{"ً":{"ٌ":96453,"ٍ":"أحكام الجنائز ١","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: أحكام الجنائز - مفهوم، واغتنام، ومواعظ، وآداب، وحقوق وصبر، واحتساب، وفضائل، وأحكام في ضوء الكتاب والسنة\nالمؤلف: د. سعيد بن على بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٣٨٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":18,"ٖ":1770154051,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أولا: مفهوم الجنائز","level":1,"page":4},{"title":"ثانيا: اغتنام الأوقات والأحوال بالأعمال الصالحة","level":1,"page":4},{"title":"ثالثا: الاجتهاد في حالة الصحة في الأعمال الصالحة","level":1,"page":11},{"title":"رابعا: الأمور التي تعين على الاستعداد للآخرة بالأعمال الصالحة","level":1,"page":11},{"title":"١ - الإكثار من ذكر الموت والاستعداد للقاء الله تعالى","level":2,"page":11},{"title":"٢ - ذكر القبر والبلى","level":2,"page":15},{"title":"٣ - قصر الأمل والاستعداد للموت بالأعمال الصالحة","level":2,"page":16},{"title":"٤ - القناعة وغنى النفس والتوكل على الله","level":2,"page":20},{"title":"٥ - الإكثار من التفكر في أحوال المحتضرين","level":2,"page":24},{"title":"٦ - التفكر في أحوال الظالمين عند الاحتضار","level":2,"page":37},{"title":"٧ - تذكر الحمل على الأكتاف وتشييع الناس له","level":2,"page":38},{"title":"٨ - تذكر فتنة القبر وسؤال منكر ونكير","level":2,"page":40},{"title":"٩ - تذكر نعيم القبر وعذابه","level":2,"page":48},{"title":"١٠ - الحذر من التنافس في الدنيا والانشغال بها","level":2,"page":65},{"title":"١١ - طلب حسن الخاتمة بالقول والعمل","level":2,"page":69},{"title":"* السبب الأول: خوف الله - ﷿ -","level":3,"page":71},{"title":"* السبب الثاني: التوبة من جميع الذنوب والمعاصي","level":3,"page":72},{"title":"* السبب الثالث: الدعاء بحسن الخاتمة وإظهار الافتقار إلى الله - ﷿ -","level":3,"page":74},{"title":"* السبب الرابع: قصر الأمل","level":3,"page":75},{"title":"* السبب الخامس: بغض المعاصي والابتعاد عنها","level":3,"page":76},{"title":"* السبب السادس: الصبر عند المصائب","level":3,"page":77},{"title":"* السبب السابع: حسن الظن بالله - ﷿ -","level":3,"page":78},{"title":"* السبب الثامن: معرفة ما أعده الله - ﷿ - من النعيم المقيم للمؤمنين","level":3,"page":78},{"title":"١٢ - معرفة قصر الحياة الدنيا","level":2,"page":79},{"title":"١٣ - معرفة فضل البكاء من خشية الله تعالى","level":2,"page":83},{"title":"خامسا: آداب المريض الواجبة والمستحبة","level":1,"page":85},{"title":"١ - الصبر والاحتساب","level":2,"page":85},{"title":"٢ - لا يسأل البلاء","level":2,"page":89},{"title":"٣ - الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى","level":2,"page":90},{"title":"* القدر في اللغة","level":3,"page":91},{"title":"* القدر في الشرع","level":3,"page":91},{"title":"* معنى القضاء","level":3,"page":91},{"title":"* العلاقة بين القضاء والقدر","level":3,"page":92},{"title":"* المرتبة الأولى: العلم","level":4,"page":99},{"title":"* المرتبة الثانية: كتابة الله - ﷿ - لجميع الأشياء والمقادير في اللوح المحفوظ","level":4,"page":99},{"title":"* المرتبة الثالثة: مشيئة الله النافذة","level":4,"page":101},{"title":"* المرتبة الرابعة: الخلق فالله - ﷿ - خالق كل شيء","level":4,"page":101},{"title":"٤ - الابتعاد والحذر كل الحذر من الاغترار بالأعمال","level":2,"page":102},{"title":"٥ - الجمع بين الخوف والرجاء","level":2,"page":104},{"title":"٦ - يرضى بقدر الله وقضائه - ﷾ -","level":2,"page":107},{"title":"* النوع الأول: ديني شرعي يجب الرضا به","level":3,"page":107},{"title":"* النوع الثاني: الكوني القدري، فهذا النوع على ثلاثة أقسام","level":3,"page":108},{"title":"- القسم الأول: يجب الرضا به: كالنعم","level":4,"page":108},{"title":"- القسم الثاني: لا يجوز الرضا به: كالمعائب والذنوب","level":4,"page":108},{"title":"- القسم الثالث: ما يستحب الرضا به على الصحيح ولا يجب: كالمصائب","level":4,"page":108},{"title":"٧ - لا ينسب الشر إلى الله - ﷿ -","level":2,"page":109},{"title":"٨ - يحمد الله على كل حال","level":2,"page":111},{"title":"٩ - يحسن الظن بالله تعالى","level":2,"page":112},{"title":"١٠ - يطهر ثيابه ويختار أجملها","level":2,"page":113},{"title":"١١ - لا يتمنى الموت لضر نزل به","level":2,"page":114},{"title":"١٢ - لا بأس أن يتداوى المريض","level":2,"page":115},{"title":"١٣ - يرقي نفسه","level":2,"page":119},{"title":"١٤ - يؤدي الحقوق لأصحابها","level":2,"page":120},{"title":"* القسم الأول: ظلم النفس، وهو نوعان:","level":3,"page":127},{"title":"النوع الأول: ظلم النفس بالشرك","level":4,"page":127},{"title":"النوع الثاني: ظلمها بالمعاصي","level":4,"page":128},{"title":"* القسم الثاني: ظلم العبد لغيره من الخلق","level":3,"page":128},{"title":"١٥ - يشرع له أن يوصي بالثلث فأقل لغير وارث","level":2,"page":129},{"title":"١٦ - يحرم عليه الإضرار في الوصية","level":2,"page":132},{"title":"١٧ - يقلم أظفاره ويحلق عانته","level":2,"page":134},{"title":"١٨ - يجتهد أن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله","level":2,"page":134},{"title":"سادسا: آداب زيارة المريض","level":1,"page":135},{"title":"١ - زيارة المريض حق على أخيه المسلم","level":2,"page":135},{"title":"٢ - ينوي بعيادة المريض القيام بحق أخيه المسلم","level":2,"page":136},{"title":"٣ - يدعو للمريض بالشفاء","level":2,"page":138},{"title":"٤ - يدعوه إلى التوبة وإحسان الظن بالله","level":2,"page":138},{"title":"٥ - يدعوه إلى الإسلام إن كان كافرا","level":2,"page":139},{"title":"٦ - يبين له فضل المرض وما يكفر من السيئات","level":2,"page":139},{"title":"٧ - يلقنه إذا كان في حالة النزع (لا إله إلا الله)","level":2,"page":140},{"title":"٨ - لا يقول في حضور المريض إلا خيرا","level":2,"page":140},{"title":"٩ - يوجه المحتضر إلى القبلة إن تيسر","level":2,"page":140},{"title":"سابعا: الآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم","level":1,"page":142},{"title":"١ - يغمض إذا خرجت الروح","level":2,"page":142},{"title":"٢ - يدعى له","level":2,"page":142},{"title":"٣ - يغطى بثوب يستر جميع بدنه","level":2,"page":143},{"title":"٤ - لا يغطى رأس المحرم ولا وجهه","level":2,"page":143},{"title":"٥ - يعجل بتجهيزه وإخراجه إذا بان موته","level":2,"page":143},{"title":"٦ - يدفن في البلد الذي مات فيه","level":2,"page":143},{"title":"٧ - لو مات في غير مولده دفن مكانه وكان خيرا له","level":2,"page":144},{"title":"٨ - يبادر بقضاء دينه بعد موته من ماله","level":2,"page":145},{"title":"٩ - تنفذ وصيته: الثلث فأقل","level":2,"page":147},{"title":"ثامنا: الأمور التي تجوز للحاضرين وغيرهم","level":1,"page":147},{"title":"١ - كشف وجه الميت","level":2,"page":147},{"title":"٢ - تقبيله","level":2,"page":147},{"title":"٣ - البكاء عليه بدمع العين","level":2,"page":147},{"title":"٤ - صنع الطعام لأهل الميت","level":2,"page":149},{"title":"تاسعا: الأمور الواجبة على أقارب الميت وغيرهم","level":1,"page":150},{"title":"١ - الصبر","level":2,"page":150},{"title":"٢ - الاسترجاع","level":2,"page":150},{"title":"عاشرا: الأمور المحرمة على أقارب الميت وغيرهم","level":1,"page":154},{"title":"١ - النياحة","level":2,"page":154},{"title":"٢ - الدعاء بدعوى الجاهلية","level":2,"page":156},{"title":"٣ - ضرب الخدود","level":2,"page":156},{"title":"٤ - شق الجيوب","level":2,"page":156},{"title":"٥ - رفع الصوت عند المصيبة","level":2,"page":156},{"title":"٦ - حلق الشعر","level":2,"page":156},{"title":"٧ - الويل والدعاء به","level":2,"page":156},{"title":"٨ - نشر الشعر","level":2,"page":156},{"title":"٩ - النعي المحرم","level":2,"page":157},{"title":"الحادي عشر: النعي المباح الجائز","level":1,"page":157},{"title":"الثاني عشر: العلامات التي تدل على حسن الخاتمة","level":1,"page":162},{"title":"١ - نطقه بالشهادة عند الموت من أعظم البشارات","level":2,"page":162},{"title":"٢ - الموت برشح الجبين","level":2,"page":162},{"title":"٣ - الموت ليلة الجمعة أو نهارها","level":2,"page":162},{"title":"٤ - الاستشهاد في ساحة القتال","level":2,"page":163},{"title":"٥ - من مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد","level":2,"page":164},{"title":"٦ - المطعون شهيد","level":2,"page":164},{"title":"٧ - المبطون شهيد","level":2,"page":164},{"title":"٨ - الغرق شهيد","level":2,"page":164},{"title":"٩ - وصاحب الهدم شهيد","level":2,"page":164},{"title":"١٠ - والحريق شهيد","level":2,"page":164},{"title":"١١ - صاحب ذات الجنب شهيد","level":2,"page":164},{"title":"١٢ - المرأة تموت بجمع شهيدة","level":2,"page":164},{"title":"١٣ - من قتل دون ماله فهو شهيد","level":2,"page":164},{"title":"١٤ - من قتل دون أهله فهو شهيد","level":2,"page":164},{"title":"١٥ - من قتل دون دينه فهو شهيد","level":2,"page":165},{"title":"١٦ - من قتل دون دمه فهو شهيد","level":2,"page":165},{"title":"١٧ - من قتل دون مظلمته فهو شهيد","level":2,"page":165},{"title":"١٨ - السل شهادة","level":2,"page":165},{"title":"١٩ - الموت مرابطا في سبيل الله تعالى","level":2,"page":167},{"title":"٢٠ - الموت على عمل صالح","level":2,"page":167},{"title":"٢١ - ثناء الناس على الميت","level":2,"page":168},{"title":"الثالث عشر: فضائل الصبر والاحتساب على المصائب","level":1,"page":169},{"title":"١ - صلوات الله ورحمته وهدايته للصابرين","level":2,"page":169},{"title":"٢ - الاستعانة بالصبر من أسباب السعادة","level":2,"page":171},{"title":"٣ - محبة الله للصابرين","level":2,"page":171},{"title":"٤ - معية الله للصابرين","level":2,"page":171},{"title":"٥ - استحقاق دخول الجنة لمن صبر","level":2,"page":171},{"title":"٦ - الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب","level":2,"page":171},{"title":"٧ - جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ","level":2,"page":172},{"title":"٨ - ما أصاب من مصيبة في النفس، والمال والولد، والأحباب، ونحوهم إلا بقضاء الله وقدره","level":2,"page":172},{"title":"٩ - الله تعالى يجزي الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون","level":2,"page":173},{"title":"١٠ - ما يقال عند المصيبة","level":2,"page":173},{"title":"١١ - الأجر العظيم والثواب الكثير والفوز بالجنة","level":2,"page":174},{"title":"١٢ - أشد الناس بلاء: الأنبياء","level":2,"page":175},{"title":"١٣ - من كان بلاؤه أكثر فثوابه وجزاؤه أعظم وأكمل","level":2,"page":176},{"title":"١٤ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة","level":2,"page":177},{"title":"١٥ - فضل من يموت له ولد فيحتسبه","level":2,"page":177},{"title":"١٦ - من مات له ثلاثة من الولد","level":2,"page":178},{"title":"١٧ - من قدم اثنين من أولاده دخل الجنة","level":2,"page":178},{"title":"١٨ - من مات له واحد من أولاده فاحتسبه وصبر دخل الجنة","level":2,"page":179},{"title":"١٩ - من مات له ولد فاحتسبه وجده ينتظره عند باب الجنة","level":2,"page":180},{"title":"٢٠ - المؤمن إذا مات ولده سواء كان ذكرا أو أنثى وصبر واحتسب وحمد الله على تدبيره وقضائه بنى الله له بيتا في الجنة","level":2,"page":180},{"title":"٢١ - السقط يجر أمه بسرره إلى الجنة","level":2,"page":181},{"title":"٢٢ - أولاد المسلمين في الجنة","level":2,"page":181},{"title":"٢٣ - من تصبر ودرب نفسه على الصبر صبره الله وأعانه وسدده","level":2,"page":182},{"title":"٢٤ - من أراد الله به خيرا أصابه بالمصائب","level":2,"page":183},{"title":"٢٥ - أمر المؤمن كله خير في السراء والضراء","level":2,"page":183},{"title":"٢٦ - المصيبة تحط الخطايا حطا","level":2,"page":183},{"title":"٢٧ - يجتهد المسلم في استكمال شروط الصبر","level":2,"page":184},{"title":"الشرط الأول: الإخلاص لله - ﷿ - في الصبر","level":3,"page":184},{"title":"الشرط الثاني: عدم شكوى الله تعالى إلى العباد","level":3,"page":184},{"title":"الشرط الثالث: أن يكون الصبر في أوانه","level":3,"page":185},{"title":"٢٨ - أمور لا تنافي الصبر","level":2,"page":185},{"title":"الأمر الأول: الشكوى إلى الله تعالى","level":3,"page":185},{"title":"الأمر الثاني: الحزن ودمع العين","level":3,"page":186},{"title":"٢٩ - الأمور التي تعين على الصبر على المصيبة","level":2,"page":189},{"title":"* الأمر الأول: معرفة جزاء المصيبة وثوابها","level":3,"page":189},{"title":"* الأمر الثاني: العلم بتكفيرها للسيئات","level":3,"page":189},{"title":"* الأمر الثالث: الإيمان بالقدر السابق بها","level":3,"page":190},{"title":"* الأمر الرابع: معرفة حق الله في تلك البلوى","level":3,"page":190},{"title":"* الأمر الخامس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له","level":3,"page":190},{"title":"* الأمر السادس: العلم بترتبها عليه بذنبه","level":3,"page":190},{"title":"* الأمر السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة دواء نافع","level":3,"page":190},{"title":"* الأمر الثامن: أن يعلم أن عاقبة هذا الدواء","level":3,"page":190},{"title":"* الأمر التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه","level":3,"page":190},{"title":"* الأمر العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء","level":3,"page":191},{"title":"* الأمر الحادي عشر: معرفة طبيعة الحياة الدنيا","level":3,"page":191},{"title":"* الأمر الثاني عشر: معرفة الإنسان نفسه","level":3,"page":192},{"title":"* الأمر الثالث عشر: اليقين بالفرج","level":3,"page":192},{"title":"* الأمر الرابع عشر: الاستعانة بالله","level":3,"page":193},{"title":"* الأمر الخامس عشر: التأسي بأهل الصبر","level":3,"page":193},{"title":"* الأمر السادس عشر: استصغار المصيبة","level":3,"page":193},{"title":"* الأمر السابع عشر: العلم أن المصيبة في غير الدين أهون","level":3,"page":194},{"title":"* الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة","level":3,"page":194},{"title":"- الأدلة من الكتاب","level":4,"page":194},{"title":"- الأدلة من السنة المطهرة","level":4,"page":196},{"title":"* الأمر التاسع عشر: العلم بأن الله تعالى يجمع بين المؤمن وذريته","level":3,"page":203},{"title":"الرابع عشر: غسل الميت","level":1,"page":206},{"title":"الأمر الأول: معرفة العلامات التي تدل على خروج الروح","level":2,"page":206},{"title":"١ - شخوص البصر: أي انفتاحه","level":3,"page":206},{"title":"٢ - انخساف الصدغين","level":3,"page":206},{"title":"٣ - ميل الأنف إلى اليمين أو الشمال","level":3,"page":206},{"title":"٤ - انفصال الكفين","level":3,"page":206},{"title":"٥ - استرخاء الرجلين","level":3,"page":206},{"title":"٦ - سكون القلب ووقوف ضرباته تماما","level":3,"page":206},{"title":"٧ - امتداد جلدة الوجه أحيانا","level":3,"page":206},{"title":"الأمر الثاني: آداب يحتاج إليها الميت عقب موته","level":2,"page":207},{"title":"١ - تغميض عينيه","level":3,"page":207},{"title":"٢ - يدعى له","level":3,"page":207},{"title":"٣ - شد لحييه","level":3,"page":207},{"title":"٤ - تليين مفاصله","level":3,"page":207},{"title":"٥ - تخلع ثيابه ويستر بثوب يكون شاملا للبدن كله","level":3,"page":208},{"title":"٦ - يوضع على بطنه شيء ثقيل","level":3,"page":209},{"title":"٧ - يجعل على سرير غسله أو لوح","level":3,"page":209},{"title":"الأمر الثالث: الإسراع بتجهيزه","level":2,"page":210},{"title":"الأمر الرابع: معرفة الفضل والأجر العظيم، لمن تولى غسل الميت المسلم","level":2,"page":210},{"title":"الأمر الخامس: معرفة حرمة المسلم ومنزلته وكرامته حيا وميتا","level":2,"page":212},{"title":"الأمر السادس: حكم تغسيل الميت: فرض كفاية","level":2,"page":213},{"title":"الأمر السابع: لا يغسل الذكر إلا الرجال أو الزوجة والأمة","level":2,"page":213},{"title":"الأمر الثامن: شهيد المعركة الذي مات في موضعه لا يغسل","level":2,"page":215},{"title":"الأمر التاسع: المحرم لا يطيب ولا يحنط ولا يغطى رأسه ولا وجهه","level":2,"page":216},{"title":"الأمر العاشر: لا يغسل الميت إلا: المسلم، العاقل، المميز، الأمين الثقة","level":2,"page":216},{"title":"الأمر الحادي عشر: صفة غسل الميت","level":2,"page":218},{"title":"١ - يجعل على سرير في مكان مستور عن جميع الأنظار","level":3,"page":218},{"title":"٢ - لا يحضره إلا من يباشر تغسيله أو من يحتاج إليه","level":3,"page":218},{"title":"٣ - يلين مفاصله، وهو أن يرد ذراعيه إلى عضديه، وعضديه إلى جنبيه","level":3,"page":219},{"title":"٤ - يوضع على عورة الميت ستر من سرته إلى ركبته","level":3,"page":219},{"title":"٥ - يجرد من ثيابه بعد ستر عورته","level":3,"page":219},{"title":"٦ - تقلم أظفاره، ويقص شاربه","level":3,"page":219},{"title":"٧ - يبدأ فيحني الميت حنيا رفيقا لا يبلغ به الجلوس","level":3,"page":221},{"title":"٨ - يلف الغاسل على يده اليسرى خرقة","level":3,"page":221},{"title":"٩ - يلف الغاسل على يده خرقة أخرى أو ليفة أو نحوهما","level":3,"page":222},{"title":"١٠ - يوضئه وضوءه للصلاة، ثم يبدأ بالميامن وأعضاء الوضوء","level":3,"page":222},{"title":"١١ - يؤتى بالسدر فيغسل رأسه برغوة السدر","level":3,"page":223},{"title":"١٢ - يبدأ بغسل جسد الميت فيبدأ بشقه الأيمن","level":3,"page":223},{"title":"الأمر الثاني عشر: السنة الاغتسال من غسل الميت","level":2,"page":226},{"title":"الخامس عشر: تكفين الميت","level":1,"page":227},{"title":"الأمر الأول: حكم تكفين الميت المسلم، فرض كفاية","level":2,"page":227},{"title":"الأمر الثاني: معرفة الفضل والأجر العظيم لمن تولى تكفين الميت المسلم","level":2,"page":227},{"title":"الأمر الثالث: الكفن أو ثمنه من مال الميت","level":2,"page":227},{"title":"الأمر الرابع: يكفن المحرم في ثوبيه الذي مات فيهما","level":2,"page":228},{"title":"الأمر الخامس: يكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها","level":2,"page":228},{"title":"الأمر السادس: يكون الكفن سابغا طائلا يستر جميع بدن الميت","level":2,"page":230},{"title":"الأمر السابع: إذا ضاق الكفن ستر به رأس الميت وما طال من جسده","level":2,"page":230},{"title":"الأمر الثامن: إذا قلت الأكفان وكثر الموتى جاز تكفين الجماعة منهم","level":2,"page":231},{"title":"الأمر التاسع: إحسان الكفن","level":2,"page":231},{"title":"الأمر العاشر: يستحب في الكفن ما يأتي","level":2,"page":232},{"title":"١ - يستحب البياض","level":3,"page":232},{"title":"٢ - يكون ثلاثة أثواب","level":3,"page":232},{"title":"٣ - تجمير الكفن ثلاثا لغير المحرم، وهو التبخير بالعود","level":3,"page":232},{"title":"الأمر الحادي عشر: لا يغالى في الكفن ولا يزاد فيه على ثلاثة أثواب","level":2,"page":233},{"title":"الأمر الثاني عشر: كفن الرجل والمرأة، الواجب فيه الثوب الساتر","level":2,"page":233},{"title":"الأمر الثالث عشر: صفة تكفين الميت","level":2,"page":235},{"title":"١ - تقص الأربطة من نفس عرض الكفن","level":3,"page":235},{"title":"٢ - تجمر الأكفان ثلاث مرات","level":3,"page":235},{"title":"٣ - يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض","level":3,"page":235},{"title":"٤ - تبسط اللفافة الأولى على النعش أو على سرير تكفين الميت","level":3,"page":235},{"title":"٥ - يبسط فوق اللفافة الأولى اللفافة الثانية","level":3,"page":235},{"title":"٦ - يبسط فوق اللفافة الثانية اللفافة الثالثة","level":3,"page":235},{"title":"٧ - يوضع على اللفائف خرقة مثل التبان","level":3,"page":235},{"title":"٨ - ينقل الميت على الأكفان بساتر العورة الذي يستر عورته","level":3,"page":236},{"title":"٩ - يؤتى بدهن العود أو المسك","level":3,"page":236},{"title":"١٠ - توضع يداه محاذيتين لجنبيه، ويربط التبان","level":3,"page":236},{"title":"١١ - يبدأ بإحكام الكفن فيرد طرف اللفافة الأولى","level":3,"page":237},{"title":"١٢ - يبدأ بالأربطة، فيبدأ بالرباط على الرأس","level":3,"page":237},{"title":"١٣ - تكفن المرأة في خمسة أثواب بيض","level":3,"page":238},{"title":"السادس عشر: الصلاة على الميت","level":1,"page":238},{"title":"الأمر الأول: حكم الصلاة على الميت فرض كفاية","level":2,"page":238},{"title":"الأمر الثاني: فضل الصلاة على الميت","level":2,"page":239},{"title":"الأمر الثالث: فضل الله - ﷿ - على عبده المسلم الميت بشرعية الصلاة عليه","level":2,"page":240},{"title":"الأمر الرابع: شهيد المعركة لا يصلى عليه","level":2,"page":241},{"title":"الأمر الخامس: السقط والطفل يصلى عليهما","level":2,"page":242},{"title":"الأمر السادس: الإمام الأعظم لا يصلى على الغال وقاتل نفسه","level":2,"page":242},{"title":"الأمر السابع: يصلى على من قتل حدا","level":2,"page":243},{"title":"الأمر الثامن: الصلاة على الغائب بالنية","level":2,"page":243},{"title":"الحالة الأولى: أن يموت في أرض ليس بها من يصلي عليه","level":3,"page":245},{"title":"الحالة الثانية: إذا كان فيه منفعة عظيمة للمسلمين: كالعالم الكبير","level":3,"page":245},{"title":"الأمر التاسع: مشروعية الصلاة على القبر إلى شهر","level":2,"page":246},{"title":"الأمر العاشر: موقف الإمام من الرجل والمرأة في صلاة الجنازة","level":2,"page":250},{"title":"الأمر الحادي عشر: الصلاة على أنواع من الجنائز","level":2,"page":251},{"title":"الأمر الثاني عشر: جواز الصلاة على الجنائز في المسجد","level":2,"page":252},{"title":"الأمر الثالث عشر: مشروعية تكثير الجمع والصفوف على صلاة الجنازة","level":2,"page":254},{"title":"الأمر الرابع عشر: تحريم الصلاة على الكفار والمنافقين","level":2,"page":256},{"title":"الأمر الخامس عشر: وقت صلاة الجنازة يصلى على الجنازة في أي وقت إلا في ثلاثة أوقات","level":2,"page":258},{"title":"الأول: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع","level":3,"page":258},{"title":"والثاني: حين يقوم قائم الظهيرة","level":3,"page":258},{"title":"والثالث: حين يغيب حاجب الشمس حتى تغرب","level":3,"page":258},{"title":"الأمر السادس عشر: أحق الناس بالإمامة في صلاة الجنازة","level":2,"page":260},{"title":"الأمر السابع عشر: أركان صلاة الجنازة وشروطها","level":2,"page":262},{"title":"الأمر الثامن عشر: صفة الصلاة على الجنازة","level":2,"page":263},{"title":"١ - يتوضأ كما أمر الله تعالى","level":3,"page":263},{"title":"٢ - يقوم الإمام عند رأس رجل ووسط امرأة","level":3,"page":263},{"title":"٣ - يصف المأمومون خلف الإمام كصفوف الصلاة المفروضة","level":3,"page":263},{"title":"٤ - يسوي الإمام الصفوف لعموم الأدلة في ذلك","level":3,"page":264},{"title":"٥ - يستقبل القبلة والجنائز أمامه على الصفة المذكورة","level":3,"page":264},{"title":"٦ - يكبر التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام قائما","level":3,"page":264},{"title":"٧ - يضع يده على صدره بعد أن ينزلهما","level":3,"page":265},{"title":"٨ - يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم سرا","level":3,"page":265},{"title":"٩ - يقول: بسم الله الرحمن الرحيم","level":3,"page":265},{"title":"١٠ - يقرأ الفاتحة سرا","level":3,"page":265},{"title":"١١ - يقرأ سورة قصيرة بعد الفاتحة، أو بعض الآيات القصيرة","level":3,"page":266},{"title":"١٢ - يكبر التكبيرة الثانية رافعا يديه حذو منكبيه أو حذو أذنيه","level":3,"page":267},{"title":"١٣ - يصلي على النبي - ﷺ - كما يصلي في التشهد في صلاة الفريضة","level":3,"page":268},{"title":"١٤ - يكبر التكبيرة الثالثة رافعا يديه حذو منكبيه أو حذو أذنيه","level":3,"page":269},{"title":"١٥ - يدعو للميت بالدعاء المأثور ويخلص له الدعاء","level":3,"page":269},{"title":"١٦ - يكبر التكبيرة الرابعة رافعا يديه حذو منكبيه أو أذنيه","level":3,"page":271},{"title":"١٧ - يقف بعد التكبيرة الرابعة قليلا","level":3,"page":273},{"title":"١٨ - يسلم تسليمة واحدة عن يمينه قائلا: السلام عليكم ورحمة الله","level":3,"page":274},{"title":"الأمر التاسع عشر: المسبوق في صلاة الجنازة","level":2,"page":275},{"title":"السابع عشر: حمل الجنازة واتباعها وتشييعها:","level":1,"page":276},{"title":"الأمر الأول: حكم حمل الجنازة فرض كفاية","level":2,"page":276},{"title":"الأمر الثاني: أقسام اتباعها: ثلاثة أقسام","level":2,"page":276},{"title":"١ - يصلي عليها ثم ينصرف","level":3,"page":276},{"title":"٢ - يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن","level":3,"page":277},{"title":"٣ - يقف بعد الدفن يستغفر للميت ويسأل الله له التثبيت","level":3,"page":277},{"title":"الأمر الثالث: فضل اتباع الجنائز","level":2,"page":277},{"title":"الأمر الرابع: اتباع الجنازة حق على المسلم لأخيه المسلم","level":2,"page":278},{"title":"الأمر الخامس: يحمل الميت على حسب الحال والتيسير","level":2,"page":278},{"title":"الأمر السادس: لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ولا بما يخالف الشرع","level":2,"page":279},{"title":"الأمر السابع: القيام للجنازة إذا مرت مشروع","level":2,"page":280},{"title":"الأمر الثامن: من تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع على الأرض","level":2,"page":283},{"title":"الأمر التاسع: النساء لا يتبعن الجنائز؛ ويصلين عليها","level":2,"page":284},{"title":"الأمر العاشر: الإسراع بالجنازة من غير رمل مشروع","level":2,"page":284},{"title":"الأمر الحادي عشر: الماشي يمشي مع الجنازة كيف شاء","level":2,"page":285},{"title":"الأمر الثاني عشر: المشي في تشييع الجنازة أفضل من الركوب","level":2,"page":285},{"title":"الأمر الثالث عشر: السنة حمل الجنازة على الأعناق إذا تيسر","level":2,"page":287},{"title":"الأمر الرابع عشر: وضع المكبة التي توضع فوق المرأة على النعش","level":2,"page":287},{"title":"الثامن عشر: دفن الميت من نعم الله على عباده","level":1,"page":288},{"title":"الأمر الأول: حكم دفن الميت فرض كفاية","level":2,"page":288},{"title":"الأمر الثاني: فضل دفن الميت","level":2,"page":289},{"title":"الأمر الثالث: لا يدفن الميت في أوقات النهي الثلاثة المضيقة","level":2,"page":289},{"title":"الأمر الرابع: لا يدفن مسلم مع كافر ولا كافر مع مسلم","level":2,"page":289},{"title":"الأمر الخامس: السنة الدفن في المقبرة","level":2,"page":290},{"title":"الأمر السادس: الشهداء يدفنون في أماكن استشهادهم","level":2,"page":290},{"title":"الأمر السابع: الدفن ليلا فيه تفصيل","level":2,"page":291},{"title":"الأمر الثامن: لا بأس بدفن الاثنين أو أكثر في قبر واحد عند الضرورة","level":2,"page":293},{"title":"الأمر التاسع: جمع الأقارب في مقبرة واحدة حسن","level":2,"page":295},{"title":"الأمر العاشر: الموعظة عند القبر أمر لا بأس به","level":2,"page":295},{"title":"الأمر الحادي عشر: تعميق القبر وتوسيعه","level":2,"page":298},{"title":"الأمر الثاني عشر: اللحد أفضل من الشق إذا كانت التربة صلبة لا ينهال ترابها","level":2,"page":299},{"title":"الأمر الثالث عشر: يتولى إنزال الميت القبر الرجال","level":2,"page":301},{"title":"الأمر الرابع عشر: يغطى قبر المرأة عند إدخالها في القبر","level":2,"page":302},{"title":"الأمر الخامس عشر: أولياء الميت أحق بإنزاله","level":2,"page":303},{"title":"الأمر السادس عشر: لا بأس بإدخال الزوج زوجته قبرها","level":2,"page":304},{"title":"الأمر السابع عشر: ينزل المرأة قبرها من لم يطأ في الليلة السابقة","level":2,"page":305},{"title":"الأمر الثامن عشر: يدخل الميت من قبل رجلي القبر","level":2,"page":306},{"title":"الأمر التاسع عشر: يقول عند إدخال الميت القبر","level":2,"page":306},{"title":"الأمر العشرون: يجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن، ووجهه قبالة القبلة","level":2,"page":307},{"title":"الأمر الواحد والعشرون: تحل عن الميت العقد إذا وضع الميت داخل القبر","level":2,"page":308},{"title":"الأمر الثاني والعشرون: ينصب على فتحة اللحد اللبن نصبا","level":2,"page":309},{"title":"الأمر الثالث والعشرون: يحثى بعد الفراغ من سد اللحد ثلاث حثيات على القبر","level":2,"page":309},{"title":"الأمر الرابع والعشرون: يرفع القبر عن الأرض قدر شبر","level":2,"page":310},{"title":"الأمر الخامس والعشرون: يسنم القبر كهيئة سنام الجمل","level":2,"page":312},{"title":"الأمر السادس والعشرون: توضع على القبر الحصباء","level":2,"page":313},{"title":"السابع والعشرون: يعلم القبر بحجر أو لبن، أو خشبة","level":2,"page":314},{"title":"الثامن والعشرون: رش القبر بالماء بعد الانتهاء من أعمال الدفن","level":2,"page":315},{"title":"الأمر التاسع والعشرون: يقف الحاضرون بعد الفراغ من الدفن على القبر يدعون للميت بالتثبيت ويستغفرون له","level":2,"page":315},{"title":"التاسع عشر: آداب الجلوس والمشي في المقابر كثيرة، منها:","level":1,"page":316},{"title":"١ - استقبال القبلة في الجلوس لمن كان ينتظر دفن الجنازة","level":2,"page":316},{"title":"٢ - تحريم الجلوس على القبر","level":2,"page":317},{"title":"٣ - لا يصلى إلى القبور","level":2,"page":317},{"title":"٤ - لا يتكأ على القبر","level":2,"page":317},{"title":"٥ - لا يمشى بالنعال بين القبور إلا لضرورة","level":2,"page":317},{"title":"٦ - تحريم الصلاة في المقبرة","level":2,"page":318},{"title":"٧ - المقابر ليست من المواضع التي يرغب في قراءة القرآن فيها","level":2,"page":319},{"title":"٨ - لا تبنى عليها المساجد","level":2,"page":319},{"title":"٩ - لا تتخذ مساجد","level":2,"page":319},{"title":"١٠ - لا تبنى عليها القباب ولا ترفع أكثر من شبر","level":2,"page":320},{"title":"١١ - لا تتخذ عليها السرج","level":2,"page":320},{"title":"١٢ - لا تجصص القبور","level":2,"page":320},{"title":"١٣ - لا يقعد على القبر","level":2,"page":320},{"title":"١٤ - لا يزاد عليها من غير ترابها","level":2,"page":321},{"title":"١٥ - لا يكتب عليها شيء","level":2,"page":321},{"title":"١٦ - لا توطأ","level":2,"page":321},{"title":"١٧ - لا يبنى عليها","level":2,"page":321},{"title":"١٨ - لا تتخذ القبور عيدا فيتردد إليها الناس في أوقات محددة","level":2,"page":321},{"title":"١٩ - لا تشد الرحال إلى زيارتها","level":2,"page":321},{"title":"٢٠ - لا يذبح ولا ينحر عند القبور","level":2,"page":321},{"title":"٢١ - لا تكسر عظام أهل القبور","level":2,"page":322},{"title":"٢٢ - لا يسب الأموات","level":2,"page":322},{"title":"العشرون: التعزية:","level":1,"page":322},{"title":"الأمر الأول: فضل تعزية المصاب","level":2,"page":323},{"title":"الأمر الثاني: ألفاظ التعزية، وصفتها","level":2,"page":323},{"title":"١ - ما قاله رسول الله - ﷺ - لابنته","level":3,"page":324},{"title":"٢ - يناسب أن يقال لمن فقد ولده ما ثبت في حديث قرة بن إياس","level":3,"page":324},{"title":"٣ - مما يقال لمن فقد ولدين أو ثلاثة","level":3,"page":324},{"title":"٤ - قال النبي - ﷺ - حينما دخل على أم سلمة","level":3,"page":325},{"title":"٥ - وقال النبي - ﷺ - في تعزيته عبد الله بن جعفر","level":3,"page":326},{"title":"٦ - ومما يبرد حرارة المصيبة في التعزية","level":3,"page":326},{"title":"٧ - ولو قال: «أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك» فلا بأس","level":3,"page":326},{"title":"الأمر الثالث: التعزية لا تحدد بثلاثة أيام","level":2,"page":326},{"title":"الأمر الرابع: السنة في العزاء أن يصنع أقرباء أهل الميت أو جيرانهم طعاما يشبعهم","level":2,"page":327},{"title":"الأمر الخامس: البدع والمنكرات في العزاء كثيرة","level":2,"page":329},{"title":"١ - اجتماع أهل الميت خارج المنزل","level":3,"page":329},{"title":"٢ - الاجتماع في منزل الميت للأكل","level":3,"page":330},{"title":"الأمر السادس: مشروعية التلبينة للمحزون","level":2,"page":331},{"title":"الواحد والعشرون: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين","level":1,"page":332},{"title":"الأمر الأول: ما يلحق الميت من عمله","level":2,"page":333},{"title":"الأمر الثاني: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين","level":2,"page":335},{"title":"أربعة أنواع من العبادات تصل إلى الميت بالإجماع وهي:","level":3,"page":350},{"title":"الأول: الدعاء.","level":4,"page":350},{"title":"الثاني: الواجب الذي تدخله النيابة.","level":4,"page":350},{"title":"الثالث: الصدقة.","level":4,"page":350},{"title":"الرابع: العتق","level":4,"page":350},{"title":"الثاني والعشرون: زيارة القبور","level":1,"page":353},{"title":"الأمر الأول: مشروعية زيارة القبور للرجال","level":2,"page":353},{"title":"الأمر الثاني: زيارة الرجال للقبور بدون سفر","level":2,"page":354},{"title":"الأمر الثالث: الزيارة للقبور للرجال دون النساء","level":2,"page":354},{"title":"الأمر الرابع: الزيارة لأهل القبور أنواع على النحو الآتي:","level":2,"page":357},{"title":"النوع الأول: زيارة شرعية يقصد بها ما يأتي:","level":3,"page":357},{"title":"١ - السلام على الموتى والدعاء لهم، والترحم عليهم","level":4,"page":357},{"title":"٢ - تذكر الموت، والآخرة، وحصول رقة القلب ودمع العين.","level":4,"page":357},{"title":"٣ - إحياء سنة النبي - ﷺ -؛ لأنه زار القبور وأمر بزيارتها","level":4,"page":357},{"title":"النوع الثاني: زيارة بدعية وشركية، وهذا النوع ثلاثة أنواع","level":3,"page":357},{"title":"١ - من يسأل الميت حاجته","level":4,"page":357},{"title":"٢ - من يسأل الله تعالى بالميت","level":4,"page":357},{"title":"٣ - من يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب","level":4,"page":357},{"title":"الأمر الخامس: جواز زيارة قبور المشركين للعبرة والعظة","level":2,"page":358},{"title":"الأمر السادس: كيفية السلام على أهل القبور من المسلمين","level":2,"page":358},{"title":"الأمر السابع: زيارة قبر النبي - ﷺ - على النحو الآتي:","level":2,"page":361},{"title":"١ - تستحب زيارة مسجد النبي - ﷺ -","level":3,"page":361},{"title":"٢ - إذا دخل المسجد النبوي الشريف استحب له أن يقدم رجله اليمنى","level":3,"page":362},{"title":"٣ - يصلي ركعتين تحية المسجد","level":3,"page":362},{"title":"٤ - ثم بعد الصلاة إن أراد زيارة قبر النبي - ﷺ - وقف أمام قبره","level":3,"page":363},{"title":"٥ - ثم يأخذ ذات اليمين قليلا فيسلم على أبي بكر الصديق","level":3,"page":363},{"title":"٦ - يستحب لزائر المدينة أثناء وجوده بها","level":3,"page":364},{"title":"٧ - ويسن للرجال زيارة قبور البقيع","level":3,"page":365},{"title":"الثالث والعشرون: الإحداد","level":1,"page":366},{"title":"ينبغي أن يراعى في الإحداد الأمور الآتية:","level":2,"page":366},{"title":"الأمر الأول: مفهوم الإحداد:","level":3,"page":366},{"title":"الإحداد لغة:","level":4,"page":366},{"title":"الإحداد شرعا:","level":4,"page":367},{"title":"الأمر الثاني حكم الإحداد الشرعي","level":3,"page":367},{"title":"النوع الأول: الإحداد في عدة الوفاة","level":4,"page":368},{"title":"النوع الثاني: حكم إحداد المرأة على غير زوجها","level":4,"page":368},{"title":"الأمر الثالث: مدة الإحداد نوعان:","level":3,"page":369},{"title":"الأمر الرابع: الحكمة من الإحداد","level":3,"page":372},{"title":"الأمر الخامس: يلزم الحادة على زوجها ستة أحكام على النحو الآتي:","level":3,"page":373},{"title":"١ - تلزم بيتها الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، ولا تخرج منه إلا لحاجة أو ضرورة","level":4,"page":373},{"title":"٢ - تمتنع الحادة عن الملابس الجميلة وتلبس ما سواها","level":4,"page":375},{"title":"٣ - تمتنع عن جميع أنواع الطيب","level":4,"page":376},{"title":"٤ - تمتنع الحادة من الحلي","level":4,"page":376},{"title":"٥ - تمتنع الحادة عن الخضاب بالحناء","level":4,"page":377},{"title":"٦ - تمتنع الحادة عن الكحل","level":4,"page":378},{"title":"الأمر السادس: أصناف المعتدات سبعة أصناف على النحو الآتي:","level":3,"page":380},{"title":"الصنف الأول: الحامل وعدتها","level":4,"page":380},{"title":"الصنف الثاني: المتوفى عنها زوجها من غير حمل","level":4,"page":380},{"title":"الصنف الثالث: المرأة ذات الحيض","level":4,"page":381},{"title":"الصنف الرابع: المرأة التي لا تحيض","level":4,"page":381},{"title":"الصنف الخامس: المرأة التي ارتفع حيضها بسبب","level":4,"page":381},{"title":"الصنف السادس: المرأة التي ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه","level":4,"page":381},{"title":"الصنف السابع: امرأة المفقود","level":4,"page":381}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,373":372,"1,374":373,"1,375":374,"1,376":375,"1,377":376,"1,378":377,"1,379":378,"1,380":379,"1,381":380,"1,382":381,"1,383":382},"ٜ":{"1":[3,383]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2,3],"11":[4,5,6],"15":[7],"16":[8],"20":[9],"24":[10],"37":[11],"38":[12],"40":[13],"48":[14],"65":[15],"69":[16],"71":[17],"72":[18],"74":[19],"75":[20],"76":[21],"77":[22],"78":[23,24],"79":[25],"83":[26],"85":[27,28],"89":[29],"90":[30],"91":[31,32,33],"92":[34],"99":[35,36],"101":[37,38],"102":[39],"104":[40],"107":[41,42],"108":[43,44,45,46],"109":[47],"111":[48],"112":[49],"113":[50],"114":[51],"115":[52],"119":[53],"120":[54],"127":[55,56],"128":[57,58],"129":[59],"132":[60],"134":[61,62],"135":[63,64],"136":[65],"138":[66,67],"139":[68,69],"140":[70,71,72],"142":[73,74,75],"143":[76,77,78,79],"144":[80],"145":[81],"147":[82,83,84,85,86],"149":[87],"150":[88,89,90],"154":[91,92],"156":[93,94,95,96,97,98,99],"157":[100,101],"162":[102,103,104,105],"163":[106],"164":[107,108,109,110,111,112,113,114,115,116],"165":[117,118,119,120],"167":[121,122],"168":[123],"169":[124,125],"171":[126,127,128,129,130],"172":[131,132],"173":[133,134],"174":[135],"175":[136],"176":[137],"177":[138,139],"178":[140,141],"179":[142],"180":[143,144],"181":[145,146],"182":[147],"183":[148,149,150],"184":[151,152,153],"185":[154,155,156],"186":[157],"189":[158,159,160],"190":[161,162,163,164,165,166,167],"191":[168,169],"192":[170,171],"193":[172,173,174],"194":[175,176,177],"196":[178],"203":[179],"206":[180,181,182,183,184,185,186,187,188],"207":[189,190,191,192,193],"208":[194],"209":[195,196],"210":[197,198],"212":[199],"213":[200,201],"215":[202],"216":[203,204],"218":[205,206,207],"219":[208,209,210,211],"221":[212,213],"222":[214,215],"223":[216,217],"226":[218],"227":[219,220,221,222],"228":[223,224],"230":[225,226],"231":[227,228],"232":[229,230,231,232],"233":[233,234],"235":[235,236,237,238,239,240,241,242],"236":[243,244,245],"237":[246,247],"238":[248,249,250],"239":[251],"240":[252],"241":[253],"242":[254,255],"243":[256,257],"245":[258,259],"246":[260],"250":[261],"251":[262],"252":[263],"254":[264],"256":[265],"258":[266,267,268,269],"260":[270],"262":[271],"263":[272,273,274,275],"264":[276,277,278],"265":[279,280,281,282],"266":[283],"267":[284],"268":[285],"269":[286,287],"271":[288],"273":[289],"274":[290],"275":[291],"276":[292,293,294,295],"277":[296,297,298],"278":[299,300],"279":[301],"280":[302],"283":[303],"284":[304,305],"285":[306,307],"287":[308,309],"288":[310,311],"289":[312,313,314],"290":[315,316],"291":[317],"293":[318],"295":[319,320],"298":[321],"299":[322],"301":[323],"302":[324],"303":[325],"304":[326],"305":[327],"306":[328,329],"307":[330],"308":[331],"309":[332,333],"310":[334],"312":[335],"313":[336],"314":[337],"315":[338,339],"316":[340,341],"317":[342,343,344,345],"318":[346],"319":[347,348,349],"320":[350,351,352,353],"321":[354,355,356,357,358,359,360],"322":[361,362,363],"323":[364,365],"324":[366,367,368],"325":[369],"326":[370,371,372,373],"327":[374],"329":[375,376],"330":[377],"331":[378],"332":[379],"333":[380],"335":[381],"350":[382,383,384,385,386],"353":[387,388],"354":[389,390],"357":[391,392,393,394,395,396,397,398,399],"358":[400,401],"361":[402,403],"362":[404,405],"363":[406,407],"364":[408],"365":[409],"366":[410,411,412,413],"367":[414,415],"368":[416,417],"369":[418],"372":[419],"373":[420,421],"375":[422],"376":[423,424],"377":[425],"378":[426],"380":[427,428,429],"381":[430,431,432,433,434]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"٤٠\nسلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n_\nأحكام الجنائز\nمفهوم، واغتنام، ومواعظ، وآداب، وحقوق وصبر،\nواحتساب، وفضائل، وأحكام\nفي ضوء الكتاب والسنة","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفهذه رسالة في «أحكام الجنائز» بيّنت فيها بتوفيق الله تعالى: مفهوم الجنائز، والأمور التي ينبغي للمسلم العناية بها عناية فائقة؛ لاغتنام الأوقات والأحوال بالأعمال الصالحة قبل فوات الأوان، وذكرت الأمور التي تعين على الاستعداد للآخرة بالأعمال الصالحة، والاجتهاد في حال الصحة والفراغ في الأعمال الصالحة؛ لتكتب للمسلم في حال العجز والسقم، وذكرت أسباب حسن الخاتمة، وبيّنت آداب المريض الواجبة والمستحبة، وآداب زيارة المريض، والآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم، وذكرت الأمور التي تجوز للحاضرين وغيرهم، والأمور الواجبة على أقارب الميت، والأمور المحرَّمة على أقارب الميت وغيرهم، وبيّنت النعي الجائز، والمحرَّم، ثم ذكرت العلامات التي تدل على حسن الخاتمة، وبيّنت فضائل الصبر والاحتساب على المصائب، ثم بيّنت أحكام غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، وأحكام حمل الجنازة واتباعها وتشييعها، وأحكام الدفن وآدابه، وآداب الجلوس والمشي في","vol":"1","page":3},{"text":"المقابر، ثم ذكرت أحكام التعزية، وفضلها، وبيّنت أن القُرَب المهداة إلى أموات المسلمين تصل إليهم حسب الدليل، ثم ذكرت أحكام زيارة القبور وآدابها، وختمت ذلك بذكر أحكام إحداد المرأة على زوجها، وذكرت أصناف المعتدات، وقد اجتهدت أن ألتزم في ذلك بالدليل من الكتاب والسنة أو من أحدهما ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.\nوقد استفدت كثيرًا من تقريرات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - ومن كتب العلامة محمد ناصر الدين الألباني - ﵀ - والعلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى-.\nوقد أفردت هذه الرسالة من كتابي «صلاة المؤمن» ليسهل الانتفاع بها.\nوالله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي؛ فإنه خير مأمول، وأكرم مسؤول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله، وسلم، وبارك، على عبده ورسوله نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأبو عبد الرحمن\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\nحرر بعد مغرب يوم الثلاثاء الموافق ١/ ١/١٤٢٤هـ","vol":"1","page":4},{"text":"صلاة الجنائز\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>أولًا: مفهوم الجنائز: </span>بفتح الجيم لا غير: جمع جِنَازة.\nوالجنازة: بكسر الجيم وفتحها لغتان، والكسر أفصح.\nوقيل: «الجَنَازَةُ» بالفتح للميت، وبالكسر «الجِنازةُ» للنعش عليه ميت. وقيل: عكسه (١).\nقال الإمام ابن الأثير: «والجنازة بالكسر والفتح: الميت بسريره، وقيل: بالكسر: السرير، وبالفتح: الميت» (٢).\nوقال الفيروزآبادي: «الجِنَازةُ: الميت، ويفتح، أو بالكسر: الميت وبالفتح: السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت» (٣)، والله تعالى أعلم (٤).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: «الجنازة مشتقة من جنز إذا سُتِرَ» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>ثانيًا: اغتنام الأوقات والأحوال بالأعمال الصالحة </span>قبل فوات الأوان؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٤٧٣،والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٤/ ٣٧٩.\n(٢) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، باب الجيم مع النون، ١/ ٣٠٦.\n(٣) القاموس المحيط، باب الزاي فصل الجيم، ص٦٥٠.\n(٤) قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «... فإذا قيل: جَنازة: أي ميت، وإذا قيل: جِنازة: أي نعش، وهذا تفريق دقيق؛ لأن الفتح يناسب الأعلى، والميت فوق النعش، والكسر يناسب الأسفل، والنعش تحت الميت» الشرح الممتع، ٥/ ٢٩٨.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٧٣.","vol":"1","page":5},{"text":"مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ الله وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ الله نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣).\nفكل مفرِّط يندم عند الاحتضار يسأل طول المدة ولو شيئًا يسيرا؛ ليستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات كان ما كان، وأتى ما هو آتٍ، وكلٌّ بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال الله تعالى (٤): ﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي\n_________\n(١) سورة الزمر، الآيات: ٥٤ - ٥٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٤.\n(٣) سورة المنافقون، الآيات: ٩ - ١١.\n(٤) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٣٤٩.\n(٥) سورة إبراهيم، الآية: ٤٤.","vol":"1","page":6},{"text":"أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (٢). وهذا يدل على أن من لم يستعمل نعمة الصحة والفراغ فيما ينبغي فقد غُبِنَ؛ لكونه باعهما بثمنٍ بخسٍ، ولم يُحمد رأيه في ذلك، ولاشكَّ أن المرء لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يُغبَن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شُكْرِه امتثالُ أوامره واجتنابُ نواهيه، فمن فرَّط في ذلك فهو المغبون، والذي يوفَّق لذلك قليل من الناس، ومعلوم أن الإنسان قد يكون صحيحًا ولا يكون متفرِّغًا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك: أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون؛ لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم كما قيل:\nيسر الفتى طولُ السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل\nيُرد الفتى بعد اعتدال وصحةٍ ... ينوء إذا رام القيامَ ويحملُ (٣)\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآيتان: ٩٩ - ١٠٠.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة، برقم ٦٤١٢.\n(٣) مقتبس من مجموع كلام ابن حجر، وابن بطال، وابن الجوزي، كما نقله ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري، ١١/ ٢٣٠.","vol":"1","page":7},{"text":"وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغِناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (١).\nورحم الله الإمام البخاري فقد أحسن حين قال:\nاغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بغتة\nكم صحيح رأيت من غير سَقم ٍ ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة (٢)\n\nوقد أحسن البستي – ﵀ – حين قال:\nيا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... أتطلب الربح فيما فيه خسران؟\nأقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان (٣)\n\nولا ريب أنه ينبغي الاستعداد لما بعد الموت بالأعمال الصالحة، والتوبة من جميع الذنوب؛ لأن الموت قد يأتي بغتة، قال الإمام البخاري – ﵀ –: «بابُ موتِ الفُجاءة (٤): البغتة»، ثم ذكر حديث سعد بن عبادة\n_________\n(١) الحاكم وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٠٦، ورواه ابن المبارك في الزهد،\n١/ ١٠٤، برقم ٢، من حديث عمرو بن ميمون مرسلًا، وقال ابن حجر في فتح الباري،\n١١/ ٢٣٥: «بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون، فمرسل عمرو بن ميمون شاهد لرواية الحاكم»، وصحح الحديث الألباني في صحيح الجامع الصغير، ٢/ ٣٥٥، برقم ١٠٨٨.\n(٢) ذكره ابن حجر في هدي الساري، ص٤٨١، وعزاه إلى الحاكم في تاريخه، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٩٢.\n(٣) النونية لشاعر زمانه: علي بن محمد بن الحسين البُسْتي، وهي مطبوعة ضمن الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، ص٦٢٣.\n(٤) الفُجاءَة: يُقال: فجئَه الأمرُ، وفجأه فُجاءة: بالضم والمد، وفاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب، وقيّده بعضهم بفتح الفاء وسكون الجيم من غير مدٍّ على المرة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ٤١٢، والفجاءة: الهجوم على من لم يشعر به. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٥٤.","vol":"1","page":8},{"text":"- ﵁ - حين قال للنبي - ﷺ -: «إن أمي افتُلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدَّقتْ، فهل لها أجر إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: «نعم» (١).\nوعن عبيد بن خالد السلمي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «موت الفَجْأَةِ أخذةُ أسَفٍ (٢» (٣).\nوكره بعض السلف موت الفجأة (٤)؛ لما في ذلك - والله أعلم - من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة، وغيرها من الأعمال الصالحة، وقد نقلت كراهة موت الفجاءة عن الإمام أحمد، وبعض الشافعية، ونقل الإمام النووي: أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا موت الفجأة؛ قال الإمام النووي - ﵀ -: «وهو محبوب للمراقبين» (٥).قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «وبذلك يجتمع\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفُجاءة، برقم ١٣٨٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، برقم ١٠٠٤.\n(٢) أسَفٍ: أي غضب، قال ابن حجر في الفتح، ٣/ ٢٥٤: «أسف: أي غضب، وزنًا ومعنى، وروي بوزن الفاعل: أي غضبان. قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث، ١/ ٤٨: «وفي حديث موت الفجأة: «راحة للمؤمن وأخذة أسفٍ للكافر» أي أخذة غضب أو غضبان، يقال: أسِفَ يأسفُ أسفًا فهو آسِفٌ، إذا غضب». فعلى هذا يكون بكسر السين غضبان، وفتحها غضب.\n(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة، برقم ٣١١٠، وأحمد في المسند، برقم ١٥٤٩٦، ١٥٤٩٧، ١٧٩٢٤، ١٧٩٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٧، وأصحاب موسوعة مسند الإمام أحمد، ٢٤/ ٢٥٣، ٢٩/ ٤٤٥.\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٢٥٤، والسنن الكبرى للبيهقي، ٣/ ٣٧٨، ٣٧٩، ومصنف ابن أبي شيبة، ٣/ ٣٧٠، ومصنف عبد الرزاق، برقم ٦٧٧٩ موقوف على حذيفة - ﵁ -.\n(٥) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٤٥، ونقل ذلك في هذا الموضع عن النووي ﵀.","vol":"1","page":9},{"text":"القولان» (١).\nوورد ما يؤيد عدم كراهة موت الفجاءة للمؤمن، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «موت الفجاءة تخفيف على المؤمن، وأسف على الكافر» هذا لفظ عبد الرزاق، والطبراني في المعجم الكبير، ولفظ ابن أبي شيبة: «موت الفجاءة راحة على المؤمنين، وأسف على الكفار» (٢).\nورُوي من حديث عن عائشة ﵂ قالت: «سألت رسول الله - ﷺ - عن موت الفجأة؟ فقال: «راحة للمؤمن وأخذة أسَفٍ للفاجر» (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود وعائشة ﵄ قالا: «موت الفجاءة رأفة بالمؤمن، وأسف على الفاجر» (٤).\nوما أحسن ما استشهد به الإمام البيهقي – ﵀ – في كتاب الجنائز، باب موت الفجاءة (٥) من حديث أبي قتادة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٢٥٥.\n(٢) عبد الرزاق في المصنف، برقم ٦٧٧٦، وابن أبي شيبة في المصنف، عن بعض أصحاب عبد الله عنه، ٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠، والطبراني في الكبير، ٩/ ١٧٥، برقم ٨٨٦٥، ولم أجد من حسّن حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -،وتوقف عنه ابن باز في تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٣٨٨، وقال: «يُبحث عنه».\n(٣) أحمد في المسند، ٤١/ ٤٩١، برقم ٢٥٠٤٢، والبيهقي، ٣/ ٣٧٩، وفي شعب الإيمان، برقم ١٠٢١٨، وعبد الرزاق، برقم ٦٧٨١، وضعفه أصحاب موسوعة المسند في ٢٤/ ٢٥٤،\nو٤١/ ٤٩١، برقم ٢٥٠٤٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ٢١٨: «رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه قصة، وفيه عبد الله بن الوليد الرصافي وهو متروك».\n(٤) ابن أبي شيبة في المصنف، ٣/ ٣٧٠، وهو هنا موقوف، والبيهقي في الكبرى، ٣/ ٣٧٩ موقوف أيضًا، ويراجع كلام أهل موسوعة مسند الإمام أحمد، ٤١/ ٤٩١ - ٤٩٢.\n(٥) السنن الكبرى، ٣/ ٣٧٩.","vol":"1","page":10},{"text":"مُرَّ عليه بجنازة فقال: «مستريح ومستراح منه» قالوا: يا رسول الله! ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: «العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد، والبلاد، والشجر، والدواب» (١).\nوثبت في الحديث: «ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى» (٢).\nفينبغي الاستعداد، قال شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ -: «فينبغي الاستعداد؛ ولهذا كان من دعاء رسول الله - ﷺ -: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءَةِ نقمتك، وجميع سخطك (٣» (٤).\nوما أجمل ما قاله محمود الوراق:\nمضى أمسُك الماضي شهيدًا مُعدَّلًا ... وأعقبه يوم عليك جديدُ\nفإن كنت بالأمس اقترفت إساءةً ... فثنِّ بإحسانٍ وأنت حميدُ\nفيومك إن أعتَبتَه عاد نَفعُهُ ... عليك وماضي الأمس ليس يعودُ\nولا تُرجِ فِعلَ الخير يومًا إلى غدٍ ... لعلَّ غدًا يأتي وأنت فقيدُ (٥)\n\nوقال آخر:\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما جاء في مستريح ومستراح منه، برقم ٩٥٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد، باب الحور العين وصفتهن، برقم ٢٧٩٥، ومسلم، كتاب الإمارة باب فضل الشهادة في سبيل الله، برقم ١٨٧٧، وفي لفظ للبخاري: «يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة» البخاري، برقم ٢٨١٧.\n(٣) مسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، برقم ٢٧٣٩.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على باب موت الفجاءة في صحيح البخاري، الحديث رقم ١٣٨٨.\n(٥) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٩٢.","vol":"1","page":11},{"text":"نسير إلى الآجال في كل لحظةٍ ... وأيامنا تطوى وهُنَّ مراحل\nولم أرَ مثل الموتِ حقًّا كأنه ... إذا ما تخطته الأماني باطلُ\nوما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شاملُ\nترحَّلْ من الدنيا بزادٍ من التقى ... فعُمْرُك أيامٌ وهنّ قلائلُ (١)\n\nوما أحسن ما قاله الشاعر الحكيم:\nمن فاته الزرع في وقت البذار فما ... تراه يحصد إلا الهمّ والندما\n\nوقال آخر:\nنتوب من الذنوب إذا مرضنا ... ونرجع للذنوب إذا برينا\nوكم عاهدت ثم نقضت عهدًا ... وأنت لكل معروف نسيتا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>ثالثًا: الاجتهاد في حالة الصحة في الأعمال الصالحة</span>؛ لتكتب للمسلم في حال عجزه عن العمل؛ لحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>رابعًا: الأمور التي تعين على الاستعداد للآخرة بالأعمال الصالحة </span>كثيرة منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>١ - الإكثار من ذكر الموت والاستعداد للقاء الله تعالى: </span>ينبغي للمسلم أن يكثر من ذكر الموت، ويبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يأتيه الموت بغتة فيندم حين لا ينفع الندم؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أكثروا ذِكْرَ هاذِم اللذَّات» (٣) يعني الموت، وفي لفظ لابن حبان: «أكثروا\n_________\n(١) ذكره ابن رجب في المرجع السابق، ٢/ ٣٨٤.\n(٢) البخاري، برقم ٩٩٦، وتقدم تخريجه في صلاة المريض، وفي الاجتهاد في الصحة.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في ذكر الموت، برقم ٢٣٠٧، والنسائي، كتاب الجنائز، باب كثرة ذكر الموت، برقم ١٨٢٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، رقم ٤٢٥٨، وابن حبان، بلفظ «أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت» برقم ٢٩٩٢.وقال الألباني في صحيح سنن النسائي وغيره، ٢/ ٦: «حسن صحيح».","vol":"1","page":12},{"text":"ذكر هاذِم اللذات، فما ذكره عبد قط وهو في ضيقٍ إلا وسَّعه عليه، ولا ذكره وهو في سعةٍ إلا ضيقه عليه» (١)، وفي لفظ لابن حبان أيضًا: كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول: «أكثروا من ذكر هاذِم اللذات» (٢)، فالموت يقطع اللذات ويزيلها، والحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يغفل عن ذكر أعظم المواعظ وهو الموت، قال الإمام الصنعاني: «وقد ذكر في آخر الحديث فائدة الذكر بقوله: «فإنكم لا تذكرونه في كثير إلا قلَّلهُ، وقليل إلا كثَّره» (٣).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: كنت مع رسول الله - ﷺ - فجاءه رجل من الأنصار فسلم على النبي - ﷺ - ثم قال: يا رسول الله! أي المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خُلُقًا» قال: فأي المؤمنين أكيس (٤)؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس» (٥).\n_________\n(١) صحيح ابن حبان، برقم ٢٩٩٣، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٤٥.\n(٢) صحيح ابن حبان، برقم ٢٩٩٥ وحسنه شعيب الأرنؤوط.\n(٣) سبل السلام للصنعاني، ٣/ ٣٠٢، وهذا الخبر أخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: «أكثروا ذكر هاذم اللذات – يعني الموت – فإنه ما كان في كثير إلا قلله، ولا قليل إلا جزأه» [مجمع البحرين، ٨/ ٢٠٦، برقم ٥٠٧٦]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٣٠٩: «إسناده حسن»، وذكر الصنعاني هنا آثارًا منها: «أكثروا ذكر الموت فما من عبد أكثر ذكره إلا أحيا الله قلبه وهوَّن عليه الموت» [ذكره الديلمي في مسند الفردوس، ١/ ٧٤، برقم ٢١٨].\n(٤) أكيس: أعقل. ومثله: الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت: أي العاقل. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٤/ ٢١٧.\n(٥) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، برقم ٤٢٥٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٣٨٤.","vol":"1","page":13},{"text":"قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١).\nوقال جلَّ وعلا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ (٢).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (٣).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ*وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ*وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لا تُبْصِرُونَ* فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ*تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤).\nوقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (٦).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٧٨.\n(٣) سورة ق، الآية: ١٩.\n(٤) سورة الواقعة، الآيات: ٨٣ - ٨٧.\n(٥) سورة الجمعة، الآية: ٨.\n(٦) سورة القيامة، الآيات: ٣٠ - ٣٦.","vol":"1","page":14},{"text":"الْغَفُورُ﴾ (١).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (٢).\nوقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى الله مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (٣).\nقال زُهير بن أبي سلمى:\nومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم (٤)\n\nوقال آخر:\nالموت باب كل الناس داخله ... فليت شعري بعد الباب ما الدار\nالدار جنة خلدٍ إن عملت بما يرضي ... الإله، وإن فرطت فالنارُ\n\nوعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال: «يا محمد عِشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، وأحببْ من شئتَ فإنك مفارقُه، واعملْ ما شئتَ فإنك مَجزيٌّ به»، ثم قال: «يا محمد شرف المؤمن قيام الليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس» (٥).\n_________\n(١) سورة الملك، الآيتان: ١، ٢.\n(٢) سورة السجدة، الآية: ١١.\n(٣) سورة الأنعام، الآيتان: ٦١، ٦٢.\n(٤) تفسير ابن كثير، ص٣٤٣.\n(٥) أخرجه الحاكم، ٤/ ٣٢٥، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٣١، وتقدم تخريجه في فضل قيام الليل.","vol":"1","page":15},{"text":"وما أحسن ما قال الشاعر الحكيم:\nوما هذه الأيام إلا مراحل ... يحثُّ بها داعٍ إلى الموت قاصدًا\nوأعجب شيء لو تأملت أنها ... منازل تطوع والمسافر قاعد (١)\n\nوقال آخر:\nأيا ويح نفسي من نهار يقودها ... إلى عسكر الموت وليلٍ يذودُها (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٢ – ذكر القبر والبلى</span>؛ لحديث هانئ مولى عثمان - ﵁ - قال: كان عثمان إذا وقف على قبرٍ بكى حتى يَبُلَّ لحيته، فقيل له: تُذكرُ الجنة والنارُ فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدُّ منه» قال: وقال رسول الله - ﷺ -: «ما رأيت منظرًا قطُّ إلا والقبرُ أفظعُ (٣) منه» (٤).\nوالقبر أقرب شيء للإنسان، وشدته أمارة للشدائد كلها، وهو أشد وأشنع المناظر في الدنيا، وحيث خُصَّ بمناظر الدنيا اندفع ما يتوهم أن هذا ينافي قوله: «فما بعده أشدُّ منه» على أنه يمكن الجواب إذا عمم بأنه أفظع من جهة الوحشة، والوحدة، وغيره أشد عذابًا منه فلا إشكال (٥).\n_________\n(١) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٨٣، وذكره أيضًا ابن القيم في مدارج السالكين، ٣/ ٢٠١.\n(٢) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٨٣.\n(٣) أفظع: أي أشدُّ وأشنع. شرح السندي على سنن ابن ماجه، ٤/ ٥٠٠.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب: حدثنا هناد، برقم ٢٣٠٨، وابن ماجه، واللفظ له، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، برقم ٤٢٦٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٢٧ وغيره.\n(٥) انظر: شرح السندي على سنن ابن ماجه، ٤/ ٥٠٠.","vol":"1","page":16},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس شيء من الإنسان إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذَّنب، ومنه يُركَّبُ الخلق يوم القيامة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>٣ – قصر الأمل والاستعداد للموت بالأعمال الصالحة</span>، قال الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «ارتحلت الدنيا مدبرةً، وارتحلت الآخرة مقبلةً، ولكل واحدةٍ منها بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل» (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: خطَّ النبي - ﷺ - خطًّا مربعًا، وخطَّ خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخطَّ خُطَطًا صغارًا إلى الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: «هذا الإنسان وهذا أجَلُهُ محيطٌ به – أو قد أحاط به – وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخُطَطُ الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (٤).\nوعن أنس - ﵁ - قال: خطَّ النبي - ﷺ - خطوطًا فقال: «هذا الأمل وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب» (٥).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، برقم ٤٢٦٦، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٢١، وغيره.\n(٢) سورة الحجر، الآية: ٣.\n(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله، قبل الحديث رقم ٦٤١٧، وذكر الحافظ في فتح الباري ١١/ ٢٣٦: زيادة في أوله عند ابن أبي شيبة وابن المبارك في الزهد: «قال علي: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة ...» الحديث كالذي في الأصل سواء.\n(٤) البخاري، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله، برقم ٦٤١٧، ومعنى نهشه: أصابه.\n(٥) البخاري، كتاب الرقاق، باب الأمل وطوله، برقم ٦٤١٨.","vol":"1","page":17},{"text":"وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».\nوكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» (١).\nوقال بعض السلف:\nسبيلك في الدنيا سبيل مسافرٍ ... ولابد من زادٍ لكل مسافر\nولابد للإنسان من حملِ عُدَّةٍ ... ولاسيما إن خاف صولة قاهرِ (٢)\n\nوقال الألبيري – رحمه الله تعالى –:\nفليست هذه الدنيا بشيء ... تسؤك حِقبة وتسرُّك وقتَا\nوغايتُها إذا فكرت فيها ... كفيِّك أو كحلمك إذا حلمتا\nسُجنت بها وأنت لها محبُّ ... فكيف تُحبُّ ما فيه سُجنتا\nوتُطعمكَ الطعام وعن قريبٍ ... ستطعم منك ما فيها طعِمتا\nوتشفق للمصرِّ على المعاصي ... وترحمه ونفسك ما رحمتا (٣)\n\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يزال قلب الكبير شابًّا في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل» (٤).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يَكْبرُ ابنُ آدم ويكبَرُ معه\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ - «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، برقم ٦٤١٦.\n(٢) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٨٢.\n(٣) تائية الشاعر الزاهد إبراهيم بن مسعود الغرناطي الألبيري، وهي مطبوعة في الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، ص٦٣٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، برقم ٦٤٢٠ واللفظ له، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، برقم ١٠٤٦.","vol":"1","page":18},{"text":"اثنتان: حب المال وطول العمر» ولفظ مسلم: «يهرمُ ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال والحرص على العمر» (١). ومعناه أن قلب الشيخ كامل الحب للمال متحكم في ذلك كاحتكام قوة الشاب في شبابه، وسماه شابًّا إشارة إلى استحكام حبه للمال أو هو من باب المشاكلة والمطابقة (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز – ﵀ – يقول: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان» أي يقوى معه اثنان، هذه طبيعة الإنسان: حب الدنيا وطول الأمل إلا من رحم الله، فالواجب على المؤمن أن يحذر، وأن يعتبر هذه الدار مزرعة، فيجتهد في الزرع للآخرة، حتى يحصد يوم القيامة ما ينفعه» (٣).\nوما أحسن قول بعض السلف الصالح:\nإنّا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يومٍ مضى يدني من الأجل\nفاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدًا ... فإن الربح والخسران في العمل (٤)\n\nوقال آخر:\nتزوّد للذي لابد منه ... فإن الموت ميقات العباد\nأترضى أن تكون رفيق قوم ... لهم زاد وأنت بغير زاد\n\nوقال آخر:\nتزود من التقى فإنك لا تدري ... إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، برقم ٦٤٢١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، برقم ١٠٤٧.\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ٢٤٠، ٢٤١.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٤٢١.\n(٤) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٨٧.","vol":"1","page":19},{"text":"فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ ... وكم من عليل عاش حينًا من الدهر\n\nوقال أبو العتاهية:\nوما أدري وإن أمَّلت عُمرًا ... لعلي حين أصبح لست أُمسي\nألم تر أن كلَّ صباح يوم ... وعمرك فيه أقصر منه أمسِ (١)\n\nوقال آخر:\nيا من بدنياه اشتغل ... وغرَّه طولُ الأمل\nالموت يأتي فجأةً ... والقبر صندوقُ العمل\n\nعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالصَّرمة بالنار» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة أو الخوصة» (٣).\nوتقارب الزمان بقلّة البركة فيه، قال الحافظ ابن حجر – ﵀ –: «قد وُجد في زماننا هذا من سرعة الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا» (٤). وقيل: سرعة الزمان بسبب وسائل الاتصالات السريعة.\n_________\n(١) ذكره ابن رجب في المرجع السابق، ٢/ ٣٨٦، وهو في ديوان أبي العتاهية ص١١١.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في تقارب الزمان وقصر الأمل، برقم ٢٣٣٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٣٧.\n(٣) ابن حبان في صحيحه، برقم ٤٨٤٢، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط الصحيح».\n(٤) فتح الباري لابن حجر، ١٣/ ٨١، وانظر هناك: الحديث رقم ٧١٢١.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>٤ – القناعة وغنى النفس والتوكل على الله </span>- ﷿ -؛لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تُسدَّ فاقتُهُ، ومن نزلت به فاقةٌ فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجلٍ أو آجلٍ» (١).ولفظ أبي داود: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسدَّ فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى: إما بموتٍ عاجلٍ أو غِنىً عاجلٍ» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس الغنى عن كثرة العَرَضِ ولكن الغنى غنى النفس» (٣).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه» (٤).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن هذا المال خَضِرةٌ حُلوةٌ فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنِعْمَ المعونةُ هُوَ، ومن أخذه بغير حقِّه كان كالذي يأكل ولا يشبع» (٥).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلِّم من يعمل بهنَّ؟ فقال أبو هريرة: فقلت: أنا\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الهمِّ بالدنيا وحبِّها، برقم ٢٣٢٦، وصححه الألباني بلفظ: «بموت عاجل أو غنى عاجل» في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٣٥.\n(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في الاستعفاف، برقم ١٦٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٥٨، وفي الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٧٨٧.\n(٣) مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل القناعة والحث عليها، برقم ١٠٥١.\n(٤) مسلم، كتاب الزكاة، باب في الكفاف والقناعة، برقم ١٠٥٤.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب التحذير من الاغترار بزينة الدنيا وما يبسط منها، برقم ١٢٢ - (١٠٥٢).","vol":"1","page":21},{"text":"يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدَّ خمسًا، وقال: اتقِ المحارمَ تكنْ أعبدَ الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكنْ أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحكَ، فإن كثرةَ الضحكِ تميتُ القلبَ» (١).\nوعن سلمةَ بنِ عُبيد الله بن مِحْصَن الأنصاري عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أصبح منكم آمنًا في سربه (٢)، معافىً في جسده، عنده قوتُ يومه، فكأنما حيزت (٣) له الدنيا» (٤).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى إذا نفد ما عنده قال: «ما يكن عندي من خير فلن أدّخرَه عنكم، ومن يستعففْ يعفَّه الله، ومَن يستغنِ يُغنهِ الله، ومن يتصبَّر يُصَبِّرْهُ الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرٌ وأوسعُ من الصبر» (٥).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب من اتقى المحارم فهو أعبد الناس، برقم ٢٣٠٥، وأحمد، ٢/ ٣١٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٢٦، وفي الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٣٠.\n(٢) سِرْبِه: أي في نفسه، وقيل: في أهله وعياله، وقيل بفتح السين: أي في مسلكه وطريقه، وقيل بفتحتين: أي في بيته. انظر: النهاية لابن الأثير،٢/ ٣٥٦،وتحفة الأحوذي، ٧/ ١١،وفضل الله الصمد،١/ ٤٠١.\n(٣) حيزت: جمعت. سنن الترمذي، برقم ٢٣٤٦، وزاد في المشكاة، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة: «بحذافيرها» أي كأنما حيزت له الدنيا بأسرها، والحذافير الجوانب. ولكن بحثت عن هذه الزيادة فلم أجدها. انظر: فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد، ١/ ٤٠١، وتحفة الأحوذي للمباركفوري، ٧/ ١١.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب في وصف من حيزت له الدنيا، برقم ٢٣٤٦، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب القناعة، برقم ٤١٤١، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٣٠٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٤٣، والأحاديث الصحيحة، برقم ٢٣١٨.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم ١٤٦٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، برقم ١٠٥٣.","vol":"1","page":22},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» (١).\nفينبغي أن ينظر المسلم إلى من هو فوقه في الدين فيقتدي به وينافسه في الطاعات، وينظر إلى من هو دونه في الدنيا فيحمد الله تعالى (٢).\nومن لم يقنع كان كالذي يأكل ولا يشبع، وقد حذر النبي - ﷺ - عن الطمع، فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى ثالثًا، ولا يملأُ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب».وفي لفظ للبخاري: «ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب».وفي لفظ لمسلم: «ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب، والله يتوب على من تاب» (٣).\nوعن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه خطب في مكة فقال: «يا أيها الناس، إن النبي - ﷺ - كان يقول: «لو أن ابن آدم أعطي واديًا ملآن من ذهب أحب إليه ثانيًا، ولو أعطي ثانيًا أحب إليه ثالثًا، ولا يسدُّ جوف\n_________\n(١) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب انظروا إلى من هو أسفل منكم، برقم ٢٥١٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب القناعة، برقم ٤١٤٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٦٠٨، وغيره.\n(٢) انظر: سنن الترمذي، رقم ٢٥١٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال، وقول الله تعالى:\n﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، برقم ٦٤٣٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، برقم ١٠٤٩.","vol":"1","page":23},{"text":"ابن آدم إلا التراب، ويتوبُ الله على من تاب» (١).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو أن لابن آدم واديًا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب». ولفظ مسلم: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» (٢).\nوفي حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -: «لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (٣).\nوسمعت شيخنا ابن باز – ﵀ – يقول: «والمقصود من هذا كله الحذر من الانشغال بالمال والفتنة بالمال، وأن المؤمن ينبغي أن يكون أكبر همه العمل للآخرة، وأن لا ينشغل بالدنيا وشهواتها، فهو لم يخلق لها، [وإنما] خلق ليعمل فيها للآخرة فلا ينبغي أن ينشغل بها عما خُلِقَ له» (٤).\nويوضح ذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٥).\nوفي حديث عمرو بن عوف الأنصاري - ﵁ - في قصة قدوم أبي عبيدة من\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال، برقم ٦٤٣٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال، برقم ٦٤٣٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، برقم ١٠٤٨.\n(٣) مسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، برقم ١٠٥٠.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الأحاديث رقم ٦٤٣٦ - ٦٤٣٩.\n(٥) مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، برقم ٣٤ – (٢٥٦٤).","vol":"1","page":24},{"text":"البحرين: «أظنكم قد سمعتم أنَّ أبا عبيدة قد جاء بشيء» قالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فأبشِروا وأمِّلوا ما يسُّركم، فوالله لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلكَكُم كما أهلكتهم» وفي رواية: «وتلهيكم كما ألهتهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>٥ – الإكثار من التفكر في أحوال المحتضرين</span>. جاء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة بيان أحوال المحتضرين عند الموت، ومن ذلك على سبيل المثال ما يأتي:\nقال الله تعالى: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (٢) يعظ الله تعالى عباده بذكر حال المحتضر عند السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي – وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، التي بين ثغرة النحر والعاتق – فحينئذ يشتد الكرب والأهوال ثبتنا الله هناك بالقول الثابت، وفي هذه الحال تُطلب كل وسيلة وسبب يُظن أنه يحصل بها شفاء، ولكن إذا جاء قضاء الله وقدره فلا مردَّ له (٣).\nوقال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ *\n_________\n(١) متفق عليه: كتاب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، برقم ٣١٥٨، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٦١.\n(٢) سورة القيامة، الآيات: ٢٦ - ٣٠.\n(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٣٩٧، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٩٠٠.","vol":"1","page":25},{"text":"وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (١).\nفقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ﴾ الروح ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي الحلق وذلك حين الاحتضار، كما قال تعالى: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي المحتضر وما يكابده من سكرات الموت ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي بعلمنا وملائكتنا، ﴿وَلَكِن لا تُبْصِرُونَ﴾ أي ولكن لا ترونهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى:\n﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى الله مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ معناه: فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول ومقرها من الجسد ﴿إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ يعني محاسبين، وقيل: ﴿إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ يعني غير مصدقين أنكم تدانون وتبعثون وتجزون فردوا هذه النفس، وقيل: المعنى\n_________\n(١) سورة الواقعة، الآيات: ٨٣ - ٩٦.\n(٢) سورة الأنعام، الآيتان: ٦١، ٦٢.","vol":"1","page":26},{"text":"غير موقنين، وقيل: غير معذبين مقهورين (١).\nوقد ذكر الله - ﷿ - أحوال الطوائف الثلاث: المقربين، وأصحاب اليمين، والمكذبين الضالين في أول هذه السورة في دار القرار، ثم ذكر أحوالهم في آخرها عند الاحتضار، والموت وهي ثلاثة أحوال كذلك:\n* فقال: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي إن كان الميت من المقربين، وهم الذين فعلوا الواجبات، والمستحبات، وتركوا المحرمات، والمكروهات، وبعض المباحات ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أي فلهم «روح» راحة، وطمأنينة، وسرور، وبهجة، ونعيم القلب والروح، ورحمة، وفرح، واستراحة، وراحة من الدنيا، ورخاء، ورزق، قال الإمام ابن كثير – رحمه الله تعالى –: «وكل هذه الأقوال متقاربة» (٢)، ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ هو اسم جامع لكل لذة بدنية من أنواع المآكل والمشارب وغيرهما، وقيل: الريحان: هو الطِّيب المعروف، فيكون تعبيرًا بنوع الشيء عن جنسه العام (٣)، وقوله: ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ جامعة للأمرين كليهما، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فَبُشِّرَ المقربون عند الاحتضار بهذه البشارة التي تكاد تطير منها الأرواح من الفرح والسرور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٣٠٥، وانظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ص٨٣٦.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، ص١٣٠٥.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٨٣٧.","vol":"1","page":27},{"text":"تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ (١) ويفسر ذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢). وأن هذه البشارة المذكورة هي البشرى في الحياة الدنيا (٣).\nوقال النبي - ﷺ -: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»، قالت عائشة ﵂ أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت؟ قال: «ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضِرَ بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه». وفي رواية مسلم: «ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بُشِّر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بُشِّر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه». وفي لفظ لمسلم: «والموت قبل لقاء الله» (٤).\nقال الإمام ابن كثير–﵀–في قوله: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أي فلهم روح وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت، كما في\n_________\n(١) سورة فصلت، الآيات: ٣٠ - ٣٢.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٦٤.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٨٣٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، برقم ٦٥٠٧، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، برقم ٢٦٨٤.","vol":"1","page":28},{"text":"حديث البراء: أن ملائكة الرحمة تقول: «أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان» (١)، وحديث البراء - ﵁ - له ألفاظ منها: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن على وجوههم الشمس معهم أكفان من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت - ﵇ - حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة [وفي رواية المطمئنة] اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ...» الحديث وفيه: «وإن العبد الكافر [وفي رواية: الفاجر] إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد] سود الوجوه معهم المسوح [من النار] فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب ...» الحديث (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا حُضِرَ المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيًّا عنك إلى روح\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، ص١٣٠٥.\n(٢) حديث البراء، أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب الجلوس عند القبر، برقم ٣٢١٢، وفي كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر، برقم ٤٧٥٣، و٤٧٥٤، وحسّن إسناده الأرنؤوط في جامع الأصول، ١١/ ١٧٩، والحاكم، ١/ ٣٧ - ٤٠، وأحمد ٤/ ٢٨٧، و٢٨٨، و٢٩٥، و٢٩٦، والقسم الأول من الحديث إلى قوله: «وكأن على رؤوسنا الطير» أخرجه النسائي، ١/ ٢٨٢، وهي رواية لأبي داود، ٢/ ٧٠، وكذا أحمد، ٤/ ٢٩٧، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه ابن القيم في إعلام الموقعين، ١/ ٢١٤، وتهذيب السنن ٤/ ٣٣٧، وصححه الألباني، وذكر زياداته في كتاب الجنائز، ص٢٠٢.","vol":"1","page":29},{"text":"وريحان وربٍّ غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليتناوله بعضهم بعضًا، حتى يأتون به السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواح المؤمنين، فَلَهُمْ أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دَعُوه؛ فإنه كان في غمِّ الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهِبَ به إلى أمِّهِ الهاوية، وإن الكافر إذا حُضِر أتته ملائكة العذاب بمسْحٍ، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله - ﷿ -، فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح! حتى يأتون به أرواح الكفار» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «إذا خرجت روح المؤمن تلقَّاها ملكان يصعدانها، فذكر من طيب ريحها وذكر المسك، ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه - ﷿ -، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل، وإن الكافر إذا خرجت روحه وذكر من نتنها، وذكر لعنًا، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل» (٢).\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٣)،قال الإمام ابن كثير –\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجنائز، باب ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه، برقم ١٨٣٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٣٠٩.\n(٢) مسلم، كتاب الجنة ونعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم ٢٨٧٢.\n(٣) سورة الفجر، الآيات: ٢٧ - ٣٠.","vol":"1","page":30},{"text":"﵀ –: «وهذا يقال لها عند الاحتضار وفي يوم القيامة أيضًا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، فكذلك هاهنا» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أيضًا، عن النبي - ﷺ - قال: «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها، حتى تخرج، ثم يُعرج بها إلى السماء، فيُفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلانٌ، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يُقال لها ذلك حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها الله - ﷿ -، وإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شَكْلِه أزواج، فلا يزال يُقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يُعرج بها إلى السماء، فلا يفتح لها، فيُقال: من هذا؟ فيُقال: فلان، فيُقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فيُرسل بها من السماء، ثم تصير إلى القبر» (٢).\n* ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ وهم الذين أدَّوا الواجبات، وتركوا المحرمات، وإن حصل منهم بعض التقصير في بعض الحقوق\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، ص١٤٣٤، وانظر: الروح لابن القيم، ١/ ٣٣٩.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، برقم ٤٣٣٨، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٨٦، وغيره.","vol":"1","page":31},{"text":"التي لا تخل بتوحيدهم، وإيمانهم، فهذا المحتضر تبشِّره الملائكة بالسلامة، وأنه لا بأس عليه، وأنه من أصحاب اليمين، وأنه قد سلم من عذاب الله، وتُسلّم عليه الملائكة (١)، وقيل: سلام حاصل لك من إخوانك أصحاب اليمين: أي يسلمون عليه ويحيُّونه عند وصوله إليهم، ولقائهم له، أو يقال له: سلام لك من الآفات، والبليات، والعذاب؛ لأنك من أصحاب اليمين الذين سلموا من الذنوب الموبقات (٢).\n* ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى ﴿فَنُزُلٌ﴾ أي ضيافة، ﴿مِّنْ حَمِيمٍ﴾ وهو الماء المذاب الذي يُصهر به ما في بطونهم والجلود، ويُغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقًا ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ التي تحيط به وتغمره من جميع جهاته، نسأل الله العافية (٣).\n* وينبغي للمؤمن أن لا ينسى سكرات الموت وشدته، ويذكر ذلك دائمًا حتى يكون على استعداد للقاء الله تعالى، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو يوعك (٤) فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكًا شديدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «أجلْ إني أوعك كما\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير، ص١٣٠٥، ١٣٠٦.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٨٣٧.\n(٣) تفسير ابن كثير، ص١٣٠٦، وتفسير السعدي، ص٨٣٧.\n(٤) يوعك: قيل الحمى، وقيل: ألمها، وقيل: إرعادها الموعوك وتحريكها إياه. فتح الباري، لابن حجر، ١٠/ ١١١.","vol":"1","page":32},{"text":"يوعكُ رجلان منكم» قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين، فقال رسول الله - ﷺ -: «أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه [شوكة فما فوقها] إلا حطَّ الله بها سيئاته كما تَحطُّ الشجرة ورقها» (١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت أحدًا أشدَّ عليه الوجع من رسول الله - ﷺ -» (٢).\nقالت عائشة ﵂: «فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي - ﷺ -» (٣).\nوفي حديث آخر عن عائشة ﵂ وفيه: «أن النبي - ﷺ - عند موته جعل يديه في إناء صغير فيه ماء يدخلهما في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». وفي لفظ مسلم: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى» (٤).\nومن أشمل الأحاديث في ذلك حديث البراء بن عازب قال: «خرجنا مع النبي - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلحد، فجلس رسول الله - ﷺ -[مستقبل القبلة]، وجلسنا حوله، وكأنَّ على رؤوسنا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب شدة المرض، برقم ٥٦٤٧، وباب أشد الناس بلاء: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، برقم ٥٦٤٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من: مرض أو حزن، أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، برقم ٢٥٧١ واللفظ له إلا ما بين المعقوفين.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب شدة المرض، برقم ٥٦٤٦، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته، برقم ٤٤٤٦، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عائشة أم المؤمنين ﵂، برقم ٢٤٤٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري: كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته، برقم ٤٤٤٩، ومسلم، فضائل الصحابة، باب في فضائل عائشة ﵂، برقم ٢٤٤٤.","vol":"1","page":33},{"text":"الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، [فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه، ثلاثًا]، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثًا [ثم قال: اللهم إن أعوذ بك من عذاب القبر] [ثلاثًا]، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأنَّ وجوهَهم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحَنوط (١) من حَنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت - ﵇ - (٢) حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، (وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل مَلَك بين السماء والأرض، وكل مَلَك في السماء، وفُتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يُعرج بروحه من قبلهم)، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط [فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرّون – يعني – بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له،\n_________\n(١) بفتح المهملة: ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة.\n(٢) قال العلامة الألباني ﵀: هذا هو اسمه في الكتاب والسنة (ملك الموت)، وأما تسميته (بعزرائيل) فمما لا أصل له، خلافًا لما هو المشهور عند الناس، ولعله من الإسرائيليات.","vol":"1","page":34},{"text":"فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله - ﷿ -: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال]: أعيدوه إلى الأرض، فإني [وعدتهم أني] منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فـ[يرد إلى الأرض، و] تُعاد روحه في جسده، [قال: فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه] [مدبرين]، فيأتيه مَلَكان [شديدا الانتهار] فـ[ينتهرانه، و] يُجلسانه فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك: فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعث فيكم؟ فيقولُ: هو رسول الله - ﷺ -، فيقولان له: وما عِلْمُكَ؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدَّقت، فينتهره فيقول: مَن ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تُعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله - ﷿ -: ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - ﷺ -، فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: [وفي رواية: يُمَثلُ له] رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرُّك، [أبشر برضوان من الله، وجناتٍ فيها نعيمٌ مقيمٌ]، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول له: [وأنت فبشرّك الله بخير] من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقولُ: أنا عملك الصالح [فوالله ما علمتك إلا كنت سريعًا في طاعة الله، بطيئًا في معصية الله، فجزاك الله خيرًا]، ثم يُفتح له باب من","vol":"1","page":35},{"text":"الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجِّلْ قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، [فيقال له: اسكنْ].\nقال: وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد]، سود الوجوه، معهم المسوح (١) [من النار]، فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضبٍ، قال: فتفرَّق في جسده فينتزعها كما يُنتزع السُّفودُ [الكثير الشُّعب من الصوف المبلول، [فتُقطع معها العروق والعصب]، [فيلعنه كل مَلَك بين السماء والأرض، وكل مَلَك في السماء، وتُغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم]، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وُجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرُّون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان – بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهيَ به إلى السماء الدنيا، فيُستفتح له، فلا يُفتح له، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٢) فيقول الله - ﷿ -:اكتبوا كتابه في سجِّين، في الأرض السفلى، [ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني\n_________\n(١) جمع المِسْح، بكسر الميم، وهو ما يُلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفًا وقهرًا للبدن.\n(٢) أي ثقب الإبرة، والجمل هو الحيوان المعروف، وهو ما أتى عليه تسع سنوات.","vol":"1","page":36},{"text":"وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى]، فتطرح روحه [من السماء] طرحًا [حتى تقع في جسده]، ثم قرأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ فتعاد روحه في جسده، [قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه].\nويأتيه ملكان [شديدا الانتهار، فينتهرانه، و] يجلسانه، فيقولان له: مَن ربك؟ [فيقول: هاهْ، هاهْ (١) لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاهْ هاهْ لا أدري]،فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقولُ: هاهْ هاهْ لا أدري [سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دريت]،ولا تلوت]،فيُنادي منادٍ من السماء أن: كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويُمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول: [وأنت فبشَّرك الله بالشر] من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر! فيقول: أنا عملك الخبيث، [فوالله ما علمتُ إلا كنتَ بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إلى معصية الله]، [فجزاك الله شرًا، ثم يُقيَّض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة! لو ضُرب بها جبل كان ترابًا فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابًا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يُفتح له باب من\n_________\n(١) هي كلمة تقال في الضحك وفي الإيعاد، وقد تُقال للتوجع، وهو أليق بمعنى الحديث والله أعلم. كذا في «الترغيب».","vol":"1","page":37},{"text":"النار، ويمهد من فرش النار]، فيقول: ربِّ لا تقم الساعة (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>٦ - التفكُّر في أحوال الظالمين عند الاحتضار </span>وما تفعل بهم الملائكة نسأل الله العافية.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٤).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٥).\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣٢١٢، ويأتي تخريجه أيضًا.\n(٢) قال الألباني ﵀: الزيادة الأولى لأبي داود وابن ماجه والحاكم، والثانية لأحمد والطيالسي، والثالثة له والحاكم، والرابعة لأحمد، والخامسة للطيالسي، وله السادسة والثامنة، والسابعة للحاكم، والثامنة للطيالسي، والتاسعة لأحمد، والعاشرة لأبي داود، والحادية عشرة والثانية عشرة للطيالسي، والثالثة عشرة لأحمد، والرابعة عشرة للطيالسي، والخامسة عشرة له وكذا أحمد، والسادسة عشرة له أيضًا ولأحمد نحوه، وله السابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرون والواحدة والعشرون، وللحاكم الأخيرتان منها، والثانية والعشرون لأحمد، والثالثة والعشرون والخامسة والعشرون للحاكم، والرابعة والعشرون للطيالسي، والسادسة والعشرون لأحمد، والسابعة والعشرون للطيالسي، والثامنة والعشرون لأبي داود، والتاسعة والعشرون والثلاثون للطيالسي، ولأحمد الزيادات الباقية والثالثة والثلاثون منها للطيالسي ولفظها له.\nوأما الرواية الثانية فهي للحاكم، ولأحمد الثالثة، وللحاكم والطيالسي الرابعة والخامسة والسادسة.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ٩٣.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٥٠.\n(٥) سورة محمد، الآية: ٢٧ - ٢٨.","vol":"1","page":38},{"text":"وقال - ﷾ -: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١).\nقال ابن كثير ﵀: «وذلك أن الكافر إذا احتضر بشَّرته الملائكة بالعذاب، والنكال، والأغلال، والسلاسل، والجحيم، والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتفرق روحه في جسده، وتعصي، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، وقد وردت الأحاديث المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت، وهي مقررة عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ (٢)﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٧ – تَذَكُّر الحمل على الأكتاف وتشييع الناس له</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وُضِعَت الجنازةُ فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدِّموني قدِّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كلُّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لَصَعِقَ» (٤).\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآيتان: ٩٩ - ١٠٠.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، ص٤٨٧، وانظر: تفسير آية سورة إبراهيم ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ﴾.\n(٤) البخاري، كتاب الجنائز، باب حمل الرجال على الجنازة دون النساء، برقم ١٣١٤، وباب قول الميت وهو على الجنازة قدموني، برقم ١٣١٦، وباب كلام الميت على الجنازة، برقم ١٣٨٠.","vol":"1","page":39},{"text":"وفي رواية عن أبي هريرة - ﵁ - عند النسائي: «إذا وضع الميت على السرير» (١)، فدل على أن المراد بالجنازة في هذا الحديث: الميت، أما في غير هذا الحديث فلفظ الجنازة يُطلق على الميت، وعلى السرير الذي يُحمل عليه أيضًا، وقد يُطلق على السرير وعليه الميت معًا (٢)، وقد قال الإمام البخاري - ﵀ -: باب قول الميت وهو على الجنازة» (٣) أي السرير (٤)، قال الإمام الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «قوله: «إذا وُضعت الجنازة» يحتمل أن يريد بالجنازة نفس الميت وبوضعه جعله في السرير، ويحتمل أن يريد السرير، والمراد وضعها على الكتف، والأول أولى؛ لقوله بعد ذلك: «فإن كانت صالحة قالت ...»، فإن المراد به الميت، ويؤيده رواية عبد الرحمن بن مهران عن أبي هريرة - ﵁ - المذكورة بلفظ: «إذا وُضع المؤمن على سريره يقول قدِّموني (٥» (٦). قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «وظاهره أن قائل ذلك: هو الجسد المحمول على الأعناق، وقال ابن بطال: إنما يقول ذلك الروح، ورده ابن المنير بأنه لا مانع أن يرد\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، برقم ١٩٠٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٣٢.\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١٨٢، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الزاي، فصل الجيم، ص٦٥٠.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، قبل الحديث رقم ١٣١٦.\n(٤) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١٨٥.\n(٥) النسائي، برقم ١٩٠٧، وتقدم تخريجه، ولفظه: «إذا وضع الرجل الصالح على سريره قال: قدموني قدموني».\n(٦) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١٨٥.","vol":"1","page":40},{"text":"الله الروح إلى الجسد في تلك الحال؛ ليكون ذلك زيادة في بشرى المؤمن وبؤس الكافر». ثم قال ابن حجر: «ولا حاجة إلى دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن؛ لأنه يحتاج إلى دليل، فمن الجائز أن يُحدث الله النطق في الميت إذا شاء، وكلام ابن بطال فيما يظهر لي أصوب» (١).\nومما يدل على عظم الأمر حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم»، ولفظ مسلم: «وإن تكُ غير ذلك» (٢)، ويزيد الأمر اعتناءً حديث أبي قتادة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - مُرَّ عليه بجنازة فقال: «مستريح ومُستراحٌ منه»، قالوا: يا رسول الله: ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: «العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه: العباد، والبلاد، والشجر، والدواب» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٨ – تذكُّر فتنة القبر وسؤال منكر ونكير</span>، وسماع قرع نعال الأصدقاء والأصحاب عندما يولّون مُدبرين؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ -:أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن العبد إذا وُضِعَ في قبره وتولى عنه أصحابه – وإنه يسمع قرع نعالهم – أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد - ﷺ -،فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما\n_________\n(١) المرجع السابق، ٣/ ١٨٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، برقم ١٣١٥، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الإسراع بالجنازة، برقم ٩٤٤.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما جاء في مستريح ومستراح منه، برقم ٩٥٠.","vol":"1","page":41},{"text":"جميعًا».\n[قال قتادة: وذُكر لنا أنه يفسح له في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس قال]: «وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيُقال: لا دريتَ ولا تليتَ، ويُضرب بمطارق من حديد ضربةً فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» (١).\nولفظ حديث أنس - ﵁ - في سنن أبي داود: «إن نبي الله - ﷺ - دخل نخلًا لبني النجار، فسمع صوتًا ففزع، فقال: «من أصحاب هذه القبور؟» قالوا: يا رسول الله ناس ماتوا في الجاهلية، فقال: «تعوذوا بالله من عذاب النار، ومن فتنة الدجال» قالوا: ومِمَّ ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن المؤمن إذا وُضِع في قبره أتاه ملك، فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإنِ اللهُ هداه، قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، فما يسأل عن شيء غيرها، فيُنطلق به إلى بيت كان له في النار، فيقال له: هذا بيتك كان لك في النار، ولكن الله عصمك ورحمك فأبدلك به بيتًا في الجنة، فيقول: دعوني حتى أذهب وأبشر أهلي، فيقال له: اسكنْ.\nوإنَّ الكافر إذا وُضَع في قبره أتاه ملك، فينتهره فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري: فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيقال له: فما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: كنت أقول ما يقول الناس، فيضربه بمطرق\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، برقم ١٣٧٤، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم ٢٨٦٩، وما بين المعقوفين لفظ البخاري دون مسلم.","vol":"1","page":42},{"text":"من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين». وفي لفظ: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه يسمع قرع نعالهم فيأتيه مَلَكان فيقولان له ... وأما الكافر والمنافق فيقولان له ... يسمعها من يليه غير الثقلين» (١).\nوفي حديث البراء - ﵁ - أن العبد المؤمن تعاد روحه في جسده، وإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه مُدبرين، فيأتيه مَلَكان شديدا الانتهار فينتهرانه، ويُجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - ﷺ -، فيقولان له: وما عِلْمُك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به، وصدَّقت، فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تُعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله - ﷿ -: ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - ﷺ -، فينادي منادٍ في السماء: أنْ صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوحها وطيبها، ويُفسح له في قبره مَدَّ بصره ... ثم ذكر - ﷺ - في الحديث أن العبد الكافر وفي رواية الفاجر: تُعاد روحه في جسده، فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولَّوا عنه، ويأتيه مَلَكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويُجلسانه فيقولان له: مَن ربك؟ فيقول: هاهْ، هاهْ لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاهْ هاهْ لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فلا يهتدي\n_________\n(١) أبو داود، كتاب السنة، باب في المسألة في القبر، وعذاب القبر، برقم ٤٧٥١، ورقم ٤٧٥٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ١٦٤.","vol":"1","page":43},{"text":"لاسمه، فيقال: محمد! فيقولُ: هاهْ هاهْ لا أدري، سمعت الناس يقولون ذلك، قال: فيقال: لا دريتَ، ولا تلوتَ، فيُنادي منادٍ من السماء أن: كذب عبدي فافرشوا له من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرّها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه (١).\nوفي لفظ حديث البراء مختصرًا في حديث مسلم عن النبي - ﷺ - قال:\n﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (٢) قال: نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد - ﷺ -، فذلك قوله - ﷿ -: ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾.\nولفظه عند البخاري: «إذا أُقعد المؤمن في قبره أُتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (٣).\nوعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قام رسول الله - ﷺ - خطيبًا فذكر فتنة القبر التي يُفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضجَّ المسلمون ضجة» (٤)، وفي سنن النسائي أن سبب ضجة الصحابة - ﵃ - قول النبي - ﷺ -:\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤، والحاكم، ١/ ٣٧ - ٤٠، وأحمد، ٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦، وبرقم ١٨٣٤، وتقدم تخريجه في أحوال المحتضرين.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(٣) متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، برقم ١٣٦٩، وصحيح مسلم، كتاب الجنة ونعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم ٢٨٧١.\n(٤) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، برقم ١٣٧٣.","vol":"1","page":44},{"text":"«قد أوحي إليّ أنكم تُفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدجال» (١).\nولفظ حديث أسماء عن عائشة ﵄ عند البخاري: أن النبي - ﷺ - قال في خطبته بعد أن صلى الكسوف: «ما من شيء لم أكن أُريته إلا [وقد] رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أُوحي إليَّ أنكم تُفتنون في القبور مثل أو قريبًا من فتنة المسيح الدجال، يُؤتى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو قال الموقن فيقال: ما علمك بهذا؟ فيقول: هو رسول الله، هو محمد - ﷺ -، جاءنا بالبينات والهدى، فآمنا، وأجبنا، واتبعنا، وصدقنا، فيقال له: نَمْ صالحًا قد كنا نعلم أنك كنت لمؤمنًا به، وأما المنافق أو قال المرتاب شك هشام فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلتُهُ» (٢)، وفي لفظ لمسلم عن عائشة ﵂ ترفعه: «إني قد رأيتكم تُفتنون في القبور كفتنة الدجال ...» قالت عائشة: فكنت أسمع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك يتعوذ من عذاب النار وعذاب القبر» (٣).\nقال الإمام النووي – ﵀ –: «فيه إثبات عذاب القبر، وفتنته، وهو مذهب أهل الحق، ومعنى: تُفتنون: تُمتحنون، فيقال: ما علمك بهذا الرجل، فيقول المؤمن: هو رسول الله، ويقول المنافق: سمعت الناس\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، برقم ٢٠٦١، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٧٦.\n(٢) البخاري، كتاب الكسوف، باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف، برقم ١٠٥٣، وكتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد، برقم ٩٢٢.\n(٣) مسلم، كتاب الكسوف، باب ذكر عذاب القبر في صلاة الخسوف، برقم ٩٠٣.","vol":"1","page":45},{"text":"يقولون شيئًا فقلت، هكذا جاء مُفسَّرًا في الصحيح، وقوله: «كفتنة الدجال» أي فتنة شديدة جدًا، وامتحانًا هائلًا، ولكن يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قُبر الميت أو قال: أحدكم، أتاه ملكان، أسودان، أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهدأن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ثم ينوَّر له فيه، ثم يقال له: نَمْ، فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نَمْ كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون (٢) فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (٣).\nورواية ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة - ﵁ - لفظها: «إن الميت إذا وُضع في قبره فإنه يسمعُ خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمنًا، كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله،\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٥٩.\n(٢) في جامع الأصول، ١١/ ١٧٦، زيادة: «قولًا».\n(٣) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، برقم ١٠٧١، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٤٤، وغيره.","vol":"1","page":46},{"text":"وكان فعل الخيرات: من الصدقة، والصلة، والمعروف، والإحسان إلى الناس، عند رجليه. فيُؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يُؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قِبلي مدخل، ثم يُؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قِبلي مدخل، ثم يُؤتى من قبل رجليه، فتقول فعل الخيرات: من الصدقة، والصلة، والمعروف، والإحسان إلى الناس: ما قِبلي مدخل، فيقال له: اجلس فيجلس، وقد مُثِّلَت له الشمس وقد أُدنيت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولون (١): إنك ستفعل، أخبرني عما نسألك عنه، أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه، وماذا تشهد عليه؟ قال: فيقول: محمد أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله. فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مُتَّ، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يُفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: هذا مقعدك منها، وما أعدَّ الله لك فيها، فيزداد غِبطةً وسرورًا، ثم يُفتح له بابٌ من أبواب النار، فيقال له: هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها لو عصيته، فيزداد غبطة وسرورًا، ثم يُفسح له في قبره سبعون ذراعًا، ويُنوّر له فيه، ويُعاد الجسد لما بدأ منه، فتجعل نسمته في النَّسَم الطيب وهي طير يعلق في شجر الجنة، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (٢). قال: وإن الكافر إذا أُتي من قبل رأسه، لم يوجد شيء، ثم أُتي عن يمينه، فلا يوجد شيء، ثم أُتي عن شماله، فلا يوجد\n_________\n(١) في الأصل: «فيقول»، والمثبت من «التقاسيم» ٣/ ٤٣٥.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.","vol":"1","page":47},{"text":"شيء، ثم أُتي من قبل رجليه فلا يوجد شيء، فيُقال له: اجلس، فيجلس خائفًا مرعوبًا، فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أي رجل؟ فيقال: الذي كان فيكم، فلا يهتدي لاسمه حتى يقال له: محمد، فيقول: ما أدري سمعت الناس قالوا قولًا، فقلت كما قال الناس، فيُقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفتح له باب من أبواب النار فيُقال له: هذا مقعدك من النار، وما أعد الله لك فيها، فيزداد حسرة وثبورًا، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيُقال له: ذلك مقعدك من الجنة، وما أعد الله لك فيه لو أطعته فيزداد حسرةً وثبورًا، ثم يُضيَّقُ عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١)﴾ (٢).\nوأما رواية ابن ماجه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - فلفظها: «إن الميت يصير إلى القبر، فيُجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشعوف (٣)، ثم يقال له: فيم كنت؟ فيقول: كنت في الإسلام، فيقال له: ما هذا\n_________\n(١) سورة طه، الآية: ١٢٤.\n(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه، في كتاب الجنائز، فصل في أحوال الميت في قبره، ٧/ ٣٨٠، برقم ٣١١٣، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده حسن من أجل محمد بن عمرو، وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي». وأخرجه عبد الرزاق (٦٧٠٣)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤، وهناد بن السري في «الزهد» (٣٣٨)، والطبري في «جامع البيان» ١٣/ ٢١٥ - ٢١٦، والحاكم، ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠ و٣٨٠ - ٣٨١، والبيهقي في «الاعتقاد» ص٢٢٠ - ٢٢٢، وفي «إثبات عذاب القبر» (٦٧) من طرق عن محمد بن عمرو، بهذا الإسناد، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٥١ - ٥٢ وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٣١ - ٣٢، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(٣) ولا مشعوف، الشعف: شدة الفزع حتى يذهب بالقلب.","vol":"1","page":48},{"text":"الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله - ﷺ -، جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فيُفرج له فرجة قِبَل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله، ثم يُفرج له قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له: هذا مقعدك، ويقال له: على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ويُجلس الرجل السوء في قبره فزعًا مشعوفًا، فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولًا فقلته، فيُفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يُفرج له فرجة قِبل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: هذا مقعدك، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى (١).\nوفي حديث جابر عند ابن ماجه عن النبي - ﷺ - قال: «إذا دخل الميت القبر مُثِّلت له الشمس عند غروبها، فيجلس يمسح عينيه ويقول: دعوني أصلي» (٢)، والمقصود الميت المسلم، كما تقدم في حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٩ – تذكُّر نعيم القبر وعذابه</span>؛ لأدلة قطعية كثيرة جدًّا، من القرآن الكريم (٣) والأحاديث الشريفة التي بلغت حد التواتر (٤) ومنها:\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، برقم ٤٣٤٤، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، برقم ٤٢٧٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٩٠.\n(٣) تأتي الآيات التي تدل على نعيم القبر وعذابه إن شاء الله.\n(٤) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ٣٣٦ - ٣٣٩، ١/ ١٦٥، وجامع الأصول من أحاديث الرسول - ﷺ -، ١١/ ١٦٤، من حديث رقم ٨٦٩٠ - ٨٧٠٤.","vol":"1","page":49},{"text":"حديث أبي طلحة: أن نبي الله - ﷺ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من قريش فقذفوا في طويٍّ (١) من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة (٢) ثلاث ليالٍ، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشُدَّ عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفةِ الركيِّ (٣) فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، أيَسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟» قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله: توبيخًا، وتصغيرًا، ونقمةً، وحسرةً وندمًا» (٤).\n* واختلف العلماء – رحمهم الله تعالى – في سماع الأموات؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (٥). وقال تعالى في سورة الروم: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ (٧).\n_________\n(١) الطوي: البئر المطوية. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ١٤٦.\n(٢) العرصة: كل موضع واسع لا بناء فيه. النهاية لابن الأثير، ٣/ ٢٠٨.\n(٣) الركي: البئر التي لم تطوَ. تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص٢٦٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، برقم ٣٩٧٦، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم ٢٨٧٥.\n(٥) سورة النمل، الآية: ٨٠.\n(٦) سورة الروم، الآية: ٥٢.\n(٧) سورة فاطر، الآية: ٢٢.","vol":"1","page":50},{"text":"ذكر الإمام الشنقيطي – ﵀ – أنه لا يصح في تفسير ذلك من أقوال العلماء إلا تفسيران:\nالأول: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي لا تسمع الكفار الذين أمات الله قلوبهم، إسماع هدى وانتفاع؛ لأن الله ختم على قلوبهم، فهم لا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع.\nالثاني: أن المراد بالموتى الذين ماتوا بالفعل، ولكن المراد بالسماع المنفي خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وأن هذا مَثَلٌ ضربه الله للكفار، والكفار يسمعون الصوت ولكن لا يسمعون سماع قبول واتباع.\nثم تكلم ﵀ عن مسألة سماع الموتى في قبورهم وأطال ﵀، واختار أنهم يسمعون كلام مَنْ كلَّمهم، وقال: إنه الذي يقتضي الدليل رجحانه، وبيّن أنّ من استدل بقول عائشة ﵂ فقد غلط، وبيّن أنّ سماع الموتى ثبت عنه - ﷺ - في أحاديث صحيحة لا مطعن فيها، ولم يذكر - ﷺ - أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت، ولم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالف ذلك، ثم ذكر ﵀: كلام النبي - ﷺ - لأهل بدر، وسلامه على الأموات كالأحياء، فدل ذلك على أنهم يسمعون التسليم عليهم، وذكر ما ذكره الإمام ابن القيم في كتابه الروح من الآثار الكثيرة التي تدل على معرفة الموتى بزيارة الأحياء، وردّ الله - ﷿ - أرواح الموتى عليهم أثناء سلام أقربائهم عليهم حتى يردوا ﵈، وقد انتصر لسماع الموتى ابن تيمية ﵀ (١) وتلميذه ابن القيم في كتابه «الروح» وغيره.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٩، ٢٤/ ٣٠٤، ٣٣١، ٣٦٢ - ٣٧٩.","vol":"1","page":51},{"text":"والإمام ابن كثير في تفسيره حيث قال: «والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر ﵄؛ لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس مرفوعًا: «ما من أحد يمرُّ بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلّم عليه إلا ردّ الله عليه روحه حتى يردَّ ﵇» ثم ذكر آثارًا كثيرة جدًّا عن الصحابة - ﵃ -،وعن التابعين ﵏ (١) والله ولي التوفيق (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز – ﵀ – يقول: الأقوال في سماع الأموات ثلاثة:\nالقول الأول: يسمعون مطلقًا.\nالقول الثاني: لا يسمعون مطلقًا.\nالقول الثالث: التفصيل: يسمعون فيما جاءت به النصوص، ولا يسمعون في غير ذلك، وهذا القول هو الصواب، وأنهم يسمعون فيما جاءت به النصوص فقط، كسماع قرع النعال، وكقوله [- ﷺ - لصناديد قريش] ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون، وعند الزيارة والسلام عليهم، وهذا القول جيد» (٣).\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀-: أن أرواح الأحياء إذا قُبضت تجتمع إلى أرواح الموتى (٤)، وأن الأرواح العليا تنزل إلى الأرواح\n_________\n(١) أضواء البيان للشنقيطي، ٦/ ٤١٦ - ٤٣٩.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٣٧٠، ١٣٧١.\n(٤) مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٣٠٣.","vol":"1","page":52},{"text":"الدنيا، والأدنى يصعد إلى الأعلى، وأن الروح تُعاد إلى اللّحد أحيانًا، كرد الروح إذا سُلِّم على القبر حتى يرد السلام على من سلم عليه (١)، وقد تجتمع الأرواح مع تباعد المدافن، وقد تفترق مع اجتماع المدافن (٢).\n* والشهداء في حياة عظيمة، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لمَّا أُصيب إخوانكم بأُحُد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلِّغ إخواننا عنا أنَّا أحياء في الجنة نُرزق، لئلاّ يزهدوا في الجهاد، ولا يتَّكلوا عند الحرب؟ فقال الله سبحانه: أنا أبلّغهم عنكم. قال: فأنزل الله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (٣)﴾ (٤).\nقال شيخ الإسلام ﵀: «الصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة: أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجنة ليس مختصًّا بالشهيد، كما دلّت على ذلك النصوص الثابتة، ويختصُّ الشهيد بالذكر؛ لكون الظانّ يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد، فأخبر بذلك، ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة» (٥).\n_________\n(١) المرجع السابق، ٢٤/ ٣٠٤، ٣٣١، و٣٦٢ - ٣٧٩.\n(٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٣٦٩.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.\n(٤) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في فضل الشهادة، برقم ٢٥٢٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١٠٢.\n(٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٣٣٢.","vol":"1","page":53},{"text":"* وعذاب القبر ونعيمه حق لا شك فيه، وقد ظهر في هذا الحديث ما يدل على ذلك، فقد قال عمر - ﵁ - للنبي - ﷺ - حينما خاطب صناديد قريش بعد إلقائهم في قليب بدر: يا رسول الله ما تكُلِّم من أجساد لا أرواح لها»؟ فقال - ﷺ -: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». قال قتادة: «أحياهم الله حتى أسمعهم قوله: توبيخًا، وتصغيرًا ونقمة، وحسرة، وندمًا»، وهذا يؤكد أهمية بيان عذاب القبر؛ ولهذا خاطب النبي - ﷺ - صناديد قريش يُوبِّخُهم؛ لإعراضهم وعنادهم التام في الدنيا عن دين الإسلام، بل وقفوا في طريقه وقاتلوا أهله؛ ولأهمية التحذير من عذاب القبر ذكر الله - ﷿ - عذاب آل فرعون في البرزخ فقال - ﷿ -: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١).\nوقال - ﷿ - في عذاب الكفار في الدنيا والبرزخ: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nوقد ذكر البراء بن عازب، وابن عباس، وعلي - ﵃ - أنّ قوله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ هو عذاب القبر، وقيل: هو الجوع في الدنيا والمصائب التي تصيبهم في الدنيا، ورجح الإمام الطبري –﵀- أن ذلك يشمل الأمرين، وأن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذابًا دون يومهم الذي فيه يصعقون، وذلك\n_________\n(١) سورة غافر، الآيتان: ٤٥، ٤٦.\n(٢) سورة الطور، الآيات: ٤٥ - ٤٧.","vol":"1","page":54},{"text":"يوم القيامة، فعذاب القبر دون يوم القيامة؛ لأنه في البرزخ، والجوع، والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة، ولم يخُصص نوعًا من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة دون نوعٍ بل عمَّ (١).\n* وقد بين النبي - ﷺ - للناس عذاب القبر في أحاديث كثيرة، ومن ذلك قوله - ﷺ -: «إنَّ أحدكم إذا مات، عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عليه يوم القيامة» (٢).\n* وعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: بينما النبي - ﷺ - في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به (٣) فكادت تلقيه، وإذا أقْبُر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر»؟ قال رجل: أنا، قال: «فمتى مات هؤلاء»؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: «إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه»، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «تعوَّذوا بالله من عذاب القبر» قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: «تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن،\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري: [جامع البيان عن تفسير آي القرآن] ٢/ ٤٨٨، وتفسير القرطبي [الجامع لأحكام القرآن]، ١٧/ ٧٩، والروح لابن القيم، ١/ ٣٣٦، ٣٣٩، وذكر ﵀ الآيات في عذاب القبر في هذا الموضع.\n(٢) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄: البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، ٢/ ١٢٦ برقم ١٦٧٩، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو من النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢١٩٩، برقم ٢٨٦٦.\n(٣) حادت به: أي مالت عن الطريق ونفرت، انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٨/ ٢٠٩.","vol":"1","page":55},{"text":"قال: «تعوَّذوا بالله من فتنة الدجال» قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال» (١).\n* وعن أبي أيوب - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - بعدما غربت الشمس فسمع صوتًا فقال: «يهودُ تُعذَّبُ في قبورها» (٢).\n* وعن أنس - ﵁ - قال: قال نبي الله - ﷺ -: «إن العبد إذا وُضِعَ في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيُقعدانِهِ فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟» محمد - ﷺ - «فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا»، [قال قتادة: «وذُكر لنا أنه يفسح له في قبره» ثم رجع إلى حديث أنس قال] «وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويُضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» (٣).\n* وعن البراء بن عازب ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أُقعد المؤمن في قبره أُتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله:\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢١٩٩، برقم ٢٨٦٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، ٢/ ١٢٥، برقم ١٣٧٥، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢٢٠٠، برقم ٢٨٦٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ٢/ ١٢٥، برقم ١٣٧٤، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢٢٠٠، برقم ٢٨٧٠، وما بين المعقوفين لفظ البخاري دون مسلم.","vol":"1","page":56},{"text":"﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (١).\n* وفتنة القبر كانت تُحْدِثُ عند الصحابة خشوعًا لله وإقبالًا عظيمًا إلى طاعته حينما يُذَكِّرهم رسول الله - ﷺ -، فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «قام رسول الله - ﷺ - خطيبًا فذكر فتنة القبر التي يُفتتن بها المرء، فلما ذكر ذلك ضجَّ المسلمون ضجّةً» (٢).\n* والقبر له ضغطة لا ينجو منها أحد، لكن هذه الضغطة ضغطة سخط وغضب على المجرمين، وضغطة فرح وسرور للمؤمنين (٣).\nفعن ابن عمر ﵄ عن رسول الله - ﷺ - قال: «هذا الذي تَحرّك له العرش، وفُتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُمَّ ضمةً ثم فُرج عنه» (٤) يعني سعدَ بن معاذ - ﵁ - فينبغي للمسلم أن يسأل الله العافية؛ فإن للقبر ضغطة، فلو نجا أو سلم أحد منها لنجا سعد بن معاذ.\n* ومما يزيد الأمر وضوحًا في عذاب القبر قوله - ﷺ -: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ٢/ ١٢٤، برقم ١٣٦٩، واللفظ له، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢٢٠١، برقم ٢٨٧١، والآية من سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(٢) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ٢/ ١٢٤، برقم ١٣٧٣.\n(٣) انظر: حاشية الإمام السندي على سنن النسائي، ٤/ ١٠٠.\n(٤) أخرجه النسائي، كتاب الجنائز، باب ضمة القبر وضغطته،٤/ ١٠٠، برقم ٢٠٥٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي،٢/ ٤٤١،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة،٤/ ٢٦٨،برقم ١٦٩٥.\n(٥) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، ٢/ ١٠٨، برقم ١٣١٥، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الإسراع بالجنازة، ٢/ ٦٥١، برقم ٩٤٤.","vol":"1","page":57},{"text":"* وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا وُضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لَصَعِق» (١).\n* ولهول عذاب القبر أمر رسول الله - ﷺ - أمته بالاستعاذة منه دُبُرَ كل صلاة، فقال - ﷺ -: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جنهم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسح الدجال» (٢).\n* وكان هو - ﷺ - يدعو في صلاته فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله؟ فقال: «إن الرجل إذا غَرِمَ حدّث فكذب ووعد فأخلف» (٣).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب حمل الرجال الجنازة دون النساء، ٢/ ١٠٨، برقم ١٣١٤، وباب قول الميت على الجنازة: قدموني، ٢/ ١٠٨، برقم ١٣١٦.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر،\n٢/ ١٢٥، برقم ١٣٧٧، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، ١/ ٤١٢، برقم ٥٨٨، واللفظ لمسلم.\n(٣) متفق عليه، من حديث عائشة ﵂: كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام،\n١/ ٢٢٧، برقم ٨٣٢، ومسلم، كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، ١/ ٤١٢، برقم ٥٨٨.","vol":"1","page":58},{"text":"* ولاشك أن القبور لها ظلمة إلا من نوَّر الله قبره بالإيمان والعمل الصالح، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن امرأة سوداء كانت تقمّ المسجد، أو شابًّا، ففقدها رسول الله - ﷺ -، فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات، قال: «أفلا آذنتموني» فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره فقال: «دلّوني على قبره» فدلّوه فصلى عليها ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله - ﷿ - ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم» (١).\n* ومن أعظم الأحاديث في عذاب القبر حديث البراء بن عازب - ﵁ - وفيه أن العبد المؤمن يفسح له في قبره مد بصره، وأن العبد الفاجر يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه (٢).\n* وعن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبلّ لحيته، فقيل له تُذْكَرُ الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدُّ منه» وقال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما رأيت منظرًا قطّ إلا والقبر أفظع منه» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر بعدما يدفن، ٢/ ١١٣، برقم ١٣٣٧، ومسلم واللفظ له، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، ٢/ ٦٥٩، برقم ٩٥٦.\n(٢) حديث البراء حديث طويل عظيم، أخرجه أحمد، ٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦، والحاكم وصححه، وأقره الذهبي ١/ ٧٣ - ٤٠، وغيرهما، وصححه ابن القيم في تهذيب السنن، ٤/ ٣٣٧، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٥٩ على تصحيح الحاكم وإقرار الذهبي له: «وهو كما قالا».\n(٣) الترمذي، وحسنه، في كتاب الزهد، باب: حدثنا هناد، ٤/ ٥٥٣، برقم ٢٣٠٨، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، ٢/ ٤٢٦، برقم ٤٣٦٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٦٧ وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٢١.","vol":"1","page":59},{"text":"* ومما يزيد المسلم يقينًا أن النبي - ﷺ - قال عن أرواح المؤمنين في البرزخ: «إنما نسمة المؤمن طائر يُعلق في شجر الجنة: حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (١).\n* وأرواح الشهداء أعظم من ذلك: فإن «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل» (٢).\n* ولاشك أن أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، وأحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها، فإذا كان يوم القيامة كان الحكم والنعيم أو العذاب على الأرواح والأجساد جميعًا (٣).\n* وعذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قُبِرَ أو لم يقبر، أو أكلته السباع، أو أُحرق حتى صار رمادًا أُو نسف في الهواء؛ فإنه يصل إلى روحه وبدنه من النعيم أو العذاب ما يصل إلى القبور (٤).\n* وأحاديث عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين تبلغ حد التواتر؛ فقد بلغت الأحاديث في ذلك سبعين حديثًا (٥).\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٣/ ٤٥٥، والنسائي، ٤/ ١٠٨، برقم ٢٠٧٣، وغيرهما.\n(٢) مسلم، برقم ١٨٨٧.\n(٣) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ٢٦٣، ٣١١.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ١/ ٢٩٩، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، ص٤٥٢.\n(٥) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ١٦٥، وجامع الأصول من أحاديث الرسول - ﷺ -، ١١/ ١٦٤، من حديث رقم ٨٦٩٠ - ٨٧٠٤.","vol":"1","page":60},{"text":"* ومما يجير من عذاب القبر معرفة الأسباب التي يُعذّب بها أصحاب القبور والابتعاد عنها، والأسباب المنجية من عذاب القبر والعمل بها.\n* أما أسباب عذاب القبر فمنها: الجهل بالله، وإضاعة أوامره، وارتكاب معاصيه، والنميمة، وترك الاستبراء من البول، والكذب الذي يبلغ الآفاق، وترك العمل بالقرآن والنوم عنه بالليل، والزنا، وأكل الربا، والتثاقل عن الصلاة المفروضة، وترك الزكاة المفروضة، وأكل لحوم الناس بالغيبة والوقوع في أعراضهم، وعذاب الميت بما نيح عليه، وغير ذلك من أسباب عذاب القبر التي ينبغي للمسلم أن يحذر منها.\n* وأما أسباب النجاة من عذاب القبر فكثيرة، منها: تجنب الأسباب التي تسبب عذاب القبر، ومن أنفع أسباب النجاة أن يجلس المسلم عندما يريد النوم فيحاسب نفسه فيما خسره وربحه في يومه، ثم يجدد له توبة نصوحًا فينام على تلك التوبة.\n* ومن أسباب النجاة من عذاب القبر: الموت مرابطًا في سبيل الله تعالى، والشهادة في سبيل الله تعالى، وغير ذلك من الأسباب النافعة (١).\nفينبغي للمسلم أن يذكر دائمًا: عذاب القبر ونعيمه، اللهم عافني وسلمني وأعذني من عذاب القبر، ووالديَّ وذريتي، وأهلي، ومشايخي، وجميع المؤمنين.\n* ومما يوضح أسباب عذاب القبر ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ومنها حديث سمرة بن جندب - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يُعنى مما يكثر\n_________\n(١) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ٣٤٠، و٣٤٥.","vol":"1","page":61},{"text":"أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال فيقص علينا ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما [وفي رواية: فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة] [وفي رواية: أرض مقدسة] وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى. قال: قلت لهما: سبحانه الله، ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلُّوبٍ من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، قال: وربما قال أبو رجاء فيشق. قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى. قال: قلت سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، قال: وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لغط وأصوات، [وفي رواية: أعلاه ضيِّق وأسفله واسع يتوقد تحته نارًا] قال: فاطَّلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللَّهب ضَوْضَوا قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. قال: فانطلقنا فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم، [وفي رواية: فانطلقنا فأتينا على نهر من دم] وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع","vol":"1","page":62},{"text":"عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا فينطلق يسبح ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرًا. قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. قال: فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء رجلًا مرآة، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها، قال قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قطُّ. قال: قلت لهما: ما هذا، وما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قطُّ أعظمَ منها ولا أحسن. قال: قالا لي: ارقَ، فارتقيت فيها قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففُتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة. قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك. قال: فسما بصري صُعُدًا فإذا قصر مثل الربابة البيضاء. قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله [وفي رواية: فانطلقنا حتى أتينا على روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارًا لم أرَ قطُّ أحسن","vol":"1","page":63},{"text":"منها، فيها رجال شيوخ، وشباب، ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشبان] قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبًا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك:\n* أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ بالقرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة [وفي رواية: يفعل به إلى يوم القيامة].\n* وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق [وفي رواية: يصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة].\n* وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني.\n* وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويُلقم الحجر فإنه آكل الربا.\n* وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم.\n* وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم - ﷺ - وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله - ﷺ - وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: وأولاد المشركين [وفي رواية: والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وأما هذه الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي،","vol":"1","page":64},{"text":"قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت منزلك].\n* وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسنًا وشطر قبيحًاً فإنه قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم» (١).\n* ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: مرَّ النبي - ﷺ - بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يُعذَّبان في قبورهما، فقال النبي - ﷺ -: «يُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبير» ثم قال: «بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة» ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة، فقيل له: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال - ﷺ -: «لعله أن يخفف عنها ما لم تيبسا» وفي لفظ لمسلم: «وكان الآخر لا يستنزه عن البول، أو من البول» (٢).\n* وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أكثر عذاب القبر من البول» (٣)، وجاء من حديث أنس - ﵁ - بلفظ: «تنزَّهوا من البول فإن عامة\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، برقم ٨٤٥، وأطرافه في البخاري، برقم ١١٤٣، و١٣٨٦، وما بين المعقوفات من هذا الطرف، إلا الزيادة الثانية فمن الطرف رقم ٢٠٨٥، وأكثر ألفاظ الحديث من الطرف رقم ٧٠٤٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله، برقم ٢١٦، وكتاب الجنائز، باب الجريدة على القبر، برقم ١٣٦١، وباب عذاب القبر من الغيبة والبول، برقم ١٣٧٨، وكتاب الأدب، باب الغيبة وقول الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]. برقم ٦٠٥٢، وباب النميمة من الكبائر، برقم ٦٠٥٥، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، برقم ٢٩٢.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب التشديد في البول، برقم ٣٤٨، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٢٥.","vol":"1","page":65},{"text":"عذاب القبر منه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>١٠ – الحَذَرُ من التنافس في الدنيا والانشغال بها </span>عن طاعة الله - ﷿ -؛لأن النبي - ﷺ - قال: «فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلككم كما أهلكتهم» [وفي لفظ: «وتُلهيكم كما ألهتهم»] (٢)، قال الحافظ ابن حجر – ﵀ – في فوائد هذا الحديث: «وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين» (٣)؛ «لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه، فتمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة، المفضية إلى الهلاك» (٤)، وقوله - ﷺ -: «وتُلهيكم كما ألهتهم»، دليل على أن الانشغال بالدنيا فتنة، قال الإمام القرطبي – ﵀ –: «تُلهيكم» أي تشغلكم عن أمور دينكم وعن الاستعداد لآخرتكم (٥)، كما قال الله - ﷿ -: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (٦).\nوهذا يؤكد للمسلم أن التنافس في الدنيا والانشغال بها شر وخطر؛ ولهذا قال - ﷺ -: «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض»، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا»، ثم قال: «إن هذا المال خَضِرة حلوة ... من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في سننه، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٢٨٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، برقم ١٠٥٢، ويأتي تخريجه في فضائل الصبر والاحتساب على المصائب في الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٣٦٣.\n(٤) المرجع السابق، ١١/ ٢٤٥.\n(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٧/ ١٣٣.\n(٦) سورة التكاثر، الآيتان: ١، ٢.","vol":"1","page":66},{"text":"هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع [ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة]» (١).\nوعن قيس بن حازم قال: دخلنا على خباب - ﵁ - نعوده، فقال: «إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، ولولا أن النبي - ﷺ - نهانا أن ندعو بالموت لدعوتُ به»، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له فقال: «إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب» (٢)، قال الحافظ ابن حجر – ﵀ -: «أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة» (٣)، وذكر – ﵀ – آثارًا كثيرة في ذم البنيان ثم قال: «وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لابد منه للتوطن وما يقي البرد والحر» (٤)، وقد بين الله - ﷿ - حقيقة الدنيا فقال: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ٧/ ٢٢٢، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، ٢/ ٧٢٧، برقم ١٠٥٢، وما بين المعقوفين من رواية مسلم.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، ٧/ ١٢، برقم ٥٦٧٢، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، ٤/ ٢٠٦٤، برقم ٢٦٨١.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ١٢٩.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٩٣.","vol":"1","page":67},{"text":"نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٣).\nولا شك أن الإنسان إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه، فعن معقل بن يسار - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأْ قلبك غنى وأملأْ يديك رزقًا، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأُ قلبك فقرًا وأملأُ يديك شغلًا» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأْ صدرك غنى وأسدَّ فقرك، وإن لم تفعل ملأتُ يديك شغلًا ولم أسدَّ فقرك» (٥).\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ٢٤.\n(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٠.\n(٣) سورة الكهف، الآيتان: ٤٥، ٤٦.\n(٤) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٢٦، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٣٤٧: «وهو كما قالا».\n(٥) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا قتيبة ٤/ ٦٤٢، برقم ٢٤٦٦، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، ٢/ ١٣٧٦، برقم ٤١٠٨، وأحمد، ٢/ ٣٥٨، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ٤٤٣، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٦، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، ٣/ ٣٤٦.","vol":"1","page":68},{"text":"ولا شك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة.\nوعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كانت الدنيا همه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (١).\nوقد ذم الله الدنيا إذا لم تُستخدم في طاعة الله - ﷿ - فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، وعالمٌ، أو متعلم» (٢).\nوهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله - ﷿ - (٣)؛ ولهوانها على على الله - ﷿ - لم يُبلِّغ\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، ٤/ ١٣٧٥، برقم ٤١٠٥، وصحح الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٠، وصحيح الجامع، ٥/ ٣٥١.\n(٢) الترمذي بلفظه، كتاب الزهد، باب: حدثنا محمد بن حاتم، ٤/ ٥٦١، برقم ٢٣٢٢، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، ٢/ ١٣٧٧، برقم ٤١١٢، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤، برقم ٧١، و١/ ٦، برقم ٧.\n(٣) قوله: «وما والاه» أي ما يحبه الله من أعمال البر وأفعال القرب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات، والفاضلات ومستحسنات الشرع. وقوله: «وعالم أو متعلم» والرفع فيها على التأويل: كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يُحمدُ مما فيها «إلا ذكر الله، وما والاه، وعالمٌ أو متعلم» والعالم والمتعلم: العلماء بالله الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول وما لا يتعلق بالدين، انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١٠/ ٣٢٨٤ - ٣٢٨٥، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ٩/ ٣١، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ٦١٣.","vol":"1","page":69},{"text":"رسولَه - ﷺ - فيها وهو أحب الخلق إليه، فقد مات - ﷺ - ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير (١)، ومما يزيد ذلك وضوحًا وبيانًا حديث سهل بن سعد - ﵁ - يرفعه: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (٢)، فينبغي للمسلم أن لا ينافس في الدنيا، ولا يحزن عليها، وإذا رأى الناس يتنافسون في الدنيا، فعليه تحذيرهم، وعليه مع ذلك أن ينافسهم في الآخرة. والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>١١ – طلب حسن الخاتمة بالقول والعمل: </span>لا شك أن طلب حسن الخاتمة يكون بالدعاء، وبعمل جميع الأسباب المؤدية إلى حسن الختام؛ لأن من رغب في شيء وحرص عليه جَدَّ في طلبه بالدعاء والضراعة إلى الله - ﷿ - واجتهد في بذل الأسباب؛ قال الله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).\nوقد ثبت في الحديث: أن الأعمال بالخواتيم؛ قال النبي - ﷺ -: «وإنما الأعمال بخواتيمها» (٤).\nومما يعين المسلم على طلب حسن الخاتمة معرفته بعض ما ثبت عن النبي\n_________\n(١) انظر: البخاري، كتاب البيوع، باب شراء الطعام إلى أجل، ٣/ ٤٦، برقم ٢٢٠٠، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر، ٣/ ٢٢٢٦، برقم ١٦٠٣.\n(٢) الترمذي، ٤/ ٥٦٠، برقم ٢٣٢٠، وابن ماجه، ٤/ ١٣٧٦،برقم ٤١١٠،ويأتي تخريجه في فضائل الصبر والاحتساب على المصائب، الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة، رقم ١٣.\n(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد، باب لا يقول فلان شهيد، برقم٢٨٩٨، والطرف رقم٤٢٠٢، ٦٤٩٣، و٦٦٠٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم ١١٢.","vol":"1","page":70},{"text":"- ﷺ - في حسن الخاتمة وسوئها ومن ذلك: حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلمات: فيكتب عمله، وأجله، ورزقه، وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار» (١).\nوقد يعمل الرجل الزمن الطويل بالطاعات ويبتعد عن المعاصي والسيئات ثم قبل موته يرتكب الجرائم والموبقات ويترك الواجبات، فيهجم عليه الموت فجأة فيختم له بخاتمة السوء، وبالعكس؛ ولهذا قال - ﷺ -: «إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يُختم له عمله بعمل أهل الجنة» (٢).\nقال الحافظ ابن رجب – ﵀ – على حديث الباب: «وقوله: «فيما يبدو للناس» إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، من جهة عمل سيئ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ٤/ ٩٤، برقم ٣٢٠٨، واللفظ له، برقم ٣٣٣٢، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، ٤/ ٢٠٣٦، برقم ٢٦٤٣.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته، وسعادته، ٤/ ٢٠٤٢، برقم ٢٦٥١، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":71},{"text":"ونحو ذلك فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، تغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة» (١).\nوينبغي للمسلم أن يعمل بالأسباب التي توصل إلى حسن الخاتمة ويبتعد عن جميع الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة، ومن ذلك ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>السبب الأول: خوف الله - ﷿ </span>- والخشية من سوء الخاتمة، فقد كان السلف الصالح يخافون من سوء الخاتمة، فيحسنون العمل؛ لأن الخوف مع الرجاء يبعث على إحسان العمل؛ فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» (٢)؛ولهذا كان الصحابة - ﵃ - ومن بعدهم من السلف يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم منه؛ لأن المؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر؛ لأن دسائس السوء من أسباب سوء الخاتمة (٣).\n* وقد ذُكِرَ عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال لحذيفة - ﵁ -: «نشدتك بالله هل سمَّاني لك رسول الله - ﷺ - منهم»؟ - يعني من المنافقين - قال: لا، ولا\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم،١/ ١٧٢، وانظر: المفهم لما أشكل في تلخيص كتاب مسلم للقرطبي،١/ ٣١٩.\n(٢) الترمذي، وحسنه، في كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا محمد بن حاتم المؤدب، ٤/ ٦٣٣، برقم ٢٤٥٠، والحاكم من حديث أبي بن كعب - ﵁ -، ٤/ ٣٠٨، و٢/ ٤٢١، ٥١٣، وأحمد في المسند،\n٥/ ١٣٦، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٤، وبرقم ٢٣٣٥، وانظر: صحيح سنن الترمذي للألباني، ٢/ ٢٩٧.\n(٣) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، ١/ ١٧٤، و١٧٢.","vol":"1","page":72},{"text":"أبرئ بعدك أحدًا، يعني لا يكون مفشيًا سرَّ رسول الله - ﷺ - (١).\n* وقال عبد الله بن أبي مليكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم من أحد يقول: إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل» (٢).\n* وقال إبراهيم التيمي – ﵀ -: «ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا» (٣).\n* ويذكر عن الحسن: «ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق» (٤).\n* ويذكر عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: «لأن أستيقن أن الله تقبَّل لي صلاة واحدة أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>السبب الثاني: التوبة من جميع الذنوب والمعاصي </span>وإتباعها بالأعمال الصالحة؛ لأن التسويف في التوبة من أسباب سوء الخاتمة؛ ولهذا قال الله - ﷾ -: ﴿وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦).\nوقال - ﷾ -: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ\n_________\n(١) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، ٥/ ١٩.\n(٢) البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، معلقًا مجزومًا به،١/ ٢١.\n(٣) المرجع السابق في الكتاب والباب المذكور، ١/ ٢١، معلقًا مجزومًا به.\n(٤) المرجع السابق في الكتاب نفسه والباب،١/ ٢١،وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ١/ ١١١: «وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافقين، وأشار الحافظ ﵀ إلى صحته».\n(٥) ذكره ابن كثير في تفسيره، ٢/ ٤١، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وانظر: المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن القيم، ص٣٢، والآية من سورة المائدة: ٢٧.\n(٦) سورة النور، الآية: ٣١.","vol":"1","page":73},{"text":"الْعَذَابُ الأَلِيمَ﴾ (١).\nولا شك أن: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٢).\nولابد مع التوبة من الأعمال الصالحة؛ لقوله - ﷿ -: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٣)، وقال - ﷾ - بعد أن ذكر عقاب المشرك، وقاتل النفس بغير حق، والزاني: ﴿إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٤).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله» فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح قبل الموت» (٥).\nوعن عمرو بن الحَمَقِ - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عَسَلَهُ» قالوا: وكيف يعسله؟ قال: «يفتح الله - ﷿ - له عملًا صالحًا بين يدي موته حتى يرضى عنه جيرانه، أو من حوله» (٦).\n_________\n(١) سورة الحجر، الآيتان: ٤٩ - ٥٠.\n(٢) رواه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، برقم ٢٤٥٠، والطبراني في المعجم الكبير، برقم ١٠٨١، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، برقم ٦١٥، و٦١٦،وفي صحيح سنن ابن ماجه،٢/ ٤١٨،وانظر: المقاصد الحسنة للسخاوي، ص٥٢.\n(٣) سورة طه، الآية: ٨٢.\n(٤) سورة الفرقان، الآية: ٧٠.\n(٥) الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء أن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، ٤/ ٤٥٠، برقم ٢١٤٢، والحاكم، ١/ ٣٤٠، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، قال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح للتبريزي، ٣/ ١٤٥٤، برقم ٥٢٨٨: «وهو كما قالا».\n(٦) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار،٧/ ٥٢ - ٥٣،برقم ٤٦٤٠، و٤٦٤١، وأحمد في المسند، ٥/ ٢٢٤،والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي،١/ ٣٤٠،وعمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني في كتاب السنة، ١/ ١٧٦، برقم ٤٠١، وذكر له شواهد برقم ٤٠٠، ٤٠٢، ٤٠٣. وابن حبان في صحيحه، ٢/ ٥٤، برقم ٣٤٢، وانظر: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي، برقم ١٨٢٢.ونقل الألباني تصحيحه على شرط مسلم في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١١١٤.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>السبب الثالث: الدعاء بحسن الخاتمة وإظهار الافتقار إلى الله - ﷿ </span>-، ولهذا كان النبي - ﷺ - يُكثر الدعاء بالثبات على دين الله - ﷿ - فعن أم سلمة ﵂ عن النبي - ﷺ -:كان أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب ثبّتْ قلبي على دينك» قالت: قلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: «يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ» فتلا معاذ: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (١).\nوعن أنس - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبّتْ قلبي على دينك»، فقلت: يا رسول الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء» (٢).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب: حدثنا أبو موسى الأنصاري، وقال: «وهذا حديث حسن»، ٥/ ٥٣٨، برقم ٣٥٢٢، وأحمد في المسند من حديث النواس بن سمعان، ٤/ ١٨٢، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٥٢٥، ٥٢٨، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٧١، وفي ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم، ١/ ١٠٠، برقم ٢٢٣. (والآية من آل عمران ٨).\n(٢) الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، وقال: «وهذا حديث حسن»، ٤/ ٤٤٨، برقم ٢١٤٠، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله - ﷺ -،\n٢/ ١٢٦٠، برقم ٣٨٣٤، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٢٥، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٢٥، وفي ظلال الجنة في تخريج السنة، ١/ ١٠١، برقم ٢٢٥.","vol":"1","page":75},{"text":"يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «اللهم مُصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك» (١).\nوكان - ﷺ - يدعو: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يتعوذ من: «جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء» (٣).\nفينبغي للمسلم أن يُكثر من هذه الأدعية التي هي من أسباب حسن الخاتمة، وعليه أن يُكثر من «لا حول ولا قوة إلا بالله» فعن عبد الله بن\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>السبب الرابع: قصر الأمل </span>من أسباب حسن الخاتمة، وطول الأمل ضد ذلك؛ قيس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا عبد الله بن قيس ألا أدلُّك على كنز من كنوز الجنة»؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: «قل لا حول ولا قوة إلا بالله» (٤).لأن قصر الأمل يَحثُّ صاحبه على اغتنام الأوقات والأعمال الصالحة؛ ويؤكد ذلك حديث عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: أخذ رسول الله\n_________\n(١) مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، ٤/ ٢٠٤٥، برقم ٢٦٥٤.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٤/ ١٨١ من حديث بسر بن أرطأة - ﵁ -، والطبراني في المعجم الكبير، ٢/ ٣٣، بأرقام: ١١٩٦ - ١١٩٨، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: رجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني ثقات، ١٠/ ١٧٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء، ٧/ ١٩٩، برقم ٦٣٤٧، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره،٤/ ٢٠٨٠،برقم ٢٧٠٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب القدر، باب «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ٧/ ٢٧١، برقم ٦٦١٠، ومسلم كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر،٤/ ٢٠٧٦،برقم ٢٧٠٤.","vol":"1","page":76},{"text":"- ﷺ - بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (١).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: خطَّ النبي - ﷺ - خطًّا مربعًا، وخطَّ خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخطَّ خُططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: «هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخُطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يزال قلب الكبير شابًّا في اثنتين: في حب الدنيا وطول العمر» (٣).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يهرم ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر» (٤).\nفينبغي للمسلم أن لا يركن إلى الدنيا؛ فإنها متاع زائل، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>السبب الخامس: بغض المعاصي والابتعاد عنها </span>من أسباب حسن الخاتمة، وضدّ ذلك حبها وإلفها. فينبغي للمسلم أن يُبغض كل ما حرمه\n_________\n(١) البخاري، ٧/ ٢١٨، برقم ٦٤١٦، وتقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله، ٧/ ٢١٩، برقم ٦٤١٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، ٧/ ٢٢٠، برقم ٦٤٢٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهية الحرص على الدنيا، ٢/ ٧٢٤، برقم ١٠٤٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، ٧/ ٢٢٠، برقم ٦٤٢١،ومسلم بلفظه في كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، ٢/ ٧٢٤، برقم ١٠٤٧.","vol":"1","page":77},{"text":"الله ورسوله - ﷺ -؛ لأن الإنسان إذا أصرَّ على المعاصي ومات على ذلك كان ذلك من أسباب سوء الخاتمة، وبُعِثَ على ما مات عليه؛ ولهذا قال - ﷺ -: «من مات على شيء بعثه الله عليه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>السبب السادس: الصبر عند المصائب </span>من أسباب حسن الخاتمة، وضد ذلك الجزع أو الانتحار من أسباب سوء الخاتمة، أسأل الله العفو والعافية لي ولأهل بيتي وجميع المؤمنين.\nفينبغي للمسلم الصبر ابتغاء وجه الله - ﷿ - فعن صهيب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (٢)، ولا شك أن المصائب تُكفِّر الخطايا والسيئات.\nفينبغي للعبد المسلم: الصبر، والثبات، واحتساب الأجر والثواب على الله - ﷿ - فعن ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطَّ الله به سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها» (٣).\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول: «ما يصيب المؤمن من وصبٍ (٤) ولا نصبٍ (٥) ولا سقمٍ، ولا حزنٍ، حتى\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٣/ ٣١٤ عن جابر - ﵁ -، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي،١/ ٣٤٠،وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٨٣.\n(٢) مسلم، في كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير ٤/ ٢٢٩٥، برقم ٢٩٩٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ٧/ ٤، برقم ٥٦٤٨، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ٤/ ١٩٩١، برقم ٢٥٧١.\n(٤) الوصب: الوجع اللازم. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٣٦٦.\n(٥) النصب: التعب. المرجع السابق، ١٦/ ٣٦٦.","vol":"1","page":78},{"text":"الهمّ يهمّه إلا كُفِّر به من سيئاته» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>السبب السابع: حسن الظن بالله - ﷿ </span>- من أسباب حسن الخاتمة، وسوء الظن بالله من أسباب سوء الخاتمة، فينبغي للعبد أن يعلم أن الله - ﷿ - لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم الناس شيئًا، وهو عند ظن عبده به؛ قال النبي - ﷺ -: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ...» (٢).\nوعن جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل وفاته بثلاث يقول: «لا يمُوتنَّ أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>السبب الثامن: معرفة ما أعده الله - ﷿ - من النعيم المقيم للمؤمنين</span>، من أسباب حسن الخاتمة؛ لأن هذا العلم يَحثُّ على العمل، والاستقامة على طاعة الله - ﷿ - رغبة فيما عنده - ﷿ - من الثواب، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٤).\nفينبغي للمسلم أن يعلم أن مستقر أرواح المؤمنين في الحياة البرزخية في الجنة، فعن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن الشافعي، عن مالك، عن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، ٧/ ٣، برقم ٥٦٤١، ومسلم واللفظ له، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ٤/ ١٩٩٣، برقم ٢٥٧٣.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:\n﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَالله رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]، ٨/ ٢١٦، برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، ٤/ ٢٠٦١، برقم ٢٦٧٥.\n(٣) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر يحسن الظن بالله تعالى عند الموت،\n٤/ ٢٢٠٥، برقم ٢٨٧٧.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":79},{"text":"الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه كعب أن رسول الله - ﷺ - قال: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (١).\nأما أرواح الشهداء فهي أعظم من ذلك، فقد ثبت في الصحيح أن: «أرواحهم في جوف طير خضرٍ، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ...» (٢).\nفينبغي للمسلم أن يعمل بهذه الأسباب الحسنة ويبتعد عن أسباب سوء الخاتمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن لنا جميعًا الخاتمة، وأن يوفقنا لِمَا يحبه ويرضاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>١٢ - معرفة قصر الحياة الدنيا</span>، وأنها كيوم أو بعض يوم مهما عاش الإنسان فحياته قصيرة جدًا، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣).\nوقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند، ٣/ ٤٥٥، والنسائي في كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين، ٤/ ١٠٨، برقم ٢٠٧٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، ٢/ ١٤٢٨، برقم ٤٢٧١، وموطأ الإمام مالك، كتاب الجنائز، باب جامع الجنائز، ١/ ٢٤٠، برقم ٤٩. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٧٣٠، برقم ٩٩٥، وفي صحيح سنن النسائي، ٢/ ٤٤٥.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، ٣/ ١٥٠٢، برقم ١٨٨٧، من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٨٨.\n(٤) سورة الرحمن، الآيتان: ٢٦، ٢٧.","vol":"1","page":80},{"text":"وقال - ﷿ -: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الله وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ (١)، وهذا يدل على سرعة انقضاء الدنيا، وأن الناس إذا حشروا كأنَّه ما مر عليهم نعيم ولا بؤس وهم يتعارفون بينهم كحالهم في الدنيا، ففي هذا اليوم يربح المتقون ويخسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين إلى الصراط المستقيم والدين القويم (٢).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٤).\nوقال - ﷾ -: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٦).\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ٤٥.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للعلامة السعدي، ص٣٦٥.\n(٣) سورة الشعراء، الآيات: ٢٠٥ - ٢٠٧.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٤٧.\n(٥) سورة المؤمنون، الآيات: ١١٢ - ١١٥.\n(٦) سورة الروم، الآية: ٥٥.","vol":"1","page":81},{"text":"وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَومَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُم إن لَّبِثْتُمْ إلاَّ عَشْرًا * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُم طَرِيقَةً إن لَّبِثْتُمْ إلاَّ يَوْمًا﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢).\nوقال الله - ﷿ - في الساعة: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٣).\nوقال - ﷾ -: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٤).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٥).\nوعن المستورد أخي بني فهر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما مَثَل الدنيا في الآخرة إلا مَثَل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمِّ فلينظرْ بمَ يرجع» (٦).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (٧).\n_________\n(١) سورة طه، الآيات: ١٠٢ - ١٠٤.\n(٢) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.\n(٣) سورة النازعات، الآية: ٤٦.\n(٤) سورة الإسراء، الآية: ٥٢.\n(٥) سورة العنكبوت، الآية: ١٤.\n(٦) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١٠٨، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله، برقم ٢٣٢٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٤٧.\n(٧) مسلم، كتاب الزهد، باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، برقم ٢٩٥٦.","vol":"1","page":82},{"text":"فينبغي للعبد المسلم أن يزهد في هذه الدنيا القصيرة ويتزود بالأعمال الصالحة، ويعلم أنه مهما طال عمره فهو قصير، ولكن يغتنمه فيما يرفع منزلته عند الله - ﷿ -، ويقيه من عذابه، فإن طال عمره وهو ملتزم بطاعة الله - ﷿ - فهو خير له، فعن عبد الله بن بُسر - ﵁ - أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله! من خير الناس؟ قال: «مَن طال عمره وحسن عمله» (١).\nوعن أبي بكرة - ﵁ -: أن رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: «مَن طال عمره وحسن عمله» قال: فأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء عمله» (٢).\nوأعمار أمة محمد - ﷺ - قصيرة من الستين إلى السبعين لمن أطال الله عمره، وقليل من يجوز ذلك؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين سنة». وفي لفظ: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» (٣).\nوهذا العمر حجة على من لم يستعمله في طاعة الله - ﷿ -، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلّغه ستين سنة» (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز –﵀– يقول: «وهذا\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في طول العمر للمؤمن، برقم ٢٣٢٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٣٦.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في طول العمر للمؤمن، برقم ٢٣٣٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٣٦.\n(٣) الترمذي، اللفظ الأول كتاب الزهد، باب ما جاء في فناء أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، برقم ٢٣٣١، واللفظ الثاني في كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي في هذا الموضع، ٣/ ٤٦٠.\n(٤) البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، برقم ٦٤١٩.","vol":"1","page":83},{"text":"يوجب الحذر وأن المؤمن يأخذ حذره، ولا سيما إذا بلغ ستين» (١).\nوما أحسن ما قاله الشاعر الحكيم:\nوما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>١٣ - معرفة فضل البكاء من خشية الله تعالى </span>يورث الخير الكثير؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم» (٢).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (٣).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته ساجدًا لله، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله» (٤).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٤١٩.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في فضل البكاء من خشية الله، برقم ٢٣١١،والنسائي، كتاب الجهاد، باب فضل من عمل في سبيل الله على قدمه، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي٢/ ٥٢٨.\n(٣) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله، برقم ١٦٣٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٣٠.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب قول النبي - ﷺ -: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، برقم ٢٣١٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٢٩، وأخرجه ابن ماجه، في كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، برقم ٤١٩٠.","vol":"1","page":84},{"text":"وعن أنس - ﵁ - قال: خطب النبي - ﷺ - خطبة ما سمعت مثلها قطُّ، قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» قال: فغطَّى أصحاب رسول الله - ﷺ - وجوههم ولهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: «أبوك فلان». وفي رواية فقال عبد الله بن حذافة: من أبي؟ فقال: «أبوك حذافة» فلما أكثر - ﷺ - من قوله: «سلوني؟» برك عمر فقال: رضينا بالله ربَّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، فسكت النبي - ﷺ - ثم قال: «والذي نفسي بيده لقد عرضت عليَّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط فلم أرَ كاليوم في الخير والشر» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا» (٢).\nولو لم يكن في فضل البكاء من خشية الله إلا أنه يدخل صاحبه في ظلّ الله يوم لا ظل إلا ظلّه لكفى؛ لقوله - ﷺ -: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه» وذكر منهم: «رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» (٣)، وقد\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، وله أطراف كثيرة فيها زيادات كثيرة بأرقام ٩٣، ٥٤٠، ٧٤٩، ٤٦٢١، ٦٣٦٢، ٦٤٦٨، ٦٤٨٦، ٧٠٨٩، ٧٠٩٠، ٧٠٩١، ٧٢٩٤، ٧٢٩٥، ومسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره - ﷺ -، برقم ٢٣٥٩.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ -: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»، برقم ٦٤٨٥، واللفظ من الطرف رقم ٦٦٣٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد، برقم ٦٦٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، برقم ١٠٣١.","vol":"1","page":85},{"text":"أثنى الله - ﷿ - على من بكى من خشيته في آيات كثيرة، ومن ذلك:\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ (٢).\nوقوله تعالى في أهل العلم إذا سمعوا القرآن: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٣).\nوقوله تعالى في الأنبياء وممن هدى سبحانه: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>خامسًا: آداب المريض الواجبة والمستحبة </span>كثيرة منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>١ - الصبر والاحتساب: </span>يجب على المريض الصبر وهو: حبس النفس عن الجزع والتسخط، واللسان عن الشكوى إلى المخلوق، والجوارح عن عملها ما يقتضي التسخّط: كلطم الخدود، وشقّ الجيوب، وحثو التراب على الرؤوس، ونتف الشعر، والدعاء بدعوى الجاهلية، ونحو ذلك (٥).\nأما الشكوى إلى الله فمطلوبة بإجماع المسلمين (٦).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٨٣.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٩٢.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ١٠٩.\n(٤) سورة مريم، الآية: ٨٥.\n(٥) انظر: عدة الصابرين لابن القيم، ص٢٧ وص٢٩.\n(٦) الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١٢٨.","vol":"1","page":86},{"text":"قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٢).\nوقال - ﷾ -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٦).\nوقال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٧).\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(٢) سورة محمد، الآية: ٣١.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٣٥.\n(٤) سورة الحديد، الآيتان: ٢٢، ٢٣.\n(٥) سورة التغابن، الآية: ١١.\n(٦) سورة البقرة، الآيتان: ١٥٥ - ١٥٧.\n(٧) سورة الشورى، الآية: ٤٣.","vol":"1","page":87},{"text":"وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).\nوقال رسول الله - ﷺ -: «الصبر ضياء» (٢).\nوعن صهيب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (٣).\nوعن أنس - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله - ﷿ - قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة» يريد عينيه (٤).\nوعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن الطاعون فأخبرها «أنه كان عذابًا يبعثه الله على من شاء فجعله رحمة للمؤمنين (٥)، فليس من\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٣.\n(٢) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم ٢٢٣، من حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، برقم ٢٩٩٩.\n(٤) البخاري، كتاب المرض، باب فضل من ذهب بصره، برقم ٥٦٥٣.\n(٥) الطاعون: قيل هو الموت العام، وقيل: المرض العام الذي يفسد له الهواء، وتفسد به الأمزجة والأبدان، وقيل: هو الوباء، وقيل: هو المرض الذي يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات، وقيل: أصل الطاعون: القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض، فسميت طاعونًا لشبهها بها في الهلاك، وإلا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونًا، انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٨٠، وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات، ٣/ ١٨٦: «مرض معروف هو بثر وورم مؤلم جدًا يخرج مع لهب ويسودّ ما حواليه، أو يخضرّ أو يحمرّ حمرة بنفسجية كدرة يحصل معه خفقان القلب والقيء، ويخرج في المراق والآباط غالبًا والأيدي والأصابع وسائر الجسد»، ورجح ابن حجر في فتح الباري، ١٠/ ١٨١: «أن الطاعون يكون من طعن الجن وقرعه»، واستشهد لذلك بأدلة وصحح بعضها.","vol":"1","page":88},{"text":"عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد» (١).وقال - ﷺ -: «... إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (٢).\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «ما يصيب المسلم من نَصَبٍ (٣) ولا وَصَبٍ (٤) ولا هَمٍّ، ولا حزْنٍ، ولا أذىً، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه» (٥).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطَّ الله سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها» (٦).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يُشاك شوكةً فما فوقها، إلا كُتب له بها درجة ومُحيت عنه بها خطيئة» (٧).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من يُرد الله به خيرًا\n_________\n(١) البخاري، كتاب الطب، باب أجر الصابر على الطاعون، برقم ٥٧٣٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، برقم ١٢٨٣، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، برقم ٩٢٦.\n(٣) النصب: التعب.\n(٤) الوصب: المرض.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب المرض، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤١، ٥٦٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٣.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب المرض، باب شدة المرض، برقم ٥٦٤٧، ٥٦٤٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧١.\n(٧) مسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٢.","vol":"1","page":89},{"text":"يُصِبْ (١) منه» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - يرفعه: «إن عِظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخْط» (٣).\nوعن مصعب بن سعد عن أبيه - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيُبْتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا، اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرحُ البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>٢ - لا يُسأل البلاء</span>؛ لحديث العباس بن عبد المطلب - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله؟ قال: «سل الله العافية» فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله، فقال لي: «يا عباسُ يا عمَّ رسول الله: «سل الله العافية في الدنيا والآخرة» (٥)؛\n_________\n(١) يصب منه: معناه يبتليه بالمصائب، ليثيبه عليها، وقيل: يوجه إليه البلاء فيصيبه. فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٠٨، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٦٤٥: «أي يصيبه بالمصائب بأنواعها، وحتى يتذكر فيتوب، ويرجع إلى ربه».\n(٢) البخاري، كتاب المرض، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤٥.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٦، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٣١، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦٤، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٢٠، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٦.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٨، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٢٣، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦٥، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣١٨،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٣، ٢٢٨٠: «حسن صحيح».\n(٥) الترمذي، كتاب الدعوات، باب: حدثنا يوسف بن عيسى، برقم ٣٥١٤، وقال: هذا حديث صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤٤٦، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٥٢٣.","vol":"1","page":90},{"text":"ولحديث أبي بكر الصديق - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال على المنبر: «سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية» (١)؛\nولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله - ﷺ -: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك» (٢)؛\nولحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «كان يتعوّذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٣ - الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى</span>.\nالإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان وركن من أركانه؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤)؛\nولحديث عمر - ﵁ - من حديث جبريل المشهور وفيه: «... أخبرني عن الإيمان؟ [فقال رسول الله - ﷺ -]: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٥).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب: حدثنا محمد بن بشار، برقم ٣٥٥٨، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، برقم ٣٨٤٩، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤٦٤: «حسن صحيح» وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٢٥٩ «صحيح».\n(٢) مسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، برقم ٢٧٣٩.\n(٣) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب: في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء، وغيره، برقم ٢٧٠٧.\n(٤) سورة القمر، الآية: ٤٩.\n(٥) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام، برقم ١.","vol":"1","page":91},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-31>القدر في اللغة: </span>بمعنى التقدير، وهو مصدر: قَدَر يَقْدُرُ قَدَرًا، وقد تسكّن دالُه، وهو عبارة عما قضاه الله وحكم به من الأمور، ومنه «ليلة القدر» وهي الليلة التي تُقدَّرُ فيها الأرزاق وتُقضى، ومنه حديث الاستخارة: «فاقدُرْه لي ويسِّره» أي اقضِ لي به وهيِّئه (١).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-32>القدر في الشرع: </span>هو تقدير الله تعالى لكل شيء، بعلمه الأزلي الأبدي، الذي لا أول لابتدائه، ولا نهاية لانتهائه، وعلمه - ﷿ - أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته النافذة له، ووقعها على حسب ما قدرها، وأنه - ﷿ - الخالق لكل شيء القادر عليه (٢).\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-33> معنى القضاء: </span>فهو في اللغة: إحكام الأمر وإتقانه، وإنفاذه لجهته (٣)، وأصل القضاء القطع والفصل، يقال: قضى يقضي فهو قاضٍ إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه، وإمضاؤه، والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق.\nوالقضاء في اللغة جاء على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أُحكم عمله، أو أُتمّ، أو خُتم، أو أدِّيَ، أو أُوجب، أو أُعلم، أو\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الدال، مادة: «قدر»، ٤/ ٢٢.\n(٢) انظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، للإمام ابن القيم، تحقيق عمر بن سليمان الحفيان، ١/ ٤١ - ٢٢٨، والعقيدة الواسطية مع شرحها للهراس، ص٢٢٠ - ٢٣٠، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني، ١/ ٣٧، ورسائل في العقيدة للشيخ ابن عثيمين، ص٢٧، والقضاء والقدر، للدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود، ص٣٩، والإيمان والقضاء والقدر، للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد، بتقديم وتعليق الإمام ابن باز، ص٢٨.\n(٣) معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، ص٨٩٣.","vol":"1","page":92},{"text":"أُنفذ، أو أُمضي، فقد قُضيَ، وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث (١).\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-34> العلاقة بين القضاء والقدر </span>ففي ذلك أقوال:\nالقول الأول: قال ابن الأثير ﵀: «ومنه القضاء المقرون بالقدر: المراد بالقدر التقدير، وبالقضاء الخلق، فالقضاء والقدر أمران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه (٢).\nالقول الثاني: قيل: القضاء: هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر: جزيئات ذلك الحكم وتفاصيله (٣)، والمعنى: أن القضاء: هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل، والقدر هو وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق (٤) عكس القول الأول.\nالقول الثالث: قيل: القضاء من الله تعالى أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير والقضاء هو الفصل والقطع، وقد ذكر بعض العلماء: أن القدر بمنزلة المُعدِّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا يبين أن القدر ما لم يكن قضاءً فمرجوٌّ أن يدفعه الله، فإذا\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، باب القاف مع الضاد، ٤/ ٧٨.\n(٢) المرجع السابق، باب القاف مع الضاد، مادة «قضا»، ٤/ ٧٨، واختار أن القضاء والقدر شيء واحد، الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود، في كتابه القضاء والقدر، ص٤٠، وقال: «لا فرق بينهما في اللغة كما أنه لا دليل على التفريق بينهما في الشرع»، فإذا أطلق التعريف على أحدهما شمل الآخر، وإذا ذكرا جميعًا فلا مشاحة من تعريف أحدهما بالآخر»، ص٤٠ - ٤٤.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر،١١/ ١٤٩،وعمدة القاري، لبدر العيني، ٢٣/ ١٤٥.\n(٤) انظر: القضاء والقدر، للشيخ الدكتور عمر الأشقر، ص٢٧.والقضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود، ص٤٢، والإيمان بالقضاء والقدر، للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد، ص٢٩.","vol":"1","page":93},{"text":"قضى فلا مدفع له (١).\nالقول الرابع: قيل: القضاء والقدر: إذا اجتمعا افترقا، فيصبح لكل واحد منهما مفهوم، وإذا افترقا اجتمعا بحيث إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، أي إذا افترقا فهما مترادفان، فإذا قيل: هذا قدر الله فهو شامل للقضاء، وإذا قيل: هذا قضاء الله، فهو شامل للقدر، أما إذا ذكرا جميعًا [هذا قدر الله وقضاؤه] فلكل واحد منهما معنى:\nفالتقدير: هو ما قدره الله في الأزل أن يكون في خلقه.\nوأما القضاء: فهو ما قضى به سبحانه في خلقه من إيجاد أو إعدام، أو تغيير، وعلى هذا يكون التقدير سابقًا.\nواختار هذا القول الرابع العلامة ابن عثيمين ﵀ (٢). (٣)\n_________\n(١) مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، مادة «قضى»، ص٦٧٦.\n(٢) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، ص٤٣٩.\n(٣) والإيمان بالقدر له فوائد وثمرات منها: أنه من تمام الإيمان، فلا يتم الإيمان إلا بذلك، وهو من تمام الإيمان بالربوبية؛ لأن قدر الله من أفعاله، ويرد الإنسان إلى ربه، وبه يعرف الإنسان قدر نفسه، ولا يفخر إذا فعل الخير، ويهوِّن المصائب على العبد، يورث إضافة النعم إلى مسديها، ويعرف به الإنسان حكمة الله - ﷿ -، والإيمان بالقدر طريق الخلاص من الشرك، ويجلب الشجاعة، والصبر والاحتساب ومواجهة الأخطار والصعاب، وقوة الإيمان، والهداية، والجود والكرم، والتوكل واليقين والاستسلام لله والاعتماد عليه، والإخلاص، وإحسان الظن بالله وقوة الرجاء، والخوف من الله والحذر من سوء الخاتمة، ويقضي على كثير من الأمراض: كالحسد، فالمؤمن لا يحسد، ويحرر العقل من الخرافات، ويجلب التواضع، والسلامة من الاعتراض على أحكام الله، ويجلب الجد والحزم في الأمور، والشكر، والرضا، والفرح برحمة الله، والاستقامة في السراء والضراء، وعدم اليأس من انتصار الحق، وعلو الهمة وكبر النفس، ويجلب عزة النفس والقناعة، وسكون النفس وطمأنينة القلب وراحة البال، فهذه الأمور من ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر. انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين، ص٥٤١، والإيمان بالقضاء والقدر، للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد، ص٣١ - ٣٩.","vol":"1","page":94},{"text":"ومن الأدلة العظيمة التي تدل على عظم منزلة الإيمان بالقضاء والقدر ما ثبت عن عبد الله بن عمر - ﵁ - من قوله في القدرية: «والذي يحلف به ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ..» (١).\nوحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، وفي يده كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان»؟ فقلنا: لا يا رسول الله! إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: «هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا». ثم قال للذي في شماله: «هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا» فقال أصحابه: ففيمَ العمل يا رسول الله! إن كان أمرٌ قد فُرِغَ منه؟ فقال: «سدِّدوا وقارِبوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيَّ عمل، وإن صاحب النار يُختَمُ له بعمل أهل النار، وإن عمل أيَّ عمل» ثم قال رسول الله - ﷺ - بيديه فنبذهما ثم قال: «فرغ ربكم من العباد: فريق في الجنة وفريق في السعير» (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام، برقم ١.\n(٢) الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء أن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار، برقم ٢١٤١، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٤٤٥، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٤٤٨، وغيرهما، والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند أيضًا، ٢/ ١٦٧.","vol":"1","page":95},{"text":"وحديث ابن الديلمي، قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر (١)، خشيت أن يفسد عليَّ ديني وأمري، فأتيت أُبي بن كعب فقلت: أبا المنذر! إنه قد وقع في قلبي شيء من هذا القدر؛ فخشيت على ديني وأمري، فحدثني من ذلك بشيء، لعل الله أن ينفعني به، فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أحد ذهبًا، أو مثل جبل أحد تنفقه في سبيل الله ما قُبِلَ منك حتى تؤمن بالقدر، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد الله فسألته فذكر مثل ما قال أُبيّ. وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة، فأتيت حذيفة فسألته، فقال مثل ما قالا، وقال: ائتِ زيد بن ثابت فاسأله، فأتيت زيد بن ثابت فسألته، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لو أن الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو كان لك جبل أحد ذهبًا – أو مثل جبل أحد ذهبًا – تنفقه في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر كله، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك (٢)، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مُتَّ على غير هذا دخلت النار» (٣).\n_________\n(١) «شيء من هذا القدر» أي: لأجل هذا القدر، أي: القول به، يريد أنه وقع في نفسه من الشبه لأجل القول بالقدر.\n(٢) «ليخطئك» أي: يتجاوز عنك فلا يصيبك، بل لابد من إصابته.\n(٣) ابن ماجه، المقدمة، باب القدر، برقم ٧٧، وأبو داود، كتاب السنة، باب في القدر، برقم ٤٦٩٩ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٤٤، وصحيح سنن أبي داود، ٣/ ١٤٨.","vol":"1","page":96},{"text":"وحديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله - ﷺ - إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله - ﷺ - رجل لا يدع لهم شاذّة ولا فاذّة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ مِنَّا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما إنه من أهل النار»، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، قال: فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجُرِحَ الرجل جُرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله - ﷺ - قال: أشهد أنك رسول الله، قال: «وما ذاك»؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظمَ الناسُ ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جُرِحَ جُرحًا شديدًا، فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» (١).\nوفي رواية: «.. أيُّنا من أهل الجنة إذا كان هذا من أهل النار؟ فقال\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الجهاد، باب لا يقول فلان شهيد، برقم ٢٨٩٨، وكتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٨٨، برقم ٤٢٠٢، و٥/ ٩٠، برقم ٤٢٠٧، وكتاب الرقاق، باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها، ٧/ ٢٤٠، برقم ٦٤٩٣. وكتاب القدر، باب العمل بالخواتيم،\n٧/ ٢٧٠، برقم ٦٦٠٧، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، ١/ ١٠٦، برقم ١١٢.","vol":"1","page":97},{"text":"رجل من القوم لأتبعنه ...» (١).\nوفي رواية: «نظر النبي - ﷺ - إلى رجل يقاتل المشركين - وكان من أعظم الناس غَنَاء عنهم - فقال: «من أحبَّ أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا»، فتبعه رجل فلم يزل على ذلك حتى جُرح فاستعجل الموت، فقال بذبابة سيفه فوضعه بين ثدييه، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه، فقال النبي - ﷺ -: «إن العبد ليعمل – فيما يرى الناس – عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار، ويعمل – فيما يرى الناس – عمل أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيمها» (٢).\nوفي رواية: «وإنما الأعمال بالخواتيم» (٣).\nظهر في هذا الحديث أهمية الإيمان بالقدر (٤)؛ لأن النبي - ﷺ - قال لرجل ظاهره الصلاح والشجاعة في الجهاد: «إنه من أهل النار» وقال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعلم عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة»، وهذا يدل على أن الله - ﷿ - قد قدَّر المقادير، فعن علي بن أبي طالب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسةٍ إلا كُتِبَ مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة» فقال رجل: يا رسول الله أفلا\n_________\n(١) من الطرف رقم ٤٢٠٧.\n(٢) من الطرف رقم ٦٤٩٣.\n(٣) من الطرف رقم ٦٦٠٧.\n(٤) انظر: كتاب الإيمان للحافظ إسحاق بن يحيى بن منده،١/ ١٢٦ - ١٣٢، والإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، للإمام محمد بن بطة العبكري، «كتاب القدر»، ١/ ٢٥٣.","vol":"1","page":98},{"text":"نتَّكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منَّا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منَّا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: «أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسَّرون لعمل الشقاوة، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١).قال ابن رجب – ﵀ –: «ففي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدّر بحسب الأعمال، وأن كلًاّ ميسر لما خُلِقَ له من الأعمال التي هي سبب السعادة أو الشقاوة» (٢).\nولاشك أن الله - ﷿ - إنما يهدي من كان أهلًا للهداية، ويضل من كان أهلًا للضلالة، قال - ﷿ -: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣).\nوقال - ﷾ -: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ (٤).\nفبين سبحانه أن أسباب الضلالة لمن ضل إنما هي بسبب من العبد نفسه، والله - ﷿ - لا يظلم الناس شيئًا، ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون، قال\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب موعظة المحدث عند القبر، وقعود أصحابه حوله، ٢/ ١٢١ برقم ١٣٦٢، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وعمله وشقاوته وسعادته، ٤/ ٢٠٣٩ برقم ٢٦٤٧. والآيات من سورة الليل: ٥ - ١٠.\n(٢) جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، ١/ ١٦٩.\n(٣) سورة الصف، الآية: ٥.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ١٣.","vol":"1","page":99},{"text":"- ﷾ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٢). ويجمع الإيمان بالقضاء والقدر أربع مراتب إذا آمن بها العبد فقد استكمل الإيمان بهذا الأصل العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المرتبة الأولى: العلم</span>، فيؤمن العبد إيمانا جازمًا أن علم الله محيط بكل شيء، وأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأن الله - ﷿ - علم بما الخلق عاملون، بعلمه الأزلي، وعلم جميع أحوالهم وأعمالهم: من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، وعلم حركاتهم، وسكناتهم، ومن منهم من أهل الجنة، ومن منهم من أهل النار، قال - ﷾ -: ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤) فبنى تقديره - ﷾ - لمقادير الخلائق على هذا العلم السابق الأزلي، وقدّر مقادير الخلائق: من السعادة والشقاوة وغير ذلك بحسب الأعمال التي سبق علمه بها من خير وشر (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>المرتبة الثانية: كتابة الله - ﷿ - لجميع الأشياء والمقادير في اللوح المحفوظ:</span>\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٤٠.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٤٤.\n(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٦٢.\n(٤) سورة الطلاق، الآية: ١٢.\n(٥) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب ١/ ١٦٩.","vol":"1","page":100},{"text":"الدقيقة والجليلة، ما كان وما سيكون.\nقال - ﷾ -: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١)، وقد جمعت هذه الآية بين المرتبتين السابقتين.\nوقال - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٣).\nولهذا قال رسول الله - ﷺ -: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» قال: «وكان عرشه على الماء» (٤).\nوقال عبادة بن الصامت - ﵁ - لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» يا بني إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من مات على غير هذا فليس مني» (٥)، وفي لفظ للإمام أحمد: «إن أول ما خلق الله تبارك\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٧٠.\n(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٢.\n(٣) سورة يس، الآية: ١٢.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم موسى، ٤/ ٢٠٤٤، برقم ٢٦٥٣، عن عبد الله بن عمر ﵄.\n(٥) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر، ٤/ ٢٢٥، برقم ٤٧٠٠، واللفظ له، والترمذي، كتاب القدر، باب حدثنا قتيبة، ٤/ ٤٥٧، برقم ٢١٥٤، وأحمد في المسند، ٣/ ٣١٧، وصححه العلامة الألباني، في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٨٩٠.","vol":"1","page":101},{"text":"وتعالى القلم، ثم قال اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المرتبة الثالثة: مشيئة الله النافذة</span>، وقدرته الشاملة التي لا يعجزها شيء فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله - ﷾ -، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المرتبة الرابعة: الخلق، فالله - ﷿ - خالق كل شيء</span>، وما سواه مخلوق له - ﷾ -، لا إله غيره ولا رب سواه.\nقال - ﷿ -: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٣)، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله - ﷺ -، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المحسنين، والمتقين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، وهو الحكيم العليم (٤).\nوعلى العبد أن يبذل الأسباب، ويسأل الله التوفيق والهداية، ويعلم أنه\n_________\n(١) المسند، ٣/ ٣١٧.\n(٢) سورة التكوير، الآية: ٢٩.\n(٣) سورة الزمر، الآية: ٦٢.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٣/ ١٤٨.","vol":"1","page":102},{"text":"لا يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يظلم مثقال ذرة، قال - ﷾ -: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١).\nفينبغي للمسلم أن يعقد قلبه على هذا الأصل معتمدًا على الأدلة من الكتاب والسنة، ولا يخوض فيما لا علم له به، ويحث الناس على النشاط والقوة، والاستعانة بالله وتفويض المقادير إلى الله - ﷿ - وأن يتركوا العجز والكسل (٢)، قال النبي - ﷺ -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» (٣)، ولهذه العقيدة السليمة قال الله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٤ – الابتعاد والحذر كل الحذر من الاغترار بالأعمال: </span>إن من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يعتني بها ويوجه الناس إلى الحذر منها: الاغترار بالأعمال؛ ولهذا عندما قتل الرجل نفسه أعظم الصحابة - ﵃ - ذلك؛ لأنهم نظروا إلى شجاعته، وقتاله العظيم، ولم يعرفوا الباطن، ولا المآل فأعلم الله\n_________\n(١) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧، ٨.\n(٢) انظر: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، للإمام ابن بطة، «كتاب الإيمان»، ١/ ٢١٨ - ٢٢٠، و«كتاب القدر» ١/ ٢٦٧، ٢٧٣، ٣٢٣، و٢/ ٣٠٧، وأصول السنة لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الأندلسي، الشهير بابن أبي زمنين، ١٩٧ - ٢٠٦.\n(٣) أخرجه مسلم، ٤/ ٢٠٥٢، كتاب العلم، باب الإيمان بالقدر والإذعان له، برقم ٢٦٦٤.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ٥١.","vol":"1","page":103},{"text":"الخبيرُ العليمُ النبيَّ - ﷺ - بعاقبة هذا الرجل؛ لسوء مقصده وخبث نيته (١)، قال الإمام القرطبي – ﵀ – في فوائد هذا الحديث: «... فيه التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزة والجلال» (٢).\nوقال الإمام النووي – ﵀ –: «فيه التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها، ولا يركن إليها، مخافة انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يُقنِّطه من رحمة الله» (٣)؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «سدِّدوا وقارِبوا، وأبشِروا، فإنه لن يُدخلَ الجنةَ أحدًا عملُهُ» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدَّنيَ الله منه برحمة. واعلموا أن أحبَّ العمل إلى الله أدومُه وإن قلَّ» (٤).\nوقد مدح الله الخائفين على أعمالهم الصالحة يخشون أن لا تقبل منهم، فقال - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٥)، قالت عائشة ﵂ للنبي - ﷺ -: أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر [أو يا بنت الصِّدِّيق]، ولكنه الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، ويخاف أن لا يتقبل منه» (٦).\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ١/ ٣١٨.\n(٢) المرجع السابق، ١/ ٣١٨.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٤٨٦.\n(٤) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، ٧/ ٢٣٣، برقم ٦٤٦٤، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل الجنة أحد بعمله بل برحمة الله، ٤/ ٢١٧١، برقم ٢٨١٨.\n(٥) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.\n(٦) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوقي في العمل، ٢/ ١٤٠٤، برقم ٤١٩٨، والترمذي كتاب تفسير القرآن، باب «ومن سورة المؤمنون»، ٥/ ٣٢٧، برقم ٣١٧٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦٢، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٠٩، وصحيح سنن الترمذي، ٣/ ٨٠.","vol":"1","page":104},{"text":"فينبغي للمسلم أن يعلم أن الاعتماد على الله - ﷿ - في كل شيء، والطمع في رحمته مع إحسان العمل وإخلاصه لله - ﷿ - وعدم الغرور والإعجاب بالأعمال. والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٥ – الجمع بين الخوف والرجاء:</span>\nيظهر من الحديث السابق أنه ينبغي للمسلم أن يجمع بين الخوف والرجاء؛ لأن الإنسان لا يدري هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار، وقد ذكر ابن حجر – ﵀ – عن ابن بطال – ﵀ – أنه قال: «في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة، وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجيًا أُعجب وكسل، وإن كان هالكًا ازداد عتوًّا، فحُجِب عنه ذلك؛ ليكون بين الخوف والرجاء» (١).\nفالأمن من مكر الله - ﷿ - ينافي كمال التوحيد؛ ولهذا قال الله - ﷿ -:\n﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢).\nوعن عقبة بن عامر - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «إذا رأيت الله يعطي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يحبُّ فإنما هو استدراج» (٣). ثم تلا رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٣٣٠.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٩٩.\n(٣) أحمد في مسنده، ٤/ ١٤٥، وفي الزهد، ص٢٧ برقم ٦٢، وابن جرير في تفسيره، ١١/ ٣٦١ برقم ١٣٢٤٠، و١٣٢٤١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٤١٤، وفي تحقيقه لمشكاة المصابيح، ٣/ ١٤٣٦، قال: «إسناده جيد».","vol":"1","page":105},{"text":"﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (١).\nوالقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله ينافي كمال التوحيد أيضًاً؛ ولهذا قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣).\nوالقنوط: استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الكبائر؟ فقال: «الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله» (٥).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله» (٦).\nومعنى الأمن من مكر الله: أي أمن الاستدراج بما أنعم الله به على عباده من صحة الأبدان، ورخاء العيش، وهم على معاصيهم (٧).\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ٤٤.\n(٢) سورة الحجر، الآية: ٥٦.\n(٣) سورة يوسف، الآية: ٨٧.\n(٤) انظر: فتح المجيد، لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب، ٢/ ٥٩٨.\n(٥) أخرجه البزار في مسنده، ١/ ١٠٦، برقم ٥٥، [مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد] وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ١٠٤: رواه البزار، والطبراني ورجاله موثوقون.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، ١٠/ ٤٥٩، برقم ١٩٧٠١، والطبراني في المعجم الكبير،\n٩/ ١٥٦، برقم ٨٧٨٣، ٨٧٨٤، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ١٠٤: إسناده حسن.\n(٧) انظر: تفسير الطبري [جامع البيان عن تأويل آي القرآن]، ١٢/ ٥٧٩، وانظر: ١٢/ ٩٥ - ٩٧.","vol":"1","page":106},{"text":"واليأس من روح الله: أي قطع الرجاء من رحمة الله ومن تفريجه للكربات (١).\nوالقنوط من رحمة الله: هو أشدُّ اليأس (٢).\nوهذا فيه التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس بل يرجو رحمة الله (٣).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - دخل على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك؟» قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله - ﷺ -: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف» (٤).\nفينبغي للمسلم أن يكون بين الرجاء والخوف، وقد ذكر بعض علماء نجد أنه يغلِّب في الصحة جانب الخوف؛ لأنه إذا غلَّب الرجاء على الخوف فسد القلب، أما في حالة المرض فيغلِّب الرجاء، لكن مع الجمع بين الرجاء والخوف في جميع الأحوال (٥).\nولابد أن يكون الرجاء والخوف مع المحبة الكاملة؛ قال الحافظ ابن\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، ١٦/ ٢٣٣.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع النون، مادة: «قنط»، ٤/ ١١٣.\n(٣) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، للعلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، ٢/ ٦٠١.\n(٤) الترمذي، كتاب الجنائز: باب حدثنا عبد الله بن أبي زياد، ٣/ ٣٠٢، برقم ٩٨٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، ٢/ ١٤٢٣ برقم ٤٢٦١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٠٥١.\n(٥) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن، ٢/ ٦٠٢، وتيسير العزيز الحميد، لسليمان بن محمد بن عبد الله بن عبد الوهاب، ص٥١١.","vol":"1","page":107},{"text":"رجب - ﵀ -: «وكان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حَروريٌّ، ومن عبده بالحب وحده فهو زِنديقٌ، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحِّد مؤمن، وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، ولابد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان» (١)، وكلام بعض الحكماء يدل على أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء (٢).\nوأسأل الله - ﷿ - أن يرزقني وجميع المسلمين خشيته في السر والعلانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٦ - يَرضى بقدر الله وقضائه - ﷾ </span>-: لاشك أن الرضا بالقضاء الذي هو وصف الله - ﷿ - واجب: كعلمه، وكتابته، ومشيئته، وخلقه؛ فإن الرضى بذلك من تمام الرضا بالله ربًّا، ومالكًا، ومدبِّرًا، وإلهًا؛ لأنه كله خير، وعدل، وحكمة يجب الرضى به كله (٣).\nوأما القضاء الذي هو المقضي فهو نوعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>النوع الأول: ديني شرعي يجب الرضا به</span>، وهو من لوازم الإسلام، كقول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٤).\n_________\n(١) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، للحافظ أبي الفرج زين الدين عبدالرحمن بن أحمد بن رجب، ص٢٥.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ص٢٥.\n(٣) شفاء العليل، لابن القيم، ٢/ ٧٦١ - ٧٦٣، وانظر: الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، لعبد العزيز السلمان، ص٢٨١.\n(٤) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":108},{"text":"وكقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>النوع الثاني: الكوني القدري، فهذا النوع على ثلاثة أقسام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>القسم الأول: يجب الرضا به: كالنعم </span>التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>القسم الثاني: لا يجوز الرضا به: كالمعائب، والذنوب </span>التي يسخطها الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>القسم الثالث: ما يُستحب الرضا به على الصحيح ولا يجب: كالمصائب</span>، من مرض، أو فقر، أو حصول مكروه، أو فقد محبوب، أو نحو ذلك؛ فيجب الصبر على ذلك، أما الرضا الذي هو مع ذلك طمأنينة القلب وسكونه، وتسليمه عند المصيبة، وأن لا يكون فيه تمني أنها ما كانت فهذا لا يجب على الصحيح بل يستحب؛ لأن فيه صعوبة جدًا على النفوس عند أكثر الخلق؛ فلهذا لم يوجبه الله ولا رسوله وإنما هو من الدرجات العالية، وهو مأمور به استحبابًا (٢).\nوهذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي، وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله: كعلمه، وكتابته، وتقديره، ومشيئته، وخلقه،\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٦٥.\n(٢) شفاء العليل، لابن القيم، ٢/ ٧٦٢ - ٧٦٣، وانظر: الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية للسلمان، ص٢٨١، والدرر البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية، شرح الشيخ عبد الرحمن السعدي، ص٥١ - ٥٣، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٩، والاستقامة له، ٢/ ٧٣ - ٧٦، وشرح الطحاوية، ص٢٥٨، والإيمان بالقضاء والقدر للشيخ إبراهيم الحمد، ص١١٥ - ١١٧، وشرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين، ص٥٤٣، والمنتقى من فرائد الفوائد له، ص١٠٩.","vol":"1","page":109},{"text":"فالرضا به من تمام الرضا به ربًّا، وإلهًا، ومالكًا، ومدبرًا، فبهذا التفصيل يتبيّن الصواب، ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس (١) (٢).\nقال شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز –﵀–: «عند المصيبة ثلاثة أمور: الصبر وهو واجب، والرِّضى سُنّة، والشكر أفضل» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٧ – لا يُنسب الشرُّ إلى الله - ﷿ </span>-؛ لقول النبي - ﷺ - في دعاء الاستفتاح في صلاة الليل: «وجهت وجي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت،\n_________\n(١) شفاء العليل، لابن القيم، ٢/ ٧٦٢ - ٧٦٣.\n(٢) قال العلامة ابن عثيمين – ﵀ –: «الرضى بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله واجب مطلقًا؛ لأنه من تمام الرضا بالله ربًّا.\nوأما القضاء الذي هو المقضي فالرضا به مُختلفٌ: فإن كان المقضي دينيًّا وجب الرضا به مطلقًا.\nوإن كان كونيًّا فإما أن يكون نعمًا أو نقمًا أو طاعات، أو معاصي: فالنعم يجب الرضا بها؛ لأنه من تمام شكرها، وشكرها واجب.\nوأما النقم: كالفقر والمرض، ونحوهما، فالرضا بها مستحب عند الجمهور وقيل: بوجوبه.\nأما الطاعات فالرضا بها طاعة واجبة إن كانت الطاعة واجبة ومستحبة إن كانت مستحبة.\nوأما المعاصي فالرضى بها معصية، والمكروهات الرضا بها مكروه، والمباحات مباح والله أعلم، المنتقى من فرائد الفوائد، ص١٠٩.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٤١٣.","vol":"1","page":110},{"text":"لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» (١).\nفقوله - ﷺ -: «والشر ليس إليك» يبيّن أن الله - ﷿ - منزَّه عن الشر، وكل ما نسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرًّا، لانقطاع نسبته إليه، فلو أضيف إليه لم يكن شرًّا.\nوهو - ﷾ - خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله. وخلقه وفعله، وقضاؤه خير كله، فالقدر من حيث نسبته إلى الله لا شر فيه بوجه من الوجوه؛ لأنه علم الله، وكتابته، ومشيئته، وخلقه وذلك خير محض وكمال من كل وجه، فالشر ليس إلى الرب بوجه من الوجوه: لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وإنما الشر يدخل في بعض مخلوقاته فالشر في المقضي لا في القضاء (٢).\nفالإيمان بالقدر خيره وشره يراد به المقدور خيره وشره.\nوقد يكون المقدور خيرًا بالنسبة إلى محل، وشرًّا بالنسبة إلى محل آخر، وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس، مثال ذلك القصاص؛ وإقامة الحدود؛ فإن ذلك شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم؛ لما فيه من مصلحة الزجر، وكذلك الأمراض وإن كانت شرورًا من وجه فهي خير من وجوهٍ عديدة (٣).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ٧٧١.\n(٢) انظر: شفاء العليل، لابن القيم، ٢/ ٥٠٩ - ٥٣٦، والإيمان بالقضاء والقدر، لمحمد بن إبراهيم الحمد، ص١٠٥ - ١٠٨.\n(٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين، ص٥٤٢، ومنهاج السنة لابن تيمية،\n٣/ ١٤٢ - ١٤٤، والتفسير القيم لابن القيم، ص٥٥٠ - ٥٥٦، ومدارج السالكين، ١/ ٤٠٩ - ٤١٢، وبدائع الفوائد، ٢/ ٢١٤ - ٢١٥، وطريق الهجرتين، ص١٧٢ - ١٨١، والروضة الندية لابن فياض، ص٣٥٤ - ٣٦٠، ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للشيخ العلامة محمد أمين الشنقيطي، ص٢٨٦ - ٢٨٧، والحكمة والتعليل في أفعال الله. د. محمد بن ربيع المدخلي، ص١٩٩ - ٢٠٤، وفتاوى ابن تيمية، ١٤/ ٢٤٥ - ٤٢٥.","vol":"1","page":111},{"text":"والحاصل أن الشر لا ينسب إلى الله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٨ – يحمد الله على كل حال</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات» وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال» (١)؛\nولحديث ابن عباس ﵄ قال: جاء النبي - ﷺ - إلى بعض بناته وهي في السَّوْق (٢)، فأخذها ووضعها في حجره حتى قُبضت فدمعت عيناه فبكت أمُّ أيمن، فقيل لها: أتبكين عند رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: ألا أبكي ورسول الله - ﷺ - يبكي؟ قال: «إني لم أبكِ، وهذه رحمة، إن المؤمن تخرج نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله - ﷿ - «وفي لفظ: فصاحت أم أيمن، فقيل: أتبكين عند رسول الله - ﷺ -؟ قالت: ألست أراكَ تبكي يا رسول الله؟ قال: «لست أبكي، إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه تخرج من بين جنبيه وهو يحمد الله - ﷿ -» (٣).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الأدب، باب فضل الحامدين، برقم ٣٨٠٣، والحاكم، ١/ ٤٩٩، وصححه، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٦٥، وحسنه في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٢٤٥.\n(٢) السَّوْق: أي النزع كأن روحه تساق لتخرج من بدنه، ويقال: السياق. النهاية لابن الأثير، ٢/ ٤٢٤.\n(٣) أخرجه أحمد في المسند، ٤/ ٢٣٤، برقم ٢٤١٢، و٤/ ٢٧٩، برقم ٢٤٧٥، ورقم ٢٧٠٤، وقال المحققون لمسند أحمد في الموضعين: «إسناده حسن» وأخرجه الترمذي في الشمائل، برقم ٣١٨، وابن أبي شيبة، ٣/ ٣٩٤،وعبد الله بن حميد، برقم ٥٩٣، والبزار، برقم ٨٠٨، والنسائي، ٤/ ١٢، ويشهد لقوله: «هذه رحمة» ما عند البخاري، برقم ١٢٨٤، ومسلم، برقم ٩٢٣ من حديث أسامة بن زيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ -. وقال الألباني عن حديث ابن عباس في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦٣٢: «وهذا إسناد صحيح».","vol":"1","page":112},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يقول الله - ﷿ -: إن عبدي المؤمن عندي بمنزلة كل خير (١) يحمدني، وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٩ – يُحسن الظن بالله تعالى</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله - ﷿ -» (٣)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي ...» (٤).\nوفي رواية لابن حبان: «إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله» (٥).\n_________\n(١) «بمنزلة كل خير» قال السندي: أي في منزلة يستحق فيها كل خير، نقلًا عن حواشي مسند الإمام أحمد المحقق، ١٤/ ٣٤٦.\n(٢) أحمد في المسند، ١٤/ ١٩٠، برقم ٨٤٩٢، و١٤/ ٣٤٥، برقم ٨٧٣١، وقال محققو المسند: «إسناده جيد»، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان، برقم ٤٤١٤، والبزار برقم ٧٨١، قال العلامة الألباني ﵀ في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ١٧٢: «وقال الهيثمي: إسناده حسن. وهو كما قال».\n(٣) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، برقم ٢٨٧٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله تعالى، برقم ٢٦٧٥.\n(٥) ابن حبان «موارد» وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم ١٦٦٣.","vol":"1","page":113},{"text":"قال الإمام النووي – ﵀ -: قال العلماء: هذا تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة، ومعنى حسن الظن بالله تعالى: أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا راجيًا، ويكون سواء، وقيل: يكون الخوف أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلَّب الرجاء أو محضه؛ لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك، أو معظمه في هذا الحال فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له» (١).\nويؤيد ذلك حديث جابر الآخر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يُبعث كل عبدٍ على ما مات عليه» (٢).\nقال الإمام النووي – رحمه الله تعالى -: «معناه يبعث على الحالة التي مات عليها» (٣).\nوعن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من مات على شيء بعثه الله عليه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>١٠ - يُطهِّر ثيابه ويختار أجملها</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه لما حضره الموت، دعا بثياب جُدد، فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها» (٥). وقيل: الثياب المراد\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٢١٤ - ٢١٥.\n(٢) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، برقم ٢٨٧٨.\n(٣) شرح الإمام النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٢١٥.\n(٤) أحمد، ٣/ ٣١٤، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٣٤٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٨٣.\n(٥) أبو داود، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت، برقم ٣١١٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٨.","vol":"1","page":114},{"text":"بها هنا: الأعمال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>١١ - لا يتمنى الموت لضرٍّ نزل به</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يتمنينَّ أحدُكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابدَّ متمنيًا للموت، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» (٢).\nوعن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبع كيَّات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، ولولا أن النبي - ﷺ - نهانا أن ندعوَ بالموت لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له فقال: «إن المسلم ليؤجر في كل شيء إلا في شيء يجعله في هذا التراب» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لن يُدْخِلَ أحدًا عَمَلُهُ الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لا، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضلٍ ورحمة» [وفي لفظ: إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ] [وفي لفظ: «إلا أن يتغمدني الله بمغفرة منه ورحمة]، فسدِّدوا، وقاربوا، ولا يتمنى أحدكم الموت إما محسنًا فلعلّه أن يزداد خيرًا، وإما\n_________\n(١) انظر: الاختيارات العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٣٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء بالموت والحياة، برقم ٦٣٥١، وكتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧١، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧٢، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨١.","vol":"1","page":115},{"text":"مسيئًا فلعله أن يستعتب» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يتمنينَّ أحدكم الموت ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا» (٢).\nوعن أم الفضل ﵂: أن رسول الله - ﷺ - دخل عليهم، وعباس عم رسول الله - ﷺ - يشتكي فتمنى عباس الموت، فقال له رسول الله - ﷺ -: «يا عمّ! لا تتمنَّ الموت، فإنك إن كنت محسنًا فأن تؤخَّر تزدد إحسانًا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئًا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمنى الموت» (٣).\nوفي حديث عمار - ﵁ - يرفعه وفيه: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي ...» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>١٢ - لا بأس أن يتداوى المريض</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لكل داءٍ دواءٌ فإذا أُصيب دواءُ الداء برأ بإذن الله تعالى» (٥)؛\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧٣، ومسلم، كتاب صفات المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى، برقم ٢٨١٦، واللفظ للبخاري إلا ما بين المعقوفات فلمسلم.\n(٢) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨٢.\n(٣) أحمد، ٦/ ٣٣٩، وأبو يعلى، برقم ٧٠٧٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي،\n١/ ٣٣٩، والبيهقي، ٣/ ٣٧٧، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص١٢.\n(٤) النسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر، برقم ١٣٠٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٨٠، ٢٨١.\n(٥) مسلم، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم ٢٢٠٤.","vol":"1","page":116},{"text":"ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً» (١)؛\nولحديث أسامة بن شريك، قال: قالت الأعراب يا رسول الله: ألا نتداوى؟ قال: «نعم يا عباد الله تداووا؛ فإن الله - ﷿ - لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داءٍ واحدٍ» قالوا: يا رسول الله! وما هو؟ قال: «الهرم»، وفي لفظ لأحمد: «تداووا عباد الله؛ فإن الله - ﷿ - لم ينزل داء إلا أنزل معه شفاء إلا الموت والهرم». وفي لفظ لأحمد أيضًا: «تداووا؛ فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، عَلِمَه من عَلِمَه، وجَهِلَهُ من جهله».وفي لفظ لابن ماجه قالوا: يا رسول الله! ما خير ما أعطي العبد؟ قال: «خلق حسن» (٢).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - يرفعه: «ما أنزل داءً إلا قد أنزل له شفاء، عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ» (٣).\nولا شك أن الأدوية من قدر الله تعالى (٤)، وقد قال أبو عبيدة بن الجراح لعمر حينما لم يدخل بالجيش الشام بسبب وجود الطاعون بها:\n_________\n(١) البخاري، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٥٦٧٨.\n(٢) أحمد، ٤/ ٢٧٨، والترمذي، كتاب الطب عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في الدواء والحث عليه، برقم ٢٠٣٨، وأبو داود، كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، برقم ٣٨٥٥، وابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، وغيره، ٢/ ٤٦١.\n(٣) أحمد، برقم ٣٥٧٨، ٣٩٢٢، ٤٢٣٦، ٤٢٦٧، ٤٣٣٤، وقال أحمد شاكر في شرحه للمسند،\n٥/ ٢٠٠: «إسناده صحيح».\nوأخرجه ابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٨.\n(٤) انظر: مسند الإمام أحمد، برقم ١٥٤٧٢، ١٥٤٧٣، ١٥٤٧٤، وزاد المعاد ٤/ ١٤.","vol":"1","page":117},{"text":"«أفرارًا من قدر الله؟» فقال عمر - ﵁ -: «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة – وكان عمر يكره خلافه، نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله ...» (١).\nقال الإمام ابن القيم – ﵀ –: «فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله - ﷺ -: «لكل داء دواء» على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن الطبيب أن يبرئها، ويكون الله - ﷿ - قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلًاًً؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علّمهم الله، وهذا أحسن المحملين في الحديث ...» (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز – ﵀ – يقول: «هذه الأحاديث تدل على شرعية التداوي بالطرق المباحة، وهو خير مِنْ تَرْك الدواء؛ لأن الدواء يعينه على الطاعة، والمرض قد يعوقه عن الطاعات» (٣)، وقال ﵀: «الله قدر الداء وقدَّر الدواء، فكلٌّ من قدر الله» (٤)، وسمعته أيضًا يقول: «ترك الأسباب عجز، والتوكل هو الاعتماد على الله والعمل بالأسباب» (٥)، وقال: «وتعطيل الأسباب فيه\n_________\n(١) متفق عليه في قصة طويلة: البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، برقم ٥٧٢٩، ومسلم، كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، برقم ٢٢١٩.\n(٢) زاد المعاد، ٤/ ١٤.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٣.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٤.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٥.","vol":"1","page":118},{"text":"فساد الدين والدنيا، أما حديث السبعين [ألف] الذين يدخلون الجنة بغير حساب فهو من باب الأفضلية، وإذا احتاج إلى الاسترقاء، أو الكي فلا حرج» (١).\nوكنت أسمعه يرجح أن التداوي يكون مستحبًّا فقط، ولا يكون واجبًا على الصحيح.\nوذكر العلامة ابن عثيمين – رحمه الله تعالى – خلاف العلماء:\nالقول الأول: منهم من قال: يجب التداوي.\nالقول الثاني: منهم من قال: يستحب ولا يجب.\nالقول الثالث: منهم من قال: ترك التداوي أفضل، ولا ينبغي أن يتداوى الإنسان.\nالقول الرابع: قال بعض العلماء: إذا كان الدواء مما عُلِمَ أو غَلَبَ على الظن نفعه بحسب التجارب فهو أفضل، وإن كان من باب المخاطرة فتركه أفضل.\nقال: والصحيح أنه يجب إذا كان في تركه هلاك، مثل: السرطان الموضعي، والسرطان الموضعي بإذن الله إذا قُطِع الموضع الذي فيه السرطان، فإنه ينجو منه، لكن إذا تُرِك انتشر في البدن، وكانت النتيجة هي الهلاك، فهذا يكون دواء معلوم النفع؛ لأنه موضعي يُقطع ويزول، وقد خرق الخضر السفينة، لإنجاء جميعها، فكذلك البدن إذا قطع بعضه من أجل نجاة باقيه كان ذلك واجبًا، وعلى ذلك فالأقرب أن يقال ما يلي:\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٦.","vol":"1","page":119},{"text":"أ – أن ما عُلِمَ أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه فهو واجب.\nب – أن ما غلب على الظن نفعه، ولكن ليس هناك هلاك محقق بتركه فهو أفضل؛ لأمر النبي - ﷺ - بذلك؛ ولأنه من الأسباب النافعة، والإنسان ينتفع بوقته ولاسيما المؤمن المغتنم للأوقات كل ساعة تمر عليه تنفعه؛ ولأن المريض يكون ضيق النفس لا يقوم بما ينبغي أن يقوم به من الطاعات، وإذا عافاه الله انشرح صدره، وانبسطت نفسه، وقام بما ينبغي أن يقوم به من العبادات، فيكون الدواء إذًا مُرادًا لغيره فيُسنُّ.\nج – أن ما تساوى فيه الأمران فتركه أفضل؛ لئلا يُلقي الإنسانُ بنفسه إلى التهلكة من حيث لا يشعر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>١٣ – يرقي نفسه</span>؛ لحديث عثمان بن أبي العاص - ﵁ - أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ضع يدك على الذي تألَّم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» (٢).\nوعن عائشة ﵂ «أن النبي - ﷺ - كان ينفث على نفسه في مرضه الذي مات فيه بالمعوذات، فلما ثَقُلَ كنت أنا أنفث عليه بهنَّ وأمسح بيد نفسه لبركتها» قال الراوي: فسألت ابن شهاب الزهري: كيف كان ينفث؟ قال: كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه، ولفظ مسلم: «أن النبي\n_________\n(١) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٤/ ٢٩٩ - ٣٠٢، ببعض التصرف.\n(٢) مسلم، كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، برقم ٢٢٠٢.","vol":"1","page":120},{"text":"- ﷺ - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>١٤ - يؤدِّي الحقوق لأصحابها </span>إن تيسر له ذلك، وإلا كتبها، وأوصى بها واستعجل بذلك؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس ثَمَّ دينار ولا درهم ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه حُبِسَ في ردغة الخبال (٢) حتى يأتي بالمخرج مما قال» (٣).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما حضر أحدٌ دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي - ﷺ -، وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك غير نفس رسول الله - ﷺ -، وإن عليَّ دينًا فاقضِ واستوصِ بأخواتك خيرًا، فأصبحنا فكان أول قتيل، ودفن معه آخر في قبرٍ ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذ هو كيوم وضعته هنيّةً غير أذنه [فجعلته في قبر على حدة] (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الطب، باب الرقى بالقرآن والمعوذات، برقم ٥٧٣٥، وباب المرأة ترقي الرجل، برقم ٥٧٥١، ومسلم، كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوذات، برقم ٢١٩٢.\n(٢) ردغة الخبال: الردغة بسكون الدال وفتحها: طين ووحل كثير، وتجمع على ردغ ورداغ. والخبال: عصارة أهل النار، والخبال في الأصل: الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٢/ ٨، و٢/ ٢١٥.\n(٣) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٧، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٣.\n(٤) البخاري، كتاب الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة، برقم ١٣٥١، وما بين المعقوفين من الطرف رقم ١٣٥٢.","vol":"1","page":121},{"text":"ويستعجل في مثل هذه الوصية الواجبة في الحقوق التي تلزمه: كالحج إن لم يحج، والدَّين، والنذر، والكفَّارات، والودائع وغير ذلك؛ فإنه يلزمه أن يوصي بهذه الحقوق (١)؛ لقوله - ﷺ -: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٢).\nوالمعنى ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه؛ لأنه لا يدري متى تأتيه المنية فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك (٣)؛ ولهذا قال ابن عمر ﵄: «ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله - ﷺ - قال ذلك إلا وعندي وصيتي (٤).\nقال العلامة عبد الرحمن القاسم ﵀: «والمعنى: لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة عنده، وذكر الليلتين تأكيد لا تحديد، فلا ينبغي أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة عنده؛ لأنه لا يدري متى يدركه الموت» (٥).\nفيجب على المسلم المريض وغيره أن يحذر الظلم؛ ولهذا قال عمر - ﵁ -\n_________\n(١) انظر: الاستذكار لابن عبد البر، ٢٣/ ٧، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١١/ ٨٤، وفتح الباري، لابن حجر، ٥/ ٣٩٥، وشرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، ٧/ ٧٤، وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٤/ ٦١: «وعرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة».\n(٢) مسلم، كتاب الوصية، برقم ١٦٢٧.\n(٣) انظر: فقه الدعوة في صحيح البخاري، للمؤلف، ١/ ٥٠.\n(٤) مسلم، برقم ٤ – (١٦٢٧).\n(٥) حاشية الروض المربع، ٢/ ١٥.","vol":"1","page":122},{"text":"لمولاه: «واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مستجابة» (١). وقد حذر الله - ﷿ - من الظلم فقال: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٤).\nوقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٥).\nوعن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - فيما يرويه عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ...» (٦).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم، برقم ٣٠٥٩.\n(٢) سورة إبراهيم، الآيات: ٤٢ - ٤٥.\n(٣) سورة غافر، الآية: ٥٢.\n(٤) سورة الشورى، الآية: ٤٠.\n(٥) سورة لقمان، الآية: ١٣.\n(٦) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٤، برقم ٢٥٧٧.","vol":"1","page":123},{"text":"وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» (١).\nوقد ثبت عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» (٣).\nوالظالم يؤدي ما عليه من حقوق الخلق حتى البهائم يقتصُّ بعضها من بعض؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «لتؤدَّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٦، برقم ٢٥٧٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، ٣/ ١٣٤، برقم ٢٤٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم ٤/ ١٩٩٦، برقم ٢٥٨٠.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٧، برقم ٢٥٨١.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم،٤/ ١٩٩٧،برقم ٢٥٨٢، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":124},{"text":"والظلم للعباد يوجب النار وإن كان يسيرًا، فعن أبي أمامة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من اقتطع حق امرئٍ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة» فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: «وإن كان قضيبًا من أراك» (١).\nوالله - ﷿ - وإن أمهل الظالم وذهبت الأيام والشهور، فإنه لا يغفل عنه ولا ينساه؛ ولهذا ثبت من حديث أبي موسى - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله - ﷿ - يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته» (٢)، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٣).\nوقد أمر النبي - ﷺ - بنصر المظلوم، فقال: «... ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا، إن كان ظالمًا فلينهه فإنه له نصر، وإن كان مظلومًا فلينصره» (٤).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تأخذ فوق يديه» (٥).\nوينبغي لكل مسلم أن يتحلل من كانت له عنده مظلمة قبل أن يكون\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق المسلم بيمين فاجرة بالنار، ١/ ١٢٢، برقم ١٣٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة هود، باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، ٥/ ٢٥٥، برقم ٤٦٨٦، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٧، برقم ٢٥٨٣.\n(٣) سورة هود، الآية: ١٠٢.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٨، برقم ٢٥٨٤.\n(٥) البخاري، كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، ٣/ ١٣٥، برقم ٢٤٤٥.","vol":"1","page":125},{"text":"الوفاء من الحسنات؛ قال النبي - ﷺ -: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فَحُمِلَ عليه» (١).\nوقد يكون الظلم للرعية أو الأهل والذرية فيستحق الظالم العقاب على ذلك، قال الرسول - ﷺ -: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (٢).\nوقد حذر النبي - ﷺ - من دعوة المظلوم، قال - ﷺ - لمعاذ بن جبل - ﵁ -: «... واتق دعوة المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» (٣).\nومن أمثلة ذلك قصة سعيد بن زيد مع أروى بنت أُوَيس؛ فإنها ادَّعتْ عليه أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم فقال: «أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله - ﷺ -؟ قال: وما سمعت من رسول الله - ﷺ -؟ قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوّقه إلى سبع أرضين (٤) يوم القيامة» فقال له\n_________\n(١) البخاري، كتاب المظالم، باب من كانت له مظلمة عند رجل فحللها له هل يبين مظلمته؟\n٣/ ١٣٦، برقم ٢٤٤٩، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) متفق عليه: من حديث معقل بن يسار: البخاري، كتاب الأحكام، باب من استرعي رعية فلم ينصح، ٨/ ١٣٦، برقم ٧١٥١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، ١/ ١٢٥، برقم ١٤٢، واللفظ له.\n(٣) متفق عليه: من حديث ابن عباس ﵄: البخاري، كتاب المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم، ٣/ ١٣٦، برقم ٢٤٤٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، ١/ ٥٠، برقم ١٩.\n(٤) طوقه إلى سبع أرضين: يحتمل أن يكون معناه: يحمل مثله من سبع أرضين ويكلف إطاقة ذلك، ويحتمل أن يكون يجعل له كالطوق في عنقه ويطول الله عنقه كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه، وقيل معناه: أنه يطوق إثم ذلك ويلزمه كلزوم الطوق في عنقه. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١١/ ٥٣.","vol":"1","page":126},{"text":"مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها [وفي رواية: واجعل قبرها في دارها]، قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار [وفي رواية: تمشي في أرضها] مرت على بئر في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها» (١).\nومن صور استجابة دعوة المظلوم على من ظلمه، قصة سعد بن أبي وقاص - ﵁ - فعن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر - ﵁ - فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يُحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - ﷺ - ما أخرِمُ عنها، أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخفف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلًا أو رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا حتى دخل مسجدًا لبني عبس فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يُكنى أبا سعدة، قال: أما إذا نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم\n_________\n(١) أصل الحديث متفق عليه عن سعيد بين زيد - ﵁ -: البخاري، كتاب المظالم، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض، ٣/ ١٣٧، برقم ٢٤٥٢، ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، ٣/ ١٢٣٠، برقم ١٦١٠، واللفظ لمسلم مع سبب ورود الحديث.","vol":"1","page":127},{"text":"إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن (١).\nوالأحاديث تؤكد على أن دعوة المظلوم مستجابة حتى ولو كان فاجرًا فاسقًا، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه» (٢).\nوقد ذكر الإمام ابن عبر البر - ﵀ - آثارًا كثيرة عن السلف الصالح يحذرون فيها من الظلم ويبينون فيها استجابة دعوة المظلوم، ثم قال - ﵀ -: ولقد أحسن القائل:\nنامت جفونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم (٣)\n\nوالظلم في الحقيقة: وضع الأشياء في غير مواضعها (٤)، وهو على قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>القسم الأول: ظلم النفس، وهو نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>النوع الأول: ظلم النفس بالشرك </span>الذي لا يغفره الله إذا مات العبد\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيه وما يخافت، ١/ ٢٠٦، برقم ٧٥٥، واللفظ والقصة له، ومسلم بنحوه، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، ١/ ٣٣٤، برقم ٤٥٣.\n(٢) أحمد في المسند، ٢/ ٣٦٧، وابن أبي شيبة في المصنف، ١٠/ ٢٧٥، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٣٦٠: «وإسناده حسن»، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٤٠٧، برقم ٧٦٧.\n(٣) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، ٢٧/ ٤٣٨.\n(٤) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، ٢/ ٣٥.","vol":"1","page":128},{"text":"عليه قبل التوبة منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>النوع الثاني: ظلمها بالمعاصي </span>التي يكون صاحبها تحت المشيئة إذا لم يتب منها، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه بقدر معصيته ثم يخرجه من النار ويدخله الجنة، بعد التطهير من إثم المعصية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>القسم الثاني: ظلم العبد لغيره من الخلق </span>وهذا لا يترك الله منه شيئًا بل يعطي المظلوم حقه من الظالم ما لم يستحلّه في الدنيا (١).\nوالله - ﷿ - إذا عاقب الظالمين على ظلمهم لم يظلمهم؛ ولهذا قال - ﷿ -:\n﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nوقال - ﷾ -: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (٤).\nوقال سبحانه: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا﴾ (٥).\nأسأل الله العافية لي ولجميع المسلمين في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) انظر: جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٦.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٤٤.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٤٠.\n(٤) سورة فصلت، الآية: ٤٦.\n(٥) سورة طه، الآية: ١١٢.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>١٥ – يُشرع له أن يوصي بالثلث فأقل لغير وارث</span>، ويُشهد على ذلك؛ ولاشك أن الصدقة في حال الصحة أعظم أجرًا؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: «أن تَصدَّقَ وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» (١).\nوعن أبي حبيبة الطائي قال: أوصى إليَّ أخي بطائفة من ماله، فلقيت أبا الدرداء فقلت: إن أخي أوصى إلي بطائفة من ماله فأين ترى لي وضعه: في الفقراء، أو في المساكين، أو المجاهدين في سبيل الله؟ فقال: أما أنا فلو كنت لم أعدل بالمجاهدين، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يهدي إذا شبع»، ولفظ النسائي: «مثل الذي يعتق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعدما يشبع» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح الصحيح، برقم ١٤١٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، برقم ١٠٣٢.\n(٢) الترمذي، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت، برقم ٢١٢٣، والنسائي، كتاب الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية، برقم ٣٦٤٤، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، قال عبد القادر الأرنؤوط في تخريجه لجامع الأصول، ١١/ ٦٢٨: «وهو كما قال»، أي كما قال الترمذي، وقال: «ورواه أحمد والدارمي وغيرهما»، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، ص٢٠٦ وفي ضعيف سنن النسائي، ص١١٥.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٢٧٠٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،\n٢/ ٣٦٥، وفي إرواء الغليل، برقم ١٦٤١، وذكر له شواهد كثيرة.","vol":"1","page":130},{"text":"ولا يزيد في الوصية على الثلث؛ لحديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: عادني رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، قلت: يا رسول الله بلغ بي ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلث مالي؟ قال: «لا»، قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: «لا»، ثم قال: «الثلث والثلث كبير»، أو كثير «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفَّفون الناس، وإنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك» (١). قال: قلت: يا رسول الله أُخلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: «إنك لن تُخلَّف فتعمل عملًا صالحًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ثم لعلك تخلّف حتى ينتفع بك أقوام ويضرُّ بك آخرون ... وفي لفظ لمسلم: «عادني النبي - ﷺ - فقلت: أوصي بمالي كله؟ فقال: «لا»، قلت: فالنصف؟ فقال: «لا»، قلت: أبالثلث؟ فقال: «نعم، والثلث كثير».\nوالأفضل أن يوصي بأقل من الثلث والثلث جائز؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: لو غضَّ الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال: «الثلث والثلث كثير» (٢).\nولا وصية لوارث؛ لحديث أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي - ﷺ - سعد بن خولة، برقم ١٢٩٥، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٢٧٤٣، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٩.","vol":"1","page":131},{"text":"يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (١).\nأما الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون الموصي فهي منسوخة بآية الميراث، فعن ابن عباس ﵄: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميراث» (٢).\nقال العلامة السعدي – ﵀ –: «واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة ردَّها الله تعالى إلى العرف الجاري، ثم أن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث بعد أن كان مجملًا، وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما، ممن حجب بشخص أو وصف، فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء، وهم أحق الناس ببره، وهذا القول تتفق عليه الأمة، ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين؛ لأن كلًاّ من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظًا واختلف المورد،\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، برقم ٢١٢٠، وابن ماجه، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، برقم ٢٧١٣، وأبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث، برقم ٢٨٧٠، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٠٧: «حسن صحيح». وأخرجه النسائي في كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث، من حديث عمرو بن خارجة، برقم ٣٦٤٣، ٣٦٤٤، ٣٦٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥٤.\n(٢) أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في نسخ الوصية للوالدين والأقربين، برقم ٢٨٦٩، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٠٧: «حسن صحيح».","vol":"1","page":132},{"text":"فبهذا الجمع يحصل الاتفاق والجمع بين الآيات، فإن أمكن الجمع كان أحسن من ادّعاء النسخ الذي لم يدلَّ عليه دليل صحيح» (١).\nويَشهد على وصيته رجلان عدلان من المسلمين، فإن لم يوجدا فرجلان من غير المسلمين، على أن يستوثق منهما عند الشك بشهادتهما حسبما جاء بيانه في قول الله ﵎: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِالله إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِالله لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا الله وَاسْمَعُواْ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>١٦ – يحرم عليه الإضرار في الوصية</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا ضرر ولا ضرار، من ضارَّ ضارَّه الله، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه» (٤).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٦٨.\n(٢) سورة المائدة، الآيات: ١٠٦ - ١٠٨.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٢.\n(٤) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ٥٧ - ٥٨، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦، وانظر: إرواء الغليل، رقم ٨٩٦.","vol":"1","page":133},{"text":"«والإضرار في الوصية من الكبائر» (١)، قال الإمام الشوكاني: «ثبت عن ابن عباس ﵄ (٢) وقد جاء الوعيد لمن ضارّ في الوصية (٣)، قال ابن الأثير – رحمه الله تعالى –: «المضارّة: إيصال الضرر إلى شخص، ومعنى المضارة في الوصية: أن لا يمضيها، أو ينقص منها، أو يوصي لغير أهلها ونحو ذلك» (٤).\nومن الإضرار بالوصية: الوصية بالمال كله؛ لحديث عمران بن حصين ﵄ أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - ﷺ -، فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين» (٥).\nوفي لفظ: «فقال له قولًا شديدًا» (٦).\n_________\n(١) قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٤/ ٦١: «رواه سعيد بن منصور موقوفًا ورواه النسائي مرفوعًا، ورجاله ثقات».\n(٢) نيل الأوطار، ٤/ ٦١.\n(٣) رُوي مرفوعًا عن أبي هريرة وفيه شهر بن حوشب: «إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار، ثم قرأ أبو هريرة: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ [حتى بلغ] ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أبو داود في الوصايا، برقم ٢٨٦٧، والترمذي، برقم ٢١١٨، وابن ماجه، برقم ٢٧٠٤ وأحمد، برقم ٧٧٤٢ ولكن فيه: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة»، ولكن الحديث ضعفه الألباني وغيره، وقد حسنه الترمذي، وقال عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول، ١١/ ٦٢٦: «ولكن له شاهد بمعناه من حديث ابن عباس «الإضرار في الوصية من الكبائر».رواه سعيد بن منصور موقوفًا بإسناد صحيح، والنسائي مرفوعًا ورجاله ثقات».انتهى كلام الشيخ عبد القادر.\n(٤) جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٦٢٦.\n(٥) لفظ مسلم، كتاب الأيمان، باب من أعتق شركًا في عبد، برقم ١٦٦٨.\n(٦) لفظ أبي داود، برقم ٣٩٥٨، وقال الألباني: صحيح الإسناد، وهو لفظ الترمذي أيضًا، برقم ١٣٦٤.","vol":"1","page":134},{"text":"وفي لفظ لأحمد: «أن رجلًا أعتق عند موته ستة رَجْلَةٍ (١) فجاء ورثته من الأعراب فأخبروا رسول الله - ﷺ - بما صنع، قال: «أوفعل ذلك؟» قال: «لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه» قال: فأقرع بينهم فأعتق منهم اثنين (٢).\nوعن أبي زيد الأنصاري «أن رجلًا أعتق ستة أعبدٍ عند موته ليس له مال غيرهم، فأقرع بينهم رسول الله - ﷺ -، فأعتق اثنين وأرق أربعة» (٣).\nوزاد أبو داود: «وقال: يعني النبي - ﷺ -: «لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>١٧ – يُقلِّم أظفاره ويحلق عانته</span>، ويأخذ من شاربه إن كان له شارب؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة خبيب، وفيه أن خبيبًا - ﵁ - عندما علم بأن المشركين أجمعوا على قتله استعار من ابنة الحارث موسى يستحد به، فأعارته ...» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>١٨ – يجتهد أن يكون آخر كلامه: لا إله إلا الله</span>، لعل الله أن يلهمه ذلك؛ لحديث معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان آخر\n_________\n(١) جمع رجل.\n(٢) أحمد، برقم ٢٠٠٠٩، واللفظ من هذا الموضع، وأخرجه برقم ١٩٩٣٢، ورقم ١٩٨٢٦، ورقم ٢٠٠٠١، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص١٧.\n(٣) أحمد، برقم ٢٢٨٩١، ٢٢٨٩٢.\n(٤) أبو داود، كتاب الوصايا، باب فيمن أعتق عبيدًا له لم يبلغهم الثلث، برقم ٣٩٦٠، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٨٦: «صحيح الإسناد».\n(٥) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب هل يستأسِرُ الرجل؟ ومن لم يستأسرْ ومن ركع ركعتين عند القتل، برقم ٣٠٤٥.\nوانظر: سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب المريض يؤخذ من أظفاره وعانته، برقم ٣١١٢.","vol":"1","page":135},{"text":"كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة» (١).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتاني آتٍ من ربي فأخبرني - أو قال: بشرني - أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» (٢).\nوقيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك وإلا لم يُفتح» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>سادسًا: آداب زيارة المريض </span>كثيرة، منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>١ - زيارة المريض حق على أخيه المسلم</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس»، وفي لفظ لمسلم: «حق المسلم على المسلم ست» قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس حمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (٤).\nوعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع ونهانا عن\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، بابٌ في التلقين، برقم ٣١١٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٩، والحديث أخرجه أحمد، ٥/ ٢٣٣، وغيره.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله، برقم ١٢٣٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، رقم ٣٢.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله، قبل الحديث رقم ١٢٣٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز، برقم ١٢٤٠، ومسلم، كتاب السلام، باب من حق المسلم على المسلم رد السلام، برقم ٢١٦٢.","vol":"1","page":136},{"text":"سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ورد السلام، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباج، والقسي، والإستبرق [وعن المياثر] (١).\nوعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٢ – ينوي بعيادة المريض القيام بحق أخيه المسلم </span>والحصول على الثواب العظيم؛ لحديث ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عائد المريض في مخرفة الجنة حتى يرجع»، وفي لفظ: «من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع»، وفي لفظ: «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع»، وفي لفظ: قيل: يا رسول الله! وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله - ﷿ - يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز، برقم ١٢٣٩، وما بين المعقوفين من كتاب الأشربة، باب آنية الفضة، برقم ٥٦٣٥، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال آنية الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء، وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع، برقم ٢٠٦٦.\n(٢) البخاري، كتاب المرضى، باب وجوب عيادة المريض، برقم ٥٦٤٩.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل عيادة المريض، برقم ٢٥٦٨.","vol":"1","page":137},{"text":"تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي» (١).\nوجاء علي - ﵁ - إلى الحسن يعوده فوجد عنده أبا موسى، فقال علي - ﵁ - أعائدًا جئت أم زائرًا؟ قال: لا بل عائدًا، فقال علي: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة» (٢).\nولفظ ابن ماجه: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أتى أخاه المسلم عائدًا مشى في خرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من عاد مريضًا نادى منادٍ\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل عيادة المريض، برقم ٢٥٦٩.\n(٢) الترمذي بلفظه، كتاب الجنائز، باب في عيادة المريض، برقم ٩٦٩، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي،١/ ٤٩٧ وفي الصحيحة، برقم ١٣٦٧: «صحيح إلا قوله «زائرًا»، والصواب شامتا».\n(٣) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عاد مريضًا، برقم ١٤٤٢، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٦، وأخرجه أبو داود أيضًا موقوفًا عن علي نحوه، برقم ٣٠٩٨، قال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٣: «صحيح موقوف».","vol":"1","page":138},{"text":"من السماء: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٣ - يدعو للمريض بالشفاء</span>؛ لحديث ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك: إلا عافاه الله من ذلك المرض» (٢).\nوعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - في حديثه الطويل، وفيه: أن النبي - ﷺ - جاء إليه يعوده ووضع يده على جبهته ثم مسح بيده على صدره وبطنه، ثم قال: «اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا» ثلاث مرار (٣).\nوعن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - دخل على أعرابي يعوده، قال: وكان النبي - ﷺ - إذا دخل على مريض يعوده قال: «لا بأس، طهور إن شاء الله» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٤ - يدعوه إلى التوبة وإحسان الظن بالله </span>ويذكره الوصية؛ لما تقدم في إحسان الظن بالله - ﷿ -؛ولحديث سعد بن مالك قال: عادني رسول الله - ﷺ - وأنا مريض، فقال: «أوصيت؟» قلت: نعم، قال: «بكم؟» قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: «فما تركت لولدك؟» قلت: هم أغنياء بخير، قال: «أوصِ بالعشر» فما زلت أناقصه حتى قال: «أوصِ بالثلث والثلث\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عاد مريضًا، برقم ١٤٤٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٦.\n(٢) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للمريض عند العيادة، برقم ٣١٠٦، والترمذي، كتاب الطب، بابٌ، برقم ٢٠٨٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٣١٠٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب وضع اليد على المريض، برقم ٥٦٥٩، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ٨ - (١٦٢٨)، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة، برقم ٣١٠٤.\n(٤) البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم ٣٦١٦.","vol":"1","page":139},{"text":"كثير» (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٥ – يدعوه إلى الإسلام إن كان كافرًا</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - أن غلامًا من اليهود كان مَرِضَ فأتاه النبي - ﷺ - يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أسلم»، فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، فأسلم، فقام النبي - ﷺ - وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار» (٣).\nوقد عاد رسول الله - ﷺ - عمه أبا طالب في مرض الوفاة ودعاه إلى أن يقول: لا إله إلا الله، ولكنه أبى وقال: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول هذه الكلمة العظيمة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٦ – يُبيِّن له فضل المرض وما يُكفِّر من السيئات</span>؛ لحديث أم العلاء قالت: عادني رسول الله - ﷺ - وأنا مريضة، فقال: «أبشري يا أم العلاء! فإن مرض المسلم يُذهب الله به خطاياه، كما تذهب النار خبث الذهب\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الوصية بالثلث والربع، برقم ٩٧٥، والنسائي، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٣٦٣١، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،\n١/ ٥٠٠ دون قوله: «أوصِ بالعشر» فهو ضعيف. وأصل الحديث متفق على صحته عند البخاري ومسلم كما تقدم في الوصية، وانظر: إرواء الغليل، برقم ٨٩٩.\n(٢) مسلم، برقم ٤ - (١٦٢٧)، وتقدم تخريجه في آداب المريض.\n(٣) البخاري، كتب المرضى، باب عيادة المشرك، برقم ٥٦٥٧، واللفظ لأبي داود في كتاب الجنائز، باب عيادة الذمي، برقم ٣٠٩٥، وزاد أحمد في رواية، ٣/ ١٧٥، ٢٢٧، ٢٦٠: «فلما مات قال: صلوا على صاحبكم».\n(٤) متفق عليه: كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله، برقم ١٣٦٠، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع، برقم ٢٤.","vol":"1","page":140},{"text":"والفضة» (١).\nوغير ذلك من الأحاديث الكثيرة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٧ – يلقنه إذا كان في حالة النزع: «لا إله إلا الله»</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (٣).\nولحديث أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - عاد رجلًا من الأنصار، فقال: «يا خال قل: لا إله إلا الله» فقال: أخالٌ أم عمٌّ؟ فقال: «بل خال» فقال: فخيرٌ لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال النبي - ﷺ -: «نعم» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>٨ – لا يقول في حضور المريض إلا خيرًا</span>؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يؤمّنون على ما تقولون» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٩ – يوجه المحتضر إلى القبلة إن تيسر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة» (٦)؛ ولحديث عمير بن قتادة الليثي – وكانت له صحبة – أن رجلًا سأله فقال:\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب عيادة النساء، برقم ٣٠٩٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٢، والأحاديث الصحيحة، برقم ٧١٤.\n(٢) سبق ذكر جملة منها في آداب المريض.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب تلقين الموتى لا إله إلا الله، برقم ٩١٦.\n(٤) أحمد،٣/ ١٥٢،١٥٤،٢٦٨،وقال الألباني في الجنائز، ص٢٠: «إسناده صحيح على شرط مسلم».\n(٥) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المريض، برقم ٩١٩.\n(٦) الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين، ٥/ ٢٧٨، برقم ٣٠٦٢]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ٥٩: «رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن».","vol":"1","page":141},{"text":"يا رسول الله! ما الكبائر؟ فقال: «هُنَّ تِسعٌ ...» فذكر معناه ... زاد «وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز – ﵀ – يقول عن هذا الحديث: «له شواهد، وهو دليل على توجيه المحتضر، ووضعه في قبره مستقبلًا القبلة» (٢). قال الإمام الشوكاني – ﵀ –: «والأولى الاستدلال لمشروعية التوجيه بما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة أن البراء بن معرور أوصى أن يُوجَّه إلى القبلة إذا احتُضر، فقال رسول الله - ﷺ -: «أصاب الفطرة» (٣).\nوروى البيهقي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك في قصةٍ ذكرها، قال: وكان البراء بن معرور أول من استقبل القبلة حيًّا وميتًا (٤).\nوجاء عن حذيفة - ﵁ - أنه قال: «وجِّهوني إلى القبلة» (٥).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم، برقم ٢٨٧٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٠٩.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٧٧٠.\n(٣) البيهقي، ٣/ ٣٨٤، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٣٥٣، وأعله الألباني في الإرواء بعلتين، ٣/ ١٥٣.\n(٤) سنن البيهقي، ٣/ ٣٨٤، وقال البيهقي: «وهو مرسل جيد»، وقال الألباني في إرواء الغليل،\n٣/ ١٥٤: «بسند صحيح».\n(٥) قال العلامة الألباني ﵀ في إرواء الغليل، ٣/ ١٥٢: «لم أجده عن حذيفة، وإنما روي عن البراء بن معرور»، ولكن قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في كتابه: التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل، ص٣٢: «وجدته عن حذيفة. رواه ابن أبي الدنيا في «المحتضرين»، ومن طريق ابن عساكر في «تاريخ دمشق» [٤/ ١٥٦/١] ترجمة حذيفة منه، من طريق داود بن رشيد، نبأنا عن عباد بن العوام، نبأنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش أنه حدثهم أن [أخته] امرأة حذيفة قالت: ... فذكره أثناء خبر. وإسناده صحيح عن ربعي بن حراش» انتهى.","vol":"1","page":142},{"text":"ويذكر عن الحسن قال: ذكر عمر الكعبة، فقال: «والله ما هي إلا أحجار نصبها الله قبلة لأحيائنا، ونوجه إليها موتانا» (١).\nوسئل الإمام شيخنا عبد العزيز ابن باز - ﵀ -: هل يشرع توجيه المحتضر إلى القبلة؟ فأجاب: «نعم، يستحب ذلك عند أهل العلم، لقوله - ﷺ -: «البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا (٢» (٣)، وقال ﵀ في كيفية توجيه المحتضر إلى القبلة: «يجعل على جنبه الأيمن ووجه إلى القبلة كما يوضع في اللحد» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>سابعًا: الآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم </span>كثيرة، منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>١ - يغمض إذا خرجت الروح </span>ولا يقول من حضره إلا خيرًا؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قُبض تبعه البصر» فضج ناس من أهله فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>٢ - يُدعى له</span>؛ لما في حديث أم سلمة السابق فيقال: «اللهم اغفر\n_________\n(١) السنن الكبرى للبيهقي، ٣/ ٣٨٤، وانظر: إرواء الغليل للألباني، ٣/ ١٥٤.\n(٢) أبو داود، برقم ٢٨٧٥، وتقدم تخريجه.\n(٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز، ١٣/ ١٠١.\n(٤) المرجع السابق، ١٣/ ١٠١.\n(٥) مسلم، كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر، برقم ٩٢٠.","vol":"1","page":143},{"text":"لفلان، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>٣ – يُغطَّى بثوب يستر جميع بدنه</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سُجِّي (١) رسول الله حين مات بثوب حَبِرةٍ» (٢)، ولفظ البخاري: «أن رسول الله - ﷺ - حين توفي سُجي ببردٍ حِبَرة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>٤ – لا يُغطَّى رأس المحرم ولا وجهه</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الرجل الذي وقصته راحلته وهو محرم، وفيه قول النبي - ﷺ -: «اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تُخمِّروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا» وفي رواية: «ولا تُحنِّطوه» وفي رواية: «ولا تطيِّبوه» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>٥ – يُعجَّل بتجهيزه وإخراجه إذا بان موته</span>، وقاموا بحقوقه: من الغسل، والتكفين، والصلاة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحةً فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>٦ – يُدفنُ في البلد الذي مات فيه</span>، ولا ينقل إلى غيره، لأن النقل ينافي الإسراع المأمور به في حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم.\n_________\n(١) سُجِّيَ: أي غُطِّي.\n(٢) حَبِرة: نوع من برود اليمن، والبرد: ثوب مخطط، والحبرة من البرود: ما كان موشيًا مخططًا.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب اللباس، باب البرود والحِبَر والشملة، برقم ٥٨١٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب تسجية الميت، برقم ٩٤٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة، برقم ١٨٣٩، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، برقم ٩٨ – (١٢٠٦).\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣١٥، ومسلم، برقم ٩٤٤،وتقدم تخريجه، في تذكر الحمل على الأكتاف.","vol":"1","page":144},{"text":"وحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما كان يوم أحد جاءت عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا فنادى منادي رسول الله - ﷺ -: «ردوا القتلى إلى مضاجعها» وفي لفظ أبي داود: «إن رسول الله - ﷺ - يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم، فرددناهم» (١).\nولذلك قالت عائشة ﵂ لما مات أخٌ لها بوادي الحبشة فَحُمِلَ من مكانه: «ما أجد في نفسي أو يحزنني في نفسي إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه» (٢).\nقال الإمام النووي في الأذكار كما ذكر الألباني في أحكام الجنائز (٣): «وإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته، فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون وصرح به المحققون».\nوكان شيخنا ابن باز - ﵀ - يقول: «حتى لو أوصى الميت أن ينقل إلى مكة أو المدينة لا تُنفذ وصيته؛ لأن الصحابة - ﵃ - لم يوصوا بذلك» سمعت ذلك منه ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>٧ - لو مات في غير مولده دفن مكانه وكان خيرًا له</span>؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: مات رجل بالمدينة ممن وُلد بها، فصلى عليه\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء في دفن القتيل في مقتله، برقم ١٧١٧، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض وكراهة ذلك، برقم ٣١٦٥، والنسائي، كتاب الجنائز، باب أين يدفن الشهيد، برقم ٢٠٠٥، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الشهيد، برقم ١٥١٦، وابن حبان، برقم ٣١٨٣، وأحمد، برقم ١٤١٦٩، ١٥٢٨١، ١٤٣٠٥، ١٥٢٥٨، والبيهقي، ٤/ ٥٧، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٥.\n(٢) البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ٥٧، وصحح الألباني إسناده في أحكام الجنائز، ص٢٥.\n(٣) ص ٢٥.","vol":"1","page":145},{"text":"رسول الله - ﷺ -، ثم قال: «يا ليته مات بغير مولده!» قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس من مولده إلى منقطع أثره في الجنة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٨ – يُبادر بقضاء دينه بعد موته من ماله</span>، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة، فإن لم تقم به وتطوَّع به بعض الحاضرين جاز؛ لحديث سعد بن الأطول: أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال النبي - ﷺ -: «إن أخاك محتَبسٌ بدينه فاقضِ عنه»، فقال: يا رسول الله: قد أدَّيت عنه إلا دينارين ادَّعَتْهُما امرأة وليس لها بينة، قال: «فأعطها فإنها مُحقّة» (٢).\nوعن سمرة بن جندب - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - صلَّى على جنازة، فلما انصرف قال: «أهاهنا أحد من آل فلان؟» [فسكت القوم، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا] فقال ذلك مرارًا [ثلاثًا لا يجيبه أحد] [فقال رجل: هو ذا] قال: فقام رجل يجرُّ إزاره من مؤخر الناس [فقال له النبي - ﷺ -: «ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟] أما إني لم أُنوّه باسمك إلا لخير، إن فلانًا – لرجل منهم – مأسور بدينه [عن الجنة فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله]» فلو رأيت أهله ومن يتحرَّون أمره قاموا فقضوا عنه [حتى ما أحد يطلبه شيء] (٣).\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجنائز، باب الموت بغير مولده، برقم ١٨٣١، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٨، وانظر صحيح سنن ابن ماجه من حديث ابن مسعود، ٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الأحكام، برقم ٢٤٣٣، وأحمد، ٤/ ١٣٦، ٥/ ٧، والبيهقي، ١٠/ ١٤٢، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٦، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٢٨٥.\n(٣) أبو داود، كتاب البيوع، باب التشديد في الدين، برقم ٣٣٤١، والنسائي، كتاب البيوع، باب التغليظ في الدين، برقم ٤٦٩٩، والحاكم، ٢/ ٢٥ - ٢٦، والبيهقي، ٦/ ٧٦. وأحمد، برقم ٢٠٢٣١، ٢٠٢٣٣، ٢٠٢٣٤، ٢٠١٢٤، ٢٠٢٣٢، والطبراني في الكبير، ٦٧٥٥، وصححه الألباني في كتاب أحكام الجنائز، ص٢٦، وهو الذي جمع بين الألفاظ ﵀.","vol":"1","page":146},{"text":"وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «مات رجل فغسلناه، وكفناه، وحنطناه، ووضعناه لرسول الله - ﷺ - حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله - ﷺ - بالصلاة، فجاء معنا [فتخطى] خُطىً، ثم قال: «لعلَّ على صاحبكم دينًا؟» قالوا: نعم ديناران، فتخلّف [قال: «صلوا على صاحبكم»] فقال له رجل منا يقال له: أبو قتادة: يا رسول الله هما عليَّ، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: «هما عليك، والميت منهما برئ؟» فقال: نعم، فصلى عليه، فجعل رسول الله - ﷺ - إذا لقي أبا قتادة يقول: (وفي رواية: ثم لقيه من الغد فقال): ما صنعت الديناران؟ [قال: يا رسول الله إنما مات أمس] حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: (ما فعل الديناران؟) قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: «الآن حين بردت عليه جلده» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يُؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: «هل ترك لدينه من قضاء؟» فإن حُدِّث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: «صلُّوا على صاحبكم» ولما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته» (٢).\n_________\n(١) الحاكم، ٢/ ٥٨، والسياق له، والبيهقي، ٦/ ٧٤ - ٧٥، والطيالسي، برقم ١٦٧٣، وأحمد،\n٣/ ٣٣٠، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأخرجه مختصرًا أبو داود، كتاب البيوع، باب التشديد في الدين، برقم ٣٣٤١، وانظر أحكام الجنائز للألباني، ص٢٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الكفالة، باب الدين، برقم ٢٢٩٨، ومسلم، كتاب الفرائض، باب من ترك مالًا فلورثته، برقم ١٦١٩.","vol":"1","page":147},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>٩ - تُنفَّذ وصيته: الثلث فأقل</span>؛ لأن إنفاذ الوصية واجب، والإسراع بالتنفيذ إما واجب أو مستحب؛ لأن الوصية إن كانت في واجب، فللإسراع في إبراء ذمته، وإن كانت في تطوع فللإسراع في الأجر له، والوصية إما واجبة وإما تطوع، قال أهل العلم: فينبغي أن تنفذ قبل أن يدفن (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نفس المؤمن معلقة بدَيْنه حتى يُقضَى عنه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>ثامنًا: الأمور التي تجوز للحاضرين وغيرهم </span>كثيرة، منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>١ - كشف وجه الميت</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٢ - تقبيله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٣ - البكاء عليه بدمع العين</span>.\n_________\n(١) مسلم، تاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين، برقم ١٨٨٦.\n(٢) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٣٢.\n(٣) البخاري، كتاب المساقاة، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها، برقم ٢٣٨٧.\n(٤) أحمد، ٢/ ٤٤٠، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه»، برقم ١٠٧٨، ١٠٧٩، وابن ماجه، كتاب الصدقات، باب التشديد في الدين، برقم ٢٤١٣، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٤٧، وغيره.","vol":"1","page":148},{"text":"وفي ذلك أحاديث منها على سبيل الإيجاز ما يأتي:\nالحديث الأول: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما أصيب أبي يوم أحد فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي وجعلوا ينهونني، ورسول الله - ﷺ - لا ينهاني، قال: وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال رسول الله - ﷺ -: «تبكيه أو لا تبكيه، مازالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتى رفعتموه» (١).\nالحديث الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: أقبل أبو بكر - ﵁ - على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد [وعمر يكلم الناس]، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ فتيمم النبي - ﷺ - وهو مُسجَّىً ببردة حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبل [بين عينيه]، ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة الأولى التي كتبت لك فقد متها»، وفي رواية: «لقد مت الموتة التي لا تموت بعدها» (٢).\nالحديث الثالث: عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قّبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان. ولفظ ابن ماجه: «قَبَّل رسول الله - ﷺ - عثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ، فكأني أنظر إلى دموعه تسيل على خدَّيه» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب حدثنا علي بن عبد الله، برقم ١٢٩٣، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر رضي الله تعالى عنهما، برقم ٢٤٧١.\n(٢) البخاري، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه، برقم ١٢٤١، ١٢٤٢، والبيهقي، ٣/ ٤٠٦، وقد ذكر ابن حجر الروايات التي تبين بأن أبا بكر قبل جبهة النبي - ﷺ -، فتح الباري، ٣/ ١١٥، ٨/ ١٤٧، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص٣١.\n(٣) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في تقبيل الميت، برقم ٩٨٩، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في تقبيل الميت، برقم ١٤٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٩، وغيره.","vol":"1","page":149},{"text":"الحديث الرابع: عن أنس - ﵁ - قال: دخلنا مع رسول الله - ﷺ - على أبي أسيف القين (١) – وكان ظئرًا (٢) –لإبراهيم - ﵇ - – فأخذ رسول الله - ﷺ - إبراهيم فقبّله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه (٣)، فجعلت عينا رسول الله - ﷺ - تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى، فقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (٤).\nالحديث الخامس: حديث عبد الله بن جعفر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أمهل آل جعفر – ثلاثًا – أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم ...» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٤ – صنع الطعام لأهل الميت</span>؛ لحديث عبد الله بن جعفر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم» (٦).\n_________\n(١) الحداد، فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٣.\n(٢) ظئرًا: مرضعًا. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٣.\n(٣) يجود بنفسه: يخرجها. المرجع السابق، ٣/ ١٧٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «إنا بك لمحزونون»، برقم ١٣٠٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - بالصبيان، برقم ٢٣١٥.\n(٥) أبو داود، كتاب الترجل، باب حلق الرأس، برقم ٤١٩٢، وغيره، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٤٣.\n(٦) أبو داود، كتاب الجنائز، باب صنعة الطعام لأهل الميت، برقم ٣١٣٢، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت، برقم ١٦١٠، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٧، وغيره.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>تاسعًا: الأمور الواجبة على أقارب الميت وغيرهم </span>عديدة، منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>١ - الصبر </span>والرضا بالقدر لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «مر رسول الله - ﷺ - بامرأة عند قبرٍ وهي تبكي، فقال لها: «اتقي الله واصبري»، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي! قال: ولم تعرفه! فقيل لها: هو رسول الله - ﷺ - فأخذها مثل الموت، فأتت باب رسول الله - ﷺ - فلم تجدعنده بوابين، فقالت: يا رسول الله إني لم أعرفك، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما الصبر عند أول الصدمة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٢ - الاسترجاع</span>، وهو أن يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها» (٣)، ويأتي التفصيل في ذلك في فضل الصبر على المصائب بعد صفحات إن شاء الله تعالى.\nولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلِّها، حدادًا على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام، إلا على زوجها، فتحد أربعة أشهر وعشرًا؛ لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: «دخلت على أم حبيبة زوج النبي - ﷺ - فقالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيات: ١٥٥ - ١٥٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٨٣، ومسلم، برقم ١٥ - (٩٢٦). ويأتي تخريجه.\n(٣) مسلم، برقم ٩١٨، ويأتي تخريجه في فضل الصبر على المصائب.","vol":"1","page":151},{"text":"واليوم الآخر [أن] تحدَّ على ميِّتٍ فوق ثلاث، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشرًا» ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست، ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ...» فذكرت الحديث (١).\nولكنها إذا لم تحد على غير زوجها، إرضاءً للزوج وقضاءً لوطره منها، فهو أفضل لها، ويُرجى لهما من وراء ذلك خير كثير كما وقع لأم سُليْمٍ وزوجها أبي طلحة الأنصاري ﵄ ولا بأس من أن أسوق هنا قصتهما في ذلك – على طولها – لما فيها من الفوائد والعظات والعبر، قال أنس - ﵁ -: «قال مالك أبو أنس لامرأته أم سليم – وهي أم أنس – إن هذا الرجل – يعني النبي - ﷺ - يحرم الخمر – فانطلق حتى أتى الشام فهلك هناك فجاء أبو طلحة، فخطب أم سُليم، فكلمها في ذلك، فقالت:\nيا أبا طلحة! ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة لا يصح لي أن أتزوجك! فقال: ما ذاك دهرك! قالت: وما دهري! قال: الصفراء والبيضاء! قالت: فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الإسلام، [فإن تُسلِم فذاك مَهري، ولا أسألك غيره]، قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله - ﷺ -، فانطلق أبو طلحة يريد النبي - ﷺ - ورسول الله - ﷺ - جالس في أصحابه، فلما رآه قال: جاءكم أبو طلحة غُرَّةُ الإسلام بين عينيه، فأخبر رسول الله - ﷺ - بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذلك.\nقال ثابت (وهو البناني أحد رواة القصة عن أنس): فما بلغنا أن مَهْرًا كان أعظم منه أنها رضيت الإسلام مهرًا، فتزوجها وكانت امرأة مليحة\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب إحداد المرأة على غير زوجها، برقم ١٢٨٠ - ١٢٨٢.","vol":"1","page":152},{"text":"العينين، فيها صغرٌ، فكانت معه حتى ولد له بُني، وكان يحبه أبو طلحة حبًّا شديدًا، ومرض الصبي [مرضًا شديدًا]، وتواضع أبو طلحة لمرضه أو تضعضع له، [وكان أبو طلحة يقوم صلاة الغداة يتوضأ، ويأتي النبي - ﷺ - فيصلي معه، ويكون معه إلى قريب من نصف النهار، ويجيء يقيل ويأكل، فإذا صلى الظهر تهيأ وذهب، فلم يجئ إلى صلاة العتمة] فانطلق أبو طلحة عشية إلى النبي - ﷺ - (وفي رواية: إلى المسجد) ومات الصبي فقالت أم سليم: لا ينعين إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي أنعاه له، فهيأت الصبي [فسجت عليه] ووضعته [في جانب البيت]، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله - ﷺ - حتى دخل عليها [ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه] فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة ما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة [وأرجو أن يكون قد استراح!] فأتته بعشائه [فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم] [قال: فقام إلى فراشه، فوضع رأسه]، ثم قامت فتطيبت، [وتصنعت له أحسن ما كانت تَصَنَّع قبل ذلك]، [ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب كان منه ما يكون من الرجل إلى أهله]، [فلما كان آخر الليل] قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا قومًا عارية لهم، فسألوهم إياها أكان لهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا؛ قالت: فإن الله - ﷿ - كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر! فغضب ثم قال: تركتِني حتى إذا وقعت بما وقعت به نعيتِ إلي ابني! [فاسترجع، وحمد الله] [فلما أصبح اغتسل]، ثم غدا إلى رسول الله - ﷺ -[فصلى معه] فأخبره، فقال رسول الله - ﷺ -: «بارك الله لكما في غابر ليلتكما»، فثقلت من ذلك الحمل،","vol":"1","page":153},{"text":"وكانت أم سليم تسافر مع النبي - ﷺ -، تخرج إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل، وقال رسول الله - ﷺ -: «إذا ولدت فأتوني بالصبي». [قال: فكان رسول الله - ﷺ - في سفر وهي معه، وكان رسول الله - ﷺ - إذا أتى من سفر لا يطرقها طروقًا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، واحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله - ﷺ -، فقال أبو طلحة: يا رب إنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتُبست بما ترى، قال: تقول أم سُليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد فانطلقا، قال: وضربها المخاض حين قدموا] فولدت غلامًا، وقالت لابنها أنس: [يا أنس! لا يطعم شيئًا حتى تغدو به إلى رسول الله - ﷺ -، [وبعثت معه بتمرات]، قالت: فبات يبكي، وبت مجنحًا عليه (١)، أكالئه حتى أصبحت، فغدوت إلى رسول الله - ﷺ -]، [وعليه بردة]، وهو يسم إبلًا أو غنمًا [قدمت عليه]، فلما نظر إليه، قال لأنس: «أولدت بنت ملحان؟» قال: نعم، [فقال: «رويدك أفرغ لك»]، قال: فألقى ما في يده، فتناول الصبي وقال: «[أمعه شيء؟» قالوا: نعم، تمرات]، فأخذ النبي - ﷺ -[بعض] التمر [فمضغهن، ثم جمع بزاقه]، [ثم فغر فاه، وأوجره إياه]، فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يتلمظ: [يمص بعض حلاوة التمر وريق رسول الله - ﷺ -، فكان أول من فتح أمعاء ذلك الصبي على (٢) ريق رسول الله - ﷺ - فقال: «انظروا إلى حب الأنصار التمر»، [قال: قلت: يا رسول الله: سمّه، قال:] [فمسح وجهه] وسماه عبد الله، [فما كان في\n_________\n(١) أي: مائلًا.\n(٢) كذا الأصل، ولعل حرف (على) مقحم من بعض النساخ.","vol":"1","page":154},{"text":"الأنصار شاب أفضل منه]، [قال: فخرج منه رَجِل (١) كثير، واستشهد عبد الله بفارس]» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>عاشرًا: الأمور المحرمة على أقارب الميت وغيرهم </span>كثيرة، منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>١ - النياحة</span>؛ لحديث أبي مالك الأشعري: أن النبي - ﷺ - قال: «أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت» (٤).\nوعن أم عطية ﵂ قالت: أخذ علينا رسول الله - ﷺ - مع البيعة ألا ننوح فما وفّت منا امرأة إلا خمس: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ - أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ» (٥).\nوعن أبي موسى - ﵁ - قال: لما أصيب عمر - ﵁ - أقبل صهيب من منزله\n_________\n(١) جمع راجل، وهو ضد الفارس.\n(٢) متفق عليه: البخاري، مختصرًا، كتاب العقيقة، باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق برقم ٥٤٦٧، وكتاب الجنائز، باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة، برقم ١٣٠١، ومسلم، كتاب الأدب، باب استحباب تحنيك المولود، برقم ٢١٤٤، وكتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي طلحة الأنصاري - ﵁ -، برقم ٢١٤٤.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة، برقم ٩٣٤.\n(٤) مسلم، تاب الإيمان، اب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة، برقم ٦٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك، برقم ١٣٠٦، ومسلم، كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة، برقم ٩٣٦.","vol":"1","page":155},{"text":"حتى دخل على عمر، فقام بحياله يبكي، فقال له عمر: علام تبكي؟ أعليَّ تبكي؟ قال: إي والله لعليك أبكي يا أمير المؤمنين، فقال: والله لقد علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: «من يُبكى عليه يُعذَّب» وفي رواية لمسلم عن أنس أن عمر بن الخطاب لما طُعِنَ عَوَّلَتْ عليه حفصة فقال: يا حفصة أما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المُعوَّلُ عليه يعذب» وعَوَّل عليه صهيبٌ فقال عمر: يا صهيب أما علمت: «أن المعوَّل عليه يعذب» وفي لفظ للبخاري: أن عمر لما أصيب دخل صهيب يبكي يقول: واأخاه، واصاحباه، فقال - ﵁ -: يا صهيب أتبكي عليَّ، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه»، وفي رواية للبخاري: «إن الميت ليعذب ببكاء الحي» (١).\nواختلف العلماء ﵏ في المراد بهذا الحديث، ومن ذلك قول الجمهور: وهو أن الحديث محمول على من أوصى بالنوح عليه، أو لم يُوصِ بتركه مع علمه بأن الناس يفعلونه عادة. وقيل: معنى «يُعذَّب» أي يتألَّم بسماعه بكاء أهله ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، ونصر ابن تيمية وابن القيم هذا القول (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز – ﵀ – يقول: الميت يعذب ببكاء أهله، والله أعلم بالكيفية (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته»، برقم ١٢٨٧، ١٢٨٦، ١٢٨٩، ٣٩٧٨، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، برقم ٩٢٧ و٩٢٨،وانظر: الأحاديث في مسلم، برقم ٩٢٧ - ٩٣٣.\n(٢) أحكام الجنائز للألباني، ص٤١.\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٧/ ٣٠١.","vol":"1","page":156},{"text":"٢ – الدعوى بدعاء الجاهلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٣ – ضرب الخدود</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٤ – شق الجيوب</span>؛ لحديث ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» وفي لفظ للبخاري: «ليس منَّا من لطم الخدود ...» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٥ – رفع الصوت عند المصيبة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٦ – حلق الشعر</span>؛ لحديث أبي بردة عن أبي موسى قال: وجع أبو موسى وجعًا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأته من أهله، فصاحت امرأةٌ من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بَرِيءٌ مما برئ منه رسول الله - ﷺ -؛فإن رسول الله - ﷺ -: «بَرِئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٧ – الويل والدعاء به</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٨ – نشر الشعر</span>؛ لحديث امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله - ﷺ - في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا تخمش وجهًا، ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، ولا ننثر شَعرًا» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ليس منا من ضرب الخدود، برقم ١٢٩٤، وباب ليس منا من ضرب الخدود، برقم ١٢٩٧، وباب ما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة، برقم ١٢٩٨، وكتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية، برقم ٣٥١٩، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، برقم ١٠٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة، برقم ١٢٩٦، ومسلم، باب تحريم ضرب الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، برقم ١٠٤.\n(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، باب في النوح، برقم ٣١٣١، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص٤٣: «بسند صحيح».","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>٩ - النعي المحرم</span>، وهو ما كانت الجاهلية يفعلونه، فقد كانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الأحياء والأسواق، أو يركب المخبر على دابة ويصيح في الناس (١)، قال ابن الأثير ﵀: «يقال: نعى الميت ينعاه نعيًا ونعيَّا: إذا أذاع موته وأخبر به، وإذا ندبه .. والمشهور في العربية أن العرب كانوا إذا مات منهم شريف، أو قُتِلَ بعثوا راكبًا إلى القبائل ينعاه إليهم، يقول نعاءِ فلانًا، أو يا نعاء العرب: أي هلك فلان أو هلكت العرب بموت فلان» (٢).\nومن ذلك أن الناعي يصعد على الجبل، أو السور المرتفع، أو على سطوح المنازل وينادي يصيح: أنعى فلانًا (٣)، أو الإخبار بإتيان الآتي إلى الحي من الأحياء وصياحه: أنعى إليكم فلان بن فلان (٤)، فهذا النعي محرم، ومن عادات الجاهلية، فلا يجوز للمسلم أن يعمل هذا العمل ولا يرضى به، وقد ظهر مما تقدم: أن النعاة: هم المخبرون بموت من مات، وأن الناعية: هي النائحة (٥)، وأن المحرم من النعي ما كان على عادة الجاهلية، أما المباح من النعي فسيأتي بضوابطه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الحادي عشر: النعي المباح الجائز:</span>\nيجوز الإخبار بالوفاة إذا لم يقترن بذلك، ما يشبه نعي الجاهلية، وقد\n_________\n(١) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، ٣/ ١١٦ - ١١٧.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، ٥/ ٨٥ - ٨٦.\n(٣) فقه الدعوة في صحيح البخاري، للمؤلف، ٢/ ٧٢٣، وانظر: صحيح البخاري، باب قتل النائم المشرك، برقم ٣٠٢٢.\n(٤) معجم لغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص٤٥٣.\n(٥) غريب ما في الصحيحين، ص١٣٠.","vol":"1","page":158},{"text":"يجب إذا لم يكن عنده من يقوم بالواجب من حقوق الميت المسلم، من: الغسل، والتكفين، والصلاة عليه، ودفنه.\nومن النصوص التي تدل على جواز هذا النعي حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصفَّ بهم وكبَّر أربعًا. ولفظ مسلم: «أن رسول الله - ﷺ - نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات»، وفي لفظ: «نعى لنا رسول الله - ﷺ - النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه فقال: «استغفروا لأخيكم» (١).\nوعن جابر - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - صلَّى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث» وفي لفظ: «... أصحمة النجاشي» وفي لفظ: قال النبي - ﷺ - حين مات النجاشي: «مات اليوم رجل صالح فقوموا صلوا على أخيكم».\nوفي لفظ لمسلم: «فكبر عليه أربعًا». وفي لفظ له: «مات اليوم عبد لله صالح». وفي لفظ: «إن أخًا لكم مات فقوموا فصلوا عليه» (٢).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: ال النبي - ﷺ -: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فأصيب»، وإن عيني رسول الله - ﷺ - لتذرفان، «ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففُتِحَ له» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه البخاري، كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه، برقم ١٢٤٥، و١٣٢٧، ٣٨٨٠، ومسلم، كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنازة، رقم ٩٥١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام، برقم ١٣١٧ و٣٨٧٧، ومسلم، كتاب الجنائز، باب التكبير على الجنائز، برقم ٩٥٢.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه، برقم ١٢٤٦.","vol":"1","page":159},{"text":"وقد ترجم الإمام البخاري – ﵀ – لحديث أبي هريرة وأنس، بقوله: «باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه». وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على هذه الترجمة: «وفائدة هذه الترجمة: الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور، والأسواق ...» ثم قال: «وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة؛ لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود الجنازة، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتب على ذلك من الأحكام». ثم قال: قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:\nالأولى: إعلام الأهل والأصحاب فهذا سنة.\nالثانية: دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره.\nالثالثة: الإعلام بنوع آخر: كالنياحة، ونحو ذلك فهذا حرام» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «مات إنسان كان رسول الله - ﷺ - يعوده، فمات بالليل فدفنوه ليلًا، فلما أصبح أخبروه فقال: «ما منعكم أن تعلموني؟» قالوا: كان الليل فكرهنا – وكانت ظلمة – أن نشق عليك، فأتى قبره فصلى عليه» (٢).\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١١٦ - ١١٧.\n(٢) متفق عليه: كتاب الجنائز، باب الإذن بالجنازة، برقم ١٢٤٧، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٦٨ – (٩٥٤)، و٦٩ – (٩٥٤).","vol":"1","page":160},{"text":"وقد ترجم الإمام البخاري – ﵀ – لهذا الحديث بقوله: «باب الإذن بالجنازة» قال الحافظ ابن حجر ﵀: «والمعنى الإعلام بالجنازة إذا انتهى أمرها؛ ليُصلَّى عليها، قيل هذه الترجمة: تغاير التي قبلها من جهة: أن المراد بها الإعلام بالنفس وبالغير، قال الزين بن المنير: هي مرتبة على التي قبلها؛ لأن النعي إعلام من لم يتقدم له علم بالميت، والإذن إعلام بتهيئة أمره وهو حسن» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجد أو شابًّا فقدها رسول الله - ﷺ - فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: «أفلا كنتم آذنتموني» قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال: «دلّوني على قبره» فدلوه فصلى عليها، ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله - ﷿ - ينورها بصلاتي عليهم» (٢).\nويستحب للمخبر أن يطلب من الناس أن يستغفروا للميت؛ لحديث أبي هريرة المتقدم في قصة النجاشي، وفي بعض رواياته: لما نعى للناس النجاشي قال: «استغفروا لأخيكم» (٣).\nوحديث أبي قتادة في قصة إخبار النبي - ﷺ - بقتل زيد بن حارثة، وجعفر، وعبد الله بن رواحة، وفي القصة: «ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا فلقوا العدوَّ فأصيب زيدٌ شهيدًا، فاستغفروا له،\n_________\n(١) فتح الباري، ٣/ ١١٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٥٨، ٤٦٠، ١٣٣٧، ومسلم، برقم ٩٥٦، وتقدم تخريجه في عذاب القبر.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٢٧، ٣٨٨٠، ومسلم، برقم ٩٥١، وتقدم تخريجه قبل قليل.","vol":"1","page":161},{"text":"فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشدَّ على القوم حتى قُتِلَ شهيدًا أشهد له بالشهادة، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدًا، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ...» (١) الحديث (٢).\nوقال الإمام ابن الملقن – رحمه الله تعالى –:\n«النعي على ضربين:\nأحدهما: مجرد إعلام؛ لقصد ديني كطلب كثرة الجماعة تحصيلًا للدعاء للميت، وتتميمًا للعدد الذي وُعِدَ بقبول شفاعتهم له: كالأربعين، والمائة مثلًا، أو لتشييعه وقضاء حقه في ذلك، وقد ثبت في معنى ذلك قوله ﵊: «هلا آذنتموني به» (٣)، ونعيه ﵊ أهل مؤتة: جعفرًا، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة (٤).\nالثاني: فيه أمر محرم مثل: نعي الجاهلية المشتمل على ذكر مفاخر الميت، ومآثره، وإظهار التفجع عليه، وإعظام حال موته، فالأول مستحب، والثاني محرم، وعليه يُحمل نهيه ﵊ عن النعي كما أخرجه الترمذي وصححه (٥)، وهذا التفصيل هو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة (٦).\n_________\n(١) أحمد، ٥/ ٢٩٩، ٣٠٠، ٣٠١، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص٤٧.\n(٢) وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٤٠٨، ٤١٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٥٨، ٤٦٠، ١٤٣٧، ومسلم، برقم ٩٥٦، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه، البخاري، برقم ١٢٩٩، ١٣٠٥، ٤٢٦٣، ومسلم، برقم ٩٣٥، وتقدم تخريجه.\n(٥) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية النعي، برقم ٩٨٦، ولفظه عن حذيفة: «سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن النعي».\n(٦) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٣٨٧ - ٣٨٨.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الثاني عشر: العلامات التي تدل على حسن الخاتمة</span>، كثيرة منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>١ - نطقه بالشهادة عند الموت من أعظم البشارات </span>بحسن الخاتمة؛ لحديث معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>٢ - الموت برشح الجبين</span>؛ لحديث بريدة بن الحصيب - ﵁ - أنه كان بخراسان فعاد أخًا له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو بعرق جبينه، فقال: الله أكبر سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «موت المؤمن بعرق الجبين» (٢)، وكلام بريدة في رواية الإمام أحمد صريح في أن العرق على ظاهره، وفي معنى الحديث قولان:\nأحدهما: أنه عبارة عما يكابده من شدة السياق الذي يعرق دون جبينه، وذلك تمحيصًا لذنوبه.\nوالثاني: أنه كناية عن كدِّ المؤمن في طلب الحلال وتضييقه على نفسه بالصوم والصلاة حتى يلقى الله تعالى (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>٣ - الموت ليلة الجمعة أو نهارها</span>، لما رُوي وذُكِرَ عن عبد الله بن عمرو\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣١١٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٩، وتقدم تخريجه في آداب المريض.\n(٢) أحمد بلفظه، ٥/ ٣٥٧، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء أن المؤمن يموت بعرق الجبين، برقم ٩٨٢، بلفظ: «المؤمن يموت بعرق الجبين»، والنسائي، كتاب الجنائز، باب علامة موت المؤمن، برقم ١٨٢٩، بلفظ: «موت المؤمن بعرق الجبين»، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في المؤمن يؤجر في النزع، برقم ١٤٥٢، مثل لفظ الترمذي. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٠٢ وغيره.\n(٣) سبل السلام للصنعاني، ٣/ ٣٠٥.","vol":"1","page":163},{"text":"قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>٤ – الاستشهاد في ساحة القتال</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).\nوعن المقدام بن مَعْدِيكرب - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويُحلَّى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويُشَفَّع في سبعين إنسانًا من أقاربه» (٣).\nوهذه بشارة عظيمة، وعلامة على حسن الخاتمة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن شهداء أمة النبي - ﷺ - كثير: منهم من قتل في سبيل الله كما تقدم، ومنهم ما يأتي:\n_________\n(١) أحمد في المسند، برقم ٦٥٨٢، ١١/ ١٤٧،وضعفه محققو المسند، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن مات يوم الجمعة، برقم ١٠٧٤،وقال الترمذي: ليس إسناده بالمتصل، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص٥٠: «فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح»،وحسنه في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٤٥،وسمعت شيخنا ابن باز – ﵀ – يضعف الحديث. والله تعالى أعلم.\n(٢) سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧١.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله، برقم ٢٧٩٩، والترمذي، كتاب الجهاد، باب ثواب الشهيد، برقم ١٦٦٣، وقال: حسن صحيح، وأحمد، ٤/ ١٣١، و٤/ ٢٠٠، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٢٩، وفي أحكام الجنائز، ص٥٠.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>٥ – من مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد</span>، يعني لم يباشر الحرب ولو لم يشاهده وبأي صفة مات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>٦ – المطعون شهيد</span>، وهو الذي يموت بالطاعون، وهو الوباء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٧ – المبطون شهيد</span>، وهو الذي يموت من علة البطن، كالاستسقاء وهو انتفاخ الجوف، والإسهال، وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٨ – الغَرِقُ شهيد</span>، وهو الذي يموت غريقًا في الماء، يروى بغير ياء كحذِر، ويروى بالياء، وهو للمبالغة: كعليم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٩ – وصاحب الهدم شهيد</span>، وهو الذي يموت تحت الهدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>١٠ – والحريق شهيد</span>، وهو الذي يموت بحرق النار، ومن فرط في هذه الثلاثة ولم يتحرز حتى أصابه شيء من ذلك فمات فهو عاصٍ وأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>١١ – صاحب ذات الجنب شهيد</span>، وهي قرحة تكون في الجنب وورم شديد باطنًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>١٢ – المرأة تموت بُجمع شهيدة</span>، ويقال بضم الجيم وكسرها وهي المرأة تموت حاملًا، وقد جمعت ولدها في بطنها، وقيل: هي البكر، وصحح القرطبي والنووي الأول (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>١٣ – من قتل دون ماله فهو شهيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>١٤ – من قتل دون أهله فهو شهيد</span>.\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٧٥٧.\n(٢) كل هذه الشروح للكلمات من المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٣/ ٧٥٦ - ٧٥٨،وشرح النووي على صحيح مسلم،١٣/ ٦٦ - ٦٧،وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٤٣.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>١٥ – من قتل دون دينه فهو شهيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>١٦ – من قتل دون دمه فهو شهيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>١٧ – من قتل دون مظلمته فهو شهيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>١٨ – السِّلُّ شهادة</span>، بكسر السين، وضمها وتشديد اللام، وهو داءٌ يحدث في الرئة يؤول إلى ذات الجنب، وقيل: زكام أو سعال طويل مع حمى هادية، وقيل: غير ذلك (١).\nفقد بيّن النبي - ﷺ - الشهداء في غير المعركة في عدة أحوال، وخصال، وأدلة هذه الخصال ثابتة في السنة، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِقُ، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الطاعون شهادة لكل مسلم» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تعدون الشهيد فيكم؟» قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: «إن شهداء أمتي إذًا لقليل» قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: «من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد» وفي رواية: «والغريق شهيد» (٤).\n_________\n(١) الترغيب والترهيب للمنذري، ٢/ ٣٠٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد، باب الشهادة سبع سوى القتل، برقم ٢٨٢٩، ومسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، برقم ١٩١٤.\n(٣) مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، برقم ١٩١٦.\n(٤) مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، برقم ١٩١٥.","vol":"1","page":166},{"text":"وعن جابر بن عتيك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الشهداء سبعة، سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحَرِقُ شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمعٍ شهيد» (١).\nوعن عبادة بن الصامت - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «إن في القتل شهادة، وفي الطاعون شهادة، وفي البطن شهادة، وفي الغرق شهادة، وفي النفساء يقتلها ولدها جمعاء شهادة» (٢).\nوعن راشد بن حبيش أن رسول الله - ﷺ - دخل على عبادة بن الصامت يعوده في مرضه، فقال رسول الله - ﷺ -: «أتعلمون من الشهيد من أمتي؟» فقال عبادة - ﵁ -:يا رسول الله الصابر المحتسب، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن شهداء أمتي إذًا لقليل: القتل في سبيل الله - ﷿ - شهادة، والطاعون شهادة، والبطن شهادة، والنفساء يجرها ولدها بسره إلى الجنة، والحرق، والسِّلُّ» (٣).\nوعن سعيد بن زيد - ﵁ - يرفعه للنبي - ﷺ -: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل\n_________\n(١) مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب النهي عن البكاء على الميت، ١/ ٣٣٤، واللفظ له، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب فضل من مات في الطاعون، برقم ٣١١١، والنسائي، كتاب الجنائز، باب النهي عن البكاء على الميت، برقم ١٨٤٧، وقال النسائي في المرأة «شهيدة» بالتاء المربوطة، وصححه النووي في شرح صحيح مسلم، ١٣/ ٦٦، والألباني في أحكام الجنائز، ص٤٠.\n(٢) أحمد، ٥/ ٣١٤، ٣١٥، ٣١٧، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٥/ ٣٠٠: «رواه الطبراني وأحمد بنحوه، ورجالهما ثقات».\n(٣) أحمد، ٣/ ٤٨٩، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٥/ ٢٩٩: «رواه أحمد ورجاله ثقات»، وصحح إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص٣٩.","vol":"1","page":167},{"text":"دون دمه فهو شهيد» (١).\nوعن سويد بن مقرن يرفعه: «من قتل دون مظلمته فهو شهيد» (٢).\nقال الحافظ ابن حجر – ﵀ –: «والذي يظهر أنه - ﷺ - أُعلِمَ بالأقل ثم أُعْلِمَ زيادة على ذلك، فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك، وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة، فإن مجموع ماقدمته مما اشتملت عليه الأحاديث التي ذكرتها أربع عشرة خصلة» (٣). قلت: وهي التي اشتملت عليها هذه الأحاديث التي ذكرتها فيما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>١٩ – الموت مرابطًا في سبيل الله تعالى</span>؛ لحديث سلمان - ﵁ - قال: معت رسول الله - ﷺ - يقول: «رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأمن الفتان» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>٢٠ – الموت على عمل صالح</span>؛ لحديث حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٤٧٧٢، والنسائي، برقم ٤٠٩٩، والترمذي برقم ١٤١٨، وابن ماجه، برقم ٢٥٨٠، وأحمد، برقم ١٦٥٢.\n(٢) النسائي، كتاب المحاربة، باب من قتل دون مظلمته، برقم ٤١٠١، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٣/ ٨٥٨.\n(٣) فتح الباري، ٦/ ٤٣، وذكر: ومن وقصه فرسه في سبيل الله، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله، فهو شهيد، وصحح الدارقطني «موت الغريب شهادة»، ولابن حبان «من مات مرابطًا مات شهيدًا».\n(٤) مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله - ﷿ -، برقم ١٩١٣.","vol":"1","page":168},{"text":"ختم له بها دخل الجنة» (١).\nوعن أنس يرفعه: «إذا أراد الله بعد خيرًا استعمله» فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح قبل الموت» (٢).\nوعن عمر بن المحبق يرفعه: «إذا أراد الله بعبد خيرًا عسله» قالوا: وكيف يعسله؟ قال: «يفتح الله - ﷿ - له عملًا صالحًا بين يدي موته حتى يرضى عنه جيرانه أو من حوله» (٣).\nوعن جابر يرفعه: «من مات على شيء بُعِثَ عليه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>٢١ – ثناء الناس على الميت</span>؛ من جمع من المؤمنين الصادقين أقلهم اثنان من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة بفضل الله - ﷿ - ومن علامات حسن الخاتمة؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: مُرَّ على النبي - ﷺ - بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال: «وجبت» ثم مرَّ بأخرى فأثنوا عليها شرًّا أو قال غير ذلك، فقال: «وجبت» فقيل: يا رسول الله! قلت لهذا: وجبت، ولهذا: وجبت، فقال: «شهادة القوم للمؤمن شهادة الله في الأرض». وفي لفظ: فقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض». ولفظ مسلم: «وجبت، وجبت، وجبت،\n_________\n(١) أحمد، ٥/ ٣٩١، وصحح إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص٥٨.\n(٢) الترمذي، برقم ٢١٤٢، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٤٤٥، وتقدم تخريجه في أسباب حسن الخاتمة.\n(٣) أحمد، ٥/ ٢٢٤، والحاكم، ١/ ٣٤٠، وغيرهما، وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ١١١٤، وتقدم تخريجه في أسباب حسن الخاتمة.\n(٤) أحمد، ٣/ ٣١٤، وغيره، وصححه الألباني في الصحيحة، برقم ٢٨٣.","vol":"1","page":169},{"text":"أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض» (١). وفي حديث عمر - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة» قلنا: وثلاثة: قال: «وثلاثة» قلنا: واثنان؟ قال: «واثنان» ثم لم نسأله عن الواحد (٢).\nوفي حديث أنس زيادة عند الحاكم: «ما من مسلم يموت يشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأقربين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا إلا قال الله ﵎: قد قبلت قولكم أو قال: هادتكم وغفرت له ما لا تعلمون» (٣).\nوفي حديث أنس عند الحاكم أيضًا: «... إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من خير أو شر» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: «... الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض» (٥).\nوالله - ﷿ - أكرم الأكرمين وهو أرحم الراحمين (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>الثالث عشر: فضائل الصبر والاحتساب على المصائب</span>، كثيرة منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>١ - صلوات الله ورحمته وهدايته للصابرين: </span>قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، برقم ١٣٦٧، ورقم ٢٦٤٢، ومسلم، كتاب الجنائز، باب فيمن يثنى عليه خيرًا أو شرًّا من الموتى، برقم ٩٤٩.\n(٢) البخاري، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، برقم ١٣٦٨، ورقم ٢٦٤٣.\n(٣) أصله في البخاري ومسلم، وهذا لفظ الحاكم، ١/ ٣٧٨.\n(٤) الحاكم، ١/ ٣٧٧، وأصله متفق عليه، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٦١.\n(٥) النسائي، كتاب الجنائز، باب الثناء، برقم ١٩٣٢،وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٣٨.\n(٦) ذكر العلامة الألباني ﵀ زيادات في أحكام الجنائز، ص٦٠، فراجعها فإنها مفيدة.","vol":"1","page":170},{"text":"بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١).\n﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي بشرهم بأنهم يُوفَّوْن أجورهم بغير حساب، فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن، أو كليهما، كما تقدم في الآيات، ومن ذلك موت الأحباب، والأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد أو بدن من يحبه، ﴿قَالُواْ إِنَّا لِله﴾ أي مملوكون لله، مدبرون تحت أمره، وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأولادنا، وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد: علمه بأن وقوع البلية من المالك الحكيم الذي أرحم بعبده من نفسه ووالدته، فيوجب له ذلك الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره؛ لما هو خير لعبده وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفرًا عنده، وإن جزعنا وسخطنا لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله وراجع إليه من أقوى أسباب الصبر\n﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصبر المذكور ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي ثناء من الله عليهم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة، ومن رحمته إياهم أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ الذين\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيات: ١٥٥ - ١٥٧.","vol":"1","page":171},{"text":"عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به، وهو هنا: صبرهم لله (١).\nقال أمير المؤمنين عمر - ﵁ -: «نعم العدلان ونعمة العلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فهذان العدلان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>٢ - الاستعانة بالصبر من أسباب السعادة</span>، قال الله تعالى:\n﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>٣ - محبة الله للصابرين</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>٤ - معية الله للصابرين: </span>قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٥ - استحقاق دخول الجنة لمن صبر</span>، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>٦ - الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب</span>، فلا يوزن لهم، ولا يكال\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن للعلامة السعدي، ص٧٦، وتفسير ابن كثير، ص١٣٥.\n(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ص١٣٥، وهو في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الصبر عند الصدمة الأولى، الباب رقم ٤٢، قبل الحديث رقم ١٣٠٢.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٤٥.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٤٦.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٥٣.\n(٦) سورة الفرقان، الآية: ٧٥.","vol":"1","page":172},{"text":"لهم إنما يغرف لهم غرفا، وبدون عدٍّ ولا حدٍّ، ولا مقدار (١)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>٧ - جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ</span>، من قبل أن يخلق الله الخليقة ويبرأ النسمة، وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول بل تذهل عنده أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير (٣)، قال الله - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>٨ - ما أصاب من مصيبة في النفس، والمال والولد، والأحباب، ونحوهم إلا بقضاء الله وقدره</span>، قد سبق بذلك علمه وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته، فإذا آمن العبد أنها من عند الله فرضي بذلك وسلم لأمره، فله الثواب الجزيل والأجر الجميل، في الدنيا والآخرة، ويهدي الله قلبه فيطمئن ولا ينزعج عند المصائب، ويرزقه الله الثبات عند ورودها، والقيام بموجب الصبر فيحصل له بذلك ثواب عاجل، مع ما يدخره الله له يوم الجزاء من الثواب (٥)، قال الله تعالى:\n﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلِّ\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ص١١٥١، وتفسير السعدي، ص٧٢١.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(٣) تفسير ابن كثير، ص١٣١٣، وتفسير السعدي، ص٨٤٢.\n(٤) سورة الحديد، الآيتان، ٢٢، ٢٣.\n(٥) تفسير السعدي، ص٨٦٧.","vol":"1","page":173},{"text":"شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، قال علقمة عن عبد الله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ هو الرجل الذي أصابته مصيبة رضي بها وعرف أنها من الله» (٢).\nوما أحسن ما قال ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى:\nسبحان من يبتلي أناسًا ... أحبَّهم والبلاءُ عطاءُ\nفاصبرْ لبلْوى وكن راضيًا ... فإن هذا هو الدواءُ\nسلِّم إلى الله ما قضاه ... ويفعل الله ما يشاءُ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٩ – الله تعالى يجزي الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون</span>، قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٤) قَسَمٌ من الرب تعالى مؤكَّدٌ باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا: أي ويتجاوز عن سيئاتهم (٥)، ولله دَرُّ أبي يعلى الموصلي القائل:\nإني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر\nوقلّ من جدَّ في أمره يحاوله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>١٠ – ما يقال عند المصيبة </span>والجزاء والثواب والأجر العظيم على ذلك،\n_________\n(١) سورة التغابن، الآية: ١١.\n(٢) البخاري، كتاب التفسير، سورة التغابن، بعد الحديث رقم ٤٩٠٧.\n(٣) برد الأكباد عند فقد الأولاد للحافظ المحدث أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن ناصر الدين الدمشقي (٧٧٧ - ٨٤٢هـ)، ص١٢.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٩٦.\n(٥) تفسير ابن كثير، ص٧٥٣، وتفسير السعدي، ص٤٤٩.\n(٦) انظر: الصبر الجميل لسليم الهلالي، ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":174},{"text":"فعن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مصيبته واخلف له خيرًا منها» قالت أم سلمة، فلما توفي أبو سلمة - ﵁ - قلت كما أمرني رسول الله - ﷺ -، فأخلف الله لي خيرًا منه رسول الله - ﷺ -، وفي لفظ: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي وأخلِفْ لي خيرًا منها ...» الحديث (١). وفي لفظ ابن ماجه: «إنَّا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأْجُرْني فيها وعوِّضني خيرًا منها» (٢).\nوحديث أبي موسى الأشعري عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمُّوه بيت الحمد» (٣).\nقال ابن ناصر الدين رحمه الله تعالى:\nيجري القضاء وفيه الخير نافلة ... لمؤمن واثق بالله لا لاهي\nإن جاءه فرحٌ أو نابه ترحٌ ... في الحالتين يقول الحمد لله (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>١١ – الأجر العظيم والثواب الكثير والفوز بالجنة </span>لمن مات حبيبه\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة، برقم ٩١٨.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة، برقم ١٥٩٨، وصححه الألباني، في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٦٧، وأصله في صحيح مسلم.\n(٣) الترمذي، برقم ١٠٢١، ويأتي تخريجه.\n(٤) برد الأكباد عند فقد الأولاد للحافظ محمد بن عبد الله بن ناصر الدين، ص١٧.","vol":"1","page":175},{"text":"المصافي فصبر وطلب الأجر من الله تعالى، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: يقول الله تعالى: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» (١)، قوله: «جزاء» أي ثواب وقوله: «إذا قبضت صَفِيَّه»، وهو الحبيب المصافي: كالولد، والأخ، وكل ما يحبه الإنسان، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت: ... وقوله: «ثم احتسبه إلا الجنة» والمراد: صبر على فقده راجيًا من الله الأجر والثواب على ذلك. والاحتساب: طلب الأجر من الله تعالى خالصًا.\nووجه الدلالة من هذا الحديث أن الصفي أعم من أن يكون ولدًا أم غيره، وقد أفرد ورتب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه» (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «صفيه: حبيبه: كولده، أو أبيه، أو أمه، أو زوجته» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>١٢ – أشد الناس بلاءً: الأنبياء </span>ثم الأمثل فالأمثل؛ لحديث مصعب بن سعد عن أبيه - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل: يُبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صُلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّةٌ ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب العمل الذي يبتغى به وجه الله، برقم ٦٤٢٤.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٤٢٤، وذلك في فجر الأحد الموافق ١٤/ ١٠/١٤١٩هـ في الجامع الكبير بالرياض.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٨، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٢٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦٥ وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٧١ وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٣.","vol":"1","page":176},{"text":"أكثر وأصعب بلاء: أي محنة ومصيبة؛ لأنهم لو لم يبتلوا لتوهم فيهم الألوهية؛ وليتوهن على الأمة الصبر على البلية؛ ولأن من كان أشد بلاء كان أشد تضرعًا، والتجاء إلى الله تعالى، «ثم الأمثل فالأمثل» أي الفضلاء، والأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة، فكل من كان أقرب إلى الله يكون بلاؤه أشد؛ ليكون ثوابه أكثر، «فإن كان في دينه صلبًا» أي قويًا شديدا «اشتد بلاؤه» أي كمية وكيفية، «فما يبرح البلاء» أي ما يفارق (١).\nومما يزيد ذلك وضوحًا وتفسيرًا، حديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>١٣ - من كان بلاؤه أكثر فثوابه وجزاؤه أعظم وأكمل</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (٣).\nالمقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه، لا الترغيب في طلبه\n_________\n(١) تحفة الأحوذي للمباركفوري، ٧/ ٧٨ - ٧٩.\n(٢) أبو يعلى، وابن حبان، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٥٩٩.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٦، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٣١، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦٤، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٧٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٦.","vol":"1","page":177},{"text":"للنهي عنه، فمن رضي بما ابتلاه الله به فله الرضى منه تعالى وجزيل الثواب، ومن سَخِطَ: أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه تعالى، فله السخط منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءًا يُجز به (١).\nولا شك أن الصبر ضياء كما قال النبي - ﷺ -: «والصبر ضياء» (٢).\nوالضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق، ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس، وحبسها، وكفها عما تهواه، كان ضياءً (٣)؛ ولهذا والله أعلم يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، بفضل الله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>١٤ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة</span>؛ لأنها زالت بسبب البلاء (٤)؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة: في نفسه، وماله، وولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>١٥ - فضل من يموت له ولد فيحتسبه</span>، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (٦)\n_________\n(١) تحفة الأحوذي للمباركفوري ٧/ ٧٧.\n(٢) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم ٢٢٣.\n(٣) جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ٢/ ٢٤، ٢٥.\n(٤) تحفة الأحوذي للمباركفوري، ٧/ ٨٠.\n(٥) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦٥، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٢٨٠.\n(٦) لم يبلغوا الحنث: أي لم يبلغوا سن التكليف الذي يكتب فيه الحنث وهو الإثم. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢٠.","vol":"1","page":178},{"text":"إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» (١).والولد يشمل الذكر والأنثى.\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تعدّون الرّقوب (٢) فيكم؟» قال: قلنا: الذي لا يولد له. قال: «ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئًا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>١٦ - من مات له ثلاثة من الولد </span>كانوا له حجابًا من النار؛ ودخل الجنة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابًا من النار أو دخل الجنة» (٤). وفي مسلم أنه قال لامرأة مات لها ثلاثة من الولد: «لقد احتظرت بحظار شديد (٥) من النار» (٦)؛ ولحديث عتبة بن عبدٍ - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا تلقَّوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>١٧ - من قدم اثنين من أولاده دخل الجنة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المسلمين، برقم ١٣٨١.\n(٢) أصل الرقوب في كلام العرب الذي لا يعيش له ولد.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفس عند الغضب، برقم ٢٦٠٨.\n(٤) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المسلمين، قبل الحديث، رقم ١٣٨١، وتكلم الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٢٤٥ عن وصله.\n(٥) احتظرت: أي امتنعت بمانع وثيق، والحظار ما يجعل حول البستان وغيره من قضبان وغيرها كالحائط، شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(٦) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم ٢٦٣٦.\n(٧) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب في ثواب من أصيب بولده، برقم ١٦٠٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٦.","vol":"1","page":179},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال لنسوة من الأنصار: «لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة»، فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: «أو اثنين» (١)، قال النووي ﵀: «وقد جاء في غير مسلم «وواحد» (٢).\nوعن أبي صالح ذكوان عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا سول الله، ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، قال: «اجتمعن يوم كذا وكذا»، فاجتمعن فأتاهن رسول الله - ﷺ -، فعلّمهن مما علّمه الله قال: «ما منكن من امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجابًا من النار» فقالت امرأة: واثنين، واثنين، واثنين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «واثنين، واثنين، واثنين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>١٨ - من مات له واحد من أولاده فاحتسبه وصبر دخل الجنة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: يقول الله تعالى: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه وهو أصح ما ورد في ذلك، وقوله: «فاحتسب» أي صبر راضيًا\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم ١٥١ (٢٦٣٢).\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢٠ وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٣/ ١١٩ جميع الأحاديث التي فيها زيادة واحد وتكلم عليها كلامًا نفيسًا، ثم أشار إلى أن الذي يستدل به على ذلك حديث: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة»، قال: وهذا يدخل فيه الواحد» فتح الباري، ٣/ ١١٩، و١١/ ٢٤٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسبه، برقم ١٠١، و١٢٤٩، و٧٣١٠، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم ٢٦٣٣.\n(٤) البخاري، كتاب الرقاق، باب العمل الذي يُبتغى به وجه الله، برقم ٦٤٢٤.","vol":"1","page":180},{"text":"بقضاء الله راجيًا فضله» (١)، وذكر ابن حجر ﵀ أنه يدخل في ذلك حديث قرة بن إياس، وسيأتي في الحديث الآتي (٢).\nوسيأتي أيضًا حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - الذي فيه قوله - ﷺ -: «ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» فهو يدل على أن من مات له ولد واحد دخل الجنة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>١٩ - من مات له ولد فاحتسبه وجده ينتظره عند باب الجنة</span>، بفضل الله - ﷿ - ورحمته؛ لحديث قرة بن إياس - ﵁ - أن رجلًا كان يأتي النبي - ﷺ - ومعه ابن له، فقال له النبي - ﷺ -: «أتحبه؟» فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي - ﷺ -، فقال: «ما فعل ابن فلان؟» قالوا: يا رسول الله مات، فقال النبي - ﷺ - لأبيه: «أما تحب أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟» فقال رجل: يا رسول الله: أله خاصة أو لكلنا؟ فقال: «بل لكلكم»، ولفظ النسائي: «ما يسرك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>٢٠ - المؤمن إذا مات ولده سواء كان ذكرًا أو أنثى وصبر واحتسب وحمد الله على تدبيره وقضائه بنى الله له بيتًا في الجنة </span>وسماه بيت الحمد؛\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ١١٩، ولابن حجر كلام يؤيد هذا في شرحه للحديث رقم ٦٤٢٤، في فتح الباري، ١١/ ٢٤٣.\n(٢) فتح الباري، ١١/ ٢٤٣.\n(٣) الترمذي، برقم ١٠٢١، وسيأتي.\n(٤) النسائي، كتاب الجنائز، باب الأمر باحتساب الأجر، برقم ١٨٧١، رقم الباب ٢٢، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ١١/ ٢٤٣: «أخرجه أحمد والنسائي، وسنده على شرط الصحيح، وقد صححه ابن حبان والحاكم»، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٤٠٤.","vol":"1","page":181},{"text":"لحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» (١).\nوعن أبي سلمى راعي رسول الله - ﷺ - «بخ بخ - وأشار بيده لخمس - ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>٢١ - السقط يجرُّ أمَّه بسرره إلى الجنة</span>؛ لحديث معاذ بن جبل - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: قال: «والذي نفسي بيده إن السقط ليجرُّ أُمَّهُ بسَرَرِه إلى الجنة إذا احتسبته» (٣).\n٢٢ - ومما يشرح صدر المسلم ويبرِّد حرَّ مصيبته أن أولاد المسلمين في الجنة، قال الإمام النووي ﵀ بعد أن ساق الأحاديث في فضل من يموت له ولد فيحتسبه: «وفي هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة، وقد نقل جماعة فيهم إجماع المسلمين»، ونقل عن المازري قوله: «ونقل جماعة الإجماع في كونهم من أهل الجنة قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجنائز، باب فضل المصيبة إذا احتسب، برقم ١٠٢١، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٢٠، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٠٨.\n(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات، ٧/ ٤٣٣، وابن حبان، برقم ٢٣٢٨، والحاكم، ١/ ٥١١ - ٥١٢، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٠٤.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن أصيب بسقط، برقم ١٦٠٩، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٦.","vol":"1","page":182},{"text":"أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (١) (٢).\nويدل عليه حديث أبي هريرة أن أولاد المسلمين في الجنة، «وأن أحدهم يلقى أباه فيأخذ بثوبه أو بيده فلا يتركه حتى يدخله الله وأباه أو قال: أبويه الجنة» (٣). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «أجمع المسلمون على أن أولاد المسلمين في الجنة، أما أولاد الكفار ففيهم خلاف، وأصح ما قيل فيهم أنهم يمتحنون يوم القيامة، أو هم من أهل الجنة بدون امتحان وهو أصح» (٤). وهو الصواب (٥)؛ لحديث سمرة بن جندب - ﵁ - في الحديث الطويل وفيه: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة» فقال بعض المسلمين: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «وأولاد المشركين» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>٢٣ - من تصبّر ودرّب نفسه على الصبر صبَّره الله وأعانه وسدّده</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، وفيه: «ومن يستعفف يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبَّر يصبّره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر» (٧).\n_________\n(١) سورة الطور، الآية: ٢١.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢١.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد، فيحتسبه، برقم ٢٦٣٥.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٣٨١، و١٣٨٢.\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٤٦.\n(٦) البخاري، كتاب التعبير، باب الرؤيا بعد صلاة الصبح، برقم ٧٠٤٧.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم ١٤٦٩، وكتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله، برقم ٦٤٧٠،ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، برقم ١٠٥٣.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>٢٤ - من أراد الله به خيرًا أصابه بالمصائب</span>؛ ليثيبه عليها (١)؛لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من يُرد الله به خيرًا يُصِبْ منه» (٢).وسمعت شيخنا عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «أي بالمصائب بأنواعها، وحتى يتذكر فيتوب، ويرجع إلى ربه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>٢٥ - أمر المؤمن كله خير في السراء والضراء</span>، وفي الشدة والرخاء؛ لحديث صهيب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>٢٦ - المصيبة تحطُّ الخطايا حطًّا </span>كما تحطّ الشجرة ورقها؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها» (٥).\nوعن عبد الله - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها» (٦).\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «ما يُصيب\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٠٨.\n(٢) البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤٥.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٦٤٥.\n(٤) مسلم، كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير، برقم ٢٩٩٩.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤٠، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٤٩ (٢٥٧٢).\n(٦) مسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧١.","vol":"1","page":184},{"text":"المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمٍّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (١)، وفي لفظ: «ما يصيب المؤمن من وَصَب (٢)، ولا نَصَب (٣)، ولا سَقم ...».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>٢٧ - يجتهد المسلم في استكمال شروط الصبر </span>التي إذا عمل بها المسلم المصاب حصل على الثواب العظيم والأجر الجزيل، وتتلخص هذه الشروط في ثلاثة أمور:\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>الشرط الأول: الإخلاص لله - ﷿ - في الصبر</span>؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٤)، ولقوله - ﷿ - في صفات أصحاب العقول السليمة: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٥)، وهذا هو الإخلاص في الصبر المبرأ من شوائب الرياء وحظوظ النفس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>الشرط الثاني: عدم شكوى الله تعالى إلى العباد</span>؛ لأن ذلك ينافي الصبر ويخرجه إلى السخط والجزع؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكني إلى عوّاده أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ثم يستأنف العمل» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤١، ٥٦٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٣.\n(٢) الوصب: المرض.\n(٣) النصب: التعب.\n(٤) سورة المدثر، الآية: ٧.\n(٥) سورة الرعد، الآية: ٢٢.\n(٦) الحاكم في المستدرك، ١/ ٣٤٩، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":185},{"text":"والله در الشاعر الحكيم حيث قال:\nوإذا عرتك بليّة فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلم\nوإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>الشرط الثالث: أن يكون الصبر في أوانه </span>ولا يكون بعد انتهاء زمانه؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: مرَّ النبي - ﷺ - بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اتقي الله واصبري» [فقالت]: إليك عنِّي فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي، فأتت باب النبي - ﷺ - فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (٢).أي الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل؛ لكثرة المشقة فيه، وأصل الصدم الضرب في شيء صلب، ثم استعمل مجازًا في كل مكروه حصل بغتة (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>٢٨ - أمور لا تنافي الصبر </span>ولا بأس بها ومنها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>الأمر الأول: الشكوى إلى الله تعالى</span>؛ فالتضرع إليه ودعاؤه في أوقات الشدة عبادة عظيمة، فإن الله أخبر عن يعقوب بقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٤).\nوقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ\n_________\n(١) الفوائد لابن القيم، ص١٦٥، وانظر: الصبر الجميل، لسليم الهلالي، ص٢٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، برقم ١٢٨٣، ومسلم، كتاب الجنائز، باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، برقم ١٥ (٩٢٦).\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٨١.\n(٤) سورة يوسف، الآية: ١٨.","vol":"1","page":186},{"text":"الْحَكِيمُ﴾ (١).\nوقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nوأيوب ﵊ أخبر الله عنه ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٣).\nوقال الله تعالى عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٤)، فإذا أصاب العبد مصيبة فأنزلها بالله وطلب كشفها منه فلا ينافي الصبر (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>الأمر الثاني: الحزن ودمع العين</span>؛ فإن ذلك قد حصل لأكمل الخلق نبينا محمد بن عبد الله - ﷺ -؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: دخلنا مع رسول الله - ﷺ - على أبي سيف القين (٦) - وكان ظئرًا (٧) لإبراهيم - ﵇ - - فأخذ رسول الله - ﷺ - إبراهيم فقبَّله وشمَّهُ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه (٨)، فجعلت عينا رسول الله - ﷺ - تذرفان (٩)، فقال له عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: وأنت يا رسول\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ٨٣.\n(٢) سورة يوسف، الآية: ٨٦.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٨٣.\n(٤) سورة ص، الآية: ٤٤.\n(٥) انظر: الصبر الجميل، لسليم الهلالي، ص٨٤\n(٦) القين: الحداد، ويطلق على كل صانع، يقال: قان الشيء: إذا أصلحه. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٣.\n(٧) ظئرًا: مرضعًا، وأطلق عليه ذلك لأنه كان زوج المرضعة، وأصل الظئر: من ظارت الناقة إذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي ترضع غير ولدها، وأطلق ذلك على زوجها؛ لأنه يشاركها في تربيته غالبًا. وإبراهيم: ابن رسول الله - ﷺ -، فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٣.\n(٨) يجود بنفسه: أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٣.\n(٩) تذرفان: يجري دمعها. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٤.","vol":"1","page":187},{"text":"الله (١)؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة» ثم أتبعها بأخرى (٢)، فقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (٣).قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف نفسه: «فقلت: يا رسول الله تبكي أو لم تنه عن البكاء؟ وزاد فيه: «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهوٍ ولعبٍ ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان». قال: «إنما هذه رحمة، ومن لا يَرحم لا يُرحم» (٤).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «هذا الحديث يفسِّر البكاء المباح، والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين، ورقة القلب من غير سخط لأمر الله، وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى، وفيه مشروعية تقبيل الولد وشمه، ومشروعية الرضاع، وعيادة الصغير، والحضور عند المحتضر، ورحمة العيال، وجواز الإخبار عن الحزن وإن كان الكتمان أولى، وفيه وقوع الخطاب للغير وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي - ﷺ - ولده مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب لوجهين:\n_________\n(١) وأنت يا رسول الله: أي الناس لا يصبرون على المصيبة وأنت تفعل كفعلهم، كأنه تعجب لذلك منه مع عهده منه أنه يحثه على الصبر وينهى عن الجزع، فأجابه بقوله: «إنها رحمة: أي الحالة التي شاهدتها مني هي رقة القلب على الولد لا ما توهمت من الجزع» فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٢) ثم أتبعها بأخرى: قيل: أتبع الدمعة بدمعة أخرى، وقيل: أتبع الكلمة الأولى المجملة وهي قوله: «إنها رحمة» بكلمة أخرى مفصلة وهي قوله: «إن العين تدمع» فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «إنا بك لمحزونون»، برقم ١٣٠٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - بالصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، برقم ٢٣١٥.\n(٤) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٤.","vol":"1","page":188},{"text":"أحدهما: صغره، والثاني نزاعه. وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق، وفيه جواز الاعتراض على من خالف فعله ظاهر قوله؛ ليظهر الفرق» (١).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي [- ﷺ -] يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود - ﵃ -، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله (٢) فقال: «قد قضى؟» قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي - ﷺ -، فلما رأى القوم بكاء النبي - ﷺ - بَكَوْا، فقال: «ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذِّبُ بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا (٣) – وأشار إلى لسانه – أو يرحم (٤)، وإن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه» (٥)، وكان عمر - ﵁ - يضرب فيه بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويحثي بالتراب» (٦).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «في هذا إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبي - ﷺ -؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٢) في غاشية أهله: أي الذين يغشونه للخدمة وغيرها. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥.\n(٣) ولكن يعذب بهذا: أي إن قال سوءًا. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥.\n(٤) أو يرحم: أي إن قال خيرًا. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥.\n(٥) يعذب ببكاء أهله عليه: البكاء المحرم على الميت هو النوح، والندب بما ليس فيه، والبكاء المقرون بهما أو بأحدهما، شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٨٠. وانظر فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٥٣ - ١٦٠، وشرح النووي، ٦/ ٤٨٢ - ٤٨٦.\n(٦) متفق عليه: كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض، برقم ١٣٠٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٤.","vol":"1","page":189},{"text":"ولم يعترضه بمثل ما اعترض به هناك، فدل على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضر» (١).\nوفي حديث أسامة بن زيد - ﵁ - في قصة لصبي لإحدى بنات رسول الله - ﷺ - حينما قال النبي - ﷺ - لرسول ابنته: «ارجع إليها فأخبرها: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبرْ ولتحتسب» فأرسلتْ إلى رسول الله - ﷺ - وأقسمت عليه أن يحضر، فقام النبي - ﷺ - وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأسامة معهم، وحينما رفع الصبي للنبي - ﷺ - وهو في النزع، فاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (٢).\nوقد روى أنس بن مالك - ﵁ - قال: «شهدنا بنتًا لرسول الله - ﷺ -، قال: ورسول الله - ﷺ - جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>٢٩ - الأمور التي تعين على الصبر على المصيبة </span>بفقد الأحباب كثيرة منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>الأمر الأول: معرفة جزاء المصيبة وثوابها </span>وهذا من أعظم العلاج الذي يبرد حرارة المصيبة، وتقدمت الأدلة على ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>الأمر الثاني: العلم بتكفيرها للسيئات </span>وحطها كما تحط الشجرة ورقها (٤).\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥.\n(٢) متفق عليه، البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه»، برقم ١٢٨٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٣.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» برقم ١٢٨٥.\n(٤) تقدمت الأدلة على ذلك في الفقرة رقم ٢٥.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>الأمر الثالث: الإيمان بالقدر السابق بها </span>وأنها مقدرة في أم الكتاب كما تقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>الأمر الرابع: معرفة حق الله في تلك البلوى</span>، فعليه الصبر والرضا، والحمد والاسترجاع والاحتساب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>الأمر الخامس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له </span>واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِ قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>الأمر السادس: العلم بترتبها عليه بذنبه</span>، فإن لم يكن له ذنب كالأنبياء والرسل فلرفع درجاته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>الأمر السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة دواء نافع </span>ساقه إليه العليم بمصلحته الرحيم به، فليصبر ولا يسخط ولا يشكو إلى غير الله فيذهب نفعه باطلًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>الأمر الثامن: أن يعلم أن عاقبة هذا الدواء: </span>من الشفاء والعافية والصحة وزوال الآلام ما لم تحصل بدونه، قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>الأمر التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه </span>وتقتله، وإنما\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢١٦.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٩.","vol":"1","page":191},{"text":"جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ: هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الأمر العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء</span>، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>الأمر الحادي عشر: معرفة طبيعة الحياة الدنيا </span>على حقيقتها؛ فهي ليست جنة نعيم ولا دار مقام إنما ممر ابتلاء وتكليف؛ لذلك فالكيِّس الفطن لا يفجأ بكوارثها، ولله دَرُّ القائل:\nإن لله عبادًا فطنا ... طلَّقوا الدنيا وخافوا الفتنا\nنظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحيٍّ وطنا\nجعلوها لجةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا\n\nفالحياة الدنيا لا تستقيم على حال ولا يقر لها قرار، فيوم لك ويوم آخر عليك، قال الله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَالله لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).\nوقد أحسن أبو البقاء الرندي القائل:\nلكل شيء إذا ما تم نقصانُ ... فلا يغر بطيب العيش إنسانُ\n_________\n(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم، ص٤٤٨ - ٤٥٩، وانظر: زاد المعاد، ٤/ ١٨٨ - ١٩٦، وعدة الصابرين لابن القيم، ص٧٦ - ٨٦.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٤٠.","vol":"1","page":192},{"text":"هي الأيام كما شاهدتها دول ... فمن سره زمن ساءته أزمان (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>الأمر الثاني عشر: معرفة الإنسان نفسه</span>؛ فإن الله هو الذي منح الإنسان الحياة فخلقه من عدم إلى وجود، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فهو ملك لله أولًا وآخرًا، وصدق لبيد بن ربيعة - ﵁ - القائل:\nوما المال والأهلون إلا ودائعُ ... ولابد يومًا أن تُرَدَّ الودائعُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>الأمر الثالث عشر: اليقين بالفرج</span>، فنصر الله قريب من المحسنين، وبعد الضيق سعة، ومع العسر يسرٌ؛ لأن الله وعد بهذا ولا يخلف الميعاد، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢).\nوقد أحسن القائل:\nولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرْعًا وعند الله منها المخرجُ\nضاقت فلما استحكمت ... حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تفرجُ\n\nوقد وعد الله - ﷿ - بحسن العوض عما فات؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣).\nولله دَرُّ القائل:\n_________\n(١) هكذا نقل عند البعض، ولكن للإمام البستي في نونيته نحو هذا قال ﵀:\nلا تحسبن سرورًا دائمًا ... من سره زمنٌ ساءته أزمان\nانظر: الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، ص٦٢٥.\n(٢) سورة هود، الآية: ٤٩.\n(٣) سورة النحل، الآيتان: ٤١، ٤٢.","vol":"1","page":193},{"text":"وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>الأمر الرابع عشر: الاستعانة بالله </span>فما على العبد إلا أن يستعين بربه أن يعينه، ويجبر مصيبته، قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، ومن كانت معية الله معه فهو حقيق أن يتحمل ويصبر على الأذى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>الأمر الخامس عشر: التأسي بأهل الصبر </span>والعزائم، فالتأمل في سير الصابرين وما لاقوه من ألوان الابتلاء والشدائد يعين على الصبر ويطفئ نار المصيبة ببرد التأسي، قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>الأمر السادس عشر: استصغار المصيبة</span>، قال النبي - ﷺ -: «يا أيها الناس أيما أحدٍ من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدًا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي» (٤).\n_________\n(١) هكذا سمعته من الشيخ محمد بن حسن الدريعي يقول: إنه كتب له بعض أصدقائه عندما انكسرت رجله، ولكن البيت في نونية علي بن محمد البستي هكذا:\nكل الذنوب فإن الله يغفرها ... إن شيَّع المرءَ إخلاصٌ وإيمانُ\nوكل كسر فإن الدين يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران\nانظر: الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، ص٦٢٦.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٢٨.\n(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.\n(٤) ابن ماجه، واللفظ له، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة، برقم ١٥٩٩، والدارمي، ١/ ٤٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١١٠٦.","vol":"1","page":194},{"text":"وكتب بعض العقلاء إلى أخ له يعزيه عن ابن له يقال له: محمد، فنظم الحديث الآنف شعرًا فقال:\nاصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم أن المرء غير مخلد (١)\nوإذا ذكرت محمدًا ومصابَهُ ... فاذكر مصابك بالنبي محمد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>الأمر السابع عشر: العلم أن المصيبة في غير الدين أهون </span>وأيسر عند المؤمن، ولله دَرُّ القائل:\nوكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران\n\nوذكر أن امرأة من العرب مرت بابنين لها وقد قتلوا فقالت: الحمد لله رب العالمين، ثم قالت:\nوكل بلوى تصيب المرء عافية ... ما يُصَبْ يومًا يلقى الله في النار (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة</span>، وكل ما فيها يتغير ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريق، وهي مزرعة للآخرة على التحقيق، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة:\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-177> الأدلة من الكتاب:</span>\n١ - فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكئوُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).\n_________\n(١) انظر: مقومات الداعية الناجح، للمؤلف، ص٢٦٠ - ٢٧٩.\n(٢) برد الأكباد عند فقد الأولاد؛ لابن ناصر الدين، ص٦١.\n(٣) سورة الزخرف، الآيات: ٣٣ - ٣٥.","vol":"1","page":195},{"text":"٢ – وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).\n٣ – وقال - ﷿ -: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (٢).\n٤ – وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٣).\n٥ – وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤).\n٦ – وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥).\n٧ – وقال الله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٦).\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ٢٤.\n(٢) سورة الكهف، الآية: ٤٥.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٦٠.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٨٣.\n(٥) سورة القصص، الآية: ٨٨.\n(٦) سورة الشورى، الآية: ٣٦.","vol":"1","page":196},{"text":"٨ - وقال سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (١).\n٩ - وقال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).\n١٠ - وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣).\n١١ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤).\n١٢ - وقال تعالى ذاكرًا لقول مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (٥).\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-178> الأدلة من السنة المطهرة</span>، فقد زهَّد النبي - ﷺ - الناس في الدنيا، ورغَّبهم في الآخرة، بفعله وقوله - ﷺ -.\n١ - أما فعله فمنه حديث عائشة ﵂ قالت: «خرج النبي - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبر الشعير» (٦).\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ٣٢.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٦٤.\n(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٠.\n(٤) سورة الرحمن، الآيتان: ٣٦، ٣٧.\n(٥) سورة غافر، الآية: ٣٩.\n(٦) البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما كان النبي - ﷺ - وأصحابه يأكلون، برقم ٥٤١٤.","vol":"1","page":197},{"text":"٢ – وقالت: «ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر» (١).\n٣ – وقالت: «إنا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أُوقِدت في أبيات رسول الله - ﷺ - نارٌ، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (٢).\n٤ – وقال - ﷺ -: «لو كان لي مثل أُحد ذهبًا ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا أرصُدُهُ لدَيْن» (٣).\n٥ – وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه اضطجع على حصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر بن الخطاب - ﵁ -، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: يا رسول الله لو أخذت فراشًا أَوْثَرَ من هذا؟ فقال - ﷺ -: «ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (٤).\n٦ – وقال أبو هريرة - ﵁ -: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قُبض» (٥). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبًا كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٥.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون، والحجر والتفليس، باب أداء الديون، برقم ٢٣٨٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، برقم ٩٩١.\n(٤) أحمد في المسند، ١/ ٣٠١ بلفظه، والترمذي بنحوه، في كتاب الزهد، باب ٤٤، برقم ١٣٧٧، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١٠٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٨٠، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٩٤.\n(٥) البخاري، كتاب الأطعمة، باب قول الله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية، برقم ٥٣٧٤.","vol":"1","page":198},{"text":"ولكن يؤثرون على أنفسهم (١).\n٧ – وعن عائشة ﵂ قالت: «كان فراش رسول الله - ﷺ - من أَدَم وحشوُهُ ليف» (٢).\n٨ – ومع هذا كان يقول - ﷺ -: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» (٣).\n٩ – وقال - ﷺ -: «قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافًا، وقنَّعَهُ الله بما آتاه» (٤).\nوأما قوله في التزهيد في الدنيا والتحذير من الاغترار بها، فكثير، ومنه:\n١٠ – حديث مطرِّف عن أبيه - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يقرأ:\n﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: «يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت أمضيت» (٥).\n١١ – وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يقول العبد: مالي مالي إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، [و] ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس» (٦).\n١٢ – وقال النبي - ﷺ - مرة لأصحابه «أيكم مال وراثه أحب إليه من ماله؟»\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٩/ ٥١٧، ٥٤٩.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٦٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، واللفظ له، برقم ١٠٥٥.\n(٤) مسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، برقم ١٠٥٤.\n(٥) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٨.\n(٦) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٩.","vol":"1","page":199},{"text":"قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: «فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر» (١).\n١٣ - ودخل النبي - ﷺ - السوق يومًا فمرَّ بجدي صغير الأذنين ميت، فأخذه بأذنه ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟» قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أتحبون أنه لكم؟» قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسكُّ (٢)، فكيف وهو ميت؟ فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (٣).\n١٤ - وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (٤).\nوالدنيا مذمومة إذا لم تستخدم في طاعة الله - ﷿ -:\n١٥ - فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا إن الدنيا ملعونةٌ، ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالمٌ، أو متعلمٌ» (٥)، وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة، مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له، برقم ٦٤٤٢.\n(٢) الأسك: مصطلم الأذنين مقطوعهما.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٧.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١١٠، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله - ﷿ -، وقال: «هذا حديث صحيح» برقم ٢٣٢٠، وابن المبارك في الزهد والرقائق عن رجال من أصحاب النبي - ﷺ -، برقم ٤٧٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٣، وفي صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٠.\n(٥) الترمذي، بلفظه، كتاب الزهد، بابٌ: حدثنا محمد بن حاتم، برقم ٢٣٢٢، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١١٢،وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٤.","vol":"1","page":200},{"text":"الله إلا ما كان طاعة لله - ﷿ -؛ ولِهوانها على الله - ﷿ - لم يبلِّغ رسوله - ﷺ - فيها وهو أحب الخلق إليه.\n١٦ – فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير (١).\nوقوله: «وما والاه» أي ما يحبه الله من أعمال البر، وأفعال القرب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات، والفاضلات، ومستحسنات الشرع، وقوله: «وعالم أو متعلم» العالم والمتعلم: العلماء بالله، الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول، وما لا يتعلق بالدين. والرفع في «عالم أو متعلم» على التأويل: كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يحمدُ مما فيها «إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم» (٢)، فإذا رأى العاقل من ينافسه في الدنيا فعليه أن ينصحه ويحذره وينافسه في الآخرة (٣).\n١٧ – وفي قصة أبي عبيدة - ﵁ - عندما قدم بمال من البحرين فجاءت الأنصار وحضروا مع رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح، فلمَّا صلى بهم الفجر، تعرَّضوا له، فتبسَّم حين رآهم وقال: «أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟» قالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فأبشروا، وأمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط\n_________\n(١) انظر: البخاري، كتاب البيوع، باب شراء الطعام إلى أجل، برقم ٢٢٠٠، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر، برقم ١٦٠٣.\n(٢) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١٠/ ٣٢٨٤ - ٣٢٨٥، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا على القاري، ٩/ ٣١، وتحفة الأحوذي للمباركفوري، ٦/ ٦١٣.\n(٣) فقه الدعوة للمؤلف، ٢/ ١٠٠٧.","vol":"1","page":201},{"text":"عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم»، وفي رواية: «وتلهيكم كما ألهتهم» (١).\n١٨ – وفي حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض» قيل: وما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا»، ثم قال: «إن هذا المال خَضِرَة حلوة ... من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع [ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة]» (٢).\n١٩ – وقال خبَّاب - ﵁ -: «إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب» (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة» (٤).\nوذكر ﵀ آثارًا كثيرة في ذم البنيان ثم قال: «وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لابد منه للتوطن وما يقي البرد والحر» (٥).\nوالمسلم إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، برقم ٣١٥٨، ٤٠١٥، ٦٤٢٥، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٦١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، برقم ١٠٥٢، وما بين المعقوفين من رواية مسلم.\n(٣) متفق عليه: كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧٢، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨١.\n(٤) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ١٢٩.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ١١/ ٩٣، و١٠/ ١٢٩.","vol":"1","page":202},{"text":"٢٠ – فعن معقل بن ياسر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ قلبك غنىً وأملأ يديك رزقًا، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقرًا وأملأ يديك شغلًا» (١).\n٢١ – وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدُّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسدَّ فقرك» (٢). قال ذلك عندما تلا: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ (٣).\nولاشك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة، بل وحتى الأعمال المباحة.\n٢٢ – وعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كانت الدنيا همَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (٤).\n_________\n(١) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٢٦، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: «وهو كما قالا»، وصححه في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٥.\n(٢) الترمذي، تاب صفة القيامة، باب حدثنا قتيبة، برقم٢٤٦٦، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، برقم٤١٠٨، وأحمد، ٢/ ٣٥٨، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٤٤٣، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم٣١٦٦، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٣٤٦، وفي صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٩٣.\n(٣) سورة الشورى، الآية: ٢٠.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، برقم ٤١٠٥، وصحح الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٠، وصحيح الجامع، ٥/ ٣٥١.","vol":"1","page":203},{"text":"٢٣ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له» (١).\n٢٤ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحب دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» (٢).\n٢٥ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أنه لما حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين ليُبلِّغِ الشاهد الغائب، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «حلاوة الدنيا مرةُ الآخرة، ومرةُ الدنيا حلاوة الآخرة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>الأمر التاسع عشر: العلم بأن الله تعالى يجمع بين المؤمن وذريته</span>، ووالديه وأهله، ومن يحب في الجنة، وهذا الاجتماع الذي لا فراق بعده؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (٤)، قال الإمام ابن كثير ﵀: «يخبر الله\n_________\n(١) الترمذي، في كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا سويد، برقم ٢٤٦٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٩٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٩ - ٩٥٠.\n(٢) أحمد، ٤/ ٤١٢،وابن حبان برقم ٧٠٩،والحاكم،٤/ ٣١٩،قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، برقم ٤٧٤٤: «رواه أحمد ورواته ثقات».وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب على الحديث رقم ٣٢٤٧: «صحيح لغيره»،وذكر له شاهدًا في الأحاديث الصحيحة، برقم٣٢٨٧.\n(٣) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٤/ ٣١٠، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٨.\n(٤) سورة الطور، الآية: ٢١.","vol":"1","page":204},{"text":"تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه، ولطفه بخلقه، وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذريتهم في الإيمان يُلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم؛ لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذلك» (١). وهذا فضله تعالى على الأولاد ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأولاد فثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك» (٢)، قال العلامة السعدي ﵀: «وهذا من تمام نعيم أهل الجنة أن ألحق الله بهم ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان: أي الذين لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم فصارت الذرية تبعًا لهم بالإيمان، ومن باب أولى إذا تبعتهم ذريتهم بإيمانهم الصادر منهم أنفسهم، فهؤلاء المذكورون يُلحقهم الله بمنازل آبائهم في الجنة وإن لم يبلغوها جزاء لآبائهم وزيادة في ثوابهم، ومع ذلك لا ينقص الله الآباء من أعمالهم شيئًا» (٣).وهذا هو الفوز العظيم.\nنسأل الله تعالى أن يجمعنا في الفردوس الأعلى مع آبائنا، وذرياتنا، وأزواجنا، وجميع أهلينا، وأحبابنا إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.\nولاشك أن من فارق ذريته وأهله، وأحبابه في الآخرة فقد خسر\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٢٦٨، ٤/ ٢٤٣.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند، ٢/ ٢٠٩، قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: «إسناده صحيح».\n(٣) تيسير الكريم الرحمن، للعلامة السعدي، ص٨١٥، وانظر: تفسير الطبري، ٢٢/ ٤٦٧ - ٤٧٠، وتفسير البغوي، ٤/ ٢٣٨.","vol":"1","page":205},{"text":"خسرانًا مبينًا، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (١)، أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبدًا، وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، وهذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح» (٢).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (٣)، قال الإمام ابن كثير ﵀: «أي ذُهِبَ بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد، وخسروا أنفسهم، وفُرِّق بينهم وبين أحبابهم، وأصحابهم، وأهاليهم، وقراباتهم فخسروهم» (٤).\nوقَدْ ذُكِرَ أن بعض الصالحين مات له ابن فجزع عليه جزعًا شديدًا، حتى امتنع عن الطعام والشراب، فبلغ ذلك الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فكتب إليه، ومما كتب إليه:\nإني معزِّيك لا أنِّي على ثقةٍ ... من الحياة ولكن سنة الدين\nفما المعزَّى بباقٍ بعد ميته ... ولا المعزِّي ولو عاشا إلى حين (٥)\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ١٥.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١١٥١.\n(٣) سورة الشورى، الآيتان: ٤٤، ٤٥.\n(٤) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١١٩٤.\n(٥) برد الأكباد عند فقد الأولاد، لابن ناصر الدين، ص٦٧.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>الرابع عشر: غسل الميت</span>\nيراعى في تغسيل الميت الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>الأمر الأول: معرفة العلامات التي تدل على خروج الروح </span>بالموت (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>١ - شخوص البصر: أي انفتاحه</span>؛ لحديث أمِّ سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>٢ - انخساف الصدغين</span>؛ لارتخاء الفك السفلي؛ ولارتخاء الأعضاء عمومًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>٣ - ميل الأنف إلى اليمين أو الشمال</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>٤ - انفصال الكفين</span>؛ لاسترخاء عصب اليد فتبقى كأنها منفصلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>٥ - استرخاء الرجلين</span>، فتلين وتسترسل بعد خروج الروح؛ لصلابتها قبله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>٦ - سكون القلب ووقوف ضرباته تمامًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>٧ - امتداد جلدة الوجه أحيانًا </span>(٣) (٤).\n_________\n(١) قال في الروض المربع، ٢/ ٢٤: «فإن مات فجأة، أو شك في موته انتظر به حتى يعلم موته: بانخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه». وقال ابن قدامة في المغني،\n٣/ ٣٦٧: «وإن اشتبه أمر الميت اعتبر بظهور أمارات الموت: من استرخاء رجليه، وانفصال كفيه، وميل أنفه، وامتداد جلدة وجهه، وانخساف صدغيه، وإن مات فجأة: كالمصعوق، أو خائفًا من حرب أو سبع، أو تردَّى من جبل، انتظر به هذه العلامات». وكذلك قال في الشرح الكبير على المقنع، ٦/ ٢٣، وقال المرداوي في الإنصاف: «وإن كان موته فجأة: كالموت بالصعقة، والهدم، والغرق، ونحو ذلك، فينتظر به حتى يعلم موته» الإنصاف مع الشرح الكبير، ٦/ ٢٢.\n(٢) مسلم، برقم ٩٢٠، وتقدم تخريجه في آداب زيارة المريض.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٦٧.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٧، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،\n٦/ ٢٢ - ٢٣، والروض المربع مع حاشية ابن القاسم، ٣/ ٢٤.","vol":"1","page":207},{"text":"ويُغني عن ذلك كله شهادة الأطباء الثقات بأن فلانًا قد مات وخرجت روحه من جسده تمامًا بلا شك ولا ريب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>الأمر الثاني: آدابٌ يحتاج إليها الميت عقب موته</span>، من أهمها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>١ - تغميض عينيه</span>؛ لحديث أمِّ سلمة ﵂ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>٢ - يُدعى له</span>؛ لحديث أمِّ سلمة السابق، فيقال: «اللهم اغفر لفلان [باسمه] وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>٣ - شد لحييه</span>؛ لإقفال فمه، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويستحب شدُّ لحييه بعصابة عريضة يربطها من فوق رأسه؛ لأن الميت إذا كان مفتوح العينين والفم فلم يغمض حتى يبرد، بقي مفتوحًا فيقبح منظره، ولا يؤمن دخول الهوام فيه، والماء في وقت غسله» (٣) (٤)، ومعلوم أنه بعد أن يبرد تبقى العينان مغمضتين والفم مغلقًا، فيحسن منظره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>٤ - تليين مفاصله</span>، مفاصل اليدين، والرجلين، وهو أن يرد ذراعيه\n_________\n(١) مسلم، برقم ٩٢٠، وتقدم تخريجه.\n(٢) مسلم، برقم ٩٢٠، وتقدم تخريجه.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٦٦، والشرح الكبير على المقنع مع الإنصاف، ٦/ ١٨، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٢١، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٢٥.\n(٤) ذكر ابن قدامة في المغني، ٣/ ٣٦٥، قال ﵀: «وروي أن عمر - ﵁ - قال لابنه حين حضرته الوفاة: ادن مني فإذا رأيت روحي قد بلغت لهاتي، فضع كفك اليمنى على جبهتي، واليسرى تحت ذقني وأغمضني». ولم يسنده ﵀. قلت: وهاتان الصفتان تجمع أمرين: إغماض الميت، وإغلاق فمه. وانظر: أيضًا: الإحكام شرح أصول الأحكام، لابن قاسم، ٢/ ٢٢.","vol":"1","page":208},{"text":"إلى عضديه، وعضديه إلى جنبيه، ثم يردهما، ويرد ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ثم يردهما؛ ليكون ذلك أبقى للينه، فيكون ذلك أمكن للغاسل: من غسله، وتكفينه، وتمديده، وخلع ثيابه، وهذه الصفة تستحب في موضعين: عقب موته قبل قسوتها ببرودته، وإذا شُرِعَ في غسله، وإن شق ذلك لقسوة عظام الميت أو غيرها تركه؛ لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه ويصير به ذلك إلى المثلة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>٥ - تخلع ثيابه ويستر بثوب يكون شاملًا للبدن كله</span>، أما خلع الثياب؛ فلقول الصحابة - ﵃ - حينما مات رسول الله - ﷺ -، قالت عائشة ﵂: لما أرادوا غسل النبي - ﷺ - قالوا: والله ما ندري أنجرِّدُ رسول الله - ﷺ - كما نجرِّدُ موتانا؟ أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا، ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذَقْنُهُ في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هُوَ: أن اغسلوا النبي - ﷺ - وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله - ﷺ - فغسلوه وعليه قميصُهُ، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه» (٢).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويستحب خلع ثياب الميت؛ لئلا يخرج منه شيء يفسُدُ به، ويتلوث بها إذا نزعت عنه ...» (٣).\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٧٢، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ١٩، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٢١، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٢٥، والإحكام شرح أصول الأحكام، لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ٢/ ٢٢.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في ستر الميت عند غسله، برقم ٣١٤١، وأحمد، ٦/ ٢٦٧، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٣/ ٥٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٢٨٦.\n(٣) المغني، ٣/ ٣٦٨.","vol":"1","page":209},{"text":"وأما ستره بثوب يغطي جميع بدنه؛ فلحديث عائشة ﵂، قالت: «سُجِّي رسول الله - ﷺ - حين مات بثوب حَبِرةٍ» (١)،إلا المحرم، فلا يغطى رأسه ولا وجهه؛ لحديث ابن عباس ﵄، وفيه: «ولا تخمِّروا رأسه ولا وجهه ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>٦ - يوضع على بطنه شيء ثقيل</span>، ليمنع انتفاخه إذا لم يعجل بتغسيله، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويُجعل على بطنه شيء من الحديد كمرآة أو غيرها؛ لئلا ينتفخ بطنه ...» (٣). وقد ورد ذلك في بعض الآثار عن أنس - ﵁ -، وعن الشعبي ﵀ (٤)، ولكن إذا أُسرع بالجنازة في تجهيزها، أو وُضعت في ثلاجة وأُمِنَ من انتفاخ البطن فلا داعي لذلك (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>٧ - يُجعل على سرير غسله أو لوح</span>؛ لأنه أحفظ له، ولا يُترك على الأرض؛ لئلا يُسرع إليه التغير، ويجعل منحدرًا نحو رجليه (٦)، قال الإمام البيهقي ﵀، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «لما فُرغَ من جهاز\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٨١٤، ومسلم، برقم ٩٤٢، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه، البخاري، برقم ١٨٣٩، ومسلم، برقم ١٢٠٦، وتقدم تخريجه.\n(٣) المغني لابن قدامة على مختصر الخرقي، ٣/ ٣٦٦،وانظر: الشرح الكبير على المقنع والإنصاف،٦/ ١٨.\n(٤) قال الإمام البيهقي في السنن الكبرى: عن عبد الله بن آدم قال: مات مولىً لأنس بن مالك عند مغيب الشمس فقال أنس: ضعوا على بطنه حديدة، ويذكر عن الشعبي أنه سئل عن السيف يوضع على بطن الميت قال: إنما يوضع ذلك مخافة أن ينتفخ، البيهقي، ٣/ ٣٨٥، وروى ابن أبي شيبة عن عامر الشعبي قال: «كان يستحب أن يوضع السيف على بطن الميت» المصنف، ٣/ ٢٤١.\n(٥) قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «ولكن هل هذا يمنع الانتفاخ؟ لا أظنه يمنع؛ لأن الانتفاخ إذا حصل يقطع الخيوط فلا يغني شيئًا إلا إن كان يوضع عليه حديدة وزن الجبل فهذا شيء ثان ... وفي عصرنا الآن نستغني عن هذا وهو أن يوضع في ثلاجة إذا احتيج إلى تأخير دفنه ...» وقال عن الأثر: «فيه نظر» الشرح الممتع، ٥/ ٣٢٧.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٦٨، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٠.","vol":"1","page":210},{"text":"رسول الله - ﷺ - يوم الثلاثاء وُضِعَ على سريره في بيته - ﷺ -» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>الأمر الثالث: الإسراع بتجهيزه</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (٢)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وُضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدِّموني قدِّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الأمر الرابع: معرفة الفضل والأجر العظيم، لمن تولَّى غسل الميت المسلم</span>، وستر عليه ما يكره، وأخلص في ذلك ابتغاء وجه الله تعالى، لا يريد به جزاء ولا شكورًا إلا من الله - ﷿ -، ولا يريد شيئًا من أمور الدنيا؛ لحديث أبي رافع - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من غسل مسلمًا فكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه أُجريَ عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة» (٤). وهذا لفظ البيهقي، ولفظ الحاكم: «من غسل ميتًا\n_________\n(١) السنن الكبرى، ٣/ ٣٨٥، في كتاب الجنائز، باب ما يستحب من وضع شيء على بطنه ثم وضعه على سرير؛ لئلا يسرع انتفاخه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣١٥، ومسلم، برقم ٩٥٠، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ١٣١٤، ورقم ١٣١٦، ورقم ١٣٨٠، وتقدم تخريجه.\n(٤) البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ٣٩٥، والحاكم، ١/ ٣٥٤، والطبراني في الكبير ١/ ٣١٥، برقم ٩٢٩، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي، وقال العلامة الألباني في الجنائز، ص٦٩: «هو كما قالا». وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رجاله رجال الصحيح»\n٣/ ٢١، وقال ابن حجر في الدراية (١٤٠): «إسناده قوي». قلت: وله شاهد من حديث أبي أمامة - ﵁ - عند الطبراني في الكبير برقم ٨٠٧٧، ورقم ٨٠٧٨.","vol":"1","page":211},{"text":"فكتم عليه غفر له أربعين مرة، ومن كفَّن ميتًا كساه الله من سندس وإستبرق الجنة، ومن حفر لميت قبرًا فأجنه فيه أُجري له من الأجر كأجر مسكن أسكنه إلى يوم القيامة». ولفظ الطبراني في المعجم الكبير: «من غسل ميتًا فكتم عليه غفر له أربعين كبيرة، ومن حفر لأخيه قبرًا حتى يجنه فكأنما أسكنه مسكنًا مرة حتى يُبعث»؛ ولقول النبي - ﷺ -: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ...» (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ وفيه: «ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٢)، وغير ذلك من الأدلة والآثار الواردة (٣)، ولا بأس بالإخبار بما يشاهده الغاسل من علامات الخير: كبياض الوجه، أو التبسم، أو غير ذلك من العلامات\n_________\n(١) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم ٢٦٩٩، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، برقم ٢٤٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، برقم ٢٥٨٠.\n(٣) ومن ذلك ما روي عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «من غَسَلَ ميتًا فأدّى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». قال: «ليَلِه أقربكم منه إن كان يعلم، فإن كان لا يعلم، فمن ترون أن عنده حظًّا من ورع وأمانة» أحمد في المسند، ٤١/ ٣٧٤، برقم ٢٤٨٨١، ورقم ٢٤٩١٠، وغيره، وضعفه أصحاب موسوعة مسند الإمام أحمد، ٤١/ ٣٧٥، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ٢١ وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط وفيه جابر الجعفي وفيه كلام كثير».","vol":"1","page":212},{"text":"التي تبشر بالخير، أما العلامات التي تدل على الشر فلا يخبر بها؛ لأن ذلك يحزن أهل الميت ويؤذيهم، وهو من الغيبة، لكن لو قال: إن بعض الأموات يكون أسودَ، أو غير ذلك فلا بأس (١).\nقال الإمام ابن قدامة – ﵀ -: «وإن رأى حسَنًا مثل: أمارات الخير: من وضاءة الوجه، والتبسم، ونحو ذلك استحب إظهاره؛ ليكثر الترحُّم عليه، ويحصل الحث على مثل طريقته والتشبه بجميل سيرته ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>الأمر الخامس: معرفة حرمة المسلم ومنزلته وكرامته حيًّا وميتًا</span>؛ فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إن كسر عظم المؤمن ميتًا مثل كسره حيًّا». وهذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود وابن ماجه: «كسر عظم الميت ككسره حيًّا» (٣). وهل يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه في حياته أو يوصي بذلك مع موته؟ اختلف العلماء في ذلك (٤).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٢٣.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٧١، وانظر: الكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٥.\n(٣) أحمد، ٦/ ٥٨، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في الحفار يجد العظم هل يتنكَّب ذلك المكان، برقم ٣٢٠٧، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب في النهي عن كسر عظم الميت، برقم ١٦١٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠١.\n(٤) اختلف العلماء في تبرع الإنسان ببعض أعضائه في حياته، أو الوصية بها بعد مماته، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «والراجح أن الإنسان إذا تبرع بشيء من أعضائه في حياته أنه لا يجوز ذلك عندي؛ لأنه ليس له التصرف في شيء من أعضائه، وليست ملكًا له، ورأى هيئة كبار العلماء بالأكثرية أنه لا بأس بذلك إذا تبرع بذلك في حياته، ولكن هناك منهم من توقف وأنا ممن توقف، ورأيت أن ذلك ليس ملكًا له، حتى لو كان حيًّا فتبرع بكلية أو غيرها، فإني أرى عدم التبرع مطلقًا: لا في الحياة، ولا بعد الموت، لما تقدم أنها ليست ملكًا له. أما الدم والتبرع به فلا بأس؛ لأن الأمر فيه يسير»، انتهى كلامه ﵀. وقد سمعته يقول ذلك أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى، لأبي البركات عبد السلام ابن تيمية، الحديث رقم ١٧٨١.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>الأمر السادس: حكم تغسيل الميت: فرض كفاية </span>إذا فعله من فيه كفاية سقط الإثم عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته راحلته أن النبي - ﷺ - قال فيه: «اغسلوه بماءٍ وسدر» (١)، والأمر يقتضي الوجوب، ومن المعلوم أنه لا يريد من كل واحد من المسلمين أن يغسل هذا الميت إنما يوجه الخطاب للعموم، فإذا قام به بعضهم كفى (٢)؛ ولحديث أمِّ عطية ﵂ وفيه أمر النبي - ﷺ - للنساء اللاتي يغسلن ابنته «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا، أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>الأمر السابع: لا يغسل الذكر إلا الرجال أو الزوجة والأمة</span>، ولا يغسل الأنثى إلا النساء أو الزوج؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «رجع رسول الله - ﷺ - من البقيع فوجدني وأنا أجد صُداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه! فقال: «بل أنا يا عائشة وارأساه!» ثم قال: «ما ضرَّك لو مُتِّ قبلي فقمتُ عليك فغسَّلتك، وكفَّنتك، وصليتُ عليك، ودفنتك» (٤).\nوعن عائشة ﵂، قالت: «لو كنت استقبلت من أمري ما\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين، برقم ١٢٦٥، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، برقم ١٢٠٦.\n(٢) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٣٦، والروض المربع، ٢/ ٢٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب يجعل الكافور في الأخيرة، برقم ١٢٥٩، ومسلم، كتاب الجنائز، باب في غسل الميت، برقم ٩٣٩.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها، برقم ١٤٦٥، وأحمد، ٦/ ٢٢٨،وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،٢/ ١١،وأحكام الجنائز، ص٦٧.","vol":"1","page":214},{"text":"استدبرت ما غسَّل النبي - ﷺ - غيرُ نسائه» (١).\nقال الإمام الشوكاني ﵀: «فيه دليل على أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت وهي تغسله قياسًا، وبغسل أسماء لأبي بكر لما تقدم، وعلي لفاطمة كما أخرجه الشافعي، والدارقطني، وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن (٢)،ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على عليّ وأسماء فكان إجماعًا» (٣).\nوقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز–﵀-: «تغسيل المرأة زوجها أمر لا بأس به إذا كانت خبيرة بذلك، وقد غسل علي - ﵁ - زوجته فاطمة، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق - ﵁ -» (٤).\nوقال: «أما غير الزوجة كالأم والبنت فلا يجوز للرجل تغسيلهما ولا غيرهما من محارمه النساء، ويلحق بالزوجة المملوكة التي يباح له وطؤها فلا بأس بغسلها إذا ماتت؛ لأنها كالزوجة، وهكذا البنت الصغيرة التي دون السبع، لا حرج على الرجل في تغسيلها سواء كان محرمًا أو أجنبيًّا عنها؛ لأنها لا عورة لها، وهكذا المرأة لها تغسيل الصبي الذي دون\n_________\n(١) ابن ماجه بلفظه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الرجل امرأته، وغسل المرأة زوجها، برقم ١٤٦٤، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في ستر الميت عند غسله، برقم ٣١٤١، وأحمد، ٦/ ٢٦٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١١، وصحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٨٥، وفي أحكام الجنائز، ص٦٧.\n(٢) قال العلامة الألباني ﵀ في إرواء الغليل، برقم ٧٠١: «حديث غسل علي فاطمة ﵂ حسن. أخرجه الحاكم، ٣/ ١٦٣ - ١٦٤، وعنه البيهقي، ٣/ ٣٩٦ - ٣٩٧.\n(٣) نيل الأوطار، ٢/ ٦٨٧.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٠٧ - ١٠٨، وانظر الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٤١ - ٥٠.","vol":"1","page":215},{"text":"السبع» (١).\nوإن مات رجل بين نساء له سبع سنين فأكثر، فإنهن لا يغسلنه إلا أن يكون معهن زوجة أو مملوكة، وكذلك لو ماتت امرأة بين رجال لها سبع سنين فأكثر؛ فإنهم لا يغسلونها إلا أن يكون أحد الرجال سيدًا أو زوجًا، وكذلك لو تعذر تغسيل الميت؛ لكونه محترقًا، أو عند عدم الماء، ففي هذه الصور المتقدمة ييمم الميت؛ لأن التربة الطاهرة تقوم مقام الماء في تغسيل الميت في هذه الأحوال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>الأمر الثامن: شهيد المعركة الذي مات في موضعه لا يغسل</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهما أكثر أخذًا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة»، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يُصلِّ عليهم».وفي رواية أنه - ﷺ - قال: «ادفنوهم في دمائهم» يعني يوم أحد ولم يغسلهم (٣).ولفظ أحمد: «لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكًا يوم القيامة، ولم يصلَّ عليهم» (٤).\nوجريح المعركة إذا مات بعدها متأثرًا بجراحه يُغَسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٠٩.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٨١، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ٥٢ - ٥٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٤٣، ومجموع فتاوى ابن باز، ٣/ ١٢٣.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، برقم ١٣٤٣، وباب من لم ير غسل الشهداء، برقم ١٣٤٦.\n(٤) أحمد، ٣/ ٣٩٩، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٦٤.","vol":"1","page":216},{"text":"عليه، وله أجر الشهيد إذا خلصت نيته، وكذلك المقتول ظلمًا يغسل ويصلى عليه، وله أجر الشهيد، وفضل الله يؤتيه من يشاء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>الأمر التاسع: المحرم لا يُطيَّب ولا يُحنَّط ولا يُغطَّى رأسه ولا وجهه</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته (٢)، - أو قال: فأوقصته - فقال رسول الله - ﷺ -: «اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبِّيًا»، وفي لفظ لمسلم: «... ولا تخمِّروا رأسه ولا وجهه» (٣).\nالأمر العاشر: لا يَغْسِلُ الميت إلا: المسلم، العاقل، المميز، الأمين (٤) الثقة، العارف بأحكام الغسل، والأولى به وصيه العدل (٥)؛ لما رُوي أن\n_________\n(١) انظر: المغني، لابن قدامة، ٣/ ٤٦٧ - ٤٧٨، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز،\n١٣/ ١٢١، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٦٤.\n(٢) وقصته: الوقص: كسر العنق. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٢١٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٦٥ - ١٢٦٨، و١٨٣٩، و١٨٤٩، ١٨٥٠، ١٨٥١، ومسلم، برقم ١٢٠٦، وتقدم تخريجه في حكم غسل الميت.\n(٤) انظر: الكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٥.\n(٥) يتولى غسل الميت: المسلم الأمين، العارف بأحكام الغسل، فإن تنازع الناس في ذلك قُدِّم وصيّه العدل العارف بأحكام الغسل، فإن لم يكن له وصي وتنازعوا فيمن يغسله قدِّم العصبات، وأولاهم أبوه ثم جده، ثم ابنه، ثم ابن ابنه وإن نزل ثم الأقرب فالأقرب من عصباته على ترتيب الميراث. [المقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ٣٠]، وأولى الناس بغسل المرأة عند النزاع: وصيتها، ثم أمها ثم جدتها، ثم ابنتها، ثم القربى، فالقربى، الكافي لابن قدامة، ٢/ ١٢.\nقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع، ٥/ ٣٣٩: «هنا قدموا ولاية الأصول على الفروع، وفي باب الميراث قدموا الفروع على الأصول، وفي ولاية النكاح قدموا الأصول على الفروع ...» وهذا عند المشاحة والتنازع في تغسيل الميت، أما عند عدم المشاحة فلا بأس أن يتولى التغسيل من تفرّغ لذلك إذا كان ثقة، مسلمًا، عاقلًا، مميزًا. انظر: المغني، ٣/ ٤٠٦، وفتاوى أحكام الجنائز لابن عثيمين،\n\nص٨٥، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف مع الشرح الكبير والمقنع، ٦/ ٢٩.","vol":"1","page":217},{"text":"أبا بكر الصديق - ﵁ - أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ﵂ فقامت بذلك (١)، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ففعل (٢)، ويتولى غسله إن لم يكن له وصي من كان أعرف بسنة الغسل، لاسيما إذا كان من أهله وأقاربه؛ لأن الذين تولوا غسل النبي - ﷺ - كانوا كذلك، فقد قال سعيد بن المسيب، قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «غسلت رسول الله - ﷺ -، فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أرَ شيئًا وكان طيِّبًا حيًّا وميتًا - ﷺ -، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول الله - ﷺ -، ولحد رسول الله - ﷺ - لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا». ولفظ ابن ماجه: عن علي - ﵁ - قال: لما غَسَّل النبي - ﷺ - ذهب يلتمس منه ما يلتمس من الميت فلم يجده، فقال: «بأبي الطيِّبُ! طبتَ حيًّا وميتًا» (٣).\nوفي مرسل الشعبي أنه غسل النبي - ﷺ - مع علي - ﵁ -: الفضل – يعني ابن عباس – وأسامة بن زيد (٤).\n_________\n(١) البيهقي ٣/ ٣٩٧، وضعفه الألباني الإرواء، برقم ٦٩٦، وذكر البيهقي: أن له شواهد مراسيل، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٥٩: «وبعضها في ابن أبي شيبة، ٤/ ١٨٢».\n(٢) طبقات ابن سعد، ٧/ ٢٥، قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في كتاب التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل ص٣٣: «وهذا إسناد صحيح».\n(٣) الحاكم واللفظ الأول له، ١/ ٣٦٢، والبيهقي، ٣/ ٣٨٨، نحو لفظ الحاكم، وابن ماجه باللفظ الثاني، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل النبي - ﷺ -، برقم ١٤٦٧، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لم يخرجا منه غير اللحد، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١١، وفي أحكام الجنائز، ص٦٨، وص١٨٧.\n(٤) قال الألباني في أحكام الجنائز، ص٦٩: «أخرجه أبو داود، ٢/ ٦٩، وسنده صحيح مرسل، وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه (٢٣٥٨) بسند ضعيف.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>الأمر الحادي عشر: صفة غسل الميت: </span>المشتمل على الواجبات والسنن على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>١ - يُجعل على سرير في مكان مستور عن جميع الأنظار </span>(١)، ويكون المكان مسقوفًا بسقفٍ إن أمكن؛ ليكون أكمل في الستر فيكون في بيت أو خيمة، أو غرفة، أو نحو ذلك (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>٢ - لا يحضره إلا من يباشر تغسيله أو من يحتاج إليه </span>المغسل؛ ليساعده؛ لأن الميت ربما كان به عيب يستره في حياته ولا يحب أن يطلع عليه الناس، وربما بدت عورة الميت من غير قصد الغاسل فيشاهدها من يحضر، فلا يحضره أحد أثناء التغسيل (٣) إلا من يضطر المغسل إليه؛ ليساعده على التغسيل، وإذا ظهر عيب وجب أن يستره المغسل ومن يساعده، وإذا ظهرت علامات الخير استحب الإخبار بها؛ ليدعى له ويقتدى بصفاته الحسنة (٤) (٥).\n_________\n(١) ذكر الإمام ابن قدامة: أن الفرض في غسل الميت ثلاثة أشياء: النية، وتعميم البدن بالغسل، وفي التسمية وجهان بناء على غسل الجنابة، ويسن ثمانية أشياء: حني الميت، وإمرار اليد على بطنه، ثم يلف على يده خرقة وينجيه بها، ثم يوضئه، ثم يغسله بماء وسدر، ويغسل رأسه برغوة السدر، ويبدأ بشقه الأيمن، ويغسله وترًا، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا [الكافي، ٢/ ١٧ - ٢٠].\n(٢) انظر: المغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٧٠، والشرح الكبير على المقنع مع الإنصاف ٦/ ٥٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٤٧.\n(٣) وقال القاضي وابن عقيل: لوليه أن يدخل عليه كيف شاء. قال المرداوي: «وما هو ببعيد» انظر: المغني، ٣/ ٣٧١، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٥٩.\n(٤) انظر: المغني، ٣/ ٣٧١، والشرح الكبير، ٦/ ٥٩.\n(٥) لابد من مراعاة الأمور الآتية في تغسيل الميت: أن يكون الماء طهورًا مباحًا، وأن يكون الغاسل: مسلمًا، عاقلًا، ومميزًاً [الإنصاف للمرداوي مع الشرح الكبير، ٦/ ٢٥ - ٢٧].","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>٣ – يليِّن مفاصله، وهو أن يرد ذراعيه إلى عضديه، وعضديه إلى جنبيه</span>، ثم يردهما، ويرد ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ثم يردهما؛ ليكون ذلك أبقى للينه، فيكون ذلك أمكن للغاسل: من تغسيله، وتمديده، وخلع ثيابه، وتكفينه، وقد ذكر الإمام ابن قدامة ﵀: أن ذلك يستحب في موضعين: عقب موته قبل قسوتها وبرودته، وإذا شرع في غسله؛ وإن شق ذلك لقسوة الميت أو غيرها تركه؛ لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه، ويصير به ذلك إلى المثلة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>٤ – يوضع على عورة الميت سِتر من سرته إلى ركبته </span>تدخل من تحت ثيابه وتلف على عورته؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: «وإذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته؛ فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته» (٢)، ولا ينظر إلى فخذ حي ولا ميت (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>٥ – يُجَرَّد من ثيابه بعد ستر عورته </span>كما تقدم؛ لأن أصحاب النبي - ﷺ - قالوا حينما مات ﵊: «والله ما ندري أنجرِّدُ رسول الله - ﷺ - كما نُجرِّدُ موتانا أم نغسله وعليه ثيابه ...» (٤) فدل ذلك أنهم كانوا يجرِّدون الموتى وينزعون عنهم الثياب قبل التغسيل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>٦ – تُقلّم أظفاره، ويقص شاربه</span>؛ لأن هذا من تنظيف الميت إذا كانت\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٧٢، وانظر: الشرح الكبير، ٦/ ١٩.\n(٢) أحمد، ٢/ ١٨٧، وأبو داود، برقم ٤٩٥، وحسنه الألباني في الإرواء، ١/ ٣٠٢، وتقدم تخريجه في شروط الصلاة.\n(٣) وفي حديث علي: «لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت»، أبو داود، برقم ٢٧٣٢، وضعفه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٢٦٩.\n(٤) أبو داود في ستر الميت عند غسله، برقم ٣١٤١، وحسنه الألباني، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":220},{"text":"طويلة؛ لأن هذا من نظافة الميت، وتجميله، وتحسينه، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويستحب تقليم أظفار الميت وقصّ شاربه؛ لأن ذلك سنة في حياته» (١).\nوقال الإمام ابن باز ﵀: «يستحب قص شاربه وقلم أظفاره، وأما حلق العانة ونتف الإبط فلا أعلم ما يدل على شرعيته، والأولى ترك ذلك؛ لأنه شيء خفي وليس بارزًا: كالظفر، والشارب» (٢) (٣).\n_________\n(١) الكافي، ٢/ ٢١، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٨٢، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٧٨.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١١٤.\n(٣) خصال الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط.\n- ... أما الختان فلا يستعمل مع الميت بالاتفاق، ويحرم ختنه بلا نزاع في مذهب الحنابلة. قاله المرداوي [في الإنصاف، ٦/ ٨١].\n- ... وأما قص الشارب فيقص على مذهب الحنابلة بلا نزاع، وهو قول للشافعي كذلك. قاله المرداوي [في الإنصاف، ٦/ ٧٨]. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يؤخذ من الميت شيء، والراجح مذهب الحنابلة وهو أحد قولي الشافعي أنه يقص شارب الميت إن كان طويلًا، قال ابن قدامة [في المغني، ٣/ ٤٨٢]: «وهذا قول الحسن، وبكر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وإسحاق».\n- ... وأما قص الأظفار فقال الإمام ابن قدامة [في المغني ٣/ ٤٨٣]: «فأما الأظفار إذا طالت ففيها روايتان: إحداهما لا تقلم، قال أحمد: لا تقلم أظفاره وينقى وسخها وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأن الظفر لا يظهر كظهور الشارب فلا حاجة إلى قصه، و[الرواية] الثانية يقص إذا كان فاحشًا نص عليه؛ لأنه من السنة، ولا مضرة فيه فيشرع أخذه كالشارب، ويمكن أن تحمل الرواية الأولى على ما إذا لم تكن فاحشة ...» وقال المرداوي [في الإنصاف، ٦/ ٧٩]: «قوله: ويقلم أظفاره: هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب، وهو من المفردات».\n- ... وأما نتف الإبط فقال المرداوي [في الإنصاف، ٦/ ٧٩]: «يأخذ شعر إبطيه على الصحيح من المذهب نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب ...» وقال [في الشرح الكبير، ٦/ ٧٩]: «ويخرج في نتف الإبط وجهان، بناء على الروايتين في قص الأظفار؛ لأنه في معناه».\n- ... وأما العانة فقال الإمام ابن قدامة [في المغني، ٣/ ٤٨٣]: «وأما العانة فظاهر كلام الخرقي أنها لا تؤخذ، لتركه ذكرها، وهو قول ابن سيرين، ومالك، وأبي حنيفة؛ لأنها يحتاج في أخذها إلى كشف العورة، ولمسها، وهتك الميت، وذلك محرّم لا يفعل لغير واجب؛ ولأن العورة مستورة يستغنى بسترها عن إزالتها، وروي عن أحمد أن أخذها مسنون، وهو قول الحسن، وبكر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وإسحاق؛ لأن سعد بن أبي وقاص جز عانة ميت [رواه عبد الرزاق برقم ٦٢٣٥]؛ ولأنه شعر إزالته من السنة فأشبه الشارب، والأول أولى، ويفارق الشارب العانة؛ لأنه ظاهر يتفاحش لرؤيته ولا يحتاج في أخذه إلى كشف العورة ولا مسها»، وقال المرداوي [في الإنصاف، ٦/ ٧٩]: «لا يأخذ شعر عانته على الصحيح من المذهب». قلت: والأقرب والأولى أن لا تؤخذ عانة الميت؛ لما تقدم؛ ولعدم الدليل على مشروعية ذلك، والله تعالى أعلم، وهذا الذي يرجحه شيخنا الإمام ابن باز [وانظر: للفائدة: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٥٦ - ٣٥٧، ومجموع فتاويه، ١٧/ ٨٧، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١١٤].","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>٧ - يبدأ فيحني الميت حنيًا رفيقًا لا يبلغ به الجلوس</span>، فيرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويمرُّ بيده على بطنه فيعصره عصرًا رفيقًا، لأجل أن يُخرج منه ما كان مستعدًّا للخروج من النجاسات؛ لئلا يخرج بعد الغسل أو بعد التكفين فيلوث الكفن ويفسد الغسل - ويكثر صب الماء حين العصر صبًّا كثيرًا؛ ليذهب بما يخرج من النجاسات فلا تظهر رائحته، والأولى أن يكون في المكان الذي يغسل فيه الميت بخور مما يتدخن به الناس من عود ونحوه؛ لئلا يتأذى برائحة الخارج - إلا الحامل فلا يعصر بطنها؛ لئلا يؤذي الجنين (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>٨ - يلف الغاسل على يده اليسرى خرقةً </span>أو قفازًا أو كيسًا فينجِّيه بها فيغسل فرجه فيصب الماء من تحت الإزار أو المنشفة التي قد وضعت على جميع عورة الميت، ويبالغ في تنظيف الفرجين حتى ينقي ما بهما من\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٣٧٢ - ٣٧٣،والشرح الكبير على المقنع مع الإنصاف، ٦/ ٦١ - ٦٢، والكافي لابن قدامة، ٢/ ١٧، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٢٩، والشرح الممتع،\n٥/ ٣٤٨، وانظر آثارًا في ذلك: مصنف ابن أبي شيبة، ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦.","vol":"1","page":222},{"text":"نجاسة، ولا يمس عورته بغير حائل؛ لأن النظر إلى العورة يحرم، فلمسها أولى بالتحريم (١)، ثم يلقي هذه الخرقة أو القفاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>٩ - يلف الغاسل على يده خرقة أخرى أو ليفة أو نحوهما: </span>كالقفاز؛ لأن الصحابة - ﵃ - غسلوا رسول الله - ﷺ - وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>١٠ - يوضئه وضوءه للصلاة، ثم يبدأ بالميامن وأعضاء الوضوء </span>والقفاز على يده؛ لحديث أم عطية ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» (٣). فينوي القيام بالوضوء والغسل، ويقول: بسم الله، ثم يغسل يديه ثلاثًا، ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلها بالماء ويجعلها على أصبعيه ثم يدخل أصبعيه بين شفتيه فيمسح أسنانه وينظفها، ويدخل أصبعيه في منخريه وينظف المنخرين ولا يدخل الماء في فمه ولا في منخريه، وإنما يكتفي ببل الخرقة وينظف بها أسنانه ومنخريه ثلاثًا؛ ليقوم ذلك مقام المضمضة والاستنشاق؛ لقول النبي - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٤). ويغسل وجهه ثلاثًا، ويغسل يديه: اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى ثلاثًا، ويمسح رأسه إدبارًا وإقبالًا، ثم يُحلّق بأصبعيه على أذنيه فيمسحهما، ويغسل رجله اليمنى إلى الكعب ثلاثًا، واليسرى ثلاثًا.\n_________\n(١) المغني، ٣/ ٣٧٣، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٦٣، والكافي ٢/ ١٧، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٣٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٤٩.\n(٢) أبو داود، برقم ٣١٤١، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٥٣، ومسلم، برقم ٩٣٩، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٢٨٨، ومسلم، برقم ١٣٣٧ وتقدم تخريجه في صلاة المريض.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>١١ - يُؤتى بالسدر فيغسل رأسه برغوة السدر</span>، يبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، بعد أن يُخَضّ ويُرجّ حتى يكون له رغوة فيغسل رأسه ولحيته؛ يفعل ذلك ثلاث مرات؛ لأن النبي - ﷺ - كان يبدأ بعد الوضوء بغسل رأسه في الجنابة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>١٢ - يبدأ بغسل جسد الميت فيبدأ بشقه الأيمن</span>؛ لقوله - ﷺ -: «ابدأن بميامنها» (٢) فيغسل يده اليمنى وصفحة عنقه، وشق صدره الأيمن، وجنبه، وفخذه، وساقه، وقدمه فيكون الغسل من كتفه الأيمن حتى نهاية قدمه اليمنى، يدلكه باليد داخل القفاز مع صب الماء وإدخال اليد من تحت الساتر الذي يستر عورة الميت، ويكون الغسل بالماء والسدر مع ثفل السدر (٣) (٤)، ثم يقلبه على جنبه الأيسر ويغسل شق ظهره الأيمن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٢٤٨، ورقم ٢٥٨، ومسلم، برقم ٣١٦، ورقم ٣١٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم ١١٥٩، ومسلم، برقم ٩٣٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) ثفل السدر: حثالة ورق السدر المطحون.\n(٤) اختلف العلماء هل يغسل الميت بالماء والسدر في كل غسلة. قال ابن الملقن: قوله ﵊: «بماء وسدر» قد يوهم هذا اللفظ أن الماء المختلط بالسدر يجوز التطهر به من غير ماء مطلق، وليس بظاهر في امتزاج السدر بالماء حال التطهير، بل يحتمل اجتماعهما في الغسل من غير مزج، ويكون أحدهما واردًا على الآخر، فيزول توهم جواز ذلك ... «[الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٤٣٠]. والمعنى على هذا القول: أن يبدأ بالماء والسدر ليقع التنظيف أولًا، ثم بالماء القراح ثانيًا، وقال بعضهم: ويحسب هذا غسلة واحدة. [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\n٤/ ٤٣١]. وذكر ابن الملقن وابن حجر أن الأصح عند الشافعية: أن غسلة السدر لا تحسب، وإنما المحسوب ما يصب عليه من الماء القراح بعد زوال السدر ثلاثًا بالقراح [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٤٣٢، فتح الباري، ٣/ ١٢٦، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٦٨ - ٧١]. وقال الإمام ابن قدامة: «الواجب في غسل الميت مرة واحد؛ لأنه غسل واجب من غير نجاسة أصابته فكان مرة واحدة، كغُسل الجنابة والحيض، ويستحب أن يغسل ثلاثًا كل غسلة بالماء والسدر .. ويجعل في الماء كافور في الغسلة الثالثة؛ ليشده ويبرده ويطيبه، وإن رأى الغاسل أن يزيد على ثلاث؛ لكونه لم ينقَّ بها أو غير ذلك، غسله خمسًا أو سبعًا، ولم يقطع إلا على وتر، وإن لم ينق بسبع فالأولى غسله حتى ينقى؛ لقوله - ﷺ -: «اغسلنها: ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن»؛ ولأن الزيادة على الثلاثة إنما كانت للإنقاء، وللحاجة إليها، فكذلك فيما بعد السبع [المغني، ٣/ ٣٧٨ - ٣٨٠ و٣٨١]، وقال الإمام ابن باز: «... بالماء والسدر في جميع الغسلات ...» [مجموع الفتاوى، ١٣/ ١١١]، والغسل بالسدر سنة وإن لم يتيسر فلا بأس أن يغسل بأشنان أو صابون، ولكن السنة السدر إن تيسر.","vol":"1","page":224},{"text":"وما يليه، وكل ما لم يغسله من هذا الجنب، ثم يقلبه فيعيده على ظهره ويغسل يده اليسرى وصفحة عنقه، وشق صدره الأيسر، وجنبه، وفخذه، وساقه، وقدمه، فيكون الغسل من كتفه اليسرى حتى نهاية قدمه اليسرى يدلكه باليد داخل القفازين مع صب الماء وإدخال اليد من تحت الساتر، ويكون الغسل بالماء والسدر كما تقدم، ثم يقلبه على جنبه الأيمن ويغسل شقه الأيسر مع شق ظهره وما يليه، وكل ما لم يغسله من هذا الجنب، ثم يعم سائر جسده بالماء، ويكرر هذا الغسل ثلاث مرات، أو خمس مرات أو سبعًا، أو أكثر من ذلك على حسب ما يرى الغاسل؛ فإن خرج شيء من بطنه أعاد إنجاءه وأعاد الوضوء والغسل، ولا يعد الوضوء إلا إذا خرج شيء، فإن استمر الخارج سد مكانه بالقطن، وأحكمه، ثم أعاد الوضوء والغسل، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا، ليشده ويطيبه ويبرده؛ لحديث أم عطية ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر»، قالت: قلت: وترًا؟ قال: «نعم، واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور ...» (١).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٥٣، ومسلم، برقم ٩٣٩، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":225},{"text":"ويُنقض شعر الميت إن كان له شعر، ويُمشط، ويُضفر شعر المرأة ثلاثة قرون: قرنيها، وناصيتها، ويُلقى خلفها؛ لحديث أم عطية ﵂ (١). وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز ابن باز ﵀ يقول: «ويضفر الرأس ثلاثة قرون حتى ولو كان رجلًا ويجعل وراءه» (٢).\nوإذا فرغ الغاسل من غسل الميت نشفه بمنشفة ثم توضع هذه المنشفة المبللة خفيفًا على الأخرى الساترة للعورة فتسحب المنشفة المبللة كثيرًا من تحتها فيكون الميت جاهزًا للتكفين (٣).\nوالسقط لأربعة أشهر أو أكثر يُغسل ويُصلى عليه؛ لحديث المغيرة بن شعبة يرفعه: «... والسّقط يُصلَّى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (٤)، ويُكفّن ويُقبر في مقابر المسلمين، ويُسمَّى، ويُعَقُّ عنه؛ لأن الروح قد نفخت فيه، فهو إنسان» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٥٣، ومسلم، برقم ٩٣٩، وتقدم تخريجه.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٦٦،وأثناء تقريره على المنتقى، الحديث رقم ١٧٩٠.\n(٣) انظر: في تغسيل الميت: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٦٨ - ٣٨٢، الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،\n٦/ ١٥ - ١١٤، والكافي لابن قدامة، ٢/ ١١ - ٢٨، وأحكام الجنائز للألباني، ص٦٤، والشرح الممتع، ٥/ ٣٣٥ - ٣٨٢، إبهاج المؤمنين بشرح منهج السالكين، ١/ ٢٤٩ - ٢٥٢، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١٠٥ - ١٢٤، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٧/ ٨٥ - ٩٢، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٢٧ - ٦٤.\n(٤) أبو داود، كتاب الجنائز، باب المشي أمام الجنازة، برقم ٣١٨٠، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الأطفال، برقم ١٠٣١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٩٣، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٢٥.\n(٥) المغني٣، /٤٥٨، والشرح الكبير، ٦/ ١٠٧، والكافي، ٢/ ٢٢، والشرح الممتع ٥/ ٣٧٢، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٧/ ٨٩، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٦٠.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>الأمر الثاني عشر: السنة الاغتسال من غسل الميت</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ».ولفظ ابن ماجه: «من غسل ميتًا فليغتسل» (١)، وهذا الأمر للوجوب ولكن يصرف الوجوب إلى الاستحباب أحاديث أخرى، فقد جاء عن ابن عباس ﵄: «ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» (٢)، وقول ابن عمر ﵄: «كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لم يغتسل» (٣).\nفيعمل بالأحاديث كلها، فيكون الغسل من غسل الميت سنة وليس بواجب (٤).\nقال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀: «وقال: بعضهم إن الحكمة في ذلك – والله أعلم – جبر ما يحصل للغاسل من الضعف بسبب مشاهدة الميت، وذكر الموت، وما بعده، وهو معنى مناسب» (٥)، والله أعلم (٦).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الغسل من غسل الميت، برقم ٣١٦١، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الغسل من غسل الميت، برقم ٩٩٣، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت، برقم ١٤٦٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٨٩، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٠٧، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١١، وساق له ابن القيم في تهذيب السنن أحد عشر طريقًا ثم قال: «وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ». وقال ابن حجر في التلخيص الحبير، ١/ ١٣٧: «وبالجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنًا».\n(٢) الحاكم، ١/ ٣٨٦، والبيهقي، ٣/ ٣٩٨، وصححه الحاكم مرفوعًا، ووافقه الذهبي، ولكن قال الألباني: إن الحديث موقوف في أحكام الجنائز، ص٧٢، وحسنه الحافظ في الفتح، ٣/ ١٢٧.\n(٣) الدارقطني، برقم ١٩١، وغيره وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٧٢.\n(٤) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٤٤٢.\n(٥) تعليق ابن باز على فتح الباري، ٣/ ١٣٥.\n(٦) وانظر: لزيادة الفائدة ما تقدم في الطهارة: الأغسال المستحبة.","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>الخامس عشر: تكفين الميت</span>\nيراعى في تكفين الميت الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>الأمر الأول: حكم تكفين الميت المسلم، فرض كفاية</span>، إذا فعله من فيه كفاية سقط الحرج والإثم عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم؛ لحديث ابن عباس ﵄ في قصة الرجل الذي وقصته راحلته؛ أن النبي - ﷺ - قال فيه: «اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه» (١)، وهذا أمر والأصل في الأمر الوجوب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>الأمر الثاني: معرفة الفضل والأجر العظيم لمن تولَّى تكفين الميت المسلم</span>؛ لحديث أبي رافع، وفيه: أن النبي - ﷺ - قال: «... ومن كفَّن ميتًا كساه الله من سندس وإستبرق الجنة ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>الأمر الثالث: الكفن أو ثمنه من مال الميت</span>؛ لحديث ابن عباس\n﵄، وفيه أن النبي - ﷺ - قال في المحرم: «اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه» (٣)؛ ولحديث خباب - ﵁ - في قصة مصعب بن عمير - ﵁ - وأنه\nكفن في نمرة له، وفي لفظ: بردة (٤)، ولكن لو تبرع أحد بكفنه فلا بأس\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٦٥، ومسلم، برقم ١٢٠٦، وتقدم تخريجه.\n(٢) البيهقي، ٣/ ٣٩٥، والحاكم، ١/ ٣٥٤، وتقدم تخريجه في الأمر الرابع من أمور الغسل.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٦٥، ومسلم، برقم ١٢٠٦، وتقدم تخريجه.\n(٤) قال خباب - ﵁ -: «هاجرنا مع رسول الله - ﷺ - في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء، (وفي رواية: ولم يترك) إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله - ﷺ -: ضعوها مما يلي رأسه (وفي رواية: غطوا بها رأسه)، واجعلوا على رجليه الإذخر، [بكسر الهمزة والخاء: حشيش معروف طيب الرائحة]، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها»، أي: يجتنيها.\nأخرجه البخاري (٣/ ١١٠)، برقم ٤٠٤٧، ومسلم (٣/ ٤٨) برقم ٩٤٠، قال الألباني: «والسياق له، وابن الجارود في «المنتقى» (٢٦٠)، والترمذي (٤/ ٣٥٧)، وصححه النسائي\n(١/ ٢٦٩)، والبيهقي (٣/ ١١٠)، وأحمد (٦/ ٣٩٥)، والرواية الثانية له وللترمذي. وروى منه أبو داود (٢/ ١٤، ٦٢) قوله في مصعب: «قتل يوم أحد ...» والرواية الثالثة له، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف أخرجه البخاري».","vol":"1","page":228},{"text":"ولا حرج (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>الأمر الرابع: يُكفَّن المحرم في ثوبيه الذي مات فيهما </span>ولا يُغطَّى رأسه، ولا وجهه، ولا يُطيَّب؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته راحلته: «اغسلوه بماء وسدر وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا». وفي لفظ لمسلم: «ولا تخمِّروا رأسه ولا وجهه ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>الأمر الخامس: يكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها</span>، ويستحب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه، أما تكفينه في ثيابه التي مات فيها؛ فلحديث عبد الله بن ثعلبة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال يوم أحد: «زمِّلوهم في ثيابهم» قال: وجعل يدفن في القبر الرهط، قال: وقال: «قدِّموا أكثرهم قرآنًا». ولفظ النسائي: «زمِّلوهم بدمائهم، فإنه ليس كَلْمٌ يُكْلَمُ إلا يأتي يوم القيامة يَدْمَى: لونه لون الدم، وريحه ريح المسك» (٣)؛ ولحديث جابر - ﵁ -: «وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصلَّ\n_________\n(١) انظر الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٨٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٦٥، ومسلم، برقم ١٢٠٦، وتقدم تخريجه.\n(٣) أحمد بلفظه، ٥/ ٤٣١، والنسائي، كتاب الجنائز، باب مواراة الشهيد في دمه، برقم ٢٠٠١، ورقم ٣١٤٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٨، وأحكام الجنائز، ص٨٠.","vol":"1","page":229},{"text":"عليهم» (١).\nوأما استحباب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه التي قتل فيها؛ فلحديث شداد بن الهاد - ﵁ - (٢)، ولحديث الزبير بن العوام - ﵁ - (٣).\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٣٤٣، وتقدم تخريجه في شهيد المعركة لا يغسل.\n(٢) عن شداد بن الهاد - ﵁ - قال: «إن رجلًا من الأعراب، جاء إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتَّبعه، ثم قال: أُهاجر معك، فأوصى به النبي - ﷺ - بعض أصحابه، فلما كانت غزة [خيبر] غنم النبي - ﷺ -[فيها] شيئًا، فقسم، وقَسَمَ له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاءهم دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم لك النبي - ﷺ -، فأخذه فجاء به إلى النبي - ﷺ - فقال: ما هذا؟ قال: «قسمته لك»، قال: ما على هذا تبعتك، ولكن اتَّبعتك على أن أُرمى إلى هاهنا – وأشار إلى حلقه – بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: «إن تصدُقِ الله يَصْدُقكَ»، فلبثوا قليلًا ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي - ﷺ - يُحمَل، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي - ﷺ -: «أهو هو؟» قالوا: نعم، قال: «صَدَقَ الله فصدقه»، ثم كفنه النبي - ﷺ - في جُبّة النبي - ﷺ -، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: «اللهمَّ هذا عبدُك، خَرجَ مهاجرًا في سبيلك، فقُتل شهيدًا، أنا شهيدٌ على ذلك».\nأخرجه عبد الرزاق (٩٥٩٧)، والنسائي (١/ ٢٧٧)، والطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢٩١)، والحاكم (٣/ ٥٩٥ - ٥٩٦)، والبيهقي في «السنن» (٤/ ١٥ - ١٦)، و«الدلائل» (٤/ ٢٢).\nقال الألباني: «وإسناده صحيح، رجاله كلهم على شرط مسلم ما عدا شداد بن الهاد لم يُخرّج له شيئًا، ولا ضير؛ فإنه صحابي معروف، وأما قول الشوكاني في «نيل الأوطار» (٣/ ٣٧) تبعًا للنووي في «المجموع» (٥/ ٥٦٥): إنه تابعي فوهم واضح فلا يغتر به».\n(٣) عن الزبير بن العوام - ﵁ - قال: «لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى، حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى، قال: فكره النبي - ﷺ - أن تراهم، فقال: المرأةَ المرأةَ! قال: فتوسمت أنها أمي صفية، فخرجت أسعى إليها، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فَلَدَمَتْ [أي ضربت ودفعت] في صدري، وكانت امرأة جلدة، قالت: إليك لا أرض لك، فقلت: إن رسول الله - ﷺ - عزم عليك، فوقَفَتْ، وأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله، فكفنه فيهما، قال: فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل، قد فُعل به كما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين، والأنصاري لا كفن له. فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاري ثوب، فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما، فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له».\nأخرجه أحمد، (١٤١٨) – [قاله العلامة الألباني]، «والسياق له بسند حسن – والبيهقي\n(٣/ ٤٠١) وسنده صحيح».","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>الأمر السادس: يكون الكفن سابغًا طائلًا يستر جميع بدن الميت</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي - ﷺ - خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قُبِضَ فكُفِّن في كفن غير طائل وقُبِرَ ليلًا فزجر النبيُّ - ﷺ - أن يُقبر الرجل بالليل حتى يُصلَّى عليه إلا أن يضطر الإنسان إلى ذلك، وقال النبي - ﷺ -: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>الأمر السابع: إذا ضاق الكفن ستر به رأس الميت وما طال من جسده</span>، ويجعل على الباقي المكشوف شيئًا من الإذخر أو الحشيش أو غيره؛ لحديث خباب - ﵁ - في قصة مصعب بن عمير، وأن النبي - ﷺ - قال في نمرة أو بردة مصعب: «غطّوا بها رأسه، واجعلو على رجليه من الإذخر» أو قال: «ألقوا على رجليه من الإذخر». وفي لفظ: «فأمرنا النبي - ﷺ - أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر» (٢) (٣).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب في تحسين كفن الميت، برقم ٩٤٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٧٦، ورقم ٤٠٤٧، ومسلم، برقم ٩٤٠، وتقدم تخريجه.\n(٣) وعن حارثة بن مضرِّب - ﵁ - قال: «دخلت على خباب وقد اكتوى [في بطنه] سبعًا، فقال: لولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يتمنين أحدكم الموت» لتمنيته. ولقد رأيتني مع رسول الله - ﷺ - لا أملك درهمًاً، وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم! ثم أتي بكفنه، فلما رآه بكى وقال: ولكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء، إذا جُعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جُعلت على قدميه قلصت عن رأسه، وجُعل على قدميه الإذخر».\nأخرجه أحمد (٦/ ٣٩٥)، [قال العلامة الألباني] «بهذا التمام، وإسناده صحيح، والترمذي دون قوله: «ثم أتى بكفنه ...» وقال: «حديث حسن صحيح».وروى الشيخان وغيرهما من طريق أخرى النهي عن تمني الموت. وتقدم تخريجه في آداب المريض.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>الأمر الثامن: إذا قلَّت الأكفان وكثر الموتى جاز تكفين الجماعة منهم </span>في الكفن الواحد، ويقدم أكثرهم قرآنًا إلى القبلة؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: «أتى رسول الله - ﷺ - على حمزة يوم أحد، فوقف عليه، فرآه قد مُثِّل به، فقال: «لولا أن تجدَ صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر يوم القيامة في بطونها». قال: ثم دعا بنمرة فكفنه فيها، فكانت إذا مُدَّت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مُدَّت على رجليه بدا رأسه، قال: فكثر القتلى وقلَّت الثياب، قال: فكُفِّن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد، فجعل رسول الله - ﷺ - يسأل عنهم؛ أيهم أكثر قرآنًا فيقدِّمه إلى القبلة، قال: فدفنهم رسول الله - ﷺ - ولم يصلِّ عليهم» (١).وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة فيكفن كل واحد في بعضه للضرورة، وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآنًا فيقدِّمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كيلا يؤدي إلى نقض التكفين وإعادته» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>الأمر التاسع: إحسان الكفن</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا كفّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (٣)؛ ولحديث أبي\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قتلى أحد، وذكر حمزة، برقم ١٠١٦، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في الشهيد يغسل، برقم ٣١٣٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،\n٢/ ٥١٧، وفي أحكام الجنائز، ص٧٩، وفي صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٨٤.\n(٢) نقلًا عن عون المعبود، للعظيم آبادي، ٨/ ٤١١، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص٧٩، والإنصاف مع الشرح الكبير والمقنع، ٦/ ١١٨.\n(٣) مسلم، برقم ٩٤٣، وتقدم تخريجه في إسباغ الكفن.","vol":"1","page":232},{"text":"قتادة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>الأمر العاشر: يستحب في الكفن ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>١ - يستحب البياض</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر وينبت الشعر» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>٢ - يكون ثلاثة أثواب</span>؛ لحديث عائشة ﵂ «أن رسول الله - ﷺ - كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>٣ - تجمير الكفن ثلاثًا لغير المحرم، وهو التبخير بالعود </span>أو غيره؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثًا» (٤). قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأوصى أبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس أن تجمر أكفانهم بالعود، وقال أبو هريرة: يجمر الميت» (٥).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجنائز، باب منه، برقم ٩٩٥، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يستحب من الكفن، برقم ١٤٧٤،وصححه الألباني في صحيح الترمذي،١/ ٥٠٨، وأحكام الجنائز، ص٧٧.\n(٢) أبو داود بلفظه، كتاب الطب، باب في الأمر بالكحل، برقم ٣٨٧٨، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من الأكفان، برقم ٩٩٤، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يستحب من الكفن، برقم ١٤٧٢، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٠٢ وغيره.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن بلا عمامة، برقم ١٢٧٣، ومسلم، كتاب الجنائز، باب في كفن الميت، برقم ٩٤١.\n(٤) أحمد، ٣/ ٣٣١، وابن أبي شيبة، ٤/ ٩٢، والحاكم، ١/ ٣٥٥، والبيهقي، ٣/ ٤٠٥، وغيرهم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، قال الألباني في أحكام الجنائز، ص٨٤: «وهو كما قالا».\n(٥) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٨٣.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>الأمر الحادي عشر: لا يغالى في الكفن ولا يزاد فيه على ثلاثة أثواب</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن أبا بكر نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفِّنوني فيها، قلت: إن هذا خلق؟ قال: إن الحيَّ أحقُّ بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز يقول: «يكفي الوسط المناسب ولا يتحرَّى أحسن شيء، ولا يتكلَّف؛ لأن مصيره إلى الدود والفناء والزوال في القبر، فيكفي الخام الأبيض» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>الأمر الثاني عشر: كفن الرجل والمرأة، الواجب فيه الثوب الساتر </span>لجميع بدن الميت، والمستحب ثلاثة أثواب، وإذا كُفِّنت المرأة في خمسة أثواب فحسن: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، فتؤز بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمّر، ثم تلفّ باللفافتين، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب، وإنما استحب ذلك؛ لأن المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر؛ لزيادة عورتها على عورته، فكذلك بعد الموت، ولما كانت تلبس المخيط في إحرامها وهو أكمل أحوال الحياة استحب إلباسها إياه بعد موتها، والرجل بخلاف ذلك، فافترقا في اللبس بعد الموت لافتراقهما فيه في الحياة، واستويا في الغسل بعد الموت لاستوائهما\n_________\n(١) البخاري مطولًا، كتاب الجنائز، باب موت يوم الإثنين، برقم ١٣٨٧.\nوالمهلة: بضم الميم وكسرها. قال ابن الأثير في جامع الأصول، ١١/ ١١٤: «القيح والصديد».\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٧٢.","vol":"1","page":234},{"text":"فيه في الحياة» (١) (٢).\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٩١، وانظر: الكافي، ٢/ ٣٣.\n(٢) وقد جاءت هذه الصفة في خبر ضعفه أهل العلم، وهو ما روته ليلى بنت قائف الثقفية، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة رسول الله - ﷺ - عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله - ﷺ -: الحقاء، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله - ﷺ - جالس عند الباب يناولناها ثوبًا ثوبًا». أبو داود، برقم ٣١٥٧، وأحمد، ٦/ ٣٨٠ برقم ٢٧١٣٥، وضعفه الألباني لجهالة نوح بن حكيم الثقفي، انظر: أحكام الجنائز للألباني، ص٨٥. وسمعت الإمام شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٠٤، يقول: هذا الحديث له طرق وهو جيد، ويدل على أن كفن المرأة خمسة [أثواب] وهذا هو الأفضل والواحد يكفي وهو الواجب، ولا يكشف وجه الميت في القبر، وإنما تحزم الأكفان ثم تفك في القبر ولا يكشف وجهه ولا رأسه إلا المحرم؛ [فإنه لا يغطى] وجهه ولا رأسه». وقال ﵀ في مجموع الفتاوى، ١٣/ ١٢٧: «أما المرأة فالأفضل تكفينها في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، فهذا هو الأفضل كما ذكره أهل العلم وجاء في ذلك أحاديث تدل عليه، وإن كفنت في أقل من ذلك فلا بأس»، وانظر أيضًا: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٨/ ٣٦٣، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «وأما المرأة فإنها تكفن في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، وإن كفنت المرأة كما يكفن الرجل فلا حرج في ذلك» مجموع الفتاوى، ١٧/ ٧٥.\nوقال الإمام البخاري ﵀ في باب كيف الإشعار للميت؟ من كتاب الجنائز، قبل الحديث رقم ١٢٦١: «وقال الحسن: الخرقة الخامسة ويشد بها الفخذين والوركين تحت الدرع». قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ١٣٣: «هذا يدل على أن أول الكلام أن المرأة تكفن في خمسة أثواب، وقد وصله ابن أبي شيبة نحوه، وروى الجوزقي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام عن حفصة عن أم عطية، قالت: فكفناها في خمسة أثواب وخمرناها كما يخمر الحي، وهذه الزيادة صحيحة الإسناد، وقول الحسن في الخرقة الخامسة قال به زفر، وقالت طائفة: تشد على صدرها لتضم أكفانها، وكأن المصنف أشار إلى موافقة قول زفر، ولا يكره القميص للمرأة على الراجح عند الشافعية والحنابلة» انتهى كلام الحافظ ابن حجر ﵀. وقال الإمام ابن قدامة ﵀: «والذي عليه أكثر أصحابنا وغيرهم أن الأثواب الخمسة: إزار، ودرع، وخمار، ولفافتان، وهو الصحيح» [المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣].","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>الأمر الثالث عشر: صفة تكفين الميت: </span>أولى الناس بتكفين الميت هو أولى الناس بغسله كما تقدم، وصفة التكفين الكامل المشتمل على الواجبات والسنن على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>١ - تُقصُّ الأربطة من نفس عرض الكفن </span>وتكون وترية: سبعة، أو خمسة، أو غير ذلك، ثم توضع على النعش بالتساوي.\n٢ - تجمّر الأكفان (١) ثلاث مرات بعد رشها بماء ورد أو غيره ليعلق فيها البخور والرائحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>٣ - يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>٤ - تبسط اللفافة الأولى على النعش أو على سرير تكفين الميت</span>، ثم يذرُّ عليها حنوطًا، وهو أخلاط من الطيب ويجعل عليها كافورًا.\n٥ - ثم يبسط فوق اللفافة الأولى اللفافة الثانية ويجعل فوقها حنوطًا وكافورًا.\n٦ - ثم يبسط فوق اللفافة الثانية اللفافة الثالثة ويجعل فوقها حنوطًا وكافورًا ولا يجعل فوق العليا من الظاهر وعلى النعش حنوطًا؛ لأن أبا بكر - ﵁ - قال: «لا تجعلوا على أكفاني حنوطًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>٧ - يوضع على اللفائف خرقة مثل التبان </span>(٣) مشقوقة الطرف من\n_________\n(١) تجمر: أي تبخر بالعود وسمي التبخير تجميرًا؛ لأنه يوضع في الجمر في مجمر ثم يبخر به الكفن حتى تعبق رائحته، قال ابن الأثير في جامع الأصول، ١١/ ١١٦: «الإجمار والتجمير: تبخير الثياب بالبخور».\n(٢) مالك، كتاب الجنائز، باب النهي عن أن تتبع الجنازة بنار، ١/ ٢٢٦، وابن أبي شيبة في المصنف، ٢/ ٢٧٠ عن أسماء بنت أبي بكر.\n(٣) والتبان: هو السروال الصغير يستر العورة المغلظة، والتبان: السراويل بلا أكمام، ويكون بقدر شبر يكون للملاحين كما قال الجوهري.","vol":"1","page":236},{"text":"الأعلى ومن الأسفل ويجعل عليها حنوطًا في قطن، وهذه الخرقة تمسك الحنوط المخلوط من المسك والكافور ليكون بين إليتي الميت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>٨ - يُنقل الميت على الأكفان بساتر العورة الذي يستر عورته</span>، ويجعل الزائد من أطراف الكفن عند رأسه أطول مما عند رجليه، ويجعل الميت مستلقيًا على ظهره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>٩ - يُؤتى بدهن العود أو المسك </span>أو غير ذلك من الأطياب الطيبة، وقد قال النبي - ﷺ -: «والمسك أطيب الطيب» (١)، ويجعل من الطيب على مواضع السجود: على ركبتيه، ويديه، وجبهته وأنفه، وأطراف قدميه تشريفًا وإكرامًا لهذه الأعضاء؛ لسجودها لله تعالى، ويوضع من هذا الطيب على حلقه، وعلى عينيه، وأنفه، وتحت إبطيه، وعلى سرته، وعلى أذنيه؛ لأن ابن عمر ﵄ كان يتتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك» (٢). وإن طيب جسد الميت كله فلا بأس؛ لأن أنس بن مالك - ﵁ - طُلي بالمسك (٣)، وطلي ابن عمر ميتًا بالمسك (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>١٠ - تُوضع يداه محاذيتين لجنبيه، ويربط التبان </span>بأخذ شقه الأعلى\n_________\n(١) مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيره، باب استعمال المسك وأنه أطيب الطيب، برقم ٢٢٥٢.\n(٢) عبد الرزاق، ٣/ ٤١٤، برقم ٦١٤١، والبيهقي، ٣/ ٤٠٦، وقال الشيخ الغصن في تخريج أحاديث الروض المربع، ٣/ ٦٠٢: «إسناده صحيح».\n(٣) ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب في المسك في الحنوط، ٣/ ٢٥٦، والبيهقي، ٦/ ٤٠٦، وابن سعد في الطبقات الكبرى، ٧/ ٢٥.\n(٤) عبد الرزاق، ٣/ ٤١٤، برقم ٦١٤٠، وابن أبي شيبة، ٣/ ٢٥٧، وقال الشيخ الغصن في تخريج أحاديث الروض المربع: وإسناده صحيح.","vol":"1","page":237},{"text":"والأسفل من اليمين، ثم يربط جيدًا، ثم يؤخذ شقه الأعلى والأسفل من اليسار ثم يربط جيدًا مثل ربط الحفائظ؛ لكي تمسك هذه الحفاظة الحنوط بين إليتي الميت، وتشد وتجمع مثانته وإليتيه؛ ليمنع ما ينزل من بطن الميت على الأكفان لو حصل ذلك حتى تستمر طهارتها إلى أن يوضع في قبره. ولا يطيب الميت بالورس ولا الزعفران؛ لأنهما إنما يستعملان للغذاء والزينة، وهو غير لائق بالميت؛ ولأنه ربما ظهر لونه على الكفن، ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>١١ - يبدأ بإحكام الكفن فيرد طرف اللفافة الأولى </span>التي من جانب الميت الأيسر على طرفها الذي على شق الميت الأيمن، ثم يُردّ طرفها الأيمن على شقه الأيسر، من رأسه إلى رجليه، قال ابن قدامة ﵀: «وإنما استحب ذلك؛ لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر» (١). ثم يسحب ساتر العورة، ثم يأخذ شق اللفافة الثانية الأيسر فيرده على شقه الأيمن، ثم يرد الأيمن على شقه الأيسر، ثم يأخذ شق اللفافة الثالثة الأيسر فيرده على الأيمن، ثم شقها الأيمن على شقه الأيسر، ويجعل أكثر الزائد عند رأسه كما تقدم؛ لأن رأسه أحق بالستر من رجليه؛ ولشرفه، ويدل على ذلك تكفين مصعب بن عمير كما تقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>١٢ - يبدأ بالأربطة، فيبدأ بالرباط على الرأس </span>وما زاد من اللفائف يرد على وجه الميت، ويربط بالزائد من الرباط نفسه، ثم يربط ما تحت الرجلين، وما زاد من اللفائف يرد على رجليه ويربط بالزائد من الرباط نفسه، فإن كانت الأربطة سبعة، فالرباط الثالث على صدره، والرابع على بطنه، والخامس على إليتيه،\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٨٥، والمقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٦/ ١٢٦، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٧٢، والكافي، ٢/ ٣٢.","vol":"1","page":238},{"text":"والسادس على فخذيه، والسابع على ساقيه، وإن كانت خمسة أربطة أو ثلاثة فلا بأس، لكن توزع على أعلاه، ووسطه، وأسفله، قال الإمام ابن باز ﵀: «ليس في ذلك حد، لكن الثلاثة تكفي في أعلاه، وأسفله، ووسطه، وإن اكتفي باثنين فلا بأس، لكن المهم ضبط الكفن حتى لا ينتشر» (١).\nويكون ربط الأربطة من ناحية جنبه الأيسر ربطًا يسهل حله إذا وضع في القبر على جنبه الأيمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>١٣ - تكفن المرأة في خمسة أثواب بيض </span>من قطن إن تيسر البياض: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين؛ لما تقدم، وإن كفنت كالرجل فلا بأس، لكن الأفضل أن تكفن في خمسة أثواب. والواجب ثوب يستر جميع جسد الميت، سواء كان كبيرًا، أو صغيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، وأما ما تقدم فهو الأفضل والأكمل (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>السادس عشر: الصلاة على الميت</span>\nيراعى في الصلاة على الميت الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>الأمر الأول: حكم الصلاة على الميت: فرض كفاية</span>؛ لمفهوم قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٣)، فلما نهى عن الصلاة على المنافقين دلَّ على أن الصلاة على\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٢٨.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٨٣ - ٣٩٤، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف،\n٦/ ١١٤ - ١٣٥، والروض المربع، ٣/ ٦٤ - ٧٨، والكافي، ٣/ ٢٩ - ١٣٧. والشرح الممتع،\n٥/ ٢٨٢ - ٣٩٤، إبهاج المؤمنين بشرح منهج السالكين، لابن جبرين، ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦، والوجازة في تجهيز الجنازة، للغيث، ص٧٥ - ٨٠.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٨٤.","vol":"1","page":239},{"text":"المؤمنين شريعة قائمة وهو كذلك (١)؛ ولأن النبي - ﷺ - كان يصلي على أموات المسلمين باستمرار، وكان يقول أحيانًا: «صلوا على صاحبكم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>الأمر الثاني: فضل الصلاة على الميت</span>، لقد تفضل الله - ﷿ - على عباده المؤمنين بأن وعدهم بالأجر العظيم على الصلاة على أموات المسلمين، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اتّبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يُصلَّى عليها، ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط» (٣).\nوعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه كان قاعدًا عند عبدالله بن عمر إذا طلع خباب صاحب المقصورة، فقال: يا عبدالله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها، ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد» فأرسل ابن عمر خبابًا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت؟ وأخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض،\n_________\n(١) الشرح المتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٣٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الكفالة، باب الدين، برقم ٢٢٩٨، ومسلم، كتاب الفرائض، باب من ترك مالًا فلورثته، برقم ١٦١٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب اتباع الجنائز من الإيمان، برقم ٤٧، وكتاب الجنائز، باب فضل اتباع الجنائز، برقم ١٣٢٣، وباب من انتظر حتى تدفن، برقم ١٣٢٥، ومسلم، كتاب الجنائز، باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، برقم ٩٤٥.","vol":"1","page":240},{"text":"ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة».وفي لفظ: «قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من تبع جنازة فله قيراط من الأجر». فقال ابن عمر: أكثر أبو هريرة علينا، فبعث إلى عائشة فسألها فصدقت أبا هريرة، فقال ابن عمر، لقد فرطنا في قراريط كثيرة» (١).\nوسئل شيخنا ابن باز ﵀ عمن صلى على خمس جنائز فهل له بكل جنازة قيراط؟ فأجاب: نرجو له قراريط بعدد الجنائز، لقوله - ﷺ -: «من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان» (٢). وما جاء في معنى ذلك من الأحاديث وكلها دالة على أن القراريط تتعدد بعدد الجنائز .. وهذا من فضل الله سبحانه وجوده وكرمه على عباده فله الحمد والشكر لا إله غيره ولا رب سواه والله ولي التوفيق (٣).\nوسئل شيخنا ابن باز ﵀ عن حكم السفر لأجل الصلاة على الميت؛ فقال: «لا حرج في ذلك» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>الأمر الثالث: فضل الله - ﷿ - على عبده المسلم الميت بشرعية الصلاة عليه</span>، وقبول شفاعة إخوانه فيه؛ لحديث عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه» (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب فضل اتباع الجنائز، برقم ١٣٢٣، ١٣٢٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، برقم ٥٦ - (٩٤٥).\n(٢) تقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٣٦ - ١٣٧.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٣٨.\n(٥) مسلم، كتاب الجنائز، باب من صلى عليه مائة شفعوا فيه، برقم ٩٤٧.","vol":"1","page":241},{"text":"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» (١).\nوقد جمع أهل العلم بين حديث المائة، والأربعين، فسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «قال أهل العلم في الجمع بين حديث المائة وحديث الأربعين: إن حديث المائة أولًا، ثم تفضل الله - ﷿ - وجعل الأربعين يقومون مقام المائة في قبول الشفاعة، وبكل حال فالحديثان يدلان على استحباب كثرة الجمع على الجنائز» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>الأمر الرابع: شهيد المعركة لا يُصلَّى عليه</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ وفيه: «... وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغسَّلوا ولم يصلَّ عليهم» (٣). أما الذي يُجرح في المعركة ثم يموت بعد ذلك فإنه يُصلّى عليه، وكذلك شهداء غير المعركة يُصلى عليهم، كالذي يموت بالهدم، والغرق، والسل، والمقتول ظلمًا على الصحيح، وغيرهم من الشهداء\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب من صلى عليه أربعون شفعوا فيه، برقم ٩٤٨.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٨٠، ثم قال ﵀ أثناء تقريره على هذا الحديث: «وفي حديث مالك بن هبيرة عند أبي داود [٣١٦٦]، والترمذي [١٠٢٨]، وابن ماجه [١٤٩٠] بإسناد فيه ابن إسحاق وقد عنعن أن النبي - ﷺ - قال: «ما من ميت يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب» يعني وجبت له الجنة، وكان مالك [بن هبيرة] إذا استقل الناس جزأهم ثلاثة صفوف، والحديث إسناده جيد لولا عنعنة ابن إسحاق، فإن صرح بالسماع في رواية استقام إسناده لكن لم أقف على أنه صرح بالسماع، وقال الألباني في الجنائز، ص١٢٨: «وقال الترمذي وتبعه النووي في المجموع، ٥/ ٢١٢:حديث حسن وأقره الحافظ في الفتح، ثم قال الألباني: وفيه عندهم جميعًا محمد بن إسحاق وهو حسن الحديث إذا صرح بالتحديث ولكنه هنا قد عنعن فلا أدري وجه تحسينهم للحديث». [ثم حسنه الألباني في صحيح الترمذي،١/ ٥٢٣].\n(٣) البخاري، برقم ١٣٤٣، ورقم ١٣٤٦، وتقدم تخريجه في شهيد المعركة لا يغسل، وفي تكفين الشهيد في ثيابه.","vol":"1","page":242},{"text":"الذين يموتون في غير معركة الجهاد، يغسلون ويصلى عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الأمر الخامس: السقط والطفل يصلى عليهما </span>ويُدعى لوالديهما؛ لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - يرفعه وفيه: «والسقط يُصلَّى عليه ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة». وفي لفظ: «والطفل يُصلَّى عليه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>الأمر السادس: الإمام الأعظم لا يصلِّي على الغال وقاتل نفسه</span>، بل يصلي عليه سائر الناس؛ لحديث زيد بن خالد الجهني: أن رجلًا من المسلمين توفي بخيبر، وأنه ذُكِرَ لرسول الله - ﷺ - فقال: «صلّوا على صاحبكم» قال: فتغيرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى الذي بهم قال: «إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله» ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزًا من خرز اليهود ما يساوي درهمين» (٢)؛ ولحديث جابر بن سمرة، قال: أُتي النبي - ﷺ - برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصلِّ عليه» (٣).\nوسمعت الإمام ابن باز ﵀ يقول عن حديث زيد بن خالد: «دل الحديث على فوائد: أن ولي الأمر لا يصلي على الغال، وأنه يُصلِّي على\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣١٨٠، والترمذي، برقم ١٠٣١، وأحمد، ٤/ ٢٤٠، ٢٤٩، والنسائي، ٤/ ٥٥، وتقدم تخريجه في تغسيل الميت.\n(٢) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول، برقم ٢٧١٠، والنسائي، كتاب الجنائز، باب الصلاة على من غل، برقم ١٩٦١، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب الغلول، برقم ٢٨٤٨، وأحمد، برقم ١٧٠٣١، ٤/ ١١٤ قال الإمام الشوكاني في هذا الحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري ورجاله رجال الصحيح. نيل الأوطار، ٢/ ٧١٦، وضعفه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٢٧١٠، وفي غيره، وقال عنه أصحاب موسوعة الإمام أحمد، ٢٨/ ٢٥٧، برقم ١٧٠٣١: «إسناده محتمل للتحسين» ثم أطالوا في تخريجه ثم قالوا بعد أن ذكروا له شواهد: «وهذه الأحاديث تقوي معنى حديثنا هذا» ٢٨/ ٢٦٠.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على القاتل نفسه، برقم ٩٧٨.","vol":"1","page":243},{"text":"العاصي» وقال عن حديث جابر: «قاتل نفسه أتى جريمة عظيمة فلا يصلي عليه الإمام أو كبار البلد والجماعة ويصلي عليه غيرهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>الأمر السابع: يُصلى على من قُتل حدًّا</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - أن رجلًا من أسلم جاء إلى النبي - ﷺ - فاعترف بالزنا، فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال له النبي - ﷺ -: «أبك جنون؟» قال: لا. قال: «أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى، فلما أذلفته الحجارة فرَّ، فأُدرِك فَرُجِم حتى مات، فقال له النبي - ﷺ - خيرًا وصلّى عليه» (٢).\nوقد صح عنه ﵊ أنه صلى على الغامدية (٣)، وصلى على الجهنية (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول عن هذا الحديث: «يدل على أنه يُصلَّى على من أُقيم عليه الحد؛ لأن الحد قد طهره، ورواية من قال لم يصلِّ على ما عز أثبت منها من أثبت الصلاة عليه، فالصواب أنه صلى على ماعز» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>الأمر الثامن: الصلاة على الغائب بالنية</span>، فيستقبل القبلة ويصلى عليه إن لم يصلَّ عليه أو كان له شأن في الإسلام، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - صلى على النجاشي؛ لحديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى على النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث، وفي لفظ قال النبي - ﷺ -: «قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلمَّ فصلُّوا عليه». قال: فصففنا فصلى النبي - ﷺ -\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨١٦، ورقم ١٨١٧.\n(٢) البخاري، كتاب الحدود، باب الرجم بالمصلى، برقم ٦٨٢٠، وهو عند مسلم من حديث ابن بريدة، برقم ١٦٩٥.\n(٣) مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، برقم ١٦٩٥.\n(٤) مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، برقم ١٦٩٦.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨١٨، ١٨١٩.","vol":"1","page":244},{"text":"ونحن صفوف. وفي لفظ: «أن النبي - ﷺ - صلى على أصحمة النجاشي فكبّر عليه أربعًا». وفي لفظ: «قوموا فصلوا على أخيكم أصحمة» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نعى النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصف بهم، وكبر أربعًا. وفي لفظ: «نعى لنا رسول الله - ﷺ - النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه فقال: «استغفروا لأخيكم». وفي لفظ: «وكبر عليه أربع تكبيرات» (٢).\nوعن عمران بن حصين - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أخاكم قد مات فقوموا فصلوا عليه» يعني النجاشي (٣). وفي لفظ للترمذي: قال لنا رسول الله - ﷺ -: «إن أخاكم النجاشي قد مات، فقوموا فصلوا عليه». قال: فقمنا فصففنا كما يصفُّ على الميت، وصلينا عليه كما يُصلَّى على الميت» (٤)، والأقرب والله تعالى أعلم: أنه يُصلَّى على الميت الغائب (٥) في حالتين:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام، برقم ١٣١٧، وباب التكبير على الجنازة أربعًا، برقم ١٣٣٤، وكتاب مناقب الأنصار، باب موت النجاشي، برقم ٣٨٧٧، ورقم ٣٨٧٨، ورقم ٣٨٧٩، ومسلم، كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنائز، برقم ٩٥٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٤٥، ورقم ١٣١٨، ورقم ١٣٢٧، ورقم ١٣٢٨، ورقم ١٣٣٣، ومسلم، برقم ٩٥١، وتقدم تخريجه في النعي الجائز.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنازة، برقم ٩٥٣.\n(٤) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في صلاة النبي - ﷺ - على النجاشي، برقم ١٠٣٩، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على النجاشي، برقم ١٥٣٥، وأحمد، ٢/ ٢٨١، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٣٠.\n(٥) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الصلاة على الغائب، فعند الجمهور من السلف والشافعي، وأحمد، وابن حزم، مشروعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه؛ ولهذا قال الشافعي: الصلاة على الميت دعاء له، وهو إذا كان ملففًا يصلى عليه، فكيف لا يدعى له وهو غائب أو في القبر بذلك الوجه الذي يدعى له به وهو ملفف.\nوقال الحنفية والمالكية: لا يشرع ذلك؛ وإنما هو خاص بالنبي - ﷺ -.\nوعن بعض أهل العلم إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه الميت أو ما قرب منه لا ما إذا طالت المدة حكاة ابن عبد البر.\nوقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة.\nوقيل: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه.\nوقيل هذه الصلاة خاصة بالنبي - ﷺ - على النجاشي، ولكن الأصل عدم الخصوصية [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٨٨]. وانظر الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ١٨٢ - ١٨٣، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤٦، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ٥١٩.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>الحالة الأولى: أن يموت في أرض ليس بها من يصلي عليه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>الحالة الثانية: إذا كان فيه منفعة عظيمة للمسلمين: كالعالم الكبير </span>الذي نفع الله بعلمه فانتفع به الناس، أو كالإمام الذي نفع الله به البلاد والعباد؛ فأقام العدل بين الناس وذَبَّ عن شريعة الإسلام، أو غير ذلك ممن نفع الله بهم الإسلام نفعًا ظاهرًا، وهذا ما اختاره شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ فقد سمعته يقول: «دلَّ ذلك على أنه يُصلى على الغائب صلاة الغائب على الخواص: كالعالم، أما من قال: إن الصلاة على النجاشي؛ لأنه لم يصلَّ عليه فهذا بعيد؛ لأنه ملك عظيم [فكيف] لا يصلي عليه أحد من رعيته، هذا من أبعد الأشياء، أو مستحيل، والمعروف والعادة أن الملوك إذا أسلموا تبعهم بعض خواصهم» (١)،وسمعته ﵀ يقول أيضًا: «واختلف العلماء في الصلاة على الغائب: [فـ] منهم من قال: لا يُصلَّى على أحد إلا النجاشي، ومنهم من قال: يقاس على النجاشي من كان مثله، فيصلى على من له شأن في نصر الإسلام والمسلمين، وهذا عليه أئمة الدعوة» (٢) (٣).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٧٩.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٢١ - ١٨٢٥.\n(٣) وانظر: زيادة تفصيل في المسألة، مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٥٨ - ١٦٠.","vol":"1","page":246},{"text":"قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وتتوقف الصلاة على الغائب بشهر كالصلاة على القبر» (١)، والله - ﷿ - أحكم الحاكمين والموفق للصواب (٢).\nوصفة الصلاة على الغائب كصفة الصلاة على الجنازة الحاضرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>الأمر التاسع: مشروعية الصلاة على القبر إلى شهر</span>، وحكم الصلاة على الجنازة وتكرارها؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «انتهى رسول\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٤٤٧.\n(٢) وخلاصة ما ذكره ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، ١/ ٥١٩ - ٥٢٠: أنه لم يكن من هديه - ﷺ - الصلاة على كل غائب، فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غُيّب فلم يصلِّ عليهم، وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت فاختلف الناس في ذلك على ثلاث طرق:\nالأول: إن هذا تشريع منه وسنة للأمة الصلاة على كل غائب، وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه.\nالقول الثاني: قال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به - ﷺ -، وليس ذلك لغيره.\nالقول الثالث: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصلَّ عليه فيه صلي عليه صلاة الغائب، وإن صلى عليه حيث مات لم يُصلَّ صلاة الغائب؛ لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي - ﷺ - صلى على الغائب وتركه، وفعله وتركه سنة، وهذا له موضع والله أعلم، والأقوال ثلاثة في مذهب الإمام أحمد وأصحها هذا التفصيل، والمشهور عند أصحابه الصلاة عليه مطلقًا [زاد المعاد، ١/ ٥١٩ - ٥٢١].\nوذكر العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى من خلاف العلماء ثلاثة أقوال من أقوال أهل العلم في حكم صلاة الغائب:\nالقول الأول: يُصلَّى على كل غائب: شريفًا، أو وضيعًا، ذكرًا أو أنثى، قريبًا أو بعيدًا، فيصلى على كل غائب ولو صُلّي عليه.\nالقول الثاني: يصلى على الغائب إذا كان فيه غناء للمسلمين، أي منفعة. كالعلم الذي نفع الناس بعلمه، وتاجر نفع الناس بماله، ومجاهد نفع الناس بجهاده، وما أشبه ذلك، فيصلى عليه شكرًا له وردًّا لجميله، وتشجيعًا لغيره أن يفعل مثل فعله. وهذا قول وسط اختاره كثير من العلماء المعاصرين وغير المعاصرين.\nالقول الثالث: لا يصلَّى على الغائب إلا من لم يُصلَّ عليه حتى وإن كان كبيرًا في علمه، أو ماله، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ [الاختيارات الفقهية، ص٨٧]. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٤٣٧ - ٤٣٨.","vol":"1","page":247},{"text":"الله - ﷺ - إلى قبر رطب، فصلَّى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعًا» (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ -:أن امرأة سوداء كانت تقمّ المسجد - أو شابًا - ففقدها رسول الله - ﷺ - فسأل عنها - أو عنه - فقالوا: مات، قال: «أفلا كنتم آذنتموني؟» قال: فكأنهم صغَّروا أمرها - أو أمره - فقال: «دلوني على قبره» فدلوه فصلى عليها ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله - ﷿ - ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى على قبر (٣).\nوعن سعيد بن المسيب - ﵁ - «أن أمَّ سعدٍ ماتت والنبي - ﷺ - غائب، فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر» (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ «أن النبي - ﷺ - صلى على قبر بعد شهر» (٥). وعنه «أن النبي - ﷺ - صلى على ميت بعد ثلاث» (٦).\nوعن زيد بن ثابت - ﵁ -:أنهم خرجوا مع رسول الله - ﷺ - ذات يوم فرأى قبرًا جديدًا، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذه فلانة - مولاة بني فلان، فعرفها رسول الله - ﷺ - - ماتت ظهرًا وأنت نائم قائل، فلم نُحبَّ أن نوقظك بها، فقام\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر بعدما يدفن، برقم ١٣٣٦، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٩٥٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٣٦، ومسلم بلفظه، برقم ٩٥٦، وتقدم تخريجه في عذاب القبر.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٩٥٥.\n(٤) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على القبر، برقم ١٠٣٨. وقال الحافظ في التلخيص، ٢/ ١٢٥: «وإسناده مرسل صحيح» ووصله البيهقي، ٤/ ٤٨ عن ابن عباس، وفي إسناده سويد بن سعيد، ووصله أيضًا الدارقطني، ص١٩٣، وحسنه الأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٦/ ٢٣٧.\n(٥) الدارقطني، ٢/ ٧٨.\n(٦) الدارقطني، ٢/ ٧٨.","vol":"1","page":248},{"text":"رسول الله - ﷺ - وصف الناس خلفه وكبر عليها أربعًا، ثم قال: «لا يموت فيكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي له رحمة» (١).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجملة ذلك أن من فاتته الصلاة على الجنازة، فله أن يصلي عليها ما لم تدفن، فإن دفنت فله أن يصلي على القبر إلى شهر، هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، روي ذلك عن أبي موسى، وابن عمر، وعائشة - ﵃ - ....» (٢).\nوسمعت الإمام شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى يقول عن الأحاديث السابقة: «هذه الأحاديث فيها تحديد الصلاة على الميت بعد موته في حدود شهر، وفي ذلك تواضع النبي - ﷺ -، فلم ينقل عن النبي - ﷺ - الصلاة على الميت أكثر من شهر، والصلاة توقيفية، أما رواية صلاته على الشهداء بعد ثمان سنوات فيقال: بأنه دعا لهم ولم يصلِّ عليهم» (٣)، وسمعته يقول: «هذا يدل على رحمته - ﷺ - بالمسلمين، وفيه فضل كناسة المساجد، ومشروعية الصلاة على القبر، وأكثر ما ورد في الصلاة على القبر شهر؛ لأنه - ﷺ - صلى على أم سعدٍ بعد شهر، أما ما زاد فالأصل عدم ذلك، أما ما ذكر من صلاته على قتلى أحد، فيحتمل أنه دعا لهم كدعوات الجنازة، ويحتمل أن هذا خاص به يودع الأحياء والأموات» (٤). والله - ﷿ - أعلم (٥).\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٢٠٢١، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٦٤.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤٤.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث رقم: ١٨٢٧ - ١٨٣١.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٧٧.\n(٥) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الصلاة على القبر لمن لم يصل على الجنازة، فقيل: بعدم مشروعية الصلاة على القبر، وأن الصلاة على القبر من خصائص النبي - ﷺ -.\nوقيل: الصلاة على القبر مشروعة، وبه قال الجمهور، واختلفوا فيمن لم يصلّ عليه، فقيل: يؤخر دفنه ليصلي عليه من كان لم يصلِّ، وقيل: يبادر بدفنها ويصلي الذي فاتته على القبر. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «ومن صلى مرة فلا يسن له إعادة الصلاة عليها، وإذا صُلّي على الجنازة مرة لم توضع لأحد يصلي عليها قال القاضي: لا يحسن بعد الصلاة عليه ويبادر بدفنه ...».\nوقال ابن قدامة أيضًا: «ويصلى على القبر وتعاد الصلاة عليه جماعة وفرادى نص عليهما أحمد. وقال: وما بأس بذلك فقد فعله عدة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وفي حديث ابن عباس، قال: انتهى النبي - ﷺ - إلى قبر رطب فصفوا خلفه وكبر أربعًا [متفق عليه وتقدم تخريجه] [المغني، ٣/ ٤٤٤ - ٤٤٦، والشرح الكبير، ٦/ ١٨١ - ١٨٢].\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية، ص١٢٩: «ويصلى على الجنازة مرة بعد أخرى؛ لأنه دعاء وهو وجه في المذهب واختاره ابن عقيل في الفنون وقال في موضع آخر: ومن صلى على الجنازة فلا يعيدها إلا بسبب مثل أن يعيد غيره الصلاة فيعيدها معه، أو يكون هو أحق بالإمامة من الطائفة الثانية فيصلي بهم».\nواختلف في المدة التي يُصلى فيها على الميت في القبر: فقيل: إلى شهر، وقيل: ما لم يبل الجسد، وقيل: إلى اليوم الثالث، وقيل: يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه حين موته، وقيل: يجوز أبدًا [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٠٥، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٢٤].\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «والصحيح أنه يُصلى على الغائب ولو بعد شهر، ونصلي على القبر أيضًا ولو بعد الشهر» [الشرح الممتع، ٥/ ٤٣٦] والراجح والله تعالى أعلم أنه يصلى عليها في حدود الشهر. كما تقدم.","vol":"1","page":249},{"text":"وأما إعادة الصلاة على الجنازة وتكرارها فالصواب من أقوال أهل العلم: «إنه لا بأس ولا مانع من إعادة صلاة الجنازة لسببٍ، كمن يُصلِّيها مع الناس، ثم يعيدها مع من يصلِّيها؛ وهذا مثل من يصلِّي الفريضة في مسجد ثم يذهب لمسجدٍ آخر لحاجةٍ، فوجد الناس يصلُّون فيه؛ فإنه يعيدها معهم، وتكون له نافلة، فكذلك صلاة الجنازة، أما إعادة الفريضة بدون سببٍ فلا، وكذلك لا تعاد صلاة الجنازة بدون سببٍ على الصحيح» (١) (٢).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٥٣ - ١٥٦.\n(٢) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حكم من صلَّى على الجنازة: هل يعيدها مرة أخرى، أم لا يعيدها؟ قال العلامة المرداوي في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف [٦/ ١٧٦ - ١٧٧]: «فائدة: يكره لمن صلَّى عليها أن يعيد الصلاة مرة ثانية، على الصحيح من المذهب، وعليه الأكثر، ونصَّ عليه، وقيل: يحرُمُ، وذكره الله في «المنتخب» نصًّا، وفي كلام القاضي: الكراهة، وعدم الجواز، وقال في «الفصول» لا يصلِّيها مرتين، كالعيد، وقيل: يصلِّي ثانية اختاره ابن عقيل في «الفنون»، والمجد، والشيخ تقي الدين، وقال أيضًا في موضع آخر: ومن صلَّى على الجنازة فلا يعيدها إلا لسببٍ، مثل: أن يعيد غيره الصلاة فيعيدها معهم، أو يكون هو أحق بالإمامة من الطائفة الثانية، فيُصلِّي بهم، وأطلق في «الوسيلة»، و«فروع أبي الحسين» عن ابن حامد: أنه يصلِّي ثانيًا؛ لأنه دعاء، واختار ابن حامد والمجدُ يُصلِّي عليها ثانيًا تبعًا لا استقلالًا إجماعًا». وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٥٣ - ١٥٦، والإنصاف، ٦/ ١٧٦ - ١٧٧.","vol":"1","page":250},{"text":"وصفة الصلاة على القبر كصفة الصلاة على الجنازة؛ لهذه الأحاديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>الأمر العاشر: موقف الإمام من الرجل والمرأة في صلاة الجنازة</span>، يقف عند رأس الرجل ووسط المرأة؛ لحديث أبي غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة صلِّ عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي - ﷺ - قام على الجنازة مقامك منها؟ ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا» (١).\nوعن سمرة بن جندب - ﵁ - قال: «صليت وراء النبي - ﷺ - على امرأة ماتت في نفاسها فقام رسول الله - ﷺ - للصلاة عليها وَسْطَهَا» (٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان من هديه - ﷺ - أنه كان يقوم عند\n_________\n(١) أحمد، ٣/ ٢٠٤، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه، برقم ٣١٩٤، مطولًا، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة، برقم ١٠٣٤، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء أين يقوم الإمام إذا صلى على الجنازة، برقم ١٤٩٤، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٢٧، وغيره.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب أين يقوم من المرأة والرجل، برقم ١٣٣٢، ومسلم، كتاب الجنائز، باب أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه، برقم ٩٦٤.","vol":"1","page":251},{"text":"رأس الرجل ووسط المرأة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>الأمر الحادي عشر: الصلاة على أنواع من الجنائز</span>، إذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء صُلِّي عليها صلاة واحدة، وجعلت الذكور ولو كانوا صغارًا مما يلي الإمام، وجنائز الإناث مما يلي القبلة؛ لحديث نافع أن ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعًا فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القبلة، فصفهن صفًّا واحدًا، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي، امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له زيد، وضعا جميعًا، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وأبو قتادة، فوضِعَ الغلام مما يلي الإمام، فقال رجل فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة» (٢).\nوعن عمار مولى الحارث بن نوفل «أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها فجعل الغلام مما يلي الإمام، فأنكر ذلك، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة» (٣).\nوعن مالك بن أنس بلغه: أن عثمان بن عفان، وأبا هريرة، وابن عمر، كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة: الرجال، والنساء، فيجعلون الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة (٤).\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٥١٢.\n(٢) النسائي، كتاب الجنائز، باب اجتماع جنائز الرجال والنساء، برقم ١٩٧٧، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، باب إذا حضر جنائز رجال ونساء مَن يقدم، برقم ٣١٩٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٩٧.\n(٤) مالك في الموطأ بلاغًا، في كتاب الجنائز، باب جامع الصلاة على الجنائز، ١/ ٢٣٠، قال\nالأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٦/ ٢٣١: «وإسناده منقطع، ولكن له شواهد بمعناه منها الحديثان اللذان قبله، فهو حديث حسن».","vol":"1","page":252},{"text":"وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول عن هذه الأحاديث: «أفادت هذه الأحاديث أن السنة أن يقف الإمام حذاء وسط المرأة ويصلي عند رأس الرجل، وإذا كانوا جماعة يجمعون: يجعل الرجل مما يلي الإمام، والصبي وراءه، والمرأة وراءهما، والطفلة الصغيرة وراء المرأة مما يلي القبلة، وكون سعيد سوَّى بين رأس الرجل والمرأة ليس بجيد وإنما الصواب أن يجعل رأس الرجل حذاء وسط المرأة حتى يقف الإمام منهما موقف السنة» (١) (٢).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا خلاف بين أهل العلم في جواز الصلاة على الجنائز دفعة واحدة، وإن أفرد كل جنازة بصلاة جاز» (٣).\nفإن كان الأموات نوعًا واحدًا أي إذا تعدد الرجال مثلًا قدم إلى الإمام أفضلهم؛ لأن النبي - ﷺ - كان يسأل الصحابة عن أكثر الشهداء أخذًا للقرآن فيقدمه في اللحد (٤)، وهذا يؤخذ منه أن الأفضل أو العالم هو الذي يقدم مما يلي الإمام، ثم الأفضل فالأفضل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>الأمر الثاني عشر: جواز الصلاة على الجنائز في المسجد</span>؛ لحديث عائشة\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على المنتقى، الأحاديث: ١٨٥٩ - ١٨٦٢. وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤.\n(٢) انظر المغني، لابن قدامة، ٣/ ٥٠٩.\n(٣) المغني، ٣/ ٥١٢.\n(٤) البخاري، برقم ١٣٤٧، وتقدم تخريجه في أن الشهيد لا يغسل، ولا يصلى عليه.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٣/ ٥١١، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٠٢.","vol":"1","page":253},{"text":"﵂: أنها أمرت أن يُمرَّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد». وفي لفظ: «ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يُمرَّ بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد».\nوفي لفظ: «والله لقد صلَّى رسول الله - ﷺ - على ابني بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه» (١).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: قال الخطابي: «وقد ثبت أن أبا بكر وعمر ﵄ صُلِّي عليهما في المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم الإنكار دليل على جوازه» (٢)، وقال ابن القيم ﵀: «ولم يكن من هديه - ﷺ - الراتب الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلي أحيانًا على الميت في المسجد كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد، ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته (٣).\nثم قال ﵀ بعد ذكر بعض أقوال العلماء في ذلك: «والصواب ما ذكرناه أولًا، وأن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد، برقم ٩٧٣.\n(٢) زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ٥٠٢، وانظر: موطأ الإمام مالك، ١/ ٢٣٠، وأخرجه ابن أبي شيبة: إن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وإن صهيبًا صلى على عمر في المسجد، المصنف، ٣/ ٣٦٤.\n(٣) زاد المعاد، ١/ ٥٠٠.","vol":"1","page":254},{"text":"لعذر، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد، والله أعلم» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «لا بأس بالصلاة على الجنازة في المسجد لهذين الحديثين، لكن لو جعل مصلى واسع للصلاة على الجنائز والعيد كان أفضل إذا تيسر» (٢).\nوسمعته يقول عن حديث عائشة ﵂: «هذا يدل على جواز الصلاة في المسجد وإن كان في الغالب يُصلَّى على الجنائز في المصلى كما يُصلَّى في مُصلَّى العيد، والسر في ذلك والله أعلم أن الجنائز قد يكثر فيها الأتباع، وصُلّي على النبي - ﷺ - في المسجد، وعلى الصديق وعمر في المسجد، ولو جعل مصلى خارج المسجد أو في البلد فلا بأس» (٣)، والله تعالى الموفق للصواب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>الأمر الثالث عشر: مشروعية تكثير الجمع والصفوف على صلاة الجنازة</span>، أما تكثير الجمع في صلاة الجنازة؛ فلحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه» (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال:\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٥٠٢.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث رقم ١٨٦٣ - ١٨٦٤.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم ٥٨٢، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٦٤.\n(٤) انظر: أحكام الجنائز للألباني، ص٣٥ - ٣٨، فقد ذكر أربعة أحاديث تحدد أماكن الصلاة على الجنازة خارج المسجد في المدينة.\n(٥) مسلم، برقم ٩٤٧، وتقدم تخريجه في فضل الله على عبده المسلم الميت.","vol":"1","page":255},{"text":"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» (١).\nوأما تكثير الصفوف في صلاة الجنازة؛ فلحديث مالك بن هبيرة وفيه ابن إسحاق وقد عنعن كما تقدم: «ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب»، قال فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف للحديث (٢).\nقال العلامة الألباني: «ويستحب أن يصفوا وراء الإمام ثلاثة صفوف فصاعدًا لحديثين رويا في ذلك: الأول عن أبي أمامة قال: «صلى رسول الله - ﷺ - على جنازة ومعه سبعة نفر فجعل ثلاثة صفًّا، واثنين صفًّا، واثنين صفًّا» (٣)، والثاني عن مالك بن هبيرة.\nثم ذكره كما قد تقدم وقد سبق أن حديث ابن هبيرة فيه ابن إسحاق وقد عنعن (٤).\nوقال الإمام البخاري ﵀: «باب الصفوف على الجنازة» قال الحافظ ابن حجر ﵀ على هذه الترجمة: «وأشار المصنف بصيغة\n_________\n(١) مسلم، برقم ٩٤٨، وتقدم تخريجه في فضل الله على عبده المسلم الميت.\n(٢) أبو داود، برقم ٣١٦٦، والترمذي، برقم ١٠٢٨، وابن ماجه، برقم ١٤٩٠، وتقدم خريجه في فضل الله على عبده المسلم الميت، وأن فيه ابن إسحاق وقد عنعن.\n(٣) قال الألباني: رواه الطبراني في الكبير، (٧٧٨٥) وقال الهيثمي في المجمع، ٣/ ٤٣٢: «وفيه ابن لهيعة وفيه كلام ولكن الألباني بين أنه يصلح للشواهد ثم ذكر شاهده من حديث مالك بن هبيرة، أحكام الجنائز، ص١٢٧.\n(٤) انظر ما تقدم في تخريجه، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص١٢٧ - ١٢٨، وحديث ابن هبيرة حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٢٣.","vol":"1","page":256},{"text":"الجمع إلى ما ورد في استحباب ثلاثة صفوف وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعًا: «من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب»، وحسنه الترمذي وصححه الحاكم، وفي رواية له: «إلا غفر له»، قال الطبري: ينبغي لأهل الميت إذا لم يخشوا عليه التغير أن ينتظروا به اجتماع قوم يقوم منهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث» انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).\nوقال الإمام الشوكاني ﵀: «وأقل ما يسمى صفًّا رجلان، ولا حد لأكثره» (٢) (٣)، والله - ﷿ - الموفق للصواب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>الأمر الرابع عشر: تحريم الصلاة على الكفار والمنافقين</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٥). وقد نزلت عندما صلى رسول الله - ﷺ - على عبد الله بن أبي سلول المنافق المعروف (٦).\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(٢) نيل الأوطار، ٢/ ٧٢٨.\n(٣) وانظر المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٢٠.\n(٤) ثم رأيت في فتاوى الإمام ابن باز ﵀، ١٣/ ١٣٩: أنه ﵀ يرى أن الأصل أن يصف الناس في صلاة الجنازة كما يصفون في الصلاة المكتوبة فيكملون الصف الأول فالأول؛ لأن حديث ابن هبيرة ضعيف وهو مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب إكمال الصف الأول فالأول. وكذلك يرى العلامة ابن عثيمين ﵀ في الفتاوى، ١٧/ ١٠٨ أن الأفضل في صلاة الجنازة إتمام الصف الأول فالأول، ورجح ذلك.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ٨٤.\n(٦) البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.","vol":"1","page":257},{"text":"وعن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - ﷺ - فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله - ﷺ - لأبي طالب: «يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنك» فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١)، وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢) (٣).\nفلا يُصلَّى على المشركين ولا المنافقين، ولا يُدْعَى لهم بالرحمة ولا المغفرة، ولا يُتَرحّم عليهم، ويُلحَق بالمشركين والكفار من أتى بناقض من نواقض الإسلام ولم يتب منه ومات عليه، ولا يُصلَّى على تارك الصلاة متعمدًا جاحدًا لوجوبها بالإجماع، وكذلك على الصواب لا يُصلَّى على تارك الصلاة مطلقًا ولو لم يجحد وجوبها؛ لأن الصواب من أقوال أهل العلم: أن تارك الصلاة يكفر كفرًا أكبر والعياذ بالله.\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١١٣.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٥٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم١٣٦٠، ومسلم برقم٢٤، وتقدم تخريجه في آداب زيارة المريض.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>الأمر الخامس عشر: وقت صلاة الجنازة يُصلى على الجنازة في أي وقت إلا في ثلاثة أوقات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>الأول: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>والثاني: حين يقوم قائم الظهيرة </span>- أي حال استواء الشمس في وسط السماء ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ولا في المغرب - حتى تميل الشمس إلى جهة الغروب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>والثالث: حين يغيب حاجب الشمس حتى تغرب</span>؛ لحديث عقبة بن عامر الجهني - ﵁ - قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب» (١). وهذه الأوقات الثلاثة قصيرة جدًا لا يؤثر الانتظار فيها على الميت ولا يشق على الناس، أما أوقات النهي الأخرى: بعد صلاة الصبح، وبعد العصر فلا حرج في الصلاة على الجنازة فيها؛ لأن صلاة الجنازة من الصلوات ذوات الأسباب التي يجوز أن تصلى في أوقات النهي؛ ولهذا قال عبد الله بن عمر ﵄: «يصلى على الجنازة بعد الصبح، وبعد العصر، إذا صليتا لوقتهما» (٢). وثبت عن ابن عمر أيضًا أنه قال لأهل جنازة جيء بها بعد صلاة الصبح بغلس وكان الوقت يتسع للصلاة عليها\n_________\n(١) مسلم، برقم ٨٣١، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٢) موطأ الإمام مالك، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد الإسفار، ١/ ٢٢٩، وقال عبد القادر الأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٦/ ٢٣٢: «وإسناده صحيح»، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٦: «وسنده صحيح».","vol":"1","page":259},{"text":"قبل طلوع الشمس: «إما أن تصلوا على جنازتكم الآن، وإما تتركوها حتى ترتفع الشمس» (١)، وكان ابن عمر ﵄ لا يصلي إلا طاهرًا ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها ويرفع يديه» (٢).\nوعن ابن جريج قال: «أخبرني زياد أن عليًّا أخبره أن جنازة وضعت في مقبرة أهل البصرة حين اصفرت الشمس فلم يُصلَّ عليها حتى غربت الشمس فأمر أبو برزة المنادي فنادى بالصلاة، ثم أقامها فتقدم أبو برزة فصلى بهم المغرب، وفي الناس أنس بن مالك، وأبو برزة من الأنصار، من أصحاب النبي - ﷺ - ثم صلوا على الجنازة» (٣).\nقال الإمام الخطابي ﵀ ما ملخصه: «واختلف الناس في جواز الصلاة على الجنازة والدفن في هذه الساعات الثلاث، فذهب أكثر أهل العلم إلى كراهية الصلاة عليها في هذه الأوقات، وروي عن ابن عمر وهو قول: عطاء، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وكان الشافعي يرى الصلاة والدفن أي ساعة من ليل أو نهار، وقول الجماعة أولى لموافقة الحديث» (٤).\n_________\n(١) موطأ الإمام مالك، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز بعد الصبح إلى الإسفار، ١/ ٢٢٩، والبيهقي، ٤/ ٣٢، وقال عبد القادر الأرناؤوط في المرجع السابق: «إسناده صحيح». وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٦: «وسنده صحيح».\n(٢) ذكره البخاري تعليقًا مجزومًا به، في كتاب الجنائز، باب سنة الصلاة على الجنائز، في ترجمة الباب قبل الحديث رقم ١٣٢٢، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ١٩٠: «وصله سعيد بن منصور من طريق أيوب عن نافع»، ثم قال: «فكان ابن عمر يرى اختصاص الكراهة بما عند طلوع الشمس وعند غروبها لا مطلق ما بين الصلاة وطلوع الشمس أو غروبها ..، وإلى قول ابن عمر ذهب مالك، والأوزاعي، والكوفيون، وأحمد، وإسحاق».\n(٣) سنن البيهقي الكبرى، ٤/ ٣٢، وجوّد إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٦، فقال: «بسند جيد عن ابن جريج».\n(٤) معالم السنن للخطابي، ٤/ ٣٢٧.","vol":"1","page":260},{"text":"وقال شيخنا ابن باز ﵀ عن حديث عقبة بن عامر في النهي عن الصلاة على الجنازة في الساعات الثلاث المذكورة في الحديث: «... لا تجوز الصلاة في هذه الأوقات على الميت ولا دفنه فيها؛ لهذا الحديث الصحيح» (١) (٢). وهذا يعمُّ الصلاة عليه في القبر، فلا يُصلَّى على القبر في هذه الأوقات الثلاثة، أما في وقت النهي الموسَّع فهي من ذوات الأسباب كما تقدم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>الأمر السادس عشر: أحق الناس بالإمامة في صلاة الجنازة: </span>وصيُّه الذي أوصى أن يصلِّي عليه ثم الوالي، أما الوصي؛ فلأنه إجماع الصحابة على ذلك، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأولى الناس بالصلاة عليه من أوصى إليه بذلك؛ لإجماع الصحابة على الوصية بها؛ فإن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر (٤)، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب (٥)، [وقيل: أوصى عمر إلى الزبير فصلى عليه] (٦)، وابن مسعود أوصى بذلك الزبير (٧)، وأبو بكرة أوصى أبا برزة (٨)، وأم سلمة أوصت به سعيد بن زيد (٩)، وعائشة أوصت إلى أبي هريرة (١٠)، وأوصى به أبو سريحة إلى زيد بن أرقم فجاء\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٥٧، وانظر مجموع رسائل وفتاوى ابن عثيمين، ١٧/ ١٥٧.\n(٢) وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٥٠٢ - ٥٠٣.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٥٦ - ١٥٧، و٢٥/ ٢٠١، و٣٠/ ٧٢.\n(٤) انظر: مصنف عبد الرزاق، ٣/ ٤٧١.\n(٥) البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ٢٩، ومصنف عبد الرزاق، ٣/ ٤٧١.\n(٦) مصنف عبد الرزاق، ٣/ ٤٧١.\n(٧) البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ٢٩.\n(٨) ابن أبي شيبة في المصنف، ٣/ ٢٨٥، والبيهقي، ٤/ ٢٩.\n(٩) مصنف عبد الرزاق، ٣/ ٤٧١.\n(١٠) انظر الكافي لابن قدامة، ٢/ ٤٠، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٤٠٥ - ٤٠٦.","vol":"1","page":261},{"text":"عمر بن حريث وهو أمير الكوفة ليتقدم، فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم فقدَّم زيدًا (١)؛ولأنها حق للميت فقُدِّم وصيه بها كتفريق ثلثه» (٢)، وأوصى يونس بن جبير أن يصلي عليه أنس بن مالك (٣).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذه قضايا انتشرت فلم يظهر لها مخالف فكان إجماعًا ...» (٤).\nوأما الوالي أو وكيله فيكون أولى الناس بالصلاة على الميت بعد الوصي، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «أكثر أهل العلم يرون تقديم الأمير على الأقارب في الصلاة على الميت ...» (٥)، قال أبو حازم: «إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي، فرأيت الحسين بن علي يقول لسعيد بن العاص – ويطعن في عنقه ويقول: تقدم فلولا أنها سنة ما قدمتك، [وسعيد أمير على المدينة يومئذ]، وكان بينهم شيء» (٦).\nوإن صلِّي عليه في المسجد فإمام المسجد الراتب أولى؛ لقول النبي - ﷺ -: «لا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه» (٧)، وإمام المسجد سلطان في مسجده، قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «فإن كان في مكان غير المسجد\n_________\n(١) الكافي لابن قدامة، ٢/ ٣٩ - ٤٠.\n(٢) مصنف عبد الرزاق، ٤/ ٤٧١، وانظر: الأوسط لابن المنذر، ٥/ ٤٠٢.\n(٣) المغني، ٣/ ٤٠٦.\n(٤) المغني، ٣/ ٤٠٦.\n(٥) المغني، ٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(٦) الحاكم، ٣/ ١٧١،والبزار، (٨١٤) كشف الأستار، والطبراني في الكبير،٣/ ١٤٨/٢٩١٢،\nو٢٩١٣،والبيهقي، ٤/ ٢٨،وأحمد، ٢/ ٥٣١،وذكره الألباني في أحكام الجنائز، ص١٢٨ - ١٣٠.\n(٧) مسلم، برقم ٢٩٠ – (٦٧٣) وتقدم تخريجه في الإمامة.","vol":"1","page":262},{"text":"فأولى الناس به وصيه، فإن لم يكن له وصي فأقرب الناس إليه» (١)، قلت: بشرط أن يكون القريب أعلم الحاضرين والله أعلم، وإلا صلى عليه الأعلم الأفقه ثم من يليه على حسب الترتيب في أولى الناس بالإمامة.\nوإمام المسجد أولى بالصلاة على الجنازة من الشخص الموصى له بأن يصلي على الميت. قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «إمام المسجد أولى بالصلاة على الجنازة من الشخص الموصى له؛ لقول النبي - ﷺ -: «لا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه» (٢)، وإمام المسجد هو صاحب السلطان في مسجده» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>الأمر السابع عشر: أركان صلاة الجنازة وشروطها:</span>\nقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «الواجب في صلاة الجنازة: النية، والتكبيرات، والقيام، وقراءة الفاتحة، والصلاة على النبي - ﷺ -، وأدنى دعاء للميت، وتسليمة واحدة، ويشترط لها شرائط المكتوبة إلا الوقت، وتسقط بعض واجباتها عن المسبوق ...» (٤).\nوقال العلامة مرعي بن يوسف في دليل الطالب: «وشروطها ثمانية: النية والتكليف (٥)، واستقبال القبلة، وستر العورة، واجتناب النجاسة، وحضور الميت إن كان بالبلد، وإسلام المصلي والمصلى عليه، وطهارتهما ولو\n_________\n(١) مجموع رسائل وفتاوى ابن عثيمين، ١٧/ ١١٣.\n(٢) مسلم، برقم ٦٧٣، وتقدم تخريجه.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٣٧.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٢٠، وانظر: الشرح الكبير، مع المقنع والإنصاف، ٦/ ١٦٠ - ١٦٤، والكافي، ٢/ ٤١ - ٤٤.\n(٥) التكليف: البلوغ والعقل.","vol":"1","page":263},{"text":"بتراب لعذر، وأركانها سبعة: القيام في فرضها، والتكبيرات الأربع، وقراءة الفاتحة، والصلاة على محمد - ﷺ -، والدعاء للميت، والسلام، والترتيب» (١).\nوذكر ابن قدامة في الكافي: أن سننها سبع: رفع اليدين مع كل تكبيرة، والاستعاذة قبل القراءة، والإسرار بالقراءة، يدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين بدعاء النبي - ﷺ -، يقف بعد التكبيرة الرابعة قليلًا، يضع يمينه على شماله على صدره، الالتفات على يمينه في التسليم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>الأمر الثامن عشر: صفة الصلاة على الجنازة </span>المشتملة على الواجبات والسنن على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>١ - يتوضأ كما أمر الله تعالى</span>؛ ولقول النبي - ﷺ -: «لا تُقبل صلاة بغير طهور» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>٢ - يقوم الإمام عند رأس رجل ووسط امرأة</span>؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - أنه صلى عند رأس جنازة رجل وعند وسط امرأة، ورفع ذلك إلى النبي - ﷺ - (٤)؛ولحديث سمرة - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - صلى على امرأة فقام للصلاة عليها وسْطها» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>٣ - يصف المأمومون خلف الإمام كصفوف الصلاة المفروضة</span>؛\n_________\n(١) منار السبيل في شرح الدليل «دليل الطالب»، ١/ ٢٢٤.\n(٢) الكافي، ٢/ ٤٥ - ٤٧.\n(٣) مسلم، برقم ٢٢٤، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٤) أبو داود، برقم ٣١٩٣، والترمذي، برقم ١٠٣٤، وابن ماجه، برقم ١٤٩٤، وتقدم تخريجه في موقف الإمام في صلاة الجنازة.\n(٥) متفق عليه: البخاري، رقم ١٣٣٢، ومسلم، رقم٩٦٤، وتقدم في موقف الإمام على الجنازة.","vol":"1","page":264},{"text":"لحديث جابر - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - صلَّى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث». وفي لفظ: «فصففنا فصلى النبي - ﷺ - ونحن صفوف» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>٤ - يسوي الإمام الصفوف؛ لعموم الأدلة في ذلك </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>٥ - يستقبل القبلة والجنائز أمامه على الصفة المذكورة </span>آنفًا (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>٦ - يكبر التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام قائمًا </span>قاصدًا بقلبه فعل الصلاة على الجنازة أو الجنائز، متقربًا لله تعالى، قائلًا: «الله أكبر» رافعًا يديه مضمومتي الأصابع ممدودة إلى حذو منكبيه أو إلى حيال أذنيه؛ لما تقدم من الأدلة (٤)؛ ولحديث أبي هريرة، وجابر «أن النبي - ﷺ - صلى على النجاشي وكبر عليه أربع تكبيرات» (٥). أما رفع اليدين في التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة؛ فلحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ -: «كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى» (٦).\nقال الإمام ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن المصلي على الجنازة\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣١٧، ومسلم، برقم ٩٥٢، وتقدم تخريجه في صلاة الغائب.\n(٢) تقدم ذكر الأحاديث في: الأمر بتسوية الصفوف في الإمامة.\n(٣) تقدم ذكر الأدلة على وجوب استقبال القبلة في شروط الصلاة.\n(٤) تقدم ذكر الأدلة على جميع هذه المسائل في صفة الصلاة.\n(٥) حديث جابر متفق عليه: البخاري، برقم ٣١٧، ومسلم، برقم ٩٥٢، وتقدم تخريجه، وحديث أبي هريرة متفق عليه أيضًا، البخاري، برقم ١٢٤٥، ومسلم، برقم ٩٥١، وتقدم تخريجه.\n(٦) الترمذي، كتاب الجنائز، باب في رفع اليدين على الجنازة، برقم ١٠٧٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٤٦، وفي أحكام الجنائز، ص١٤٧.","vol":"1","page":265},{"text":"يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>٧ - يضع يده على صدره بعد أن ينزلهما </span>من الرفع: اليمنى يقبضها على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد؛ لحديث أبي هريرة المذكور آنفًا؛ ولحديث وائل بن حُجر (٢)، وحديث سهل بن سعد (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>٨ - يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم سرًّا</span>؛ لقول الله تعالى:\n﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>٩ - يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم» </span>سرًّا؛ لحديث أنس - ﵁ - (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>١٠ - يقرأ الفاتحة سرًّا</span>؛ لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٦)؛ ولحديث أبي أمامة أنه قال: «السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة» (٧)؛\nولحديث ابن عباس ﵄، «قال طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس ﵄ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، قال:\n_________\n(١) الإجماع لابن المنذر، ص٥١.\n(٢) أبو داود، برقم ٧٢٧، والنسائي برقم ٨٨٩، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٣) البخاري، برقم ٧٤٠، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٩٨، «أو يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: من همزه، ونفخه، ونفثه» أحمد، ٣/ ٥٠، والترمذي، برقم ٢٤٢، وأبو داود، برقم ٧٧٥، وتقدم خريجه في صفة الصلاة.\n(٥) أحمد، ٣/ ٣٦٤، والنسائي، برقم ٩٠٧، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٥٦، ومسلم، برقم ٣٩٤، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٧) النسائي، كتاب الجنائز، باب الدعاء، برقم ١٩٨٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥، وفي أحكام الجنائز، ص١٥٤.","vol":"1","page":266},{"text":"لتعلموا أنها سنة» (١).\nوقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى عن حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة: «واجبة، كما قال - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي ...» (٢). وقال ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه» (٣). وقال ﵀ عن الجهر بالفاتحة أحيانًا: «الجهر بها في بعض الأحيان لا بأس به، وإن قرأ معها سورة قصيرة فلا بأس أيضًا، بل هو أفضل؛ لأنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - من حديث ابن عباس ﵄، وإن اقتصر على الفاتحة كفى» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>١١ - يقرأ سورة قصيرة بعد الفاتحة، أو بعض الآيات القصيرة </span>وهذه القراءة سنة؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال طلحة بن عبد الله بن عوف: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: «سنة وحق» (٥).\nوقال شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى في حكم قراءة سورة بعد الفاتحة في صلاة الجنازة: «قراءة سورة بعد الفاتحة أفضل كما ثبت ذلك عن النبي - ﷺ - من حديث ابن عباس ﵄»، وقال في موضع آخر: «الصلاة على الميت صفتها: أن يكبر الإمام ويتعوذ، ويسمي، ويقرأ الفاتحة، ويستحب\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، برقم ١٣٣٥، وهذا لفظ النسائي، كتاب الجنائز، باب الدعاء، برقم ١٩٨٦.\n(٢) البخاري، برقم ٦٣١، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٣) البخاري برقم ٧٥٦، ومسلم برقم ٣٩٤، وتقدم تخريجه.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٤٣.\n(٥) النسائي، كتاب الجنائز، باب الدعاء، برقم ١٩٨٦،وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥.","vol":"1","page":267},{"text":"أن يقرأ معها سورة قصيرة مثل: الإخلاص، أو العصر، أو بعض الآيات ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>١٢ - يكبر التكبيرة الثانية رافعًا يديه حذو منكبيه أو حذو أذنيه</span>، ثم يردهما على صدره؛ لما تقدم من الأدلة؛ ولما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر\n﵄: «أن النبي - ﷺ - كان إذا صلى على الجنازة رفع يديه في كل تكبيرة» (٢). وأورد البخاري أن عبد الله بن عمر: كان يرفع يديه: أي في كل تكبيرة على الجنازة» (٣). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقد صح عن ابن عباس أنه كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة، رواه سعيد بن منصور» (٤)، ورُوِيَ عن خلق من السلف أنهم كانوا يرفعون أيديهم في\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٤٠، ١٣/ ١٤٤.\n(٢) رواه الدارقطني في العلل كما في نصب الراية، ٢/ ٢٨٥، قال الإمام ابن باز في حاشيته على فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٩٠: «وأخرجه الدارقطني في العلل بإسناد جيد عن ابن عمر مرفوعًا وصوّب وقفه؛ لأنه لم يرفعه سوى عمر بن شبة، والأظهر عدم الالتفات إلى هذه العلة؛ لأن عمر المذكور ثقة فيقبل رفعه؛ لأن ذلك زيادة من ثقة، وهي مقبولة على الراجح عند أئمة الحديث، ويكون ذلك دليلًا على شرعية رفع اليدين في تكبيرات الجنازة».\n(٣) البخاري معلقًا، كتاب الجنائز، باب سنة الصلاة على الجنازة، في ترجمة الباب قبل الحديث رقم ١٣٢٢، ووصله البخاري في كتابه جزء رفع اليدين (١٠٥) وفي الأدب المفرد، من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر «أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة»، وقد روي مرفوعًا أخرجه الطبراني في الأوسط من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر بإسناد ضعيف [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٩٠]. قلت: وقد تقدم في صلاة العيدين: أنه روي عن عمر «أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد». رواه الأثرم، لكن ضعفه الألباني في إرواء الغليل،\n٣/ ١١٢. [وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣].\n(٤) التلخيص الحبير، ٢/ ١٤٧.","vol":"1","page":268},{"text":"كل تكبيرة في صلاة الجنازة (١) (٢).\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀ عن أثر ابن عمر: «صح عن ابن عمر موقوفًا، وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يثبت بالاجتهاد» (٣).\nوقال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «السنة رفع اليدين مع التكبيرات الأربع كلها؛ لما ثبت عن ابن عمر، وابن عباس، أنهما كانا يرفعان مع التكبيرات كلها، ورواه الدارقطني مرفوعًا من حديث ابن عمر بسند جيد» (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>١٣ - يصلي على النبي - ﷺ - كما يصلي في التشهد في صلاة الفريضة</span>؛ لحديث أبي أمامة - ﵁ - أنه أخبره رجل من أصحاب النبي - ﷺ -: أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب، بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات [الثلاث] لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم تسليمًا خفيًّا [حين ينصرف] [عن يمينه] والسنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل إمامه]» (٦).\n_________\n(١) انظر هذه الآثار الكثيرة في مصنف ابن أبي شيبة، ٣/ ٢٩٦ - ٢٩٧،ونيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٧٣٩.\n(٢) قال العلامة الألباني ﵀: «نعم روى البيهقي، ٤/ ٤٤ بسند صحيح عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه على كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة، فمن كان يظن أنه لا يفعل ذلك إلا بتوقيف النبي - ﷺ - فله أن يرفع، وقد ذكر السرخسي عن ابن عمر خلاف هذا وذلك مما لا نعرف له أصلًا في كتب الحديث [أحكام الجنائز، ص١٤٨].\n(٣) الشرح الممتع، ٥/ ٤٢٦، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٧/ ١١٢، ١٣٢، ١٣٣.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٤٨.\n(٥) وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤١٧.\n(٦) أخرجه البيهقي، ٤/ ٣٩، والحاكم، ١/ ٣٦٠، وصححه ووافقه الذهبي، قال الألباني في أحكام الجنائز، ص٥٥: «وهو كما قالا».","vol":"1","page":269},{"text":"قال الإمام ابن باز ﵀: «... ويصلي على النبي - ﷺ - مثل ما يصلي عليه في التشهد الأخير ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>١٤ - يكبر التكبيرة الثالثة رافعًا يديه حذو منكبيه أو حذو أذنيه</span>، ثم يرد يديه على صدره؛ لما تقدم من الأدلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>١٥ - يدعو للميت بالدعاء المأثور ويخلص له الدعاء</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» (٢)، فيقول:\nأ - «اللهم اغفر لحيِّنا وميِّتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفَّه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تُضلَّنا بعده» (٣).\nب - «اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نُزُلَه، ووسِّعْ مُدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّهِ من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٤١.\n(٢) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت، برقم ٣١٩٩، وابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة، برقم ١٤٩٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٩٩.\n(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت، برقم ٣٢٠١، والترمذي كتاب الجنائز، باب ما يقول في الصلاة على الميت، برقم ١٠٢٤، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدعاء على صلاة الجنازة، برقم ١٤٩٨، والنسائي لكنه من حديث أبي إبراهيم الأنصاري، برقم ١٩٨٥، قال أبو هريرة - ﵁ -: «صلى رسول الله - ﷺ - على جنازة» وصححه لألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٠ وغيره.","vol":"1","page":270},{"text":"عذاب النار» [وفي لفظ: [وقِهِ فتنةَ القبر] (١).\nج – «اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر، وعذاب القبر، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم» (٢).\nد - «اللهم عبدك، وابن أمتك، أحتاج إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه» [ثم يدعو ما شاء الله أن يدعو] (٣).\nهـ - الدعاء للطفل في الصلاة عليه صلاة الجنازة، يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وحاضرنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده» (٤).\n* «اللهم أعذه من عذاب القبر» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت في الصلاة عليه، برقم ٩٦٣، من حديث عوف بن مالك، قال: صلى رسول الله - ﷺ - على جنازة فحفظت من دعائه. الحديث، ثم قال: «حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت».\n(٢) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت، برقم ٣٢٠٢، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة، برقم ١٤٩٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٠، وأحكام الجنائز، ص١٥٨، والحديث عن واثلة بن الأسقع قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - على رجل من المسلمين فسمعته يقول: الحديث.\n(٣) الحاكم، ١/ ٣٥٩، والطبراني في الكبير، ٢٢/ ٢٤٩/٦٤٧، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٥٩.\n(٤) أبو داود، برقم ٣١٩٩، والترمذي، ١٠٢٤، وابن ماجه، برقم ١٤٩٨، وتقدم في الدعاء للميت.\n(٥) قال سعيد بن المسيب: صليت وراء أبي هريرة - ﵁ - على صبي لم يعمل خطيئة قط، فسمعته يقول: «اللهم أعذه من عذاب القبر» أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب ما يقول المصلي على الجنازة، برقم ١٨، ١/ ٢٨٨، وابن أبي شيبة في المصنف، ٣/ ٢١٧، والبيهقي، ٤/ ٩، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لشرح السنة للبغوي، ٤/ ٣٥٧.","vol":"1","page":271},{"text":"* «اللهم اجعله لنا فرطًا (١) وسلفًا وأجرًا» (٢).\n«اللهم اغفر لوالديه وارحمهما» (٣).\n* وإن قال: «اللهم اجعله فرطًا لوالديه، وذخرًا، وسلفًا، وأجرًا، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره، اللهم ثقِّل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، اللهم اجعله في كفالة إبراهيم، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، وأجره برحمتك من عذاب الجحيم، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، اللهم اغفر لأسلافنا، وأفراطنا، ومن سبقنا بالإيمان» (٤) فحسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>١٦ - يكبر التكبيرة الرابعة رافعًا يديه حذو منكبيه أو أذنيه</span>، ويردهما على صدره؛\n_________\n(١) فرطًا: أي أجرًا يتقدمنا حتى نرد عليه، والفرط الذي يتقدم الواردين فيهيئ لهم ما يحتاجون إليه، وهو هنا المتقدم للثواب والشفاعة. هدي الساري، ص١٧٥، والنهاية في غريب الحديث، ٣/ ٤٣٤.\n(٢) علقه البخاري، كتاب الجنائز، باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، ولفظه: «وقال الحسن: يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول: اللهم اجعله لنا فرطًا وسلفًا وأجرًا» قبل الحديث رقم ١٣٣٥، ووصله ابن حجر في تغليق التعليق، ٢/ ٤٢٤، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦١، وانظر فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٠٣.\n(٣) أبو داود، برقم ٣١٨٠، والترمذي، برقم ١٠٣١، وأحمد، ٤/ ٢٤٠، والنسائي، ٤/ ٥٥، وتقدم تخريجه في تغسيل الميت، وهو عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - يرفعه «والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة»، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٩٣.\n(٤) ذكره ابن قدامة في المغني، ٣/ ٤١٦، والنووي في الأذكار، ص٢٣٢، وذكره الإمام عبد العزيز ابن باز في الدروس المهمة، ص١٥.","vol":"1","page":272},{"text":"لعموم الأدلة؛ ولما تقدم من الأدلة (١).\n_________\n(١) جاءت أحاديث تدل على أنه ورد التكبير خمس تكبيرات، منها حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيدٌ يكبر على جنائزنا أربعًا، وإنه كبر على جنازة خمسًا فسألته فقال: كان رسول الله - ﷺ - يكبرها» [مسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٩٥٧]. وكبر علي بن أبي طالب - ﵁ - على سهل بن حنيف ستًّا» [البيهقي في السنن، ٤/ ٣٦، وأصله في البخاري، برقم ٤٠٠٤]، «وكبر علي على أبي قتادة سبعًا» [البيهقي، ٤/ ٣٦، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٤٤]، «وعن عبد الله بن الزبير أن رسول الله - ﷺ - أمر يوم أحد بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه فكبر تسع تكبيرات» [الطحاوي في معاني الآثار، ١/ ٢٩٠، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٠٦] [ولكن قد تقدم في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - لم يصلِّ على شهداء أحد]، وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، فبعضهم يرى أن هذا خلاف تنوع فيصلى بهذه الأنواع، المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤٧، قال ابن القيم ﵀: «وهذه آثار صحيحة فلا موجب للمنع منها، والنبي - ﷺ - لم يمنع مما زاد على الأربع بل فعله هو وأصحابه من بعده». ثم رد ﵀ على الذين منعوا من الزيادة على أربع تكبيرات، [زاد المعاد، ١/ ٥٠٨]، وقال الألباني ﵀: «فأيها فعل أجزأ والأولى التنويع فيفعل هذا تارة وهذا تارة كما هو الشأن في أمثاله مثل أدعية الاستفتاح» [أحكام الجنائز، ص١٤١]، [وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٣٢ - ٧٣٥].\nورجح الشيخ العلامة ابن عثيمين ﵀ أنه ينبغي التنويع إحياء للسنة [الشرح الممتع،\n٥/ ٤٢٧ - ٤٢٩، ومجموع رسائله، ١٧/ ١٢٨]، وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٨٣، ورقم ٥٨٤: «هذا يدل على أنه ربما كبر خمسًا ولكن الأغلب والأكثر أنه كان يكبر أربعًا هذا هو الأصح والأثبت وعليه جمهور العلماء، وقال بعض أهل العلم: استقرت السنة على هذا ويجوز أن يكبر على الجنائز خمسًا وستًا، كما فعل علي، ولكن الأفضل الاقتصار على أربع، قال بعضهم: ولعل هذا هو الآخر من فعله ﵊، وقد كبر على النجاشي أربعًا».وقال أيضًا في مجموع الفتاوى له،١٣/ ١٤٨: «الأفضل الاقتصار على أربع كما عليه العمل؛ لأن هذا هو الآخر من فعل النبي - ﷺ -، والنجاشي مع كونه له مزية كبيرة اقتصر ﵊ في التكبير عليه بأربع».\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٣/ ٢٠٢: «قال ابن المنذر ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع، وفيه أقوال أخر ... قال: وذهب بكر بن عبد الله المزني إلى أنه لا ينقص من ثلاث ولا يزيد على سبع، وقال أحمد مثله، لكن قال: لا ينقص من أربع، وقال ابن مسعود: كبر ما كبر الإمام، قال: والذي نختاره ما ثبت عن عمر ثم ساق بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب قال: كان التكبير أربعًا وخمسًا فجمع عمر الناس على أربع. وروى البيهقي بإسناد حسن إلى أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله - ﷺ - سبعًا وستًا وخمسًا وأربعًا، فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة». [وانظر المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤٧]، قال ابن قدامة: «والأفضل أن لا يزيد على أربع» [المغني، ٣/ ٤٥٠].","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>١٧ - يقف بعد التكبيرة الرابعة قليلًا </span>(١).\n_________\n(١) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى هل يدعو المصلي على الجنازة بعد التكبيرة الرابعة أو يسكت قليلًا ثم يسلم بدون دعاء، فقال قوم: لا يدعو بعد التكبيرة الرابعة، وإنما يقف قليلًا ويسلم.\nوقال آخرون: بل يستحب أن يدعو، لحديث الهَجري قال: صليت مع عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي صاحب رسول الله - ﷺ - على جنازة ابنةٍ له فكبَّر عليها أربعًا، فمكث بعد الرابعة شيئًا، قال: فسمعت القوم يسبحون به من نواحي الصفوف، فسلم ثم قال: أكنتم تُرونَ أني مكبر خمسًا؟ قالوا: تخوفنا ذلك، قال: لم أكن لأفعل ولكن رسول الله - ﷺ - كان يكبر أربعًا ثم يمكث ساعة فيقول ما شاء الله أن يقول، ثم يسلم» [ابن ماجه بلفظه، برقم ١٥٠٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٩، ورواه أحمد، ٤/ ٣٥٦، وأخرجه البيهقي، ٤/ ٣٥، عن أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: «شهدته وكبر على جنازة أربعًا ثم قام ساعة – يعني – يدعو ثم قال: أتروني كنت أكبر خمسًا؟ قالوا: لا، قال: إن رسول الله - ﷺ - كان يكبر أربعًا» قال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٠: «بسند صحيح»]، قال الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٧٤٤: فيه دليل على استحباب الدعاء بعد التكبيرة الآخرة قبل التسليم وفيه خلاف والراجح الاستحباب لهذا الحديث». وظاهر كلام الخرقي أنه لا يدعو بعد الرابعة وهذا منقول عن الإمام أحمد، وعن أحمد أنه يدعو ثم يسلم، قال ابن أبي موسى وأبو الخطاب: يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾،وقيل: يقول: «اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده».\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذا الخلاف في استحبابه، ولا خلاف في المذهب أنه غير واجب، وأن الوقوف بعد التكبير قليلًا مشروع» [المغني، ٣/ ٤١٧، وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ١٥٥ - ١٥٦] قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع، ٥/ ٤٢٤: «والقول بأنه يدعو بما تيسر أولى من السكوت؛ لأن الصلاة عبادة ليس فيها سكوت أبدًا إلا لسبب كالاستماع إلى قراءة الإمام أو نحو ذلك».\nوقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ في مجموع الفتاوى، ١٣/ ١٤٧: «لم يثبت شيئًا في ذلك بل يكبر ثم يسكت قليلًا: ثم يسلم بعد الرابعة» وسمعته ﵀ أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٥٨ حديث عبد الله بن أبي أوفى يقول: «الأحاديث الصحيحة أنه إذا كبر الرابعة سلم ولم يدع بعد الرابعة».","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>١٨ - يسلم تسليمة واحدة عن يمينه قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله»</span>؛ لأن التسليمة الواحدة ثبتت عن عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم كانوا يسلمون في صلاة الجنازة تسليمة واحدة خفيفة عن يمينه، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وزيد بن ثابت، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، قال الإمام ابن القيم: «فهؤلاء عشرة من الصحابة» - ﵃ - (١) وكان عبد الله بن عمر إذا صلى على\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٥١١، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤١٨ - ٤١٩، واختار من الأقوال أنه يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، وإن سلم تلقاء وجهه فلا بأس. [وانظر: الشرح الكبير والإنصاف،\n٦/ ١٥٧] ويستدل على التسليمة الواحدة بما روي عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - صلى على جنازة فكبر عليها أربعًا وسلم تسليمة واحدة»، الدارقطني، ٢/ ٧٢، ٧٧، والحاكم،\n١/ ٣٦٠، والبيهقي، ٤/ ٤٣، وحسن إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٣.\nواستدل من اختار تسليمتين بحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: ثلاث خلال كان رسول الله - ﷺ - يفعلهن وتركها الناس: إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة» [البيهقي، ٤/ ٣٤، وقال النووي في المجموع، ٥/ ٢٣٩: «إسناده جيد».وحسن إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٢.\nقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: «والصحيح أنه لا بأس أن يسلم مرة ثانية لورود ذلك في بعض الأحاديث عن النبي - ﷺ -» [الشرح الممتع، ٥/ ٤٢٤، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٧/ ١٣٠]، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٨٩: «وبعد الدعاء يسكت قليلًا ثم يسلم عن يمينه تسليمة واحدة، وقد ثبتت التسليمة الواحدة عن الصحابة، ومن الغريب والعجائب، أنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - في التسليم في صلاة الجنازة شيء، وهو قد صلى على الجنائز ثمان سنوات، جاء في حديث ضعيف أنه سلم واحدة، لكنه ثبت عن الصحابة».","vol":"1","page":275},{"text":"الجنازة يسلم حتى يسمع من يليه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>الأمر التاسع عشر: المسبوق في صلاة الجنازة</span>، يستحب له أن يقضي ما فاته من صلاة الجنازة؛ لقول النبي - ﷺ -: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٢)، قال الإمام عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «... فإذا أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة كبر وقرأ الفاتحة، وإذا كبر الإمام الرابعة كبر بعده وصلى على النبي - ﷺ -، فإذا سلم الإمام كبر المأموم المسبوق ودعا للميت موجزًا، ثم يكبر الرابعة ويسلم» (٣).\nوإذا أدرك الإمام بين تكبيرتين كبر في الحال وقرأ الفاتحة، ثم يكبر بعد إمامه التكبيرة التي أدركها فيصلي على النبي - ﷺ -، ثم إذا سلم الإمام يكبر ويدعو للميت بإيجاز، ثم يكبر ويسلم، وهكذا يعتبر ما أدركه هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخرها؛ لقول النبي - ﷺ -: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٤) (٥).\n_________\n(١) البيهقي، ٤/ ٤٣، قال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٥: «وإسناده صحيح».\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٣٦، ومسلم، برقم ٦٠٢، وتقدم تخريجه.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٤٩.\n(٤) ملخص من كلام الإمام ابن باز في مجموع الفتاوى، ١٣/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(٥) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في كيفية قضاء المسبوق في صلاة الجنازة، فقال الخرقي: «ومن فاته شيء من التكبير قضاه متتابعًا، فإن سلم ولم يقضِ فلا بأس» وذكر ابن قدامة في المغني أقوالًا هي على النحو الآتي:\nقيل: يُسنُّ له قضاء ما فاته منها، ونسبه إلى سعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، وقتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\nوقيل: إن سلم قبل القضاء فلا بأس، ونسب ذلك إلى ابن عمر، والحسن، وأيوب السختياني، والأوزاعي، قالوا: لا يقضي ما فات من تكبير الجنازة، وقال أحمد: لا يقضي وإن كبر متتابعًا – أي بدون ذكر – فلا بأس.\nوقيل: إن سلم قبل أن يقضي: فقيل: لا تصح، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، للحديث: «... وما فاتكم فأتموا»، ورجح ابن قدامة أنه إذا لم يقض لم يبال، ثم رجح أنه وإذا قضى أتى بالتكبير متواليًا لا ذكر معه، كذا قال أحمد، حكاه عن إبراهيم قال: يبادر بالتكبير متتابعًا، وإن لم يرفع قضى ما فاته، وإذا أدرك الإمام في الدعاء للميت تابعه فيه، فإذا سلم الإمام كبر وقرأ الفاتحة، ثم كبر وصلى على النبي - ﷺ - وكبر وسلم.\nوقال الشافعي: متى دخل المسبوق في الصلاة ابتدأ الفاتحة، ثم أتى بالصلاة في الثانية، ووجه الأول أن المسبوق في سائر الصلوات يقرأ فيما يقضيه الفاتحة وسورة على صفة ما فاته، فينبغي أن يأتي هاهنا بالقراءة على صفة ما فاته، والله أعلم.\nوإذا أدرك الإمام فيما بين تكبيرتين، فعن أحمد أنه ينتظر الإمام حتى يكبر معه، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وإسحاق؛ لأن التكبيرات كالركعات، ثم لو فاتته ركعة لم يتشاغل بقضائها، وكذلك إذا فاتته تكبيرة.\nوقيل: يكبر ولا ينتظر، وهو قول الشافعي؛ لأنه في سائر الصلوات متى أدرك الإمام كبر معه ولم ينتظر، وليس هذا انشغالًا بقضاء ما فاته، وإنما يصلي معه ما أدركه فيجزيه كالذي عقب تكبير الإمام أو يتأخر عن ذلك قليلًا. قال ابن المنذر: سَهَّل أحمد في القولين جميعًا، ومتى أدرك الإمام في التكبيرة الأولى فكبر، وشرع في القراءة، ثم كبر الإمام قبل أن يتمها، فإنه يكبر ويتابعه ويقطع القراءة كالمسبوق في بقية الصلوات إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة. [انظر: المغني لابن قدامة،\n٣/ ٤٢٣ - ٤٢٥،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،٦/ ١٧٣،والكافي لابن قدامة،٢/ ٢٩].","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>السابع عشر: حمل الجنازة واتباعها وتشييعها:</span>\nيراعى في حمل الجنازة واتباعها وتشييعها الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>الأمر الأول: حكم حمل الجنازة فرض كفاية </span>إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>الأمر الثاني: أقسام اتباعها: ثلاثة أقسام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>١ - يصلي عليها ثم ينصرف</span>، وله قيراط من الأجر؛ للحديث الآتي.\n_________\n(١) الكافي لابن قدامة، ٢/ ٥٥.","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>٢ - يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان أجر كل قيراط مثل أُحُدٍ، ومن صلى عليها ثم رجع كان له مثل أحُدٍ» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>٣ - يقف بعد الدفن يستغفر للميت ويسأل الله له التثبيت</span>؛ لحديث عثمان بن عفان - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل» (٢). والجمع بين هذه الأقسام أكمل في عظم الأجر واتباع السنة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>الأمر الثالث: فضل اتباع الجنائز</span>، فقد ثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ - السابق أن النبي - ﷺ - قال: «من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يُصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن؛ فإنه يرجع بقيراط» وفي لفظ: قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين». وفي لفظ لمسلم: «قيل وما القيراطان؟ قال: «أصغرهما مثل أحد» (٣)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أصبح اليوم منكم صائمًا؟» قالو أبو بكر: أنا. قال: «فمن اتبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟» قال أبو بكر: أنا، قال:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٢٣، ومسلم، برقم ٩٤٥، وتقدم تخريجه.\n(٢) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف، برقم ٣٢٢١، والحاكم واللفظ له،١/ ٣٧٠،والبيهقي،٤/ ٥٦،وصحح إسناده الحاكم، والألباني في أحكام الجنائز، ص١٩٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٧، ومسلم، برقم ٩٤٥، وتقدم في فضل الصلاة على الميت.","vol":"1","page":278},{"text":"«فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟» قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» (١).\nولفظ البخاري في الأدب المفرد: «ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>الأمر الرابع: اتباع الجنازة حق على المسلم لأخيه المسلم</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «حق المسلم على المسلم ست»، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّتْه، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتبعه» (٣).\nوعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع ونهانا عن سبع: «أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ورد السلام، وتشميت العاطس ...» الحديث (٤)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - يرفعه: «عودوا المريض، واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>الأمر الخامس: يحمل الميت على حسب الحال والتيسير</span>، ولا يتكلف\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل من ضم إلى الصدقة غيرها من أنواع البر، برقم ١٠٢٨.\n(٢) الأدب المفرد، برقم ٥١٥، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص١٩٥، برقم ٤٠٠/ ٥١٥.\n(٣) متفق عليه، واللفظ لمسلم: البخاري، برقم ١٢٤٠، ومسلم، برقم ٢١٦٢، وفي لفظ لمسلم: «خمس تجب للمسلم على أخيه ...» وتقدم تخريجه في آداب زيارة المريض.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٣٩، ومسلم، برقم ٢٠٦٦، وتقدم تخريجه.\n(٥) ابن أبي شيبة في المصنف، ٤/ ٧٣، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٥١٨، وأحمد، ٣/ ٢٧، ٣٢، ٢٨، وغيرهم، وحسن إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص٨٧، وذكر له شاهدًا عند الطبراني، أورده الهيثمي في المجمع، ٢/ ٢٩٩، وصححه الألباني أيضًا في صحيح الأدب المفرد، ص١٩٦.","vol":"1","page":279},{"text":"الإنسان ما لم يرد بذلك سنة صحيحة فالأمر فيه واسع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>الأمر السادس: لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ولا بما يخالف الشرع</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن تُتبع جنازة معها\n_________\n(١) ذكر الإمام الخرقي ﵀ بقوله: «والتربيع أن يوضع على الكتف اليمنى إلى الرجل ثم الكتف اليسرى إلى الرجل» قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٣/ ٤٠٢: «التربيع هو الأخذ بجوانب السرير الأربع وهو سنة في حمل الجنازة لقول ابن مسعود: «من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع وإن يشاء فليدع» [ابن ماجه، برقم ١٤٧٨]، قال ابن قدامة: «وصفة التربيع المسنون أن يبدأ فيضع قائمة السرير اليسرى على كتفه اليمنى من عند رأس الميت ثم يضع القائمة اليسرى عند الرجل على الكتف اليمنى أيضًا، ثم يعود إلى القائمة اليمنى من عند رأس الميت فيضعها على كتفه اليسرى ثم ينتقل إلى اليمنى من عند رجليه، وبهذا قال أبو حنيف والشافعي، وعن أحمد ﵀ أنه يدور عليها فيأخذ بعد ياسرة المؤخرة يامنة المؤخرة ثم المقدمة، وهو مذهب إسحاق، وروي عن ابن مسعود، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وأيوب؛ ولأنه أخف، ووجه الأول أنه أحد الجانبين فينبغي أن يبدأ فيه بمقدمه كالأول. فأما الحمل بين العمودين فقال ابن المنذر: روينا عن عثمان، وسعيد بن مالك، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن الزبير، أنهم حملوا بين عمودي السرير، وقال به الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وكرهه النخعي، والحسن، وأبو حنيفة، وإسحاق، والصحيح الأول؛ لأن الصحابة ﵏ ورضي عنهم قد فعلوه وفيهم أسوة حسنة، وقال مالك: ليس في حمل الميت توقيت، يحمل من حيث شاء، ونحوه قال الأوزاعي، واتباع الصحابة - ﵃ - فيما فعلوه وقالوه: أحسن وأولى» [المغني، ٣/ ٤٠٣] قلت: لا شك أنه أحسن وأولى، لكن إذا لم يثبت فالأمر واسع كما تقدم، وخبر ابن مسعود في التربيع قال عنه الألباني ﵀ في أحكام الجنائز، ص١٥٤: «وهو غير صحيح لأنه منقطع أبو عبيدة لم يدرك أباه ...» وأما ما ذكره من الحمل بين العمودين لسعد بن معاذ كما ذكر في طبقات ابن سعد، ٣/ ٤٣١، وفي نصب الراية، ٢/ ٢٨٧، فقيل: فيه الواقدي وهو ضعيف؛ ولهذا فالأمر واسع كما قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع، ٥/ ٤٤٦، وسمعت ابن باز يقول أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٦٥: «في سنده انقطاع، لكن روي عن جماعة من الصحابة، فالسنة أن يحمل من أمام أو من خلف أو يمشي بدون حمل».","vol":"1","page":280},{"text":"رانَّةٌ» (١) (٢).\nوعن أبي بردة قال: «أوصى أبو موسى الأشعري حين حضره الموت فقال: لا تتَّبعوني بمجمرٍ، قالوا له: أسمعت فيه شيئًا؟ قال: نعم، من رسول الله - ﷺ -» (٣).\nوأوصى عمرو بن العاص في وصيته: «فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار» (٤) (٥).\nوقال قيس بن عباد: «كان أصحاب النبي - ﷺ - يكرهون رفع الصوت عند الجنائز» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>الأمر السابع: القيام للجنازة إذا مرت مشروع</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي - ﷺ - قال: «إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يخلِّفها أو تخلِّفَهُ أو توضع من قبل أن تُخلِّفه».\n_________\n(١) الرانَّةُ: الصائحة، والرنة: الصوت. يقال: رنت المرأة: إذا صاحت ورفعت صوتها.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب في النهي عن النياحة، برقم ١٥٨٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٠، وأحكام الجنائز، ص٩١.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الجنازة لا تؤخر إذا حضرت ولا تتبع بنار، برقم ١٤٨٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٤، وفي أحكام الجنائز، ص١٨، وهو مطول في مسند أحمد، ٤/ ٣٩٧، والبيهقي، ٣/ ٣٩٥.\n(٤) أحمد، ٤/ ١٩٩ ولفظه: «ولا تتبعني مادحًا ولا نارًا» وقال الألباني: أخرجه مسلم، ١/ ٧٨، وأوصى أبو هريرة فقال: «... ولا تتبعوني بمجمر ...» قال الألباني: أخرجه النسائي، وابن حبان في صحيحه (٧٦٤)، والبيهقي، والطيالسي، رقم ٢٣٣٦، وأحمد، ٢/ ٢٩٢، و٢٧٤، و٥٥٠، بإسناد صحيح على شرط مسلم، أحكام الجنائز، ص٩٣.\n(٥) وذكر الألباني في ذلك آثارًا وأخبارًا. انظر أحكام الجنائز، ص٩١ - ٩٣.\n(٦) البيهقي، ٤/ ٧٤، وغيره، ووثق رجال سنده الألباني في أحكام الجنائز، ص٩٢.","vol":"1","page":281},{"text":"وفي لفظ: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تُخلِّفكم (١) أو توضع» (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع» (٣).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مر بنا جنازة، فقام لها النبي - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي؟ قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا» (٤)، ولفظ مسلم: «إن الموتَ فزعٌ فإذا رأيتم الجنازة فقوموا».\nوعن سهل بن حنيف وقيس بن سعد بن أبي ليلى أنهما كانا قاعدين بالقادسية فمرُّوا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض – أي من أهل الذمة – فقالا: إن النبي - ﷺ - مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا» (٥).\nوالصواب أن هذه الأحاديث تدل على مشروعية القيام للجنازة إذا مرت لمن كان قاعدًا؛ لأمر النبي - ﷺ - بذلك؛ ولفعله ﵊، أما حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «قام ثم قعد»، وفي لفظ:\n_________\n(١) تُخلِّفكم: أي تترككم وراءها. نيل الأوطار، ٢/ ٧٥٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، برقم ١٣٠٧، وباب متى يقعد إذا قام للجنازة، برقم ١٣٠٨، ومسلم، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، برقم ٩٥٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب من تبع الجنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال فإن قعد أمر بالقيام، برقم ١٣١٠،ومسلم، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، برقم ٩٥٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي، برقم ١٣١١، ومسلم، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، برقم ٩٦١.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي، برقم ١٣١٢، ومسلم، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، برقم ٩٦١.","vol":"1","page":282},{"text":"«رأينا رسول الله - ﷺ - قام فقمنا، وقعد فقعدنا –يعني في الجنازة–» (١) فهذا يدل على أن الأمر بالقيام للجنازة للاستحباب، والقعود للجواز، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر خلاف العلماء: «فيكون الأمر للندب والقعود بيانًا للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر والله أعلم» (٢) (٣).\nورجح الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ما ذهب إليه الإمام النووي في الجمع بين الأحاديث (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «وهذا يدل على أن السنة القيام للجنازة ولو كانت كافرة؛ فإن للموت فزعًا، وهذا القيام سنة وليس بواجب؛ لأن النبي - ﷺ - قام وقعد، فدل ذلك\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب نسخ القيام للجنازة، برقم ٩٦٢.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٣٢.\n(٣) وتمام كلام النووي: «اختلف الناس في هذه المسألة فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: القيام منسوخ، وقال أحمد وإسحاق وابن حبيب، وابن الماجشون المالكيان: هو مخير، قال: واختلفوا في قيام من يشيعها عند القبر فقال جماعة من الصحابة والسلف لا يقعد حتى توضع، قالوا: والنسخ إنما هو في قيام من مرت به، وبهذا قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن، قال: واختلفوا في القيام على القبر حتى تدفن، فكرهه قوم وعمل به آخرون، روي عن عثمان، وعلي، وابن عمر، وغيرهم - ﵃ - هذا كلام القاضي. والمشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحبًا وقالوا: هو منسوخ بحديث علي، واختار المتولي من أصحابنا أنه مستحب، وهذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب، والقعود بيانًا للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا، لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر، والله أعلم». [شرح النووي، ٧/ ٣١ - ٣٢].\n(٤) زاد المعاد، ١/ ٥٢١، قال: «وقيل: بل الأمران جائزان وفعله بيان للاستحباب وتركه بيان للجواز، وهذا أولى من ادعاء النسخ».","vol":"1","page":283},{"text":"على أن القيام ليس بواجب وإنما هو سنة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>الأمر الثامن: من تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع على الأرض</span>؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع» (٢). وقد فسّر الإمام البخاري ﵀ قوله: «حتى توضع» فقال: «باب من تبع جنازة حتى توضع عن مناكب الرجال فإن قعد أمر بالقيام» (٣)، وهذا يوضح أن معنى قوله - ﷺ -: «حتى توضع» أي على الأرض قبل اللحد. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «والصواب أن الجنازة إذا وضعت في الأرض جلسوا: أي قبل اللحد» (٤).\nوحديث علي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قام ثم قعد يدل على أن القيام حتى توضع للاستحباب.\nقال شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «السنة لمن تبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع من أعناق الرجال على الأرض، وأما الانصراف فإن المشروع لمتبعها ألا ينصرف حتى توضع في القبر ويفرغ من دفنها، وهذا كله على سبيل الاستحباب ...» (٥).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث ١٨٨٢ - ١٨٨٨. وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٦٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣١٠، ومسلم، برقم ٩٥٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب من تتبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال فإن قعد أمر بالقيام.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث ١٨٧٨ - ١٨٨٠.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٧٧ - ١٧٨.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>الأمر التاسع: النساء لا يتبعن الجنائز؛ ويصلين عليها</span>؛ لحديث أم عطية ﵂ قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا» (١).\nقال شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «المقصود بالنهي: النهي عن اتباعها إلى المقبرة، أما الصلاة عليها فمشروعة للرجال والنساء، وكان النساء يصلين على الجنائز مع النبي - ﷺ -،ويفهم [من قول أم عطية ولم يعزم علينا] أن النهي عندها غير مؤكد، والأصل في النهي التحريم؛ لقول النبي - ﷺ -: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (٢).وذلك يدل على تحريم اتباع النساء للجنائز إلى المقبرة، أما الصلاة على الميت فإنها مشروعة لهن كالرجال، والله ولي التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>الأمر العاشر: الإسراع بالجنازة من غير رمل مشروع</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدِّموني قدِّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، باب اتباع النساء الجنازة، برقم ١٢٧٨، ومسلم، كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، برقم ٩٣٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -، برقم ٧٢٨٨، ومسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، برقم ١٣٣٧، ولفظه عند البخاري: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» ولفظ مسلم: «فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣١٥، ومسلم، برقم ٩٤٤.","vol":"1","page":285},{"text":"صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق» (١).\nقال الإمام شيخنا ابن باز ﵀ في المقصود بالإسراع بالجنازة: «المقصود: المشي، ويدخل ضمنًا الصلاة عليها، وتغسيلها، والسرعة في تجهيزها، وظاهر الحديث يعم الجميع من حيث المعنى» (٢).\nوسمعته ﵀ يقول: «السنة الإسراع بالجنازة، ومعنى ذلك أن يكون مشيًا قويًا دون الرمل؛ ليقدمها إلى الخير إن كانت صالحة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>الأمر الحادي عشر: الماشي يمشي مع الجنازة كيف شاء</span>، والراكب خلفها؛ لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الراكب [يسير] خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، [خلفها، وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريبًا منها]،والطفل يصلى عليه، [ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة]» (٤).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «والسنة المشي لمن قدر عليه، ولا بأس بالركوب عند الحاجة، والراكب يمشي خلف الجنازة، والماشي أمامها، وعن يمينها، وعن شمالها، [ومن خلفها]» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>الأمر الثاني عشر: المشي في تشييع الجنازة أفضل من الركوب</span>؛ لحديث ثوبان - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أُتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٣١٤، وتقدم تخريجه في ذكر الحمل على الأكتاف.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٨٢.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، حديث: ١٨٦٦.\n(٤) أبو داود، برقم ٣١٨٠، والترمذي، برقم ١٠٣١، وأحمد، ٤/ ٢٤٠، ٢٤٩، والنسائي، ٤/ ٥٥، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٩٥، وتقدم تخريجه في تغسيل الميت، والزيادات جمعها الألباني من الروايات.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٦٦ - ١٨٧٢.","vol":"1","page":286},{"text":"انصرف أُتي بدابة فركب، فقيل له؟ فقال: «إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت» (١).\nولا بأس بالركوب إذا انصرف من الجنازة؛ لحديث جابر بن سمرة - ﵁ - قال: أتي النبي - ﷺ - بفرس معروري (٢) فركبه حين انصرف من جنازة أبي الدحداح ونحن نمشي حوله، وفي لفظ: «صلى رسول الله - ﷺ - على أبي الدحداح ثم أُتي بفرس عُري، عقله (٣) رجل فركبه فجعل يتوقّصُ به (٤) ونحن نتبعه نمشي خلفه، قال: فقال رجل من القوم: إن النبي - ﷺ - قال: «كم من عِذقٍ مُعلَّقٍ - أو مُدلًّى - في الجنة لابن الدحداح أو قال شعبة: لأبي الدحداح» (٥).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «والسنة المشي لمن قدر عليه، ولا بأس بالركوب عند الحاجة» (٦).\nفدل حديث ثوبان وحديث سمرة على أن الركوب بعد الانصراف عن الجنازة جائز (٧).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الركوب في الجنازة، برقم ٣١٧٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٩٣.\n(٢) معروري: عُرَى بضم الميم وفتح الراء، قال أهل اللغة: أعروريت الفرس إذا ركبته عريًا فهو معروري. شرح النووي، ٧/ ٣٦.\n(٣) عقله: أمسكه له وحبسه. شرح النووي، ٧/ ٣٦.\n(٤) يتوقص به: يتوثب، شرح النووي، ٧/ ٣٧.\n(٥) مسلم، كتاب الجنائز، باب ركوب المصلي على الجنازة إذا انصرف، برقم ٩٦٥.\n(٦) سمعته أثناء تقريره على المنتقى، الحديث رقم ١٨٦٦ - ١٨٧٢.\n(٧) الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٣٠٨، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٣٩٩.","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>الأمر الثالث عشر: السنة حمل الجنازة على الأعناق إذا تيسر </span>ذلك، ويجوز حملها على السيارة لغرض صحيح كبعد المقبرة فتحصل بذلك مشقة؛ لأن حملها على السيارة أو غيرها من الوسائل يفوت الغاية المقصودة وهي حملها وتشييعها، وهي تذكر الآخرة كما قال النبي - ﷺ -: «واتَّبعوا الجنائز تذكركم الآخرة» (١).\nقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: «الأفضل حملها على الأكتاف؛ لما في ذلك من المباشرة بحمل الجنازة؛ ولأنه إذا مرت الجنازة بالناس في الأسواق عرفوا أنها جنازة ودعوا لها؛ ولأنه أبعد عن الفخر والأبهة، إلا أن يكون هناك حاجة أو ضرورة فلا بأس أن تحمل على سيارة، مثل: أن تكون أوقات أمطار، أو حر شديد، أو برد شديد، أو قلة المشيعين» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>الأمر الرابع عشر: وضع المكبة التي توضع فوق المرأة على النعش </span>وتغطى بثوب لتستر جسم المرأة عن أعين الناس، والمكبة تعمل من خشب، أو جريد، أو قصب مثل القبة فوقها ثوب تكون فوق السرير. قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويستحب أن يترك فوق سرير المرأة شيء من الخشب أو الجريد مثل القبة يترك فوقه ثوب، ليكون أستر لها، وقد روي أن فاطمة ﵂ بنت رسول الله - ﷺ - أول من صُنِعَ لها ذلك بأمرها (٣) (٤).\n_________\n(١) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٥١٨، وأحمد، ٣/ ٢٧، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص١٩٦، وحسنه في أحكام الجنائز، ص٨٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٦٦.\n(٣) أسد الغابة، ٧/ ٢٢٠، وانظر: مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب ما قالوا في الجنازة كيف يصنع بالسرير يرفع له شيء أم لا؟ وما يصنع فيه بالمرأة، ٣/ ٢٧٠.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٨٤، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ١١٠.","vol":"1","page":288},{"text":"ونقل العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ كلام أهل المذاهب الأربعة وأنهم كلهم أعلنوا أنه أستر للمرأة وأن ذلك يستحب (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>الثامن عشر: دفن الميت من نعم الله على عباده:</span>\nيراعى في دفن الميت الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>الأمر الأول: حكم دفن الميت فرض كفاية </span>إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم (٣)؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٤) والمعنى أن الله - ﷿ - أكرمه بدفنه، ولم يجعله ملقى للسباع والطيور، وهذه مكرمة لبني آدم دون سائر الحيوانات، وقال الله - ﷿ -: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا *أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٥)، وقد أرشد الله تعالى قابيل إلى دفن أخيه هابيل: ﴿فَبَعَثَ الله غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (٦) فكانت سُنّة في بني آدم؛ ولأن في\n_________\n(١) وأحال ﵀ مراجع بحثه الجميل، فأحال للروض المربع للحنابلة [٢/ ١١٠، حاشية ابن قاسم]، وجوهر الإكليل شرح مختصر الخليل للمالكية، ١/ ١١١، ط الحلبي، والمجموع شرح المهذب للشافعية، ٥/ ٢٢١، ط دار العلوم للطباعة، وكتاب الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري، ١/ ٥٣١، عن الحنفية.\n(٢) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٦٨، و١٧/ ١٧٥ - ١٧٧.\n(٣) الروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٢/ ٢٨.\n(٤) سورة عبس، الآية: ٢١.\n(٥) سورة المرسلات، الآيتان، ٢٥، ٢٦.\n(٦) سورة المائدة، الآية: ٣١.","vol":"1","page":289},{"text":"ترك جثة ابن آدم أذىً وهتكًا لحرمته فوجب دفنه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>الأمر الثاني: فضل دفن الميت</span>؛ لحديث أبي رافع - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من غسل مسلمًا فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفَّنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة» (٢)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يُصلَّى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد ...» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>الأمر الثالث: لا يدفن الميت في أوقات النهي الثلاثة المضيَّقة </span>إلا لضرورة؛ لحديث عقبة بن عامر يرفعه: «ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمسُ بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>الأمر الرابع: لا يدفن مسلم مع كافر ولا كافر مع مسلم</span>، بل يدفن المسلم في مقابر المسلمين والكافر يُوارى مع المشركين؛ لأحاديث منها: حديث أبي طلحة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من قريش فقذفوا في طويٍّ من أطواء بدر خبيث مخبث» (٥).وحديث بشير\n_________\n(١) حاشية عبد الرحمن القاسم على الروض المربع، ٢/ ٢٨.\n(٢) البيهقي، ٣/ ٣٩٥، والحاكم، ١/ ٣٥٤، والطبراني في الكبير، ١/ ٣١٥، برقم ٩٢٩، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، والألباني في أحكام الجنائز، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٧، ومسلم، برقم ٩٤٥، وتقدم تخريجه.\n(٤) مسلم، برقم ٨٣١، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٩٧٦، ومسلم، برقم ٢٨٧٥، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":290},{"text":"مولى رسول الله - ﷺ -، قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله - ﷺ - مر بقبور المشركين فقال: «لقد سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا» ثلاثًا، ثم مر بقبور المسلمين، فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا» وحانت من رسول الله - ﷺ - نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال: «يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك» فنظر الرجل فلما عرف رسول الله - ﷺ - خلعهما فرمى بهما» (١)؛ولحديث علي - ﵁ - قال: قلت للنبي - ﷺ -:إن عمك الشيخ الضال مات فمن يواريه؟ قال: «اذهب فوارِ أباك ولا تُحدثنَّ حدثًا حتى تأتيني» فواريته ثم جئت فأمرني فاغتسلت، ودعا لي، وذكر دعاءً لم أحفظه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>الأمر الخامس: السنة الدفن في المقبرة</span>؛ لأن النبي - ﷺ - كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت بذلك الأخبار، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة، إلا ما تواتر أن النبي - ﷺ - دفن في حجرته، وذلك من خصوصياته - ﷺ - (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>الأمر السادس: الشهداء يدفنون في أماكن استشهادهم </span>في أرض المعركة ولا ينقلون إلى المقابر؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج رسول\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب المشي في النعل بين القبور، برقم ٣٢٣٠، والنسائي، كتاب الجنائز، باب كراهية المشي بين القبور في النعال السبتية، برقم ٢٠٤٧، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في خلع النعلين بين المقابر، برقم ١٥٦٨، وأحمد، ٥/ ٨٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي،\n٢/ ٧٠، وفي أحكام الجنائز، ص١٧٣.\n(٢) النسائي، كتاب الجنائز، باب مواراة المشرك، برقم ٢٠٠٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٩.\n(٣) انظر: أحكام الجنائز للعلامة الألباني، ص١٧٣ - ١٧٥، وقد أورد أدلة على ذلك في هذا الموضوع، والشرح الكبير، ٦/ ٢٣٨.","vol":"1","page":291},{"text":"الله - ﷺ - من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، وقال أبي عبد الله: يا جابر بن عبد الله لا عليك أن تكون في نِظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا فإني والله لولا أني أترك بناتٍ لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يديَّ، قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالتي عادلتهما (١) على ناضح فدخلت بهما المدينة؛ لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل ينادي: ألا إن النبي - ﷺ - يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قُتلا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>الأمر السابع: الدفن ليلًا فيه تفصيل</span>، فعن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي - ﷺ - خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قُبض فكفِّن في كفنٍ غير طائل، وقُبِرَ ليلًا، فزجر النبي - ﷺ - أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصلَّى عليه إلا أن يضطر الإنسان إلى ذلك، وقال النبي - ﷺ -: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (٣). وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: مات إنسان كان رسول الله - ﷺ - يعوده، فمات بالليل فدفنوه ليلًا، فلما أصبح أخبروه فقال: «ما منعكم أن تعلموني؟» قالوا: كان الليل فكرهنا - وكانت ظلمة - أن نشقَّ عليك فأتى قبره فصلَّى عليه» (٤).\n_________\n(١) عادلتهما: أي شددتهما على جنبي البعير كالعدلين: نهاية، ٣/ ١٩١.\n(٢) أحمد في المسند، ٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨، قال العلامة الألباني: «بسند صحيح، وبعضه عند أبي داود وغيره مختصرًا ...» وتقدم تخريج المختصر في الآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم، وأنه أخرجه: أبو داود، برقم ٣١٦٥، والترمذي، برقم ١٧١٧، والنسائي، برقم ٢٠٠٥، وابن ماجه، برقم ١٥١٦، وغيرهم. وانظر الشرح الكبير، ٦/ ٢٣٩، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤٢.\n(٣) مسلم، برقم ٩٤٣، وتقدم في تكفين الميت في الأمر السادس.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الإذن بالجنازة، برقم ١٢٤٧، وباب الصفوف على الجنازة، برقم ١٣١٩، وباب صفوف الصبيان مع الرجال، برقم ١٣٢١، وباب سنة الصلاة على الجنازة، رقم ١٣٢٢،وباب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز، برقم ١٣٢٦، وباب الدفن بالليل، برقم ١٣٤٠، والطرف الأول رقم ٨٥٧، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٩٥٦.","vol":"1","page":292},{"text":"وعن عائشة ﵂ قالت: ما علمنا بدفن رسول الله - ﷺ - حتى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء ...» (١) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «وقد اختلف العلماء في الدفن في الليل، فكرهه الحسن البصري إلا لضرورة، وقال جماهير العلماء من السلف والخلف: لا يكره، واستدلوا بأن أبا بكر الصديق - ﵁ - وجماعة من السلف دفنوا ليلًا من غير إنكار، وبحديث المرأة السوداء، والرجل الذي كان يقم المسجد فتوفي ليلًا فدفنوه ليلًا، وسألهم النبي - ﷺ - عنه فقالوا: توفي ليلًا فدفناه في الليل فقال: «ألا آذنتموني؟» قالوا: كانت ظلمة. ولم ينكر عليهم، وأجابوا عن هذا الحديث (٢) أن النهي كان لترك الصلاة ولم ينه عن مجرد الدفن بالليل، وإنما نهى لترك الصلاة أو لقلة المصلين، أو عن إساءة الكفن أو عن المجموع كما سبق ...» (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول على مجموع الأحاديث التي وردت: «هذه الأحاديث تدل على جواز الدفن ليلًا، وأما ما جاء في النهي عن ذلك فهذا إذا كان فيه تقصير في الصلاة عليه؛ ولهذا جاء في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - نهى عن الدفن ليلًا حتى يُصلى عليه.\nوالخلاصة: أنه إذا كان هناك تقصير في حق الميت: من غسل، أو كفن، أو صلاة على الميت فلا يدفن ليلًا، أما إذا كملت حقوقه فلا بأس بدفنه\n_________\n(١) أحمد، ٦/ ٢٧٤.\n(٢) حديث جابر السابق عند مسلم.\n(٣) شرح النووي، ٧/ ١٤.","vol":"1","page":293},{"text":"ليلًا» (١).\nوسمعته في موضع آخر يقول: «أما رواية مسلم فزجر فيها النبي - ﷺ - عن قبر الرجل حتى يُصلَّى عليه، فتأخير الميت ليصلى عليه إذا كان تأخيرها أفضل لكثرة الجمع، والحاصل أن مجموع الأحاديث تفيد أن الأفضل تأخير الصلاة عليه إذا كان تأخيرها أكمل، أما إذا صُلِّي عليه في العشاء أو المغرب فلا كراهة. ومما يدل على هذا ما جاء في مسلم: «ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب»، وهذا يدل على أنها إذا غابت زال النهي، وأن الصلاة عليه بعد الغروب والدفن بعده لا حرج فيه، وقد دفن النبي - ﷺ - ليلًا، ودفن الصديق ليلًا، ودفن عمر ليلًا، ودفن عثمان ليلًا - ﵃ - (٢).\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «يجوز دفن الأموات ليلًا إذا قام الإنسان بالواجب: من التغسيل، والتكفين، والصلاة عليه؛ فإنه يجوز أن يدفن بالليل» (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>الأمر الثامن: لا بأس بدفن الاثنين أو أكثر في قبر واحد عند الضرورة </span>والحاجة الشديدة؛ لحديث جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يجمع بين\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث رقم ١٩١٤ - ١٩١٦.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦١٥، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز،\n١٣/ ٢١٣ - ٢١٤.\n(٣) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٨٠، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٥٠٣ - ٥٠٤.\n(٤) وانظر: بحثًا مطولًا مفيدًا في أحكام الجنائز للألباني، ص١٧٦ - ١٨١، وانظر أيضًا: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٥٠ - ٢٥١.","vol":"1","page":294},{"text":"الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن» فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء» وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلِّ عليهم ولم يغسلهم» (١).\nوعن هشام بن عامر قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - يوم أحد، فقلنا: يا رسول الله! الحفر علينا لكل إنسان شديد؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد»، قالوا: فمن نقدِّم يا رسول الله؟ قال: «قدِّموا أكثرهم قرآنًا» قال: فكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد» (٢).\nوهذا عند الضرورة، وإذا دعت الحاجة الشديدة لذلك، ككثرة الموتى في القتل، أو الطاعون أو غير ذلك من أسباب الموت العام بكثرة، أما عند الاستطاعة والقدرة فيدفن كل إنسان في قبر لوحده (٣).\nقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «المشروع أن يدفن كل إنسان في قبر وحده، كما جرت به سنة المسلمين قديمًا وحديثًا، ولكن إذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى جمع اثنين فأكثر في قبر واحد فلا بأس به ... قال بعض\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٣٤٣، ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) النسائي، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من إعماق القبر، برقم ٢٠٠٩، وباب ما يستحب من توسيع القبر، برقم ٢٠١٠، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في تعميق القبر، برقم ٣٢١٥، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في حفر القبر، برقم ١٥٦٠، والترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء في دفن الشهيد، برقم ١٧١٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٤، وغيره، وفي إرواء الغليل، برقم ٧٤٣.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢١٢.","vol":"1","page":295},{"text":"الفقهاء: وينبغي أن يجعل بين كل اثنين حاجز من تراب» (١)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا يدفن اثنان في قبر واحد إلا لضرورة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>الأمر التاسع: جمع الأقارب في مقبرة واحدة حسن</span>؛ لحديث المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أُخرج بجنازته فدفن، فأمر النبي - ﷺ - رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله - ﷺ - وحسر عن ذراعيه، قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله - ﷺ - قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله - ﷺ - حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: «أتعلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» (٣).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجمع الأقارب في الدفن حسن؛ لقول النبي - ﷺ - لما دفن عثمان بن مظعون: «أدفن إليه من مات من أهله» (٤)؛ ولأن ذلك أسهل لزيارتهم، وأكثر للترحم عليهم ...» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>الأمر العاشر: الموعظة عند القبر أمر لا بأس به</span>؛ لحديث علي - ﵁ -، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي - ﷺ - فقعد وقعدنا حوله، ومعه\n_________\n(١) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢١٤.\n(٢) المغني، ٣/ ٥١٣.\n(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، باب جمع الموتى في قبر، والقبر يعلَّم، برقم ٣٢٠٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠١. وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٧٧٣: «قال الحافظ وإسناده حسن».\n(٤) في أصل سنن أبي داود: «أهلي».\n(٥) المغني، ٣/ ٤٤٢، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٣٩.","vol":"1","page":296},{"text":"مخصرة (١) [وفي رواية: عود] (٢) فنكس فجعل ينكت (٣) [في الأرض] بمخصرته، ثم قال: «ما منكم من أحد [و] (٤) ما من نفس منفوسة إلا [وقد] (٥) كتب مكانها من الجنة [أ] (٦) ومن النار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة». فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: «[لا] (٧) [اعملوا فكل مسير لما خلق له] (٨)، أما [من كان من] (٩) أهل السعادة فسييسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما [من كان من] أهل الشقاوة فسييسَّرون لعمل [أهل] الشقاوة» ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١٠).\n_________\n(١) مخصرة: عصا لطيفة وهي ما يتكأ عليه ويجعل تحت الخصر غالبًا، ونفس منفوسة: أي مخلوقة.\n(٢) لفظ: عود من الطرف رقم ٤٩٤٦.\n(٣) فنكس فجعل ينكت: نكس: طأطأ وخفض رأسه إلى الأرض على هيئة المهموم، ينكت: أي يخط خطًّا يسيرًا مرة بعد مرة، وهذا فعل المفكر المهموم.\n(٤) من الطرف رقم ٤٩٤٦.\n(٥) من الطرف رقم ٤٩٤٦.\n(٦) من الطرف رقم ٤٩٤٦.\n(٧) من الطرف رقم ٤٩٤٧.\n(٨) من الطرف رقم ٤٩٤٩.\n(٩) من الطرف رقم ٤٩٤٩.\n(١٠) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله، برقم ١٣٦٢، ومسلم، كتاب القدر، باب كيف خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته، برقم ٢٦٤٧.","vol":"1","page":297},{"text":"وقد قال الإمام البخاري ﵀ في ترجمة هذا الحديث: «باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله» قال الحافظ ابن حجر ﵀: كأنه يشير إلى التفصيل بين أحوال القعود، فإن كان لمصلحة تتعلق بالحي أو الميت لم يكره» (١).\nومما يدل على الموعظة عند القبر حديث البراء بن عازب الطويل وأوله: «خرجنا مع النبي - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمَّا يلحد، فجلس رسول الله - ﷺ - مستقبل القبلة وجلسنا حوله، وكأنَّ على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض فجعل ينظر إلى السماء وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثًا، فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا»، ثم قال: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ثلاثًا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة تنزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت - ﵇ - حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة [وفي لفظ] المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ...» الحديث (٢).\nقال الإمام شيخنا ابن باز ﵀: «لقد ثبت عن النبي - ﷺ - غير مرة أنه وعظ الناس عند القبر وهم ينتظرون الدفن، وبذلك يعلم أن الوعظ عند\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٢٢٥.\n(٢) أبو داود، برقم ٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤، والحاكم، ١/ ٣٧ - ٤٠، وأحمد، ٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦، وبرقم ١٨٣٤، وتقدم تخريجه في أحوال المحتضرين.","vol":"1","page":298},{"text":"القبر أمر مشروع قد فعله النبي - ﷺ -؛لما في ذلك من التذكير بالموت، والجنة والنار، وغير ذلك من أمور الآخرة، والحث على الاستعداد للقاء الله» (١).\nوقال العلامة الألباني ﵀: «ويجوز الجلوس عنده [أي القبر] أثناء الدفن بقصد تذكير الحاضرين بالموت وما بعده؛ لحديث البراء بن عازب ...» (٢).\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «... وغاية ما ورد أنه - ﷺ - أتى إلى البقيع وفيه قوم ينتظرون اللحد؛ ليدفنوا ميتهم، فجلس وجلس الناس حوله وجعل يذكرهم وهو جالس لا على سبيل الخطبة، وكذلك كان - ﷺ - في المقبرة أيضًا فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ...» (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>الأمر الحادي عشر: تعميق القبر وتوسيعه</span>؛ لحديث هشام بن عامر قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله - ﷺ - يوم أحد، فقالوا: أصابنا قرح وجهد! فكيف تأمرنا؟ قال: «احفروا، وأوسعوا [وأعمقوا] واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر» قيل: فأيهم يُقدَّم؟ قال: «أكثرهم قرآنا» (٥)؛ ولحديث رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار وأنا غلام مع أبي، فجلس رسول الله - ﷺ - على حفيرة القبر يوصي الحافر، ويقول: «أوسع من قبل الرأس؛ وأوسع من قبل الرجلين\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢١٠.\n(٢) أحكام الجنائز، ص١٩٨.\n(٣) تقدم تخريجه في أول الأمر العاشر آنفًا.\n(٤) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٣١.\n(٥) النسائي، برقم ٢٠٠٩، ٢٠١٠، وأبو داود، برقم ٣٢١٥، وابن ماجه، برقم ١٥٦٠، والترمذي، برقم ١٧١٣، وصححه الألباني في الإرواء، برقم ٧٤٣، وتقدم تخريجه في دفن الاثنين أو أكثر في قبر واحد.","vol":"1","page":299},{"text":"لرب عذق له في الجنة» (١).\nوذكر الإمام ابن قدامة ﵀ عن الإمام أحمد أن القبر يعمّق إلى الصدر، الرجل والمرأة في ذلك سواء، قال: وكان الحسن وابن سيرين يستحبان أن يعمق القبر إلى الصدر، وذكر أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه أمرهم أن يحفروا قبره إلى السرة؛ فإن ما على ظهر الأرض أفضل مما سفل منها.\nوذكر أبو الخطاب أنه يعمق قدر قامة وبسطة وهو قول الشافعي، ثم قال ابن قدامة: «والمنصوص عن أحمد أن المستحب تعميقه إلى الصدر؛ لأن التعميق قدر قامة وبسطة يشق ويخرج عن العادة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>الأمر الثاني عشر: اللحد أفضل من الشق إذا كانت التربة صلبة لا ينهال ترابها</span>، وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: لما توفي النبي - ﷺ - كان بالمدينة رجل يَلْحدُ وآخر يُضرِّحُ (٣) فقالوا: نستخيرُ ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سُبق تركناه، فأُرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي - ﷺ -» (٤).\nوعن عائشة ﵂ قالت: لما مات رسول الله - ﷺ - اختلفوا في اللحد والشق، حتى تكلّموا في ذلك وارتفعت أصواتهم، فقال عمر: لا\n_________\n(١) أحمد واللفظ له، ٥/ ٤٠٨، وأبو داود بدون قوله: «لرب عذق له في الجنة»، كتاب البيوع، باب في اجتناب الشبهات، برقم ٣٣٣٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٣٥، وفي أحكام الجنائز، ص١٨١.\n(٢) المغني، ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧، وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة، ٨/ ٤٢٢.\n(٣) يضرح: ضرح للميت: حفر له ضريحًا، والضريح القبر، أو الشق، والثاني هو المراد شرعًا بالمقابلة.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الشق، برقم ١٥٥٧، وأحمد، ١/ ٨.","vol":"1","page":300},{"text":"تصخبوا (١) عند رسول الله - ﷺ - حيًّا ولا ميتًا، أو كلمة نحوها، فأرسلوا إلى الشاقِّ واللاحد جميعًا، فجاء اللاحد، فلحد لرسول الله - ﷺ - ثم دفن - ﷺ - (٢).\nوعن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: «الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليّ اللبن نصبًا كما صنع برسول الله - ﷺ -» (٣).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اللحد لنا والشق لغيرنا» (٤).\nوعن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اللحد لنا والشق لغيرنا» (٥).\n* واللحد: هو أن يحفر إذا بلغ قرار القبر في حائط القبر - جانبه مما يلي القبلة - مكانًا يسع الميت، ولا يعمق بحيث ينزل فيه جسد الميت كثيرًا، بل بقدر ما يكون الجسد ملاصقًا للبن، هذا إذا كانت الأرض صلبة، وإن كانت الأرض رخوة اتخذ لها من الأحجار ونحوها ما يسندها\n_________\n(١) لا تصخبوا: أي لا تصيحوا.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الشق، برقم ١٥٥٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٣.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب في اللحد ونصب اللبن على الميت، برقم ٩٦٦.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في استحباب اللحد، برقم ١٥٥٤، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في اللحد، برقم ٣٢٠٨، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قول النبي - ﷺ -: «اللحد لنا والشق لغيرنا» برقم ١٠٤٥، والنسائي، كتاب الجنائز، باب اللحد والشق، برقم ٢٠٠٨، وأحمد، ٤/ ٣٥٩، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٦٠، وفي غيره.\n(٥) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في استحباب اللحد، برقم ١٥٥٥، وأحمد، ٤/ ٣٥٧، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٢، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص١٨٢ - ١٨٤.","vol":"1","page":301},{"text":"باللحد ولا يلحد منها؛ لئلا يخر القبر على الميت.\n* والشق أن يحفر في وسط القبر طولًا كالنهر ويُبْنَى جانباه باللبن وغيره أو يشق وسط القبر فيصير كالحوض ثم يوضع الميت فيه، ويسقف عليه بأحجار ونحوها، ويرفع السقف قليلًا بحيث لا يمس الميت (١).\nوهذه الأحاديث السابقة تدل على أن اللحد أفضل؛ لأن الله اختاره لرسوله - ﷺ -، والشق جائز عند الحاجة إليه، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «واللحد معروف وهو الشق من الجانب القبلي من القبر، وفيه دليل لمذهب الشافعي والأكثرين في أن الدفن في اللحد أفضل من الشق إذا أمكن اللحد، وأجمعوا على جواز اللحد والشق ...» (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول عن حديث اللحد: «يدل على أن اللحد أفضل؛ لأن الله اختاره لرسوله - ﷺ - ...» وسمعته أيضًا يقول: «... وعمل الصحابة وعمل المسلمين يدل على أن اللحد والشق جائزان، وذكر النووي إجماع العلماء على جواز الأمرين، وقد كان في المدينة لاحِدٌ وشاقٌّ؛ لكن اللحد أفضل، وإذا احتيج إلى الشق جاز كما في الأرض الرخوة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>الأمر الثالث عشر: يتولى إنزال الميت القبر الرجال</span>؛ لأنه المعهود في عهد النبي - ﷺ -، وجرى عليه عمل المسلمين في كل عصر من الأعصار إلى يومنا\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، ٣/ ٨١ و٤/ ٢٣٦، الروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم،\n٢/ ١١٧ - ١١٨.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٣٨.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٠، وأثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٩١.","vol":"1","page":302},{"text":"هذا؛ ولأن الرجال أقوى على ذلك؛ ولأن النساء لو تولته أفضى ذلك إلى انكشاف شيء من أبدانهن أمام الرجال الأجانب وهذا محرم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>الأمر الرابع عشر: يُغطَّى قبر المرأة عند إدخالها في القبر</span>؛ لئلا يظهر ولا يبرز من معالم جسمها شيء؛ لما روي وذكر في ذلك من الآثار عن عمر، وعلي، وأنس، وعبد الله بن يزيد، والحسن (٢).\nقال الإمام الخرقي ﵀: «والمرأة يخمّر قبرها بثوب». قال الإمام ابن قدامة: «لا نعلم في استحباب هذا بين أهل العلم خلافًا ...» ثم قال بعد أن ذكر بعض الآثار: «... ولأن المرأة عورة ولا يؤمن أن يبدو منها شيء، فيراه الحاضرون» (٣).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «يوضع ثوب على المرأة عند\n_________\n(١) انظر: أحكام الجنائز للألباني، ص١٨٦، وانظر: المجموع للنووي، ٥/ ٢٨٩.\n(٢) مصنف ابن أبي شيبة، ٣/ ٣٢٦، كتاب الجنائز، ما قالوا في مد الثوب على القبر، قال: «حدثنا سفيان عن أبي إسحاق قال: شهدت جنازة الحارث فمدوا على قبره ثوبًا فكشفه عبد الله بن يزيد قال: «إنما هو رجل»، ورواه البيهقي في كتاب الجنائز، باب ما روي في ستر القبر بثوب، بسنده إلى أبي إسحاق السبيعي: أنه حضر جنازة الحارث الأعور فأبى عبد الله بن يزيد أن يبسطوا عليه ثوبًا، وقال: إنه رجل، وكان عبد الله بن يزيد قد رأى النبي - ﷺ -، وهذا إسناد صحيح، وإن كان موقوفًا رواه جماعة عن أبي إسحاق»، انتهى كلام الإمام البيهقي، ٤/ ٥٤، وقال الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٧٦٩: «ورواه البيهقي بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق السبيعي ...»، ثم ساق البيهقي، ٤/ ٥٤ بإسناده إلى علي - ﵁ - فقال: عن رجل من أهل الكوفة عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه أتاهم قال: ونحن ندفن ميتًا وقد بسط الثوب على قبره فجذب الثوب وقال: «إنما يصنع هذا بالنساء»، ثم ساق أثرًا آخر عن علي ثم قال: «وهو في معنى المنقطع لجهالة الرجل من أهل الكوفة، ٤/ ٥٤، وأثر الحسن ذكره ابن أبي شيبة، ٣/ ٣٢٦.\n(٣) المغني، ٣/ ٤٣١، وذكر أثرًا عن عمر، وآخر عن علي، وثالثًا عن أنس.","vol":"1","page":303},{"text":"إدخالها القبر: بشت أو نحوه حتى لا يظهر من جسمها شيء» (١).وبيَّن ﵀ عندما سئل عن تغطية القبر بالنسبة للمرأة ما حكمه؟ فقال: «هذا أفضل» (٢).\nوذكر العلامة ابن عثيمين ﵀: أن هذا مما فعله السلف واستحبه العلماء ﵏؛ لأن هذا أستر لها؛ ولئلا تبرز معالم جسمها، ولكن هذا ليس بواجب، ويكون هذا التخمير أو التسجية إلى أن يصفّ اللبن عليها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>الأمر الخامس عشر: أولياء الميت أحق بإنزاله</span>؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ (٤)؛ ولحديث علي - ﵁ - قال: «غسلت النبي - ﷺ -، فذهبت لأنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا، وكان طيِّبًا - ﷺ - حيًّا وميتًا»، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول الله - ﷺ -، ولحد لرسول الله - ﷺ - لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا» (٥) (٦).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٩٦.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٩١.\n(٣) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٧٣ - ١٧٤،وانظر أيضًا نيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٧٦٨ - ٧٦٩.\n(٤) سور الأنفال، الآية: ٧٥.\n(٥) الحاكم، ١/ ٣٦٢، وعنه البيهقي، ٤/ ٥٣ و٣/ ٣٨٨، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٨٧: «بسند صحيح»، قال: وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه، وأحمد، برقم ٣٩، ورقم ٣٣٥٨، وابن سعد، ٢/ ٢/٧٢، والبيهقي، ٣/ ٤٠٧ [أحكام الجنائز للألباني، ص١٨٣] قلت وله شواهد أخرى ذكرها الألباني في أحكام الجنائز، ص١٨٣، وص١٨٧.\n(٦) وذكر الألباني شاهدًا عن الشعبي مرسلًا عن مرحب أو ابن أبي مرحب أنهم - يعني عليًّا، والفضل وأخاه-أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف فلما فرغ علي قال: «إنما يلي الرجل أهله» وله شاهد آخر عن الشعبي أيضًا، قال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٨٧: «وهو والذي قبله شاهد قوي لحديث علي - ﵁ -».","vol":"1","page":304},{"text":"وعن عامر قال: غسل رسول الله - ﷺ -: علي، والفضل، وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه قبره، قال: حدثنا مرحب - أو أبو مرحب - أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ علي قال: إنما يلي الرجل أهله» (١).\nوعن عبد الرحمن بن أبزى قال: «صليت مع عمر بن الخطاب على زينب بنت جحش بالمدينة فكبر أربعًا، ثم أرسل إلى أزواج النبي - ﷺ - من يأمرن أن يدخلها القبر؟ قال: وكان يعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك، فأرسلن إليه: انظر من كان يراها في حال حياتها فليكن هو الذي يدخلها القبر، فقال عمر: «صدقن» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>الأمر السادس عشر: لا بأس بإدخال الزوج زوجته قبرها</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - في اليوم الذي بُدئ فيه، فقلت: وارأساه، فقال: «وَددتُ أن ذلك كان وأنا حيٌّ، فهيأتُك ودفنتك» قالت: فقلت غَيْرَى: كأني بك في ذلك اليوم عَرُوسًا ببعض نسائك، قال: «وأنا وارأساه! ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابًا فإني أخاف أن يقول قائل ويتمنَّى متمنٍّ: أنا أوْلىَ ويأبى الله - ﷿ - والمؤمنون إلا أبا بكر» (٤).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب كم يدخل القبر، برقم ٣٢٠٩، و٣٢١٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٢.\n(٢) الطحاوي، ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥، وابن سعد، ٨/ ١١١ - ١١٢، والبيهقي، ٣/ ٥٣، قال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٨٧: «بسند صحيح».\n(٣) وتقدمت معظم هذه الأدلة فيمن يكون أولى بغسل الميت.\n(٤) أحمد، ٦/ ١٤٤، قال الألباني في أحكام الجنائز [ص١٨٨]: «بإسناد صحيح على شرط الشيخين» قال: «وهو في صحيح البخاري بنحوه [برقم ٥٦٦٦، ورقم ٧٢١٧، ومسلم،\n٧/ ١١٠ مختصرًا] قال وله طرق أخرى عن عائشة تقدمت [في أحكام الجنائز] ص٦٧» قلت: وقد قدمت تخريج بعض هذه الطرق في: لا يغسل الذكر إلا الرجال أو الزوجة أو الأمة، ولا يغسل الأنثى إلا النساء أو الزوج.","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>الأمر السابع عشر: ينزل المرأة قبرها من لم يطأ في الليلة السابقة</span>؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: شهدنا بنت رسول الله - ﷺ - ورسول الله - ﷺ - جالس على القبر، فرأيتُ عينيه تدمعان، فقال: «هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة، أنا، قال: «فانزل في قبرها» [فنزل في قبرها] فقبرها ...» (١).\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وفي هذا الحديث جواز البكاء كما ترجم له، وإدخال الرجال المرأة قبرها؛ لكونهم أقوى على ذلك من النساء، وإيثار البعيد العهد عن الملاذ في مواراة الميت - ولو كان امرأة - على الأب والزوج، وقيل: إنما آثره بذلك؛ لأنها كانت صنعته، وفيه نظر؛ فإن ظاهر السياق أنه - ﷺ - اختاره لذلك؛ لكونه لم يقع منه تلك الليلة جماع، وعلَّل ذلك بعضهم بأنه حينئذٍ يأمن من أن يذكّره الشيطان بما كان منه في تلك الليلة، وحكى ابن حبيب أن السر في إيثار أبي طلحة على عثمان أن عثمان كان قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة فتلطّف - ﷺ - في منعه من النزول في قبر زوجته (٢) بغير تصريح، ووقع في رواية حماد المذكورة فلم يدخل عثمان القبر، وفيه جواز الجلوس على شفير القبر عند الدفن» (٣).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب من يَدخُلُ قبر المرأة، برقم ١٣٤٢، وباب زيارة القبور، برقم ١٢٨٥، وما بين المعقوفين من هذا الموضع.\n(٢) رجح الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٣/ ١٥٨: أنها أم كلثوم ﵂ بنت النبي - ﷺ - وزوجة عثمان - ﵁ -.\n(٣) فتح الباري لابن حجر ٣/ ١٥٩.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>الأمر الثامن عشر: يدخل الميت من قِبَل رجلي القبر</span>؛ لحديث أبي إسحاق قال: أوصى الحارث أن يُصلِّي عليه عبد الله بن زيد، فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: «هذا من السنة» (١) (٢).وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «هذا أحسن ما ورد في ذلك، ورُوي في ذلك نوعان آخران: أحدهما سلَّه من جهة القبلة، والثاني سَلَّه من جهة رأس القبر، والأمر في هذا واسع، ولكن أحسن ما ورد ما رواه عبد الله بن زيد؛ لأن قوله من السنة في حكم المرفوع عند أهل العلم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>الأمر التاسع عشر: يقول عند إدخال الميت القبر: </span>«بسم الله وعلى ملة\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب في الميت يدخل من رجليه، برقم ٣٢١١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٢.\n(٢) قال الترمذي ﵀، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدفن بالليل، برقم ١٠٥٧، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - دخل قبرًا ليلًا فأُسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة، وقال: «رحمك الله إن كنت لأوَّاهًا تلاَّءً للقرآن وكبر عليه أربعًا»، وفي إسناده الحجاج بن أرطأة عن عطاء. قال الترمذي: «حديث ابن عباس حديث حسن، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وقال: يدخل الميت من قبل القبلة، وقال بعضهم: يسل سلًاّ ...» وقال عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ١١/ ١٤٢: «وهو حديث حسن»، ولكن ضعفه جماعة من أهل العلم منهم الألباني في أحكام الجنائز، ص١٩٠، قال المباركفوري: «... يدخل الميت القبر من قبل الرأس بأن يوضع رأس الجنازة على مؤخرة القبر ثم يدخل الميت القبر، وهو قول الشافعي وأحمد، والأكثرين وهو الأقوى والأرجح دليلًا» [تحفة الأحوذي، ٤/ ١٦٤].\nوذكر الألباني في الأحكام، ص١٩٠ - ١٩١ صورًا ثلاثًا هي:\nأ - يدخل الميت من قبل رجلي القبر، وصححها.\nب - يدخل الميت من قبل القبلة وضعفها.\nج - يدخل الميت من قبل رأسه وضعفها.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٩٦،وانظر سبل السلام للصنعاني، ٣/ ٣٧٢، والمغني، لابن قدامة، ٣/ ٤٢٥.","vol":"1","page":307},{"text":"رسول الله»، أو يقول: «بسم الله وعلى سنة رسول الله - ﷺ -»؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - كان إذا وضع الميت في القبر قال: «بسم الله وعلى سنة رسول الله - ﷺ -». وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: «أن النبي - ﷺ - كان إذا أدخل الميت القبر - وقال أبو خالد مرة: إذا وضع الميت في لحده - قال: - مرة -: «بسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله». وقال مرة: «بسم الله، وبالله، وعلى سنة رسول الله - ﷺ -»، ولفظ ابن ماجه: «كان النبي - ﷺ - إذا أدخل الميت القبر قال: «بسم الله وعلى ملة رسول الله». وفي لفظ: «إذا وضع الميت في لحده قال: بسم الله وعلى سنة رسول الله». وفي لفظ: «بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله - ﷺ -» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>الأمر العشرون: يجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن، ووجهه قبالة القبلة</span>، ورأسه إلى يمين القبلة، ورجلاه إلى يسار القبلة، وعلى هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله - ﷺ - إلى يومنا هذا، وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض (٢)، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا» (٣). وينبغي أن يُدنى من حائط القبر القبلي الأمامي؛ لئلا ينكب على وجهه، وأن يسند من خلف ظهره بتراب؛ لئلا\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت إذا وُضع في قبره، برقم ٣٢١٣، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يقول إذا أُدخل الميت القبر، برقم ١٠٤٦، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في إدخال الميت القبر، برقم: ١٦٦٠، وأحمد، ٢/ ٤٠، وصححه الألباني في صحيح السنن المتقدمة، وفي أحكام الجنائز، ص١٩٢.\n(٢) انظر: المحلى لابن حزم، ٥/ ١٧٣، وأحكام الجنائز للألباني، ص١٩٢.\n(٣) أبو داود، برقم ٢٨٧٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٠٩، وتقدم تخريجه في توجيه المحتضر إلى القبلة.","vol":"1","page":308},{"text":"ينقلب على ظهره (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>الأمر الواحد والعشرون: تحل عن الميت العقد إذا وضع الميت داخل القبر </span>على جنبه الأيمن (٣)، قال الإمام الخرقي ﵀: «وتحل العقد»، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأما حل العقد من عند رأسه ورجليه فمستحب؛ لأن عقدها كان للخوف من انتشارها وقد أُمن ذلك بدفنه، وروي أن النبي - ﷺ - لما أدخل نعيم بن مسعود الأشجعي القبر نزع الأخلة بفيه (٤). وعن ابن مسعود، وسمرة بن جندب نحو ذلك (٥) (٦).\nوقال شيخنا ابن باز ﵀ في حل العقد عن الميت في القبر: «هذا هو الأفضل لفعل الصحابة - ﵃ -» (٧) (٨).\n_________\n(١) الروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٢/ ١٢٢، وانظر الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٢٣.\n(٢) وقيل: يجعل تحت رأسه لبنة فإن لم توجد فحجر، فإن عدم فقليل من تراب كما يصنع بالحي، وإن تركه فلا بأس، وقيل: يتركه فلا بأس بدون ذلك. الشرح الكبير، ٦/ ٢٢٣، ٢٢٤، والمغني،\n٣/ ٤٢٨، واختار ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٥/ ٤٥٥: أنه لا يوضع تحت رأس الميت شيء، لعدم الدليل.\n(٣) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، ما قالوا في حل العقد عن الميت، ٣/ ٣٢٦ قال: «حدثنا خلف بن خليفة عن أبيه أظنه سمعه من معقل عن النبي - ﷺ - أنه أدخل نعيم بن مسعود الأشجعي القبر ونزع الأخلة يعني العقد» وجاء في هذا الموضع عن أبي هريرة، وعن أبي بكر بن عياش عن مغيرة عن إبراهيم قال: «إذا أدخل الميت القبر حل عنه العقد كلها».وعن جابر عن عامر قال: يحل عن الميت العقد، وأوصى الضحاك أن يحل عنه العقد، وعن ابن سيرين قال: يحل عن الميت العقد، المصنف ٣/ ٣٢٦.\n(٤) سنن البيهقي، كتاب الجنائز، باب عقد الأكفان عند خوف الانتشار وحلها إذا أدخلوه القبر، ٣/ ٤٠٧.\n(٥) انظر: المرجع السابق، ٣/ ٤٠٧.\n(٦) المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٣٤.\n(٧) مجموع الفتاوى، ١٣/ ١٩٥.\n(٨) وانظر: مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٨٣.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>الأمر الثاني والعشرون: ينصب على فتحة اللحد اللبن نصبًا </span>فيصف على فتحة اللحد من خلف الميت وينصب نصبًا مرصوصًا، ويسد ما بين اللبن من خلل بقطع اللبن، فإذا أُحكم جعل الطين فوق ذلك حتى يسد الخلل بإحكام وإتقان؛ لئلا يصل التراب إلى الميت، فإن لم يكن لبن وضع حجر أو نحوه، وأُلحم بالطين حتى يلتحم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>الأمر الثالث والعشرون: يُحثى بعد الفراغ من سد اللحد ثلاث حثيات على القبر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا» (٢). قال الإمام الصنعاني ﵀: «وفيه دلالة على مشروعية الحثي على القبر ثلاثًا، وهو يكون باليدين معًا؛ لثبوته في حديث عامر بن ربيعة ففيه: «حثى بيديه» (٣) (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «والحثي عليه في هذا الحديث من باب المشاركة إذا كان الناس كثيرًا، وجاء في لفظ: «بيديه» (٥)، وسمعته أيضًا يقول: «هذا يدل على أنه يستحب لمن\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، لابن قدامة،\n٦/ ٢٢٤، والكافي، ٢/ ٦٦، والروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٢/ ١٢٢ - ١٢٣، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة، ٨/ ٤٢٦.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في حثو التراب في القبر، برقم ١٥٦٥، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٥، وفي أحكام الجنائز، ص١٩٣، وإرواء الغليل، برقم ٧٥١.\n(٣) الدارقطني في السنن، ٢/ ٧٦.\n(٤) سبل السلام، ٣/ ٣٨٣.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٣.","vol":"1","page":310},{"text":"حضر الدفن أن يشارك مع الناس ولو بثلاث حثيات» (١) (٢).\nويُهال على القبر التراب (٣)، ولا يزاد عليه من غير ترابه، وإنما يجعل التراب الذي أخرج من القبر من غير زيادة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>الأمر الرابع والعشرون: يرفع القبر عن الأرض قدر شبر</span>؛ لأن تسويته بالأرض تعرضه للإهانة؛ ولأن رفعه عن الأرض بهذا القدر يجعله يتميَّز ولا يُهان؛ لحديث جابر - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - أُلحد له لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا، ورفع قبره عن الأرض نحوًا من شبر» (٥). قال العلامة الألباني ﵀: «ويؤيده ما سيأتي من النهي عن الزيادة على التراب الذي أُخرج من اللحد الذي شغله جسم الميت وذلك يساوي القدر المذكور في الحديث» (٦).\nقال شيخنا ابن باز ﵀ ما ملخصه: «وإذا دفنوا القبر بتراب، جعلوا عليه حصباء، ورشوه بالماء حتى يثبت بها التراب فكل هذا لا بأس به؛ لأن فيه حفظًا لترابه، وبقاء له، والمشروع [في رفع القبر] شبر، أو ما حوله، أما رفعه كثيرًا فلا يجوز؛ لما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال لعلي - ﵁ -: «لا تدع صورة إلا\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٩٩.\n(٢) وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٥٠.\n(٣) انظر: المغني، ٣/ ٤٢٩.\n(٤) انظر: الكافي لابن قدامة، ٢/ ٦٨.\n(٥) البيهقي، ٣/ ٤١٠، كتاب الجنائز، باب لا يزاد في القبر على أكثر من ترابه؛ لئلا يرتفع، وابن حبان في صحيحه [موارد]، برقم ٢١٦٠، وحسن إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص١٩٥، وذكر ﵀ في هذا الموضع له شواهد أخرى.\n(٦) أحكام الجنائز، ص١٩٥.","vol":"1","page":311},{"text":"طمستها ولا قبرًا مشرِفًا إلا سويته» (١) (٢).\nوعن جابر - ﵁ - قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُجصص القبر، أو يقعد عليه، وأن يُبنى عليه» (٣).\nولفظ النسائي: «أن يُبنى على القبر، أو يُزاد عليه، أو يُجصص، أو يكتب عليه» (٤).\nوفي سنن أبي داود: «نهى أن يُقعد على القبر، وأن يُقصص، ويُبنى عليه، أو يزاد عليه، أو أن يُكتب عليه» (٥). ولفظ الترمذي: «نهى رسول الله - ﷺ -: أن تجصص القبور، وأن يُكتب عليها، وأن يُبنى عليها، وأن تُوطأ» (٦). ولفظ ابن ماجه: «نهى رسول الله - ﷺ - عن تجصيص القبور» (٧). وفي لفظ له: «أن يُكتب على القبر شيء» (٨).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبور، برقم ٩٦٩.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢٠٨، ٢٠٩.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، برقم ٩٧٠.\n(٤) النسائي، كتاب الجنائز، باب الزيادة على القبر، برقم ٢٠٢٦ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٦٤.\n(٥) سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب في البناء على القبور برقم ٣٢٢٥، ٣٢٢٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٥.\n(٦) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها برقم ١٠٥٢، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٣٧.\n(٧) العرب تسمي الجص قصة، وتقصيص القبر: بناؤه بالقصة: وهي الجص [جامع الأصول، لابن الأثير، ١١/ ١٤٦].\n(٨) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور، وتجصيصها، والكتابة عليها، برقم١٥٦٢، ١٥٦٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٤.","vol":"1","page":312},{"text":"وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «والزيادة عليه من غير ترابه تُفضي إلى رفعه، فلا يُزاد عليه بل يكتفى بما أخذ من تراب لحده» (١)، وسمعته في موضع آخر يقول: «لا يجوز البناء على القبور، والتجصيص، ولا يقعد عليها، ولا البناء عليها، ولا توطأ، ولا يزاد عليها من غير ترابها» (٢).وجاء في ذلك آثار كثيرة أنه لا يزاد على تراب اللحد الذي أخذ من القبر، بل يكفي ذلك للدفن (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>الأمر الخامس والعشرون: يسنم القبر كهيئة سنام الجمل</span>؛ لحديث سفيان التمار: «أنه رأى قبر النبي - ﷺ - مسنمًا» (٤). ولفظ ابن أبي شيبة: «دخلت البيت الذي فيه قبر النبي - ﷺ - فرأيت قبر النبي - ﷺ -، وقبر أبي بكر، وقبر عمر مسنمة» (٥). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، والمزني وكثير من الشافعية ...» (٦).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وتسنيم القبر أفضل من تسطيحه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري ...» (٧).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٢.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، برقم ١٩٠٥ - ١٩٠٧.\n(٣) انظر: سنن البيهقي،٣/ ٤١٠،كتاب الجنائز، باب لا يزاد في القبر على أكثر من ترابه؛ لئلا يرتفع.\n(٤) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر ﵄، برقم ١٣٩٠.\n(٥) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، ما قالوا في القبر يسنم، ٣/ ٣٣٤، وذكر في هذا الموضع ثلاثة آثارٍ أخر في تسنيم قبور بعض الصحابة، وأخرجه بلفظ ابن أبي شيبة أبو نعيم في المستخرج كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٢٥٧.\n(٦) فتح الباري، ٣/ ٢٥٧.\n(٧) المغني، ٣/ ٤٣٧.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>الأمر السادس والعشرون: توضع على القبر الحصباء</span>؛ لحديث القاسم قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أُمَّهْ! اكشفي لي عن قبر رسول الله - ﷺ - وصاحبيه ﵄ فكشفت لي عن ثلاثة قبور: لا مُشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرْصَةِ الحمراء» قال أبو علي [اللؤلؤي] يقال: إن رسول الله - ﷺ - مُقدّمٌ، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رجلي رسول الله - ﷺ -» (١).\nوالبطحاء في هذا الحديث: هو الحصى الصغار، ويقال: بطحاء الوادي وأبطحه: هو حصاه اللين في بطن المسيل (٢)، وقوله: «ولا لاطئة» يقال: لطئ بالأرض ولطأ بها إذا لزق» (٣)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «والمشرف ما رفع كثيرًا» (٤)، وقال ﵀: «ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر؛ ليعلم أنه قبر، فيُتوقَّى، ويُتَرَحَّم على صاحبه» (٥)، وقد جاء آثار كثير تدل على وضع الحصباء على القبور، ومن ذلك ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي - ﷺ - رشَّ على قبر إبراهيم ابنه الماء ووضع عليه حصباء» (٦)، وغير ذلك من الآثار (٧).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب تسوية القبر، برقم ٣٢٢٠، والبيهقي في كتاب الجنائز، باب تسوية القبور وتسطيحها، ٤/ ٣، والحاكم، ١/ ٣٦٩، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه عبد القادر الأرناؤوط في تحققه لجامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٨٢.\n(٢) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ١/ ١٣٤.\n(٣) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ٤/ ٢٤٩.\n(٤) المغني، ٣/ ٤٣٦.\n(٥) المغني، ٣/ ٤٣٥.\n(٦) البيهقي، ٣/ ٤١١، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٢٠٦: «وهذا سند صحيح مرسل».\n(٧) انظر: سنن البيهقي، ٣/ ٤١١، كتاب الجنائز، باب رش الماء على القبر ووضع الحصباء عليه، وإرواء الغليل للألباني، ٣/ ٢٠٥ - ٥٠٦.","vol":"1","page":314},{"text":"ولا منافاة بين التسنيم للقبر وبين قوله: مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، فبطحاء العرصة هو الحصباء الصغير؛ ولهذا جمع الإمام ابن القيم ﵀ بين حديث سفيان التمار في قوله: «إنه رأى قبر النبي - ﷺ - مسنمًا»،وحديث القاسم: «لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء» فقد جمع بين الحديثين فقال: «وقبره - ﷺ - مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا مبني ولا مطيَّن، وهكذا كان قبر صاحبيه» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في الجمع بين الحديثين: «السنة أن يكون القبر مسنمًا، وحديث عائشة ﵂ لا ينافي ذلك، فهو يكون مسنمًا حتى يرد عنه الماء وتوضع عليه حصباء ويرش» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>السابع والعشرون: يُعلّم القبر بحجر أو لبن، أو خشبة</span>؛ لأن النبي - ﷺ - علَّم قبر عثمان بن مظعون - ﵁ - بحجر وضعه عند رأسه وقال: «أتعلَّم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي» (٣).\nقال الإمام شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀: «لا بأس بوضع علامة على القبر ليعرف: كحجر، أو عظم، أو حديد، من غير كتابة ولا أرقام؛ لأن الأرقام كتابة، وقد صح النهي عن النبي - ﷺ - عن الكتابة على القبر، أما وضع حجر على القبر، أو صبغ الحجر بالأسود أو الأصفر حتى\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٥٢٤.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٩٠٠، ١٩٠١.\n(٣) أبو داود، برقم ٣٢٠٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠١، وتقدم تخريجه في الأمر التاسع: جمع الأقارب في مقبرة واحدة.","vol":"1","page":315},{"text":"يكون علامة على صاحبه فلا يضر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>الثامن والعشرون: رشّ القبر بالماء بعد الانتهاء من أعمال الدفن</span>، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويستحب أن يرش على القبر ماء؛ ليلتزق ترابه» (٢).\nوقد ورد في ذلك آثار كثيرة منها ما جاء عن جعفر بن محمد عن أبيه: «أن الرش على القبر كان على عهد رسول الله - ﷺ -» (٣)، وغير ذلك من الآثار (٤).\nقال الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ في حكم وضع الحصباء على القبر ورشه بالماء: «هذا مستحب إذا تيسر ذلك؛ لأنه يثبِّت التراب ويحفظه، ويروى أنه وضع على قبر النبي - ﷺ - بطحاء، ويستحب أن يرش بالماء حتى يثبت التراب ويبقى القبر واضحًا معلومًا حتى لا يمتهن» (٥)، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «لا بأس أن يرش؛ لأن الماء يمسك التراب فلا يذهب يمينًا ويسارًا» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>الأمر التاسع والعشرون: يقف الحاضرون بعد الفراغ من الدفن على القبر يدعون للميت بالتثبيت ويستغفرون له</span>، ويؤمر جميع الحاضرين بذلك؛ حديث عثمان بن عفان - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢٠٠.\n(٢) المغني، ٣/ ٤٣٦، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٢٥ - ٢٢٨.\n(٣) البيهقي في الكبرى، ٣/ ٤١١، كتاب الجنائز، باب رش الماء على القبر ووضع الحصباء عليه، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٢٠٦: «وهذا سند صحيح مرسل» وانظر في هذا الموضع آثارًا كثيرة، وفي نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣.\n(٤) منها جملة ذكرها ابن أبي شيبة في المصنف، ٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠، كتاب الجنائز، في رش الماء على القبر.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٩٨.\n(٦) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٩٤.","vol":"1","page":316},{"text":"عليه فقال: «استغفروا لأخيكم، وسلُوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل» (١).\nقال الإمام الشوكاني ﵀: «فيه مشروعية الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه، وسؤال التثبيت له؛ لأنه يُسأل في تلك الحال، وفيه دليل على ثبوت حياة القبر، وقد ورد بذلك أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر» (٢).وقد تقدمت الأدلة على فتنة القبر في أول الكتاب.\nأسأل الله لي ولجميع المؤمنين العفو والعافية والثبات في الحياة الدنيا وبعد الممات (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>التاسع عشر: آداب الجلوس والمشي في المقابر كثيرة، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>١ - استقبال القبلة في الجلوس لمن كان ينتظر دفن الجنازة</span>؛ لحديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد بعد، فجلس النبي - ﷺ - مستقبلًا القبلة وجلسنا معه» (٤)، قال الإمام الشوكاني ﵀: «فيه دليل استحباب\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف، برقم ٣٢٢١، والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٣٧٠، والبيهقي، ٤/ ٥٦، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٥، وأحكام الجنائز، ص١٩٨.\n(٢) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٨١.\n(٣) أما خبر تلقين الميت الذي يفعله الشاميون فذكر أهل العلم أنه لا يثبت عن النبي - ﷺ -، ولا عن أصحابه - ﵃ -، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٥: «وهذا فعله جماعة من الشاميين والجمهور على خلافهم، والأظهر والله أعلم أن هذا الحديث موضوع كما ذكر صاحب المنار، ولم يفعله الصحابة - ﵃ -». وقال ﵀ في مجموع الفتاوى له، ١٣/ ٢٠٦، في حكم التلقين بعد الدفن: «بدعة وليس له أصل فلا يلقن بعد الموت، وقد ورد في ذلك أحاديث موضوعة ليس لها أصل وإنما التلقين يكون قبل الموت».\n(٤) أبو داود، برقم ٣٢١٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٣، وتقدم تخريجه في حديث الموعظة عند القبر، وهو عند أبي داود مطولًا، برقم ٤٧٥٣.","vol":"1","page":317},{"text":"الاستقبال في الجلوس لمن كان منتظرًا دفن الجنازة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>٢ - تحريم الجلوس على القبر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>٣ - لا يُصلَّى إلى القبور</span>؛ لحديث أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>٤ - لا يُتكأ على القبر</span>؛ لحديث عمرو بن حزم الأنصاري - ﵁ - قال: رآني رسول الله - ﷺ - متكئًا على قبر فقال: «لا تؤذِ صاحب هذا القبر - أو لا تؤذه -» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>٥ - لا يمشى بالنعال بين القبور إلا لضرورة</span>؛ لحديث بشير مولى رسول الله - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يمشي بين القبور عليه نعلان فقال: «يا صاحب السبتيتين: ويحك ألق سبتيتيك» فنظر الرجل فلما عرف رسول الله - ﷺ - خلعهما فرمى بهما» (٥).\nقال الإمام الشوكاني ﵀: «وفي ذلك دليل على أنه لا يجوز المشي\n_________\n(١) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٧٦.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، برقم ٩٧١.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، برقم ٩٧٢.\n(٤) أحمد، ٣٩/ ٤٧٥ برقم ٢٤٠٠٩/ ٣٨، قال الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٧٧٧: «قال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح»، وقال محققو مسند الإمام أحمد، ٣٩/ ٤٧٥: «حديث صحيح».\n(٥) أبو داود، برقم ٣٢٣٠، والنسائي، برقم ٢٠٤٧، وابن ماجه، برقم ١٥٦٨، وأحمد، ٥/ ٨٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٧٠، وأحكام الجنائز، ص١٧٣، وتقدم تخريجه في تحريم الدفن في قبور المشركين.","vol":"1","page":318},{"text":"بين القبور بالنعلين ... [و] سماع الميت لخفق النعال (١) لا يستلزم أن يكون المشي على قبر أو بين القبور فلا معارضة» (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في حديث بشير: «وهذا يدل على كراهة المشي بين القبور بالنعال، وإسناده جيد، لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك: كالحر وغيره زالت الكراهة، أما حديث: «يسمع قرع نعالهم» فلا يلزم بأنه على القبور، فيكون خارجًا، أو يقال: ذلك عند الحاجة» (٣).\nوأوضح العلامة ابن عثيمين ﵀: أن المشي بين القبور بالنعال مكروه وخلاف السنة إلا لحاجة، كشدة حر، أو يكون في المقبرة شوك، أو حصى يؤذي الرجل فلا بأس به (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>٦ - تحريم الصلاة في المقبرة</span>؛ لأن النبي - ﷺ - بيّن أن القبور ليست من مواضع الصلاة، فقال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٥).\nوعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا».وفي لفظ: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا» (٦)، والمعنى: صلوا فيها ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة (٧).\n_________\n(١) يشير إلى حديث «يسمع قرع نعالهم».\n(٢) نيل الأوطار، ٢/ ٧٧٧ - ٧٧٨، ببعض التصرف اليسير.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٩١٣.\n(٤) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢٠٠ - ٢٠٢، وانظر الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٣٦.\n(٥) أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم ٢٠٤٢، وأحمد، ٢/ ٣٦٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٧٠، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(٦) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، برقم ٧٧٧.\n(٧) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٣١٤.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>٧ - المقابر ليست من المواضع التي يرغب في قراءة القرآن فيها</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>٨ - لا تبنى عليها المساجد</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵄ حينما ذكرتا لرسول الله - ﷺ - كنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>٩ - لا تتخذ مساجد</span>؛ لحديث جندب - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٣).\nوعن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، برقم ١١٧٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب هل ننبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، ١/ ٥٢٣، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، برقم ٥٢٨.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، برقم ٥٣٠.","vol":"1","page":320},{"text":"اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>١٠ - لا تُبنى عليها القباب ولا تُرفع أكثر من شبر</span>؛ لحديث أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -: «ألاّ تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سوّيته» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>١١ - لا تتخذ عليها السرج</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» (٣)، ولحديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ -: «لعن زوَّارات القبور» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>١٢ - لا تُجصص القبور</span>؛ لحديث جابر - ﵁ -: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يجصص القبر، أو يقعد عليه، أو يُبنى عليه» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>١٣ - لا يُقعد على القبر</span>؛ لحديث جابر السابق.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب حدثنا أبو اليمان، ١/ ٥٣٢، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، برقم ٥٢٩.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبور، برقم ٩٦٩، ٣/ ٢٦٦.\n(٣) النسائي، كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور، ٤/ ٩٤، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، ٣/ ٢١٨، والترمذي، كتاب الصلاة، باب كراهية أن يتخذ على القبر مسجدًا، ٢/ ١٣٦،وابن ماجه في الجنائز، باب النهي عن زيارة النساء القبور، ١/ ٥٠٢، وأحمد، ١/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤، ٢/ ٣٣٧، ٣/ ٤٤٢، والحاكم، ١/ ٣٧٤، وانظر ما نقل صاحب فتح المجيد في تصحيح الحديث عن ابن تيمية، ص٢٧٦.\n(٤) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء، برقم ١٠٥٦، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور، برقم ١٥٧٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٣٨، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٨.\n(٥) مسلم، برقم ٩٧٠ وتقدم في الأمر الرابع والعشرين: يرفع القبر عن الأرض شبرًا.","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>١٤ - لا يُزاد عليها من غير ترابها</span>، لحديث جابر في لفظ عند النسائي (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>١٥ - لا يُكتب عليها شيء</span>؛ لحديث جابر في لفظ عند أبي داود (٢)، والترمذي (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>١٦ - لا تُوطأ</span>؛ لحديث جابر في لفظ عند الترمذي (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>١٧ - لا يبنى عليها</span>؛ لحديث جابر في لفظ عند الترمذي (٥)، وعند ابن ماجه (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>١٨ - لا تتخذ القبور عيدًا فيتردد إليها الناس في أوقات محددة </span>وفي أزمان مؤرخة لا يأتونها إلا فيها؛ لقوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>١٩ - لا تُشد الرحال إلى زيارتها</span>؛ لقوله - ﷺ -: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>٢٠ - لا يُذبح ولا يُنحر عند القبور</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - يرفعه: «لا عقر\n_________\n(١) برقم ٢٠٢٦.\n(٢) برقم ٣٢٢٥، ٣٢٢٦.\n(٣) برقم ١٠٥٢.\n(٤) برقم ١٠٥٢.\n(٥) برقم ١٠٥٢.\n(٦) برقم ١٥٦٢،١٥٦٣،وسبق تخريج الحديث بألفاظه وقد صححها الألباني في جميع الألفاظ لما تقدم.\n(٧) أبو داود، برقم ٢٠٤٢، وأحمد، ٢/ ٣٦٧، وتقدم تخريجه في رقم ٦ من هذا المبحث.\n(٨) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ٣/ ٦٣، ومسلم بلفظه، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، برقم ١٣٩٧، ٢/ ٩٧٦.","vol":"1","page":322},{"text":"في الإسلام» قال عبد الرزاق بن همام: كانوا يعقرون بقرة أو شاة (١)، هذا إذا كان الذبح أو النحر عند القبور يتقرب به إلى الله تعالى فهو بدعة، أما إذا كان الذبح لصاحب القبر فهو شرك أكبر يخرج صاحبه من الملة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>٢١ - لا تكسر عظام أهل القبور</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إن كسر عظم المؤمن ميتًا مثل كسره حيًّا» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>٢٢ - لا يُسبُّ الأموات</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي - ﷺ -: «لا تسبُّوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (٤).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وهذا هو الأصل؛ إلا إذا كان في سبهم مصلحة للناس، كمن قال لهم النبي - ﷺ -: «وجبت» عندما مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيرًاً، [ومُرَّ بأخرى فأثني عليها شرًّا] (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>العشرون: التعزية:</span>\nالعزاء يقال: تعزَّيتُ عنه: أي تصبَّرت، أصلها تعزَّزت، والاسم منه العزاء (٦) والتعزِّي: التأسِّي والتصبّر عند المصيبة، وأن يقول: إنا لله وإنا\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب كراهية الذبح عند القبر، برقم ٣٢٢٢، ومصنف عبد الرزاق، برقم ٦٦٩٠، والبيهقي، ٤/ ٥٧، وأحمد، ٣/ ١٩٧، قال الألباني في أحكام الجنائز: «وإسناده صحيح».\n(٢) انظر: أحكام الجنائز للألباني، ص٢٥٩.\n(٣) أحمد، ٦/ ٥٨، وأبو داود برقم ٣٢٠٧، وابن ماجه، برقم ٦٦١٦، وتقدم تخريجه في معرفة حرمة المسلم ومنزلته.\n(٤) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما ينهى من سب الأموات، برقم ١٣٩٣، وروى الترمذي، برقم ١٩٨٢، عن المغيرة - ﵁ - نحوه، ولكن قال: «فتؤذوا الأحياء».\n(٥) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٣٩٣.\n(٦) لسان العرب لابن منظور، ٥/ ٣٧٧.","vol":"1","page":323},{"text":"إليه راجعون» (١).\nوالتعزية: التصبير على ما أصاب من المكروه (٢)، والتعزية يُراعى فيها الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>الأمر الأول: فضل تعزية المصاب</span>، جاء في ذلك فضل عظيم؛ لحديث عمرو بن حزم أن النبي - ﷺ - قال: «ما من مؤمن يُعزِّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة» (٣).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من عزّى أخاه المؤمن في مصيبة كساه الله حُلة خضراء يُحْبَرُ بها يوم القيامة» قيل: يا رسول الله، ما يُحبرُ؟ قال: «يغبط» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>الأمر الثاني: ألفاظ التعزية، وصفتها</span>، يقوم المعزِّي بتعزية المصاب بما يسلِّيه، ويصبِّره، ويحمله على: الرضا، والصبر، واحتساب المصيبة عند الله تعالى، والثقة بالله سبحانه وأنه لا يخلف الميعاد، ويكون ذلك بما تيسر\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ٢٢٣.\n(٢) انظر: معجم لغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص٢٨٠.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عزى مصابًا، برقم ١٦٠٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٥. وأخرجه أيضًا أحمد، ١/ ٢٠١، وانظر: إرواء الغليل،\n٣/ ٢١٧. وجاء من حديث ابن مسعود يرفعه: «من عزَّى مصابًا فله مثل أجره» [الترمذي، برقم ١٠٧٣، وابن ماجه، برقم ١٦٠٢] وضعفه الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٧٨٧، والألباني ذكر له طرقًا كثيرة ثم ضعفه، انظر: إرواء الغليل، ٣/ ٢١٩ - ٢٢٠، وأحكام الجنائز للألباني، وفضل الله على عباده أوسع.\n(٤) قال الألباني: «أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد، ٧/ ٣٩٧، قال: وله شاهد عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مقطوعًا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، ٤/ ١٦٤، وهو حديث حسن بمجموع الطريقين كما بينته في إرواء الغليل، رقم ٧٦٤» [أحكام الجنائز للألباني، ص٢٠٦].","vol":"1","page":324},{"text":"من الترغيب في الأجر والثواب، والاحتساب من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، أو بما تيسر من الكلام الذي يخفف المصيبة، ويبرِّد حرارتها (١) على حسب نوع المصيبة وحال المصاب، ومن ذلك ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>١ - ما قاله رسول الله - ﷺ - لابنته </span>حينما كان ولدها في الغرغرة: «إن لله ما أخذ و[لله] ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>٢ - يناسب أن يقال لمن فقد ولده ما ثبت في حديث قرة بن إياس</span>، قال: كان نبي الله - ﷺ - إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلْقة لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي - ﷺ - فقال: «ما لي لا أرى فلانًا؟» قالوا: يا رسول الله بُنيَّه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي - ﷺ - فسأله عن بُنيِّهُ؟ فأخبره أنه هلك فعزَّاه عليه ثم قال: «يا فلان أيُّما كان أحبَّ إليك أن تمتَّع به عُمرك؟ أو لا تأتي غدًا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتح لك؟» قال: يا نبي الله بل يسبقنى إلى باب الجنة فيفتحها لي؛ لهو أحبُّ إليَّ، قال: «فذاك لك» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>٣ - مما يقال لمن فقد ولدين أو ثلاثة </span>ما ثبت من حديث بريدة بن\n_________\n(١) قد ذكرت جملة من الآيات والأحاديث التي تبرِّد حرارة المصيبة في رسالة لطيفة بعنوان: «تبريد حرارة المصيبة عند فقد الأحباب» وقد أضفتها في هذه الرسالة بعنوان: «فضائل الصبر والاحتساب على المصائب».\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٣.\n(٣) النسائي، برقم ١٨٦٩، ورقم ٢٠٨٧، وصححه الألباني، وتقدم تخريجه في فضائل الصبر.","vol":"1","page":325},{"text":"الحصيب قال: كان رسول الله - ﷺ - يتعهد الأنصار ويعودهم، ويسأل عنهم فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره وأنها جزعت عليه جزعًا شديدًا، فأتاها النبي - ﷺ - ومعه أصحابه، فلما بلغ باب المرأة، قيل للمرأة: إن نبي الله يريد أن يدخل يعزِّيها، فدخل رسول الله - ﷺ - فقال: «أما إنه بلغني أنكِ جزعتِ على ابنك»، فأمرها بتقوى الله وبالصبر، فقالت: يا رسول الله [ما لي لا أجزع] وإني امرأة رقوبٌ لا ألد، ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «الرقوب: الذي يبقى ولدها» ثم قال: «ما من امرئٍ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد [يحتسبهم] إلا أدخله الله بهم الجنة» فقال عمر [وهو عن يمين النبي - ﷺ -] بأبي أنت وأمي واثنين؟ قال: «واثنين» (١)، وقد ثبت في هذا أحاديث كثيرة: أن من مات له ثلاثة من الولد، أو اثنين، أو واحد، فصبر واحتسب إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>٤ – قال النبي - ﷺ - حينما دخل على أم سلمة </span>﵂ عقب موت أبي سلمة: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه» (٣).\n_________\n(١) البزار، برقم ٨٥٧، والحاكم، ١/ ٣٨٤، وصححه، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٠٨، وقد ثبت في هذا المعنى أحاديث صحيحة ذكرتها في تبريد حرارة المصيبة، وهي في هذا الكتاب في فضائل الصبر والاحتساب على المصائب.\n(٢) انظر: صحيح البخاري، رقم ١٠١، ١٢٤٩، ١٣٨١، ٧٣١٠، ومسلم، برقم ٢٦٠٨، ٢٦٣٢، ٢٦٣٣، ٢٦٣٦، وقد تقدم تخريجها في فضائل الصبر.\n(٣) مسلم، برقم ٩٢٠، وتقدم تخريجه في تغميض الميت.","vol":"1","page":326},{"text":"فمن السنة أن يقال في التعزية: «اللهم اغفر لفلان – ويذكر اسمه – وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>٥ – وقال النبي - ﷺ - في تعزيته عبد الله بن جعفر </span>في أبيه: «اللهم اخلف جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه» قالها ثلاث مرات (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>٦ – ومما يبرِّد حرارة المصيبة في التعزية </span>في الأحباب على وجه العموم، سواء كان الميت من الأولاد، أو الآباء، أو الأمهات، أو الإخوة، أو الأخوات، أو الزوج، أو الزوجة، أو الحبيب المصافي والصديق المخلص، قول النبي - ﷺ -: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>٧ – ولو قال: «أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك» فلا بأس </span>بذلك (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>الأمر الثالث: التعزية لا تحدد بثلاثة أيام </span>لا تتجاوزها، بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها، فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه عزَّى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر ﵄ (٤) فما دامت حرارة المصيبة قائمة فلا بأس بالتعزية، ولو بعد وقتٍ طويل، فالأمر فيه واسع وفيه مواساة لأهل\n_________\n(١) أحمد، برقم ١٧٥٠، والحاكم، ٣/ ٢٩٨، قال الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٠٩: «بإسناد صحيح على شرط مسلم».\n(٢) البخاري، برقم ٦٤٢٤، وتقدم تخريجه في فضائل الصبر.\n(٣) انظر: الأذكار للإمام النووي، ص١٢٦.\n(٤) أحمد، برقم ١٧٥٠، [تحقيق أحمد شاكر]، والحاكم، ٣/ ٢٩٨، وصحح الألباني إسناده وساقه مطولًا في أحكام الجنائز، ص٢٠٩.","vol":"1","page":327},{"text":"الميت في مصابهم.\nقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «العزاء ليس له أيام محدودة، بل يشرع من حين خروج الروح قبل الصلاة على الميت وبعدها، [وقبل الدفن وبعده]، وليس لغايته حد في الشرع المطهر، سواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا، وسواء كان ذلك في البيت، أو في الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، أو في غير ذلك من الأماكن» (١).وقال رحمه الله تعالى: «والمبادرة بها أفضل، وتجوز بعد ثلاث من موت الميت لعدم الدليل على التحديد» (٢).\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «وقت التعزية من حين ما يموت الميت أو تحصل المصيبة إذا كانت التعزية بغير الموت إلى أن تُنسى المصيبة وتزول عن نفس المصاب؛ لأن المقصود بالتعزية ليست تهنئةً أو تحيةً، إنما المقصود بها تقويةُ المصاب على تحمّل هذه المصيبة واحتساب الأجر» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>الأمر الرابع: السنة في العزاء أن يصنع أقرباء أهل الميت أو جيرانهم طعامًا يشبعهم</span>؛ لحديث عبد الله بن جعفر - ﵁ - قال: لما جاء نعي جعفر حين قُتِلَ قال رسول الله - ﷺ -: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم» أو: «أمر يشغلهم» (٤).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٧٩، وما بين المعقوفين من ١٣/ ٣٨٠.\n(٢) المرجع السابق، ١٣/ ٣٨٠.\n(٣) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٣٤٠.\n(٤) ابن ماجه، بلفظه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت، برقم ١٦١٠، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب صنعة الطعام لأهل الميت، برقم ٣١٣٢، والترمذي كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت، برقم ٩٩٨، وأحمد، برقم ١٧٥٤، ١/ ١٧٥، والحاكم، ١/ ٣٧٢، والبيهقي، ٤/ ٦١، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح السنن، وفي أحكام الجنائز، ص٢١١.","vol":"1","page":328},{"text":"وعن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: «لما أصيب جعفر رجع رسول الله - ﷺ - إلى أهله فقال: «إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم، فاصنعوا لهم طعامًا» قال عبد الله: فما زالت سنة حتى كان حديثًا فتُرِكَ» (١).\nقال الشافعي رحمه الله تعالى: «وأحبُّ لجيران الميت أو ذي القرابة أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعامًا يشبعهم؛ فإن ذلك سنة، وذكر كريم، وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا» (٢).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجملته أنه يستحب إصلاح طعام لأهل الميت، يبعث به إليهم، إعانة لهم، وجبرًا لقلوبهم، فإنهم ربما انشغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم من إصلاح طعامٍ لأنفسهم» (٣).\nثم بيّن ابن قدامة ﵀: أنها إذا دعت الحاجة لإصلاح أهل الميت للطعام جاز؛ فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة ويبيت عندهم فلا يمكنهم أن لا يضيفوه (٤).\nوقال ﵀: «وتستحب تعزية جميع أهل المصيبة: كبارهم، وصغارهم، ويُخصُّ خيارهم، والمنظور إليه من بينهم، ليستنَّ به غيرُهُ،\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يبعث لأهل الميت، برقم ١٦١١، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٧.\n(٢) الأم، ١/ ٢٤٧.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٩٦.\n(٤) المغني، ٣/ ٣٩٧.","vol":"1","page":329},{"text":"وذا الضعيف منهم عن تحمل المصيبة؛ لحاجته إليها» (١).\nوقال شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «... السنة التعزية لأهل المصاب من غير كيفية معينة ولا اجتماع معين .. وإنما يشرع لكل مسلم بأن يُعزِّي أخاه بعد خروج الروح في البيت، أو في الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، سواء كانت التعزية قبل الصلاة أو بعدها، وإذا قابله شُرع له مصافحته والدعاء له بالدعاء المناسب ... وإذا كان الميت مسلمًا، دعا له بالمغفرة والرحمة، وهكذا النساء فيما بينهن يعزي بعضهن بعضًا، ويعزي الرجل المرأة، والمرأة الرجل، لكن من دون خلوة ولا مصافحة إذا كانت المرأة ليست محرمًا له» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>الأمر الخامس: البدع والمنكرات في العزاء كثيرة</span>، لكن من أكثرها ظهورًا في بعض المجتمعات ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>١ - اجتماع أهل الميت خارج المنزل </span>في أماكن واسعة، سواء كانت: من الخيام الكبيرة المضاءة بالأنوار والمفروشة بالفرش؛ لاستقبال الناس فيها، أو من قصور الأفراح المجهزة بالإضاءة والفرش، أو فرش الساحات الخالية أمام المنزل وإنارتها استعدادًا لاستقبال المعزين، أو إنارة الشوارع وإحضار من يقرأ القرآن، وإعداد القهوة والشاي، وبعض العصيرات والأطياب؛ لتقديمها للمعزين، وغير ذلك من المنكرات البدعية التي يجب على كل مسلم الابتعاد عنها والتزام السنة (٣). وإذا\n_________\n(١) المرجع السابق، ٣/ ٤٨٥.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٨٢.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى الشيخ ابن باز، ١٣/ ٣٧١ - ٤٢٤.","vol":"1","page":330},{"text":"صنع الطعام للناس كان ذلك بدعة أخرى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>٢ – الاجتماع في منزل الميت للأكل </span>والشرب وقراءة القرآن، ودعوة الناس لحضور الطعام المقدم، وربما بعض المعزِّين يأتي بالأغنام، أو الإبل، أو البقر، بحجة تقديمها لهؤلاء المعزين، ولأهل البيت، ويدعو كل من قابله ممن يأتون للتعزية لحضور هذا الطعام، وهذا من البدع المنكرة؛ لحديث جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ - قال: «كنَّا نَعُدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة». ولفظ ابن ماجه: «كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعَةَ الطعام من النياحة» (٢).\nقال شيخنا ابن باز ﵀: «والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء وهي محرمة، والميت يُعذب في قبره بما يناح عليه، كما صحت به السنة عن النبي - ﷺ -، أما البكاء فلا بأس به إذا كان بدمع العين فقط بدون نياحة» (٣).\nوقوله: «كنا نعدّ» أو «كنا نرى» قال السندي ﵀: «هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة - ﵃ -، أو تقرير النبي - ﷺ -، وعلى الثاني فحكمه الرفع على التقديرين فهو حجة». ثم قال: «وبالجملة فهذا عكس الوارد أن\n_________\n(١) قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد: «وكان من هديه - ﷺ - تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن، لا عند قبره ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة»، زاد المعاد، ١/ ٥٢٧.\n(٢) أخرج اللفظ الأول الإمام أحمد في المسند، برقم ٦٩٠٥، واللفظ الثاني لابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام، برقم ١٦١٢، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٨، وفي أحكام الجنائز، ص٢١٠.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٨٤، وتقدمت أحاديث النياحة في الأمور المحرمة على أقارب الميت وغيرهم، كما تقدمت الأحاديث في جواز البكاء بدمع العين في ما يجوز للحاضرين وغيرهم.","vol":"1","page":331},{"text":"يصنع الناس الطعام لأهل الميت، فاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلب لذلك، وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلب للمعقول؛ لأن الضيافة حقها أن تكون للسرور لا للحزن» (١).\nوقال شيخنا ابن باز ﵀: الاجتماع في بيت الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن بدعة ... وإنما يؤتى أهل الميت للتعزية والدعاء والترحم على ميتهم، أما أن يجتمعوا لإقامة مأتم (٢) بقراءة خاصة، أو أدعية خاصة، أو غير ذلك، ولو كان هذا خيرًا لسبقنا إليه سلفنا الصالح، فالرسول - ﷺ - ما فعله، فقد قتل جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة - ﵃ - في معركة مؤتة فجاءه الخبر ﵊ من الوحي بذلك فنعاهم للصحابة، وأخبرهم بموتهم، وترضَّى عنهم، ودعا لهم، ولم يتخذ لهم مأتمًا. وكذلك الصحابة من بعده لم يفعلوا شيئًا من ذلك، فقد مات الصديق - ﵁ - ولم يتخذوا له مأتمًا، وقتل عمر - ﵁ - وما جعلوا له مأتمًا، ولا جمعوا الناس ليقرأوا القرآن، وقُتل عثمان بعد ذلك وعلي ﵄ فما فعل الصحابة - ﵃ - لهما شيئًا من ذلك ...» (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>الأمر السادس: مشروعية التلبينة للمحزون</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أنها كانت تأمر بالتلبينة للمريض، والمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني\n_________\n(١) حاشية السندي على سنن ابن ماجه، ٢/ ٢٧٥.\n(٢) مأتم: جمع مآتم، مجتمع الناس في حزن أو فرح، والمقصود: اجتماع الناس للتعزية بميت. معجم لغة الفقهاء، مادة «مأتم».\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٤) وانظر كثيرًا من البدع في أحكام الجنائز للألباني، ص٢٢٠.","vol":"1","page":332},{"text":"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «التلبينة تُجِمُّ فؤاد المريض، وتُذهبُ ببعض الحزن». وفي لفظ: «أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن - إلا أهلها وخاصتها - أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها، ثم قالت: كلن منها، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «التلبينة مَجمَّةٌ لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن» (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «التَّلْبِيْنَة: طعام يُتخذ من دقيق أو نخالة وربما جعل فيها عسل، سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض والرقة، والنافع منه ما كان رقيقًا نضيجًا لا غليظًا نيئًا ... وقوله: «مَجَمَّة: أي مكان الاستراحة» ورويت بضم الميم [مُجمَّةٌ] أي مريحة، والجِمام: الراحة، «والثريد: الخبز بمرق اللحم وقد يكون معه اللحم» (٢). وقال ابن الأثير ﵀: «التلبينة والتلبين: حساءٌ يُعمل من دقيق أو نُخالة وربما جُعل معه عسل سميت به تشبيهًا باللبن لبياضها ورقتها» (٣). وقال الحافظ ﵀: «التلبينة: حساء كالحريرة يتخذ من دقيق أو نخالة سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>الواحد والعشرون: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين</span>، ينبغي أن ينظر في ذلك إلى أمرين:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأطعمة، باب التلبينة، برقم ٥٤١٧، وكتاب الطب، باب التلبينة للمريض، برقم ٥٦٨٩، و٥٦٩٠، ومسلم.\n(٢) فتح الباري، ٩/ ٥٥٠، ٥٥١.\n(٣) النهاية في غريب الحديث، ٤/ ٢٢٩، وفتح الباري، ١٠/ ١٤٦.\n(٤) هدي الساري مقدمة فتح البارين لابن حجر، ص١٨٢.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>الأمر الأول: ما يلحق الميت من عمله</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» (١). ويدخل في هذا الحديث حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته» (٢)؛ ولحديث معاذ بن أنس أن النبي - ﷺ - قال: «من علَّم علمًا فله أجر من عمل به، لا ينقص من أجر العامل» (٣).\nوعن سهل بن سعد - ﵁ -:أن النبي - ﷺ - قال يوم خيبر لعلي بن أبي طالب - ﵁ -: «... فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعم» (٤).\nوهذا يبين أهمية تعليم الناس الخير، ونشر العلم بينهم، قال الإمام الخطابي ﵀ في معنى الحديث: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير\n_________\n(١) مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم ١٦٣١.\n(٢) ابن ماجه، المقدمة، باب ثواب معلم الناس الخير، برقم ٢٤٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٩٨، وإرواء الغليل، ٦/ ٢٩.\n(٣) ابن ماجه، المقدمة، باب ثواب معلم الناس الخير، برقم ٢٤٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٩٧.\n(٤) متفق عليه، البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام، برقم ٢٩٤٢، وأطرافه برقم ٣٠٠٩، ورقم ٣٧٠١، ورقم ٤٢١٠، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، برقم ٢٤٠٦.","vol":"1","page":334},{"text":"لك أجرًا وثوابًا من أن يكون لك حمر النعم، فتتصدق بها» (١)، وقد ذكر القرطبي والأُبِّي والسنوسي ﵏: «إن في هذا الحديث الشريف حضًّا عظيمًا على تعلم العلم وبثه في الناس، وعلى الوعظ والتذكير، ويعني أن ثواب تعليم رجل واحد وإرشاده أفضل من ثواب الصدقة بهذه الإبل النفيسة؛ لأن ثواب الصدقة بها ينقطع بموتها، وثواب العلم والهدى لا ينقطع إلى يوم القيامة» (٢).\nوقال - ﷺ -: «من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله» (٣). وقال - ﷺ -: «من سنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً فَعُمِل بها بعده كُتِبَ له مثلُ أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فَعُمِلَ بها بعده، كُتِبَ عليه مثل وِزْر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيءٌ» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من\n_________\n(١) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، ٢/ ١٤٠٨.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٦/ ٢٧٦، وإكمال إكمال المعلم، للأبي، ٨/ ٢٣١، ومكمل إكمال الإكمال، للسنوسي، ٨/ ٢٣١.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وبغيره، وخلافته في أهله بخير، ٣/ ١٥٠٦ برقم١٨٩٣، من حديث أبي مسعود الأنصاري - ﵁ -.\n(٤) مسلم، كتاب العلم، باب من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة؛ ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، ٤/ ٢٠٥٩، برقم ١٠١٧، من حديث جرير بن عبد الله - ﵁ -.","vol":"1","page":335},{"text":"آثامهم شيئًا» (١)، وعن أبي أمامة - ﵁ - يرفعه: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» ثم قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، لَيُصلُّون على مُعَلِّم الناس الخير» (٢).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنه ليستغفر للعالم مَن في السموات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في البحر» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>الأمر الثاني: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين </span>ثابت في الكتاب والسنة، لكن فيه تفصيل لأهل العلم.\nفَمِّما يدل على وصول ثواب الأعمال المهداة إلى أموات المسلمين من الكتاب والسنة الأدلة الآتية:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤).\n٢ - قوله - ﷿ -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(١) مسلم، في كتاب العلم، باب من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، ٤/ ٢٠٦٠، برقم ٢٦٧٤.\n(٢) الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، ٥/ ٥٠، برقم ٢٦٨٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٤٣، وانظر: مشكاة المصابيح بتحقيق الألباني، ١/ ٧٤، برقم ٢١٣.\n(٣) ابن ماجه، المقدمة، باب ثواب معلم الناس الخير، برقم ٢٣٩، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٩٧.\n(٤) سورة الحشر، الآية: ١٠.","vol":"1","page":336},{"text":"وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (١).\n٣ - وقوله تعالى عن قول نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا﴾ (٢).\n٤ - وقوله تعالى عن قول إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٣).\n٥ - وحديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليُّه» (٤).\n٦ - وحديث ابن عباس ﵄: «أن امرأة ركبت البحر فنذرت، إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهرًا، فأنجاها الله - ﷿ -، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قَرابة لها [إما أختها أو ابنتها] إلى النبي - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال: [أرأيتك لو كان عليها دين كنتِ تقضينه؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحقُّ أن يُقضى] [فـ] اقْضِ [عن أمك]» (٥).\n_________\n(١) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(٢) سورة نوح، الآية: ٢٨.\n(٣) سورة إبراهيم، الآيتان: ٤١، ٤٢.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، برقم ١٩٥٢، ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، برقم ١١٤٧، وأبو داود، كتاب الصوم، باب فيمن مات وعليه صيام، برقم ٢٤٠٠، ومن طريق البيهقي، (٦/ ٢٧٩)، والطحاوي في «مشكل الآثار»،\n٣ (١٤٠ و١٤١)، وأحمد، (٦/ ٦٩).\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الأيمان والنذور، باب في قضاء النذر عن الميت، برقم ٣٣٠٨، والنسائي في كتاب النذر، باب من مات وعليه نذر برقم ٣٨٥٠، والطحاوي (٣/ ١٤٠)، والبيهقي\n(٤/ ٢٥٥، ٢٥٦، ١٠/ ٨٥)، والطيالسي (٢٦٣٠)، وأحمد (١٨٦١، ١٩٧٠، ٣١٣٧، ٣٢٢٤، ٣٤٢٠) والسياق مع الزيادة الثانية له، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والزيادة الأولى لأبي داود والبيهقي.\nوأخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، برقم ١٩٥٣، ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، برقم ١١٤٨، والترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في الصوم عن الميت، برقم ٧١٦، وابن ماجه، كتاب الصيام، باب من مات وعليه صيام من نذر، برقم ١٧٥٨، ١٧٥٩ بنحوه، وفيه عندهم جميعًا الزيادة الثانية، وعند مسلم الأخيرة.","vol":"1","page":337},{"text":"٧ - وحديث ابن عباس: «أن سعد بن عبادة - ﵁ - استفتى رسول الله - ﷺ -: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: «اقضِهِ عنها» (١).\n٨ - وحديث سعد بن الأطول - ﵁ -: «أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا، قال: فأردت أن أُنفقها على عياله، قال: فقال لي النبي - ﷺ -: «إن أخاك محبوسٌ بدينه [فاذهب] فاقضِ عنه» [فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت]، قال: يا رسول الله، قد قضيت عنه إلا دينارين ادَّعتهما امرأة، وليست لها بينة، قال: «أعطِها فإنها مُحقة»، (وفي رواية: صادقة» (٢).\n٩ - وحديث سمرة بن جندب - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - صلى على جنازة\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا نذر أو حلف ... برقم ٦٦٩٨، ومسلم، كتاب النذر، باب الأمر بقضاء النذر برقم ٦٦٣٨، وأبو داود، كتاب الأيمان والنذور، باب في قضاء النذر عن الميت، برقم ٣٣٠٧، والترمذي، كتاب النذور، باب قضاء النذر عن الميت، برقم ١٥٤٦، والنسائي، كتاب الأيمان، باب من مات وعليه نذر برقم ٣٨٤٨، وابن ماجه، كتاب الكفارات، باب من مات وعليه نذر، برقم ٢١٣٢، والبيهقي، (٤/ ٢٥٦، ٦/ ٢٧٨، ١٠/ ٨٥)، والطيالسي (٢٧١٧)، وأحمد (١٨٩٣، ٣٠٤٩، ٦/ ٤٧).\n(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الصدقات، باب أداء الدين عن الميت، برقم ٢٤٣٣، وأحمد (٤/ ١٣٦،\n٥/ ٧)، والبيهقي (١٠/ ١٤٢) وأحد إسناديه صحيح، والآخر مثل إسناد ابن ماجه، وصححه البوصيري في «الزوائد»، وسياق الحديث والرواية الثانية للبيهقي وهي والزيادات لأحمد في رواية.","vol":"1","page":338},{"text":"(وفي رواية: صلى الصبح)، فلما انصرف قال: «أهاهنا من آل فلان أحد؟» [فسكت القوم، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا] فقال ذلك مرارًا [ثلاثًا لا يُجيبه أحدٌ]، [فقال رجل: هو ذا]، قال: فقام رجل يجرُّ إزاره من مؤخر الناس [فقال له النبي - ﷺ -: «ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟] أما إني لم أنوِّه باسمك إلا لخير، إن فلانًا – لرجل منهم – مأسور بدينه [عن الجنة، فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله]، فلو رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه، [حتى ما أحدٌ يطلبه بشيء] (١) (٢).\n١٠ - وحديث جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «مات رجل، فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله - ﷺ - حيث تُوضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنّا رسول الله - ﷺ - بالصلاة عليه، فجاء معنا، [فتخطى] خطى، ثم قال: «لعل على صاحبكم دينًا؟» قالوا: نعم، ديناران، فتخلف، [قال: صلوا على صاحبكم]، فقال له رجل منا يُقال له: أبو قتادة:\nيا رسول الله هُما عَلَيّ، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: هما عليك وفي مالك،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع والإجارات، باب في التشديد في الدين برقم ٣٣٤١، والنسائي، كتاب البيوع، باب التغليظ في الدين برقم ٤٦٨٩، والحاكم (٢/ ٢٥، ٢٦)، والبيهقي (٦/ ٤/٧٦)، والطيالسي في «مسنده» (رقم ٨٩١، ٨٩٢)، وكذا أحمد (٥/ ١١، ١٣، ٢٠)، قال الألباني: «بعضهم عن الشعبي عن سمرة، وبعضهم أدخل بينهما سمعان بن مشنج، وهو على الوجه الأول صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، وعلى الوجه الثاني صحيح فقط. والرواية الأخرى للمُسْنَدَين، والزيادة الأولى والثانية للحاكم، وكذا الثالثة والخامسة، وللبيهقي الثانية، ولأحمد الثالثة والرابعة، وللطيالسي الخامسة، وله ولأحمد وأبي داود السادسة».\n(٢) وقال الألباني ﵀: وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه الطبراني في المعجم الكبير (ق١٥٦/ ٢) بسند ضعيف.","vol":"1","page":339},{"text":"والميت منهما بريء؟ فقال: نعم، فصلى عليه فجعل رسول الله - ﷺ - إذا لقي أبا قتادة يقول. (وفي رواية: ثم لقيه من الغد فقال:) «ما صنعتِ الديناران؟» [قال: يا رسول الله إنما مات أمس] حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: «ما فعل الديناران؟» قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: «الآن حين بَرَدَتْ عليه جلدُه» (١) (٢).\n١١ - وحديث جابر ﵄ أن أباه استشهد يوم أُحُد، وترك ست بنات، وترك عليه دينًا [ثلاثين وسْقًا]، [فاشتد الغرماء في حقوقهم]، فلما حضره جذاذ النخل، أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد، وترك عليه دينًا كثيرًا، وإني أُحب أن يراك الغرماء، قال: «اذهب فبيدر كل تمرٍ على حدة»، ففعلت، ثم دعوت، [فغدا علينا حين أصبح]، فلما نظروا إليه أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرًا ثلاثًا [ودعا في ثمرها بالبركة]، ثم جلس عليه، ثم قال: «ادعُ أصحابك»، فما زال يكيل لهم، حتى أدى الله أمانة والدي (٣)، وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلمت والله البيادر كلها حتى إني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله - ﷺ - كأنه لم ينقص تمرة واحدة، [فوافيت مع رسول\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٥٨)، والسياق له، والبيهقي (٦/ ٧٤ - ٧٥)، والطيالسي (١٦٧٣)، وأحمد\n(٣/ ٣٣٠)، قال الألباني: «بإسناد حسن كما قال الهيثمي (٣/ ٣٩».\nأما الحاكم فقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي!\nوالرواية الأخرى مع الزيادات عندهم جميعًا إلا الحاكم، إلا الزيادة الثانية فهي للطيالسي وحده.\n(٢) أي: بسبب رفع العذاب عنه بعد وفاء دينه.\n(٣) أي وصيته إياهم بقضاء الدين عنه، انظر حديثه في ذلك في الفصل الأول من المسألة الرابعة.","vol":"1","page":340},{"text":"الله - ﷺ - المغرب، فذكرت ذلك له فضحك، فقال: «ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما»، فقالا: لقد علمنا إذ صنع رسول الله - ﷺ - ما صنع أن سيكون ذلك» (١).\n١٢ - وحديث جابر - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يقوم فيخطب، فيحمد الله، ويُثني عليه بما هو أهل له، ويقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، [وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار]، وكان إذا ذكر الساعة احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش [يقول:] صبحكم ومساكم، من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك ضياعًا (٢) أو دينًا فعليَّ، وإليَّ، وأنا [أ] ولى [بـ] المؤمنين (وفي رواية: بكل مؤمن من نفسه» (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري والسياق مع الزيادات له، كتاب الصلح، باب الصلح بين الغرماء، برقم ٢٧٠٩، ورواه بنحوه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الرجل يموت وعليه دين وله وفاء، برقم ٢٨٨٤، والنسائي، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٣٦٦٦، وابن ماجه كتاب الصدقات، باب أداء الدين عن الميت، برقم ٢٤٣٤. والبيهقي (٦/ ٦٤)، وأحمد\n(٣/ ٣١٣، ٣٦٥، ٣٧٣، ٣٩١، ٣٩٧) مطولًا ومختصرًا. وقال الألباني ﵀: «وفيه عند أحمد زيادات كثيرة».\n(٢) قال الألباني ﵀: أي عيالًا، قال ابن الأثير: «وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعًا، فسمي العيال بالمصدر كما تقول: من مات وترك فقرًا، أي فقراء».\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم ٨٦٧، والبيهقي في السنن\n(٣/ ٢١٣ - ٢١٤)، وفي الأسماء والصفات ص (٨٢)، وأحمد (٣/ ٢٩٦ - ٣١٠، ٣١١، ٣٣٨ - ٣٧١) والسياق له، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٨٩)، قال الألباني ﵀: «والزيادة الأولى له، وللنسائي والبيهقي وإسنادهما صحيح على شرط مسلم، والزيادة الثانية له وللبيهقي، والثالثة والرابعة لأحمد، والرواية الثانية لمسلم».","vol":"1","page":341},{"text":"١٣ - وحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من حَمَل من أمتي دينًا، ثم جهد في قضائه فمات ولم يقضه فأنا وليه» (١).\n١٤ - ومما يلحقه ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء؛ لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله - ﷿ - يقول: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ (٢)، وقال رسول الله - ﷺ -: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنّ ولده من كسبه» (٣).\n١٥ - وحديث عائشة ﵂: «أن رجلًا قال: إن أمي افتلتت (٤) نفسها [ولم تُوصِ]، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقتُ عنها [ولي أجر]؟ قال: نعم، [فتصدَّق عنها]» (٥).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٧٤)، قال الألباني ﵀: «وإسناده صحيح على شرط الشيخين». وقال المنذري (٣/ ٣٣): «رواه أحمد بإسناد جيد، وأبو يعلى والطبراني في الأوسط». ونحوه في المجمع (٤/ ١٣٢) إلا أنه قال: «ورجال أحمد رجال الصحيح». وفي فتح الباري (٥/ ٥٤) فوائد مهمة في هذه المسألة.\n(٢) سورة النجم، الآية: ٣٩.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع والإجارات، باب في الرجل يأكل من مال ولده برقم ٣٥٢٨، والترمذي، كتاب الأحكام، باب الوالد يأخذ من مال ولده، برقم ١٣٥٨، والنسائي، كتاب البيوع، باب الحث على الكسب برقم ٤٤٥٤، وابن ماجه، كتاب التجارات، باب الحث على الكسب، برقم ٢١٣٧، والحاكم (٢/ ٤٦)، والطيالسي (١٥٨٠)، وأحمد (٦/ ٤١، ١٢٦، ١٦٢، ١٧٣، ١٩٣، ٢٠١، ٢٠٢، ٢٢٠)، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي! وقال الألباني ﵀: «وهو خطأ من وجوه لا يتسع المجال لبيانها، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو: رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد (٢/ ١٧٩، ٢٠٤، ٢١٤) بسند حسن».\n(٤) قال الألباني ﵀: بضم المثناة وكسر اللام، أي سلبت، على ما لم يسم فاعله، أي ماتت فجأة.\n(٥) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة البغتة، برقم ١٣٨٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، برقم ١٠٠٤، وأبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء فيمن مات من غير وصية يُتصدق عنه، برقم ٢٨٨١، والنسائي، كتاب الوصايا، باب إذا مات الفجأة هل يستحب لأهله أن يتصدقوا عنه، برقم ٣٦٧٩، وابن ماجه، كتاب الوصايا، باب الدين قبل الوصية، برقم ٢٧١٧)، والبيهقي (٤/ ٦٢، ٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨)، وأحمد (٦/ ٥١).\nقال الألباني ﵀: «والسياق للبخاري في إحدى روايتيه، والزيادة الأخيرة له في الرواية الأخرى، وابن ماجه، وله الزيادة الثانية، ولمسلم الأولى».","vol":"1","page":342},{"text":"١٦ - وحديث ابن عباس ﵄: «أن سعد بن عبادة – أخا بني ساعدة – توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف (١) صدقةٌ عليها» (٢).\n١٧ - وحديث سعد بن عبادة قال: قلت يا رسول الله: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نعم» قلت: فأي صدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» فتلك سقاية سعد بالمدينة (٣).\n١٨ - وحديث أبي هريرة - ﵁ -: «أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إن أبي مات\n_________\n(١) أي المثمر، سمي بذلك لما يخرف منه أي يجنى من الثمرة.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمي ... برقم ٢٧٥٦، وأبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء فيمن مات عن غير وصية يتصدق عنه برقم ٢٨٨٢، والنسائي كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة على الميت برقم ٣٦٨٥، والترمذي، كتاب الزكاة، باب الصدقة على الميت برقم ٦٦٩، والبيهقي (٦/ ٢٧٨)، وأحمد (٣٠٨٠ - ٣٥٠٥ - ٣٥٠٨) والسياق له.\n(٣) أخرجه النسائي، كتاب الوصايا، باب ذكر الاختلاف على سفيان، برقم ٣٦٦٣، ٣٦٦٤، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب في فضل سقي الماء، برقم ١٦٨١، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب صدقة الماء برقم ٣٦٨٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي (٢/ ٥٦٠ - ٥٦١)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٨٥).","vol":"1","page":343},{"text":"وترك مالًا ولم يُوصِ فهل يُكفِّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم» (١).\n١٩ - وحديث عبد الله بن عمرو: «أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول الله - ﷺ -، فأتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، وإن هشامًا أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إنه لو كان مسلمًا فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك، (وفي رواية): فلو كان أقرّ بالتوحيد فصُمت وتصدقت عنه نفعه ذلك» (٢).\n٢٠ - وحديث الشِّرِّيد بن سويد الثقفي قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية نوبية أفيجزئ عني أن أعتقها عنها؟ قال: «ائتني بها» فأتيته بها فقال لها النبي - ﷺ -: «مَن ربك؟» قالت: الله، قال: «مَن أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «اعتقها فإنها مؤمنة» (٣).\n٢١ - وحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة من خثعم قالت: يا\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت، برقم ١٦٣٠، والنسائي كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة على الميت، برقم ٣٦٥٠، والبيهقي (٦/ ٢٧٨)، وأحمد (٢/ ٣٧١).\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في وصية الحربي، يسلم وليه أيلزمه أن ينفذها، برقم ٢٨٨٣، والبيهقي (٦/ ٢٧٩)، قال الألباني: والسياق له، وأحمد (رقم ٦٧٠٤)، والرواية الأخرى له، وإسنادهم حسن.\n(٣) أخرجه النسائي، كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة على الميت، برقم (٣٦٥١)، وحسنه الألباني في الصحيحة، برقم (٣١٦١).","vol":"1","page":344},{"text":"رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع. وفي رواية لمسلم: «فحجي عنه» (١).\n٢٢ - حديث أبي رزين أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: «فحج عن أبيك واعتمر» (٢).\n٢٣ - وحديث ابن عباس ﵄ قال: أمرت امرأة سنان بن عبد الله الجهني أن يسأل رسول الله - ﷺ - أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: «نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها أكان يجزئ عنها؟» قال: نعم، قال: «فلتحج عن أمها» (٣).\n٢٤ - وحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال:\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، برقم ١٨٥٤، ومسلم، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانه وهرم ونحوهما أو للموت، برقم ١٣٣٤.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، برقم ١٨١٠، والترمذي، كتاب الحج، باب الحج عن الشيخ الكبير، برقم ٩٣٠، والنسائي كتاب الحج، باب العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع، برقم ٣٦٣٨، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج عن الحي إذا لم يستطع برقم، ٢٩٠٦. وانظر: صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥٦، وصحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٤١، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٥٢، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ٢٧٥.\n(٣) أخرجه أحمد، ١/ ٢١٧، ٢٤٤، ٢٧٩، والنسائي كتاب مناسك الحج، باب الحج عن الميت الذي لم يحج، برقم ٢٦٣١، وابن خزيمة، برقم ٣٠٣٤، ٣٠٣٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥٩.","vol":"1","page":345},{"text":"«نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم. قال: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» (١).\nوفي رواية: «فاقضوا الله الذي له؛ فإن الله أحق بالوفاء» (٢).\nوفي رواية: أن رجلًا قال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال: «فاقض الله فهو أحق بالقضاء» (٣).\n٢٥ - وحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. قال رسول الله - ﷺ -: «من شبرمة؟» قال: أخ لي أو قريبٌ لي، قال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا. قال: «حج عن نفسك ثم عن شبرمة» (٤).\n٢٦ - وحديث عائشة وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين، عظيمين، سمينين، أقرنين، أملحين، موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته، لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد - ﷺ -» (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت، برقم ١٨٥٢.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بيّن الله حكمهما ليفهم السائل، برقم ٧٣١٥.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان بالنذور، باب من مات وعليه نذر، برقم ٦٦٩٩.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، برقم ١٨١١، وابن ماجه، كتاب الحج، باب الحج عن الميت، برقم ٢٩٠٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٤١، وإرواء الغليل، ٤/ ١٧١.\n(٥) ابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب أضاحي رسول الله - ﷺ -، برقم ٣١٢٢، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٨١.","vol":"1","page":346},{"text":"٢٧ - وحديث أبي رافع - ﵁ - قال: «ضحى رسول الله - ﷺ - بكبشين، أملحين، موجبين (١)، خصيين، فقال: أحدهما لمن شهد بالتوحيد، وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته، قال: فكان رسول الله - ﷺ - قد كفانا»، وفي رواية لأحمد: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا ضحى اشترى كبشين، سمينين، أقرنين، أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول: «اللهم إن هذا عن أمتي جميعًا ممن شهد لك بالوحدانية، وشهد لي بالبلاغ»، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: «هذا عن محمد وآل محمد»، فيطعمها جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المؤنة برسول الله - ﷺ - والغُرْمَ» (٢).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأيُّ قربة فعلها، وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك، إن شاء الله، أما الدعاء، والاستغفار، والصدقة، وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافًا، إذا كانت الواجبات مما تدخله النيابة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (٤)، ودعا\n_________\n(١) موجبين: وفي مجمع الزوائد، ٤/ ٢٢: «موجوءين».\n(٢) أحمد في المسند، ٦/ ٨، ٦/ ٣٩١، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ١١٤٧.\n(٣) سورة الحشر، الآية: ١٠.\n(٤) سورة محمد، الآية: ١٩.","vol":"1","page":347},{"text":"النبي - ﷺ - لأبي سلمة حين مات (١)، وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك (٢)، ولكل ميت صلى عليه، ولذي النجادين حين دفنه (٣)، وشرع الله ذلك لكل من صلى على ميت، وسأل رجل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت، فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» رواه أبو داود (٤)، وروي ذلك عن سعد بن عبادة (٥)، وجاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أحق أن يُقضى» (٦) وقال للذي سأله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: «نعم» (٧)، وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب؛ لأن الصوم، والحج، والدعاء، والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها ... وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال لعمرو بن العاص: «لو كان أبوك مسلمًا فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم\n_________\n(١) مسلم، برقم ٩٢٠، وتقدم تخريجه في تغميض الميت.\n(٢) مسلم، برقم ٩٦٣، وتقدم تخريجه في الدعاء للميت في الصلاة عليه.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ٥٢١.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة البغتة، برقم ١٣٨٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، برقم ١٠٠٤.\n(٥) أخرجه البخاري، برقم ٢٧٥٦، وأبو داود، برقم ٢٨٨٢، وقد تقدم تخريجه.\n(٦) أخرجه البخاري برقم ١٨٥٤، ومسلم، برقم ١٣٣٤ وقد تقدم تخريجه.\n(٧) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، برقم ١٩٥٣، ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، برقم ١١٤٨.","vol":"1","page":348},{"text":"عنه بلغه ذلك» (١). وهذا عام في حج التطوع وغيره؛ ولأنه عمل برٍّ وطاعةٍ، فوصل نفعه وثوابه، كالصدقة، والصيام، والحج الواجب ...» (٢)، ثم رد ﵀ على من قال: لا يصل إلى الميت إلا الواجب، والصدقة، والدعاء، والاستغفار، وبين أن المسلمين يهدون الثواب إلى أمواتهم من غير نكير؛ ولأن الحديث صح عن النبي - ﷺ -: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» (٣)، والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه المثوبة؛ ولأن الموصل لثواب ما سلموه، قادر على إيصال ثواب ما منعوه، والآية مخصوصة بما سلموه ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ وما اختلفنا فيه في معناه فنقيسه عليه (٤)، وقال: ولا حجة لهم في الخبر الذي احتجوا به «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة» فإنما يدل على انقطاع عمله، وليس هذا من عمله فلا دلالة فيه عليه ...» (٥).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الصحيح أنه ينتفع الميت بجميع العبادات البدنية: من الصلاة، والصوم، والقراءة، كما ينتفع بالعبادات المالية: من الصدقة، والعتق، ونحوها باتفاق الأئمة ...» (٦).\nوبين الإمام ابن القيم ﵀ أن أرواح الموتى تنتفع من سعي\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في وصية الحربي يسلم وليه أيلزمه أن ينفذها، برقم ٢٨٨٣، وحسنه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ٣١٦١.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢، وانظر: الشرح الكبير، ٦/ ٢٥٧ - ٢٦٥، والكافي، ٢/ ٨٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٠٤، ومسلم، برقم ٩٢٤، وتقدم تخريجه.\n(٤) المغني، ٣/ ٥٢٢ بتصرف.\n(٥) المغني، ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢، وانظر الشرح الكبير، ٦/ ٢٥٧ - ٢٦٥، والكافي، ٢/ ٨٢.\n(٦) الاختيارات العلمية من الاختيارات الفقهية، ص١٣٧.","vol":"1","page":349},{"text":"الأحياء بأمرين:\nالأمر الأول: ما تسبب إليه الميت في حياته.\nالأمر الثاني: دعاء المسلمين له، واستغفارهم، والصدقة، والحج ... واختلفوا في العبادات البدنية: كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، فذهب الإمام أحمد وجمهور السلف إلى وصولها وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ثم قال: «والدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه: القرآن، والسنة، والإجماع، وقواعد الشرع» (١) ثم ساق ﵀ الأدلة على وصول ثواب الدعاء للميت، ووصول ثواب الصدقة، والصوم، والحج، ورد على المخالفين في ذلك، ثم قال: «هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه وهذا محض القياس؛ فإن الثواب حق للعامل فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يُمنع من ذلك، كما لم يُمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه له من بعد موته» (٢).\nوقال في الروض: «وأيُّ قربة: من دعاء، واستغفار، وصلاة، وصوم، وحج، وقراءة وغير ذلك فعلها مسلم وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك» (٣) (٤)، قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «لكن بشرط أن\n_________\n(١) الروح لابن القيم، ٢/ ٤٣٥ - ٥٠٠، وانظر: كلامًا لابن القيم أيضًا في تهذيب السنن، ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٢.\n(٢) الروح لابن القيم، ٢/ ٤٥٠.\n(٣) الروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٢/ ١٣٨.\n(٤) ونقل ابن قاسم في حاشية الروض المربع قول ابن القيم في أن جميع ذلك يصل، [حاشية ابن قاسم، ٢/ ١٣٩].","vol":"1","page":350},{"text":"يكون المحجوج عنه [أي الحي] عاجزًا عجزًا لا يرجى زواله» (١). وقال: «هناك<span data-type=\"title\" id=toc-382> أربعة أنواع من العبادات تصل إلى الميت بالإجماع وهي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>الأول: الدعاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>الثاني: الواجب الذي تدخله النيابة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>الثالث: الصدقة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>الرابع: العتق</span>، وما عدا ذلك فإنه موضع خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من يقول: إن الميت لا ينتفع بثواب الأعمال الصالحة إذا أهدي له غير هذه الأمور الأربعة، ولكن الصواب أن الميت ينتفع بكل عمل صالح جُعِلَ له إذا كان الميت مؤمنًا ...» (٢)، ثم قال: أما قوله تعالى:\n﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ (٣) المراد والله أعلم: أن الإنسان لا يستحق من سعي غيره شيئًا، كما لا يحمل من وزر غيره شيئًا، وليس المراد أنه لا يصل إليه ثواب سعي غيره كثرة النصوص الواردة في وصول ثواب سعي الغير إلى غيره وانتفاعه به إذا قصده به» (٤)، ثم ساق رحمه الله تعالى الأدلة على وصول ثواب: الدعاء، والصدقة عن الميت، والصيام، والحج، والأضحية، ثم رد على من خصص ذلك بالولد، وبين أنه قد جاء ما يدل على جواز الحج عن الغير حتى من غير الولد، وذلك أنه سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبي - ﷺ -: «من شبرمة؟» قال:\n_________\n(١) الشرح الممتع، ٥/ ٤٦٦.\n(٢) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢٥٥.\n(٣) سورة النجم، الآية: ٣٩.\n(٤) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦.","vol":"1","page":351},{"text":"أخ لي أو قريب لي، قال: «أحججت عن نفسك؟» قال: لا. قال: «حج عن نفسك ثم عن شبرمة» (١) (٢). وبين أنه يجوز أن يحج عن الميت الفرض والنفل لهذا الحديث؛ لأن النبي - ﷺ - لم يستفصل هذا الرجل عن حجه عن شبرمة هل نفل أو فرض؟ وهل كان شبرمة حيًّا أو ميتًا، قالوا: وإذا جاز أن يحج عن الميت الفرض بالنص الصحيح الصريح فما المانع من النفل؟ (٣).\nوذكر شيخنا الإمام ابن باز ﵀: أن الميت تصل إليه الصدقة، والدعاء، والاستغفار، والحج، والعمرة، وقضاء الدين (٤).\nويرجح ﵀ أنه يقتصر على ما ورد به النص في وصول ثوابه إلى الميت؛ لأن العبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما دل عليه الشرع (٥).\nوبين أن الصدقة تنفع الحي والميت، والدعاء، والحج، والعمرة، لكن الحي يحج عنه ويعتمر إذا كان عاجزًا.\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذه الأحاديث تدل على انتفاع الميت بالقربات: من الصدقات، والحج، والصوم، والدعاء، وغير ذلك، فهذا كله ينتفع به المسلم، أما غير المسلم فلا يدعى له، ولا يتصدق\n_________\n(١) أبو داود، برقم ١٨١١، وابن ماجه، برقم ٢٩٠٣، وتقدم تخريجه.\n(٢) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢٥٦ - ٢٦٦.\n(٣) المرجع السابق، ١٧/ ٢٧٤ - ٢٧٥، وانظر: مباحث مفيدة في ذلك، ١٧/ ٢٢٢ - ٢٨٠.\n(٤) مجموع الفتاوى لابن باز، ١٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠، ٢٦٠.\n(٥) مجموع الفتاوى، ١٣/ ٢٥٨، وبين أن الأفضل أن لا يهدي الطواف، ١٣/ ٢٥٨، ولا ثواب قراءة القرآن، ١٣/ ٢٥٩، ٢٦٦، ولا الصلاة نفلها وفرضها، ١٣/ ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦١، إلا ركعتي الطواف لمن كان حاجًّا أو معتمرًا عن الغير، فإنها تبعًا للطواف، ١٣/ ٢٦٠.","vol":"1","page":352},{"text":"عنه، والأقرب والله أعلم أن قراءة القرآن عن الميت، والصلاة عنه لا تفعل عنه؛ لأن العبادات توقيفية، وإنما يقتصر على ما شرع الله: كالدعاء، والحج، والعمرة، والصدقة، والصوم وغير ذلك» (١).\nوما ذهب إليه شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: هو أرجح وأن العبادات توقيفية، وقد جاءت الأدلة في إهداء ثواب:\n- الدعاء.\n- والحج: الفرض والنفل.\n- والعمرة: الفرض والنفل.\n- والصدقة مطلقًا.\n- والصوم: الفرض، والنفل كذلك.\n- والعتق.\n- والواجبات على الميت: كالنذور، والكفارات، وغير ذلك من العبادات التي جاء بها النص، والله - ﷿ - أعلم (٢).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث ١٩٢١ - ١٩٢٥.\n(٢) انظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤ - ٣٠٦ - ٣٢٥، والروح لابن القيم، ٢/ ٤٣٥ - ٥٠٠، وتهذيب السنن لابن القيم، ٣/ ٧٩ - ٢٨٢، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٥٧ - ٢٦٥، والكافي، ٢/ ٨٢، ونيل الأوطار للشوكاني،\n٢/ ٧٨٢ - ٧٨٦، والاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١٣٧، والروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٢/ ١٣٨ - ١٤٠، وقد نقل كلامًا مفيدًا عن ابن تيمية، وابن القيم، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢٤٩ - ٢٨٤، ومجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢٣٩ - ٢٧٦، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ٩/ ١٥ - ٦٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٤٦٤ - ٤٧٠، وأحكام الجنائز للألباني، ص٢١٢ - ٢٢٦.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>الثاني والعشرون: زيارة القبور</span>، يراعى فيها الأمور الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>الأمر الأول: مشروعية زيارة القبور للرجال</span>؛ لحديث بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» زاد الترمذي: «فإنها تذكركم الآخرة»، وعند أبي داود: «فإن في زيارتها تذكرة». ولفظ النسائي: «نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هُجرًا» (١).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة [ولا تقولوا ما يسخط الرب]» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمعُ العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هُجرًا» (٣) (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «وفي لفظ: تُذكِّر الآخرة، وفي لفظ: تزهِّد في الدنيا، والحديث جمع بين الناسخ والمنسوخ، والنهي كان أولًا؛ لأنهم كانوا حدثاء عهد بكفر وشرك، وتعلق بالقبور، ثم شرع الله الزيارة بعد ذلك؛ لأنها تذكر الآخرة، ويدعى للأموات\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه في زيارة قبر أمه، برقم ٩٧٧، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، برقم ١٠٥٤، والنسائي، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، برقم٢٠٣١، وأحمد، ٥/ ٣٥٠، وأبو داود.\n(٢) أحمد، ٣/ ٣٨، ٦٣، ٦٦، والحاكم، ١/ ٣٧٤، والبيهقي، ٤/ ٧٧، وقال الألباني ﵀ في أحكام الجنائز، ص٢٨٨ عن تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي له: «وهو كما قالا».\n(٣) هُجرًا: الهجر الفحش والكلام الباطل، النهاية في غريب الحديث، ٥/ ٢٤٥.\n(٤) الحاكم، ١/ ٣٧٦، ٣٧٥، وأحمد، ٣/ ٢٣٧، ٢٥٠، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٢٩.","vol":"1","page":354},{"text":"فيها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>الأمر الثاني: زيارة الرجال للقبور بدون سفر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يبلغ به النبي - ﷺ -: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» (٢).\nفدخل في هذا النهي شدّ الرحال لزيارة القبور والمشاهد، وهو الذي فهمه الصحابة - ﵃ - من قول النبي - ﷺ -، ولهذا عندما ذهب أبو هريرة - ﵁ - إلى الطور، فلقيه بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين جئت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت إليه، سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد ...» (٣).\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره - ﷺ - أو غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل ينهى عن ذلك» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>الأمر الثالث: الزيارة للقبور للرجال دون النساء</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - «لعن زوَّارات القبور» (٥).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٨٩، ومسلم، برقم ١٣٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) النسائي، كتاب الجمعة، باب الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، ٣/ ١١٤، ومالك في الموطأ، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة، ١/ ١٠٩، وأحمد في المسند، ٦/ ٧، ٣٩٧، وانظر: فتح المجيد، ص٢٨٩، وصحيح سنن النسائي، ١/ ٣٠٩.\n(٤) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٤.\n(٥) الترمذي، برقم ١٠٥٦، وابن ماجه، برقم ١٥٧٦، وتقدم تخريجه في آداب الجلوس والمشي في المقابر، وأن الألباني حسنه.","vol":"1","page":355},{"text":"وعن حسان بن ثابت - ﵁ - قال: «لعن رسول الله - ﷺ - زوَّارات القبور» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله - ﷺ - زوَّارات القبور» (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «وهذه الأحاديث الثلاثة (٣) تدل على عدم زيارة النساء للقبور، وأما حديث عائشة ﵄ أنها قالت: يا رسول الله: ما أقول عند زيارة القبور، فقال: «قولي السلام عليكم ...» الحديث، فهذا والله أعلم كان قبل نهي النساء؛ لأنه - ﷺ - نهى عن زيارة القبور ثم أذن مطلقًا: أي للرجال والنساء، ثم جاء نهي النساء عن زيارة القبور» (٤).\nوذكر العلامة ابن عثيمين ﵀ أن زيارة عائشة ﵂ لقبر أخيها (٥) اجتهاد منها ﵂، وأن قول النبي - ﷺ - لا يعارض بقول أحد كائنًا من كان، وأن قول النبي - ﷺ - لعائشة ﵂: «قولي السلام عليكم\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور، برقم ١٥٧٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٨.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور، برقم ١٥٧٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٨.\n(٣) الأحاديث الثلاثة أي حديث رقم ٦٠٩، ٦١٠، ٦١١ من بلوغ المرام.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٩، وقد رجح ﵀ في مجموع الفتاوى له ما سمعته منه هنا، ١٣/ ٣٣١.\n(٥) أخرجه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ٦٠، برقم ١٠٥٥، وابن أبي شيبة، ٣/ ٣٤٣، والحاكم،\n١/ ٣٧٦، والبيهقي، ٤/ ٧٨.","vol":"1","page":356},{"text":"دار قوم مؤمنين» (١)، يدل على أن المرأة إذا مرت بدون قصد على المقبرة فلا حرج أن تسلم على أهل القبور وتدعو لهم؛ فإنه يفرق بين خروجها من أجل الزيارة، ومرورها من غير قصد للزيارة، وأما لفظ: «لعن رسول الله - ﷺ - زوَّارات القبور» بصيغة المبالغة، ولفظ: «لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور»، فإن كان لفظ: «زوَّارات» للنسبة فلا إشكال، وإن كان للمبالغة، فإن لفظ زائرات فيه زيادة علم فيؤخذ به؛ لأن «زائرات» يصدق بزيارة واحدة، و«زوَّارات» في الكثير للمبالغة، ومعلوم أن الوعيد إذا جاء معلقًا بزيارة واحدة ومعلقًا بزيارات متعددة، فإن مع المعلق بزيارة واحدة زيادة علم؛ لأنه يلحق الوعيد على من زار مرة واحدة على لفظ «زائرات» دون لفظ: «زوَّارات»، ولو أخذنا بلفظ «زوَّارات» ألغينا دلالة «زائرات»، وقد تكلم شيخ الإسلام ﵀ على هذه المسألة كلامًا جيدًا (٢) (٣).\nقال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «الصحيح أن زيارة النساء للقبور لا تجوز»، ثم قال: «فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط ...» (٤)، أما حديث النبي - ﷺ - الذي قال فيه للمرأة التي وجدها تبكي على صبي لها فقال لها: «اتقي الله واصبري» (٥) حينما وجدها عند القبر فرجح شيخنا ابن باز ﵀ أن هذا لعله كان في\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم ٩٧٤.\n(٢) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٤٧٧ - ٤٧٩ بتصرف.\n(٣) انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٣٤٤.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٢٤، و٣٢٦.\n(٥) البخاري، برقم ١٢٥٢، ومسلم، برقم ٩٢٦، وتقدم تخريجه في شروط الصبر.","vol":"1","page":357},{"text":"وقت الإذن العام منه - ﷺ - للرجال والنساء في الزيارة؛ لأن أحاديث النهي عن الزيارة للنساء محكمة ناسخة لما قبلها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>الأمر الرابع: الزيارة لأهل القبور أنواع على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>النوع الأول: زيارة شرعية يقصد بها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>١ - السلام على الموتى والدعاء لهم، والترحم عليهم</span>؛ فقد انقطعت أعمالهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>٢ - تذكر الموت، والآخرة، وحصول رقة القلب ودمع العين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>٣ - إحياء سنة النبي - ﷺ -؛ لأنه زار القبور وأمر بزيارتها</span>.\nالنوع الثاني: زيارة بدعية وشركية (٢)، وهذا النوع ثلاثة أنواع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>١ - من يسأل الميت حاجته</span>، وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام، ويخرجون من الإسلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>٢ - من يسأل الله تعالى بالميت</span>، كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يُخرج عن الإسلام، كما يخرج الأول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>٣ - من يظن أن الدعاء عند القبور مُستجاب</span>، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، وهذا من المنكرات بالإجماع (٣).\nقال الإمام ابن القيم ﵀ في مشروعية زيارة القبور: «وكان هديه\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٣٢.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٣، و٢٤/ ٣٢٦، والبداية والنهاية، ١٤/ ١٢٣.\n(٣) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ٦/ ١٦٥ - ١٧٤، وانظر مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢٨٥.","vol":"1","page":358},{"text":"- ﷺ - أن يقول ويفعل عند زيارتها، من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت: من الدعاء، والترحم، والاستغفار، فأبى المشركون إلا دعاء الميت، والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به والتوجه إليه، بعكس هديه - ﷺ -؛ فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعو الميت، أو يدعو به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله - ﷺ - وأصحابه تبين له الفرق بين الأمرين وبالله التوفيق» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>الأمر الخامس: جواز زيارة قبور المشركين للعبرة والعظة </span>فقط؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» وفي لفظ: «زار - ﷺ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال - ﷺ -: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الموت» (٢). وقد نهى الله - ﷿ - عن الاستغفار للمشركين والدعاء لهم، وعن الصلاة عليهم (٣)، فلا يجوز للمسلم أن يدعو لهم، ولا يستغفر لهم، وإنما إذا زار قبورهم فللتذكر والاعتبار وتذكر الموت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>الأمر السادس: كيفية السلام على أهل القبور من المسلمين </span>على النحو\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٥٢٦ - ٥٢٧.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - في زيارة قبر أمه، برقم ٩٧٦.\n(٣) تقدم في الصلاة على الجنازة أن الله تعالى قال: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ وتقدمت قصة النبي - ﷺ - مع عمه أبي طالب وأن الله نهاه ونهى المسلمين عن الاستغفار للمشركين.","vol":"1","page":359},{"text":"الآتي:\n١ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - خرج من بيتها في ليلتها حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم رجع إليها وأخبرها أن الله أمره أن يأتي أهل البقيع فيستغفر لهم، قالت قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله! قال قولي: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بهم لاحقون»، وفي لفظ: قالت: كان رسول الله - ﷺ - كلما كان ليلتها من رسول الله - ﷺ - يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (١).\n٢ - وفي حديث بريدة عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، [أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع] أسأل الله لنا ولكم العافية» وفي لفظ: «السلام على أهل الديار» (٢).\n٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: مرَّ رسول الله - ﷺ - بقبور المدينة\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول المقابر والدعاء لأهلها، رقم ٩٧٤، وفي هذا الحديث رفع اليدين في الدعاء لأهل القبور، وقد ثبت أيضًا في حديث آخر عند أحمد، ٦/ ٩٢، وحسن إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٤٦.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول المقابر والدعاء لأهلها، برقم ٩٧٥، وما بين المعقوفين من سنن النسائي، برقم ٢٠٣٩.","vol":"1","page":360},{"text":"فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر» (١).\nوهل يستقبل الزائر وجه الميت أثناء السلام عليه كما في هذا الحديث؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومذهب الأئمة: مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي - ﷺ - وأراد أن يدعو لنفسه، فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه: فقال الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء، ثم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل: يجعلها عن يساره» (٢) (٣).\n٤ - وهل يسمع أهل القبور سلام من يسلم عليهم أثناء زيارتهم؟ هذه مسألة اختلف أهل العلم فيها، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية،\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر، برقم ١٠٥٣، وحسنه، والطبراني في الكبير، برقم ١٢٦١٣، وحسنه عبد القادر الأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ١٥٧، وضعفه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٥٠.\n(٢) قاعدة التوسل والوسيلة؛ لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٢٥.\n(٣) وقال شيخنا عبد العزيز ابن باز: «يُدعى للميت سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر؛ لأن النبي - ﷺ - وقف على القبر بعد الدفن، وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل» [مسلم، برقم ٩٧٤] ولم يقل: استقبلوا القبلة، فكل جائز سواء استقبل القبلة [أي أثناء الدعاء] أو استقبل القبر، والصحابة - ﵃ - دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٣٨]. وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في مكان وقوف زائر القبور: «يقف عند رأس الميت مستقبلًا إياه» [مجموع الرسائل له، ٧/ ٢٨٨]. وقال في موضع آخر: «يسلم على الميت تجاه وجهه، ويدعو له وهو قائم هكذا بدون أن ينصرف إلى القبلة». [مجموع رسائله، ١٧/ ٣٣٣].","vol":"1","page":361},{"text":"وتلميذه ابن القيم، والإمام ابن كثير في تفسيره، والعلامة الشنقيطي في أضواء البيان: أن الأموات يسمعون سلام الزائر لهم، ويرد الله عليهم أرواحهم حتى يردوا ﵇ (١).\nقال الإمام ابن كثير ﵀: «والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوهٍ كثيرة من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس مرفوعًا: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇» ثم ذكر آثارًا كثيرة جدًا عن الصحابة - ﵃ -، وعن التابعين ﵏، والله تعالى أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>الأمر السابع: زيارة قبر النبي - ﷺ - على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>١ - تستحب زيارة مسجد النبي - ﷺ </span>- وهي مشروعة في أي وقت، وفي أي زمان، وليس لها وقت محدد، وليست من أعمال الحج، ولا يجوز شدُّ الرحال والسفر من أجل زيارة القبر؛ فإن شدَّ الرحال على وجه التعبد لا يكون لزيارة القبور، وإنما يكون للمساجد الثلاثة، كما قال - ﷺ -: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد\n_________\n(١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢٩٥ - ٢٧٩، وكتاب الروح لابن القيم، ١/ ١٦٧ - ٢٠٤، وأضواء البيان للشنقيطي، ٦/ ٤١٦ - ٤٣٩، ومجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢٨٨، ٣٣٦، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(٢) وقد ذكرت خلاف العلماء في ذلك، والتفصيل في ذلك في أول كتاب الجنائز، في مسألة نعيم القبر وعذابه، وهل الموتى يسمعون؟ فراجعها إن شئت.","vol":"1","page":362},{"text":"الأقصى» (١)، فالبعيد عن المدينة ليس له شد الرحال بقصد زيارة القبر، ولكن يشرع له شد الرحال بقصد زيارة المسجد النبوي الشريف، فإذا وصله زار قبره - ﷺ - وقبور أصحابه، فدخلت الزيارة لقبره تبعًا لزيارة مسجده - ﷺ -؛ لما في زيارة المسجد من الثواب العظيم. قال - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢)، وقال - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>٢ – إذا دخل المسجد النبوي الشريف استحب له أن يُقدِّم رجله اليمنى </span>عند دخوله ويقول: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك» (٤)، كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>٣ – يصلي ركعتين تحية المسجد</span>، أو يصلي ما شاء، ويدعو في صلاته بما شاء، والأفضل أن يفعل ذلك في الروضة الشريفة، وهي ما بين منبر\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ١٨٩، ومسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، برقم ١٣٩٧.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ١١٩٠،ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، برقم ١٣٩٤.\n(٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي - ﷺ -، برقم ١٤٠٦، وأحمد، ٣/ ٣٤٣، ٥٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٣٦ وإرواء الغليل، ٤/ ٣٤١.\n(٤) أخرجه مسلم، برقم ١١٣، وأبو داود، برقم ٤٦٥، وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة.","vol":"1","page":363},{"text":"النبي - ﷺ - وحجرته؛ لقوله - ﷺ -: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي» (١).\nأما صلاة الفريضة فيبنغي للزائر وغيره أن يحافظ عليها في الصف الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>٤ – ثم بعد الصلاة إن أراد زيارة قبر النبي - ﷺ - وقف أمام قبره: </span>بأدب، ووقار، وخفض الصوت، ثم يسلم عليه - ﷺ - قائلًا: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد».أو يقول: «السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته»؛لقوله - ﷺ -: «ما من أحدٍ يسلم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇» (٢)، وإن قال: أشهد أنك رسول الله حقًّا، وأنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وجاهدت في الله حق جهاده، ونصحت الأمة، فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته. فلا بأس؛ لأن هذا كله من أوصافه - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>٥ – ثم يأخذ ذات اليمين قليلًا فيسلّم على أبي بكر الصديق </span>- ﵁ -، ويدعو له بما يناسبه، ثم يأخذ ذات اليمين قليلًا أيضًا فيسلّم على عمر بن الخطاب، ويترضى عنه، ويدعو له، وكان ابن عمر ﵄ إذا سلَّم على الرسول - ﷺ - وصاحبيه لا يزيد غالبًا على قوله: السلام عليك يا رسول\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر، برقم ١١٩٥، ومسلم، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، برقم ١٣٩٠.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم ٢٠٤١، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٨٣، وابن باز في مجموع الفتاوى للحج، ٥/ ٢٨٨.","vol":"1","page":364},{"text":"الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف (١). ولا يجوز لأحد أن يتقرب إلى الله بمسح الحجرة، أو الطواف بها، ولا يسأل الرسول - ﷺ - قضاء حاجته، أو شفاء مريضه، ونحو ذلك؛ لأن ذلك كله لا يطلب إلا من الله وحده.\nوالمرأة لا تزور قبر النبي - ﷺ - ولا قبر غيره؛ لأنه - ﷺ - لعن زوَّارات القبور (٢). لكن تزور المسجد، وتتعبد لله فيه رغبة فيما فيه من مضاعفة الصلاة، وتسلم على النبي - ﷺ - وهي في مكانها فيبلغ ذلك النبي - ﷺ - وهي في أي مكان كانت؛ لقوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًاً، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٣). وقال - ﷺ -: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>٦ – يستحب لزائر المدينة أثناء وجوده بها </span>أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه؛ «لأن النبي - ﷺ - كان يأتيه راكبًا وماشيًا ويصلي فيه ركعتين» (٥)، وعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٩/ ٢٨٩.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدًا برقم ٣٢٠، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٨٥،وانظر الإرواء،٣/ ٢١١،وجامع الأصول، ١١/ ١٥٠.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم ٢٠٤٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٨٣.\n(٤) أخرجه أحمد، ١/ ٤٤١، وابن حبان في صحيحه، برقم ٩١٤، والحاكم، ٢/ ٤٢١، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٤.\n(٥) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب من أتى مسجد قباء كل سبت، برقم ١١٩٣، ومسلم كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته، برقم ١٣٩٩.","vol":"1","page":365},{"text":"قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة» (١)، وقال أسيد بن ظهير الأنصاري - ﵁ - يرفعه: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>٧ – ويسن للرجال زيارة قبور البقيع </span>– وهي مقبرة المدينة – وقبور الشهداء، وقبر حمزة - ﵃ -؛ لأن النبي - ﷺ - كان يزورهم ويدعو لهم؛ ولقوله - ﷺ -: «زوروا القبور فإنها تذكركم بالموت» (٣).\nويقول إذا زارهم: «السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون [ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين] نسأل الله لنا ولكم العافية» (٤).\nولاشك أن المقصود بزيارة القبور هو تذكر الآخرة والإحسان إلى الأموات بالدعاء لهم، واتباع سنة النبي - ﷺ -. وهذه هي الزيارة الشرعية. وأما زيارتهم لقصد الدعاء عند قبورهم، أو سؤالهم قضاء الحاجات، أو شفاء المرضى، أو سؤال الله بهم، أو بجاههم، ونحو ذلك فهذه زيارة بدعية منكرة لم يشرعها الله ولا رسوله، ولا فعلها السلف الصالح.\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٣/ ٤٨٧، وعبد بن حميد، برقم ٤٦٩، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ١٤١٢، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٣٧، وصحيح سنن النسائي، ١/ ١٥٠.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ٣٢٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ١٤١١، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٣٧، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ١٠٤.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - في زيارة قبر أمه، برقم\n٩٧٦/ ١٠٨.\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، برقم ٩٧٤/ ١٠٣، و٩٧٥.","vol":"1","page":366},{"text":"وبعض هذه الأمور المذكورة بدعة وليس بشرك: كدعاء الله عند القبور، وسؤال الله بحق الميت، أو جاهه، ونحو ذلك.\nوبعضها بدعة من الشرك الأكبر: كدعاء الموتى، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، أو المدد.\nفتنبه واحذر واسأل ربك التوفيق والهداية للحق فهو سبحانه الموفق، والهادي، لا إله غيره، ولا رب سواه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>الثالث والعشرون: الإحداد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>ينبغي أن يراعى في الإحداد الأمور الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>الأمر الأول: مفهوم الإحداد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>الإحداد لغة: </span>مأخوذ من حَدَّ: الحاء والدال أصلان:\nالأول: المنع، والثاني طرف الشيء، فالحد الحاجز بين الشيئين، وفلان محدود: إذا كان ممنوعًا، ويقال: حدَّت المرأة على زوجها وأحدّت، وذلك إذا منعت نفسها الزينة والخضاب (٢).\nوقيل: إحداد المرأة على زوجها: ترك الزينة، وقيل: هو إذا حزنت عليه ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة والخضاب (٣).\nوالحادُّ والمحِدُّ: تاركة الزينة للعدة (٤)، قال ابن الأثير ﵀:\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٩٨.\n(٢) معجم المقاييس في اللغة لابن فارس، ص٢٣٩.\n(٣) لسان العرب لابن منظور، ٣/ ١٤٣.\n(٤) القاموس المحيط، ص٣٥٢.","vol":"1","page":367},{"text":"«أحدت المرأة على زوجها تحِدُّ، فهي محِدُّ، وحَدَّت تَحُدَّ وتحِدُّ فهي حادٌّ: إذا حزنت عليه ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة» (١).\nفعُلِمَ أن الإحداد لغة: منع المرأة نفسها عن الزينة، والخضاب، وما نُهِيت عنه، إظهارًا للحزن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>الإحداد شرعًا: </span>قيل: الإحداد: اجتناب الزينة، والطيب، والتحسين.\nوقيل: اجتناب ما يدعو إلى جماعها، ويرغب في النظر فيها من الزينة والطيب، والتحسين، والحناء، والحلي والكحل.\nوقيل: ترك زينة، وطيب، ولبس حلي، وتحسين بحناء، وكحل بأسود.\nوقيل: اجتناب الزينة وما يدعو إلى المباشرة (٢).\nوقيل: تربّصٌ تجتنب فيه المرأة ما يدعو إلى جماعها، أو يرغب في النظر إليها من الزينة وما في معناها مدة مخصوصة في أحوال مخصوصة (٣).\nوالمختار: «تربُّصٌ تمتنع فيه المرأة عن كل ما يرغب في النظر إليها، مدة مخصوصة، في أحوال مخصوصة، في مكان مخصوص».\nأو يقال: «تربُّصٌّ تمتنع فيه المرأة عن الزينة، والطيب، والحلي، مدة مخصوصة، في أحوال مخصوصة، في مكان مخصوص».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>الأمر الثاني حكم الإحداد الشرعي: </span>الإحداد الشرعي نوعان:\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، ١/ ٣٥٢.\n(٢) انظر: المغني، لابن قدامة، ١١/ ٢٨٥، والكافي، ٥/ ٤١، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٢٤/ ١٣٢، والروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٧/ ٨١، والإقناع لطالب الانتفاع، للحجاوي، ٤/ ١٧، ومنتهى الإرادات، لمحمد بن أحمد الفتوحي، ٤/ ٤١٠.\n(٣) أحكام الإحداد، لخالد بن عبد الله المصلح، ص٢٤.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>النوع الأول: الإحداد في عدة الوفاة: </span>يجب على الزوجة مدة عدة الوفاة؛ لحديث أم عطية ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تُحِدُّ امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عَصْبٍ، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قُسْطٍ أو أظفار» (١)، زاد أبو داود: «ولا تختضب» (٢).\nوعن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثٍ إلا على زوجها» (٣).\nقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في وجوبه على المتوفى عنها زوجها إلا عن الحسن؛ فإنه قال: لا يجب الإحداد، وهو قول شذ به عن أهل العلم وخالف به السنة، فلا يعرج عليه» (٤).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «وأجمعت الأمة على وجوبه على المتوفَّى عنها زوجها إلا ما حُكي عن الحسن والحكم بن عتبة ...» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>النوع الثاني: حكم إحداد المرأة على غير زوجها: </span>اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على جواز إحداد المرأة على غير زوجها ثلاثة أيام؛ لقوله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الطلاق، باب القسط للحادة عند الطهر، برقم ٥٣٤١، ومسلم، واللفظ له، كتاب الطلاق، باب وجود الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك إلا ثلاثة أيام، برقم ٩٣٨.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطلاق، باب فيما تجتنب المعتدة في عدتها، برقم ٢٣٠٤، والنسائي، كتاب الطلاق، باب ما تجتنب الحادة من الثياب المصبغة، برقم ٣٥٣٣.\n(٣) مسلم، كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك إلا ثلاثة أيام، برقم ١٤٩١.\n(٤) المغني، ١١/ ٢٨٤.\n(٥) زاد المعاد، ٥/ ٦٩٦، وانظر: الإجماع لابن المنذر، ص١٢٤.","vol":"1","page":369},{"text":"زوج أربعة أشهر وعشرًا» (١).\nوهذا يبين أن الإحداد على الزوج واجب وعزيمة، وعلى غير الزوج جائز ورخصة؛ لكن لا يجوز للمرأة أن تزيد على ثلاثة أيام على غير الزوج، وظاهر الأحاديث جواز إحداد المرأة على كل ميت ثلاثة أيام فأقل - غير الزوج، قال الإمام ابن القيم ﵀: «فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره جائز»، وقال: «فالإحداد على الزوج عزيمة وعلى غيره رخصة» (٢).\nوقال العيني ﵀: «قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن من مات أبوها أو ابنها، وكانت ذات زوج وطالبها زوجها في الثلاثة أيام التي أبيح لها الإحداد فيها أنه يُقضى له عليها بالجماع فيها» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>الأمر الثالث: مدة الإحداد نوعان:</span>\nالنوع الأول: مدة الإحداد على الزوج قسمان:\nالقسم الأول: عدة المرأة الحائل وهي غير الحامل، أربعة أشهر وعشرًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٤٩١، وتقدم تخريجه، وقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، منها: حديث عائشة هذا، وحديث أم حبيبة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وزينب بنت أبي سلمة ﵅، متفق على صحته: البخاري، رقم ٥٣٣٤ - ٥٣٣٧، ومسلم، برقم ١٤٨٦، وحديث حفصة بنت عمر عند مسلم، برقم ١٤٩٠، وحديث أم عطية متفق عليه كما تقدم: البخاري، برقم ٥٣٤١، ومسلم، برقم ٩٣٨.\n(٢) زاد المعاد، ٥/ ٦٩٦.\n(٣) عمدة القاري، ٨/ ٦٤.","vol":"1","page":370},{"text":"فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١)؛ولقوله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا» (٢).\nوالحائل إما أن تكون مدخولًا بها أو غير مدخول بها وكلا الصنفين عدته من الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام؛ لعموم الآية، فظاهر الآية والحديث يشملهما فلا فرق بينهما، قال الإمام ابن القيم ﵀: «وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل اتفاقًا كما دل عليه عموم القرآن والسنة» (٣)؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - في عدة غير المدخول بها عند وفاة الزوج، أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: «لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث»، فقام معقل بن سنان - ﵁ - فقال: «قضى رسول الله - ﷺ - في بروع بنت واشق امرأة منا: مثل الذي قضيت»، ففرح بها ابن مسعود - ﵁ -» (٤).\nقال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا أن عدة الحرة المسلمة التي ليست بحامل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرًا، مدخولًا بها أو غير\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، ٥٣٣٤، ومسلم، ١٤٨٦، وتقدم تخريجه عن عدة صحابيات.\n(٣) زاد المعاد، ٥/ ٦٦٤.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات، برقم ٢١١٤ - ٢١١٦، والترمذي، كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها، برقم ١١٤٥، والنسائي كتاب النكاح، باب إباحة التزوج بغير صداق، برقم ٣٣٥٢، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك، برقم ١٨٩١، والحاكم، ٢/ ١٨٠، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٦/ ٣٦٩.","vol":"1","page":371},{"text":"مدخول، صغيرة لم تبلغ أو كبيرة قد بلغت» (١).\nالقسم الثاني: عدة المرأة الحامل: أجلها أن تضع حملها، ولو بعد الوفاة بوقت يسير، قال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا أنها لو كانت حاملًا لا تعلم بوفاة زوجها أو طلاقه فوضعت حملها أن عدتها منقضية» (٢)، وقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأجمعوا أيضًا على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا أجلها وضع حملها، إلا ابن عباس، وروي عن علي من وجه منقطع أنها تعتد بأقصى الأجلين، وقاله أبو السنابل بن بعكك في حياة النبي - ﷺ - فردَّ عليه النبي - ﷺ - قوله، وقد روي أن ابن عباس رجع إلى قول الجماعة لما بلغه حديث سبيعة» (٣).\nقال الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٤). فدلت الآية على أن كل حامل أجلها وضع الحمل؛ ولما روت سبيعة بنت الحارث الأسلمية ﵂ أنها كانت تحت سعد بن خولة وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلَّت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعككٍ فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمرَّ عليك أربعة أشهر وعشر، قالت: سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليًّ ثيابي حين أمسيت\n_________\n(١) الإجماع، لابن منذر، ص١٢١.\n(٢) المرجع السابق، ص١٢٢.\n(٣) المغني، ١١/ ٢٢٧.\n(٤) سورة الطلاق، الآية: ٤.","vol":"1","page":372},{"text":"فأتيت رسول الله - ﷺ - فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي»، قال ابن شهاب: فلا أرى بأسًا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>الأمر الرابع: الحكمة من الإحداد: </span>يجب على كل مسلم أن ينقاد لشرع الله ورسوله - ﷺ -، فإن عرف الحكمة فزيادة علم وحكمة، وإن حُجبت عنه فلا يُسأل عنها، وإنما يلزمه العمل بما أمر والابتعاد عما نهي عنه.\nوقد ذكر بعض أهل العلم بعض الحكم من حكمة الإحداد، ومنها على سبيل الإيجاز:\n١ - تعظيم أمر الله والعمل بما يرضيه تعالى.\n٢ - تعظيم حق الزوج وحفظ عشرته.\n٣ - أهمية عقد النكاح ورفع قدره.\n٤ - تطييب نفس أقارب الزوج ومراعاة شعورهم.\n٥ - سد ذريعة تطلع المرأة للنكاح في هذه المدة وتطلع الرجال إليها.\n٦ - الإحداد من مكملات عدة الوفاة ومقتضياتها.\n٧ - تألم على فوات نعمة النكاح الجامعة بين خيري الدنيا والآخرة.\n٨ - موافقة الطباع البشرية؛ فإن النفس تتفاعل مع المصائب فأباح الله لها حدًّا تستطيع من خلاله التعبير عن مشاعر الحزن والألم بالمصاب مع الرضا التام بما قضى الله - ﷿ - وقدر، والصبر على أقدار الله المؤلمة، والرغبة\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب ١٠، برقم ٣٩٩١، ومسلم، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل، برقم ١٤٨٤.","vol":"1","page":373},{"text":"فيما عنده سبحانه من الأجر لمن صبر واحتسب، وانتظار ما وعد الله سبحانه من الخير لمن حمده واسترجع وسأل الله أن يجيره في مصيبته ويخلفه خيرًا منها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>الأمر الخامس: يلزم الحادة على زوجها ستة أحكام على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>١ - تلزم بيتها الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، ولا تخرج منه إلا لحاجة أو ضرورة</span>، كمراجعة المستشفى عند المرض، وأخذ بعض حوائجها من السوق إذا لم يكن لديها من يقوم بذلك، ومن الأدلة الواضحة في ذلك حديث زينب بنت كعب بن عجرة عن الفريعة بنت مالك بن سنان - وهي أخت أبي سعيد الخدري - أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله - ﷺ - تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة؛ فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أَبِقُوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله - ﷺ - أن أرجع إلى أهلي؛ فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم» قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمرني فدعيت له، فقال: «كيف قلت؟» فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، قالت: فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك،\n_________\n(١) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم فقد جلَّى ذلك، ٢/ ١٤٦ - ١٤٨، وفتح الباري لابن حجر، ٩/ ٤٧، وأحكام الإحداد لخالد بن عبد الله المصلح، مراجعة بكر بن عبد الله أبو زيد، ص٣١ - ٣٢.","vol":"1","page":374},{"text":"فأخبرته فاتبعه وقضى به» (١).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: وهو حديث صحيح قضى به عثمان في جماعة الصحابة، فلم ينكروه، إذا ثبت هذا فإنه يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به، سواء كان مملوكًا لزوجها، أو بإجارة، أو عارية؛ لأن النبي - ﷺ - قال للفريعة: «امكثي في بيتك» ولم يكن في بيت يملكه زوجها، وفي بعض ألفاظه: «اعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك» وفي لفظ: «اعتدي حيث بلغك الخبر»، فإن أتاها الخبر في غير مسكنها رجعت إلى مسكنها فاعتدت فيه» (٢).\nوقال ﵀: «فإن خافت هدمًا، أو غرقًا، أو عدوًّا، أو نحو ذلك، أو حوَّلها صاحب المنزل؛ لكونه عارية رجع فيه، أو بإجارة انقضت مدتها، أو منعها السكن تعدِّيًا، أو امتنع من إجارته، أو طلب به أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به أو لا تجد إلا من مالها، فلها أن تنتقل؛ لأنها حال عُذرٍ، ولا يلزمها بذل أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى، لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت السكنى سقطت ولها أن\n_________\n(١) أبو داود، بلفظه، كتاب الطلاق، باب في المتوفَّى عنها تنتقل، برقم ٢٣٠٠، والنسائي، كتاب الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تنتقل، برقم ٣٥٥٨، بلفظ: «اجلسي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، وفي لفظ له برقم ٣٥٥٩: «اعتدي حيث بلغك الخبر»، وفي لفظ له برقم ٣٥٦٠: «امكثي في أهلك حتى يبلغ الكتاب أجله». والترمذي، ٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠، وابن ماجه، ١/ ٦٥٤ برقم ٢٠٣١، ولفظه: «امكثي في بيتك الذي جاءك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله»، وأحمد، ٦/ ٣٧٠، ٤٢٠، ٤٢١.\n(٢) المغني، ١١/ ٢٩١.","vol":"1","page":375},{"text":"تسكن حيث شاءت ...» (١).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وللمعتدّة الخروج في حوائجها نهارًا، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها» (٢)، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: طُلقت خالتي فأرادت أن تجذ نخلها فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي - ﷺ - فقال: «بلى جذي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفًا» (٣)، وذكر ابن قدامة ﵀ أن المرأة الحادَّة ليس لها المبيت في غير بيتها وليس لها الخروج ليلًا إلا لضرورة؛ لأن الليل مظنة الفساد بخلاف النهار؛ فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>٢ - تمتنع الحادة عن الملابس الجميلة وتلبس ما سواها</span>، وقد ذكر ابن المنذر الإجماع على منعها من لبس المعصفر (٦)، فتحرم عليها الثياب المصبغة للتحسين: كالمعصفر، والمزعفر، وسائر اللون للتحسين (٧)؛ لحديث أم عطية ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ١١/ ٢٩١ - ٢٩٢.\n(٢) المرجع السابق، ١١/ ٢٩٧.\n(٣) مسلم، كتاب الطلاق، باب جواز خروج المعتدة البائن والمتوفى عنها زوجها في النهار لحاجتها، برقم ١٤٨٣.\n(٤) المغني، لابن قدامة، ١١/ ٢٩٧ - ٢٩٨.\n(٥) وذكر الإمام ابن قدامة آثارًا في ذلك وبعض الأحاديث، [المغني، ١١/ ٢٩٧ - ٢٩٨]، وانظر: أحكام الإحداد لخالد بن عبد الله المصلح، ص١٩، والآثار في البيهقي، ٧/ ٤٣٦.\n(٦) انظر: الإجماع لابن المنذر، ص١٢٤.\n(٧) المغني لابن قدامة، ١١/ ٢٨٨.","vol":"1","page":376},{"text":"ثوب عصبٍ، ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسطٍ أو أظفار» (١) زاد أبو داود: «ولا تختضب» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>٣ - تمتنع عن جميع أنواع الطيب</span>، ونحوها، إلا إذا طهرت من حيضها، فلا بأس أن تتبخر بالبخور؛ لحديث أم عطية ﵂، وفيه: «ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسطٍ أو أظفار» (٣).\nقال الإمام النووي ﵀ في شرح القسط والأظفار: «نوعان معروفان من البخور، وليس من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب، والله تعالى أعلم» (٤).\nوقوله - ﷺ -: «ولا تمس طيبًا» يشمل جميع أنواع الأطياب، والأدهان المطيبة، والمياه المعتصرة من الأدهان المطيبة، فهذه كلها من الطيب الممنوع (٥).\nولا يدخل فيه الزيت، ولا السمن، ولا تمتنع من الأدهان التي ليس فيها طيب (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>٤ - تمتنع الحادة من الحلي: </span>الذهب، الفضة، والماس وغيرها، سواء\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٣٤١، ومسلم برقم ٩٣٨ وتقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطلاق، باب فيما تجتنب المعتدة في عدتها، برقم ٢٣٠٤، والنسائي، كتاب الطلاق، باب ما تجتنب الحادة من الثياب المصبغة، برقم ٣٥٣٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٣٤١، ومسلم، برقم ٩٣٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٠/ ١١٩.\n(٥) زاد المعاد، لابن القيم، ٥/ ٧٠١ - ٧٠٢.\n(٦) انظر: المرجع السابق، ٥/ ٧٠٢.","vol":"1","page":377},{"text":"كان ذلك قلائد، أو أسورة، أو خرصان، أو خواتم، أو غير ذلك؛ لحديث أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحليَّ، ولا تختضب، ولا تكتحل» (١).\nقال الإمام ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على منع المرأة المحدة من لبس الحلي» (٢)؛ ولأن الحلي يزيد في حسنها ويدعو إلى مباشرتها» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>٥ - تمتنع الحادة عن الخضاب بالحناء </span>ونحوه؛ لحديث أم عطية ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تحدُّ امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قُسْطٍ أو أظفار» زاد أبو داود: «ولا تختضب» (٤)؛ ولحديث أم سلمة زوج النبي - ﷺ - وفيه: «ولا تختضب» (٥).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «فيحرم عليها الخضاب، والنقش، والتطريف، والحمرة؛ فإن النبي - ﷺ - نصَّ على الخضاب منبهًا به على هذه\n_________\n(١) أبو داود بلفظه، كتاب الطلاق، باب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها، برقم ٢٣٠٤، أحمد، ٦/ ٣٠٢، والنسائي، ٦/ ٢٠٣، برقم ٣٥٣٥ بدون قوله: «ولا الحلي». وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٣.\n(٢) الإجماع لابن المنذر، ص١٢٥.\n(٣) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٨٩، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٢٤/ ١٤٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحيض، باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض، برقم ٣١٣، ومسلم، كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، برقم ٩٣٨، وأبو داود، كتاب الطلاق، فيما تجتنب المعتدة في عدتها، برقم ٢٣٠٢.\n(٥) أبو داود، برقم ٤٣٠٤، وأحمد، ٦/ ٣٠٢، والنسائي، برقم ٣٥٣٥، وتقدم.","vol":"1","page":378},{"text":"الأنواع» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>٦ - تمتنع الحادَّة عن الكحل</span>؛ لحديث أم عطية ﵂ وفيه: «... ولا تكتحل» (٢).\nوحديث أم سلمة ﵂ وفيه: «ولا تكتحل» (٣).\nوفي حديث أم سلمة ﵂ تقول: «جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا» مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: «لا»، ثم قال: «إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ...» (٤).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف، منهم أبو محمد ابن حزم: «لا تكتحل ولو ذهبت عيناها لا ليلًا ولا نهارًا»، وبين ﵀ أنه يساعدهم حديث أم سلمة السابق، ثم قال ﵀: «وأما جمهور أهل العلم: كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، فقالوا: إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد تداويًا لا زينة، فلها أن تكتحل به ليلًا وتمسحه نهارًا وحجتهم حديث أم سلمة ﵂» (٥). ولفظ الحديث عن أم حكيم بن أسيد عن أمها أن زوجها توفي\n_________\n(١) زاد المعاد، ٥/ ٧٠٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٣٤١، ومسلم، برقم ٩٣٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) أبو داود، برقم ٢٣٠٤، وأحمد، ٦/ ٣٠٢، والنسائي، برقم ٣٥٣٥، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٣٣٤، ومسلم، برقم ١٤٨٦، وتقدم تخريجه.\n(٥) زاد المعاد، ٥/ ٧٠٢ - ٧٠٣.","vol":"1","page":379},{"text":"وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء، - قال أحمد (أحد الرواة) الصواب: بكحل الجلاء – فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة فسألتها عن كحل الجلاء؟ فقالت: لا تكتحلي به إلا من أمر لابد منه يشتدُّ عليك: فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت عند ذلك أم سلمة: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرًا فقال: «ما هذا يا أم سلمة؟» فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله، ليس فيه طيب، قال: «إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء؛ فإنه خضاب»، قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: «بالسدر تغلفين به رأسك» (١). وقد بين الإمام ابن عبد البر ﵀ وتبعه الإمام ابن القيم: أن هذا الحديث ثابت، والجمع بينه وبين الحديث الآخر لأم سلمة وفيه: «قوله: «لا» ثلاثًا لمن استأذنته في الكحل: أن الشكاة التي قال فيها النبي - ﷺ - «لا» لم تبلغ والله أعلم منها مبلغًا لابد لها فيه من الكحل فلذلك نهاها، ولو كانت محتاجة مضطرة تخاف ذهاب بصرها لأباح لها ذلك كما فعل بالتي قال لها: «اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار»، والنظر يشهد لهذا التأويل؛ لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى حال المباح في الأصول؛ ولهذا جعل مالك فتوى أم سلمة ﵂ تفسيرًا للحديث المسند في الكحل؛ لأن أم سلمة ﵂ روته\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الطلاق، باب في المتوفى عنها زوجها، برقم ٢٣٠٥، والنسائي، كتاب: الخضاب للحادة، برقم ٣٥٣٧، والحديث صححه ابن عبد البر في التمهيد، ١٧/ ٣١٨، وحسنه ابن القيم في زاد المعاد، ٥/ ٧٠٣، والحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، وضعفه بعض أهل العلم ومنهم العلامة الألباني.","vol":"1","page":380},{"text":"وما كانت لتخالفه إذا صح عندها، وهي أعلم بتأويله ومخرجه ...» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «الكحل ممنوع للحادة إلا من أجل العلاج؛ فإنه يجعل بالليل ويمسح بالنهار» (٢).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا تمتنع من التنظف، بتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر، والامتشاط به» (٣)، ولها أن تكلم من شاءت من محارمها وتجلس معهم، وتقدم الطعام والشراب، ونحو ذلك، ولها أن تعمل في بيتها وأسطح بيتها ليلًا ونهارًا، وفي جميع أعمالها البيتية: كالطبخ، والخياطة، وكنس البيت، وغسل الملابس (٤)، ولكن عليها أن تلتزم بالستة الأمور المذكورة آنفًا. والله الموفق للصواب - ﷾ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>الأمر السادس: أصناف المعتدات سبعة أصناف على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>الصنف الأول: الحامل وعدتها </span>من موت زوجٍ أو طلاق هي: وضع كامل الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>الصنف الثاني: المتوفى عنها زوجها من غير حمل</span>، فعدتها أربعة أشهر\n_________\n(١) التمهيد لابن عبد البر، ١٧/ ٣١٨ - ٣١٩، وزاد المعاد، ٥/ ٧٠٣ - ٧٠٤.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٣٥٣٩.\n(٣) المغني، ١١/ ٢٨٨.\n(٤) من كلام شيخنا ابن باز في مقالة له بين فيها ما يلزم الحادة على زوجها من أحكام. نقلها الشيخ خالد بن عبد الله المصلح في كتابه: أحكام الإحداد، ص١٥٥.\n(٥) سورة الطلاق، الآية: ٤.","vol":"1","page":381},{"text":"وعشرة أيام من حين موته؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>الصنف الثالث: المرأة ذات الحيض</span>، وعدتها من طلاق وفسخ هي ثلاثة قروء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>الصنف الرابع: المرأة التي لا تحيض </span>إما لصغر أو كبر فعدتها ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>الصنف الخامس: المرأة التي ارتفع حيضها بسبب </span>كالرضاع، والمرض، ونحوه، تتربص حتى يعود الحيض ثم تعتدُّ به؛ لأنها من ذوات القروء، والعارض الذي منع الدم يزول، فتنتظر زواله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>الصنف السادس: المرأة التي ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه </span>فعدتها سنة: تسعة أشهر تتربص فيها؛ لتعلم براءتها من الحمل؛ لأنها غالب مدته، ثم تعتدّ بعد ذلك ثلاثة أشهر؛ لقول الشافعي هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار لا ينكره منهم منكِر علمناه، فكان إجماعًا من الصحابة - ﵃ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>الصنف السابع: امرأة المفقود</span>، وتعتد بعد مدة التربص أربعة أشهر وعشرًا عدة الوفاة.\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٤.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.\n(٣) سورة الطلاق، الآية: ٤.","vol":"1","page":382},{"text":"وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١).\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nحرر في يوم الأربعاء الموافق ٢/ ١/١٤٢٤هـ\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ٢٠/ ٤٠٢ - ٤٠٤، و٢٠/ ٤٢٩ - ٤٣٠، وانظر: الإقناع لطالب الانتفاع، للحجاوي، ٤/ ٦ - ١٢، والكافي، لابن قدامة، ٥/ ٦.","vol":"1","page":383}]}