{"ً":{"ٌ":96463,"ٍ":"الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة - مفهوم، وفروق، وفضائل، وعلم، وعمل، وفوائد، وأسباب، وآداب، وأحكام\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٤٢١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":23,"ٖ":1770154051,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الخشوع: لغة وشرعا","level":1,"page":7},{"title":"أولا: الخشوع لغة:.","level":2,"page":7},{"title":"ثانيا: الخشوع اصطلاحا","level":2,"page":9},{"title":"المبحث الثاني: الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق","level":1,"page":13},{"title":"المبحث الثالث: الخشوع لله في الصلاة علم نافع وعمل صالح","level":1,"page":16},{"title":"المبحث الرابع: فضائل الخشوع لله تعالى في الصلاة:","level":1,"page":19},{"title":"١ - من فرغ قلبه لله تعالى في صلاته انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه.","level":2,"page":19},{"title":"٢ - من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه","level":2,"page":19},{"title":"٣ - من صلى صلاة مكتوبة فأحسن خشوعها كانت كفارة","level":2,"page":19},{"title":"٤ - من صلى ركعتين مقبلا عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة","level":2,"page":20},{"title":"٥ - الفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين","level":2,"page":20},{"title":"٦ - المغفرة والأجر العظيم للخاشعين","level":2,"page":20},{"title":"٧ - الخاشعون والخاضعون لله مبشرون بكل خير في الدنيا والآخرة","level":2,"page":21},{"title":"٨ - الخشوع والتواضع لله من أعظم أسباب دخول الجنة،","level":2,"page":23},{"title":"١٠ - أفضل الناس أخشعهم لله تعالى،","level":2,"page":24},{"title":"١١ - من أتم الصلوات الخمس بخشوع كان له على الله عهد أن يغفر له","level":2,"page":24},{"title":"١٢ - مدح الله تعالى الخاشعين في طاعته ووصفه لهم بالعلم؛","level":2,"page":25},{"title":"المبحث الخامس: الفرق بين الخشوع والوجل والقنوت والسكينة والإخبات والطمأنينة","level":1,"page":31},{"title":"١ - الخشوع:","level":2,"page":31},{"title":"٢ - الوجل:","level":2,"page":31},{"title":"٣ - القنوت:","level":2,"page":31},{"title":"٤ - السكينة:","level":2,"page":32},{"title":"٥ - الإخبات:","level":2,"page":36},{"title":"٦ - الطمأنينة:","level":2,"page":36},{"title":"المبحث السادس: حكم الخشوع في الصلاة","level":1,"page":39},{"title":"١ - قال الله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾","level":2,"page":40},{"title":"٢ - قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾","level":2,"page":40},{"title":"٣ - مما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة.","level":2,"page":42},{"title":"٤ - ومما يدل على وجوب الخشوع أيضا.","level":2,"page":42},{"title":"٥ - ويدل على وجوب الخشوع، حديث جابر بن سمرة - ﵁ -.","level":2,"page":43},{"title":"٦ - ومما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين * الذين﴾","level":2,"page":43},{"title":"المبحث السابع: منزلة الخشوع في الصلاة","level":1,"page":47},{"title":"المبحث الثامن: حكم الوسواس في الصلاة","level":1,"page":51},{"title":"المبحث التاسع: الخشوع في الصلاة من إقامتها","level":1,"page":60},{"title":"المبحث العاشر: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة","level":1,"page":65},{"title":"الأمر الأول: التحذير من نقر الصلاة، وعدم إتمامها:","level":2,"page":65},{"title":"الأمر الثاني: التحذير من ترك شيء من أركان الصلاة:","level":2,"page":69},{"title":"الأمر الثالث: التحذير من ترك شيء من واجبات الصلاة:","level":2,"page":74},{"title":"الأمر الرابع: التحذير من فعل شيء من مبطلات الصلاة التي تفسدها:","level":2,"page":77},{"title":"المبحث الحادي عشر: الصلاة بخشوع: قرة للعين وراحة للقلب","level":1,"page":80},{"title":"المبحث الثاني عشر: مشاهد الصلاة الخاشعة التي تقر بها العين","level":1,"page":84},{"title":"المشهد الأول: الإخلاص","level":2,"page":84},{"title":"المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح:","level":2,"page":84},{"title":"المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء:.","level":2,"page":85},{"title":"المشهد الرابع: مشهد الإحسان: وهو مشهد المراقبة","level":2,"page":86},{"title":"المشهد الخامس: مشهد المنة:","level":2,"page":87},{"title":"المشهد السادس: مشهد التقصير:","level":2,"page":88},{"title":"المبحث الثالث عشر: أقسام الناس في الخشوع في الصلاة","level":1,"page":92},{"title":"القسم الأول: مرتبة الظالم لنفسه المفرط:.","level":2,"page":92},{"title":"القسم الثاني: من يحافظ على مواقيتها","level":2,"page":92},{"title":"القسم الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها","level":2,"page":92},{"title":"القسم الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها","level":2,"page":92},{"title":"القسم الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك","level":2,"page":92},{"title":"المبحث الرابع عشر: خشوع النبي - ﷺ - في صلاته","level":1,"page":94},{"title":"أولا: خشوعه - ﷺ - في أفعال الصلاة وأقوالها:","level":2,"page":94},{"title":"ثانيا: رقة قلبه - ﷺ - وبكاؤه في الصلاة، وفي مواطن كثيرة:","level":2,"page":102},{"title":"١ - بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل.","level":3,"page":102},{"title":"٢ - بكاء النبي - ﷺ - في الصلاة من خشية الله تعالى","level":3,"page":102},{"title":"٣ - بكاء النبي - ﷺ - عند سماع القرآن","level":3,"page":103},{"title":"٤ - بكاء النبي - ﷺ - عند فقد الأحبة","level":3,"page":103},{"title":"٥ - بكاء النبي - ﷺ - عند وفاة إحدى بناته","level":3,"page":103},{"title":"٦ - بكى - ﷺ - عند موت ابنة له أيضا","level":3,"page":104},{"title":"٧ - بكى - ﷺ - عند وفاة أحد أحفاده","level":3,"page":104},{"title":"٨ - بكى النبي - ﷺ - عند موت عثمان بن مظعون","level":3,"page":105},{"title":"٩ - بكى - ﷺ - على شهداء مؤتة","level":3,"page":105},{"title":"١٠ - بكى عند زيارة قبر أمه","level":3,"page":105},{"title":"١١ - بكى - ﷺ - عند سعد بن عبادة وهو مريض","level":3,"page":106},{"title":"١٢ - بكى - ﷺ - عند القبر","level":3,"page":106},{"title":"١٣ - بكى - ﷺ - في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربه","level":3,"page":106},{"title":"١٤ - بكى - ﷺ - في صلاة الكسوف","level":3,"page":107},{"title":"١٥ - بكى - ﷺ - لقبوله الفداء في أسرى معركة بدر","level":3,"page":107},{"title":"١٦ - بكى النبي - ﷺ - شفقة على أمته","level":3,"page":108},{"title":"المبحث الخامس عشر: خشوع الصحابة - ﵃ - في صلاتهم","level":1,"page":109},{"title":"١ - خشوع أبي بكر - ﵁ - في صلاته","level":2,"page":109},{"title":"٢ - خشوع عمر بن الخطاب - ﵁ - في صلاته","level":2,"page":109},{"title":"٣ - خشوع سعد بن معاذ - ﵁ - في صلاته","level":2,"page":110},{"title":"٤ - خشوع عبد الله بن الزبير - ﵁ - في صلاته","level":2,"page":111},{"title":"المبحث السادس عشر: خشوع التابعين ومن بعدهم","level":1,"page":112},{"title":"١ - خشوع عروة بن الزبير في صلاته","level":2,"page":112},{"title":"٢ - خشوع عامر بن عبد الله بن قيس","level":2,"page":113},{"title":"٣ - خشوع علي بن الحسين","level":2,"page":114},{"title":"٤ - خشوع مسلم بن يسار","level":2,"page":115},{"title":"٥ - خشوع حاتم الأصم","level":2,"page":115},{"title":"٦ - قال الحسن رحمه الله تعالى","level":2,"page":116},{"title":"٧ - الفضيل بن عياض","level":2,"page":116},{"title":"٨ - خشوع الإمام البخاري","level":2,"page":117},{"title":"المبحث السابع عشر: الخشوع في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها","level":1,"page":119},{"title":"النوع الأول: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء في القرآن الكريم","level":2,"page":119},{"title":"١ - تأثيره على علماء أهل الكتاب وغيرهم من أهل العقول","level":3,"page":119},{"title":"٢ - الذين أوتوا العلم من قبله يتأثرون به","level":3,"page":119},{"title":"٣ - الذين أنعم الله عليهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا","level":3,"page":119},{"title":"٤ - من علامات الإيمان التأثر بالقرآن وزيادة الإيمان","level":3,"page":120},{"title":"٥ - المؤمنون الصادقون في إيمانهم، الخائفون من ربهم تقشعر جلودهم عند قراءة القرآن","level":3,"page":120},{"title":"٦ - الصادقون مع الله تخشع قلوبهم لذكر الله،","level":3,"page":120},{"title":"النوع الثاني: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء ذلك في سنة النبي","level":2,"page":121},{"title":"النوع الثالث: تأثير القرآن الكريم على القلوب والأرواح والنفوس","level":2,"page":124},{"title":"المبحث الثامن عشر: درجات الخشوع في الصلاة","level":1,"page":127},{"title":"الخشوع الكامل في الصلاة::","level":2,"page":127},{"title":"المبحث التاسع عشر: فوائد الخشوع في الصلاة","level":1,"page":133},{"title":"أولا: الخشوع يجعل الصلاة محبوبة يسيرة على المصلي","level":2,"page":133},{"title":"ثانيا: الخشوع في الصلاة يجعلها تنهى عن الفحشاء والمنكر:","level":2,"page":134},{"title":"ثالثا: الخشوع الكامل يجلب البكاء من خشية الله تعالى:","level":2,"page":136},{"title":"رابعا: الخشوع في الصلاة يعطي الصلاة معناها الحقيقي","level":2,"page":137},{"title":"خامسا: الخشوع في الصلاة يهون الوقوف على العبد يوم القيامة","level":2,"page":137},{"title":"سادسا: الخشوع في الصلاة يقرب العبد من الله","level":2,"page":138},{"title":"سابعا: الخشوع الكامل يزداد به الإيمان","level":2,"page":138},{"title":"ثامنا: الخشوع في الصلاة يزيل الهم عن القلب، ويشرح الصدر.","level":2,"page":138},{"title":"تاسعا: الخشوع في الصلاة يزيد المسلم حبا في الصلاة","level":2,"page":138},{"title":"عاشرا: الخشوع يفتح للعبد أبواب الفقه، والاستفادة من كلام الله تعالى","level":2,"page":138},{"title":"الحادي عشر: الخشوع يفتح أبواب الدعاء للعبد، فيدعو الله ويتضرع إليه","level":2,"page":139},{"title":"الثاني عشر: الخشوع في الصلاة يجعلها شفاء من عامة الأوجاع","level":2,"page":139},{"title":"المبحث العشرون: الخشوع يثمر التلذذ بطعم الصلاة","level":1,"page":141},{"title":"والتلذذ بالصلاة يكون بأمرين:","level":2,"page":142},{"title":"الأمر الأول: المبادرة والتبكير برغبة ولذة إلى الصلاة:","level":3,"page":142},{"title":"الأمر الثاني: إطالة الصلاة بتلذذ ورغبة عظيمة:","level":3,"page":146},{"title":"المبحث الحادي والعشرون: الأسباب التي تزيل الغفلة وتجلب الخشوع في الصلاة","level":1,"page":159},{"title":"السبب الأول: معرفة الله تعالى: بأسمائه، وصفاته وألوهيته وربوبيته","level":2,"page":159},{"title":"السبب الثاني: علاج قسوة القلب،","level":2,"page":160},{"title":"وأمراض القلوب نوعان:","level":3,"page":176},{"title":"وعلاج القلب يكون بأمور أربعة:","level":3,"page":177},{"title":"الأمر الأول: بالقرآن الكريم","level":4,"page":177},{"title":"الأمر الثاني: القلب يحتاج إلى ثلاثة أمور:","level":4,"page":177},{"title":"الأمر الثالث: علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه:","level":4,"page":177},{"title":"النوع الأول: قبل العمل، وله أربع مقامات:","level":5,"page":177},{"title":"النوع الثاني: بعد العمل وهو ثلاثة أنواع:","level":5,"page":178},{"title":"الأمر الرابع: علاج مرض القلب من استيلاء الشيطان عليه:","level":4,"page":178},{"title":"السبب الثالث: الابتعاد عن الوسوسة؛","level":2,"page":179},{"title":"* أسباب الوسوسة:","level":3,"page":180},{"title":"* مظاهر الوسوسة عند الموسوسين:","level":3,"page":181},{"title":"وعلاج الوسوسة على النحو الآتي:","level":4,"page":183},{"title":"السبب الرابع: متابعة المؤذن من الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة:","level":2,"page":184},{"title":"السبب الخامس: العمل بآداب المشي إلى الصلاة من أعظم ما يجلب الخشوع:","level":2,"page":188},{"title":"السبب السادس: عدم الالتفات لغير حاجة","level":2,"page":195},{"title":"السبب السابع: عدم رفع البصر إلى السماء","level":2,"page":195},{"title":"السبب الثامن: عدم افتراش الذراعين في السجود","level":2,"page":196},{"title":"السبب التاسع: عدم التخصر","level":2,"page":196},{"title":"السبب العاشر: عدم النظر إلى ما يلهي ويشغل","level":2,"page":196},{"title":"السبب الحادي عشر: عدم الصلاة إلى ما يشغل ويلهي","level":2,"page":197},{"title":"السبب الثاني عشر: عدم الإقعاء المذموم","level":2,"page":197},{"title":"السبب الثالث عشر: عدم عبث المصلي بجوارحه","level":2,"page":198},{"title":"السبب الرابع عشر: عدم تشبيك الأصابع وفرقعتها في الصلاة","level":2,"page":198},{"title":"السبب الخامس عشر: عدم الصلاة بحضرة الطعام","level":2,"page":199},{"title":"السبب السادس عشر: عدم مدافعة الأخبثين [البول والغائط]","level":2,"page":200},{"title":"السبب السابع عشر: عدم بصاق المصلي أمامه أو عن يمينه في الصلاة","level":2,"page":200},{"title":"السبب الثامن عشر: عدم كف الشعر أو الثوب في الصلاة","level":2,"page":202},{"title":"السبب التاسع عشر: عدم عقص الرأس في الصلاة","level":2,"page":202},{"title":"السبب العشرون: عدم تغطية الفم في الصلاة.","level":2,"page":202},{"title":"السبب الحادي والعشرون عدم السدل في الصلاة","level":2,"page":202},{"title":"السبب الثاني والعشرون: عدم تخصيص مكان من المسجد للصلاة فيه","level":2,"page":203},{"title":"السبب الثالث والعشرون: عدم الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة","level":2,"page":203},{"title":"السبب الرابع والعشرون: عدم التثاؤب في الصلاة","level":2,"page":203},{"title":"السبب الخامس والعشرون: عدم الركوع قبل أن يصل إلى الصف","level":2,"page":204},{"title":"السبب السادس والعشرون: عدم الصلاة في المسجد لمن أكل البصل والثوم أو الكراث","level":2,"page":204},{"title":"السبب السابع والعشرون: عدم صلاة النفل عند مغالبة النوم","level":2,"page":204},{"title":"السبب الثامن والعشرون: الصلاة إلى سترة والدنو منها","level":2,"page":205},{"title":"السبب التاسع والعشرون: وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر","level":2,"page":207},{"title":"السبب الثلاثون: الإشارة بالسبابة وتحريكها في الدعاء في التشهد","level":2,"page":209},{"title":"السبب الحادي والثلاثون: النظر إلى موضع السجود وإلى السبابة","level":2,"page":214},{"title":"السبب الثاني والثلاثون: العلم بأنه يدعو الله ويخاطبه وأن الله يرد عليه ويجيبه:","level":2,"page":216},{"title":"السبب الثالث والثلاثون: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:","level":2,"page":217},{"title":"السبب الرابع والثلاثون: تدبر القرآن في الصلاة يجلب الخشوع:","level":2,"page":220},{"title":"النوع الأول: حض القرآن الكريم على التدبر:","level":3,"page":220},{"title":"النوع الثاني: حض النبي - ﷺ - على تدبر القرآن:","level":3,"page":221},{"title":"النوع الثالث: حث الصحابة - ﵃ - على تدبر القرآن","level":3,"page":223},{"title":"النوع الرابع: حث العلماء على تدبر القرآن وتعظيمهم لذلك:","level":3,"page":223},{"title":"السبب الخامس والثلاثون: تحسين القراءة بالقرآن وترتيله:","level":2,"page":228},{"title":"أولا: يحسن صوته بقراءة القرآن الكريم ويترنم به","level":3,"page":229},{"title":"ثانيا: يرتل القرآن ترتيلا:","level":3,"page":232},{"title":"ثالثا: إذا مر بآية رحمة سأل الله من فضله","level":3,"page":235},{"title":"رابعا: يجهر بالقرآن ما لم يتأذ أحد بصوته:","level":3,"page":236},{"title":"النوع الأول: استحباب الجهر برفع الصوت بالقرآن:","level":4,"page":236},{"title":"النوع الثاني: الجهر بالقراءة وإخفاؤها:","level":4,"page":237},{"title":"السبب السادس والثلاثون: سجود التلاوة في الصلاة:","level":2,"page":240},{"title":"السبب السابع والثلاثون: المحافظة على سنن الصلاة: القولية والفعلية","level":2,"page":251},{"title":"السبب الثامن والثلاثون: ذكر الموت في الصلاة","level":2,"page":257},{"title":"السبب التاسع والثلاثون: الحذر من الغفلة","level":2,"page":258},{"title":"السبب الأربعون: الاستجابة لله ولرسوله مع العلم أن الله يحول بين المرء وقلبه","level":2,"page":259},{"title":"السبب الحادي والأربعون: سؤال الله تعالى الخشوع في الصلاة:","level":2,"page":260},{"title":"السبب الثاني والأربعون: العلم بأن العبد ليس له من صلاته إلا ما عقل منها:","level":2,"page":261},{"title":"السبب الثالث والأربعون: معرفة خشوع النبي - ﷺ - في صلاته","level":2,"page":262},{"title":"السبب الرابع والأربعون: معرفة خشوع الصحابة والتابعين وأتباعهم ﵏:","level":2,"page":262},{"title":"السبب الخامس والأربعون: العلم بما ثبت في التحذير من ترك الخشوع، وما ثبت من الترغيب في الخشوع","level":2,"page":264},{"title":"أولا: ثبت عن النبي - ﷺ - إخباره بأن أشد الناس سرقة الذي يسرق صلاته","level":3,"page":264},{"title":"ثانيا: الخشوع في الصلاة له فضائل عظيمة","level":3,"page":264},{"title":"السبب السادس والأربعون: فهم وتدبر معاني أفعال الصلاة يجلب الخشوع فيها","level":2,"page":265},{"title":"أولا: فهم وتدبر معنى القيام في الصلاة","level":3,"page":265},{"title":"ثانيا: فهم وتدبر معنى رفع الأيدي في الصلاة","level":3,"page":265},{"title":"ثالثا: فهم وتدبر معنى وضع اليدين على الصدر","level":3,"page":268},{"title":"رابعا: فهم وتدبر معنى الركوع","level":3,"page":268},{"title":"خامسا: فهم وتدبر معنى السجود","level":3,"page":268},{"title":"السبب السابع والأربعون: فهم وتدبر معاني أقوال الصلاة","level":2,"page":270},{"title":"أولا: فهم وتدبر معنى تكبيرة الإحرام: الله أكبر:","level":3,"page":270},{"title":"ثانيا: فهم وتدبر معاني دعاء الاستفتاح في الصلاة","level":3,"page":271},{"title":"ثالثا: فهم وتدبر معاني الاستعاذة:","level":3,"page":286},{"title":"رابعا: فهم وتدبر معنى البسملة","level":3,"page":289},{"title":"خامسا: فهم وتدبر معاني الفاتحة أم القرآن","level":3,"page":289},{"title":"سادسا: فهم وتدبر معاني أذكار الركوع:","level":3,"page":292},{"title":"سابعا: فهم وتدبر معاني أذكار الرفع من الركوع:","level":3,"page":295},{"title":"ثامنا: فهم وتدبر معاني أذكار السجود:","level":3,"page":300},{"title":"تاسعا: فهم وتدبر معاني الأذكار في الجلسة بين السجدتين","level":3,"page":306},{"title":"عاشرا: فهم وتدبر أذكار سجود التلاوة:","level":3,"page":310},{"title":"الحادي عشر: فهم وتدبر معاني التشهد","level":3,"page":312},{"title":"الثاني عشر: فهم وتدبر معاني الصلاة على النبي - ﷺ -:","level":3,"page":317},{"title":"الثالث عشر: فهم وتدبر معاني الاستعاذة والدعاء قبل السلام من الصلاة","level":3,"page":323},{"title":"الرابع عشر: فهم وتدبر معاني الأذكار بعد السلام من الصلاة","level":3,"page":335},{"title":"السبب التاسع والأربعون: الاجتهاد في الدعاء في مواضعه في الصلاة:","level":2,"page":351},{"title":"السبب الخمسون: إحسان الطهور وإكماله:","level":2,"page":353},{"title":"السبب الحادي والخمسون: المحافظة على صفة الصلاة الكاملة الخاشعة من كل وجه:","level":2,"page":355},{"title":"السبب الثاني والخمسون: المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات المفروضة:","level":2,"page":408},{"title":"السبب الثالث والخمسون: المحافظة على السنن الرواتب قبل الفريضة وبعدها","level":2,"page":417}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,374":372,"1,375":373,"1,376":374,"1,377":375,"1,378":376,"1,379":377,"1,380":378,"1,381":379,"1,382":380,"1,383":381,"1,384":382,"1,385":383,"1,386":384,"1,387":385,"1,388":386,"1,389":387,"1,390":388,"1,391":389,"1,392":390,"1,393":391,"1,394":392,"1,395":393,"1,396":394,"1,397":395,"1,398":396,"1,399":397,"1,400":398,"1,401":399,"1,402":400,"1,403":401,"1,404":402,"1,405":403,"1,406":404,"1,407":405,"1,408":406,"1,409":407,"1,410":408,"1,411":409,"1,412":410,"1,413":411,"1,414":412,"1,415":413,"1,416":414,"1,417":415,"1,418":416,"1,419":417,"1,420":418,"1,421":419},"ٜ":{"1":[3,421]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421"],"ٞ":{"2":[1],"7":[2,3],"9":[4],"13":[5],"16":[6],"19":[7,8,9,10],"20":[11,12,13],"21":[14],"23":[15],"24":[16,17],"25":[18],"31":[19,20,21,22],"32":[23],"36":[24,25],"39":[26],"40":[27,28],"42":[29,30],"43":[31,32],"47":[33],"51":[34],"60":[35],"65":[36,37],"69":[38],"74":[39],"77":[40],"80":[41],"84":[42,43,44],"85":[45],"86":[46],"87":[47],"88":[48],"92":[49,50,51,52,53,54],"94":[55,56],"102":[57,58,59],"103":[60,61,62],"104":[63,64],"105":[65,66,67],"106":[68,69,70],"107":[71,72],"108":[73],"109":[74,75,76],"110":[77],"111":[78],"112":[79,80],"113":[81],"114":[82],"115":[83,84],"116":[85,86],"117":[87],"119":[88,89,90,91,92],"120":[93,94,95],"121":[96],"124":[97],"127":[98,99],"133":[100,101],"134":[102],"136":[103],"137":[104,105],"138":[106,107,108,109,110],"139":[111,112],"141":[113],"142":[114,115],"146":[116],"159":[117,118],"160":[119],"176":[120],"177":[121,122,123,124,125],"178":[126,127],"179":[128],"180":[129],"181":[130],"183":[131],"184":[132],"188":[133],"195":[134,135],"196":[136,137,138],"197":[139,140],"198":[141,142],"199":[143],"200":[144,145],"202":[146,147,148,149],"203":[150,151,152],"204":[153,154,155],"205":[156],"207":[157],"209":[158],"214":[159],"216":[160],"217":[161],"220":[162,163],"221":[164],"223":[165,166],"228":[167],"229":[168],"232":[169],"235":[170],"236":[171,172],"237":[173],"240":[174],"251":[175],"257":[176],"258":[177],"259":[178],"260":[179],"261":[180],"262":[181,182],"264":[183,184,185],"265":[186,187,188],"268":[189,190,191],"270":[192,193],"271":[194],"286":[195],"289":[196,197],"292":[198],"295":[199],"300":[200],"306":[201],"310":[202],"312":[203],"317":[204],"323":[205],"335":[206],"351":[207],"353":[208],"355":[209],"408":[210],"417":[211]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nالخشوع في الصلاة\n\nفي ضوء الكتاب والسنة\n\nمفهوم، وفروق، وفضائل، وعلم، وعمل، وفوائد، وأسباب، وآداب، وأحكام\n\nالفقير إلى الله تعالى\n\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:\nفهذه رسالة مُفصَّلة في «الخشوع في الصلاة» ذكرت فيها واحدًا وعشرين مبحثًا، وذكرت في المبحث الحادي والعشرين ثلاثة وخمسين سببًا من الأسباب التي تزيل الغفلة، وتجلب الخشوع في الصلاة، وهذه المباحث على النحو الآتي:\n\nالمبحث الأول: ... مفهوم الخشوع: لغة وشرعًا.\nالمبحث الثاني: ... الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق.\nالمبحث الثالث: ... الخشوع في الصلاة: علم نافع وعمل صالح.\nالمبحث الرابع: ... فضائل الخشوع لله تعالى في الصلاة.\nالمبحث الخامس: ... الفرق بين الخشوع، والوجل، والقنوت، والسكينة، والإخبات، والطمأنينة.\nالمبحث السادس: ... حكم الخشوع في الصلاة.\nالمبحث السابع: ... منزلة الخشوع في الصلاة.\nالمبحث الثامن: ... حكم الوسوسة في الصلاة.\nالمبحث التاسع: ... الخشوع في الصلاة من إقامتها.\nالمبحث العاشر: ... التحذير من ترك الخشوع في الصلاة.","vol":"1","page":3},{"text":"المبحث الحادي عشر: ... الصلاة بخشوع قرةٌ للعين وراحةٌ للقلب.\nالمبحث الثاني عشر: ... مشاهد الصلاة التي تقرُّ بها العين.\nالمبحث الثالث عشر: ... أقسام الناس في الخشوع في الصلاة.\nالمبحث الرابع عشر: ... خشوع النبي - ﷺ - في صلاته.\nالمبحث الخامس عشر: ... خشوع الصحابة - ﵃ - في صلاتهم.\nالمبحث السادس عشر: ... خشوع التابعين وأتباعهم في صلاتهم.\nالمبحث السابع عشر: ... الخشوع في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها.\nالمبحث الثامن عشر: ... درجات الخشوع في الصلاة.\nالمبحث التاسع عشر: ... فوائد الخشوع في الصلاة.\nالمبحث العشرون: ... الخشوع يثمر التلذذ بطعم الصلاة.\nالمبحث الحادي والعشرون: ... ما يزيل الغفلة، ويجلب الخشوع في الصلاة.\n\nوتحته ثلاثة وخمسون سببًا من أسباب الخشوع في الصلاة، وهي على النحو الآتي:\n\nالسبب الأول: ... معرفة الله تعالى.\nالسبب الثاني: ... علاج قسوة القلب.\nالسبب الثالث: ... الابتعاد عن الوسوسة.\nالسبب الرابع: ... متابعة المؤذن من الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة.\nالسبب الخامس: ... العمل بآداب المشي إلى الصلاة من أعظم ما يجلب الخشوع.\nالسبب السادس: ... عدم الالتفات لغير حاجة.\nالسبب السابع: ... عدم رفع البصر إلى السماء.\nالسبب الثامن: ... عدم افتراش الذراعين في السجود.\nالسبب التاسع: ... عدم التَّخصُّر.\nالسبب العاشر: ... عدم النظر إلى ما يُلهي ويشغل.","vol":"1","page":4},{"text":"السبب الحادي عشر: ... عدم الصلاة إلى ما يشغل ويُلهي.\nالسبب الثاني عشر: ... عدم الإقعاء المذموم.\nالسبب الثالث عشر: ... عدم عبث المصلي بجوارحه.\nالسبب الرابع عشر: ... عدم تشبيك الأصابع، وفرقعتها في الصلاة.\nالسبب الخامس عشر: ... عدم الصلاة بحضرة الطعام.\nالسبب السادس عشر: ... عدم مدافعة الأخبثين [البول والغائط].\nالسبب السابع عشر: ... عدم بصاق المصلي أمامه، أو عن يمينه في الصلاة.\nالسبب الثامن عشر: ... عدم كف الشعر أو الثوب في الصلاة.\nالسبب التاسع عشر: ... عدم عقص الرأس في الصلاة.\nالسبب العشرون: ... عدم تغطية الفم في الصلاة.\nالسبب الحادي والعشرون: ... عدم السدل في الصلاة.\nالسبب الثاني والعشرون: ... عدم تخصيص مكان من المسجد للصلاة.\nالسبب الثالث والعشرون: ... عدم الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة.\nالسبب الرابع والعشرون: ... عدم التثاؤب في الصلاة.\nالسبب الخامس والعشرون: ... عدم الركوع قبل أن يصل إلى الصف.\nالسبب السادس والعشرون: ... عدم الصلاة في المسجد لمن أكل البصل والثوم.\nالسبب السابع والعشرون: ... عدم صلاة النفل عند مغالبة النوم.\nالسبب الثامن والعشرون: ... الصلاة إلى سترة، والدنوِّ منها.\nالسبب التاسع والعشرون: ... وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر.\nالسبب الثلاثون: ... الإشارة بالسبابة، وتحريكها في الدعاء في التشهد.\nالسبب الحادي والثلاثون: ... النظر إلى موضع السجود، وإلى السبابة.\nالسبب الثاني والثلاثون: ... العلم بأنَّ المصلِّي يدعو الله ويخاطبه، وأن الله يرَدّ عليه.\nالسبب الثالث والثلاثون: ... الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.","vol":"1","page":5},{"text":"السبب الرابع والثلاثون: ... تدبّر القرآن في الصلاة يجلب الخشوع، ويطرد الغفلة.\nالسبب الخامس والثلاثون: ... تحسين القراءة بالقرآن وترتيله.\nالسبب السادس والثلاثون: ... سجود التلاوة في الصلاة.\nالسبب السابع والثلاثون: ... المحافظة على سنن الصلاة: القولية والفعلية.\nالسبب الثامن والثلاثون: ... ذكر الموت في الصلاة.\nالسبب التاسع والثلاثون: ... الحذر من الغفلة.\nالسبب الأربعون: ... الاستجابة لله ولرسوله، مع العلم أن الله يحول بين العبد وقلبه.\nالسبب الحادي والأربعون: ... سؤال الله تعالى الخشوع في الصلاة.\nالسبب الثاني والأربعون: ... العلم بأن العبد ليس له من صلاته إلا ما عقل منها.\nالسبب الثالث والأربعون: ... معرفة خشوع النبي - ﷺ - في صلاته.\nالسبب الرابع والأربعون: ... معرفة خشوع الصحابة والتابعين وأتباعهم ﵏.\nالسبب الخامس والأربعون: ... العلم بما ثبت في التحذير من ترك الخشوع، وما ثبت من الترغيب في الخشوع.\nالسبب السادس والأربعون: ... فهمُ وتدبُّر معاني أفعال الصلاة يجلب الخشوع فيها.\nالسبب السابع والأربعون: ... فهم وتدبُّر معاني أقوال الصلاة.\nالسبب الثامن والأربعون: ... التنويع في الاستفتاح، والقراءة، والأذكار في الصلاة.\nالسبب التاسع والأربعون: ... الاجتهاد في الدعاء في مواضعه في الصلاة.\nالسبب الخمسون: ... إحسان الطهور، وإكماله.\nالسبب الحادي والخمسون: ... المحافظة على صفة الصلاة الكاملة من كل وجه.\nالسبب الثاني والخمسون: ... المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات المفروضة.\nالسبب الثالث والخمسون: ... المحافظة على السنن الرواتب قبل الفريضة وبعدها.\n\nوقد استفدت كثيرًا من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":6},{"text":"والله أسأل أن يجعل هذا العمل القليل: خالصًا لوجهه الكريم، مباركًا، نافعًا لي في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه، وأن يجعله حجةً لنا، لا حجَّةً علينا؛ فإنه تعالى أكرم مسؤول، وأحسن مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.\nأبو عبد الرحمن\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\nحرر بعد ظهر يوم السبت ٢٠/ ٦/١٤٣٠هـ","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: مفهوم الخشوع: لغة وشرعًا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أولًا: الخشوع لغة: </span>قال ابن فارس ﵀: «خشع: الخاء والشين والعين أصلٌ واحدٌ، يدل على التَّطامُن، يقال: خشع إذا تطامن وطأطأ رأسه، ويخشع خشوعًا، وهو قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في\nالبدن ... والخشوع في الصوت والبصر، قال الله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (١)، قال ابن دريد: الخاشع: المستكين والراكع ...» (٢).\nوقال ابن منظور ﵀: «خشع يخشع خشوعًا، واختشع وتخشَّع: رمى ببصره نحو الأرض، وغضّه، وخفض صوته .. وقيل: الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن ... والخشوع: في البدن، والصوت، والبصر، كقوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٣)، أي: سكنت، وكل ساكن خاضع خاشع ...» (٤).\nوقال الفيروزأبادي ﵀: «الخشوع: الخضوع، كالاختشاع - والفعل كمنع - أو قريب من الخضوع، أو هو في البدن والخشوع في الصوت والبصر، والخشوع: السكون والتذلل ...» (٥).\n_________\n(١) سورة القلم، الآية: ٤٣.\n(٢) معجم المقاييس في اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس، المتوفى سنة ٣٩٥هـ، تحقيق شهاب الدين أبو عمرو، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ، كتاب الخاء، باب الخاء والشين ...، ص ٣١٦.\n(٣) سورة طه، الآية: ١٠٨.\n(٤) لسان العرب، لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، ت ٦٣٠، باب الخاء والشين ...، ص ٣١٦.\n(٥) القاموس المحيط، لمحمد بن يعقوب الفيروزأبادي، ت ٨١٧هـ، باب العين، فصل الخاء، ص ٩٢١.","vol":"1","page":8},{"text":"وقال محمد بن أبي بكر الرازي ﵀: «الخشوع: الخضوع، وبابهما واحد، يقال: خشع واختشع، وخشع ببصره: أي غضه ... والتخشُّع: تكلّف الخشوع ...» (١).\nوقال الفيُّومي ﵀: «خشع خشوعًا: إذا خضع، وخشع في صلاته ودعائه: أقبل بقلبه على ذلك، وهو مأخوذ من خشعت الأرض، إذا سكنت واطمأنت» (٢).\nوقال أبوالسعادات ابن الأثير ﵀: «... والخشوع في الصوت والبصر كالخضوع في البدن» (٣).\nوقال الراغب الأصفهاني: «الخشوع الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب ...» (٤).\nوقال الجرجاني ﵀: «الخشوع، والخضوع، والتواضع: بمعنى واحد ...» (٥).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «والخشوع في أصل اللغة: الانخفاض، والذّل، والسكون، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ\n_________\n(١) مختار الصحاح للرازي، مادة: (خشع) ص ٧٤.\n(٢) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، تأليف أحمد بن محمد الفيُّومي، مادة «خشع» ١/ ١٧٠.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب الخاء مع الشين، ٢/ ٣٤.\n(٤) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، مادة: «خشع» ص ٢٨٣.\n(٥) التعريفات للجرجاني، ص ١٣٢ فصل الشين.","vol":"1","page":9},{"text":"لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (١)، أي سكنت، وذلَّت، وخضعت، ومنه وصف الأرض بالخشوع، وهو يبسها، وانخفاضها، وعدم ارتفاعها بالري والنبات، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) (٣).\nومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (٦)، وقال - ﷿ -: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ (٧). وقال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ (٨).\nوهذا المعنى الذي دار في هذه الآيات: يدلُّ على الخضوع، والسكون، والتذلُّل لجميع الأعضاء كلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>ثانيًا: الخشوع اصطلاحًا: </span>قال الجرجاني ﵀: «الخشوع ... في\n_________\n(١) سورة طه، الآية: ١٠٨.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٩.\n(٣) مدارج السالكين، لابن القيم، ١/ ٥٢٠.\n(٤) سورة القلم، الآية: ٤٣.\n(٥) سورة الغاشية، الآية: ٢.\n(٦) سورة القمر، الآية: ٧.\n(٧) سورة النازعات، الآيات: ٨ - ١٠.\n(٨) سورة الشورى، الآية: ٤٥.","vol":"1","page":10},{"text":"اصطلاح أهل الحقيقة ... الانقياد للحق، وقيل: هو الخوف الدائم في القلب، قيل من علامات الخشوع: أن العبد إذا غضب أو خُولف أو رُدَّ عليه استقبل ذلك بالقبول» (١).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «الخشوع: قيام القلب بين يدي الرب بالخُضُوع والذُّلِّ ...» (٢).\nوقيل: «الخشوع: الانقياد للحق، وهذا من موجبات الخشوع، فمن علامته: أن العبد إذا خولف ورُدَّ عليه بالحق، استقبل ذلك بالقبول والانقياد» (٣).\nوقيل: «الخشوع تذلّل القلوب لعلاَّم الغيوب» (٤).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب، وثمرته على الجوارح، وهي تظهره» (٥).\nوقال الإمام ابن رجب ﵀: «وأصل الخشوع: هو لين القلب ورقته، وسكونه، وخضوعه، وانكساره، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح، والأعضاء؛ لأنها تابعة له، كما قال النبي - ﷺ -: «... ألاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ\n_________\n(١) التعريفات للجرجاني، فصل الشين، ص١٣٢.\n(٢) مدارج السالكين، ١/ ٥٢١.\n(٣) المرجع السابق: ١/ ٥٢١.\n(٤) مدارج السالكين: ١/ ٥٢١.\n(٥) المرجع السابق: ١/ ٥٢١.","vol":"1","page":11},{"text":"الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ» (١).\nفإذا خشع القلب خشع: السمع، والبصر، والرأس، والوجه، وسائر الأعضاء، وما ينشأ منها حتى الكلام؛ [و] لهذا كان النبي - ﷺ - يقول في ركوعه في الصلاة: «.. اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي، ..» [«وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي»] (٢).\nوقيل: الخشوع: الخضوع، والتواضع (٣).\nوقال العلامة السعدي ﵀: «الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوَجَل: معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أنَّ خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيبًا إليه بقلبه، ويحدث له الوجل، وأما الخشوع، فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خواصّ المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد بربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب كما تستولي\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، برقم ٥٢، ومسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، برقم ١٥٩٩.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧١، وما بين المعقوفين من لفظ ابن خزيمة في صحيحه، برقم ٦٠٧، وابن حبان، برقم ١٩٠١.\n(٣) معجم لغة الفقهاء، لمحمد روّاس، ص١٧٣.","vol":"1","page":12},{"text":"المحبة» (١).\nوالتعريف المختار: الخشوع: لين القلب، وخضوعه، ورقته، وسكونه، وحضوره وقت تَلبُّسه بطاعة الله، فتتبعه جميع الجوارح والأعضاء ظاهرًا وباطنًا؛ لأنها تابعة للقلب، وهو أميرها، وهي جنوده، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ص ٣٦١ - ٣٦٢، دار عالم الكتب، ١٤٢٤هـ إشراف وتوزيع وزارة الشئون الإسلامية، المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق</span>\nإذا ظهرت آثار الخشوع على الجوارح، ولم يكن في القلب شيء منه، فهذا خشوع النفاق؛ ولهذا قال حذيفة - ﵁ -: «إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع» (١).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «وقال بعض العارفين: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن، ورأى بعضهم رجلًا خاشع المنكبين والبدن، فقال: يا فلان، الخشوع ها هنا - وأشار إلى صدره- لا ها هنا- وأشار إلى منكبيه-، ...» (٢)، ورأى عمر بن الخطاب - ﵁ - رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة فقال: «يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب» (٣).\nورأت عائشة ﵂ شبابًا يمشون ويتماوتون في مشيتهم، فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ قالوا نُسَّاك (أي عُبَّاد)، فقالت: «كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وكان هو الناسك حقًّا» (٤).\n_________\n(١) ذكره ابن القيم في مدارج السالكين، ١/ ٥٢١، وابن رجب في كتاب الخشوع في الصلاة، ص ١٣، وأخرجه الديلمي، في مسند الفردوس، ٢/ ٢٠٤، برقم ٣٠٠٧، وابن عدي، في الكامل في الضعفاء، ٣/ ٤٥٥، ترجمة رقم٨٧١.\n(٢) ذكره ابن القيم في: مدارج السالكين، ١/ ٥٢١، والأثر في حلية الأولياء، ١٠/ ٢٣٠، واعتبره صاحب كتاب تكميل النفع، ص ١٢٣غير صحيح نسبته لعمر - ﵁ -.\n(٣) مدارج السالكين، ١/ ٥٢١، وأورده صاحب إحياء علوم الدين، ٥/ ٤١.\n(٤) مدارج السالكين، ١/ ٥٢١، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح السماوي بتخريج أحاديث القاضي البيضاوي، ٢/ ٩١٦: «وَكَأَنَّهُ أَخذه من الْفَائِق»، وقال العجلوني في كشف الخفاء، ١/ ٤٥٢: «وهو في النهاية والفائق وغيرهما».","vol":"1","page":14},{"text":"وقال الفضيل: «كان يُكْرَهُ أن يُرِيَ الرجلُ من الخشوع أكثر مما في قلبه» (١).\nوقال حذيفة - ﵁ -: «أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورُبَّ مُصَلٍّ لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة، فلا ترى فيهم خاشعًا» (٢).\nوقال سهل: «من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان» (٣) (٤).\nقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق، أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم، والإجلال، والوقار، والمهابة، والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل، والخجل، والحب، والحياء، وشهود نعم الله وجناياته هو، فيخشع القلب لا محالة، فيتبعه خشوع الجوارح.\nوأما خشوع النفاق، فيبدو على الجوارح تصنُّعًا وتكلُّفًا، والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يُرى الجسد خاشعًا، والقلب غير خاشع، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته،\n_________\n(١) مدارج السالكين، ١/ ٥٢١، وذكره القشيري في رسالته الشهيرة، ص ٦٨.\n(٢) مصنف ابن أبي شيبة، ٧/ ١٤٠، برقم ٣٤٨٠٨، وحلية الأولياء، ١/ ٢٨١، وقال المناوي في فيض القدير، ٣/ ١١٤: «قال الزين العراقي في شرح الترمذي وتبعه الهيثمي: فيه عمران القطان ضعفه ابن معين، والنسائي، ووثقه أحمد».\n(٣) ذكره الثعالبي في تفسيره، ٣/ ٦٤ وعزاه لسهل التستري أيضًا، ومثله الفيروزأبادي في بصائر ذوي التمييز، ١/ ٧٢٢.\n(٤) ذكر هذه الآثار ابن القيم في مدارج السالكين، ١/ ٥٢١ - ٥٢٢.","vol":"1","page":15},{"text":"وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي حُشِيَ به، وخمدت الجوارح، وتوقّر القلب، واطمأنّ إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه، فصار مُخبِتًا له، والمخبت (١) المطمئنّ، فإن الخبت من الأرض ما اطمأنّ (٢) فاستنقع فيه الماء.\nفكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن (٣) كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها، وعلامته أن يسجد بين يدي ربه - إجلالًا، وذُلًاّ، وانكسارًا بين يديه - سجدة، لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه ... فهذا خشوع الإيمان.\nوأما التماوت، وخشوع النفاق، فهو حالُ عبدٍ تكلَّف إسكان الجوارح تَصنُّعًا، ومراعاة، ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات، وإرادات، فهو يتخشع (٤) في الظاهر، وحية الوادي، وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة» (٥).\n_________\n(١) انظر: مفردات غريب القرآن للراغب، ص ١٤١.\n(٢) وفي مخطوطة: (ما تطامن).\n(٣) وفي بعض المخطوطات: (ما تطامن).\n(٤) وفي مخطوطة: (متخشع).\n(٥) كتاب الروح لابن القيم، تحقيق د. بسام علي سلامة العموش، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ، نشر دار ابن تيمية، المملكة العربية السعودية، الرياض، ٢/ ٦٩٤ - ٦٩٥.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الثالث: الخشوع لله في الصلاة علم نافع وعمل صالح</span>\nالخشوع علم نافع، وهو عمل صالح من أعمال القلوب، ويتبعها عمل الجوارح، للأحاديث الآتية:\n١ - عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ» فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ - ﵁ -: كَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا، وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ؟! فَوَاللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا! فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ (١) يَا زِيَادُ! إِنْ كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ؟».\nقَالَ جُبَيْرٌ: فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، قَالَ: صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، إِنْ شِئْتَ لَأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنْ النَّاسِ: الْخُشُوعُ؛ يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الجَامِعِ فَلَا تَرَى فِيهِ رَجُلًا خَاشِعًا» (٢).\n_________\n(١) ثكلتك أمك: أي فقدتك، وأصله الدعاء بالموت، ثم يستعمل في التعجب. انظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري، ٧/ ٤١٣.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في ذهاب العلم، برقم ٢٦٥٣، وقال: «هذا حديث حسن غريب»، والدرامي، ١/ ٧٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٥٩، وأخرجه أيضًا أحمد في المسند من حديث جبير، عن عوف بن مالك، وساق الحديث بنحوه، برقم ٢٣٩٩٠، والنسائي في الكبرى، برقم ٥٨٧٨، وابن حبان، برقم ٤٥٧٢، ورقم ٦٧٢٠.","vol":"1","page":17},{"text":"٢ - عن شداد بن أوس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ» (١).\n٣ - عن زيد بن أرقم - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال في دعائه: «... اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» (٢).\nوقلب لا يخشع: علمه لا ينفع، وصوته لا يسمع، ودعاؤه لا يرفع (٣).\nقال الإمام ابن رجب ﵀: «فالعلم النافع هو ما باشر القلوب، فأوجب لها السكينة، والخشية، والإخبات لله، والتواضع، والانكسار، وإذا لم يباشر القلب ذلك من العلم، وإنما كان على اللسان، فهو حجة الله على ابن آدم يقوم على صاحبه، وغيره كما قال ابن مسعود - ﵁ -: إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب يرسخ فيه نفع صاحبه.\nوقال الحسن ﵀: العلم علمان: علم باللسان، وعلم\n_________\n(١) الطبراني في الكبير، برقم ٧١٨٣ مرفوعًا، قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ١٣٦:\n«.. وفيه عمران بن داوود القطان ضعفه ابن معين، والنسائي، ووثقه أحمد، وابن حبان» وقد جاء موقوفًا على شداد عند أحمد، برقم ٢٣٩٩٠، وصححه محققو المسند، وأخرج هذا الموقوف النسائي في الكبرى، برقم ٥٨٧٨،وابن حبان، برقم ٤٥٧٢،ورقم ٦٧٢٠، وله شاهد عن أبي الدرداء - ﵁ - أن النبي - ﷺ -،قال: «أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعًا» ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ١٣٦، وقال: «رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن». ثم حديث شداد لا يقال بالرأي والاجتهاد، فله حكم الرفع.\n(٢) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب في الأدعية، برقم ٢٧٢٢.\n(٣) الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص ١٩.","vol":"1","page":18},{"text":"بالقلب، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على ابن آدم» (١).\nوقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣).\nووصف اللَّه العلماء من أهل الكتاب قبلنا بالخشوع، فقال سبحانه: ﴿قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٤)، وقوله سبحانه في وصف هؤلاء الذين أوتوا العلم، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا: مدحٌ لمن أوجب له سماع كتاب الخشوع لله - ﷿ - في قلبه» (٥).\n_________\n(١) الخشوع في الصلاة لابن رجب ص ١٦. وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية، ١/ ٨٣ مرفوعًا، وقال هذا حديث لا يصح، وضعفه الألباني في تخريج كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ٢٤.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(٣) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٤) سورة الإسراء، الآيات: ١٠٧ - ١٠٩.\n(٥) الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص١٧.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الرابع: فضائل الخشوع لله تعالى في الصلاة:</span>\nثبت في الخشوع في الصلاة فضائل كثيرة، منها الفضائل الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>١ - من فرَّغ قلبه لله تعالى في صلاته انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه</span>؛ لحديث عمرو بن عبسة السُّلمي - ﵁ - الطويل، وفيه أن النبي - ﷺ - قال بعد أن ذكر فضائل الوضوء: «.... فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلاَّ انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ..» وذكر عمرو بن عبسة - ﵁ - أنه سمع هذا من النبي - ﷺ - أكثر من سبع مرات (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>٢ - من صلى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسَه غفر الله له ما تقدم من ذنبه</span>؛ لحديث عثمان - ﵁ -، أنه حين توضأ وضوءًا كاملًا قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: \"مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>٣ - من صلَّى صلاةً مكتوبةً فأحسن خشوعها كانت كفّارةً </span>لما قبلها من الذنوب؛ لحديث عثمان - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا إِلاَّ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة، برقم ٨٣٢، وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة، فليراجعه من شاء.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب المضمضة في الوضوء، برقم ١٦٤، ومسلم كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، برقم ٢٢٦.","vol":"1","page":20},{"text":"يأْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>٤ - من صَلَّى ركعتين مقبلًا عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة</span>؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ -، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٥ - الفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين </span>في صلاتهم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣).\nوالخشوع في الصلاة: هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضرًا لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته، ويقلُّ التفاته، متأدِّبًا بين يدي ربه، مستحضرًا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس والأفكار الرديئة، وهذا روح الصلاة، والمقصود منها، وهو الذي يكتب للعبد، فالصلاة التي لا خشوع فيها، ولا حضور قلب، وإن كانت مجزئة مثابًا عليها، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٦ - المغفرة والأجر العظيم للخاشعين</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء والصلاة عقبه، برقم ٢٢٨.\n(٢) مسلم كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، برقم ٢٣٤.\n(٣) سورة المؤمنون، الآيتان: ١ - ٢.\n(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص ٥٤٧.","vol":"1","page":21},{"text":"أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٧ - الخاشعون والخاضعون لله مُبشَّرون بكل خير في الدنيا والآخرة</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٣).\nقال الراغب الأصفهاني ﵀: «الخبت: المطمئن من الأرض ... ثم استعمل الإخباتُ استعمال اللين والتواضع، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٩٩.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٣٤.\n(٤) سورة هود، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":22},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (١)، أي المتواضعين، نحو: ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) أي تلين وتخشع، والإخبات هنا قريب من الهبوط في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٤).\nوقال ابن منظور ﵀: «الخبت ما اطمأن من الأرض واتَّسع ... ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ (٥) أي تواضعوا، وقال الفرّاء: أي تخشَّعوا لربهم ... وأخبت لله: خشع، وأخبت: تواضع، وكلاهما من الخبت، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾﴾ (٦) فسَّره ثعلب بأنه التواضع، وفي حديث الدعاء: «وَاجْعَلْنِي لَكَ مُخْبِتًَا» (٧) أي خاشعًا مطيعًا، والإخبات: الخشوع والتواضع (٨).\nوقال ابن الأثير ﵀: «وَاجْعَلْنِي لَكَ مُخْبِتًَا» (٩) أي خاشعًا\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٣٤.\n(٢) سورة الأعراف، الآية:٢٠٦.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٥٤.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٧٤.\n(٥) سورة هود، الآية: ٢٣.\n(٦) سورة الحج، الآية: ٥٤.\n(٧) جزء من حديث أخرجه أحمد، ١/ ١٢٧، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا سلَّم، برقم ١٥١٠، ١٥١١، والترمذي، كتاب الدعوات، بابٌ في دعاء النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥١، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله - ﷺ -، برقم ٣٨٣٠، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٥١٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ٤١٤، وفي صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٨.\n(٨) لسان العرب، باب التاء، فصل الخاء، ٢/ ٢٧.\n(٩) أحمد، ١/ ١٢٧، وأبو داود، برقم ١٥١٠، ١٥١١، وابن ماجه، ٣٨٣٠، وتقدم تخريجه قبل الذي قبله.","vol":"1","page":23},{"text":"مطيعًا، والإخبات: الخشوع والتواضع، وقد أخبت لله: يخبت .. وأصلها من الخبت المطمئن من الأرض» (١).\nوذكر الإمام ابن القيم ﵀ هذه المعاني السابقة، ثم قال: «والخبت في أصل اللغة: المكان المنخفض من الأرض ...»، ثم قال: «وقال إبراهيم النخعي: المصلُّون المخلصون، وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم .. وهذه الأقوال تدور على معنيين: التواضع، والسكون إلى الله - ﷿ - ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٨ - الخشوع والتواضع لله من أعظم أسباب دخول الجنة</span>، والنجاة من النار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).\n٩ - الخشوع لله تعالى يورث هداية الله تعالى وتثبيته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤).\nقال العلامة السعدي ﵀: «﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي تخشع، وتخضع، وتسلِّم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بسبب إيمانهم ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة «خبت» ٢/ ٤.\n(٢) مدارج السالكين، ٢/ ٣، وانظر: تفسير ابن كثير، ص ٨٩٨.\n(٣) سورة هود، الآية: ٢٣.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٥٤.","vol":"1","page":24},{"text":"الدنيا وفي الآخرة، وهذا النوع من تثبيت الله لعبده» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>١٠ - أفضل الناس أخشعهم لله تعالى</span>، فالخشوع لله تعالى إذا كان بسبب معرفة الله بأسمائه وصفاته، وأفعاله، والرغبة فيما عنده، والخشية من عقابه، ومبْنيٌّ على حبه، وخوفه مع رجائه، فهذا كلُّه يجعل العبد أفضل الناس؛ ولهذا قال سفيان رحمه الله تعالى: «أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله» (٢).\nوقال سفيان أيضًا: «يراد للعلم: الحفظ، والعمل، والاستماع، والإنصات، والنشر» (٣).\nوقال سفيان أيضًا ﵀: «كان يُقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله يخشى الله، ليس بعالم بأمر الله، وعالمٌ بالله، عالم بأمر الله، يخشى الله، فذاك العالم الكامل، وعالم بأمر الله، ليس بعالم بالله، لا يخشى الله، فذلك العالم الفاجر» (٤).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذه الكلمات ينبغي أن تنقل» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>١١ - مَنْ أتمَّ الصَّلوات الخمس بخشوع كان له على الله عهد أن يغفر له</span>؛ لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - قال ... أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٥٤٢.\n(٢) أخرجه الدارمي، ١/ ٨١، برقم ٣٣٧.\n(٣) أخرجه الدارمي، ١/ ٨١، برقم ٣٣٧.\n(٤) سنن الدارمي: ١/ ٨٦، برقم ٣٦٩.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على سنن الدارمي، الحديث رقم ٣٦٩.","vol":"1","page":25},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ، وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>١٢ - مدح الله تعالى الخاشعين في طاعته ووصفه لهم بالعلم</span>؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، والقنوت هنا هو الخشوع في الطاعة؛ ولهذا قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: «... القنوت يرد في القرآن على قسمين: قنوت عام، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٣) أي الكل عبيد خاضعون لربوبيّته، وتدبيره، والنوع الثاني: وهو الأكثر في القرآن: القنوت الخاص، وهو دوام الطاعة لله على وجه الخشوع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ (٦)، وقوله:\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب المحافظة على وقت الصلوات، برقم ٤٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٢٥.\n(٢) سورة الزمر: الآية ٩.\n(٣) سورة الروم، الآية: ٢٦.\n(٤) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ٤٣.","vol":"1","page":26},{"text":"﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (١)، ونحوها» (٢).\nوقد قال الراغب الأصفهاني ﵀: «القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسِّرَ بكل واحد منهما في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾﴾ (٣)، وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٤) قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكتون، ولم يُعْنَ به كل السكوت، وإنما عُنِيَ به ما قال عليه الصلاة السلام: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَمَّا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (٥)، وعلى هذا قيل: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طُولُ القُنُوتِ» (٦) أي الاشتغال بالعبادة، ورفض كل ما سواه، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ (٧)، وقال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (٨)، وقال: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٩)، وقال: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ (١٠)، وقال:\n﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١١)، وقال: ﴿وَالْقَانِتِينَ\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(٢) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ص ٣١١،وانظر: المرجع نفسه ص ٣٦٢.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٤) سورة الروم، الآية: ٢٦.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، وما نسخ من إباحته، برقم ٥٣٧.\n(٦) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب أفضل الصلاة طول القنوت، برقم ٧٥٦.\n(٧) سورة النحل، الآية: ١٢٠.\n(٨) سورة التحريم، الآية: ١٢.\n(٩) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(١٠) سورة آل عمران، الآية: ٤٣.\n(١١) سورة الأحزاب، الآية: ٣١.","vol":"1","page":27},{"text":"وَالْقَانِتَاتِ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ (٢) (٣).\nوالقنوت في الحديث يُروَى بمعانٍ متعددةٍ، فيطلق على: الخشوع، والطاعة، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت، والسكون، وإقامة الطاعة، والخضوع (٤)، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن ابن العربي ذكر أن القنوت ورد لعشرة معانٍ، نظمها الحافظ زين الدين العراقي، فقال:\n\n«ولفظ القنوت اعدد معانيه تجد ... مزيدًا على عشرة معاني مرضيَّه\nدعاءٌ، خشوعٌ، والعبادة، طاعة ... إقامتها، إفراده بالعبودية\nسكوتٌ، صلاة، ٌ والقيام، وطوله ... كذا دوام الطاعة الرابح القنية» (٥)\n\nويصرف كل واحدة من هذه المعاني إلى ما يدل عليه الحديث، أو الكلام الوارد فيه، وما يقتضيه سياقه (٦).\n١٣ - أثنى الله - ﷿ - على من يوجل قلبه لذكر الله بأنه يخافه ويخشاه، ووصفه بالإيمان الكامل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٣٤.\n(٣) مفردات ألفاظ القرآن، ص ٦٨٤.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع النون، ٤/ ١١١، ومشارق الأنوار على الصحاح والآثار للقاضي عياض، حرف القاف مع سائر الحروف، ٢/ ١٦٢، وهدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر، ص ١٧٦.\n(٥) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٩١.\n(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، ٤/ ١١١، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٩١، وهدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ١٧٦.","vol":"1","page":28},{"text":"الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٤).\nووجل القلب: الوجل: استشعار الخوف، يقال: وَجِلَ يَوْجَلُ وَجَلًا، فهو وَجِل (٥).\nقال ابن كثير ﵀: «﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فرقت: أي فزعت وخافت، وهذه صفة المؤمن ... الذي إذا ذكر الله وجل قلبه: أي خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره» (٦).\nوقال السعدي ﵀: «أي خافت ورهبت فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب» (٧)، وقال ﵀: «الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات،\n_________\n(١) سورة الأنفال، للآية: ٢.\n(٢) سورة الحجر، الآيتان: ٥٢ - ٥٣.\n(٣) سورة الحج، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.\n(٤) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.\n(٥) مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، ص ٨٥٥.\n(٦) تفسير القرآن العظيم، ص٥٦٦.\n(٧) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣١٥.","vol":"1","page":29},{"text":"والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيبًا إليه بقلبه، ويحدث له الوجل، وأما الخشوع: فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خوّاص المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد ربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب، كما تستولي المحبة» (١).\n١٤ - وصف الله من يقشعر جلده عند قراءة القرآن بالخشية لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢)، فحصل لهم قشعريرة الجلد، ثم لين القلب والجلد.\nقال الراغب الأصفهاني ﵀: «﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ (٣) أي يعلوها قشعريرة» (٤).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀: «هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار؛ لما يفهمونه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ كما يرجون\n_________\n(١) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ص ٣٦١ - ٣٦٢.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٢٣.\n(٣) سورة الزمر، الآية: ٢٣.\n(٤) مفردات ألفاظ القرآن، ص ٦٧١.","vol":"1","page":30},{"text":"ويؤملون من رحمته ولطفه ...» (١).\nوقال العلامة السعدي ﵀: «﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ لما فيه من التخويف والترهيب المزعج ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر» (٢).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، ص ١١٥٣.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٢٣.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الخامس: الفرق بين الخشوع والوجل والقنوت والسكينة والإخبات والطمأنينة</span>\nالفرق بين هذه الأمور على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>١ - الخشوع: </span>لين القلب وخضوعه، ورقته، وسكونه، وحضوره وقت تلبُّسه بالطاعة، فتتبعه جميع الجوارح والأعضاء: ظاهرًا وباطنًا؛ لأنها تابعة للقلب، وهو أميرها، وهي جنوده، والله تعالى أعلم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٢ - الوجل: </span>الخوف الموجب لخشية الله تعالى، وأكبر علاماته: أن يقوم صاحبه بفعل أوامر الله، وترك نواهيه رغبة فيما عنده من الثواب، وخوفًا مما عنده من العقاب، والله تعالى أعلم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٣ - القنوت: </span>القنوت يرد في القرآن على قسمين:\nالقسم الأول: قنوت عام لجميع المخلوقات، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٣)، والمعنى: الكل عبيد خاضعون لربوبيَّته، وتدبيره - ﷾ -، لا معبود بحق سواه.\nالقسم الثاني، وهو الأكثر في القرآن الكريم: القنوت الخاص: وهو دوام الطاعة لله على وجه الخشوع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٤)، ونحو ذلك (٥)، والقنوت أيضًا\n_________\n(١) تقدم ذكر المراجع لهذا المعنى في المبحث الأول، في مفهوم الخشوع اصطلاحًا.\n(٢) تقدم ذكر المراجع لهذه المعاني في المبحث الرابع: فضائل الخشوع، البند رقم ١٣.\n(٣) سورة الروم، الآية: ٢٦.\n(٤) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٥) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ص ٣١١، وص ٣٦٢.","vol":"1","page":32},{"text":"يرد لعشرة معانٍ أخرى، تقدم ذكرها بالتفصيل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٤ - السكينة:</span>\nقيل: السكينة: المهابة والرَّزانة والوقار (٢).\nوقيل: ما يجده القلب من الطمأنينة ... وهي نور في القلب يسكن إلى شاهده، ويطمئن وهو مبادئ عين اليقين (٣).\nوقيل: السكينة: الطمأنينة (٤)، وتأتي السكينة بمعنى: الوقار، والتَّأنِّي في الحركة والسير: «السكينةَ، السكينةَ» أي الزموا السكينة (٥)، وفي حديث الخروج إلى الصلاة: «فليأتِ وعليه السكينة» (٦).\nوقد ذكر الله سبحانه «السكينة» في كتابه في ستة مواضع:\nالأول: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٧).\nالثاني: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى\n_________\n(١) تقدم ذكر ذلك بالأدلة في المبحث الرابع، البند رقم ١٢.\n(٢) انظر: المصباح المنير، للفيومي، ١/ ٢٨٣، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، ص ٤٨٦.\n(٣) التعريفات للجرجاني، فصل الكاف، ص ١٥٩.\n(٤) القاموس المحيط، ص ١٥٥٦.\n(٥) رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨،\n(٦) أخرجه الإمام أحمد، ١٨/ ٨، برقم ٩٠٢٢، والطبراني في معجمه الأوسط، ١/ ٢٩٦، حديث رقم: ٩٨٣، وصححه الألباني في الثمر المستطاب، ص ٢٣٣.\n(٧) سورة البقرة، الآية: ٢٤٨.","vol":"1","page":33},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).\nالثالث: قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٢).\nالرابع: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣).\nالخامس: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٤).\nالسادس: قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار، والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده، عند اضطرابه من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان، وقوة اليقين والثبات.\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٢٦.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٤٠.\n(٣) سورة الفتح، الآية: ٤.\n(٤) سورة الفتح، الآية: ١٨.\n(٥) سورة الفتح، الآية: ٢٦.","vol":"1","page":34},{"text":"ولهذا أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله - ﷺ -، وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب، كيوم الهجرة، إذ هو وصاحبه في الغار، والعدو فوق رؤوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حُنَيْن، حين وَلَّوْا مدبرين من شدة بأس الكفار، لا يلوي أحد منهم على أحد، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكُّمِ الكفار عليهم، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس، وحسبك بضعف عمر - ﵁ - عن حملها، وهو عمر، حتى ثَبَّتَهُ اللَّهُ بالصِّدِّيق - ﵁ -.\nقال ابن عباس ﵄: «كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة، إلا التي في سورة البقرة» (١).\nوفي الصحيحين عن البراء بن عازب ﵄ قال: «رأيت النبي - ﷺ - نقل من تراب الخندق، حتى وارى الترابُ جلدةَ بطنه، وهو يرتجز بكلمة عبد الله بن رواحة - ﵁ -:\n\nاللَّهُمَّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقْنا ولا صلَّينا\nفأنزلنْ سكينةً علينا ... وثبِّت الأقدام إن لاقينا\nإنَّ الأُلى قد بَغَوا علينا ... وإنْ أرادوا فتنة أبينا» (٢) (٣)\n_________\n(١) أورد هذا الأثر أكثر المفسرين، انظر مثلًا: تفسير البغوي، ٧/ ٢٩٨، تفسير القرطبي، ١٦/ ٢٦٤، وذكره العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري، قبل الحديث رقم ٤٨٣٩، والمباركفوري في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ٧/ ٣٧٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٤١٠٦، وفيه برقم ٣٠٣٤، ورقم ٤١٠٤، ومسلم، برقم ١٨٠٣، بلفظ: «والله لولا أنت ...».\n(٣) انظر: مدارج السالكين، ٢/ ٥٠٢ - ٥٠٤ بتصرف.","vol":"1","page":35},{"text":"وقال العلامة السعدي ﵀: «والسكينة ما يجعله الله في القلوب وقت القلاقل، والزلازل، والمفظعات، مما يثبِّتها، ويسكِّنها، ويجعلها مطمئنة، وهي من نعم الله العظيمة على العباد» (١)، وهي: «الثبات والطمأنينة، والسكون المُثَبِّتَة للفؤاد» (٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «(السكينة) إذا نزلت على القلب اطمأنّ بها، وسكنت إليها الجوارح، وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقت اللسان بالصواب، والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا، والفحش، واللغو، والهجر، وكل باطل. قال ابن عباس ﵄: «كُنَّا نَتَحدَّث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه» (٣).\nوكثيرًا ما ينطق صاحب (السكينة) بكلام لم يكن عن فكرة منه، ولا روِّية، ولا هبة، ويستغربه هو من نفسه، كما يستغرب السامع له، وربّما لا يعلم بعد انقضائه بما صدر منه.\nوأكثر ما يكون: هذا عند الحاجة، وصدق الرغبة من السائل، والمجالس، وصدق الرغبة منه: هو إلى الله، والإسراع بقلبه إلى بين يديه، وحضرته، مع تجرُّدِه من الأهواء، وتجريده النصيحة لله\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٣٣.\n(٢) المرجع السابق، ص ٣٣٨.\n(٣) مدارج السالكين، ٢/ ٥٠٦، والأثر رواه الإمام أحمد، برقم ٥١٤٥ عن ابن عمر، وهو عند أبي داود، برقم ٢٩٦٣، وابن ماجه، برقم ١٠٨، عن أبي ذر - ﵁ -، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ١٠٨، ولم أجد رواية ابن عباس التي أشار إليها الإمام ابن القيم ﵀.","vol":"1","page":36},{"text":"ولرسوله، ولعباده المؤمنين، وإزالة نفسه من البين» (١).\nومن السكينة: سكينة الخشوع عند القيام بالعبادة لله تعالى، وهو الوقار، والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان.\nولما كان الإيمان موجبًا للخشوع، وداعيًا إليه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢) دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، يعني: أما آن لهم أن يَصِلُوا إلى الإحسان بالإيمان؟ وتحقيق ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم؟» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>٥ - الإخبات: </span>التواضع والخشوع، واللين، والسكون (٤).\nوهو من أول مقامات الطمأنينة: كالسكينة، واليقين، والثقة بالله تعالى، ونحوها، فالإخبات مقدماتها، ومبدؤها، والإخبات أوَّلُ مقام يتخلَّص فيه العبد من التردُّد، الذي هو نوع غفلة وإعراض (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٦ - الطمأنينة: </span>قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *\n_________\n(١) مدارج السالكين، ٢/ ٥٠٦.\n(٢) سورة الحديد، الآية: ١٦.\n(٣) مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٥٠٩ - ٥١٠.\n(٤) تقدم ذكر مراجع هذه المعاني في المبحث الرابع في فضائل الخشوع، البند رقم ٧.\n(٥) انظر التفصيل في: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٣ - ٨.\n(٦) سورة الرعد، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":37},{"text":"وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (١).\n(الطمأنينة) سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه، ومنه الأثر المعروف: «دعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيْبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ» (٢) أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع، ويجد عنده سكونًا إليه، والكذب يوجب له اضطرابًا وارتيابًا، ومنه قول النَّبيِّ - ﷺ -: «الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ» (٣) أي سكن إليه، وزال عنه اضطرابه وقلقه.\nوقال الإمام ابن كثير ﵀: «﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولىً ونصيرًا؛ ولهذا قال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: هو حقيق بذلك» (٤).\nوقال العلامة السعدي ﵀: «﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.\n_________\n(١) سورة الفجر، الآيات: ٢٧ - ٣٠.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد، برقم ١٧٢٤، ١٧٢٤، والترمذي، برقم ٢٥١٨، وقال: «حسن صحيح»، والنسائي، برقم ٥٧١١، وابن خزيمة في صحيحه، ٤/ ٥٩، برقم ٢٣٤٨، والدارمي، ٢/ ٣١٩، برقم ٢٥٣٢، وابن حبان، ٢/ ٤٩٨، برقم ٧٢٢، والبيهقي في شعب الإيمان، ٥/ ٥٢، برقم ٥٧٤٧، والحاكم، ٢/ ١٥، برقم ٢١٦٩، وقال: صحيح الإسناد وأبو يعلى، ١٢/ ١٣٢، برقم ٦٧٦٢، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٢٩٣٠.\n(٣) أخرجه أحمد، برقم ١٨٠٠١، والطبراني، ٢٢/ ١٤٨، برقم ٤٠٣، والدارمي، ٢/ ٣٢٠، برقم ٢٥٣٣، وأبو يعلى، ٣/ ١٦٠، برقم ١٥٨٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٨٨١.\n(٤) تفسير القرآن العظيم، ص ٧٠٧.","vol":"1","page":38},{"text":"﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: حقيق بها، وحريٌّ بها أن لا تطمئنَّ لشيء سوى ذكره؛ فإنه لا شيء ألذ للقلوب، ولا أشهى، ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته» (١).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ (٢) دليل على أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة، فهناك ترجع إليه، وتدخل في عباده، وتدخل جنته، وكان من دعاء بعض السلف: «اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك» (٣).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤١٧ - ٤١٨.\n(٢) سورة الفجر، الآيتان: ٢٧ - ٢٨.\n(٣) مدارج السالكين، ٢/ ٥١٤، والأثر لم أجده إلا في التفسير القيم لابن القيم، ١/ ٤٩١.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث السادس: حكم الخشوع في الصلاة</span>\nالخشوع في الصلاة واجب على الصحيح (١)\nللأدلة الآتية:\n_________\n(١) قال الإمام بن القيم ﵀: «فإن قيل: ما تقولون في صلاة من عدم الخشوع، هل يعتدُّ بها أم لا؟ قيل: أما الاعتداد في الثواب: فلا يعتدُّ له بها إلا بما عقل فيه منها، وخشع فيه لربه، قال ابن عباس: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها» [ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثاني عشر- قسم التفسير، ولم يعزه لكتاب، وكذلك ذكره الإمام ابن القيم في مدارج السالكين، ١/ ٥٢٥، وفي تفسيره المجموع له، وذكره السعدي في تفسيره تفسير اللطيف المنان، ٢/ ٧٨ بقوله: «وفي الحديث ...»، وفي المسند مرفوعًا «إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا: عُشْرُهَا، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» [المسند، ٣١/ ١٨٩، برقم ١٨٨٩٤، وحسن الألباني حديث أبي داود في صحيح أبي داود، برقم ٧٦١، وقال: «قلت [الشيخ الألباني]: حديث حسن، وأخرجه أحمد بإسناد صححه الحافظ العراقي»، وتصحيح الحافظ العراقي له في تخريجه لأحاديث إحياء علوم الدين، ١/ ١٧٢]، وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح، ولو اعتدَّ له بها ثوابًا كان من المفلحين.\n\nوأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء: فإن غلب عليها الخشوع، وتعقلها اعتدّ بها إجماعًا، وكانت السنن والأذكار عقيبها جوابر ومكملات لنقصها.\nوإن غلب عليه عدم الخشوع، وعدم تعقلها، فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها» ثم ذكر ﵀ قولين لأهل العلم:\nالقول الأول: وجوب إعادتها، وبه قال أبو عبد الله بن حامد من أصحاب أحمد وغيره؛ لأن صلاة لا يثاب عليها، ولم يضمن له فيها الفلاح لم تبرأ ذمته منها؛ ولأن الخشوع روح الصلاة، ومقصودها، ولبّها، فكيف يعتدُّ بصلاة فقدت روحها ولبها، وبقيت صورتها وظاهرها؟.\nوالقول الثاني: لا تجب إعادتها؛ لما جاء عن النبي - ﷺ - من أحكام سجود السهو، وأن منه ما هو ترغيم للشيطان، والخشوع إنما هو لرفعة الدرجات؛ ولحصول ثواب الله العاجل والآجل، ومرافقة المقربين، وهذا يفوت بفوات الحضور والخضوع، وإن الرجلين يكون مقامهما في الصف واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، فإن أراد أن يعيد صلاته لهذه الثمرات، فذلك إليه إن شاء أن يحصِّلها، وإن شاء أن يفوِّتها على نفسه، أما كوننا نلزمه بإعادتها، ونعاقبه على تركها، ونرتّب عليه أحكام تارك الصلاة، فلا. ويرى ابن القيم ﵀ أن حجج الفريق الأول قوية وظاهرة، ولكنه قال: «... القول الثاني أرجح القولين» مدارج السالكين ١/ ٥٢٥ - ٥٣٠.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>١ - قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ </span>وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين ... وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع ... فثبت أن الخشوع و(٣) في الصلاة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>٢ - قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*</span>الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ*فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ*أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ*الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم، وقد دلَّ هذا على وجوب هذه الخصال، إذ لو كان فيها ما يستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها؛ لأن الجنة تنال\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٤٥.\n(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤.\n(٣) سورة المؤمنون، الآيات: ١ - ١٠.","vol":"1","page":41},{"text":"بفعل الواجبات دون المستحبات؛ ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب، وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبًا، فالخشوع يتضمن السكينة، والتواضع جميعًا ... ولهذا كان النبي - ﷺ - يقول في حال ركوعه: «اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري، ومُخِّي، وعظمي، وعصبي» (١)، فوصف نفسه بالخشوع في حال الركوع؛ لأن الراكع ساكن متواضع ...» (٢).\nوقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣) أقوال: فقيل: «خائفون ساكنون»، وقيل: «الخشوع في القلب»، وقيل: «الخشوع: الرهبة لله»، وقيل: «الخشوع في القلب، وأن يلين كنفه للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك، والخوف، وغض البصر في الصلاة، وخفضه وسكونه ضد تقليبه في الجهات، ومن ذلك خشوع الصوت (٤).\nفإذا كان الخشوع في الصلاة واجبًا، وهو متضمن للسكون والخشوع، فمن نقر نقر الغراب لم يخشع في سجوده، وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل أن ينخفض، لم يسكن؛ لأن السكون هو الطمأنينة بعينها، فمن لم يطمئن لم يسكن، ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه، ولا في سجوده، ومن لم يخشع كان\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ -، برقم ٧٧١.\n(٢) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٥٥٤.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٢.\n(٤) ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٥٥٤ - ٥٥٨.","vol":"1","page":42},{"text":"آثمًا عاصيًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>٣ - مما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة: </span>أن الله ينصرف عن من التفت فيها لغير حاجة؛ لحديث أبي ذر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» وهذا لفظ أبي داود، ولفظ النسائي وأحمد: «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٤ - ومما يدل على وجوب الخشوع أيضًا: </span>حديث الحارث الأشعري - ﵁ - الطويل عن النبي - ﷺ - وفيه: «... وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ..» هذا لفظ الترمذي، ولفظ أحمد: «... وَآمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ - ﷿ - يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا ...» (٣).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٢/ ٥٥٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الالتفات في الصلاة، برقم ٩٠٩، والنسائي كتاب السهو، باب التشديد في الالتفات في الصلاة، برقم ١١٩٦، وأخرجه أيضًا في الكبرى، برقم ٥٣٢، وأحمد في المسند، برقم ٢١٥٠٨، وابن خزيمة، برقم ٤٨٢، والحاكم، ١/ ٢٣٦، والبيهقي، ٢/ ٢٨٢، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٦٠، برقم ٥٥٤، وقال محققو مسند الإمام أحمد، ٥/ ٤٠٠، برقم ٢١٥٠٨: «صحيح لغيره، وهذا إسناد محتمل للتحسين».\n(٣) الترمذي، كتاب الأدب، باب الأمثال، برقم ٢٨٦٣، وأحمد، ٢٨/ ٤٠٥، برقم ١٧١٧٠، و٢٩/ ٣٣٥، برقم ١٧٨٠٠، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ١٨٩٥، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٤٤، وصححه محققو المسند، ٢٨/ ٤٠٦.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>٥ - ويدل على وجوب الخشوع، حديث جابر بن سمرة - ﵁ </span>- قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ (١)، اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ ..» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٦ - ومما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ </span>هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٣)، قال الإمام ابن القيم ﵀: «وليس السهو عنها تركها، وإلا لم يكونوا مصلين، وإنما هو السهو عن واجبها: إما عن الوقت، كما قال ابن مسعود وغيره، وإما عن الحضور والخشوع، والصواب أنه يعمّ النوعين؛ فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها، وحضورها الواجب؛ ولذلك وصفهم بالسهو، ولو كان السهو تركًا لما كان هناك رياء ..» (٤).\nوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن وسواس الرجل في صلاته، وما حد المبطل للصلاة؟ وما حد المكروه منه، وهل يُباح منه شيء في الصلاة؟ وهل يعذّب الرجل في شيء منه؟ وما حدّ الإخلاص في الصلاة؟ ... [وقول بعض السلف]: «لَيْسَ لِأَحَدِكُمْ مِنْ\n_________\n(١) شمس: جمع شموس، مثل: رسل ورسول، وهي التي لا تستقر، بل تضرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة، ... برقم ٤٣٠.\n(٣) سورة الماعون، الآيتان: ٤ - ٥.\n(٤) مدارج السالكين، ١/ ٥٢٧.","vol":"1","page":44},{"text":"صَلَاتِهِ إلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا» (١).\nفأجاب: «الحمد لله، الوسواس نوعان:\nأحدهما: لا يمنع ما يؤمر به من تدبر الكلم الطيب، والعمل الصالح الذي في الصلاة، بل يكون بمنزلة الخواطر، فهذا لا يبطل الصلاة؛ لكن من سلمت صلاته منه فهو أفضل ممن لم تسلم منه صلاته، الأول شبه حال المقربين، والثاني: شبه حال المقتصدين.\nوأما الثالث: فهو ما منع الفهم، وشهود القلب، بحيث يصير الرجل غافلًا، فهذا لا ريب أنه يمنع الثواب، كما روى أبو داود في سننه، عن عمار بن ياسر، عن النبي - ﷺ - قال: (إن الرجل لينصرف من صلاته، ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، حتى قال إلا عشرها» (٢)، فأخبر - ﷺ - أنه قد لا يكتب له منها إلا العشر.\nوقال ابن عباس: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها» (٣)، ولكن هل يبطل الصلاة ويوجب الإعادة؟ فيه تفصيل، فإنه إن كانت الغفلة في الصلاة أقل من الحضور، والغالب الحضور، لم تجب\n_________\n(١) قال الزين العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، ١/ ٣٠٩: (لم أجده مرفوعًا»، وقال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، ١٤/ ١٠٢٦، برقم ٦٩٤١: «لا أصل له مرفوعًا، وإنما صح عن بعض السلف».\n(٢) مسند الإمام أحمد بنحوه، ٣١/ ١٨٩، برقم ١٨٨٩٤، وحسن الألباني حديث أبي داود في صحيح أبي داود، برقم ٧٦١، وتقدم.\n(٣) تقدم تخريجه، في الذي قبل الحديث السابق.","vol":"1","page":45},{"text":"الإعادة، وإن كان الثواب ناقصًا، فإن النصوص قد تواترت بأن السهو لا يبطل الصلاة، وإنما يجبر بعضه بسجدتي السهو، وأما إن غلبت الغفلة على الحضور، ففيه للعلماء قولان:\nأحدهما: لا تصح الصلاة في الباطن، وإن صحت في الظاهر، كحقن الدم؛ لأن مقصود الصلاة لم يحصل، فهو شبيه صلاة المرائي، فإنه بالاتفاق لا يبرأ بها في الباطن، وهذا قول أبي عبد الله ابن حامد، وأبي حامد الغزالي وغيرهما.\nوالثاني: تبرأ الذمة، فلا تجب عليه الإعادة، وإن كان لا أجر له فيها، ولا ثواب، بمنزلة صوم الذي «لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ» (١)، وهذا هو المأثور عن الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، واستدلوا بما في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال «إذَا أذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ، فَلْيَسْجُدْ\n_________\n(١) لم أجد حديثًا بهذا اللفظ، وشيخ الإسلام هنا نسبه للمأثور عن الإمام أحمد وغيره، وأما الحديث الصحيح في هذا الباب فهو بلفظ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [مسند أحمد، ١٥/ ٥٢١، برقم ٩٨٣٩، وصحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم، برقم ١٩٠٣.","vol":"1","page":46},{"text":"سَجْدَتَيْنِ» (١)، فقد أخبر النبي - ﷺ - أن الشيطان يذكِّره بأمور حتى لا يدري كم صلى، وأمره بسجدتين للسهو، ولم يأمره بالإعادة، ولم يفرّق بين القليل والكثير.\nوهذا القول أشبه وأعدل؛ فإن النصوص والآثار إنما دلت على أن الأجر والثواب مشروط بالحضور، لا تدل على وجوب الإعادة، لا باطنًا ولا ظاهرًا، والله أعلم (٢).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب فضل التأذين، برقم ٦٠٨، ومسلم، كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه، برقم ٣٨٩. بألفاظ مقاربة.\n(٢) فتاوى شيخ الإسلام، ٢٢/ ٦١١ - ٦١٣ بتصرف.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث السابع: منزلة الخشوع في الصلاة</span>\nالخشوع في الصلاة بمنزلة الروح من الجسد، فإذا فُقِدَت الروح مات الجسد، فالخشوع روح الصلاة، ولبُّها.\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «... وكذلك فَوتُ الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها بين يدي الرب ﵎، الذي هو روحها، ولُبُّها، فصلاةٌ بلا خشوعٍ، ولا حضور، كبدنٍ ميِّتٍ لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يُهدي إلى مخلوقٍ مثله عبدًا ميِّتًا، أو جارية ميِّتة؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها: من ملكٍ، أو أميرٍ، أو غيره، فهكذا؛ سواء الصلاة الخالية عن الخشوع، وجمع الهمة على الله تعالى فيها، بمنزلة هذا العبد - أو الأمة - الميِّت الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك؛ ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه، وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا، ولا يثيبه عليها؛ فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها ..» (١).\nوذكر ابن القيم ﵀ قول من قال: إن غلب على المصلِّي عدم الخشوع في الصلاة، وعدم تعقُّلِها وجب عليه إعادتها، واحتجوا: بأنها صلاة لا يُثاب عليها، ولم يُضمن له فيها الفلاح، فلم تبرأ ذمته منها ...؛ ولأن الخشوع، والتعقُّلَ: روح الصلاة، ومقصودها، ولبُّها، فكيف يُعتدّ بصلاةٍ فقدت روحها، ولبَّها، وبقيت صورتها وظاهرها؟ وقالوا: ولو ترك العبد واجبًا من واجباتها عمدًا\n_________\n(١) الوابل الصيب، ص ١٤ - ١٥.","vol":"1","page":48},{"text":"لأبطلها تركه، وغايته أن يكون بعضًا من أبعاضها، بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة، فكيف إذا عدمت روحها، ولُبَّها، وصارت بمنزلة العبد الميِّت، فإذا لم يعتدّ بالعبد المقطوع اليد، يعتقه تقرّبًا لله تعالى في كفارة واجبة، فكيف يعتدّ بالعبد الميت ..؟؟ وذكر بأن حجج أصحاب هذا القول قويّة ظاهرة.\nولكنه ﵀ رجّح القول الثاني الذي لا يوجب الإعادة، وإنما يفُوت المصلِّي غير الخاشع الثواب بقدر ما فاته من الخشوع في صلاته، ويفوته ما يحصل من الدرجات العُلا في الآخرة، ومرافقة المقرّبين، كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع، وذَكَر أن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، فإن أراد الإعادة لتحصل هذه الثمرات والفوائد فذاك إليه إن شاء أن يحصِّلها، وإن شاء أن يفوّتها على نفسه فوَّتها، ولا نلزمه بإعادتها ولا نعاقبه على تركها، ولا نرتب عليه أحكام تارك الصلاة، وهذا أرجح القولين (١).\nوكلام ابن القيم ﵀ هنا مختص بحضور القلب وخشوعه في الصلاة، أما من نقر الصلاة، ولم يتم ركوعها، أو سجودها، أو ترك شيئًا من شروطها، أو أركانها، أو تعمّد ترك واجب من واجباتها، فلا شكّ أن الإعادة تجب عليه.\nومما يدل على عظم منزلة الخشوع في الصلاة: أن الله تعالى\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، ١/ ٥٢٥ - ٥٣٠.","vol":"1","page":49},{"text":"يُعرِض عن من التفت بقلبه أو ببصره؛ لحديث أبي ذر - ﵁ -، يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «لاَ يَزَالُ اللَّهُ - ﷿ - مُقْبِلا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» (١)؛\nولحديث الحارث الأشعري يرفعه، وفيه: «... وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ...» (٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «الالتفات المنهيُّ عنه في الصلاة قسمان:\nأحدهما: التفات القلب عن الله - ﷿ - إلى غير الله تعالى.\nوالثاني: التفات البصر، وكلاهما منهي عنه، ولا يزال الله مقبلًا على عبده ما دام العبد مقبلًا على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره، أعرض الله تعالى عنه ... ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه مثل رجل قد استدعاه السلطان، فأوقفه بين يديه، وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتف عن السلطان يمينًا وشمالًا، وقد انصرف قلبه عن السلطان، فلا يفهم ما يخاطبه به؛ لأن قلبه ليس حاضرًا معه، فما ظنُّ هذا الرجل أن يفعل به السلطان، أفليس أقلّ المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتًا مبعدًا، قد\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٩٠٩، وأحمد، برقم ١٥٠٨، وغيرهما، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب، ١/ ٣٦٠، وتقدم تخريجه في حكم الخشوع في الصلاة.\n(٢) الترمذي، برقم ٢٨٦٣، وأحمد، برقم ١٧١٧٠، وغيرهما، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣٠/ ١٤٤، وتقدم تخريجه في حكم الخشوع في الصلاة.","vol":"1","page":50},{"text":"سقط من عينيه؟ فهذا المُصلِّي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته، الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته، وذلَّ عُنُقه له، واستحيى من ربه تعالى أن يقبل على غيره، أو يلتفت عنه، وبين صلاتيهما كما قال حسان بن عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض؛ وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله - ﷿ -، والآخر ساهٍ غافلٌ، فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله، وبينه وبينه حجاب لم يكن إقبالًا ولا تقرّبًا، فما الظن بالخالق - ﷿ -، وإذا أقبل على الخالق - ﷿ -، وبينه وبينه حجاب: الشهوات، والوساوس، والنفس مشغوفة بها، ملْأى منها، فكيف يكون ذلك إقبالًا، وقد ألهته الوساوس، والأفكار، وذهبت به كل مذهب» (١).\n_________\n(١) الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب، لابن القيم، ص ٣٥ - ٣٦، ببعض التصرف. وانظر: أيضًا الوابل الصيب، ص١٤ - ٣٧، ومدارج السالكين، ١/ ١١٢، و٥٢٥ - ٥٣٠.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الثامن: حكم الوسواس في الصلاة</span>\nالوسواس في الصلاة يدل على عدم كمال الإيمان، وعلى عدم استحضار العبد عظمة الله، وعدم الإحسان الكامل في الصلاة؛ فإن الإحسان في الصلاة: هو أن يصلّي المُصلِّي كأنه يرى الله؛ فإن لم يكن يراه فإنه يراه، كما قال النبي - ﷺ - حينما سأله جبريل - ﵇ - بقوله: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؛ فَقَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ؛ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (١).\nوأما حكم الوسواس في الصلاة، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عمن يحصل له الحضور في الصلاة تارة، ويحصل له الوسواس تارة، فما الذي يستعين به على دوام الحضور في الصلاة؟ وهل تكون تلك الوساوس مبطلة للصلاة؟ أو منقصة لها أم لا؟ وفي قول عمر: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة، هل كان ذلك يشغله عن حاله في جمعيَّته أو لا؟؟\nفأجاب: «الحمد لله رب العالمين، الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلًا باتفاق أهل العلم؛ بل ينقص الأجر، كما قال ابن عباس ﵄: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلْتَ منها» (٢).\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، برقم ٥٠، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان، والإسلام، والإحسان، ... برقم ٩، وثبت في صحيح مسلم، من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، في نفس الكتاب والباب السابقين، برقم ٨.\n(٢) تقدم تخريجه، في حكم الخشوع في الصلاة.","vol":"1","page":52},{"text":"وفي السنن عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا، إلَّا ثُلُثُهَا، إلَّا رُبُعُهَا، إلَّا خُمُسُهَا، إلَّا سُدُسُهَا، إلَّا سُبُعُهَا، إلَّا ثُمُنُهَا، إلَّا تُسْعُهَا، إلَّا عُشْرُهَا» (١).\nويُقال: إن النوافل شُرِعَتْ لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ أَكْمَلَهَا، وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ» (٢)، وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقًا.\nوأما الوسواس الذي يكون غالبًا على الصلاة، فقد قال طائفة، منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبوحامد الغزالي، وغيرهما: إنه يوجب الإعادة أيضًا لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، فَإِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولَ: اُذْكُرْ كَذَا، اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلَ لاَ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٧٩٦، وحسنه الألباني، وقد تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه، ١/ ٢٢٩، برقم ٨٦٤، والترمذي في سننه، ٢/ ٢٦٩، برقم ٤١٣، وقال: «حسن غريب»، والنسائي في سننه، ١/ ٢٣٣، برقم ٤٦٦، وابن ماجه في سننه، ١/ ٤٥٨، برقم ١٤٢٥، جميعًا عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،\n٤/ ٢٠، وفي صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٤٠.","vol":"1","page":53},{"text":"وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» (١)، وقد صحّ عن النبي - ﷺ -: الصلاة مع الوسواس مطلقًا، ولم يفرق بين القليل والكثير.\nولا ريب أن الوسواس كلّما قلّ في الصلاة، كان أكمل، كما في الصحيحين من حديث عثمان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أنَّ مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُحَدِّثْ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢)، وكذلك فى الصحيح أنه قال: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ، وَقَلْبِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣).\nوما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ - ﵁ -: «فيَّ ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا أنا؛ إذا كنت في الصلاة لا أُحَدِّث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله حديثًا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحَدِّث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها» (٤).\n_________\n(١) البخاري، برقم ٦٠٨، ومسلم، برقم ٣٨٩، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه، البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، برقم ١٥٩، ومسلم، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، برقم ٢٢٦.\n(٣) رواية مسلم، كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، برقم ٢٣٤، على النحو الآتي: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ». ولفظ المتن أقرب لرواية الإمام أحمد، برقم ١٧٣١٤.\n(٤) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب، ٢/ ٦٠٥ من حديث ابن عباس متصلًا، وفي جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٣٧٠، وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال، ٣/ ٢٣٤، ورواه الطبراني في المعجم الكبير، ٦/ ٥/٥٣٢١، وذكره الهيثمي في المجمع، ٩/ ٣٠٨، وقال: «رواه الطبراني بإسنادين أحدهما عن أبي سلمة مرسلًا، والآخر عن الماجشون منقطعًا، وفي إسناده من لم أعرفه».","vol":"1","page":54},{"text":"وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه، وقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر (١).\nوكان عبد الله بن الزبير - ﵁ - يسجد، فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه، وهو في الصلاة لا يرفع رأسه (٢).\nوقالوا لعامر بن عبد القيس أتُحَدِّثُ نفسك بشيء في الصلاة؟ فقال أو شيء أحب إليّ من الصلاة أُحَدِّثُ به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبالجنة والحور، ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنّة فيَّ أحبُّ إليَّ، وأمثال هذا متعدد (٣).\nوالذي يُعين على ذلك شيئان: قوة المقتضى، وضعف الشاغل:\nأما الأول: فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله، ويتدبّر القراءة، والذكر، والدعاء، ويستحضر أنه مناجٍ لله تعالى، كأنه يراه، فإن المصلي إذا كان قائمًا فإنما يناجي ربه، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان، والأسباب المقوية للإيمان كثيرة؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يقول: «حُبِّبَ\n_________\n(١) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٦٠٥، ولم أجده عند غيره.\n(٢) ذكره أبو نعيم في طبقات المحدثين في أصبهان، برقم ١٧.\n(٣) ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين دون عزوه لأحد، ١/ ٢٨١، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٦٠٥، وقد ذكر ابن المبارك في الزهد جزءًا منه، ص ٢٩٤، ومثله في تاريخ دمشق، ٢٦/ ٢٣ ..","vol":"1","page":55},{"text":"إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (١)، وفي حديث آخر أنه قال: «أَرِحْنَا يَا بِلَالُ بِالصَّلَاةِ» (٢)، ولم يقل أرحنا منها.\nوفي أثر آخر: «ليس بمستكملٍ للإيمان من لم يزل مهمومًا حتى يقوم إلى الصلاة» (٣)، أو كلام يقارب هذا، وهذا باب واسع.\nفإن ما في القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته، وإخلاص الدين له، وخوفه ورجائه، والتصديق بأخباره، وغير ذلك، مما يتباين الناس فيه، ويتفاضلون تفاضلًا عظيمًا، ويقوى ذلك كلما ازداد العبد تدبرًا للقرآن وفهمًا، ومعرفة: بأسماء الله، وصفاته، وعظمته، وتفقره إليه في عبادته، واشتغاله به، بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب؛ فإنه لا صلاح له إلا بأن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه، ويأنس به، ويلتذّ بذكره، ويستريح به، ولا حصول لهذا إلا بإعانة الله، ومتى كان للقلب إله غير الله فسد، وهلك هلاكًا لا صلاح معه، ومتى لم يعنه الله على ذلك لم يصلحه، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ،\n_________\n(١) أخرجه أحمد، برقم ١٢٢٩٣، والبيهقي في السنن الكبرى، ٧/ ٧٨، والحاكم، ٢/ ١٧٤، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣١٢٤.\n(٢) أحمد، برقم ٢٣٠٨٠، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في صلاة العتمة، برقم ٤٩٨٥، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم ١٢٥٣.\n(٣) أورده ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث، ١٧٢، وابن القيم في طريق الهجرتين، ص ٤٥٧، وعزاه إلى بعض السلف.","vol":"1","page":56},{"text":"ولا منجا منه إلا إليه.\nوأما زوال العارض: فهو الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما لا يعينه، وتدبر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، وهذا في كل عبد بحسبه؛ فإن كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها، والمكروهات التي ينصرف القلب إلى دفعها.\nوالوساوس إما من قبيل الحب، من أن يخطر بالقلب ما قد كان أو من قبيل الطلب، وهو أن يخطر في القلب ما يريد أن يفعله.\nومن الوساوس ما يكون من خواطر الكفر والنفاق، فيتألَّم لها قلب المؤمن تألُّمًا شديدًا، كما قال الصحابة: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا لَأَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: أَوَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»، وَفِي لَفْظٍ: «إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا يَتَعَاظَمُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ» (١).\nقال كثير من العلماء: فكراهة ذلك وبغضه، وفرار القلب منه، هو صريح الإيمان، والحمد لله الذي كان غاية كيد الشيطان الوسوسة؛\n_________\n(١) أحمد، برقم ٢٠٩٧، أبو داود، كتاب الأدب، باب في رد الوسوسة، برقم ٥١١٤، النسائي في السنن الكبرى، ٦/ ١٧١، حديث رقم: ١٠٥٠٣، وصححه العلامة الألباني في تخريج كتاب الإيمان لابن تيمية، ص ١٠٢.","vol":"1","page":57},{"text":"فإن شيطان الجن إذا غُلب وسوس، وشيطان الإنس إذا غلب كذب، والوسواس يعرض لكل من توجَّه إلى الله تعالى بِذكرٍ أو غيره، لا بُدّ له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة، ولا يضجر؛ فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (١)، وكلما أراد العبد توجّهًا إلى الله تعالى بقلبه، جاء من الوسواس أمور أخرى؛ فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد يسير إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلف: «إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، فقال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخراب» (٢)، وتفاصيل ما يعرض للسالكين طويل موضعه.\nوأما ما يروى عن عمر بن الخطاب - ﵁ - من قوله: «إنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي، وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ» (٣)، فذاك لأن عمر كان مأمورًا بالجهاد، وهو أمير المؤمنين، فهو أمير الجهاد، فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلِّي الذي يصلِّي صلاة الخوف حال معاينة العدو، إما\nحال القتال، وإما غير حال القتال، فهو مأمور بالصلاة ومأمور بالجهاد، فعليه أن يؤدي الواجبين بحسب الإمكان، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٧٦.\n(٢) لم أجد هذا الأثر إلا في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام، ٢٢/ ٦٠٨، وغيرها من كتبه.\n(٣) ذكره البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب العمل في الصلاة، باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة، قبل الرقم ١٢٢١، وقال الحافظ في فتح الباري، ٣/ ٩٠: «وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي عنه».","vol":"1","page":58},{"text":"تُفْلِحُونَ﴾ (١).\nومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينته حال الأمن، فإذا قُدِّرَ أنه نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد، لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد وطاعته؛ ولهذا تخفف صلاة الخوف عن صلاة الأمن، ولما ذكر - ﷾ - صلاة الخوف قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢)، فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف.\nومع هذا: فالناس متفاوتون في ذلك، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصلاة، مع تدبره للأمور بها، وعمر قد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو المُحَدَّث المُلْهَم، فلا ينكر لمثله أن يكون له مع تدبيره جيشه في الصلاة من الحضور ما ليس لغيره، لكن لا ريب أن حضوره مع عدم ذلك يكون أقوى، ولا ريب أن صلاة رسول الله - ﷺ - حال أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف فى الأفعال الظاهرة، فإذا كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة، فكيف بالباطنة؟.\nوبالجملة فَتَفَكُّر المُصلِّي في الصلاة في أمر يجب عليه قد يضيق وقته ليس كتفكُّره فيما ليس بواجب، أو فيما لم يضق وقته، وقد يكون عمر لم يمكنه التفكر في تدبير الجيش إلا في تلك الحال،\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٤٥.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٠٣.","vol":"1","page":59},{"text":"وهو إمام الأمة والواردات عليه كثيرة، ومثل هذا يعرض لكل أحد بحسب مرتبته، والإنسان دائمًا يذكر في الصلاة ما لا يذكره خارج الصلاة، ومن ذلك ما يكون من الشيطان، كما يُذكر أن بعض السلف: «ذَكَرَ لَهُ رَجُلٌ أنَّه دفن مالًا وقد نسي موضعه، فقال: قم فصلّ، فقام فصلَّى، فذكره، فقيل له: من أين علمت ذلك؟ قال: علمت أن الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يُذَكِّره بما يشغله، ولا أهم عنده من ذكر موضع الدفن» (١)، لكن العبد الكيِّس يجتهد في كمال الحضور، مع كمال فعل بقية المأمور، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (٢).\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٦٠٣ - ٦١٠ ببعض التصرف.\n(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٦٠٣ - ٦١٠ ببعض التصرف.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث التاسع: الخشوع في الصلاة من إقامتها</span>\nلا شك أن الخشوع في الصلاة من إقامتها؛ فإن إقامة الصلاة لا تكون إلا بإقامة: شروطها، وأركانها، وواجباتها، والخشوع واجب على الصحيح؛ لأمر الله ورسوله - ﷺ - بذلك، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١)، فأمرنا بإقامتها، وهو الإتيان بها: قائمة تامة القيام، والركوع، والسجود، والأذكار، وقد علّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المُصلِّي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعًا؛ بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة، وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعًا، وكلما قلّ خشوعه اشتدت عجلته، حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع، ولا إقبال على العبودية، ولا معرفة حقيقة العبودية، والله سبحانه قد قال: ﴿﴾ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (٤)، وقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ (٦)، وقال إبراهيم - ﵇ -: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ (٧)، وقال لموسى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٨)، فلن تكاد تجد ذكر الصلاة\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٤٣.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٣.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٥٥.\n(٤) سورة هود، الآية: ١١٤.\n(٥) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(٦) سورة النساء، الآية: ١٦٢.\n(٧) سورة إبراهيم، الآية: ٤٠.\n(٨) سورة طه، الآية: ١٤.","vol":"1","page":61},{"text":"في موضع من التنزيل إلا مقرونًا بإقامتها، فالمصلُّون في الناس قليل، ومقيم الصلاة منهم أقل القليل، كما قال عمر - ﵁ -: «الحاج قليل والركب كثير» (١).\nفالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلَّةَ القسم، ويقولون: يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم، وليتنا نأتي به، ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الربّ - ﷻ - بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم، فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه، فيُزيِّنه ويُحسِّنه ما استطاع، ثم يتقرّب به إلى من يرجوه ويخافه، كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه، فيستريح منه، ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع (٢).\nوليس من كانت الصلاة ربيعًا لقلبه، وحياةً له، وراحةً، وقرةً لعينه، وجلاءً لحزنه، وذهابًا لهمه وغمه، ومفزعًا له إليه في نوائبه ونوازله، كمن هي سحت لقلبه، وقيد لجوارحه، وتكليف له، وثِقَلٌ عليه، فهي كبيرة على هذا، وقرّةُ عينٍ وراحة لذلك.\nقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ*الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٣)، فإنما كبرت على غير هؤلاء لخلوّ قلوبهم من محبّة الله تعالى، وتكبيره، وتعظيمه، والخشوع له، وقلَّة رغبتهم فيه؛ فإن حضور العبد\n_________\n(١) مصنف عبد الرزاق، ٥/ ١٩، برقم ٨٨٣٧.\n(٢) الصلاة لابن القيم، ص ١٠٩.\n(٣) سورة البقرة، الآيتان: ٤٥ - ٤٦.","vol":"1","page":62},{"text":"في الصلاة، وخشوعه فيها، وتكميله لها، واستفراغه وِسْعَه في إقامتها، وإتمامها على قدر رغبته في الله ...\nوها هنا عجيبة تحصل لمن تفقَّه قلبه في معاني القرآن من عجائب الأسماء والصفات، وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه؛ بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعًا من صلاته، ومحلًاّ منها، فإنه إذا انتصب قائمًا بين يدي الرب ﵎ شاهد بقلبه قيُّوميَّته، وإذا قال: «الله أكبر» شاهد كبرياءه، وإذا قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك» شاهد بقلبه ربًا مُنزَّهًا عن كل عيب، سالمًا من كل نقص، محمودًا بكل حمد، فَحَمْدُهُ يتضمن وصفه بكل كمال، وذلك يستلزم براءته من كل نقص، تبارك اسمه، فلا يُذكُر على قليلٍ إلا كثَّرهُ، وعلى خيرٍ إلا أنماه، وبارك فيه، ولا على آفةٍ إلا أذهبها، ولا على شيطانٍ إلا ردَّه خاسئًا داحرًا، وكمال الاسم من كمال مُسمَّاه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء، فشأن المُسمَّى أعلى وأجل، وتعالى جدُّه، أي ارتفعت عظمته، وجلت فوق كل عظمة، وعلا شأنه على كل شأن، وقهر سلطانه على كل سلطان، فتعالى جدُّه أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيَّتِه، أو في إلهيَّته، أو في أفعاله، أو في صفاته، كما قال مؤمن الجنّ: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ (١)، فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها غير المُعطِّل لحقائقها.\n_________\n(١) سورة الجن، الآية: ٣.","vol":"1","page":63},{"text":"وإذا قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فقد أوى إلى ركنه الشديد، واعتصم بحوله وقوته من عدوِّه الذي يريد أن يقطعه عن ربه، ويبعده عن قربه؛ ليكون أسوأ حالًا.\nفإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقف هُنَيْهَةً يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله: «حمدني عبدي»، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ انتظر الجواب بقوله: «أثنى عليَّ عبدي» فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ انتظر جوابه: «مَجَّدني عبدي» فيا لّذة قلبه، وقرّة عينه، وسرور نفسه بقول ربه: عبدي ثلاث مرات، فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات، وغيم النفوس، لاستطيرت فرحًا وسرورًا بقول ربها، وفاطرها، ومعبودها: «حمدني عبدي، أثنى عليَّ عبدي، مجدني عبدي» ...\nفإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [انتظر جواب ربه بقوله: «هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل»]، ففيها سر الخلق والأمر، والدنيا والآخرة، وهي متضمنة لأجلّ الغايات، وأفضل الوسائل، فأجل الغايات عبوديته، وأفضل الوسائل إعانته، فلا معبود يستحق العبادة إلا هو، ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجلّ الوسائل.\nفإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ انتظر جواب ربه بقوله: «هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل» ثم يشهد الداعي شدة فاقته، وضرورته إلى هذه المسألة التي ليس هو إلى شيء أشدّ فاقة، وحاجة منه إليها البتة؛ فإنه محتاج إليه في كل نَفَسٍ، وطرفة عين، وهذا المطلوب من","vol":"1","page":64},{"text":"هذا الدعاء لا يتمّ إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، والهداية فيه، وهي هداية التفصيل، وخلق القدرة على الفعل، وإرادته، وتكوينه، وتوقيعه لإيقاعه له على الوجه المرضي المحبوب للرب - ﷾ -، وحفظه عليه من مفسداته حال فعله، وبعد فعله.\nولما كان العبد مفتقرًا في كل حالٍ إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره ... فرض الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله مرات متعددة في اليوم والليلة.\nثم بيَّن أن أهل هذه الهداية هم المختصُّون بنعمته دون المغضوب عليهم، وهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، ودون الضالين، وهم الذين عبدوا الله بغير علم، فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم، فسبيل المنعم [عليهم] مغايرة لسبيل أهل الباطل كلها عِلْمًا وعملًا.\nفلما فرغ من هذا الثناء، والدعاء، والتوحيد، شُرِعَ له أن يطبع على ذلك بطابع من التأمين، يكون كالخاتم له، وافق فيه ملائكة السماء، وهذا التأمين من زينة الصلاة، كرفع اليدين الذي هو زينة الصلاة، واتباع للسنة، وتعظيم أمر الله، وعبودية اليدين وشعار الانتقال من ركن إلى ركن (١).\nوقد تَبيَّن بما تقدم: أن الخشوع يدخل في الأمر بإقامة الصلاة، والله - ﷾ - أعلم.\n_________\n(١) كتاب الصلاة لابن القيم، ص ١٠٩ - ١١٤ بتصرف.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث العاشر: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة</span>\nترك الخشوع في الصلاة يسبب: ترك أركانها، وواجباتها، فلا يمكن للخاشع لله في صلاته أن ينقر صلاته، أو يترك شيئًا من أركانها أو واجباتها على أقل الأحوال؛ لأنه يستحضر عظمة الله تعالى، ويخاف عقابه، ويرجو ثوابه؛ ولهذا جاءت النصوص الثابتة بالتحذير من الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الأمر الأول: التحذير من نقر الصلاة، وعدم إتمامها:</span>\n١ - قد يُصلِّي المرء ستين سنة، وما قبل الله منه صلاة واحدة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً، ومَا تُقْبَلُ لَهُ صَلاَةٌ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ، وَلاَ يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ، وَلاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ» (١).\n٢ - أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: «لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا»، أَوْ قَالَ: «لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، ١/ ٢٨٨، والأصبهاني في الترغيب والترهيب، برقم ١٨٩٥، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤٧، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٦/ ٨١، برقم ٢٥٣٥.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند ٣٧/ ٣١٩، برقم ٢٢٦٤٢، واللفظ له، وابن خزيمة، ١/ ٣٣٢، برقم ٦٦٣، والحاكم، ١/ ٢٢٩، وابن حبان في صحيحه، برقم ١٨٨٨، والبيهقي،\n٢/ ٣٨٦، والطبراني، برقم ٢٣٤٧، وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤٥، وصححه محققو مسند الإمام أحمد، ٣٧/ ٣١٩.","vol":"1","page":66},{"text":"٣ - لا ينظر الله - ﷿ - إلى صلاة عبدٍ لا يُقيم صلبه بين ركوعها وسجودها؛ لحديث طلق بن علي الحنفي - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ - ﷿ - إِلَى صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى صَلَاةِ رَجُلٍ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ» (٢).\n٤ - من مات وهو لا يُتمّ ركوعه، وينقر في سجوده، مات على غير ملّة محمد - ﷺ -؛ لحديث أبي عبد الله الأشعري - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا لا يُتمّ ركوعه [و] ينقر في سجوده وهو يصلي، فقال رسول الله - ﷺ -: «لَوْ مَاتَ هَذَا عَلَى حَالِهِ هَذِهِ، مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -» ثُمَّ قَالَ - ﷺ -: «مَثَلُ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ، وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ، مَثَلُ الْجَائِعِ يَأْكُلُ التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَيْنِ لَا يُغْنِيَانِ عَنْهُ شَيْئًا» (٣).\n٥ - قد ينصرف المصلِّي ولم يكتب له من صلاته إلا عشرها؛ لحديث عمار بن ياسر - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الرَّجُلَ\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٢٦/ ٢١١، برقم ١٦٢٨٣، والطبراني في الكبير، برقم ٨٢٦١، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤٦: (حسن صحيح»، وجاء مثله من حديث علي بن شيبان في مسند أحمد، برقم ١٦٢٨٤، وبرقم ٢٤٠٠٩/ ٧٤.\n(٢) أحمد، ١٦/ ٤٦٦، برقم ١٠٧٩٩، وحسنه محققو مسند أحمد، ١٦/ ٤٦٦.\n(٣) الطبراني في الكبير، ٤/ ١١٥، برقم ٣٨٤٠، وابن خزيمة، ١/ ٣٣٢، برقم ٦٦٥، وأبو يعلى، برقم ٧١٨٤، وحسن إسناده الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤٧، وفي تعليقه على صحيح ابن خزيمة، ١/ ٣٣٢.","vol":"1","page":67},{"text":"لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» (١).\nوعن أبي اليَسَر: كعب بن عمرو السلمي - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ -، قال: «مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي النِّصْفَ، وَالثُّلُثَ، وَالرُّبُعَ»، حَتَّى بَلَغَ: «الْعُشْرَ» (٢).\n٦ - قد يُصلّي المرء أربعين سنة، ولا يكتب له صلاة واحدة؛ لحديث حذيفة موقوفًا عليه: أنَّهُ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَإَذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، فَجَعَلَ لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلاَ السُّجُودَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مُنْذُ كَمْ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: «مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَوْ مِتَّ وَهَذِهِ صَلاتُكَ لَمِتَّ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ - ﷺ -، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ يُعَلِّمُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُخَفِّفُ فِي صَلاتِهِ وإنَّهُ لَيُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ» (٣).\n٧ - نقر الصلاة كنقر الغراب، أو الطائر بمنقاره من علامات النفاق الخالص؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في نُقصان الصلاة، برقم ٧٩٦، وغيره، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٢٦، وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى، برقم ٦١٥.\n(٢) أحمد ٢٤/ ٢٨٠، برقم ١٥٥٢٢، والنسائي في الكبرى، برقم ٦١٦، ١/ ٣١٦، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٥٢.\n(٣) أحمد في المسند، ٣٨/ ٢٩٤، برقم ٢٣٢٥٨، والنسائي في المجتبى، برقم ١٣١٢، وفي الكبرى، برقم ٦١١، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٢١.","vol":"1","page":68},{"text":"بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» (١)، ورجَّح النووي ﵀: أن قول النبي - ﷺ -: «بين قرني شيطان» على حقيقته، وظاهر لفظه، والمراد: أن الشيطان يحاذي الشمس عند غروبها بقرنيه، وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذٍ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويُخيَّل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له (٢).\nوقال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: «فَوَصَفَهُ بإضاعة الوقت بقوله: «يرقب الشمس»، وبإضاعة الأركان، بذكره النقر، وبإضاعة حضور القلب بقوله: «لا يذكر الله فيها إلا قليلًا»» (٣).\n٨ - بكاءُ أنس بن مالك - ﵁ - على تأخير الصلاة عن وقتها وتضييعها، فعن الزهري ﵀ قال: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: «لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ» (٤)، ومعنى تضييعها: أي تأخيرها عن وقتها، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقد صحَّ أنّ الحَجَّاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد استحباب التبكير بالعصر، برقم ٦٢٢.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٢٩.\n(٣) تفسير الفاتحة، بتحقيق د. فهد بن عبد الرحمن الرومي، الطبعة الخامسة، ١٤٠٩هـ، بدون ناشر.\n(٤) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب تضييع الصلاة عن وقتها برقم ٥٣٠.\n(٥) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ١٤.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الأمر الثاني: التحذير من ترك شيء من أركان الصلاة:</span>\nأفعال الصلاة وأقوالها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أركان: وهي ما لا يسقط جهلًا، ولا عمدًا، ولا سهوًا، وواجبات: وهي ما تبطل به عمدًا ويسقط جهلًا وسهوًا، ويجبر بسجود السهو، وسنن: وهي ما لا تبطل به عمدًا ولا سهوًا.\nوالركن في اللغة: جانب الشيء الأقوى، الذي لا يقوم ولا يتم إلا به، وسميت أركان الصلاة: تشبيهًا لها بأركان البيت الذي لا يقوم إلا بها، والركن في الاصطلاح: ماهية الشيء والذي يتركب منه ويكون جزءًا من أجزائه، ولا يوجد ذلك الشيء إلا به، وهو عبارة عن جزء الماهية: وهي الصورة (١).\nوأركان الصلاة أربعة عشر ركنًا على النحو الآتي:\nالأول: القيام في الفرض مع القدرة؛ لقول الله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ﴾ (٢)؛ ولحديث عمران بن حصين - ﵁ - قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي - ﷺ - عن الصلاة؟ فقال: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطعْ فعلى جنب» (٣)؛ ولحديث مالك بن الحويرث - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (٤).\n_________\n(١) انظر: حاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ١٢٢.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٣) البخاري، كتاب أبواب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب، برقم ١١١٧.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة ...، برقم ٦٣١.","vol":"1","page":70},{"text":"الثاني: تكبيرة الإحرام؛ لقول النبي - ﷺ - في حديث المسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» (١)؛ ولحديث علي - ﵁ - يرفعه: «مفتاح الصلاة الطّهور، وتحريمُها التكبير، وتحليلُها التسليم» (٢).\nالثالث: قراءة الفاتحة مرتبة في كل ركعة؛ لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاةَ لمَنْ لم يقرأْ بفاتحة الكتاب» (٣)، وفيها إحدى عشرة تشديدة، فإن ترك حرفًا ولم يأت بما ترك لم تصحَّ صلاته.\nالرابع: الركوع؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٤)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته، وفيه: «ثمّ اركعْ حتى تطمئنَّ راكعًا» (٥).\nالخامس: الرفع من الركوع والاعتدال قائمًا؛ لقوله - ﷺ - في حديث المُسيء صلاته، وفيه: «ثمّ ارفعْ حتى تعدلَ قائمًا» (٦).\nالسادس: السجود على الأعضاء السبعة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب أمر النبي - ﷺ - الذي لا يتم الركوع بإعادته، برقم ٧٩٣، ومسلم، كتاب الأذان، باب أمر النبي - ﷺ - الذي لا يتم الركوع بإعادته، برقم ٣٩٧.\n(٢) أبو داود، كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء، برقم ٦١، والترمذي، أبواب الطهارة عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور برقم ٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ١٠٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، برقم ٧٥٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءءة الفاتحة في كل ركعة، ...، برقم ٣٩٤.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٧٧.\n(٥) البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، برقم ٧٥٧.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، برقم ٧٥٧.","vol":"1","page":71},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته، وفيه: «ثمّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا» (٢)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «أُمرتُ أن أسجدَ على سبعة أعْظُمٍ: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين» (٣).\nالسابع: الرفع من السجود؛ لقوله - ﷺ -: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا» (٤).\nالثامن: الجلسة بين السجدتين؛ لقوله - ﷺ -: «حتى تطمئن جالسًا» (٥).\nالتاسع: الطمأنينة في جميع الأركان؛ لأن النبي - ﷺ - لَمّا علَّمَ المسيء صلاته كان يقول له في كل ركن: «حتى تطمئنَّ» (٦) والطمأنينة: هي السكون بقدر الذكر الواجب، فلو لم يسكن لم يطمئن (٧).\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٧٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من السجود، برقم ٧٨٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة، برقم ٣٩٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب السجود على الأنف، برقم ٨١٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة، برقم ٤٩٠.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، برقم ٧٥٧.\n(٥) البخاري، برقم ٧٥٧.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، برقم ٧٥٧، وكتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من السجود، ٧٨٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة، إلا رفعه من الركوع ... برقم ٣٩٢.\n(٧) انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ١٢٦، والشرح الممتع، ٣/ ٤٢١.","vol":"1","page":72},{"text":"العاشر: التشهد الأخير؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - وفيه: «لا تقولوا: السلامُ على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله ...» (١). ولفظه عند النسائي: كنا نقول في الصلاة قبل أن يُفرض التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل، وميكائيل، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تقولوا هكذا، فإنَّ اللهَ هو السلام، ولكن قولوا: التحياتُ لله ...» (٢).\nالحادي عشر: الجلوس للتشهد الأخير؛ لأن النبي - ﷺ - فعله جالسًا، وداوم عليه، كما تقدم في الأحاديث، وقد أمرنا - ﷺ - بالصلاة كصلاته، فقال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (٣).\nالثاني عشر: الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأخير؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤)؛ ولحديث كعب بن عجرة (٥) - ﵁ - وفيه:\n«يا رسول الله قد علمنا كيف نُسلِّمُ عليك، فكيف نُصلِّي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد ...» الحديث» (٦)؛ ولحديث عبد الله بن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة، برقم ٨٣١، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي - ﷺ - بعد العصر، برقم ٨٣٥.\n(٢) النسائي، كتاب السهو، باب إيجاب التشهد، برقم ١٢٧٨.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد، برقم ٦٢٨، ورقم ٦٠٠٨.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.\n(٥) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي - ﷺ - برقم ٦٣٥٧، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، برقم ٤٠٦.","vol":"1","page":73},{"text":"مسعود - ﵁ - وفيه: «أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله - ﷺ - حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد ...» الحديث (١).\nالثالث عشر: الترتيب بين أركان الصلاة؛ لأن النبي - ﷺ - عَلَّم المسيء صلاته مرتبة بـ «ثُمَّ»، فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبِّرْ، ثم اقرأْ ما تيسَّرَ معك مِنَ القرآن، ثمَّ اركعْ حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائمًا، ثمَّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، ثمَّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها» (٢)، وقال أبو أسامة في الأخير: «حتى تستويَ قائمًا» (٣)؛ ولأن النبي - ﷺ - واظب على هذا الترتيب، وقال: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (٤).\nالرابع عشر: التسليمتان؛ لحديث علي - ﵁ - يرفعه: «مفتاح الصلاة الطّهور، وتحريمها التّكْبير، وتحليلُها التسليم» (٥)؛ولحديث عامر بن سعد عن أبيه - ﵁ - قال: «كنت أرى رسول الله - ﷺ - يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خدّه» (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، برقم ٤٠٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٥٧، ٧٩٣، ٦٢٥١، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ٦٦٦٧.\n(٤) البخاري، برقم ٦٢٨، ٦٠٠٨، وتقدم تخريجه.\n(٥) أبو داود، برقم ٦١، والترمذي، برقم ٣، وتقدم تخريجه.\n(٦) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها وكيفيته، برقم ٥٨٢.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الأمر الثالث: التحذير من ترك شيء من واجبات الصلاة:</span>\nواجبات الصلاة ثمانية، تبطل الصلاة بتركها عمدًا، وتسقط سهوًا وجهلًا، وتجبر بسجود السهو، وهي على النحو الآتي:\nالأول: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام (١)؛ لحديث أنس - ﵁ - يرفعه: «إنما جُعلَ الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبروا» (٢)؛ولحديث ابن عباس ﵄ قال عكرمة: رأيت رجلًا عند المقام يكبّر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس ﵄ فقال: «أوليس تلك صلاة النبي - ﷺ - لا أم لك؟» (٣).\nوفي رواية: «صليت خلف شيخ بمكةَ فكبّر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك، سُنّة أبي القاسم - ﷺ -» (٤)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبّر حين يقوم، ثم يكبّر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم\n_________\n(١) ويستثنى ما يلي:\nالتكبيرات الزوائد في صلاة العيد والاستسقاء، فإنها سنة.\nتكبيرات الجنازة، فإنها ركن.\nتكبيرة الركوع لمن أدرك الإمام راكعًا. فإنها سنة. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٤٣٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة، برقم ٧٣٣، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١١.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب إتمام التكبير في السجود، برقم ٧٨٧، وانظر: سنن النسائي،\n\n٢/ ٢٠٥، برقم ١٠٨٣، والترمذي، برقم ٢٥٣، وأحمد، ١/ ٣٨٦.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من السجود، برقم ٧٨٨.","vol":"1","page":75},{"text":"يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» (١).\nالثاني: قول: سبحان ربي العظيم في الركوع؛ لحديث حذيفة - ﵁ - يرفعه: «فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم» (٢)؛ ولقول النبي - ﷺ -: «وأما الركوع فعظِّمُوا فيه الربَّ - ﷿ -» (٣).\nالثالث: قول: «سمع الله لمن حمده» للإمام والمنفرد؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «ثم يقول: سمع الله لمن حمده إذا رفع صلبه من الركوع» (٤).\nالرابع: قول: ربنا ولك الحمد للكل [الإمام، والمنفرد، والمأموم] أما الإمام والمنفرد؛ فلحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد» (٥). وأما المأموم؛ فلحديث أنس - ﵁ - يرفعه وفيه: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» (٦).\nالخامس: قول: سبحان ربي الأعلى في السجود؛ لحديث حذيفة يرفعه\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من السجود، برقم ٧٨٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة إلا رفعه من الركوع ...، برقم ٣٩٢.\n(٢) مسلم، برقم ٧٧٢، وتقدم تخريجه.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، برقم ٤٧٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣٣، ومسلم، برقم ٤١١، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":76},{"text":"وفيه: «ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى» (١).\nالسادس: قول: «ربِّ اغفر لي بين السجدتين»؛ لحديث حذيفة - ﵁ - يرفعه وفيه: وكان يقول: «ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي» (٢).\nالسابع: التشهد الأول؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: علَّمَنا رسول الله - ﷺ - أن نقول إذا جلسنا في الركعتين: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (٣)؛ولحديث عبد الله بن بحينة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبِّر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلِّم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس (٤).\nالثامن: الجلوس للتشهد الأول؛ لحديث عبد الله بن بحينة السابق وفيه: «قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس، قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه، مكان ما نسي من الجلوس» (٥).\n_________\n(١) مسلم، برقم ٧٧٢، وتقدم تخريجه.\n(٢) أبو داود، برقم ٨٧٤، وابن ماجه، برقم ٨٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) النسائي، كتاب التطبيق، باب كيف التشهد الأول، برقم ١١٦٣، ١١٦٤، وأحمد، ١/ ٤٣٧، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، برقم ١١٦٢، وفي صحيح أبي داود، برقم ٨٩٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التشهد في الأولى، برقم ٨٣٠، ومسلم، واللفظ له، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم ٥٧٠.\n(٥) تقدم تخريجه في الذي قبله.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الأمر الرابع: التحذير من فعل شيء من مبطلات الصلاة التي تفسدها:</span>\nتبطل الصلاة وتجب إعادتها بقول أو فعل مما يأتي:\n١ - الكلام العمد مع الذكر؛ لحديث زيد بن أرقم - ﵁ - قال: «كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام» (٢)؛ ولحديث معاوية بن الحكم - ﵁ - وفيه: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن» (٣)؛ ولحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: كُنَّا نُسَلِّمُ على رسول الله - ﷺ - وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا (٤) فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: «إن في الصلاة شغلًا» (٥). قال ابن المنذر - ﵀ -: «وأجمعوا على أن من تكلم في صلاته عامدًا وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها، أن صلاته فاسدة» (٦).\n٢ - الضحك بصوت يسمعه المصلي أو غيره، وهو ما يعبر عنه بالقهقهة، قال ابن المنذر - ﵀ -: «وأجمعوا على أن\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، برقم ٥٣٩.\n(٣) مسلم، الكتاب والباب المشار إليهما آنفًا، برقم ٥٣٧.\n(٤) ولكن يرد المصلي على المسلم بالإشارة، انظر: صحيح مسلم، برقم ٥٤٠.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، برقم ٥٣٨.\n(٦) الإجماع، ص٤٣، برقم ٦٦.","vol":"1","page":78},{"text":"الضحك يفسد الصلاة» (١).\n٣ - الأكل.\n٤ - الشرب، قال ابن المنذر - ﵀ -: «وأجمعوا على أن من أكل أو شرب في صلاته الفرض عامدًا أن عليه الإعادة» (٢).\n٥ - انكشاف العورة عمدًا؛ لأن من شروط الصلاة ستر العورة، فإذا عدم الشرط عمدًا بدون عذر بطل المشروط، وهو هنا الصلاة (٣).\n٦ - الانحراف الكثير عن جهة القبلة؛ لأن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة.\n٧ - العبث الكثير المتوالي لغير ضرورة [أي الحركة الكثيرة المتوالية].\n٨ - انتقاض الطهارة؛ لأنها شرط من شروط الصلاة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه وفيه: «لا تقبل صلاة بغير طهور» (٥)،وكذلك إذا ترك المُصلِّي ركنًا من أركان الصلاة، أو\n_________\n(١) الإجماع لابن المنذر، ص٤٣، برقم ٦٢.\n(٢) الإجماع، ص٤٣.\n(٣) انظر: الدروس المهمة للإمام ابن باز - ﵀ - الدرس الحادي عشر وحاشيتها للطويان، ص١٥١، وحاشيتها للفائز، ص٤٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، برقم ١٣٥، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم ٢٢٥.\n(٥) مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم ٢٢٤.","vol":"1","page":79},{"text":"شرطًا من شروطها، لغير عذر شرعي، وكذلك من تعمد ترك شيء من واجباتها بغير عذر.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الحادي عشر: الصلاة بخشوع: قرّةٌ للعين وراحةٌ للقلب</span>\nلا شك أن الصلاة قرة لعين النبي - ﷺ -، وراحة لقلبه وروحه؛ لحلاوة مناجاته لربِّه؛ ولخشوعه، وحضور قلبه بين يدي الله تعالى، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حُبِّبَ إلَيَّ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (١).\nوقوله «حبب إلي النساء ..» قيل: إنما حُبِّبَ إليه النساء لينقلن عنه من أمور الشريعة ما لا يطّلع عليه الرجال، ومن أحواله ويُستَحْيَا من ذكره، وقد جعل الله له نسوة ينقلن: أحكام الحيض، والنفاس، والغسل، والعدة، وينقلن من الشرع ما يشاهدنه من أفعاله - ﷺ -. وقيل: حبب إليه زيادة في الابتلاء والاختبار، والتكليف، فيكون ذلك أكثر\n_________\n(١) النسائي بلفظه، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، برقم ٣٩٤٠، وأحمد، برقم ١٢٢٩٣، ١٣٠٥٧، وفي لفظ للنسائي، برقم ٣٩٣٩، وأحمد، برقم ١٢٢٩٤، ١٤٠٣٧: «حُبِّبَ إليَّ من الدنيا: النساء، والطيب، وجُعِلَ قُرَّةُ عيني في الصلاة»، والحديث صححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٨٢٧، وسمعت شيخنا ابن باز أثناء تقريره على سنن النسائي، ٧/ ٦١: يقول: «لا بأس بإسناده، أما من قال: حبب إلي من دنياكم ثلاث، فهذا لا يصح؛ لأن الصلاة ليست من الدنيا، أما قوله: «حُبِّبَ إليَّ من الدنيا: النساء، والطيب، وجُعلت قرّة عيني في الصلاة» فلا إشكال فيه».\nوقوله: «حُبّب إليَّ من الدنيا ..» قال المناوي في «فيض القدير» ٣/ ٣٧٠: «زاد الزمخشري، والقاضي لفظ: «ثلاث» [أي حُبِّبَ إليّ من الدنيا ثلاث]، وهو وهم، قال الحافظ العراقي في «أماليه»: لفظ (ثلاث) ليست في شيء من كتب الحديث، وهي تفسد المعنى، وقال الزركشي: لم يرد فيه لفظ «ثلاثة»، وزيادتها مُخِلَّة للمعنى؛ فإن الصلاة ليست من الدنيا، وقال ابن حجر في تخريج «الكشاف»: لم يقع في شيء من طرقه [انظر: حاشية محققي مسند الإمام أحمد، ١٩/ ٣٠٧].","vol":"1","page":81},{"text":"لمشاقِّه، وأعظم لأجره، وقيل غير ذلك والعلم عند الله تعالى (١).\nوقوله: «والطيب» فكأنه حُبِّبَ إليه؛ لأنه يناجي ربَّه - ﷾ -، ويقابل جبريل، والملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم، والعلم عند الله تعالى (٢).\nقوله: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» النبي - ﷺ - يحصل له السرور العظيم، واللذة العظيمة في صلاته؛ لأنه يستحضر عظمة الله ويناجيه، ويدعوه، فيحصل له كمال المناجاة مع الرب ﵎ (٣).\nقال الراغب الأصفهاني ﵀: «... وقرّت عينُهُ تقرُّ: سُرَّت، قال: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ (٤)، وقيل لمن يُسَرُّ به: قرّة عينٍ، قال: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ (٥) وقوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٦) قيل: أصله من القُرِّ: أي البرد، فقرّت عينُه، قيل: معناه بردت فصحَّت، وقيل: لأن للسرور دمعة باردة قارة، وللحُزن دمعة حارة؛ ولذلك يقال لمن يُدعى عليه: أسخن الله عينه، وقيل: هو من القرار، والمعنى: أعطاه الله ما تسكن به عينه، فلا يطمح إلى غيره» (٧).\n_________\n(١) انظر: شرح السيوطي على سنن النسائي وحاشية السندي، ٧/ ٦٣ - ٦٤.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٧/ ٦٣ - ٦٤.\n(٣) انظر: شرح السيوطي عن سنن النسائي، وحاشية السندي، ٧/ ٦٣ - ٦٤، ولسان العرب لابن منظور، ٥/ ٨٧، والمصباح المنير، ٢/ ٤٩٧.\n(٤) سورة طه، الآية: ٤٠.\n(٥) سورة القصص، الآية: ٩.\n(٦) سورة الفرقان، الآية: ٧٤.\n(٧) مفردات ألفاظ القرآن، ص٦٦٣.","vol":"1","page":82},{"text":"والنبي - ﷺ - مهما يحصل له من السرور العظيم، وحلاوة مناجاة الله، تحصل له الراحة فيها؛ لكمال مناجاته لربه، واستحضاره لعظمته، والوقوف بين يديه؛ ولهذا قال - ﷺ -: «قُمْ يَا بِلالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلاةِ»، وفي لفظ: «يَا بِلالُ أَقِمْ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا» (١).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «... الصلاة إنما تُكفِّر سيئات من أدَّى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه، فهذا إذا انصرف منها وجد خِفّةً من نفسه، وأحسَّ بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطًا، وراحة، وروحًا، حتى يتمنَّى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قُرَّة عينه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها، فيستريح بها، لا منها، فالمحبون يقولون: نُصلِّي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم، وقدوتهم، ونبيهم - ﷺ -: «يَا بِلالُ أَرِحْنَا بِالصَّلاةِ» (٢)، ولم يقل: أرحنا منها، وقال - ﷺ -: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (٣)، فمن جُعلت قرة عينه في الصلاة، كيف تقرّ عينه بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟» (٤).\nوقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «والمقصود أن ما تقرُّ به العين أعلى من مجرَّد ما يحبه، فالصلاة قُرّة عيون المحبين في هذه\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب في صلاة العتمة، برقم ٤٩٨٥، و٤٩٨٦، وأحمد في المسند، برقم ٢٣١٥٤، ٣٨/ ٢٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٢٢٥.\n(٢) أبو داود، برقم ٤٩٨٥، ٤٩٨٦، وأحمد ٣١٥٤، وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٣) النسائي برقم ٣٩٤٠، وأحمد، برقم ١٢٢٩٣، وصححه الألباني، وتقدم تخريجه.\n(٤) الوابل الصيب، ص ٣٧.","vol":"1","page":83},{"text":"الدنيا؛ لما فيها من مناجاة من لا تقرّ ... العيون، ولا تطمئن القلوب، ولا تسكن النفوس إلا إليه، والتنعم بذكره، والتَّذلُّلُ والخضوع له، والقرب منه، ولا سيما في حال السجود، وتلك الحال أقرب ما يكون العبد من ربه فيها، ومن هذا قول النبي - ﷺ -:\n«يا بلال أرحنا بالصلاة»، فأعلم بذلك أن راحته - ﷺ - في الصلاة، كما أخبر أن قرّة عينه فيها، فأين هذا من قول القائل: نصلي، ونستريح من الصلاة.\nفالمحبّ راحته، وقرّة عينه في الصلاة، والغافل المعرض ليس له نصيب من ذلك؛ بل الصلاة كبيرة شاقة عليه، إذا قام فيها كأنَّه على الجمر، حتى يتخلّص منها، وأحب الصلاة إليه أعجلها، وأسرعها؛ فإنه ليس له قُرَّة عين فيها، ولا لقلبه راحة بها، والعبد إذا قرّت عينه بشيء، واستراح قلبه به، فأشقّ ما عليه مفارقته، والمتكلف الفارغ القلب من الله، والدار الآخرة المبتلى بمحبة الدنيا، أشقّ ما عليه الصلاة، وأكره ما إليه طولها، مع تفرّغه وصحته وعدم اشتغاله» (١).\n_________\n(١) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه، ص ٣٣.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث الثاني عشر: مشاهد الصلاة الخاشعة التي تقرّ بها العين</span>\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة التي تقرّ بها العين، ويستريح بها القلب، هي التي تجمع ستة مشاهد» (١)، وذكر هذه المشاهد ﵀، وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>المشهد الأول: الإخلاص: </span>وهو أن يكون الحامل عليها، والداعي إليها، رغبة العبد في الله، ومحبته له، وطلب مرضاته، والقرب منه، والتودُّد إليه، وامتثال أمره؛ بحيث لا يكون الباعث له عليها حظًّا من حظوظ الدنيا البتة؛ بل يأتي بها ابتغاء وجه ربه الأعلى: محبةً له، وخوفًا من عذابه، ورجاء لمغفرته، وثوابه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح: </span>وهو أن يُفرِّغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله، وجمع قلبه عليها، وإيقاعها على أحسن الوجوه، وأكملها ظاهرًا وباطنًا؛ فإن الصلاة لها ظاهر وباطن:\nفظاهرها الأفعال المشاهدة والأقوال المسموعة، وباطنها الخشوع والمراقبة، وتفريغ القلب لله والإقبال بكُليَّته على الله فيها بحيث لا يلتفت قلبه عنه إلى غيره، فهذا بمنزلة الروح لها والأفعال بمنزلة البدن، فإذا خلت من الروح كانت كبدن لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يواجه سيده بمثل ذلك، ولهذا تُلفُّ كما يلفّ الثوب الخلق، ويضرب بها وجه صاحبها، وتقول ضيعك الله كما ضيعتني.\n_________\n(١) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه، ص ٣٤.","vol":"1","page":85},{"text":"والصلاة التي كَمُلَ ظاهرها وباطنها تصعد ولها نور وبرهان كنور الشمس، حتى تعرض على الله فيرضاها ويقبلها، وتقول: حفظك الله كما حفظتني (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء: </span>وهو أن يحرص كلّ الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي - ﷺ -، ويُصلِّي كما كان يُصلِّي، ويعرض عما أحدث الناس في الصلاة: من الزيادة، والنقصان، والأوضاع التي لم ينقل عن رسول الله - ﷺ - شيء منها، ولا عن أحد من أصحابه، ولا يقف عند أقوال المرخِّصين الذين يقفون مع أقل ما يعتقدون وجوبه، ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك، وأوجب ما أسقطوه، ولعل الأحاديث الثابتة، والسنة النبوية من جانبه، ولا يلتفتون إلى ذلك، ويقولون: نحن مقلِّدون لمذهب فلان، وهذا لا يُخلِّص عند الله، ولا يكون عذرًا لمن تخلَّف عما علمه من السنة عنده، فإن الله سبحانه إنما أمر بطاعة رسوله، واتباعه وحده، ولم يأمر باتباع غيره، وإنما يطاع غيره إذا أمر بما أمر به الرسول، وكل أحد سوى الرسول - ﷺ - فمأخوذ من قوله ومتروك، وقد أقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة أنا لا نؤمن حتى نُحكِّم الرسول فيما شجر بيننا، وننقاد لحكمه، ونُسلِّم تسليمًا، فلا ينفعنا تحكيم غيره، والانقياد له، ولا ينجينا من عذاب الله، ولا يقبل منا هذا الجواب إذا سمعنا نداءه سبحانه يوم القيامة: ﴿ماذا أجبتم المرسلين﴾ (٢)؛ فإنه لا بد أن يسألنا عن ذلك، ويطالبنا بالجواب، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ\n_________\n(١) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه، ص ٣٥.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٦٥.","vol":"1","page":86},{"text":"الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١)، وقال النبي - ﷺ -: «أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ بِي تُفْتنُونَ، وَعَنِّي تُسْأَلُونَ» (٢)،\nيعني المسألة في القبر، فمن انتهت إليه سنة رسول الله - ﷺ -، وتركها لقول أحد من الناس، فسيرد يوم القيامة ويعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المشهد الرابع: مشهد الإحسان: وهو مشهد المراقبة</span>، وهو أن يعبد الله كأنه يراه، وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله، وأسمائه، وصفاته، حتى كأنه يرى الله سبحانه فوق سمواته، مستويًا على عرشه، يتكلم بأمره ونهيه، ويُدبِّر أمر الخليقة، فينزل الأمر من عنده، ويصعد إليه، وتُعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عليه، فيشهد ذلك كُلَّه بقلبه، ويشهد أسماءه وصفاته، ويشهد قيُّومًا، حيًّا، سميعًا، بصيرًا، عزيزًا، حكيمًا، آمرًا، ناهيًا، يحب ويبغض، ويرضى ويغضب، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو فوق عرشه، لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، ولا أقوالهم ولا بواطنهم؛ بل يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.\nومشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كُلِّها؛ فإنه يوجب: الحياء، والإجلال، والتعظيم، والخشية، والمحبة، والإنابة، والتوكل، والخضوع لله سبحانه، والذُّلّ له، ويقطع الوسواس وحديث ... النفس، ويجمع القلب والهمّ على الله، فحظّ العبد من القرب من\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٦.\n(٢) رواه أحمد، ٢٤/ ١٢، برقم ٢٥٠٨٩، والبيهقي في إثبات عذاب القبر، برقم ١٩، وصحح محققو المسند إسناده على شرط الشيخين، وقال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٣/ ٥١٨: «رواه أحمد بإسناد صحيح» ..","vol":"1","page":87},{"text":"الله على قدر حظِّه من مقام الإحسان، وبحسبه تتفاوت الصلاة، حتى [أنَّه] يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض: وقيامهما، وركوعهما، وسجودهما واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>المشهد الخامس: مشهد المِنَّةِ: </span>وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه كونه أقامه في هذا المقام، وأهَّله له، ووفَّقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته، فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك، كما كان الصحابة يَحْدون بين يدي النبي - ﷺ - فيقولون:\nوالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّينا\nقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، فالله سبحانه هو الذي جعل المسلم مسلمًا، والمُصلِّي مصلِّيًا كما قال الخليل - ﷺ -: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (٢)، وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (٣)، فالمنّة لله وحده في أن جعل عبده قائمًا بطاعته، وكان هذا من أعظم نعمه عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة الحجرات، الآية: ١٧.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٢٨.\n(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٤٠.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٥٣.\n(٥) سورة الحجرات، للآية: ٧.","vol":"1","page":88},{"text":"وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلّما كان العبد أعظم توحيدًا، كان حظُّه من هذا المشهد أتمَّ.\nوفيه من الفوائد: أنه يحول بين القلب وبين العُجْب بالعمل، ورؤيته؛ فإنه إذا شهد أن الله سبحانه هو المانُّ به، الموفق له، الهادي إليه، شغله شهودُ ذلك عن رؤيته، والإعجاب به، وأن يصول به على الناس، فيُرفع من قلبه، فلا يعجب به، ومن لسانه، فلا يمنّ به، ولا يتكثّر به، وهذا شأن العمل المرفوع.\nومن فوائده: أنه يضيف الحمد إلى وليّه، ومستحقّه، فلا يشهد لنفسه حمدًا، بل يشهده كلّه لله، كما يشهد النعمة كلّها منه، والفضل كله له، والخير كله في يديه، وهذا من تمام التوحيد، فلا يستقرّ قدمه في مقام التوحيد إلا بعلم ذلك وشهوده؛ فإذا علمه، ورسخ فيه، صار له مشهدًا، وإذا صار لقلبه مشهدًا، أثمر له من المحبة والأنس بالله، والشوق إلى لقائه، والتنعّم بذكره، وطاعته، ما لا نسبة بينه وبين أعلى نعيم الدنيا البتّة.\nوما للمرء خير في حياته، إذا كان قلبه عن هذا مصدودًا، وطريق الوصول إليه عنه مسدودًا، بل هو كما قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>المشهد السادس: مشهد التقصير: </span>وأن العبد لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد، وبذل وسعه، فهو مقصِّر، وحق الله سبحانه عليه أعظم، والذي ينبغي له أن يقابل به من الطاعة والعبودية\n_________\n(١) سورة الحجر، الآية: ٣.","vol":"1","page":89},{"text":"والخدمة فوق ذلك بكثير، وأن عظمته وجلاله سبحانه يقتضي من العبودية ما يليق بها، وإذا كان خدم الملوك وعبيدهم يعاملونهم في خدمتهم بالإجلال لهم، والتعظيم، والاحترام، والتوقير، والحياء، والمهابة، والخشية، والنصح، بحيث يُفَرِّغون قلوبهم وجوارحهم لهم، فمالك الملوك، ورب السموات والأرض، أولى أن يعامل بذلك، بل بأضعاف ذلك.\nوإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حقه، ولا قريبًا من حقه، علم تقصيره، ولم يسعْه مع ذلك غير الاستغفار، والاعتذار من تقصيره وتفريطه، وعدم القيام بما ينبغي له من حقه، وأنه إلى أن يغفر له العبودية، ويعفو عنه فيها أحوج منه إلى أن يطلب منه عليها ثوابًا، وهو لو وفَّاها حقها كما ينبغي، لكانت مستحقّة عليه بمقتضى العبودية؛ فإن عمل العبد، وخدمته لسيده، مستحقّ عليه بحكم كونه عبده ومملوكه، فلو طلب منه الأجرة على عمله، وخدمته لعدَّه الناس أحمق وأخرق، هذا وليس ... هو عبده، ولا مملوكه على الحقيقة، وهو عبد الله ومملوكه على الحقيقة من كلِّ وجه لله سبحانه، فعمله وخدمته مستحقّ عليه بحكم كونه عبده، فإذا أثابه عليه كان ذلك مجرد فضل ومنَّة وإحسان إليه، لا يستحقّه العبد عليه.\nومن ههنا يُفْهَم معنى قول النبي - ﷺ -: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُم الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ","vol":"1","page":90},{"text":"اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» (١).\nوقال أنس بن مالك - ﵁ -: «يُخْرَجُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ دَوَاوِينَ: دِيوَانٌ فِيهِ حَسَنَاتُهُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ سَيِّئَاتُهُ، وَدِيوَان النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا؛ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعَالَى لنِعَمِه: خُذِي حَقَّكِ مِنْ حَسَنَاتِ عَبْدِي، فَيَقُوْمُ أَصْغَرُهَا فَتَسْتَنْفِدَ حَسَنَاتِهِ، ثُمَّ تَقُولُ: وَعِزَّتِك مَا اسْتَوْفَيْتُ حَقِّي بَعْدُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَ عَبْدَهُ وَهَبَهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِ، وَغَفَرَ لَهُ سَيِّئَاتِهِ، وَضَاعَفَ لَهُ حَسَنَاتِهِ» (٢)،\n[قال الإمام ابن القيم رحمه لله]: وهذا ثابت عن أنس، وهو أدلُّ شيء على كمال علم الصحابة بربهم، وحقوقه عليهم، كما أنهم أعلم الأمة بنبيِّهم وسنَّته ودينه؛ فإنَّ في هذا الأثر من العلم والمعرفة ما لا يدركه إلا أولو البصائر، العارفون بالله، وأسمائه، وصفاته، وحقه، ومن هنا يُفْهَم قول النبي - ﷺ - في الحديث الذي رواه أبو داود، والإمام أحمد، من حديث زيد بن ثابت، وحذيفة وغيرهما: «إِنَّ اللَّهَ لَوْ عذَّبَ أهْلَ سَمَوَاتِهِ، وأهْلَ أرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خيْرًا لَهُمْ\n_________\n(١) مسند أحمد، ١٢/ ٤٤٩، برقم ٧٤٧٩، والبخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، برقم ٦٤٦٣، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، ...، برقم ٢٨١٦ بألفاظ متقاربة.\n(٢) أخرجه البزار، ٤/ ١٦٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٦٧٤: «رواه البزار وفيه صالح المري وهو ضعيف»، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، ١٤/ ٤٣٤، وفي ضعيف الترغيب والترهيب، برقم ٢٠٦٩، قال: «موضوع»، ورواية ابن أبي شيبة، ١٣/ ٢٩٤، بلفظ مقارب عن ابن مسعود - ﵁ -، مع ملاحظة أن الإمام ابن القيم في المتن أشار إلى ثبوته ..","vol":"1","page":91},{"text":"مِنْ أَعْمَالِهِمْ» (١).\nوملاك هذا الشأن أربعة أمور:\nنيَّةٌ صحيحةٌ، وقوةٌ عاليةٌ، يقارنهما رغبةٌ، ورهبةٌ:\nفهذه الأربعة هي قواعد هذا الشأن، ومهما دخل على العبد من النقص في إيمانه وأحواله، وظاهره، وباطنه، فهو من نقصان هذه الأربعة، أو نقصان بعضها، فليتأمّل اللبيب هذه الأربعة الأشياء، وليجعلها سيره وسلوكه، ويبني عليها علومه وأعماله وأقواله وأحواله، فما نتج من نتج إلا منها، ولا تخلف من تخلف، إلا من فقدها» (٢).\n_________\n(١) مسند أحمد، ٣٥/ ٤٦٥، برقم ٢١٥٨٩، وسنن أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر، برقم ٤٧٠١، وسنن ابن ماجه، أبواب السنة، باب في القدر، برقم ٧٧، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٧٧.\n(٢) رسالة ابن القيم لأحد إخوانه، ص ٣٣ - ٤٦.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث الثالث عشر: أقسام الناس في الخشوع في الصلاة</span>\nالناس يختلفون في الخشوع في الصلاة على حسب حضور قلب كل إنسان، وغفلته، وإقباله على صلاته، وانصراف قلبه عن ربه، والعياذ بالله تعالى، والناس في الخشوع في الصلاة على أقسام خمسة على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>القسم الأول: مرتبة الظالم لنفسه المُفرِّط: </span>وهو الذي انتقص من وضوئها، ومواقيتها، وحدودها، وأركانها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>القسم الثاني: من يحافظ على مواقيتها</span>، وحدودها، وأركانها الظاهرة، ووضوئها، لكن قد ضيّع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس والأفكار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>القسم الثالث: من حافظ على حدودها، وأركانها</span>، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوِّه؛ لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>القسم الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها، وأركانها</span>، وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها؛ لئلا يضيع شيئًا منها؛ بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها، وإتمامها قد استغرق قلبه شأن الصلاة، وعبوديّة ربه ﵎ فيها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>القسم الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك</span>، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه، ووضعه بين يدي ربه - ﷿ -، ناظرًا بقلبه إليه، مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلَّت","vol":"1","page":93},{"text":"تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل، وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه - ﷿ -، قرير العين به.\nفالقسم الأول معاقبٌ، والثاني محاسبٌ، والثالث مكفَّرٌ عنه، والرابع مُثابٌ، والخامس مُقَرَّبٌ من ربّه؛ لأن له نصيبًا ممن جُعِلَتْ قرّة عينه في الصلاة، فمن قرّت عينه بصلاته في الدنيا، قرَّت عينه بقربه من ربه - ﷿ - في الآخرة، وقرّت عينه أيضًا به في الدنيا، ومن قرَّت عينه بالله، قرّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تعالى، تقطَّعت نفسه على الدنيا حسرات.\nوإنما يقوى العبد على حضوره في الصلاة، واشتغاله فيها بربه - ﷿ - إذا قهر شهوته وهواه، وإلا فقلب قد قهرته الشهوة، وأسره الهوى، ووجد الشيطان فيه مقعدًا تمكن فيه، كيف يخلص من الوساوس والأفكار؟ (١).\n_________\n(١) الوابل الصيب لابن القيم، ص ٤٠ - ٤٢ ببعض التصرف اليسير.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الرابع عشر: خشوع النبي - ﷺ - في صلاته</span>\nالنبي - ﷺ -: هو أتقى الناس لربه، وأخشاهم، وأشدَّهم خشية وخشوعًا لله تعالى، ومن أعظم خشيته لله، ومحبَّته له، وإجلاله له، وتعظيمه: خشوعه في صلاته، ورقّة قلبه في الصلاة، وغيرها من العبادات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>أولًا: خشوعه - ﷺ - في أفعال الصلاة وأقوالها:</span>\nكان - ﷺ - إذا قام في الصلاة، طأطأ رأسَه، ذكره الإِمام أحمد ﵀، وكان في التشهد لا يُجاوز بَصَرُهُ إشارتَه، وقد تقدّم.\nوكان قد جعل الله تعالى قُرّة عينه، ونعيمَه، وسرورَه، وروحَه في الصلاة. وكان يقول النبي - ﷺ -: «يا بِلاَلُ أرِحْنا بِالصلاَةِ» (١). وكان يقول - ﷺ -: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» (٢).\nومع هذا لم يكن يشغَلُه ما هو فيه من ذلك عن مراعاة أحوال المأمومين وغيرهم، مع كمال إقباله، وقربه من الله تعالى، وحضورِ قلبه بين يديه، واجتماعِه عليه.\nوكان يَدْخُلُ فِي الصّلَاةِ وَهُوَ يُرِيدُ إطَالَتَهَا، فَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصّبِيّ\n_________\n(١) رواه أبو داود، في الأدب: باب صلاة العتمة، برقم ٤٩٨٥، و٤٩٨٦، وأحمد في المسند، ٣٨/ ١٧٨، برقم ٣٢٠٨٨ عن رجل من الصحابة، وصحح إسناده الشيخ الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٦٥.\n(٢) رواه النسائي، في عشرة النساء: باب حب النساء، ٧/ ٦١، برقم ٣٩٤٠، وأحمد في المسند، ٢١/ ٤٣٣، برقم ١٤٠٣٧ من حديث أنس، والحاكم، ٢/ ١٧٤، برقم ٢٦٧٦، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ولفظه بتمامه: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ». وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه على زاد المعاد،\n١/ ٢٦٥: «وسنده حسن».","vol":"1","page":95},{"text":"فَيُخَفّفُهَا، وَأَرْسَلَ مَرّةً فَارِسًا طَلِيعَةً لَهُ، فَقَامَ يُصَلّي، وَجَعَلَ يَلْتَفِتُ إلَى الشّعْبِ الّذِي يَجِيءُ مِنْهُ الْفَارِسُ (١)، وَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا هُوَ فِيهِ عَنْ مُرَاعَاةِ حَالِ فَارِسِهِ.\nوَكَذَلِكَ كَانَ يُصَلّي الْفَرْضَ وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنِ الرّبِيعِ ابْنَةَ بِنْتِهِ زَيْنَبَ عَلَى عَاتِقِهِ، إذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ، وَضَعَهَا (٢).\nوكان يصلي فيجيء الحسنُ أو الحسين فيركبُ ظهره، فيُطيل السجدة، كَراهية أن يُلقيَه عن ظهره (٣).\nوكان يُصلي، فتجيء عائشةُ مِن حاجتها والبابُ مُغلَق، فيمشي،\n_________\n(١) أبو داود، ١/ ٢٥٤، كتاب الصلاة، باب الرخصة، برقم ٩١٦، والبيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ٢٤٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٨٥٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، برقم ٥١٦، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة، برقم ٥٤٣.\n(٣) أخرجه أحمد، ٤٥/ ٦١٣، برقم ٢٧٦٤٧، والنسائي، كتاب الصلاة، باب هل يجوز أن تكون سجدة أطول من سجدة،٣/ ٢٢٦، برقم ١١٤١. ولفظ أحمد: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَهُوَ حَامِلُ حَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا فقَالَ إِنِّي رَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهَرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ فِي سُجُودِي فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَيْ الصَّلَاةِ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ قَالَ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» قال الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٦٦: «وسنده صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفي الباب عن أبي هريرة - ﵁ - عند أحمد، ٢/ ٥١٣، وسنده حسن»، قلت: وصححه الألباني في صفة الصلاة، ص ١٤٨.","vol":"1","page":96},{"text":"فيفتح لها البابَ، ثمَّ يرجِعُ إلى الصلاة (١).\nوكان يَرُدُّ السلامَ بالإِشارة على من يُسلّم عليه وهو في الصلاة.\nوقال جابر: بعثني رسولُ الله - ﷺ - لحاجة، ثم أدركتُهُ وهو يُصلِّي، فسلمتُ عليه، فأشار إليَّ (٢).\nقال أنس - ﵁ -: «كان النبيُّ - ﷺ - يُشير في الصلاة» (٣).\nوقال صُهيبٌ: «مررتُ برسول الله - ﷺ - وهو يُصلي، فسلّمتُ عليه، فردَّ إشارةً»، قال الراوي: لا أعلمه، قال: إلا إشارة بأصبعه، وهو في «السنن»، و«المسند» (٤).\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٤٣/ ١٢١، برقم ٢٥٩٧٢، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب العمل في الصلاة، برقم ٩٢٢، والترمذي، في الصلاة، في أبواب السفر، باب [ذكر] ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع،٢ /،٤٩٦، برقم ٦٠١، وقال: «هذا حديث حسن غريب»، والنسائي، كتاب السهو، باب المشي أمام القبلة خُطًا يسيرة، ١/ ٣٧، برقم ١٢٠٦، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٨٥٥، وحسن إسناده أيضًا الشيخ الأرناؤوط في تعليقه على المسند، ٤٣/ ١٢١.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ...، برقم ٥٤٠. وأبو داود، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة، برقم ٩٦٦، والنسائي، كتاب السهو، باب رد السلام بالإشارة في الصلاة، ٣/ ٦، برقم ١١٨٩، وسنن ابن ماجه، كتاب الصلاة، باب المصلي يُسلّم عليه كيف يرد، ١/ ٣٢٥.\n(٣) أحمد، ١٩/ ٣٩٨، برقم ١٢٤٠٧، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الإشارة في الصلاة، ١/ ٢٦٢، برقم ٩٤٣، والسنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٢٦٢. وقال الألباني في صحيح أبي داود، ٤/ ١٠١: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»، وقال الشيخ الأرناؤوط في زاد المعاد، ١/ ٢٦٧: «وسنده صحيح».\n(٤) أحمد، ٨/ ١٧٤، برقم ٤٥٦٨، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة، برقم ٩٢٥، والترمذي، في الصلاة، باب ما جاء في الإشارة في الصلاة، ١/ ١٦٠، برقم ٣٦٨، والنسائي، أبواب السهو، باب رد السلام بالإشارة في الصلاة، ٣/ ص ٥، برقم ١١٨٧، وابن ماجه، في أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب المصلي يسلم عليه كيف يرد، برقم ١٠١٧، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٨٦٠، وقال الشيخ الأرنؤوط في تحقيقه على زاد المعاد، ١/ ٢٦٧: «وسنده صحيح».","vol":"1","page":97},{"text":"وقال عبد الله بن عمر ﵄: «خرج رسولُ الله - ﷺ - إلى قُباء يُصلِّي فيه، قال: فجاءته الأنصارُ، فسلَّموا عليه وهو في الصلاة، فقلتُ لبلال: كيف رأيتَ رسول الله - ﷺ - يردُّ عليهم حين كانوا يُسلِّمون عليه وهو يصلِّي؟ قال: يقول: هكذا، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق» (١).\nوقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «لما قَدِمتُ من الحبشة أتيت النبي - ﷺ - وهو يصلي، فسلَّمت عليه، فأومأ برأسه» (٢).\nقال الإمام ابن القيم: «وأما حديث أبي غطفان عن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: «مَنْ أَشَارَ فِي صَلاَتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنهُ، فَلْيُعِدْ صَلاته»، فحديث باطل، ذكره الدارقطني (٣)، وقال: قال لنا ابن\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة، برقم ٩٢٧، والترمذي، باب ما جاء في الإشارة في الصلاة، برقم ٣٦٨، وقال: «حسن صحيح»، وقال الأرنؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٦٧: «وسنده صحيح»، ولفظ الترمذي: «كان يشير بيده»، وصحح الألباني لفظ الترمذي في صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٤٩.\n(٢) السنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٢٦٠، وشعب الإيمان له، ١١/ ٢٦٣، والدارمي في سننه،\n٢/ ٣٤٩، والمعجم الكبير للطبراني، ٢٣/ ٣١، قال محقق الدارمي نقلًا عن حسين أسد: «إسناده جيد».\n(٣) رواه الدارقطني، ٢/ ٨٣، برقم ١٩٥، وأبو داود (٩٤٤)، والبيهقي في السنن الكبرى،\n٢/ ٢٦٢ في الصلاة، قال الأرنؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٦٨: «وفيه عنعنة ابن إسحاق، وانظر: نصب الراية، ٢/ ٩٠، ٩١».","vol":"1","page":98},{"text":"أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول (١)، والصحيح عن النبي - ﷺ - أنه كان يُشير في صلاته. رواه أنس، وجابر وغيرهما (٢») (٣).\nوكان - ﷺ - يُصلي وعائشة معترِضَةٌ بينَه وبين القبلة، فإذا سجد، غَمَزَهَا بيده، فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما (٤).\nوكان يُصلي، فجاءه الشيطانُ ليقطع عليه صلاتَه، فأخذه، فخنقه حتى سَالَ لُعابُه عَلَى يَدِه (٥).\n_________\n(١) قال الأرنؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ١٦٨: «أبو غطفان: ثقة كما في التقريب وأصله. وقد انفرد ابن أبي داود فادعى جهالته، على أن ابن أبي داود كثير الخطأ في الكلام على الحديث كما قال الدارقطني حين سئل عنه».\n(٢) السنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٢٦٢. ومعرفة السنن والآثار للبيهقي أيضًا، ٢/ ٤٠، وباقي كلامه فيه: «وكان محمد يأخذ به، ورواية من روى في حديثه أنه رد - ﵇ -، بعد فراغه من الصلاة في ثبوتها نظر».\n(٣) زاد المعاد، ١/ ٢٦٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الفراش، برقم ٣٨٢، وفي باب التطوع خلف المرأة، برقم ٥١٣، وفي كتاب العمل في الصلاة، باب ما يجوز من العمل في الصلاة، برقم ١٢٠٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي، برقم ٤١٢، والموطأ، ١/ ١٧، في صلاة الليل، باب ما جاء في صلاة الليل، وأبو داود، في الصلاة، باب من قال المرأة لا تقطع الصلاة، برقم ٧١٢، والنسائي، في الطهارة، باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة، ١/ ١٠٢، برقم ٧٥٩، وأحمد في المسند، ٦/ ٤٤، و٥٥، و١٤٨، و٢٢٥، و٢٥٥ من حديث عائشة ﵂، ولفظه: «كنت أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.\n(٥) البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب ما يجوز من العمل في الصلاة، برقم ١٢١٠، وفي باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد، برقم ٤٦١، وفي كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم ٣٢٨٤، وفي كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ [سورة ص، الآية: ٣٠]، برقم ٣٤٢٣، وفي كتاب التفسير، تفسير سورة ص، برقم ٤٨٠٨، ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، برقم ٥٤١،، ولفظه عند البخاري: «أن النبي - ﷺ - صلى صلاة فقال: إن الشيطان عرض لي، فشد عليّ ليقطع عليَّ، فأمكنني الله منه فذعته، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه، فذكرت قول سليمان - ﵇ -: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [سورة ص، الآية: ٣٥]، فردّه الله خاسئًا، ثم قال النضر بن شميل: فذعته -بالذال أي خنقته-، وفي رواية لمسلم: «إن عفريتًا من الجنّ جعل يَفْتِكُ عليَّ البارحة ليقطع عليّ الصلاة، وذكر الحديث ...»، وهو من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":99},{"text":"وكان يُصلي على المنبر ويركع عليه، فإذا جاءت السجدة، نزل القَهْقَرى، فَسَجَدَ على الأرض ثم صَعِدَ عليه (١).\nوكان يُصلي إلى جِدار، فجاءت بَهْمَةٌ تمرُّ من بين يديه، فما زال يُدارئها، حتى لَصِقَ بطنُه بالجدار، ومرّت من ورائه (٢).\nيدارئها: يفاعلها، من المدارأة، وهي المدافعة.\nوكان يُصلّي، فجاءته جاريتانِ من بني عبد المطلب قد اقتتلتا، فأخذهما بيديه، فَنَزَعَ إحداهما من الأخرى وهو في الصلاة (٣). ولفظ أحمد فيه:\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، برقم ٩١٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، برقم ٥٤٤، من حديث سهل بن سعد، فقال: «أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي».\n(٢) أبو داود، في كتاب الصلاة، باب سترة الإمام سترة من خلفه، برقم ٧٠٨، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وإسناده حسن، وفي الباب عن ابن عباس عند ابن خزيمة، برقم ٨٢٧، والحاكم، ١/ ٢٥٤ بلفظ: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي فمرت شاة بين يديه، فساعاها إلى القبلة حتى ألزق بطنه بالقبلة»، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣، ٢٩٠.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب من قال: الحمار لا يقطع الصلاة، برقم ٧١٦، والنسائي، في القبلة، باب ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع، برقم ٧٥٤، ولفظه عن ابن عباس يحدث أنه «مرّ بين يدي رسول الله - ﷺ - هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول الله - ﷺ -، فنزلوا ودخلوا معه فصلوا، ولم ينصرف، فجاءت جاريتان تسعيان من بني عبد المطلب فأخذتا بركبتيه ففرع بينهما، ولم ينصرف»، وفي رواية لأبي داود، برقم ٧١٧: «فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا فأخذهما»، قال: قال الألباني في صحيح أبي داود،\n٢/ ٢٩٦: «إسناده صحيح على شرط مسلم» ..","vol":"1","page":100},{"text":"فأخذتا بركبتي النبي - ﷺ -، فنزع بينهما، أو فرَّق بينهما، ولم يَنْصَرِفْ (١).\nوكان يُصلّي، فمرَّ بين يديه غلام، فقال بيده هكذا، فرجع، ومرّت بين يديه جاريةٌ، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلَّى رسولُ الله - ﷺ -، قال: «هُنّ أَغْلَبُ» (٢)، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِي السّنَنِ.\nوَكَانَ يَنْفُخُ فِي صَلَاتِهِ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِي السّنَنِ (٣).\nقال الإمام ابن القيم: «وَأَمّا حَدِيثُ: «النّفْخُ فِي الصّلَاةِ كَلَامٌ»، فَلَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَإِنّمَا رواه سعيد في سننه عن ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ مِنْ قَوْلِهِ إنْ صَحّ (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند، ١/ ٢٣٥، و٢٥٠، و٢٥٤، و٣٠٨، و٣١٦، و٣٤١، وقال الأرناؤوط في تعليقه على زاد المعاد، ١/ ٢٦٩: «وإسناده حسن».\n(٢) ابن ماجه، كتاب الإقامة، باب ما يقطع الصلاة، برقم ٩٤٨، وأحمد في المسند،\n٤٤/ ١٤٣، برقم ٢٦٥٢٣ من حديث أم سلمة، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه،\n١/ ٧١، وقال محققو المسند، ٤٤/ ١٣٤: «إسناده ضعيف».\n(٣) النسائي، كتاب الكسوف، باب كيف صلاة الكسوف، ٣/ ١٥٤، برقم ١٤٨١، مسند أحمد، ١١/ ٢١، برقم ٦٤٨٣، وحسنه الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٧٠، وفي مسند الإمام أحمد، ١١/ ٢١، قال: «حسن».\n(٤) زاد المعاد، ١/ ٢٧٠.","vol":"1","page":101},{"text":"وَكَانَ يَبْكِي فِي صَلَاتِهِ، وَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ. قَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -: «كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ فَإِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلّي فَتَنَحْنَحَ، دَخَلْتُ، وَإِنْ وَجَدْته فَارِغًا أَذِنَ لِي»، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: «كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَدْخَلَانِ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ، وَكُنْتُ إذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلّي، تَنَحْنَحَ (١).وَعَمِلَ بِهِ أحمد، فَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَرَى النّحْنَحَةَ مُبْطِلَةً لِلصّلَاةِ.\nوَكَانَ يُصَلّي حَافِيًا تَارَةً، وَمُنْتَعِلًا أُخْرَى، كَذَلِك قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْهُ (٢)، وَأَمَرَ بِالصّلَاةِ بِالنّعْلِ مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ (٣).\nوَكَانَ يُصَلّي فِي الثّوْبِ الْوَاحِدِ تَارَةً، وَفِي الثّوْبَيْنِ تَارَةً، وَهُوَ أَكْثَرُ» (٤).\n_________\n(١) النسائي، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، ٣/ ١٣٧، ١٣٨، برقم ١٢١٢، وأحمد في المسند، ٢/ ١٥٩، و١٨٨، وهو في جملة حديث طويل عن عبد الله بن عمرو، قال: «وقام فصنع في الركعة الثانية مثل ما صنع في الركعة الأولى من القيام والركوع والسجود والجلوس، فجعل ينفخ في آخر سجوده ...»، وذكر الحديث، قال الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٧٠: «وإسناده صحيح؛ لأن روايه عن عطاء بن السائب شعبة عند أحمد، وسفيان عند ابن خزيمة، وهما قد سمعا منه قبل الاختلاط. وذكره البخاري تعليقًا بصيغة التمريض، ٣/ ٦٧، قبل الحديث رقم ١٢١٣، كتاب العمل في الصلاة، باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة عن عبد الله بن عمرو: «نفخ النبي - ﷺ - في سجوده في كسوف».\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، برقم ٦٥٣، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩٣: «حسن صحيح».\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، برقم ٦٥٠، ورقم ٦٥١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي، ٢/ ٤٣٢، وحسنه الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ٢/ ٢٧٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩٣.\n(٤) رواه أحمد في المسند، برقم ٦٤٧، والنسائي، ٣/ ١٢ في الصلاة، باب التنحنح في الصلاة، وابن خزيمة، برقم ٩٠٢ من حديث عبد الله بن نجي، عن علي، قال الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٧٠: «وفيه انقطاع؛ لأن عبد الله بن نجي قيل: لم يسمع عن علي، وجاء في بعض المصادر: عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عن علي، ونجي مجهول، لم يوثقه غير ابن حبان»، وانظر: زاد المعاد، ١/ ٢٦٥ - ٢٧٠.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>ثانيًا: رقة قلبه - ﷺ - وبُكاؤه في الصلاة، وفي مواطن كثيرة:</span>\nلم يكن النبي - ﷺ - يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا، ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمته، وشفقة عليها، وتارة من خشية الله تعالى، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ (١).\nومن الحالات التي بكى فيها النبي - ﷺ - ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>١ - بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل</span>، فقال بلال: يا رسول الله لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، قال: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ \" (٢) (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٢ - بكاء النبي - ﷺ - في الصلاة من خشية الله تعالى</span>، فعن عبد الله بن\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ١٨٣. حيث ذكر في ذلك روايات تدعم قوله، منها: البخاري، رقم، ١٣٠٣، ١٣٤٢، ٤٥٨٢، ومسلم، رقم ٨٠٠، و٢٣١٥، وأبو داود، رقم ١١٩٤، و٣١٢٦، والنسائي، رقم ١٣٨.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٩٠.\n(٣) ابن حبان في صحيحه، برقم ٦٢٠، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٦٨: «وهذا إسناد جيد».","vol":"1","page":103},{"text":"الشخِّير قال: أتيت رسول الله - ﷺ - وهو يُصلِّي ولصدره أَزِيزٌ كأزيز المِرجل من البكاءِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٣ - بكاء النبي - ﷺ - عند سماع القرآن</span>، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"اقرأ عليَّ القرآن\" فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك؛ وعليك أُنزل؟ فقال: \"نعم، فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري\" قال ابن مسعود: فافتتحتُ سورة النساء فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٢)، فإذا عيناه تذرفان (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٤ - بكاء النبي - ﷺ - عند فقد الأحبة</span>، بكى النبي - ﷺ - عند موت ابنه إبراهيم، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: وأنت يا رسول الله؟ فقال: \"يا ابن عوف! إنها رحمة ... إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنّا بفراقك\nيا إبراهيم لمحزونون\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٥ - بكاء النبي - ﷺ - عند وفاة إحدى بناته</span>، قيل: هي أُمُّ كلثوم زوجة عثمان بن عفان رضي الله عن الجميع، فعن أنس - ﵁ - قال: شهدنا بنتًا للنبي - ﷺ -\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٩٠٤، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي، برقم ٢٧٦.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٤١.\n(٣) البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، برقم ٤٥٨٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظه للاستماع والبكاء عند القراءة والتدبر، برقم ٨٠٠.\n(٤) البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: إنا بك لمحزونون، برقم ١٣٠٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، برقم ٢٣١٥.","vol":"1","page":104},{"text":"قال: ورسول الله - ﷺ - جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: \"هل فيكم أحد لم يُقارف (١) الليلة؟ \" فقال أبو طلحة: أنا، قال: \"فانزل في قبرها\" قال: فنزل في قبرها فقَبَرها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٦ - بكى - ﷺ - عند موت ابنة له أيضًا</span>، فعن ابن عباس ﵄ قال: أخذ رسول الله - ﷺ - ابنة له تقضي (٣) فاحتضنها فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه، فصاحت أُمُّ أيمن، فقال: يعني رسول الله - ﷺ -: \"أتبكين عند رسول الله؟ \" فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: \"إني لست أبكي إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كلِّ حال، إنَّ نفسه تُنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله - ﷿ - \" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٧ - بكى - ﷺ - عند وفاة أحد أحفاده</span>، فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلَتْ بنتُ النبيِّ - ﷺ - (٥): إنَّ ابني قد احتُضِرَ فاشْهَدنا، فأرسل يُقرِئُ السلام ويقول: \"إنّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمّى، فلتصبر ولتحتسب\" فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال - ﵃ -، فرُفِعَ إلى النبي - ﷺ - الصبيُّ، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، قال: كأنها شَنّ، وفي رواية: (تقعقع (٦) كأنها في\n_________\n(١) قال ابن الأثير: «قارف امرأته إذا جامعها». انظر: النهاية في غريب الحديث، مادة (قرف).\n(٢) البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين، برقم ١٢٨٥، ورقم ١٣٤٢.\n(٣) تقضي: تشرف على الموت.\n(٤) أحمد، ١/ ٢٦٨، والترمذي في الشمائل، برقم ٣٢٤، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم ٢٧٩.\n(٥) قيل: إنها زينب ﵂؛ بنت رسول الله - ﷺ -.\n(٦) تقعقع: تضطرب وتتحرك.","vol":"1","page":105},{"text":"شنٍّ (١)، ففاضت عيناه) فقال سعد: يا رسولَ الله ما هذا؟ قال: \"هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده\" وفي رواية: \"هذه رحمة جعلها الله في قلوب مَن شاء من عباده، إنما يرحم الله من عباده الرُّحماءُ\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٨ - بكى النبي - ﷺ - عند موت عثمان بن مظعون</span>، فعن عائشة ﵂ قالت: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يُقَبِّل عثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ حتى رأيت الدموع تسيل. ولفظ الترمذي: «أن النبي - ﷺ - قَبّل عثمانَ بن مظعون، وهو ميِّتٌ وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٩ - بكى - ﷺ - على شهداء مؤتة</span>، فعن أنسٍ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - نعى زيدًا وجعفرًا للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: \"أخذ الرّايةَ زيدٌ فأصيب، ثم أخَذَ جعفرٌ فأصيب، ثم أَخَذَ ابنُ رَواحةَ فأصيب، -وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فُتِح عليهم\" (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>١٠ - بكى عند زيارة قبر أمه</span>، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: زار النبي - ﷺ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: \"استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أَزورَ قبرها فَأذِنَ لي، فزورُوا القبور فإنها\n_________\n(١) الشن: القربة البالية.\n(٢) البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه، برقم ١٢٨٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٣.\n(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، باب تقبيل الميت، برقم ٣١٦٣، والترمذي، كتاب الجنائز، باب حدثنا زياد بن أيوب، برقم ٩٨٩، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في تقبيل الميت، برقم ١٤٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٨٩.\n(٤) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام، برقم ٤٢٦٢.","vol":"1","page":106},{"text":"تذكركم الموت\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>١١ - بكى - ﷺ - عند سعد بن عبادة وهو مريض</span>، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي - ﷺ - يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود - ﵃ -، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله (٢)، فقال: \"قد قضى؟ \" قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي - ﷺ -، فلما رأى القوم بكاء النبي - ﷺ - بَكَوْا، فقال: \"ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذب بهذا\" (٣) - وأشار إلى لسانه - \"أو يرحم ... \" (٤) الحديث (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>١٢ - بكى - ﷺ - عند القبر</span>، فعن البراء بن عازب ﵄ قال: كُنّا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بَلَّ الثَّرى، ثم قال: \"يا إخواني! لِمِثْلِ هذا فأعِدُّوا\" (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>١٣ - بكى - ﷺ - في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربه </span>ويدعوه حتى أصبح، فعن علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: ما كان فينا فارس يوم بدرٍ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - في زيارة قبر أمه، برقم ١٠٨ - (٩٧٦).\n(٢) غاشية أهله: أي الذين يغشونه للخدمة وغيرها [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥].\n(٣) ولكن يعذب بهذا: أي إن قال: سوءًا. [فتح الباري ٣/ ١٧٥].\n(٤) أو يرحم: أي إن قال خيرًا. [فتح الباري ٣/ ١٧٥].\n(٥) البخاري، كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض، برقم ١٣٠٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٤.\n(٦) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، برقم ٤١٩٥، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣٦٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٧٥١. وكذلك أخرجه أحمد، ٤/ ٢٩٤.","vol":"1","page":107},{"text":"غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله - ﷺ - تحت شجرةٍ يُصلّي ويبكي حتى أصبح (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>١٤ - بكى - ﷺ - في صلاة الكسوف</span>، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: انكسفتِ الشمس يومًا على عهد رسول الله - ﷺ -،فقام رسول الله - ﷺ - يُصلّي، ثم سجد، فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي، وذكر الحديث، وقال: فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: \"عُرِضَتْ عليَّ النار فجعلت أنفخها، فخفت أن تغشاكم\" وفيه: \"ربِّ ألم تعدني ألا تُعذّبهم\" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>١٥ - بكى - ﷺ - لقبوله الفداء في أسرى معركة بدر</span>، ففي حديث عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب - ﵃ -: «... فلما أسروا الأسارى قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر: \"ما ترون في هؤلاء؟ \" فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يديهم للإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما ترى يا ابن الخطاب؟ \" قال: قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم، فتُمكِّن عليًا من عقيلٍ فيضربُ عُنقه، وتُمكِّنِّي من فلانٍ - نسيبًا لعمر - فأضربَ عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوِيَ رسولُ الله - ﷺ - ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، ولَمّا كان مِنَ الغَدِ جئتُ فإذا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا\n_________\n(١) ابن خزيمة، برقم ٨٩٩، ٢/ ٥٣، وأحمد ١/ ١٢٥، ٢/ ٢٢٢، وصحح إسناده الألباني والأعظمي في صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٥٢.\n(٢) ابن خزيمة في صحيحه، برقم ٩٠١، وقال الألباني والأعظمي: إسناده صحيح، انظر: صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٥٣، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي، برقم ٢٧٨.","vol":"1","page":108},{"text":"رسول الله! أخبرني من أيّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدتُ بُكاءً بكيت، وإن لم أجد بُكاءً تباكيتُ لبكائكما؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة\" شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله - ﷺ -، وأنزل الله - ﷿ -: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ (١) فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (٢)، فأحلّ الله الغنيمة لهم» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>١٦ - بكى النبيُّ - ﷺ - شفقة على أمته</span>، فعن عبد الله بن عمرو ﵄: أنّ النبيَّ - ﷺ - تلا قول الله - ﷿ - في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٤) الآية، وقال عيسى - ﵇ -: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) الآية، فرفع يديه وقال: \"اللهم أُمّتي أُمّتي\" وبكى، فقال الله - ﷿ -: \"يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل - ﵇ - فسأله، فأخبره رسول الله - ﷺ - بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنَّا سَنُرضيك في أُمَّتك ولا نسوؤك\" (٦).\n_________\n(١) يثخن في الأرض: يُكثر القتل والقهر في العدوِّ. شرح النووي ١٢/ ٨٧.\n(٢) سورة الأنفال، الآيات: ٦٧ - ٦٩.\n(٣) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم، برقم ١٧٦٣.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٣٦.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ١١٨.\n(٦) مسلم، كتاب الإيمان، باب دعاء النبي - ﷺ - لأمته وبكائه شفقة عليهم، برقم ٢٠٢.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المبحث الخامس عشر: خشوع الصحابة - ﵃ - في صلاتهم</span>\nالصحابة - ﵃ - يقتدون بالنبي - ﷺ - في خشوعه في صلاته، ومن أمثلة ذلك الأمثلة والنماذج الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>١ - خشوع أبي بكر - ﵁ - في صلاته</span>، فعن عائشة ﵂ قالت: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - جَاءَ بِلَالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ (١)، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» وفي رواية: أنه قال - ﷺ -: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» قالت عائشة: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إذَا قَامَ مَقَامَكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاء، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» (٢).\nوهذا فيه من الفوائد: خشوع أبي بكر في صلاته، وقراءته، وأن البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى لا حرج فيه، لكن لا يتكلَّف ذلك، ولا يطلبه، فإذا غلبه البكاء في الصلاة بدون اختياره فلا حرج (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>٢ - خشوع عمر بن الخطاب - ﵁ - في صلاته</span>، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - يصلي بالناس صلاة الفجر، فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي، فقال عمر حين رأى نزف الدماء: قولوا لعبد الرحمن بن\n_________\n(١) أسيف: شديد الحزن، والمراد: أنه رقيق القلب، إذا قرأ غلبه البكاء، فلا يقدر على القراءة [فتح الباري، ٢/ ١٥٢، ١٦٥، ٢٠٣].\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم، برقم ٧١٣، ورقم ٦٧٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ...، برقم ٤١٨.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٧٩ - ٣٨٦، وفتح الباري لابن حجر،\n٢/ ١٥١، ١٦٤، ١٦٦، ١٧٣، ٢٠٣، و٢٠٦.","vol":"1","page":110},{"text":"عوف فليصلِّ بالناس، ثم غُشي على عمر - ﵁ -، فحُمل فأدخلوه بيته، ثم صلَّى بالناس عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، فأنكر الناس صوت عبد الرحمن، ولم يزل عمر - ﵁ - في غشية واحدة، حتى أسفر، فلمَّا أسفر أفاق، فنظر في وجوه مَنْ حوله فقال: «أصلَّى الناس؟» قالوا: نعم، فقال: «لا إسلام لمن ترك الصلاة»، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم صلَّى، وجرحه ينزف دمًا، ثم أمر بعد صلاته من يسأل عن من قتله؟ فأخبروه أنه طعنه أبو لؤلؤة، فقال عمر - ﵁ -: «الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجّني عند الله بسجدة سجدها له قط» (١).\nفكان عمر بن الخطاب - ﵁ - حريصًا على صلاة المسلمين، وكان ذلك أعظم عنده من نفسه، فسأل بقول: «أصلى الناس؟»، ثم أقبل على صلاته، ثم بعد أن صلَّى سأل عن من قتله - ﵁ -؟.\nوكان عمر - ﵁ - قد رأى رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة، فقال:\n«يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرِّقاب، إنّما الخشوع في القلوب» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>٣ - خشوع سعد بن معاذ - ﵁ - في صلاته</span>، فقد ذُكِرَ أنه قال: «فيَّ ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن كنت أنا أنا: إذا كنت في الصلاة لا أُحَدِّثُ نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من\n_________\n(١) ذكره ابن القيم ﵀ عن ابن زنجويه بسنده إلى عمر - ﵁ -، في كتاب الصلاة وحكم تاركها، ص ٢٦. وانظر: مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، لابن الجوزي، ص ٢١٥ - ٢١٦.\n(٢) ذكره الإمام الذهبي في كتاب الكبائر دون عزو لكتاب، ص ١٤٣، وانظر مدارج السالكين لابن القيم، ١/ ٥٢١ - ٢٥٢.","vol":"1","page":111},{"text":"رسول الله - ﷺ - حديثًا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحدِّث نفسي بغير ما تقول ويُقال لها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>٤ - خشوع عبد الله بن الزبير - ﵁ - في صلاته</span>، قد ذُكِرَ أنه «كان يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه» (٢).\nوغيرهم من أصحاب النبي - ﷺ - كثير، ولكن هذه من باب الأمثلة والله المستعان.\n_________\n(١) ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٦٠٥. وقد أورده ابن عبد البر بإسناده من طريق الزهري عن ابن المسيب في الاستيعاب، ١/ ١٨٢، والمزي في تهذيب الكمال بالإسناد نفسه، ٣/ ٤١٨.\n(٢) ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٦٠٥. وقد أورده أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان، ص ٢٩.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المبحث السادس عشر: خشوع التابعين ومن بعدهم</span>\nالتابعون من القرون المُفضَّلة، وكذلك أتباعهم - ﵃ -، لهم مواقف في خشوعهم في صلاتهم، تدل على رغبتهم فيما عند الله تعالى، ومنها الأمثلة الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>١ - خشوع عروة بن الزبير في صلاته </span>رحمه الله تعالى (١)، كان عروة يخشع في صلاته خشوعًا عظيمًا، فقد ذُكِرَ عنه أنه خرج من المدينة مُتوجِّهًا إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وعندما كان في وادٍ قرب المدينة أصابه أكلة في رجله، ولم يصل إلى دمشق إلا وقد وصلت الأكلة إلى نصف ساقه، ودخل على الوليد، فجمع له الأطباء، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلَّها إلى وركه، وربما ترقَّت إلى الجسد، فطابت نفسه بقطعها، وقالوا له: ألا نسقيك مُرَقِّدًا؟ فقال: ما ظننت أن أحدًا يشرب شرابًا، أو يأكل شيئًا يُذْهِبُ عقله حتى لا يعرف ربه، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة؛ فإني لا أحسُّ بذلك، ولا أشعر به، فنشروا رجله من فوق الأكلة من المكان الحي احتياطًا حتى لا يبقى منها شيء وهو قائم يصلي، فما تألَّم ولا اضطرب، فلمَّا انصرف من الصلاة\n_________\n(١) عروة بن الزبير بن العوام، التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة، وكان من جملة الفقهاء العشرة الذين يرجع إليهم عمر بن عبد العزيز في زمن ولايته، أمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة، وكان ﵀ يقرأ كل يوم ربع القرآن، ويقوم به في الليل، وكان أيام الرطب يثلم حائطه للناس، فيدخلون ويأكلون، فإذا ذهب الرطب أعاد الحائط، ولد في سنة ثلاث وعشرين بعد عمر - ﵁ -، وتوفي ٩٣هـ على المشهور، والله أعلم. [البداية والنهاية لابن كثير، ٩/ ١٠٢ - ١٠٣، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٤/ ٤٢١ - ٤٣٨].","vol":"1","page":113},{"text":"عزّاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحدًا، وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذتَ فقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فَلَطَالَمَا عافيت، فلك الحمد على ما أخذت، وعلى ما عافيت، وكان قد صحبه بعض أولاده ...\nفمات أحبهم إليه فَعَزَّوْهُ فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة، فأخذتَ منهم واحدًا وأبقيتَ ستة، فلئن كنتَ قد ابتليتَ، فلطالما عافيتَ، ولئن كنتَ قد أخذتَ، فلطالما أعطيتَ، ثم رجع إلى المدينة، وما شكا ذلك إلى أحد، فلمّا دخل المدينة أتاه الناس يسلّمون عليه ويُعزُّونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه، فأنشد عروة في ذلك، والأبيات لمعن بن أوس:\n\nلعمركَ ما أهويتُ كفِّي لريبةٍ ... ولا حَمَلَتني نحوَ فاحشةٍ رجلي\nولاقادني سمعي ولابصري لها ... ولا دلَّني رأيي عليها ولا عقلي (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٢ - خشوع عامر بن عبد الله بن قيس </span>(٢) في صلاته رحمه الله تعالى كان لهذا الرجل من الأخبار في الخشوع في صلاته الأخبار الكثيرة، ومنها:\n* قيل له: أتحدِّث نفسك في الصلاة؟ قال: أحدِّثها بالوقوف بين\n_________\n(١) البداية والنهاية لابن كثير، ٩/ ١٠٢ - ١٠٣.\n(٢) قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، ٤/ ١٥: «عامر بن قيس، القدوة، الولي، الزاهد» كان ثقة من عبّاد التابعين، قال فيه كعب الأحبار: هذا راهب هذه الأمة، قال أبو عبيد: كان عامر بن عبد الله الذي يعرف بابن عبد قيس يقرئ الناس، قيل: توفي في زمن معاوية - ﵁ -، [انظر: سير أعلام النبلاء/ ٤/ ١٩].","vol":"1","page":114},{"text":"يدي الله، ومنصرفي (١) أيِّ إلى أي الدارين.\n* وذكروا له بعض ما يجدونه في الصلاة من أمر الضيعة، فقال: أتجدونه؟ قالوا: نعم، قال: والله لأن تختلف الأسنّة في جوفي أحبُّ إليَّ من أن يكون هذا منِّي في صلاتي (٢).\n* وعندما حضرته الوفاة بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل (٣).\n* وكان يُقرئ القرآن لمن يتعلَّم عنده، ثم يقوم فيصلِّي إلى الظهر، ثم يصلِّي إلى العصر، ثم يُقرئ الناس إلى المغرب، ثم يُصلّي ما بين العشائين، ثم ينصرف إلى منزله فيأكل رغيفًا، وينام نومة خفيفة، ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحَّر رغيفًا ويخرج (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>٣ - خشوع علي بن الحسين </span>في صلاته ﵀ (٥)، كان إذا فرغ من وضوئه للصلاة، وصار بين وضوئه وصلاته، أخذته رِعدةٌ ونفضة، فقيل له في ذلك؟ فقال: «ويحكم أتدرون إلى من أقوم،\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء للذهبي، ٤/ ١٧.\n(٢) حلية الأولياء لأبي نعيم، ٢/ ٩٢.\n(٣) سير أعلام النبلاء، ٤/ ١٩، وحلية الأولياء، ٢/ ٨٨.\n(٤) سير أعلام النبلاء، ٤/ ١٥ - ١٦.\n(٥) علي بن الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب، زين العابدين، كان عابدًا، وفيًّا وجوادًا، وُلد في سنة ٣٨هـ، وقيل: مات سنة ٩٤هـ[سير أعلام النبلاء، ٤/ ٣٨٦ - ٤٠٠، وحلية الأولياء، ٣/ ١٣٣].","vol":"1","page":115},{"text":"ومن أريد أن أناجي؟» (١)، وفي لفظ: «تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي؟» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>٤ - خشوع مسلم بن يسار </span>في صلاته ﵀ (٣):\n* قال عنه ابنه عبد الله بن مسلم: «كان إذا صلَّى كأنه ودٌّ [أي وتد] لا يميل لا هكذا، ولا هكذا (٤).\n* وقيل عنه: كان مسلم بن يسار إذا صلَّى كأنه ثوب مُلقى، وكان يقول لأهله إذا دخل في الصلاة: تحدَّثوا فلست أسمع حديثكم، وذُكر أنه وقع حريق في داره وهو يصلِّي، فلما ذُكِرَ له قال: ما شعرت (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>٥ - خشوع حاتم الأصم </span>﵀ في صلاته (٦)، كان حاتم ينطق بالحكمة، ويخشع لله تعالى في صلاته، فقد مرَّ عصام بن يوسف\n_________\n(١) حلية الأولياء، ٣/ ١٣٣.\n(٢) سير أعلام النبلاء، ٤/ ٣٩٢.\n(٣) مسلم بن يسار، قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء، ٤/ ٥١٠: «القدوة الفقيه، الزاهد، أبو عبد الله البصري، كان ثقة، فاضلًا، عابدًا ورعًا، توفي ١٠٠هـ، وقيل: ١٠١ [انظر: سير أعلام النبلاء، ٤/ ٥١٠ - ٥١٤].\n(٤) سير أعلام النبلاء، ٤/ ٥١١.\n(٥) المرجع السابق، ٤/ ٥١٢.\n(٦) حاتم الأصم، قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء، ١١/ ٤٨٤: «الزاهد القدوة، الرّبَّاني، أبو عبد الرحمن، حاتم بن عنوان بن يوسف البلخي، الناطق بالحكمة الأصم، له كلام جليل في الزهد، والوعظ، والحكم، كان يقال له: لقمان هذه الأمة ... توفي حاتم الأصم ﵀ ٢٣٧هـ».","vol":"1","page":116},{"text":"﵀ بحاتم الأصمّ وهو يتكلم في مجلسه، فقال: يا حاتم تُحْسِنْ تُصَلِّي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلّي؟ قال حاتم: «أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترتيل والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهّد بالتمام، وأسلِّم بالسبل (١) والسنة [وفي لفظ: وأسلم بالنية] وأسلمها بالإخلاص لله - ﷿ -، وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا يقبل مني، وأحفظه بالجهد إلى الموت». قال: تكلَّم فأنت تُحْسِنُ تصلِّي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٦ - قال الحسن رحمه الله تعالى: </span>«إذا قمت إلى الصلاة قانتًا، فقم كما أمرك الله، وإيَّاك والسَّهْو، والالتفات، إيَّاك أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره، وتسأل الله الجنة، وتعوّذ به من النار وقلبك ساهٍ لا تدري ما تقول بلسانك» (٣).\n٧ - قال الفضيل بن عياض: «كان يُكره أن يُرِيَ الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه» (٤).\n_________\n(١) في صفة الصفوة، ٤/ ١٦١جاءت الرواية:: «وأركع بالخشوع وأسجد بالتواضع، وأسلم بالسنة، وأسلمها بالإخلاص»، وفي شذرات الذهب لابن العماد، ٢/ ٨٧: «وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع وأجلس للتشهد بالتمام وأسلم السبل والسنة وأسلمها بالإخلاص».\n(٢) حلية الأولياء لأبي نعيم، ٨/ ٧٤، وانظر: الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص ٣٧.\n(٣) الخشوع في الصلاة، ابن رجب، ص ٢٧،\n(٤) مدارج السالكين لابن القيم، ١/ ٥٢١.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>٨ - خشوع الإمام البخاري </span>﵀ (١) في صلاته: قال مسبح بن سعيد: «كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة (٢)، وكان ﵀ يُصلِّي ذات يوم أو ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته (٣). وقد قيل: إن هذه الصلاة كانت التطوع بعد صلاة الظهر، وقيل له بعد أن فرغ من صلاته: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما لسعك؟ قال: «كنت في سورةٍ فأحببت أن أتمَّها» (٤).\nوقال مقسم بن سعد: «كان محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه، فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليالٍ، وكان يختم في النهار في كل يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإِفطار كل ليلة، ويقول: عند كل ختمة دعوة مستجابة» (٥).\n_________\n(١) ولد الإمام البخاري ﵀ في ١٣ شوال سنة ١٩٤ هـ، وتوفي ﵀ سنة ٢٥٦هـ. [انظر: سير أعلام النبلاء، ١٢/ ٣٩١، ٤٦٨].\n(٢) سير أعلام النبلاء، ١٢/ ٤٣٩.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٢، وهدي الساري لابن حجر، ص ٤٨٠.\n(٤) سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٢.\n(٥) هدي الساري لابن حجر، ص ٤٨١.","vol":"1","page":118},{"text":"وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: «... كان أبو عبد الله يُصلِّي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة» (١).\nومن شعره رحمه الله تعالى:\n\nاغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بغتة\nكم صحيح رأيت من غير سقم ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة (٢)\nوقد قيل: إنه لما ألَّف الصحيح كان يُصلِّي ركعتين عند كل ترجمة (٣)، يعني يستخير الله في وضعها وعدمه.\n_________\n(١) المرجع السابق ص ٤٨١، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي، ١/ ٧٥، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤١.\n(٢) ذكره ابن حجر في هدي الساري، ص ٤٨١، وعزاه إلى الحاكم في تاريخه.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٣، وهدي الساري لابن حجر، ص ٤٨٩.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المبحث السابع عشر: الخشوع في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها</span>\nالخشوع في تلاوة القرآن يكون في الصلاة وخارج الصلاة، والخشوع في قراءته في الصلاة أعظم وآكد، وأهل الإيمان يتأثرون بقراءة القرآن فيخشعون لله، داخل الصلاة وخارجها، وهذا التأثير يكون على النفوس والقلوب والأرواح، وهذا التأثير جاء على أنواع على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>النوع الأول: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء في القرآن الكريم</span>\nالقرآن العظيم مُؤثِّر في القلوب والنفوس والأرواح؛ لأنه كلام العليم الخبير بما يصلح هذه القلوب والنفوس في الدنيا والآخرة، ومن هذا التأثير ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>١ - تأثيره على علماء أهل الكتاب وغيرهم من أهل العقول</span>، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>٢ - الذين أوتوا العلم من قبله يتأثَّرون به</span>، قال الله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٣ - الذين أنعم الله عليهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرُّوا سُجَّدًا وبُكِيّاُ:</span>\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٨٣.\n(٢) سورة الإسراء، الآيات: ١٠٧ - ١٠٩.","vol":"1","page":120},{"text":"قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٤ - من علامات الإيمان التأثر بالقرآن وزيادة الإيمان</span>، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٥ - المُؤمنون الصادقون في إيمانهم، الخائفون من ربهم تقشَعِرُّ جلودهم عند قراءة القرآن</span>، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادِ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٦ - الصادقون مع الله تخشع قلوبهم لذكر الله</span>، قال - ﷿ -: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون﴾ (٤).\nعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه أخبره أنه لم يكن بين\n_________\n(١) سورة مريم، الآية: ٥٨.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٢.\n(٣) سورة الزمر، الآية: ٢٣.\n(٤) سورة الحديد، الآية: ١٦.","vol":"1","page":121},{"text":"إسلامهم وبين أن أنزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين (١).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلا أربع سنين» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>النوع الثاني: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء ذلك في سنة النبي </span>- ﷺ -:\nوجاءت الأحاديث تدل على خشوع النبي - ﷺ - وتأثُّره بقراءة القرآن الكريم ومن ذلك ما يأتي:\n١ - أَمَرَ النبيُّ - ﷺ - أن يُقرأ عليه القرآن فبكى، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «اقرأ عليَّ القرآن»،قال: فقلت: يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أُنزِلَ؟ فقال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري»، وفي لفظ للبخاري: «فإني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت عليه النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ (٣)، وفي لفظ للبخاري: «فقال حسبك الآن»، فرفعت رأسي، أو غمزني رجلٌ فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل»، وفي لفظ للبخاري: «فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان» (٤).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، برقم ٤١٩٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٦٩.\n(٢) مسلم، كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ...﴾، برقم ٣٠٢٧. والآية رقم ١٦ من سورة الحديد\n(٣) سورة النساء الآية: ٤١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾، برقم ٤٥٨٢، وكتاب فضائل القرآن، باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره، برقم ٥٠٤٩، وباب قول المقرئ للقارئ: حسبك، برقم ٥٠٥٠، وباب البكاء عند قراءة القرآن، برقم ٥٠٥٥، ورقم ٥٠٥٦، مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظه للاستماع، والبكاء عند القراءة والتدبر، برقم ٨٠٠.","vol":"1","page":122},{"text":"٢ - وعن أنس بن مالك - ﵁ -:أن رسول الله - ﷺ - قال لأبيّ بن كعب: «إن الله - ﷿ - أمرني أن أقرأ عليك»، قال: آلله سمَّاني لك؟ قال: «الله سمَّاك لي»، قال فجعل أُبيّ يبكي»، وفي رواية: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) قال: وسمَّاني لك؟ قال: «نعم»\nقال: فبكى (٢).\n٣ - وعن عائشة ﵂ في حديث طويل ذكرت فيه صلاة النبي - ﷺ - بالليل، وأنه بكى مرات، قالت: «فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؛ لقد نزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ...﴾ (٣) الآية كلها (٤).\n٤ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي - ﷺ - تلا قول الله - ﷿ - في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ\n_________\n(١) سورة البينة، الآية: ١.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل والحُذَّاق فيه وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه، برقم ٢٤٥ - (٧٩٩) و٢٤٦ - (٧٩٩).\n(٣) سورة آل عمران، الآية ١٩٠.\n(٤) ابن حبان في صحيحه، برقم ٦٢٠، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٨٦: «وهذا إ سناد جيد».","vol":"1","page":123},{"text":"مِنِّي﴾ (١) الآية، وقال عيسى - ﵇ -: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (٢) الآية. فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي»، وبكى فقال الله - ﷿ -: «يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل - ﵇ - فسأله، فأخبره رسول الله - ﷺ - بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك» (٣).\n٥ - وعن أبي ذر - ﵁ - قال: قام النبي - ﷺ - بآية حتى أصبح يردِّدها، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (٤) (٥)، ولم يكن النبي - ﷺ - يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهةً، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملان، ويُسمع لصدره أزيز، وكان بكاؤه: تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمَّتِهِ وشفقة عليها، وتارة خشيةً لله تعالى، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاءُ اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ (٦) (٧).\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ٣٦.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ١١٨.\n(٣) مسلم، برقم ٢٠٢، وتقدم تخريجه في خشوع النبي - ﷺ -.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ١١٨.\n(٥) أخرجه: النسائي، كتاب الافتتاح، باب ترديد الآية، برقم ١٠١٠، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل، برقم ١٣٥٠، وأحمد، ١/ ٢٤١، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة، ١/ ٢٤٢، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٠١.\n(٦) زاد المعاد لابن القيم، ١/ ١٨٣.\n(٧) وانظر المواضع التي بكى فيها رسول الله - ﷺ - في كتاب رحمة للعالمين للمؤلف، ص٨٢ - ٩٣، فقد جمعت مما صح من بكائه - ﷺ - ستة عشر موضعًا وغيرها كثير.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>النوع الثالث: تأثير القرآن الكريم على القلوب والأرواح والنفوس </span>كما جاء في الآثار عن السلف الصالح:\n١ - ثبت عن جبير بن مطعم - ﵁ -:أنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقرأ في المغرب بالطُّور، فلمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون* أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون﴾ (١) كاد قلبي أن يطير [وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي]» (٢).وهذا من أعظم البراهين على تأثير القرآن في القلوب.\n٢ - ذُكِر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه صلَّى بالجماعة صلاة الصبح، فقرأ سورة يوسف، فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته، وفي رواية: أنه كان في صلاة العشاء، فيدل على تكريره منه، وفي رواية أنه بكى حتى سُمِعَ بكاؤه من وراء الصفوف (٣).\n٣ - وذُكِر أنه قدم أُناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق - ﵁ -، فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق - ﵁ -: «هكذا كنَّا، ثم قست القلوب» (٤).\n_________\n(١) سورة الطور، الآيات: ٣٥ - ٣٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، سورة الطور، بابٌ: حدثنا عبد الله بن يوسف، برقم ٤٨٥٤، وما بين المعقوفين من الطرف رقم ٤٠٢٣ من كتاب المغازي، وأخرجه مسلم، بنحوه، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، برقم ٤٦٣.\n(٣) ذكره النووي في التبيان في آداب حملة القرآن، ص٦٩.\n(٤) أبو نعيم في حلية الأولياء، ١/ ٣٤، وذكره النووي في التبيان، ص٦٩.","vol":"1","page":125},{"text":"٤ - وذُكِرَ عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك (١) البالي من الدموع (٢).\nوالذي جعل النبي - ﷺ - يبكي من خشية الله تعالى، هو علمه بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وعظمته، وعلمه بما أخبر الله به من أمور الآخرة؛ ولهذا كان أبو هريرة - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»،وفي لفظ: قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا» (٣).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» (٤).\nوعن أبي ذر - ﵁ - في حديث طويل عن النبي - ﷺ - وفيه قوله - ﷺ -:\n«... والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفُرُشات، ولخرجتم إلى الصُّعُداتِ تجأرون إلى الله ...» (٥).\n_________\n(١) الشراك: هو السير الرقيق الذي يكون في النعل على ظهر القدم، [التبيان للنووي، ص١٦٨].\n(٢) ذكره الإمام النووي التبيان في آداب حملة القرآن، ص٦٩.\n(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب قوله - ﷺ -: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»، برقم ٦٤٨٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ -: «لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»، برقم ٦٤٨٦، وأطرافه في البخاري، ٩٣ ذكرت هناك، ومسلم كتاب الفضائل، باب توقيره، - ﷺ - وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، برقم ١٣٣٧.\n(٥) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، برقم ٤١٩٠، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣٦٨، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٧٢٢.","vol":"1","page":126},{"text":"وهكذا أصحابه - ﵃ - وأتباعهم بإحسان: علمهم بالله تعالى وبما أخبر به عن الدار الآخرة جعلهم يخشون الله تعالى، ويخشعون في قراءتهم لكتابه، وفي صلاتهم، ويتأثرون بكلامه - ﷿ -.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المبحث الثامن عشر: درجات الخشوع في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>الخشوع الكامل في الصلاة: </span>في القراءة فيها، والأدعية، والأذكار يكون على ثلاث درجات على النحو الآتي:\nالدرجة الأولى: قراءتها والتلفظ بها مع استحضار معانيها، وهذه الدرجة أدنى ما يُجزِئ من الخشوع الكامل، فقد ثبت أن النبي - ﷺ - بكى وهو يصلِّي صلاة الليل، فقال بلال - ﵁ -: يا رسول الله لِمَ تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت علي الليلة آية، ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١» (٢).\nقال عبد الرحمن بن سليمان: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلّق المتعلّق وينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هُنية، ثم قال: «يقرؤهنّ وهو يعقلهنّ» (٣).\nوذلك أن من لم يعقل ما يقول، وسها بتفكيره عن معنى ما يقوله، فقد خرج من الخشوع إلى الغفلة، ومما يدلّ على ذلك\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية، ١٩٠.\n(٢) ابن حبان في صحيحه، برقم ٦٢٠، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٦٨: «وهذا إسناد جيد»، وتقدم تخريجه في خشوع النبي - ﷺ - وبكائه في صلاة الليل.\n(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في التفكر كما ذكر السيوطي في الدر المنثور، ٢/ ٤٠٩، والمناوي في الفتح السماي، ١/ ٢٠٥ دون إشارة إلى كتاب ابن أبي الدنيا، وعزاها الكتاني إلى ابن أبي الدنيا في التفكر، نظم المتناثر، ص ٢٤٤، وانظر: كيف تخشع في الصلاة، لمجدي أبو عريش، ص ١٩.","vol":"1","page":128},{"text":"حديث عثمان - ﵁ -: أنه توضأ وضوءًا كاملًا ثم قال: «رأيت النبي - ﷺ - توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلّى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه» (١).\nوعن عقبة بن عامر - ﵁ -: أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلِّي ركعتين مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة» (٢).\nويُؤكِّد ذلك قول ابن عباس ﵄: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها» (٣).\nومما يدل على حضور القلب مع القول قول النبي - ﷺ -: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه» (٤)، وفيه حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - في فضل إجابة المؤذن، وفيه: «... إذا قال المؤذن: الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر ...» إلى قوله:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٦، ومسلم، برقم ٢٤٦، وتقدم تخريجه في فضائل الخشوع في الصلاة.\n(٢) مسلم، برقم ٢٣٤، وتقدم تخريجه في فضائل الخشوع في الصلاة.\n(٣) ذكر المناوي في التيسير شرح الجامع الصغير، ١/ ٧٩٣، أن حديث: «ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل» أن الحكيم الترمذي أخرجه في نوادر الأصول، وإسناده ضعيف، وقال العراقي في تخريج إحياء علوم الدين، ١/ ٣٠٩ أنه لم يجده مرفوعًا، وذكر الألباني في السلسلة الضعيفة، ١٤/ ١٢٠٦، برقم ٦٩٤١ أن الحديث لا أصل له مرفوعًا، وأنه صح موقوفًا عن بعض السلف، وأن هذا الصحيح الموقوف أخرجه أبو نعيم في الحلية، ٧/ ٦١ من كلام سفيان الثوري. وأما أثر ابن عباس فهو في مدارج السالكين، ١/ ٥٢٥، وعدة من كتب الإمامين ابن القيم، وابن تيمية رحمهما الله.\n(٤) البخاري، كتاب العلم باب، الحرص على الحديث، برقم ٩٩.","vol":"1","page":129},{"text":"«... ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة» (١)، فهذا والله تعالى أعلم: أدنى الخشوع الكامل: أن يقرأ الآيات والأذكار متفَهِّمًا لمعانيها، وكذلك أذكار الصلاة: كأذكار الركوع، والرفع منه، وأذكار السجود، والجلسة بين السجدتين، وغير ذلك من أذكار الصلاة، وأدنى الخشوع في ذلك أن لا يقولها غافلًا عن معناها (٢).\nالدرجة الثانية: أن يقرأها وهو يعقلها، ومتأثرًا بمعانيها حال قراءتها، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها بوجود التأثّر من تلك المعاني، حتى يُعرف خشوعه من صوته، ويتأثَّر به من سَمِعَه، ويحسب أنه يخشى الله فيها، فيرغب في آيات الوعد، ويرهب من آيات الوعيد.\nالدرجة الثالثة: أن يقرأها مُتأثِّرًا غاية التأثر بحقائقها تلك، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها ببلوغ التأثُّر غايته، وشهود حقائق المعاني بالقلب، حتى كأنَّها رأي عين؛ وفي حديث حنظلة - ﵁ - أنه قال: قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: «وما ذاك؟» قال: قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكّرنا بالجنة والنار حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضّيعات - نسينا كثيرًا- فقال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي\n_________\n(١) مسلم كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ...، برقم ٣٨٥.\n(٢) انظر: كيف تخشع في الصلاة، لمجدي أبو عريش، ص ٢١.","vol":"1","page":130},{"text":"طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» ثلاث مرار، وفي لفظ:\n«يا حنظلة ساعة وساعة، لو كانت تكونُ قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلّم عليكم في الطرق» (١).\nويشعر صاحب هذه الدرجة من الخشوع بتقصير، وتفريط، فيسأل الله تعالى من فضله راغبًا، ويستعيذ من عذابه راهبًا، يدفعه إلى ذلك تأثّره؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - في صلاة الليل: «إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ ...» (٢).\nومن أصحاب هذه الدرجة من قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٣)، قالت عائشة:\nيا رسول، أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا ابنة أبي بكر»، أو «يا بنت الصديق» ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويُصلّي، وهو يخاف أن لا يُتقبَّل منه» (٤).\nوهذه الدرجات الثلاث لعلّ ابن القيم يعنيها في الأقسام الثلاثة الأخيرة من مراتب الناس الخمسة في الصلاة، فقد ذكر أن القسم الثالث من حافظ على حدود الصلاة وأركانها، وجاهد نفسه في دفع\n_________\n(١) مسلم، كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، برقم ٢٧٥٠.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم ٧٧٣، من حديث حذيفة - ﵁ -.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوقي في العمل، برقم ٤١٩٨، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، بابٌ ومن سورة المؤمنون، برقم ٣١٧٥، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٤٠٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٦٢.","vol":"1","page":131},{"text":"الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوّه؛ لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد، ثم بيّن ﵀ أن هذا مكفّر عنه.\nوقال في القسم الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها، وأركانها، وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها، وحقوقها؛ لئلا يضيع شيئًا منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها، وإتمامها، قد استغرق قلبه شأن الصلاة، وعبودية ربه ﵎ فيها، ثم بيّن ﵀: أن هذا القسم: مثاب.\nوقال في القسم الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك: [أي كما في القسم الرابع]، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه - ﷿ - ناظرًا بقلبه إليه، مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده، ... فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربّه - ﷿ - قرير العين، ثم بيَّن ﵀: أن هذا القسم الخامس مقرّب من ربّه؛ لأن له نصيبًا ممن جعلت قرّة عينه في الصلاة ... (١)\nفالقسم الثالث عند ابن القيم هو الدرجة الأولى من درجات الخشوع في الصلاة، وهي أدنى درجات الكمال في الخشوع.\nوالقسم الرابع عند ابن القيم هو الدرجة الثانية من درجات الخشوع في الصلاة.\nوالقسم الخامس عند ابن القيم هو الدرجة الثالثة من درجات الخشوع في الصلاة. والعلم عند الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: الوابل الصيّب، ص٤٠ - ٤١.","vol":"1","page":132},{"text":"وهذه الدرجات الثلاث إنما هي في الخشوع الكامل الذي يجزئ، أما أحوال الناس في صلاتهم فتتفاوت أشدّ التفاوت، والله المستعان (١).\n_________\n(١) انظر: كيف تخشع في الصلاة، لمجدي أبو عريش، ص ٢٢.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المبحث التاسع عشر: فوائد الخشوع في الصلاة</span>\nالخشوع في الصلاة له فوائد كثيرة منها الفوائد الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>أولًا: الخشوع يجعل الصلاة محبوبة يسيرة على المصلي</span>، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ (١).\nقال العلامة السعدي ﵀: «وإنها» أي الصلاة «لكبيرة» أي شاقة «إلا على الخاشعين» فإنها سهلة عليهم، خفيفة؛ لأن الخشوع وخشية الله، ورجاء ما عنده يوجب له فعلها منشرحًا صدره؛ لترقُّبه للثواب، وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن كذلك؛ فإنه لا داعي له يدعوه إليها، وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه ...؛ ولهذا قال: «الَّذِينَ يَظُنُّونَ» أي يستيقنون «أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ» فيجازيهم بأعمالهم «وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون» فهذا الذي خفف عليهم العبادات، وأوجب لهم التسلِّي في المصيبات، ونفّس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه» (٢).\nوقد كان النبي - ﷺ - إذا حزبه أمر صلَّى، فعن حذيفة - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - إذا حزبه أمر صلَّى» (٣).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان: ٤٥ - ٤٦.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ٥١ - ٥٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب وقت قيام النبي - ﷺ - من الليل، برقم ١٣١٩، وأحمد في المسند، ٣٨/ ٣٣٠، برقم ٢٣٢٩٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣١٦.","vol":"1","page":134},{"text":"وعن صهيب - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - فيما حكاه عن نبي من الأنبياء السابقين، وفيه: أن هذا النبي استشار قومه، فقالوا: أنت نبي الله نَكِلُ ذلك إليك، فَخِرْ لنا، قال «فقام إلى صلاته» قال: «وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة» (١)، وهذا يدل على أن النبي - ﷺ - إذا حزبه أمر [أي نزل به أمر شديد] فزع إلى الصلاة، وكان الأنبياء قبله عادتهم الاشتغال بالصلاة في الشدائد» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثانيًا: الخشوع في الصلاة يجعلها تنهى عن الفحشاء والمنكر:</span>\nقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (٤).\nفالله تعالى أمر بتلاوة كتابه، ومن تلاوته: اتباع ما يأمر به، والابتعاد عما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، وتصديق أخباره، وتدبُّر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب، عُلِمَ أن\n_________\n(١) أحمد، ٣١/ ٢٦٨، برقم: ١٨٩٣٧، وصحح إسناده محققو المسند، ٣١/ ٢٦٨.\n(٢) انظر: حاشية محققي مسند الإمام أحمد، ٣١/ ٢٦٨، و٣٨/ ٣٣١.\n(٣) وعن ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السموات وربُّ الأرض، وربُّ العرش الكريم» [البخاري، برقم ٦٣٤٦، ومسلم، برقم ٢٧٣٠، وعند الإمام أحمد بنحوه، ٤/ ٢٣٤، برقم ٢٤١١، وفي أوله: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا حزبه أمر قال: «لا إله إلا الله ...» الحديث، وفي آخره: «... ثم يدعو»، وهذا يدل على أنه يقول هذا الذكر، ثم يدعو بعده. وصحح إسناده محققو المسند، ٤/ ٢٣٤.\n(٤) سورة العنكبوت، الآية: ٤٥.","vol":"1","page":135},{"text":"إقامة الدين كلّه داخلة في تلاوة كتاب الله، فيكون قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة﴾ من باب عطف الخاص على العام لفضل الصلاة، وشرفها، وآثارها الجميلة، وهي «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»، ووجه ذلك أن العبد المقيم لها، المتمّم لأركانها، وشروطها، وخشوعها يستنير قلبه، ويتطهَّر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتعدم رغبته في الشرّ، فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها، وثمراتها (١).\nفالخشوع في الصلاة من الواجبات التي تجب لها، فحينئذٍ تنهى عن الفحشاء والمنكر: إذا قام بها العبد كاملة بما يجب لها. والله تعالى أعلم.\nوقد ثبت أنه قيل للنبي - ﷺ -: «إن فلانًا يصلِّي الليل كلَّه، فإذا أصبح سرق، فقال: «سينهاه ما تقول»، أو قال: «ستمنعه صلاته» (٢).\nفإذا صلَّى العبد المسلم الصلاة على الوجه الأكمل: بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وخشوعها، والتدبّر في قراءتها منعته من\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٦٣٢.\n(٢) أحمد في المسند، ١٥/ ٤٨٣، برقم، ٩٧٧٨، والبزار (كشف الأستار)، ١/ ٣١٧، وشعب الإيمان للبيهقي، ٤/ ٥٤٥، قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، ١/ ١٦: «رواه أحمد، والبزار، والطحاوي في مشكل الآثار، ٢/ ٤٣٠، والبغوي في حديث علي بن الجعد، ٩/ ٩٧/ ١، وأبو بكر الكلاباذي في مفتاح معاني الآثار، ٣١/ ١/ ٦٩، بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":136},{"text":"الفحشاء والمنكر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>ثالثًا: الخشوع الكامل يجلب البكاء من خشية الله تعالى:</span>\nلا شك أن الخشوع الكامل في الصلاة يجلب البكاء من خشية الله تعالى، وإذا حصل هذا العمل الصالح كان من أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سَبيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ» (٢).\nوعن أبي أمامة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهَرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ» (٣).\nوعن ابن عباس ﵄، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي\n_________\n(١) انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ص ١٦.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في فضل البكاء من خشية الله، برقم ٢٣١١، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٢٨.\n(٣) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل المرابط، برقم ١٦٦٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٤٢.\n(٤) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الحراسة في سبيل الله، برقم ١٦٣٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٢٧، وفي مشكاة المصابيح، ٢/ ١١٢٥.","vol":"1","page":137},{"text":"ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهِ: إِمَامٌ عاَدِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في ِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلُمُ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يِمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (١).\nوالمشروع في البكاء أن يكون الباعث عليه: التفكُّر في الذنب، أو عدد الذنوب، أو التفكُّر في تقصيره، أو خوف عذاب الله تعالى، أو الخوف من أن لا يقبل عمله؛ لفقد شرطٍ من شروط صحته، أو خوف الموت قبل الاستعداد، أو توقير الله وتعظيمه، أو خوف الفتن، أو خوف عدم الثبات على الدين، أو التذلّل لله في الدعاء، أو الطَّمع في رضوان الله والجنّة، أو الشوق إلى لقاء الله تعالى، وأعظم البكاء من خشية الله في الخلوات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>رابعًا: الخشوع في الصلاة يعطي الصلاة معناها الحقيقي</span>، وهو التوجه والحضور بالقلب، والجسد بين يدي الله تعالى، والتقرُّب له بذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>خامسًا: الخشوع في الصلاة يهوِّن الوقوف على العبد يوم القيامة</span>؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم ﵀: «للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول هُوِّن عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، برقم ١٤٢٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، برقم ١٠٣١.","vol":"1","page":138},{"text":"الموقف، ولم يوفِّه حقَّه شُدِّد عليه ذلك الموقف، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>سادسًا: الخشوع في الصلاة يقرِّب العبد من الله</span>، ويستفيد منه اللذة في مناجاة الله؛ لأن اللذة تابعة للمحبَّة تقوى بقوَّتها، وتضعف بضعفها، فكلما كانت الرغبة في المحبوب والشوق إليه أقوى كانت الّلذَّة بالوصول إليه أتمّ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>سابعًا: الخشوع الكامل يزداد به الإيمان</span>، ويليِّن القلب، ويورث الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ويبعث في القلب محبة الخير، والرغبة فيه، وكراهية الشرِّ والنفور منه، وبهذا تكون الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>ثامنًا: الخشوع في الصلاة يزيل الهمَّ عن القلب، ويشرح الصدر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>تاسعًا: الخشوع في الصلاة يزيد المسلم حُبًَّا في الصلاة </span>حتى تكون أحبَّ شيء إلى النفس فتصبح قُرَّة العين، وراحة النفس، كما تقدم في الأدلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>عاشرًا: الخشوع يفتح للعبد أبواب الفقه، والاستفادة من كلام الله تعالى</span>، قال الله - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ\n_________\n(١) سورة الإنسان، الآيتان: ٢٦ - ٢٧.\n(٢) الفوائد لابن القيم، ص ٤٣٥.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ص ١٣٤.","vol":"1","page":139},{"text":"فُرْقَانًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>الحادي عشر: الخشوع يفتح أبواب الدعاء للعبد، فيدعو الله ويتضرَّع إليه</span>، وكلما ازداد الخشوع كان ذلك أبلغ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>الثاني عشر: الخشوع في الصلاة يجعلها شفاءً من عامة الأوجاع </span>قبل استحكامها، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:\n«قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٣).\nوَقَالَ: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ إِنّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٤).\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتّقْوَى﴾ (٥).\nوَفِي السّنَنِ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إلَى الصّلَاةِ» (٦).\nوَقَدْ ذَكَرَ الإِمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ عُمُومَ «الِاسْتِشْفَاءِ بِالصّلَاةِ مِنْ عَامّةِ الْأَوْجَاعِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهَا» (٧).\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٩.\n(٢) انظر: كيف تخشع في الصلاة، لمجدي أبو عريش ص ٥٦ - ٦٨.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٤٥.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٥٣.\n(٥) سورة طه، الآية: ١٣٢.\n(٦) أبو داود، برقم ١٣١٩، وأحمد، برقم ٢٣٢٩٩، وحسّنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣١٦، وتقدم تخريجه.\n(٧) زاد المعاد، ٤/ ٢٣١ - ٢٣٢، وانظر: زاد المعاد، ٤/ ١٨٠ وما بعدها.","vol":"1","page":140},{"text":"وَالصّلَاةُ مُجْلِبَةٌ لِلرّزْقِ، حَافِظَةٌ لِلصّحّةِ، دَافِعَةٌ لِلْأَذَى، مُطْرِدَةٌ لِلْأَدْوَاءِ، مُقَوّيَةٌ لِلْقَلْبِ، مُبَيّضَةٌ لِلْوَجْهِ، مُفْرِحَةٌ لِلنّفْسِ، مُذْهِبَةٌ لِلْكَسَلِ، مُنَشّطَةٌ لِلْجَوَارِحِ، مُمِدّةٌ لِلْقُوَى، شَارِحَةٌ لِلصّدْرِ، مُغَذّيَةٌ لِلرّوحِ، مُنَوّرَةٌ لِلْقَلْبِ، حَافِظَةٌ لِلنّعْمَةِ، دَافِعَةٌ لِلنّقْمَةِ، جَالِبَةٌ لِلْبَرَكَةِ، مُبْعِدَةٌ مِنَ الشّيْطَانِ، مُقَرّبَةٌ مِنَ الرّحْمَنِ.\nوَبِالْجُمْلَةِ: فَلَهَا تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ صِحّةِ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ، وَقُوَاهُمَا، وَدَفْعِ الْمَوَادّ الرّدِيئَةِ عَنْهُمَا، وَمَا اُبْتُلِيَ رَجُلَانِ بِعَاهَةٍ، أَوْ دَاءٍ، أَوْ مِحْنَةٍ، أَوْ بَلِيّةٍ، إلّا كَانَ حَظّ الْمُصَلّي مِنْهُمَا أَقَلّ، وَعَاقِبَتُهُ أَسْلَمَ.\nوَلِلصّلَاةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي دَفْعِ شُرُورِ الدّنْيَا، وَلَا سِيّمَا إذَا أُعْطِيَتْ حَقّهَا مِنَ التكميل ظاهرًا وباطنًا، فما استُدْفِعَتْ شرورُ الدُّنيا والآخرة، ولا استُجْلِبَت مصالِحُهُمَا بمثل الصلاة، وسِرُّ ذلك أنَّ الصلاة صِلةٌ باللهِ - ﷿ -، وَعَلَى قَدْرِ صِلَةِ الْعَبْدِ بِرَبّهِ - ﷿ - تُفْتَحُ عَلَيْهِ مِن الْخَيْرَاتِ أَبْوَابُهَا، وَتُقْطَعُ عَنْهُ مِن الشّرُورِ أَسْبَابُهَا، وَتُفِيضُ عَلَيْهِ مَوَادّ التّوْفِيقِ مِنْ رَبّهِ - ﷿ -، وَالْعَافِيَةُ، وَالصّحّةُ، وَالْغَنِيمَةُ، وَالْغِنَى، وَالرّاحَةُ وَالنّعِيمُ، وَالْأَفْرَاحُ وَالْمَسَرّاتُ، كُلّهَا مُحْضَرَةٌ لَدَيْهِ وَمُسَارِعَةٌ إلَيْهِ» (١).\n_________\n(١) زاد المعاد، ٤/ ٢٣١ - ٢٣٢.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المبحث العشرون: الخشوع يثمر التلذذ بطعم الصلاة</span>\nلا شك أن للصلاة طعمًا؛ لأنها من أعظم العبادات، والعبادة لله تعالى يتلذَذ بها المسلم الصادق مع الله تعالى؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (١).\nومما يدل على التلذُّذ بالعبادة قول النبيّ - ﷺ -: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَما يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ» (٢).\nوفي رواية للإمام أحمد عن أبي رزين العقيلي: «... فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ حُبُّ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِكَ كَمَا دَخَلَ حُبُّ الْمَاءِ لِلظَّمْآنِ فِي الْيَوْمِ الْقَائِظِ» (٣).\nفمن وفقه الله تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان، ووجد حلاوته،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، فهو مؤمن وإن ارتكب المعاصي والكبائر، برقم ٣٤، من حديث العباس بن عبد المطلب - ﵁ -.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، برقم ١٦، ومسلم، كتاب الإيمان باب بيان خصالٍ من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، برقم ٤٣.\n(٣) أحمد في المسند، ٤/ ١١، وفي المسند المحقق، ١٦/ ١١٤، برقم ١٦١٩٤، ولكن قال محققو المسند، ٢٦/ ١١٤: «إسناده ضعيف لانقطاعه: سليمان بن موسى، وهو الأشدق، لم يدرك أحدًا من الصحابة فيما قاله الترمذي في العلل، ١/ ٥٣ - ٥٤ نقلًا عن البخاري، وبقية رجاله ثقات». قلت: تغني عنه الأحاديث الصحيحة.","vol":"1","page":142},{"text":"فيستلذُّ الطاعة، ويتحمَّل المشاق في رضى الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>والتلذذ بالصلاة يكون بأمرين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>الأمر الأول: المبادرة والتبكير برغبةٍ ولذَّةٍ إلى الصلاة:</span>\nكان النبي - ﷺ - يبادر إلى الصلاة، فقد كان يكون مع أهله، فإذا أذَّنَ المؤذِّنُ خَرَج وتَرَكَهُم (٢)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ» (٣).\nوقد كان - ﷺ - يحثُّ الناس ويرغِّبهم في المبادرة إلى الصلاة، وإلى الصف الأول، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ (٤) لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ (٥) وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» (٦).\n_________\n(١) عقيدة المسلم، ١/ ٦٩، للمؤلف.\n(٢) البخاري، كتاب أبواب التهجد، باب من نام أول الليل وأحيا آخره، برقم ١١٤٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٧٣٩. ولفظه عند البخاري: «قال الأسود: سألت عائشة ﵂: كيف صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل؟ قالت: كان ينام أوَّله، ويقوم آخره، فيصلِّي، ثم يرجع إلى فراشه فإذا أذَّن المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل، وإلا توضأ وخرج».\n(٣) البخاري، كتاب النفقات، باب خدمة الرجل في أهله، برقم ٥٣٦٣، وأحمد، ٤٢/ ٤٦٧، برقم ٢٥٧١٠، والترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - ﷺ -، باب ٤٥ حدثنا هناد، برقم ٢٤٨٩.\n(٤) التهجير: هو التبكير إلى الصلاة.\n(٥) العتمة: صلاة العشاء.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الاستهام في الأذان، برقم ٦١٥، ومسلم، كتاب الصلاة باب تسوية الصفوف وإقامتها، برقم ٤٣٧.","vol":"1","page":143},{"text":"* وكان الصحابي عبد الله بن رواحة - ﵁ - (١) إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين، وإذا دخل داره صلى ركعتين، وإذا دخل بيته صلى ركعتين، لا يدع ذلك أبدًا (٢).\nوقد مدحه النبي - ﷺ - بقوله: «رَحِمَ اللهُ أخي عَبْدَاللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ كانَ أَيْنَما أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ أَناخَ» (٣).\nفهو - ﵁ - من ناحيةٍ يُحِبُّ أن يستقبل بيته ويفارقه على ذكرٍ لله - ﷿ -، ومن ناحية أخرى لا يُحِبُّ أن يُؤَخِّر الصلاة عن وقتها، ولو كان في شغلٍ أو على سفر، وذلك منه حبًا للصلاة، واستباقًا للمناجاة.\nوإذا كان هذا في الصلاة، ففي سائر الطاعات كذلك.\n* وتسابق أبي بكر وعمر ﵄ في أبوابِ الخير مشهور، معروف (٤).\n_________\n(١) استشهد بمؤتة سنة ثمان للهجرة. الإصابة، ٤/ ٨٣.\n(٢) تاريخ دمشق، ٢٨/ ٩١، وسير أعلام النبلاء، ١/ ٢٣٣، والإصابة، ٤/ ٨٤.\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير، ١٢/ ٣٢٢، برقم ١٣٢٤١، تاريخ دمشق، ٢٨/ ٨٥، وتاريخ الإسلام للذهبي، ٩/ ٦٥٨، وبنحوه في مصنف ابن أبي شيبة، ١٣/ ٣٥٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٩/ ٣١٦: «إسناده حسن». وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير، ٣/ ٣٦٦، برقم ٣٠٩٦.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الزكاة، باب الرخصة في ذلك، برقم ١٦٧٨، ولفظه: عن عمر بن الخطاب «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ، إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ\". قُلْتُ مِثْلَهُ.\n\nقَالَ وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ\". قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قُلْتُ: لاَ أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا. وأخرجه الترمذي، برقم ٣٦٧٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٦٦.","vol":"1","page":144},{"text":"* قال الصحابي عدي بن حاتم - ﵁ - (١): «ما جاء وقت صلاةٍ قطُّ إلا وقد أخذتُ لهَا أُهْبَتها، وما جاءت إلا وأنا إليها بالأشواق» (٢)، فهو يستعدّ للصلاة قبل وقتها، ويتشوَّق للدخول فيها.\n* وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ (٣): «مَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ مُنْذُ ثَلاَثِينَ سَنَةٍ، إِلاَّ وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ» (٤)، فلولا أنه مشتاقٌ للقاء الله تعالى ما بادر إلى المسجد قبل الأذان منذ ثلاثين سنة.\n* وكان الإمام القارئ عاصم بن أبي النجود الأسدي ﵀ (٥) إذا صلَّى ينتصب كأنَّه عود، وكان يكون يوم الجمعة في المسجد إلى العصر، وكان عابدًا خيّرًا يصلي كثيرًا جدًا، ربما أتى حاجة، فإذا رأى مسجدًا، قال: «مِلْ بِنَا، فإن حاجتنا لا تفوت»، ثم يدخل، فيصلي (٦)، وهذا منه ﵀ شوق للصلاة، وهمٌّ بها كل وقت.\n* وقال محمد بن سماعة القاضي التميمي الكوفي ﵀ (٧): «مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يومًا واحدًا ماتت\n_________\n(١) ذكر تاريخ وفاته ابن الأثير في أسد الغابة سنة ٦٧ هـ، ٤/ ٨.\n(٢) تاريخ دمشق، ٤٠/ ٨٧، وذكره في تهذيب الكمال، ١٩، ٥٢٩.\n(٣) توفي سعيد بن المسيب سنة ٩٤ هـ، وقيل: ٩٣، وقيل: ٩٥هـ، والأول أصح. سير أعلام النبلاء، ٤/ ٢٤٥.\n(٤) مصنف بن أبي شيبة، ١/ ٣٥١، والكنى والأسماء، للدولابي، ٢/ ٦١٥، والمقصد الأرشد، لابن مفلح، ١/ ٣٤١، وحلية الأولياء، لأبي نعيم، ٢/ ١٦٢.\n(٥) توفي في سنة ١٢٨هـ. سير أعلام النبلاء، ٥/ ٢٦٠.\n(٦) سير أعلام النبلاء، ٥/ ٣٥٩، ومعرفة القراء الكبار، للذهبي، ١/ ٩٣.\n(٧) توفي ابن سماعة سنة ٢٣٣هـ. تاج التراجم في طبقات الحنفية، لابن قطلوبغا، ص ١٩.","vol":"1","page":145},{"text":"فيه أمي» (١). وهذا أقل درجةً من سعيد بن المسيب؛ لأنه يذكر التكبيرة الأولى، لا الحضور قبل الأذان.\nوالشيطان يحرص على أن يؤخر المؤمن عن المبادرة إلى الطاعات، فجاء في الحديث الصحيح: «يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أحَدِكُمْ، إِذَا هُوَ نَامَ، ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ، فَإن اسْتَيقَظَ فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى انحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإنْ تَوَضّأ انْحَلّتْ عُقدَةٌ، فَإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإلاَّ أصْبحَ خَبيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ» (٢).\nوهذا التسابق إلى الطاعات ليس داخلًا في العجلة المذمومة، بل بيَّن لنا النبي - ﷺ - أن «التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلاَّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ» (٣).\n* وما أحسن ما وصف به يونس بن عُبيدٍ ﵀ «أنه كان لا يحضره أمرٌ من الله إلا كان له مستعدًا» (٤)، فهو مثلًا على وضوءٍ\n_________\n(١) تاريخ بغداد، ٥/ ٣٤١، وتهذيب الكمال، ٢٥/ ٣١٩، وسير أعلام النبلاء، ٦٤٦، وتاريخ الإسلام للذهبي، ١٧/ ٣٢٥.\n(٢) البخاري، أبواب التهجد، باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصلِّ بالليل، برقم ١١٤٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، برقم ٧٧٦.\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب في الرفق، برقم ٤٨١٠، والحاكم، ١/ ١٣٢، برقم ٢١٣، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، والبيهقي، السنن الكبرى، ١٠/ ١٩٤، برقم ٢٠٥٩٢، وشعب الإيمان، ٦/ ٣٣٥، برقم ٨٤١١، وأبو يعلى، ٢/ ١٢٣، برقم ٧٩٢، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة،٤/ ٢٩٣، برقم ١٧٣٤.\n(٤) انظر ترجمة يونس بن عبيد في: سير أعلام النبلاء، ٦/ ٢٨٨ وما بعدها.","vol":"1","page":146},{"text":"دائمًا؛ لئلا يتأخَّر عن صلاة نافلة أو فريضة متى حضر وقتها، وهو أيضًا زاهدٌ في دنياه، وقد كتب وصيته استعدادًا للموت، أو للخروج للجهاد، وهكذا.\nفإن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل، كما أوصاك، ولا تكن ممن يسبق غيره إلى الدنيا، ويتأخر عنهم في أعمال الآخرة، وَقَدْ رُوِيَ: «لَا تَكُنْ أَوَّلَ دَاخِلٍ السُّوقَ وَلَا آخِرَ خَارِجٍ مِنْهَا» (١). وذلك لأنه بيت الشيطان، وقد ثبت في الحديث الصحيح: «أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» (٢)، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>الأمر الثاني: إطالة الصلاة بتلذُذٍ ورغبة عظيمة:</span>\nفمن أحسَّ بلذَّةِ الصلاة لم يشعر بالوقت وهو يمرُّ، بل تمضي الساعات الطويلة كأنها دقائق، وقد قال القائل:\n_________\n(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير، ٦/ ٢٤٨، والبيهقي في شعب الإيمان، ١٣/ ١٩٣، والخطيب البغدادي، ١٢/ ٤٢٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٤/ ١٣٥: «رواه الطبراني في الكبير، وفي الرواية الأولى: القاسم بن يزيد، فإن كان هو الجرمي فهو ثقة، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي الثانية: يزيد بن سفيان وهو ضعيف»، وقال محقق العلل المتناهية، ٢/ ١٠١: «بل هو أبو محمد القارئ شيخ صدق من الأخبار»، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ١٤/ ١١٨٠، برقم ٧٠٧٣، وقال: «قلت: كلا؛ ليس هو الجرمي، فإنه متقدم على الوزَّان بسنين، فإنه مات سنة (١٩٤)، وكنيته: (أبو يزيد الموصلي)، ولم أجد لأبي محمد الوزَّان ترجمة بغير ما ذكره الخطيب؛ ولذلك فلم تطمئن النفس لهذه المخالفة».\n(٢) مسلم، كتاب المساجد مواضع الصلاة، باب فَضْلِ الْجُلُوسِ فِي مُصَلاَّهُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَفَضْلِ الْمَسَاجِدِ، برقم٦٧١.","vol":"1","page":147},{"text":"زمانٌ تقضَّى بالمسرة ساعة ... ويومٌ تقضَّى بالمساءة عام\n\nولهذا كان النبي - ﷺ - يقوم ليلًا طويلًا، ويتلذَّذ بذلك، وقد ثبت قيامه طويلًا في أحاديث كثيرة، منها:\n١ - عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «صلَّيْت مع رسول الله - ﷺ - ليلةً، فأطال حتى هَمَمت بأمر سوءٍ، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه» (١).\n٢ - وعن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: «صلَّيت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلِّي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مُترسِّلًا، إذا مرَّ بآية تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعَوُّذٍ تَعوَّذ ...» (٢).\n٣ - وعن عوف بن مالك - ﵁ - قال: «قمت مع رسول الله - ﷺ - ليلة، فقرأ سورة البقرة، لا يمرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمرُّ بآية عذاب إلا وقف وتعوَّذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة»، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب طول القيام في صلاة الليل، برقم ١١٣٥، ومسلم، واللفظ له، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم ٧٧٣.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم ٧٧٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧٣، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب نوع آخر من الذكر في الركوع، برقم ١٠٤٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٦.","vol":"1","page":148},{"text":"٤ - وعن حذيفة - ﵁ - أنه رأى رسول الله - ﷺ - يُصلِّي من الليل، فصلَّى أربع ركعات، فقرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، أو الأنعام» (١).\n٥ - وعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - قال: لأرمُقنَّ صلاة رسول الله - ﷺ - الليلة، فصلَّى ركعتين خفيفتين، ثم صلَّى ركعتين: طويلتين، طويلتين، طويلتين، ثم صلَّى ركعتين وهما دون اللّتين قبلهما، ثم صلَّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلَّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلَّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة» (٢).\n٦ - وعن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورا» (٣).\n٧ - وقالت عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ -: «كان يصلِّي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته - يعني بالليل- فيسجد السجدة قدر ما\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٦.\n(٢) مسلم كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ -، ودعائه، برقم ٧٦٥.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، باب «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، برقم ٤٨٣٧، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إكثار الأعمال، والاجتهاد في العبادة، برقم ٢٨٢٠، وجاء من حديث المغيرة - ﵁ - عند البخاري برقم ٤٨٣٦، ومسلم، برقم ٢٨١٩.","vol":"1","page":149},{"text":"يقرأُ أحدُكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه» (١).\n٨ - وعن عائشة ﵂ في صلاة النبي من الليل في آخر حياته، قالت: «... وكان يُصلِّي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد ...» (٢) (٣).\n٩ - وعن حفصة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - صلَّى في سبحته (٤) قاعدًا حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلِّي في سبحته قاعدًا، وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها» (٥).\n١٠ - وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رجلًا قرأ المفصَّل في ركعة فقال له: «هذًَّا كهذِّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين من آل حم في كل ركعة» (٦).وفي لفظ: «كان النبي - ﷺ - يقرأهن اثنتين اثنتين في\n_________\n(١) البخاري، كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر، برقم ٩٩٤.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا ...، برقم ٧٣٠.\n(٣) انظر التفصيل في الصلاة قاعدًا وقائمًا وصفاته الثلاث: صلاة المؤمن، ص ٢٨٧، وزاد المعاد، ١/ ٣٣١.\n(٤) قال في النهاية، مادة (سبح): «ويقال أيضًا للذِّكْر ولصَلاةِ النَّافلة: سُبْحَة. يقال: قَضَيت سُبْحَتي».\n(٥) مسلم كتاب الصلاة المسافرين، باب جواز النافلة، قائمًا وقاعدًا، برقم ٧٣٣.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الجمع بين السورتين في ركعة، والقراءة بالخواتيم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة، برقم ٧٧٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب ترتيل القرآن واجتناب الهذّ، برقم ٢٧٥ - (٧٢٢).","vol":"1","page":150},{"text":"كل ركعة» وقال: «عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من الحواميم: ﴿حم﴾،الدخان، و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١). وفي لفظ لمسلم: «عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تآليف عبد الله» (٢). وفي لفظ لمسلم: «... هذًّا كهذِّ الشعر، إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، إنَّ أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن ...» (٣).\n١١ - وعن عائشة ﵂ قالت: «قام رسول الله - ﷺ - بآية من القرآن ليلة» (٤). وعن أبي ذر - ﵁ - قال: «قام النبي - ﷺ - بآية حتى أصبح يُردِّدها، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥).\nوهذا يدل على التنويع في القراءة في صلاة الليل على حسب ما يفتح الله به على عبده، وعلى حسب الأحوال وقوة الإيمان.\nوهذا يدل على تلذُّذ النبي - ﷺ - بالصلاة فهي قرُّة عينه، وراحة نفسه - ﷺ -.\n_________\n(١) البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، برقم ٤٩٩٦، ورقم ٥٠٤٣.\n(٢) مسلم، برقم ٢٧٦ - (٧٢٢)، وتقدم تخريجه.\n(٣) مسلم، برقم٢٧٥ - (٧٢٢)، وتقدم تخريجه.\n(٤) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في قراءة الليل، برقم ٤٤٨، وصحح إسناده الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ١٤٠.\n(٥) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل، برقم ١٣٥٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٢٥، وصححه الأرنؤوط في حاشيته على جامع الأصول، ٦/ ١٠٥.","vol":"1","page":151},{"text":"* وكذلك كان أصحابه - ﵃ -، والتابعون لهم بإحسان: فقد كان الخليفة الراشد عثمان بن عفان - ﵁ - (١) يختم القرآن في ركعة كما ثبت ذلك عنه (٢)، وما ذاك إلا لغيبته عن تعب طول القيام بإحساسه بلذة القرآن، وهو القائل: «لو طَهُرَتْ قلوبُكم ما شبعتُم من كلام ربكم» (٣).\n* وكذا تميم الداري - ﵁ - (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، والإمام أبو حنيفة النعمان (٦)، رحمهما الله يختمون القرآن في ركعة واحدة في أناسٍ لا يحصون كثرةً كما قال النووي ﵀ (٧)، ولعل هذا في ليالي الشتاء الطويلة، أضف لذلك بركة الوقت.\nوالأفضل أن لا يختم في أقلِّ من ثلاثة أيام؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي - ﷺ -، وفيه: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقلِّ من ثلاث» (٨).\n_________\n(١) استشهد ﵀ سنة ٣٥ هـ.\n(٢) مصنف عبد الرزاق، ٣/ ٣٥٤، أبو عبيد في فضائل القرآن، ص ٩٠، وابن المبارك في الزهد، ص ٤٥٣، والبيهقي في السنن، ٢/ ٣٩٦، وتاريخ دمشق، لابن عساكر، ٣٩/ ٢٣٣.\n(٣) الإمام أحمد في الزهد، ص ١٨٨، وحلية الأولياء، ٧/ ٣٠٠.\n(٤) توفي الصحابي الجليل تميم بن أوس أبو رقية الداري سنة ٤٠ هـ. انظر: الكاشف، ١/ ٢٧٩.\n(٥) توفي سعيد بن جبير سنة ٩٥ هـ قتله الحجاج بن يوسف. انظر: الثقات لابن حبان، ٤/ ٢٧٥.\n(٦) توفي الإمام أبو حنيفة سنة ١٥٠ هـ. انظر: تذكرة الحفاظ، ١/ ١٢٦.\n(٧) توفي الإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي سنة ٦٧٦هـ. انظر: طبقات الحفاظ للسيوطي، ٥١٣.\n(٨) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في كم يقرأ القرآن، برقم ١٣٩٠، ورقم ١٣٩١، وصححهما الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٨٥.","vol":"1","page":152},{"text":"* وكان أبو إسحاق السَّبيعي ﵀ (١) لما كبر كان لا يقدر على القيام حتى يُقام، فإذا أقاموه قرأ بألف آية! وقال: «ضعفت ورقّ عظمي، إني اليوم أقوم في الصلاة فما أقرأ إلا البقرة وآل عمران» (٢).\n* وأقل منه عطاء بن أبي رباح (٣)؛ فإنه بعد ما كبر وضعُفَ يقوم إلى الصلاة، فيقرأ مائتي آية من البقرة وهو قائم ما يزول منه شيء ولا يتحرك» (٤).\n* وقال: خالد بن دريك (٥): «كان لنا إمامٌ بالبصرة يختم بنا في شهر رمضان في كل ثلاثٍ، فمرض، فأمَّنا غيره، فختم بنا في كلِّ أربع، فرأينا أنه قد خفَّفَ» (٦). بمعنى أنه يقرأ ربع القرآن كل يوم، ومع ذلك عدُّوا صلاته خفيفة! وليس لذلك تفسيرٌ إلا أنهم كانوا إذا واجهوا ربهم ﵎، فإنهم ينسون كل ما سواه.\n* وهناك إطالةٌ للصلاة من نوعٍ آخر، وهو أن كثيرًا من السلف الصالح رحمهم الله تعالى كانوا يصلون الفجر بوضوء العشاء، أي أنهم كانوا لا ينامون الليل، فيجعلونه وقتًا للعبادة والخلوة بالله - ﷿ -.\n_________\n(١) توفي أبو إسحاق السبيعي سنة ١٢٧ هـ. انظر: الثقات لابن حبان، ٥/ ١٧٧.\n(٢) التهجد وقيام الليل لابن أبي الدنيا، ١/ ١٩٥، وحلية الأولياء، ٤/ ٣٣٩، وصفة الصفوة، ٣/ ١٠٥.\n(٣) توفي عطاء بن أبي رباح سنة ١١٤، وقيل: ١١٥هـ. انظر: تذكرة الحفاظ، ١/ ٧٥.\n(٤) شعب الإيمان للبيهقي، ١/ ١٤٦، وصفة الصفوة، ٢/ ٢١٣، وتاريخ دمشق، ٤٠/ ٣٨٠.\n(٥) خالد بن دريك: ثقة من التابعين، ولم يرو عن أحد من الصحابة، ولم يذكر أحد تاريخ وفاته، ميزان الاعتدال، ٢/ ٤١٠، تقريب التهذيب، ١/ ٢٥٧.\n(٦) شعب الإيمان للبيهقي، ٣/ ١٧٨.","vol":"1","page":153},{"text":"منهم التابعي الجليل سعيد بن المسيَّب ﵀ الذي ذُكر عنه أنه صلَّى الغداة بوضوء العشاء خمسين سنة (١)، هذا وهو إمام التابعين، وسيِّدُهم، فليس في فعله منكرٌ ينكر عليه، ثم إن ذلك ليس لسنةٍ ولا سنتين، ولو فرضنا أن العدد المذكور مبالغٌ فيه، فلن تكون الحقيقة أقل من النصف منه.\n* وَصَلَّى سليمان التيمي البصري ﵀ (٢) الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة (٣)، ويقال فيه كما قيل فيما قبله.\nولكن سنة النبي - ﷺ - هي المُتَّبعة، ولم يكن يفعل ذلك، فعن أنس - ﵁ - قال: «جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ -، يسألون عن عبادة النبي - ﷺ -، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ -!؟ قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّرَ، فقال أحدهم: أمَّا أنا فأصلِّي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخرُ: أنا أعتزل النساء، ولا أتزوج أبدًا، فجاء إليهم رسول الله - ﷺ - فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر، وأُصلِّي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب\n_________\n(١) وفيات الأعيان لابن خلكان، ٢/ ٣٧٥، والمدهش لابن الجوزي، ص ٤٣١، ومرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، لليافعي، ١/ ٨٤،ومنظومة مصباح الراوي، عبد الله بن فودي، ص ٢١٥.\n(٢) توفي ﵀ ١٤٣ هـ. الثقات لابن حبان، ٤/ ١٠٣، تذكرة الحفاظ، ١/ ١١٣.\n(٣) ذكر صلاة الفجر بوضوء العشاء مصادر كثيرة، منها: الطبقات الكبرى لابن سعد،\n٧/ ٢٥٢، شعب الإيمان للبيهقي، ١/ ١٦٠، وحلية الأولياء، لأبي نعيم، ٣/ ٢٨، وإحياء علوم الدين للغزالي، ١/ ٣٥٦ ..","vol":"1","page":154},{"text":"عن سنتي فليس مني» (١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا عمل عملًا أثبته، وكان إذا نام من الليل، أو مرض، صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعة، وما رأيت رسول الله - ﷺ - قام ليلة حتى الصباح، وما صام شهرًا متتابعًا إلا رمضان» (٢).\n* ومن السلف الصالح من كان يَجْتَهِدُ في العبادة حتى لو قيل له: إن غدًا القيامة ما استطاع أن يزيد في عبادته شيئًا؛ لأنه قد أتى منها بأكثر ما يقدر، منهم: أبو مسلم الخولاني ﵀ (٣)، الذي كان يقول: «لو قيل: إن جهنم تسعر ما استطعت أن أزيد في عملي» (٤).\n* ومنهم منصور بن زاذان الواسطي (٥)، وصفوان بن سليم\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، واللفظ له، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، برقم ٥٠٦٣، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ...، برقم ١٤٠١.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، برقم ١٤١ - (٧٤٦)، وانظر المسألة في زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٣٢٢، و٢/ ٨١، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، ١/ ١٠٨، شرح الحديث رقم ٦٧: «لقد نزلت عليَّ الليلة آية ...»، والصيام في الإسلام للمؤلف في ذكر صيام شعبان كاملًا، وذكر قيام عشر رمضان الأخيرة، فإن فيه الجمع بين الأحاديث.\n(٣) أبو مسلم الخولاني الزاهد الشامي اسمه عبد الله بن ثوب ثقة عابد من الثانية رحل إلى النبي - ﷺ - فلم يدركه وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية، مات قريبًا من سنة اثنتين وستين. تذكرة الحفاظ للذهبي، ١/ ٤٠، تقريب التهذيب، ١/ ٦٧٣.\n(٤) الزهد للإمام أحمد بن حنبل،١/ ٣٩٢، وحلية الأولياء، ٢/ ١٢٤.\n(٥) منصور بن زاذان أبو المغيرة الثقفي ثقة ثبت عابد، مات سنة ١٢٩هـ. تقريب التهذيب،٢/ ٢١٤.","vol":"1","page":155},{"text":"القرشي (١)، وعبد الرحمن بن أبي نعم الكوفي (٢)، وحماد بن سلمة البصري (٣) رحمهم الله تعالى.\n* وبلغ التلذذ بالعبادة عند بعضهم مبلغًا حتى تمنّى على الله تعالى أن يرزقه الصلاة في قبره، ليلتذّ بها في القبر كما التذّ بها في الدنيا، فهذا ثابت بن أسلم البناني البصري ﵀ (٤) يقول: «اللَّهُمَّ إنْ كُنْت أَعْطَيْت أَحَدًا الصَّلاَةَ فِي قَبْرِهِ، فَأَعْطِنِي الصَّلاَةَ فِي قَبْرِي» (٥)، فأعطاها إياه، فرآه من دفنه - وهو أبو سنان - يصلي في القبر. وأقسم آخر أنه رآه في المنام يصلي في القبر بثياب خضر (٦):\n\nيُحْيُونَ لَيْلَهُمْ بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ ... بِتِلاوَةٍ وَتَضَرُّعٍ وَسُؤَالِ\nوَعُيُونُهُمْ تَجْرِي بِفَيْضِ دُمُوعِهِمْ ... مِثْلَ انْهِمَالِ الْوَابِلِ الْهَطَّالِ\nفِي اللَّيْلِ رُهْبَانٌ وَعِنْدَ جِهَادِهِمْ ... لِعَدُوِّهِمْ مِنْ أَشْجَعِ الأَبْطَالِ\nبِوُجُوهِهِمْ أَثَرُ السُّجُودِ لِرَبِّهِمْ ... وَبِهَا أَشِعَةُ نُورِهِ الْمُتَلالِي (٧)\n_________\n(١) صفوان بن سليم المدني أبو عبد الله الزهري ثقة عابد، مات سنة ١٣٢هـ. تقريب التهذيب، ١/ ٢٧٦.\n(٢) عبد الرحمن بن أبي نعم العابد مات قبل المائة. تقريب التهذيب، ١/ ٦٠٢.\n(٣) حماد بن سلمة يكنى أبا سلمة بصري، ثقة رجل صالح، توفي سنة ١٦٧هـ. تهذيب الكمال، ٧/ ٢٦٥، ومعرفة الثقات للعجلي، ١/ ٣١٩.\n(٤) ثابت بن أسلم البناني، تابعي ثقة رجل صالح، مات سنة ١٢٧هـ .. معرفة الثقات للعجلي، ١/ ٢٥٩. مولد العلماء ووفياتهم، ١/ ٢٩٦.\n(٥) مصنف ابن أبي شيبة، ١٤/ ٥٠، الطبقات الكبرى لابن سعد، ٧/ ٢٣٢.\n(٦) ذكر صلاة ثابت البناني في قبره بعد موته بعض المصادر، انظر مثلًا: تهذيب الكمال،\n٤/ ٣٤٨، وسير أعلام النبلاء، ٥/ ٢٣٢، طبقات الأولياء لابن الملقن، ص ٢٠.\n(٧) ذكر الأبيات ضمن قصيدة طويلة الإمام ابن القيم في كتابه النفيس إغاثة اللهفان،\n١/ ٢٣٧، وبدأها بقوله: «وقال آخر، وأحسن ما شاء ...» ثم أدرج القصيدة بطولها.","vol":"1","page":156},{"text":"قال الشاطبي ﵀ (١): «ما ذُكر عن الأولين من الأعمال الشاقة التي لا يطيقها إلا الأفراد؛ الذين هيأهم الله لها، وهيأها لهم، وحببها إليهم، ولم يكونوا بذلك مخالفين للسنة بل كانوا معدودين في السابقين، جعلنا الله منهم؛ وذلك لأن العلَّة التي لأجلها نُهيَ عن العمل الشاق مفقودة في حقهم، فلم ينتهض النهي في حقهم» (٢).\n* وإذا كان هذا في الزمن الغابر، فلا تزال لذَّة الصلاة مستمرةً إلى يومنا هذا، والحمد لله، وممن أُثر عنهم المحافظة على قيام الليل سفرًا وحضرًا، شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ (٣)، فقد ذكر مَنْ صاحبه في سفره برًّا من الرياض إلى مكة أنه عندما جاءت الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل، قال الشيخ: ما رأيكم لو نمنا هنا ثم في الصباح نكمل السفر، فوافق من معه، ثم ناموا، والشيخ طلب ماءً فتوضأ ثم شرع يُصلِّي ما شاء الله له، ثم نام، ولما قاموا لصلاة الفجر وجدوا الشيخ قد سبقهم للقيام وهو يصلي (٤) (٥).\nودعي مرةً إلى جدة - وكان بمكة - فأجاب الدعوة، ولم يعد إلى منزله بمكة إلا في الساعة الثانية ليلًا، فنام من معه، فلما جاءت\n_________\n(١) إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، توفي سنة ٧٩٠هـ. هدية العارفين للبغدادي، ١/ ١٨، وفهرس الفهارس والأثبات ١/ ١٩١.\n(٢) الموافقات للشاطبي، ٢/ ٢٤٤.\n(٣) ولد عام ١٣٣٠هـ، وتوفي ٢٠/ ١/ ١٤٢٠هـ. وانظر: الإنجاز في ترجمة الشيخ عبد العزيز ابن باز، عبد الرحمن الرحمة، ٢٣٦، ٢٣٧.\n(٤) الإنجاز في ترجمة الشيخ عبد العزيز ابن باز، عبد الرحمن الرحمة، ٢٣٦، ٢٣٧.\n(٥) وانظر: لذة العبادة، للحميدان، ص ١٠ - ٢١.","vol":"1","page":157},{"text":"الساعة التي يقوم فيها للتهجد - وهي الساعة الثالثة بعد منتصف الليل - إذا هو يوقظ من نام معه للصلاة، ثم قام يصلي حتى الفجر، وبعد الصلاة ألقى كلمة، ثم أخذ يستمع إلى المعاملات ... وهكذا حسب برنامجه اليومي! فلم يترك - ﵀ - قيام الليل مع إرهاقه واختلاف برنامجه (١).\n* وكان ما تقدم عندما ينسى المصلّي نفسه برغبته العظيمة، وتلذّذه بالعبادة؛ فإن النبي - ﷺ - كانت الصلاة قرّة عينه، كما قال - ﷺ -: «حُبِّبَ إليَّ النساء، والطيب، وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة» (٢)، وقال - ﷺ -: «يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها» (٣).\nوأما الأمة فقد قال لهم النبيّ - ﷺ -: «خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلَبه، فسدِّدُوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا\n_________\n(١) الإنجاز في ترجمة الشيخ عبد العزيز ابن باز، عبد الرحمن الرحمة، ٢٣٧، ٢٣٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب صوم شعبان، برقم ١٩٧٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره، برقم ٧٨٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، برقم ٣٩، ومسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله، برقم ٢٨١٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب صوم شعبان، برقم ١٩٧٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره، برقم ٧٨٢.","vol":"1","page":158},{"text":"بالغدوة والروحة، وشيءٍ من الدّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا» (١) (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وهذا يدلُّ على أن الأفضل في حقنا القصد، وعدم التطويل الذي يشقُّ علينا حتى لا نملَّ، وحتى لا نفتر من العبادة، فالمؤمن يصلِّي ويجتهد، ويتعبَّد، لكن من غير مشقة، بل يتوسط في كل الأمور حتى لا يملَّ العبادة» (٣).\nولهذا جاء في حديث أنس عن النبي - ﷺ - وفيه: «... ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد» (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، برقم ٣٩، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله، برقم ٢٨١٦.\n(٢) انظر أحاديث كثيرة في النهي عن التشديد في العبادة، وأن أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلَّ، في صلاة المؤمن في صلاة التطوع البند السادس للمؤلف،\nص ٢٩١.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث رقم ١٢٥٧ - ١٢٦٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، أبواب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، برقم ١١٥٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره، برقم ٧٨٤.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>المبحث الحادي والعشرون: الأسباب التي تزيل الغفلة وتجلب الخشوع في الصلاة</span>\nيجب ترك الأسباب التي تزيل الخشوع في الصلاة، أو تضعفه، والعمل بالأسباب التي تجلبه وتقوِّيه، وهي كثيرة، منها الأسباب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>السبب الأول: معرفة الله تعالى: بأسمائه، وصفاته، وألوهيَّته، وربوبيَّته</span>، فيجب على العبد أن يعلم أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، والصفات العُلا؛ فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسول الله - ﷺ -، من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تَكْييفٍ، ولا تمثيل، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله - ﷺ -، وأن الله تعالى هو: الخالق المالك لكل شيء، المدبّر له، لا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، ولا مذلَّ لمن أعزَّ، ولا معزَّ لمن أذلَّ، ولا خافض لمن رفع، ولا رافع لمن خفض، ومن هذه صفاته وأسماؤه وأفعاله، فهو المستحقُّ للعبادة وحده، لا شريك له، ولا معبود بحقٍّ سواه، ولا ربَّ غيره، فيجب على العبد أن يعبد هذا الربَّ الكريم كأنه يراه؛ فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن معرفة الله نوعان:\nالنوع الأول: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس: البرُّ والفاجر، والمطيع والعاصي.\nالنوع الثاني: معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلّق القلب به، والشوق إلى لقائه، وخشيته، والإنابة إليه، والأُنس به، والفرار من الخلق إليه، وهذه هي المعرفة الخاصة، والناس يتفاوتون فيها؛ ولهذه المعرفة بابان واسعان:","vol":"1","page":160},{"text":"الباب الأول: التفكُّر والتأمُّل في آيات القرآن كلِّها، والفهم الخاص عن الله تعالى، ورسوله - ﷺ -.\nالباب الثاني: التفكُّر في آيات الله المشهودة، وتأمل حكمته فيها، وقدرته، ولطفه، وإحسانه، وعدله، وقيامه بالقسط على خلقه، وجِمَاعُ ذلك: الفقه في معاني أسمائه الحسنى، وجلالها، وكمالها، وتفرُّدِهِ بذلك، وتعلُّقها بالخلق والأمر، فيكون فقيهًا في أوامره، ونواهيه، فقيهًا في قضائه وقدره، فقيهًا في أسمائه وصفاته، فقيهًا في الحكم الديني الشرعي، والحكم الكوني القدري، و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١») (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>السبب الثاني: علاج قسوة القلب</span>، ومرضه، وغفلته؛ فإن هذه الأمراض من أعظم الأسباب في عدم الخشوع في الصلاة؛ لأن القلب إذا صلح صلحت الأعمال، والأحوال، فقد قال النبي - ﷺ -: «أَلَا وَإِنَّ فِي اَلْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ اَلْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ اَلْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ اَلْقَلْبُ» (٣).\n\" وقد ذمَّ الله أصحاب القلوب القاسية، وأقساها قلوب اليهود، قال الله تعالى عنهم وعن قلوبهم: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية: ٢١.\n(٢) الفوائد لابن القيم، ص٣٧٨ - ٣٧٩، بتصرف.\n(٣) مسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، برقم ١٥٩٩.","vol":"1","page":161},{"text":"ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١).\n\" وقد حذَّر الله المؤمنين من قسوة القلوب فقال - ﷾ -: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢).\n\" وذمَّ الله تعالى ذمًَّا عامًا لكلِّ من قسا قلبه، وأثبت له الويل والهلاك، فقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٣).\nولا شك أن علاج قسوة القلوب يكون بالنظر إلى أسباب القساوة ثم إزالتها، ويكون ذلك على النحو الآتي:\n١ - الوفاء بالعهد مع الله تعالى في القيام بالواجبات التي أوجبها تعالى، والابتعاد عن المحرَّمات التي حرّمها على عباده، وكذلك الوفاء بالعهد مع المخلوقين، قال الله تعالى في سبب قساوة قلوب اليهود: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيات ٧١ - ٧٤.\n(٢) سورة الحديد، الآيتان: ١٦ - ١٧.\n(٣) سورة الزمر، الآية: ٢٢.","vol":"1","page":162},{"text":"قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (١).\n٢ - كثرة ذكر الله تعالى بالقلب مع اللسان، من أعظم أسباب سلامة القلوب من القسوة والأمراض المعنوية؛ فإن من أسباب قسوة القلوب كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى قَسْوَةٌ للْقَلْبِ، وَإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى القَلْبُ القَاسِي» (٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «... وَلَا رَيْبَ أَنَّ القَلْبَ يَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ النُّحَاسُ، وَالفِضَّةُ، وَغَيْرُهُمَا، وَجَلَاؤُهُ بِالذِّكْرِ، فَإِنَّهُ يَجْلُوهُ حَتَّى يَدَعَهُ كَالمِرْآةِ البَيضَاءِ؛ فَإِذَا تَرَكَ الذِّكْرَ صَدِئَ، فَإِذَا ذَكَرَ جَلَاهُ، وَصَدَأُ القَلْبِ بِأَمْرَيْنِ: بِالغَفْلَةِ وَالذَّنْبِ، وَجَلَاؤُهُ بِشَيْئَيْنِ: بِالاسْتِغْفَارِ وَالذِّكْرِ» (٣).\nوقد بين الله - ﷿ -: أن بذكره تطمئن القلوب، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٤).\nوأعظم الذكر: القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ١٣.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، بابٌ: منه، برقم ٢٤١١، وقال: «حسن غريب»، وحسّن إسناده عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه للأذكار للنووي، ص٢٨٥.\n(٣) الوابل الصيب، ص٨٢.\n(٤) سورة الرعد الآية: ٢٨.","vol":"1","page":163},{"text":"يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (١).\nومن ذِكْر الله تعالى الدعاء؛ فإن الدعاء لغة: الطلب والابتهال: يُقال: دعوتُ الله أدعوه دعاءً: ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير (٢) ودعا الله: طلب منه الخير ورجاه منه، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان: طلب له الشر (٣).\nوالدعاء: سؤال العبد ربه على وجه الابتهال، وقد يطلق على التقديس والتحميد ونحوهما (٤).\nفالدعاء نوعٌ من أنواع الذكر؛ فإن الذكر ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: ذكر أسماء الله وصفاته ومعانيها والثناء على الله بها، وتوحيد الله بها وتنزيهه عما لا يليق به. وهو نوعان أيضًا:\nأإنشاء الثناء عليه بها من الذاكر وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث نحو: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».\nب الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو قولك: الله - ﷿ - على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد لراحلته، وهو يسمع أصوات عباده، ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم، وهو أرحم بهم من أمهاتهم وآبائهم.\nالنوع الثاني: ذكر الأمر، والنهي، والحلال والحرام، وأحكامه فيعمل\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٢٣.\n(٢) المصباح المنير ١/ ١٩٤.\n(٣) المعجم الوسيط١/ ٢٦٨.\n(٤) القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا ص ١٣١.","vol":"1","page":164},{"text":"بالأمر ويترك النهي، ويُحرِّمُ الحرامَ ويُحلُّ الحلالَ، وهو نوعان أيضًا:\nأذكره بذلك إخبارًا عنه بأنه أمر بكذا ونهى عن كذا، وأحب كذا، وسخط كذا، ورضي كذا.\nب ذكره عند أمره فيبادر إليه ويعمل به، وعند نهيه فيهرب منه ويتركه.\nالنوع الثالث: ذكر الآلاء والنعماء والإحسان، وهذا أيضًا من أجَلِّ أنواع الذكر، فهذه خمسة أنواع.\nوهي تكون ثلاثة أنواع أيضًا:\nأ- ذكرٌ يتواطأ عليه القلب واللسان، وهو أعلاها.\nب- ذكرٌ بالقلب وحده، وهو في الدرجة الثانية.\nج- ذكرٌ باللسان المجرد، وهو في الدرجة الثالثة (١).\nومفهوم الذكر: هو التخلص من الغفلة والنسيان، والغفلة: هي تركٌ باختيار الإنسان، والنسيان تركٌ بغير اختياره.\nوالذكر على ثلاث درجات:\n١ - الذكر الظاهر: ثناءٌ على الله تعالى كقول: «سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر».\nأو ذكر دعاء: نحو: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢). ونحو قوله: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث». ونحو ذلك.\n_________\n(١) مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٤٣٠، و١/ ٢٣، والوابل الصيب لابن القيم، ص ١٧٨ - ١٨١.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":165},{"text":"أو ذكر رعاية: مثل قول القائل: الله معي، الله ينظر إليَّ، الله شاهدي، ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع الله، وفيه رعاية لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع الله والتحرز من الغفلة، والاعتصام بالله من الشيطان وشر النفس.\nوالأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة، فإنها تضمنت الثناء على الله، والتعرض للدعاء والسؤال، والتصريح به. وهي متضمنة لكمال الرعاية، ومصلحة القلب، والتحرز من الغفلات، والاعتصام من الوساوس والشيطان.\n٢ - الذكر الخفي: وهو الذكر بمجرد القلب والتخلص من الغفلة، والنسيان، والحجب الحائلة بين القلب وبين الرب سبحانه، وملازمة الحضور بالقلب مع الله كأنه يراه.\n٣ - الذكر الحقيقي: وهو ذكر الله تعالى للعبد (١): ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (٢).\nوقال النبي - ﷺ -: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ِشِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (٣).\n_________\n(١) مدارج السالكين، ٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٢٨]، برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب كتاب الذكر والدعاء والتوبة ...، برقم ٢٦٧٥، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":166},{"text":"٣ - ترك الذنوب والتوبة منها؛ فإن كثرة الذنوب من أعظم أسباب قساوة القلوب، والحذر منها والابتعاد عنها من أعظم أسباب السلامة، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١)، وقال النبي - ﷺ -: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا (٢) كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا (٣) لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» (٤).\nقال الإمام ابن المبارك ﵀:\n\nرأيتُ الذنوب تُميت القلوب ... ويُورث الذُّلَّ إدمانُها\nوترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها (٥)\n\nقال عبد الله بن عباس ﵄: «إن للحسنة: ضياءً في الوجه،\n_________\n(١) سورة المطففين، الآية: ١٤.\n(٢) أسود مربادّ: شبه البياض في سواد، [شرح النووي، ٢/ ٥٣٢].\n(٣) الكوز مجخيا: منكوسًا، نكس حتى لا يعلق به خير ولا حكمة [شرح النووي، ٢/ ٥٣١].\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب، برقم ١٤٤.\n(٥) ديوان عبد الله بن المبارك، ص ٢٦، وشعب الإيمان للبيهقي، ٥/ ٤٦٤، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ١/ ٣٢٧، وحلية الأولياء لأبي نعيم، ٨/ ٢٧٩.","vol":"1","page":167},{"text":"ونورًا في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإنّ للسيئة: سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق» (١).\nوقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀: أن القلب يفسد بأمورٍ: التعلق بغير الله تعالى، وركوب بحر التمني، وكثرة النوم، وكثرة الطعام، والمفسد منه نوعان: أكل الحرام، والإسراف (٢).\nوقال ﵀: «قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة» (٣).\n٤ - ترك كثرة الضحك والقهقهة؛ فإن كثرة ذلك تميت القلب؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟»، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَخَذَ بِيَدِي، فَعَدَّ خَمْسًا، وَقَالَ: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» (٤).\n٥ - كثرة ذكر الموت؛ فإن الغفلة عن الموت وطول الأمل مما\n_________\n(١) الجواب الكافي لابن القيم، ص١٠٥ - ١٠٦.\n(٢) الفوائد الإيمانية من كتب ابن القيم، ص٣٧،٤١.\n(٣) فوائد الفوائد مرتبة مبوبة، لابن القيم ص٢٦٢، تخريج علي بن حسن عبد الحميد.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب من اتقى المحارم فهو أعبد الناس، برقم ٢٣٠٥، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٣٠، وفي صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٢٦.","vol":"1","page":168},{"text":"يُقسي القلب؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أكثروا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» (١) يعني الموت، وفي لفظ لابن حبان: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ وَهُوَ فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَه عَلَيْهِ، وَلَا ذَكَرَهْ فِي سَعَةٍ إِلَّا ضيَّقَهُ عَلَيْهِ» (٢). وَفِي لفظ لابن حبان أيضًا: \"كَانَ رسول الله - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّات» (٣)، فَالْمَوت يقطع اللذات ويزيلها، والحديث دليل على أنه لا ينبغي أن يغفل عن ذكر أعظم المواعظ! وهو الموت، قال الإمام الصنعاني ﵀: «وقد ذكر في آخر الحديث فائدة الذكر بقوله: «فَإِنّكُمْ لاَ تَذْكُرُونَهُ فِي كَثِيرٍ إلاّ قَلّلهُ، وَلاَ فِي قَليلٍ إلاّ كَثَّرَهُ» (٤).\nوعن ابن عمر ﵄، قال: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ (٥)؟\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في ذكر الموت، برقم ٢٣٠٧، والنسائي، كتاب الجنائز، باب كثرة ذكر الموت، برقم ١٨٢٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، برقم ٤٢٥٨، وابن حبان بلفظ: «أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت»، برقم ٢٩٩٢، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي وفي غيره، ٢/ ٦: «حسن صحيح».\n(٢) صحيح ابن حبان، برقم ٢٩٩٣، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٤٥.\n(٣) صحيح ابن حبان، برقم ٢٩٩٥، وحسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان.\n(٤) سبل السلام، للصنعاني، ٣/ ٣٠٢، وهذا الخبر أخرجه الطبراني في الأوسط، بلفظ: «أكثروا ذكر هاذم اللذات - يعني الموت - فإنه ما كان في كثير إلا قلّلَهُ، ولا قليل إلا جزأه» [مجمع البحرين، ٨/ ٢٠٦، برقم ٥٠٧٦]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٣٠٩: «إسناده حسن».\n(٥) أكيس: أعقل [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٤/ ٢١٧].","vol":"1","page":169},{"text":"قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمُ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ» (١).\n٦ - إطعام المسكين ومسح رأس اليتيم؛ فإن من أسباب قسوة القلوب ترك الإحسان إلى اليتامى والمساكين؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» (٢).\n٧ - زيارة القبور والتفكر في حال أهلها ومصيرهم؛ لأن الغفلة عن ذلك من أسباب قسوة القلب؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: زَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ - ﷺ -: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» (٣).\nوعن بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» [زاد الترمذي]: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ»، وفي لفظ أبي داود: «فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَة» (٤).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنِّي\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، برقم ٤٢٥٩، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٤١٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٣٨٤.\n(٢) أحمد في المسند، ٢/ ٢٦٣، و٢/ ٣٨٧، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم ١٤١٠، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٥٣٣.\n(٣) مسلم، برقم ١٠٨ - (٩٧٦)، وتقدم تخريجه في بكائه - ﷺ - عند زيارة قبر أمه.\n(٤) مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - في زيارة أمه، برقم ١٠٦ - (٩٧٧)، والترمذي، برقم ١٠٥٤، والنسائي بنحوه، برقم ٢٠٣١، وأبو داود، برقم ٣٢٣٧.","vol":"1","page":170},{"text":"نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّ فِيهَا عِبْرَةً [وَلاَ تَقُولُوا مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ]» (١).\nوعن أنس - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُرُوهَا؛ فإنَّهَا تُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ، وَتُذَكِّرُ الآخِرَةَ، َ وَلَا تَقُولُوا هَجْرًا» (٢) (٣).\nوعن هانئ مولى عثمان - ﵁ - قال: كَانَ عُثْمَانُ - ﵁ - إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حتَّى يَبَلَّ لِحْيَتَهُ، فَقيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلاَ تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ:\"إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَمَنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ\". قَالَ: وَقَالَ رسول اللَّه - ﷺ -: «مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلاَّ وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ (٤) مِنْهُ» (٥).\n٨ - النظر في ديار الهالكين، والاعتبار بمنازل الغابرين؛ فإن الغفلة عن التَّفَكُّرِ في ذلك من أسباب قسوة القلب؛ ولهذا كان ابن عمر\n﵄ إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها،\n_________\n(١) أحمد، ٣/ ٣٨، ٦٣، ٦٦، والحاكم، ١/ ٣٧٤، والبيهقي، ٤/ ٧٧، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٨٨: «وهو كما قالا».\n(٢) الهجر: الفحش، والكلام الباطل، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٢٤٥.\n(٣) أحمد، ٣/ ٢٣٧، ٢٥٠، والحاكم، ١/ ٣٧٦، ٣٧٥، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٢٩.\n(٤) أفظع: أشد، وأشنع. شرح السندي على سنن ابن ماجه، ٤/ ٥٠٠.\n(٥) الترمذي، كتاب الزهد، باب حدثنا هناد، برقم ٢٣٠٨، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، واللفظ له، برقم ٤٢٦٧، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٢٧.","vol":"1","page":171},{"text":"وينادي بصوت حزين، فيقول: «أين أهلك؟»، ثم يرجع إلى نفسه، فيقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (١).\nقال الله - ﷿ -: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ (٢).\n٩ - الاستفادة في علاج القلوب من حِكَمِ الحكماء؛ فإن ذلك مما يوقظ القلوب؛ لما جعل الله تعالى على ألسنتهم من الحِكَمِ:\n* قَالَ إبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ رحمه الله تعالى: «دَوَاءُ الْقُلُوبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُّرِ، وَخَلَاءُ الْبَطْنِ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ، وَالتَّضَرُّعُ عِنْدَ السَّحَرِ، وَمُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ» (٣).\n* ونُقل عن لقمان الحكيم، أنه قال لابنه: «جمعت لك حكمتي في ست كلمات:\nاعمل للدنيا بمقدار بقائك فيها،\nواعمل للآخرة بمقدار بقائك فيها،\nواعمل لله بقدر حاجتك له،\nواعمل من المعصية بمقدار ما تطيق من العقوبة،\nولا تسأل إلا من لا يحتاج إلى أحد،\nوإذا أردت أن تعصي الله فاعصه في مكان لا يراك فيه» (٤).\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٨٨.\n(٢) سورة السجدة، الآية: ٢٦.\n(٣) الخشوع في الصلاة، لابن رجب، ص٣٥.\n(٤) الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص٣٥.","vol":"1","page":172},{"text":"* وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى في موعظته حين سألوه عن قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١)، وإنَّا ندعوه فلم يستجب لنا، فقال:\n«عرفتم الله فلم تطيعوه،\nوقرأتم القرآن فلم تعملوا به،\nوعرفتم الشيطان فوافقتموه،\nوادّعيتم حبّ رسول الله - ﷺ - وتركتم سنته،\nوادّعيتم حبّ الجنة ولم تعملوا لها،\nوادّعيتم خوف النار ولم تنتهوا عن الذنوب،\nوقلتم إن الموت حق ولم تستعدوا له،\nواشتغلتم بعيوب غيركم ولم تنظروا إلى عيوبكم،\nوتأكلون رزق الله ولا تشكرون،\nوتدفنون أمواتكم ولا تعتبرون» (٢).\n\n١٠ - علاج قسوة القلوب كما ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فقد ذكر ﵀: أن القلوب ثلاثة:\nالقلبُ الأوَّلُ: القَلْبُ السَلِيمُ: وَهُوَ الَّذِي لاَ يَنْجُو يَوْمَ الْقِيَامِةِ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٣).\n_________\n(١) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(٢) الخشوع في الصلاة، لابن رجب ص٣٥ - ٣٦.\n(٣) سورة الشعراء، الآيتان: ٨٨ - ٨٩.","vol":"1","page":173},{"text":"وَالْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الَّذِي قَدْ سَلِمَ مِنْ كُلِّ شَهْوَةٍ تُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ، وَمِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خَبَرَهُ، فَسَلِمَ مِنْ عُبُودِيَّةِ مَا سِوَاهُ، وَسَلِمَ مِنْ تَحْكِيمِ غَيْرِ رَسُولِهِ - ﷺ -.\nوَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي سَلِمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ شِرْكٌ بِوَجْهٍ مَا؛ بَلْ قَدْ خَلُصَتْ عُبُودِيَّتُهُ لِلَّهِ: إِرَادَةً، وَمَحَبَّةً، وَتَوَكُّلًا، وَإِنَابَةً، وَإِخْبَاتًَا، وَخَشْيَةً، وَرَجَاءً، وَخَلُصَ عَمَلُهُ لِلَّهِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَإِنْ أَبْغَضَ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ، وَإِنْ أَعْطَى أَعْطَى لِلَّهِ، وَإِنْ مَنَعَ مَنَعَ لِلَّهِ، فَهَمُّهُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَحُبُّهُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَقَصْدُهُ لَهُ، وَبَدَنُهُ لَهُ، وَأَعْمَالُهُ لَهُ، وَنَوْمُهُ لَهُ، وَيَقَظَتُهُ لَهُ، وَحَدِيثُهُ، وَالْحَدِيثُ عَنْهُ أَشْهَى إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ حَدِيثٍ، وَأَفْكَارُهُ تَحُومُ عَلَى مَرَاضِيهِ، وَمَحَابِّهِ (١)، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى هَذَا القَلْبَ.\nالقلب الثاني: الْقَلْبُ الْمَيِّتُ: وَهُوَ ضِدُّ الأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي لاَ يَعْرِفُ رَبَّهُ، وَلاَ يَعْبُدُهُ بِأَمْرِهِ، وَمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ؛ بَلْ هُوَ وَاقِفٌ مَعَ شَهَوَاتِهِ وَلَذَاذَاتِهِ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا سَخَطُ رَبِّهِ وَغَضَبُهُ، فَهُوَ مُتَعَبِّدٌ لِغَيْرِ اللَّهِ: حُبًَّا، وَخَوْفًَا، وَرَجَاءً، وَرِضًَا، وَسُخْطًَا، وَتَعْظِيمًَا، وَذُلًاّ، إِنْ أَبْغَضَ أَبْغَضَ لِهَوَاهُ، وَإِنْ أًحَبَّ أَحَبَّ لِهَوَاهُ، وَإِنْ أَعْطَى أَعْطَى لِهَوَاهُ، وَإِنْ مَنَعَ مَنَعَ لِهَوَاهُ، فَالْهَوَى إمَامُهُ، وَالشَّهْوَةُ قَائِدُهُ، وَالْجَهْلُ سَائِقُهُ، وَالْغَفْلَةُ مَرْكَبُهُ (٢). نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَلْبِ.\nالقلب الثالث: الْقَلْبُ الْمَرِيضُ: هُوَ قَلْبٌ لَهُ حَيَاةٌ، وَبِهِ عِلَّةٌ، فَلَهُ\n_________\n(١) انظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم ﵀، ١/ ٧، و٧٣.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ١/ ٩.","vol":"1","page":174},{"text":"مَادَّتَانِ تُمِدُّهُ هَذِهِ مَرَّةً، وَهَذِهِ أُخْرَى، وهُوَ لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْهُمُا، فَفِيهِ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالإِيمَانِ بِهِ، وَالإِخْلاَصِ لَهُ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ: مَا هُوَ مَادَّةُ حَيَاتِهِ، وَفِيهِ مِنْ مَحَبَّةِ الشَّهَوَاتِ، وَالْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِهَا، وَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ، وَالْعُجْبِ، وَحُبِّ الْعُلُوِّ، وَالْفَسَادِ فِي الأَرْضِ بِالرِّيَاسَةِ، وَالنِّفَاقِ، وَالرِّيَاءِ، وَالشُّحِ وَالْبُخْلِ مَا هُوَ مَادَّةُ هَلاَكِهِ وَعَطَبِهِ (١)، نَعُوذُ بَاللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَلْبِ.\nوقد مُثِّل ذلك بمثال حسن. وهو ثلاثة بيوت: بيت للملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره، [وهذا مثال للقلب السليم]، وبيت للعبد فيه كنوز العبد وذخائره وجواهره، وليس جواهر الملك وذخائره، [وهذا مثال للقلب المريض]، وبيت خالٍ صفر لا شيء فيه، [وهذا مثال للقلب الميت]، فجاء اللصّ يسرق من أحد البيوت، فمن أيِّها يسرق؟\nفإن قلت: من البيت الخالي، كان محالًا؛ لأن البيت الخالي ليس فيه شيء يُسرَق؛ ولهذا قيل لابن عباس ﵄: إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها، فقال: وما يصنع الشيطان بالبيت الخراب؟ (٢).\nوإن قلت: يسرق من بيت الملك، كان ذلك كالمستحيل\n_________\n(١) انظر: إغاثة اللهفان، ١/ ٩.\n(٢) ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٦٠٩، وفي الفتاوى الكبرى، ٢/ ٢٢٤، وعزاها لبعض السلف.","vol":"1","page":175},{"text":"الممتنع، فإن عليه من الحرس واليزَك (١) ما لا يستطيع اللِّصُّ الدنو منه، كيف وحارسه الملك بنفسه، وكيف يستطيع اللِّصِّ الدنو منه وحوله من الحرس والجند ما حوله؟ فلم يبق لِلّص إلا البيت الثالث، فهو الذي يشن عليه الغارات.\nفليتأمل اللبيب هذا المثال حقّ التأمل، ولينزله على القلوب، فإنها على منواله.\nفقلب خلا من الخير كله، وهو قلب الكافر والمنافق، فذلك بيت الشيطان، قد أحرزه لنفسه واستوطنه واتخذه سكنًا ومستقرًا، فأي شيءٍ يسرق منه، وفيه خزائنه وذخائره وشكوكه وخيالاته ووساوسه؟.\nوقلبٌ قد امتلأ من جلال الله - ﷿ - وعظمته ومحبته ومراقبته والحياء منه، فأيُّ شيطان يجترئ على هذا القلب؟ وإن أراد سرقة شيء منه، فماذا يسرق، وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخطفة ونهب يحصل له على غرة من العبد وغفلة لابد له منها، إذ هو بشر، وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو والذهول وغلبة الطبع.\nوقلبٌ فيه توحيد الله تعالى، ومعرفته، ومحبته، والإيمان به والتصديق بوعده، وفيه شهوات النفس وأخلاقها ودواعي الهوى والطبع.\nوقلبٌ بين هذين الداعيين. فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان، والمعرفة، والمحبة لله تعالى، وإرادته وحده، ومرة يميل بقلبه داعي\n_________\n(١) اليزك والحرس بمعنى.","vol":"1","page":176},{"text":"الشيطان، والهوى، والطباع، فهذا القلب للشيطان فيه مطمع، وله منه منازلات ووقائع، ويعطي الله النصر من يشاء ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١)، وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه، فيدخل إليه الشيطان، فيجد سلاحه عنده فيأخذه ويقاتله به؛ فإنَّ أسلحته هي: الشهوات، والشبهات، والخيالات، والأماني الكاذبة، وهي في القلب، فإن كان عند العبد عدة عتيدة فيأخذها ويصول بها على القلب، فإن كان عند العبد عدة عتيدة من الإيمان تقاوم تلك العدة وتزيد عليها، انتصف من الشيطان، وإلا فالدولة لعدوِّه عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإذا أَذِنَ العبدُ لعدوِّه وفتح له باب بيته، وأدخله عليه، ومكنَّه من السلاح يقاتله به، فهو الملوم.\n\nفنفسك لم ولا تلم المطايا ... ومت كمدًا فليس لك اعتذار (٢)\n\nوَعِلاَجُ الْقَلْبِ مِنْ جَمِيعِ أَمْرَاضِهِ قَدْ تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.\nقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقال الله - ﷿ -: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>وَأَمْرَاضُ الْقُلُوبِ نَوْعَانِ:</span>\nنَوْعٌ لاَ يَتَأَلَّمُ بِهِ صَاحِبُهُ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مَرَضُ الْجَهْلِ، وَالشُّبُهَاتِ وَالشُّكُوكِ، وَهَذَا هُوَ أَعْظَمُ النَّوْعَيْنِ أَلَمًَا، وَلَكِنْ لِفَسَادِ الْقَلْبِ لاَ يُحِسُّ بَهَ.\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٢٦.\n(٢) الوابل الصيب لابن القيم، ص٤٣ - ٤٥ بتصرف يسير.\n(٣) سورة يونس، الآية: ٥٧.\n(٤) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.","vol":"1","page":177},{"text":"وَنَوْعٌ: مَرَضٌ مُؤْلِمٌ فِي الْحَالِ: كَالْهَمِّ، وَالْغَمِّ، وَالْحُزْنِ، وَالْغَيْظِ، وَهَذَا الْمَرْضُ قَدْ يَزُولُ بِأَدْوِيَةٍ طَبِيعِيَّةٍ بِإزِالَةِ أَسْبَابِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>وَعِلاَجُ الْقَلْبِ يَكُونُ بِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>الأَمْرُ الأَوَّلُ: بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ</span>؛ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الشَّكِّ، وَيُزِيلُ مَا فِيهَا مِنَ الشِّرْكِ، وَدَنَسِ الْكُفْرِ، وَأَمْرَاضِ الشُّبُهَاتِ، وَالشَّهَوَاتِ، وَهُوَ هُدَىً لِمَنْ عَلِمَ بِالْحَقِّ، وَعَمِلَ بِهِ، وَرَحْمَةٌ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوَابِ الْعَاجِلِ وَالآجِلِ، قال الله - ﷿ -: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الأَمْرُ الثَّانِي: الْقَلْبُ يَحْتَاجُ إِلَى ثَلاَثَةِ أُمُورً:</span>\n١ - مَا يَحْفَظُ عَلَيْهِ قُوَّتَهُ وَذَلِكَ يَكُونُ بِالإِيمَانِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَعَملِ أَوْرَادِ الطَّاعَاتِ.\n٢ - الْحِمْيَةُ عَنِ الْمَضَارِ، وَذَلِكَ بِاجْتِنَابِ جَمِيعِ الْمَعَاصِي، وَأَنْوَاعِ الْمُخَالَفَاتِ.\n٣ - الاسْتِفْرَاغُ مِنْ كُلِّ مَادَّةٍ مُؤْذِيَةٍ، وَذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>الأَمْرُ الثَّالِثُ: عِلاَجُ مَرَضِ الْقَلْبِ مِنِ اسْتِيلاءِ النَّفْسِ عَلَيْهِ:</span>\nلَهُ عِلاَجَانِ: مُحَاسَبَتُهَا، وَمُخَالَفَتُهَا، وَالْمُحَاسَبَةُ نَوْعَانِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>النَّوْعُ الأَوَّلُ: قَبْلَ الْعَمَلِ، وَلَهُ أَرْبَعُ مَقَامَاتً:</span>\n١ - هَلْ هَذَا الْعَمَلُ مَقْدُورٌ لَهُ؟\n_________\n(١) انظر: إغاثة اللهفان، ١/ ٤٤.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.","vol":"1","page":178},{"text":"٢ - هَلْ هَذَا الْعَمَلُ فِعْلُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ تَرْكِهِ؟\n٣ - هَلْ هَذَا الْعَمَلُ يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ؟\n٤ - هَلْ هَذَا الْعَمَلُ مُعَانٌ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَعْوَانٌ يُسَاعِدُونَهُ، وَيَنْصُرُونَهُ إِذَا كَانَ الْعَمَلُ يَحْتَاجُ إِلَى أَعْوَانٍ؟ فَإِذَا كَانَ الْجَوَابُ مَوْجُودًَا أَقْدَمَ وَإِلاَّ لاَ يُقْدِمْ عَلَيْهِ أَبَدًَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>النَّوْعُ الثَّانِي: بَعْدَ الْعَمَلِ وَهُو ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:</span>\n١ - مُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ عَلَى طَاعَةِ قَصَّرَتْ فِيهَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ تُوقِعْهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ، وَمِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى: الإِخْلاَصُ، وَالنَّصِيحَةُ، وَالْمُتَابَعَةُ، وَشُهُودُ مَشْهَدِ الإِحْسَانِ، وَشُهُودُ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَشُهُودُ التَّقْصِيرِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ.\n٢ - مُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ كَانَ تَرْكُهُ خَيْرًَا لَهُ مِنْ فِعْلِهِ.\n٣ - مُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ عَلَى أَمْرٍ مُبَاحٍ، أَوْ مُعْتَادٍ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَهَلْ أَرَادَ بِهِ اللَّهَ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، فَيَكُونُ رَابِحَا؟ أَوْ أَرَادَ بِهِ الدُّنِيَا فَيَكُونَ خَاسِرًَا؟\nوَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ أَوَّلًا عَلَى الْفَرَائِضِ، ثُمَّ يُكَمِّلُهَا إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً، ثُمَّ يُحَاسِبُهَا عَلَى الْمَنَاهِي، فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ ارْتَكَبَ شَيْئًَا مِنْهَا تَدَارَكَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ، ثُمَّ عَلَى مَا عَمِلَتْ بِهِ جَوَارِحُهُ، ثُمَّ عَلَى الْغَفْلَةِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>الأمْرُ الرَّابِعُ: عِلاجُ مَرَضِ الْقَلْبِ مِنِ اسْتِيلاَءِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ:</span>\nالشَّيْطَانُ عَدُوُّ الإِنْسَانِ، وَالْفِكَاكُ مِنْهُ هُوَ بِمَا شَرَعَ اللَّهُ مِنَ\n_________\n(١) انظر: إغاثة اللهفان، ١/ ١٣٦.","vol":"1","page":179},{"text":"الاسْتِعَاذَةِ، وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ الاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ النَّفْسِ، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ، فقَالَ - ﷺ - لأَبِي بَكْرٍ: «قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًَا، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ، قُلهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ» (١).\nوَالاسْتِعَاذَةُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالإِخْلاَصُ، يَمْنَعُ سُلْطَانَ الشَّيْطَانِ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>السبب الثالث: الابتعاد عن الوسوسة</span>؛ فإنها أعظم موانع الخشوع في الصلاة، فإذا نجا العبد من هذا المرض الخطير فقد نجا من شرور كثيرة:\n* والوسواس: الشيطان، قال الله - ﷿ -: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (٣).\nوالوسوسة: حديث النفس والشيطان، بما لا نفع فيه ولا خير (٤).\nوقال ابن الأثير: الوسوسة: هي حديث النفس والأفكار، ورجل مُوَسْوَسٌ: إذا غلبت عليه الوسوسة، وقد وسوست إليه نفسه، وسوسةً، وَوسْوَاسًا ...، والوسواس ... اسم للشيطان، ووسوسَ: إذا\n_________\n(١) الترمذي، برقم ٣٣٩٢، وأبو داود، برقم ٥٠٥٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٤٢.\n(٢) انظر: إغاثة اللهفان، ١/ ١٤٥ - ١٦٢.\n(٣) سورة الناس، الآية: ٤.\n(٤) القاموس المحيط، للفيروز أبادي، باب السين فصل الواو، ص٤٧٨.","vol":"1","page":180},{"text":"تكلم بكلام لم يُبيِّنهُ» (١).\nوفي الحديث «... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ ...» (٢).\nوالفرق بين الشك والوسوسة: أن الشك: هو التَّردُّدُ في الوقوع وعدمه، فهو مستوي الطرفين، وهو اعتقاد أن تقاوم تساويهما لا مزية لأحدهما على الآخر، وأما الوسوسة فهي كما تقدم: حديث النفس والشيطان لا تُبْنَى على أصل، بخلاف الشك، فإنه يُبْنَى على أصل (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-129> أسباب الوسوسة:</span>\n١ - قِلَّةُ العلم الشرعي: أي بالكتاب والسنة، وما عليه الصحابة وأتباعهم - ﵃ -.\n٢ - ضعف الإيمان؛ لأن الشيطان يتسلّط على أهل المعاصي، بخلاف قويّ الإيمان.\n٣ - الاسترسال مع الأفكار؛ فإن هذا الاسترسال يجعل للشيطان مدخلًا عليه.\n٤ - الغفلة عن ذكر الله تعالى؛ فإن الذكر يطرد الشيطان ووساوسه.\n٥ - ضعف العقل؛ فإن صاحب العقل الكامل المؤمن ينجو من الوسوسة بفضل الله تعالى.\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ١٨٦.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، بابٌ في الوسوسة، برقم ٥١١٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٢٥٦.\n(٣) انظر: بغية المسترشدين، لعبد الرحمن بن محمد بن حسين بن عمر باعلوي، ص٥.","vol":"1","page":181},{"text":"٦ - عدم مخالطة أهل العلم والإيمان الكامل.\n٧ - عدم اتباع الرسول - ﷺ -؛ فإن الشيطان يدخل من هذا المدخل.\nوهذه الأسباب لها أدلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-130> مظاهر الوسوسة عند الموسوسين:</span>\n١ - التأخر في حال الاستنجاء، أو الوضوء والاغتسال، وهذه أغلب حالات الوسواس.\n٢ - تكرار الوضوء، أو الطهارة، أو الصلاة، والإسراف في ماء الطهارة، وإعادة هذه العبادات؛ لأنه يظن أنها فاسدة.\n٣ - تكرير الحرف في ألفاظ القراءة، أو أذكار الصلاة وغيرها، كما ذكر ابن قدامة ﵀ في ذم الموسوسين، وابن القيم في إغاثة اللهفان ﵀.\n٤ - إبدال الملابس؛ لأنه يتوهَّم أنه أصابها نجاسة.\n٥ - وسوستهم في العقيدة، وقد حذّر النبي - ﷺ - من ذلك، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»، وفي لفظ لمسلم: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ»، وفي رواية لمسلم: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ\n_________\n(١) انظر: تحفة المؤمنين في ذم الوسوسة وعلاج الموسوسين؛ لعبد الله بن سليمان العتيق، [مذكرة، ص٥ - ٧].","vol":"1","page":182},{"text":"فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ وَزَادَ: «وَرُسُلِهِ» (١).\nوعن زُمَيْلٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: مَا شَيءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ! قَالَ: فَقَالَ لِي أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قَالَ وَضَحِكَ. قَالَ: مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ ...» الخبر، وفي آخره قال ابن عباس: «إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُلْ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: «جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: «أوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ». قَالُوا نَعَمْ. قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ»، وفي لفظ: «تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ» (٤).\nوقوله: «ذاك صريح الإيمان» معناه: أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم، والتصديق به حتى يصير ذلك وسوسة (٥).\nوعن ابن عباس ﵄، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم ٣٢٧٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، برقم ١٣٤.\n(٢) سورة الحديد، الآية: ٣.\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب في الوسوسة، برقم ٥١١٠، وحسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٢٥٦.\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجده، برقم ١٣٢.\n(٥) انظر: معالم السنن للخطابي، ٤/ ١٣٦.","vol":"1","page":183},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ، يُعَرِّضُ بِالشَّيْءِ؛ لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ»، وفي لفظ: «رَدَّ أَمْرَهُ» (١).\nوالوسوسة خطيرة على المسلم، وقد ذكر الوسوسة وأحكامها، وأخطارها العلماء رحمهم الله تعالى، ومن أعظم من فصَّل في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في: «مجموع الفتاوى» (٢)، وتلميذه الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه: «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>وعلاج الوسوسة على النحو الآتي:</span>\n١ - طلب العلم الشرعي.\n٢ - تقوية الإيمان بالطاعات والنوافل.\n٣ - مداومة ذكر الله تعالى على كل حال؛ فهي حصن حصين من الوسوسة، ومن كلِّ شرٍّ.\n٤ - مجالسة الصاحين، ومخالطة الناس الذين يستفيد منهم.\n٥ - معرفة أن الحق هو ما جاء به الرسول - ﷺ -.\n٦ - الاعتراف بأن الوسوسة من أبطل الباطل.\n٧ - الاستعاذة بالله من الشيطان كما ثبت في الأدلة.\n٨ - لا يطيل الجلوس والمكث في الحمام أو الخلاء فوق\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٥١١٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٢٥٦، وتقدم تخريجه في تعريف الوسوسة.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ٢٢/ ٦٠٣ - ٦١٣.\n(٣) انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم، ١/ ١٢٦ - ١٦٣.","vol":"1","page":184},{"text":"حاجته؛ لأن في ذلك كشفًا للعورة بلا حاجة؛ ولأن الحشوش والمراحيض مأوى الشياطين، والنفوس الخبيثة (١).\n٩ - ينضح فرجه وسراويله بالماء؛ ليدفع عن نفسه الوسوسة؛ لحديث الحكم بن سفيان قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا بال توضأ وينتضح» (٢).\n١٠ - إذا تَيَقَّنَ الطهارة ثم شَكَّ في الحدث فله أن يصلِّي بطهارته؛ لأنه على طهارة، وإذا تَيَقَّنَ الحدث ثم شَكَّ هل تطهَّر أم لا فليس له أن يصلي إلا بعد الطهارة؛ وإذا شكَّ بعد الانتهاء من العبادة، فلا يلتفت إليه، إلا إذا تيقن يقينًا لا شك فيه، وإذا كثرت الشكوك فلا يلتفت إليها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>السبب الرابع: متابعة المؤذن من الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة:</span>\nلا شك أن متابعة المؤذن والقول مثل ما يقول تكون من أسباب جلب الخشوع في الصلاة؛ لأن إجابة المؤذن، بـ: «لا حول ولا قوة إلا بالله» فيها الالتجاء إلى الله تعالى، واعتماد القلب عليه، فلا حول ولا قوة للعبد إلا به سبحانه، قال الإمام النووي ﵀: «قال أبو الهيثم: الحول الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة، إلا بمشيئة الله ... وقيل: لا حول في دفع شرٍّ، ولا قوّة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل:\n_________\n(١) انظر: صلاة المؤمن للمؤلف، ص٣٥.\n(٢) أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الانتضاح، برقم ١٦٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٤.\n(٣) انظر: صلاة المؤمن للمؤلف، ص٥٠ [الحاشية]، وص٢٨٠، وانظر: بحث مفيد، في ذم الوسوسة وعلاج الموسوسين، لعبد الله بن سليمان العقيل ص١ - ٣٠ [مذكرة].","vol":"1","page":185},{"text":"لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوّة على طاعته إلا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود - ﵁ -» (١).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقال الطيبي: معنى الحيعلتين: هلُمَّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلًا، والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوّته» (٢).\nفيُسنُّ لمن سمع المؤذن والمقيم أن يتابعه سرًّا بقوله، فيقول مثله، إلا في الحيعلتين فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ويقول الأذكار المشروعة بعد الأذان، ولا شك أن النبي - ﷺ - شرع لأمته في الذكر عند الأذان وبعده خمسة أنواع (٣) على النحو الآتي:\nالنوع الأول: يقول السامع مثل ما يقول المؤذن إلا في لفظ: «حي على الصلاة، وحي على الفلاح»، فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن» (٤).\nوعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبرُ، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال:\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٢.\n(٣) قال الإمام ابن القيم ﵀ في زاد المعاد في هدي خير العباد، ٢/ ٣٩١: «وأما هديه - ﷺ - في الذكر عند الأذان فشرع لأمته منه خمسة أنواع ...» ثم ذكر هذه الأنواع الآتية.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول إذا سمع المؤذن، برقم ٦١١، ومسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ثم يسأل الله له الوسيلة، برقم ٣٨٣.","vol":"1","page":186},{"text":"أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة» (١).\nالنوع الثاني: يقول عقب تشهد المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلام دينًا (٢)، فعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا، غُفِرَ له ذنبُهُ». وفي رواية: «من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد ...» (٣).\nالنوع الثالث: يُصلِّي على النبي - ﷺ - بعد فراغه من إجابة المؤذن؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا علي؛ فإنه من صلَّى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، برقم ٣٨٥.\n(٢) انظر: صحيح ابن خزيمة، ١/ ٢٢٠، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٢/ ١٩٤، وهكذا سمعته من شيخنا ابن باز غير مرة، أن المجيب يقول هذا الذكر بعد قول المؤذن الشهادتين.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم ٣٨٦.\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم ٣٨٤.","vol":"1","page":187},{"text":"النوع الرابع: يقول بعد صلاته على النبي - ﷺ - ما ثبت في حديث جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلَّت له شفاعتي يوم القيامة» (١).\nوثبت عند البيهقي زيادة: «إنك لا تخلف الميعاد» (٢).\nالنوع الخامس: يدعو لنفسه بعد ذلك، ويسأل الله من فضله؛ فإنه يستجاب له، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الدعوة لا ترد بين الأذان والإقامة فادعوا» (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ وقدس روحه - يقول: «هذه الأنواع تقال كلها مرة واحدة مجموعة مع كل أذان» (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء، برقم ٦١٤.\n(٢) سنن البيهقي، ١/ ٤١٠، وحسن إسناده الإمام ابن باز في تحفة الأخيار، ص٣٨، وفي مجموع الفتاوى له، ٢٩/ ٣٠٥.\n(٣) أحمد في المسند، بلفظه،٣/ ٢٢٥،وأبو داود، في كتاب الصلاة بابٌ في الدعاء بين الأذان والإقامة، برقم ٥٢١،بلفظ: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة»،والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، برقم ٢١٢،وفي كتاب الدعوات، باب في العفو والعافية، رقم ٣٥٩٤،وصححه الألباني في إرواء الغليل،١/ ٢٦٢.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، عند قول ابن القيم: «فصل في هديه - ﷺ - في الأذان وأذكاره»، ٢/ ٣٩١.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>السبب الخامس: العمل بآداب المشي إلى الصلاة من أعظم ما يجلب الخشوع:</span>\nإذا عمل المسلم بالآداب المشروعة في المشي إلى الصلاة؛ فإن ذلك يكون من أسباب التوفيق للخشوع في الصلاة، ومن هذه الآداب الآداب الآتية:\n١ - يتوَضأ في بيته ويسبغ الوضوء؛ لحديث عمر - ﵁ - يرفعه: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ [وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (١)، زاد الترمذي: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» (٢)، وفي النسائي: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» (٣)، ثم يُصلِّي ركعتين بعد الوضوء؛ لحديث عقبة بن عامر، عن النبي - ﷺ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَه، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (٤)؛ ولحديث ابن مسعود - ﵁ -: «ما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، برقم ٢٣٤.\n(٢) الترمذي، كتاب الطهارة، باب فيما يقال بعد الوضوء، برقم ٥٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ١٨.\n(٣) النسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٨١، وصحح إسناده الألباني في إرواء الغليل،\n١/ ١٣٥، و٢/ ٩٢.\n(٤) مسلم، كتاب الطهارة باب الذكر المستحب عقب الوضوء، برقم ٢٣٤.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى، برقم ٦٥٤.","vol":"1","page":189},{"text":"٢ - يبتعد عن الروائح الكريهة؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته». وفي لفظ لمسلم: «فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الإنس». وفي لفظ لمسلم: «من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم» (١).\n٣ - يأخذ زينته ويتجمل؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢)؛ ولقول النبي - ﷺ -: «إن الله جميل يحب الجمال» (٣).\n٤ - يدعو دعاء الخروج من المنزل ويخرج بنية الصلاة؛ فيقول: «بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٤). «اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَ، أو أُزَلَّ، أو أظلِمَ أو أُظلَم، أو أجهل أو يُجهل عليَّ» (٥). «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي سمعي\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث، برقم ٨٥٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثومًا وبصلًا وكراثًا أو نحوها، برقم ٥٦٤، و٥٦١، ٥٦٧.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٣١.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، برقم ٩١.\n(٤) إذا قال ذلك يقال حينئذ: «هُديت، وكفيت، ووقيت، فتتنحى له الشياطين، فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي، وكفي ووقي»، أبو داود، كتاب الأدب، باب ما يقال إذا خرج من بيته، برقم ٥٠٩٥، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء ما يقول إذا خرج من بيته، برقم ٣٤٢٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٥١.\n(٥) أبو داود، كتاب الأدب، باب ما يقول الرجل إذا خرج من بيته، برقم ٥٠٩٤، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء فيما يقول إذا خرج من بيته، برقم ٣٤٢٧، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما يدعو الرجل إذا خرج من بيته، برقم ٣٨٨٤، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٣٦.","vol":"1","page":190},{"text":"نورًا، وفي بصري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن أمامي نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا، وعظِّم لي نورًا، واجعل لي نورًا، واجعلني نورًا، اللهم أعطني نورًا، واجعل في عصبي نورًا، وفي لحمي نورًا، وفي دمي نورًا، وفي شعري نورًا، وفي بشري نورًا» (١).\n٥ - لا يشبك بين أصابعه في طريقه إلى المسجد ولا في صلاته؛ لحديث\nكعب بن عجرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة» (٢).\n٦ - يمشي وعليه السكينة والوقار؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». وفي لفظ: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٣).\nوفي هذا الحديث الحث على إتيان الصلاة بسكينة ووقار، والنهي\n_________\n(١) جميع هذه الألفاظ من صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل، برقم ٦٣١٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه، برقم ٧٦٣، وفي رواية ١٩١ - (٧٦٣) فخرج إلى الصلاة وهو يقول. وكل هذه الروايات من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) الترمذي، أبواب الصلاة، بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّشْبِيكِ بَيْنَ الْأَصَابِعِ فِي الصَّلَاةِ، برقم ٣٨٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ١٢١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأتها بالسكينة والوقار، برقم ٦٣٦، وكتاب الجمعة، باب المشي إلى الجماعة، برقم ٩٠٨، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهي عن إتيانها سعيًا، برقم ٦٠٢.","vol":"1","page":191},{"text":"عن إتيانها سعيًا، سواء في صلاة الجمعة وغيرها، وسواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أو لا، وقوله «إذا سمعت الإقامة» إنما ذكر الإقامة للتنبيه على ما سواها؛ لأنه إذا نُهي عن إتيانها سعيًا في حال الإقامة مع خوفه فوت بعضها، فقبل الإقامة أولى، وأكَّد ذلك ببيان العلة فقال - ﷺ -: «فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة»، وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكَّد ذلك تأكيدًا آخر، فقال: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهَّم مُتَوَهِّمٌ أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة، فصرَّح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات، وبيَّن ما يفعل فيما فات (١).\n٧ - ينظر في نعليه قبل دخول المسجد، فإن رأى فيهما أذى مسحه بالتراب؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - وفيه: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصلِّ فيهما» (٢). وتطهير النعلين يكون بمسحهما بالتراب؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وطئَ أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور». وفي لفظ: «إذا وطئَ الأذى بخفيه فطهورهما التراب» (٣).\n٨ - يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد ويقول: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» (٤).\n_________\n(١) انظر: شرح الإمام النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٠٣.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعلين، برقم ٦٥٠، وابن خزيمة، برقم ١٠١٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٢٨.\n(٣) أبو داود، كتاب الطهارة، باب الأذى يصيب النعل، برقم ٣٨٥، ٣٨٦، وصححهما الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٧٧.\n(٤) فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظَ مني سائر اليوم، أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل عند دخوله المسجد، برقم ٤٤٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٩٢، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.","vol":"1","page":192},{"text":"[بسم الله والصلاة] (١) [والسلام على رسول الله] (٢) [اللهم افتح لي أبواب رحمتك]؛ لحديث أبي حميد أو أبي أسيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك» (٣).\n٩ - يُسلِّم إذا دخل المسجد على من فيه بصوت يسمعه من حوله؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٤). وقال عمار بن ياسر - ﵁ -: «ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار» (٥).\n١٠ - يُصلِّي تحية المسجد، فإن كان المؤذن قد أذن بعد دخول الوقت صلى الراتبة إن كان للصلاة راتبة، فإن لم يكن لها راتبة قبلها فسنة ما بين الأذانين؛ لأن بين كل أذانين صلاة، وتجزئ عن تحية المسجد، فإن دخل المسجد قبل دخول وقت الصلاة صلى ركعتين؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٦).\n_________\n(١) ابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم ٨٨، وحسنه الألباني في الثمر المستطاب، ص ٦٠٤.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل عند دخول المسجد، برقم ٤٦٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٩٢.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل المسجد، برقم ١١٣.\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، برقم ٥٤.\n(٥) البخاري، كتاب الإيمان، باب السلام من الإسلام، ١/ ١٥.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، برقم ٤٤، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد بركعتين ...، برقم ٧١٤.","vol":"1","page":193},{"text":"١١ - إذا خلع نعليه داخل المسجد وضعهما بين رجليه؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذي بهما أحدًا، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصلِّ فيهما». وفي لفظ: «إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد وليضعهما بين رجليه» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀- يقول: «الصلاة في النعال سنة خلاف اليهود، لكن بعد العناية، فإن رأى فيها شيئًا أزاله بالتراب أو الحجر أو غيره، أما المساجد المفروشة فقد يحصل عليها الغبار للتساهل من بعض الناس، فيحصل تنفير الناس، فالأولى عندي والله أعلم أن يوضع لها محل» (٢).\n١٢ - يختار الجلوس في الصف الأول على يمين الإمام إن تيسر، بلا مزاحمة ولا أذىً لأحدٍ؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف» (٤).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب المصلي إذا خلع نعليه أين يضعهما؟ برقم ٦٥٤، ٦٥٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٢٨.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٣٢، ورقم ٢٣٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الاستهام في الأذان، برقم ٦١٥، ومسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها ...، برقم ٤٣٧.\n(٤) أبو داود، برقم ٦٧٦، وابن ماجه برقم ١٠٠٥، وحسنه المنذري، وابن حجر في فتح الباري ٢/ ٢١٣، وتقدم تخريجه في فضل الصف الأول وميامن الصفوف.","vol":"1","page":194},{"text":"١٣ - يجلس مستقبلًا القبلة يقرأ القرآن أو يذكر الله تعالى؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة» (١).\n١٤ - ينوي انتظار الصلاة ولا يؤذي؛ فإنه في صلاة ما انتظر الصلاة، وتُصلِّي عليه الملائكة، قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلاه؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ...». وفي لفظ لمسلم: «والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ، ما لم يحدث» (٢).\n١٥ - إذا أقيمت الصلاة فلا يصلي إلا المكتوبة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٣).\n١٦ - يقدم رجله اليسرى عند الخروج من المسجد بعكس دخوله؛ لأن النبي - ﷺ - كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله: في طهوره، وترجُّله، وتنعُّله (٤). وكان ابن عمر ﵄ يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى (٥). وقال أنس - ﵁ -: «من السنة إذا دخلت المسجد أن\n_________\n(١) الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين، ٥/ ٢٧٨، برقم ٣٠٦٢]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ٥٩: «رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن».، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٦/ ٣٠٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، برقم ٦٤٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها، برقم ٦٤٩.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة، برقم ٧١٠.\n(٤) البخاري، كتاب الصلاة، باب التيمن في دخول المسجد وغيره، قبل الحديث رقم ٤٢٦.\n(٥) البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب الصلاة، باب التيمن في دخول المسجد وغيره، قبل الحديث ٤٢٦.","vol":"1","page":195},{"text":"تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى (١). ويقول: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إني أسألك من فضلك] (٢) [اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم]» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>السبب السادس: عدم الالتفات لغير حاجة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاسٌ يختلِسُه الشيطانُ من صلاةِ أحدِكم» (٤).\nوالالتفات نوعان:\nالنوع الأول: التفات حِسّي، وعلاجه بالسكون في الصلاة، وعدم الحركة.\nالنوع الثاني: التفات معنوي بالقلب، وهذا علاجه صعب شاقٌّ، إلا على من يسَّره الله عليه، ولكن من أعظم العلاج استحضار عظمة الله، والوقوف بين يديه، والاستعاذة بالله من الشيطان، والتفل عن اليسار ثلاثًا؛ لحديث عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يُلَبِّسُها عليّ، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذاك شيطان يقال له: خنزبٌ فإذا أحْسَسْتَه فتعوذْ بالله منه، واتفلْ عن يسارك ثلاثًا» قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>السبب السابع: عدم رفع البصر إلى السماء</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال:\n_________\n(١) الحاكم، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ١/ ١١٨.\n(٢) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه .... برقم ١١٣، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد، برقم ٤٦٥.\n(٣) ابن ماجه، كتاب المساجد، والجماعات، برقم ٧٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٢٩.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب الالتفات في الصلاة، برقم ٧٥١، ٣٢٩١.\n(٥) مسلم، كتاب السلام، باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة، برقم ٢٢٠٣.","vol":"1","page":196},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: «ما بالُ أقوامٍ يرفعون أبصارَهم إلى السماء في صلاتهم»؟ فاشتدَّ قوله في ذلك حتى قال: «لينتهُنَّ عن ذلك أو لتُخَطَفَنَّ أبصارُهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>السبب الثامن: عدم افتراش الذراعين في السجود</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «اعتدِلوا في السجود، ولا يبسطُ أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلب» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>السبب التاسع: عدم التخصر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يصلي الرجل مختصِرًا» (٣)؛ ولقول عائشة ﵂ «أنها كانت تكره أن يجعل المصلي يدَه في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>السبب العاشر: عدم النظر إلى ما يُلهي ويُشغل</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - صلى في خميصة (٥) لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني بأنجبانية (٦) أبي جَهْم؛ فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي» (٧).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة، برقم ٧٥٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب لا يفترش ذراعيه في السجود، برقم ٨٢٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود، ووضع الكفين على الأرض ...، برقم ٤٩٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب الخصر في الصلاة، برقم ١٢٢٠، ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الاختصار في الصلاة، برقم ٥٤٥.\n(٤) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، برقم ٣٤٥٨.\n(٥) الخميصة: كساء له أعلام. شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٤٧.\n(٦) أنجبانية: كساء غليظ لا علم له. شرح النووي، ٥/ ٤٧.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا صلى في ثوب له أعلام، ونظر إلى علمها، برقم ٣٧٣، ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام، برقم ٥٥٦.","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>السبب الحادي عشر: عدم الصلاة إلى ما يشغل ويُلهي</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: كان قرام (١) لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي - ﷺ -: «أميطي عنا قرامك؛ فإنه لا تزال تصاويرُه تعرِض [لي] في صلاتي» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>السبب الثاني عشر: عدم الإقعاء المذموم</span>؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - وفيه: «وكان ينهى عن عقبة الشيطان» (٣)، هذا الإقعاء المكروه، وهو: أن يُلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب وغيره من السباع، وهذا الإقعاء على هذه الصفة مكروه باتفاق العلماء (٤).\nوقد جاء نوع آخر في جواز الإقعاء بل سُنِّيَّته، فعن طاوس، قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال: «هي السنة» فقلنا له: إنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال ابن عباس: «بل هي سنة نبيكم - ﷺ -» (٥).\nوقد ذكر النووي - ﵀ - أن العلماء اختلفوا اختلافًا كثيرًا في الإقعاء وتفسيره، ثم قال: «والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان:\nأحدهما: أن يُلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض، كإقعاء الكلب ... وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي.\nوالنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: «سنة نبيكم - ﷺ -» (٦) فظهر أن الإقعاء الذي اختار ابن عباس وغيره من\n_________\n(١) القرام: ستر رقيق من صوف، ذو ألوان. فتح الباري، ١/ ٤٨٤.\n(٢) البخاري، كتاب الصلاة، باب إن صلى في ثوب مُصلَّب أو تصاوير، هل تفسد صلاته وما ينهى عن ذلك، برقم ٣٧٤، ٥٩٥٩، وما بين المعقوفين من رواية في كتاب اللباس، باب كراهية الصلاة في التصاوير، برقم ٥٩٥٩.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة، برقم ٤٩٨.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٤٥٨، ٤٦١.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب جواز الإقعاء على العقبين، برقم ٥٣٦.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٢.","vol":"1","page":198},{"text":"العبادلة أنه من السنة: هو وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين والركبتين على الأرض (١) وهناك نوع ثالث للإقعاء وهو أن يفرش قدميه فيجعل ظهورهما نحو الأرض ويجلس (٢) على عقبيه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>السبب الثالث عشر: عدم عبث المصلي بجوارحه</span>، أو مكانه لغير حاجة؛ لحديث معيقيب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد، قال: «إن كنت فاعلًا فواحدة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>السبب الرابع عشر: عدم تشبيك الأصابع، وفرقعتها في الصلاة</span>؛ لحديث كعب بن عُجرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا توضأ أحدُكم فأحسنَ وضوءَه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة» (٥). فمن كان في الصلاة فهو أولى بالنهي (٦)؛ ولقول ابن عمر ﵄ في الذي يصلي وهو مشبك بين يديه: «تلك صلاة المغضوب عليهم» (٧). والتشبيك بين الأصابع يكره أثناء\n_________\n(١) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٥٩، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٢٣٢، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ٢/ ١٥٧ - ١٦١. وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يقول: «الإقعاء المكروه وهو أن ينصب فخذيه وساقيه ويعتمد على يديه، كالكلب، أما كونه يجلس على عقبيه فهذا سنة كما قال ابن عباس ﵄ لكن الافتراش أفضل». سمعته أثناء شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ٢٨٩، وشرحه للروض المربع، ٢/ ٨٩.\n(٢) وسمعت الإمام ابن باز ﵀ أثناء شرحه للروض المربع،٢/ ٨٩ يقول: «وهذه لا بأس بها سواء نصبهما أو جلس عليهما، والإقعاء المكروه هو نصب ساقيه وفخذيه ويعتمد على يديه كالكلب».\n(٣) انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٨٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٣١٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب مسح الحصى في الصلاة برقم ١٢٠٧، ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة، برقم ٥٤٦.\n(٥) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة، برقم ٣٨٧، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،١/ ١٢١.\n(٦) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٣٢٤.\n(٧) أبو داود، كتاب الصلاة، باب كراهة الاعتماد على اليد في الصلاة، برقم ٩٩٣، وصححه الألباني في الإرواء، برقم ٣٨٠، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٨٦.","vol":"1","page":199},{"text":"الذهاب إلى الصلاة، وفي أثناء الصلاة، أما بعد الصلاة فلا بأس به (١)؛لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «صلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ... الحديث» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>السبب الخامس عشر: عدم الصلاة بحضرة الطعام</span>؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء» (٣)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة» (٤). ويشترط لذلك ثلاثة شروط:\nأولًا: أن يكون الطعام حاضرًا، والثاني: أن تكون نفس المصلي تتوق إليه، فإذا كان شبعان لا يلتفت إليه فليصلِّ ولا كراهية، والثالث: أن يكون قادرًا على تناوله حسًّا وشرعًا: فالحس كأن يكون\n_________\n(١) وسمعت الإمام ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ٩٣ يقول: «التشبيك في الصلاة وعند الذهاب إليها جاء من طرق، أما التشبيك بعد الصلاة فلا بأس به».\n(٢) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، برقم ٤٨٢، ومسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة، برقم ٥٧٣، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز يقول في تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٧٨ - ٤٨٢: «والتشبيك لا بأس به بعد الصلاة، أما قبل الصلاة وفي الصلاة فلا يشبك» وذلك بتاريخ ١٠/ ٦/١٤١٩هـ.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، برقم ٦٧١، ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، برقم ٥٥٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، برقم ٦٧٤، ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، برقم ٥٥٩.","vol":"1","page":200},{"text":"الطعام حارًّا لا يستطيع تناوله، والشرع كأن يكون المسلم صائمًا ممنوعًا من الطعام شرعًا، فلا كراهة في الصلاة حينئذٍ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>السبب السادس عشر: عدم مدافعة الأخبثين [البول والغائط] </span>في الصلاة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان» (٢).\nوعن أبي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قال: «مِنْ فِقْهِ الْمَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>السبب السابع عشر: عدم بصاق المصلي أمامه أو عن يمينه في الصلاة</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قِبَلَ قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه» ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رَدَّ بعضه على بعض فقال: «أو يفعل هكذا» (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه، وفيه: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» (٥)؛ ولحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن رسول الله - ﷺ - رأى\n_________\n(١) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٣٢٨، ٣٣٠.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الحدث، برقم ٥٦٠.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، قبل الحديث رقم ٦٧١، وقال ابن حجر في فتح الباري: «وصله ابن المبارك في كتاب الزهد» [رقم ١١٤٢]، وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب قدر الصلاة».\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب حك البزاق باليد من المسجد، برقم ٤٠٥، ومسلم، كتاب المساجد: باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، والنهي عن بصاق المصلي بين يديه وعن يمينه، برقم ٥٥١.\n(٥) البخاري، كتاب الصلاة، باب حك البزاق باليد من المسجد، برقم ٤٠٦.","vol":"1","page":201},{"text":"نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة فحكها، ثم قال: «إذا تنخمَّ أحدكم فلا يتنخَّمْ قِبَل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى» (١). وفي لفظ للبخاري من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنما يناجي الله مادام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها» (٢).\nوقد جزم الإمام النووي - ﵀ - بالمنع من البزاق قِبَل القبلة وعن اليمين مطلقًا سواء كان داخل الصلاة أو خارجها، وسواء كان في المسجد أو غيره؛ لأحاديث دلت على العموم (٣).\nأما إذا كان المصلي في المسجد فيتعيَّن عليه أن لا يبصق مطلقًا إلا في ثوبه أو في منديل؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها» (٤).\nوعن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «عرضت علَّي أعمال أمتي: حَسنُها، وسَيئُها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، بابٌ: لا يبصق عن يمينه في الصلاة، برقم ٤١٠، ٤١١، ٤٠٨، ٤٠٩، ومسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد، برقم ٥٤٨.\n(٢) البخاري، برقم ٤١٦، تقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٣٩، والأحاديث التي دلت على العموم في الصلاة وفي غيرها وفي المسجد وغيره. انظرها في صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٦٢، برقم ٩٢٥، و٢/ ٢٧٨، برقم ١٣١٣، و١٣١٤، و٣/ ٨٣، برقم ١٦٦٣، وصحيح ابن حبان [الإحسان]، ٣/ ٧٧،برقم ١٦٣٦،و٣/ ٧٨،برقم ١٦٣٧،وسنن أبي داود، برقم ٣٨٢٤، والبيهقي، ٣/ ٧٦.وانظر: سبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٧٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب كفارة البزاق في المسجد، برقم ٤١٥، ومسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد، برقم ٥٥٢.","vol":"1","page":202},{"text":"ووجدتُ في مساوئ أعمالها النَّخاعة تكون في المسجد ولا تدفن» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>السبب الثامن عشر: عدم كف الشعر أو الثوب في الصلاة</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظُمٍ، ولا أكفَّ ثوبًا، ولا شعرًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>السبب التاسع عشر: عدم عقص الرأس في الصلاة</span>؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه رأى عبد الله بن الحارث يُصلِّي ورأسه معقوصٌ (٣) من ورائه، فقام فجعل يحلّه، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: مالك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>السبب العشرون: عدم تغطية الفم في الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>السبب الحادي والعشرون: عدم السدل في الصلاة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: «نهى عن السدل (٥) في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه» (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد، برقم ٥٥٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب السجود على الأنف، برقم ٨١٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة، برقم ٤٩٠.\n(٣) معقوص: المعقوص هو نحو من المضفور، وأصل العقص: اللي وإدخال أطراف الشعر في أصوله، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ٢٧٥، والمصباح المنير للفيومي، ٢/ ٤٢٢.\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر، والثوب، وعقص الرأس في الصلاة، برقم ٤٩٢.\n(٥) السدل: وهو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك، وقيل: هو أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه. النهاية لابن الأثير، ٢/ ٣٥٥، والمصباح المنير، ١/ ٢٧١.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب السدل في الصلاة، برقم ٦٤٣، بلفظه، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما يكره في الصلاة، برقم ٩٦٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٢٦، وصحيح ابن ماجه، ١/ ١٥٩.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>السبب الثاني والعشرون: عدم تخصيص مكان من المسجد للصلاة فيه </span>دائمًا لغير الإمام؛ لحديث عبد الحميد بن سلمة عن أبيه أن رسول الله - ﷺ -: «نهى عن نقرة الغراب، وعن فرشة السبع، وأن يُوطِّن الرجل مقامه في الصلاة كما يُوطِّن البعير» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>السبب الثالث والعشرون: عدم الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>السبب الرابع والعشرون: عدم التثاؤب في الصلاة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع» (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه؛ فإن الشيطان يدخل»، وفي لفظ: «إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع؛ فإن الشيطان يدخل» (٤)، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يقول: «والمشروع هنا ثلاثة أمور:\n١ - يكظم ما استطاع.\n_________\n(١) أحمد، ٥/ ٤٤٦ - ٤٤٧، والحاكم عن عبد الرحمن بن شبل، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٢٩، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٣٦٠، وفي صحيح أبي داود، ١/ ٢٢٤، وفي صحيح ابن ماجه، برقم ١٤٢٩.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة، برقم ٩٩٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٨٦.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد، باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب، برقم ٢٩٩٤.\n(٤) مسلم، كتاب الزهد، باب تشميت العاطس، وكراهة التثاؤب، برقم ٢٩٩٥.","vol":"1","page":204},{"text":"٢ - يضع يده على فيه.\n٣ - لا يقل: ها حتى لا يضحك منه الشيطان» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>السبب الخامس والعشرون: عدم الركوع قبل أن يصل إلى الصف</span>؛ لحديث أبي بكرة، أنه انتهى إلى النبي - ﷺ - وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «زادك الله حرصًا ولا تعد» (٢).\nالسبب السابع: عدم رفع البصر إلى السماء<span data-type=\"title\" id=toc-154>السبب السادس والعشرون: عدم الصلاة في المسجد لمن أكل البصل والثوم أو الكراث</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أكل ثومًا أو بصلًا فلْيَعْتَزِلْنَا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته».وفي لفظ لمسلم: «فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الإنس». وفي لفظ لمسلم: «من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>السبب السابع والعشرون: عدم صلاة النفل عند مغالبة النوم</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» (٤)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ -\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ٢٦١.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب: إذا ركع دون الصف، برقم ٧٨٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث، برقم ٨٥٥، ومسلم، كتاب المساجد، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا، أو كراثًا، برقم ٥٦٤، ومن رقم ٥٦١ - ٥٦٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء من النوم، برقم ٢١٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك، برقم ٧٨٦.","vol":"1","page":205},{"text":"يرفعه: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول، فليضطجع» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>السبب الثامن والعشرون: الصلاة إلى سترة والدنوِّ منها:</span>\nمن الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة: أن يجعل المُصلِّي له سترة يصلِّي إليها إن كان إمامًا أو منفردًا؛ لحديث سبرة بن معبدٍ الجهني قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليستترْ أحدُكم في الصلاة ولو بسهمٍ» (٢)؛ولحديث أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قام أحدُكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرَّحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل فإنه يقطع صلاته: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود» (٣).\nويتأكد الدّنوُّ من السترة والصلاة إليها؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا صلى أحدُكم فليصلِّ إلى سترةٍ، وليدنُ منها» (٤)؛ ولحديث سهل - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى\n_________\n(١) مسلم، الكتاب السابق، برقم ٧٨٧.\n(٢) أخرجه الحاكم،١/ ٢٥٢، بنحوه، والطبراني في الكبير، ٧/ ١١٤ بلفظه، برقم ٦٥٣٩، وأحمد، ٣/ ٤٠٤ بلفظ: «إذا صلى أحدكم فليستتر لصلاته ولو بسهم»،وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد،٢/ ٥٨، وقال: «رجال أحمد رجال الصحيح»، وسمعت سماحة العلامة ابن باز - ﵀ - يقول في تعليقه على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٤٤: «دل هذا الحديث على تأكد السترة ولو بسهم».\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي، برقم ٥١٠.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه، برقم ٦٩٨، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٣٥: «حسن صحيح»، وسمعت العلامة ابن باز - ﵀ - يقول في تعليقه على حديث ٢٤٤ من بلوغ المرام: «إسناده جيد، وهو يدل على تأكد السترة والدّنوِّ منها».","vol":"1","page":206},{"text":"سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا؛ لاَ يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلاتَهُ» (١).\nويجعل بينه وبين سترته قدر ممر الشاة، أو قدر مكان السجود، ولا يزيد على قدر ثلاثة أذرع، وكذلك بين الصفوف؛ لحديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قال: «كان بين مُصلَّى رسول الله - ﷺ - وبين الجدار ممر الشاة» (٢). وإذا أراد أحد أن يَمُرَّ بين يديه ردّه، ودافعه؛ فإن لم يمتنع دافعه بقوة؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعْه، فإن أبى فليقاتلْه؛ فإنما هو شيطان» (٣). وفي رواية لمسلم: «فإن معه القرين» (٤).\nولا يجوز المرور بين يدي المُصَلِّي؛ لحديث أبي جُهيم - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو يعلمُ المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمرَّ بين يديه» قال أبو النضر أحد الرواة: لا أدري قال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة (٥).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدُّنوِّ من السترة، برقم ٦٩٥، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٠٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة برقم ٤٩٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب دنو المصلي من السترة، برقم ٥٠٨، وانظر: سبل السلام للصنعاني، ٢/ ١٤٥.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، بابٌ: يردُّ المصلي من مرَّ بين يديه، برقم ٥٠٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي، برقم ٥٠٥.\n(٤) مسلم في الكتاب والباب السابقين، برقم ٥٠٦، وسمعت سماحة العلامة ابن باز أثناء شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ٢٤٨، يقول: «وهذا يدل على أنه يشرع للمصلي إذا مر أحد بينه وبين سترته أن يرده، وظاهر النصوص الأخرى أن يردّه مطلقًا سواء كان له سترة أم لا، إلا إذا كان بعيدًا، ويردّ المار بالأسهل فالأسهل كما يردُّ الصائل».\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب إثم المار بين يدي المصلي، برقم ٥١٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي، برقم ٥٠٧.","vol":"1","page":207},{"text":"وسترة الإمام سترة لمن خلفه؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ وفيه: أنه أقبل راكبًا على حمارٍ أتانٍ، وهو يومئذ قد ناهز الاحتلام، ورسول الله - ﷺ - قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس إلى غير جدار، فسار ابن عباس على حماره بين يدي بعض الصف الأول، ثم نزل عنه فصفَّ مع الناس وراء رسول الله - ﷺ -، ولم ينكر ذلك عليه أحد (١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «هذا يدل على أن المأمومين سترتهم سترة إمامهم، فلا يضرهم من مرّ من أمامهم إذا كان لإمامهم سترة» (٢).\nقال الإمام النووي ﵀: «قال العلماء: الحكمة في السترة: كف البصر عما وراءه ومنع من يجتاز بقربه ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>السبب التاسع والعشرون: وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر:</span>\nمن الأمور التي تجلب الخشوع وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر أثناء قيامه في الصلاة؛ لأن النبي - ﷺ - كان يضع يديه على صدره: اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد؛ لحديث وائل بن حُجْر قال: «صليت مع النبي - ﷺ - فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره» (٤)، وفي لفظ: «ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب: سترة الإمام سترة من خلفه، برقم ٤٩٣، وألفاظه من هذا ومن رقم ١٨٥٧، ٤٤١٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، برقم ٥٠٤.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري على الحديث رقم ٤٩٣، في جامع سارة بالرياض، بتاريخ ١٠/ ٦/١٤١٩هـ.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٢١٦.\n(٤) أخرجه ابن خزيمة، في صحيحه،١/ ٢٤٣،برقم ٤٧٩،والحديث جاء من طرق أخرى بمعناه، ولفظ مسلم، برقم٤٠١: «وضع يده اليمنى على اليسرى»،وله شواهد. انظر: صحيح ابن خزيمة، ١/ ٢٤٣،وصفة الصلاة للألباني، ص٧٩،وسمعت سماحة شيخنا العلامة ابن باز ﵀ أثناء تقريره على الحديث رقم ٢٩٣ من بلوغ المرام يقول: «وهكذا رواه أحمد عن قبيصة عن أبيه أن النبي - ﷺ - كان يضع يديه على صدره، وإسناده حسن».","vol":"1","page":208},{"text":"والرُّسغ والساعد» (١)، وهذا يَعمُّ القيام بعد الرفع من الركوع؛ لحديث وائل - ﵁ - في لفظ آخر، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - «إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله» (٢)، وهذا الحديث فيه صفة القبض، والأحاديث الأخرى فيها صفة وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، قال العلامة ابن عثيمين - ﵀ -: «إذن هاتان صفتان: الأولى قبض، والثانية وضع» (٣).\nوعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرَّجُلُ يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة». قال أبو حازم: لا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي - ﷺ -» (٤)، وسمعت سماحة شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «وهذا يحتمل أن يكون نوعًا ثانيًا، ويحتمل أن يكون المراد مثل حديث وائل» (٥).\nوسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن المراد بوضع اليدين إحداهما على الأخرى حال القيام، فقال: «هو ذلٌّ بين يدي\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة، برقم ٧٢٧، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، برقم ٨٨٩، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٦٨ - ٦٩، وصفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٧٩.\n(٢) النسائي، كتاب الافتتاح، باب وضع اليمنى على الشمال في الصلاة، برقم ٨٨٧، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ١٩٣.\n(٣) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٣/ ٤٤.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، برقم ٧٤٠.\n(٥) سمعته من سماحته أثناء تقريره على الحديث رقم ٢٩٣ من بلوغ المرام.","vol":"1","page":209},{"text":"العزيز» (١).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث، وأقرب إلى الخشوع» (٢).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت نبي اللَّهِ - ﷺ - يقول: «إنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا بِتَعْجِيلِ فِطْرِنَا، وَتَأْخِيرِ سُحُورِنَا، وَوَضْعِ أَيْمَانِنِا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصَّلاَةِ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>السبب الثلاثون: الإشارة بالسبابة وتحريكها في الدعاء في التشهد: </span>الإشارة بالسبابة تجلب الخشوع، وفيها إغاظة للشيطان؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان إذا جلس في الصلاة، وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ» يعني السبابة (٤).\nفالإشارة بالسبابة عند التشهد في الصلاة أشَدَّ على الشيطان من الضرب بالحديد؛ لأنها تُذَكِّر العبد بوحدانيَّة الله تعالى، والإخلاص في العبادة، وهذا أعظم شيء يكرهه الشيطان نعوذ بالله منه» (٥).\n_________\n(١) الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص٢١.\n(٢) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٢٢٤.\n(٣) الطبراني في الكبير، برقم ١١٤٨٥، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ١٥٥: «رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح»، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٨٧، وفي صحيح الجامع، برقم ٢٢٨٢، ٢٢٨٦، وصححه في صفة الصلاة، ص ٨٧.\n(٤) أحمد في المسند، ٢/ ١١٩، وحسن إسناده الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص١٧١.\n(٥) انظر: الفتح الرباني للساعاتي، ٤/ ١٥.","vol":"1","page":210},{"text":"فالمصلي يستحب له في الجلوس في التشهد أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى أو ركبته اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض أصابع اليمنى كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى» (١).\nويُحَلِّق الإبهام والوسطى، ويقبض الخنصر والبنصر، ويشير بالسبابة؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - قال: «رأيت النبي - ﷺ - قد حلَّق الإبهام والوسطى ورفع التي تليها يدعو بها في التشهد» (٢).\nأو يعقد ثلاثًا وخمسين ويشير بالسبابة، وصفتها أن يجعل\nالإبهام مفتوحة تحت المُسبِّحة، وهي أن يجعل الإبهام في أصل الوسطى أو يعطف الإبهام إلى أصلها (٣)؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن\nرسول الله - ﷺ - كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على\nركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى (٤)،\nوعقد ثلاثًا\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة، وكيفية وضع اليدين على الفخذين، برقم ١١٦ - (٥٨٠)، و١١٤ - (٥٨٠).\n(٢) ابن ماجه، برقم ٩١٢، وتقدم تخريجه.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٦، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٠٨، ٣١٠، والتلخيص الحبير لابن حجر، ١/ ٢٦٢.\n(٤) وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «جاء في هذا عدة روايات:\n١ـ تارة يضع يديه على فخذيه.\n٢ـ وتارة يضعهما على ركبتيه.\n٣ - وتارة يضع يديه على فخذيه وأطراف الأصابع على ركبتيه.\nوأما ما يتعلق باليمنى فجاء فيها ما في حديث ابن عمر. وجاء فيها ما في حديث وائل، وهو أنه يعقد الإبهام والوسطى ويشير بالسبابة ويقبض الخنصر والبنصر، وخلاصة ما جاء في ذلك ثلاث صور:\n١ - تارة يقبض الأصابع كلها ويشير بالسبابة.\n٢ - وتارة يحلق الإبهام والوسطى ويقبض الخنصر والبنصر ويشير بالسبابة.\n\n٣ - وتارة يعقد ثلاثًا وخمسين ويشير بالسبابة، وقيل في هذه الصفة: إنه يجعل طرف الإبهام في أصل الوسطى، والإشارة بالإصبع إشارة إلى التوحيد، والأقرب أنه كان يفعل هذا تارة وهذا تارة، وهذا تارة: أي صفة قبض اليد والإشارة بالسبابة» سمعته من سماحته ﵀ أثناء تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم ٣٣٢.","vol":"1","page":211},{"text":"وخمسين (١)، وأشار بالسبابة» (٢) فظهر ثلاثة أنواع لليد اليمنى:\nالنوع الأول: قبض الأصابع كلها، والإشارة بالسبابة.\nالنوع الثاني: تحليق الإبهام والوسطى وقبض الخنصر والبنصر والإشارة بالسبابة.\n_________\n(١) وقيل في صفة ثلاثة وخمسين أقوال يفسر بعضها بعضًا، فقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: «وصورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبحة» ١/ ٢٦٢، وقال الإمام النووي: «واعلم أن قوله: عقد ثلاثًا وخمسين شرطه عند أهل الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر، وليس ذلك مرادًا هاهنا، بل المراد أن يضع الخنصر على الراحة ويكون على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة وخمسين والله أعلم». شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٦، ومراده «بسط الخنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف وبسط البنصر فوقها، وبسط الوسطى فوقها، وعطف الإبهام إلى أصلها» انظر: سبل السلام، ٢/ ٣٠١. وقال الإمام الصنعاني نقلًا عن ابن حجر في التلخيص: «صورتها أن يجعل الإبهام مفتوحة تحت المسبحة» هكذا نقل ولعلها في نسخة فنقلها الصنعاني، وقد تقدم كلام الحافظ آنفًا، انظر: سبل السلام، ٢/ ٣٠٨، أما ما ذكر الصنعاني، ٢/ ٣١٠ في طريقة العرب في الحساب لهذه الصورة فهي: عقد الخنصر والبنصر والوسطى وعطف الإبهام إلى أصلها» ٢/ ٣١٠، وسمعت سماحة الإمام ابن باز يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٣٢: «وقيل في هذه الصفة: إنه يجعل طرف الإبهام في أصل الوسطى».\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين، برقم ١١٥ - «٥٨٠».","vol":"1","page":212},{"text":"النوع الثالث: عقد ثلاثًا وخمسين والإشارة بالسبابة، وكلها صحيحة، وينظر أثناء جلوسه إلى إشارة سبابته؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته» (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه: «فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع» (٢).\nويشير بالسبابة عند ذكر الله - ﷿ - حال الدعاء موجهة إلى القبلة، هذا هو السنة (٣) يحركها إلى القبلة عند ذكر الله تعالى يدعو بها (٤)،\nولا\n_________\n(١) النسائي، كتاب السهو، باب موضع البنصر عند الإشارة وتحريك السبابة، برقم ١٢٧٥، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي: «حسن صحيح» ١/ ٢٧٢.\n(٢) النسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع البصر في التشهد، برقم ١٦٦٠، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي: حسن صحيح، ١/ ٢٥٠.\n(٣) قال الإمام النووي: «والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته، وفيه حديث صحيح في سنن أبي داود، ويشير بها موجهة إلى القبلة، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص والله أعلم»، شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٥.\n(٤) اختلف العلماء في موضع الإشارة بالسبابة، فقيل:\n١ - يحركها عند ذكر الله فقط.\n٢ - وقيل: عند ذكر الله وذكر رسوله - ﷺ -.\n٣ - وقيل: يشير بها في جميع التشهد أي يحركها تحريكًا دائمًا.\n٤ - وقيل: يشير عند «إلا الله».\n\nوالصواب أنه يشير بها عند الدعاء وذكر الله فقط، وتبقى منصوبة فيما عدا ذلك. انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٣/ ٥٣٥ - ٥٣٦، ونيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٦٦ - ٦٨، وسبل السلام، ٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٥، والمغني لابن قدامة، ٢/ ١١٩، والشرح الكبير لابن قدامة، ٣/ ٥٣٢، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٢٠٠ - ٢٠٢.","vol":"1","page":213},{"text":"يحركها في غير ذكر الله والدعاء، بل تبقى منصوبة (١)، ويدل على تحريكها عند الدعاء حديث وائل بن حجر - ﵁ - وفيه: «ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلَّق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها» (٢)،ودلَّ على عدم تحريكها دائمًا حديث عبد الله بن الزبير ﵄: «أن النبي - ﷺ - كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يُحرِّكها» (٣)، فالجمع بين الحديثين سَهْلٌ: فنفي التحريك يراد به التحريك الدائم، وإثبات التحريك يراد به التحريك عند الدعاء (٤)،\nوتكون الإشارة بالسبَّاحة من اليد اليمنى، وقد أمر النبي - ﷺ - بالإشارة بإصبع واحدة، فعن أبي\n_________\n(١) وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ أثناء تقريره على الروض المربع، ٢/ ٦٤، في فجر الأحد ٣/ ٨/١٤١٩هـ يرجح: «أن السبابة لا يحركها عند الإشارة وإنما تبقى منصوبة، إلا عند الدعاء فيحركها، ثم قال: والصواب أنها تحرك عند الدعاء، أما غير الدعاء فلا يحركها وإنما يشير بها».\n(٢) النسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، برقم ٨٩٠، وكتاب السهو باب قبض الاثنتين من أصابع اليد اليمنى، وعقد الوسطى والإبهام منها وتحريك الأصبع، برقم ١٢٦٨، وصححه الألباني، في صحيح النسائي، ١/ ١٩٤، و١/ ٢٧١، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤٠، ١٨٠، وقد أخرجه أيضًا أبو داود، برقم ٩٥٧، وأحمد ٤/ ٣١٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) النسائي، كتاب السهو، باب بسط اليسرى على الركبة، برقم ١٢٧٠، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الإشارة في التشهد، برقم ٩٨٩، وصححه النووي في المجموع ٣/ ٤٥٤، وقال الأرنؤوط في حاشية زاد المعاد، ١/ ٢٣٨: «وسنده صحيح».\n(٤) وبهذا جمع البيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ١٣٢، وانظر: سبل السلام، ٢/ ٣٠٩، والشرح الممتع للعلامة محمد بن صالح العثيمين، ٣/ ٢٠٢ ..","vol":"1","page":214},{"text":"هريرة - ﵁ - أن رجلًا كان يدعو بإصبعيه فقال رسول الله - ﷺ -: «أحِّدْ، أحِّدْ» (١) وعن سعد قال: مرَّ عليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أدعو بأصابِعِي، فقال: «أحِّدْ، أحِّدْ» وأشار بالسبابة (٢).\nوالحكمة في الإشارة بالسباحة إلى أن المعبود - ﷾ - واحد، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه، فيكون جامعًا في التوحيد بين القول، والفعل، والاعتقاد (٣)، فعلى ما تقدم يشير بالسبَّاحة عند ذكر الله يدعو بها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>السبب الحادي والثلاثون: النظر إلى موضع السجود، وإلى السبابة:</span>\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، بابٌ: حدثنا محمد بن بشار، برقم ٣٥٥٧، وقال: «هذا حديث حسن صحيح غريب» والنسائي، كتاب السهو، باب النهي عن الإشارة بإصبعين وبأي إصبع يشير، برقم ١٢٧٢ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٢.\n(٢) النسائي، كتاب السهو، باب النهي عن الإشارة بإصبعين وبأي إصبع يشير، برقم ١٢٧٣، وصححه الألباني، في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٢.\n(٣) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٦٨، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٠٩.\n(٤) اختلف العلماء في معنى كلمة ذكر الله، فقيل: عند ذكر الجلالة، وعلى هذا فإذا قال: «التحيات لله» يشير «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله» يشير، «السلام علينا وعلى عباد الله» يشير، «أشهد أن لا إله إلا الله» يشير، فهذه أربع مرات في التشهد الأول، «اللهم صلِّ» يشير، «اللهم بارك» يشير، «أعوذ بالله من عذاب جهنم» يشير، وقيل: يشير بها عند الدعاء، فكلما دعوت حركت إشارة إلى علو المدعو - ﷾ -، وعلى هذا فإذا قال: «السلام عليك أيها النبي» يشير؛ لأن السلام خبر بمعنى الدعاء، «السلام علينا» يشير، «اللهم صلّ على محمد» يشير، «اللهم بارك على محمد» يشير، «أعوذ بالله من عذاب جهنم» يشير، «ومن عذاب القبر» يشير، «ومن فتنة المحيا والممات» يشير، «ومن فتنة المسيح الدجال» يشير، وكلما دعا يشير. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين،٣/ ٢٠١ - ٢٠٢،قلت: والظاهر والله أعلم أنه يشير عند لفظ الجلالة، وعند الضمير الذي يعود عليه، وعند الدعاء إشارة إلى علو المدعو سبحانه.","vol":"1","page":215},{"text":"النظر إلى موضع السجود وإلى السبابة أثناء التشهد يعين على الخشوع في الصلاة؛ فإن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك، فالسنة أن ينظر المصلي موضع سجوده، فقد ذُكر أن النبي - ﷺ -: «كَانَ إذا صَلّى طَأْطَأَ رَأْسَهُ وَرَمَى بِبَصَرِهِ نحْوَ الأَرْضِ» (١).\nو«عندما دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْكَعْبَةَ مَا خَلَّفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا» (٢).\nوأما في الجلوس في التشهد فينظر إلى سبابة يده اليمنى، ولا يجاز بصره ذلك؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، واليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة ولم يجاز بصره إشارته» (٣)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄: أنه وضع يده اليمنى على فخذه، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة، ورمى ببصره إليها، أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع» (٤).\n_________\n(١) البيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ٢٨٣، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٨٠، قال الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ - ص٨٠: «وللحديث ... شاهد من حديث عشرة من أصحاب النبي - ﷺ -».\n(٢) الحاكم في المستدرك، ١/ ٤٧٩. وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٨٠.\n(٣) أحمد بلفظه، ٤/ ٣، برقم ١٦١٠٠، وابن خزيمة، ١/ ٣٥٥، برقم ٧١٨، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الإشارة في التشهد، برقم ٩٩٠، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٧٦: «حسن صحيح».\n(٤) ابن خزيمة، برقم ٧١٩، ١/ ٣٥٦، وقال المحقق لصحيح ابن خزيمة: محمد مصطفى الأعظمي «إسناده صحيح».","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>السبب الثاني والثلاثون: العلم بأنه يدعو الله ويخاطبه وأن الله يرَدّ عليه ويُجيبه:</span>\nالمسلم يخاطب ربه تعالى في صلاته، والله تعالى يجيبه؛ فإذا عَلِمَ ذلك، فإنه يخشع في صلاته، ويُقْبِلُ بقلبه إلى ربه - ﷾ -؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - وفيه: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَل» (١).\nوهذا حديث قدسي عظيم جليل، لو استحضره كل مصلٍّ لحصل له الخشوع الكامل في صلاته.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ، نَادَى رَجُلًا كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، فَقَالَ: «يَا فُلاَنُ، أَلاَ تَتَّقِي اللهَ، أَلاَ تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلِّي، إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرُ كَيْفَ يُنَاجِيهِ» (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... برقم ٣٩٥.\n(٢) مستدرك الحاكم، ١/ ٢٣٦، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٢٠٢.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>السبب الثالث والثلاثون: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:</span>\nالشيطان عدوٌّ لنا، ومن عداوته قيامه بالوسوسة للمُصلِّي؛ كي يذهب خشوعه، ويُلَبِّس عليه صلاته.\nوالوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو بغيره،\nلا بد له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر، والصلاة، ولا يضجر؛ فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (١).\nوكلما أراد العبد تَوجُّهًا إلى الله تعالى بقلبه، جاء من الوسوسة أمور أخرى؛ فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد السير إلى الله تعالى، أراد قطع الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلف: «إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، قال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب» (٢).\nوقد تقدم قول الإمام ابن القيم ﵀ في أقسام القلوب الثلاثة فقال: «وقد مُثّل ذلك بمثالٍ حسن، وهو ثلاثة بيوت: بيت للملك فيه كنوزه، وذخائره، وجواهره، وبيت للعبد فيه كنوز العبد، وذخائره، وجواهره، وليس جواهر الملك، وذخائره، وبيت خالٍ، صفر، لا شيء فيه، فجاء اللصّ يسرق من أحد البيوت، فمن أيِّها\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٧٦.\n(٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية،٢٢/ ٦٠٨،وسبق تخريج الأثر في المبحث الثامن: حكم الوسواس في الصلاة.","vol":"1","page":218},{"text":"يسرق؟» (١).\nوالعبد إذا قام في الصلاة، غار الشيطان منه؛ فإنه قد قام في أعظم مقام، وأقربه، وأغيظه للشيطان، وأشده عليه، فهو يحرص، ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه؛ بل لا يزال به يَعِدُه، ويمنّيه، وينسيه، ويجلب عليه بخيله ورجله، حتى يهوّن عليه شأن الصلاة، فيتهاون بها فيتركها، فإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام، أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكّره في الصلاة ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الشيء، والحاجة، وأيس منها، فيُذكِّره إيَّاها في الصلاة؛ ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله - ﷿ -، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى، وكرامته، وقربه ما يناله المقبل على ربه - ﷿ - الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته، مثلما دخل فيها بخطاياه، وذنوبه، وأثقاله، لم تُخَفَّفْ عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفِّر سيئات من أدَّى حقَّها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه (٢).\nولمواجهة كيد الشيطان، وإذهاب وسوسته، أرشدنا النبي - ﷺ - إلى العلاج الآتي: عن أَبِي الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، يَلْبِّسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ\n_________\n(١) الوابل الصيب، ص: ٤٣، وتقدم.\n(٢) الوابل الصيب لابن القيم، ص: ٣٦ - ٣٧.","vol":"1","page":219},{"text":"عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا»، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي (١).\nومن كيد الشيطان للمُصلِّي: ما أخبرنا عنه - ﷺ -، وعن علاجه فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ» (٢).\nومن كيده كذلك ما أخبرنا عنه رسول الله - ﷺ - بقوله: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَرَكَةً فِي دُبُرِهِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٣).\nبل إن كيده ليبلغ مبلغًا عجيبًا كما يوضحه هذا الحديث، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - سُئل عن الرجل يخيّل إليه في صلاته أنه أحدث ولم يُحدِث، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ وَهُوَ فِي صَلاَتِهِ حَتَّى يَفْتَحَ مَقْعَدَتَهُ، فَيُخَيِّلُ إِلَيْهِ أنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلاَ يَنْصَرِفَنْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتَ ذَلِكَ بأذنه، أَوْ يَجِدَ رِيحَ ذَلِكَ بِأَنْفِهِ» (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب السلام، باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة، برقم ٢٢٠٣.\n(٢) البخاري، كتاب السهو، باب السهو في الفرض والتطوع، برقم ١٢٣٢، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم ٣٨٩.\n(٣) البخاري، كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، برقم ١٣٧، ومسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك، برقم ٣٦١، وأبو داود واللفظ له، كتاب الطهارة، باب إذا شك في الحدث، برقم ١٧٧.\n(٤) الطبراني في المعجم الكبير، ١١/ ٢٢٢، برقم ١١٥٥٦، وأخرجه أيضًا البزار، كما في كشف الأستار، ١/ ١٤٧، برقم ٢٨١، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ٢٤٢: «رجاله رجال الصحيح».","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>السبب الرابع والثلاثون: تدبّر القرآن في الصلاة يجلب الخشوع:</span>\nلا شك أن تدبُّر القرآن الكريم في الصلاة يجلب الخشوع، ويطرد الغفلة، وهو العلاج الأعظم للقلوب، والحث على التدبر جاء على أنواع كثيرة، منها الأنواع الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>النوع الأول: حض القرآن الكريم على التدبر:</span>\n١ - قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (١)، فقد أمر الله تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمُّل في معانيه، وتحديد الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك؛ فإنَّ تدبر كتاب الله مفتاحٌ للعلوم والمعارف، وبه يُستنتج كل خير، وتُستخرج كل العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب، وترسخ شجرته؛ فإنه يُعرِّف بالرب المعبود وما له من صفات الكمال، وما ينزَّه عنه من صفات النقص، ويُعرِّف الطريق الموصل إليه، وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه، ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب، وكلما ازداد العبد تأملًا فيه ازداد: علمًا، وعملًا، وبصيرة (٢).\n٢ - قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (٣)،فهذا الكتاب فيه خيرٌ كثيرٌ، وعِلْم غزير، فيه كل\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٨٢.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص١٨٩ - ١٩٠.\n(٣) سورة ص، الآية: ٢٩.","vol":"1","page":221},{"text":"هدى من ضلالة، وشفاء من كل داء، ونور يُستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلَّفون، وهذا كله من بركته والحكمة من إنزاله؛ ليتدبر الناس آياته، وفي هذه الآية: الحثُّ على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، ومن فضائل التدبر: أنَّ العَبْدَ يصل به إلى درجة اليقين، والعلم بأن القرآن كلام الله تعالى؛ لأنه يراه يصدق بعضه بعضًا ... (١).\n٣ - قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢)، فَهلاَّ يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله ويتأمَّلونه حق التأمُّل؛ فإنهم لو تَدَبَّروه لدلَّهم على كل خير ولحذَّرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان؛ ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية ... ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي قد أُغْلِقَ على ما فيها من الشر، وأقفلت فلا يدخلها خير أبدًا، هذا هو الواقع ... (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>النوع الثاني: حض النبي - ﷺ - على تدبر القرآن:</span>\nما ثبت عن النبي - ﷺ - من ترغيب في القرآن، وبيان فضائله، وبيان فضائل حافظ القرآن، يستفاد منه الحث على تدبر القرآن. وقد جاء تدبر القرآن من فعله - ﷺ - أيضًا في أحاديث كثيرة ومنها:\n١ - حديث حذيفة - ﵁ -، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى يصلي، فقلت: يُصلِّي\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص١٩٠وَص٧١٢.\n(٢) سورة محمد، الآية: ٢٤.\n(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٧٨٨.","vol":"1","page":222},{"text":"بها في ركعة، فمضَى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلًا، إذا مرَّ بآية تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوّذ تعوّذ ...» (١).\n٢ - حديث عوف بن مالك - ﵁ -،قال: قمت مع رسول الله - ﷺ - ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يَمُرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ ...» (٢).\n٣ - عن أبي جحيفة - ﵁ -، قال: قالوا: يا رسول الله نراك قد شبت قال: «قد شيَّبتني هود وأخواتها» (٣)، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت قال: «شيَّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كوِّرت» (٤).\nوهذا يدل على كمال تدبره - ﷺ - للقرآن حق التدبر.\n٤ - حديث البراء بن عازب ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم٧٧٢.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧٣، واللفظ له، والنسائي، كتاب التطبيق، باب نوع آخر من الذكر في الركوع، برقم ١٠٤٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٢٤٧،وفي صحيح النسائي، ١/ ٣٤٢.\n(٣) الترمذي، في الشمائل المحمدية، برقم ٤٢، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، ص٤٠.\n(٤) الترمذي، في الشمائل المحمدية، برقم ٤١، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، ص٤٠.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، برقم ١٤٦٨، والنسائي، كتاب الصلاة، باب تزيين القرآن بالصوت، برقم ١٠١٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٤٠٤.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>النوع الثالث: حث الصحابة - ﵃ - على تدبر القرآن:</span>\n١ - قال أمير المؤمنين عثمان - ﵁ -: «لو طَهُرَتْ قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم» (١).\n٢ - وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله» (٢).\n٣ - وقال خبَّاب بن الأرتِّ - ﵁ -: «تقرَّبْ إلى الله ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب بشيء أحبّ إليه من كلامه» (٣).\n٤ - وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «من أراد العلم، فليقرأ القرآن؛ فإن فيه علم الأولّين والآخرين» (٤).\n٥ - وقال الحسن بن علي ﵄: «إنَّ من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبَّرونها بالليل، ويتفقَّدونها في النهار» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>النوع الرابع: حث العلماء على تدبر القرآن وتعظيمهم لذلك:</span>\nلا شك أن من أحبَّ القرآن تدبَّره، وأقبل على التلذّذ بتلاوته، وهذا دليل على محبته للمتكلِّم به سبحانه؛ ولهذا قال أبو عبيدٍ ﵀: «لا يسأل عبدٌ نفسه إلا بالقرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في زوائد الزهد، ص١٢٨.\n(٢) رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم ٨٦٥٨،وقال الهيثمي في مجمع الزوائد،٧/ ١٦٥: «رجاله ثقات».\n(٣) رواه الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٤٤١.\n(٤) مصنف بن أبي شيبة، ١٠/ ٤٨٥، والمعجم الكبير للطبراني، ٩/ ١٣٦، وشعب الإيمان للبيهقي، ٢/ ٣٣٢.\n(٥) التبيان للنووي، ص ٢٨.","vol":"1","page":224},{"text":"ورسوله» (١).\nوقد تكلم العلماء رحمهم الله تعالى في الحث على تدبر القرآن العظيم، ومن أبرز من حث على ذلك من الأئمة ابن القيم ﵀ في كتبه، فقد ذكر ﵀: أنّ تدبر القرآن مع الخشوع عند قراءته هو المقصود والمطلوب، فبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، قال ﵀: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته، وسماعه، وألقِ سمعك، واحْضُر حضور من يخاطبه به من تكلم به، منه إليه، فتمام التأثير موقوف على: مؤثر مقتضٍ، ومحلٍ قابلٍ، وشرطٍ لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه، وقد تضمن ذلك كله قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد﴾» (٢).\nفقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى ها هنا، وهذا هو المؤثر.\nوقوله: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ القلب الحي، وهذا هو المحل القابل، كما قال الله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ (٣).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي وجّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام.\n_________\n(١) مسند ابن الجعد، برقم ١٩٥٦.\n(٢) سورة ق، الآية: ٣٧.\n(٣) سورة يس، الآية: ٧٠.","vol":"1","page":225},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَهِيد﴾ أي شاهد القلب حاضر غير غائب، واستمع كتاب الله، وشاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساهٍ، وهذا إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عما يقال له، والنظر فيه، وتأمله.\nفإذا حصل المؤثر: وهو القرآن، والمحل القابل: وهو القلب الحي، ووجد الشرط: وهو الإصغاء، وانتفى المانع: وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر، وهو: الانتفاع، والتذكر (١).\nفلا بد من تدبر القرآن، وتعقّله، والتفكر في معانيه؛ لأن الله - ﷿ - أمر بذلك.\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «القرآن حياة القلوب، وشفاء لما في الصدور ... فبا لجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر ... وهذا الذي يورث المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله.\nوكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها»؛ فإن العبد إذا قرأه بالتدبر حتى مرَّ\n_________\n(١) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٥، ص٦، ص١٥٦، وانظر: فوائد في تدبر القرآن، في تفسير السعدي، ٢/ ١١٢وَ ٧/ ٧٠.","vol":"1","page":226},{"text":"بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خير من قراءة ختمةٍ بغير تَدَبُّرٍ وتفَهُّمٍ، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة الإيمان والقرآن، وهذه كانت عادة السلف يُردِّد أحدهم الآية إلى الصباح، وقد تقدم أنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قام بآية يُردِّدُها إلى الصباح وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١).\nوقد أخبر الله تعالى في القرآن: أن أهل العلم هم الذين ينتفعون بالقرآن، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُون﴾ (٢)،وفي القرآن الكريم بضعة وأربعون مثلًا (٣)، وقد كان بعض السلف الصالح، وهو عمرو بن مرة: إذا مرَّ بِمَثَلٍ من أمثال القرآن ولم يفهمه يبكي ويقول: «لست من العالمين» (٤)،ولابد لمن تدبر القرآن أن يجاهد بقلبه وفكره؛ لينال هذا العلم العظيم، وقد قال يحيى بن أبي كثير: «لا يُنال العلم براحة الجسم» (٥)، ولا ينال العلم إلا بهجر اللذات وتطليق الراحة، ولا ينال درجة وراثة النبوة مع الراحة (٦).\n_________\n(١) انظر: مفتاح دار السعادة، ١/ ٥٥٣ - ٥٥٤، والآية من سورة المائدة، آية: ١١٨.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٣.\n(٣) أعلام الموقعين، لابن القيم، ١/ ١٦٣ - ٢١١، جمع ﵀ جميع الأمثال في القرآن هناك، وانظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ٢٢٦.\n(٤) مفتاح دار السعادة، لابن القيم، ١/ ٢٢٦.\n(٥) صحيح مسلم، برقم ١٧٥ - (٦١٢) ..\n(٦) ابن القيم، في مفتاح دار السعادة، ١/ ٤٤٦.","vol":"1","page":227},{"text":"ولا شك أن التأمل في القرآن هو: تحديد ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تبصره، وتَعقُّله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (١)،وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ (٢).\nوينبغي للإنسان أن يبتعد عن مفسدات القلب الخمسة التي تحول بينه وبين التدبر، وتحول بينه وبين كل خير، وهي: التمنِّي، وخلطة الناس، والتعلق بغير الله تعالى، وكثرة الطعام أو المحرمات، وكثرة النوم؛ فإنها مفسدات للقلوب (٣).\nوالتدبر للقرآن والعمل به هو المقصود من إنزاله.\nولهذا قيل: ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس: صنف لا يعملون بما يعلمون، وصنف يعملون بما لا يعلمون، وصنف لا يعملون ولا يعلمون، وصنف يمنعون الناس من التعلم (٤).\nوليحذر المسلم من هجر القرآن؛ فإن هجرهُ خمسة أنواع:\nالنوع الأول: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.\nالنوع الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن\n_________\n(١) سورة ص، الآية: ٢٩.\n(٢) سورة الزخرف، الآية: ٣.\n(٣) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ١/ ٤٥١ - ٤٥٩.\n(٤) مفتاح دار السعادة، لابن القيم، ١/ ٤٩٠.","vol":"1","page":228},{"text":"قرأه وآمن به.\nالنوع الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.\nالنوع الرابع: هجر تدبُّره وتفهّمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.\nالنوع الخامس: هجر الاستشفاء به والتداوي به من جميع أمراض القلوب، والأجساد ... وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (١)، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>السبب الخامس والثلاثون: تحسين القراءة بالقرآن وترتيله:</span>\nمما يجلب الخشوع في الصلاة تحسين القراءة بالقرآن، والترنم بذلك، وترتيله، ومن الأفضل والأكمل أن يستاك عند قراءة القرآن؛ لحديث علي - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن العبد إذا تسوَّك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيستمع لقراءته، فيدنو منه - أو كلمة نحوها - حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهِّروا أفواهكم للقرآن» (٣).\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآية: ٣٠.\n(٢) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٥، ص٦، ص١٥٦، وتفسير السعدي، ٢/ ١١٢، و٧/ ٨٠.\n(٣) أخرجه البزار، ص٦٠ وقال: لا نعلمه عن علي بأصح من هذا الإسناد، قال الألباني: «قلت: وإسناده جيد، رجاله رجال البخاري، وفي الفضل كلام لا يضر، وقال المنذري في الترغييب والترهيب: رواه البزار بإسناد جيد لا بأس به، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٩١، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٣١٤، برقم ١٢١٣.","vol":"1","page":229},{"text":"وعن علي - ﵁ - قال: «إن أفواهكم طرق القرآن فطيِّبوها بالسواك» (١). والقارئ للقرآن إذا تأدَّب بآدابه حصل له الخشوع في صلاته، وقراءته، ومن هذه الآداب الآداب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>أولًا: يُحسِّن صوته بقراءة القرآن الكريم، ويترنَّم به</span>؛ للأحاديث الآتية:\n١ - حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما أَذِنَ (٢) الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيِّ أن يتغنَّى (٣) بالقرآن»، ولفظ مسلم: «ما أذِنَ الله لشيء ما أذِنَ لنبيِّ حَسَن الصوت يتغنّى بالقرآن»، وفي لفظ لمسلم: «ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن يجهر به» (٤).\n٢ - حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال له:\n«يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير (٥) آل داود»، وفي لفظٍ لمسلم: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزمارًا\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب السواك، برقم ٢٩١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٥٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢١٣.\n(٢) ما أذن الله: ما استمع الله لشيء ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن. [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٢٥، وجامع الأصول لابن الأثير، ٢/ ٤٨٥].\n(٣) يتغنى بالقرآن: يحسن صوته به، يجهر به. [شرح النووي، ٦/ ٣٢٦]. قال الحافظ ابن حجر في الفتح، ٧/ ٧١: «والمعروف عند العرب: أن التغني الترجيع بالصوت».\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب من لم يتغنَّ بالقرآن، برقم ٥٠٥٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٧٩٢.\n(٥) مزمار: قال النووي ﵀: «المراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن، وأصل الزمر الغناء، وآل داود: هو داود نفسه، وآل فلان قد يطلق على نفسه، وكان داود حسن الصوت جدًا». [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٢٨].","vol":"1","page":230},{"text":"من مزامير آل داود» (١).\n٣ - حديث البراء بن عازب ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» (٢).\nقال الإمام النووي ﵀: «قال القاضي: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وترتيلها، قال أبو عبيد: والأحاديث في ذلك محمولة على التحزين والتشويق» (٣) (٤).\n٤ - حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، برقم ٥٠٤٨، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٧٩٣.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، برقم ١٤٦٨، والنسائي، كتاب الصلاة، باب تزيين القرآن بالصوت، برقم ١٠١٦،وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٤٠٤.\n(٣) قال: «... واختلفوا في القراءة بالألحان: فكرهها مالك والجمهور؛ لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع، والتفهُّم، وأباحها أبو حنيفة وجماعة من السلف؛ للأحاديث؛ ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية، وإقبال النفوس على استماعه، قلت [القائل النووي] قال الشافعي في موضع: أكره القراءة بالألحان، وقال في موضع: لا أكرهها، قال أصحابنا: ليس له فيها خلاف وإنما هو اختلاف حالين: فحيث كرهها: أراد إذا مطَّط وأخرج الكلام عن موضعه، أو مدَّ غير ممدود، وإدغام ما لا يجوز إدغامه، ونحو ذلك، وحيث أباحها: إذا لم يكن فيها تغيير لموضوع الكلام، والله أعلم». [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٢٨] وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٧/ ٧٢.\n(٤) شرح النووي، ٦/ ٣٢٨.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، برقم ١٤٦٩، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٠٤.","vol":"1","page":231},{"text":"٥ - حديث أبي لبابة، قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، فقيل لابن أَبِي مُليكة: يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يُحسِّن ما استطاع (١).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «والتغنِّي بالقرآن: يجهر به ويُحسّن به صوته حتى يستفيد هو ويستفيد الناس، فالمؤمن يجاهد نفسه يخشع ويُخشِّع من حوله، «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»،وهذا يدل على الوعيد لمن لم يتغن بالقرآن، وهو مثل قوله - ﷺ -: «من غشنا فليس منّا» فيه الوعيد الشديد لمن لم يتغنَّ بالقرآن؛ لأن الله أنزل القرآن للتدبر والعمل ﴿ليدّبروا آياته﴾ (٢) ولم يقل: ليقرؤوا، فقليل بتدبر خير من كثير بلا تدبر» (٣).\n٦ - حديث البراء بن عازب ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون﴾ في العشاء، وما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه، أو قراءةً»، وفي لفظ عن عديٍّ، قال: سمعت البراء يُحدِّث عن النبي - ﷺ - أنه كان في سفر فصلَّى العشاء الآخرة فقرأ في إحدى الركعتين: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون﴾» (٤) (٥).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، برقم ١٤٧١، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٠٥: «حسن صحيح».\n(٢) سورة ص، الآية: ٢٩.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٠٢٣.\n(٤) سورة التين، الآية: ١.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الجهر في العشاء، برقم ٧٦٧، وفي باب القراءة في العشاء، برقم ٧٦٩، وفي كتاب التفسير، باب حدثنا حجاج، برقم ٤٩٥٢، وفي كتاب التوحيد، باب قول النبي - ﷺ -: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، وزينوا لقرآن بأصواتكم»، برقم ٧٥٤٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء برقم ٤٦٤.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>ثانيًا: يُرتِّل القرآن ترتيلًا</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (١).\nوالترتيل مصدر رتّل الكلام: أحسن تأليفه.\nوهو في الاصطلاح: قراءة القرآن على مُكثٍ، وتفهّمٍ من غير عجلةٍ، وهو الذي نزل به القرآن.\nفيقرأ القرآن: بِتَلَبُّثٍ في قراءتِهِ، وتمهّلٍ فيها، ويفصل الحرف عن الحرف الذي بعده، وفي ذلك عون على تدبُّرِ القرآن وتفهُّمِهِ، ومرتبة الترتيل أفضل مراتب القراءة.\nوعن أنس - ﵁ -، قال قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي - ﷺ - فقال: كان يمدُّ مدًاّ: ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ يمدّ «بسم الله»، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم (٢) (٣).\nوعن أم سلمة ﵂ أنها ذكرت قراءة رسول الله - ﷺ - «بِسْمِ اللَّهِ\n_________\n(١) سورة المزمل، الآية ٤.\n(٢) قال ابن حجر في فتح الباري، ٩/ ٩١: «المدّ عند القراءة على ضربين: أصلي وهو إشباع الحرف الذي بعده: ألف، أو واو، أو ياء، وغير أصلي، وهو ما إذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة: وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما كان من نفس الكلمة، والمنفصل ما كان بكلمة أخرى، فالأول يؤتى فيه: بالألف، والواو، والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني يزاد في تمكين الألف والواو، والياء، زيادة على المد الذي لا يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف، والمذهب الأعدل أنه يمدَّ كل حرف منها ضعفي ما كان يمد أولًا، وقد يزاد على ذلك قليلًا، وما فرط فيه فهو غير محمود، والمراد من الترجمة الضرب الأول». قلت: الضرب الأول: المد الطبيعي الأصلي ضابطه في المد يمد حركتين كل حركة بمقدار قبض الإصبع أو بسطها، والضرب الثاني المد غير الأصلي وهو نوعان: متصل يمد أربع حركات ومنفصل: يمد أربع حركات كذلك ويجوز قصره فيمد حركتين.\n(٣) البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب مدّ القراءة، برقم ٥٠٤٥، ٥٠٤٦.","vol":"1","page":233},{"text":"الرَّحْمَنِ الرَّحِيم * الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * الرَّحْمنِ الرَّحِيم * مَلِكِ يَوْمِ الدِّين. يُقطِّع قراءته آية آية. قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: «القراءة القديمة مالك يوم الدين»، ولفظ الترمذي: «الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين»، ثم يقف «الرَّحْمنِ الرَّحِيم» ثم يقف ...» (١).\nوعن عبد الله بن مغفل - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يُرجِّع» (٢)،\nوقال: لولا أن يجتمع\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الحروف والقراءات، برقم ٤٠٠١، والترمذي، كتاب القراءة عن رسول الله - ﷺ -، باب في فاتحة الكتاب، برقم ٢٩٢٧، وأحمد، ٦/ ٣٠٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٩٣، وصحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٦٩.\n(٢) الترجيع: هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله الترديد، وترجيع الصوت ترديده في الحلق، وقد فسره، لفظ معاوية بن قرة (آاْ أ) قال الحافظ في الفتح: «بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى»، وقيل: يحتمل أن هذا حصل من هز الناقة، وقيل: يحتمل أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك. قال الحافظ ابن حجر: «وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع فأخرج الترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي داود واللفظ له من حديث أم هانئ قالت: كنت أسمع صوت النبي - ﷺ - وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجِّع القرآن»،والذي يظهر أن في الترجيع قدرًا زائدًا على الترتيل، فعند ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن علقمة قال: «بتُّ مع عبد الله بن مسعود، فنام ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه لا يرفع صوته ويسمع من حوله ويرتل ولا يرجع»،وقيل: «معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة» [فتح الباري لابن حجر،٩/ ٩٢].\n\nولكن رأى شيخنا ابن باز في قول معاوية بن قرة (آاْآ) أن هذا الظاهر فيه أنه وهم من بعض الرواة في تفسير الترجيع؛ لأن هذه الأحرف لا تدل على معنى، والمقصود من ترديد القراءة الفائدة والخشوع، فالترجيع: هو ترديد القراءة»، وقال ﵀: «معنى ترجيع القراءة: أي ترديد القراءة ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ للخشوع والتدبر وهذا هو معنى الترجيع في القراءة، وكان - ﷺ - يسرد القراءة إلا في بعض الأحوال، وقد قام ليلة بآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ [المائدة:، الآية: ١١٨] فالترجيع سنة عند الحاجة فقط». [سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٢٨١.","vol":"1","page":234},{"text":"الناس حولي لرجَّعت كما رجَّع»، وفي لفظ للبخاري: «رأيت النبي - ﷺ - يقرأ وهو على ناقته أو جمله، وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة ليّنة يقرأ وهو يرجع»، وفي رواية: «... ثم قرأ معاوية [بن قرة] يحكي قراءة ابن مغفل، وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم، لرجَّعت كما رجع ابن مغفل يحكي النبي - ﷺ -، فقلت لمعاوية كيف كان ترجيعه؟ قال: آآ آثلاث مرات» (١)، وفي الحديث ملازمة النبي - ﷺ - للعبادة؛ لأنه حالة ركوبه الناقة وهو يسير لم يترك العبادة بالتلاوة، وفي جهره بذلك إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، وهو عند التعليم، وإيقاظ الغافل، ونحو ذلك (٢).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رجلًا قرأ المفصل في ركعة، فقال له: «هذًّا كهذّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل: سورتين من آل حم في كل ركعة (٣)، وفي لفظ: «كان النبي - ﷺ - يقرأهن اثنتين اثنتين في كل ركعة»، وقال: «عشرون سورة من أول المفصل على تأليف\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح، برقم ٤٢٨١، وكتاب فضائل القرآن، باب الترجيع، برقم ٥٠٤٧، ورقم ٧٥٤٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب ذكر قراءة النبي - ﷺ - سورة الفتح يوم فتح مكة، برقم ٧٩٤.\n(٢) فتح الباري لابن حجر، ٩/ ٩٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الجمع بين السورتين في ركعة والقراءة بالخواتيم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة، برقم ٧٧٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب ترتيل القرآن واجتناب الهذِّ، برقم ٢٧٥ - (٧٢٢).","vol":"1","page":235},{"text":"ابن مسعود آخرهن من الحواميم «حم» الدخان، و«عم يتساءلون» (١)، وفي لفظ لمسلم: «عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تأليف عبد الله» (٢)، وفي لفظ لمسلم: «... هذًا كهذ الشعر، إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وإنَّ أفضل الصلاة: الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن» (٣).\nفيستحب للقارئ التالي لكتاب الله تعالى أن يرتل، وهذا هو الأفضل أن يُرتِّل، ولا بأس بالسرعة التي ليس فيها إخلال باللفظ: بإسقاط بعض الحروف، أو إدغام ما لا يصح إدغامه، وهذه قراءة الحدر: وهو إدراج القراءة وسرعتها، ولابد فيه من مراعاة أحكام التجويد: من المدّ، والتشديد، والقطع، والوصل؛ وليحذر فيه من بتر حرف المد، وذهاب الغنة.\nفإن حصل إخلال باللفظ في هذه القراءة فهي حرام؛ لأنها تغيير للقرآن (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>ثالثًا: إذا مرَّ بآية رحمة سأل الله من فضله</span>، وإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله تعالى، وإذا مرّ بآية فيها سؤال سأل، وهذا في النوافل لا في الفرائض؛ لحديث حذيفة - ﵁ -، قال صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى يُصلِّي، فقلت: يصلي\n_________\n(١) البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، برقم ٤٩٩٦، ورقم ٥٠٥٣.\n(٢) مسلم، برقم ٢٧٦ - (٧٢٢)، وتقدم.\n(٣) مسلم، برقم٢٧٥ - (٧٢٢) وتقدم.\n(٤) انظر: مجالس شهر رمضان، للعثيمين، ص١٥٣.","vol":"1","page":236},{"text":"بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مرَّ بآية تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوّذ ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>رابعًا: يجهر بالقرآن ما لم يتأذَّ أحد بصوته:</span>\nدلت الأحاديث في تحسين الصوت بالقرآن، وفي الترتيل والترنيم بالقرآن، والتغنِّي به على استحباب رفع الصوت والجهر بالقرآن، كما دلت أحاديث أخرى على الحث على الإسرار بالقرآن؛ فكانت الأحاديث في ذلك على نوعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>النوع الأول: استحباب الجهر برفع الصوت بالقرآن:</span>\nجاء في هذا النوع من الأحاديث المذكورة آنفًا في الأمر بتزيين الصوت بالقرآن وتحسينه، كقوله - ﷺ -: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن يجهر به» (٢)، وقول النبي - ﷺ - لأبي موسى: «لقد رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود» (٣)،وقوله - ﷺ -: «زينوا القرآن بأصواتكم» (٤).وغير ذلك مما تقدم في الترغيب في تحسين الصوت بالقراءة، وعن أبي موسى - ﵁ -،قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني لأعرف أصوات رُفقة\n_________\n(١) مسلم، برقم ٧٧٢، وتقدم تخريجه في التدبر للقرآن.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٠٥٣، ومسلم، برقم ٧٩٢، وتقدم في الأدب الثامن: تحسين الصوت بالقرآن.\n(٣) متفق عليه: البخاري برقم ٥٠٤٨، ومسلم، برقم ٧٩٣. وتقدم في الأدب الثامن.\n(٤) أبو داود، برقم ٤٦٨، والنسائي، برقم ١٠١٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٠٤، وتقدم في الأدب الثامن.","vol":"1","page":237},{"text":"الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وإن كنت لم أرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار ...» (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «كان لهم أصوات حسنة بالقرآن - ﵃ -» (٢).\nوعن عائشة ﵂ قالت: أبطأتُ على عهد رسول الله - ﷺ - ليلة بعد العشاء، ثم جئتُ فقال: «أين كنتِ؟»، قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحدٍ، قالت: فقام وقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إليَّ فقال: «هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا» (٣).\nوعن جابر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله» (٤).\nوفي إثبات الجهر بالقرآن أحاديث كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>النوع الثاني: الجهر بالقراءة وإخفاؤها:</span>\nجاء في ذلك أحاديث منها حديث عقبة بن عامر الجهني - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرُّ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم ٤٢٣٢، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل الأشعريين - ﵃ -، برقم ٢٤٩٩.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٢٣٢.\n(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، بابٌ في حسن الصوت بالقرآن، برقم ١٣٣٨، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٩٨.\n(٤) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، بابٌ في حسن الصوت بالقرآن، برقم ١٣٣٩، وصححه الألباني، في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٩٨.","vol":"1","page":238},{"text":"بالقرآن كالمسر بالصدقة» (١).\nوعن أبي سعيد - ﵁ -، قال: اعتكف رسول الله - ﷺ - في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كُلَّكم مناجٍ ربَّه فلا يؤذينَّ بعضكم بعضًا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة»،أو قال: «في الصلاة» (٢).\nفعلى هذا دلت الأحاديث على النوعين: فجاءت الأحاديث في النوع الأول باستحباب رفع الصوت بالقراءة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين: من أقوالهم، وأفعالهم أكثر من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر (٣).\nوجاء في النوع الثاني أحاديث وآثار تدل على استحباب الإسرار وخفض الصوت بالقراءة.\nوالجمع بين هذين النوعين: أن القارئ إذا خاف الرياء، أو السمعة، أو يتأذَّى مصلون، أو نيام بجهره، أو خاف إعجابًا، أو يُلَبِّس على من يقرأ أو غير ذلك من أنواع القبائح، فالإسرار بالقراءة والإخفاء بها أفضل.\nأما من لم يخفْ شيئًا من ذلك فالجهر بالقراءة له أفضل، ويستحب له ذلك؛ لأن العمل في الجهر أكثر؛ ولأن فائدته تتعدَّى\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، برقم ١٣٣٣، والترمذي، كتاب ثواب القرآن، باب حدثنا محمود بن غيلان، برقم ٢٩١٩، والنسائي، كتاب الزكاة، باب المسر بالصدقة، برقم ٢٥٦١،وصححه الألباني، في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٦٥، وفي صحيح سنن الترمذي،٣/ ١٦٦،وفي غيرهما.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، برقم ١٣٣٢.\n(٣) انظر: التبيان للإمام النووي، ص٨٦.","vol":"1","page":239},{"text":"للسامعين؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إلى التدبر، ويطرد النوم ويزيد في النشاط، ويطرد الشيطان، فإن كانت القراءة بحضور من يستمع إليه، تأكد استحباب الجهر (١).\nقلت: ويدل على هذا الجمع حديث عبد الله بن أبي قيس ﵀ عن عائشة ﵂ أنه سألها في حديث طويل، وفيه أنه سألها عن قراءة النبي - ﷺ -، فقال: ... فقلت: كيف كانت قراءته: أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟ قالت: «كل ذلك قد كان يفعل: قد كان ربما أسر، وربما جهر»، قال: فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً ...» (٢).\nوعن أبي قتادة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر: «يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تخفض صوتك؟»، قال: قد أسمعت من ناجيتُ يا رسول الله!، قال: «ارفع قليلًا»، وقال لعمر: «مررت بك وأنت تصلِّي رافعًا صوتك؟»، قال: يا رسول الله أُوقظ الوسنان (٣)، وأطرد الشيطان! قال:\n_________\n(١) انظر: التبيان في آداب حملة القرآن، للنووي، ص٢ - ٨٧، وآداب تلاوة القرآن وتأليفه للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى ٩١١هـ، المطبوع مع أخلاق حملة القرآن لمحمد بن الحسين الآجري، المتوفى، ٣٦٠هـ، ص١١٠.\n(٢) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في قراءة الليل، برقم ٤٤٩، وفي كتاب ثواب القرآن، باب ما جاء كيف كانت قراءة النبي - ﷺ -، برقم ٢٩٢٤، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في وتر النبي - ﷺ -، برقم ١٤٣٧، والنسائي، صلاة الليل، باب كيف القراءة بالليل، برقم ١٦٦٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٩٥، وفي صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٦٨، وفي غيرهما. وانظر: أحاديث في الباب: صحيح سنن أبي داود، برقم ١٣٢٧ - ١٣٣٣.\n(٣) الوسنان: النائم الذي ليس بمستغرق في نومه. [النهاية، ٥/ ١٨٦].","vol":"1","page":240},{"text":"«اخفض قليلًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>السبب السادس والثلاثون: سجود التلاوة في الصلاة:</span>\nمما يجلب الخشوع في الصلاة سجود التلاوة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله [وفي رواية يا ويلي] أُمر ابن آدم بالسجود، فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار» (٢)، وهذا الحديث فيه الحث على سجود التلاوة والترغيب فيه.\nوسجود التلاوة سنة مؤكدة على الصحيح للتالي والمستمع (٣)؛\nلحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قرأ النبي - ﷺ - النجم بمكة فسجد\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع الصوت بالقراءة في الصلاة، برقم ١٣٢٩، والترمذي كتاب الصلاة، باب ما جاء في القراءة بالليل، برقم ٤٤٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٢٥٤، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٦٤.\n(٢) مسلم، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، برقم ٨١.\n(٣) اختلف العلماء ﵏ في حكم سجود التلاوة: فذهب أبو حنيفة وأصحابه ومن وافقهم إلى أن سجود التلاوة واجب؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [سورة الانشقاق، الآيتان: ٢٠، ٢١]، وقالوا: هذا ذم، ولا يذم إلا على ترك واجب؛ ولأنه سجود يفعل في الصلاة، فكان واجبًا كسجود الصلاة، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، ٢٣/ ١٥٢ - ١٦٢ وقيل: هو رواية عن الإمام أحمد، انظر: الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٤/ ٢١٠.\n\nوذهب الإمام أحمد، والإمام مالك، والإمام الشافعي، وهو قول عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄ إلى أن سجود التلاوة ليس بواجب بل سنة مؤكدة. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٤٣١، و٥/ ٧٨، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٣٦٤. وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام، على الحديث رقم ٣٦٢، يقول: «... وهو سنة مؤكدة لفعله - ﷺ -».","vol":"1","page":241},{"text":"بها، فما بقي أحد من القوم إلا سجد، غير شيخ أخذ كفًَّا من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته [فسجد عليه]، وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قُتِلَ كافرًا [وهو أمية بن خلف]»، وفي رواية: «أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فسجد رسول الله - ﷺ -، وسجد من خلفه ...» الحديث (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «سجد النبي - ﷺ -[بالنجم]، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس» (٢).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعًا يسجد عليه»، ولفظ مسلم: «أن النبي - ﷺ - كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، ونسجد معه ...» الحديث (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سجدنا مع النبي - ﷺ - في ﴿إِذَا السَّمَاءُ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري واللفظ له. كتاب سجود القرآن، باب ما جاء في سجود القرآن وسنتها، برقم ١٠٦٧،وبرقم ١٠٧٠،وفي كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة، برقم ٣٨٥٣، والمغازي، باب قتل أبي جهل، برقم ٣٩٧٢، وكتاب التفسير سورة والنجم، باب ﴿فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا﴾، برقم ٤٨٦٣، والألفاظ جمعت بينها من بعض هذه الروايات. وأخرجه مسلم، في كتاب المساجد، باب سجود التلاوة، برقم ٥٧٦.\n(٢) البخاري، كتاب سجود القرآن، باب ما جاء في سجود القرآن وسنتها، برقم ١٠٧١، وكتاب التفسير، سورة النجم، باب ﴿فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا﴾، برقم ٤٨٦٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب سجود القرآن، باب من سجد لسجود القارئ، برقم١٠٧٥، وباب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة، برقم ١٠٧٦، وباب من لم يجد موضعًا للسجود مع الإمام مع الزحام، برقم ١٠٧٩، ومسلم، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة، برقم ٥٧٥.","vol":"1","page":242},{"text":"انشَقَّتْ﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١).\nوهذه الأحاديث تدل على أهمية سجود التلاوة ومشروعيته المؤكدة وعناية النبي - ﷺ - به، ولكن دلت الأدلة الأخرى على عدم الوجوب، فقد ثبت أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة، قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: «يا أيها الناس إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه» ولم يسجد عمر - ﵁ -، وفي لفظ: «إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء» (٢).\nومن أوضح الأدلة على أن سجود التلاوة سنة مؤكدة وليس بواجب حديث زيد بن ثابت - ﵁ - قال: «قرأت على النبي - ﷺ -\n﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد فيها» (٣).\nورجّح الإمام النووي والحافظ ابن حجر، وابن قدامة - ﵏ - أن حديث زيد بن ثابت هذا محمول على بيان جواز عدم السجود، وأنه سنة مؤكدة وليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود ولو بعد ذلك (٤)، وقال الحافظ ابن حجر: «وأقوى الأدلة\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة، برقم ١٠٨ - (٥٧٨).\n(٢) البخاري، كتاب سجود القرآن، باب من رأى أن الله - ﷿ - لم يوجب السجود، برقم ١٠٧٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب سجود القرآن، باب من قرأ السجدة ولم يسجد، برقم ١٠٧٢، ١٠٧٣ ومسلم، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة، برقم ٥٧٧.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨١، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٣٦٥، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٥٥.","vol":"1","page":243},{"text":"على نفي الوجوب حديث عمر المذكور في هذا الباب» (١)، وتعقبه الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀فبين «أن أقوى منه وأوضح في الدلالة على عدم وجوب سجود التلاوة: قراءة زيد بن ثابت على النبي - ﷺ - سورة النجم، فلم يسجد فيها، ولم يأمره النبي - ﷺ - بالسجود، ولو كان واجبًا لأمره به» (٢).\nوسجود المستمع إذا سجد القارئ، وإذا لم يسجد لم يسجد؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد، ونسجد معه فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعًا يسجد عليه» (٣)، وقال ابن مسعود - ﵁ - لتميم بن حَذْلم - وهو غلام - فقرأ عليه سجدة فقال: «اسجد فأنت إمامنا فيها» (٤)، فالمستمع الذي ينصت للقارئ ويتابعه في الاستماع يسجد مع القارئ إذا سجد، وإذا لم يسجد فلا (٥).\nأما السامع الذي لا يقصد سماع القرآن وإنما مرَّ فسمع القراءة وسجد القارئ، فإنه لا يلزمه السجود، قيل لعمران بن حصين - ﵁ -: الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها، قال: «أرأيت لو قعد لها»\n_________\n(١) فتح الباري، ٢/ ٥٥٨.\n(٢) حاشية الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز على فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٥٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٧٥، ومسلم، برقم ٥٧٥، وتقدم تخريجه.\n(٤) البخاري، كتاب سجود القرآن، باب من سجد لسجود القارئ، رقم الباب ٨، قبل الحديث رقم١٠٧٥، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري،٢/ ٥٥٦: «وصله سعيد بن منصور».\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٥٨، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٣٦٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ١٣١.","vol":"1","page":244},{"text":"كأنه لا يوجبه عليه (١). وقال سلمان الفارسي - ﵁ -: «ما لهذا غدونا» (٢)، وقال عثمان - ﵁ -: «إنما السجدة على من استمعها» (٣)، وأما المستمع بقصدٍ فقال ابن بطال: «وأجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد» (٤).\nفقد فرَّق بعض العلماء بين السامع والمستمع بما دلت عليه هذه\nالآثار (٥).\nوعدد سجدات القرآن ومواضعها، خمس عشرة سجدة (٦)\nفي\n_________\n(١) البخاري معلقًا، كتاب سجود القرآن، باب من رأى أن الله - ﷿ - لم يوجب السجود، قبل الحديث رقم ١٠٨٧، وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أنه وصله ابن أبي شيبة بمعناه، ثم صحح إسناده ابن حجر في الفتح، ٢/ ٥٥٨.\n(٢) أخرجه البخاري معلقًا في الكتاب والباب السابقين، وذكر ابن حجر أنه طرف من أثر وصله عبد الرزاق قال: مرَّ سلمان على قوم قعود فقرؤوا السجدة فسجدوا، فقيل له فقال: «ليس لهذا غدونا»، قال الحافظ في الفتح، ٢/ ٥٥٨: «وإسناده صحيح».\n(٣) البخاري معلقًا في الكتاب والباب السابقين، وذكر الحافظ في الفتح، ٢/ ٥٥٨ أن عبد الرزاق وصله، وابن أبي شيبة قال: والطريقان صحيحان.\n(٤) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥٥٦،وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٠٩.\n(٥) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥٥٨، وقال الإمام النووي - ﵀ - في حكم سجود التلاوة للسامع: «وهو سنة للقارئ والمستمع له، ويستحب أيضًا للسامع الذي لا يسمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي»، شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٧٨.\n(٦) اختلف العلماء في عدد سجدات التلاوة: فقيل: خمس عشرة سجدة، وهو رواية عن الإمام أحمد وبعض أصحاب الشافعي وهو الصواب.\n\nوقيل: أربع عشرة سجدة وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد، وهو رواية عن الشافعي وأبي حنيفة، لكن الحنابلة أسقطوا سجدة ص، والأحناف أسقطوا السجدة الثانية من الحج، وقيل: إحدى عشرة سجدة، وهو رواية عن الإمام مالك ومن تبعه.\nانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨١، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٣٥٢، والمقنع والشرح الكبير ومعهما الإنصاف، ٤/ ٢٢٠، والشرح الممتع، لابن عثيمين، ٤/ ١٣٤.","vol":"1","page":245},{"text":"المواضع الآتية:\nالموضع الأول: آخر سورة الأعراف، عند قوله تعالى: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (١).\nالموضع الثاني: في الرعد عند قوله تعالى: ﴿وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (٢).\nالموضع الثالث: في النحل عند قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣).\nالموضع الرابع: في الإسراء عند قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٤).\nالموضع الخامس: في سورة مريم عند قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٥).\nالموضع السادس: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ\nمَا يَشَاءُ﴾ (٦).\nالموضع السابع: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧).\nالموضع الثامن: في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٨).\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٦.\n(٢) سورة الرعد، الآية: ١٥.\n(٣) سورة النحل، الآية: ٥٠.\n(٤) سورة الإسراء، الآية: ١٠٩.\n(٥) سورة مريم، الآية: ٥٨.\n(٦) سورة الحج، الآية: ١٨.\n(٧) سورة الحج، الآية، ٧٧.\n(٨) سورة الفرقان، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":246},{"text":"الموضع التاسع: في سورة النمل، عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١).\nالموضع العاشر: في سورة ﴿الم﴾ السجدة، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢).\nالموضع الحادي عشر: في سورة ص، عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٣).\nالموضع الثاني عشر: في سورة فصلت، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (٤).\nوهذا قول الجمهور من العلماء، وقال الإمام مالك - ﵀ - وطائفة من السلف، بل عند قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة النمل، الآية: ٢٦.\n(٢) سورة السجدة، الآية: ١٥.\n(٣) سورة ص الآية:٢٤، وسجدة ص ثبت بها الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: «ليس (ص) من عزائم السجود، وقد رأيت النبي - ﷺ - يسجد فيها»، [صحيح البخاري، كتاب سجود القرآن، باب سجدة ص، برقم ١٠٦١، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، برقم ٣٤٢٢] ومعنى ص ليس من عزائم السجود: «أي ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلًا، بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب»، فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٥٢.وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز﵀- أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٦٣ يقول: «هذا الحديث يدل على ثبوت سجدة «ص»،والصواب أنه يُسجد بها في الصلاة وخارجها، أما ما قاله ابن عباس ﵄ فهو من اجتهاده، وقد دل على سجدة «ص» فعل النبي - ﷺ - وكفى».\n(٤) سورة فصلت، الآية: ٣٨.\n(٥) سورة فصلت، الآية: ٣٧.","vol":"1","page":247},{"text":"الموضع الثالث عشر: في آخر سورة النجم، عند قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (١).\nالموضع الرابع عشر: في سورة الانشقاق عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (٢).\nالموضع الخامس عشر: في آخر سورة العلق عند قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٣). وسجدتا سورة الحج جاء فيهما خبر خالد بن معدان - ﵁ - قال: «فضلت سورة الحج بسجدتين» (٤)، وجاء في خبر عقبة بن عامر، وزاد: «فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما» (٥).\nوسجود التلاوة في الصلاة الجهرية ثابت؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -\n_________\n(١) سورة النجم، الآية: ٦٢.\n(٢) سورة الانشقاق، الآية: ٢١.\n(٣) سورة العلق، الآية: ١٩.\n(٤) ذكره الحافظ في بلوغ المرام، برقم ٣٦٦، وعزاه إلى أبي داود في المراسيل، وسمعت سماحة العلامة ابن باز - ﵀ - يقول أثناء تقريره على هذا الخبر: «لا بأس بإسناده عند أبي داود، وأيد ذلك ما بعده».\n(٥) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في السجدة في الحج، برقم ٥٧٨، قال الترمذي: ليس إسناده بذاك القوي. وأخرجه أبو داود، كتاب سجود القرآن، باب تفريع أبواب السجود، برقم ١٤٠٢، والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٨٨، وفي صحيح الترمذي، ١/ ٣١٩ وضعف الحافظ ابن حجر إسناده في البلوغ، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يقول: «يُعضد بالمرسل قبله، وابن كثير أنكر تضعيفه؛ لأن ابن لهيعة صرح بالسماع، والمعروف عند العلماء ضعف ابن لهيعة مطلقًا، لكن يعضد حديثه مرسل أبي داود، فيرفع الحديث إلى درجة الحسن المقبول الذي يحتج به». وقال: «عدد السجدات خمس عشرة سجدة: ثلاث في المفصل: النجم والانشقاق، والعلق، وسجدتان في الحج، وعشر مجمع عليها، والصواب سنية الجميع»، سمعت ذلك من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٦٦، ٣٦٧.","vol":"1","page":248},{"text":"أنه صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد، فقيل له: ما هذه؟ قال: «سجدت فيها خلف أبي القاسم - ﷺ -، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه» (١).\nوصفة سجود التلاوة: أنَّ من قرأ آية سجدة أو كان يستمع لها، فإنه يستحب له أن يستقبل القبلة ويكبر، ويسجد ثم يقول دعاء السجود، ثم يرفع من السجود بدون تكبير، ولا تشهد، ولا سلام (٢)؛\nلحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا معه» (٣). وإذا كان سجود\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الجهر في العشاء، برقم ٧٦٦، وباب القراءة في العشاء بالسجدة، برقم ٦٧٨، ومسلم، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة، برقم ٥٧٨.\n(٢) اختلف أهل العلم هل يشترط لسجود التلاوة ما يشترط لصلاة النفل: من الطهارة من الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة أم لا يشترط ذلك؟ رجح الإمام النووي أنه يشترط ذلك، ورجح الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية أن ذلك لا يشترط كما كان ابن عمر يفعل، [صحيح البخاري في كتاب سجود القرآن، باب سجود المشركين مع المسلمين رقم الباب ٥]، لكن قال: «هي بشروط الصلاة أفضل، ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا بعذر»،انظر: شرح النووي على صحيح مسلم،٥/ ٨٢، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ١٦٥ - ١٧٠ ورجح عدم الاشتراط ابن القيم في تهذيب السنن،١/ ٥٣ - ٥٦، وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يرجح أن الطهارة لسجود التلاوة لا تجب وإن كان ذلك خلاف ما عليه الجمهور، لأنها مستحبة لأسباب تقع في القراءة، والقراءة لا تجب لها الطهارة، فما كان من توابع القراءة فكذلك، وقول الجمهور ليس بحجة فلا تلزم موافقتهم بغير دليل. سمعته من سماحته - ﵀ - أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٦٩ عندما سئل هل تشترط الطهارة لسجود التلاوة؟ وانظر للفائدة في معرفة الخلاف: المغني لابن قدامة، ٢/ ٣٥٨،ونيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٣١٣،وقال: «أما ستر العورة والاستقبال فقيل إنه معتبر اتفاقًا»، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٧٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ١٢٦، وفتاوى ابن باز، ١١/ ٤٠٦ - ٤١٥ ..\n(٣) أبو داود، كتاب سجود القرآن، باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب أو في غير صلاة، برقم ١٤١٣، وقال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: «إسناده لين»، وضعفه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٤٧٢، وأخرجه الحاكم في المستدرك عن عُبيد الله، ١/ ٢٢٢، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ولكن الحاكم لم يذكر التكبير في النسخة الموجودة عندي، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «يتقوى الحديث برواية الحاكم، فتكون التكبيرة عند السجود فقط إلا إذا كان في الصلاة فإنه يكبر مع كل خفض ورفع»، سمعته أثناء تقريره - ﵀ - على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٦٩، وهكذا الشوكاني في نيل الأوطار، رأى ثبوته عن عبيد الله المصغر، ٢/ ٣١١، والصنعاني في سبل السلام، ٢/ ٣٨٦.","vol":"1","page":249},{"text":"التلاوة في الصلاة، فإنه يكبر حين يسجد وحين ينهض من السجود؛ لأن النبي - ﷺ - كان يكبر في الصلاة في كل خفض ورفع (١)، وقد قال - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢)، وإذا قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة، فإن شاء ركع، وإن شاء سجد ثم قام فقرأ شيئًا من القرآن ثم ركع، وإن شاء سجد ثم قام فركع من غير قراءة» (٣).\nوالدعاء في سجود التلاوة، يدعو بمثل دعائه في سجود الصلاة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول في سجود القرآن بالليل [يقول في السجدة مرارًا] (٤): «سجد وجهي للذي خلقه [وصوَّره] (٥) وشقَّ سمعَه وبصرَه، بحوله وقوته [فتبارك الله أحسن الخالقين]» (٦) (٧).\n_________\n(١) رجح هذا كله الإمام ابن باز في مجموع فتاوى ومقالات متنوعة،١١/ ٤٠٦ - ٤١٠، وانظر: المختارات الجلية من المسائل الفقهية للسعدي، ص٤٩.\n(٢) البخاري، برقم ٥٩٥، وتقدم تخريجه.\n(٣) نقله ابن قدامة في المغني، ٢/ ٣٦٩.\n(٤) من سنن أبي داود، برقم١٤١٤.\n(٥) من سنن البيهقي، ٢/ ٣٢٥.\n(٦) أبو داود، كتاب سجود القرآن، باب ما يقول إذا سجد، برقم ١٤١٤، والترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء ما يقول في سجود القرآن، برقم ٥٨٠، والنسائي، كتاب التطبيق، باب نوع آخر، برقم ١١٢٩، وأحمد، ٦/ ٢١٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٦٥.\n(٧) من المستدرك للحاكم، ١/ ٢٢٠.","vol":"1","page":250},{"text":"وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدْتُ، فسَجَدَتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتها تقول: «اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، [وتقبَّلْها مني كما تقبَّلْتها من عبدك داود]». قال ابن عباس ﵄: «فرأيت النبي - ﷺ - قرأ سجدة ثم سجد، فسمعته يقول في سجوده مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة» (١).\nويشرع في سجود التلاوة ما يشرع في سجود الصلاة (٢).\nوالصواب أن سجود التلاوة يجوز في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لأنه من ذوات الأسباب (٣).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء ما يقول في سجود القرآن، برقم ٥٧٩، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب سجود القرآن، برقم ١٠٥٣، وعنده (اللهم احطط) بدلًا من «اللهم اكتب»،ما بين المعقوفين من سنن الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي،١/ ١٨٠، وصحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٧٣.\n(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للإمام عبد العزيز بن باز، ١١/ ٤٠٧، وانظر: الشرح الممتع، ٤/ ١٤٤.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٢، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣١٣، ومجموع فتاوى ابن باز، ١١/ ٢٩١.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>السبب السابع والثلاثون: المحافظة على سنن الصلاة: القولية والفعلية:</span>\nلا شك أن العمل بسنن الصلاة القولية والفعلية يجلب الخشوع في الصلاة، ويزيد ثوابها، ويرفع درجات صاحبها في الدنيا والآخرة، وهي سنن أقوال وأفعال، ولا تبطل الصلاة بترك شيء منها عمدًا ولا سهوًا، وسنن الصلاة، هي ما عدا الشروط، والأركان، والواجبات، وهي على النحو الآتي (١):\n١ - رفع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين، مع تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول؛ لحديث\nعبد الله بن عمر ﵄ (٢)؛ ولحديث مالك بن الحويرث - ﵁ - (٣).\n٢ - وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى على الصدر؛ لحديث وائل - ﵁ - (٤)؛ ولحديث سهل - ﵁ - (٥).\n٣ - النظر إلى موضع السجود في الصلاة؛ لحديث عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - (٦).\n_________\n(١) من السنن قبل الدخول في الصلاة: السواك عند كل صلاة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» متفق عليه: البخاري، برقم ٨٨٧، ومسلم، برقم ٢٥٢. ومن السنن قبل الصلاة اتخاذ سترة للإمام والمنفرد؛ لحديث أبي ذر - ﵁ - يرفعه: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرحل» مسلم، برقم ٥١٠، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣٥، ومسلم، برقم ٣٩٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣٧، ومسلم، برقم ٣٩١.\n(٤) أخرجه ابن خزيمة، برقم ٤٧٩.\n(٥) البخاري، برقم ٧٤٠.\n(٦) السنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٢٨٣، ٥/ ٢٥٨، والحاكم، ١/ ٤٧٩، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":252},{"text":"٤ - دعاء الاستفتاح؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (١).\n٥ - التعوذ بالله من الشيطان؛ للآية؛ ولحديث أبي سعيد - ﵁ - (٢).\n٦ - البسملة؛ لحديث أنس - ﵁ - (٣).\n٧ - قول آمين بعد قراءة الفاتحة، يجهر بها في الجهرية ويُسرُّ في السّرية؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٤).\n٨ - قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين، أو ما تيسَّرَ من القرآن؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - (٥).\n٩ - الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية؛ لحديث جبير بن مطعم - ﵁ - (٦)؛ ولغيره من الأحاديث (٧).\n١٠ - الإسرار في الصلاة السِّرية؛ لحديث خباب - ﵁ - وأنهم كانوا يعرفون قراءة النبي - ﷺ - في صلاة الظهر والعصر، باضطراب لحيته (٨).\n١١ - السكتة اللطيفة بعد الفراغ من القراءة كلها؛ لحديث الحسن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٤٣، ومسلم، برقم ٥٩٨.\n(٢) أبو داود، برقم ٧٧٥، والترمذي، برقم ٢٤٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٣٦١.\n(٣) أحمد، ٣/ ٢٦٤، والنسائي، برقم ٩٠٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٠، ومسلم، برقم ٤١٠.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٥٩، ومسلم، برقم ٤٥١.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٦٥، ومسلم، برقم ٤٦٣.\n(٧) جاءت الأخبار الكثيرة بالجهر في صلاة الفجر والعشاء والمغرب، انظر: صحيح البخاري، من حديث رقم ٧٦٣ - ٧٧٤.\n(٨) البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في العصر، برقم ٧٦١.","vol":"1","page":253},{"text":"عن سمرة - ﵁ - (١).\n١٢ - وضع اليدين مفرجتي الأصابع على الركبتين كأنه قابض عليهما؛ لحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - (٢).\n١٣ - مدّ الظَّهْر في الركوع حتى لو صب عليه الماء لاستقر، وجعل الرأس حيال الظهر؛ لحديث رفاعة بن رافع - ﵁ - (٣)؛ ولحديث وابصة بن معبد - ﵁ - (٤).\n١٤ - مجافاة اليدين عن الجنبين في الركوع؛ لحديث أبي حميد الساعدي - ﵁ - (٥).\n١٥ - ما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود؛ لحديث حذيفة بن اليمان - ﵁ - (٦).\n١٦ - ما زاد على المرة الواحدة في سؤال الله المغفرة بين السجدتين؛ لحديث حذيفة - ﵁ - (٧).\n١٧ - قول «ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٧٧٨، والترمذي، برقم ٢٥١، قال الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٢٦٤: «حسنه الترمذي ... فكان هذا الحديث على مقتضى تصرفه جديرًا بالتصحيح، وقد قال الدارقطني: رواة الحديث كلهم ثقات».\n(٢) البخاري، برقم ٨٢٨، وأبو داود، برقم ٧٣١، ٧٣٤.\n(٣) أبو داود، برقم ٨٥٩.\n(٤) ابن ماجه، برقم ٨٧٢.\n(٥) أبو داود، برقم ٧٣٤.\n(٦) مسلم، برقم ٧٧٢، وابن ماجه، برقم ٨٨٨.\n(٧) أبو داود، برقم ٨٧٤، وابن ماجه، برقم ٨٩٧.","vol":"1","page":254},{"text":"بعد» بعد قول: ربنا لك الحمد؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - (١).\n١٨ - وضع الركبتين قبل اليدين في السجود، ورفع اليدين قبل الركبتين في القيام؛ لحديث وائل بن حُجر - ﵁ - (٢).\n١٩ - ضم أصابع اليدين في السجود؛ لحديث وائل - ﵁ - (٣).\n٢٠ - تفريج أصابع الرجلين في السجود؛ لحديث أبي حُميد - ﵁ - (٤).\n٢١ - استقبال القبلة بأطراف أصابع اليدين والرجلين في السجود؛ لحديث أبي حُميد الساعدي (٥).\n٢٢ - مجافاة العضدين عن الجنبين في السجود؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بُحينة - ﵁ - (٦).\n٢٣ - مجافاة البطن عن الفخذين، والفخذين عن الساقين، والتفريج بين الفخذين؛ لحديث أبي حُميد - ﵁ - (٧).\n٢٤ - وضع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين في السجود، والسجود بينهما؛ لحديث أبي حُميد - ﵁ - (٨)، وحديث وائل - ﵁ - (٩)؛ والبراء - ﵁ - (١٠).\n_________\n(١) مسلم، برقم ٤٧٧، ٤٧٨.\n(٢) أبو داود، برقم ٨٣٨، ٨٣٩، والترمذي، برقم ٢٦٨.\n(٣) الحاكم، ١/ ٢٢٤.\n(٤) أبو داود، برقم ٧٣٠، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ٦٥١.\n(٥) البخاري، برقم ٨٢٨، وصحيح ابن خزيمة، برقم ٦٤٣.\n(٦) متفق عليه: البخاري برقم ٨٠٧، ومسلم، برقم ٤٩٥، ٤٩٦.\n(٧) أبو داود، برقم ٧٣٥.\n(٨) أبو داود، برقم ٧٣٤، والترمذي، برقم ٢٧٠.\n(٩) النسائي، برقم ٨٨٩، وتقدم تخريجه.\n(١٠) متفق عليه: البخاري، برقم ٨٢٢، ومسلم، برقم ٤٩٣.","vol":"1","page":255},{"text":"٢٥ - ضم القدمين والعقبين ونصبهما في السجود؛ لحديث عائشة ﵂ (١).\n٢٦ - الإكثار من الدعاء في السجود؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٢)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ (٣).\n٢٧ - افتراش الرجل اليسرى ونصب اليمنى في الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول؛ لحديث عائشة ﵂ (٤).\n٢٨ - وضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى إذا جلس في الصلاة، أو وضع الكفين على الركبتين، أو وضع الكف اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى ويُلْقِمُ كفّه اليسرى ركبته؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄ (٥)؛وحديث عبد الله بن عمر - ﵃ - (٦).\n٢٩ - وضع الذارعين على الفخذين في التشهد، وفي الجلوس بين السجدتين؛ لحديث وائل بن حُجر - ﵁ - (٧).\n٣٠ - قبض خِنصر وبِنصر اليد اليمنى في التشهد، والتّحْليق بين الإبهام والوُسْطى، والإشارة بالسبابة وتحريكها إلى القبلة عند ذكر الله، وعند الدعاء؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - (٨).\n٣١ - جلسة الاستراحة قبل القيام إلى الركعة الثانية، والركعة الرابعة؛ لحديث\n_________\n(١) مسلم، برقم ٤٨٦، وصحيح ابن خزيمة، برقم ٦٥٤.\n(٢) مسلم، برقم ٤٨٢.\n(٣) مسلم، برقم ٤٧٩.\n(٤) مسلم، برقم ٤٩٨.\n(٥) مسلم، برقم ٥٧٩.\n(٦) مسلم، برقم ٥٨٠.\n(٧) النسائي، برقم ١٢٦٤.\n(٨) ابن ماجه، برقم ٩١٢.","vol":"1","page":256},{"text":"مالك بن الحويرث - ﵁ - (١)؛ولحديث أبي حُميد السّاعدي - ﵁ - (٢)،وأبي هريرة - ﵁ - (٣).\n٣٢ - التورُّك في التشهد الثاني؛ لحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - (٤).\n٣٣ - النظر إلى السبابة عند الإشارة بها في الجلوس؛ لحديث\nعبد الله بن الزبير (٥)؛ ولحديث عبد الله بن عمر - ﵃ - (٦).\n٣٤ - الصلاة والتبريك على محمد وآل محمد، وعلى إبراهيم وآل إبراهيم في التشهد الأول؛ لعموم الأدلة (٧).\n٣٥ - الدعاء والتعوُّذ من أربع بعد التشهد الثاني؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٨).\n٣٦ - الالتفات يمينًا وشمالًا في التسليمتين؛ لحديث عامر بن سعد عن أبيه - ﵁ - (٩).\n٣٧ - نيته في سلامه: الخروج من الصلاة، والسلام على الملائكة والحاضرين؛ لأدلة كثيرة (١٠)، منها حديث جابر بن سمرة - ﵁ - وفيه: «علامَ تؤمِئُون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمُسٍ، إنما يكفي أحدَكم أن\n_________\n(١) البخاري، برقم ٨٢٣.\n(٢) أبو داود، برقم ٧٣٠.\n(٣) البخاري، برقم ٦٢٥١.\n(٤) البخاري، برقم ٨٢٨.\n(٥) النسائي، برقم ١٢٧٥.\n(٦) النسائي، برقم ١٦٦٠.\n(٧) انظر: الدروس المهمة للإمام ابن باز، الدرس العاشر.\n(٨) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٧٧، ومسلم، برقم ٥٨٨.\n(٩) مسلم، برقم ٥٨٢.\n(١٠) انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٧٩، والشرح الممتع، ٣/ ٢٨٩.","vol":"1","page":257},{"text":"يضعَ يدَه على فخذه ثم يسلِّم على أخيه: من على يمينه وشماله» (١).\nوالمحافظة على هذه السنن يزيد الخشوع في الصلاة، ويزيد في الثواب عند الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>السبب الثامن والثلاثون: ذكر الموت في الصلاة:</span>\nلا شك أن من دخل في صلاته وهو يذكر الموت، ويخشى أن تكون هذه الصلاة هي أخر صلاةٍ يُصلِّيها، فإنه سيخشع في صلاته؛ ولهذا أوصى النبي - ﷺ - بذلك؛ فعن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ؟ فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا، وَأجْمِعِ الْيَأسَ مِمَّا فِي أيدِي النَّاسِ»، وهذا لفظ أحمد، ولفظ ابن ماجه: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ! اللَّهِ عَلِّمْنِي وَأَوْجِزْ، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ» (٢).\nوعن أنس - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اذْكُر المَوْتَ في صَلاَتِكَ؛ فإِنَّ الرَّجُلَ إذا ذَكَرَ المَوْتَ في صَلاَتِهِ لَحَرِيٌّ أنْ يُحْسِنَ صلاتَهُ، وَصَلِّ صلاةَ رَجُلٍ لا يَظُنُّ أنَّهُ يُصَلِّي صلاةً غَيْرَها، وإِيَّاكَ وكُلَّ أمْرٍ يُعْتَذَرُ مِنْهُ» (٣).\n_________\n(١) مسلم، برقم ٤٣١.\n(٢) أحمد، ٥/ ٤١٢، وفي المحقق، ٣٨/ ٤٨٤، برقم ٢٣٤٩٨، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحكمة، برقم ٤١٧١، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣٦٤، وفي سلسة الأحاديث الصحيحة، برقم ٤٠١.\n(٣) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، ١/ ٢٦/٢، كما قاله الألباني، وحسنه الألباني في سلسة الأحاديث الصحيحة في المجلد السادس، القسم الثاني، ٦/ ٨٢٠، برقم ٢٨٣٩، وفي المجلد الثالث، ص ٤٠٨، برقم ١٤٢١.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>السبب التاسع والثلاثون: الحذر من الغفلة:</span>\nلا شك أن من أسباب الخشوع في الصلاة الحذر من الغفلة؛ فإن الغفلة من أسباب الخذلان والهلاك في الدنيا والآخرة؛ والغفلة: تركٌ باختيار الغافل، وأما النسيان فهو: تركٌ بغير اختيار الإنسان، والسلامة منهما بالذكر، وهو التخلّص من الغفلة والنسيان (١)؛ ولعظم خطر الغفلة نهى الله تعالى رسوله عنها فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٢)، والغافلون هم الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم؛ فإنهم حُرِموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عمَّن كلِّ السعادة والفوز بذكره، وعبوديَّته، وأقبلوا على من كلِّ الشقاوة والخيبة في الاشتغال به (٣).\nومن أعظم خطر الغفلة أن من غفل عن الله عاقبه بأن يُغفله عن ذكره، ويجعله يتبع هواه، ويكون أمره ضائعًا معطلًا (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٥)، وأكثر الناس يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، ويغفلون عن الله والدار الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٤٣٤، وكتاب الغفلة للمؤلف، ص٨.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٣١٤.\n(٤) انظر: كتاب الغفلة للمؤلف، ص١٥.\n(٥) سورة الكهف، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":259},{"text":"يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>السبب الأربعون: الاستجابة لله ولرسوله مع العلم أن الله يحول بين المرء وقلبه:</span>\nلا شك أن من أسباب الخشوع في الصلاة الاستجابة لله ورسوله - ﷺ - مع الخوف من أن يحول الله بين العبد وقلبه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢)، فالله تعالى يأمر عباده المؤمنين بالاستجابة له ولرسوله، والانقياد والمبادرة إلى ذلك، والاجتناب لما نهى عنه الله ورسوله، والدعوة إلى ذلك؛ لأن حياة القلب والروح بعبوديته تعالى، ولزوم طاعته وطاعة رسوله - ﷺ -؛ ولهذا حذّر عن عدم الاستجابة لله ولرسوله فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فإياكم أن تردُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم؛ فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلِّب القلوب حيث شاء، ويصرِّفها كيف شاء (٣).\nفينبغي للعبد أن يسأل الله أن يصرِّف قلبه على طاعته؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ\n_________\n(١) سورة الروم، الآيتان: ٦ - ٧.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.\n(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٣١٨.","vol":"1","page":260},{"text":"الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (١).\nوفي حديث أُمِّ سلمة ﵂ أن النبي - ﷺ - حينما يكون عندها- كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لأَكْثَر دُعَائِكَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ»، فَتَلَا مُعَاذٌ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>السبب الحادي والأربعون: سؤال الله تعالى الخشوع في الصلاة:</span>\nمن الأسباب العظيمة التي تجلب الخشوع في الصلاة أن يسأل العبد ربه، ويتضرع إليه بسؤاله التوفيق للخشوع الذي يحبه اللَّه سبحانه في الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣)، وقال - ﷿ -: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٤).\nوعن أبي سعيد - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى\n_________\n(١) مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، برقم ٢٦٥٤.\n(٢) الترمذي بلفظه، كتاب الدعوات، باب دعاء يا مقلب القلوب، برقم ٣٥٢٢، وحسنه، وأحمد، ٤/ ١٨٢، والحاكم، ١/ ٥٢٥، ٥٢٨،وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٦/ ٣٠٩، وفي صحيح الترمذي، ٣/ ١٧١. والآية: ٨ من سورة آل عمران.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.\n(٤) سورة غافر، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":261},{"text":"ثَلاَثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلِهَا»، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>السبب الثاني والأربعون: العلم بأن العبد ليس له من صلاته إلا ما عقل منها:</span>\nمن الأسباب التي تُعينُ على الخشوع في الصلاة: أن يعلم العبد المسلم أنه ليس له من صلاته إلا ما أقبل عليه بقلبه؛ لحديث عمّار بن ياسر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» (٣).\nوعن كعب بن عمرو السلمي - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي النِّصْفَ، وَالثُّلُثَ، وَالرُّبُعَ، حَتَّى بَلَغَ الْعُشْرَ» (٤).\n_________\n(١) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٧١٠، والحاكم، ١/ ٤٩٣، وأحمد، ٣/ ١٨، والترمذي، بنحوه، في كتاب الدعوات، بابٌ في انتظار الفرج، برقم ٣٥٧٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٤٦٧.\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب رقم٢، برقم ٣٣٧٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٣٨٤.\n(٣) أبو داود، برقم ٧٩٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٢٦، وتقدم تخريجه في التحذير من ترك الخشوع في الصلاة.\n(٤) أحمد، ٢٤/ ٢٨٠، برقم ١٥٥٢٢، والنسائي في الكبرى، برقم ٦١٦، ١/ ٣١٦، وحسنه الألباني لغيره، في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٥٢.","vol":"1","page":262},{"text":"وقال ابن عباس: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>السبب الثالث والأربعون: معرفة خشوع النبي - ﷺ - في صلاته:</span>\nمما يُعين على الخشوع في الصلاة ويجلبه معرفة ما كان عليه النبي - ﷺ - من الخشوع في الصلاة؛ وقد كانت الصلاة قرّة عينه، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (٢).\nوقال النبي - ﷺ - لبلال: «قُمْ يَا بِلالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلاَةِ»، وفي لفظ: «يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا» (٣).\nوقد كان النَّبيُّ - ﷺ - إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه، ورمى ببصره نحو الأرض موضع السجود، وكان في التشهد لا يجاوز بصره إشارته، هكذا ذُكِرَ عنه - ﷺ - (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>السبب الرابع والأربعون: معرفة خشوع الصحابة والتابعين وأتباعهم ﵏:</span>\nالمتأمل بتفكّرٍ في خشوع السلف الصالح في صلاتهم يزيده ذلك خشوعًا؛ لما يرى ويعلم من خشوعهم العظيم الذي يدل على إحسانهم في صلاتهم، وأنهم يعبدون الله كأنهم يرونه، وهذه هي\n_________\n(١) تقدم تخريجه، في حكم الخشوع في الصلاة.\n(٢) النسائي، برقم ٣٩٤٠، وأحمد، برقم ١٢٢٩٣، ١٣٠٥٧، وتقدم تخريجه في المبحث العاشر «الصلاة بخشوع قرة للعين وراحة للقلب».\n(٣) أبو داود، برقم ٤٩٨٥، ٤٩٨٦، وأحمد في المسند، برقم ٢٣١٥٤، وتقدم تخريجه في المبحث العاشر.\n(٤) تقدم تخريجه في النظر إلى موضع السجود، وإلى السبابة في التشهد، في السبب الثالث والثلاثين.\n(٥) وانظر: المبحث الرابع عشر: خشوع النبي - ﷺ - في صلاته من هذا الكتاب.","vol":"1","page":263},{"text":"الدرجة العظمى من الإحسان في العبادة.\nفهذا أبو بكر - ﵁ - يبكي في صلاته كما ذكرت عائشة ﵂ (١).\nوهذا عمر الفاروق يُقتل وهو يُصلِّي، ثم أغمي عليه، وعندما أفاق قال: «هل صلَّى الناس؟»، فسأل: عن الصلاة قبل أن يسأل عمن قتله؟ (٢).\nوذاك سعد بن معاذ إذا صلى لا يحدث نفسه بغير ما هو فيه من صلاته (٣).\nوهذا التابعي الجليل عروة بن الزبير يأمر الأطباء بقطع رجله في الصلاة؛ لأنه لا يشعر بذلك؛ لتعلق قلبه بالله ومناجاته (٤).\nوهذا الإمام البخاري يلسعه الزنبور في سبعة عشر موضعًا من جسده تحت ثوبه ولم ينصرف من صلاته، ولم ينظر حتى سلَّم من صلاته (٥)، وغير ذلك كثير (٦).\nفمن نظر في خشوع السلف الصالح في صلاتهم جلب له ذلك الخشوع إن كان قلبه سليمًا.\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري، برقم ٧١٣، ٦٧٩، ومسلم، برقم ٤١٨، وتقدم تخريجه في المبحث الخامس عشر.\n(٢) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم، ص٢٦ وتقدم تخريجه في المبحث الخامس عشر.\n(٣) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٦٠٥، وتقدم في المبحث الخامس عشر.\n(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ٩/ ١٠٢ - ١٠٣، وتقدم في المبحث الخامس عشر.\n(٥) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٢، ومقدمة فتح الباري لابن حجر، ص٤٨٠.\n(٦) وقد ذكرت نماذج كثيرة من خشوع السلف الصالح في المبحث الخامس عشر من هذا الكتاب، والله الموفق.","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>السبب الخامس والأربعون: العلم بما ثبت في التحذير من ترك الخشوع، وما ثبت من الترغيب في الخشوع:</span>\nمما يُعين على الخشوع معرفة ما جاء عن النبي - ﷺ - من التحذير من ترك الخشوع في الصلاة وسرقتها، والعلم بما ثبت من فضائل الخشوع وفوائده، ومن ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>أولًا: ثبت عن النبي - ﷺ -: إخباره بأن أشدّ الناس سرقة الذي يسرق صلاته</span>، فلا يتم ركوعها ولا سجودها (١)، وأن الله لا ينظر إلى صلاة عبدٍ لا يُقيم فيها صلبه بين ركوعه وسجوده (٢)، وإن مات وهو لا يُتمّ ركوعه، وينقر في سجوده مات على غير ملة محمد - ﷺ - (٣)، وقد يُصلِّي المرء ستين سنة، وما قَبِلَ اللَّهُ منه صلاة واحدة؛ لعله يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>ثانيًا: الخشوع في الصلاة له فضائل عظيمة</span>، فقد ثبت عن النبي - ﷺ -: أن من صلى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه (٥)، وأن من أحسن الوضوء ثم صلَّى ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة (٦)، وجاء في القرآن الكريم أن الفوز\n_________\n(١) أحمد، برقم ٢٢٦٤٢، وابن خزيمة، برقم ٦٦٣ وتقدم تخريجه في المبحث العاشر: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة.\n(٢) أحمد، برقم ١٦٢٨٣، وغيره، وتقدم تخريجه في المبحث العاشر: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة.\n(٣) الطبراني في الكبير، برقم ٣٨٤٠، وابن خزيمة، برقم ٦٦٥، وتقدم تخريجه في المبحث العاشر: التحذير من ترك الخشوع والصلاة.\n(٤) الأصبهاني في الترغيب والترهيب، برقم ١٨٩٥، وتقدم تخريجه في المبحث العاشر.\n(٥) البخاري، برقم ١٣٦، ومسلم، برقم ٢٤٦، وتقدم تخريجه في المبحث الرابع.\n(٦) مسلم، برقم ٢٣٤، وتقدم تخريجه في المبحث الرابع.","vol":"1","page":265},{"text":"والفلاح، والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين في صلاتهم (١)، وغير ذلك من الفضائل والفوائد العظيمة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>السبب السادس والأربعون: فهمُ وتدبُّر معاني أفعال الصلاة يجلب الخشوع فيها:</span>\nلا شك أن من تدبَّر معاني أفعال الصلاة خشع في صلاته، ومن ذلك تدبّر الأفعال الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>أولًا: فهم وَتّدّبُّر معنى القيام في الصلاة</span>، فقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣)، فإذا انتصب العبد قائمًا لله في صلاته بين يديه سبحانه فليشاهد بقلبه قيُّوميته تعالى (٤)، ويذكر أنه إذا أحسن هذا الوقوف في الصلاة في الدنيا سهُل عليه الوقوف أمام الله يوم القيامة، وإذا استهان بهذا الوقوف، ولم يُوفّه حقه شُدِّد عليه الوقوف يوم القيامة (٥)، ومن مقتضى هذا القيام أن يقبل على لله بقلبه وجسده، فلا يلتفت: لا بقلبه، ولا ببصره، ولا جسده (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>ثانيًا: فهم وتدبر معنى رفع الأيدي في الصلاة </span>حذو المنكبين أو حذو الأذنين في أربعة مواضع: إذا كبّر تكبيرة الإحرام، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع من الركوع، وإذا قام من الركعتين - أي من التشهد الأول - يرفعهما كما صنع عند الافتتاح، وهذا هو السنة.\n_________\n(١) انظر: سورة المؤمنون: ١ - ٢.\n(٢) انظر: المبحث الرابع: فضائل الخشوع في الصلاة.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٤) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم، ص١١٧.\n(٥) الفوائد لابن القيم، ص٤٣٥.\n(٦) انظر: الخشوع في الصلاة، لابن رجب، ص٢٢.","vol":"1","page":266},{"text":"والحكمة في ذلك: اتبّاع النبي - ﷺ -، ويضاف إلى ذلك من الحكم:\nأن رفع اليدين في تكبيرة الإحرام فيه الإشارة إلى رفع حجاب الغفلة بينك وبين الله، وفي غير تكبيرة الإحرام إعظامًا لله.\nوقال بعضهم: إنها استسلام لله وانقياد له تعالى، كالأسير المستسلم.\nوقال بعضهم: نفي الكبرياء عن غير الله.\nوقال بعضهم: زينة للصلاة، وعلى كل حال: فهو اتبّاع للسنة الثابتة عن النبي - ﷺ - (١)؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود. وفي لفظ: «وإذا قام من الركعتين رفع يديه» (٢)، وفي حديث مالك بن الحويرث - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان إذا كبر رفع يديه حتى يُحاذيَ بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذيَ بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: «سمع الله لمن حمده»، فعل مثل ذلك، وفي لفظ لمسلم: «حتى يحاذي بهما فروع أذنيه» (٣).\n_________\n(١) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم، وزاد المعاد، وتوضيح الأحكام من بلوغ المرام، للبسام، ٢/ ٢٨، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٣٤، وحاشية الروض المربع، لابن قاسم، ٢/ ١١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء، برقم ٧٣٥، ورقم ٧٣٩، ومسلم، كتاب الصلاة، برقم ٣٩٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع، وإذا رفع، برقم ٧٣٧، ومسلم واللفظ له، في كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع، وفي الرفع من الركوع، وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود، برقم ٣٩١.","vol":"1","page":267},{"text":"والأحاديث الواردة في ابتداء رفع اليدين جاءت على وجوهٍ ثلاثة:\nالوجه الأول: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - رفع يديه ثم كبّر، فعن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر» (١)؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - يُحدِّث به في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وفيه: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يُحاذيَ بهما منكبيه، ثم يُكبِّر» (٢).\nالوجه الثاني: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - كبر ثم رفع يديه، فعن أبي قلابة أنه «رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبَّر ثم رفع يديه ... وحدَّث أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل هكذا» (٣).\nالوجه الثالث: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - رفع يديه مع التكبير، وانتهى منه مع انتهائه، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين كبّر حتى جعلهما حَذْوَ منكبيه» (٤). فمن فعل صفة من هذه الصفات فقد\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، برقم ٣٩٠.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد برقم ٨٢٨، واللفظ لأبي داود، برقم ٧٣٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر، برقم ٧٣٧، ومسلم واللفظ له، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، برقم ٣٩١.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب إلى أين يرفع يديه، برقم ٧٣٨، ومسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام، برقم ٣٩٠.","vol":"1","page":268},{"text":"أصاب السنة (١).\nوإن نوَّع بين هذه الصفات الثلاث، فتارة يفعل هذا، وتارة هذا، وتارة هذا، فلا بأس، وهذا يعين على الخشوع في الصلاة، والعلم عند الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>ثالثًا: فهم وتدبّر معنى وضع اليدين على الصدر </span>في حال القيام في الصلاة: اليد اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرُّسغ والساعد، وهذا فيه إظهار الذُّل، والانكسار، والخشوع لله تعالى، وقد ذُكِرَ عن الإمام أحمد ﵀ أنه سُئل عن المراد بذلك فقال: «هو ذُلٌّ بين يدي عزيز» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>رابعًا: فهم وتدبّر معنى الركوع</span>؛ فإنه يدل على الذُّل بظاهر الجسد؛ ولهذا كانت العرب تأنف منه ولا تفعله، وقد قال تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (٣)، وتمام الخضوع في الركوع أن يخضع القلب لله، ويذلَّ له، فيتمّ بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره لله - ﷿ - (٤).\nقال العلامة الأصفهاني ﵀: «الركوع: الانحناء، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي، وتارة في التواضع والتذلل: إما في العبادة، وإما في غيرها» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>خامسًا: فهم وتدبّر معنى السجود</span>؛ فإنه أعظم ما يظهر فيه ذلّ العبد\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٢١٨، وسبل السلام للصنعاني،٢/ ٢١٧، والشرح الممتع لابن عثيمين،٣/ ٣٩.\n(٢) الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص٢١.\n(٣) سورة المرسلات، الآية: ٤٨.\n(٤) انظر: الخشوع في الصلاة لابن رجب ص٢٥.\n(٥) مفردات ألفاظ القرآن، ص٣٦٤.","vol":"1","page":269},{"text":"لربِّه تعالى، حيث جعل العبد أشرف أعضائه وأعزّها عليه، وأعلاها عليه، حقيقة أوضع ما يمكنه، فيضعه في التراب مُتعفِّرًا، ويتبع ذلك انكسار القلب، وتواضعه، وخشوعه لله - ﷿ -؛ ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك أن يقرِّبه الله - ﷿ - إليه؛ فإن «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» (١)، كما صح عن النبي - ﷺ -.\nوالسجود أيضًا مما كان يأنفه المشركون المستكبرون عن عبادة الله - ﷿ -، وكان بعضهم يقول: أكره أن أسجد فتعلوني استي، وبعضهم يأخذ كفًا من حصىً فيرفعه إلى جبهته، ويكتفي بذلك عن السجود، وإبليس إنما طرده الله لمّا استكبر عن السجود، لمن أمره الله بالسجود له (٢).\nقال الراغب الأصفهاني ﵀: «السجود: أصله التطامن والتذلّل، وجُعل ذلك عبارة عن التذلّل لله وعبادته.\nوهو عام في الإنسان، والحيوان، والجمادات، وذلك ضربان:\nسجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحق الثواب.\nوسجود تسخير وهو: للإنسان، والحيوان، والنبات» (٣).\nوسجود التسخير يعم كل شيء ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع أو السجود، برقم ٤٨٢.\n(٢) انظر: الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص٢٦.\n(٣) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، ص٣٩٦.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٤٩.","vol":"1","page":270},{"text":"وغير ذلك من فهم وتدبر معاني أفعال الصلاة: كالجلوس بين السجدتين، والجلوس في التشهد واضعًا يديه على ركبتيه، كل ذلك يدل على الخضوع والتذلل لله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>السبب السابع والأربعون: فهم وتدبُّر معاني أقوال الصلاة:</span>\nلا شك أن من تدبَّر معاني أقوال الصلاة خشع قلبه في صلاته، ومن ذلك على سبيل الاختصار تدبر المعاني الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>أولًا: فهم وتدبّر معنى تكبيرة الإحرام: الله أكبر:</span>\n«الله أكبر» أي: الله تعالى أكبر من كل شيء: في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وحُذِف المفضل عليه ليتناول اللفظ كل شيء، فتكبيره سبحانه جامع لإثبات كل كمال له، وتنزيهه عن كل نقص وعيب، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله.\nوأكبر من أن يُذكر بغير المدح والتمجيد والثناء الحسن.\nوحكمة الاستفتاح بها: ليستحضر المصلِّي عظمة من يقف بين يديه، فيخشع له، ويستحيي أن يشتغل بغيره؛ ولهذا أجمع العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وحضر قلبه، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١)، والخشوع إنما يحصل لمن استحضر عظمة ملك الملوك، وأنه يناجيه، ويخشى أن يردها عليه، فيفرِّغ قلبه لها، ويشتغل بها عمَّا عداها، ويؤثرها على ما سواها، فتكون راحته وقرة عينه، قال النبي\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآيتان: ١ - ٢.","vol":"1","page":271},{"text":"- ﷺ -: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فَي الصَّلاَةِ» (١).\nفإذا استشعر العبد بقلبه أن الله أكبر من كلِّ ما يخطر بالبال استحيا منه أن يُشغل قلبه في الصلاة بغيره، فلا يكون موفيًا لمعنى «الله أكبر»، ولا مؤدِّيًا لحق هذا اللفظ، فقبيح بالمُصلِّي أن يقول بلسانه: «الله أكبر»، وقد امتلأ قلبه بغير الله، فلو قضى حق هذا اللفظ لدخل وانصرف بأنواع التحف والخيرات (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>ثانيًا: فهم وتدبُّر معاني دعاء الاستفتاح في الصلاة</span>\n١ - «سبحانك اللهم وبحمدك (٣)، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إلهَ غيرُك» (٤).\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ٣/ ٢٨٥، برقم ١٤٠٣٧، والنسائي في سننه، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، ٧/ ٦١، برقم ٣٩٤٠، من حديث أنس - ﵁ -.\n(٢) انظر: حاشية الروض المربع، ٢/ ١١.\n(٣) سبحانك اللهم وبحمدك: أي سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك، والجد هنا: العظمة»، شرح النووي،٤/ ٣٥٥، وقيل: أسبحك حال كوني متلبسًا بحمدك. انظر: سبل السلام للصنعاني،٢/ ٢٢٤، وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على الروض المربع، ٢/ ٢٢: «يعني بحمدي لك، وثنائي عليك سبحتك: أي نزَّهْتك».\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة، برقم ٣٩٩، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف، برقم ٢٥٥٥ - ٢٥٥٧،وابن أبي شيبة،١/ ٢٣٠، ٢/ ٥٣٦، وابن خزيمة، برقم ٤٧١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي،١/ ٢٣٥.قال ابن تيمية: «وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يجهر بـ «سبحانك اللهم وبحمدك ..» ويعلمه الناس، فلولا أن هذا من السنن المشروعة لم يكن يفعله .. ويقرّه المسلمون عليه».انظر: قاعدة في أنواع الاستفتاح، ص٣١، وزاد المعاد لابن القيم،١/ ٢٠٢ - ٢٠٦.واختار الإمام أحمد الاستفتاح بحديث عمر؛ لعشرة أوجه ذكرها ابن القيم في زاد المعاد،١/ ٢٠٥.وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ أثناء تقريره على الروض المربع،٢/ ٢٣ يقول: «وهو حديث ثابت من طرق عن جماعة من الصحابة» قلت: جاءت روايات أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة، وأنسًا، وأبا سعيد، وعبد الله بن مسعود - ﵃ - رووه، واستفتح به عمر وأبو بكر وعثمان. انظر: المنتقى لأبي البركات عبد السلام بن تيمية مع نيل الأوطار،١/ ٧٥٦.","vol":"1","page":272},{"text":"قوله: «سبحانك اللهم» تنزيه، «وبحمدك» إثبات؛ فهذه الجملة تتضمن التنزيه، والإثبات، ومعناها: تنزيهًا لك يا رب عن النقص في صفات الكمال: كالعلم، والحياة، وعن صفات النقص المجردة عن الكمال: كالعجز، والظلم، وعن مماثلة المخلوقات\nو«اللهم» أصله يا الله، لكن حُذفت ياء النداء، وعُوّض عنها الميم، وبقيت «الله»، وإنما حُذفت الـ «يا» لكثرة الاستعمال، وعوض عنها الميم للدلالة عليها، وأخرت بعد لفظ الجلالة تيمنًا، وتبركًا بالابتداء باسم الله، واختير حرف الميم دون غيره من الحروف للدلالة على الجمع، كأن الداعي يجمع قلبه على ربه - ﷿ -، وعلى ما يريد أن يدعوه به (١).\nوالحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع محبته وتعظيمه: الكمال الذاتي، والكمال الفعلي، فالله - ﷾ -، كامل في ذاته، ومن لازم ذلك أن يكون كاملًا في صفاته، وكذلك في فعله، ففعله جل وعلا دائر بين العدل والإحسان، لا يمكن أن يظلم، إما أن يعامل عباده بالعدل، وإما أن يعاملهم بالإحسان، فالمسيء يعامله بالعدل ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٢)، والمحسن يعامله بالفضل: ﴿مَنْ جَاءَ\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٢٢٧.\n(٢) سورة الشورى، الآية: ٤٠.","vol":"1","page":273},{"text":"بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١)، ومن كان فعله دائرًا بين هذين الأمرين: العدل والفضل، فلا شك أنه محمود على أفعاله، كما هو محمود على صفاته.\nوالواو هنا «وبحمدك» تفيد معنى المعية، يعني: نزهتك تنزيهًا مقرونًا بالحمد.\nقوله: «وتبارك اسمك» أي: كَمُلَ، وتَعَاظَمَ، وَتَقَدَّسَ، وكثرت بركته في السموات والأرض، وإذا كان اسم المسمّى بركة، فالمسمّى أعظم بركة وأولى، وجاء بناؤها على السعة والمبالغة، فدل على كمال بركتها وعظمتها وسعتها، ولا يقال إلا له - ﷾ -؛ فإن «تبارك» من باب «مَجَدَ»، والمجد كثرة صفات الجلال والكمال والسعة، والفضل، فاسم الله نفسه كله بركة، ومثاله: إذا سمَّيت على الطعام لم يشاركك الشيطان فيه، وإن لم تسمِّ شاركك، ولو ذبحت ذبيحة بدون تسمية لكانت ميتة نجسة حرامًا، ولو سمَّيت الله عليها لكانت ذكية طيبة حلالًا، وكل أمر لا يُبدأ ببسم الله فهو أبتر.\nقوله: «وتعالى جدك» تعالى: أي: ارتفع ارتفاعًا معنويًا، والجَدُّ: العظمة، والمعنى: علت عظمتك وارتفعت بحيث لا يساويها أي عظمة من عظمة المخلوق.\n«ولا إله غيرك» هذه كلمة التوحيد التي أُرسل بها جميع الرسل ﵈، ومعناها: لا معبود حق إلا الله، فيكون توحيده سبحانه بالألوهية مبنيًا على كماله، فالسابق كالسبب الذي بُني عليه اللاحق، يعني أنه لكمال\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.","vol":"1","page":274},{"text":"صفاتك لا معبود حق إلا أنت (١).\n٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ -، إذا كبر في الصلاة سكت هُنيَّة (٢) قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خَطايايَ كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خَطايايَ كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنس، اللهم اغْسلْني من خَطايايَ بالثلج والماء والبَرَدِ» (٣).\nقوله: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب»: المباعدة بين المشرق والمغرب هي غاية ما يبالغ فيه الناس، والغرض من هذا التشبيه امتناع الاقتراب من الذنوب كامتناع اقتراب المشرق من المغرب، والمعنى: باعد بيني وبين فعل الخطايا بحيث لا أفعلها، وباعد بيني وبين عقوبتها إن فعلتها.\nقوله: «اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس» المراد الخطايا والذنوب التي فعلها فينقَّى منها، وهذا التشبيه لقوَّة التَّنقية، أي: اللهم طهرني من خطاياي طهارة كاملة، وأزلها عني كما يُطهَّر الثوب الأبيض من الوسخ، ووقع التشبيه بالثوب الأبيض؛ لأن ظهور النقاء فيه أشد وأكمل لصفائه، بخلاف\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع، ٣/ ٥٤ - ٦٠، والمنهل العذب المورود وشرح سنن أبي داود، ٥/ ١٨٧.\n(٢) هنيَّة: أي وقت لطيف قصير، أو ساعة لطيفة. فتح الباري لابن حجر، مقدمة فتح الباري، ص٢٠٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير، برقم ٧٤٣، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، برقم ٥٩٨.","vol":"1","page":275},{"text":"غيره من الألوان، وبعد التنقية قال: «اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد»، وفي لفظ: «اللهم اغسلني من خطاياي: بالثلج، والماء، والبرد» أي طهرني من خطاياي بأنواع مغفرتك التي هي تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأوساخ، وذكر أنواع المطهِّرات المُنَزَّلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها تبيانًا لأنواع المغفرة التي لا يتخلص من الذنوب إلا بها، فبان أن المراد بالمباعدة أي: أن لا أفعل الخطايا، ثم إن فعلتها فنقني منها، ثم أزل آثارها بزيادة التطهير بالماء والثلج والبرد، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم لكونها مسببة عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات، ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه (١).\n٣ - «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه» (٢).\n«الحمد» هو الوصف بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم، والألف واللام في «الحمد» لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى.\n«طيبًا» أي: خالصًا لوجهه تعالى. «مباركا فيه» أي: كثير الخير،\n_________\n(١) انظر: المنهل العذب، ٥/ ١٩٤، ١٩٥.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، برقم ٦٠٠، ولفظه: عن أنس - ﵁ - أن رجلًا جاء فدخل الصف وقد حفزه النفس، فقال: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه» فقال رسول الله - ﷺ -: «.. لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهم يرفعها» مسلم، برقم ٦٠٠ ..","vol":"1","page":276},{"text":"يعني كثيرًا غاية الكثرة (١).\n٤ - «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا» (٢).\nقوله: «الله أكبر كبيرًا» أي: الله تعالى أكبر من كل شيء في ذاته وأسمائه وصفاته، و«كبيرًا» أي: أكبر كبيرًا، أو تكبيرًا كبيرًا.\nقوله: «والحمد لله كثيرًا» أي حمدًا كثيرًا.\nقوله: «وسبحان الله بكرة وأصيلًا» أي أوَّل النهار وآخره، وخص هذين الوقتين بالذكر لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، أو لتنزيه الله تعالى عن التغير في أوقات تغير الكون (٣).\n٥ - «اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٤).\nقوله: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل» خصَّ هؤلاء الثلاثة من الملائكة بالذكر تشريفًا لهم وتعظيمًا، إذْ بهم تنتظم أمور\n_________\n(١) انظر: المنهل العذب، ٥/ ١٧٣.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، برقم ٦٠١.ولفظه: عن ابن عمر ﵄ قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله - ﷺ - إذ قال رجل من القوم: «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا» فقال رسول الله - ﷺ -: «.. عجبت لها فتحت لها أبواب السماء» مسلم، برقم ٦٠١.\n(٣) انظر: المنهل العذب، ٥/ ١٧٤.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧٠.","vol":"1","page":277},{"text":"العباد، فجبرائيل - ﵇ - كان موكَّلًا بالوحي وإنزال الكتب السماوية على الأنبياء ﵈، وتعليم الشرائع، وأحكام الدين، وميكائيل - ﵇ - موكَّلٌ بجميع القطر والنبات وأرزاق بني آدم وغيرهم، وإسرافيل - ﵇ - موكَّلٌ باللوح المحفوظ، وهو الذي ينفخ في الصور.\nقوله: «عالم الغيب والشهادة» أي: ما غاب عن العباد، وما شاهدوه وظهر لهم.\nقوله: «فيما كانوا فيه يختلفون»: في الدنيا من أمر دينهم، فتعذب العاصي إن شئت، وتثيب الطائعين.\nقوله: «اهدني لما اختُلِف فيه من الحق» أي: دلني على الحق الذي اختلفوا فيه، ولم يقبلوه.\nقوله: «بإذنك» أي: بإرادتك وتوفيقك.\nقوله: «إنك تهدي من تشاء»: هنا إشارة إلى أن الهداية والإضلال ليسا من فعل الإنسان، بل بخلق الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (١).\nقوله: «إلى صراط مستقيم»: أي طريق الحق، وسمي صراطًا؛ لأنه موصل للمقصود، كما أن الطريق الحسي كذلك (٢).\n٦ - عن علي بن أبي طالب - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه كان إذا قام\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.\n(٢) انظر: المنهل العذب، ٥/ ١٧٨.","vol":"1","page":278},{"text":"إلى الصلاة (١) قال: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك، وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» (٢).\nوإن شاء قال ما ثبت عن النبي - ﷺ - من الأنواع الأخرى في الاستفتاح (٣).\n_________\n(١) وفي رواية ابن خزيمة، ١/ ٢٣٦، برقم ٤٦٤ بلفظ: «كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر ويقول ..» وقال شعيب وعبد القادر الأرناؤوط في تحقيقهما لزاد المعاد،١/ ٢٠٣: «وإسناده صحيح». وزاد ابن حبان هذه الزيادة أيضًا، ٥/ ٧٠، برقم ١٧٧٢، ولفظه: «كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة قال: وجهت وجهي». وقال الحافظ ابن حجر في الفتح، ٢/ ٢٣٠: «وهو عند مسلم من حديث علي لكنه قيّده بصلاة الليل، وأخرجه الشافعي [في المسند ١/ ٧٢ - ٧٣]، وابن خزيمة، وغيرهما بلفظ: «إذا صلى المكتوبة واعتمده الشافعي في الأم» ا. هـ وتعقب الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ كلام ابن حجر في نقله أن مسلمًا قيَّده بصلاة الليل فقال: «هذا وهْمٌ من الشارح ﵀، وليس في رواية مسلم تقييده بصلاة الليل فتنبه، والله أعلم» الفتح،٢/ ٢٣٠. وقال الصنعاني ﵀ في سبل السلام،٢/ ٢٢٣ على كلام ابن حجر ﵀: «لم نجد في مسلم هذا الذي ذكره المصنف من أنه كان يقوله في صلاة الليل، وإنما ساق حديث علي - ﵁ - هذا في قيام الليل».\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ٧٧١.\n(٣) وذكر ابن تيمية ﵀ في كتاب: «قاعدة في أنواع الاستفتاح» ص٣١: «أن الاستفتاح لا يختص بـ «سبحانك اللهم»، و«وجهت وجهي» وغيرهما؛ بل يستفتح بكل ما روي، لكن فضل بعض الأنواع على بعض يكون بدليل آخر».وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه لبلوغ المرام لابن حجر على الحديث رقم ٢٨٧ يقول: «وواحد من أدعية الاستفتاح يكفي، ولا يجمع بين دعاءين، وما صح في صلاة النافلة يصح في الفريضة، لكن ما كان فيه طول فالأولى أن يكون في صلاة الليل».","vol":"1","page":279},{"text":"قوله: «وجهت وجهي» أي توجَّهْتُ بذاتي، وأخلصت عبادتي لله تعالى، فالمراد بالوجه هنا الذات، ويحتمل أن يراد بوجه الإنسان هنا القلب: أي وجهت قلبي لعبادة الله تعالى، ويؤخذ منه أنه ينبغي للمصلي عند قراءة هذا الدعاء أن يكون على غاية من الحضور والإخلاص، وإلا كان كاذبًا، وأقبح الكذب ما يكون والإنسان واقف بين يدي من لا تخفى عليه خافية.\nقوله: «للذي فطر السموات والأرض» أي خلقهما وأوجدهما على غير مثال سابق، والمراد بالسموات ما علا فيشمل العرش، وبالأرض ما سفل، فيشمل ما تحتها، والعلم عند الله تعالى، وقدم السموات؛ لأنها أشرف من الأرض؛ لكونها مسكن الملائكة المطهرين لا غير، والأرض وإن كان فيها الأنبياء لكنها احتوت على المفسدين، وجمع السموات لاختلاف أجناسها، وأفرد الأرض وهي سبع أرضين؛ لأنها من جنس واحد.\nقوله: «حنيفًا مسلمًا ...» أي وجهت وجهي حال كوني مائلًا عن كل دين باطل إلى دين الحق ثابتًا عليه، منقادًا مطيعًا لأمره تعالى ومجتنبًا لنهيه، وما أنا من المشركين: أي الكافرين، فيشمل عبدًا لوثن وغيره.\nقوله: «إن صلاتي ونسكي» أي عباداتي من حج وغيره، فعطف","vol":"1","page":280},{"text":"النسك على الصلاة من عطف العام على الخاص [ويدخل في النسك: الذبح].\nقوله: «ومحياي ومماتي ...» أي حياتي، وموتي وما آتيه في حياتي، وأحوز عليه من الإيمان والعمل الصالح، «لله رب العالمين» خالصًا لوجهه - ﷿ -.\nقوله: «لا شريك له» أي: في ذاته، وصفاته، وأسمائه، وربوبيته وألوهيته.\nقوله: «وبذلك أمرت وأنا من المسلمين» أي بالتوحيد الكامل، والطاعات الخالصة، أمرت وأنا من المنقادين المستسلمين، المطيعين لله تعالى، ولا فرق بين الرجل والمرأة في هذا الدعاء، وكل ما ورد من الأذكار والأدعية.\nقوله: «اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت» أي المتصرف في جميع المخلوقات بدون معارض، وأنت مربّيني على موائد كرمك، وهو تخصيص بعد تعميم.\nقوله: «ظلمت نفسي» اعتراف بالتقصير، وبما يوجب نقص حظ النفس من ملابسة المعاصي، أما بالنسبة لنا فظاهر، وأما بالنسبة للنبي - ﷺ - فهو من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو قال ذلك تواضعًا وتعليمًا للأمة، وقدمه على سؤال المغفرة تأدبًا كما وقع لآدم وحواء في قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا","vol":"1","page":281},{"text":"وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١).\nقوله: «إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» وهذا بمنزلة التعليل لطلب المغفرة، فكأنه قال: اغفر لي ذنوبي؛ لأن مغفرة الذنوب بيدك لا يتولاها غيرك، ولا يقدر عليها أحد إلا أنت.\nقوله: «واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ...» أي أرشدني لأكمل الأخلاق، ووفقني للتحلّي بها.\nقوله: «واصرف عني سيئها» أي: أبعد عني قبيح الأخلاق.\nقوله: «لبيك وسعديك» أي: أجيبك إجابة بعد إجابة، وأسعد بإقامتي على طاعتك، وإجابتي لدعوتك سعادة بعد سعادة.\nقوله: «والخير كله بيديك» أي: جميع الخير حسيًاّ ومعنويًا بيدي الله تعالى.\nقوله: «والشر ليس إليك» أي: لا يتقرّب به إليك، ولا يضاف إليك، وهذا تأدُّبًا، بل يضاف إلى من فعله، والله تعالى هو خالق كل شيء، ولكن لا يأتي منه إلا الخير؛ لأن الشر يضاف إلى المفعولات، وخلق الله تعالى ذلك لا يأتي إلا بخير.\nقوله: «أنا بك وإليك» أي: أستعين بك، وألتجئ إليك، أو بك وُجدت، وإليك ينتهي أمري.\nوقوله: «تباركت وتعاليت» أي: تكاثر خيرك، وتزايد برُّك، وتنزَّهت عن النقائص، واتصفت بالكمالات المطلقة.\n_________\n(١) سورة الأعراف الآية ٢٣.","vol":"1","page":282},{"text":"قوله: «أستغفرك وأتوب إليك» أي أطلب منك المغفرة لما مضى، وأرجع عن فعل الذنب فيما بقي متوجِّهًا إليك بالتوفيق والثبات إلى الممات (١).\n٧ - «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ (٢) أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنَّ، ولَكَ الحَمْدُ أنْتَ قَيِّمُ السَّمَواتِ والأرْضِ ومَنْ فيهنَّ، [وَلَكَ الحَمْدُ أنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنّ]، [وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَنْ فِيهنّ] [وَلَكَ الحَمْدُ أنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ] [وَلَكَ الحَمْدُ] [أنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وقَوْلُكَ الحَقُّ، ولِقَاؤُكَ الحَقُّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - حَقٌّ، والسَّاعَةُ حَقٌّ] [اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وبِكَ آَمَنْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وإليْكَ حَاكَمْتُ. فاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، ومَا أخَّرْتُ، ومَا أسْرَرْتُ، ومَا أعْلَنْتُ] [أنْتَ المُقَدِّمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ] [أنْتَ إلَهِي لَا إِلَهَ إلاَّ أنْتَ]» (٣). (٤).\n_________\n(١) انظر: المنهل العذب المورود، شرح سنن أبي داود، للسبكي، ٥/ ١٦٨ - ١٧٠. والعلم الهيب، للعيني، ص٢٦٥ - ٢٦٨، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص٨٨ - ٩٠.\n(٢) كان النبي - ﷺ - يقول إذا قام من الليل يتهجد.\n(٣) البخاري مع الفتح، أبواب التهجد، باب التهجد من الليل، ٣/ ٣، و١١/ ١١٦، و١٣/ ٣٧١، ٤٢٣، ٤٦٥، برقم ١١٢٠، ومسلم، مختصرًا بنحوه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ١/ ٥٣٢، برقم ٧٦٩.\n(٤) وهناك نوع آخر من أنواع الاستفتاح، ولفظه: عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة ﵂ بم كان رسول الله - ﷺ - يستفتح قيام الليل؟ قالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك، كان إذا قام: «كبّر عشرًا، وحمد عشرًا، وسبَّح عشرًا، وهلَّل عشرًا، واستغفر عشرًا، وقال: اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني، أعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة» .. أبو داود، برقم ٧٦٦، والنسائي، برقم ١٦١٧، وأحمد، ٦/ ١٤٣، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٨٩، وصحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤٦.","vol":"1","page":283},{"text":"قوله: «أنت نور السموات والأرض» أي: أنَّ كل شيء استنار منها واستضاء فبقدرتك، وأضاف النور إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه، وفشو ضيائه، وعلى هذا فسر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١).\nوقد ثبت أن الله تعالى سمى نفسه: «نور السموات والأرض» بالكتاب والسنة، وقد ورد في الكتاب على صيغة الإضافة، وفي الحديث الصحيح (٢) الذي جاء عن أبي ذر - ﵁ - من غير إضافة، وذلك قوله - ﷺ -: «نور أنَّى أراه» حين سأله أبو ذر - ﵁ -: «هل رأيت ربك؟».\nقوله - ﷺ -: «نور أنَّى أراه» معناه: حجابه نور، فكيف أراه، وقد فسر ذلك الحديث الآخر الذي قال فيه النبي - ﷺ -: «إن الله - ﷿ - لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور»، وفي رواية: «النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٣). فاسم النور بدون إضافة يحتاج إلى دليل، أما القرآن فقد جاء مضافًا ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٣٥.\n(٢) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله - ﵇ -: نور أنى أراه، وفي قوله: رأيت نورًا، برقم ١٧٨.\n(٣) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله - ﵇ -: نور أنى أراه، وفي قوله: رأيت نورًا، برقم ١٧٩.","vol":"1","page":284},{"text":"وسألت شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: هل من أسماء الله النور؟ فقال: ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nقوله: «أنت قيم السموات والأرض» أي: الذي يقوم بحفظها ومراعاتها، وحفظ من أحاطت به، واشتملت عليه، يؤتي كل شيء ما به قوامه، ويقوم على كل شيء من خلقه مما يراه من تدبيره.\nقوله: «أنت رب السموات والأرض» أي: أنت مالك السماوات والأرض «ومن فيهن» والرب يأتي بمعنى المالك والسيد والمطاع والمصلح.\nقوله: «أنت الحق» الحق اسم من أسماء الله - تعالى -؛ ومعناه: الموجود حقيقة، المتحقق وجوده وإلاهيته.\nقوله: «ووعدك الحق» أي: الثابت غير الباطل؛ قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١).\nقوله: «وقولك الحق» أي: غير كذب، بل هو صدق حقًا وجزمًا.\nقوله: «ولقاؤك الحق» أي: واقع كائن لا محالة.\nولقاء الله تعالى حق لا شك فيه، على الوجه اللائق بالله تعالى، من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف، ولا تمثيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٩.\n(٢) سورة الشورى، الآية: ١١.","vol":"1","page":285},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير، وقال: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ﷾ ... كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (١) فذكر أنه يكدح إلى الله فيلاقيه، والكدح إليه: يتضمن السلوك والسير إليه، واللقاء يعقبهما ...» (٢).\nقوله: «والجنة حق» أي: موجودة مُعدَّة للمؤمنين.\nقوله: «والنار حق» موجودة مُعدَّة للكافرين.\nقوله: «والنبيون حق» أي: حق في أنهم من عند الله - تعالى - وأنهم أنبياء الله تعالى وعبيده.\nقوله: «ومحمد حق» أي: حق نبوته ورسالته، وأنه عبد الله ورسوله إلى العرب والعجم [والإنس والجن، ولا نبي بعده]، وإنما أفرد نفسه بالذكر، وإن كان داخلًا في النبيين، تنبيهًا على شرفه وفضله.\nقوله: «والساعة حق» أي: واقعة كائنة لا محالة، والمراد من الساعة هو الحشر والنشر.\nقوله: «اللهم لك أسلمت» أي: انقدتُ وأطعت.\nقوله: «وبك آمنت» أي: صدقت بك وبكل ما أخبرت وأمرت ونهيت.\nفيه إشارة إلى الفرق بين الإيمان والإسلام.\n_________\n(١) سورة الانشقاق، الآية: ٦.\n(٢) مجموع الفتاوى، ٦/ ٤٦١ - ٤٧٥.","vol":"1","page":286},{"text":"قوله: «وعليك توكلت» أي: فوَّضت أمري إليك، واعتمدتُ في كل شأني عليك.\nقوله: «وإليك أنبت» أي: رجعت وأقبلت بهمتي وطاعتي إليك، وأعرضت عما سواك.\nقوله: «وبك خاصمت» أي: بك أحتج وأدافع، وأقاتل من عاند فيك، وكفر بك، وأقمعه بالحجة وبالسيف.\nقوله: «وإليك حاكمت» أي: رفعت محاكمتي إليك في كل من جحد الحق، وجعلتك الحكم بيني وبينه، لا غيرك مما كانت تحاكم إليه الجاهلية وغيرهم، من صنم وكاهن ونار وشيطان .. وغيرها، فلا أرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد على غيرك.\nقوله: «فاغفر لي ما قدمت وما أخرت» أي: من الذنوب.\nقوله: «وما أسررت» بها، «وما أعلنت» منها؛ أي: من المعاصي والذنوب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>ثالثًا: فهم وتدبّر معاني الاستعاذة:</span>\n١ - \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\"\nقوله: «أعوذ بالله» أي: ألتجئ وأعتصم به، فالله سبحانه هو الملاذ، وهو المعاذ، فاللياذ: لطلب الخير، والعياذ: للفرار من الشر.\nقال الشاعر:\n_________\n(١) انظر: العلم الهيب في شرح الكلم الطيب للعيني، ص ٢٧١ - ٢٧٦، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ٨٧ - ٩٠.","vol":"1","page":287},{"text":"يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به ممن أحاذره\nلا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ... ولا يهيضون عظمًا أنت جابره (١)\n\nقوله: \"من الشيطان\": اسم: جنس يشمل الشيطان الأول الذي أُمر بالسجود لأبينا آدم - ﵇ - فلم يسجد، ويشمل ذريته أيضًا، وهو من \"شطن\" إذا بعُد، لبُعده من رحمة الله؛ فإن الله لعنه أي: طرده وأبعده عن رحمته.\nقوله: \"الرجيم\" فعيل بمعنى: راجم، وبمعنى: مرجوم. فهو راجم، أي: يرجم غيره بالإغواء، فهو يؤز أهل المعاصي إلى المعاصي أزًا، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (٢). وهو مرجوم: بلعنة الله، وطرده، وإبعاده عن رحمته، قال تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣).\nوفائدة الاستعاذة هنا: ليكون الشيطان بعيدًا عن قلب المرء، وهو يتلو كتاب الله - ﷿ - حتى يحصل له بذلك تدبّر القرآن، وتفهّم معانيه، والانتفاع به (٤).\nومن لطائف الاستعاذة: أنها طهارة للفم، مما كان يتعاطاه: من اللّغو، والرفث، وتطييب له، وتهيّؤٌ لتلاوة كلام الله، وهي استعانة\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، ص ٢١.\n(٢) سورة مريم، الآية: ٨٣.\n(٣) سورة الحجر، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.\n(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ص ٢١، والشرح الممتع، ٣/ ٧١ - ٧٣.","vol":"1","page":288},{"text":"بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالضعف، والعجز عن مقاومة العدو المبين، الباطني، الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، الذي يراه وهو لا يراه، فهو في مقابل ذلك يستعين بالذي يرى الشيطان، ولا يراه الشيطان، فالمسلم يلجأ إلى الله من الشيطان أن يضرَّه في دينه أو دنياه، بصدِّه عن فعل ما أُمر به، أو بحثِّه على فعل ما نُهي عنه (١).\n٢ - «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» (٢).\nقوله: «من همزه»: فسَّره بعض الرواة بالمؤتة، بضم الميم، وفتح التاء: نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه عقله.\nقوله: «ونفخه»: فسَّره الراوي بالكِبْر، وكان الكِبْر من نفخ الشيطان؛ لأنه ينفخ في الشخص بالوسوسة، فيعتقد عظم نفسه، وحقارة غيره.\nقوله: «ونفثه»: فسَّره الراوي بالشعر، والمراد: الشعر المذموم كالهجاء (٣)؛ لقوله ﵊: «إن من الشعر حِكَمًا» (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ص ٢١،طبعة دار السلام، وطبعة دار عالم الكتب المحققة،١/ ١٧٤.\n(٢) أحمد في مسنده، ٣/ ٥٠، برقم ١١٣٧٤، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك، ١/ ٤٩٠، برقم ٧٧٥، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة، ٢/ ٩، برقم ٢٤٢، وحسَّن إسناده الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص ٩٦.\n(٣) انظر: سبل السلام، كتاب الصلاة، باب التعوذ قبل القراءة، ١/ ٢٧٨، الحديث رقم ٢٥٦.\n(٤) الترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء أن من الشعر حكمة، ٥/ ١٢٦، برقم ٢٨٤٥، وقال: حديث حسن صحيح. من حديث ابن عباس ﵄. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٢١٥، وهو في صحيح البخاري، برقم ٦١٤٥ بلفظ: «إن من الشعر حكمة» عن أبي بن كعب - ﵁ -.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>رابعًا: فهم وتدبُّر معنى البسملة:</span>\n«بسم الله الرحمن الرحيم» أي: أقرأ باسم الله، ويأتي معنى «الرحمن الرحيم» في تفسير الفاتحة الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>خامسًا: فهم وتدبُّر معاني الفاتحة أُمّ القرآن:</span>\nقوله - ﷿ -: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» الحمد: هو الوصف بصفات الكمال، مع كمال المحبة والتعظيم، والألف واللام في «الْحَمْدُ»: لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى.\nقوله - ﷿ -: «رَبِّ الْعَالَمِينَ»: الربّ: هو الخالق، المالك، المتصرف، ولا يستعمل لغير الله إلا بالإضافة؛ كقولك: رب الدار، و«الْعَالَمِينَ»: جمع عالَم، وهو كل موجود سوى الله - ﷿ - من أصناف المخلوقات: في السموات، والبر، والبحر، والعالم مشتق من العلامة؛ لأنه علَم دالّ على وجود خالقه سبحانه.\nقوله - ﷿ -: «الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»: اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والأول أبلغ لعمومه في الدارين لجميع خلقه، أما الثاني فخاص بالمؤمنين.\nقوله - ﷿ -: «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ»: لا يملك مع الله سبحانه أحد في هذا اليوم حكمًا كملكهم في الدنيا، وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه سبحانه؛ قال","vol":"1","page":290},{"text":"تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١)، وقال النبيّ - ﷺ -: «يَقْبِضُ اللَّهُ ﵎ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟» (٢). و«الدين»: الجزاء والحساب لله ٠\nقوله - ﷿ -: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»: هذان مرجع الدين، وقُدّم المفعول للاهتمام والحصر، والمعنى: لا نعبد إلا إيّاك، ولا نستعين، ونتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة؛ فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، وتَحوَّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب؛ لأن القارئ كأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: «إياك»، وهذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة، وإرشاده لعباده أن يثنوا عليه بذلك.\n«إيَّاكَ نَعْبُدُ» أي: نُوَحِّدُ ونخاف ونرجو، «وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ» على طاعتك، وعلى أمورنا كُلِّها، وقدّم العبادة له؛ لأنها هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، وللاهتمام والحزم يقدم الأهم فالأهم.\nقوله - ﷿ -: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ»: بعد تقدم الثناء على المسؤول ﵎ ناسب أن يُعقّب بالسؤال وهو الهداية، والهداية هاهنا هي هداية الإرشاد، أي: العلم، وهداية التوفيق، أي العمل، والصراط أي الطريق الواضح المستقيم الذي لا اعوجاج\n_________\n(١) سورة غافر، الآية: ١٦.\n(٢) مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب صفة القيامة والجنة والنار، برقم ٢٧٨٧.","vol":"1","page":291},{"text":"فيه، الذي نصبه الله لأهل نعمته، وهو العبادة، فالصراط ها هنا: المتابعة لله تعالى وللرسول - ﷺ -، والمؤمن يسأل الله تعالى في كل صلاة الهداية؛ وذلك لأن العبد مفتقر كلَّ ساعةٍ، وحالةٍ إلى الله تعالى، في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصّره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فمعنى «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» أي. استمر بنا عليه، ولا تعدل بنا إلى غيره.\nقوله - ﷿ -: «صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ»: المنعم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ (١)، أي أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين.\nقوله - ﷿ -: «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ»: هم اليهود، وكل من علم الحق ولم يعمل به. و«الضَّالِّينَ»: هم النصارى، وكل من جهل الحقّ، وقُدِّم اليهود على النصارى في الذكر؛ لأنهم كانوا هم الذين يلون النبي - ﷺ -، حيث كانوا جيرانه في المدينة بخلاف النصارى فإن ديارهم كانت نائية؛ ولذا نجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن أكثر من خطاب النصارى (٢).\n_________\n(١) سورة النساء، الآيتان: ٦٩ - ٧٠.\n(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ص ٢٥ - ٣٢، وبدائع الفوائد، لابن القيم، ١/ ٩ - ٤١، وهذا الموضع مهم.","vol":"1","page":292},{"text":"* «آمين»: بتخفيف الميم، أي: اللَّهم استجب لنا ما سألناك، قال الفقهاء: من شدّد الميم بطلت صلاته؛ لأنَّ معناها حينئذ: قاصدين، وهذا من جنس كلام المخلوقين (١).\nوفي التأمين فضل عظيم، فمع كونه قولًا يسيرًا لا كلفة فيه، يترتب عليه المغفرة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ، وقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>سادسًا: فَهْمُ وتدبُّر معاني أذكار الركوع:</span>\n١ - «سبحان ربي العظيم» (٤) [ثلاث مرات] (٥).\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع، ٣/ ٩٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل التأمين، برقم ٧٨١، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين، برقم ٤١٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب جهر المأمومين بالتأمين، برقم ٧٨٢، وكتاب التفسير، برقم ٤٤٧٥، واللفظ له، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين، برقم ٤١٠.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم ٧٧٢ من حديث حذيفة - ﵁ -.\n(٥) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، برقم ٨٨٨، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه،\n١/ ١٤٧، وإرواء الغليل، ٢/ ٣٩.","vol":"1","page":293},{"text":"التسبيح: يعنى تنزيه الله عن مطلق النقص: كالجهل، والعجز، وعن النقص في كماله؛ فينزَّه مثلًا: عن التعب والإعياء فيما يخلقه ويفعله، وينزَّه عن مشابهة المخلوقين.\nو«العظيم»: أي في ذاته وصفاته؛ فإنه سبحانه في ذاته أعظم من كل شيء (١).\n٢ - «سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رَبُّ الملائكَةِ وَالرُّوح» (٢).\nقوله: «سُبُّوح»: صيغة مبالغة من سبحان، وهو تنزيه الله - ﷿ - عن كل نقص.\nو«قُدُّوس»: أي الطاهر من كلّ عيبٍ ونقصٍ: أي أنزهه تنزيهًا عن كل نقصٍ، و«القدوس»: صيغة مبالغة من التقديس: وهو التطهير من العيوب.\nقوله: «والروح»: قيل: مَلَكٌ عظيم، وقيل: يحتمل أن يكون جبريل - ﵇ -، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة، كما لا نرى نحن الملائكة، والله - ﷾ - أعلم (٣).\n٣ - «سبحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (٤).\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع، ٣/ ١٢٨، ١٢٩، والمنهل العذب، ٥/ ٣١٥.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٧.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٢٠٤، ٢٠٥، والمنهل العذب، ٨/ ٦٨، والعلم الهيِّب في شرح الكلم الطيب، للعيني، ص ٢٨٣، ٢٨٤.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء في الركوع، برقم ٧٩٤، ٨١٧، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٤ من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":294},{"text":"التسبيح: التنزيه، أي: براءة وتنزيهًا لله جل وعلا من كل نقص.\nقوله: «وبحمدك»: أي: وبحمدك سبحتك، ومعناه: بتوفيقك لي، وهدايتك، وفضلك عليَّ سبحتك، لا بحولي، ولا بقوتي، ففيه شكر الله تعالى على هذه النعمة، والاعتراف بها، والتفويض إلى الله تعالى (١).\n٤ - «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي، [ومَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي]» (٢).\nقوله: «خشع لك سمعي وبصري»: أي: خضع لك، فلا يسمع إلا ما أذنت في سماعه، وخضع بصري، فلا يُبصر إلا ما أذنت في إبصاره، وخصَّ السمع والبصر بالذكر من بين الحواس؛ لأن أكثر الآفات منهما، فإذا خشعا قلَّت الوساوس؛ ولأن تحصيل العلم النقلي والعقلي بهما.\nقوله: «مخي، وعظمي، وعصبي»: المراد خضع لك جسمي باطنًا، كما خضع لك ظاهرًا، وكَنَّى بهذه الثلاثة عن الجسم؛ لأن مدار قوامه عليها، والغرض من هذا كله المبالغة في الانقياد والخضوع لله جل وعلا (٣).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٢٠١، ٢٠٢، والمنهل العذب، ٥/ ٣٢٥.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧١. وما بين المعقوفين عند ابن حبان في صحيحه، برقم ١٩٠١، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ٦٠٧.\n(٣) انظر: المنهل العذب، ٥/ ١٧٠، والعلم الهيّب في شرح الكلم الطيب للعيني، ص ٢٨٠، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ٢٠١ - ٢٠٢.","vol":"1","page":295},{"text":"٥ - «سبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ، والمَلَكُوتِ، والْكِبْرِياءِ، والْعَظَمَةِ» (١).\nقوله: «ذي الجبروت»: فَعَلُوت: من الجبر، وهو القهر، وهو صفة من صفات الله تعالى، ومنه الجبَّار، ومعناه: الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، وكل شيء يريده.\nقوله: «والملكوت»: من الملك، ومعنى ذي الملكوت: مالك كل شيء، وصيغة الفعلوت للمبالغة: كالرحموت، والرهبوت.\nقوله: «والكبرياء»: أي: سبحان ذي الكبرياء: أي العظمة، والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذّات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله - ﷾ - (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>سابعًا: فَهْمُ وَتدبُّر معاني أذكار الرفع من الركوع:</span>\n١ - «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» (٣).\nقوله: «سمع»: أي: استجاب، والمعنى: استجاب الله دعاء من حمده، يقال: اسمع دعائي، أي: أجب؛ لأن غرض السائل الإجابة والقبول، فمن حمد الله فإنه يكون قد دعا ربه بلسان الحال؛ لأن\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧٣، والنسائي، كتاب الإمامة، باب نوع آخر من الذكر في الركوع، برقم ١٠٤٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٤٧.\n(٢) العلم الهيب في شرح الكلم الطيب، ص ٢٨٦، ٢٨٧، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ٢٠٣.\n(٣) البخاري، كتاب صفة الصلاة، باب التكبير إذا قام من السجود، ١/ ٣١٢، برقم ١٧٧، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة إلا رفعه من الركوع، ١/ ٢٩٣، برقم ٣٩٢، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":296},{"text":"الذي يحمد الله يرجو الثواب، فإذا كان يرجو الثواب فإن الثناء على الله بالحمد والذكر والتكبير متضمن للدعاء (١).\n٢ - «ربنا لك الحمد» (٢). أو «اللهم ربنا لك الحمد» (٣)،\nأو «اللهم ربنا ولك الحمد» (٤)، أو «ربنا ولك الحمد» (٥) [حمدًا، كثيرًا، طيبًا، مباركًا فيه] (٦).\nقوله: «ربنا»: أي: أنت الرب الملك القيُّوم، الذي بيده الأمور، ثم عطف على هذا المعنى قوله: «ولك الحمد» فجمع بين الدعاء والاعتراف، أي: ربنا تقبل منا، ولك الحمد على هدايتك إيّانا لما يرضيك عنَّا، والحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم، ثم أخبر عن شأن هذا الحمد بقوله: «ملءَ السموات» إلخ، كما سيأتي في نص آخر (٧).\nقوله: «طيبًا» أي: خالصًا.\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ١٣٩، والشرح الممتع، ٣/ ١٣٦، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٠٥.\n(٢) متفق عليه، البخاري، كتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من السجود، برقم ٧٨٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة ...، برقم ٣٩٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل اللهم ربنا ولك الحمد، برقم ٧٩٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين، برقم ٤٠٩.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع، برقم ٧٩٥.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع، برقم ٧٩٥، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين، برقم ٤٠٩.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، باب حدثنا معاذ بن فضالة، برقم ٧٩٩.\n(٧) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم، ٢/ ٩٢، ٩٣، والشرح الممتع، ٣/ ١٣٩.","vol":"1","page":297},{"text":"قوله: «مباركًا» أي: متزايدًا كثير الخير (١).\n٣ - «ملءَ السمواتِ، وملءَ الأرض، وما بينهما، ومِلءَ ما شئت من شيء بعدُ، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ، اللَّهمَّ لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (٢).\nقوله: «ملءَ السموات، وملءِ الأرض»: الله سبحانه محمود على كل شيء؛ على كل مخلوق يخلقه، وعلى كل فعل يفعله؛ ولأن المخلوقات تملأ السموات والأرض، فيكون الحمد حينئذ مالئًا للسموات والأرض، فالمُصلِّي يستحضر بهذا الذكر أن الله محمود على كل فعل فعله، وعلى كل خلق خلقه.\nوقوله: «وَمِلْءَ ما شئت من شيء بعدُ» أي: بعد السموات والأرَضين: كالكرسي، والعرش، وما تحت الأرَضين مما لا يعلمه إلا الله، ولا يحيط به سواه، والمراد الاعتناء في تكثير الحمد، وفي هذا اللفظ إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ المجهود فيه، وأنه - ﷺ - حَمِدَه مِلءَ السموات والأرض، وملءَ ما بينهما، ثم ارتفع فأحال الأمر فيه على المشيئة، وليس وراء ذلك الحمد منتهى (٣).\n_________\n(١) انظر: العلم الهيب في شرح الكلم الطيب، ص ٢٩١، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٠٦.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، برقم ٤٧٧.\n(٣) انظر: الشرح الممتع، ٣/ ١٤١ - ١٤٣، والمنهل العذب، ٥/ ١٧٠، والعلم الهيب، ص ٢٨٨، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٠٧.","vol":"1","page":298},{"text":"قوله: «أهلَ الثناء والمجد»: أهل الثناء: منصوب على النداء، والثناء هو الوصف الجميل والمدح.\nقوله: «والمجد» أي: العظمة، ونهاية الشرف، يقال: رجل ماجدٌ مفضال كثير الخير شريف، والمجيد فعيل للمبالغة، ومنه سُمّي الله مجيدًا (١).\nقوله: «الجَدّ»: المشهور فيه فتح الجيم، وهو: الحظ، والغنى، والعظمة، والسلطان، والمعنى: لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان منك حظه، أي: لا ينجيه حظه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ (٢)، فبيَّن النبي - ﷺ - أنه من كان له في الدنيا رئاسة ومال لم ينجه ذلك، ولم يخلِّصْه من الله؛ وإنما ينجيه من عذابه إيمانُه وتقواهُ، فهاهنا أصلان عظيمان: أحدهما: توحيد الربوبية، وهو أن لا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ، ولا مانع لما أعطاه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يُسأل إلا هو. والثاني: توحيد الألوهية، وهو بيان ما ينفع، وما لا ينفع، وأنه ليس كل من أُعطي مالًا أو دنيا أو رئاسة كان ذلك نافعًا له عند الله، منجيًا له من عذابه؛ فإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب (٣).\n_________\n(١) انظر: العلم الهيب، ص ٢٨٩، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٠٧.\n(٢) سورة الكهف، الآية: ٤٦.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ١٩٤، وفتاوى شيخ الإسلام، ٢٢/ ٤٤٧.","vol":"1","page":299},{"text":"قوله: \"أحق ما قال العبد\" تقديره: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت ... إلخ، واعترض بينهما: «وكلنا لك عبد» للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت، وكلّنا لك عبد، فينبغي لنا أن نقوله.\nوفي هذا الكلام دليل ظاهر على فضيلة هذا اللفظ؛ فقد أخبر النبي - ﷺ - الذي لا ينطق عن الهوى أن هذا أحق ما قاله العبد، فينبغي أن نحافظ عليه، ولا نهمله؛ لأن كلنا عبد، وإنما كان أحق ما قاله العبد؛ لما فيه من التفويض إلى الله تعالى، والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لاحول ولاقوة إلا به، وأن الخير والشر منه، والحث على الزهادة في الدنيا، والإقبال على الأعمال الصالحة.\nقوله: «لا مانع لما أعطيت» أي: لا مانع لما أردت إعطاءه، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).\nقوله: «ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ»: أي لا ينفع صاحب الغنى من عذابك غناه، ويحتمل أن تكون «منك» بمعنى عندك، أي: لا ينفع صاحب الغنى عندك غناه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك (٢).\n٤ - «اللهم طهرني بالثلج، والبرد، والماء البارد، اللَّهمّ طهّرني\n_________\n(١) سورة فاطر، الآية: ٢.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ١٩٤ - ١٩٦، والمنهل العذب، ٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩، والعلم الهيب، ص ٢٨٩.","vol":"1","page":300},{"text":"من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الوسخ» (١).\nقوله: «اللَّهمّ طهّرني بالثلج والبرد والماء البارد»: استعارة للمبالغة في الطهارة من الذنوب وغيرها.\nقوله: «اللهم طهرني من الذنوب والخطايا» الذنب: الإثم بين العبد وبين الآدمي، والخطيئة: المعصية بين العبد وبين الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ (٢).\nقوله: «كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ» معناه: نقِّني نقاء كاملًا، كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>ثامنًا: فَهْمُ وَتدبُّر معاني أذكار السجود:</span>\n١ - «سبحان ربي الأعلى» (٤) [ثلاث مرات] (٥).\nأي: تنزيهًا لك يا رب عن كل نقص في الكمال، وعن مماثلة المخلوقين، و«الأعلى»: ثناء على الله سبحانه بالعلو، فالمُصلِّي نزل للسجود، والنزول نقص، فكان الثناء على الله بالعلو أولى؛ لتنزيهه تعالى عن النقص الذي حصل للساجد، والمراد بالعلوّ: علو المكان، وعلو الصفة، فهو سبحانه عليٌّ في ذاته، وعليٌّ في صفاته،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، ١/ ٣٤٦، برقم ٤٧٧.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١١٢.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ١٩٣، ١٩٤.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم ٧٧٢، من حديث حذيفة - ﵁ -.\n(٥) ابن ماجه، برقم ٨٨٨، وتقدم تخريجه في أذكار الركوع.","vol":"1","page":301},{"text":"بل هو أعلى من كل شيء - ﷾ - (١)، وله سبحانه الكمال المطلق: في علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر.\n٢ - «سبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والرُّوح» (٢).\n٣ - «سبحانك اللَّهُمَّ ربّنا وبحمدك اللَّهُمَّ اغفر لي» (٣).\n٤ - «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلْقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» (٤).\nقوله: «وشقَّ سمعَه» أي: طريق سمعه؛ إذ السمع ليس في الأذنين، بل في مقعد الصماخ، «أحسن الخالقين» أي: أحسن المصورين والموجدين؛ فإنه سبحانه الخالق الحقيقي، المنفرد بالإيجاد والإعدام (٥).\n٥ - «سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة» (٦).\n٦ - «اللهم اغفر لي ذنبي كلَّه: دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وأوَّلَهُ وآخِرَهُ،\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع، ٣/ ١٧١، ١٧٢.\n(٢) مسلم، برقم ٤٨٧، وتقدم تخريجه وشرحه في أذكار الركوع.\n(٣) البخاري، برقم ٧٩٤، ومسلم، برقم ٤٨٤، وتقدم تخريجه وشرحه في أذكار الركوع.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧١، من حديث علي - ﵁ -.\n(٥) انظر: المنهل العذب، ٥/ ١٧٠.\n(٦) أبو داود، برقم ٨٨٣، وتقدم تخريجه وشرحه في أذكار الركوع.","vol":"1","page":302},{"text":"وعَلانِيتَهُ وسِرَّهُ» (١).\nقوله: «دقّه وجلّه»: أي صغيره وكبيره [قليله وكثيره]، وقدم الصغير على الكبير؛ لأن الكبائر تنشأ غالبًا من عدم المبالاة بالصغائر والإصرار عليها، فكأنها وسيلة، ومن حق الوسائل أن تقدم في الذكر؛ ولأن السائل يترقَّى في سؤاله من الأدنى إلى الأعلى.\nقوله: «دقه وجله» تفصيل بعد إجمال؛ لأنه لما قال: «اغفر لي ذنبي كله» تناول جميع ذنوبه مجملًا، ثم فصَّله بقوله: «دقه وجله»، وفائدته: أن التفصيل بعد الإجمال أوقع، وفيه علمان، والعلمان خير من علم واحد، وهو أعظم بالاعتراف والإقرار بما اقترف من الذنب.\nقوله: «وأوله وآخره»: المراد ما تقدم من ذنبه، وما تأخر منه.\nقوله: «علانيته وسره»: أي ظاهره وخفيه، وهو بالنسبة لغير الله تعالى؛ لأنهما عند الله سواء، والغرض من هذا كمال التواضع والإذعان من النبي - ﷺ -؛ لامتثال أمر الله - ﷾ -، والتشريع للأمة، وإلا فهو - ﷺ - معصوم من الذنوب.\nوفي هذا اللفظ توكيد الدعاء، وتكثير ألفاظه، وإن أغنى بعضه عن بعض، إلا أن إطالة الدعاء تدل على محبة الداعي؛ لأن الإنسان إذا أحب شيئًا أحب طول مناجاته، فأنت متصل بالله في الدعاء، فتطويلك الدعاء، وبسطك له دليل على محبتك لمناجاة الله - ﷿ -، ثم\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٣.","vol":"1","page":303},{"text":"إن تكثير ألفاظ الدعاء يظهر فيه من التفصيل ما يدل على شدة افتقار الإنسان إلى ربه في كل حال، فالله الغني ونحن الفقراء، واستحضار الإنسان لذنوبه؛ لأن للذنوب أنواعًا، فإذا زيد في الدعاء استحضرت (١).\n٧ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعاَفاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أَحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (٢).\nقوله: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك» أي: أتحصَّن بفعلٍ يوجب رضاك من فعلٍ يوجب سخطك، وهذا من باب التوسل برضاء الله أن يعيذك من سخطه، فأنت الآن استجرت من الشيء بضده، فجعلت الرضاء وسيلة تتخلَّص به من السخط، والمراد: أسألك التوفيق لفعل الطاعات الموجبة لرضاك، وأسألك الحفظ من المعاصي الموجبة لسخطك.\nقوله: «وبمعافاتك من عقوبتك» المعافاة هي: أن يعافيك الله من كل بليَّة في الدين، أو في الدنيا، وضد المعافاة: العقوبة، والعقوبة لا تكون إلا بذنب، وإذا استعذت بمعافاة الله من عقوبته، فإنك تستعيذ من ذنوبك حتى يعفو الله عنك، إما بمجرد فضله، وإما بالهداية إلى أسباب التوبة.\n_________\n(١) انظر: المنهل العذب، ٥/ ٣٢٦، الشرح الممتع، ٣/ ١٨٣، ٥/ ٤٠٤، والعلم الهيب،\nص ٢٩٤، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١١٠.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٦.","vol":"1","page":304},{"text":"قوله: «وأعوذ بك منك»: لا يمكن أن تستعيذ من الله إلا بالله إذ لا أحد يعيذك من الله إلا الله، فهو الذي يعيذني مما أراد بي من سوء، ومعلوم أن الله - ﷾ - قد يريد بك سوءًا، ولكن إذا استعذت به منه أعاذك، وفي هذا غاية اللجوء إلى الله وأن الإنسان يقر بقلبه ولسانه أنه لا مرجع له إلا ربه - ﷾ -، قال الخطابي ﵀: «في هذا الكلام معنى لطيف، وهو أنه قد استعاذ بالله تعالى، وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضاء والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلمَّا صار إلى ذكر ما لا ضد له - وهو الله سبحانه - أعاذ به منه لا غير، ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه» (١).\nقوله: «لا أُحصي ثناء عليك» أي: لا أطيقه، ولا أبلغه، ولا أصل إليه، وقيل: لا أحيط به، وقال مالك ﵀: معناه: لا أُحصي: نعمتك، وإحسانك، والثناء بها عليك، وإن اجتهدتُ في الثناء عليك.\nوالثناء هو: تكرار الوصف بالكمال، ففي الحديث القدسي: قال الله تعالى: «قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْن، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ: «حَمِدَنِي عَبْدِي»، وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّه تعالى: «أَثْنَى عَلَيَّ\n_________\n(١) معالم السنن، ١/ ٤٢١.","vol":"1","page":305},{"text":"عَبْدِي ...» (١).\nفلا يمكن أن تُحصي الثناء على الله أبدًا ولو بقيت أبد الآبدين؛ وذلك؛ لأن أفعال الله غير محصورة، وكل فعل من أفعاله فهو كمال، وأقواله غير محصورة، وكل قول من أقواله فهو كمال، وما يدفع عن عباده أيضًا غير محصور، فالثناء على الله لا يمكن أن يصل الإنسان منه إلى غاية ما يجب لله من الثناء مهما بلغ من الثناء على الله، وغاية الإنسان أن يعترف بالنقص والتقصير، فيقول: «لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» أي: أنت يا ربنا كما أثنيت على نفسك، أما نحن فلا نستطيع أن نُحصي الثناء عليك، وفي هذا من الإقرار بكمال صفات الله ما هو ظاهر معلوم.\nوفي قوله: «أنت كما أثنيت على نفسك»: اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء على الله تعالى، وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته وإحصائه إلا هو تعالى؛ ولهذا عدل النبيُّ - ﷺ - عن التفصيل والإحصاء والتعيين، ووكَّل ذلك إلى الله - ﷾ - المحيط بكل شيء جملةً وتفصيلًا، وكما أنه لا نهاية لصفاته كذلك لا نهاية للثناء عليه؛ لأن الثناء تابع للمثنى عليه، وكل ثناء أُثني به عليه - وإن كثر وطال وبولغ فيه - فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته أكبر وأكثر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، برقم ٣٩٥ من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٢٠٤، والشرح الممتع، ٤/ ٤٩ - ٥١، والمنهل العذب، ٥/ ٣٢٧، ومعالم السنن للخطابي، ١/ ٤٢١.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>تاسعًا: فَهْمُ وتدبُّر معاني الأذكار في الجلسة بين السجدتين:</span>\n١ - «ربِّ اغْفِرْ لي، ربِّ اغْفِرْ لي» (١).\n٢ - «اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني»، ولفظ ابن ماجه: «ربِّ اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني» (٢).\nأي: يا الله امح ذنوبي، وتقصيري، وأحسن إليَّ بقبول عبادتي، وعافني من البلاء ومضلات الفتن في الدَّارَيْن، واهدني لصالح الأعمال، وثبتني على الدِّين الحقّ، وارزقني رزقًا حسنًا، ودرجة عالية في الآخرة، واجبر نقصي في كل شيء (٣).\nقوله: «رب اغفر لي»: سؤال الله - ﷾ - أن يغفر لك الذنوب كلها: الصغائر والكبائر، والمغفرة هي: ستر الذنب، والعفو عنه، مأخوذة من المغفر - وهو لباس للرأس عند الحرب يتقى به السهام -، وفي المغفر ستر ووقاية، وليس سترًا فقط، فالمعنى: اغفر لي، أي: استر ذنوبي، وتجاوز عنِّي حتى أسلم من عقوبتها، ومن الفضيحة بها.\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يقول بين السجدتين، برقم ٨٩٧، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٣٣٥، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٤٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين، برقم ٨٥٠، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين، برقم ٢٨٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يقول بين السجدتين، برقم ٨٩٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٣٩، وانظر شرح السندي على سنن ابن ماجه، ١/ ٤٨٤.\n(٣) المنهل العذب المورود، ٥/ ٢٩٢، وانظر: شرح السندي على سنن ابن ماجه، ١/ ٤٨٤.","vol":"1","page":307},{"text":"قوله: «وارحمني»: طلب رحمة الله - ﷿ - التي بها حصول المطلوب، وبالمغفرة زوال المرهوب، هذا إذا جمع بينهما؛ فإن الرحمة إذا قرنت بالمغفرة: فالمغفرة لما مضى، والرحمة سؤال الله تعالى السلامة من ضرر الذنوب وشرِّها في المستقبل، وأما إذا أُفرد الدعاء بالرحمة: فهو طلب المغفرة لما مضى، والتوفيق والعصمة فيما يستقبل (١).\nقوله: «وعافني»: المعافاة: المراد بها المعافاة في الدين والدنيا، فتشمل الأمرين: أن يعافيك الله من أسقام الدِّين: وهي أمراض القلوب: كالغلِّ، والحسد، وسوء الظن، ومدار أمراض القلوب على: أمراض الشهوات، والشبهات، وأن يعافيك من أمراض الأبدان، وهي اعتلال صحة البدن.\nوالإنسان محتاج إلى هذا وإلى هذا، وحاجته إلى المعافاة من مرض القلب أعظم من حاجته إلى المعافاة من مرض البدن، فإذا كنت تنظّف قلبك دائمًا في معاملتك مع الله، وفي معاملتك مع الخلق حصَّلت خيرًا كثيرًا، وإلا فإنك سوف تغفل، وتفقد الصلة بالله، وحينئذٍ يصعب عليك التراجع، فحافظ على أن تُفَتِّش قلبك دائمًا، فقد يكون فيه مرض شبهة، أو مرض شهوة، وكل شيء - ولله الحمد - له دواء، فالقرآن والسنة الصحيحة دواء للشبهات والشهوات، فالترغيب في الجنة، والتحذير من النار دواء للشهوات، وأيضًا إذا خفت أن تميل إلى الشهوات في الدنيا التي فيها المتعة،\n_________\n(١) حاشية ابن قاسم على ثلاثة الأصول.","vol":"1","page":308},{"text":"فتذكر متعة الآخرة.\nولهذا قال النبي - ﷺ - عندما كان يحفر الخندق مع المهاجرين والأنصار: «اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلاَّ عَيْش الآخِرَةِ» (١)، فيقول: «اللَّهُمَّ» من أجل أن يكبح جماح النفس حتى لا تغترّ بما شاهدتْ من متع الدنيا، فيُقبلُ على الله، ثم يوطِّن النفس ويقول: «لا عَيْشَ إلاَّ عَيْش الآخِرَةِ»، لا عيش الدنيا، وصدق رسول الله - ﷺ -، والله إن العيش عيش الآخرة؛ فإنه عيش دائم، ونعيم لا تنغيص فيه، بخلاف عيش الدنيا فإنه ناقص منغص زائل.\nوأما دواء القلوب من أمراض الشبهات، فالقرآن كله مملوء بالعلم والبيان الذي يزول به داء الشبهات، ومملوء بالترغيب، والترهيب الذي يزول به داء الشهوات، ولكننا في غفلة عن هذا الكتاب العزيز الذي كلَّه خير، وكذلك السنة المطهرة الثابتة عن رسول الله - ﷺ -.\nأما عافية الأبدان فطبّها نوعان:\nالنوع الأول: طب جاءت به الشريعة، فهو أكمل الطب وأوثقه؛ لأنه من عند الله الذي خلق الأبدان، وعلم أمراضها وأدويتها، وهو ضربان:\nالضرب الأول: طبٌّ مادي: كالتداوي بالعسل، والحبة السوداء.\nالضرب الثاني: معنوي روحي، وذلك بالقراءة على المرضى، وهذا قد يكون أقوى وأسرع تأثيرًا (٢).\n_________\n(١) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب دعاء النبي - ﷺ - أصلح الأنصار والمهاجرة، برقم ٣٧٦٩، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب، برقم ١٨٠٥.\n(٢) انظر صحيح مسلم، برقم ٣٧٠١.","vol":"1","page":309},{"text":"النوع الثاني: طِبٌّ ماديٌّ يُعرفُ بالتَّجاربِ، وهو: ما يكون على أيدي الأطبَّاءِ، سواء درسوا في المدارس الرَّاقيةِ وعرفوا، أو أخذوه بالتَّجارب.\nقوله: «واهدني»: يعني هداية الإرشاد، وهداية التوفيق، فهداية الإرشاد: التي ضدها الضلال، وهداية التوفيق: التي ضدها الغي، فأنت إذا قلت: «واهدني» تسأل الله سبحانه الهدايتين: هداية الإرشاد، وذلك بالعلم النافع، وهداية التوفيق، وذلك بالعمل الصالح، فينبغي للإنسان أن يستحضر أنه يسأل ربه العلم النافع، والعمل الصالح، وذلك لأن الهداية التامة النافعة هي التي يجمع الله فيها للعبد بين العلم والعمل؛ لأن الهداية بدون عمل لا تنفع، بل هي ضرر؛ لأن الإنسان إذا لم يعمل بما علم صار علمه وبالًا عليه، ومثال الهداية العلمية بدون عمل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (١)، معنى «هَدَيْنَاهُمْ» أي: بيَّنّا لهم الطريق، وأبلغناهم العلم، ولكنهم - والعياذ بالله - ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.\nقوله: «وارزقني» طلب الرزق مما يقوم به البدن: من طعام، وشراب، ولباس، وسكن، وما يقوم به الدين: من علم، وإيمان، وعمل صالح، والإنسان ينبغي أن يُعوِّدَ نفسه على استحضار هذه المعاني العظيمة حتى يخرج منتفعًا، فإذا قال: «ارزقني» يعني: ارزقني ما به قوام الدين، وما به قوام البدن.\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية: ١٧.","vol":"1","page":310},{"text":"قوله: «واجبرني» الجَبْرُ يكون من النَّقْصِ، فالإنسان يحتاج إلى جَبْرٍ حتى يعود سليمًا بعد كَسْرِه من كسر العظام البدنية، كما أن الإنسان الناقص المفرِّط المُسِرف على نفسه بتجاوز الحدِّ أو القصور عنه، يحتاج إلى جبر ليعود سليمًا من الكسور المعنوية؛ فالحاصل أن الإنسان يحتاج إلى جَبْرٍ يَجبرُ له النَّقْصَ الذي يكون فيه (١).\nقوله: «وارفعني»: أي ارفعني في الدارين: بالعلم النافع، والعمل الصالح، وارزقني درجة عالية في الجنة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>عاشرًا: فهم وتدبُّر أذكار سجود التلاوة:</span>\n١ - «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾» (٣).\nقوله: «للذي خلقه وشق سمعه وبصره» تخصيص بعد تعميم؛ أي: فتحهما وأعطاهما الإدراك.\nقوله: «بحوله» أي: بتحويله وصرفه الآفات عنها.\nقوله: «وقوَّته» أي: قدرته بالثبات والإعانة عليهما.\n٢ - «اللَّهُمَّ اكتُبْ لي بها عِندَك أجرًا، وَضَعْ عَنِّي بِها وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع، ٣/ ١٨١ - ١٨٣، و٤/ ٣١ - ٣٦، والعلم الهيب، ص ٢٩٦ - ٢٩٧، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١١٢.\n(٢) انظر: المنهل العذب المورود، ٥/ ٢٩٢، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١١٢.\n(٣) الترمذي، ٢/ ٤٧٤، أبواب الوتر، باب ما يقول في سجود القرآن، برقم ٥٨٠، أحمد،\n٦/ ٣٠، برقم ٢٥٨٢١، والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٢٠، والزيادة له. [والآية رقم ١٤ من سورة المؤمنون].","vol":"1","page":311},{"text":"لي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ» (١).\nقوله: «وِزْرًَا» أي: ذنبًا.\nقوله: «ذخرًا» أي: كنزًا، وقيل: أجرًا؛ وكرر لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب، وقيل: الأول طلب كتابة الأجر، وهذا طلب بقائه سالمًا من محبط أو مبطل.\nقوله: «كما تقبَّلْتها من عبدك داود» حين ﴿خَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٢).\nوالصواب: أن السجدات في القرآن خمس عشرة سجدة؛ لأن سورة الحج فيها سجدتان؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، فُضِّلت سورة الحج بسجدتين؟ قال: «نعم، ومن لم يسجدْهما فلا يقرأْهما» (٣).\nوالصواب: أن سجود التلاوة لا يشترط له ما يشترط لصلاة النفل: من الطهارة عن الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولكن يُستحب ذلك وهو الأفضل، كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم، والشيخ ابن باز، وابن عثيمين رحمهم الله تعالى، أما الجنب فلا يقرأ شيئًا من القرآن حتى يتطهَّر (٤)؛ ولهذا كان ابن عمر ﵄، مع شدة اتباعه للسنة «ينزل\n_________\n(١) الترمذي، أبواب الوتر، باب ما يقول في سجود القرآن، ٢/ ٤٧٣، برقم ٥٧٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢١٩.\n(٢) سورة ص، الآية: ٢٤.\n(٣) أبو داود، برقم ١٤٠٢، والترمذي، برقم ٥٧٨، تقدم تخريجه في السبب السادس والثلاثين.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ٢٣/ ١٦٥ - ١٧٠، وتهذيب السنن لابن القيم، ١٤/ ٥٣ - ٥٦، ومجموع فتاوى ابن باز، ١١/ ٤٠٦ - ٤١٥، والشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين، ٤/ ١٢٦، وتمام المنة في التعليق على فقه السنة للألباني، ص ٢٧٠.","vol":"1","page":312},{"text":"عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد» (١)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>الحادي عشر: فهم وتدبر معاني التشهد:</span>\n١ - «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ] وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (٢).\nقوله: «التحيات لله»: جمع تحية، والتحية هي التعظيم، فكل لفظ يدل على التعظيم فهو تحية، والمعنى: أن كل نوع من أنواع التحيات على سبيل العموم والكمال لا يكون إلا لله - ﷿ -، فنحن نُعَظِّم الله سبحانه ليس لأنه بحاجة إلى ذلك، ولكن هو أهل للتعظيم، فنعظِّمه لحاجتنا لذلك.\nقوله: «والصلوات» أي: والصلوات لله، أي: كل الصلوات: فرضها، ونفلها لله سبحانه، وجميع العبادات، وكل الأدعية التي يراد بها تعظيم الله تعالى هو مستحقها، لا أحد يستحقها، وليست حقّا لأحد سوى الله - ﷿ -.\n_________\n(١) البخاري بصيغة الجزم، في كتاب سجود القرآن، باب سجود المسلمين مع المشركين. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٦٤٥: «وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح».\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة، برقم ٨٣١، ورقم ٨٣٥، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، برقم ٤٠٢، وما بين المعقوفين للنسائي في السنن، برقم ١١٦٨.","vol":"1","page":313},{"text":"قوله: «والطيبات»: منها: ما يتعلق بالله، ومنها ما يتعلق بأعمال العباد، فما يتعلق بالله فله من الأوصاف أطيبها، ومن الأعمال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها، قال النبي - ﷺ -: «إن الله طيب ...» (١)، يعني: لا يقول إلا الطيب، ولا يفعل إلا الطيب، ولا يتَّصف إلا بالطيب، فالله سبحانه طيب في كل شيء: في ذاته، وصفاته، وأفعاله.\nوما يتعلق بأعمال العباد: القولية والفعلية، فله سبحانه منها الطيب، قال النبي - ﷺ -: «... لا يقبل إلا طيبًا» (٢)، فإن الطيب لا يليق به إلا الطيب، ولا يقدم له إلا الطيب، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ (٣)، وما ليس بطيب فهو إلى الأرض، لا يصعد إلى السماء، وهو تعالى: لا يقبل إلاّ الطيب: من أقوال العباد، وأفعالهم، واعتقاداتهم.\nقوله: «السلام عليك» المراد بالسلام: اسم الله - ﷿ -؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «إن الله هو السلام» (٤)، وقال الله تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ (٥)، ومعنى سلام الله على الرسول، أي بالحفظ، والكلاءة، والعناية، فكأننا نقول: الله عليك، أي: رقيب حافظ معتنٍ بك، حافظ لك من الآفات، وما أشبه ذلك.\n_________\n(١) يأتي تخريجه في الذي بعده.\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، برقم ١٠١٥.\n(٣) سورة فاطر، الآية: ١٠.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة، برقم ٨٣١، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، برقم ٤٠٢، من حديث ابن مسعود - ﵁ -.\n(٥) سورة الحشر، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":314},{"text":"وقيل: السلام بمعنى التسليم، أي: ندعو له بالسلامة من كل آفة، وإن قال قائل يكون هذا الدعاء في حياته ﵊ واضحًا، لكن بعد مماته، كيف يناسب أن ندعو له بالسلامة؟ والجواب ليس الدعاء بالسلامة مقصورًا في حال الحياة، فهناك أهوال يوم القيامة؛ ولهذا كان دعاء الرسل أثناء عبور الناس الصراط: «اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ» (١)، فالمرء لا ينتهي من المخاوف والآفات بمجرد موته.\nكما قد يكون السلام بمعنى أعم؛ وهو السلام على شرعه وسنته وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين.\nقوله: «أيُّها النبي»: منادى حُذفت منه «يا» النداء، والأصل: يا أيها النبي، وقيل في حكمة وصفه - ﷺ - هنا بالنّبوّة؛ ليجتمع له الوصفان؛ فإنه وُصف بالرسالة في آخر التشهد، وإن كانت الرسالة تستلزم النبوة، فالتصريح بها أبلغ.\nقوله: «ورحمة الله» أي: ورحمة الله عليك، والرحمة إذا قُرِنت بالمغفرة، أو بالسلام، صار المراد بها: ما يحصل به المطلوب، والمغفرة والسلام: ما يزول به المرهوب، وإن أُفردت شملت الأمرين جميعًا، فأنت بعد أن دعوت لرسول الله - ﷺ - بالسلام، دعوت له بالرحمة؛ ليزول المرهوب، ويحصل له المطلوب.\nقوله: «وبركاته»: جمع بِرْكَة: وهي الخير الكثير الثابت، فندعو\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب فضل السجود، برقم ٨٠٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم ١٨٢، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":315},{"text":"لرسول الله - ﷺ - أن يبارك فيه بكثرة أتباعه، وكثرة عمل أتباعه؛ لأن كل عمل صالح يفعله أتباع الرسول - ﷺ - فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة، وبهذا يُردُّ على من يُهدون ثواب القُرب إلى رسول الله - ﷺ -؛ فإن هذا بدعة ضلالة.\nقوله: «السلام علينا»: السلام هنا بنفس ما مضى في «السلام عليك»، ونون الجماعة في «علينا» يراد بها الشخص نفسه، وجميع الأمة المحمدية، واستدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، ومنه قول نوح وإبراهيم ﵉ في القرآن.\nقوله: «وعلى عباد الله الصالحين»: هذا تعميم بعد تخصيص؛ لأن عباد الله الصالحين هم: كل عبد صالح في السماء والأرض، حي أو ميت، من الآدميين والملائكة، والجن، وعباد الله هم الذين تعبَّدوا لله: أي تذللوا له بالطاعة امتثالًا للأمر، واجتنابًا للنهي، فالعبادة مبنيَّةٌ على أمرين: الحب، والتعظيم.\nفبالحب يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود، وبالتعظيم يكون الهرب من الوقوع في معصيته؛ لأنك تحبه فتطلبه، وتعظمه فتخافه. وأما شرطا قبول العبادة فهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله - ﷺ -، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١).\nوعباد الله الصالحون هم الذين صلحت سرائرهم وظواهرهم بأمرين:\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ١١٠.","vol":"1","page":316},{"text":"الأول: بإخلاص العبادة لله، والثاني: بمتابعة رسول الله - ﷺ -.\nوضد ذلك عباد الله الفاسدون، إما بالسرائر، وإما بالظواهر، فالمشرك فاسد بالسريرة، والمبتدع فاسد الظاهر؛ لأن بعض المبتدعة يريد الخير، لكنه فاسد الظاهر لم يمش على الطريق الذي رسمه رسول الله - ﷺ -، والمشرك فاسد الباطن، ولو عمل عملًا ظاهره الصحة والصلاح مثل المرائي.\nقوله: «أشهد أنْ لا إلهَ إلاَّ الله»: أشهد، أبلغ من قول: أُخبر؛ لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة لا تكون إلا عن قطع، كأنما يشاهد الإنسان بعينيه.\nوهذه كلمة التوحيد التي أُرسل بها جميع الرسل، ومعناها: لا معبود حق إلاّ الله.\nقوله: «وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»: شهادة بأن المصطفى - ﷺ - عبدٌ لله، لا شريك، فهو بشر مثلنا تميّز عنا بالوحي، وبما جبله الله عليه من العبادة والأخلاق، وبأنه رسولٌ أرسله الله جلّ وعلا، وجعله واسطة بينه وبين الخلق في تبليغ شرعه فقط (١).\n٢ - «التَّحِيَّاتُ، الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» (٢).\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع، ٣/ ٢٠٣ - ٢١٩، والمنهل العذب، ٦/ ٧١ - ٧٣، وحاشية الروض المربع، ٢/ ٦٦ - ٦٩.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، برقم ٤٠٣ من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":317},{"text":"«التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله» تقديره: التحيات، والمباركات، والصلوات، والطيبات لله، ولكن حُذفت الواو اختصارًا، وهو جائز معروف في اللغة، ومعنى الحديث: إن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى، ولا تصلح حقيقتها لغيره (١).\n٣ - «التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>الثاني عشر: فهم وتدبر معاني الصلاة على النبي - ﷺ </span>-:\n١ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (٣).\nقوله: «اللهم» معناها: يا الله، لكن حُذفت «يا» النداء، وعُوّض عنها بالميم، وجُعلت في الآخر تيمنًا بالبداءة باسم الله - ﷿ -، وكانت ميمًا، ولم تكن جيمًا، ولا حاء مثلًا؛ لأن الميم أدل على الجمع؛ ولهذا\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ١٩٨.\n(٢) مسلم، في الموضع الذي قبل السابق، برقم ٤٠٤، وما بين المعقوفين عند النسائي، برقم ١١٧٣، وأبو داود، برقم ٩٧١.\n(٣) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا موسى بن إسماعيل، برقم ٣٣٧٠ من حديث كعب بن عجرة، وهذا أكمل لفظ في الصلاة على النبي - ﷺ -، وقد جاء حديث كعب هذا مختصرًا في البخاري، برقم ٤٧٩٧، ورقم ٦٣٥٧، وفي مسلم، برقم ٤٠٦.","vol":"1","page":318},{"text":"تجتمع الشفتان فيها، فكأن الداعي جمع قلبه على ربه ودعا.\nو«اللهم» «الله» منادى مبنيٌّ على الضّمِّ في محلّ نصب، ومعنى الله: أي: ذو الألوهية الذي يألَهُه كل من تعبّد له - ﷾ -.\n«صلِّ على محمد» وأحسن ما قيل في معناها ما ذكره أبو العالية ﵀: أن صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، أي: عند ملائكتك المقربين، وقيل: معناه عظِّمْهُ في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وما ورد بصيغة الأمر موجَّهًا من المخلوق إلى الخالق، فهو دعاء؛ لأن المخلوق لا يأمر الخالق سبحانه.\nقوله: «وعلى آل محمد» أي: وصلِّ على آل محمد، وهم أتباعه على دينه، لكن لو قيل: وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه، صار المراد بآله: قرابته المؤمنون، وبأصحابه: من رآه مؤمنًا به ومات على ذلك، وبأتباعه: أتباعه على دينه إلى يوم القيامة.\nقوله: «كما صليت على إبراهيم»: الكاف هنا للتعليل، وهنا توسل بفعل الله السابق لتحقيق الفعل اللاحق؛ يعني: كما أنك سبحانك سبق الفضل منك إلى إبراهيم - ﵇ - وأتباعه، فألحق الفضل منك على محمد - ﷺ - وأتباعه، فأتباع إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في أتباع محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي - ﷺ - ولأتباعه من الصلاة عليه مثل ما لإبراهيم وأتباعه، وفيهم الأنبياء حصل لأتباع محمد من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء - وفيهم إبراهيم - لمحمد - ﷺ -، فيحصل له من المزية ما لا يحصل لغيره (١).\nوقد اشتهر الخلاف والتساؤل بين العلماء عن وجه التشبيه في قوله: «كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم»؛ لأن المقرر أن المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه؛ إذ أن محمدًا - ﷺ - أفضل من إبراهيم - ﷺ -، وقضية كونه أفضل؛ أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل.\nواستحسن كثير من العلماء قول من قال: «إن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي - ﷺ - ولآله من الصلاة عليه مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء؛ حصل لآل محمد من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء - وفيهم إبراهيم - لمحمد - ﷺ -، فيحصل له من المزية\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٣/ ٢٣٠ - ٢٣٢، وقد ذكر الخلاف عند العلماء: هل الكاف في قوله: «كما صليت على آل إبراهيم» للتشبيه أو للتعليل، فراجع هذا المسألة هناك تفصيلًا.","vol":"1","page":319},{"text":"ما لا يحصل لغيره».\nقال العلامة ابن القيم - ﵀ - مُعلِّقًا على هذا القول: «وهذا أحسن ما قيل، وأحسن منه أن يقال: محمد - ﷺ - هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما روى علي بن طلحة عن ابن عباس - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)؛ قال ابن عباس: «محمد من آل\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٣٣.","vol":"1","page":320},{"text":"إبراهيم»، وهذا نص [فإنه] إذا دخل (١) غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله؛ فدخول رسول الله - ﷺ - أولى؛ فيكون قولنا: «كما صليت على آل إبراهيم» متناولًا للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا الله تعالى أن نُصلِّي عليه وعلى آله خصوصًا؛ بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له - ﷺ -».\nقال: «ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله - ﷺ - معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعًا، ويظهر حينئذٍ فائدة التشبيه وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره؛ فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه؛ صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك مما له من المشبه به من الحصة التي لم تحصل لغيره، فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم، وعلى كلٍّ من آله - وفيهم النبيون - ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له، وهي من موجباته ومقتضياته» (٢).\nقوله: «إنك حميد مجيد»: حميد بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول،\n_________\n(١) [انظر: جلاء الأفهام، لابن القيم، ص ٢٩٠، وانظر التفصيل في ذلك هذا المرجع من ص ٢٨٧ - ٢٩١، وهو الفصل السادس من جلاء الأفهام.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ص ٢٩٠، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٢٣ - ١٢٤.","vol":"1","page":321},{"text":"فهو حامد ومحمود، حامد لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمود يُحمد - ﷿ - على ما له من صفات الكمال في ذاته، وصفاته، وأفعاله بألسنة خلقه.\nوأما «مجيد» فهي: فعيل بمعنى فاعل، أي: ذو المجد، والمجد هو: العظمة وكمال السلطان، وهو كالتعليل لما قبله؛ لأن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه في الملأ الأعلى، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد.\nقوله: \"اللهم بارك على محمد\" أي: أنزل البركة على محمد - ﷺ -، والبركة مأخوذة من البِرْكَةِ، وهو مجتمع الماء، ولا يكون إلا على وجه الكثرة، والقرار، والثبوت، وعليه: فالبركة هي كثرة الخيرات، ودوامها، واستمرارها في العمل، وفي الأثر: أما البركة في العمل: فبأن يوفق الله الإنسان لعمل لا يوفق له من نُزعت منه البركة.\nوأما البركة في الأثر: فبأن يكون لعمله آثارٌ جليلة نافعة ينتفع بها الناس، ولا شك أن بركة النبي - ﷺ - لا نظير لها؛ وذلك لأن الله جعل أمته أكثر الأمم؛ ولأن اجتهادهم في الخير أكثر من اجتهاد غيرهم، فبورك له - ﷺ - فيمن اتبعه، وبورك له في عمل من اتبعه.\nقوله: «وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم» توسلٌ بفعل الله السابق إلى فعله اللاحق، كأنك تقول: كما أنك يا رب قد تفضّلت على أتباع إبراهيم، وباركت عليهم، فبارك على محمد - ﷺ - وأتباعه (١).\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع، ٣/ ٢٣٤، والمنهل العذب، ٦/ ٨٥ - ٨٧.","vol":"1","page":322},{"text":"٢ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (١).\n٣ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ؛ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ» (٢).\nفائدة: لا يُشرع تلفيقُ صيغة صلاة واحدة من مجموع هذه الصيغ، وكذلك يقال في صيغ التشهد المتقدمة، وكذلك صيغ الاستفتاحات، لا يجمع بين ذلك، بل ذلك بدعة في الدين، وإنما السنة أن يقال هذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وَطَرْدُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَذْكُرَ التَّشَهُّدَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمَأْثُورَةِ، وَأَنْ يُقَالَ الِاسْتِفْتَاحُ بِجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمَأْثُورَةِ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَسْتَحِبَّهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ، بَلْ عَمِلُوا بِخِلَافِهِ، فَهُوَ بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ، فَاسِدٌ فِي الْعَقْلِ» (٣).\n٤ - «اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وعَلَى أزواجِهِ وذُرِّيتهِ، كمَا صَلَّيْتَ علَى آلِ إبْراهيمَ، وبَارِكْ عَلى مُحمَّدٍ، وَعَلَى أزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كمَا\n_________\n(١) النسائي، كتاب السهو، باب الصلاة على النبي - ﷺ -، ٣/ ٤٨، برقم ١٢٩٠، من حديث طلحة - ﵁ -، وصححه الشيخ الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص ١٦٦.\n(٢) البخاري، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي - ﷺ -، برقم ٦٣٥٨.\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٤٥٨.","vol":"1","page":323},{"text":"بَاركْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيْمَ، إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>الثالث عشر: فهم وتدبُّر معاني الاستعاذة والدعاء قبل السلام من الصلاة:</span>\n١ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٢).\nقوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ» أي: من العذاب الحاصل منها، وقد ورد في صفات جهنم، وصفات العذاب فيها في الكتاب والسنة ما تقشعرّ منه الجلود، نسأل الله السلامة منها، والاستعاذة هنا تشمل عذاب جهنم، ومن فعل الأسباب المؤدية إلى عذاب جهنم؛ لأن الإنسان بين أمرين: إما عصمة من الذنوب، فهنا إعاذة الله من فعل السبب، وإما عفو عن الذنوب، وهنا إعاذة الله من أثر السبب.\nقوله: «عذاب القبر»: أي: من عذاب البرزخ الذي بين موت الداعي، وبين قيام الساعة، فليس المراد بالقبر هنا مدفن الميت؛ لأن الإنسان حقيقة لا يدري هل يموت ويدفن؟ أو يموت وتأكله السباع، أو يحترق ويكون رمادًا، فالداعي يستحضر بهذا القول: العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة.\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، ٦/ ٤٠٧، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: حدثنا موسى بن إسماعيل، برقم ٣٣٦٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، ١/ ٣٠٦، برقم ٤٠٧، واللفظ له.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، برقم ١٣٧٧، ومسلم، بلفظه في كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٨٨.","vol":"1","page":324},{"text":"قوله: «ومن فتنة المحيا والممات»: أي: اختبار المرء في دينه في حياته، وفي مماته، وأصل الفتنة: الامتحان والاختبار، وفتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها، والجهالات، أو الابتلاء مع زوال الصبر ونحو ذلك، وهي فتنة عظيمة وشديدة، وقلّ من يتخلَّص منها إلا من شاء الله، وهي تدور على شيئين: شبهات، وشهوات.\nأما الشبهات - ومنشؤها الجهل - فتعرض للإنسان يلتبس عليه الحق بالباطل، فيرى الباطل حقًا، والحق باطلًا، وإذا رأى الحق باطلًا تجنبه، وإذا رأى الباطل حقًا فعله، وهذه فتنة عظيمة؛ فما أكثر الذين يرون الربا حقًا فينتهكونه، وما أكثر الذين يرون غش الناس في البيع والشراء شطارة وجودة، وما أكثر الذين يرون النظر إلى النساء تلذذًا وتمتعًا وحُرِّيَّة.\nوأما الشهوات - ومنشؤها الهوَى - فإن الإنسان يعرف الحق لكن لا يريده فله هوى مخالف لما جاء به النبي - ﷺ -، فأنت تسأل الله العافية من أمراض القلوب التي هي أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات.\nوأما فتنة الممات فيراد بها ما يكون عند الموت في آخر الحياة، وما يكون بعد الموت مباشرة من سؤال الملكين للميت في قبره عن ربه، ودينه، ونبيِّه، والإنسان عند موته ووداع العمل صائر إمَّا إلى سعادة، وإمَّا إلى شقاوة، ضعيف النفس، ضعيف الإرادة، ضيق الصدر، فيأتيه الشيطان ليغويه؛ لأن هذا وقت المغنم للشيطان، حتى","vol":"1","page":325},{"text":"أنه - كما قال أهل العلم - قد يعرض للإنسان الأديان اليهودية والنصرانية بصورة أبيه وأمه، والعياذ بالله تعالى.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وعرض الْأَدْيَان عِنْدَ الْمَوْتِ عَلَى الْعَبْدِ لَيْسَ أَمْرًا عَامًّا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا هُوَ أَيْضًا مَنْفِيّ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، بَلْ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ الْأَدْيَانُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا الَّتِي أَمَرَنَا الرسول - ﷺ - أَنْ نَسْتَعِيذَ فِي صَلَاتِنَا مِنْهَا، وَوَقْت الْمَوْتِ يَكُونُ الشَّيْطَانُ أَحْرَصَ مَا يَكُونُ عَلَى إغْوَاءِ بَنِي آدَمَ» (١).\nقوله: «ومن شر فتنة المسيح الدجال»: المسيح الدجال أعظم فتنة في الدنيا على وجه الأرض منذ خُلق آدم - ﵇ - إلى قيام الساعة، كما قال ذلك النبي - ﷺ -؛ ولهذا ما من نبيٍّ من نوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم إلا أنذر قومه منه، تنويهًا بشأنه، وتحذيرًا منه.\nوفتنة المسيح الدجال من فتن الدنيا؛ لأن الأموات قد سلموا من فتنته.\nوهذه الفتن الأربع هي مجامع الشرِّ كله؛ فإن الشر إما عذاب الآخرة، وإما سببه، والعذاب نوعان: عذاب في البرزخ، وعذاب في الآخرة، وأسبابه: الفتنة، وهي نوعان: كبرى وصغرى، فالكبرى فتنة الدجال وفتنة الممات، والصغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة، بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال؛ فإن المفتون فيهما لا يتداركها (٢).\n٢ - «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة\n_________\n(١) الاختيارات الفقهية، ص ٨٥.\n(٢) انظر الشرح الممتع، ٣/ ٢٣٧ - ٢٦٦، وحاشية الروض المربع، ٢/ ٧٤.","vol":"1","page":326},{"text":"المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» (١).\nقوله: «المأثم والمغرم»: المأثم هو الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، والمغرم هو الدَّين، بدليل تمام الحديث: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله فقال: «إن الرجل إذا غرم: حَدَّث فكذب، ووعد فأخلف»، ويُراد به ما استدين فيما يكرهه الله تعالى، أو فيما يجوز، ثم عجز عن أدائه، فأما دينٌ احتيج إليه شرعًا، ويقدر على أدائه فلا يستعاذ منه (٢).\n٢ - «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» (٣).\nقوله: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا»: فيه أن الإنسان كثير التقصير، وإن كان صدِّيقًا؛ لأن النعم عليه كثيرة، وقوته لا تطيق بأداء أقل القليل من شكرها، بل شكره من جملة النعم - أيضًا-، فيحتاج إلى شكر هو أيضًا، فما بقي له إلا العجز والاعتراف بالتقصير الكثير.\nوقُدِّم هذا الاعتراف على سؤال المغفرة تأدُّبًا، كما وقع لأبينا آدم وأُمِّنا حواء ﵉ في قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم ٨٣٢، ومسلم، كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٨٩.\n(٢) المنهل العذب، ٥/ ٣٢٩.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم ٨٣٤، ومسلم، كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٨٩.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":327},{"text":"٤ - «اللهم اغفر لي ما قدمتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلمُ به منِّي، أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت» (١).\nقوله: «أنت المقدم» أي: ما تشاء إلى رحمتك بتوفيقه إلى طاعتك.\nقوله: «وأنت المؤخر» لمن تشاء عن رحمتك بعدم توفيقه لطاعتك، كما اقتضته حكمتك (٢).\n٥ - «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٣).\nقوله: «ذكرك» يشتمل على جميع أنواع الثناء حتى قراءة القرآن، والاشتغال بالعلم الديني، وغير ذلك من أنواع الذكر المشروع.\nوإنما قَدَّم الذكر على الشكر؛ لأن العبد إذا لم يكن ذاكرًا لم يكن شاكرًا، كما تقَدَّمَ في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (٤).\nقوله: «وحُسنِ عبادتك» قيد بالحسن؛ لأن العبادة الحسنة هي العبادة الخالصة، فالعبادة إذا لم تكن خالصة [صوابًا على السنة] لا تقبل، ولا تنفع صاحبها (٥).\n٦ - «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وأعُوذُ\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧١.\n(٢) انظر المنهل العذب ٨/ ١٧٤.\n(٣) أبو داود، ٢/ ٨٦، برقم ١٥٢٢، والنسائي، ٣/ ٥٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٨٤. عن معاذ بن جبل - ﵁ -، ويأتي تخريجه في صفة الصلاة الكاملة الخاشعة.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.\n(٥) انظر: شرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٣١.","vol":"1","page":328},{"text":"بِكَ مِنْ أنْ أُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ، وأعُوْذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» (١).\nقوله: «البخل» أي: منع إنفاق المال، بعد الحصول عليه، وحبه وإمساكه.\nقوله: «الجبن» أي: تَهَيُّب الإقدام على ما لا ينبغي أن يُخاف.\nقوله: «أن أُردَّ إلى أرذلِ العمر» هو البلوغ إلى حدٍّ في الهرم، يعود معه كالطفل؛ في سخف العقل، وقلة الفهم، وضعف القوة.\nوالأرذل: هو الرَّديء من كل شيء.\nقوله: «فتنة الدنيا» ومعنى الفتنة: الاختبار، قال شعبة ﵀: «يعني: فتنة الدَّجَّال»، وفي إطلاق الدنيا على الدجال، إشارة إلى أن فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا، وقد ورد ذلك صريحًا في قول النبيّ - ﷺ -: «إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم، أعظم من فتنة الدجال» (٢).\nومعنى «ذرأ»: خلق.\nقوله: «عذاب القبر» فيه إثبات لعذاب القبر؛ فأهل السنة والجماعة يؤمنون بفتنة القبر وعذابه ونعيمه؛ فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ ومَا دينك؟ ومَن نبيك؟ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٣)؛\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، ٦/ ٣٥، برقم ٢٨٢٢. عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ -.\n(٢) رواه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، برقم ٤٠٧٧، وصححه الألباني، انظر قصة المسيح الدجال له، ص ٤٩.\n(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.","vol":"1","page":329},{"text":"فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، وأما المرتاب فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيضرب بمرزبةٍ من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين: الإنس والجن (١)، ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب!!\n٧ - «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ» (٢).\nأي: اللهم إني أطلب منك الفوز بالجنة، وأن تجيرني من عذاب النار.\nويتضمن هذا الدعاء طلب التوفيق والهداية إلى الأعمال الصالحة المبتغى بها وجه الله تعالى، التي هي سبب للفوز بالجنة، وطلب البعد عن الأعمال السيئة، التي هي سبب لعذاب النار (٣).\n٨ - «اللَّهُمَّ بعِلْمِكَ الغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْقِ؛ أحْيِني مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذَا عَلِمْتَ الوَفَاةَ خَيْرًا لي، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا والغَضَبِ، وأسْألُكَ القَصْدَ فِي الغِنَى والفَقْرِ، وأسْألُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ، وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وأسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ القَضَاءِ، وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِيْنَةِ\n_________\n(١) هذا معنى حديث رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال، برقم ١٣٣٨، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم ٢٨٧٠.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة، برقم ٧٩٢، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الجوامع من الدعاء، برقم ٣٨٤٦، وانظر: صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٨.\n(٣) انظر: شرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٣٢ - ١٣٣.","vol":"1","page":330},{"text":"الإيْمَانِ، واجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (١).\nقوله: «ما علمت الحياة خيرًا لي» أي: إذا كانت الحياة خيرًا لي في علمك للغيب، وكذلك التقدير في قوله: «وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي» أي: إذا كانت الوفاة خيرًا لي في علمك.\nقوله: «خشيتك في الغيب والشهادة» أي: فيما غاب عني وفيما أشاهده، والمراد منه: الخشية في جميع الأحوال.\nقوله: «كلمة الحق» أي: التكلم بالحق؛ والمراد: العون والتوفيق على التكلم بالحق.\nقوله: «في الرضا والغضب» أي: في حالة الرضا وحالة الغضب، أو المعنى: عند رضاء الراضي، وعند غضب الغاضب.\nقوله: «القصد» القصد من الأمور؛ أي: المعتدل الذي لا يميل على أحد طرفي التفريط والإفراط؛ يعني: أسألك الاعتدال والوسط في الفقر والغنى، لا فقرًا بالتفريط، ولا غِنَىً بالإفراط؛ لأن الفقر جدًا يستدعي ترك الصبر، المؤدي إلى ارتكاب الطعن في التقدير، والتكلم بأنواع البشاعة، والغنى جدًا يؤدي إلى الطغيان والفساد، وخير الأمور أوسطها.\nقوله: «نعيمًا لا ينفد» أي: لا يفرغ، وهو نعيم الجنة.\nقوله: «قرة عين لا تنقطع» كناية عن السرور والفرح، يقال: قرَّتْ\n_________\n(١) النسائي، كتاب التطبيق، نوع آخر من الدعاء، ٤/ ٥٤، ٥٥، برقم ١٣٠٥، وأحمد، ٤/ ٣٦٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٨١.","vol":"1","page":331},{"text":"عيناه؛ أي: سُرَّ بذلك وفرح، وقيل معناه: بلوغ الأُمنية حتى ترضى النفس، وتسكن العين، ولا تستشرف إلى غيره.\nقوله: «وأسألك الرضا بعد القضاء» أي: بعد قضائك عليَّ بشيء من الخير والشر؛ أما في الخير فيرضى به ويقنع به، ولا يتكلَّف في طلب الزيادة، ويشكر على ما أوتي به، وأما في الشر فيصبر عليه ولا يكفر.\nقوله: «وأسألك برد العيش بعد الموت» كناية عن الراحة بعد الموت.\nقوله: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك» إنما سأل هنا لذَّة النظر ولم يكتف بسؤال النظر، مبالغة في الرؤية وكثرتها؛ لأنه فرق بين رؤية ورؤية.\nقوله: «والشوق» أي: أسألك لذة الشوق إلى لقائك؛ والشوق هو تعلق النفس بالشيء.\nقوله: «في غير ضراء» متعلّق بقوله: «أحيني إذا علمت الحياة خيرًا لي» أي: أحيني إذا أردت حياتي في غير ضراء مضرّة، ولا فتنة مضلّة، وتوفني إذا أردت وفاتي في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة عند الموت.\nوالضراء: الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء.\nووصف الضراء بالمضرة، والفتنة بالمضلة للتأكيد والمبالغة.\nقوله: «اللهم زينا بزينة الإيمان» أي: بشرائعه؛ لأن الشرائع زينة الإيمان؛ يعني: وفقنا لأداء طاعتك وإقامة شرائعك، حتى تكون لنا زينة في الدنيا والآخرة.\nقوله: «هداة» جمع هادي؛ أي: اجمع لنا فينا بين الهدى","vol":"1","page":332},{"text":"والاهتداء (١).\n٩ - «اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ يَا أللهُ بأنَّكَ الوَاحِدُ الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (٢).\nقوله: «بأنك» الباء سببية؛ أي: بسبب أنك الواحد.\nقوله: «الواحد الأحد» لا فرق بين الواحد والأحد؛ أي: الفرد الذي لا نظير له، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله تعالى؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله.\nقوله: «الصمد» هو الذي يُصمد إليه في الحاجات؛ أي: يُقصد لكونه قادرًا على قضائها، قال الزجاج ﵀: «الصمد السيد الذي انتهى إليه السؤدد، فلا سيد فوقه»، وقيل: هو المستغني عن كلِّ أحد، والمحتاج إليه كلُّ أحد، وقيل: هو الذي لا جوف له؛ قال الشعبي ﵀: «هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب».\nقوله: «الذي لم يلد ولم يولد» أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة.\nقوله: «كفوًا» أي: مثلًا وندًا ونظيرًا (٣).\n١٠ - «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لَا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، وَحْدَكَ\n_________\n(١) انظر: العلم الهيب في شرح الكلم الطيب، ص ٣٠٩ - ٣١٣.\n(٢) أخرجه النسائي بلفظه، كتاب التطبيق، نوع آخر من الدعاء، ٣/ ٥٢، وأحمد، ٤/ ٢٣٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٨٠.\n(٣) انظر: شرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٣٦.","vol":"1","page":333},{"text":"لا شَرِيكَ لَكَ، المَنَّانُ، يَا بَدِيعَ السَّمَواتِ والأرْضِ، يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ» (١).\nقوله: «المنَّان» أي: كثير العطاء، من المنَّة بمعنى النِّعمة، والمنَّة مذمومة من الخلق؛ لأنهم لا يملكون شيئًا، قال صاحب «الصحاح»: «مَنَّ عليه هنا؛ أي: أنعم، والمنَّان من أسماء الله تعالى».\nقوله: «يا بديع السموات والأرض» أي: مبدعها ومخترعها لا على مثال سبق.\nقوله: «يا ذا الجلال والإكرام» أي: صاحب العظمة، والسلطان والإنعام، والإحسان.\nوجاء في نهاية الحديث؛ قوله - ﷺ -: «لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعْطَى».\nقال الطيبي ﵀: «فيه دلالة على أن لله تعالى اسمًا أعظم إذا دُعي به أجاب».\nقال الشوكاني ﵀: «قد اختلف في تعيين الاسم الأعظم على نحو أربعين قولًا».\nقال ابن حجر ﵀: «وأرجحها من حيث السند: الله لا إله إلا هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا\n_________\n(١) رواه أهل السنن: أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، برقم ١٤٩٥، والنسائي، كتاب التطبيق، نوع آخر من الدعاء، ٣/ ٥٢، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، برقم ٣٨٥٨، والترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب في دعاء الحفظ، برقم ٣٥٤٤، وانظر: صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٩.","vol":"1","page":334},{"text":"أحد».\nوقال الجزري ﵀: «وعندي أن الاسم الأعظم: لا إله إلا هو الحي القيوم».\nورجح ذلك ابن القيم وغيره، والله أعلم (١).\n١١ - «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بأَنِّي أشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللهُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ» (٢). وتقدم شرحه قبل حديث واحد.\n١٢ - «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة\nالله» (٣) (٤)، تقدّم معنى السلام في شرح كلمات التشهد، والسنة أن ينوي بالسلام الخروج من الصلاة، والسلام على الحاضرين عن يمينه وشماله، وعلى الملائكة؛ لأدلة منها قول النبي - ﷺ -: «... ثم يسلم على أخيه: من على يمينه وشماله» (٥).\n_________\n(١) انظر: شرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٣٧.\n(٢) أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، ٢/ ٦٢، برقم ١٤٩٣، والترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب جامع الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، ٥/ ٥١٥، برقم ٣٤٧٥، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، ٢/ ١٢٦٧، برقم ٣٨٥٧، وأحمد، ٥/ ٣٦٠، برقم ٢٢٩٦٥، وانظر: صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٩، وصحيح الترمذي، ٣/ ١٦٣.\n(٣) انظر: صحيح مسلم، برقم ٤٣١، ورقم ٥٨١، ٥٨٢.\n(٤) قال الإمام الصنعاني ﵀ في سبل السلام، ٢/ ٣٣٠: «وحديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة، كلهم بدون زيادة وبركاته إلا في رواية وائل، ورواية عن ابن مسعود»، فقال المحقق: «بل ضُعِّف ذلك، ثم ذكر تسعة وعشرين صحابيًاّ، وخرَّج رواياتهم»، سبل السلام، ٢/ ٣٣٠.\n(٥) مسلم، برقم ٤٣١، وانظر: صلاة المؤمن للمؤلف، ١/ ٢٥٧.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الرابع عشر: فهم وتدبر معاني الأذكار بعد السلام من الصلاة</span>\n١ - «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (١).\nقوله: «أستغفر الله» السنة أن يستغفر المصلي بعد سلامه ثلاث مرات - والمغفرة هي ستر الذنب والعفو عنه - تحقيرًا لعمله، وتعظيمًا لجناب ربه جل وعلا، وكذلك ينبغي أن يكون حال العبد، فيلاحظ عظمة جلال ربه، وحقارة نفسه، وعمله لديه، فيزداد تضرُّعًا واستغفارًا، كلما يزداد عملًا، وقد مدح الله تعالى أهل الاستغفار بعد القيام بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾ (٢).\nقوله: «اللهم أنت السلام»: السلام من أسماء الله تعالى، أي: أنت السالم مما يلحق الخلق: من المعائب، والآفات، والحوادث، والتغيّر، ومن كلّ نَقْصٍ، وقيل: المُسلِّم على الأنبياء ﵈ في الدنيا، وعلى المؤمنين في الجنة.\nقوله: «ومنك السلام»: هذا بمعنى السلامة، أي أنت الذي تعطي السلامة من الآفات الدنيوية والأخروية، ومنك يطلب السلام، ويرجى، ويستوهب، ويستفاد.\nقوله: «تباركت»: من البِرْكَةِ: وهي: الكثرة، والنماء، والزيادة، والدوام: والمعنى: تعاليت، وتعاظمت، وكثرت خيراتك واتسعت، وتزايد برك.\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته برقم: ٥٩١.\n(٢) سورة الذاريات: ١٧/ ١٨.","vol":"1","page":336},{"text":"قوله: «يا ذا الجلال والإكرام» الجلال: والعظمة، والإكرام: الإحسان، وهو المستحق لأن يهاب؛ لسلطانه، وجلاله، ويُثني عليه بما يليق بعلو شأنه، والجلال مصدر الجليل، يقال: جليل بيِّن الجلالة، والجلال: عظم القدر، فالمعنى: أن الله تعالى مستحق أن يُجَلَّ، والإكرام: مصدر أكرم يكرم، فالمعنى: أن الله مستحق أن يُجَلَّ ويُكرم فلا يُجحد، ولا يكفر به، وهو الرب المستحق للعبادة، والإجلال والإكرام (١).\n٢ - «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ» (٢).\nهذا الذكر مستحب لما فيه من ألفاظ التوحيد، ونسبة صفات الكمال إلى الله، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة، فأوَّله كلمة التوحيد التي أُرسل بها جميع الرسل ﵈، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وكلما عظُم إيمان العبد بهذه الكلمة؛ ازداد نورها في قلبه واشتد، وأحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهةً، ولا شهوةً، ولا ذنبًا إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده، الذي لم يشرك بالله شيئًا فأي ذنب، أو شهوة، أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها (٣).\nقوله: «له الملك، وله الحمد»: له الملك أي له سبحانه التصرف في\n_________\n(١) انظر: حاشية سنن النسائي للسندي، ٣/ ٦٩، والعلم الهيب، ص ٣١٥، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٣٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء، برقم ٦٣٣٠، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٣، من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -.\n(٣) انظر: تهذيب مدارج السالكين، ١/ ٢٩٧.","vol":"1","page":337},{"text":"السموات والأرض، ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، والحمد هو الوصف بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم، والألف واللام في «الحمد» لاستغراق جميع أجناس الحمد، وصنوفه لله تعالى.\nقوله: «لا مانع لما أعطيت» أي: لا مانع لما أردت إعطاءه، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١)، فلا أحد يقدر على منع ما أعطيت أحدًا من عبادك، فإذا أراد الله أن يعطي أحدًا شيئًا، واجتمع الجن والإنس على منعه، فإنهم يعجزون عن ذلك.\nقوله: «ولا معطي لما منعت» أي: ولا أحد يقدر على إعطاء ما منعت.\nقوله: «ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» بفتح الجيم في اللفظين: هو الحظ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان: أي: لا ينفع صاحب الغنى منك، ولا من عذابك غناه، وإنما ينفعه العمل الصالح بفضلك ورحمتك (٢).\n٣ - «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» (٣).\n_________\n(١) سورة فاطر، الآية: ٢.\n(٢) انظر زاد المعاد، ١/ ٢٩٦، وفتح الباري، ٢/ ٣٣٢، والعلم الهيب، ص ٣١٧، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٤٠.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٤.","vol":"1","page":338},{"text":"قوله: «لا حول ولا قوة إلا بالله»: الحول بمعنى التحوّل، أي لا تحوَّل من حال إلى حال إلا بالله جل وعلا، والقوة: أخص من القدرة، والباء في قوله «إلا بالله» للاستعانة، والمعنى: لا أستطيع ولا أقوى على التحوّل إلا بمعونة الله، فكل إنسان لا يستطيع أن يتحوّل من حال إلى حال، سواء من معصية إلى طاعة، أو من طاعة إلى أفضل منها إلا بالله تعالى.\nقوله: «ولا نعبد إلا إياه» أي عبادتنا مقصورة على الله، غير متجاوزة عنه.\nقوله: «له النعمة»:أي النعمة الظاهرة والباطنة.\nقوله: «وله الفضل»: أي في كل شيء ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١): وهو الإنعام والإكرام.\nوقوله: «والثناء الحسن» أي الذكر الجميل، وهو تكرار الوصف بالكمال.\nوالثناء الحسن: يشمل أنواع الحمد، والمدح، والشكر، ولا نُحصي ثناء عليه كما أثنى على نفسه.\n«مخلصين له الدين» أي: مخلصين له العبادة، لا نشرك فيها غيره شركًا أصغر، ولا أكبر، ولو كره الكافرون الإخلاص في العبادة له جل وعلا.\nقوله: «ولو كره الكافرون» أي وإن كره الكافرون، ومفعوله محذوف تقديره: ولو كرهوا كوننا مخلصين لله، وكوننا عابدين له (٢).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٠٥.\n(٢) انظر المنهل العذب، ٨/ ١٧٢، ١٨٨، العلم الهيب، ص ٣١٨ - ٣١٩، وشرح حصن المسلم بتصحيح المؤلف، ص ١٤١.","vol":"1","page":339},{"text":"٤ - ثم يذكر الله تعالى بنوعٍ من الأنواع الآتية:\nالنوع الأول: «سبحان الله» ثلاثًا وثلاثين، «الحمد لله» ثلاثًا وثلاثين، «الله أكبر» ثلاثًا وثلاثين، «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» مرة واحدة (١).\nالنوع الثاني: «سبحان الله» ثلاثًا وثلاثين، «الحمد لله» ثلاثًا وثلاثين، «الله أكبر» أربعًا وثلاثين (٢).\nالنوع الثالث: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر» ثلاثًا وثلاثين (٣).\nالنوع الرابع: «سبحان الله» خمسًا وعشرين، «الحمد لله» خمسًا وعشرين، «الله أكبر» خمسًا وعشرين، «لا إله إلا الله» خمسًا وعشرين (٤).\nالنوع الخامس: «سبحان الله» إحدى عشرة، «الحمد لله» إحدى عشرة، «الله أكبر» إحدى عشرة (٥).\nالنوع السادس: «سبحان الله» عشر مرات، «الحمد لله» عشر مرات،\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان فضله، برقم ٥٩٧. من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان فضله، برقم ٥٩٦، من حديث كعب بن عجرة - ﵁ -.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤٣، ورقم ٥٩٥، ومسلم، كتاب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٥.\n(٤) النسائي في سننه، كتاب السهو، باب عدد التسبيح بعد التسليم، برقم ١٣٤٩، ١٣٥٠، والترمذي، كتاب الدعوات، باب منه، برقم ٣٤١٣، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ٧٥٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٣٤ من حديث ابن عمر ﵄.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ١٤٣ - (٥٩٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":340},{"text":"«الله أكبر» عشر مرات (١).\nو«الأولى - كما قال الحافظ ابن حجر - ﵀- البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص عن الله - ﷾ -، ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له، إذْ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير، إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال أن لا يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدال على انفراده - ﷾ - بجميع ذلك» (٢).\n٥ - يقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٣).\nقوله - ﷿ -: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾: إخبار بأنه سبحانه المنفرد بالإلهِيَّةِ لجميع الخلائق [ولفظ الجلالة عَلَمٌ خاص بالذَّات العليَّة، فهو سبحانه الإله الحق، وما سواه من الآلهة فهو باطل، و«إله» بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود: حبًا، وتعظيمًا، وخوفًا، ورجاءً].\n﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: هذان اسمان من أسماء الله ﵎، وهما جامعان لكمال الأوصاف والأفعال؛ فكمال الأوصاف في «الْحَيُّ»، وكمال الأفعال في «الْقَيُّومُ»؛ لأن معنى الحي: ذو الحياة الكاملة التي لم تسبق\n_________\n(١) البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء بعد الصلاة، برقم ٦٣٢٩، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) فتح الباري، ٢/ ٣٢٨.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.","vol":"1","page":341},{"text":"بعدم، ولا يلحقها زوال، فالله الحيُّ في نفسه، الذي لا يموت أبدًا، ومعنى القيّوم: القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى أكل وشرب، ولا مُعين، ولا ناصر، والقائم على غيره بما كسب، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غنيٌّ عنها، ولا قوام لها بدون أمره، ومن تمام القَيُّوميَّة أن لا يعتريه سنة ولا نوم.\nقوله - ﷿ -: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقصٌ، ولا غفلةٌ، ولا ذهولٌ عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، وقوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ﴾: لا تغلبه سِنَةٌ وهي الوسن والنعاس؛ ولهذا قال: «وَلاَ نَوْمٌ»، لأنه أقوى من السِّنة.\n[ولم يقل: «لا ينام» حتى يشمل الأخذ بالغلبة، والأخذ بالاختيار، ولو قلت لا ينام، فقد يكون معناه: لا ينام اختيارًا، لكن الله - ﷿ - لا ينام لا بالغلبة، ولا بالاختيار].\nقوله - ﷿ -: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾: إخبار بأن الجميع عبيده، وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.\nقوله - ﷿ -: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه﴾: هذا من عظمة الله وجلاله، وكبريائه - ﷿ -، وأنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه «إِلاَّ بِإِذْنِهِ»، إلا أن يأذن له في الشفاعة، حتى أعظم الناس جاهًا عند الله محمد - ﷺ - لا يشفع إلا بإذن الله] كما في حديث الشفاعة الطويل، عن النبي - ﷺ -، وفيه: «فأستأذن على ربي فيُؤذن لي، ويُلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخرُّ له ساجدًا، فَيُقَال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع لك، وسل تُعطَ،","vol":"1","page":342},{"text":"واشفع تُشفَّع ...» (١).\nقوله - ﷿ -: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: دليل على إحاطة علمه سبحانه بجميع الكائنات: ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها.\nقوله - ﷿ -: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾: أي: لا يطَّلع أحد على شيء من علم الله إلا بما أعلمه الله جل وعلا وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته، وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًِا﴾ (٢).\nقوله - ﷿ -: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾: والصحيح أن الكرسي موضع القدمين، وأنه غير العرش، والعرش أكبر منه، قال ابن عباس\n﵄: «الكرسي موضع القدمين والعرش: لا يقدر أحد قدره» (٣)، [وسع: بمعنى شمل وأحاط، والكرسي موضع قدمي الرب سبحانه، وهو بين يدي العرش كالمقدمة له].\nقوله - ﷿ -: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: أي: لا يُثقله، ولا يكترثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما، ومن بينهما؛ بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو سبحانه القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة، صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد، الفعّال لما يريد، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، والحسيب لكل شيء.\n_________\n(١) البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب كلام الرب - ﷿ - يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، برقم ٧٥١٠، وأطرافه في الطرف الأول، برقم ٤٤.\n(٢) سورة طه، الآية: ١١٠.\n(٣) الحاكم، ٢/ ٢٨٢، وصححه على شرط الشيخين موقوفًا ٤٤٢ - ٤٤٤.","vol":"1","page":343},{"text":"قوله - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾: العليُّ أي: ذو العلو المطلق، والعلو: صفة من صفات الله تعالى، ومعنى العلو المطلق: علو الذات، وهو أنه تعالى مستوٍ على عرشه، استواء يليق بجلاله، وله القدر، وله علوُّ القهر. والعظيم: أي: ذو العظمة، والعظيم من كل شيء، الذي يكون بالغ الأهمية، وبالغ الصفات، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه (١).\n٦ - يقرأ سورة الإخلاص: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾:\nقوله - ﷿ -: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ أي: هو الواحد الأحد الذي لا نظير له، ولا وزير ولا نديد، ولا شبيه، ولا عديل، ولا يُطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله - ﷿ -؛ لأنه الكامل في جميع صفاته، وأسمائه، وأفعاله.\nقوله - ﷿ -: ﴿اللَّهُ الصَّمَد﴾ يعني: الذي يصمد إليه الخلائق في طلب حوائجهم، ومسائلهم، وهو السيد الذي قد كَمُل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كَمُل في عظمته، والحليم الذي قد كَمُل في حلمه، والعليم الذي قد كَمُل في علمه، والحكيم الذي قد كَمُل في حكمته، وهو الذي قد كَمُل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، وهذه صفة لا تنبغي إلا له، وليس له كفء، وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار.\nقوله - ﷿ -: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد﴾ أي: ليس له ولد ولا والد، ولا صاحبة.\n_________\n(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ٥/ ٤٢٩ - ٢٤٤، وفتح القدير، ١/ ٢٧١ - ٢٧٤، وشرح العقيدة الواسطية للهراس، ص ١٤٢، وشرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين، ص ٣٢٧.","vol":"1","page":344},{"text":"قوله - ﷿ -: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يعني: ليس له نظير يساميه، أو قريب يدانيه: تعالى، وتقدَّس، وتنزَّه، قال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (٢).\nقال النبي - ﷺ -: «قال الله - ﷿ -: كذَّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأما شتمه إيّاي فقوله: اتخذ الله ولدًا وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد» (٣) (٤).\n٧ - يقرأ سورة الفلق: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق * مِن شَرِّ مَا خَلَق * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَب * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١٠١.\n(٢) سورة مريم، الآيات: ٨٨ - ٩٥.\n(٣) البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الإخلاص، برقم ٤٩٧٤، وطرفه برقم ١٣٩٣.\n(٤) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ١٤/ ٥١٢ - ٥١٥.\n(٥) سورة الفلق، الآيات: ١ - ٥.","vol":"1","page":345},{"text":"قوله - ﷿ -: «قُلْ» أمرٌ: أي أمرك أن تقول ...\nقوله - ﷿ -: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾: الاستعاذة هي: الالتجاء، والاعتصام، والاستجارة بالله سبحانه، أي: ألجأ، وأعتصم، وأستجير، والفلق الصبح، وذلك: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَق﴾ أي من شر جميع المخلوقات، والشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين:\nإمّا ذنوب وقعت منه يعاقب عليها، فيكون وقوع ذلك الشر: بفعله، وقصده، وسعيه، فيكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها، وهو أعظم الشرين، وأدومهما وأشدهما اتصالًا بصاحبه.\nوإمَّا شر واقع به من غيره، وذلك الغير إما مكلَّف كالإنسان والجني، أو غير مكلَّف كالهوام، وذوات السموم، وغيرها: فتضمنت هذه الاستعاذة في هذه السورة الاستعاذة من الشرور كُلِّها بأوجز لفظ وأجمعه، وأدلّه على المراد، وأعمّه استعاذةً، بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه.\nوالقسم الأول هو أعظم الشرين، وأدومهما، وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته، فإن الله إذا أنعم على عبده بنعمة حفظها عليه، ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها، في نفسه: قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١)، فما حُفِظَتْ نعمة الله بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شُكْره، قال الله - ﷾ -: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد﴾ (٢)، ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه؛ فإنها - أي\n_________\n(١) سورة الرعد، الآية: ١١.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٧.","vol":"1","page":346},{"text":"المعصية - نار النِّعم التي تعمل فيه كما تعمل النار في الحطب اليابس (١).\nقوله - ﷿ -: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَب﴾ الغاسق: هو الليل إذا أقبل بظلامه، فإن الشر فيه أكثر، والتحرز من الشرور فيه أصعب، وقد أخبر النبي - ﷺ - أن الشمس إذا غربت، انتشرت الشياطين؛ ولهذا قال - ﷺ -: «لا ترسلوا فواشيكم (٢) وصبيانكم إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة\nالعشاء» (٣)\nقوله - ﷿ -: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد﴾ النفاثات: هي الأرواح والأنفس الشريرة، وهنَّ السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن على كل عقدة حتى ينعقد ما يردن من السحر، والنفث: النفخ مع ريق، والعقد: جمع عقدة، وهي من خيوط كما تقدم.\nقوله - ﷿ -: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحسد: تمني زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود، وهي: كراهة نعمة الله على الغير، ويدخل في معنى الحاسد: العائن؛ لأن العين لا تصدر إلا من حاسدٍ شرّير الطبع، خبيث النفس، وهذا غير حسد الغبطة: وهو أن يتمنَّى أن يرزقه الله مثل فلان من الخير، مع محبته أن تبقى النعمة ولا تزول، وهذا لا بأس به.\n_________\n(١) انظر: بدائع الفوائد،٢/ ٢٩٦.\n(٢) شرح النووي على مسلم: الفواشي: كل شيء منتشر من المال: كالإبل، والغنم، وسائر البهائم، فإنها جمع فاشية: أي تنتشر في الأرض، وفحمة العشاء: ظلمتها وسوادها.\n(٣) مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها، برقم ٢٠١٣ من حديث جابر - ﵁ -.","vol":"1","page":347},{"text":"ومعنى ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ أي: إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وحمله على إيقاع الشر بالمحسود (١).\n٧ - يقرأ سورة الناس: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس﴾.\nقوله - ﷿ -: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاس * إِلَهِ النَّاس﴾ هذه ثلاث صفات من صفات الرب - ﷿ -: الربوبية، والملك، والإلهيَّة، فهو سبحانه ربُّ كل شيء، فربوبيته تعالى: متضمنة لخلق الخلق، وتدبيرهم، وتربيتهم، وإصلاحهم، وما يحتاجون إليه، ورفع الشر عنهم، وحفظهم مما يفسدهم، وهو مليك كلّ شيء: فهو مليكهم المتصرف فيهم، وهم عبيده ومماليكه، المدبِّر لهم كما يشاء، الذي له السلطان التام عليهم، فهو مليكهم الحق الذي إليه مفزعهم عند الشدائد والنوائب، وهو مستغاثهم، ومعاذهم، وملجؤهم، فلا صلاح لهم، ولا قيام إلا به وبتدبيره.\nوهو إله كل شيء، فهو إلههم الحق، ومعبودهم الذي لا إله لهم حق سواه. فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة، عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات.\nقوله - ﷿ -: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس﴾: وهو الشيطان الموكَّل بالإنسان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وَسْوَسَ، فإذا ذكر الله خنس؛ فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يُزَيِّن له الفواحش،\n_________\n(١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ١٤/ ٢٢٢ - ٢٢٨، وانظر: تفسير المعوذتين تفسيرًا مفصلًا في بدائع الفوائد لابن القيم، ٢/ ١٩٨ - ٢٧٦.","vol":"1","page":348},{"text":"والمعصوم من عصمه الله، قال النبي - ﷺ -: «ما منكم من أحد إلا وقد وكّل الله به قرينه من الجن» قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: «وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير»، وفي لفظ: «وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» (١).\nقوله - ﷿ -: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ أي: الموسوس، والوسوسة هي حديث النفس.\nقوله - ﷿ -: ﴿الْخَنَّاس﴾ أي: كثير الخنس، والخنس: التواري والاختفاء، ووصف الشيطان بالخنَّاس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّس﴾ (٢)، يعني النجوم تبدو بالليل، وتخنس بالنهار فتختفي ولا تُرى.\nقوله - ﷿ -: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس﴾ تفسير للذي يوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن، أي: نعوذ بالله من شياطين الجن والإنس، والجِنَّة: جمع جني. وكل شر في العالم فالشيطان سبب فيه، ولكن يمكن حصر شره في ستة أجناس، فلا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحدًا منها أو أكثر:\nالشر الأول: شر الكفر والشرك، ومعاداة الله تعالى ورسوله - ﷺ -، فإن يئس منه ذلك، نقله إلى:\nالمرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحبّ إليه من الفسوق والمعاصي، فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبدُ ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى:\nالمرتبة الثالثة من الشر، وهي الكبائر على اختلاف أنواعها، فإن\n_________\n(١) مسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان برقم: ٢٨١٤.\n(٢) سورة التكوير، الآية: ١٥.","vol":"1","page":349},{"text":"عجز الشيطان عن هذه المرتبة، نقله إلى:\nالمرتبة الرابعة، وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، نقله إلى:\nالمرتبة الخامسة، وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، وكان حافظًا لوقته، شحيحًا به، نقله إلى:\nالمرتبة السادسة، وهي أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه؛ ليزيح عنه الفضيلة، ويفوِّته ثواب العمل الفاضل، فيأمره بفعل الخير المفضول، وقلّ من يتنبه لهذا من الناس، فإن أعجزه العبد عن هذه المراتب الست، وأعيا عليه سلّط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى (١)، والتحذير منه، وقصد إخماله وإطفائه ليمنع الناس من الانتفاع به (٢).\nالسبب الثامن والأربعون: التنويع في الاستفتاح، والقراءة، والأذكار في الصلاة:\nالمصلِّي إذا حافظ على السنة في قراءة الاستفتاحات في الصلاة بأنواعها: فيقرأ هذا النوع تارة، والنوع الآخر تارة أخرى، والثالث تارة ثالثة، وقد سبق أن ذكرت منها في فهم وتدبر معاني الاستفتاح ثمانية أنواع، فإذا حافظ المسلم على هذه الأنواع منوِّعًا لها في صلواته حصل على الخشوع، وعلى ثواب العمل بالسنة، وعلى\n_________\n(١) وهذه: هي المرتبة السابعة.\n(٢) انظر تفسير القرآن العظيم ١٤/ ٥٢٩ - ٥٣٢، وبدائع الفوائد لابن القيم، ٢/ ٢٢٤٧ - ٢٦٢ وتفسير المعوذتين تفسيرًا مفصلًا في هذا المرجع ٢/ ١٩٨ - ٢٧٦.","vol":"1","page":350},{"text":"حفظ هذه الاستفتاحات (١).\nوكذلك ينوِّع في قراءته للقرآن في الصلاة، فيلتزم السنة فيما يقرأ في الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء كما جاءت به السنة، وكذلك قراءة سورة السجدة والإنسان في فجر الجمعة، وقراءة سورة سبح اسم ربك الأعلى والغاشية في صلاة الجمعة تارة، والجمعة والمنافقون تارة أخرى، والجمعة والغاشية تارة ثالثة، كما ثبتت السنة بذلك عن النبي - ﷺ - (٢).\nوكذلك تنويع أذكار الرفع من الركوع بعد قوله: «سمع الله لمن حمده»، فتارة يقول: «ربنا لك الحمد»، وتارة يقول: «ربنا ولك الحمد»، وتارة يقول: «اللهم ربنا لك الحمد»، وتارة يقول: «اللهم ربنا ولك الحمد» (٣).\nوكذلك تنويع الأذكار أدبار الصلوات كما جاءت بذلك سنة النبي - ﷺ -، فقد ذكرت في فهم وتدبر الأذكار بعد السلام من الصلاة أنواع التسبيح، وأنها قد جاءت على ستة أنواع، فيقول المسلم كلَّ نوعٍ في دبر صلاةٍ من صلواته (٤).\nوكذلك ينوِّع في قراءة التشهد، فإنه جاء في السنة على أنواع (٥).\n_________\n(١) انظر: تخريج هذه الاستفتاحات في المبحث الحادي والعشرين: السبب الحادي والخمسين.\n(٢) انظر: تخريج هذه القراءة في السبب الحادي والخمسين.\n(٣) انظر: تخريج هذه الأذكار في السبب الحادي والخمسين.\n(٤) انظر تخريج هذه الأذكار في السبب الحادي والخمسين.\n(٥) انظر تخريج هذه الأذكار في السبب الحادي والخمسين.","vol":"1","page":351},{"text":"وأيضًا الصلاة على النبي - ﷺ - جاءت على أنواع (١).\nفإذا فعل المسلم ذلك حصل له الخشوع في صلاته بتوفيق الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>السبب التاسع والأربعون: الاجتهاد في الدعاء في مواضعه في الصلاة:</span>\nالدعاء مناجاةٌ لله تعالى، فإذا اجتهد العبد في الدعاء، والتذلُّل لله فيه، والإلحاح، والطلب منه تعالى؛ فإن هذا مما يزيد العبد محبة لربِّه، وخشوعًا، وتذلُّلًا، ورغبة فيما عنده، ورهبة من عذابه، والدعاء في الحقيقة عبادة عظيمة لله تعالى؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «الدعاء هو العبادة، قال ربّكم: «ادعوني أستجب لكم» (٢)، وثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من لم يسأل الله يغضب عليه» (٣).\nوقد شرع الله تعالى الدعاء في الصلاة في مواضع ومواطن أثناء أداء المسلم للصلاة، ومن أعظم هذه المواضع:\nالدعاء في السجود، فينبغي أن يجتهد المسلم في الدعاء في السجود؛ لقول النبي - ﷺ -: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» (٤)، وقوله - ﷺ -: «... وأما الركوع فعظموا فيه الربّ\n_________\n(١) انظر تخريج هذه الأذكار في السبب الحادي والخمسين.\n(٢) أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، برقم ١٤٨١، والترمذي كتاب تفسير القرآن، باب ومن تفسير سورة البقرة، برقم ٢٩٥٩، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، برقم ٣٨٢٨، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٣/ ١٥٠، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٤. والآية رقم ٦٠ من سورة غافر.\n(٣) الترمذي، كتاب الدعوات، باب من لم يسأل الله يغضب عليه، برقم ٣٣٧٣، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، برقم ٣٨٢٧، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي،\n٣/ ١٢٨٣، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٣٥٤.\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٢.","vol":"1","page":352},{"text":"[- ﷿ -]، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن (١) أن يستجاب لكم» (٢).\nفحرِيٌّ بالمسلم أن يجتهد في الدعاء في السجود، وقد شرع النبي - ﷺ - أدعية كثيرة للدعاء في السجود (٣)،\nوأذكار الركوع، والدعاء بها (٤)،\nوأذكار الرفع من الركوع، وبعد الاعتدال منه (٥)،\nوأذكار الجلسة بين السجدتين (٦)،\nوالدعاء قبل السلام بعد التشهد الأخير (٧).\nفينبغي للمسلم أن يجتهد في ذلك، ويقتدي بالنبي - ﷺ - في ذلك، ويدعو الله وهو موقن بالإجابة، ويجمع بين الخوف من الله تعالى ورجائه، مع المحبة لله تعالى.\nقال العلامة ابن القيم ﵀: «القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر: فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِمَ الرأس والجناحان فالطائرُ يطير جيدًا، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى\n_________\n(١) قمنٌ: حقيقٌ وجديرٌ أن يستجاب لكم.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، برقم ٤٧٩.\n(٣) انظر: أدعية كثيرة صحيحة في السجود في المبحث الحادي والخمسين: الدعاء في السجود.\n(٤) انظر: السبب الحادي والخمسين: أدعية الركوع.\n(٥) انظر: السبب الحادي والخمسين: أدعية الرفع من الركوع.\n(٦) انظر: السبب الحادي والخمسين: أدعية الجلسة بين السجدتين.\n(٧) انظر: السبب الحادي والخمسين.","vol":"1","page":353},{"text":"فُقِدَ الجناحان: فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوِّي في الصحة جناح الخوف، وعند الخروج من الدنيا يقوِّي جناح الرجاء على جناح الخوف».\nوقال بعض السلف: «أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنّه وكرمه» (١).\nقال الله - ﷿ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (٢).\nفابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه: بالعبوديَّة، والمحبة، فقد ذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحب، والخوف، والرجاء (٣).\nومع ذلك ينبغي أن يكون المسلم قبل دعائه متطهِّرًا من الذنوب بالتوبة، ويكون زاهدًا ورعًا: وقد ذكر ابن القيم ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة الزهد والورع فقال: «الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>السبب الخمسون: إحسان الطهور وإكماله:</span>\nلا شك: أن إحسان الطهارة: من الوضوء، والغسل على الوجه\n_________\n(١) مدارج السالكين، لابن القيم، ١/ ٥١٧، وانظر: ١/ ٥٢٠، من المرجع نفسه.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٥٧.\n(٣) مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٣٥.\n(٤) المرجع السابق، ٢/ ١٠.","vol":"1","page":354},{"text":"الأكمل يعين على الخشوع في الصلاة، وقد حذَّر النبيُّ - ﷺ - من النقص في ذلك، وتَرْك استيعاب غسل الأعضاء في الوضوء، فعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم - ﷺ - قال: «ويل للأعقاب من النار»، ولفظ مسلم أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا لم يغسل عقبه، فقال: «ويل للأعقاب من النار»، وفي لفظ لمسلم: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول: «ويل للعراقيب من النار» (١).\nوعن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - صلَّى الصبح، فقرأ الروم فالْتَبَسَ عليه، فلما صلَّى قال: «ما بال أقوام يصلُّون معنا لا يحسنون الطُّهورَ، فإنما يَلْبِسُ علينا القرآن أولئك» (٢)، وفي لفظ لأحمد من حديث أبي روح الكلاعي: «إنما يلبّسُ علينا الشيطان القراءة من أجل أقوامٍ يأتون الصلاة بغير وضوء، فإذا أتيتم الصلاة فأحسنوا الوضوء»، وفي لفظ: «صلى الصبح فقرأ فيها الروم، فأوهم ...»، وفي لفظ له: «... أنه صلى مع النبي - ﷺ - الصبح، فقرأ بالروم فتردَّد في آية، فلما انصرف قال: «إنه يلْبِسُ علينا القرآن: أن أقوامًا منكم معنا لا يُحسنون الوُضُوءَ، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الأعقاب، برقم ١٦٥، مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكاملهما، برقم ٢٤٢، وقد جاء عند مسلم أيضًا بنحوه عن عائشة ﵂، برقم ٢٤٠، وعن عبد الله بن عمر ﵄، برقم ٢٤١، وفيه قصة في السفر.\n(٢) النسائي، كتاب الافتتاح، باب القراءة في الصبح بالروم، برقم ٩٤٧، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٣١٥.","vol":"1","page":355},{"text":"الوضوء» (١)، وأورده ابن كثير في تفسيره في آخر سورة الروم، ثم قال: «وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سرٌّ عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه - ﷺ - تأثر بنقصان وضوء من ائتمَّ به، فدلّ ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام» (٢).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀ في موضع آخر: «فدلَّ هذا على أن إكمال الطهارة يُسهِّلُ القيام في العبادة، ويُعين على إتمامها، وإكمالها، والقيام بمشروعاتها» (٣).\nوقال السندي رحمه الله تعالى عن الحديث المذكور: «وفيه تأثير الصحبة، وأن الأكملين في أكمل الأحوال يظهر فيهم أدنى أثر، والله تعالى أعلم» (٤).\nومما تقدم يتضح: أن النقص في الطهارة يؤثر على المُصلِّي، ويتعدَّى تأثيره إلى الإمام إذا كان ذلك المُقصِّر في الوضوء يصلِّي في جماعة، والله المستعان (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>السبب الحادي والخمسون: المحافظة على صفة الصلاة الكاملة الخاشعة من كل وجه:</span>\nأعظم الأسباب الجالبة للخشوع في الصلاة: أن يصلِّي المسلم الصلاة الكاملة من كل وجهٍ، وذلك: بإكمال شروطها قبل الدخول\n_________\n(١) أحمد، ٢٥/ ٢٠٨، برقم ١٥٨٧٢، وبرقم ١٥٨٧٣، ورقم ١٥٨٧٤، و٣٨/ ١٦٩، برقم ٢٣٠٧٢، وبرقم ٢٣١٢٥، وحسنه محققو المسند، ٢٥/ ٢١١، وفي ٣٨/ ١٦٩، ٢٠٦.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، ونقله عنه محققو المسند، ٢٥/ ٢١٠.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، ٧/ ٢٨٩ عند تفسير الآية ١٠٨ من سورة التوبة.\n(٤) حاشية السندي على سنن النسائي، ٢/ ١٥٧.\n(٥) انظر: الخشوع في الصلاة، لمحمد لطفي الصباغ، ص٥٧.","vol":"1","page":356},{"text":"فيها، والقيام بإكمال أركانها، وواجباتها، وخشوعها، وسننها، والابتعاد عن مبطلاتها، ومكروهاتها.\nوصفة الصلاة الكاملة من كل وجهٍ: أن يصلي المسلم كما كان النبي - ﷺ - يصلِّي؛ لحديث مالك بن الحويرث - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «... صلوا كما رأيتموني أصلي» (١). فينبغي للمسلم أن يصلِّي الصلاة بخشوع النحو الآتي:\n١ - يسبغ الوضوء وهو أن يتوضأ كما أمره الله - ﷿ - عملًا بقوله - ﷾ -:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» (٣)، فيجب على المسلم العناية بالطهارة، قبل دخول الصلاة (٤).\n٢ - يتوجه إلى القبلة، وهي الكعبة، لقول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٥)؛ ولحديث أبي هريرة\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة، برقم ٦٣١.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة برقم ٢٢٤.\n(٤) انظر: طهور المسلم للمؤلف ص٦٣.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٤٤.","vol":"1","page":357},{"text":"- ﵁ - في قصة المسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ...» (١).\n٣ - يجعل له سترة يصلِّي إليها إن كان إمامًا أو منفردًا؛ لحديث سبرة بن معبدٍ الجهني قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليستترْ أحدُكم في الصلاة ولو\nبسهمٍ» (٢)؛ولحديث أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قام أحدُكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرَّحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل فإنه يقطع صلاته: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود» (٣). ويتأكد الدّنوُّ من السترة والصلاة إليها؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا صلى أحدُكم فليصلِّ إلى سترةٍ، وليدنُ منها» (٤). ويجعل بينه وبين سترته قدر ممر الشاة، أو قدر مكان السجود، ولا يزيد على قدر ثلاثة أذرع، وكذلك بين الصفوف؛ لحديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قال: «كان بين مصلى رسول الله - ﷺ - وبين\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٣،ومسلم بلفظه، برقم ٣٩٧،وتقدم تخريجه في التحذير من ترك الخشوع في الصلاة.\n(٢) أخرجه الحاكم،١/ ٢٥٢، بنحوه، والطبراني في الكبير، ٧/ ١١٤ بلفظه، برقم ٦٥٣٩، وأحمد، ٣/ ٤٠٤ بلفظ: «إذا صلى أحدكم فليستتر لصلاته ولو بسهم»،وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد،٢/ ٥٨، وقال: «رجال أحمد رجال الصحيح»، وسمعت سماحة العلامة ابن باز - ﵀ - يقول في تعليقه على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٤٤: «دل هذا الحديث على تأكد السترة ولو بسهم».\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي، برقم ٥١٠.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه، برقم ٦٩٨، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٣٥: «حسن صحيح»، وسمعت العلامة ابن باز - ﵀ - يقول في تعليقه على حديث ٢٤٤ من بلوغ المرام: «إسناده جيد، وهو يدل على تأكد السترة والدّنوِّ منها».","vol":"1","page":358},{"text":"الجدار ممر الشاة» (١).\nوإذا أراد أحد أن يمر بين يديه ردّه، ودافعه؛ فإن لم يمتنع دافعه بقوة؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعْه، فإن أبى فليقاتلْه؛ فإنما هو شيطان» (٢). وفي رواية لمسلم: «فإن معه القرين» (٣). ولا يجوز المرور بين يدي المصلي؛ لحديث أبي جُهيم - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو يعلمُ المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمرَّ بين يديه» قال أبو النضر أحد الرواة: لا أدري قال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة (٤).\nوسترة الإمام سترة لمن خلفه؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ وفيه: أنه أقبل راكبًا على حمارٍ أتانٍ، وهو يومئذ قد ناهز الاحتلام، ورسول الله - ﷺ - قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس إلى غير جدار، فسار ابن عباس على حماره بين يدي بعض الصف الأول، ثم نزل عنه فصف مع الناس وراء رسول الله - ﷺ -، ولم ينكر ذلك عليه أحد (٥). وسمعت شيخنا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة برقم ٤٩٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب دنو المصلي من السترة، برقم ٥٠٨، وانظر: سبل السلام للصنعاني، /١٤٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، بابٌ: يردُّ المصلي من مرَّ بين يديه، برقم ٥٠٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي، برقم ٥٠٥.\n(٣) مسلم في الكتاب والباب السابقين، برقم ٥٠٦، وسمعت سماحة العلامة ابن باز أثناء شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ٢٤٨، يقول: «وهذا يدل على أنه يشرع للمصلي إذا مر أحد بينه وبين سترته أن يرده، وظاهر النصوص الأخرى أن يردّه مطلقًا سواء كان له سترة أم لا، إلا إذا كان بعيدًا، ويردّ المار بالأسهل فالأسهل كما يردُّ الصائل».\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب إثم المار بين يدي المصلي، برقم ٥١٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي، برقم ٥٠٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب: سترة الإمام سترة من خلفه، برقم ٤٩٣، وألفاظه من هذا ومن رقم ١٨٥٧، ٤٤١٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، برقم ٥٠٤.","vol":"1","page":359},{"text":"الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «هذا يدل على أن المأمومين سترتهم سترة إمامهم، فلا يضرهم من مرّ من أمامهم إذا كان لإمامهم سترة» (١).\n٤ - يكبّر تكبيرة الإحرام، قائمًا، قاصدًا بقلبه فعل الصلاة التي يريدها: من فريضة أو نافلة؛ تقربًا لله تعالى، قائلًا: الله أكبر، ناظرًا ببصره إلى محل سجوده، رافعًا يديه مضمومتي الأصابع، ممدودة إلى حذو منكبيه، أو إلى حيال أذنيه؛ لقول النبي - ﷺ - في حديث المسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» (٢)، ولقول الله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣)؛ولقول النبي - ﷺ - لعمران بن حصين - ﵁ -: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطعْ فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ» (٤)؛ ولحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات» (٥)،ولا ينطق بلسانه بالنية؛ لأن النبي - ﷺ - لم ينطق بها، ولا أصحابه - ﵃ - (٦)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود. وفي لفظ: «وإذا قام\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري على الحديث رقم ٤٩٣، في جامع سارة بالرياض، بتاريخ ١٠/ ٦/١٤١٩هـ.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٣، ومسلم، برقم ٣٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٤) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، بابٌ: إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب، برقم ١١١٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم١، ومسلم، برقم ١٩٠٧، وتقدم تخريجه.\n(٦) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، ١١/ ٨.","vol":"1","page":360},{"text":"من الركعتين رفع يديه» (١)،\nوفي حديث مالك بن الحويرث - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان إذا كبر رفع يديه حتى يُحاذيَ بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذيَ بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: «سمع الله لمن حمده»، فعل مثل ذلك، وفي لفظ لمسلم: «حتى يحاذي بهما فروع أذنيه» (٢).\nوالأحاديث الواردة في ابتداء رفع اليدين جاءت على وجوهٍ ثلاثة:\nالوجه الأول: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - رفع يديه ثم كبّر، فعن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر» (٣)؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - يُحدِّث به في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - وفيه: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يُحاذيَ بهما منكبيه ثم يُكبِّر» (٤).\nالوجه الثاني: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - كبر ثم رفع يديه، فعن أبي قلابة أنه «رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبَّر ثم رفع يديه ... وحدَّث أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل هكذا» (٥).\nالوجه الثالث: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - رفع يديه مع التكبير، وانتهى منه مع انتهائه، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «رأيت رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء، برقم ٧٣٥، ورقم ٧٣٩، ومسلم، كتاب الصلاة، برقم ٣٩٠ ..\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع، وإذا رفع، برقم ٧٣٧، ومسلم واللفظ له، في كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع، وفي الرفع من الركوع، وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود، برقم ٣٩١.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، برقم ٣٩٠.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد برقم ٨٢٨، واللفظ لأبي داود، برقم ٧٣٠.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر، برقم ٧٣٧، ومسلم واللفظ له، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، برقم ٣٩١.","vol":"1","page":361},{"text":"افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين كبّر حتى جعلهما حَذْوَ منكبيه» (١). فمن فعل صفة من هذه الصفات فقد أصاب السنة (٢).\nوأما النظر إلى موضع السجود، ومطأطأة الرأس، ورمي البصر نحو الأرض؛ فلما رواه البيهقي والحاكم، وشهد له حديث عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، أو لتُخْطَفَنَّ أبصارُهم» (٤).\n٥ - يضع يديه على صدره بعد أن ينزلهما من الرفع، اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد؛ لحديث وائل بن حُجْر قال: «صليت مع النبي - ﷺ - فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره» (٥)، وفي لفظ: «ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى والرُّسغ والساعد» (٦)، وهذا يَعمُّ\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب إلى أين يرفع يديه، برقم ٧٣٨، ومسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام، برقم ٣٩٠.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٢١٨، وسبل السلام للصنعاني،٢/ ٢١٧، والشرح الممتع لابن عثيمين،٣/ ٣٩.\n(٣) انظر: السنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٢٨٣،٥/ ١٥٨، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٤٧٩، وأحمد، ٢/ ٢٩٣، وصحح الألباني ما جاء في هذه الصفة في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٨٠.\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، برقم ٤٢٩.\n(٥) أخرجه ابن خزيمة، في صحيحه، ١/ ٢٤٣، برقم ٤٧٩، والحديث جاء من طرق أخرى بمعناه، وله شواهد. انظر: صحيح ابن خزيمة، ١/ ٢٤٣، وصفة الصلاة للألباني، ص٧٩، وسمعت سماحة العلامة ابن باز - ﵀ - أثناء تقريره على الحديث رقم ٢٩٣ من بلوغ المرام يقول: «وهكذا رواه أحمد عن قبيصة عن أبيه أن النبي - ﷺ - كان يضع يديه على صدره، وإسناده حسن».\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة، برقم ٧٢٧، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، برقم ٨٨٩، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٦٨ - ٦٩، وصفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٧٩.","vol":"1","page":362},{"text":"القيام بعد الرفع من الركوع؛ لحديث وائل - ﵁ - في لفظ آخر، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - «إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله» (١)، وهذا الحديث فيه صفة القبض، والأحاديث الأخرى فيها صفة وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، قال العلامة ابن عثيمين - ﵀ -: «إذن هاتان صفتان: الأولى قبض، والثانية وضع» (٢)، وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرَّجُلُ يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة».\nقال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي - ﷺ -» (٣)، وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «وهذا يحتمل أن يكون نوعًا ثانيًا، ويحتمل أن يكون المراد مثل حديث وائل» (٤).\n٦ - يستفتح الصلاة بدعاء الاستفتاح وهو أنواع، يأتي بواحد منها ولا يجمع بينها، ولكن ينوِّع لكل صلاة، ومنها:\nأ- عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ -، إذا كبر في الصلاة سكت هُنيَّة (٥) قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعِدْ بيني\n_________\n(١) النسائي، كتاب الافتتاح، باب وضع اليمنى على الشمال في الصلاة، برقم ٨٨٧، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ١٩٣.\n(٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٣/ ٤٤.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، برقم ٧٤٠.\n(٤) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩٣ من بلوغ المرام.\n(٥) هنيَّة: أي وقت لطيف قصير، أو ساعة لطيفة. فتح الباري لابن حجر، مقدمة فتح الباري، ص٢٠٢.","vol":"1","page":363},{"text":"وبين خَطايايَ كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خَطايايَ كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنس، اللهم اغْسلْني من خَطايايَ بالثلج والماء والبَرَدِ» (١).\nب - وإن شاء قال: «سبحانك اللهم وبحمدك (٢)، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إلهَ غيرُك» (٣).\nج - وإن شاء قال ما ثبت عن علي بن أبي طالب - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه كان إذا قام إلى الصلاة (٤)\nقال: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي، ومحياي،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٤٣، ومسلم، برقم ٥٩٨، وتقدم تخريجه في السبب الأربعين في فهم دعاء الاستفتاح.\n(٢) سبحانك اللهم وبحمدك: أي سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك، والجد هنا: العظمة»، شرح النووي،٤/ ٣٥٥، وقيل: أسبحك حال كوني متلبسًا بحمدك. انظر: سبل السلام للصنعاني،٢/ ٢٢٤، وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على الروض المربع، ٢/ ٢٢: «يعني بحمدي لك، وثنائي عليك سبحتك: أي نزَّهْتك».\n(٣) مسلم، برقم ٣٩٩، وتقدم تخريجه في تدبر دعاء الاستفتاح.\n(٤) وفي رواية ابن خزيمة، ١/ ٢٣٦، برقم ٤٦٤ بلفظ: «كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر ويقول ..» وقال شعيب وعبد القادر الأرناؤوط في تحقيقهما لزاد المعاد،١/ ٢٠٣: «وإسناده صحيح». وزاد ابن حبان هذه الزيادة أيضًا، ٥/ ٧٠، برقم ١٧٧٢، ولفظه: «كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة قال: وجهت وجهي». وقال الحافظ ابن حجر في الفتح، ٢/ ٢٣٠: «وهو عند مسلم من حديث علي لكنه قيّده بصلاة الليل، وأخرجه الشافعي [في المسند ١/ ٧٢ - ٧٣]، وابن خزيمة، وغيرهما بلفظ: «إذا صلى المكتوبة واعتمده الشافعي في الأم» ا. هـ وتعقب الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - كلام ابن حجر في نقله أن مسلمًا قيَّده بصلاة الليل فقال: «هذا وهْمٌ من الشارح ﵀ وليس في رواية مسلم تقييده بصلاة الليل فتنبه، والله أعلم» الفتح،٢/ ٢٣٠. وقال الصنعاني - ﵀ - في سبل السلام، ٢/ ٢٢٣ على كلام ابن حجر - ﵀ -: «لم نجده في مسلم هذا الذي ذكره المصنف من أنه كان يقوله في صلاة الليل، وإنما ساق حديث علي - ﵁ - هذا في قيام الليل» ..","vol":"1","page":364},{"text":"ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك، وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» (١). وإن شاء قال ما ثبت عن النبي - ﷺ - من الأنواع الأخرى في الاستفتاح (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ٧٧١.\n(٢) وذكر ابن تيمية - ﵀ - في كتاب: «قاعدة في أنواع الاستفتاح» ص٣١: «أن الاستفتاح لا يختص بـ «سبحانك اللهم»، و«وجهت وجهي» وغيرهما؛ بل يستفتح بكل ما روي، لكن فضل بعض الأنواع على بعض يكون بدليل آخر».وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه لبلوغ المرام لابن حجر على الحديث رقم ٢٨٧ يقول: «وواحد من أدعية الاستفتاح يكفي، ولا يجمع بين دعاءين، وما صح في صلاة النافلة يصح في الفريضة، لكن ما كان فيه طول فالأولى أن يكون في صلاة الليل» وتقدم. وهناك أدعية للاستفتاح إضافة إلى ما تقدم منها:\n١ - عن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: سألت عائشة أم المؤمنين ﵂: بأي شيء كان نبي الله - ﷺ - يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». مسلم، برقم ٧٧١.\n\n٢ - عن أنس - ﵁ - أن رجلًا جاء فدخل الصف وقد حفزه النفس، فقال: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه» فقال رسول الله - ﷺ -: «.. لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهم يرفعها» مسلم، برقم ٦٠٠.\n٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله - ﷺ - إذ قال رجل من القوم: «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا» فقال رسول الله - ﷺ -:\n«.. عجبت لها فتحت لها أبواب السماء» مسلم، برقم ٦٠١.\n٤ - عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة ﵂: بما كان رسول الله - ﷺ - يستفتح قيام الليل؟ قالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك، كان إذا قام: «كبّر عشرًا، وحمد عشرًا، وسبَّح عشرًا، وهلَّل عشرًا، واستغفر عشرًا، وقال: اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني، أعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة». أبو داود، برقم ٧٦٦، والنسائي، برقم ١٦١٧، وأحمد، ٦/ ١٤٣، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٨٩، وصحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤٦.\nعن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيِّم السموات والأرض ومن فيهن [ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن] [ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن] [ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض] [ولك الحمد] [أنت الحقُّ، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد - ﷺ - حق، والساعة حق] [اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدَّمتُ، وما أخَّرْتُ، وما أسررْتُ، وما أعلنتُ] [أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت] [أنت إلهي لا إله إلا أنت]، البخاري، برقم ٦٣١٧، ٧٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩، ومسلم مختصرًا بنحوه، برقم ٧٦٩. وغير ذلك من أنواع الاستفتاح، انظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٢٠٢ - ٢٠٧.","vol":"1","page":365},{"text":"٧ - يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١)، أو يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه (٢)، ونفخه (٣)، ونفثه (٤») (٥).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٩٨.\n(٢) همزه: المؤتَة: نوع من الجنون.\n(٣) نفخه: الكبر.\n(٤) نفثه: الشعر المذموم.\n(٥) أخرجه أحمد، ٣/ ٥٠، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، برقم ٧٧٥، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة، برقم ٢٤٢، وحسّنه: عبد القادر وشعيب الأرناؤوط في تخريج زاد المعاد، ١/ ٢٠٤، وحسّنه الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٩٠، وانظر أيضًا: مسند أحمد، ٤/ ٨٠، ٨٥، وسنن أبي داود، برقم ٧٦٤، وابن ماجه، برقم ٨٠٧، وابن حبان، برقم ٤٤٣، والحاكم، ١/ ٢٣٥.","vol":"1","page":366},{"text":"٨ - يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، سرًّا؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: «صلَّيْتُ خلف رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم» (١)، والبسملة آية مستقلة (٢).\n٩ - يقرأ الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرحمن الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾؛ لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٣).\nوقراءة الفاتحة تجب على كل مصلٍّ، ويدخل في ذلك المأموم في الصلاة الجهرية والسرية؛ لرواية حديث عبادة - ﵁ - السابق، يرفعه: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم» قلنا: نعم، هذًّا يا رسول الله:،قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بها» (٤).وعن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٣/ ٢٦٤، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، برقم ٩٠٧، واللفظ له، وابن خزيمة في صحيحه، ١/ ٢٤٩، برقم ٤٩٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ١٩٧.\n(٢) سمعت الإمام عبد العزيز ابن باز أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩٧ - ٣٠٠ من بلوغ المرام يقول: «والبسملة آية مستقلة ليست من الفاتحة ولا من غيرها، أنزلها الله فصلًا بين السور، إلا أنها بعض آية من سورة النمل، وهذا هو الأرجح، أما بالنسبة للآية السابعة من الفاتحة عند المحققين فهي ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾.\n(٣) متفق عليه، البخاري،، برقم ٧٥٦، ومسلم، برقم ٣٩٤، وتقدم تخريجه.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، برقم ٨٢٣، والترمذي، كتاب الصلاة، باب القراءة خلف الإمام، برقم ٣١١،وأحمد،٥/ ٣٢٢، وابن حبان في الإحسان،٣/ ١٣٧، برقم ١٧٨٢،قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: «وصححه أبو داود والدارقطني والترمذي، وابن حبان والحاكم والبيهقي،١/ ٢٣١».","vol":"1","page":367},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: «لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ»؟ قالوا: إنا لنفعل، قال: «لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب» (١)،وتسقط الفاتحة عن مسبوقٍ أدرك الإمام راكعًا، لحديث أبي بكرة - ﵁ - أنه انتهى إلى النبي - ﷺ - وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ» (٢).\nولم يأمره النبي - ﷺ - بقضاء الركعة التي أدرك ركوعها دون قراءتها، ولو كانت الركعة غير صحيحة لأمره - ﷺ - بإعادتها.\nوتسقط عن المأموم مع السهو والجهل (٣).\n١٠ - يقول بعد الانتهاء من قراءة الفاتحة: «آمين» يجهر بها في الجهرية، ويُسرُّ في السِّرية، [ومعناها: اللهم استجب]؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا فرغ من قراءة أمِّ القرآن رفع صوته وقال:\n«آمين» (٤)؛ ولحديثه - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» (٥)؛ ولحديثه - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين،\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٥/ ٤١٠،قال ابن حجر في التلخيص الحبير، ١/ ٢٣١: «إسناده حسن».\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، بابٌ: إذا ركع دون الصف، برقم ٧٨٣.\n(٣) سمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ أثناء تقريره على شروط الصلاة وأركانها للإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يذكر أن الفاتحة ركن في الصلاة في حق الإمام والمنفرد، أما المأموم فهي واجبة في حقه تسقط مع السهو والجهل، وإذا سبقه الإمام فوجده راكعًا، لحديث أبي بكرة ولم يأمره النبي - ﷺ - بقضاء الركعة.\n(٤) الدارقطني في سننه، وحسّنه،١/ ٣١١،والحاكم في المستدرك،١/ ٢٢٣، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي وقال: حسن صحيح، ٢/ ٥٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين، برقم ٧٨٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين، برقم ٤١٠.","vol":"1","page":368},{"text":"فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه» (١). ومن لم يستطعْ قراءة الفاتحة وعجز عنها قرأ غيرها مما تيسَّر من القرآن، فإن لم يكن عنده شيء قال: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلِّمْني ما يجزئني منه، فقال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (٢).\n١١ - يقرأ سورة بعد الفاتحة، أو ما تيسر من القرآن في ركعتي الصبح، والجمعة، وفي الركعتين الأوليين: من صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفي جميع ركعات النفل؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يُطوِّل في الأولى ويُقصِّر في الثانية، ويُسْمِعُ الآية أحيانًا، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يُطوِّل في الأولى، وكان يُطوِّل في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويُقصِّر في الثانية» (٣). وفي لفظ: «كان النبي - ﷺ - يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٢، ومسلم، برقم ٤١٠، وتقدم تخريجه.\n(٢) أحمد في المسند، ٤/ ٣٥٣، ٣٥٦، ٣٨٢، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة، برقم ٨٣٢، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن، برقم ٩٢٤، وابن حبان، برقم ١٨٠٥ - ١٨٠٧، وصححه، والدارقطني وصححه، ١/ ٣١٣، والحاكم، ١/ ٢٤١، وصححه ووافقه الذهبي.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في الظهر، برقم ٧٥٩، واللفظ له، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، برقم ٤٥١.","vol":"1","page":369},{"text":"الكتاب وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحيانًا» (١)، وأما صلاة الظهر خاصة فقد ثبت ما يدل على أنه ربما قرأ في الركعتين الأخريين زيادة مع سورة الفاتحة، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «كنا نحزر (٢) قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم، تَنزِيلُ﴾ السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه من الأخريين من الظهر، وفي الأخريين على النصف من ذلك».\nوفي لفظ: «كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية [في كل ركعة] أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك» (٣).وهذا الحديث يدل على أنه - ﷺ - كان يقرأ أحيانًا بزيادة على الفاتحة في الركعتين الأخريين من الظهر (٤). وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة - ﵁ - قال: ما رأيت رجلًا أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان لإمام كان بالمدينة، قال سليمان بن يسار: فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل» (٥)، وربما طول النبي - ﷺ - القراءة في صلاة الظهر أكثر مما تقدَّمَ؛\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في صلاة العصر، برقم ٧٦٢.\n(٢) نحزر: نقدر. انظر: المصباح المنير للفيومي، ١/ ١٣٣.\n(٣) أخرجه مسلم، في كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، برقم ٤٥٢، وأحمد، ٣/ ٨٥، وما بين المعقوفين من مسند أحمد، ٣/ ٨٥.\n(٤) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٨٠٢.\n(٥) النسائي بنحوه، كتاب الافتتاح، باب القراءة في المغرب بقصار المفصل، برقم ٩٨٣، وأحمد واللفظ له، ٢/ ٣٢٩،وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري وبلوغ المرام، انظر: نيل الأوطار، ١/ ٨١٣، وصحح إسناده الإمام ابن باز أثناء شرح الروض المربع، ٢/ ٣٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢١٢، برقم ٩٣٩.","vol":"1","page":370},{"text":"لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله - ﷺ - في الركعة الأولى مما يُطوِّلُها» (١)،\nوثبت من حديث أبي برزة الأسلمي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «كان يصلي الصبح وينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة» (٢)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز -﵀- يقول في القراءة في الصلوات الخمس: «الأفضل في الفجر من طوال المفصل (٣)، وفي الظهر والعصر والعشاء من أواسطه، وفي المغرب من قصاره؛ لفعل النبي - ﷺ - في الأغلب، ولا بأس أن يقرأ من قصاره في الصبح في السفر والمرض، لكن الأفضل ما تقدم؛ لحديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة - ﵁ - (٤) عن النبي - ﷺ -» (٥).\nوقال الإمام ابن القيم - ﵀ - في قراءته - ﷺ - بعد الفاتحة: «فإذا فرغ من الفاتحة أخذ في سورة غيرها، وكان يطيلها تارة، ويخففها\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، برقم ٤٥٤ ..\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٤٧، ومسلم، برقم ٦٤٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) حزب المفصل من سورة ق إلى سورة الناس، وطواله من ق إلى عم، وأواسطه منها إلى الضحى، والقصار إلى الآخر: انظر: حاشية الروض المربع لابن القاسم،٢/ ٣٤، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، قال في سورة ق: «هي أول الحزب المفصل على الصحيح وقيل: من الحجرات، ٤/ ٢٢١.\n(٤) النسائي، برقم ٩٨٣، وأحمد، ٢/ ٣٢٩، وتقدم تخريجه.\n(٥) سمعته منه أثناء شرحه على الروض المربع، ٢/ ٣٤.","vol":"1","page":371},{"text":"لعارض من سفر أو غيره، ويتوسط فيها غالبًا» (١). قلت: الأفضل في ذلك مراعاة فعل النبي - ﷺ - في جميع الأوقات، والأحوال، والأزمان (٢).\n_________\n(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٢٠٩.\n(٢) فقد ثبت غير ما تقدم على النحو الآتي:\n\n١ - قرأ في صلاة المغرب بالمرسلات [البخاري، برقم ٧٦٣، ٤٤٢٩، ومسلم، برقم ٤٦٢] والأعراف [البخاري، برقم ٧٦٤]، والطور [البخاري، برقم ٧٦٥، ٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤، ومسلم، برقم ٤٦٣]، والدخان [النسائي، برقم ٩٨٨،قال الأرناؤوط في تحقيقه لزاد المعاد،١/ ٢١١: «ورجاله ثقات وسنده حسن]، وقرأ بقصار المفصل [النسائي، برقم ٩٨٣،وذكر الألباني أن الطبراني في الكبير أخرج بإسناد صحيح أنه - ﷺ - قرأ بالأنفال في الركعتين [صفة الصلاة، ص١١٥].\n٢ - وأما في العشاء، فنقل أبو هريرة: إذا السماء انشقت [البخاري، برقم ٧٦٦ - ٧٦٨] والتين والزيتون من حديث البراء [البخاري، برقم ٧٦٧، ٧٦٩، ومسلم، برقم ٤٦٤] ووقت لمعاذ بسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، والليل إذا يغشى، والشمس وضحاها، والضحى، ونحو ذلك [مسلم، برقم ٤٦٥].\n٣ - وأما في الفجر فكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة [البخاري، برقم ٥٤٧، ومسلم، ٦٤٧] وتقدم تخريجه، وقرأ المؤمنون [البخاري، كتاب الأذان، باب الجمع بين سورتين في ركعة، والقراءة بالخواتيم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة، ومسلم، برقم ٤٥٥] وقرأ بسورة ق والقرآن المجيد [مسلم، برقم ٤٥٧ - ٤٥٨] وبسورة التكوير [مسلم، برقم ٤٥٦] وبسورة الروم [أحمد، ٣/ ٤٧٢، والنسائي، ٢/ ١٥٦، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: «وهذا إسناد حسن، ومتن حسن»، وحسنه الأرناؤوط في تحقيقه لزاد المعاد، ١/ ٢٠٩] وقرأ بسورة إذا زلزلت في الركعتين كلتيهما [أبو داود، برقم ٨١٦، وحسّنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٥٤].وقرأ بسورة الطور في صلاة الصبح عند طواف الوداع لحجة الوداع [البخاري ... تعليقًا].وقرأ بالمعوذتين [أخرجه النسائي من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -،برقم ٩٥٢،وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، برقم ٩١٢]،وقرأ بالواقعة ونحوها من السور [صحيح ابن خزيمة، ١/ ٢٦٥،برقم ٥٣١،وصحح إسناده الألباني في صفة الصلاة، ص١٠٦].وكان يقرأ في فجر الجمعة: الم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان [البخاري، برقم ٨٩١،ومسلم، برقم ٨٧٩].\n٤ - أما في صلاة الظهر فكان يُطوِّلُها أحيانًا لما تقدم، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يدرك الركعة الأولى [مسلم، ٤٥٤ وتقدم]، وأحيانًا يقرأ بقدر قراءة «ألم* تنزيل» السجدة في الركعتين الأوليين، وفي الركعتين الأخريين قدر النصف من ذلك، وأحيانًا يقرأ في الركعتين الأوليين بقدر ثلاثين آية في كل ركعة، والركعتين الأخريين بقدر خمس عشرة آية في كل ركعة [مسلم، برقم ٤٥٢، وأحمد، ٣/ ٨٥]، وقرأ الليل إذا يغشى [مسلم، برقم ٤٥٩]، وسبح اسم ربك الأعلى [مسلم، برقم ٤٦٠]، وكان يقرأ بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج، ونحوهما من السور [أبو داود، برقم ٨٠٥، والترمذي، برقم ٣٠٧، والنسائي، ٢/ ١٦٦، برقم ٩٧٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢١٢، برقم ٩٣٥]، وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون [مسلم، برقم ٨٧٩]، أو بسبح والغاشية [مسلم، برقم ٨٧٨]، أو بالجمعة والغاشية [مسلم، برقم ٦٣ (٨٧٨)].\n٥ - أما صلاة العصر فقد تقدم أنه قرأ في الأوليين بقدر نصف «ألم* تنزيل» السجدة، وفي لفظ أنه قرأ بقدر خمس عشرة آية في كل ركعة [مسلم، برقم ٤٥٢، وأحمد، ٣/ ٨٥. وتقدم]، وكان يقرأ بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج ونحوهما من السور [أبو داود، برقم ٨٠٥ والترمذي، برقم ٣٠٧، والنسائي، برقم ٩٧٩، وتقدم]، وقال الإمام ابن القيم - ﵀ - «والعصر فعلى النصف من قراءة الظهر إذا طالت، وبقدرها إذا قصرت» [زاد المعاد، ١/ ٢١٠].\n٦ - أما الأعياد فكان - ﷺ - يقرأ فيها بـ «ق» و«اقتربت» [مسلم، برقم ٨٩١]، أو بسبح والغاشية [مسلم، برقم ٨٧٨]، فهذه سنته - ﷺ -، ومع ذلك فقد أمر بالتخفيف؛ لأن في الناس: [«الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض، وذا الحاجة»] [مسلم، برقم ٤٦٦]، «فإذا صلى وحده فليصلِّ كيف شاء» [مسلم، برقم ٤٦٧]، وقال - ﷺ -: «إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجدِ أمه» [مسلم، برقم ٤٧٠]، فالتخفيف أمر نسبي يرجع إلى ما فعله النبي - ﷺ - وواظب عليه لا إلى شهوة المأمومين، وهديه الذي كان واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون، ويدل عليه ما رواه النسائي عن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بالتخفيف ويؤمُّنا بالصافات» [النسائي، ٢/ ٩٥، برقم ٨٢٦]، وصححه الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢١٤، قال ابن القيم - ﵀ -: «فالقراءة بالصافات من التخفيف الذي أمر به والله أعلم» ١/ ٢١٤. «وكان يُطوّل الأوليين ويقصر الأخريين من كل صلاة» [البخاري، ٧٧٠، ومسلم، ٤٥٣].\nعن السعدي عن أبيه أو عن عمه قال: رمقتُ النبي - ﷺ - في صلاته، فكان يتمكن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: «سبحان الله وبحمده ثلاثًا». أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب مقدار الركوع والسجود، برقم ٨٨٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٥٠.\nوعن سعيد بن جبير قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ - من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. سنن أبي داود، برقم ٨٩٦، والنسائي، برقم ١١٣٥،\n٢/ ٢٢٤، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، ص ٧٢. وأحمد، برقم ١٢٦١،\n٢٠/ ١٠٠، وضعفه المحققون، لكن قول أنس: «ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من هذا الغلام - يعني عمر بن عبد العزيز» روي بأسانيد يرتقي بعضها إلى الصحة. قاله المحققون لمسند أحمد، ٢٠/ ١٠٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٣٢٢ «ما صليت وراء إمام أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من إمامكم هذا» قال زيد بن أسلم: وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود.","vol":"1","page":372},{"text":"١٢ - إذا فرغ من القراءة كلها سكت سكتة بقدر ما يترادُّ إليه نَفَسُه حتى لا يصل القراءة بالركوع، بخلاف السكتة الأولى قبل قراءة الفاتحة؛ فإنه يقرأ فيها دعاء الاستفتاح فتكون بقدره؛ لحديث الحسن عن سمرة عن النبي - ﷺ - «أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح الصلاة وإذا فرغ من القراءة كلها» (١). قال الترمذي: «وهو قول غير واحد من أهل العلم يستحبون للإمام أن يسكت بعدما يفتتح الصلاة، وبعد الفراغ من القراءة وبه يقول أحمد وإسحاق وأصحابنا» (٢).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب السكتة عند الافتتاح، برقم ٧٧٨، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في السكتتين في الصلاة، برقم ٢٥١، وحسنه، وأحمد في المسند، ٥/ ٢٣، وقال الترمذي: قال محمد: قال علي بن عبد الله: «حديث الحسن عن سمرة حديث صحيح وقد سمع منه» ١/ ٣٤٢، وقال الإمام ابن القيم بعد أن ذكر الخلاف في موضع السكتتين هل أحدهما بعد ولا الضالين أم أنها بعد الفراغ من القراءة كلها، أم أنها ثلاث سكتات؟ قال: «وقد صح حديث السكتتين من رواية سمرة، وأبي بن كعب، وعمران بن حصين» زاد المعاد، ١/ ٢٠٨، وقال أحمد محمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي، ١/ ١٤٣: «وفي سماع الحسن عن سمرة خلاف طويل قديم والصحيح أنه سمع منه كما رجَّحه ابن المديني، والبخاري، والترمذي، والحاكم وغيرهم».\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية ٢٢/ ٣٣٨ وقال: «لا يُسْتَحَبُّ إلا سكتتان» وذكر أن الأولى للاستفتاح، والثانية عند الفراغ من القراءة للاستراحة والفصل بينها وبين الركوع، وأما السكوت عقب الفاتحة فلا يَسْتَحبّه أحمد والجمهور. وذكر الإمام ابن باز في مجموع فتاويه،١١/ ٨٤ أن الثابت سكتتان: الأولى تسمى سكتة الاستفتاح، والثانية عند آخر القراءة قبل الركوع، وأما الثالثة بعد الفاتحة فالحديث فيها ضعيف فالأفضل تركها.","vol":"1","page":374},{"text":"١٣ - يركع مكبرًا رافعًا يديه إلى حذو منكبيه، أو أذنيه، جاعلًا رأسه حيال ظهره، واضعًا يديه على ركبتيه، مفرقًا أصابع يديه؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته وفيه: «ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا» (٢)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع» (٣)، وفي لفظ: «إنه كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع فإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -» (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - «كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع ...» (٥)،وفي حديث مالك بن الحويرث - ﵁ -: «كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه» (٦)؛ ولحديث عائشة ﵂: «وكان إذا ركع لم\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٧٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٥٧، ومسلم، برقم ٣٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من السجود، برقم ٧٨٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع إلا رفعه من الركوع فيقول فيه: «سمع الله لمن حمده» برقم ٣٩٢.\n(٤) البخاري، برقم ٧٨٥، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣٥، ومسلم، برقم ٣٩٠، وتقدم تخريجه.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣٧، ومسلم، برقم ٣٩١، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":375},{"text":"يشخص رأسه (١)\nولم يصوِّبه ولكن بين ذلك» (٢)؛ ولحديث أبي حميد الساعدي - ﵁ - أنه قال لنفر من أصحاب النبي - ﷺ -: «أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ -، رأيته إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه [وفرج بين أصابعه] ثم هصر (٣) ظهره ...» (٤). وفي لفظ: «ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه، كأنه قابضٌ عليهما، ووتَّر (٥) يديه فتجافى عن جنبيه ..» (٦).وفي حديث رفاعة بن رافع عن النبي - ﷺ -: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك» (٧)،\nوعن وابصة بن معبد - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي، فكان إذا ركع سوَّى ظهره حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقرّ» (٨). ويطمئن في ركوعه؛ لقول حذيفة - ﵁ - لرجلٍ\n_________\n(١) لم يشخص رأسه: الإشخاص هو الرفع، ولم يصوِّبه: أي لم يخفضه خفضًا بليغًا ولكن بين ذلك: أي بين الرفع والخفض ..\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع والاعتدال منه ... برقم ٤٩٨.\n(٣) هصر ظهره: أي ثناه إلى الأرض، النهاية، ٥/ ٢٦٤.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد، برقم ٨٢٨، وما بين المعقوفين لأبي داود في سننه، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣١ ورقم ٧٣٠ وفي أوله عن محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وصححهما الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١٤١.\n(٥) ووتَّر يديه: أي عوّجهما من التوتير وهو جعل الوَتَر على القوس، فتجافى عن جنبيه: أي نحَّى مرفقيه عن جنبيه حتى كأن يديه على الوتر وجنبه كالقوس. عون المعبود،٢/ ٤٢٩.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤١. ورواه الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء أنه يجافي يديه عن جنبيه في الركوع، برقم ٢٦٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٨٣.\n(٧) أبو داود، كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم ٨٥٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٧٦٥، ١/ ١٦٢ ..\n(٨) سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، برقم ٨٧٢،وله شاهد من حديث ابن عباس ﵄ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد،٢/ ١٢٣،وعزاه للطبراني في الكبير وأبي يعلى وقال: رجاله موثقون.","vol":"1","page":376},{"text":"رآه لا يتمُّ الركوع والسجود، فقال له: «ما صلَّيتَ، ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله [عليها] محمدًا - ﷺ -» (١)، وعن البراء بن عازب ﵄ قال: «كان ركوع النبي - ﷺ -، وسجوده، وقعوده بين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء» (٢).\n١٤ - يقول في الركوع: «سبحان ربي العظيم» والأفضل [ثلاثًا]؛ لحديث حذيفة بن اليمان - ﵁ - أنه صلى مع النبي - ﷺ - فكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» وفي سجوده «سبحان ربي الأعلى» (٣)، وفي رواية: «سبحان ربي العظيم» ثلاث مرات، وإذا سجد قال: «سبحان ربي الأعلى» ثلاث مرات (٤)، وإن شاء زاد على ذلك ما ثبت عن النبي - ﷺ - ومن ذلك ما يأتي:\nأولًا: حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأوَّل القرآن (٥).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب إذا لم يتم الركوع، برقم ٧٩١، ورواه برقم ٣٨٩، و٨٠٨، وما بين المعقوفين للكشميهني كما في فتح الباري، ٢/ ٢٧٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، بابٌ: وحد إتمام الركوع والاعتدال فيه والطمأنينة، برقم ٧٩٢، وباب المكث بين السجدتين، برقم ٨٢٠،ورواه برقم ٨٠١، و٨٢٠،ومسلم، كتاب الصلاة، باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفهما في تمام برقم ٤٧١.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم ٧٧٢، وأبو داود بلفظه في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧١.\n(٤) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، برقم ٨٨٨، وصحح الألباني هذه الزيادة لشواهدها الكثيرة عن جماعة من الصحابة عن النبي - ﷺ - فعلًا وقولًا. انظر: إرواء الغليل،٢/ ٣٩ - ٤٠، وصفة صلاة النبي - ﷺ - للألباني، ص١٣٦، وصحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٤٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء في الركوع، برقم ٧٩٤، ٨١٧، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٤.","vol":"1","page":377},{"text":"ثانيًا: وقالت ﵂: كان - ﷺ - يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح» (١).\nثالثًا: وعن عوف بن مالك الأشجعي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة»، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك (٢).\nرابعًا: وفي حديث علي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - إذا ركع قال: «اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري ومُخّي وعظمي وعَصَبي» (٣).\nونهى النبي - ﷺ - عن قراءة القرآن في الركوع والسجود فقال: «ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، وأما الركوع فعظِّموا فيه الرب - ﷿ -، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ (٤) أن يُستجاب لكم» (٥).\n١٥ - يرفع رأسه من الركوع (٦) رافعًا يديه حذو منكبيه أو أذنيه (٧)\nقائلًا: سمع الله لمن حمده - إذا كان إمامًا أو منفردًا - ويقولان بعد قيامهما: «ربنا\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٧.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٨٣، والنسائي، كتاب الإمامة، باب نوع آخر من الذكر في الركوع، برقم ١٠٤٩، وصححه الألباني، في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٦.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - بالليل، برقم ٧٧١.\n(٤) قمن: أي حقيق وجدير.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، برقم ٤٧٩.\n(٦) لقوله - ﷺ - في حديث المسيء صلاته: «ثم ارفع حتى تعدل قائمًا» البخاري، برقم ٧٥٧، ومسلم، برقم ١٣٩٧.\n(٧) لحديث عبد الله بن عمر ﵄ البخاري، برقم ٧٣٥،ومسلم، برقم ٣٩٠، ولحديث\n\nمالك بن الحويرث - ﵁ -،البخاري، برقم ٧٣٧،ومسلم، برقم ٣٩١،وتقدم تخريجهما.","vol":"1","page":378},{"text":"ولك الحمد»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قال: «اللهم ربنا ولك الحمد» (١). أما إن كان مأمومًا فإنه يقول عند الرفع: «ربنا ولك الحمد»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربَّنا لك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢). وقوله: «اللهم ربَّنا لك الحمد» ثبت لها أربعة أنواع:\nالنوع الأول: «ربنا لك الحمد» لحديث أبي هريرة - ﵁ -:كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: «ربنا لك الحمد» (٣).\nالنوع الثاني: «ربنا ولك الحمد»؛ لحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» (٤).\nالنوع الثالث: «اللهم ربَّنا لك الحمد»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربَّنا\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع، برقم ٧٩٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل اللهم ربنا لك الحمد، برقم ٧٩٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين، برقم ٤٠٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من السجود، برقم ٧٨٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة إلا رفعه من الركوع، برقم ٣٩٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة، برقم ٧٣٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١١.","vol":"1","page":379},{"text":"لك الحمد، فإنه من وافق قولُه قولَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه» (١).\nالنوع الرابع: «اللهم ربَّنا ولك الحمد»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: «اللهم ربنا ولك الحمد» (٢)، فالأفضل أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة؛ لثبوته عن النبي - ﷺ -،والأفضل للإمام والمنفرد والمأموم أن يزيدوا بعد: «ربنا ولك الحمد» فيقولوا: «حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه» (٣) «ملء السموات، وملء الأرض، [وما بينهما] وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» «اللهم طهِّرْني بالثلج، والبَرَدِ، والماء البارد، اللهم طهِّرْني من الذنوب والخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الوسخ (٤») (٥)،\n«لربي الحمد» يكررها؛ لحديث حذيفة - ﵁ - يرفعه: «ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوًا من ركوعه يقول: (لربي الحمد» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٦، ومسلم، برقم ٤٠٩، وتقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، برقم ٩٥، وتقدم تخريجه.\n(٣) لحديث رفاعة بن رافع - ﵁ - قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي - ﷺ - فلما رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال من المتكلم؟ قال: أنا. قال: «رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول» البخاري، كتاب الأذان، بابٌ حدثنا معاذ بن فضالة، برقم ٧٩٩.\n(٤) وفي لفظ: «من الدرن»، وفي لفظ: «من الدنس».\n(٥) لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض. الحديث أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، برقم ٤٧٧، وقوله «وما بينهما» زيادة لابن عباس ﵄ في صحيح مسلم، برقم ٤٧٨ ..\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٦.","vol":"1","page":380},{"text":"والأفضل للإمام والمنفرد والمأموم أن يضع كل منهم يده اليمنى على اليسرى على صدره بعد الرفع من الركوع كما فعل في قيامه قبل الركوع؛ لحديث وائل - ﵁ - قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله» (١).\nويطمئنُّ في قيامه بعد الرفع من الركوع، فعن ثابت عن أنس - ﵁ - قال: إني لا آلو أن أصلِّيَ بكم كما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي بنا، قال: فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا، حتى يقول القائل قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي (٢). ويقول في هذا الركن الأذكارَ المشروعةَ سوى ما تقدم إذا شاء (٣).\n١٦ـ يسجد مُكبِّرًا، واضعًا ركبتيه قبل يديه إذا تيسر ذلك، فإن شقَّ عليه قدّم يديه قبل ركبتيه، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤)؛ولحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته: «ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا» (٥)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: «ثم يُكبّر حين يهوي ساجدًا» (٦)؛ ولحديث\n_________\n(١) النسائي، برقم ٨٨٧ وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب المكث بين السجدتين، برقم ٨٢١، ومسلم، كتاب الصلاة، باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام، برقم ٤٧٢.\n(٣) هناك أذكار أخرى لم تذكر، انظر: صحيح مسلم، برقم ١٧٦ برواياته، وسنن أبي داود، برقم ٨٧٤، وصفة الصلاة للألباني، ص١٤١ - ١٤٤.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٧٧.\n(٥) البخاري، برقم ٧٥٧، وتقدم تخريجه.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":381},{"text":"وائل بن حُجْرٍ - ﵁ - قال: «رأيت النبي - ﷺ - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (١).\nويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة؛ لحديث أبي حُمَيد الساعدي - ﵁ - وفيه: «فإذا سجد وضع يديه غير مفترشٍ ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة» (٢)، ويضمُّ أصابعَ يديه ويمدّها؛ لحديث علقمة بن واثلة عن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد ضمّ أصابعه (٣)؛ ولحديث وائل - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «كان إذا ركع فرَّج بين أصابعه وإذا سجد ضمّ أصابعه» (٤)؛ ولحديث أبي حُميد، وفيه:\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه، برقم ٨٣٨، و٨٣٩، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين، برقم ٢٦٨، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب أول ما يصل من الإنسان في سجوده، برقم ١٠٨٩، وسنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، برقم ٨٨٢، وابن خزيمة، برقم ٦٢٦، والحاكم، ١/ ٢٢٦، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: «هذا هو الصحيح الذي رواه شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر ...».وأما حديث أبي هريرة يرفعه: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» [رواه أبو داود، برقم ٨٤٠، والنسائي، برقم ١٠٩١، والترمذي، برقم ٢٦٩، وأحمد، ٢/ ٣٨١]، فالحديث والله أعلم قد وقع فيه وَهْم من بعض الرواة؛ فإن أوله يخالف آخره؛ فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير؛ فإن البعير إنما يضع يديه أولًا» زاد المعاد، ١/ ٢٢٣ - ٢٣١، وسمعت الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه لبلوغ المرام، الحديث رقم ٣٣٠ يقول: «كثر الكلام في هذا والأرجح ما قاله ابن القيم، وهو تقديم الركبتين؛ لحديث وائل بن حجر ويتأيد بأول حديث أبي هريرة، فلو قدم يديه لوافق البعير، ولعله وقع وَهْم فقال الراوي: وليضع يديه قبل ركبتيه، وأن أصله: وليضع ركبتيه قبل يديه وهذا هو أظهر وأقرب ... وهو من باب السنن وعليه كثير من الصحابة، وهو قول الأكثرين». واختار هذا القول العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٣/ ١٥٤ - ١٥٩، وانظر: فتاوى ابن تيمية،٢٢/ ٤٤٩.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد، برقم ٨٢٨.\n(٣) صحيح ابن خزيمة، كتاب الصلاة، باب ضم أصابع اليدين في السجود، برقم ٦٤٢.\n(٤) أخرجه الحاكم، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ١/ ٢٢٤.","vol":"1","page":382},{"text":"«واستقبل بأطراف أصابعه القبلة» (١)، ويفتح أصابع رجليه؛ لحديث أبي حميد وفيه: «ثم جافى عضدَيْه عن جنبيه وفتح أصابع رجليه» (٢)، ويكون سجوده على أعضائه السبعة: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع الرجلين؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفُت الثياب والشعر» وفي لفظ لمسلم: «ولا أكفّ ثوبًا ولا شعرًا» (٣)،\nويجافي عضديه عن جنبيه؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بُحينة أن النبي - ﷺ - «كان إذا صلَّى فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه» (٤)، ويجافي بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويفرّج بين فخذيه؛ لحديث أبي حميد - ﵁ - وفيه: «وإذا سجد فرَّج بين فخذيه، غير حامل بطنه على شيء من فخذيه» (٥)، ويجعل كفيه حذو منكبيه؛ لحديث أبي حُميد - ﵁ - وفيه: «ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحَّى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو\n_________\n(١) صحيح ابن خزيمة، كتاب الصلاة، باب استقبال أطراف أصابع اليدين من القبلة في السجود، برقم ٦٤٣.\n(٢) ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب فتح أصابع الرجلين في السجود والاستقبال بأطرافهن القبلة، برقم ٦٥١، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب السجود على الأنف، برقم ٨١٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة، برقم ٤٩٠ ..\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، بابٌ: يبدي ضبعيه ويجافي في السجود، برقم ٨٠٧، مسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود، ووضع الكفين على الأرض ورفع المرفقين عن الجنبين، ورفع البطن عن الفخذين في السجود، برقم ٤٩٥.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣٥.","vol":"1","page":383},{"text":"منكبيه» (١)، أو يجعلهما حذو أذنيه؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - وفيه: «ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه» (٢)، وهو مثل حديث البراء عندما سئل: أين كان النبي - ﷺ - يضع وجهه إذا سجد؟ فقال: «بين كفيه» (٣)، ويرفع ذراعيه عن الأرض؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسُطْ أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلب» (٤)؛ ولحديث البراء - ﵁ - يرفعه: «إذا سَجَدْتَ فضَعْ كفيك وارفعْ مرفقيك» (٥). ويضم قدميه؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «فوجدته ساجدًا راصًّا عقبيه مستقبلًا بأطراف أصابعه القبلة» (٦)، وينصبهما؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدمه [وفي نسخة قدميه] وهو في المسجد، وهما منصوبتان» (٧).\n١٧ـ يقول في السجود: «سبحان ربي الأعلى» والأفضل ثلاثًا؛\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣٤، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف، برقم ٢٧٠،وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٤٢.\n(٢) النسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، برقم ٨٨٩، صححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٩٤.\n(٣) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء أين يضع الرجل وجهه إذا سجد، برقم ٢٧١، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٨٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب لا يفترش ذراعيه في السجود، برقم ٨٢٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود، برقم ٤٩٣.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض ورفع المرفقين عن الجنبين ورفع البطن عن الفخذين في السجود، برقم ٤٩٤.\n(٦) صحيح ابن خزيمة، برقم ٦٥٤،والبيهقي، ٢/ ١١٦، قال المحقق: إسناده صحيح.\n(٧) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٦.","vol":"1","page":384},{"text":"لحديث حذيفة - ﵁ - (١)، وإن شاء زاد على ذلك ما ثبت في الأحاديث الأخرى عن النبي - ﷺ - ومن ذلك ما يأتي:\nأولًا: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» لحديث عائشة ﵂ (٢).\nثانيًا: «سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح»؛ لحديث عائشة ﵂ (٣).\nثالثًا: «سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة» (٤).\nرابعًا: «اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين»؛ لحديث علي - ﵁ - (٥).\nخامسًا: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك»؛لحديث عائشة ﵂ (٦).\nسادسًا: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقّه وجلّه، وأوّله وآخره، وعلانيته وسرّه»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان يقول ذلك في سجوده (٧).\nويكثر من الدعاء في السجود، ويسأل ربه من خيري: الدنيا،\n_________\n(١) مسلم، برقم ٧٧٢ وابن ماجه، برقم ٨٨٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٤، ومسلم، برقم ٤٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٣) مسلم، برقم ٤٨٧، وتقدم تخريجه.\n(٤) أبو داود، برقم ٨٨٣، والنسائي، برقم ١٠٤٩، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٧٧١.\n(٦) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٦.\n(٧) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٣.","vol":"1","page":385},{"text":"والآخرة، سواءٌ كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» (١)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ وفيه: «أما الركوع فعظموا فيه الرب - ﷿ -، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ أن يُستجاب لكم» (٢).\n١٨ - يرفع رأسه من السجود مكبّرًا، ويعتدل جالسًا؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته، وفيه: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا» (٣)؛ ولحديثه - ﵁ - وفيه: «ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود» (٤)، ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى ويستقبل بأصابعه القبلة؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى» (٥)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ قال: «من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعه القبلة، والجلوس على اليسرى» (٦)، ويضع يديه على فخذيه؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄ يرفعه، وفيه: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى» (٧)،أو يضع كفيه على ركبتيه؛\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٢.\n(٢) مسلم، برقم ٤٧٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ٧٥٧، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، و٨٠٣، ومسلم، برقم ٣٩٦، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة، برقم ٤٩٨.\n(٦) النسائي، كتاب الافتتاح، باب الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة عند القعود للتشهد، برقم ١١٥٨، وأبو داود في الصلاة، باب كيف الجلوس في التشهد، برقم ٩٥٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٢٣.\n(٧) مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين، برقم ١١٣ - (٥٧٩).","vol":"1","page":386},{"text":"لحديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه: «أن النبي - ﷺ - كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه» (١)،\nأو يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى ويلقم كفه اليسرى ركبته»؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄ (٢)، فعلى هذا حصل ثلاث صفات لوضع الكفين هي:\nأولًا: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى، واليسرى على اليسرى.\nثانيًا: الكف اليمنى على الركبة اليمنى، واليسرى على اليسرى.\nثالثًا: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى، واليسرى على الفخذ اليسرى، ويلقم كفه اليسرى ركبته (٣).\nأما كيفية: وضع الكفين؛ فإنه يبسط يده اليسرى؛ لحديث ابن عمر ﵄ يرفعه، وفيه: «ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها» (٤)، ويضع ذراعيه على فخذيه؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - يرفعه، وفيه: «وضع ذراعيه على فخذيه» (٥)، أما اليد اليمنى فيقبض منها الخنصر\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين، برقم ١١٤ - (٥٨٠) ..\n(٢) مسلم، برقم ١١٣ - ٥٧٩، وتقدم تخريجه في الحاشية التي قبل السابقة.\n(٣) وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «جاء عن النبي - ﷺ - أنه وضعهما على فخذيه، ووضعهما على ركبتيه، ووضعهما على فخذيه وأطراف أصابعه على ركبتيه» سمعته منه أثناء شرحه للروض المربع بالجامع الكبير في فجر الأحد ٣/ ٨/١٤١٩هـ.\n(٤) النسائي، كتاب السهو، باب بسط اليسرى على الركبة، برقم ١٢٦٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٧٢.\n(٥) النسائي، كتاب السهو، باب موضع الذراعين، برقم ١٢٦٤، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٠.","vol":"1","page":387},{"text":"والبنصر ويحلّق الإبهام مع الوسطى، ويجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - يرفعه، وفيه: «فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك ووضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحدّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض اثنتين وحلَّق حلقة - ورأيته يقول: هكذا - وأشار بشر بالسبابة من اليمنى وحلق الإبهام والوسطى» (١)، وهذا اختيار الإمام ابن القيم﵀- (٢)\nأن المصلي يفعل هذه الصفة بين السجدتين (٣).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة، برقم ٧٢٦،ورقم ٩٥٧، والنسائي، كتاب السهو، باب موضع المرفقين، برقم ١٢٦٥،وأحمد في المسند،٤/ ٣١٨، وابن حبان «موارد» برقم ٤٨٥،وابن خزيمة في صحيحه،١/ ٣٥٤،برقم ٧١٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١٤٠ و١٨٠،وصحيح سنن النسائي،١/ ٢٧٠،وأخرجه أيضًا ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، برقم ٩١٢.\n(٢) زاد المعاد، ١/ ٢٣٨ ..\n(٣) قال العلامة ابن عثيمين - ﵀ -: «ولم يرد في السنة لا في حديث صحيح ولا ضعيف ولا حسن أن اليد اليمنى تكون مبسوطة على الرجل اليمنى، وإنما ورد أنها تقبض: يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ... إذا جلس في الصلاة [مسلم برقم ٥٨٠]، وفي بعض الألفاظ إذا جلس في التشهد [مسلم، برقم ٥٨٠]، وكلاهما في صحيح مسلم، فنحن إذا أخذنا كلمة «إذا جلس في الصلاة» قلنا: هذا عام في جميع الجلسات، وقوله: «إذا جلس في التشهد» في بعض الألفاظ لا يدل على التخصيص؛ لأن لدينا قاعدة ذكرها الأصوليون، وممن كان يذكرها دائمًا الشوكاني في نيل الأوطار، والشنقيطي في أضواء البيان: أنه إذا ذكر بعض أفراد العام بحكم يطابق العام فإن ذلك لا يدل على التخصيص، إنما التخصيص أن يذكر بعض أفراد العام بحكم يخالف العام» الشرح الممتع، ٣/ ١٧٨.\nقلت: وسمعت الإمام شيخنا عبد العزيز ابن باز يذكر أن السبابة يحركها عند الدعاء فقط أما في غير الدعاء فلا يحركها، وبين السجدتين يبسطها ولا يشير، أما رواية أنه كان يشير بين السجدتين فالأقرب والله أعلم أنها وَهْم؛ لأن الأحاديث الصحيحة أنه كان يضعها على فخذه أو على ركبته ممدودة، ولو أنه أشار بين السجدتين لحديث وائل لا حرج، لكن الأقرب عندي أنه وَهْم؛ لأن الأحاديث الصحيحة فيها البسط في التشهد، أما بين السجدتين فيبسطها أيضًا ولا يشير أما في التشهد فيبسطها ويشير، وفي النسائي حديث فيه بعض الضعف أنه كان يبسطها لكن بانحناءٍ قليل والأمر في هذا سهل» سمعته منه - ﵀ - أثناء شرحه لبلوغ المرام، الحديث رقم ٢٨٢.","vol":"1","page":388},{"text":"١٩ - يقول بين السجدتين: «ربِّ اغفرْ لي، ربِّ اغفر لي»؛ لحديث حذيفة - ﵁ - يرفعه: «وكان يقعد بين السجدتين نحوًا من سجوده وكان يقول: «ربّ اغفر لي، رب اغفر لي» (١). وإن شاء زاد على ذلك فقال: «اللهم اغفر لي، وارحمني [وعافني، واهدني] واجبرني، وارزقني، وارفعني»؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - كان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني» (٢)، ولفظ ابن ماجه: «ربِّ اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني» (٣).\nوكان النبي - ﷺ - يطيل هذا الركن بقدر السجود (٤)؛ لحديث البراء - ﵁ - قال: «كان ركوع النبي - ﷺ - وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يقول بين السجدتين، برقم ٨٩٧، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٣٣٥، وصحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٤٨.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين، برقم ٨٥٠.\n(٣) سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين، برقم ٨٩٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١٦٠،وصحيح سنن ابن ماجه،١/ ١٤٨.\n(٤) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٢٣٩.","vol":"1","page":389},{"text":"الركوع، ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء» (١).\n٢٠ - يسجد السجدة الثانية مكبّرًا، ويفعل فيها كما فعل في السجدة الأولى؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - في حديث المسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تَطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفع حتى تَطمئنَّ جالسًا، ثم اسجدْ حتى تَطمئنَّ ساجدًا، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها» (٢)؛ ولحديثه - ﵁ - وفيه: «ثم يُكبِّر حين يَهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يُكبِّر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» (٣).\n٢١ - يرفع رأسه مُكبّرًا، ويجلس جلسة خفيفة تسمى جلسة الاستراحة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته وفيه: «ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»، قال أبو أسامة في الأخير: «حتى تستوي قائمًا» (٤)؛ ولحديثه الآخر، وفيه: «ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» (٥)، أما جلسة الاستراحة؛ فلحديث مالك بن الحويرث - ﵁ -: «أنه رأى النبي - ﷺ - يصلّي فإذا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٢، ومسلم، برقم ٤٧١، وتقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، برقم ٧٩٣، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٦، وتقدم تخريجه.\n(٤) البخاري، برقم ٦٢٥١،وتقدم تخريجه، وقد جاء لفظ الحديث عند القيام من السجدة الثانية في رواية أخرى: «ثم ارفع حتى تستوي قائمًا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» البخاري، برقم ٦٦٦٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٦، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":390},{"text":"كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستويَ قاعدًا» (١)، وجاءت جلسة الاستراحة في لفظ آخر من حديث مالك: «أنه صلى بأصحابه، فكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى» (٢).\nوقد ذكرت هذه القعدة في بعض ألفاظ رواية حديث المسيء صلاته، ولفظها: «ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، ثم افعلْ\nذلك في صلاتك كلها» (٣)، وجاءت هذه الجلسة من حديث أبي حُميد وفيه: «ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه\nويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد،\nثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه (٤)،ثم يصنع في الأخرى\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب من استوى قاعدًا في وتر من صلاته ثم نهض، برقم ٨٢٣، وفي لفظ للبخاري: «وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام» برقم ٨٢٤.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم صلاة النبي - ﷺ - وسنته، برقم ٦٧٧.\n(٣) البخاري، برقم ٦٢٥، وتقدم تخريجه.\n(٤) وسمعت الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه لبلوغ المرام، الحديث رقم ٣٢٣، يقول: «تنازع الناس في هذا، قوم قالوا محمولة على أنه لما ثقل، أو لأسباب أخرى كالمرض. وقال آخرون بل هي سنة؛ لأن الحديث صحيح ولا وجه للعدول عنه، وهذا أظهر؛ لأن الأصل فيما يخبر به عنه - ﷺ - في الصلاة سنة من سنن الصلاة، فلا يقيد، فتقييدها بالثقل أو المرض يحتاج إلى دليل. وهناك حجة ثانية لجلسة الاستراحة، وهو ما ثبت عند أحمد وأبي داود وغيرهما بإسناد جيد عن أبي حميد الساعدي أنه ذكر صلاة النبي - ﷺ - يومًا في عشرة من الصحابة وذكر جلسة الاستراحة، فلما فرغ صدقوه، فهذه الجلسة ثبتت عن اثني عشر إن كان أبو حميد الحادي عشر، وإذا كان هو العاشر فثبتت عن أحد عشر صحابيًّا مع رواية مالك بن الحويرث، وصفة هذه الجلسة: هي جلسة خفيفة مثل الجلسة بين السجدتين، ليس فيها ذكر ولا دعاء».\nقلت: وقد جاءت هذه الجلسة عن صحابي آخر وهو أبو هريرة - ﵁ - في بعض روايات البخاري لحديث المسيء صلاته، برقم ٦٢٥، وتقدم تخريجه، وانظر: سبل السلام للصنعاني، ٢/ ٢٩٢.","vol":"1","page":391},{"text":"مثل ذلك» (١).\n٢٢ - ينهض على صدور قدميه وركبتيه مكبّرًا قائمًا إلى الركعة الثانية، معتمدًا على فخذيه إن تيسر له ذلك؛ لحديث وائل وفيه: «وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (٢)، وإن شقَّ عليه اعتمد على الأرض؛ لحديث مالك بن الحويرث، وفيه: «وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام» (٣).\n٢٣ - يصلي الركعة الثانية كالأولى؛ لقوله - ﷺ - للمسيء صلاته: «ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها» (٤) إلا في خمسة أمور:\nالأمر الأول: تكبيرة الإحرام، فلا يكبر تكبيرة الإحرام؛ لأنها للدخول في الصلاة.\nالأمر الثاني: السكوت فلا يسكت في الركعة الثانية؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يسكت» (٥).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣٠،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١٤٠، وجلسة الاستراحة عند القيام للركعة الثانية والرابعة.\n(٢) أبو داود، برقم ٨٣٨، والترمذي، برقم ٢٦٨، والنسائي، برقم ١٠٨٩، وابن ماجه، برقم ٨٨٢ وغيرهم، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ٨٢٤، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٣، ومسلم، برقم ٣٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد، باب ما يقول بين تكبيرة الإحرام والقراءة، برقم ٥٩٩.","vol":"1","page":392},{"text":"الأمر الثالث: الاستفتاح، فلا يستفتح في الركعة الثانية؛ لأن الاستفتاح تفتتح به الصلاة بعد تكبيرة الإحرام؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة بـ «الحمد لله رب العالمين» (١).\nالأمر الرابع: لا يُطوِّلها كالأولى؛ بل تكون أقصر من الأولى في كل صلاة؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - وفيه: «يُطوِّل في الأولى ويُقصِّر في الثانية» (٢). وكان - ﷺ - يُطوِّل الأوليين ويُقصِّر الأخريين من كل صلاة (٣).\nالأمر الخامس: لا يجدد النية؛ للاكتفاء باستصحابها؛ لأنه لو نوى الدخول بنية جديدة في الركعة الثانية لبطلت الركعة الأولى لقطعه استصحاب النية (٤).أما التعوذ فقيل: يشرع في كل ركعة؛ لأنه حال بين القراءتين أذكار وأفعال فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في كل ركعة؛ ولقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٥)، وهذا هو الأفضل (٦)، وقيل: تختص الاستعاذة بالركعة\n_________\n(١) مسلم، برقم ٥٩٩، وتقدم تخريجه في الحاشية السابقة.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح، برقم ٤٥١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٧٠، ومسلم، برقم ٤٥٣.\n(٤) انظر: حاشية الروض المربع، للعلامة عبد الرحمن القاسم، ٢/ ٦٢، والشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٣/ ١٩٦.\n(٥) سورة النحل، الآية: ٩٨.\n(٦) واختار هذا القول شيخ الإسلام في الاختيارات الفقهية، ص٥٠ فقال: «ويستحب التعوذ أول كل قراءة»، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ٦٢، فجر الأحد ٣/ ٨/١٤١٩هـ في الجامع الكبير في مدينة الرياض، يقول: «الأفضل أن يتعوذ في كل ركعة هذا هو الأفضل لعموم الأدلة، وإن اكتفى بالتعوذ في الأولى فلا حرج، والأفضل أن يتعوذ في كل ركعة حتى لو تعوذ في الأولى»، وقال العلامة المرداوي في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: «قلت: وهو الأصح دليلًا» ٣/ ٥٣٠،وقال النووي في المجموع ٣/ ٥٣٠: «والأصح في مذهبنا استحبابه».","vol":"1","page":393},{"text":"الأولى؛ لأن الصلاة جملة واحدة لم يتخلل القراءتين فيها سكوت، بل ذكر، فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة فيكفي فيها استعاذة واحدة (١)، إلا إذا لم يستعذ في الركعة الأولى فيتعوذ في الثانية (٢).\nوأما البسملة فتستحب في كل ركعة؛ لأنها تستفتح بها السورة (٣).\n٢٤ - إذا كانت الصلاة ثنائية: أي ركعتين: كصلاة الفجر، والجمعة، والعيدين، جلس للتشهد بعد فراغه من السجدة الثانية من الركعة الثانية، ناصبًا رجله اليمنى، مفترشًا رجله اليسرى؛ لحديث أبي حُميد - ﵁ - يرفعه وفيه: «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى» (٤)،وصفة جلوسه في هذا كجلوسه بين السجدتين سواء (٥)،فيضع يده اليسرى على فخذه اليسرى أو ركبته اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض أصابع اليمنى كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى» (٦)،أو يُحَلِّق الإبهام والوسطى، ويقبض الخنصر والبنصر، ويشير بالسبابة؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - قال: «رأيت النبي - ﷺ - قد\n_________\n(١) قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد: «الاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر» ١/ ٢٤٢، وانظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٢١٦.\n(٢) انظر: المقنع والشرح الكبير، لابن قدامة،٣/ ٥٣٠،والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ١٩٦.\n(٣) انظر: حاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ٦٢.\n(٤) البخاري، برقم ٨٢٨، تقدم تخريجه.\n(٥) زاد المعاد، ١/ ٢٤٢.\n(٦) مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة، وكيفية وضع اليدين على الفخذين، برقم ١١٦ - (٥٨٠)، و١١٤ - (٥٨٠).","vol":"1","page":394},{"text":"حلَّق الإبهام والوسطى ورفع التي تليها يدعو بها في التشهد» (١)،\nأو يعقد ثلاثًا وخمسين ويشير بالسبابة، وصفتها أن يجعل الإبهام\nمفتوحة تحت المسبِّحة، وهي أن يجعل الإبهام في أصل الوسطى أو\nيعطف الإبهام إلى أصلها (٢) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ -\nكان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى\nووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى (٣)،\nوعقد ثلاثًا وخمسين (٤)، وأشار\n_________\n(١) ابن ماجه، برقم ٩١٢، وتقدم تخريجه.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٦، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٠٨، ٣١٠، والتلخيص الحبير لابن حجر، ١/ ٢٦٢.\n(٣) وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «جاء في هذا عدة روايات:\n١ـ تارة يضع يديه على فخذيه.\n٢ـ وتارة يضعهما على ركبتيه.\n٣ - وتارة يضع يديه على فخذيه وأطراف الأصابع على ركبتيه.\nوأما ما يتعلق باليمنى فجاء فيها ما في حديث ابن عمر. وجاء فيها ما في حديث وائل، وهو أنه يعقد الإبهام والوسطى ويشير بالسبابة ويقبض الخنصر والبنصر، وخلاصة ما جاء في ذلك ثلاث صور:\n١ - تارة يقبض الأصابع كلها ويشير بالسبابة.\n٢ - وتارة يحلق الإبهام والوسطى ويقبض الخنصر والبنصر ويشير بالسبابة.\n\n٣ - وتارة يعقد ثلاثًا وخمسين ويشير بالسبابة، وقيل في هذه الصفة: إنه يجعل طرف الإبهام في أصل الوسطى، والإشارة بالإصبع إشارة إلى التوحيد، والأقرب أنه كان يفعل هذا تارة وهذا تارة، وهذا تارة: أي صفة قبض اليد والإشارة بالسبابة» سمعته من سماحته - ﵀ - أثناء شرحه لبلوغ المرام الحديث رقم ٣٣٢.\n(٤) وقيل في صفة ثلاثة وخمسين أقوال يفسر بعضها بعضًا، فقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: «وصورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبّحة» ١/ ٢٦٢، وقال الإمام النووي: «واعلم أن قوله: عقد ثلاثًا وخمسين شرطه عند أهل الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر، وليس ذلك مرادًا هاهنا، بل المراد أن يضع الخنصر على الراحة ويكون على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة وخمسين والله أعلم». شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٦، ومراده «بسط الخنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف وبسط البنصر فوقها، وبسط الوسطى فوقها، وعطف الإبهام إلى أصلها» انظر: سبل السلام، ٢/ ٣٠١. وقال الإمام الصنعاني نقلًا عن ابن حجر في التلخيص: «صورتها أن يجعل الإبهام مفتوحة تحت المسبِّحة» هكذا نقل ولعلها في نسخة فنقلها الصنعاني، وقد تقدم كلام الحافظ آنفًا، انظر: سبل السلام، ٢/ ٣٠٨، أما ما ذكر الصنعاني، ٢/ ٣١٠ في طريقة العرب في الحساب لهذه الصورة فهي: عقد الخنصر والبنصر والوسطى وعطف الإبهام إلى أصلها» ٢/ ٣١٠، وسمعت سماحة الإمام ابن باز يقول أثناء شرحه لبلوغ المرام، الحديث رقم ٣٣٢: «وقيل في هذه الصفة: إنه يجعل طرف الإبهام في أصل الوسطى».","vol":"1","page":395},{"text":"بالسبابة» (١) فظهر ثلاثة أنواع لليد اليمنى:\nالنوع الأول: قبض الأصابع كلها، والإشارة بالسبابة.\nالنوع الثاني: تحليق الإبهام والوسطى، وقبض الخنصر والبنصر، والإشارة بالسبابة.\nالنوع الثالث: عقد ثلاثًا وخمسين، والإشارة بالسبابة، وكلها صحيحة، وينظر أثناء جلوسه إلى إشارة سبابته؛ لحديث عبد الله بن الزبير - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته» (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه: «فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين، برقم ١١٥ - «٥٨٠».\n(٢) النسائي، كتاب السهو، باب موضع البنصر عند الإشارة وتحريك السبابة، برقم ١٢٧٥، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي: «حسن صحيح» ١/ ٢٧٢.","vol":"1","page":396},{"text":"نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع» (١).\nويشير بالسبابة عند ذكر الله - ﷿ - حال الدعاء موجهة إلى القبلة، هذا هو السنة (٢) يحركها إلى القبلة عند ذكر الله تعالى يدعو بها (٣)،\nولا يحركها في غير ذكر الله والدعاء، بل تبقى منصوبة (٤)، ويدل على تحريكها عند الدعاء حديث وائل بن حجر - ﵁ - وفيه: «ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلَّق\n_________\n(١) النسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع البصر في التشهد، برقم ١٦٦٠، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي: حسن صحيح، ١/ ٢٥٠.\n(٢) قال الإمام النووي: «والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته، وفيه حديث صحيح في سنن أبي داود، ويشير بها موجهة إلى القبلة، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص والله أعلم»، شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٥.\n(٣) اختلف العلماء في موضع الإشارة بالسبابة، فقيل:\n١ - يحركها عند ذكر الله فقط.\n٢ - وقيل: عند ذكر الله وذكر رسوله - ﷺ -.\n٣ - وقيل: يشير بها في جميع التشهد أي يحركها تحريكًا دائمًا.\n٤ - وقيل: يشير عند «إلا الله».\n\nوالصواب أنه يشير بها عند الدعاء وذكر الله فقط، وتبقى منصوبة فيما عدا ذلك. انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٣/ ٥٣٥ - ٥٣٦، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٦٦ - ٦٨، وسبل السلام، ٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٥، والمغني لابن قدامة، ٢/ ١١٩، والشرح الكبير لابن قدامة، ٣/ ٥٣٢، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٢٠٠ - ٢٠٢.\n(٤) وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ٦٤، في فجر الأحد ٣/ ٨/١٤١٩هـ يرجح: «أن السبابة لا يحركها عند الإشارة، وإنما تبقى منصوبة، إلا عند الدعاء فيحركها، ثم قال: والصواب أنها تحرك عند الدعاء، أما غير الدعاء فلا يحركها وإنما يشير بها».","vol":"1","page":397},{"text":"حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها» (١)،ودلَّ على عدم تحريكها دائمًا حديث عبد الله بن الزبير ﵄: «أن النبي - ﷺ - كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحرِّكها» (٢)، فالجمع بين الحديثين سهل: فنفي التحريك يراد به التحريك الدائم، وإثبات التحريك يراد به التحريك عند الدعاء (٣)،\nوتكون الإشارة بالسبَّاحة من اليد اليمنى، وقد أمر النبي - ﷺ - بالإشارة بإصبع واحدة، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رجلًا كان يدعو بإصبعيه فقال رسول الله - ﷺ -: «أحِّدْ، أحِّدْ» (٤) وعن سعد قال: مرَّ عليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أدعو بأصابعيَّ، فقال: «أحِّدْ، أحِّدْ» وأشار بالسبابة (٥)، والحكمة في الإشارة بالسبَّاحة إلى أن المعبود - ﷾ - واحد، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه، فيكون جامعًا في التوحيد بين القول، والفعل،\n_________\n(١) النسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، برقم ٨٩٠، وكتاب السهو باب قبض الاثنتين من أصابع اليد اليمنى، وعقد الوسطى والإبهام منها وتحريك الأصبع، برقم ١٢٦٨، وصححه الألباني، في صحيح النسائي، ١/ ١٩٤، و١/ ٢٧١، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤٠، ١٨٠، وقد أخرجه أيضًا أبو داود، برقم ٩٥٧، وأحمد ٤/ ٣١٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) النسائي، كتاب السهو، باب بسط اليسرى على الركبة، برقم ١٢٧٠، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الإشارة في التشهد، برقم ٩٨٩، وصححه النووي في المجموع ٣/ ٤٥٤، وقال الأرنؤوط في حاشية زاد المعاد، ١/ ٢٣٨: «وسنده صحيح».\n(٣) وبهذا جمع البيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ١٣٢، وانظر: سبل السلام، ٢/ ٣٠٩، والشرح الممتع للعلامة محمد بن صالح العثيمين، ٣/ ٢٠٢ ..\n(٤) الترمذي، كتاب الدعوات، بابٌ: حدثنا محمد بن بشار، برقم ٣٥٥٧، وقال: «هذا حديث حسن صحيح غريب» والنسائي، كتاب السهو، باب النهي عن الإشارة بإصبعين وبأي إصبع يشير، برقم ١٢٧٢ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٢.\n(٥) النسائي، كتاب السهو، باب النهي عن الإشارة بإصبعين وبأي إصبع يشير، برقم ١٢٧٣، وصححه الألباني، في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٢.","vol":"1","page":398},{"text":"والاعتقاد (١)،\nفعلى ما تقدم يشير بالسبَّاحة عند ذكر الله يدعو بها (٢).\n٢٥ - يقرأ التشهد في هذا الجلوس، فيقول: «التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا\nوعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له]\nوأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» (٣)، وهذا أصح ما ثبت في\nالتشهد (٤)\nثم يقول: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٦٨، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٠٩ ..\n(٢) واختلف العلماء في معنى كلمة ذكر الله، فقيل: عند ذكر الجلالة، وعلى هذا فإذا قال: «التحيات لله» يشير «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله» يشير، «السلام علينا وعلى عباد الله» يشير، «أشهد أن لا إله إلا الله» يشير، فهذه أربع مرات في التشهد الأول، «اللهم صلِّ» يشير، «اللهم بارك» يشير، «أعوذ بالله من عذاب جهنم» يشير، وقيل: يشير بها عند الدعاء، فكلما دعوت حركت إشارة إلى علو المدعو - ﷾ -، وعلى هذا فإذا قال: «السلام عليك أيها النبي» يشير؛ لأن السلام خبر بمعنى الدعاء، «السلام علينا» يشير، «اللهم صلّ على محمد» يشير، «اللهم بارك على محمد» يشير، «أعوذ بالله من عذاب جهنم» يشير، «ومن عذاب القبر» يشير، «ومن فتنة المحيا والممات» يشير، «ومن فتنة المسيح الدجال» يشير، وكلما دعا يشير. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين،٣/ ٢٠١ - ٢٠٢،قلت: والظاهر والله أعلم أنه يشير عند لفظ الجلالة، وعند الضمير الذي يعود عليه، وعند الدعاء إشارة إلى علو المدعو سبحانه، وتقدم.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التشهد في الصلاة، برقم ٨٣١، ورقم ٨٣٥، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، برقم ٤٠٢ عن ابن مسعود - ﵁ - ولفظه عند البخاري قال: «كنا إذا كنا مع النبي - ﷺ - في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - ﷺ -: «لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو». هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» أما زيادة «وحده لا شريك له» فهي للنسائي في السنن، برقم ١١٦٨.\n(٤) وإن شاء المصلي أن ينوع في التشهد فقد جاء له عدة صيغ منها:\n١ - حديث عبد الله بن مسعود السابق وهو أصح ما ورد.\n٢ - حديث ابن عباس ﵄ ولفظه: «التحيات المباركات، الصلوات، الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله» مسلم برقم ٤٠٣.\n٣ - حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - ولفظه: «التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» مسلم برقم ٤٠٤. وزاد النسائي برقم ١١٧٣، وأبو داود برقم ٩٧١، «وحده لا شريك له».\n\n٤ - حديث ابن عمر ﵄ ولفظه: مثل حديث ابن مسعود - ﵁ -. أبو داود، برقم ٩٧١، وصححه الألباني، ١/ ١٨٢، إلا أنه قال: زدت فيها «وبركاته» وقال: «زدت فيها وحده لا شريك له».\n٥ - حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - ولفظه: «التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله، الصلوات لله، السلام عليك ...» كتشهد ابن مسعود. مالك، برقم ٥٣، والبيهقي، ٢/ ١٤٤، والدارقطني، ١/ ٣٥١، وعبد الرزاق، برقم ٣٠٦٧، وقال الزيلعي في نصب الراية، ١/ ٤٢٢: «وهذا إسناد صحيح» وهو موقوف له حكم الرفع، وبأي تشهد يتشهد مما صح عن النبي - ﷺ - جاز، ولكن أصحها وأفضلها ما رواه عبد الله بن مسعود - ﵁ - انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٢٢١ - ٢٢٢. وانظر: صفة الصلاة للألباني، ص١٧٢ - ١٧٧.","vol":"1","page":399},{"text":"على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (١)، وهذا أكمل ما ثبت في الصلاة عن النبي - ﷺ - (٢)،\nويستعيذ بالله من\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأنبياء، بابٌ: حدثنا موسى بن إسماعيل، برقم ٣٣٧٠.\n(٢) الصلاة على النبي - ﷺ - جاءت في روايات على أنواع منها:\n١ - حديث كعب بن عجرة - ﵁ - قال سألنا رسول الله - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت؛ فإن الله قد علمنا كيف نسلم؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد ... وذكر حديث كعب السابق في كتاب الأنبياء في صحيح البخاري برقم ٣٣٧٠.\n٢ - وحديث كعب بن عجرة الآخر، قال: إن النبي - ﷺ - خرج علينا فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد». البخاري، برقم ٤٧٩٧، ورقم ٦٣٥٧، ومسلم، برقم ٤٠٦.\n٣ - حديث أبي مسعود الأنصاري، وفيه: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله - ﷺ - حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم». مسلم، برقم ٤٠٥.\n\n٤ - حديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» البخاري، برقم ٣٣٦٩، ورقم ٦٣٦٠، ومسلم، برقم ٤٠٧، واللفظ له.\n٥ - حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم» البخاري، برقم ٦٣٥٨.\n٦ - حديث أبي هريرة - ﵁ - قلنا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت [وباركت] على إبراهيم وآل إبراهيم [في العالمين] إنك حميد مجيد». النسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٤٧، وعزاه ابن القيم في جلاء الأفهام، ص٤٤ إلى محمد بن إسحاق السراج، ثم قال: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وما بين المعقوفين للسراج، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١/ ١٥٩.","vol":"1","page":400},{"text":"أربع: فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تشهد أحدُكم فليستعِذْ بالله من أربعٍ، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم .. الحديث». ولفظ مسلم: «إذا فرغ أحدُكم من التشهد الآخر، فليتعوَّذْ بالله من أربعٍ: من","vol":"1","page":401},{"text":"عذاب جهنم ... الحديث» (١)، ويدعو بما شاء، ومن ذلك ما يلي:\nأولًا: عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يدعو في الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثَم والمغرَم» قالت: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال: «إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذَب ووعدَ فأخلَف» (٢).\nثانيًا: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم»؛ لحديث أبي بكر - ﵁ - أنه قال لرسول الله - ﷺ -: علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قل اللهم ...» الحديث (٣). وفي رواية لمسلم: «علمني دعاءً أدعو به في صلاتي وفي بيتي» (٤).\nثالثًا: «اللهم اغفر لي ما قدَّمْتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررْتُ، وما أعلنتُ، وما أنت أعلمُ به مني، أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت»؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - وفيه: ثم يكون من آخر ما يقول\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، برقم ١٣٧٧، بلفظ: «كان رسول الله - ﷺ - يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال».ومسلم، بلفظه، في كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٨٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم ٨٣٢، ومسلم، كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٨٩.\n(٣) متفق عليه، البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم ٨٣٤، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الدعوات والتعوذات، برقم ٢٧٠٥.\n(٤) مسلم، برقم ٤٨ - «٢٧٠٥».","vol":"1","page":402},{"text":"بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ...» الحديث (١).\nرابعًا: «اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك [من] أن أُردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر»؛ لحديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه كان يعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم الغلمان الكتابة ويقول: «إن رسول الله - ﷺ - كان يتعوذ منهن دبر الصلاة» (٢). وفي رواية: «كان النبي - ﷺ - يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تُعلَّم الكتابةُ» (٣).\nخامسًا: «اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» لحديث معاذ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أخذ بيده، وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك» فقال: «أوصيك يا معاذ، لا تَدَعَنَّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ تقول: اللهم أعني ...» الحديث (٤).\nسادسًا: «اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - لرجلٍ: «ما تقول في الصلاة؟» قال: أتشهد، ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، أما والله ما أُحسنُ دندنَتَك، ولا دندنةَ مُعاذ، قال: «حولها نُدندِنُ» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧١.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد، باب ما يُتعوذ من الجبن، برقم ٢٨٢٢، ورقم ٦٣٦٥، ٦٣٧٤، ٦٣٩٠.\n(٣) البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من فتنة الدنيا، برقم ٦٣٩٠.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الاستغفار، برقم ١٥٢٢، والنسائي كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء، برقم ١٣٠٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٨٤.\n(٥) ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الجوامع من الدعاء، برقم ٣٨٤٧،وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٢٨، و١/ ١٥٠. ورواه أبو داود، في كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة، برقم ٧٩٢.","vol":"1","page":403},{"text":"سابعًا: «اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم»؛لحديث مِحْجَن بن الأدرع أن رسول الله - ﷺ - دخل المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد، ويقول: «اللهم إني أسألك يا الله ..» وفي آخره فقال رسول الله - ﷺ -: «قد غفر له» ثلاثًا (١).\nثامنًا: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك ...]؛ لحديث أنس - ﵁ - أنه كان مع رسول الله - ﷺ - جالسًا، ورجل يصلي، ثم دعا: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ...» الحديث وفي آخره، فقال النبي - ﷺ -: «لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أَعطَى» (٢).\nتاسعًا: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد»؛ لحديث بريدة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك ...» الحديث، وفي آخره، فقال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لقد سأل\n_________\n(١) النسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم ١٣٠١، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول بعد التشهد، برقم ٩٨٥،وأحمد، ٤/ ٣٣٨،وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٨٠، وصحيح أبي داود، ١/ ١٨٥.\n(٢) أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، برقم ١٤٩٥،وابن ماجه كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، برقم ٣٨٥٨،والبخاري، في الأدب المفرد، برقم ٧٠٥،وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٢٧٩، وأخرجه أحمد في المسند،٣/ ١٥٨، ٣/ ٢٤٥،والطبراني في الكبير، برقم ٤٧٢٢ وذكر الألباني أنه وجد في رواية في آخره: «أسألك الجنة وأعوذ بك من النار» فلتراجع، انظر: صفة الصلاة له، ص٢٠٤.","vol":"1","page":404},{"text":"الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أعطى» (١).\nعاشرًا: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيمًا لا ينفدُ، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضرَّة ولا فتنة مُضلَّة، اللهم زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين»؛ لحديث عمار - ﵁ - أنه صلى بأصحابه فأوجز في صلاته، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أمَّا على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله - ﷺ -، ثم ذكر هذه الدعوات (٢).\nويدعو بما يشاء من خير الدنيا والآخرة، وإذا دعا لوالديه أو غيرهما من المسلمين فلا بأس، سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة، لعموم قول النبي - ﷺ - لابن مسعود - ﵁ - لَمَّا علمه التشهد: «ثم ليتخيّرْ من الدعاء أعجبه إليه فيدعو» وفي لفظ: «ثم ليتخيّرْ من المسألة ما شاء» (٣)، وهذا يعمّ جميع ما ينفع في الدنيا والآخرة (٤).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء برقم ١٤٩٣، والترمذي، كتاب الدعوات، باب جامع الدعوات عن النبي - ﷺ - برقم ٣٤٧٥،وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، برقم ٣٨٥٧، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،٢/ ٢٣٩.\n(٢) النسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر، برقم ١٣٠٦، وأحمد، ٤/ ٣٦٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٨١.\n(٣) البخاري، برقم ٨٣١، ٨٣٥، ومسلم، برقم ٤٠٢، وتقدم تخريجه.\n(٤) انظر: كيفية صلاة النبي - ﷺ -، للإمام ابن باز، ص١٨.","vol":"1","page":405},{"text":"٢٦ - ثم يسلِّم عن يمينه وشماله قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»؛ لحديث جابر بن سمرة - ﵁ - قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله - ﷺ - قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «علام تُومئون بأيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمُسٍ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه، من على يمينه وشماله» (١)،وعن أبي معمر أن أميرًا كان بمكة يُسلِّمُ تسليمتين، فقال عبد الله: أنَّى عَلِقَها؟ (٢) قال الحكم في حديثه: «إن رسول الله - ﷺ - كان يفعله» (٣)،وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: «كنت أرى رسول الله - ﷺ - يُسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده» (٤)، وينصرف عن يمينه وعن شماله لا حرج في شيء من ذلك (٥).\n٢٧ - إن كانت الصلاة ثلاثية: كصلاة المغرب، أو رباعية: كالظهر، والعصر، والعشاء، اكتفى بالتشهد الأول والأفضل أن يصلي على النبي - ﷺ - (٦)\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام، برقم ٤٣١.\n(٢) أنى علقها: أي من أين حصل على هذه السنة، وظفر بها فكأنه تعجب.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد، باب السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها وكيفيته، برقم ٥٨١.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، الباب السابق، برقم ٥٨٢، قال الصنعاني - ﵀ - في سبل السلام: «وحديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة ... كلها بدون زيادة وبركاته إلا في رواية وائل، ورواية عن ابن مسعود» فقال المحقق: «بل ضعف ذلك، ثم ذكر تسعة وعشرين صحابيًّا، وخرج رواياتهم» سبل السلام، ٢/ ٣٣٠.\n(٥) البخاري، برقم ٨٥٢، ومسلم، برقم ٧٠٧، ٧٠٨.\n(٦) الأفضل أن يصلي على النبي - ﷺ - في التشهد الأول؛ لعموم الأدلة، وكان الشعبي لا يرى بأسًا أن يصلي على النبي - ﷺ - فيه، وكذلك قال الشافعي، انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٢٢٣، وقال المرداوي في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٣/ ٥٤٠ «واختار ابن هبيرة زيادة الصلاة على النبي - ﷺ -، واختاره الآجري، وزاد وعلى آله»، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يوم الأحد ٣/ ٨/١٤١٩هـ أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ٧٠، ٧٣، يقول: «والصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول أفضل وهي آكد في الثاني لعموم الأدلة».\n\nوسمعته مرة يستدل على استحباب الصلاة على النبي - ﷺ - بآخر حديث ابن مسعود - ﵁ - في التشهد: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه» «ثم ليتخير من المسألة ما شاء»، ولكن لو وقف في التشهد الأول على «وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» كفى والحمد لله. وانظر: زاد المعاد لابن القيم،١/ ٢٤٥،وصفة الصلاة للألباني، ص١٧٧،والشرح الممتع،٣/ ٢٢٦،ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١١/ ١٦١، ٢٠٢.","vol":"1","page":406},{"text":"كما تقدّم آنفًا، ثم ينهض على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدًا على فخذيه مكبرًا رافعًا يديه حذو أذنيه أو منكبيه؛ لحديث وائل - ﵁ -، وفيه: «وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه: «وإذا قام من الركعتين رفع يديه» (٢)؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - وفيه: «ثم إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة ثم يصنع ذلك في بقية صلاته» (٣)، ويضع يديه على صدره؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - وفيه: «رأيت رسول الله - ﷺ - إذا كان قائمًا في الصلاة قبض يمينه على شماله» (٤)، ويقرأ الفاتحة سرًّا فقط، وإن قرأ في الثالثة والرابعة من الظهر زيادة على الفاتحة في بعض الأحيان فلا بأس؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - (٥). ويصلي الثالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من الظهر والعصر والعشاء كالركعة الثانية كما تقدّم؛ لقوله - ﷺ - في حديث\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٨٣٨، والترمذي، برقم ٢٦٨، والنسائي، برقم ١٠٨٩، وابن ماجه، برقم ٨٨٢، وغيرهم، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه واللفظ للبخاري: البخاري، برقم ٧٣٩،ومسلم، برقم ٣٩٠،وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ٨٢٨، واللفظ لأبي داود، برقم ٧٣٠، وتقدم تخريجه.\n(٤) النسائي، برقم ٨٨٧، وتقدم تخريجه.\n(٥) أخرجه مسلم، برقم ٤٥٢، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":407},{"text":"المسيء صلاته بعد أن علَّمه الركعة الأولى: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (١).\n٢٨ - يجلس في التشهد الأخير متورِّكًا (٢)؛\nلحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - وفيه: «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى\nونصب الأخرى وقعد على مقعدته» (٣). وفي لفظ: «حتى إذا\nكانت السجدة التي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى وقعد متوركًا\nعلى شقه الأيسر» قالوا: صدقت هكذا كان يصلي - ﷺ - (٤) وهذا\nهو الأفضل: أن يفترش في التشهد الأول (٥)، ويتورك في\n_________\n(١) البخاري، برقم ٨٢٤، ومسلم، برقم ٣٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) اختلف أهل العلم في موضع التورك في أي التشهدين يكون:\n١ - قال قوم: يتورك في التشهد الأول والثاني، وهذا مذهب مالك - ﵀ -.\n٢ - وقال قوم: يفترش اليسرى فيهما وينصب اليمنى، وهو قول أبي حنيفة - ﵀ -.\n\n٣ - وقال قوم: يتورك في كل تشهد يليه السلام ويفترش في غيره، وهو قول الشافعي - ﵀ -.\n٤ - وقال قوم: يتورك في كل صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما، ويفترش في غير ذلك، وهو قول الإمام أحمد - ﵀ -. انظر: زاد المعاد لابن القيم ١/ ٢٤٣، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٤، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٥٤، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٨، وقال النووي: «ومذهب الشافعي يفترش في الأول ويتورك في الأخير ووافق الأقوال السابقة إلا أنه لم يذكر مذهب الإمام أحمد. شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٤.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد، برقم ٨٢٨.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الافتتاح، رقم ٧٣٠،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤١.\n(٥) قال الإمام النووي ﵀: «وقد سبق اختلاف العلماء في أن الأفضل في الجلوس في التشهدين التورك أم الافتراش، فمذهب مالك وطائفة تفضيل التورك فيهما، ومذهب أبي حنيفة وطائفة تفضيل الافتراش، ومذهب الشافعي ... وطائفة يفترش في الأول ويتورك في الأخير، لحديث أبي حميد الساعدي ورفقته في صحيح البخاري، وهو صريح في الفرق بين التشهدين، قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: «والأحاديث الواردة بتورك أو افتراش مطلقة لم يبين فيها أنه في التشهدين أو أحدهما، وقد بيّنه أبو حميد ورفقته ووصفوا الافتراش في الأول، والتورك في الأخير، وهذا مبين فوجب حمل ذلك المجمل عليه، والله أعلم». شرح النووي، ٥/ ٨٤.","vol":"1","page":408},{"text":"الأخير (١)\nلفعله - ﷺ - (٢).\n_________\n(١) وقيل: جاء التورك على ثلاثة أنواع هي:\nالنوع الأول: يخرج الرجل اليسرى من الجانب الأيمن مفروشة ويجلس على مقعدته على الأرض وتكون الرجل اليمنى منصوبة؛ لحديث أبي حميد وفيه: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته». البخاري، برقم ٨٢٨، وفي رواية: «حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخَّر رجله اليسرى وقعد متوركًا على شِقِّه الأيسر» أبو داود، برقم ٧٣٠، ورقم ٩٦٣، ٩٦٤.\n\nالنوع الثاني: يجلس متوركًا ويفرش القدمين جميعًا ويخرجهما من الجانب الأيمن، لحديث أبي حميد وفيه: «فإذا كانت الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة» أبو داود، برقم ٩٦٥، ورقم ٧٣١، وابن حبان «موارد» برقم ٤٩١، وانظر: صحيح ابن خزيمة، ١/ ٣٤٧، وابن حبان «إحسان»، برقم ١٨٦٧، والبيهقي، ٢/ ١٢٨، وصححه الألباني في صفة الصلاة، ص١٩٧.\nالنوع الثالث: يفرش قدمه اليمنى ويدخل اليسرى بين فخذ وساق الرجل اليمنى؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه يرفعه: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى». مسلم، برقم ٥٧٩، قال الإمام ابن القيم: ولعله كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، زاد المعاد، ١/ ٢٥٣، وقال العلامة ابن عثيمين: «وعلى هذا ينبغي أن يفعل الإنسان هذا مرة، وهذا مرة»، وهذا بناء على القاعدة: أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة ينبغي أن تفعل على جميع الوجوه الواردة؛ لأن هذا أبلغ في الاتباع، من الاقتصار على شيء واحد، انظر: الشرح الممتع، ٣/ ٣٠٠، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٣٣٥ - ٣٣٧، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨، وصفة صلاة النبي - ﷺ - للألباني، ص٩٩٧، ونيل الأوطار، ٢/ ٥٤ - ٥٥.\n(٢) وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ٨٢ في يوم الأحد ١٠/ ٨/١٤١٩هـ يقول: «السنة التورك في التشهد الأخير وينصب اليمنى، والتشهد الأول يفرش اليسرى وينصب اليمنى».","vol":"1","page":409},{"text":"٢٩ - يقرأ التشهد مع الصلاة على النبي - ﷺ -،والدعاء بما يحب بعد الثالثة من المغرب، وبعد الرابعة من الظهر والعصر، والعشاء، كما تقدم تفصيلًا (١).\n٣٠ - يُسلِّم عن يمينه وشماله، قائلًا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>السبب الثاني والخمسون: المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات المفروضة:</span>\nلا شك أن مما يُعين على تثبيت الخشوع في القلب المحافظة على الأذكار المشروعة أدبار الصلوات المفروضة، وفيها من الفوائد مع ما يحصل بسبب ذلك من تثبيت الخشوع في القلب: أن المُصلِّي يستغفر ربه عمَّا حصل من التقصير في صلاته، وعما حصل من الخلل في الخشوع، ولا شك أن الأذكار بعد الصلاة مما يجبر النقص فيها، وقد شرع رسول الله - ﷺ - أذكارًا ودعواتٍ أدبار الصلوات المفروضة وهي على النحو الآتي:\nأولًا: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»؛ لحديث ثوبان - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلام ...» الحديث (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت\n_________\n(١) وتقدم تخريج الأدلة.\n(٢) وتقدم تخريج الأدلة.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩١.","vol":"1","page":410},{"text":"يا ذا الجلال والإكرام» (١)، ومقصودها ﵂: لم يقعد مستقبل القبلة إلا مقدار هذا الدعاء ثم يستقبل الناس بوجهه؛ ولحديث سمرة - ﵁ -: «كان النبي - ﷺ - إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه» (٢).\nثانيًا: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» ثلاث مرات؛ لحديث المغيرة - ﵁ - ولفظه: عن ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة: أن معاوية كتب إلى المغيرة: أن اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول الله - ﷺ -، قال: فكتب إليه المغيرةُ: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» [ثلاث مرات] قال: وكان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنعٍ وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات» (٣).\nثالثًا: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد [يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير] (٤)، وهو على كل شيء قدير،\n_________\n(١) مسلم، في الكتاب والباب السابقين، برقم ٥٩٢.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلّم، برقم ٨٤٥.\n(٣) البخاري، بلفظه، في كتاب الرقاق، باب ما يكره من قيل وقال، برقم ٦٤٧٣، وزيادة: «ثلاث مرات» في طبعة دار السلام، وطبعة دار الفكر، وفي نسخة البخاري المطبوعة مع إرشاد الساري، للقسطلاني، ونسخة البخاري المطبوعة مع عمدة القاري للعيني، وليست هذه الزيادة في الطبعة السلفية المطبوعة مع فتح الباري، وسمعت الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه للبخاري، الحديث رقم ٦٤٧٣، وشرحه للروض المربع، ٢/ ٨٥ يقول: «وفي رواية عبد بن حميد في مسنده ثلاث مرات» ثم قال: «وليست في الصحيح وإنما هي لعبد بن حميد بإسناد جيد، [وقال مرة] لا بأس به. والحديث رواه مسلم أيضًا بدون هذه الزيادة، برقم ٥٩٣.\n(٤) هذه الزيادة بين المعقوفين للطبراني في المعجم الكبير، ٢٠/ ٣٩٢، برقم ٩٢٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ١٠/ ١٠٣ «ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح».","vol":"1","page":411},{"text":"اللهم لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ [ولا رادّ لما قضيتَ] (١)، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ»؛لحديث المغيرة - ﵁ - فعن ورَّاد مولى المغيرة بن شعبة قال: كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان - ﵁ -:أن رسول الله - ﷺ - كان يقول دبر كل صلاة إذا سلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...» الحديث (٢).\nرابعًا: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون»؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان يقولها في دبر كل صلاة حين يسلم ... ثم قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُهَلِّل بهن دبر كل صلاة» (٣).\nخامسًا: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر (ثلاثًا وثلاثين) لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «من سبَّحَ الله دُبُرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبّر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه ولو كانت مثل زَبَدِ البَحْرِ» (٤).\nوالتسبيح والتحميد، والتكبير وَرَدَ على عدة أنواع ينبغي للمسلم أن\n_________\n(١) هذه الزيادة بين المعقوفين، لعبد بن حميد في مسنده، ص١٥٠ - ١٥١،رقم ٣٩١،وانظر نيل الأوطار،٢/ ١٠٠.وسمعت الإمام ابن باز - ﵀ - يقول: «ثبتت هذه الزيادة عن النبي - ﷺ -».\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء، برقم ٦٣٣٠، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٣.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٤.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٧.","vol":"1","page":412},{"text":"ينوع بينها إذا شاء، فيقول هذا في صلاة، ويقول الآخر في صلاة أخرى؛ لأن في ذلك فوائد منها: اتباع السنة، وإحياء السنة، وحضور القلب (١)، ومن هذه الأنواع في التسبيح، والتحميد، والتكبير، ما يأتي:\nالنوع الأول: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين، ويختم بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» فتكون مائة؛ لحديث أبي هريرة السابق (٢).\nالنوع الثاني: «سبحان الله، ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر أربعًا وثلاثين» فتكون مائة؛ لحديث كعب بن عجرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «مُعقِّبات (٣) لا يخيب قائلُهن أو فاعلُهن دُبرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: ثلاثًا وثلاثين تسبيحة، وثلاثًا وثلاثين تحميدة، وأربعًا وثلاثين تكبيرة» (٤).\nالنوع الثالث: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: ذهب أهل الدثور (٥) من الأموال بالدرجات العلا، والنعيم المقيم [فقال: «وما ذاك»؟ قالوا:] يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون فقال [«أفلا أُعلِّمكم شيئًا تُدركون به من سبقكم، وتَسبقون به\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابن عثيمين، ٣/ ٣٧، ٣٠٠، ٣٠٩، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٢/ ٣٥ - ٣٧، والاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٨٥.\n(٢) مسلم، برقم ٥٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) مُعقبّات: أي تسبيحات تُفعل أعقاب الصلوات، أو سُمّيت مُعقّبات: لأنها تُفعل مرةً بعد أخرى.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٦.\n(٥) الدثور: الأموال الكثيرة.","vol":"1","page":413},{"text":"مَنْ بَعْدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا من صنع مثلَ ما صنعتم»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «تُسبّحون، وتُكبّرون، وتَحْمَدون في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين مرة» فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء»] (١).\nالنوع الرابع: «سبحان الله» عشر مرات «والحمد لله» عشر مرات» والله أكبر «عشر مرات»؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خصلتان لا يُحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يَسيرٌ ومن يعمل بهما قليل» قال رسول الله - ﷺ -: «الصلوات الخمس، يُسبح أحدكم في دبر كل صلاة عشرًا، ويحمد عشرًا، ويُكبر عشرًا، فهي خمسون ومائة في اللسان (٢)، وألف وخمسمائة في الميزان» (٣) فرأيت رسول الله - ﷺ - يعقدهن بيده، «وإذا أوى أحدُكم إلى فراشه أو مضجعه، سبّح ثلاثًا وثلاثين، وحمد ثلاثًا وثلاثين، وكبّر أربعًا وثلاثين، فهي مائة على اللسان، وألف في الميزان» قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فأيّكم يعمل في كل يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيئة»؟ قيل: يا رسول الله وكيف لا نحصيهما؟ فقال: «إن الشيطان يأتي أحدَكم وهو في صلاته، فيقول: اذكرْ كذا، اذكرْ كذا، ويأتيه عند منامه، فينيمه»، وفي لفظ ابن ماجه: «فلا يزال\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤٣، ورقم ٥٩٥، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٥، وما بين المعقوفات من ألفاظ مسلم.\n(٢) وذلك أن جميع الصلوات الخمس مائة وخمسون. نيل الأوطار، ٢/ ١٠٢، وعمل اليوم والليلة للنسائي، ١٥٣.\n(٣) وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، ٢/ ١٠٢.","vol":"1","page":414},{"text":"ينوِّمه حتى ينام» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «تُسبّحون في دُبُرِ كل صلاة عشرًا، وتَحْمَدون عشرًا، وتُكبِّرون عشرًا» (٢).\nالنوع الخامس: «يُسبِّح إحدى عشرة، ويَحْمَدُ إحدى عشرة، ويُكبِّر إحدى عشرة» (٣)؛ لحديث أبي هريرة في فقراء المهاجرين، ففي رواية من روايات هذا الحديث عن سهيل عن أبيه، يقول سهيل: «إحدى عشرة إحدى عشرة، فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون» (٤).\nالنوع السادس: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» يقول ذلك كله خمسًا وعشرين مرة؛ لحديث زيد بن ثابت - ﵁ -،وثبت عن ابن عمر يرفعه أيضًا ﵄ (٥).\n_________\n(١) أخرجه النسائي، في كتاب السهو، باب عدد التسبيح بعد التسليم، برقم ١٣٤٨، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يقال بعد التسليم، برقم ٩٢٦، وأبو داود، كتاب الأدب، باب التسبيح عند النوم، برقم ٥٠٦٥،والترمذي في كتاب الدعوات، برقم ٣٤١٠،وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد، ٢/ ٥٠٢، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي،١/ ٢٩٠،وصحيح ابن ماجه، ١/ ١٥٢،وله شاهد من حديث أنس عند النسائي، برقم ٢٩٩،والترمذي، برقم ٤٨١،وأحمد، ٣/ ١٢٠، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، ١/ ٢٥٥، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٧٩.\n(٢) البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء بعد الصلاة، برقم ٦٣٢٩.\n(٣) اختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية، ص٨٥، وانظر: زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ٣٠٠.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وصفته، برقم ٤٣ - ٥٩٥، وانظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٢٩٩، ونيل الأوطار، ٢/ ١٠١.\n(٥) النسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر من عدد التسبيح، برقم ١٣٥٠، ١٣٥١، والترمذي، كتاب الدعوات، باب منه، برقم ٣٤١٣، وقال: هذا حديث صحيح، وابن خزيمة، برقم ٧٥٢، وأحمد، ٥/ ١٨٤، والدارمي، ١/ ٣١٢، والطبراني، برقم ٤٨٩٨، وابن حبان، برقم ٢٠١٧، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ١٥٧، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٥٣، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٩١.","vol":"1","page":415},{"text":"سادسًا: يقرأ آية الكرسي: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إلى آخرها؛ لحديث أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ قرأ آية الكرسي دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعْه من دخول الجنة إلا الموتُ». وزاد الطبراني: و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (١).\nسابعًا: يقرأ المعوذات الثلاث: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ\nالفلق﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ دبر كل صلاة؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: «أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ بالمعوذات دُبُرَ كلّ صلاة» (٢).\nثامنًا: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت [بيده الخير] (٣) وهو على كل شيء قدير» عشر مرات عقب صلاة الفجر وعقب صلاة المغرب؛ لحديث أبي ذر، ومعاذ، وأبي عياش الزرقي، وأبي أيوب، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وأبي\n_________\n(١) النسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ١٠٠، وابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم ١٢١، والطبراني في الكبير، ١/ ١١٤، برقم ٧٥٣٢، وصححه ابن حبان، وقال المنذري في الترغيب والترهيب، ٢/ ٢٦١: «رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح»،وقال الهيثمي في مجمع الزوائد،٠/ ١٠٢: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد وأحدها جيد».وصححه الألباني في صحيح الجامع،٥/ ٣٣٩،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة،٢/ ٦٩٧،برقم ٩٧٢،وانظر: حاشية زاد المعاد، ١/ ٣٠٥.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب: في الاستغفار، برقم ١٥٢٣، والنسائي، كتاب السهو، باب الأمر بقراءة المعوذات بعد التسليم من الصلاة، برقم ١٣٣٦، والترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في المعوذتين، برقم ٢٩٠٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٨٤، وصحيح الترمذي، ٢/ ٨.\n(٣) انظر: كشف الأستار للبزار، ٤/ ٢٥ برقم ٣١٠٦.","vol":"1","page":416},{"text":"الدرداء، وأبي أمامة، وعمارة بن شبيب السبائي - ﵃ - (١).\nومجموع ما في أحاديثهم - ﵃ - أن من قالها بعد صلاة المغرب أو صلاة الصبح عشر مرات، بعث الله له مسلحة (٢) يحرسونه من الشيطان حتى يصبح، ومن حين يصبح حتى يمسي، ورفع له عشر درجات، وكان\n_________\n(١) ١ - أما حديث أبي ذر، فأخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب: حدثنا قتيبة، برقم ٣٤٧٤، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وأحمد، ٥/ ٤٢٠، وقال المحشي على زاد المعاد: «بسند صحيح»، ١/ ٣٠١، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ١٢٧.\n٢ - وأما حديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري، فأخرجه أحمد، ٤/ ٢٢٧، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٩١.\n٣ - وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أحمد، ٥/ ٤١٤، ٤١٥، ٤٢٠، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٢٤،وابن حبان في صحيحه، برقم ٢٠٢٣،وصححه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ١٩٠.\n٤ - وأما حديث أبي عياش الزرقي، فأخرجه أحمد، ٤/ ٦٠، وأبو داود، كتاب الأدب، باب في التسبيح عند النوم، برقم ٥٠٧٧، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى، برقم ٣٨٦٧.\n٥ - وأما حديث معاذ، فأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ١٢٦، وابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم ١٣٩، والطبراني في كتاب الدعاء، رقم ٧٠٥.\n٦ - وأما حديث عمارة بن شبيب السبائي، فأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٥٧٧، و٥٧٨، والترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن حميد، برقم ٣٥٣٤، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٩٠.\n٧ - وأما حديث أبي أمامة، فرواه الطبراني وقال عنه المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٣٧٥: «رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١١١: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجال الأوسط ثقات»، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ١٩١.\n٨ - وأما حديث أبي الدرداء، فذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١١١، وعزاه للطبراني في الكبير والأوسط، وقال المحشِّي على الترغيب والترهيب للمنذري، ١/ ٧٥: حسن بشواهده.\n(٢) المَسْلَحة: القومُ الذين يَحَفظُون الثُّغُور من العدوّ، وسُمُّوا مسلحة؛ لأنهم يكونون ذوي سلاح، أو لأنهم يسكنون المسلحة، وهي الثغر ... النهاية لابن الأثير، مادة (سلح).","vol":"1","page":417},{"text":"في حرزٍ من كل مكروه يومه ذلك، وكتب الله له بها عشر حسنات موجبات، ومحا عنه عشر سيئات موبقات، وكانت له كعدل عشر رقبات مؤمنات، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله» وكان من أفضل الناس عملًا إلا رجلًا يفضله بقول أفضل مما قال.\nتاسعًا: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا مُتَقَبَّلًا» بعد السلام من صلاة الفجر؛ لحديث أم سلمة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ...» الحديث (١).\nعاشرًا: «ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك»؛لحديث البراء - ﵁ - قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - ﷺ - أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: «ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك أو تجمع عبادك» (٢).\nالحادي عشر: رفع الصوت بالذكر عند انصراف الناس من الفريضة سنة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله - ﷺ - بالتكبير» (٣)، وفي لفظ للبخاري: «أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي - ﷺ -» (٤). قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «فكان المراد أن رفع الصوت بالذكر: أي التكبير، وكأنهم كانوا يبدؤون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، برقم ٩٢٥، وأحمد، ٦/ ٣٠٥، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،١/ ١٥٢،وانظر: مجمع الزوائد،١٠/ ١١١.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب يمين الإمام، برقم ٧٠٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤٢، ومسلم واللفظ له، كتاب المساجد، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٥٨٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري في الكتاب والباب السابقين، برقم ٨٤١، ومسلم، كتاب المساجد، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٥٨٣.","vol":"1","page":418},{"text":"والتحميد» (١)، وقد فسَّر ذلك ووضَّحه ما جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ - أن أبا صالح قال: «الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين (٢)، فبدأ بالتكبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>السبب الثالث والخمسون: المحافظة على السنن الرواتب قبل الفريضة وبعدها:</span>\nالمحافظة على أداء السنن الرواتب التي قبل الصلاة يوقظ القلب السَّلِيم، ويهيئه للخشوع في الفريضة، والمحافظة على السنن الرواتب التي بعد الصلاة يجبر نقصها، ويجبر ما حصل من الخلل في خشوعها، وقد شرع رسول الله - ﷺ - هذه الرواتب؛\nلحديث عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة» (٣)؛ولحديث أم حبيبة أم المؤمنين ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من صلَّى اثنتي عشرةَ ركعةً في يوم وليلة بُنِيَ له بهنَّ بيتٌ في الجنة»،وفي لفظ: «ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة، أو إلا بُنيَ له بيتٌ في الجنة» (٤)، وزاد الترمذي في تفسيرها: «أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر صلاة الغداة (٥)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ٣٢٦، وسمعت سماحة الإمام ابن باز يقول في هذا الموضع: «بالتكبير» يعني مع «سبحان الله».\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، برقم ٥٩٥.\n(٣) البخاري، كتاب التهجد، باب الركعتين قبل الظهر برقم ١١٨٢.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل السنن الرواتب قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن، برقم ٧٢٨.\n(٥) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السنة وماله فيه من الفضل، برقم ٤١٥.","vol":"1","page":419},{"text":"قال: «حفظت من النبي - ﷺ - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح»، وفي رواية «وركعتين بعد الجمعة في بيته» (١).\nفالرواتب عشر، كما قال ابن عمر ﵄ أو اثنتي عشرة، كما قالت أم حبيبة وعائشة ﵄ وسمعت شيخنا الإمام العلامة ابن باز - ﵀ - يذكر أن من أخذ بحديث ابن عمر قال: الرواتب عشر، ومن أخذ بحديث عائشة قال: اثنتي عشرة، ويؤيد حديث عائشة ما رواه الترمذي في تفسيرها، ويدل عليه حديث أم حبيبة في فضل هذه الرواتب، ويحتمل أن رسول الله - ﷺ - كان تارة يصلي ثنتي عشرة، كما في حديث أم حبيبة وعائشة، وتارة يصلي عشرًا، كما في حديث ابن عمر، فإذا نشط المسلم صلى ثنتي عشرة، وإذا كان هناك شاغل صلى عشرًا، وكلها رواتب، والكمال والتمام أن يصلي كما في حديث عائشة وأم حبيبة (٢).\nوإن أراد المسلم أن يحافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار؛ لحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه الله على النار» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري كتاب التهجد، باب الركعتين قبل الظهر، برقم ١١٨، ورقم ٩٣٧،\nو١١٦٥، و١١٧٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل السنن الرواتب، برقم ٧٢٩.\n(٢) سمعته من سماحته - ﵀ - أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٧٤.\n(٣) أحمد في المسند، ٦/ ٣٢٦، وأبو داود، كتاب التطوع، باب الأربع قبل الظهر وبعدها، برقم ١٢٦٩، والترمذي، كتاب الصلاة باب منه، برقم ٤٢٧، وحسنه، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الاختلاف على إسماعيل بن أبي خالد، برقم ١٨١٤، وابن ماجه، قبل الظهر أربعًا وبعدها أربعًا، برقم ١١٦٠، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٩١، وسمعت الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز يقول في تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم ٣٨١: «هذا الحديث إسناده جيد، والذي حافظ عليه النبي - ﷺ - هو ما في حديث ابن عمر وعائشة - ﵃ -».\nقلت: وقد رأيته يصلي أربعًا قبل الظهر وأربعًا بعدها جالسًا في آخر حياته - ﵀ -","vol":"1","page":420},{"text":"وإن أراد المسلم أن يصلي أربعًا قبل العصر ﵀؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رحم الله امرءًا صلى أربعًا قبل العصر» (١).\nوصلى الله، وسلَّم، وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٢/ ١١٧، وأبو داود كتاب التطوع، باب الصلاة قبل العصر برقم ١٢٧١، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الأربع قبل العصر، برقم ٤٣٠، وحسنه، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ١١٩٣ وغيرهم، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٣٧، وسمعت الإمام العلامة ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٨٢ يقول: «جيد لا بأس بإسناده، وهو يدل على مشروعية صلاة قبل العصر وذلك سنة وليست من الرواتب؛ لأن النبي - ﷺ - لم يواظب عليها، وجاء عنه - ﷺ - من حديث علي - ﵁ - أنه كان يصلي ركعتين قبل العصر، وهذا يدلّ على أنه يستحب للمؤمن أن يُصلي قبل العصر ركعتين أو أربعًا».","vol":"1","page":421}]}