض المدونات الأولى في عصر رسول الله - ﷺ - وفي عصر الصحابة كانت خالية من فتاوى الصحابة، وأقوى دليل على هذا \" الصحيفة الصادقة \"، و\" الصحيفة الصحيحة \"، وإن كان بعض المصنفين قد كتب عمل الصحابة، وفتاواهم إلى جانب الحديث، فهذا لا ينافي كونهم دَوَّنُوا الحديث على رأس المائة الأولى وقبلها.\n_________\n(١) \" تأسيس علوم الشيعة \": ص ٢٧٨، ٢٧٩.\n(٢) انظر \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٦ جـ ١.","vol":"1","page":365},{"text":"واستشهاده بما ذكره الحافظ الذهبي في \" تذكرة الحفاظ \" لا يجدي نفعًا، لأن الحافظ الذهبي لخص الحالة في القرن الأول، ولم يدرس التدوين دراسة موضوعية تفصيلية، ومع هذا نراه يذكر في تراجم من صنف من العلماء أنهم أول من صنفوا في بلادهم. وليس من المفروض على الذهبي أن يفصل في التدوين لأن \" تذكرته \" في رجال الحديث، لا في علم الحديث ومصطلحه.\n\nوأما أن أحدًا من الأوائل الذين كتبوا في الحديث وعلومه لم يذكر ما ذكره الجلال السيوطي، فهذا مردود بما كشف عنه بحثنا، فقد ذكر ذلك الرامهرمزي، وَبَيَّنَ سبب كراهة من كره الكتابة في الصدر الأول، وجمع بين أحاديث السماح بالكتابة والنهي عنها. وإذا كان الرامهرمزي لم ينقل إلينا النص كالسيوطي حرفيًا فقد ذكر ما يفهم منه أن بعض العلماء كانوا قد دونوا في القرن الأول (١) كما بَيَّنَ اهتمام عمر بن عبد العزيز بنشر السُنَّةِ والمحافظة عليها (٢)، ووضع الخطيب البغدادي كتابه \" تقييد العلم \" لعرض سير التدوين في العصر الأول، وَبَيَّنَ كثيرًا مما خفي على الناس، وأثبت أن بعض طلاب العلم وأهله قد مارسوا التدوين في عهد الرسول - ﷺ - بعده.\n\nوروى أبو عبيد القاسم بن سلام (١٥٧ - ٢٢٤ هـ) بسنده عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: «لَمَّا اسْتُخْلِفَ عَمْرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، أَرْسَلَ إِلَى المَدِينَةِ يَلْتَمِسُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الصَّدَقَاتِ، وَكِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ... فَنُسِخَا لَهُ» (٣)، فما أظن بعد هذا أن يَدَّعِي إنسان أن أمر عمر بن عبد العزيز لم ينفذ أو لم يؤخذ به، فما ذهب إليه علماء\n_________\n(١) انظر \" المحدث الفاصل \": ص ٧١: آ - ٧١: ب.\n(٢) انظر المرجع السابق: ص ١٥٣: آ.\n(٣) \" الأموال \": ص ٣٥٨، ٣٥٩.","vol":"1","page":366},{"text":"الحديث من أن ابتداء تدوين الحديث وقع في رأس المائة الأولى ليس من باب الحدس والتسرع بالقول. ويحمل قولهم هذا على التدوين الرسمي الذي تبنته الدولة، أما التدوين الشخصي والفردي فكان منذ عهد رسول الله - ﷺ -.\n\nبعد ما ذكره السيد حسن الصدر قال: «إذا عرفت هذا فاعلم أن الشيعة أول من تقدم في جمع الآثار والأخبار، في عصر خلفاء النبي المختار - عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، اقتدوا بإمامهم أمير المؤمنين - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -». ثم ذكر كتابًا لِعَلِيٍّ - ﵁ - كان عظيمًا مدرجًا، وذكر صحيفته المعلقة بسيفه، ثم ذكر كتابًا لأبي رافع مولى رسول الله - ﷺ - سماه \" كتاب السنن والأحكام والقضايا \"، وقد توفي أبو رافع في أول خلافة عَلِيٍّ - ﵁ -، قال السيد حسن الصدر: «وأول خلافة على أمير المؤمنين سَنَةَ خمس وثلاثين من الهجرة، فلا أقدم من أبي رافع في التأليف بالضرورة» (١).\n\nأقول: إذا صح هذا الخبر فإن أبا رافع يكون ممن دَوَّنَ في عصر الصحابة، وقد سبقه عبد الله بن عمرو الذي كتب في عهده - ﷺ -. وإذا صح هذا الخبر وكان كتابه مرتبًا على الأبواب: (الصلاة والصيام والحج والزكاة والقضايا).\n_________\n(١) \" تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام \": ص ٢٧٩، ٢٨٠. وقد نقل عن الشيخ أبي العباس النجاشي ما ذكره عن أبي رافع، ثم قال السيد حسن الصدر: «وأول من صنف في الآثار مولانا أبو عبد الله سلمان الفارسي (ر) ... وأول من صنف الحديث والآثار بعد المؤسسين أبو ذر الغفاري صاحب رسول الله - ﷺ - وله كتاب الخطبة يشرح فيها الأمور بعد النبي - ﷺ - ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسي في \" الفهرست \". ثم يذكر كتابًا لعبيد الله بن أبي رافع في قضايا أمير المؤمنين وكتاب \" تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان من الصحابة \"، ثم ذكر بعض أخبار كتب لأشخاص طعن فيهم أهل السنة كالحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، أو أخبار كتب لم تثبت عند أهل السنة، انظر \" تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام \": ص ٢٨٢ وما بعدها.","vol":"1","page":367},{"text":"كما ذكر السيد حسن الصدر، كان لأبي رافع شرف الأولوية في التأليف لا في التدوين، وصحة هذا لا تحملنا على أن ننفي ما ثبت تاريخيًا من أخبر التدوين في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز.\n\n[- ب -] ما دمنا في موضوع الشيعة والتدوين، فلا بد أن نتناول بالبحث أصلًا من أصول الزيدية، يعود تدوينه إلى مطلع القرن الثاني، وهذا الأصل هو \" مجموع الإمام زيد \" ونتناول هذا الكتاب في ثلاث نقاط، وهي التعريف بصاحب \" المجموع \"، والتعريف براويه، ثم \" المجموع \" ذاته.\n\n١ - الإمام زيد: هو زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵃ جَمِيعًا -. ولد الإمام زيد [حَوَالَيْ] سَنَةَ (٨٠ هـ)، ونشأ في أسرة معروفة بالعلم والجهاد، فقد تلقى العلم على أبيه ثم أخذ عن أخيه محمد الباقر الذي شهد له العلماء بالمنزلة العلمية الرفيعة، كما سمع من كبار التابعين في المدينة وكان يتنقل بين الحجاز والعراق، ونضج الإمام زيد حتى شهد أهل العلم بفضله وعلمه، سئل جعفر الصادق عن عمه زيد، فقال: «كان والله أقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في دين الله، وأوصلنا للرحم، والله ما تُرِكَ فينا لدنيا ولا لآخرة مثله». وقال الشعبي: «ما ولدت النساء أفضل من زيد بن علي ولا أفقه ولا أشجع ولا أزهد»، وسئل الباقر عن أخيه زيد، فقال: «إن زيدًا أعطى من العلم بسطة» (١).\n\nولزيد مع هشام بن عبد الملك وولاته أخبار كثيرة تذكر إخراجهم له واضطراره إلى الخروج على الخليفة، ومن هذا ما ذكره ابن العماد الحنبلي أنه دخل يومًا على هشام بن عبد الملك، فقال له: «أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة\n_________\n(١) انظر مقدمة \" مسند زيد \" وترجمته: ص ٣ وما بعدها.","vol":"1","page":368},{"text":"وأنت ابن أمة!» فأجابه بقوله: «إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لإسحاق، - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمَا -، فلم يمنعه ذلك من أن ابتعثه الله نبيًا، وجعله للعرب أبًا، وأخرج من صلبه خير البشر محمدًا - ﷺ -! أفتقول لي كذا وأنا ابن فاطمة وابن علي (١)!؟» وقام ينشد شعرًا وخرج من الكوفة وبايعه من أهلها خمسة عشر ألف رجل، ثم تفرقوا عنه ليلة خرج سوى ثلاثمائة رجل، ولما قتل أرسل برأسه إلى الشام ثم إلى المدينة، وكان ذلك سَنَة َ (١٢٢ هـ) (٢).\n\nوللإمام زيد \" المسند \" المُسَمَّى \" المجموع الفقهي \". وله \" المجموع الحديثي \"، وقد جمعهما (٣) عمرو بن خالد الواسطي. وله أَيْضًا \" تفسير الغريب من القرآن \"، و\" تثبيت الإمامة \"، و\" منسك الحج \" (٤).\n\n٢ - أما راوي \" المجموع \"، فهو أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي الهاشمي بالولاء الكوفي، روى \" مجموعي \" الإمام زيد الحديثي والفقهي، قال: «صحبت الإمام زيدًا فما أخذت عنه الحديث إلا وقد سمعته مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك، وما رأيت هاشميًّا مثل زيد بن علي، فلذلك اخترت صحبته على جميع الناس» (٥). وتوفي بعد العشر الخامسة من المائة الثانية من الهجرة.\n\nوقد اختلف في أبي خالد، فقبل الزيدية روايته، وفي هذا يقول القاسم\n_________\n(١) \" شذرات الذهب \": ص ١٥٧ جـ ١، وانظر \" الإمام زيد \" لأبي زهرة: ص ٤٢ - ٦٦.\n(٢) انظر \" شذرات الذهب \": ص ١٥٧ جـ ١، و\" الإمام زيد \" لأبي زهرة: ص ٤٢ - ٦٦.\n(٣) انظر \" الإمام زيد \" لأبي زهرة: ص ٢٣٣.\n(٤) انظر مقدمة \" مسند زيد \" (\" المجموع \"): ص: ٤، ٥.\n(٥) انظر المرجع السابق: ص ٢٦ و\" الروض النضير \" ص ٢٨ جـ ١.","vol":"1","page":369},{"text":"ابن عبد العزيز: «وعمرو بن خالد الواسطي أبو خالد، حدث عنه الثقات وهو كثير الملازمة لزيد بن علي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وهو الذي أخذ عنه أكثر الزيدية مذهب زيد بن علي - عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ -، وَرَجَّحُوا روايته على رواية غيره» (١). وَجَرَّحَهُ الإمامية (٢) وغيرهم. وقد فند شارح \" المجموع \" طعون الجارحين لعمرو وَبَيَّنَ أقوال العلماء فيه، وانتهى إلى أن كل ما وجه إليه لا يؤثر في عدالته (٣)، وكذلك فند فضيلة الأستاذ محمد أبو زهرة الطعون وناقشها ووازن آراء العلماء، وانتهى إلى أن أوجه قبول رواية أبي خالد أرجح من أوجه الطعن (٤).\n\n٣ - \" المجموع \": واختلف في \" المجموع \" ذاته: هل وضعه الإمام زيد ورتبه كما هوعليه الآن وأملاه على طلابه أم أن هذا عمل أبي خالد؟ فأبو خالد نفسه يجيب إبراهيم بن الزبرقان الذي سأله: «كَيْفَ سَمِعْتَ هَذَا الكِتَابَ عَنْ زَيْدِ بْنَ عَلِيٍّ؟»، فيقول: «سَمِعتُهُ مِنْه فِي كِتَابٍ مَعَهُ قَدْ وَطَأَهُ وَجَمَعَهُ، فَمَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ زَيْدِ بْنِ عَلَيٍِّ مِمَّنْ سَمِعَهُ مَعِي إلاَّ قُتِلَ غَيْرَِي» (٥). إلا أن الإمام محمد بن المطهر في أول شرحه \" المنهاج على المجموع \" يقول: «وَكَانَ مَذْهَبُهُ - يَعْنِي زَيْدُ بْنُ عَلَيٍِّ - عَزِيزًا، لِقِلَّةِ ضَبْطِهِ ' فِي الكِتَابِ الجَامِعِ إلاَّ مَا عَنِيَ بِجَمْعِهِ أَبُو خَالِدٍ، فَإِنَّه جَمَعَ مَجْمُوعَيْنِ لَطِيفَيْنِ، أَحَدُهُمَا فِي الأَخْبَارِ، وَالآخَرُ فِي الفِقْهِ» (٦) ويمكن الجمع بين\n_________\n(١) \" الروض النضير \": ص ٢٨ جـ ١.\n(٢) \" الإمام زيد \" لأبي زهرة: ص ٢٣٣.\n(٣) انظر \" الروض النضير \": ص ٢٥ - ٤٧ جـ ١. وشارح \" المجموع \" العلامة شرف الدين بن الحيمي اليمني، وكان عرضه لذلك فيما تجدر مراجعته.\n(٤) انظر \" الإمام زيد \" لأبي زهرة: ص ٢٣٥ - ٢٥٨.\n(٥) \" الروض النضير \": ص ٢٨ جـ ١.\n(٦) المرجع السابق: ص ٢٧ جـ ١.","vol":"1","page":370},{"text":"الخبرين بأن أبا خالد قد كتب عن الإمام زيد الحديث والفقه وسمع منه، فرتب ذلك في مجموعين. ولا نرى هذا بعيدًا قط، لأن أبا خالد صحب زَيْدًا بالمدينة قبل قدومه الكوفة خمس سنين، كان يقيم عنده في كل سَنَةٍ أَشْهُرًا كلما حج (١)، وكان عصر الإمام زيد عصر طلائع التصنيف، ومع هذا لا يمكننا أن نقطع بأن \" المجموع \" كما هو عليه الآن جمعًا وترتيبًا من تصنيف الإمام زيد، لأن الدارس لمتن \" المجموع \" يرى كثيرًا من الحديث يرويه أبو خالد قائلًا: «حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ»، وفي الفقه يقول: «قَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ»، مما يدل على أن أبا خالد تلقى هذا مشافهة عن الإمام زيد. وهذا لا يمنع أن يحمل الإمام بعض علمه في كتاب، سواء أملى على طلابه أم لم يمل، يُرَجَّحُ عِنْدِي أن أبا خالد كتب عن الإمام الحديث والفقه، ثم رتب ذلك في \" مجموعين \" وكل هذا لا يؤثر في صحة نسبة \" المجموع \" إلى زيد بن علي.\n\nوعلى هذا يكون \" المجموع \" من أهم الوثائق التاريخية التي تثبت ابتداء التصنيف والتأليف في أوائل القرن الثاني الهجري. بعد أن استنتجنا هذا من خلال عرضنا لمصنفات ومجاميع العلماء من غير أن نرى نموذجًا ماديًا يمثل أولى تلك المصنفات. اللهم إلا \" موطأ الإمام مالك \" الذي انتهى من تأليفه قبل منتصف القرن الهجري الثاني، فيكون \" المجموع \" قد صنف قبله بنحو ثلاثين سَنَةٍ.\n\nومن الواضح أن \" المجموع \" المطبوع جمع بين الفقه والحديث، فهو يضم \" المجموعين الفقهي والحديثي \" ولكنهما ليسا منفصلين، فنرى أبا خالد يروي في الباب الواحد أحاديث مرفوعة إلى النبي - ﷺ -، وَآثَارًا عن علي - ﵁ -، وفقه الإمام زيد - ﵀ -.\n_________\n(١) انظر \" الروض النضير \": ص ٢٨ جـ ١.","vol":"1","page":371},{"text":"وقد ضم \" المجموع \" (٢٢٨) حَدِيثًا مَرْفُوعًا إلى النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، ومن الأخبار العَلَوِيَّةِ (٣٢٠) خَبَرًا، وَعَنْ الحُسَيْنِ خَبَرَيْنِ فَقَطْ (١).\n\nوقد رتب \" المجموع \" ترتيبًا فقهيًّا، ففيه كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الجنائز، وكتاب الزكاة، وكتاب الصيام، وكتاب الحج، وكتاب البيوع ... ورتب كل كتاب على أبواب مختلفة، ويفتتح كل باب بحديث الباب بسنده المرفوع إلى الرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أو الموقوف على الإمام عَلِيٍّ - ﵁ -. وسأعرض بعض النماذج لنقف على حقيقة \" المجموع \".\n\n[- أ -] مِنْ بَابِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ فِي الصَّلاَةِ:\n\nقَالَ: «حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَالَ: أَبْصَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلاَةِ فَقَالَ: \" أَمَّا هَذَا لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ \"»، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - «إذًا دَخَلْتَ فِي الصَّلاَةِ فَلاَ تَلْتَفِتْ يَمِينًا وَلاَ شِمَالًا، وَلاَ تَعْبِثْ بِالحَصَى، وَلاَ تَرَفَعْ أَصَابِعَكَ وَلاَ تَنْقُضْ أَنَامِلَكَ، وَلاَ تَمْسَحْ جَبْهَتَكَ حَتَّى تَفْرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ» (٢).\n\n[- ب -] مِنْ كِتَابِ البُيُوعِ، بَابُ الكَسْبِ بِاليَدِ:\n\nقَالَ: «حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: أَيُّ الكَسْبِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُؤْمِنَ المُحْتَرِفَ، وَمَنْ كَدَّ عَلَى عِيَالِهِ كَانَ كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - ﷿ -».\n_________\n(١) انظر مقدمة \" مسند زيد \": ص ٩\n(٢) \" مسند الإمام زيد \": ص ٣٦، ٣٧.","vol":"1","page":372},{"text":"حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلاَلًا تَعَطُّفًا عَلَى وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَوْجَةٍ، بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى وَوَجْهُهُ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٣ - رَأْيٌ فِي التَّدْوِينِ الرَّسْمِيِّ:</span>\nلقد تبين لي أثناء البحث في موضوع تدوين السُنَّةِ، وخاصة في دراسة رجال الحديث في عصر الصحابة والتابعين - أن أمير مصر عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي (- ٨٥ هـ). قد حاول جمع حديث رسول الله - ﷺ -، وقد روى هذا إمام الديار المصرية ومحدثها اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، «أَنَّ عَبْدَ العَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ، كَتَبَ إِلَى كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الحَضْرَمِيِّ، - وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ بِحِمْصَ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -» قَالَ لَيْثٌ: «وَكَانَ يُسَمِّي الجُنْدَ المُقَدَّمَ» قَالَ: «فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ بِمَا سَمِعَ مِنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ إِلاَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا» (٢)، لم يطلب حديث أبي هريرة لأنه كان عنده وكان قد سمعه عبد العزيز بن مروان من أبي هريرة (٣). لقد طلب أمير مصر كتابة حديث رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - من إمام حمص وعالمها الذي كان طلابا للعلم حافظًا ثقة (٤). وقد كان هذا الطلب أثناء إمارته على مصر سَنَةَ (٦٥ - ٨٥ هجرية)، ويمكننا أن نجد هذا بحد\n_________\n(١) \" مسند الإمام زيد \": ص ١٠٣.\n(٢) \" طبقات ابن سعد \": ص ١٥٧ قسم ٢ جـ ٧، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٤٢٩ جـ ٨، وانظر \" سير أعلام النبلاء \" (مخطوط): ص ١٤٥ قسم ٢ جـ ٤.\n(٣) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٣٥٦ جـ ٦.\n(٤) انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٤٩ جـ ١.","vol":"1","page":373},{"text":"أقرب إلى الحقيقة إذا عرفنا أن كثير بن مرة توفي بين سَنَةَ (٧٠ و٨٠) للهجرة (١)، فلو فرضنا أنه توفي سَنَةَ (٧٥ هـ) فمعنى هذا أن طلب الأمير كان قبل هذه السَّنَةِ، والراجح عندي أن طلب الأمير عبد العزيز، كان في السنين الأولى من إمارته، لما عرف عنه من حب للعلم وأهله، وتفان في خدمة الدين (٢). إلا أن المصادر لم تخبرنا عن امتثال كثير بن مرة للأمير. فنقف أمام هذا الخبر التاريخي متسائلين: ترى هل كتب كثير للأمير ما طلب منه من حديث رسول الله - ﷺ -؟ وإذا كتب إليه فما مقدار ما كتبه؟ وعن أي الصحابة كتب؟ ثم إلى من آلت تلك الصحف أو الدفاتر المدونة؟ كل هذه أسئلة تعرض أمامنا، وتحتاج إلى بحث وتنقيب، وريثما يكشف لنا التاريخ عن خبايا تراثنا الإسلامي العظيم، نجيب عن هذه الأسئلة على ضوء ما لدينا من أخبار قليلة.\n\nإن ما نعرفه من عناية هؤلاء بالحديث يرجح عندنا أن يستجيب كثير بن مرة لطلب الأمير، ولو ظن الأمير عبد العزيز امتناع عالم حمص عن إجابته ما كتب إليه، مما يرجح عندي أن كثيرًا تلقى رسالة الأمير وأجابه إلى طلبه، لما عرف عن كثير من نشاط علمي عظيم، ومن الصعب في هذا المجال أن نقدر مقدار ما كتب كثير، لأن المراجع لم تنص على شيء من هذا (٣)، فأرجو\n_________\n(١) انظر \" تهذيب التهذيب \": ص ٤٢٩ جـ ٨.\n(٢) انظر \" النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة \": ص ١٧١، ١٧٤ جـ ١، و\" ولاة مصر \" للكندي: ص ٤٩.\n(٣) لأن التاريخ الأموي دُوِّنَ في عهد الدولة العباسية وقد اهتم المؤرخون بالحوادث الكبرى وبالخلفاء والخطوط العريضة من حياة الأمراء، وكانت كثير من مزايا الأمويين تطمس أو تصغر تمشيًا مع سياسة العباسيين الذين لا يسرهم التحدث بمفاخر من قبلهم. انظر \" أضواء على التاريخ الإسلامي \": ص ٨٥. ونحن لا نشك بوجود مؤرخين منصفين نرجو أن نجد عندهم فيما بعد مَا يُرْوِي غَلِيلَنَا في هذه النقطة.","vol":"1","page":374},{"text":"من الله أن أوفق فيما بعد للكشف عن ذلك وإيضاحه بما يكفل لنا الحكم العلمي الصحيح.\n\nونقول الآن بعد هذا الخبر: إذا ثبتت استجابة كثير بن مرة لطلب أمير مصر، فيعني هذا أن بعض الحديث النبوي قد دُوِّنَ رَسْمِيًّا في منتصف العقد الهجري الثامن قبل انقضاء القرن الأول. وعلى أية حال، فإن اهتمام أمير مصر بحديث رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وتدوينه يزيدنا ثقة بأن التدوين قد سار جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع الحفظ، ولم يتأخر قط إلى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، فيكون شرف المساهمة في تدوين الحديث، قد كلل الوالد الأمير والابن الخليفة البار، ويكون لهما جَمِيعًا شرف العمل لحفظ الحديث وتدوينه رَسْمِيًّا.\n\nوأنا بهذه النتيجة لا أريد أن أخالف ما اشتهر عند أئمة هذا العلم من أن تدوين الحديث النبوي كان على رأس المائة الأولى في خلافة عمر بن عبد العزيز، بل أضع يدي على مفتاح بحث تاريخي له أهميته في تاريخ تدوين الحديث سواء أخالف هذا المشهور أم وافقه، وهذا المفتاح قد طوى في بطون تراثنا الزاخر، ينتظر من يتفرغ ليكشف عنه، فنحن في هذا لسنا بِدَعًا، ولا نأتي بشيء جديد سوى أننا ننفض غبار الماضي عن جواهرنا المكنونة، ونحاول أن نسلكها في عقد يصور لنا الحقيقة التاريخية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٤ - المُسْتَشْرِقُونَ وَرَأْيُهُمْ فِي تَدْوِينِ الحَدِيثِ:</span>\nلقد عرفنا أن المسلمين حفظوا حديث النبي - ﷺ - في صدورهم وصحفهم، فساهمت الذاكرة والأقلام والصحف والدفاتر في حفظ السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ، وسار الحفظ في الصدور وفي الصحف جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ في سبيل هذه الغاية، ورأينا مراحل التدوين الفردي والرسمي، وثبت لنا وقوع التدوين في عهد رسول الله","vol":"1","page":375},{"text":"- ﷺ - وفي عصر الصحابة والتابعين، بأدلة قاطعة لا يرقى إليها الشك، ولا يعتريها الظن. وعرفنا أن ضرورة حفظ الحديث لم تنتظر خلافة عمر بن عبد العزيز وإذنه، بل دعت إلى تدوينه قبله بكثير، وكان لعمر بن عبد العزيز شرف مساهمة الدولة في تبني هذا التدوين والإشراف عليه، وتحريك همم العلماء للجمع والتصنيف، الذي ظهرت بوادره في النصف الأول من القرن الثاني، ونضجت ثماره في المصنفات الكثيرة التي أخرجها أوائل المصنفين في مختلف بلاد الدولة الإسلامية آنذاك.\n\nبعد هذا لن نؤخذ بما وصل إليه المستشرقون وأعلنوه من أن السُنَّةَ قد دُوِّنَتْ في عصر مبكر. ولن نقع فيما نصبه بعضهم من شراك خلف بحوثهم، وإن ظهرت بعض أبحاثهم في ثوب علمي نقي، فقد كتب جولدتسيهر فصلًا خاصًا حول كتابة الحديث في كتابه \" دراسات إسلامية \" أتى فيه بأدلة كثيرة على تدوين الحديث في أول القرن الهجري الثاني، وكان في الفصل الأول من كتابه «قد سرد طائفة من الأخبار، تشير إلى بعض الصحف التي دونت في عهد الرسول - ﷺ -، ولكنه حاطها بكثير من التشكك في أمرها، والريبة في صحتها، وقد رمى بهذا إلى غرضين، أحدهما: إضعاف الثقة باستظهار السُنَّةِ وحفظها في الصدور، لتعويل الناس منذ القرن الهجري الثاني على الكتابة، والآخر وصم السُنَّةَ كلها بالاختلاق ولوضع على ألسنة المدونين لها، الذين لم يجمعوا سَهْمًا إلا ما يوافق أهواءهم، ويعبر عن آرائهم ووجهات نظرهم في الحياة ...\n\nوحاول المستشرق «سوفاجيه» في كتابه \" الحديث عند العرب \" أن يفند المعتقد الخطأ عن وصول السُنَّةِ بطريق المشافهة وحدها، وجمع أدلة كثيرة","vol":"1","page":376},{"text":"على تدوين الأحاديث والتعويل على هذا التدوين في عصر مبكر يبدأ أَيْضًا في مطلع القرن الهجري الثاني، وليس في حياة الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وغايته لا تختلف في شيء عن غاية جولدتسيهر» (١).\n\nويقول الدكتور صبحي الصالح: «وأما \" دوزي \" فَلَعَلَّهُ يخدع برأيه المعتدل كَثِيرًا من علمائنا فضلًا عن أوساط المُتَعلِّمِينَ فينا، فقد كان هذا المستشرق يعترف بصحة قسم كبير من السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ التي حفظت في الصدور وَدُوِّنَتْ في الكتب بدقة بالغة وعناية لا نظير لها \" وما كان يعجب لكثير من الموضوعات والمكذوبات تَتَخَلَّلُ كُتُبَ الحديث - فتلك كما يقول طبيعة الأشياء نفسها - بل للكثير من الروايات الصحيحة الموثوقة التي لا يرقى إليها الشك، (ونصف \" صحيح البخاري \" على الأقل جدير بهذا الوصف عند أشد المُحَدِّثِينَ غُلُوًّا في النقد) مع أنها (٢) تشتمل على أمور كثيرة يَوَدُّ المؤمن الصادق لو لم ترد فيها (٣).\n\nفلم يكن غرض هذا المستشرق خَالِصًا للعلم والبحث المُجَرَّدِ حين مال إلى الاعتراف بصحة ذلك النصيب الكبير من السُنَّةِ، وإنما كان يُفكِّرُ أَوَّلًا وَآخِرًا بما اشتملت عليه هذه السُنَّةُ الصَّحِيحَةُ، من نظرات مُسْتَقِلَّةٍ في الكون والحياة والإنسان، وهي نظرات لا يدرأ عنها استقلالها النقد والتجريح لأنها لم تنبثق من العقل الغربي المعجز، ولم تُصَوِّرْ حياة الغرب الطليقة من كل قيد!» (٤)\n_________\n(١) انظر هذا البحث في \" علوم الحديث ومصطلحه \" للدكتور صبحي الصالح: ص ٢٣ - ٣٠ وما أشرنا إليه في الصفحة: ٢٤، ٢٥.\n(٢) أي الروايات الصحيحة.\n(٣) أشار الدكتور صبحي الصالح في هامش الصفحة ٢٦ إلى أن: «عِبَارَةَ دُوزِي فِي الأَصْلِ أَوْقَحُ مِنْ أَنْ نُورِدَهَا عَلَى حَالِهَا»، وأحال إلى الأصل بالفرنسية.\n(٤) \" علوم الحديث ومصطلحه \" للدكتور صبحي الصالح: ص ٢٦.","vol":"1","page":377},{"text":"وعثر المستشرق (شبرنجر) على كتاب \" تقييد العلم \" للخطيب البغدادي فوجد فيه شواهد وأخبارًا تدل على تدوين المسلمين للحديث في عصر مبكر فكتب مقالًا حول ما وجده.\n\nواطلع (جولدتسيهر) على ما كتبه سلفه (شبرنجر) وأيد فكرة كتابة المسلمين للحديث في عصر مبكر، إلا أنه «تأمل في الأخبار التي عرضها سلفه \" شبرنجر \" نقلًا عن الخطيب البغدادي وغيره، فوجدها تارة تقول بأن الرسول - ﷺ - أجاز كتابة العلم، وطورًا تدعي بأنه نهى عنها، وتذكر مرة أن الصحابة حضوا عليها، ثم لا يلبث أن تروى كراهتهم لها، وَتَعْرِضَ كَتْبَ بَعْضِ التابعين للعلم، ثم تذكر استنكاف بعضهم الآخر - رأى ذلك فظن بهذه الأخبار سُوءًا، وأراد أن يرى خلالها يد الوضع والتزوير، فتصور حزبين متناضلين، اتخذا من هذه الأخبار سِلاَحًا، يذود كل منهما به عن رأيه، ويدفع خصمه، فقال: إن أهل الرأي - الذين اعتمدوا في وضع فروع الشريعة على عقلهم، وأهملوا شأن حديث رسول الله - ﷺ - - كان من حُجَجِهِمْ أن الحديث لم يكتب دهرًا طويلًا، فغابت معالمه، وتشتت أمره، وأيدوا رأيهم بأخبار اختلقوها، تثبت أنه لم يكتب، ولم يقف خصومهم (أهل الحديث) واجمين، بل فعلوا فعلتهم واختلقوا الأخبار تَأْيِيدًا لقولهم، فنسبوا إلى الرسول أحاديث في إباحة الكتابة» (١).\n\nهكذا رأى جولدتسيهر أهل الرأي يدعون عدم كتابة الحديث، فيضعون من الأخبار ما يثبت دعواهم، وأهل الحديث يرون جواز تقييد العلم، فيضعون\n_________\n(١) مجلة \" الثقافة \" المصرية: العدد ٣٥١، السنة السابعة، الصفحة: ٢٢، ٢٣ من مقالة أستاذنا الدكتور يوسف العش «نشأة تدوين العلم في الإسلام».","vol":"1","page":378},{"text":"ما يثبت دعواهم، ليحتجوا بصحة ما لديهم من أحاديث في خلافاتهم الفقهية، أراد جولدتسيهر أن يصور علماء الأمة ومفكريها، حزبين متعصبين لآرائهم، يستجيزون الكذب في سبيل ذلك!! فساء ما تصوره وبئس ما انتهى إليه.\n\nوقد قيض الله لكتاب \" تقييد العلم \" أن ينشر في دمشق، ويحقق تحقيقًا علميًّا دقيقًا، على يدي الدكتور يوسف العش، الذي درس أخباره دراسة عميقة، ثم قدم للكتاب المذكور بتصدير علمي قيم، كشف فيه عن خطأ جولدتسيهر في رأيه حين قال: «إن من ادعى عدم جواز الكتابة هم أهل الرأي، وأن مخالفيهم هم من أهل الحديث» - قال الدكتور العش: «فالخلاف لم يكن بين هاتين الفئتين، لأن من أهل الرأي من امتنع عن الكتابة كعيسى بن يونس (- ١٨٧ هـ) وحماد بن زيد (- ١٧٩ هـ) وعبد الله بن إدريس (- ١٩٢ هـ)، وسفيان الثوري (- ١٦١ هـ)، وبينهم من أقرها كحماد بن سلمة (- ١٦٧ هـ)، والليث بن سعد (- ١٧٥ هـ) وزائدة بن قدامة (- ١٦١ هـ) ويحيى بن اليمان (- ١٨٩ هـ)، وغيرهم. ومن المحدثين من كره الكتابة كابن علية (- ٢٠٠ هـ) وهُشيم بن بشير (- ١٨٣ هـ)، وعاصم بن ضمرة (- ١٧٤ هـ) وغيرهم، ومنهم من أجازها كبقية الكلاعي (- ١٩٧ هـ) وعكرمة بن عمار (- ١٥٩ هـ)، ومالك بن أنس (- ١٧٩) وغيرهم» (١).\n\nبهذه البراهين القوية نقض الدكتور يوسف العش رأي جولدتسيهر وقوض\n_________\n(١) \" تقييد العلم \": ص ٢١، ٢٢ وانظر مقالة الدكتور العش في مجلة \" الثقافة \" المصرية \" العدد ٣٥٣، السَنَةُ السابعة، الصفحة: ٩، ١٠.","vol":"1","page":379},{"text":"كل ما بناه على رأيه من صور وهمية، وبين بعد البحث والتأمل «أنْ ليس من أوصاف مشتركة تُوَحِّدُ بين أصحاب إحدى الطائفتين، فليس الفريقان حزبين اتفق أفرادهما في الرأي، واستعدُّوا لخوض المعركة متضامنين، يناصر بعضهم بعضًا، وإنما تَمَسَّكُوا برأيهم عن عقيدة نفسية، أو عن ميول شخصية، أو عن ذوق خاص، أو عن عادة مُسْتَحْكَمَةٍ، وعندنا أَنَّ الطائفتين المُتخاصمتين مُتَّفِقَتَانِ بِالغَايَةِ، ولو أنهما تشاحنتا في القول، فكلتاهما تبغي الدفاع عن العلم والتقدُّم» (١).\n\nبعد تلك الأخبار عن التدوين، وحرص الأمة على سلامة الحديث النبوي، لا يمكننا أن نسلم بما ذهب إليه المستشرقون، وخاصة بعد أن ظهر أمرهم على ضوء ما بيناه، فالسنة حفظت منذ عهد الرسول - ﷺ - في الصدور، وقيد بعضها في الصحف، وكانت محل اعتناء المسلمين في مختلف عصورهم، فتناقلوها جيلًا بعد جيل حفظًا ودراسة بالمشافهة والكتابة، واجتهدوا وسعهم لحفظ الحديث بأسانيده في مصنفات ومسانيد تكفل لأهل العلم معرفة القوي من الضعيف، خشية تسرب الكذب إلى حديثه - ﷺ -، ثم اجتهد كبار العلماء في جمع الحديث الصحيح على أسلم قواعد التثبت العلمي، فرحلوا في طلب ذلك، وسمعوا بأنفسهم، وتثبتوا وسعهم، وكتبوا بأيديهم، فظهرت الكتب المجردة من الضعيف وأجمعت الأمة الإسلامية - التي فهمت الإسلام واتخذته سبيلها في مختلف وجوه حياتها - على صحة \" صحيح البخاري \" و\" صحيح مسلم \"، فإذا اعترف المستشرقون ببعض الحقيقة العلمية، وأقروا جانبًا مما أثبتته المصادر الإسلامية، فلا يجوز لنا على أي حال أن نقبل ما ذهبوا إليه من طعن في\n_________\n(١) مجلة \" الثقافة \" المصرية: العدد ٣٥٣، السَنَة السابعة، الصفحة ١٠.","vol":"1","page":380},{"text":"صحاح السُنَّةِ، باسم طبيعة تطور الرواية أو غير ذلك، كما لا يجوز لنا أَيْضًا أن نقبل منهم إضعاف ثقتنا باستظهار السُنَّةِ وحفظها ما دام قد ثبت تقييد بعض الحديث منذ عهده - ﷺ -، فلا تعارض بين حفظ الحديث وكتابته، ولا يقتضي وجود أحدهما انعدام الآخر أو ضعفه.\n\n...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>نَتَائِجُ هَذَا الفَصْلِ:</span>\n١ - دونت أحاديث في عهد الرسول - ﷺ - وفي عهد الصحابة والتابعين، ووصلنا بعضها في المسانيد والصحاح وبعضها مستقلًا، وأشهر تلك الصحف التي دونت في عهده - ﷺ - العهد الذي أمر الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - بكتابته بين المسلمين ويهود المدينة، و\" الصحيفة الصادقة \" لعبد الله بن عمرو، وبعض \" صحيفة جابر \"، ومن أقدم ما وصلنا من عهد الصحابة \" صحيفة همام بن منبه \" عن أبي هريرة التي دونت قطعًا في العقد السادس من القرن الأول الهجري.\n\n٢ - تجلى لنا من البحث كثرة الكتب والمصنفات في أول القرن الهجري الثاني.\n\n٣ - إذا صحت نسبة \" مجموع زيد \" إلى الإمام زيد - وهو الراجح - يكون لدينا دليل مَادِيٌّ قوي على ما صُنِّفَ في أوائل القرن الهجري الثاني.\n\n٤ - إن محاولة أمير مصر جمع الحديث في العقد الثامن من القرن الأول الهجري دليل على اهتمام ولاة المسلمين بالحديث، وحرصهم على حفظه، ومحاولة رسمية من أولي الأمر لجمع السنة قبل الزمن المشهور بربع قرن.","vol":"1","page":381},{"text":"٥ - لم تسلم أبحاث من الخطأ المقصود أو غير المقصود، ولم يصب (جولدتسيهر) في تصوره واستنباطه من الأخبار الواردة في كراهة الكتابة وإباحتها، حين ظن قيام حزبين متخاصمين، أهل رأي، يضعون ما ينفي التدوين ليتمكنوا من الطعن في بعض الأحاديث ورفضها حسب ميولهم وأهوائهم، وأهل حديث، وضعوا ما يروق لهم من الأخبار التي تثبت التدوين ليتمكنوا من الاحتجاج ببعض الأحاديث التي تخدم غاياتهم وأهواءهم. فعلماء المسلمين وفقهاؤهم أرفع بكثير مما تصوره (جولدتسيهر)، وقد نهجوا جَمِيعًا المنهج العلمي الدقيق في سبيل الحفاظ على الشريعة الإسلامية.\n\nوبعد أن اطلعنا على تاريخ السُنَّةِ، منذ عهد الرسول - ﷺ - حتى منتصف القرن الهجري الثاني تقريبًا، وعرفنا كيف حفظت وكيف نقلت ورويت جيلًا بعد جيل، حتى وصلتنا سالمة خالصة من كل شائبة - أرى من واجبي أن أُعَرِّفَ بمشاهير رواة الحديث من الصحابة والتابعين، لنطلع على مكانتهم العلمية، ونعلم قيمة رجال الحديث الذين حافظوا على السُنَّةِ، وصانوها عبر الزمان، ونقلوها إلينا بكل أمانة، فهم سندنا، وسبيلنا إلى الرسول - ﷺ - وإلي سُنَّتِهِ الطَّاهِرَةِ، وهذا ما سأبحثه في الباب بعون الله.\n\n***","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>البَابُ الخَامِسُ: أَعْلاَمُ رُوَّاةِ الحَدِيثِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:</span>\n• الفصل الأول: بعض أعلام الرواة من الصحابة.\n\n• الفصل الثاني: بعض أعلام الرواة من التابعين.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الفصل الأول: بَعْضُ أَعْلاَمُ الرُوَّاةِ مِنَ الصَّحَابَةِ:</span>\nوفيه:\n\n١ - تعريف الصحابي، لغة وشرعًا.\n\n٢ - طبقات الصحابة.\n\n٣ - كيف يعرف الصحابي؟.\n\n٤ - عدالة الصحابة.\n\n٥ - عدد الصحابة.\n\n٦ - علم الصحابي.\n\n٧ - المكثرون من الصحابة:\n• ابو هريرة.\n• عبد الله بن عمر.\n• أنس بن مالك.\n• عائشة أم المؤمنين.\n• عبد الله بن عباس.\n• جابر بن عبد الله.\n• أبو سعيد الخدري.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>١ - تَعْرِيفُ الصَّحَابِي:</span>\nالصحابي لغة: مشتق من الصحبة، وليس مشتقًا من قدر خاص منها، بل هو جار على كل من صحب غيره قليلًا كان أو كثيرًا، كما أن القول: مكلم ومخاطب وضارب مشتق من المكالمة، والمخاطبة والضرب، وجار على كل من وقع منه ذلك قليلًا كان أو كثيرًا، وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال.\n\nوكذلك يقال صحب فلان حَوْلًا وَدَهْرًا وَسَنَةً وَيَوْمًا وَسَاعَةً فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيره (١).\n\nوالصحابي عند المحدثين:\nهو كل مسلم رأى رسول الله - ﷺ - (٢)، قال البخاري في \" صحيحه \": «وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ، أَوْ رَآهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ»، وَذَكَرَ الإِمَامُ أَحْمَدُ «مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَهْلَ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ هَؤُلاَءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القَرْنُ الذِي بُعِثَ فِيهِمْ، كُلُّ مَنْ صَحِبَهُ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ، لَهُ مِنَ الصُّحْبَةُ عَلَى قَدْرِ مَا صَحِبَهُ، وَكَانَتْ سَابِقَتُهُ مَعَهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ» (٣).\n_________\n(١) انظر \" الكفاية في علم الرواية \": ص ٥١، و\" فتح المغيث \": ص ٣١ جـ ٤ عن أبي بكر الباقلاني، وانظر \" لسان العرب \": ص ٧ جـ ٢.\n(٢) انظر \" مقدمة ابن الصلاح \": ص ١١٨، و\" الباعث الحثيث \": ص ٢٠١، و\" تدريب الراوي \": ص ٣٩٦، و\" فتح المغيث \": ص ٢٩ جـ ٤.\n(٣) \" الكفاية في علم الرواية \": ص ٥١، و\" تلقيح فهوم أهل [الأثر] \" [لابن الجوزي]: ص ٢٧: ب.","vol":"1","page":387},{"text":"قال ابن الصلاح: «وَبَلَغَنَا عَنْ أَبِي المُظَفَّرِ السِّمْعَانِيِّ المَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: \" أَصْحَابُ الحَدِيثِ يُطْلِقُونَ اسْمَ الصَّحَابَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ رَوَى عَنْهُ حَدِيثًا أَوْ كَلِمَةً، وَيَتَوَسَّعُونَ حَتَّى يَعُدُّونَ مَنْ رَآهُ رُؤْيَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهَذَا لِشَرَفِ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَعْطَوْا كُلَّ مَنْ رَآهُ حُكْمَ الصُّحْبَةِ (*)» (١).\n\nوقال آخرون: لا بد في إطلاق الصحبة مع الرؤية أن يروى حديثًا أو حديثين (٢).\n\nقَالَ الوَاقِدِيُّ: «وَرَأَيْتُ أَهْلَ العِلْمِ يَقُولُونَ: كُلُّ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَدْ أَدْرَكَ الحُلُمَ فَأَسْلَمَ وَعَقَلَ أَمْرَ الدِّينِ وَرَضِيَهُ فَهُوَ عِنْدَنَا مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» (٣). إلا أن تعريف الواقدي هذا يخرج بعض الصحابة الذين رأوا رسول الله وهم دون الحُلُمِ وَرَوَوْا عنه، كعبد الله بن عباس والحسن والحسين وابن الزبير وغيرهم - ﵃ -، ولذلك قال العراقي: «وَالتَّقْيِيدُ بِالبُلُوغِ [- كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ -] شَاذٌّ» (٤).\n\nقَالَ إِمَامُ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: «الصَّحَابَةُ لاَ نَعُدُّهُمْ إِلاَّ مَنْ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، وَغَزَا مَعَهُ غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ» (٥).\n\nقال ابن الصلاح: «وَكَأَنَّ المُرَادَ بِهَذَا - إِنْ صَحَّ عَنْهُ - رَاجِعٌ إِلَى المَحْكِيِّ عَنْ\n_________\n(١) \" مقدمة ابن الصلاح \": ص ١١٨، و\" فتح المغيث \": ص ٣٠، ٣١ جـ ٤.\n(٢) انظر \" الباعث الحثيث \": ص ٢٠٣، و\" فتح المغيث \": ص ٣٢ جـ ٤.\n(٣) \" تلقيح فهوم أهل الأثر \": ص ٢٧: ب ونحوه في \" فتح المغيث \": ص ٣٢ جـ ٤، و\" الكفاية \": ص ٥١.\n(٤) \" فتح المغيث \": ص ٣٢ جـ ٤.\n(٥) \" الكفاية \": ص ٥٠، ٥١، و\" الباعث الحثيث \": ص ٢٠٣، و\" تلقيح فهوم أهل الأثر \": ص ٢٧: ب، و\" تدريب الراوي \": ص ٣٩٨.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) ورد في المطبوع (الصحابة) والصواب (الصُّحْبَةِ) انظر \" مقدمة ابن الصلاح \"، تحقيق وشرح الشيخ نور الدين عتر، ص ٢٩٣، طبعة سنة: ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م، نشر: دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بدمشق - سوريا.","vol":"1","page":388},{"text":"الأُصُولِيِّينَ، وَلَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ ضِيقٌ يُوجِبُ أَلاَّ يُعَدَّ مِنَ الصَّحَابَةِ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيُّ وَمَنْ شَارَكَهُ ...» (١).\n\nقال العراقي: «وَلاَ يَصِحُّ هَذَا عَنْ ابْنِ المُسَيِّبِ، فَفِي الإِسْنَادِ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الوَاقِدِيُّ ضَعِيفٌ فِي الحَدِيثِ» (٢).\n\nقال ابن الجوزي: «وَعُمُومُ العُلَمَاءِ عَلَى خِلاَفِ قَوْلِ ابْنِ المُسَيِّبِ، فَإِنَّهُمْ عَدُّوا جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ (البَجَلِيَّ) مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ، وَعَدُّوا مِنَ الصَّحَابَةِ، مَنْ لَمْ يَغْزُ مَعَهُ، وَ(مَنْ) تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ صَغِيرُ السِنِّ، وَلَمْ يُجَالِسْهُ وَلَمْ يُمَاشِهِ، فَأَلْحَقُوهُ بِالصَّحَابَةِ إِلْحَاقًا وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةُ الصُّحَبَةِ لَمْ تُوجَدْ فِي حَقِّهِ» (٣).\n\nقال ابن حجر: «أَصَحُّ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ: مَنْ لَقِيَ النَّبيَّ - ﷺ - مُؤْمِنًا بِهِ، وَمَاتَ عَلَى الإِسْلاَمِ، فَيَدْخُلُ فِيمَنْ لَقِيَهُ مَنْ طَالَتْ مُجَالَسَتُهُ أَوْ قَصُرَتْ، وَمَنْ رَوَى عَنْهُ أَوْ لَمْ يَرْوِ، وَمَنْ غَزَا مَعَهُ أَوْ لَمْ يَغْزُ، وَمَنْ رَآهُ رُؤْيَةً وَلَمْ يُجَالِسْهُ، وَمَنْ لَمْ يَرَهُ لِعَارِضٍ كَالعَمَى» (٤). وهو رأي الجمهور.\n\nوالرؤية عند أنس بن مالك - ﵁ - لا تكفي لجعل الرائي صحابيًا.\n\nرَوَى شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى السَّبْلاَنِيَّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، قُلْتُ لأَنَسٍ بْنِ مَالِكَ: «\"هَلْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَحَدٌ غَيْرُكَ؟ \" قَالَ: \" نَاسٌ مِنَ\n_________\n(١) \" فتح المغيث \": ص ٣٢ جـ ٤.\n(٢) \" فتح المغيث \": ص ٣٢ جـ ٤.\n(٣) \" تلقيح فهوم أهل الأثر \": ص ٢٧: ب.\n(٤) \" الإصابة \": ص ٤ جـ ١، وهكذا ليس من عاصر الرسول - ﷺ -، ولم يره صحابيًا كما قاله بعضهم، انظر جميع المراجع السابقة.","vol":"1","page":389},{"text":"الأَعْرَابِ رَأَوْهُ، فَأَمَّا مَنْ صَحِبَهُ فَلاَ \". رواه مسلم بحضرة أبي زرعة» (١).\n\nقَالَ أَبُو بَكْرٍالبَاقِلاَّنِيُّ (٣٣٨ - ٤٠٣ هـ) بَعْدَ أَنْ عَرَّفَ الصَّحَابِيَّ لُغَةً: «وَكَذَلِكَ يُقَالُ: صَحِبْتُ فُلاَنًا حَوْلًا وَدَهْرًا وَسَنَةً وَشَهْرًا وَيَوْمًا وَسَاعَةً، فَيُوقَعُ اسْمُ المُصَاحَبَةِ بِقَلِيلِ مَا يَقَعُ مِنْهَا وَكَثِيرِهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ فِي حُكْمِ اللُّغَةِ إِجْرَاءَ هَذَا عَلَى مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، هَذَا هُوَ الأَصْلُ فِي اشْتِقَاقِ الاسْمِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَقَرَّرَ لِلأُمَّةِ (٢) عُرْفٌ فِي أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ إِلاَّ فِيمَنْ كَثُرَتْ صُحْبَتُهُ وَاتَّصَلَ لِقَاؤُهُ، وَلاَ يُجْرُونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَقِيَ المَرْءَ سَاعَةً، وَمَشَى مَعَهُ خُطًى، وَسَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا، فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ لاَ يُجْرَى هَذَا الاسْمُ فِي عُرْفِ الاِسْتِعْمَالِ إِلاَّ عَلَى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ» (٣).\n\nومع هذا فإن خبر الثقة الأمين عنه مقبول ومعمول به وإن لم تطل صحبته، ولا سمع منه إلا حديثًا واحدًا. فقول أنس - ﵁ - لا يخالف عرف الأمة، ومما لا شك فيه أن الصحابة على درجات بحسب تقدمهم وبلائهم في الإسلام.\n\nوإلى رأي الجمهور أميل وبه أقول، لأنه في الحقيقة لَمْ يَرْوِ صحابي عن رسول الله - ﷺ - حديثًا إلا قد ثبتت عدالته عند جهابذة هذا العلم، بتطبيق قواعد النقد العلمي الصحيحة، التي طبقوها في علم الحديث على سائر الرواة، وسيتجلى لنا ما ذهبت إليه عندما نتكلم عن عدالة الصحابة.\n_________\n(١) \" الباعث الحثيث \": ص ٢٠٣، قال ابن الصلاح: «إسْنادُهُ جيِّدٌ، حدَّثَ بهِ مُسْلِمٌ بِحَضْرَةِ أَبِي زُرْعَةَ». وانظر \" فتح المغيث \": ص ٣١ جـ ٤. وقال في كلام أبي زرعة الرازي وأبي داود ما يقتضي أن الصحبة أخص من الرؤية: «فَإِنَّهُمَا قَالاَ فِي طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: لَهُ رُؤْيَةٌ وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ. وَقَالَ عَاصِمٌ الأَحْوَلُ: قَدْ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ صُحْبَةٌ ...»\nوقال ابن كثير: «وَهَذَا إِنَّمَا نَفَى فِيه الصُّحْبَةَ الخَاصَّةَ، وَلاَ يَنْفِي مَا اِصْطَلَحَ عَلَيه الجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ الرُّؤًيَةِ كَافٍ فِي إِطْلاَقِ الصُّحْبَةِ». \" الباعث الحثيث \": ص ٢٠٣، وانظر \" الكفاية \": ص ٥٠.\n(٢) في \" الكفاية \": ص ٥١ «لِلأُمَّةِ» وفي \" فتح المغيث \": «لِلأَئِمَّةِ».\n(٣) \" الكفاية \": ص ٥١. و\" فتح المغيث \": ص ٣١ جـ ٤.","vol":"1","page":390},{"text":"والصحابي عند الأصوليين أو بعضهم: هو كل من طالت مجالسته للرسول - ﷺ -، على طريق التبع له والأخذ عنه (١) وقول أنس بن مالك وسعيد بن المسيب قريب من قول الأصوليين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٢ - طَبَقَاتُ الصَّحَابَةِ:</span>\nصحيح أن أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحبة على كل من روى عن النبي - ﷺ - حديثًا أو كلمة، ويتوسعون حتى إنهم يعدون من رآه رؤية من الصحابة، قالوا هذا لشرف منزلة النبي - ﷺ -، إلا أن الصحابة - ﵃ - طبقات ودرجات، فهناك السابقون في الإسلام، الذين طالت صحبتهم، وبذلوا أموالهم ودماءهم للدعوة، وهناك من رآه في حجة الوداع رؤية، وبين هؤلاء وهؤلاء درجات ومراتب كثيرة، وهناك من لازمه في الليل والنهار، في حله وظعنه، في صيامه وفطره، في مرحه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وجده، في جهاده ومناسكه، وعرف عنه كثيرًا من دقائق الأعمال وشرف السنن، فلا يعقل أن يكون جميع الصحابة في مرتبة واحدة، ولا يتصور هذا في ميزان العدالة والمنطق، لذلك كان الصحابة طبقات بإجماع الأمة، واختلف المؤلفون في تصنيف الصحابة إلى طبقات، فجعلهم ابن سعد خمس طبقات، وجعلهم الحاكم اثنتي عشرة طبقة، وزاد بعضهم أكثر من ذلك (٢).\n_________\n(١) انظر \" تدريب الراوي \": ص ٣٩٧، و\" فتح المغيث \": ص ٣١، ٣٢ جـ ٤. حكاه أبو المظفر السمعاني عن الأصوليين وقال: «إِنَّ اسْمَ الصَّحَابِيِّ يَقَعُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ» (*). وحكاه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي \" العُدَّةِ \" فَقَالَ: «الصَّحَابِيُّ هُوَ الذِي لَقِيَ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَأَقَامَ مَعَهُ وَاتَّبَعَهُ دُونَ مَنْ وَفَدَ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَانْصَرَفَ مِنْ غَيْرِ مُصَاحَبَةٍ وَلاَ مُتَابَعَةٍ». فلا ينصرف إليه هذا الاسم.\n(٢) انظر \" الباعث الحثيث: ص ٢٠٧، و\" فتح المغيث \": ص ٤٠، ٤١ جـ ٤. و\" تدريب الراوي \": ص ٤٠٧.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) [في الكتاب المطبوع: ورد: «مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ وَالظَّاهِرِ» وعند كلمة «اللُّغَةِ» ينتهي قول أبي المظفر السمعاني، وبقية القول للسخاوي: «وَالظَّاهِرُ أَنَّ المُحَدِّثِينَ تَوَسَّعُوا فِي إِطْلاَقِ اسْمِ الصُّحْبَةِ ...»].","vol":"1","page":391},{"text":"والمشهور ما ذهب إليه الحاكم، وهذه الطبقات هي: (١)\n١ - قوم تقدم إسلامهم بمكة، كالخلفاء الأربعة.\n٢ - الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور أهل مكة في دار الندوة.\n٣ - مهاجرة الحبشة.\n٤ - أصحاب العقبة الأولى.\n٥ - أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار.\n٦ - أول المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي - ﷺ - بقُباء قبل أن يدخل المدينة.\n٧ - أهل بدر.\n٨ - الذين هاجروا بين بدر والحديبية.\n٩ - أهل بيعة الرضوان في الحديبية.\n١٠ - من هاجر بين الحديبية وفتح مكة، كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبي هريرة (٢).\n١١ - مسلمة الفتح، الذين أسلموا في فتح مكة.\n١٢ - صبيان وأطفال رأوا النبي - ﷺ - يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرها.\n\nوقد أجمع أَهْلُ السُنَّةِ على أن أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر، ولم يختلف أحد من الصحابة والتابعين في أفضليتهم على جميع\n_________\n(١) \" معرفة علوم الحديث \": ص ٢٢ - ٢٤.\n(٢) لا يصح التمثيل بأبي هريرة فإنه هاجر قبل الحديبية عقب خيبر بل في أواخرها. فانظر \" فتح المغيث \": ص ٤٠ جـ ٤. وانظر ترجمته في هذا الكتاب.","vol":"1","page":392},{"text":"الصحابة (١)، ثم عثمان بن عفان، ثم علي، وحكى الخطابي عن أهل السنة من الكوفة تقديم عَلِيٍّ على عثمان، وبه قال ابن خزيمة، ثم بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة (٢)، ثم أهل بدر، ثم أُحُدْ، ثم بيعة الرضوان، وممن لهم مزية أهل العقبتين من الأنصار، والسابقون الأولون، وهم من صلى القبلتين في قول ابن المسيب ومحمد بن سيرين وقتادة، وفي قول الشعبي أهل بيعة الرضوان، وفي قول محمد بن كعب وعطاء بن يسار أهل بدر وقيل: هم الذين أسلموا قبل الفتح، وهو قول الحسن البصري (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٣ - كَيْفَ يُعْرَفُ الصَّحَابِيُّ</span>؟:\nيعرف الصحابي بأحد الأدلة التالية:\n[١] الخبر المتواتر: كأبي بكر وعمر وبقية العشرة المبشرين بالجنة - ﵃ -.\n\n[٢] الخبر المشهور أو المستفيض القاصر عن حد التواتر، كعكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة.\n\n[٣] أن يخبر أحد الصحابة عنه أنه صحابي، كَحُمَمَةُ بْنُ أَبِي حُمَمَةَ الدَّوْسِيُّ الذي توفي بأصبهان مبطونًا، فشهد له أبو موسى الأشعري أنه سمع النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) وإنما الخلاف في عثمان وَعَلِيٍّ - ﵄ -، ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع ولا أهل البدع.\n(٢) انظر \" الباعث الحثيث \": ص ٢٠٨ و\" فتح المغيث \": ص ٤١، و\" تدريب الراوي \": ص ٤٠٧ وتمام العشرة المبشرين بالجنة: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة عامر بن الجراح.\n(٣) انظر \" تدريب الراوي \": ص ٤٠٩، و\" الباعث الحثيث \": ص ٢٠٨، و\" فتح المغيث \": ص ٤٣ جـ ٤.","vol":"1","page":393},{"text":"٤ - أن يخبر عن نفسه بأنه صحابي بعد ثبوت عدالته ومعاصرته للرسول - ﷺ - (١).\n\n٥ - أن يخبر أحد التابعين بأنه صحابي بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح (٢). ويمكن ضم الثالث والخامس أحدهما إلى الآخر فنقول أن يخبر بذلك من تقبل شهادته، فالصحبة رتبة ومكانة لا تثبت لأحد إلا بدليل أو بينة توافرت فيها جميع الشروط والأركان التي يجب أن تتوافر في كل بيئة، فإذا قامت البينة المقبولة لأحد في ذلك نال شرف الصحبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>٤ - عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ:</span>\nإن للصحبة شرفًا عظيمًا، يمنح صاحبها ميزة خاصة، وهي أن جميع الصحابة عند من يعتد به من أهل السُنة عدول، سواء من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس (٣)، وهو قول الجمهور.\n\nوقال قوم: إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية.\n\nومنهم من قال: إنهم لم يزالوا عُدُولًا إلى أن وقع الاختلاف والفتن بينهم أبعد ذلك لا بد من البحث في عدالتهم.\n_________\n(١) راجع تفصيل ذلك في \" فتح المغيث \": ص ٣٤ جـ ٤، و\" تدريب الراوي \": ص ٤٠٠، و\" الباعث الحثيث \": ص ٢١٥، و\" الروض الباسم \": ص ١٢٨ - ١٣٠.\n(٢) انظر \" تدريب الراوي \": ص ٤٠٠ وهذا ما زاده ابن حجر على ما ذكره غيره من طرق معرفة الصحابي، وقد استخرجت هذه الطرق من المراجع السابقة: \" فتح المغيث \": ص ٣٤ جـ ٤، و\" تدريب الراوي \": ص ٣٩٩، و\" الباعث الحثيث \": ص ٢١٥، و\" الكفاية \": ص ٥١.\n(٣) انظر \" الكفاية \": ص ٤٦ - ٤٩، و\" الباعث الحثيث \": ص ٢٠٥، و\" فتح المغيث \": ص ٣٥ جـ ٤، و\" تدريب الراوي \": ص ٤٠٠.","vol":"1","page":394},{"text":"ومنهم من قال - وهم المعتزلة - (١) إن كل من قاتل عَلِيًّا عالمًا فهو فاسق مردود الرواية والشهادة، لخروجهم على الإمام الحق.\n\nومنهم من قال برد رواية الكل وشهادتهم، لأن أحد الفريقين فاسق وهو غير معلوم ولا معين.\n\nومنهم من قال بقبول رواية كل واحد منهم وشهاته إذا انفرد، لأن الأصل فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفه، لتحقق فسق أحدهما من غير تعيين.\n\nوالمختار إنما هو مذهب الجمهور من الأئمة، وذلك بالأدلة على عدالتهم ونزاهتهم وتميزهم على من بعدهم (٢).\n\nقال ابن حزم: «نقول بفضل المهاجرين الأولين بعد عمر بن الخطاب ... ثم بعد هؤلاء أهل العقبة \" الأنصار الذين بايعوه بيعة العقبة \"، ثم أهل بدر ثم أهل المشاهد مشهدًا مشهدًا، وأهل كل مشهد أفضل من المشهد الذي بعده حتى يبلغ الأمر إلى الحديبية، فكل من تقدم ذكره من المهاجرين والأنصار - ﵃ - إلى تمام بيعة الرضوان فإنا نقطع على غيب قلوبهم أنهم كلهم مؤمنون صالحون (٣)، ماتوا كلهم على الإيمان والهدى والبر،\n_________\n(١) صرح بذلك ابن كثير في \" الباعث الحثيث \": ص ٣٠٥.\n(٢) انظر \" الإحكام في أصول الأحكام \" للآمدي: ص ١٢٨ جـ ٢ ونحوه في \" فتح المغيث \": ص ٣٦ جـ ٤.\n(٣) بالرغم من مكانة الصحابة، وبذلهم وتفانيهم من أجل الدعوة، (طعن النَظَّامُ في أكثر الصحابة، وأسقط عدالة ابن مسعود، ونسبه إلى الضلال من أجل روايته عن النبي - ﷺ -: «السَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ...» وما ذاك منه إلا لإنكاره معجزات النبي - ﷺ -، وطعن في فتاوى عمر - ﵁ - من أجل أنه حَدَّ في الخمر ثمانين، ونفى نصر بن الحجاج حين خاف فتنة نساء المدينة به ... طعن في فتاوى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ =","vol":"1","page":395},{"text":"كلهم من أهل الجنة، لا يلج أحد منهم النار» (١).\n_________\n= عَنْهُ -، لقوله في أمهات الأولاد ... وثلب عثمان - ﵁ -. ونسب أبا هريرة إلى الكذب من أجل أن الكثير من رواياته على خلاف مذهب القدرية، وطعن في فتاوى كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد ... ونسب أخبار الصحابة إلى الجهل والنفاق ...).\nكما أن واصل بن عطاء زعيم المعتزلة يشك في عدالة عَلِيٍّ وَبَنِيهِ، وابن عباس وطلحة والزبير وعائشة، وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، ولذلك قال: «لو شهد عندي عَلِيٌّ وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما، لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه»، فشك في عدالة عَلِيٍّ وطلحة، والزبير، مع شهادة النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - لهؤلاء الثلاثة بالجنة، ومع دخولهم في بيعة الرضوان، وفي جملة الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [سورة الفتح، الآية: ١٨].\nوقد كان أبو الهذيل العلاف والجاحظ، وأكثر القدرية في هذا الباب على رأي واصل بن عطاء فيهم. انظر \" الفرق بين الفرق \" لعبد القاهر بن طاهر البغدادي: ص ٣٠٤ - ٣٠٧ وانظر [\" تأويل مختلف الحديث \"]: ص ٢١ - ٣٧ وما بعدها.\nوأما الخوارج فقد كَفَّرُوا عَلِيًّا وابنيه، وابن عباس، وأبا أيوب الأنصاري، وَكَفَّرُوا عثمان وعائشة وطلحة والزبير، وَكَفَّرُوا كل من لم يفارق عَلِيًّا ومعاوية بعد التحكيم.\nوأما الزيدية منهم، فالجارودية منهم يُكَفِّرُونَ أبا بكر وعمر وعثمان وأكثر الصحابة، وكذلك السليمانية والبشرية.\nوأما الإمامية منهم فقد زعم أكثرهم أن الصحابة ارتدت بعد النبي - ﷺ - سوى عَلِيٍّ وابنيه ومقدار ثلاثة عشر منهم.\nوزعمت الكاملية منهم أن عَلِيًّا أَيْضًا ارتد وكفر بترك قتالهم. (\" الفرق بين الفرق \": ص ٣٠٧، ٣٠٨).\nأقول: «هذا وهم واتباع لهوى فاسد لا يقول به من عرف للصحابة قدرهم وبذلهم ومكانتهم وإن كل ما جرى بينهم في الفتنة من باب الاجتهاد، وإن لمن اجتهد وأصاب أجرين ولمن أخطأ أجر، فلا سبيل لأحد أن يحط من قدرهم، ويطعن في عدالتهم». ثم نقول: «كيف يكون الرافضة والخوارج والقدرية والجهمية، والنجارية، والبكرية، والضرارية موافقين للصحابة؟ وهم بأجمعهم لا يقبلون شيئًا مما رُوِيَ عن الصحابة في أحكام الشريعة لامتناعهم من قبول روايات الحديث والسير والمغازي، من أجل تكفيرهم لأصحاب الحديث الذين هم نقلة الأخبار والآثار ورواة التواريخ والسير ... ولم يكن بحمد الله وَمَنِّهِ في الخوارج ولا في الروافض ولا في الجهمية ولا في القدرية ولا في المجسمة ولا في سائر أهل الأهواء الضالة قط إمام في الفقه، ولا إمام في رواية الحديث». (\" الفرق بين الفرق \": ص ٣٠٨).\n(١) \" ابن حزم: حياته وعصره وآراؤه الفقهية \" لأبي زهرة: ص ٢٥٩.","vol":"1","page":396},{"text":"ويتبين لنا من كلام ابن حزم أن أصحاب رسول الله - ﷺ - حتى بيعة الرضوان في غزوة الحديبية كلهم من أهل الجنة، معتمدًا في ذلك على ما ورد من نصوص في القرآن وَالسُنَّةِ، وأما من جاؤوا بعد هؤلاء فلم يقطع بأنهم من أهل الجنة.\n\nوقال شارح \" مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ \": «إن عدالة الصحابة مقطوعة لا سيما أصحاب بدر وبيعة الرضوان، كيف لا وقد أثنى عليهم الله تعالى في مواضع عديدة من كتابه، وبين رسول الله - ﷺ - فضائلهم غير مرة» (١).\n\nويقول في موضع آخر: «واعلم أن عدالة [الصحابة] الداخلين في بيعة الرضوان والبدريين كلهم مقطوع العدالة، لا يليق المؤمن أن يمتري فيها، بل الذين آمنوا قبل فتح مكة أَيْضًا عادلون قطعًا، داخلون في المهاجرين والأنصار، وإنما الاشتباه في مسلمي فتح مكة، فإن بعضهم من مؤلفة القلوب، وهم موضع الخلاف، والواجب علينا أن نكف عن ذكرهم إلا بخير فافهم» (٢). فمسلمو الفتح لم ينص على عدالتهم ومع هذا يوجد ما يدل على عدالتهم، وسنتعرض لهذا بعد قليل.\n\nوقد ورد في الصحابة ما يوجب لهم العدالة، ويجعلهم في ذروة الثقة والائتمان، فقد زكاهم الله تعالى ورسوله، وتقبلت الأمة ذلك بالإجماع، فلا سبيل إلى الطعن في أكابرهم كما يفعل بعض أهل الأهواء قديمًا وحديثًا (٣).\n_________\n(١) \" شرح مسلم الثبوت \": ص ٤٠١ جـ ٢.\n(٢) \" المنهج الحديث في علوم الحديث \": ص ٦٢ عن \" شرح مسلم الثبوت \".\n(٣) سبق أن بَيَّنَّا طعن بعض المنحرفين قديمًا في الصحابة، ومن الطاعنين المُحْدَثِينَ عبد الحُسين شرف الدين في كتابه \" أبو هريرة \" وَأَبُو رَيَّةَ في كتابه \" أضواء على السنة المحمدية \"، وقد تصدى لهما أكابر علماء العصر، وبعد قليل نفند ذلك في بحثنا عن بعض أعلام الرواة.","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>[١]- أَدِلَّةُ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ مِنَ الكِتَابِ:</span>\nقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجِدًّا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).\n\nوقال عز من قائل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ (٢).\n\nوقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣).\n\nوقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاَ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ\n_________\n(١) [سورة الفتح، الآية: ٢٩].\n(٢) [سورة التوبة، الآية: ١٠٠].\n(٣) [سورة الأنفال، الآية: ٧٤].","vol":"1","page":398},{"text":"وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\n\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢).\n\nتلك آيات كريمة تشهد بفضل ومكانة جميع الصحابة الذين كانوا مع رسول الله - ﷺ - من أول الدعوة حتى غزوة الحديبية، وهناك آيات أخرى تذكر فضلهم في كثير من المواقف في الهجرة والجهاد والغزوات.\nوإن هذه وتلك أدلة قطعية - كما ذكر شارح \" مسلم الثبوت \" وابن حزم - تنص على عدالة الصحابة، لقد رضي عنهم ورضوا عنه، فهل بعد ذلك نطلب رضاء الناس عنهم وتعديلهم إياهم، وهل لإنسان بعد ذلك أن يطعن فِي صَحَابَةٍ نُصَّ عَلَى عَدَالَتِهِمْ ولم يبد ما يجرحهم أو يقدح فيهم، وعجب كل العجب مما يدعى البحث عن الحق والعمل على جمع الكلمة وتوحيد صفوف المسلمين أن يطعن في الصحابة الكرام، بل يسف في ذلك وينحط إلى الحضيض، حين يتهكم ويسخر من بعضهم، ويرى أن كثيرًا من روايات بعض الصحابة كأبي هريرة التي جاءت في \" الصحيحين \" كذب، وأن الجمهور أخذوا بها في فروع\n_________\n(١) [سورة الحشر، الآيات: ٨ - ١٠].\n(٢) [سورة الفتح، الآية: ١٨].","vol":"1","page":399},{"text":"الدين معتمدين في ذلك كله على عدالة الصحابة جَمِيعًا، ويقول هذا الطاعن - وهو عبد الحسين شرف الدين -: «ولا عجب منهم \" الجمهور \" في ذلك بعد بنائهم على أصالة العدالة في الصحابة أجمعين حيث لا دليل على هذا الأصل ...» (١).\n\nفهل بعد هذه الآيات مجال للشك في عدالة الصحابة الذين أسلموا قبل الفتح؟\nإن النصوص تنطق واضحة بذلك لا تحتمل التأويل والظن، ولكن الهوى المتبع يحمل صاحبه على إنكار الحق ولو كان كالشمس في رابعة النهار ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). وسنرى في الأحاديث التالية تأكيدًا واضحًا لمنزلة الصحابة الرفيعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>[٢]- أَدِلَّةُ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ مِنَ السُنَّةِ:</span>\nفي صِحَاحِ السُنَّةِ أحاديث كثيرة تشهد بفضل الصحابة جملة وآحادًا، وفي أكثر الكتب كـ \" صحيح البخاري \" و\" الجامع الصحيح \" لمسلم و\" السنن الأربعة \" وغيرها أبواب خاصة في فضل الصحابة.\n\nمن ذلك ما رواه أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَهُ» (٣).\n_________\n(١) \" أبو هريرة \" لعبد الحسين شرف الدين: الصفحة الأولى من الكتاب. والكتاب كله طعن وافتراء وتشكيك في الصحاح والسنة وتحامله فيه صريح. وسأتعرض بإيجاز له في بحثي عن أبي هريرة.\n(٢) [سورة التوبة، الآية: ٣٢].\n(٣) \" صحيح مسلم \": ص ١٩٦٨ جـ ٤.","vol":"1","page":400},{"text":"ومنها ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» (١).\n\nوَعَنْ أَبِي مُوسَى عن النَّبِيِّ - ﷺأَنَّهُ قَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (٢).\n\nوقد يقول قائل: إن هذه الأدلة تتناول أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين كانوا معه قبل الفتح، وأما من أسلم بعد الفتح فلا دليل على عدالتهم، فأسوق جَوَابًا له قول الدكتور محمد السماحي: «وأما مسلمة الفتح والأعراب الوافدون على رسول الله - ﷺ - فهؤلاء لم يتحملوا من السنة مثل ما تحمل الصحابة الملازمون لرسول الله - ﷺ -، ومن تعرض منهم للرواية كحكيم بن حزام، وَعَتَّابٍ، وغيرهم عرفوا بالصدق والديانة، وغاية الأمانة على أنه ورد ما يجعلهم أفضل ممن سواهم، من القرون بعدهم كقوله - ﷺ -: \" خَيْرُ [النَّاسِ] قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ \" وهو حديث صحيح مروي في \" الصحيحين \" وغيرهما بألفاظ\n_________\n(١) \" الكفاية \": ص ٤٨، وانظر \" الجامع الصغير \": ص ٥٤ جـ ١.\n(٢) \" صحيح مسلم \": ص ١٩٦١ جـ ٤، وانظر \" تلقيح فهوم أهل الأثر \": ص ٢٦: ب. وانظر \" تيسير الوصول إلى جامع الأصول \": ص ٢٢٦ - ٢٦١ جـ ٣ حيث أخرج كثيرًا عن الإمام مالك والشيخين وأصحاب السنن في فضل الصحابة.","vol":"1","page":401},{"text":"مختلفة (١)، والخيرية لا تكون إلا للعدول الذين يلتزمون الدين والعمل به، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢).\n\nوالخطاب الشفهي لصحابة رسول الله - ﷺ -، ومن حضر نزول الوحي، وهو يشمل جميعهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٣). وَسَطًا: عُدُولًا ...\n\nفالإسلام كان في أول شبابه فَتِيًّا وَقَوِيًّا في قلوب من أذعنوا له، واتبعوا هداه، وتمكنوا بمبادئه، واصطبغوا بصبغته، فكانت العدالة قوية في نفوسهم شائعة في آحادهم، حتى إننا نرى الذين وقعوا منهم في الكبائر ما لبثوا أن ساقتهم عزائمهم إلى الاعتراف وطلب الحد، ليطهروا به أنفسهم، وسارعوا إلى التوبة حيث تاب الله عليهم، ولا نريد بقولنا الصحابة عدول، أكثر من أن ظاهرهم العدالة». اهـ. (٤)، لا يبحث عنها ما لم يطعن فيها.\n\nثم إن الجرح لا يدعيه ولا يثبته أي إنسان كيف شاء ومتى شاء، فللجرح والتعديل رجال جهابذة أتقياء، يخشون الله لا يتبعون أهواءهم، فلو سلمنا\n_________\n(١) أقول: انظر \" تيسير الوصول إلى جامع الأصول \": ص ٢٢٦، ٢٢٧ جـ ٣ حيث أخرجه عن الشيخين وعن أبي داود والترمذي والنسائي. ورواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة وفيه: «ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ، يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا». انظر \" مسند الإمام أحمد \": ص ٩٠ حديث ٧١٢٣ جـ ١٢، وانظر ص٢٩ حديث ٢٩٦٣ جـ ٦.\n(٢) [سورة آل عمران، الآية: ١١٠].\n(٣) [سورة البقرة، الآية: ١٤٣].\n(٤) \" المنهج الحديث في علوم الحديث \": ص ٦٣.","vol":"1","page":402},{"text":"جدلًا وجوب البحث عن بعض الصحابة لِتُهَمٍ وجهت إليهم، فإنه لا يقبل هذا الجرح إلا ببيان علته، ولا يتصدى لهذا المَوْتُورُونَ وَالمُغْرِضُونَ، من أهل الأهواء وغيرهم، بل يتصدى له عدول الأمة من أئمة الصدر الأول، الذين خالطوا الصحابة، وعاشوا معهم، وعرفوا عنهم كل شيء إذ رُبَّ فضيلة عند النقاد العدول يراها المغرضون رذيلة ومنقصة، وليست جميع الذنوب والهفوات مسطقة للعدالة.\n\nوقد نص الفاروق عمر - ﵁ - على عدالة الصحابة جَمِيعًا إلا من أظهر ما يسقط عدالته فقال: «إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْي فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتِي حَسَنَةٌ» (١).\n\nوقد أجمعت الأمة على عدالة الصحابة جَمِيعًا إلا أفرادًا معدودين اختلف في عدالتهم ممن لم يستقيموا بعد وفاة رسول الله - ﷺ -، وهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة (٢). فلا يجوز لأحد أن يتعداهم خشية أن يخالف الكتاب وَالسُنَّةَ اللذين نَصَّا على عدالتهم، فبعد تعديل الله تعالى ورسوله لهم، لا يحتاج أحد منهم إلى تعديل أحد، على أنه لو لم يرد من الله تعالى ورسوله الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - شيء في تعديلهم لوجب تعديلهم لما كانوا عليه من\n_________\n(١) \" الكفاية \": ص ٧٨.\n(٢) راجع \" العواصم من القواصم \" لابن العربي \" فإنه يتناول أحوال الصحابة وَيُفَنِّدُ بعض الأقوال والطعون ويوضح قيل فيهم، ويثبت براءتهم. وذكر في \" الروض الباسم \": ص ١٢٨ - ١٣٠ بعض من جَرَّحَ الصحابة.","vol":"1","page":403},{"text":"دعم الدين والدفاع عنه، ومناصرتهم للرسول والهجرة إليه، والجهاد بين يديه، وبذل المُهَجِ والأموال، والمحافظة على أمور الدين، والقيام بحدوده ومراسيمه، والتشدد في امتثال أوامر الله تعالى ونواهيه، حتى إنهم قتلوا أقرب الناس إليهم، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم في سبيل الله، وإقامة دعائم الإسلام. كل ذلك دليل على قَوِيِّ إيمانهم، وحسن إسلامهم، وأمانتهم وإخلاصهم. لذلك وجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، لأن ما وقع إنما كان نتيجة لما أدى إليه اجتهاد كل فريق «مِنِ اعْتِقَادِهِ أَنَّ الوَاجِبَ مَا صَارَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَوْفَقُ لِلدِّينِ وَأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَعَلَى هَذَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا أَوْ أَنَّ المُصِيبَ وَاحِدٌ وَالآخَرُ مُخْطِئٌ فِي اجْتِهَادِهِ. وَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ، فَالشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لاَ تَكُونُ مَرْدُودَةً أَمَّا بِتَقْدِيرِ الإِصَابَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا بِتَقْدِيرِ الخَطَأِ مَعَ الاجْتِهَادِ فَبِالإِجْمَاعِ» (١). أي أن جميع من اشترك في الفتنة من الصحابة عدول لأنهم اجتهدوا في ذلك.\n\nثم إن الكلمة اجتمعت بعد الفتنة في عام الجماعة، حين تنازل الحسن بن علي - ﵁ - للخليفة معاوية بن أبي سفيان. وقد ثبت في \" صحيح البخاري \" عن رسول الله - ﷺ - أنه قال عن سبطه الحسن بن علي وكان معه على المنبر: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ [عَظِيمَتَيْنِ] مِنَ المُسْلِمِينَ» (٢) فسمى الرسول - ﷺ - الجميع (مسلمين)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣).\n_________\n(١) \" الإحكام في أصول الأحكام \" للآمدي: ص ١٢٩، ١٣٠ جـ ٢.\n(٢) \" فتح الباري \": - باب مناقب الحسن والحسين: ص ٩٦ جـ ٨.\n(٣) [سورة الحجرات، الآية: ٩].","vol":"1","page":404},{"text":"فسماهم (مؤمنين) مع الاقتتال. ويقال إنه لم يكن من الصحابة في الفريقين مائة (١)، وقد بينت عدالتهم، مع أنهم اشتركوا مع أحد الفريقين، واشتراكهم هذا لا يسلبهم العدالة لأنهم مجتهدون في ذلك.\n\nوأختم الكلام في عدالة الصحابة جَمِيعًا بقول أَبِي زُرْعَةَ: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ [عِنْدَنَا] حَقٌّ، وَالقُرْآنَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا القُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى [وَهُمْ زَنَادِقَةٌ]» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>٥ - عَدَدُ الصَّحَابَةِ:</span>\nإن حصر الصحابة - ﵃ - بالعد والإحصاء متعذر، لتفرقهم في البلدان والبوادي، ولأنهم كثرة لا يمكن إحصاؤها، ومن حَدَّهُمْ من العلماء فإنه من باب التقريب. وقد روى البخاري في \" صحيحه \" أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «[وَالمُسْلِمُونَ] مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ» (٣).\n\nويمكننا أن نحد عددهم بحد قريب من الحقيقة، مما ورد في روايات بعض الصحابة والتابعين عن عددهم في بعض المشاهد.\n_________\n(١) انظر \" الباعث الحثيث \": ص ٣٠٦.\n(٢) \" الكفاية \": ص ٤٩.\n(٣) \" فتح المغيث \": ص ٣٩ جـ ٤. وقارن بـ \" نور اليقين \" ص ٢٤٦ حيث ذكر عددهم (٣٠ ألفًا) وقارن بـ \" تلقيح فهوم أهل الأثر \": ص ٢٧: ب.","vol":"1","page":405},{"text":"فعن ابن عباس - ﵄ - قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصَامَ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالكَدِيدِ أَفْطَرَ، ثُمَّ مَضَى فِي عَشَرَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ حَتَّى نَزَلَ مَمَرَّ صِرَارٍ» (١). وَكَانَ ذَلِكَ عَامَ الفَتْحِ (٢).\n\nوحج رسول الله - ﷺ - حجة الوداع تسعون ألفًا من المسلمين (٣).\n\nسَأَلَ رَجُلٌ أَبَا زُرْعَةَ الرَّازِي فَقَالَ لَهُ: «يَا أَبَا زُرْعَةَ، أَلَيْسَ يُقَالُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَةُ آلاَفِ حَدِيثٍ؟»، قَالَ: «وَمَنْ قَالَ ذَا؟ قَلْقَلَ اللَّهُ أَنْيَابَهُ. هَذَا قَوْلُ الزَّنَادِقَةِ، وَمَنْ يُحْصِي حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مِائَةِ أَلْفِ وَأَرْبَعَةَ عَشْرَ أَلْفًا مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْهُ». فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: «يَا أَبَا زُرْعَةَ هَؤُلاَءِ أَيْنَ كَانُوا وَسَمَعُوا مِنْهُ؟»، قَالَ: «أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ بَيْنَهُمَا وَالأَعْرَابُ وَمَنْ شَهِدَ مَعَهُ حَجَّةَ الوَدَاعِ» (٤).\n\nمن هذا يتبين أن من روى عن رسول الله - ﷺ - من الصحابة كثيرون، وقد نقلوا عنه خيرًا عظيمًا، ويختلفون في مقدار ما حملوا عنه\n_________\n(١) \" تلقيح فهوم أهل الأثر \" ص ٢٧: ب، وَالكَدِيدُ عين جارية بينها بين المدينة سبع مراحل أو نحوها. انظر \" معجم البلدان \": ص ٢٢٤ جـ ٧. وأما مَمَرَّ صِرَار ففي الأصل المخطوط (مر الصران) وأظنه خطأ من الناسخ، فإني لم أجد في \" معجم البلدان \" (الصران) أو مر الضران)، وفيه (صرار) وهو موضع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق ... وقيل (صرار) ماء قرب المدينة. انظر \" معجم البلدان \": ص ٣٤٦، ٣٤٧ جـ ٥. وكلا العينين مناسب لهذا المقام.\n(٢) انظر \" صحيح مسلم \": ص ٧٨٤، ٧٨٥ جـ ٢.\n(٣) انظر \" نور اليقين \": ص ٢٥٦ وقارن بـ \" تلقيح فهوم أهل الأثر \": ص ٢٧: ب.\n(٤) انظر \" فتح المغيث \": ص ٣٩ جـ ٤، و\" تلقيح فهوم أهل الأثر \": ص ٣٨: آ.","vol":"1","page":406},{"text":"باختلاف أحوالهم وسماعهم منه - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>٦ - عِلْمُ الصَّحَابِي:</span>\nلم يكن الصحابة على درجة واحدة من العلم بِسُنَّةِ رسول الله - ﷺ - وأحواله وأقواله، بل كانوا متفاوتين (١) لأن منهم المتفرغ الملازم لرسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، يخدمه في معظم أوقاته، كأنس وأبي هريرة - ﵄ -، ومنهم من له ماشية في البادية، أو تجارة في الآفاق، ومنهم البدوي والحضري والمقيم والظاعن، وقد سبق أن بينت كيف كانوا يتلقون الأحكام والعلم عن الرسول - ﷺ -، لذلك كان الصحابة - عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللهِ - مختلفين في مقدار ما حملوا عنه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -. وفي ذلك يقول مسروق: «جَالَسْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَوَجَدْتُهُمْ كَالإِخَاذِ، فَالإِخَاذُ يَرْوِي الرَّجُلَ، وَالإِخَاذُ يَرْوِي الرَّجُلَيْنِ، [وَالإِخَاذُ يَرْوِي الْعَشَرَةَ]، وَالإِخَاذُ يَرْوِي المِائَةَ، وَالإِخَاذُ لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الأَرْضِ لأَصْدَرَهُمْ» (٢).\n\nويمكننا أن نعرف علم الصحابي كما قال ابن حزم: «لأحد وَجْهَيْن لاَ ثَالِث لَهما أَحدهمَا كَثْرَة رِوَايَته وفتاويه وَالثَّانِي كَثْرَة اسْتِعْمَال النَّبِي ﷺ لَهُ فَمن المحَال الباطل أن يستعمل النبي - ﷺ - من لا علم له وهذا أكبر شهادات على العلم وسعته» (٣).\n_________\n(١) انظر \" رفع الملام عن الأئمة الأعلام \" لابن تيمية: ص ٣ حيث تكلم عن تفاوت الصحابة في الإلمام بالأحكام.\n(٢) وتتمة قول مسروق: «فَوَجَدْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ مِنْ ذَلِكَ الإِخَاذِ» \" طبقات ابن سعد \": ص ١٠٤ قسم ٢ جـ ٢، والإخاذ هو الغدير وجمعها آخاذ نادر. انظر \" لسان العرب \" مادة (أخذ) ص ٤ جـ ٥.\n(٣) \" الفصل في الملل والأهواء والنحل \" لابن حزم: ص ١٣٦ جـ ٤.","vol":"1","page":407},{"text":"وهذا لا يكفي لمعرفة علو الصحابي وروايته، لأن بعض الصحابة الذين عرفت ملازمتهم للرسول - ﷺ - وسبقهم للإسلام بالتواتر، كأبي بكر وعمر اللذين حَمَلاَ عِلْمًا كثيرًا عنه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، لم يظهر علمهم كله لنا وبخاصة أبو بكر، لأنه لم يعش كثيرًا بعد رسول الله ليحتاج إليه كما احتيج إلى غيره، فامتدار عُمْرِ الصَّحَابِيِّ إلى جانب الوجهين السابقين اللذين ذكرهما ابن حزم يكشف لنا عن علمه ومروياته، كما أن ظهور أمور جديدة في الحياة مع مر الزمن يكشف عن علم الصحابة، لأنه يحتاج إلى ما عندهم تجاه تلك الأمور المستجدة، وفي هذا يقول ابن حزم: «ثمَّ وجدنَا الأَمر كلمَا أَطَالَ كثرت الْحَاجة إِلَى الصَّحَابَة فِيمَا عِنْدهم من العلم فَوَجَدنَا حَدِيث عَائِشَة - ﵂ - ألفي مُسْند ومائتي مُسْند وَعشرَة مسانيد وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة ...» (١).\n\nونحن في بحثنا هذا يهمنا الصحابة الذين رَوَوْا عن رسول الله - ﷺ -، وحملوا لنا الشريعة الحنيفية، ونقلوا إلى من بعدهم أفعال الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وتصرفاته دقيقها وعظيمها، في سفره وحضره، وظعنه وإقامته، وسائر أحواله من نوم ويقظة، وإشارة وتصريح وصمت ونطق إلى غير ذلك.\n\nوقد ألف في الصحابة كتب كثيرة تناولت أحوالهم وعلمهم، وأوجز الآن في عدد من روى عنه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - من الصحابة وعدد مروياتهم، فقد روى عنه - ﷺ - سبعة من الصحابة، لكل منهم أكثر من ألف حديث، وأحد عشر صحابيًا، لكل واحد منهم أكثر من مائتي حديث، وواحد وعشرون صحابيًا، لكل واحد أكثر من مائة حديث، وأما أصحاب العشرات فكثيرون، يقربون من المائة، وأما من له عشرة أحاديث أو أقل\n_________\n(١) \" الفصل في الملل والأهواء والنحل \": ص ١٣٨ جـ ٤.","vol":"1","page":408},{"text":"من ذلك فهم فوق المائة. وهناك نحو ثلاثمائة صحابي روى كل واحد منهم عن الرسول - ﷺ - حديثًا واحدًا (١).\n\nبهذا العرض السريع يمكننا أن نتصور اختلاف تحمل الصحابة عن الرسول - ﷺ -.\n\nونحن الآن نكتفي بذكر بعضهم ممن اشتهروا بالحديث عنه - ﷺ -، وهم عندنا في منزلة شريفة ومقام كريم، لا نفضل أحدًا عن الآخر عصبية أو هوى، بل لكل صحابي فضله ومنزلته، بما له من سبق في الإسلام، وبذل في سبيل الله، وكلهم خير، نالوا شرف الصحبة، فكانوا أمناء مخلصين للشريعة الغراء التي نقلوها إلى التابعين، ثم نقلها هؤلاء إلى من بعدهم، ثم نقلت جيلًا بعد جيل حتى وصلتنا كاملة غير منقوصة بفضل الله وحسن رعايته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>٧ - المُكْثِرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ:</span>\nبعد هذا نترجم لأشهر من روى عن رسول الله - ﷺ - من الصحابة، متوخين في هذا ناحية الحديث التي تتعلق ببحثنا مع لمحة موجزة عن حياة الصحابي، إلا أننا مضطرون أحيانًا إلى التفصيل في حياة الراوي العامة والخاصة، سواء أكانت حياته الاجتماعية أم العلمية وذلك لبيان شخصيته\n_________\n(١) جمع بقي بن مخلد في \" مسنده \" الدقيق مرويات الصحابة وذكر عدد مسانيدهم إلا أنه لم يصلنا هذا \" المسند \" بل وصلتنا أخباره وبعض ما فيه، وما ذكرته من عدد مرويات الصحابة ذكره أبو البقاء الأحمدي نقلًا عن \" مسند الإمام ابن مخلد \". انظر \" البارع الفصيح في شرح الجامع الصحيح \": ص ٩: ب - ١٣: ب.","vol":"1","page":409},{"text":"وعدالته واستقامته من خلال البحث، ولولا ضيق المقام لتعرضت لترجمة جميع رجال الحديث في ذلك العصر، لتكون على علم صحيح بتلك الشخصيات الفذة، التي خدمت السُنَّةَ المُطَهَّرَةَ، وحفظها من عبث المفسدين. وسأكتفي بذكر أشهر مشاهير من روى عن الرسول - ﷺ - وهم المكثرون عنه، راجيًا من المولى الكريم أن أوفق فيما بعد إلى الكشف عن بقيتهم، وإظهار منزلتهم وفضلهم بما يستحقون من عناية. وبالله التوفيق.\n\n***","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>(١) - أَبُو هُرَيْرَةَ: (١٩ ق هـ - ٥٩ ه</span>ـ):\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>١ - التَّعْرِيفُ بِهِ:</span>\nأبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر (١) الدوسي اليماني، كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن. واشتهر أبو هريرة بكنيته. حتى غلبت على اسمه فكاد ينسى. وسئل أبو هريرة: لِمَ كُنِّيتَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: «كُنِّيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ لأَنِّي وَجَدْتُ هِرَّةً فَحَمَلْتُهَا فِي كُمِّي، فَقِيلَ لِي: أَبُو هُرَيْرَة».وكان يرعى غنم أهله في صغره، ويداعب هرته. وكان يقول: «لاَ تُكَنُّونِي أَبَا هُرَيْرَةَ، فَإِنَّ النَبِيَّ - ﷺ - كَنَّانِي أَبَا هِرٍّ، وَالذَكَرُ خَيْرٌ مِنَ الأُنْثَى» (٢).\n\nكان أبو هريرة رجلًا آدم (٣) بعيد ما بين المنكبين، ذا ضفيرتين، أفرق الثنيتين، يخضب شيبه بالحمرة (٤). وكان أبيض لينًا، لحيته حمراء،\n_________\n(١) انظر \" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٣ جـ ٢ وقد اختلف في اسمه واسم أبيه وفي ذلك أقوال. انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٢ قسم ٢ جـ ٤، و\" الإصابة \": ص ١٩٩ - ٢٠١ جـ ٧، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٦٣ جـ ١٢.\n(٢) انظر \" الإصابة \": ص ٢٠٢ جـ ٢، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٢٤ جـ ٢، وانظر \" مسند الإمام أحمد \": ص ٨٣ جـ ١٢.\n(٣) الآدم من الناس الأسمر. انظر \" لسان العرب \" (أدم): ص ٢٧٦ جـ ١٤ ووصفه بهذا لا يتعارض مع وصفه بعد قليل بالبياض، فقد تكون سمرة وجهه من شمس الصحراء وريحها، والأصل في لون بشرته البياض.\n(٤) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٩ قسم ٢ جـ ٤، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٣ و٣٣٤ جـ ٢، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٢٣ جـ ٢.","vol":"1","page":411},{"text":"ورآه خباب بن عروة وعليه عمامة سوداء (١)، وعندما صلح حاله ارتدى الخز (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>٢ - إِسْلاَمُهُ:</span>\nهاجر أبو هريرة من اليمن إلى المدينة ليالي فتح خيبر، وكان ذلك سَنَةَ سبع من الهجرة. وكان قد أسلم على يد الطُفيل بن عمرو في اليمن، ووصل المدينة وصلى الصبح خلف سباع بن عرفطة الذي كان قد استخلفه رسول الله - ﷺ - على المدينة أثناء غزوة خيبر (٣). وقد لازم أبو هريرة النبي - ﷺ - إلى آخر حياته، وقصر نفسه على خدمته، وتلقى العلم الشريف منه، فكان يدور معه، ويدخل بيته، ويصاحبه في حجه وغزوه، ويرافقه في حله وترحاله، في ليله ونهاره، حتى حمل عنه العلم الغزير الطيب. فكانت صحبته أربع سنوات، وقد اتخذ الصُفَّةَ مَقَامًا لَهُ، وخدم الرسول - ﷺ - على ملء بطنه، وجعله رسول الله - ﷺ - عريف أهل الصفة، فقد كان أعرف الناس بهم وبمراتبهم (٤).\n\nوكان يحب رسول الله - ﷺ - حُبًّا شَدِيدًا، ففي يوم رفع رسول الله - ﷺ - الدرة ليضربه بها، فقال أبو هريرة: «لأَنْ يَكُونُ ضَرَبَنِي بِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (٥).\n_________\n(١) انظر \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٥٠ جـ ٢.\n(٢) انظر \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٥٠ جـ ٢.\n(٣) انظر \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٢٥ جـ ٢.\n(٤) انظر \" حلية الأولياء \": ص ٣٧٦ جـ ١.\n(٥) \" البداية والنهاية \": ص ١٠٥ جـ ٨.","vol":"1","page":412},{"text":"وكان أبو هريرة وَرِعًا، مُلْتَزِمًا سُنَّةَ الرسول - ﷺ -، يحذر الناس من الانغماس في ملذات الدنيا وشهواتها (١)، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا يفرق في ذلك بين غني وفقير، أو بين أمير وحقير، وأخباره في هذا الصدد كثيرة (٢). وكان يخشى الله كثيرًا في السر والعلن، ويذكر الناس به، ويحثهم على طاعته (٣).\n\nوكان عابدًا، يصوم النهار ويقوم الليل، يتناوب قيامه هو وزوجته وابنته (٤)، وكان كثير الصلاة، وله عدة مساجد في بيته وفي حجرته وعلى باب داره، إذا خرج صلى فيها جَمِيعًا، وإذا دخل صلى فيها جَمِيعًا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٣ - فَقْرُهُ وَعَفَافُهُ:</span>\nكان أبو هريرة أحد أعلام الفقراء والمساكين، صبر على الفقر الشديد، حتى إنه كان يلصق بطنه بالحصى من الجوع، يطوي نهاره وليله من غير أن يجد ما يقيم صلبه، يقول أبو هريرة: «إِنِّي كُنْتُ وَاللهِ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَشْبَعَ بَطْنِي حَتَّى لاَ آكُلَ الخَمِيرَ، وَلاَ أَلْبَسَ الحَرِيرَ، وَلاَ يَخْدُمُنِي فُلاَنٌ وَفُلاَنَةٌ ... وَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ هِيَ مَعِي، كَيْ يَنْقَلِبَ بِي\n_________\n(١) انظر \" حلية الأولياء \": ص ٣٨٠ جـ ١، و\" البداية والنهاية \": ص ١١١ جـ ٨.\n(٢) راجع \" مسند الإمام أحمد \": ص ٨٩ حديث ٧١٢٢ جـ ١٢، وص: ٢٤٥ حديث ٧٤٩٤ جـ ١٣، وص: ١٤٨ حديث ٧١٦٦ جـ ١٢، وص: ١٩٤ حديث ٧٤٥٢ جـ ١٣، وحديث ٧١٣٨، وانظر حديث ٧١٨٠، وراجع \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٨ جـ ٢.\n(٣) انظر \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٩ جـ ٢، و\" البداية والنهاية \": ص ١١٠ و١١٢ جـ ٨، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٦ جـ ٢.\n(٤) انظر \" البداية والنهاية \": ص ١١٠ جـ ٨.\n(٥) انظر \" البداية والنهاية \": ص ١١٠ جـ ٨.","vol":"1","page":413},{"text":"فَيُطْعِمَنِي» (١) ثم يقول: «وَكُنْتُ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا بُرْدَةٌ، أَوْ كِسَاءٌ قَدْ رَبَطُوهَا فِي أَعْنَاقِهِمْ» (٢).\n\nوقال إمام التابعين سعيد بن المسيب (١٥ - ٩٤ هـ): رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَطُوفُ بِالسُّوقِ ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَقُولُ: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟» فَإِنْ قَالُوا: لاَ، قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ» (٣)، وكان قنوعًا راضيًا بنعم الله، فإذا ما أصبح لديه خمس عشرة تمرة أفطر على خمس، وتسحر بخمس، وأبقى خمسًا لفطره (٤). وكان كثير الشكر لله، كثير الحمد والتكبير والتسبيح على ما آتاه الله من فضل وخير (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٤ - كَرَمُهُ:</span>\nكان أبو هريرة عفيف النفس مع فقره، فياض اليد، مبسوط الكف، جَوَادًا، يحب الخير، ويكرم ضيوفه، لا يبخل بما في يديه، وإنْ كان قليلًا، فلم يحمله فقره على الشح، ولم يجعله دنيء النفس، يَتَكَفَّفُ الناس ... بل آثر أنْ يأكل الجوع بطنه من أنْ يأكل هو فتات الموائد، وفضلات الطعام.\n\nوكان في عسره كله ضيف الإسلام وضيف رسول الله وصحبه، حتى إذا\n_________\n(١) \" حلية الأولياء \": ص ٣٧٦ و٣٧٩ جـ ١.\n(٢) \" حلية الأولياء \": ص ٣٧٧ جـ ١، وانظر نتفًا من أخباره في \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٣ و٥٥ قسم ٢ جـ ٤، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٢٧ جـ ٢، و\" حلية الأولياء \": ص ٣٧٨ جـ ١، و\" البداية والنهاية \": ص ١١١ جـ ٨.\n(٣) \" حلية الأولياء \": ص ٣٨١ جـ ١.\n(٤) انظر المرجع السابق \": ص ٣٨٤ جـ ١، و\" البداية والنهاية \": ص ١١٢ جـ ٨.\n(٥) انظر بعض أخباره في هذا الصدد في \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٩ و٤٤٠ جـ ٧، وفي \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٣ قسم ٢ جـ ٤، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٥ جـ ٢، و\" الإصابة \": ص ٧٠٦ جـ ٧.","vol":"1","page":414},{"text":"مَا يَسَّرَ اللهُ عليه لم يجعله غناه قاسي القلب، مُتَحَجِّرَ الفُؤَادِ، بل كان عَلَمًا من أعلام الجود والكرم.\nقَالَ الطُّفَاوِيُّ: «نَزَلْتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِالمَدِينَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمْ أَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلاَ أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ». (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٥ - وِلاَيَتُهُ عَلَى البَحْرَيْنِ:</span>\nكان رسول الله - ﷺ -، قد أرسل أبا هريرة مع العلاء الحضرمي إلى البحرين، لينشر الإسلام وَيُفَقِّهَ المسلمين ويُعَلِّمَهُمْ أمور دينهم، فَحَدَّثَ عن رسول الله - ﷺ - وأفتى الناس.\n\nوفي عهد عمر - ﵁ - استعمله على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: «اسْتَأْثَرْتَ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَعَدُوَّ كِتَابِهِ؟».\n\nفَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «فَقُلْتُ: لَسْتُ بِعَدُوَّ اللَّهِ، وَلاَ عَدُوَّ كِتَابِهِ، وَلَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا». قَالَ: «فَمِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ؟». قُلْتُ: «خَيْلٌ نَتَجَتْ، وَغُلَّةُ رَقِيقٍ لِي، وَأُعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ عَلَيَّ». فَنَظَرُوا، فَوَجَدُوا كَمَا قَالَ (٢).\n\nوفي رواية عن أبي هريرة: «خَيْلٌ لِي تَنَاتَجَتْ، وَسِهَامٌ لِيَ اجْتَمَعَتْ. فَأَخَذَ\n_________\n(١) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٢٨ جـ ٢، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٦ جـ ٢، وانظر طائفة من أخبار كرمه في \" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٧ جـ ٢، و\" حلية الأولياء \": ص ٣٨٣ جـ ١، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٢٣ و٤٣٨ و٤٤٢ جـ ٢، و\" طبقات ابن سعد \": ص ٦٣ قسم ٢ جـ ٤، و\" البداية والنهاية \": ص ١٠٤ و١١٤ جـ ٨.\n(٢) انظر \" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٨، جـ ٢، و\" البداية والنهاية \": ص ١١١ و١١٣، جـ ٨، و\" عيون الأخبار \": ص ٥٣، جـ ١. و\" حلية الأولياء \": ص ٣٨٠، جـ ١.","vol":"1","page":415},{"text":"مِنِّي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» (١).\n\nوفي رواية: أنَّ عُمَرَ قَالَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: «كَيْفَ وَجَدْتَ الإِمَارَةَ؟»، قَالَ: «بَعَثْتَنِي وَأَنَا كَارِهٌ، وَنَزَعْتَنِي وَقَدْ أَحْبَبْتُهَا»، وَأَتَاهُ بِأَرْبَعِمِائَةَ أَلْفٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، قَالَ: «أَظَلَمْتَ أَحَدًا؟»، قَالَ: «لاَ». قَالَ: «فَمَا جِئْتَ بِهِ لِنَفْسِكَ؟»، قَالَ: «عِشْرِينَ أَلْفًا». قَالَ: «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَهَا؟»، قَالَ: «كُنْتُ أَتَّجِرُ». قَالَ: «انْظُرْ رَأْسَ مَالِكَ وَرِزْقِكَ، فَخُذْهُ وَاجْعَلْ الآخَرَ فِي بَيْتِ المَالِ» (٢).\n\nفقد قاسمة عمر - ﵁ - مع جملة مَنْ قَاسَمَهُمْ مِنَ العُمَّال، وكان أبو هريرة يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَمِيرِ المُؤمِنِينَ» (٣).\n\nوبعد ذلك دعاه عمر ليوليه، فأبى، فقال: «تَكْرَهُ الْعَمَلَ وَقَدْ طَلَبَ العَمَلَ مَنْ كَانَ خَيْرًا مِنْكَ، يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -!!». فقال: «يُوسُفُ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ، وَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ابْنُ أُمَيْمَةَ، وَأَخْشَى (مِنْ عَمَلِكُمْ) ثَلاَثًا وَاثْنَتَيْنِ». قَالَ: «فَهَلاَّ قُلْتَ خَمْسًا؟». قَالَ: «لاَ، أَخَافُ أَنْ أَقُوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَقْضِيَ بِغَيْرِ حِلْمٍ، وَأَنْ يُضْرَبَ ظَهْرِي، وَيُنْزَعَ مَالِي، وَيُشْتَمَ عِرْضِي» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>٦ - اعْتِزَالُهُ الفِتَنَ:</span>\nكان أبو هريرة يوم حصار عثمان - ﵁ - عنده في الدار مع بعض\n_________\n(١) \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٩ قسم ٢ جـ ٤.\n(٢) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٦٠ قسم ٢ جـ ٤، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٨ جـ ٢، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٧ جـ ١٢.\n(٣) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٦٠ قسم ٢ جـ ٤.\n(٤) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٤١ جـ ٢، وما بين قوسين زيادة من \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٩ قسم ٢ جـ ٤ وقد كانت ولاية أبي هريرة بين سَنَةِ (٢١ - ٢٣ هـ). بعد وفاة العلاء الحضرمي.","vol":"1","page":416},{"text":"الصحابة وأبنائهم الذين جاءوا ليدفعوا الثوار عنه وقد حفظ ولد عثمان له يده، واحترموه حتى إنه لما مات أبو هريرة كانوا يحملون سريره حتى بلغوا البقيع (١).\n\nواعتزل أبو هريرة الفتن التي قامت بعد استشهاد عثمان - ﵁ -، ولم يثبت أنه اشترك فيها، وربما كان يحث الناس على اعتزالها، ويروي عن رسول الله - ﷺ - قَوْلَهُ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» (٢).\n\nوكان معاوية - أيام خلافته - يستعمله على المدينة، فإذا غضب بعث مروان وعزله (٣). وقد استخلفه مروان حين توجه إلى الحج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>٧ - مَرَحُهُ وَمُزَاحُهُ:</span>\nكان أبو هريرة حسن المعشر، طيِّب النفس، صافي السريرة، ربما كان الفقر والصبر عليه هُمَا اللذان جعلا منه الإنسان المرح، ومع هذا كان يعطي كل شيء حقَّهُ. نظر إلى الدنيا بعين الراحل عنها، فلم تدفعه الإمارة إلى الكبرياء، بل أظهرت تواضعه وحُسن خلقه، فربما استخلفه مروان على المدينة،\n_________\n(١) انظر \" البداية والنهاية \": ص ١٨١ جـ ٧، و\" الإصابة \": ص ٢٢٣ جـ ٤، و\" الكامل في التاريخ \": ص ٨٨ جـ ٣، وانظر \" تاريخ الطبري \": ص ٣٨٩ جـ ٣، ثم انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٦٣ قسم ٧ جـ ٤، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٦ جـ ١٢.\n(٢) \" فتح الباري \": ص ٤٢٦ جـ ٧، و\" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٠٨ جـ ١٤.\n(٣) انظر \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٤١ جـ ٢.","vol":"1","page":417},{"text":"فيركب حمارًا، قد شَدَّ عليه برذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، يسير فيلقى الرجل، فيقول: «الطَّرِيقَ .. قَدْ جَاءَ الأَمِيرُ» (١).\n\nويمر أبو هريرة في السوق، يحمل الحطب على ظهره - وهو يومئذٍ أمير لمروان - فَيَقُولُ لِثَعْلَبَةَ بْنَ أَبِي مَالِكٍ القُرَظِيٍّ: «\" أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ يَا ابْنَ [أَبِي] مَالِكٍ \"، فَيَقُولُ: \" يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَكْفِي هَذَا!! \" فَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةُ: \" أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ وَالحِزْمَةُ عَلَيْهِ!! \"» (٢).\n\nوكان يحب إدخال السرور إلى نفوس الأطفال، فقد يراهم يعلبون بالليل لعبة الغراب، فَيَتَسَلَّلُ بينهم، وهم لا يشعرون، حتى يلقي بنفسه بينهم، ويضرب برجليه (الأرض) كأنه مجنون، يريد بذلك أنْ يضحكهم، فيفزع الصبيان منه، وَيَفِرُّونَ هَهُنَا وهَهُنَا، يَتَضَاحَكُونَ (٣).\n\nويقول أبو رافع: وَرُبَّمَا دَعَانِي أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى عَشَائِهِ بِاللَّيْلِ، فَيَقُولُ: «دَعْ العُرَاقَ لِلأَمِيرِ»،قَالَ: فَأَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ ثَرِيدٌ بِالزَيْتٍ!! (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>٨ - وَفَاتُهُ:</span>\nاختلف في وفاته على أقوال:\nقال هشام بن عروة: «أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ مَاتَا سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ،\n_________\n(١) \" طبقات ابن سعد \": ص ٦٠، ٦١ قسم ٢ جـ ٤. والخَلَبَةُ: الحلقة.\n(٢) \" حلية الأولياء \": ص ٣٨٥ جـ ١. و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٤ و٣٣٩ جـ ٢، و\" النهاية والبداية \": ص ١١٣، ١١٤، جـ ٨.\n(٣) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٦٠، ٦١ قسم ٢ جـ ٤، و\" البداية والنهاية \": ص ١١٣ جـ ٨، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٨ جـ ٢.\n(٤) انظر \" البداية والنهاية \": ص ١١٤ جـ ٨، و\" طبقات ابن سعد \": ص ٦١ قسم ٢ جـ ٤، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٨ جـ ٨. وَالعُرَاقُ: العظم الذي نزع عنه اللحم وبقي عليه قليل منه.","vol":"1","page":418},{"text":"وهو رأي المدائني وعلي بن المديني. (١)\nقال أبو معشر: «تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ» (٢).\nقال الواقدي وأبو عبيد: «مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقَدْ صَلَّى عَلَى عَائِشَةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فِي شَوَّالَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ» (٣).\n\nقال ابن حجر بعد أن ذكر رواية الواقدي - وفيها أنه توفي سَنَةَ (٥٩ هـ) -: «هَذَا مِنْ أَغْلاَطِ الوَاقِدِي الصَّرِيحَةَ، فَإِنَّ أُمَّ سَلَمَةَ بَقِيَتْ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ، ثَبَتَ فِي \" صَحِيحِ مُسْلِمٍ \" مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التِي صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ مَاتَ مَعَهَا فِي السَّنَةِ هِيَ عَائِشَةُ، كَمَا قَالَ هِشَامُ بْنَ عُرْوَةَ: \" إِنَّهُمَا مَاتَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ \"» (٤).\n\nأقول: إن خطأ الواقدي في وفاة أم سلمة، لا يستلزم خطأه في وفاة أبي هريرة. وقال ابن كثير: «وَالصَّوَابُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ تَأَخَّرَتْ بَعْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ» (٥).\n\nوحضر جنازته من الصحابة عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وشهدها أَيْضًا مروان بن الحكم، وكان ابن عمر يسير أمامها ويكثر الترحم عليه (٦). وحمل ولد عثمان سريره حتى بلغوا به البقيع، حفظًا بما كان من رأيه في عثمان (٧).\n_________\n(١) انظر \" البداية والنهاية \": ص ١١٤ جـ ٨، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٩ جـ ٢، و\" طبقات ابن سعد \": ص ٦٤ قسم ٢ جـ ٤، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٤٩ جـ ٢.\n(٢) انظر \" البداية والنهاية \": ص ١١٤ جـ ٨، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٩ جـ ٢، و\" طبقات ابن سعد \": ص ٦٤ قسم ٢ جـ ٤، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٤٩ جـ ٢.\n(٣) انظر \" البداية والنهاية \": ص ١١٤ جـ ٨، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٩ جـ ٢، و\" طبقات ابن سعد \": ص ٦٤ قسم ٢ جـ ٤، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٤٩ جـ ٢.\n(٤) \" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٦ جـ ١٢، و\" الإصابة \": ص ٢٠٧ جـ ٢.\n(٥) \" البداية والنهاية \": ص ١١٤ جـ ٨.\n(٦) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٦٣ قسم ٢ جـ ٤.\n(٧) انظر المرجع السابق: ص ٦٣ قسم ٢ جـ ٤، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٦ جـ ١٢.","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>٩ - حَيَاتُهُ العِلْمِيَّةُ:</span>\nصحب أبو هريرة رسول الله - ﷺ - أربع سنوات، وسمع منه كثيرًا، وشاهد دقائق السنة، ووعى تطبيق الشريعة، وعرف رسول الله - ﷺ - منزلته، فأرسله رسول الله - ﷺ - مع العلاء الحضرمي إلى البحرين، فكان مؤذنًا وإمامًا، وكان رسول الله - ﷺ - لا يتأخر في إجابته عما يسأل لما عرف من حرصه على طلب العلم. قال أَبُو هُرَيْرَةَ، - ذَاتَ يَوْمٍ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلاَّ يَسْأَلُنِى عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» (١).\n\nوكان همه طلب العلم، وأمله التفقه في الدين، فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: عَلَيْكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَإِنِّي بَيْنَمَا أنا وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَفُلاَنٌ فِي الْمَسْجِدِ، ذَاتَ يَوْمٍ نَدْعُو اللهَ، وَنَذْكُرُ رَبَّنَا خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَسَكَتْنَا فَقَالَ: «عُودُوا لِلَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ» قَالَ زَيْدٌ: فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبَيَّ قَبْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤَمِّنُ - (يقول: آمين) - عَلَى دُعَائِنَا، ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِثْلَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ [هَذَانِ]، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n_________\n(١) \" فتح الباري \": ص ٢٠٣ جـ ١، وأوله فيه قال أبو هريرة: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ»، ونحوه في \" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٠٧ حديث ٨٠٥٦ جـ ١٥، و\" طبقات ابن سعد \": ص ١١٨ قسم ٢ جـ ٢ وص: ٥٦ قسم ٢ جـ ٤.","vol":"1","page":420},{"text":"«آمِينَ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللهَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ: «سَبَقَكُمْ بِهَا الغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ» (١).\n\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لَهُ: «أَلاَ تَسْأَلُنِي مِنْ هَذِهِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَسْأَلُنِي أَصْحَابُكَ؟» قُلْتُ: «أَسْأَلُكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ». فَنَزَعَ نَمِرَةً كَانَتْ عَلَى ظَهْرِي، فَبَسَطَهَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى القَمْلِ يَدُبُّ عَلَيْهَا، فَحَدَّثَنِي حَتَّى [إِذَا] اسْتَوْعَبْتُ حَدِيثَهُ قَالَ: «اجْمَعْهَا فَصُرَّهَا إِلَيْكَ» فَأَصْبَحْتُ لاَ أُسْقِطُ حَرْفًا مِمَّا حَدَّثَنِي (٢).\n\nهذه الأخبار - وغيرها كثير - تثبت حرص أبي هريرة الشديد على طلب العلم، ودعاء الرسول له بتحقيق ما أراد.\n\nوقد عرف الصحابة منزلته بعد رسول الله - ﷺ -، فكان يحدث في مسجد رسول الله - ﷺ -، ويفتي الناس بحضرة علماء الصحابة، وكباره وكان بعضهم كزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس يحيلون السائلين عليه، فَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ [وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: فَجَاءَهُمَا] مُحَمَّدُ بْنُ إيَاسِ بْنُ بُكَيْرِ، فَسَأَلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ ثَلاَثًا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَبَعَثَهُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - وَكَانَا عِنْدَ عَائِشَةَ - فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لأَبِي هُرَيْرَةَ: أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَدْ جَاءَتْك مُعْضِلَةٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «الوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلاَثُ تُحَرِّمُهَا» (٣). لعل أبا هريرة أفتى بهذا بعد أن\n_________\n(١) \" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٦، جـ ١٢ وفيه: «سَأَلاَكَ صَاحِبَيَّ» والتصحيح من \" فتح الباري \": ص ٢٢٦، جـ ١. و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٢، جـ ٢.\n(٢) \" حلية الأولياء \": ص ٣٨١ جـ ١، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٣٣ جـ ١، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٢٩ جـ ٢. النمرة: شملة فيها خطوط بيض وسود. والحديث أخرجه البخاري. انظر \" فتح الباري \": ص ٢٢٥ جـ ١.\n(٣) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٢٧، جـ ٢٢.","vol":"1","page":421},{"text":"أجرى عمر - ﵁ - إيقاع الثلاث زَجْرًا للناس، أو أن السائل كان قد أطلق ثلاثًا في مجالس متفرقة.\n\nوَيَصِفُ لَنَا مُحَمَّدٌ بنِ عُمَارَةَ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ مَجْلِسًا لأَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُ: أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ مَشْيَخَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالحَدِيثِ، فَلاَ يَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ يَتَرَاجَعُونَ فِيهِ فَيَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُمْ بِالحَدِيثِ، فَلاَ يَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ يَعْرِفُهُ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا. قَالَ: «فَعَرَفْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ أَحْفَظُ النَّاسِ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ -» (١).\n\nوكان الناس يتواعدون لينطلقوا إليه فيسمعوا حديثه عن الرسول - ﷺ -، ومن ذلك ما روي عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: «تَوَاعَدَ النَّاسُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي إِلَى قُبَّةٍ مِنْ قِبَابِ مُعَاوِيَةَ فَاجْتَمَعُوا فِيهَا، فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَحَدَّثَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ» (٢).\n\nوَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ: «كَانَ يَقُومُ كُلَّ خَمِيسٍ فَيُحَدِّثُهُمْ» (٣).\n\nوكان أبو هريرة أمينًا في حديثه عن الرسول الكريم، وإذا قال في شيء برأيه قال: «هَذِهِ مِنْ كَيْسِي» (٤). وقد ثبت هذا بأدلة كثيرة، وأخبار عِدَّةٍ، منها ما رواه بكير بن الأشج قال: قال لنا بشر بْنُ سَعِيدٍ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَتَحَفَّظُوا مِنَ\n_________\n(١) انظر\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٤٤ جـ ٢، وقد أخرجه البخاري في \" تاريخه \" والبيهقي في \" المدخل \"، انظر \" فتح الباري \": ص ٢٢٥ جـ ١.\n(٢) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٢ جـ ٢ وانظر \" البداية والنهاية \": ص ١٠٦ جـ ٨، و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١١٣: ب.\n(٣) انظر الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ص ١١٣: ب.\n(٤) \" إعلام الموقعين \": ص ٦٤ جـ ١.","vol":"1","page":422},{"text":"الحَدِيثِ، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبٍ الأحبار، ثُمَّ يَقُومُ، فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَعْبٍ، وَحَدِيثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ... فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا مِنَ الحَدِيثِ» (١).\n\nوقد روى كثيرًا عن رسول الله - ﷺ - وكان يقول: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أكْتُبُ» (٢).\n\nوقد استكثر بعض الصحابة حديث أبي هريرة عن الرسول - ﷺ -، حين كانت سياستهم الإقلال من الرواية، كَيْلاَ ينصرف الناس عن القرآن، وخوفًا أن يشتغلوا بغيره. فقال لهم أبو هريرة: «إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاللهُ المُوعِدُ، وَتَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ لاَ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ؟ وَإِنَّ أَصْحَابِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَتْ تَشْغَلُهُمْ أَرْضُوهُمْ وَالقِيَامُ عَلَيْهَا، وَإِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مِسْكِينًا، (أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مَلْءِ بَطْنِي) (٣) وَكُنْتُ أُكْثِرُ مُجَالَسَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَحْضُرُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا». (٤) ثم ذكر قصة النمرة، ودعاء الرسول له، ثم قال: «فَوَاللهِ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ» (٥).\n_________\n(١) \" البداية والنهاية \": ص ١٠٩ جـ ٨ ونحوه في \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٦ جـ ٢.\n(٢) \" فتح الباري \": ص ٢١٧ جـ ١، و\" مسند الإمام أحمد \": ص ١١٩ حديث ٧٣٨٣ جـ ١٣ رواه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن عمرو كثيرًا، انظر رقم: ٦٥١٠ و٦٨٠٢ و٦٩٣٠ و٧٠١٨.\n(٣) هذه العبارة من رواية الزهري في \" مسند الإمام أحمد: ص ٢٦٨ حديث ٧٢٧٣ جـ ١٢ لم يذكرها ابن سعد.\n(٤) \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٦ قسم ٢ جـ ٤ وص: ١١٨ قسم ٢ جـ ٢، وانظر \" فتح الباري \": ص ٢٢٤ جـ ١، و\" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٧٠ جـ ١٢، و\" حلية الأولياء \": ص ٣٧٨ جـ ١، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٤ جـ ٢.\n(٥) \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٦ قسم ٢ جـ ٤ وص: ١١٨ قسم ٢ جـ ٢، وانظر \" فتح الباري \": ص ٢٢٤ جـ ١، و\" مسند الإمام أحمد \": ص ٢٧٠ جـ ١٢، و\" حلية الأولياء \": ص ٣٧٨ جـ ١، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٤ جـ ٢.","vol":"1","page":423},{"text":"وكان يقول: «وَايْمُ اللهِ، لَوْلاَ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ أَبَدًا، ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾» (١).\n\nوروى الوليد بن عبد الرحمن أنَّ أبا هريرة حَدَّثَ عن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا وَتَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ» فقال عبد الله بن عمر: «انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ، فَإِنَّكَ تُكْثِرُ مِنَ الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -»، فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة فسألها عن ذلك، فقالت: «صَدَقَ أَبُو هَرَيْرَةُ!!» ثم قال: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ يَشْغَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، إِنَّمَا كَانَ يَهُمُّنِي كَلِمَةٌ من رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يُعَلِّمُنِيهَا، أَوْ لُقْمَةٌ يُطْعِمُنِيهَا» (٢)، وفي رواية: وفي رواية: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْغَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَرْسُ بِالوَادِي وَصَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ (٣). فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَنْتَ أَعْلَمُنَا - يَا أَبَا هُرَيْرَةَ - بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَحْفَظُنَا لِحَدِيثِهِ» (٤).\n\nوقد شهد له إخوانه أصحاب رسول الله - ﷺ - بكثرة سماعه وأخذه عن رسول الله. وهذه الشهادات تدفع كل ريب أو ظن حول كثرة حديثه، حتى إنَّ بعض الصحابة رَوَوْا عنه لأنه سمع من النبي الكريم - صَلَّى اللَّهُ\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد: ص ١٢٣، حديث ٧٦٩١ جـ ١٤، وانظر \" فتح الباري \": ص ٢٤٤ جـ ١، والآية (١٥٩) من سورة البقرة.\n(٢) \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٧ قسم ٢ جـ ٤، ونحوه بإسناد صحيح في \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٧٥ حديث ٧١٨٨ جـ ١٢.\n(٣) \" البداية والنهاية \": ص ١٠٧ جـ ٨، و\" طبقات ابن سعد \": ص ١١٨ قسم ٢ جـ ٢، وقال الترمذي في قول ابن عمر: «حَسَنٌ» انظر \" فتح الباري \": ص ٢٢٥ جـ ١.\n(٤) \" البداية والنهاية \": ص ١٠٧ جـ ٨، و\" طبقات ابن سعد \": ص ١١٨ قسم ٢ جـ ٢، وقال الترمذي في قول ابن عمر: «حَسَنٌ» انظر \" فتح الباري \": ص ٢٢٥ جـ ١.","vol":"1","page":424},{"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يسمعوا. من هذا أنَّ رجلًا جَاءَ إِلَى طَلْحَةَ (١) بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فَقَالَ: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرَأَيْتُكَ هَذَا اليَمَانِيَّ - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - أَهُوَ أَعْلَمُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ مِنْكُم؟ نَسْمَعُ مِنْهُ أَشْيَاءَ لاَ نَسْمَعُهَا مِنْكُم؟»، قَالَ: «أَمَّا أَنْ يَكُونَ [قَدْ] سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَا لَمْ نَسْمَعْ فَلاَ أَشُكُّ، سَأُحَدِّثُكَ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّا كُنَّا أَهْلَ بُيُوتَاتٍ وَغَنَمٍ وَعَمَلٍ، كُنَّا نَأْتِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - طَرَفَيْ النَّهَارِ، وَكَانَ مِسْكِينًا ضَيْفًا عَلَى بَابِ رَسُولِ اللهِ، يَدُهُ مَعَ يَدِهِ، فَلاَ نَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَلاَ تَجِدُ أَحَدًا فِيهِ خَيْرٌ يَقُولُ عَنْ رَسُولِ اللهِ مَا لَمْ يَقُلْ» (٢) (*).\n\nوَرَوَى أَشْعَثُ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ (الأَنْصَارِي) يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَإِنِّي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَعْنِي مَا لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ -» (٣).\n\nوكان جريئًا، يسأل النبي - ﷺ - عن أشياء لا يسأله غيره (٤) كما كان يسأل الصحابة الذين سبقوه إلى الإسلام. وكان كثير العلم واسع المعرفة، يحدث إخوانه وطلابه، وقد يقول لهم: «رُبَّ كِيْسٍ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَفْتَحْهُ - يَعْنِي: مِنَ العِلْمِ -» (٥). وكان يقول: «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ\n_________\n(١) في \" سير أعلام النبلاء \" (طُلَيْحَةٌ) والصواب (طَلْحَةٌ) كما في \" فتح الباري \": ص ٢٥٥ جـ ١.\n(٢) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٦ جـ ٢، و\" البداية والنهاية \": ص ١٠٩ جـ ٨.\n(٣) \" البداية والنهاية \": ص ١٠٩ جـ ٨، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٦ جـ ٢.\n(٤) انظر \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٥١ جـ ٢.\n(٥) انظر المرجع السابق: ص ٤٣٠ جـ ٢ رواه محمد بن راشد عن مكحول.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) خطأ في ترقيم الهوامش في الكتاب المطبوع، وأثبت الترقيم الصحيح للمصادر.","vol":"1","page":425},{"text":"وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ» (١).\n\nفكان أبو هريرة حريصًا على أن يُحَدِّثَ الناس بما تدركه عقولهم، وحريصًا على ألا يحدثهم إلا بما ينتفعون به، لذلك أَبَى أن يحدثهم بكل ما يعلم.\n_________\n(١) \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٧ قسم ٢ جـ ٤ وص: ١١٨ قسم ٢ جـ ٢، وانظر \" فتح الباري \": ص ٢٢٧ جـ ١، و\" حلية الأولياء \": ص ٣٨١ جـ ١، و\" البداية والنهاية \": ص ١٠٥ جـ ٨، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٣٤ جـ ١. لقد بث أبو هريرة بين الناس وعاء مما سمع من رسول الله - ﷺ - ولم يبث الوعاء الآخر، خَوْفًا من أن يكذبه الناس فقد قال في رواية: «لَوْ أَنْبَأْتُكُمْ بِكُلِّ مَا أَعْلَمُ لَرَمَانِي النَّاسُ بِالخَرْقِ، وَقَالُوا أَبُو هُرَيْرَةَ مَجْنُونٌ». وفي رواية: «لَرَمَيْتُمُونِي بِالبَعْرِ». قَالَ الحَسَنُ - رَوِاي الخَبَرِ -: «صَدَقَ وَاللَّهِ .. لَوْ أَخْبَرَنَا أَنَّ بَيْتَ اللَّهِ يُهْدَمُ وَيُحْرَقُ مَا صَدَّقَهُ النَّاسُ». \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٧ قسم ٢ جـ ٤ وص: ١١٩ قسم ٢ جـ ٢.\nلقد خاف أن يُكَذِبَهُ الناس، وخاف أن يقضى على حياته ولا بد للمرء أن يتساءل: ما هو ذلك الوعاء المملوء عِلْمًا الذي لم يبثه أبو هريرة؟ وهل خصه رسول الله - ﷺ - دون الأُمَّةِ بذلك.\nنفهم من حديث أبي هريرة أن الرسول حَمَّلَهُ نوعين من العلم، كل نوع لو كتبه إنسان لكان جرابًا كبيرًا، أحدهما بثه، والثاني لم يبثه، أما يكون رسول الله - ﷺ - قد اختص أبا هريرة بشيء من الأحكام فغير معقول، لأنه ينافي تبليغ الرسالة، وهل ما اختصه به من الآداب؟ إن هذا بعيد جِدًّا لأن الرسول - ﷺ - إنما جاء ليتمم مكارم الأخلاق، ومنعه ذلك عن الأُمَّةِ يُنَافِي تبليغ الرسالة، فليس من المتصور أن يلقن الرسول الكريم بعض ما يتعلق بالأخلاق والآداب أبا هريرة، ويترك الأُمَّةَ من غير أن يفيدها بشيء من هذا!!.\nمن هنا يتأكد أن الوعاء الثاني لم يكن فيه ما يتعلق بالأحكام ولا بالآداب والأخلاق، وَيُرَجَّحُ أن يكون بعض ما يتعلق بأشراط الساعة أو بعض ما يقع للأمة من فتن، ومن يَلُونَهَا من أمراء السوء، وَيُقَوِّي هذا عندي أن أبا هريرة كان يكني عن بعض ذلك، ولا يصرح به خَوْفًا على نفسه ممن يسيئه ما يقوله، كقوله: «أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ رَأْسِ السِّتِّينَ وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ»، وقوله: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ»، انظر \" فتح الباري \": ص ٢٢٧ جـ ١، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٠ جـ ١، وليس هذا الحديث ذريعة لمن يجعل للدين ظاهرًا وباطنًا حتى ينتهي به إلى التحلل من الدين، فأبو هريرة كان يحب أن يحدث الناس بما يعرفون حتى لا يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ إذا أخبرهم بما لا تتصوره عقولهم، وقد ذكر ابن تيمية بعض تنبؤات الرسول - ﷺ - التي أخبر عنها ووقعت فيما بعد في كتابه \" الرد على المنطقيين \": ص ٤٤٥.","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>١٠ - حِفْظُ أَبِي هُرَيْرَةَ:</span>\nكان أبو هريرة حافظًا متقنًا، ضابطًا لما يروي، دقيقًا في أخباره، فقد اجتمعت فيه صفتان عظيمتان تُتَمِّمُ إحداهما الأخرى، الأولى سعة علمه وكثرة مروياته، والثانية قوة ذاكرته وحسن ضبطه، وهذا غاية ما يتمناه أُولُو العلم. وسبق أن ذكرت أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَعَا لَهُ بِعِلْمٍ لاَ يُنْسَى.\n\nوإلى جانب هذا، نشاط أبي هريرة وحرصه على طلب العلم، وفي ذلك يقول: «صَحِبْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - ثَلاثَ سِنِينَ مَا كُنْتُ سَنَوَاتٍ قَطُّ أَعْقَلَ مِنِّي، وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَعِيَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -[مِنِّي] فِيهِنَّ» (١).\n\nوكان يذاكر ما يسمعه من الرسول الكريم، فيقضي شطرًا من ليله في هذا، قال أبو هريرة: «جَزَأْتُ اللَّيْلَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ: ثُلُثًا أُصَلِّي، وَثُلُثًا أَنَامُ، وَثُلُثًا أَذَكَرُ فِيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (٢).\n\nويذكر لنا أبو الزعيزعة، كاتب مروان، ما يُثْبِتُ اتقانه وحفظه، فيقول: «دَعَا مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ، وَأَجْلَسَنِي خَلَفْ السَّرِيرِ، وَجَعَلْتُ أَكْتُبُ عَنْهُ، حَتَّىَ إِذَا كَانَ رَأْسُ الحَوْلِ، دَعَا بِهِ، فَأَقْعَدَهُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ الكِتَابِ، فَمَا زَادَ وَلاَ نَقَصَ، وَلاَ قَدَّمَ وَلاَ أَخَّرَ» (٣). وقد شهد له بذلك الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم (٤).\n_________\n(١) \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٤ قسم ٢ جـ ٤ رواه قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة.\n(٢) انظر \" سنن الدارمي \": ص ٨٢ جـ ١، و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٨٠: ب - ١٨١: آ.\n(٣) \" البداية والنهاية \": ص ١٠٦ جـ ٨، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣١ جـ ٢ وقد جمعت بين الروايتين.\n(٤) بعد قليل أذكر هذا تحت عنوان (الثناء على أبي هريرة).","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>١١ - أَبُو هُرَيْرَةَ وَالفَتْوَى:</span>\nلم يكن أبو هريرة راوية للحديث فقط، بل كان من رؤوس العلم في زمانه، في القرآن وَالسُنَّةِ والاجتهاد، فَإِنَّ صُحبته وملازمته لرسول الله - ﷺ -، أتاحت له أَنْ يَتَفَقَّهَ في الدين، ويشاهد السُنَّةَ العَمَلِيَّةَ، عظيمها ودقيقها، فَتَكَوَّنَتْ عنده حصيلة كثيرة من الحديث الشريف، وقد اطَّلَعَ على حلول أكثر المسائل الشرعية، التي كانت تُعْرَضُ للمسلمين في عهده - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.\n\nكل ذلك هَيَّأَ أبا هريرة، لأنْ يفتي المسلمين في دينهم نَيِّفًا وَعِشْرِينَ سَنَةُ، والصحابة كثيرون آنذاك. ويذكر لنا عَنْ زِيَادِ بنِ مِينَا، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٌ مَعَ أَشْبَاهٍ لَهُم، يُفْتُونَ بِالمَدِينَةِ، وَيُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ لَدُنْ تُوُفِّيَ عُثْمَانُ إِلَى أَنْ تُوُفُّوا. قَالَ: وَهَؤُلاَءِ الخَمْسَةُ إِلَيْهِمْ صَارَتِ الفَتْوَى» (١).\n\nوولي البحرين لعمر، وأفتى الناس فيها، وكانت فتاواه تتلاقى وفتاوى عمر بن الخطاب (٢) وكان يفتي بحضور ابن عباس (٣). وإن المقام يضيق بنا عن حصر فتاواه، ولن نفرط في القول فَنَدَّعِي أنه كان من المكثرين في الفتيا، بل كان من المتوسطين في ذلك، كما ذكر الإمام أبو محمد بن حزم إذ قال: «وَالمُتَوَسِّطُونَ مِنْهُمْ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمْ مِنَ الفُتْيَا: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ... فَهَؤُلاَءِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ مِنْ فُتْيَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ صَغِيرٌ جِدًّا» (٤).\n_________\n(١) \" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٧ جـ ٢، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٧ جـ ٢.\n(٢) انظر \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٤٥ و٤٤٦ جـ ٢.\n(٣) انظر \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٧ و٤٤٥ جـ ٢.\n(٤) \" إعلام الموقعين \": ص ١٢ جـ ١، و\" سير أعلام النبلاء \" عن \" الإحكام في أصول الأحكام \": ص ٤٥١ جـ ٢.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>١٢ - شُيُوخُهُ وَمَنْ رَوَى عَنْهُ:</span>\nروى أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ - الكثير الطيب، وروى عن بعض الصحابة كأبي بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب، والفضل بن عباس بن عبد المطلب، وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ، وأسامة بن زيد، وعائشة أم المؤمنين، وبصرة بن أبي بصرة، وروى عن كعب الحبر وهو من التابعين.\n\nوقد روى عنه بعض الصحابة، وأشهر من روى عنه منهم: ابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وجابر بن عبد الله الأنصاري (١)، وأبو أيوب الأنصاري (٢).\n\nوروى عنه خلق كثير من التابعين، قَالَ البُخَارِيُّ: «رَوَى عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ» (٣) فيهم أئمة التابعين وأعلامهم في الحديث والفقه، منهم: بشير بن نهيك والحسن البصري، وزيد بن أسلم، وزيد بن أبي عتاب، وسعيد المقبري، وسعيد بن يسار، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وشفي بن ماتع، وشهر بن حوشب، وعامر الشعبي، وعبد الله بن سعد مولى عائشة، وعبد الله بن عتبة الهذلي، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد العزيز بن مروان، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وعمر بن خلدة قاضي المدينة، وعمرو بن دينار، والقاسم بن محمد، وقبيصة بن ذؤيب، وكثير بن مرة، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن مسلم الزهري - ولم يلحقه -\n_________\n(١) انظر \" الإصابة \": ص ٢٠١ جـ ٧، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٣ جـ ١٧.\n(٢) انظر \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٦ جـ ٢.\n(٣) انظر المراجع المذكورة في الهامش التالي.","vol":"1","page":429},{"text":"محمد بن المنكدر، ومروان بن الحكم، وميمون بن مهران، وهمام بن مبنه - وقد كتب عن أبي هريرة صحيفة مشهورة - وأبو إدريس الخولاني، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سعيد المقبري، وأبو صالح السمان، وغيرهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>١٣ - عِدَّةُ مَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الحَدِيثِ:</span>\nأبو هريرة أكثر الصحابة حديثًا عن رسول الله - ﷺ -، ولن نستغرب هذا بعد أنْ عرفنا ملازمته لرسول الله - ﷺ -، وجرأته في السؤال، وحبه للعلم، ومذاكرته حديث الرسول الكريم في كل فرصة تسنح له.\n\nروى الإمام أحمد بن حنبل في \" مسنده \" [٣٨٤٨] حَدِيثًا وفيها مُكَرَّرٌ كثير باللفظ والمعنى، ويصفو له بعد حذف المُكَرَّرٌ خير كثير.\n\nوروى له الإمام بقي بن مَخْلَدْ (٢٠١ - ٢٧٦ هـ) في \" مسنده \" [٥٣٧٤] خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حَدِيثًا. وله في \" الصحيحين \" [٣٢٥] ثلاثمائة وخمسة وعشرون حَدِيثًا، وانفرد البخاري أَيْضًا بـ[٩٣] ثلاثة وتسعين حَدِيثًا، ومسلم بـ[١٨٩] تسع وثمانين ومائة حَدِيثٍ (٢).\n_________\n(١) ما ذكرتهم هم بعض من روى عن أبي هريرة، وأحاديثهم في كتب الأئمة الستة. راجع \" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٣ - ٢٦٥ جـ ١٢، و\" الإصابة \": ص ٢٠١ - ٢٠٢ جـ ٧، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤١٨ - ٤٢٣ جـ ٢.\n(٢) انظر \" البارع الفصيح في شرح الجامع الصحيح \" مخطوط دار الكتب المصرية: ص ٩: ب عن \" مسند الإمام بقي بن مخلد، وفي \" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٤ جـ ٢ عدد أحاديثه (٥٣٧٠) حَدِيثًا، وانظر \" شذرات الذهب \": ص ٦٣ جـ ١، وفي \" سير أعلام النبلاء \" المتفق في \" البخاري \" و\" مسلم \" (٣٢٦) حَدِيثًا وانفرد \" البخاري \" بثلاثة وتسعين و\" مسلم \" بثمانية وتسعين. انظر \" الفصل في الملل والأهواء والنحل \" لابن حزم: ص ١٣٨ جـ ٤.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>١٤ - الثَّنَاءُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ:</span>\nقال رسول الله - ﷺ -: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلاَّ يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ» (١).\n\nوعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَبُو هُرَيْرَةَ وِعَاءُ مِنَ العِلْمِ!!» (٢).\n\nقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «مَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ حَدِيثًا مِنِّي عَنْهُ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵁ - فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَكُنْتُ لاَ أَكْتُبُ» (٣).\n\nوكان عمر بن الخطاب - ﵁ - قد نهى أبا هريرة من الإكثار عن رسول الله - ﷺ -، كما نهى غيره، لأنَّ سياسة عمر وبعض الصحابة الإقلال من رواية الحديث، لأنَّ الإكثار مظنة الخطأ، وفيه شغل الناس بالحديث عن القرآن، ومع هذا فقد سمح عمر - ﵁ - لأبي هريرة بالتحديث، بعد أنْ عرف ورعه وتقواه. قال أبو هريرة: «بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ فُلاَنٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لأَيِّ شَيْءٍ سَأَلْتَنِي. قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ يَوْمَئِذٍ: \" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ \".\n_________\n(١) \" فتح الباري \": ص ٢٠٤، جـ ١، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٠، جـ ٢. وهو صحيح.\n(٢) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٠، جـ ٢. في إسناده مقال، لاختلافهم في (زَيْدٍ العَمِّيِّ) أحد رجال سنده. انظر \" ميزان الاعتدال \": ص ٣٦٣، جـ ١.\n(٣) \" فتح الباري \": ص ٢١٧، جـ ١، و\" جامع بيان العلم \": ص ٧٠ جـ ١.","vol":"1","page":431},{"text":"قَالَ: \" أَمَا لاَ، فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ \"» (١). وهذا السماح توثيق لأبي هريرة من أمير المؤمنين.\n\nقال عبد الله بن عمر: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كُنْتَ أَلْزَمُنَا لِرَسُولِ الله - ﷺ - وَأَعْلَمُنَا بِحَدِيثِهِ» (٢).\n\nوَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: هَلْ تُنْكِرُ مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ شَيْئًا؟ قَالَ: «لاَ، وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ، وَجَبُنَّا» (٣).\nوفي رواية قال ابن عمر: «أَبُو هُرَيْرَةُ خَيْرٌ مِنِّي، وَأَعْلَمُ بِمَا يُحَدِّثُ» (٤). وكان يكثر التَرَحُّمَ عَلَيْهِ ويقول: «كَانَ مِمَّنْ يَحْفَظُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى المُسْلِمِينَ» (٥).\n\nقَالَ أُبَيٌّ بْنُ كَعْبٍ: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَرِيئًا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ لاَ نسَأَلُهُ عَنْهَا» (٦).\n\nوحين أرسل ابن عمر يستفهم من السيدة عائشة عن حديث الجنازة الذي رواه أبو هريرة، قالت: «صَدَقَ أَبُو هَرَيْرَةُ» (٧).\n_________\n(١) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٤ جـ ٢ إلا أن في سنده (يحيى بن عبيد الله) اختلف فيه، انظر \" ميزان الاعتدال \": ص ٢٩٧، جـ ٣، ولكنه ثابت من طريق آخر.\n(٢) \" المحدث الفاصل \": ص ١٣٤: آ، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٥ جـ ٢. ونحوه في \" طبقات ابن سعد \": ص ١١٨، قسم ٢ جـ ٢. وفي \" فتح الباري \":: (أَعْرَفَنَا بِحَدِيثِهِ) وقال فيه الترمذي: «حَسَنٌ». ص ٢٢٥ جـ ١.\n(٣) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٧ جـ ٢.\n(٤) \" الإصابة \": ص ٢٠٤ جـ ٧، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٧ جـ ١٢.\n(٥) \" طبقات ابن سعد \": ص ٦٣، قسم ٢ جـ ٤، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٥، جـ ٢. و\" البداية والنهاية \": ص ١٠٧، جـ ٨.\n(٦) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٥١ جـ ٢.\n(٧) \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٧ قسم ٢ جـ ٤، و\" الإصابة \": ص ٢٠٥، جـ ٧.","vol":"1","page":432},{"text":"قال طلحة بن عبيد الله: «لاَ نَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ» (١).\n\nقال زيد بن ثابت لرجل سأله عن شيء: «عَلَيْكَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ» (٢).\n\nجاء رجل إلى ابن عباس في مسألة، فقال ابن عباس لأبي هريرة: «أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ» (٣).\n\nقال كعب الأحبار: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا لَمْ يَقْرَأِ التَّوْرَاةَ أَعْلَمَ بِمَا فِيهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» (٤).\n\nوقال محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم: «فَعَرَفْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ أَحْفَظُ النَّاسِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -» (٥). وذلك حين حضر مجلسه الذي كان فيه مشيخة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأبو هريرة يُحَدِّثُهُمْ، فلا يعرف بعضهم الحديث، ثم يتراجعون فيه فيعرفونه.\n\nقال أبو صالح السمان: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ أَحْفَظِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -» (٦).\n\nقال الإمام الشافعي: «أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ (٧)»\n_________\n(١) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٦ جـ ٢، رواه عن طلحة والتصحيح من \" الإصابة \": ص ٢٠٤ جـ ٧، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٦ جـ ١٢، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٦ جـ ٣. وطلحة هذا صحابي جليل - ﵁ - توفي رسول الله - ﷺ - وهو راض عنه.\n(٢) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٢ و٤٤٣ جـ ٢، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٦ جـ ١٢، و\" الإصابة \": ص ٢٠٤ جـ ٧.\n(٣) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٧ جـ ٢.\n(٤) \" الإصابة \": ص ٢٠٥ جـ ٧، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٢ جـ ٢.\n(٥) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٤٤ جـ ٢، و\" فتح الباري \": ص ٢٢٥ جـ ١.\n(٦) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٣٤ جـ ١، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٠ جـ ٢.\n(٧) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٣٤ جـ ١، و\" البداية والنهاية \": ص ١٠٦ جـ ٨، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٢ جـ ٢.","vol":"1","page":433},{"text":"قال البخاري: «رَوَى عَنْهُ نَحْوَ ثَمَانِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَكَانَ أَحْفَظَ مَنْ رَوَى الحَدِيثَ فِي عَصْرِهِ» (١).\n\nوقال الإمام الحافظ الذهبي [٦٧٣ - ٧٤٨ هـ]: «أَبُو هُرَيْرَةَ: إِلَيْهِ المُنْتَهَى فِي حَفِظِ مَا سَمِعَهُ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وَأَدَائِهِ بِحُرُوفِهِ» (٢)، وقال في موضع آخر: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَثِيقَ الحِفْظِ، مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ» (٣).\n\nوقال ابن كثير [- ٧٧٤ هـ]: «وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنَ الصِّدْقِ وَالحِفْظِ وَالدِّيَانَةِ وَالعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ» (٤).\n\nوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني [٧٧٣ - ٨٥٢ هـ]:\n«إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ أَحْفَظَ مِنْ كُلِّ مَنْ يَرْوِي الحَدِيثَ فِي عَصْرِهِ، وَلَمْ يَاْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَحَابَةِ كُلِّهِمْ مَا جَاءَ عَنْهُ» (٥).\n\nهذا غيض من فيض، شهد به رؤوس العلم لأبي هريرة، فسعة علمه وكثرة حديثه لا تخفى على مسلم، وما سقته من ثناء عليه إنما كان على سبيل الذكرى، وإلا فإني أظلم راوية الإسلام إذا حاولت أن أحصر من أثنى عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>١٥ - أَصَحُّ الطُرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:</span>\nحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّ مِنْ أَصَحِّ الأَسَانِيدِ (إِطْلاَقًا): حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٦).\n_________\n(١) \" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٥ جـ ١٢.\n(٢) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٤٥ جـ ٢.\n(٣) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٤٦ جـ ٢.\n(٤) \" البداية والنهاية \": ص ١١٠ جـ ٨.\n(٥) \" تهذيب التهذيب \": ص ٢٦٦ جـ ١٢.\n(٦) \" تدريب الراوي \": ص ٣٦، و\" الكفاية \": ص ٣٩٨.","vol":"1","page":434},{"text":"وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ [الشَّاذَكُونِيُّ]: «أَصَحُّ الأَسَانِيدِ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» (١).\n\nوأصح ما روي من الحديث عن أبي هريرة ما جاء عن:\n- الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\n\n- أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\n\n- ابْنِ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ، عَنِ مُحَمَّدٍ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢).\n\n- مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\n\n- سُفْيَانٍ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\n\n- مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\n\n- إِسْمَاعِيلَ بن أبي حَكِيمٍ عَن عُبَيْدَةَ بن سُفْيَان الحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\n\n- مَعْمَرٍ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٣).\n_________\n(١) \" الكفاية \": ص ٣٩٨.\n(٢) \" تدريب الراوي \": ص ٣٦، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٨ جـ[٢] (*) و\" توضيح الأفكار \": ص ٣٥ جـ ١.\n(٣) هذه الأسانيد خرجها الشيخ أحمد محمد شاكر - ﵀ - من مسند أبي هريرة في \" مسند الإمام أحمد \" وهي من أصح الأسانيد لرسوخ قدم الرواة فيها وثناء العلماء عليهم. انظر \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٤٩، ١٥٠ جـ ٢.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) سقط رقم المجلد من الكتاب المطبوع، وبالرجوع إلى كتاب \" أبو هريرة راوية الإسلام \" للدكتور محمد عجاج الخطيب (ص ١٤٩، حاشية ٣)، تبين أنه المجلد الثاني من \" سير أعلام النبلاء \".","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>الرَدُّ عَلَى الشُّبَهِ التِي أُثِيرَتْ حَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ:</span>\nذلكم أبو هريرة الذي عرفناه قبل إسلامه وبعده، عرفناه في هجرته وصحبته للرسول الكريم - ﷺ -، فكان الصاحب الأمين، والطالب المُجِدَّ، التزم السُنَّةَ المُطَهَّرة، في شبابه وهرمه، وفي غناه وفقره، فكان وَرِعًا تَقِيًّا، كريمًا متواضعًا، له مواقفه المُشَرِّفَةَ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعرفنا اعتزاله للفتن وَحُبَّهُ للجماعة وسيعه للخير، وكشفنا عن روحه الطيِّبة المرحة، ونفسه الصافية، وأخلاقه الكريمة، وزُهده في الدنيا وفنائه في الحق، وعرفنا مكانته العلميَّة، وكثرة حديثه، وقوة حافظته، ورأينا منزلته بين أصحابه، وثناء العلماء عليه.\n\nولكن بعض الباحثين لم يسرهم أن يروا أبا هريرة في هذه المكانة السامية، والمنزلة الرفيعة، فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى أن يصوروه صورة تخالف الحقيقة التي عرفناها، فرأوا في صحبته للرسول الكريم - ﷺ - غايات خاصة لأبي هريرة، ليشبع بطنه ويروي نهمه، وصوروا أمانته خيانة، وكرمه رياء، وحفظه تدجيلًا، وحديثه الطيب الكثير كذبًا على رسول الله - ﷺ - وبهتانًا، ورأوا في فقره مطعنًا وعارًا، وفي تواضعه ذُلًاّ، وفي مرحه هَذَرًا، وصوروا أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لَوْنًا من الاحتيال لخداع العامة، ورأوا في اعتزاله الفتن تَحَزُّبًا، وفي قوله الحق انحيازًا، واعتبروه صنيعة الأمويين الذين طووه تحت جناحهم، فكان أداتهم الداعية لمآربهم","vol":"1","page":436},{"text":"السياسية، فهو في نظرهم من الكاذبين الواضعين للأحاديث على رسول الله - ﷺ -، افتراء وزورًا.\n\nهكذا رآه بعض أهل الأهواء قديمًا كالنظَّام، والمريسي، وَالبَلْخِي، وتابعهم في هذا العصر بعض المستشرقين أمثال (جولدتسيهر) و(شبرنجر) وأغرب من هذا أنْ يطعن فيه وفي السُنَّةِ بعض من يُنسبُ إلى العلم، فقد عثرتُ على كتاب تحت عنوان \" أبو هريرة \" ألَّفه عبد الحُسين شرف الدين العاملي، وافترى فيه على أبي هريرة افتراءات يَنْدَى لَهَا جبين العلم، وَتَخِزُ ضمير العلماء، وتجرح الحق، ولا تلتقي معه، حتى انتهى إلى تكفير أبي هريرة، وقد حمله على هذا عاملان: أولهما هواه، وثانيهما تأويلاته التي لا تتمشى مع البحث العلمي، ولا توافق التاريخ ..\n\nوقد استقى من هذا الكتاب أَيْضًا محمود أَبُو رِيَّة صاحب كتاب \" أضواء على السنة المحمدية \"، فكان أشدَّ على أبي هريرة من أستاذه، وأكثر مجانبة للصواب، كما أن الأستاذ أحمد أمين كشف عن جانب من سيرة أبي هريرة دون أن يكشف عن الجوانب الأخرى فلم تكن صورته عنده مطابقة للحقيقة التاريخية.\n\nومن الصعب أن أفند جميع الشبهات التي أخذها بعضهم على أبي هريرة في هذا الكتاب، لأنها تحتاج إلى كتاب منفرد بها (١)، لذلك أرد هنا رَدًّا مجملًا على أهم الشبهات التي أثاروها حوله، ولولا مكانة أبي هريرة ونقله جانبًا عظيمًا من السُنَّةِ لتركت الرد على هذه الشبهة، ولكني رأيت من الواجب أن أبين الحق لأن الطعن فيه طعن صريح في جميع مروياته، وترك لجانب لا يستهان به من السُنَّةِ.\n_________\n(١) فَنَّدْتُ ما أثاره هؤلاء في كتاب تحت عنون \" أبو هريرة راوية الإسلام \" (*).\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) هذا الكتاب الذي كان لي شرف تحويله إلى المكتبة الشاملة.","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>١ - عُمَرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ - ﵄ </span>-:\nاتهم عبد الحسين شرف الدين وأبو رية (١) أبا هريرة بأنه سرق عشرة آلاف دينار حينما ولي البحرين لعمر، فعزله وضربه بالدرة حتى أدماه.\n\nلقد ذكرت جميع الروايات (٢) المعتمدة أن عمر - ﵁ - قاسمه كما قاسم غيره من الولاة (٣). وليس فيها أنه ضربه حتى أدماه. وكان أبو هريرة يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَمِيرِ المُؤمِنِينَ (٤)». لم يحقد على عمر - ﵁ - مع أنه يعلم أن ما قاسمه إياه إنما هو عطاياه وأسهمه وبعض غلة رقيقة. ولو أن عمر شك في أمانة أبي هريرة بعض الشك لحاكمه وعاقبة العقوبة الشرعية، ولكنه عرف فيه الأمانة والإخلاص فعاد إليه بعد حين يطلبه للولاية فأبى أبو هريرة قبولها كما أسلفنا!!.\n\nهذا وجه الحق الذي أخفاه عبد الحسين وأبو رية، فعبد الحسين نقل رواية واحدة عن \" العقد الفريد \" لابن عبد ربه (٥)، حيث وجد فيها ما يوافق هواه، ولم\n_________\n(١) انظر \" أبو هريرة \" لعبد الحسين شرف الدين: ص ١٤، ١٥، وانظر \" أضواء على السنة المحمدية \": ص ١٩٢، ١٩٣.\n(٢) انظر في هذا الكتاب القسم الأول من ترجمة أبي هريرة ص ٤١٥ وما بعدها.\n(٣) يقول ابن عبد ربه: «ولما عزل عمر أبا موسى الأشعري عن البصرة، وشاطره ماله، وعزل أبا هريرة عن البحرين وشاطره ماله، وعزل الحارث بن كعب وشاطره ماله». انظر \" العقد الفريد \": ص ٣٣ جـ ١، وروى ابن عمر «أن عمر قاسم سعد بن أبي وقاص ماله حين عزله عن العراق». (\" طبقات ابن سعد \": ص ١٠٥ قسم ١ جـ ٣). فعمر لم يتهم أبا هريرة ولم يشاطره ماله وحده، بل تلك كانت سياسته مع ولاته، كيلا يطمع امرؤ في مال الله، ويحذر الشبهات. وكان يعزل ولاته لا عن شبهة بل من باب الاجتهاد وحسن رعاية أمور المسلمين، انظر ذلك في \" العقد الفريد \": ص ٣٤، ٣٥ و٦٠ جـ ١.\n(٤) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٦٠ قسم ٢ جـ ٤.\n(٥) \" العقد الفريد \": ص ٣٤ جـ ١.","vol":"1","page":438},{"text":"يتعرض لبقية الروايات التي تبين الحقيقة (١)، واكتفى أبو رية بالنقل عن عبد الحسين من غير أن يشير إلى المصدر ومن غير بحث أو مقارنة وتمحيص!!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>٢ - هَلْ تَشَيَّعَ أَبُو هُرَيْرَةَ لِلأُمَوِيِّينَ</span>؟:\nومما اتُّهِمَ به أبو هريرة أنه تشيع للأمويين ووالاهم، ووضع الحديث على الرسول - ﷺ - ضد خصومهم وتأييدًا لسياستهم (٢).\n\nويظهر بطلان هذه الشبهة إذا علمنا أنه لا دليل على تشيع أبي هريرة للأمويين بل ثبتت معارضته لهم في كثير من تصرفاتهم، ولم يكن دائمًا على صلة حسنة بمعاوية وإذا كان معاوية قد جعله على المدينة فقد كان يعزله كلما غضب عليه، ويولي مروان بن الحكم مكانه، كما أن أبا هريرة لم يكن يكره عَلِيًّا وأهله إرضاء للأمويين، بل كان مُحِبًّا لأهل البيت، ومن هذا ما رواه ابن كثير مما دار بين مروان بن الحكم وأبي هريرة حين أراد المسلمون دفن الحسن مع النبي - ﷺ -. فكان مما قاله لمروان: «وَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِوَالٍ، وَإِنَّ الوَالِيَ لَغَيْرُكَ فَدَعْهُ، وَلَكِنَّكَ تَدَخَّلُ فِيمَا لاَ يَعْنِيكَ، إِنَّمَا تُرِيدُ بِهَذَا إِرْضَاءَ مَنْ هُوَ غَائِبٌ عَنْكَ، يَعْنِي مُعَاوِيَةَ ...» (٣).\n\nوكذلك نرى أبا هريرة ينكر على مروان في مواضع عدة، فقد أنكر عليه عندما رأى في داره تصاوير، فَقَالَ لَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَقُولُ اللَّهُ - ﷿ -: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا! كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا\n_________\n(١) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٩ قسم ٢ جـ ٤، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٨ جـ ٢، و\" حلية الأولياء \": ص ٣٨٠ جـ ١، و\" البداية والنهاية \": ص ١١١ جـ ٨.\n(٢) انظر \" أبو هريرة \" لعبد الحسين: ص ٢٦ - ٣١ وما بعدها، وانظر \" أضواء على السنة المحمدية \": ص ١٨٥ - ١٩٠.\n(٣) \" البداية والنهاية \": ص ١٠٨ جـ ٨.","vol":"1","page":439},{"text":"ذَرَّةً، (١)، كما أنكر عليه حين أبطأ بالجمعة، فقام إليه قائلًا: «أَتُظَلُّ عِنْد ابْنَة فُلاَنٍ تُرَوِّحَُِك بِالمَرَاوِحِ وَتَسْقِيَك المَاءَ البَارِدَ، وَأَبْنَاءُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ يُصْهَرُونَ مِنَ الحَرِّ؟ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَفْعَلَ وَأَفْعَلَ»، ثُم قَال: «اسْمَعُوْا مَن أَمِيرِكُمْ» (٢).\n\nفهل هذا موقف المُتَشَيِّعِ لبني أمية، النازل على رغباتهم في الحديث، الدَّاعي لهم!! أم أنَّ هذا موقف ملتزم الحق؟\n\nلقد أنكر على الأمير تَأَخُّرَهُ، وحفظ له حقه فأمر المسلمين بالسماع إليه. وهذا دليل آخر على مكانة أبي هريرة بين المسلمين. فلو كان حقيرًا مهينًا ما سمع منه المسلمون وَمَا تَحَمَّلَهُ مروان.\n\nوكان يجدر بمن اَتَّهِمَ أبا هريرة بالتشيُّع للأمويين أن يتهمه بالتشيع لأهل البيت، لما رُوِيَ عنه عن رسول الله - ﷺ - في مناقبهم ومدحهم مِمَّا ورد فِي صِحَاحِ السُنَّةِ (٣)، فهذا أولى لهم من أنْ يَتَتَبَّعُوا الأحاديث الضعيفة والموضوعة على أبي هريرة في مدح الأمويِّين، ليتهموه بموالاتهم وتأييدهم، مع وضوح وضع تلك الأحاديث، ومعرفة الكَذَبَةِ الواضِعِين لها. وجلاء أمرها، ونتيجة لهذا المنهج الملتوي حكم عليه عبد الحسين وأبو رية.\n\nومما قاله عبد الحسين في أبي هريرة والأمويين: «استعبد بنو أمية أبا هريرة ببرهم، فملكوا قياده، واحتلُّوا سمعه وبصره وفؤاده، فإذا هو لسان دعايتهم في سياستهم، يَتَطَوَّرُ فيها على ما تقتضيه أهواؤهم. فتارة يفتئت\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٤٨ حديث ٧١٦٦ جـ ١٢ بإسناد صحيح ورواه البخاري.\n(٢) \" العقد الفريد \": ص ٤٢ جـ ١.\n(٣) انظر على سبيل المثال لا على سبيل الحصر: \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٢٩ حديث ٧٣٩٢، وص: ١٩٥ حديث ٧٤٥٥ جـ ١٣، وص ٦٩ حديث ٧٦٣٦، وص ٢٦٠ حديث ٧٨٦٣ جـ ١٤، و\" فتح الباري \": ص ٧٦ و٩٥ جـ ٨.","vol":"1","page":440},{"text":"الأحاديث في فضائلهم ... وتارة يلفق أحاديث في فضائل الخليفتين نزولًا على رغائب معاوية وفئته الباغية» (١).\n\nهكذا أراد أنْ يُصَوِّرَهُ عبد الحسين شرف الدين، وقد عرفنا في سيرته وأخلاقه ما يدفع هذا الافتراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>٣ - هَلْ وَضَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ الأَحَادِيثَ كَذِبًا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ </span>-؟:\nلقد اتهم عبد الحسين، وأبو رية أبا هريرة بالكذب على رسول الله إرضاء للأمويين ونكاية بالعلويين (٢) وأبو هريرة من كل هذا براء. ولكنهما أَوْرَدَا أخبارًا ضعيفة وموضوعة لا أصل لها. من هذا ما ذكره عبد الحسين فقال: «قال الامام أبو جعفر الاسكافي: إنَّ معاوية حمل قَوْمًا من الصحابة وَقَوْمًا من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عَلِىٍّ تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جَعْلًا يرغب في مثله، فاختلقوا له ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمُغيرة بن شُعبة، ومن التابعين عُروة بن الزبير إلى آخر كلامه» (٣).\n\nوقال: «لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على رُكبتيه ثم ضرب صلعته مِرَارًا!! وقال: \" يا أهل العراق (٤) أتزعمون أني أكذب على الله ورسوله\n_________\n(١) \" أبو هريرة \" لعبد الحسين: ص ٣٥ وما بعدها.\n(٢) انظر \" أبو هريرة \" لعبد الحسين: ص ٣٥ وما بعدها، و\" أضواء على السنة المحمدية \": ص ١٩٠ وما بعدها.\n(٣) انظر \" أبو هريرة \" لعبد الحسين: ص ٣٥ وما بعدها، و\" أضواء على السنة المحمدية \": ص ١٩٠ وما بعدها.\n(٤) ساق مؤلف \" أضواء على السنة \" هذه الروايات في ص ١٩٠، ١٩١ وعلق في =","vol":"1","page":441},{"text":"وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله يقول: \" إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَرَمًا وَإِنَّ المَدِينَةُ حَرَمِي، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ \". قال: \" وأشهد بالله أنَّ عَلِيًّا أَحْدَثَ فيها \"!! فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاَّهُ إمارة المدينة» (١).\n\nهذه أخبار مختلفة استشهد بها عبد الحسين ليدعم زعمه أنَّ أبا هريرة كان عميلًا للأمويِّين، وَضَّاعًا للحديث. إلاَّ أنَّ هذه الأخبار مردودة سَنَدًا وَمَتْنًا.\n\n١ - أما من حيث السند. فإنَّ ابن أبي الحديد صاحب \" شرح نهج البلاغة \" نقل هذه الأخبار عن شيخه محمد بن عبد الله أبي جعفر الإسكافي (- ٢٤٠ هـ) وهو من أئمة المعتزلة المُتَشَيِّعِينَ، والعداء مستحكم بين المعتزلة وأهل الحديث من أواخر القرن الأول الهجري وأصبح مُتَوَارَثًا بعد هذا القرن. وأترك التعريف بأبي جعفر وتزكيته لتلميذه ابن أبي الحديد فيقول: «ذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وكان من المُتَحَقِّقِينَ بموالاة عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - والمُبالغين في تفضيله وإنْ كان القول بالتفضيل عَامًّا شَائِعًا في البغداديِّين من أصحابنا كافة، إلاَّ أنَّ أبا جعفر أَشَدُّهُمْ في ذلك قولًا، وأخلصهم فيه اعتقادًا (٢)».\n_________\n= الهامش على هذا الخبر فقال: يدل هذا القول على أن كذب أبي هريرة على النبي قد اشتهر حتى [عَمَّ] الآفاق، لأنه قال ذلك وهو بالعراق وأن الناس جَمِيعًا كانوا يتحدثون عن هذا الكذب في كل مكان. (هامش الصفحة ١٩٠ من \" أضواء على السنة \"). انظر إلى هذا المؤلف الذي أخذ من أستاذه وتفوق عليه بالاستنباطات الخيالية، من غير أن يتثبت من صحة الرواية، ولكن له وقفة بين يدي الله تعالى.\n\n(١) \" أبو هريرة \" لعبد الحسين: ص ٣٨، ٣٩.\n(٢) \" شرح نهج البلاغة \": ص ٤٦٧ جـ ١ طبعة بيروت، وانظر ترجمته في \" لسان الميزان \": ص ٢٢١ جـ ٥.","vol":"1","page":442},{"text":"هذه شهادة تليمذ لأستاذه لا يرقى إليها الشك، ولا يعتريها الظن والتأويل، فالأستاذ من أهل الأهواء، دَاعٍ إلى هَوَاهُ، بل من المُتَعَصِّبِينَ في ذلك، بشهادة أقرب الناس إليه وأعرفهم به، فإذا سبق لأمثاله أنْ كَذَّبُوا الصحابة في الحديث بل في نقل القرآن فليس بَعِيدًا أَنْ يَكْذِبُوا على أبي هريرة ويفتروا عليه وعلى بعض الصحابة والتابعين. لكن روايته مردودة لسببين:\n\nالأول: ضعف الإسكافي لعاملين:\nالعامل الأول: إنه معتزلي يناصب أهل الحديث العداء.\nوالعامل الثاني: أنه شيعي محترق. فقد اجتمع فيه عاملان يكفي أحدهما لِرَدِّ روايته.\n\nالثاني: لم تذكر هذه الروايات في مصدر موثوق بسند صحيح. عِلْمًا بِأَنَّ الإسكافي لم يذكر لها سَنَدًا، وهذا يُرَجِّحُ أنها موضوعة، أو هي على الأقل ضعيفة لا يُحْتَجُّ بها.\n\n٢ - وأما من حيث المتن - فلم يثبت أنَّ معاوية حمل أحدًا على الطعن في أمير المؤمنين عَلِيٍّ - ﵁ -، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه تطوع بذلك، أو أخذ أجرًا مقابل وضع الحديث، والصحابة جَمِيعًا أسمى وأرفع من أنْ يَنْحَطُّوا إلى هذا الحضيض، ومعاذ الله أنْ يفعل هذا إنسان صاحب رسول الله وسمع حديثه وزجره عن الكذب، وإنَّ جميع ما جاءنا من هذه الأخبار الباطلة، إنما كان عن طريق أهل الأهواء الداعين إلى أهوائهم المُتَعَصِّبِينَ لمذاهبهم، فَتَجَرَّؤُوا على الحق، ولم يعرفوا لِلْصُحْبَةِ حرمتها، فَتَكَلَّمُوا في خيار الصحابة وَاتَّهَمُوا بعضهم بالضلال والفسق، وقذفوا بعضهم بالكفر، وافتروا على أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم (١).\n_________\n(١) انظر \" العواصم من القواصم \": ص ١٨٢، ١٨٣.","vol":"1","page":443},{"text":"وقد كشف أهل الحديث عن هؤلاء الكذبة، لذلك ناصبت أكثر الفرق أصحاب الحديث العداء، فتتبعوا أحوالهم واخترعوا الأباطيل، لتفقد الأُمَّة الثقة بهم، من ذلك ما فعله المعتزلة والروافض وبعض فرق الشيعة، ومن أراد الاطلاع على بعض هذا فليراجع كتاب \" قبول الأخبار \" للبلخي.\n\nولكن الله أبى إلاَّ أنْ يكشف أمر هذه الفرق، ويميط اللثام عن وجوه المُتَسَتِّرِينَ وراءها، فكان أصحاب الحديث هم جنود الله - ﷿ -، بَيَّنُوا حقيقة هؤلاء، وأظهروا نواياهم وميولهم، فما من حديث، أو خبر يطعن في صحابي، أو يُشَكِّكُ في عقيدة، أو يخالف مبادئ الدين الحنيف إلاَّ بَيَّنَ جهابذة هذا الفن يد صانعه، وكشفوا عن علَّته.\n\nفَادِّعَاءُ المؤلف مردود حتى يثبت زعمه بِحُجَّةٍ صحيحة مقبولة. وكيف نَتَصَوَّرُ معاوية يُحَرِّضُ الصحابة على وضع الحديث كَذِبًا وَبُهْتَانًا وَزُورًا، ليطعنوا في أمير المؤمنين عَلِيٍّ - ﵁ -، وقد شهد ابن عباس - ﵄ - لمعاوية بالفضل والعقل والفقه (١) وقد ذكر ذلك البخاري في \" صحيحه \"، فهل لهؤلاء أنْ يَتَّهِمُوا حبر الأُمَّة وعالمها بالكذب، أو بالتشيُّع لمعاوية؟!! (٢) هذا لا يمكن، وشهادة ترجمان القرآن صحيحة، وبذلك ننفي تُهمة عبد الحسين.\n\nوقد افترى الإسكافي على الصحابة الذين ذكرهم، وَبَيَّنَ ابن العربي في \" العواصم من القواصم \" جَانِبًا من أمرهم ومكانتهم وورعهم، كما بَيَّنَتْ كُتُبُ التراجم\n_________\n(١) انظر \" فتح الباري \": ص ١٠٤، ١٠٥ جـ ٨.\n(٢) انظر \" أضواء على التاريخ \": ص ١٩١ وما بعدها. فللأستاذ محب الدين الخطيب كلمة قيمة في معاوية يجدر الاطلاع عليها ...","vol":"1","page":444},{"text":"سيرتهم. ثم إنَّ روايات أهل الأهواء تسرَّبتْ إلى التاريخ الإسلامي، وخاصة ما يتعلَّق بأخبار الأمويِّين، لأَنَّ كُتُبَ التاريخ كتبت بعد بني أمية، فشوَّهتْ سيرتهم (١)، ومع هذا لم يعدم التاريخ الرجال الأمناء المُخْلِصِينَ، الذين دَوَّنُوا حوادثه بأسانيدها حتى يَتَبَيَّنَ المُطَّلِعُ الصَّحِيحَ من الباطلِ، فليس كل خبر في كتاب يقبل ويؤخذ به، فلا بد من دراسته دراسة عِلْمِيَّةٍ حسب منهج المُحَدِّثِينَ الدقيق - سَنَدًا وَمَتْنًا.\n\nثم إنا نستبعد صحة هذا الخبر، فإنَّ عُرْوَةَ ولد سَنَةَ (٢٢ هـ) فكان عمره في فتنة عثمان - ﵁ - (١٣ سَنَةً)، وعندما استشهد أمير المؤمنين عَلِيٌّ - ﵁ - (١٨ سَنَةً)، فكيف يحمل خليفة كمعاوية يحمل عروة بن الزبير على وضع أحاديث تطعن في عَلِيٍّ - ﵁ -؟ ولا يزال عروة يَافِعًا على عَتَبَةِ العلم لم يشتهر بعد!؟ فكان أحرى بمعاوية - لو صَحَّ الخبر - أنْ يُغري من هو أشهر منه وأعلم من كبار الصحابة والتابعين،\nوإن قال قائل إنما استعان به أيام خلافته بعد استشهاد الخليفة الراشد الرابع، فالجواب بَدَهِيٌّ في أنَّ كلمة المسلمين اجتمعت سَنَةَ (٤٠ هـ) عام الجماعة، حين بايع الحسن معاوية بالخلافة وثبتت دعائم الحكم، فلم تبق أية ضرورة للدعاية للأمويِّين وهم الحكام وبيدهم الزمام.\n\nولو سلَّمنا جدلًا أنَّ عروة قد قام بما ادَّعَاهُ المؤلف - فهل يسكت عنه علماء الأُمَّة أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ وبينهم الأبطال الشُجعان، وفيهم الأقوياء الأفذاذ؟؟ لقد كانت الأُمَّةُ الإسلامية واعية في ذلك العصر، عرف أبناؤها الحوادث جميعها وعاصروها واختبروها فلم تعد تخفى دقائقها\n_________\n(١) انظر \" العواصم من القواصم \": ص ١٧٧.","vol":"1","page":445},{"text":"على أحد، وعرف المسلمون قادتهم من صحابة رسول الله - ﷺ -، فلم يكن من السهل أنْ يُغيِّرَ بعضُ الصحابة والتابعين وجه الحق - كما زعم عبد الحسين - لإرضاء الخليفة وإشباع ميوله ورغباته، وإنَّ من يحاول إثبات صِحَّةَ هذا الخبر لَيَتَجَنَّى على الأُمَّة جميعها، ويجعل من عاصروا تلك الحوادث بُلْهًا مُغَفَّلِينَ، يعمى عليهم الحق بالدعايات الكاذبة والأخبار الموضوعة، والواقع يثبت خلاف ذلك، ويثبت وضع الخبر وعدم صِحَّتِهِ.\n\nثم إن الخبر الثاني - وهو قدوم أبي هريرة العراق -، من رواية الإسكافي، وهو مردود عندنا، لضعف راويه، ولو سلمنا صحته فليس في هذاما يضير أبا هريرة، لأنه يدفع عن نفسه ما أشاعه بعض خصوم الأمويِّين حوله، وإنَّ الحديث الذي رُوِيَ عن أبي هريرة ليس فيه الزيادة التي اختلقت في ذم الإمام عَلِيٍّ (١) لينال أبو هريرة أجره من معاوية أو غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>٤ - كَثْرَةُ حَدِيثِهِ:</span>\nأخذ النَظَّامُ المعتزلي على أبي هريرة كثرة أحاديثه، وتابعه بعض المعتزلة قديمًا، ومنهم بشر المريسي، وأبو القاسم البلخي (٢). وقد رَدَّ ابن قتيبة على النَظَّامِ في كتابه \" تأويل مختلف الحديث \"، ولقيت هذه الشبهة صدى في نفوس بعض المتأخرين كعبد الحسين شرف الدين الذي سَوَّدَ صفحات كثيرة من كتابه \" أبو هريرة \" (٣)، يشكك في مروياته ويستكثرها، ويوهم القارئ أن ما رواه أبو هريرة أكثر مما رواه الصحابة الذين اشتغلوا بأمور الدولة\n_________\n(١) انظر \" صحيح مسلم \": ص ٩٩٩ حديث ٤٦٩ جـ ٢.\n(٢) انظر كتابه \" قبول الأخبار ومعرفة [الرجال] \".\n(٣) انظر كتابه \" أبو هريرة \": ص ٤٥ وما بعدها.","vol":"1","page":446},{"text":"وسياستها، ويثير هذه الشبهة نفسها محمود أبو رية في كتابه \" أضواء على السنة المحمدية \" (١)، ويستشهد هؤلاء جَمِيعًا بأخبار ضعيفة أو موضوعة أحيانًا، وبتأويلات وموازنات باطلة أحيانًا أخرى، وتلتقي أهواء هؤلاء بأهواء بعض المستشرقين أمثال (جولدتسيهر) الذي استكثر أَيْضًا مرويات أبي هريرة (٢).\n\nوحمل لواء الدفاع عن الحق قديمًا وحديثًا بعض العلماء الذين كشفوا عن نوايا هؤلاء، وبينوا الحق من الباطل، ومازوا الخبيث من الطيب (٣).\n\nوخلاصة أقوالهم، أن أبا هريرة تأخر إسلامه، وروى عن رسول الله - ﷺ -[٥٣٧٤ حديثًا]، وهي أكثر كثيرًا مما رواه الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة الذين سبقوه إلى الإسلام، ومما يقوله عبد الحسين في هذا: «فلينظر ناظر بعقله في أبي هريرة، وتأخُّره في إسلامه، وخموله في حسبه، وَأُمِيَّتِهِ، وما إلى ذلك مِمَّا يوجب إقلاله، ثم لينظر إلى الخلفاء الأربعة، وسبقهم، واختصاصهم، وحضورهم تشريع الأحكام، وحسن بلائهم في اثنين وخمسين سَنَةً، ثلاث وعشرين كانت بخدمة رسول الله - ﷺ -، وتسع وعشرين من بعده، ساسوا فيها الأمَّة وسادوا الأمم ... فكيف يمكن والحال هذه أَنْ يكون المأثور عن أبي هريرة وحده أضعاف المأثور عنهم جَمِيعًا؟ أفتونا\n_________\n(١) انظر \" أضواء على السنة المحمدية \": ص ١٦٢ وما بعدها.\n(٢) انظر \" دائرة المعارف الإسلامية \": مادة - حديث -.\n(٣) تعرض لهؤلاء قديمًا ابن قتيبة في كتابه \" تأويل مختلف الحديث \"، والدارمي في كتابه \" رد الدارمي على بشر المريسي \"، وتفرقت بعض الردود في كتب الصحاح وشروحها كـ \" فتح الباري \". ومن المعاصرين من تولى الرد على هؤلاء: فللدكتور مصطفى السباعي \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \" رَدٌّ على المستشرقين وعلى أَبِي رَيَّةَ، ولمحمد عبد الرزاق حمزة \" ظلمات أبي رية \" ولعبد الرحمن المعلمي اليماني \" الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة \" رَدًّا على أَبِي رَيَّةَ.","vol":"1","page":447},{"text":"يا أولي الألباب!!؟ وليس أبو هريرة كعائشة وإنْ أكثرت أَيْضًا، فقد تزوجها رسول الله - ﷺ - قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين، فكانت في مهبط الوحي والتنزيل، ومختلف جبرائيل وميكائيل أربعة عشر عَامًا، وماتت قبل موت أبي هريرة بيسير».\nثم وازن بينهما في الذكاء والفطنة، ثم قال: «على أنها اضطرت إلى نشر حديثها، إذ بثت دعاتها في الأمصار، وقادت إلى البصرة ذلك العسكر الجَرَّارِ. ومع هذا فإنَّ جميع ما رُوِيَ عنها إنما هو عشرة مسانيد ومائتا مسند وألفا مسند، فحديثها كله أقل من نصف حديث أبي هريرة ...».\nثم يرى بعد ذلك أن حديث أبي هريرة: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» يعارض كثرة حديث أبي هريرة، ويرى أنه إقرار صريح من أبي هريرة بأنَّ ابن عمرو أكثر منه حَديثًا. وقد بلغ مسند عبد الله بن عمرو (٧٠٠) حديث.\n\nثم يزعم أَنَّ العلماء حاروا في أمر أبي هريرة ولم يروا مَخْرَجًا له، اللهم إلاَّ ما عَلَّلَهُ ابن حجر القسطلاني والشيخ زكريا الأنصاري، بأنَّ عبد الله بن عمرو قطن مصر بينما سكن أبو هريرة المدينة مقصد المسلمين. ومع هذا يرى كلام أبي هريرة صَرِيحًا يحبط تأويل واعتذار القسطلاني والأنصاري.\n\nويعود ليقارن بين مقام أبي هريرة في المدينة وعبد الله بن عمرو في مصر ويغمز جانب أبي هريرة ويجعله من المُتَّهَمِينَ عند من يفد إلى المدينة ويقول: «وكثيرًا ما كانوا ينقمون عليه إكثاره على رسول الله - ﷺفيقولون إنَّ أبا هريرة يكثر الحديث، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لاَ يُحَدِّثُونَ مثل حديثه ...». وينتهي عبد الحسين من تحقيقه هذا في كثرة أحاديث أبي هريرة.","vol":"1","page":448},{"text":"إلى النتيجة الآتية حيث يقول: «والحق أنَّ أبا هريرة إنما اعترف لعبد الله في أوائل أمره بعد رسول الله - ﷺ - حين لم يكن مُفْرِطًا هذا الإفراط الفاحش، فإنه إنما تفاقم إفراطه وطغى فيه على عهد معاوية حيث لا أبو بكر ولا عمر ولا عَلِيٌّ ولا غيرهم من شيوخ الصحابة الذين يخشاهم أبو هريرة» (١).\n\nمن الغريب أنْ يعجب الكاتب لكثرة حديث أبي هريرة، ومن العجيب أَنْ يثير هذا في القرن العشرين!! فهل يعجب من قوة ذاكرة أبي هريرة أنْ تجمع (٥٣٧٤) حَدِيثًا؟ أم يعجب أنْ يحمل هذه الكثرة عن الرسول - ﷺ - خلال ثلاث سنوات؟.\n\nإذا كان يعجب من قوة حافظة أبي هريرة فليس هذا مجالًا للدهشة والطعن، لأنَّ كثيرًا من العرب قد حفظوا أضعاف أضعاف ما حفظه أبو هريرة، فكثير من الصحابة حفظوا القرآن الكريم والحديث والأشعار، فماذا يقول المؤلف في هؤلاء؟ ماذا يقول في حفظ أبي بكر أنساب العرب؟ وعائشة - ﵂ - شعرهم؟ وماذا يقول صاحبنا في حماد الراوية الذي كان أعلم الناس بأيام العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها؟ وماذا يقول فيه إذا علم أنه روى على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات، من شعر الجاهلية دون الإسلام (٢)؟ وماذا يقول في حفظ حبر الأمَّة عبد الله بن عباس؟ وحفظ الإمام الزهري والشعبي وقتادة بن دعامة السدوسي؟ فحفظ أبي هريرة ليس بِدَعًا وليس غريبًا وخاصة إذا عرفنا أنَّ تلك الأحاديث الـ (٥٣٧٤) مروية عنه ولم تسلم جميع طرقها. فأبو هريرة لا يتهم في حفظه وكثرة حديثه من هذا الوجه.\n_________\n(١) انظر \" أبو هريرة \" لعبد الحسين: ص ٥٥ وما بعدها.\n(٢) انظر \" الأعلام \": ص ٣٠١ جـ ٢.","vol":"1","page":449},{"text":"وإذا كان المؤلف يعجب من تحمل أبي هريرة هذه الأحاديث الكثيرة عن الرسول - ﷺ - خلال ثلاث سنوات، فقد غاب عن ذهنه أنَّ أبا هريرة صاحب الرسول - ﷺ - في سنوات ذات شأن عظيم، جرت فيها أحداث اجتماعية وسياسية وتشريعية هامة، وفي الواقع أنَّ رسول الله - ﷺ - قَدْ تَفَرَّغَ تلك السنوات للدعوة والتوجيه بعد أَنْ هادنته قريش، ففي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وما بعدها انتشرت رسله في الآفاق ووفدت إليه القبائل من جميع أطراف جزيرة العرب. وأبو هريرة في هذا كله يرافق الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، ويرى بعينيه، ويسمع بأذنية، ويعي بقلبه.\n\nثم إنَّ ما رواه لم يكن جميعه عن النبي - ﷺ -، بل روى عن الصحابة - ﵃ - ورواية بعض الصحابة عن بعضهم مشهورة مقبولة لا مأخذ عليها، فإذا عرفنا هذا زال العجب العجاب الذي تصوره مؤلف كتاب \" أبو هريرة \" وغيره.\n\nومن الخطأ الفاحش أَنْ يُقَارَنَ الخلفاءُ الراشدون وأبو هريرة في مجال الحفظ وكثرة الرواية، لأسباب كثيرة أهمها:\n١ - صحيح أنَّ الخلفاء الأربعة - ﵃ - سبقوا أبا هريرة في صُحْبَتِهِمْ وإسلامهم، وَلَمْ يُرْوَ عنهم مثل ما رُوِيَ عنه. إلاَّ أنَّ هؤلاء اهْتَمُّوا بأمور الدولة وسياسة الحكم، وأنفذوا العلماء وَالقُرَّاءَ والقضاة إلى البلدان، فَأَدُّوا الأمانة التي حملوها، كما أدى هؤلاء الأمانة في توجيه شؤون الأُمَّةِ. فكما لا نلوم خالد بن الوليد على قِلَّةِ حديثه عن الرسول - ﷺ - لانشغاله بالفتوحات لا نلوم أبا هريرة على كثرة حديثه لانشغاله بالعلم، وهل لأحد أنْ يلوم عثمان - ﵁ - أو عبد الله بن عباس لأنهما لم يحملا","vol":"1","page":450},{"text":"لواء الفتوحات شرقًا وغربًا!!؟ لا، فكل امرئ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له.\n\n٢ - انصراف أبي هريرة إلى العلم والتعليم واعتزاله السياسة، واحتياج الناس إليه لامتداد عمره، يجعل الموازنة بينه وبين غيره من الصحابة السابقين أو الخلفاء الراشدين غير صحيحة، بل ذات خطأ كبير.\n\nثم إنَّ عبد الحسين شرف الدين وأبا رية يطعنان عليه في هذا المجال في حَسَبِهِ ونَسَبِهِ وَأمِّيَّتِهِ، فهل لهذه النواحي أثر في كثرة الرواية وَقِلَّتِهَا؟ لم يقل بهذا أحد.\n\nوما رَدَدْنَا به عليه بالنسبة لمقارنته بالخلفاء الراشدين، يرد بالنسبة لمقارنته بالسيدة عائشة - ﵂ -، ونضيف أَنَّ السيدة عائشة كانت تُفْتِي الناس في دارها، وأما أبو هريرة فقد اتَّخَذَ حلقة له في المسجد النبوي، كما كان أكثر احتكاكًا بالناس من السيدة أم المؤمنين بصفته رجلًا، كثير الغدو والرواح، وأضيف إلى هذا أَنَّ السيدة الجليلة كان جُلُّ هَمِّهَا مُوَجَّهًا نحو نساء المؤمنين، وكان يَتَعَذَّرُ دخول كل إنسان عليها. ومع هذا لَمْ يَكُفَّ المؤلف لكتاب \" أبو هريرة \" لسانه عنها، بل رأى أنها أكثرت أَيْضًا!! وهو في هذا يناقض نفسه.\n\nأما أنه يرى حديث أبي هريرة أكثر من حديث السيدة عائشة وأم سلمة وحديث بقية أمهات المؤمنين وَالحَسَنَيْن وَأمَّهُمَا مع حديث الخلفاء الأربعة، فقد سبق الرد عليه، وأضيف أَنَّ أم سلمة لم تكن مَرْجِعًا للناس كالسيدة عائشة - ﵄ -، وأما الحَسَنَانِ فهما من صغار الصحابة، وقد اشتغلا في الأمور السياسية، فَبَدَهِيٌّ أنْ تكون مروياتهما قليلة، ومثل هذا يقال في أُمِّهِمَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ العَالَمِينَ، التي لم تعش سوىستة شهور","vol":"1","page":451},{"text":"بعد وفاة الرسول الكريم - عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ أَفْضَلَ الصَلاَةِ وَأَتَمَّ التَّسْلِيمِ -.\n\nفالأمر ليس مهولًا، يحتاج إلى تفكير أرباب العقول كما ادَّعَى!؟؟ وهل يقصد بأرباب العقول النَظَّام والجاحظ!؟.\n\nإنَّ نظرة مُجَرَّدَةً عن الهوى تدرك أَنَّ مَا رُوِيَ عن أبي هريرة من الأحاديث لا يثير العجب والدهشة، ولا يحتاج إلى هذا الشغب الذي اصطنعه أهل الأهواء، وأعداء السُّنَنِ، وَإِنَّ ما رواه عن رسول الله - ﷺ -، سواء سمعه منه أو من الصحابة لا يشك فيه لِقِصَرِ صُحْبَتِهِ، بل إِنَّ صُحْبَتَهُ تحتمل أكثر من هذا، لأنها كانت في أعظم سنوات دولة الإسلام دعوة ونشاطًا وتعليمًا وتوجيهًا في عهد رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.\n\nوأما طعنهم في حدين الوعاءين، وَتَهَكُّمُهُمْ على أبي هريرة، واستهزاؤهم بما في وعائه من العلم الذي لم ينشره، وتساؤلهم عن ذلك العلم، كل هذا قد طرقه العلماء، وَبَيَّنُوا أَنَّ ما عنده مِمَّا لم ينشر لا يتعلق بالأحكام أو الآداب، وليس مِمَّا يقوم عليه أصل من أصول الدين، بل بعض أشراط الساعة، أو بعض ما يقع لِلأُمَّةِ من الفتن (١) ويدل على ذلك حديثه الذي ذكر بعضه مؤلف كتاب \" أبو هريرة \" (٢) ولم يذكر تعليق راويه الذي يُبَيِّنُ قصد أبي هريرة، قال أبو هريرة: «لَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِكُلِّ مَا فِي جَوْفِي لَرَمَيْتُمُونِي بِالبَعْرِ». قَالَ الحَسَنُ - رَوِاي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -: «صَدَقَ وَاللَّهِ .. لَوْ أَخْبَرَنَا أَنَّ بَيْتَ اللَّهِ يُهْدَمُ [وَيُحْرَقُ] مَا صَدَّقَهُ النَّاسُ!!» (٣).\n_________\n(١) انظر هامش (١) ص ٤٦٢ من هذا الكتاب، وراجع \" فتح الباري \": ص ٢٢٧ جـ ١، و\" الرد على المنطقيين \": ص ٤٤٥، ٤٤٦.\n(٢) انظر \" أبو هريرة \" لعبد الحسين شرف الدين: ص ٥٠ - ٥٢.\n(٣) \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٧ قسم ٢ جـ ٤، وص ١١٩ قسم ٢ جـ ٢.","vol":"1","page":452},{"text":"وأبو هريرة ليس بِدَعًا في قوله، فقد كان رسول الله - ﷺ - يختص بعض أصحابه بأشياء دون الآخرين، من هذا حديثه لمعاذ بن جبل - ﵁ - «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» (١). وأخبر به معاذ عند موته تأثُّمًا، خَوْفًا من أنْ يكون قد كتم العلم. ولم يكن معاذ وَلِيَّ عَهْدِهِ وَلاَ خَلِيفَتَهُ من بعده، فالأمر لا يحتاج إلى ولاية عهد ولا إلى وصاية، فَلِمَ ينكر الكاتب مثل هذا على أبي هريرة ولا ينكره على غيره؟ ثم ليعرف المؤلف الأمين الذي أساء كثيرًا إلى أبي هريرة، وشتمه وكال له السِبَابَ كيلًا - أنَّ كتمان أبي هريرة لهذا الوعاء لم يكن لخوفه ألا يسمع الناس له لمهانته وضعفه فيرمونه بالبعر وبالمزابل، بل لأنه أرأد أنْ يُحَدِّثَ الناس على قدر عقولهم، وأنْ يخاطبهم بما يفهمون ويعرفون، وبهذا أوصى أمير المؤمنين عليٌّ - ﵁ - (٢).\n\nأما قول أبي هريرة: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لاَ يَكْتُمُ، وَلاَ يَكْتُبُ»، فلا يتعارض مع حديث الوعاءين لأنَّ أبا هريرة لا يكتم العلم النافع الضروري، وما كتمه لم يكن من هذا، بل كان بعض أخبار الفتن والملاحم وما سيقع للناس مِمَّا لا يتوقف عليه شيء من أصول الدين أو فروعه، وهذا النوع من العلم يجدر كتمانه، ومن الصواب عدم نشره وإعلانه.\n\n- وأما ما استشهدوا به لدعم طعونهم في كثرة مرويات أبي هريرة، واحتجاجهم بما قاله أبو هريرة نفسه: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -\n_________\n(١) \" فتح الباري \": ص ٢٣٦ جـ ١.\n(٢) \" فتح الباري \": ص ٢٣٥ جـ ١.","vol":"1","page":453},{"text":"أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» (١) وبأن مرويات ابن عمرو التي لا تتجاوز سبعمائة حديث واستنباطهم من هذا أن أبا هريرة يُقِرُّ ويعترف بتقوله على رسول الله - ﷺ - ما لم يقل - فهو استشهاد في غير موضعه، بُنِيَ على تصوُّرٍ بَاطِلٍ، وفهم للحديث على خلاف الواقع.\n\nإن قول أبي هريرة يدل على أَنَّ عبد الله بن عمرو كان أكثر أَخْذًا للحديث من أبي هريرة، لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب. ويحتمل أن يكون قول أبي هريرة هذا في حياة الرسول - ﷺ - قبل أنْ يدعو له بالحفظ، أو قبل أن يكون لديه من الحديث من الكثرة ما أصبح عنده بعد حين، وإذا استبعدنا هذا الفرض فكل ما في الأمر أنَّ عبد الله بن عمرو حمل من الحديث عن رسول الله - ﷺ - أكثر من أبي هريرة، إلاَّ أنه لم يَتَيَسَّرْ له نشره لأسباب نُبَيِّنُهَا أهمها:\n١ - أن اشتغال عبد الله بن عمرو بالعبادة كان أكثر من اشتغاله بالتعليم، ولذلك قَلَّتْ الرواية عنه، وإن لم يقل تحمله.\n٢ - كان مقامه بعد فتوح الأمصار في مصر والطائف، وكان مقام أبي هريرة في المدينة متصدرًا فيها الفتوى، والتحديث إلى أن توفي، وكان طلاب العلم يقصدون المدينة مهجر الرسول وعاصمة الإسلام، أكثر مما يقصدون غيرها من بلاد الإسلام.\n\nوأضيف إلى هذا ما اختص به أبو هريرة من دعوة الرسول - ﷺ - له بأن لا ينسى ما يسمعه منه، وربما قلت الرواية عن عبد الله\n_________\n(١) \" فتح الباري \": ص ٢١٧ جـ ١.","vol":"1","page":454},{"text":"ابن عمرو، لأنه كان قَدْ ظَفِرَ فِي الشَّام بِحِمْلِ جَمَلٍ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَانَ يَنْظُرُ فِيهَا، وَيُحَدِّثُ مِنْهَا فَتَجَنَّبَ الأَخْذَ عَنْهُ لِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ» (١).\n\nوإلى جانب هذا لم يكن عبد الله بن عمرو على وفاق مع معاوية وابنه يزيد، فلم يفسح له مجال التحديث والاشتغال بالتعليم (٢).\n\nلقد تضافرت هذه العوامل فجعلت مرويات ابن عمرو أقل من مرويات أبي هريرة، ولا ينبغي أنْ يثير هذا أي شك، أو يدخل أية شُبهة على مرويات أبي هريرة الكثيرة مع تصريحه بكثرة حديث عبد الله بن عمرو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>٥ - هَلْ كَانَ الصَّحَابَةُ يُكَذِّبُونَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَيَرُدُّونَ أَحَادِيثَهُ</span>؟:\nذكر إبراهيم بن سيَّار النظَّام أبا هريرة فقال: أكذبه عمر وعثمان وعَلِيٌّ وعائشة (٣) - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.\nوقال بشر المريسي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «أَكْذَبُ المُحَدِّثِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ» (٤).\n\nقال الأستاذ أحمد أمين: «وقد أكثر بعض الصحابة من نقد أبي هريرة على الإكثار من الحديث عن رسول الله - ﷺ - وشَكُّوا فيه\n_________\n(١) انظر \"فتح الباري \": ص ٢١٧، جـ ١.\n(٢) انظر \" مسند الإمام أحمد \": ص ٦٤، جـ ١٠ وص ١٥٥ و١٥٦ وص ١٧٢ حديث ٦٩٥٢.\n(٣) \" تأويل مختلف الحديث \": ص ٢٧.\n(٤) \" رد الدارمي على بشر المريسي \": ص ١٣٢.","vol":"1","page":455},{"text":"، كما يدل على ذلك ما روى مسلم في \" صحيحه \" أنَّ أبا هريرة قال: \" إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... \" وفي حديث آخر: \" يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ ... \"» (١).\n\nوقال عبد الحسين شرف الدين: «أنكر الناس على أبي هريرة واستفظعوا حديثه على عهده ... وحسبك أنَّ في مُكَذِّبِيهِ عظماء الصحابة ...» (٢).\n\nثم قال: «وبالجملة فإنَّ إنكار الأجِلاَّء - من الصحابة والتابعين - عليه واتهامهم إياه مِمَّا لا ريب فيه ما تورع منهم عن ذلك أحد حتى مضوا لسبيلهم ... ولعل جل المعتزلة على هذا الرأي، قال الإمام أبو جعفر الإسكافي ما هذا نصه: «وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية، (قال): ضربه عمر بالدرة، وقال: أكثرت من الرواية فأحر بك أنْ تكون كاذبًا على رسول الله - ﷺ - ...» (٣).\n\nوأما أبو رية فقد ساق بعض الأقوال السابقة، وبعض استدراكات الصحابة على أبي هريرة ... واستشهد بفقرات لـ (جولدتسيهر) و(شبرنجر)، وسرد أقوالًا مختصرة لبعض ما دار بين الصحابة وأبي هريرة لِيُكَوِّنَ من ذلك رأيه في أبي هريرة، ويجعله أول راوية اتهم في الإسلام (٤).\n\nمما سبق تبينت لنا الشُبَهُ التي أوردها بعضهم على موقف الصحابة من أبي هريرة، وقد ساقوا تلك الشُبَهِ من غير أنْ يُبَيِّنُوا لنا أسبابها، وإنْ بَيَّنَ\n_________\n(١) \" فجر الإسلام \": ص ٢١٨.\n(٢) \" أبو هريرة \" لعبد الحسين: ص ٢٦٢ - ٢٦٤.\n(٣) \" أبو هريرة \" لعبد الحسين: ص ٦٧٢ - ٧٦٨.\n(٤) انظر \" أضواء على السنة المحمدية \": ص ١٦٦ - ١٧٢.","vol":"1","page":456},{"text":"بعضهم ذلك فإنما يحمل الحادثة على غير محملها.\n\nلذلك سأبين موقف الصحابة من أبي هريرة وحديثه، وقد أضطر إلى ذكر بعض الأحاديث والأخبار التي دارت بينهم، أو اختلفوا من أجلها، لأكشف عن حقيقة أمرهم من راوية الإسلام، ولا بد لي أن أشير إلى أن الصحابة، لم يقفوا من أبي هريرة مَوْقفًا خَاصًّا، كما أنهم لم ينظروا إليه من زاوية معينة، أو بمنظار الشك والريبة ولن أطيل بذكر ما لا يقتضيه البحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>[أ] هَلْ ضَرَبَ عُمَرُ أَبَا هُرَيْرَةَ لِكَثْرَةِ رِوَايَتِهِ</span>؟:\nلم يثبت قط أنَّ عمر - ﵁ - ضرب أبا هريرة بِدِرَّتِهِ لأنه أكثر الحديث عن رسول الله - ﷺ -، وما ذكره أَبُو رَيَّةَ في [ص ١٦٣] وما ذكره عبد الحسين في [ص ٢٦٨] من ضرب عمر لأبي هريرة فهي رواية ضعيفة لأنها من طريق أبي جعفر الإسكافي وهذا غير ثقة.\n\nوأما تهديد عمر - ﵁ - لأبي هريرة بالنفي وهو ما رواه السائب بن يزيد إذ قال: «سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ لأَبِي هُرَيْرَةَ: \" لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ \"، وَقَالَ لِكَعْبِ الأَحْبَارِ: \" لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ الأُوَلِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ \"» (١). ولكن عبد الحسين وأبا رية قالا: إنه قال لأبي هريرة: «لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَوْ بِأَرْضِ القِرَدَةِ» نقلًا عن ابن عساكر، وأشار أبو رية إلى \" البداية والنهاية \" وليس فيها هذا.\n_________\n(١) \" البداية والنهاية \": ص ١٠٦ جـ ٨.","vol":"1","page":457},{"text":"وليس في أية رواية تكذيب عمر لأبي هريرة أو ضربه، وكل ما في الأمر أنه نهاه عن كثرة الرواية، وقد قال ابن كثير عقب خبره: «وَهَذَا مَحْمُولٌ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ خَشِيَ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي يَضَعُهَا النَّاسُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، وَأَنَّهُمْ يَتَّكِلُونَ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ أَحَادِيثِ الرُّخَصِ، أَوْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَكْثَرَ مِنَ الحَدِيثِ رُبَّمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِهِ بَعْضُ الغَلَطِ أَوِ الخَطَأِ فَيَحْمِلُهَا النَّاسُ عَنْهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ». اهـ (١).\n\nوَرَوَى أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لأَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي التَحْدِيثِ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ وَرَعَهُ وَخَشْيَتَهُ الخَطَأَ، قاَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ فُلاَنٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لِمَ سَأَلَتْنِي عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ يَوْمَئِذٍ: \" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ \". قَالَ: أَمَّا إِذَنْ فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ» (٢).\n\nفعمر لم يطعن في أبي هريرة، وكل ما صدر منه إنما كان تطبيقًا لمنهجه من التثبت في السُنَّةِ والإقلال من الرواية. وأبو هريرة نفسه كان يذكر لأصحابه شدة عمر في تطبيق منهجه (٣).\n\nويدل على أن عمر لم يكذبه، ولم يطعن فيه، ولم يهدده بالنفي إلى جبال دوس - هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: «أَخَذَتِ\n_________\n(١) \" البداية والنهاية \": ص ١٠٧ جـ ٨.\n(٢) \" البداية والنهاية \": ص ١٠٧ جـ ٨، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٣٤ جـ ٢.\n(٣) انظر \" البداية والنهاية \": ص ١٠٧ جـ ٨، وانظر ما ساقه أبو القاسم البلخي في كتابه \" قبول الأخبار \": ص ٥٧، ٥٨ محاولًا الطعن في أبي هريرة ولكنه لَمْ يُوَفَّقْ. وقد أساء أبو رية بعدم نقله النصوص كاملة عن ابن كثير.","vol":"1","page":458},{"text":"النَّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ حَاجٌّ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ: \" مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ الرِّيحِ؟ \" فَلَمْ يُرْجِعُوا إِلَيْهِ شَيْئًا، فَبَلَغَنِي الذِي سَأَلَ عَنْهُ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَاسْتَحْثَثْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أُخْبِرْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الرِّيحِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا، فَلاَ تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا» (١)، إنه لم يجب عمر سوى أبي هريرة، فهل يعقل بعد هذا أن يكذبه عمر، أو يهدده بالنفي وقد عرف حفظه وإتقانه!!؟\n\nوأما ادعاء بشر المريسي تكذيب الفاروق لأبي هريرة - فهو باطل، لا أصل له، وما رواه عن عمر، أنه قال: «أَكْذَبُ المُحَدِّثِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ» لم يذكر سنده. وقد تصدى له عثمان بن سعيد الدارمي (٢٠٠ - ٢٨٠ هـ) فَرَدَّ عَلَيْهِ رَدًّا قَوِيًّا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>[ب] أَبُو هُرَيْرَةَ وَعُثْمَانُ بْنِ عَفَّانٍ:</span>\nلم يذكر مصدر موثوق أنَّ عثمان كَذَّبَ أبا هريرة كَمَا ادَّعَى النَظَّامُ وَغَيْرُهُ، كما لم يثبت أنه طعن فيه أو منعه من التحديث، وكل ما هنالك رواية ذكرها ابن خلاَّد قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عِيسَى، - يَنْزِلُ جَبَلَ رَامَهُرْمُزَ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَظُنُّهُ ابْنَ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ قَالَ: أَرْسَلَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ:\n_________\n(١) \" مسند الإمام أحمد \": ص ٥٢ حديث ٧٦١٩ جـ ١٤.\n(٢) انظر \" رد الدارمي على بشر المريسي \": ص ١٣٢ وما بعدها.","vol":"1","page":459},{"text":"قُلْ لَهُ: «يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: مَا هَذَا الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَقَدْ أَكْثَرْتَ، لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لأَلْحَقَنَّكَ بِجِبَالِ دَوْسٍ ...» (١)، ولكن هذا الخبر رُوِيَ عن عمر بن الخطاب، ولم نر إلاَّ هذه الرواية عن عثمان - ﵁ -، ولو صَحَّتْ فليس فيها طعن في أبي هريرة، لأنه ينهاه عن الإكثار من الرواية عندما لا تكون هناك حاجة إلاَّ الإكثار منها، وأبو هريرة نفسه لم ير في هذا مَطْعَنًا، ولم يترك كل هذا أَثَرًا في نفسه، فنراه يوم الدار يدافع عن الخليفة الراشد الثالث - ﵄ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>[ج] أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵄ </span>-:\nلم يذكر مصدر موثوق به ما يدل على أنَّ عَلِيًّا - ﵁ - كَذَّبَ أبا هريرة أو نهاه عن التحديث، إلاَّ أنَّ بعض أعداء أبي هريرة يستشهدون برواية ضعيفة عن أبي جعفر الإسكافي، وَأَنَّ عَلِيًّا لما بلغه حديث أبي هريرة قال: «أَلاَ إِنَّ أَكْذَبَ النَّاسِ - أَوْ قَالَ: أَكْذَبَ الأَحْيَاءِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ» (٢). فهذه رواية مردودة لا نقبلها عن الإسكافي، لأنه صاحب هوى دَاعٍ إِلَى هَوَاهُ.\n\nوَقَدْ رَدَّ ابن قتيبة على جميع ما ألصقوه بالإمام عَلِيٍّ طَعْنًا في أبي هريرة (٣).\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل بين الراوي والواعي \": ص ١٣٣.\n(٢) \" شرح نهج البلاغة \"، طبعة بيروت: ص ٤٦٨ جـ ١، و\" أبو هريرة \": ص ٢٧٣.\n(٣) انظر \" تأويل مختلف الحديث \": ص ٢٧ و٥١ وما بعدها، ومما يؤسف له أن عداءهم لأبي هريرة أعمى بصيرتهم فساقهم هواهم إلى اختلاق أخبار على أمير المؤمنين عَلِيٍّ - ﵁ -، وأمير المؤمنين من كل هذا براء، انظر كتابنا \" أبو هريرة راوية الإسلام \": الفصل الثاني (أبو هريرة وعَلِيٍّ - ﵄ -).","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>[د] أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ - ﵄ </span>-:\nلقد طالت حياة عائشة وحياة أبي هريرة، فكانت حاجة الناس إليهما بمقدار حياتهما فيهم، ولهذا روي عنهما من الحديث مَا لَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمَا، وقد كان أبو هريرة يُحَدِّثُ، فتستدرك عليه السيدة عائشة تارة، وتوافقه أخرى، كما كان يُحَدِّثُ مع غيره من الصحابة، فقد استدركت عائشة على أبي بكر وعمر وعثمان وَعَلِيٍّ، وعلى ابن عمر، وعلى أبي هريرة (١) ... وكل ذلك كان من باب التفاهم والسؤال عن الحديث، أو الدليل في المسألة التي يُفْتِي فيها، كما استدرك غيرها عليها، وكما كانت أحيانًا توجه من يسألها إلى من هو أعرف بالمسؤول عنه، كما وجهت من سألها عن مسح الخف إلى عَلِيٍّ - ﵄ - (٢)، وفي كل هذا لم يشعر الصحابة بغضاضة أو حَرَجٍ، لأن هدفهم جَمِيعًا وَاحِدٌ، هو تطبيق الشريعة، وما كان الصحابة يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. إلاَّ أنَّ من جاء بعدهم من أهل الأهواء استغلوا ما دار بين الصحابة مِنْ نِقَاشٍ عِلْمِيِّ، أو تثبت في الحديث، وجعلوا منه مَادَّةً يَنْفُذُونَ من خلالها إلى مآربهم، وَيُحَقِّقُونَ غاياتهم. ولكنهم لم يفلحوا، لأَنَّ الأُمَّةَ لم تعدم العلماء المخلصين، الساهرين النابهين، الذي بَيَّنُوا الحق من الباطل، ووضعوا كل شيء في موضعه.\n\nوما من حادثة وقعت لأبي هريرة مع السيدة عائشة إلا بَيَّنَ العلماء وجه الحق فيها، وَلَمْ يَرَوْا في عائشة موقف المكذب لأبي هريرة الطاعن\n_________\n(١) جمع الإمام بدر الدين الزركشي كتابًا في هذا وسماه \" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة \".\n(٢) انظر \" مسند الإمام أحمد \": ص ١٧٥ حديث ٩٠٦ جـ ٢، ورواه الإمام مسلم.","vol":"1","page":461},{"text":"في أحاديثه (١)، ولم يفهم أحد مما دار بينهما أن أبا هريرة كذاب يتهمه الصحابة في صدقه وعلمه، لم يفهم هذا إلا أهل الأهواء، وأعداء السنن.\n\nومما يؤسف له أنهم كانوا يُؤَوِّلُونَ الأخبار كما يريدون، ويفسرون الأحاديث كما يرغبون، وينظرون إلى جانب واحد من موقف الصحابة من أبي هريرة، وهو جانب المناقشات العلمية، فيحسبون أنهم وقعوا على غنيمة دسمة، وينقلون الأخبار الصحيحة التي تبين صدق أبي هريرة وأمانته، وثناء الصحابة عليه، ويستشهدون ببعض الروايات الضعيفة، ويختارون من الثابت منها ما يحقق مآربهم، وأضرب لهذا مثلًا:\nقالوا: إن عائشة أنكرت عليه حديثه، فماذا أنكرت؟ وكيف أنكرت عليه؟\n\nعَنْ ابْنِ شِهَابٍ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَلاَ يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ! جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ (٢) فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ» (٣) كأنها تنتقد أبا هريرة في سرعة إلقائه.\n\nإن إنكار عائشة - ﵂ - على أبي هريرة لم يكن مُوَجَّهًا إلى ما يُحَدِّثُ\n_________\n(١) انظر تفصيل هذه الروايات والرد عليها في كتابنا \" أبو هريرة راوية الإسلام \": الفصل الثاني، فقرة (أبو هريرة وعائشة).\n(٢) معنى أسبح: أصلي نافلة، وهي السبحة، قيل المراد هنا صلاة الضحى. انظر \" فتح الباري: ص ٣٩٠ جـ ٧.\n(٣) \" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة \": ص ١٣٥، وانظر \" صحيح مسلم \": ص ١٩٤٠ حديث ٧٤٩٣ جـ ٤، و\" فتح الباري \": ص ٣٩٠ جـ ٧.","vol":"1","page":462},{"text":"به إنما أنكرت عليه أنه يسرد الحديث، ويظهر هذا فيما رُوِيَ عنها: إِنَّمَا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ العَادُّ لأَحْصَاهُ» (١).\n\nولو أنكرت عائشة عليه غير سرده للحديث لقالت وَبَيَّنَتْ، وهي الجريئة الصريحة، فأبو هريرة لَمْ يَكْذِبْ على رسول الله - ﷺ -، إنما كان يسرد الحديث ويكثر منه في مجلسه، فأي شيء يضيره إذا كان مُتَيَقِّظًا مُتَنَبِّهًا عَارِفًا لِمَا يَرْوِي؟.\n\nقال ابن حجر: «وَاعْتُذِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ كَثِيرَ المَحْفُوظِ فَكَانَ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ المَهَلِ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحْدِيثِ كَمَا قَالَ بَعْضُ البُلَغَاءِ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتَصِرَ فَتَتَزَاحَمُ الْقَوَافِي عَلَى فِيَّ» (٢).\n\nوقد أثنت عائشة على أبي هريرة وصدقته، من هذا أنه بلغ عبد الله بن عمر حديث أبي هريرة وهو: «مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ» (٣). فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أبي هُرَيْرَةَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِرَسُولِهِ: «صَدَقَ أبو هُرَيْرَةَ». فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ» (٤). وفي رواية قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَنْتَ أَعْلَمُنَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَحْفَظُنَا لِحَدِيثِهِ» (٥).\n_________\n(١) \" فتح الباري \": ص ٣٨٩، جـ ٧.\n(٢) \" فتح الباري \": ص ٣٩٠، جـ ٧.\n(٣) \" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة \": ص ١١٧، وقد رواه الشيخان. انظر ص ٤٢٤ من هذا الكتاب.\n(٤) \" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة \": ص ١١٧، وقد رواه الشيخان. انظر ص ٤٢٤ من هذا الكتاب.\n(٥) انظر \" طبقات ابن سعد \": ص ١١٨ قسم ٢ جـ ٢، و\" البداية والنهاية \": ص ١٠٧ جـ ٨، \" فتح الباري \": ص ٢٢٥، جـ ١.","vol":"1","page":463},{"text":"إن أعداء السُّنَنِ يأبون أن يذكروا مثل هذه الرواية التي تُقَوِّضُ مَا يَبْنُونَ، وتأتي على أساس ما يَدَّعُونَ، فَلَمْ يُكَذِّبْ الصَّحَابَةُ أبا هريرة ولم يتهموه، وإن موقف ابن عباس منه وابن عمر والزبير ومروان بن الحكم وغيرهم لا يعدو موقف المُتَثَبِّتِ المُتَوَخِّي لِلْحَقِّ، ولا يقصر عن موقف العالم النزيه وقد ثبت - فيما سبق - ثناء الصحابة والعلماء عليه، فهل يعقل أن يطعنوا فيه تارة ويثنوا عليه أخرى!؟؟ (١).\n\nومع هذا فإن بعض الكُتَّابِ والمؤلفين أمثال عبد الحسين وأبي رية لم يأبهوا بكل هذا، واستنتجوا من تلك المناقشات العلمية كذب أبي هريرة، حتى إن عبد الحسين رأى فيما دار بين أبي هريرة والصحابة دليلًا قاطعًا على تجريحه، فقال: «وناهيك تكذيب كل من عمر وعثمان وعلي وعائشة له، وقد تَقَرَّرَ بالإجماع تقديم الجرح على التعديل في مقام التعارض، على أنه لا تعارض هنا قطعًا ...» (٢) أي تكذيب هذا؟ وأي تجريح بعد أن عرفنا حقيقة موقف الصحابة من أبي هريرة؟ فهل ندع هذه الأدلة الصحيحة، التي تثبت إجلال الصحابة له، واحترامهم إياه، وروايتهم عنه ونقبل ادعاءات واهية لا تقوم على دليل أو برهان؟\n\nثم إن تحامل أعداء أبي هريرة واضح جِدًّا، فقد اتهموه بالتتلمذ على كعب الأحبار لروايته بعض الأحاديث التي وافقه عليها كعب، وأنكروا عليه إنكارًا شديدًا، عِلْمًا بأنه لم يتفرد بروايتها، فَلِمَ يقفون منه هذا الموقف ولا يقفونه من غيره من الصحابة الذين رَوَوْا ما رواه أبو هريرة؟\n_________\n(١) انظر كتابنا \" أبو هريرة راوية الإسلام \" حيث تفصيل ما دار بينه وبين الصحابة، الفصل الثاني تحت عنوان (هَلْ كَانَ الصَّحَابَةُ يُكَذِّبُونَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَيَرُدُّونَ أَحَادِيثَهُ؟) (*).\n(٢) \" أبو هريرة \" لعبد الحسين: ص ٢٧٩.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) قد يظن القارئ أنه فصل من كتابه\" أبو هريرة راوية الإسلام \"، وإنما هو فصل في كتابه هذا، انظر ص ٤٥٥ من هذا الكتاب.","vol":"1","page":464},{"text":"مثال ذلك قول أَبِي رَيَّةَ: «وإليك مثلًا من ذلك نختم به ما ننقله من الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن النبي وهي في الحقيقة من الإسرائيليات حتى لا يطول بنا القول: روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أنَّ رسول الله قال: \" إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] \". ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال: \" صدق والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد \" ...» (١).\n\nما وجه الإنكار لهذا الحديث. وقد رواه غير أبي هريرة من الصحابة؟ رواه سهل بن سعد وأبو سعيد الخدري (٢)، فهل خدع كعب هذين الصحابيين أَيْضًا؟ وما هي غاية كعب في قوله هذا؟ إني أتعجب من إنكار الكاتب عليه هذا الحديث، فهل أنكر على أبي هريرة هذا الحديث لضخامة الشجرة؟ وهل يُسْتَغْرَبُ وجود مثل هذه الشجرة في جنة قال فيها الله - ﷿ - ﴿... وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٣)؟ أم أنكر عليه أن يسير الراكب مائة عام في ظلها؟ أم أنكر عليه كل هذا لأنه لم يعهد في حياته مثلها؟\n\nهل يريد هؤلاء أن ينفوا كل ما لم تتصوره عقولهم وتفكيرهم؟ فإن أرادوا هذا وجب عليهم أن ينفوا كثيرًا من المخترعات التي نسمع بها ولا نراها، أو ينفوا كثيرًا مِمَّا جاء في القرآن الكريم. بل على مثل هذا الكاتب أنْ\n_________\n(١) \" أضواء على السُنَّة المحمدية \": ص ١٧٧، وانظر مما استشهد به ص ١٩٨ وما بعدها.\n(٢) انظر \" صحيح مسلم \": ص ٢١٧٥ و٢١٧٦ جـ ٤.\n(٣) [سورة الحديد، الآية: ٢١]. وأول الآية: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ...﴾.","vol":"1","page":465},{"text":"يترك جانبًا عظيمًا من اللغة العربية، ذلك لأنَّ بعض ما جاء في السُنَّةِ من ألفاظ وعبارات، إنما جاء على نَسَقِ وَسُنَنِ ما حكاه القرآن الكريم من عبارات سِيقَتْ من باب المجاز لا من باب الحقيقة، تخاطب الإحساسات النفسية والنفوس البشرية لِتَتَصَوَّرَ عظمة ما يمثله القرآن الكريم من الثواب والعقاب ... لذلك وجب علينا أنْ نصرف الألفاظ والعبارات التي لا تطابق الحقيقة إلى المجاز، فللعدد معنى خاص لا يتناول غيره، وقد أجمع المُفَسِّرُونَ على أَنَّ بعض ما ذُكِرَ من الأعداد في القرآن الكريم إنما جاء للتكثير لا للحصر، وكذلك ما جاء في السُنَّةِ - في مثل هذا المقام - من العبارات الكثيرة التي لا تتناول حقيقة العدد. وهنا إنما ورد للتكثير وبيان اتساع ذلك الظل الذي أَعَدَّهُ اللهُ تعالى للمؤمنين، فمن الخطأ أَنْ يجعل المؤلف الحقيقة والواقع مِيزَانًا لتلك الألفاظ التي وردت من باب المجاز، لأنه في ذلك سيجانب القواعد المُسَلَّمَةَ في اللغة، ويقع معها في أخطاء فادحة، لاَ يُقِرُّهُ عليها أحد، ويلزم من هذا عدم فائدة الاستعارات والكنايات، والمجازات العقلية، التي تُشَكِّلُ جَانِبًا عَظِيمًا في تراثنا الأدبي، ما دام المؤلف سيصرف كل لفظ إلى حقيقته!!.\n\nوقد سبق أن ذكرت ثناء الصحابة والعلماء على أبي هريرة، وأكرر هنا قول الحافظ الذهبي فيه، ليكون رَدًّا قَاصِمًا لأهل الأهواء -: «وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَثِيقَ الحِفْظِ، مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ» (١).\n\nوهكذا نجا أبو هريرة من تلك الأعاصير التي عصفت حوله، ومن تلك الأمواج التي تلاطمت على قدميه. فبقي صَامِدًا لها، وانهار ما ادعاه أعداؤه أمام الصرح الشامخ الذي يحمي عدالته، وتحطمت سهامهم الواهية على الحصن\n_________\n(١) \" سير أعلام النبلاء \": ص ٤٤٥، جـ ٢.","vol":"1","page":466},{"text":"المنيع الذي بناه بصدقه وأمانته واستقامته. فبقي أحد أعلام السُنَّةِ وراوية الإسلام يحترمه الجمهور، ويعرفون مكانته ومنزلته - ﵁ وَأَرْضَاهُ -.\n\nولتكن شهادة ابن خزيمة (١) مسك الختام في أبي هريرة، ومن خلالها نظهر منزلته ومكانته، قال: «وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ لِدَفْعِ أَخْبَارِهِ، مَنْ قَدْ أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ فَلاَ يَفْهَمُونَ مَعَانِيَ الأَخْبَارِ:\n- إِمَّا مُعَطِّلٌ جَهْمِيٌّ يَسْمَعُ أَخْبَارَهُ التِي يَرَوْنَهَا خِلاَفَ مَذْهَبِهِمُ - الذِي هُوَ كُفْرٌ - فَيَشْتُمُونَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَيَرْمُونَهُ بِمَا اللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَهُ عَنْهُ تَمْوِيهًا عَلَى الرِّعَاءِ وَالسَّفِلِ، أَنَّ أَخْبَارَهُ لاَ تَثْبُتُ بِهَا الحُجَّةُ!\n- وَإِمَّا خَارِجِيٌّ، يَرَى السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلاَ يَرَى طَاعَةَ خَلِيفَةٍ، وَلاَ إِمَامٍ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلاَفَ مَذْهَبِهِمُ الَّذِي هُوَ ضَلاَلٌ، لَمْ يَجِدْ حِيلَةً فِي دَفْعِ أَخْبَارِهِ بِحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ كَانَ مَفْزَعُهُ الوَقِيعَةَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ!.\n- أَوْ قَدَرِيٌّ اعْتَزَلَ الإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ وَكَفَّرَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ الذِينَ يَتَّبِعُونَ الأَقْدَارَ المَاضِيَةَ التِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَضَاهَا قَبْلَ كَسْبِ العِبَادِ لَهَا إِذَا نَظَرَ إِلَى أَخْبَارِ أَبِي هُرَيْرَةَ التِي قَدْ رَوَاهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِثْبَاتِ القَدَرِ لَمْ يَجِدْ بِحُجَّةٍ تُؤَيِّدُ (٢) صِحَّةَ مَقَالَتِهِ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ\n_________\n(١) هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (٢٢٣ - ٣١١ هـ)، أحد مشايخ شيوخ الحاكم. كان إمام نيسابور في عصره، جمع بين الفقه والاجتهاد، عالم بالحديث، رحل إلى بلاد كثيرة منها: العراق والشام والجزيرة ومصر، لقبه السبكي بإمام الأئمة، له مصنَّفات كثيرة تربو على [١٤٠]: انظر \" طبقات ابن السبكي \": ص ١٣٠ جـ ٢.\n(٢) في الأصل: (يُرِيدُ) وما أثبتناه أصوب.","vol":"1","page":467},{"text":"وَشِرْكٌ، كَانَتْ حُجَّتُهُ (عِنْدَ نَفْسِهِ) (١) أَنَّ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ لاَ يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهَا!.\n- أَوْ جَاهِلٌ يَتَعَاطَى الفِقْهَ وَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِ مَظَانِّهِ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَ مَنْ قَدِ اجْتَبَى مَذْهَبَهُ، واخْتَارَهُ (٢) تَقْلِيدًا بِلاَ حُجَّةٍ وَلاَ بُرْهَانٍ تَكَلَّمَ (٣) فِي أَبِي هُرَيْرَةَ، وَدَفَعَ أَخْبَارَهُ الَّتِي تُخَالِفُ مَذْهَبَهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَخْبَارِهِ [عَلَى مُخَالَفَتِهِ] إِذَا كَانَتْ أَخْبَارُهُ مُوَافِقَةً لِمَذْهَبِهِ!!!\n\nوَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرَقِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْبَارًا لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَاهَا! أَنَا ذَاكِرٌ بَعْضُهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﷿ ...» (٤).\n\n...\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) في الأصل (أخباره)، وما أثبتناه أكثر مناسبة للمعنى.\n(٣) في الأصل (كلم). وما أثبتناه أصوب.\n(٤) \" مستدرك \" الحاكم: ص ٥١٣، جـ ٣.","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>(٢) - عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (١٠ ق هـ - ٧٣ ه</span>ـ): (*)\nأسلم عبد الله بن عمر صغيرًا، وهاجر إلى المدينة مع أبيه وقيل قبله، وهو ابن إحدى عشرة سنة، عرض على رسول الله يوم بدر ويوم أُحُدٍ فاستصغره، وأجازه يوم الخندق وهو يومئذٍ ابن خمس عشرة سَنَةٍ، فشهد الخندق وما بعده مع رسول الله - ﷺ -، وشهد بعده اليرموك وفتح مصر وشمال أفريقيا.\n\nاشتهر ابن عمر بحرصه على اتباع سُنَّةِ رسول الله - ﷺ - والتأسي به (١). وكان يحضر مجالس رسول الله - ﷺ -، ويسأل من حضر إذا غاب عنها، وفيه قال ابن الحنفية: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ حَبْرَ هَذِه الأُمَّةِ».\n\nروى عن رسول الله - ﷺ -، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي ذر ومعاذ وعائشة وغيرهم.\n\nوروى عنه خلق كثير، منهم جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس،\n_________\n(*) انظر ترجمته في \" طبقات ابن سعد \": ص ١٠٥ - ١٣٨ قسم ١ جـ ٤، و\" حلية الأولياء \": ص ٢٩٢ - ٣١٤ جـ ١، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٣٥ جـ ١، و\" الإصابة \": ص ١٠٧ جـ ٤، و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ٢٣٨ جـ ١، و\" البارع الفصيح \": ص ٩: ب و\" الرياض المتسطابة \": ص ٥١، و\" أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد \": ص ١.\n(١) انظر بعض ما روي عنه في ص ٨٥ - ٩٠ من هذا الكتاب، وكان مُحِبًّا لرسول الله - ﷺ - وكان إذا ذكره بكى وما مر على ربعه إلى غمض عينيه. انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٣٦ جـ ١.","vol":"1","page":469},{"text":"وبنوه سالم وعبد الله وحمزة وبلال، ومولاه نافع، وَأًسْلَمُ مولى عمر، وابن أخيه حفص بن عامر.\n\nوروى عنه من كبار التابعين سعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص (١)، وأبو عبد الرحمن النهدي، ومسروق، وجبير بن نفير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وروى عنه ممن بعدهم عبد الله بن دينار، وزيد وخالد ابنا أسلم، وعروة بن الزبير، وبشر بن سعيد، وعطاء، ومجاهد، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.\n\nقال فيه ابن مسعود: «إنَّ مِنْ أَمْلَكِ شَبَابِ قُرَيْشٍ لِنَفْسِهِ عَنْ الدُّنْيَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ».\n\nوعن سالم بن أبي الجعد عن جَابِرٍ قَالَ: «مَا مِنَّا أَحَدٌ إلاَّ مَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا، وَمَال بِهَا غَيْرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ».\n\nوكان جريئًا في الحق لا يخاف فيه لومة لائم، وله مواقف كثيرة في ذلك.\nوعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «كَانَ عُمَرُ فِي زَمَانٍ لَهُ فِيهِ نُظَرَاءُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِي زَمَانٍ لَيْسَ لَهُ فِيهِ نَظِيرٌ».\n\nكان مثالًا رائعًا في الورع والتقوى والعبادة، وكان إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢) بكى حتى يغلبه البكاء وكان لا يصوم في السفر ولا يكاد يفطر في الحضر.\n\nوكان كثير التواضع والتسامح والرحمة والكرم، يكثر التصدق بما يشتهيه من الطعام ويتقرب إلى الله بما يعجبه من ماله، أتته في ليلة عشرة آلاف درهم،\n_________\n(١) هو علقمة بن وقاص الليثي، وليس ابن أبي وقاص الزهري، انظر \" تذكرة الحفاظ \": ص ٥٠ جـ ١.\n(٢) [سورة الحديد، الآية: ١٦].","vol":"1","page":470},{"text":"فما بات حتى وزعها، وكان في مجلس فأتى ببضعة وعشرين ألفًا فما قام من مجلسه حتى فَرَّقَهَا وزاد عليها، وقد ينفد ما معه فيستدين ليعطي ذوي الحاجات. وكان لا يأكل طعامًا إلا على خوانه يتيم، وما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو يزيد.\n\nرشحه بعض الصحابة للخلافة بعد أبيه، فأبى عمر وجعلها شورى بين الستة، فوقف عبد الله بن عمر بعيدًا عن جميع الفتن، وتفرغ للعلم والعبادة. لذلك كان من المكثرين من الرواية، وساعده على هذا تقدم إسلامه، وطول عمره، ومخالطته للرسول - ﷺ -، فقد كانت أخته حفصة زوجة النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - فسهل عليه دخوله وخروجه على الرسول الكريم.\n\nروي عنه [٢٦٣٠] حَدِيثًا، أخرج له الشيخان البخاري ومسلم [٢٨٠] حَدِيثًا، اتفقا على [١٦٨] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٨١] حَدِيثًا، ومسلم بـ[٣١] حَدِيثًا، وأحاديثه في الكتب الستة، والمسانيد، وسائر السنن.\n\nتوفي في مكة سَنَةَ (٧٣ هـ) بعد مقتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أشهر، وقيل سَنَةَ (٧٤ هـ)، وعمره أربعة وثمانون عَامًا.\n\n* * *","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>(٣) - أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ (١٠ ق هـ - ٩٣ ه</span>ـ): (*).\nهو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي البخاري، وأمه أم سليم بنت ملحان، جاءت به إلى رسول الله - ﷺ - مقدمه المدينة وقالت: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا غُلاَمٌ يَخْدُمُكَ» فقبله - ﷺ - فنشأ في بيت النبوة، وأحبه الرسول - ﷺ -، وفي هذا يقول أنس: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عشر سِنِينَ، فَمَا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ تَوَانَيْتُ عَنْهُ، أَوْ صَنَعْتُهُ فَلامَنِي، وَإِنْ لامَنِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ: دَعُوهُ فَلَوْ قُدِّرَ. - أَوْ قَالَ: قُضِيَ - أَنْ يَكُونَ لَكَانَ». فشاهد أنس ما لم يشاهده غيره.\n\nروى عن رسول الله - ﷺ -، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن رواحة، وعن فاطمة الزهراء، وعبد الرحمن بن عوف، وعن غيرهم من صحابة رسول الله - ﷺ -.\n\nوروى عنه الحسن، وسليمان التيمي، وأبو قلابة، وأبو مجلز، وعبد العزيز بن صهيب، وإسحاق بن أبي طلحة، وأبو بكر بن عبد الله المزني، وقتادة وثابت البناني، ومحمد بن سيرين، وأنس بن سيرين، وابن شهاب الزهري، وربيعة بن عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد بن جبير، وخلق كثير غيرهم.\n_________\n(*) أهم مراجع ترجمته: \" طبقات ابن سعد \": ص ١٠ جـ ٧، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٤٢ جـ ١، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٣٧٦ جـ ١، و\" البارع الفصيح \": ص ٩: ب، و\" أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد \": ص ١، و\" الرياض المستطابة \": ص ٨.","vol":"1","page":472},{"text":"كان كثير العبادة قليل الكلام، قال فيه أبو هريرة: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهُ صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ ابْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ».\n\nوقد بعثه أبو بكر للسعاية (١) على البحرين، ثم استقر بالبصرة بعد المدينة، وأصبح محط أنظار أهل العلم، فروي عنه [٢٢٨٦] حَدِيثًا وأخرج له الشيخان [٣١٨] حَدِيثًا واتفقا على [١٦٨] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٨٠] حَدِيثًا ومسلم بـ[٧٠] حَدِيثًا.\n\nوتوفي أنس في البصرة (سَنَةَ ٩٣ هـ) وهو آخر من توفي بالبصرة من الصحابة.\n\nعن قتادة قال: «لَمَّا مَاتَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ مُوَرِّقٌ: \" ذَهَبَ اليَوْمَ نِصْفُ العِلْمِ \". قِيلَ: \" كَيْفَ ذَاكَ يَا أَبَا المُعتَمِرِ؟ \" قَالَ: \" كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، إِذَا خَالَفَنَا فِي الحَدِيثِ، قُلْنَا: تَعَالَ إِلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ \"».\n\n* * *","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>(٤) - عائشة أم المؤمنين (٩ ق هـ - ٥٨ ه</span>ـ): (*)\nهي عائشة بنت أبي بكر الصِدِّيقْ، إحدى أمهات المؤمنين، بنى بها رسول الله - ﷺ - في شوال بعد وقعة بدر، فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، وكانت أحب نسائه إليه، وهي الطاهرة التي برأها القرآن الكريم مما رماها به أهل الإفك.\n\nكانت ذكية فطنة طلابة للعلم، يسر لها زواجها من رسول الله - ﷺ - واختلاطها به معرفة كثير من أحكام الإسلام. ولها الفضل الكبير في نقل كثير مما يتعلق بأمور النساء، لذلك كانت أكثر نساء رسول الله - ﷺ - رواية عنه، وتعد من أفقه الصحابة، وقد شهد بعلمها وفقهها الصحابة والتابعون، كما كان لها علم بالطب، قال عروة: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمُ بِالطِبِّ مِنْهَا»، وقال علي بن مسهر: أخبرنا هشام عن أبيه (عروة) أنه قال: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَعْلَمَ بِالقُرْآنِ وَلاَ بِفَرْضِهِ وَلاَ بِحَلاَلٍ وَحَرَامٍ وَلاَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِحَدِيثِ العَرَبِ وَالنَّسَبِ مِنْ عَائِشَةَ».\n\nفلا غرابة أن نرى الصحابة والتابعين يلتفون حولها يتفقهون بها، ويرجعون إليها في أمورهم. وفي هذا يقول قبيصة بن ذؤيب: «كَانَتْ عَائِشَةُ أَعْلَمَ النَّاسِ يَسْأَلُهَا أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ»\n_________\n(*) أهم مصادر ترجمتها: \" طبقات ابن سعد \": ص ٣٩ جـ ٨، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٢٦ جـ ١، و\" الإصابة \": ص ١٣٩، ترجمة (٧٠١) جـ ٨، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٤٣٣ ترجمة ٢٨٤١ جـ ١٢، و\" البارع الفصيح \":ص ٩: ب، و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ٦٠٩ جـ ٢، و\" الرياض المستطابة \": ص ٨٢.","vol":"1","page":474},{"text":"عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلاَّ وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا».\n\nوكانت كريمة وقورًا، يحترمها كل من يلقاها، وقد كرمها الصحابة والتابعون، روت عائشة - ﵂ - عن الرسول الكريم الكثير الطيب، وروت عن أبيها، وعن عُمَرَ، وفاطمة، وسعد بن أبي وقاص، وأُسَيْدٍ بن حضير، وجذامة بنت وهب، وحمزة بن عمرو.\n\nوروى عنها من الصحابة عمر، وابنه عبد الله، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن خالد، وابن عباس، وربيعة بن عمرو الجرشي،، والسائب بن يزيد، وغيرهم.\n\nوروى عنها كبار التابعين: القاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومواليها: أبو بكر، وذكوان وأبو يونس، وسعيد بن المسيب، وعمرو بن ميمون، وعلقمة بن قيس، ومسروق، وعبد الله بن حكيم، والأسود بن يزيد، وغير هؤلاء خلق كثير.\n\nرُوِيَ لها [٢٢١٠] ألفان ومائتان وعشرة أحاديث، لها في \" الصحيحين \" [٣١٦] حَدِيثًا، اتفق الشيخان على [١٩٤] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٥٤] حَدِيثًا، ومسلم بـ[٦٨] حَدِيثًا، وأحاديثها في \" الكتب الستة \" وسائر كتب السنن.\n\nتوفيت سَنَةَ ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان عند أكثرهم، وقال بعضهم: سَنَةَ سبع وخمسين.\n\n* * *","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>(٥) - عبد الله بن عباس (٣ ق هـ - ٦٨ ه</span>ـ): (*)\nهو أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله - ﷺ - وابن أخت زوجه ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين. ولد بالشعب حين حصرت قريش بني هاشم، وكانت سِنُّهُ عند وفاة رسول الله - ﷺ - ثلاث عشرة سَنَةً. وقد ضمه الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - إليه وقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ».\n\nكان طلابة للعلم، وكان لقرابته من رسول الله - ﷺ - واختلاطه به أثر بعيد في تحمله الكثير الطيب عن رسول الله - ﷺ -، حتى أصبح ترجمان القرآن، وكان يقال له الحبر والبحر لكثرة علمه. ولم يأل جُهْدًا - بعد وفاة الرسول - ﷺ - في طلب العلم، فكان يقصد الصحابة ويسألهم، حتى إنه لينتظر الصحابي في قيلولته، فيتوسد رداءه على بابه، والريح تسفي التراب على وجهه حتى يخرج إليه فيخبره بما أراد ويقول له الصحابي: «هَلاَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ؟»، فيقول: «لاَ، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ» (**). قال عمرو بن دينار: «مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا كَانَ أَجْمَعَ لِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ، الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَالعَرَبِيَّةُ، وَالأَنْسَابُ، وَالشِّعْرُ» (...).\n\nوكان عمر - ﵁ - إذا أعضلت عليه قضية دعا ابن عباس، وقال له:\n_________\n(*) أهم مصادر ترجمته: \" سير أعلام النبلاء \": ص ٢٢٤ جـ ٣، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٣٧ جـ ١، و\" الإصابة \": ص ٩٠ جـ ٤، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٧٦ جـ ٥، و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ٢٣٩ جـ ١، و\" البارع الفصيح \" ص ٩: ب، و\" الرياض المستطابة \": ص ٥٢.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(**) انظر \" دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين \" للشيخ محمد محمد أبو شهبة: ص ٢٩٠، طبعة مكتبة السنة.\n(...) انظر \" تاريخ دمشق \" لابن عساكر، تحقيق عمرو بن غرامة العمروي، ٧٣/ ١٩٣، طبعة سنة: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع","vol":"1","page":476},{"text":"«أَنْتَ لَهَا وَلأَمْثَالِهَا» (*)، ويأخذ بقوله وكان قوي الذاكرة، سريع الحفظ.\n\nروى عن النبي - ﷺ -، وعن أبيه، وأمه أم الفضل، وعن أخيه الفضل، وخالته ميمونة، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر الغفاري، وأُبي بن كعب، وعن تميم الداري، وخالد بن الوليد، وهو ابن خالته، وأسامة بن زيد، وأبي سعيد الخُدري، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعن كثير غير هؤلاء.\n\nوروى عنه خلق كثير، من أشهرهم من الصحابة عبد الله بن عمرو بن ثعلبة بن الحكم الليثي، والمسور بن مخرمة، وأبو الطفيل، وغيرهم، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وعكرمة، وعطاء، وطاووس، وكريب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وغيرهم.\n\nوقد قال فيه ابن عمر: «ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ».\n\nوقد روى له [١٦٦٠] حَدِيثًا، أخرج له الشيخان منها [٢٣٤) حَدِيثًا، اتفقا على [٧٥] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[١١٠] حَدِيثًا ومسلم بـ[٤٩] حَدِيثًا، وأحاديثه في \" الكتب الستة \" وكتب السنن.\n\nاستعمله عَلِيٌّ - ﵁ - على البصرة أميرًا، ثم فارقها قبل استشهاد عَلِيٍّ - ﵁ - وعاد إلى مكة يعلم الناس، وَكُفَّ بصره في آخر أيامه، وتوفي بالطائف سَنَةَ (٦٨ هـ)، وصلى عليه محمد بن الحنفية وقال: «اليَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ».\n\n* * *\n_________\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) انظر \" أسد الغابة \" لابن الأثير، تحقيق علي محمد معوض - عادل أحمد عبد الموجود، ٣/ ٢٩١، الطبعة الأولى: هـ - ١٩٩٤ م، نشر دارالكتب العلمية. بيروت - لبنان.","vol":"1","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>(٦) - جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ (١٦ ق هـ - ٨٧ ه</span>ـ): (*)\nهو أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي الفقيه مفتي المدينة في زمانه، كان مع من شهد العقبة في السبعين من الأنصار، توفي والده في غزوة أحد، وترك عيالًا وَدَيْنًا، فسرى عنه الرسول - ﷺ - وشمله بعطفه وكرمه، ورعاه بعنايته حتى قضى دَيْنَهُ، وكان يحب رسول الله - ﷺ - وشهد معه المشاهد كلها إلا غزوتي بدر وأُحُدْ فإن أباه خلفه على إخوته.\n\nإن ضيق الحياة لم يمنع جابرًا عن طلب العلم بعد وفاته حيث سمع من كبار الصحابة، فروى عن الرسول الكريم، وعن أبي بكر، وعمر، وعلي، وعن أبي عبيدة، وطلحة، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وخالد بن الوليد، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن أُنيس، وغيرهم.\n\nوروى عنه أولاده: عبد الرحمن وعقيل ومحمد، وسعيد بن المسيب، ومحمود بن لبيد، وعمرو بن دينار، وأبو جعفر الباقر، وابن عمه محمد بن\n_________\n(*) أهم مصادر ترجمته \" أسماء الصحابة الرواة \": ص ١، و\" الإصابة \": ص ٢٢٢ جـ ١، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٣٩ جـ ٢، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٤٠ جـ ١، و\" البارع الفصيح \": ص ٩: ب، و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ٧٢ جـ ١، و\" الرياض المستطابة \": ص ١٠.","vol":"1","page":478},{"text":"عمرو بن الحسن، ومحمد بن المنكدر، وعامر الشعبي، وغيرهم. وكان له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه فيها العلم.\n\nروي له من الحديث [١٥٤٠] حَدِيثًا، وروى له الشيخان منها [٢١٢] حَدِيثًا، اتفقا على [٦٠] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٢٦] حَدِيثًا، ومسلم بـ[١٢٦] حَدِيثًا، وله \" منسك \" صغير في الحج أخرجه الإمام مسلم في \" صحيحيه \".\n\nعاش جابر [٩٤] سَنَةً وَكُفَّ بصره في أواخر حياته، وتوفي سَنَةَ (٧٨ هـ) على أرجح الأقوال - ﵁ وَأَرْضَاهُ - وهو آخر من توفي من الصحابة.\n\n* * *","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>(٧) -أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ (١٢ ق هـ - ٧٤ ه</span>ـ): (*)\nهو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الخُدري الأنصاري الخزرجي المدني، استشهد والده في غزوة أُحُدْ، فقاسى أبو سعيد شظف العيش، وَيُرْوَى أنه كان من أهل الصفة، استصغر يوم أحد، ثم شهد معظم الغزوات مع النبي - ﷺ -، وشهد بيعة الرضوان، وكان يحضر حلقات الرسول - ﷺ -، فتحمل عنه الكثير الطيب حتى عُدَّ في المكثرين عنه.\n\nروى عن الرسول - ﷺ - وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن زيد بن ثابت، وغيرهم من الصحابة، وروى عنه من الصحابة ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر، ومحمود بن لبيد، وأبو أمامة بن سهل، وأبو الطفيل، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وطارق بن شهاب، وغيرهم، وممن بعدهم عطاء، وعياض بن أبي سرح، ومجاهد، وغيرهم.\n\nروي له من الحديث [١١٧٠] حَدِيثًا، أخرج له منها الشيخان [١١١] حَدِيثًا، اتفقا على [٤٣] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[١٦] حَدِيثًا، ومسلم بـ[٥٢] حَدِيثًا، أحاديثه في \" الكتب الستة \"، وروى عنه جميع أصحاب المسانيد والسنن.\n\nعرف أبو سعيد باستقامته الشديدة، وحرصه على الحق، فكان يصدع به لا يخاف في الله لومة لائم، وتوفي - ﵁ - بالمدينة سَنَةَ (٧٤ هـ)، وَسِنُّهُ (٨٦) سَنَةً.\n\n...\n_________\n(*) \" حلية الأولياء \": ص ٢٦٩ جـ ١، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٣٧٩ جـ ٣، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٤١ جـ ١، و\" الإصابة في تمييز الصحابة \": ص ٨٥ جـ ٣، و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ٦٢١ جـ ٢، و\" الرياض المستطابة \": ص ٢٤، و\" البارع الفصيح \": ص ٩: ب.","vol":"1","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الفصل الثاني: بعض أعلام الرواة من التابعين:</span>\nمن يعد تابعيًا، وأشهر التابعين:\n\n١ - سعيد بن المسيب.\n٢ - عروة بن الزبير.\n٣ - ابن شهاب الزهري.\n٤ - نافع مولى ابن عمر.\n٥ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.\n٦ - سالم بن عبد الله بن عمر.\n٧ - إبراهيم النخعي.\n٨ - عامر الشعبي.\n٩ - علقمة النخعي.\n١٠ - محمد بن سيرين.","vol":"1","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>من يعد تابعيا</span>؟:\nقال الخطيب البغدادي: «التَّابِعِيُّ مَنْ صَحِبَ صَحَابِيًّا» (١)، ولا يكفي مجرد الالتقاء، بخلاف الصحابي فقد اكتفى فيه بذلك، لشرف لقاء النبي - ﷺ -، والاجتماع به، أو رؤيته، فإن لذلك أثرًا كبيرًا في إصلاح القلوب وتزكية النفوس، مما لا يتهيأ لمن يلقى الصحابي من غير متابعة له، وطول أخذ عنه.\n\nوقال أكثر المحدثين: «إِنَّ التَّابِعِيَّ مَنْ لَقِيَ وَاحِدًا مِنَ الصَّحَابَةِ فَأَكْثَرَ» وإن لم يصحبه، ولهذا ذكر مسلم وابن حبان - سليمان بن مهران الأعمش في طبقة التابعين، وقال ابن حبان: أخرجناه في هذه الطبقة لأن له لُقْيَا وحفظًا، رأى أنس بن مالك وإن لم يصح له سماع المسند عنه. كما عد الحافظ عبد الغني بن سعيد - يحيى بن أبي كثير من التابعين، لأنه لقي أنسًا، وَعَدَّ فيهم موسى بن أبي عائشة، لكونه لقي عمرو بن حريث، وَعَدَّ فيهم جرير بن أبي حازم لكونه رأى أنسًا، وهذا إقرار منهم بأن التابعين من رأى الصحابي.\n\nواشترط ابن حبان أن يكون من رآه في سن من يحفظ عنه، أي أن يكون مميزًا، فإن كان صغيرًا لم يحفظ عنه فلا عبرة برؤيته، كخلف بن خليفة، فإنه عَدَّهُ من أتباع التابعين وإن كان رأى عمرو بن حريث، لكونه كان صغيرًا لا يميز.\n\nقَالَ العِرَاقِيُّ: «وَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حِبَّانَ لَهُ وَجْهٌ، كَمَا اشْتَرَطَ فِي الصَّحَابِيِّ\n_________\n(١) انظر \" تدريب الراوي \": ص ٤١٦.","vol":"1","page":483},{"text":"رُؤْيَتَهُ وَهُوَ مُمَيَّزٌ». قَالَ: وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ بِقَوْلِهِ: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، وَطُوبَى لِمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي» الحَدِيثَ، فَاكْتَفَى فِيهِمَا بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ (١).\n\nوعدد التابعين يفوق الحصر، لأن كل من رأى صحابيًا كان من التابعين، وقد توفي رسول الله - ﷺ - عن نيف ومائة ألف من الصحابة، رحلوا إلى مختلف البلدان، وانتشروا في جميع الآفاق، ورآهم ألوف الأتباع.\n\nولرجال الحديث اهتمام كبير بمعرفة الصحابة والتابعين لأن بهما يعرف المرسل والمتصل من الأخبار.\n\nثم إن التابعين طبقات جعلها الحاكم خمس عشرة طبقة، آخرهم من لقي أنس بن مالك من أهل البصرة، ومن لقي عبد الله بن أبي أوفى من أهل الكوفة، ومن لقي السائب بن يزيد من أهل المدينة، ومن لقي عبد الله بن الحارث بن جزء من أهل مصر، ومن لقي أبا أمامة الباهلي من أهل الشام (٢). وذكر الحاكم غير هؤلاء في بعض البلدان الأخرى (٣).\n\nوللعلماء كلام طويل في أفضل التابعين (٤).\n\nوسنذكر فيما يلي بعض أعلام الرواة من التابعين.\n_________\n(١) انظر \" فتح المغيث \": ص ٥٢، ٥٣ جـ ٤، و\" تدريب الراوي \": ص ٤١٦.\n(٢) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ٤٢، و\" فتح المغيث \": ص ٥٣ جـ ٤، و\" تدريب الراوي \": ص ٤١٧.\n(٣) انظر \" معرفة علوم الحديث \": ص ٤٣.\n(٤) انظر المراجع السابقة في ذلك: \" تدريب الراوي \": ص ٤٢١، و\" الباعث الحثيث \": ص ٢١٩، و\" فتح المغيث \": ص ٥٥ جـ ٤.","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>(١) - سعيد بن المسيب (١٥ - ٩٤ ه</span>ـ): (*)\nهو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن وهب القرشي المخزومي المدني، أحد أعلام الدنيا، وسيد التابعين. ولد سعيد سَنَة (١٥ هـ) لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وسمع منه، ومن عثمان بن عفان، وَعَلِيٍّ، وزيد بن ثابت، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وجل روايته عن أبي هريرة، فقد كان سعيد تزوج ابنته.\n\nكان غزير العلم، قال فيه ابن عمر: «لَوْ رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - هَذَا لَسَرَّهُ»، وقال مكحول وقتادة والزهري وغيرهم: «مَا رَأَيْنَا أَعْلَمَ مِنْ ابْنِ المُسَيَّبِ». وقال ابن المديني: «لاَ أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ، وَهُوَ عِنْدِي أَجَلُّ التَّابِعِينَ».\n\nوكان من أحفظ التابعين لأقضية الرسول - ﷺ -، والخلفاء الراشدين، وكان يفتي وأصحاب رسول الله - ﷺ - أحياء، وكان يقدم على فقهاء عصره. وكان عمر بن عبد العزيز يُجِلُّهُ ويحترمه، وقد اشتهر بعبادته وورعه، وعرف بجرأته في الحق، وأبى أن يبايع بعض أولي الأمر، وجلد على ذلك، وبقي صامدًا ثابت العزيمة (١).\n_________\n(*) \" طبقات ابن سعد \": ص ٨٨ - ١٠٦ جـ ٥، \"الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ١٦٨ جـ ١، \"سير أعلام النبلاء \": مخطوط ص ١٩٢ - ١٩٩ قسم ٢ جـ ٤، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٥١ - ٥٣ جـ ١، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٨٤ جـ ٤، و\" شذرات الذهب \": جـ ١ ص ١٠٢.\n(١) انظر محنته هذه في \" سير أعلام النبلاء \": ص ١٩٥ قسم ٢ جـ ٤.","vol":"1","page":485},{"text":"أشهر من روى عنه:\n--------------------\n\nروى عن سعيد بن المسيب جماعات من كبار التابعين، من أشهرهم محمد بن مسلم الزهري، وعمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد الباقر، وقتادة بن دعامة السدوسي، وبكير بن الأشج، ويحيى بن سعيد الأنصاي، وغيرهم.\n\nأجمع العلماء على إمامته وعلو مكانته، فقد كان رأس المدينة في الفقه والفتوى حتى كانوا يسمونه \" فقيه الفقهاء \".\n\nأجمع أهل الحديث على ثقته وورعه وضبطه، وشدة حرصه على السُنَّةِ، ودأبه على العلم والعبادة، حتى إنه كان لا يفارق المسجد من العتمة إلى العتمة. وقد ترفع عن قبول أموال المسلمين، فكان لا يأخذ العطاء، له أربعمائة دينار يَتَّجِرُ بها في الزيت، ويتعيش مما تغله له. توفي سَنَةَ (٩٢ هـ)، وقيل (٩٤ هـ) - ﵁ وَأَرْضَاهُ -.\n\n* * *","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>(٢) - عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ (٢٢ - ٩٤ ه</span>ـ): (*)\nهو أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني التابعي الجليل، الفقيه الحافظ، ولد في آخر خلافة عمر سَنَةَ (٢٢ أو ٢٣ هـ) وقيل في خلافة عثمان بن عفان سَنَةَ (٢٩ هـ) (١).\n\nحفظ عن والده وأمه وخالته عائشة. وروى عن علي ومحمد بن مسلمة وأبي هريرة وعن زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن الأرقم، وأبي أيوب، والنعمان بن بشير، ومعاوية، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، والمسور بن مخرمة، وزينب بنت أبي سلمة، وبشير بن أبي مسعود الأنصاري.\n\nوكان عروة طلابة للعلم، كثير التردد على خالته عائشة أم المؤمنين، دقيقًا في تحمله، ضابطًا ثقة، وقد شهد له بذلك أعلام عصره، حتى أصبح أحد الفقهاء السبعة في المدينة، وكان ممن اختارهم عمر بن عبد العزيز - أمير المدينة آنذاك - في مجلس شورى المدينة.\n\nوفيه قال الإمام الزهري: «رَأَيْتُهُ بَحْرًا لاَ تُكَدِّرُهُ الدِّلاَءُ». وقال ابن عيينة: «[أَعْلَمَ] (**) النَّاسِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ثَلاَثَةٌ: القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ،، وَعُرْوَةُ، وَعَمْرَةُ».\n_________\n(*) \" طبقات ابن سعد \": ص ١٣٥ جـ ٥، و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ٣٩٤ جـ ٢، و\" سير أعلام النبلاء \"، مخطوط: ص ٢٤٥ - ٢٥٠ قسم ٢ جـ ٤، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٥٨، ٥٩ جـ ١، و\"تهذيب التهذيب \":ص ١٨٠ جـ ٧، و\" شذرات الذهب \": ص ١٠٣ جـ ١.\n\n(١) في \" سير أعلام النبلاء \": ولاتدته سَنَةَ ٢٣ هـ.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(**) انظر هامش صفحة ٣٣١ من هذا الكتاب.","vol":"1","page":487},{"text":"وَقَالَ ابْنُهُ هِشَامٌ: «وَاللَّهِ مَا تَعَلَّمْنَا مِنْهُ جُزْءًا مِنْ أَلْفَيْ جُزْءٍ مِنْ أَحَادِيثِهِ».\n\nوقال محمد بن سعد: «كَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الحَدِيثِ، فَقِيهًا مَأْمُونًا عَالِمًا ثَبْتًا».\n\nوإلى جانب حفظه للحديث الشريف كان عالمًا بالسيرة، حافظًا للقرآن، عابدًا يصوم الدهر، وتوفي وهو صائم.\n\nوعرف بحبه لنشر العلم، فكان يتألف الناس على حديثه، ويذاكر أبناءه الحديث.\n\nوأشهر من روى عنه أولاده: عثمان وعبد الله وهشام ويحيى ومحمد، وحفيده عمر بن عبد الله، والزهري، وسليمان بن يسار، وأبو الزناد، وابن أبي مُليكة، وابن المُنكدر، وغيرهم كثير.\n\nجمع عروة العلم والسيادة والعبادة، وتوفي عن نيف وستين سَنَةَ، سَنَةَ (٩٤ هـ) على أحد الأقوال.\n\n* * *","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>(٣) - مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: </span>(٥٠ - ١٢٤ هـ) (*)\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>[١]- التَّعْرِيفُ بِهِ - وِلاَدَتُهُ - نَشْأَتُهُ:</span>\n-----------------------------------\n\nهو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري المدني.\n\nولد الزهري سَنَةَ (٥٠ هـ) على الأرجح، في خلافة معاوية بن أبي سفيان، ويروى أنه وفد على مروان بن الحكم في خلافته، سَنَةَ (٦٤ هـ) وهو غلام محتلم، وكان أبوه على قيد الحياة، لأنه كان إلى جانب عبد الله بن الزبير في ثورته على عبد الملك بن مروان، ثم وفد على عبد الملك بعد وفاة والده، وكان ذلك سَنَةَ (٨٢ هـ) على أرجح الروايات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>[٢]- طَلَبُهُ العِلْمَ:</span>\n-----------------\n\nحفظ القرآن في ثمانين يومًا، وطلب الحديث في أواخر عصر الصحابة، وله نيف وعشرون سَنَةً، وسمع من بعضهم، وروى عنهم، ومنهم أنس بن مالك،\n_________\n(*) أهم المراجع التي اعتمدت عليها في ترجمة ابن شهاب: \" طبقات ابن سعد \": ص ١٣٥ قسم ٢ جـ ٢ وما بعدها، \" جامع بيان العلم وفضله \": ص ٧٣ و٧٦ جـ ١، و\" ترتيب الثقات \" لابن حبان: الجزء الثالث مخطوط، و\" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٥٤: آو ١٥٥: ب و١٧٧: آو ١٨١: آوغيرها، و\" حلية الأولياء \": ص ٣٦٩ وما بعدها جـ ٣، و\" الجرح والتعديل \": ص ٧١ - ٧٤ قسم ١ جـ ٤، و\" تاريخ دمشق \"، مخطوط، نسخة دار الكتب المصرية: ص ٤٨٧ - ٦١٩ جـ ٣١، و\" تاريخ الإسلام \": ص ١٣٦ جـ ٥، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٤٤٨ جـ ٩، وسأذكر موضع بعض الأخبار والنصوص حين الضرورة.","vol":"1","page":489},{"text":"وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل، والمسور بن مخرمة، وغيرهم.\n\nوروى عن كبار التابعين، ومنهم: أبو إدريس الخولاني، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، والحسن وعبد الله ابنا محمد بن الحنفية، وحرملة مولى أسامة بن زيد، وعبد الله وعبيد الله وسالم بنو ابن عمر، وعبد العزيز بن مروان، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، والأعرج [- عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ -]، وعطاء بن أبي رباح، والقاسم بن محمد بن أبي بكر والمحرر بن أبي هريرة، ومحمد ونافع ابنا جُبير بن مطعم، وعمرة بنت عبد الرحمن، وروى عن غيرهم.\n\nوقد سمع الزهري كثيرًا من إمام التابعين سعيد بن المسيب، وفي هذا يقول: «مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَةَ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ ثَمَانِي سِنِينَ» وقال: «تَبِعْتُ سَعِيدَ بْنِ المُسَيِّبِ فِي طَلَبِ حَدِيثٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ»، وَلَزِمَ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةَ وَخَدَمَهُ، وَكَانَ يَسْتَقِي لَهُ المَاءَ لِيَسْمَعَ مِنْهُ، وَكَانَ لاَ يُفَارِقُهُ - قَالَ الزُّهْرِيُّ -: حَتَّى إِنَّ خَادِمَهُ لَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: «مَنْ بِالبَابِ؟» فَتَقُولُ الجَارِيَةُ: «غُلاَمَكَ الأُعَيْمِشُ» - فَتَظُنُّ أَنِّي غُلاَمُهُ - وَإِنْ كُنْتُ لأَخْدِمَهُ حَتَّى لأَسْتَقِي لَهُ وُضُوءَهُ».\n\nوكما لزم ابن المسيب وعبيد الله لزم عروة بن الزبير، وفيه يقول: «عُرْوَةُ بَحْرٌ لاَ يَنْزِفُ»، و«أَمَّا عُرْوَةُ فَبَحْرٌ لاَ تُكَدِّرُهُ الدِّلاَءُ».\n\nوكان جريئًا في طلب العلم، يسأل عما يريد. وكان عبد الملك بن مروان قد أمره بطلب العلم - عندما وفد عليه أول مرة - فقال له: «فَاطْلُبِ","vol":"1","page":490},{"text":"العِلْمَ، وَلاَ تَشَاغَلْ عَنْهُ بِشَيْءٍ، فَإِنِّي أَرَى لَكَ عَيْنًا حَافِظَةً، وَقَلْبًا ذَكِيًّا، وَآتِ الأَنْصَارَ فِي مَنَازِلِهِمْ».\n\nوَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ،: «اجْتَمَعَتُ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ، وَنَحْنُ، نَطْلُبُ العِلْمَ فَقُلْنَا نَكْتُبُ السُّنَنَ، فَكَتَبْنَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \" نَكْتُبُ مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ \"، فَقُلْتُ أَنَا: \" لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَلاَ نَكْتُبُهُ \"، قَالَ: \" فَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ فَأَنْجَحَ وَضَيَّعْتُ \"».\n\nويروى عن الزهري أنه كان يكتب الحديث، ويتذكره، فإذا حفظه محاه. وكان من أنشط طلاب العلم في طلب الحديث يتردد كثيرًا على حلقات العلماء ولا يترك أحدًا يعرف عنده شيئًا من العلم إلا قصده، وفي هذا قال إِبْرَاهِيمُ بْنِ سَعْدٍ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «قُلْتُ لأَبِي: \" بِمَ [فَاقَكُمُ] الزُّهْرِيُّ؟ \" قَالَ: \" كَانَ يَأْتِي المَجَالِسَ مِنْ صُدُورِهَا، وَلاَ يَلْقَى فِي المَجْلِسِ كَهْلًا إِلاَّ سَاءَلَهُ وَلاَ شَابًّا إِلاَّ سَاءَلَهُ، ثُمَّ يَأْتِي الدَّارَ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ، فَلاَ يَلْقَى فِيهَا شَابًّا إِلاَّ سَاءَلَهُ، وَلاَ كَهْلًا وَلاَ عَجُوزًا وَلاَ كَهَلَةً إِلاَّ سَاءَلَهُ حَتَّى يُحَاوِلُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ \"» (١).\n\nقال أبو الزناد: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ [ابْنُ شِهَابٍ] يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[٣]- حِفْظُهُ:</span>\n-------------\n\nاشتهر الزهري بذاكرته القوية، وسرعة حفظه، وكان يقول: «مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبَي شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ»، وقال: «مَا اسْتَعَدْتُ حَدِيثًا إِلاَّ مَرَّةً، فَسَأَلْتُ صَاحِبِي، فَإِذَا هُوَ كَمَا حَفِظْتُ».\n_________\n(١) \" تهذيب التهذيب \": ص ٤٤٩ جـ ٩.\n(٢) \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \": ص ١٥٥: ب.","vol":"1","page":491},{"text":"وَقَدْ سَأَلَهُ هِشَامُ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يُمْلِيَ عَلَى بَعْضِ وَلَدِهِ شَيْئًا مِنَ الحَدِيثِ، فَدَعَا بِكَاتِبٍ، وَأَمْلَى عَلَيْهِ أَرْبَعُمِائَةَ حَدِيثٍ، فَخَرَجَ الزُّهْرِيُّ مِنْ عِنْدِ هِشَامٍ، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ الحَدِيثِ»، فَحَدَّثَهُمْ بِتِلْكَ الأَرْبَعِمِائَةٍ، ثُمَّ لَقِيَ هِشَامًا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَقَالَ الزُّهْرِيِّ إِنَّ ذَلِكَ الكِتَابَ قَدْ ضَاعَ قَالَ: «لاَ عَلَيْكَ»، فَدَعَا بِكَاتِبٍ، فَأَمْلاَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَابَلَ هِشَامٌ بِالكِتَابِ الأَوَّلِ، فَمَا غَادَرَ حَرْفًا وَاحِدًا (١).\n\nقَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ بْنُ أَنَسٍ: «حَدَّثَ الزُّهْرِيُّ بِمِائَةِ حَدِيثٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ [إِلَيَّ] فَقَالَ: \" كَمْ حَفِظتَ يَا مَالِكُ؟ \" قُلْتُ: \" أَرْبَعِيْنَ حَدِيثًا \"، قال: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِه، ثُمَّ قَالَ: \" إِنَّا للهِ كَيْفَ نَقصَ الحِفْظُ \"!!».\n\nوكان كثيرًا ما يذاكر نفسه الحديث، قال الليث بن سعد: «جَلَسَ الزُّهْرِيُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُذَاكِرُ نَفْسَهُ الحَدِيثَ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ مَجْلِسُهُ حَتَّى أَصْبَحَ».\n\nوَكَانَ أَحْيَانًا يَبْتَغِي العِلْمَ مِنْ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ، فَيَأْتِي جَارِيَةً لَهُ نَائِمَةً فَيُوقِظُهَا فَيَقُولُ لَهَا «حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِكَذَا، وَفُلاَنٌ بِكَذَا»، فَتَقُولُ لَهُ: «مَا لِي وَلِهَذَا؟» فَيَقُولُ: «قَدْ عَلِمتُ أَنَّكِ لاَ تَنْتَفِعِينَ بِهِ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ الآنَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَذكِرَهُ» (*).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>[٤]- عِلْمُهُ وَآثَارُهُ:</span>\n-------------------\n\nاشتهر الزهري بغزارة علمه، وطار صيته في الآفاق، وأصبح محط أنظار أهل الشام والحجاز، قال الإمام مالك: «كَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا دَخَلَ المَدِينَةَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا، وَأَدْرَكْتُ مَشَايِخَ أَبْنَاءَ سَبْعِينَ وَثَمَانِينَ لاَ يُؤَخَذُ عَنْهُمْ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ شِهَابٍ وَهُوَ دُونَهُمْ فِي السِنِّ فَيُزْدَحَمُ عَلَيْهِ». وكان يقول: «بَقِيَ ابْنُ شِهَابٍ، وَمَا لَهُ فِي الدُّنْيَا نَظِيرٌ» (٢).\n_________\n(١) \" المحدث الفاصل \"، نسخة دمشق: ص ٩: آجـ ٤.\n(٢) \" تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل \": ص ٢٠.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) انظر ص ١٦١ من هذا الكتاب.","vol":"1","page":492},{"text":"وقال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: «هَلْ تَأْتُونَ ابْنَ شِهَابٍ؟» قَالُوا: إِنَّا لَنَفْعَلُ، قَالَ: «فَأْتُوهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ أَعْلَم بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنْهُ»، قَالَ الرَّاوِي [مَعْمَرُ]: «وَإِنَّ الحَسَنَ وَضُرَبَاءَهُ لأَحْيَاءٌ يَوْمَئِذٍ».\n\nوقال مكحول: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنَ الزُّهْرِيِّ!!».\n\nوَقَالَ عَمْرُو بْنِ دِينَارٍ: «جَالَسْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَنْسَقَ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ»، وفي رواية: «مَا رَأَيْتُ أَنَصَّ وَأَبْصَرَ بِالحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ».\n\nوقال أيوب السختياني: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ».\n\nوكان بارعًا في مختلف علوم الإسلام، وفي هذا يحدثنا اللَّيْثُ بْنِ سَعْدٍ فَيَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ أَجْمَعَ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ، يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ فَتَقُولُ لاَ يُحْسِنُ إِلاَّ هَذَا، ... وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ العَرَبِ وَالأَنْسَابِ قُلْتَ: لاَ يُحْسِنُ إِلاَّ هَذَا، وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَانَ حَدِيثَهُ نَوْعًا جَامِعًا».\n\nوإلى جانب علمه بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وعلوم الإسلام كان أحد الأعلام بالشعر والأنساب والسيرة، وقيل إنه أول من ألف في السِّيَرِ، وقال بعضهم أول سيرة ألفت في الإسلام سيرة الزهري (١).\n\nولسمو مكانته وَلاَّهُ يزيد بن عبد الملك القضاء، ثم اختاره الخليفة هشام بن عبد الملك مُؤَدِّبًا لأولاده، يُفَقِّهُهُمْ ويعلمهم ويحج معهم فلم يفارقهم حتى مات، ولذلك ذكره ابن حبيب مع أشراف المعلمين وفقهائهم (٢).\n_________\n(١) انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ٧٩، ٨٠.\n(٢) انظر \" المحبر \": ص ٤٧٦.","vol":"1","page":493},{"text":"وكان متمسكًا بِالسُنَّةِ (١)، روى عنه الإمام الأوزاعي قوله: «مِنَ اللَّهِ القَوْلُ، وَعَلَى الرَّسُولِ البَلاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ، أَمِرُّوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا جَاءَ بِلا كَيْفٍ» (٢).\n\nوَمِنْ آثَارِهِ فِي السُنَّةِ:\n---------------------\n\n١ - كان الزهري أول من استجاب لطلب الخليفة عمر بن عبد العزيز، فَدَوَّنَ لَهُ السُّنَنَ فِي دَفَاتِرَ، ثم وزع الخليفة على كل أرض له عليها سلطان دفترًا، وأجمع العلماء على أنه كان أول من دَوَّنَ السُنَّةَ، وقد بينت أنه أول من دونها رسميًا بأمر الخليفة. وفصلت القول في ذلك، في (خِدْمَةُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ لِلْسُنَّةِ).\n\n٢ - تفرد ابن شهاب بسنن لولاه لضاعت، قال الليث بن سعد: قال لي سعيد بن عبد الرحمن: «يَا أَبَا الحَارِثِ، لَوْلاَ ابْنَ شِهَابٍ لَضَاعَتْ أَشْيَاءٌ مِنَ السُّنَنِ»، وقال الإمام مسلم: «وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ» (٣)، وقال الحافظ الذهبي: «وَقَدِ انْفَرَدَ [الزُّهْرِيُّ] بِسُنَنٍ كَثِيرَةٍ وَبِرِجَالٍ عِدَّةٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ غَيْرُهُ سَمَّاهُمْ مُسْلِمٌ، وَعِدَّتُهُمْ بِضْعٌ وَأَرْبَعُونَ نَفْسًا» (٤).\n\n٣ - كان ممن يحرص على ذكر الإسناد، ويحث العلماء وطلاب العلم على\n_________\n(١) انظر \" تاريخ دمشق \": ص ٥٧٨ جـ ٣١.\n(٢) \" تاريخ الإسلام \": ص ١٤٤ جـ ٥، و\" حلية الأولياء \": ص ٣٦٩ جـ ٣.\n(٣) \" صحيح الإمام مسلم \": ص ١٢٦٨ جـ ٣.\n(٤) \" تاريخ الإسلام \": ص ١٥١ جـ ٥","vol":"1","page":494},{"text":"التزامه، سَمِعَ الزُّهْرِيُّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بِالمَدِينَةِ يُحَدِّثُ فَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: «مَالَكَ قَاتَلَكَ اللهُ يَا ابْنَ أَبِي فَرْوَةَ، مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللهِ،!!؟ أَسْنِدْ حَدِيثَكَ، تُحَدِّثُونَا بِأَحَادِيثَ لَيْسَ لَهَا خُطَمٌ وَلاَ أَزِمَّةٌ» (١)، وَقَالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: «خَرَجَ الزُّهْرِيُّ مِنَ الخَضْرَاءِ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَجَلَسَ عِنْدَ ذَاكَ العَمُودِ فَقَالَ: \" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا كُنَّا قَدْ مَنَعْنَاكُمْ شَيْئًا قَدْ بَذَلْنَاهُ لِهَؤُلاءِ فَتَعَالَوْا حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ \"، قَالَ: \" وَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - \"، فَقَالَ: \" يَا أَهْلَ الشَّامِ مَالِي أَرَى أَحَادِيثُكُمْ لَيْسَ لَهَا أَزِمَّةٌ وَلا خَطْمٌ \"، قَالَ الوَلِيدُ: \"فَتَمَسَّكَ أَصْحَابُنَا بِالأَسَانِيدِ مِنْ يَوْمَئِذٍ \"» (٢).\n\nوقال الإمام مالك: «أَوَّلُ مَنْ أَسْنَدَ الحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ» (٣). فيحمل قوله على أنه من أوائل من التزموا الإسناد. وقد بينت هذا عندما تكلمت عن جهود الصحابة والتابعين لمقاومة الوضع.\n\n٤ - كان الزهري يشجع طلاب العلم على دراسة الحديث، وينفق على بعضهم، قال له أحدهم: لا مال عندي حتى أطلب العلم، فقال له: «اتْبَعْنِي وَأَكْفِيكَ نَفَقَتَكَ».\n\nوكان يكرم أصحاب الحديث ويطعمهم الثريد ويسقيهم العسل، وكان إذا أبى أحد من أصحاب الحديث أن يأكل طعامه حلف عليه أن لا يحدثه عشرة أيام.\n\nقال مالك بن أنس: «كَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَجْمَعُ الأَعْرَابَ فَيُذَاكِرَهُمْ حَدِيثَهُ، فَإِذَا\n_________\n(١) \" حلية الأولياء \": ص ٣٦٥ جـ ٣، والخطم وهو الحبل الذي يقاد به البعير. انظر \" لسان العرب \"، مادة (خَطَمَ): ص ٧٧ جـ ١٥. وَالأَزِمَّةُ: جمع زمام والزمام مثل الخطام. انظر \" لسان العرب \"، مادة (زَمَمَ): ص ١٦٤ جـ ١٥. أقول: كَنَّى الزهري بهذا عن الأسانيد.\n(٢) \" تاريخ الإسلام \": ص ١٤٨ جـ ٥.\n(٣) \" تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل \": ص ٢٠.","vol":"1","page":495},{"text":"كَانَ الشِّتَاءُ شَقَّ لَهُمْ المَكْتَلَ (١) وَجَاءَهُمْ بِالزَّبَدِ، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ شَقَّ لَهُمْ (٢) وَجَاءَهُمْ بِالسَّمْنِ (٣)».\n\nوَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا، سَمْحَ النفس، وأخبار سخائه كثيرة، ونادر مثلها، حتى كان يجود بما عنده، قال الليث بن سعد: «وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ أَسْخَى مَنْ رَأَيْتُ، كَانَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَاءَ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ اقْتَرَضَ»، فكان لا يخشى الفقر، ولا يضمن بالقليل، ويأتيه السائل - وقد نفد ما عنده - فيقول له: «أَبْشِرْ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِالخَيْرِ».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>[٥]- عِدَّةُ أَحَادِيثِهِ وَمَنْزِلَةُ رِوَايَتِهِ:</span>\n---------------------------------\n\nقَالَ عَلِيُّ بْن المَدِينِي: «لَهُ نَحْوُ أَلْفَيْ حَدِيثٍ»، وقَالَ أَبُو دَاوُدُ: «حَدِيثُهُ أَلفَانِ وَمِائَتَا حَدِيثٍ النِّصْفُ مِنْهَا مُسْنَدٌ»، وتعتبر أسانيد الزهري من أحسن الأسانيد.\n\nقال الإمام أحمد: «أَحْسَنُ الأَسَانِيدِ تُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أربعة:\nالزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَالزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، ومَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،\n_________\n(١) في الأصل (الكتل) وما أثبتناه أصوب، فالمكتل والمكناة الزبيل ... وقيل المكتل شبه الزبيل يسع خمسة عشر صاعًا. انظر \" لسان العرب \"، مادة (كتل): ص ١٠٢ جـ ١٤، والزبيل والزنبيل الجراب، وقيل الوعاء يحمل فيه. انظر \" لسان العرب \"، مادة (زبل): ص ٣٢٠ جـ ١٣.\n(٢) أي شق لهم الجراب أو الوعاء. وربما كانت أوعية من جلد كتلك التي يضع فيها الأعراب سمنهم وجبنهم.\n(٣) \" تاريخ دمشق \": ص ٦٠٩ جـ ٣١.","vol":"1","page":496},{"text":"عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ» (١).\n\nقال أبو حاتم الرازي: «أَثْبَتُ أَصْحَابِ أَنَسَ الزُّهْرِيُّ».\n\nقال الحاكم: «وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ المُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، لأَبِي هُرَيْرَةَ - الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ... وَمِنْ أَصَحِّ الأَسَانِيدِ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ زُهْرَةَ القُرَشِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ القُرَشِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ ... وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ أَنَسٍ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ» (٢).\n\nوقال الحاكم: «وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ عُمَرَ: الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ» (٣).\n\nوقال السيوطي: «وَقِيلَ: أَصَحُّهَا - أَيْ الأَسَانِيدُ - مُطْلَقًا مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الصَّلاَّحِ» (٤).\n\nوَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: «أَصَحُّ طَرِيقٍ يُرْوَى فِي الدُّنْيَا عَنْ عُمَرَ: الزُّهْرِيُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>[٦]- أَشْهَرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ:</span>\n--------------------------\n\nروى عن الزهري خلق كثير من مختلف الأقاليم الإسلامية، وأكثر عنه\n_________\n(١) \" تهذيب التهذيب \": ص ٤٤٨ جـ ١.\n(٢) \" معرفة علوم الحديث \":ص ٥٥.\n(٣) \" تدريب الراوي \": ص ٣٦.\n(٤) المرجع السابق: ص ٣١، ٣٢.\n(٥) \" تدريب الراوي \": ص ٣٦.","vol":"1","page":497},{"text":"الحجازيون والشاميون، ومن أشهر من روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، وصالح بن كيسان، وأبان بن صالح، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن أبي حبيب، وأيوب السختياني، ومعمر بن راشد، وأبو عمرو الأوزاعي، وعبد الملك بن جريج، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن مسلم الزهري أخوه، وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>[٧]- أَقْوَالُ العُلَمَاءِ فِي ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ:</span>\n-----------------------------------------\n\nإلى جانب ما سقناه عن منزلة الزهري وعلمه نذكر آراء مشهوري العلماء والنقاد فيه.\n\nقال أيوب السختياني: «\" مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ \"، فَقَالَ لَهُ صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَّةَ: \" وَلاَ الحَسَنَ؟ \" قَالَ: \" مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ \"» (١).\n\nوَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: «قَالُوا (٢): وَكَانَ الزُّهْرِيُّ ثِقَةً كَثِيرَ الحَدِيثِ وَالعِلْمِ وَالرِّوَايَةِ فَقِيهًا جَامِعًا» (٣).\n\nوقال الإمام الأوزاعي: «وَلاَ أَدْرَكَتْ خِلاَفَةُ هِشَامٍ - (ابْنَ عَبْدَ المَلِكِ) - أَحَدًا مِنَ التَّابِعِينَ أَفْقَهَ مِنْهُ» (٤).\n_________\n(١) \" الجرح والتعديل \": ص ٧٣ قسم ١ جـ ٤.\n(٢) هكذا في الأصل، والقائلون هم أهل العلم ممن يثق بهم ابن سعد.\n(٣) \" تاريخ الإسلام \": ص ١٤٤ جـ ٥، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٤٤٨ جـ ٩.\n(٤) \" تاريخ دمشق \": ص ٥٩٣ جـ ٣١.","vol":"1","page":498},{"text":"وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: «وَكَانَ مِنْ أَحْفَظِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَحْسَنَهُمْ سِيَاقًا لِمُتُونِ الأَخْبَارِ وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا» (١).\n\nقال الإمام ابن تيمية: «حَفِظَ الزُّهْرِيُّ الإِسْلاَمَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً» (٢)\n\nوقال الحافظ الذهبي: «الزُّهْرِيُّ عَلَمُ الحُفَّاظِ»، وقال: «الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ القُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ [المَدَنِيُّ] أَحَدُ الأَعْلامِ وَحَافِظُ زَمَانَهُ» (٣).\n\nوقال ابن حجر: «مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ... القُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ الفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الحَافِظُ المَدَنِيُّ أَحَدُ الأَئِمَّةِ وَالأَعْلاَمِ، وَعَالِمُ الحِجَازِ وَالشَّامِ» (٤).\n\nوقال ابن الجزري: «أَبُو بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ المَدَنِيُّ أَحَدُ الأَئِمَّةِ الكِبَارِ وَعَالِمُ الحِجَازِ وَالأَمْصَارِ تَابِعِيٌّ» (٥).\n\nوقال ابن العماد: «الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ المَدَنِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَأَحَدُ الأَعْلاَمِ المَشْهُورِينَ» (٦).\n\nوأحاديثه في \" الكتب الستة \"، وفي \" سنن البيهقي \"، و\" موطأ الإمام مالك، و\" مسند الإمام أحمد \"، وفي سائر كتب السنن والمسانيد.\n\nوقد جمع أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذُّهَلِيِّ النيسابوري أحد الأعلام الحفاظ (- ٢٥٢ هـ) أحاديث\n_________\n(١) \" ترتيب الثقات \" لابن حبان، مخطوط نسخة دار الكتب المصرية.\n(٢) \" شذرات الذهب \": ص ١٦٣ جـ ١.\n(٣) \" تاريخ الإسلام \": ص ١٣٦ جـ ٥.\n(٤) \" تهذيب التهذيب \": ص ٤٤٥ جـ ٩.\n(٥) \" غاية النهاية في طبقات القراء \": ص ٢٦٢ جـ ٢.\n(٦) \" شذرات الذهب \": ص ١٦٢ جـ ١.","vol":"1","page":499},{"text":"الزهري في مجلدين سميت (الزهريات)، وكان قد اعتنى به، وهو أعلم الناس بحديثه (١).\n\nكما جمع الإمام أبو علي الحسن بن محمد الماسرجسي أحاديث الزهري وزاد على الذهلي، وكان جمعه فريدًا لم يسبق إليه أحد.\n\nوجمع حديث الزهري أَيْضًا أبو بكر بن مهران النيسابوري (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>[٨]- وَفَاتُهُ:</span>\n------------\n\nتوفي الإمام الزهري بعد حياة علمية رفيعة، عن نيف وسبعين سَنَةً، ليلة الثلاثاء، لتسع عشرة (أو لسبع عشرة) ليلة خلت من شهر رمضان، سَنَةَ أربع وعشرين ومائة على أرجح الأقوال في قرية (أدامي) (٣) وهي خلف (شَغْبٍ) و(بَدَا) (٤) أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز، وبها ضيعة الزهري، وقد أوصى أن يدفن على قارعة الطريق، ليمر مار فيدعو له.\n\n* * *\n_________\n(١) انظر \" تاريخ الإسلام \": ص ١٥١ جـ ٥، و\" الرسالة المستطرفة \": ص ٨٢، ٨٣.\n(٢) انظر \" الرسالة المستطرفة \": ص ٨٢، ٨٣.\n(٣) انظر \" تاريخ دمشق \"، مخطوط نسخة دار الكتب المصرية: ص ٦١١ جـ ٣١، وقد شاهد الحسن بن المتوكل العسقلاني قبر الزهري فيها. وانظر \" تاريخ الإسلام \": ص ١٥٣ جـ ٥، وفي روايات أخرى أنه توفي بشغب، انظر \" تاريخ دمشق \": ص ٥٠٩ و٦١٨ جـ ٣١، وقال ياقوت (شَغْبٌ) وهي ضيعة خلف وادي القرى كانت للزهري وبها قبره. انظر \" معجم البلدان \": ص ٣٠٢ جـ ٣. ولا خلاف بين القولين فمن قال (بشغب) ذكر اسم المنطقة ومن قال (أدامي) عَيَّنَ القرية أو الضيعة في تلك المنطقة.\n(٤) بَدَا بالفتح والقصر، واد قريب (أيلة) من ساحل البحر وقيل بوادي القرى وقيل بوادي عذرة قرب الشام. انظر \" معجم البلدان \": ص ٨٧ جـ ٣. و(أيلة) مدينة صغيرة ... قيل هي آخر الحجاز وأول الشام. انظر \" معجم البلدان \": ص ٣٩١ جـ ١.","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>رَدُّ الشُّبُهَاتِ التِي أُثِيرَتْ حَوْلَ الزُّهْرِيِّ:</span>\nلقد عرفنا الزهري ونشأته، وعرفناه في طلبه العلم، واطلعنا على كثير من أخلاقه ومزاياه، وأدركنا منزلته العلمية، وقيمته بين علماء التابعين، ومكانته بين أعلام رواة الحديث الشريف، وخدماته الجليلة للسنة النبوية ولطلاب العلم، فكان بحق أحد أعلام الحفاظ الذين لمع اسمهم في صحفات التاريخ، ورفعتهم شهرتهم العظيمة إلى مرتبة الإمامة، فكان بحق حافظ زمانه، وإمام عصره.\n\nإلا أنه لم يسلم من اتهامات وجهها إليه بعض أتباع الفرق، وأعداء الإسلام، فاتهمه بعض الشيعة بالسير في ركاب الأمويين وإرضائهم بوضع ما يروق لهم من الأحاديث التي تثبت دعائم ملكهم، وترد على خصومهم، ويرى هؤلاء في ادعائهم هذا أن الأمويين استعانوا ببعض العلماء من الصحابة والتابعين لإلباس حكمهم ثوب المشروعية الدينية، وساعدوهم في نشر سلطانهم، وتلقف بعض المستشرقين هذه الأفكار، وبنوا عليها عليها أبحاثهم التي انتهت بنتائج تخالف النتائج التي وصل إليها العلماء المسلمون، فشكوا في كثير من الأخبار، وادعوا وضع كثير من أحاديث الصحاح (١)، واتهموا بعض الرواة بما لا يتفق مع الواقع التاريخي، وقد تولى كِبْرَ ذلك المستشرق (جولدتسيهر)، ولم يكن بحثه إلا حلقة في سلسلة الأبحاث التي ترمي إلى هدم الجانب التشريعي من الإسلام، فكما افترى أعداء الإسلام على الصحابي أبي هريرة، افتروا على التابعي\n_________\n(١) تعرضت لذلك ورددته في الفصل الثاني من الباب الثالث من هذا الكتاب، انظر ص ٢٤٩ وما بعدها.","vol":"1","page":501},{"text":"المشهور الإمام الزهري، قاصدين من وراء ذلك تشكيك المسلمين في مروياتهم وهما اللذان رَوَيَا كَثِيرًا مِنَ الحَدِيثِ النَّبَوِيَّ، وَنَقَلاَ إلى التابعين وأتباعهم جانبًا عظيمًا من السُنَّةِ، فإذا ما شك المسلمون في أوثق الرواة وأحفظهم شَكُّوا في جميعهم واستهانوا بمروياتهم. وحينئذٍ يتحقق لأعداء الإسلام بعض هدفهم، وهو تخلي المسلمين وإعراضهم عن الحديث الشريف، الذي كَانَ تَطْبِيقًا عَمَلِيًّا للشريعة الإسلامية، وشرحًا وافيًا وبيانًا واضحًا للقرآن الكريم، فإذا أعرض المسلمون - لا سمح الله - عن السُنَّةِ اتسعت الهوة بينهم وبين الكتاب الكريم، وسهل على المبشرين زعزعة العقيدة في نفوس الناشئة، وبث الإلحاد الذي يجر وراءه العقائد الدخيلة، والنظريات التي تخدم أعداءنا، وفي هذا الطامة الكبرى والخسارة العظمى للمسلمين في دينهم ودنياه، ولولا خطورة هذه الشبهات وبعدها عن الحق ما تعرضنا لها، فكما رددنا ما أثير حول أبي هريرة من شبهات مصطنعة، وعرفنا وجه الصواب، نَرُدُّ ما أثير حول الزهري من شبهات أَيْضًا، ونحن في هذا لا نتعصب لأحد، وإنما نتوخى الحق وسواء السبيل، خدمة للسنة المطهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>[رَأْيُ اليَعْقُوبِي وَجُولْدتْسِيهِرْ فِي ابْنِ شِهَابٍ]: </span>(*)\n----------------------------------------------\n\nقال اليعقوبي (- ٢٩٢ هـ) المؤرخ الشيعي: «ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم، إذا حجوا، بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضج الناس، وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض من الله علينا، فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ» وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله ﷺ وضع قدمه عليها، لما صعد إلى السماء، تقوم\n_________\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) هذا العنوان وضعه المؤلف في [فهرس الموضوعات]: ص ٥٦٨","vol":"1","page":502},{"text":"لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية» (١).\n\nوتبنى هذا الرأي (جولدتسيهر) وقد نقله أستاذنا الدكتور مصطفى السباعي في كتابه \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \" عن مسودة لأستاذه الدكتور (علي حسن عبد القادر) كما ألقاه على طلابه في الدرس، ولا تزال المسودة بخط الدكتور (عبد القادر) محفوظة عند أستاذنا الدكتور السباعي.\n\nوقد رد عليه الدكتور السباعي رَدًّا عِلْمِيًّا، وَفَنَّدَ افتراءاته الكثيرة ودحضها بِحُجَجٍ علمية قوية، وأذكر هنا بعض ما جاء في مسودة الدكتور (عبد القادر) من رأي جولدتسيهر قال: (إن عبد الملك بن مروان منع الناس من الحج أيام فتنة ابن الزبير. وبنى قبة الصخرة في المسجد الأقصى ليحج الناس إليها ويطوفوا حولها بدلًا من الكعبة، ثم أراد أن يحمل الناس على الحج إليها بعقيدة دينية، فوجد الزُّهْرِيَّ وهو ذائع الصيت في الأُمَّة الاسلامية مستعدًا لأن يضع له أحاديث في ذلك، فوضع أحاديث، منها حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى».\nومنها حديث: «الصَلاَةُ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى تَعْدِلُ أَلْفَ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ» وأمثال هذين الحديثين. والدليل على أن الزُّهْرِي هو واضع هذه الأحاديث، أنه كان صديقًا لعبد الملك وكان يتردد عليه، وأنَّ الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طريق الزُّهْرِي فقط ...) (٢).\n\nلم أعثر على ما ذهب إليه اليعقوبي في \" تاريخه \" في أي مصدر إسلامي موثوق\n_________\n(١) \" تاريخ اليعقوبي \": ص ٧، ٨ جـ ٣.\n(٢) \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٣٦٩.","vol":"1","page":503},{"text":"به، فلم ينص الطبري، ولا ابن سعد، ولا ابن الأثير، ولا ابن كثير، ولا الذهبي - على شيء صريح مما ادَّعَاهُ اليعقوبي كما أنه لَمْ يَعْزُ لنا هذا الخبر إلى مصدره، وَيُرَجَّحُ عِنْدِي أَنَّ (جولدتسيهر) اطلع على رأي اليعقوبي، فرأى فيه ما يؤيد نظريته في وضع الحديث، تلك النظرية التي تَعَرَّضْتُ لها في بحث (الوضع في الحديث) وبينت بطلانها، فتعلق به، وسنعرض هذا الخبر على الحقائق التاريخية ونناقشه، ليظهر لنا وجه الحق فيه، وتتجلى لنا من هذا الخبر النقاط الآتية:\n١ - منع عبد الملك أهل الشام من الحج.\n٢ - بنى عبد الملك قبة الصخرة في المسجد الأقصى ليحج الناس إليها بدلًا من الكعبة.\n٣ - حاول حمل الناس على ذلك، بوضع أحاديث مِنْ قِبَلِ الزُّهْرِيِّ المُحَدِّثِ المعروف في الأوساط الإسلامية.\n٤ - الدليل على أن الزهري هو واضع هذه الأحاديث أنه كان صديقًا لعبد الملك، وأنه كان يتردد عليه، وأن الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طريق الزهري فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>[١]- لَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ أَنْ يَمْنَعَ عَبْدُ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَهْلَ الشَّامِ مِنَ الحَجِّ: </span>(*)\n١ - أما أن يمنع عبد الملك أهل الشام من الحج فغير معقول، لأن الحج فريضة على كل مسلم قادر، فكيف يعطل عبد الملك شعائر الله، ويمنع إقامتها، وقد عرف بالعبادة والصلاح، حتى عُدَّ من فقهاء المدينة، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: «كَانَ فُقَهَاءُ المَدِينَةِ أَرْبَعَةً: سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَقُبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَعَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ» (١). وَقَالَ نَافِعٌ: «لَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ المَلِكِ\n_________\n(١) \" الكامل \": ص ١٠٣، ١٠٤ جـ ٤.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) اقتبست هذه العناوين التي عنون لها المؤلف وأوردها في فهرس الموضوعات: ص ٥٦٨.","vol":"1","page":504},{"text":"ابْنَ مَرْوَانَ وَمَا بِالمَدِينَةِ شَابٌّ أَشَدُّ تَشْمِيرًا وَلا أَطْلُبُ لِلْعِلْمِ مِنْهُ» (١)، ولا يعقل أن يمنع عبد الملك أهل الشام من الحج وفيهم أئمة التابعين، ويسكتون عنه فلا ينكرون عليه أو يشقون عصا الطاعة. وهناك ما يثبت أن عبد الملك لم يمنع أهل الشام من الحج، فقد ورد في الطبري: «وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ - (سَنَةَ ٦٨ هـ) - وَافَتْ عَرَفَاتَ أَرْبَعَةُ أَلْوِيَةٍ، قَالَ مُحَمَّدٌ بْنَ عُمَرَ: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ أَبَي عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَقَفَتْ فِي سَنَةِ (٦٨ هـ) بعَرَفَاتٍ أَرْبَعَةُ أَلْوِيَةٍ: ابْنُ الحَنَفِيَّةِ فِي أَصْحَابِهِ فِي لِوَاءٍ ... وَابْنُ الزُبَيْر فِي لِوَاءٍ ... وَنَجْدَةَ الحَرُورِيِّ خَلْفَهُمَا، ولِوَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ عَنْ يَسَارِهِمَا» (٢)،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>[٢]- لَمْ تَذْكُرْ المَصَادِرُ الإِسْلاَمِيَّةُ أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ هُوَ الذِي بَنَى قُبَّةَ الصَّخْرَةِ:</span>\nلم تذكر المصادر الإسلامية أن عبد الملك هو الذي بنى قبة الصخرة، بل ذكرت ابنه الوليد (٣)، ويقول الدكتور مصطفى السباعي: «ولم نجدهم ذكروا ولو رواية واحدة نسبة بنائها إلى عبد الملك، ولا شك أن بناءها - كما يزعم جولدتسيهر - لتكون بمثابة الكعبة يحج الناس إليها بدلًا من الكعبة، حادث من أكبر الحوادث وأهمها في تاريخ الإسلام وَالمُسْلِمِينَ فلا يعقل أن يمر عليه هؤلاء المُؤَرِّخُونَ مَرَّ الكرام، وقد جرت عاداتهم أَنْ يُدَوِّنُوا ما هو أقل من ذلك خَطَرًا أو أهمية، كتدوينهم وفاة العلماء وتولي القضاء وغير ذلك، فلو كان عبد الملك هو الذي بناها لذكروها، ولكنا نراهم ذكروا بناءها في تاريخ الوليد، وهؤلاء مُؤَرِّخُونَ أثبات في كتابة التاريخ، نعم جاء في كتاب \" [حياة] الحيوان \" للدميري نقلًا عن ابن خلكان: أن عبد الملك هو الذي بَنَى القُبَّة وعبارته هكذا: «بَنَاهَا عَبْدُ المَلِكِ وَكَانَ النَّاسُ\n_________\n(١) \" طبقات ابن سعد \": ص ١٧٤ جـ ٥.\n(٢) \" تاريخ الطبري \": ص ٥٩٥ جـ ٤.\n(٣) انظر \" الكامل \" لابن الأثير: ص ١٣٧ جـ ٤، و\" البداية والنهاية \": ص ١٦٥ جـ ٩.","vol":"1","page":505},{"text":"يَقِفُونَ عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ» ورغمًا عما في نسبة بنائها لعبد الملك من ضعف، ومن مخالفته لما ذكره أئمة التاريخ، فإن هذا النص لا غبار عليه، وليس فيه ما يدل على أنه بناها ليفعل الناس ذلك، بل ظاهره أنهم كانوا يفعلون من تلقاء أنفسهم، وليس فيه ذكر الحج عند القُبَّةِ بَدَلًا من الكعبة، بل فيه الوقوف عندها يوم عرفة، وهذه العادة كانت شائعة في كثير من أمصار الإسلام نص الفقهاء على كراهتها، وفرق كبير بين الحج إليها بَدَلًا من الكعبة، وبين الوقوف عندها تَشَبُّهًا بوقوف الحج في عرفة، ليشارك من لم يستطع الحج الحُجَّاجَ في شيء من الأجر والثواب، ولم يكن ذلك مقصورًا على قُبَّةِ الصَّخْرَةِ، بل كان كل مصر إسلامي يخرج أهله يوم عرفة إلى ظاهر البلد فيقفون كما يقف الحُجَّاجُ» (١).\n\nثم إن بناء عبد الملك قبة الصخرة ليحج الناس إليها بدلًا من الحج إلى البيت الحرام كُفْرٌ صَرِيحٌ لا يمكن أن يصدر عن مثله، وهو الذي عرفنا مكانته العلمية وورعه.\n\nومما يدل على بطلان ما ادعاه (جولدتسيهر) موقف خصوم الأمويين من عبد الملك، الذين لم يذكروا شيئًا من هذا في طعونهم له، ولو صح بعض ما ادعاه اليعقوبي و(جولدتسيهر) لكان إعلان تكفير عبد الملك والتشهير به أول الطعون التي توجه إليه لاجترائه - حسب ادعاء جولدتسيهر - على حرمات الله، والعبث بشعائر الإسلام.\n\nومما يدل على تحامل المستشرق (جولدتسيهر) على الأمويين، وعلى عبد الملك، وعلى الإمام الزهري - موقف غيره من المستشرقين الذين رَجَّحُوا\n_________\n(١) \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٣٩٩، ٤٠٠.","vol":"1","page":506},{"text":"الرأي القائل بأن عبد الملك هو الذي بنى قبة الصخرة، ولكنهم لم يذهبوا إلى ما ذهب إليه (جولدتسيهر) في ادِّعَائِهِ (١) الذي افتراه على عبد الملك، وإن كان أكثرهم يعتقد سُوءًا في بني أمية، يقول المستشرق (يوليوس فلهوزن): «وَلِكَيْ يَزِيدَ خُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ فِي رُجْحَانِ كَفَّةِ الشَّامِ مِنَ النَّاحِيَةِ السِّيَاسِيَّةِ حَاوَلُوا فِيمَا حَاوَلُوا نَقْلَ مَرْكَزَ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ مِمَّا اسْتَوْجَبَ ذَلِكَ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ظَلَّ يَحْتَلُّ البَيْتَ الحَرَامَ فِي مَكَّةَ قُرَابَةً مِنَ عَشْرِ سِنِينَ، فَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ الشَّامِ يَسْتَطِيعُونَ الحَجَّ، مَا دَامُوا عَلَى وَلاَئِهِمْ لِلأُسْرَةِ الأُمَوِيَّةِ إِلاَّ بِمَشَقَّةٍ، وَقَدْ اسْتَغَلَّ عَبْدُ المَلِكِ ذَلِكَ لِمَنْعِ رَعَايَاهُ مِنَ الحَجِّ إِلَى مَكَّةَ، وَحَضَّهُمْ عَلَى أَنْ يَحُجُّوا إِلَى بَيْتِ اللهِ المُقَدَّسِ بَدَلًا مِنَ أَنْ يَحُجُّوا إِلَى مَكَّةَ، وَهَذَا مَا يَحْكِيهِ (أُوتِيخْيُوسْ) (*) عَلَى الأَقَلِّ فِي كِتَابِهِ \" التَّارِيخْ \"، أَمَّا الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ جَهَدَ فِي أَنْ يَجْعَلَ لِبَيْتِ المَقْدِسِ - بِاعْتِبَارِهِ مَكَانًا مُقَدَّسًا فِي نَظَرِ الإِسْلاَمِ - مَظْهَرًا أَرْوَعَ مِمَّا كَانَ لَهُ. وَذَلِكَ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِدْقِ الرِّوَايَةِ القَائِلَةِ بِأَنَّهُ هُوَ الذِي بَنَى قُبَّةَ الصَّخْرَةِ مَوْجُودٌ فِي النَّقْشِ الذِي لاَ يَزَالُ بَاقِيًا فِي الجُزْءِ القَدِيمِ مِنْ هَذَا البِنَاءِ، أَمَّا النَّقْشُ الحَالِيُّ فَيُذْكَرُ فِيهِ اسْمَ المَأْمُونِ الخَلِيفَةَ العَبَّاسِيَّ، عَلَى أَنَّهُ هُوَ البَانِي، وَلَكِنَّ (دِي فُوجِي) اكْتَشَفَ أَنَّ اسْمَ المَأْمُونِ إِنَّمَا أُدْخِلَ فِي النَّقْشِ الأَصْلِيِّ مِنْ طَرِيقِ تَصْحِيحٍ لِكِتَابَةٍ سَابِقَةٍ. وَقَدْ فَاتَ عَلَى المُصَحِّحِينَ أَنْ يُصَحِّحُوا التَّارِيخَ القَدِيمَ الذِي يُبَيِّنُ السَّنَةَ التِي كَانَ فِيهِ البِنَاءُ. وَيُمْكِنُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ النَصَّ الأَصْلِيَّ عَلَى القَطْعِ هَكَذَا: \" بَنَى هَذِهِ القُبَّةَ فِي سَنَةِ ٧٢ هـ عَبْدُ اللهِ عَبْدُ المَلِكِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ» (٢).\n_________\n(١) انظر \" المغازي الأولى ومؤلفوها \" حيث بَيَّنَ المستشرق (يوسف هوروفتش) رأيه في هذا ص ٥٢.\n(٢) \" تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية \":: ص ٢٠٦، ٢٠٧.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) أوتخيوس أو أفتيخيوس المصري: البطريرك الملكاني (سعيد بن البطريق) صاحب كتاب \"التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق\" قال عنه فنديك:\n«ويسمى أَيْضًا سعد ابن البطريق توفي سنة ٩٣٩م وكان بَطْرِيَرْكْ الملكيين بالإسكندرية. اعتنى بطبع تاريخه العلامة بوكوك في ٢ج في مدينة أوكسفورد من ١٦٥٨ الى ١٦٥٩م واسمه \" نظم الجواهر \". وطبعت مقتبسات منه في بطرسبرج سنة ١٨٨٣م وأكثرها في تأريخ البلغاريين والروسيين في أقدم مدته». [نقلًا عن كتاب \" اكتفاء القنوع بما هو مطبوع \" ادوارد كرنيليوس فانديك (المتوفى: ١٣١٣هـ)، صححه وزاد عليه: السيد محمد علي الببلاوي، ص ٧٧، طبعة سنة: ١٣١٣ هـ - ١٨٩٦ م، نشر مطبعة التأليف (الهلال)، مصر].","vol":"1","page":507},{"text":"وفرق كبير بين أن يعتني عبد الملك ببيت المقدس، ويطهره ويجعل له مظهرًا أروع مما كان له - وبين أن يجعله كعبة المسلمين، وهذا ما اعترف به (فلهوزن) وعقب به على رأي (أوتيخيوس) الذي يتفق مع رأي جولدتسيهر.\nفلو صح نسبة بناء القبة إلى عبد الملك - وهو رأي يخالف المصادر الإسلامية الموثوق بها ومبني على مجرد التخمين والاستنتاج - لكان قد بناها واعتنى بالمسجد الأقصى لمكانته عند المسلمين، وهو أقدس الأماكن التي كانت تقع تحت سلطان عبد الملك آنذاك.\n\nومما يؤكد لنا أنه لم يحمل أحدًا على الحج إليه، بل كان عمله مجرد احترام لذلك المسجد - ما قام به بعد انتصاره على ابن الزبير سَنَةَ (٧٣ هـ) حين أمر بإعادة بناء الكعبة كما كانت عليه في عهد الرسول - ﷺ -، وإزالة ما أدخله ابن الزبير في بنائها سَنَةَ (٦٤ هـ)، فمن الواجب أن يفرق بين اعتنائه بالمسجد الأقصى وجعله مَحَجًّا للمسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>[٣]- لَمْ يَحْمِلْ عَبْدُ المَلِكِ النَّاسَ عَلَى الحَجِّ إِلَى المَسْجِدِ الأَْقْصَى وَالزُّهْرِيُّ أَرْفَعُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى الرَّسُولِ - ﷺ </span>-:\nأما أنه حاول أن يحمل الناس على الحج إلى المسجد الأقصى بمساعدة الزهري الذي وضع له الأحاديث في ذلك فغير صحيح قطعًا، وَسَنُثْبِتُ هذا من طريقين: الأول في بيان صلة الزهري بالأمويين، والثاني في استحالة هذا تاريخيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>(أ) صِلَةُ الزُّهْرِيِّ بِالأُمَوِيِّينَ:</span>\n----------------------------\n\nصحيح أن الزهري كان يتردد بين الحجاز والشام، وكان يدخل على خلفاء بني أمية، ولكنه لم يكن ذلك الرجل الذي يستجدي أكفهم، أو الذي يبيع دنياه بدينه، فالزهري أرفع بكثير مما يتصوره أعداء الإسلام والزهري أسمى مما يراه اليعقوبي، و(جولدتسيهر) وغيرهما، فقد كان الإمام","vol":"1","page":508},{"text":"الزهري رجل صلاح واستقامة، يبين للخلفاء الحق مهما كان مُرًّا، وكان يحملهم على سواء السبيل ولا يداهنهم أو يمالئهم، ومن هذا ما رواه ابن عساكر بسنده إلى الإمام الشافعي عن عمه قال: دَخَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَلَى هِشَامٍ فَقَالَ: «يَا سُلَيْمَانُ، مَنْ الذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ؟» فَقَالَ لَهُ: «عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولٍ»، فَقَالَ لَهُ: «كَذَبْتَ هُوَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»، قَالَ: «أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ»، فَدَخَلَ ابْنُ شِهَابٍ، فَقَالَ لَهُ: «مَنْ الذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ؟» فَقَالَ لَهُ: «عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولٍ»، فَقَالَ لَهُ: «كَذَبْتَ هُوَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»، فَقَالَ لَهُ: «أَنَا أَكْذِبُ، لاَ أَبًا لَكَ؟ فَوَاللهِ لَوْ نَادَانِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللهَ أَحَلَّ الكَذِبَ مَا كَذَبْتُ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الوَلِيدِ وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَعَلْقَمَةُ بْنَ وَقَّاصٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ الذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ»، فَلَمْ يَزَلْ القَوْمُ يُغِرُّونَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: «ارْحَلْ فَوَاللهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَحْمِلَ عَنْ مِثْلِكَ»، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «وَلِمَ ذَاكَ؟ أَنَا اغْتَصَبْتُكَ عَلَى نَفْسِي، أَوْ أَنْتَ اغْتَصَبْتَنِي عَلَى نفسي؟ فَخَلِّ عَنِّي»، فَقَالَ لَهُ: «لاَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَدَنْتَ أَلْفَيْ أَلْفٍ»، فَقَالَ: «قَدْ عَلِمتَ وَأَبُوكَ قَبْلَكَ أَنِّي مَا اسْتَدَنْتُ هَذَا المَالَ عَلَيْكَ وَلاَ عَلَى أَبِيكَ»، فَقَالَ: «إِنَّا نُهِيِّجَ الشَّيْخَ فَيَهْتَمَّ (١) الشَّيْخُ»، ثُمَّ أَمَرَ (٢) فَقَضَى عَنْهُ مِنْ دَيْنِهِ أَلْفَ أَلْفٍ. وَأُخْبِرَ (٣) بِذَلِكَ، فَقَالَ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَذَا هُوَ مِنْ عِنْدِهِ» (٤)، (٥).\n_________\n(١) في الأصل يهتم، وما أثبتناه أصوب لغة.\n(٢) في الأصل (فَآمَرَ). في الأصل (فَأُخْبِرَ) وآثرنا تصحيحه كما أثبتناه لتستقيم العبارة.\n(٣) في الأصل (فَآمَرَ). في الأصل (فَأُخْبِرَ) وآثرنا تصحيحه كما أثبتناه لتستقيم العبارة.\n(٤) هكذا النص.\n(٥) \" تاريخ دمشق \": ص ٥٩٤، ٥٩٥ جـ ٣١.","vol":"1","page":509},{"text":"هذا ابن شهاب، وهكذا كانت صلته بالأمويين، فهل يعقل أن يكذب على رسول الله - ﷺ -!! وهو الذي أبى أن يداهن الخليفة هشام بن عبد الملك، بل قال له - حين كانت السلطة بيده - «لاَ أَبًا لَكَ. فَوَاللهِ لَوْ نَادَانِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللهَ أَحَلَّ الكَذِبَ مَا كَذَبْتُ»، ابن شهاب يخاطب أمير المؤمنين، بل يشتمه عندما يخالف الحق، وهل أقسى من عبارة «لاَ أَبًا لَكَ»، وهل أجرأ من ابن شهاب بعد هذا؟ وهل صدق - بعد هذا - دعوى أعداء الإسلام وافتراءاتهم على إمام عصره وحافظ زمانه؟.\n\nقال الإمام الأوزاعي: «مَا أَدْهَنَ ابْنُ شِهَابٍ قَطُّ لِمَلِكٍ دَخَلَ عَلَيْهِ» (١).\n\nوقال أيوب: «لَوْ كُنْتُ كَاتِبًا الحَدِيثَ عَنْ أَحَدٍ كُنْتُ كَاتِبَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ، مِنْ رَجُلٍ أَحْيَى عِلْمَ تِلْكَ البَلْدَةِ، مِنْ رَجُلٍ يَصْحَبُ السُّلْطَانَ» (٢).\n\nوأما ما روي عن يزيد بن يحيى أنه قال: «قَلَّ قَلِيلُهُ أَيُّ رَجُلٍ هُوَ لَوْلاَ أَنَّهُ أَفسَدَ نَفْسَه بِصُحبَةِ المُلُوْكِ» (٣)، فهذا الخبر ضعيف وَاهٍ لا يعتمد عليه، ففي إسناده مجهولون، وفي إسناده العباس بن الوليد بن صبيح الخلال الدمشقي، قال الآجري: «سَأَلْتُ أَبَا دَاوُدَ عَنْهُ فَقَالَ: كَانَ عَالِمًا بِالرِّجَالِ وَالأَخْبَارِ لاَ أُحَدِّثُ عَنْهُ» (٤).\nويزيد بن يحيى بن الصباح نفسه لا يعرف، وقال أبو حاتم: «لَيْسَ بِالقَوِيِّ» (٥).\n_________\n(١) \" تاريخ دمشق \": ص ٥٩٣ جـ ٣١.\n(٢) \" تاريخ دمشق \": ص ٥٩٣ جـ ٣١.\n(٣) \" تاريخ دمشق \": ص ٥٩٣ جـ ٣١.\n(٤) \" ميزان الاعتدال \": ص ٢٠ ترجمة ١٤٥ جـ ٢.\n(٥) المرجع السابق: ص ٣١٨ ترجمة ٢٧٣٩ جـ ٣.","vol":"1","page":510},{"text":"فَصِلَةُ الزهري بالأمويين صلة شريفة سامية، صلة العالم الصدوق الذي لا يخشى في الله لومة لائم.\n\nولا يرد علينا هنا أنه كان يُعَلِّمُ أبناء هشام بن عبد الملك، وأنه ولي القضاء ليزيد بن عبد الملك، فأي شيء يضيره في تعليم أبناء الخليفة وتهذيبهم؟ وأي شيء ينقصه إذا أدب أبناء أولي الأمر وفقههم، ونشأهم النشأة الإسلامية الصحيحة؟ إن في هذا خدمة كبيرة للإسلام والمسلمين، حين يرضى الزهري أن يتعهد أبناء الخليفة بالعناية والرعاية والعلم، ويجنبهم اللهو والانغماس في الشهوات، فهم الذين سيتولون أمور الأمة، ويوجهون سياستها، ولكن أعداء الإسلام لا يسرهم أن يروا ابن شهاب معلمًا شريفًا، ومؤدبًا حكيمًا وقد افتخر به ابن حبيب، فذكره مع أشراف المعلمين وفقهائهم.\n\nوأي عيب يقترفه الزهري إذا ولي القضاء، وهو الرجل الذي عرفنا استقامته ونزاهته وعدالته.\n\nهذا هو وجه الإمام الزهري في علاقته مع البيت الحاكم، وجه مشرق نير، ورأس مرفوع إلى العلياء، لم تخفضه يومًا مِنَّةُ الملوك، ولم تنطفئ نضارته وإشراقته أياديهم عليه، وذلك سلوكه مع أمراء المؤمنين وولاتهم، لا تعتريه شائبة ولا يتناوله شك.\n\nكل هذا ينفي عن إمامنا تهمة وضعه الحديث، لإرضائهم ودعم ملكهم. وَقَدْ أَثْبَتُّ سَابِقًا أن الأمويين لم يشجعوا الوضع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>(ب) اِسْتِحَالَةُ مَا ادَّعَاهُ اليَعْقُوبِي وَ(جُولْدْتْسِيهِرْ) تَارِيخِيًّا:</span>\nقال (جولدتسيهر): «فَوَجَدَ - عَبْدُ المَلِكِ - الزُّهْرِيَّ وَهُوَ ذَائِعُ الصِّيتِ فِي\n_________\n(١) انظر ص ٤٤٥، ٤٤٦ من هذا الكتاب. ِِ","vol":"1","page":511},{"text":"الأُمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ مُسْتَعِدًّا لأَنْ يَضَعَ لَهُ أَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ، فَوَضَعَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا ...».\n\nهذا غير معقول، لأن ابن شهاب ولد سَنَةَ (٥٠ هـ) على أرجح الأقوال. وكانت الخصومة بين ابن الزبير وعبد الملك بن مروان بين عامي (٦٥ و٧٣ هـ). فإذا كان عبد الملك قد بنى قبة الصخرة - حسب ما ذهب إليه بعض المستشرقين - سَنَةَ (٧٢ هـ)، فيكون عمر الزهري آنذاك (٢٢) اثنتين وعشرين سَنَةً، ولم يكن بعد مشهورًا، بل ما زال في مقتبل العمر يطلب العلم، لم يصل إلى مرتبة الشهرة في الأمة الإسلامية، وكان هناك من هو أشهر منه، من كبار التابعين، كسعيد بن المسيب، وقبيصة بن ذؤيب، والقاسم بن محمد وغيرهم، لم يحاول عبد الملك أن يستغل واحدًا منهم، عِلْمًا بأن قُبيصة بن ذؤيب كان على خاتمه، ومن كبار العلماء حوله. وابن شهاب - فوق هذا - لم يفد على عبد الملك قبل سَنَةِ ثمانين، قال الليث بن سعد: «وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ قَدِمَ ابْنُ شِهَابٍ عَلَى عَبْدِ المَلِكِ (١)، وَهِيَ السَّنَةُ التِي ذَكَرَهَا ابْنُ شِهَابٍ نَفْسَهُ فَقَالَ: \" قَدِمْتُ زَمَنَ تَحَرُّكِ ابْنِ الأَشْعَثِ \"» (٢). فهل يضع الزهري الحديث بعد وفاة ابن الزبير بتسع سنين؟؟ ولو فرضنا أن الزهري وفد على عبد الملك قبل استشهاد ابن الزبير، ووضع هذا الحديث على رسول الله - ﷺ - ليحمل الناس على الحج إلى المسجد الأقصى - فهل يصدقه الناس؟ وهل يسكت عنه صغار الصحابة وكبار التابعين في دمشق؟ بل هل يسكت عنه علماء الحجاز والأمصار الأخرى؟ وهل يعقل أن يخفى على الأمة صحة هذا الحديث، وفي الأمة علماء\n_________\n(١) انظر \" تاريخ دمشق \": ص ٤٩١ جـ ٣١.\n(٢) \" التاريخ الصغير \": ص ٩٣.","vol":"1","page":512},{"text":"الحفاظ، الجهابذة النحارير، والنقاد الأشداء! هل يعقل أن يضع ابن شهب حديثًا يُغَيِّرُ به مناسك الحج - كما يزعم جولدتسيهر - ثم يثق به العلماء وطلاب العلم، وتزدحم عليه الجموع لتأخذ عنه كلما جاء إلى المدينة، ويتركون كبار التابعين وشيوخ الصحابة؟؟ وهل خفي على الأمة كلها جيلًا بعد جيل، ما اقترفه ابن شهاب، ليكتشفه اليعقوبي ويؤيده جولدتسيهر؟؟؟ أم أن كل من أخذوا عنه، وتلقوا العلم في حلقاته لا يعقلون!!!؟؟ أم أن من ابتدأ هذا الخبر مفتر ومن أيده متحامل لا يتوخى الحقيقة العلمية!!؟.\n\nلو صح شيء مما افتراه هؤلاء على الزهري لصرح به النقاد، وتركوا حديثه، وحذروا طلاب العلم منه، أو على أقل تقدير يثور عليه شيخه سعيد بن المسيب الذي روى الحديث المذكور عنه، ولكن شيئًا من هذا لم يكن، فظهر بطلان ما ادعوا وافتراء ما اقترفوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>[٤]- لَمْ يَكُنْ الزُّهْرِيُّ صَدِيقًا قَدِيمًا لَِعَبْدِ المَلِكِ، وَلَمْ يَتَفَرَّدْ وَحْدَهُ بِرِوَايَةِ الأَحَادِيثِ التِي وَرَدَتْ فِي فَضَائِلِ بَيْتِ المَقْدِسِ:</span>\n٤ - استدل جولدتسيهر على صحة ما ادعاه من أن الزهري هو الذي وضع أحاديث بيت المقدس، بأنه كان صديقًا لعبد الملك، وأنه كان يتردد عليه، وأن الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طريق الزهري فقط، وهذا مردود تنفيه الآثار، وتدحضه الأخبار التاريخية، فالزهري عندما قدم دمشق أدخله قبيصة بن ذؤيب على عبد الملك، ليروي له (قضاء عمر في أمهات الأولاد)، فسأله عبد الملك عن نسبه، وذكره بأن أباه اشترك في الثورة مع ابن الزبير، وأمره بطلب العلم ... فلو كان صديقًا لعبد الملك لا يحتاج إلى من يدخله عليه. كما لا يحتاج إلى أن يسأله عن نسبه، ويوصيه بطلب العلم. ثم كيف نصدق نشوء صداقة بين عبد الملك والزهري؟ إذا كان مولد عبد الملك سَنَةَ (٢٦هـ) ست وعشرين من الهجرة، وانتقاله مع أبيه إلى الشام سَنَةَ (٦٤ هـ) أربع وستين،","vol":"1","page":513},{"text":"حين لم يجاوز الزهري آنذاك أربعة عشر عامًا، فهل يعقل أن تنشأ صداقة بين رجل في الثامنة والثلاثين من عمره مع غلام في الرابعة عشرة؟ فاتفق العقل والنقل على عدم صحة قيام صداقة بين عبد الملك وابن شهاب قبل قدومه إلى دمشق.\n\nثم إن حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ ...» روي من طرق مختلفة كثيرة غير طريق الزهري، فلم ينفرد به ابن شهاب، وَرَوَتْهُ كُتُبُ السُنَّةِ كلها.\n\nفقد أخرجه الإمام البخاري من غير طريق الزهري عن أبي الوليد عن شعبة بن الحجاج عن عبد الملك عن قزعة مولى زياد عن أبي سعيد الخدري (١).\n\nوأخرجه مسلم من ثلاث طرق، إحداها من طريق الزهري، والثانية عن قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة جَمِيعًا عن جرير عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري (٢)، والثالثة عن هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب عن عبد الحميد بن جعفر عن عمران بن أبي أنس، عن سلمان الأغر، عن أبي هريرة (٣).\nوأخرجه الإمام أحمد والإمام مالك، والترمذي وأبو داود والدارمي والنسائي وابن ماجه (٤).\n\nفالزهري لم ينفرد بهذا الحديث، كما زعم جولدتسيهر، ولم يضعه إرضاء\n_________\n(١) \" صحيح البخاري بحاشية السندي \": ص ٢٠٧ و٣٤١ جـ ١.\n(٢) \" صحيح مسلم \": ص ٩٧٥، ٩٧٦ حديث ٤١٥ جـ ٢.\n(٣) المرجع السابق: ص ١٠١٥ حديث ٥١٣ جـ ٢.\n(٤) انظر \" مفتاح كنوز السنة \": مادة (المدينة) ص ٤٦١.","vol":"1","page":514},{"text":"لعبد الملك، بل شاركه في روايته غيره من كبار الصحابة والتابعين ومن تبعهم، فالحديث صحيح لا ريب فيه، وزعم اليعقوبي وجولدتسيهر باطل لا أصل له.\n\nوهكذا خرج الإمام الزهري مما أحيط به من افتراءات واتهامات مرفوع الرأس، يكلله غار النصر، يتمتع بالثقة التامة عند جميع المسلمين، ورواد البحث العلمي النزيه. ويكفيه فَخْرًا أَنْ حَفِظَ السُنَّةَ سَبْعِينَ عَامًا، وساهم في تدوينها ونشرها وتعليمها. وقد خَلَّدَ التاريخ ذكره في مصاف العلماء العاملين، والحفاظ المتقنين.\n\n* * *","vol":"1","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>(٤) - نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (٠٠ - ١١٧ ه</span>ـ): (*)\nأبو عبد الله العدوي المدني مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵃ -، أحد أعلام التابعين. قيل أصله من المغرب. وقيل من الديلم شمالي العراق، أسر في أحد الحروب بين المسلمين والفرس فكان من نصيب عبد الله بن عمر، فلزمه ما يقرب من ثلاثين سَنَةً، تعلم خلالها القرآن والسنة.\n\nروى عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخُدري ورافع بن خُديج، وعن عائشة وأم سلمة، وعبد الله وعبيد الله وزيد أولاد عبد الله بن عمر، وعن القاسم بن محمد، وأسلم مولى عمر، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق وغيرهم.\n\nروى عنه من التابعين أبو إسحاق السبيعي والحكم بن عيينة، ويحيى الأنصاي ومحمد بن عجلان والزهري، وصالح بن كيسان وأيوب وحُميد الطويل، وميمون بن مهران وموسى بن عقبة وابن عون والأعمش وغيرهم.\n\nوروى عنه من غير التابعين ابن جُرَيْجٍ والأوزاعي ومالك والليث بن سعد ويونس بن عبيد، وبنوه عبد الله وعمر وأبو بكر، وابن أبي ليلى وكثير غيرهم.\n\nكان كثير الحديث ثقة ضابطًا صحيح الرواية، لا يعرف له خطأ في جميع ما رواه. قال عبد الله بن عمر: «لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا بِنَافِعٍ». وقال مالك\n_________\n(*) \" تاريخ الإسلام \": ص ١٠ جـ ٥، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٤١٢ جـ ١٠. و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ٥٢٨ جـ ٢، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٩٤ جـ ١، و\" خلاصة \" الخزرجي: ص ٤٠٠.","vol":"1","page":516},{"text":"ابن أنس: «كُنْتُ إذَا سَمِعْتُ مِنْ نَافِعٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لاَ أُبَالِي أَنْ لاَ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ». وبلغ نافع مرتبة رفيعة من العلم فاختاره عمر بن عبد العزيز، وبعثه إلى مصر ليعلمهم السَّنَنَ.\n\nتوفي نافع - ﵀ - بالمدينة سَنَة (١١٧ هـ) على أرجح الأقوال.\n\nقال الإمام البخاري: «أَصَحُّ الأَسَانِيدِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ».\n\nوسمى المحدثون هذا الإسناد سلاسل الذهب.\n\n* * *","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>(٥) - عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ (٠٠ - ٩٨ ه</span>ـ): (*)\nهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الذهلي المدني التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة، كان إمام المدينة في زمانه، اتفق العلماء على إمامته وجلالته، وإتقانه للحديث، وكثرة حفظه وضبطه له، وكان ابن عباس يكرمه، وفيه قال الإمام الزهري: «مَا جَالَسْتُ عَالِمًا إِلاَّ رَأَيْتُ أَنِّي أَتَيْتُ عَلَى مَا عِنْدَهُ، إِلاَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةٍ، فَإِنِّي لَمْ آتِهِ إِلاَّ وَجَدْتُ عِنْدَهُ عِلْمًا طَرِيفًا»، وَلِعُلُوِّ مكانته وغزارة علمه اختاره عبد العزيز بن مروان مؤدبًا لولده عمر بن عبد العزيز، قال ابن سعد: «كَانَ ثِقَةً عَالِمًا فَقِيهًا كَثِيرَ الحَدِيثِ»، وإلى جانب هذا كله له شعر جيد، أورد منه أبو الفرج في \" أغانيه \".\n\nتلقى عبيد الله علمه عن كثير من الصحابة، منهم عبد الله بن عباس وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو واقد الليثي، وزيد بن خالد، وعائشة، وفاطمة بنت قيس، وأم قيس بن محصن، وغيرهم من الصحابة.\n\nوروى عنه كثير من التابعين أشهرهم الإمام الزهري، وصالح بن كيسان وأبو الزناد وغيرهم.\n\nوقد كُفَّ بصره وتوفي بالمدينة سَنَةَ (٩٨ هـ) على أرجح الأقوال.\n\n* * *\n_________\n(*) \" تذكرة الحفاظ \": ص ٧٤ جـ ١، و\" سير أعلام النبلاء \"، مخطوط: ص ٢٥٨، ٢٥٩ قسم ٢ جـ ٤، و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ٣٠١ جـ ١، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٣ جـ ٧، و\" خلاصة \" الخزرجي: ص ٢٥١، و\" الأغاني \": ص ١٣٩ جـ ٩.","vol":"1","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>(٦) - سَالِمٌ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (٠٠ - ١٠٦ ه</span>ـ): (*)\nهو التابعي الجليل أبو عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، كان إمامًا عاملًا زاهدًا، يلبس الثوب بدرهمين، وكان أبوه عبد الله يقبله ويقول: «شَيْخٌ يُقَبِّلُ شَيْخًا»، تلقى علمه في المدينة، وسمع من الصحابة، فروى عن أبيه وعن أبي أيوب الأنصاري، وأبي هريرة، وعائشة أم المؤمنين.\n\nوروى عنه من التابعين عمرو بن دينار، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، وموسى بن عقبة، وحُميد الطويل، وصالح بن كيسان، وغيرهم، وروى عنه كثير من أتباع التابعين.\n\nولعلمه وجلالته عَدُّوهُ من الفقهاء السبعة، وكان ذا مكانة رفيعة حتى إن سليمان بن عبد الملك رحب به، وأقعده على سريره. قال محمد بن سعد: «كَانَ سَالِمٌ كَثِيرَ الحَدِيثِ عَالِيًا فِي الرِّجَالِ وَرِعًا»، وقال إسحاق بن راهويه: «أَصَحُّ الأَسَانِيدِ: الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ». توفي بالمدينة سَنَةَ (١٠٦ هـ).\n\n* * *\n_________\n(*) \" طبقات ابن سعد \": ص ١٤٤ - ١٤٩ جـ ٥، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٨٣ جـ ١، و\" سير أعلام النبلاء \": ص ٢٥٤ - ٢٥٧ قسم ٢ جـ ٤، و\" تهذيب ابن عساكر \": ص ٥٠ جـ ٦، و\" حلية الأولياء \": ص ١٩٣ جـ ٢، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٤٣٦ جـ ٣، و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ١٨٨ جـ ١.","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>(٧) - إبراهيم بن يزيد النخعي (٤٦ - ٩٦ ه</span>ـ): (*)\nهو أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الكوفي، أحد أعلام التابعين كان حافظًا، كثير الحديث، فقيهًا، صالحًا قليل التكلف، يتوقى الشهرة، دخل على السيدة عائشة أم المؤمنين صغيرًا قبل أن يحتلم عندما كان يحج مع عمه وخاله علقمة والأسود. وسمع من علقمة وَخَالَيْهِ الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد، وروى عن مسروق وأبي معمر وهمام بن الحارث وشريح القاضي وغيرهم، ولم يثبت له سماع من عائشة.\nوروى عنه جماعة من التابعين منهم الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعبد الله بن عون، وحماد بن أبي سليمان، ومغيرة بن مقسم الضبي، وحبيب بن أبي ثابت، وسماك بن حرب وغيرهم.\n\nوإبراهيم - وإن لم يُحَدِّثْ عن أحد من الصحابة مع أنه أدرك جماعة منهم - كان على جانب عظيم من العلم، وشهد له بذلك كبار علماء عصره، قال الشعبي حين توفي إبراهيم: «مَا تُرَكَ أَحَدٌ أَعْلَمَ مِنْهُ أَوْ أَفْقَهَ، قِيلَ وَلاَ الحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ!؟ قَالَ: وَلاَ الحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ، وَلاَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، وَلاَ الكُوفَةِ، وَلاَ الحِجَازِ وَلاَ الشَّامَ».\n_________\n(*) \" طبقات ابن سعد \": ص ١٨٨ - ١٩٩ جـ ٦، و\" تاريخ الإسلام \": ص ٣٣٥ جـ ٣، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٦٩ جـ ١، و\" تهذيب التهذيب \": ص ١٧٧ جـ ١،و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ١٩ جـ ١.","vol":"1","page":520},{"text":"وكان بَارِعًا في الحديث حتى قَالَ الأَعْمَشُ فِيهِ: «كَانَ النَّخَعِيُّ صَيْرَفِيَّ الحَدِيثِ» وقال أبو زرعة: «النَّخَعِيُّ صَيْرَفِيٌّ عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ الإِسْلاَمِ».\n\nوكان يقتدي بالصحابة، ومن قوله: «لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَمْ يَمْسَحُوا إِلاَّ عَلَى ظُفُرٍ مَا غَسَلْتُهُ التِمَاسَ الفَضْلِ، وَحَسْبُنَا مِنْ إِزْرَاءٍ عَلَى قَوْمٍ أَنْ نَسْأَلَ عَنْ فِقْهِهِمْ وَنُخَالِفَ أَمْرَهُمْ».\n\nتوفي بالكوفة مختفيًا من الحَجَّاجِ سَنَةَ (٩٦ هـ) وابن تسع وأربعين سَنَةً لم يستكمل الخمسين.\n\n* * *","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>(٨) - عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ (١٩ - ١٠٣ ه</span>ـ): (*)\nعامر بن شراحيل الحِميري الشعبي الكوفي أبو عمرو، الإمام العلم. علامة التابعين ولد لست (١) سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -، كان من أهل السنة والجماعة، يكره الفرقة، رحل إلى بلدان كثيرة، وروى الحديث عن عَلِيٍّ، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وزيد بن ثابت، وقيس بن سعيد بن عبادة، وقرظة بن كعب، وعبادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي هريرة، والمغيرة بن شعبة، وأبي سعيد الخُدري، وعائشة أم المؤمنين، وأم سلمة وغيرهم.\n\nقال: «أَدْرَكْتُ خَمْسَةً مِنَ الصَّحَابَةِ».\n\nوروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن عمرو وإسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق الثوري، والأعمش، ومنصور، وسماك بن حرب، وعبد الله بن عون، وشعبة بن الحجاج، والشعبي أكبر شيوخ أبي حنيفة.\n\nكان قوي الذاكرة يعتز بحفظه ويقول: «مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ». كان ذكيًا فقيهًا، أصبح على جانب عظيم من العلم حتى إنه كان يفتي في زمن\n_________\n(*) \" طبقات ابن سعد \": ص ١٧٢ جـ ٦، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٧٥ جـ ١، و\" سير أعلام النبلاء \"، مخطوط: ص ٢١٣ - ٢١٩ قسم ٢ جـ ٤، و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ٣٧٧ جـ ١، وفيه وفاته سَنَةَ (١٠٦ هـ) وهذا بعيد، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٦٥ جـ ٥، و\" خلاصة \" الخزرجي: ص ١٨٤.\n\n(١) وقيل ولد سَنَةَ (٢١ هـ) قاله شَبَابٌ (*)، انظر \" سير أعلام النبلاء \": ص ٢١٣ قسم ٢ جـ ٤.\n----------------------\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) شباب العصفري، هو خَلِيْفَةُ بنُ خَيَّاطِ الإمام الحافظ العلامة الإخباري، أبو عمرو العُصْفُرِيُّ البَصْرِيُّ، وَيُلَقَّبُ بِـ (شَبَابٍ)، صَاحِبُ \"التاريخ \" وَكِتَابِ \"الطبقات\".","vol":"1","page":522},{"text":"الصحابة، وقد اتفق العلماء على إمامته وثقته، قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: «مَا رَأَيْتُ فِيهِمْ أَفْقَهَ مِنَ الشَّعْبِيِّ»، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: «كَانَتْ النَّاسُ تَقُولُ: [كَانَ] ابْنُ عَبَّاسٍ فِي زَمَانِهِ، وَالشَّعْبِيُّ فِي زَمَانِهِ، وَالثَّوْرِيُّ قِي زَمَانِهِ». وقال ابن سيرين لأبي بكر الهذلي: «اِلْزَمْ الشَّعْبِيَّ فَقَدْ رَأَيْتُهُ يُسْتَفْتَى وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ»، وأثنى معاصروه على علمه وتواضعه وفضله وأخلاقه. وقد ولي قضاء الكوفة لعمر بن عبد العزيز، وتوفي بالكوفة سَنَةَ (١٠٣ هـ) - ﵀ -.\n\n* * *","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>(٩) - عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ (٢٨ ق هـ - ٦٢ ه</span>ـ): (*)\nهو أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي التابعي الجليل، وهو عم الأسود بن يزيد بن قيس، وأحد الأعلام المخضرمين، روى عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة، وسلمان الفارسي، وعن عائشة، وأبي مسعود، وأبي الدرداء، وغيرهم.\n\nوروى عنه إبراهيم النخعي، والشعبي، ومحمد بن سيرين، وابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد.\n\nكان علقمة من أصحاب ابن مسعود، وأعلم الناس به، وقد أجمع معاصروه على جلالته ووقاره وغزارة علمه. قال إبراهيم بن علقمة: «كَانَ عَبْدُ اللهِ - أَيْ ابْنُ مَسْعُودٍ - يُشْبِهُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي هَدْيِهِ ودَلِّهِ وَسَمْتِهِ، وَكَانَ عَلْقَمَةُ يُشَبَّهُ بِعَبْدِ اللهِ».\n\nكان متواضعًا يتوقى الشهرة، قِيلَ لَهُ: لَوْ صَلَّيْتَ فِي المَسْجِدِ وَتَجْلِسَ وَنَجْلِسُ مَعَكَ، فَنَسْأَلَ؟ فَقَالَ: «أَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ هَذَا عَلْقَمَةُ»، وَقِيلَ لَهُ: لَوْ دَخَلْتَ عَلَى الأَمِيرِ فَأَمَرْتَهُ بِخَيْرٍ؟ فَقَالَ: «لَنْ أُصِيبَ مِنْ\n_________\n(*) \" طبقات ابن سعد \": ص ٥٧ - ٦٢ جـ ٦، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٤٥، ٤٦ جـ ١، و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ٣٩٠ جـ ١، وفيه وفاته سَنَةَ اثنتين وستين ومائة، والأصح ما ذكرناه وربما كان هذا خطأ من الناسخ. و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢٧٦ جـ ٧. و\" خلاصة \" الخزرجي: ص ٢٧١.","vol":"1","page":524},{"text":"دُنْيَاهُمْ شَيْئًا إِلاَّ أَصَابُوا مِنْ دِينِي [أَفْضَلَ] مِنْهُ» وكان ثقة كثير الحديث، يَحُضُّ طلابه على مذاكرة العلم ويقول: «تَذَاكَرُوا العِلْمَ فَإِنَّ حَيَاتَهُ ذِكْرُهُ». قَالَ مُرَّةُ: «كَانَ عَلْقَمَةُ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ».\n\nتوفي بالكوفة سَنَة (٦٢ هـ) اثنتين وستين عن (٩٠) سَنَةً - ﵀ -.\n\n* * *","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>(١٠) - محمد بن سيرين (٣٣ - ١١٠ ه</span>ـ): (*)\nهو أبو بكر بن أبي عمرة، محمد بن سيرين التابعي الجليل البصري الأنصاري بالولاء، كان أبوه مولى لأنس، وقد ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان - ﵁ - سَنَةَ (٣٣ هـ) ونشأ في كنف أنس، وكان بَزَّازًا، وتعلم القرآن، وتفقه وحفظ كثيرًا من الحديث، وكان متقنًا ضابطًا، يحدث بالحديث على حروفه، وكان ورعًا فقيهًا رأى ثلاثين صحابيًا وروى عن أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، والحسن بن علي بن أبي طالب، وعن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم.\n\nوروى عنه عامر الشعبي، وثابت البناني، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، والأوزاعي، ومالك بن دينار، وهشام بن حسان، وخلق كثير غيرهم.\n\nشهد له بالعلم والورع والفقه والضبط والعدالة أئمة عصره. قال ابن عون: «لَمْ أَرَ فِي الدُّنْيَا مِثْلَ ثَلاَثَةٍ: مُحَمَّدُ بْنَ سِيرِين بِالعِرَاقِ، وَالقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ بِالحِجَازِ وَرَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ بِالشَّامِ وَلمْ يَكُنْ فِي هَؤُلاَءِ مِثْلَ مُحَمَّدٍ».\n\nوَقَالَ مُوَرَّقٌ العِجْلِيّ: «مَا رَأَيْت رَجُلًا أَفْقَهَ فِي وَرَعِهِ وَلاَ أَوْرَعَ فِي فِقْهِهِ مِنْ مُحَمَّدٍ».\n_________\n(*) \" طبقات ابن سعد \": ص ١٤١ - ١٥٠ قسم ١ جـ ٧، و\" تذكرة الحفاظ \": ص ٧٣ جـ ١، و\" المحبر \": ص ٢٧٩ و٤٨٠، و\" الجمع بين رجال الصحيحين \": ص ٤٣٩ جـ ٢، و\" ترتيب الثقات \" لابن حبان: الجزء الثالث مخطوطة دار الكتب المصرية، و\" تهذيب التهذيب \": ص ٢١٤ - ٢١٧ جـ ٩، و\" شذرات الذهب \": ص ١٣٨ جـ ١، و\" الأعلاق النفيسة \": ص ٢١٦.","vol":"1","page":526},{"text":"كان كثير العبادة والصيام، قيل كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان شديد الحيطة في دينه. قال أنس بن سيرين: «لَمْ يَبْلُغْ مُحَمَّدًا حَدِيثَانِ قَطُّ أَحَدُهُمَا أَشَدُّ مِنَ الآخَرِ إِلا أَخَذَ بِأَشَدِّهِمَا»، قال: «وَكَانَ لاَ يَرَى بِالآخَرِ بَأْسًا ...»، وَقَالَ أَبُو قِلابَةَ: «وَأَيُّنَا يُطِيقُ مَا يُطِيقُ مُحَمَّدٌ!! مُحَمَّدٌ يَرْكَبُ مِثْلَ حَدِّ السِّنَانِ».\n\nوَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «عَلَيْكُم بِذَلِكَ الأَصَمِّ - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ سِيْرِينَ -». كان حليمًا وقورًا يتأسى بالرسول - ﷺ - وبالخلفاء الراشدين والصحابة وكان يحث طلابه على التثبت في تحمل الحديث، ويقول: «إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ [دِينَكُمْ]».\n\nوإلى جانب هذا كان مرح النفس، طيب المعشر، احتل مكانة في نفوس العلماء وطلاب العلم، وتسنم ذروة الإمامة في عصره. قال محمد بن سعد: «كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا عَالِيًا رَفِيعًا فَقِيهًا إِمَامًا كَثِيرَ العِلْمِ».\n\nتوفي بالبصرة سَنَةَ (١١٠ هـ) - ﵀ -.\n\n* * *\n\nهؤلاء من أشهر التابعين وأكثرهم حديثًا، ويضيق المقام عن ذكرهم جَمِيعًا، فهناك الأعلام المشهورين: الحسن البصري، وسليمان الأعمش، وقتادة بن دعامة السدوسي، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وغيرهم ممن ساهموا في حفظ السُنَّةِ ونقلها، جزاهم الله عنا أحسن الجزاء، وأسكنهم فسيح الجنان.","vol":"1","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>الخاتمة:</span>\nبعد هذا العرض لحياة السُنَّةِ قبل التدوين، عرفنا في الباب الأول الحقيقية التي كانت عليها السُنَّةُ في عهد الرسول - ﷺ -، وعرفنا شخصية الرسول الكريم من حيث هو معلم ومرب، وموقفه من العلم، وسمو منهجه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - في تبليغ الإسلام وتطبيق أحكامه، وتشجيعه على طلب العلم، ومعاملته أصحابه - ﵃ -، كما عرفنا كيف كان الصحابة يتلقون السُنَّةَ عنه - ﷺ -، وعرفنا إخلاصهم في المحافظة على الشريعة الحنيفية، وبذلهم السخي في سبيل ذلك، وعرفنا عوامل انتشار السُنَّةِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع القرآن الكريم.\n\nوعرفنا في الباب الثاني تأسي الصحابة والتابعين بالرسول - ﷺ - وتمسكهم بِسُنَّتِهِ، واحتياطهم وورعه في رواية الحديث، وتثبتهم في قبول الأخبار، وَأَنَّ تَشَدُّدَهُمْ في قبول بعض الآثار لم يكن من باب تركهم لِلْسُنَّةِ أو عدم الأخذ بها، بل كان من باب المحافظة عليها، والتثبت والاستيثاق لها، وإذا كان بعضهم في بعض الحالات والمواقف قد طلبوا لقبول الحديث راويين أو غير هذا، فقد كانوا يقبلون في غير تلك الحالات الخبر عن العدل إذا توافرت فيه شروط التحمل والأداء.\n\nولا يعني تشددهم في قبول الحديث أن لغيرهم أن يتظاهر بالاحتياط لِلْسُنَّةِ، وهو يرفض ما قبلوه، فإنه لا ينبغي أن يتخذ تشددهم ذريعة لترك السُنَّةِ، في حين يجب أن يعتبر توثيقًا لما قبلوه منها.","vol":"1","page":528},{"text":"وقد عرفنا في هذا الباب أَيْضًا حرص الصحابة والتابعين ومن تبعهم على رواية الحديث بلفظه كما سمعوه، وإجازة بعضهم للعالم بفقه الحديث روايته بالمعنى إذا لم يحضره اللفظ، ومنعهم هذا لغير العالم بفقهه، خوفًا من التحريف وتغيير الأحكام، وأن رواية الحديث بالمعنى أحيانًا لم تسيء إلى الحديث، ولم تغير أحكامه كما ادعى بعض الباحثين.\n\nثم لمسنا النشاط العلمي الواسع في عصر الصحابة والتابعين، وأدركنا اهتمام الأمة بحديث رسولها الكريم، عندما بحثنا انتشار الحديث في ذلك العصر، والرحلة في طلبه، فكانت صورة صادقة عن الحيوية العلمية آنذاك.\n\nوعرفنا في الباب الثالث نشأة وضع الحديث وأسبابه، وأثر الأحزاب السياسية في هذا، وخلصنا إلى أن الشيعة الذين استغلوا اسم (أهل البيت) هم الذين أساءوا إلى السُنَّةِ بوضعهم الحديث لدعم دعواهم ومذهبهم، وعرفنا أن أهل البيت براء من هذا كله، وانتهينا إلى أن الخوارج لم يضعوا الحديث، لأن الكذب في عقيدتهم من الكبائر.\n\nوعرفنا أثر أعداء الإسلام، وأثر التفرقة العنصرية والتعصب القبلي والمذهبي والإقليمي، والقصاصين، وأثر الجهل مع الرغبة في الخير، وأثر الممالأة والتقرب إلى الحكام - عرفنا أثر هذا كله في وضع الحديث، ووقوف الأمة وعلمائها أمام هذه الظاهرة، ومقاومة الوضع باتباع أسلم قواعد التثبت العلمي من التزام الإسناد، ومضاعفة النشاط العلمي، وتتبع الكذبة ومعرفة أحوال الرواة، ووضع علامات لتمييز الصحيح من السقيم والموضوع، وبهذا سلمت السُنَّةُ من أيدي أعدائها.\n\nوعلى ضوء هذا نقدنا جولدتسيهر وغاستون ويت وأحمد أمين،","vol":"1","page":529},{"text":"وأكدنا اهتمام العلماء بمتن الحديث وسنده، وَبَيَّنَّا أن السُنَّةَ لم تكن نتيجة لنضوج الإسلام وتطوره، ووضع الأجيال المتعاقبة كما زعم جولدتسيهر، وأثبتنا أنها التطبيق العلمي للإسلام، الذي تم على يدي رسول الله - ﷺ -، ورفضنا إدعاء جولدتسيهر الذي يتهم فيه أئمة المذاهب الفقهية بوضع الحديث لدعم مذاهبهم، وأدحضناه بالحجج القوية.\n\nوأدركنا عظمة الجهود التي بذلها الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم في سبيل الحفاظ على السُنَّةِ، حينما عرضنا أشهر ما ألف في الرجال والموضوعات، وعرفنا أن المسلمين أعظم أمة في التاريخ اهتمت بتراثها التشريعي، منذ عهد الرسول - ﷺ -.\n\nوأما تدوين السُنَّةِ فقد عرضنا في الباب الرابع ما روي عن الرسول - ﷺ - في الكتابة من أخبار حول منعها وإباحتها، وخلصنا إلى أن الرسول - ﷺ - أباح كتابة الحديث بعد منعها، كما عرضنا ما روي عن الصحابة والتابعين في الكتابة، وانتهينا إلى أن جميع ما روي عنهم حول السماح بتدوين الحديث أو منع تدوينه لم يكن متعارضًا متضاربًا، بل كان متعاضدًا في سبيل حفظ القرآن وَالسُنَّةِ، فمنعوا الكتابة حين خشوا التباس القرآن بِالسُنَّةِ، وانشغال الناس عن القرآن الكريم، وسمحوا بها حين أمنوا ذلك. كما عرفنا خدمة عمر بن عبد العزيز للسنة بتكليفه ابن شهاب الزهري وغيره بجمع الحديث وتدوينه، ثم توزيعه على الأقطار الإسلامية، وعرفنا اهتمامه بِالسُنَّةِ حين أمر المسؤولين في مختلف أقاليم الدولة الإسلامية بالاعتناء بالحديث، وتشجيع العلماء على عقد حلقات دراسته في المساجد، وعرفنا أن مطلع القرن الهجري الثاني كان بداية نهضة علمية في تصنيف الحديث وتبويبه، وقد","vol":"1","page":530},{"text":"ظهرت هذه المصنفات في أوقات متقاربة في مختلف مراكز الإشعاع العلمي بالدولة الإسلامية، وعرفنا المصنفين الأوائل في الحديث.\n\nوفي الفصل الثاني من الباب الرابع عرفنا حركة التدوين بذكر أشهر الصحف التي دونت في عهده - ﷺ - وعهد الصحابة والتابعين، وعرضها عرضًا تاريخيًا دقيقًا، وكان من أبرز ما عرضناه \" الصحيفة الصادقة \" لعبد الله بن عمرو بن العاص، وهي من أقدم ما دُوِّنَ بين يدي رسول الله - ﷺ -، وعرفنا منزلتها وقيمتها، و\" الصحيفة الصحيحة \" لهمام بن منبه، وهي من أقدم ما دُوِّنَ في عهد الصحابة في النصف الأول من القرن الهجري الأول، وعرفنا منزلتها وقيمتها، وأكدنا وصولها منفردة إلينا بإسناد صحيح، إلى جانب ذكرها جميعها أو بعضها في \" مسند الإمام أحمد \"، وفي كتب السنن والمسانيد الأخرى.\n\nواطلعنا على مراحل التدوين وجمع الحديث واختيار الصحيح منه، حتى وصلنا في المدونات المشهورة.\n\nوقد تجلى لنا من البحث كثرة الكتب والمدونات في أول القرن الهجري الثاني.\n\nوعرضنا في الفصل الثالث من هذا الباب أَيْضًا بعض آراء في التدوين، ولم نوافق الشيخ محمد رشيد رضا على رأيه: أن أول من كتب الحديث من التابعين في القرن الأول وجعل ما كتبه مصنفًا مجموعًا هو خالد بن معدان الحمصي، وأثبتنا أن هناك من سبقه في حفظ مدوناته أمثال عبد الله بن عمرو بن العاص، وهمام بن منبه، وانتهينا إلى أن صحف خالد من أوائل الصحف التي ضمت علمه في ذلك القرن.","vol":"1","page":531},{"text":"وعرضنا رأي السيد حسن الصدر، الذي لا يوافق رأي جمهور المحدثين في تدوين الحديث في عهد عمر بن عبد العزيز، وينكر ما يثبت هذا، ليؤكد سبق الشيعة وتقدمهم في جمع الأخبار، وفندناه ورددنا عليه بالحجج والبراهين، وأكدنا صحة ما ذهب إليه جمهور المحدثين، وَبَيَّنَّا عدم تعارضه مع تدوين الإمام علي وأصحابه، وانتهينا إلى سبق أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ - بالتأليف والتصنيف إذا صح خبر تصنيفه كتابًا في الحديث. وأكدنا أن صحة هذا الخبر لا تحملنا على أن ننفي ما ثبت تاريخيًا من أخبار التدوين في عهد عمر بن عبد العزيز.\n\nثم عرضتُ رأيي في التدوين الرسمي، وهو ما تبين لي أثناء البحث حول محاولة أمير مصر عبد العزيز بن مروان تدوين الحديث، بتكليف التابعي الجليل كثير بن مرة الحضرمي أن يكتب إليه ما سمع من حديث من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وانتهيتُ إلى أنه إذا ثبتت استجابة كثير بن مرة لطلب أمير مصر فقد ثبت أن بعض الحديث دُوِّنَ رسميًا قبل التدوين الرسمي المشهور بربع قرن، وأن اهتمام أمير مصر بحديث رسول الله - ﷺ - وتدوينه يزيدنا ثقة بأن التدوين قد سار جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مع الحفظ.\n\nثم عرضت آراء المستشرقين في تدوين الحديث، وناقشتها، وعرفنا أن أبحاثهم لم تسلم من الخطأ، وأن جولدتسيهر لم يصب في استنباطه من الأخبار الواردة في كراهة الكتابة وإباحتها، وتصوره قيام حزبين متخاصمين أهل رأي","vol":"1","page":532},{"text":"يضعون ما ينفي التدوين ليطعنوا في بعض الأحاديث ويرفضوها، تَبَعًا لميولهم، وأهوائهم، وأهل حديث يضعون ما يروق لهم من الأخبار التي تثبت التدوين، ليحتجوا ببعض الأحاديث التي تخدم غاياتهم وأهواءهم. وأكدنا أن علماء المسلمين وفقهاءهم أرفع بكثير مما تصوره جولدتسيهر، وانتهينا إلى أنهم نهجوا جَمِيعًا المنهج العلمي الدقيق في سبيل الحفاظ على الشريعة الإسلامية.\n\nوعرفنا في الباب الخامس القلوب الواعية، التي حفظت السُنَّةَ ونقلتها، وأدحضنا بالحجج والبراهين ما أثير من شبهات حول أبي هريرة وابن شهاب الزهري، ورددنا كل ما أثاره أعداء السنن - من مستشرقين وباحثين مسلمين - حولهما، وظهرت لنا مكانتهما، وتكشفت الغايات السيئة من وراء تلك الشبهات.\n\nوعلى ضوء جميع ما تقدم أصبحنا على يقين من أن السنة حفظت على أسلم القواعد العلمية، واهتم بها المسلمون اهتمامهم بالقرآن، ولم تهمل حتى قُيِّضَ لها من يجمعها في مصنفات الحديث بعد أكثر من قرنين - كما يزعم الزاعمون - بل كانت مصدر التشريع الإسلامي إلى جانب القرآن الكريم، يجلها المسلمون ويحترمونها، ويدينون بها، وستبقى كذلك إلى ما شاء الله.\n\nوقبل أن أختم الموضوع أذكر بعض المقترحات فيما يلي:\n١ - أن تزاد العناية بدراسة الحديث ورجاله، وخاصة الصحابة منهم، في مختلف مراحل الدراسة، بما يناسب المستويات التعليمية، لننشأ الأجيال المسلمة على هدى الرسول - ﷺ -، وهي على معرفة حسنة بمن نقل إليها أصول شريعتها، وألا يقتصر تدريس الحديث في المراحل الأولى على حصص مادة (التربية الإسلامية) بل يتعداه إلى حصص الأخلاق والتربية","vol":"1","page":533},{"text":"الاجتماعية، والمطالعة والتاريخ والصحة، فيدرس في كل مادة ما يلائمها، ويسهل تطبيق هذا بتعاون المدرسين والمؤلفين.\n\n٢ - أن يدرس تاريخ السُنَّةِ بتوسع، كما يدرس تاريخ الفقه في الكليات المختصة، ككليات الشريعة، ودار العلوم وأصول الدين، وكليات الحقوق، وألا يكتفى بدراسة أحاديث الأحكام في الكليات الإسلامية المختصة، بل تقرر أحاديث في التربية ومكارم الأخلاق والآداب. وأن يؤلف كتاب في السُنَّةِ وتاريخها، يشتمل على الأدلة والبراهين التي تثبت الحقيقة التاريخية للسنة وحفظها وروايتها وانتقالها ... وأرجو أن يهتم العلماء بهذا، وحبذا لو عنيت جهة إسلامية مسؤولة كـ \" المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية \" بتوجيه جماعة من العلماء المتخصصين إلى تأليف هذا الكتاب، وطبعه ونشره، ليصحح بعض الأخطاء التي وقع فيها الباحثون المسلمون والمستشرقون.\n\n٣ - وأرى إتمامًا للفائدة العلمية التي وصلنا إليها من بحثنا هذا:\n[أ] أن يفرد بعض أعلام رواة الحديث من الصحابة والتابعين وتابعيهم، كعبد الله بن عمر، وابن شهاب الزهري، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، بدراسات تكشف عن جهودهم في حفظ السنة، والاستباق لها ونشرها.\n\n[ب] أن تحقق وتنشر بعض أمهات الكتب التي مازالت مخطوطة مجهولة لكثير من الباحثين أو العلماء، مع فضلها وأثرها الواضح في نقل الحديث، وصيانته وحفظه، والتقعيد لدراسته وروايته، كـ \" الجامع لعبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، وكتب \" العلل \" للإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وغيرهما، وكتاب \" المحدث الفاصل بن الراوي والواعي \" للرامهرمزي، وكتاب \" الجامع","vol":"1","page":534},{"text":"لأخلاق الراوي وآداب السامع \" للخطيب البغدادي، وإني لأرجو الله أن يوفقني إلى متابعة عملي لإخراج الكتابين الأخيرين على نحو يخدم العلم والحقيقة إن شاء الله تعالى.\n\n[ج] أن تفرد نشأة علم مصطلح الحديث ببحث واف، يظهر تاريخ تقعيد قواعد مصطلح الحديث وأصوله، التي صانت السُنَّةَ وحفظتها وبينت صحيحها من سقيمها، على نهج علمي يسهل الرجوع إليه، ويتفق مع روح هذا العصر، وإني لأرجو الله أن أطرق هذا البحث، في متابعة دراستي العليا إن شاء اللهُ تعالى.\n\n[د] أن يفرد مَا دُوِّنَ من الحديث في عصر الرسول - ﷺ - وعصر الصحابة بالبحث، ويجمع في مؤلف يكون وثيقة تاريخية قيمة عن اهتمام المسلمين بتدوين حديثهم منذ عهده - ﷺ -.\n\nوبهذا أرجو أن أكون قد وفقت إلى أداء واجبي، ويكفيني منه أن عشت في هذا الموضوع سنوات عدة، مع رسول الله - ﷺ -، المُرَبِّي العظيم، والمعلم الخالد الأمين، ومع حديثه الطاهر، وصحابته وأتباعهم، فانتقلت بمشاعري وعواطفي إلى عالم عظيم، يسوده الإخاء والبذل والفناء في سبيل الله، وتعلوه نسمات الأرواح السامية والنفوس الكبيرة، والهمم العالية، والعزائم الماضية، فأفدت كثيرًا، ولهذا سأقف حياتي على خدمة السُنَّةِ، سائلًا الله العظيم أن يجمع الأمة العربية والإسلامية على القرآن الكريم، وَالسُنَّةَ التي صحت عن رسول الله - ﷺ -، وأن يوفقنا إلى التأسي برسول الإنسانية والسير على هداه، وفي هذا التوفيق والنجاح، والحمد لله رب العالمين.\n\nمحمد عجاج الخطيب.\n\nتم الكتاب بعون الله.","vol":"1","page":535},{"text":"ملحق:\n\nكنت قد ناقشت بعض من اشتبه عليه حديث «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ [مِنْ عَجْوَةً] لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ». وعرضت قول بعض العلماء فيه، وأكدت صحته سندًا ومتنًا في (ص ٢٥٧) وما بعدها من هذا الكتاب، وبعد أن طبع ذلك نشرت جريدة \" الأهرام \" تصريحًا للدكتور عبد العزيز شرف يؤيد ما ذهبت إليه، فرأيت إلحاقه هنا زيادة للفائدة.\n\nكتبت \" الأهرام \" تحت عنوان: «البلح علاج لأمراض العيون والجلد والأنيميا والنزيف ولين العظام والبواسير يساعد على الولادة بسهولة».\n\n«أثبتت الأبحاث العلمية التي أجريت أخيرًا بالمركز القومي للبحوث أن البلح غذاء كامل، ويفيد في وقاية الجسم وعلاجه من أمراض العيون وضعف البصر، وعلاج الأمراض الجلدية كالبلاجرا وأمراض الأنيميا وحالات النزيف ولين العظام، والبواسير ويساعد المرأة الحامل على الولادة بسهولة».\n\nصرح بذلك الدكتور عبد العزيز شرف المشرف على وحدة بحوث الأدوية بالمركز القومي للبحوث، وأضاف قائلًا: «إن الأبحاث أثبتت كذلك أن البلح يعادل اللحم في قيمته الغذائية، ويتفوق عليه بما يعطيه من سعرات حرارية ومواد معدنية وسكرية، وذلك بالإضافة إلى أنه غني بالكالسيوم والفسفور والحديد، ويحتوي على غالبية الفيتامينات المعروفة».\n(جريدة \" الأهرام \": الإثنين ١٢ ذو الحجة ١٣٨٢ هـ، الموافق ٦ مايو ١٩٦٣ م، السَنَةُ ٨٩ - العدد ٢٧٩٠٥: ص ٤).","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>فهارس الكتاب:</span>\n١ - فهرس المصادر والمراجع ................................................. ٥٤٠\n٢ - فهرس الموضوعات ....................................................... ٥٥٧\n٣ - فهرس آيات القرآن الكريم ................................................. ٥٧٠\n٤ - فهرس الأحاديث الشريفة .................................................. ٥٧٤\n٥ - فهرس الأحاديث الموضوعة ............................................... ٥٨٥\n٦ - فهرس البلدان والأماكن والمشاهد والغزوات ............................. ٥٩٠\n٧ - فهرس الكتب المُعَرَّف بها ................................................. ٥٩٦\n٨ - فهرس الأعلام ............................................................. ٦٠١\n٩ - فهرس الفهاس ............................................................ ٦٥٢","vol":"1","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المَصَادِرُ وَالمَرَاجِعُ: </span>(١)\n١ - القرآن الكريم.\n٢ - \" أبو هريرة \" (*): لعبد الحسين شرف الدين العاملي، الطبعة الأولى - صيدا.\n٣ - \" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة \": لبدر الدين الزركشي، بتحقيق محمد سعيد الأفغاني، طبع دمشق، المجمع العلمي.\n٤ - \" الإحكام في أصول الأحكام \": لعلي بن أحمد (بن حزم) الأندلسي، بتحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الأولى، طبع الخانجي بالقاهرة - ١٣٤٥ هـ.\n٥ - \" الإحكام في أصول الأحكام \": لسيف الدين علي بن أبي علي الآمدي، طبع دار المعارف بالقاهرة ١٣٣٢ هـ - ١٩١٤ م.\n٦ - \" أخبار أهل الرسوخ في الفقه والتحديث بمقدار المنسوخ من الحديث \": لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي. طبع مصر ١٣٢٢ هـ.\n٧ - \" الآداب الشرعية \": لمحمد بن مفلح المقدسي. مصر ١٣٤٨ هـ.\n٨ - \" الأدب المفرد \": لمحمد بن إسماعيل البخاري، واستوفى تخريج أحاديثه محب الدين الخطيب. المطبعة السلفية بالقاهرة ١٣٧٩ هـ.\n٩ - \" إرشاد الساري \": لشهاب الدين القسطلاني. طبع مصر ١٣٢٦ هـ.\n١٠ - \" الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى \": لأبي العباس أحمد بن خالد الناصري. سنة ١٩٥٤، طبع الدار البيضاء.\n_________\n(١) تراجع الكتب المذكورة في الفصل الرابع من الباب الثالث، فقد آثرنا ألا ندرجها ثانية هنا.\n(*) رجعنا إليه للرد على ما جاء فيه من شبهات حول السُنَّةِ ورواتها.","vol":"1","page":540},{"text":"١١ - \" الاستيعاب في معرفة الأصحاب \": لأبي يوسف بن عبد البر، على هامش \" الإصابة \" لابن حجر، طبع مصطفى محمد بالقاهرة: ١٣٥٨ هـ - ١٩٣٩ م.\n١٢ - \" أسد الغابة في معرفة الصحابة \" لعز الدين أبي الحسن بن الأثير الجزري، طبع القاهرة: ١٢٨٦ هـ.\n١٣ - \" أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد \" لابن حزم الأندلسي، مخطوط: دار الكتب المصرية.\n١٤ - \" الإصابة في تمييز الصحابة \" لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي (بن حجر) العسقلاني، طبع مصر ١٣٢٣ هـ في ٨ مجلدات.\n١٥ - \" أصول التشريع الإسلامي \" لفضيلة الأستاذ علي حسب الله، الطبعة الثانية، دار المعارف بالقاهرة: ١٣٧٩ هـ - ١٩٥٩ م.\n١٦ - \" أضواء على التاريخ الإسلامي \": لفتحي عثمان، طبع دار الجهاد: ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٦ م.\n١٧ - \" أضواء على السنة المحمدية \" (١) لمحمود (أَبُو رَيَّةَ)، طبع دار التأليف بمصر: ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م.\n١٨ - \" الأعلاق النفيسة \": لأحمد بن عمر بن رسته، طبع ليدن: ١٩٨١ م.\n١٩ - \" إعلام الموقعين عن رب العالمين \": لشمس الدين محمد بن أبي بكر (ابن قيم الجوزية)، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة: ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥ م.\n٢٠ - \" الأعلام \" لخير الدين الزركلي، الطبعة الثانية: ١٣٧٣ هـ - ١٩٥٤ م.\n_________\n(١) رجعنا إليه للرد على ما جاء فيه من شبهات حول السنة ورواتها.","vol":"1","page":541},{"text":"٢١ - \" الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ \" لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي، طبع دمشق: ١٣٤٩ هـ.\n٢٢ - \" أقدم تدوين في الحديث النبوي (صحيفة همام بن منبه) \" للدكتور محمد حميد الله، طبع المجمع العلمي العربي بدمشق: ١٣٧٢ هـ - ١٩٥٣ م.\n٢٣ - \" ألفية السيوطي \" لجلال الدين السيوطي، تحقيق أحمد محمد شاكر، طبع عيسى البابي الحلبي بالقاهرة: ١٣٥٣ هـ.\n٢٤ - \" الأغاني \" لأبي الفرج الأصبهاني، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة: ١٩٣٦ م.\n٢٥ - \" الإمام زيد \" لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي بالقاهرة، الطبعة الأولى: ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٩ م.\n٢٦ - \" الأموال \" للقاسم بن سلام، طبع مصر: ١٣٥٣ م.\n٢٧ - \" الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة \" لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، طبع المطبعة السلفية بالقاهرة: ١٣٧٨ هـ.\n٢٨ - \" الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (للحافظ ابن كثير) \" لأحمد محمد شاكر، طبع محمد علي صبيح وأولاده بالقاهرة، الطبعة الثانية: ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م.\n٢٩ - \" البارع الفصيح في شرح الجامع الصحيح \" لأبي البقاء محمد بن خلف الأحمدي، مخطوط دار الكتب المصرية.\n٣٠ - \" البداية والنهاية \" لأبي الفداء عماد الدين إسماعيل (بن كثير)، مطبعة السعادة بالقاهرة: ١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ م.","vol":"1","page":542},{"text":"٣١ - \" البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف \" لإبراهيم بن كمال الدين (ابن حمزة)، طبع القاهرة: ١٣٢٩ هـ.\n٣٢ - \" تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام \" للسيد حسن الصدر، طبعة شركة الطباعة والنشر العراقية ببغداد: ١٩٥١ م.\n٣٣ - \" تأويل مختلف الحديث \" لعبد الله بن مسلم (بن قتيبة الدينوري)، مطبعة كردستان العلمية بمصر: ١٣٢٦ هـ.\n٣٤ - \" تاريخ الإسلام \" للدكتور حسن إبراهيم حسن، مطبعة لجنة البيان العربي بالقاهرة، الطبعة الرابعة: ١٩٥٧ م.\n٣٥ - \" تاريخ الإسلام \" للحافظ شمس الدين الذهبي، مكتبة القدسي بالقاهرة، الأجزاء (١ - ٥): ١٣٦٧ - ١٩٤٧ م.\n٣٦ - \" تاريخ الأمم والملوك \" لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، طبع بمصر: ١٣٥٧ هـ - ١٩٣٩ م.\n٣٧ - \" تاريخ بغداد \" لأبي بكر أحمد بن علي (الخطيب البغدادي)، طبع بمصر: ١٣٤٩ هـ - ١٩٣١ م.\n٣٨ - \" تاريخ التربية الإسلامية \" للدكتور أحمد شلبي، مطابع دار الكشاف، بيروت: ١٩٥٤ م.\n٣٩ - \" تاريخ التشريع الإسلامي \" لعبد اللطيف محمد السبكي ومحمد علي السايس ومحمد يوسف البربري، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، الطبعة الثالثة: ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م.\n٤٠ - \" تاريخ التشريع الإسلامي \" لمحمد الخضري، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، الطبعة السابعة: ١٩٦٠ م.","vol":"1","page":543},{"text":"٤١ - \" تاريخ الخلفاء \" لجلال الدين السيوطي، المطبعة المنيرية بمصر: ١٣٥١ هـ.\n٤٢ - \" تاريخ داريا \" للقاضي عبد الجبار بن عبد الله الخولاني، بتحقيق سعيد الأفغاني، دمشق، المجمع العلمي: ١٩٥٠ م.\n٤٣ - \" تاريخ دمشق \" لعلي بن الحسن هبة الله (ابن عساكر)، مخطوط دار الكتب المصرية.\n٤٤ - \" تاريخ الدولة العربية \" (١) للمستشرق يوليوس فلهوزن، تحقيق الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة، والدكتور حسين مؤنس، طبع مصر: ١٩٥٨ م.\n٤٥ - \" التاريخ الصغير \" للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، طبع الهند: ١٣٢٥ هـ.\n٤٦ - \" تاريخ الفقه الإسلامي \" للدكتور محمد يوسف موسى، طبع دار الكتاب العربي بمصر: ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٨ م.\n٤٧ - \" تاريخ فنون الحديث \" لمحمد عبد العزيز الخولي، طبع مطبعة الاستقامة بالقاهرة، الطبعة الثالثة.\n٤٨ - \" التاريخ الكبير \" للإمام البخاري، مخطوط دارالكتب تحت رقم (١٨٩٠) والجزء الأول منه طبع الهند سَنَةَ ١٣٦٠ - ١٣٦١ هـ.\n٤٩ - \" التاريخ الكبير \" وهو (تهذيب \" تاريخ \" ابن عساكر) لعبد القادر بدران، طبع دمشق مطبعة روضة الشام: ١٣٢٩ هـ.\n٥٠ - \" تاريخ اليعقوبي \" (٢) لأحمد بن أبي يعقوب، طبع النجف: ١٣٥٨ هـ.\n٥١ - \" التبصير في الدين \" لأبي المظفر السمعاني، بتحقيق محمد زاهد الكوثري، طبع الخانجي بالقاهرة: ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥ م.\n_________\n(١) رجعنا إليه للرد على بعض الشبهات.\n(٢) رجعنا إليه للرد على بعض الشبهات.","vol":"1","page":544},{"text":"٥٢ - \" تحذير الخواص من أكاذيب القصاص \" لجلال الدين السيوطي، طبع مصر: ١٣٥١ هـ.\n٥٣ - \" تحذير المسلمين من الأحاديث الموضوعة على سيد المرسلين \" لعبد الله محمد البشير ظافر، طبع مصر: ١٣٢١ هـ - ١٩٠٣ م.\n٥٤ - \" تدريب الراوي \" لجلال الدين السيوطي بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، مكتبة القاهرة بمصر، الطبعة الأولى: ١٣٧٩ هـ - ١٩٥٩ م.\n٥٥ - \" تذكرة الحفاظ \" لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، طبع الهند: ١٣٣٣ هـ.\n٥٦ - \" تذكرة الموضوعات \" لمحمد بن طاهر المقدسي، طبع مصر: ١٣٢٣ هـ.\n٥٧ - \" تذكرة الموضوعات \" لمحمد بن طاهر الهندي (الفتني)، طبع مصر: ١٣٤٣ هـ.\n٥٨ - \" ترتيب الثقات \" لابن حبان: لعلي بن أبي بكر الهيثمي، مخطوط دار الكتب المصرية.\n٥٩ - \" تفسير أبي السعود \" (\" إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم \") لأبي السعود محمد بن محمد العمادي، مطبعة محمد علي صبيح بالقاهرة.\n٦٠ - \" تفسير الطبري \" (\" جامع البيان في تأويل آي القرآن \") لمحمد بن جرير الطبري، بتحقيق ومراجعة محمود وأحمد محمد شاكر، دار المعارف بالقاهرة.\n٦١ - \" تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل \" لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، طبع الهند: ١٩٥٢ م.\n٦٢ - \" تقييد العلم \" لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت (الخطيب البغدادي) بتحقيق الدكتور يوسف العش، دمشق: ١٩٤٩ م.","vol":"1","page":545},{"text":"٦٣ - \" تلقيح فهوم أهل الأثر \" لجمال الدين: ابن الجوزي، مخطوط دارالكتب المصرية.\n٦٤ - \" تمييز المرفوع عن الموضوع \" لِلْمُلاَّ علي القاري، مخطوط دار الكتب المصرية.\n٦٥ - \" التنبيه والإشراف \" لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي، طبع دار الصاوي بالقاهرة: ١٣٥٧ هـ - ١٩٣٨ م.\n٦٦ - \" تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة \" لعلي (بن عراق) الكناني، بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، طبع مكتبة القاهرة: ١٣٧٨ هـ.\n٦٧ - \" تهذيب التهذيب \" لشهاب الدين أحمد بن علي (بن حجر) العسقلاني، الطبعة الأولى بالهند، حيدر آباد: ١٣٢٥ هـ.\n٦٨ - \" توجيه النظر إلى أصول الأثر \" للشيخ طاهر الجزائري، مصر: ١٣٢٨ هـ - ١٩١٠ م.\n٦٩ - \" توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار \" لمحمد بن إسماعيل الأمير الحسني الصنعاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى: ١٣٦٦ هـ.\n٧٠ - \" الثقات \" لأبي حاتم بن حبان البستي، مخطوط دار الكتب المصرية (٢٠٨ طلعت مصطلح).\n٧١ - \" الثقافة المصرية \" (مجلة) «نشأة تدوين العلم في الإسلام» للدكتور يوسف العش، العدد (٣٥٢ و٣٥٣)، السَنَةُ السَّابِعَةُ.\n٧٢ - \" جامع بيان العلم وفضله \" لأبي عمر يوسف بن عبد البر، مصر، إدارة المطبعة المنيرية.","vol":"1","page":546},{"text":"٧٣ - \" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \" للخطيب البغدادي، مصورة - دار الكتب المصرية.\n٧٤ - \" الجرح والتعديل \" لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ٨ مجلدات، طبع الهند: ١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م.\n٧٥ - \" الجمع بين رجال الصحيحين \" لمحمد بن طاهر المقدسي، طبع الهند: ١٣٢٣ هـ.\n٧٦ - \" حاشية لقط الدرر بشرح متن نخبة الفكر \" لعبد الله بن حسين، طبع مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة: ١٣٥٦ هـ - ١٩٣٨ م.\n٧٧ - \" الحديث والمحدثون \" للدكتور محمد محمد أبو زهو، مطبعة مصر بالقاهرة، الطبعة الأولى: ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٨ م.\n٧٨ - \" حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة \" لجلال الدين السيوطي، المطبعة الشرقية: سَنَةَ ١٣٢٧ م.\n٧٩ - \" حلية الأولياء وطبقات الأصفياء \" لأبي نعيم الأصبهاني، طبع مصر: ١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ م.\n٨٠ - \" خزانة الأدب \" لعبد القادر بن عمر البغدادي، القاهرة، المطبعة المنيرية، الطبعة الأولى.\n٨١ - \" خطط المقريزي \" = \" المواعظ والاعتبار \"، لأحمد بن علي تقي الدين المقريزي، طبع مصر: سنة ١٢٧٠ هـ - ١٨٥٣ م.\n٨٢ - \" خلاصة تذهيب تهذيب الكمال \" لصفي الدين الخزرجي، طبع مصر ١٣٠١ هـ.\n٨٣ - \" دائرة المعارف الإسلامية \" (١) ترجمة أحمد الشنتناوي وإخوانه.\n_________\n(١) رجعنا إليه للرد على ما جاء فيه من شبهات حول السُنَّة ورُواتها.","vol":"1","page":547},{"text":"٨٤ - \" الرد على الجهمية \" (\" رد الدارمي على بشر المريسي \") لعثمان بن سعيد الدارمي، مطبعة أنصار السنة المحمدية بالقاهرة: ١٣٥٨ هـ.\n٨٥ - \" رسالة في الرواة الثقات \" لشمس الدين الذهبي، مصر: سنة ١٣٢٤ هـ.\n٨٦ - \" الرسالة \" للإمام محمد بن إدريس الشافعي، بتحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الأولى: ١٣٥٨ هـ - ١٩٤٠ م، مطبعة البابي الحلبي.\n٨٧ - \" الرسالة المستطرفة \" لمحمد بن جعفر الكتاني، طبع بيروت: ١٣٣٢ هـ.\n٨٨ - \" رفع الملام عن الأئمة الأعلام \" لشيخ الإسلام تقي الدين (ابن تيمية)، طبع الهند: سنة ١٣١١ هـ.\n٨٩ - \" الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير \" لشرف الدين الصنعاني، طبع مصر: ١٣٤٧ هـ.\n٩٠ - \" الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة \" ليحيى العامري اليمني، طبع الهند: سنة ١٣٠٣ هـ.\n٩١ - \" سبل السلام \" لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، طبع مصر، مصطفى البابي الحلبي.\n٩٢ - \" سنن ابن ماجه بحاشية السندي \" لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني، الطبعة الأولى بالمطبعة العلمية: ١٣١٣ هـ.\n٩٣ - \" سنن أبي داود \" للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، طبع مصر: ١٣٦٩ هـ.\n٩٤ - \" سنن الدارمي \" لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، مطبعة الاعتدال بدمشق: ١٣٤٩ هـ.","vol":"1","page":548},{"text":"٩٥ - \" سنن النسائي بحاشية السندي \" لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، المطبعة الميمنية: ١٣١٢ هـ.\n٩٦ - \" السنن الكبرى \" لأحمد بن الحسين البيهقي، طبع الهند - حيدر آباد.\n٩٧ - \" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \" للدكتور مصطفى السباعي، دار العروبة بالقاهرة، ١٣٨٠ هـ - ١٩٦١ م.\n٩٨ - \" سير أعلام النبلاء \" لشمس الدين الذهبي، الجزء (١ و٢ و٣) طبع دار المعارف بالقاهرة: ١٩٥٥ - ١٩٦٢ م، وبقية الأجزاء مخطوطة في دار الكتب المصرية.\n٩٩ - \" سيرة النبي - ﷺ - \" لعبد الملك بن هشام بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية بالقاهرة: ١٣٥٦ هـ - ١٩٣٧ م.\n١٠٠ - \" شذرات الذهب \" لابن العماد الحنبلي، طبع القدسي بالقاهرة: ١٣٥٠ هـ.\n١٠١ - \" شرح الأربعين النووية \" ليحيى بن شرف الدين النووي، الطبعة الثانية، شركة الشمولي بمصر.\n١٠٢ - \" شرح نهج البلاغة \" لعز الدين أبي حامد، الشهير بابن أبي الحديد، بتحقيق نور الدين شرف الدين والشيخ محمد خليل الزين، بيروت، دار الفكر.\n١٠٣ - \" شرف أصحاب الحديث \" للخطيب البغدادي، مخطوط دار الكتب المصرية.\n١٠٤ - \" صحيح البخاري بحاشية السندي \" لمحمد بن عبد الهادي السندي، طبع دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة.\n١٠٥ - \" صحيح مسلم \" للإمام مسلم بن الحجاج، بتحقيق وتصحيح وتبويب","vol":"1","page":549},{"text":"محمد فؤاد عبد الباقي، طبع دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة: ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م.\n١٠٦ - \" صحيح مسلم بشرح النووي \" للإمام يحيى بن شرف الدين النووي، المطبعة المصرية بالقاهرة: ١٣٤٩ هـ.\n١٠٧ - \" ضحى الإسلام \" لأحمد أمين، مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة، الطبعة الخامسة: ١٩٥٦ م.\n١٠٨ - \" طبقات الحفاظ \" لجلال الدين السيوطي، طبع غوطا: ١٨٣٣ م.\n١٠٩ - \" طبقات علماء إفريقية \" لأبي العرب محمد بن أحمد بن تميم التميمي، تحقيق ونشر الشيخ محمد بن أبي شنب، طبع الجزائر: سنة ١٣٣٢ هـ.\n١١٠ - \" الطبقات الكبرى \" لمحمد بن سعد، كاتب الواقدي، مطبعة بريل بليدن: ١٣٢٢ هـ.\n١١١ - \" طبقات المدلسين \" لشهاب الدين أبي الفضل (بن حجر) العسقلاني، طبع مصر: ١٣٢٢ هـ.\n١١٢ - \" ظلمات أبي رية \" لمحمد عبد الرزاق حمزة، المطبعة السلفية بالقاهرة: ١٣٧٩ هـ.\n١١٣ - \" العقد الفريد \" لأحمد بن محمد بن عبد ربه، بتحقيق محمد سعيد العريان، الطبعة الثانية، مطبعة الاستقامة بالقاهرة: ١٣٧٢ هـ - ١٩٥٣ م.\n١١٤ - \" العقيدة والشريعة في الإسلام \" (١) لأجناس جولدتسيهر، ترجمة د. محمد يوسف موسى، وعلي حسن عبد القادر، والأستاذ عبد العزيز عبد الحق، مطابع دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية: ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٩ م.\n_________\n(١) ورجعنا إليه للرد على بعض الشبهات التي أثيرت فيه حول السُنَّةِ ورواتها.","vol":"1","page":550},{"text":"١١٥ - \" علم أصول الفقه \" لعبد الوهاب خلاف، مطبعة النصر بالقاهرة، الطبعة السابعة: ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٦ م.\n١١٦ - \" علوم الحديث \" = \" مقدمة ابن الصلاح \" تقي الدين الشهرزوري (ابن الصلاح)، طبع مصر: ١٣٢٦ م.\n١١٧ - \" علوم الحديث ومصطلحه \" للدكتور صُبحي الصالح، مطبعة جامعة دمشق: ١٣٧٩ هـ - ١٩٥٩ م.\n١١٨ - \" العواصم من القواصم \" لأبي بكر بن العربي، بتحقيق محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية بالقاهرة: ١٣٧١ هـ.\n١١٩ - \" عيون الأخبار \" لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، مطبعة دار الكتب المصرية: ١٣٤٣ هـ - ١٩٢٥ م.\n١٢٠ - \" غاية النهاية في طبقات القراء \" لشمس الدين (ابن الجزري)، طبع مصر: ١٩٣٥ م.\n١٢١ - \" غوطة دمشق \" لمحمد كرد علي، دمشق، المجمع العلمي: ١٩٥٢ م.\n١٢٢ - \" فتح الباري \" لشهاب الدين بن حجر العسقلاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة: ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٩ م.\n١٢٣ - \" فتح الغفار بشرح المنار \" (\" مشكاة الأنوار في أصول المنار \") لزين الدين بن إبراهيم (ابْنُ نُجَيْمٍ الحَنَفِي)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة: ١٣٥٥ هـ - ١٩٣٦ م.\n١٢٤ - \" فتح المغيث بشرح ألفية الحديث \" لعبد الرحيم العراقي، طبع بالقاهرة: الطبعة الأولى: ١٣٥٥ هـ - ١٩٣٧ م.\n١٢٥ - \" فتوح البلدان \" لأبي الحسن البلاذري، مطبعة السعادة بالقاهرة:١٩٥٩ م.\n١٢٦ - \" فتوح مصر وأخبارها \" لعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الحكم، طبع ليدن: ١٩٢٠ م.","vol":"1","page":551},{"text":"١٢٧ - \" فجر الإسلام \" لأحمد أمين، نهضة مصر بالقاهرة، الطبعة السابعة: ١٩٥٩ م.\n١٢٨ - \" الفرق بين الحديث القدسي والقرآن والحديث النبوي \" لنوح بن مصطفى القونوي، مخطوط بدار الكتب المصرية.\n١٢٩ - \" الفرق بين الفرق \" لعبد القاهر بن محمد البغدادي، طبع دار المعارف بالقاهرة.\n١٣٠ - \" الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة \" لمحمد بن علي الشوكاني، بتحقيق عبد الرحمن بن يحيى اليماني، الطبعة الأولى: ١٣٨٠ هـ - ١٩٦٠ م.\n١٣١ - \" فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت \" لعبد العلي محمد اللَّكْنَوِي، طبع بالهند.\n١٣٢ - \" قبول الأخبار ومعرفة الرجال \" لأبي القاسم عبد الله بن أحمد البلخي، مخطوط - دار الكتب المصرية.\n١٣٣ - \" قواعد التحديث \" لجمال الدين القاسمي، طبع بدمشق: ١٣٥٢ هـ - ١٩٣٥ م.\n١٣٤ - \" القياس في الشرع الإسلامي \" لتقي الدين أحمد بن تيمية، المطبعة السلفية بالقاهرة: ١٣٧٥ هـ.\n١٣٥ - \" الكامل في التاريخ \" لعلي بن محمد عز الدين (ابن الأثير) الجزري، المطبعة المنيرية بالقاهرة: ١٣٤٨ هـ.\n١٣٦ - \" الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين وعلل الحديث \" لأبي أحمد عبد الله ابن عدي الجرجاني، مخطوط دار الكتب المصرية، تحت رقم (٩٥) مصطلح.\n١٣٧ - كتاب \" العلم \" لزهير بن حرب، مخطوط - المكتبة الظاهرية بدمشق.\n١٣٨ - \" كتاب العلم \" لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، مخطوط - المكتبة الظاهرية بدمشق.","vol":"1","page":552},{"text":"١٣٩ - \" الكشف الإلهي عن شديد الضعف والموضوع والواهي \" لمحمد بن محمد السندروسي، مخطوط - دار الكتب المصرية.\n١٤٠ - \" الكفاية في علم الرواية \" للخطيب البغدادي، طبع بالهند: ١٣٥٧ هـ.\n١٤١ - \" اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة \" لجلال الدين السيوطي، طبع بمصر: ١٣١٧ هـ.\n١٤٢ - \" لسان العرب \" لأبي الفضل محمد بن مكرم المعروف بابن منظور الإفريقي، الطبعة الأولى: ١٣٠٢ هـ.\n١٤٣ - \" لسان الميزان \" لابن حجر، طبع الهند: ١٣٢٩ هـ.\n١٤٤ - \" اللطائف في دقائق المعارف من علوم الحفاظ الأعارف \" للحافظ محمد بن أبي بكر الأصبهاني المدني. مخطوط الظاهرية بدمشق.\n١٤٥ - \" مجمع الزوائد ومنبع الفوائد \" لنور الدين الهيثمي، طبع القدسي بالقاهرة: ١٣٥٣ هـ.\n١٤٦ - \" مجموعة الوثائق السياسية \" للدكتور محمد حميد الله الحيدر آبادي، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، الطبعة الثانية: ١٩٥٨ م.\n١٤٧ - \" المحبر \" لمحمد بن حبيب، طبع بالهند: ١٣٦١ هـ - ١٩٤٢ م.\n١٤٨ - \" المحدث الفاصل بين الراوي والواعي \" للحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، مخطوط - دار الكتب المصرية.\n١٤٩ - \" مختصر كتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول \" لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل (أبو شامة) طبع مصر ضمن مجموعة: ١٣٢٨ هـ.\n١٥٠ - \" المدخل إلى السنة وعلومها \" للدكتور محمد معروف الدواليبي، مطبعة الجامعة السورية بدمشق: ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م.","vol":"1","page":553},{"text":"١٥١ - \" المدخل إلى علم أصول الفقه \" للدكتور محمد معروف الدواليبي، مطبعة الجامعة السورية بدمشق، الطبعة الثانية: ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥ م.\n١٥٢ - \" المدخل في أصول الحديث \" لأبي عبد الله النيسابوري (الحاكم)، طبع بإشراف الشيخ راغب الطباخ بحلب.\n١٥٣ - \" المدخل لدراسة القرآن الكريم \" للدكتور محمد محمد أبو شهبة، مطبعة الأزهر بالقاهرة: ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م.\n١٥٤ - \" مسالك الأبصار في ممالك الأمصار \" لابن فضل الله العمري، طبع دار الكتب المصرية.\n١٥٥ - \" المستدرك على الصحيحين \" لأبي عبد الله النيسابوري (الحاكم)، طبع حيدر آباد: ١٣٤١ هـ.\n١٥٦ - \" مسند الإمام أحمد \" للإمام أحمد بن حنبل الشيباني، بتحقيق أحمد محمد شاكر، طبع دار المعارف بالقاهرة.\n١٥٧ - \" مسند الإمام الشهيد زيد \"، جمع عبد العزيز البغدادي، طبع بالقاهرة: ١٣٤٠ هـ - ١٩٢٠ م.\n١٥٨ - \" مسند عبد الله بن عمرو وصحيفته الصادقة \" للسيد محمد سيف الدين عليش، رسالة ماجستير في مكتبة كلية دار العلوم.\n١٥٩ - \" مصادر الشعر الجاهلي \" للدكتور [ناصر] الدين الأسد، دار المعارف بالقاهرة: ١٩٥٦ م.\n١٦٠ - \" المصباح المضيء \" لمحمد بن علي الأنصاري، مخطوط - مكتبة الأوقاف بحلب.\n١٦١ - \" مصنف ابن أبي شيبة \" لأبي بكر بن أبي شيبة، مخطوطة الظاهرية.\n١٦٢ - \" معجم البلدان \" لياقوت الحموي، مطبعة السعادة، الطبعة الأولى: ١٣٢٣ هـ - ١٩٠٦ م.","vol":"1","page":554},{"text":"١٦٣ - \" معجم المؤلفين \" لعمر رضا كحالة، مطبعة الترقي بدمشق: ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م.\n١٦٤ - \" معرفة السنن والآثار \" لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، فيلم في معهد المخطوطات بالجامعة العربية، عن مخطوط بالجامعة الأمريكية في بيروت.\n١٦٥ - \" المغازي الأولى ومؤلفوها \" للمستشرق يوسف هورفتس، ترجمة حسين نصار، طبع مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة.\n١٦٦ - \" المقاصد الحسنة \" لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، بتحقيق عبد الله محمد الصديق، مصر: ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م.\n١٦٧ - \" مقدمة التمهيد \" لأبي عمر يوسف بن عبد البر، مخطوط: مصورة معهد المخطوطات بالجامعة العربية.\n١٦٨ - \" الملل والنحل \" لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني، بتحقيق محمد بن فتح الله بدران، الطبعة الأولى بمصر.\n١٦٩ - \" المنار \" لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر (ابن قيم الجوزية) مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة.\n١٧٠ - \" المنار \" (مجلة) بحث للسيد رشيد رضا حول كتابة الحديث.\n١٧١ - \" المنتقى من منهاج الاعتدال \" لتقي الدين أحمد بن تيمية، اختصر الذهبي من \" منهاج السنة \" بتحقيق محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية بالقاهرة: ١٣٧٤ هـ.\n١٧٢ - \" المنهج الحديث في علوم الحديث \" للدكتور محمد محمد السماحي، مطبعة الأزهر بالقاهرة: ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م.\n١٧٣ - \" منهج ذوي النظر \" لمحمد محفوظ بن عبد الله الترمسي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثالثة: ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥ م.","vol":"1","page":555},{"text":"١٧٤ - \" الموطأ \" للإمام مالك بن أنس، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبع مصر، عيسى الحلبي: ١٣٧٠ هـ.\n١٧٥ - \" ميزان الاعتدال \" للحافظ شمس الدين الذهبي، مطبعة السعادة بالقاهرة، الطبعة الأولى: ١٣٢٥ هـ.\n١٧٦ - \" النجوم الزاهرة \" ليوسف بن تغري بردي، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة: ١٣٤٨ هـ - ١٩٢٩ م.\n١٧٧ - \" نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي \" للدكتور علي حسن عبد القادر، مطبعة العلوم بمصر، الطبعة الثانية: ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م.\n١٧٨ - \" نور اليقين \" لمحمد الخضري بك، طبع دار الأدب العربي بالقاهرة، الطبعة الثانية عشرة: ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥ م.\n١٧٩ - \" وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان \" لأحمد بن محمود (ابن خلكان) مصر، المطبعة الميمنية: ١٣١٠ هـ.\n١٨٠ - \" الولاة والقضاة \" لأبي عمر محمد بن يوسف الكندي المصري، تحقيق (رفن كست) طبع بيروت: سنة ١٩٠٨ م.\n\n...\n\nالمراجع الأجنبية (١)\n\nHistoire Générale des religions -Paris (VIIe) ١٩٤٨ - Quillet.\nShorter Encyclopaedia of Islam by H. A. R. Gill،I. H. Kramer، ١٩٥٣ London.\n_________\n(١)  رجعنا إليها لنقل آراء المستشرقين والرد عليها.","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>فهرس الكتب المعرف بها:</span>\n- \" أسد الغابة في معرفة الصحابة \" لعلي بن محمد (ابن الأثير): ٢٦٢.\n- \" إسعاف المبطأ برجال الموطأ \" لجلال الدين السيوطي: ٢٧٣.\n- \" اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار \" للرشاطي: ٢٧٩.\n- \" الأحاديث الموضوعة التي يرويها العامة والقصاص \" لعبد السلام (ابن تيمية): ٢٨٨.\n- \" الاستيعاب في معرفة الأصحاب \" ليوسف بن محمد (ابن عبد البر): ٢٦٢.\n- الأسماء والكنى \" لعلي بن عبد الله المديني: ٢٧٦.\n- \" الأسماء والكنى \" لأحمد بن حنبل: ٢٧٦.\n- \" الأسماء والكنى \" للحاكم الكبير محمد بن محمد النيسابوري: ٢٧٦.\n- \" الإصابة في تمييز الصحابة \" لابن حجر العسقلاني: ٢٦٣.\n- \" الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط \" لسبط بن العجمي: ٢٨٦.\n- \" الاكتساب في تلخيص كتب الأنساب \": لمحمد بن محمد الخيضري: ٢٨٠.\n- \" الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب \" لابن ماكولا: ٢٧٧.\n- \" الأنساب \" لعبد الكريم السمعاني: ٢٨٠.\n- \" الأنساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط والضبط \" لمحمد بن طاهر المقدسي: ٢٧٩.\n- \" الباعث على الخلاص من حوادث القصاص \" لعبد الرحيم العراقي: ٢٨٨.\n- \" البدر المنير في صحابة البشير النذير \" لمحمد قائم السندي: ٢٦٣.\n- \" تاريخ أسماء الثقات ممن نقل عنهم العلم \" لأبي حفص (ابن شاهين): ٢٨٥.\n- \" تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام \" للذهبي: ٢٧١.","vol":"1","page":596},{"text":"- \" تاريخ بغداد \" للخطيب البغدادي: ٢٦٧.\n- \" تاريخ دمشق \" لعلي بن الحسين (ابن عساكر): ٢٦٨.\n- \" تاريخ الرواة \" ليحيى بن معين: ٢٦٥.\n- \" تاريخ الضعفاء والمتروكين \": لأحمد بن علي النسائي: ٢٨٢.\n- \" تاريخ في الثقات والضعفاء \" لأحمد بن أبي خيثمة النسائي: ٢٨٢.\n- \" تاريخ نيسابور \" لمحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري: ٢٦٧.\n- \" تجريد أسماء الصحابة \" لمحمد بن أحمد الذهبي: ٢٦٢.\n- \" تحذير المسلمين من الأحاديث الموضوعة على سيد المرسلين \" لمحمد البشير ظافر \" ٢٨٩.\n- \" تحفة ذوي الأرب في مشكل الأسماء والنسب \" لابن خطيب الدهشة: ٢٧٨.\n- \" تذكرة الموضوعات \" لمحمد بن طاهر الفتني: ٢٨٩.\n- \" تذكرة الموضوعات \" لمحمد بن طاهر المقدسي: ٢٨٧.\n- \" تذهيب تهذيب الكمال \" لمحمد بن أحمد الذهبي: ٢٧١.\n- \" تكملة المؤتلف والمختلف \" للخطيب البغدادي: ٢٧٧.\n- \" تلخيص المتشابه في الرسم في أسماء الرواة \" للخطيب البغدادي: ٢٧٧.\n- \" تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة \" لابن عراق الكناني: ٢٨٨.\n- \" تهذيب التهذيب \" لابن حجر العسقلاني: ٢٧٢.\n- \" تهذيب التهذيب \" لابن حجر العسقلاني: ٢٧٢.\n- \" تهذيب الكمال في أسماء الرجال \" لجمال الدين المزي: ٢٧٠.\n- \" التاريخ \" لأحمد بن حنبل: ٢٦٥.\n- \" التاريخ \" لخليفة بن خياط الشيباني العصفري: ٢٦٥.","vol":"1","page":597},{"text":"- \" التاريخ الكبير \" لأبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم: ٢٦٦.\n- \" التاريخ الكبير \" لمحمد بن إسماعيل البخاري: ٢٦٥.\n- \" التبيين لأسماء المدلسين \" لسبط بن العجمي: ٢٨٦.\n- \" التذكرة برجال العشرة \" لمحمد بن علي الحسيني الدمشقي: ٢٧٢.\n- \" التذكرة في الأحاديث المشتهرة \" لبدر الدين الزركشي: ٢٩٠.\n- \" التدوين في ذكر أخبار قزوين \" لعبد الكريم القزويني: ٢٦٩.\n- \" التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد \" لابن نقطة: ٢٧٠.\n- \" الثقات \" لأبي حاتم بن حبان البُستي: ٢٨٤.\n- \" الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة \" لقاسم بن قطلوبغا: ٢٨٦.\n- \" جامع الأصول لأحاديث الرسول \" لمجد الدين (ابن الأثير): ٢٦٩.\n- \" الجرح والتعديل \" لإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ٢٨٢.\n- \" الجرح والتعديل \" لأحمد بن حنبل: ٢٨١.\n- \" الجرح والتعديل \" لعبد الرحمن بن أبي حاتم: ٢٨٢.\n- \" الجمع بين رجال الصحيحين \" لمحمد بن طاهر المقدسي: ٢٦٨.\n- \" در السحابة في من دخل مصر من الصحابة \" للسيوطي: ٢٦٣.\n- \" الرياض المتسطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة \" ليحيى العامري: ٢٦٣.\n- \" السابق واللاحق في تباعد ما بين وفاة الراويين عن شيخ واحد \" للخطيب البغدادي: ٢٦٧.\n- \" الضعفاء \" لمحمد بن إسماعيل البخاري: ٢٨٢.","vol":"1","page":598},{"text":"- \" الضعفاء \" لمحمد بن عبد الله البرقي: ٢٨٢.\n- \" الضعفاء والمتروكين \" - أو \" أسماء الضعفاء الواضعين \" لابن الجوزي: ٢٨٥.\n- \" طبقات التابعين \" لمسلم بن الحجاج القشيري: ٢٧٤.\n- \" طبقات الحفاظ \" للذهبي: ٢٧٤.\n- \" طبقات الحفاظ \" للسيوطي: ٢٧٥.\n- \" طبقات الرواة \" لخليفة بن خياط: ٢٧٤.\n- \" طبقات المحدثين والرواة \" لأبي نعيم الأصبهاني: ٢٧٤.\n- \" الطبقات الكبرى \" لمحمد بن سعد: ٢٧٣.\n- \" فتح الباب في الكنى والألقاب \" لمحمد بن إسحاق بن منده الأصبهاني: ٢٧٦.\n- \" الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة \" لمحمد بن علي الشوكاني: ٢٨٩.\n- \" قانون الأخبار الموضوعة والرجال الضعفاء \" لمحمد بن طاهر الفتني: ٢٨٩.\n- \" كتاب التابعين \" لمحمد بن حبان البستي: ٢٧٤.\n- \" كتاب المعرفة \" لعبد الله بن عيسى المروزي: ٢٦٢.\n- \" كتاب الكنى والأسماء \" لمسلم بن الحجاج النيسابوري: ٢٧٦.\n- \" كشف النقاب عن الأسماء والألقاب \" لابن الجوزي: ٢٧٨.\n- \" الكامل \" لعبد الله بن محمد بن عدي: ٢٨٥.\n- \" الكشف الإلهي عن شديد الضعف والموضوع والواهي \" لمحمد السندروسي: ٢٨٩.\n- \" الكمال في أسماء الرجال \" لعبد الغني المقدسي: ٢٦٩ (*).\n- \" الكنى \" للبخاري ولغيره: ٢٧٦.\n- \" الكنى والأسماء \" لأبي بشر الدولابي: ٢٧٦.\n- \" لسان الميزان \" لابن حجر العسقلاني: ٢٨٦.\n_________\n[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:\n(*) انظر أَيْضًا: \" تهذيب الكمال في أسماء الرجال \" للمزي: ص ٢٧٠.","vol":"1","page":599},{"text":"- \" اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة \" للسيوطي: ٢٨٨.\n- \" اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة \" لابن حجر العسقلاني: ٢٩٠.\n- \" اللباب \" لعلي بن محممد الشيباني الجزري: ٢٨٠.\n- \" ما اتفق من أسماء المحدثين وأنسابهم غير أن في بعضه زيادة حرف واحد \" للخطيب البغدادي: ٢٧٩.\n- \" معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان \" لعلي بن عبد الله المديني: ٢٦١.\n- \" ميزان الاعتدال \" للذهبي: ٢٨٦.\n- \" الموتلف والمختلف في أسماء نقلة الحديث \" لعبد الغني الأسدي: ٢٧٧.\n- \" المدخل \" للحاكم، محمد بن عبد الله النيسابوري: ٢٨٥.\n- \" المستدرك على الإكمال لابن ماكولا \" لابن نقطة: ٢٧٨.\n- \" المشتبه في أسماء الرجال \" للذهبي: ٢٧٨.\n- \" المشتبه في النسبة \" لعبد الغني الأسدي: ٢٧٧.\n- \" المعجم \" في تاريخ المحدثين لعبد الكريم السمعاني: ٢٦٩.\n- \" المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم لم يصح شيء في هذا الباب \" لعمر الموصلي: ٢٨٨.\n- \" المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة \" للسخاوي: ٢٩٠.\n- \" الموضوعات الكبرى \" لعبد الرحمن بن الجوزي: ٢٧٨.\n- \" الموضوعات في الأحاديث المرفوعات \" للحسين بن إبراهيم الجوزقي: ٢٨٧.\n- \" نزهة الألباب في الألقاب \" لابن حجر العسقلاني: ٢٧٩.\n- \" نسبة المحدثين إلى الآباء والبلدان \" لمحمد بن محمود (ابن النجار): ٢٨٠.\n- \" الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد \" للكلاباذي: ٢٦٦.","vol":"1","page":600}]}