{"ً":{"ٌ":96455,"ٍ":"آفات اللسان في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: آفات اللسان في ضوء الكتاب والسُّنَّة\nالمؤلف: د. سعيد بن على بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nالطبعة: التاسعة، ١٤٣١ هـ\nعدد الصفحات: ١٠٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":23,"ٖ":1770154051,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الباب الأول: الغيبة والنميمة","level":1,"page":6},{"title":"الفصل الأول: الغيبة.","level":2,"page":6},{"title":"المبحث الأول: تعريف الغيبة","level":3,"page":7},{"title":"المبحث الثاني: الفرق بين الغيبة والنميمة","level":3,"page":8},{"title":"المبحث الثالث: حكم الغيبة","level":3,"page":9},{"title":"المبحث الرابع: الترهيب من الوقوع في الغيبة","level":3,"page":9},{"title":"المبحث الخامس: ما ينبغي لمن سمع غيبة أخيه المسلم","level":3,"page":16},{"title":"المبحث السادس: الأسباب الباعثة على الغيبة","level":3,"page":18},{"title":"السبب الأول: هو محاولة الانتصار للنفس.","level":4,"page":18},{"title":"السبب الثاني: الحقد للآخرين والبغض لهم","level":4,"page":18},{"title":"السبب الثالث: إرادة رفعة النفس، وخفض غيره","level":4,"page":18},{"title":"السبب الرابع: موافقة الجلساء والأصحاب، والأصدقاء","level":4,"page":18},{"title":"السبب الخامس: إظهار التعجب من أصحاب المعاصي:","level":4,"page":18},{"title":"السبب السادس: السخرية والاستهزاء بالآخرين والاحتقار لهم.","level":4,"page":19},{"title":"السبب السابع: الظهور بمظهر الغضب لله على من يرتكب المنكر.","level":4,"page":19},{"title":"السبب الثامن: الحسد، فيحسد المغتاب من يثني عليه الناس ويحبونه","level":4,"page":19},{"title":"السبب التاسع: إظهار الرحمة والتصنع بمواساة الآخرين","level":4,"page":19},{"title":"السبب العاشر: التصنع، واللعب، والهزل، والضحك فيجلس المغتاب خبيث النفس","level":4,"page":19},{"title":"السبب الحادي عشر: هو أن ينسب إليه فعلا قبيحا فيتبرأ منه.","level":4,"page":20},{"title":"السبب الثاني عشر: الشعور بأن غيره يريد الشهادة عليه،","level":4,"page":20},{"title":"المبحث السابع: علاج الغيبة","level":3,"page":20},{"title":"العلاج الأول: هو أن يعلم الإنسان أنه إذا وقع في الغيبة فهو متعرض لسخط الله","level":4,"page":20},{"title":"العلاج الثاني: عليه أن ينظر في السبب الباعث له على","level":4,"page":22},{"title":"المبحث الثامن: طريق التوبة من الغيبة","level":3,"page":24},{"title":"المبحث التاسع: ما يباح من الغيبة","level":3,"page":25},{"title":"١ - التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان، أو القاضي","level":4,"page":26},{"title":"٢ - الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب","level":4,"page":26},{"title":"٣ - الاستفتاء. بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان، أو أبي، أو أخي","level":4,"page":26},{"title":"٤ - تحذير المسلمين من الشر وذلك من وجوه منها:","level":4,"page":27},{"title":"أ- جرح المجروحين من الرواة، والشهود، والمصنفين","level":5,"page":27},{"title":"ب- ومنها الإخبار بعيب عند المشاورة","level":5,"page":27},{"title":"ج - ومنها إذا رأيت من يشتري شيئا معيبا أو عبدا سارقا، أو شاربا","level":5,"page":27},{"title":"د- ومنها إذا رأيت متفقها يتردد إلى فاسق، أو مبتدع يأخذ عنه علما","level":5,"page":27},{"title":"هـ- ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته، أو لفسقه","level":5,"page":27},{"title":"٥ - أن يكون مجاهرا بفسقه، أو بدعته فيجوز ذكره بما يجاهر به","level":4,"page":27},{"title":"٦ - التعريف","level":4,"page":27},{"title":"الفصل الثاني: النميمة","level":2,"page":29},{"title":"المبحث الأول: تعريف النميمة","level":3,"page":29},{"title":"المبحث الثاني: حكم النميمة","level":3,"page":30},{"title":"المبحث الثالث: الترهيب من الوقوع في النميمة","level":3,"page":30},{"title":"المبحث الرابع: ما ينبغي لمن حملت إليه النميمة","level":3,"page":32},{"title":"الأول: أن لا يصدقه، لأن النمام فاسق.","level":4,"page":32},{"title":"الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح له فعله.","level":4,"page":32},{"title":"الثالث: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله تعالى.","level":4,"page":32},{"title":"الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء.","level":4,"page":32},{"title":"الخامس: أن لا يحمله ما حكي له على التجسس والبحث عن ذلك.","level":4,"page":32},{"title":"السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه،","level":4,"page":32},{"title":"المبحث الخامس: ذو الوجهين","level":3,"page":33},{"title":"المبحث السادس: الدوافع الباعثة على الوقوع في النميمة","level":3,"page":34},{"title":"المبحث السابع: علاج النميمة","level":3,"page":34},{"title":"المبحث الثامن: ما يباح من النميمة","level":3,"page":34},{"title":"الباب الثاني: القول على الله بغير علم","level":1,"page":36},{"title":"الفصل الأول: الكذب على الله تعالى ورسوله - ﷺ -","level":2,"page":37},{"title":"المبحث الأول: تعريف الكذب","level":3,"page":37},{"title":"المبحث الثاني: الترهيب من الكذب على الله تعالى ورسوله - ﷺ -","level":3,"page":37},{"title":"المبحث الثالث: ما يمتاز به الكاذب على رسول الله - ﷺ - من الوعيد على من كذب على غيره وحكم الكذب عليه - ﷺ -","level":3,"page":41},{"title":"١ - الكذب على النبي - ﷺ - فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة","level":4,"page":41},{"title":"٢ - والرأي الثاني أن الكذب عليه - ﷺ - يكفر متعمده","level":4,"page":41},{"title":"٣ - قال الإمام ابن حجر: الكذب عليه - ﷺ - كبيرة، والكذب على غيره صغيرة فافترقا","level":4,"page":42},{"title":"٤ - من كذب على النبي - ﷺ - عمدا في حديث واحد فسق وردت رواياته كلها","level":4,"page":42},{"title":"٥ - والكذب على رسول الله - ﷺ - كذب على الله","level":4,"page":43},{"title":"الفصل الثاني: الكذب على وجه العموم","level":2,"page":44},{"title":"المبحث الأول: حكم الكذب","level":3,"page":44},{"title":"المبحث الثاني: الترهيب من الوقوع في الكذب على وجه العموم","level":3,"page":44},{"title":"المبحث الثالث: الكذب في الرؤيا أو الحلم","level":3,"page":46},{"title":"المبحث الرابع: ما يباح من الكذب","level":3,"page":47},{"title":"بعض ما روي عن السلف من المعاريض التي تخلصوا بها من الكذب","level":4,"page":48},{"title":"١ - روي عن عمر بن الخطاب","level":5,"page":48},{"title":"٢ - وروي عن ابن عباس ﵄","level":5,"page":49},{"title":"٣ - وقال بعض السلف كان لهم كلام يدرؤون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا","level":5,"page":49},{"title":"٤ - لقي رسول الله - ﷺ - طليعة للمشركين وهو في نفر من أصحابه","level":5,"page":49},{"title":"٥ - والمراد - ﷺ - بقوله: (نحن من ماء)","level":5,"page":49},{"title":"٦ - إذا جاء من لا يريد الاجتماع به وضع يده على ضرسه ثم","level":5,"page":49},{"title":"٧ - سئل أحمد عن المروزي وهو عنده ولم يرد أن يخرج إلى السائل","level":5,"page":49},{"title":"الحيل ثلاثة أنواع:","level":4,"page":50},{"title":"النوع الأول: قربة وطاعة وهو من أفضل الأعمال عند الله تعالى.","level":5,"page":50},{"title":"النوع الثاني: جائز مباح لا حرج على فاعله، ولا على تاركه","level":5,"page":50},{"title":"النوع الثالث: محرم، ومخادعة لله تعالى ورسله","level":5,"page":50},{"title":"الفصل الثالث: شهادة الزور","level":2,"page":51},{"title":"المبحث الأول: تعريف الزور","level":3,"page":51},{"title":"المبحث الثاني: الترهيب من الوقوع في شهادة الزور","level":3,"page":51},{"title":"المبحث الثالث: ما يترتب على شهادة الزور من الجرائم","level":3,"page":56},{"title":"١ - تضليل الحاكم عن الحق والتسبب في الحكم بالباطل؛","level":4,"page":56},{"title":"٢ - الظلم لمن شهد له؛ لأنه ساق إليه ما ليس بحق بسبب شهادة الزور","level":4,"page":57},{"title":"٣ - الظلم لمن شهد عليه حيث أخذ منه ماله أو حقه بالشهادة الكاذبة","level":4,"page":57},{"title":"٤ - تخليص المجرمين من عقوبة الجريمة بالشهادة الباطلة،","level":4,"page":58},{"title":"٥ - يترتب على شهادة الزور انتهاك المحرمات، وإزهاق النفوس المعصومة.","level":4,"page":58},{"title":"٦ - يحصل بشهادة الزور تزكية المشهود له وهو ليس أهلا لذلك.","level":4,"page":58},{"title":"٧ - يترتب على شهادة الزور القول في دين الله بغير حق وبغير علم؛","level":4,"page":58},{"title":"الباب الثالث: القذف والخصومات وبذاءة اللسان","level":1,"page":60},{"title":"الفصل الأول: القذف","level":2,"page":61},{"title":"المبحث الأول: تعريف القذف","level":3,"page":61},{"title":"المبحث الثاني: الترهيب من الوقوع في القذف","level":3,"page":61},{"title":"الفصل الثاني: الخصومات والجدال","level":2,"page":64},{"title":"المبحث الأول: الجدال بالباطل","level":3,"page":64},{"title":"الجدل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها","level":4,"page":64},{"title":"النوع الأول: الجدال المحمود الممدوح","level":5,"page":64},{"title":"النوع الثاني: الجدال المذموم:","level":5,"page":65},{"title":"الأسباب الباعثة على الجدال بالباطل كثيرة، منها:","level":4,"page":66},{"title":"١ - الغرور، والكبرياء، والخيلاء.","level":5,"page":66},{"title":"٢ - إظهار العلم والفضل.","level":5,"page":67},{"title":"٣ - الاعتداء على الغير بإظهار نقصه، وقصد أذاه.","level":5,"page":67},{"title":"المبحث الثاني: الخصومة والنزاع","level":3,"page":67},{"title":"المبحث الثالث: علاج الخصومات والغضب","level":3,"page":70},{"title":"الطريقة الأولى: الوقاية،","level":4,"page":70},{"title":"الطريقة الثانية: العلاج إذا وقع الغضب، وينحصر في أربعة أنواع كالآتي:","level":4,"page":70},{"title":"النوع الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم","level":5,"page":70},{"title":"النوع الثاني: الوضوء","level":5,"page":70},{"title":"النوع الثالث: تغيير الحالة التي عليها الغضبان، بالجلوس، أو الاضطجاع","level":5,"page":71},{"title":"النوع الرابع: استحضار ما ورد في فضل كظم الغيظ من الثواب","level":5,"page":71},{"title":"الفصل الثالث: بذاءة اللسان","level":2,"page":72},{"title":"المبحث الأول: الترهيب من الوقوع في بذاءة اللسان","level":3,"page":72},{"title":"المبحث الثاني: الاسستسقاء بالأنواء","level":3,"page":77},{"title":"المبحث الثالث: الحلف بغير الله تعالى","level":3,"page":78},{"title":"المبحث الرابع: الحلف الكاذب والمن بالعطية","level":3,"page":79},{"title":"المبحث الخامس: التسمي بملك الأملاك","level":3,"page":80},{"title":"المبحث السادس: سب الدهر","level":3,"page":80},{"title":"المبحث السابع: النياحة على الميت","level":3,"page":80},{"title":"المبحث الثامن: النجش","level":3,"page":81},{"title":"المبحث التاسع: المدح المذموم الذي يفتن الممدوح أو فيه إفراط","level":3,"page":81},{"title":"المبحث العاشر: ما يجوز من المدح","level":3,"page":83},{"title":"المبحث الحادي عشر: هتك الإنسان ستر نفسه","level":3,"page":84},{"title":"المبحث الثاني عشر: السب والشتم، والسخرية بالمؤمنين","level":3,"page":85},{"title":"المبحث الثالث عشر: شتم الرجل والديه من كبائر الذنوب","level":3,"page":89},{"title":"المبحث الرابع عشر: اللعن","level":3,"page":89},{"title":"المبحث الخامس عشر: جواز لعن أصحاب المعاصي والكفار عموما بدون تعيين أحد بعينه","level":3,"page":92},{"title":"المبحث السادس عشر: قول: ما شاء الله وشاء فلان، أو لولا الله وفلان","level":3,"page":94},{"title":"١ - ما شاء الله وحده، أو لولا الله وحده، وهذه أفضل المراتب.","level":4,"page":94},{"title":"٢ - ما شاء الله ثم شاء فلان، أو لولا الله ثم فلان، وهذه المرتبة لا بأس بها.","level":4,"page":94},{"title":"٣ - ما شاء الله وشاء فلان، أو لولا الله وفلان، وهذه المرتبة لا تجوز.","level":4,"page":94},{"title":"المبحث السابع عشر: اللو وعدم تفويض الأقدار لله تعالى","level":3,"page":94},{"title":"المبحث الثامن عشر: قول الرجل هلك الناس","level":3,"page":95},{"title":"المبحث التاسع عشر: الغناء والشعر المحرم","level":3,"page":95},{"title":"النوع الأول: ما فيه مدح للإسلام والمسلمين، ونصرة للحق وأهله، وهذا لا بأس به.","level":4,"page":96},{"title":"النوع الثاني: ما فيه مدح قوم بباطل، أو ذم قوم بباطل، أو قول زور وبهتان","level":4,"page":96},{"title":"المبحث العشرون: الوعد الكاذب","level":3,"page":96},{"title":"المبحث الحادي والعشرون: من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله","level":3,"page":97},{"title":"الواجب الأول: أن يأمر نفسه بالمعروف وينهاها عن المنكر ويكون عاملا بما علم","level":4,"page":98},{"title":"الواجب الثاني: أن يأمر غيره بالمعروف وينهى عن المنكر عن علم وبصيرة","level":4,"page":98},{"title":"المبحث الثاني والعشرون: إفشاء سر الزوجة أو الزوج","level":3,"page":98},{"title":"المبحث الثالث والعشرون: من حلف على ملة غير الإسلام","level":3,"page":98},{"title":"المبحث الرابع والعشرون: تسويد الفاسق","level":3,"page":99},{"title":"المبحث الخامس والعشرون: سب الحمى","level":3,"page":99},{"title":"المبحث السادس والعشرون: الردة بالقول","level":3,"page":99},{"title":"الفصل الرابع: وجوب حفظ اللسان","level":2,"page":101}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106},"ٜ":{"1":[3,107]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107"],"ٞ":{"2":[1],"6":[2,3],"7":[4],"8":[5],"9":[6,7],"16":[8],"18":[9,10,11,12,13,14],"19":[15,16,17,18,19],"20":[20,21,22,23],"22":[24],"24":[25],"25":[26],"26":[27,28,29],"27":[30,31,32,33,34,35,36,37],"29":[38,39],"30":[40,41],"32":[42,43,44,45,46,47,48],"33":[49],"34":[50,51,52],"36":[53],"37":[54,55,56],"41":[57,58,59],"42":[60,61],"43":[62],"44":[63,64,65],"46":[66],"47":[67],"48":[68,69],"49":[70,71,72,73,74,75],"50":[76,77,78,79],"51":[80,81,82],"56":[83,84],"57":[85,86],"58":[87,88,89,90],"60":[91],"61":[92,93,94],"64":[95,96,97,98],"65":[99],"66":[100,101],"67":[102,103,104],"70":[105,106,107,108,109],"71":[110,111],"72":[112,113],"77":[114],"78":[115],"79":[116],"80":[117,118,119],"81":[120,121],"83":[122],"84":[123],"85":[124],"89":[125,126],"92":[127],"94":[128,129,130,131,132],"95":[133,134],"96":[135,136,137],"97":[138],"98":[139,140,141,142],"99":[143,144,145],"101":[146]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"٩٠\nسلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nآفات اللسان\nفي ضوء الكتاب والسُّنَّة\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nالطبعة التاسعة - محرم ١٤٣١هـ","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nأما بعد فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nلا شك أن الله تعالى منح الإنسان نعمًا عظيمة، ومن أعظمها بعد الإسلام: نعمة النطق باللسان، وهذا اللسان سلاح ذو حدين: فإن استخدم في طاعة الله: كقراءة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١.\n(٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٧٠ - ٧١.","vol":"1","page":3},{"text":"المنكر، ونصر المظلوم كان هذا هو المطلوب من كل مسلم، وكان هذا شكرًا لله على هذه النعمة.\nوإن استخدم في طاعة الشيطان، وتفريق جماعة المسلمين، والكذب وقول الزور، والغيبة والنميمة، وانتهاك أعراض المسلمين، وغير ذلك مما حرمه الله ورسوله. كان هذا هو المُحَرَّمُ على كل مسلم فعله، وكان كفرانًا لهذه النعمة العظيمة.\nوفي اللسان آفتان عظيمتان:\n١ - آفة الكلام بالباطل.\n٢ - آفة السكوت عن الحق.\nفالساكتُ عن الحق شيطانٌ أخرس، عاصٍ لله، مراءٍ، مداهنٌ، إذا لم يخف على نفسه القتل ونحوه، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، عاصٍ لله، وأكثر البشر منحرف في كلامه وسكوته بين هذين النوعين. وأهل الوسط كفّوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعُه (١).\nوآفات اللسان من أخطر الآفات على الإنسان؛ لأن الإنسان يهون عليه التحفظ، والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المُحَرَّمِ، وغير ذلك من المحرمات، ويصعب عليه التحفظ والاحتراز من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه: بالدِّين، والزهد، والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يهوي في النار بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم رحمه الله تعالى، ص ٢٨١.","vol":"1","page":4},{"text":"والمغرب، أو يهوي بها في النار سبعين سنة، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يقطع، ويذبح في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي بما يقول (١). ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nوَلِخَطَرِ آفات اللسان على الفرد، والمجتمع، والأمة الإسلامية جمعت ما يسر الله لي جمعه – في هذا الموضوع الخطير – من كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -، وقد قسمته إلى ثلاثة أبواب على النحوالآتي:\nالباب الأول: الغيبة والنميمة\nالفصل الأول: الغيبة. ويشتمل على تسعة مباحث.\nالفصل الثاني: النميمة. ويشتمل على ثمانية مباحث.\nالباب الثاني: القول على الله بغير علم\nالفصل الأول: الكذب على الله وعلى الرسول - ﷺ -،ويشتمل على ثلاثة مباحث.\nالفصل الثاني: الكذب على وجه العموم. ويشتمل على أربعة مباحث.\nالفصل الثالث: شهادة الزور، ويشتمل على ثلاثة مباحث.\nالباب الثالث: القذف، والخصومات، وبذاءة اللسان\nالفصل الأول: القذف ويشتمل على مبحثين.\nالفصل الثاني: الخصومات والجدال، ويشتمل على ثلاثة مباحث.\nالفصل الثالث: بذاءة اللسان، ويشتمل على خمسة وعشرين مبحثًا.\nالفصل الرابع: وجوب حفظ اللسان.\nوقد اجتهدت في جمع المادة العلمية لهذا البحث من المصادر والمراجع الموثوقة، وأعظمها، وأجلها على الإطلاق: الكتاب العزيز، والسنة المطهرة،\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي، ص ٢٧٧.","vol":"1","page":5},{"text":"وهما المنبعان الصافيان اللذان من أخذ بهما، وعضَّ عليهما بالنواجذ فاز وأفلح، ومن أعرض عنهما وعن هديهما فقد خاب وضل مسعاه وخسر.\nثم إني اجتهدت في تخريج جميع الأحاديث وعزوها إلى مصادرها الأصلية، وإذا كان الحديث في غير صحيحي البخاري ومسلم، فإني أذكر ما قاله أهل العلم المحققون في درجة الحديث.\nوقد سميته: آفات اللسان في ضوء الكتاب والسنة، هذا ما يسّر الله لي جمعه، فما كان من صواب فمن الواحد المنّان، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله بريءٌ منه ورسولُه.\nوأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (١)﴾. وأن ينفع به من قرأه، أو سمعه، أو طبعه، أو نشره، أو كان سببًا في نشره، ومُقرِّبًا لي ولهم من جنات النعيم، وأن يجعله حجة لنا، ولا يجعله حجة علينا، إنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا، وإمامنا، وقدوتنا، وحبيبنا محمد بن عبد الله، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم يإحسان إلى يوم الدين.\nكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\nحرر في عام ١٤٠٥هـ\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآيتان: ٨٨ - ٨٩.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول\nالغيبة والنميمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول: الغيبة</span>.\nوفيه تسعة مباحث.\nالفصل الثاني: النميمة.\nوفيه ثمانية مباحث.","vol":"1","page":7},{"text":"الفصل الأول: الغيبة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول: تعريف الغيبة</span>\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وقد اختلف العلماء في حدِّ الغيبة. فقال الراغب: «هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير محوج إلى ذكر ذلك».\nوقال الغزالي: «حدّ الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه».\nوقال ابن الأثير في النهاية: «الغيبة أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه».\nوقال النووي في كتابه الأذكار تبعًا للغزالي: «الغيبة ذكر المرء بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشخص، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلقه، أو خُلقه، أو ماله، أو ولده، أو زوجه، أو خادمه، أو ثوبه، أو حركته، أو طلاقته، أو عبوسته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز».\nقال ابن التين: «الغيبة ذكر المرء بما يكره بظهر الغيب».\nوقال الإمام النووي ﵀: «ومن ذلك قول كثير من الفقهاء في التصانيف: قال بعض من يدّعي العلم، أو بعض من ينسب إلى الصلاح ... ممن يفهم السامع المراد به».\nومنه قولهم عند ذكره: «الله يعافينا، الله يتوب علينا، نسأل الله","vol":"1","page":8},{"text":"السلامة ... فكل ذلك من الغيبة» (١).\nوالغيبة لا تختص باللسان، فحيثُ ما أفهمتَ الغير ما يكرهه المغتاب ولو بالتعريض، أو الفعل، أو الإشارة، أو الغمز، أو اللمز، أو الكتابة، وكذا سائر ما يتوصل به إلى المقصود، كأن يمشي مشيه فهو غيبة، بل هو أعظم من الغيبة؛ لأنه أعظم وأبلغ في التصوير والتفهيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: الفرق بين الغيبة والنميمة</span>\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «واختُلِفَ في الغيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متحدتان؟ والراجح التغاير، وأن بينهما عمومًا وخصوصًا وجيهًا. وذلك؛ لأن النميمة نقل حال شخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواءً كان بعلمه أم بغير علمه.\nوالغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد، ولا يشترط ذلك في الغيبة.\nوامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه، واشتركا فيما عدا ذلك.\nومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبًا، والله أعلم» (٢).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٤٦٩، والأذكار للنووي، ٢٨٨ - ٢٩٠.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٤٧٣.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الثالث: حكم الغيبة</span>\nلاشك ولا ريب أن الغيبة محرمة بإجماع المسلمين، وقد تظاهر على تحريمها الدلائل الصريحة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الرابع: الترهيب من الوقوع في الغيبة</span>\nقال الله تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ الله سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (٢).\nوقال - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣).\nوقال سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ (٤).\nوقال - ﷿ -: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٥).\nوقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (٦).\n_________\n(١) انظر: الأذكار النووية، ٢٨٩.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٤٨.\n(٣) سورة الحجرات، الآية: ١٢.\n(٤) سورة الهمزة، الآية: ١.\n(٥) سورة ق، الآية: ١٨.\n(٦) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.","vol":"1","page":10},{"text":"والغيبة: آفة خطيرة من آفات اللسان، ولقد عرَّفها النبي - ﷺ - بقوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره»، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» (١).\nوعن أبي حذيفة عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي - ﷺ -: حسبك من صفية كذا وكذا - تعني قصيرة - فقال: «لقد قُلْتِ كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته»، قالت: وحكيت له إنسانًا، فقال: «ما أحب أني حكيت إنسانًا، وأنّ لي كذا وكذا» (٢).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لمَّا عُرج بي مررت بقومٍ لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام: عرضه، وماله،\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الغيبة، برقم ٢٥٨٩، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ١٤٢.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الآداب، باب في الغيبة، برقم ٤٨٧٥، وانظر: عون المعبود، ١٣/ ٢٢٣، وصحيح الجامع، ٥/ ٣١.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الآداب، باب في الغيبة، برقم ٤٨٧٨، وانظر: عون المعبود، ١٣/ ٢٢٣، قال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تعليقه على الأذكار للنووي، ص٢٩: «وهو حديث حسن». وانظر: صحيح الجامع، ٥/ ٥١.","vol":"1","page":11},{"text":"ودمه، التقوى هاهنا، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبعْ بعضُكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا»، ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» (٢).\nولا شك أن غيبة المسلم الميت أفحش من غيبة الحي وأشد؛ لأن عفو الحي واستحلاله ممكن بخلاف الميت (٣)، فقد روى أبو داود عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ -: «إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه» (٤).\nوعن أبي برزة الأسلمي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمانُ قلبَهُ، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم؛ فإنه من اتّبعَ عوراتِهمْ يتّبع الله عورتَهُ، ومن يتبعِ الله عورته، يفضحْهُ في بيته» (٥).\nوالحديث فيه تنبيه على أن غِيبة المسلم من شعار المنافق لا المؤمن، وفيه\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، برقم ٢٥٦٤، وأبو داود، كتاب الأدب، باب في الغيبة، برقم ٤٨٨٢، والترمذي واللفظ له، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم، برقم ١٩٢٧، وقال: «هذا حديث حسن غريب».\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، برقم ٢٥٦٤،والترمذي ٤/ ٣٢٥.\n(٣) انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود، ١٣/ ٢٤٢.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في النهي عن سب الموتى، برقم ٤٨٩٩، وانظر: صحيح الجامع، ١/ ٢٧٩ وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم ٢٨٥.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الغيبة، برقم ٤٨٨٠، وأحمد، ٤/ ٤٢١، ٤٢٤، وانظر: صحيح الجامع للأ لباني، ٦/ ٣٠٨، برقم ٣٥٤٩.","vol":"1","page":12},{"text":"الوعيد بكشف الله عيوب الذين يتبعون عورات المسلمين، ومجازاتهم بسوء صنيعهم، وكشف مساويهم ولو كانوا في بيوتهم مخفيين من الناس (١)، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوعن المستورد بن شداد - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من أكَلَ برجلٍ مسلمٍ أُكْلةً فإن الله يُطعِمُهُ مثلها من جهنم، ومن كُسِيَ ثوبًا برجلٍ مسلمٍ فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجلٍ مقام سمعةٍ ورياءٍ؛ فإن الله يقوم به مقام سُمعة ورياء يوم القيامة» (٢).\nوهذا الحديث فيه الوعيد لمن أكل أكلةً برجل مسلم: أي بسبب اغتيابه والوقيعة فيه، أو بتعرضه له بالأذية عند من يعاديه، أو كُسِيَ ثوبًا بسبب إهانته. فإن الله - ﷿ - يطعمه من جهنم مثل ما طعم بهذا الرجل المسلم، ويكسوه من جهنم مثل ما كُسِيَ؛ لأن الجزاء من جنس العمل (٣).والله أعلم.\nومعنى «من قام برجل مسلم ...» ذكروا له معنيين:\nالمعنى الأول: أن الباء للتعدية، أي أقام رجلًا مقام سمعة ورياء، ووصفه بالصلاح، والتقوى، والكرامات، وشهره بها وجعله وسيلة إلى تحصيل أغراض نفسه وحطام الدنيا، فإن الله يقوم بعذابه وتشهيره، لأنه كان كاذبًا.\n_________\n(١) انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، ١٣/ ٢٢٤.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الغيبة، برقم ٤٨٨١،وأحمد،٤/ ٢٢٩،والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٤/ ١٢٨، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٦٤٣، برقم ٩٣٤.\n(٣) انظر: عون المعبود، ١٣/ ٢٢٥.","vol":"1","page":13},{"text":"والمعنى الثاني: أن الباء للسببية، وقيل: هو أقوى وأنسب أي من قام برجلٍ من العظماء من أهل المال والجاه مقامًا يتظاهر فيه بالصلاح والتقوى؛ ليعتقد فيه، ويصير إليه المال والجاه، أقامه الله مقام المرائين، ويفضحه ويعذبه عذاب المرائين (١).\nوقد يحتمل أن تكون الباء في «برجل» للتعدية والسببية، فإن كانت للتعدية يكون معناه: من أقام رجلًا مقام سمعة ورياء، يعني: من أظهر رجلًا بالصلاح والتقوى، ليعتقد الناس فيه اعتقادًا حسنًا، ويُعِزُّونه ويخدمونه؛ لينال بسببه المال والجاه، فإن الله يقوم له مقام سمعة ورياء بأن يأمر ملائكته بأن يفعلوا معه مثل فعله، ويظهروا أنه كذاب.\nوإن كانت للسببية فمعناه: أن من قام وأظهر من نفسه الصلاح والتقوى لأجل أن يعتقد فيه رجلٌ عظيم القدر كثير المال؛ ليحصل له مال وجاه ..» (٢).\nوعن أسامة بن شريك - ﵁ - قال: شهدتُ الأعرابَ يسألون النبي - ﷺ - أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ [لأشياء ليس بها بأس]، فقال لهم: «عباد الله وضع الله الحرج، إلا من اقترض من عرض أخيه شيئًا فذلك الذي حرج وهلك ...» (٣).\n_________\n(١) انظر: عون المعبود، ١٣/ ٢٢٥.\n(٢) المرجع السابق، ١٣/ ٢٢٦.\n(٣) أخرجه أحمد بنحوه، ٤/ ٢٧٨، والحاكم بلفظه، ٤/ ١٩٩، و٤/ ٤٩٩، وصححه ووافقه الذهبي. وابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٦، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الطب، باب الأمر بالدواء، برقم ٧٥١٢، وأبو داود، كتاب المناسك، باب فيمن قدّم شيئًا قبل شيء في حجه، برقم ٢٠١٥، والحديث صححه العلامة الألباني، انظر: صحيح ابن ماجه، ٢/ ٢٥٢، وصحيح الجامع، ٦/ ٢٩٤.","vol":"1","page":14},{"text":"ومعنى: اقترض: أي اقتطع. والمراد أنه نال من أخيه المسلم بالطعن فيه.\nوعن سعيد بن زيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن من أربى الرِّبا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق» (١).\nبيّن النبي - ﷺ - أن من أربى الربا إطالة اللسان في عرض المسلم باحتقاره، والترفع عليه، والوقيعة فيه بقذف، أو سب، ونحو ذلك، فإن ذلك أكثر الربا، وأشده تحريمًا؛ لأن العرض أعز على النفس من المال.\nوقد أدخل - ﷺ - العرض في جنس المال على سبيل المبالغة، وجعل الربا نوعين:\nمتعارف: وهو ما يؤخذ من الزيادة على ماله من المديون.\nوغير متعارف: وهو استطالة الإنسان في عرض المسلم بغير حقّ، وبيَّن أنّ أشد النوعين تحريمًا هو الاستطالة في عرض المسلم بغير حق (٢). أما إذا كانت الاستطالة بحق فيجوز لصاحب الحق بشروط وبقيود بيّنها أهل العلم، وسيأتي بيان ما تجوز فيه الغيبة إن شاء الله تعالى.\nوفي حديث أبي هريرة عند الحافظ أبي يعلى وغيره قصة ماعز الذي جاء إلى رسول الله - ﷺ - وطلب منه أن يُطهِّره من الزنا، فأعرض عنه رسول الله - ﷺ - حتى قالها أربعًا، فلما كان في الخامسة قال: «زنيتَ»؟ قال:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الغيبة، برقم ٤٨٧٦، وأحمد، ١/ ١٩٠، وانظر: صحيح الجامع، ٢/ ٤٤٢.\n(٢) انظر: عون المعبود، ١٣/ ٢٢٢.","vol":"1","page":15},{"text":"نعم. ثم سأله رسول الله - ﷺ - حتى ثبت عنده زنا ماعز فأمر برجمه فرُجم. فسمع النبي - ﷺ - رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم ترَ إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعْه نفسُه حتى رُجِمَ رَجمَ الكلب؟ ثم سار النبي - ﷺ - حتى مر بجيفة حمار فقال: «أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار» قالا: غفر الله لك يا رسول الله، وهل يُؤكل هذا؟ قال - ﷺ -: «فما نلتما من أخيكما آنفًا أشدُّ أكلًا منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» (١).\nوعن جُندب بن عبد الله - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من سمّع سمَّع الله به يوم القيامة»، قال: «ومن شاقّ شقّ الله عليه يوم القيامة»، فقالوا: أوصنا، فقال: «إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبًا فليفعل، ومن استطاع أن لا يُحال بينه وبين الجنة بملء كفٍّ من دم هراقه فليفعل» (٢).\nوالمراد بالحديث النهي عن القول القبيح في المؤمنين، وكشف مساويهم وعيوبهم، وترك مخالفة سبيل المؤمنين، ولزوم جماعتهم، والنهي عن إدخال المشقة عليهم والإضرار بهم (٣).\nوقد روى مسلم في صحيحه عن النبي - ﷺ - أنه قال: «اللهم من وَلِيَ من\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك، برقم ٤٤٢٨، والنسائي في سننه الكبرى، كتاب الرجم، باب ذكر استقصاء الإمام على المعترف عنده بالزنا ...، برقم ٧١٢٦، والبيهقي، ٨/ ٢٢٧، وذكره بلفظه ابن كثير في تفسيره، ٤/ ٢١٦، وقال: «إسناده صحيح»، وعزاه إلى أبي يعلى.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب من شاق شق الله عليه، برقم ٧١٥٢.\n(٣) فتح الباري، لابن حجر، ١٣/ ١٣٠.","vol":"1","page":16},{"text":"أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم فاشققْ عليه. ومن وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفُقْ به» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الخامس: ما ينبغي لمن سمع غيبة أخيه المسلم</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «اعلم أنه ينبغي لمن سمع غِيبة مسلم أن يردّها، ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد، ولا باللسان فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق، أو من أهل الفضل والصلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر» (٢).\nوعن عتبان - ﵁ - في حديثه الطويل المشهور قال: قام النبي - ﷺ - يصلي، فقالوا: أين مالك بن الدخيشن، أو ابن الدخشن؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله، ورسوله. فقال النبي - ﷺ -: «لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله» قال: قالوا: الله ورسوله أعلم. قال فإنما نرى وجهه ونصيحته للمنافقين. قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (٣).\nوعن جابر بن عبد الله وأبي طلحة - ﵃ - قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من امرئٍ يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، برقم ١٨٢٨.\n(٢) الأذكار للنووي، ٢٩٤.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، برقم ٤٢٥، وكتاب الأطعمة، باب الخزيرة، برقم ٥٤٠١، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، برقم ٣٣.","vol":"1","page":17},{"text":"عرضه، إلا خذله الله في موطنٍ يحب فيه نصرته، وما من امرئٍ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطنٍ يحب فيه نصرته» (١).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من ردّ عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة» (٢).\nوعن أسماء بنت يزيد عن النبي - ﷺ - قال: «من ذبَّ عن لحم أخيه بالغيبة كان حقًا على الله أن يعتقه من النار» (٣).\nوعن كعب بن مالك - ﵁ - في حديثه الطويل في قصة توبته قال: قال النبي - ﷺ - وهو جالس في القوم في تبوك: «ما فعل كعب بن مالك»؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه بُرداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل - ﵁ -: «بئس ما قلت: والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا»، فسكت رسول الله - ﷺ -» (٤).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب من ردّ عن مسلم غيبة، برقم ٤٨٨٤، وأحمد، ٤/ ٣٠، وقال الشيخ ناصر الدين الألباني: «إنه حديث حسن». انظر: صحيح الجامع الصغير، ٥/ ١٦٠.\n(٢) أخرجه أحمد،٦/ ٤٥٠،والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الذب عن عرض المسلم، برقم ١٩٣١، قال: «وفي الباب عن أسماء بنت يزيد»، ثم قال: «هذا حديث حسن». وقال الشيخ ناصر الدين الألباني: «إنه حديث صحيح». انظر: صحيح الجامع الصغير، ٥/ ٢٩٥.\n(٣) أحمد، ٦/ ٤٦١، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ٩٥: «رواه أحمد والطبراني وإسناد أحمد حسن»، وانظر: صحيح الجامع، برقم ٦١١٦، فقد رمز إليه بالصحة.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، برقم ٤٤١٨، ومسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، برقم ٢٧٦٩.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث السادس: الأسباب الباعثة على الغيبة</span>\nعندما ينظر الإنسان المسلم العاقل ويفكر في الأسباب التي تدفع المغتاب إلى الغيبة، وتدفع النمام إلى النميمة، فسوف يجد لذلك أسبابًا منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>السبب الأول: هو محاولة الانتصار للنفس</span>، والسعي في أن يشفي المغتاب الغيظ الذي في صدره على غيره، فعند ذلك يغتابه أو يبهته، أو ينقل عنه النميمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>السبب الثاني: الحقد للآخرين والبغض لهم</span>، فيذكر مساوئ من يبغض؛ ليشفي حقده، ويبرِّد صدره بغيبة من يبغضه ويحقد عليه. وهذا ليس من صفات المؤمنين كاملي الإيمان، نسأل الله العافية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>السبب الثالث: إرادة رفعة النفس، وخفض غيره</span>، كأن يقول: فلان جاهل، أو فهمه ضعيف، أو سقيم، أو عبارته ركيكة تدرجًا إلى لفت أنظار الناس إلى فضل نفسه، وإظهار شرفه بسلامته عن تلك النقائص التي ذكرها في مَنِ اغتابه، وهذا من الإعجاب بالنفس، نعوذ بالله من ذلك، وهو من المهلكات التي بيّنها رسول الله - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>السبب الرابع: موافقة الجلساء والأصحاب، والأصدقاء</span>، ومجاملتهم فيما هم عليه من الباطل؛ لكي يُكسَب رضاهم حتى ولو كان ذلك بغضب الله - ﷿ -، وهذا من ضعف الإيمان وعدم مراقبة الله - ﷿ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>السبب الخامس: إظهار التعجب من أصحاب المعاصي:</span>\nكأن يقول الإنسان: ما رأيت أعجب من فلان، كيف يخطئ وهو رجل","vol":"1","page":19},{"text":"عاقل أو كبير أو عالم أو غير ذلك، وكان من حقه عدم التعيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>السبب السادس: السخرية والاستهزاء بالآخرين والاحتقار لهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>السبب السابع: الظهور بمظهر الغضب لله على من يرتكب المنكر</span>، فيظهر غضبه، ويذكر اسمه مثل أن يقول فلان لا يستحيي من الله يفعل كذا وكذا، ويقع في عرضه بالغيبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>السبب الثامن: الحسد، فيحسد المغتاب من يُثني عليه الناس ويحبونه </span>فيحاول المغتاب الحسود قليل الدين والعقل أن يزيل هذه النعمة فلا يجد طريقًا إلى ذلك إلا بغيبته، والوقوع في عرضه، حتى يزيل نعمته أو يقلل من شأنه عند من يثنون عليه. وهذا من أقبح الناس عقلًا، وأخبثهم نفسًا نسأل الله العافية.\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قيل لرسول الله - ﷺ - أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان»، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقيُّ النّقيُّ، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>السبب التاسع: إظهار الرحمة والتّصنُّع بمواساة الآخرين</span>، كأن يقول لغيره من الناس: مسكين فلان قد غمني أمره، وما هو فيه من المعاصي ...\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>السبب العاشر: التصنّع، واللعب، والهزل، والضحك فيجلس المغتاب خبيث النفس </span>فيذكر عيوب غيره مما يضحك به الناس فيضحك الناس،\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الورع والتقوى، برقم ٤٢١٦، وانظر: صحيح ابن ماجه، ٢/ ٤١١، والأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٨.","vol":"1","page":20},{"text":"فعند ذلك يرتاح ويزيد من الكذب والغيبة على سبيل الهزل والنكت والإعجاب بالنفس. وهذا ينطبق عليه حديث النبي - ﷺ - الذي قال فيه: «ويلٌ للذي يُحدِّث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويلٌ له، ويلٌ له» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>السبب الحادي عشر: هو أن ينسب إليه فعلًا قبيحًا فيتبرأ منه </span>ويقول: فلان الذي فعله، ومحاولة إلقاء اللوم والتقصير على غيره؛ ليظهر بمظهر البريء من العيوب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>السبب الثاني عشر: الشعور بأن غيره يريد الشهادة عليه</span>، أو تنقيصه عند كبير من الكبراء، أو صديق من الأصدقاء، أو سلطان فيسبقه إلى هذا الكبير ويغتابه؛ ليسقط من عينه، وتسقط عدالته، أو مروءته (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث السابع: علاج الغيبة</span>\nالغيبة لها علاجان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>العلاج الأول: هو أن يعلم الإنسان أنه إذا وقع في الغيبة فهو مُتعَرِّضٌ لسخط الله </span>تعالى ومقته، كما دلت عليه الأحاديث السابقة وغيرها من الأحاديث الصحيحة، كقوله ﵊: «إن أحدكم ليتكلم\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في التشديد في الكذب، برقم ٤٩٩٠، والترمذي، كتاب الزهد، باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس، برقم ٢٣١٥، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب التفسير، باب سورة النساء، برقم ١١٠٦١، وفي باب سورة المطففين، برقم ١١٥٩١، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٦٨.\n(٢) انظر: تطهير العيبة من دنس الغيبة، لأحمد بن محمد بن حجر المكي الهيتمي، ص٥٤، بتحقيق مجدي السيد إبراهيم، وفتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٢٣٦ - ٢٣٨، و٢٨/ ٢٢٢ - ٢٣٨.","vol":"1","page":21},{"text":"بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلُغ ما بلغت فيكتُبُ الله - ﷿ - له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلمُ بالكلمة من سخط الله ما يظنُّ أن تبلُغ ما بلغت فيكتُب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» (١).\nويعلم أن حسناته يؤخذ منها يوم القيامة لمن اغتابه بدلًا عما استباح من عرضه، فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه، فربما ترجح كفة سيئاته فيدخل النار، وقد يحصل ذلك للإنسان بإذهاب حسنة واحدة من حسناته، أو بوضع سيئة واحدة من سيئات خصمه، وعلى تقدير أن لا يحصل هذا الرجحان فكفى بنقص الحسنات عقابًا مع المخاصمة والمطالبة، والسؤال، والجواب، والحساب. ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nفإذا آمن الإنسان المسلم بالأخبار الواردة في الغيبة وتدبرها حق التدبر لم ينطق لسانه بغيبة، وتدبّر نفسه، وعيوبها، وتقصيرها، وأن يتدبر في إصلاح نفسه عن عيوب الناس والكلام فيهم، وعلى من به عيب أن يستحيي من الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية حين يرى نفسه على العيوب ويذكر عيوب غيره، بل ينبغي له أن يلتمس لأخيه عذرًا ومخرجًا، ويعلم أن عجزه عن تطهير نفسه من ذلك العيب كعجزه هو عن تطهير نفسه من عيوبها فإن كان الذم له بأمر خَلْقي كان ذمًا للخالق؛\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب في قلة الكلام، برقم ٢٣١٩، والنسائي في سننه الكبرى، كتاب الرقائق، برقم ١١٧٦٩، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، برقم ٣٩٦٩، ومالك في الموطأ، ٢/ ٩٨٥، وأحمد، ٣/ ٤٦٩، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٦٩، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٥٨، وصحيح الجامع، ٢/ ٦٣، وعزاه أيضًا للحاكم، وابن حبان.","vol":"1","page":22},{"text":"فإن ذم الصنعة يستلزم ذم صانعها، فليتق الله - ﷿ - ويصلح نفسه عن عيوبها، وكفى بذلك شُغلًا!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>العلاج الثاني: عليه أن ينظر في السبب الباعث له على </span>الغيبة فإن علاج العلة إنما يتم بقطع سببها المستمدة هي منه.\nفإذا كان سبب الغيبة الغضب فعليه أن يقول: إن أمضيت غضبي عليه فأنا أخشى الله أن يمضي غضبه عليَّ بسبب الغيبة، فإن الله قد نهاني عنها فعصيته واستخففت بنهيه.\nوإذا كان سبب الغيبة موافقة الآخرين وطلب رضاهم، فعليك أن تعلم أن الله يغضب عليك إذا طلبت سخطه برضا المخلوقين، فكيف ترضى لنفسك أن تسخط مولاك من أجل إرضاء المخلوقين الذين لا ينفعون ولا يضرّون، وإن كان الغضب لله فلا تذكر المغضوب عليه بسوء لغير ضرورة، بل ينبغي أن تغضب على من اغتابه إلا إذا كان من باب تحذير المسلمين عن الشر. وهذا سيأتي فيما يجوز من الغيبة.\nوإذا كان سبب الغيبة: هو تنزيه النفس ونسبة الخيانة إلى غيرك، فاعلم أن التعرض لمقت الله أشد من التعرّض لمقت الخلق، وأنت بالغيبة قد تعرّضت لسخط الله يقينًا، ولا تدري هل تسلم من سخط الناس أو لا تسلم، والذي يُرضي الناس بسخط الله يسخط الله عليه ويُسْخِط عليه الناس ... !\nوإذا كان: سبب الغيبة هو الرغبة في أن تزكي نفسك بزيادة الفضل، وذلك بقدحك في غيرك حتى تشعر الناس أنك تتصف بخلاف ما يتصف به من اغتبته، فاعلم أنك بما ذكرته أبطلت فضلك عند الله تعالى","vol":"1","page":23},{"text":"إن كان لك فضل وأنت من اعتقاد الناس فضلك لست على يقين، وعلى تقدير أنهم يفضلونك فأنت سينقص فضلك أو يزول بالكلية إذا عرفوك بغيبة الناس والوقوع في أعراضهم، فأنت بعت ما عند الله يقينًا بما عند الناس وهمًا، ولو اعتقدوا فضلك لم يغنوا عنك من الله شيئًا لأن قلوبهم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء، فعليك أن تتدبّر دقائق الأمور ولا تغترّ بظواهرها.\nوإذا كان الباعث على الغيبة: هو الحسد فأنت قد جمعت بين عذابين؛ لأنك حسدته على نعمة الدنيا فكنت مُعذَّبًا بالحسد، وذلك؛ لأن الحاسد يجد الهمّ والغمّ وضيق الصدر، ثم لا يقنع بذلك حتى يُضاف إليه عذاب آخر يوم القيامة، فالحاسد قد جمع خسران الدنيا والآخرة، وهو في الحقيقة صديق للمحسود عدو لنفسه؛ لأنه يضيف حسناته إلى حسنات المحسود، ويتحمل من سيئاته إن لم يكن للحاسد حسنات مع أن الحسد، والغيبة لا تضر المحسود بل ربما كان ذلك سببًا لانتشار فضله.\nوإذا كان الباعث على الغيبة هو الاستهزاء والسخرية فينبغي للحاسد أن يعلم أنه متى استهزأ بغيره عند الناس فإن ذلك يكون مخزيًا لنفسه عند الله ثم عند خلقه، وهذه هي الخسارة بعينها.\nوإذا كان المغتاب يقصد بغيبته الرحمة لغيره فهذا مقصود فاسد؛ لأنه أراد الرحمة فوقع في الغيبة المحرمة، فلو كان صادقًا في رحمته لنصح له ووجّهه وأرشده ..\nأما إذا كان السبب الباعث على الغيبة هو التعجب والضحك، فإنه","vol":"1","page":24},{"text":"ينبغي للمغتاب أن يتعجب من نفسه كيف أهلك نفسه بنفس غيره وكيف نقص دينه بكمال دين غيره أو بدنياه، فهو مع ذلك لا يأمن عقوبة الدنيا ويخشى على المغتاب أن يهتك الله ستره ويفضحه في الدنيا قبل الآخرة كما هتك بالتعجب ستر أخيه.\nفإذا نظر الإنسان العاقل في أسباب الغيبة وعلاجها واستعمل هذا الدواء الذي ذُكِرَ هنا، سَلِمَ إن شاء الله من ضرر الغيبة وكان ممن اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره، وصان لسانه عن النطق إلا بالخير، فبذلك يفوز بخيري الدنيا والآخرة.\nوأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يجعلنا جميعًا ممن يقول بالحق ويكون أسبق الناس إلى العمل به كما يحب ربنا ويرضى إنه أكرم مسؤول (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الثامن: طريق التوبة من الغيبة</span>\nوطريق التوبة بالنسبة لمن اغتاب المسلم هو: أن يتحلله ويطلب منه العفو إذا أمِنَ الفتنة، أما إذا كان هذا يسبب الشحناء، أو يسبب منكرًا آخر، أو فتنة فإن المغتاب يذكره بالخير الذي فيه في المجالس التي ذكره فيها بسوء ويرُدُّ عنه الغيبة بجهده وطاقته، فتكون تلك بتلك إن شاء الله مع مراعاة شروط التوبة وبالله التوفيق (٢).\n_________\n(١) انظر: تطهير العيبة من دنس الغيبة، لأحمد بن محمد بن حجر الهيتمي، ص ٤٧.\n(٢) انظر: تطهير العيبة من دنس الغيبة، ص٦٢.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث التاسع: ما يباح من الغيبة</span>\nقال الله تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ الله سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قالت هند أم معاوية لرسول الله - ﷺ -: «إن أبا سفيان رجل شحيح فهل عليَّ جُناح أن آخذ من ماله سرًا»؟ قال: «خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف» (٢).\nوعن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله - ﷺ -، فذكرت ذلك له فقال: «ليس لك عليه نفقة»، فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك، ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدّي عند ابن أمّ مكتوم: فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني»، قالت: «فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني: فقال رسول الله - ﷺ -: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه (٣)، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد»، فكرهته ثم قال: «انكحي أسامة»، فنكحته فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت» (٤).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٤٨.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع، برقم ٢٢١١، ومسلم، كتاب الأقضية، باب قضية هند، برقم ١٧١٤.\n(٣) فيه تأويلان: أحدهما: أنه كثير الأسفار.\nوالثاني: أنه كثير الضرب للنساء، وهذا أصح. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم.\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، برقم ١٤٨٠.","vol":"1","page":26},{"text":"وعن عروة بن الزبير - ﵁ - أن عائشة ﵂ أخبرته قالت: استأذن رجل على رسول الله - ﷺ - فقال: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة». فلما دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم أَلنتَ له الكلام. قال: «أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس - أو ودعه الناس - اتقاء فحشه» (١).\nوقد ترجم البخاري ﵀ في صحيحه بقوله: «باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم: الطويل، والقصير، وقال النبي - ﷺ -: «ما يقول ذو اليدين»، وما لا يراد به شين الرجل» (٢).\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: تباح الغيبة لغرض شرعي ... لستة أسباب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>١ - التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان، أو القاضي</span>، أو غيرهما ممن له ولاية، فيقول: ظلمني فلان أو فعل بي كذا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>٢ - الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب</span>، فيقول لمن يرجو قدرته: فلان يعمل كذا فازجره عنه، أو نحو ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>٣ - الاستفتاء. بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان، أو أبي، أو أخي </span>... بكذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه؟ ودفع ظلمه عني؟ فهذا جائز للحاجة، والأجود أن يقول: في رجل، أو زوج، أو والد، أو ولد، كان أمره كذا، ومع ذلك فالتعيين جائز؛ لحديث هند وقولها: إن أبا\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب لم يكن النبي - ﷺ - فاحشًا ولا متفحِّشًا، برقم ٦٠٣٢، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب مداراة من يتقى فحشه، برقم ٢٥٩١.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب. انظر: فتح الباري، ١٠/ ٤٦٨.","vol":"1","page":27},{"text":"سفيان رجل شحيح ... (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٤ - تحذير المسلمين من الشر وذلك من وجوه منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>أ- جرح المجروحين من الرواة، والشهود، والمصنفين</span>، وذلك جائز بالإجماع، بل واجب صونًا للشريعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>ب- ومنها الإخبار بعيب عند المشاورة </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>ج - ومنها إذا رأيت من يشتري شيئًا معيبًا أو عبدًا سارقًا، أو\nشاربًا </span>أو نحو ذلك تذكره للمشتري بقصد النصيحة، لا بقصد الإيذاء والإفساد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>د- ومنها إذا رأيت متفقَّهًا يتردَّدُ إلى فاسقٍ، أو مبتدعٍ يأخذ عنه\nعلمًا</span>، وخفت عليه ضرره، فعليك بنصيحته، ببيان حاله قاصدًا للنصيحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>هـ- ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته، أو لفسقه</span>، فيذكره لمن له عليه ولاية؛ ليستدل به على حاله فلا يغترّ به، ويلزم الاستقامة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٥ - أن يكون مجاهرًا بفسقه، أو بدعته ... فيجوز ذكره بما يجاهر به</span>، ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٦ - التعريف</span>، فإذا كان معروفًا بلقب كالأعمش، والأعرج، والقصير،\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع، برقم ٢٢١١، ومسلم، كتاب الأقضية، باب قضية هند، برقم ١٧١٤.\n(٢) ومن الأدلة على ذلك حديث فاطمة بنت قيس المتقدم ذكره وفيه: «أمّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له ...». الحديث في صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، برقم ١٤٨٠.","vol":"1","page":28},{"text":"والأعمى، والأقطع ... ونحوها جاز تعريفه به، ويحرم ذكره به تنقّصًا، ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى والله أعلم (١).\nقال الإمام البخاري ﵀: «باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب ...» (٢).\nقال الحافظ بعد ذلك: «ويستنبط منه (٣) أن المجاهر بالفسق والشر لا يكون ما يذكر عنه من ذلك من الغيبة المذمومة ... ثم قال: قال العلماء: تباح الغيبة في كل غرض صحيح شرعًا ...: كالظلم، والاستعانة على تغيير المنكر، والاستفتاء، والمحاكمة، والتحذير من الشر، ويدخل فيه تجريح الرواة، والشهود، وإعلام من له ولاية عامة بسيرة من هو تحت يده، وجواب الاستشارة في نكاح أو عقد من العقود، وكذا من رأى متفقِّهًا يتردَّد إلى مبتدع ...» (٤).\nقلت وقد جمع بعضهم هذه الأمور الستة في قوله:\nالقدح ليس بغيبة في ستَّةٍ ... متظلّمٍ، ومعرّفٍ، ومحذّر\nومجاهرٍ فسقًا، ومستفتٍ ومن ... طلب الإعانةَ في إزالة منكرِ (٥)\n_________\n(١) شرح النووي، ١٦/ ١٤٢، والأذكار للنووي، ص ٢٩٢.\n(٢) سبق تخريج حديث عروة بن الزبير عن عائشة في جواز اغتياب أهل الفساد والريب.\n(٣) أي من حديث عروة بن الزبير عن عائشة ﵂: استأذن رجل على رسول الله - ﷺ - فقال: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة - أو ابن العشيرة -» فلما دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام، قال: «أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه». البخاري، برقم ٦٠٣٢، ومسلم، برقم ٢٥٩١، وتقدم تخريجه.\n(٤) الفتح، ١٠/ ٤٧١.\n(٥) العقيدة الطحاوية، مقدمة الألباني، ص٤٣.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الفصل الثاني: النميمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث الأول: تعريف النميمة</span>\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى نقلًا عن الإمام الغزالي ﵀ ما ملخصه: «النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه ولا اختصاص لها بذلك، بل ضابطها كشف ما يُكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو غيرهما، وسواء كان المنقول قولًا، أم فعلًا، وسواء كان عيبًا أم لا، حتى لو رأى شخصًا يُخفي ماله فأفشى كان نميمة» (١).\nوقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «... في رواية لا يدخل الجنة نمّام، وفي أخرى قتّات، وهو مثل الأول فالقتّات هو النمّام». ثم قال: قال الجوهري وغيره: «يقال: نمَّ الحديث ينِمه، وينُمه، بكسر النون وضمها، نما، والرجل نمّامٌ، وقتّه يُقتّه بضم القاف قتًّا. قال العلماء: النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم» (٢).\nوالنّمّ إظهار الحديث بالوشاية، وأصل النميمة الهمس والحركة (٣).\nوقد بوّب البخاري رحمه الله تعالى بابًا قال فيه: «باب ما يكره من النميمة».\nثم قال ابن حجر رحمه الله تعالى: «كأنّه أشار بهذه الترجمة إلى بعض القول المنقول على جهة الإفساد يجوز إذا كان المقول فيه كافرًا مثلًا، كما\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٤٧٣، والأذكار للنووي، ٢٩٨.\n(٢) شرح الإمام النووي على مسلم، ٢/ ١١٢.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٤٧٢.","vol":"1","page":30},{"text":"يجوز التجسس في بلاد الكفار ونقل ما يضرّهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الثاني: حكم النميمة</span>\nالنميمة محرمة بإجماع المسلمين، وقد تظاهر على تحريمها الدلائل الصريحة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الثالث: الترهيب من الوقوع في النميمة</span>\nقال الله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (٣).\nوقال سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ (٤).\nوعن حذيفة - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لا يدخل الجنة قتّات» (٥).\nوالقتّات هو النمّام. ووقع في رواية أبي وائل عن حذيفة عند مسلم (٦) وقيل. الفرق بين القتّات والنمّام: أن النمّام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يستمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل ما سمعه (٧).\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ١٠/ ٤٧٢.\n(٢) انظر: الأذكار للإمام النووي، ص ٢٨٩.\n(٣) سورة القلم، الآيتان: ١١ - ١٢.\n(٤) سورة الهمزة، الآية: ١.\n(٥) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما يكره من النميمة، برقم ٦٠٥٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة، برقم ١٦٩ - (١٠٥).\n(٦) مسلم، ١/ ١٠١.\n(٧) فتح الباري،١٠/ ٤٧٣.","vol":"1","page":31},{"text":"وقال حذيفة: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لا يدخل الجنة نمّام» (١).\nقال الحافظ ابن حجر: قوله: «لا يدخل الجنة» أي في أول وهلة، كما في نظائره (٢).\nقلت: هذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإنهم لا يُكفّرون أحدًا من أهل القبلة بشيء من المعاصي ما لم يستحلّه، إلا ما خصّه الدليل.\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: إن محمدًا - ﷺ - قال: «ألا أنبئكم\nما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس»، وإن محمدًا - ﷺ - قال: «إنَّ الرجل يصدق حتى يكتب صدّيقًا. ويكذب حتى يكتب كذّابًا» (٣).\nوذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: «يفسد النمام والكذاب في ساعةٍ ما لا يفسد الساحر في سنة»، والنميمة من أنواع السحر، لأنها تشارك السحر في التفريق بين الناس، وتغيير قلوب المتحابّين وتلقيح الشرور (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: خرج النبي - ﷺ - من بعض حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان، في قبريهما فقال: «يعذبان وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير: كان أحدهما لا يستتر من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة فكسرها بكسرتين- أو اثنتين - فجعل كسرة في\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة، برقم ١٠٥.\n(٢) الفتح، ١٠/ ٤٧٣.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم النميمة، برقم ٢٦٠٦.\n(٤) انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب، ص٣٢٥.","vol":"1","page":32},{"text":"قبر هذا، وكسرة في قبر هذا فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» (١).\nوفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال مرّ رسول الله - ﷺ - على قبرين فقال: «إنهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبير: أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة» ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين، فغرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا، ثم قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث الرابع: ما ينبغي لمن حملت إليه النميمة</span>\nقال الإمام النووي: «وكل من حملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا فعليه ستة أمور:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الأول: أن لا يصدّقه، لأن النمّام فاسق</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبّح له فعله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الثالث: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله تعالى </span>ويجب بغض من أبغضه الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>الخامس: أن لا يحمله ما حُكِيَ له على التجسس والبحث عن ذلك</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمّام عنه</span>، فلا يحكي نميمته عنه\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب النميمة من الكبائر، برقم ٦٠٥٥، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول، برقم ٢٩٢.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الغيبة، برقم ٦٠٥٢.","vol":"1","page":33},{"text":"فيقول: فلان حكى كذا، فيصير به نمّامًا، ويكون آتيًا ما نهى عنه ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث الخامس: ذو الوجهين</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» (٢).\nقال ابن حجر ﵀: «وهو من جملة صورة النمام، وإنما كان ذو الوجهين أشر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملِّقٌ بالباطل وبالكذب من مدخل للفساد بين الناس، فيأتي كل طائفة بما يرضيها على جهة الإفساد، ويظهر له أنه منها ومخالف لضدّها، وهذا عمل النفاق والخداع وكذب وتحيُّل على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرّمة.\nفأمّا من يقصد الإصلاح بين الناس فذلك محمود وهو أنه يأتي كل طائفة بكلام فيه صلاح الطائفة الأخرى ويعتذر لكل واحدة عند الأخرى وينقل إليها من الجميل ما أمكنه ويستر القبيح، أما المذموم فهو بالعكس» (٣).\nوعن عمار - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان له وجهان في الدنيا\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم، ٢/ ١١٣، نقلًا عن الغزالي، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري،\n١٠/ ٤٧٣، نقلًا عن الغزالي كذلك، والأذكار للنووي، ص٢٩٩، نقلًا عن الغزالي كما تقدم.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب ما يكره من ثناء السلطان وإذا خرج قال غير ذلك، برقم ٧١٧٩، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب خيار الناس، برقم، ١٩٩ - (٢٥٢٦).\n(٣) انظر فتح الباري، ١٠/ ٤٧٥.","vol":"1","page":34},{"text":"كان له يوم القيامة لسانان من نار» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث السادس: الدوافع الباعثة على الوقوع في النميمة</span>\nلا شك أن دوافع النميمة هي دوافع الغيبة كما تقدم. ويضاف إلى الدوافع السابقة: الكراهة، والتقرب للمحكي له، والرغبة في إشعال النيران، وإثارة الفتن، وتفريق المجتمعات، وزرع البغضاء في قلوب الناس (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث السابع: علاج النميمة</span>\nعلاج النميمة هو علاج الغيبة كما تقدم فارجع إليه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الثامن: ما يباح من النميمة</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «فإن دعت حاجة [إلى النميمة] فلا مانع منها، وذلك كما إذا أخبره أن إنسانًا يريد الفتك به، أو بأهله أو بماله، أو أخبر الإمام، أو من له ولاية بأن إنسانًا يفعل كذا ويسعى بما فيه مفسدة، ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته، فكل هذا وما أشبهه ليس بحرام وقد يكون بعضه واجبًا، وبعضه مستحبًا على\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في ذي الوجهين، برقم ٤٨٧٣، وصححه العلامة الألباني، انظر: صحيح الجامع، ٥/ ٣٤٦، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، ٨٨٩.\n(٢) انظر صفحة ١٨ من هذا الكتاب.\n(٣) انظر صفحة ٢١ من هذا الكتاب","vol":"1","page":35},{"text":"حسب المواطن والله أعلم» (١).\nقال الإمام البخاري: رحمه الله تعالى: «باب من أخبر صاحبه بما يُقال فيه»، ثم ساق بسنده عن ابن مسعود - ﵁ - قال: قسم رسول الله - ﷺ - قسمة، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله، فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته، فتمعّر وجهه وقال: «رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (٢).\nوالمذموم من نَقَلَة الأخبار من يقصد الإفساد، وأما من يقصد النصيحة، ويتحرى الصدق، ويجتنب الأذى فلا، وقلّ من يُفرّق بين البابين، فطريق السلامة في ذلك لمن يخشى عدم الوقوف على ما يباح من ذلك، مما لا يباح الإمساك عن ذلك ... (٣).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على مسلم، ٢/ ١١٣.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه، برقم ٦٠٥٩.\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١٠/ ٤٧٦.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الباب الثاني\nالقول على الله بغير علم</span>\nالفصل الأول: الكذب على الله ورسوله - ﷺ -\nوفيه ثلاثة مباحث.\nالفصل الثاني: الكذب عمومًا.\nوفيه أربعة مباحث.\nالفصل الثالث: شهادة الزور وقول الزور.\nوفيه ثلاثة مباحث.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفصل الأول: الكذب على الله تعالى ورسوله - ﷺ </span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الأول: تعريف الكذب</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «واعلم أن مذهب أهل السنة أن الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، تعمّدت ذلك أم جهلته، لكن لا يأثم في الجهل، وإنما يأثم في العمد» (١).\nفالكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، عمدًا كان أو سهوًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الثاني: الترهيب من الكذب على الله تعالى ورسوله - ﷺ </span>-\nلا شك أن من كذب على الله وعلى رسوله أشدّ وأعظم ذنبًا، وأقبح فعلًا ممن كذب على من سوى الله ورسوله.\nقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).\nوقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٤).\n_________\n(١) الأذكار للنووي، ٣٢٦، وانظر: شرح النووي، على صحيح مسلم، ١/ ٦٩.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٤٤.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٥٠.\n(٤) سورة الصف، الآيتان: ٢ - ٣.","vol":"1","page":38},{"text":"وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (١).\nوقال - ﷾ -: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٤).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى الله الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (٥).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزَلَ الله وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٦).\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ٢١.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٧.\n(٣) سورة يونس، الآية: ٦٩.\n(٤) سورة النحل، الآية: ١٠٥.\n(٥) سورة النحل، الآية: ١١٦.\n(٦) سورة الأنعام، الآية: ٩٣.","vol":"1","page":39},{"text":"وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١).\nوعن علي - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لا تكذبوا عليَّ؛ فإنه من كذب عليّ فليلجِ النار» (٢).\nوعن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدّث عن رسول الله - ﷺ - كما يحدّث فلان وفلان، قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: «من كذب عليَّ فليتبوّأ مقعده من النار» (٣).\nقال أنس: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي - ﷺ - قال: «من تعمّد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «تسموا باسمي ولا تكتنوا\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي - ﷺ -، برقم ١٠٦، ومسلم، المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -، برقم ١، والترمذي، كتاب العلم، باب تعظيم الكذب على رسول الله، برقم ٢٦٦٠، والنسائي في الكبرى، كتاب العلم، باب من تعلم ليقال: فلان عالم، برقم ٥٨٨٠، وابن ماجه، المقدمة، باب التغليظ في تعمد الكذب على سول الله - ﷺ -، برقم ٣١.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي - ﷺ -، برقم ١٠٧، ومسلم، المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -، برقم ٣، وفي كتاب الزهد، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، برقم ٣٠٠٤.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي، برقم ١٠٨، ومسلم، المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -، برقم ٢.","vol":"1","page":40},{"text":"بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثّل في صورتي، ومن كذب علي متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار» (١).\nوعن سلمة بن الأكوع - ﵁ -: قال سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من يقلْ عليّ ما لم أقلْ فليتبوّأ مقعده من النار» (٢).\nوفي صحيح مسلم: «من حدَّث عني بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (٣).\nوعن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن كَذِبًا عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحد، فمن كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار» (٤).\nوعن واثلة بن الأسقع - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن من أعظم الفِرى أن يدَّعي الرجل إلى غير أبيه، أو يُريَ عينه ما لم ترَ، أو يقول على رسول الله - ﷺ - ما لم يقل» (٥).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كفى بالمرء كذبًا أن\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي، برقم ١١٠.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي، برقم ١٠٩.\n(٣) أخرجه مسلم، المقدمة، باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين والتحذير من الكذب على رسول الله - ﷺ -، بدون رقم، والترمذي، كتاب العلم، باب من روى حديثًا وهو يرى أنه كذب، برقم ٢٦٦٢.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت، برقم ١٢٩١، ومسلم، المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -، برقم ٤.\n(٥) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب حدثنا أبو معمر، برقم ٣٥٠٩.","vol":"1","page":41},{"text":"يحدِّث بكل ما سمع» (١).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «ما أنت بمحدّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٢).\nوقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: «بحسب المرء من الكذب أن يُحَدِّثَ بكل ما سمع» (٣).\nوقال ابن وهب: «قال لي مالك: اعلم أنه ليس يسلم رجل حدَّث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا أبدًا وهو يحدِّث بكل ما سمع» (٤).\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: «لا يكون الرجل إمامًا يُقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الثالث: ما يمتاز به الكاذب على رسول الله - ﷺ - من الوعيد على من كذب على غيره وحكم الكذب عليه - ﷺ </span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>١ - الكذب على النبي - ﷺ - فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة</span>، ولكن لا يكفر بهذا إلا أن يستحله وهذا مذهب الجمهور.\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٢ - والرأي الثاني أن الكذب عليه - ﷺ - يكفر متعمّده </span>عند بعض أهل\n_________\n(١) أخرجه مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، برقم ٥،وأبو داود، كتاب الأدب، باب في التشديد في الكذب، برقم ٤٩٩٢،والنسائي في السنن الكبرى، كتاب المواعظ، برقم ١١٨٤٥.\n(٢) أخرجه مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، بدون رقم، ١/ ٩.\n(٣) أخرجه مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، بدون رقم، ١/ ٨.\n(٤) أخرجه مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، بدون رقم، ١/ ٨.\n(٥) أخرجه مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، بدون رقم، ١/ ٨.","vol":"1","page":42},{"text":"العلم. وهو الشيخ أبو محمد الجويني، لكن ضعفّه ابنه إمام الحرمين ومن بعده. ومال ابن المنيّر إلى اختياره. وَوَجَّهه بأن الكذب عليه في تحليل حرام مثلًا لا ينفكّ عن استحلال ذلك الحرام، أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر.\nوقال إمام الحرمين عن هذا الرأي - رأي والده - إنه هفوة عظيمة، ورجّح الإمام النووي ﵀ والحافظ ابن حجر رأي الجمهور وهو أنه لا يكفر إلا إذا اعتقد حلَّ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٣ - قال الإمام ابن حجر: الكذب عليه - ﷺ - كبيرة، والكذب على غيره صغيرة فافترقا</span>، ولا يلزم من استواء الوعيد في حقّ من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرّهما واحدًا أو طول إقامتهما سواء، فقد دلّ قوله - ﷺ - «فليتبوأ» على طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج منها؛ لأنه لم يجعل له منزلًا غيره، إلا أن الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين، وقد فرَّق النبي - ﷺ - بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره ... فقال ﵊: «إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد ..» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٤ - من كذب على النبي - ﷺ - عمدًا في حديث واحد فسق ورُدّت رواياته كلها</span>، وبطل الاحتجاج بجميعها ... (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت، برقم ١٢٩١، ومسلم، المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -، برقم ٤.\n(٢) مقتبس من شرح الإمام النووي، ١/ ٦٩، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١/ ٣٠٢.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>٥ - والكذب على رسول الله - ﷺ - كذب على الله</span>؛ لأن الله يقول:\n﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١). فيدخل من كذب على الرسول - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) سورة النجم الآيتان: ٣ - ٤.\n(٢) سورة يونس الآية: ٦٩","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الفصل الثاني: الكذب على وجه العموم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>المبحث الأول: حكم الكذب</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى (١): «قد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على تحريم الكذب في الجملة، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب، وإجماع الأمة منعقد على تحريمه مع النصوص المتظاهرة ...».\nثم قال ﵀: «ويكفي في التنفير منه الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة - ﵁ -» قال: قال رسول الله - ﷺ -: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الثاني: الترهيب من الوقوع في الكذب على وجه العموم</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صدّيقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذّابًا» (٤).\n_________\n(١) انظر الأذكار للإمام النووي، ص ٣٢٤.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم ٣٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم ٥٩.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، برقم ٦٠٩٤، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق، برقم ٢٦٠٧.","vol":"1","page":45},{"text":"وفي رواية لمسلم: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقًا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كَذَّابًا» (١).\nوقد بوّب البخاري في صحيحه بترجمةٍ قال فيها: «باب ما يمحق الكذبُ والكتمانُ في البيع»، ثم ساق الحديث الذي رواه حكيم بن حزام - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا- أو قال حتى يتفرَّقا - فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما» (٢).\nوعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت النبي - ﷺ - يقول: «ويلٌ للذي يُحَدِّثُ بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويلٌ له،\nويلٌ له» (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، في الموضع السابق برقم ١٠٤ - (٢٦٠٧)، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الصدق والكذب، برقم ١٩٧١.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب إذا بيّن البيعان ولم يكتما، برقم ٢٠٧٩، ومسلم، كتاب البيوع، باب الصدق في البيع والبيان، برقم ١٥٣٢.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في التشديد في الكذب، برقم ٤٩٩٠، والترمذي، كتاب الزهد، باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس، برقم ٢٣١٥، وقال: «هذا حديث حسن»، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٦٨.","vol":"1","page":46},{"text":"وفي حديث سمرة بن جندب الطويل الذي فيه رؤيا النبي - ﷺ - قال فيه: «... لكنِّي رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد - قال بعض أصحابنا عن موسى: كلوب من حديد يدخله في شدقه- حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا قالا: انطلق ...» وفي آخر الحديث قال - ﷺ -: «قلت: طوّفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت قالا: نعم، أما الذي رأيته يُشقّ شدقه فكذاب يُحَدِّثُ بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة ...» (١). وفي رواية للبخاري أنه قيل للنبي - ﷺ -: «.. وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه؛ فإنه الرجل يغدُو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الثالث: الكذب في الرؤيا أو الحُلْم</span>\nعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «من تحلَّم بحُلم لم يره كُلِّف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرُّون منه صُبَّ في أُذنه الآنك يوم القيامة، ومن صور\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب، برقم ١٣٨٦.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، برقم ٧٠٤٧.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم ٣٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم ٥٩.","vol":"1","page":47},{"text":"صورة عُذِّب وكُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الرابع: ما يباح من الكذب</span>\nعن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ليس الكذَّابُ الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا» (٢).\nوفي رواية لمسلم عن أم كلثوم أيضًا: «ولم أسمعه يُرخِّص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: بمثل ما جعله يونس من قول ابن شهاب» (٣).\nقلت: وقول ابن شهاب هو ما رواه مسلم عن ابن شهاب أنه قال: «ولم أسمَعْ يرخّص في شيء مما يقول الناسُ كذبٌ إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها» (٤).\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «وهذا الحديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة، وقد ضبط العلماء ما يُباح منه، وأحسن ما رأيته ما ذكره الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى قال: «الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعًا، فالكذب فيه حرام، لعدم الحاجة إليه، وإن أمكن التوصّل إليه\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب التعبير، باب من كذب في حلمه، برقم ٧٠٤٢.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، برقم ٢٦٩٢، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، برقم ٢٦٠٥.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، بدون رقم، والنسائي، كتاب السير، باب الرخصة في الكذب في الحرب، برقم ٨٥٨٨.\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، برقم ٢٦٠٥، وانظر: الأذكار للنووي، ٣٢٤، فهناك فوائد تنير الفهم.","vol":"1","page":48},{"text":"بالكذب ولم يكن بالصدق، فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا، وواجب إن كان المقصود واجبًا.\nفإذا اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه وجب الكذبُ بإخفائه، وكذا لو كان عنده أو عند غيره وديعة، وسأل عنها ظالم يريد أخذها وجب عليه الكذب بإخفائها ... ولو استحلفه عليه لزمه أن يحلف ويورّي في يمينه ... وهذا إن لم يحصل الغرض إلا بالكذب، والاحتياط في هذا كله أن يورّي [في يمينه]، ومعنى التورية أن يقصد بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه، وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ، ولو لم يقصد هذا بل أطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا الموضع ... وكذا كلما ارتبط به غرض مقصود صحيح له أو لغيره، فالذي له مثل: أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله ليأخذه فله أن ينكره، أو يسأله السلطان عن فاحشة بينه وبين الله تعالى فله أن ينكرها ... وأما غرض غيره فمثل أن يُسأل عن سر أخيه فينكره ونحو ذلك ... وينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب والمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت المفسدة في الصدق أشد ضررًا فله الكذب وإن كان عكسه، أو شكّ، حرم عليه الكذب ...» (١).\n\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى:<span data-type=\"title\" id=toc-68> بعض ما رُويَ عن السلف من المعاريض التي تخلصوا بها من الكذب</span>، ومن هذه المعاريض ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>١ - رُويَ عن عمر بن الخطاب </span>- ﵁ - أنه قال: «إن في معاريض الكلام ما\n_________\n(١) الأذكار للنووي، ٣٢٦.","vol":"1","page":49},{"text":"يغني الرجل عن الكذب» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٢ - وروي عن ابن عباس ﵄ </span>أنه قال: «ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>٣ - وقال بعض السلف كان لهم كلام يدرؤون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا </span>(٣).\n٤ - وقد رُويَ أنه لقي رسول الله - ﷺ - طليعة للمشركين وهو في نفر من أصحابه فقال المشركون: «ممن أنتم؟ فذُكِرَ أن النبي - ﷺ - قال: «نحن من ماء» فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: أحياء اليمن كثيرة لعلهم منهم، وانصرفوا» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٥ - والمراد - ﷺ - بقوله: (نحن من ماء) </span>قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾ (٥).\n٦ - وكان حمّاد رحمه الله تعالى: إذا جاء من لا يريد الاجتماع به وضع يده على ضرسه ثم قال: «ضرسي ضرسي».\n٧ - وسُئِل أحمد عن المروزي وهو عنده ولم يُرِدْ أن يخرج إلى السائل\n_________\n(١) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ١/ ٣٨١.\n(٢) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ١/ ٣٨١.\n(٣) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ١/ ٣٨١.\n(٤) أخرجه الواقدي في المغازي، ١/ ٥٠، وابن جرير الطبري في تاريخه، ٢/ ٤٣٦، وهو منقطع السند، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام، ٢/ ٢٥٥.\n(٥) سورة الطارق، الآية: ٦.","vol":"1","page":50},{"text":"فوضع أحمد أصبعه في كفه وقال: ليس المروزي هاهنا وماذا يصنع المروزي هاهنا ..؟\n\nثم ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أن<span data-type=\"title\" id=toc-76> الحيل ثلاثة أنواع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>النوع الأول: قربة وطاعة وهو من أفضل الأعمال عند الله تعالى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>النوع الثاني: جائز مباح لا حرج على فاعله، ولا على تاركه</span>، وترجح فعله على تركه أو عكس ذلك تابع لمصلحته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>النوع الثالث: محرم، ومخادعة لله تعالى ورسله</span>، متضمن لإسقاط ما أوجبه وإبطال ما شرعه، وتحليل ما حرّمه، وإنكار السلف والأئمة وأهل الحديث إنما هو لهذا النوع ... (١).\n_________\n(١) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ١/ ٣٨٤ وقد استوفى ﵀ البحث من الحيل والمعاريض الجائزة وغيرها.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفصل الثالث: شهادة الزور</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الأول: تعريف الزّور</span>\nالأصل في الزور، تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يُخَيَّل إلى من يسمعه أو يراه أنه خلاف ما هو به.\nوالشرك قد يدخل في ذلك؛ لأنه محسّن لأهله حتى قد ظنُّوا أنه حق وهو باطل. ويدخل فيه الغناء؛ لأنه أيضًا مما يحّسنه ترجيع الصوت حتى يستحلّ سَامِعُهُ سَمَاعَه.\nوالكذب أيضًا: قد يدخل فيه؛ لتحسين صاحبه إياه حتى يظن صاحبه أنه حق.\nفكل ذلك مما يدخل في معنى الزور؛ فإن كان ذلك كذلك فأولى الأقوال بالصواب ... أن يقال: إن الزور كل باطل سواء كان ذلك، شركًا، أو غناء، أو كذبًا، أو غيره، وكل ما لزمه اسم الزور؛ لأن الله عمّ في وصفه عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يُخصّ من ذلك شيئًا إلا بحجة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث الثاني: الترهيب من الوقوع في شهادة الزور</span>\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لله وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَالله أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا\n_________\n(١) جامع البيان، ١٩/ ٣١ بتصرف.","vol":"1","page":52},{"text":"تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١).\nوقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لله شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ (٣).\nوقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٤).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ الله وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٦).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لله ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِالله\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٣٥.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٨.\n(٣) سورة المعارج، الآيات: ٣٣ - ٣٥.\n(٤) سورة الفرقان، الآية: ٧٢.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ١٤٠.","vol":"1","page":53},{"text":"وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (١).\nوقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (٣).\nوقال - ﷾ -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤).\nقال الإمام عبد الرحمن بن الجوزي - رحمه الله تعالى -: «قوله تعالى:\n﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ عامٌّ في تحريم القول في الدين من غير يقين» (٥).\nوعن أبي بكرة قال: قال النبي - ﷺ -: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» وجلس وكان متكئًا فقال: «ألا وقَولُ الزور» فمازال يكررها حتى قلنا ليته\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآية: ٢.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٣٠.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.\n(٤) سورة الأعراف، الآية ٣٣.\n(٥) زاد المسير في علم التفسير، ٣/ ١٩٢.","vol":"1","page":54},{"text":"سكت (١).\nوعن خريم بن فاتك الأسدي قال: صلى النبي - ﷺ - الصبح فلما انصرف قام قائمًا فقال: «عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله - ﷿ - ثم تلا هذه الآية:\n﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاء لله غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - قال: سُئلَ رسول الله - ﷺ - عن الكبائر قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور» (٣).\nوقد ترجم البخاري ﵀ في صحيحه فقال: «باب ما قيل في شهادة الزور لقول الله - ﷿ -»، والذين لا يشهدون الزور، وكتمان الشهادة لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٤).\nوقد ترجم البخاري ﵀ في صحيحه بابًا قال فيه: «باب لا يشهد على شهادة جور إذا أُشهِد».\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، برقم ٢٦٥٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم ٨٧.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأقضية، باب في شهادة الزور، برقم ٣٥٩٩، والترمذي، كتاب الشهادات، باب ما جاء في شهادة الزور، برقم ٢٣٠٠، وقال: «هذا عندي أصح»، وابن ماجه، كتاب الأحكام، باب شهادة الزور، برقم ٢٣٧٢، وقال عنه الألباني في ضعيف أبي داود، وضعيف ابن ماجه: «ضعيف».\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، برقم ٢٦٥٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم ٨٨.\n(٤) انظر: صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور ...، ٣/ ١٥١.","vol":"1","page":55},{"text":"عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله. ثم بدا له فوهبها لي. فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي - ﷺ -، فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي - ﷺ - فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: «ألك ولد سواه؟» قال: نعم، قال فأراه قال: «لا تشهدني على جور»، وفي رواية: «لا أشهد على جور» (١).\nوعن عمران بن حصين ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» قال عمران: «لا أدري أذكر النبي - ﷺ - بَعد قرنين أو ثلاثة».\nقال النبي - ﷺ -: «إن بعدكم قومًا يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (٢).\nوعن عبيدة عن عبد الله - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته».\nقال إبراهيم: «وكانوا يضربوننا على الشهادة، والعهد» (٣).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله»،قال: ثم ماذا؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، برقم ٢٦٥٠.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، برقم ٢٦٥١، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب فضل الصحابة - ﵃ -، برقم ٢٥٣٥.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، برقم ٢٦٥٢، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -،باب فضل الصحابة - ﵃ -،برقم ٢١٢ - (٢٥٣٣)،وليس فيه قول إبراهيم.","vol":"1","page":56},{"text":"قال: «ثم عقوق الوالدين»،قال: ثم ماذا؟ قال: «اليمين الغموس»، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: «الذي يقتطع مال امرئٍ مسلم هو فيها كاذب» (١).\nواليمين الغموس سُمّيت بذلك؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، ولا كفّارة فيها؛ لأنها يمين غير منعقدة؛ ولأن المنعقد ما يمكن حلّه، ولا يَتَأتَّى في اليمين الغموس البر أصلًا (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه، وشرابه» (٣).\nفنجد أن الله ﵎ حرّم شهادة الزور؛ لكونها سببًا لإبطال الحق، وحرم كتمانها؛ لكونه سببًا أيضًا لإبطال الحق (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>المبحث الثالث: ما يترتب على شهادة الزور من الجرائم</span>\nشهادة الزور عظيمة الخطر والضرر؛ لأنه يترتب عليها جرائم كثيرة، منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>١ - تضليل الحاكم عن الحق والتسبب في الحكم بالباطل</span>؛ لأن الحكم ينبني على أمور منها: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر، فإذا كانت البينة كاذبة أثَّرت على الحكم، فكان بخلاف الحق، والإثم على\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين، باب إثم من أشرك بالله، برقم ٦٩٢٠. والجملة التي في آخر الحديث السائل فيها هو فراس، والمسؤول عامر الشعبي. انظر: فتح الباري، ١١/ ٥٥٦.\n(٢) انظر فتح الباري، ١١/ ٥٥٦.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم، برقم ١٩٠٣.\n(٤) انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٥/ ٢٦٣.","vol":"1","page":57},{"text":"الشاهد؛ ولذلك قال النبي - ﷺ -: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلّ أحدَكم ألحن بحجته من الآخر فأقضي له نحو ما أسمع» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٢ - الظلم لمن شهد له؛ لأنه ساق إليه ما ليس بحق بسبب شهادة الزور</span>، فوجبت له النار لقول النبي - ﷺ -: «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٣ - الظلم لمن شهد عليه حيث أخذ منه ماله أو حقه بالشهادة الكاذبة</span>، فيتعرض الشاهد بذلك لدعوة المشهود عليه بغير الحق ظلمًا، ودعوة المظلوم مستجابة لا تُرَدُّ، وليس بينها وبين الله حجاب كما قال النبي - ﷺ -: «ثلاثة لا تردّ دعوتهم ...» وذكر منهم «... دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الربُّ: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» (٣)،وقال - ﷺ -: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة»، فقال له رجلٌ: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: «وإن قضيبًا من\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم، برقم ٧١٦٩، ومسلم، كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، برقم ١٧١٣.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين، برقم ٢٦٨٠.\n(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٥٩٨، وقال: «هذا حديث حسن»، وابن ماجه، كتاب الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته، برقم ١٧٥٢، وقال عنه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٥٢٦: «صحيح دون قوله مم خلق الخلق؟».","vol":"1","page":58},{"text":"أراك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٤ - تخليص المجرمين من عقوبة الجريمة بالشهادة الباطلة</span>، وذلك يسبب للناس الرغبة في ارتكاب الجرائم اتكالًا على وجود شهادة الزور.\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٥ - يترتب على شهادة الزور انتهاك المحرمات، وإزهاق النفوس المعصومة</span>، وأكل الأموال بالباطل، والحاكم والمحكوم له وعليه بالباطل خصماء لشاهد الزور عند أحكم الحاكمين يوم القيامة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٦ - يحصل بشهادة الزور تزكية المشهود له وهو ليس أهلًا لذلك</span>، ويحصل بها جرح المشهود عليه بالباطل، والتزكية شهادة للمزكى، فإذا كان حال المزكى وواقعه بخلاف مضمون التزكية؛ فإن المزكي شاهد بالزور حيث شهد بخلاف الحق، أو بما لا يعلم حقيقته.\nفكذلك شاهد الزور و٠هو مُزَكٍّ للظالم، ومُجَرِّحٌ للمظلوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٧ - يترتب على شهادة الزور القول في دين الله بغير حق وبغير علم</span>؛ فإن ذلك من أعظم الفتن، ومن أخطر أسباب الصدّ عن سبيل الله، ومن أفحش عوامل الضلال للناس، وهو من الجرأة على الله، ومن أوضح الأدلة على جهل قائله خاصة إذا تبيّن له الحق فلم يرجع إليه، أو على نفاقه وإلحاده، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى الله الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (٢).فما أكثر شهادة الزور اليوم، ومثلهم الذين يحرّمون ما أحل الله لهم من طعام أو غيره.\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين، برقم ١٣٧.\n(٢) سورة النحل الآية: ١١٦.","vol":"1","page":59},{"text":"وأخطر من ذلك قوم يكتمون الحق مع علمهم به، ويظهرون الباطل ويدعون إليه الناس ويُزَيِّنُونَهُ لهم نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة (١).\n_________\n(١) انظر: مجلة البحوث الإسلامية، مجلة دورية تصدرها الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض. العدد السابع عشر، ص ٢٥٥ - ٢٧٢، بحث أعده فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح القصير وفقه الله.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الباب الثالث: القذف والخصومات وبذاءة اللسان</span>\nالفصل الأول: القذف\nوفيه مبحثان.\nالفصل الثاني: الجدال والخصومة.\nوفيه ثلاثة مباحث.\nالفصل الثالث: بذاءة اللسان بقبيح الكلام.\nوفيه خمسة وعشرون مبحثًا.\nالفصل الرابع: وجوب حفظ اللسان.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الفصل الأول: القذف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الأول: تعريف القذف</span>\nيقال: قذف بالحجارة (أي) رمى بها، والمحصنة رماها بزنية ... والتقاذف الترامي ... (١).\nوهو في الأصل رمي الشيء بقوة، ثم استعمل في الرمي بالزنا ونحوه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المبحث الثاني: الترهيب من الوقوع في القذف</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).\nوقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤).\nوقال - ﷾ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ\n_________\n(١) القاموس المحيط، فصل القاف، باب الفاء، ٣/ ١٨٣.\n(٢) الروض المربع بشرح زاد المستقنع، ٣/ ٣١٤.\n(٣) سورة النور، الآية: ٤.\n(٤) سورة النور، الآيات: ٦ - ٩.","vol":"1","page":62},{"text":"وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (١).\nوقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآيات (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله ما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٣).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي - ﷺ - بمنى: «أتدرون أيَّ يومٍ هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن هذا يوم حرام. أتدرون أي بلد هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «بلد حرام. أتدرون أيَّ شهر هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهر حرام» قال: «فإن الله حرم عليكم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (٤).\n_________\n(١) سورة النور، الآيات: ٢٣ - ٢٥.\n(٢) سورة النور، الآية: ١١.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾، برقم ٢٧٦٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم ٨٩.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، برقم ٦٠٤٣.","vol":"1","page":63},{"text":"قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «والغرض - من هذا الحديث- بيان تحريم العِرْض - الذي هو موضع المدح والذم من الشخص - أعمّ من أن يكون في نفسه، أو نسبه، أو حسبه» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من قذف مملوكه وهو بريء مما قال، جُلِدَ يوم القيامة إلا أن يكون كما قال» (٣).\nوحديث الإفك الطويل فيه أحكام كثيرة، لا يتسع المقام لذكرها (٤).\n_________\n(١) الفتح، ١٠/ ٤٦٤.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، برقم ٢٥٦٤.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب قذف العبيد، برقم ٦٨٥٨، ومسلم، كتاب الأيمان، باب التغليظ على من قذف مملوكه بالزنا، برقم ١٦٦٠.\n(٤) حديث الإفك: أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾، برقم ٤٧٥٧، ومسلم، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، برقم ٢٧٧٠.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الفصل الثاني: الخصومات والجدال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث الأول: الجدال بالباطل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>الجدل: اللّدد في الخصومة والقدرة عليها </span>(١)، يُقال: جادل مُجادلةً وجدالًا: إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب (٢)، والجدال نوعان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>النوع الأول: الجدال المحمود الممدوح: </span>وهو كل جدال أيّد الحق أو أوصل إليه بنية صالحة خالصة وطريق صحيح (٣).\nقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤). وقال - ﷿ -: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٥).\nوالمجادلة بالتي هي أحسن هي التي تكون عن علم، وبصيرة، وبحسن الخلق، ولطف، ورفق، ولين، وحسن خطاب، ودعوة إلى الحق، وتحسينه، وردّ الباطل، وبيان قبحه بأقرب طريق موصل إلى ذلك، وأن لا يكون القصد منها مجرد المغالبة وحبّ العلو، بل يكون القصد بيان\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، فصل الجيم، باب اللام، ص١٢٦١، والمصباح المنير، ص٩٣، والمعجم الوسيط، ١/ ١١١.\n(٢) انظر: المصباح المنير، ص ٩٣.\n(٣) انظر: منهاج الجدل في القرآن الكريم، للدكتور زاهر بن عواض الألمعي، ص ٥٠.\n(٤) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(٥) سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.","vol":"1","page":65},{"text":"الحق وهداية الخلق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>النوع الثاني: الجدال المذموم: </span>وهو كل جدال أيد الباطل أو أوصل إليه، أو كان بغير علم وبصيرة.\nوهذا النوع هو من أعظم آفات اللسان، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢).\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٣).\n﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا﴾ (٤).\n﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٥).\nوعن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: إن النبي - ﷺ - قال: «لا تعلّموا العلم لتُباهوا به العلماء؛ ولا لتُماروا به السفهاء، ولا لتَخيّروا به المجالس، فمن\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ٥٩٢، و٣/ ٤١٦، وتفسير السعدي، ٤/ ٢٥٤، و٦/ ٩٢.\n(٢) سورة الحج، الآيتان: ٣ - ٤.\n(٣) سورة الحج، الآيتان: ٨ - ٩.\n(٤) سورة الكهف، الآية: ٥٦.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.","vol":"1","page":66},{"text":"فعل ذلك فالنار النار» (١).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: «لا تعلّموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله، فإنه يدوم ويبقى، وينفد ما سواه» (٢).\nوعن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما ضلّ قومٌ بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾» (٣).\nوقد ضَمِنَ النبيُّ - ﷺ - بيتًا في الجنة لمن ترك الجدال بالباطل من أجل الله - ﷿ - فقال ﵊: «أنا زعيم ببيتٍ في رَبَضِ الجنة لمن ترك المراء وإن كان مُحقًا، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خُلُقه» (٤).\nالأسباب الباعثة على الجدال بالباطل\n\nلا شك أن<span data-type=\"title\" id=toc-100> الأسباب الباعثة على الجدال بالباطل كثيرة، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>١ - الغرور، والكبرياء، والخيلاء</span>.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، برقم ٢٥٤، و٢٥٩، وانظر: صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٦ وصحيح ابن ماجه، ١/ ٤٦.\n(٢) الدارمي موقوفًا على ابن مسعود - ﵁ -، ١/ ٧٠.\n(٣) أخرجه الترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة الزخرف، برقم ٣٢٥٣، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وابن ماجه، المقدمة، باب اجتناب البدع والجدل، برقم ٤٨، وأحمد في المسند، ٥/ ٢٥٢، و٢٥٦، وانظر: صحيح الترمذي، ٣/ ١٠٣.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، برقم ٤٨٠٠، وانظر: جامع الأصول،\n١١/ ٧٥٤، وقال عنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٤٨٠٠: «حسن».","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>٢ - إظهار العلم والفضل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>٣ - الاعتداء على الغير بإظهار نقصه، وقصد أذاه</span>.\nوعلاج ذلك بالتوبة إلى الله تعالى، وبأن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله، والعدوان الباعث على احتقار غيره وتنقّصه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الثاني: الخصومة والنِّزاع</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٢).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصِمُ» (٣).\nوالألدُّ: هو شديد اللّدد، كثير الخصومة.\nوالخَصِمُ الذي يخصم أقرانه ويُحَاجُّهم بالباطل، ولا يقبل الحق (٤).\nوعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده\n_________\n(١) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي، ٣/ ١١٦، ومنهاج الجدل، ص ٥٩.\n(٢) سورة البقرة، الآيات: ٢٠٤ - ٢٠٦.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب المظالم، باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، برقم ٢٤٥٧، ومسلم، كتاب العلم، باب في الألد الخصم، برقم ٢٦٦٨.\n(٤) انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ٢/ ٧٥٢، وفتح الباري، ١٣/ ١٨١.","vol":"1","page":68},{"text":"المصلّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (١). فالشيطان يحرش بين المصلين بالخصومات والشحناء، والحروب، والإغراء بين الناس بأنواع المعاصي والفتن وغيرها (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله يبغض كل جعظريّ، جوَّاظ، سخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة» (٣).\nالجعظري: الفظُّ الغليظُ المتكبر.\nوالجوّاظ: الجَموع المَنوع.\nوالسخّاب: كالصخّاب: كثير الضجيج والخصام المتكبر.\nجيفة: أي كالجيفة؛ لأنه يعمل كالحمار طوال النهار لدنياه، وينام طوال ليله كالجيفة التي لا تتحرك (٤).\nعالم بأمر الدنيا: أي بما يُبْعِدُهُ عن الله - ﷿ - من السعي في تحصيلها. جاهل بأمر الآخرة، أي بما يقربه ويدنيه من الآخرة (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب تحريش الشيطان بعثه سراياه لفتنة الناس، برقم ٢٨١٢.\n(٢) انظر جامع الأصول لابن الأثير، ٢/ ٧٥٤.\n(٣) البيهقي في السنن الكبرى، ١٠/ ١٩٤، وابن حبان (موارد)، برقم ١٩٧٥، ص٤٨٥، وانظر: صحيح الجامع، برقم ١٨٧٤، ٢/ ١٤٤، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٩٥، ١/ ١٧١.\n(٤) انظر: الأحاديث الصحيحة، [التعليق]، ١/ ١٧٢.\n(٥) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، ٢/ ٢٨٥.","vol":"1","page":69},{"text":"وقال النبي - ﷺ -: «إن الله لا يحبّ الفاحش المتفحّش» (١)، والفاحش الذي يرسل لسانه بما لا ينبغي، وذو الفحش وهو القبيح في الأقوال والأفعال. والمتفحش: الذي يتكلّف ذلك ويتعاطاه ويستعمله (٢).\nوقال النبي - ﷺ -: «هلك المتنطِّعون» قالها ثلاثًا (٣).\nالتنطُّع في الكلام: التعمّق فيه والتفاصح: فهم المتعمّقون، الغالون، المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم (٤).\nوقال النبي - ﷺ -: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلّل البقرة بلسانها» (٥). وهو الذي يظهر التفاصح تَيْهًا على الغير، وتفاصحًا واستعلاءً، ووسيلة إلى الاقتدار على تصغير عظيم، أو تعظيم حقير، أو بقصد تعجيزه، أو تزيين الباطل في صورة الحق أو عكسه، أو يقصد إجلال الحكام له ووجاهته وقبول شفاعته. وهو يتشدّق بلسانه كما تتشدّق البقرة بلسانها.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في حسن العشرة، برقم ٤٧٩٢، والنسائي في سننه الكبرى، كتاب التفسير (سورة المجادلة)، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ﴾، برقم ١١٥٠٧، وأخرجه بنحوه البخاري، برقم ٦٤٠١، ومسلم، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، برقم ١١ - (٢١٦٥).\n(٢) انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٧٣٩، وفيض القدير شرح الجامع الصغير، ٢/ ٢٨٥.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، برقم ٢٦٧٠.\n(٤) انظر: شرح النووي، وجامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٧٣٣.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في المتشدق في الكلام، برقم ٥٠٠٥، والترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في الفصاحة والبيان، برقم ٢٨٥٣، وقال: «هذا حديث حسن غريب»، وأحمد في المسند، ٢/ ١٦٥، ١٨٧، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٣٧٥.","vol":"1","page":70},{"text":"ووجه الشبه: إدارة لسانه حول أسنانه وفمه حال التكلم كما تفعل البقرة بلسانها حال الأكل. وهذا كله ما كان على جهة الإعجاب والتعاظم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>المبحث الثالث: علاج الخصومات والغضب</span>\nمن أسباب السلامة من اللّجاج والخصومات كظم الغيظ، والابتعاد عن الغضب وأسبابه، وعلاج الغضب بالأدوية المشروعة يكون بطريقتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>الطريقة الأولى: الوقاية</span>، ومعلوم أن الوقاية خير من العلاج، وتحصل الوقاية من الغضب قبل وقوعه باجتناب أسبابه والابتعاد عنها، ومن هذه الأسباب التي ينبغي لكل مسلم أن يُطَهِّرَ نفسه منها: الكِبْر، والإعجاب بالنفس، والافتخار، والتَّيْه، والحِرص المذموم، والمزاح في غير مناسبة، أو الهزل، أو ما شابه ذلك (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الطريقة الثانية: العلاج إذا وقع الغضب، وينحصر في أربعة أنواع كالآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>النوع الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>النوع الثاني: الوضوء </span>(٤).\n_________\n(١) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير لعبد الرؤوف المناوي، ٢/ ٢٨٣.\n(٢) انظر: الدعائم الخلقية والقوانين الشرعية لصبحي محمصاني، ص ٢٢٧.\n(٣) انظر: سورة الأعراف، الآية: ٢٠٠، وسورة المؤمنون، الآية: ٩٧، وسورة فصلت، الآية: ٣٦، والبخاري مع الفتح، ١٠/ ٥١٨، ومسلم، ٤/ ٢٠١٥.\n(٤) انظر: سنن أبي داود ٤/ ٢٤٩، وتهذيب السنن، ٧/ ١٦٥ - ١٦٨، وعون المعبود، ١٣/ ١٤١، وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: «إسناده جيد».","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>النوع الثالث: تغيير الحالة التي عليها الغضبان، بالجلوس، أو الاضطجاع</span>، أو الخروج، أو الإمساك عن الكلام، أو غير ذلك (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>النوع الرابع: استحضار ما ورد في فضل كظم الغيظ من الثواب</span>، وما ورد في عاقبة الغضب من الخذلان العاجل والآجل، قال النبي - ﷺ -: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله - ﷿ - على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخيِّرهُ من الحور ما شاء» (٢).\n_________\n(١) دليل ذلك ما أخرجه أحمد في المسند، ٥/ ١٥٢، وأبو داود، ٤/ ٢٤٩، وابن حبان، برقم ٤٨٤، (موارد)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: «رجال أحمد رجال الصحيح»: ٨/ ٧٠، وانظر: شرح السنة للبغوي، ١٣/ ١٦٢، فقد حسنه الشيخ الأرناؤوط.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب من كظم غيظًا، برقم ٤٧٧٧، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب في كظم الغيظ، برقم ٢٠٢١، وفي كتاب صفة القيامة والرقائق، برقم ٢٤٩٣، وقال في الموضعين: «هذا حديث حسن غريب»، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحلم، برقم ٤١٨٦، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٣٠٥، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ٤٠٧.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>الفصل الثالث: بذاءة اللسان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>المبحث الأول: الترهيب من الوقوع في بذاءة اللسان</span>\nقال الله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).\nقال ابن كثير - ﵀ -: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ يعني كلام الناس (٢).\nوقال سبحانه: ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ الله سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (٣).\nأي ولا يحب الله الفحش في القول، ولا الإيذاء باللسان، إلا المظلوم فإنه يباح له أن يجهر بالدعاء على ظالمه، وأن يذكره بما فيه من السوء.\nقال ابن عباس ﵄: «المعنى لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلومًا» (٤).\nوقال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٥). وقال\n_________\n(١) سورة النساء الآية: ١١٤.\n(٢) تفسير ابن كثير، ١/ ٧٣٧.\n(٣) سورة النساء الآية: ١٤٨.\n(٤) أخرجه الطبري في التفسير، برقم ١٠٧٤٩، وقال السيوطي في الدر المنثور، ٢/ ٢٣٧: «أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم».\n(٥) سورة ق الآية: ١٨.","vol":"1","page":73},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (١).\nوعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيّن فيها، يزلُّ بها في النار أبعد ما بين المشرق» (٣).\nوفي رواية مسلم: «إن العبد ليتكلّم بالكلمة ما يتبيّن ما فيها، يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالًا يَرفَعُ الله بها درجات، وإن العبد ليتكلّم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم» (٥).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الرجل ليتكلّم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها بأسًا، فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفًا» (٦).\n_________\n(١) سورة الفجر، الآية: ١٤.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أي الإسلام أفضل، برقم ١١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام، برقم ٤٢.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، برقم ٦٤٧٧، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار، رقم ٢٩٨٨.\n(٤) انظ: المصدر السابق، برقم ٢٩٨٨.\n(٥) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، برقم ٦٤٧٨، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار، برقم ٤٩ - (٢٩٨٨).\n(٦) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بهاالناس، برقم ٢٣١٤، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، برقم ٣٩٧٠، وقال الترمذي: «حديث حسن غريب»، وانظر: صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٥٨، وصحيح الترمذي، ٢/ ٢٦٨.","vol":"1","page":74},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (١).\nوعن سهل بن سعد - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة» (٢).\nوعن المغيرة قال: إني سمعته - ﷺ - يقول عند انصرافه من الصلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» ثلاث مرات، وقد كان ينهى عن: «قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنعٍ وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات» (٣).\nوعن بلال بن الحارث المزني - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الرجل ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلّم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه» (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، برقم ٦٠١٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب إكرام الجار والضيف، برقم ٤٧.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، برقم ٦٤٧٤، وفي الترمذي: «من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة»، انظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٨٧.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يكره من قيل وقال، برقم ٦٤٧٣.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، برقم ٦٤٧٨، والترمذي، كتاب الزهد، باب في قلة الكلام، برقم ٢٣١٩، والنسائي في الكبرى، كتاب الرقائق، برقم ١١٧٦٩، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، برقم ٣٩٦٩، و٣٩٧٠.","vol":"1","page":75},{"text":"وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «اجتمع عند البيت قرشيان، وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ...﴾ الآية (١).\nوعن سفيان بن عبد الله - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال: «قل ربي الله ثم استقم» قال: قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: «هذا» (٢).\nوعن عمر - ﵁ - أنه دخل على أبي بكر - ﵁ - وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مَهْ، غفر الله لك، فقال أبو بكر: «إن هذا أوردني الموارد» (٣).\nوعن جندب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - حدث أن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك»،أو كما قال. ويُذكر أن أبا هريرة - ﵁ -\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾، برقم ٤٨١٧، ومسلم، كتاب صفة المنافقين وأحكامهم، برقم ٢٧٧٥.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان، برقم ٢٤١٠،وابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، برقم ٣٩٧٢،وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وقال الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٤١٠، وفي صحيح ابن ماجه، برقم ٣٩٧٢: «صحيح».\n(٣) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، ٢/ ٩٨٨، والنسائي في الكبرى، برقم ١١٨٤١.","vol":"1","page":76},{"text":"قال: «والذي نفسي بيده لتكلّم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته» (١).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي» (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر (٣) اللسان، فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» (٤).\nوعن معاذ بن جبل - ﵁ - في حديثه الطويل وفي عجزه «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه ثم قال: «كفّ عليك هذا»، قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ فقال: «ثكلتك أمك، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» (٥).\nوعن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: «إن أبغض الرجال إلى الله\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى، برقم ٢٦٢١، وأبو داود، كتاب الأدب، باب في النهي عن البغي، برقم ٤٩٠١.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب منه، برقم ٢٤١١، وقال: «حسن غريب»، وقال عبدالقادر الأرنؤوط: «إسناده حسن»، انظر: الأذكار للنووي بتحقيق الأرنؤوط، ص ٢٨٥.\n(٣) أي تذل وتخضع.\n(٤) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان، برقم ٢٤٠٧، وقال عبد القادر الأرنؤوط في تعليقه على الأذكار للنووي: «إنه حسن». انظر: الأذكار، ٢٨٦. وصحيح الترمذي، ٢/ ٢٨٧.\n(٥) أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، برقم ٢٦١٦، وقال: «حديث حسن صحيح». وقال عنه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٦١٦: «صحيح».","vol":"1","page":77},{"text":"الألدُّ الخصم» (١).\nوالألد الخصم شديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه؛ لأنه كلما احتُجّ عليه بحجة أخذ في جانب آخر (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: «تقوى الله وحسن الخلق»، وسُئل عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: «الفم والفرجُ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المبحث الثاني: الاسستسقاء بالأنواء</span>\nعن زيد بن خالد الجهني قال: صَلَّى بنا رسول الله - ﷺ - الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب؛ وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب» (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، برقم ٢٤٥٧، ومسلم، كتاب العلم، باب في الألد الخصم، برقم ٢٦٦٨.\n(٢) تعليق الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي على صحيح مسلم نقلًا عن النووي، ٤/ ٢٠٥٤.\n(٣) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق، برقم ٢٠٠٤، وقال: «هذا حديث صحيح غريب». وقال الشيخ الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٠٠٤: «حسن».\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، برقم ٨٤٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب من قال: مطرنا بالنوء، برقم ٧١.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>المبحث الثالث: الحلف بغير الله تعالى</span>\nعن بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من حلف بالأمانة فليس منا» (١).\nوعن عمر قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي - ﷺ - ذاكرًا ولا آثرًا (٢).\nوعن ابن عمر أيضًا: أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله - ﷺ -: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله وإلا فليصمت» (٣).\nوعن ابن عمر ﵄ أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأيمان والنذور، باب في كراهية الحلف بالأمانة، برقم ٣٢٥٣، وانظر: صحيح الجامع، ٥/ ٢٨٢.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم، برقم ٦٦٤٧، ومسلم، كتاب الأيمان والنذور، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، برقم ١٦٤٦.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم، برقم ٦٦٤٦، ومسلم، كتاب الأيمان والنذور، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، برقم ٣ - (١٦٤٦).\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الأيمان والنذور، باب في كراهية الحلف بالآباء، برقم ٣٢٥١، والترمذي، كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء أن من حلف بغير الله فقد أشرك، برقم ١٥٣٥، قال: «هذا حديث حسن».","vol":"1","page":79},{"text":"أقامرك فليتصدق» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>المبحث الرابع: الحلف الكاذب والمنُّ بالعطية</span>\nقال الله تعال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ\nوَالأذَى﴾ الآية (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يُعطِهِ منها سخط، ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أُعطيت بها كذا وكذا، فصدَّقه رجل، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾» الآية (٣).\nوعن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم»، قال: قرأها رسول الله - ﷺ - ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، مَنْ هم يا رسول الله؟ قال: «المُسبل إزارَه، والمنّان، والمُنفق سلعته بالحلف الكاذب» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الحلف منفقة\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب أفرايتم اللات والعزى، برقم ٤٨٦٠، ومسلم، كتاب الأيمان، باب من حلف باللات والعزى، برقم ١٦٤٧.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب في الشرب، باب إثم من منع ابن السبيل من الماء، برقم ٢٣٥٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم إسبال الإزار، برقم ١٠٨، والآية ٧٧ من سورة آل عمران.\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم إسبال الإزار، برقم ١٠٦.","vol":"1","page":80},{"text":"للسلعة ممحقة للبركة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>المبحث الخامس: التسمي بملك الأملاك</span>\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أخنع الأسماء عند الله رجل تسمَّى بمَلِك الأملاك» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>المبحث السادس: سبّ الدّهر</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله - ﷿ -: يؤذيني ابن آدم يسبُّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقلِّب الليل والنهار» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>المبحث السابع: النياحة على الميت</span>\nعن أم عطية ﵂ قالت: «أخذ علينا النبي - ﷺ - عند البيعة أن لا ننوح، فما وفَّتْ منا امرأة غير خمس نسوة: أم سُليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة مُعَاذ، وامرأتين، أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ، وامرأة أخرى» (٤).\nوعن أبي مالك الأشعري: - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب،\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب يمحق الله الربا ويربي الصدقات، برقم ٢٠٨٧، ومسلم، كتاب المساقاة، باب النهي عن الحلف في البيع، برقم ١٦٠٦.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله، برقم ٦٢٠٦، ومسلم، كتاب الآداب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك، وبملك الملوك، برقم ٢١٤٣.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب (وما يهلكنا إلا الدهر)، برقم ٤٨٢٦، ومسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، برقم ٢ - (٢٢٤٦).\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما ينهى عن النوح والبكاء، برقم ١٣٠٦، ومسلم، كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة، برقم ٩٣٦.","vol":"1","page":81},{"text":"والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (١).\nوقد وجع أبو موسى وجعًا شديدًا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فلم يستطع أن يردّ عليها شيئًا، فلما أفاق قال: «أنا بريء ممن برئ منه رسول الله - ﷺ -،إن رسول الله - ﷺ - برئ من الصالقة (٢)،والحالقة، والشّاقّة» (٣).\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منا من ضرب الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوَى الجاهلية» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>المبحث الثامن: النّجش</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لبادٍ، ولا تصرّوا (٥) الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردّها وصاعًا من تمرٍ» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>المبحث التاسع: المدح المذموم الذي يفتن الممدوح أو فيه إفراط</span>\nعن أبي بكر - ﵁ - قال: أثنى رجلٌ على رجلٍ عند النبي - ﷺ - فقال: «ويلك\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة، برقم ٩٣٤.\n(٢) الصلق: الصوتُ الشديد، يُريد رَفْعُه في المصائب ... وعند الفَجِيْعَة بالمَوُتِ ويَدْخُل فيه النَّوحُ. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (صلق)، ٣/ ٩١.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة، برقم ١٢٩٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب، برقم ١٠٤.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ليس منا من شق الجيوب، برقم ١٢٩٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب، برقم ١٠٣.\n(٥) صَرَّ: النَاقَة أو البقَرَة أو الشَّاة، يُصَرَّى اللَّبنُ في ضَرْعها: أي يُجْمَع ويُحْبَس. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (صرّ)، ٣/ ٤٨.\n(٦) أخرجه البخاري، كتاب البييوع، باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل، برقم ٢١٥٠، ومسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، برقم ١١ - (١٥١٥).","vol":"1","page":82},{"text":"قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك» مرارًا، ثم قال: «من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه» (١).\nوعن أبي موسى - ﵁ - قال: سمع النبي - ﷺ - رجلًا يثني على رجل، ويطريه في مدحه فقال: «أهلكتم، أو قطعتم ظهر الرجل» (٢).\nقال ابن بطال: «حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب؛ لظنه أنه بتلك المنزلة فربما ضيَّع العمل والازدياد من الخير اتِّكالًا على ما وُصف به؛ ولذلك تأوّل العلماء في الحديث ... «احثوا في وجوه المدَّاحين التراب» (٣). أن المراد من يمدح الناس في وجوههم بالباطل. وقال عمر - ﵁ -: «المدح هو الذبح» (٤).\nوعن همام بن الحارث أن رجلًا جعل يمدح عثمان - ﵁ -، فعمد المقداد فجثا على ركبتيه وكان رجلًا ضخمًا فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا رأيتم المدَّاحين، فاحثوا في وجوههم التراب» (٥)، وفي رواية عن المقداد أيضًا: «أمرنا\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب إذا زكّى رجل رجلًا كفاه، برقم ٢٦٦٢، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط، برقم ٣٠٠٠.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب ما يكره من الإطناب في المدح، برقم ٢٦٦٣، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط، برقم ٣٠٠١.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط، برقم ٣٠٠٢، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في كراهية المدحة والمداحين، برقم ٢٣٩٣.\n(٤) فتح الباري، ١٠/ ٤٧٧.\n(٥) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط، برقم ٦٨ - ٦٩ (٣٠٠٢).","vol":"1","page":83},{"text":"رسول الله - ﷺ - أن نحثي في وجوه المدّاحين التراب» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>المبحث العاشر: ما يجوز من المدح</span>\nلا شك أن المدح من آفات اللسان، إذا كان المدح يعود بالفتنة على الممدوح، أو فيه مجازفة، أو إفراط، أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس.\nقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب من أثنى على أخيه بما يعلم».\nثم قال: قال سعد: «ما سمعت النبي - ﷺ - يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام» (٢).\nوعن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - حين ذكر في الإزار ما ذكر، قال أبو بكر: يا رسول الله، إن إزاري يسقط من أحد شقيه. قال: «إنك لست منهم» (٣).\nفهذا جائز ومستثنى من الذي قبله.\nوالضابط أن لا يكون المدح مجازفة، ويُؤْمَن على الممدوح الإعجاب والفتنة ... ومن جملة ذلك الأحاديث في مناقب الصحابة - ﵃ -، ووصف كل واحد منهم بما وُصف به من الأوصاف الجميلة، كقوله - ﷺ - لعمر:\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط، برقم ٣٠٠٢.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب عبد الله بن سلام - ﵁ -، برقم ٣٨١٢، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن سلام - ﵁ -، برقم ٢٤٨٣.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من أثنى على أخيه بما يعلم، برقم ٦٠٦٢.","vol":"1","page":84},{"text":"«ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجّك» (١). فمن مُدِح بما فيه فلا يدخل في النهي، فقد مُدح النبي - ﷺ - في الشعر، والخطب، والمخاطبة، ولم يحثُ في وجه مادحه ترابًا (٢).\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «قد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه، قال العلماء: وطريق الجمع بينها أن النهي محمول على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يُخاف على فتنته من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح.\nوأما من لا يُخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله، ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة؛ بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير والازدياد منه، أو الدوام عليه، والاقتداء به كان مستحبًا والله أعلم» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>المبحث الحادي عشر: هتك الإنسان ستر نفسه</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: «يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه»، ولفظ مسلم: «وإن من الإجهار\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس، برقم ٣٢٩٤، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب فضائل عمر - ﵁ -، برقم ٢٣٩٦.\n(٢) فتح الباري، ١٠/ ٤٧٧.\n(٣) شرح الإمام النووي على مسلم، ١٨/ ١٢٦.","vol":"1","page":85},{"text":"والمجانة عدم المبالاة بالقول والفعل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>المبحث الثاني عشر: السب والشتم، والسخرية بالمؤمنين</span>\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفَه» (٣).\nقال النووي رحمه الله تعالى: «واعلم أن سبَّ الصحابة - ﵃ - حرام من فواحش المحرَّمات، سواء من لابس الفتن منهم، وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأوّلون ...» (٤).\nوعن أبي ذر - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «لا يرمي رجل رجلًا بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك» (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه، برقم ٦٠٩٦، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، برقم ٢٩٩٠.\n(٢) سورة الحجرات الآية ١١.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب، برقم ٣٦٧٣، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب تحريم سب الصحابة - ﵃ -، برقم ٢٥٤٠.\n(٤) شرح النووي، ١٦/ ٩٣.\n(٥) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن السباب واللعن، برقم ٦٠٤٥.","vol":"1","page":86},{"text":"وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (١).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «أيما رجل قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما» (٢).\nوفي رواية مسلم: «أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «المستبّان ما قالا فعلى المبتدئ منهما ما لم يعتدِ المظلوم» (٤)، ومعنى الحديث أن المتشاتمين الَّلذَين يسب كل منهما الآخر يكون إثمهما على الذي ابتدأ بالشتم ما لم يعتدِ المظلوم الحدَّ بأن سبّه أكثر وأفحش منه، أما إذا اعتدى كان إثم ما اعتدى عليه والباقي على البادي.\nوالحاصل إذا سبَّ كل واحد الآخر، فإثم ما قالا على الذي بدأ بالسبّ، وهذا إذا لم يعتدِ ويتجاوز المظلوم الحد، والله أعلم (٥).\nوعن أبي ذر - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «أيما رجل ادَّعى لغير\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن، برقم ٤٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، برقم ٦٤.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كفّر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، برقم ٦١٠٤.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب من قال لأخيه المسلم: يا كافر، برقم ١١١ - (٦٠).\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن السباب، برقم ٢٥٨٧، وأبو داود، كتاب الأدب، باب المستبان، برقم ٤٨٩٤.\n(٥) انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود، ١٣/ ٢٣٧.","vol":"1","page":87},{"text":"أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادّعى ما ليس له فليس منَّا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدوّ الله، وليس كذلك إلا حار عليه» (١).\nقال الإمام النووي ﵀: هذا الحديث مما عدّه بعض العلماء من المشكلات من حيث إن ظاهره غير مراد، وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي: كالقتل، والزنا، وكذا قوله لأخيه يا كافر، من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، وإذا عرف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه:\nأحدها: أنه محمول على المستحلّ لذلك، وهذا يكفر، وعلى هذا معنى باء بها- أي بكلمة الكفر- وكذا حار عليه، وهو معنى رجعت إليه- أي كلمة الكفر - فباء، وحار، ورجع بمعنى واحد.\nوالوجه الثاني: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره.\nالوجه الثالث: أنه محمول على الخوارج المكفِّرين للمؤمنين، وهذا نقله القاضي عياض ﵀ عن الإمام مالك وهو ضعيف؛ لأن المذهب المختار الذي اختاره المحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع.\nوالوجه الرابع: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر ...\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب، برقم ٣٥٠٨، ومسلم واللفظ له، كتاب الإيمان، باب حال إيمان من رغب عن أبيه، برقم ٦١.","vol":"1","page":88},{"text":"والوجه الخامس: فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المسلم كافرًا، فكأنه كفّر نفسه، إما لأنه كفّر من هو مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، والله أعلم.\nوأما قوله: فيمن ادّعى لغير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه كفر. فقيل فيه تأويلان:\nالتأويل الأول: أنه في حقّ المستحلّ.\nالتأويل الثاني: أنه كفر النعمة، والإحسان، وحق الله تعالى، وحق أبيه، وليس المراد الكفر الذي يُخرجه من ملّة الإسلام، وهذا كما قال - ﷺ -: «تكفرن»، ثم فسّره بكفرانهن الإحسان، وكفران العشير (١).\nونصّ الحديث كما ورد في مسلم: «يا معشر النساء تصدّقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار» فقالت امرأة منهن جَزْلَةٌ: وما لنا يا رسول الله، أكثر أهل النار؟ قال: «تُكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبٍّ منكنّ» قالت:\nيا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: «أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر رمضان فهذا نقصان الدين» (٢).\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «ومن الألفاظ المذمومة المستعملة\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١/ ٤٩.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض للصوم، برقم ٣٠٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات، برقم ٧٩.","vol":"1","page":89},{"text":"في العادة قول الشخص لمن يخاصمه: يا حمار، يا تيس، يا كلب، ونحو ذلك، فهذا قبيح من وجهين:\nأحدهما: أنه كذب.\nوالآخر: أنه إيذاء ... (١).\nوالسبّ والشتم منهي عنه حتى للحيوان أو الطير والبهائم، فعن زيد بن خالد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تسبّوا الديك فإنه يوقظ للصلاة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>المبحث الثالث عشر: شتم الرجل والديه من كبائر الذنوب</span>\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه»، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: «نعم يسبّ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمه فيسبُّ أمه» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>المبحث الرابع عشر: اللعن</span>\nاللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومن صفات المؤمن أن لا يكون لعّانًا، ولا طعّانًا ولا فاحشًا، ولا بذيئًا، إنما ذلك من سمات وأخلاق الفسّاق ناقصي الإيمان.\nعن ثابت بن الضحاك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لعن المؤمن\n_________\n(١) الأذكار للنووي، ٣١٤.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في الديك والبهائم، برقم ٥١٠١، والنسائي في الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا سمع صياح الديكة، برقم ١٠٧١٥،\nو١٠٧١٦. وانظر: صحيح الجامع، ٦/ ١٦١.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم ٩٠.","vol":"1","page":90},{"text":"كقتله» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعّانًا» (٢).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يكون الّلعّانون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة» (٣).\nوعن سمرة بن جندب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه، ولا بالنار» (٤).\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس المؤمن بالطّعّان، ولا الّلعان، ولا الفاحش، ولا البذيء» (٥).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن العبد إذا لعن شيئًا صعدت اللعنة إلى السماء، فتُغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينًا وشمالًا، فإذا لم تجد مَسَاغًا رجعت إلى\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، برقم ٦١٠٥، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ...، برقم ١٧٦ - (١١٠).\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، برقم ٢٥٩٧.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، برقم ٢٥٩٨.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في اللعن، برقم ٤٩٠٦، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في اللعنة، برقم ١٩٧٦، وقال: «هذا حديث حسن صحيح». وقال عنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٤٩٠٦، وفي صحيح الترمذي، برقم ٢٠٥٩: «صحيح».\n(٥) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في اللعنة، برقم ١٩٧٧، وقال: «حسن غريب». وقال عنه الألباني في صحيح الترمذي: «صحيح».","vol":"1","page":91},{"text":"الذي لُعِنَ، فإن كان لذلك أهلًا، وإلا رجعت إلى قائلها» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ أن رجلًا لعن الريح عند النبي - ﷺ - فقال - ﷺ -: «لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه» (٢).\nوعن عمران بن حصين - ﵁ - قال: بينما رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمعها رسول الله - ﷺ - فقال: «خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة» قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد (٣).\nوعن أبي برزة - ﵁ - قال: بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم إذ بصرت النبي - ﷺ - وتضايق بهم الجبل، فقالت: حَلْ (٤) اللهم العنها، فقال النبي - ﷺ -: «لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة» (٥)، وفي رواية: «لا تصاحبنا راحلة عليها لعنة من الله» (٦).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في اللعن، برقم ٤٩٠٥، وقال عنه الألباني، في صحيح أبي داود: «حسن».\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في اللعن، برقم ٤٩٠٨، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في اللعنة، برقم ١٩٧٨، وقال: «هذا حديث غريب»، وهو حديث صحيح كما قال الشيخ عبد القادر في تعليقه على الأذكار النووية، ص ٣٠٢، وانظر: صحيح الترمذي،\n٢/ ١٨٩، وتحفة الأحوذي، ٦/ ١١٢.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، برقم ٢٥٩٥.\n(٤) حَلْ: كلمة زجر للإبل واستحثاث.\n(٥) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، برقم ٢٥٩٦.\n(٦) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، برقم ٨٣ - (٢٥٩٦).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المبحث الخامس عشر: جواز لعن أصحاب المعاصي والكفار عمومًا بدون تعيين أحد بعينه</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «اعلم أن لعن المسلم المصون حرام بإجماع المسلمين، ويجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة، كقولك: «لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الفاسقين، ولعن الله المصوّرين ونحو ذلك ...» (١).\nثم ساق ﵀ أدلة كثيرة منها:\n١ - قول النبي - ﷺ -: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢).\n٢ - قوله - ﷺ -: «لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثًا، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غيَّر المنار» وفي رواية «منار الأرض» (٣).\n٣ - وقوله - ﷺ -: في حديث جابر - ﵁ - حينما رأى حمارًا قد وُسِم في وجهه فقال -: «لعن الله الذي وسمه» (٤).\n٤ - وقوله - ﷺ -: «اللهم الْعَنْ رعلًا وذكوان، وعُصيَّة عصت الله ورسوله» (٥). وهذه ثلاث قبائل من العرب.\n_________\n(١) الأذكار للنووي، ٣٠٣.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب، برقم ٤٣٥، و٤٣٦، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، برقم ٥٢٩.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى، برقم ١٩٧٨.\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه، برقم ٢١١٧.\n(٥) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة، برقم ٦٧٥.","vol":"1","page":93},{"text":"«وأما لعن الإنسان بعينه ممن اتصف بشيء من المعاصي كيهودي أو نصراني، أو ظالم، أو زانٍ، أو مصوِّر، أو سارقٍ، أو آكل ربا، فظواهر الأحاديث أنه ليس بحرام. وأشار الغزالي إلى تحريمه إلا في حق من علمنا أنه مات على الكفر، كأبي لهب، وأبي جهل، وفرعون، وهامان، وأشباههم، قال: لأن اللعن هو الإبعاد عن رحمة الله تعالى، وما ندري ما يُختم به لهذا الفاسق أو الكافر، قال: ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر حتى الدعاء على الظالم كقول الإنسان: لا أصحّ الله جسمه، ولا سلّمه الله، وما جرى مجراه ...» (١).\nقلت والأصوب - والله أعلم - ما ذهب إليه الغزالي من أنه لا يجوز لعن من اتصف بشيء من المعاصي إذا كان معلومًا بعينه إلا في حق من عُلِم بعينه، وقد علمنا أنه مات على الكفر، وذلك لأننا لا ندري ما يختم به لهذا الفاسق أو الكافر، فكم رأينا وكم سمعنا من أناس كانوا متلبسين بالمعاصي، أو الكفر، فهداهم الله وختم لهم بخير، فأصبحوا من أنصار الحق بعد أن كانوا من أنصار الباطل (٢).\nثم أن النبي - ﷺ - قد نهى عن سب الأموات، وبيّن - ﷺ - أنهم قد وصلوا إلى ما قدموا لأنفسهم، قال - ﷺ -: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما\n_________\n(١) الأذكار للنووي، ٣٠٤.\n(٢) وقد قرر ابن تيمية عدم جواز لعن المعيَّنين؛ لجواز توبتهم، انظر: فتاوى ابن تيمية،٢١/ ١٥٦، و٦/ ٥١١.","vol":"1","page":94},{"text":"قدّموا» (١)، وروى الترمذي عن المغيرة بن شعبة عن النبي - ﷺ -: «لا تسبوا الأموات فتؤذو الأحياء» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>المبحث السادس عشر: قول: ما شاء الله وشاء فلان، أو لولا الله وفلان</span>\nعن حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله، ثم شاء فلان» (٣).\nوالمراتب في ذلك ثلاث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>١ - ما شاء الله وحده، أو لولا الله وحده، وهذه أفضل المراتب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>٢ - ما شاء الله ثم شاء فلان، أو لولا الله ثم فلان، وهذه المرتبة لا بأس بها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>٣ - ما شاء الله وشاء فلان، أو لولا الله وفلان، وهذه المرتبة لا تجوز</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>المبحث السابع عشر: اللّو وعدم تفويض الأقدار لله تعالى</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل. فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان» (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما ينهى عن سب الأموات، برقم ١٣٩٣.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشتم، برقم ١٩٨٢، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ١٩٠، ورواه أيضًا أحمد.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب لا يقال: خبثت نفسي، برقم ٤٩٨٠، والنسائي في الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب النهي أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان، برقم ١٠٧٥٥، وأحمد في المسند، ٥/ ٣٨٤، وغيرهما، وقال عنه الألباني في صحيح أبي داود: «صحيح».\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، برقم ٢٦٦٤.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المبحث الثامن عشر: قول الرجل هلك الناس</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قال الرجل هلك الناسُ فهو أهلكهُم» (١).\nومعنى الحديث فهو أشدهم هلاكًا، وقد اتفق العلماء على أن هذا الذّمّ إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم، وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، فأما من قال ذلك تحزنًا لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس عليه (٢).\nوقيل معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول فسد الناس وهلكوا، ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم وأسوأ حالًا منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أوصله ذلك إلى العجب بنفسه وأنه خير منهم، والله أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>المبحث التاسع عشر: الغناء والشعر المحرم</span>\nقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤). والصحابة - ﵃ - هم أعلم بكتاب الله تعالى؛ ولهذا قال ابن مسعود في تفسير\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن قول: هلك الناس، برقم ٢٦٢٣.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ١٧٥.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ١٦/ ١٧٦.\n(٤) سورة لقمان، الآيتان: ٦ - ٧.","vol":"1","page":96},{"text":"هذه الآية: «الغناء والله الذي لا إله إلا هو - يرددها ثلاث مرات» (١).\nوقال النبي - ﷺ -: «ليكوننّ من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحريرَ، والخمر والمعازف ...» (٢).\nقال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٣). والشعر نوعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>النوع الأول: ما فيه مدح للإسلام والمسلمين، ونصرة للحق وأهله، وهذا لا بأس به</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>النوع الثاني: ما فيه مدح قوم بباطل، أو ذم قوم بباطل، أو قول زور وبهتان </span>فهذا النوع محرم، ومن أعظم آفات اللسان.\nقال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا الله كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>المبحث العشرون: الوعد الكاذب</span>\nقال النبي - ﷺ -: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف،\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره، وانظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٤٤٢.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، برقم ٥٥٩٠.\n(٣) سورة النجم، الآيات: ٥٩ - ٦١.\n(٤) سورة الشعراء، الآيات: ٢٢٤ - ٢٢٧.","vol":"1","page":97},{"text":"وإذا ائْتُمِنَ خان» (١).\nوقال - ﷺ -: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائْتُمِنَ خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>المبحث الحادي والعشرون: من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله</span>\nعن أسامة بن زيد - ﵁ - قيل له: لو أتيت فلانًا فكلمته، قال: إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم. إني أكلمه في السر دون أن أفتح بابًا لا أكون أول من فتحه، ولا أقول لرجل إن كان عليَّ أميرًا: إنه خير الناس بعد شيء سمعته من رسول الله - ﷺ -. قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فَتَنْدَلِقُ أقتابه، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تَأمُرُنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» (٣).\nوهذا لا يعني أن الإنسان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر حتى يكون كاملًا، فلو لم يأمر بالمعروف إلا من كَمُلَ لما أمر بالمعروف أحد إلا\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم ٣٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم ٥٩.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم ٣٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم ٥٨.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، برقم ٣٢٦٧، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، برقم ٢٩٨٩.","vol":"1","page":98},{"text":"ما شاء الله. والمقصود أن على المسلم واجبين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>الواجب الأول: أن يأمر نفسه بالمعروف وينهاها عن المنكر ويكون عاملًا بما عَلِمَ</span>، يرجو ثواب الله تعالى، ويخشى عقابه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>الواجب الثاني: أن يأمر غيره بالمعروف وينهى عن المنكر عن علم وبصيرة </span>فإذا قام بأحد الواجبين وترك الآخر بقي عليه ما ترك وسقط عنه ما قام به إذا خلصت نيته، والله تعالى أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>المبحث الثاني والعشرون: إفشاء سر الزوجة أو الزوج</span>\nقال النبي - ﷺ -: «إن من أشرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته (١)، وتفضي إليه ثم ينشر سرّها» (٢).\nوهذا أعظم خيانة الأمانة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>المبحث الثالث والعشرون: من حلف على ملةٍ غير الإسلام</span>\nعن ثابت بن الضحاك عن النبي - ﷺ - قال: «من حلف على ملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء [عُذِّب به في نار جهنم]، ومن لعن مؤمنًا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله» (٤).\n_________\n(١) يفضي إلى امرأته: أي يصل إليها بالمباشرة أو المجامعة. انظر: شرح النووي.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم إفشاء سر المرأة، برقم ١٤٣٧.\n(٣) انظر: صحيح مسلم، ٢/ ١٠٦١.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن السباب واللعن، برقم ٦٠٤٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم ١١٠، واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المبحث الرابع والعشرون: تسويد الفاسق</span>\nعن بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يكُ سيّدًا فقد أسخطتم ربكم - ﷿ -» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>المبحث الخامس والعشرون: سبّ الحمى</span>\nعن جابر بن عبد الله - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - دخل على أم السائب أو أم المسيَّب فقال: «مالك يا أم السائب أو أم المسيب تزفزفين» (٢)، قالت: الحُمّى لا بارك الله فيها، فقال: «لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنها تُذْهِب خطايا بني آدم كما يُذْهِب الكير خبث الحديد» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>المبحث السادس والعشرون: الرّدّة بالقول</span>\nالردة بالقول من نواقض الإسلام، وهي أخطر آفات اللسان على الإنسان، مثل: أن يدعوَ غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يَكذِب على الله، أو يُكذّب أحدًا من رسله عليهم الصلاة والسلام، أو يُكذِّب بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -، أو يستهزئ بالله، أو بأحدٍ من رسله، أو بشيء من دين الرسول - ﷺ -، أو ثوابه، أو عقابه، أو يسب الله، أو يسبّ الرسول - ﷺ -، أو يسب دين الرسول - ﷺ -، أو يصف الله بالنقص أو العيب، أو بما لا يليق به تعالى، أو يقول: إن هدي غير الرسول - ﷺ - أكمل\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب لا يقول المملوك: ربي وربتي، برقم ٤٩٧٧، والنسائي في الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب النهي عن أن يقال للمنافق: سيدنا، برقم ١٠٠٠٢، انظر: صحيح الجامع، ٦/ ١٧٠، وقال عنه الألباني في صحيح أبي داود: «صحيح».\n(٢) تزفزفين: أي تتحركين حركة شديدة: أي ترتعدين.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، برقم٢٥٧٥.","vol":"1","page":100},{"text":"من هديه، أو حكم غيره أحسن من حكمه، أو يساويه، أو يجوِّز الحكم بغير حكم الله تعالى، أو يُصحِّح مذهب المشركين، أو يجوّز الخروج عن شريعة محمد - ﷺ - (١).\n_________\n(١) انظر: قضية التكفير للمؤلف، ص ٩٥ - ١٢٧.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>الفصل الرابع: وجوب حفظ اللسان</span>\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «اعلم أنه ينبغي لكل مكلَّف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلامًا تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام، أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء» (١). وقد قال النبي الكريم - ﷺ -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٢).\nقال الشاعر:\nاحفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنَّك إنه ثعبانُ\nكم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءَه الشجعانُ\n\nوقال الآخر:\nيموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرءُ من عثرةِ الرِّجل\nفعثرته بلسانه تُذْهِبُ رأسه ... وعثرته برجله تبرأ على مهل\n\nفينبغي للإنسان المسلم أن لا يخرج لفظةً ضائعة، فعليه أن يحفظ ألفاظه بأن لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلَّم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل يفوت بها كلمة هي أربح\n_________\n(١) الأذكار للإمام النووي، ص ٢٨٤.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، بابٌ، برقم ٢٣١٧، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، برقم ٣٩٧٦، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٦٩، وصحيح ابن ماجه ٢/ ٣٦٠.","vol":"1","page":102},{"text":"منها؟ فلا يضيعها بهذه، وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسان، فإنه يُطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى. قال يحيى بن معاذ: «القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم، فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه، حلو وحامض وعذب، وأجاج، وغير ذلك وَيُبَيِّن لك طعم قلبه اغتراف لسانه» (١) أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقة ذلك، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك.\nومن العجب: أن الإنسان يهون عليه التَّحَفُّظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك من المحرمات، ويصعب عليه التحرّز من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدِّين، والزهد، والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقى لها بالًا، ينزل بالكلمة الواحدة منها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورّع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ... وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما رواه مسلم من حديث جُندب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال\nالله - ﷿ -: من ذا الذي يتألَّى عليّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك» (٢).\n_________\n(١) حلية الأولياء، لأبي نعيم، ١٠/ ٦٣.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى، برقم ٢٦٢١، وتقدم في بذاءة اللسان. وانظر بقية أحاديث الترهيب من أخطار اللسان هناك.","vol":"1","page":103},{"text":"فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء الله أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله.\nوقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله: «يوم حار ويوم بارد».\nولقد رُؤيَ بعض الأكابر من أهل العلم في النوم فسئل عن حاله فقال: أنا موقوف على كلمةٍ قلتها، قلت: ما أحوج الناس إلى غيث، فقيل لي: وما يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي.\nوقال بعض الصحابة لجاريته يومًا: هاتي السفرة نعبث بها، ثم قال: أستغفر الله ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمُها إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام، أو كما قال (١).\nوقال ابن بريدة رأيت ابن عباس ﵄ آخذًا بلسانه وهو يقول: ويحك قل خيرًا تغنم، أو اسكت عن سوءٍ تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم، فقيل له: يا ابن عباس لِمَ تقول هذا؟ قال: إنه بلغني أن الإنسان أراه قال: ليس على شيءٍ من جسده أشد حنقًا وغيظًا يوم القيامة منه على لسانه، إلا من قال خيرًا أو أملى به خيرًا (٢).\nوكان ابن مسعود - ﵁ - يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لساني (٣).\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم ﵀، ص ٢٧٦ - ٢٨١.\n(٢) ذكره ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم، ص ٢٤١.\n(٣) ذكره ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم، ص ٢٤٢.","vol":"1","page":104},{"text":"وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أحدًا لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطق رجل قط إلا عرفت ذلك في سائر عمله (١).\nواعلم أن أيسر حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضرّها على العبد.\nواختلف السلف والخلف هل يُكْتَبُ جميع ما يلفظ به أو الخير والشرّ فقط؟ على قولين: أظهرهما القول الأول.\nواعلم أن في اللسان آفتين عظيمتين، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى:\nآفة الكلام، وآفة السكوت، وقد يكون كلُّ منهما أعظم إثمًا من الأخرى في وقتها.\nفالساكت عن الحق شيطان أخرس، عاصٍ لله، ومراء مداهن إذا لم يخف على نفسه.\nوالمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاصٍ لله، وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين، وأهل الوسط - وهم أهل الصراط المستقيم - كفّوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعُه في الآخرة، فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلًا أن تضرّه في آخرته، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به (٢).\nولهذا جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: عظني وأوجز فقال - ﷺ -: «إذا قمت\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم، ص ٢٤٢.\n(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم ﵀، ص ٢٧٦ - ٢٨١.","vol":"1","page":105},{"text":"في صلاتك فصلِّ صلاة مودِّع، ولا تكلّم بكلام تعتذر منه غدًا، وأجمع اليأس ممّا في أيدي الناس» (١).\nفهذه الوصايا الثلاث يا لها من وصايا، إذا أخذ بها العبد تمت أموره وأفلح (٢).\nولهذا قال عقبة بن عامر - ﵁ -: يا رسول الله، ما النجاة؟ فقال - ﷺ -: «أمسك عليك لسانك، وليسعْك بيتُكَ، وابكِ على خطيئتك» (٣).\nوينبغي للمسلم أن يشغل لسانه بذكر الله تعالى، وما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة؛ فإن من لم يشغل نفسه، ولسانه بالخير، انشغل وأشغله لسانه، وأشغلته نفسه بما يضرّه.\nكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:\nكل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وعلم الفقه في الدين\nالعلم ما قال فيه حدَّثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين\n\nهذا وأسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يجعل أعمالنا خالصة لوجه الكريم، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح،\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحكمة، برقم ٤١٧١، وانظر: صحيح ابن ماجه،\n٢/ ٤٠٥، وأخرجه أحمد، ٥/ ٤١٢.\n(٢) انظر بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار لعبد الرحمن السعدي، الحديث رقم ٧٤.\n(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان، برقم ٢٤٠٦، وقال: «هذا حديث حسن»، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٨٧، وصحيح الجامع، برقم ١٣٨٨.","vol":"1","page":106},{"text":"وأن ينفعنا بما علّمنا، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).\nوصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) سورة الصافات، الآية: ١٨٢.","vol":"1","page":107}]}