{"ً":{"ٌ":96464,"ٍ":"الخلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الرقاق والآداب والأذكار/الخلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة - القحطاني","files":["115117.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الخُلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٢٠٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":23,"ٖ":1770154051,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"المبحث الأول: تعريف الخلق الحسن","level":1,"page":4},{"title":"القسم الأول: ما يكون طبيعيا من أصل المزاج","level":2,"page":4},{"title":"القسم الثاني: ما يكون مستفادا بالعادة والتدريب","level":2,"page":4},{"title":"المبحث الثاني: فضائل الخلق الحسن","level":1,"page":6},{"title":"أولا: الخلق الحسن من أعظم روابط الإيمان وأعلى درجاته","level":2,"page":6},{"title":"ثانيا: الخلق الحسن من تخلق به كان من أحب الناس إلى النبي - ﷺ -","level":2,"page":6},{"title":"ثالثا: الخلق الحسن يجعل المسلم من خيار الناس","level":2,"page":6},{"title":"رابعا: الخلق الحسن من أعظم القربات وأجل العطايا والهبات،","level":2,"page":6},{"title":"خامسا: الخلق الحسن يدرك المسلم به درجة الصائم القائم،","level":2,"page":7},{"title":"سادسا: الخلق الحسن خير من الدنيا وما فيها؛","level":2,"page":7},{"title":"سابعا: يحصل بالخلق الحسن: جوامع الخيرات والبركات؛","level":2,"page":7},{"title":"ثامنا: الخلق الحسن هو وصية رسول الله - ﷺ - إلى جميع المسلمين،","level":2,"page":7},{"title":"تاسعا: الخلق الحسن ذو أهمية بالغة؛","level":2,"page":7},{"title":"عاشرا: الخلق الحسن من أعظم الأساليب التي تجذب الناس إلى الإسلام","level":2,"page":8},{"title":"الحادي عشر: الخلق الحسن هو أمنية كل مسلم وكل داعية","level":2,"page":9},{"title":"الثاني عشر: الخلق الحسن يحبب المسلم إلى الناس جميعا","level":2,"page":9},{"title":"الثالث عشر: من لم يتخلق بالخلق الحسن من المسلمين ينفر الناس","level":2,"page":10},{"title":"الرابع عشر: إن صلاح الأمة وهدايتها والنهوض بها لا يكون سليما نقيا إلا بالأخذ من المنبع الصافي","level":2,"page":11},{"title":"الخامس عشر: الخلق الحسن يجعل المسلم مستنير القلب","level":2,"page":11},{"title":"السادس عشر: الخلق الحسن من أعظم الأسباب التي تنجي من النار وتورث الفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم","level":2,"page":12},{"title":"السابع عشر: تكفل النبي - ﷺ - ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه","level":2,"page":12},{"title":"الثامن عشر: الخلق الحسن أكثر ما يدخل به الناس الجنة:","level":2,"page":12},{"title":"التاسع عشر: الخلق الحسن من أسباب النجاة من النار","level":2,"page":12},{"title":"العشرون: صاحب الخلق الحسن خير أمة محمد - ﷺ -","level":2,"page":13},{"title":"الحادي والعشرون: الخلق الحسن","level":2,"page":13},{"title":"الثاني والعشرون: أما الخلق العظيم الذي مدح الله به النبي - ﷺ - فهو الدين كله","level":2,"page":13},{"title":"المبحث الثالث: طرق اكتساب الخلق الحسن","level":1,"page":14},{"title":"١ - التدريب العملي","level":2,"page":14},{"title":"٢ - الغمس في البيئة الصالحة","level":2,"page":14},{"title":"المبحث الرابع: فروع الخلق الحسن","level":1,"page":15},{"title":"المبحث الخامس: الجود والكرم","level":1,"page":16},{"title":"١ - الجود والكرم خلق عظيم","level":2,"page":16},{"title":"٢ - الجود بالرياسة","level":2,"page":16},{"title":"٣ - الجود براحته","level":2,"page":16},{"title":"٤ - الجود بالعلم وبذله","level":2,"page":16},{"title":"٥ - الجود بالنفع بالجاه","level":2,"page":16},{"title":"٦ - الجود بنفع البدن","level":2,"page":16},{"title":"٧ - الجود بالعرض","level":2,"page":16},{"title":"٨ - الجود بالصبر","level":2,"page":16},{"title":"٩ - الجود بالخلق الحسن","level":2,"page":16},{"title":"١٠ - الجود بترك ما في أيدي الناس","level":2,"page":16},{"title":"المبحث السادس: العدل","level":1,"page":21},{"title":"المبحث السابع: التواضع","level":1,"page":23},{"title":"المبحث الثامن: الإخلاص","level":1,"page":25},{"title":"أولا: تعريف الإخلاص:","level":2,"page":25},{"title":"ثانيا: أهمية الإخلاص:","level":2,"page":26},{"title":"ثالثا: النية أساس العمل:","level":2,"page":28},{"title":"رابعا: طرق تحصيل الإخلاص:","level":2,"page":31},{"title":"١ - معرفة أنواع الرياء","level":3,"page":32},{"title":"٢ - معرفة عظمة الله تعالى","level":3,"page":32},{"title":"٣ - معرفة ما أعده الله في الدار الآخرة","level":3,"page":32},{"title":"٤ - الخوف من الرياء المحبط للعمل","level":3,"page":32},{"title":"٥ - خوف الصحابة - ﵃ -، والتابعين من الرياء","level":3,"page":33},{"title":"٦ - الفرار من ذم الله","level":3,"page":35},{"title":"٧ - معرفة ما يفر منه الشيطان","level":3,"page":35},{"title":"٨ - الإكثار من أعمال الخير والعبادات غير المشاهدة","level":3,"page":36},{"title":"٩ - عدم الاكتراث بذم الناس ومدحهم","level":3,"page":36},{"title":"١٠ - تذكر الموت وقصر الأمل","level":3,"page":37},{"title":"١١ - الخوف من سوء الخاتمة","level":3,"page":37},{"title":"١٢ - مصاحبة أهل الإخلاص والتقوى","level":3,"page":37},{"title":"١٣ - الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى","level":3,"page":38},{"title":"١٤ - حب العبد ذكر الله له","level":3,"page":38},{"title":"١٥ - عدم الطمع فيما في أيدي الناس","level":3,"page":38},{"title":"١٦ - معرفة ثمرات الإخلاص وفوائده","level":3,"page":39},{"title":"المبحث التاسع: الصدق","level":1,"page":40},{"title":"أولا: مفهوم الصدق وأهميته وفضله:","level":2,"page":40},{"title":"ثانيا: مجالات الصدق:","level":2,"page":41},{"title":"١ - الصدق في النية والقصد","level":3,"page":42},{"title":"٢ - الصدق في القول","level":3,"page":42},{"title":"٣ - صدق العمل","level":3,"page":43},{"title":"ثالثا: أثر الصدق في حياة المسلم:","level":2,"page":43},{"title":"١ - لا يخفى أن للصدق أثره البالغ في مسيرة الدعاة","level":3,"page":43},{"title":"٢ - للصدق أثره الحميد في التآلف والتآزر والتوادد","level":3,"page":44},{"title":"٣ - الصدق يزرع في النفوس الثقة والطمأنينة والراحة والأنس","level":3,"page":44},{"title":"المبحث العاشر: القدوة الحسنة","level":1,"page":45},{"title":"أولا: تعريف القدوة الحسنة:","level":2,"page":45},{"title":"ثانيا: أهمية القدوة الحسنة:","level":2,"page":45},{"title":"١ - المثال الحي والقدوة الصالحة يثير في نفس البصير","level":3,"page":46},{"title":"٢ - القدوة الحسنة المتحلية بالفضائل تعطي الآخرين قناعة","level":3,"page":46},{"title":"٣ - إن الأتباع والمدعوين الذين يربيهم ويدعوهم","level":3,"page":46},{"title":"٤ - مستويات الفهم للكلام عند الناس تتفاوت","level":3,"page":47},{"title":"٥ - إن النبي - ﷺ - قد حذر الدعاة من المخالفة لما يقولون","level":3,"page":47},{"title":"٦ - إن جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم كانوا قدوة حسنة لأقوامهم","level":3,"page":48},{"title":"٧ - إن الناس كما ينظرون إلى الداعية في أعماله وتصرفاته ينظرون إلى أسرته وأهل بيته","level":3,"page":48},{"title":"ثالثا: وجوب القدوة الحسنة:","level":2,"page":49},{"title":"المبحث الحادي عشر: العلم النافع","level":1,"page":55},{"title":"أولا: أهمية العلم النافع:","level":2,"page":55},{"title":"ثانيا: أقسام العلم:","level":2,"page":58},{"title":"القسم الأول: علم بالله، وأسمائه، وصفاته","level":3,"page":58},{"title":"القسم الثاني: علم بما أخبر الله به","level":3,"page":58},{"title":"القسم الثالث: العلم بما أمر الله به","level":3,"page":58},{"title":"ثالثا: العمل بالعلم:","level":2,"page":60},{"title":"رابعا: طرق تحصيل العلم:","level":2,"page":63},{"title":"١ - أن يسأل العبد ربه العلم النافع","level":3,"page":63},{"title":"٢ - الاجتهاد في طلب العلم","level":3,"page":64},{"title":"٣ - اجتناب جميع المعاصي","level":3,"page":65},{"title":"٤ - عدم الكبر والحياء عن طلب العلم","level":3,"page":66},{"title":"٥ - الإخلاص في طلب العلم والعمل به","level":3,"page":66},{"title":"المبحث الثاني عشر: الحكمة","level":1,"page":67},{"title":"أولا: تعريف الحكمة لغة وشرعا:","level":2,"page":67},{"title":"تعريف الحكمة في اللغة:","level":3,"page":67},{"title":"تعريف الحكمة في الاصطلاح الشرعي","level":3,"page":69},{"title":"الحكمة في كتاب الله نوعان","level":3,"page":70},{"title":"ثانيا: أهمية الحكمة:","level":2,"page":72},{"title":"١ - بين القرآن الكريم طرق الدعوة إلى الله تعالى","level":3,"page":72},{"title":"٢ - من تتبع سيرة النبي - ﷺ - وجد أنه كان يلازم الحكمة في جميع أموره","level":3,"page":72},{"title":"٣ - من الناس من يظن أو يعتقد أن الحكمة تقتصر على الكلام اللين","level":3,"page":74},{"title":"٤ - الحكمة تجعل الداعي إلى الله يقدر الأمور قدرها","level":3,"page":75},{"title":"المبحث الثالث عشر: السلوك الحكيم","level":1,"page":77},{"title":"السلوك لغة:","level":2,"page":77},{"title":"السلوك اصطلاحا","level":2,"page":77},{"title":"المبحث الرابع عشر: الاستقامة","level":1,"page":80},{"title":"المبحث الخامس عشر: الخبرات والتجارب","level":1,"page":83},{"title":"المبحث السادس عشر: السياسة الحكيمة","level":1,"page":89},{"title":"الطريق الأول: تحري أوقات الفراغ والنشاط","level":2,"page":89},{"title":"الطريق الثاني: ترك الأمر الذي لا ضرر فيه ولا إثم","level":2,"page":90},{"title":"الطريق الثالث: تأليف القلوب بالمال أحيانا","level":2,"page":91},{"title":"الطريق الرابع: التأليف بالجاه","level":2,"page":92},{"title":"الطريق الخامس: التأليف بالعفو في موضع الانتقام","level":2,"page":93},{"title":"الطريق السادس: عدم مواجهة الداعية أحدا بعينه","level":2,"page":94},{"title":"الطريق السابع: إعطاء الوسائل صورة ما تصل إليه","level":2,"page":95},{"title":"الطريق الثامن: أن يجيب الداعية على السؤال الخاص بما يتناوله وغيره","level":2,"page":96},{"title":"الطريق التاسع: ضرب الأمثال","level":2,"page":97},{"title":"المبحث السابع عشر: إنزال الناس منازلهم ومراتبهم","level":1,"page":99},{"title":"المبحث الثامن عشر: الحلم والعفو","level":1,"page":102},{"title":"أولا: تعريف الحلم:","level":2,"page":102},{"title":"ثانيا: أهمية الحلم:","level":2,"page":103},{"title":"ثالثا: أمثلة الحلم:","level":2,"page":106},{"title":"المثال الأول: مع من قال هذه قسمة ما عدل فيها:","level":3,"page":106},{"title":"المثال الثاني: مع من قال: كنا أحق بهذا:","level":3,"page":106},{"title":"المثال الثالث: مع الطفيل:","level":3,"page":108},{"title":"المثال الرابع: مع من أراد قتل النبي - ﷺ -:","level":3,"page":109},{"title":"المثال الخامس: مع زيد الحبر:","level":3,"page":110},{"title":"المثال السادس: مع ثمامة:","level":3,"page":112},{"title":"المثال السابع: مع من جذب النبي - ﷺ - بردائه:","level":3,"page":114},{"title":"المثال الثامن: اللهم اغفر لقومي:","level":3,"page":115},{"title":"المثال التاسع: مع من سب:","level":3,"page":115},{"title":"المثال العاشر: مع عيينة:","level":3,"page":117},{"title":"المبحث التاسع عشر: الأناة والتثبت","level":1,"page":119},{"title":"أولا: تعريف الأناة والتثبت:","level":2,"page":119},{"title":"ثانيا: أهمية الأناة والتثبت:","level":2,"page":120},{"title":"ثالثا: أمثلة الأ ناة والتثبت:","level":2,"page":124},{"title":"المثال الأول: مع أسامة:","level":3,"page":124},{"title":"المثال الثاني: قبل القتال:","level":3,"page":125},{"title":"المثال الثالث: في الصلاة:","level":3,"page":126},{"title":"المثال الرابع: في الغزو:","level":3,"page":126},{"title":"المبحث العشرون: الرفق واللين","level":1,"page":128},{"title":"أولا: تعريف الرفق واللين:","level":2,"page":128},{"title":"١ - الرفق واللين لين الجانب بالقول والفعل","level":3,"page":130},{"title":"٢ - المداراة تطلق على الرفق واللين","level":3,"page":131},{"title":"٣ - المداهنة مذمومة محرمة","level":3,"page":131},{"title":"ثانيا: أهمية الرفق واللين:","level":2,"page":131},{"title":"ثالثا: أمثلة الرفق واللين:","level":2,"page":134},{"title":"المثال الأول: مع شاب استأذن في الزنا:","level":3,"page":134},{"title":"المثال الثاني: مع اليهود:","level":3,"page":135},{"title":"المثال الثالث: مع من بال في المسجد:","level":3,"page":136},{"title":"المثال الرابع: مع معاوية بن الحكم:","level":3,"page":139},{"title":"المثال الخامس: مع من كانت يده تطيش:","level":3,"page":141},{"title":"المثال السادس: مع من أصاب من امرأته قبل الكفارة:","level":3,"page":141},{"title":"المثال السابع: مع من بكت عند القبر:","level":3,"page":142},{"title":"المثال الثامن: من رفق صلة بن أشيم:","level":3,"page":142},{"title":"المبحث الحادي والعشرون: الصبر","level":1,"page":143},{"title":"تعريف الصبر","level":2,"page":143},{"title":"الصبر لغة","level":2,"page":143},{"title":"حقيقة الصبر","level":2,"page":143},{"title":"المبحث الثاني والعشرون: الرحمة","level":1,"page":145},{"title":"أولا: عموم رحمته - ﷺ - للإنس والجن، والمؤمنين والكافرين والحيوان:","level":2,"page":145},{"title":"ثانيا: الأمثلة التطبيقية وأنواعها:","level":2,"page":146},{"title":"النوع الأول: رحمته - ﷺ - لأعدائه:","level":3,"page":146},{"title":"المثال الأول: رحمته - ﷺ - لأعدائه في الجهاد:","level":4,"page":146},{"title":"المثال الثاني: وفاؤه بالعهد مع أعدائه - ﷺ -:","level":4,"page":148},{"title":"المثال الثالث: دفعه - ﷺ - نزول العذاب على أعدائه:","level":4,"page":149},{"title":"المثال الرابع: سلامة قلبه - ﷺ -، وحبه الخير لليهود وغيرهم","level":4,"page":149},{"title":"النوع الثاني: رحمته - ﷺ - للمؤمنين:","level":3,"page":150},{"title":"النوع الثالث: رحمته - ﷺ - للناس جميعا:","level":3,"page":151},{"title":"النوع الرابع: رحمته - ﷺ - للصبيان:","level":3,"page":152},{"title":"النوع الخامس: رحمته - ﷺ - للبنات:","level":3,"page":152},{"title":"النوع السادس: رحمته - ﷺ - للأيتام:","level":3,"page":153},{"title":"النوع السابع: رحمته - ﷺ - للمرأة والضعيف:","level":3,"page":153},{"title":"النوع الثامن: رحمته - ﷺ - للأرملة والمسكين:","level":3,"page":154},{"title":"النوع التاسع: رحمته - ﷺ - لطلاب العلم والشفقة عليهم:","level":3,"page":156},{"title":"النوع العاشر: رحمة النبي - ﷺ - للأسرى:","level":3,"page":157},{"title":"النوع الحادي عشر: رحمة النبي - ﷺ - للمرضى والشفقة عليهم:","level":3,"page":157},{"title":"النوع الثاني عشر: رحمته - ﷺ - للحيوان، والطير، والدواب:","level":3,"page":158},{"title":"النوع الثالث عشر: رقة قلبه - ﷺ - وبكاؤه في مواطن كثيرة:","level":3,"page":162},{"title":"١ - بكاؤه - ﷺ - من خشية الله في صلاة الليل","level":4,"page":162},{"title":"٢ - بكاء النبي - ﷺ - في الصلاة من خشية الله تعالى","level":4,"page":163},{"title":"٣ - بكاء النبي - ﷺ - عند سماع القرآن","level":4,"page":163},{"title":"٤ - بكاء النبي - ﷺ - عند فقد الأحبة","level":4,"page":163},{"title":"٥ - بكاء النبي - ﷺ - عند وفاة إحدى بناته","level":4,"page":164},{"title":"٦ - بكى - ﷺ - عند موت ابنة له أيضا","level":4,"page":164},{"title":"٧ - بكى - ﷺ - عند وفاة أحد أحفاده","level":4,"page":164},{"title":"٨ - بكى النبي - ﷺ - عند موت عثمان بن مظعون","level":4,"page":165},{"title":"٩ - بكى - ﷺ - على شهداء مؤتة","level":4,"page":165},{"title":"١٠ - بكى - ﷺ - عند زيارة قبر أمه","level":4,"page":166},{"title":"١١ - بكى - ﷺ - عند سعد بن عبادة وهو مريض","level":4,"page":166},{"title":"١٢ - بكى - ﷺ - عند القبر","level":4,"page":166},{"title":"١٣ - بكى - ﷺ - في ليلة بدر","level":4,"page":167},{"title":"١٤ - بكى - ﷺ - في صلاة الكسوف","level":4,"page":167},{"title":"١٥ - بكى - ﷺ - لقبوله الفداء في أسرى معركة بدر","level":4,"page":167},{"title":"١٦ - بكى النبي - ﷺ - شفقة على أمته","level":4,"page":168},{"title":"ثالثا: تلطفه - ﷺ - بالأطفال وإدخال السرور عليهم","level":2,"page":169},{"title":"المثال الأول: مداعبته - ﷺ - محمود بن الربيع:","level":3,"page":169},{"title":"المثال الثاني: ملاطفته ومداعبته - ﷺ - لجملة من الأطفال:","level":3,"page":170},{"title":"المثال الثالث: ملاطفته - ﷺ - الحسن والحسين في مواقف كثيرة:","level":3,"page":170},{"title":"المثال الرابع: ركوب الصبي على ظهره - ﷺ - وهو ساجد:","level":3,"page":171},{"title":"المثال الخامس: محبته - ﷺ - لأسامة:","level":3,"page":172},{"title":"المثال السادس: حمله - ﷺ - بنت زينب وهو يصلي:","level":3,"page":172},{"title":"المثال السابع: مداعبة أم خالد باللغة الحبشية:","level":3,"page":173},{"title":"المثال الثامن: تخفيفه - ﷺ - الصلاة عند بكاء الصبي:","level":3,"page":173},{"title":"المثال التاسع: سلامه - ﷺ - على الصبيان:","level":3,"page":173},{"title":"المثال العاشر: مداعبته - ﷺ - لأبي عمير:","level":3,"page":174},{"title":"المثال الحادي عشر: إعطاؤه - ﷺ - الصبي قبل الأشياخ؛ لأنه عن يمينه:","level":3,"page":174},{"title":"المثال الثاني عشر: بول الصبيان في حجره - ﷺ -:","level":3,"page":174},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":176}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,198":176,"1,199":177,"1,200":178,"1,201":179,"1,202":180,"1,203":181,"1,204":182,"1,205":183},"ٜ":{"1":[3,205]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,147","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2,3,4],"6":[5,6,7,8,9],"7":[10,11,12,13,14],"8":[15],"9":[16,17],"10":[18],"11":[19,20],"12":[21,22,23,24],"13":[25,26,27],"14":[28,29,30],"15":[31],"16":[32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42],"21":[43],"23":[44],"25":[45,46],"26":[47],"28":[48],"31":[49],"32":[50,51,52,53],"33":[54],"35":[55,56],"36":[57,58],"37":[59,60,61],"38":[62,63,64],"39":[65],"40":[66,67],"41":[68],"42":[69,70],"43":[71,72,73],"44":[74,75],"45":[76,77,78],"46":[79,80,81],"47":[82,83],"48":[84,85],"49":[86],"55":[87,88],"58":[89,90,91,92],"60":[93],"63":[94,95],"64":[96],"65":[97],"66":[98,99],"67":[100,101,102],"69":[103],"70":[104],"72":[105,106,107],"74":[108],"75":[109],"77":[110,111,112],"80":[113],"83":[114],"89":[115,116],"90":[117],"91":[118],"92":[119],"93":[120],"94":[121],"95":[122],"96":[123],"97":[124],"99":[125],"102":[126,127],"103":[128],"106":[129,130,131],"108":[132],"109":[133],"110":[134],"112":[135],"114":[136],"115":[137,138],"117":[139],"119":[140,141],"120":[142],"124":[143,144],"125":[145],"126":[146,147],"128":[148,149],"130":[150],"131":[151,152,153],"134":[154,155],"135":[156],"136":[157],"139":[158],"141":[159,160],"142":[161,162],"143":[163,164,165,166],"145":[167,168],"146":[169,170,171],"148":[172],"149":[173,174],"150":[175],"151":[176],"152":[177,178],"153":[179,180],"154":[181],"156":[182],"157":[183,184],"158":[185],"162":[186,187],"163":[188,189,190],"164":[191,192,193],"165":[194,195],"166":[196,197,198],"167":[199,200,201],"168":[202],"169":[203,204],"170":[205,206],"171":[207],"172":[208,209],"173":[210,211,212],"174":[213,214,215],"176":[216]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nالخُلق الحسن\nفي ضوء الكتاب والسنة\n\nتأليف الفقير إلى اللَّه تعالى\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى اللَّه عليه، وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أمّا بعد:\nفهذه رسالة مختصرة في «الخلق الحسن»، بيّنت فيها تعريف الخلق الحسن، وفضائله، وأنواعه، في اثنين وعشرين مبحثًا على النحو الآتي:\nالمبحث الأول: تعريف الخلق الحسن.\nالمبحث الثاني: فضائل الخلق الحسن.\nالمبحث الثالث: طرق اكتساب الخلق الحسن.\nالمبحث الرابع: فروع الخلق الحسن.\nالمبحث الخامس: الجود والكرم.\nالمبحث السادس: العدل.\nالمبحث السابع: التواضع.\nالمبحث الثامن: الإخلاص.\nالمبحث التاسع: الصدق.\nالمبحث العاشر: القدوة الحسنة.\nالمبحث الحادي عشر: العلم النافع.","vol":"1","page":3},{"text":"المبحث الثاني عشر: الحكمة.\nالمبحث الثالث عشر: السلوك الحكيم.\nالمبحث الرابع عشر: الاستقامة.\nالمبحث الخامس عشر: الخبرات والتجارب.\nالمبحث السادس عشر: السياسة الحكيمة.\nالمبحث السابع عشر: إنزال الناس منازلهم.\nالمبحث الثامن عشر: الحلم والعفو.\nالمبحث التاسع عشر: الأناة والتثبت.\nالمبحث العشرون: الرفق واللين.\nالمبحث الحادي والعشرون: الصبر.\nالمبحث الثاني والعشرون: الرحمة.\n\nواللَّه أسأل أن يجعل هذا العمل القليل مباركًا، نافعًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وينفع به من انتهى إليه؛ فإنه خير مسئول، وأكرم مأمولٍ، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلاّ باللَّه العلي العظيم، وصلى اللَّه وسلّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأبو عبد الرحمن\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\nحرر في عصر يوم الخميس ٤/ ٣/ ١٤٣١هـ","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: تعريف الخُلُق الحسن</span>\nالخُلْقُ لغةً: السجيّة، والطبع، والمروءة، والدين (١).\nوحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة، وهي: نفسه، وأوصافها، ومعانيها المختصة بها، بمنزلة: الخَلْق لصورته الظاهرة، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة (٢).\nفالخلق: حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجةٍ إلى فكر ورويّة، وجمعه: أخلاق. والأخلاق: علم موضوعه أحكام قيمة تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح (٣)،وهذه الحال تنقسم إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>القسم الأول: ما يكون طبيعيًا من أصل المزاج</span>، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب، ويهيج لأدنى سبب، وكالذي يجبن من أيسر شيء، كمن يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>القسم الثاني: ما يكون مستفادًا بالعادة والتدريب</span>، وربما كان مبدؤه بالرويَّة والفكر ثم يستمر عليه حتى يكون ملكةً وخلقًا (٤).\nأما السلوك: فهو سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه، يقال: فلان حسن السلوك أو سيّئ السلوك (٥).\nوالسلوك: عمل إراديٌّ، كقول: الكذب، والصدق، والبخل،\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، ص١٣٧، والمصباح المنير، ١/ ١٨٠.\n(٢) انظر: غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ٢/ ٧٠.\n(٣) انظر: المعجم الوسيط، ١/ ٤٤٥.\n(٤) انظر: مقدمة في علم الأخلاق، د/ محمود حمدي زقزوق، ص٣٩.\n(٥) المعجم الوسيط، ١/ ٢٥٢.","vol":"1","page":5},{"text":"والكرم ونحو ذلك.\nفاتّضح أن الخلق حالة راسخة في النفس، وليس شيئًا خارجًا مظهريًّا، فالأخلاق شيء يتصل بباطن الإنسان، ولا بد لنا من مظهر يدلنا على هذه الصفة النفسية، وهذا المظهر هو: السلوك، فالسلوك: هو المظهر الخارجي للخلق، فنحن نستدل من السلوك المستمر لشخصٍ ما على خلقه، فالسلوك دليل الخلق، ورمز له، وعنوانه، فإذا كان السلوك حسنًا دلّ على خلق حسن، وإن كان السلوك سيئًا دلّ على سلوك قبيح، كما أن الشجرة تعرف بالثمر، فكذلك الخلق الحسن يعرف بالأعمال الطيبة (١).\n_________\n(١) انظر: مقدمة في علم الأخلاق، ص٤٣.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: فضائل الخلق الحسن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>أولًا: الخلق الحسن من أعظم روابط الإيمان وأعلى درجاته</span>؛ لقوله - ﷺ -: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ثانيًا: الخلق الحسن من تخلّق به كان من أحبّ الناس إلى النبي - ﷺ </span>- وأقربهم منه مجلسًا يوم القيامة: «إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثالثًا: الخلق الحسن يجعل المسلم من خيار الناس </span>مطلقًا، ولا يكون كذلك إلا بالتخلّق بهذا الخلق العظيم، قال النبي - ﷺ -: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» (٣).\nوقد أحسن الشاعر إذ يقول:\nإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>رابعًا: الخلق الحسن من أعظم القربات وأجلّ العطايا والهبات</span>،؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن فإنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفاحِشَ البذِيء» (٤).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب الرضاع، باب حق المرأة على زوجها، برقم ١١٦٢، وأبو داود، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، برقم ٤٦٨٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٣٤٠.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب معالي الأخلاق، برقم ٢٠١٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٩٦.\n(٣) البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥٩، ومسلم، كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه - ﷺ -، برقم ٢٣٢١.\n(٤) أبو داود، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، برقم ٤٧٩٩، والترمذي بلفظه، كتاب البر والصلة، باب بيان ما جاء في حسن الخلق، برقم ٢٥٨٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٩١١.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>خامسًا: الخلق الحسن يدرك المسلم به درجة الصائم القائم</span>، قال النبي - ﷺ -: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>سادسًا: الخلق الحسن خير من الدنيا وما فيها</span>؛ ولهذا قال النبي لعبد اللَّه بن عمرو: «أربع إذا كن فيك فما عليك ما فاتك من الدنيا: حفظُ أمانةٍ، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>سابعًا: يحصل بالخلق الحسن: جوامع الخيرات والبركات</span>؛ قال النبي: «البر حسن الخلق» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>ثامنًا: الخلق الحسن هو وصية رسول الله - ﷺ - إلى جميع المسلمين</span>، فقد أوصى به - ﷺ - معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن واليًا، وقاضيًا، وداعيًا إلى اللَّه فقال له: «.. وخالق الناس بخلق حسن» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>تاسعًا: الخلق الحسن ذو أهمية بالغة</span>؛ لأن اللَّه - ﷿ - أمر به نبيه الكريم، وأثنى عليه به، وعظّم شأنه الرسول الأمين - ﷺ -. قال اللَّه - ﷿ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٥)، وقال - ﷾ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٦)، وقال النبي - ﷺ -: «إنما بعثت لأتمم\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، برقم ٤٧٩٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٩١١.\n(٢) أحمد في المسند بإسناد جيد،٢/ ١٧٧،وانظر: صحيح الجامع الصغير للألباني،١/ ٣٠١،برقم ٨٨٦.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم، برقم ٢٥٥٣.\n(٤) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب معاشرة الناس، برقم ١٩٨٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٩١.\n(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(٦) سورة القلم، الآية: ٤.","vol":"1","page":8},{"text":"مكارم الأخلاق» (١).\nوسئلت عائشة ﵂ عن خُلُقِهِ - ﷺ - فقالت: «.. فإن خلق نبيكم - ﷺ - كان القرآن» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>عاشرًا: الخلق الحسن من أعظم الأساليب التي تجذب الناس إلى الإسلام</span>، والهداية، والاستقامة؛ ولهذا من تتبَّع سيرة المصطفى - ﷺ - وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله وخاصة في دعوته إلى اللَّه تعالى، فأقبل الناس ودخلوا في دين اللَّه أفواجًا بفضل اللَّه تعالى ثم بفضل حسن خلقه - ﷺ -، فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم.\nفهذا يُسلم ويقول: «واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ» (٣).\nوذاك يقول: «اللَّهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا» (٤)، تأثر بعفو النبي - ﷺ - ولم يتركه على تحجيره رحمة اللَّه التي وسعت كل شيء، بل قال له: «لقد تحجَّرت واسعًا».\nوالآخر يقول: «فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه» (٥).\nوالرابع يقول: «يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً لا\n_________\n(١) البيهقي في السنن الكبرى بلفظه، ١٠/ ١٩٢، وأحمد، ٢/ ٣٨١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٦١٣، وانظر: الأحاديث الصحيحة للألباني، ١/ ٧٥، برقم ٤٥.\n(٢) مسلم في صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، برقم ٧٤٦.\n(٣) البخاري، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة، برقم ٤٣٧٢، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المنّ عليه،، برقم ١٧٦٤.\n(٤) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم ٦٠١٠.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة، برقم ٥٣٧.","vol":"1","page":9},{"text":"يخشى الفاقة» (١).\nوالخامس يقول: «واللَّه لقد أعطاني رسول اللَّه - ﷺ - ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحبّ الناس إليَّ» (٢).\nوالسادس يقول: بعد عفو النبي - ﷺ - عنه: «جئتكم من عند خير الناس»، ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير (٣)، وهناك أمثلة كثيرة جدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>الحادي عشر: الخلق الحسن هو أمنية كل مسلم وكل داعية </span>مخلص خاصة؛ لأنه بذلك ينجو ويفوز وينجح في جميع أموره الخاصة والعامة؛ ولهذه الأهمية كان - ﷺ - يدعو ربه أن يهديه للخلق الحسن، فكان - ﷺ - يقول في استفتاحه لصلاة الليل: «واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت ..» (٤)، وكان يقول: «اللَّهم كما أحسنت خلْقي فحسّن خُلُقي» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الثاني عشر: الخلق الحسن يحبّب المسلم إلى الناس جميعًا </span>حتى أعدائه، ويتمكن بذلك من إرضاء الناس على اختلاف طبقاتهم، وكل من جالسه أو خالطه أحبه، وبهذا يسهل على الداعية إدراك مطالبه السامية بإذن اللَّه تعالى؛ لأن الدعاة إلى اللَّه - ﷿ - لا\n_________\n(١) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، برقم ٢٣١٢.\n(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، برقم ٢٣١٣.\n(٣) انظر: فتح الباري، ٧/ ٤٢٨.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧١.\n(٥) البيهقي في الشعب، ٦/ ٣٦٤، وأحمد، ٦/ ٦٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١١٣، برقم ٧٤.","vol":"1","page":10},{"text":"يَسعَون الناس بأموالهم ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>الثالث عشر: من لم يتخلّق بالخلق الحسن من المسلمين ينفِّر الناس </span>من دعوته، ولا يستفيدون من علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم أو يبدو منه احتقارهم، واستصغارهم، ولو كان ما يقوله حقًا. قال - ﷿ - للنبي الكريم - ﷺ -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ - ممتنًا على عباده: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤).\nوقال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٥) الآية.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (٦)، وقال - ﷿ -: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٧).\n_________\n(١) روى ابن أبي شيبة،٥/ ٢١٢:عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه: «لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط وجه وحسن خلق»، والبزار، ٢/ ٤٤٢، وحسَّنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٣/ ٩.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٣) سورة الشعراء، الآية: ٢١٥.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.\n(٦) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(٧) سورة الفتح، الآية: ٢٩.","vol":"1","page":11},{"text":"وقال - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا *وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ (١).\nولا شك أنه يتعين على كل داعية أن يتخذه - ﷺ - قدوة وإمامًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الرابع عشر: إن صلاح الأمة وهدايتها والنهوض بها لا يكون سليمًا نقيًا إلا بالأخذ من المنبع الصافي</span>، والبعد عن الأفكار الهدامة المنحرفة، والتزام المسلمين بالخلق الحسن ودعوة الناس إليه هو من هذا المنبع، وتطبيق ذلك على أنفسهم قبل الدعوة إليه، قال اللَّه - ﷿ -: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٣)؛ ولهذا أمر اللَّه بالعلم قبل العمل، وبالعمل قبل الدعوة إليه، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥)، فقدَّم العمل قبل الدعوة إلى الحق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الخامس عشر: الخلق الحسن يجعل المسلم مستنير القلب</span>، ويفتح مداركه، فيتبصَّر به مواطن الحق، ويهتدي به إلى الوسائل والأساليب الصحيحة في دعوة الناس الملائمة للظروف والأحوال، والأشخاص\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآيات: ٤٥ - ٤٧.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٣) سورة الصف، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٤) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(٥) سورة العصر.","vol":"1","page":12},{"text":"﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ (١) الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>السادس عشر: الخلق الحسن من أعظم الأسباب التي تُنجي من النار وتُورث الفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم</span>، وهذا هو غاية كل مسلم بعد رضى اللَّه - ﷿ -؛ ولهذا عندما سأل النبي - ﷺ - رجلًا فقال له: «ما تقول في الصلاة» قال: أتشهّد ثم أسأل اللَّه الجنة وأعوذ به من النار. أما واللَّه! ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال النبي - ﷺ -: «حَوْلها نُدَنْدِنُ» (٢)، وهذا يدلّ أن جميع الأقوال والدعوات والأعمال؛ إنما هو من أجل الفوز بالجنة والنجاة من النار بعد رضى اللَّه - ﷿ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>السابع عشر: تَكَفَّل النبي - ﷺ - ببيت في أعْلى الجنة لمن حسَّن خلقه</span>، فقال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المِراء وإن كان مُحقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الثامن عشر: الخلق الحسن أكثر ما يدخل به الناس الجنة: </span>فقد سُئل النبي - ﷺ - عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، فقال: «تقوى اللَّه وحسن الخلق» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>التاسع عشر: الخلق الحسن من أسباب النجاة من النار: </span>فعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار،-أو بمن تحرم عليه النار؟ - على كُلِّ قريب هيّن سهل» (٥).\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٩.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة، برقم ٧٩٢، وأحمد، ٣/ ٤٧٤، وانظر: صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٨.\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، برقم ٤٨٠٢، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٩١١، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٧٣.\n(٤) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب حسن الخلق، برقم ٢٠٠٥، وانظر: جامع الأصول،\n١١/ ٦٩٤، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٩٤.\n(٥) الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا هناد، برقم ٢٤٨٨، وانظر: جامع الأصول، ١١/ ٦٩٨، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٦١١، برقم ٩٣٨.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>العشرون: صاحب الخلق الحسن خير أمة محمد - ﷺ </span>-؛ لقول النبي - ﷺ -: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الحادي والعشرون: الخلق الحسن </span>موضوع واسع جدًا يشمل: الحلم، والأناة، والجود والكرم، والعفو والصفح، والرفق واللين، والصبر والعزيمة، والثبات، والعدل والإنصاف، والصدق، والبرّ، والوفاء بالعهد، والإيثار، والرحمة، والعفّة، والتواضع، والزهد، والكيِّس والنشاط، والسماحة، والمروءة، والشجاعة، والأمانة، والإخلاص ... وهذا هو الخلق الحسن في الدعوة إلى اللَّه تعالى وما يتفرّع منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الثاني والعشرون: أما الخلق العظيم الذي مدح الله به النبي - ﷺ - فهو الدين كله</span>، والخلق الحسن جزء منه كما ذكر ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى في الفتاوى (٢)، وقال الإمام ابن القيم - رحمه اللَّه تعالى - في مدارج السالكين: «حسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصوّر قيام ساقِه إلا عليها: الصبر، والعفّة، والشجاعة، والعدل، ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة» (٣).\n_________\n(١) رواه الترمذي عن عائشة ﵂، كتاب المناقب عن رسول الله - ﷺ -، باب فضل أزواج النبي - ﷺ -، برقم ٣٨٩٥، وابن ماجه عن ابن عباس ﵄، كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء، برقم ١٩٧٧، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ٥١٣، ورو البيهقي عن أبي هريرة - ﵁ - في شعب الإيمان، ٦/ ٤١٥، بلفظ: «خيركم خيركم لنسائه وبناته»، والحاكم عن ابن عباس ﵄، ٤/ ١٧٣، بلفظ: «خيركم خيركم للنساء»، وصححه ووافقه الذهبي، ورواه ابن عساكر عن علي - ﵁ -، ١٣/ ٣١٢، بلفظ: «خيركم خيركم لأهله، ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم»، وضعف الألباني هذه الزيادة في ضعيف الجامع، ص ٢٤٣، برقم ٢٩١٧.\n(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٠/ ٦٥٨.\n(٣) مدارج السالكين، ٢/ ٣٠٨.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث الثالث: طرق اكتساب الخلق الحسن</span>\nالأسباب والوسائل التي يكتسب بها الخلق الحسن كثيرة، ولكن من أبرزها على سبيل المثال ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>١ - التدريب العملي</span>، والممارسة التطبيقية للأخلاق الحسنة ولو مع التكلّف في أول الأمر، وقسر النفس على غير ما تهوى؛ فالعلم بالتعلم والحلم بالتحلّم، والصبر بالتصبّر، والاستعفاف بالتعفّف، قال - ﷺ -: «ومن يستعفف يعفّه اللَّه ومن يستغن يُغنه اللَّه، ومن يتصبّر يُصبِّره اللَّه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٢ - الغمس في البيئة الصالحة</span>؛ لأن من طبيعة الإنسان أن يكتسب من البيئة التي ينغمس فيها ويعيش مع أهلها، فيكتسب ما لديهم من أخلاق، وعادات، وتقاليد، وأنواع سلوك عن طريق المحاكاة والتقليد، وبذلك تتم العدوى النافعة، ولهذا قيل: إن الطبع للطبع يسرق، وأعظم من ذلك توجيه النبي - ﷺ - وبيانه أن الجليس الصالح كحامل المسك إما أن تبتاع منه أو تجد منه ريحًا طيبة (٢).\nولاشك أن الرجل على دين خليله، فلينظر كل مسلم من يخالل (٣)؛ ولهذا قال النبي: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، برقم ١٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والتصبر، برقم ١٠٥٣.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين، برقم ٢٦٢٨.\n(٣) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني، ١/ ٢٠٩ - ٢١٣.\n(٤) مسند أحمد، ١٤/ ١٤٢، برقم ٨٤١٧، واللفظ له، وأبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، برقم ٤٨٣٥، والترمذي، كتاب الزهد، باب حدثنا محمد بن بشار، برقم ٢٣٧٨. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٦٣٣.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الرابع: فروع الخلق الحسن</span>\nفروع حسن الخلق كثيرة جدًا فهو يشمل: العلم، والحلم، والأناة، والحكمة، والجود والكرم، والعفو، والصفح، والرفق واللين، والصبر والعزيمة، والثبات، والعدل، والإنصاف، والصدق والإخلاص، والبر، والوفاء، والإيثار والرحمة، والتواضع، والزهد، والكيس والنشاط، والسماحة، والمروءة، والشجاعة، والأمانة، وحفظ السر، والورع، واليقين، والتوكل ... وهذا مفهوم واسع لا يتسع له هذا المبحث، وسيأتي بعض هذه الأخلاق في المباحث الآتية.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الخامس: الجود والكرم</span>\nالجود والكرم خُلقٌ عظيم وهو على عشر مراتب على النحو الآتي:\n١ - الجود بالنفس وهو أَعْلى مراتب الجود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>٢ - الجود بالرياسة</span>، فيحمل الجواد جوده على الجود برياسته والإيثار في قضاء حاجات الناس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٣ - الجود براحته</span>، فيجود بها تعبًا في مصلحة غيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٤ - الجود بالعلم وبذله </span>وهو من أعلى مراتب الجود، وهو أفضل من المال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٥ - الجود بالنفع بالجاه </span>كالشفاعة وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>٦ - الجود بنفع البدن </span>على اختلاف أنواعه، فكل يوم تعدل فيه بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فترفع متاعه عليها أو تحمله عليها صدقة، والكلمة الطيبة صدقة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٧ - الجود بالعرض</span>، كمن يعفو عمن اغتابه، أو سبّه، ونال من عرضه، كما فعل أبو ضمضم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٨ - الجود بالصبر</span>، والاحتمال، وكظم الغيظ، وهذا أنفع من الجود بالمال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٩ - الجود بالخلق الحسن</span>، والبشاشة، والبسطة، وهو فوق الجود بالصبر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>١٠ - الجود بترك ما في أيدي الناس </span>عليهم فلا يلتفت إليه.\nولكل مرتبة من الجود مزيد وتأثير خاص في القلب، واللَّه سبحانه\n_________\n(١) روى أبو داود، ٤/ ٤٢٣، برقم ٤٨٨٦ مرسلًا: عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبِي ضَيْغَمٍ أَوْ ضَمْضَمٍ - شَكَّ ابْنُ عُبَيْدٍ- كَانَ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلَى عِبَادِكَ. وقال الألباني في إرواء الغليل، ٨/ ٤٢: «وإسناده صحيح إلى قتادة».","vol":"1","page":17},{"text":"قد ضمن المزيد للجواد والإتلاف للممسك، واللَّه المستعان (١).\nوكل أنواع الجود والكرم ينبغي للدعاة أن يتحلوا بها في دعوتهم، ومن الصور العظيمة لتطبيق الجود والكرم ما فعله رسول اللَّه - ﷺ - ومن ذلك:\nعن أنس - ﵁ - قال: ما سئل رسول اللَّه - ﷺ - على الإسلام شيئًا إلا أعطاهُ، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (٢).\nوهذا الموقف الحكيم العظيم يدلّ على عظم سخاء النبي - ﷺ -، وغزارة جوده (٣).\nوكان - ﷺ - يعطي العطاء ابتغاء مرضاة اللَّه - ﷿ - وترغيبًا للناس في الإسلام، وتأليفًا لقلوبهم، وقد يُظهر الرجل إسلامه أولًا للدنيا ثم - بفضل اللَّه تعالى، ثم بفضل النبي - ﷺ - ونور الإسلام - لا يلبث إلا قليلًا حتى ينشرح صدره للإسلام بحقيقة الإيمان، ويتمكّن من قلبه، فيكون أحب إليه من الدنيا وما فيها (٤).\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٦ بتصرف.\n(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل - ﷺ - شيئًا فقال: لا، برقم ٢٣١٢.\n(٣) انظر: أمثلة كثيرة من كرمه وجوده في البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا عبدان ١/ ٣٠، وكتاب الأدب باب حسن الخلق وما يكره من البخل، ١٠/ ٤٥٥، وكتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ -: لو أن عندي مثل أحُد ذهبًا، ١١/ ٢٦٤، ١١/ ٣٠٣، وكتاب الكفالة، باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع، ٤/ ٤٧٤، وكتاب التمني، باب تمني الخير، وقول النبي - ﷺ -: لو كان لي مثل أحُد ذهبًا، ١٣/ ٢١٧، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، ٤/ ١٨٠٥، ١٨٠٦، وكتاب الزكاة، باب من سأل بفحش وغلظة، ٢/ ٧٣٠، وباب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، ٢/ ٦٨٧.\n(٤) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٥/ ٧٢.","vol":"1","page":18},{"text":"ولهذا شواهد كثيرة، منها: ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - غزا غزوة الفتح - فتح مكة - ثم خرج - ﷺ - بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر اللَّه دينه والمسلمين، وأعطى رسول اللَّه - ﷺ - يومئذ صفوان بن أمية مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، قال صفوان: واللَّه لقد أعطاني رسول اللَّه - ﷺ - ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ (١).\nوقال أنس - ﵁ -: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» (٢).\nوإذا رأى النبي - ﷺ - الرجل ضعيف الإيمان، فقد كان - ﷺ - يجزل له في العطاء، قال - ﷺ -: «إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه» (٣)؛ ولذلك كان - ﷺ - «يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل» (٤).\nومن مواقفه الحكيمة العظيمة في ذلك ما فعله - ﷺ - مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين (٥)، فإنه بعد أن أسقى أصحابه من مزادتيها، ورجعت المزادتان أشد ملاءةً منها حين ابتدأ فيها قال لأصحابه: «اجمعوا لها»، فجمعوا لها - من بين عجوةٍ، ودقيقةٍ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، برقم ٢٣١٣.\n(٢) مسلم، في الكتاب والباب المشار إليهما آنفًا، ٤/ ١٨٠٦.\n(٣) البخاري، كتاب الزكاة، باب قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، برقم ١٤٧٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء من يخاف على إيمانه، برقم ١٥٠.\n(٤) البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم، برقم ٢٩٧٨.\n(٥) المزادتان: مثنى مزادة، والمزادة: الراوية، ولا تكون إلا من جلد. انظر: القاموس المحيط، مادة (زود).","vol":"1","page":19},{"text":"وسويقةٍ - حتى جمعوا لها طعامًا كثيرًا وجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها - ﷺ -: «اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين واللَّه ما رزأناك (١) من مائك شيئًا، ولكن اللَّه هو الذي أسقانا».\nوفي القصة أنها رجعت إلى قومها فقالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى اللَّه ذلك الصرم (٢) بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا (٣).\nوفي رواية: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون ذلك الصرم الذي هي فيه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام (٤).\nوقد كان سبب إسلام هذه المرأة أمران:\nالأمر الأول: ما رأته من أخذ النبي - ﷺ - وأصحابه من مزادتيها ولم ينقص ذلك من مائها شيئًا، وهذا من معجزات النبي - ﷺ - الّتي تدل على صدق رسالته.\nالأمر الثاني: كرم النبي - ﷺ - حينما أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعامًا كثيرًا.\n_________\n(١) ما رزأناك: أي: لم ننقص من مائك شيئًا. انظر: فتح الباري، ١/ ٤٥٣.\n(٢) الصرم: أبيات مجتمعة من الناس. انظر: فتح الباري، ١/ ٤٥٣.\n(٣) البخاري، كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه عن الماء، برقم ٣٤٤، وكتاب المناقب، باب علامات النبوة، برقم ٣٥٧١، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، برقم ٦٨٢.\n(٤) البخاري، كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم بكفيه من الماء، برقم ٣٤٤.","vol":"1","page":20},{"text":"أما قومها، فقد أسلموا على يديها؛ لأن المسلمين صاروا يراعون قومها بإقرار النبي - ﷺ - على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سببًا لإسلامهم (١).\nوهذه الأمثلة التي سُقْتُها ما هي إلا قطرة من بحر من كرم النبي - ﷺ -، فما أحوجنا، وما أولى جميع الدعاة إلى اللَّه - ﷿ - إلى الاقتداء بالنبي - ﷺ - والاقتباس من نوره وهديه في دعوته وفي أموره كلها، واللَّه المستعان.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، ١/ ٤٥٣.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث السادس: العدل</span>\nالعدل له مجالات كثيرة لا تحصر منها: العدل في الولاية، والعدل في القضاء، والعدل في تطبيق الحدود، والعدل في المعاملات بين الناس، والعدل في الإصلاح بين الناس، والعدل مع الأعداء، والعدل مع الأولاد، والعدل بين الزوجات ... وغير ذلك.\nومن الأمثلة العظيمة في تطبيق العدل المثال العظيم الآتي:\nقد كان النبي - ﷺ - أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يُضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول - ﷺ - لم يحابِ في ذلك، ولم يقبل الشفاعة في حدٍّ من حدود اللَّه تعالى.\nفعن عائشة ﵂ أن قريشًا أهمّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي - ﷺ - في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلّم فيها رسول اللَّه - ﷺ -؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبّ رسول اللَّه - ﷺ - فأُتِيَ بها رسول اللَّه - ﷺ -، فكلّمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول اللَّه - ﷺ - فقال: «أتشفع في حدٍّ من حدود اللَّه» فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه! فلما كان العشي قام رسول اللَّه - ﷺ - فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، فقال: «أما بعد، أيها الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».\nثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.","vol":"1","page":22},{"text":"قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه - ﷺ - (١).\nإن العدل خلاف الجور، وقد أمر اللَّه - ﷿ - به في القول والحكم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٢)، وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ (٣).\nولاشك أن هذا الموقف الحكيم وغيره من مواقفه - ﷺ - مما يوجب على الدعاة تطبيقها أسوة به - ﷺ - (٤).\n_________\n(١) البخاري بنحوه مختصرًا في كتاب الحدود، باب إقامة الحد على الشريف والوضيع، برقم ٦٧٨٧، وباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، برقم ٦٧٨٨، ورواه مسلم بلفظه في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود، برقم ١٦٨٨، وانظر: شرح النووي، ١١/ ١٨٦، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٢/ ٩٥، ٩٦.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٥٨.\n(٤) انظر مواقف حكيمة في هذا الشأن في: سنن أبي داود، ٢/ ٢٤٢، والترمذي، ٣/ ١٣٧، والنسائي، ٧/ ٦٤، وانظر أيضًا: البخاري مع الفتح، ٣/ ٢٩٢، ٢/ ١٤٣، ١١/ ٣١٢،\n١٢/ ١١٢، ومسلم، ٣/ ٤٥٨، وهذا الحبيب يا محبّ، ص٥٣٤، ٥٣٥.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث السابع: التواضع</span>\nيقال: تواضع: تذلّل وتخاشع (١)، والمراد بالتواضع: إظهار التنزل لمن يراد تعظيمه، وقيل: تعظيم من فوقه لفضله (٢).\nوالتواضع صفة عظيمة وخلق كريم يجب على الدعاة إلى اللَّه تعالى، وغيرهم، ولهذا مدح اللَّه المتواضعين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (٣)، أي يمشون في سكينة ووقار متواضعين غير أشرين ولا متكبّرين، ولا مرحين، فهم علماء، حلماء، وأصحاب وقار وعفّة (٤).\nوالدعاة إلى اللَّه تعالى إذا تواضعوا رفعهم اللَّه في الدنيا والآخرة؛ لقول النبي - ﷺ -: «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد اللَّه عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، ومن تواضع للَّه رفعه» (٥).\nوهذا ما يفتح اللَّه به للداعية قلوب الناس؛ فإن اللَّه يرفعه في الدنيا والآخرة، ويثبت له بتواضعه في قلوب الناس منزلة ويرفعه عندهم ويجلُّ مكانه (٦)، أمَّا من تكبر على الناس فقد توعده اللَّه بالذلّ والهوان في الدنيا والآخرة؛ لأن اللَّه - ﷿ - «العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداؤه فمن ينازعه ذلك عذّبه» (٧).\n_________\n(١) القاموس المحيط، ص٩٩٧.\n(٢) فتح الباري، ١١/ ٣٤١.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.\n(٤) انظر: مدارج السالكين، ٢/ ٣٢٧.\n(٥) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، برقم ٢٥٨٨.\n(٦) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ١٤٢.\n(٧) مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكبر، برقم ٢٦٢٠،ولفظه: «فمن ينازعني عذبته».","vol":"1","page":24},{"text":"وعن أنس - ﵁ - قال: كانت ناقة لرسول اللَّه - ﷺ - تُسمّى العضباء وكانت لا تُسْبَقُ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتدّ ذلك على المسلمين وقالوا: سُبِقَتِ العضباء، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن حقًا على اللَّه أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه» (١).\nورسول اللَّه - ﷺ - هو الأسوة الحسنة للدعاة فقد كان متواضعًا في دعوته للناس، فعن أبي مسعود - ﵁ - قال: أتى النبي - ﷺ - رجل فكلّمه فجعل ترعُد فرائصه فقال له: «هوِّن عَليكَ نفسك فإني لستُ بِمَلِكٍ، إنما أنا ابن امرأةٍ كانت تأكل القديد» وزاد الحاكم في روايته عن جرير بن عبد اللَّه: «... في هذه البطحاء»، ثم تلا جرير: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (٢).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقائق، باب التواضع، برقم ٦٥٠١.\n(٢) الحاكم، ٢/ ٤٤٦، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني،\n٤/ ٤٩٧، سورة ق، الآية: ٤٥.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثامن: الإخلاص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>أولًا: تعريف الإخلاص:</span>\nالإخلاص في اللغة: خَلَصَ يخلص خلوصًا: صفا وزال عنه شوبه، ويقال: خلص من ورطته: سلم منها ونجا، ويقال: خلَّصه تخليصًا: أي نجَّاه، والإخلاص في الطاعة ترك الرياء (١).\nوحقيقة الإخلاص: هو أن يريد العبد بعمله التقرب إلى اللَّه تعالى وحده.\nوقد ذكر أهل العلم تعريفات بعضها قريب من بعض:\nفقيل: الإخلاص: إفراد الحق - سبحانه - بالقصد في الطاعة.\nوقيل: الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره.\nوقيل: تصفية العمل من كل ما يشوبه (٢).\nوعلى ما تقدم: يتضح أن الإخلاص: صرف العمل والتقرب به إلى اللَّه وحده، لا رياءً ولا سمعة، ولا طلبًا للعرض الزائل، ولا تصنعًا، وإنما يرجو ثواب اللَّه ويخشى عقابه ويطمع في رضاه.\nولهذا قال القاضي عياض: «ترك العمل من أجل الناس رياء،\n_________\n(١) المعجم الوسيط، ١/ ٢٤٩، ومختار الصحاح، ص٧٧.\n(٢) مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٩١.","vol":"1","page":26},{"text":"والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك اللَّه منهما» (١).\nوالإخلاص في حياة الداعية: أن يقصد بإراداته، وأعماله، وأقواله، وسائر تصرفاته، وتوجيهاته وتعليمه وجه اللَّه تعالى وحده لا شريك له ولا ربَّ سواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>ثانيًا: أهمية الإخلاص:</span>\nلقد خلق اللَّه الخلق: الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، وأمر جميع المكلفين بالإخلاص، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢).\nوقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلا للَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤).\nوقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ (٥).\nقال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا يعلى: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: «إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٩١.\n(٢) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٣) سورة الزمر، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٤) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.\n(٥) سورة الملك، الآية: ٢.","vol":"1","page":27},{"text":"يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون للَّه، والصواب أن يكون على السنة (١). ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢).\nوقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٣)، فإسلام الوجه: إخلاص القصد والعمل للَّه، والإحسان فيه: متابعة رسول اللَّه - ﷺ - وسنته» (٤).\nوقد ثبت في الحديث عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «ثلاث لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل للَّه، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم» (٥).\nوالإخلاص هو روح عمل الداعية، وأهم صفاته، فبدونه يكون جهد الداعية وعمله هباءً منثورًا.\nوالإخلاص من أهم أعمال القلوب باتفاق أئمة الإسلام، ولاشك أن أعمال القلوب هي الأصل: لمحبة اللَّه ورسوله، والتوكل عليه، والإخلاص له، والخوف منه، والرجاء له، وأعمال الجوارح تبع؛ فإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي\n_________\n(١) مدارج السالكين، ٢/ ٨٩.\n(٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(٤) مدارج السالكين، ٢/ ٩٠.\n(٥) أخرجه الترمذي، كتاب العلم، باب الحث على تبليغ السماع، برقم ٢٦٥٨، وابن ماجه، المقدمة، باب من بلغ علمًا، برقم ٢٣٠، وأحمد، ٥/ ١٨٣، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، ١/ ٧٨.","vol":"1","page":28},{"text":"إذا فارق الروح مات، فمعرفة أحكام القلوب أهمّ من معرفة أحكام الجوارح.\nفيجب على الداعية أن يكون مخلصًا للَّه - ﷿ - لا يريد رياءً ولا سمعة، ولا ثناء الناس ولا مدحهم وحمدهم، إنما يدعو إلى اللَّه يريد وجه اللَّه - تعالى - كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٢).\nوالإخلاص أعظم الصفات التي تجب على الدعاة فيريدوا بدعوتهم وجه اللَّه والدار الآخرة، ويريدوا إصلاح الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>ثالثًا: النية أساس العمل:</span>\nالنية: أساس العمل وقاعدته، ورأس الأمر وعموده، وأصله الذي عليه بُنيَ؛ لأنها روح العمل، وقائده، وسائقه، والعمل تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يحصل التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة (٤)؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى ...» (٥).\nوقال اللَّه تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٣.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ١/ ٣٤٩، و٤/ ٢٢٩.\n(٤) انظر: النية وأثرها في الأحكم الشرعية للدكتور صالح بن غانم السدلان، ١/ ١٥١.\n(٥) البخاري، كتاب الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، برقم ١، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ - إنما الأعمال بالنية، برقم ١٩٠٧.","vol":"1","page":29},{"text":"أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).\nوهذا يدلّ على أهمية ومكانة النية، وأن الدعاة إلى اللَّه وغيرهم من المسلمين بحاجة إلى إصلاح النية، فإذا صلحت أُعطي العبد الأجر الكبير والثواب العظيم، ولو لم يعمل وإنما نوى نية صادقة، ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٢)، وقال - ﷺ -: «ما من امرئٍ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم إلا كُتبَ له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة» (٣).\nوقال النبي - ﷺ -: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه اللَّه مثل أجر من صلى وحضر لا ينقص ذلك من أجره شيئًا» (٤).\nوقال الرسول - ﷺ -: «من سأل اللَّه الشهادة بصدقٍ بلّغه اللَّه منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (٥).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١١٤.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، برقم ٢٨٣٤.\n(٣) أبو داود، كتاب التطوع، باب النعاس في الصلاة، برقم ١٣١٤، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب من كان له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم، برقم ١٧٨٤، وانظر: إرواء الغليل للألباني، ٢/ ٢٠٤، وصحيح الجامع، ٥/ ١٦٠، برقم ٥٥٦٧.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها، برقم ٥٦٤، والنسائي، كتاب الإمامة، حد إدراك الجماعة، برقم ٨٥٥، والحاكم، ١/ ٣٢٧، قال ابن حجر في فتح الباري، ٦/ ١٣٧: «إسناده قويّ».\n(٥) مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب الشهادة في سبيل الله تعالى،، برقم ١٩٠٩.","vol":"1","page":30},{"text":"وهذا يدل على فضل اللَّه - ﷾ - وإحسانه إلى عباده؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - في غزوة تبوك: «لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه»، قالوا: يا رسول اللَّه كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: «حَبَسهُمُ العُذر» (١).\nوبالنية الصالحة يضاعف اللَّه الأعمال اليسيرة؛ ولهذا قال الرسول - ﷺ - لرجل جاء إليه مقنع بالحديد، فقال: يا رسول اللَّه: أقاتل أو أسلم؟ فقال - ﷺ -: «أسلم ثم قاتل»، فأسلم ثم قاتل فَقُتِل، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «عمل قليلًا وأجر كثيرًا» (٢).\nوجاء رجل إلى رسول اللَّه - ﷺ - فدخل في الإسلام، فكان رسول اللَّه - ﷺ - يعلّمه الإسلام وهو في مسيره، فدخل خف بعيره في جحر يربوع فوقصه بعيره فمات، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «عمل قليلًا وأجر كثيرًا» قالها حماد ثلاثًا (٣).\nوبالنية الصالحة يبارك اللَّه في الأعمال المباحة فيثاب عليها العبد؛ ولهذا قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» (٤)، وقال النبي - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -: «إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت عليها حتى ما تجعلُ في فِي\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب الرخصة في القعود من العذر، برقم ٢٥١٠، واللفظ له، والبخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو، برقم ٢٦٨٤.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب عمل صالح قبل القتال، برقم ٢٨٠٨، واللفظ له، ومسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، برقم ١٩٠٠.\n(٣) مسند الإمام أحمد، ٤/ ٣٥٧.\n(٤) البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، برقم ٥٥.","vol":"1","page":31},{"text":"امرأتك» (١).\nوقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبدٍ رزقه اللَّه مالًا وعلمًا فهو يتقي به ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم للَّه فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه اللَّه علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه اللَّه مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم للَّه فيه حقًا فهو بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء» (٢). وقال الرسول - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «إن اللَّه - ﷿ - كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك فمن همّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>رابعًا: طرق تحصيل الإخلاص:</span>\nقد عُرِفَ أن الرياء محبط للعمل، وسبب لغضب اللَّه ومقته، وأنه من المهلكات، وأشد خطرًا على المسلم من المسيح الدجال.\nومَن هذه حاله فهو جدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته وعلاجه، وقطع عروقه وأصوله. ومن هذا العلاج الذي يزيل الرياء،\n_________\n(١) البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، برقم ٥٦.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا مثل أربعة نفر، برقم ٢٣٢٥، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب النية، برقم ٤٢٢٨، وأحمد، ٤/ ١٣٠، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٠.\n(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة، برقم ٦٤٩١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة تكتب وإذا هم بسيئة لم تكتب، برقم ١٣١.","vol":"1","page":32},{"text":"ويحصِّل الإخلاص بإذن اللَّه تعالى ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>١ - معرفة أنواع الرياء</span>، ودوافعه، وأسبابه ثم قطعها وقلع عروقها، وتقدمت هذه الدوافع والأسباب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>٢ - معرفة عظمة اللَّه تعالى</span>، بمعرفة: أسمائه، وصفاته، وأفعاله معرفةً صحيحةً مبنية على فهم الكتاب والسنة على مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإن العبد إذا عرف أن اللَّه وحده هو الذي ينفع ويضرّ، ويعزّ ويذلّ، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إذا عرف ذلك، وعلم بأن اللَّه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له فسيُثمرُ ذلك إخلاصًا وصدقًا مع اللَّه، فلابُدَّ من معرفة أنواع التوحيد كلها معرفة صحيحة سليمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٣ - معرفة ما أعدَّه اللَّه في الدار الآخرة </span>من نعيم وعذاب، وأهوال الموت، وعذاب القبر؛ فإن العبد إذا عرف ذلك، وكان عاقلًا هرب من الرياء إلى الإخلاص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٤ - الخوف من الرياء المحبط للعمل</span>؛ فإن من خاف أمرًا بقي حَذِرًا منه فينجو؛ فإن من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة. فينبغي للمرء بل يجب عليه إذا هاجت رغبته إلى آفة حُبّ الحمد والمدح أن يُذَكِّرَ نفسه بآفات الرياء، والتعرّض لمقت اللَّه، ومن عرف فقر الناس وضعفهم استراح كما قال بعض السلف: «جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، واحرص أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان فلا تفرق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها","vol":"1","page":33},{"text":"أو غفلتهم عنها، واقنع بعلم اللَّه وحده) (١).\nوباللَّه وحده ثم بالخوف من حبوط العمل نجا أهل العلم والإيمان من الرياء وحبوط العمل، فعن محمد بن لبيد - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول اللَّه؛ قال: «الرياء، يقول اللَّه - ﷿ - لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٥ - خوف الصحابة - ﵃ -، والتابعين من الرياء</span>؛ ولهذا الخطر العظيم خاف الصحابة والتابعون وأهل العلم والإيمان من هذا البلاء الخطير، ومن ذلك الأمثلة الآتية:\nالمثال الأول: قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٣)، قالت عائشة ﵂ يا رسول اللَّه: أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر «أو يا بنت الصديق» ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويصلّي وهو يخاف ألا يُتقبَّل منه» (٤).\nالمثال الثاني: قال ابن أبي مُلَيْكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب\n_________\n(١) انظر: الإخلاص والشرك الأصغر، ص١٥.\n(٢) أحمد في المسند، ٥/ ٤٢٨، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٤٥.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوقي على العمل، برقم ٤١٩٨، وانظر: صحيح ابن ماجه للألباني، ٢/ ٤٠٩ ورواه أحمد، ٦/ ١٥٩، ٢٥، والترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - ﷺ -، باب ومن سورة المؤمنون، برقم ٣١٧٤، والحاكم، ٢/ ٣٩٣، وحسنه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦٢.","vol":"1","page":34},{"text":"النبي - ﷺ - كلُّهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل» (١).\nالمثال الثالث: وقال إبراهيم التيميّ: «ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذِّبًا» (٢).\nالمثال الرابع: ويُذكر عن الحسن أنه قال: «ما خافه إلا مؤمن ولا أمِنه إلا منافق» (٣).\nالمثال الخامس: وقال عمر بن الخطاب لحذيفة ﵄: «نشدتك باللَّه هل سمّاني لك رسول اللَّه - ﷺ - منهم - يعني من المنافقين - قال: لا، ولا أُزكِّي بعدك أحدًا» (٤).\nالمثال السادس: ويُذكر عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: «اللَّهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق» قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: «أن ترى البدن خاشعًا والقلب ليس بخاشع» (٥).\nالمثال السابع: ويُذكر عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: «لئن أستيقن\n_________\n(١) البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، قبل الحديث رقم ٤٨.قال ابن حجر في فتح الباري،١/ ١١٠: «وصله ابن أبي خيثمة في تاريخه».\n(٢) البخاري معلقًا ومجزومًا به، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، قبل الحديث رقم ٤٨.قال ابن حجر: «وصله المصنف في تاريخه».انظر: فتح الباري، ١/ ١١٠.\n(٣) البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، قبل الحديث رقم ٤٨.، وقال ابن حجر: «وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافقين»، وصححه. انظر: الفتح، ١/ ١١١.\n(٤) ابن كثير بنحوه، في البداية والنهاية، ٥/ ١٩، وانظر: صفات المنافقين لابن القيم، ص٣٦.\n(٥) ذكره ابن القيم في صفات المنافقين، ص٣٦.","vol":"1","page":35},{"text":"أن اللَّه تقبَّل لي صلاة واحدة أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها، إن اللَّه يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾» (١).\nالمثال الثامن: وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركتُ عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -، يُسأل أحدهم عن المسألة، ما منهم رجل إلا ودَّ أن أخاه كفاه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٦ - الفرار من ذمّ اللَّه</span>؛ فإن من أسباب الرياء الفرار من ذمّ الناس، ولكن العاقل يعلم أن الفرار من ذمّ اللَّه أولى؛ لأن ذمّه شين، كما قال رجلٌ لرسول اللَّه - ﷺ -: يا رسول اللَّه إنَّ مدحي زين وذمّي شين، فقال - ﷺ -: «ذاك اللَّه» (٣)، ولا شك أن العبد إذا خاف الناس وأرضاهم بسخط اللَّه سخط اللَّه عليه، وغضب وأسخط الناس عليه، فهل أنت تخشى غضب الناس؟ فاللَّه أحق أن تخشاه إن كنت صادقًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٧ - معرفة ما يفرُّ منه الشيطان</span>؛ لأن الشيطان منبع الرياء وأصل البلاء، والشيطان يفر من أمور كثيرة، منها الأذانُ، وقراءة القرآن، وسجود التلاوة، والاستعاذة باللَّه منه، والتسمية عند الخروج من البيت والدخول في المسجد مع الذكر المشروع في ذلك، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وجميع الأذكار المشروعة (٤).\n_________\n(١) ذكره ابن كثير في تفسيره، ٢/ ٤١، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والآية من سورة المائدة، الآية: ٢٧.\n(٢) الدارمي في سننه، ١/ ٥٣، وانظر: تخريجه في كتاب الرياء لسليم الهلالي، ص٣٢.\n(٣) أحمد في المسند، ٣/ ٤٨٨، ٦/ ٣٩٤، من حديث الأقرع بن حابس - ﵁ -، وإسناده حسن، ورواه الترمذي وحسنه، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - ﷺ -، باب ومن سورة الحجرات، برقم ٣٢٦٧.\n(٤) انظر التفصيل في ذلك: كتاب مقامع الشيطان في ضوء الكتاب والسنة لسليم الهلالي، وهو مهم جدًا، والإخلاص لحسين العوائشة، ص٥٧ - ٦٣.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>٨ - الإكثار من أعمال الخير والعبادات غير المشاهدة</span>، وإخفاؤها: كقيام الليل، وصدقة السر، والبكاء خاليًا من خشية اللَّه، وصلاة النوافل، والدعاء للإخوة في اللَّه بظهر الغيب، واللَّه - ﷿ - يحب العبد التقيّ، النقيّ، الخفيّ، قال سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «إن اللَّهَ يحب العبد التقيّ، النقيّ، الخفيّ» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٩ - عدم الاكتراث بذمّ الناس ومدحهم</span>؛ لأن ذلك لا يضر ولا ينفع، بل يجب أن يكون الخوف من ذمّ اللَّه، والفرح بفضل اللَّه، قال اللَّه - ﷿ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢)، فيا عبد اللَّه أقبل على حب المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذلك سَهُل عليك الإخلاص (٣).\nويسهِّلُ الزهد في حب المدح والثناء العلم يقينًا أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمّه ويشين إلا اللَّه وحده، فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذمِّ من لا يشينك ذمّهُ، وارغب في مدح مَن كلّ الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمن فقد الصبر واليقين كان كمن أراد السفر في البحر بغير مركب (٤).\nوانظر إلى من ذمّك فإن يك صادقًا قاصدًا النصح لك فاقبل\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٦٥.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٥٨.\n(٣) الفوائد لابن القيم، ص٦٧.\n(٤) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٢٦٨.","vol":"1","page":37},{"text":"هديته ونصحه فإنه قد أهدى إليك عيوبك، وإن كان كاذبًا فقد جنى على نفسه وانتفعتَ بقوله؛ لأنه عرَّفك ما لم تكن تعرف، وذكّرك من خطاياك ما نسيت، وإن كان ذلك افتراءً عليك، فإنك إن خلوت من هذا العيب لم تخلُ من غيره، فاذكر نعمة اللَّه عليك إذ لم يطلع هذا المفتري على عيوبك، وهذا الافتراء كفارات لذنوبك إن صبرت واحتسبت، وعليك أن تعلم أن هذا الجاهل جنى على نفسه وتعرض لمقت اللَّه تعالى، فكن خيرًا منه: فاعف واصفح، واستغفر له، قال اللَّه - ﷿ -: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>١٠ - تذكّر الموت وقصر الأمل</span>، قال اللَّه - ﷿ -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).\nقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>١١ - الخوف من سوء الخاتمة</span>، فعلى العبد أن يخاف أن تكون أعمال الرياء هي خاتمة عمله ونهاية أجله، فيخسر خسارة فادحة عظيمة؛ لأن الإنسان يبعث يوم القيامة على ما مات عليه، والناس يبعثون على نياتهم، وخير الأعمال خواتمها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>١٢ - مصاحبة أهل الإخلاص والتقوى</span>؛ فإن الجليس المخلص لا يعدمك الخير، وتجد منه قدوة لك صالحة، وأما المرائي والمشرك فيحرقك في نار جهنم إن أخذت بعمله.\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٢٢.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.\n(٣) سورة لقمان، الآية: ٣٤.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>١٣ - الدعاء والالتجاء إلى اللَّه تعالى</span>، وقد علَّمنا رسول اللَّه - ﷺ - ذلك فقال: «يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل»، فقال بعض الصحابة: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول اللَّه؟ قال: «قولوا: اللَّهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لِمَا لا نعلمه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>١٤ - حبّ العبد ذكر اللَّه له</span>، وتقديم حبّ ذكره له على حب مدح الخلق، قال اللَّه - ﷿ -: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٢)، وقال رسول اللَّه - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا، وإن تقرّب إلي ذراعًا تقرّبت منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (٣)، واللَّه المستعان (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>١٥ - عدم الطمع فيما في أيدي الناس</span>؛ فإن الإخلاص لا يجتمع في القلب ومحبّة المدح والثناء والطمع فيما في أيدي الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضبّ والحوت، فإذا حدّثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس مما\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٤/ ٤٠٣، وإسناده جيد، وغيره، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع، ٣/ ٢٣٣، وصحيح الترغيب، ١/ ١٩.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.\n(٣) البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، برقم ٢٦٧٥، واللفظ للبخاري.\n(٤) انظر: ما تقدم في منهاج القاصدين، ص٢٢١ - ٢٢٣، وكتاب الإخلاص لحسين العوائشة، ص٤١ - ٦٤، والرياء ذمه وأثره السيئ في الأمة لسليم الهلالي، ص٦١ - ٧٢، والإخلاص والشرك الأصغر، ص١٣.","vol":"1","page":39},{"text":"في أيدي الناس، ويسهِّل ذبح الطمع العلم يقينًا أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وبيد اللَّه وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئًا سواه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>١٦ - معرفة ثمرات الإخلاص وفوائده </span>وعواقبه الحميدة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أن الإخلاص سبب لنصر الأمة، والنجاة من عذاب اللَّه، ورفع المنزلة والدرجة في الدنيا والآخرة، والسلامة من الضلال في الدنيا، والفوز بحبّ اللَّه للعبد وحبّ أهل السماء والأرض، والصيت الطيّب، وتفريج كروب الدنيا والآخرة، والطمأنينة والشعور بالسعادة والتوفيق، وتحمّل المتاعب والمصاعب، وتزيين الإيمان في القلوب، واستجابة الدعاء، والنعيم في القبر والتبشير بالسرور، واللَّه الموفق سبحانه (٢).\nفالداعية الذي يريد نجاح دعوته، والفوز بنجاته ومحبة اللَّه له، عليه أن يعمل جاهدًا في تحصيل الإخلاص والفرار من الرياء، أسأل اللَّه أن يعصمني وإياك وجميع دعاة المسلمين وأئمتهم وعامتهم من هذا البلاء الخطير.\n_________\n(١) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٢٦٧ - ٢٦٨.\n(٢) انظر: كتاب الإخلاص للعوائشة، ص٦٤ - ٦٦.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث التاسع: الصدق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>أولًا: مفهوم الصدق وأهميته وفضله:</span>\nالصدق: مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم، وهو ضد الكذب (١)، وقيل: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معًا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا تامًا (٢)، وقيل: الصدق حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه (٣).\nولا يخفى ما للصدق من فضل عظيم، وثواب جزيل، ومقام كريم، ومما يدلّ على فضل الصدق، وسموّ منزلته، وعلوّ مكانه أنه من خصائص أهل الإيمان والتقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤)، فمن اتصف بهذه الصفات العظام وكانت لباسه وحليته فقد فاز. نسأل اللَّه أن يجعلنا منهم.\nولقد أمر اللَّه عباده المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين ويلازموا الصدق في كل الأحوال فهو سبيل النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ\n_________\n(١) المعجم الوسيط، ١/ ٥١١، والقاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، ص٢٠٩.\n(٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، ص٤٧٨.\n(٣) مدارج السالكين، ٢/ ٢٦٨.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.","vol":"1","page":41},{"text":"الصَّادِقِينَ﴾ (١).\nومما يدل على فضل الصدق والصادقين سوء مصير الكذابين وبوارهم، وأن الكذب من علامات النفاق والعياذ باللَّه - تعالى - وفي الصحيحين عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (٢)، وفي رواية: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ...» فذكر الكذب (٣).\nوالصدق طريق البر والجنة على عكس الكذب الذي هو طريق الفجور والنار والعياذ باللَّه، وفي الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون عند اللَّه صدّيقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللَّه كذّابًا» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>ثانيًا: مجالات الصدق:</span>\nأهم مجالات الصدق ثلاثة:\nالصدق في القصد بمعنى خلوص النية وصدق العزيمة وثبات الإرادة.\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١١٩.\n(٢) البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم ٣٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم ٥٩.\n(٣) البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم ٣٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم ٥٨،.\n(٤) البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾، برقم ٦٠٩٤، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب، وحسن الصدق وفضله، برقم ٢٦٠٧.","vol":"1","page":42},{"text":"والصدق في القول بالأخذ بالحق ونبذ الباطل واللغو واللَّهو المحرم.\nوالصدق في العمل بموافقة القول العمل، وموافقتهما هدي الكتاب والسنة.\nومتى بلغ العبد تحقيق الصدق في هذه المجالات كلها على الوجه الأتم الأكمل كان من الصِّدِّيقين، وكانت الحياة حينئذ لا تساوي عنده إلا بقدر ما يتبلغ به المسافر، وكان ما عند اللَّه - ﷾ - أحبّ إليه مما في أيدي الناس.\nوسأتناول فيما يلي كل واحد من هذه المجالات ببعض البسط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>١ - الصدق في النية والقصد: </span>الصدق في القصد يستلزم إخلاص النية للَّه - ﷿ - في الدعوة وفي كل طاعة وقربة، فلا يدعو لطلب جاه ولا محمدة ولا وجاهة، ومتى دخل شيء من هذه الشوائب النية خرج الإخلاص المشروط لقبول العمل، ومتى حصل الصدق في القصد وتحقق الإخلاص أثمر ذلك عزيمة صادقة وإرادة ماضية، فلا يتوانى الداعي الصادق عن المضي في إيصال الحق والخير للناس يبتغي بذلك وجه اللَّه والدار الآخرة، يتعلَّم ويعلِّم، ويتوخّى الحق والصدق أينما كان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٢ - الصدق في القول: </span>يستلزم أن لا ينطق الداعي بالباطل أيًا كانت صورة هذا الباطل: كذبًا، أو شتمًا، أو سبابًا، أو لعنًا، أو فحشًا، أو غيبة، أو نميمة، أو قول الزور .. وبالجملة فهو أبعد الناس عن آفات اللسان. هذا ما يمس حياة الدعاة وسيرتهم الذاتية.\nأما في مجال الدعوة فالحال كذلك، فلا يدعو إلا على بصيرة، ومعرفة بالحق ودليله، وبعد تبصّر وتفقّه، فالدعوة لا تصحّ إلا على بصيرة ... ولا يعظ الناس إلا بالصادق من القصص والأمثال، ويبتعد","vol":"1","page":43},{"text":"عن الكذب، والدجل، والأحلام، والرؤى التي لا يُعرف مصدرها ولا صدقها ولا عدالة صاحبها ولا ثبوتها عنه .. فدين اللَّه - ﷿ - مصدره الكتاب والسنة وفهم السلف لهما لا غير، ومتى استبدل الداعي هذين المصدرين بغيرهما - أعني الكتاب والسنة - فقد ضلّ سواء السبيل.\nوبالجملة فرائد الدعاة الصادقين توخّي الحق والحق هو ما في الكتاب والسنة منهما يستمدون، ومنهما ينهلون، وعلى هداهما يسيرون، وإليهما يدعون، وفي ساحتهما يتحاكمون.\nنسأل اللَّه أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يجعلنا من أهل الصدق والرشد إنه سميع مجيب.\n\n٣ - وأما صدق العمل: فهو مطابقة الأقوال والأعمال للحق الذي يدعو إليه، وقد تقدم في مبحث العمل بالعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>ثالثًا: أثر الصدق في حياة المسلم:</span>\nالصدق له الآثار الحميدة في حياة المسلمين، ونجاح الدعوة، ومن هذه الآثار الآثار الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>١ - لا يخفى أن للصدق أثره البالغ في مسيرة الدعاة</span>، إذ يظهر الصدق في كلام الداعي، وسمته، ولهجته، وحرارة عاطفته، فيؤثر ذلك في المدعوين، ويترك فيهم انطباعًا عميقًا بمصداقية الفكرة التي يدعو إليها ويؤمن بها.\nولقد كان النبي - ﷺ - يحدث الذين يلقونه أول مرة فيقولون: واللَّه ما هذا بوجه كذّاب ولا بكلام كذاب! وإذا كان المسلم مطالبًا","vol":"1","page":44},{"text":"بالصدق في الأقوال والأعمال والمقاصد؛ فإن الدعاة إلى اللَّه تعالى من باب أولى وأوجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٢ - للصدق أثره الحميد في التآلف والتآزر والتوادد </span>وتقارب القلوب، على عكس الكذب الذي يغرس الضغينة ويرفع الثقة، ويورث الريبة بفعل التلوّن والتغيّر وعدم الثبات الذي يتصف به الكاذب، ومن هذا المنطلق كان من لوازم الصدق ترك كل آفات اللسان: كالهمز، واللمز، والقيل، والقال، وكثرة السؤال .. ومتى تآلفت القلوب وتصافت واجتمعت على محبة اللَّه سرت الدعوة في المجتمع سريان الماء في الزرع، فأمدته بالحياة والنماء والبقاء، ونما في المجتمع - كذلك - الإيمان، واستوثقت عراه وارتفعت أعلامه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>٣ - الصدق يزرع في النفوس الثقة والطُّمأْنينة والراحة والأنس</span>، فيركن الناس إلى الدعاة الصادقين، ويثقون فيهم وبهم ويأمنونهم، وتقوية هذه الوشائج بين الدعاة والمدعوين من أهم أسباب نجاح الدعوة، ولا يتحقق ذلك إلا بالصدق .. على عكس الكذب الذي يزرع في النفوس بذور الريبة والشك والحذر، فليس أمر أهل الكذب من الوضوح والثبات بالمكان الذي يألفه الناس ويحبذونه.\nومتى وثق الناس في الداعي لصدقه فتحوا له القلوب فاستمعوا إليه إذا تحدّث وقبلوا إرشاده وتوجيهه إذا وجّه وأرشد وبيّن وحدّث، وتوجهوا إليه يسألون ويستفتون .. وحصل التواصل بينه وبينهم وهي نعمة لا تُقدَّر بثمن ولم تحصل إلا بفضل اللَّه، ثم بفضل الصدق، ونقاء الصفحة، وخلو السيرة من مساوئ الأعمال والأخلاق (١).\n_________\n(١) انظر: أصول الدعوة وطرقها للدكتور عبد الرب بن نوّاب، ٢/ ١٢٨.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث العاشر: القدوة الحسنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>أولًا: تعريف القدوة الحسنة:</span>\nالأُسوةُ: والإِسوةُ كالقِدوة، والقدوة: هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسنًا وإن قبحًا، وإن سارًّا وإن ضارًّا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١)، فوصفها بالحسنة (٢)، ويقال: فلان قُدوةٌ إذا كان يُقتدى به (٣).\nوالأسوة أو القدوة نوعان: أسوة حسنة، وأسوة سيئة: فالأُسوة الحسنة الأسوة بالرسول - ﷺ -، وأما الأسوة بغيره إذا خالفه فهي أسوة سيئة، كقول المشركين حين دعتهم الرسل للتأسي بهم ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (٤).\nوالمقصود من الأُسوة أو القدوة أن يكون الداعية المسلم قدوةً صالحة فيما يدعو إليه فلا يناقض قولُهُ فِعلَهُ، ولا فعله قوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>ثانيًا: أهمية القدوة الحسنة:</span>\nلا شك أن الداعية إلى اللَّه تعالى بحاجة شديدة جدًا إلى تطبيق ما يقول ويدعو إليه حتى يقتدي به الناس؛ ولهذا بيّن ابن القيم رحمه اللَّه تعالى هذه المسألة، وشدّد في عدم التزامها حيث\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٢) مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، ص٥٧٦، مادة (أسا).\n(٣) المعجم الوسيط، ٢/ ٧٢١، ومختار الصحاح، ص٢٢٠.\n(٤) سورة الزخرف، الآية:٢٢،وانظر: تفسير كلام المنان للعلامة عبد الرحمن السعدي، ٦/ ٢٠٨.","vol":"1","page":46},{"text":"قال: «علماء السوء جلسوا على أبواب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما يدعون إليه حقًا، كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاّء، وفي الحقيقة قطّاع طرق» (١).\nويمكن إجمال أهمية القدوة العملية في الأمور الآتية:\n\n١ - إن المثال الحي والقدوة الصالحة يثير في نفس البصير العاقل قدرًا كبيرًا من الاستحسان والإعجاب والتقدير والمحبة، فيميل إلى الخير، ويتطلّع إلى مراتب الكمال ويأخذ يحاول، ويعمل مثله حتى يحتل درجة الكمال والاستقامة.\n٢ - إن القدوة الحسنة المتحلِّية بالفضائل تُعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل والأعمال الصالحة من الأمور الممكنة التي هي في متناول القدرات الإنسانية، وشاهد الحال أقوى من شاهد المقال (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٣ - إن الأتباع والمدعوّين الذين يربّيهم ويدعوهم </span>الداعية ينظرون إليه نظرة دقيقة دون أن يعلم هو أنه تحت رقابة مجهرية، فرُبّ عمل يقوم به من المخالفات لا يلقي له بالًا يكون في نظرهم من الكبائر؛ لأنهم يعدُّونه قدوة لهم (٣)، وقد يراه الجاهل على عملٍ غير مشروع أو محرم فيظن أنه على حق، ولا شك أن الأمر خطير، والنجاة من ذلك أن يعمل الدعاة بالعلم، وليتقوا اللَّه تعالى.\n_________\n(١) الفوائد، ص١١٢.\n(٢) انظر: الأخلاق الإسلامية للميداني، ١/ ٢١٤، و٢١٥.\n(٣) انظر: المصفّى من صفات الدعاة لعبد الحميد البلالي، ١/ ٢١.","vol":"1","page":47},{"text":"٤ - إن مستويات الفهم للكلام عند الناس تتفاوت، ولكن الجميع يستوون أمام الرؤية بالعين المجردة، وذلك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد الداعية إيصالها للناس المقتدين به، ومما يدل على ذلك أن البخاري بوّب بابًا قال فيه: «باب الاقتداء بأفعال النبي - ﷺ -»، ثم ساق الحديث: «اتخذ النبي - ﷺ - خاتمًا من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب» فقال النبي - ﷺ -: «إني اتخذت خاتمًا من ذهب» فنبذه وقال: «إني لن ألبسه أبدًا»، فنبذ الناس خواتيمهم (١).\nقال ابن بطّال: «فدلّ ذلك على أن الفعل أبلغ من القول» (٢).\nولهذا أمثلة كثيرة؛ فإنه خلع خاتمه فخلعوا خواتيمهم في هذه القصة، ونزع نعله في الصلاة حينما أخبره جبريل أن فيهما أذىً فنزعوا، ولَمّا أمرهم عام الحديبية بالتحلّل وتأخّروا عن المبادرة رجاء أن يأذن لهم في القتال وأن ينصروا فيكملوا عمرتهم، قالت له أم سلمة: اخرج إليهم واذبح واحلق ففعل فتابعوه مسرعين (٣)، فدلّ ذلك كله على أهمية القدوة وعظيم مكانتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>٥ - إن النبي - ﷺ - قد حذّر الدعاة من المخالفة لِمَا يقولون</span>، فبيّن - ﷺ - في الحديث الشريف حال الدعاة الذين يأمرون الناس وينهونهم وينسون أنفسهم، قال: «أتيت ليلة أُسري بي على قومٍ تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلَّما قرضت وفت، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباءُ أمتكَ الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون\n_________\n(١) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بأفعال النبي - ﷺ -، برقم ٧٢٩٨.\n(٢) فتح الباري، ١٣/ ٢٧٥.\n(٣) انظر فتح الباري، ١٣/ ٢٧٥.","vol":"1","page":48},{"text":"كتاب اللَّه ولا يعملون به» (١).\nولا يقتصر الخطر على الداعية وعلى دينه، بل يتعدّى إلى كل من يدعوهم.\nوإن مما يذكر في هذا الشأن، أن انحراف الداعية وخروجه عن النهج الصحيح هو في الوقت نفسه سببٌ في انحراف كل من تأثر به أو سمع منه، وما ذلك إلا بسبب أن سلوك الداعية وتصرفاته كلها مرصودة من قبل الناس، وجميع أفعاله وأقواله موضوعة تحت المجهر.\nفليحتطِ الداعية لهذا الأمر المهم، ويراقب أفعاله وأقواله .. وليرِ اللَّه تعالى من نفسه خيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>٦ - إن جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم كانوا قُِدوةً حسنةً لأقوامهم</span>، وهذا يدل على عِظَم وأهمية القدوة الحسنة؛ ولهذا قال شعيب ﵊ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٧ - إن الناس كما ينظرون إلى الداعية في أعماله وتصرفاته ينظرون إلى أسرته وأهل بيته</span>، وإلى مدى تطبيقهم لِمَا يقول، وهذا يفيد ويبيّن أن الداعية كما يجب عليه أن يكون قدوة في نفسه يجب عليه أن يُقوِّم أهل بيته وأسرته، ويلزمهم بما يأمر به الناس، ويدعوهم إليه؛ ولهذه الأهمية\n_________\n(١) البيهقي في شعب الإيمان عن أنس - ﵁ -، ٢/ ٢٨٣، وأحمد، ٣٢/ ١٢٠، ٢٣١، ٢٣٩، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير، ٢/ ٩٦، برقم ١٢٨.\n(٢) سورة هود، الآية: ٨٨.","vol":"1","page":49},{"text":"كان عمر بن الخطاب - ﵁ - إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء، جمع أهله فقال: «إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم باللَّه لا أجد أحدًا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة» (١).\nولقد تنبه لخطورة هذا الأمر الفقيه أبو المنصور الدمياطي فأخذ يحذر القدوات قائلًا:\n\nأيها العالِم إياك الزلل ... واحذرِ الهفوةَ، فالخطبُ جلَلْ\nهفوة العالِم مستعظمة ... إن هفا أصبح في الخلق مَثَلْ\nوعلى زلَته عمدتهم ... فبها يحتجّ من أخطأ وزَلّْ\nلا تقلْ يستر علمي زلَّتي ... بلْ بها يحصل في العلم الخلَلْ\nإن تكن عندك مستحقرةً ... فهي عند الله والناس جَبَلْ\nفإذا الشمس بدت كاسفةً ... وجلُ الخلقُ لها كل الوَجَلْ\nوترامت نحوها أبصارُهم ... في انزعاجٍ واضطرابٍ وزجَلْ\nوسرى النقص لهم من نقصها ... فغدت مُظلمةً منها السُّبُلْ\nوكذا العالِم في زلَّته ... يفتن العالم طُرًّا ويضِلّْ\nيُقتدى منه بما فيه هفا ... لا بما استعصم فيه واستَقَلّْ\nفهو ملحُ الأرض ما يصلحه ... إن بدا فيه فسادٌ وخَلَلْ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>ثالثًا: وجوب القدوة الحسنة:</span>\nمن الأخلاق والأوصاف التي ينبغي، بل يجب أن يكون عليها\n_________\n(١) تاريخ الأمم والملوك للطبري، ٢/ ٦٨، والكامل في التاريخ لابن الأثير، ٣/ ٣١.\n(٢) المدخل، لابن الحاج، ١/ ١٠٧، ١٠٨، وانظر: المصفّى من صفات الدعاة لعبد الحميد البلالي، ١/ ٢١.","vol":"1","page":50},{"text":"الداعية، العمل بدعوته، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عنه ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين نعوذ باللَّه من ذلك، أما المؤمنون الرابحون فهم دعاةالحق يعملون به وينشطون فيه، ويسارعون إليه، ويبتعدون عما ينهون عنه، قال اللَّه - جل وعلا -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).\nهذه الآية العظيمة تُبيِّن لنا أن الداعي إلى اللَّه - ﷿ - ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى اللَّه بلسانه، ويدعو إلى اللَّه بأفعاله أيضًا؛ ولهذا قال بعده: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، فالداعي إلى اللَّه - ﷿ - يكون داعية باللسان، وداعية بالعمل، ولا أحسن قولًا من هذا الصنف من الناس، هم الدعاة إلى اللَّه بأقوالهم الطيبة، وهم يوجِّهون الناس بالأقوال والأعمال فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم (٣).\nوهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام، دعاة إلى اللَّه بالأقوال والأعمال، والسيرة وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال، ولا سيما العامّة وأرباب العلوم القاصرة؛ فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها، فالداعي إلى اللَّه - ﷿ - من أهمّ المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة، وذا عمل صالح، وذا خلق\n_________\n(١) سورة الصف، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٣.\n(٣) فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ١/ ٣٥٠.","vol":"1","page":51},{"text":"فاضل حتى يُقتدى بأفعاله وأقواله (١).\nولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ\nصَالِحًا﴾، الآية. وهذه الآية الكريمة تفيد أن الدعاة إلى اللَّه - ﷿ - هم أحسن الناس قولًا إذا حققوا قولهم بالعمل الصالح، والتزموا الإسلام عن إيمان ومحبة وفرح بهذه النعمة العظيمة، وبذلك يتأثّر الناس بدعوتهم، وينتفعون بها ويحبونهم عليها، بخلاف الدعاة الذين يقولون ما لا يفعلون، فإنهم لا حظّ لهم من هذا الثناء العاطر، ولا أثر لدعوتهم في المجتمع، إنما نصيبهم في هذه الدعوة المقت من اللَّه - سبحانه - والسب من الناس، والإعراض عنهم والتنفير من دعوتهم.\nقال اللَّه - ﷿ - موبِّخًا اليهود: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (٢)، فأرشد - سبحانه - في هذه الآية إلى أن مخالفة الداعي لِمَا يقول أمر يخالف العقل، كما أنه يخالف الشرع، فكيف يرضى بذلك من له دين أو عقل (٣).\nوصحّ عن النبي، - ﷺ - أنه قال: «يُؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار بالرّحى، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» (٤).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ٣/ ١١٠.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٤.\n(٣) انظر: فتاوى ابن باز، ٢/ ٣٤٣.\n(٤) متفق عليه من حديث أسامة بن زيد: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، برقم ٣٢٦٧، ومسلم، كتاب الزهد، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله، برقم ٢٩٨٩.","vol":"1","page":52},{"text":"هذه حال من دعا إلى اللَّه وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم خالف قوله فعله وفعله قوله، نعوذ باللَّه من ذلك، فمن أهمّ الأخلاق ومن أعظمها في حق الداعية، أن يعمل بما يدعو إليه، وأن ينتهي عما ينهى عنه، وأن يكون ذا خلق فاضل، وسيرة حميدة، وصبر ومصابرة، وإخلاص في دعوته (١).\nفأنت يا عبد اللَّه في أشدّ الحاجة إلى تقوى ربك ولزومها والاستقامة عليها ولو جرى من الامتحان، ولو أصابك من الأذى أو الاستهزاء من أعداء اللَّه، أو من الفسقة والمجرمين فلا تبالِ، واذكر الرسل عليهم الصلاة والسلام، واذكر أتباعهم بإحسان، فقد أوذوا واستهزئ بهم وسخر بهم، ولكنهم صبروا فكانت لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة (٢).\nوالمؤمن الداعي إلى اللَّه قويّ الإيمان، البصير بأمر اللَّه يصرِّح بحق اللَّه، وينشط في الدعوة إلى اللَّه، ويعمل بما يدعو إليه، ويحذر ما ينهى عنه، فيكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه، ومن أبعد الناس عن كل ما ينهى عنه، ومع ذلك يصرّح بأنه مسلم، وبأنه يدعو إلى الإسلام، ويغتبط بذلك ويفرح به كما قال - ﷿ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣)، فالفرح برحمة اللَّه فرح الاغتباط، فرح السرور، أمر مشروع (٤).\n_________\n(١) انظر: فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ١/ ٣٥١.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٢٩٠.\n(٣) سورة يونس، الآية: ٥٨.\n(٤) انظر: فتاوى ابن باز، ١/ ٣٣٨.","vol":"1","page":53},{"text":"وينبغي للدعاة إلى اللَّه تعالى: أن يُعنوا عناية تامة بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرًا وتعقلًا، وعملًا بالسنة المطهرة؛ لأنها الأصل الثاني، ولأنها المفسِّرة لكتاب اللَّه، كما قال اللَّه - ﷿ -: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).\nوالعلم هو ما قاله اللَّه في كتابه الكريم، أو قاله الرسول - ﷺ - في سنته الصحيحة، وذلك بأن يعتني الداعية بالقرآن الكريم والسنة المطهرة؛ ليعرف ما أمر اللَّه به وما نهى اللَّه عنه، ويعرف طريقة الرسول - ﷺ - في دعوته إلى اللَّه وإنكاره المنكر وطريقة أصحابه - ﵃ - (٣).\nفجدير بأهل العلم من الدعاة والمدرسين والطلبة، جدير بهم أن يعنوا بكتاب اللَّه - ﷿ - حتى يستقيموا عليه، وحتى يكون لهم خلقًا ومنهجًا يسيرون عليه أينما كانوا، يقول - ﷿ -: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٤)، فهو الهادي إلى الطريقة التي هي أقوم الطرق وأهدى السبل، وهل هناك هدف للمؤمن أعظم من أن يكون على أهدى السبل وأقومها.\nفعلى جميع أهل العلم وطلبته أن يُعنوا بهذا الخُلُق، وأن يُقبلوا على كتاب اللَّه قراءةً، وتدبُّرًا، وتعقّلًا، وعملًا، يقول - ﷾ -: ﴿كِتَابٌ\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٤٤.\n(٢) سورة النحل، الآية: ٦٤.\n(٣) انظر: فتاوى ابن باز، ٤/ ١٧١، ٢٣٢.\n(٤) سورة الإسراء، الآية: ٩.","vol":"1","page":54},{"text":"أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (١).\nأصحاب العقول الصحيحة الذين وهبهم اللَّه التمييز بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، ومن أراد هذا الخلق العظيم فعليه بالإقبال على كتاب اللَّه - ﷿ - والعناية به: تلاوةً، وتدبرًا، وتعقلًا، ومذاكرة بينه وبين زملائه، وسؤالًا لأهل العلم عمَّا أشكل عليه من الاستفادة من كتب التفسير المعتمدة، ومع العناية بالسنة النبوية؛ لأنها تفسر القرآن وتدل عليه، حتى يسير على هذا النهج القويم، وحتى يكون من أهل كتاب اللَّه قراءة وتدبرًا وعملًا (٢).\n_________\n(١) سورة ص، الآية: ٢٩.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ٤/ ٧٩، ٨٠.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث الحادي عشر: العلم النافع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>أولًا: أهمية العلم النافع:</span>\nالعلم أعظم الأخلاق الحميدة، وهو من أركان الحكمة، ولهذا أمر اللَّه به، وأوجبه قبل القول والعمل، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (١).\nوقد بوَّب الإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى لهذه الآية بقوله: «بابٌ: العلم قبل القول والعمل» (٢).\nوذلك أن اللَّه أمر نبيه بأمرين: بالعلم، ثم العمل، والمبدوء به العلم في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾، ثم أعقبه بالعمل في قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾، فدلّ ذلك على أن مرتبة العلم مُقدَّمة على مرتبة العمل، وأن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو مقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل (٣).\nوالعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول - ﷺ -، وقد يكون علم من غير الرسول - ﷺ -، لكن في أمور دنيوية، مثل: الطب، والحساب، والفلاحة، والتجارة (٤).\nولا يكون الداعية إلى اللَّه مستقيمًا حكيمًا إلا بالعلم الشرعي، وإن\n_________\n(١) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(٢) البخاري، كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل، قبل الحديث رقم ٦٨.\n(٣) انظر: فتح الباري، ١/ ١٦٠، وحاشية ثلاثة الأصول لمحمد بن عبد الوهاب، جمع عبد الرحمن بن قاسم الحنبلي، ص١٥.\n(٤) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٣/ ١٣٦، ٦/ ٣٨٨.","vol":"1","page":56},{"text":"لم يصحب الداعية من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه، فسلوكه على غير طريق، وهو مقطوع عليه طريق الوصول، ومسدود عليه سبيل الهدى والفلاح، وهذا إجماع من العارفين.\nولاشك أنه لا ينهى عن العلم إلا قُطَّاع الطريق، ونوّاب إبليس وَشُرَطه (١). وقد مدح اللَّه - ﷿ - أهل العلم وبيَّن فضلهم، وأثنى عليهم، قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢)،\n﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾ (٣)، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤)، وبيَّن سبحانه أن العلم نور لحامله والعامل به في الدنيا والآخرة: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٥)، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٦)؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين» (٧).\nوقال: «مثل ما بعثني اللَّه به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين للإمام ابن القيم، ٢/ ٤٦٤.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٣) سورة المجادلة، الآية: ١١.\n(٤) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.\n(٦) سورة الشورى، الآية: ٥٢.\n(٧) البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، برقم ٧١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، برقم ١٠٣٧.","vol":"1","page":57},{"text":"أرضًا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكان منها أجادِبُ أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان: لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً فذلك مثل من فَقُهَ في دين اللَّه ونفعه ما بعثني اللَّه به فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هُدى اللَّه الذي أُرسلت به» (١).\nوهذا يدل على أهمية العلم للدعاة إلى اللَّه تعالى، وأنه من أهم المهمات، وأعظم الواجبات؛ ليدعوا الناس على بصيرة.\nفيجب أن يكون الداعية على بيّنة في دعوته؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، والعلم الصحيح مرتكز على كتاب اللَّه وسنة رسوله - ﷺ -؛ لأن كلّ علم يُتلقَّى من غيرهما يجب أن يعرض عليهما، فإن وافق ما فيهما قُبل، وإن كان مخالفًا وجب ردّه على قائله كائنًا من كان (٣).\nوهذا معنى كلام الشافعي ﵀:\n\nكل العلوم سوى القرآن مشغلةٌ ... إلاّ الحديث وعلم الفقه في الدين\nالعلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين (٤)\n\nومقصوده - ﵀ - بوسواس الشياطين العلوم التي تخالف\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب فضل من علم وعلّم، برقم ٧٩، ومسلم، كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي - ﷺ - من الهدى والعلم، برقم ٢٢٨٣.\n(٢) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٣) انظر: زاد الداعية إلى الله للعلامة ابن عثيمين، ص٦.\n(٤) انظر: ديوان الشافعي، ص١٢٤، والبداية والنهاية لابن كثير، ١٠/ ١٢٤.","vol":"1","page":58},{"text":"الكتاب والسنة، أو التي ليس فيها نفع للمسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>ثانيًا: أقسام العلم:</span>\nوقد قسّم الإمام ابن تيمية ﵀ العلم النافع - الذي هو أحد دعائم الحكمة وأسسها - إلى ثلاثة أقسام، فقال ﵀: «والعلم الممدوح الذي دلّ عليه الكتاب والسنة هو العلم الذي ورّثه الأنبياء» كما قال النبي - ﷺ -: «إن الأنبياء لم يورّثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ» (١).\nوهذا العلم ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>القسم الأول: علم باللَّه، وأسمائه، وصفاته</span>، وما يتبع ذلك، وفي مثله أنزل اللَّه سورة الإخلاص، وآية الكرسي ونحوهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>القسم الثاني: علم بما أخبر اللَّه به </span>مما كان من الأمور الماضية، وما يكون من الأمور المستقبلة، وما هو كائن من الأمور الحاضرة، وفي مثل هذا أنزل اللَّه آيات القصص، والوعد، والوعيد، وصفة الجنة والنار، ونحو ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>القسم الثالث: العلم بما أمر اللَّه به </span>من العلوم المتعلقة بالقلوب والجوارح من الإيمان باللَّه من معارف القلوب وأحوالها، وأقوال الجوارح وأعمالها، وهذا يندرج فيه: العلم بأصول الإيمان وقواعد الإسلام، ويندرج فيه العلم بالأقوال والأفعال الظاهرة، ويندرج فيه\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، برقم ٣٦٤١، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، برقم ٢٦٨٢، وابن ماجه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، برقم ٢٢٣، وانظر: صحيح ابن ماجه للألباني، ١/ ٤٣.","vol":"1","page":59},{"text":"ما وُجد في كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة؛ فإن ذلك جزءٌ من جزءٍ من علم الدين.\nوقد أشار الإمام ابن القيم ﵀ إلى هذه الأقسام بقوله:\n\nالعلم أقسام ثلاثة ما لها ... من رابع والحقّ ذو تبيان\nعِلمٌ بأوصاف الإله وفعله ... وكذلك الأسماء للرحمن\nوالأمر والنهي الذي هو دينه ... وجزاؤه يوم المعاد الثاني\n\nوالناس إنما يغلطون في هذه المسائل؛ لأنهم لا يفهمون مسميات الأسماء الواردة في الكتاب والسنة، ولا يعرفون حقائق الأمور الموجودة، فرُبَّ رجل يحفظ حروف العلم التي أعظمها حفظ حروف القرآن، ولا يكون له من الفهم، بل ولا من الإيمان ما يتميز به على من أُوتي القرآن، ولم يؤت حفظ حروف العلم، كما قال النبي - ﷺ -: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُترُجّة، ريحها طيبّ، وطعمها طيّب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيّب، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح، وطعمها مرّ» (١).\nفقد يكون الرجل حافظًا لحروف القرآن وسوره، ولا يكون مؤمنًا، بل يكون منافقًا، فالمؤمن الذي لا يحفظ حروفه وسوره خير منه، وإن كان ذلك المنافق ينتفع به الغير كما يُنتفع بالريحان، وأما\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام، برقم ٥١١١، ومسلم في صلاة المسافرين، باب فضيلة حافظ القرآن، برقم ٥١١١.","vol":"1","page":60},{"text":"الذي أُوتي العلم والإيمان، فهو مؤمنٌ حكيمٌ وعليمٌ، فهو أفضل من المؤمن الذي ليس مثله في العلم مثل اشتراكهما في الإيمان، فهذا أصل تجب معرفته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>ثالثًا: العمل بالعلم:</span>\nوالعلم لابدّ فيه من إقرار القلب، ومعرفته بمعنى ما طلب منه علمه، وتمامه أن يعمل بمقتضاه؛ فإن العلم النافع - الذي هو أعظم أركان الحكمة التي من أُوتيها فقد أُوتيَ خيرًا كثيرًا - هو ما كان مقرونًا بالعمل، أما العلم بلا عمل، فهو حجة على صاحبه يوم القيامة؛ ولهذا حذَّر اللَّه المؤمنين من أن يقولوا ما لا يفعلون، رحمةً بهم، وفضلًا منه وإحسانًا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢).\nوحذّرهم عن كتمان العلم، وأمرهم بتبليغه للبشرية على حسب الطاقة والجهد، وعلى حسب العلم الذي أعطاهم اللَّه - ﷿ - لا يُكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ (٣).\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١١/ ٣٩٦، ٣٩٧ بتصرف، والفتاوى أيضًا ٧/ ٢١ - ٢٥، وقال ابن تيمية ﵀: «العلوم خمسة: فعلم هو حياة الدين، وهو علم التوحيد، وعلم هو غذاء الدين، وهو علم التذكر بمعاني القرآن والحديث، وعلم هو دواء الدين، وهو علم الفتوى إذا نزل بالعبد نازلة احتاج إلى من يشفيه منها كما قال ابن مسعود، وعلم هو داء الدين، وهو الكلام المحدث، وعلم هو هلاك الدين، وهو علم السحر ونحوه». انظر: فتاوى ابن تيمية، ١٠/ ١٤٥.\n(٢) سورة الصف، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":61},{"text":"وهذه الآية، وإن كانت نازلة في أهل الكتاب وما كتموه من شأن الرسول - ﷺ - وصفاته، فإن حكمها عام لكل من اتّصف بكتمان ما أنزل اللَّه من البيّنات الدّالات على الحق، المُظهرات له، والعلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبيّن به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم، ومن نبذ ذلك وجمع بين المفسدتين: كَتْم ما أنزل اللَّه، والغش لعباد اللَّه، لعنه اللَّه، ولعنه جميع الخليقة؛ لسعيه في غشّ الخلق وفساد أديانهم، وإبعادهم عن رحمة اللَّه، فجُوزيَ من جنس عمله، كما أن معلّم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء؛ لسعيه في مصلحة الخلق، وإصلاح أديانهم؛ ولأنه قربهم من رحمة اللَّه، فَجُوزيَ من جنس عمله (١).\nوقد بين النبي - ﷺ - أن «من سُئِل عن علمٍ يَعْلَمُهُ فَكتَمَهُ أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نار» (٢).\nفتبيّن بذلك وغيره أن العلم النافع الذي هو أحد أركان الحكمة لا يكون إلا مع العمل به؛ ولهذا قال سفيان (٣) في العمل بالعلم والحرص عليه: «أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من\n_________\n(١) انظر: تفسير عبد الرحمن بن ناصر السعدي،١/ ١٨٦،وتفسير البغوي،١/ ١٣٤،وابن كثير، ١/ ٢٠٠.\n(٢) الترمذي، في العلم، باب ما جاء في كتمان العلم، برقم ٢٦٤٩، وأبو داود في العلم، باب كراهية منع العلم، برقم ٣٦٥٨، وابن ماجه في المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه، برقم ٢٦٦، وأحمد، ٢/ ٢٦٣، ٣٠٥، وانظر: صحيح ابن ماجه للألباني، ١/ ٤٩، وصحيح الترمذي، ٢/ ٣٣٦.\n(٣) سفيان بن عيينة بن أبي عمران، الإمام الكبير شيخ الإسلام، ولد سنة ١٠٧هـ، في النصف من شعبان، وعاش (٩١) سنة. انظر: سير أعلام النبلاء، ٨/ ٤٥٤ - ٤٧٤.","vol":"1","page":62},{"text":"عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم للَّه» (١).\nوقال ﵀: «يُرادُ للعلم: الحفظ، والعمل، والاستماع، والإنصات، والنشر» (٢).\nوقال الصحابي الجليل عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: «تعلّموا، تعلّموا، فإذا علمتم فاعملوا» (٣).\nوقال - ﵁ -: «إن الناس أحسنوا القول كلهم، فمن وافق فعله قوله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبّخ نفسه» (٤).\nوقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حلقًا فيباهي بعضهم بعضًا، حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى اللَّه - ﷿ -» (٥).\nوقال أبو الدرداء - ﵁ -: «لا تكون تقيًّا حتى تكون عالمًا، ولا تكون بالعلم جميلًا حتى تكون به عاملًا» (٦).\nولهذا قال الشاعر:\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في سننه، في المقدمة، باب فضل العلم والعالم، ١/ ٨١.\n(٢) المصدر السابق، ١/ ٨١.\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ١/ ١٩٥.\n(٤) المرجع السابق، ٢/ ٦.\n(٥) جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٧.\n(٦) المرجع السابق، ٢/ ٧.","vol":"1","page":63},{"text":"إذا العلم لم تعمل به كان حجةً ... عليك ولم تُعذر بما أنت جاهلُه\nفإن كنت قد أُوتيت علمًا فإنما ... يصدق قولَ المرء ما هو فاعلُه (١)\n\nوبهذا يتضح أن العلم لا يكون من دعائم الحكمة إلا باقترانه بالعمل. وقد كان علم السلف الصالح - وعلى رأسهم أصحاب النبي - ﷺ - مقرونًا بالعمل؛ ولهذا كانت أقوالهم، وأفعالهم وسائر تصرفاتهم تزخر بالحكمة؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللَّه مالًا فسُلِّط على هلكته في الحق، ورجل آتاه اللَّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها» (٢).\nوقد دعا النبي - ﷺ - لعبد اللَّه بن عباس ﵄ بالحكمة، والفقه في الدين، فقال - ﷺ -: «اللَّهم علمه الحكمة»، وفي لفظ: «اللَّهم علمه الكتاب»، وفي لفظ: «اللَّهم فقهه في الدين» (٣).\nفكان ﵄ حَبْرًا للأمة في علم الكتاب والسنة والعمل بما فيهما استجابة لدعوة النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>رابعًا: طرق تحصيل العلم:</span>\nوالعلم النافع له أسباب يُنال بها، وطرق تُسلك في تحصيله وحفظه، من أهمها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>١ - أن يسألَ العبد ربّه العلمَ النافع</span>، ويستعين به تعالى، ويفتقر\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٧.\n(٢) البخاري، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة، برقم ١٣٤٣، ومسلم، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها، برقم ٨١٦.\n(٣) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر ابن عباس ﵄، برقم ٣٥٤٦، ٦٨٤٢، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل ابن عباس ﵄، برقم ٢٤٧٧.","vol":"1","page":64},{"text":"إليه، وقد أمر اللَّه نبيه - ﷺ - بسؤاله أن يزيده علمًا إلى علمه (١)، فقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٢)، وقد كان النبي - ﷺ - يقول: «اللَّهم انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزدني علمًا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٢ - الاجتهاد في طلب العلم</span>، والشوق إليه، والرغبة الصادقة في ابتغاء مرضاة اللَّه تعالى، وبذل جميع الأسباب في طلب علم الكتاب والسنة (٤).\nوقد جاء رجل إلى أبي هريرة - ﵁ - فقال: إني أريد أن أتعلّم العلم وأخاف أن أُضيِّعه، فقال أبو هريرة - ﵁ -: «كفى بتركك له تضييعًا» (٥).\nولهذا قال بعض الحكماء عندما سُئلَ: ما السبب الذي يُنال به العلم؟ قال: بالحرص عليه يُتبع، وبالحب له يُستمع، وبالفراغ له يجتمع، [عَلِّم علمك من يجهل، وتعلّم ممن يعلم، فإنك إن فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما تعلّمت] (٦).\nولهذا قال الإمام الشافعي ﵀:\n\nأخي لن تنال العلم إلا بستةٍ ... سأنبئك عن تفصيلها ببيان\nذكاءٌ، وحرصٌ، واجتهادٌ، وبُلغةٌ ... وصحبةُ أستاذٍ وطول زمان (٧)\n_________\n(١) انظر: تفسير الإمام البغوي، ٣/ ٢٣٣، وتفسير العلامة السعدي، ٥/ ١٩٤.\n(٢) سورة طه، الآية: ١١٤.\n(٣) الترمذي، في الدعوات، باب في العفو والعافية، برقم ٣٥٩٩، وابن ماجه في العلم، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، برقم ٣٨٣٣، وانظر: صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٧.\n(٤) انظر: تفسير السعدي، ٥/ ١٩٤.\n(٥) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ١/ ١٠٤.\n(٦) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ١/ ١٠٢، ١٠٣.\n(٧) ديوان الشافعي، ص١١٦.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>٣ - اجتناب جميع المعاصي </span>بتقوى اللَّه تعالى؛ فإن ذلك من أعظم الوسائل إلى حصول العلم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ (٢).\nوهذا واضح بيِّن أنَّ من اتقى اللَّه جعل له علمًا يُفَرِّقُ به بين الحق والباطل (٣)؛ ولهذا قال عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: «إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد عَلِمَه بالذنب يعمله» (٤).\nوقال عمر بن عبد العزيز - ﵀ -: «خمسٌ إذا أخطأ القاضي منهن خطة (٥) كانت فيه وصمةً (٦) أن يكون: فَهِمًا، حليمًا، عفيفًا، صليبًا (٧)، عالمًا سؤولًا عن العلم» (٨).\nوقال الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى:\n\nشَكوتُ إلى وكيعٍ (٩) سوء حفظي\nوأخبرني بأن علم اللَّه نور ... ونور اللَّه لا يُهدى لعاصي (١٠)\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٢٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٣٣٨، وتفسير السعدي، ١/ ٣٤٩.\n(٤) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ١/ ١٩٦.\n(٥) خطة: أي خصلة. انظر: فتح الباري، ١٣/ ١٤٦.\n(٦) وصمة: عيبًا. انظر: فتح الباري، ١٣/ ١٤٦.\n(٧) قويًا شديدًا، يقف عند الحق ولا يميل مع الهوى. انظر: فتح الباري، ١٣/ ١٤٦.\n(٨) البخاري مع الفتح، كتاب الأحكام، باب متى يستوجب الرجل القضاء، ١٣/ ١٤٦.\n(٩) وكيع بن الجراح بن مليح، الإمام، الحافظ، محدث العراق، ولد سنة ١٢٩هـ، ومات سنة ... فأرشدني إلى ترك المعاصي\n١٩٦هـ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٩/ ١٤٠، وتهذيب التهذيب، ١١/ ١٠٩.\n(١٠) ديوان الشافعي، ص٨٨،وانظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم، ص١٠٤.","vol":"1","page":66},{"text":"وقال الإمام مالك للإمام الشافعي رحمهما اللَّه تعالى: «إني أرى اللَّه قد جعل في قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٤ - عدم الكبر والحياء عن طلب العلم</span>، ولهذا قالت عائشة ﵂: «نِعْمَ النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» (٢).\nوقالت أم سُليم ﵂: يا رسول اللَّه، إن اللَّه لا يسْتَحْيي من الحق، فهل على المرأة من غُسلٍ إذا احتلمت؟ قال النبي - ﷺ -: «إذا رأت الماء» (٣).\nوقال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٥ - الإخلاص في طلب العلم والعمل به</span>، بل أعظمها ولُبُّها، قال النبي - ﷺ -: «من تعلّم علمًا ممّا يُبتغى به وجه اللَّه - ﷿ -، لا يتعلّمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة» (٥) يعني ريحها.\nفيظهر مما تقدم أن العلم لا بدَّ فيه من العمل والإخلاص والمتابعة.\n_________\n(١) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص ١٠٤.\n(٢) البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، قبل الحديث رقم ١٣٠.\n(٣) متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، برقم ١٣٠، وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم، برقم ٣٣٢.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، قبل الحديث رقم ١٣٠.\n(٥) أبو داود بلفظه في العلم، باب في طلب العلم لغير الله، برقم ٢٨٨٥، وابن ماجه في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم، برقم ٥٤، وانظر: صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٨.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المبحث الثاني عشر: الحكمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>أولًا: تعريف الحكمة لغة وشرعًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>تعريف الحكمة في اللغة:</span>\nجاءت كلمة الحكمة في اللغة بعدة معان، منها:\n١ - تستعمل بمعنى: العدل، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل.\nوأحكم الأمر: أتقنه فاستحكم ومنعه عن الفساد (١).\n٢ - والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويُقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويُتقنها: حكيم (٢).\n٣ - والحكيم: المتقن للأمور، يقال للرجل إذا كان حكيمًا: قد أحكمته التجارب (٣).\n٤ - والحَكَمُ والحكيم هما بمعنى: الحاكم، والقاضي، والحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يُحكِمُ الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى: مفعل (٤).\n_________\n(١) القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، المتوفى سنة ٨١٧هـ، باب الميم، فصل الحاء، ص١٤١٥، وانظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء، ١٢/ ١٤٣، ومختار الصحاح، مادة: حكم، ص٦٢.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الكاف، مادة حكم، ١/ ١١٩، وانظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء، ١٢/ ١٤٠، والمعجم الوسيط، مادة: حكم، ١/ ١٩٠.\n(٣) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء، ١٢/ ١٤٣، ومختار الصحاح، مادة: حكم، ص ٦٢.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الكاف، مادة: حكم، ١/ ٤١٩.","vol":"1","page":68},{"text":"٥ - والحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل (١).\n٦ - والحكيم: المانع من الفساد، ومنه سُمِّيت حَكَمة اللجام؛ لأنها تمنع الفرَس من الجري والذهاب في غير قصد، والسورة المحكمة، الممنوعة من التغيير وكل التبديل، وأن يلحق بها ما يخرج عنها، ويزدد عليها ما ليس منها.\nوالحكمة من هذا؛ لأنها تمنع صاحبها من الجهل، ويقال: أحكم الشيء، إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد، فهو محكم وحكيم على التكثير (٢).\n٧ - والحَكَمَةُ: ما أحاط بحنكي الفرَس، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تمنعه من الجري الشديد، وتذلل الدابة لراكبها، حتى تمنعها من الجماح، ومن كثير من الجهل، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل (٣).\n٨ - والحُكْمُ: هو المنع من الظلم، وسمّيت حكمة الدابة، لأنها تمنعها، يقال: حكمت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يديه، والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل، وتقول: حكمت فلانًا تحكيمًا: منعته عما يريد (٤).\nومما تقدّم يتّضح ويتبيّن أن الحكمة يظهر فيها معنى المنع، فقد استعملت في عدة معانٍ تتضمن معنى المنع:\n_________\n(١) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، كتاب الحاء، مادة: حكم، ص١٢٧.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١/ ٢٨٨ بتصرف يسير.\n(٣) انظر: المصباح المنير، لأحمد بن محمد الفيومي، المتوفى سنة ٧٧٠هـ، مادة: الحكم،\n١/ ١٤٥، وتاج العروس، ٨/ ٢٥٣.\n(٤) مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس، ٢/ ٩١، باب الحاء والكاف، مادة: حكم.","vol":"1","page":69},{"text":"فالعدل: يمنع صاحبه من الوقوع في الظلم.\nوالحِلْمُ: يمنع صاحبه من الوقوع في الغضب.\nوالعلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الجهل.\nوالنُّبُوّة، والقرآن، والإنجيل: فالنبي - ﷺ - إنما بُعِثَ لمنع من بعث إليهم من عبادة غير اللَّه، ومن الوقوع في المعاصي والآثام، والقرآن والإنجيل وجميع الكتب السماوية أنزلها اللَّه تتضمن ما يمنع الناس من الوقوع في الشرك وكل منكر وقبيح.\nومن فسّر الحكمة بالمعرفة فهو مبني على أن المعرفة الصحيحة فيها معنى المنع، والتحديد، والفصل بين الأشياء، وكذلك الإتقان، فيه منع للشيء المتقن من تطرق الخلل والفساد إليه، وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه؛ ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه لا جميع معناه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>تعريف الحكمة في الاصطلاح الشرعي</span>\nذكر العلماء مفهوم الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية، واختلفوا على أقوال كثيرة، فقيل: الحكمة: النبوة، وقيل: القرآن والفقه به: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخّره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. وقيل: الإصابة في القول والفعل، وقيل: معرفة الحق والعمل به، وقيل: العلم النافع، والعمل الصالح، وقيل: الخشية للَّه، وقيل: السنة، وقيل: الورع في دين اللَّه، وقيل: العلم\n_________\n(١) مجموعة الرسائل الكبرى، لابن تيمية، ٢/ ٧.","vol":"1","page":70},{"text":"والعمل به، ولا يُسمَّى الرجل حكيمًا إلا إذا جمع بينهما، وقيل: وضع كل شيء في موضعه [بإحكامٍ، وإتقانٍ]، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة (١).\nفجميع الأقوال تدخل في هذا التعريف؛ لأن الحكمة مأخوذة من الحكم وفصل القضاء الذي هو بمعنى الفصل بين الحق والباطل، يقال: إن فلانًا لحكيم بيِّن الحكمة، يعني: أنه لبيّن الإصابة في القول والفعل، فجميع التعاريف داخلة في هذا القول؛ لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها، وعلم، ومعرفة، والمصيب عن فهم منه بمواضع الصواب يكون في جميع أموره: فهِمًا، خاشيًا للَّه، فقيهًا، عالمًا، عاملًا بعلمه، ورعًا في دينه ... والحكمة أعمّ من النبوة، والنبوة بعض معانيها وأعلى أقسامها؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مُسدَّدون، مُفهَّمون، ومُوفَّقون لإصابة الصواب في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، وفي جميع الأمور (٢).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-104>الحكمة في كتاب اللَّه نوعان </span>(٣): مفردة، ومقرونة بالكتاب.\nفالمفردة كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٥). وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ\n_________\n(١) انظر: التعريف بالتفصيل في الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى للمؤلف، ص٢٦ - ٣١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري، ١/ ٤٣٦، ٣/ ٦١.\n(٣) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٤٧٨، والتفسير القيم لابن القيم، ص٢٢٧.\n(٤) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.","vol":"1","page":71},{"text":"لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١).\nوهذه الحكمة فُسِّرت بما تقدم من أقوال العلماء في تعريف الحكمة وهذا النوع كثير في كتاب اللَّه تعالى.\nوقد ذكر بعضهم تسعة وعشرين قولًا في تعريف الحكمة (٢).\n«وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب اللَّه حكمة، وسنة نبيه - ﷺ - حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل فهو حكمة، وأصل الحكمة ما يمتنع به من السَّفَه، فقيل للعلم حكمة؛ لأنه يمتنع به من السفه، وبه يعلم الامتناع من السفه الذي هو كلُّ فعلٍ قبيح ...» (٣).\nوعند التأمل والنظر نجد أن التعريف الشامل الذي يجمع ويضمّ جميع هذا الأقوال في تعريف الحكمة هو: «الإصابة في الأقوال والأفعال، والإرادات، والاعتقاد، ووضع كل شيء في موضعه».\nأما الحكمة المقرونة بالكتاب، فهي السنة من: أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله، وتقريراته، وسيرته، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤).\nوقوله - ﷿ -: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ\n_________\n(١) سورة لقمان، الآية: ١٢.\n(٢) انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان، ٢/ ٣٢٠.\n(٣) انظر: شرح النووي على مسلم، ٢/ ٣٣.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٢٩.","vol":"1","page":72},{"text":"وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).\nقال اللَّه - ﷿ - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (٣)، وغير ذلك من الآيات.\nوممن فسر الحكمة المقرونة بالكتاب بالسنة: الإمام الشافعي، والإمام ابن القيم، وغيرهما من الأئمة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>ثانيًا: أهمية الحكمة:</span>\n١ - قد بيّن القرآن الكريم طرق الدعوة إلى اللَّه تعالى، ويأتي في مقدمة هذه الطرق: الحكمة في الدعوة إلى اللَّه - ﷿ -، وقد أمر اللَّه تعالى نبيه محمدًا - ﷺ - بالدعوة إلى اللَّه تعالى بالحكمة، فقال: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>٢ - من تتبّع سيرة النبي - ﷺ - وجد أنه كان يلازم الحكمة في جميع أموره</span>، وخاصة في دعوته إلى اللَّه - ﷿ -، فأقبل الناس ودخلوا في دين\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣١.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.\n(٣) سورة الجمعة، الآية: ٢.\n(٤) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٤٧٨، والتفسير القيم، ص٢٢٧.\n(٥) سورة النحل، الآية: ١٢٥.","vol":"1","page":73},{"text":"اللَّه أفواجًا بفضل اللَّه تعالى، ثم بفضل هذا النبي الحكيم - ﷺ - الذي ملأ اللَّه قلبه بالإيمان والحكمة، فعن أنس - ﵁ - قال: كان أبو ذر يُحدّث أنَّ رسول اللَّه - ﷺ - قال: «فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل فَفرجَ صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست (١) من ذهب ممتلئٍ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي ..» الحديث (٢).\nوهذا يُثبِتُ أن الحكمة من أعظم الأمور الأساسية في منهج الدعوة إلى اللَّه تعالى، حيث امتلأ بها صدر رسول اللَّه - ﷺ - وهو صاحب الدعوة، مع الإيمان، وهو قضية الدعوة في لحظة واحدة، كما يؤكّد قيمة وأهمية الحكمة من خلال مجيئها يحملها جبريل وهو روح القدس، في طست من ذهب، وهو أغلى المعادن، في مكة المكرمة، وهي البقعة المباركة؛ ليمتلئ بها صدر محمد رسول اللَّه - ﷺ - وهو خير الخلق، بعد غسله بماء زمزم وهو أطهر الماء وأفضله.\nكل هذا يؤكد أن الحكمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى أمرها عظيم، وشأنها كبير، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣).\n_________\n(١) إناء كبير مستدير. انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١/ ٤٦٠، والمعجم الوسيط، مادة: (الطّسْت)، ٢/ ٥٥٧.\n(٢) البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء، برقم ٣١٦٤، ومسلم، واللفظ له، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، برقم ١٦٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.","vol":"1","page":74},{"text":"ثم سار أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - على طريقه وهديه في الدعوة إلى اللَّه بالحكمة، فانتشر الإسلام في عهدهم - ﵃ - انتشارًا عظيمًا، ودخل في الإسلام خلق لا يحصي عددهم إلا اللَّه تعالى، وجاء التابعون، وكمّلوا السير على هذا الطريق في الدعوة إلى اللَّه بالحكمة، وهكذا سارت القرون الثلاثة المفضلة ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان، فأظهر اللَّه الإسلام وأهله، وأذَلَّ الشرك وأهله وأعوانه.\n\n٣ - ومن الناس من يظن أو يعتقد أن الحكمة تقتصر على الكلام اللين، والرفق، والعفو، والحلم .. فحسب، وهذا نقص وقصور ظاهر لمفهوم الحكمة؛ فإن الحكمة قد تكون:\n- باستخدام الرفق واللين، والحلم والعفو، مع بيان الحق علمًا وعملًا واعتقادًا بالأدلة، وهذه المرتبة تستخدم لجميع الأذكياء من البشر الذين يقبلون الحق ولا يعاندون.\n- وتارة تكون الحكمة باستخدام الموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل، وهذه المرتبة تستخدم مع القابل للحق المعترف به، ولكن عنده غفلة وشهوات، وأهواء تصدّه عن اتّباع الحق.\n- وتارة تكون الحكمة باستخدام الجدال بالتي هي أحسن، بِحُسنِ خُلُقٍ، ولُطفٍ، ولين كلام، ودعوة إلى الحق، وتحسينه بالأدلة العقلية والنقلية، وردّ الباطل بأقرب طريق، وأنسب عبارة، وأن لا يكون القصد من ذلك مجرّد المجادلة والمغالبة وحبّ العلوّ، بل لابدّ أن يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق، وهذه المرتبة تستخدم لكل معاند جاحد.\n-","vol":"1","page":75},{"text":"وتارة تكون الحكمة باستخدام القوة: بالكلام القوي، وبالضرب والتأديب وإقامة الحدود لمن كان له قوة وسلطة مشروعة، وبالجهاد في سبيل اللَّه تعالى بالسيف والسنان تحت لواء ولي أمر المسلمين، مع مراعاة الضوابط والشروط التي دلَّ عليها الكتاب والسنة، وهذه المرتبة تستخدم لكل معاند جاحد ظلم وطغى، ولم يرجع للحق بل ردّه ووقف في طريقه (١).\nوما أحسن ما قاله الشاعر:\n\nدعا المصطفى دهرًا بمكةَ لم يُجب ... وقد لان منه جانبٌ وخطابُ\nفلما دعا والسيفُ صلتٌ بِكفِّهِ ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا (٢)\n\nوصدق هذا القائل فقد قال: قولًا صادقًا مطابقًا للحق (٣)؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إن من الشِّعرِ حكمة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٤ - الحكمة تجعل الداعي إلى اللَّه يُقدِّر الأمور قدرها</span>، فلا يُزَهِّد في الدنيا، والناس بحاجة إلى النشاط والجدّ والعمل، ولا يدعو إلى التبتل والانقطاع، والمسلمون في حاجة إلى الدفاع عن عقيدتهم وبلادهم، ولا يبدأ بتعليم الناس البيع والشراء، وهم في مسيس الحاجة إلى تعلم الوضوء والصلاة.\n_________\n(١) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ١٩٤، وتفسير ابن كثير، ٣/ ٤١٦، و٤/ ٣١٥، وفتاوى ابن تيمية، ٢/ ٤٥، و١٩/ ١٦٤.\n(٢) ذكر سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز ابن باز في مجموع فتاواه، ٣/ ١٨٤، و٢٠٤: «أن هذا الشعر يروى لحسان بن ثابت - ﵁ -».\n(٣) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٥٤٠، ٦/ ٥٣١، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٣٣، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، ١٣/ ٣٥٤.\n(٤) البخاري، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشِّعر والرَّجَزِ والحداءِ وما يكره منه، برقم ٥٧٩٣.","vol":"1","page":76},{"text":"٥ - الحكمة تجعل الداعية إلى اللَّه يتأمل ويراعي أحوال المدعوين وظروفهم وأخلاقهم وطبائعهم، والوسائل التي يُؤتَون من قبلها، والقدر الذي يبيّن لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشقّ بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع والتشويق في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، ويدعو إلى اللَّه بالعلم لا بالجهل، ويبدأ بالمهم فالذي يليه، ويُعلِّم العامة ما يحتاجونه بألفاظ وعبارات قريبة من أفهامهم ومستوياتهم، ويخاطبهم على قدر عقولهم، فالحكمة تجعل الداعية ينظر ببصيرة المؤمن، فيرى حاجة الناس فيعالجها بحسب ما يقتضيه الحال، وبذلك ينفذ إلى قلوب الناس من أوسع الأبواب، وتنشرح له صدورهم، ويرون فيه المنقذ الحريص على سعادتهم ورفاهيتهم وأمنهم واطمئنانهم، وهذا كله من الدعوة إلى اللَّه بالحكمة التي هي الطريق الوحيد للنجاح (١).\n_________\n(١) وقد كتبت رسالة في الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، وقد طبعت ولله الحمد، فأغنى عن التفصيل في موضوعات الحكمة.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المبحث الثالث عشر: السلوك الحكيم</span>\nتعريف<span data-type=\"title\" id=toc-111> السلوك لغة </span>وشرعًا:\n\nالسلوك لغة: مصدر سلك يقال: سلك طريقًا، وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا (١)، وسلكه غيره.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-112>السلوك اصطلاحًا: </span>سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه، يقال: فلان حسن السلوك أو سيّئ السلوك (٢).\nأما الخُلق فهو: حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجة إلى فكر وروِيَّة، وجمعه: أخلاق.\nوالأخلاق عِلْمٌ موضوعه أحكام قَيِّمة تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح (٣)، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: ما يكون طبيعيًا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب، ويهيج لأدنى سبب، وكالذي يجبن من أيسر شيء، كمن يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه.\nالقسم الثاني: ما يكون مستفادًا بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه بالرويّة والفكر، ثم يستمر عليه حتى يصير مَلَكَة وخُلقًا (٤).\nوالسلوك عمل إرادي، كقول: الصدق، والكذب، والبخل، والكرم، ونحو ذلك.\nفاتضح أن الخلق حالة راسخة في النفس وليس شيئًا خارجًا\n_________\n(١) لسان العرب لابن منظور، حرف الكاف فصل السين، ١٠/ ٤٤٢.\n(٢) المعجم الوسيط، مادة (سلك)، ١/ ٤٤٥.\n(٣) المعجم الوسيط، مادة (خلق)، ١/ ٢٥٢.\n(٤) انظر: مقدمة في علم الأخلاق، د/محمود حمدي زقزوق، ص٣٩.","vol":"1","page":78},{"text":"مظهريًّا، فالأخلاق شيء يتصل بباطن الإنسان، ولابد لنا من مظهر يدلّنا على هذه الصفة النفسية، وهذا المظهر هو السلوك، فالسلوك هو المظهر الخارجي للخلق، فنحن نستدل من السلوك المستمر لشخص ما على خلقه، فالسلوك دليل الخلق، ورمز له، وعنوانه، فإذا كان السلوك حسنًا دل على خلق حسن، وإن كان سيئًا دل على خلق قبيح، كما أن الشجرة تعرف بالثمر، فكذلك الخُلق الطيّب يعرف بالأعمال الطيبة (١).\nوالحكمة تتفرّع إلى فروع، وأحد هذه الفروع هو السلوك الحكيم، والتزام فضائل الأخلاق، واجتناب رذائلها ظاهرًا وباطنًا هو السلوك الأخلاقي الحكيم (٢).\nوالداعية إذا التزم السلوك الأخلاقي الحكيم كان ذلك من أعظم طرق اكتساب الحكمة، ومن أسباب توفيق اللَّه له في دعوته، وفي أموره كلها، واستقامته، وحسن سيرته، وأدعى لقبول دعوته، وإصلاح الأخلاق، ومحاربة المنكرات، إذ لا يجد في الناس من يغمزه في سلوكه الشخصي، سواء كان ذلك من قبل قيامه بالدعوة أو بعده، وكثيرًا ما سمعنا أن أناسًا قاموا بدعوة الإصلاح، وخاصة إصلاح الأخلاق، وكان من أكبر العوامل في إعراض الناس عنهم، وعن دعوتهم ما يذكرونه لهم من ماضٍ ملوّث، وخلق غير مستقيم، بل إن هذا الماضي السيئ مدعاة للشك في صدق مثل هؤلاء الدعاة، بحيث يُتَّهمون بالتستر وراء دعوة الإصلاح؛ لأغراض\n_________\n(١) انظر: مقدمة في علم الأخلاق، ص٤٣.\n(٢) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني، ١/ ١٣.","vol":"1","page":79},{"text":"خاصة، أو يتهمون بأنهم ما بدءوا بالدعوة إلى الإصلاح إلا بعد أن قضوا بعض أوقات أو مراحل أعمارهم، وأخذوا نصيبهم من ملذّات الحياة وشهواتها، وأصبحوا في وضع أو عمر لا أمل لهم فيه بالاستمرار فيما كانوا يبلغون فيه من عَرَضٍ أو مالٍ، أو شهرة، أو جاهٍ.\nأما الداعية المستقيم في شبابه وحياته كلها، فإنه يظل أبدًا بفضل اللَّه رافع الرأس، ناصع الجبين، ولا يجد أعداء الدعوة سبيلًا إلى غمزه بماضٍ قريب أو بعيد، ولا يتخذون من الماضي المنحرف وسيلة إلى التشهير به، أو دعوة الناس إلى الاستخفاف به وبشأنه.\nولاشك أن اللَّه - ﷿ - يقبل توبة التائب المقبل عليه بصدق وإخلاص، ويمحو بحسناته الحاضرة سيئاته المنصرمة. والمسلم إذا استقامت سيرته، وحسنت سمعته الطيبة الحميدة، وسلوكه الحكيم (١) نجح في أمور دينه ودنياه بإذن اللَّه تعالى.\n_________\n(١) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي، ص٣٩.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المبحث الرابع عشر: الاستقامة</span>\nالاستقامة: كلمة جامعة تشمل الدين كله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى للنبي - ﷺ -: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣).\nوعن سفيان بن عبد اللَّه - ﵁ - قال: قلت: يا رسول اللَّه، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك؟ قال: «قل: آمنت باللَّه، ثم استقم» (٤).\nوالمطلوب من العبد المسلم وخاصة الدعاة إلى اللَّه: الاستقامة، وهي السداد؛ فإن لم يقدر فالمقاربة، فإن نزل عن المقاربة فلم يبق إلا التفريط والضياع.\nفعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «سدِّدوا وقارِبوا، واعلموا أنه لن ينجوَ أحدٌ منكم بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: «ولا أنا، إلاّ أن يتغمدنيَ اللَّه برحمةٍ منه وفضل» (٥).\nفجمع هذا الحديث مقامات الدين كلها، فأمر بالاستقامة، وهي:\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية: ٣٠.\n(٢) سورة الأحقاف، الآيتان: ١٣ - ١٤.\n(٣) سورة هود، الآية: ١١٢.\n(٤) مسلم، في كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام، برقم ٣٨.\n(٥) مسلم، في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل الجنة أحد بعمله بل برحمة الله، برقم ٢٨١٦.","vol":"1","page":81},{"text":"السداد والإصابة في النيات، والأقوال، والأعمال، وعلم النبي - ﷺ - أنهم لا يطيقون الاستقامة، فنقلهم إلى المقاربة، وهي أن يقرب الإنسان من الاستقامة بحسب طاقته، كالذي يرمي إلى الهدف، فإن لم يصبه يقاربه، ومع هذا أخبرهم - ﷺ - أن الاستقامة والمقاربة لا تُنجي يوم القيامة، فلا يعتمد أحدٌ على عمله، ولا يُعجب به، ولا يرى أن نجاته به، بل إنما نجاته برحمة اللَّه، وعفوه، وفضله، فالاستقامة كلمة آخذة بمجامع الدين كله، وهي القيام بين يدي اللَّه على حقيقة الصدق، والوفاء بالعهد، وهي تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات.\nوالداعية إلى اللَّه يجب أن يكون من أعظم الناس استقامة، وبهذا - بإذن اللَّه تعالى - لا يُخيِّب اللَّه سعيه، ويجعل الحكمة على لسانه، وفي أفعاله، وتصرفاته، وهو تعالى ذو الفضل والإحسان (١).\nوأعظم الكرامة لزوم الاستقامة، وبذلك يُقبل قول الداعية، ويُقتدَى بأفعاله، فيُعطى بذلك خيرًا كثيرًا، وثوابًا جزيلًا؛ لإخلاصه وصدق نيته، ورغبته فيما عند اللَّه - ﷿ -، ويحصل على أحسن قولٍ وعملٍ على الإطلاق، كما قال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).\nإنّ كلمة الدعوة حينئذٍ هي أحسن كلمة تقال في الأرض، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء، ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الدعوة، ومع الاستسلام الكامل للَّه وحده، والاعتزاز بالإسلام.\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ١٠٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٥/ ٣٥٧.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٣.","vol":"1","page":82},{"text":"وبهذا يُعلم أن هذه الآية اشتملت على ثلاثة شروط حتى يكون الداعية لا أحد أحكم ولا أحسن قولًا منه في الدنيا أبدًا:\nالشرط الأول: دعوته إلى اللَّه - تعالى - بأن يُعبد اللَّه وحده، فَيُطاع فلا يُعصى، ويُذكرَ فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.\nالشرط الثاني: عمل الداعية الصالحات بأداء الفرائض، واجتناب المحارم، والقيام بالمستحبات، والابتعاد عن المكروهات، فهو مع دعوته الخلق إلى اللَّه يبادر هو بنفسه إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي.\nالشرط الثالث: اعتزاز الداعية بالإسلام وانقياده لأمره شكرًا لربه؛ ولأنه على الحق الواضح المبين، فإذا قام الداعية بهذه الشروط الثلاثة، فلا أحد أحسن قولًا منه (١).\nولكن قد يحصل للداعية ما يصدُّه عن دعوته من شياطين الإنس، وشياطين الجن، فبيّن اللَّه - ﷿ - أن المخرج من شياطين الإنس بالإحسان إليهم، ومعاملتهم باللِّين، والعفو عنهم، والإعراض عن جهلهم وإساءتهم.\nأما شياطين الجن فلا مَنْجَى منهم إلا بالاستعاذة منهم باللَّه وحده (٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير العلامة السعدي، ٦/ ٥٧٥، وتفسير الجزائري، ٤/ ١٢٠.\n(٢) انظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٢/ ٣٤١، ٣٤٢، وتفسير السعدي، ٦/ ٥٢٧، وزاد المعاد، ٢/ ٤٦٢.\n(٣) سورة الأعراف، الآيتان: ١٩٩ - ٢٠٠، وانظر: سورة المؤمنون، الآيات: ٩٦ - ٩٨، وسورة فصلت، الآيات: ٣٤ - ٣٦.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>المبحث الخامس عشر: الخبرات والتجارب</span>\nالتجربة لها الأثر العظيم في اكتساب المهارات والخبرات، وهي من أعظم طرق اكتساب الحكمة، والتجربة لا تخرج الحكمة عن كونها فضل اللَّه يؤتيه من يشاء؛ فإنه المعطي الوهّاب ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (١)؛ ولكنه سبحانه جعل لكل شيء سببًا يوصل إليه.\nوالتجربة في العلم: اختبار مُنظِّم لظاهرة أو ظواهر يراد ملاحظتها ملاحظة دقيقة منهجية؛ للكشف عن نتيجةٍ ما، أو تحقيق غرضٍ معين، وما يعمل أولًا لتلافي النقص في شيءٍ وإصلاحه (٢)، ويُقال: جَرَّبَهُ تَجرِبَةً: اختبره، ورجل مجرب، كمعظم: بُلِيَ ما كان عنده، ومجرِّب: عرف الأمور (٣)، تقول، جربت الشيء تجريبًا: اختبرته مرة بعد أخرى، والاسم التجربة، والجمع التجارب (٤).\nوعن معاوية - ﵁ - قال: «لا حكيم إلا ذو تجربة» (٥).\nومن المعلوم أن الحكيم لابد له من تجارب قد أحكمته، ولهذا قيل: «لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة» (٦).\nوالمعنى: لا حليم إلا صاحب زلة قدم، أو لغزة قلم في تقريره أو تحريره.\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٥٣.\n(٢) المعجم الوسيط، مادة: جرب، ١/ ١١٤.\n(٣) القاموس المحيط، باب الباء، فصل الجيم، ص٨٥.\n(٤) المصباح المنير، مادة جرب، ص٩٥.\n(٥) البخاري، كتاب الأدب، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، موقوفًا على معاوية مجزومًا به، بعد الرقم ٦١٣٢.\n(٦) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في التجارب، برقم ٢٠٣٣،وأحمد في المسند، ٣/ ٨.","vol":"1","page":84},{"text":"وقيل: لا حليم كاملًا إلا من وقع في زلة وحصل منه الخطأ والتخجل فعفي عنه فعرف به رتبة العفو فيحلم عند عثرة غيره؛ لأنه عند ذلك يصير ثابت القدم، ولا حكيم كاملًا إلا من جرب الأمور، وعلم المصالح والمفاسد؛ فإنه لا يفعل فعلًا إلا عن حكمة، إذ الحكمة إحكام الشيء وإصلاحه عن الخلل (١).\nوالحكيم هو المتيقظ المتنبه، أو المتقن للحكمة الحافظ لها (٢).\nوالحكمة من أثمن نتائج التمييز والتفكير، وهي زبدة العلم والاختبار، فالعلم يخطط الأسس النظرية، ثم يكتمل ويصقل بالخبرة العملية المبنيَّة على المران والتجارب؛ ولهذا كان العلماء الأحداث بسبب قلة تجاربهم أنقص حكمة، وأقل رسوخًا في العلم من كبار العلماء الراسخين في العلم (٣).\nوبهذا يعلم أن الداعية إلى اللَّه إذا خالط الناس، وعرف عاداتهم وتقاليدهم، وأخلاقهم الاجتماعية، ومواطن الضعف والقوة، سيركز على ما ينفع الناس، ويضع الأشياء في مواضعها؛ لأنه قد جرّبهم، فالتجارب تنمّي المواهب والقدرات، وتزيد البصير بصرًا، والحليم حلمًا، وتجعل العاقل حكيمًا، وقد تشجِّع الجبان، وتسخِّي البخيل، وقد تُليِّن قلب القاسي، وتقوِّي قلب الضعيف، ومن زادته التجارب عمىً إلى عماه فهو من الحمقى الذين لا يفقهون (٤).\nوأعظم الناس تجربة، وأكملهم حكمةً: الأنبياء، عليهم الصلاة\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٥٣٠، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ١٨٢.\n(٢) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، ٦/ ٤٢٤.\n(٣) انظر: الدعائم الخلقية للقوانين الشرعية، للدكتور/ صبحي محمصاني، ص١٤٠.\n(٤) انظر: هكذا علمتني الحياة، القسم الأول: للدكتور مصطفى السباعي، ص٤٧.","vol":"1","page":85},{"text":"والسلام؛ لأنهم صفوة البشر اصطفاهم اللَّه وربّاهم، ثم أرسلهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومع هذا ما بعث اللَّه من نبي إلا رعى الغنم، كما قال النبي - ﷺ -: «ما بعث اللَّه نبيًّا إلاّ رعى الغنم»، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (١).\nوفي رواية: قالوا: أكنت ترعى الغنم؟ قال: «وهل من نبيٍّ إلاّ وقد رعاها» (٢).\nوالحكمة من ذلك - واللَّه أعلم - أن اللَّه - ﷿ - يلهم الأنبياء قبل النبوة رعي الغنم؛ ليحصل لهم التمرين والتجربة برعيها على ما يُكلَّفُونه من القيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يُحصِّل لهم الحلم والشفقة، كما قال النبي - ﷺ -: «أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ أفئدةً وألين قلوبًا. الإيمانُ يَمانٍ، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم» (٣)؛ ولأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوِّها من سبعٍ وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طبائعها، وشدّة تفرّقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طبائعهم وتفاوت عقولهم، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها،\n_________\n(١) البخاري، كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط، برقم ٢٢٦٢.\n(٢) البخاري، كتاب الأنبياء، باب يعكفون على أصنام لهم، برقم ٣٢٢٥، وكتاب الأطعمة، باب الكباث، برقم ٣٢٢٥، ومسلم في كتاب الأشربة، باب فضيلة الأسود من الكباث، برقم ٢٠٥٠، وهو النضيج من ثمر الأراك، انظر: شرح النووي، ١٤/ ٦.\n(٣) البخاري، كتاب المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، برقم ٤١٢٧، ومسلم في الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان، برقم ٥٢.","vol":"1","page":86},{"text":"فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كُلِّفوا القيام بذلك من أوّل وهلة، لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخُصّت الغنم بذلك؛ لكونها أضعف من غيرها؛ ولأن تفرّقها أكثر من تفرق الإبل والبقر، لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرّقها فهي أسرع انقيادًا من غيرها (١).\nثم بعد رعيهم الغنم جرّبوا الناس، وعرفوا طبائعهم، فازدادوا تجارب إلى تجاربهم؛ ولهذا قال موسى - ﷺ - لمحمد - ﷺ - عندما فرضت عليه الصلاة خمسين صلاة في كل يومٍ ليلة الإسراء والمعراج: «إنّ أمّتك لا تستطيع خمسين صلاة كلّ يومٍ، وإني واللَّه قد جرّبت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ...» فما زال النبي - ﷺ - يراجع ربه ويضع عنه حتى أُمِرَ بخمسٍ صلواتٍ كل يوم (٢).\nفموسى قد جرب الناس، وعلم أن أمة محمد - ﷺ - أضعف من بني إسرائيل أجسادًا، وأقلّ منهم قوةً، والعادة أن ما عجز عنه القوي فالضعيف من باب أولى (٣).\nفالداعية بتجاربه بالسفر، ومعاشرته الجماهير، وتعرفه على عوائد الناس وعقائدهم، وأوضاعهم، ومشكلاتهم، واختلاف طبائعهم وقدراتهم، سيكون له الأثر الكبير في نجاح دعوته وابتعاده عن الوقوع في الخطأ؛ لأنه إذا وقع في خطأ في منهجه في الدعوة إلى اللَّه، أو أموره الأخرى لا يقع فيه مرة أخرى، وإذا خُدع مرة لم يخدع مرة\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، ٤/ ٤٤١، وشرح النووي على مسلم، ١٤/ ٦.\n(٢) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، برقم ٣٦٧٤.\n(٣) انظر: حاشية السندي على سنن النسائي، ١/ ٢٢٠، وفتح الباري، ١/ ٤٦٣.","vol":"1","page":87},{"text":"أخرى، بل يستفيد من تجاربه وخبراته؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين» (١)، وقال: «كلّكم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون» (٢).\nوإذا أراد الداعية أن يكتسب الحكمة من التجارب، فلابد له - لإصلاح المتديِّنين وتوجيههم - أن يعيش معهم في مساجدهم، ومجتمعاتهم، ومجالسهم، وإذا أراد إصلاح الفلاحين والعمال عاش معهم في قراهم ومصانعهم، وإذا أراد أن يصلح المعاملات التجارية بين الناس، فعليه أن يختلط بهم في أسواقهم، ومتاجرهم، وأنديتهم، ومجالسهم، وإذا أراد أن يصلح الأوضاع السياسية، فعليه أن يختلط بالسِّياسيين، ويتعرَّف إلى تنظيماتهم، ويستمع لخطبهم، ويقرأ لهم برامجهم، ثم يتعرف إلى البيئة التي يعيشون فيها، والثقافة التي حصلوا عليها، والاتجاه الذي يندفعون نحوه؛ ليعرف كيف يخاطبهم بما لا تنفر منه نفوسهم، وكيف يسلك في إصلاحهم بما لا يدعوهم إلى محاربته عن كُرْهِ نفسٍ واندفاع عاطفي، فيحرم نفسه من الدعوة إلى اللَّه، ويحرم الناس من علمه (٣)، وهذا يؤهِّله إلى أن يُحدِّثَ الناس بما يعرفون، ولا يحدِّثهم حديثًا لا تبلغه عقولهم، قال علي - ﵁ -: «حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ اللَّه\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، برقم ٥٧٨٢، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، برقم ٢٩٩٨.\n(٢) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حدثنا هناد، برقم ٢٤٩٩،وابن ماجه في الزهد، باب ذكر التوبة، برقم ٤٢٥١، والدارمي في الرقائق، باب التوبة، ٢/ ٢١٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي،٢/ ٣٠٥.\n(٣) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي، ص٤١، والرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، لعبد الرحمن السعدي، ص٨٨.","vol":"1","page":88},{"text":"ورسوله» (١).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: «ما أنت بِمُحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٢).\nوهكذا ينبغي أن يكوِّن الداعية من تجاربه في الحياة، ومعرفته بشؤون الناس ما يُمكِّنه من اكتساب الحكمة، وتحقيق قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (٣).\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، برقم ١٢٧.\n(٢) مسلم، في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، برقم ١٤.\n(٣) سورة النحل، الآية: ١٢٥.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>المبحث السادس عشر: السياسة الحكيمة</span>\nإذا سلك المسلم مسلك السياسة الحكيمة في دعوته إلى اللَّه تعالى، فسيكون لذلك عظيم الأثر في نجاح دعوته، والوصول إلى الغاية المطلوبة بإذن اللَّه تعالى.\nوالنبي - ﷺ - هو أُسوتنا وقدوتنا، وإمام الدعاة إلى اللَّه، وقد سلك هذا المسلك، فنفع اللَّه به العباد، وأنقذهم به من الشرك إلى التوحيد، وكان لسياسته الحكيمة عظيم النفع والأثر في نجاح دعوته، وإنشاء دولته، وقوة سلطانه، ورفعة مقامه، ولم يُعرَف في تاريخ السياسات البشرية أن رجلًا من الساسة المصلحين في أيِّ أمةٍ من الأمم كان له مثل هذا الأثر العظيم، ومَن مِن المصلحين المبرِّزين - سواء كان قائدًا مُحنَّكًا، أو مربِّيًا حكيمًا - اجتمع لديه من رجاحة العقل، وأصالة الرأي، وقوة العزم، وصدق الفراسة، ما اجتمع في رسول اللَّه - ﷺ -؟ ولقد برهن على وجود ذلك فيه: صحة رأيه، وصواب تدبيره، وحسن تأليفه، ومكارم أخلاقه، - ﷺ - (١).\nفإذا قام الداعية بسلوك هذا المسلك بإخلاص، وصدق، وعزيمة، اكتسب من الحكمة في الدعوة إلى اللَّه مكتسبًا عظيمًا.\nوطرق السياسة الحكيمة في الدعوة إلى اللَّه - ﷿ - كثيرة، منها الطرق الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>الطريق الأول: تحري أوقات الفراغ، والنشاط</span>، والحاجة عند المدعوين حتى لا يملُّوا عن الاستماع ويفوتهم من الإرشاد والتعليم\n_________\n(١) انظر: هداية المرشدين، للشيخ علي محفوظ، ص٢٤، و٣١.","vol":"1","page":90},{"text":"النافع، والنصائح الغالية الشيء الكثير، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يتخوّل أصحابه بالموعظة كراهة السآمة عليهم، فعن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يتخوَّلُنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (١).\nولهذا طبَّق الصحابة هذه السياسة، فقد كان عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - يُذكِّر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لودِدْتُ أنك ذكرتنا في كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملّكم، وإني أتخوَّلُكم بالموعظة كما كان النبي - ﷺ - يتخوّلنا بها مخافة السآمة علينا (٢).\nوقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يسّروا ولا تُعسّروا، وبشّروا ولا تُنفِّروا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>الطريق الثاني: ترك الأمر الذي لا ضرر فيه ولا إثم</span>، اتقاءً للفتنة، فقد يجد الداعية قومًا استقر مجتمعهم وعاداتهم على أشياء لا تخالف الشريعة؛ ولكن فعل غيرها أفضل، فإذا علم الداعية أنه سيحصل فتنة إذا دعا إلى ترك هذا الأمر أو فعله فلا حرج ألاَّ يدعو، فقد ترك النبي - ﷺ - هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم - ﷺ - اجتنابًا لفتنة قومٍ كانوا حديثي عهدٍ بجاهلية، فعن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال لها: «يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، برقم ٩٥، وباب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة، برقم ١١٨.\n(٢) البخاري، كتاب العلم، باب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة، برقم ٧٠.\n(٣) البخاري، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة، برقم ٦٩، ومسلم، كتاب الجهاد، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٤.","vol":"1","page":91},{"text":"بالبيت فَهُدِمَ، فأَدْخَلْتُ فيه ما أُخْرِجَ منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابًا شرقيًا، وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم» (١).\nوفي رواية: «إن قومك قصرت بهم النفقة»، قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: «فعل ذلك قومك لِيُدخِلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديثٌ عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أُدْخِلَ الجَدْرَ في البيت، وأن أُلصِقَ بابه بالأرض» (٢).\nوهذا يدل الداعية على أن المصالح إذا تعارضت، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذَّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بُدِئَ بالأهم؛ لأن النبي - ﷺ - أخبر أن نقض الكعبة وردَّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم - ﷺ - مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهو خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيمًا، فتركها - ﷺ - لدفع هذه المفسدة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>الطريق الثالث: تأليف القلوب بالمال أحيانًا</span>، فالداعية كالطبيب الذي يشخِّص المرض أولًا، ثم يعطي العلاج على حسب نوع المرض، فإذا علم الداعية أن المدعو لم يرسخ الإيمان في قلبه رسوخًا لا تزلزله الفتن، فله أن يعطيه من المال ما يستطيعه، للاحتفاظ بالبقاء على الهداية بالإسلام، وقد شرع اللَّه للمؤلفة قلوبهم نصيبًا من\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، برقم ١٥٨٤، ومسلم، في الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، برقم ١٣٣٣.\n(٢) البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، برقم ١٥٨٤، ومسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة، برقم ١٣٣٢.\n(٣) انظر: شرح النووي على مسلم، ٩/ ٨٩.","vol":"1","page":92},{"text":"الزكاة، وقد كان رسول اللَّه - ﷺ - يسلك هذا المسلك، فيؤثر حديثي العهد بالإسلام بجانب من المال، إذا ظهر له أن الإيمان لم يرسخ؛ ولذلك أشار - ﷺ - بقوله: «إني لأعطي الرجل وغيره أحبُّ إليَّ منه خشية أن يُكبّ في النار على وجهه» (١).\nوقد كان يعطي النبي - ﷺ - أشراف قريش وغيرهم من المؤلفة قلوبهم، لتلافي أحقادهم؛ ولأن الهدايا تجمع القلوب، وتجعل القلوب متهيئة للنظر في صدق الدعوة، وصحة العقيدة، والاستفادة من الآيات البيِّنات، والبراهين الواضحة (٢).\nوصدق النبي - ﷺ - حيث قال: «تهادوا تحابّوا» (٣).\nوللتأليف بالمال أمثلة كثيرة من هديه - ﷺ - (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>الطريق الرابع: التأليف بالجاه </span>من السياسة الحكيمة؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - للأنصار حينما آثر عليهم غيرهم في العطاء: «أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول اللَّه فواللَّه لما تنقلبون به خير ما ينقلبون به»، فقالوا: بلى يا رسول اللَّه قد رضينا (٥).\n_________\n(١) البخاري بنحوه، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، برقم ١٤٠٨، ومسلم في الإيمان، باب تأليف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، برقم ٢٤٨٠.\n(٢) انظر: هداية المرشدين، ص٣٥.\n(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ٦/ ١٦٩،والبخاري في الأدب المُفْرَد، ص٢٠٨، برقم ٥٩٤، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير،٣/ ٧٠: «إسناده حسن»،وانظر: إرواء الغليل، برقم ١٦٠١.\n(٤) انظر: صحيح مسلم، ٤/ ١٨٠٣ - ١٨٠٦، وانظر أيضًا: البخاري مع الفتح، ٣/ ١٣٥، ٦/ ٢٥٠، ١١/ ٢٥٨.\n(٥) البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم، برقم ٢٤٨٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم وتصبر من قوي إيمانه، برقم ٢٤٨٣.","vol":"1","page":93},{"text":"وفي رواية: «لو سلك الناس واديًا أو شِعبًا، وسلكت الأنصار واديًا أو شِعبًا لسَلكتُ وادي الأنصار أو شِعب الأنصار» (١).\nفإذا سلك الداعية هذه السياسة وُفِّق للصواب والحكمة - بإذن اللَّه تعالى -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>الطريق الخامس: التأليف بالعفو في موضع الانتقام</span>، والإحسان في مكان الإساءة، وباللين في موضع المؤاخذة، وبالصبر على الأذى، فكان يقابل الأذى بالصبر الجميل، ويقابل الحمق بالحلم والرفق، ويقابل العجلة والطيش بالأناة والتثبت.\nوهذا أعظم ما يجذب المدعوين إلى الإسلام والاستقامة والثبات، وبمثل هذه المعاملة الحسنة جمع النبي - ﷺ - قلوب أصحابه حوله، فتفانوا في محبته والدفاع عنه، وعن دعوته بمؤازرته ومناصرته.\nوقد مدح اللَّه رسوله - ﷺ -، وأمره بالعفو والصفح والاستغفار لمن تبعه من المؤمنين بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ\n_________\n(١) مسلم، في كتاب الزكاة، الباب السابق، برقم، ٢٤٨٦.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":94},{"text":"حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>الطريق السادس: عدم مواجهة الداعية أحدًا بعينه </span>عندما يريد أن يُؤدِّبه أو يزجره مادام يجد في الموعظة العامة كفاية، وهذا من السياسة البالغة في منتهى الحكمة؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يسلك هذا الأسلوب الحكيم، ومن ذلك قوله - ﷺ -: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه، فيتنخَّع أمامه، أيحب أحدكم أن يُستقبل فيتنخّع في وجهه، فإذا تنخّع أحدكم فليتنخّع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليفعل هكذا»، ووصف القاسم فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض (٢).\nوفقد النبي - ﷺ - ناسًا في بعض الصلوات، فقال: «والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطبٍ فيُحطبَ، ثم آمر بالصلاة فيؤذَّن لها، ثم آمر رجلًا يؤمُّ الناس، ثم أُخالف إلى رجالٍ [يتخلّفون عنها] فأحرق عليهم بيوتهم» (٣).\nوقال - ﷺ -: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة»، فاشتدّ قوله في ذلك حتى قال: «لينتهُنَّ عن ذلك أو لتُخطَفنَّ أبصارُهم» (٤).\nوصنع النبي - ﷺ - شيئًا فرخّص فيه، فتنزَّه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق في المسجد، برقم ٥٥٠.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، برقم ٦١٨، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، برقم ٦٥١، وما بين المعقوفين من رواية مسلم.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة، برقم ٧١٧.","vol":"1","page":95},{"text":"- ﷺ - فخطب، فحمد اللَّه، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزَّهون عن شيءٍ أصنعه، فواللَّه إني لأعلمهم باللَّه، وأشدُّهم له خشية» (١).\nوقال النبي - ﷺ -: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢).\nوبلغه شرط أهل بريرة ﵂ أن الولاء لهم بعد بيعها، ثم خطب الناس فقال: «ما بال أناسٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب اللَّه، من اشترط شرطًا ليس في كتاب اللَّه فليس له، وإن شرط مائة مرة، شرط اللَّه أحقُّ وأوثقُ» (٣).\nوهذا يدلّ الداعية على أن من الحكمة عدم مواجهة الناس بالعتاب سترًا عليهم، ورفقًا بهم، وتلطُّفًا.\nوالداعية يستطيع أن يُوجِّه العتاب عن طريق مخاطبة الجمهور إذا كان المدعوّ المقصود بينهم ومن جملتهم، وهذا من أحكم الأساليب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>الطريق السابع: إعطاء الوسائل صورة ما تصل إليه</span>، كقوله - ﷺ -: «من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله» (٥).\nفقد صوَّر النبي - ﷺ - الدلالة على فعل الخير في صورة الفعل نفسه.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب، برقم ٥٧٥٠، ومسلم، كتاب الفضائل، باب علمه - ﷺ - بالله تعالى وشدة خشيته، برقم ٢٣٥٦.\n(٢) مسلم، في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، برقم ١٤٠١.\n(٣) البخاري، كتاب المكاتب، باب ما يجوز من شروط المكاتب، برقم ٢٥٨٤، ومسلم، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، برقم ١٥٠٤.\n(٤) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٥١٣.\n(٥) مسلم، في كتاب الأمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله، برقم ١٨٩٣.","vol":"1","page":96},{"text":"وكقوله - ﷺ -: «من جهَّز غازيًا فقد غزا» (١).\nوقال - ﷺ -: «إن من الكبائر أن يلعن الرجل والديه»، قيل: يا رسول اللَّه: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمه فيسب أمَّه» (٢).\nوهذا أصل في سدّ الذرائع، ويُؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرَّمٍ يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٤).\nفقد أعطى النبي - ﷺ - من يسبُّ أبا الغير وأمه صورة من يسب والديه؛ لأنه تسبَّب في سبِّهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الطريق الثامن: أن يجيب الداعية على السؤال الخاص بما يتناوله وغيره </span>حتى يكون ما أجاب به قاعدة عامة للسائل وغيره، قال عمرو بن العاص: لما جعل اللَّه الإسلام في قلبي أتيت النبي - ﷺ - فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «مالك يا عمرو؟» قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟»، قلت: أن يُغفَر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ...» (٥).\n_________\n(١) مسلم، في كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله، برقم ١٨٩٥.\n(٢) البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، برقم ٥٩٧٣.\n(٣) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٤٠٤.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٠٨.\n(٥) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، برقم ١٢١.","vol":"1","page":97},{"text":"فأجاب - ﷺ - بما يفيد عدم المؤاخذة عن كل من اعتنق الإسلام، وعن كل من هاجر، وعن كل من حج حجًّا مبرورًا، وقد كان يكفيه في الجواب أن يقول: غُفر لك، أو نحوها (١).\nوقال - ﷺ - لمن سأله عن ماء البحر: «هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته» (٢).\nفأجاب - ﷺ - السائل عن الحكم الذي سأل عنه، وزاده حكمًا لم يسأل عنه، وهو حلّ ميتة البحر، فعندما عرف - ﷺ - اشتباه الأمرِ على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، وقد يُبْتَلَى بها راكب البحر، فعقّب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة، وذلك من محاسن الفتوى أن يُجاء في الجواب بأكثر مما سُئِلَ عنه تتميمًا للفائدة، وإفادة لعلم غير المسؤول عنه، ويتأكد عند ظهور الحاجة إلى حكمٍ كما هنا؛ لأن من توقف في طهورية ماء البحر فهو عن العلم بحل ميتته، مع تقدم تحريم الميتة أشد توقفًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>الطريق التاسع: ضرب الأمثال</span>، قال - ﷺ -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه» (٤).\nوقد مثل النبي - ﷺ - المؤمنين في تبادل الرحمة والمودة والعطف\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على مسلم، ٢/ ١٣٨، وانظر: هداية المرشدين، ص٣٢.\n(٢) أبو داود، في الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، برقم ٨٣، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، برقم ٦٩، والنسائي في الطهارة، باب ماء البحر، برقم ٣٣١، وابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، برقم ٣٨٦، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٤.\n(٣) انظر: سبل السلام شرح بلوغ المرام، للشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني، ١/ ١٨.\n(٤) البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، برقم ٢٤٤٦، ومسلم، في كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، برقم ٢٥٨٥.","vol":"1","page":98},{"text":"بالجسد في روابطه العضوية، إذا مرض عضو مرضت باقي الأعضاء، فقال: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (١).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم ٥٦٦٥، ومسلم في البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، برقم ١٩٩٩.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المبحث السابع عشر: إنزال الناس منازلهم ومراتبهم</span>\nالمسلم الفطن الحكيم هو الذي يدرس الواقع، وأحوال الناس، ومعتقداتهم، ويُنزل الناس منازلهم، ثم يدعوهم على قدر عقولهم، وأفهامهم، وطبائعهم، وأخلاقهم، ومستواهم العلمي والاجتماعي، والوسائل التي يؤتون من جهتها؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «حَدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكذَّب اللَّه ورسوله» (١).\nوذُكِرَ عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - أن نُنْزِلَ الناس منازلهم» (٢).\nوقال عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: «ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٣).\nوقد بيّن النبي - ﷺ - ذلك للدعاة إلى اللَّه - ﷿ -، فقال لمعاذ بن جبل - ﵁ - حينما بعثه إلى اليمن - داعيًا ومعلمًا وقاضيًا -: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب ...» الحديث (٤).\nفبين - ﷺ - لمعاذ عقيدة القوم الذين سوف يقدم عليهم حتى يعرف حالهم، ويستعدّ لهم، ويقدّم لهم ما يناسبهم، وما يُصلح أحوالهم.\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب من خص قومًا بالعلم دون قوم كراهية أن لا يفهموا، برقم ١٥٧.\n(٢) مسلم، في المقدمة،١/ ٦، وسنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في تنزيل الناس منزلهم، برقم ٤٨٤٤.\n(٣) مسلم، في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، ١٤.\n(٤) البخاري، كتاب الزكاة، باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، برقم ١٣٩٥، واللفظ له، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله وشرائع الإسلام، برقم ١٩.","vol":"1","page":100},{"text":"وقال النبي - ﷺ - لعائشة ﵂: «يا عائشة، لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون» (١).\nفترك - ﷺ - هذه المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفاسد (٢).\nفدراسة البيئة والمكان الذي تبلغ فيه الدعوة أمر مهمٌّ جدًا؛ فإن الداعية يحتاج في دعوته إلى معرفة أحوال المدعوين: الاعتقادية، والنفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، ومعرفة مراكز الضلال ومواطن الانحراف معرفة جيدة، ويحتاج إلى معرفة لغتهم، ولهجتهم، وعاداتهم، والإحاطة بمشكلاتهم ونزعاتهم الخلقية، وثقافتهم، ومستواهم الجدلي، والشُّبه التي انتشرت في مجتمعهم، ومذاهبهم (٣).\nوالدّاعية الحكيم يكون مدركًا لما حوله، مقدّرًا للظروف التي يدعو فيها، مراعيًا لحاجات الناس ومشاعرهم، وكل أحوالهم.\nوالداعية إلى اللَّه - تعالى - لا ينجح في دعوته، ولا يكون موفقًا في تبلغيه ولا مسدّدًا في قوله وفعله حتى يعرف من يدعوهم، وهل هذا المجتمع من المسلمين العُصاة، أو من المسلمين الذين انتشرت\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، برقم ١٢٦.\n(٢) قال ابن حجر - ﵀ - تعالى: «يستفاد منه ترك المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفسدة، وترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه». انظر: فتح الباري، ١/ ٢٢٥.\n(٣) انظر: شرح الإمام النووي على مسلم، ١/ ٧٦، ١٩٧، وفتح الباري، ١/ ٢٢٥، وكيف يدعو الداعية لعبد الله ناصح علوان، ص٧، ٣٧،٤٧،١٥٥،وزاد الداعية إلى الله للشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀، ص٧.","vol":"1","page":101},{"text":"فيهم البدع والخرافات؟ هل هذا المجتمع من أهل الكتاب؟ فإذا كانوا منهم، فهل هم من اليهود أم من النصارى؟ هل هذا المجتمع من الملحدين الطبيعيين والمادّيين والدهريّين؟ أم من الوثنيين المشركين؟.\nفإذا عرف الداعية هذا كله، فكيف يدعو كل فئة من هذه الفئات بالحكمة؟ وماذا يقدّم معهم؟ وماذا يؤخّر؟ وما القضايا التي يعطيها أهمية وأولوية قبل غيرها؟ وما الأفكار الضرورية التي يطرحها ويبدأ بها؟\nوهكذا، فالداعية الحكيم كالطبيب الحكيم الذي يُشخِّصُ المرض، ويعرف الداء ويُحدّده، ثم يعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعيًا في ذلك: قوة المريض وضعفه، وتحمله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشق بطنه، أو يقطع شيئًا من أعضائه، من أجل استئصال المرض طلبًا لصحة المريض، وهكذا فالداعية الحكيم يعرف أمراض المجتمع، ويُحدّد الدّاء، ويعرف الدّواء، وينظر ما هي الشبه والعوائق فيزيلها، ثم يقدم المادة المناسبة بدءًا بأمور العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية، مع تشويق المدعو إلى القبول والإجابة (١).\n_________\n(١) انظر: الحكمة في الدعوة إلى الله للمؤلف، ص٣٣٥ - ٣٣٦.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>المبحث الثامن عشر: الحِلْم والعفو</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>أولا: تعريف الحِلْم:</span>\nالحِلْم: بالكسر: العقل (١)، وحلم حلمًا: تأنَّى وسكن عند الغضب أو مكروه مع قدرة، وقوة، وعقل (٢)، ومن أسماء اللَّه - تعالى -: (الحليم)، وهو الذي لا يستخفّه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقدارًا فهو منتهٍ إليه (٣).\nوالحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب (٤).\nوالحلم: هو حالة متوسطة بين رذيلتين: الغضب، والبلادة، فإذا استجاب المرء لغضبه بلا تعقّل ولا تبصّر كان على رذيلة، وإن تبلّد، وضيّع حقه ورضي بالهضم والظلم كان على رذيلة، وإن تحلّى بالحلم مع القدرة وكان حلمه مع من يستحقه كان على فضيلة.\nوهناك ارتباط بين الحلم وكظم الغيظ، وهو أن ابتداء التخلق بفضيلة الحلم يكون بالتحلم: وهو كظم الغيظ، وهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة، لما في كظم الغيظ من كتمان ومقاومة واحتمال، فإذا أصبح ذلك هيئة راسخة في النفس، وأصبح طبعًا من طبائعها كان ذلك هو الحلم، واللَّه أعلم (٥).\n_________\n(١) القاموس المحيط، باب الميم، فصل الحاء، ص١٤١٦.\n(٢) المعجم الوسيط، مادة: حلم، ١/ ١٩٤.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، حرف الحاء مع اللام، ١/ ٤٣٤.\n(٤) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة حلم، ص١٢٩.\n(٥) انظر: مفردات غريب القرآن ص١٢٩، وأخلاق القرآن للشرباصي، ١/ ١٨٢، والأخلاق الإسلامية لعبد الرحمن الميداني، ٢/ ٣٢٦.","vol":"1","page":103},{"text":"وقد وصف اللَّه نفسه بصفة الحلم في عدة مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١).\nونلاحظ أن الآيات التي وصفت اللَّه بصفة الحلم قد قرنت صفة الحلم - في أغلب هذه الآيات - بصفة المغفرة أو العفو، ويأتي هذا الاقتران في الغالب بعد إشارة سابقة إلى خطأ واقع، أو تفريط في أمر محمود، وهذا أمر يتفق مع الحلم؛ لأنه تأخير عقوبة، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (٢).\nونجد أيضًا أن عددًا من الآيات التي وصفت اللَّه بالحلم قد قرن فيها ذكر الحلم بالعلم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٣)، وهذا يفيد - واللَّه أعلم بمراده - أن كمال الحلم يكون مع كمال العلم، وهذا من أعظم مقومات الداعية الناجح، ومن أعظم أركان الحكمة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>ثانيًا: أهمية الحِلْم:</span>\nالحلم من أعظم أخلاق المسلم، وهو أيضًا من دعائم\nالحكمة، فلا يكون الداعية ناجحًا حتى يكون: حكيمًا، فالحكمة تقوم على ثلاثة أركان: العلم، والحلم، والأناة، وكل خلل في\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٥.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ٤٥.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٥٩.\n(٤) انظر: أخلاق القرآن للشرباصي، ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":104},{"text":"الداعية إلى اللَّه فسببه الإخلال بالحكمة وأركانها، فأكمل الناس أوفرهم منها نصيبًا، وأنقصهم وأبعدهم عن الكمال أقلّهم منها ميراثًا، ومعاول هدم الحكمة: الجهل، والطيش، والعجلة، فلا حكمة لجاهل، وطائش، ولا عجول (١).\nومما يُؤكِّد أن الحلم من أعظم مقومات الداعية ومن أركان الحكمة التي ينبغي للداعية أن يدعو بها إلى اللَّه - تعالى - مدح النبي - ﷺ - للحلم، وتعظيمه لأمره، وأنه من الخصال التي يحبها اللَّه - ﷿ -، قال النبي - ﷺ - للأشجِّ (٢): «إن فيك خصلتين يحبِّهما اللَّه: الحلم والأناة» (٣).\nوفي رواية قال الأشجّ: يا رسول اللَّه، أنا تخلَّقت بهما أم اللَّه جبلني عليهما؟ قال: «بل اللَّه جبلك عليهما»، قال: الحمد للَّه الذي جبلني على خُلُقيْن يحبهما اللَّه ورسوله (٤).\nوسبب قول النبي - ﷺ - ذلك للأشجّ ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي - ﷺ -، وأقام الأشجّ عند رحالهم، فجمعها، وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي - ﷺ - فقرّبه النبي - ﷺ - وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبي - ﷺ -: «تبايعونِ على أنفسكم وقومكم» فقال القوم: نعم، فقال الأشجّ: يا رسول اللَّه،\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، ٢/ ٤٨٠.\n(٢) المنذر بن عائذ بن المنذر العصري، أشج عبد القيس، كان سيد قومه، رجع بعد إسلامه إلى البحرين مع قومه، ثم نزل البصرة بعد ذلك ومات بها - ﵁ -. انظر: تهذيب التهذيب،\n١٠/ ٢٦٧.\n(٣) مسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله - تعالى - ورسوله، برقم ٢٥.\n(٤) أبو داود، في الأدب، باب في قبلة الجسد، برقم ٥٢٢٧، وأحمد، ٤/ ٢٠٦، ٣/ ٢٣.","vol":"1","page":105},{"text":"إنك لم تزاول الرجل على شيء أشدّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، ونرسل من يدعوهم، فمن اتبَّعَنا كان منا، ومن أبى قاتلناه، قال: «صدقت، إن فيك خصلتين ...» الحديث.\nفالأناة: تربُّصُه حتى نظر في مصالحه، ولم يعجل، والحلم: هذا القول الذي قاله، الدال على صحّة عقله، وجودة نظره للعواقب (١).\nومما يُؤكِّد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة ودعائمها العظام أنه خُلُق عظيم من أخلاق النبوة والرسالة، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم عظماء البشر، وقدوة أتباعهم من الدعاة إلى اللَّه والصالحين في الأخلاق المحمودة كافة.\nوقد واجه كل واحد منهم من قومه ما يثير الغضب، ويغضب منه عظماء الرجال، ولكن حلموا عليهم، ورفقوا بهم، ولانوا لهم حتى جاءهم نصر اللَّه المؤزَّر، وعلى رأسهم إمامهم، وسيدهم، وخاتمهم محمد - ﷺ - ولم يكن غريبًا أن يوجهه اللَّه تعالى إلى قمة هذه السيادة حين يقول له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم، ١/ ١٨٩، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ١٥٢.\n(٢) سورة الأعراف، الآيتان: ١٩٩ - ٢٠٠.\n(٣) سورة فصلت، الآية: ٣٤.","vol":"1","page":106},{"text":"الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>ثالثًا: أمثلة الحلم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>المثال الأول: مع من قال هذه قسمة ما عُدِلَ فيها:</span>\nعن ابن مسعود - ﵁ - قال: لما كان يوم حنينٍ آثر النبيُّ - ﷺ - أُناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أُناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: واللَّه إن هذه القسمة ما عُدِلَ فيها، وما أُريدَ بها وجه اللَّه، فقلت: واللَّه لأُخبرنَّ النبي - ﷺ -، فأتيته فأخبرته، فقال: «فمن يعدلْ إذا لم يعدلِ اللَّه ورسولُه؟! رحم اللَّه موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (٢).\nوهذا من أعظم مظاهر الحلم في الدعوة إلى اللَّه - تعالى - وقد اقتضت حكمة النبي - ﷺ - أن يقسم الغنائم بين هؤلاء المؤلفة قلوبهم، ويوكِّل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>المثال الثاني: مع من قال: كنا أحقَّ بهذا:</span>\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - إلى رسول اللَّه من اليمن بذهيبة (٤) في أديم مقروظ (٥) لم تُحصِّل من\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٢) البخاري بلفظه، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس، برقم ٢٩٨١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، برقم ١٠٦٢.\n(٣) انظر: فتح الباري، شرح صحيح البخاري، ٨/ ٤٩.\n(٤) أي: ذهب. انظر: فتح الباري، ٨/ ٦٨.\n(٥) مدبوغ بالقرظ. انظر: فتح الباري، ٨/ ٦٨.","vol":"1","page":107},{"text":"ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر (١)، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل (٢)، والرابع إما علقمة (٣) وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحقَّ بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبيَّ - ﷺ - فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء» قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كثّ اللحية، محلوق الرأس، مشمِّر الإزار، فقال: يا رسول اللَّه! اتّقِ اللَّه، قال: «ويلك، أولست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي اللَّه»، قال: ثم ولَّى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول اللَّه! ألا أضرب عنقه؟ قال: «لا، لعله أن يكون يصلي»، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إني لم أُومر أن أنقِّب قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم»، قال: ثم نظر إليه وهو مُقفٍّ فقال: «إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب اللَّه رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٤).\nوهذا من ظواهر حلم النبي - ﷺ -، فقد أخذ بالظاهر، ولم يؤمر أن ينقب قلوب الناس، ولا أن يشق بطونهم، والرجل قد استحق القتل\n_________\n(١) وهو عيينة بن حصن بن حذيفة، نسب لجده الأعلى. الفتح، ٨/ ٦٨.\n(٢) زيد الخيل بن مهلهل الطائي، وسماه النبي - ﷺ - زيد الخير، بالراء بدل اللام. انظر: فتح الباري، ٨/ ٦٨.\n(٣) ابن علاثة العامري، أسلم وحسن إسلامه، واستعمله عمر على حوران، فمات بها في خلافته. انظر: فتح الباري، ٨/ ٦٨.\n(٤) البخاري، كتاب المغازي، باب بعث على بن أبي طالب، وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن، برقم ٣١٦٦، ومسلم، في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم ١٠٦٤.","vol":"1","page":108},{"text":"واستوجبه؛ ولكن النبي - ﷺ - لم يقتله، لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، ولاسيما من صلّى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>المثال الثالث: مع الطفيل:</span>\nمن مواقف الحلم ما فعله رسول اللَّه - ﷺ - مع الطفيل بن عمرو الدوسي - ﵁ -، فقد أسلم الطفيل - ﵁ - قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه إلى اللَّه - ﷿ - فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول اللَّه - ﷺ - وذكر له أن دوسًا هلكت وكفرت وعصت وأبت.\nفعن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول اللَّه - ﷺ - فقال: إن دوسًا قد عصت وأبت، فادع اللَّه عليهم، فاستقبل رسول اللَّه القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: «اللَّهم اهد دوسًا، وائت بهم، اللَّهم اهد دوسًا، وائت بهم» (٢).\nوهذا يدلّ على حلم النبي - ﷺ - وصبره، وتأنِّيه في الدعوة إلى اللَّه - ﷿ -؛ فإنه - ﷺ - لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من ردّ الدعوة؛ ولكنه - ﷺ - دعا لهم بالهداية، فاستجاب اللَّه دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم، فأسلم\n_________\n(١) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ٨/ ٦٩.\n(٢) البخاري، في كتاب الجهاد، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم، برقم ٢٧٧٩، وفي كتاب المغازي، باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي، برقم ٤١٣١، وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين، برقم ٦٠٣٤، ومسلم، في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل غفار وأسلم وجهينة وأشجع وتميم ودوس وطيئ، برقم ٢٥٢٤، وأخرجه أحمد واللفظ له، ٢/ ٢٤٣، ٤٤٨، وانظر: البداية والنهاية، ٦/ ٣٣٧، ٣/ ٩٩، وسيرة ابن هشام، ١/ ٤٠٧.","vol":"1","page":109},{"text":"على يديه خلق كثير، ثم قدم على النبي - ﷺ - وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتًا من دوس، ثم لحقوا بالنبي - ﷺ - بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (١).\nاللَّه أكبر! ما أعظمها من حكمة أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة.\nوهذا مما يوجب على الدعاة إلى اللَّه - ﷿ - العناية بالحلم في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل اللَّه ثم معرفة هدي النبي - ﷺ - في دعوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>المثال الرابع: مع من أراد قتل النبي - ﷺ </span>-:\nروى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: غزونا مع رسول اللَّه - ﷺ - قِبَلَ نجد (٢)، فأدركنا رسول اللَّه - ﷺ - في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول اللَّه - ﷺ - تحت شجرة، فعلّق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلّون بالشجر، قال: فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن رجلًا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتًا (٣) في يده، فقال لي: من يمنعنك مني؟ قال: قلت: اللَّه، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: اللَّه، قال: فشام (٤) السيف، فها هو ذا جالس»، ثم لم يعرض له رسول\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١/ ٣٤٦،وزاد المعاد، ٣/ ٦٢٦،والإصابة في تمييز الصحابة، ٢/ ٢٢٥.\n(٢) وقع في رواية البخاري التصريح باسمها «ذات الرقاع»، انظر: البخاري مع الفتح، ٧/ ٤٢٦.\n(٣) والسيف صلتًا: أي مسلولًا. انظر: شرح النووي، ١٥/ ٤٥.\n(٤) شام السيف: أي رده في غمده. انظر: المرجع السابق، ١٥/ ٤٥.","vol":"1","page":110},{"text":"اللَّه - ﷺ - (١).\nاللَّه أكبر! ما أعظم هذا الخلق! وما أكبر أثره في النفس! أعرابي يريد قتل النبي - ﷺ - ثم يعصمه اللَّه منه، ويمكِّنه من القدرة على قتله، ثم يعفو عنه! إن هذا لخُلُقٌ عظيم، وصدق اللَّه العظيم إذ يقول للنبي - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢)، وهذا الخلق العظيم قد أثَّر في حياة الرجل، وأسلم بعد ذلك، فاهتدى به خلق كثير (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>المثال الخامس: مع زيد الحبر:</span>\nكان النبي - ﷺ - يعفو عند القدرة، ويحلم عند الغضب، ويحسن إلى المسيء، وقد كانت هذه الأخلاق العالية من أعظم الأسباب في إجابة دعوته والإيمان به، واجتماع القلوب عليه، ومن ذلك ما فعله مع زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبار (٤).\nجاء زيد بن سعنة إلى رسول اللَّه - ﷺ - يطلبه دينًا له، فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه، وأغلظ له القول، ونظر إلى النبي - ﷺ - بوجهٍ غليظٍ وقال: يا محمد، ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني عبد المطلب\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة، برقم ٢٩١٠، وكتاب المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، برقم ٤١٣٦، ومسلم، واللفظ له، كتاب الفضائل، باب: توكله على الله - تعالى -، وعصمة الله - تعالى - له من الناس، برقم ٨٤٣، وأحمد، ٣/ ٣١١، ٣٦٤.\nوانظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني، فقد ذكر رواية مطولة عزاها لأبي بكر الإسماعيلي في صحيحه، ٢/ ٣٣٥.\n(٢) سورة القلم، الآية: ٤.\n(٣) انظر: فتح الباري، ٧/ ٤٢٨، وشرح النووي على مسلم، ١٥/ ٤٤، وذكر ابن حجر والنووي في هذا الموضع أن اسم الأعرابي: غورث بن الحارث.\n(٤) انظر: هذا الحبيب يا محب، ص٥٢٨، وهداية المرشدين، ص٣٨٤.","vol":"1","page":111},{"text":"قوم مُطْلٌ، وشدّد له في القول، فنظر إليه عمر وعنياه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو اللَّه، أتقول لرسول اللَّه - ﷺ - ما أسمع، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول اللَّه - ﷺ - ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدَةٍ وتَبَسُّمٍ، ثم قال: «أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعًا من تمرٍ»، فكان هذا سببًا لإسلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوكان زيد قبل هذه القصة يقول: «لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد - ﷺ - إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا» (١).\nفاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وُصِفَ، فأسلم وآمن وصدق، وشهد مع النبي - ﷺ - مشاهده، واستشهد في غزوة تبوك مقبلًا غير مدبر (٢).\nفقد أقام محمد - ﷺ - براهين عديدة من أخلاقه على صدقه، وأن ما يدعو إليه حق.\n_________\n(١) ذكر ابن حجر في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة هذه القصة وعزاها إلى الطبراني، والحاكم، وأبي الشيخ في كتابه أخلاق النبي - ﷺ -، وابن سعد، وغيرهم، ثم قال ابن حجر: ورجال إسناده موثقون ... ومحمد بن أبي السري وثقة ابن معين ... والوليد قد صرح بالتحديث، ١/ ٥٦٦.\nوذكره ابن كثير في البداية والنهاية، ٢/ ٣١٠، وعزاه إلى أبي نعيم في الدلائل، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ٢٤٠: «رواه الطبراني، ورجاله ثقات».\n(٢) الإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٥٦٦.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المثال السادس: مع ثمامة:</span>\nروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: بعث رسول اللَّه - ﷺ - خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أُثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول اللَّه - ﷺ - فقال: «ماذا عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم (١)، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تُعطَ منه ما شئت؛ فتركه رسول اللَّه حتى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: ما قلت لك، إن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعطَ منه ما شئت؟ فتركه رسول اللَّه - ﷺ - حتى كان من الغد، فقال: «ماذا عندك يا ثمامة»، فقال: عندي ما قلت لك، إن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تُعطَ منه ما شئت؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «أطلقوا ثمامة»، فانطلق إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: «أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا محمد! واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغضَ إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ، واللَّه ما كان من دين أبغضَ إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين كله إليَّ، واللَّه ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشّره رسول اللَّه - ﷺ -، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال\n_________\n(١) معناه: إن تقتل تقتل صاحب دم يدرك قاتله به ثأره لرئاسته وفضيلته، وقيل: معناه تقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه فلا عتب عليك في قتله. انظر: فتح الباري، ٨/ ٨٨.","vol":"1","page":113},{"text":"له قائل: أصبوت؟ فقال: [لا واللَّه]، ولكني أسلمت مع رسول اللَّه - ﷺ -، ولا واللَّه لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتى يأذن فيها رسول اللَّه - ﷺ -» (١).\n«ثم خرج - ﵁ - إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئًا، فكتبوا إلى رسول اللَّه - ﷺ -: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فكتب رسول اللَّه - ﷺ - إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل» (٢).\nوذكر ابن حجر أن ابن منده روى بإسناده عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة، ومنعه قريش عن الميرة، ونزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٣).\nوقد ثبت ثمامة على إسلامه لما ارتدّ أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين (٤).\nاللَّه أكبر، ما أحلم النبي محمدًا - ﷺ -، وما أعظمه من موقف، فقد كان - ﷺ - يتألف القلوب، ويلاطف من يُرجى إسلامه من الأشراف\n_________\n(١) البخاري، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال، برقم ٤٣٧٢، ومسلم - واللفظ له إلا ما بين المعقوفين فمن البخاري - في كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المنّ عليه، برقم ١٧٦٤.\n(٢) سيرة ابن هشام، ٤/ ٣١٧ بتصرف يسير، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٨٨.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٧٦.\nوقال ابن حجر عن هذا الأثر: «إسناده حسن». انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٢٠٣.\n(٤) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٢٠٣.","vol":"1","page":114},{"text":"الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير.\nوهكذا ينبغي للدعاة إلى اللَّه - ﷿ - أن يعظّموا أمر الحلم والعفو عن المسيء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة؛ لما أسداه النبي - ﷺ - إليه من الحلم والعفو والمنّ بغير مقابل، وقد ظهر لهذا العفو الأثر الكبير في حياة ثمامة، وفي ثباته على الإسلام ودعوته إليه (١)؛ ولهذا قال:\n\nأهمّ بترك القول ثم يردّني ... إلى القول إنعامُ النّبيّ محمّدِ\nشكرتُ له فكّي من الغلِّ بعدما ... رأيت خيالًا من حسامٍ مهنّدِ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>المثال السابع: مع من جذب النبي - ﷺ - بردائه:</span>\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كنت أمشي مع النبي - ﷺ - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبةً شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي - ﷺ - قد أثّرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال اللَّه الذي عندك، فالتفت إليه رسول اللَّه - ﷺ - فضحك، ثم أمر له بعطاء (٣).\nوهذا من روائع حلمه - ﷺ - وكماله، وحسن خلقه، وصفحه الجميل، وصبره على الأذى في النفس، والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام؛ وليتأسّى به الدعاة إلى اللَّه،\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٢/ ٨٩، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٨٨.\n(٢) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٢٠٣.\n(٣) البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، برقم ٣١٤٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة، برقم ١٠٥٧.","vol":"1","page":115},{"text":"والولاة بعده في حلمه، وخُلُقه الجميل من الصفح، والإغضاء، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>المثال الثامن: اللَّهم اغفر لقومي:</span>\nومن عظيم حلمه عدم دعائه على من آذاه من قومه، وقد كان باستطاعته أن يدعو عليهم، فيهلكهم اللَّه، ويدمرهم، ولكنه - ﷺ - حليم حكيم يهدف إلى الغاية العظمى، وهي رجاء إسلامهم، أو إسلام ذرياتهم؛ ولهذا قال عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: كأني أنظر إلى رسول اللَّه - ﷺ - يحكي نبيًّا من الأنبياء، صلوات اللَّه وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدْمَوْهُ وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>المثال التاسع: مع من سبّ:</span>\nومن وراء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، يأتي الدعاة إلى اللَّه والصالحون من أتباعهم، وإذا كان اللَّه - ﷿ - قد جعل محمدًا - ﷺ - مثلًا عاليًا في الحلم، فقد أراد لأتباعه أن يسيروا على نهجه وسنته، ولذلك يقول اللَّه - تعالى - عن الأخيار من هؤلاء: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (٣).\nفمن صفاتهم أنهم أصحاب حلم، فإذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٥٠٦، وشرح النووي على مسلم، ٧/ ١٤٦، ١٤٧.\n(٢) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان، برقم ٣٤٧٧، ومسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، برقم ١٧٩٢.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.","vol":"1","page":116},{"text":"خيرًا كما كان رسول اللَّه - ﷺ - لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا (١).\nفعن النعمان بن مقرن المزني - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - وسبّ رجل رجلًا عنده، فجعل المسبُوبُ يقول: عليك السلام، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «أما إنَّ ملكًا بينكما يذبّ عنك كلما يشتمك هذا، قال له: بل أنت وأنت أحقّ به، وإذا قال له: عليك السلام، قال: بل لك، أنت أحق به» (٢).\nفهؤلاء الدعاة إلى اللَّه والصالحون إذا خاطبهم الجاهلون قالوا صوابًا وسدادًا، ويردّون المعروف من القول على من جهل عليهم (٣)؛ لأن من أخلاقهم العفو والصفح عمن أساء إليهم، فقد تخلّقوا بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعةً، حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله كظموا ذلك الغضب فلم يُنفِّذُوه، ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (٤)، فترتّب على هذا الحلم، والعفو، والصفح من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير (٥)، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٦).\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ٢/ ٣١٠، والإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٥٥٦، ومجمع الزوائد، ٨/ ٢٤٠.\n(٢) رواه الإمام أحمد في المسند، ٥/ ٤٤٥، وقال ابن كثير في تفسيره، ٣/ ٣٢٦: «إسناده حسن».\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٣٢٦.\n(٤) سورة الشورى، الآية: ٣٧.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير، ٤/ ١١٨، وتفسير العلامة السعدي، ٦/ ٦٢١.\n(٦) سورة فصلت، الآية: ٣٤.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المثال العاشر: مع عيينة:</span>\nومما يُبيّن حلم أصحاب النبي - ﷺ - من بعده وإن كانوا خلفاء وأمراء، ما رواه البخاري عن ابن عباس - ﵁ - قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على أخيه الحرّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القرّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فواللَّه ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن اللَّه - تعالى - قال لنبيّه - ﷺ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١)، وإن هذا من الجاهلين، واللَّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب اللَّه (٢).\nوهذا الرجل قد جفا عمر أمير المؤمنين بعدة أمور تثير الغضب، وتجعله عرضة للانتقام والتأديب.\nأول هذه الأمور: قوله: هي يا ابن الخطاب، ولم يقل: يا أمير المؤمنين.\nوالثاني: قوله: واللَّه ما تعطينا الجزل، يعني العطاء الكثير.\nوالثالث: وهو أقبح الأمور الثلاثة، قوله: ولا تحكم بيننا بالعدل.\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(٢) البخاري، كتاب التفسير، سورة الأعراف، باب: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، برقم ٤٦٤٢.","vol":"1","page":118},{"text":"ومع هذا كله حلم عنه عمر وعفا عنه، وصفح بعدما سمع الآية، وسمع قول الحر: إن هذا من الجاهلين، ووقف عند الآية: ولم يعمل بغير ما دلت عليه، بل عمل بمقتضاها، - ﵁ - وأرضاه (١)، وهذا يدل على كمال حلمه وحكمته التي استفادها من هدي رسول اللَّه - ﷺ - فرسخت في ذهنه حتى كانت هيئة راسخة ثابتة في نفسه وخُلُقه.\nوهذا يحتاج في بداية الأمر إلى جهاد وقوة؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٢).\nولاشك أن الغضب يهدم الحلم وينافيه، وصاحب الغضب لا يكون حليمًا، ولهذا قال - ﷺ - لمن قال أوصني: «لا تغضب» (٣).\nوالداعية إلى اللَّه يستطيع أن يتّصف بالحلم؛ ليكون حكيمًا، وذلك بعلاج الغضب (٤)، إذا حلّ به ونزل، ولا يكون العلاج النافع إلا بما شرعه اللَّه، وبينه نبيه - ﷺ -، فقد عمل على تربية المسلمين تربية قولية وفعلية وعملية حتى يكونوا حلماء، حكماء.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٣/ ٢٥٩، ٨/ ٣٠٥، ١٣/ ٢٥٠.\n(٢) البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، برقم ٦١١٤، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب، برقم ٢٦٠٩.\n(٣) البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، برقم ٦١١٦، والحديث فيه: فردد مرارًا، قال: «لا تغضب».\n(٤) انظر: المبحث الرابع: طرق تحصيل الحلم، المطلب الأول: علاج الغضب من هذا الكتاب.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المبحث التاسع عشر: الأناة والتثبت</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>أولًا: تعريف الأناة والتثبت:</span>\nالأناة في اللغة: التثبت وعدم العجلة، يقال: تَأنَّى في الأمر: مكث ولم يعجل، والاسم منه: أناة (١).\nويقال: تأنَّى في الأمر: ترفَّق، وتنظّر، وتَمهّلَ، واستأنى به: انتظر به وأمهله (٢).\nوتأتي الأناة بمعنى التبيّن والتثبّت في الأمور، يقال: تَبيّنَ في الأمر والرأي: تثبّت، وتأنّى فيه ولم يعجل (٣).\nويأتي التبين بمعنى: التبصر: التعرف والتأمل، يقال: تبصّر الشيء، وتأمل في رأيه: تبين ما يأتيه من خيرٍ أو شرٍ (٤).\nوعلى ضوء ما تقدم تكون الأناة هي: التصرف الحكيم بين العجلة والتباطؤ (٥).\nوالأناة مظهر من مظاهر خُلق الصبر، وهي من صفات أصحاب العقل والرزانة، بخلاف العجلة فإنها من صفات أصحاب الرعونة والطيش، وهي تدل على أن صاحبها لا يملك الإرادة القوية القادرة على ضبط نفسه تجاه انفعالاته العجولة، وبخلاف التباطؤ والتواني\n_________\n(١) المصباح المنير، مادة: أنى، ٢٨.\n(٢) انظر: مختار الصحاح، مادة: أنى، ص١٣، والمعجم الوسيط، ١/ ٣١.\n(٣) انظر: المعجم الوسيط، مادة: أبان، ١/ ٨٠، ومادة: ثبت، ١/ ٩٣.\n(٤) انظر: القاموس المحيط، باب الراء، فصل الباء، ص٤٤٨، ومختار الصحاح، مادة: بصر، ص٢٢، والمعجم الوسيط، ١/ ٥٩.\n(٥) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها لعبد الرحمن الميداني، ٢/ ٣٥٢.","vol":"1","page":120},{"text":"فهما من صفات أصحاب الكسل والتهاون بالأمور، ويدلاّن على أن صاحبهما لا يملك القدرة على دفع همّته للقيام بالأعمال التي تحقّق له ما يرجوه، أو ليس لديه همة عالية تنشد الكمال، فهو يرضى بالدنيات، إيثارًا للراحة، وكسلًا عن القيام بالواجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>ثانيًا: أهمية الأناة والتثبت:</span>\nوالأناة عند المسلم الصادق تسمح له بأن يُحكِّم أموره، ويضع الأشياء في مواضعها، فهي ركن من أركان الحكمة، بخلاف العجلة فإنها تعرّضه لكثير من الأخطاء والإخفاق، والتعثر، والارتباك، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وبخلاف التباطؤ والكسل فهو أيضًا يعرضه للتخلف والحرمان من تحقق النتائج التي يرجوها (١).\nوالداعية مطلوب منه أن يتخلّق بخُلُق الأناة، ولكن ما يتطلب من الأمور عملًا سريعًا فالحكمة السرعة إذن، وهي لا تخرج عن الأناة، فالقضية نسبية، وما يتطلب من الأمور عملًا بطيئًا فالحكمة البطء إذن، وهو لا يخرج عن الأناة؛ لأن الأمر نسبي، وليس للأناة مقادير زمنية ثابتة؛ ولكنها تختلف باختلاف حاجة الأشياء إلى مقدار السرعة الزمنية التي تحتاجها وتستدعيها النتائج المطلوبة، فالأشياء مربوطة بأوقاتها، والعجلة فيها مع معرفة أوقاتها المطلوبة خُلُقٌ مذموم يدل على ضعف الهمة والإخلاد إلى الراحة والكسل، أما الأناة فليست تعجلًا ومسابقة لأوقات الأشياء، ولا تباطؤًا وكسلًا،\n_________\n(١) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها لعبد الرحمن الميداني، ٢/ ٣٥٣، وأخلاق القرآن الكريم للشرباصي، ٣/ ١٥.","vol":"1","page":121},{"text":"وكل من العجلة والتباطؤ يضيعان على أصحابهما الجهد والزمن، وما بذلوه، والأناة هي الكفيلة - بإذن اللَّه تعالى - بتحقيق المطلوب، وتفادي الخسارة.\nوقد ذم الإسلام الاستعجال ونهى عنه، وذم التباطؤ والكسل ونهى عنه، ومدح الأناة وأمر بها، وعمل على تربية المسلمين على الأناة والتثبت الحكيم بالأعمال وتصريف الأمور (١).\nقال اللَّه - تعالى - للنبي - ﷺ - تربية له وتعليمًا: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٢).\nفأمر اللَّه سبحانه نبيه بعدم العجلة ومسابقة الملَك في قراءته، وتكفل اللَّه له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبيِّنه له ويفسِّره (٣).\nوقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٤).\nوأمر سبحانه عباده المؤمنين والدعاة إلى اللَّه - تعالى - بالتأني في الأمور والتثبت فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٥)، قرأ الجمهور (فتبينوا) من التبين، وهو التأمل، وقرأ حمزة والكسائي:\n_________\n(١) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني، ٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤، بتصرف.\n(٢) سورة القيامة، الآيات: ١٦ - ١٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ٤/ ٤٥٠.\n(٤) سورة طه، الآية: ١١٤.\n(٥) سورة الحجرات، الآية: ٦.","vol":"1","page":122},{"text":"(فتَثبَّتوا)، والمراد من التبيّن التعرّف والتفحّص، ومن التثبّت: الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر (١).\nوالدعاة إلى اللَّه أولى بامتثال أمر اللَّه - تعالى - وبالتأنِّي والتثبُّت من الأقوال والأفعال، والاستيثاق من مصدرها قبل الحكم عليها أو لها، وعليهم أن يتدبروا الأمور على مهلٍ، غير متعجلين؛ لتظهر لهم جلية واضحة، لا غموض فيها ولا التباس (٢).\nوالداعية إلى اللَّه - تعالى - إذا أبصر العاقبة أمِنَ الندامة، ولا يكون ذلك إلا إذا تدبّر الأمور التي تعرض له، ويواجهها، فإذا كانت رشدًا، وحقًا، وصوابًا فليمض، وإذا كانت غيَّا، وضلالًا، وظنًّا خاطئًا، فليقف ولينتهِ حتى يتضح له الحق.\nوالمشاهَد والواقع أن عدم التثبت وعدم التأني يؤدِّيان إلى كثير من الأضرار والمفاسد، فقد يسمع الإنسان خبرًا، أو يقرأ نبأ في صحيفة، أو مجلة، فيسارع بتصديقه، ويعادي ويصادق، ويبني على ذلك التصرفات والأعمال التي يصدرها للمقاومة أو الموافقة، على أساس أنه حق واقع، ثم يظهر أنه كان مكذوبًا، أو مُحرّفًا، أو مزوَّرًا، أو مبالغًا فيه، أو مرادًا به غير ما فهمه الإنسان، ومن هنا يكتوي المتسرع بلهب الندم والحسرة بسبب استعجاله وعدم تثبته.\nوقد يصاب الداعية أو غيره من المسلمين بأذى دون أن يعرف مصدره، فيستعجل ويسارع فيتّهم هذا، أو يسبّ ذاك، فيندم ويحصد\n_________\n(١) انظر: فتح القدير، للإمام الشوكاني، ٤/ ٦٠.\n(٢) انظر: في ظلال القرآن، ٦/ ٣٣٣٤، وموسوعة أخلاق القرآن للشرباصي، ٣/ ١٥.","vol":"1","page":123},{"text":"ثمرة عجلته وعدم تثبته، ولو أنه تأنَّى، وتبيَّن، وتثبَّت؛ لأدرك مصدر الأذى على حقيقته، وحينئذ يصدر التصرف على أساس البينة والبرهان، فلا يفقد أصدقاء له، ولا يضيف إلى أعداءه عدوًا جديدًا منهم.\nويدخل في العجلة وعدم التثبت تعجل الإنسان في المدح أو الذم، دون دراية أو دون موجب لذلك، أو يتعجل بالكلام قبل أن يديره على عقله، أو بالفتوى قبل أن يعرف دليله وبرهانه الذي اعتمد عليه، وبنى عليه فتواه، وبعد ذلك يحصد الغم والأسف (١)، قال - ﷿ -: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (٢).\nولعظم أمر الأناة والتبين التي أمر اللَّه بها حتى في جهاد الكفار في سبيل اللَّه الذي هو من أعظم وسائل الدعوة إلى اللَّه تعالى، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣).\nومن المعلوم أن الأمور قسمان: أمور واضحة، وأمور غير واضحة.\nفالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبيت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل.\n_________\n(١) انظر: موسوعة أخلاق القرآن الكريم، ٣/ ٢٦، وفي ظلال القرآن، ٦/ ٣٣٤٢.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ١١.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٩٤.","vol":"1","page":124},{"text":"وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الداعية خاصة والمسلمين عامةً بحاجة إلى التثبت فيها والتبين؛ فإن ذلك يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكفّ عن شرور عظيمة ما يجعل المسلم في سلامة عن الزلل، وبذلك يُعرفُ دين العبد وعقله ورزانته (١).\nومما يزيد الآية السابقة وضوحًا ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال: كان رجل في غُنَيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غُنَيمته، فأنزل اللَّه في ذلك إلى قوله: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تلك الغُنَيمة، وقرأ ابن عباس: السلام (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>ثالثًا: أمثلة الأ ناة والتثبت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>المثال الأول: مع أسامة:</span>\nعن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسول اللَّه - ﷺ - إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبَّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا اللَّه، قال: فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي - ﷺ - قال: فقال لي: «يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلا اللَّه» قال: قلت: يا رسول اللَّه، إنما كان متعوِّذًا، قال: فقال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا اللَّه»، قال، فمازال يُكرّرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ٢/ ١٣٢.\n(٢) البخاري، كتاب التفسير، سورة النساء، باب: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾، برقم٤٥٩١.","vol":"1","page":125},{"text":"ذلك اليوم (١).\nوفي رواية: قال: قلت يا رسول اللَّه: إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا»، فمازال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ (٢).\nوفي رواية: «كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة»، قال: يا رسول اللَّه: استغفر لي، قال: «وكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة». قال فجعل لا يزيده على أن يقول: «كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة» (٣).\nولهذا كان النبي - ﷺ - أعظم الناس أناةً وتثبُّتًا، فكان لا يُقاتل أحدًا من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام، فعن أنس بن مالك - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم ...» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>المثال الثاني: قبل القتال:</span>\nكان النبي - ﷺ - يُعلِّم ويربِّي أصحابه على الأناة والتثبُّت في دعوتهم إلى اللَّه - تعالى - ومن ذلك أنه كان يأمر أمير سريته أن يدعوَ عدوَّه قبل القتال إلى ثلاث خصال:\n_________\n(١) البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي - ﷺ - أسامة إلى الحرقات، برقم ٤٢٦٩، ومسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، برقم ٩٦.\n(٢) مسلم، في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، برقم ٩٦.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، برقم ٩٦.\n(٤) البخاري بلفظه مطولًا، في كتاب الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء، برقم ٦١٠، ومسلم، في الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سُمِعَ فيهم الأذان، برقم ١٣٦٥.","vol":"1","page":126},{"text":"الخصلة الأولى: الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.\nالخصلة الثانية: فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية.\nالخصلة الثالثة: فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان باللَّه وقاتلهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>المثال الثالث: في الصلاة:</span>\nومن تربيته لأصحابه - ﷺ - على الأناة وعدم العجلة قوله: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسْعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة فما أدركْتُمْ فصلّوا، وما فاتكم فأتموا» (٢).\nوقوله - ﷺ -: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت» (٣).\nولِسُمُوِّ الأناة أحبها اللَّه - ﷿ -، قال رسول اللَّه - ﷺ - للأشج: «إن فيك خصلتين يحبهما اللَّه: الحلم، والأناة» (٤).\nوالرسل عليهم الصلاة والسلام هم صفوة الخلق وقدوتهم، وهم أكمل الناس أناة وحلمًا، وأعظمهم في ذلك وأوفرهم حظًا محمد - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>المثال الرابع: في الغزو:</span>\nعن أنس - ﵁ - قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: اللَّه\n_________\n(١) أخرج الحديث مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، برقم ١٧٣١، وانظر: زاد المعاد لابن القيم، ٣/ ١٠٠.\n(٢) البخاري، كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة، وقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾،برقم ٩٠٨، ومسلم في المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بسكينة ووقار والنهي عن إتيانها سعيا، برقم ٦٠٢.\n(٣) مسلم، في كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة، برقم ٦٠٤.\n(٤) مسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله - تعالى - ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه، برقم ١٧.","vol":"1","page":127},{"text":"أكبر، اللَّه أكبر فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «على الفطرة»، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه أشهد أن لا إله إلا اللَّه، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «خرجت من النار» (١).\nوعنه - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان إذا غزا بنا قومًا لم يغزُ بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذانًا كف عنهم وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم ... (٢).\nوهذا يدل على تثبته - ﷺ - وعدم عجلته، وهو أسوة الدعاة إلى اللَّه تعالى وقدوتهم.\nوعن عبد اللَّه بن سرجس المزني - ﵁ -،أن النبي - ﷺ - قال: «السَّمْتُ الحسن (٣)، والتُّؤَدَةُ، والاقتصاد (٤)، جزء من أربعةٍ وعشرين جزءًا من النبوة» (٥).\nوبهذا يُعلم أن الأناة في كل شيء محمودة وخيرٌ إلا ما كان من أمر الآخرة، بشرط مراعاة الضوابط التي شرعها اللَّه حتى تكون المسارعة مما يحبه اللَّه تعالى (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان، برقم ٣٨٢.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء، برقم ٢٩٤٣.\n(٣) السمت الحسن: هو حسن الهيئة والمنظر. انظر: فيض القدير للمناوي، ٣/ ٢٧٧.\n(٤) الاقتصاد: هو التوسط في الأمور والتحرز عن طرفي الإفراط والتفريط. انظر: المرجع السابق ٣/ ٢٧٧.\n(٥) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في التأني والعجلة، برقم ٢٠١٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٩٥.\n(٦) انظر: شرح السنة للبغوي، ١٣/ ١٧٧، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ١٥٣.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المبحث العشرون: الرفق واللين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>أولًا: تعريف الرفق واللين:</span>\nالرفق لغة: اللطف ولين الجانب (١)، وهو ضد العنف (٢)، واللين: ضد الخشونة (٣)، قال اللَّه تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٤).\nومعنى ﴿لِنتَ لَهُمْ﴾: سهَّلت لهم أخلاقك، وكثرة احتمالك، ولم تسرع إليهم بالغضب فيما كان منهم (٥).\nفظهر من هذه التعريفات اللغوية أن الرفق واللين يتضمن: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والأيسر وحسن الخلق، وكثرة الاحتمال، وعدم الإسراع بالغضب والتعنيف (٦).\nويُطلق الرفق واللين على المداراة إذا كان في ذلك دفع برفق، يُقال: «دَارَأهُ» أي لاينه واتقاه (٧)، ودفعه (٨)، ولاطفه ولاينه اتقاءً لشرِّه (٩)، وفي الحديث: «أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يصلي فجاءت بهمة\n_________\n(١) القاموس المحيط، ص١٤٥، والمعجم الوسيط، ١/ ٣٦٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ٢/ ٢٤٦.\n(٢) مختار الصحاح، ص١٠٥.\n(٣) المرجع السابق، ص٢٥٥.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٥) انظر: تفسير البغوي، ١/ ٤٤٩.\n(٦) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٤٤٩.\n(٧) مختار الصحاح، ص٨٥، مادة «دَرَأَ».\n(٨) القاموس المحيط، ص٥٠.\n(٩) المعجم الوسيط، ١/ ٢٧٦.","vol":"1","page":129},{"text":"تمرّ بين يديه فمازال يُدارئُها» أي يدافعها (١)، وقد بوّب البخاري - ﵀ - بابًا في صحيحه فقال: (باب المداراة مع الناس) ثم أورد حديث عائشة أنه استأذن على النبي - ﷺ - رجل فقال: «ائذنوا له فبئس ابن العشيرة» - أو بئس أخو العشيرة»، فلما دخل «ألان له الكلام». قالت عائشة: فقلت له: يا رسول اللَّه قلت ما قلت ثم ألنت له في القول. فقال: «أي عائشة إن شر الناس منزلة عند اللَّه من تركه - أو ودعه - الناس اتِّقاء فُحشه» (٢)، ويذكر عن أبي الدرداء - ﵁ -: «إنا لنكشِرُ (٣) في وجوه أقوام وإن قلوبنا تلعنهم» (٤).\nفظهر أن المداراة هي: الدفع برفق ولين.\nوالمداراة ليست من المداهنة: قال ابن بطال - ﵀ -: المداراة من أخلاق المؤمنين وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. قال: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق: أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضى بما هو فيه من غير إنكار عليه.\nوالمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، ٢/ ١١٠.\n(٢) البخاري، كتاب الأدب، باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب، برقم ٦٠٥٤.\n(٣) هو في الغالب الضحك مع ظهور الأسنان، الفتح، ١٠/ ٥٢٨.\n(٤) البخاري، بصيغة التمريض، كتاب الأدب، باب المداراة مع الناس، قبل الحديث رقم ٦١٣١، وقال ابن حجر١٠/ ٥٢٨: «منقطع».","vol":"1","page":130},{"text":"بلطف القول والفعل لاسيما إذا احتيج إلى تألفّه ونحو ذلك (١).\nوقد قال اللَّه تعالى لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢)، ومعنى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا﴾: يقول: دارياه وارفقا به (٣)، وقد استدل بهذه الآية المأمون عندما عنّفه واعظ وشدّد عليه القول، فقال: يا رجل ارفق، فقد بعث اللَّه من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق، فقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٤)، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّه لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٥).\nولهذا قال القائل:\n\nوإذا عجزت عن العدوِّ فداره ... وامزح له إن المزاحَ وفاقُ\nفالنارُ بالماء الذي هو ضدُّها ... تُعطي النِّضاح وطبعُها الإحراقُ\n\nفظهر مما تقدم:\n\n١ - أن الرفق واللين: لين الجانب بالقول، والفعل، والأخذ بالأسهل والأيسر، وحسن الخلق، وكثرة الاحتمال، وعدم الإسراع بالغضب والتعنيف والشدة والخشونة.\n_________\n(١) فتح الباري، ١٠/ ٥٢٨.\n(٢) سورة طه، الآيتان: ٤٣ - ٤٤.\n(٣) تفسير البغوي، ٣/ ٢١٩.\n(٤) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي، ٢/ ٣٣٤. وانظر: الرفق واللين للدكتور فضل إلهي، ص١٢.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":131},{"text":"٢ - أن المداراة تطلق على الرفق واللين إذا كان فيها مدافعة، كتعليم الجاهل، ونهي الفاسق عن فسقه. والمداراة من أخلاق المؤمنين.\n٣ - أن المداهنة مذمومة محرمة، وهي: معاشرة الفاسق ومخاللته مع الرضى بما هو عليه من المعاصي وعدم الإنكار عليه، واللَّه الموفق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>ثانيًا: أهمية الرفق واللين:</span>\nعن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال لها: «إنه من أُعطي حظّه من الرفق فقد أُعطي حظّه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخُلُق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (١).\nفقد عظّم النبي - ﷺ - شأن الرفق في الأمور كلها، وبين ذلك بفعله وقوله بيانًا شافيًا كافيًا؛ لكي تعمل أمّتهُ بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى اللَّه - ﷿ -؛ فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرّفاتهم، وأحوالهم. وهذا الحديث السابق وغيره من الأحاديث التي ستأتي تُبيّن فضل الرفق، والحث على التخلّق به، وبغيره من الأخلاق الحسنة، وذمّ العنف وذمّ من تخلَّق به.\nفالرفق سبب لكل خير؛ لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب، ومن الثواب ما لا يحصل بغيره، وما لا يأتي من ضده (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٦/ ١٥٩، وإسناده صحيح كما في الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم ٥١٩.\n(٢) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٦/ ١٤٥، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٤٤٩، وتحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، ٦/ ١٥٤.","vol":"1","page":132},{"text":"وقد حذّر النبي - ﷺ - من العنف، وعن التشديد على أمته - ﷺ -، فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول في بيتي هذا: «اللَّهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (١)، وكان - ﷺ - إذا أرسل أحدًا من أصحابه في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير.\nفعن أبي موسى - ﵁ - قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أموره قال: «بشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا» (٢).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إذا أراد اللَّه - ﷿ - بأهل بيتٍ خيرًا أدخل عليهم الرفق» (٣).\nوقال النبي - ﷺ - لأبي موسى الأشعري ومعاذ ﵄ حينما بعثهما إلى اليمن: «يسَّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوَعَا ولا تختلِفَا» (٤).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «يسِّرُوا ولا تعسِّرُوا، وبشِّرُوا ولا تنفِّرُوا» (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، برقم ١٨٢٨.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٢.\n(٣) أخرجه أحمد في المسند، ٦/ ٧١، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٢١٩، برقم ١٢١٩: «حديث صحيح من رواية عائشة ﵂».\n(٤) البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، برقم ٤٣٤١، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٣، واللفظ له.\n(٥) البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، برقم ٦٩، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٤.","vol":"1","page":133},{"text":"في هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي - ﷺ - في هذه الألفاظ بين الشيء وضده؛ لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقتٍ والتعسير في وقت، ويبشر في وقت وينفر في وقت آخر، فلو اقتصر على يسّروا لصدق ذلك على من يسِّر مرّة أو مرّات، وعسّر في معظم الحالات، فإذا قال: ولا تعسِّرُوا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه، وهذا هو المطلوب، وكذا يقال في يسّرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء، والنبي - ﷺ - قد حثّ في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل اللَّه وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وهذا فيه تأليف لمن قرب إسلامه وترك التشديد عليه، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويُتلطّف بهم في أنواع الطاعات قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج فمتى يُسِّرَ على الداخل في الطاعة، أو المريد للدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالبًا الازدياد منها، ومتى عُسِّرت عليه أوْشَكَ أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم ولا يستحليها (١)، وهكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يتخوّل أصحابه بالموعظة في الأيام كراهة السَّآمة عليهم (٢).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٢/ ٤١، وفتح الباري، ١/ ١٦٣.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١/ ١٦٢، ١٦٣.","vol":"1","page":134},{"text":"فصلوات اللَّه وسلامه عليه فقد دلّ أمته على كل خير، وحذّرهم من كل شرّ، ودعا على من شقّ على أمته، ودعا لمن رفق بهم كما تقدم في حديث عائشة، وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>ثالثًا: أمثلة الرفق واللين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>المثال الأول: مع شاب استأذن في الزنا:</span>\nعن أبي أمامة - ﵁ - قال: إن فتىً شابًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول اللَّه، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا له: مه مه! فقال له: «ادنه»، فدنا منه قريبًا، قال: «أتحبّه لأمك» قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداءك، قال: «ولا الناس يحبّونه لأمهاتهم». قال: «أفتحبّه لابنتك؟» قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، جعلني اللَّه فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: «أفتحبه لعمتك؟» قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال: فوضع يده عليه، وقال: «اللَّهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصّن فرجه»، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (٢).\nوهذا الموقف العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى اللَّه - ﷿ - أن يعتنوا\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢/ ٢١٣.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند من حديث أبي أمامة - ﵁ -، ٥/ ٢٥٦، ٢٥٧، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني، ١/ ١٢٩، وقال: «رجاله رجال الصحيح»، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٣٧٠.","vol":"1","page":135},{"text":"بالرفق والإحسان إلى الناس، ولاسيما من يُرغَبُ في استئلافهم ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم.\nوكما يبين لنا الرسول - ﷺ - الرّفق بفعله بينه لنا بقوله وأمرنا بالرفق في الأمر كله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>المثال الثاني: مع اليهود:</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول اللَّه - ﷺ - فقالوا: السامُ عليكم، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السامُ واللعنة. قالت: فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «مهلًا يا عائشة إن اللَّه يُحبّ الرفق في الأمر كله»، فقلت: يا رسول اللَّه أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول اللَّه - ﷺ -: «قد قلت وعليكم» (١).\nوقال رسول اللَّه - ﷺ -: «يا عائشة إن اللَّه رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يُعطي على ما سواه» (٢).\nوقال النبي - ﷺ -: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزع من شيء إلا شانه» (٣).\nوبين رسول اللَّه - ﷺ - أن من حُرِمَ الرفق فقد حرم الخير، قال - ﷺ -: «من يحرم الرفق يحرم الخير» (٤).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من أٌعطيَ حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرِمَ حظه من الرفق فقد\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، برقم ٦٠٢٤.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، عن عائشة ﵂، برقم ٢٥٩٣.\n(٣) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما سابقًا، برقم ٢٥٩٤،عن عائشة ﵂ أيضًا.\n(٤) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما سابقًا عن جرير بن عبد الله - ﵁ -، برقم ٢٥٩٢.","vol":"1","page":136},{"text":"حرم حظه من الخير» (١)، وعنه - ﵁ - يبلغ به قال: «من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخُلُق الحسن» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>المثال الثالث: مع من بال في المسجد:</span>\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: بينما نحن في المسجد مع رسول اللَّه - ﷺ - إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -: مَهْ مَهْ (٣)، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «لا تزرموه (٤)، دعوه»، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول اللَّه - ﷺ - دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه، والصلاة، وقراءة القرآن»، أو كما قال رسول اللَّه - ﷺ -.\nقال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه (٥) عليه (٦).\nوقد ثبت في البخاري وغيره أن هذا الرجل هو الذي قال: «اللَّهم\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الرفق، برقم ٢٠١٣، وقال: «حديث حسن صحيح»، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٩٥.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند، ٦/ ٤٥١، وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٧٦، وذكر له شواهد كثيرة.\n(٣) مه: كلمة زجر، وهو اسم مبني على السكون، معناه: اسكت. وقيل: أصلها: ما هذا؟ انظر: شرح النووي، ٣/ ١٩٣.\n(٤) لا تزرموه: أي لا تقطعوا عليه بوله. والإزرام: القطع. انظر: المرجع السابق، ٣/ ١٩٠.\n(٥) شنه: أي صبه عليه. انظر: المرجع السابق، ٣/ ١٩٣.\n(٦) أخرجه مسلم بلفظه في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها، برقم ٢٨٦، والبخاري، بمعناه مختصرًا في كتاب الوضوء، باب ترك النبي - ﷺ - والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد، برقم ٢١٩، وروايات بول الأعرابي في البخاري في عدة مواضع منها: برقم ٢١٩، ٢٢٠، ٢٢١، وقبل الحديث رقم ٢٢٢.","vol":"1","page":137},{"text":"ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا»، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قام رسول اللَّه - ﷺ - وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللَّهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي - ﷺ - قال للأعرابي: «لقد حجّرت واسعًا» يريد رحمة اللَّه (١).\nوتُفسّر هذه الرواية الروايات الأخرى عند غير البخاري، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: دخل رجل أعرابي المسجد فصلى ركعتين، ثم قال: اللَّهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا! فالتفت إليه رسول اللَّه - ﷺ - فقال: «لقد تحجّرت واسعًا»، ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه، فقال لهم رسول اللَّه - ﷺ -: «إنما بُعثتم مُيسِّرين، ولم تُبعثوا مُعسِّرين، أهريقوا عليه دلوًا من ماء، أو سجلًا من ماء» (٢).\nقال: يقول الأعرابي بعد أن فقه: «فقام النبي - ﷺ - إليّ بأبي وأمي فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب» (٣).\nالنبي - ﷺ - أحكم خلق اللَّه، فمواقفه وتصرفاته كلها مواقف حكمة مشرفة، ومن وقف على أخلاقه ورفقه وعفوه وحلمه، ازداد يقينه وإيمانه بذلك.\nوهذا الأعرابي قد عمل أعمالًا تثير الغضب، وتسبّب عقوبته وتأديبه من الحاضرين؛ ولذلك قام الصحابة إليه، واستنكروا أمره، وزجروه، فنهاهم النبي - ﷺ - أن يقطعوا عليه بوله.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم ٦٠١٠.\n(٢) أخرجه الترمذي بنحوه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في البول يصيب الأرض، برقم ١٤٧، وأخرجه أحمد في المسند بترتيب أحمد شاكر واللفظ لأحمد، ١٢/ ٢٤٤، برقم ٧٢٥٤، وأخرجه أحمد أيضًا مطولًا، ٢٠/ ١٣٤، برقم ١٠٥٤٠، وأبو داود، برقم ٣٨٠.\n(٣) أخرجه أحمد في المسند بترتيب أحمد شاكر وهو تكملة للحديث السابق من رواية أبي هريرة - ﵁ -، ٢٠/ ١٣٤، برقم ١٠٥٤٠، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب الأرض يصيبها البول كيف تغسل، برقم ٥٢٩.","vol":"1","page":138},{"text":"وهذا في غاية الرفق والحلم والرحمة، ويجمع ذلك كله الحكمة، فقد أنكر النبي - ﷺ - بالحكمة على هذا الأعرابي عمله، فقال له حينما قال: «اللَّهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا»: «لقد حجّرت واسعًا»، يريد - ﷺ - رحمة اللَّه، فإن رحمة اللَّه قد وسعت كل شيء، قال - ﷿ -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، فقد بخل هذا الأعرابي برحمة اللَّه على خلقه.\nوقد أثنى اللَّه - ﷿ - من فعل خلاف ذلك حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ (٢).\nوهذا الأعرابي قد دعا بخلاف ذلك، فأنكر عليه النبي - ﷺ - بالحكمة (٣).\nوحينما بال في المسجد أمر النبي - ﷺ - بتركه؛ لأنه قد شرع في المفسدة، فلو منع ذلك لزادت المفسدة، وقد حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منعه - ﷺ - بعد ذلك لدار بين أمرين:\n١ - إما أن يقطع عليه بوله فيتضرّر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه.\n٢ - وإما أن يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد.\nفأمر النبي - ﷺ - بالكفّ عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.\n(٢) سورة الحشر، الآية: ١٠.\n(٣) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٤٣٩.","vol":"1","page":139},{"text":"المصلحتين بترك أيسرهما (١).\nوهذا من أعظم الحكم العالية، فقد راعى النبي - ﷺ - هذه المصالح، وما يقابلها من المفاسد، ورسم - ﷺ - لأمته والدعاة من بعده كيفية الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، ولا سبٍّ ولا إيذاء ولا تشديد، إذا لم يكن ذلك منه عنادًا ولا استخفافًا، وقد كان لهذا الاستئلاف والرحمة والرفق الأثر الكبير في حياة هذا الأعرابي وغيره، فقد قال بعد أن فقه - كما تقدّم - وفي رواية الإمام أحمد: فقام النبي - ﷺ - إليّ بأبي وأمي، فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب (٢).\nفقد أثّر هذا الخلق العظيم في حياة الرجل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>المثال الرابع: مع معاوية بن الحكم:</span>\nعن معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ - قال: بينا أنا أصلي مع رسول اللَّه - ﷺ - إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك اللَّه! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمّياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني، لكنّي سكتُّ، فلما صلى رسول اللَّه - ﷺ - فبأبي هو وأمي ما رأيت معلِّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فواللَّه ما كهرني (٤) ولا ضربني ولا شتمني، قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، أو كما قال رسول اللَّه - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، شرح صحيح البخاري، ١/ ٣٢٥، وشرح النووي على مسلم، ٣/ ١٩١.\n(٢) أخرجه ابن ماجه، برقم ٥٢٩، وأحمد، تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: فتح الباري، ١/ ٣٢٥، وشرح النووي، ٣/ ١٩١، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، ٢/ ٣٩، وتحفة الأحوذي، شرح سنن الترمذي، ١/ ٤٥٧.\n(٤) ما كهرني: أي ما قهرني ولا نهرني. انظر: شرح النووي، ٥/ ٢٠.","vol":"1","page":140},{"text":"قلت: يا رسول اللَّه! إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء اللَّه بالإسلام، وإنا منا رجالًا يأتون الكهان، قال: «فلا تأتهم».\nقال: ومنا رجال يتطيرون، قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنّهم» (١)، (قال ابن الصلاح: فلا يصدّنكم)، قال: قلت: ومنا رجال يخطّون، قال: «كان نبي من الأنبياء يخطّ، فمن وافق خطّه فذاك» (٢).\nقال: وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبَلَ أُحُد والجوَّانية (٣)، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول اللَّه - ﷺ - فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول اللَّه! أفلا أعتقها، قال: «ائتني بها»، فأتيته بها، فقال لها: «أين اللَّه؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول اللَّه. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (٤).\nوهذا الموقف من أعظم الحكم البارزة السامية التي أوتيها النبي - ﷺ -، وقد ظهر أثر ذلك في حياة ونفس معاوية - ﵁ -؛ لأن النفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها، ولهذا قال معاوية - ﵁ -: ما رأيت معلِّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه.\n_________\n(١) قال العلماء: معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة، ولا عتب عليكم في ذلك، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم. انظر: المرجع السابق، ٥/ ٢٢.\n(٢) اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه: من وافق خطه فهو مباح له؛ ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يُباح، والمقصود أنه حرام؛ لأنه لا يُباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، وقيل: إنه نُسخ في شرعنا. فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن فهو محرم. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٣.\n(٣) الجوانية: موضع في شمال المدينة بقرب جبل أحد. انظر: المرجع السابق، ٥/ ٢٣.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، برقم ٥٣٧، وانظر شرحه في شرح مسلم للنووي، ٥/ ٢٠.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المثال الخامس: مع من كانت يده تطيش:</span>\nعن عمر بن أبي سلمة - ﵁ - قال: كنت غلامًا في حجر رسول اللَّه - ﷺ - وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول اللَّه - ﷺ -: «يا غلام سم اللَّه، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، فمازالت تلك طعمتي بعد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>المثال السادس: مع من أصاب من امرأته قبل الكفارة:</span>\nعن سلمة بن صخر الأنصاري - ﵁ - قال في حديثه: «... خرجت فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته خبري فقال لي: «أنت بذاك»؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: «أنت بذاك»؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: «أنت بذاك»؟ فقلت: نعم ها أنذا فامضِ فيَّ حكمك فإني صابر له، قال: «أعتق رقبة»، قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: «فصم شهرين» قال: قلت: يا رسول اللَّه وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: «فتصدق» قال: فقلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشًا ما لنا عشاء، قال: «اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقًا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك»، قال فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول اللَّه - ﷺ - السعة والبركة وقد أمر لي بصدقتكم فادفعوها لي، قال: فدفعوها لي» (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام، برقم ٢٠٢٢، والبخاري، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين، برقم ٥٣٧٦.\n(٢) أحمد، برقم ١٦٤٦٨، وأبو داود، كتاب الطلاق، باب في الظهار، برقم ٢٢١٥، والترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - ﷺ -، باب ومن سورة المجادلة، برقم ٣٢٩٩، وابن ماجه، كتاب الطلاق، باب الظهار، برقم ٢٠٢٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٥٢، وإرواء الغليل، ٧/ ١٧٩.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المثال السابع: مع من بكت عند القبر:</span>\nعن أنس - ﵁ - قال: مرَّ النبي - ﷺ - بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اتقِ اللَّه واصبري» قالت: إليك عنّي فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - ﷺ -، فأتت النبي - ﷺ - فلم تجد عنده بوّابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (١)، وهذا فيه الدلالة على رفق النبي - ﷺ - بالجاهل، وترك المؤاخذة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>المثال الثامن: من رفق صلة بن أشيم:</span>\nومن المواقف التطبيقية ما فعله صلة بن أشيم - ﵀ - حين مر رجل قد أسبل ثيابه يسحبها ويجرّها على الأرض، فأخذ الناس يسبّونه ويُغلظون له في القول، فساءه ذلك، وأراد أن يريهم درسًا عمليًا للرفق واللين في الإنكار فقال لهم: دعوني أكفكم أمره، ثم قال: يا ابن أخي إنّ لي إليك حاجة. قال: ما هي؟ قال: أحب أن ترفع إزارك، قال: نعم ونعمى عيني - أي أقر عينك بطاعتك واتباع أمرك - فرفع إزاره. فقال: صلة لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم، فإنكم لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم (٢).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري، برقم ١٢٨٣.\n(٢) مختصر منهاج القاصدين، ص١٣٧.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>المبحث الحادي والعشرون: الصبر</span>\nأولًا:<span data-type=\"title\" id=toc-164> تعريف الصبر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>الصبر لغة: </span>الحبس والمنع، وهو ضدّ الجزع، ويقال: صبر صبرًا: تجلَّد ولم يجزع، وصبر: انتظر، وصبّر نفسه: حبسها وضبطها، وصبر فلانًا: حبسه، وصبرت صبرًا: حبست النفس عن الجزع، وسُمّي الصوم صبرًا لما فيه من حبس النفس عن الطعام، والشراب، والنكاح (١).\nفتبين بذلك أن الصبر هو: منع وحبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكِّي، والجوارح عن التشْويش: كلطم الخدود، وشقّ الجيوب ونحوهما (٢).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-166>حقيقة الصبر: </span>هو خُلُقٌ فاضل من أخلاق النفس يمنع صاحبه من فعل ما لا يَحْسُنُ، ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها (٣).\nوهذه القوة تمكِّن الإنسان من ضبط نفسه لتحمّل المتاعب، والمشاق، والآلام (٤).\nوالصبر ينبغي: أن يُبيَّن مفهومه، وأهميته في حياة المسلم،\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ٣/ ٧،والمصباح المنير،١/ ٣٣١، والقاموس المحيط، ص٥٤٠،ومختار الصحاح، ص١٤٥،والقاموس الفقهي لغة اصطلاحًا، ص٢٠٦.\n(٢) انظر: عدة الصابرين لابن القيم، ص٢٧، ومدارج السالكين، ٢/ ١٥٦، وطريق الهجرتين لابن القيم، ص٤٣٧.\n(٣) انظر: عدة الصابرين، ص٢٩.\n(٤) انظر: الأخلاق الإسلامية للميداني، ٢/ ٣٠٥.","vol":"1","page":144},{"text":"ومجالاته، وأنواعه، وحكمه، وطرق تحصيله، وأمثلة تطبيق الصبر والشجاعة، وقد بيَّنت ذلك كله في رسالة مستقلة، وللَّه الحمد، فأغنى عن التفصيل هنا (١).\n_________\n(١) قد يسّر الله تعالى كتابة رسالة في الصبر، ومجالاته، وقد طبعت، ولله الحمد.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المبحث الثاني والعشرون: الرحمة</span>\nوسأقتصر في هذا المبحث على رحمة النبي؛ لأنها جامعة مانعة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>أولًا: عموم رحمته - ﷺ - للإنس والجن، والمؤمنين والكافرين والحيوان:</span>\nقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، فالمؤمنون به - ﷺ - قبلوا هذه الرحمة، وشكروها، وغيرهم كفرها، وبدَّلوا نعمة اللَّه كفرًا، وأبوا رحمة اللَّه ونعمته (٢). قال ابن عباس ﵄: «من آمن باللَّه واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن باللَّه ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف» (٣).\nقال الإمام الطبري ﵀: «أولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي رُوي عن ابن عباس: وهو أن اللَّه أرسل نبيه محمدًا - ﷺ - رحمة لجميع العالم: مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن اللَّه هداه به وأدخله بالإيمان به وبالعمل بما جاء به من عند اللَّه الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله» (٤).\nومما يدل على أن رحمة النبي - ﷺ - عامة للعالم؛ حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قيل: يا رسول اللَّه! ادعُ على المشركين، قال: «إني لم أُبعث\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان، للسعدي، ص٥٣٢.\n(٣) أخرجه الطبري في تفسيره جامع البيان، ١٨/ ٥٥٢.\n(٤) جامع البيان للطبري، ١٨/ ٥٥٢.","vol":"1","page":146},{"text":"لَعَّانًا وإنما بُعِثْتُ رحمةً» (١).\nوحديث حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أيُّما رجل من أمتي سببته سبةً أو لعنته لعنةً في غضبي؛ فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة» (٢).\nوجاء في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنما أنا رحمةٌ مهداةٌ» (٣).\nوقد قال - ﷺ -: «أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>ثانيًا: الأمثلة التطبيقية وأنواعها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>النوع الأول: رحمته - ﷺ - لأعدائه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>المثال الأول: رحمته - ﷺ - لأعدائه في الجهاد:</span>\nوقد شملت رحمته - ﷺ - الأعداء حتى في قتالهم ومجاهدتهم؛ فإن قوة الجهاد في سبيل اللَّه تعالى في شريعته - ﷺ - لها ضوابط ينبغي أن\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، برقم ٢٥٩٩.\n(٢) أبو داود، كتاب السنة، باب النهي عن سب أصحاب رسول الله - ﷺ -، برقم ٤٦٥٩، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ١٣٤.\n(٣) رواه ابن سعد، ١/ ١٩٢، وابن أبي شيبة ١١/ ٥٠٤، والحاكم، ١/ ٣٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة بطرقه، برقم ٤٩٠.\n(٤) مسلم، كتاب الفضائل، باب في أسمائه - ﷺ -، برقم ٢٣٥٥.","vol":"1","page":147},{"text":"يلتزم بها المجاهدون في سبيل اللَّه – تعالى – ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١)، فيدخل في ذلك ارتكاب المناهي: من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال، والرُّهبان، والمرضى، والعُمي، وأصحاب الصّوامع؛ لكن من قاتل من هؤلاء أو استعان الكفّار برأيه قتل (٢).\nويدخل في ذلك قتل الحيوان لغير مصلحة، وتحريق الأشجار، وإفساد الزّروع والثّمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت (٣)، وقد «وُجدت امرأةٌ مقتولة في بعض مغازي رسول اللَّه - ﷺ -، فنهى رسول اللَّه - ﷺ - عن قتل النساء والصبيان» (٤)؛ ولهذا كان - ﷺ - إذا أمَّر أميرًا على جيش أوسريّة أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا بسم اللَّه في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تُمثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ...» (٥)، ثم بيّنها - ﷺ - كالآتي:\n(أ) الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.\n(ب) فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية.\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٠.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة ١٣/ ١٧٥ - ١٧٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٢٢٧ وعناصر القوة في الإسلام ص٢١٢.\n(٤) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب قتل الصبيان في الحرب، برقم ٣٠١٤، ورقم ٣٠١٥.\n(٥) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ٣/ ١٣٥٧، برقم ١٧٣١.","vol":"1","page":147},{"text":"(ج) فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان باللَّه وقاتلهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المثال الثاني: وفاؤه بالعهد مع أعدائه - ﷺ </span>-:\nمن أعظم الضوابط في الجهاد الوفاء بالعهد وعدم الخيانة؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٢).\nفإذا كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز للمسلمين الغدر حتى ينقضي الأمد، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانةً، بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة، فيحنئذٍ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوي علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك.\nودلّت الآية على أنه إذا وُجِدَت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن يُنبذ إليهم عهدهم؛ لأنه لم يُخَف منهم بل عُلم ذلك.\nودلّ مفهوم الآية أيضًا أنه إذا لم يُخف منهم خيانة؛ بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته (٣).\nولهذا قال سليم بن عامر: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى عهدهم غزاهم، فجاء رجل على\n_________\n(١) انظر المرجع السابق ٣/ ١٣٥٧، وزاد المعاد ٣/ ١٠٠.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٥٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٣٢١، وتفسير السعدي ٣/ ١٨٣ - ١٨٤.","vol":"1","page":149},{"text":"فرس أو بِرْذَونٍ وهو يقول: اللَّه أكبر، وفاء لا غدر. فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية - ﵁ - فسأله، فقال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشدُّ عقدة ولا يحلها حتى ينقضيَ أمَدُها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية (١). وهذا كلُّه يدلُّ على أن الهدف والمراد من الجهاد هو إعلاء كلمة اللَّه - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>المثال الثالث: دفعه - ﷺ - نزول العذاب على أعدائه:</span>\nومن الأمثلة العظيمة على هذه الرحمة التي شملت حتى أعدائه - ﷺ - قصّته مع مَلَك الجبال حينما بعثه اللَّه إليه؛ ليأمره بما شاء عندما آذاه المشركون، فجاء ملك الجبال وسلَّم عليه وقال: (يا محمد إن اللَّه قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت (٢)؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين) [والأخشبان جبلان عظيمان في مكة، تقع مكة بينهما]، فقال رسول اللَّه - ﷺ - لملك الجبال: «بل أرجو أن يخرج اللهُ من أصلابهم من يعبُد اللَّه وحده لا يُشرك به شيئًا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>المثال الرابع: سلامة قلبه - ﷺ -، وحُبّه الخير لليهود وغيرهم:</span>\nومن الأمثلة العظيمة لرحمته - ﷺ - حديث أنس - ﵁ - قال: (كان غلام يهوديٌّ يخدم النبي - ﷺ - فمرض فأتاه النبي - ﷺ - يعوده فقعد عند رأسه\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه ٣/ ٨٣ (رقم ٢٧٥٩)، وانظر: صحيح سنن أبي داود ٢/ ٥٢٨، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في الغدر (رقم ١٥٨٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) استفهام، أي فمرني بما شئت، انظر: فتح الباري، ٦/ ٣١٦.\n(٣) البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين، برقم ٣٢٣١، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، برقم ١٧٩٥.","vol":"1","page":150},{"text":"فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: له أطع أبا القاسم، فأسلم، [وفي رواية النسائي فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه]، فخرج النبي - ﷺ - وهو يقول: «الحمد للَّه الذي أنقذه من النار» [وفي رواية أبي داود: أنقذه بي من النار] (١). وغير ذلك كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>النوع الثاني: رحمته - ﷺ - للمؤمنين:</span>\nقال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، فقد بعث اللَّه تعالى النبي - ﷺ - للناس كافة، وهو من أنفس المؤمنين خاصة، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، وهو في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم، ويشق عليه الأمر الذي يشق عليهم، ويحب لهم الخير، ويسعى جاهدًا في إيصاله إليهم، ويحرص على هدايتهم إلى الإيمان، ويكره لهم الشر، وهو شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم؛ ولهذا كان حقُّهُ مُقدّمًا على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره وتوقيره (٣).\nوقال اللَّه - ﷿ -: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٤)، أقرب ما للإنسان نفسه، فالرسول أولى به من نفسه؛ لأنه - ﷺ - بذل لهم النصح والشفقة والرأفة؛ فلذلك وجب على العبد إذا\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ برقم ١٣٥٦، وكتاب المرضى، باب عيادة المشرك، برقم ٥٦٥٧، وانظر: فتح الباري، ٣/ ٢١٩.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣٥٧.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٦.","vol":"1","page":151},{"text":"تعارض مراد نفسه مع مراد الرسول - ﷺ - أن يُقدّم مُراد الرسول - ﷺ -، وأن لا يُعارض قول الرسول - ﷺ - بقول أحد من الناس، كائنًا من كان، وأن يُقدّم محبّته على محبّة الناس كلهم (١).\nوقال - ﷾ -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٢). وقد قال - ﷺ -: «اللَّهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (٣)، وقال - ﷺ -: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤُهُ، ومن ترك مالًا فهو لورثته» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>النوع الثالث: رحمته - ﷺ - للناس جميعًا:</span>\n١ - عن جرير بن عبد اللَّه - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من لا يَرحَم الناس لا يَرحَمُه اللَّه - ﷿ -» (٥).\n٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول: «لا تُنزعُ الرحمة إلاّ من شقي» (٦).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٦٥٩.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٣) مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم، برقم ١٨٢٨.\n(٤) البخاري، كتاب الفرائض، باب قول النبي - ﷺ -: «من ترك مالًا فلأهله»، برقم ٦٧٣١، ورقم ٢٢٩٨، ومسلم، كتاب الفرائض، باب من ترك مالًا فلورثته، برقم ١٦١٩.\n(٥) مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال، وتواضعه، وفضل ذلك، برقم ٢٣١٩.\n(٦) الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في النفقة على البنات والأخوات، برقم ١٩٢٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣٥٠.","vol":"1","page":152},{"text":"٣ - وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء، الرَّحِمُ شُجنةٌ من الرحمن، فمن وصلها وصله اللَّه ومن قطعها قطعه اللَّه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>النوع الرابع: رحمتهُ - ﷺ - للصبيان:</span>\n١ - عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: جاء شيخٌ يريد النبي - ﷺ - فأبطأ القوم عنه أن يُوسِّعوا له فقال النبي - ﷺ -: «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا، ويوقِّرُ كبيرنا» (٢).\n٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>النوع الخامس: رحمتهُ - ﷺ - للبنات:</span>\n١ - عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «لا يكون لأحد ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان فيتقي اللَّه فيهنَّ ويحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة» (٤).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في النفقة على البنات والأخوات، برقم ١٩٢٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣٥٠.\n(٢) الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في النفقة على البنات والأخوات، برقم ١٩١٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣٤٨.\n(٣) الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في النفقة على البنات والأخوات برقم ١٩٢٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٤٩.\n(٤) أبو داود، كتاب الأدب، باب في فضل من عال اليتامى، برقم ٥١٤٧، والترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في النفقة على البنات والأخوات، برقم ١٩١٢ و١٩١٦، وقال عنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٤٢٩: «صحيح لغيره».","vol":"1","page":153},{"text":"٢ - وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «مَن عال بنتين أو ثلاثًا، أو اختين أو ثلاثًا حتى يَبِنَّ (١) أو يموت عنهن كُنتُ أنا وهو في الجنة كهاتين» وأشار بأصبعه الوسطى والتي تليها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>النوع السادس: رحمتهُ - ﷺ - للأيتام:</span>\n١ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك أحد رواة الحديث بالسبابة والوسطى (٣).\n٢ - عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رجلًا شكا إلى رسول اللَّه - ﷺ - قسوة قلبه، فقال له: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>النوع السابع: رحمتهُ - ﷺ - للمرأة والضعيف:</span>\n١ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «اللَّهم إنِّي\n_________\n(١) حتى يَبِنَّ: أي يتَزَوَّجْن. يقال أبان فلانٌ بنْتَه وبَيَّنَها إذا زوّجها. النهاية في غريب الحديث والأثر،١/ ٤٥٤، مادة (بين).\n(٢) أحمد في المسند، ١٩/ ٤٨١، برقم ١٢٤٩٨، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٤٢٨.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، برقم ٢٩٨٣، والبخاري من حديث سهل بن سعد برقم ٦٠٥.\n(٤) أحمد، ١٤/ ٥٥٨، برقم ٩٠١٨، وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، ٣/ ٣٢٣: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح» وحسّنه، الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٦٧٦. وقد ضعّفه أصحاب الموسوعة الحديثية في تحقيق مسند الإمام أحمد ١٣/ ٢١، برقم ٧٥٧٦، ولفظه: «إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم» وفي ١٤/ ٥٥٨، برقم ٩٠١٨، بلفظ ما في متن هذا البحث.","vol":"1","page":154},{"text":"أُحَرِّج (١) حقّ الضعيفين: اليتيم والمرأة» (٢).\n٢ - وعن عامر بن الأحوص - ﵁ - أنه شهد حجة الوداع مع رسول اللَّه - ﷺ - فحمد اللَّه وأثنى عليه، وذَكّر ووعظ ثم قال: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإِنهنَّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنّ شيئًا غير ذلك» (٣).\n٣ - وعن أنس - ﵁ - قال: إن النبي - ﷺ - لم يكن يدخل بيتًا بالمدينة غير بيتِ أُمّ سُليم إلا على أزواجه، فقيل له. فقال: «إني أرحمها، قُتل أخوها معي» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>النوع الثامن: رحمتهُ - ﷺ - للأرملة والمسكين:</span>\n١ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللَّه، أو القائم الليل الصائم النهار»، ولفظ مسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللَّه، وكالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر» (٥).\n٢ - عن عبد اللَّه بن أبي أوفى - ﵁ - قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - يُكثِرُ\n_________\n(١) أحرّج: أي أضيقه وأحرمه على من ظلمهما. النهاية في غريب الحديث، ١/ ٣٦١.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الأدب، باب حق اليتيم، برقم ٣٦٧٨، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٢٩٨.\n(٣) ابن ماجه، كتاب النكاح، باب حق المرأة على زوجها، برقم ١٨٥١، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٢٠، ورواه الترمذي أيضًا، والنسائي، كتاب مواقيت الصلاة، ذكر نهي النبي - ﷺ - عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وانظر: إرواء الغليل، برقم ١٩٩٧.\n(٤) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير، برقم ٢٨٤٤، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٦١.\n(٥) البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، برقم ٥٣٥٣، ٦٠٦، ٦٠٧، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، برقم ٢٩٨٢.","vol":"1","page":155},{"text":"الذّكر، ويُقِلُّ اللّغْوَ، ويُطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين يقضي له الحاجة (١).\n٣ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجهِ رسول اللَّه - ﷺ - على المنبر، فما نزل حتى جيّش (٢) كل ميزاب بالمدينة، فأذكر قول الشاعر:\n\nثِمَالُ (٣) اليتامى عصمة للأرامل ... وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه\n\nوهو قول أبي طالب (٤).\nوالأرملة: المرأة التي مات زوجها، والأرمل الرجل الذي ماتت زوجته، وسواء كانا غنيين أو فقيرين، ويُقال لكلِّ واحدٍ من الفريقين على انفراده: أراملُ، وهو بالنساء أخصّ وأكثر استعمالًا (٥)؛ ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -: (لئن سلّمَني اللَّه تعالى لأَدَعَنَّ أرامل العراق لا يحتجن إلى رجلٍ بعدي أبدًا) (٦).\nفاتضح من الأحاديث آنفة الذكر أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يرحم\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجمعة، باب ما يستحب من تقصير الخطبة، برقم ١٤١٥، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٥٦.\n(٢) جيّش: أي تَدَفَّقَ وجرى الماء. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (جيش) ..\n(٣) ثمال: أي الملجأ والغياث. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (ثمل).\n(٤) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء، برقم ١٢٧٢، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٨٢، وأخرجه البخاري تعليقًا وموصولًا، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، برقم ١٠٠٨، ١٠٠٩، وبهذا قوّاه الحافظ ابن حجر، انظر: صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٨٢.\n(٥) النهاية في غريب الحديث، ٢/ ٦٦.\n(٦) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قصة البيعة، برقم ٣٧٠٠.","vol":"1","page":156},{"text":"الأرامل والمساكين، ويَحُثّ على العناية بهم، وسدِّ حاجاتهم، فصلوات اللَّه وسلامه عليه.\n٤ - عن أمِّ بُجيدٍ ﵂، أنها قالت: يا رسول اللَّه صلى اللَّه عليك: إن المسكين ليقومُ على بابي فما أجد له شيئًا أُعطيه، فقال لها رسول اللَّه - ﷺ -: «إن لم تجدي له شيئًا تُعطينه إيّاه إلا ظلفًا مُحرَّقًا فادفعيه إليه في يده» (١)، وهذا فيه رحمة النبي - ﷺ - بالمساكين وحثّه على إطعامهم، على حسب القدرة والاستطاعة رحمةً بهم، وشفقةً عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>النوع التاسع: رحمته - ﷺ - لطلاب العلم والشفقة عليهم:</span>\n١ - عن أبي سعيد - ﵁ - عن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «سيأتيكم أقوامٌ يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا: مرحبًا مرحبًا بوصية رسول اللَّه - ﷺ -، وأقنوهم» قلت للحكم: ما أقنوهم؟ قال: علّموهم (٢).\n٢ - عن مالك بن الحويرث - ﵁ - قال: أتينا إلى النبي - ﷺ - ونحن شَبَبَةٌ متقاربون فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول اللَّه - ﷺ - رحيمًا رفيقًا، فلما ظّنّ أنّا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا [وفي رواية: فلما رأى شوقنا إلى أهالينا] سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، قال: «ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلّموهم، ومروهم، ... وصلُّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدُكم\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الزكاة، باب حق السائل، برقم ١٦٦٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٦٤.\n(٢) الترمذي، كتاب العلم عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في الاستيصاء بمن يطلب العلم، برقم ٢٦٥٠، ٢٦٥١، وابن ماجه، المقدمة، باب الوصاة بطلبة العلم، برقم ٢٤٧، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه ١/ ٩٨.","vol":"1","page":157},{"text":"وليؤمُّكم أكبَرُكُم» (١)، وهذا فيه شفقة النبي - ﷺ - ورحمته لطلاب العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>النوع العاشر: رحمة النبي - ﷺ - للأسرى:</span>\nعن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «فُكُّوا العاني -يعني الأسير- وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض» (٢)، وهذا الحديث فيه رحمة النبي - ﷺ - للأسرى المسلمين، والأمر بفَكِّهم، والأمر بإطعام الجائع، وعيادة المريض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>النوع الحادي عشر: رحمة النبي - ﷺ - للمرضى والشفقة عليهم:</span>\n١ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «حقّ المسلم على المسلم ستّ» قيل: ما هُنّ يا رسول اللَّه؟ قال: «إذا لقيته فسلّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد اللَّه فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (٣).\n٢ - عن ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع» قيل: يا رسول اللَّه! وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها» (٤).\n٣ - عن علي - ﵁ - قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «ما من مسلم يعودُ مسلمًا غدوة إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُمسي،\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد، برقم ٦٢٨، وباب الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة، والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع، برقم ٦٣١.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، برقم ٣٠٤٦.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز، برقم ١٢٤٠، ومسلم، كتاب السلام، باب من حق المسلم للمسلم رد السلام، برقم ٢١٦٢، واللفظ له.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب في فضل عيادة المريض، برقم ٢٥٦٨.","vol":"1","page":158},{"text":"وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنة» (١).\n٤ - عن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «مَن عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل اللَّه العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلاّ عافاه اللَّه من ذلك المرض» (٢).\nوهذه الأحاديث فيها الرحمة الظاهرة من النبي - ﷺ - بالمرضى، ورغبته العظيمة في نفعهم وشفائهم، وترغيبه لأمته في العناية بالمرضى وإدخال السرور عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>النوع الثاني عشر: رحمتهُ - ﷺ - للحيوان، والطير، والدواب:</span>\n١ - في حديث أبي هريرة أن رجلًا وجد كلبًا يأكل الثرى من العطش، فسقاه فغفر اللَّه له، قالوا: يا رسول اللَّه! وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: «في كُلِّ كبدٍ رطبة أجر» وفي لفظ للبخاري: «فشكر اللَّه له فأدخله الجنة» (٣).\n٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «غُفِرَ لامرأة مومسةٍ مرَّت بكلبٍ على رأس ركيٍّ كاد يقتله العطش، فنزعت خُفَّها فأوثقته\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عيادة المريض برقم ٩٦٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٩٧.\n(٢) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للمريض عند العيادة، برقم ٣١٠٦، والترمذي، كتاب الطب، باب حدثنا محمد بن المثنى، برقم ٢٠٨٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٣١٦٠.\n(٣) البخاري، كتاب الوضوء، باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا، برقم ١٧٣، وكتاب المظالم، باب الآبار على الطرق إذا لم يتأذ بها، برقم ٢٤٦٦، ومسلم، كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، برقم ٢٢٤٤.","vol":"1","page":159},{"text":"بخمارها فنزعت له من الماء فغُفر لها بذلك» (١).\n٣ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «عُذِّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولاسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (٢).\n٤ - عن أنس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو زرعًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة» (٣).\n٥ - عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أضجع شاةً وهو يحدُّ شفرته، فقال النبي - ﷺ -: «أَتُريدُ أن تُميتَها موتاتٍ هَلاَّ أحددتَ شفرتك قبل أن تُضْجِعَهَا؟» (٤).\n٦ - وعن شداد بن أوس - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتم\n_________\n(١) البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، برقم ٣٣٢١، ومسلم، كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، برقم ٢٢٤٥.\n(٢) البخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، برقم ٢٣٦٥، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان، برقم ٣٤٨٢، ومسلم، كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، برقم ٢٢٤٣.\n(٣) البخاري، كتاب المزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه، برقم ٢٣٢٠، ومسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، باب فضل الغرس والزرع، برقم ١٥٥٢.\n(٤) الحاكم، ٤/ ٢٣٣، وصححه على شرط الشيخين، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ٤/ ٣٣، وقال: (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٥٥٢.","vol":"1","page":160},{"text":"فأحسنوا الذِبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (١).\n٧ - وعن ابن عمر ﵄ يرفعه قال: «من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقِّها [إلا سأله] اللَّه - ﷿ - عنها يوم القيامة» قيل: يا رسول اللَّه فما حقُّها؟ قال: «أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فَيُرمى بها» (٢)، وسمعت سماحة شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «قتل العصفور لا يجوز إذا كان للتلاعب، أما من قتله؛ لأكله أو الصدقة به فلا بأس» (٣).\n٨ - وعن ابن عمر ﵄: أنه مرَّ بصبيانٍ من قريش قد نصبوا طيرًا أو دجاجةً يترامونها، وقد جعلوا لصاحب الطير كلَّ خاطئةٍ من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرَّقَوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن اللَّه من فعل هذا؛ إن رسول اللَّه - ﷺ -: «لعن من اتخذ شيئًا فيه الروحُ غرضًا» (٤) (٥).\n٩ - وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: كنا مع رسول اللَّه - ﷺ - في سفرٍ،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة، برقم ١٩٥٥.\n(٢) النسائي، كتاب الصيد والذبائح، إباحة أكل العصافير، برقم ٤٤٤٥، ٧/ ٢٣٩، والحاكم، ٤/ ٢٣٣، وصححه ووافقه الذهبي، وما بين المعقوفين له، وحسّنه الألباني في صحيح الترغيب، ٢/ ٥٥٢.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٤٤٤٥.\n(٤) الغرض: بفتح الغين المعجمة والراء: هو ما ينصبه الرماة يقصدون إصابته من قرطاس ونحوه. [الترغيب والترهيب للمنذري، ٣/ ١٥٣].\n(٥) البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ما يُكره من المُثْلَةِ والْمَصْبُورَةِ والمُجْثِّمَةِ، برقم ٥٥١٥، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب النهي عن صبر البهائم، برقم ١٩٥٨ بلفظه.","vol":"1","page":161},{"text":"فانطلق لحاجته فرأينا حُمَّرةً (١) معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تَفرش [أي تُرَفرِفُ بجناحيها وتقرب من الأرض] فجاء النبي - ﷺ - فقال: «من فَجعَ هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها» ورأى قرية نملٍ (٢) قد حرَّقناها فقال: «مَن حرَّق هذه؟» قلنا: نحن، قال: «إنه لا ينبغي أن يُعَذِّب بالنار إلا ربُّ النار» (٣).\n١٠ - وعن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أن النبي - ﷺ - مَرَّ على حمارٍ قد وُسِمَ في وجهِهِ فقال: «لعن اللَّه الذي وسمه» (٤) [الوسم الكي بحديدة].\n١١ - وعنه - ﵁ -: نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن الضرب في الوجهِ، وعن الوسم في الوجه (٥).\n١٢ - وعن عبد اللَّه بن جعفر ﵄ قال: أردفني رسول اللَّه - ﷺ - ذات يوم خلفه، وفيه: فدخل رسول اللَّه - ﷺ - حائطًا لرجلٍ من الأنصار فإذا جملٌ فلمَّا رأى النبيَّ - ﷺ - حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي - ﷺ - فمسح ذفراه (٦) فسكت، فقال: «من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا\n_________\n(١) حُمَّرةٌ: بضم الحاء وتشديد الميم، وقد خُفِّف: طائر صغير، كالعصفور أحمر اللون. [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ٤٣٩].\n(٢) قرية نملٍ: موضع النمل مع النمل. [رياض الصالحين بعد الحديث رقم ١٦١٣].\n(٣) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في كراهية حرق العدو بالنار، برقم ٢٦٧٥، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ١٤٦.\n(٤) مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه، ووسمه فيه، برقم ٢١١٧.\n(٥) مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه، ووسمه فيه، برقم ٢١١٦.\n(٦) ذفراه: ذفرا البعير بكسر الذال المعجمة مقصور: هي الموضع الذي يعرق في قفا البعير عند أذنه، وهما ذفران. [الترغيب والترهيب للمنذري، ٣/ ١٥٧].","vol":"1","page":162},{"text":"الجمل؟» فجاء فتىً من الأنصارِ فقال: لي يا رسول اللَّه، فقال: «أفلا تتقي اللَّه في هذه البهيمةِ التي ملَّكَكَ اللَّه إيَّاها؛ فإنه شكا إليَّ أنَّك تُجيعه وتُدئبُهُ» (١). (٢)\nوهذه نماذج يسيرة من أنواع رحمة النبي - ﷺ -؛ لأعدائه، وأحبابه، والمسلم، والكافر، والذكر والأنثى، والصغير، والكبير، والإنس، والحيوان، والطير، والنمل، وغير ذلك كثير لا يحصر في مثل هذا المقام. فصلوات اللَّه وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>النوع الثالث عشر: رقة قلبه - ﷺ - وبُكاؤه في مواطن كثيرة:</span>\nلم يكن النبي - ﷺ - يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية اللَّه تعالى، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ (٣).\nومن الحالات التي بكى فيها النبي - ﷺ - ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>١ - بكاؤه - ﷺ - من خشية اللَّه في صلاة الليل</span>، فقال بلال: يا رسول اللَّه لِمَ تبكي وقد غفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليّ الليلة آية ويل لمن قرأها\n_________\n(١) تُدْئِبُهُ: بضم التاء ودال مهملة ساكنة، بعدها همزة مكسورة، وباء موحدة: أي تتعبه بكثرة العمل. [الترغيب والترهيب للمنذري، ٣/ ١٥٧].\n(٢) أحمد، ١/ ٢٠٥، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ، برقم ٢٥٤٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١١٠.\n(٣) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ١٨٣.","vol":"1","page":163},{"text":"ولم يتفكّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾» (١). (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>٢ - بكاء النبي - ﷺ - في الصلاة من خشية اللَّه تعالى</span>، فعن عبد اللَّه بن الشخِّير قال: أتيت رسول اللَّه - ﷺ - وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المِرجل من البكاءِ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>٣ - بكاء النبي - ﷺ - عند سماع القرآن</span>، فعن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - قال: قال لي رسول اللَّه - ﷺ -: «اقرأ عليَّ القرآن» فقلت: يا رسول اللَّه! أقرأ عليك؛ وعليك أُنزل؟ فقال: «نعم، فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري» قال ابن مسعود: فافتتحتُ سورة النساء فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٤)، فإذا عيناه تذرفان (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>٤ - بكاء النبي - ﷺ - عند فقد الأحبة</span>، بكى النبي - ﷺ - عند موت ابنه إبراهيم، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: وأنت يا رسول اللَّه؟ فقال: «يا ابن عوف! إنها رحمة ... إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنّا بفراقك يا\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٩٠.\n(٢) ابن حبان في صحيحه، برقم ٦٢٠، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٦٨: «وهذا إسناد جيد».\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب البكاء في الصلاة، برقم ٩٠٤، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي، برقم ٢٧٦.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٤١.\n(٥) البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، برقم ٤٥٨٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل استماع القرآن، وطالب القراءة من حافظه للاستماع، والبكاء عند القراءة والتدبر، برقم ٨٠٠.","vol":"1","page":164},{"text":"إبراهيم لمحزونون» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>٥ - بكاء النبي - ﷺ - عند وفاة إحدى بناته</span>، قيل: هي أُمُّ كلثوم زوجة عثمان بن عفان رضي اللَّه عن الجميع، فعن أنس - ﵁ - قال: شهدنا بنتًا للنبي - ﷺ - قال: ورسول اللَّه - ﷺ - جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: «هل فيكم أحد لم يُقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة: أنا، قال: «فانزل في قبرها» قال: فنزل في قبرها فقَبَرها (٢).\n٦ - وبكى - ﷺ - عند موت ابنة له أيضًا، فعن ابن عباس ﵄ قال: أخذ رسول اللَّه - ﷺ - ابنة له تقضي (٣) فاحتضنها فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه، فصاحت أُمُّ أيمن، فقال: يعني رسول اللَّه - ﷺ -: «أتبكين عند رسول اللَّه؟» فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: «إني لست أبكي إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كلِّ حال، إنَّ نفسه تُنزع من بين جنبيه وهو يحمد اللَّه - ﷿ -» (٤).\n٧ - وبكى - ﷺ - عند وفاة أحد أحفاده، فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلَتْ بنتُ النبيِّ - ﷺ - (٥): إنَّ ابني قد احتُضِرَ فاشْهَدنا، فأرسل يُقرِئُ السلام ويقول: «إنّ للَّه ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: (إنا بك لمحزونون)، برقم ١٣٠٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال، وتواضعه، وفضل ذلك، برقم ٢٣١٥.\n(٢) البخاري، برقم ١٢٨٥، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: (يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه)، وباب من يدخل قبر المرأة، برقم ١٣٤٢.\n(٣) تقضي: تشرف على الموت، فيقال: قَضىَ فلان يريد قد مات ومَضى. انظر: لسان العرب، ١٥/ ١٨٦.\n(٤) أحمد، ١/ ٢٦٨، والترمذي في الشمائل، برقم ٣٢٤، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم ٢٧٩.\n(٥) قيل: إنها زينب ﵂؛ بنت رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":165},{"text":"بأجل مسمّى، فلتصبر ولتحتسب» فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ ابن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال - ﵃ -، فرُفِعَ إلى النبي - ﷺ - الصبيُّ، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، قال: كأنها شَنّ، وفي رواية: (تقعقع (١) كأنها في شنٍّ (٢)، ففاضت عيناه) فقال سعد: يا رسولَ اللَّه ما هذا؟ قال: «هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب عباده» وفي رواية: «هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب مَن شاء من عباده، إنما يرحم اللَّه من عباده الرُّحماءُ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>٨ - بكى النبي - ﷺ - عند موت عثمان بن مظعون</span>، فعن عائشة ﵂ قالت: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يُقَبِّل عثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ حتى رأيت الدموع تسيل. ولفظ الترمذي: (أن النبي - ﷺ - قَبّل عثمانَ بن مظعون، وهو ميِّتٌ وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان) (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>٩ - بكى - ﷺ - على شهداء مؤتة</span>، فعن أنسٍ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - نعى زيدًا وجعفرًا للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الرّايةَ زيدٌ فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، -وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللَّه حتى فُتِح\n_________\n(١) تقعقع: تضطرب وتتحرك. النهاية في غريب الحديث والأثر، ٤/ ١٣٤.\n(٢) الشن: القربة البالية. انظر: فتح الباري، ١/ ١٤٠.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: (يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه، برقم ١٢٨٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٣.\n(٤) أبو داود، كتاب الجنائز، باب تقبيل الميت، برقم ٣١٦٣، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في تقبيل الميت، برقم ٩٨٩، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في تقبيل الميت، برقم ١٤٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٨٩.","vol":"1","page":166},{"text":"عليهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>١٠ - بكى - ﷺ - عند زيارة قبر أمه</span>، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: زار النبي - ﷺ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أَزورَ قبرها فَأذِنَ لي، فزورُوا القبور فإنها تذكركم الموت» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>١١ - بكى - ﷺ - عند سعد بن عبادة وهو مريض</span>، فعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي - ﷺ - يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن مسعود - ﵃ -، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله (٣)، فقال: «قد قضى؟» قالوا: لا يا رسول اللَّه، فبكى النبي - ﷺ -، فلما رأى القوم بكاء النبي - ﷺ - بَكَوْا، فقال: «ألا تسمعون؟ إن اللَّه لا يُعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذب بهذا» (٤) – وأشار إلى لسانه – «أو يرحم ...» (٥) الحديث (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>١٢ - بكى - ﷺ - عند القبر</span>، فعن البراء بن عازب ﵄ قال: كُنّا مع رسول اللَّه - ﷺ - في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بَلَّ\n_________\n(١) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام، برقم ٤٢٦٢.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - في زيارة قبر أمه، برقم ١٠٨ - (٩٧٦).\n(٣) غاشية أهله: أي الذين يغشونه للخدمة وغيرها [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥].\n(٤) ولكن يعذب بهذا: أي إن قال: سوءًا. [فتح الباري ٣/ ١٧٥].\n(٥) أو يرحم: أي إن قال خيرًا. [فتح الباري ٣/ ١٧٥].\n(٦) البخاري، كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض، برقم ١٣٠٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٤.","vol":"1","page":167},{"text":"الثَّرى ثم قال: «يا إخواني! لِمِثْلِ هذا فأعِدُّوا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>١٣ - بكى - ﷺ - في ليلة بدر </span>وهو يصلي يناجي ربه ويدعوه حتى أصبح، فعن علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: ما كان فينا فارس يوم بدرٍ غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول اللَّه - ﷺ - تحت شجرةٍ يُصلّي ويبكي حتى أصبح (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>١٤ - بكى - ﷺ - في صلاة الكسوف</span>، فعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: انكسفتِ الشمس يومًا على عهد رسول اللَّه - ﷺ -، فقام رسول اللَّه - ﷺ - يُصلّي، ثم سجد فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي، وذكر الحديث، وقال: فقام فحمد اللَّه وأثنى عليه، وقال: «عُرِضَتْ عليَّ النار فجعلت أنفخها، فخفت أن تغشاكم» وفيه: «ربِّ ألم تعدني ألا تُعذّبهم» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>١٥ - بكى - ﷺ - لقبوله الفداء في أسرى معركة بدر</span>، ففي حديث عبد اللَّه بن عباس عن عمر بن الخطاب - ﵃ -: (... فلما أسروا الأسارى قال رسول اللَّه - ﷺ - لأبي بكر وعمر: «ما ترون في هؤلاء؟» فقال أبو بكر: يا نبي اللَّه! هم بنوا العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى اللَّه أن يهديهم للإسلام، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «ما\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، برقم ٤١٩٥، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣٦٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٧٥١. وكذلك أخرجه أحمد، ٤/ ٢٩٤.\n(٢) ابن خزيمة، برقم ٨٩٩، ٢/ ٥٣، وأحمد ٢/ ٢٩٩، برقم ١٠٢٣، وصحح إسناده الألباني والأعظمي في صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٥٢.\n(٣) ابن خزيمة في صحيحه، برقم ٩٠١، وقال الألباني والأعظمي: إسناده صحيح، انظر: صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٥٣، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي برقم ٢٧٨.","vol":"1","page":168},{"text":"ترى يا ابن الخطاب؟» قال: قلت: لا واللَّه يا رسول اللَّه ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم، فتُمكِّن عليًا من عقيلٍ فيضربُ عُنقه، وتُمكِّنِّي من فلانٍ - نسيبًا لعمر - فأضربَ عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوِيَ رسولُ اللَّه - ﷺ - ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، ولَمّا كان مِنَ الغَدِ جئتُ فإذا رسول اللَّه - ﷺ - وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول اللَّه! أخبرني من أيّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدتُ بُكاءً بكيت، وإن لم أجد بُكاءً تباكيتُ لبكائكما؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة» شجرةٍ قريبةٍ من نبيّ اللَّه - ﷺ -، وأنزل اللَّه - ﷿ -: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ (١) فِي الْأَرْضِ إلى قوله: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (٢)، فأحلّ اللَّه الغنيمة لهم) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>١٦ - بكى النبيُّ - ﷺ - شفقة على أمته</span>، فعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄: أنّ النبيَّ - ﷺ - تلا قول اللَّه - ﷿ - في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٤) الآية، وقال عيسى - ﵇ -: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) الآية، فرفع يديه وقال: «اللَّهم أُمّتي أُمّتي» وبكى، فقال اللَّه - ﷿ -: «يا\n_________\n(١) يثخن في الأرض: يُكثر القتل والقهر في العدوِّ. شرح النووي ١٢/ ٨٧.\n(٢) سورة الأنفال، الآيات: ٦٧ – ٦٩.\n(٣) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم، برقم ١٧٦٣.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٣٦.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ١١٨.","vol":"1","page":169},{"text":"جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل ﵊ فسأله، فأخبره رسول اللَّه - ﷺ - بما قال وهو أعلم، فقال اللَّه: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنَّا سَنُرضيك في أُمَّتك ولا نسوءك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>ثالثًا: تلطفه - ﷺ - بالأطفال وإدخال السرور عليهم</span>\nوَصَلَ النبيُّ - ﷺ - إلى الدرجة العليا في الكمال البشري في جميع المجالات، ومن هذه الأخلاق العظيمة أخلاقه مع الأطفال التي ضرب فيها المثل الأعلى، ولا يصل إلى درجته أحد من خلق اللَّه تعالى، لا علماء النفس، ولا غيرهم؛ ولكن مع ذلك المسلم يُلْزِمُ نفسه على حسب قدرته بالاقتداء بالنبي - ﷺ -، ومن هذا تلطفه ومداعبته الكريمة للأطفال، ومن ذلك على سبيل المثال والإيجاز ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>المثال الأول: مداعبته - ﷺ - محمود بن الرُّبيع:</span>\nقال محمود - ﵁ -: «عَقلتُ من النبي - ﷺ - مَجَّةً مجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلوٍ» (٢)، وقوله - ﵁ -: عقلت: أي حفظت، ومجةً: المجُّ هو إرسال الماء من الفَمِ، ولا يُسمَّى مجًّا إلا إذا كان عن بُعدٍ، وفعل ذلك - ﷺ - إمَّا مداعبةً أو ليُبارك عليه كما كان ذلك شأنه مع أولاد الصحابة (٣)، قال شيخنا ابن باز ﵀: وهذا من\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب دعاء النبي - ﷺ - لأمته وبكائه شفقة عليهم، برقم ٢٠٢.\n(٢) البخاري، كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير، برقم ٧٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، برقم ٢٦٥ - (٣٣).\n(٣) فتح الباري لابن حجر، ١/ ١٧٢.","vol":"1","page":170},{"text":"باب المداعبة وحسن الخلق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>المثال الثاني: ملاطفته ومداعبته - ﷺ - لجملة من الأطفال:</span>\nعن جابر بن سَمُرة - ﵁ -، قال: «صليتُ مع رسول اللَّه - ﷺ - صلاة الأُولى ثم خرج إلى أهله وخرجتُ معه، فاستقبلهُ وِلدانٌ فجعل يمسح خدَّيْ أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدَّيَّ فوجدت لِيَدِهِ بردًا أو ريحًا، كأنما أخرجها من جؤنة عطّار» (٢)، والجؤنة: السفط الذي فيه متاع العطار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>المثال الثالث: ملاطفته - ﷺ - الحسن والحسين في مواقف كثيرة:</span>\n١ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قبَّل رسول اللَّه - ﷺ - الحسن بن عليٍّ وعنده الأقرع بن حابسٍ التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول اللَّه - ﷺ - ثم قال: «من لا يَرْحم لا يُرحم» (٣).\n٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: جاء أعرابيٌّ إلى النبي - ﷺ - فقال: تُقَبِّلون صبيانكم فما نُقَبِّلُهُم، فقال النبيُّ - ﷺ -: «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أن نَزَعَ اللهُ من قلبك الرحمة» (٤)، والمعنى: لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلبك بعد أن نزعها اللَّه منه (٥).\n_________\n(١) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٧٧.\n(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب طيب رائحة النبي - ﷺ -، ولين مسه، والتبرك بمسحه، برقم ٢٣٢٩.\n(٣) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، برقم ٥٩٩٧.\n(٤) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، برقم ٥٩٩٨، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال، وتواضعه، وفضل ذلك، برقم ٢٣١٧.\n(٥) فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٤٣٠.","vol":"1","page":171},{"text":"٣ - والحسن والحسين ﵄ من أحب الناس إلى النبي - ﷺ -، فعن ابن عمر ﵄ قال: ... وسمعتُ النبي - ﷺ - يقول: «هُمَا ريحانتاي من الدنيا» (١)، والمعنى: أنهما مما أكرمني اللَّه وحباني به؛ لأن الأولاد يُشمّون ويُقبَّلون، فكأنهم من جملة الرياحين، وقوله «من الدنيا» أي نصيبي من الريحان الدنيوي (٢).\n٤ - وعن أبي بكرة - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعلَّ اللَّه أن يُصلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٣).\nوقد أصلح اللَّه به بين معاوية ومن معه وأتباع علي بن أبي طالب ومن معه فتنازل عن الخلافة لمعاوية فحقن اللَّه تعالى به دماء المسلمين (٤).\n٥ - وعن البراء - ﵁ - قال: رأيتُ النبيَّ - ﷺ - والحسن بن عليٍّ على عاتقه يقول: «اللَّهم إني أُحِبُّه فأَحِبَّه» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>المثال الرابع: ركوب الصبي على ظهره - ﷺ - وهو ساجد:</span>\nوعن شدَّادٍ - ﵁ - قال: خرج النبي - ﷺ - إلى الناس؛ ليصلي بهم إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا فتقدَّم رسول اللَّه - ﷺ - فوضعه،\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، برقم ٥٩٩٤.\n(٢) فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٤٢٧.\n(٣) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين ﵄، برقم ٣٧٤٦.\n(٤) انظر: البخاري، كتاب الصلح، باب قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي ﵄، برقم ٢٧٠٤.\n(٥) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين ﵄، برقم ٣٧٤٩.","vol":"1","page":172},{"text":"ثم كبر للصلاة، فصلَّى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أَبِي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول اللَّه - ﷺ -، وهو ساجد، فرجعتُ إلى سجودي، فلمَّا قضى رسول اللَّه - ﷺ - الصلاة قال الناس: يا رسول اللَّه! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظنَنّا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، قال: «كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعَجِّلَهُ حتى يقضي حاجته» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>المثال الخامس: محبته - ﷺ - لأُسامة:</span>\nعن أسامة بن زيد ﵄ قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - يأخذني فَيُقْعِدُني على فخذه ويُقعد الحسن بن علي على فخذه الآخر ثُمَّ يضمُّهما ثم يقول: «اللَّهم ارحمهما فإني أرحمهما» وفي رواية: «اللَّهم إني أُحبُّهما فأَحبَّهما» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>المثال السادس: حَمْلُهُ - ﷺ - بنت زينب وهو يصلي:</span>\nفعن أبي قتادة - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يصلي وهو حاملٌ أمامة بنت زينب، بنت رسول اللَّه - ﷺ - بنت أبي العاص، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها (٣).\n_________\n(١) النسائي، كتاب التطبيق، باب هل يجوز أن تكون سجدة أطول من سجدة، برقم ١١٤٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي ١/ ٢٤٦، ومسند أحمد ٢٥/ ٤٢٠، برقم ١٦٠٣٣.\n(٢) البخاري، كتاب الأدب، باب وضع الصبي على الفخذ، برقم ٦٠٠٣، وكتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين ﵄، برقم ٣٧٤٧، وكتاب فضائل الصحابة، باب ذكر أسامة بن زيد ﵄ ٣٧٣٥.\n(٣) البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، برقم ٥١٦، وكتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، رقم ٥٩٩٦، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة، برقم ٥٤٣.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>المثال السابع: مداعبة أم خالد باللغة الحبشية:</span>\nفعن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: «أتيت رسول اللَّه - ﷺ - مع أبي وعليَّ قميص أصفر، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «سَنَه سَنَه» قال عبد اللَّه الراوي: وهي بالحبشية: حسنة، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي (١)، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «دعها» ثم قال: «أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي» قال عبد اللَّه فبقيت حتى ذكر» (٢)، والمعنى فبقيت حتى ذكر الراوي من بقائها أمدًا طويلًا، وقيل: لم تعش امرأة مثلما عاشت أم خالد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>المثال الثامن: تخفيفه - ﷺ - الصلاة عند بكاء الصبي:</span>\nكان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي رحمة لأمه وشفقة عليها وعليه، - ﷺ -، فعن أبي قتادة، عن أبيه ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «إِنِّي لأقوم في الصلاة أُريد أن أُطوِّل فيها فأسمع بكاء الصّبيِّ؛ فأتجوَّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أُمِّه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>المثال التاسع: سلامه - ﷺ - على الصبيان:</span>\nفعن أنس بن مالك - ﵁ - أنه مرَّ على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي - ﷺ - يفعله (٥).\n_________\n(١) زبرني: أي نهرني وزجرني. انظر: المصباح المنير، ١/ ٢٥٠.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من تكلم بالفارسية والرطانة، برقم ٣٠٧١.\n(٣) فتح الباري لابن حجر، ١/ ١٨٤.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها، برقم ٧٠٧.\n(٥) البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم على الصبيان، برقم ٦٢٤٧، ومسلم، كتاب السلام، باب استحباب السلام على الصبيان، برقم ٢١٦٨.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>المثال العاشر: مداعبته - ﷺ - لأبي عُميرٍ:</span>\nفعن أنس - ﵁ -، قال: كان النبي - ﷺ - أحسن الناس خُلقًا، وكان لي أخٌ يُقال له: أبو عُمير - أحسبه فَطِيمًا - وكان إذا جاء - ﷺ - قال: «يا أبا عُمير ما فعل النُّغير؟» (١) نُغرٌ كان يلعبُ به، أي طير صغير كان يلعب به أبو عمير، فمات النُّغير، فرآه النبي - ﷺ - حزينًا على النغير، فداعبه - ﷺ - (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>المثال الحادي عشر: إعطاؤه - ﷺ - الصبي قبل الأشياخ؛ لأنه عن يمينه:</span>\nأعطى - ﷺ - الشراب لغلام صغير عن يمينه قبل الأشياخ، فعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: أُتِيَ النبي - ﷺ - بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلامٌ أصغر القوم، والأشياخ عن يساره فقال: «يا غلام أَتَأْذَنُ لِي أَن أُعطيه الأشياخ؟» قال: ما كنت لأوثر بفضلي منكَ أحدًا يا رسول اللَّه! فأعطاه إياه. وفي رواية: «أَتَأْذَنُ لي أن أُعطِيَ هؤلاء؟» فقال الغلامُ: لا واللهِ يا رسول اللَّه، لا أُوثِرُ بنصيبي منك أحدًا، قال: فَتَلَّهُ رسولُ اللَّه - ﷺ - في يده (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>المثال الثاني عشر: بول الصبيان في حجره - ﷺ </span>-:\nفعن أمِّ قيس بنت مِحصنٍ أنها أتت بابنٍ لها لم يأكل الطعام إلى رسول اللَّه - ﷺ - فأجلسه رسول اللَّه - ﷺ - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب الكنية للصبي وقبل أن يولد للرجل، برقم ٦٢٠٣.\n(٢) فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٥٨٣.\n(٣) البخاري، كتاب المساقاة (الشرب)، باب في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة، مقسومًا كان أو غير مقسوم، برقم ٢٣٥١، وكتاب المظالم، باب إذا أذن له أو أحله، ولم يبين كم هو، برقم ٢٤٥١.","vol":"1","page":175},{"text":"بماءٍ فنضحه ولم يغسله (١).\nوغير هذه المواقف كثيرةٌ جدًا.\nوصلَّى اللَّه وسلَّم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الوضوء، باب بول الصبيان، برقم ٢٢٣.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المصادر والمراجع</span>\n١ - إحياء علوم الدين، للإمام الغزالي، دار الندوة الجديدة، بيروت.\n٢ - الأخلاق الإسلامية وأسسها، لعبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني، الطبعة الثالثة، ١٤١٣هـ، دار القلم دمشق.\n٣ - الأدب المفرد، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري تخريج محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثالثة دار البشائر، بيروت، لبنان.\n٤ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٥ - الإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني دار صادر، بيروت، لبنان.\n٦ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي طبع وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٧ - البداية والنهاية، للحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير، ت:٧٤٧هـ، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر.\n٨ - تاج العروس من جواهر القاموس، لمحمد مرتضى الزبيدي، بدون تاريخ، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان.\n٩ - تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت ٣١٠هـ، الطبعة الثانية، ١٤٠٨هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n١٠ - تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، لأبي العُلا محمد عبد الرحمن عبد الرحيم المباركفوري، ت ١٣٥٣ هـ، الطبعة الثانية، ١٤٥٧ هـ، مكتبة ابن تيمية، القاهرة. .\n١١ - تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم)، للإمام أبي الفداء إسماعيل بن الخطيب عمر بن كثير القرشي الدمشقي، ت ٧٧٤ هـ، طبعة ١٤٠٧ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n١٢ - تفسير البغوي (معالم التنزيل)،للإمام الحافظ أبي محمد الحسين بن مسعود","vol":"1","page":198},{"text":"البغوي ت٥١٦ هـ، تحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار، الطبعة الأولى،١٤٠٦ هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٣ - التفسير القيم للإمام ابن القيم، جمعه محمد أويس الندوي، تحقيق محمد حامد الفقي، بدون تاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n١٤ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، للحافظ أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، ٧٧٣هـ، توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية.\n١٥ - تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢ هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٤هـ، دار الفكر.\n١٦ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت١٣٧٦هـ، تحقيق محمد زهري النجار، طبعة ١٤٠٤ هـ، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٧ - جامع الأصول من أحاديث الرسول، لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، ت٦٥٦ هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤٥٣ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n١٨ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nت ٣١٠هـ، تحقيق محمود محمد شاكر، توزيع دار التربية والتراث، مكة المكرمة.\n١٩ - الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، تحقيق أحمدمحمد شاكر، وأتمه إبراهيم عطوة عوض، المكتبة الإسلامية.\n٢٠ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، للإمام الحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ت ٧٩٥ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٢١ - جامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر يوسف بن عبد البر، ت ٤٦٣ هـ، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.\n٢٢ - الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبى،","vol":"1","page":199},{"text":"ت ٦٧١ هـ، تحقيق محمد إبراهيم الحفناوي، ومحمود حامد عثمان، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، دار الحديث، القاهرة.\n٢٣ - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت٧٥١هـ، تحقيق أبي حذيفة عبيد الله بن عالية، الطبعة الأولى،١٤٠٧هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n٢٤ - حاشية ثلاثة الأصول لمحمد بن عبد الوهاب، بقلم عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ت١٣٩٢هـ، الطبعة الخامسة، ١٤٠٧هـ، بدون ناشر.\n٢٥ - الحكمة في الدعوة إلى الله، سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الطبعة الثالثة، ١٤١٧ هـ، توزيع مؤسسة الجريسي، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢٦ - الدعائم الخلقية للقوانين الشرعية، للمحامي صبحي محمصاني، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، دار الملايين، بيروت.\n٢٧ - ديوان الإمام الشافعي، لأبى عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ت ٢٥٤ هـ، جمعه وعلق عليه محمد عفيف الزعبي، الطبعة الثالثة، ١٣٩٢ هـ، مؤسسة الزعبي، بيروت، لبنان.\n٢٨ - زاد الداعية إلى الله، لمحمد بن صالح العثيمين، بدون تاريخ، مطابع المدينة بالرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢٩ - زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٣٠ - سبل السلام الموصل إلى بلوغ المرام، للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، تحقيق محمد صبحي حسن حلاق، الطبعة الأولى عام ١٤١٨هـ، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية.\n٣١ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة ١٤١٨هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٣٢ - سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، ت ٢٧٥ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n٣٣ - سنن أبي داود، الطبعة الأولى عام ١٤٢٠هـ، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":200},{"text":"٣٤ - سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، ت ٢٧٩ هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، ١٣٩٨ هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، مصر.\n٣٥ - سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت ٢٥٥ هـ، طبعة ١٤٠٤ هـ، تحقيق عبد الله بن هاشم اليماني، توزيع الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٣٦ - السنن الكبرى، لأحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري، وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١١هـ.\n٣٧ - السنن الكبرى، للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي، ت ٤٥٨ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٣٨ - سنن النسائي، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب، ت ٣٠٣ هـ، بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، ت ٩١١ هـ، وحاشية السندي، ت ١١٣٨ هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، اعتنى به ورقمه عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\n٣٩ - سير أعلام النبلاء، للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي،\nت ٧٤٨ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الرابعة، ١٤٠٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٤٠ - سيرة ابن هشام، لأبي محمد بن عبد الملك بن هشام، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء.\n٤١ - السيرة النبوية دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي، الطبعة الثامنة، ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي.\n٤٢ - شرح السنة، للإمام أبي محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري،\nت ٣٢٩ هـ، تحقيق أبي ياسر خالد بن قاسم الردادي، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية.\n٤٣ - شرح صحيح مسلم للنووي، لمحيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، ت ٦٧٦ هـ، تحقيق لجنة من العلماء بإشراف الناشر، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ، دار القلم، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":201},{"text":"٤٤ - شعب الإيمان، للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت ٤٥٨ هـ، تحقيق أبي هاجر محمد السعيد بسيوني زغلول، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٤٥ - صحيح ابن ماجه، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٤٦ - صحيح البخاري، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ت ٢٥٦ هـ، طبعة ١٤١٤ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان. وطبعة ١٣١٥ هـ، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا، والنسخة المطبوعة مع فتح الباري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وإشراف محب الدين الخطيب، بدون تاريخ، مكتبة الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٤٧ - صحيح الجامع الصغير، للعلامة ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى،\n١٣٨٨ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٤٨ - صحيح سنن الترمذي باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٤٩ - صحيح سنن النسائي باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٥٠ - صحيح سنن النسائي، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٥١ - صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري االنيسابوري،\nت ٢٦١ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n٥٢ - صفة المنافقين، للإمام أبي عبد الله محمد بن أبى بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ.\n٥٣ - طريق الهجرتين وباب السعادتين، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، ت ٧٥١، تخريج عمر بن محمود وأبو عمر، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ، دار ابن القيم، الدمام، المملكة العربية السعودية.\n٥٤ - عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق محمد عثمان الخشت، الطبعة الرابعة، ١٤١٠ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":202},{"text":"٥٥ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ، دار الفكر.\n٥٦ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني،\nت ٨٥٢ هـ، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي وإشراف محب الدين الخطيب، بدون تاريخ، مكتبة الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٥٧ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ت ١٢٥٠ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٥٨ - الفوائد، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١هـ، بتحقيق بشير عيون، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ، مكتبة دار البيان، دمشق.\n٥٩ - فيض القدير شرح الجامع الصغير، للعلامة عبد الرؤوف المناوي، ت ١٠٣١ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٦٠ - القاموس الفقهي: لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ، دار الفكر، دمشق، سورية.\n٦١ - القاموس المحيط، للعلامة مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي،\nت ٨١٧ هـ الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٦٢ - الكامل في التاريخ، لابن الأثير:، علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم، ت ٦٣٠هـ، الطبعة السادسة ١٤٠٦هـ، دار الكتاب العربي.\n٦٣ - كيف يدعو الداعية، لعبد الله ناصح علوان، الطبعة الثانية، ١٤٠٦هـ، دار السلام، القاهرة، وحلب.\n٦٤ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين على بن أبي بكر الهيثمي،\nت ٨٠٧ هـ، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n٦٥ - مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن القاسم، أشرف على طباعته المكتب السعودي بالمغرب.\n٦٦ - مجموع فتاوى ابن باز، جمع عبد الله الطيار، وأحمد الباز، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٦٧ - مجموعة الرسائل الكبرى، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية، ت ٧٢٨هـ، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٦٨ - مختار الصحاح، للإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، طبعة","vol":"1","page":203},{"text":"١٩٨٥م، مكتبة لبنان، بيروت، لبنان.\n٦٩ - مختصر منهاج القاصدين، للإمام أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسى، ت ٦٨٩ هـ، تعليق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، طبعة ١٣٩٨ هـ، مكتبة دار البيان، دمشق.\n٧٠ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية تحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة بدون تاريخ، مكتبة السنة المحمدية، ومكتبة تيمية، القاهرة.\n٧١ - المدخل لابن الحاج، محمد بن محمد بن محمد العبدري المالكي ت ٧٣٧هـ، مكتبة دار التراث، القاهرة. ...\n٧٢ - المستدرك على الصحيحين، للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٧٣ - مسند الإمام أحمد، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ت ٢٤١ هـ، بدون تاريخ، المكتب الإسلامي، دار صادر، بيروت، لبنان.\n٧٤ - مسند الإمام أحمد بشرح أحمد شاكر، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، شرحه ووضع فهارسه أحمد محمد شاكر، بدون تاريخ، دار المعارف، مصر.\n٧٥ - مشكاة المصابيح، لمحمد عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٧٦ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقرئ الفيومي، بدون تاريخ، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.\n٧٧ - المصفى من صفات الدعاة، لعبد الحميد البلالي، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥هـ، دار الدعوة، الكويت.\n٧٨ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، الطبعة الثانية، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا.\n٧٩ - مفتاح دار السعادة، للعلامة الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تخريج علي بن حسن بن علي بن عبد المجيد، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ، دار ابن عفان، الخبر، المملكة العربية السعودية.\n٨٠ - مفردات ألفاظ القرآن، العلامة الراغب الأصفهاني، ت ٥٠٢ هـ، تحقيق","vol":"1","page":204},{"text":"صفوان عدنان داوودي، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، دار القلم، دمشق، دار الشامية، بيروت.\n٨١ - مقامع الشيطان، لسليم بن عيد الهلالي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، مكتبة ابن الجوزي، الأحساء، المملكة العربية السعودية.\n٨٢ - مقاييس اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، ت ٣٩٥هـ، بتحقيق عبد السلام محمد هارون، طبعة ١٣٩٩هـ، دار الفكر.\n٨٣ - مقدمة في علم الأخلاق، للدكتور محمود حمدي زقزوق، الطبعة الثانية، ١٤٠١هـ، دار القلم، الكويت.\n٨٤ - من صفات الداعية اللين والرفق، للدكتور فضل إلهي، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ، توزيع مؤسسة الجريسي، الرياض.\n٨٥ - موسوعة أخلاق القرآن الكريم، للدكتور أحمد الشرباصي، الطبعة الثانية، ١٤٠٥هـ، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان.\n٨٦ - النهاية في غريب الحديث والأثر، للإمام أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، ت ٦٠٦ هـ، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بدون تاريخ، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.\n٨٧ - النية وأثرها في الأحكام الشرعية، الدكتور صالح بن غانم السدلان، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ، دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٨٨ - هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة، للشيخ علي محفوظ، الطبعة التاسعة، ١٣٩٩هـ، دار الاعتصام.\n٨٩ - هذا الحبيب يا محب، لأبي بكر جابر الجزائري، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ، مكتبة لينة، دمنهور.\n٩٠ - هكذا علمتني الحياة، للدكتور مصطفى السباعي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٦هـ، المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":205}]}