{"ً":{"ٌ":96466,"ٍ":"الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة - مفهوم، ومنزلة، وحِكَمٌ، وفوائد، وأحكام، وشروط، ومسائل\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مركز الدعوة والإرشاد بالقصب\nالطبعة: الثالثة، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م\nعدد الصفحات: ٤٥٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":19,"ٖ":1770154052,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الزكاة: لغة، وشرعا","level":1,"page":5},{"title":"الزكاة لغة:","level":2,"page":5},{"title":"والزكاة أنواع ثلاثة","level":3,"page":5},{"title":"النوع الأول: زكاة النفس","level":4,"page":6},{"title":"النوع الثاني: زكاة البدن","level":4,"page":6},{"title":"النوع الثالث: زكاة الأموال","level":4,"page":6},{"title":"الزكاة شرعا","level":3,"page":7},{"title":"الصدقة:","level":2,"page":9},{"title":"لفظ الصدقة نوعان:","level":3,"page":10},{"title":"النوع الأول: صدقة تطلق على صدقة التطوع","level":4,"page":10},{"title":"النوع الثاني: صدقة تطلق على صدقة الفرض","level":4,"page":10},{"title":"والعطية: هي ما أعطاه الإنسان من ماله","level":2,"page":10},{"title":"المبحث الثاني: منزلة الزكاة في الإسلام","level":1,"page":11},{"title":"١ - الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام","level":2,"page":11},{"title":"٢ - الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى","level":2,"page":11},{"title":"وذكرت الزكاة منفردة عن الصلاة في ثلاثة مواضع","level":3,"page":15},{"title":"ثلاثون مرة ذكرت فيها الزكاة في القرآن","level":3,"page":15},{"title":"جاءت كلمة الصدقة والصدقات في القرآن الكريم اثنتا عشرة مرة","level":3,"page":16},{"title":"٣ - اعتنت سنة النبي - ﷺ - بالزكاة عناية دقيقة","level":2,"page":16},{"title":"٤ - لعظم شأن الزكاة ذكرها الله تعالى في شرائع من كان قبلنا","level":2,"page":17},{"title":"٥ - مدح الله القائمين بها","level":2,"page":17},{"title":"٦ - ذم الله تعالى التاركين لها","level":2,"page":18},{"title":"٧ - تارك إطعام المساكين من المجرمين","level":2,"page":18},{"title":"٨ - أداء الزكاة من أسباب دخول الجنة","level":2,"page":18},{"title":"٩ - لعظم مكانة الزكاة شرعها الله تعالى زكاة مطلقة","level":2,"page":18},{"title":"١٠ - لعظم شأن الزكاة في الإسلام اعتنى الله بها","level":2,"page":21},{"title":"١١ - ويدل على علو منزلة الزكاة أن من منعها يقاتل","level":2,"page":21},{"title":"١٢ - ومما يؤكد عظم منزلة الزكاة في الإسلام أن من جحد وجوبها كفر","level":2,"page":22},{"title":"١٣ - ولعظيم منزلة الزكاة جاءت النصوص من الكتاب والسنة في بيان عقوبة تاركها","level":2,"page":24},{"title":"١٤ - تعزير الإمام لمن تهاون بأداء الزكاة يدل على عظم منزلتها","level":2,"page":27},{"title":"المبحث الثالث: فوائد الزكاة وحكمها","level":1,"page":29},{"title":"١ - إتمام إسلام العبد","level":2,"page":29},{"title":"٢ - حصول طاعة الله بتنفيذ أمره رجاء ثوابه","level":2,"page":29},{"title":"٣ - تثبيت أواصر المحبة بين الغني والفقير","level":2,"page":29},{"title":"٤ - تطهير النفس وتزكيتها","level":2,"page":29},{"title":"٥ - تعويد المسلم على صفة الجود، والكرم","level":2,"page":29},{"title":"٦ - حفظ النفس عن الشح","level":2,"page":29},{"title":"٧ - استجلاب البركة والزيادة والخلف من الله تعالى","level":2,"page":29},{"title":"٨ - برهان على صدق إسلام مخرجها","level":2,"page":31},{"title":"٩ - تشرح الصدر","level":2,"page":31},{"title":"١٠ - تلحق المسلم بالمؤمن الكامل","level":2,"page":31},{"title":"١١ - من أسباب دخول الجنة","level":2,"page":31},{"title":"١٢ - تجعل المجتمع المسلم كالأسرة الواحدة","level":2,"page":32},{"title":"١٣ - تطفئ حرارة ثورة الفقراء","level":2,"page":32},{"title":"١٤ - تمنع الجرائم المالية مثل: السرقات والنهب","level":2,"page":32},{"title":"١٥ - النجاة من حر يوم القيامة","level":2,"page":32},{"title":"١٦ - تعين المسلم على معرفة حدود الله والفقه في دينه تعالى","level":2,"page":33},{"title":"١٧ - سبب لنزول الخيرات ودفع العقوبات","level":2,"page":33},{"title":"١٨ - تطفئ الخطايا وتكفرها","level":2,"page":33},{"title":"١٩ - أداء الزكاة من شكر النعم","level":2,"page":33},{"title":"٢٠ - مضاعفة الأجر عند الله تعالى","level":2,"page":33},{"title":"٢١ - وقاية صاحب المال من العذاب به","level":2,"page":34},{"title":"٢٢ - الزكاة تحصن المال ويحفظه الله تعالى بها","level":2,"page":34},{"title":"٢٣ - ذهاب شر المال ووباله","level":2,"page":34},{"title":"٢٤ - تطهير المال؛ لأن الزكاة تطهير للمال","level":2,"page":35},{"title":"٢٥ - وقاية المال من الفساد","level":2,"page":35},{"title":"٢٦ - استعانة الفقير بما يأخذ من الزكاة على طاعة الله","level":2,"page":35},{"title":"٢٧ - ترغيب الفقير في فعل الخيرات والإحسان إلى من دونه","level":2,"page":35},{"title":"٢٨ - تحقيق أهم عناصر التمكين في الأرض","level":2,"page":35},{"title":"٢٩ - يزيد الله تعالى من أدى الزكاة طيبة بها نفسه هدى وإيمانا","level":2,"page":36},{"title":"٣٠ - شهد الله تعالى للمنفقين بالهدى والفلاح","level":2,"page":36},{"title":"٣١ - أداء الزكاة والصدقة من أعظم قضاء الحوائج وتفريج الكربات","level":2,"page":36},{"title":"٣٢ - أداء الزكاة أو الصدقة إلى الضعفاء الفقراء من أسباب النصر والرزق","level":2,"page":37},{"title":"٣٣ - المتصدق ابتغاء مرضاة الله تعالى يفوز بثناء الله تعالى","level":2,"page":37},{"title":"٣٤ - من أعظم أسباب رحمة الله تعالى للعبد","level":2,"page":38},{"title":"٣٥ - وعد الله تعالى المؤمنين المتصدقين بالجنة وما فيها من النعيم","level":2,"page":38},{"title":"٣٦ - وعد الله - ﷿ - بالفلاح والفردوس لمن قام بأداء الزكاة مع الصفات الجميلة الأخرى","level":2,"page":39},{"title":"٣٧ - أداء الزكاة من أعظم أنواع الإحسان","level":2,"page":39},{"title":"٣٨ - في إعطاء العاملين على الزكاة منها","level":2,"page":39},{"title":"٣٩ - في إعطاء الغارمين الزكاة نوع من التخفيف عنهم","level":2,"page":40},{"title":"٤٠ - تجهيز المقاتلين في سبيل الله تعالى","level":2,"page":40},{"title":"٤١ - مساعدة المسلم المسافر إذا انقطع من النفقة","level":2,"page":40},{"title":"٤٢ - في إعطاء الزكاة في تحرير الرقاب تحرير للرقيق","level":2,"page":40},{"title":"٤٣ - يترتب على أداء الزكاة الأجر العظيم","level":2,"page":41},{"title":"المبحث الرابع: حكم الزكاة في الإسلام","level":1,"page":42},{"title":"المبحث الخامس: شروط وجوب الزكاة خمسة:","level":1,"page":43},{"title":"الشرط الأول: الإسلام","level":2,"page":43},{"title":"الشرط الثاني: الحرية","level":2,"page":44},{"title":"الشرط الثالث: ملك نصاب","level":2,"page":45},{"title":"الشرط الرابع: استقرار الملك","level":2,"page":45},{"title":"الشرط الخامس: مضي الحول في غير المعشر","level":2,"page":47},{"title":"ويستثنى أشياء لا يشترط لها تمام الحول وهي على النحو الآتي:","level":3,"page":47},{"title":"الأول: المعشر","level":4,"page":47},{"title":"الثاني: نتاج السائمة","level":4,"page":48},{"title":"الثالث: ربح التجارة حوله حول رأس المال","level":4,"page":48},{"title":"الرابع: الركاز، وهو ما يوجد من دفن الجاهلية","level":4,"page":48},{"title":"الخامس: المعدن","level":4,"page":48},{"title":"وينقطع الحول بأمور على النحو الآتي:","level":3,"page":49},{"title":"الأول: إذا نقص النصاب أثناء الحول قبل تمامه","level":4,"page":49},{"title":"الثاني: إذا باع النصاب بغير جنسه أثناء الحول لا فرارا من الزكاة","level":4,"page":50},{"title":"الثالث: إذا أبدل النصاب بغير جنسه أثناء الحول لا فرارا من الزكاة","level":4,"page":50},{"title":"أما إذا باعه أو أبدله بجنسه، فإن الحول لا ينقطع","level":5,"page":50},{"title":"أما حول عروض التجارة فلا ينقطع الحول بالمبادلة أو البيع","level":5,"page":53},{"title":"المبحث السادس: زكاة الدين","level":1,"page":55},{"title":"١ - الصواب من أقوال أهل العلم أن الدين الذي ينقص النصاب لا يمنع الزكاة","level":2,"page":55},{"title":"٢ - زكاة الدين على نوعين:","level":2,"page":56},{"title":"النوع الأول: دين على مليء معترف به باذل له","level":3,"page":56},{"title":"النوع الثاني: أن يكون الدين على معسر، أو جاحد، أو مماطل","level":3,"page":57},{"title":"٣ - حكم إسقاط الدين من الزكاة:","level":2,"page":58},{"title":"المبحث السابع: مسائل مهمة في الزكاة","level":1,"page":59},{"title":"المسألة الأولى: تجب الزكاة في عين المال","level":2,"page":59},{"title":"المسألة الثانية: لا يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء","level":2,"page":60},{"title":"المسألة الثالثة: لا يعتبر في وجوب الزكاة بقاء المال","level":2,"page":61},{"title":"المسألة الرابعة: الزكاة كالدين في التركة","level":2,"page":62},{"title":"المسألة الخامسة: تجب الزكاة على الفور","level":2,"page":64},{"title":"المسألة السادسة: شروط صحة الزكاة","level":2,"page":65},{"title":"١ - النية","level":3,"page":65},{"title":"أ - نية المعمول له وهو الله تعالى","level":4,"page":65},{"title":"ب - نية العمل وهي تمييز العبادات بعضها عن بعض","level":4,"page":65},{"title":"٢ - المتابعة للنبي - ﷺ -","level":3,"page":66},{"title":"المسألة السابعة: وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون","level":2,"page":66},{"title":"المسألة الثامنة: المال المستفاد - بغير ربح التجارة أو نتاج السائمة - لا يضم إلى ما عند المالك من المال","level":2,"page":68},{"title":"المسألة التاسعة: جواز تقديم الزكاة إذا وجد سبب وجوبها","level":2,"page":68},{"title":"المسألة العاشرة: كل شيء ليس لعروض التجارة لا زكاة فيه","level":2,"page":69},{"title":"المبحث الثامن: زكاة بهيمة الأنعام السائمة","level":1,"page":71},{"title":"زكاة السائمة من بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم","level":2,"page":71},{"title":"تجب الزكاة في بهيمة الأنعام بشروط أربعة","level":2,"page":71},{"title":"الشرط الأول: أن تتخذ للدر والنسل والتسمين","level":3,"page":71},{"title":"الشرط الثاني: السوم أكثر الحول","level":3,"page":72},{"title":"الشرط الثالث: أن يحول عليها الحول عند مالكها حولا كاملا","level":3,"page":73},{"title":"الشرط الرابع: أن تبلغ النصاب الشرعي","level":3,"page":73},{"title":"أولا: نصاب الإبل","level":4,"page":73},{"title":"وتجب الزكاة في الإبل","level":5,"page":76},{"title":"أما السنة","level":6,"page":76},{"title":"وأما الإجماع","level":6,"page":77},{"title":"مسائل في زكاة الإبل:","level":5,"page":77},{"title":"١ - الجبران في زكاة الإبل فقط","level":6,"page":77},{"title":"٢ - من بلغت صدقته بنت مخاض ولم تكن عنده، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه بدون أخذ الجبران","level":6,"page":78},{"title":"٣ - الذي يؤخذ في زكاة الإبل الإناث دون الذكور إلا ابن اللبون إذا عدمت بنت المخاض","level":6,"page":78},{"title":"٤ - الشاة التي تؤخذ في زكاة الإبل وكذلك في جبران زكاة الإبل","level":6,"page":78},{"title":"٥ - إن تطوع المزكي فأخرج سنا أعلى من السن الواجب جاز","level":6,"page":78},{"title":"٦ - يخرج عن إبله من جنسها","level":6,"page":79},{"title":"٧ - لا مدخل للجبران في غير الإبل","level":6,"page":79},{"title":"٨ - يجزئ الذكر إذا كان المال كله ذكورا","level":6,"page":79},{"title":"ثانيا: نصاب زكاة البقر","level":4,"page":80},{"title":"وتجب الزكاة في البقر","level":5,"page":82},{"title":"أما السنة","level":6,"page":82},{"title":"وأما الإجماع","level":6,"page":82},{"title":"ثالثا: نصاب زكاة الغنم","level":4,"page":82},{"title":"وتجب زكاة الغنم","level":5,"page":84},{"title":"أما السنة","level":6,"page":84},{"title":"وأما الإجماع","level":6,"page":85},{"title":"الجدول العام لزكاة السائمة من بهيمة الأنعام","level":5,"page":86},{"title":"مسائل في زكاة بهيمة الأنعام","level":5,"page":87},{"title":"١ - لا يأخذ المصدق في الصدقة","level":6,"page":87},{"title":"٢ - لا يأخذ المصدق كرائم الأموال ولا خياره","level":6,"page":88},{"title":"٣ - ما بين الفريضتين في زكاة بهيمة الأنعام أوقاص ولا زكاة في الأوقاص","level":6,"page":88},{"title":"٤ - إرضاء المصدق الساعي الآخذ للزكاة وإن ظلم","level":6,"page":89},{"title":"٥ - عمال الصدقة السعاة الذين يرسلهم الإمام","level":6,"page":89},{"title":"٦ - لا زكاة في غير بهيمة الأنعام من الحيوان","level":6,"page":91},{"title":"٧ - لا يجزئ في صدقة الغنم إلا الجذع من الضأن الذي كمل ستة أشهر","level":6,"page":91},{"title":"٨ - شروط المخرج في الزكاة من بهيمة الأنعام","level":6,"page":92},{"title":"الشرط الأول: السن","level":7,"page":92},{"title":"الشرط الثاني: الأنوثة","level":7,"page":92},{"title":"الشرط الثالث: ألا تكون معيبة","level":7,"page":92},{"title":"الشرط الرابع: أن تكون وسطا","level":7,"page":92},{"title":"٩ - إذا ملك المسلم أقل من النصاب من الإبل","level":6,"page":92},{"title":"١٠ - الصواب عدم جواز العدول عن المقادير المقدرة من النبي - ﷺ -","level":6,"page":92},{"title":"١١ - تؤخذ الزكاة على المياه والموارد وفي الدور","level":6,"page":93},{"title":"١٢ - لا يشتري المسلم صدقته","level":6,"page":93},{"title":"١٣ - دعاء المصدق لأهل الصدقة عند دفعهم","level":6,"page":94},{"title":"١٤ - إذا ملك نصابا صغارا انعقد عليه الحول من حين ملكه","level":6,"page":94},{"title":"١٥ - نتاج السائمة من بهيمة الأنعام حولها حول أمهاتها","level":6,"page":94},{"title":"١٦ - كل جنس من: الإبل، والبقر، والغنم ينقسم إلى نوعين","level":6,"page":95},{"title":"١٧ - الخلطة في بهيمة الأنعام","level":6,"page":95},{"title":"الخلطة نوعان:","level":7,"page":96},{"title":"النوع الأول: خلطة أعيان","level":8,"page":96},{"title":"النوع الثاني خلطة أوصاف","level":8,"page":96},{"title":"ويعتبر في الخلطة شروط خمسة","level":7,"page":96},{"title":"الشرط الأول: أن تكون الخلطة في السائمة من بهيمة الأنعام","level":8,"page":96},{"title":"الشرط الثاني: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة","level":8,"page":96},{"title":"الشرط الثالث: أن يختلطا في نصاب","level":8,"page":97},{"title":"الشرط الرابع: أن يختلطا في ستة أشياء","level":8,"page":97},{"title":"١ - المسرح","level":9,"page":97},{"title":"٢ - المشرب","level":9,"page":97},{"title":"٣ - المحلب","level":9,"page":97},{"title":"٤ - المراح","level":9,"page":97},{"title":"٥ - الراعي","level":9,"page":97},{"title":"٦ - الفحل","level":9,"page":97},{"title":"الشرط الخامس: أن يختلطا في جميع الحول","level":8,"page":97},{"title":"١٨ - إذا كانت سائمة الرجل الواحد في بلدان شتى وبينهما مسافة","level":6,"page":98},{"title":"١٩ - الفرق بين بهيمة الأنعام وغيرها من أصناف الأموال الزكوية","level":6,"page":99},{"title":"المبحث التاسع: زكاة الخارج من الأرض: الحبوب، والثمار، والركاز، والمعدن","level":1,"page":101},{"title":"أولا: زكاة الحبوب والثمار واجبة: بالكتاب، والسنة، والإجماع:","level":2,"page":101},{"title":"أما الكتاب","level":3,"page":101},{"title":"وأما السنة","level":3,"page":101},{"title":"وأما الإجماع","level":3,"page":102},{"title":"ثانيا: شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار","level":2,"page":102},{"title":"الشرط الأول: أن يكون حبا أو ثمرا","level":3,"page":102},{"title":"الشرط الثاني: أن يكون مكيلا","level":3,"page":103},{"title":"الشرط الثالث: أن يكون مما يدخر","level":3,"page":103},{"title":"الشرط الرابع: أن ينبت بإنبات الآدمي في أرضه","level":3,"page":104},{"title":"الشرط الخامس: أن يبلغ نصابا","level":3,"page":105},{"title":"ثالثا: تضم ثمرة العام الواحد لبعضها في تكميل النصاب:","level":2,"page":106},{"title":"رابعا: تجب الزكاة في الحبوب والثمار:","level":2,"page":108},{"title":"على هذا فيكون للثمر والزرع ثلاثة أحوال:","level":3,"page":109},{"title":"الحالة الأولى: أن يتلف قبل وجوب الزكاة","level":4,"page":109},{"title":"الحالة الثانية: أن يتلف بعد الوجوب","level":4,"page":109},{"title":"الحالة الثالثة: أن يتلف بعد جعله في الجرين","level":4,"page":110},{"title":"خامسا: قدر الزكاة في الحبوب والثمار على النحو الآتي:","level":2,"page":110},{"title":"١ - يجب العشر فيما سقي بلا مؤنة","level":3,"page":110},{"title":"٢ - يجب نصف العشر فيما سقي بمؤنة","level":3,"page":111},{"title":"٣ - ويجب ثلاثة أرباع العشر فيما يشرب بمؤنة نصف","level":3,"page":111},{"title":"٤ - ما يسقى بمؤنة وبغير مؤنة مع الاختلاف","level":3,"page":111},{"title":"٥ - وإن جهل المقدار غلبنا إيجاب العشر","level":3,"page":112},{"title":"سادسا: خرص النخيل والأعناب إذا بدا صلاح الثمر:","level":2,"page":112},{"title":"١ - ثبتت مشروعية الخرص في السنة عن النبي - ﷺ -","level":3,"page":113},{"title":"٢ - يستحب أن يبعث الإمام من يخرص الثمار عند بدو الصلاح","level":3,"page":113},{"title":"٣ - يجزئ أن يرسل الإمام خارصا واحدا","level":3,"page":114},{"title":"٤ - يخرص الرطب والعنب","level":3,"page":114},{"title":"٥ - يترك الخارص لصاحب الثمار الثلث أو الربع","level":3,"page":114},{"title":"سابعا: زكاة الحبوب والثمار على مستأجر الأرض:","level":2,"page":115},{"title":"ثامنا: زكاة الحبوب والثمار: المزارعة، والمساقاة.","level":2,"page":116},{"title":"تاسعا: يجتمع العشر والخراج في الأرض الخراجية:","level":2,"page":116},{"title":"أما أرض الصلح","level":3,"page":116},{"title":"وأما أرض العنوة","level":3,"page":117},{"title":"يجتمع العشر والخراج في أرض فتحت عنوة","level":3,"page":117},{"title":"عاشرا: الزكاة لا تؤخذ من رديء المال","level":2,"page":118},{"title":"الحادي عشر: زكاة العسل المحمي والمتخذ للتجارة","level":2,"page":119},{"title":"الثاني عشر: زكاة المعدن","level":2,"page":121},{"title":"الثالث عشر: زكاة الركاز","level":2,"page":123},{"title":"المبحث العاشر: زكاة الأثمان: الذهب والفضة، والعملات: الورقية، والمعدنية","level":1,"page":125},{"title":"أولا: مفهوم الأثمان","level":2,"page":125},{"title":"ثانيا: زكاة الذهب والفضة","level":2,"page":125},{"title":"ثالثا: نصاب الذهب والفضة","level":2,"page":127},{"title":"رابعا: زكاة العملات المعدنية والورقية","level":2,"page":134},{"title":"خامسا: حقيقة الأوراق النقدية:","level":2,"page":135},{"title":"قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٠) وتاريخ ١٧/ ٤/ ١٣٩٣ هـ","level":3,"page":135},{"title":"سادسا: حكم ضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب:","level":2,"page":141},{"title":"سابعا: تضم عروض التجارة إلى كل من الذهب والفضة:","level":2,"page":143},{"title":"ثامنا: مقدار الزكاة في الذهب والفضة: ربع العشر:","level":2,"page":144},{"title":"تاسعا: كيفية إخراج الزكاة من المال تكون بطرق منها:","level":2,"page":145},{"title":"الطريقة الأولى: ربع العشر","level":3,"page":145},{"title":"الطريقة الثانية: اثنين ونصف بالمائة تضرب في جميع المال","level":3,"page":146},{"title":"عاشرا: إخراج أحد النقدين: من الذهب والفضة عن الآخر في الزكاة:","level":2,"page":148},{"title":"الحادي عشر: ما يباح للرجال: من الفضة والذهب","level":2,"page":149},{"title":"١ - خاتم الفضة","level":3,"page":149},{"title":"٢ - قبيعة السيف","level":3,"page":152},{"title":"٣ - ما دعت إليه ضرورة","level":3,"page":153},{"title":"الثاني عشر: ما يباح للنساء من الذهب والفضة","level":2,"page":153},{"title":"الثالث عشر: تحريم آنية الذهب والفضة على الرجال والنساء جميعا:","level":2,"page":155},{"title":"الرابع عشر: لا زكاة في الحلي من غير الذهب والفضة: إجماعا","level":2,"page":156},{"title":"الخامس عشر: وجوب الزكاة في الحلي المحرم، أو المعد للتجارة: من الذهب والفضة:","level":2,"page":157},{"title":"السادس عشر: زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال:","level":2,"page":157},{"title":"السابع عشر: ترجيح جمع كثير من العلماء لوجوب زكاة الحلي:","level":2,"page":165},{"title":"١ - ابن حزم","level":3,"page":165},{"title":"٢ - الفخر الرازي","level":3,"page":165},{"title":"٣ - الصنعاني","level":3,"page":166},{"title":"٤ - أحمد البناء","level":3,"page":166},{"title":"٥ - سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀","level":3,"page":166},{"title":"٦ - فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀","level":3,"page":169},{"title":"٧ - الألباني","level":3,"page":170},{"title":"٨ - فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن جبرين رحمه الله تعالى","level":3,"page":170},{"title":"٩ - جماعة من أهل العلم أيدوا القول بالوجوب","level":3,"page":171},{"title":"١٠ - الخطابي","level":3,"page":171},{"title":"١١ - السندي","level":3,"page":171},{"title":"١٢ - فضيلة الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀","level":3,"page":171},{"title":"١٣ - فضيلة الشيخ محمود محمد خطاب السبكي","level":3,"page":171},{"title":"١٤ - أبو بكر الجزائري","level":3,"page":172},{"title":"١٥ - صالح البليهي","level":3,"page":172},{"title":"١٦ - اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء","level":3,"page":172},{"title":"١٧ - سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز","level":3,"page":173},{"title":"١٨ - العلامة عبد الرزاق عفيفي","level":3,"page":173},{"title":"١٩ - العلامة عبد الله بن غديان","level":3,"page":173},{"title":"٢٠ - العلامة عبد الله بن قعود","level":3,"page":173},{"title":"المبحث الحادي عشر: زكاة عروض التجارة","level":1,"page":175},{"title":"أولا: مفهوم عروض التجارة لغة واصطلاحا:","level":2,"page":175},{"title":"لغة:","level":3,"page":175},{"title":"اصطلاحا:","level":3,"page":175},{"title":"ثانيا: زكاة العروض واجبة بعموم الكتاب والسنة، والآثار، وإجماع عامة أهل العلم والقياس.","level":2,"page":176},{"title":"أما الكتاب فلعموم الآيات الآتية:","level":3,"page":176},{"title":"الدليل الأول","level":4,"page":176},{"title":"الدليل الثاني","level":4,"page":178},{"title":"الدليل الثالث","level":4,"page":179},{"title":"وأما السنة؛ فلعموم الأحاديث الآتية:","level":3,"page":180},{"title":"الدليل الأول من السنة","level":4,"page":180},{"title":"الدليل الثاني","level":4,"page":180},{"title":"الدليل الثالث","level":4,"page":182},{"title":"الدليل الرابع","level":4,"page":182},{"title":"وأما الآثار: فمنها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:","level":3,"page":182},{"title":"الأثر الأول","level":4,"page":182},{"title":"الأثر الثاني","level":4,"page":183},{"title":"الأثر الثالث","level":4,"page":183},{"title":"وأما الإجماع","level":3,"page":183},{"title":"وأما القياس","level":3,"page":184},{"title":"ثالثا: وجوب زكاة عروض التجارة:","level":2,"page":185},{"title":"رابعا: شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة","level":2,"page":187},{"title":"الشرط الأول: نية التجارة","level":3,"page":188},{"title":"الشرط الثاني: أن تبلغ قيمة العروض للتجارة نصابا من أقل الثمنين","level":3,"page":189},{"title":"الشرط الثالث: الحول","level":3,"page":189},{"title":"خامسا: حول عروض التجارة لا ينقطع بالمبادلة أو البيع","level":2,"page":191},{"title":"سادسا: ربح عروض التجارة حوله حول رأس المال:","level":2,"page":192},{"title":"سابعا: تضم قيمة أنواع العروض إلى بعضها، وإلى كل من الذهب والفضة في تكميل النصاب","level":2,"page":192},{"title":"ثامنا: كيفية تقويم سلع عروض التجارة بما تبلغ قيمتها:","level":2,"page":193},{"title":"تاسعا: لا شيء في آلات التجارة التي لا يراد بيعها ولا في ما أعد للأجرة","level":2,"page":194},{"title":"عاشرا: مقدار الواجب في عروض التجارة: ربع العشر:","level":2,"page":195},{"title":"الحادي عشر: زكاة الأسهم والسندات:","level":2,"page":197},{"title":"١ - مفهوم الأسهم","level":3,"page":197},{"title":"٢ - مفهوم السند","level":3,"page":198},{"title":"٣ - الفروق بين الأسهم والسندات","level":3,"page":198},{"title":"٤ - حكم بيع الأسهم","level":3,"page":199},{"title":"النوع الأول: أسهم في مؤسسات محرمة","level":4,"page":199},{"title":"النوع الثاني: أسهم في مؤسسات مباحة","level":4,"page":200},{"title":"٥ - حكم بيع السندات وشرائها","level":3,"page":200},{"title":"٦ - كيفية زكاة الأسهم","level":3,"page":200},{"title":"النوع الأول: المساهمة في الشركات الصناعية","level":4,"page":201},{"title":"النوع الثاني: المساهمة في شركات تجارية محضة","level":4,"page":201},{"title":"٧ - زكاة السندات","level":3,"page":202},{"title":"النوع الأول:","level":4,"page":202},{"title":"النوع الثاني:","level":4,"page":202},{"title":"المبحث الثاني عشر: زكاة الفطر","level":1,"page":204},{"title":"أولا: مفهوم زكاة الفطر:","level":2,"page":204},{"title":"لغة","level":3,"page":204},{"title":"في الاصطلاح","level":3,"page":204},{"title":"ثانيا: الأصل في وجوب زكاة الفطر: عموم الكتاب وصريح السنة والإجماع:","level":2,"page":205},{"title":"أما عموم الكتاب","level":3,"page":205},{"title":"وأما السنة","level":3,"page":206},{"title":"وأما الإجماع","level":3,"page":206},{"title":"ثالثا: شروط وجوب زكاة الفطر ثلاثة شروط:","level":2,"page":206},{"title":"الشرط الأول: الإسلام","level":3,"page":206},{"title":"الشرط الثاني: الغنى","level":3,"page":207},{"title":"الشرط الثالث: دخول وقت الوجوب","level":3,"page":207},{"title":"رابعا: الحكمة من وجوب زكاة الفطر:","level":2,"page":207},{"title":"١ - طهرة للصائم","level":3,"page":207},{"title":"٢ - طعمة للمساكين","level":3,"page":207},{"title":"٣ - مواساة للمسلمين","level":3,"page":208},{"title":"٤ - حصول الثواب والأجر العظيم","level":3,"page":208},{"title":"٥ - زكاة للبدن","level":3,"page":208},{"title":"٦ - شكر نعم الله","level":3,"page":208},{"title":"خامسا: زكاة الفطر فرض على كل مسلم فضل عنده يوم العيد وليلته صاع من طعام","level":2,"page":209},{"title":"سادسا: وقت إخراج زكاة الفطر:","level":2,"page":210},{"title":"سابعا: درجات إخراج زكاة الفطر على النحو الآتي:","level":2,"page":211},{"title":"الدرجة الأولى","level":3,"page":211},{"title":"الدرجة الثانية","level":3,"page":212},{"title":"الدرجة الثالثة","level":3,"page":213},{"title":"الدرجة الرابعة","level":3,"page":213},{"title":"ثامنا: مقدار زكاة الفطر وأنواعها:","level":2,"page":215},{"title":"تاسعا: مقدار الصاع الذي تؤدى به زكاة الفطر","level":2,"page":217},{"title":"عاشرا: أهل زكاة الفطر الذين تدفع لهم: الفقراء والمساكين","level":2,"page":218},{"title":"الحادي عشر: حكم دفع القيمة في زكاة الفطر:","level":2,"page":220},{"title":"الثاني عشر: الفطرة تلزم المسلم عن نفسه وعن من يعول ممن تلزمه نفقته:","level":2,"page":221},{"title":"الثالث عشر: مكان زكاة الفطر وحكم نقلها:","level":2,"page":223},{"title":"الرابع عشر: أحكام إخراج زكاة الأموال:","level":2,"page":224},{"title":"١ - إخراج الزكاة على الفور","level":3,"page":224},{"title":"٢ - من جحد وجوب الزكاة كفر","level":3,"page":224},{"title":"٣ - من منع الزكاة بخلا","level":3,"page":225},{"title":"٤ - يخرج الزكاة من مال: الصغير، واليتيم، والمجنون وليهم؛ لأنه حق تدخله النيابة","level":3,"page":225},{"title":"٥ - والأفضل: أن يفرق زكاته بنفسه","level":3,"page":225},{"title":"٦ - والأفضل أن يسأل الله تعالى أن يتقبل منه","level":3,"page":226},{"title":"٧ - يقول آخذ الزكاة ما ورد","level":3,"page":226},{"title":"٨ - ويشترط لإخراجها نية من مكلف","level":3,"page":227},{"title":"٩ - يجوز تعجيل الزكاة لحولين إذا كمل النصاب","level":3,"page":227},{"title":"١٠ - الأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده","level":3,"page":228},{"title":"١١ - إذا كان صاحب المال في بلد وماله في بلد آخر:","level":3,"page":230},{"title":"المبحث الثالث عشر: مصارف الزكاة في الإسلام","level":1,"page":231},{"title":"أولا: المفهوم: لغة واصطلاحا.","level":2,"page":231},{"title":"لغة:","level":3,"page":231},{"title":"اصطلاحا","level":3,"page":231},{"title":"الخلاصة","level":3,"page":231},{"title":"ثانيا: حصر الله تعالى أهل الزكاة بلا تعميم في العطاء:","level":2,"page":232},{"title":"ثالثا: أنواع مصارف الزكاة ومفهوم كل مصرف:","level":2,"page":233},{"title":"المصرف الأول: الفقراء، وفيه مسائل:","level":3,"page":233},{"title":"المسألة الأولى: مفهوم الفقير: لغة، واصطلاحا","level":4,"page":233},{"title":"مفهوم الفقير لغة","level":5,"page":233},{"title":"مفهوم الفقر اصطلاحا","level":5,"page":233},{"title":"والصواب أن مفهوم الفقراء اصطلاحا","level":5,"page":234},{"title":"المسألة الثانية: نصيب الفقراء من الزكاة","level":4,"page":236},{"title":"المسألة الثالثة: ما جاء من الآيات القرآنية","level":4,"page":240},{"title":"المصرف الثاني: المساكين وفيه مسائل:","level":3,"page":241},{"title":"المسألة الأولى: مفهوم المساكين لغة واصطلاحا:","level":4,"page":241},{"title":"مفهوم المساكين لغة","level":5,"page":242},{"title":"مفهوم المساكين اصطلاحا","level":5,"page":242},{"title":"المسألة الثانية: هذه التعريفات السابقة، للفقير، والمسكين","level":4,"page":243},{"title":"المسألة الثالثة: نصيب المساكين من الزكاة","level":4,"page":243},{"title":"المسألة الرابعة: ما جاء من الآيات القرآنية","level":4,"page":244},{"title":"المسالة الخامسة: ما جاء من الأحاديث في المسكين","level":4,"page":247},{"title":"المصرف الثالث: العاملون عليها، وفيه: مسائل:","level":3,"page":248},{"title":"المسألة الأولى: مفهوم العاملين لغة","level":4,"page":248},{"title":"مفهوم العاملين لغة","level":5,"page":248},{"title":"مفهوم العاملين اصطلاحا","level":5,"page":249},{"title":"المسألة الثانية: نصيب العاملين عليها من الزكاة","level":4,"page":250},{"title":"المسألة الثالثة: فضل الصدق والأمانة في حفظ الصدقة:","level":4,"page":253},{"title":"المصرف الرابع: المؤلفة قلوبهم، وفيه مسائل:","level":3,"page":254},{"title":"المسألة الأولى: مفهوم المؤلفة قلوبهم لغة واصطلاحا","level":4,"page":254},{"title":"مفهوم المؤلفة قلوبهم لغة","level":5,"page":254},{"title":"مفهوم المؤلفة قلوبهم اصطلاحا","level":5,"page":255},{"title":"المسألة الثانية: أقسام المؤلفة قلوبهم، وأنواعهم:","level":4,"page":255},{"title":"القسم الأول: كفار وهم نوعان","level":5,"page":255},{"title":"النوع الأول: من يخشى شره","level":6,"page":255},{"title":"النوع الثاني: من يرجى إسلامه","level":6,"page":255},{"title":"القسم الثاني: المسلمون وهم أربعة أنواع","level":5,"page":256},{"title":"المسألة الثالثة: نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة","level":4,"page":257},{"title":"المصرف الخامس: في فك الرقاب وفيه مسائل","level":3,"page":258},{"title":"المسألة الأولى: مفهوم الرقاب لغة واصطلاحا:","level":4,"page":258},{"title":"لغة","level":5,"page":258},{"title":"مفهوم الرقاب اصطلاحا","level":5,"page":258},{"title":"المسألة الثانية: فضل إعتاق الرقاب","level":4,"page":260},{"title":"المسألة الثالثة: نصيب الرقاب من الزكاة على النحو الآتي:","level":4,"page":263},{"title":"المصرف السادس: الغارمون، وفيه مسائل:","level":3,"page":264},{"title":"المسألة الأولى: مفهوم الغارمين لغة واصطلاحا.","level":4,"page":264},{"title":"مفهوم الغارمين لغة","level":5,"page":264},{"title":"مفهوم الغارمين اصطلاحا","level":5,"page":265},{"title":"المسألة الثانية: أنواع الغارمين على النحو الآتي:","level":4,"page":265},{"title":"النوع الأول: غارم لإصلاح ذات البين","level":5,"page":265},{"title":"النوع الثاني: الغارم لنفسه في مباح","level":5,"page":266},{"title":"المسألة الثالثة: نصيب الغارمين من الزكاة","level":4,"page":267},{"title":"المصرف السابع: في سبيل الله تعالى، وفيه مسائل:","level":3,"page":267},{"title":"المسألة الأولى: مفهوم في سبيل الله لغة واصطلاحا:","level":4,"page":267},{"title":"لغة","level":5,"page":268},{"title":"اصطلاحا","level":5,"page":268},{"title":"المسألة الثانية: نصيب الغزاة في سبيل الله","level":4,"page":268},{"title":"المصرف الثامن: ابن السبيل، وفيه مسائل","level":3,"page":270},{"title":"المسألة الأولى: مفهوم ابن السبيل لغة واصطلاحا.","level":4,"page":270},{"title":"لغة","level":5,"page":270},{"title":"اصطلاحا","level":5,"page":271},{"title":"المسألة الثانية: نصيب ابن السبيل من الزكاة","level":4,"page":271},{"title":"رابعا: نصيب كل مصرف من مصارف الزكاة على سبيل الإجمال على النحو الآتي:","level":2,"page":271},{"title":"١ - كل صنف من أصناف أهل الزكاة يدفع إليه","level":3,"page":271},{"title":"٢ - أربعة أصناف يأخذون أخذا مستقرا","level":3,"page":272},{"title":"٣ - أربعة منهم: وهم الغارمون وفي الرقاب","level":3,"page":272},{"title":"٤ - أربعة يأخذون مع الغنى","level":3,"page":272},{"title":"٥ - قال السعدي ﵀: المدفوع له نوعان:","level":3,"page":272},{"title":"٦ - إذا اجتمع في واحد من أهل الزكاة سببان","level":3,"page":272},{"title":"٧ - يستحب صرف الزكاة إلى الأقارب","level":3,"page":273},{"title":"خامسا: أصناف من لا يصح دفع الزكاة إليهم على النحو الآتي:","level":2,"page":273},{"title":"١ - الكفار إلا المؤلفة قلوبهم","level":3,"page":273},{"title":"٢ - آل النبي محمد - ﷺ - وهم بنو هاشم","level":3,"page":274},{"title":"٣ - موالي بني هاشم","level":3,"page":278},{"title":"٤ - المملوك","level":3,"page":280},{"title":"٥ - الأغنياء بمال أو كسب","level":3,"page":280},{"title":"٦ - لا تدفع الزكاة إلى امرأة فقيرة تحت غني ينفق عليها","level":3,"page":281},{"title":"٧ - من تلزم نفقته لا تدفع إليه الزكاة","level":3,"page":282},{"title":"النوع الأول: الأصول وإن علوا","level":4,"page":282},{"title":"النوع الثاني: الفروع وإن نزلوا","level":4,"page":282},{"title":"النوع الثالث: الزوجة","level":4,"page":283},{"title":"النوع الرابع: الزوج","level":4,"page":284},{"title":"٨ - المبتدع والفاسق الذين يصرفونها في الفسق والعصيان","level":3,"page":287},{"title":"٩ - جهات الخير من غير الأصناف الثمانية","level":3,"page":288},{"title":"المبحث الرابع عشر: صدقة التطوع في الإسلام","level":1,"page":289},{"title":"أولا: مفهوم صدقة التطوع: لغة واصطلاحا.","level":2,"page":289},{"title":"الصدقة لغة","level":3,"page":289},{"title":"الصدقة اصطلاحا","level":3,"page":289},{"title":"العطية","level":3,"page":290},{"title":"التطوع لغة","level":3,"page":290},{"title":"التطوع اصطلاحا","level":3,"page":290},{"title":"ثانيا: فضل صدقة التطوع لها فضائل كثيرة جدا","level":2,"page":290},{"title":"١ - صدقة التطوع تكمل زكاة الفريضة وتجبر نقصها","level":3,"page":290},{"title":"٢ - تطفئ الخطايا وتكفرها","level":3,"page":291},{"title":"٣ - من أسباب دخول الجنة","level":3,"page":291},{"title":"٤ - الصدقة تدخل الجنة ولو بشق تمرة","level":3,"page":292},{"title":"٥ - من أسباب النجاة من حر يوم القيامة","level":3,"page":292},{"title":"٦ - من أسباب النصر والرزق","level":3,"page":293},{"title":"٧ - الصدقة تعود المسلم على صفة الجود والكرم","level":3,"page":293},{"title":"٨ - تحفظ النفس عن الشح","level":3,"page":293},{"title":"٩ - تجلب البركة","level":3,"page":294},{"title":"١٠ - تشرح الصدر وتدخل السرور","level":3,"page":295},{"title":"١١ - تلحق المسلم بالمؤمن الكامل","level":3,"page":295},{"title":"١٢ - الصدقة يحصل بها قضاء الحاجات","level":3,"page":296},{"title":"١٣ - الصدقة من أسباب رحمة الله تعالى للعبد","level":3,"page":296},{"title":"١٤ - الصدقة من الإحسان والله يحب المحسنين","level":3,"page":297},{"title":"١٥ - يترتب على الصدقة الأجر العظيم الذي يربيه الله تعالى ويضاعفه لصاحبه","level":3,"page":297},{"title":"١٦ - المتصدق ابتغاء مرضاة الله تعالى","level":3,"page":298},{"title":"١٧ - المتصدق يحصل على مضاعفة الأجر","level":3,"page":298},{"title":"١٨ - الصدقة تجعل المجتمع المسلم كالأسرة الواحدة","level":3,"page":299},{"title":"١٩ - بذل المال خير للمتصدق","level":3,"page":299},{"title":"٢٠ - صدقة السر تطفئ غضب الرب","level":3,"page":299},{"title":"٢١ - الصدقة دواء للأمراض","level":3,"page":300},{"title":"ثالثا: أفضل صدقات التطوع على النحو الآتي:","level":2,"page":300},{"title":"١ - من أفضل الصدقات التصدق بسقي الماء","level":3,"page":300},{"title":"٢ - الصدقة على ذي الرحم الذي يضمر العداوة في باطنه من أفضل الصدقات","level":3,"page":300},{"title":"٣ - صدقة الصحيح الشحيح","level":3,"page":301},{"title":"٤ - صدقة جهد المقل","level":3,"page":303},{"title":"٥ - من أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى","level":3,"page":305},{"title":"٦ - ومن أفضل الصدقة ما يعطى الأقارب","level":3,"page":306},{"title":"٧ - أفضل النفقات النفقة على العيال والأهل والأقربين","level":3,"page":309},{"title":"رابعا: الإخلاص شرط في قبول الصدقات:","level":2,"page":313},{"title":"١ - الإخلاص أعظم ما أمر الله به،","level":3,"page":313},{"title":"٢ - الإخلاص شامل لأنواع العبادات","level":3,"page":313},{"title":"٣ - إسلام الوجه لله: هو الإخلاص،","level":3,"page":313},{"title":"٤ - الإخلاص يحصل به الأجر العظيم،","level":3,"page":313},{"title":"٥ - الإخلاص تجارة رابحة","level":3,"page":314},{"title":"٦ - الإخلاص توفى به الأجور","level":3,"page":314},{"title":"٧ - مضاعفة الحسنات للمنفقين المخلصين","level":3,"page":314},{"title":"٨ - الجزاء بأحسن من العمل","level":3,"page":314},{"title":"٩ - إنما الأعمال بالنيات","level":3,"page":314},{"title":"١٠ - احتساب الرجل نفقة أهله صدقة","level":3,"page":315},{"title":"١١ - بالإخلاص يحصل الأجر على فعل المباح.","level":3,"page":315},{"title":"١٣ - يكتب للعبد المسلم ما نوى،","level":3,"page":316},{"title":"١٤ - إحسان الله العظيم إلى عباده المؤمنين","level":3,"page":316},{"title":"خامسا: آداب الصدقة: للصدقة آداب عظيمة:","level":2,"page":316},{"title":"١ - الاحتساب","level":3,"page":316},{"title":"٢ - الإنفاق من الحلال","level":3,"page":317},{"title":"٣ - لا يحقرن من الصدقة شيئا","level":3,"page":318},{"title":"٤ - المسارعة والمسابقة في إخراج الصدقة","level":3,"page":323},{"title":"٥ - الإنفاق سرا وعلانية","level":3,"page":324},{"title":"٦ - الإنفاق مما يحب","level":3,"page":328},{"title":"٧ - عدم الإيكاء","level":3,"page":329},{"title":"٨ - عدم الحرص على المال","level":3,"page":331},{"title":"٩ - التوسط في الصدقة","level":3,"page":339},{"title":"سادسا: صدقة إطعام الطعام","level":2,"page":340},{"title":"١ - الإطعام لوجه الله تعالى","level":3,"page":340},{"title":"٢ - اقتحام العقبة من أسبابه إطعام المساكين","level":3,"page":340},{"title":"٣ - إطعام الجائع فيه الثواب العظيم","level":3,"page":340},{"title":"٤ - إطعام الطعام من أسباب دخول الجنة","level":3,"page":340},{"title":"٥ - أعد الله الغرف العاليات لمن أطعم الطعام","level":3,"page":341},{"title":"٦ - خير الإسلام إطعام الطعام","level":3,"page":341},{"title":"٧ - ثواب إطعام الطعام عند الله تعالى","level":3,"page":342},{"title":"٨ - خصال دخول الجنة في يوم، منها إطعام المسكين","level":3,"page":342},{"title":"٩ - إطعام الجائع وإسقاء الظمآن","level":3,"page":343},{"title":"١٠ - إدخال السرور على المؤمن","level":3,"page":343},{"title":"سابعا: الصدقة على الحيوان","level":2,"page":343},{"title":"١ - دخل رجل الجنة بسقي كلب","level":3,"page":343},{"title":"٢ - دخلت امرأة بغي الجنة بسقي كلب","level":3,"page":344},{"title":"٣ - دخلت امرأة النار بحبس هرة","level":3,"page":344},{"title":"٤ - ثواب كبير لمن غرس غرسا فأكل منه","level":3,"page":345},{"title":"ثامنا: صدقة القرض الحسن والعارية والمنيحة","level":2,"page":345},{"title":"١ - أجر القرض مثل إعتاق الرقبة","level":3,"page":345},{"title":"٢ - كل قرض صدقة","level":3,"page":345},{"title":"٣ - القرض يضاعف أضعافا","level":3,"page":346},{"title":"٤ - من أقرض مسلما مرتين كان كصدقة بهذا المال مرة","level":3,"page":346},{"title":"٥ - الأجر العظيم لمن منح منيحة ابتغاء وجه الله تعالى","level":3,"page":346},{"title":"٦ - التنفيس عن المعسر أو الوضع عنه ينجي الله به من كرب يوم القيامة","level":3,"page":347},{"title":"٧ - إنظار المعسر أو الوضع عنه يظل الله به في ظل عرشه","level":3,"page":348},{"title":"تاسعا: الصدقة الجارية والوقف لله تعالى:","level":2,"page":348},{"title":"عاشرا: الصدقة من صفات المؤمنين المتقين المحسنين","level":2,"page":349},{"title":"الحادي عشر: صدقة الوصية","level":2,"page":350},{"title":"الثاني عشر: الهدية، والعطية، والهبة، والوصية: صدقات بالنية","level":2,"page":351},{"title":"العطية","level":3,"page":351},{"title":"الهبة","level":3,"page":351},{"title":"الهدية","level":3,"page":352},{"title":"الوصية","level":3,"page":352},{"title":"الصدقة","level":3,"page":352},{"title":"وهناك فروق بين هذه التبرعات على النحو الآتي","level":3,"page":352},{"title":"الثالث عشر: أنواع صدقات التطوع","level":2,"page":354},{"title":"١ - الصدقة بالمال","level":3,"page":354},{"title":"٢ - جميع أنواع المعروف","level":3,"page":354},{"title":"٣ - التسبيح والتهليل","level":3,"page":355},{"title":"٤ - خلق الإنسان على ثلاثمائة وستين مفصل على كل مفصل صدقة","level":3,"page":355},{"title":"٥ - الإمساك عن الشر صدقة","level":3,"page":355},{"title":"٦ - العدل بين الناس","level":3,"page":356},{"title":"٧ - صلاة الضحى تجزىء عن ثلاثمائة وستين صدقة","level":3,"page":356},{"title":"٨ - التسبيح والتكبير، والتحميد في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة يجزئ عن الصدقات بأموال كثيرة","level":3,"page":357},{"title":"٩ - الدلالة على فعل الصدقات صدقات مثلها","level":3,"page":358},{"title":"١٠ - لا يترك الله تعالى من العمل شيئا","level":3,"page":358},{"title":"الرابع عشر: مبطلات الصدقات","level":2,"page":358},{"title":"١ - الرياء","level":3,"page":358},{"title":"٢ - المن والأذى","level":3,"page":359},{"title":"٣ - الغلول","level":3,"page":360},{"title":"الخامس عشر: موضوعات متنوعة في الصدقات، منها:","level":2,"page":360},{"title":"١ - المبادرة بالصدقة واغتنام إمكانها قبل أن يحال بين المسلم وبينها","level":3,"page":360},{"title":"٢ - ضرب المثل للمنفق والبخيل","level":3,"page":361},{"title":"٣ - ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها","level":3,"page":363},{"title":"٤ - إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر","level":3,"page":364},{"title":"٥ - صدقة الخازن إذا تصدق بأمر صاحب المال","level":3,"page":365},{"title":"٦ - أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد","level":3,"page":365},{"title":"٧ - أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة","level":3,"page":366},{"title":"٨ - صدقة العبد بإذن مواليه","level":3,"page":366},{"title":"٩ - من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة","level":3,"page":367},{"title":"١٠ - صدقة كفالة اليتيم","level":3,"page":368},{"title":"١١ - الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد","level":3,"page":369},{"title":"١٢ - الصدقة الخالصة سماها الله قرضا حسنا","level":3,"page":369},{"title":"١٣ - لا يشتري المسلم صدقته","level":3,"page":370},{"title":"١٤ - الشفاعة في الصدقة","level":3,"page":371},{"title":"١٥ - صدقة الكافر يثاب عليها إذا أسلم ومات على الإسلام","level":3,"page":372},{"title":"١٦ - الصدقة على السائل ولو أفحش في المسألة","level":3,"page":372},{"title":"١٧ - الصدقة إذا بلغت محلها جازت لمن حرمت عليه","level":3,"page":373},{"title":"١٨ - الصدقة في عشر ذي الحجة","level":3,"page":374},{"title":"١٩ - الصدقة في رمضان","level":3,"page":374},{"title":"٢٠ - الصدقة على الجيران","level":3,"page":374},{"title":"٢١ - من يعمل مثقال ذرة خيرا يره","level":3,"page":375},{"title":"٢٢ - مصارف صدقة التطوع","level":3,"page":375},{"title":"السادس عشر: صدقة إعتاق الرقاب:","level":2,"page":376},{"title":"١ - قال الله تعالى: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾","level":3,"page":376},{"title":"٢ - لعظيم أجر عتق الرقاب جعل الله تعالى إعتاقها","level":3,"page":377},{"title":"٣ - جعلها الله تعالى من أعمال البر والتقوى","level":3,"page":377},{"title":"٤ - جاءت فيها الأحاديث الكثيرة جدا منها","level":3,"page":378},{"title":"السابع عشر: المنافسة العظيمة في الصدقات:","level":2,"page":379},{"title":"١ - صدقات أبي بكر - ﵁ -","level":3,"page":379},{"title":"الصدقة الأولى: إنفاق ماله في إعتاق الرقاب:","level":4,"page":380},{"title":"الصدقة الثانية: إنفاق جميع ماله في الهجرة مع رسول الله - ﷺ -.","level":4,"page":380},{"title":"الصدقة الثالثة: تصدقه بماله كله وعمر بالنصف في غزوة تبوك:","level":4,"page":381},{"title":"٢ - صدقات عثمان - ﵁ -:","level":3,"page":381},{"title":"الصدقة الأولى: عندما قدم النبي - ﷺ - المدينة وجد أن الماء العذب قليل","level":4,"page":382},{"title":"الصدقة الثانية: توسعته لمسجد رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":382},{"title":"الصدقة الثالثة: الصدقة العظيمة الكثيرة في غزوة تبوك","level":4,"page":383},{"title":"٣ - حكم الصدقة بجميع المال","level":3,"page":384},{"title":"٤ - حكم صدقة المرأة من مالها دون إذن زوجها","level":3,"page":384},{"title":"الثامن عشر: وصول ثواب الصدقات عن الأموات إليهم لما يأتي:","level":2,"page":384},{"title":"١ - ما يفعله الولد الصالح من الأعمال","level":3,"page":384},{"title":"٢ - عن عائشة ﵂ أن رجلا قال: إن أمي افتلتت","level":3,"page":384},{"title":"٣ - عن ابن عباس ﵄: «أن سعد بن عبادة - أخا بني ساعدة - توفيت أمه وهو غائب عنها","level":3,"page":385},{"title":"٤ - عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله إن أمي ماتت","level":3,"page":385},{"title":"٥ - عن أبي هريرة - ﵁ - أن رجلا قال للنبي - ﷺ - إن ابي مات","level":3,"page":386},{"title":"التاسع عشر: القناعة والعفة:","level":2,"page":386},{"title":"١ - مفهوم القناعة","level":3,"page":386},{"title":"٢ - مدح القناعة","level":3,"page":386},{"title":"٣ - غنى النفس","level":3,"page":388},{"title":"٤ - الرضى بالقليل","level":3,"page":388},{"title":"العشرون: أنواع المسألة: الجائزة والممنوعة","level":2,"page":389},{"title":"١ - المسألة المذمومة وردت في أحاديث منها:","level":3,"page":389},{"title":"٢ - المسألة الجائزة وردت في أحاديث منها","level":3,"page":392},{"title":"٣ - لا يسأل بوجه الله إلا الجنة","level":3,"page":393},{"title":"٤ - قبول العطاء من غير مسألة","level":3,"page":394},{"title":"الحادي والعشرون: الزهد والورع:","level":2,"page":395},{"title":"الأدلة من الكتاب الكريم العزيز","level":3,"page":397},{"title":"الأدلة من السنة المطهرة","level":3,"page":399},{"title":"أول من يدخل الجنة:","level":3,"page":402},{"title":"١ - أول من يدخل الجنة: محمد - ﷺ -.","level":4,"page":402},{"title":"٢ - أمة محمد - ﷺ -.","level":4,"page":403},{"title":"٣ - الفقراء","level":4,"page":403},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":405}],"ٛ":{"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,265":260,"1,266":261,"1,267":262,"1,268":263,"1,269":264,"1,270":265,"1,271":266,"1,272":267,"1,273":268,"1,274":269,"1,275":270,"1,276":271,"1,277":272,"1,278":273,"1,279":274,"1,280":275,"1,281":276,"1,282":277,"1,283":278,"1,284":279,"1,285":280,"1,286":281,"1,287":282,"1,288":283,"1,289":284,"1,290":285,"1,291":286,"1,292":287,"1,293":288,"1,294":289,"1,295":290,"1,296":291,"1,297":292,"1,298":293,"1,299":294,"1,300":295,"1,301":296,"1,302":297,"1,303":298,"1,304":299,"1,305":300,"1,306":301,"1,307":302,"1,308":303,"1,309":304,"1,310":305,"1,311":306,"1,312":307,"1,313":308,"1,314":309,"1,315":310,"1,316":311,"1,317":312,"1,318":313,"1,319":314,"1,320":315,"1,321":316,"1,322":317,"1,323":318,"1,324":319,"1,325":320,"1,326":321,"1,327":322,"1,328":323,"1,329":324,"1,330":325,"1,331":326,"1,332":327,"1,333":328,"1,334":329,"1,335":330,"1,336":331,"1,337":332,"1,338":333,"1,339":334,"1,340":335,"1,341":336,"1,342":337,"1,343":338,"1,344":339,"1,345":340,"1,346":341,"1,347":342,"1,348":343,"1,349":344,"1,350":345,"1,351":346,"1,352":347,"1,353":348,"1,354":349,"1,355":350,"1,356":351,"1,357":352,"1,358":353,"1,359":354,"1,360":355,"1,361":356,"1,362":357,"1,363":358,"1,364":359,"1,365":360,"1,366":361,"1,367":362,"1,368":363,"1,369":364,"1,370":365,"1,371":366,"1,372":367,"1,373":368,"1,374":369,"1,375":370,"1,376":371,"1,377":372,"1,378":373,"1,379":374,"1,380":375,"1,381":376,"1,382":377,"1,383":378,"1,384":379,"1,385":380,"1,386":381,"1,387":382,"1,388":383,"1,389":384,"1,390":385,"1,391":386,"1,392":387,"1,393":388,"1,394":389,"1,395":390,"1,396":391,"1,397":392,"1,398":393,"1,399":394,"1,400":395,"1,401":396,"1,402":397,"1,403":398,"1,404":399,"1,405":400,"1,406":401,"1,407":402,"1,408":403,"1,409":404,"1,448":405,"1,449":406,"1,450":407,"1,451":408,"1,452":409,"1,453":410,"1,454":411,"1,455":412,"1,456":413,"1,457":414,"1,458":415,"1,459":416},"ٜ":{"1":[2,459]},"ٝ":[null,"1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2,3,4],"6":[5,6,7],"7":[8],"9":[9],"10":[10,11,12,13],"11":[14,15,16],"15":[17,18],"16":[19,20],"17":[21,22],"18":[23,24,25,26],"21":[27,28],"22":[29],"24":[30],"27":[31],"29":[32,33,34,35,36,37,38,39],"31":[40,41,42,43],"32":[44,45,46,47],"33":[48,49,50,51,52],"34":[53,54,55],"35":[56,57,58,59,60],"36":[61,62,63],"37":[64,65],"38":[66,67],"39":[68,69,70],"40":[71,72,73,74],"41":[75],"42":[76],"43":[77,78],"44":[79],"45":[80,81],"47":[82,83,84],"48":[85,86,87,88],"49":[89,90],"50":[91,92,93],"53":[94],"55":[95,96],"56":[97,98],"57":[99],"58":[100],"59":[101,102],"60":[103],"61":[104],"62":[105],"64":[106],"65":[107,108,109,110],"66":[111,112],"68":[113,114],"69":[115],"71":[116,117,118,119],"72":[120],"73":[121,122,123],"76":[124,125],"77":[126,127,128],"78":[129,130,131,132],"79":[133,134,135],"80":[136],"82":[137,138,139,140],"84":[141,142],"85":[143],"86":[144],"87":[145,146],"88":[147,148],"89":[149,150],"91":[151,152],"92":[153,154,155,156,157,158,159],"93":[160,161],"94":[162,163,164],"95":[165,166],"96":[167,168,169,170,171,172],"97":[173,174,175,176,177,178,179,180,181],"98":[182],"99":[183],"101":[184,185,186,187],"102":[188,189,190],"103":[191,192],"104":[193],"105":[194],"106":[195],"108":[196],"109":[197,198,199],"110":[200,201,202],"111":[203,204,205],"112":[206,207],"113":[208,209],"114":[210,211,212],"115":[213],"116":[214,215,216],"117":[217,218],"118":[219],"119":[220],"121":[221],"123":[222],"125":[223,224,225],"127":[226],"134":[227],"135":[228,229],"141":[230],"143":[231],"144":[232],"145":[233,234],"146":[235],"148":[236],"149":[237,238],"152":[239],"153":[240,241],"155":[242],"156":[243],"157":[244,245],"165":[246,247,248],"166":[249,250,251],"169":[252],"170":[253,254],"171":[255,256,257,258,259],"172":[260,261,262],"173":[263,264,265,266],"175":[267,268,269,270],"176":[271,272,273],"178":[274],"179":[275],"180":[276,277,278],"182":[279,280,281,282],"183":[283,284,285],"184":[286],"185":[287],"187":[288],"188":[289],"189":[290,291],"191":[292],"192":[293,294],"193":[295],"194":[296],"195":[297],"197":[298,299],"198":[300,301],"199":[302,303],"200":[304,305,306],"201":[307,308],"202":[309,310,311],"204":[312,313,314,315],"205":[316,317],"206":[318,319,320,321],"207":[322,323,324,325,326],"208":[327,328,329,330],"209":[331],"210":[332],"211":[333,334],"212":[335],"213":[336,337],"215":[338],"217":[339],"218":[340],"220":[341],"221":[342],"223":[343],"224":[344,345,346],"225":[347,348,349],"226":[350,351],"227":[352,353],"228":[354],"230":[355],"231":[356,357,358,359,360],"232":[361],"233":[362,363,364,365,366],"234":[367],"236":[368],"240":[369],"241":[370,371],"242":[372,373],"243":[374,375],"244":[376],"247":[377],"248":[378,379,380],"249":[381],"250":[382],"253":[383],"254":[384,385,386],"255":[387,388,389,390,391],"256":[392],"257":[393],"258":[394,395,396,397],"260":[398],"263":[399],"264":[400,401,402],"265":[403,404,405],"266":[406],"267":[407,408,409],"268":[410,411,412],"270":[413,414,415],"271":[416,417,418,419],"272":[420,421,422,423,424],"273":[425,426,427],"274":[428],"278":[429],"280":[430,431],"281":[432],"282":[433,434,435],"283":[436],"284":[437],"287":[438],"288":[439],"289":[440,441,442,443],"290":[444,445,446,447,448],"291":[449,450],"292":[451,452],"293":[453,454,455],"294":[456],"295":[457,458],"296":[459,460],"297":[461,462],"298":[463,464],"299":[465,466,467],"300":[468,469,470,471],"301":[472],"303":[473],"305":[474],"306":[475],"309":[476],"313":[477,478,479,480,481],"314":[482,483,484,485,486],"315":[487,488],"316":[489,490,491,492],"317":[493],"318":[494],"323":[495],"324":[496],"328":[497],"329":[498],"331":[499],"339":[500],"340":[501,502,503,504,505],"341":[506,507],"342":[508,509],"343":[510,511,512,513],"344":[514,515],"345":[516,517,518,519],"346":[520,521,522],"347":[523],"348":[524,525],"349":[526],"350":[527],"351":[528,529,530],"352":[531,532,533,534],"354":[535,536,537],"355":[538,539,540],"356":[541,542],"357":[543],"358":[544,545,546,547],"359":[548],"360":[549,550,551],"361":[552],"363":[553],"364":[554],"365":[555,556],"366":[557,558],"367":[559],"368":[560],"369":[561,562],"370":[563],"371":[564],"372":[565,566],"373":[567],"374":[568,569,570],"375":[571,572],"376":[573,574],"377":[575,576],"378":[577],"379":[578,579],"380":[580,581],"381":[582,583],"382":[584,585],"383":[586],"384":[587,588,589,590,591],"385":[592,593],"386":[594,595,596,597],"388":[598,599],"389":[600,601],"392":[602],"393":[603],"394":[604],"395":[605],"397":[606],"399":[607],"402":[608,609],"403":[610,611],"405":[612]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"رسائل سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nالزكاة في الإسلام\nفي ضوء الكتاب والسنة\nمفهوم، ومنزلة، وحِكَمٌ، وفوائد وأحكام، وشروط، ومسائل\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"٣ - الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة\nمركز الدعوة والإرشاد بالقصب، ١٤٣١هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر.\nالقحطاني، سعيد بن علي بن وهف\nأركان الإسلام./ سعيد بن علي بن وهف القحطاني - القصب، ١٤٣١هـ\n٥ مج.\nردمك: ٥ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٦ - ٣ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج٣)\n(خمسة أجزاء في صندوق واحد)\n١ - الإسلام ٢ - العبادات (فقه إسلامي) ٣ - التربية الإسلامية.\nأ. العنوان\nديوي ٢٥٢ ... ٤٣٩٦/ ١٤٣١\nرقم الإيداع: ٤٣٩٦/ ١٤٣١\nردمك: ٥ - ٠ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٦ - ٣ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج٣)\nالطبعة الأولى: ١٤٠٧هـ-٢٠٠٨م\nالطبعة الثانية: ١٤٢٨هـ- ٢٠٠٩م\nالطبعة الثالثة: شوال ١٤٣١هـ-٢٠١٠م","vol":"1","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:\nفهذه رسالة مختصرة في «الزكاة في الإسلام» بينت فيها بإيجاز كل ما يحتاجه المسلم في زكاته، وقرنت كل مسألة بدليلها من الكتاب والسنة، فما كان من صواب فمن الله الواحد المنان، وما كان من خطأ أو تقصير فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله - ﷺ -.\nوقد استفدت كثيرًا من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن ابن باز قدس الله روحه، ونور ضريحه، ورفع منزلته في الفردوس الأعلى.\nوقد قسمت البحث إلى عدة مباحث على النحو الآتي:\nالمبحث الأول: مفهوم الزكاة: لغة، وشرعًا.\nالمبحث الثاني: منزلة الزكاة في الإسلام.\nالمبحث الثالث: فوائد الزكاة وحِكَمِهَا.\nالمبحث الرابع: حكم الزكاة في الإسلام.\nالمبحث الخامس: شروط وجوب الزكاة.","vol":"1","page":3},{"text":"المبحث السادس: زكاة الدين.\nالمبحث السابع: مسائل مهمة في الزكاة.\nالمبحث الثامن: زكاة بهيمة الأنعام السائمة.\nالمبحث التاسع: زكاة الخارج من الأرض.\nالمبحث العاشر: زكاة الأثمان: الذهب والفضة والأوراق النقدية.\nالمبحث الحادي عشر: زكاة عروض التجارة والأسهم والسندات.\nالمبحث الثاني عشر: زكاة الفطر.\nالمبحث الثالث عشر: مصارف الزكاة في الإسلام.\nالمبحث الرابع عشر: صدقة التطوع في الإسلام.\nوالله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل مباركًا، خالصًا لوجهه الكريم، مقربًا لمؤلفه، وقارئه، وناشره، من جنات النعيم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع بها كل من انتهى إليه؛ فإنه ﷾ خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، حمدًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا محمد بن عبدالله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n\nالمؤلف: أبو عبدالرحمن\nحرر بعد عصر يوم الإثنين الموافق ١٦/ ١٢/١٤٢٦هـ","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: مفهوم<span data-type=\"title\" id=toc-3> الزكاة: لغة</span>، وشرعًا</span>\nالزكاة لغة: أصل الزكاة في اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكل ذلك قد استعمل في القرآن والحديث (١).\nوالزكاة لغة أيضًا: النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد (٢)، وجمع الزكاة: زكوات (٣).\nوالزكاة أيضًا: الصلاح، قال الله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ (٤). قيل: صلاحًا، وقيل: خيرًا منه عملًا صالحًا. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ (٥). أي ما صلح منكم، ﴿وَلَكِنَّ الله يُزَكِّي مَنْ يَشَاء﴾ (٦). أي يصلح من يشاء، وقيل لما يُخرج من المال للمساكين ونحوهم: «زكاةٌ»؛ لأنه تطهير للمال، وتثمير له، وإصلاح، ونماء بالإخلاف من الله تعالى، فالزكاة طهرة للأموال، وزكاة الفطر طهرة للأبدان (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>والزكاة أنواع ثلاثة </span>على النحو الآتي:\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الزاي مع الكاف، مادة «زكا»، ٢/ ٣٠٧، ولسان العرب، لابن منظور، باب الواو والياء من المعتل فصل الزاي، مادة «زكا»، ١٤/ ٣٥٨.\n(٢) انظر: التعريفات للجرجاني، ص ١٥٢، والمغني لابن قدامة، ٤/ ٥، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ١٧.\n(٣) معجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس، ص ٢٠٨.\n(٤) سورة الكهف، الآية: ٨١.\n(٥) سورة النور، الآية: ٢١.\n(٦) سورة النور، الآية: ٢١.\n(٧) لسان العرب، لابن منظور، باب الواو والياء من المعتل، فصل الزاي، ١٤/ ٣٥٨.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>النوع الأول: زكاة النفس</span>، قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (١).\nوتزكية النفس: تطهيرها من الشرك، والكفر، والنفاق، والذنوب والمعاصي، والأخلاق الذميمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>النوع الثاني: زكاة البدن</span>، وهي صدقة الفطر من شهر رمضان المبارك، وقد فرضها رسول الله - ﷺ - على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد من المسلمين، طهرة للصائم من اللغو والرفث: صاعًا من طعام، أو من برٍّ، أو تمر، أو شعير، أو أقط، أو زبيب (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>النوع الثالث: زكاة الأموال </span>وهي ركن من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة، وهي طهرة للأموال، والأنفس، وبركة في الأموال والأنفس (٣).\nوالزكاة أيضًا تأتي بمعنى المدح، يقال: زكَّى نفسه إذا مدحها ووصفها وأثنى عليها، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (٤).\nويقال: زكَّى القاضي الشهود إذا مدحهم وعدَّلهم (٥).\nوالخلاصة أن أصل مادة: «زكا» الزيادة، والنماء، وكل شيء زاد فقد زكا.\n_________\n(١) سورة الشمس، الآيات: ٧ - ٩.\n(٢) وسيأتي إن شاء الله ذكر الأحاديث في زكاة الفطر.\n(٣) انظر: الشرح المختصر على متن زاد المستقنع، للعلامة صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، ٢/ ٢٣٦.\n(٤) سورة النجم، الآية: ٣٢.\n(٥) انظر: لسان العرب، لابن منظور، ١٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩.","vol":"1","page":6},{"text":"ولما كان الزرع لا ينمو إلا إذا خلص من الدغل كانت لفظة الزكاة تدل على الطهارة أيضًا.\nوإذا وصف الأشخاص بالزكاة - بمعنى الصلاح - فذلك يرجع إلى زيادة الخير فيهم (١).\nفالزكاة لغة: النماء والزيادة، والطهارة، والبركة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الزكاة شرعًا: </span>حقٌّ يجب في المال (٣).\nوقيل: حقٌّ واجب في مال خاص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص (٤).\nوقيل: إنفاق جزء معلوم من المال النامي إذا بلغ نصابًا في مصارف مخصوصة (٥).\nوقيل: حصة من المال ونحوه يوجب الشرع بذلها للفقراء ونحوهم بشروط خاصة (٦).\nوقيل: عبارة عن إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالك مخصوص (٧).\nوقيل: نصيب مقدَّر شرعًا في مال معين يصرف لطائفة مخصوصة (٨).\nوقيل: التعبد لله تعالى بإخراج جزء واجب شرعًا، في مال معين،\n_________\n(١) انظر: فقه الزكاة، ليوسف القرضاوي، ١/ ٣٧.\n(٢) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٢/ ٣٠٧، ولسان العرب، لابن منظور، ١٤/ ٣٥٨.\n(٣) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٥، والشرح الكبير، ٦/ ٢٩١.\n(٤) منتهى الإرادات، لمحمد بن أحمد الفتوحي، ١/ ٤٣٥، الإقناع لطالب الانتفاع، لموسى الحجاوي، ١/ ٣٨٧، والروض المربع مع حاشية عبد الرحمن بن قاسم، ٣/ ١٦٤.\n(٥) معجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس، ص ٢٠٨.\n(٦) القاموس المحيط، ص ٣٩٦.\n(٧) التعريفات، للجرجاني، ص ١٥٢.\n(٨) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٦/ ١٧.","vol":"1","page":7},{"text":"لطائفة أو جهة مخصوصة (١).\nوقيل: حق يجب في أموال مخصوصة، على وجه مخصوص، ويعتبر في وجوبه الحول والنصاب (٢).\nوقيل: تمليك جزء من مال معين شرعًا من يستحقه من مسلم بشرط قطع المنفعة عن ذلك المال من كل وجه لله تعالى (٣).\nقال الإمام الشوكاني ﵀: «الزكاة في اللغة: النماء، يقال: زكى الزرع إذا نما، وترد أيضًا بمعنى التطهير، وترد شرعًا باعتبارين معًا، أما بالأول؛ فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر يكثر بسببها، أو بمعنى أن تعلقها بالأموال ذات النماء: كالتجارة، والزراعة، وأما الثاني؛ فلأنها طهرة النفس من رذيلة البخل، وطهرة من الذنوب» (٤).\nوقيل: الزكاة شرعًا: حق واجب، في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص (٥).\nوالتعريف الذي يشمل التعريفات المتقدمة كلها: أن يقال:\nالزكاة شرعًا: «التعبد لله تعالى بإخراج حق واجب مخصوص شرعًا، من مال مخصوص، في وقت مخصوص، لطائفة مخصوصة، بشروط\n_________\n(١) مجموع فتاوى ورسائل محمد بن صالح العثيمين، ١٨/ ١١.\n(٢) الموسوعة الفقهية، مادة زكاة، ٢٣/ ٢٢٦.\n(٣) الزكاة وأحكامها، لوهبي سليمان غاوجي، ص ٢٢.\n(٤) نيل الأوطار، ٣/ ٥.\n(٥) الإحكام شرح أصول الأحكام، لعبد الرحمن بن قاسم، ٢/ ١٢٦، وإبهاج المؤمنين بشرح منهج السالكين، لعبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، ١/ ٢٧٩.","vol":"1","page":8},{"text":"مخصوصة». والله أعلم.\nوالزكاة الشرعية قد تسمى صدقة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (١). وقال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣). وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - لما بعث معاذًا إلى اليمن بيَّن له فقال:\n«... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم» (٤). وفي حديث جابر وأبي سعيد ﵄ عن النبي - ﷺ -: «ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة» (٥).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-9>الصدقة: </span>هي العطية التي يُبتغى بها الثواب عند الله تعالى (٦).\nقال العلامة الراغب الأصفهاني - رحمه الله تعالى: «الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة في\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٥٨.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري برقم ١٣٩٥، ومسلم، برقم ١٩، ويأتي تخريجه إن شاءالله تعالى.\n(٥) البخاري برقم ١٤٠٥، ومسلم برقم ٩٨٠، ويأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\n(٦) التعريفات، للجرجاني، ص ١٧٣، ولغة الفقهاء لمحمد رواس، ص ٢٤٣.","vol":"1","page":9},{"text":"الأصل تقال للمتطوَّع به، والزكاة للواجب، وقد يسمى الواجب صدقة إذا تحرَّى صاحبها الصدق في فعله» (١).\n\nفتبين بذلك أن<span data-type=\"title\" id=toc-10> لفظ الصدقة نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>النوع الأول: صدقة تطلق على صدقة التطوع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>النوع الثاني: صدقة تطلق على صدقة الفرض</span>، التي هي الزكاة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>والعطية: هي ما أعطاه الإنسان من ماله </span>لغيره، سواء كان يريد بذلك وجه الله تعالى، أو يريد به التودد، أو غير ذلك، فهي أعم من الزكاة، والصدقة، والهبة، ونحو ذلك (٣).\n_________\n(١) مفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، ص ٤٨٠.\n(٢) انظر: القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، ص ٢٠٩.\n(٣) الموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٢٢٧.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الثاني: منزلة الزكاة في الإسلام</span>\nالزكاة فريضة عظيمة ومنزلتها من أعظم الأمور؛ لما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>١ - الزكاة: الركن الثالث من أركان الإسلام</span>، فهي أحد مباني الإسلام؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». وفي لفظ لمسلم: «بني الإسلام على خمس: على أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>٢ - الزكاة: قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى</span>، فقد جمع الله بينها وبين الصلاة في مواضع كثيرة في كتابه الكريم، وهذا يدل على عظم مكانتها عند الله - ﷿ -، وعظم شأنها، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣).\nوقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ الله إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم، برقم ٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أركان الإسلام ودعائمه العظام برقم ١٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٨٣.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١١٠.","vol":"1","page":11},{"text":"وقال - ﷿ - أثناء بيانه لخصال البر وصفات المتقين: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى أن قال - ﷿ -: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (١).\nوقال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢).\nوقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣).\nوقال تعالى أثناء بيانه لصفات الراسخين في العلم والمؤمنين: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤).\nوقال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٥).\nوقال - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٦).\nوقال ﵎: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٧).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٧.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٧٧.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٦٢.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ١٢.\n(٦) سورة المائدة، الآية: ٥٥.\n(٧) سورة التوبة، الآية: ٥.","vol":"1","page":12},{"text":"وقال جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (٢).\nوقال سبحانه أثناء ذكره لصفات المؤمنين: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله﴾ (٣).\nوقال سبحانه في قول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٤).\nوقال - ﷿ - في مدح إسماعيل ﵊: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٥).\nوقال ﵎ في سورة الأنبياء: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ (٦).\nوقال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٧).\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١١.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٨.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٧١.\n(٤) سورة مريم، الآية: ٣١.\n(٥) سورة مريم، الآية: ٥٥.\n(٦) سورة الأنبياء، الآية: ٧٣.\n(٧) سورة الحج، الآية: ٤١.","vol":"1","page":13},{"text":"وقال تعالى: ﴿... فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِالله هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١).\nوقال سبحانه: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (٢).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤).\nوقال ﵎: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٥).\nوقال جل وعلا: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ﴾ (٦).\nوقال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٧).\nوقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٨).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٧٨.\n(٢) سورة النور، الآية: ٣٧.\n(٣) سورة النور، الآية: ٥٦.\n(٤) سورة النمل، الآية: ٣.\n(٥) سورة لقمان، الآية: ٤.\n(٦) سورة الأحزاب، الآية: ٣٣.\n(٧) سورة المجادلة، الآية: ١٣.\n(٨) سورة المزمل، الآية: ٢٠.","vol":"1","page":14},{"text":"الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١).\nوهذه الآيات السابقة قرنت بين الصلاة والزكاة ستًّا وعشرين مرة، كل مرة منها في آية واحدة، وتمام السابعة والعشرين مرة جاءت في سياق واحد مع الصلاة، وإن لم تكن معها في آية واحدة، هي قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>وذكرت الزكاة منفردة عن الصلاة في ثلاثة مواضع </span>من القرآن الكريم هي قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ*الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ (٥).\n\nفهذه<span data-type=\"title\" id=toc-18> ثلاثون مرة ذكرت فيها الزكاة في القرآن </span>الكريم (٦).\n_________\n(١) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٢) سورة المؤمنون، الآيات: ١ - ٤.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.\n(٤) سورة الروم، الآية: ٣٩.\n(٥) سورة فصلت، الآيتان: ٦،- ٧.\n(٦) جاء في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ٣٢ مرة، ولكنْ مرتان جاءت بمعنى آخر، وهما قوله تعالى: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف ٨١] وقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣] وانظر: المعجم المفهرس لمحمد فؤاد عبد الباقي، ص ٣٣١ - ٣٣٢.","vol":"1","page":15},{"text":"وقد<span data-type=\"title\" id=toc-19> جاءت كلمة الصدقة والصدقات في القرآن الكريم اثنتا عشرة مرة </span>(١) منها قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣).\nوقد جاءت الزكاة في القرآن بألفاظ غير ألفاظ الزكاة والصدقة كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٤).\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٦).\nوغير ذلك من الألفاظ التي تدل على أهمية الزكاة وعظم منزلتها في الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٣ - اعتنت سنة النبي - ﷺ - بالزكاة عناية دقيقة </span>فائقة، وهذا يدل على علو شأن الزكاة ومنزلتها العظيمة في الإسلام، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في العناية بالزكاة، والأمر بإخراجها، وبيان وجوبها،\n_________\n(١) انظر: المعجم المفهرس لمحمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٠٦.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(٤) سورة المعارج، الآيات: ٢٣ - ٢٥.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٣٤.\n(٦) سورة الحاقة، الآية: ٣٤.","vol":"1","page":16},{"text":"وإثم تاركها، وقتال من منعها، وبيان أصناف الأموال الزكوية: من بهيمة الأنعام، والذهب، والفضة، وعروض التجارة، والخارج من الأرض: كالثمار، والحبوب، وغير ذلك: كالمعدن، والركاز، وأوضحت النصب ومقاديرها، وبينت السنة أحكام الزكاة بالتفصيل، وكذلك اعتنت السنة المطهرة ببيان أصناف أهل الزكاة الثمانية، وقد ذكر الإمام ابن الأثير أكثر من مائة وعشرة أحاديث في الزكاة (١)، وهي أكثر من ذلك في المصنفات الحديثية، وهذا كله يدل على عظم شأن الزكاة وعلو منزلتها في الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٤ – لعظم شأن الزكاة ذكرها الله تعالى في شرائع من كان قبلنا</span>، فقال - ﷾ - حينما تكلم عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (٢). وقال - ﷾ -: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٣). وغير ذلك من الآيات التي تقدم ذكرها آنفًا، منها قوله تعالى في قول عيسى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٥ – مدح الله القائمين بها </span>في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا*وَكَانَ يَأْمُرُ\n_________\n(١) انظر: جامع الأصول، ٤/ ٥٥٠ – ٦٦٩، من الحديث رقم ٢٦٥٥ – ٢٧٦٩.\n(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٧٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٨٣.\n(٤) سورة مريم، الآية: ٣١.","vol":"1","page":17},{"text":"أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (١).\nوقال - ﷾ -: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (٢). وغير ذلك من الآيات والأحاديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٦ – ذم الله تعالى التاركين لها</span>، وتوعَّدهم بالهلاك فقال - ﷾ -: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ*الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>٧ – تارك إطعام المساكين من المجرمين</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿كلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ*إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ*فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ*عَنِ الْمُجْرِمِينَ* مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّين﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٨ – أداء الزكاة من أسباب دخول الجنة </span>والنجاة من النار، وقد ذكرتُ أدلة ذلك في فوائد الزكاة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٩ - لعظم مكانة الزكاة شرعها الله تعالى زكاة مطلقة </span>بدون أنصباء مُحدَّدة منذ العهد المكي ورغب فيها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ\n_________\n(١) سورة مريم، الآيتان: ٥٤ - ٥٥.\n(٢) سورة النور، الآية: ٣٧.\n(٣) سورة فصلت، الآيتان: ٦ - ٧.\n(٤) سورة المدثر، الآيات: ٣٨ – ٤٦.","vol":"1","page":18},{"text":"حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١).\nوذم الله تعالى من لم يحض على طعام المسكين، فبين أن عدم الحض على طعام المسكين من أسباب العذاب، فقال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ*ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ*إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِالله الْعَظِيمِ* وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٣).\nوبيَّن - ﷾ - أن من أسباب دخول الجنة العناية بالسائل والمحروم، فقال تعالى في أوصاف أهل الجنة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ* كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ* وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٤).\nوبيَّن تعالى أن من صفات المؤمنين أن في أموالهم حقًّا معلومًا للسائل والمحروم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥).\nوفي سورة الروم يأمر تعالى بأداء حق القريب والمسكين، وابن السبيل: ﴿فَآَتِ\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١٤١.\n(٢) سورة الحاقة، الآيات: ٣٠ – ٣٤.\n(٣) سورة الفجر، الآيتان: ١٧، ١٨.\n(٤) سورة الذاريات، الآيات: ١٦ – ١٩.\n(٥) سورة المعارج، الآيات: ١٩ – ٢٥.","vol":"1","page":19},{"text":"ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).\nوقال تعالى في سورة النمل وهي مكية: ﴿طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ* هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٢).\nوقال سبحانه في مطلع سورة لقمان: ﴿الم* تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ* هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ*الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٣).\nوغير ذلك من الآيات في العهد المكي (٤).\nوالزكاة في العهد المكي زكاة مطلقة من القيود والشروط، والحدود، والأنصباء.\nأما الزكاة التي فرضت في المدينة: فهي الزكاة ذات النصب والمقادير الخاصة، والشروط، قال الإمام ابن كثير – رحمه الله تعالى – عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٥). «أي أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا دليل\n_________\n(١) سورة الروم، الآية: ٣٨.\n(٢) سورة النمل، الآيات: ١ – ٣.\n(٣) سورة لقمان، الآيات: ١ – ٤.\n(٤) انظر: سورة الأعراف، الآيتان: ١٥٦، ١٥٧، وسورة فصلت، الآيتان: ٦، ٧، وسورة الشمس، الآية: ٩، وسورة الأعلى، الآية: ١٤.\n(٥) سورة المزمل، الآية: ٢٠.","vol":"1","page":20},{"text":"لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة، والله أعلم» (١). فالصواب أن الزكاة فرضت في أصح أقوال أهل العلم بمكة، ولكن تقدير الأنصبة والأموال الزكوية وأهل الزكاة نزلت بالمدينة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>١٠ – لعظم شأن الزكاة في الإسلام اعتنى الله بها</span>، ففرضت في السنة الثانية للهجرة: الزكاة ذات النصب والمقادير، في المدينة، وبين - ﷿ - أصناف أهل الزكاة، قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير سورة المؤمنين عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٣). «الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة» (٤). كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٥) (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>١١ – ويدل على علوِّ منزلة الزكاة أن من منعها يقاتل</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، ص ١٣٩٠، دار السلام.\n(٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، ١٨/ ١٥.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٤.\n(٤) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص ٩٠٩.\n(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٤١.\n(٦) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص ٩٠٩، وانظر: الموسوعة الفقهية، ٣/ ٢٢٨، وفتاوى ابن عثيمين (١٧/ ١٥، والشرح الممتع (٦/ ١٥.","vol":"1","page":21},{"text":"يشهدوا: أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (١). ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: لما توفي رسول الله - ﷺ - واستُخلفَ أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله تعالى». فقال أبو بكر: والله! لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله! ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحق». وفي صحيح البخاري: أن أبا بكر - ﵁ - قال: «والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>١٢ – ومما يؤكد عظم منزلة الزكاة في الإسلام أن من جحد وجوبها كفر: </span>إن كان مسلمًا ناشئًا ببلاد الإسلام بين أهله فإنه يكون مرتدًّا تجري عليه أحكام المرتد، ويستتاب ثلاثًا فإن تاب وإلا قتل؛ لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا تكاد تخفى على من هذه حاله، فإذا جحدها لا يكون إلا لتكذيبه: الكتاب والسنة، وكفره\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ برقم ٢٥، [التوبة: ٥]، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، برقم ٢٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، برقم ١٣٩٩ ورقم ١٤٠٠، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، برقم ٢٠.","vol":"1","page":22},{"text":"بهما، أما من كان جاهلًا: إما لحداثة عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ ببادية نائية عن الأمصار، فإنه يُعرَّف وجوبها، ولا يحكم بكفره حتى يعلم ثم يجحد وجوبها (١).\nقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «... في حكم تارك الزكاة تفصيل، فإن كان تركها جحدًا لوجوبها مع توافر شروط وجوبها عليه كفر بذلك إجماعًا، ولو زكَّى مادام جاحدًا لوجوبها، أما إن تركها بخلًا أو تكاسلًا؛ فإنه يعتبر بذلك فاسقًا، قد ارتكب كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب» (٢).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين – ﵀ - «... من أنكر وجوبها فقد كفر إلا أن يكون حديث عهد بإسلام، أو ناشىء في بادية بعيدة عن العلم وأهله فيعذر، ولكنه يعلَّم، وإن أصر بعد علمه فقد كفر مرتدًّا، وأما من منعها بخلًا وتهاونًا ففيه خلاف بين أهل العلم:\nفمنهم من قال: إنه يكفر، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٣).\nومنهم من قال: إنه لا يكفر، وهذا هو الصحيح، ولكنه قد أتى كبيرة عظيمة، والدليل على أنه لا يكفر حديث أبي هريرة - ﵁ -، وفيه: أن النبي - ﷺ - ذكر عقوبة مانع زكاة الذهب والفضة، ثم قال: «... حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار» (٤). وإذا كان يمكن أن يرى له سبيلًا\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٦، والمجموع للنووي، ٤/ ٣٣٤.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٢٧.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٨ – ٩، والكافي، ٢/ ٨٧.\n(٤) مسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، برقم ٩٨٧.","vol":"1","page":23},{"text":"إلى الجنة؛ فإنه ليس بكافر؛ لأن الكافر لا يمكن أن يرى سبيلًا له إلى الجنة، ولكن على مانعها من الإثم العظيم ما ذكره الله تعالى ...» (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>١٣ - ولعظيم منزلة الزكاة جاءت النصوص من الكتاب والسنة في بيان عقوبة تاركها</span>، مما تقشعر منه الجلود المسلمة، وتدمع له العيون المؤمنة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٣).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأُحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيُرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار» قيل: يا رسول الله: فالإبل؟ قال: «ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها، إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها\n_________\n(١) انظر: سورة آل عمران، ١٨٠، وسورة التوبة، ٣٤، ٣٥.\n(٢) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ١٨/ ١٤، وانظر: الشرح الممتع له، ٦/ ٧ - ٩.\n(٣) سورة التوبة، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.","vol":"1","page":24},{"text":"بقاعٍ قرقر (١) أوفر ما كانت، لا يُفقد منها فصيلًا واحدًا، تطؤه بأخفافها، وتعضُّه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رُدَّ عليه أخراها (٢) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار» قيل: يا رسول الله! فالبقر والغنم؟ قال: «ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئًا، ليس فيها عقصاءُ (٣)، ولا جلحاءُ (٤)، ولا عضباءُ (٥)، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مرت عليه أولاها رُدّ عليه أخراها (٦) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار» (٧).\nوعن جابر بن عبد الله - ﵁ - نحو حديث أبي هريرة السابق، وفيه: «... ولا صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعًا أقرع، يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفرُّ منه، ويقال: هذا مالك الذي كنت تبخل به، فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه، فجعل يقضمها كما يقضم الفحل» (٨).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من آتاه الله مالًا فلم يؤد\n_________\n(١) القاع القرقر: القاع المستوي الواسع من الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه. شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٦٩.\n(٢) وفي رواية لمسلم: «كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها».\n(٣) العقصاء: ملتوية القرنين. شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٧٠.\n(٤) الجلحاء: التي لا قرن لها. شرح النووي، ٧/ ٧٠.\n(٥) العضباء: التي كسر قرنها الداخل، شرح النووي، ٧/ ٧٠.\n(٦) وفي رواية لمسلم: «كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها»، مسلم، برقم ٢٦ – (٩٨٧.\n(٧) متفق عليه: البخاري مختصرًا، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، برقم ١٤٠٢، ومسلم بلفظه، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، برقم ٩٨٧، ومن حديث جابر عند مسلم، برقم ٩٨٨.\n(٨) مسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، برقم ٢٨ – (٩٨٨.","vol":"1","page":25},{"text":"زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع (١)، له زبيبتان (٢) يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه – ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك» ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣). وفي لفظ: «يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعًا أقرع، يفرُّ منه صاحبه ويطلبه، ويقول: أنا كنزك، قال: والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه» (٤).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: انتهيت إلى النبي - ﷺ - وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: «هم الأخسرون وربِّ الكعبة» قال: فجئت حتى جلست فلم أتقارَّ (٥) أن قمت، فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال: «هم الأكثرون أموالًا، إلا من قال: هكذا، وهكذا، وهكذا – من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله – وقليل ما هم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى\n_________\n(١) الشجاع: الحية الذكر، والأقرع: الذي انحسر الشعر عن رأسه من كثرة سمه. شرح السنة للبغوي، ٥/ ٤٧٩.\n(٢) زبيبتان: النكتتان السوداوان فوق عينيه، وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه، ويقال: الزبيبتان: الزبعتان تكون في الشدقين إذا غضب الإنسان أو كثر كلامه. شرح السنة للبغوي، ٥/ ٤٧٩.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.\n(٤) البخاري، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، برقم ١٤٠٣، وكتاب التفسير، باب ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] وكتاب الحيل باب في الزكاة وأن لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة، برقم ٦٩٥٧.\n(٥) لم أتقار: أي لم يمكني القرار والثبات. شرح النووي، ٧/ ٧٧.","vol":"1","page":26},{"text":"يُقضى بين الناس» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>١٤ – تعزير الإمام لمن تهاون بأداء الزكاة يدل على عِظَم منزلتها </span>في الإسلام؛ لحديث معاوية بن حيدة - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «في كل إبل سائمة: في كل أربعين ابنة لبون، لا تفرَّقُ إبلٌ عن حسابها (٢)، من أعطاها مؤتجرًا بها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة (٣) من عزمات ربنا - ﷿ -، ليس لآل محمد منها شيء». وفي لفظ النسائي: «من أعطاها مؤتجرًا (٤) فله أجرها، ومن أبى فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد - ﷺ - منها شيء» (٥).\nفقوله - ﷺ -: «فإنا آخذوها» استدل به على أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا (٦).\nواختلف العلماء رحمهم الله تعالى في أخذ نصف المال عقابًا لمانع الزكاة:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري بنحوه، كتاب الزكاة، باب زكاة البقر، برقم ١٤٦٠، وكتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي - ﷺ -، برقم ٦٦٣٨، ومسلم بلفظه، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، برقم ٩٩٠.\n(٢) لا تفرق عن حسابها: أي لا يفرق أحد الخليطين ملكه عن ملك صاحبه خشية الصدقة. نيل الأوطار، ٣/ ١٦.\n(٣) عزمة: العزمة ضد الرخصة وهي ما يجب فعله، والعزائم الفرائض. غريب الحديث لابن الأثير، ٤/ ٥٧٣، ونيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ١٩.\n(٤) مؤتجرًا: أي طالبًا للأجر. نيل الأوطار، ٣/ ١٦.\n(٥) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٧٥، والنسائي، كتاب الزكاة، باب عقوبة مانع الزكاة برقم ٢٤٤٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٦، وفي صحيح النسائي، ٢/ ١٧٧، وفي إرواء الغليل، برقم ٧٩١.\n(٦) نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ١٦.","vol":"1","page":27},{"text":"فمنهم من قال: يؤخذ نصف ماله مع أخذ الزكاة.\nومنهم من قال: يجعل ماله نصفين، ثم تؤخذ الزكاة من خير الشطرين.\nومنهم من قال: لا يعاقب بالمال، وإنما يعاقبه الإمام بما يراه، وهذا قول الجمهور (١).\n_________\n(١) انظر: جامع الأصول، لابن الأثير، ٤/ ٥٧٣ – ٥٧٤، ونيل الأوطار، ٣/ ١٦ – ١٨، وسبل السلام للصنعاني، ومال شيخنا ابن باز أثناء تقريره على الحديث رقم ٦٢٦ من بلوغ المرام: إلى عدم أخذ نصف المال، وإنما يعاقبه الإمام بما يراه، للقواعد العظيمة في تحريم مال المسلم بغير حق، وإن كان مخالفًا لما رجحه ابن القيم ﵀، وذكر ابن باز: أن الحاكم صحح الحديث، ولكن لم يجزم الشيخ بتصحيحه ولا تضعيفه، وقد حسنه الألباني كما تقدم.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الثالث: فوائد الزكاة وحِكَمها</span>\nللزكاة فوائد عظيمة، وحِكمٌ كثيرة، منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>١ - إتمام إسلام العبد</span>؛ لأنها أحد أركان الإسلام، فإذا أدى العبد الزكاة المفروضة تم إسلامه وكمل، وهذا غاية عظيمة لكل مسلم، فكل مسلم مؤمن يسعى لإكمال دينه (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>٢ - حصول طاعة الله بتنفيذ أمره: رجاء ثوابه </span>وخشية عذابه، وابتغاء رضوانه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٣ - تثبيت أواصر المحبة بين الغني والفقير</span>؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٤ - تطهير النفس وتزكيتها</span>، والبعد بها عن خُلُق الشح والبخل، كما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٥ - تعويد المسلم على صفة الجود، والكرم</span>، والعطف على ذوي الحاجات؛ والرحمة للفقراء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>٦ - حفظ النفس عن الشح</span>، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٧ - استجلاب البركة والزيادة والخلف من الله تعالى</span>، كما قال - ﷿ -:\n_________\n(١) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٦/ ١٠.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(٣) سورة الحشر، الآية: ٩.","vol":"1","page":29},{"text":"﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (١)؛ ولقول الله تعالى في الحديث القدسي عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «قال الله: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا» (٤) (٥).\nوعن أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «انفحي أو انضحي، أو أنفقي (٦) ولا تحصي فيحصي الله عليك (٧)، ولا توعي فيوعي الله عليك» (٨)، وفي لفظ البخاري: «لا توكي فيوكي الله\n_________\n(١) سورة سبأ، الآية: ٣٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، برقم ٥٣٥٢، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف، برقم ٩٩٣.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة، باب العفو، برقم ٢٥٨٨.\n(٤) مسلم، كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك، برقم ١٠١٠.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٣٠.\n(٦) انفحي، أو انضحي، أي: أعطي، والنفح والنضح: العطاء، وفي رواية للبخاري برقم ١٤٣٤ «وارضخي ما استطعت» والرضخ: العطاء أيضًا. انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص ٥٦٩.\n(٧) لا تحصي: أي لا تبخلي فتجازين على بخلك. انظر: المفهم للقرطبي، ٣/ ٧٤.\n(٨) لا توعي: أي لا تجمعي وتشحي بالنفقة فيشح عليك. النهاية، ٥/ ٢٠٨.","vol":"1","page":30},{"text":"عليك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٨ – برهان على صدق إسلام مخرجها</span>؛ لحديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -، وفيه: «والصدقة برهان ....» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٩ – تشرح الصدر</span>، فالمسلم إذا أحسن إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال، وأنواع الإحسان انشرح صدره؛ فالكريم المحسن أشرح الناس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا، والبخيل الذي لا يحسن أضيق الناس صدرًا، وأنكدهم عيشًا، وأكثرهم همًّا وغمًّا، لكن لا بد من العطاء بطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرجه من يده (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>١٠ – تُلحق المسلم بالمؤمن الكامل</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه – أو قال – لجاره ما يحب لنفسه» (٤).\nفكما أن المسلم يحب أن يبذل له المال الذي يسد به حاجته، فهو يحب أن يحصل لأخيه مثل ذلك، فيكون بذلك كامل الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>١١ – من أسباب دخول الجنة</span>؛ لحديث أبي مالك الأشعري - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة، برقم ١٤٣٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الإنفاق وكراهية الإحصاء، برقم ١٠٢٩.\n(٢) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم ٢٢٣.\n(٣) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ٢٥، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ١٠.\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، برقم ٤٥.","vol":"1","page":31},{"text":"وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>١٢ – تجعل المجتمع المسلم كالأسرة الواحدة</span>، يرحم القوي القادر الضعيف العاجز، والغني يحسن إلى المعسر، فيشعر صاحب المال بوجوب الإحسان عليه كما أحسن الله إليه، قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ (٢). فتصبح الأمة الإسلامية كأنها عائلة واحدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>١٣ – تطفئ حرارة ثورة الفقراء</span>؛ لأن الفقير قد يغضب، لما يرى من تنعم الأغنياء، فإذا جاد الأغنياء على الفقراء كسروا ثورتهم وهدؤوا غضبهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>١٤ – تمنع الجرائم المالية مثل: السرقات، والنهب</span>، وما أشبه ذلك؛ لاستغناء الفقراء عن هذه الجرائم بإعطائهم الزكاة، أو بالصدقة والإحسان إليهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>١٥ – النجاة من حرِّ يوم القيامة</span>؛ لحديث عقبة ابن عامر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «كلُّ امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس» أو قال: «يحكم بين الناس» (٣). وفي لفظ: «إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته» (٤). قال يزيد – أحد رواة الحديث: «وكان أبو الخير – راوي الحديث عن عقبة – لا يخطئُه يومٌ إلا تصدق فيه بشيء، ولو كعكة، أو بصلة أو كذا» (٥).\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٥/ ٣٤٣، وابن حبان (موارد، برقم ٦٤١، والترمذي عن علي - ﵁ - في كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة غرف الجنة، برقم ٢٥٢٧، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٧، وفي صحيح الجامع، ٢/ ٢٢٠، برقم ٢١١٩.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٧٧.\n(٣) أحمد في المسند، برقم ١٧٣٣٣، وقال محققو المسند: إسناده صحيح، وأخرجه ابن حبان، برقم ٣٣١٠.\n(٤) أحمد، برقم ١٨٠٤٣، وقال محققو المسند: حديث صحيح.\n(٥) أحمد، برقم ١٧٣٣٣، كما تقدم.","vol":"1","page":32},{"text":"وقال النبي - ﷺ - في أحد الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «... ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>١٦ – تعين المسلم على معرفة حدود الله والفقه في دينه تعالى</span>؛ لأن المسلم لا يؤدي زكاته إلا بعد أن يعرف أحكامها، وأموالها، وأنصابها، ومستحقها، وإثم من منعها، وفضل من أداها، وغير ذلك مما تدعو الحاجة إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>١٧ – سبب لنزول الخيرات ودفع العقوبات</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، وفيه: «... ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>١٨ – تطفئ الخطايا وتكفرها</span>؛ لحديث معاذ - ﵁ -، وفيه: «... والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (٣) (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>١٩ – أداء الزكاة من شكر النعم</span>، وشكر النعم سبب لزيادتها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٢٠ – مضاعفة الأجر عند الله تعالى</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -. البخاري كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، برقم ١٤٢٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، برقم ١٠٣١.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات، برقم ٤٠١٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٤/ ٥٤٠، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٧٠.\n(٣) الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، برقم ٢٦١٦، وأحمد، ٥/ ٥٣١، ٢٣٦، ٢٣٧، ٢٤٥، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٣٨.\n(٤) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٩ – ١٥.\n(٥) سورة إبراهيم، الآية: ٧.","vol":"1","page":33},{"text":"يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَالله يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٢١ – وقاية صاحب المال من العذاب به</span>؛ فإن الذي لا يؤدي زكاة ماله يعذب بماله في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٢٢ – الزكاة تُحصِّن المال، ويحفظه الله تعالى بها </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٢٣ – ذهاب شر المال ووباله</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - قال رجل من القوم: يا رسول الله! أرأيت لو أدَّى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره» (٤)، ولفظ الحاكم: «إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره» (٥).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.\n(٢) سورة التوبة، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.\n(٣) جاء في الخبر: «حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستعينوا على حمل البلاء بالدعاء والتضرع». رواه أبو داود في مراسيله، والطبراني وغيرهما. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير، ٣/ ٩٩، برقم ٢٧٢٢، ٢٧٢٣، إلا أنه حسن «داووا مرضاكم بالصدقة» في صحيح الجامع، ٣/ ١٤٠، وصحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٥٨، برقم ٧٤٤.\n(٤) الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين]، برقم ١٣٤٥، قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ٦٣: «وإسناده حسن وإن كان في بعض رجاله كلام»، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٥٨.\n(٥) الحاكم في المستدرك، ١/ ٣٩٠، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٥٧.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>٢٤ – تطهير المال؛ لأن الزكاة تطهيرٌ للمال</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «... إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس ...» (١) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٢٥ – وقاية المال من الفساد</span>؛ لأن الزكاة ما خالطت مالًا إلا أفسدته (٣). قيل في ذلك: لأن الحرام يهلك الحلال، وقيل: إذا أخذ الغني الزكاة أهلكت ماله؛ لأن الزكاة للفقراء (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٢٦ – استعانة الفقير بما يأخذ من الزكاة على طاعة الله</span>، ولولا ذلك لاشتغل قلبه بالهموم شغلًا يمنعه من العبادة، بل ربما يوقعه ذلك في شك من ضمان الله تعالى الرزق له ولكل مخلوق، والزكاة تزكي الفقراء والمساكين بسد حاجاتهم، وإغنائهم عن ذل السؤال، والتطلع إلى ما في أيدي الخلق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٢٧ – ترغيب الفقير في فعل الخيرات والإحسان إلى من دونه</span>؛ لما يرى من إحسان الغني إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٢٨ – تحقيق أهم عناصر التمكين في الأرض </span>والنصر على الأعداء، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ\n_________\n(١) أوساخ الناس. قال الإمام النووي ﵀ في شرحه على صحيح مسلم، ٧/ ١٨٤: «ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فهي كغسالة الأوساخ».\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب ترك استعمال آل النبي - ﷺ - على الصدقة، برقم ١٠٧٢.\n(٣) جاء في حديث عن عائشة ﵂ بلفظ: «ما خالطت الزكاة مالًا قط إلا أفسدته» رواه الشافعي والبخاري في تاريخه، والحميدي، والبزار، وضعفه الهيثمي في المجمع، ٣/ ٦٤، وضعفه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم ١٧٩٣، ١/ ٥٦٢، [ولكن المعنى صحيح].\n(٤) انظر: مشكاة المصابيح، ١/ ٥٦٢، برقم ١٧٩٣.","vol":"1","page":35},{"text":"وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٢٩ – يزيد الله تعالى من أدى الزكاة طيبة بها نفسه هُدىً وإيمانًا</span>، قال الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٣).\nوقال - ﷾ - في طاعة النبي - ﷺ - في الأمر والابتعاد عن النهي، ومن ذلك طاعته - ﷺ - في الزكاة: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٣٠ – شهد الله تعالى للمنفقين بالهدى والفلاح</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ*أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥). فأداء الزكاة من أعظم صفات أهل التقوى الذين ينتفعون بالقرآن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٣١ – أداء الزكاة والصدقة من أعظم قضاء الحوائج وتفريج الكربات </span>والستر في الدنيا ويوم القيامة؛ لما فيها من قضاء حاجات المحتاجين، وتفريج كربات المكروبين، والستر على المعسرين؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٤١.\n(٢) سورة مريم، الآية: ٧٦.\n(٣) سورة محمد، الآية: ١٧.\n(٤) سورة النور، الآية: ٥٤.\n(٥) سورة البقرة، الآيات: ٢ – ٥.","vol":"1","page":36},{"text":"نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ...» (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄، وفيه: «ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٣٢ – أداء الزكاة أو الصدقة إلى الضعفاء الفقراء من أسباب النصر والرزق</span>؛ لحديث سعد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» (٣)؛ ولحديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: كان أخوان على عهد النبي - ﷺ -، فكان أحدهما يأتي النبي - ﷺ -، والآخر يحترف، فشكى المحترف أخاه إلى النبي - ﷺ -، فقال: «لعلك تُرزق به» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٣٣ – المتصدق ابتغاء مرضاة الله تعالى يفوز بثناء الله تعالى</span>، وما وعد به المتصدقين من الأجر العظيم، وانتفاء الخوف والحزن، قال الله - ﷿ -:\n﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم ٢٦٩٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم، ولا يسلمه، برقم ٢٤٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، برقم ٢٥٨٠.\n(٣) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، برقم ٢٨٩٦.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب في التوكل، برقم ٢٣٤٥، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٤.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٧٤.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>٣٤ - من أعظم أسباب رحمة الله تعالى للعبد </span>في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). وقال النبي - ﷺ -: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» (٣). وقال - ﷺ -: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٤). وقال - ﷺ -: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» (٥). وقال - ﷺ -: «إن أبعد الناس من الله القلب القاسي» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٣٥ - وعد الله تعالى المؤمنين المتصدقين بالجنة وما فيها من النعيم </span>المقيم، والرضوان العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ*وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٥٦.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]، برقم ٧٣٧٦، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمة الصبيان والعيال، برقم ٢٣١٩.\n(٤) أبو داود، كتاب الأدب، باب في الرحمة، برقم ٤٩٤١، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين، برقم ١٩٢٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٨٠.\n(٥) أبو داود، كتاب الأدب، باب في الرحمة، برقم ١٩٤٢، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين، برقم ١٩٢٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٨٠.\n(٦) الترمذي، كتاب الزهد، باب ٦١، برقم ٢٤١١، وحسنه عبد القادر الأرناؤوط في تحقيقه للأذكار للنووي، ص ٢٨٥.","vol":"1","page":38},{"text":"الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ الله أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٣٦ - وعد الله - ﷿ - بالفلاح والفردوس لمن قام بأداء الزكاة مع الصفات الجميلة الأخرى</span>، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٢). إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٣٧ - أداء الزكاة من أعظم أنواع الإحسان</span>، وقد أخبر الله تعالى عن نفسه بما يرغب كل من عرف فضل الإحسان بالإحسان؛ لعظم شأنه عند الله - ﷿ -، قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). وقال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٥). وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٣٨ - في إعطاء العاملين على الزكاة منها</span>- إذا لم يكن لهم مرتب أو أجرة من بيت المال- كفاية لهم ولأسرهم مدة قيامهم بجبايتها من الناس وصرفها لمستحقيها، وفي إعطائهم منها: إعانة لهم على الخير وتشجيعهم على الاستمرار على هذا العمل؛ ليعينوا إخوانهم الأغنياء على إخراج الزكاة الواجبة عليهم، ويعينوا إخوانهم الفقراء في إيصالهم ما فرض الله\n_________\n(١) سورة التوبة، الآيتان: ٧١ - ٧٢.\n(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٤.\n(٣) سورة المؤمنون، الآيات: ٩ - ١١.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٥.\n(٥) سورة يوسف، الآية: ٨٨.\n(٦) سورة التوبة، الآية: ١٢٠.","vol":"1","page":39},{"text":"لهم، وتحصيل حقوقهم دون أن تتطلع نفوس العاملين عليها إلى الخيانة فيها وسوء التصرف فيها.\n٣٩ - في إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم: ترغيبهم في الإسلام، وتحبيبه إليهم، وتقوية ما في قلوبهم من الإيمان، أو كف شرهم عن المسلمين، وإيصال الدعوة إلى من لديهم من المستضعفين.\n\n٤٠ - في إعطاء الغارمين الزكاة نوع من التخفيف عنهم من همِّ الديون بالليل وتحريرهم من ذلها بالنهار؛ فإن الدين همٌّ على المؤمن بالليل وذلٌّ بالنهار.\n٤١ - تجهيز المقاتلين في سبيل الله تعالى، وإعداد ما يلزم من العدد والعتاد، لقتال أعداء الإسلام، ونشر الإسلام بين الأمم والدفاع عن الإسلام وديار المسلمين، وكف الظلم، ودفع العدوان، وقطع دابر الكافرين ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١). فتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.\n٤٢ - مساعدة المسلم المسافر إذا انقطع من النفقة في طريقه لنفاد نفقته أو سرقة أو ضياع، ولم يجد ما يكفيه لمؤنة سفره، ففي إعطائه الزكاة إحسان إليه، ومواساة له في حال غربته، فيعطى من الزكاة ما يسد حاجته حتى يعود إلى بلاده (٢).\n٤٣ - في إعطاء الزكاة في تحرير الرقاب تحرير للرقيق الذي أذله الرق،\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٣٩.\n(٢) انظر: الإرشادات إلى جمل من حكم وأحكام الزكاة، للشيخ عبد الله بن صالح القصير، ص ٧ - ١٦، وشرح أركان الإسلام والإيمان للشيخ محمد جميل زينو، ص ١٢١.","vol":"1","page":40},{"text":"فيكون بأخذه للزكاة أو إعتاقه منها حرًّا عبدًا لله - ﷿ -، يقوم بعبادة الله - ﷾ -، وهو على كمال في الحرية من ملك العباد وتفريغه لعبادة رب العباد.\n\n٤٤ - يترتب على أداء الزكاة الأجر العظيم، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ الله الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ الله وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب»، [وفي لفظ «فإن الله يتقبَّلُها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوَّه (٣)، حتى تكون مثل الجبل]» (٤).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٣٩.\n(٣) فلوَّه: قال ابن الأثير ﵀ في النهاية، ٣/ ٤٧٤: الفلُوُّ: المهر الصغير. وقيل: هو الفطيم من أولاد ذوات الحوافر.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة من كسب طيب، برقم ١٤١٠، وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. وقوله جل ذكره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، برقم ٧٤٣٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها رقم، ١٠١٤.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث الرابع: حكم الزكاة في الإسلام</span>\nالزكاة: واجبة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة على كل مسلم، حر، مالك لنصابٍ، مستقرٍّ، مضى عليه الحول في غير المعشر (١).\nأما الكتاب، فلقول الله تعالى: ﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢). وفي آيات كثيرة أمر الله فيها بأداء الزكاة.\nوأما السنة؛ فلحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن فقال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». وفي لفظ: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله - ﷿ -، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ...» (٣).\nوأما الإجماع: فأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوب الزكاة إذا اكتملت الشروط، واتفق الصحابة - ﵃ - على قتال مانعيها (٤).\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٥، والكافي، ٢/ ٨٥، والروض المربع، ٣/ ١٦٢ - ١٦٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، برقم ١٣٩٥، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، برقم ١٩.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٤/ ٥.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الخامس: شروط وجوب الزكاة خمسة </span>على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>الشرط الأول: الإسلام</span>، وضده الكفر، فلا تؤخذ الزكاة من الكافر ولا تقبل منه، سواء كان كافرًا أصليًّا أو مرتدًّا؛ لأن الزكاة من فروع الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (١).\nومما يدل على أن الإسلام شرط لوجوب الزكاة قول النبي - ﷺ - لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ...» (٢). فجعل الإسلام شرطًا لوجوب الزكاة (٣).\nوالزكاة طهرة للمسلم، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٤). أما الكافر فهو نجس لا يطهر إلا بالدخول في الإسلام (٥).\nوالكافر لا تقبل منه الزكاة، ولا تؤخذ منه، ويحاسب عليها يوم القيامة، قال الله تعالى عن المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٥٤.\n(٢) متق عليه: البخاري برقم ١٣٩٥، ومسلم برقم ١٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٣/ ١٦٦.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(٥) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٦/ ١٩.","vol":"1","page":43},{"text":"الْمُصَلِّينَ*وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ*وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (١).\nفلولا أنهم عوقبوا على ترك الصلاة وإطعام المسكين ما ذكروا ذلك سببًا في دخولهم النار (٢).\nوهذا يدل على أن الكفار يعاقبون ويعذبون على إخلالهم بفروع الإسلام (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>الشرط الثاني: الحرية</span>، وضدها الرق، فلا تجب الزكاة على رقيق – وهو العبد المملوك؛ لأنه لا يملك شيئًا؛ لأن المال الذي بيده لسيده؛ لحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبَّر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع» (٤). ولا تجب على مكاتب؛ لأنه عبد؛ ولأن ملكه غير تام، فهو كالعبد؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم» (٥) (٦).\n_________\n(١) سورة المدثر، الآيات: ٤٢ – ٤٥.\n(٢) الشرح الممتع، ٦/ ٢٠.\n(٣) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، ١٨/ ١٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب المساقاة، باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، برقم ٢٣٧٩، ومسلم، كتاب البيوع، باب من باع نخلًا عليها تمر، برقم ١٥٤٣.\n(٥) أبو داود، كتاب العتق، باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت، برقم ٣٩٢٦، والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي، برقم ١٢٦٠، وابن ماجه، كتاب العتق، باب المكاتب، برقم ٢٥١٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٧٩، وإرواء الغليل، برقم ١٦٧٤.\n(٦) والمكاتب: العبد يشتري نفسه من مالكه بمال معلوم يوصله إليه، وسمي مكاتبًا؛ لأنهم كانوا يقولون لعبيدهم إذا أرادوا مكاتبتهم: كاتبتك مثلًا: على ألف درهم، فإذا أداها عتق، ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت المال، وكتبت لك علي العتق، وكتبت لي عليك أداء المال [جامع الأصول لابن الأثير ٨/ ٩٠ – ٩١].","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الشرط الثالث: مِلْكُ نصابٍ</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة، ولا فيما دون خمس ذودٍ صدقة، ولا فيما دون خمس أواقٍ صدقة» (١). فإذا ملك المسلم نصابًا اعتبر من الأغنياء؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: «... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ...» (٢). وملك النصاب يختلف باختلاف الأموال، فإذا لم يكن عند الإنسان نصاب فلا زكاة عليه حتى يبلغ ماله النصاب الذي قدره الشرع، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك عند الكلام عن أصناف الأموال الزكوية (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>الشرط الرابع: استقرار الملك</span>، بأن يكون المالك للشيء يملكه مِلكًا مستقرًّا (٤)، ويعبر عن هذا الشرط أيضًا: بـ «تمام الملك» (٥) أو «الملك التام» (٦)، ومعنى تمام الملك: أن لا يتعلق به حق غيره بحيث يكون له التصرف فيه (٧).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، برقم ١٤٨٤، ومسلم، كتاب الزكاة، باب: ليس فيما دون خمسة أوسق، برقم ٩٧٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم ١٣٩٥، ومسلم، برقم ١٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) انظر: المبحث الثامن، والتاسع، والعاشر، والحادي عشر من هذا الكتاب.\n(٤) الشرح الممتع، ٦/ ٢١.\n(٥) المقنع والشرح الكبير، ٦/ ٣١٤، والكافي، ٢/ ٨٨.\n(٦) بداية العابد وكفاية الزاهد، مع شرحه: بلوغ القاصد جل المقاصد، كلاهما للعلامة عبد الرحمن بن عبد الله البعلي ﵀ ١١١٠ – ١١٩٢هـ، تحقيق محمد بن ناصر العجمي، ص ١٣٢.\n(٧) حاشية الروض المربع، لابن قاسم (٢/ ١٦٨.","vol":"1","page":45},{"text":"فلا زكاة على السيد في دين الكتابة، لعدم استقراره؛ ولنقصان الملك فيه (١)؛ فإن السيد إذا باع مملوكه بدراهم على نفسه وبقيت عند مملوكه المكاتب سنة فلا زكاة فيها؛ لأن العبد يملك تعجيز نفسه فيقول: لا أستطيع أن أوفي. وإذا كان لا يستطيع أن يؤدي ما عليه فإنه يسقط عنه المال الذي اشترى نفسه به، فيكون الدين حينئذ غير مستقر (٢).\nولا زكاة في الوقف على غير معين، كالوقوف على فقراء، أو على المساجد، أو المجاهدين، أو المدارس أو غير ذلك من وجوه البر (٣). أما الوقف على معين ففيه الزكاة، كعلى بني فلان (٤) (٥).\nوكذلك الحبوب والثمار إذا بدا صلاحها وجبت فيها الزكاة، ولكن لا يستقر الوجوب إلا بالتمكن منها، فما دامت على رؤوس الشجر أو على رؤوس الزرع فإنه لا يتمكن منها تمكنًا تامًّا حتى يحصد الزرع ويؤويه إلى الجرين، وحتى يجذ النخل، فلو أصابت الزرع أو النخل آفة قبل الحصاد والجذاذ وتلف المحصول من غير تفريط من صاحبه فإنه لا تجب عليه الزكاة؛ لأن ملكه لم يستقر عليه بعد (٦) والله تعالى أعلم (٧).\n_________\n(١) المقنع والشرح الكبير، ٦/ ٣١٤، ٣١٥، والإقناع لطالب الانتفاع، ١/ ٣٨٨.\n(٢) الشرح الممتع، ٦/ ٢١ – ٢٢.\n(٣) المقنع مع الشرح الكبير، ٦/ ٣١٤ – ٣١٥، والإقناع لطالب الانتفاع، ١/ ٣٨٨، ومنار السبيل ١/ ٢٣٨.\n(٤) الروض المربع، ١/ ١٣ – ١٤.\n(٥) وانظر: زيادة في الأمثلة الشرح الممتع، ٦/ ٢١.\n(٦) الشرح المختصر على متن زاد المستقنع، للفوزان، ٢/ ٢٤٠.\n(٧) ومثلوا للملك غير المستقر بحصة المضارب من الربح قبل القسمة، أما صاحب رأس المال ففي حصته الزكاة، ولكن قال العلامة السعدي ﵀ في كتابه المختارات الجلية في المسائل الفقهية ص ٧٥: «الصواب إيجاب الزكاة في حصة المضارب قبل القسمة إذا بلغت نصابًا؛ لدخوله في جميع عمومات النصوص ألفاظها ومعانيها ...».","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>الشرط الخامس: مضي الحول في غير المعشر</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (١)؛ ولحديث علي - ﵁ - وفيه: «وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول» (٢)؛ ولحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول عند ربه» (٣). والمعنى أنه لا زكاة في مال حتى يمر عليه اثنا عشر شهرًا من حين تملكه (٤). والحول يشترط لوجوب الزكاة في ثلاثة أموال: السائمة من بهيمة الأنعام، والأثمان: من الذهب والفضة، وقيم عروض التجارة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>ويستثنى أشياء لا يشترط لها تمام الحول، وهي على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الأول: المعشر</span>، وهو الأموال التي يجب فيها العشر أو نصفه، وهي الحبوب والثمار؛ لأن الخارج من الأرض تجب الزكاة فيه عند حصاده، ولو لم تمر عليه سنة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٦).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب من استفاد مالًا، برقم ١٧٩٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ١٤٦١ - ١٨١٩، ٢/ ٩٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٧١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٣٦، برقم ١٥٧٣.\n(٣) الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول، برقم ٦٣١، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٤٨، برقم ٦٣١.\n(٤) الشرح المختصر على متن زاد المستقنع، للفوزان، ٢/ ٢٤٠.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٤/ ٧٣.\n(٦) سورة الأنعام، الآية: ١٤١.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الثاني: نتاج السائمة </span>أي أولادها؛ لأن حول أولاد السائمة -من بهيمة الأنعام- حول أمهاتها، فتزكى مع أمهاتها إن كانت الأمهات بلغت نصابًا، وإن كانت الأمهات لم تبلغ نصابًا، فبداية الحول من كمال النصاب بالنتاج، ومثال ذلك رجل عنده أربعون شاة فولدت كل واحدة ثلاثة إلا واحدة ولدت أربعة فأصبحت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، مع أن النتاج لم يحل عليه الحول؛ ولكنه تبع الأصل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>الثالث: ربح التجارة حوله حول رأس المال</span>، فلو ملك نصابًا من النقود واتجر به وربح فإنه يزكي الجميع: رأس المال والربح حتى لو لم يربح هذا الربح، إلا في آخر السنة، فإنه يزكيه مع رأس المال.\nأما إذا كان رأس المال دون النصاب ثم ربح فإن بداية الحول من كمال النصاب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>الرابع: الركاز، وهو ما يوجد من دفن الجاهلية</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا وفيه: «... وفي الركاز الخمس» (٢)، فبمجرد وجوده ففيه الخمس؛ ولأن وجوده يشبه الثمار والحبوب الخارجة من الأرض، تجب الزكاة فيها من حين الحصول عليها عند الحصاد (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>الخامس: المعدن</span>، وهو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة: كالحديد، والياقوت، والزبرجد، والعقيق، والسُّبَح،\n_________\n(١) المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ٣٥٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب: في الركاز الخمس، برقم ١٤٩٩، ومسلم، كتاب الحدود، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، برقم ١٧١٠.\n(٣) المقنع مع الشرح الكبير، ٦/ ٣١٤ - ٣٢٠، و٣٥٢ - ٣٥٤، والمغني، ٤/ ٤٦، ٢٣١، والشرح المختصر للفوزان، ٢/ ٢٤١، والشرح الممتع، ٦/ ٢٢ - ٢٣.","vol":"1","page":48},{"text":"والكحل، والزاج- الكبريتات- والقار، والنفط، وغير ذلك مما يسمى معدنًا، فإذا وجد الإنسان معدنًا يبلغ نصابًا، فيجب أداء زكاته فورًا من حين العثور عليه، ولا يعتبر له الحول؛ لأنه كالزروع والثمار، والركاز، ولا تخرج زكاته إلا بعد سبكه وتصفيته، والمعدن أشبه بالثمار من غيرها، وزكاته ربع العشر (١) (٢). قال الإمام الخرقي ﵀: «وإذا أخرج من المعادن من الذهب عشرين مثقالًا أو من الورق مائتي درهم، أو قيمة ذلك من الزئبق، والرصاص، والصُّفر أو غير ذلك مما يستخرج من الأرض فعليه الزكاة من وقته» (٣). والله تعالى أعلم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>وينقطع الحول بأمور على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>الأول: إذا نقص النصاب أثناء الحول قبل تمامه </span>انقطع الحول ومثال ذلك: رجل عنده أربعون شاة وقبل تمام الحول نقصت واحدة فلا زكاة في الباقي؛ لقوله - ﷺ -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (٥)؛ ولأن وجود النصاب في جميع الحول شرط لوجوب الزكاة.\n_________\n(١) انظر: سنن أبي داود، برقم ٣٠٦١.\n(٢) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٢٣٨ - ٢٤٤، والمقنع والشرح الكبير ٦/ ٥٧٤ - ٥٨٤، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٢٣.\n(٣) مختصر الخرقي المطبوع مع المغني، ٤/ ٢٣٨.\n(٤) واختار شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ أن المعادن لا تزكى إلا بعد تمام الحول، سمعت ذلك منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٤٥، وأثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، الحديث، رقم ٢٠١٤، وهو قول إسحاق وابن المنذر كما ذكره ابن قدامة في المغنى، ٤/ ٢٤٣، ورده ابن قدامة ﵀.\n(٥) ابن ماجه، برقم ١٧٩٢، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الثاني: إذا باع النصاب بغير جنسه أثناء الحول لا فرارًا من الزكاة </span>انقطع الحول، إلا في عروض التجارة، ومثال ذلك: رجل يملك أربعين شاة سائمة وقبل تمام الحول باعها بدراهم لا فرارًا من الزكاة، وهذه الأغنام لا يقصد بها عروض التجارة، ففي هذه الحالة ينقطع الحول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الثالث: إذا أبدل النصاب بغير جنسه أثناء الحول لا فرارًا من الزكاة </span>انقطع الحول، مثال ذلك: رجل عنده أربعون من الغنم أبدلها ببقر، أو أبدلها بإبل، فإن الحول ينقطع، ويبدأ من أول الحول في البقر أو الإبل.\nولا شك أن هذا يدخل في بيع النصاب؛ لأن تعريف البيع ينطبق عليه؛ فإن البيع هو مبادلة مال ولو في الذمة بمثل أحدهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>أما إذا باعه أو أبدله بجنسه؛ فإن الحول لا ينقطع</span>، مثال ذلك: رجل باع ذهبًا بذهب، أو فضة بفضة أو غير ذلك من جنسه، أو أبدل أربعين شاة بأربعين شاة، فإن الحول لا ينقطع؛ لأنه أبدله بجنسه، أما إذا فعل شيئًا من ذلك فرارًا من الزكاة، فإن الحول لا ينقطع (١).\nقال الإمام الخرقي-رحمه الله تعالى-: «وإذا باع ماشية قبل الحول بمثلها زكَّاها إذا تم حول من وقت مِلكِهِ الأول» (٢).\nقال الإمام ابن قدامة﵀-: «وجملته أنه إذا باع نصابًا للزكاة مما يعتبر فيه الحول بجنسه: كالإبل بالإبل، أو البقر بالبقر، أو الغنم بالغنم، أو\n_________\n(١) انظر: المقنع مع الشرح الكبير، ٦/ ٣٦٠ - ٣٧٠، والكافي، ٢/ ٩٨، والروض المربع، ٢/ ١٧٨، والشرح الممتع، ٦/ ٤٣، ومنتهى الإرادات، ١/ ٤٤٤، وكتاب الفروع لابن مفلح، ٣/ ٤٧١، والإقناع لطالب الانتفاع، ١/ ٣٩٤، وانظر التفصيل في المغني، لابن قدامة، ٤/ ١٣٦.\n(٢) مختصر الخرقي المطبوع مع المغني، ٤/ ٣٥.","vol":"1","page":50},{"text":"الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، لم ينقطع الحول، وبنى حول الثاني على حول الأول، وبهذا قال مالك (١) ... ووافقنا أبو حنيفة في الأثمان (٢) ... قال أحمد بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يكون عنده غنم سائمة، فيبيعها بضعفها من الغنم: أعليه أن يزكيها كلها أم يعطي زكاة الأصل؟ قال: بل يزكيها كلها، على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي (٣)؛ لأن نماءها معها قلت: فإن كانت للتجارة، قال يزكيها كلها على حديث حماس (٤). فأما إن باع النصاب بدون النصاب انقطع الحول، وإن كان عنده مئتان فباعها بمائة فعليه زكاة مئة واحدة» (٥).\nقال الخرقي ﵀: «... وكذلك إن أبدل عشرين دينارًا بمائتي درهم أو مائتي درهم بعشرين دينارًا لم تبطل الزكاة بانتقالها (٦»)، قال ابن قدامة ﵀: «وجملة ذلك أنه متى أبدل نصابًا من غير جنسه انقطع حول الزكاة واستأنف\n_________\n(١) وقال الشافعي: لا يبني حول نصاب على حول غيره بحال؛ لقوله - ﷺ -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» تقدم تخريجه.\n(٢) ووافق الشافعي فيما سواها؛ لأن الزكاة إنما وجبت في الأثمان؛ لكونها ثمنًا، وهذا المعنى يشملها، بخلاف غيرها، قال ابن قدامة: «ولنا أنه نصاب يضم إليه نماؤه في الحول، فبُنِيَ حول بدله من جنسه على حوله، كالعروض، والحديث مخصوص بالنماء والربح، والعروض، فنقيس عليه محل النزاع، والجنسان لا يضم أحدهما إلى الآخر مع وجودهما، فأولى أن لا يبنى حول أحدهما على الآخر» [المغني ٤/ ١٣٥].\n(٣) خبر عمر - ﵁ -: «... تَعدُّ عليهم بالسخلة، يحملها الراعي ولا تأخذها ...» مالك في الموطأ، ١/ ٢٦٥، والبيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ١٠٠، وانظر: المغني، لابن قدامة، ٤/ ٤٦.\n(٤) يأتي حديث حماس إن شاء الله تعالى في أول زكاة عروض التجارة.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٣٦.\n(٦) مختصر الخرقي المطبوع مع المغني، ٤/ ١٣٦.","vol":"1","page":51},{"text":"حولًا (١) إلا الذهب بالفضة أو عروض التجارة؛ لكون الذهب والفضة كالمال الواحد، إذ هما أروش الجنايات، وقيم المتلفات، ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، وكذلك إذا اشترى عرضًا للتجارة بنصاب من الأثمان (٢)، أو باع عرضًا بنصاب لم ينقطع الحول؛ لأن الزكاة تجب في قيمة العروض لا في نفسها، والقيمة هي الأثمان (٣) فكانا جنسًا واحدًا، وإذا قلنا: إن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى صاحبه لم يُبْنَ حول أحدهما على حول الآخر؛ لأنهما مالان لا يضم أحدهما إلى الآخر؛ فلم يُبنَ حولُه على حولِه: كالجنسين من الماشية (٤)، وأما عروض التجارة؛ فإن حولها يُبنى على حول الأثمان بكل\n_________\n(١) استأنف حولًا جديدًا من أوله.\n(٢) الأثمان: الذهب والفضة.\n(٣) المغني، ٤/ ١٣٦.\n(٤) جاء عن الإمام أحمد روايتان: في الذهب والفضة: إحداهما: أن الذهب والفضة إذا بيع نصاب أحدهما بنصاب من الآخر لا ينقطع الحول، بل يبنى على حول الأول، واختاره الخرقي في مختصره، وصاحب الروض المربع، والرواية الأخرى: أن بيع النصاب من الذهب أو إبداله بنصاب من الفضة أو بالعكس يقطع الحول، ويستأنف حولًا جديدًا من أوله؛ لأنهما مالان لا يضم أحدهما إلى الآخر، وهما جنسان في باب الربا، فلم يضم أحدهما إلى الآخر؛ لأن الذهب غير الفضة بنص الحديث: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ... فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» [مسلم، برقم ١٥٨٧]، واختار هذه الرواية للإمام أحمد العلامة محمد بن صالح العثيمين في شرح زاد المستقنع، ٦/ ٤٤، وقال الإمام ابن رجب في القواعد في الفقه الإسلامي ص ٣١٤: «لو أبدل نصابًا من أموال الزكاة بنصاب من جنسه بنى على حول الأول على المذهب ولو أبدله بغير جنسه استأنف إلا في إبدال أحد النقدين بالآخر؛ فإن فيه روايتين، وخرَّج أبو الخطاب في انتصاره رواية بالبناء في الإبدال من غير الجنس مطلقًا» فظهر مما تقدم أن النصاب الزكوي إذا أُبدل بنصاب زكوي آخر أو بيع بنصاب آخر يكون على النحو الآتي:\n١ - إذا بيع النصاب أو أبدل بنصاب أو أكثر من جنسه بُني على حول النصاب الأول، فيزكي إذا تم حول الأول، وبهذا قال الإمام مالك، والإمام أحمد ووافقهما أبو حنيفة في الأثمان، أما عروض التجارة، فإن حولها لا ينقطع بحال.\n٢ - إذا بيع النصاب أو أبدل بنصاب أو أكثر من غير جنسه انقطع الحول واستأنف حولًا جديدًا إلا الذهب والفضة أو بالعكس في رواية للإمام أحمد اختارها في المقنع وزاد المستقنع؛ لأن الذهب والفضة كالمال الواحد. وفي رواية للإمام أحمد: لا يضم الذهب إلى الفضة؛ لأنهما جنسان في باب الربا، فعلى هذا ينقطع الحول، ويستأنف حولًا جديدًا. واختار هذه الرواية العلامة ابن عثيمين.\n٣ - أما الإمام الشافعي ﵀ فقال: لا يبنى حول نصاب على حول غيره بحال، ووافقه أبو حنيفة إلا في الأثمان، كما تقدم فإنه وافق الإمام مالك وأحمد.\n٤ - وفي رواية لأحمد أنه إذا باع نصابًا بنصاب بنى على حول الأول مطلقًا، سواء كان بجنسه أو بغير جنسه، واختار هذا العلامة السعدي ﵀. انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ١٣٥ - ١٣٦، والشرح الكبير، ٦/ ٣٦١، والقواعد، لابن رجب، ص ٣١٥.","vol":"1","page":52},{"text":"حال» (١)، والله تعالى أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>أما حول عروض التجارة فلا ينقطع الحول بالمبادلة أو البيع</span>، إذا اشترى عرضًا لتجارة بنقد أو باعه به بنى على حول الأول؛ لأن الزكاة تجب في قيم العروض، وهي من جنس النقد، وحتى الإبل والبقر والغنم إذا قصد بها التجارة: فإنه يزكيها زكاة العروض، ولا ينقطع الحول إذا كانت من عروض التجارة، سواء باعها بجنسها أو غير جنسها، إذا كانت من عروض التجارة (٣).\n_________\n(١) قال العلامة السعدي ﵀: «الصحيح قول من قال من الأصحاب: إن إبدال النصاب الزكوي بنصاب آخر زكوي لا يمنع الزكاة، ولا يقطعها، سواء كان من جنسه أو من جنس آخر، والتفريق بين ما كان من الجنس وغيره لا دليل عليه، وحقيقة الأمر: لا فرق بين الأمرين؛ ولأن القول بقطعه إذا أبدله من غير جنسه يوجب فتح أبواب الحيل لمنع الزكاة» المختارات الجلية من المسائل الفقهية للسعدي، ص ٧٦ - ٧٧.\n(٢) انظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ١/ ١٧٩، والشرح الممتع، ٦/ ٤٢ - ٤٤.\n(٣) الزكاة، للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، ص ١٩٥، وانظر: مجموع فتاوى ورسائل العلامة ابن عثيمين ﵀، ١٨/ ٥١.","vol":"1","page":53},{"text":"قال الإمام البغوي ﵀: «أما حول عروض التجارة فلا ينقطع بالمبادلة؛ لأن زكاة التجارة تجب في القيمة، والقيمة باقية في ملكه وقت المبادلة؛ لأن ملكه لا يزول عن أحدهما إلا ويملك الآخر» (١). وإذا حصل ربح في التجارة فحول الربح يبنى على حول الأصل، وكذا إذا ارتفع سعر التجارة فإن الزكاة تجب في جميع القيمة، وإن نقص سعر التجارة زكى القيمة الحاضرة (٢).\n_________\n(١) انظر: الزكاة، للإمام البغوي، ص ٢٧٦.\n(٢) انظر: مجموع الفتاوى للإمام ابن باز، جمع الشويعر، ١٢/ ٥٠، وجمع الطيار وأحمد الباز، ٥/ ٢٥، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٣٣ - ٣٩، والمختارات الجلية في المسائل الفقهية للعلامة السعدي ص ٧٦، والروض المربع تحقيق عبد الله الطيار، ٤/ ٢٢.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المبحث السادس: زكاة الدين </span>على النحو الآتي\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>١ - الصواب من أقوال أهل العلم أن الدين الذي ينقص النصاب لا يمنع الزكاة</span>، ومثاله: رجل يملك عشرة آلاف ريال حال عليها الحول، وعليه دينٌ يبلغ خمسة آلاف ريال، فعليه زكاة العشرة إلا أن يقضي الدين قبل أن يحول عليه الحول، فليس عليه زكاة إلا في الباقي بعد الدين، وكذلك لو كان عليه دين يستغرق النصاب أو يزيد عليه فعليه زكاة المال الذي يحول عليه الحول وهو عنده، ومثال ذلك: رجل عليه دين ثلاثون ألفًا وعنده خمسة وعشرون ألفًا دار عليها الحول، إنه يزكي\nكل ما دار عليه الحول، وإن كان صادقًا فليقضِ الدين قبل أن يحول الحول؛ لأن النبي - ﷺ - كان يأمر عماله بأخذ الزكاة ممن عليه زكاة، ولم يأمرهم أن يسألوهم:\nهل عليهم دين أم لا؟ ولو كان الدين يمنع الزكاة؛ لأمر النبي - ﷺ - عماله أن يستفسروا من أهل الزكاة: هل عليهم دين؟ (١)، وهو قول ربيعة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي في جديد قوليه؛ لأن المالك حر مسلم، ملك نصابًا حولًا فوجبت عليه الزكاة كمن لا دين عليه (٢).\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٦/ ٢٦٣، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٣٣٨.\n(٢) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في زكاة من ملك نصابًا حال عليه الحول وعليه دين ينقص النصاب أو يستغرقه على أقوال:\nالقول الأول: إن الدين يمنع الزكاة مطلقًا، سواء كانت الأموال باطنة: من الذهب أو الفضة، أو عروض التجارة أو كانت ظاهرة كالسائمة من الإبل، والبقر والغنم، والحبوب والثمار. وهي رواية واحدة عن الإمام أحمد في الأموال الباطنة، أما الأموال الظاهرة فهي إحدى الروايتين عنه.\nالقول الثاني: وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد: إن الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة [المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٦، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ٣٣٨ - ٣٤٢].\nالقول الثالث: إن الدين لا يمنع الزكاة مطلقًا: لا في الأموال الظاهرة ولا الباطنة، بل تجب ولو كان على الإنسان دين يستغرق النصاب أو ينقصه إذا حال عليه الحول، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن وحماد بن أبي سليمان، والشافعي في الجديد، قال شيخنا الإمام ابن باز: «وهو الصواب ... عملًا بعموم الأدلة، وعدم المخصص الذي يحسن الاعتماد عليه والله أعلم» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٣٠ - ٣١، وانظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٥، والشرح الكبير، ٦/ ٣٤٠].\nقال المرداوي في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٦/ ٣٣٨ - ٣٤٠: «ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب هذا هو المذهب إلا ما استثني وعليه أكثر الأصحاب، وعنه لا يمنع الدين الزكاة مطلقًا، وعنه يمنع الدين الحال خاصة. جزم به في «الإرشاد» وغيره. وقال المرداوي: «إذا لم يمنع دين الآدمي الزكاة فدين الله من الكفارات والنذور ودين الحج ونحوه لا يمنع بطريق أولى. [الإنصاف (٣/ ٣٤٨].\nواستدل أصحاب القول الأول الذين قالوا: إن الدين يمنع الزكاة بما ثبت عن عثمان - ﵁ - أنه كان يقول: «هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة» [رواه مالك في الموطأ، ١/ ٢٥٣، وابن أبي شيبة، ٤/ ٤٨، والبيهقي، ٤/ ١٤٨، وصححه الألباني في الإرواء، ٣/ ٢٦٠]، ولكن هذا يؤكد أن الدين إذا كان حالًا قبل وجوب الزكاة؛ فإنه يُقضى لسبق حق الدائن فهو أحق بالتقديم على الزكاة؛ لأن الزكاة لا تجب إلا إذا تم الحول، فإذا قضى الدين قبل مضي الحول فلا زكاة عليه إلا فيما بقي إذا بلغ نصابًا [الشرح الممتع، ٦/ ٣٦].\nواستدل أصحاب القول الثاني الذين قالوا: إن الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة، ويمنعها في الباطنة بعمومات النصوص، وأن النبي - ﷺ - كان يبعث العمال الذين يقبضون الزكاة من أصحاب المواشي وأصحاب الثمار، ولا يأمرهم بالاستفصال: هل عليهم دين أم لا؟\nواستدل أصحاب القول الثالث بما استدل به أصحاب القول الثاني، وبقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وبعمومات الأدلة، وهذا عام في إيجاب الزكاة عند بلوغ النصاب، ولو كان هناك دين على المالك.\nانظر الأدلة على هذه الأقوال: الشرح الممتع، ٦/ ٣٣ - ٣٩، والروض المربع بتحقيق عبد الله الطيار، والغصن، والمشيقح، ٤/ ٢٢، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٤٩ - ٥٢، جمع الشويعر، وجمع الطيار، وأحمد الباز، ٥/ ٣٠، والمغني، ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٩.","vol":"1","page":55},{"text":"والله تعالى أعلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٢ - زكاة الدين على نوعين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>النوع الأول: دينٌ على مليء مُعترفٍ به باذلٍ له</span>، فعلى صاحبه زكاته كل سنة، كلما حال عليه الحول، كأنه عنده وهو عند المدين كالأمانات، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يختار هذا القول (٢)، وهو قول عثمان، وابن عمر، وجابر - ﵃ -، وطاوس، والنخعي، وجابر بن زيد، والحسن، وميمون ابن مهران، والزهري، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، قالوا: عليه إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه، فلزمه إخراج زكاته كالوديعة (٣)، وهذا هو الراجح\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، جمع عبد الله الطيار، وأحمد الباز، ٥/ ٢٧، وجمع الشويعر، ١٤/ ٥٣.\n(٢) وانظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ٣٢١.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في زكاة الدين على المليء الباذل على أقوال:\nالقول الأول: إن الدين على المليء الباذل لا زكاة عليه حتى يقبضه، فيزكيه لما مضى من الأعوام، فلا تلزمه زكاته حتى يقبضه ثم يؤدي لما مضى؛ لأنه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، روي ذلك عن علي - ﵁ -، وبه قال الثوري، وأصحاب الرأي، وهو مذهب الحنابلة، ورجحه العلامة ابن عثيمين ﵀، قال: «وإن شاء أدى زكاته مع ماله كل سنة، وهذا فضيلة وأسرع في إبراء الذمة، والأول رخصة».\nالقول الثاني: إن على صاحبه إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه، فلزمه إخراج زكاته: كالوديعة، وهو قول عثمان، وابن عمر وجابر - ﵃ -، وطاوس، والنخعي، وجابر بن زيد، والحسن، وميمون بن مهران، والزهري، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، ورجح هذا القول شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀.\nالقول الثالث: إن الدين على مليء ليس فيه زكاة، روي عن عائشة، وابن عمر - ﵃ - وهو قول مجاهد؛ لأنه غير تام فلم تجب زكاته: كعروض القنية.\nالقول الرابع: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة، روي هذا القول عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخرساني، وأبي الزناد.\nقال المرداوي في الإنصاف: «قوله: ومن كان له دين على مليء زكاه إذا قبضه، هذا المذهب وعليه الأصحاب، وعنه لا تجب فيه الزكاة فلا يزكيه إذا قبضه، وعنه يزكيه إذا قبضه أو قبل قبضه، وعنه يلزمه في الحال». والراجح هو القول الثاني إن شاءالله تعالى وهو أن الدين على المليء الباذل يُزَكَّى كل سنة كالمال الذي باليد.\nانظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ٣٢١ - ٣٢٢.","vol":"1","page":57},{"text":"إن شاءالله تعالى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>النوع الثاني: أن يكون الدين على معسر، أو جاحد، أو مماطل</span>، فالصحيح من أقوال العلماء أنه لا يلزم صاحب الدين أداء الزكاة عنه حتى يقبضه من هذا المعسر أو المماطل، فإذا قبضه استقبل به حولًا جديدًا، فإذا حال الحول زكاه، ولا تلزمه زكاته إذا قبضه إلا بعد حول كامل على الصحيح، ولو زكاه بعد قبضه عن سنة واحدة كان أحسن وفيه احتياط، لكن لا يلزمه ذلك، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى يختار هذا القول (٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) مجموع فتاوى الإمام ابن باز، جمع الطيار وأحمد الباز، ٥/ ٢٧، ٢٩، وجمع الشويعر، ١٤/ ٥٣.\n(٢) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في زكاة الدين الذي على المعسر، أو الجاحد، أو المماطل، أو المغصوب، أو الضائع على أقوال:\nالقول الأول: لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه غير مقدور على الانتفاع به أشبه مال المكاتب، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول قتادة وإسحاق، وأبي ثور، وأهل العراق، وأحد القولين للشافعي. قال الإمام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية، ص ١٤٦: «لا تجب الزكاة في دين مؤجل أو على معسر، أو مماطل، أو جاحد، ومغصوب ومسروق، وضال، وما دفنه ونسيه، أو جهل عند من هو؟».\nوقال العلامة السعدي ﵀: «الصحيح أن الدين إذا كان على معسر لا وفاء له، أو على مماطل لا يقدر على الاستيفاء منه، أو كان المال مسروقًا، أو ضالًاّ، أو نحوه مما لا يقدر عليه صاحبه ولا ينتفع به لا زكاة فيه إذا قبضه حتى يحول عليه الحول بعد قبضه؛ لأن الله بحكمته شرع الزكاة في الأموال النامية المقدور عليها، وهذه الأموال المذكورة لا يقدر عليها أصحابها ولا هي معدة للنماء» [المختارات الجلية من المسائل الفقهية، ص ٧٥].\nالقول الثاني: يزكيه إذا قبضه لما مضى؛ لأنه مملوك يجوز التصرف فيه فوجبت زكاته لما مضى كالدين على المليء، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول للشافعي؛ لما روي عن علي - ﵁ - في الدين المظنون، قال: «إن كان صادقًا فليزكيه إذا قبضه لما مضى» وروي نحوه عن ابن عباس ﵄ [رواهما أبو عبيد في الأموال: ٤٣١، ٤٣٢]. وهو قول الثوري، وأبي عبيد، وصحح الألباني ﵀ قول علي - ﵁ - في الدين الظنون، في الإرواء، ٣/ ٢٥٢. [قال ابن الأثير ﵀ في النهاية، ٣/ ١٦٤: «لا زكاة في الدين الظنون»، قال: «هو الذي لا يدري صاحبه أيصل إليه أم لا؟»].\nالقول الثالث: يزكيه إذا قبضه لعام واحد، جاء ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، والليث، والأوزاعي، ومالك؛ لأنه كان في ابتداء الحول بيده ثم حصل بعد ذلك في يده فوجب أن لا تسقط الزكاة عن حول واحد. ورجح هذا القول العلامة محمد بن صالح العثيمين فقال: «والراجح أنه يزكيه حين القبض لسنة واحدة فقط ولو بقي عدة سنوات، ومثل ذلك المال المدفون المنسي فلو أن شخصًا دفن ماله خوفًا من السرقة ثم نسيه فيزكيه سنة عثوره عليه فقط» [الشرح الممتع، ٦/ ٣٢].\nانظر: جميع هذه الأقوال في المغني، لابن قدامة، ٤/ ٢٧٠، والشرح الكبير في المقنع والإنصاف، ٦/ ٣٢٥، والشرح الممتع، ٤/ ٢٩ - ٣١.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>٣ - حكم إسقاط الدين من الزكاة:</span>\nلا يجوز إسقاط الدين من الزكاة؛ لأن الواجب إنظار المعسر، حتى يسهل الله له القضاء؛ ولأن الزكاة إيتاء وإعطاء، وبذل للمال لمستحقه وليست إبراء من الديون، وإسقاط الدين عن المعسر ليس إيتاء ولا إعطاء، وإنما هو إبراء؛ ولأنه يقصد من ذلك وقاية المال لا مواساة الفقراء (١).\n_________\n(١) مجموع فتاوى الإمام ابن باز، جمع الطيار وأحمد الباز، ٥/ ٢٥ - ٢٦.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>المبحث السابع: مسائل مهمة في الزكاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المسألة الأولى: تجب الزكاة في عين المال </span>(١) ولها تعلق بالذمة: كالذهب، والفضة، والإبل، والبقر، والغنم السائمة، والحبوب، والثمار بخلاف عروض التجارة تجب في ذمة المزكي، والدليل على وجوبها في عين المال؛ قول النبي - ﷺ -: «... وفي الغنم في كل أربعين شاة ...» (٢)، وقوله - ﷺ - في زكاة الحبوب والثمار: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وما سُقي بالنضح نصف العشر» (٣)، وقوله - ﷺ - في زكاة الإبل: «... فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى ...» (٤)، وقوله - ﷺ - في زكاة البقر: «... وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة» (٥)، وقوله - ﷺ - في زكاة الذهب والفضة: «... فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار ...» (٦).\n_________\n(١) تجب الزكاة في عين المال الذي لو دفع زكاته منه أجزأت احترازًا مما دون خمس وعشرين من الإبل فإنها لا تجب في عينها. [حاشية ابن قاسم، ٣/ ١٨١].\n(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٦٨، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب صدقة الغنم، برقم ١٨٠٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٢.\n(٣) البخاري، كتاب الزكاة، باب العشر فيما يُسقى من ماء السماء والماء الجاري، برقم ١٤٨٣.\n(٤) البخاري، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، برقم ١٤٥٤.\n(٥) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٧٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٤.\n(٦) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٦.","vol":"1","page":60},{"text":"وهذا معنى كون الزكاة تجب في عين المال: أي يجب إخراج الزكاة من نفس المال؛ لكن لها تعلق بالذمة: يعني لو تلف المال بعد وجوب الزكاة فيه وهذا المال مستقر في ملكه فإن تلفه لا يسقط عنه الزكاة؛ لأنها صارت دينًا في ذمته؛ لأنه عندما تم الحول كان عليه أن يبادر بإخراجها ولكنه تأخر.\nأما عروض التجارة فتجب زكاتها في الذمة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>المسألة الثانية: لا يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء</span>؛ لقول النبي\n_________\n(١) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في وجوب الزكاة هل هي تجب في المال أو في الذمة على النحو الآتي:\n١ - تجب الزكاة في عين المال، وهو رواية عن الإمام أحمد، وأحد قولي الشافعي، وقول الإمام مالك وأبي حنيفة.\n٢ - وقيل: تجب في الذمة، وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد والقول الثاني للشافعي.\n٣ - وقيل: تجب في عين المال ولها تعلق بالذمة، فجمع هذا القول بين القولين السابقين، قال في زاد المستقنع: «وتجب الزكاة في عين المال ولها تعلق بالذمة» قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «فالقول الذي مشى عليه المؤلف قول جامع بين القولين وهو أنها تجب في عين المال ولها تعلق بالذمة، فالإنسان في ذمته مطالب بها وهي واجبة في المال، ولولا المال لم تجب الزكاة فهي واجبة في عين المال، إلا أن يستثنى من ذلك مسألة واحدة وهي العروض، فإن الزكاة لا تجب في عينها ولكن تجب في قيمتها ...» [الشرح الممتع، ٦/ ٤٦].\n٤ - وقيل: تجب في الذمة وتتعلق بالنصاب، قال ابن رجب في القواعد الفقهية، ص ٣٧٠: «وقع ذلك في كلام القاضي وأبي الخطاب وغيرهما وهي طريقة الشيخ تقي الدين». قال الإمام ابن رجب ﵀ في القواعد الفقهية، ص ٣٧٠ - ٣٧٤: «وللاختلاف في محل التعلق هل هو العين، أو الذمة؟ فوائد كثيرة» ثم ذكر رحمه الله تعالى سبع فوائد. وانظر: شرح هذه الفوائد في القواعد لابن رجب، ص ٣٧٠ - ٣٧٤، والمغني، لابن قدامة، ٤/ ١٤٠ - ١٤٢، وفي الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٦/ ٣٧٢ - ٣٧٥، وحاشية ابن قاسم على الروض، ٣/ ١٨٢. وانظر: مسألة هل تجب الزكاة في عين المال أو في الذمة؟ المغني، ٤/ ١٤٠، والمقنع مع الشرح الكبير، والإنصاف، ٦/ ٣٧١، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ١٨٢، والشرح الممتع، لابن عثيمين، ٦/ ٤٥، والشرح المختصر على زاد المستقنع، ٢/ ٢٤٩، للفوزان، والسلسبيل في معرفة الدليل للبليهي، ٢/ ٣٥٢، والروض المربع تحقيق وتعليق الطيار، والغصن، والمشيقح، ٤/ ٢٩.","vol":"1","page":61},{"text":"- ﷺ -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (١). فمفهوم الحديث وجوب الزكاة عند تمام الحول؛ ولأن هذه عبادة فلا يشترط لوجوبها إمكان الأداء، كسائر العبادات؛ فالصوم يجب على الحائض، والمريض العاجز عن أدائه، والصلاة تجب على المغمى عليه، والنائم، والحج يجب على من أيسر في وقت لا يتمكن من الحج فيه، أو منعه من المضي مانع (٢)، فتجب الزكاة في المال الغائب وفي الدين، فكون المالك ليس متمكنًا من إخراج الزكاة؛ لغيبة ماله أو كونه دينًا لا يسوغ ذلك إسقاط الزكاة عنه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المسألة الثالثة: لا يعتبر في وجوب الزكاة بقاء المال</span>، فالزكاة لا تسقط بتلف المال على الصحيح إذا تعدَّى أو فرط، أما إذا لم يتعدَّ ولم يفرط فإنها تسقط بتلف المال على الصحيح، ومعنى التفريط: أن يتمكن من إخراجها فلا يخرجها، وإن لم يتمكن من إخراجها فليس بمفرط، سواء كان ذلك لعدم المستحق؛ أو لبعد المال عنه؛ أو لكون الفرض لا يوجد في المال، ويحتاج إلى شرائه فلم يجد ما يشتري به، أو كان في طلب الشراء، أو نحو ذلك (٤)، والله\n_________\n(١) أبو داود، برقم ١٥٧١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، وتقدم تخريجه.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٣، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٣٧٦، والروض المربع، ٣/ ١٨٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٤٧، والسلسبيل في معرفة الدليل للبليهي، ١/ ٢٥٣.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى هل يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء أو لا يعتبر على قولين:\nالقول الأول: أن الزكاة تجب بحلول الحول سواء تمكن من الأداء أو لم يتمكن وبهذا قال الإمام أحمد، وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه.\nالقول الثاني: لا تجب الزكاة إلا إذا تمكن من الأداء، وهذا قول مالك، وأحد قولي الشافعي، والأرجح القول الأول والله تعالى أعلم. المغني، لابن قدامة، ٤/ ١٤٣، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٣٧٦ - ٣٧٧، والكافي لابن قدامة، ٢/ ٩٤.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ١٤٤، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٣٧٧، والسلسبيل في معرفة الدليل، ١/ ٢٥٤، والشرح الممتع، ٦/ ٤٧، والروض المربع، ٣/ ١٨٣.","vol":"1","page":62},{"text":"تعالى أعلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>المسألة الرابعة: الزكاة كالدين في التركة</span>، فلا تسقط بموت صاحب المال، وتخرج من ماله وإن لم يوصِ بها؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت\n_________\n(١) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى هل تسقط الزكاة بتلف المال أو لا تسقط على النحو الآتي:\nالقول الأول: إن الزكاة لا تسقط بتلف المال فرط المالك أو لم يفرط، وهو المشهور عن الإمام أحمد واختاره الخرقي في مختصره، فتكون الزكاة على هذا القول كدين الآدمي لا يسقط بتلف المال، إلا إذا تلف زرع أو ثمر بجائحة قبل الحصاد أو الجذاذ، وكذا بعدهما قبل الوضع في الجرين ونحوه لعدم استقرارها قبل ذلك.\nالقول الثاني: تسقط الزكاة بتلف المال إذا لم يفرط، وهذا قول في مذهب الإمام أحمد. قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «الصحيح في هذه المسألة أنه إن تعدى أو فرط ضمن وإن لم يتعدَّ ولم يفرط فلا ضمان؛ لأن الزكاة بعد وجوبها أمانة عنده، والأمين إذا لم يتعدَّ ولم يفرط فلا ضمان عليه» [الشرح الممتع ٦/ ٤٧].\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «والصحيح إن شاءالله أن الزكاة تسقط بتلف المال إذا لم يفرط في الأداء» [المغني لابن قدامة ٤/ ١٤٥].\nالقول الثالث: وحكى الميموني عن أحمد أنه إذا تلف النصاب قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة عنه، وإن تلف بعده لم تسقط، وحكاه ابن المنذر مذهبًا للإمام أحمد، وهو قول الشافعي، والحسن بن صالح، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وبه قال مالك إلا في الماشية، فإنه قال: لا شيء فيها حتى يجيء المصدق، فإن هلكت قبل مجيئه فلا شيء عليه.\nالقول الرابع: وقال أبو حنيفة: تسقط الزكاة بتلف النصاب على كل حال، إلا أن يكون الإمام قد طالبه بها فمنعها.\nوالراجح إن شاء الله تعالى القول الثاني، وأنها تسقط بتلف المال إذا لم يفرط أو يتعدَّ، وهو الذي رجحه ابن قدامة كما تقدم، وصححه العلامة ابن عثيمين.\nقال الإمام ابن قدامة: «وإن قلنا بوجوبها بعد تلف المال فأمكن المالك أداؤها أدَّاها، وإلا أنظر بها إلى ميسرته وتمكنه من أدائها من غير مضرة عليه [المغني، ٤/ ١٤٥]. وانظر المغني، ٤/ ١٤٤، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٣٧٧، والروض المربع، ٣/ ١٨٢، والشرح الممتع، ٦/ ٤٧، والكافي، ٢/ ٩٥.","vol":"1","page":63},{"text":"قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنتِ قاضيته؟» قالت: نعم. قال: «اقضوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء» (١). وفي لفظ: «فاقضوا الله الذي له؛ فإن الله أحق بالوفاء» (٢). وفي رواية: أن رجلًا قال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال: «فاقضوا الله فهو أحق بالقضاء» (٣).\nوإذا وجبت الزكاة على الميت وعليه دين بَرَهْنٍ وضاق المال قُدِّم الدين برهن، فإن كان عليه دين بدون رهن وضاق المال قسم المال بالحصص بين دين الله ودين الآدمي على القول الراجح (٤)، والله - ﷾ - أعلم (٥).\n_________\n(١) البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذر عن الميت، برقم ١٨٥٢.\n(٢) البخاري، كتاب الاعتصام، باب من شبَّه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين الله حكمها؛ ليفهم السائل برقم ٧٣١٥.\n(٣) البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر، برقم ٦٦٩٩.\n(٤) اختلف العلماء ﵏ فيمن مات وعليه زكاة على أقوال:\nالقول الأول: إن الزكاة تؤخذ من تركته ولا تسقط بموته، وهو قول عطاء، والحسن، والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وهذا هو الراجح إن شاءالله تعالى.\nوالقول الثاني: تؤخذ من الثلث مقدمًا على الوصايا ولا يجاوز الثلث، قاله الأوزاعي والليث.\nوالقول الثالث: لا تخرج الزكاة إلا أن يوصي بها الميت، فتكون كسائر الوصايا تعتبرمن الثلث ويزاحم بها أصحاب الوصايا؛ لأنها عبادة من شرطها النية، قال بهذا القول: ابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والبستي، والثوري، وأصحاب الرأي. والقول الراجح الأول.\nانظر المغني، ٤/ ١٤٥، والمقنع مع الشرح الكبير، ٦/ ٣٨٤، والروض المربع، ٣/ ١٨٤، والسلسبيل، ١/ ٢٥٤.\n(٥) واختلف العلماء ﵏ الذين قالوا: إن الزكاة لا تسقط عن الميت في مسألة اجتماع الدين والزكاة أيهما يقدم إذا ضاق المال.\nفقيل: يقدم دين الآدمي، لأنه مبني على المشاحة؛ ولأن الآدمي محتاج إلى ماله في الدنيا أما الله تعالى فهو غني عنه.\nوقيل: يقدم حق الله؛ لأنه أحق بالقضاء والوفاء كما في الحديث.\nوقيل: يتحاصان؛ فإن كان عليه دين مائة (١٠٠ وزكاة (١٠٠ وتركته (١٠٠ فدين الآدمي (٥٠، والزكاة (٥٠ وهذا هو الراجح. [الشرح الممتع، ٦/ ٤٩ - ٥٠، والمغني ٤/ ١٤٦].","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المسألة الخامسة: تجب الزكاة على الفور</span>، فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه والتمكن منه؛ لأن الأمر بالزكاة يقتضي الفور؛ ولذلك يستحق المؤخِّرُ للامتثال العقابَ، ولو أن رجلًا أمر مملوكه أن يسقيه فتأخر ولم يستجب على الفور استحق العقوبة، ولله المثل الأعلى؛ ولأن التأخير ينافي الوجوب؛ لكون الواجب ما يستحق العقاب صاحبه على تركه؛ ولأن الزكاة وجبت لحاجة الفقراء ونحوهم وهي ناجزة فيجب أن يكون الوجوب ناجزًا، فإن أخرها ليدفعها إلى من هو أحقُّ بها من ذوي القرابة، أو ذوي الحاجة الشديدة جاز إذا كان وقتًا يسيرًا وإن كان كثيرًا لم يجز، لكن لو عجلها إليهم قبل نهاية الحول جاز، فإن أخرج الزكاة فلم يدفعها إلى الفقير حتى ضاعت لم تسقط عنه الزكاة؛ لأن الزكاة حق متعين على رب المال تلف قبل وصوله إلى مستحقه فلم يبرأ منه بذلك كدين الآدمي (١) (٢).\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٤٧ – ١٤٨، والمقنع مع الشرح الكبير، ٦/ ٣٨٧.\n(٢) واختلف العلماء إذا أخر الزكاة فلم يدفعها للفقير حتى ضاعت. فعند الإمام أحمد لا تسقط وهو الراجح إن شاءالله تعالى. وذهب الشافعي إلى أنه إن لم يكن فرط في إخراج الزكاة وفي حفظ ذلك المخرج رجع إلى ماله، فإن كان فيما بقي زكاة أخر وإلا فلا، وقال أصحاب الرأي: يزكي ما بقي إلا أن ينقص عن النصاب فتسقط الزكاة فرط أو لم يفرط. ورأى الإمام مالك أنها تجزئه إن أخرجها في محلها، وإن أخرجها بعد ذلك ضمنها، وقال مالك: يزكي ما بقي بقسطه [المغني لابن قدامة ٤/ ١٤٨].","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>المسألة السادسة: شروط صحة الزكاة: </span>النية والمتابعة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>١ - النية: </span>لا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية، والنية نيتان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>أ - نية المعمول له وهو الله تعالى</span>، وهي نية الإخلاص لله تعالى، بحيث يقصد بذلك وجه الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١).\nوقال النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>ب - نية العمل وهي تمييز العبادات بعضها عن بعض</span>، ومن العبادات العظيمة أداء الزكاة، فتجب النية في أداء الزكاة؛ للحديث السابق؛ لأن الزكاة عمل؛ ولأنها عبادة تتنوع إلى فرض ونفل فافتقرت إلى النية، كالصلاة، والنية في أداء الزكاة: أن يعتقد أنها زكاته أو زكاة من يخرج عنه: كالصبي والمجنون، ومحلها القلب؛ لأن محل العبادات كلها القلب (٣).\nقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «النية في إخراج الزكاة على أربعة أقسام:\nالأول: أن تكون شرطًا من المالك فقط، وذلك فيما إذا فرقها مالكها المكلف بنفسه.\nالثاني: أن تكون شرطًا من غيره فقط وذلك فيما إذا كان المالك غير مكلف، فينوي إخراجها وليه في ماله.\n_________\n(١) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ - برقم ١، ومسلم، كتاب الجهاد، باب قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» برقم ١٩٠٧.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٤/ ٨٩.","vol":"1","page":66},{"text":"الثالث: أن تكون شرطًا من المالك ومن غيره، وذلك فيما إذا وَكَّل في إخراجها وبعد الزمن فتشترط من الوكيل أيضًا عند دفعها للفقير.\nالرابع: أن لا تشترط النية أصلًا وذلك في ثلاث صور.\nالأولى: إذا تعذَّر الوصول إلى المالك بحبس أو غيره فأخذها الإمام أو الساعي، وتجزئ ظاهرًا وباطنًا.\nالثانية: إذا امتنع المالك من أدائها فأخذها الإمام أو الساعي قهرًا، فتجزئ ظاهرًا لا باطنًا.\nالثالثة: إذا غيّب ماله فأخذها الإمام أو الساعي بعد العثور عليه، وتجزئ ظاهرًا لا باطنًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٢ - المتابعة للنبي - ﷺ </span>-؛ لأن العبادات توقيفية؛ لقول النبي - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢). وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣) (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>المسألة السابعة: وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون</span>، فلا يشترط البلوغ والعقل في وجوب الزكاة على الصحيح، فإذا تمت الشروط لوجوب الزكاة: من الإسلام، والحرية، وملك نصاب، واستقراره، ومضي الحول وجبت الزكاة في المال، ومنه مال الصبي والمجنون؛ لأن البلوغ\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ٥٣ - ٥٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، برقم ٢٦٩٧. ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم ١٧١٨.\n(٣) مسلم، برقم ١٧١٨.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٤/ ٨٨.","vol":"1","page":67},{"text":"والعقل ليسا من شروط وجوب الزكاة، فلا يشترط البلوغ ولا العقل؛ لعموم الأدلة في وجوب الزكاة كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١)؛ وقول النبي - ﷺ -: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ...» (٢).\nوقد جاءت الروايات عن خمسة من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم كانوا يزكون مال اليتيم، وهم: عمر بن الخطاب - ﵁ - (٣)، وعلي بن أبي طالب - ﵁ - (٤)، وعبد الله بن عمر ﵄ (٥)، وجابر - ﵁ - (٦)، وعائشة ﵂ (٧).\nوالصواب إن شاء الله تعالى وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون يخرجها الوكيل، وينوي بها الزكاة عنهم من أموالهم (٨).\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٩٥، ومسلم، برقم ١٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه مالك، ١/ ٢٤٥، والدارقطني، ٢/ ١١١، وعبد الرزاق، برقم ٦٩٨٩، وقال البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ١٠٧: «إسناده صحيح».\n(٤) أخرجه عبد الرزاق، برقم ٦٩٨٦، وابن أبي شيبة، ٣/ ١٤٩.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق، برقم، ٦٩٩٢، وابن أبي شيبة، ٣/ ١٤٩.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق، برقم ٦٩٨١، وابن أبي شيبة، ٣/ ١٤٩.\n(٧) أخرجه عبد الرزاق، برقم، ٦٩٨٣، وابن أبي شيبة، ٣/ ١٤٩.\n(٨) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون على أقوال:\nالقول الأول: تجب، وبه قال الإمام أحمد، والإمام مالك والشافعي، وهو الراجح كما تقدم.\nالقول الثاني: وقيل: تجب الزكاة؛ لكنها لا تخرج حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون، فيُحصى ما يجب على اليتيم من الزكاة، فإذا بلغ أُعلم فإن شاء زكى وإن شاء لم يزكِ، وبهذا قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -، والثوري، والأوزاعي.\nالقول الثالث: لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، وبه قال الحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وأبو وائل، والنخعي، وأبو حنيفة، وقال أبو حنيفة: يجب العشر في زروعهما وثمرتهما، وتجب صدقة الفطر عليهما، والصواب القول الأول.\nانظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٦٩، والإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٦/ ٢٩٨، والشرح الممتع، ٦/ ٢٥ – ٢٨، والروض المربع، ٣/ ١٦٧، ومنار السبيل، ١/ ٢٤٠.","vol":"1","page":68},{"text":"وأما صدقة التطوع فلا يجوز التصدق من مال اليتيم والمجنون؛ لأن الصدقة محض تبرع لا تنشغل الذمة بتركها، أما الزكاة فهي فريضة تنشغل الذمة بتركها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>المسألة الثامنة: المال المستفاد - بغير ربح التجارة أو نتاج السائمة - لا يضم إلى ما عند المالك من المال</span>، وإنما يكون له حولًا جديدًا يبدأ من وقت ما ملكه، مثال ذلك: المال الحاصل بالإرث، والهبة، والهدية، وصداق المرأة، ونحو ذلك، وإذا كان عنده مال لم يبلغ نصابًا فاستفاد مالًا جديدًا من جنسه كمل به النصاب؛ فإن الحول يبدأ من وقت اكتمال النصاب، ومن ذلك إذا مات المالك في أثناء الحول وانتقل المال إلى الورثة، فإن الوارث لا يبني على حول المالك الذي مات بل يستأنف حولًا جديدًا يبدأ به من حين انتقل إليه الملك (٢)؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من استفاد مالًا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المسألة التاسعة: جواز تقديم الزكاة إذا وُجد سبب وجوبها </span>وهو النصاب الكامل؛ لحديث علي - ﵁ -: أن العباس سأل النبي - ﷺ - في تعجيل صدقته\n_________\n(١) الشرح الممتع، ٦/ ٢٨.\n(٢) المقنع والشرح الكبير، ٦/ ٣٥٣.\n(٣) الترمذي، برقم ٦٣١، ٦٣٢، وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٤٨، ٦٣١. وتقدم تخريجه في الشرط الخامس من شروط البيع.","vol":"1","page":69},{"text":"قبل أن تحلَّ، فرخص له في ذلك، فأذن له في ذلك (١). ولفظ أبي عبيد في الأموال عن علي - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - تعجَّل من العباس صدقته سنتين» (٢). فجاز؛ لأنه تعجيل لمالٍ وجد سبب وجوبه قبل وجوبه، كتعجيل قضاء الدين قبل حلول أجله، وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح قبل الزهوق، ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب (٣)، وإن تلف النصاب الذي عجل زكاته وقعت الزكاة نفلًا (٤)، فإن حال الحول، وقد زاد النصاب نصابًا آخر بالتوالد لزمه زكاة النصاب الثاني، وإن كان قدم الزكاة سنتين فحال الحول الثاني وقد زاد المال نصابًا أو أكثر، وحال على هذه الزيادة حول فإن عليه زكاة المال الزائد، الذي حال عليه الحول على حسب الأدلة في ذلك (٥) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>المسألة العاشرة: كل شيء ليس لعروض التجارة لا زكاة فيه: </span>كالعمارات المعدة للسكن، والعقارات التي ليست للبيع، والسيارات الخاصة، والمكائن، وكل ما يستعمله الإنسان ولا ينوي به التجارة، كحاجاته الأصلية: كالثياب وغيرها، ما عدا الذهب والفضة؛ لحديث\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في تعجيل الزكاة، برقم ١٦٢٤، والترمذي كتاب الزكاة، باب ما جاء في تعجيل الزكاة، برقم ٦٧٨، ورقم ٦٧٩، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب تعجيل الزكاة، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٥٠.\n(٢) أبو عبيد في الأموال برقم، ١٨٨٥، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٣١٦، برقم ٨٥٧.\n(٣) منار السبيل في معرفة الدليل، ١/ ٢٥٦، والمغني لابن قدامة، ٤/ ٧٩.\n(٤) منار السبيل، ١/ ٢٦٥.\n(٥) انظر التفصيل في ذلك، المغني، ٤/ ٧٩ - ٨٨.\n(٦) قال الإمام الترمذي ﵀: «وقد اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل محلها، فرأى طائفة من أهل العلم أن لا يعجلها، وبه يقول سفيان الثوري، قال: «أحب إليَّ أن لا يعجلها» وقال أكثر أهل العلم: إن عجلها قبل محلها أجزأت عنه، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق [الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في تعجيل الزكاة، الحديث رقم ٦٧٨].","vol":"1","page":70},{"text":"أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة». وفي لفظ: «ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه» (١).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب ليس على المسلم في فرسه صدقة، برقم ١٤٦٣، و١٤٦٤، ومسلم، كتاب الزكاة، باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه، برقم ٩٨٢.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المبحث الثامن: زكاة بهيمة الأنعام السائمة</span>\nالأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة أصناف: السّائمة من بَهِيمة الأنعام، والخارج من الأرض: من الحبوب والثمار، والذهب والفضة، وعروض التجارة.\n\nزكاة السائمة (١) من بهيمة (٢) الأنعام (٣): الإبل، والبقر، والغنم:\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>تجب الزكاة في بهيمة الأنعام بشروط أربعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>الشرط الأول: أن تتخذ للدرِّ والنسل، والتسمين</span>، لا للعمل؛ فإن الإبل المعدَّة للعمل والركوب، والسقي، وبقر الحرث والسقي لا زكاة فيها عند جمهور العلماء (٤).\n_________\n(١) السائمة: الراعية، سميت السائمة؛ لأنها تسم الأرض بأثرها بحثًا عن الكلأ، قال الفيومي ﵀: «سامت السائمة سومًا، من باب قال: رعت بنفسها، ويتعدّى بالهمز فيقال: أسامها راعيها» [المصباح المنير، مادة: سوم. ص١١٣]. وقال الجوهري: سامت الماشية: رعت، وأسمتها: أخرجتها إلى الرعي، [انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٢٦] ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٠].\n(٢) بهيمة: سميت بهيمة؛ لأنّها لا تتكلم بكلام يفهمه الناس؛ ولما في صوتِهَا من الإبْهَام، أما مع بعضها فتتكلم بكلام تفهمه بينها، وقد قال موسى لفرعون لما سأله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾، قال: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه، الآية: ٥٠] وبهيمة الأنعام: هي الإبل، والبقر، والغنم، قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١].\n(٣) بُدِئ بذكر بهيمة الأنعام فقدمت على أصناف الأموال الزكوية اقتداء بالنبي - ﷺ - حينما ذكر زكاة الأنعام فقدمها على غيرها، واقتداء بالصديق - ﵁ - في كتابه لأنس - ﵁ -[أخرجه البخاري وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى]؛ ولأن أكثر العرب في عهد النبي - ﷺ - حول المدينة بادية أهل نعم، والأنعام غالب أموال العرب [انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٣/ ١٨٦، وشرح زاد المستقنع، ٦/ ٥١].\n(٤) قال ابن قدامة ﵀ في المغني، ٤/ ١٢: «... والعوامل؛ ... لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم، وحُكي عن مالك: أن في الإبل النواضح والمعلوفة الزكاة؛ لعموم قول النبي - ﷺ -: «في كل خمس شاةٌ». قال أحمد: «ليس في العوامل زكاة، وأهل المدينة يرون فيها الزكاة، وليس عندهم في هذا أصل» وذكر صاحب الإنصاف أن العوامل ليس فيها زكاة ولو كانت سائمة قال: «نص عليه علي في رواية جماعة [الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٦/ ٣٩٠]؛ ولما روي عنه - ﵁ - مرفوعًا «ليس في البقر العوامل صدقة» أخرجه أبو داود ٢/ ٢٢٩ تحقيق عزت عبيد الدعاس، وأخرجه الدارقطني، ٢/ ١٠٣ ط دار المحاسن، وصححه ابن القطان كما في نصب الراية، ٢/ ٣٥٣ وفي التعليق المغني، ٢/ ١٠٣ قال:\n«هذا سند صحيح، وكل من فيه ثقة معروف، ولا أعني رواية الحارث وإنما أعني رواية عاصم» [وانظر لزيادة التخريج: الموسوعة الفقهية ٢٣/ ٢٥١، وتخريج الروض المربع للدكتور عبد الله الغصن ومجموعة من طلاب العلم، ٤/ ٣٩].","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الشرط الثاني: السوم أكثر الحول</span>، ومعنى السائمة: الراعية، أما المعلوفة وهي التي يعلفها صاحبها وينفق عليها، ولا ترعى أكثر الحول فلا زكاة فيها عند جمهور أهل العلم (١)؛ لحديث علي - ﵁ - مرفوعًا، وفيه: «... وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي الأربعين مسنة، وليس على العوامل شيء ...» (٢) وأما السائمة أكثر الحول ففيها الزكاة؛ لحديث أنس - ﵁ -، وفيه: «... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة ...» (٣)؛ ولحديث بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول الله - ﷺ - قال: «في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون ...» (٤) أما السائمة\n_________\n(١) وحكي عن الإمام مالك ﵀: أن المعلوفة فيها الزكاة، والصواب قول الجمهور. انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ١٢.\n(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٧٢ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٤٣٤.\n(٣) البخاري، كتاب الزكاة، باب في زكاة الغنم، برقم ١٤٥٤.\n(٤) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٧٥، والنسائي، كتاب الزكاة، باب عقوبة مانع الزكاة، برقم ٢٤٤٤، ٢٤٤٩، وأحمد، ٥/ ٢، ٤، وغيرهم، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٦، وفي صحيح النسائي، ٢/ ١٨، وانظر: تلخيص الحبير، ١/ ١٦٠.","vol":"1","page":73},{"text":"التي أعدها مالكها للتجارة فزكاتها زكاة عروض التجارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>الشرط الثالث: أن يحول عليها الحول عند مالكها حولًا كاملًا</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (١).\nويستثنى نتاج السائمة، فحولها حول أمهاتها، فتزكى مع أمهاتها إن كانت الأمهات بلغت نصابًا، فإن لم تبلغ الأمهات نصابًا فبداية الحول من كمال النصاب بالنتاج، ومثال ذلك: رجل عنده أربعون شاة فولدت كل واحدة ثلاثة إلا واحدة ولدت أربعة، فأصبحت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، مع أن النتاج لم يحل عليه الحول؛ ولكنه يتبع الأصل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>الشرط الرابع: أن تبلغ النصاب الشرعي</span>، وأما ما دون النصاب من الأعداد اليسيرة فلا زكاة فيها، ونصاب بهيمة الأنعام بالتفصيل على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>أولًا: نصاب الإبل </span>لا زكاة فيها حتى تبلغ خمس ذود، وهذا أقل نصاب الإبل، وتفصيل ذلك في حديث أنس - ﵁ -: أن أبا بكر - ﵁ - كتب له هذا الكتاب لمّا وجهه إلى البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ - على المسلمين، والتي أمر الله بِها رسوله،\n_________\n(١) ابن ماجه، برقم ١٧٩٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٩٨، وتقدم تخريجه في الشرط الخامس من شروط الزكاة في منزلة الزكاة في الإسلام، وتقدم هناك ذكر جملة من الأحاديث في عدم وجوب الزكاة في المال حتى يحول عليه الحول إلا ما استثني.\n(٢) المقنع مع الشرح الكبير، ٦/ ٣١٤ - ٣٢٠، والشرح المختصر للفوزان، ٢/ ٢٤١، والشرح الممتع، ٦/ ٢٢ - ٢٣.","vol":"1","page":74},{"text":"فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم (١) من كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مخاض (٢) أنثى، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى (٣)، فإذا بلغت ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل (٤) فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة (٥)، فإذا بلغت- يعني ستًّا وسبعين- إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربّها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة ...» (٦) (٧).\n_________\n(١) قوله: «من الغنم» قال ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٣/ ٣١٩: «كذا للأكثر، وفي رواية ابن السكن بإسقاط «من» وصوَّبَها بعضهم، وقال عياض: من أثبتها فمعناه زكاتها: أي الإبل من الغنم، ومن للبيان لا للتبعيض، ومن حذفها فالغنم مبتدأ، والخبر مضمر في قوله: «في كل أربع وعشرين» وما بعده وإنما قدم الخبر؛ لأن الفرض بيان المقادير التي تجب فيها الزكاة والزكاة إنما تجب بعد وجود النصاب فحسن التقديم».\n(٢) بنت المخاض: هي التي أتى عليها حول ودخلت في الثاني وحملت أمها، والمخاض: الحامل: أي دخل وقت حملها وإن لم تحمل. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣١٩.\n(٣) بنت لبون وابن لبون: هو الذي دخل في ثالث سنة، فصارت أمه لبونًا بوضع الحمل. فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٣١٩.\n(٤) حقة: وهي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة. فتح الباري، ٣/ ٣١٩.\n(٥) جذعة: وهي التي أتت عليها أربع سنين ودخلت في الخامسة، فتح الباري، ٣/ ٣١٩.\n(٦) البخاري، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، برقم ١٤٥٤.\n(٧) قوله - ﷺ -: «فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة» قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٤/ ٢٠: «ظاهر هذا أنها إذا زادت على العشرين والمائة واحدةً ففيها ثلاث بنات لبون وهو إحدى الروايتين عن أحمد ومذهب الأوزاعي والشافعي وإسحاق، والرواية الثانية: لا يتغير الفرض إلى ثلاثين ومائة فيكون فيها حقة وبنتا لبون، وهذا مذهب محمد بن إسحاق بن يسار وأبي عبيد، ولمالك روايتان؛ لأن الفرض لا يتغير بزيادة الواحدة بدليل سائر الفروض، ولنا قول النبي - ﷺ -: «فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون» والواحدة زيادة، وقد جاء مصرحًا به في حديث الصدقات الذي كتبه رسول الله - ﷺ - وكان عند آل عمر بن الخطاب، رواه أبو داود والترمذي، وقال: هو حديث حسن وقال ابن عبد البر: «هو أحسن شيء رُوي في أحاديث الصدقات ...» المغني، ٤/ ٢١ وفيه: «فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقة، حتى تبلغ تسعًا وثلاثين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وبنت لبون، حتى تبلغ تسعًا وأربعين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق، حتى تبلغ تسعًا وخمسين ومائة، فإذا كانت ستين ومائة ففيها أربع بنات لبون، حتى تبلغ تسعًا وستين ومائة، فإذا كانت سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة، حتى بلغ تسعًا وسبعين ومائة، فإذا كانت ثمانين ومائة ففيها حقتان وابنتا لبون، حتى تبلغ تسعًا وثمانين ومائة، فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون، حتى تبلغ تسعًا وتسعين ومائة، فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي السنين وجدت أخذت ...» [أبو داود، برقم ١٥٧٠ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٣].","vol":"1","page":75},{"text":"ويوضح ذلك الجدول الآتي:\nزكاة الإبل\nالمقدار ... زكاته\nمن ... إلى\n٥ ... ٩ ... شاة\n١٠ ... ١٤ ... شاتان\n١٥ ... ١٩ ... ثلاث شياه\n٢٠ ... ٢٤ ... أربع شياه\n٢٥ ... ٣٥ ... بنت مخاض ... فإن لم توجد أجزأ ابن لبون ذكر","vol":"1","page":76},{"text":"٣٦ ... ٤٥ ... بنت لبون\n٤٦ ... ٦٠ ... حقة\n٦١ ... ٧٥ ... جذعة\n٧٦ ... ٩٠ ... بنتا لبون\n٩١ ... ١٢٠ ... حقتان\n١٢١ ... ١٢٩ ... ثلاث بنات لبون\n* ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة\n\nففي ١٣٠ بنتا لبون وحقة، وفي ١٤٠ حقتان وبنت لبون، وفي ١٥٠ ثلاث حقاق، وفي ١٦٠ أربع بنات لبون، وفي ١٧٠ ثلاث بنات لبون وحقة، وفي ١٨٠ حقتان وابنتا لبون، وفي ١٩٠ ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي ٢٠٠ أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أي السنين وجدت أخذت، وهكذا في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون. [أبو داود ١٥٧٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>وتجب الزكاة في الإبل </span>بالشروط المتقدمة، ووجوب الزكاة فيها بالسنة والإجماع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>أما السنة: </span>فلحديث أنس - ﵁ -: أن أبا بكر - ﵁ - كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ - على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعطِ ...».\nثم ذكر أنواع الأنصباء في الإبل (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه:\n«... ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٤٥٤.","vol":"1","page":77},{"text":"إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قَرْقَرٍ (١) أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلًا واحدًا، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولها رُدَّ عليه آخرها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>وأما الإجماع</span>، فأجمع على وجوب الزكاة في الإبل علماء الإسلام (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>مسائل في زكاة الإبل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>١ - الجبران في زكاة الإبل فقط</span>، وهو أن من وجبت عليه فريضة فلم يجدها فله أن يخرج فريضة أعلى منها بسنة ويأخذ شاتين أو عشرين درهمًا أو فريضة أدنى منها بسنة ويدفع معها شاتين أو عشرين درهمًا؛ لحديث أنس - ﵁ - أن أبا بكر - ﵁ - كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله - ﷺ -: «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنّها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن تيسرتا له أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة، فإنّها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدِّق عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون، فإنّها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وعنده حقة؛ فإنّها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدِّق\n_________\n(١) بقاع قرقر: المكان المستوي.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٠٢، ومسلم، برقم ٩٨٧، ٩٨٨، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام، رقم البند ١٣.\n(٣) الشرح الكبير لابن قدامة، ٦/ ٣٩٤.","vol":"1","page":78},{"text":"عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض، فإنّها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهمًا أو شاتين» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٢ - من بلغت صدقته بنت مخاض ولم تكن عنده، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه بدون أخذ الجبران</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - الذي كتبه له أبو بكر - ﵁ -، وفيه في رواية أبي داود: «... فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين؛ فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبونٍ ذكر ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>٣ - الذي يؤخذ في زكاة الإبل الإناث دون الذكور إلا ابن اللبون إذا عدمت بنت المخاض</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - السابق ذكره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>٤ - الشاة التي تؤخذ في زكاة الإبل وكذلك في جبران زكاة الإبل: </span>إن كانت أنثى جذعة من الضأن أو ثنية من المعز فما فوق ذلك أجزأت بلا نزاع، والجذعة ما لها ستة أشهر، والثنية ما لها سنة (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>٥ - إن تطوع المزكي فأخرج سنًّا أعلى من السن الواجب جاز</span>، مثل: أن يخرج بنت لبون عن بنت مخاض، أو حقة عن بنت لبون، أو عن بنت مخاض، أو عن الجذعة ابنتي لبون أو حقتين، قال ابن قدامة ﵀:\n_________\n(١) البخاري، كتاب الزكاة، باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده، برقم ١٤٥٣.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الزكاة، بابٌ في زكاة السائمة، برقم ١٥٦٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٠، وأصله في البخاري.\n(٣) أما الذكر فيحتمل أن يجزئ لصدق اسم الشاة عليه وهو المعتمد عند المالكية، والأصح عند الشافعية. [انظر: الموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٢٥٥، والمغني لابن قدامة، ٤/ ١٤].","vol":"1","page":79},{"text":"«لا نعلم فيه خلافًا» (١)؛ لحديث أبي بن كعب - ﵁ - وفيه: أن رجلًا وجبت عليه في زكاة إبله ابنة مخاض فأعطى ناقة عظيمة فامتنع منها رسولُ رسولِ الله - ﷺ - فذهب بها إلى رسول الله - ﷺ - فطلب منه أن يقبلها بدلًا من ابنة مخاض، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذاك الذي عليك، فإن تطوّعت بِخَير آجرك الله فيه، وقبلناه منك» قال: فها هي ذِه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها، فأمر رسول الله - ﷺ - بقبضها ودعا له في ماله بالبركة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٦ - يخرج عن إبله من جنسها</span>، فيخرج عن البخاتي بختية، وعن العراب عربية، وعن الكرام كريمة، وعن السمان سمينة، وعن اللئام والهزال لئيمة هزيلة، فإن أخرج عن البخاتي عربية بقيمة البختية جاز؛ لأن القيمة مع اتحاد الجنس هي المقصود، والله تعالى الموفق (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>٧ - لا مدخل للجبران في غير الإبل</span>؛ لأن النص فيها ورد، وليس غيرها في معناها؛ لأنّها أكثر قيمة؛ ولأن الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف سنها، فمن عدم فريضة البقر أو الغنم ووجد دونها لم يجز له إخراجها فإن وجد أعلى منها فأحب أن يتطوع بدفعها بغير جبران قبلت منه، وإن لم يفعل كلِّف شراءها من غير ماله (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>٨ - يجزئ الذكر إذا كان المال كله ذكورًا</span>، سواء كان من إبل،\n_________\n(١) المغني، ٤/ ١٨، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٣٩٧.\n(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٨٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٩.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٠.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٩.","vol":"1","page":80},{"text":"أو بقر، أو غنم؛ لأن الزكاة مواساة فلا يكلفها من غير ماله (١)؛ لأن في حديث أنس الذي كتب له أبو بكر ﵄: «... فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر» (٢)؛ ولقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣).\nوعلى هذا فيجزئ الذكر في الزكاة في مواضع:\nالأول: التبيع في الثلاثين من البقر.\nالثاني: ابن اللبون عن بنت المخاض إذا لم توجد بنت المخاض.\nالثالث: إذا كان المال كله ذكورًا (٤).\nالرابع: التيس إذا شاء المصدِّق بأن كانت هناك مصلحة في أخذه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>ثانيًا: نصاب زكاة البقر</span>؛ لا زكاة فيها حتى تبلغ ثلاثين، وهذا أقل نصاب البقر، وتفصيل ذلك في حديث علي - ﵁ -، وفيه: «وفي البقر في كل ثلاثين تبيع (٦)، وفي الأربعين مسنة (٧)، وليس على العوامل شيء ...» (٨)؛\n_________\n(١) المرجع السابق، ٤/ ٣٤.\n(٢) أبو داود، برقم ١٥٦٧، وتقدم تخريجه في المسألة رقم ٢.\n(٣) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٤) قال في الإفصاح، ١/ ٢٠٣: «واختلفوا فيما إذا كانت غنمه إناثًا كلها، أو ذكورًا وإناثًا، أو أحدها ما الذي يؤخذ من كل واحد؟ فقال أبو حنيفة: يجزئ أخذ الذكر من الكل، وقال مالك والشافعي وأحمد: إذا كانت إناثًا كلها، أو ذكورًا وإناثًا لم يجز فيها إلا الأنثى، وإن كانت كلها ذكورًا أجزأ فيها الذكر».\n(٥) البخاري، كتاب الزكاة، باب زكاة النعم، برقم ١٤٥٤، وأبو داود كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٧٠.\n(٦) التبيع: ما كمَّل سنة ودخل في الثانية، والتبيع جذع البقر. المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٦/ ٤٢١.\n(٧) المسنة: ما كملت سنتين ودخلت في الثالثة، والمسنة: هي ثنية البقر. المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٦/ ٤٢١.\n(٨) أبو داود، برقم ١٥٧٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٤، وتقدم تخريجه في الشرط الثاني من شروط وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام.","vol":"1","page":81},{"text":"ولحديث معاذ ابن جبل - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالمٍ - يعني محتلمًا - دينارًا أو عَدْله من المعافر - ثياب تكون باليمن -» (١)؛ ولحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «في ثلاثين من البقر تبيع، أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة» (٢) ثم تستقرض الفريضة: في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.\nويوضح ذلك الجدول الآتي:\nزكاة البقر\nالمقدار ... زكاته\nمن ... إلى\n٣٠ ... ٣٩ ... تبيع أو تبيعة\n٤٠ ... ٥٩ ... مسنة\n٦٠ ... ٦٩ ... تبيعان أو تبيعتان\n٧٠ ... ٧٩ ... تبيع ومسنة\nوهكذا في كل ٣٠ تبيع أو تبيعة وفي كل ٤٠ مسنة\n* التبيع أو التبيعة: ما له سنة. ... * المسنة: ما لها سنتان.\n_________\n(١) أبو داود بلفظه، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٧٦، والنسائي، كتاب، الزكاة، باب زكاة البقر، برقم ٢٤٤٩ - ٢٤٥٢، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر، برقم ٦٢٣، وابن ماجة، كتاب الزكاة، باب صدقة البقر، برقم ١٤٧١ - ١٨٣٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٧، وفي صحيح الترمذي، ١/ ٣٣٣، وفي صحيح ابن ماجة، ٢/ ١٠٣.\n(٢) الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر، برقم ٦٢٢، وابن ماجة، كتاب الزكاة، باب صدقة البقر، برقم ١٤٧٢ - ١٨٣١، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٤٣، وفي صحيح ابن ماجة، ٢/ ١٠٤.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>وتجب الزكاة في البقر </span>بالشروط المذكورة المتقدمة، ووجوب الزكاة فيها: بالسنة، وإجماع علماء الإسلام:\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>أما السنة</span>؛ فلحديث معاذ بن جبل - ﵁ - أن النبي - ﷺ - لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة ... (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: «... ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقرٍ (٢) لا يفقد منها شيئًا ليس فيها عقصاءُ (٣) ولا جلحاء (٤) ولا عضباء (٥) تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مرت عليه أولاها رُدَّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>وأما الإجماع </span>فقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «وأما الإجماع فلا نعلم اختلافًا في وجوب الزكاة في البقر» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>ثالثًا: نصاب زكاة الغنم</span>، لا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين وهو أقل نصاب الغنم، وتفصيل ذلك في حديث أنس - ﵁ -: أن أبا بكر كتب له هذا\n_________\n(١) أبو داود، برقم ١٥٧٦، والترمذي، برقم ٦٢٣، وابن ماجه، ويأتي تخريجه قريبًا.\n(٢) القاع القرقر: القاع المستوي الواسع من الأرض، يعلوه ماء السماء فيمسكه.\n(٣) العقصاء: ملتوية القرنين.\n(٤) الجلحاء: التي لا قرن لها.\n(٥) العضباء: التي كسر قرنها الداخل.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٠٢، ومسلم، برقم ٩٨٧، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة.\n(٧) المغني، ٤/ ٣١.","vol":"1","page":83},{"text":"الكتاب لما وجهه إلى البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ - على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطِ ...» الحديث وذكر فيه زكاة الإبل، ثم قال: «... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائةٍ: شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين: شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاثٌ، فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصةً من أربعين شاةً واحدةً فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربّها ...» (١) (٢).\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٤٥٤، وتقدم تخريجه.\n(٢) قوله - ﷺ -: «فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاة» قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ظاهر هذا القول: إن الفرض لا يتغير بعد المائتين وواحدةً حتى يبلغ أربع مائة فيجب في كل مائة شاةً، ويكون الوقص ما بين المائتين وواحدة إلى أربع مائة وذلك مائة وتسعة وتسعون، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وقول أكثر الفقهاء، وعن أحمد رواية أخرى أنها إذا زادت على ثلاثمائة واحدة [ففيها] أربع شياه، ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمسمائة فيكون في كل مائة شاة ويكون الوقص الكبير ما بين ثلاثمائة وواحدة إلى خمسمائة، وهو أيضًا مائة وتسعة وتسعون، وهذا اختيار أبي بكر، وحكي عن النخعي والحسن بن صالح؛ لأن النبي - ﷺ - جعل الثلاثمائة حدًّا للوقص وغايةً له، فيجب أن يتعقبه تغيُّر النصاب كالمائتين، ولنا قول النبي - ﷺ -: «فإذا زادت ففي كل مائة شاة» وهذا يقتضي أن لا يجب في دون المائة شيء، وفي كتاب الصدقات الذي كان عند آل عمر بن الخطاب «فإذا زادت على ثلاثمائة واحدة فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة شاة ففيها أربع شياهٍ» وهذا نص لا يجوز خلافه إلا بمثله أو أقوى منه، وتحديد النصاب لاستقرار الفريضة لا لغاية والله أعلم» [المغني، ٤/ ٤٠، والشرح الكبير، ٦/ ٤٤٢] ولفظ كتاب الصدقات الذي كان عند آل عمر، واضح وفيه: «... وفي الشاءِ، في كل أربعين شاةً إلى عشرين ومائة، فإذا زادت فشاتان إلى مائتين، فإذا زادت فثلاث شياه إلى ثلاثمائة شاة، فإذا زادت على ثلاث مائة شاة، ففي كل مائة شاةٍ شاةٌ، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة» وفي لفظ أبي داود: «... فإن زادت واحدة على المائتين ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاهٍ شاة، وليس فيها شيء حتى تبلغ المائة ...» [أبو داود، برقم ١٥٦٨، والترمذي، برقم ٦٢١، وابن ماجه، برقم ٤٧٣ - ١٨٣٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٢، وفي صحيح الترمذي، ١/ ٣٤٢، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٠٤].","vol":"1","page":84},{"text":"ويوضح ذلك الجدول الآتي:\nزكاة الغنم\nالمقدار ... زكاته\nمن ... إلى\n٤٠ ... ١٢٠ ... شاة\n١٢١ ... ٢٠٠ ... شاتان\n٢٠١ ... ٣٠٠ ... ثلاث شياه\nفإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، ففي ٤٠٠ أربع شياه، وفي ٥٠٠ خمس شياه، وفي ٦٠٠ ست شياه، وفي ٧٠٠ سبع شياه، وهكذا.\n\nوليس فيما بين الثلاثمائة وأربعمائة شيء؛ لحديث الصدقات الذي كان عند آل عمر بن الخطاب - ﵁ - وفيه: «... فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاةٍ شاةٌ، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>وتجب زكاة الغنم </span>بالشروط الأربعة المتقدمة، ووجوب الزكاة فيها ثابت بالسنة والإجماع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>أما السنة</span>؛ فلحديث أنس - ﵁ - في كتاب أبي بكر الصديق - ﵁ - في فريضة\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم، برقم ٦٢١، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٤٣، وهو في سنن أبي داود، برقم ١٥٦٨.","vol":"1","page":85},{"text":"الصدقة التي فرضها رسول الله - ﷺ - على المسلمين، وقد تقدم ذكره آنفًا (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: «... ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقرٍ لا يفقد منها شيئًا ليس فيها عقصاءُ، ولا جلحاء، ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها كلما مرت عليه أولاها رُدَّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>وأما الإجماع</span>؛ فأجمع العلماء على وجوب الزكاة في الغنم (٣).\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٤٥٤، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٠٢، ومسلم، برقم ٩٧٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٤/ ٣٨.","vol":"1","page":86},{"text":"الجدول العام لزكاة السائمة (١) من بهيمة الأنعام (٢)\nالبقر\nممم\nالإبل\n\nالغنم\n\nزكاته\n\nالمقدار\n\nزكاته\n\nالمقدار\n\nزكاته\n\nالمقدار\n\nإلى\n\nمن\n\nإلى\n\nمن\n\nإلى\n\nمن\n\nتبيع أو تبيعة\n\n٣٩\n\n٣٠\n\nشاة\n\n٩\n\n٥\n\nشاة\n\n١٢٠\n\n٤٠\n\nشاتان\n\n١٤\n\n١٠\n\nمُسنَّة\n\n٥٩\n\n٤٠\n\nثلاث شياه\n\n١٩\n\n١٥\n\nشاتان\n\n٢٠٠\n\n١٢١\n\nأربع شياه\n\n٢٤\n\n٢٠\n\nتبيعتان\n\n٦٩\n\n٦٠\n\nبنت مخاض\n\n٣٥\n\n٢٥\n\nثلاث شياه\n\n٣٠٠\n\n٢٠١\n\nبنت لبون\n\n٤٥\n\n٣٦\n\nثم في كل ١٠٠ شاة\n\nثم في كل ٣٠ تبيع\nوفي كل ٤٠ مُسنَّة\n\nحقة\n\n٦٠\n\n٤٦\n\nلا يؤخذ في الصدقة: تَيس، ولا هَرمة، ولا معيبة، ولا شِرار المال.\nلا يؤخذ في الصدقة: الهزيلة، ولا المخاض، ولا الأكولة، ولا خيار المال.\n\nجذعة\n\n٧٥\n\n٦١\n\nالتبيع أو التبيعة: ما لها سنة.\nالمُسنَّة: ما لها سنتان.\n\nبنتا لبون\n\n٩٠\n\n٧٦\n\nحقتان\n\n١٢٠\n\n٩١\n\nثلاث بنات لبون\n\n١٢٩\n\n١٢١\n\n- ثم في كل أربعين بنت لبون.\n- وفي كل خمسين حقة.\n- بنت مخاض: بنت سنة، وسميت بذلك؛ لأن أمها حامل.\n- بنت لبون: ما لها سنتان، وسميت بذلك؛ لأن أمها ذات لبن.\n- حقة: ما لها ثلاث سنين، وسميت بذلك؛ لأنها استحقت الركوب.\n- جذعة: ما لها أربع سنين.\n_________\n(١) السائمة: الراعية الحول أو أكثره في الصحاري والقفار.\n(٢) انظر: منزلة الزكاة في الإسلام، للمؤلف، ص١١٤.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>مسائل في زكاة بهيمة الأنعام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>١ - لا يأخذ المُصَدِّق في الصدقة: </span>هرمة، ولا ذات عوارٍ، ولا تيس؛ لحديث أنس - ﵁ -: أن أبا بكر - ﵁ - كتب له كتابًا فيه فريضة الزكاة: «التي أمر الله بها رسولَه - ﷺ -، ولا يخرج في الصدقة هرمةٌ (١)، ولا ذاتُ عوارٍ (٢)، ولا تيس إلا أن يشاء المصدِّق (٣») (٤)، وفي حديث آل عمر بن الخطاب في الصدقة: «ولا يؤخذ في الصدقة هرمةٌ، ولا ذات عوارٍ من الغنم، ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المُصدِّق» (٥).\nوعن عبد الله بن معاوية الغاضري - ﵁ -، قال: قال النبي - ﷺ -: «ثلاث من فعلهن فقد طَعِم طعْم الإيمان: من عَبَدَ الله وحده؛ وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة مالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نفسه، رافدةً (٦) عليه كلَّ عام، ولا يعطي: الهرمة، ولا الدَّرنة (٧) ولا المريضة، ولا الشَّرَط اللئيمة (٨)، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» (٩).\n_________\n(١) الهَرِمَة: الهرم أقصى الكبر، فهرمة: كبيرة جدًّا، [لسان العرب، ١٢/ ٦٠٧].\n(٢) ذات عوار: المعيبة التي لا يُضحى بها. الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٦/ ٤٤٥.\n(٣) المصدِّق: العامل الساعي لأخذ الزكاة، والمصدَّق بالفتح صاحب المال. الشرح الكبير ٦/ ٤٤٥ وجامع الأصول، ٤/ ٦٠٥.\n(٤) البخاري، برقم ١٤٥٥، وتقدم تخريجه.\n(٥) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٧٠، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٣٣.\n(٦) رافدة عليه كل عام: الرفد: الإعانة: أي تعينه نفسه على أدائها كل عام. النهاية في غريب الحديث، ٢/ ٢٤١.\n(٧) الدرنة: الجرباء، وأصله من الوسخ. «النهاية في غريب الحديث».\n(٨) الشرط اللئيمة: رذال المال، وقيل: شراره وصغاره. «النهاية في غريب الحديث».\n(٩) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٨٠، وصححه الألباني في سنن أبي داود، ١/ ٤٣٨.","vol":"1","page":88},{"text":"وقد دعا النبي - ﷺ - على من أعطى في الزكاة فصيلًا مهزولًا، فعن وائل بن حجر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - بعث ساعيًا فأتى رجلًا، فآتاه فصيلًا مخلولًا (١) فقال النبي - ﷺ -: «بعثنا مصدِّق الله ورسوله وإن فلانًا أعطاه فصيلًا مخلولًا، اللهم لا تبارك فيه ولا في إبله» فبلغ ذلك الرجل فجاء بناقة حسناء، فقال: أتوب إلى الله - ﷿ - وإلى نبيه - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: «اللهم بارك فيه وفي إبله» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>٢ - لا يأخذ المصدِّق كرائم الأموال ولا خياره </span>ولكن من الوسط؛ لحديث معاذ - ﵁ - حينما بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن وفيه: «فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (٣).\nقال الزهري: «إذا جاء المصدِّق قُسِّمت الشاء أثلاثًا: ثلثًا شرارًا، وثلثًا خيارًا، وثلثًا وسطًا، فأخذ المصدِّق من الوسط» (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>٣ - ما بين الفريضتين في زكاة بهيمة الأنعام أوقاص ولا زكاة في الأوقاص</span>، مثل الزيادة على الخمس في الإبل إلى التسع، وعلى\n_________\n(١) مخلولًا: مهزولًا، وهو الذي جُعل على أنفه خلال، لئلا يرضع أمه فتهزل، «النهاية في غريب الحديث» وانظر: جامع الأصول، ٤/ ٦٠٥.\n(٢) النسائي، كتاب الزكاة، باب الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع، برقم ٢٤٥٧، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ١٨٥.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٩٥، ومسلم، برقم ١٩، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام.\n(٤) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٦٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٢.\n(٥) ولا يؤخذ في الصدقة: الحامل، ولا الماخض، وهي التي قد حان ولادها، ولا تؤخذ الرُّبَى: التي تربي ولدها، أو التي تربَّى في البيت لأجل اللبن، ولا طروقة الفحل التي طرقها الفحل؛ لأنها تحمل غالبًا، ولا تؤخذ الأكولة، التي أعدت للأكل إلا أن يشاء ربها: أي صاحب هذه الأموال: [الشرح الكبير، ٦/ ٤٤٦، والروض المربع، ٤/ ٦٤].","vol":"1","page":89},{"text":"العشر إلى أربع عشرة، إلى نِهاية أوقاص الإبل، وكذلك أوقاص البقر، والغنم لا زكاة فيها عفوًا وترغيبًا للملاك، وشكرًا لهم على أداء الحق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>٤ - إرضاء المصدِّق الساعي الآخذ للزكاة وإن ظَلَمَ</span>؛ لحديث جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: جاء ناس - يعني من الأعراب - إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: إن ناسًا من المصدِّقين يأتوننا، فيظلموننا؟ قال: فقال:\n«أرضوا مصدِّقيكم» قالوا: يا رسول الله! وإن ظلمونا؟ قال: «أرضوا مصدقيكم» وفي زيادة: «وإن ظُلِمْتُم» قال جرير: ما صدر عني مُصدِّقٌ - بعدما سمعت هذا من رسول الله - ﷺ - إلا وهو عني راضٍ وفي لفظ للترمذي: «إذا أتاكم المصدق فلا يفارقنكم إلا عن رضا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>٥ - عمال الصدقة السعاة الذين يرسلهم الإمام </span>المسلم، عن عطاء مولى عمران: أن عمران بن الحصين استعمل على الصدقة فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله - ﷺ -، ووضعناه حيث كنا نضعه (٣).\nوعن أحمد بن حميد الساعدي - ﵁ - قال: استعمل النبي - ﷺ - رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه قال: هذا مالكم وهذا أُهدي إليّ، فقال رسول الله - ﷺ -: «فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك\n_________\n(١) إرشاد أولي البصائر والألباب إلى نيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، ص١٣٠.\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب إرضاء السعاة، برقم ٩٨٩، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب رضا المصدِّق، برقم ١٥٨٩، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في رضا المصدق، برقم ٦٤٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٤١، وفي صحيح الترمذي، ١/ ٣٥٤.\n(٣) أبو داود، كتاب الزكاة، باب رضا المصدِّق، برقم ١٥٨٩، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في عُمَّال الصدقة، برقم ١٤٧٩ - ١٨٣٨، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٠٦.","vol":"1","page":90},{"text":"هديتك إن كنت صادقًا؟» ثم خطَبَنَا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذه هدية أُهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟ إن كان صادقًا، والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئًا بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله على عنقه يوم القيامة، فلأعرفنَّ أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء (١) أو بقرة لها خوار (٢) أو شاة تَيْعَر» (٣) ثم رفع يديه حتى رُئِيَ بياض إبطيه يقول: «اللهم هل بلغت» بَصُرَ عيني وسمع أذني (٤).\nوعن عبد الله بن أُنيس - ﵁ -: أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب - ﵁ - يومًا الصدقة فقال عمر: ألم تسمع رسول الله - ﷺ - حين يذكر غلول الصدقة: «أنه من غلَّ منها بعيرًا أو شاةً أُتي به يوم القيامة يحمله»؟ قال: فقال عبد الله بنُ أُنيس: بلى (٥).\nوعن رافع بن خَدِيجٍ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «العامل على الصدقة بالحق: كالغازي في سبيل الله، حتى يرجع إلى بيته» (٦) وعن أنس\n_________\n(١) بعير له رُغاء: الرغاء: صوت البعير.\n(٢) خوار: الخوار: صوت البقرة. جامع الأصول لابن الأثير، ٤/ ٦٤٧.\n(٣) تيعر: اليعار: صوت الشاة. المرجع السابق، ٤/ ٦٤٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحيل، باب احتيال العامل يُهدى إليه، برقم ٦٩٧٩، ومسلم، كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال، برقم ١٨٣٢.\n(٥) ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في عمال الصدقة، برقم ٤٧٨ - ١٨٣٧، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٠٦، وهو في البخاري ومسلم أتم من هذا.\n(٦) الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في العامل على الصدقة بالحق، برقم ٦٤٥، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في عمَّال الصدقة، برقم ٤٧٧ - ١٨٣٦، وقال الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ١٠٦: «حسن صحيح».","vol":"1","page":91},{"text":"- ﵁ - يرفعه: «المعتدي في الصدقة كمانعها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>٦ - لا زكاة في غير بهيمة الأنعام من الحيوان</span>، فلا زكاة في الخيل، والبغال، والحمير، ولا في الصيد؛ لأن النصوص في الزكاة جاءت في بَهِيمة الأنعام، بل قد جاء ما يُبيِّن العفو عن ذلك؛ لحديث علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة ...» (٢)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة» وفي لفظ: «ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه» (٣) ولمسلم: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر».\nإلا إذا كانت هذه الأشياء المذكورة قد أُعدت للتجارة، ففيها زكاة عروض التجارة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>٧ - لا يجزئ في صدقة الغنم إلا الجذع من الضأن الذي كمّل ستة أشهر</span>، والثني من المعز الذي كمَّل سنة، وتقدم أنه لا يجزئ في ذلك إلا الأنثى، إلا ما استثني (٥).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في المعتدي في الصدقة كمانعها، برقم ٦٤٦، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في عمال الصدقة، برقم ٤٧٦ - ١٨٣٥، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٥٣.\n(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٧٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٦٣،و١٤٦٤،ومسلم، برقم ٩٨٢،وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام.\n(٤) المغني، ٤/ ٦٦.\n(٥) الشرح الكبير لابن قدامة، ٦/ ٤٤٢، والمغني، ٤/ ٤٩.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>٨ - شروط المخرج في الزكاة من بهيمة الأنعام</span>، يشترط في ذلك شروط منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>الشرط الأول: السن</span>، وقد سبق بيان ذلك الواجب في الإبل، والبقر، والغنم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>الشرط الثاني: الأنوثة</span>، وقد سبق ما يستثنى من جواز إخراج الذكر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>الشرط الثالث: ألا تكون معيبة </span>عيبًا يمنع من الإجزاء في الأضحية، إلا إذا كان الجميع معيبًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>الشرط الرابع: أن تكون وسطًا: </span>فلا يؤخذ الجيد ولا الرديء (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>٩ - إذا ملك المسلم أقل من النصاب من الإبل</span>، أو أقل من نصاب البقر، أو أقل من نصاب الغنم، وكانت للتجارة؛ فإنه يضم بعضها إلى بعض في تكميل نصاب عروض التجارة وتُزكَّى زكاة النقدين، أما في غير عروض التجارة فلا يُضَمُّ بعضها إلى بعض (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>١٠ - الصواب عدم جواز العدول عن المقادير المقدرة من النبي - ﷺ </span>- في بهيمة الأنعام في الزكاة إلى القيمة إلا الجبرانات المقدرة كما في زكاة الإبل؛ لأن النبي - ﷺ - هو الذي قدرها من بهيمة الأنعام كما تقدم، وكذلك زكاة الفطر، فلا يجوز إخراج القيمة عن العين المقدرة في الزكاة على الصحيح من أقوال أهل العلم (٣) والله تعالى أعلم (٤).\n_________\n(١) تعليق مجموعة من طلبة العلم على الروض المربع بإشراف عبد الله الطيار، ٤/ ٦٤.\n(٢) فتاوى العلامة ابن باز، ١٤/ ٥٨.\n(٣) المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٦/ ٤٤٨، وفتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٢٠٧.\n(٤) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في عدم جواز إخراج القيمة في الزكاة، فمذهب الإمام أحمد لا تجزئ القيمة مطلقًا: أي سواء كان ذلك لحاجة أم لا، لمصلحة أو لا، الفطرة وغيرها وبه قال الإمام مالك والشافعي.\nوقال الثوري وأبو حنيفة: يجوز، وعن الإمام أحمد مثل قول أبي حنيفة فيما عدا زكاة الفطر، قال في الإنصاف: «وعنه تجزئ القيمة مطلقًا، وعنه تجزئ في غير الفطرة، وعنه تجزئ للحاجة: من تعذر الفرض ونحوه واختاره الشيخ تقي الدين، وقيل: ولمصلحة أيضًا واختاره الشيخ تقي الدين» [المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٦/ ٤٤٨ - ٤٤٩].","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>١١ - تؤخذ الزكاة على المياه، والموارد، وفي الدور</span>؛ لئلا يشق الساعي على أصحاب الأموال؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم» (١) ولفظ أبي داود: «لا جلب (٢) ولا جنب (٣)، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>١٢ - لا يشتري المسلم صدقته </span>إذا وجدها تباع؛ لحديث عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - حمل على فرس في سبيل الله فوجده يُباع، فأراد أن يبتاعه، فسأل رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال: «لا تبتعه ولا تعد في صدقتك» (٥).\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٢/ ١٨٤ - ١٨٥، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني برقم ١٧٧٩.\n(٢) لا جلب: تؤخذ صدقة الماشية في مواضعها ولا تجلب إلى المصدِّق لما في ذلك من المشقة عليهم. انظر: سنن أبي داود برقم ١٥٩٢.\n(٣) ولا جنب: لا يجنب أصحابها: أي لا يكون الرجل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فتجنب إليه، ولكن تؤخذ في موضعه. سنن أبي داود برقم ١٥٩٢ والمعنى والله أعلم: [لا يبعد صاحب المال المالَ بحيث تكون مشقة على العامل].\n(٤) أبو داود، كتاب الزكاة، باب أين تصدق الأموال، برقم ١٥٩١، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٤٤٣: «حسن صحيح».\n(٥) أبو داود، كتاب الزكاة، باب الرجل يبتاع صدقته، برقم ١٥٩٣، وأخرجه البخاري ومسلم.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>١٣ - دعاء المصدِّق لأهل الصدقة عند دفعهم </span>الزكاة؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صلِّ عليهم» فأتاه أَبي أبُو أوفى بصدقته فقال: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى» (١). أو يقول: «اللهم بارك فيه وفي ماله»، لحديث وائل بن حجر - ﵁ -: أن رجلًا جاء بناقة حسناء، فقال له النبي - ﷺ -: «اللهم بارك فيه وفي إبله» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>١٤ - إذا ملك نِصابًا صغارًا انعقد عليه الحول من حين ملكه</span>؛ لأن السخال تعدُّ مع غيرها فتعدُّ منفردة كالأمهات، ومثال ذلك: اشترى رجل أربعين سخلة، فإن الحول يبدأ من وقت ملكه لها، فإذا مضى حول دفع زكاتَها؛ لعموم قوله ﵊: «... فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>١٥ - نتاج السائمة من بهيمة الأنعام حولها حول أمهاتها </span>إن كانت الأمهات بلغت نصابًا، وإن كانت الأمهات لم تبلغ نصابًا فبداية الحول من كمال النصاب؛ لما روي عن عمر - ﵁ -: أنه قال لساعيه: «اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يديه ولا تأخذها منهم» (٤)؛ وهو\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقة، برقم ١٠٧٨.\n(٢) النسائي، برقم ٢٤٥٧، وتقدم تخريجه، في فقرة، لا يأخذ في الصدقة: هرمة.\n(٣) اختلف في زكاة الصغار من بهيمة الأنعام إذا ملكها الإنسان، فقيل: فيها الزكاة إذا اكتملت الشروط، وهذه الرواية الأولى عن الإمام أحمد وهي المشهورة في مذهبه، والرواية الثانية لا ينعقد عليه الحول حتى يبلغ سنًا يجزئ مثله في الزكاة، وهو قول أبي حنيفة [الشرح الكبير، ٦/ ٣٥٨].\n(٤) الإمام مالك، باب ما جاء فيما يعتد به من السخل في الصدقة، من كتاب الزكاة في الموطأ، ١/ ٢٦٥، والبيهقي في باب السن التي تؤخذ في الغنم، من كتاب الزكاة، السنن الكبرى، ٤/ ١٠٠. وانظر: الكلام على الحديث في جامع الأصول لابن الأثير، ٤/ ٦٠١.","vol":"1","page":95},{"text":"مذهب علي - ﵁ - ولا يعرف لهما في عصرهما مخالفًا فكان إجماعًا؛ ولأنه نماء نصاب فيجب أن يضم إليه في الحول كأموال التجارة (١) والحكم في فصلان الإبل وعجول البقر كالحكم في السخال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>١٦ - كل جنس من: الإبل، والبقر، والغنم ينقسم إلى نوعين:</span>\nفالإبل نوعان: العراب: وهي الإبل العربية، وهي ذات سنام واحد.\nوالبخاتي: جمع (بخيتة) وهي إبل العجم والترك، وهي ذات سنامين.\nوالبقر نوعان: البقر المعتاد، والجواميس.\nوالغنم نوعان: ضأن: وهي ذوات الصوف، ومعز: وهي ذوات الشعر، ويقال: للذكر والأنثى من الضأن والمعز شاة. والمقادير الواجبة في الزكاة السابقة تشمل من كل جنس: نوعيه، ويضم أحدهما للآخر في تكميل النصاب إجماعًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>١٧ - الخلطة في بهيمة الأنعام </span>السائمة الأصل فيها حديث أنس - ﵁ -: أن أبا بكر - ﵁ - كتب له كتابًا فيه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ -: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة»، «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» (٤).\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٤/ ٤٦، والشرح الكبير، ٦/ ٣٥٢.\n(٢) الشرح الكبير، ٦/ ٣٥٣، والمغني، ٤/ ٤٦.\n(٣) الموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٢٥٩.\n(٤) البخاري، كتاب الزكاة، باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع، وبابٌ: ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، برقم ١٤٥٠، ورقم ١٤٥١، وانظر: الروض المربع المحقق، ٤/ ٦٨.","vol":"1","page":96},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-167>الخلطة نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>النوع الأول: خلطة أعيان: </span>بأن يملك شخصان أو أكثر مالًا مشاعًا، يرثانه، أو يشتريانه، أو غير ذلك، ويكون مشاعًا بينهما ولكن لا يتميز مال كل واحد منهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>النوع الثاني: خُلطة أوصاف: </span>بأن يكون مالُ كل واحد منهما مميزًا ولكن اشتركا في المراح، والمسرح، والمشرب، والمحلب، والراعي، والفحل.\nوكلا النوعين المذكورين في الخلطة يؤثر في جعل مالهما كالمال الواحد في أمرين:\nالأمر الأول: الواجب فيهما كالواجب في مال واحد، فإن بلغا معًا نصابًا ففيهما الزكاة، وإن زادا على النصاب لم يتغير الفرض حتى يبلغا فريضة ثانية، فلو كان لكل واحد منهما عشرون من الغنم كان عليهما شاة، وإن كان لكل واحد منهما ستون لم يجب أكثر من شاة، وتكون الشاة بينهما بالسوية.\nالأمر الثاني: أن للساعي أخذ الفرض من مال أيهما شاء، سواء دعت إليه حاجة؛ لكون الفرض واحدًا، أو لم تدع إليه حاجة بأن يجد فرض كل واحد منهما في ماله؛ لأن مالهما صار كالمال الواحد في الإيجاب، فكذلك في الإخراج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>ويعتبر في الخلطة شروط خمسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>الشرط الأول: أن تكون الخلطة في السائمة من بهيمة الأنعام </span>ولا تؤثر الخلطة في غيرها من الأموال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>الشرط الثاني: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة</span>؛ فإن كان أحدهما","vol":"1","page":97},{"text":"مكاتبًا أو ذمّيًّا فلا أثر لخلطته؛ لأنه لا زكاة في ماله ما لم يكمل النصاب به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>الشرط الثالث: أن يختلطا في نصاب</span>؛ فإن اختلطا فيما دونه مثل أن يختلطا في ثلاثين شاة لم تؤثر الخلطة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>الشرط الرابع: أن يختلطا في ستة أشياء </span>لا يتميز أحدهما عن صاحبه فيها؛ وهي المسرح، والمشرب، والمحلب، والمراح، والراعي، والفحل، فإذا اكتملت هذه الشروط كان مال الشخصين كالمال الواحد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>الشرط الخامس: أن يختلطا في جميع الحول </span>من أوله إلى آخره (١).\nوقوله - ﷺ -: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» قال الحافظ ابن حجر ﵀: قال مالك في الموطأ: «معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاتان فيكون عليهما فيها ثلاث شياه فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد إلا شاة واحدة، وقال الشافعي ﵀: هو خطاب لرب المال من جهة وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم أن لا يحدث شيئًا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر. فمعنى قوله - ﷺ -: «خشية الصدقة» أي خشية: أن تكثر الصدقة أو خشية أن تقل الصدقة ...» (٢).\n_________\n(١) الكافي لابن قدامة، ٢/ ١٢٣ - ١٢٤، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ٤٥٤ - ٤٦٠، والمغني، ٤/ ٥١ - ٦٤.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٣١٤.","vol":"1","page":98},{"text":"والخلطة لها تأثير في الماشية: إيجابًا، وإسقاطًا، وتغليظًا، وتخفيفًا، ومن أمثلة ذلك:\n* لو كان لإنسان شاة ولآخر تسع وثلاثون شاة واشتركا حولًا كاملًا فعليهما شاة على حسب ملكهما، يتراجعان بينهما بالسوية، وهذه الصورة تفيد تغليظًا؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد بملكه فلا زكاة عليه.\n* لو كان لأربعين رجلًا أربعون شاة لكل واحد شاة واشتركوا حولًا تامًا فعليهم زكاة شاة على حسب ملكهم، يتراجعون بينهم بالسوية.\n* وإذا كان لثلاثة مائة وعشرون شاة لكل واحد أربعون، ولم يثبت لأحدهم حكم الانفراد في شيء من الحول فعليهم شاة أثلاثًا. وهذا يدل على أن الخلطة تخفيفًا في مثل هذه الصورة، وهكذا فالخلطة تفيد إيجابًا، وتغليظًا، وتخفيفًا وإسقاطًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>١٨ - إذا كانت سائمة الرجل الواحد في بلدان شتى وبينهما مسافة </span>لا تقصر فيها الصلاة أو كانت مجتمعة ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ وكانت زكاتها كزكاة المختلطة بغير خلاف. وإن كان بين البلدان مسافة القصر فعن أحمد روايتان: إحداهما: أن لكل مال حكم نفسه يعتبر على حدته إن كان نِصَابًا ففيه الزكاة وإلا فلا، ولا يضم إلى المال الذي في البلد الآخر ... قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد، والرواية الثانية عن أحمد أن صاحب المال يضم بعضه إلى بعض في الزكاة ويؤدِّي زكاته، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذا هو الصحيح إن شاء الله\n_________\n(١) الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٢٠٨، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٦٩.","vol":"1","page":99},{"text":"تعالى؛ لقوله ﵊: «... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة ...» (١)؛ ولأنه مِلكٌ واحدٌ أشبه ما لو كان في بلدان متقاربة، أو غير السائمة، ونحمل كلام أحمد في الرواية الأولى: على أن المصدِّق لا يأخذها، وأما رب المال فيخرج، فعلى هذا يخرج الفرض في أحد البلدين شاء؛ لأنه موضع حاجة» (٢).\nقال ابن قدامة ﵀: «وهذا اختيار أبي الخطاب ومذهب سائر الفقهاء» (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «الذي عليه جمهور أهل العلم أن مال الرجل الواحد يضم بعضه إلى بعض حتى ولو كان في مدن مترامية الأطراف، أما الخلطاء فليس لهم الجمع، وليس لهم التفريق» (٤).\nولا تؤثر الخلطة في غير السائمة: كالذهب والفضة، والزروع والثمار، وعروض التجارة، ويكون حكمهم حكم المنفردين وهذا قول أكثر أهل العلم (٥) والله الموفق (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>١٩ - الفرق بين بهيمة الأنعام وغيرها من أصناف الأموال الزكوية: </span>أن غيرها متى زاد ولو قليلًا على النصاب ففيه الزكاة بحسابه،\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٤٥٤، وتقدم تخريجه.\n(٢) المغني، ٤/ ٦٤.\n(٣) المرجع السابق، ٤/ ٦٤، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٤٨٤.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٢٢.\n(٥) المغني، ٤/ ٦٤، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٤٨٥، والشرح الممتع، ٤/ ٧٠.\n(٦) وعن أحمد رواية أخرى أن شركة الأعيان تؤثر في غير الماشية، فإذا كان بينهم نصاب يشتركون فيه فعليهم الزكاة، قياسًا على الغنم، أما خلطة الأوصاف فلا مدخل لها في غير الماشية بحالٍ، والصحيح أن الخلطة لا تؤثر في غير الماشية، [المغني، ٤/ ٦٤ - ٦٥، والشرح الكبير، ٦/ ٤٨٥ - ٤٨٦].","vol":"1","page":100},{"text":"وأن بهيمة الأنعام قدَّر الشارع فيها أول النصاب، وأوسطه، وآخره، وغيرها من الأموال قدر أول النصاب فقط. فدل على أنه كلما زاد عنه زاد الواجب، والله أعلم.\nثم من تسهيل الله - ﷿ - أنه لم يوجب الزكاة في هذا النوع حتى تتغذَّى بالمباح وتسوم الحول أو أكثره، فإذا كان صاحبها يعلفها فلا يُجمع عليه بين مؤونة العلف وإيجاب الزكاة عليه (١).\n_________\n(١) إرشاد أولي الأبصار والألباب إلى نيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀، ص١٣٠.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>المبحث التاسع: زكاة الخارج من الأرض: الحبوب، والثمار، والركاز، والمعدن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>أولًا: زكاة الحبوب والثمار واجبة: بالكتاب، والسنة، والإجماع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>أما الكتاب</span>؛ فلقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١)؛ ولقوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢)، قال ابن عباس ﵄: «حقّه الزّكاة المفروضة»، وقال مرّة: «العشر، ونصف العشر» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>وأمّا السُّنَّة</span>؛ فلحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «فيما سقتِ السّماءُ والعيون، أو كان عَثَريًّا (٤): العشرُ، وما سُقيَ بالنضح (٥): نصف العشر» (٦)؛ ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي - ﷺ - قال: «فيما سقت الأنهارُ والغيمُ: العشورُ، وفيما سُقي بالسانية (٧): نصف العشر» (٨) ولفظ حديث ابن عمر ﵄ عند النسائي وأبي داود: «فيما سقت السماء والأنهار، والعيون، - أو كان\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٤١.\n(٣) ذكره ابن قدامة في المغني، ٤/ ١٥٤.\n(٤) عثريًّا: العثريّ من الحبوب والثمار: هو الذي عثر على الماء بعروقه بلا عمل من صاحبه، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ١٨٢.\n(٥) النضح: النواضح: هي الإبل يسقى بها لشرب الأرض.\n(٦) البخاري، كتاب الزكاة، باب العشر فيما سُقي من ماء السماء والماء الجاري؛ برقم ١٤٨٣.\n(٧) السانية: الناضح يسقى عليه: سواء كان من الإبل أو البقر. جامع الأصول لابن الأثير، ٤/ ٦١١.\n(٨) مسلم، كتاب الزكاة، باب ما جاء في العشر أو نصف العشر، برقم ٩٨١.","vol":"1","page":102},{"text":"بعلًا (١) -: العشر، وفيما سُقِيَ بالسواني أو النضح: نصف العشر» (٢)؛ ولحديث معاذ بن جبل - ﵁ - قال: «بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقتِ السماء: العشر، وفيما سقي بالدوالي (٣): نصف العشر» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>وأما الإجماع: </span>فأجمع العلماء على أن الصدقة واجبة: في الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر، قاله ابن المنذر، وابن عبد البر (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>ثانيًا: شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>الشرط الأول: أن يكون حبًّا أو ثمرًا</span>؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «ليس في حَبٍّ ولا تمرٍ صدقة حتى يبلغ خمسة أوسقٍ، ولا فيما دون خمس ذودٍ صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة» وفي رواية لمسلم: «... ليس في حبٍّ ولا ثمرٍ صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق ...» (٦) وهذا يدل على وجوب الزكاة في الحب والثمر وانتفائها عن غيرها (٧).\n_________\n(١) البعل: ما شرب بعروقه من الأرض من غير سقي من السماء ولا غيرها، [جامع الأصول لابن الأثير، ٤/ ٦١٣] وجاء في سنن أبي داود برقم ١٥٩٨ عن وكيع: أن البعل الكبوس الذي ينبت من ماء السماء. وجاء عن النضر ابن شميل: البعل ماء المطر. وكذلك عن أبي إياس الأسدي: أن البعل: هو الذي يسقى بماء المطر. والله أعلم.\n(٢) أصله في البخاري، برقم ١٤٨٣، وهذا لفظ أبي داود، برقم ١٥٩٦، والنسائي، برقم ٢٤٨٧.\n(٣) جمع دالية: الدلو أو آلة لإخراج الماء.\n(٤) النسائي، كتاب الزكاة، باب ما يوجب العشر، وما يوجب نصف العشر، برقم ٢٤٨٩، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب صدقة الزرع والثمار، برقم ١٤٨٤ - ١٨٤٥، وقال الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ١٩٣: «حسن صحيح».\n(٥) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٥٤.\n(٦) متفق عليه: البخاري بنحوه، كتاب الزكاة، باب ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة، برقم ١٤٨٤، ومسلم بلفظه، كتاب الزكاة، باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، برقم ١ (٩٧٩.\n(٧) الكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٣١.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>الشرط الثاني: أن يكون مكيلًا</span>؛ لتقديره بالأوسق، وهي مكاييل، فيدل ذلك على اعتبارها (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>الشرط الثالث: أن يكون مما يُدَّخر</span>؛ لأن جميع ما اتفق على زكاته مدخر؛ ولأن غير المدخر لا تكمل ماليته؛ لعدم التمكن من الانتفاع به في المال، فتجب الزكاة في جميع الحبوب والثمار المكيلة التي تدخر: مثل: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وغيرها من كل حبٍّ أو ثمرٍ يكال ويدخر (٢). (٣)\n_________\n(١) المرجع السابق، ٢/ ١٣١.\n(٢) الكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٣٢.\n(٣) اختُلِفَ في الأنواع التي تجب فيها الزكاة: من الحبوب والثمار على النحو الآتي:\n١ - أجمع أهل العلم على أن الزكاة تجب ... في ... البر، والشعير، والتمر، والزبيب إذا بلغ من كلّ صنفٍ منها ما تجب فيه الزكاة [الإجماع لابن المنذر، ص٥١] وقال ﵀ في موضع آخر: «وأجمعوا على أن الصدقة واجبة في: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب» [الإجماع لابن المنذر، ص٥٢].\n٢ - مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن الزكاة تجب: في كل حبٍّ وثمرٍ يكال ويدخر مما ينبته الآدمي في أرضه إذا بلغ نصابًا قدره خمسة أوسق؛ لقوله - ﷺ -: «ليس في حب ولا ثمرٍ صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق ...» [البخاري، ١٤٨٤، ومسلم، ٩٧٩] ويدخل في هذا عند الإمام أحمد: الحبوب كلها: كالحنطة - وهي تطلق على البر، والقمح، والسمراء – والشعير، والأرز، والدخن، والذرة، والباقلا – الفول – والعدس، والحمص، والحلبة، والسمسم، حتى ولو لم يكن قوتًا: كحب الرشاد، والفجل، والقرطم – وهو حب العصفر – والأبازير – جمع بذر وهو حب يبذر للنبات، والكمون، والحبة السوداء، وغيرها مما أشبهها، فهذه غير قوت؛ ولكنها حب يخرج من الزرع ... وفي كل ثمر يكال ويدخر: كالتمر، والزبيب، واللوز، والفستق، والبندق.\nوفي رواية للإمام أحمد: أن الزكاة لا تجب إلا في أربعة أصناف فقط: البر، والشعير، والتمر، والزبيب؛ لحديث أبي موسى ومعاذ ﵄ حين بعثهما رسول الله - ﷺ - إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم: «لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب والتمر» [الدارقطني، ٢٠١، والحاكم، ١/ ٤٠١، والبيهقي، ٤/ ١٢٨، وابن أبي شيبة، ٤/ ١٩] وضُعِّف، ولكن قد صححه الألباني في الإرواء برقم ٨٠١، والأحاديث الصحيحة، برقم ٨٧٩، والله أعلم]. وانظر: المغني، لابن قدامة، ٤/ ١٥٤ - ١٥٦.\nولا زكاة في سائر الفواكه عند الإمام أحمد: كالخوخ، والكمثرى، والتفاح، والمشمش، والتين، والجوز، ولا في الخضراوات: كالقثاء، والخيار، والباذنجان، والجزر، وغيرها من الخضراوات ... [المغني، ٤/ ١٥٦]؛ لحديث معاذ - ﵁ - أنه كتب إلى النبي - ﷺ - يسأله عن الخضراوات؟ – وهي البقول - فقال: «ليس فيها شيء» [الترمذي، برقم ٦٣٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٥٠]، وفي إرواء الغليل، ٣/ ٢٧٩، قال الإمام الترمذي على هذا الحديث: «والعمل على هذا عند أهل العلم أن ليس في الخضراوات صدقة».\n٣ - عند الإمام مالك والشافعي رحمهما الله تعالى: لا زكاة في ثمرٍ إلا التمر والزبيب، ولا في حب إلا ما كان قوتًا في حالة الاختيار لذلك، إلا في الزيتون على اختلاف. [المغني، ٤/ ١٥٦] فأخذ من هذا أن الزكاة تجب عند الإمام مالك والشافعي في كل ما كان مكيلًا مدخرًا قوتًا، ولا تجب في غير ذلك ولا في جميع الخضراوات.\n٤ - عند أبي حنيفة ﵀: أن الزكاة تجب في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب، والقصب، والحشيش؛ لعموم قوله - ﷺ -: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا: العشر، وما سقي بالنضح: نصف العشر» [البخاري، برقم ١٤٨٣].\nوأقرب الأقوال قول الحنابلة، والله تعالى أعلم. [المغني، ٤/ ١٥٦، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف ٦/ ٤٩٤، والشرح الممتع، ٤/ ٧٢].\nوقد اختلف العلماء في زكاة الزيتون:\nفعن الإمام أحمد ﵀ روايتان:\nالرواية الأولى: أن فيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وإن عصر قُوِّم ثمنه؛ لأن الزيت له بقاء، وهذا قول: الزهري، والأوزاعي، ومالك، والليث، والثوري، وأبي ثور، وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي، وروي عن ابن عباس؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] في سياق قوله: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾؛ ولأنه يمكن ادخار غلته أشبه التمر والزبيب.\nوالرواية الثانية: عن الإمام أحمد ﵀: «أن الزيتون لا زكاة فيه، وهو اختيار أبي بكر وظاهر كلام الخرقي، وهذا قول: ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وأبي عبيد، وأحد قولي الشافعي؛ لأنه لا يدخر يابسًا فهو كالخضراوات، والآية لم يُرَد فيها الزكاة؛ لأنها مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة؟ ولهذا ذكر الرمان ولا عشر فيه ...» [المغني لابن قدامة ﵀، ٤/ ١٦٠ - ١٦١، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٥٠٣]. [وهذا القول الذي رجحه شيخنا ابن باز ﵀: وهو أن الزيتون لا زكاة فيه؛ لأنه من الخضراوات والفواكه] [فتاوى ابن باز، ٤/ ٧٠].","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>الشرط الرابع: أن ينبت بإنبات الآدمي في أرضه: </span>فأما النابت بنفسه فلا زكاة فيه؛ لأنه إنما يملك بحيازته، والزكاة إنما تجب ببدو الصلاح، ولم","vol":"1","page":105},{"text":"يكن ملكًا له حينئذٍ فلم تجب زكاته (١) وعبّر البعض عن هذا الشرط بقوله:\n«ويعتبر أن يكون النصاب مملوكًا له وقت وجوب الزكاة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>الشرط الخامس: أن يبلغ نصابًا </span>قدره خمسة أوسق؛ لقول النبي - ﷺ -:\n«ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ...» (٣).\nوالوسق ستون صاعًا (٤)، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء كفي الرجل المعتدل، فيكون الصاع أربع حفنات بكفي الرجل المعتدل (٥). وتعتبر خمسة الأوسق بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمر (٦).\nوذكر الزركشي ﵀ شروطًا قريبًا من هذه الشروط، فقال:\n«يشترط في وجوب الزكاة في الخارج من الأرض شروط:\nأحدها: أن يكون مما ييبس فلا تجب في الخضراوات.\nالشرط الثاني: أن يكون مما يبقى – أي يدخر عادة - فلا تجب في التين ونحوه (٧).\n_________\n(١) الكافي، ٢/ ١٣٤.\n(٢) الروض المربع، انظر: الشرح الممتع، ٦/ ٧٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٨٤، ومسلم، برقم ٩٧٩، وتقدم تخريجه.\n(٤) الكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٣٥.\n(٥) حاشية ابن قاسم على الروض، ٤/ ٢٢٢.\n(٦) المغني، ٤/ ١٦٢.\n(٧) ونص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على وجوب الزكاة في التين؛ لادخاره، وإنما اعتبر الكيل والوزن في الربويات، لأجل التماثل المعتبر فيها، وهو غير معتبر هاهنا ... ورجح أن المعتبر لوجود زكاة الخارج من الأرض: هو الادخار لا غير؛ لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه بخلاف الكيل، فإنه تقدير محض فالوزن في معناه ... [الاختيارات الفقهية، ص١٤٩].\n[ورجح الإمام ابن باز ﵀ أن: (التين والزيتون لا تجب فيهما الزكاة في أصح قولي العلماء؛ لأنهما من الخضراوات والفواكه]. [فتاوى ابن باز، ١٤/ ٧٠].","vol":"1","page":106},{"text":"الشرط الثالث: أن يكون مما يكال، فلا تجب في الجزر ... والتين ... ونحوها.\nالشرط الرابع: أن يبلغ خمسة أوسق» (١) والله تعالى أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>ثالثًا: تضم ثمرة العام الواحد لبعضها في تكميل النصاب:</span>\nفالتمر أنواع كثيرة يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فمثلًا: السكري، والبرحي، والخلاص، وغير هذه الأنواع يضم بعضها إلى بعضٍ في تكميل النصاب.\nوكذلك الزبيب أنواع يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. ولا يضم الجنس إلى جنس آخر: فلا يضم التمر إلى الزبيب ولا الزبيب إلى التمر في تكميل النصاب؛ لاختلاف الجنس؛ وإنما يضم أنواع الجنس الواحد إلى بعضه في تكميل النصاب.\n_________\n(١) شرح الزركشي على مختصر الخرقي، ٢/ ٢٦٧ - ٢٧٠.\n(٢) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في نصاب الحبوب والثمار على قولين:\nالقول الأول: أن الزكاة لا تجب في شيء من الحبوب والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عمر، وجابر، وأبو أمامة بن سهلٍ، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء، ومكحول، والحكم، والنخعي، ومالك، وأهل المدينة، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد وسائر أهل العلم، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا نعلم أحدًا خالفهم إلا مجاهدًا وأبا حنيفة ومن تابعه».\nالقول الثاني: مجاهد، وأبو حنيفة ومن تابعه، قالوا: تجب الزكاة في قليل ذلك وكثيره؛ لعموم قوله - ﷺ -: «فيما سقت السماء: العشر»؛ ولأنه لا يعتبر له حول، فلا يعتبر له نصاب، قال الإمام ابن قدامة: «ولنا قول النبي - ﷺ -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» متفق عليه: وهذا خاص يجب تقديمه وتخصيص عموم ما رووه به» [المغني، ٤/ ١٦١].","vol":"1","page":107},{"text":"وكذلك ما يحمل في السنة الواحدة حملين يضم كل نوع إلى جنسه من الثمرة (١).\nوتضم أنواع الحبوب إلى بعضها من كل جنس، فجنس الحنطة أنواع يضم بعضها إلى بعض، والشعير أنواع يضم بعضها إلى بعض، وهكذا لو جذّ الزرع ثم ظهر زرع آخر في نفس العام ضم بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، ولا يضم الجنس إلى جنس آخر، فلا يضم البر إلى الشعير، ولا الذرة إلى الشعير؛ لاختلاف الأجناس: وكذلك إذا كان للرجل بساتين في أماكن مختلفة، فإنه يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب (٢).\n_________\n(١) قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا خلاف بين أهل العلم في غير الحبوب والأثمان أنه لا يضم جنس إلى جنس آخر في تكميل النصاب، فالماشية ثلاثة أجناس: الإبل، والبقر، والغنم، لا يضم جنس منها إلى آخر، والثمار لا يضم جنس إلى غيره: فلا يضم التمر إلى الزبيب، ولا إلى اللوز والفستق، ولا يضم شيء من هذه إلى غيره، ولا تضم الأثمان إلى شيء من السائمة، ولا من الحبوب والثمار، ولا خلاف بينهم في أن أنواع الأجناس يضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب، ولا نعلم بينهم أيضًا خلافًا في أن العروض تضم إلى الأثمان وتضم الأثمان إليها، إلا أن الشافعي لا يضمها إلا إلى جنس ما اشتريت به؛ لأن نصابها معتبر به» [المغني، ٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٥٢٠].\n(٢) وذكر الإمام ابن قدامة ﵀: أن العلماء اختلفوا في ضم الحبوب بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، وفي ضم النقدين إلى الآخر، فروي عن الإمام أحمد في الحبوب ثلاث روايات:\nالرواية الأولى: لا يضم جنس منها إلى غيره، ويعتبر النصاب في كل جنس منها منفردًا، وهذا قول: عطاء ومكحول، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح، وشريك والشافعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنّها أجناس فاعتبر النصاب في كل جنس منها منفردًا: كالثمار والمواشي.\nوالرواية الثانية أن الحبوب كلها تضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب. وهذا قول عكرمة وحكاه ابن المنذر عن طاووس.\nوالرواية الثالثة: أن الحنطة تضم إلى الشعير، وتضم القطنيات بعضها إلى بعض – وهي صنوف الحبوب: من العدس، والحمص، والأرز، والسمسم، والدخن، والفول – وحكاه الخرقي عن أحمد، وهو مذهب الإمام مالك.\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «والرواية الأولى أولى إن شاء الله تعالى؛ لأنها أجناس يجوز التفاضل فيها فلم يضم بعضها إلى بعض كالثمار» [المغني، ٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥].\nوانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٥١٨ - ٥٢٢، والمغني، ٤/ ٢٠٧، والكافي، ٢/ ١٣٧، والشرح الممتع، ٦/ ٧٧.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>رابعًا: تجب الزكاة في الحبوب والثمار:</span>\nإذا اشتد الحبُّ فصار قويًّا لا ينضغط إذا ضُغِطَ، وجبت الزكاة فيه. وإذا بدا صلاح الثمر: فاحمرَّ أو اصفرَّ في ثمر النخيل، وفي العنب: أن يموّه حلوًا: أي بدلًا من أن يكون قاسيًا يكون لينًا متموِّهًا وبدلًا من أن يكون حامضًا يكون حلوًا. فإذا اشتدَّ الحبّ وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة، وقد ثبت تفسير بدوِّ الصلاح عن النبي - ﷺ - من حديث أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: أنه: نَهَى عن بيع الثمار حتى تُزهي. قيل: وما زَهْوَها؟ قال: «تَحْمَارُّ وتصفارُّ» (١) وعنه - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - «نَهى عن بيع العنب حتى يسودَّ، وعن بيع الحبِّ حتى يشتدَّ» (٢)، وعن ابن عمر ﵄ قال:\n«نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمار حتى يبدُوَ صلاحها، نهى البائع والمبتاع». وفي لفظ للبخاري: كان إذا سُئل عن صلاحها قال:\n«حتى تذهب عاهتها» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، بابٌ: من باع ثماره أو نخله، أو أرضه، أو زرعه، وقد وجب فيه العشر أو الصدقة فأدى الزكاة من غيره أو باع ثماره ولم تجب فيه الصدقة، برقم ١٤٨٨، ورقم ٢١٩٧. ومسلم، كتاب المساقاة، باب وضع الجوائح، برقم ١٥٥٥.\n(٢) رواه الخمسة إلا النسائي: أبو داود، كتاب البيوع، باب في بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها، رقم ٣٣٧١، والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، رقم ١٢٢٨، وابن ماجه، كتاب التجارات، باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، رقم ٢٢١٧، وأحمد، ٣/ ٢٢١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ٣٤٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الثمار قبل أن يبدوَ صلاحها، برقم ٢١٩٤، ورقم ١٤٨٦، ومسلم، كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها بغير شرط القطع، برقم ١٥٣٤.","vol":"1","page":109},{"text":"فإذا بدا صلاح الثمرة، واشتدّ الحبّ، وجبت الزّكاة في الحبوب والثمار (١) وفائدة ذلك: أن المالك لو تصرف في الثمرة أو الحب قبل الوجوب لا شيء عليه؛ لأنه تصرَّف قبل الوجوب، فأشبه ما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول، إلا أن يقصد الفرار من الزكاة فتجب عليه، وإن تصرف فيها بعد الوجوب لم تسقط الزكاة عنه، كما لو فعل ذلك في السائمة بعد اكتمال الحول، ولا يستقر الوجوب حتى تصير الثمرة في الجرين والزرع في البيدر، ولو تلف قبل ذلك بغير إتلافه أو تفريط منه فيه فلا زكاة عليه، سواء خرصت أو لم تخرص؛ لأنّها في حكم ما لم تثبت اليد عليه، وإن تلفت بعد جعلها في الجرين فحكمها حكم السائمة بعد الحول يضمنها؛ لأنه استقر الوجوب في ذمته فصارت دينًا عليه (٢).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-197>على هذا فيكون للثمر والزرع ثلاثة أحوال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الحالة الأولى: أن يتلف قبل وجوب الزكاة: </span>أي قبل اشتداد الحبِّ وقبل بدوِّ صلاح الثمر، فهذا لا شيء على المالك مطلقًا سواء تلف: بتعدٍّ أو تفريط أو بغير ذلك، إلا إذا قصد بذلك الفرار من الزكاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>الحالة الثانية: أن يتلف بعد الوجوب: </span>أي بعد اشتداد الحبِّ وبدوّ\n_________\n(١) قال ابن قدامة ﵀: «وقال ابن أبي موسى: تجب زكاة الحب يوم حصاده؛ لقوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾» [الأنعام: ١٤١]، [المغني، ٤/ ١٦٩] وقال بذلك: محمد بن مسلمة من المالكية، ولكن جمهور أهل العلم: أن وقت الوجوب في الحب إذا اشتد وفي الثمر إذا بدا صلاحه [حاشية الروض المربع المحقق، ٤/ ٨٩].\n(٢) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٦٩ - ١٧١، والكافي، ٢/ ١٣٨.","vol":"1","page":110},{"text":"صلاح الثمر، لكن لم يجعله في البيدر أو الجرين ففي ذلك تفصيل: إن كان بِتَعَدٍّ من المالك أو تفريط؛ فإنه يضمن الزكاة، وإن كان بلا تعدٍّ ولا تفريط لم يضمن الزكاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>الحالة الثالثة: أن يتلف بعد جعله في الجرين </span>أو البيدر فتجب عليه الزكاة مطلقًا: سواء فرَّط أو تعدَّ أو لم يفرط ولم يتعدَّ؛ لأن الزكاة استقرت في ذمته فصارت دينًا عليه (١).\nقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «والصحيح في الحالة الثالثة أنّها لا تجب الزكاة عليه ما لم يتعدَّ أو يفرط؛ لأن المال عنده بعد وضعه في الجرين أمانة؛ فإن تعدّى أو فرط: بأن أَخَّر صرف الزكاة حتى سرق المال أو ما أشبه ذلك فهو ضامن، وإن لم يتعدَّ ولم يفرط وكان مجتهدًا في أن يبادر بتخليصه ولكنه تلف مع كمال التحفظ والحراسة فلا يضمن» (٢) والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>خامسًا: قدر الزكاة في الحبوب والثمار على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>١ - يجب العشر فيما سُقي بلا مؤنة: </span>كالزرع الذي يشرب من الأمطار، والأنْهَار، والعيون التي تجري، وما يشرب بعروقه: وهو الذي يزرع ويغرس في أرضٍ ماؤها قريب من وجه الأرض فتصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي، وكذلك ما كانت عروقه تصل إلى نهر أو ساقية، وكذلك ما يشرب من السيوح - وهي المياه الجارية على وجه الأرض: من الأنهار، والسواقي وغيرها -.\n_________\n(١) انظر: المغني، ٤/ ١٧٠ - ١٧١، والكافي، ٢/ ١٣٩، والشرح الممتع، ٦/ ٨٧.\n(٢) الشرح الممتع، ٦/ ٨٧ - ٨٨.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>٢ - يجب نصف العشر فيما سُقِيَ بمؤنة: </span>كالدّوالي - وهي الدولاب وهي الدلاء - والنّواضح - وهي الإبل، والبقر، وسائر الحيوانات -، وما يُسقى بالغروب والسواني، والمكائن، والآلات: كالرشاشات التي ترش الماء وتوزعه على الزرع (١). والأصل في هذا كله حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «فيما سقت السماء، والعيون، أو كان عثريًّا: العشر، وما سُقي بالنضح: نصف العشر» (٢)؛ ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «فيما سقت الأنهارُ والغيمُ: العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر» (٣)؛ ولحديث معاذ - ﵁ - قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن فأمرني: «أن آخذ مما سقتِ السماء العشر، وفيما سُقِيَ بالدوالي نصف العشر» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>٣ - ويجب ثلاثة أرباع العشر فيما يشرب بمؤنة نصف</span>، ويشرب بغير مؤنة نصف، ومثاله: نخل يُسقى نصف العام بمؤنة، ويُسقى النصف الثاني من العام بغير مؤنة: أي الصيف يُسقى بمؤنة، والشتاء يُسقى من الأمطار، فهذا فيه ثلاثة أرباع العشر؛ لأن كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وجد نصفه أوجب نصفه، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>٤ - ما يُسقى بمؤنة وبغير مؤنة مع الاختلاف: </span>أي يُسقى\n_________\n(١) قال ابن قدامة ﵀: «لا نعلم في هذا خلافًا، وهو قول مالك والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي» [المغني، ٤/ ١٦٤].\n(٢) البخاري، برقم ١٤٨٣، وتقدم تخريجه في أول الباب.\n(٣) مسلم، برقم ٩٨١، وتقدم تخريجه.\n(٤) النسائي، برقم ٢٤٨٩، وابن ماجه، برقم ١٤٨٤ - ١٨٤٥، وتقدم تخريجه.\n(٥) المغني، ٤/ ١٦٥، والشرح الكبير، ٦/ ٥٣٠، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٢٧٧.","vol":"1","page":112},{"text":"أحدهما أكثر من الآخر: فالذي يكثر انتفاع النخل بسقيه، أو الشجر، أو الزرع فهو المعتبر، فإذا كان نموّه بمؤنة أكثر منه فيما إذا شرب بلا مؤنة فالمعتبر نصف العشر؛ لأن سقيه بالمؤنة أكثر نفعًا فاعتبر به، وإذا كان نموّه بغير مؤنة أكثر نفعًا فالمعتبر العشر، فاعتبر بالأكثر كالسوم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>٥ - وإن جُهِلَ المقدار غلَّبنا إيجاب العشر</span>؛ لأنه الأصل، فالأصل وجوب الزكاة: العشر حتى نعلم أنه سُقِيَ بمؤنة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>سادسًا: خرص النخيل والأعناب إذا بدا صلاح الثمر:</span>\nيُسَنُّ للإمام أن يرسل ساعيًا إلى أهل النخيل والأعناب إذا بدا صلاح الثمر فيخرصه (٣) عليهم؛ ليتصرَّفوا في ثمارهم، ويعرِّف الساعي المالك قدر الزكاة كيلًا، ثم يخلي بينهم وبين ثمرهم؛ ليأكلوا أو يتصرَّفوا فيه، ثم يُؤدُّون الزكاة عند الجذاذ على قدر ما خُرِص، وهذا فيه توسعة على أهل الثمار؛ ليأكلوا، أو يبيعوا، أو يتصرَّفوا (٤) والخرص لثمر النخيل والأعناب فيه مسائل\n_________\n(١) قال الإمام ابن قدامة ﵀: «نص عليه أحمد وهو قول: عطاء، والثوري، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وقال ابن حامد: يؤخذ بالقسط وهو القول الثاني للشافعي؛ لأنهما لو كانا نصفين أخذ بالحصة فكذلك إذا كان أحدهما أكثر ...» [المغني، ٤/ ١٦٦].\n(٢) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٦٦.\n(٣) الخرص: حزر مقدار الثمرة في رؤوس النخل وشجر العنب وزنًا بعد أن يطوف به الساعي ثم يقدره تمرًا، وزبيبًا، ثم يعرِّف المالك قدر الزكاة. [الإقناع لطالب الانتفاع، ١/ ٤٢٢].\n(٤) اختلف العلماء في الخرص: فقال الإمام أحمد ﵀ بالخرص في النخيل والأعناب فقط، وبه قال عطاء، والزهري، ومالك، والشافعي، وأكثر أهل العلم [الشرح الكبير، ٦/ ٥٤٦، والمغني، ٤/ ١٧٨] قال الخطابي ﵀: «... والخرص عُمِلَ به في حياة النبي - ﷺ -، حتى مات، ثم أبو بكر وعمر فمن بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم ولا من التابعين تركه إلا عن الشعبي» [انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣٤٤].\nفَحُكِيَ عن الشعبي، أن الخرص بدعة، وقال أهل الرأي: الخرص ظن وتخمين لا يلزم به حكم، وإنما كان تخويفًا للأكرة: أي الحراث من الخيانة.\nوالصواب القول الأول وهو قول الجماهير من أهل العلم [الشرح الكبير، ٦/ ٥٤٦].","vol":"1","page":113},{"text":"على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>١ - ثبتت مشروعية الخرص في السنة عن النبي - ﷺ </span>-؛ لحديث أبي حميد الساعدي - ﵁ - قال: غزونا مع النبي - ﷺ - غزوة تبوك فلما جاء وادي القرى إذا امرأةٌ في حديقةٍ لها فقال النبي - ﷺ - لأصحابه: «اخرصوا» وخرص رسول الله - ﷺ - عشرة أوسق، فقال لها: «أحصي ما يخرج منها» ... فلما أتى وادي القرى قال للمرأة: «كم جاء حديقتك»؟ قالت: «عشرة أوسقٍ خَرْصَ رسولِ الله - ﷺ - ...» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «فيه جواز الخرص حتى يتصرف أهل النخيل في نخيلهم، والخرص يخرص بما يؤول إليه تمرًا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>٢ - يستحب أن يبعث الإمام من يخرص الثمار عند بدوِّ الصلاح</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄؛ أن النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر، اشترط عليهم أنَّ له الأرض، وكُلَّ صفراءَ وبيضاء - يعني الذهب والفضة - وقال له أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض فأعطناها على أن نعملها ويكون لنا نصف الثمرة ولكم نصفُها، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين تصرم النخل بعث إليهم ابن رواحة فحزر (٣) النخل، وهو الذي يدعونه أهل المدينة: الخرص، فقال: في ذا كذا وكذا، فقالوا: أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال: فأنا أحزر النخل وأعطيكم نصف الذي قلتُ: قال:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري بلفظه، كتاب الزكاة، باب خرص التمر، برقم ١٤٨١، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ -، برقم ١٣٩٢.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٤٨١.\n(٣) حزر: قدَّر. [فتح الباري، لابن حجر، المقدمة، ص١٠٤].","vol":"1","page":114},{"text":"فقالوا: هذا الحقُّ وبه تقوم السماءُ والأرضُ. فقالوا: قد رضينا أن نأخذ بالذي قلتَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>٣ - يجزئ أن يرسل الإمام خارصًا واحدًا</span>؛ للحديث السابق؛ ولأنه يفعل ما يؤديه إليه اجتهاده فجاز أن يكون واحدًا، كالحاكم، ويعتبر أن يكون مسلمًا، أمينًا، غير متهم، ذا خبرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>٤ - يخرص الرطب والعنب</span>؛ لحديث عتابِ بنِ أُسيدٍ - ﵁ - قال: أمر رسول الله - ﷺ -: «أن يُخرصَ العنبُ كما يخرصُ النخلُ، وتؤخَذَ زكاتُهُ زبيبًا كما تؤخَذُ صدقةُ النخلِ تمرًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>٥ - يترك الخارص لصاحب الثمار الثلث أو الربع</span>، توسعة على رب المال؛ لأنه يحتاج إلى الأكل هو وأضيافه، ويطعم جيرانه وأهله، ويأكل منها المارَّةُ، ويكون في الثمرة الساقطة، وينتابها الطير، فلو استوفى الكلّ\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب خرص النخل والعنب، برقم ١٤٨٥ - ١٨٤٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٠٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في خرص العنب، برقم ١٦٠٣، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الخرص، برقم ٦٤٤، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب خرص النخل والعنب، برقم ١٨١٩، والنسائي، كتاب الزكاة، باب شراء الصدقة، برقم ٢٦١٨. والحديث قال عنه أبو داود: «وسعيد - يعني ابن المسيب - لم يسمع من عتابٍ شيئًا» وقال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: «وفيه انقطاع» قال الإمام ابن باز ﵀: «لأنه من رواية سعيد بن المسيب عن عتاب وسعيد لم يدرك عتابًا، لكن مراسيل سعيد جيدة، والحديث له شواهد كحديث سهل بن أبي حثمة - ﵁ -» [حاشية ابن باز على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٩٠].\nوسمعته أيضًا ﵀ يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٣٩: «هذا إما مرسل جيد من مراسيل سعيد بن المسيب، وإما متصل إذا سمع سعيد من عتاب؛ ولهذا عمل به الأئمة ويشهد له حديث سهل في شرعية الخرص» [والحديث ضعفه الألباني؛ لانقطاعه كما تقدم].","vol":"1","page":115},{"text":"أضرّ بِهم، والمرجع في تقدير المتروك إلى اجتهاد الساعي الخارص، فإن رأى الأكلة كثيرًا ترك الثلث، وإلا ترك الربع؛ لحديث سهل بن أبي حثمة - ﵁ - قال: أمرنا رسول الله - ﷺ -: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع» (١) وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «هذا يدل على الخرص، وأنه مستحب، فإن تُرِكوا وصُدِّقوا فلا بأس، والخرص عليهم هو السنة؛ لأن فيه مصالح منها:\n١ - معرفة مبلغ هذا التمر، والعنب.\n٢ - التوسعة على أهله: يتصرَّفون، ويبيعون، وقد عرفوا ما لديهم من الزكاة، والسنة أن يترك لهم الربع أو الثلث، يتحرّى الخارص على حسب ضيوفهم وكثرتهم فيدع ما هو الأنسب» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>سابعًا: زكاة الحبوب والثمار على مستأجر الأرض:</span>\nقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «ومن استأجر أرضًا فزرعها فالعشر عليه دون مالك الأرض» (٣) وقال ﵀: «ولو استعار أرضًا\n_________\n(١) أحمد، ٣/ ٤٤٨، ٤/ ٢، ٣، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب في الخرص، برقم ١٦٠٥، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الخرص، برقم ٦٤٣، والنسائي، كتاب الزكاة، باب كم يترك الخارص؟ برقم ٢٤٩١، وصححه ابن حبان، برقم ٣٢٨٠، والحاكم، ١/ ٤٠٢، قال الإمام ابن باز رحمه الله تعالى في حاشيته على بلوغ المرام الحديث، رقم ٥٨٩: «كلهم من رواية عبد الرحمن بن مسعود بن نيار عن سهل المذكور، ورجاله ثقات ما عدا عبد الرحمن المذكور، قال الحافظ في التقريب: مقبول، وقال في تهذيب التهذيب: وثقه ابن حبان، وقال البزار: معروف، وبذلك يعتبر إسناده حسنًا؛ لِمَا ذُكِرَ؛ ولِمَا له من الشواهد منها حديث عتاب المذكور بعده، والله ولي التوفيق. حرر في ٨/ ٥/١٤١٦هـ\".\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٣٨.\n(٣) فالجمهور على أن زكاة الحبوب والثمار على مستأجر الأرض: أحمد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: هي على مالك الأرض، ويرد عليه: أن الزكاة واجبة في الزرع فكانت على مالكه، وهو المستأجر. [المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٠١].","vol":"1","page":116},{"text":"فزرعها فالزكاة على صاحب الزرع؛ لأنه مالكه، وإن غصبها فزرعها وأخذ الزرع فالعشر عليه أيضًا؛ لأنه ثبت على ملكه، وإن أخذه مالكها قبل اشتداد حبه فالعشر عليه، وإن أخذه بعد ذلك احتمل أن يجب عليه أيضًا؛ لأن أخذه إياه استند إلى أول زرعه، فكأنه أخذه من تلك الحال، ويحتمل أن تكون زكاته على الغاصب؛ لأنه كان مالكًا له حين وجوب عشره، وهو حين اشتداد حبه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>ثامنًا: زكاة الحبوب والثمار: المزارعة، والمساقاة</span>.\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وإن زارع رجلًا مزارعة فاسدة فالعشر على من يجب الزرع له، وإن كانت صحيحة فعلى كل واحد منهما عشر حصته إن بلغت خمسة أوسق أو كان له من الزرع ما يبلغ بضمه إليها خمسة أوسق، وإلا فلا عشر عليه» (٢) أي لا زكاة على من لم يبلغ عنده النصاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>تاسعًا: يجتمع العشر والخراج في الأرض الخراجية:</span>\nالأرض قسمان: أرض صلح، وأرض عنوة:\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-216>أما أرض الصلح: </span>فهي كل أرض صُولِحَ أهلها عليها؛ لتكون لهم ويؤدون عنها خراجًا معلومًا، فهذه الأرض مِلك لأهلها، وهذا الخراج في حكم الجزية متى أسلموا سقط عنهم، وإن انتقلت إلى مسلم لم يكن عليهم خراج. وهذه الأرض تجب الزكاة في حبوبها وثمارها إذا لم يكن\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٠٢.\n(٢) المرجع السابق، ٤/ ٢٠٢.","vol":"1","page":117},{"text":"عليها خراج؛ لأن الخراج في أرض الصلح لا يؤخذ إلا من الكفار ولا زكاة فيها في هذه الحالة. أي مادامت في أيدي أهلها الكفار، فإذا أسلموا أو انتقلت إلى مسلم سقط الخراج ووجبت الزكاة في ثمارها وحبوبها إذا اكتملت شروط وجوب الزكاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>وأما أرض العنوة </span>فهي ما أُجلِيَ عنها أهلها بالسيف؛ لامتناعهم عن الدخول في الإسلام أو عن دفع الجزية، فإذا لم تقسم بين الغانمين فهذه تصير وقفًا للمسلمين يضرب عليها خراجٌ معلومٌ يؤخذ منها في كل عامٍ يكون أجرةً لها، ثم ينظر في باقي ثمرتها وحبوبها فإن كان الباقي نصابًا ففيه الزكاة إن كانت بيد مسلم، وإن لم يبلغ الباقي نصابًا أو بلغ نصابًا ولم يكن لمسلم فلا زكاة فيه.\nفعلى هذا<span data-type=\"title\" id=toc-218> يجتمع العشر والخراج في أرض فتحت عنوة: </span>الخراج في رقبتها، والعشر زكاة في غلتها؛ لأن الخراج كالأجرة (١). والله تعالى أعلم (٢).\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ١٨٦ - ٢٠٠، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٥٥٨، ومنتهى الإرادات، ١/ ٤٧٧، وشرح الزركشي، ٢/ ٤٨٠، والكافي، ٢/ ١٤٤.\n(٢) وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى ومنهم الإمام أحمد، وهو قول عمر ابن عبد العزيز، والزهري، ويحيى الأنصاري، وربيعة، والأوزاعي، والإمام مالك، والثوري، ومغيرة، والليث، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وابن المبارك، والإمام الشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد. قالوا: ما فتح من الأرض عنوة ووُقف على المسلمين، وضرب عليه خراجٌ معلومٌ فإنه يؤدى الخراج عن غلته وينظر في باقيه فإن كان نصابًا ففيه الزكاة إذا كان لمسلم، وإن لم يبلغ نصابًا أو بلغ نصابًا ولم يكن لمسلم فلا زكاة فيه؛ فإن الزكاة لا تجب على غير المسلمين، وكذلك الحكم في كل أرض خراجية.\nوأما أبو حنيفة ﵀ ومن معه من أصحاب الرأي فقالوا: لا عشر في الأرض الخراجية واستدلوا بحديث ضعيف «لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم» والصواب: اجتماع العشر والخراج بالضوابط المتقدمة. [انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ١٩٩].","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>عاشرًا: الزكاة لا تؤخذ من رديء المال</span>؛ لقول الله تعالى:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١)؛ ولحديث البراء بن عازب في قوله سبحانه: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال: «نزلت في الأنصار؛ كانت الأنصار تخرج – إذا كان جدادُ (٢) النخل – من حيطانها (٣) أقناء البسر (٤) فَيُعلِّقونه على حبلٍ بين اسطوانتين في مسجد رسول الله - ﷺ - فيأكل منه فقراء المهاجرين، فيعمد أحدهم فيدخلُ قنوًا فيه الحشف (٥) يظن أنه جائز في كثرة ما يوضع من الأقناء، فنَزَلَ فيمن فعل ذلك: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ يقول: لا تعمدوا للحشف منه تنفقون ﴿وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو أهدي لكم ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه، غيظًا أنه بعث إليكم ما لم يكن لكم فيه حاجةٌ، واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم» (٦).\nوعن أبي أمامة - ﵁ -: في الآية التي قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال: «هو الجعرور (٧) ولون حبيقٍ (٨)، فنهى رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.\n(٢) جداد: أوان قطع ثمر النخل [المعجم الوسيط].\n(٣) حيطانها: أي بساتينها.\n(٤) أقناء البسر: أقناء: جمع قنو: وهو العِذق، والبسر: تمر النخل قبل أن يُرطب.\n(٥) الحشف: اليابس الفاسد من التمر.\n(٦) ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب النهي أن يخرج في الصدقة شر ماله، برقم ١٤٨٦ - ١٨١٨، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١١٠.\n(٧) الجعرور: نوع من الدقل رديء التمر، يحمل رطبًا صغارًا لا خير فيه. النهاية في غريب الحديث.\n(٨) الحبيق: نوع من أنواع التمر الرديء منسوب إلى ابن حبيق، وهو رجل. [النهاية في غريب الحديث].","vol":"1","page":119},{"text":"أن تؤخذ في الصدقة: الرُّذالة» (١).\nوعن عوف بن مالك - ﵁ -، قال: دخل علينا رسول الله - ﷺ - المسجد وبيده عصًا وقد علّق رجل قِنْوَ حشفٍ فجعل يطعن بالعصا في ذلك القِنوِ، وقال: «لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها» وقال: «إن ربَّ هذه الصدقة يأكل حشفًا يوم القيامة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>الحادي عشر: زكاة العسل المحمي والمتخذ للتجارة </span>(٣)؛\n_________\n(١) النسائي، كتاب الزكاة، باب قوله - ﷿ -: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، برقم ٢٤٩٢، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب ما لا يجوز من الثمرة في الصدقة، برقم ١٦٠٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٤٤٦.\n(٢) النسائي، كتاب الزكاة، باب قوله - ﷿ -: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، برقم ٢٤٩٢، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب ما لا يجوز من الثمرة في الصدقة، برقم ١٦٠٨، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب النهي أن يخرج في الصدقة شر ماله، برقم ١٤٨٦ - ١٨٤٨، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٤٧.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في زكاة العسل على أقوال:\n١ - مذهب أحمد أن في العسل العشر، ويروى هذا القول أيضًا عن عمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري، وسليمان ابن موسى، والأوزاعي، وإسحاق، واستدلوا بحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده.\n٢ - وقال مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وابن المنذر: لا زكاة فيه؛ لأنه مائع خارج من حيوان أشبه اللبن، قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت ولا إجماع فلا زكاة فيه [وقال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه، قبل الحديث رقم ١٤٨٣: ولم ير عمر ابن عبد العزيز في العسل شيئًا].\n٣ - قال أبو حنيفة: إن كان في أرض العشر ففيه الزكاة وإلا فلا زكاة فيه ... وقول أبي حنيفة ينبني على أن العشر والخراج لا يجتمعان، وتقدم أن الصواب: اجتماع العشر والخراج [انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ١٨٣].\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، ٣/ ٣٤٧:\n«والعسل ليس مما ينضح ولا يسقى وإنما هو من النحل، والراجح أنه ليس فيه زكاة إلا إذا كان للتجارة ففيه الزكاة: زكاة عروض التجارة» وكذلك سمعته يقول أثناء تقريره على منتقى الأخبار لأبي البركات ابن تيمية أثناء تقريره على الأحاديث ٢٠٠٩ - ٢٠١٢: «وقد اختلف العلماء في زكاة العسل على قولين: [القول الأول] جزم البخاري ﵀ وابن المنذر أنه لا يصح في زكاته شيء.\n[القول الثاني] وقال آخرون يصح به الحديث وأنه فيه الزكاة كما في الذي ليس له مؤنة من المزارع التي لا تسقى ...».\nورجح ﵀ أن العسل لا تجب فيه الزكاة إلا إذا كان من عروض التجارة، ولكن لو أدوا الزكاة حُمي لهم، وإلا فلا. لكن لو أدَّى العشر كان أحوط، وقبل منه من كل عشر قرب قربة، وإن لم يؤدِّ فلا زكاة عليه. [وانظر أيضًا زاد المعاد لابن القيم، ٢/ ١٢ - ١٦].","vol":"1","page":120},{"text":"لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال جاء هلال – أحد بني مُتعان - إلى رسول الله - ﷺ - بعشور نحلٍ له، وكان سأله أن يحمي له واديًا يقال له: سَلَبَة، فحمى له رسول الله - ﷺ - ذلك الوادي، فلما وَلِيَ عمر بن الخطاب - ﵁ -، كتب سفيان بن وهيب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك؛ فكتب عمر - ﵁ -: «إن أدَّى إليك ما كان يؤدّي إلى رسول الله - ﷺ - من عشور نحله فاحمِ له سَلَبَةَ، وإلا فإنما هو ذُبابُ غيثٍ يأكله من يشاء» وفي رواية لأبي داود بنحوه، وقال: «من كل عشر قربٍ قربة» (١) فالحديث\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الزكاة، باب زكاة العسل، برقم ١٦٠٠ - ١٦٠٢، والنسائي، كتاب الزكاة، باب زكاة النحل، برقم ٢٤٩٨، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب زكاة العسل، برقم ١٨٥١، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٤٥.\nقلت: وقواه الحافظ ابن حجر في فتح الباري بشرح صحيح البخاري، وقال: «إلا أنه محمول على أنه في مقابلة الحمى، كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب - ﵁ -» [فتح الباري، ٣/ ٣٨٤].\nقال الألباني ﵀ في تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص٣٧٤: «وسبقه – يعني ابن حجر – إلى هذا الحمل ابن زنجويه في الأموال، ١٠٩٥ - ١٠٩٦، ثم الخطابي في معالم السنن، ١/ ٢٠٨، وهو الظاهر والله ﷾ أعلم».\nوسمعت شيخنا العلامة ابن باز أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ٢٠١٠ يقول: «إسناده جيد لكن ليس فيه أنه - ﷺ - فرض ذلك إنما قبل منهم العشر وليس بصريح في وجوب الزكاة؛ فهو قبل منه العشر وحمى له سلبة – واد يقال له: سلبة – حمى له حتى ترعى فيه النحل». قال السندي ﵀: «وإلا فإنما هو ذباب غيث: أي وإلا فلا يلزم عليك حفظه؛ لأن الذباب غير مملوك فيحل لمن يأخذه، وعلم أن الزكاة فيه غير واجبة على وجه يجبر صاحبه على الدفع، لكن لا يلزم الإمام حمايته إلا بأداء الزكاة» [عون المعبود شرح سنن أبي داود لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، ٤/ ٤٨٩].","vol":"1","page":121},{"text":"محمول على أن أخذ العشر من العسل في مقابلة الحمى كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب - ﵁ -، إلا إذا كان العسل من عروض التجارة ففيه زكاة عروض التجارة، والله تعالى أعلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>الثاني عشر: زكاة المعدن: </span>وهو كل ما خرج من الأرض مما يُخلقُ\n_________\n(١) اختلف العلماء الموجبون للزكاة في العسل هل له نصاب أم لا؟\n١ - قال الإمام أبو حنيفة ﵀: الزكاة في قليل العسل وكثيره بناءً على أصله في الحبوب والثمار.\n٢ - قال أبو يوسف ومحمد: خمسة أوساق؛ لقول النبي - ﷺ -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».\n٣ - قال الزهري وأحمد: «نصاب العسل عشرة أفراق».\nثم اختلف أصحاب الإمام أحمد في تقدير الفرق على ثلاثة أقوال: الأول: أنه ستون رطلًا، والثاني: أنه ستة وثلاثون رطلًا، والثالث: أنه ستة عشر رطلًا وهو ظاهر كلام الإمام أحمد والله أعلم. [زاد المعاد لابن القيم، ٢/ ١٦، والمغني لابن قدامة، ٤/ ١٨٤]. وقول عمر - ﵁ -: «من كل عشرة أفراقٍ فرقًا» والفَرَقُ بتحريك الراء ستة عشر رطلًا، قال أبو عبيد في الأموال: «لا خلاف بين الناس أعلمه في أن الفرق ثلاثة آصع»، وقال النبي - ﷺ - لكعب بن عجرة: «صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرقٍ بين ستةٍ ...» [البخاري، برقم ١٨١٥، ومسلم، برقم ١٢٠١، وفي لفظ لمسلم: «أو تصدق بفرق بين ستة مساكين».\nقال ابن حجر في فتح الباري، ٤/ ١٦: «بفرق ... مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلًا» وفي لفظ للبخاري: «... أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» وفي لفظ لمسلم: «أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين» قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وإذا ثبت أن الفرق ثلاثة آصع اقتضى أن الصاع خمسة أرطال وثلث ...» [فتح الباري، ٤/ ١٦]. فدلت هذه الألفاظ على أن الفَرَق ثلاثة آصع، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء كفي الرجل معتدل الخلقة والله أعلم فتكون عشرة أفراق ضرب ثلاثة آصع يساوي «ثلاثون صاعًا» ضرب خمسة أرطال وثلث يساوي مائة وستون رطلًا. والله تعالى أعلم.\n[انظر: المغني، ٤/ ١٨٤، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٥٦٨، والكافي، ٢/ ١٤٥، وزاد المعاد لابن القيم، ٢/ ١٦].","vol":"1","page":122},{"text":"فيها من غيرها مما له قيمة: كالحديد، والياقوت، والزبرجد، والعقيق، والسُّبح، والكحل، والكبريتات، والذهب، والفضة، والنفط، وغير ذلك مما ينطبق عليه اسم المعدن، ولا تخرج زكاته إلا بعد سبكه وتصفيته، والمعدن أشبه بالثمار من غيرها، وزكاته ربع العشر إذا كمل النصاب، وهل يشترط له الحول أو لا يشترط؟ ذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والأحناف إلى أنه لا يشترط له الحول، وقال إسحاق وابن المنذر: لا شيء في المعدن حتى يحول عليه الحول؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (١) ورجح شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: أن المعدن لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول (٢).\n_________\n(١) ابن ماجه، برقم ١٧٩٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٩٨، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام في الشرط الخامس.\n(٢) وذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: أن الكلام في هذه المسألة - أي زكاة المعادن - في أربعة فصول:\nأحدها: صفة المعدن الذي يتعلق به وجوب الزكاة: وهو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة ...\nالفصل الثاني: في قدر الواجب وصفته: قدر الواجب فيه: ربع العشر، وصفته أنه زكاة، وهذا قول: عمر بن عبد العزيز، ومالك، وقال أبو حنيفة، الواجب فيه الخمس وهو فيء واختاره أبو عبيد، وقال الشافعي: هو زكاة، واختلف قوله في قدره كالمذهبين ...\nالفصل الثالث: في نصاب المعدن: وهو ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالًا، ومن الفضة مائتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرهما، وهذا مذهب [أحمد] [و] الشافعي. وأوجب أبو حنيفة الخمس في قليله وكثيره، من غير اعتبار نصاب بناء على أنه ركاز لعموم الأحاديث التي احتجوا بها عليه؛ ولأنه لا يعتبر له حول فلم يعتبر له نصاب كالركاز؛ لكن يرد عليه بعموم قوله - ﷺ -: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» وهو مفارق للركاز؛ لأن الركاز مال كافر أخذ في الإسلام فأشبه الغنيمة، وهذا وجب مواساة وشكرًا لنعمة الغِنى، فاعتبر له النصاب كسائر الزكوات؛ وإنما لم يعتبر له الحول؛ لحصوله دفعة واحدة فأشبه الزروع والثمار.\nالفصل الرابع في وقت الوجوب: تجب الزكاة فيه حين يتناوله ويكمل نصابه ولا يعتبر له حول، وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقال إسحاق وابن المنذر لا شيء في المعدن حتى يحول عليه الحول؛ لقول الرسول - ﷺ -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» ولكن رد ابن قدامة هذا وقال: «ولنا أنه مال مستفاد من الأرض فلا يعتبر في وجوب حقه حول: كالزروع، والثمار، والركاز؛ ولأن الحول إنما يعتبر لغير هذا في تكميل النماء، وهذا يتكامل نماؤه دفعة واحدة فلا يعتبر له حول. كالزروع، والخبر مخصوص بالزرع والثمر، فيخص محل النزاع بالقياس عليه، إذا ثبت هذا فلا يجوز إخراج زكاته إلا بعد سبكه وتصفيته كعشر الحب» [انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٣٨ - ٢٤٥].\nوحجة من قال بالزكاة في المعادن حديث بلال بن الحارث - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - أخذ من المعادن القبلية الصدقة» قال الحافظ ابن حجر: «رواه أبو داود». قال الإمام ابن باز ﵀ في حاشيته على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٩٦: «أخرجه أبو داود في باب إقطاع الأرضين، ص٣١١ جمن عون المعبود عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن مرسلًا بإسناد صحيح بلفظ: «أن النبي - ﷺ - أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية، - وهي في ناحية الفُرع - قال: فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم» ... ثم ذكر ﵀ أن أبا داود أخرجه من طريقين [برقم ٣٠٦٢، ورقم ٣٠٦٣] أحدهما ضعيف والثاني صحيح وليس في الطريقين المذكورين قوله في طريق ربيعة «فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم» ثم قال ابن باز ﵀: وهذه الروايات الثلاث غير مطابقة لِمَا ذكره المؤلف - يعني ابن حجر في بلوغ المرام - ولم أجده بلفظ المؤلف المذكور في سنن أبي داود ﵀. وقال صاحب العون في الشرح: والحديث المذكور مرسل عند جميع رواة الموطأ، ووصله البزار .... قاله الزرقاني انتهى» [حاشية العلامة ابن باز على بلوغ المرام، الحديث رقم: ٥٩٦] ثم رجح ابن باز ﵀ أن في المعدن الزكاة إذا بلغ النصاب، وكذلك أيضًا إذا حال عليه الحول، فقد سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٤٥، وتقريره على المنتقى، الأحاديث رقم ٢٠١٣ - ٢٠١٤ يقول عن الحديث المذكور: «ليس فيه دلالة ظاهرة على أنه يأخذ الزكاة بدون حول، بل فيه الإفادة أنه أخذ منه الصدقة فقط، والمعادن ظاهرها شامل: للذهب والفضة وغيره مما له قيمة، والصواب أن فيه الزكاة إذا حال عليه الحول، سواء كان ذهبًا، أو فضة، أو غيره من أنواع المعادن».\n[وانظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٣٨ - ٢٤٧، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٥٧٤ - ٥٨٦، والكافي لابن قدامة، ٢/ ١٥٣ - ١٥٦].","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>الثالث عشر: زكاة الركاز</span>، والركاز: هو دِفنُ الجاهلية وكنزها، وهو المدفون في الأرض، ويقال له: ركاز؛ لأن صاحبه ركزه في الأرض أي أثبته (١) وفيه الخمس؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «العَجماءُ جُرْحُها جُبارٌ، والبئرُ جُبارٌ، والمعدنُ جبارٌ، وفي الركاز الخمس» وفي لفظ\n_________\n(١) جامع الأصول لابن الأثير، ٤/ ٦٢١، وقال: «هذا عند أهل الحجاز، وهو عند أهل العراق: المعدن؛ لأن الله تعالى ركزه في الأرض ركزًا، والحديث إنما جاء في التفسير الأول منهما».","vol":"1","page":124},{"text":"لمسلم: «البئر جرحها جبار، والمعدن جرحه جبار، والعجماء جرحها جبارٌ وفي الركاز الخمس» (١). (٢)\nوالخمس يجب في قليله وكثيره من أي نوع كان من غير حول لذلك، ويجب على كل من وجده من أهل الزكاة وغيرهم (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، بابٌ: وفي الركاز الخمس، برقم ١٤٩٩، وكتاب المسافاة، باب من حفر بئرًا في مِلكه لم يضمن، برقم ٢٣٥٥، وكتاب الديات، بابٌ: المعدن جبار والبئر جبار، برقم ٦٩١٢، ورقم ٦٩١٣، ومسلم، كتاب الحدود، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، برقم ١٧١٠.\n(٢) العجماء: البهيمة، والجبار: الهدر، وكذلك المعدن والبئر، إذا هلك الأجير فيهما فدمه هدر لا يطالب به: جامع الأصول لابن الأثير، ٤/ ٦٢١.\n(٣) قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وفي الركاز الخمس»: وهو أيضًا مجمع عليه، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف هذا الحديث، إلا الحسن؛ فإنه فرق بين ما يوجد في أرض الحرب وأرض العرب، فقال: فيما يوجد في أرض الحرب الخمس وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة، وأوجب الخمس في الجميع الزهري، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وابن المنذر، وغيرهم، وهذا يشتمل على خمس مسائل:\nالمسألة الأولى: أن الركاز الذي يتعلق به وجوب الخمس ما كان من دفن الجاهلية، ويعتبر ذلك بأن ترى عليه علاماتهم، كأسماء ملوكهم وصورهم، وصلبهم، ونحو ذلك، فإن كان عليه علامات الإسلام، ونحو ذلك فهو لقطة؛ لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإن كان على بعضه علامات الكفر، وعلى بعضه علامات الإسلام، فكذلك نص عليه أحمد في رواية ابن منصور؛ لأن الظاهر أنه صار إلى مسلم، ولم يعلم زواله عن ملك المسلمين فأشبه ما على جميعه علامات المسلمين.\nالمسألة الثانية: في موضعه: لا يخلو من أربعة أقسام:\nالقسم الأول: أن يجده في موات أو ما لا يعلم له مالك مثل الأرض التي يوجد فيها آثار الملك: كالأبنية القديمة، والتلول، وجدران الجاهلية، وقبورهم فهذا فيه الخمس بغير خلاف سوى ما ذكر آنفًا، ولو وجده في هذه الأرض فهو كذلك في الحكم؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله - ﷺ - قال في كنز وجده رجل في خربة «إن وجدته في قرية مسكونة فعرفه، وإن وجدته في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس» قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: «أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن». وأخرجه الشافعي في ترتيب مسنده، ١/ ٢٤٨.\nالقسم الثاني: أن يجده في ملكه المنتقل إليه فهو له في إحدى الروايتين عن أحمد، ومذهب الشافعي أنه للمالك قبله إن اعترف به، وإن لم يعترف به فهو للذي قبله كذلك إلى أول مالك، والرواية الأولى لأحمد أصح.\nالقسم الثالث: أن يجده في ملك آدمي مسلم معصوم أو ذمي، فعن أحمد ما يدل على أنه لصاحب الدار، وهو قول أبي حنيفة، ونقل عن أحمد: أنه لواجده، قال القاضي: وهو الصحيح.\nالقسم الرابع: أن يجده في أرض الحرب؛ فإن لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين فهو غنيمة لهم، وإن قدر عليه بنفسه فهو لواجده.\nالمسألة الثالثة: في صفة الركاز الذي فيه الخمس: وهو كل ما كان مالًا على اختلاف أنواعه: من الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، والنحاس، والآنية، وغير ذلك، وهو قول: أحمد، وأصحاب الرأي، وإسحاق، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد قولي الشافعي. والقول الآخر: لا تجب إلا في الأثمان، ولكن يرد عليهم بقوله - ﷺ -: «وفي الركاز الخمس»؛ ولأنه مال مظهور عليه من مال الكفار فوجب فيه الخمس مع اختلاف أنواعه كالغنيمة. والخمس يجب في قليله وكثيره، وهو قول أحمد، ومالك، وأصحاب الرأي، والشافعي في القديم، وقال في الجديد يعتبر النصاب فيه؛ لكن يرد عليه بعموم الأحاديث؛ ولأنه مال مخموس فلا يعتبر له نصاب كالغنيمة.\nالمسألة الرابعة: قدر الواجب في الركاز الخمس، وأما مصرفه، فقال الخرقي: هو لأهل الصدقات، ونص عليه أحمد في رواية، وإن تصدق به على المساكين أجزأه، وهو قول الشافعي؛ لأنه مستفاد من الأرض أشبه المعدن والزرع، والرواية الثانية أن مصرفه مصرف الفيء، وهو قول أبي حنيفة.\nالمسألة الخامسة: في من يجب عليه الخمس: يجب على من وجده من مسلم، وذمي، وعاقل ومجنون، وهذا قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن على الذمي في الركاز يجده: الخمس»، وقال الشافعي: لا يجب الخمس على من تجب عليه الزكاة؛ لأنه زكاة، ولكن يرد بعموم الحديث «وفي الركاز الخمس» فإنه يدل بعمومه على وجوب الخمس في كل ركاز يوجد، ويدل بمفهومه على أن باقيه لواجده. والله تعالى أعلم. [انظر: المغني لابن قدامة ٤/ ٢٣١ - ٢٣٨، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف ٦/ ٥٨٧ - ٦٠٣].\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٤٣: «... فتجب الزكاة في الركاز الخمس، ولما كان الحصول على الركاز بدون كلفة صارت الزكاة الخمس، وهو أعلى شيء في الزكاة، ثم يليه ما يكون عثريًا، وما يسقى بالأنهار بدون كلفة ففيه العشر وهو نصف الخمس، والركاز: هو الذي عليه علامات الجاهلية، أما ما عليه علامات الإسلام فلابد من تعريفه؛ لأنه: كاللقطة، حكمه حكمها».","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>المبحث العاشر: زكاة الأثمان: الذهب والفضة، والعملات: الورقية، والمعدنية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>أولًاَ: مفهوم الأثمان:</span>\nالأثمان لغة: الثمن: العوض، والجمع أثمان، مثل: سبب وأسباب، يقال: ثمَّنته تثمينًا: جعلت له ثمنًا بالحدس والتخمين (١).\nوالثمن: العوض الذي يؤخذ على التراضي في مقابلة البيع عينًا كان أو سلعة (٢).\nواصطلاحًا: الذهب والفضة أو ما يقوم مقامهما من العملات الورقية، أو النحاسية المستعملة الآن، ويقال أيضًا للذهب والفضة: النقدان، وجمعها نقود، والنقد هو العُمْلَةُ من الذهب والفضة أو ما يقوم مقامهما من العملات المستعملة بين الناس في البيع والشراء، وأنواع المنافع والمصالح (٣).\nوالخلاصة: أن النقدين من الذهب والفضة: ما اتَّخذه الناس ثمنًا من المعادن المضروبة أو الأوراق المطبوعة الصادرة عن المؤسسة المالية، صاحب الاختصاص، وجمع النقدين: نقود (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>ثانيًا: زكاة الذهب والفضة: </span>واجبة بالكتاب والسنة والإجماع:\nأما الكتاب؛ فلقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ\n_________\n(١) المصباح المنير، للفيومي، ١/ ٨٤.\n(٢) القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، ص ٥٢.\n(٣) معجم لغة الفقهاء، للأستاذ الدكتور، محمد رواس، ص ٤٥٦،والقاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، ص ٣٥٨.\n(٤) معجم لغة الفقهاء، ص ٤٥٦، وانظر: الشرح المختصر على زاد المستقنع، للفوزان، ٢/ ٢٧٥.","vol":"1","page":126},{"text":"فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا يتوعد بهذه العقوبة إلا على ترك واجب» (٢).\nوقال الله - ﷾ -: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣).\nوأما السنة؛ فلحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من صاحب ذهب ولا فضةلا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (٤)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من آتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع (٥) له زبيبتان (٦) يطوِّقه يوم القيامة،\n_________\n(١) سورة التوبة، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.\n(٢) المغني، ٤/ ٢٠٨.\n(٣) (سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.\n(٤) (متفق عليه: البخاري مختصرًا، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، برقم ١٤٠٢، ومسلم بلفظه، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، برقم ٩٨٧، ومن حديث جابر عند مسلم، برقم ٩٨٨، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام.\n(٥) الشجاع: الحية الذكر، والأقرع: الذي انحسر الشعر عن رأسه من كثرة سمه، شرح السنة للبغوي، ٥/ ٤٧٩.\n(٦) زبيبتان: النكتتان السوداوان فوق عينيه، وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه، ويقال الزبيبتان: الزبعتان تكون في الشدقين إذا غضب الإنسان، أو كثر كلامه. شرح السنة للبغوي، ٥/ ٤٧٩.","vol":"1","page":127},{"text":"ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١). وفي لفظ: «يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعًا أقرع يفرُّ منه صاحبه ويطلبه ويقول: أنا كنزك، قال: والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه» (٢).\nأما الإجماع، فقال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: «وأجمعوا على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وأجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا وقيمتها مائتا درهمٍ أن الزكاة تجب فيه وانفرد الحسن البصري ...» (٣). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا، وقيمته مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه، إلا ما اختلف فيه عن الحسن» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>ثالثًا: نصاب الذهب والفضة </span>على النحو الآتي:\n١ - نصاب الفضة، إذا بلغت الفضة مائتي درهم ففيها الزكاة؛\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.\n(٢) البخاري، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، برقم ١٤٠٣، وكتاب التفسير، باب: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ (آل عمران: ١٨٠، وكتاب الحيل، باب في الزكاة، وأن لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة، برقم ٦٩٥٧، وتقدم تخريجه أيضًا في منزلة الزكاة في الإسلام.\n(٣) الإجماع، لابن المنذر، ص ٥٣.\n(٤) المغني، ٤/ ٢٠٨.","vol":"1","page":128},{"text":"لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة (١) من كل أربعين درهمًا درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم» (٢)؛ ولحديث علي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - وفيه: «... فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم ...» (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ليس فيما دون خمس أواقٍ [من الورق] صدقة، وليس فيما دون خمس ذودٍ [من الإبل] صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسقٍ [من التمر] صدقة» (٤). قال الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى: «الأُقية التي جاء ذكرها في الأحاديث مبلغها أربعون درهمًا ..» (٥). قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجملة ذلك أن نصاب الفضة مائتا درهم، لا خلاف في ذلك\n_________\n(١) الرقة: هي الدراهم المضروبة، أصلها الوَرِق، حذفت الواو وعُوِّض عنها الهاء، كعِدَةٍ وزنة. العون، ٤/ ٣١٦، وجامع الأصول، ٤/ ٥٨٣، وجاء في فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣٢١: «الرقة - بكسر الراء وتخفيف القاف - الفضة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة».\n(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب زكاة السائمة برقم ١٥٧٤، والنسائي، كتاب الزكاة، باب زكاة الورق، برقم ٢٤٧٧، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب زكاة الورق والذهب، برقم ١٤٥٩ - ١٨١٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٦، ورواه أيضًا الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الذهب والورق، برقم ٦٢٠.\n(٣) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، برقم ١٥٧٣، وصححه الألباني، في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، برقم ١٤٠٥، وباب زكاة الورق، برقم ١٤٤٧، وبابٌ: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، برقم ١٤٥٩، وبابٌ: ليس فيما دون خمسة أوسق، برقم ١٤٨٤، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة، برقم ٩٧٩.\n(٥) جامع الأصول لابن الأثير، ٤/ ٥٨٩.","vol":"1","page":129},{"text":"بين علماء الإسلام، وقد بيَّنته السنة التي رويناها بحمد الله، والدراهم التي يعتبر بها النصاب: هي الدراهم التي كلُّ عشرة منها وزنُ سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكلُّ دِرْهَمٍ نصف مثقال وخُمْسُهُ، وهي الدراهم الإسلامية التي تقدَّر بها نُصُبُ الزكاة، ومقدار الجزية، والديات، ونصاب القطع في السرقة، وغير ذلك ..» (١) (٢). وقد ذكر المرداوي ﵀ في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: أن زنة كل مثقال اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة (٣). وقال العلامة عبد الرحمن القاسم: «المثقال زنة اثنتان وسبعون حبة من حب الشعير الممتلئ، غير الخارج عن مقادير حب الشعير غالبًا» (٤). وحرر شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ ذلك فقال: «زنة المثقال اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة» (٥) (٦).\n_________\n(١) المغني، ٤/ ٢٠٩.\n(٢) وكانت الدراهم في صدر الإسلام صنفين سُودًا، وطبريَّةً، وكانت السود ثمانية دوانق، والطبرية أربعة دوانق، فجمعا في الإسلام وجعلا درهمين متساويين في كل درهم ستة دوانق، [والدانق سدس الدرهم] فعل ذلك بنو أمية، فاجتمعت فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن كل عشرة وزن سبعة، والثاني: أنه عَدْلٌ بين الصغير والكبير، والثالث: أنه موافق لسنة رسول الله - ﷺ -، ودرهمه الذي قدَّر به المقادير الشرعية، ولا فرق في ذلك بين التبر والمضروب، ومتى نقص النصاب عن ذلك فلا زكاة فيه، سواء كان النقص يسيرًا أو كثيرًا، هذا ظاهر كلام الخرقي، ومذهب الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر؛ لظاهر قوله عليه [الصلاة] والسلام: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة»، والأقيَّةُ: أربعون درهمًا بغير خلاف، فيكون ذلك مائتي دِرْهَمٍ، المغني، ٤/ ٢٠٩.\n(٣) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٧/ ٩، وقال: «وقيل: المثقال اثنان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة، وعشر عشر حبة».\n(٤) حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٣/ ٢٤٤.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٧٩.\n(٦) وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: نصاب الفضة: «مائتا درهم، الدرهم وزنه نصف مثقال وخمس مثقال، والنصاب يساوي مائة وأربعين مثقالًا، ومائتا درهم تساوي ستة وخمسين ريالًا سعوديًا فضيًا». (فتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٢٥٢.","vol":"1","page":130},{"text":"وقد جَرَّبْتُ ذلك بنفسي، فأخذت اثنتين وسبعين حبة من حب الشعير المتوسط ووزنته في ميزان الذهب عند أصحاب الذهب فكان وزنه أربعة غرامات وستة من عشرة (٤.٦) (١). وهذا هو وزن المثقال الواحد، وحرر\n_________\n(١) في يوم الأحد بتاريخ ٨/ ٣/١٤٢٦هـ أخذت ثلاث مجموعات من حب الشعير اليمني، وكل مجموعة: ثنتان وسبعون حبة ممتلئة متوسطة، ثم وزنت كل مجموعة لوحدها عند أصحاب الذهب بمدينة الرياض بالبطحاء، فكانت النتائج على النحو الآتي:\n١ - المجموعة الأولى ٧٢ حبة وزنها = ٤.٨ جرام.\n٢ - المجموعة الثانية ٧٢ حبة وزنها = ٤.٦ جرام.\n٣ - المجموعة الثالثة ٧٢ حبة وزنها = ٤.٤ جرام.\nوكررت الوزن أكثر من مرة، فلم يتغير، ثم انتقلت إلى محل آخر فلم يتغير، ومن الغريب أني لا أستطيع تمييز المجموعة بالنظر المجرد عن المجموعة الأخرى، وهذا يدل على دقة الميزان، وتقارب المجموعات في الثقل الحقيقي والشكل الخارجي، ثم بعد ذلك اخترت وزن ٤.٦ جرام وأنه وزن المثقال؛ لثلاثة أمور: الأمر الأول: أنه الوزن الأوسط، والأمر الثاني: لأن ذلك هو تحرير سماحة شيخنا ابن باز ﵀، وهو تحرير اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الأمر الثالث: أنه المتوسط الحسابي لهذه الأوزان: ٤.٨ + ٤.٦ + ٤.٤ = ١٣.٨ ÷ ٣ = ٤.٦، وهو الذي تطمئن إليه النفس، ثم ضربنا هذا الوزن [٤.٦] في مائة وأربعين مثقالًا وهو نصاب الفضة بالمثاقيل فكان الناتج ٦٤٤ جرامًا وهو نصاب الفضة بالجرامات، ثم وجدنا وزن الريال السعودي الفضي ١١.٦ جرام ثم ضربناها في ٥٦ فكان الناتج ٦٤٩.٦ جرام، وسألت في نفس التاريخ عن سعر الريال السعودي الفضي فكان ٨ ريالات، فضربناها في ٥٦ فكان الناتج ٤٤٨ ريالًا سعوديًا ورقيًا، وأما الذهب فكان وزن المثقال كما تقدم آنفًا ٤.٦ ضربناها في عشرين مثقالًا، الذي هو نصاب الذهب فكان الناتج ٩٢ جرامًا، وكان وزن الجنية ٨ جرامات، وقسمت ٩٢ ÷ ٨ فكان الناتج ١١.٥جنيهًا، وكان سعر جرام الجنيه في نفس التاريخ ٤٤.٧٠ ريالًا سعوديًا ورقيًا، فضربنا ذلك في الجرامات [٤٤.٧٠ × ٩٢] فكان الناتج ٤١١٢.٤ ريالًا سعوديًا ورقيًا. فاتضح ما يلي:\n١ - نصاب الفضة ٢٠٠ درهم = ١٤٠ مثقالًا = ٦٤٤ جرامًا، وهي تقارب ٥٦ ريالًا سعوديًا فضيًا وسعرها في نفس اليوم ٤٤٨ ريالًا سعوديًا ورقيًا.\n٢ - نصاب الذهب عشرون دينارًا = عشرون مثقالًا =٩٢ جرامًا = ١١.٥ جنيهًا سعوديًا وسعرها في نفس اليوم٤١١٢.٤ ريالًا سعوديًا ورقيًا. والله تعالى أعلم، وهو المستعان وحده.","vol":"1","page":131},{"text":"شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀، وحررت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن نصاب الفضة مائة وأربعون مثقالًا (١)، فيكون النصاب بالغرامات:\n٤.٦ جرامات × ١٤٠مثقالًا = ٦٤٤ جرامًا، وهذا الوزن هو نصاب الفضة تقريبًا، وهو وزن خمس أواقٍ من الفضة، ويعادل مائتي درهم كما تقدم، فإذا نقص المال عن ذلك التقدير فلا زكاة فيه إلا أن يكون في ملكه عروض تجارة؛ فإنها تضم إلى الفضة في تكميل النصاب.\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «... عروض التجارة تضمُّ إلى كل واحد من الذهب والفضة، ويكمّل به نصابه، لا نعلم فيه اختلافًا». قال الخطابي: «لا أعلم عامتهم اختلفوا فيه؛ لأن الزكاة إنما تجب في قيمتها فتقوم بكل واحد منها، فتضم إلى كل واحد منهما، ولو كان له ذهب وفضة وعروض وجب ضم الجميع إلى بعضٍ في تكميل النصاب؛ لأن العرض مضمومٌ إلى كل واحد منهما، فيجب ضمهما إليه، وجَمْع الثلاثة». فلو كان يملك عشرة مثاقيل من الفضة، وخمسة مثاقيل من الذهب، وعقار معروض للبيع، وكلها دار عليها الحول؛ فإنه في هذه الحالة يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فيحصي قيمة الذهب، والفضة، والعقار، ثم\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٢٥٤.","vol":"1","page":133},{"text":"يخرج الزكاة (١).\n٢ - نصاب الذهب، إذا بلغ الذهب عشرين دينارًا، أو عشرين مثقالًا ففيه الزكاة؛ لحديث علي - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ - قال: «... فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء، - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا؛ وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مالٍ زكاة حتى يحول عليه الحول» (٢)؛ ولحديث عائشة أم المؤمنين وابن عمر - ﵃ - أن النبي - ﷺ - «كان يأخذ من كل عشرين دينارًا فصاعدًا نصف دينار، ومن الأربعين دينارًا دينارًا» (٣)؛ ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «ليس في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب ولا في أقل من مائتي درهم صدقة» (٤).\n_________\n(١) قال الإمام ابن قدامة: «فأما إن كان له من كل واحد: من الذهب والفضة ما لا يبلغ نصابًا بمفرده، أو كان له نصاب من أحدهما وأقل من نصابٍ من الآخر فقد توقف أحمد عن ضم أحدهما إلى الآخر في رواية الأثرم وجماعة، وقطع في رواية حنبل أنه لا زكاة عليه حتى يبلغ كل واحد منهما نصابًا، وذكر الخرقي فيه روايتين ..» المغني، ٤/ ٢١٠، قلت: وسيأتي التفصيل في ذلك والترجيح إن شاء الله تعالى. والله المستعان.\n(٢) أبو داود، برقم ١٥٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٦، وتقدم تخريجه في زكاة الفضة.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب زكاة الورق والذهب، برقم ١٧٩١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٩٨، وإرواء الغليل، برقم ٨١٣.\n(٤) أخرجه أبو عبيد في الأموال، ٤٠٩، برقم ١١١٣، وأخرجه أيضًا الدارقطني، ١٩٩، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٨١٥.","vol":"1","page":134},{"text":"قال الإمام ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا وقيمتها مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه، وانفرد الحسن البصري فقال: ليس فيما دون أربعين دينارًا صدقة، وأجمعوا على أن الذهب إذا كان أقل من عشرين مثقالًا، ولا يبلغ قيمتها مائتي درهم أن لا زكاة فيه» (١). وقد حقق الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى أن نصاب الذهب عشرون مثقالًا من غير اعتبار قيمتها؛ للأدلة الثابتة عن النبي - ﷺ - (٢)؛ ولأن الذهب والفضة مال تجب الزكاة في عينه، فلم يعتبر بغيره كسائر الأموال، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه (٣).\nوالخلاصة أن نصاب الذهب عشرون دينارًا، وهي عشرون مثقالًا، وزن المثقال الواحد ٤.٦ جرامات، ووزن عشرين مثقالًا يساوي ٩٢ جرامًا، وهي تساوي ١١.٥ جنيهًا سعوديًا، وزن الجنيه مثقالان إلا ربع، أي: ١.٧٥ أي جنيه وخمسة وسبعون بالمائة تقريبًا. قال سماحة شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «وقد حررنا هذا فوجدنا النصاب اثنين وتسعين [يعني جرامًا] إلا كسرًا يسيرًا، يعني عشرين مثقالًا، وهي أحد عشر جنيهًا ونصف جنيه سعودي [لأن زنة الجنيه المذكور مثقالان إلا ربع مثقال].\n_________\n(١) الإجماع، لابن المنذر، ص ٥٣ - ٥٤.\n(٢) قال ابن قدامة ﵀: «وقال عامة الفقهاء: نصاب الذهب عشرون مثقالًا من غير اعتبار قيمتها إلا ما حكي عن عطاء، وطاووس، والزهري، وسليمان بن حرب، وأيوب السختياني، أنهم قالوا: هو معتبر بالفضة، فما كان قيمته مائتي درهم ففيه الزكاة، وإلا فلا؛ لأنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - تقدير نصابه، فثبت أنه حمله على الفضة» ثم ساق ابن قدامة ﵀ الأدلة عن النبي - ﷺ - في الرد عليهم، وأنه الذي حدد نصاب الذهب تحديدًا لا ريب فيه [المغني، ٤/ ٢١٢ - ٢١٣].\n(٣) المغني لابن قدامة، ٤/ ٢١٣.","vol":"1","page":135},{"text":"وقال في موضع آخر: «ومقدار النصاب بالجنيه السعودي والإفرنجي حتى يمكن تقدير الأوراق النقدية والعروض التجارية بذلك - أحد عشر جنيهًا وثلاثة أسباع الجنيه» (١). وهكذا قالت\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢). والله تعالى أعلم (٣). وتقدم أن الإمام ابن قدامة ﵀ حكى الإجماع على أن عروض التجارة تضم إلى كل واحدٍ من الذهب والفضة في تكميل النصاب، وكذلك لو كان له ذهب، وفضة، وعروض تجارة لم يبلغ أحد منهم النصاب فإنه يضم بعضها إلى بعض، والخلاف إنما جاء في ضم الفضة إلى الذهب وليس معهما عروض تجارة (٤). فلو كان له عشرة مثاقيل من الفضة، وخمسة مثاقيل من الذهب، وبيت قد عرضه للبيع وكلها دار عليها الحول؛ فإنه يحصي قيمة الجميع ثم يخرج زكاتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>رابعًا: زكاة العملات المعدنية والورقية:</span>\nإذا بلغت العملات الورقية أو المعدنية نصاب الذهب أو الفضة زُكِّيت؛\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٧٩، ٨٠، ٩١.\n(٢) قالوا: «المحرر عندنا أن نصاب الذهب الذي تجب فيه الزكاة عشرون مثقالًا، ومقدار ذلك بالجنيه السعودي أحد عشر جنيهًا وثلاثة أسباع الجنيه» [فتاوى اللجنة، ٩/ ٢٥٢].\n(٣) وقد سبق أن ذكرت أني جربت ذلك بنفسي فوزنت ٧٢ حبة شعير متوسطة، فكان وزنها على ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى ٧٢ حبة وزنها ٤.٨، والثانية ٧٢ حبة وزنها ٤.٦، والثالثة وزنها ٤.٤ جرام، فاخترت الوسط ٤.٦ جرام؛ لأنه وافق فتاوى شيخنا ابن باز ﵀، وكان قريبًا جدًا من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. فكان نصاب الذهب بالجرامات على هذا الوزن هو ٤.٦ × ٢٠ مثقال يساوي ٩٢ جرامًا. ووزنَّا الجنيه السعودي فوجدناه ٨ جرامات، فيكون على هذا نصاب الذهب بجرامات الجنيهات = ٨ × ١١.٥ = ٩٢ جرامًا أيضًا.\n(٤) انظر: المغني، ٤/ ٢١٠، وسيأتي التفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":136},{"text":"فإن حكمها حكم النقدين على القول الصحيح، فينظر إلى ما يقابلها من النقدين؛ فإن بلغت قيمتها عشرين مثقالًا من الذهب، أو مائتي درهم من الفضة، وحال عليها الحول ففيها الزكاة (١)؛ لأنها بمنزلة النقدين في وجوب الزكاة؛ لدخولها في عموم قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢)؛ ولعموم قوله ﵊ لمعاذ بن جبل - ﵁ - حينما بعثه إلى اليمن، وفيه: «... فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم وتردُّ على فقرائهم ..» (٣).\nفالعملات الورقية، والمعدنية مال، والناس يجعلونها في منزلة النقدين من الذهب والفضة؛ ولهذا تكون الزكاة فيها واجبة إذا بلغت نصاب الذهب أو نصاب الفضة، وحال عليها الحول (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>خامسًا: حقيقة الأوراق النقدية:</span>\nقرار هيئة كبار العلماء\nرقم (١٠) وتاريخ ١٧/ ٤/١٣٩٣هـ\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:\nفبناء على توصية رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والأمين العام لهيئة كبار العلماء بدراسة موضوع الورق النقدي\n_________\n(١) الموسوعة الفقهية في فقه الكتاب والسنة، للعوايشة، ٣/ ٣٨.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٥٨،ومسلم، برقم ١٩،وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام.\n(٤) انظر: الشرح الممتع، ٤/ ٩٩، وفتاوى ابن باز، ١٤/ ١٢٥، وأبحاث هيئة كبار العلماء، ١/ ٨٨.","vol":"1","page":137},{"text":"من قبل هيئة كبار العلماء؛ استنادًا إلى المادة السابعة من لائحة سير العمل في الهيئة التي تنص على أن ما يجري بحثه في مجلس الهيئة يتم بطلب من ولي الأمر، أو بتوصية من الهيئة، أو من أمينها، أو من رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو من اللجنة الدائمة المتفرعة عن الهيئة، فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة لدورتها الثالثة المنعقدة فيما بين ١/ ٤/١٣٩٣هـ و١٧/ ٤/١٣٩٣هـ، وفي تلك الدورة جرى دراسة الموضوع بعد الاطلاع على البحث المقدم عنه من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.\nوبعد استعراض الأقوال الفقهية التي قيلت في حقيقة الأوراق النقدية من اعتبارها أسنادًا، أو عروضًا، أو فلوسًا، أو بدلًا عن ذهب أو فضة، أو نقدًا مستقلًا بذاته، وما يترتب على تلك الأقوال من أحكام شرعية – جرى تداول الرأي فيها، ومناقشة ما على كل قول منها من إيرادات. فتنتج عن ذلك عديد من التساؤلات التي تتعلق بالإجراءات المتخذة من قبل الجهات المصدرة لها:\nوحيث إن الموضوع من المسائل التي تقضي المادة العاشرة من لائحة سير عمل الهيئة بالاستعانة بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية والأنظمة العامة بما في ذلك القضايا البنكية والتجارية والعمالية؛ فإن عليها أن تشرك في البحث معها واحدًا أو أكثر من المتخصصين في تلك العلوم – فقد جرى استدعاء سعادة محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي الدكتور أنور علي، وحضر معه الدكتور عمر شابريه أحد المختصين في العلوم الاقتصادية، ووجهت إلى سعادته الأسئلة التالية:","vol":"1","page":138},{"text":"س١: هل تعتبر مؤسسة النقد ورق النقد السعودي نقدًا قائمًا بذاته أم تعتبره سندات تتعهد الدولة بدفع قيمتها لحاملها، كما هو مُدوَّنٌ على كل فئة من فئات أوراق النقد السعودي، وإذا لم يرد معنى هذه العبارة، فما معنى الالتزام بتسجيلها على كل ورقة، وهل يعني ذلك التعهد أن ورق النقد السعودي مغطى بريالات فضية أم لا؟\nس ٢: هل لكل عملة ورقية غطاء مادي محفوظ في خزائن مصدِّريها، وإذا كان كذلك فهل هو غطاء كامل أم غطاء للبعض فقط، وإذا كان غطاء للبعض فما هو الحد الأعلى للتغطية، وما هو الحد الأدنى لها؟\nس ٣: ما نوع غطاء العملات الورقية، وهل توجد عملة لأي دولة ما مغطاة بالفضة، وهل هناك جهات إصدار تخلت عن فكرة التغطية المادية مطلقًا؟\nس ٤: المعروف أن الورقة النقدية لا قيمة لها في ذاتها، وإنما قيمتها في أمر خارج عنها، فما هي مقومات هذه القيمة؟\nس ٥: نرغب شرح نظرية غطاء النقد بصفة عامة، وما هي مقومات اعتبار العملة الورقية على الصعيدين الدولي والمحلي؟\nس ٦: هل الغطاء لا يكون إلا بالذهب، وإذا كان بالذهب وغيره فهل غير الذهب فرع عن الذهب باعتبار أنه قيمة له، وهل يكفي للغطاء ملاءة ومتانة اقتصادها وقوتها ولو لم يكن لنقدها رصيد؟\nس ٧: ما يسمى بالدينار، والجنيه هل هو مغطى بالذهب؛ ولذا سمي دينارًا أو جنيهًا رمزًا لما غطي به، ومثله الريال السعودي هل هو مغطى بفضة","vol":"1","page":139},{"text":"أم أن هذه التسميات يقصد منها المحافظة على التسميات القديمة للعُمَلِ المتداولة فيما مضى بغض النظر عما هي مستندة عليه من ذهب أو فضة؟\nس ٨: ما السبب في عدم الثقة في النقد المتداول اليوم مما أدى إلى ارتفاع الذهب ارتفاعًا لم يسبق له نظير؟\nوأجاب سعادته عنها بواسطة المترجم القائد الدكتور أحمد المالك إجابة جرى رصد خلاصتها في محضر الجلسة مع سعادته، وقد توصلت بها الأكثرية من الهيئة إلى الاقتناع بما ارتأته فيها من رأي.\nثم بعد إعادة النظر في الأقوال الفقهية التي قيلت فيها على ضوء الإيضاحات التي ذكرها سعادة المحافظ قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:\nبناء على أن النقد هو كل شيء يجري اعتباره في العادة أو الاصطلاح، بحيث يلقى قبولًا عامًا كوسيط للتبادل، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: «وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها؛ ولهذا كانت أثمانًا ... إلى أن قال: والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت». اهـ (١).\nوذكر نحو ذلك الإمام مالك في (المدونة) من كتاب الصرف حيث قال: «ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٩/ ٢٥١.","vol":"1","page":140},{"text":"لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة» اهـ (١).\nوحيث إن الورق النقدي يلقى قبولًا عامًا في التداول، ويحمل خصائص الأثمان من كونه مقياسًا للقيم ومستودعًا للثروة، وبه الإبراء العام، وحيث ظهر من المناقشة مع سعادة المحافظ: أن صفة السندية فيها غير مقصودة، والواقع يشهد بذلك ويؤكده، كما ظهر أن الغطاء لا يلزم أن يكون شاملًا لجميع الأوراق النقدية، بل يجوز في عرف جهات الإصدار أن يكون جزءًا من عملتها بدون غطاء، وأن الغطاء لا يلزم أن يكون ذهبًا، بل يجوز أن يكون من أمور عدة: كالذهب والعملات الورقية القوية، وأن الفضة ليست غطاءً كليًا أو جزئيًا لأي عملة في العالم، كما اتضح أن مقومات الورقة النقدية قوة وضعفًا مستمدة مما تكون عليه حكومتها من حال اقتصادية، فتقوى الورقة بقوة دولتها وتضعف بضعفها، وأن الخامات المحلية؛ كالبترول والقطن والصوف لم تعتبر حتى الآن لدى أي من جهات الإصدار غطاء للعملات الورقية.\nوحيث إن القول باعتبار مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدين هو الأظهر دليلًا، والأقرب إلى مقاصد الشريعة، وهو إحدى الروايات عن الأئمة مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة، كما هو اختيار بعض المحققين من أهل العلم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما.\n_________\n(١) المدونة الكبرى، للإمام مالك، ٣/ ٥، توزيع مكتبة دار الباز بمكة المكرمة.","vol":"1","page":141},{"text":"وحيث إن الثمنية متحققة بوضوح في الأوراق النقدية؛ لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقدًا قائمًا بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى: أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية:\nأولًا: جريان الربا بنوعيه فيها، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين: الذهب، والفضة، وفي غيرهما من الأثمان كالفلوس، وهذا يقتضي ما يلي:\n(أ) لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما – نسيئة مطلقًا، فلا يجوز مثلًا بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة.\n(ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلًا، سواء كان ذلك نسيئة أو يدًا بيد، فلا يجوز مثلًا بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالًا سعوديًا ورقًا.\n(ج) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا، إذا كان ذلك يدًا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي، ورقًا كان أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر إذا كان ذلك يدًا بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يدًا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه ولا أثر لمجرد الاشتراك في","vol":"1","page":142},{"text":"الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.\nثانيًا: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.\nثالثًا: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات.\nوالله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.\nهيئة كبار العلماء (١)\nعبد الله بن منيع\nصالح بن لحيدان (متوقف)\nرئيس الدورة الثالثة: محمد الأمين الشنقيطي (متوقف)\n\nعبد العزيز بن باز\n\nعبد الله بن حميد (متوقف)\n\nعبد الرزاق عفيفي: لي وجهة نظر أخرى في الأوراق النقدية أقدم بها بيانًا إن شاء الله\n\nعبد الله خياط\n\nمحمد الحركان\n\nعبد العزيز بن صالح\n\nعبد المجيد حسن\n\nصالح بن غصون\n\nسليمان بن عبيد\n\nإبراهيم محمد آل الشيخ\n\nمحمد بن جبير\n\nراشد بن خنين\n\nعبد الله بن غديان (متوقف)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>سادسًا: حكم ضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب:</span>\nقال الإمام الحجَّاوي ﵀: «ويُضمُّ الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، وتضمُّ قيمة العروض إلى كل منهما» (٢). وقال العلامة محمد بن مفلح المقدسي ﵀: «ويكمل نصاب أحدهما بالآخر في روايةٍ\n_________\n(١) أبحاث هيئة كبار العلماء، ١/ ٨٨ - ٩٣.\n(٢) المدونة الكبرى للإمام مالك، ٣/ ٥، توزيع مكتبة دار الباز بمكة المكرمة.","vol":"1","page":143},{"text":"اختارها الأكثر: الخلاَّلُ، والخرقيُّ، والقاضي وأصحابه، وصاحب «المحرر» وغيرهم، حاضرًا (١)، أو دينٌ فيه زكاةٌ؛ لأن مقاصدهما وزكاتهما متفقةٌ، فهما كنوعي الجنس» (٢). «من حبٍّ أو ثمرٍ في ضم أحدهما إلى الآخر، وفي الاجتزاء بأحدهما عن الآخر» (٣) (٤).\n_________\n(١) حاضرًا: ضد الغائب، فلا فرق بين الحاضر في وجوب الزكاة، والدين وهو ما له أجل مسمى أو لا، كقرض ونحوه ففيها الزكاة إذا اكتملت الشروط [حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٣/ ٢٤٦].\n(٢) كتاب الفروع لابن مفلح، ٤/ ١٣٦.\n(٣) حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٣/ ٢٤٦.\n(٤) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في ضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب إذا لم يكن معهما عروض تجارة على قولين:\nالقول الأول: إن الذهب والفضة يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀، وهو قول الحسن، وقتادة، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأن أحدهما يضم إلى ما يضم إليه الآخر، فيضم إلى الآخر، كأنواع الجنس؛ ولأن نفعهما واحد، والمقصود منهما متحد؛ فإنهما قيم المتلفات، وأروش الجنايات، وأثمان البيعات، وحليٌّ لمن يريدها لذلك فأشبها النوعين، ثم اختلف من قال بالضم: هل يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب بالأجزاء؟ أو يكون الضم بالقيمة؟ على قولين:\n١ – رواية عن الإمام أحمد، والإمام مالك، وأبي يوسف، ومحمد، والأوزاعي: أن الذهب والفضة يضم أحدهما إلى الآخر بالأجزاء، يعني أن كل واحد منهما يحتسب من نصابه فإذا كملت أجزاؤهما نصابًا وجبت الزكاة، مثل: أن يكون عنده نصف نصاب من أحدهما، ونصف نصاب أو أكثر من الآخر، أو ثلث من أحدهما وثلثان أو أكثر من الآخر، فلو ملك: مائة درهم وعشرة دنانير، أو مائة وخمسين درهمًا وخمسة دنانير، أو مائة وعشرين درهمًا وثمانية دنانير وجبت الزكاة فيهما، وإن نقصت أجزاؤهما عن نصاب فلا زكاة فيهما؛ لأن كل واحد منهما لا تعتبر قيمته في وجوب الزكاة إذا كان منفردًا، فلا تعتبر إذا كان عنده مضمومًا: كالحبوب، والثمار، وأنواع الأجناس كلها.\n٢ – رواية عن الإمام أحمد، وقول الإمام أبي حنيفة: يضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب بالقيمة، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «والأول أصح [أي الضم بالأجزاء]-؛ لأن الأثمان تجب الزكاة في أعيانها، فلا تعتبر قيمتها» [المغني، ٤/ ٢١١ - ٢١٢].\nقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع: «والصواب من هذين القولين: أنه يضم بالأجزاء لا بالقيمة»، [و] يستثنى من هذه المسألة أموال الصيارف؛ فإنه يضم فيها الذهب إلى الفضة، لا ضم جنس إلى جنس، ولكن المراد بهما التجارة، فهما عروض تجارة» ٦/ ١٠٩.\nالقول الثاني: أن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، فلا زكاة على صاحبهما حتى يبلغ كل واحدٍ منهما نصابًا، وهو رواية عن الإمام أحمد، والشافعي، وهو قول أبي ليلى، والحسن بن صالح، وشريك، وأبي عبيد، وأبي ثور، واختاره أبو بكر بن عبد العزيز؛ لقوله ﵊: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» [تقدم تخريجه]؛ ولأنهما مالان يختلف نصابهما، فلا يضم أحدهما إلى الآخر، كأجناس الماشية، وهذا القول هو ظاهر ما نصره ابن قدامة في المغني، وجزم به في المنتخب، وقدمه في الكافي. [ورجح العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ هذا القول؛ لأمور:\n١ – قول الرسول - ﷺ -: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» [متفق عليه، وتقدم تخريجه].\n٢ – قوله - ﷺ -: «وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارًا» [أبو داود، وتقدم تخريجه].\n٣ – أن الشعير لا يضم إلى البر في تكميل النصاب، فلو كان عند الإنسان نصف نصاب من الشعير ونصف نصاب من البر لم يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب.\n٤ – أن الضأن لا تضم إلى البقر، فلو كان عند الإنسان نصف نصاب من الضأن ونصف نصاب من البقر، فلا يكمل أحدهما بالآخر لتكميل النصاب؛ لأن الجنس لا يضم إلى جنس آخر، وأما النوع فيضم إلى نوعه الآخر: كأنواع النخيل، وأنواع البر، وأنواع ... الشعير، بضم بعضها إلى بعض، قال ﵀: «وعليه: فإذا كان عنده عشرة دنانير، ومائة درهم فلا زكاة عليه؛ لأن الذهب وحده والفضة وحدها، وهذا هو القول الراجح». [الشرح الممتع، ٤/ ١٠٧ - ١٠٨].\nوانظر في مسائل ضم أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب أو عدمه: [المغني لابن قدامة،\n٤/ ٢١٠ – ٢١٢، والفروع لابن مفلح، ٤/ ١٣٦ – ١٣٧، وتصحيح الفروع للمرداوي مع كتاب الفروع، ٤/ ١٣٦ – ١٣٧، والشرح الكبير على المقنع، ومع الإنصاف، ٧/ ١٥، والكافي لابن قدامة، ٢/ ١٤٨، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٢٤٥].","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>سابعًا: تضم عروض التجارة إلى كل من الذهب والفضة:</span>\nعروض التجارة: كل ما أعد للتجارة، وهذه تضم قيمتها إلى كل من الذهب والفضة في تكميل النصاب؛ لأن عروض التجارة تضم إليهما في تكميل النصاب، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «لا نعلم فيه خلافًا». وقال ابن قدامة ﵀ أيضًا: «ولو كان له ذهب، وفضة، وعروض، وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب؛ لأن العروض مضمومٌ إلى كل","vol":"1","page":145},{"text":"واحد منهما، فيجب ضمهما إليه وجمع الثلاثة ...» (١). والاختلاف إنما وقع إذا كان للإنسان المسلم من كل واحد من الذهب والفضة مالًا يبلغ نصابًا بمفرده، أو كان له نصاب من أحدهما وأقل من نصاب من الآخر» (٢). [وتقدم تفصيل ذلك].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>ثامنًا: مقدار الزكاة في الذهب والفضة: ربع العشر:</span>\nفإذا تمت الفضة مائتي درهمٍ، والذهب عشرين دينارًا فالواجب في كلٍ منهما: ربع العشر، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن زكاة الذهب والفضة: رُبعُ عُشْرِهِ» (٣). وقد ثبت ذلك في حديث أنس - ﵁ - الذي كتب له أبو بكر - ﵁ - في فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ - على المسلمين، وفيه: «وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها» (٤)؛ ولحديث علي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «هاتوا ربع العشور: من كل أربعين درهمًا درهم، وليس عليكم شيء حتى تتمّ مائتي درهمٍ، فإذا كانت مائتي درهمٍ ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك» (٥)؛ولحديث علي - ﵁ - أيضًا عن النبي - ﷺ -، وفيه: «... فإذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء – يعني في الذهب – حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار،\n_________\n(١) المغني لابن قدامة ﵀، (٤/ ٢١٠، والفروع لابن مفلح، (٤/ ١٣٨، والكافي، ٢/ ١٤٨.\n(٢) المرجع السابق، ٤/ ٢١٠.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٤/ ٢١٥.\n(٤) البخاري، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم برقم، ١٤٥٤.\n(٥) أبو داود، كتاب الزكاة، باب زكاة السائمة، برقم ١٥٧٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٥.","vol":"1","page":146},{"text":"فما زاد فبحساب ذلك ... وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول» (١)؛ ولحديث عائشة وابن عمر - ﵃ -: أن النبي - ﷺ - «كان يأخذ من كل عشرين دينارًا نصف دينارٍ، ومن كل أربعين دينارًا دينارًا» (٢). وفي الزيادة على نصاب الذهب والفضة الزكاة بحساب ذلك حتى ولو كانت الزيادة قليلة؛ لحديث علي - ﵁ - عنه المذكور آنفًا «... فما زاد فعلى حساب ذلك ...». وفي لفظ: «فما زاد فبحساب ذلك» (٣).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وروي ذلك عن علي، وابن عمر - ﵃ - موقوفًا عليهما ولم يعرف لهما مخالفًا من الصحابة، فيكون إجماعًا؛ ولأنه مال متَّجرٌ، فلم يكن له عفوٌ بعد النصاب كالحبوب» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>تاسعًا: كيفية إخراج الزكاة من المال تكون بطرق منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>الطريقة الأولى: ربع العشر: </span>واحد من أربعين، وهذا يفيد المسلم الذي عنده زكاة: أن يقسم ما عنده من المال على أربعين، فما خرج فهو الزكاة، فمثلًا: أربعون مليونًا تقسيم أربعين يساوي مليونًا، وهذا زكاتها (٥) فعلى هذا يكون الجزء الثابت لحساب الزكاة: هو جميع ما عند المسلم من المال يقسم على أربعين، والناتج: هو زكاة ماله.\n_________\n(١) أبو داود، برقم ١٥٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٦، وتقدم تخريجه في نصاب الذهب وفي نصاب الفضة.\n(٢) ابن ماجه، برقم ١٧٩١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٩٨، وتقدم تخريجه في نصاب الذهب.\n(٣) أبو داود، برقم ١٥٧٢، ورقم ١٥٧٣، وتقدم تخريجهما.\n(٤) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٢١٦.\n(٥) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ١٠٢.","vol":"1","page":147},{"text":"أمثلة على هذه الطريقة لاستخراج الزكاة:\n١ - رجل يملك خمسة آلاف ريال سعودي فزكاتها:\n٥٠٠٠ ÷ ٤٠ = ١٢٥ ريالًا سعوديًا.\n٢ - شخص يملك عشرة آلاف دولار، فتكون زكاتها:\n١٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٥٠ دولارًا.\n٣ - امرأة تملك مائة ألف جنيه، فتكون زكاتها:\n١٠٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٥٠٠ جنيهًا.\n٤ - مالك يملك مليون ريالًا سعوديًا، فزكاتها: ١٠٠٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٥٠٠٠\n٥ - مالك يملك تسعة وتسعين مليون روبية، فزكاته:\n٩٩٠٠٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٤٧٥٠٠٠ روبية\nوهكذا يقسم جميع المال على أربعين، والناتج هو زكاة المال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>الطريقة الثانية: اثنين ونصف بالمائة تضرب في جميع المال</span>، ثم يقسم الناتج على مائة، والناتج: هو الزكاة فمثلًا: أربعون مليونًا رأس المال، وزكاتها اثنان ونصف بالمائة ضرب أربعين مليونًا، والناتج يقسم على مائة، والناتج يساوي مليونًا.\nوالطريقة الأولى أسهل، وأيسر، وأفضل؛ لقول عائشة وابن عمر - ﵃ -: إن النبي - ﷺ - «كان يأخذ من كل عشرين دينارًا فصاعدًا نصف دينار،","vol":"1","page":148},{"text":"ومن الأربعين دينارًا دينارًا» (١).\nأمثلة على هذه الطريقة لاستخراج الزكاة:\n١ - ٥٠٠٠ زكاتها: ٢.٥ × ٥٠٠٠ = ١٢٥٠٠ ÷ ١٠٠ = ١٢٥\n٢ - ١٠٠٠٠ زكاتها: ٢.٥ × ١٠٠٠٠ = ٢٥٠٠٠ ÷ ١٠٠ = ٢٥٠\n٣ - ١٠٠٠٠٠ زكاتها: ٢.٥ × ١٠٠٠٠ = ٢٥٠٠٠٠ ÷ ١٠٠ = ٢٥٠٠\nوهكذا مجموع المال يضرب في اثنين ونصف، والناتج يقسم على مائة، والناتج يكون هو الزكاة المفروضة.\nوالطريقة الأولى أسهل وأيسر، والله تعالى الموفق.\nوتقدم أن العملات الورقية أو المعدنية إذا بلغت نصاب الذهب أو الفضة زكيت؛ لأن حكمها حكم النقدين، وما تقدم هنا يمثل العملات الورقية أو المعدنية.\nأما نصاب الذهب فقد سبق أن أقله «عشرون دينارًا» وهي تساوي (عشرون مثقالًا) والمثقال يساوي وزنه ٤.٦ جرام وهو وزن ٧٢ حبة شعير متوسطة كما تقدم، فيكون نصاب الذهب ٤.٦ × ٢٠ = ٩٢ جرامًا، وهي تساوي بالجنيه السعودي ١١.٥ جنيهًا، ووزن الجنية ٨ جرامات × ١١.٥ = ٩٢ جرام. وسعر جرام الجنيه بتاريخ ٨/ ٣/١٤٢٦هـ = ٤٤.٧٠ × ٨ = ٣٥٧.٦ ريال سعودي فيكون سعر نصاب الذهب بالريال السعودي ٣٥٧.٦ × ١١.٥ جنيه = ٤١١٢.٤ ريالًا سعوديًا، أو يضرب سعر جرام الجنيه في عدد جرامات النصاب ٤٤.٧ × ٩٢ = ١١٢.٤ ريالًا سعوديًا،\n_________\n(١) ابن ماجه، برقم ١٧٩١، وتقدم تخريجه في نصاب الذهب.","vol":"1","page":149},{"text":"وأما نصاب الفضة فقد سبق أن وزن المثقال ٤.٦ جرام × نصاب الفضة ١٤٠ مثقالًا = ٦٤٤ جرامًا، وهذا نصاب الفضة بالجرامات تقريبًا، وتضرب الجرامات هذه في سعر الجرام بالريال، فينتج النصاب بالعملة الورقية، وكان وزن الريال السعودي الفضّي بتاريخ ٨/ ٣/١٤٢٦هـ ١١.٦جرام وسعره=٨ ريالات سعودية ورقية وقد سبق أن النصاب بريالات الفضة ٥٦ ريالًا سعوديًا فضِّيًا فيكون النصاب أيضًا بجرامات الريال السعودي الفضي = ٥٦ × ١١.٦ = ٦٤٩.٦ جرام، وهذا يزيد ٥.٦ جرام، ولكن هذا يكون بالتقريب.\nإذًا يكون نصاب الفضة بالريالات السعودية الورقية في تاريخ ٨/ ٣/١٤٢٦هـ هو: ٨ × ٥٦ = ٤٤٨ ريالًا تقريبًا، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>عاشرًا: إخراج أحد النقدين: من الذهب والفضة عن الآخر في الزكاة:</span>\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهل يجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر؟ فيه روايتان. نص عليهما: إحداهما: لا يجوز، وهو اختيار أبي بكر؛ لأن أنواع الجنس لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر إذا كان أقل في المقدار، فمع اختلاف الجنس أولى، والثانية: يجوز وهو أصح إن شاء الله؛ لأن المقصود من أحدهما يحصل بإخراج الآخر، فيجزئ كأنواع الجنس، وذلك لأن المقصود منهما جميعًا الثمنية، والتوسل بهما إلى المقاصد، وهما يشتركان فيه على السواء، فأشبه إخراج المكسَّرة عن الصحاح بخلاف سائر الأجناس، والأنواع مما تجب فيه الزكاة؛ فإن لكل جنس مقصودًا مختصًا به لا يحصل من الجنس الآخر، وكذلك أنواعها، فلا يحصل","vol":"1","page":150},{"text":"بإخراج غير الواجب من الحكمة ما يحصل من إخراج الواجب، وههنا المقصود حاصل فوجب إجزاؤه، إذ لا فائدة في اختصاص الأجزاء بعين، مع مساواة غيرها لها في الحكمة؛ وكون ذلك أرفق: بالمعطي والآخذ، وأنفع لهما، ويندفع به الضرر عنهما؛ فإنه لو تعين إخراج زكاة الدنانير منها شق على من يملك أقل من أربعين دينارًا إخراج جزء من دينار، ويحتاج إلى التشقيص ومشاركة الفقير له في دينار من ماله، أو بيع أحدهما نصيبه، فيستضر المالك والفقير، وإذا جاز إخراج الدراهم عنها دفع إلى الفقير من الدراهم بقدر الواجب فيسهل ذلك عليه، وينتفع الفقير من غير كلفة، ولا ضرر ... وفي جواز إخراج أحدهما عن الآخر نفع محض ودفع لهذا الضرر، وتحصيل لحكمة الزكاة على التمام والكمال، فلا حاجة، ولا وجه لمنعه ..» (١). قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «والصحيح أنه لا بأس أن تخرج من أحد النوعين يعني بالقيمة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>الحادي عشر: ما يباح للرجال: من الفضة والذهب: </span>يباح من ذلك الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>١ - خاتم الفضة</span>؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: «كان خاتم النبي - ﷺ - في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى». وفي لفظ: «... كأني أنظر إلى وبيض خاتمه من فضةٍ، ورفع أصبعه اليسرى بالخنصر». وفي لفظ: «أن رسول الله - ﷺ - لبس خاتم فضة في يمينه، فيه فصٌّ حبشيٌّ، كان يجعل فَصَّهُ مما يلي كفه». وهذه الألفاظ الثلاثة لمسلم، أما ألفاظ البخاري لحديث\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٤/ ٢١٨، وانظر: الكافي له، ٢/ ١٤٩، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ١٧، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٢٤٦، ومنار السبيل، ١/ ٢٥٢.\n(٢) الشرح الممتع، ٦/ ١١٠.","vol":"1","page":151},{"text":"أنس هذا فهي: «أن نبي الله - ﷺ - أراد أن يكتب إلى رهطٍ أو أناسٍ من الأعاجم [وفي رواية: الروم] فقيل له: إنهم لا يقبلون [وفي رواية: لن يقرؤوا] كتابًا إلا عليه خاتم [وفي رواية: إلا أن يكون مختومًا] فاتخذ النبي - ﷺ - خاتمًا من فضةٍ نقشهُ: محمدٌ رسول الله [وقال: إني اتخذت خاتمًا من ورقٍ، ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقش أحد على نقشه] فكأني بوبيص أو بصيص الخاتم [وفي رواية: كأني أنظر إلى بياضه] في إصبع النبي - ﷺ -، أو في كفه [وفي طريق: قال: فإني لأرى بريقه في خنصره] [قال أنس: كان خاتم النبي - ﷺ - في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، فأخرج الخاتم فجعل يَعبثُ به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان - أي في الذهاب والرجوع والنزول إلى البئر والطلوع منها - فننزح البئر فلم نجده «[وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر] (١).\nوقد جاءت الأحاديث في لبس الخاتم في اليسار، وفي اليمين، قال الإمام النووي ﵀: «وأما الحكم في المسألة عند الفقهاء: فأجمعوا على جواز التختم في اليمين، وعلى جوازه في اليسار، ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيتهما أفضل ..» (٢).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، بالأرقام الآتية: ٦٥، ٢٩٣٨، ٥٨٧٠، ٥٨٧٢، ٥٨٧٤، ٥٨٧٥، ٥٨٧٧، ٧١٦٢، ومسلم برقم ٢٠٩٢، وفي لفظ: «أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر، والنجاشي، فقيل: إنهم لا يقبلون إلا كتابًا بخاتم ...». ومسلم برقم ٢٠٩٤، ورقم ٢٠٩٥، وفي هذا لفظ: «من يده اليسرى» ورقم ٦٤٠ وفيه: «أصبعه اليسرى» أما في يده اليمنى فبرقم ٢٠٩٤ وهي رواية لمسلم في غير أصل الحديث.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣١٧، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٣٢٧، وانظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٥/ ٦٣.","vol":"1","page":152},{"text":"وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «وضع الخاتم في الخنصر هو الأفضل، سواء في اليمنى أو اليسرى، ويلبس في الخنصر والبنصر، ولا يتختم في الوسطى والسبابة» (١).\nوقد نهى النبي - ﷺ - عن التختم في السبابة والوسطى؛ لحديث علي - ﵁ - قال: «نهاني رسول الله - ﷺ - أن أتختم في أصبعي هذه، أو هذه، فأومأ إلى الوسطى والتي تليها» (٢).\nولفظ النسائي: «... ونهاني أن أجعل الخاتم في هذه وهذه، وأشار: يعني بالسبابة والوسطى» (٣).\nقال الإمام النووي ﵀: «... وأجمع المسلمون على أن السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر، وأما المرأة فإنها تتخذ خواتيم في أصابع ... ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها؛ لهذا الحديث وهي كراهة تنزيه ...» (٤).\nوما تقدم في أحاديث إباحة خاتم الفضة للرجال، أما الذهب فيحرم على الرجال؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله - ﷺ -: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله، لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله - ﷺ -» (٥).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٨٧٤.\n(٢) مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن التختم في الوسطى والتي تليها، برقم ٢٠٧٨.\n(٣) النسائي، كتاب الزينة، باب النهي عن الخاتم في السبابة، برقم ٥٢٢٥، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٣٨٧.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣١٧.\n(٥) مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم خاتم الذهب على الرجال، ونسخ ما كان من إباحته أول الإسلام، برقم ٢٠٩٠.","vol":"1","page":153},{"text":"وعن علي - ﵁ - قال: إن نبي الله - ﷺ - أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي» (١).\nوعن أبي موسى - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أُحلَّ الذهب والحريرُ لإناث أمتي، وحُرِّم على ذكورها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>٢ - قبيعة السيف</span>، ونصل السيف؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: «كان نعْلُ سيف رسول الله - ﷺ - من فضةٍ، وقبيعة سيفه (٣) فِضَّةٌ، وما بين ذلك حِلَقُ فِضَّةٍ» (٤)؛ ولحديث أبي أمامة، وسعيد ابن أبي الحسن قالا: «كانت قبيعة سيف رسول الله - ﷺ - من فضة» (٥) (٦).\n_________\n(١) النسائي، كتاب الزينة، باب تحريم الذهب على الرجال، برقم ٥١٥٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٣٧٦.\n(٢) النسائي، كتاب الزينة، باب تحريم الذهب على الرجال، برقم ٥١٦٣، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٣٧٧.\n(٣) وقبيعة السيف: ما يجعل على طرف القبضة: أي مقبضه من فضة. الروض المربع وحاشيته لابن قاسم، ٣/ ٢٥٠.\n(٤) النسائي، كتاب الزينة، باب حلية السيف، برقم ٥٣٧٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٣/ ٤٢٩.\n(٥) النسائي، كتاب الزينة، باب حلية السيف، برقم ٥٣٧٣، ومن حديث سعيد ابن أبي الحسن، برقم ٥٣٧٥، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب في السيل يحلّى، برقم ٢٥٨٣، ٢٥٨٤، ٢٥٨٥، والترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء في السيوف وحليتها، برقم ١٦٩١، وصحح الألباني هذه الأحاديث في هذه المواضع، وانظر: صحيح سنن النسائي، ٣/ ٤٢٩.\n(٦) وانظر: بقية ما ذكر في الإباحة: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٢٥٠ - ٢٥٤، والمغني لابن قدامة، ٤/ ٢٢٥.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>٣ - ما دعت إليه ضرورة: </span>كأنفٍ من ذهب، أو ربط الأسنان وشدها بالذهب، أو نحو ذلك؛ لحديث عرفجة بن سعد - ﵁ - قال: «أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية، فاتخذت أنفًا من ورقٍ، فأنتن عليَّ، فأمرني رسول الله - ﷺ - أن أتخذ أنفًا من ذهب» (١).\nقال الإمام الترمذي ﵀: «وقد رُوِيَ عن غير واحد من أهل العلم: أنهم شدّوا أسنانهم بالذهب، وفي الحديث حجة لهم» (٢).\nوقد روي عن جماعة من السلف أنهم شدُّوا أسنانهم بالذهب،\nمنهم: موسى بن طلحة (٣) ونصر بن عمران البصري\nأحد الأئمة الثقات (٤)، وثابت البناني (٥)، وإسماعيل بن زيد بن ثابت بن\nالضحاك (٦)، والمغيرة بن عبد الله (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>الثاني عشر: ما يباح للنساء من الذهب والفضة:</span>\nيباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهنَّ بلبسه، ولو كثر:\n_________\n(١) الترمذي، كتاب اللباس، باب ما جاء في شد الأسنان بالذهب، برقم ١٧٧٠، وأبو داود، كتاب الخاتم، باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب، برقم ٤٢٣٢، والنسائي، كتاب الزينة، باب من أصيب أنفه هل يتخذ أنفًا من ذهب، برقم ٥١٦٢، وأحمد، ٥/ ٢٣، وحسنه الألباني في عدة مواضع، منها: في صحيح سنن أبي داود،\n٢/ ٥٥٢، وصحيح الترمذي، ٢/ ٢٨٥، وغير ذلك.\n(٢) الترمذي على الحديث رقم ١٧٧٠.\n(٣) ابن أبي شيبة، ٨/ ٤٩٨، برقم ٥٣١٢.\n(٤) شرح معاني الآثار للطحاوي، ٤/ ٢٥٩.\n(٥) ابن أبي شيبة، ٨/ ٤٩٩، برقم ٥٣١٨.\n(٦) البيهقي في الآداب، ص ٣٧٥.\n(٧) أحمد في المسند، ٥/ ٢٣، وابن أبي شيبة، ٨/ ٤٩٩، برقم ٥٣١٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار، ٤/ ٢٥٩.","vol":"1","page":155},{"text":"كالطوق (١) والخلخال (٢)، والسوار (٣)، والقرط (٤)، وما في المخانق (٥)، والمقالد (٦)، والتاج، وما أشبه ذلك؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (٧)؛ ولقوله - ﷺ -: «أُحلَّ الذهب والحرير لإناث أمتي، وحُرِّم على ذكورها» (٨) (٩). قال العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵀: «فدل على إباحة التحلي بهما لهن (١٠)، وأجمع العلماء على ذلك؛ لهذا الخبر، وغيره؛ ولأن المرأة محتاجة للتجمل، والتزين لزوجها، فأباح الشارع لها ما تجمل به» (١١).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويباح للنساء من حلي الذهب، والفضة، والجواهر، كلُّ ما جرت عادتهن بلبسه: مثل السوار، والخلخال، والقرط، والخاتم، وما يلبسنه على وجوههن، وفي أعناقهن،\n_________\n(١) الطوق: حلي يجعل في العنق، وكل شيء استدار فهو طوق، لسان العرب، ١٠/ ٢٣٠.\n(٢) الخلخال: ما تلبسه المرأة في ساقها، [لسان العرب، ١١/ ٢٢٠].\n(٣) السوار: ما تستعمله المرأة في يديها، جمعه أسورة. [حاشية ابن قاسم على الروض، ٣/ ٢٥٥].\n(٤) القرط: ما يجعل في شحمة الأذن، [المصباح المنير، ٢/ ٤٩٨].\n(٥) المخانق: المخنقة: القلادة: سميت بذلك؛ لأنها تطيف بالعنق، وهي ما يجعل في العنق، وهي موضع الخنق، [المصباح المنير، ١/ ١٨٣].\n(٦) المقالد: مفردها مقلد، ومنه القلادة، وهي: ما جعل في العنق، [لسان العرب، ٣/ ٣٦٥].\n(٧) سورة الزخرف، الآية: ١٨.\n(٨) النسائي، برقم ٥١٦٣، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٣٧٧، وتقدم تخريجه.\n(٩) ولو كثر؛ لأن الشارع أباح لهن التحلي مطلقًا، فلا يجوز تحديده بالرأي والتحكم، واتفقوا: أنه يجوز للمرأة لبس خاتم الفضة، كما يجوز لها لبس خاتم الذهب إجماعًا، وفي المبدع: وظاهره: أن ما لم تجرِ العادة بلبسه: كالثياب المنسوجة بالذهب، والنعال، لا يباح لهن؛ لانتفاء التجمل، فلو اتخذته حرم، وفيه الزكاة. حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥.\n(١٠) بهما: أي بالذهب والحرير.\n(١١) حاشية الروض المربع، ٣/ ٢٥٥.","vol":"1","page":156},{"text":"وأيديهن، وأرجلهن، وآذانهن، وغيره، وأما ما لم تجرِ عادتهن بلبسه: كالمنطقة وشبهها من حلي الرجال فهو محرم ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>الثالث عشر: تحريم آنية الذهب والفضة على الرجال والنساء جميعًا:</span>\nاتخاذ آنية الذهب أو الفضة حرام على الرجال والنساء جميعًا، وكذلك استعمالهما؛ لحديث أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر (٢) في بطنه نار جهنم» وفي لفظ لمسلم: «أن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب ...». وفي لفظ لمسلم أيضًا: «من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارًا من جهنم» (٣).\nوعن حذيفة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» (٤).\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «وأجمع المسلمون على تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب، وإناء الفضة، على الرجل والمرأة ...» (٥).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجملته: أن اتخاذ آنية الذهب\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٤٦.\n(٢) يجرجر: أي يلقي في بطنه نارًا يجرع متتابع، يسمع له جرجرة، وهو الصوت؛ لتردده في حلقه، شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٢٧٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأشربة، باب آنية الفضة، برقم ٥٦٣٤، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب وغيره، على الرجال والنساء برقم ٢٠٦٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض، برقم ٥٤٢٦، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، برقم ٢٠٦٧.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٢٧٢.","vol":"1","page":157},{"text":"والفضة حرام على النساء والرجال جميعًا، وكذلك استعمالها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>الرابع عشر: لا زكاة في الحلي من غير الذهب والفضة: إجماعًا</span>\nقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «فإن كان في الحلي جوهر، ولآلئ مرصَّعةٌ فالزكاة في الحلي: من الذهب، والفضة، دون الجوهر؛ لأنها لا زكاة فيها عند أحد من أهل العلم، فإن كان الحلي للتجارة قوَّمه بما فيه من الجواهر، ولو كانت مفردة وهي للتجارة لقوِّمت وزكيت، فكذلك إذا كانت في حلي التجارة» (٢)، وقال ﵀: «ولا زكاة في الجواهر، واللآلئ؛ لأنها معدة للاستعمال، فأشبهت ثياب البذلة، وعوامل الماشية» (٣).وقال العلامة ابن مفلح ﵀: «لا زكاة في الجوهر، واللؤلؤ؛ لأنه معدٌّ للاستعمال، كثياب البذلة، ولو كان في حلْي، إلا أن يكون للتجارة، فيقوَّم جميعه تبعًا ...» (٤).\nوقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «المجوهرات من غير الذهب والفضة: كالماس، ليس فيها زكاة، إلا أن يراد بها التجارة» (٥).\nوالخلاصة: أن جماهير الفقهاء اتفقوا على عدم وجوب الزكاة فيما تستخدمه المرأة: من الجواهر: كاللؤلؤ، والمرجان، والياقوت، والزمرد، وغيرها من الحلي الذي ليس بذهب ولا فضة، إلا أن يقصد به التجارة،\n_________\n(١) المغني، ٤/ ٢٨.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٤٤، ٤/ ٢٤٤، والإنصاف، ٧/ ٤٩.\n(٣) الكافي لابن قدامة، ٢/ ١٤٩.\n(٤) كتاب الفروع، ٤/ ١٦١.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ١٢٤.","vol":"1","page":158},{"text":"ففيه زكاة عروض التجارة، والله تعالى أعلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>الخامس عشر: وجوب الزكاة في الحلي المحرم، أو المعد للتجارة: من الذهب والفضة:</span>\nقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «وكل ما كان اتخاذه محرمًا من الأثمان لم تسقط زكاته باتخاذه؛ لأن الأصل وجوب الزكاة فيها؛ لكونها مخلوقة للتجارة، والتوسل بها إلى غيرها، ولم يوجد ما يمنع ذلك، فبقيت على أصلها» (٢).\nوذكر رحمه الله تعالى أثناء كلامه على تحريم آنية الذهب والفضة، فقال: «إذا ثبت هذا فإن فيها الزكاة بغير خلاف بين أهل العلم، ولا زكاة فيها حتى تبلغ نصابًا بالوزن، أو يكون عنده ما يبلغ نصابًا بضمِّها إليه، وإن زادت قيمته؛ لصياغته، فلا عبرة بها؛ لأنها محرمة فلا قيمة لها في الشرع ...» (٣).\nقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: «أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة إذا كان حليًّا محرم الاستعمال، أو كان معدًّا للتجارة أو نحوها» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>السادس عشر: زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال:</span>\nاختلف العلماء رحمهم الله تعالى، قديمًا وحديثًا في زكاة الحلي المباح، الذي أُعد للاستعمال: هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب؟ (٥).\n_________\n(١) انظر: زكاة الحلي: الذهب والفضة والمجوهرات، للدكتور/ محمد بن عثمان شبير، ص ٢٨.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٢٩، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٢٧.\n(٣) المغني، ٤/ ٢٢٨، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٣٠.\n(٤) فتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٢٦١.\n(٥) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في مسألة زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال على أقوال أشهرها قولان:\nالقول الأول: القول بوجوب الزكاة، روي ذلك عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو ابن العاص - ﵃ -، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعبد الله بن شداد، وجابر بن زيد، وابن سيرين، وميمون بن مهران، والزهري، والثوري، وبه قال الإمام أبو حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وداود الظاهري، وأحد القولين في مذهب الشافعي، وهذا القول هو الذي دل عليه ظاهر الكتاب والسنة الصحيحة، وثبت فيه أحاديث صريحة، وأقوال بعض الصحابة - ﵃ -. انظر: المغني، لابن قدامة،\n٤/ ٢٢٠، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ١٥٧، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٢٦١، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٨٤.\nالقول الثاني: قول من قال: ليس في حلي المرأة زكاة إذا كان مما تلبسه أو تعيره، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذا ظاهر المذهب، [أي مذهب الإمام أحمد] وروي ذلك عن ابن عمر، وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء - ﵃ -، وبه قال القاسم، والشعبي، وقتادة، ومحمد بن علي، وعمرة، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد، وإسحاق، وأبو ثور» رحمهم الله تعالى، واستدلوا بما روي عن جابر مرفوعًا: «ليس في الحلي زكاة» [رواه الدارقطني، ٢/ ١٠٧وغيره، ولكن هذا حديث حكم عليه أهل العلم بالضعف؛ لأن في سنده إبراهيم بن أيوب الراوي له عن عافية، وقد حكم عليه بالضعف، فسقط به الاستدلال، وانظر: إرواء الغليل للألباني، ٣/ ٢٩٥، برقم ٨١٧، وقال: وللحديث علة أخرى وهي الوقف] وقد ثبت موقوفًا على جابر - ﵁ -، فعن أبي الزبير عن جابر قال: «لا زكاة في الحلي»، قلت: إنه يكون فيه ألف دينار؟ قال: «يعار ويلبس» [ابن أبي شيبة، ٤/ ٢٧، قال الألباني: وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وأبو الزبير قد صرح بالسماع، وقد تابعه عمرو بن دينار قال: «سمعت رجلًا يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي: أفيه الزكاة؟ فقال جابر: لا، فقال: وإن كان يبلغ ألف دينار، فقال جابر: كثير أخرجه الشافعي،\n١/ ٢٣٩، وأبو عبيد، ٤٤٢/ ١٢٧٥، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٢٩٥: «وإسنادهما على شرط الشيخين» وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ٣٨].\nواستدلوا بفعل عائشة ﵂: أنها كانت تلي بنات أخيها محمد يتامى في حجرها، لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة» [موطأ الإمام مالك، ٣/ ٢٣٥، وصحح إسناده النووي في المجموع، والمباركفوري في تحفة الأحوذي، ٣/ ٢٨٥] وبما جاء عن عبد الله بن عمر ﵄: «أنه كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة» [موطأ الإمام مالك، ١/ ٢٣٥، وصحح إسناده المباركفوري في تحفة الأحوذي، ٣/ ٢٨٥]، واستدلوا بما جاء عن أسماء بنت أبي بكر ﵄: «أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه، نحوًا من خمسين ألفًا» [السنن الكبرى للبيهقي،\n٤/ ١٣٨]، وسئل أنس بن مالك - ﵁ - عن الحلي، فقال: «ليس فيه زكاة» [البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ١٣٨]، ولكن لم يثبت لمانعي الزكاة حديث صحيح صريح في عدم وجوب الزكاة، كما ثبت لمن أوجبها من عموم الأحاديث الصحيحة، وصريح وجوب الزكاة في حديث: عائشة، وأم سلمة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفاطمة بنت قيس، مع عموم آية سورة التوبة. ثم الآثار عن بعض الصحابة بعدم وجوب الزكاة معارضة بأحاديث صحيحة عن النبي - ﷺ -، ومعارضة بآثار صحيحة عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، ثم بعض الصحابة الذين قالوا بعدم وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال، ثبت عن بعضهم أنهم قالوا: بوجوب الزكاة في الحلي، ومن المعلوم: أن قول النبي - ﷺ - لا يعارضه قول أحد من الناس كائنًا من كان، فلا قول لأحد مع قوله - ﷺ -، وقد أحسن الإمام الصنعاني ﵀ حين قال: [القول] الثاني: لا تجب الزكاة في الحلية وهو مذهب مالك، والشافعي في أحد قوليه؛ لآثارٍ وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها في الحلية، ولكن بعد صحة الحديث لا أثر للآثار [سبل السلام، ٤/ ٥١].","vol":"1","page":159},{"text":"وقد دل الكتاب العزيز والسنة المطهرة على وجوب ردِّ ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، عملًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١)،وقال - ﷾ -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ (٣). وإذا رددنا هذه المسألة إلى الكتاب والسنة، وجدناهما يدلان دلالة ظاهرة على وجوب الزكاة في حلي النساء: من الذهب والفضة، حتى لو كان للاستعمال أو العارية، سواء كانت: قلائد، أو أسورة، أو خواتم، أو ما تُحلَّى به السيوف والخناجر من الذهب والفضة إذا بلغ ذلك نصابًا أو كان عند مالكه من الذهب والفضة أو عروض التجارة ما يكمل به النصاب، والقول بوجوب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال هو أصح أقوال أهل العلم (٤)، وقد رُوي هذا الوجوب: عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، وعبد الله بن\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٦٥.\n(٣) سورة الشورى، الآية: ١٠.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٨٥، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء،\n٩/ ٢٦١ - ٢٧٠.","vol":"1","page":161},{"text":"مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، - ﵃ -، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعبد الله بن شداد، وجابر بن زيد، وابن سيرين، وميمون بن مهران، والزهري، والثوري، وبه قال الإمام أبو حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وداود الظاهري ﵏ ورضي عنهم جميعًا (١). واستدلوا بأدلة: من الكتاب، والسنة الثابتة، وأقوال بعض أصحاب النبي - ﷺ - على النحو الآتي:\n١ - عموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٢). قال الإمام الطبري ﵀: «... قال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤدَّ زكاته، قالوا: وعنى بقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ ولا يؤدون زكاتها» ثم ساق بإسناده إلى ابن عمر ﵄ أنه قال: «كل مال أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا، وكل مال لم تؤدَّ منه الزكاة وإن لم يكن مدفونًا فهو كنز» (٣). ثم قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى بعد ذكره لأقوال أهل العلم في تفسير الآية: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة القول الذي ذكر عن ابن عمر: من أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كل مالٍ لم تؤدَّ زكاته فصاحبه معاقب مستحق وعيد الله،\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٢٢٠.\n(٢) سورة التوبة، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.\n(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٤/ ٢١٧، بألفاظ متقاربة، برقم ١٦٦٤٩ - ١٦٦٥٦ عن عدد من الصحابة - ﵃ -.","vol":"1","page":162},{"text":"إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه، وإن قل إذا كان مما يجب فيه الزكاة» (١). والآية عامة في زكاة الذهب والفضة، ويدخل في العموم زكاة الحلي، قال الجصاص رحمه الله تعالى: «وجه دلالة الآية على وجوبها في الحلي لشمول الاسم له» (٢). أي: الآية تتناول الذهب والفضة ويدخل في ذلك الحلي، فلا يجوز إخراج الحلي بدون دليل مخصص. وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب ما أدِّيَ زكاته فليس بكنز، ثم ساق خبر ابن عمر ﵄ أنه قال له أعرابي: أخبرني عن قول الله تعالى:\n﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ (٣). قال ابن عمر\n﵄: من كنزها فلم يؤدِّ زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تُنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال» (٤).\nوزكاة الحلي تدخل في هذا العموم، إلا بدليل صحيح صريح مخصص» (٥).\n٢ - روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحت له صفائح من نار، فأُحْمِيَ عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم\n_________\n(١) تفسير الطبري، ١٤/ ٢٢٣، وانظر: تفسير البغوي، ٢/ ٢٨٧، وتفسير ابن كثير، ص ٦٠٧، طبعة دار السلام.\n(٢) أحكام القرآن للجصاص، ٣/ ١٠٧.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٣٤.\n(٤) البخاري، كتاب الزكاة، باب ما أدِّي زكاته فليس بكنز، برقم ١٤٠٤ [تعليقًا]، ورقم ٤٦٦١ [تعليقًا أيضًا].\n(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٨٥، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ١٥٩، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٢٦٥.","vol":"1","page":163},{"text":"كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ..» (١). فالحديث عام في وجوب الزكاة في كل ذهب وفضة، بهذا النص الصحيح، ولم يأت إجماع قط بأنه ﵊ لم يرد إلا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم يجز تخصيص شيء من ذلك بغير نص صحيح ولا إجماع» (٢).\n٣ - روى أبو داود، والنسائي، وأحمد، والترمذي، واللفظ لأبي داود، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄: أن امرأة أتت رسول الله - ﷺ - ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسكتَان (٣) غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا؟ «قالت: لا، قال: «أيَسُرُّكِ أن يُسَوِّركِ اللهُ بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي - ﷺ -، وقالت: هما لله - ﷿ - ولرسوله» (٤).\nوهذا الحديث الثابت عن النبي - ﷺ - يدل على وجوب الزكاة في الحلي؛\n_________\n(١) مسلم، برقم ٩٨٧، وهو عند البخاري مختصرًا برقم ١٤٠٢، ومن حديث جابر عند مسلم، برقم ٩٨٨، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام.\n(٢) انظر: المحلى، لابن حزم، ٦/ ١٠٠.\n(٣) مسكتان: المسكة - بتحريك السين - واحدة المسك، وهي أسورة، من ذبل [قرون الأوعال] أو عاج، فإذا كانت من غير ذلك أضيفت إلى ما هي منه، فيقال: من ذهب، أو فضة، أو غيرهما. جامع الأصول، لابن الأثير، ٤/ ٦٠٨.\n(٤) أبو داود، كتاب الزكاة، باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحُليِّ، برقم ١٥٦٣، والنسائي، كتاب الزكاة، باب زكاة الحلي، برقم ٢٤٧٨، ٢٤٧٩، وأحمد، ٢/ ١٧٨، ٢٠٤، ٢٠٨، والدارقطني، ٢/ ١١٢، وابن أبي شيبة في الأموال، ص ٥٣٧، برقم ١٢٦٠، والبيهقي، ٤/ ١٤٠، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الحلي، برقم ٦٣٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٢٩، وفي إرواء الغليل، ٣/ ٢٩٦، وقال الحافظ ابن القطان: إسناده صحيح كما نقله الإمام عبد العزيز ابن باز في مجموع الفتاوى له، ١٤/ ٨٦.","vol":"1","page":164},{"text":"لأنه - ﷺ - ألحق الوعيد الشديد بترك أداء الزكاة في الحلي كما في هذا الحديث.\n٤ - وروى أبو داود، واللفظ له، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي - ﷺ - فقالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ -، فرأى في يديَّ فتخاتٍ (١) من وَرِقٍ، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقلت: صنعتهنَّ أتزيَّنُ لك يا رسول الله! قال: «أتُؤدِّين زكاتهُنَّ؟» قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: «هو حَسْبُكِ من النار» (٢).\nوهذا الحديث الصحيح يدل على وجوب زكاة الحلي المعد للاستعمال؛ لأن عائشة ﵂ استعملت الفتخات لتتزين بها لرسول الله - ﷺ -، ومع ذلك تَضَمَّن الحديث الوعيد لمن لم يؤدِّ زكاة الحلي، ولم يستثن النبي - ﷺ - من الحلي شيئًا: لا المستعار ولا غيره، فوجب الأخذ بصريح النص وعمومه، ولا يجوز أن تخصص النصوص إلا بنصٍّ ثابتٍ يقتضي التخصيص (٣).\n٥ - وروى أبو داود بلفظه، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي،\n_________\n(١) فتخات: الفتخات جمع فتخة، وهي حلقةٌ لا فص لها، تجعلها المرأة في أصابع رجليها، وربما وضعتها في يديها، جامع الأصول لابن الأثير، ٤/ ٦٠٩.\n(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي، برقم ١٥٦٥، والدارقطني، ٢/ ١٠٥ - ١٠٦، والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠، والبيهقي في السنن الكبرى،\n٤/ ١٣٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٢٩، ووصفه الإمام ابن باز بأنه ثابت كما في مجموع الفتاوى له، ١٤/ ٨٧.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٨٧.","vol":"1","page":165},{"text":"عن أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين ﵂ قالت: كنت ألبس أوضاحًا (١) من ذهب، فقلت: يا رسول الله! أكنز هُوَ؟ فقال: «ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكِّي فليس بكنز» (٢). في هذا الحديث الإشارة إلى اشتراط النصاب، وأن ما لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، ولا يدخل في الكنز المتوعد عليه بالعذاب، وأن كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يزكَّ فهو من الكنز المتوعد عليه بالعذاب، وفي الحديث الدلالة الصريحة على وجوب الزكاة في الحلي؛ لأن أم سلمة ﵂ سألت عن ذلك كما هو صريح الحديث» (٣).\n٦ - وعن فاطمة بنت قيس ﵂، قالت: أتيت النبي - ﷺ - بطوق فيه سبعون مثقالًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله خذ منه الفريضة التي جعل الله فيه، قالت: فأخذ رسول الله - ﷺ - مثقالًا وثلاثة أرباع مثقالٍ فوجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله خذ منه الذي جعل الله فيه، قالت: فقسم رسول الله - ﷺ - على هذه الأصناف الستة، وعلى غيرهم، فقال: فذكره، قالت: قلت: يا رسول الله، رضيت لنفسي ما رضي الله - ﷿ - به ورسوله» (٤). قال العلامة الألباني ﵀: «وفي هذا الحديث دلالة\n_________\n(١) أوضاحًا: الأوضاح: حُليٌُّ من الدراهم الصحاح، هكذا قال الجوهري، وقال الأزهري: الأوضاح حليٌّ من الفضة، جامع الأصول، لابن الأثير، ٤/ ٦١٠.\n(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحُليّ برقم ١٥٦٤، والدارقطني، ٢/ ١٠٥، والحاكم وصححه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، ١/ ٣٩٠، والبيهقي، ٤/ ٨٣، ١٤٠، وحسن الألباني المرفوع منه فقط، في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٢٩، وقال الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ في مجموع الفتاوى له، ١٤/ ٨٦، عن إسناد أبي داود: «.. بإسناد جيد».\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٨٦ - ٨٧.\n(٤) أخرجه أبو الشيخ في جزئه، (انتقاء ابن مردويه، ٨٣/ ٣٠، طبع الرشد، قاله الألباني ﵀ في الأحاديث الصحيحة، الحديث رقم ٢٩٧٨، المجلد السادس، القسم الثاني، ص ١١٨٣ - ١١٨٥، ودرس إسناده وثبت عنده ﵀، وجزاه خيرًا.\nقلت: والحديث أخرجه الدارقطني، في كتاب الزكاة، باب زكاة الحلي، ٢/ ١٠٥، ولكن لم يذكره الألباني في تخريجه للحديث والظاهر أنه تركه عمدًا؛ لأن الدارقطني ﵀ قال في إسناده: «أبو بكر الهذلي متروك ولم يأتِ به غيره» فهذا هو السبب في ترك الألباني لتخريجه من الدارقطني والله أعلم، ولكن خرجه عند أبي الشيخ كما سبق ذكره وحكم عليه بالصحة، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":166},{"text":"صريحة على أنه كان معروفًا في عهد النبي - ﷺ - وجوب الزكاة على حُلي النساء، وذلك بعد أن أمر - ﷺ - بها في غير ما حديث صحيح، كنت ذكرت بعضها في «آداب الزفاف»؛ ولذلك جاءت فاطمة بنت قيس ﵂ بطوقها إلى النبي - ﷺ -؛ ليأخذ زكاتها منه، فليُضم هذا الحديث إلى تلك لعل في ذلك ما يقنع الذين لايزالون يفتون بعدم وجوب الزكاة على الحلي، فيحرمون بذلك الفقراء من بعض حقهم في أموال زكاة الأغنياء».\n٧ - آثار واردة عن بعض الصحابة - ﵃ - دالة على وجوب الزكاة في الحُليّ المباح، منها ما يأتي:\nالأثر الأول: عن عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين - ﵁ -، أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: «أن مرَّ من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهنَّ» (١).\nالأثر الثاني: عن ابن عباس ﵄: «أنه أوجب الزكاة في الحلي» (٢).\nالأثر الثالث: عن ابن مسعود - ﵁ - أن امرأته سألته عن حلي لها،\n_________\n(١) البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ١٣٩، وذكره ابن حزم في المحلى، ٦/ ٩٣، وانظر: نصب الراية للزيلعي، ٢/ ٢٧٤.\n(٢) ذكره ابن حجر في التلخيص الحبير، ٢/ ١٨٨.","vol":"1","page":167},{"text":"فقال: «إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة»، قالت: أضعها في بني أخ لي في حجري؟ قال: «نعم» (١).\nالأثر الرابع: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ «أنه كان يزكي حلي نسائه، وبناته» (٢).\nالأثر الخامس: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>السابع عشر: ترجيح جمع كثير من العلماء لوجوب زكاة الحلي:</span>\nأذكر مجموعة من أهل العلم الذين بلغني قولهم بوجوب زكاة الحلي المباح الذي أعد للاستعمال، إذا كمل النصاب ودار عليه الحول، ومنهم على سبيل الإيجاز لا الحصر، ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>١ - ابن حزم </span>رحمه الله تعالى، حيث قال: «والزكاة واجبة في حلي الفضة والذهب، إذا بلغ كل واحد منهما المقدار الذي ذكرنا - النصاب - وأتم عند مالكه عامًا قمريًّا» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>٢ - الفخر الرازي </span>قال: «الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي» (٥).\n_________\n(١) البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ١٣٩، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ٦٧.\n(٢) البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ١٣٩، والدارقطني، ٢/ ١٠٨، وذكره أبو عبيد في الأموال،\nص ٦٠١، وابن حزم في المحلى، ٦/ ٩٣.\n(٣) البيهقي، ٤/ ١٣٩، والدارقطني في السنن، ٢/ ١٠٧، وذكره أبو عبيد في الأموال، ص ٦٠١، وابن حزم في المحلى، ٦/ ٩٣.\n(٤) المحلى لابن حزم، ٦/ ٩٢.\n(٥) التفسير الكبير، للفخرالرازي، ١٦/ ٤٦.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>٣ - الصنعاني</span>، قال: «وأظهر الأقوال دليلًا وجوبها [أي وجوب زكاة الحلي]؛ لصحة الحديث وقوته» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>٤ - أحمد البناء </span>قال: «وأظهر الأقوال دليلًا، وأقواها، ما ذهب إليه الأولون: من وجوب الزكاة في الحلي» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>٥ - سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀</span>، يفتي بوجوب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال منذ زمن طويل، ومن ذلك قوله ﵀:\n«بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فقد تكرر السؤال من كثير من الناس عن حكم زكاة الحلي من الذهب والفضة وما ورد في ذلك من الأدلة؛ ولتعميم الفائدة أجبت بما يلي والله الموفق والهادي إلى الصواب:\nلا ريب أن هذه المسألة من مسائل الخلاف بين أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وقد دل الكتاب والسنة على وجوب رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - عملًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣). وإذا رددنا هذه المسألة إلى الكتاب والسنة وجدناهما يدلان دلالة ظاهرة على وجوب الزكاة في حلي النساء من الذهب\n_________\n(١) سبل السلام الموصل إلى بلوغ المرام، ٤/ ٥١.\n(٢) الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، لأحمد بن عبد الرحمن البناء، ٩/ ٢٤.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٥٩.","vol":"1","page":169},{"text":"والفضة وإن كان هذا للاستعمال أو العارية؛ سواء كانت: قلائد، أو أسورة، أو خواتيم، أو غيرها من أنواع الذهب والفضة، ومثل ذلك ما تحلى به السيوف والخناجر، من الذهب والفضة إذا كان الموجود من ذلك نصابًا، أو كان عند مالكه من الذهب أو الفضة أو عروض التجارة ما يكمل النصاب، وهذا القول هو أصح أقوال أهل العلم في هذه المسألة، والدليل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).\nومن السنة المطهرة ما ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا صُفِّحَتْ له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (٢). فهذان النصان العظيمان من الكتاب والسنة يعُمَّان جميع أنواع الذهب والفضة ويدخل في ذلك أنواع الحلي: من الذهب، والفضة، ومن استثنى شيئًا فعليه الدليل المخصص لهذا العموم، لو لم يرد إلا العموم في هذه المسألة، فكيف وقد ورد في هذه المسألة بعينها أحاديث صحيحة دالة على وجوب الزكاة في الحلي، منها ما خرَّجه أبو\n_________\n(١) سورة التوبة، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":170},{"text":"داود، والنسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن امرأة دخلت على النبي - ﷺ - وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال النبي - ﷺ -: «أتعطين زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «أيسرك أن يسوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار» فألقتهما وقالت: هما لله ولرسوله (١).\nقال الحافظ ابن القطان: إسناده صحيح. وخرج أبو داود بإسناد جيد عن أم سلمة ﵂ أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب فقالت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال ﵊: «ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكي فليس بكنز» (٢) ففي هذا الحديث فائدتان جليلتان:\nإحداهما: اشتراط النصاب، وأن ما لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، ولا يدخل في الكنز المتوعد عليه بالعذاب.\nوالفائدة الثانية: أن كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يزك فهو من الكنز المتوعد عليه بالعذاب.\nوفيه أيضًا فائدة ثالثة: وهي المقصود من ذكره، وهي الدالة على وجوب الزكاة في الحلي؛ لأن أم سلمة ﵂ سألت عن ذلك كما هو صريح الحديث.\nومن ذلك ما ثبت في سنن أبي داود عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - رأى عليها فتخات من فضة، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. فقال: «أتؤدين زكاتهن؟» قلت: لا. أو ما\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) رواه أبو داود في (الزكاة باب الكنز ما هو وزكاة الحلي، برقم ١٥٦٤.","vol":"1","page":171},{"text":"شاءالله. قال: «هو حسبك من النار» (١).\nففي هذه النصوص الدلالة الظاهرة على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة، وإن أعدت للاستعمال أو العارية؛ لأن الرسول - ﷺ - أنكر على عائشة والمرأة المذكورة في حديث عبد الله بن عمرو تركُ زكاة حليهما وهما مستعملتان له، ولم يستثن - ﷺ - من الحلي شيئًا لا المستعار ولا غيره، فوجب الأخذ بصريح النص وعمومه، ولا يجوز أن تخصص النصوص إلا بنص ثابت يقتضي التخصيص.\nوأما ما يروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ليس في الحلي زكاة» (٢). فهو حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج ولا يقوى على معارضة أو تخصيص هذه النصوص المتقدم ذكرها، بل قال الحافظ البيهقي: «إنه حديث باطل لا أصل له» نقل عنه ذلك الحافظ الزيلعي في نصب الراية، والحافظ ابن حجر في التلخيص (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>٦ - فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ </span>يفتي بوجوب زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال إذا بلغ نصابًا ودار عليه الحول، وفتاواه كثيرة في هذه المسألة (٤).\nوكتب رسالة لطيفة نافعة، ذكر فيها أقوال أهل العلم، وبين أنه يجب على الناس أن يردوا مسائل الخلاف عند التنازع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله\n_________\n(١) رواه أبو داود في (الزكاة باب الكنز ما هو وزكاة الحلي، برقم ١٥٦٥.\n(٢) رواه الدارقطني في باب زكاة الحلي، برقم ١٩٢٦، وقال: أبو حمزة هذا ميمون ضعيف الحديث.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٨٤ - ٨٨.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ١١٦ - ١٧٢.","vol":"1","page":172},{"text":"- ﷺ -، وذكر خمسة أقوال لأهل العلم في مسألة زكاة الحلي، ومن ذلك قوله ﵀: «... القول الخامس: وجوب الزكاة فيه إذا بلغ نصابًا كل عام، وهومذهب أبي حنيفة [﵀] ورواية عن أحمد، ﵀، وأحد القولين في مذهب الشافعي ﵀، وهذا هو القول الراجح لدلالة الكتاب والسنة، والآثار عليه ...» ثم ذكر الأدلة على ذلك تفصيلًا، ورد على من قال بعدم الوجوب ردًّا مفصلًا. رحمه الله تعالى (١).\n\n٧ - فضيلة الشيخ العلامة المحدث ناصر الدين الألباني ﵀، قال ﵀ على حديث فاطمة بنت قيس في وجوب الزكاة: «وفي الحديث دلالة صريحة على أنه كان معروفًا في عهد النبي - ﷺ - وجوب الزكاة على حلي النساء، وذلك بعد أن أمر - ﷺ - بها في غير ما حديث صحيح كنت ذكرت بعضها في «آداب الزفاف ص ٢٦٤»، ولذلك جاءت فاطمة بنت\nقيس ﵂ بطوقها إلى النبي - ﷺ - ليأخذ زكاتها منه، فليُضم هذا الحديث إلى تلك الأحاديث لعل في ذلك ما يُقنع الذين لا يزالون يُفتون بعدم وجوب الزكاة على الحليّ، فيحرمون بذلك الفقراء من بعض حقهم في أموال زكاة الأغنياء» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>٨ - فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن جبرين رحمه الله تعالى</span>، قال حينما سُئل عن زكاة الحلي؟: «لا شك أن هناك خلافًا قويًا، قديمًا وحديثًا في حكم زكاة الحلي المستعمل، ولكن القول الذي أختاره لزوم إخراج زكاته كل عام، ولو كان ملبوسًا؛ لقوة الأدلة التي تؤيد هذا\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ١٥٧ - ١٧٢.\n(٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني ﵀، ٦/ ١١٨٥.","vol":"1","page":173},{"text":"القول، وعلى هذا فإنها تقدر بقيمتها الحالية، ولا ينظر إلى رأس مالها، فتزكَّى قيمة الحلي التي يُقوَّم بها في الحال، سواء كان أكثر مما اشترت به، أو أقل، ثم تزكي تلك القيمة بربع العشر، والله أعلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>٩ - جماعة من أهل العلم أيدوا القول بالوجوب</span>، ورأوا أنه الأسلم للمسلم، والأبرأ للذمة، ومنهم:\n١٠ - العلامة الخطابي، قال: «الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها، والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب إلى النظر، ومعه طرف من الأثر، والاحتياط أداؤها والله أعلم» (٢).\n١١ - العلامة السندي، قال: «... لكن تعدد أحاديث الباب، وتأييد بعضها ببعض يؤيد القول بالوجوب، وهو الأحوط، والله تعالى أعلم» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>١٢ - فضيلة الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀</span>، قال: «... قال مقيده - عفا الله عنه - وإخراج زكاة الحلي أحوط؛ لأن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، والعلم عند الله تعالى» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>١٣ - فضيلة الشيخ محمود محمد خطاب السبكي</span>، قال ﵀:\n_________\n(١) مجلة اليمامة السعودية، عدد ٨٩٢، ذكر ذلك الدكتور عبد الله الطيار في زكاة الحلي في الفقه الإسلامي، ص ١١١، وهو بحث جيد نفيس وقد استفدت منه، جزاه الله خيرًا.\n(٢) معالم السنن للخطابي، ٢/ ١٧٦.\n(٣) حاشية السندي على سنن النسائي، ٥/ ٣٨.\n(٤) أضواء البيان، للشنقيطي، ٢/ ٤٥٧.","vol":"1","page":174},{"text":"«وأظهر الأقوال: القول الأول- القول بالوجوب؛ لقوة أدلته، وهو الأحوط» (١).\n\n١٤ - الشيخ العلامة أبو بكر الجزائري، قال: «والأحوط في حلي النساء الزكاة على كل حال» (٢).\n١٥ - فضيلة الشيخ العلامة صالح البليهي، قال: «... من كلام الشيخ تقي الدين، وابن القيم أن الزكاة لا تجب في الحلي، وعلى كل حال العمل بالأحوط أحوط، وأسلم للعاقبة، كيف وقد قال - ﷺ -: «ما نقص مال من صدقة بل تزده بل تزده». وقال عليه [الصلاة] والسلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمد لله رب العالمين» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>١٦ - اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء</span>. تصفّحت جميع الفتاوى في زكاة الحلي في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا ابن باز ﵀، فوجدت أنها كلها تذكر الوجوب، وقد بدأ أصحاب الفضيلة الأعضاء ببحث قيم مفيدٍ عن زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال، وذكروا أقوال أهل العلم في الجملة، وذكروا أدلة كل فريق، ووجه الدلالة، ثم رجحوا القول بالوجوب، ثم بعد هذا البحث والترجيح اتخذوا منهجًا في جميع الفتاوى اللاحقة التي تعرض عليهم، فيفتون بوجوب الزكاة في الحلي المباح المستعمل إذا كمل النصاب، أو كان عند المالك من عروض التجارة ما يكمّل به النصاب، ودار عليه الحول، وأعضاء اللجنة هم:\n_________\n(١) المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود، للسبكي، ٩/ ١٣٥.\n(٢) منهاج المسلم، لأبي بكر الجزائري، في هامش صفحة ٢٨٩.\n(٣) السلسبيل في معرفة الدليل، للشيخ صالح البليهي، ١/ ٢٦٨.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>١٧ - سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز </span>رئيس اللجنة.\n١٨ - صاحب الفضيلة العلامة عبد الرزاق عفيفي نائب رئيس اللجنة.\n١٩ - صاحب الفضيلة العلامة عبد الله بن غديان عضو.\n٢٠ - صاحب الفضيلة العلامة عبد الله بن قعود عضو (١).\nومن نماذج الفتاوى، الفتوى رقم (١٧٩٧) قال فيها أصحاب الفضيلة: «أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة إذا كان حُليًَّا محرم الاستعمال، أو كان معدًّا للتجارة، أو نحوها، أما إذا كان حليًا مباحًا معدًّا للاستعمال أو الإعارة: كخاتم الفضة، وحلية النساء، وما أبيح من حلية السلاح، فقد اختلف أهل العلم في وجوب زكاته ...» ثم ذكروا القولين المشهورين، كل قول بدليله، وأجادوا وأفادوا ثم قالوا:\n«والأرجح من القولين قول من قال بوجوب الزكاة فيها، إذا بلغت النصاب، أو كان لدى مالكيها: من الذهب، والفضة، أو عروض التجارة، ما يكمل النصاب؛ لعموم الأحاديث في وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وليس هناك مخصص صحيح فيما نعلم؛ ولأحاديث: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، وأم سلمة المتقدم ذكرها، وهي أحاديث جيدة الأسانيد، لا مطعن فيها مؤثر، فوجب العمل بها. أما تضعيف الترمذي، وابن حزم لها والموصلي فلا وجه له، فيما نعلم، مع العلم بأن الترمذي ﵀ معذور فيما ذكره؛ لأنه ساق حديث عبد الله بن عمرو من طريق ضعيفة وقد رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طريق أخرى صحيحة، ولعل الترمذي لم يطلع عليها.\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٦١ - ٦٨.","vol":"1","page":176},{"text":"وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\nعضو ... عضو نائب رئيس اللجنة ... الرئيس\nعبد الله بن قعود، ... عبد الله بن غديان، عبد الرزاق عفيفي، عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١)\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٦١ – ٦٥.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>المبحث الحادي عشر: زكاة عروض التجارة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>أولًاَ: مفهوم عروض التجارة<span data-type=\"title\" id=toc-269> لغة </span>و<span data-type=\"title\" id=toc-270>اصطلاحًا:</span></span>\nلغةً: العروض: جمع عَرْض بفتح العين وسكون الراء: خلاف النقد من المال، قال الجوهري: العَرْضُ: المتاع، وكل شيء عَرْضٌ سوى الدراهم، والدنانير فإنهما عين، وقال أبو عبيد: العروض: الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا يكون حيوانًا، ولا عقارًا، تقول: اشتريت المتاع بِعَرْضٍ: أي بمتاع مثله، وعارضته بمتاع، أو دابةٍ، أو شيء، معارضةً إذا بادلته به (١).\nوأما العَرَض بفتح العين والراء، جمع أعراض فهو متاع الدنيا وحطامها، وهذا شامل لكل أنواع المال قَلَّ أو كثر؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢)، ولقول النبي - ﷺ -؟ «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (٣)، وسُمِّي عرضًا؛ لأنه يُعْرَضُ وقتًا ثم يزول (٤). قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾ (٥)، والمقصود هو الأول: «العَرْض».\n\nاصطلاحًا: العروض: هو ما أعد للبيع والشراء؛ لأجلِ ربحٍ (٦).\n_________\n(١) لسان العرب، باب الضاد، فصل العين، ٧/ ١٧٠، ومختار الصحاح، ص ١٧٨.\n(٢) سورة النور، الآية: ٣٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، بابٌ: الغنى غنى النفس، برقم ٦٤٤٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ليس الغنى غنى كثرة العرض، برقم ١٠٥١.\n(٤) انظر: القاموس الفقهي: لغة واصطلاحًا، السعدي أبو جيب، ص ٢٤٧، ومعجم لغة الفقهاء لمحمد رواس، ص ٢٧٨، والموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٢٦٨.\n(٥) سورة التوبة الآية: ٤٢.\n(٦) انظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٦٢٠، والشرح الممتع، ٦/ ١٤٠.","vol":"1","page":178},{"text":"وقيل: هو السلع التجارية، كل ما أعد للبيع والشراء من أجل الأرباح، من أي نوع، ومن أي صنف كان، وهو جميع أصناف الأموال غير الذهب والفضة (١).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «العروض: جمع عَرْضٍ، وهو غير الأثمان من المال، على اختلاف أنواعه: من النباتِ، والحيوان، والعقار، وسائر المال» (٢).\nالتجارة: البيع والشراء من أجل الربح (٣) في جميع أصناف المال إلا النقدين.\nوقيل: كل ما أعد للتجارة كائنة ما كانت سواء من جنسٍ تجب فيه زكاة العين: كالإبل، والبقر، والغنم، أو لا: كالعقار، والثياب، والحمير، والبغال (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>ثانيًا: زكاة العروض واجبة بعموم الكتاب والسنة، والآثار، وإجماع عامة أهل العلم والقياس</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>أما الكتاب فلعموم الآيات الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>الدليل الأول: </span>قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٥). وقد فسر مجاهد\n_________\n(١) انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٣/ ٢٦٠.\n(٢) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٢٤٩.\n(٣) لسان العرب، باب التاء، فصل الراء، ٢/ ١٩، وانظر: الموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٢٦٨.\n(٤) الموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٢٦٨.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.","vol":"1","page":179},{"text":"رحمه الله تعالى، قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: «من التجارة» (١). وفي لفظ: «من التجارة الحلال» (٢).\nقال الإمام الطبري ﵀: «من طيبات ما كسبتم» يعني بذلك جل ثناؤه: زكُّوا من طيبات ما كسبتم، بتصرفكم: إما بتجارة، وإما بصناعة، من الذهب والفضة، ويعني بـ «الطيبات الجياد» (٣) وقال الإمام القرطبي ﵀: «الكسب يكون بتعب بدنٍ: وهي الإجارة، وسيأتي حكمها، أو مقاولةٍ في تجارة: وهو البيع» (٤). وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ من خيار، قال ابن مسعود - ﵃ - ومجاهد: من حلالات ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ بالتجارة، والصناعة (٥). وقال الإمام ابن كثير ﵀: «يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق ... من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها، قال مجاهد: يعني التجارة، بتيسيره إياها لهم ...» (٦). وقال العلامة السعدي ﵀: «يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب ومما أخرج لهم من الأرض» (٧).\n_________\n(١) جامع البيان (تفسير الطبري)، ٥/ ٥٥٦، برقم ٦١٢١، وأثر مجاهد صحيح الإسناد كما ذكر أبو البراء، وأبو أنس في زكاة عروض التجارة، ص ٩.\n(٢) جامع البيان (تفسير الطبري)، ٥/ ٥٥٦، برقم ٦١٢٤.\n(٣) تفسير الطبري، ٥/ ٥٥٦.\n(٤) تفسير القرطبي، ٣/ ٣٢٢.\n(٥) تفسير البغوي، ١/ ٢٥٢.\n(٦) تفسير ابن كثير، ص ٢١٢، طبعة دار السلام.\n(٧) تفسير السعدي، ص ١١٥.","vol":"1","page":180},{"text":"قال الإمام البخاري ﵀: «بابُ صدقة الكسب والتجارة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: «هكذا أورد هذه الترجمة مقتصرًا على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة عن الحكم عن مجاهد في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال من التجارة الحلال ... (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>الدليل الثاني </span>من القرآن الكريم، عموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيم﴾ (٤).\nذكر الإمام القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية مسائل منها:\nقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ مطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ، والمأخوذ منه، ولا تبين مقدار المأخوذ، ولا المأخوذ منه، وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع، حسب ما نذكره، فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال، وقد أوجب النبي - ﷺ - الزكاة في المواشي والحبوب، والعين وهذا ما لا خلاف فيه، واختلفوا فيما سوى ذلك: كالخيل وسائر العروض ...» (٥).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀: «أمر تعالى رسوله - ﷺ - بأن يأخذ من أموالهم\n_________\n(١) البخاري، كتاب الزكاة، باب صدقة الكسب والتجارة، رقم الباب ٢٩، قبل الحديث رقم ١٤٤٥.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٣٠٧.\n(٣) وممن استدل بهذه الآية أيضًا على وجوب زكاة التجارة الصنعاني في سبل السلام، ٤/ ٥٤، والماوردي في الحاوي الكبير، ٤/ ٢٩٢، وغير ذلك.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ٨/ ٢٢٨.","vol":"1","page":181},{"text":"صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام، وإن أعاد بعضهم الضمير في «أموالهم» إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>الدليل الثالث: </span>عموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢). قال قتادة ﵀: «الحق المعلوم: الزكاة المفروضة» (٣). وسُئل ابن عمر ﵄ عن هذه الآية: أهي الزكاة؟ فقال: «إن عليك حقوقًا سوى الزكاة» (٤).\nقال الإمام الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره: وإلا الذين في أموالهم حق مؤقت، وهو الزكاة، للسائل الذي يسأله من ماله، والمحروم الذي قد حرم الغِنى فهو فقير لا يسأل» (٥).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀: «أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات» (٦). وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٧) قال: «أي جزء مقسوم، قد أفرزوه للسائل والمحروم» (٨).\nوقال العلامة السعدي ﵀: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ» من زكاة وصدقة، «لِلسَّائِلِ» الذي يتعرض للسؤال «وَالْمَحْرُومِ» وهو\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص ٦٢٩.\n(٢) سورة المعارج، الآية: ٢٤.\n(٣) جامع البيان، للطبري، ٢٣/ ٦١٣.\n(٤) المرجع السابق، ٢٣/ ٦١٣.\n(٥) جامع البيان، ٢٣/ ٦١٣.\n(٦) تفسير القرآن العظيم، ص ١٣٨٠.\n(٧) سورة الذاريات، الآية: ١٩.\n(٨) تفسير القرآن العظيم، ص ١٢٦٣.","vol":"1","page":182},{"text":"المسكين الذي لا يسأل الناس فيعطوه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه» (١) قال العلامة محمد بن عثيمين ﵀: «الزكاة واجبة في عروض التجارة، والدليل على ذلك دخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>وأما السنة؛ فلعموم الأحاديث الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>الدليل الأول: من السنة </span>عموم قول النبي - ﷺ - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» وفي لفظ لمسلم: «... فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم» (٤).\nوظاهر الحديث العموم في كل مال، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «ولا شك أن عروض التجارة مال» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>الدليل الثاني </span>من السنة، حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: أمر رسول الله - ﷺ - بالصدقة فقيل: منع ابنُ جميل، وخالد بنُ الوليد، وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي - ﷺ -: «ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأَعتُدَهُ في سبيل الله، وأما\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ٨٨٧.\n(٢) سورة الذاريات، الآية: ١٩.\n(٣) الشرح الممتع، ٦/ ١٤٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٩٥، ومسلم، برقم ١٩، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام.\n(٥) الشرح الممتع، ٦/ ١٤٠.","vol":"1","page":183},{"text":"العباس بن عبد المطلب فعمُّ رسول الله - ﷺ - فهي عليه صدقة ومثلها معها». ولفظ مسلم: بعث رسول الله - ﷺ - عمر على الصدقة ... إلى قوله: وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا قد احتبس أدراعه، وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها ...» (١).\nوقوله - ﷺ -: «قد احتبس أدراعه، وأعتاده في سبيل الله» «وأعتاده» ما يعده الرجل من الدواب والسلاح وآلات الحرب. قال الإمام النووي ﵀: «ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنًّا منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم عليَّ، فقالوا للنبي - ﷺ -: إن خالدًا منع الزكاة، فقال لهم: إنكم تظلمونه؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها فلا زكاة فيها، ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة لأعطاها، ولم يشح بها؛ لأنه قد وقف أمواله لله تعالى تبرعًا، فكيف يشح بواجب عليه، واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، خلافًا لداود» (٢).\nوقال الخطابي ﵀: «وتأويل الكلام على وجهين:\nأحدهما: أنه إنما طولب بالزكاة عن أثمان الأدراع والعتاد على أنها\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله﴾ برقم ١٤٦٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تقديم الزكاة ومنعها، برقم ٩٨٣.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٦١، وانظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ٣/ ٣٣٣، وقال: «ظنوا أنها للتجارة فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم ﵊ بأنه لا زكاة عليه فيما حبس، وهذا يحتاج لنقل خاص، فيكون فيه حجة لمن أسقط الزكاة عن الأموال المحبّسة، ولمن أوجبها في عروض التجارة»، وانظر أيضًا: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد، ٢/ ١٩١ – ١٩٤.","vol":"1","page":184},{"text":"كانت للتجارة، فأخبر النبي - ﷺ - أنه لا زكاة عليه فيها؛ إذ قد جعلها حبسًا في سبيل الله، وفيه دليل على وجوب الزكاة في الأموال التي ترصد للتجارة، وهو كالإجماع من أهل العلم، وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أنه لا زكاة فيها، هو مسبوق بالإجماع» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>الدليل الثالث: </span>ما روي من حديث أبي ذر - ﵁ - يرفعه: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>الدليل الرابع: </span>من السنة، قوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣). قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «ولو سألنا التاجر: ماذا يريد بهذه الأموال؟ لقال: أريد الذهب والفضة، أريد النقدين .. فعلى هذا نقول: زكاة العروض واجبة بالنص والقياس» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>وأما الآثار: فمنها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>الأثر الأول: </span>عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «ليس في العَرْض زكاة؛\n_________\n(١) معالم السنن للخطابي، ٢/ ٢٧٣، برقم ١٦٢٣.\n(٢) أحمد، ٣٥/ ٤٤٢، برقم ٢١٥٥٧، والترمذي في العلل الكبير، ٢/ ١٠٢، والحاكم، ١/ ٣٨٨، والدارقطني، ٢/ ١٠٢، والبيهقي، ٤/ ١٤٧، وغيرهم كثير، ولكن الحديث ضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، ٣/ ٣٢٤، برقم ١١٧٨، ومحققو مسند الإمام أحمد، ٣٥/ ٤٤٢، برقم ٢١٥٥٧، وذكروا أن لفظة «وفي البز» بالزاي المعجمة، وأما من صحف «وفي البر» بالراء: فلا وجه له، وضعفوا الحديث كما تقدم. واستُدلَّ بحديث سمرة بن جندب: «كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع» [أبو داود، برقم ١٥٦٢]، وضعفه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٣١٠، برقم ٨٢٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١، ومسلم، برقم: ١٩٠٧، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام، في شروط صحة الزكاة.\n(٤) الشرح الممتع، ٦/ ١٤١.","vol":"1","page":185},{"text":"إلا أن يراد به التجارة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>الأثر الثاني: </span>عن عمر - ﵁ - كما قال عبد الرحمن بن عبدٍ القارئ، وكان على بيت المال في زمن عمر مع عبيد الله بن الأرقم، فإذا خرج العطاء جمع عمر أموال التجارة فحسب عاجلها وآجلها، ثم يأخذ الزكاة من الشاهد والغائب» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>الأثر الثالث: </span>عن عمر بن عبد العزيز، قال زريق بن حيان - وكان على جواز مصر في زمن الوليد وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، فذكر «أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: أن انظر من مرَّ بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون من التجارات: من كل أربعين دينارًا دينارًا، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين دينارًا، فإن نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئًا» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>وأما الإجماع </span>فقال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: «وأجمعوا على\n_________\n(١) البيهقي، ٤/ ١٤٧، وعبد الرزاق في المصنف، ٤/ ٩٧، والشافعي في الأم، ٢/ ٤٦، وابن أبي شيبة، ٣/ ١٨٣، وهو صحيح الإسناد كما قالت اللجنة الدائمة في مجموع الفتاوى، ٩/ ٣١٠، وقال عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول، ٤/ ٦٣٢ «بسند صحيح». واحتج بأثر عن عمرو بن حماس عن أبيه، قال: «أمرني عمر فقال: أدِّ زكاة مالك. فقلت: ما لي مالٌ إلا جعابٌ وأدَمٌ، فقال: قوِّمها ثم أدِّ زكاتها» [الدارقطني ٢/ ١٢٥، والبيهقي ٤/ ١٤٧، وضعفه الألباني في إرواء الغليل برقم ٨٢٨].\n(٢) مصنف ابن أبي شيبة، ٣/ ١٨٤، وأبو عبيد في الأموال، ص ٥٢٠ - ٥٢٦، برقم ١١٧٨، ١٢١١، وصححه ابن حزم في المحلى، ٥/ ٢٣٤، ولكن لم يعمل به، وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية برئاسة ابن باز بأنه ثابت، [فتاوى اللجنة، ٩/ ٣٠٩].\n(٣) موطأ الإمام مالك، ١/ ٢٥٥، كتاب الزكاة، باب زكاة العروض، برقم ٢٠، وإسناده حسن، كما قال عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول لابن الأثير بتحقيقه، ٤/ ٦٣٢.","vol":"1","page":186},{"text":"أن في العروض التي تدار للتجارة: الزكاة إذا حال عليها الحول» (١).\nوقال الإمام ابن عبد البر ﵀: «ولم يختلف العلماء أن العروض كلها: من العبيد، وغير العبيد إذا لم تكن تبتاع للتجارة أنه لا زكاة فيها» (٢).\nوقد نقل الإجماع عن ابن المنذر ﵀ موافقةً له على ذلك: الإمام ابن قدامة ﵀ (٣) والإمام الصنعاني ﵀ في سبل السلام (٤)، والإمام النووي ﵀ (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٦)، والعلامة الشوكاني ﵀ (٧).\nوقال الإمام البغوي ﵀: «ذهب عامة أهل العلم إلى أن التجارة تجب الزكاة في قيمتها، إذا كانت نصابًا تمام الحول، فيخرج منها ربع العشر» (٨).\nوقال أبو عبيدٍ ﵀: «أجمع المسلمون على أن الزكاة فرض واجب فيها، وأما القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا» (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>وأما القياس</span>، فقال الإمام النووي ﵀: «تجب الزكاة في\n_________\n(١) الإجماع لابن المنذر، ص ٥٧، برقم ١٣٧.\n(٢) التمهيد لابن عبد البر، ١٧/ ١٢٩.\n(٣) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٢٤٨.\n(٤) سبل السلام، ٤/ ٥٤.\n(٥) المجموع للنووي، ٦/ ٤٧.\n(٦) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٥/ ١٥.\n(٧) نيل الأوطار، ٤/ ١٦٣.\n(٨) شرح السنة للبغوي، ٦/ ٣٥٠.\n(٩) الأموال، لأبي عبيد، ص ٤٢٩.","vol":"1","page":187},{"text":"عروض التجارة؛ لحديث أبي ذرٍّ - ﵁ -؛ ولأن التجارة يطلب بها نماء المال، فتعلقت بها الزكاة، كالسوم في الماشية» (١).\nوقال الإمام ابنُ رشدٍ ﵀: «إن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية، فأشبه الأجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق. أعني الحرث، والماشية، والذهب، والفضة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>ثالثًا: وجوب زكاة عروض التجارة:</span>\nقال به الأئمة الأعلام المحققون قديمًا وحديثًا: من أهل العلم والإيمان والفقه لمقاصد الإسلام، فهو كالإجماع، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، ما يأتي:\nالفقهاء السبعة (٣)، والأئمة الأربعة (٤): الإمام أبو حنيفة (٥)، والإمام مالك (٦)، والإمام الشافعي (٧)، والإمام أحمد (٨)، وكثير من علماء الإسلام والأئمة الأعلام لا يحصي عددهم إلا الله، ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (٩)،\n_________\n(١) المجموع للنووي، ٦/ ٤٧.\n(٢) بداية المجتهد، لابن رشد، ١/ ٢٥٤.\n(٣) سبل السلام للصنعاني، ٤/ ٥٤، والفقهاء السبعة هم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت. انظر: المغني لابن قدامة ٤/ ٢٤٨.\n(٤) الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري، ص ٣٤٢.\n(٥) المرجع السابق، ص ٣٤٢.\n(٦) الموطأ، ١/ ٢٥٥.\n(٧) الأم للشافعي، ٢/ ٦٨.\n(٨) المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٤٨.\n(٩) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٥/ ١٥.","vol":"1","page":188},{"text":"وابن القيم (١)، وأبو عبيد (٢)، والإمام النووي (٣)، والحافظ ابن حجر (٤)، والإمام ابن قدامة (٥)، والعلامة الصنعاني (٦)، والعلامة الشوكاني (٧)، والإمام البغوي (٨)، ومن المعاصرين: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٩)، والإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز (١٠)، والعلامة محمد بن صالح العثيمين (١١)، والعلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين (١٢) وغيرهم كثير، بل هو إجماع بين أهل العلم إلا من شذ؛ ولهذا قال الإمام أبو عُبيدٍ ﵀: «أجمع المسلمون على أن الزكاة فرض واجب فيها» (١٣)، وأما القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا» (١٤) (١٥).\n_________\n(١) زاد المعاد لابن القيم، ٢/ ٥.\n(٢) الأموال لأبي عبيد، ص ٤٢٩.\n(٣) المجموع للنووي، ٦/ ٤٧.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٣٣٣.\n(٥) المغني ٤/ ٢٤٨.\n(٦) سبل السلام، ٤/ ٥٤.\n(٧) نيل الأوطار، ٤/ ١٦٣.\n(٨) شرح السنة، ٦/ ٣٥٠.\n(٩) مجموع فتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٣٠٨ – ٣٦٢، وقد بدأت اللجنة ببحثٍ قيِّم ذكروا فيه الأدلة على وجوب الزكاة في عروض التجارة، وردوا على ابن حزم الظاهري ومن شذ معه.\n(١٠) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ١٥٩ – ١٩٤.\n(١١) الشرح الممتع، ٦/ ١٤٠، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ٢٠٥ – ٢٤٦.\n(١٢) إبهاج المؤمنين بشرح منهج السالكين، ١/ ٣٢٠.\n(١٣) أي: فرض واجب في عروض التجارة.\n(١٤) الأموال، لأبي عبيد، ص ٤٢٩.\n(١٥) قال الإمام ابن قدامة: «وحكي عن مالك وداود أنه لا زكاة فيها؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق». [أبو داود، برقم ١٥٧٤، والنسائي برقم ٢٤٧٧، وابن ماجه وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٦] وتقدم تخريجه في زكاة الأثمان، ثم قال ابن قدامة ﵀: «وخبرهم المراد به زكاة العين لا زكاة القيمة بدليل ما ذكرنا، على أن خبرهم عام وحديثنا خاص، فيجب تقديمه». [المغني، ٤/ ٢٤٩]، واستدلوا كذلك بحديث أبي هريرة - ﵁ - «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» [متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٦٣، ومسلم، برقم ٩٨٢]، ونوقش الاستدلال بهذين الحديثين: بأن المراد: الفرس والعبد المعد للخدمة لا لعروض التجارة، فلا زكاة فيهما؛ لأن ذلك يكون خاصًا به يستعمله وينتفع به: كالثوب، والبيت، والسيارة التي يستعملها، كل هذه ليس فيها زكاة [الشرح الممتع، لابن عثيمين ٦/ ١٤١].\nواستدلوا بقوله - ﷺ -: «ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة» [متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٨٤، ومسلم، برقم ٩٧٩] قال المسقطون لزكاة العروض التجارية: «فدل عموم ذلك أنها ليس فيها زكاة سواء أعدت للتجارة أم لا، ويجاب عن ذلك بحمله على عدم وجوب الزكاة في أعيانها، وهذا لا ينافي وجو ب الزكاة في قيمتها: من الذهب، والفضة؛ فإنها ليست مقصودة لأعيانها، وإنما هي مقصودة لقيمتها، فكانت قيمتها هي المعتبرة، وبذلك يجمع بين أدلة نفي وجوبها في العروض وإثباتها فيها». [فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٣١٠] وقالت اللجنة أيضًا في إجابة على الفتوى رقم ٨٨٩٥ لسؤال عن القول بعدم الوجوب في عروض التجارة فأجابت اللجنة بقولها: «ثبت وجوب الزكاة في النقود ذهبًا كانت أو فضة: بالكتاب، والسنة، والإجماع، وعروض التجارة ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود منها النقود ذهبًا كانت أو فضة، والأمور إنما تعتبر بمقاصدها؛ لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» ولذا لم تجب الزكاة في الرقيق المتخذ للخدمة، ولا في الخيل المتخذة للركوب، ولا في البيت المتخذ للسكنى، ولا في الثياب المتخذة لباسًا، ولا في الزبرجد، والياقوت، والمرجان ونحوها إذا اتخذت للزينة، أما إذا اتخذ كل ما ذكر ونحوه للتجارة فالزكاة واجبة فيه؛ لكونه قصد به النقود: من الذهب، والفضة، وما يقوم مقامها، وإنما نفى ابن حزم وجوب الزكاة في عروض التجارة؛ لأنه لا يقول بتعليل الأحكام، والقول بعدم تعليل الأحكام، وأنها لم تشرع لحكم قول باطل، والصحيح أنها معللة، وأنها نزلت لحكم، لكنها قد يعلمها العلماء فيبنون عليها، ويتوسعون في الأحكام، وقد لا يعلمها العلماء فيقفون عند النص، وهذا هو مسلك الأئمة الأربعة، والأكثر من أهل العلم، فمن منع زكاة ما لديه من عروض التجارة فهو مخطئ، والأحاديث الواردة في إيجابها في العروض وإن كان فيها ضعف، صالحة للاعتضاد، والتأييد لهذا الأصل» [اللجنة الدائمة المكونة من: عبد العزيز ابن باز، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد الله بن غديان، وعبد الله بن قعود، ٩/ ٣١٢].","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>رابعًا: شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة </span>على النحو الآتي:","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>الشرط الأول: نية التجارة </span>في عروض التجارة؛ لأن العروض مخلوقة في الأصل للاستعمال، فلا تصير للتجارة إلا بالنية، ويعتبر وجود النية في جميع الحول؛ لأنها شرط أمكن اعتباره في جميع الحول، فاعتبر فيه؛ لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١) (٢).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم (١)، ومسلم، برقم ١٩٠٧، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام في شروط صحة الزكاة.\n(٢) واختلف الأئمة الأربعة في شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة على النحو الآتي:\n١ - الشافعية: قالوا تجب: الزكاة في عروض التجارة بشروط ستة: ...\nالشرط الأول: أن تكون هذه العروض قد ملكت بمعاوضة: كشراء ونحوه.\nالشرط الثاني: أن ينوي بهذه العروض التجارة حال المعاوضة.\nالشرط الثالث: أن لا يقصد بالمال القنية، فإن قصد ذلك انقطع الحول.\nالشرط الرابع: مضي حول من وقت ملك العروض. ...\nالشرط الخامس: أن لا يصير جميع مال التجارة أثناء الحول نقدًا من جنس ما تقوم به العروض.\nالشرط السادس: أن تبلغ قيمة العروض آخر الحول نصابًا. ...\n٢ - الحنفية: قالوا: تجب زكاة عروض التجارة بشروط منها:\nالشرط الأول: أن تبلغ قيمتها نصابًا من الذهب أو الفضة.\nالشرط الثاني: أن يحول عليها الحول، والمعتبر طرفا الحول لا وسطه.\nالشرط الثالث: أن ينوي التجارة، وأن تكون هذه النية مصحوبة بعمل تجارة.\nالشرط الرابع: أن تكون العين المتجر فيها صالحة لنية التجارة، فلو اشترى أرض عشر وزرعها أو بذرًا وزرعه، وجب في الزرع الخارج العشر دون الزكاة، أما إذا لم يزرع الأرض العشرية فإن الزكاة تجب في قيمتها.\n٣ - المالكية: قالوا: تجب زكاة عروض التجارة مطلقًا، سواء كان التاجر محتكرًا أو مديرًا، بشروط خمسة:\nالشرط الأول: أن يكون العرض مما لا تتعلق الزكاة بعينه: كالثياب، والكتب.\nالشرط الثاني: أن يكون العرض مملوكًا بمبادلة حالية: كشراء، وإجارة.\nالشرط الثالث: أن ينوي بالعرض التجارة حال شرائه. ...\nالشرط الرابع: أن يكون ثمنه عينًا أو عرضًا امتلكه بمعاوضة مالية. ...\nالشرط الخامس: أن يبيع من ذلك العرض بنصاب من الذهب أو الفضة إن كان محتكرًا، أو بأي شيء منهما ولو درهمًا إن كان مديرًا.\n٤ - الحنابلة: قالوا: تجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابًا بشرطين:\nالشرط الأول: أن يملكها بفعله: كالشراء، فلو ملك العروض بغير فعله، كأن ورثها فلا زكاة فيها.\nالشرط الثاني: أن ينوي التجارة حال التمليك، بأن يقصد التكسب بها، ولا بد من استمرار النية في جميع الحول، أما لو اشترى عرضًا للقنية ثم نوى به التجارة بعد ذلك فلا يصير للتجارة إلا الحلي المتخذ للبس [كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، للحريري، ص ٣٤٢ - ٣٤٤].","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>الشرط الثاني: أن تبلغ قيمة العروض للتجارة نصابًا من أقل الثمنين [</span>أي الذهب والفضة] قيمةً فإذا بلغ أحدهما نصابًا دون الآخر قوَّمه به، ولا يعتبر ما اشتراه به؛ لأن تقويمه لحظ الفقراء ... فإن بلغ نصابًا من كل واحدٍ: من الذهب والفضة، قوَّمه بما هو أحظ لأهل الزكاة، فإن استويا قومه بما شاء منهما، والأصل في اعتبار النصاب قوله - ﷺ -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة» (١)؛ ولقوله - ﷺ -: «... فإذا كان لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>الشرط الثالث: الحول</span>؛ لقوله - ﷺ -: «... وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول» (٣)، ويعتبر وجود النصاب في جميع الحول؛ لأن ما اعتبر له الحول والنصاب، اعتبر وجوده في جميعه، كالأثمان.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٨٤، ومسلم، برقم ٩٧٩، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام في شروط الزكاة.\n(٢) أبو داود، برقم ١٥٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٤٦، وتقدم تخريجه في زكاة الأثمان «زكاة الفضة».\n(٣) أخرجه أبو داود، برقم ١٥٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٦، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام في شروط وجوب الزكاة.","vol":"1","page":192},{"text":"وإذا اشترى للتجارة عرضًا لا يبلغ نصابًا ثم بلغه انعقد الحول عليه من حين صار نصابًا، وإن ملك نصابًا فنقص انقطع الحول، فإن عاد فنما فبلغ النصاب استأنف الحول، على ما ذكر في زكاة السائمة والأثمان، وإن ملك نصابًا في أوقات فلكلِّ نصابٍ حول، ولا يضم نصابٌ إلى نصاب؛ لأن المال المستفاد يعتبر له الحول على ما ذكر سابقًا، وإن لم يَكْمُل النصاب الأول إلا بالثاني فحولهما منذ ملك الثاني، وإن لم يكملا إلا بالثالث فحول الجميع من حين كمل النصاب.\nوإذا اشترى نصابًا للتجارة بآخر لم ينقطع الحول؛ لأن الزكاة تتعلق بالقيمة، والقيمة فيهما واحدة انتقلت من سلعة إلى سلعة، فهي كدراهم نقلت من بيت إلى بيت، وإن اشتراه بأثمان لم ينقطع الحول؛ لأن قيمة الأثمان كانت ظاهرة فاستترت في السلعة، وكذلك لو باع نصاب التجارة بنصاب الأثمان، لم ينقطع الحول لذلك، وإن اشترى نصابًا للتجارة بِعَرْضِ للقنية أو بما دون النصاب من الأثمان، أو عَرْض للتجارة انعقد الحول من حين الشراء؛ لأن ما اشترى به لم يجرِ في حول الزكاة، فلم يُبنَ عليه، ولو اشترى نصابًا للتجارة بنصاب سائمة أو سائمة بنصاب تجارة انقطع الحول؛ لأنهما مختلفان، فإن كان نصاب التجارة سائمة فاشترى به نصاب سائمة للقنية لم ينقطع الحول؛ لأن السوم سبب للزكاة، إنما قدم عليه زكاة التجارة لقوَّته فإذا زال المعارض ثبت حكم السوم؛ لظهوره (١).\nوإن اشترى أرضًا ونخلًا للتجارة، فزرعت الأرض وأثمر النخل، واتفق حولهما: بأن بدأ الصلاح في الثمر، واشتد الحب، عند تمام الحول،\n_________\n(١) انظر: الكافي لابن قدامة، ٢/ ١٦٢ - ١٦٤، والمغني، ٤/ ٢٥١ - ٢٥٥.","vol":"1","page":193},{"text":"وكانت قيمة الأرض تبلغ نصاب التجارة، فالأقرب للصواب أنه يزكِّي الجميع زكاة التجارة؛ لأنه مال تجارة تجب فيه زكاة التجارة كالسائمة (١).\nوهذه الشروط: من نية التجارة، وبلوغ النصاب، وتمام الحول في عروض التجارة، تضاف إليها الشروط العامة في الزكاة التي ذكرتها في أول الزكاة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>خامسًا: حول عروض التجارة لا ينقطع بالمبادلة أو البيع:</span>\nفإذا اشترى عَرْضًا للتجارة بنقدٍ أو باعه به، بنى على حول الأول؛ لأن الزكاة تجب في قيم العروض، وهي من جنس النقد، وحتى بهيمة الأنعام: من\n_________\n(١) وقدم هذا القول العلامة ابن مفلح في الفروع، ٤/ ٢٠٣، واختاره القاضي وجزم به كما ذكر المرداوي في الإنصاف، ٧/ ٦٩، وقيل: بل يزكي الثمر والحب زكاة العشر، ويزكي الأرض الأصل زكاة القيمة، وقدمه في المغني، والكافي، بل اختاره ونصره، وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور [انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٥٦، والكافي له، ٢/ ١٦٤، والفروع لابن مفلح، ٤/ ٢٠٣، وحاشية ابن قاسم على الروض، ٣/ ٢٦٧].\n(٢) وفي مذهب الإمام أحمد شرط آخر: وهو أن يملك عروض التجارة بفعله، بنية التجارة: كالبيع، والنكاح، وقبول الهدية، ونحو ذلك. وهذه المسألة لها ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن يملكها بفعله بنية التجارة، كما لو اشترى هذه الأرض للتجارة ففيها الزكاة.\nالحالة الثانية: أن يملكها بغير فعله كالميراث، وينويها للتجارة، فالمذهب لا تكون عروض تجارة فليس فيها زكاة.\nالحالة الثالثة: أن يملكها بفعله بغير نية التجارة ثم ينويها للتجارة، فالمذهب لا تكون للتجارة فليس عليها زكاة.\nوفي رواية للإمام أحمد أن العرض يصير للتجارة بمجرد النية، وهذه الرواية هي أقرب؛ لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» [متفق عليه] وهي التي اختارها: أبو بكر، وابن أبي موسى، وابن عقيل، وصاحب الفائق، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع، ٦/ ١٤٥: «فيها الزكاة على القول الراجح». [وانظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي ٧/ ٥٦].","vol":"1","page":194},{"text":"الإبل، والبقر، والغنم، إذا قصد بها التجارة؛ فإنه يزكيها زكاة العروض، ولا ينقطع الحول إذا باعها وهي من عروض التجارة: سواء باعها بجنسها أو بغير جنسها، قال الإمام البغوي ﵀: «أما حول [عروض] التجارة فلا ينقطع بالمبادلة؛ لأن زكاة التجارة تجب في القيمة، والقيمة باقية في ملكه وقت المبادلة؛ لأن ملكه لا يزول عن أحدهما إلا ويملك الآخر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>سادسًا: ربح عروض التجارة حوله حول رأس المال:</span>\nفلو ملك نصابًا من عروض التجارة وربح في قيمته، فإنه يزكي الجميع: رأس المال مع الربح، حتى لو لم يربح هذا الربح إلى آخر الحول، فإنه يزكيه مع رأس المال، أما إذا كانت قيمة التجارة دون النصاب ثم حصل الربح، فإن بداية الحول من كمال النصاب بالربح، وكذا إذا ارتفع سعر التجارة فإن الزكاة تجب في جميع القيمة، وإن نقص سعر التجارة زكَّى القيمة الحاضرة (٢).\nوإذا تم الحول على مال المضاربة فعلى صاحب المال زكاة رأس المال، وزكاة حصته من الربح؛ لأن حول الربح حول الأصل» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>سابعًا: تضم قيمة أنواع العروض إلى بعضها، وإلى كل من الذهب والفضة في تكميل النصاب:</span>\n_________\n(١) الزكاة، للبغوي ص ١٩٥، وانظر: فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ٥١، والكافي لابن قدامة، ٢/ ١٦٤، والمغني، ٤/ ٢٥٥.\n(٢) انظر: المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ٣١٤ - ٣٢٠، ٧/ ٧١، والكافي، ٢/ ١٦٥، والمغني، ٤/ ٢٥٨، والشرح الممتع، ٦/ ٢٢ - ٢٣، و٣٣ - ٣٩، والمختارات الجلية في المسائل الفقهية للسعدي، ص ٧٦، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ٥٠.\n(٣) الكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٦٥، والمغني، ٤/ ٢٦٠، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٧٣.","vol":"1","page":195},{"text":"قال الإمام ابن قدامة ﵀: «لا نعلم فيه خلافًا» (١)، وقال ﵀ في موضع آخر: «ولو كان له ذهب، وفضة، وعروض وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب؛ لأن العروض مضمومٌ إلى كل واحد منهما، فيجب ضمهما إليه وجمع الثلاثة ...» (٢) (٣).\nقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «... تضم قيمة العروض إلى قيمة الذهب والفضة؛ لأن المقصود بهما القيمة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>ثامنًا: كيفية تقويم سلع عروض التجارة بما تبلغ قيمتها:</span>\nتقوَّم عروض التجارة عند تمام الحول بالأحظ لأهل الزكاة: من الدنانير من الذهب أو من الدراهم من الفضة، فإذا قُوِّمَت وصارت لا تبلغ النصاب باعتبار الذهب [الدنانير] وتبلغ النصاب باعتبار الفضة [الدراهم] فنأخذ بتقويمها باعتبار الفضة، فالأحظ للفقراء هو ما تبلغ به نصابًا من الذهب أو من الفضة، والعكس بالعكس، ولا يعتبر ما اشتريت به، وإنما المعتبر قيمة العروض عند تمام الحول (٥).\n_________\n(١) المغني، ٤/ ٢١٠.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٤/ ٢١٠.\n(٣) قال ﵀: «فأما إن كان له من كل واحد من الذهب والفضة ما يبلغ نصابًا بمفرده، أو كان له نصاب من أحدهما، وأقل من نصاب من الآخر فقد توقف أحمد عن ضم أحدهما إلى الآخر في رواية الأثرم وجماعة، وقطع في رواية حنبل أنه لا زكاة عليه، حتى يبلغ كل واحد منهما نصابًا». [المغني، ٤/ ٢١٠] وتقدم الترجيح في زكاة الأثمان.\n(٤) الشرح الممتع، ٤/ ١٤٨، وانظر: [الفروع، لابن مفلح، ٤/ ١٩٩].\n(٥) انظر: المقنع والشرح الكبير، ٧/ ٦١، والمغني، ٤/ ٢٥٣، والشرح الممتع، ٦/ ١٤٦، ومنار السبيل، ١/ ٢٥٥، والموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٢٧٤، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٢٦٤.","vol":"1","page":196},{"text":"مثال: رجل اشترى عقارًا بمبلغ مليون جنيه وعرضه للتجارة، ودار عليه الحول، فكان سعره ثلاثة ملايين جنيه، فيزكي ثلاثة ملايين، ورجل اشترى بضاعة بمائة ألف، وعندما دار الحول كانت قيمتها خمسين ألفًا، فيزكي خمسين ألفًا، وهكذا، في جميع عروض التجارة: المعتبر قيمة التجارة عند تمام الحول (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>تاسعًا: لا شيء في آلات التجارة التي لا يراد بيعها ولا في ما أُعدَّ للأجرة</span>، ولكن الزكاة في الأجرة إذا حال عليها الحول.\nفإذا كان التاجر له في مخزنه: دواليب، وآلات، يستخدمها للعمل في تجارته، فلا زكاة فيها إلا إذا أراد بها عروض التجارة، ومثال ذلك: تاجر له: حفارات، ومكائن، وأجهزة يستعملها لإصلاح تجارته، أو له مطابع وآلات، فلا زكاة في هذه الآلات إذا لم يعدها للبيع، وإنما الزكاة في عروض التجارة التي يديرها، إلا إذا أعدها جميعًا للتجارة بحيث نوى أن يبيعها مع عرض التجارة ففيها الزكاة مع عروض التجارة (٢).\nوالآلات المعدة للإجارة لا زكاة فيها، إنما الزكاة في أجرتها إذا حال عليها الحول، وبلغت النصاب.\nمثال ذلك: تاجر يملك حفارات، وسيارات، ورافعات، يؤجرها\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ٩/ ٣١٧، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ١٧١، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(٢) انظر: الفروع، لابن مفلح، ٤/ ٢٠٥، والروض المربع، ٣/ ٢٦٤، والموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٢٧٤، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ١٨٥،وفتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٣٤٥ - ٣٤٦، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ٢٠٧.","vol":"1","page":197},{"text":"على الناس ولا يريد بيعها إنما يريد الحصول على أجرتها، فهذه لا زكاة فيها وإنما يزكي أجرتها إذا حال عليها الحول.\nوكذلك: العمارات، والأسواق المؤجرة، لا زكاة فيها، إنما الزكاة في أجرتها، وما يحصل منها إذا حال عليها الحول (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>عاشرًا: مقدار الواجب في عروض التجارة: ربع العشر:</span>\nالواجب في زكاة عروض التجارة ربع عشر قيمتها عند تمام الحول؛ لقول النبي - ﷺ - في المقدار الواجب في الفضة: «وفي الرقة ربع العشر» (٢)، والرقة: الفضة، وقال في حديث علي - ﵁ -: «هاتوا ربع العشور: من كل أربعين درهمًا درهمٌ وليس عليكم شيء حتى تتمَّ مائتي درهَمٍ، فإذا كانت مائتي درهَمٍ ففيها خمسة دراهم ...» (٣)، وقال - ﷺ - في الذهب: «... فإذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك» (٤). فالواجب في زكاة عروض التجارة ربع عشر قيمتها، من الذهب، أو من الفضة بالأحظ لأهل الزكاة: مثال ذلك شخص يملك عقارًا قيمته عند تمام الحول مليون جنيه، فزكاته هي:\nمليون تقسيم أربعين، يساوي خمسة وعشرين ألف جنيهًا\n_________\n(١) الفروع لابن مفلح، ٤/ ٢٠٥، والروض المربع، ٣/ ٢٦٨، وفتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٣٣٢، ٣٤٥، وفتاوى ابن باز، ١٤/ ١٨٢، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ٢٠٩.\n(٢) البخاري، برقم ١٤٥٤، وتقدم تخريجه في مقدار الزكاة في الذهب والفضة.\n(٣) أبو داود، برقم ١٥٧٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٥، وتقدم تخريجه في مقدار زكاة الذهب والفضة.\n(٤) أبو داود، برقم ١٥٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٣٦، وتقدم تخريجه في نصاب الذهب، وفي نصاب الفضة.","vol":"1","page":198},{"text":"[١٠٠٠.٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٥.٠٠٠ جنيهًا]\nوشخص آخر له عروض تجارة قيمتها عند تمام الحول خمسون ألف ريالًا سعوديًا، فزكاته: خمسون ألف تقسيم أربعين، يساوي: ألف ومائتين وخمسون ريالًا سعوديًا.\n[٥٠.٠٠٠ ÷ ٤٠ = ١٢٥٠ ريالًا] وهكذا (١).\n_________\n(١) واختلف العلماء في زكاة العروض، هل يجوز إخراجها عرْضًا من نفس العروض أم\nلا بد أن تكون من القيمة؟ قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويخرج الزكاة من قيمة العروض دون عينها وهذا أحد قولي الشافعي». [المغني، ٤/ ٢٥٠]. وقال المرداوي في الإنصاف: «هذا الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، قطع به أكثرهم» [الإنصاف، ٧/ ٥٥].\nوالقول الثاني للشافعي وأبي حنيفة: أنه مخير بين الإخراج من قيمتها وبين الإخراج من عينها؛ لأنها مال تجب فيه الزكاة فجاز إخراجها من عينه كسائر الأموال [المغني، ٤/ ٢٥٠، والشرح الكبير، ٧/ ٥٥]. ورد ابن قدامة ﵀ هذا القول، فقال: «ولنا أن النصاب معتبر بالقيمة فكانت الزكاة منها: كالعين في سائر الأموال، ولا نسلم أن الزكاة تجب في المال، وإنما وجبت في قيمته» [المغني، ٤/ ٢٥٠].\nوقال المرداوي: «وقال الشيخ تقي الدين: ويجوز الأخذ من عينها أيضًا» [الإنصاف، ٧/ ٥٥].\nوذكر شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى، [١/ ٢٩٩] الأقوال في المسألة: يجوز مطلقًا، لا يجوز مطلقًا، يجوز في بعض الصور للحاجة أو المصلحة الراجحة، ثم قال: «وهذا أعدل الأقوال، فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة فاشترى رب المال بها كسوة وأعطاه فقد أحسن إليه، وأما إذا قوَّم هو الثياب فأعطاها فقد يقومها بأكثر من السعر، وقد يأخذ الثياب من لا يحتاج إليها، بل يبيعها فيغرم أجرة المنادي، وربما خسرت فيكون في ذلك ضرر على الفقراء» [الفتاوى الكبرى، ١/ ٢٩٩] وذكر عن شيخ الإسلام أيضًا في الاختيارات الفقهية: «ويجوز إخراج زكاة العروض عرضًا، ويقوى على قول من يقول: تجب الزكاة في عين المال» [الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ١٥١].\nوقال العلامة السعدي ﵀: «والصحيح جواز دفع زكاة العروض من العروض؛ لأن الزكاة مواساة فلا يكلفها من غير ماله ...» [المختارات الجلية من المسائل الفقهية، للسعدي، ص ٧٧]. وقال شيخنا ابن باز ﵀: «اختلف العلماء في جواز أخذ العروض في الزكاة، والأرجح جواز ذلك بحسب السعر حين الإخراج، سواء كان ذلك: طعامًا، أو ملابس، أو غير ذلك؛ لما في ذلك من الرفق بأصحاب الأموال، والإحسان إلى الفقراء؛ ولأن الزكاة مواساة، فلا يليق تكليف أصحاب الأموال بما يشق عليهم» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٤٩ - ٢٥٤].\nقال الإمام البخاري ﵀: «بابٌ: العرض في الزكاة، وقال طاوس قال معاذ - ﵁ - لأهل اليمن: ائتوني بعرضٍ ثيابٍ خميصٍ أو لبيسٍ في الصدقة مكان الشعير والذرة، أهون عليكم وخير لأصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة». [البخاري، بعد الحديث رقم ١٤٤٧]. قوله: باب العروض في الزكاة: أي جواز أخذ العرض، والمراد به ما عدا النقدين. قال ابن رشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل، وقد أجاب الجمهور عن قصة معاذ، وعن الأحاديث كما سيأتي عقب كل منها [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣١٢] وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، قبل الحديث رقم ١٤٤٨: يذكر أن الزكاة يجوز إعطائها من العروض عند الحاجة للفقير، فلو كان عنده ريال مثلًا، وأراد أن يعطيها الأيتام فلا بأس أن يعطيهم إياها طعامًا لحاجتهم، وكذا لو كان الفقير سفيهًا، وحديث معاذ حجة: أنه إذا رأى العامل أخذ الملابس، أو الطعام، بدلًا من الصدقة للحاجة فله ذلك؛ لأن معاذًا كان يأخذ العروض من الصدقة». [وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣١٢].\nوسئل شيخنا ابن باز ﵀، عن موضوع صرف مبالغ الزكاة؛ لشراء مواد غذائية وعينية: كالبطانيات، والملابس، وصرفها لبعض الجهات الإسلامية الفقيرة، مثل: السودان، وإفريقيا، خاصة في الحالات التي لا تتوفر المواد الغذائية بأسعار معقولة في تلك البلدان، أو تكاد تكون معدومة، وإن توفرت فهي بأسعار مضاعفة عن الأسعار التي تصلهم بها ... فأجاب ﵀: «لا مانع من ذلك بعد التأكد من صرفها في المسلمين، أثابكم الله وتقبل منكم» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٤٦].","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>الحادي عشر: زكاة الأسهم والسندات:</span>\nالأسهم والسندات معاملات معاصرة، تحتاج إلى فهمٍ لحقيقتها، ثم النظر في زكاتها على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>١ - مفهوم الأسهم: </span>«الأسهم جمع سهم، وهو: حصةٌ في رأس مال شركة ما - أي شركة تجارية، أو عقارية، أو صناعية، ملاك أم شركة عقود - وكل سهم جزء من أجزاء متساوية لرأس المال» (١).\nوقيل: «الأسهم حقوق ملكية جزئية، لرأس مال كبير، للشركات\n_________\n(١) الربا المعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية، للدكتور: عمر المترك، ص ٣٦٩.","vol":"1","page":200},{"text":"المساهمة، أو التوصية بالأسهم، وكل سهم جزء من أجزاء متساوية لرأس المال» (١).\nوقيل: «السهم: هو صك يمثل حصة من الحصص المتساوية، المقسم إليها رأس المال المطلوب للمساهمة. وهذه المساهمة تخوِّل لصاحبها الحق في الحصول على ما يخصه من أرباح عند اقتسام الممتلكات، أو تحمَّل ما يخصه من الخسارة إن كانت» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>٢ - مفهوم السند: </span>«السند تعهد مكتوب: من البنك، أو الشركة، أو الحكومة لحامله بسداد مبلغ مقدر، من قرض في تاريخ معين، نظير فائدة مقدرة» (٣).\nوقيل: «السند صك يتضمن تعهدًا: من المصرف، أو الشركة، أو نحوهما لحامله بسداد مبلغ مقدر، في تاريخ معين، نظير فائدة مقدرة غالبًا، بسبب قرضٍ عقدته شركة مساهمة، أو هيئة حكومية، أو أحد الأفراد» (٤).\nوقيل: «السند هو جزء من قرض طويل الأجل، تدفع عليه فائدة ثابتة في ميعاد معين، وترد قيمته للمقرض في ميعاد متفق عليه» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>٣ - الفروق بين الأسهم والسندات:</span>\nالسهم ... السندات\n١ - صك يمثل جزءًا من رأس المال. ... ١ - صك يمثل جزءًا من قرض، ولا تدخل قيمته في رأس المال.\n_________\n(١) فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي، ١/ ٥٢١.\n(٢) زكاة الأسهم والسندات والورق النقدي، للدكتور صالح بن غانم السدلان، ص ١٣.\n(٣) فقه الزكاة للقرضاوي، ١/ ٥٢١.\n(٤) الربا والمعاملات المصرفية، ص ٣٦٩.\n(٥) زكاة الأسهم والسندات، والورق النقدي، ص ١٤.","vol":"1","page":201},{"text":"٢ - حامله شريك بقدر أسهمه. ... ٢ - حامله دائن وليس بشريك.\n٣ - يصدر قبل تأسيس الشركة. ... ٣ - يصدر بعد التأسيس لتوسيع الأعمال.\n٤ - كل شركة مساهمة لها أسهم. ... ٤ - لا يلزم أن يكون للشركة المساهمة سندات.\n٥ - للمساهم حق الحضور والتصويت في الجمعيات العمومية. ... ٥ - ليس لصاحبه الحق في الحضور والتصويت في الجمعيات العمومية.\n٦ - قد يفقد المساهم حصته بسبب إفلاس أو ديون الشركة. ... ٦ - لا تقع عليه أي أخطار، بل يتأذى بإعسار الشركة ولكن حصته مضمونة.\n٧ - ربح المساهم يأخذه إذا ربحت الشركة وإلا فلا. ... ٧ - لصاحب السند فائدة مضمونة في الموعد المحدد ربحت الشركة أم خسرت.\n٨ - لا يمكن إصداره بأقل من قيمته الإسمية. ... ٨ - يمكن إصداره بأقل من قيمته الإسمية.\n٩ - أرباح السهم لا يعرف ميعاد دفعها بالضبط. ... ٩ - تدفع الفائدة على السند في ميعاد محدد معروف.\n١٠ - لا يمكن خصم كوبون السهم. ... ١٠ - يمكن خصم كوبون السند.\n١١ - لا تسدد قيمته إلا عند تصفية الشركة. ... ١١ - للسند وقت محدد لسداده.\n١٢ - لا يكون لحامله إلا ما فضل بعد أداء ما على الشركة من ديون. ... ١٢ - لحامله الأولوية عند تصفية الشركة لأنه يمثل جزءًا من ديونها.\n١٣ - جواز المعاملة بالسهم بيعًا وشراء إذا كانت الشركة مباحة ومعروفة ومشهورة، وليس فيها غرر ولا جهالة. ... ١٣ - السند بهذه الصفات يحمل قرضًا بفائدة، وهذا العمل حرمه الله ورسوله، وهو من ربا الجاهلية، ومن تعامل به فهو يدخل تحت اللعنة، وهو محارب لله ورسوله - ﷺ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>٤ - حكم بيع الأسهم</span>، على نوعين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>النوع الأول: أسهم في مؤسسات محرمة</span>، أو مكسبها حرام، أو تتعاون على الإثم والعدوان كالمصارف: الربوية، والبنوك التي تتعامل بالربا، أو مؤسسات نوادي القمار، أو دور لهو ومجون، أو غير ذلك مما حرم الله تعالى، فالمعاملة في هذه المؤسسات وغيرها مما يشبهها حرام، سواء كانت: مساهمة، أو بيعًا للأسهم، أو تعاملًا، قال الله تعالى:\n_________\n(١) انظر: زكاة الأسهم والسندات، ص ١٥، والربا والمعاملات المصرفية، ص ٣٦٩ - ٣٧٥، وفقه الزكاة للقرضاوي، ١/ ٥٢١.","vol":"1","page":202},{"text":"﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>النوع الثاني: أسهم في مؤسسات مباحة: </span>كالشركات التجارية المباحة، والصناعية المباحة، والعقارية المباحة، فهذه المساهمة فيها جائزة والمشاركة فيها وبيع أسهمها، بشرط أن تكون الشركة معروفة، والقائمون عليها ثقات أمناء يراقبون الله تعالى ويتقونه، وليس فيها غرر ولا جهالة، فهذه جائزة؛ لأن السهم جزء من رأس المال يعود على صاحبه بربح ناشئ من كسب التجارة والصناعة المباحة، وهذا حلال بلا شك (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>٥ - حكم بيع السندات وشرائها</span>، والتعامل بها، إذا كانت على الصفات المذكورة في الجدول الموضح في الصفحة قبل السابقة، فهي عبارة عن قرض بفائدة، وهذا عين الربا، الذي كان موجودًا في الجاهلية، فإصدار هذه السندات من أول الأمر عمل غير شرعي، فيكون تداولها بالبيع والشراء غير جائز شرعًا، ولا يصح لحامل السند بيعه بهذه الصفات المذكورة آنفًا، وعليه التوبة، وله رأس ماله: لا يظلم، ولا يظلم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>٦ - كيفية زكاة الأسهم: </span>زكاة الأسهم على نوعين:\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(٢) انظر: الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية، لمعالي الشيخ الدكتور عمر بن عبد العزيز المترك ﵀، ص ٣٧١.\n(٣) انظر: الربا والمعاملات المصرفية، ص ٣٦٩ - ٣٧٥ ..","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>النوع الأول: المساهمة في الشركات الصناعية </span>المحضة مثل: شركات الأدوية، والكهرباء، والإسمنت، والحديد، ونحوها من الشركات الصناعية، والمشتركون فيها لا يريدون بيعها، وإنما يريدون استثمارها باستمرار دائم، فهذه تجب الزكاة في صافي أرباحها ربع العشر [٢.٥%] إذا بلغت الأرباح نصابًا وحال عليها الحول، فكل مساهمٍ يجب عليه تزكية أرباح أسهمه كل سنة بالشروط المتقدمة آنفًا، قياسًا على العقارات المعدة للأجرة والكراء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>النوع الثاني: المساهمة في شركات تجارية محضة</span>، تشتري البضائع وتبيعها: كالاستيراد، والتصدير، والبيع، والشراء، والمضاربات، ونحوها من المساهمات في الشركات التجارية المباحة التي لا يقصد المساهم فيها الاستمرار دائمًا، وإنما يقصد المتاجرة في البيع والشراء، طلبًا للربح، فالزكاة واجبة في جميع ما يملك المساهم وزكاتها: زكاة عروض التجارة، تقوَّم في آخر كل عام، ثم تزكَّى إذا بلغت نصابًا مع أرباحها، فالزكاة تكون في رأس المال مع الربح جميعًا (١). وهذا التقسيم الذي يفتي به شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀، قال ﵀: «إذا كانت الأسهم للاستثمار لا للبيع فالواجب تزكية أرباحها، من النقود إذا حال عليها الحول وبلغت النصاب.\nأما إذا كانت الأسهم للبيع فإنها تزكى مع أرباحها كلما حال الحول على الأصل، حسب قيمتها حين تمام الحول ...» (٢).\n_________\n(١) انظر: مختصر الفقه الإسلامي، لمحمد بن إبراهيم التويجري، ص ٦٠٥ - ٦٠٦، وفتاوى الإمام ابن باز، ١٤/ ١٨٩ - ١٩٤، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٣٤٩ - ٣٦٢، وفتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ٢١٧ - ٢٣٣.\n(٢) مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٤/ ١٩١، وانظر: فقه الزكاة للقرضاوي، ١/ ٥٢١.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>٧ - زكاة السندات: </span>السندات المذكورة بصفاتها السابقة محرمة لا يجوز التعامل بها: بيعًا، وشراء، ولكن من وقع فيها فعليه التوبة وله رأس ماله، لا يظلم ولا يظلم، وعلى كل حال: فالسندات ديون مؤجلة، ولا يمنع من زكاتها كون الفائدة محرمة، إذ إن التحريم لا يكون سببًا في إعفاء صاحب السند من الزكاة. والصحيح من أقوال أهل العلم في زكاة الدين أنه على نوعين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>النوع الأول: </span>دينٌ على مليء معترفٍ به باذلٍ له، فعلى صاحبه زكاته كل سنة كلما حال عليه الحول كأنه عنده، وهو عند المدين كالأمانات (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>النوع الثاني: </span>دينٌ على معسرٍ، أو جاحدٍ، أو مماطل، فالصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يلزم صاحب المال زكاته حتى يقبضه، ثم يستقبل به عامًا جديدًا، فإذا حال عليه الحول بعد قبضه زكَّاه، ولو زكاه بعد قبضه عن سنة واحدة لما مضى كان أحسن وفيه احتياط، لكن لا يلزمه ذلك (٢).\nوأختم هذه المسألة بسؤال وُجِّه للجنة الدائمة، للبحوث العلمية، والإفتاء، هذا نصه، وجوابه:\nس: هل على الأسهم والسندات زكاة؟ وكيف نخرجها؟\nجـ: تجب الزكاة في الأسهم والسندات إذا كانت تمثل نقودًا، أو\n_________\n(١) انظر: المغني، لابن قدامة، ٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٥٣.\n(٢) انظر: المغني، ٤/ ٢٦٩، والمقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٦/ ٣٢١، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٥٣، وفتاواه جمع الطيار، ٥/ ٢٥، وقد سبق أن ذكرت أقوال أهل العلم في زكاة الدين في منزلة الزكاة في الإسلام فليراجعها من شاء.","vol":"1","page":205},{"text":"عروضًا للتجارة، بشرط أن يكون من في ذمته النقود ليس معسرًا، ولا مماطلًا» (١).\n_________\n(١) مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٣٥٤.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>المبحث الثاني عشر: زكاة الفطر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>أولًاَ: مفهوم زكاة الفطر:</span>\nالزكاة<span data-type=\"title\" id=toc-314> لغة: </span>النماء، والزيادة، والطهارة، والبركة، يقال: زكى الزرع: إذا نما وزاد (١).\nالفطر: اسم مصدر، من قولك: أفطر الصائم، يفطر إفطارًا؛ لأن المصدر منه: الإفطار، وهذه يراد بها الصدقة عن البدن، والنفس، وإضافة الزكاة إلى الفطر، من إضافة الشيء إلى سببه؛ لأن الفطر من رمضان سبب وجوبها، فأضيفت إليه؛ لوجوبها به، فيقال: «زكاة الفطر».\nوقيل لها: فطرةٌ؛ لأن الفطرة: الخلقة، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢). أي جِبلَّته التي جبل الناس عليها، وهذه يراد بها الصدقة عن: البدن، والنفس، كما كانت الأولى صدقة عن المال (٣)، ويقال: «زكاة الفطر، وصدقة الفطر، ويقال للمُخْرَج: فطرة، وهي اصطلاحية للفقهاء، كأنها من الفطرة التي هي الخلقة: أي زكاة الخلقة» (٤).\n\nزكاة الفطر<span data-type=\"title\" id=toc-315> في الاصطلاح: </span>«هي الصدقة تجب بالفطر من رمضان،\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، باب الزاي مع الكاف، مادة «زكا»، ٢/ ٣٠٧، ولسان العرب، لابن منظور، باب الواو والياء من المعتل، فصل الزاي، مادة «زكا» ١٤/ ٣٥٨، والقاموس المحيط، باب الواو والياء، مادة «زكا»، ص ١٦٦٧، والتعريفات، للجرجاني، ص ١٥٢.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٣٠.\n(٣) انظر: غريب الحديث، لابن قتيبة، ١/ ١٨٤، والمغني، لابن قدامة، ٤/ ٢٨٢.\n(٤) المجموع للنووي، ٦/ ٤٨، فرضت زكاة الفطر في السنة الثانية للهجرة [فتح القدير للشوكاني، ٥/ ٤٢٥].","vol":"1","page":207},{"text":"طهرة للصائم: من اللغو، والرفث» (١).\nوقيل: «إنفاق مقدار معلوم، عن كل فرد مسلم يُعيله، قبل صلاة عيد الفطر، في مصارف مخصوصة» (٢).\nوقيل: «صدقة واجبة بالفطر من رمضان، وتسمى فرضًا، ومصرفها كزكاةٍ» (٣).\nوالحدُّ الذي يشمل التعريفات المتقدمة كلها، وهو: أن يقال: زكاة الفطر: صدقة معلومة بمقدار معلوم، من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة، عن طائفة مخصوصة، لطائفة مخصوصة، تجب بالفطر من رمضان، طهرة للصائم: من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>ثانيًا: الأصل في وجوب زكاة الفطر: عموم الكتاب وصريح السنة والإجماع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>أما عموم الكتاب</span>، فقيل: قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٤) (٥). وعموم قول الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ\n_________\n(١) الإقناع لطالب الانتفاع، لموسى بن أحمد الحجاوي الحنبلي، ١/ ٤٤٩، ومنتهى الإرادات، لمحمد بن أحمد الفتوحي، ١/ ٤٩٦، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٣/ ٢٦٩.\n(٢) معجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس، ص ٢٠٨، مادة «زكاة».\n(٣) منتهى الإرادات، للفتوحي، ١/ ٤٩٦، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب، لعبد القادر بن عمر التغلبي، ١/ ٢٥٥.\n(٤) سورة الأعلى، الآيتان: ١٤ - ١٥.\n(٥) ذكر الإمام الطبري في تفسير، هـ ٢٤/ ٣٧٤ عن أبي العالية: ما يفيد ذلك، وذكره عبد الرزاق في مصنفه، برقم ٥٧٩٥ عن سعيد بن المسيب، وذكر ابن كثير في تفسيره أن عمر بن عبد العزيز كان يتلو هذه الآية عندما يأمر الناس بزكاة الفطر، وذكر ابن قدامة في المغني، ٤/ ٨٢، والزركشي على مختصر الخرقي، أن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز قالا في هذه الآية: قد أفلح من تزكى «هو زكاة الفطر» والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":208},{"text":"فَخُذُوهُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>وأما السنة</span>؛ فلأحاديث كثيرة، ومنها حديث عبد الله ابن عمر ﵄، وفيه: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>وأما الإجماع</span>، فأجمع أهل العلم: أن صدقة الفطر فرض، قال الإمام ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن صدقة الفطر فرض، وأجمعوا على أن صدقة الفطر تجب على المرء، إذا أمكنه أداؤها عن نفسه، وأولاده الأطفال، الذين لا أموال لهم، وأجمعوا على أن على المرء أداء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>ثالثًا: شروط وجوب زكاة الفطر ثلاثة شروط:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>الشرط الأول: الإسلام</span>، فتجب على كل مسلم: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجل أو امرأة، صغيرٍ أو كبيرٍ؛ لحديث ابن عمر ﵄، وفيه: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان، على كل نفس من المسلمين: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجلٍ أو امرأةٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ» (٤). قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجملته أن زكاة الفطر تجب على كل مسلم، مع الصغر والكبر،\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٠٣، ومسلم، برقم ٩٨٤، وسيأتي تخريجه.\n(٣) الإجماع لابن المنذر، ص ٥٥، وانظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٨٠، والشرح الكبير مع المغني والإنصاف، ٧/ ٧٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٠٣، ومسلم، برقم ٩٨٤، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":209},{"text":"والذكورية والأنوثية، في قول أهل العلم عامة، وتجب على اليتيم، ويخرج عنه وليه من ماله، وعلى الرقيق» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>الشرط الثاني: الغنى</span>، وهو أن يكون عنده يوم العيد وليلته صاع، زائد عن قوته وقوت عياله، وحوائجه الأصلية (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>الشرط الثالث: دخول وقت الوجوب</span>، وهو غروب الشمس من ليلة الفطر؛ لقول ابن عمر ﵄: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان» (٣) وذلك يكون بغروب الشمس، من آخر يوم من أيام شهر رمضان، فمن أسلم أو تزوج، أو وُلِدَ له ولد، أو مات قبل الغروب لم تلزمه فطرتهم، وإن غربت وهم عنده ثم ماتوا فعليه فطرتهم؛ لأنها تجب في الذمة، فلم تسقط بالموت ككفارة الظهار (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>رابعًا: الحكمة من وجوب زكاة الفطر:</span>\nلا شك أن مشروعية زكاة الفطر لها حِكم كثيرة من أبرزها وأهمها الحكم الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>١ - طُهرةٌ للصائم</span>، من اللغو والرفث، فترفع خلل الصوم، فيكون بذلك تمام السرور.\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>٢ - طعمةٌ للمساكين</span>، وإغناء لهم عن السؤال في يوم العيد،\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٢٨٣.\n(٢) الكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٦٨، والشرح الممتع، ٦/ ١٥٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٠٣، ومسلم، برقم ٩٨٤، وسيأتي تخريجه.\n(٤) الكافي، لابن قدامة، ٢١٧٠.","vol":"1","page":210},{"text":"وإدخال السرور عليهم؛ ليكون العيد يوم فرح وسرور لجميع فئات المجتمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>٣ - مواساةٌ للمسلمين: </span>أغنيائهم، وفقرائهم ذلك اليوم، فيتفرغ الجميع لعبادة الله تعالى، والسرور والاغتباط بنعمه - ﷾ -، وهذه الأمور تدخل في حديث ابن عباس ﵄ «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر: طهرة للصائم، من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين ...» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>٤ - حصول الثواب والأجر العظيم </span>بدفعها لمستحقيها في وقتها المحدد؛ لقوله - ﷺ - في حديث ابن عباس المشار إليه آنفًا: «فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>٥ - زكاة للبدن </span>حيث أبقاه الله تعالى عامًا من الأعوام، وأنعم عليه سبحانه بالبقاء؛ ولأجله استوى فيه الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والحر والعبد، والكامل والناقص في مقدار الواجب: وهو الصاع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>٦ - شكر نعم الله </span>تعالى على الصائمين بإتمام الصيام، ولله حكم، وأسرار لا تصل إليها عقول العالمين (٣).\n_________\n(١) أبو داود، برقم١٦٠٩، وابن ماجه، برقم ١٨٢٧، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٦٠٩، وفي صحيح ابن ماجه، برقم ٤٩٢ - ١٨٥٤، ويأتي تخريجه إن شاءالله.\n(٢) أبو داود، برقم ١٦٠٩، وابن ماجه، برقم ١٨٢٧، وهو جزء من الحديث الذي قبله.\n(٣) إرشاد أولي البصائر والألباب، لنيل الفقه بأقرب الطرق، وأيسر الأسباب للعلامة عبد الرحمن السعدي، ص ١٣٤.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>خامسًا: زكاة الفطر فرض على كل مسلم فَضُل عنده يوم العيد وليلته\nصاع من طعام</span>، عن قوته وقوت أهل بيته الذين تجب نفقتهم عليه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر في رمضان على كل نفسٍ من المسلمين: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجلٍ، أو امرأةٍ، صغيرٍ، أو كبيرٍ، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير» وهذا لفظ مسلم في رواية، ولفظ البخاري: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر: صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد، والحر، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة». وفي لفظٍ للبخاري عن نافع عن ابن عمر: «فرض النبي - ﷺ - صدقة الفطر – أو قال: رمضان – على الذكر، والأنثى، والحر، والمملوك: صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من برٍّ، فكان ابن عمر يعطي التمر، فأعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيرًا، فكان ابن عمر يُعطي عن الصغير والكبير، حتى إن كان يعطي بنيَّ، وكان ابن عمر ﵄ يُعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» (١).\nويستحب إخراج زكاة الفطر عن الحمل؛ لفعل عثمان - ﵁ - (٢).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر، برقم ١٥٠٣، وباب صدقة الفطر على الحر والمملوك، برقم ١٥١١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين، برقم ١٦ – ٩٨٤.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، ٣/ ٤١٩، وأخرجه عبد الله بن أحمد في مسألة ٦٤٤، عن حميد وقتادة: «أن عثمان كان يعطي صدقة الفطر عن الصغير والكبير والحمل». وأخرج ابن أبي شيبة، ٣/ ٤١٩، وعبد الرزاق، برقم ٧٨٨، عن أبي قلابة قال: «كانوا يعطون صدقة الفطر، حتى يعطوا عن الحبل»، وفي رواية لأحمد: أن زكاة الفطر عن الحمل تجب. الشرح الكبير، ٧/ ٩٦، وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٣٦٦، ٣٦٧، والمغني لابن قدامة، ٤/ ٢١٦، ومجموع فتاوى ابن باز ١٤/ ٢٠١.","vol":"1","page":212},{"text":"وتخرج عن المملوك يخرجها سيده عنه؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس على المسلم في فرسه، ولا في عبده صدقة إلا صدقة الفطر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>سادسًا: وقت إخراج زكاة الفطر:</span>\nوقَّت النبي - ﷺ - وقت إخراج زكاة الفطر في حديث ابن عمر السابق بقول ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ -: «وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (٢). أي صلاة العيد. وفي رواية عن ابن عمر ﵄: «وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» (٣)؛ ولكن الأفضل أن تخرج يوم العيد قبل الصلاة؛ لسد حاجة الفقراء يوم العيد، وإغنائهم يوم العيد عن المسألة.\nولا يجوز تأخيرها بعد الصلاة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طهرةً للصائم: من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه، برقم ٩٨٢، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، ٤/ ٨٢، فقال: «باب الدليل على أن صدقة الفطر عن المملوك واجبة على مالكه، لا على المملوك كما توهم بعض الناس».\n(٢) متفق عليه، البخاري، برقم ١٥٠٣، ومسلم، برقم ٩٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ١٥١١، ومسلم، برقم ٩٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٤) أبو داود، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر، برقم ١٦٠٩، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر، برقم ١٨٢٧، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٦٠٩، وصحيح ابن ماجه، برقم ١٨٥٤، وإرواء الغليل، برقم ٨٤٣.","vol":"1","page":213},{"text":"ولكن زكاة الفطر لا تجب إلا بغروب شمس آخر يوم من رمضان: فمن أسلم بعد الغروب، أو تزوج، أو وُلِد له وَلدٌ، أو مات قبل الغروب لم تلزم فطرتهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>سابعًا: درجات إخراج زكاة الفطر على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>الدرجة الأولى: </span>جواز تقديم زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة؛ لحديث ابن عمر ﵄، وفيه: «... وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» (٢)، وفي لفظ للإمام مالك: «أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة» (٣). قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «ووقتها ليلة عيد الفطر إلى ما قبل صلاة العيد؛ ويجوز تقديمها يومين أو ثلاثة» (٤). وقال شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «ولا مانع من إخراجه قبله بيوم أو يومين، أو ثلاثة، ولكن لاتؤجل\n_________\n(١) انظر: الكافي لابن قدامة، ١/ ١٧٠، والروض المربع، وقال الإمام النووي: «قوله: من رمضان» إشارة إلى وقت وجوبها وفيه خلاف للعلماء: فالصحيح من قول الشافعي إنها تجب بغروب الشمس ودخول أول جزء من ليلة عيد الفطر.\nوالثاني تجب لطلوع الفجر ليلة العيد، وقال أصحابنا: تجب بالغروب والطلوع معًا، فإن ولد بعد الغروب أو مات قبل الطلوع لم تجب، وعن مالك روايتان: كالقولين، وعند أبي حنيفة تجب بطلوع الفجر» شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٦٣، وانظر: المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٧/ ١١٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥١١، ومسلم، برقم ٩٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٣) موطأ الإمام مالك، كتاب الزكاة، باب وقت إرسال زكاة الفطر، برقم ٥٥.\n(٤) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٣٦٩.","vol":"1","page":214},{"text":"بعد العيد» (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>الدرجة الثانية: </span>وقت الوجوب: هو غروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان، فمن تزوج، أو ملك عبدًا، أو وُلِد له ولد، أو أسلم قبل غروب الشمس، فعليه الفطرة، وإن كان ذلك بعد الغروب لم تلزمه، ومن مات بعد غروب الشمس ليلة الفطر فعليه صدقة الفطر، نص عليه الإمام أحمد، وبه قال الثوري، وإسحاق، ومالك في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه (٣).\nوقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في أول وقت الوجوب لزكاة الفطر: «إنما يبدأ من غروب شمس آخر يوم من رمضان، وهو أول ليلة من شهر شوال، وينتهي بصلاة العيد؛ لأن النبي\n_________\n(١) فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢١٦.\n(٢) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تحديد أول وقت لجواز دفع زكاة الفطر، على أقوال:\nالقول الأول: يجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين، وجاء في الموطأ «ثلاثة»، وهذا القول هو الذي عليه الدليل، كما في حديث ابن عمر ﵄ «وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» متفق عليه، وهذا فيه إشارة إلى جميع الصحابة فكان إجماعًا [المغني، ٤/ ٣٠١].\nالقول الثاني: قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وقال بعض أصحابنا: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر كما يجوز تعجيل أذان الفجر والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل» [المغني، ٤/ ٣٠٠، والشرح الكبير، ٧/ ١١٦].\nالقول الثالث: وقال أبو حنيفة: يجوز تعجيلها من أول الحول؛ لأنها زكاة، فأشبهت زكاة المال، [المغني، ٤/ ٣٠٠].\nالقول الرابع: وقال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان؛ لأن سبب الصدقة: الصوم، والفطر عنه، فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها كزكاة المال بعد ملك النصاب، [المغني ٤/ ٣٠٠]. والقول الأول هو الصحيح، لثبوته في حديث ابن عمر ﵄؛ ولأن سبب وجوبها الفطر بدليل إضافتها إليه؛ ولأن العبادات توقيفية، [المغني، ٤/ ٣٠٠].\n(٣) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٢٩٨، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ١١٣.","vol":"1","page":215},{"text":"- ﷺ - أمر بإخراجها قبل الصلاة» (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>الدرجة الثالثة: </span>المستحب إخراج زكاة الفطر يوم الفطر قبل صلاة العيد؛ لأن النبي - ﷺ - أمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، كما في حديث ابن عمر ﵄ (٣)، وكما قال ابن عباس ﵄ «فمن أداها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>الدرجة الرابعة: </span>لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد على القول الصحيح، فمن أخَّرها بعد الصلاة بدون عذر، فعليه التوبة، وعليه أن يخرجها على الفور، قال العلامة ابن مفلح ﵀: «وفي الكراهة بعدها وجهان، والقول بها أظهر؛ لمخالفة الأمر، وقيل: تحرم بعد الصلاة، وذكر صاحب المحرر أن أحمد ﵀: أومأ إليه، وتكون قضاءً، وجزم به ابن الجوزي» (٥). وقال الإمام عبد العزيز ابن عبد الله ابن باز ﵀: «الواجب ... إخراجها قبل صلاة العيد، ولا يجوز تأخيرها إلى ما بعد صلاة العيد» (٦).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين، ﵀، في تعمد إخراجها\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٣٧٣.\n(٢) وقال الليث وأبو ثور، وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد، وهو رواية عن مالك، والصواب الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة: أن أول وقت الوجوب غروب شمس آخر يوم من رمضان، ويجوز تقديمها بيوم أو يومين أو ثلاثة. وانظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٢٩٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥١١، ومسلم، برقم ٩٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٤) أبو داود، برقم ١٦٠٩، وابن ماجه، برقم ١٨٢٧، وتقدم تخريجه.\n(٥) كتاب الفروع، لابن مفلح، ٤/ ٢٢٧.\n(٦) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٠١.","vol":"1","page":216},{"text":"بعد صلاة العيد: «والصحيح أن إخراجها في هذا الوقت محرم، وأنها لا تجزئ، والدليل على ذلك حديث ابن عمر [﵄: أن النبي] «أمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (١) فإذا أَخَّرها حتى يخرج الناس من الصلاة، فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود؛ لقوله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) بل إن حديث ابن عباس ﵄ صريح في هذا، حيث قال: «من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (٣)، وهذا نص في أنها لا تجزئ ...» (٤). وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عندما سُئِلت عن وقت زكاة الفطر هل يمتد الوقت إلى آخر يوم العيد؟ فبينوا وقتها ثم قالوا: «... فمن أخرها عن وقتها فقد أثم، وعليه أن يتوب من تأخيره، وأن يخرجها للفقراء» (٥). وهذا اختيار شيخ الإسلام وابن القيم (٦) (٧).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥١١، ومسلم، برقم ٩٨٤، وتقدم.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، برقم ١٧١٨، ويأتي تخريجه إن شاء الله.\n(٣) أبو داود، برقم ١٦٠٩، وابن ماجه، ١٨٢٧، وتقدم تخريجه.\n(٤) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٦/ ١٧١ – ١٧٢.\n(٥) فتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٣٧٣.\n(٦) انظر: حاشية ابن قاسم على الروض، ٣/ ٨٢، والإنصاف، ٧/ ١١٨، وزاد المعاد، ٢/ ٢١.\n(٧) قال الإمام ابن قدامة ﵀: «فإن أخرها عن الصلاة ترك الأفضل ... ومال إلى هذا القول عطاء، ومالك ... وأصحاب الرأي ... فإن أخرها عن يوم العيد أثم ولزمه القضاء ... وحكي عن ابن سيرين والنخعي: الرخصة في تأخيرها عن يوم العيد ... واتباع السنة أولى» المغني، ٤/ ٢٩٨، قلت: والصواب أنه لا يجوز تعمد إخراج زكاة الفطر بعد صلاة العيد، كما دلت على ذلك الأدلة المذكورة في المتن.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>ثامنًا: مقدار زكاة الفطر وأنواعها:</span>\nهو صاع من قوت البلد الذي يأكله الناس، وقد ثبت في حديث ابن عمر ﵄ الذي ذكرته آنفًا أنه قال: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير ...». وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه كان يقول: «كنا نخرج زكاة الفطر: صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب». وفي لفظ للبخاري: «كنا نعطيها في زمان النبي - ﷺ - ...». وفي لفظ لمسلم: «كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر: عن كل صغير، وكبير، حرٍّ أو مملوك: صاعًا من طعام، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًّا أو معتمرًا، فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدًا ما عشت» (١).\nوفي لفظ ابن ماجه قال أبو سعيد: «لا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله - ﷺ - أبدًا ما عشت» (٢). وفي حديث أبي سعيد زيادات لم أذكرها؛ لأن فيها نظرًا (٣)، أما رأي معاوية - ﵁ - في أن البر يعدل المد منه\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر صاع من طعام، برقم ١٥٠٦، وباب صاع من زبيب، برقم ١٥٠٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين، برقم ٩٨٥.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر، برقم ١٨٢٩.\n(٣) من ذلك الحنطة، قال الحافظ بعد ذكره لزيادة الحنطة عند الحاكم وابن خزيمة: «قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم ...» ثم نقل الحافظ أن أبا داود أشار إلى أن ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ، وذكر أن معاوية ابن هشام روى في هذا الحديث: نصف صاع من بر، وهو وهم، وأن ابن عيينة حدث به عن ابن عجلان عن عياض فزاد فيه: «أو صاعًا من دقيق» وأنهم أنكروا عليه فتركه، قال أبو داود [القائل ابن حجر]: «وذكر الدقيق وهم من ابن عيينة» فتح الباري، ٣/ ٣٧٣.","vol":"1","page":218},{"text":"المدين من غيره فيجزئ نصف صاع، فقال عنه الحافظ ابن حجر ﵀: «حديث أبي سعيد دال على أنه لم يُوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة خلافًا للطحاوي، وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع ما يخالفها في القيمة دل على أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنس كان، ولا فرق بين الحنطة وغيرها، وهذه حجة الشافعي ومن تبعه. وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فقد فعل ذلك بالاجتهاد» (١).\nوقد قال الإمام النووي ﵀: «قوله: عن معاوية أنه كلم الناس على المنبر فقال: إني أرى أن مدين من سمراء الشام يعدل صاعًا من تمر فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجها كما كنت أخرجها أبدًا ما عشت، فقوله: سمراء الشام: هي الحنطة، وهذا الحديث هو الذي يعتمده أبو حنيفة وموافقوه في جواز نصف صاع حنطة، والجمهور يجيبون عنه: بأنه قول صحابي، وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة، وأعلم بأحوال النبي - ﷺ -، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم بأولى من بعض، فنرجع إلى دليل آخر؛ وقد وجدنا ظاهر الأحاديث، والقياس متفقًا على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأيٌّ رآه، لا أنه سمعه من النبي\n_________\n(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ٣/ ٣٧٤.","vol":"1","page":219},{"text":"- ﷺ -، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي - ﷺ - لذكره» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول فيمن جعل مُدين من الحنطة تقوم مقام الصاع من غيرها: «اجتهد معاوية فجعل عدله مدين، والصواب أنه لا بد من صاع أخذًا بالنص؛ ولهذا قال أبو سعيد: أما أنا فلا أخرج إلا صاعًا وهو الصواب كما تقدم (٢)، والله تعالى أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>تاسعًا: مقدار الصاع الذي تُؤَدَّى به زكاة الفطر </span>هو صاع النبي - ﷺ - وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي (٤)، وهو أربعة أمداد، والمد ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومدّ يديه بهما، وبه سمي مدًّا، قال الفيروزآبادي: «وقد جربت ذلك فوجدته صحيحًا» (٥)، والصاع أربع حفنات بكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما، إذ ليس كل مكان يوجد فيه صاع النبي - ﷺ -،قاله الداوودي (٦). قال الفيروزآبادي:\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٦٧.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٠٧، ١٥٠٨.\n(٣) وفي سنن أبي داود، برقم ١٦٢٠، عن ثعلبة بن صعير قال: قام رسول الله - ﷺ - خطيبًا، فأمر بصدقة الفطر صاع تمر، أو صاع شعير، عن كل رأس. وفي زيادة: «أو صاع بر أو قمح بين اثنين، عن الكبير والصغير، والحر والعبد». وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٤٩، وذكر الشوكاني الروايات في نيل الأوطار، ٣/ ١٠٢، التي جاءت في أن نصف الصاع يجزئ، ثم قال: «وهذه تنهض بمجموعها للتخصيص، ولكن سماحة شيخنا ابن باز ﵀ يرى أن جميع الكفارات: الإطعام فيها يكون نصف صاع، أما زكاة الفطر فقد حددها النبي - ﷺ - بصاع».\n(٤) الدارقطني، ٢/ ١٥١، والبيهقي، ١٠/ ٢٧٨، قال الشوكاني في رواية البيهقي: «بإسناد جيد» نيل الأوطار، ٣/ ١٠٤، وانظر: المغني، لابن قدامة، ٤/ ٢٨٧.\n(٥) القاموس المحيط، ص ٤٠٧.\n(٦) القاموس المحيط، ص ٩٥٥.","vol":"1","page":220},{"text":"«وجربت ذلك فوجدته صحيحًا» (١).\nقال شيخنا ابن باز ﵀ في تحديد مقدارالصاع: «ومقداره أربع حفنات بملء اليدين المعتدلتين من الطعام اليابس، كالتمر، والحنطة، ونحو ذلك، أما من جهة الوزن فمقداره أربعمائة وثمانون مثقالًا، وبالريال الفرنسي ثمانون ريالًا فرانسه؛ لأن زنة الريال الواحد ستة مثاقيل، ومقداره بالريال العربي السعودي [الفضي] مائة واثنان وتسعون ريالًا، أما بالكيلو فيقارب ثلاثة كيلو، وإذا أخرج المسلم من الطعام اليابس: كالتمر اليابس، والحنطة الجيد، والأرز، والزبيب اليابس، والأقط بالكيل، فهو أحوط من الوزن» (٢).\nوقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: «المقدار الواجب في زكاة الفطر عن كل فرد صاع واحد بصاع النبي - ﷺ -، ومقداره بالكيلو ثلاثة كيلو تقريبًا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>عاشرًا: أهل زكاة الفطر الذين تدفع لهم: الفقراء والمساكين</span>\nقيل: تُعطى صدقة الفطر لمن يجوز أن يعطى صدقة الأموال؛ لأن صدقة الفطر زكاة فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات؛ ولأنها صدقة فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله\n_________\n(١) القاموس المحيط، ص ٩٥٥، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١١/ ٥٩٧، وفتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٣٦٥.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٠٤ – ٢٠٥.\n(٣) فتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٣٧١.","vol":"1","page":221},{"text":"وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) (٢).\nوقيل: لا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة، فتجري مجرى كفارة اليمين، والظِّهَار، والقتل، والجماع في نهار رمضان، ومجرى كفارة الحج، فتدفع لهؤلاء الآخذين لحاجة أنفسهم، وهم الفقراء والمساكين، ولا يعطى المؤلفة قلوبهم، ولا الرقاب ولا غير ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا القول أقوى في الدليل» (٣). وقال ﵀: «ولا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة، وهو من يأخذ لحاجته لا في الرقاب، والمؤلفة قلوبهم وغير ذلك» (٤).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان من هديه - ﷺ - تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه، ولا من بعدهم، بل أحد القولين عندنا: أنه لا يجوز إخراجها إلا على المساكين خاصة، وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية» (٥).\nوقال الشوكاني ﵀ عن حديث ابن عباس ﵄ وفيه: «وطعمة للمساكين ...» (٦).\n«وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٣١٤، قال: وبهذا قال مالك، والليث، والشافعي، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه، وإلى الذمي».\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٥/ ٧٣.\n(٤) الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ١٥١.\n(٥) زاد المعاد في هدي خير العباد، ٢/ ٢٢.\n(٦) أبو داود، برقم ١٦٠٩، وابن ماجه، ١٨٢٧، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":222},{"text":"من مصارف الزكاة» (١). وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في ذكر القولين: «هناك قولان لأهل العلم: الأول أنها تصرف مصرف بقية الزكوات، حتى المؤلفة قلوبهم والغارمين ... والثاني أن زكاة الفطر مصرفها للفقراء فقط، وهو الصحيح» (٢). وقال الإمام عبد العزيز ابن عبد الله ابن باز ﵀: «زكاة الفطر شرعها الله مواساةً للفقراء والمحاويج، وطعمة للمساكين» (٣). وقال في موضع آخر: «ومصرفها الفقراء والمساكين» (٤). ويجوز دفع زكاة الفطر عن النفر الواحد لشخص واحد، كما يجوز توزيعها على عدة أشخاص» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>الحادي عشر: حكم دفع القيمة في زكاة الفطر:</span>\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا تجزئ القيمة؛ لأنه عدول عن المنصوص» (٦) (٧)، وقال الإمام عبد العزيز ابن عبد الله ابن باز ﵀: «ولا يجوز إخراج القيمة عند جمهور أهل العلم، وهو أصح دليلًا، بل الواجب إخراجها من الطعام، كما فعله النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ -» (٨). وقال ﵀: «... زكاة الفطر عبادة\n_________\n(١) نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ١٠٣.\n(٢) الشرح الممتع ٦/ ١٨٤، وانظر: الإنصاف مع الشرح الكبير، ٧/ ١٣٧.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢١٥.\n(٤) المرجع السابق، ١٤/ ٢٠٢.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٤/ ٣١٦، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٣٧٧، وكتاب الفروع لابن مفلح، ٤/ ٢٣٩.\n(٦) الكافي لابن قدامة، ٢/ ١٧٦، والمغني، ٤/ ٢٩٥.\n(٧) ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجوز دفع القيمة؛ لأنه لم يرد نص بذلك؛ ولأن القيمة في حقوق الناس لا تجوز إلا عن تراضٍ منهم، وليس للصدقة مالك معين حتى يجوز رضاه أو إبراؤه.\nوذهب الحنفية إلى أنه يجوز دفع القيمة في صدقة الفطر [الموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٣٤٤].\n(٨) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٠٢.","vol":"1","page":223},{"text":"بإجماع المسلمين، والعبادات الأصل فيها التوقيف، فلا يجوز لأحد أن يتعبد بأي عبادة إلا بما ثبت عن المشرِّع الحكيم عليه صلوات الله وسلامه» (١).\nوقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: «ولا يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا؛ لأن الأدلة الشرعية قد دلت على وجوب إخراجها طعامًا، ولا يجوز العدول عن الأدلة الشرعية؛ لقول أحد من الناس» (٢). قال النبي - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>الثاني عشر: الفطرة تلزم المسلم عن نفسه وعن من يعول ممن تلزمه نفقته:</span>\nقال الإمام الخرقي ﵀: «ويلزمه أن يخرج عن نفسه وعن عياله، إذا كان عنده فضل عن قوتِ يومه وليلته» (٤)، قال الإمام ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن صدقة الفطر تجب على المرء إذا أمكنه أداؤها عن نفسه، وأولاده الأطفال الذين لا أموال لهم، وأجمعوا على أن على المرء أداء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر» (٥)، فظهر أن الفطرة تلزم الإنسان القادر عن نفسه، وعن من يعوله، أي يمونه، فتلزمه فطرتهم، كما تلزمه مؤنتهم، إذا وجد ما يؤدي عنهم (٦)؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: «أمر رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) المرجع السابق، ١٤/ ٢٠٨.\n(٢) مجموع فتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٣٧٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، برقم ١٧١٨.\n(٤) مختصر الخرقي مع المغني، ٤/ ٣٠١.\n(٥) الإجماع لابن المنذر، ص ٥٥.\n(٦) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٣٠١.","vol":"1","page":224},{"text":"بصدقة الفطر، عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد، ممن تمونون» (١).\nقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: «زكاة الفطر تلزم الإنسان عن نفسه، وعن كلِّ من تجب عليه نفقته، ومنهم الزوجة؛ لوجوب نفقتها عليه» (٢). ويبدأ بنفسه إذا لم يجد لجميع من ينفق عليهم، ثم من يليه في وجوب النفقة (٣)؛ لحديث جابر - ﵁ -، وفيه: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فَضُل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك (٤).\nوعن حكيم بن حزام - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «أفضل الصدقة، أو خير الصدقة عن ظهر غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» (٥).\nوعن بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي قال: قلت: يا رسول الله، من أبرُّ؟ قال: «أمك» قال: قلت: ثم من؟ قال: «أمك» قال: قلت: ثم من؟\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني، ٢/ ٢٤١، برقم ١١، ١٢، والبيهقي، ٤/ ١٦١، وأخرج نحوه من رواية علي بن أبي طالب - ﵁ -[انظر: نصب الراية، ٢/ ٤١٣] والحديث حسنه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٣٢٠ برقم ٨٣٥.\n(٢) مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٣٦٧.\n(٣) يبدأ بنفسه، فزوجته، فرقيقه، فأمه، فأبيه، فولده، فأقرب في الميراث. انظر: منار السبيل، ١/ ٢٥٨، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٢٧٦، والمغني لابن قدامة، ٤/ ٣٠١ – ٣٠٣، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ١٩٩.\n(٤) مسلم، كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس، ثم أهله، ثم القرابة، برقم ٩٩٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غني، برقم ١٤٢٧، ومسلم، واللفظ له، كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة، وأن السفلى هي الآخذة، برقم ١٠٣٤.","vol":"1","page":225},{"text":"قال: «أمك» قال: قلت: ثم من؟ قال: «ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب» (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك» (٢).\nوعنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تصدقوا» فقال رجل يا رسول الله عندي دينار، فقال: «تصدق به على نفسك» قال عندي آخر، قال: «تصدق به على زوجتك» قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على ولدك» قال: عندي آخر: قال: «تصدق به على خادمك» قال: عندي آخر؟ قال: «أنت أبصر به» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>الثالث عشر: مكان زكاة الفطر وحكم نقلها:</span>\nالأصل في ذلك قول النبي - ﷺ - لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: «... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» (٤).\nقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى: «والسنة توزيعها بين الفقراء في بلد المزكي، وعدم نقلها إلى بلد آخر؛ لإغناء فقراء بلده وسد\n_________\n(١) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في بر الوالدين، برقم ١٨٩٧، وأحمد، برقم ١٩٥٢٤، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٩٩.\n(٢) متفق عليه، واللفظ لمسلم: البخاري، كتاب الأدب، باب البر والصلة، برقم ٥٩٧١، ومسلم، كتاب البر والصلة، والآداب، باب بر الوالدين، برقم ٢٥٤٨.\n(٣) النسائي، كتاب الزكاة، باب ٥٤، تفسير ذلك، برقم ٢٥٣٤، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، برقم ١٦٩١، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٠٦، وفي صحيح سنن أبي داود ١/ ٤٦٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٩٥، ومسلم، برقم ١٩، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام، حكم الزكاة.","vol":"1","page":226},{"text":"حاجتهم ...» (١). وقال ﵀ عندما سئل عن حكم نقل زكاة الفطر: «لا بأس بذلك، ويجزئ إن شاءالله في أصح قولي العلماء، لكن إخراجها في محلك الذي تقيم فيه أفضل وأحوط، وإذا بعثتها لأهلك؛ ليخرجوها على الفقراء في بلدك فلا بأس» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>الرابع عشر: أحكام إخراج زكاة الأموال:</span>\n١ - يجب إخراج الزكاة على الفور، كالكفارة، والنذر؛ لأن الأمر المطلق يقتضي الفورية، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَآَتَوُا الزَّكَاةَ﴾ (٣) إلا إذا أخَّرها؛ ليدفعها إلى من هو أحق بها، من: ذوي القرابة، أو ذوي الحاجة الشديدة، جاز إذا كان وقتًا يسيرًا (٤) (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>٢ - من جحد وجوب الزكاة كفر</span>، إذا كان عالمًا بوجوبها؛ لتكذيبه لله، ولرسوله، وإجماع الأمة، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل (٦) (٧)، ولا يُصلَّى\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢١٣.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢١٤، ٢١٥، وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٢٨٤، والموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٣٤٥ و٢٣/ ٣٣١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٧٧.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ١٤٧ - ١٤٨، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ٣٨٧، و٧/ ١٣٩، والفروع، لابن مفلح، ٤/ ١٤٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ١٨٦ - ١٨٩، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٣.\n(٥) وتقدم التفصيل في منزلة الزكاة في الإسلام، في مسائل مهمة في الزكاة، المسألة الخامسة، فلتراجع هناك.\n(٦) انظر: المغني، لابن قدامة، ٤/ ٦، والشرح الكبير مع المقنع، والإنصاف، ٧/ ١٤٣، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٣، والشرح الممتع، لابن عثيمين، ٦/ ١٩٠، و٦/ ٧، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٢٧، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ١٤.\n(٧) تقدم التفصيل في منزلة الزكاة في الإسلام، الرقم الثاني عشر.","vol":"1","page":227},{"text":"عليه، ولا يُدْفَنُ في مقابر المسلمين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>٣ - من منع الزكاة بخلًا</span>، وتهاونًا، أخذها إمام المسلمين أو نائبه منه، وعزّره؛ لارتكابه محرمًا؛ وَمَنْعُهُ ركنًا من أركان الإسلام؛ لينصره على نفسه، ويردعه عن فعله المحرم (٢) (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>٤ - يخرج الزكاة من مال: الصغير، واليتيم، والمجنون وليُّهم؛ لأنه حَقٌّ تدخله النيابة</span>، فقام الولي فيه مقام المولَّى عليه: كنفقته، وغرامته؛ ولأن الزكاة واجبة في المال، ولم يشترط البلوغ والعقل في وجوب الزكاة في المال (٤) (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>٥ - والأفضل: أن يفرِّق زكاته بنفسه</span>؛ ليتيقن وصولها إلى مستحقيها؛ وليحصل على أجر التعب؛ لأن تفريقها عبادة لله تعالى؛ وليجتهد في إيصالها إلى أهلها بيقين، قال عثمان - ﵁ -: «هذا شهر زكاتهم،\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ١٨٤، وفتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٢٧.\n(٢) انظر: المقنع مع الشرح الكبير، والإنصاف، ٧/ ١٤٤، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٣، والمغني لابن قدامة، ٤/ ٨ - ٩، والكافي، ٢/ ٨٧، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٢٧، والشرح الممتع، ٦/ ١٩٨.\n(٣) وانظر: تعزير مانع الزكاة بخلًا: منزلة الزكاة في الإسلام للمؤلف، المنزلة الرابعة عشرة.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٦٩، والإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٦/ ٢٩٨، و٧/ ١٥٠، والشرح الممتع، ٦/ ٢٥ - ٢٨، ٢٠٢، ومنار السبيل، ١/ ١٤٠، ٢٦٣، والروض المربع، ٣/ ١٦٧، ٢٩٦، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٤١٠، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٣٥، ٢٤٠، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٤١٠.\n(٥) وتقدم التفصيل في منزلة الزكاة في الإسلام في مسائل مهمة في الزكاة، المسألة السابعة.","vol":"1","page":228},{"text":"فمن كان عليه دين فليقضه، ثم يُزَكِّي بقية ماله» (١).\nوعن أبي سعيد المقبري قال: جئت عمر بن الخطاب بمائتي درهم، قلت: يا أمير المؤمنين هذا زكاة مالي، قال: وقد عتقت يا كيسان؟ قال: قلت: نعم، قال: «اذهب بها فاقسمها» (٢).\nوإذا اجتهد في الإخلاص لله تعالى وأخفاها ابتغاء مرضاته سبحانه أظله الله تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله ...» وذكر منهم\n«... ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٣).\nفيحصل على هذا الثواب العظيم بتوزيعها بنفسه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>٦ - والأفضل أن يسأل الله تعالى أن يتقبَّل منه</span>، كأن يقول: «اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم» وغير ذلك من الدعاء المناسب (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>٧ - يقول آخذ الزكاة ما ورد</span>، كأن يقول: «اللهم بارك فيه وفي ماله» (٦)، وكان رسول الله - ﷺ - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صلِّ\n_________\n(١) أخرجه الإمام مالك، ١/ ٢٥٣ وغيره، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٣٤١، برقم ٨٥٠.\n(٢) البيهقي، ٤/ ١١٤، وأبو عبيد، برقم ١٨٠٥، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٣٤٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، برقم ١٤٢٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، برقم ١٠٣١.\n(٤) انظر: المقنع والشرح الكبير، ٧/ ١٥٢، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٢٠٥.\n(٥) انظر: منار السبيل، ١/ ٢٦٣، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ١٦٨، والشرح الممتع، ٦/ ٢٠٧.\n(٦) لحديث وائل بن حجر - ﵁ -: أن رجلًا جاء بناقة حسناء، فقال له النبي - ﷺ -: «اللهم بارك فيه وفي إبله» [أخرجه النسائي، برقم ٢٤٥٧، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ١٨٥، وتقدم تخريجه في زكاة بهيمة الأنعام].","vol":"1","page":229},{"text":"عليهم» فأتاه أبو أوفى بصدقته، فقال: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>٨ - ويشترط لإخراجها نية من مكلَّف</span>، وله تقديمها بيسير، والأفضل قرنها بالدفع، فينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة تقربًا لله تعالى، وكذلك إذا وكل نوى، وينوي الوكيل عمن وكله؛ لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» (٢) (٣)، قال العلامة السعدي ﵀: «والصحيح أنه إذا نوى المتصدق الزكاة، ودفعها للوكيل، ثم دفعها الوكيل للمُعْطى أن ذلك يجزئ، ولو أن الوكيل لم ينو أنها زكاة، سواء تأخر دفعها عن نية المتصدق أو قارنها ...» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>٩ - يجوز تعجيل الزكاة لحولين إذا كمل النصاب</span>؛ لحديث علي - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - تَعَجَّل من العباس صدقة سنتين» (٥)؛ ولحديثه - ﵁ -: «أن العباس سأل النبي - ﷺ - في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ، فرخَّص له في ذلك، فأذن له في ذلك» (٦)، ويشترط في ذلك: وجود سبب وجوب الزكاة: وهو كمال النصاب، فإن لم يكن عنده نصاب؛ فإنه لا يجزئ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بالصدقة، برقم ١٠٧٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١، ومسلم، برقم ١٩٠٧، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام، في مسائل مهمة، المسألة السادسة.\n(٣) انظر: المغني، لابن قدامة، ٤/ ٨٨ - ٩٠، والمقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٧/ ١٥٩، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٤، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٨/ ٥٣ - ٥٤.\n(٤) المختارات الجلية للسعدي، ص ٧٩.\n(٥) أخرجه أبو عبيد في الأموال، برقم ١٨٨٥، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٣١٦، برقم ٨٥٧.\n(٦) أبو داود، برقم ١٦٢٤، والترمذي، برقم ٦٧٨، ٦٧٩، وابن ماجه، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٥٠، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام في مسائل مهمة في الزكاة المسألة التاسعة.","vol":"1","page":230},{"text":"إخراجه؛ لأنه قدمها على سبب الوجوب، وهو ملك النصاب (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>١٠ - الأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده</span>، إلا لحاجة أو مصلحة راجحة؛ لحديث ابن عباس ﵄، أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: «... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ...» (٣)؛ ولحديث إبراهيم بن عطاء - مولى عمران بن حصين - عن أبيه: أن زيادًا - أو بعض الأمراء - بعث عمران بن حصين على الصدقة، فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: «وللمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله - ﷺ -، ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله - ﷺ -» (٤).\nهذا هو الأفضل: أن تجعل زكاة كل بلد في فقراء بلده (٥)، والراجح\n_________\n(١) انظر: المغني، لابن قدامة، ٤/ ٧٩، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ١٧٩، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٥، والكافي، ٢/ ١٨١، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ١٤٣، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٤٢٢، والشرح الممتع، ٦/ ٢١٣.\n(٢) وتقدم التفصيل في ذلك في منزلة الزكاة: المسألة التاسعة من المسائل المهمة في الزكاة.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٩٥، ومسلم، برقم ١٩، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة في الإسلام، في حكم الزكاة.\n(٤) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في الزكاة هل تحمل من بلد إلى بلد؟ برقم ١٦٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٥.\n(٥) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في نقل الزكاة على أقوال:\nالقول الأول: مذهب الإمام أحمد ﵀: لا يجوز نقل الزكاة إلى ما تقصر فيه الصلاة، فإن نقلها ففي المذهب روايتان: إحداهما تجزئ مع الإثم، وهو الصحيح من المذهب، والثانية لا تجزئ.\nالقول الثاني: الإمام مالك لا يجوز إلا أن يقع بأهل بلد حاجة، فينقلها الإمام إليهم على سبيل النظر والاجتهاد.\nالقول الثالث: الشافعي، لا يجوز ولا يجزئ نقلها.\nالقول الرابع: أبو حنيفة: يكره إلا أن ينقلها إلى قرابة له محاويج، أو قوم هم أمس حاجة من أهل بلده.\nواختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أن تحديد المنع بمسافة قصر لا دليل عليه، ورجح جواز نقلها لمصلحة شرعية [الاختيارات الفقهية، ص ٤٧ - ٤٨]، وانظر: كتاب الفروع لابن مفلح مع تصحيح الفروع، للمرداوي، ٤/ ٢٦٢، ٢٦٦، والمغني لابن قدامة، ٤/ ١٣١، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ١٧١، والروض المربع المحقق بإشراف الأستاذ الطيار [وقد نقلوا أقوال المذاهب] ٤/ ٢٠٠ - ٢٠٢، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٥.","vol":"1","page":231},{"text":"من أقوال أهل العلم في حكم نقل الزكاة: أن الأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده؛ لأن أهل البلد المحاويج أحق بالبر والإحسان؛ ولغرس المحبة بين الأغنياء والفقراء؛ ولأن أطماعهم تتعلق بما عند الأغنياء في بلدهم من المال؛ ولأنه أيسر للمكلف؛ لأن نقلها من بلد إلى بلد آخر قد يكون فيه مشقة وكلفة، وقد يكون في السفر عرضة لتلف مال الزكاة، ولكن مع ذلك يجوز نقل الزكاة لمصلحة شرعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، قال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀: «والصحيح جواز نقل الزكاة ولو لمسافة قصر إذا كان لذلك مصلحة ...» (٢). وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «وهذا القول هو الصحيح؛ لعموم الدليل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٣). أي للفقراء والمساكين في كل مكان» (٤). وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن\n_________\n(١) الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ١٤٧ – ١٤٨.\n(٢) المختارات الجلية من المسائل الفقهية، للسعدي، ص ٧٩.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(٤) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٢٠٨ – ٢١٠.","vol":"1","page":232},{"text":"عبد الله ابن باز ﵀: «يجوز نقل الزكاة من محل المزكي «بلده» إلى بلد أخرى إذا كان ذلك لمصلحة شرعية في أصح قولي العلماء ...» (١). وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: «لا مانع من ذلك في أصح قولي العلماء إذا كان نقل الزكاة من البلد الذي يقيم فيه صاحب المال لمصلحة شرعية: كشدة الفقر، أو قرابة من تدفع إليه الزكاة؛ وكونه طالب علم شرعي يحتاج إلى الإعانة على ذلك ...» (٢). وهو اختيار الإمام البخاري رحمه الله تعالى، قال ﵀: «باب أخذ الصدقة من الأغنياء، وتردُّ في الفقراء حيث كانوا» (٣). قال ابن المنير ﵀: «اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال؛ لعموم قوله: «فترد على فقرائهم»؛ لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم رُدت فيه الصدقة في أي جهة كان؛ فقد وافق عموم الحديث» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>١١ - إذا كان صاحب المال في بلد وماله في بلدٍ آخر:</span>\nأخرج زكاة المال في بلد المال، وأخرج فطرته في البلد الذي هو فيه؛ لأن زكاة الفطر تتعلق بالبدن، والمال زكاته تتعلق به؛ فإن نقل إحدى الزكاتين لمصلحة شرعية راجحة جاز؛ لما سبق في نقل الزكاة، والله تعالى أعلم (٥).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٤٣.\n(٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٤١٧.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الزكاة ٦٣ - بابٌ، قبل الحديث رقم ١٤٩٦.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ٣/ ٣٥٧.\n(٥) انظر: المغني، ٤/ ١٣٣ - ١٣٤، والمقنع مع الشرح الكبير، والإنصاف، ٧/ ١٧٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٢١٣، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢١٣، ٢١٤، ٢١٥، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٩/ ٢٨٤، والموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٣٣١، ٣٤٥.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>المبحث الثالث عشر: مصارف الزكاة في الإسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>أولًا: المفهوم:<span data-type=\"title\" id=toc-358> لغة </span>و<span data-type=\"title\" id=toc-359>اصطلاحًا</span></span>.\nمفهوم المصارف لغة: مَصْرِفُ: مفرد وجمعه مصارف، وصَرَفَ المال: أنفقه، والصرف: الدفع.\nومفهوم المصارف اصطلاحًا: الجهات التي تصرف فيها الأشياء: ومنه: مصارف الزكاة: المستحقون لها.\nفظهر بذلك: أن مصارف الزكاة: أهل الزكاة ومستحقوها: أي الأصناف الذين تصرف لهم الصدقات المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ الآية (١) (٢).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-360>الخلاصة: </span>أن مصارف الزكاة: هم أهل الزكاة. ومن العلماء من يعبر عن مصارف الزكاة: بأصناف أهل الزكاة، ومنهم من يقول: الأصناف الذين تدفع إليهم الزكاة، ومنهم من يقول: مصارف الزكاة، وهي كلمات مترادفة معناها واحد (٣).\nومنهم من قال: المصارف: جمع مصرف، وهو في اللغة المعدل، قال الله\n_________\n(١) انظر: القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، السعدي أبو جيب، ص٢١٠، ومعجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس، ص٤٠٣.\nوانظر: مصارف الزكاة وتمليكها، لخالد عبد الرزاق العاني، ص٢١، وص١٢٨.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(٣) انظر: منار السبيل، ١/ ٢٦٦، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢٠٥، والكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٩٣، وكتاب الفروع، لابن مفلح، ٤/ ٢٩٧، ومنتهى الإرادات، للفتوحي، ١/ ٥١٥، والمغني لابن قدامة، ٤/ ١٢٤ - ١٣١، والإقناع لطالب الانتفاع، لموسى بن أحمد الحجاوي، ١/ ٤٦٧، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي، ٢/ ٤٤٦ و٤٤٨ ومختصر الفقه الإسلامي للتويجري، ص٦١٢، والروض المربع، ٣/ ٢٠٨.","vol":"1","page":235},{"text":"تعالى: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ (١) أي معدلًا، والمصرف اسم مكان.\nوهو في الاصطلاح: مسلم [أو مؤلف] يصح في الشريعة [الإسلامية] صرف الزكاة إليه (٢) والمراد: الأصناف الثمانية الذين تصرف لهم الزكاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>ثانيًا: حصر الله تعالى أهل الزكاة بلا تعميم في العطاء:</span>\nالأصناف الذين تدفع إليهم الزكاة ثمانية، ذكرهم الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) فلا يجوز صرف الزكاة المفروضة إلى غيرهم: من بناء مسجد، أو إصلاح طريق، أو كفن ميت، أو غير ذلك من أعمال البر؛ لأن الله تعالى خص هذه الأصناف الثمانية بها في قوله: ﴿إنَّمَا﴾ وهي للحصر، تثبت المذكور، وتنفي ما عداه (٤) قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنه لا يجوز دفع هذه الزكاة إلى غير هذه الأصناف (٥) إلا ما روي عن أنس والحسن» (٦).\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ٥٣.\n(٢) انظر: مصارف الزكاة وتمليكها، ص١٢٨.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(٤) الكافي لابن قدامة، ٢/ ١٩٣، والمغني، ٤/ ١٢٤، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٢٠٥، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٦، وكتاب الفروع، ٤/ ٢٩٧.\n(٥) الشرح الكبير، مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢٠٦.\n(٦) قالا: ما أعطيت في الجسور، والطرق، فهي صدقة ماضية، قال في الشرح الكبير، ٧/ ٢٠٦: والصحيح الأول وانظر: الإجماع لابن المنذر، ص٥٧.","vol":"1","page":236},{"text":"ولا يجب على الصحيح تعميم الأصناف بالزكاة؛ لأن النبي * قال لمعاذٍ - ﵁ - «... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فتردّ في فقرائهم» (١) فهو أمر - ﷺ - بردها في صنفٍ واحدٍ، والأدلة كثيرة في السنة، فتبيَّن بهذا أن مراد الآية: بيان الصرف دون التعميم؛ ولذلك لا يجب تعميم كل صنف (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>ثالثًا: أنواع مصارف الزكاة ومفهوم كل مصرف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>المصرف الأول: الفقراء، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>المسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-365> مفهوم الفقير: لغة</span>، واصطلاحًا</span>.\nمفهوم الفقير لغة: فعيلٌ بمعنى فاعلٌ، يقال: فَقِرَ يَفْقَرُ، من باب تَعِبَ: إذا قلَّ مالُه، ولم يقولوا: فَقُر بالضم، استغنوا عنه: بافتقر (٣)، فالفقير بالكسر: جمعه: فقراء: المحتاج ضد الغني (٤).\nقال الإمام ابن الأثير ﵀: «قد تكرر ذكر: الفَقْر والفقير، والفُقَراء في الحديث» وقد اختلف الناس فيه وفي المسكين، فقيل: الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له بعض ما يكفيه، وإليه ذهب الشافعي، وقيل فيهما: بالعكس وإليه ذهب أبو حنيفة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>مفهوم الفقر اصطلاحًا: </span>من لا يملك نصابًا ناميًا فائضًا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٩٥، ومسلم، برقم ١٩، وتقدم تخريجه.\n(٢) الكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٩٣ - ١٩٤.\n(٣) المصباح المنير، للفيومي، ص٤٧٨، مادة (فقر).\n(٤) معجم لغة الفقهاء، مادة (فقير)، ص٣١٧.\n(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، مادة (فقر)، ٣/ ٤٦٢.","vol":"1","page":237},{"text":"عن حاجاته (١) والفقير ضد الغني (٢)، وهو: عبارة عن فقد ما يحتاج إليه، أما فقد ما لا حاجة إليه فلا يسمى فقرًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>والصواب أن مفهوم الفقراء اصطلاحًا: </span>هم من لا يجدون شيئًا من الكفاية مطلقًا، أو يجدون بعض الكفاية دون نصفها من كسب وغيره، مما لا يقع موقعًا من الكفاية، وإن تفرَّغ قادر على التكسب للعلم الشرعي لا للعبادة وتعذر أن يجمع بين التكسب والاشتغال بالعلم، أُعطي من الزكاة بقدر حاجته، وحتى لو لم يكن العلم لازمًا له، فعُلم بذلك: أن الفقير: هو من لا مال له ولا كسب أصلًا، أو من له مال أو كسب أقل من نصف ما يكفيه لنفسه، ومن تجب عليه نفقته، من غير إسرافٍ ولا تقتير، والفقراء أشد حاجة من المساكين؛ لأن الله تعالى بدأ بهم، والعرب إنما تبدأ بالأهم فالمهم (٤)؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٥) فقد أخبر الله - ﷿ - أن المساكين لهم سفينة يعملون فيها، ومع ذلك وصفهم بالمسكنة، أما الفقراء فقد لا يكون لهم مال أصلًا، كما قال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ\n_________\n(١) معجم لغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص٣١٧.\n(٢) القاموس الفقهي: لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، ص٢٨٩.\n(٣) التعريفات، للجرجاني، ص٢١٦.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ١٢٣، ١٢٧، والشرح الكبير، ٧/ ٢٠٦، والكافي، ٢/ ١٩٥، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٦، والروض المربع، ٣/ ٣١٠، ومصارف الزكاة وتمليكها، للدكتور/ خالد بن عبد الرزاق، ص١٤٣.\n(٥) سورة الكهف، الآية: ٧٩.","vol":"1","page":238},{"text":"وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (١) وقد يكون لهم المال القليل دون نصف الكفاية، ولكنهم أشد حاجة من المساكين» (٢) (٣).\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ٨.\n(٢) انظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢٠٧، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٠/ ٦.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في أيهما أشد حاجة، وأسوأ حالًا: الفقير أم المسكين؟ فقال الإمام أحمد ﵀، والإمام الشافعي ﵀، وغيرهما: إن الفقير أشد حاجة من المسكين؛ لأدلة منها:\n١ - قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [سورة التوبة، ٦٠] فبدأ بالفقراء، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم؛ لأن الزكاة شرعت لدفع الحاجة، فمن كان أحوج بدئ به.\n٢ - قول الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [سورة الكهف، ٧٩] فقد وصف بالمسكنة من له سفينة.\n٣ - قول الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [سورة الحشر، الآية: ٨] فقد يكون الفقير لا مال له أصلًا.\n٤ - حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي يطوف على الناس، فترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يُفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس [متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٧٩، ومسلم، برقم ١٠٣٩].\nوذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ ومن معه من المالكية وغيرهم إلى أن المسكين أشد حاجة لقول الله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [سورة البلد ١٦] وهو المطروح على التراب لشدة حاجته.\nوالصواب أن إطلاق المسكين يدخل فيه الفقير، وإطلاق الفقير يدخل فيه المسكين؛ فإذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعًا، مثل: لفظ الإسلام، والإيمان، ثم المسكين ذا متربة قيد بذلك فدل على أنه يوجد مسكين لا بهذه الصفة، واستدل أبو حنيفة ﵀ أيضًا: بأن الله تعالى جعل الكفارات للمساكين، ولكن نوقش بأن المسكين إذا أطلق دخل فيه الفقير، والله تعالى أعلم. [الشرح الكبير لابن قدامة، ٧/ ٢٠٧ - ٢١٠، وحاشية الروض المربع للأساتذة: الطيار والغصن، والمشيقح، ٤/ ٢١١ - ٢١٢، والموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٣١٢، والصواب القول الأول: قول الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله تعالى.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>المسألة الثانية: نصيب الفقراء من الزكاة: </span>يُعطى الفقير من الزكاة ما يُكَمِّلُ له كفايته من النفقة حولًا كاملًا، والمعتبر: كفايته وكفاية من يمونه: من الأكل، والشرب، والسكن، والكسوة، والإعفاف بالزواج إن لم يستطع الزواج إلا بأخذه من الزكاة؛ فإنه يعطى ما يكفيه للمهر ولو كان كثيرًا، من غير إسرافٍ ولا تقتير (١).\nقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «فيأخذ منها - أي الزكاة - كل حول: ما يكفيه إلى مثله - أي إلى الحول الثاني - ويعتبر وجود الكفاية له، ولعائلته، ومن يمونه؛ لأن كل واحد منهم مقصودٌ دفع حاجاته، فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد» وقال: «... وهذا؛ لأن الدفع إنما هو إلى العيال، وهذا نائب عنهم في الأخذ» (٢).\nقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «الفقراء والمساكين: وهم الذين لا يجدون كفايتهم، وكفاية عائلاتهم: لا من نقود حاضرةٍ، ولا من رواتب ثابتة، ولا من صناعة قائمة، ولا من غلةٍ كافية، ولا من نفقاتٍ على غيرهم واجبة، فهم في حاجة إلى مواساةٍ ومعونةٍ، قال العلماء: فيعطون من الزكاة ما يكفيهم وعائلاتهم لمدة سنة كاملة، حتى يأتي حول الزكاة مرة ثانية، ويُعطى الفقير لزواجٍ يحتاج إليه ما يكفي لزواجه، [ويعطى] طالب العلم [الشرعي] الفقير؛ لشراء كتبٍ يحتاجها، ويعطى من له راتب لا يكفيه وعائلته من الزكاة ما يكمل كفايتهم؛ لأنه ذو حاجة، وأما من كان له كفاية فلا يجوز إعطاؤه من الزكاة وإن سألها، بل\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٦/ ٢٢٠.\n(٢) المغني، لابن قدامة، ٤/ ١٢٣.","vol":"1","page":240},{"text":"الواجب نصحه وتحذيره من سؤال ما لا يحلُّ له ...» (١) (٢).\n_________\n(١) مجالس شهر رمضان، للعلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀، ص٨١ - ٨٢، وانظر: الشرح الممتع له، ٤/ ٢١٩ - ٢٢٣.\n(٢) اختلف العلماء ﵏ في المقدار الذي يعطى للفقير والمسكين من الزكاة على النحو الآتي:\nالقول الأول: يعطى الفقير كفايته، وكفاية من يعولهم سنة كاملة، وبه قال الحنابلة، والمالكية، وأحد قولي الشافعي. [وتقدم تفصيل ذلك في متن هذه الرسالة].\nالقول الثاني: يُعطى كلٌّ من الفقير والمسكين كفاية العمر، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام. وبه قال الشافعية في الأصح عندهم، وبه قال بعض الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذكر النووي أنه مذهب الشافعي.\nالقول الثالث: لا يجوز أن يُعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهمًا، وكذلك يعطى كل من تحت نفقته كل واحد مثل ذلك، ولا يتجاوز ما يعطى كل واحد منهم خمسين درهمًا. وهو رواية عن أحمد، ولكن رُدَّ بأن حديث ابن مسعود في هذه المسألة ضعيف.\nالقول الرابع: لا تجوز الزيادة في العطاء على نصاب النقود: أي ما يساوي مائتي درهمٍ، فاضلًا عما يحتاج إليه من مسكن، وخادم، وأثاث، وفرس، وإذا كان له من يعوله فيأخذ كل واحد منهم مقدار النصاب، وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀.\nوالصواب القول الأول: هو أن الفقير أو المسكين يُعطى ما يكفيه ويكفي من ينفق عليهم سنة كاملة؛ لأن النبي - ﷺ - «حبس لأهله قوت سنة» [متفق عليه: البخاري، كتاب النفقات، باب حبس الرجل قوت سنة على أهله، برقم ٥٣٥٧، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء، برقم ١٧٥٦، ولفظ مسلم هنا: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركابٍ، فكانت للنبي - ﷺ - خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة [أي يعزل لهم نفقة سنة، ولكنه كان ينفقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير] وما بقي يجعله في الكراع [أي الدواب التي تصلح للحرب] والسلاح وعدة في سبيل الله [انظر: المغني، لابن قدامة، ٤/ ١١٧ - ١٣٠، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢٠٥ - ٢٢٢، ومصارف الزكاة وتمليكها، ص١٦٨ - ١٨٥، والموسوعة الفقهية الكويتية، ٢٣/ ٣١٦ - ٣١٧، وكتاب الفروع لابن مفلح، ٤/ ٢٩٧ - ٣٣٠، والكافي لابن قدامة، ٢/ ١٩٥، والشرح الممتع، ٦/ ٣٢٠ - ٣٢٢، ومنتهى الإرادات، ١/ ٥١٥، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي، ٢/ ٤٤٢ - ٤٥٠، وحاشية الروض المربع، للأساتذة بإشراف الطيار، ٤/ ٢١٣، والمجموع للنووي، ٦/ ٢٠٣، و٦/ ١٩٩].","vol":"1","page":241},{"text":"وقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وإذا كان للمرأة الفقيرة زوج موسر ينفق عليها لم يجز دفع الزكاة إليها؛ لأن الكفاية حاصلةٌ لها بما يصلها من النفقة الواجبة، فأشبهت من له عقار يستغني بأجرته، وإن لم ينفق عليها وتعذر ذلك جاز الدفع إليها، كما لو تعطلت منفعة العقار، وقد نصَّ أحمد على هذا» (١).\nوقد يملك الإنسان نصابًا من أي نوع من أنواع المال - ولكن هذا المال لا يقوم بكفايته؛ لكثرة عياله، أو لغلاء السعر - فهو غني من حيث إنه يملك نصابًا فتجب الزكاة في ماله، وفقير من حيث إن ما يملكه لا يقوم بكفايته، فيُعطى من الزكاة كالفقير - ما يكمِّل له كفايته.\nمثال ذلك: رجل عنده عشرون ألف ريال، ولكن له أربع زوجات، وله من كل زوجة عشرة أولاد، وله أب وأم تحت رعايته ينفق على الجميع، والسكن بالإيجار، وهذا المبلغ لا يقوم بكفايته سنة كاملة، فله أن يأخذ ما يكمل كفايته لمدة عام.\nقال ابن قدامة ﵀: «قال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله - أحمد بن حنبل - فقلت: قد يكون للرجل: الإبل، والغنم، تجب فيها الزكاة، وهو فقير، ويكون له أربعون شاة، وتكون له الضيعة - المزرعة - لا تكفيه، فَيُعطى من الزكاة؟ قال: «نعم». وذكر قول عمر: أعطوهم وإن راحت عليهم الإبل كذا وكذا» (٢) ... وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا كان له\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٤/ ١٢٣، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٢٨٦. وكتاب الفروع لابن مفلح، ٤/ ٢٩٩، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الزكاة، باب من قال ترد الصدقة في الفقراء، ٣/ ٢٠٥.","vol":"1","page":242},{"text":"عقار يستغله، أو ضيعة تساوي عشرة آلاف أو أقل أو أكثر لا تقيمه يأخذ من الزكاة، وهذا قول الشافعي (١)؛ لأنه لا يملك ما يغنيه، ولا يقدر على كسب ما يكفيه، فجاز له الأخذ من الزكاة، كما لو كان ما يملكه لا تجب فيه الزكاة؛ لأن الفقر عبارة عن الحاجة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله﴾ (٢) أي المحتاجون إليه» (٣)، والله تعالى أعلم (٤).\n_________\n(١) وقال أصحاب الرأي: ليس له أن يأخذ منها إذا ملك نصابًا زكويًا؛ لأنه تجب عليه الزكاة فلم تجب له، للخبر [المغني لابن قدامة، ٤/ ١٢٢].\n(٢) سورة فاطر، الآية: ١٥.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٢١ - ١٢٢.\n(٤) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حدِّ الغنى المانع من أخذ الزكاة على أقوال:\nالقول الأول: قول الجمهور: من المالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد: أن الغنى ما تحصل به الكفاية، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الصدقة، وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلَّت له الصدقة وإن كان يملك نصابًا أو نُصُبًا، والأثمان وغيرها في هذا سواء؛ لقول النبي - ﷺ - لقبيصة: «لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: قد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة، حتى يصيب قوامًا من عيش أو سدادًا من عيش [مسلم، برقم ١٠٤٤] فمدَّ إباحة المسألة إلى وجود إصابة القوام أو السداد؛ لأن الحاجة هي الفقر، والغنى ضدها.\nالقول الثاني: رواية عن الإمام أحمد وهي الظاهر من مذهبه: أن من ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب، أو وجد ما تحصل به الكفاية على الدوام: من كسب، أو تجارة أو عقار، أو نحو ذلك، فهو غني لا يحل دفع الزكاة إليه. أما إذا ملك من العروض، أو السائمة، أو العقار ما لا تحصل به الكفاية لم يكن غنيًّا، حتى ولو ملك نصبًا، ففي هذه الرواية: التفريق بين الأثمان وغيرها.\nالقول الثالث: قول الحسن، وأبي عبيد: الغِنى ملك أوقية، وهي: أربعون درهمًا.\nالقول الرابع: قول أبي حنيفة: الغنى الموجب للزكاة هو المانع من أخذها، فمن ملك نصابًا من أي أنواع المال فهو غني لا تدفع إليه الزكاة حتى ولو كان لا يكفيه.\nوالصواب إن شاء الله: القول الأول، والله أعلم.\n[المغني لابن قدامة، ٤/ ١١٨ - ١٢١، والموسوعة الفقهية الكويتية، ٢٣/ ٣١٣، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢١٦ - ٢٢١، ومصارف الزكاة، ص١٦٦ - ١٩١.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>المسألة الثالثة: ما جاء من الآيات القرآنية</span>، التي ظاهرها الحث والترغيب في الإحسان إلى الفقراء وإعطائهم حقوقهم على النحو الآتي:\n١ - قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَالله يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)؟\n- قال الله - ﷿ -؟ ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢)؟\n- قال الله ﵎؟ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٣)؟\n- وقال سبحانه؟ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤)؟\n- وقال تعالى؟ ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَالله أَوْلَى بِهِمَا﴾ (٥)؟\n٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ (٦).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٨.\n(٢) سورة البقرة الآية: ٢٧١.\n(٣) سورة البقرة الآية: ٢٧٣.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٦.\n(٥) سورة النساء، الآية: ١٣٥.\n(٦) سورة التوبة، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":244},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله مِنْ فَضْلِهِ والله وَاسِعٌ عَلِيم﴾ (١).\n٤ - وقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢)\n٥ - قال - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ واللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٣).\n٦ - قال - ﷾ -: ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ والله الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء﴾ (٤).\n٧ - وقال - ﷾ -: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٥) (٦)؟\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-370>المصرف الثاني: المساكين وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>المسألة الأولى: مفهوم المساكين لغة واصطلاحًا:</span>\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٣٢.\n(٢) سورة الحج الآية: ٢٨.\n(٣) سورة فاطر الآية: ١٥.\n(٤) سورة محمد، الآية: ٣٨.\n(٥) سورة الحشر الآية: ٨\n(٦) وانظر: سورة آل عمران، الآية: ١٨٢، وسورة القصص، الآية: ٢٤.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>مفهوم المساكين لغةً: </span>مفرده مسكين وجمعه مساكين، يقال: «سكن المتحرك سكونًا: أي ذهبت حركته، ويتعدَّى بالتضعيف فيقال: (سكَّنته) والمسكين مأخوذ من هذا؛ لسكونه إلى الناس، وهو بفتح الميم في لغة بني أسد، وبكسرها عند غيرهم».\nوالمسكين أيضًا: الذليل المقهور وإن كان غنيًّا، قال الله تعالى:\n﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ (١) (٢).\nوالأصل في المسكين: أنه من المسكنة والخضوع والذل (٣). قال الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى: «وقد تكرر في الحديث ذكر: المسكين، والمساكين، والمسكنة، والتمسكن وكلها يدور معناها على: الخضوع، والذلة، وقلة المال، والحالة السيئة، واستكان: إذا خضع، والمسكنة: فقر النفس، وتمسكن: إذا تشبَّه بالمساكين، وهو جمع المسكين، وهو الذي لا شيء له، وقيل: هو الذي له بعض الشيء، وقد تقع المسكنة على الضعف» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>مفهوم المساكين اصطلاحًا: </span>المساكين: هم الذين يجدون أكثر الكفاية أو نصفها: من كسب أو غيره، مما لا يقع موقعًا من الكفاية، فعُلم بذلك أن المسكين: هو من له مال يبلغ نصف كفايته فأكثر، لكنه لا يكفيه\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١١٢.\n(٢) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للرافعي، تأليف أحمد بن محمد الفيومي، ١/ ٢٨٣.\n(٣) لسان العرب، لابن منظور، باب النون، فصل السين، ٣/ ٢١٦.\n(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، باب السين مع الكاف، مادة (سكن)، ٢/ ٣٨٥.","vol":"1","page":246},{"text":"لنفسه ومن تجب عليه نفقته من غير إسراف ولا تقتير، والمسكين أحسن حالًا من الفقير؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (١) فأخبر أنهم مساكين، وأن لهم سفينة، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢) فهذه الحال التي أخبر بها عن الفقراء هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>المسألة الثانية: هذه التعريفات السابقة، للفقير، والمسكين: </span>تكون إذا جمع بين لفظ «الفقير والمسكين» كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٥) أما إذا أُطلق لفظ أحدهما ولم يذكر معه الآخر دخل أحدهما في الآخر، فالفقير: هو المسكين، والمسكين: هو الفقير؛ ولهذا قيل: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، مثل: لفظ الإسلام، ولفظ الإيمان (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>المسألة الثالثة: نصيب المساكين من الزكاة: </span>يعطى المسكين من\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ٧٩.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٣.\n(٣) لسان العرب لابن منظور، ١٣/ ٢١٥.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٢٣، ١٢٧، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢٠٦، والكافي، ٢/ ١٩٥، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٦، والروض المربع من حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣١٠، ومصارف الزكاة وتمليكها، ص١٤٣.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(٦) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، ٢٣/ ٣١٢، والمغني، لابن قدامة، ٩/ ٣٠٦.","vol":"1","page":247},{"text":"الزكاة ما يُكمِّل له كفايته، وكفاية من يعوله من النفقة حولًا كاملًا، والمعتبر: كفايته وكفاية من يمونه: من الأكل، والشرب، والمسكن، والكسوة، والإعفاف بالزواج إن لم يستطع الزواج إلا بأخذه من الزكاة، على نحو ما تقدم فيما يستحقه الفقير من الزكاة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>المسألة الرابعة: ما جاء من الآيات القرآنية</span>؟ التي فيها الحث والترغيب في الإحسان إلى المساكين وإعطائهم حقوقهم؟ على النحو الآتي؟\n١ - قال تعالى: ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٢).\n٢ - قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣)؟\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٤).\n_________\n(١) الشرح الممتع، ٦/ ٢٢٠.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٨٣.\n(٣) سورة البقرة الآية: ١٧٧.\n(٤) سورة البقرة الآية: ٢١٥.","vol":"1","page":248},{"text":"٤ - وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ الآية (١).\n٥ - وقال تعالى: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (٢)؟\n- وقال تعالى؟ ﴿فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)؟\n٧ - وقال تعالى: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ* أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ (٤).\n٨ - وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٥)؟\n- وقال سبحانه؟ ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٦)؟\n- وقال تعالى؟ ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (٧)\n- وقال تعالى؟ ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٨)؟\n- وقال تعالى؟ ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (٩)؟\n- وقال سبحانه؟ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٤.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٦.\n(٣) سورة الروم، الآية: ٣٨.\n(٤) سورة القلم، الآيتان: ٢٣ - ٢٤.\n(٥) سورة الحاقة، الآية: ٣٤.\n(٦) سورة الماعون، الآية: ٣.\n(٧) سورة المدثر، الآية: ٤٤.\n(٨) سورة الفجر الآية: ١٨.\n(٩) سورة المجادلة الآية: ٤.","vol":"1","page":249},{"text":"وَأَسِيرًا﴾ (١)؟\n- وقال تعالى؟ ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ *يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٢)؟\n- وقال تعالى؟ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٣)؟\n- وقال تعالى؟ ﴿... وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٤)\n- وقال تعالى؟ ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (٥)؟\n- وقال سبحانه؟ ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (٦)؟\n- وقال تعالى؟ ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٧)؟\n- وقال سبحانه؟ ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ الآية (٨)؟\n_________\n(١) سورة الإنسان، الآية: ٨.\n(٢) سورة البلد، الآيات: ١١ - ١٦.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٨.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٣٦.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ٨٩.\n(٦) سورة المائدة، الآية: ٩٥.\n(٧) سورة الأنفال الآية: ٤١.\n(٨) سورة النور، الآية: ٢٢.","vol":"1","page":250},{"text":"ممم الكتاب ده فيه تنسيق كتير بايظ الارقام والاقواس بيخليها؟\nوانا بصلح اللي بشوفه!!\nوقال تعالى؟ممم ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١)؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>المسألة الخامسة: ما جاء من الأحاديث في المسكين</span>؟\n- عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال؟ممم ليس المسكين الذي يطوف على الناس، تردُّه اللقمة واللقمتان»؟ وفي رواية؟ الأكلةُ والأكلتان؟ والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يُفطنُ له فيتصدق عليه، [ويستحيي أو] لا يقومُ فيسأل الناس إلحافًا.\nوفي لفظٍ: إنما المسكين الذي يتعفف؟ واقرأوا إن شئتم يعني قوله تعالى؟ ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٢)؟\n- عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - قال؟ «لا تحلُّ الصدقةُ لغني، ولا لذي مرةٍ (٣) سويٍّ» (٤) (٥).\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب قول الله - ﷿ -: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، برقم ١٤٧٦، ورقم ١٤٧٩، وكتاب التفسير، بابٌ، ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ يقال: ألحف عليَّ، وألحَّ عليَّ، وأحفاني بالمسألة ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ [محمد: ٣٧] يجهدكم، برقم ٤٥٣٩، والألفاظ ملفقة من هذه المواضع من البخاري، وأخرجه مسلم، في كتاب الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه، برقم ١٠٣٩.\n(٣) المرة: القوة وشدة العقد، وهي القوة على الكسب والعمل [نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٦٩].\n(٤) سوي: صحيح وسليم الأعضاء [نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٦٩].\n(٥) أبو داود، كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى، برقم ١٦٣٤، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء من لا تحل له الصدقة، برقم ٦٥٢، وأحمد، ٢/ ١٩٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٥٤، وفي الإرواء، برقم ٨٧٧.","vol":"1","page":251},{"text":"٣ - عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي - ﷺ - في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدين (١)، فقال: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» (٢) (٣).\nقال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: «وفيه دليل على أنه يستحب للإمام، أو المالك: الوعظ، والتحذير، وتعريف الناس بأن الصدقة لا تحلُّ لغني، ولا لذي قوة على الكسب، كما فعل رسول الله - ﷺ - ذلك برفقٍ» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>المصرِف الثالث: العاملون عليها، وفيه: مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>المسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-380> مفهوم العاملين لغةً: </span></span>عَمِلَ، من باب طَرِبَ، وأعمله، واستعمله، بمعنىً، واستعمله أيضًا: طلب إليه العمل، واعتمل، اضطرب في العمل، والتعميل: تولية العمل، يقال: عمَّله على البصرة، والعمالة: رِزقُ العامل (٥) ويقال: عملته أعملُهُ عملًا: صنعته، وعملت على الصدقة: سعيت في جمعها، والفاعل عاملٌ والجمع: عُمَّال، وعاملون، ويتعدى إلى ثانٍ بالهمزة،\n_________\n(١) جلْدَين: قويين شديدين، [نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٦٩].\n(٢) مكتسب: يكتسب قدر كفايته. [نيل الأوطار، ٣/ ٦٩].\n(٣) أبو داود كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغني، برقم: ١٦٣٣، والنسائي، كتاب الزكاة، باب مسألة القوي المكتسب، برقم: ٢٥٩٧، وأحمد في المسند، برقم ١٧٩٧٢، ورقم ١٧٩٧٣، وصححه الألباني، في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٥٤.\n(٤) نيل الأوطار، للشوكاني، ٣/ ٦٩.\n(٥) مختار الصحاح، لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر، الرازي، ص١٩١.","vol":"1","page":252},{"text":"فيقال: أعملته كذا واستعملته: أي جعلته عاملًا، واستعملته: سألته أن يعمل (١).\nقال ابن الأثير - ﵀ -: «والعامل: هو الذي يتولى أمور الرجل في ماله وملكه، وعَمَلِهِ، ومنه قيل للذي يستخرج الزكاة: عامل، والذي يأخذه العامل من الأجرة يقال له: عُمالة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>مفهوم العاملين اصطلاحًا: </span>العاملون عليها: هم السعاة الذين يبعثهم الإمام؛ لأخذ الزكاة من أربابها: كجبَّائها، وحفَّاظها، وكتَّابها، وقسامها بين مستحقيها، وشُرط كونه: مكلفًا، مسلمًا، أمينًا، كافيًا، قادرًا، عالمًا بفرائض الصدقة (٣). إلا إذا كتب الإمام له ما يأخذ من الصدقات، ويكون من غير ذوي القربى (٤) قال المرداوي: ﵀: «العاملون عليها: وهم الجباة لها، والحافظون لها، [و] العامل على الزكاة: هو الجابي لها، والحافظ، والكاتب، والقاسم، والحاشر، والكيَّال، والوزَّان، والعدَّاد، والساعي، والراعي، والسائق، والحمّال، ومن يحتاج إليه فيها، غير قاضٍ ووالٍ .... [و] أجرة كيل الزكاة ووزنها، ومؤنة دفعها على المالك» (٥).\nوقال العلامة ابن عثيمين - ﵀ -: «الجباة: جمع جابي، وهم الذين\n_________\n(١) المصباح المنير، للفيومي، ٢/ ٤٣٠.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، ٣/ ٣٠٠.\n(٣) الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣١٢، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٧، ومنتهى الإرادات، للفتوحي، ١/ ٥١٥، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢٢٢ - - ٢٢٦.\n(٤) الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢٢٥، والإقناع لطالب الانتفاع، لموسى بن أحمد الحجَّاوي، ١/ ٤٦٩.\n(٥) الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٧/ ٢٢٢، والمغني لابن قدامة، ٤/ ١٠٨، و٩/ ٣١٢.","vol":"1","page":253},{"text":"يأخذونها من أهلها، والحفاظ: الذين يقومون على حفظها، والقاسمون لها: الذين يقسمونها في أهلها» (١)، وقال الإمام ابن قدامة - ﵀: «يعني العاملين على الزكاة وهم: السعاة الذين يبعثهم الإمام؛ لأخذها من أربابها، وجمعها، وحفظها، ونقلها، ومن يعينهم ممن يسوقها ويرعاها، ويحملها، وكذلك الحاسب، والكاتب، والكيَّال، والوزَّان، والعدَّاد، وكل من يحتاج إليه فيها؛ فإنه يُعطى أجرته منها؛ لأن ذلك من مؤنتها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>المسألة الثانية: نصيب العاملين عليها: من الزكاة</span>؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ فقد جعل الله تعالى للعاملين عليها نصيبًا منها - أي من الزكاة - فيعطى العامل على الزكاة بقدر أجرته من الزكاة، حتى لو كان غنيًّا، إلا إذا كان له مرتب من بيت مال المسلمين، فلا يُعطى من الزكاة؛ لأنه إنما أُعطي من الزكاة بقدر أجرته، وقد حصل ذلك له؛ وقد كان النبي - ﷺ - يبعث على الصدقة سعاة ويعطيهم عمالتهم (٣). ومن هذه الأحاديث حديث أبي حميد الساعدي في قصة استعمال النبي - ﷺ - ابن اللّتْبيّة (٤) ولا يجوز أن يكون العمال على الصدقة من أقرباء النبي - ﷺ - الذين تحرم عليهم الصدقة؛ لحديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه انطلق هو والفضل بن العباس\n_________\n(١) الشرح الممتع، ٦/ ٢٢٥.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٩/ ٣١٢.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٠٧، و٩/ ٣١٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٢٥، وفي كتاب الزكاة، باب قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة ٦٠] وكتاب الهبة، باب من لم يقبل الهدية، برقم ٢٥٩٧، ٦٦٣٦، ٦٩٧٩، وكتاب الأحكام، باب هدايا العمال، برقم: ٧١٧٤، وباب محاسبة الإمام عماله، برقم: ٧١٩٧، ومسلم، كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال، برقم: ١٨٣٢.","vol":"1","page":254},{"text":"يسألان رسول الله - ﷺ -؛ ليستعملهما على الصدقة، فقال أحدهما: يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدِّي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون، فقال لهما النبي - ﷺ -: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» .. ثم شفع لهما في النكاح فزوجهما، وأمر بالصداق لهما من الخمس، وفي رواية: «إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» (١) والمعنى أن هذه الصدقات تطهير لأموال الناس ونفوسهم، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فهي كغسالة الأوساخ (٢). ويجوز أن يكون عمال الصدقة من الأغنياء؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحل الصدقة لغنيٍّ إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين، فتصدق على المسكين فأهداها المسكينُ للغني» (٣)؛ ولحديث عبد الله بن السعدي أنه قدم على عمر بن الخطاب - ﵁ - في خلافته، فقال له عمر: ألم أحدّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا، فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر: ما تريد إلا ذلك؟ فقلت: إن لي أفراسًا، وأعبدًا، وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقةً على المسلمين، قال عمر: لا تفعل؛ فإني كنت أردتُ الذي أردتَ،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة، برقم ١٠٧٢.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٧٩.\n(٣) أبو داود، كتاب الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، برقم: ١٦٣٥، ١٦٣٦، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب من تحل له الصدقة برقم ١٨٤١، وأحمد، ٣٠/ ٩٧، برقم ١١٥٣٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٥٥، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١١٦، وإرواء الغليل، برقم ٨٧٠.","vol":"1","page":255},{"text":"وكان رسول الله - ﷺ - يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالًا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي - ﷺ -: «خذه فتموله وتصدق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف (١) ولا سائلٍ، فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك» (٢).\nوينبغي أن تكون أجرة العامل على الزكاة بقدر الكفاية (٣)؛ لحديث المستورد بن شدّاد - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا» قال أبو بكر: أُخبرت أن النبي - ﷺ - قال: «من اتخذ غير ذلك فهو غالٌّ أو سارقٌ» (٤)، وبوَّب ابن خزيمة ﵀ في صحيحه (باب إذن الإمام للعامل بالتزويج، واتخاذ الخادم، والمسكن، من الصدقة)، ثم ذكر حديث المستورد بن شداد - ﵁ - (٥)، وقد بين النبي - ﷺ - فضل العامل على الصدقة بالحق، فقال: «العامل على الصدقة بالحق: كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته» (٦).\nوحذَّر النبي - ﷺ - العمال من الغلول، فعن بريدة ابن الحصيب - ﵁ - عن\n_________\n(١) غير مشرف: غير متطلع إليه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأحكام، باب رزق الحكام والعاملين عليها، برقم ٧١٦٣، وبرقم: ٧١٦٤، وبرقم ١٤٧٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب جواز الأخذ بغير سؤال ولا تطلع، برقم ١٠٤٥.\n(٣) فقه السنة، ١/ ٣٨٧.\n(٤) أبو داود، كتاب الخراج، باب في أرزاق العمال، برقم ٢٩٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٣٠.\n(٥) صحيح ابن خزيمة، ٤/ ٧٠.\n(٦) أبو داود، كتاب الخراج، باب في السعاية على الصدقة، برقم ٢٩٣٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٢٨.","vol":"1","page":256},{"text":"النبي - ﷺ - قال: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا ثم أخذ بعد ذلك فهو غلول» (١) وعن أبي مسعود - ﵁ - قال: بعثني النبي - ﷺ - ساعيًا، ثم قال: «انطلق أبا مسعود ولا ألفينك يوم القيامة تجيء وعلى ظهرك بعير من إبل الصدقة له رُغاءٌ قد غَلَلْتَه» قال: إذًا لا أنطلق! قال: «إذًا لا أُكرهكَ» (٢) والله ﷾ الموفق (٣).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويُعطى منها: أجر الحاسب، والكاتب، والحاشر، والخازن، والحافظ، والراعي، ونحوهم، فكلهم معدودون من العاملين، ويدفع إليهم من حصة العاملين عليها، فأما أجر الوزَّان والكيَّال؛ ليقبض الساعي الزكاة فعلى ربِّ المال؛ ولأنه من مؤنة دفع الزكاة» (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>المسألة الثالثة: فضل الصدق والأمانة في حفظ الصدقة:</span>\nعن أبي موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «الخازن، المسلم، الأمين الذي يُعطي ما أمر به: كاملًا، موفَّرًا، طيبةً به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به، أحد المتصدقين» (٦) وهذه الأوصاف لابد من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الخراج، بابٌ في أرزاق العمال، برقم ٢٩٤٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٣٠.\n(٢) أبو داود، كتاب الخراج، بابٌ في غلول الصدقة، برقم ٢٩٤٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،٢/ ٢٣٢.\n(٣) انظر: بقية أحاديث عمال الصدقة في زكاة بهيمة الأنعام للمؤلف في فقرة عمال الصدقة الذين يرسلهم الإمام، ص٤٩ - ٥٤.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٠٨.\n(٥) وانظر: زيادة التفصيل في أجرة العاملين عليها المغني، ٤/ ١٠٧ - ١٠٩، ١٣٠، و٩/ ٣١٢ - ٣١٥.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسدٍ، برقم: ١٤٣٨، وكتاب الإجارة، باب استئجار الرجل الصالح، برقم ٢٢٦٠، وكتاب الوكالة، باب وكالة الأمين في الخزانة ونحوها، برقم ٢٣١٩، ومن كتاب الزكاة، باب أجر الخازن الأمين، برقم ١٠٢٣.","vol":"1","page":257},{"text":"للخازن؛ فإنه إن لم يكن مسلمًا لم تصح منه نية التقرب، وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة، وإن لم تكن نفسه بذلك طيبة لم يكن له نية، فلا يؤجر، ومعنى قوله: «أحد المتصدقين» بالتثنية، ومعناه أن الخازن بما فعل متصدق، وصاحب المال متصدق آخر، فهما متصدقان، ويصح أن يقال: على الجمع، فتكسر القاف «المتصدقين» ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين (١) وقد تقدم قول النبي - ﷺ -: «العامل على الصدقة بالحق: كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>المصرِف الرابع: المؤلفة قلوبهم، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>المسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-386> مفهوم المؤلفة قلوبهم لغة </span>واصطلاحًا:</span>\nمفهوم المؤلفة قلوبهم لغة: يقال ألفتُ الشيء، وألِفْتُ فلانًا: إذا أنسِتُ به، وألَّفتُ بينهم: إذا جمعت بينهم بعد تفرُّقٍ، وألَّفتُ الشيء تأليفًا: إذا وصلت بعضه ببعض، ومنه تأليف الكتب، والإلف: الأليف، وتألفه على الإسلام، ومنه المؤلفة قلوبهم، أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بتألفهم: أي بمقاربتهم وإعطائهم؛ ليرغِّبوا مَنْ وراءهم في الإسلام، وعلى هذا فالمؤلفة قلوبهم جمع مؤلف، من التأليف، وهو جمع القلوب (٣).\n_________\n(١) نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٧٦.\n(٢) أبو داود، برقم ٢٩٣٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٢٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) لسان العرب، باب الفاء، فصل الألف، ٩/ ١٠ - ١١، وانظر: مصارف الزكاة، وتمليكها، ص٢٣٩.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>مفهوم المؤلفة قلوبهم اصطلاحًا: </span>المؤلفة قلوبهم: جمع مؤلف: وهو السيد المطاع في عشيرته، ممن يُرجى إسلامه، أو كف شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>المسألة الثانية: أقسام المؤلفة قلوبهم، وأنواعهم:</span>\nالمؤلفة قلوبهم قسمان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>القسم الأول: كفار، وهم نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>النوع الأول: من يُخشى شره</span>، ويُرْجى بعطيته كفّ شره، وكف شر غيره معه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>النوع الثاني: من يُرجى إسلامه</span>، فيعطى؛ لتقوى نيته في الإسلام، وتميل نفسه إليه فيسلم، ومن هذا النوع ما فعله رسول الله - ﷺ - مع صفوان؛ فإنه - ﷺ - غزا غزوة فتح مكة، ثم خرج - ﷺ - بمن معه من المسلمين، وأعطى رسول الله - ﷺ - يومئذ صفوان بن أمية: مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، قال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ (٢).\nوقال أنس - ﵁ -: «إن كان الرجل يسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» (٣).\nوعنه - ﵁ - قال: «ما سُئِل رسول الله - ﷺ - على الإسلام شيئًا إلا أعطاه،\n_________\n(١) انظر: الروض المربع، ٣/ ٣١٤، والكافي لابن قدامة، ٢/ ١٩٧.\n(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، برقم ٢٣١٣.\n(٣) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما آنفًا، برقم ٥٨ - (٢٣١٢).","vol":"1","page":259},{"text":"فجاء رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>القسم الثاني: المسلمون وهم أربعة أنواع:</span>\nالنوع الأول: قومٌ من سادات المسلمين لهم نظراء من الكفار، ومن المسلمين الذين لهم نية حسنة في الإسلام، فإذا أعطوا رُجي إسلام نظرائهم وحُسنُ نيَّاتهم، فيجوز إعطاؤهم.\nالنوع الثاني: قومٌ في طرف بلاد الإسلام إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين.\nالنوع الثالث: قومٌ إذا أعطوا جبوا الزكاة ممن لا يعطيها إلا أن يخاف، فكل هؤلاء يعطون من الزكاة؛ لأنهم من المؤلفة قلوبهم، فيدخلون في عموم الآية.\nالنوع الرابع: قومٌ ساداتٌ مطاعون في قومهم، يُرجى بعطيتهم قوة إيمانهم، ومناصحتهم في الجهاد؛ فإنهم يعطون؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه» (٢)؛ ولذلك كان - ﷺ - «يعطي رجالًا من قريش مائة من الإبل» وقال في ذلك: «إني لأعطي رجالًا حديثٌ عهدهم بكفر» (٣).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، قال: بعث عليٌّ - ﵁ - وهو باليمن بذهيبةٍ إلى رسول الله - ﷺ - فقسمها رسول الله - ﷺ - بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس\n_________\n(١) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، برقم ٢٣١٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، برقم ٢٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تأليف قلب من يخاف على إيمانه؛ لضعفه، برقم: ١٥٠.\n(٣) البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم، برقم: ٣١٤٧.","vol":"1","page":260},{"text":"الحنظلي، وعُيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إني إنما فعلت ذلك؛ لأتألفهم» (١).\nوعن عمرو بن تغلب - ﵁ - قال: أعطى رسول الله - ﷺ - قومًا ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحبُّ إليَّ من الذي أُعطي، ولكني أعطي أقوامًا؛ لِمَا أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأَكِلُ أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب» قال عمرو: فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله - ﷺ - حُمْرُ النَّعَم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>المسألة الثالثة: نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة</span>، يُعطى المؤلفة قلوبهم من الزكاة ما يحصل به التأليف؛ لترغيبهم في الإسلام، أو كف شرهم، أو قوة إيمانهم، أو إسلام نظيرهم؛ لدخولهم في عموم قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف، ٦٥ برقم ٣٣٤٤، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم: ١٠٦٤.\n(٢) البخاري، كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد، برقم ٩٢٣، وكتاب فرض الخمس باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس برقم ٣١٤٥، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج، الآيات: ١٩ - ٢١] برقم: ٧٥٣٥.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(٤) انظر: المغني، لابن قدامة، ٩/ ٣١٦ - ٣١٨، و٤/ ١٣٠، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣١٥، والمقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٧/ ٢٣١، والكافي، ٢/ ١٩٧، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٧، وكتاب الفروع، لابن مفلح، ٤/ ٣٢٩ - ٣٣٠، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٥/ ٤٠، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ١٠/ ٢٧.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>المصرف الخامس: في فَكِّ الرقاب وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>المسألة الأولى: مفهوم الرقاب<span data-type=\"title\" id=toc-396> لغة </span>واصطلاحًا:</span>\nلغة: الرقاب الرقبة مؤخرة أصل العنق، وجمعها: رقبٌ، ورقباتٌ، ورقاب، والرقبة أيضًا المملوك (١)، وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ هو على حذف مضاف: أي وفي فك الرقاب (٢).\nقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: «قد تكرر في الحديث ذكر الرقبة: وعتقها، وتحريرها، وفكها، وهي في الأصل العنق، فجعلت كناية عن جميع الإنسان، تسمية للشيء ببعضه، فإذا قال: أعتق رقبةً، فكأنه قال: أعتق عبدًا أو أمةً، ومنه حديث قسم الصدقات. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ يريد المكاتبين من العبيد، يعطون نصيبًا من الزكاة، يفكون به رقابهم، ويدفعونه إلى مواليهم (٣) والمعنى: وتصرف الزكاة في فك الرقاب».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>مفهوم الرقاب اصطلاحًا: </span>﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: هم المكاتبون المسلمون: (٤) «الذين اشتروا أنفسهم من ساداتهم بثمنٍ مؤجل يُؤَدَّى\n_________\n(١) مختار الصحاح، مادة (رقب)، ص١٠٦.\n(٢) المصباح المنير، ١/ ٢٣٤.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، ٢/ ٢٤٩.\n(٤) المكاتب: الكتابة: أن يكاتب الرجل عبده، على مالٍ يؤديه إليه منجمًا مقسطًا فإذا أدَّاه صار حرًّا، وسميت كتابة؛ لمصدر كتب كأنه يكتب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب مولاه له عليه العتق، وقد كاتبه مكاتبة، والعبد مكاتب [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٤/ ١٤٨].","vol":"1","page":262},{"text":"منجَّمًا [مقسطًا] إلى ساداتهم، وهم يسعون إلى تحصيل هذا المال؛ لفكِّ رقابهم، ويدخل في عموم الرقاب: شراء الرقاب المملوكة وإعتاقها، وفك الأسرى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ ولقول ابن عباس ﵄: «يُعتقُ من زكاة ماله، ويعطى في الحج» (١). فظهر من هذا أنه يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: المكاتب المسلم، الذي اشترى نفسه من سيده بدين مؤجل.\nالنوع الثاني: الأسير المسلم، الذي وقع في قبضة الكفار.\nالنوع الثالث: المملوك المسلم، الذي دخل في الرق (٢)، فكل هؤلاء يدخلون في عموم قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ على القول الصحيح من أقوال أهل العلم (٣)، وقد سمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله\n_________\n(١) البخاري معلقًا، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قبل الحديث رقم ١٤٦٨، قال العلامة الألباني ﵀ في مختصر صحيح البخاري له، ١/ ٤٣٣: «وصله أبو عبيد في الأموال بسندٍ جيد عنه».\n(٢) المغني، لابن قدامة،٩/ ٣١٩، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٢٣٦، وكتاب الفروع، لابن مفلح، ٤/ ٣٣٠، والكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٦٩، والشرح الممتع، ٦/ ٣٣١، والإقناع لطالب الانتفاع، ١/ ٤٧٢، ومنتهى الإرادات، ١/ ٥١٩، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣١٥، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٨، وجامع البيان، للطبري، ١٤/ ٣١٧، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، ص٦١٦، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ٨/ ١٦٩، وتفسير السعدي، ص٣٤١، ونيل الأوطار، الشوكاني، ٣/ ٧٨.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في المقصود بالرقاب، بينها العلماء على النحو الآتي:\nقال الإمام الطبري ﵀: «والصواب من القول في ذلك عندي، قول من قال: «عنى بالرقاب في هذا الموضع، المكاتبون؛ لإجماع الحجة على ذلك؛ فإن الله جعل الزكاة حقًا واجبًا على من أوجبها عليه في ماله يخرجها منه، لا يرجع إليه منها نفع من عرض الدنيا، ولا عِوض، والمعتق رقبة منها راجع إليه ولاء من أعتقه، وذلك نفع يعود إليه منها» [جامع البيان ١٤/ ٣١٧].\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في ثبوت سهم الرقاب، ولا يختلف المذهب في أن المكاتبين من الرقاب يجوز صرف الزكاة إليهم، وهو قول الجمهور، وخالفهم مالك، فقال: إنما يصرف سهم الرقاب في إعتاق العبيد، ولا يعجبني أن يعان منها مكاتب، وخالف أيضًا ظاهر الآية؛ لأن المكاتب من الرقاب؛ لأنه عبدٌ، واللفظ عام فيدخل في عمومه ... واختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في جواز الإعتاق من الزكاة، فروي عنه جواز ذلك، وهو قول ابن عباس، والحسن، والزهري، ومالك، وإسحاق، وأبي عبيد، والعنبري، وأبي ثور؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهو متناول للقن، بل هو ظاهر فيه؛ فإن الرقبة إذا أطلقت انصرفت إليه ... الرواية الأخرى: لا يجوز، وهو قول: إبراهيم، والشافعي؛ لأن الآية تقتضي صرف الزكاة إلى الرقاب ... وفي موضع آخر أنه قال: يعين من ثمنها فهو أسلم، وقد روي نحو هذا عن النخعي، وسعيد بن جبير؛ فإنهما قالا: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة، ولكن يعطي منها في رقبةٍ، ويعين مكاتبه، وبه قال أبو حنيفة، وصاحباه؛ لأنه إذا أعتق من زكاته انتفع بولاءِ من أعْتقَ، فكأنه صرف الزكاة إلى نفسه، وأخذ ابن عقيل من هذه الرواية: أن أحمد رجع عن القول بالإعتاق من الزكاة، وهذا والله أعلم من أحمد على سبيل الورع، فلا يقتضي رجوعًا؛ لأن العلة التي تتملَّك بها جرِّ الولاء، ومذهبه أن ما رجع من الولاء ردَّ في مثله، فلا ينتفع إذًا بإعتاقه من الزكاة؛ [ولهذا قال الخرقي ﵀: فما رجع من الولاء رد في مثله] قال ابن قدامة ﵀: يعني يُعتق به أيضًا، وبهذا قال الحسن وإسحاق، وقال أبو عبيد: الولاء للمعتق؛ لقول النبي - ﷺ -: «إنما الولاء لمن أعتق» [متفق عليه: البخاري، برقم: ٢١٦٨، ومسلم، برقم: ١٥٠٤] وقال مالك: ولاؤه لسائر المسلمين؛ لأنه مال مستحق له، أشبه مال من لا وارث له، وقال العنبري: يجعله في بيت المال للصدقات؛ لأن عتقه من الصدقة فولاؤه يرجع إليها؛ ولأن عتقه بمالٍ وهو لله .. وقد روي عن أحمد ما يدل على أن الولاء له، وقد سبق ذلك في باب الولاء [المغني لابن قدامة، بتصرف يسير،٩/ ٣١٩ - ٣٢٢.\nوقال الإمام ابن كثير ﵀: «وأما الرقاب فروي عن الحسن البصري، ومقاتل بن حيان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والنخعي، والزهري، وابن زيد، أنهم: المكاتبون، وروي عن أبي موسى الأشعري نحوه، وهو قول: الشافعي، والليث ﵄، وقال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب أحمد ومالك، وإسحاق، أي: إن الرقاب أعم من أن يعطى المكاتب، أو يشتري رقبةً فيعتقها استقلالًا» [تفسير القرآن العظيم ص٦١٦].\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقد اختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فقيل: المراد شراء الرقبة لتعتق، وهو قول ابن القاسم عن مالك، واختيار أبي عبيد، وأبي ثور، وإسحاق، وإليه مال البخاري، وابن المنذر، وقال أبو عبيد: أعلى ما جاء فيه قول ابن عباس وهو أولى بالاتباع، وأعلم بالتأويل، وروى ابن وهب عن مالك: أنها في المكاتب، وهو قول الشافعي، والليث، والكوفيين، وأكثر أهل العلم، ورجحه الطبري، وفيه قول ثالث: أن سهم الرقاب يجعل نصفين: نصف لكل مكاتب يدعي الإسلام، ونصف يشترى بها رقاب ممن صلى وصام أخرجه ابن أبي حاتم وأبو عبيد في الأموال، بإسناد صحيح عن الزهري أنه كتب ذلك لعمر بن عبد العزيز [فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٣٣٢.","vol":"1","page":263},{"text":"ابن باز ﵀ يقول: «والمقصود بالرقاب: إعتاقها بشرائها، وإعتاق المكاتب من الزكاة، وإعتاق الأسرى» (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>المسألة الثانية: فضل إعتاق الرقاب </span>جاء في الكتاب والسنة، قال الإمام ابن كثير ﵀: «وقد ورد في ثواب الإعتاق، وفك الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضوٍ عضوًا من معتقها، حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا؛ لأن الجزاء من جنس العمل ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣) (٤) ومن الأدلة التي ترغب في الإعتاق وفضله ما يأتي:\n١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٥)؟\n﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة: من فك الرقاب وإطعام السغبان، فيكون خيرًا له من عداوة محمد *، هذا قول ابن زيد وجماعة، وقيل: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة هنا مثلٌ\n_________\n(١) سمعته أثناء تقرير على صحيح البخاري، باب قول الله تعالى: (وفي الرقاب ...)، قبل الحديث رقم: ١٤٦٨ ..\n(٢) انظر: مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٠/ ٣٢.\n(٣) سورة الصافات، الآية: ٣٩.\n(٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ص٦١٦.\n(٥) سورة البلد، الآيات: ١١ - ١٦.","vol":"1","page":265},{"text":"ضربه الله لمجاهدة: النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، تقول: لم يحمل على نفسه المشقة، بعتق الرقبة والإطعام، وهذا معنى قول قتادة، وقيل: إنه شبَّه ثِقل الذنوب على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة، وأطعم كان كمن اقتحم العقبة، وجاوزها، وقيل غير ذلك (١) قال العلامة السعدي ﵀: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي لم يقتحمها ويعبر عليها؛ لأنه متبع لشهواته، وهذه العقبة شديدة عليه، ثم فسر [هذه] العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي فكها من الرق بعتقها أو مساعدتها على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار) (٢) وقال قتادة: إنها عقبة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها، فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (٣).\n٢ - ولعظيم أجر عتق الرقاب جعلها الله تعالى: من كفارة القتل (٤) وكفارة اليمين (٥) وكفارة الظهار (٦). وجعلها النبي - ﷺ - من كفارة الوطء في نهار رمضان (٧).\n٣ - وجعلها الله تعالى من أعمال البر والتقوى (٨).\n_________\n(١) تفسير البغوي ٤/ ٤٨٩.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٩٢٥.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٤٣٦.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٩٥.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ٨٩.\n(٦) سورة المجادلة، الآية: ٣.\n(٧) البخاري، كتاب كفارات الأيمان، باب من أعان المعسرفي الكفارة، برقم ٦٧١٠.\n(٨) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.","vol":"1","page":266},{"text":"٤ - جاءت الأحاديث الكثيرة جدًّا في الترغيب في ذلك منها ما يأتي:\nالحديث الأول: عن البراء بن عازب - ﵁ -، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: «لئن أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة: أعتق النسمة، وفك الرقبة» فقال: يا رسول الله! أو ليستا واحدة؟ فقال: «لا، عتق النسمة أن تفرَّد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها ...» (١).\nالحديث الثاني: عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» (٢).\nالحديث الثالث: عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضوٍ منه عُضْوًا من النار، حتى فرجه بفرجه». قال سعيد بن مرجانة: «فانطلقت به إلى علي بن الحسين فعمد علي بن الحسين ﵄ إلى عبدٍ له قد أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار فأعتقه» (٣).\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني، واللفظ له، كتاب الزكاة، باب الحث على إخراج الصدقة، وبيان قسمتها، برقم١، وأحمد في المسند، ٣/ ٦٠٠، برقم ١٨٤٧، وقال محققو المسند: «إسناده صحيح».\n(٢) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في الجهاد، والناكح، والمكاتب وعون الله إياهم، برقم ١٦٥٥، والنسائي كتاب النكاح، باب معونة الله الناكح الذي يريد العفاف، برقم ٣٢١٨، وأحمد، ٢/ ٤٢٧، والألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٣٦، وقال ابن باز في حاشية على بلوغ المرام، التعليق على الحديث رقم ٣٨٢: «بسند جيد أي عند النسائي».\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب كفارات الأيمان، باب قول الله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة ٨٩] وأي الرقاب أزكى، برقم ٦٧١٥، وكتاب العتق، باب في العتق وفضله، وقوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد، ١٣ - ١٥]. برقم ٢٥١٧، ومسلم، كتاب العتق، باب فضل العتق، برقم ٢٤ ١٥٠٩.","vol":"1","page":267},{"text":"الحديث الرابع: عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي - ﷺ - قال: «أيما امرئ مسلمٍ أعتق امرأً مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزىء كل عضوٍ منه عضوًا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزئ كل عضوٍ منهما عضوًا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، يجزيء كل عضوٍ منها عضوًا منها» (١).\nالحديث الخامس: عن أبي ذر - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ -: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيله» قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها» قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعًا أو تصنع لأخرق» قال: فإن لم أفعل؟ قال: «تدع الناس من شرك؛ فإنها صدقة تصدق بها على نفسك» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>المسألة الثالثة: نصيب الرقاب من الزكاة على النحو الآتي:</span>\n١ - المكاتب المسلم: يدفع إلى المكاتب جميع ما يحتاج إليه؛ لوفاء كتابته؛ فإن لم يكن معه شيء جاز أن تدفع إليه جميعها، وإن كان معه شيء تُمِّمَ له ما يتخلّصُ به؛ لأن حاجته لا تندفع إلا بذلك، ولا يدفع إلى من معه وفاء كتابته شيء؛ لأنه مستغنٍ عنه في وفاء الكتابة، ويجوز أن يدفع إليه في\n_________\n(١) الترمذي، كتاب النذور، باب ما جاء في فضل من أعتق، برقم ١٥٤٧، وابن ماجه، كتاب العتق، باب العتق، برقم ٢٥٢٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٨١، وجاء في سنن أبي داود، من حديث كعب بن مرة، برقم ٣٩٦٧.\n(٢) متفق عليه، البخاري، كتاب العتق، باب أي الرقاب أفضل، برقم ٢٥١٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أفضل الأعمال، برقم ٨٤.","vol":"1","page":268},{"text":"كتابته قبل حلول النجم [القسط]؛ لئلا يحل النجم [القسط] ولا شيء معه، فتنفسخ الكتابة (١).\n٢ - إعتاق الرقيق: فيعتق من زكاة ماله الرقيق المسلم، فيدفع ثمنه لسيده (٢).\n٣ - الأسير المسلم: فك الأسير المسلم من الزكاة، فيدفع لمن هو بيده من الكفار ما يفك به الأسير (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>المصرف السادس: الغارمون، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>المسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-402> مفهوم الغارمين لغة </span>واصطلاحًا</span>.\nمفهوم الغارمين لغة: غَرِم يغرم غرمًا، والغرم: الدين، ورجل غارم: عليه دين، وقوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ (٤)، قال الزجاج: الغارمون الذين لزمهم الدين في الحمالة، وقيل: هم الذين لزمهم الدين في غير معصية، والغريم الذي له الدين، والذي عليه الدين جميعًا، والجمع غرماء (٥). والغارمون جمع غارم، إذًا: الغرم في اللغة اللزم، وسمي الغارم غارمًا؛ لأن الدين لزمه، ويطلق الغريم على الدائن\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٩/ ٣١٩.\n(٢) نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٧٨.\n(٣) الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٥٦، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٠/ ٣٢، والمغني، ٩/ ٣٢١.\n(٤) سورة التوبة: الآية ٦٠.\n(٥) لسان العرب، باب الميم، فصل الغين،١٢/ ٤٣٦،والمصباح المنير،٢/ ٤٤٦، ومختار الصحاح، ص١٩٨.","vol":"1","page":269},{"text":"لملازمته المدين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>مفهوم الغارمين اصطلاحًا: </span>الغارمون: هم المدينون العاجزون عن وفاء ديونهم (٢).\nوقيل: الغارمون: هم الذين تدينوا للإصلاح بين الناس، أو تديَّنوا لأنفسهم وأعسروا؛ لدخولهم في قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>المسألة الثانية: أنواع الغارمين على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>النوع الأول: غارم لإصلاح ذات البين: </span>أي إصلاح حال الوصل، أو ما يحتاج إلى الوصل، وقيل: إصلاح القطع، فالبين: الوصل أو القطيعة (٥).\nفالغارم لإصلاح ذات البين: هو من يحمل ديةً، أو مالًا؛ لتسكين فتنة، أو إصلاح بين طائفتين، فيُدفع إليه من الصدقة ما يُؤدِّي حمالته؛ ولو كان غنيًّا. فيكون الغارم لإصلاح ذات البين على ثلاثة أحوال:\nالحال الأول: يتحمَّل مالًا في ذمته للإصلاح.\nالحال الثاني: يقترض ويدفع للإصلاح.\nالحال الثالث: يدفع من ماله بنِيَّة الأخذ من الزكاة بدلًا من ذلك (٦).\n_________\n(١) انظر: مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، ص٦٠٦.\n(٢) المغني، لابن قدامة، ٩/ ٣٢٣.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(٤) منار السبيل، ١/ ٢٦٨.\n(٥) الكافي، ٢/ ٢٠٠، والشرح الممتع، لابن عثيمين، ٦/ ٢٣٣.\n(٦) الكافي، ٢/ ٢٠٠، والشرح الممتع، لابن عثيمين، ٦/ ٢٣٣.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>النوع الثاني: الغارم لنفسه في مباح</span>، العاجز عن الوفاء، فهذا يُعطى من الزكاة ما يقضي دينه، لكن إن غرم في معصية لم يُدْفع إليه قبل التوبة شيء؛ لأن الدفع إليه في هذه الحالة إعانة على المعصية، وقيل: لا يُعطى مطلقًا؛ لأن استدانته في المعصية ولا يؤمن أن يعود للاستدانة في المعاصي ثقة منه بأن دينه سيُقضى، بخلاف من أتلف ماله في المعاصي؛ فإنه يعطى لفقره لا لمعصيته (١).\nوالأدلة على جواز دفع الزكاة في النوعين المذكورين آنفًا كثيرة، منها حديث قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: تحمَّلتُ حمالةً، فأتيت رسول الله - ﷺ - أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» قال: ثم قال: «يا قبيصة إن المسألة لا تَحِلُّ إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة (٢). اجتاحت (٣) ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا (٤) من عيش أو قال: سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة (٥) حتى يقوم (٦) ثلاثة من ذوي الحجا (٧) من قومه\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة ٩/ ٣٢٣، والكافي له، ٢/ ٢٠٠.\n(٢) الجائحة: الآفة التي تهلك الثمار والأموال، وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة وفتنة مبيرة: جائحة، والجمع جوائح، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ٣١١ - ٣١٢.\n(٣) اجتاحت: أهلكت ماله.\n(٤) القِوام والسداد بمعنى واحد، وهو ما يغني من الشيء، وما تسد به الحاجة، وكل شيء، سددت به شيئًا فهو سِداد بالكسر، ومنه سِداد الثغر، وسداد القارورة، وقولهم: سداد من عوز، [شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٣٩].\n(٥) فاقة: الفاقة: الحاجة والفقر. النهاية في غريب الحديث، ٣/ ٤٨٠.\n(٦) حتى يقوم ثلاثة: يقومون بهذا الأمر فيقولون لقد أصابته فاقة. شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٣٩.\n(٧) الحجى: العقل. شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٣٩.","vol":"1","page":271},{"text":"فيقولون: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قِومًا من عيش أو قال: سدادًا من عيش، فما سواهنَّ من المسألة يا قبيصة سحتًا (١)، يأكلها صاحبها سحتًا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>المسألة الثالثة: نصيب الغارمين من الزكاة</span>، يعطون بقدر حاجتهم في قضاء ما عليهم من الديون، سواء كان الغارم قد أصلح بين الناس، وأعطى مالًا بنية الأخذ من الزكاة، أو اقترض، أو تحمَّل ذلك في ذمته، فيُعطى ولو كان غنيًّا تشجيعًا له على الخير، أو كان الغارم لنفسه ولم يستطع الوفاء، فيعطى من الزكاة ما يقضي دينه (٣) (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>المصرف السابع: في سبيل الله تعالى، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>المسألة الأولى: مفهوم في سبيل الله لغة واصطلاحًا:</span>\n_________\n(١) السحت: الحرام.\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب من تحل له المسألة، برقم ١٠٤٤.\n(٣) الكافي، لابن قدامة، ٢/ ٢٠٠، والمغني، ٩/ ٣٢٣، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣١٧ - ٣١٨.\n(٤) وإذا أراد الرجل دفع زكاته إلى الغارم فله أن يسلمها إليه؛ ليدفعها إلى غريمة، وإن أحب أن يدفعها إلى غريمه قضاءً عن دينه فعن أحمد روايتان: إحداهما يجوز ذلك؛ لأنه دفع الزكاة في قضاء دينه، فأشبه ما لو دفعها إليه فقضى بها دينه، والرواية الثانية: لا يجوز دفعها إلى الغريم، قال أحمد: أحب إليَّ أن تدفع إليه حتى يقضي هو عن نفسه، قيل: هو محتاج يخاف أن يدفعه إليه فيأكله، ولا يقضي دينه، قال: فقل له: يوكِّلُه حتى يقضيه، فظاهر هذا أنه لا يدفع الزكاة إلى الغريم إلا بوكالة الغارم؛ لأن الدين إنما هو على الغارم فلا يصح قضاؤه إلا بتوكيله، ويحتمل أن هذا على الاستحباب، ويكون قضاؤه جائزًا، وإن كان دافع الزكاة الإمام جاز أن يقضي بها دينه من غير توكيله؛ لأن للإمام ولاية عليه في إيفاء الدين؛ ولهذا يجبره عليه إذا امتنع منه. [المغني لابن قدامة، ٩/ ٣٢٥ - ٣٢٦].","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>لغة: </span>السبيل في الأصل الطريق، ويُذَكَّرُ ويُؤنَّث، والتأنيث فيها أغلب، وسبيل الله عام يقع على كل عمل خالص سُلِكَ به طريق التقرب إلى الله تعالى: بأداء الفرائض، والنوافل، وأنواع التطوعات، وإذا أُطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد، حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>اصطلاحًا: </span>﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: وفي النفقة في نصرة دين الله، وطريقه، وشريعته التي شرعها لعباده بقتال أعدائه، وذلك هو غزو الكفار (٢) فالمقصود: الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم أو لهم ديوان لا يكفيهم (٣). والمقصود: لاحق لهم في الديوان، ولا رواتب. قال الإمام ابن قدامة ﵀: «هم الغزاة الذين لاحق لهم في الديوان، إذا نشطوا غزوا» (٤). قال الإمام ابن مفلح: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهم الغزاة الذين لاحق لهم في الديوان؛ لأن من له رَزقُ راتب يكفيه مستغنٍ بذلك» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>المسألة الثانية: نصيب الغزاة في سبيل الله </span>من الزكاة: يعطون من الزكاة ما يشترون به السلاح، والدواب، والنفقة لهم ولعيالهم، حتى ولو كانوا أغنياء؛ لأنهم يأخذون لمصلحة المسلمين، بشرط أن لا يكون لهم رَزقٌ من بيت المال يكفيهم (٦)؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ -، قال: قال رسول\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ٢/ ٣٣٨.\n(٢) جامع البيان، للطبري، ١٤/ ٣١٩.\n(٣) المغني، ٩/ ٣٢٦، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣١٩، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٢٤٧.\n(٤) الكافي، لابن قدامة، ٢/ ٢٠١.\n(٥) الفروع، لابن مفلح، ٤/ ٣٤٥.\n(٦) المغني، لابن قدامة، ٩/ ٣٢٦، ٣٢٧، والكافي، ٢/ ٢٠١، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣١٩، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢٤٧، وتفسير السعدي، ص٣٤١، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٩.","vol":"1","page":273},{"text":"الله - ﷺ -: «لا تحل الصدقة لغنيٍّ إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارمٍ، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني» (١).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «... الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: محتاج إليها: كالفقراء، والمساكين، وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه المسلمون: كالعامل، والغازي، والمؤلف، والغارم لإصلاح ذات البين» (٢) (٣).\n_________\n(١) أبو داود، برقم ١٦٣٥، ١٦٣٦، وابن ماجه، برقم ١٨٤١، وأحمد، برقم ١١٥٣٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٥٥، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ١١٦، وإرواء الغليل، برقم ٨٧٠، وتقدم تخريجه في مصرف العاملين عليها.\n(٢) المغني، لابن قدامة، ٩/ ٣٢٩.\n(٣) اختلف العلماء ﵏: هل يعطى في الحج من الزكاة؟ على قولين: القول الأول: قال الإمام الخرقي ﵀: «ويعطى أيضًا في الحج وهو من سبيل الله» قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويروى هذا عن ابن عباس، وعن ابن عمر «الحج من سبيل الله» وهو قول إسحاق ...».\nالقول الثاني: رواية عن أحمد، أنه لا يصرف من الزكاة في الحج، وبه قال: مالك، والليث، وأبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، قال الإمام ابن قدامة: «وهذا أصح» واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فالمراد به عند الإطلاق الجهاد. واستدل أهل القول الأول بآثار وأحاديث منها حديث أم معقل، وفيه أنها قالت: يا رسول الله إن عليَّ حجة وإن لأبي معقلٍ بكرًا، قال أبو معقل: صدقة جعلته في سبيل الله، فقال: رسول الله - ﷺ -: «أعطها فلتحج عليه، فإنه في سبيل الله» [أبو داود، برقم ١٩٨٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٥٦] وفي رواية: أن النبي - ﷺ - قال لها: «فهلا خرجت عليه؛ فإن الحج في سبيل الله» [أبو داود، برقم ١٩٨٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٥٧].\nوعن ابن عباس ﵄ قال: أراد رسول الله - ﷺ - الحج فقالت امرأة لزوجها: احجَّني مع رسول الله - ﷺ - على جملك؛ فقال: ما عندي ما أحجّك عليه، قالت: أحجني على جملك فلان، قال: ذاك حبيس في سبيل الله - ﷿ -، فأتى رسول الله - ﷺ - ....» الحديث وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله» [أبو داود، برقم ١٩٩٠، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٥٧: «حسن صحيح» واحتجوا بقول ابن عباس ﵄ في صحيح البخاري معلقًا، قال: «يعتق من زكاة ماله ويُعطى في الحج» [البخاري مع الفتح، ٣/ ٢٣١، قال الألباني في مختصر صحيح البخاري، ١/ ٤٣٣: «وصله أبو عبيد في الأموال بسند جيد عنه»، ومن الآثار في ذلك ما أخرجه البخاري معلقًا عن الحسن «.... ويعطي في المجاهدين، والذي لم يحج [أي من الزكاة]» البخاري مع الفتح، ٣/ ٣٣١، وقال الحافظ ابن حجر: «هذا صحيح عنه» [فتح الباري، ٣/ ٣٣١] وذكر الحافظ ابن حجر: «وقال ابن عمر: أما إن الحج من سبيل الله» أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح عنه [فتح الباري، ٣/ ٣٣٢] وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، قبل الحديث رقم ١٤٦٨، يقول: على قول ابن عباس: «أما الحج فقال بعضهم كما ههنا: إنه من الجهاد في سبيل الله. فيجوز دفع الزكاة في الحج، وهو الأظهر؛ لأن الحج جهاد في سبيل الله».\nوفي الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٥٦، قوله: «ومن لم يحج حجة الإسلام وهو فقير أُعطي ما يحج به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد».\nوقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في مجموع فتاوى اللجنة، ١٠/ ٣٨: «يجوز صرف الزكاة في إركاب فقراء المسلمين لحج فريضة الإسلام، ونفقتهم فيه؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من آية مصارف الزكاة وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء».\nعضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس\nعبد الله بن القعود ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز\nوانظر: المغني: لابن قدامة، ٩/ ٣٢٨، وفتح الباري، ٣/ ٣٣٢، والمقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٧/ ٢٤٨، والكافي، ٢/ ٢٠١، والفروع لابن مفلح، ٤/ ٣٤٥.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>المصرف الثامن: ابن السبيل، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>المسألة الأولى: مفهوم ابن السبيل<span data-type=\"title\" id=toc-415> لغة </span>واصطلاحًا</span>.\nلغة: السبيل في الأصل: الطريق، وابن السبيل: هو المسافر كثير","vol":"1","page":275},{"text":"السفر، سُمِّيَ ابنًا لها لملازمته إياها (١)، وابن السبيل المسافر البعيد عن منزله، نسب إلى السبيل لممارسته إياه، ويستعمل السبيل لكل ما يتوصل به إلى الشيء خيرًا كان أو شرًّا (٢) وهو الذي يسافر فيجتاز من بلدٍ إلى بلدٍ بعيد عن بلده.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-416>اصطلاحًا: </span>ابن السبيل: هو المسافر الغريب المنقطع به في سفره عن أهله وماله، وليس له ما يرجع به إلى بلده، ولو كان غنيًّا في بلده، فأما المنشئ للسفر من بلده فليس بابن سبيل؛ لأن السبيل: الطريق (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>المسألة الثانية: نصيب ابن السبيل من الزكاة: </span>يُعطى منها ولو كان غنيًّا ما يوصله إلى بلده؛ للآية ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>رابعًا: نصيب كل مصرف من مصارف الزكاة على سبيل الإجمال على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>١ - كل صنف من أصناف أهل الزكاة يدفع إليه </span>ما تندفع به حاجته من غير زيادة: فالغارم، والمكاتب، يُعْطَى كل واحد منهما ما يقضي به دينه وإن كثر، وابن السبيل يُعْطَى ما يبلغه إلى بلده، والغازي يعطى ما يكفيه لغزوه، والعامل يُعْطَى بقدر أجرة عمله (٥).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، ٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩.\n(٢) مفردات القرآن للأصفهاني، ص٣٩٥.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٩/ ٢٣٠، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٢٥٢، وكتاب الفروع لابن مفلح، ٤/ ٣٤٨، والكافي، ٢/ ٢٠٢، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣٢١، ونيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٨١، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٩.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٣٠.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>٢ - أربعة أصناف يأخذون أخذًا مستقرًا</span>، فلا يُراعى حالهم بعد الدفع: وهم الفقراء، والمساكين، والعاملون، والمؤلفة قلوبهم، فمتى أخذوا ملكوها ملكًا دائمًا، مستقرًا لا يجب عليهم ردها بحال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>٣ - أربعة منهم: وهم الغارمون، وفي الرقاب</span>، وفي سبيل الله، وابن السبيل؛ فإنهم يأخذون أخذًا مراعىً، فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها، وإلا استرجع منهم، والفرق بين هذه الأصناف والتي قبلها: أن هؤلاء أخذوا لمعنىً لم يحصل بأخذهم للزكاة، والأولون حصل المقصود بأخذهم: وهو غنى الفقراء والمساكين، وتأليف المؤلفين، وأداء أجر العاملين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>٤ - أربعة يأخذون مع الغنى: </span>وهم الغازي، والعامل، والغارم للإصلاح، والمؤلَّف؛ لأنهم يأخذون لحاجة المسلمين إليهم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>٥ - قال السعدي ﵀: «المدفوع له نوعان:</span>\nنوع يُعطى لحاجته: كالفقراء والمساكين، وابن السبيل، والغارم لنفسه.\nونوع يُعطى لحاجة المسلمين إليه وعموم نفعه: كالعامل عليها، والمؤلفة قلوبهم، والغارم لإصلاح ذات البين، والإخراج في سبيل الله» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>٦ - إذا اجتمع في واحد من أهل الزكاة سببان </span>جاز أن يأخذ بكل واحد منهما منفردًا: كالفقير الغارم، يُعطى بهما جميعًا، فيعطى ما يقضي دينه، ثم يُعطى ما يغنيه ويسد حاجته (٣).\n_________\n(١) الكافي لابن قدامة، ٢/ ٢٠٢.\n(٢) إرشاد أولي البصائر للسعدي، ص ١٢٨.\n(٣) المغني، لابن قدامة، ٩/ ٢٣٦.","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>٧ - يستحب صرف الزكاة إلى الأقارب </span>المحتاجين الذين لا تلزم نفقتهم على صاحب المال؛ لحديث سلمان بن عامر عن النبي - ﷺ - قال: «إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>خامسًا: أصناف من لا يصح دفع الزكاة إليهم على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>١ - - الكفار إلا المؤلفة قلوبهم</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: «... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم ...» (٢) (فخصهم - ﷺ - بصرفها إلى فقرائهم كما خصهم بوجوبها على أغنيائهم، والمراد: أغنياء المسلمين، وفقرائهم (٣).\nقال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: «وأجمعوا على أنه لا يُعطى من زكاة المال أحد من أهل الذمة» (٤). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: «لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن زكاة الأموال لا تُعطى لكافرٍ ولا لمملوك» (٥) (٦).\n_________\n(١) النسائي، كتاب الزكاة، باب الصدقة على الأقارب، برقم ٢٥٨١، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة، برقم ٦٥٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٢٢٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٩٥، ومسلم، برقم ١٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) انظر: المغني، ٤/ ١٠٦، المقنع مع الشرح الكبير، والإنصاف، ٧/ ٢٨٤.\n(٤) الإجماع، لمحمد بن إبراهيم بن المنذر ص٥٦.\n(٥) المغني ٤/ ١٠٦، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف ٧/ ٢٨٤.\n(٦) وهل يعطى من الزكاة الكافر إذا كان عاملًا عليها، على روايتين في مذهب الإمام أحمد ﵀: الرواية الأولى لا يجوز استعمال الكافر على الزكاة؛ لأنه يشترط في العامل على الزكاة، أن يكون: بالغًا، عاقلًا، أمينًا، مسلمًا، والعمال على الزكاة تشترط لهم الأمانة فاشترط له الإسلام كالشهادة؛ ولأنه ولاية على المسلمين، فلم يجز أن يتولاها الكافر كسائر الولايات؛ لأن من ليس من أهل الزكاة لا يجوز أن يتولى العمالة كالحربي؛ ولأن الكافر ليس بأمين؛ ولهذا قال عمر - ﵁ - «لا تأتمنوهم وقد خونهم الله تعالى» وقد أنكر عمر - ﵁ - على أبي موسى توليه الكتابة نصرانيًا، البيهقي، ١٠/ ١٢٧ فالزكاة التي هي ركن الإسلام أولى [المغني لابن قدامة، ٩/ ٣١٣، و٤/ ١٠٧، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢٢٣].\n[واختار هذه الرواية وجزم بها ابن قدامة في المقنع المطبوع مع الشرح الكبير، ٧/ ٢٢٣ - ٢٢٤، وفي المغني له، ٩/ ٣١٣، و٤/ ١٠٧،والمرداوي في الإنصاف المطبوع مع الشرح الكبير، ٧/ ٢٢٣.\nوالرواية الثانية: يجوز أن يكون العامل على الزكاة كافرًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠].\nوهذا لفظ عام يدخل فيه كل عامل على أي صفة كان؛ ولأن ما يأخذ على العمالة أجرة فلم يمنع من أخذه كسائر الإجارات [المغني، ٤/ ١٠٧]. قال الخرقي: ولا يعطى من الصدقة ... ولا لكافر ولا مملوك إلا أن يكون من العاملين عليها، فيعطون بحق ما عملوا [مختصر الخرقي المطبوع مع المغني، ٤/ ١٠٧].\nوالصواب القول الأول، وهو: أن الكافر لا يعطى من الزكاة المفروضة مطلقًا.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>٢ - آل النبي محمد - ﷺ -، وهم بنو هاشم</span>، لحديث عبد المطلب بن ربيعة وفيه: «... إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: أخذ الحسن بن علي تمرةً من تمر الصدقة. فجعلها في فيه، فقال رسول الله - ﷺ -: «كَخْ كَخْ (٢) ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة» وفي لفظ للبخاري: فنظر إليه رسول الله - ﷺ -، فأخرجها من فيه، فقال: «أما علمت أنَّ آل محمدٍ - ﷺ - لا يأكلون الصدقة». وفي لفظ للبخاري أيضًا: فقال له النبي - ﷺ - بالفارسية: «كَخْ، كَخْ، أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة». وفي لفظ مسلم: «... أنَّا لا تحل لنا الصدقة» (٣).\n_________\n(١) مسلم، برقم: ١٠٧٢، وتقدم تخريجه في نصيب العاملين على الزكاة.\n(٢) كَخْ كِخْ: بفتح الكاف وكسرها وتسكين الخاء ويجوز كسرها مع التنوين، وهي كلمة يزجر بها الصبيان عن المستقذرات، فقال له: كخ: أي أتركه وارم به، [شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٨٠].\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب أخذ صدقة النخل عند صرام النخل، وهل يترك الصبي فيمس تمر الصدقة؟ برقم ١٤٨٥، وباب ما يذكر في الصدقة للنبي - ﷺ - وآله، برقم ١٤٩١، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب من تكلم بالفارسية والرطانة، رقم ٣٠٧٢، ومسلم، كتاب الزكاة، تحريم الزكاة على رسول الله - ﷺ - وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم، برقم ١٠٦٩.","vol":"1","page":279},{"text":"وعن معاوية القشيري قال: كان النبي - ﷺ - إذا أُتي بشيء سأل عنه «أهدية أم صدقة»؟ فإن قيل: صدقة. لم يأكل وإن قيل هدية بسط يده (١).\nوتبين بهذه الأحاديث أن الزكاة لا تحل لآل النبي - ﷺ - من\nبني هاشم. قال الإمام ابن قدامة ﵀: «لا نعلم خلافًا في\nأن بني هاشم لا تحلُّ لهم الصدقة المفروضة» (٢) (٣)،\n_________\n(١) النسائي، كتاب الزكاة، باب الصدقة لا تحل للنبي - ﷺ -، برقم ٢٦١٢، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٢٣٤: «حسن صحيح عن أبي هريرة».\n(٢) المغني، لابن قدامة، ٤/ ١٠٩.\n(٣) أما بنو المطلب فاختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تحريم الصدقة عليهم على قولين:\nالقول الأول: أن الزكاة تحرم على بني المطلب كما تحرم على بني هاشم، وهو قول الشافعي ومن وافقه ورواية عن أحمد؛ لحديث جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي - ﷺ - فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن بمنزلة واحدة منك؟ فقال: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحدٌ» قال جبير: ولم يقسم النبي - ﷺ - لبني عبد شمس، وبني نوفل شيئًا [البخاري برقم ٤٢٢٩، ورقم ٣٥٠٢، ورقم ٣١٤٠، وقال في هذا الطرف: «وقال ابن إسحاق: عبد شمس، وهاشم، والمطلب إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم»، فاتضح بذلك أن المطلبيين هم المنتسبون إلى المطلب، والمطلب أخو هاشم، وأبو هما عبد مناف، وله أربعة أبناء، وهم: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل. وهاشم هو جد النبي - ﷺ - الثاني، وهو أبوه الثالث، وبنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد: أي في النصرة، وهم ليسوا من أهل البيت؛ لأنهم ليسوا من سلالة هاشم، وإنما هم من سلالة أخيه المطلب، ولكنهم يشاركون آل البيت في الخمس، وعلى هذا قال من قال: إنهم لا يأخذون من الزكاة؛ لأنهم استغنوا بما أخذوا من الخمس عن الزكاة، وعلى هذا القول، يكون بنو المطلب حكمهم في تحريم أخذ الزكاة حكم بني هاشم، وحكمهم في استحقاق الخمس كبني هاشم، وبنو عمهم: [بنو نوفل، وبنو عبد شمس] ليس لهم حق في الخمس، ولهم الأخذ من الزكاة.\nالقول الثاني: أن الزكاة تحلُّ لبني المطلب، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول أبي حنيفة؛ لأن بني المطلب ليسوا من آل محمد - ﷺ -؛ ولعموم الآية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، لكن خرج بنو هاشم؛ لقول النبي - ﷺ -: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس ...» [مسلم، برقم ١٠٧٢] فيجب أن يختص المنع بهم، ولا يصح قياس بني المطلب على بني هاشم؛ لأن بني هاشم أقرب إلى النبي - ﷺ - وأشرف، وهم آل النبي - ﷺ -، ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس ما استحقوه بمجرد القرابة بدليل: أن بني عبد شمس، وبني نوفل يساوونهم في القرابة، ولم يعطوا شيئًا؛ وإنما شاركوهم بالنصرة أو بهما جميعًا، والنصرة لا تقتضي منع الزكاة، وهذا هو القول الصحيح، وسمعت شيخنا ابن باز أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٣١٤٠، يقول: «بنو المطلب يعطون من الخمس؛ لأنهم ناصروا النبي - ﷺ - في الجاهلية والإسلام، ويعطون من الزكاة على الصحيح؛ لأنه منع الزكاة عن بني هاشم فقط» واختار هذا القول أيضًا الخرقي في مختصره مع المغني، ٤/ ١٠٩، وابن قدامة في المغني، ٤/ ١١١، وفي المقنع مع الشرح الكبير، ٧/ ٢٨٩، وفي العمدة، وشيخ الإسلام كما في الفروع مع تصحيحه، ٤/ ٣٧٠، والإنصاف مع الشرح الكبير، ٧/ ٣٠٧، وصاحب الروض المربع، ٣/ ٣٢٩، وغيرهم كثير، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع، ٦/ ٢٥٩: «والصحيح ... أنه يصح دفع الزكاة إلى بني المطلب». وانظر: المجموع للنووي، ٦/ ١٦٧، وفتح الباري لابن حجر،\n٣/ ٢٢٧، ونيل الأوطار، ٣/ ٨٧، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٨٢.","vol":"1","page":280},{"text":"والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل (١) وهو سبحانه\n_________\n(١) وهل تصح صدقة التطوع على آل النبي - ﷺ - أم لا؟ قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «وأما صدقة التطوع فللشافعي فيها ثلاثة أقوال: أصحها: أنها تحرم على رسول الله - ﷺ - وتحلُّ لآله، والثاني تحرم عليه وعليهم، والثالث: تحلُّ له ولهم» [شرح النووي على صحيح مسلم،٧/ ١٨٢].\nوقال ابن قدامة في المغني، ٤/ ١١٣: «ويجوز لذوي القربى الأخذ من صدقة التطوع ...» وعن أحمد رواية أخرى: أنهم يمنعون صدقة التطوع أيضًا والأول أظهر؛ فإن النبي - ﷺ - قال: «كل معروف صدقة» [البخاري، برقم ٦٠٢١، ومسلم، برقم: ١٠٠٥] ولا خلاف في إباحة المعروف إلى الهاشمي، والعفو عنه، وإنظاره. وروى جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقاياتٍ بين مكة والمدينة، فقلت له: أتشرب من الصدقة؛ فقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة [ذكره ابن قدامة في المغني ٤/ ١١٤، وعزاه ابن حجر إلى الشافعي والبيهقي في التلخيص الحبير ٣/ ١١٥] قال الإمام ابن قدامة ﵀: «فأما النبي - ﷺ - فالظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه فرضها ونفلها» واختار ذلك ﵀: [المغني، ٤/ ١١٥ - ١١٧] والمقنع مع الشرح الكبير، ٧/ ٢٩٥ – ٢٩٨، ورجحه ابن عثيمين رحمه الله تعالى فقال: «بهذا نعرف أن بني هاشم ينقسمون إلى قسمين: الأول: من لا تحل له صدقة التطوع، وهو شخص واحد، وهو محمد - ﷺ -، فهو لا يأكل الصدقة الواجبة، ولا التطوع.\nالثاني: البقية من بني هاشم يأكلون من صدقة التطوع، ولا يأكلون من الزكاة الواجبة، [الشرح الممتع، ٦/ ٢٥٨] وقال سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: «قد صحت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - دالة على تحريم الزكاة على أهل البيت، وهم بنو هاشم، سواء كانت نقودًا أو غيرها، أما صدقة التطوع فلا حرج فيها» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ١٣٤].","vol":"1","page":281},{"text":"حسبنا (١) ونعم الوكيل (٢).\n_________\n(١) ذكر ابن مفلح في كتاب الفروع أن مذهب الإمامية يجوز لبني هاشم الفقراء أخذ زكاة بني هاشم، ٤/ ٣١٨. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه يجوز ذلك فقال في الاختيارات: «ويجوز لبني هاشم الأخذ من زكاة الهاشمي وهو محكي عن طائفة من أهل البيت» [الاختيارات الفقهية شيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٥٤] قال الإمام الشوكاني ﵀ في رد هذا القول: «والحاصل أن تحريم الزكاة على بني هاشم معلوم من غير فرق بين أن يكون المزكي هاشميًا أو غيره، فلا يتفق من المعاذير عن هذا المحرم إلا ما صح عن الشارع لا ما لفَّقه الواقعون في هذه الورطة من الأعذار الواهية» [نيل الأوطار، ٣/ ٨٧]. ويقصد بكلامه هذا ﵀ الرد على بعض أهل البيت الذين رووا حديثًا مسلسلًا بالهاشميين، فيه جواز أخذ الهاشمي من زكاة الهاشمي، ثم رد عليهم بأن هذا الحديث قد اتهم به بعض رواته، وليس بصالح لتخصيص العمومات الصحيحة ... وأما دعوى أنهم أجمعوا عليه: فباطلٌ باطلٌ. [نيل الأوطار، ٣/ ٨٧] ورد العلامة محمد بن عثيمين قول من قال بزكاة الهاشمي للهاشمي، ثم قال: «لكن لو فرض أنه لا يوجد لإنقاذ حياة هؤلاء من الجوع إلا زكاة الهاشميين فزكاة الهاشميين أولى من زكاة غير الهاشميين» [الشرح الممتع، ٦/ ٢٥٦].\n(٢) واختار شيخ الإسلام: أن بني هاشم إذا منعوا من خمس الخمس جاز لهم الأخذ من الزكاة ...؛ لأنه محل حاجة وضرورة [الاختيارات، ص١٥٤] وانظر [الفروع لابن مفلح، ٤/ ٣١٧] وقال ابن عثيمين في اختيار شيخ الإسلام هذا عند الضرورة «هو الصحيح» [الشرح الممتع، ٦/ ٢٥٧] وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٢٦٠٩: «والصدقة لا تحل لآل محمد، حتى ولو كانوا عمالًا للزكاة، أو مجاهدين، أو غارمين، إلا أن ابن تيمية ذكر أنهم إذا لم يكن لهم نصيب من بيت المال يعطون للضرورة كمن تحل له الميتة، عند الضرورة».","vol":"1","page":282},{"text":"أما الهدية فتحل للنبي - ﷺ -، وتحل لآله؛ لأحاديث كثيرة، وحتى لو كانت صدقة على الفقراء، ثم أُهديت لآل البيت فلا حرج؛ لقوله - ﷺ - حينما أهدت بريرة لأهله هدية: «هو لها صدقة ولنا هدية» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>٣ - موالي بني هاشم</span>، وكما حرم النبي - ﷺ - الصدقة على بني هاشم، فقد حرّمها كذلك على مواليهم، وهم الأرقاء الذين أعتقهم بنو هاشم، فعن أبي رافع - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - بعث رجلًا على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني؛ فإنك تصيب منها، قال: حتى آتي النبي - ﷺ - فأسأله، فأتاه، فسأله؟ فقال: «مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة» (٢) (٣).\nوأما قوله - ﷺ -: «ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم» (٤) فالمقصود به: في المعاونة، والانتصار، والبر، والشفقة، والمناصرة، ونحو ذلك، وليس المقصود الميراث (٥) ولا تحريم الصدقة إذا كان ابن أخت لبني هاشم والله\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب إباحة الهدية للنبي - ﷺ - ولبني هاشم وبني المطلب، وإن كان المهدي ملكها بطريق الصدقة إذا قبضها المتصدق عليه زال عنها وصف الصدقة، برقم ١٠٧٣ - ١٠٧٧.\n(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب الصدقة على بني هاشم، برقم ١٦٥٠، والنسائي، كتاب الزكاة، باب مولى القوم منهم، برقم ٢٦١١، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في كراهية الصدقة للنبي - ﷺ -، وأهل بيته، ومواليه، برقم ٦٥٧، وصححه الألباني، في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٥٩.\n(٣) أبو رافع: مولى النبي - ﷺ -، اسمه: أسلم، وابن أبي رافع، هو عبيد الله بن أبي رافع، كاتب علي ابن أبي طالب - ﵁ -[الترمذي، برقم ٦٥٧، وتقدم تخريج أصله في الهامش السابق].\n(٤) البخاري، كتاب المناقب، باب ابن أخت القوم منهم، ومولى القوم منهم، برقم ٣٥٢٨، وفي كتاب الفرائض، باب مولى القوم من أنفسهم، وابن الأخت منهم، برقم ٦٧٦١، ورقم ٦٧٦٢.\n(٥) فتح الباري، لابن حجر ٦/ ٥٥٢، و١٢/ ٤٩.","vol":"1","page":283},{"text":"أعلم، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في حديث «ابن أخت القوم منهم» معنى منهم: أي في الصلة، والإحسان لا في تحريم الزكاة، وظاهر ترجمة النسائي: أن الزكاة لا تحل لابن أخت بني هاشم والصواب ما تقدم» (١) قال الإمام الخرقي رحمه الله تعالى في الكلام على أن موالي بني هاشم لا تحل لهم الزكاة «ولا لمواليهم» (٢).\nقال ابن قدامة ﵀: «يعني موالي بني هاشم، وهم: من أعتقهم هاشميٌّ، لا يعطون من الزكاة» (٣) (٤).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٢٦١٠.\n(٢) مختصر الخرقي مع المغني ٤/ ١١٠.\n(٣) المغني ٤/ ١١٠، و٩/ ٣٣٦.\n(٤) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تحريم الصدقة على موالي بني هاشم على قولين:\nالقول الأول: لا يجوز أخذ موالي بني هاشم من الزكاة؛ لحديث أبي رافع يرفعه «مولى القوم من أنفسهم وإنا لا تحل لنا الصدقة» [أبو داود، برقم: ١٦٥٠] [والنسائي، برقم ٢٦١١، والترمذي، برقم ٦٥٧، وصححه الألباني، وتقدم تخريجه].\nالقول الثاني: يجوز أن يعطى موالي بني هاشم من الزكاة، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وقال أكثر العلماء: يجوز، لأنهم ليسوا بقرابة النبي - ﷺ - فلم يمنعوا الصدقة كسائر الناس؛ ولأنهم لم يعوضوا عنها بخمس الخمس؛ فإنهم لا يعطون منه، فلم يجز أن يحرموها كسائر الناس والصواب القول الأول؛ لحديث أبي رافع الصريح الصحيح في تحريم الصدقة على موالي بني هاشم؛ ولأنهم ممن يرثهم بنو هاشم بالتعصيب، فلم يجز دفع الزكاة إليهم، كبني هاشم، وقولهم: إنهم ليسوا بقرابة يرد عليه: بأنهم بمنزلة القرابة، بدليل قوله النبي - ﷺ -: «الولاء لُحمَةٌ كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب» [رواه الشافعي في الأم،٤/ ١٢٥،وصححه ابن حبان، [برقم ٤٩٥٠]، والحاكم،\n٤/ ٣٤١، وأصله في الصحيحين: البخاري، برقم ٦٧٥٦، ومسلم، برقم ١٥٠٦ بغير هذا اللفظ] وثبت فيهم حكم القرابة: من الإرث، والعقل، والنفقة، لا يمنع ثبوت حكم الصدقة فيهم [المغني لابن قدامة، ٤/ ١١٠ - ١١١، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٢٩٧].","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>٤ - المملوك</span>، لا يصح دفع الزكاة إليه؛ لأن ما يعطاه فهو لسيده، فكأن دافع الزكاة دفعها إلى السيد؛ ولأن العبد تجب نفقته على السيد، فهو غنيٌّ بغناه (١).\nإلا أن يكون المملوك من العاملين على الصدقات، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجملته أنه يجوز للعامل أن يأخذ عمالته من الزكاة: سواء كان حرًّا أو عبدًا» (٢)؛ لأنه لا يشترط حرية العامل ولا فقره (٣).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن زكاة الأموال لا تعطى لكافر، ولا لمملوك» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>٥ - الأغنياء بمالٍ أو كسب</span>؛ لحديث عبد الله بن الخير، وفيه: «... ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» (٥)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي» (٦)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو رجل كان له جار\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٤/ ١٠٦ - ١٠٧، والشرح الكبير، مع المقنع، والإنصاف، ٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥.\n(٢) المغني، ٤/ ٢٠٧، وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢٨٤.\n(٣) المقنع، مع الشرح الكبير، والإنصاف، ٧/ ٢٢٣.\n(٤) المغني، ٤/ ١٠٦.\n(٥) أبو داود، برقم، ١٦٣٣، والنسائي، برقم ٢٥٩٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ٤٥٤، وتقدم تخريجه.\n(٦) أبو داود، برقم ١٦٣٤، والترمذي، برقم ٦٥٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ٤٥٤، وفي الإرواء، برقم ٨٧٧.","vol":"1","page":285},{"text":"مسكين فَتُصدِّقَ على المسكين فأهداها المسكين للغني» (١).\nقال الخرقي ﵀ في عدم جواز الزكاة للغني «ولا لغني ...» (٢) قال الإمام ابن قدامة ﵀: «يعني لا يعطى من سهم الفقراء والمساكين غنيٌّ، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم، وذلك؛ لأن الله تعالى جعلها للفقراء والمساكين، والغني غير داخل فيهم» (٣)، وقد قال النبي - ﷺ - لمعاذ: «... فأعلمهم أن الله افترض عليه صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>٦ - لا تدفع الزكاة إلى امرأة فقيرة تحت غني ينفق عليها</span>. قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وإذا كان للمرأة زوج موسر ينفق عليها لم يجز دفع الزكاة إليها؛ لأن الكفاية حاصلة لها بما يصلها من النفقة الواجبة، فأشبهت من له عقار يستغني بأجرته، وإن لم ينفق عليها، وتعذر ذلك جاز الدفع إليها، كما لو تعطلت منفعة العقار، وقد نص أحمد على هذا» (٥).\nوقال سماحة شيخنا ابن باز ﵀ عن امرأة لا يهتم بها زوجها، وقد تعبوا في إصلاح حاله: قال ﵀: «إن كانت فقيرة، وزوجها لا\n_________\n(١) أبو داود، برقم ١٦٣٥، ١٦٣٦، وابن ماجه، برقم ١٨٤١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٥٥، وتقدم تخريجه.\n(٢) مختصر الخرقي مع المغني، ٤/ ١١٧.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٤/ ١١٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٩٥، ومسلم، برقم ١٩، وتقدم تخريجه.\n(٥) المغني، لابن قدامة ٤/ ١٢٣، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٢٨٦، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣٦١، وكتاب الفروع لابن مفلح، ٤/ ٢٩٩، و٣٦٣.","vol":"1","page":286},{"text":"ينفق عليها، وعجزتم عن إصلاح حاله، ولم يتيسر من يلزمه بذلك، فإنه يجوز إعطاؤها من الزكاة قدر حاجتها» (١).\nوكذلك لا تدفع إلى فقير ينفق عليه من وجبت عليه نفقته، من أقاربه؛ لاستغنائه بذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>٧ - من تلزم نفقته لا تدفع إليه الزكاة: </span>وهم أنواع على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>النوع الأول: الأصول وإن علوا: </span>وهم الأب والأم، وآباؤهما، وأمهاتهما وإن ارتفعت درجتهم من دافع الزكاة، كأبوي الأب، وأبوي الأم، وأبوي كل واحد منهم، وإن علت درجتهم: من يرث منهم ومن لا يرث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>النوع الثاني: الفروع وإن نزلوا: </span>وهم: الأولاد: من البنين والبنات، وأولاد البنين وأولاد البنات، وإن نزلت درجتهم، الوارث وغير الوارث، قال النبي - ﷺ -: «إن ابني هذا سيدٌ ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٣) يعني الحسن بن علي ﵄، فجعله ابنه؛ لأنه من عمودي النسب، فأشبه الوارث؛ ولأن بينهما قرابة جزئية وبعضية، بخلاف غيرهما.\nقال الإمام ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين، والولد في الحال التي يجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم» (٤)؛\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(٢) الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣٣٢.\n(٣) البخاري، كتاب الصلح، باب قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي ﵄ إن ابني هذا سيد، برقم ٢٧٠٤.\n(٤) الإجماع لابن المنذر، ص٥٧.","vol":"1","page":287},{"text":"ولأن دفع زكاته إليهم تغنيهم عن نفقته وتسقطها عنه، ويعود نفعها إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه، فلم تجز، كما لو قضى بها دينه (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>النوع الثالث: الزوجة</span>، فلا يدفع زكاته إلى زوجته؛ لأن نفقتها واجبة عليه، قال الإمام ابن المنذر: «وأجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة؛ لأن نفقتها عليه وهي غنية بغناه» (٣) فتستغني بنفقته عليها عن أخذ\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٤/ ٩٨، و٩/ ٣٣٦، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٢٨٧، والروض المربع مع حاشية ابن القاسم، ٣/ ٣٣٢، والكافي، ٢/ ٢٠٨، ومنار السبيل، ٢/ ٢٧١.\n(٢) إذا كان على الوالدين أو أحدهما دينٌ لا يستطيعان قضاءه؛ فإنه يجوز للولد أن يقضي دينهما من الزكاة؛ شرط أن لا يكون هذا الدين سببه تحصيل نفقة على الولد الذي يريد قضاء الدين، وقد سئل سماحة شيخنا ابن باز ﵀ عن ذلك فقال للسائل: «الديون لا يلزم القريب أن يقضيها عن قريبه، فيكون قضاؤها من زكاته أمرًا مجزيًا، حتى لو كان ابنك، أو أباك وعليه دين لأحد، ولا يستطيع وفاءه، فإنه يجوز لك أن تقضيه من زكاتك، أي يجوز أن تقضي دين أبيك من زكاتك، ويجوز أن تقضي دين ولدك من زكاتك، بشرط أن لا يكون سبب هذا الدين تحصيل نفقة واجبة عليك، فإن كان سببه تحصيل نفقة واجبة عليك؛ فإنه لا يحل لك أن تقضي الدين من زكاتك؛ لئلا يتخذ ذلك حيلة على منع الإنفاق على من تجب نفقتهم عليه؛ لأجل أن يستدين ثم يقضي ديونهم من زكاته» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٣١١] وبهذا أيضًا قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «فيجوز أن يقضي الدين عن أبيه، أو أمه، أو ابنه أوابنته، بشرط ألا يكون هذا الدين استدانه لنفقة على الابن، فإن كان لنفقة واجبة فلا يجوز» [الشرح الممتع، ٦/ ٢٦٤]، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إذا كان على الولد دين، ولا وفاء له، جاز له أن يأخذ من زكاة أبيه في أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره» [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،\n٢٥/ ٩٢]، وجاء في الاختيارات لشيخ الإسلام ابن تيمية: «ويجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا وإلى الولد وإن سفل إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم، لوجود المقتضى السالم عن المعارض المقاوم، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وكذا إن كانوا غارمين، أو مكاتبين، أو أبناء سبيل، وهو أحد القولين أيضًا» [الاختيارات الفقهية، ص١٥٤].\nقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «القول الراجح الصحيح: أنه يجوز أن يدفع الزكاة لأصله وفرعه، ما لم يدفع بها واجبًا عليه» [الشرح الممتع، ٦/ ٦٣].\n(٣) الإجماع لابن المنذر، ص٥٨.","vol":"1","page":288},{"text":"الزكاة، فلم يجز دفعها إليها، كما لو دفعها على سبيل الإنفاق عليها (١).\nواختار العلامة محمد بن صالح العثيمين: أن للزوج أن يعطي زوجته من الزكاة لقضاء دين عليها لا تستطيع أداءه، فقال: «... فإن أعطاها لقضاء دين عليها فإن ذلك يجزئ؛ لأن قضاء الدين عن زوجته لا يلزمه». وقال ﵀ في ذلك: «القول الراجح يجوز بشرط أن لا يسقط به حقًا واجبًا عليه، فإن أعطاها من زكاته للنفقة؛ لتشتري ثوبًا أو طعامًا، فإن ذلك لا يجزئ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>النوع الرابع: الزوج </span>هل تدفع الزوجة زكاتها إليه أم لا؟ اختلف العلماء ﵏ على قولين:\nالقول الأول: لا تدفع زكاتها إلى زوجها، وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة؛ لأنها تنتفع بدفعها إليه؛ لأنه إن كان عاجزًا عن الإنفاق عليها تمكن من أخذ الزكاة من الإنفاق، فليزمه، وإن لم يكن عاجزًا، ولكنه أيسر بها لزمته نفقة الموسرين، فتنتفع بها في الحالين، فلم يجز لها ذلك (٣).\nالقول الثاني: يجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها، وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك، وبه قال ابن المنذر، وطائفة من أهل العلم، واستدلوا بحديث أبي سعيد - ﵁ - وفيه: أن زينب امرأة ابن مسعود قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة،\n_________\n(١) المغني، ٤/ ١٠٠.\n(٢) الشرح الممتع، ٦/ ٢٦٨.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٠٠ - ١١١.","vol":"1","page":289},{"text":"وكان عندي حليٌّ لي، فأردت أن أتصدق بها فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقُّ من تصدقت به عليهم، فقال النبي - ﷺ -: «صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقتِ به عليهم» (١)؛ ولحديث زينب الآخر وفيه: أنها أرسلت بلالًا يسأل النبي - ﷺ -: أيجزىء عني أن أنفق على زوجي، وأيتامٍ لي في حجري؟ فسأله فقال: «نعم، ولها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة» (٢)، قال الإمام ابن قدامة بعد استدلاله بهذا الحديث: ولأنه لا تجب نفقته، فلا يمنع دفع الزكاة إليه كالأجنبي ويفارق الزوجة؛ فإن نفقتها واجبة عليه؛ ولأن الأصل جواز الدفع؛ لدخول الزوج في عموم الأصناف المسمين في الزكاة، وليس في المنع نصٌّ ولا إجماع، وقياسه على من ثبت المنعُ في حقه غير صحيح؛ لوضوح الفرق بينهما، فيبقى جواز الدفع ثابتًا، والاستدلال بهذا أقوى من الاستدلال بالنصوص (٣)؛ لضعف دلالتها (٤)؛ فإن الحديث الأول في صدقة التطوع؛ لقولها: «أردت أن أتصدق بحلي لي، ولا تجب الصدقة بالحلي، وقول النبي - ﷺ -: «زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم» والولد لا تدفع إليه الزكاة ...» (٥)، فكلام ابن قدامة هذا يدل على ميوله إلى القول بهذا القول والله أعلم.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، برقم ١٤٦٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، برقم ١٤٦٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة على الأقربين والزوج، والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين، برقم ١٠٠٠.\n(٣) المغني، لابن قدامة، ٤/ ١٠١ - ١٠٢.\n(٤) يعني في هذه المسألة.\n(٥) المغني، لابن قدامة، ٤/ ١٠١ – ١٠٢.","vol":"1","page":290},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم فلما ذكرت الصدقة ولم يستفصلها عن تطوع ولا واجب، فكأنه قال: يجزئ عنك فرضًا كان أو تطوعًا، وأما الولد فليس في الحديث تصريح بأنها تعطي ولدها من زكاتها، بل معناه أنها إذا أعطت زوجها فأنفقه على ولدها كانوا أحق من الأجانب، فالإجزاء يقع بالإعطاء للزوج، والوصول إلى الولد بعد بلوغ الزكاة محلها» (١).\nورجح جواز إعطاء المرأة زكاتها لزوجها الإمام الشوكاني ﵀؛ لعدم المانع من ذلك، ومن قال: إنه لا يجوز فعليه الدليل، ثم ذكر ترك الاستفصال لها بمنزلة العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة: هل هي تطوع أو واجب؟ فكأنه قال: يجزئ عنك فرضًا كان أو تطوعًا (٢).\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «والصواب جواز دفع الزكاة إلى الزوج إذا كان من أهل الزكاة» (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ أثناء تقريره على حديث «زوجك وولدك أحقُّ من تصدقت به عليهم» (٤) يقول: «... الصدقة على القريب صدقة وصلة، وظاهر هذه الصدقة أنها تطوع، وظاهر كلام العلماء: أن الزكاة لا تجوز على الأصل والفرع، أما الزوج\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٣٣٠.\n(٢) نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٩٣.\n(٣) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٢٦٦، وقد أطال في التفصيل والإيضاح لذلك، وذكر قاعدة فقال: الأصل فيمن ينطبق عليه وصف الاستحقاق أنه مستحق، وتجزئ الزكاة إليه إلا بدليل ولا نعلم مانعًا من ذلك إلا إذا أعطته أسقطت عن نفسها بذلك واجبًا [الشرح الممتع، ٦/ ٢٦٧].\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٦٢، ومسلم، برقم: ١٠٠٠ وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":291},{"text":"فالأرجح دفع الزكاة له إذا كان فقيرًا» (١). وسمعته يقول أثناء تقريره على حديث: «نعم، لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة» (٢): وهذا مثل الحديث الآخر: «إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة» (٣) وهذا كله في صدقة التطوع ... والحاصل: أن الزكاة على الزوج لا بأس بها إذا كان من الفقراء، وهو الأرجح» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>٨ - المبتدع والفاسق الذين يصرفونها في الفسق والعصيان </span>لا يعطون من الزكاة إذا غلب على الظن صرفها في الفجور، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما الزكاة فينبغي للإنسان أن يتحرَّى بها المستحقين: من الفقراء، والمساكين، والغارمين، وغيرهم من أهل الدين، المتبعين للشريعة، فمن أظهر بدعة، أو فجورًا؛ فإنه يستحق العقوبة: بالهجر، وغيره، والاستتابة، فكيف يعان على ذلك» (٥)، ولاشك أن الزكاة تجوز لعصاة المسلمين الذين لا يصرفونها في المنكرات، بل نفقتهم ونفقة من يمونون، مع نصيحتهم، وتعليمهم الخير، قال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «يجوز دفع الزكاة إلى الفقير المسلم، وإن كان لديه بعض المعاصي، ولكن التماس الفقراء المعروفين بالخير والاستقامة أولى وأفضل،\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على الحديث رقم ١٤٦٢ من صحيح البخاري.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٦٤، ومسلم، برقم ١٠٠٠، وتقدم تخريجه.\n(٣) النسائي، برقم ٢٥٨١، والترمذي، برقم ٦٥٨ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي،\n٢/ ٢٢٣، وتقدم تخريجه.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٤٦٤.\n(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٥/ ٨٧، وانظر: نفس المجموع، ٢٤/ ٢٧٨.","vol":"1","page":292},{"text":"ومن كان لا يُصلِّي لا يعطى من الزكاة؛ لأن ترك الصلاة كفر أكبر وإن لم يجحد وجوبها، في أصح قولي العلماء ... أما من جحد وجوبها فهو كافر بالإجماع، وإن صلى؛ لأنه بفعله ذلك مكذب لله سبحانه، ولرسوله - ﷺ -» (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الاختيارات: «ولا ينبغي أن تُعْطَى الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله؛ فإن الله تعالى فرضها معونة على طاعته؛ لمن يحتاج إليها من المؤمنين: كالفقراء، والغارمين، أو لمن يعاون المؤمنين» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>٩ - جهات الخير من غير الأصناف الثمانية: </span>كبناء المساجد، وإصلاح الطرق، وتجهيز الأموات، ودور تحفيظ القرآن الكريم، والصرف على طباعة المصاحف والكتب وغير ذلك من الجهات الخيرية، لا تجوز الزكاة في ذلك كله؛ لأن الله تعالى لم يذكرها مع مصارف الزكاة الثمانية (٣).\nوالزكاة حق الله لا تجوز المحاباة فيها لمن لا يستحقها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعًا، أو يدفع شرًّا، ولا أن يقي بها ماله أو يدفع بها عنه مذمة، بل يجب دفعها لهم؛ لكونهم من أهلها (٤).\nوالله أسأل التوفيق والقبول.\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز ١٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤.\n(٢) الأخبار العلمية، من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٥٤.\n(٣) الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣٠٩، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٤/ ٢٩٤ - ٢٩٩.\n(٤) انظر: منار السبيل، ١/ ٢٦٦ - ٢٧٢، والموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٣١٢ - ٣٢٨، والكافي لابن قدامة، ٢/ ١٩٣ - ٢١٢، والموسوعة الفقهية الميسرة للعوائشة، ٣/ ١٠٢ - ١٣٨، والروض المربع مع الحاشية لابن قاسم، ٣/ ٣٠٨، والشرح الممتع، ٦/ ٢١٨ - ٢٥٤، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٧/ ٢٠٥ - ٢٨٣، والمغني، ٤/ ١٢٤ - ١٣١.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>المبحث الرابع عشر: صدقة التطوع في الإسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>أولًا: مفهوم صدقة التطوع: لغة واصطلاحًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>الصدقة لغة: </span>جمع صدقات، وتَصَدَّقتُ: أعطيتُهُ صدقةً، والفاعل مُتصَدِّقٌ، [وهو الذي يُعطي الصدقة]، ومنهم من يخفف بالبدل والإدغام فيقال: مُصَّدِّقٌ، والمتصدِّقُ: المُعطي، وفي التنزيل: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (١).\nوقد جاء المتصدِّقُ والمصَّدِّقُ في القرآن العظيم: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ (٢). و﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ (٣). وأما المُصَدِّق بتخفيف الصاد: فهو الذي يأخذ صدقات النَّعَم» (٤).\nوالذي يُصدِّقك في حديثك (٥) فالصدقة: العطية.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-443>الصدقة اصطلاحًا: </span>العطية التي يُبتغى بها الثواب عند الله تعالى (٦).\nقال العلامة الأصفهاني: «الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوَّع به، والزكاة للواجب، وقد يُسمَّى الواجب صدقةً إذا تحرَّى صاحبها الصدق في فعله» (٧).\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ٨٨.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(٣) سورة الحديد، الآية: ١٨.\n(٤) المصباح المنير، للفيومي، ١/ ٣٣٦.\n(٥) مختار الصحاح، لمحمد بن أبي بكر الرازي، ص ١٥١.\n(٦) التعريفات للجرجاني، ص ١٧٣، ولغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص ٢٤٣.\n(٧) مفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، ص ٤٨٠.","vol":"1","page":294},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-444>العطية: </span>الشيء المُعطى، والجمع: العطايا، ويقال: رجل مِعطاءٌ: كثير العطاء، والمعاطاة: المناولة، والإعطاء: الإنالة (١).\nوالعطية اصطلاحًا: ما أعطاه الإنسان من ماله لغيره، سواء كان يريد بذلك وجه الله تعالى، أو يريد التودُّد، أو غير ذلك، فهي أعمّ من الزكاة، والصدقة، والهبة، ونحو ذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>التطوع لغة: </span>التنفُّل، والنافلة، وكل متنفِّل خير متطوع، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (٣).\nوقد تدغم التاء في الطاء فيقال: المطوِّع: أي المتطوع (٤).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-446>التطوع اصطلاحًا: </span>ما تبرع به المسلم من ذات نفسه، مما لا يلزمه فرضه (٥).\nوقيل: المتطوع هو الذي يفعل الشيء تبرعًا من نفسه، وهو تفعلٌ من الطاعة (٦)، والتعريف الأول أشمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>ثانيًا: فضل صدقة التطوع، لها فضائل كثيرة جدًا</span>، منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>١ - صدقة التطوع تكمِّل زكاة الفريضة وتجبر نقصها</span>؛ لحديث تميم\n_________\n(١) مختار الصحاح، ص ١٨٥، والمصباح المنير، ٢/ ٤١٧، ومفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، ص ٥٧٢.\n(٢) الموسوعة الفقهية، ٢٣/ ٢٢٧.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٤.\n(٤) النهاية في غريب الحديث، ٣/ ١٤٢.\n(٥) لسان العرب، لابن منظور، باب العين، فصل الطاء، ٨/ ٢٤٣.\n(٦) النهاية في غريب الحديث، ٣/ ١٤٢.","vol":"1","page":295},{"text":"الداري - ﵁ - مرفوعًا: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمَّها كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها قال الله - ﷿ - لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوِّعٍ فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>٢ – تُطفئ الخطايا وتكفرها</span>؛ لحديث معاذ - ﵁ - مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، وفيه: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (٢).\nوفي حديث حذيفة - ﵁ -: «فتنة الرجل: في أهله، وولده، وجاره، تكفرها الصلاة، والصوم، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>٣ – من أسباب دخول الجنة </span>والعتق من النار؛ لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: جاءتنى مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة؛ لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب قول النبي - ﷺ -: «كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوِّعه»، برقم ٨٦٤، ٨٦٦، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد: الصلاة، برقم ١٤٢٥، وأحمد، ٤/ ٦٥، ١٠٣، ٥/ ٣٧٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٤٥، وفي صحيح الجامع، ٢/ ٣٥٣.\n(٢) الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، برقم ٢٦١٦، وأحمد، ٥/ ٥٣١، و٢٣٦، و٢٣٧، و٢٤٥ وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٣٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب: الصلاة كفارة، برقم ٥٢٥، وكتاب الزكاة، باب الصدقة تكفر الخطيئة، برقم ١٤٣٥، ومسلم، كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب، برقم ١٤٤.","vol":"1","page":296},{"text":"لرسول الله - ﷺ - فقال: «إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>٤ – الصدقة تدخل الجنة ولو بشق تمرة</span>، فعن عائشة ﵂ قالت: دخلت عليَّ امرأة معها ابنتان لها تسأل؟ فلم تجد عندي شيئًا غير تمرةٍ، فأعطيتها إيَّاها، فقَسَمَتْها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت وخرجت، فدخل النبي - ﷺ - فأخبرته فقال: «من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كنَّ له سترًا من النار» (٢).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في الجمع بين الحديثين السابقين: «ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها في حديث عروة: فلم تجد عندي غير تمرة واحدة: أي أخصها بها، ويحتمل أنها لم تكن عندها في أول الحال سوى واحدة، فأعطتها، ثم وجدت ثنتين، ويحتمل تعدد القصة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>٥ – من أسباب النجاة من حرِّ يوم القيامة</span>؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفْصَل بين الناس». أو قال: «يحكم بين الناس» (٤). وفي لفظ: «إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته» (٥). قال يزيد- أحد رواة الحديث: «وكان أبو الخير-\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة، باب الإحسان إلى البنات، برقم ٢٦٣٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة، والقليل من الصدقة، برقم ١٤١٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب الإحسان إلى البنات، برقم ٢٦٢٩.\n(٣) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ١٠/ ٤٢٨.\n(٤) أحمد في المسند، برقم ١٧٣٣٣، وقال محققو المسند: «إسناده صحيح» وأخرجه ابن حبان برقم ٣٣١٠، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥٢٣.\n(٥) أحمد، برقم ١٨٠٤٣، وقال محققو المسند: «حديث صحيح».","vol":"1","page":297},{"text":"راوي الحديث عن عقبة لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء، ولو كعكة، أو بصلة، أو كذا» (١). وقال النبي - ﷺ - في أحد السبعة الذين يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظله: «... ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٢).\n\n٦ – الصدقة من أسباب النصر، والرزق؛ لحديث سعد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» (٣). قال ابن بطال ﵀: «تأويل الحديث: أن الضعفاء أشد إخلاصًا في الدعاء، وأكثر خشوعًا في العبادة؛ لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا» (٤).\nوعن أنس - ﵁ - قال: كان أخوان على عهد النبي - ﷺ -، فكان أحدهما يأتي النبي - ﷺ -، والآخر يحترف، فشكى المحترفُ أخاه إلى النبي - ﷺ - فقال: «لعلك تُرزق به» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>٧ – الصدقة تعوِّد المسلم على صفة الجود والكرم</span>، والعطف على ذوي الحاجات، والرحمة للفقراء.\n٨ – الصدقة تحفظ النفس عن الشُّح، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦).\n_________\n(١) أحمد، برقم ١٧٣٣٣، وتقدم قبل حديث واحد.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، برقم ١٤٢٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، برقم ١٠٣١.\n(٣) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، برقم ٢٨٩٦.\n(٤) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ٦/ ٨٩.\n(٥) الترمذي، كتاب الزهد، باب في التوكل، برقم ٢٣٤٥، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٤.\n(٦) سورة الحشر، الآية: ٩.","vol":"1","page":298},{"text":"٩ – الصدقة تجلب البركة والزيادة والخلف من الله تعالى، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «قال الله تعالى: أنفق يا ابن آدم، أنفق عليك». وقال: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاءُ الليلَ والنهار». وقال: «أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟؛ فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان، يخفض ويرفع». ولفظ مسلم: «يمين الله ملأى ...» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه» (٣).\nومما يدل على فضل الصدقة، وفضل الإحسان إلى المساكين وأبناء السبيل، وفضل أكل الإنسان من كسبه والإنفاق على العيال (٤) وأن من فعل ذلك يبارك الله له في ماله ويحصل له الأجر العظيم، حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتًا في سحابة: أسقِ حديقة فلان، فتنحَّى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرَّة (٥)\n_________\n(١) سورة سبأ، الآية: ٣٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، سورة هود، باب قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ٤٦٨٤، وكتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، برقم ٥٣٥٢، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف، برقم ٩٩٣.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة، باب العفو، برقم ٢٥٨٨.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٨/ ٣٢٥.\n(٥) الحرة: أرض ملبَّسة حجارة سوداء، شرح النووي على صحيح مسلم، ١٨/ ٣٢٥.","vol":"1","page":299},{"text":"فإذا شَرْجَة من تلك الشِّراج (١) قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبَّع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يُحوِّل الماء بمسحاته فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله: لِمَ تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسقِ حديقة فلانٍ لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمَّا إذا قلت: هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثُلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأردُّ فيها ثلثه» وفي لفظ: «وأجعل ثلثه في المساكين، والسائلين، وابن السبيل» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا مَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>١٠ - تشرح الصدر وتدخل السرور </span>على المنفق المتصدق، فالمتصدق إذا أحسن إلى الخلق، ونفعهم بما يملكه من المال، وأنواع الإحسان، انشرح صدره؛ فالكريم المحسن أشرح الناس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا، والبخيل الذي لا يحسن أضيق الناس صدرًا، وأنكدهم عيشًا، وأكثرهم همًّا وغمًّا، لكن لا بد من العطاء بطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرج من يده (٤).\n١١ - الصدقة تُلحق المسلم بالمؤمن الكامل؛ لحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) الشرجة: وجمعها شراج: مسائل الماء في الحرار، شرح النووي، ١٨/ ٣٢٥.\n(٢) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب فضل الإنفاق على المساكين وابن السبيل، ١٨/ ٣٢٥.\n(٣) مسلم، كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك، برقم ١٠١٠.\n(٤) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ٢٥، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ١٠.","vol":"1","page":300},{"text":"قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه - أو قال - لجاره ما يحب لنفسه» (١). فكما أن المسلم يحب أن يُبذل له المال الذي يسد به حاجته، فهو يحب أن يحصل لأخيه المحتاج مثل ذلك، فيكون بذلك كامل الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>١٢ - الصدقة يحصل بها قضاء الحاجات</span>، وتفريج الكربات، والستر في الدنيا ويوم القيامة؛ لما فيها من قضاء حاجات المحتاجين، وتفريج كربات المكروبين، والستر على المعسرين؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من نفَّس عن مؤمن كُربَة من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كُربةً من كُربِ يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ...» (٢)؛ ولحديث ابن عمر ﵄، وفيه: «ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>١٣ - الصدقة من أسباب رحمة الله تعالى للعبد</span>؛ لقوله - ﷺ -: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، برقم ٤٥.\n(٢) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، وعلى الذكر، برقم ٢٦٩٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم، ولا يسلمه، برقم ٢٤٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، برقم ٢٥٨٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ\nسَبِيلًا﴾ برقم ٧٣٧٦، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمة الصبيان والعيال، برقم ٢٣١٩.","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>١٤ - الصدقة من الإحسان، والله يحب المحسنين</span>؛ لقوله تعالى:\n﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٢).وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>١٥ - يترتب على الصدقة الأجر العظيم الذي يربيه الله تعالى ويضاعفه لصاحبه</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٤). وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٥)؛ ولقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٦)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تصدَّق بعدل (٧) تمرة، من كسب طيب (٨) ولا يقبل الله إلا\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٥.\n(٢) سورة يوسف، الآية: ٨٨.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ١٢٠.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.\n(٥) سورة الروم، الآية: ٣٩.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.\n(٧) بعدل تمرة: أي قيمتها؛ لأنه بالفتح المثل، وبالكسر الحِمل بكسر المهملة، هذا قول الجمهور، وقال الفراء: بالفتح: المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، وقيل: بالفتح مثله في القيمة، وبالكسر في النظر. فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٢٧٩، وقال ابن الأثير في النهاية، ٣/ ١٩١: «العِدل والعَدل: بالكسر والفتح في الحديث، وهما بمعنى المثل، وقيل: هو بالفتح: مَا عَادَله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل: بالعكس».\n(٨) وفي لفظ البخاري: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب؛ فإنه يتقبلها بيمينه، ثم يُربِّيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فلوَّه، حتى تكون مثل الجبل» طرف الحديث رقم ٧٤٣٠.","vol":"1","page":302},{"text":"الطيب؛ فإن الله يتقبَّلها بيمينه ثم يربِّيها لصاحبها كما يُربّي أحدكم فلوّه (١)، حتى تكون مثل الجبل» وفي لفظ مسلم: «حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله» (٢).\nوفي رواية لمسلم: «لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>١٦ - المتصدِّق ابتغاء مرضاة الله تعالى</span>، يفوز بثناء الله عليه، وما وعد به المتصدقين من الأجر العظيم، وانتفاء الخوف والحزن؛ لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>١٧ - المتصدق يحصل على مضاعفة الأجر </span>على حسب إخلاصه لله تعالى؛ لقول الله - ﷾ -: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥)؛ ولحديث أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «لك\n_________\n(١) فلوَّه: وهو المهر؛ لأنه يُفلى: أي يُفطم، وقيل: هو كل فطيم من ذوات حافر: أي من أولاد ذوات الحافر. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٧٩، والنهاية في غريب الحديث، ٣/ ٤٧٤، وشرح النووي، ٧/ ١٠٤.\n(٢) فصيله: ولد الناقة إذا فصل عن إرضاع أمه، شرح النووي، ٧/ ١٠٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤١٠، ورقم ٧٤٣٠، ومسلم، برقم ١٠١٤، وتقدم تخريجه في منزلة الزكاة.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٧٤.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.","vol":"1","page":303},{"text":"بِها يوم القيامة سَبْعمائة ناقةٍ كلها مخطومة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>١٨ - الصدقة تجعل المجتمع المسلم كالأسرة الواحدة</span>، يرحم القوي الضعيف، ويعطف القادر على العاجز، ويحسن الغني إلى المعسر، فيشعر صاحب المال بالرغبة في الإحسان؛ لأن الله أحسن إليه، قال الله تعالى:\n﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>١٩ - بذل المال خير للمتصدق </span>إذا كان زائدًا عن كفايته؛ لحديث أبي أمامة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تُمسكه شرٌّ لك، ولا تُلامُ على كفاف (٣)، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>٢٠ - صدقة السر تطفئ غضب الرب</span>، وصنائع المعروف تنجي من مصارع السوء؛ لحديث معاوية بن حيدة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: «إن صدقة السر تطفئ غضب الرب» (٥)؛ ولحديث أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر» (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجهاد، باب فضل الصدقة في سبيل الله تعالى وتضعيفها، برقم ١٨٩٢.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٧٧.\n(٣) الكفاف: الذي لا يفضل منه شيء، ولا يعوزه معه شيء، جامع الأصول، لابن الأثير،٦/ ٤٦٣.\n(٤) مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة وأن اليد السفلى هي الآخذة، برقم ١٠٣٦.\n(٥) الطبراني في المعجم الكبير، ١٩/ ٤٢١، برقم ١٠١٨، وفي الأوسط [مجمع البحرين]، [٣/ ٦٥] برقم ١٤٣٤ و[٥/ ٢١٨]، برقم ٢٩٥٠.\n(٦) الطبراني في المعجم الكبير، ٨/ ٢٦١، وقال في مجمع الزوائد، ٣/ ١١٥: «وإسناده حسن»، وكذلك حسن إسناده المنذري في الترغيب، ١/ ٦٧٩، وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥٣٢.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>٢١ - الصدقة دواء للأمراض </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>ثالثًا: أفضل صدقات التطوع على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>١ - من أفضل الصدقات التصدق بسقي الماء</span>؛ لحديث سعد بن عبادة - ﵁ -، قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: «نعم». قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» فتلك سقاية سعدٍ بالمدينة». وفي لفظ لأبي داود: «فحفر بئرًا وقال: هذه لأم سعدٍ» (٢). ولكن يتحرَّى المتصدق حاجة الناس فيتصدق بما تدعو إليه الحاجة، سواء كانت في الماء أو في غيره (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>٢ - الصدقة على ذي الرحم الذي يضمر العداوة في باطنه من أفضل الصدقات</span>؛ لحديث حكيم بن حزام - ﵁ -، أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الصدقات أيُّها أفضل؟ قال: «على ذي الرحم الكاشِح» (٤) (٥). وعن أم كلثوم\n_________\n(١) جاء في ذلك خبر مرسل من مراسيل أبي داود، وحسنه الألباني لغيره، في صحيح الترغيب والترهيب، [١/ ٤٥٨]، برقم ٧٤٤، وفي صحيح الجامع، ٣/ ١٤٠، برقم ٣٣٥٨.\n(٢) النسائي، كتاب الوصايا، باب ذكر الاختلاف على سفيان، برقم ٣٦٦٣، ٣٦٦٤، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب في فضل سقي الماء، برقم ١٦٨١، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب صدقة الماء، برقم ٣٦٨٤، وأحمد، ٥/ ٢٨٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٦٠، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٦٦.\n(٣) هذا ما رجحه شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على حديث سعد في فضل سقي الماء، في سنن النسائي، برقم ٣٦٦٥، وضعف الحديث ﵀، ولكن الألباني حسنه كما تقدم.\n(٤) الكاشِحُ: هو الذي يظهر عداوته في كشحه: وهو خصره، يعني أن أفضل الصدقة على ذي الرحم القاطع المضمر العداوة في باطنه، [المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٦٨٢]، وقيل: «الكاشح: العدو الذي يضمر عداوته ويطوي عليها كَشْحَهُ: أي باطنه، والكشح: الخصر، أو الذي يطوي عنك كشحه ولا يألفك، وفي حديث سعد: إن أميركم هذا لأهضم الكشحين: أي دقيق الخصرين» النهاية لابن الأثير، ٤/ ١٧٦.\n(٥) أحمد ٣/ ٤٠٢، والنسخة المحققة، برقم ١٥٣٢٠، ٢٤/ ٣٦، وله شواهد، وطرق، ولهذا قال محققو المسند: «حديث صحيح».وقال الألباني في إرواء الغليل ٣/ ٤٠٤،برقم ٨٩٢: (صحيح».","vol":"1","page":305},{"text":"بنت عقبة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» (١).\n\n٣ - أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، فيغتنم حياته قبل موته، وصحته قبل مرضه، فينفق ولا يبخل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَال﴾ (٢)، ومعنى «خلال» لا خلة ولا صداقة (٣).\nقال العلامة السعدي ﵀: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ أي لا ينفع فيه شيء، ولا سبيل إلى استدراك ما فات، لا بمعاوضة ببيع وشراء، ولا بهبة خليل وصديق، فكل امرئ له شأن يغنيه، فليقدِّم العبد لنفسه، ولينظر ما قدمه لغدٍ؛ وليتفقَّد أعماله، ويحاسب نفسه قبل الحساب الأكبر» (٤).\nوقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ\n_________\n(١) الحاكم، ١/ ٤٠٦، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٤٠٥: «وهو كما قال».\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٣١.\n(٣) تفسير البغوي ٣/ ٣٥.\n(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ٤٢٦.","vol":"1","page":306},{"text":"الظَّالِمُونَ﴾ (١). وهذا من فضل الله ولطفه بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم؛ ليكون لهم ذخرًا وأجرًا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه، ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبًا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق: لا بوجاهة، ولا بشفاعة (٢).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: «أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا، وقد كان لفلان» (٤).\nالشح عام غالب في حال الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة، ورأى مصير المال لغيره؛ فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشح رجاء البقاء وخوف الفقر، وهو يطمع في الغنى (٥)،\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٤.\n(٢) انظر: تفسير السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ١١٠.\n(٣) سورة المنافقون، الآية: ١٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب فضل صدقة الصحيح الشحيح، برقم ١٤١٩، وكتاب الوصايا، باب الصدقة عند الموت، برقم ٢٧٤٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، برقم ١٠٣٢.\n(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٢٩ – ١٣٠.","vol":"1","page":307},{"text":"وهو في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبًا؛ لما يخوفه به الشيطان، ويُزيِّن له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال؛ ولهذا قال بعض السلف عن بعض أهل الترف: يعصون الله في أموالهم مرتين: يبخلون بها وهي في أيديهم - يعني في الحياة - ويسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم - يعني بعد الموت (١).\nوذُكِرَ في الخبر عن أبي الدرداء مرفوعًا: «مثل الذي يعتق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعدما يشبع» (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول عن الصدقة في حال الصحة والشح: «وهذا يدل على أن الصدقة في حال الصحة والشح أفضل، وهذا يدل على قوة الرغبة فيما عند الله، أما المريض فإنه يجود في حال مرضه؛ لأنه أيس من حياته، وصدقته مقبولة، لكن الأفضل أن تكون في حال الصحة» (٣).\n\n٤ - ومن أفضل الصدقة جهد المقل الذي هو قدر ما يحتمله حال قليل المال، فيكون من أفضل الصدقات؛ لحديث عبد الله بن حبشي الخثعمي أن النبي - ﷺ - سُئل أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان لا شك فيه،\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٥/ ٣٧٤.\n(٢) النسائي، كتاب الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية، برقم ٣٦١٥، والترمذي، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت، برقم ٢١٢٣، وأبو داود، في كتاب العتق، برقم ٣٩٦٨، والحاكم، ٢/ ٢١٣، وصححه ووافقه الذهبي. والبيهقي، ٤/ ١٩٠، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح، ٥/ ٣٧٤، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، ص ٢٠٦؛ لأن في إسناده أبا حبيبة الطائي، لم يوثقه غير ابن حبان، ولا يعرف إلا بهذا الحديث. وقد صحح حديثه: الترمذي، والحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في الفتح، ٥/ ٣٧٤، كما تقدم.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٢٧٤٨.","vol":"1","page":308},{"text":"وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة». قيل: فأيُّ الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت». قيل: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقلِّ» (١). قيل: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: «من هجر ما حرم الله - ﷿ -». قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: «من جاهد المشركين بماله ونفسه». قيل: فأيُّ القتل أشرف؟ قال: «من أهريق دمه وعُقِر جواده» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «سبق درهم مائة ألف [درهم]» قالوا: يا رسول الله وكيف؟ قال: «رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مالٌ كثير فأخذ من عُرضِ ماله مائة ألف [درهم] فتصدق بها» (٣). وظاهر الأحاديث أن الأجر على قدر حال المعطي لا على قدر المال المُعْطَى، فصاحب الدرهمين أعطى نصف ماله، في حال لا يعطي فيها إلا الأقوياء، يكون أجره على قدر همته بخلاف الغني؛ فإنه ما أعطى نصف ماله، ولا في حال لا يعطي فيها عادة» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: يا رسول الله! أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: «جُهْدُ المقلِّ، وابدأ بمن تعول» (٥).\n_________\n(١) جهد المقل: هو قدر ما يحتمله حال قليل المال، [النهاية في غريب الحديث، ١/ ٣٢٠]، والمراد ما يعطيه المقل على قدر طاقته، ولا ينافيه حديث: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»؛ لعموم الغنى القلبي، وغنى اليد. [حاشية السندي على سنن النسائي، ٥/ ٥٨].\n(٢) النسائي، الزكاة، باب جهد المقل، برقم ٢٥٢٥، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٠٣.\n(٣) النسائي، كتاب الزكاة، باب جهد المقل، برقم ٢٥٢٦، ٢٥٢٧، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٠٣.\n(٤) حاشية السندي على سنن النسائي، ٥/ ٥٨.\n(٥) أبو داود، كتاب الزكاة، بابٌ في الرخصة في ذلك، برقم ١٦٧٧، وأحمد، ٢/ ٣٥٨، وصححه ابن خزيمة، برقم ٢٤٤٤، وابن حبان، برقم ٣٣٣٥، والحاكم، ١/ ٤١٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٦٥.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>٥ - من أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى</span>؛ لحديث حكيم بن حزام - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله». ولفظ مسلم: «أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى: وابدأ بمن تعول» (٢). ومعنى قوله - ﷺ -: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنيًا بما بقي معه، وتقدير: أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنىً يعتمده صاحبها، ويستظهر به على مصالحه، وحوائجه، وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بجميع ماله؛ لأن من تصدق بالجميع يندم غالبًا، أو قد يندم إذا احتاج، ويودُّ أنه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنيًا، فإنه لا يندم عليها بل يُسرُّ بها (٣) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «والمعنى أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية» (٤) (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنىً، برقم ١٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة، وأن السفلى هي الآخذة، برقم ١٠٣٤.\n(٢) البخاري، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، برقم ٤٢٦.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٣١.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٢٩٦.\n(٥) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الصدقة بجميع المال، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب لا صدقة إلا عن ظهر غنىً، ومن تصدق وهو محتاجٌ، أو أهله محتاجٌ، أو عليه دينٌ، فالدين أحق أن يقضى: من الصدقة، والعتق، والهبة، وهو ردٌّ عليه، ليس له أن يتلف أموال الناس، وقال النبي - ﷺ -: «من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله» إلا أن يكون معروفًا بالصبر، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، كفعل أبي بكر - ﵁ - حين تصدق بماله، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي - ﷺ - عن إضاعة المال، فليس له أن يضيِّع أموال الناس بعلة الصدقة، وقال كعب ﵁: قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله - ﷺ -، قال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك». قلت: «فإني أمسك سهمي الذي بخيبر» [البخاري، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، قبل الحديث رقم ١٤٢٦]. قال الحافظ ابن حجر ﵀: «قال الطبري وغيره: من تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله، حيث لا دَين عليه، وكان صبورًا على الإضاقة، ولا عيال له، أو له عيال يصبرون أيضًا فهو جائز، فإن فُقِدَ شيء من هذه الشروط كره. وقال بعضهم: هو مردود، وروي عن عمر حيث رد على غيلان الثقفي قسمة ماله، ويمكن أن يحتج له بقصة المدبر الآتي ذكره؛ فإنه - ﷺ - باعه وأرسل ثمنه إلى الذي دبَّره؛ لكونه كان محتاجًا. وقال آخرون: يجوز من الثلث ويردُّ عليه الثلثان، وهو قول: الأوزاعي، ومكحول. ... وعن مكحول أيضًا يردُّ ما زاد على النصف.\nقال الطبري: والصواب عندنا الأول من حيث الجواز، والمختار من حيث الاستحباب أن يجعل ذلك من الثلث جمعًا بين قصة أبي بكر وحديث كعب والله أعلم». [فتح الباري، ٣/ ٢٩٥].\nوقال الإمام النووي ﵀: «وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله فمذهبنا أنه مستحب لمن لا دَين عليه، ولا له عيال لا يصبرون، بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة، والفقر، فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه». [شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٣١]. وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على الحديث رقم ١٤٢٦، من صحيح البخاري يقول:\n«... الإنسان لا يتصدق على الناس ويترك من أوجب عليه الله ... الإنفاق عليه، إلا إذا آثرت الأسرة ذلك، فإذا آثرت الزوجة، أو الولد الكبير على نفسه فلا بأس، وهكذا من كان عليه دَين فإذا كانت الصدقة تضر بالدين فيبدأ بالدين، وكذا الحج إذا كان لا يستطيع قضاء الدين ...».","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>٦ - ومن أفضل الصدقة ما يعطى الأقارب</span>؛ لحديث سلمان بن عامر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة» (١).\n_________\n(١) النسائي، برقم ٢٥٨١، والترمذي، برقم ٦٥٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي،\n٢/ ٢٢٣، وسيأتي تخريجه.","vol":"1","page":311},{"text":"وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله - ﷺ - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١)، قام أبو طلحة إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحبَّ أموالي إليَّ\nبَيرُحاء (٢) وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «بَخٍ (٣)، ذلك مال رابح (٤) ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين». فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه». وفي لفظ: «فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب» (٥).\nقال الإمام النووي ﵀: «وفي هذا الحديث من الفوائد ... أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين، وفيه أن القرابة يرعى\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٩٢.\n(٢) بيرحاء: حائط يسمى بهذا الاسم، وليس اسم بئر، شرح النووي، ٧/ ٨٩.\n(٣) بَخٍ: معناه تعظيم الأمر وتفخيمه، وهي كلمة تقال عند الإعجاب، [شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٩٠].\n(٤) مال رابح: ومعناه بهذا اللفظ ظاهر، وأما لفظ «رايح» في بعض الأوجه: فمعناه رايح عليك أجره ونفعه في الآخرة، [شرح النووي، ٧/ ٩١].\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، برقم ١٤٦١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، برقم ٩٩٨.","vol":"1","page":312},{"text":"حقها في صلة الأرحام، وإن لم يجتمعوا إلا في أبٍ بعيد؛ لأن النبي - ﷺ - أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين، فجعلها في أبي بن كعب وحسان ابن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع» (١).\nوعن ميمونة بنت الحارث ﵂ أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله - ﷺ -، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «لو أعطيتيها أخوالك كان أعظم لأجرك» (٢).\nقال الإمام النووي ﵀: «فيه فضيلة صلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب، وأنه أفضل من العتق ... وفيه الاعتناء بأقارب الأم إكرامًا بحقها، وهو زيادة في برها، وفيه جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها» (٣).\nوعن أبي سعيد - ﵁ - في قصة زينب امرأة ابن مسعود: أنها قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق بها، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقُّ من تصدقت به عليهم، فقال النبي - ﷺ -: «صدق ابن مسعود: زوجك وولدك أحقّ من تصدقت به عليهم» (٤)؛ ولحديث زينب الآخر، وفيه: أنها أرسلت بلالًا يسأل النبي\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٩١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الهبة، باب بمن يبدأ بالهبة، برقم ٥٩٤ ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، برقم ٩٩٩.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٩١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، برقم ١٤٦٢، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، والزوج، والأولاد، والوالدين ولو كانوا مشركين، برقم ١٠٠٠.","vol":"1","page":313},{"text":"- ﷺ -: أيجزئ عني أن أنفق على زوجي، وأيتام في حجري؟ فسأله فقال: «نعم، ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة». وفي لفظ مسلم: «لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة»؛ لأنها كان معها امرأة من الأنصار حاجتها حاجتها (١).\nقال الإمام النووي ﵀: «فيه الحث على الصدقة على الأقارب وصلة الأرحام، وأن فيها أجرين» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>٧ - أفضل النفقات النفقة على العيال والأهل والأقربين: </span>قال الله سبحانه: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٣). فأولى الناس بالإنفاق من الخير وأحقهم بالتقديم أعظمهم حقًّا عليك، وهم الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق ترك الإنفاق عليهما؛ ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين: الأقربون على اختلاف طبقاتهم: الأقرب، فالأقرب، على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليهم صدقة وصلة (٤).\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، برقم ١٤٦٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد، برقم ١٠٠٠.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٩٢.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢١٥.\n(٤) انظر: تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن، ص ٩٦.","vol":"1","page":314},{"text":"وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١).\nوقال سبحانه: ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (٤). وقال تعالى:\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (٥).\nوعن ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أفضل دينارٍ ينفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله». قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال، ثم قال: أبو قلابة: وأيُّ رجل أعظم أجرًا من رجلٍ ينفق على عيالٍ صغارٍ، يعفُّهم أو ينفعهم الله به، ويغنيهم» (٦).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٨٣، وانظر: سورة النساء، الآية: ٣٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٧، وانظر: سورة النساء، الآية: ٨.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ٢٦.\n(٤) سورة الروم، الآية: ٣٨، وانظر: سورة الشورى، الآية: ٢٣.\n(٥) سورة النحل، الآية: ٩٠.\n(٦) مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم، برقم ٩٩٤.","vol":"1","page":315},{"text":"على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك» (١).\nوعن عبد الله بن عمرو أنه قال لخازنه: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعطهم، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته» (٢).\nولفظ أبي داود: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يقوت» (٣).\nوعن جابر - ﵁ - قال: أعتق رجل من بني عُذْرة – من الأنصار – عبدًا له عن دُبرٍ، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: «ألك مال غيره؟» فقال: لا، فقال: «من يشتريه مني؟» فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله - ﷺ - فدفعها إليه، ثم قال: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فَضَلَ شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا، وهكذا» يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك» (٤).\nقال الإمام النووي ﵀: «في هذا الحديث فوائد منها:\nالابتداء بالنفقة بالمذكور على هذا الترتيب، منها: أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قدم الأوكد فالأوكد، ومنها أن الأفضل في صدقة التطوع أن ينوعها في جهات الخير، ووجوه البر بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها ...» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال ...، برقم ٩٩٥.\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال ...، برقم ٩٩٦.\n(٣) أبو داود، كتاب الزكاة، بابٌ في صلة الرحم، برقم ١٦٩٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٦٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأحكام، باب بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم، برقم ٧١٨٦، ٢١٤١، ٢٢٣٠، ٢٢٣١، ٢٤٠٣، ٢٤١٥، ٢٥٣٤، ٦٧١٦، ٦٩٤٧ ومسلم، كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس، ثم أهله، ثم القرابة، برقم ٩٩٧.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٨٧.","vol":"1","page":316},{"text":"وعن أم سلمة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله! هل لي أجر في بني أبي سلمة، أنفق عليهم ولست بتاركتهم، هكذا وهكذا، إنما هم بني؟ فقال: «نعم لك فيهم أجر ما أنفقت عليهم» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تصدقوا» فقال رجل: يا رسول الله! عندي دينار، قال: «تصدق به على نفسك» قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على زوجتك»، قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على ولدك»، قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على خادمك»، قال: عندي آخر: قال: «أنت أبصرُ به» (٢).\nوعن بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي، قال: قلت يا رسول الله، من أبرُّ؟ قال: «أمك»، قال: قلت: ثم مَن؟ قال: «أمك»، قال: قلت: ثم مَنْ؟ قال: «أمك»، قلت: ثم مَنْ؟ قال: «أباك»، قال: قلت: ثم مَنْ؟ قال: «ثم الأقرب فالأقرب» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: يا رسول الله! من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك» (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب النفقات، باب «وعلى الوارث مثل ذلك»، برقم ٥٣٦٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، برقم ١٠٠١.\n(٢) النسائي، برقم ٢٥٣٤، وأبو داود، برقم ١٦٩١، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٠٦، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٦٩، وتقدم تخريجه في زكاة الفطر.\n(٣) الترمذي، برقم ١٨٩٧، وأحمد برقم ٩٥٢٤، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٩٩، وتقدم تخريجه في زكاة الفطر.\n(٤) متفق عليه: واللفظ لمسلم، البخاري، برقم ٥٩٧١، ومسلم، برقم ٢٥٤٨، وتقدم تخريجه في زكاة الفطر.","vol":"1","page":317},{"text":"وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله - ﷺ -، فاستفتيت رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله! قدمت عليَّ أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم، صلي أمَّكِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>رابعًا: الإخلاص شرط في قبول الصدقات:</span>\nفلا تقبل الصدقة إلا إذا أريد بها وجه الله والدار الآخرة للأدلة المذكورة على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>١ - الإخلاص أعظم ما أمر الله به</span>، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>٢ - الإخلاص شامل لأنواع العبادات</span>، قال - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>٣ - إسلام الوجه لله: هو الإخلاص</span>، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٤).فإسلام الوجه إخلاص القصد والعمل لله، والإحسان فيه متابعة رسول الله - ﷺ - وسنته (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>٤ - الإخلاص يحصل به الأجر العظيم</span>، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الهدية للمشركين، برقم ٢٦٢٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج، والأولاد والوالدين، ولو كانوا مشركين، برقم ١٠٠٣.\n(٢) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٣) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(٥) مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٩٠.","vol":"1","page":318},{"text":"يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>٥ - الإخلاص تجارة رابحة</span>، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>٦ - الإخلاص تُوفَّى به الأجور</span>، قال سبحانه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>٧ - مضاعفة الحسنات للمنفقين المخلصين</span>، قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>٨ - الجزاء بأحسن من العمل</span>، قال - ﷾ - فيمن ينفقون النفقات إخلاصًا لله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>٩ - إنما الأعمال بالنيات</span>، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ...» (٦).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١١٤.\n(٢) سورة فاطر، الآيتان: ٢٩ - ٣٠.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٧٢.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٦٥.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ١٢١.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الوحي، برقم ١، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: إنما الأعمال بالنيات، برقم ١٩٠٧.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>١٠ - احتساب الرجل نفقة أهله صدقة</span>، عن أبي مسعود - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>١١ - بالإخلاص يحصل الأجر على فعل المباح</span>، قال النبي - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك» (٢).\n١٢ - إنما الدنيا لأربعة، عن أبي كبشة الأنماري - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه» قال: «ما نقص مالُ عبدٍ من صدقةٍ، ولا ظُلِمَ عبدٌ مظلمةً فصبر عليها إلا زاده الله عزًّا، ولا فتح عبدٌ باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقرٍ» أو كلمة نحوها «وأحدثكم حديثًا فاحفظوه»، قال: «إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبدٍ رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهو بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلانٍ، فهو بنيَّته، فأجرهما سواءٌ، وعبدٍ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا، لعملت فيه\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى، برقم ٥٥، ورقم ٤٠٠٦، رقم ٥٣٥١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد، برقم ١٠٠٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية، برقم ٥٦، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٨.","vol":"1","page":320},{"text":"بعمل فلانٍ، فهو بنيَّته، فَوِزْرُهما سواء» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>١٣ - يكتب للعبد المسلم ما نوى</span>، من فضل الله على عبده المؤمن أنه يكتب له ما نوى من الصدقات وغيرها إذا أخلص في النية؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - في غزوة تبوك: «لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ، إلا وهم معكم فيه»، قالوا: يا رسول الله! كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: «حبَسَهُمُ العذر» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>١٤ - إحسان الله العظيم إلى عباده المؤمنين</span>؛ فإنه يكتب لهم الحسنات بمجرد العزيمة والهم الصادق حتى ولو لم يعمل المسلم؛ قال - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ...» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>خامسًا: آداب الصدقة: للصدقة آداب عظيمة </span>منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>١ - الاحتساب </span>في كل ما ينفقه المسلم؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة» (٤).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، برقم ٢٣٢٥، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب النية، برقم ٤٢٢٨، وأحمد،٤/ ١٣٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٣٥.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو، برقم ٢٨٣٩، وأبو داود واللفظ له، كتاب الجهاد، باب الرخصة في القعود من العذر، برقم ٢٥٠٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، الرقاق، باب من هم بحسنة أو سيئة، برقم ٦٤٩١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت له ... برقم ١٣١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٣٥١، ومسلم، برقم ١٠٠٢، وتقدم تخريجه في الإخلاص شرط في قبول الصدقات.","vol":"1","page":321},{"text":"قال الإمام النووي ﵀: «فيه بيان أن المراد بالصدقة والنفقة المطلقة في باقي الأحاديث إذا احتسبها، ومعناه إذا أراد بها وجه الله تعالى، فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلًا، ولكن يدخل المحتسب» (١).\nوطريقة الاحتساب: أن ينفق بنية أداء ما أمره الله به من الإحسان إليهم، وبنية القيام بالواجب الذي أمره الله تعالى به، ابتغاء مرضاة الله، يرجو ثوابه عند مولاه الكريم، الذي أمدَّه بالمال، ثم يثيبه إذا أنفقه في طاعته، بنية صالحة.\n٢ – الإنفاق من المال الحلال الطيب؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:\n﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢)﴾. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (٣)﴾. ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك» (٤).\n\nقال الإمام النووي ﵀: «... فيه الحث على الإنفاق من الحلال، والنهي عن الإنفاق من غيره، وفيه: أن المأكول، والمشروب، والملبوس، ينبغي أن يكون حلالًا خالصًا لا شبهة فيه، وأن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره» (٥).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٩٣.\n(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٥١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٢.\n(٤) مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، برقم ٦٥ (١٠١٤).\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٠٤.","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>٣ – لا يحقرن من الصدقة شيئًا</span>، ولو شق تمرة، ولو فرسن شاة، وجاء في ذلك أحاديث، منها ما يأتي:\nالحديث الأول: حديث عدي بن حاتم - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربُّهُ، ليس بينه وبينه ترجمان [ولا حجاب يحجبه] فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة [ولو بكلمة طيبة]» (١).\nوفي لفظ: ذكر لنا رسول الله - ﷺ - النار، فأعرض، [وأشاح بوجهه] ثم قال: «اتقوا النار»، ثم أعرض وأشاح [بوجهه] حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها، ثم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة». وفي لفظ للبخاري: ذكر النبي - ﷺ - النار، فتعوذ منها وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار، فتعوذ منها وأشاح بوجهه [ثلاثًا] ثم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يكن فبكلمة طيبة» (٢).\nوذكر النووي ﵀: أن شق تمرة: نصفها، وجانبها، وفيه الحث على الصدقة، وأنه لا يُمتنع منها لقلتها، وأن قليلها سبب للنجاة من النار، وأن الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار، وهي الكلمة التي فيها تطييب قلب\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة، برقم ١٤١٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار، برقم ١٠١٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤١٣، ١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢، ومسلم، برقم ٦٨ ١٠١٦) وتقدم تخريجه في الذي قبله.","vol":"1","page":323},{"text":"الإنسان إذا كانت مباحة أو طاعة (١) (٢).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وفيه الحث على الصدقة، وقبول الصدقة، ولو قلَّت، وقد قُيِّدَت في الحديث بالكسب الطيب، وفيه إشارة إلى ترك احتقار القليل من الصدقة وغيرها» (٣).\nالحديث الثاني: حديث أم بجيد ﵂، وكانت ممن بايع رسول الله - ﷺ -، أنها قالت: يا رسول الله! صلى الله عليك، إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئًا أعطيه إيَّاه؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: «إن لم تجدي له شيئًا تعطينه إيَّاه إلا ظلفًا (٤) محرقًا فادفعيه إليه في يده» (٥).\nالحديث الثالث: حديث أبي ذر - ﵁ -، قال: قال لي النبي - ﷺ -: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْقٍ» (٦).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي، ٧/ ١٠٦.\n(٢) وقوله: «أشاح بوجهه» قيل نحاه وعدل به، وصد وانكمش، وصرف وجهه كالخائف أن تناله، وقال الأكثرون: المشيح: الحذر، والجاد في الأمر، وقيل: المقبل، وقيل: الهارب، وقيل: المقبل إليك، المانع لما وراء ظهره، فأشاح هنا يحتمل هذه المعاني: أي حذر النار كأنه يراها، أو جد في الإيضاح بإيقانها، أو أقبل إليك خطابًا، أو أعرض كالهارب. شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٠٦، وفتح الباري، ١١/ ٤٠٥.\n(٣) فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ٤٠٥.\n(٤) «ظلفًا» الظلف للبقر والغنم كالحافر للفرس، والبغل، والخف للبعير، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ١٥٩.\n(٥) أبو داود، كتاب الزكاة، باب حق السائل، برقم ١٦٦٧، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في حق السائل، برقم ٦٦٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٦٤، وفي صحيح سنن الترمذي، ١/ ٣٥٩.\n(٦) مسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء، برقم ٢٦٢٦.","vol":"1","page":324},{"text":"الحديث الرابع: حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: «يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارةٌ لجارتها ولو فِرسِنِ (١) شاةٍ» (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير، وقبوله، لا إلى حقيقة الفرسن؛ لأنه لم تجرِ العادة بإهدائه، أي لا تمنع جارة من الهدية لجارتها الموجود عندها؛ لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر، وإن كان قليلًا، وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير؛ لأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت» (٣).\nالحديث الخامس: حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لو دعيت إلى كُراعٍ لأجبت، ولو أُهدي إليَّ كُراعٌ لقبلت» (٤).\nالحديث السادس: حديث عائشة ﵂ أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) فرسن: عظم أو عُظيم قليل اللحم، وهو خفُّ البعير، كالحافر للدابة، وقد يستعار للشاة، فيقال: فرسن شاةٍ، والذي للشاة: هو الظلف، والنون زائدة، وقيل: أصلية. النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ٣/ ٤٢٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الهبة، باب الهبة وفضلها والتحريض عليها، برقم ٢٥٦٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بالقليل، ولا تمنع من القليل لاحتقاره، برقم ١٠٣٠.\n(٣) فتح الباري، لابن حجر، ٥/ ١٩٨.\n(٤) البخاري، كتاب النكاح، باب من أجاب إلى كُراع، برقم ٥١٧٨، ولفظه في كتاب الهبة، برقم ٢٥٦٨: «لو دعيت إلى ذراع أو كُراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلت» وخص الذراع بالذكر، ليجمع بين الحقير والخطير؛ لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له، وفي المثل: «أعط العبد كراعًا يطلب منك ذراعًا» فتح الباري، لابن حجر، ٥/ ٢٠٠.","vol":"1","page":325},{"text":"فقال: «إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار» (١).\nالحديث السابع: حديث جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - في صدر النهار، قال: فجاء قومٌ حفاةٌ، عراةٌ مجتابي النمار (٢) أو العباءَ، متقلدي السيوف، عامتهم من مُضَر، فتمعَّر وجهُ رسول الله - ﷺ -؛ لما رأى ما بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذَّن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: «﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾» (٣).\nوالآية التي في سورة الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٤). تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاعِ بُرِّه، من صاع تمره، حتى قال: «ولو بشق تمرة» قال فجاء رجل من الأنصار بصُرَّةٍ كادت كفُّهُ تعجزُ عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كَوْمين من طعام، وثياب، حتى رأيت وجْهَ رسول الله - ﷺ - يتهلَّلُ كأنهُ مُذْهَبَةٌ (٥)، فقال رسول الله - ﷺ -: «من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنةً فله أجرُهَا، وأجرُ من عمل بها بعده، من غير أن يَنْقُصَ من\n_________\n(١) مسلم، برقم ٢٦٣٠، وتقدم في فضل الصدقة مع حديثها الآخر في التمرتين المتفق على صحته، البخاري، رقم ١٤١٨، ومسلم، برقم ٢٦٢٩.\n(٢) مجتابي النمار أو القباء: النَّمار جمع نمرة، وهي ثياب صوف فيها تنمير، والعَباء جمع عباءة وعباية لغتان، ومجتابي: أي خرقوها وقوروا وسطها، وتمعَّر: تغير. شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٠٧.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١.\n(٤) سورة الحشر، الآية: ١٨.\n(٥) قوله: «يتهلل»: أي يستنير فرحًا وسرورًا، وقوله: «مذهبة» معناه: فضة مذهبة، فهو أبلغ في حسن الوجه، وإشراقه، وقيل غير ذلك. شرح النووي، ٧/ ١٠٨.","vol":"1","page":326},{"text":"أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وِزْرُها وَوِزْرُ من عَمِلَ بها من بعده، من غير أن ينقُصَ من أوزارهِمْ شيء» (١).\nوفيه من الفوائد: جمع الناس للأمور المهمة، ووعظهم، وحثهم على مصالحهم، وتحذيرهم من القبائح، وفيه سرور النبي - ﷺ - بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله - ﷺ - ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البر والتقوى، وفيه الحث على الابتداء بالخيرات، وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات، وسبب هذا الكلام في آخر الحديث أنه قال في أوله: فجاء رجل بصرة كادت يده أن تعجز عنها، فتتابع الناس وكان الفضل العظيم للبادئ بهذا الخير، والفاتح لباب هذا الإحسان (٢).\nالحديث الثامن: حديث أبي مسعود - ﵁ - قال: لما نزلت آية الصدقات كنا نُحامِلُ، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزلت:\n﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٣). وفي رواية: «لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل (٤) فجاء أبو عقيل [فتصدق] بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه فقال\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار، برقم ١٠١٧.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٠٧ – ١٠٩.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٧٩.\n(٤) نحامل: وفي الرواية الثانية: كنا نحامل على ظهورنا، معناه نحمل على ظهورنا بالأجرة ونتصدق من تلك الأجرة، أو نتصدق بها كلها، [شرح النووي على صحيح مسلم]، ٧/ ١١٠.","vol":"1","page":327},{"text":"المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياءً، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (١). وفي هذا الحديث من الفوائد: التحريض على الاعتناء بالصدقة، وأن المسلم إذا لم يكن له مال يتوصل إلى تحصيل ما يتصدق به: من حملٍ، أو غيره من الأسباب (٢)، وفيه أنه لا ينبغي أن تحتقر الصدقة بالقليل، ولا يعاب على من تصدق بما يستطيع ولو كان قليلًا، وأن من عاب عليه يتصف بصفة من صفات المنافقين، وفيه فضل الصحابة - ﵃ -، وحرصهم على الخير، حتى بالحمل على ظهورهم؛ ليتصدقوا بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>٤ - المسارعة والمسابقة في إخراج الصدقة</span>؛ للأحاديث الآتية:\nالحديث الأول: حديث عتبة بن الحارث - ﵁ -، قال: صليت وراء النبي - ﷺ - بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجر نسائه، ففزِعَ الناسُ من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: «ذكرت [وأنا في الصلاة] شيئًا من تِبْرٍ (٣) عندنا، فكرهت أن يحبسني [وفي رواية]: أن يمسي أو يبيت عندنا، فأمرت\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة، برقم ١٤١٥، وكتاب التفسير، باب ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ يلمزون؟؟: يعيبون، جهدهم؟؟ طاقتهم. برقم ٤٦٦٨، ٤٦٦٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحمل بأجرة يتصدق بها، والنهي الشديد عن تنقيص المتصدق، برقم ١٠١٨.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١١٠.\n(٣) تبر: التبر هو الذهب والفضة، قبل أن يضربا دنانير ودراهم، فإذا ضربا كانا عينًا. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ١٧٩.","vol":"1","page":328},{"text":"بقسمته» (١).\nوفي هذا الحديث من الفوائد: أن الخير ينبغي أن يُبادر به، فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمن، والتسويف غير محمود، والإسراع: أبرأ للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم، وأرضى للرب، وأمحى للذنب (٢)، وأعظم للأجر.\nالحديث الثاني: حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو كان لي مثل أُحدٍ ذهبًا ما يسرني ألا يمرُّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين» (٣).\nالحديث الثالث: حديث أبي ذر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «ما أحب أن أُحدًا ذاك عندي ذهبٌ أمسي ثالثة عندي منه دينار، إلا دينارًا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله: هكذا» حثا بين يديه «وهكذا» عن يمينه «وهكذا» عن شماله، ... «إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال: هكذا، وهكذا، وهكذا» مثل ما صنع في المرة الأولى ...» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>٥ – الإنفاق سرًّا وعلانية </span>رجاء الأجر الكبير من الله تعالى، وينوي\n_________\n(١) البخاري، كتاب الزكاة، باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها، برقم ١٤٣٠، وهو أيضًا في كتاب الأذان، برقم ٨٥١، وفي كتاب الاستئذان، برقم ٦٢٧٥.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٢٩٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستقراض، باب أداء الديون، برقم ٢٣٨٩، ورقم ٧٢٨٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، برقم ٩٩١.\n(٤) متفق عليه: كتاب الاستئذان، باب من أجاب بلبيك، رقم ٦٢٦٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة، برقم ٩٤.","vol":"1","page":329},{"text":"بصدقة العلانية دفع غيره؛ ليقتدي به، فيحصل على مثل أجره، وقد جاءت الآيات القرآنية تبين ذلك، وفيها الحث على الصدقة في السر والعلانية، ومنها، الآيات الآتية:\nالآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١).\nالآية الثانية: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢).\nالآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٣).\nالآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ (٤).\nالآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٧١.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٤.\n(٣) سورة الرعد، الآية: ٢٢.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٣١.","vol":"1","page":330},{"text":"يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).\nالآية السادسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (٢).\nفهذه الآيات فيها الثناء على من أنفق حيث دعت الحاجة سرًّا وعلانية، من النفقات الواجبة، والمستحبة، والزكاة الواجبة، والصدقات المستحبة، والله تعالى أعلم (٣).\nوأما الأحاديث في الإنفاق في السر والعلانية وفي الليل والنهار، فهي كثيرة، ومنها، الأحاديث الآتية:\nالحديث الأول: حديث جرير بن عبد الله - ﵁ -، وفيه: أن قومًا أتوا إلى النبي - ﷺ -: حفاة عراة، فتمعَّر وجه رسول الله - ﷺ -؛ لما رأى ما بهم من الحاجة، ثم أمر بالأذان والإقامة، وصلَّى، ثم خطب الناس، وأمرهم بالصدقة على حسب طاقتهم، فتصدق كل إنسان على حسب قدرته، وتصدق رجل بصرِّة عظيمة كادت أن تعجز عنها يده، فتتابع الناس في الصدقة، بعدما رأوا هذا الرجل وصدقته، فقال النبي - ﷺ -: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ...» (٤).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٧٥.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ٢٩.\n(٣) تفسير السعدي في عدة مواضع، ومنها ص ٤١٧.\n(٤) مسلم، برقم ١٠١٧، وتقدم تخريجه في عدم احتقار الصدقة ولو قلت، أما هذا اللفظ في هذا الموضع فقد سقته بالمعنى، للاكتفاء باللفظ السابق.","vol":"1","page":331},{"text":"الحديث الثاني: حديث عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (١).\nالحديث الثالث: حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (٢).\nالحديث الرابع: حديث أبي هريرة - ﵁ - في السبعة الذين يظلهم الله في ظله، وفيه:: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٣).\nالحديث الخامس: حديث معاوية بن حيدة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال:: «إن صدقة السر تطفئ غضب الرب» (٤).\nالحديث السادس: حديث عقبة بن عامر - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن كالمسرِّ بالصدقة» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب اغتباط صاحب القرآن، برقم ٥٠٢٥، وفي كتاب التوحيد، باب قول النبي - ﷺ -: «رجل آتاه الله القرآن»، برقم ٧٥٢٩، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، برقم ٨١٥. ولفظ البخاري: «يتلوه آناء الليل وآناء النهار».\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة، برقم ٧٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، برقم ٨١٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٢٣، ومسلم، برقم ١٠٣١، وتقدم تخريجه.\n(٤) الطبراني في الكبير، ١٩/ ٤٢١ برقم ١٠١٨، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب،\n١/ ٥٣٢ـ وتقدم تخريجه.\n(٥) النسائي، كتاب الزكاة، باب المسر بالصدقة، برقم ٢٥٦٠، والترمذي، كتاب ثواب القرآن باب حدثنا محمود بن غيلان، برقم ٢٩١٩، وأحمد، ٤/ ١٥١، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢١٥، وغيره، وقال الإمام ابن باز في حاشيته على بلوغ المرام، قبل الحديث رقم ١٤٧٩: «بإسناد جيد».","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>٦ – الإنفاق مما يحب </span>المتصدق؛ للأدلة الآتية:\nالدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١).\nالدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢).\nالدليل الثالث: حديث عوف بن مالك - ﵁ -، قال: دخل علينا رسول الله - ﷺ - المسجد وبيده عصا وقد علَّق رجل قِنو حشفٍ، فجعل يطعن بالعصا في ذلك القنو وقال: «لو شاء رب هذه الصدقة تصدَّق بأطيب منها» وقال: «إن رب هذه الصدقة يأكل حشفًا يوم القيامة» (٣).\nالدليل الرابع: حديث وائل بن حجر، وفيه أن رجلًا أعطى في الصدقة بعيرًا مهزولًا، فقال النبي - ﷺ -: «... اللهم لا تبارك فيه ولا في إبله» فبلغ ذلك الرجل فجاء بناقة حسناء، فقال: أتوب إلى الله - ﷿ - وإلى نبيه - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: «اللهم بارك فيه وفي إبله» (٤). وهذا الحديث وإن كان في زكاة الفريضة، ولكن\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٩٢.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.\n(٣) النسائي، برقم ٢٤٩٢، وأبو داود، برقم ١٦٠٨، وابن ماجه، برقم ١٤٨٦ – ١٨٤٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٤٧، وتقدم تخريجه في زكاة الخارج من الأرض.\n(٤) النسائي، برقم ٢٤٥٧، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ١٨٥، وتقدم تخريجه في زكاة بهيمة الأنعام.","vol":"1","page":333},{"text":"ينبغي الإنفاق من الطيب.\nالدليل الخامس: قصة أبي طلحة - ﵁ -، وأنه تصدق بأحب أمواله إليه، وهي بيرحاء، فقال النبي - ﷺ -: «بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>٧ - عدم الإيكاء</span>، لمنع الصدقة، ولا يعدها، فيستكثرها، وعدم الجمع للأموال بدون نفقة؛ لحديث أسماء بنت أبي بكر ﵂، قالت: قال لي النبي - ﷺ -: «لا توكي فيُوكى عليك» (٢). وفي رواية: «لا تحصي فيحصي الله عليك» (٣). وفي رواية: «لا توعي فيوعي الله عليك، ارضخي ما استطعتِ» (٤). وفي رواية أنها قالت: يا رسول الله! ما لي مالٌ إلا ما أدخل علي الزبير فأتصدق؟ قال: «تصدقي، ولا توعي فيوعي الله عليك» (٥).\nوفي رواية: «أنفقي، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك» (٦). وفي رواية لمسلم: «انفحي، أو انضحي، أو أنفقي، ولا تحصي فيُحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك» (٧) (٨).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٦١، ومسلم، برقم ٩٩٨، وتقدم تخريجه في أفضل الصدقة: ما يعطى الأقربين.\n(٢) طرف الحديث في البخاري، رقم ١٤٣٣.\n(٣) طرف الحديث في البخاري، رقم ١٤٣٣.\n(٤) طرف الحديث في البخاري، رقم ١٤٣٤.\n(٥) طرف الحديث في البخاري، رقم ٢٥٩٠.\n(٦) طرف الحديث في البخاري، رقم ٢٥٩١.\n(٧) لفظ مسلم، برقم ١٠٢٩.\n(٨) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها، برقم ١٤٣٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الإنفاق وكراهية الإحصاء، برقم ١٠٢٩.","vol":"1","page":334},{"text":"وقوله - ﷺ -: «لا توكي فيوكى عليك» الإيكاء: شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به.\nوقوله - ﷺ -: «لا تحصي» الإحصاء معرفة قدر الشيء: وزنًا، أو عدًّا، وهو من باب المقابلة، والمعنى النهي عن منع الصدقة خشية النفاد؛ فإن ذلك أعظم لأسباب قطع مادة البركة؛ لأن الله يثيب على العطاء بغير حساب، ومن لا يحسب عند الجزاء لا يحسب عليه عند العطاء، ومن علم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب فحقه أن يُعطي ولا يحسب، وقيل: المراد بالإحصاء عدّ الشيء؛ لأن يدخر ولا ينفق منه، وأحصاه الله: قطع البركة عنه، أو حبس مادة الرزق أو المحاسبة عليه في الآخرة (١).\nقوله - ﷺ -: «ولا توعي فيوعي الله عليك» والمعنى: لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازي بمثل ذلك (٢).\nقوله: - ﷺ -: «ارضخي ما استطعت» الرضخ: العطاء اليسير، فالمعنى: أنفقي بغير إجحاف، مادمت قادرة مستطيعة (٣).\nقوله في رواية مسلم: «انفحي» النفح الضرب والرمي بالعطاء (٤).\nقال النووي ﵀: «ولا تحصي فيحصي الله عليك ويوعي عليك» ومعناه: يمنعك كما منعتِ، ويقتر عليك كما قترتِ، ويمسك\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٣٠٠.\n(٢) فتح الباري، ٥/ ٢١١.\n(٣) فتح الباري، ٣/ ٣٠١.\n(٤) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٨٩.","vol":"1","page":335},{"text":"فضله عليك كما أمسكتيه، وقيل: معنى «لا تحصي» أي: لا تعديه فتستكثريه فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك (١). وفيه: الحث على النفقة في العطاء، والنهي عن الإمساك والبخل، وعن ادخار المال في الوعاء، وعن الإحصاء لمقدار الصدقة وعدها (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «الإحصاء هو عدّ ما أظهره من الصدقة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>٨ - عدم الحرص على المال</span>، وحطام الدنيا الزائلة؛ للأحاديث الآتية:\nالحديث الأول: حديث أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «قلب الشيخ شاب على حبِّ اثنتين: طول الحياة، وحب المال» (٤).\nالحديث الثاني: حديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يهرم ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر». ولفظ البخاري: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: حب المال وطول العمر» (٥).\nالحديث الثالث: حديث أنس - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لو كان لابن آدم واديًا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». وفي لفظ لمسلم: «لو كان لابن آدم\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٢٥، وانظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٦/ ٤٧٤.\n(٢) انظر: شرح النووي، ٧/ ١٢٤.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٤٣٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، برقم ٦٤٢٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، برقم ١١٤ ١٠٤٦.\n(٥) متفق عليه في الكتابين والبابين السابقين: البخاري، برقم ٦٤٢١، ومسلم، برقم ١٠٤٧.","vol":"1","page":336},{"text":"واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» (١).\nالحديث الرابع: حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب».وفي لفظ للبخاري: «ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب ...».ولفظ عند مسلم: «ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب ...» (٢).\nفي الأحاديث السابقة من الفوائد: أن قلب الشيخ الكبير كامل الحب للمال محتكم في ذلك كاحتكام قوة الشباب في شبابه، وفيها ذم الحرص على الدنيا وحب المكاثرة بها، والرغبة فيها، ولايزال حريصًا على الدنيا حتى يموت (٣). فإذا مات كان من شأنه أن يدفن، فإذا دفن صُبَّ عليه التراب، فملأ تراب قبره جوفه، وفاه، وعينيه، ولم يبق منه موضع يحتاج إلى تراب، والله المستعان (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول في تقريره على هذه الأحاديث: «والمقصود من هذا كله: الحذر من الانشغال بالمال، والفتنة بالمال، وأن المؤمن ينبغي أن يكون أكبر همه العمل للآخرة، وألا يُشغل\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة الدنيا، وقوله تعالى:\n﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] برقم ٦٤٣٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، برقم ١٠٤٨.\n(٢) متفق عليه في الكتابين والبابين السابقين: البخاري، برقم ٦٤٣٦، ٦٤٣٧، ومسلم، برقم ١٠٤٩. وجاء من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - عند مسلم، برقم ١٠٥٠.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٤٥ - ١٤٦.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ١١/ ٢٥٦.","vol":"1","page":337},{"text":"بالدنيا وشهواتها؛ فهو لم يخلق لها، [إنما] خلق، ليعمل فيها للآخرة، فلا ينبغي أن يُشغل بها عمَّا خلق له» (١).\nالحديث الخامس: حديث عمرو بن عوف الأنصارى أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله - ﷺ - صالح أهل البحرين وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمالٍ من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافت (٢) صلاة الصبح مع النبي - ﷺ -، فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرَّضوا له، فتبسم رسول الله - ﷺ - حين رآهم، وقال: «أظنُّكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء» قالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فأبشروا وأمِّلُوا (٣) ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها (٤) كما تنافَسُوها، وتُهلككم كما أهلكتهم» (٥).\nوفي رواية للبخاري: «وتُلهيكم كما ألهتهم» (٦).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٤٣٥ - ٦٤٤٠، وكان فجر الأربعاء في ١٧/ ١٠/١٤١٩هـ قبل موته ﵀ بشهرين؛ فإنه توفي يوم الخميس ٢٠/ ١/١٤٢٠هـ.\n(٢) فوافت: أي أتت، يقال: وافيته موافاةً: أتيته، ووافيت القوم: أتيتهم. المصباح المنير، ٢/ ٦٦٧، والقاموس المحيط، ص ١٧٣١.\n(٣) أمِّلوا: هذا أمر بالرجاء يقال: أمَلَهُ أملًا، وأمَّلهُ: رجاه وترقبه. القاموس المحيط، ص ١٢٤٤، والمصباح المنير، ١/ ٢٢، والمعجم الوسيط، ١/ ١١٣.\n(٤) فتنافسوها: أي تتحاسدون فيها فتختلفون، وتتقاتلون فيُهلك بعضكم بعضًا. انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٧/ ١١٣.\n(٥) الحديث ٣١٥٨، طرفاه في: كتاب المغازي، باب ٥/ ٢٣، برقم ٤٠١٥، وكتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ٧/ ٢٢١، برقم ٦٤٢٥. وأخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، ٤/ ٢٢٧٣، برقم ٢٩٦١.\n(٦) من الطرف رقم ٦٤٢٥.","vol":"1","page":338},{"text":"ظهر في مفهوم هذا الحديث التحذير من التنافس في الدنيا؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: «وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين» (١)؛ «لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه، فتمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة، المفضية إلى الهلاك» (٢).\nوقوله - ﷺ -: «وتلهيكم كما ألهتهم»، دليل على أن الانشغال بالدنيا فتنة، قال الإمام القرطبي ﵀: «تلهيكم» أي تشغلكم عن أمور دينكم وعن الاستعداد لآخرتكم (٣)، كما قال الله - ﷿ -: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (٤).\nوهذا يؤكد للمسلم أن التنافس في الدنيا والانشغال بها شرٌّ وخطرٌ؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض»، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا»، ثم قال: «إن هذا المال خَضِرةٌ حُلوةٌ ... من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» وفي لفظ لمسلم: «... إن هذا المال خضِرٌ حلوٌ، ونعم صاحب المسلم هو، لمن أعطى منه المسكين واليتيم، وابن السبيل»، أو كما قال رسول الله - ﷺ -، «وإنه من\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٣٦٣.\n(٢) فتح الباري، ١١/ ٢٤٥.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٧/ ١٣٣.\n(٤) سورة التكاثر، الآيتان: ١ - ٢.","vol":"1","page":339},{"text":"يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، [ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة]» (١).\nوعن عمرو بن العاص - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «نعم المال الصالح للمرء الصالح» (٢).\nوعن قيس بن حازم قال: دخلنا على خباب - ﵁ - نعوده ... فقال: «إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، ولولا أن النبي - ﷺ - نهانا أن ندعو بالموت لدعوتُ به»، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له فقال: «إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب» (٣).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة» (٤)، وذكر ﵀ آثارًا كثيرة في ذم البنيان ثم قال: «وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لا بد منه للتوطن وما يقي البرد والحر» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ٧/ ٢٢٢، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، ٢/ ٧٢٧، برقم ١٠٥٢، وما بين المعكوفين من رواية مسلم.\n(٢) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٢٩٩، وقال العلامة ابن باز ﵀ في حاشيته على بلوغ المرام، حديث ٦١٩: «بإسناد صحيح». وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ١٢٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، ٧/ ١٢، برقم ٥٦٧٢، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به، ٤/ ٢٠٦٤، برقم ٢٦٨١.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ١٢٩.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٩٣.","vol":"1","page":340},{"text":"وقد بين الله - ﷿ - حقيقة الدنيا:\nفقال - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا* الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٣).\nولا شك أن الإنسان إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه، فعن معقل بن يسار - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غِنىً وأملأ يديك رزقًا، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقرًا وأملأ يديك شغلًا» (٤).\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ٢٤.\n(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٠.\n(٣) سورة الكهف، الآيتان: ٤٥ - ٤٦.\n(٤) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٢٦، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة،\n٣/ ٣٤٧: «وهو كما قالا». وصححه في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٥.","vol":"1","page":341},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسد فقرك» (١). قال ذلك عندما تلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾ (٢).\nولا شك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة.\nوعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كانت الدنيا همه فَرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (٣).\nوقد ذم الله الدنيا إذا لم تستخدم في طاعة الله - ﷿ -، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالمٌ، أو متعلمٌ» (٤)، وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله - ﷿ - (٥)؛\n_________\n(١) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا قتيبة، ٤/ ٦٤٢، برقم ٢٤٦٦، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، ٢/ ١٣٧٦، برقم ٤١٠٨، وأحمد، ٢/ ٣٥٨، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٤٤٣، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، ٣/ ٣٤٦. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٦، وفي صحيح الترمذي، ٢/ ٥٩٣.\n(٢) سورة الشورى، الآية: ٢٠.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، ٤/ ١٣٧٥، برقم ٤١٠٥، وصحح الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٠، وصحيح الجامع، ٥/ ٣٥١.\n(٤) الترمذي بلفظه، كتاب الزهد، باب: حدثنا محمد بن حاتم، ٤/ ٥٦١، برقم ٢٣٢٢، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، ٢/ ١٣٧٧ برقم ٤١١٢، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤، برقم ٧١، و١/ ٦، برقم ٧.\n(٥) قوله: «وما والاه» أي: ما يحبه الله من أعمال البر وأفعال القرب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات، والفاضلات ومستحسنات الشرع. وقوله: «وعالم أو متعلم» والرفع فيها على التأويل: كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يُحمدُ مما فيها «إلا ذكر الله، وما والاهُ، وعالمٌ أو متعلم» والعالم والمتعلم: العلماء بالله الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول وما لا يتعلق بالدين، انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١٠/ ٣٢٨٤ - ٣٢٨٥، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ٩/ ٣١، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ٦١٣.","vol":"1","page":342},{"text":"ولهوانها على الله - ﷿ - لم يبلِّغ رسوله - ﷺ - فيها وهو أحب الخلق إليه، فقد مات - ﷺ - ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير (١)، ومما يزيد ذلك وضوحًا وبيانًا حديث سهل بن سعد - ﵁ - يرفعه: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (٢). فينبغي للداعية أن لا ينافس في الدنيا، ولا يحزن عليها، وإذا رأى الناس يتنافسون في الدنيا، فعليه تحذيرهم، وعليه مع ذلك أن ينافسهم في الآخرة. والله المستعان.\nالحديث السادس: حديث مطرف عن أبيه - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: «يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» (٣).\nالحديث السابع: حديث أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «يقول العبد: مالي، مالي، إنما له من ماله ثلاثة: ما أكل فأفنى، أو لبس\n_________\n(١) انظر: البخاري، كتاب البيوع، باب شراء الطعام إلى أجل، ٣/ ٤٦، برقم ٢٢٠٠، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر، ٣/ ١٢٢٦، برقم ١٦٠٣.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله - ﷿ -، وقال: «حديث صحيح»،\n٤/ ٥٦٠، برقم ٢٣٢٠، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، ٤/ ١٣٧٦ برقم ٤١١٠، وصححه الألباني، في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٠، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٣، ورواه ابن المبارك في الزهد والرقائق عن رجال من أصحاب النبي - ﷺ -، برقم ٤٧٠.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٨.","vol":"1","page":343},{"text":"فأبلى، أو أعطى فأقنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس» (١).\nالحديث الثامن: حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «أيكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحبُّ إليه، قال: «فإن ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخَّر» (٢).\nالحديث التاسع: حديث عائشة ﵂: أنهم ذبحوا شاةً فقال النبي - ﷺ -: «مَا بَقيَ منها؟» قالت: ما بقيَ منها إلا كَتِفُهَا، قال - ﷺ -: «بَقِيَ كُلُّها غَيرَ كَتِفِهَا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>٩ - التوسط في الصدقة: </span>فلا إسراف، ولا تقتير؛ لقول الله - ﷾ -:\n﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٤).\nفإذا أنفقوا النفقات الواجبة، أو المستحبة، لم يسرفوا بأن يزيدوا على الحد فيدخلوا في قسم التبذير، وإهمال الحقوق الواجبة، ولم يقتروا فيدخلوا في باب البخل والشح، ولكن إنفاقهم بين الإسراف والتقتير، يبذلون في الواجبات، من الزكوات، والكفارات، والنفقات الواجبة والمستحبة، وفيما ينبغي على الوجه الذي ينبغي، من غير ضرر ولا ضرار، وهذا من عدلهم واقتصادهم (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٩.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له، برقم ٦٤٤٢.\n(٣) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب قوله - ﷺ - في الشاة، برقم ٢٤٧٠، وقال «حديث صحيح»، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٩٥.\n(٤) سورة الفرقان، الآية: ٦٧.\n(٥) انظر: تفسير السعدي، ص ٥٨٦.","vol":"1","page":344},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا* وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>سادسًا: صدقة إطعام الطعام </span>ثوابها عظيم: وهي على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>١ - الإطعام لوجه الله تعالى </span>ثوابه كبير، قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>٢ - اقتحام العقبة من أسبابه إطعام المساكين</span>، قال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ *فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>٣ - إطعام الجائع فيه الثواب العظيم</span>، عن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فكُّوا العاني - يعني الأسير - وأطعموا الجائع، وعودوا المريض» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>٤ - إطعام الطعام من أسباب دخول الجنة</span>، عن عبد الله بن سلام - ﵁ - قال: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة انجفل الناس قِبَلَه، وقيل: قدم رسول الله\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآيات: ٢٦ - ٣٠.\n(٢) سورة الإنسان، الآيتان: ٨ - ٩.\n(٣) سورة البلد، الآيات: ١١ - ١٦.\n(٤) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، برقم ٣٠٤٦.","vol":"1","page":345},{"text":"- ﷺ -، قدم رسول الله - ﷺ -، قدم رسول الله - ﷺ -، ثلاثًا، فجئت في الناس؛ لأنظر، فلما تبيَّنتُ وجهه عرفتُ أن وجه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته أن قال: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>٥ – أعد الله الغرف العاليات، لمن أطعم الطعام</span>، وأفشى السلام، وألان الكلام، وتابع الصيام المشروع، وصلى بالليل والناس نيام؛ لحديث أبي مالك الأشعري عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن في الجنة غُرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله لمن: أطعم الطعام، [وأفشى السلام]، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام»] (٢)، وهذا الحديث العظيم فيه حث على هذه الخصال الكريمة، منها: إطعام الطعام: للأضياف، والعيال، والفقراء، ونحوهم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>٦ – خير الإسلام إطعام الطعام </span>وإفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف؛ لحديث عبد الله بن عمرو، أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، برقم ٣٢٥١، واللفظ له، والترمذي، كتاب صفة القيامة، بابٌ حدثنا محمد بن بشَّار، برقم ٢٤٨٥، وقال: «هذا حديث حسن صحيح» وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٢٣٩.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند، ٥/ ٣٤٣، والطبراني في الكبير، ٣/ ٣١٠، برقم ٣٤٦٦، ورقم ٣٤٦٧، وابن حبان في صحيحه، ٢/ ٢٦٢، برقم ٥٠٩، والبغوي في شرح السنة، ٤/ ٤٠، برقم ٩٢٧، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥٦١: «صحيح لغيره»، وروى الترمذي نحوه في سننه عن علي - ﵁ -، برقم ٢٥٢٧، ورقم ١٩٨٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣١١.\n(٣) انظر: شرح هذه الخصال، فقه الدعوة في صحيح البخاري، ٢/ ٧٧٢ للمؤلف.","vol":"1","page":346},{"text":"تعرف» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>٧ - ثواب إطعام الطعام عند الله تعالى </span>يوم القيامة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله - ﷿ - يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا ربِّ كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>٨ - خصال دخول الجنة في يومٍ، منها إطعام المسكين</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أصبح اليوم منكم صائمًا؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن اتبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟» قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله - ﷺ -: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» (٣).\nولفظ البخاري في الأدب المفرد: «ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة» (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام، برقم ١٢، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، برقم ٣٩.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل عيادة المريض، برقم ٢٥٦٩.\n(٣) مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل من ضم إلى الصدقة غيرها من أنواع البر، برقم ١٠٢٨.\n(٤) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٥١٥، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ١٩٥.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>٩ - إطعام الجائع وإسقاء الظمآن </span>من أسباب دخول الجنة؛ لحديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! علمني عملًا يدخلني الجنة، قال: «إن كنت أقْصَرْتَ الخطبة لقد أعْرضت المسألة: أعتق النّسمة، وفُكَّ الرقبة، فإن لم تُطِق ذلك، فأطعم الجائع، وأسْقِ الظمآن» الحديث (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>١٠ - إدخال السرور على المؤمن </span>المسكين بإطعامه سبب لدخول الجنة؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إدخالك السرور على مؤمن؛ أشبعت جوعته، أو كسوت عورته، أو قضيت له حاجة» (٢). وغير ذلك كثير في فضل إطعام الطعام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>سابعًا: الصدقة على الحيوان</span>، بالسقي والإطعام، والإحسان، فيه أحاديث منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>١ - دخل رجل الجنة بسقي كلب</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث (٣) يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي، فنزل البئر فملأ خُفَّهُ ماءً ثم أمسكه بفيه ثم رَقِيَ فسقى الكلب فشكر الله له، فغفر له» قالوا: يا\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٤/ ٢٩٩، وابن حبان، ٣٧٥، والبيهقي في السنن الكبرى، ١٠/ ٢٧٣، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥٦٢، برقم ٩٥١.\n(٢) الطبراني في المعجم الأوسط (مجمع البحرين)، برقم ١٤٥٥، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥٦٤، برقم ٩٥٤: «حسن لغيره».\n(٣) لَهَثَ: كمَنَع، لهثًا، ولهوثًا، بالضم: أخرج لسانه عطشًا، أو تعبًا، أو إعياءً، القاموس المحيط، ص ١٧٦.","vol":"1","page":348},{"text":"رسول الله! وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: «في كلِّ كَبِدٍ رطبةٍ أجر» (١). وفي لفظ للبخاري: «فشكر الله له فأدخله الجنة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>٢ - دخلت امرأة بغي الجنة بسقي كلب</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال النبي - ﷺ -: «إن امرأة بغيًّا رأت كلبًا في يوم حارٍّ يُطيف ببئرٍ قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها، فغفر لها» (٣).\nوفي لفظ البخاري: «غُفِر لامرأةٍ مومِسَةٍ مرت بكلب على رأس رَكيٍّ كاد يقتله العطش، فنزعت خفها فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء فَغُفِر لها بذلك» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>٣ - دخلت امرأة النار بحبس هرة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «عُذِّبت امرأة في هرة لم تطعهما ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض» (٥).\nومن حديث عبد الله بن عمر ﵄: «عُذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خُشاش الأرض» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، برقم ٢٣٦٣، ومسلم، كتاب السلام، باب فضل سقي البهائم المحترمة، وإطعامها، برقم ٢٢٤٤.\n(٢) البخاري، الطرف رقم ١٧٣، ٢٤٦٦، ٦٠٠٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، بابٌ حدثنا أبو اليمان، برقم ٣٤٦٧، ومسلم، كتاب السلام، باب فضل سقي البهائم المحترمة وإطعامها، برقم ٢٢٤٥.\n(٤) البخاري، طرف الحديث رقم ٣٣٢١.\n(٥) متفق عليه، البخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، برقم ٢٣٦٥، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم قتل الهرة، برقم ٢٢٤٣.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، برقم ٢٣٦٥، ورقم ٣٣١٨، ورقم ٣٤٨٢، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم قتل الهرة، برقم ٢٢٤٢. ومن حديث أسماء ﵂ عند البخاري، برقم ٢٣٦٤، ورقم ٧٤٥.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>٤ - ثواب كبير لمن غرس غرسًا فأُكل منه</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>ثامنًا: صدقة: القرض الحسن، والعارية، والمنيحة: </span>على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>١ - أجر القرض مثل إعتاق الرقبة</span>؛ لحديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من مَنحَ منيحةَ لبنٍ (٢) أو وَرِق (٣)، أو هَدَى زُقاقًا (٤) كان له مِثل عِتقِ رقبةٍ» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>٢ - كل قرض صدقة</span>؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «كلُّ قرض صدقة» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحراثة والمزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أُكل منه، برقم ٢٣٢٠، ومسلم، كتاب المساقاة، باب فضل الغرس والزرع، برقم ١٥٥٢.\n(٢) منيحة لبن: العطية، وقد تكون في الحيوان وفي الثمار، وغيرهما، ثم قد تكون المنيحة عطية للرقبة بمنافعها وهي الهبة، وقد تكون عطية اللبن أو الثمر مدة، وتكون الرقبة باقية على ملك صاحبها يردها إليه. النووي، ٧/ ١١١.\n(٣) منيحة ورق: يعني به قرض الدراهم: الترمذي، حديث رقم ١٩٥٧، والترغيب والترهيب للمنذري، ١/ ٣٦٤.\n(٤) هَدَى زُقاقًا: يعني به هداية الطريق، الترمذي، حديث رقم ١٩٥٧، والترغيب للمنذري، ١/ ٣٦٤.\n(٥) الترمذي، كتاب البر، باب ما جاء في المنيحة، برقم ١٩٥٧، وأحمد، ٤/ ٢٩٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٦٣، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥٣٧.\n(٦) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، ٤/ ٤٢، برقم ٢٠٦٧، وحسن إسناده المنذري في الترغيب، ١/ ٦٨٦، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥٤٧: «حسن لغيره».","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>٣ - القرض يضاعف أضعافًا </span>في الأجر؛ لحديث أبي أمامة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «دخل رجل الجنة فرأى على بابها مكتوبًا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>٤ - من أقرض مسلمًا مرتين كان كصدقة بهذا المال مرة</span>؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقتها مرة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>٥ - الأجر العظيم لمن منح منيحة ابتغاء وجه الله تعالى</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: «ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة تغدو بعسٍّ وتروح بعسٍّ (٣)، إن أجرها لعظيم» (٤).\nوعنه - ﵁ - يرفعه: «من منح منيحة غدت بصدقة، وراحت بصدقة: صبوحها (٥) وغبوقها» (٦).\nوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها\n_________\n(١) الطبراني في المعجم الكبير، ٨/ ٢٤٩، برقم ٧٩٧٦، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥٣٧، برقم ٩٠٠.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الصدقات، باب القرض، برقم ٢٤٣٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٢٨٤، وفي إرواء الغليل، برقم ١٣٨٩، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥٣٨.\n(٣) العسُّ: القدح الكبير الفخم، شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١١١.\n(٤) مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل المنيحة، برقم ١٠١٩.\n(٥) الصبوح شرب اللبن أول النهار، والغبوق أول الليل، شرح النووي، ٧/ ١١٢.\n(٦) مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل المنيحة، برقم ١٠٢٠.","vol":"1","page":351},{"text":"وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة» قال حسان - أحد رواة الحديث - فعددنا ما دون منيحة العنز من: ردِّ السلام، وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق، ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة» (١).\nوعن أبي سعيد - ﵁ - قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فسأله عن الهجرة؟ فقال: «ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «فتعطي صدقتها؟» قال: نعم، قال: «فهل تمنح منها شيئًا؟» قال: نعم، قال: «فتحلبها يوم وردها؟» قال: نعم، قال: «فاعمل من وراء البحار؛ فإن الله لن يترك من عملك شيئًا» (٢).\nوعن ابن عباس ﵄، أن النبي - ﷺ - خرج إلى أرضٍ تهتزُّ زرعًا فقال: «لمن هذه؟» فقالوا: اكتراها فلان، فقال: «أما إنه لو منحها إيَّاه كان خيرًا له من أن يأخذ عليها أجرًا معلومًا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>٦ - التنفيس عن المعسر أو الوضع عنه ينجي الله به من كرب يوم القيامة</span>؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفِّس عن معسر، أو يضع عنه» (٤)؛ ولحديث حذيفة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا:\n_________\n(١) البخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب فضل المنيحة، برقم ٢٦٣١.\n(٢) البخاري، كتاب الهبة وفضلها، باب فضل المنيحة، برقم ٢٦٣٣، ورقم ٤٥٢، ورقم ٣٩٢٣، ورقم ٦١٦٥.\n(٣) البخاري، كتاب الهبة وفضلها، باب فضل المنيحة، برقم ٢٦٣٤، ورقم ٢٣٣٠.\n(٤) مسلم، كتاب المساقاة، باب فضل إنظار المعسر، برقم ١٥٦٣.","vol":"1","page":352},{"text":"أعملت من الخير شيئًا؟ قال: كنت آمر فتياني أن يُنظِرُوا، ويتجاوزوا عن الموسر، قال: «فتجاوزوا عنه» وفي لفظ: «أُنظِر الموسر وأتجاوز عن المعسر». وفي لفظ: «فكنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور»، قال: «تجاوزوا عن عبدي» وفي لفظ: «أنا أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي». وفي لفظ: «... فأنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>٧ - إنظار المعسر أو الوضع عنه يُظِلُّ الله به في ظل عرشه</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله يوم القيامة في ظلِّ عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظِلُّه» (٢).\nوعن بريدة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أنظر معسرًا فله كل يوم صدقة قبل أن يحلَّ الدين، فإذا حل الدين فأنظره بعد ذلك فله كل يوم مثليه صدقة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>تاسعًا: الصدقة الجارية والوقف لله تعالى:</span>\nعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أصاب عمر بخيبر أرضًا، فأتى النبي - ﷺ - فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» فتصدق عمر أنه لا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب البيوع، باب من أنظر موسرًا، برقم ٢٠٧٧، ورقم ٢٣٩١، ورقم ٣٤٥١، ومسلم، كتاب المساقاة، باب فضل إنظار المعسر، والتجاوز في الاقتضاء من الموسر والمعسر، برقم ١٥٦٠، وجاء مثله من حديث أبي هريرة عند البخاري، برقم ٢٠٧٨ ورقم ٣٤٨٠.\n(٢) الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في إنظار المعسر والرفق به، برقم ١٣٠٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦، وصحيح الترغيب، ١/ ١٤٢.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الصدقات، باب إنظار المعسر، برقم ٢٤١٨، وأحمد، ٥/ ٣٦٠، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥٤٢، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ٢٨١.","vol":"1","page":353},{"text":"يباع أصلها، ولا يُوهب، ولا يُورث [ولكن يُنفق ثمره] في الفقراء، والمساكين، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جُناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يُطعم صديقًا غير متموّل فيه» (١). ومعنى أنفس: النفيس: الكريم على أهله العزيز عندهم، وحبس: الحبس: الوقف، يريد أن يقف أصل الملك، وسبَّل يسبِّل الثمرة: أي يجعلها مباحة لمن وقفها عليه (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلاّ من صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>عاشرًا: الصدقة من صفات المؤمنين المتقين المحسنين </span>على النحو الآتي:\n١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٤).\n٢ - وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الوكالة، باب الوكالة في الوقف، برقم ٢٣١٣، وكتاب الشروط، باب الشروط في الوقف، برقم ٢٧٣٧، وفي كتاب الوصايا، بابٌ وما للموصي أن يعمل في مال اليتيم وما أكل منه بقدر عمالته، برقم ٢٧٦٤، وفي كتاب الوصايا، باب الوقف كيف يكتب، برقم ٢٧٧٢، وفي باب الوقف للغني، والفقير، والضيف، برقم ٢٧٧٣، وباب نفقة القيم للوقف، برقم ٢٧٧٧، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوقف، برقم ١٦٣٢.\n(٢) جامع الأصول لابن الأثير، ٦/ ٤٨٠.\n(٣) مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم ١٦٣١.\n(٤) سورة الأنفال، الآيات: ٢ - ٤، وانظر: سورة البقرة، الآية: ٣.","vol":"1","page":354},{"text":"وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).\n٣ – وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ*الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢).\n٤ – وقال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣).\n٥ – وقال سبحانه: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٤).\n٦ – وقال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥).\n٧ – وقال سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٦).\n٨ – وقال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>الحادي عشر: صدقة الوصية </span>بعد الموت: للأحاديث الآتية:\nالحديث الأول: حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما حقُّ امرئ مسلم له شيء يريد أن يُوصي فيه، يبيت لليلتين إلا ووصيته\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٤.\n(٢) سورة الحج، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٥٤.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ٩٢.\n(٥) سورة السجدة، الآية: ١٦.\n(٦) سورة الشورى، الآية: ٣٨.\n(٧) سورة آل عمران، الآية: ١٧.","vol":"1","page":355},{"text":"مكتوبة عنده» (١).\nالحديث الثاني: حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم» (٢).\nالحديث الثالث: حديث سعد، لا يزيد على الثلث؛ لقول النبي - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -: «... الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». وفي لفظ: «الثلث والثلث كثير: إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة، وإنك إن تدع أهلك بخير - أو قال بعيش - خير من أن تدعهم يتكففون الناس» وقال: «بيده» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>الثاني عشر: الهدية، و<span data-type=\"title\" id=toc-529>العطية</span>، و<span data-type=\"title\" id=toc-530>الهبة</span>، والوصية: صدقات بالنية</span>، فإذا احتسبها المسلم يرجو ثوابها عند الله تعالى كانت صدقات تطوع.\nالعطيَّة: جمع عطايا وعطيات: وهي ما يُعطى بغير عوضٍ: سواء: كانت هبة، أو هدية، أو صدقة (٤).\nالهبة: مصدر وهب يهب هبة؛ والجمع هبات، وهي: تمليك في الحياة\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصايا، برقم ٢٧٣٨، ومسلم، كتاب الوصية، برقم ١٦٢٧.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٢٧٠٩، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٦٥، وفي إرواء الغليل، برقم ١٦٤١.\n(٣) مسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٨.\n(٤) معجم لغة الفقهاء، لمحمد روّاس، ص ٢٨٥.","vol":"1","page":356},{"text":"بغير عوض (١).\nوقال ابن الأثير: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>الهدية: </span>مصدر: أهدى، يهدي، هدية، وهي العطية بغير عوضٍ: تقربًا إلى المهدى إليه، أو صلة أو إكرامًا (٣).\nفعن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «تهادوا تحابوا» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>الوصية: </span>جمع وصايا، الوصل: وهي تمليك للغير مضاف لما بعد الموت (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>الصدقة: </span>العطية التي يبتغى بها المثوبة عند الله تعالى (٦).\nوهذه التبرعات تكون صدقة بالنية، فإذا أعطاها المسلم بنية التقرب لله تعالى كانت صدقة تطوع يثاب عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>وهناك فروق بين هذه التبرعات على النحو الآتي:</span>\n١ - العطية: تشمل هذه الأسماء كلها إلا الوصية، فالعطية: ما يُعطى في الحياة بغير عوض، سواء كانت: هبة، أو هدية، أو صدقة.\n٢ - كل ما جاز عقد البيع عليه، جازت هبته والوصية به.\n٣ - الهبة أو العطية أو الهدية: التبرع بماله حال الحياة والصحة،\n_________\n(١) التعريفات للجرجاني، ومعجم لغة الفقهاء، ص ٤٦٣.\n(٢) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٢٣١.\n(٣) معجم لغة الفقهاء، ص ٤٦٥.\n(٤) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٥٩٤، وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، برقم ٨٩٦، والألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ٢٢١، وفي إرواء الغليل، برقم ١٦٠١.\n(٥) معجم لغة الفقهاء، ص ٤٧٥.\n(٦) التعريفات للجرجاني، ص ١٧٣، ومعجم لغة الفقهاء، ص ٢٤٣.","vol":"1","page":357},{"text":"والوصية التبرع به بعد الوفاة.\n٤ – الهبة والعطية والهدية يعتبر لها القبول حال الحياة، أما الوصية فمحل قبولها وردها بعد الموت.\n٥ – الوصية تكون من الثلث فأقل لغير وارث، أما العطية وما يدخل تحت مسماها من الهدية والهبة فتجوز بجميع ماله إلا أنه يجب عليه أن يسوِّي في عطيته بين أولاده بقدر إرثهم؛ لقوله - ﷺ -: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» (١).\n٦ – صحة وصية الصغير المميز دون هبته؛ لأن الهبة امتنعت منه لحفظ ماله، أما الوصية فإنما تثبت بعد موته وفيه مصلحة محضة له.\n٧ – العطية في مرض الموت المخوِّف تشارك الوصية في أكثر الأحكام، وإنما تفارقها بأمر يعود إلى نفس العقد، من اشتراط قبولها حينها، ومن تقديم الأوَّل على الثاني عند المزاحمة.\n٨ – أحكام الهدية، والهبة، والصدقة، والعطية متفقة إلا إذا كانت في مرض الموت فكما تقدم، ويفرق بينها بفروق لطيفة: فما قصد به إكرام المُعطى ومحبته فهو الهدية، وما قصد به ثواب الآخرة المجرد فهو الصدقة، والغالب فيها: أن المُعطى يكون محتاجًا، بخلاف: الهدية، والهبة، والعطية، والله أعلم (٢).\nولا يجوز أن يعود في الصدقة، أو الهدية، أو الهبة، أو العطية؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «العائد في هبته كالكلب يقيءُ ثم يعود في قَيْئهِ». ولفظ للبخاري: «ليس لنا مثل السَّوء\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الهبة، باب الهبة للولد، برقم ٢٥٨٦، ومسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة، برقم ١٦٢٣.\n(٢) إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، للسعدي، ص ٢٣٦.","vol":"1","page":358},{"text":"الذي يعود في هبته، كالكلب يقيء ثم يرجع في قَيْئه». وفي لفظ لمسلم: «إن مثل الذي يتصدق بصدقة ثم يعود في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يأكل قَيْئه» (١).\nأما الأولاد فيجوز الرجوع فيما يعطيهم الوالد؛ لحديث عبد الله بن عمر وابن عباس - ﵃ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية أو يهب الهبة ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يُعطي ولده، كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قَيْئه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>الثالث عشر: أنواع صدقات التطوع: </span>كثيرة على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>١ – الصدقة بالمال </span>على حسب أنواعه، والحاجة إليه، وما يحتسبه الإنسان من النفقات، والهبات يرجو ثوابها عند الله - ﷿ -، وتقدمت الأحاديث الكثيرة في ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>٢ – جميع أنواع المعروف </span>تكون صدقة؛ لحديث حذيفة - ﵁ -، قال: قال نبيكم - ﷺ -: «كل معروف صدقة» (٣)، كل معروف له حكم الصدقة في الثواب، فلا يحتقر شيئًا من المعروف، ولا يبخل به (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الهبة وفضلها، والتحريض عليها، برقم ٢٥٨٩، ورقم ٢٦٢١، ٦٩٧٥، ومسلم، كتاب الهبات، باب تحريم الرجوع في الصدقة بعد القبض إلا ما وهبه لولده وإن سفل، برقم ٦٢٢.\n(٢) أبو داود، كتاب البيوع، باب في قبول الهدايا، برقم ٣٥٣٩، والترمذي، كتاب الولاء والهبة عن رسول الله - ﷺ -، برقم ٢١٣٢، وابن ماجه، كتاب الهبات، باب من أعطى ولده ثم رجع فيه، برقم ٢٣٧٧، والنسائي، كتاب الهبة، باب ذكر الاختلاف على طاوس، برقم ٣٧٥٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٨٣، وفي غيره.\n(٣) مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من أنواع المعروف، برقم ١٠٠٥.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٩٥.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-538>٣ - التسبيح، والتهليل</span>، والتكبير، والتحميد، من الصدقات؛ لحديث أبي ذر - ﵁ - أن ناسًا من أصحاب النبي - ﷺ - قالوا للنبي - ﷺ -: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور (١) بالأجور يصلون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بِضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>٤ - خُلِقَ الإنسانُ على ثلاثمائة وستين مفصلٍ على كل مفصل صدقة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إنه خُلِقَ كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله - ﷿ -، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكة، أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروفٍ، أو نهى عن منكرٍ، عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>٥ - الإمساك عن الشر صدقة</span>؛ لحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «على كل مسلم صدقة» قالوا: فإن لم يجد؟ قال:\n_________\n(١) الدثور: جمعُ دَثْرٍ: وهو المال الكثير، ويقع على الواحد، والاثنين، والجمع. النهاية في غريب الحديث، ٢/ ١٠٠.\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، برقم ١٠٠٦.\n(٣) مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، برقم ١٠٠٧.","vol":"1","page":360},{"text":"«فليعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق» قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف» قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فليأمر بالخير» أو قال: «بالمعروف»، قال: فإن لم يفعل؟ قال: «فليمسك عن الشر فإنه له صدقة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>٦ - العدل بين الناس</span>، وإعانتهم، والكلمة الطيبة: صدقات؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كل سلامى (٢) من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>٧ - صلاة الضحى تُجزيء عن ثلاثمائة وستين صدقة</span>؛ عن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يصبح على كل سلامى (٤) من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب كل معروف صدقة، برقم ١٤٤٥، ٦٠٢٢، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، برقم ٥٥ - (١٠٠٧).\n(٢) سلامى: جمع سلامية، وهي الأنملة من أنامل الأصابع، ويجمع على سلاميات: وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان، وقيل: السلامى كل عظم مجوَّف من صغار العظام، والمعنى على كل عظم من عظام بني آدم صدقة. النهاية في غريب الحديث، ٢/ ٣٩٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد، باب من أخذ بالركاب ونحوه، برقم ٢٩٨٩، ٢٧٠٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، برقم ١٠٠٩.\n(٤) سلامى: أصله عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في جميع عظام البدن ومفاصله. شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٤٢.","vol":"1","page":361},{"text":"وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويُجزىءُ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» (١).\nوعن بريدة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلًا، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل بصدقة». قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: «النخاعةُ في المسجد تدفنها، والشيء تُنحّيه عن الطريق؛ فإن لم تجد فركعتا الضحى تُجزئك» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>٨ - التسبيح والتكبير، والتحميد في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة يجزئ عن الصدقات بأموال كثيرة</span>، لمن لم يجد المال؛ لحديث أبي هريرة في قصة فقراء المهاجرين وأنهم أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: ذهب أهل الدثور (٣) من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم [فقال: «وما ذاك؟» قالوا:] يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، فقال: «أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «تسبحون، وتكبرون، وتحمدون في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة» فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى، برقم ٧٢٠.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب إماطة الأذى عن الطريق، برقم ٥٢٤٢، وأحمد، ٥/ ٣٥٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٩٨٤، وفي إرواء الغليل، ٢/ ٢١٣.\n(٣) الدَّثْرُ: المال الكثير، مالٌ، ومالان، وأموال: دَثْرٌ. القاموس المحيط، ص ٣٩٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤٣، ورقم ٥٩٥، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته، برقم ٥٩٥، وما بين المعقوفين من ألفاظ مسلم.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>٩ - الدلالة على فعل الصدقات صدقات مثلها</span>؛ لحديث أبي مسعود - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>١٠ - لا يترك الله تعالى من العمل شيئًا</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «... فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>الرابع عشر: مبطلات الصدقات </span>على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>١ - الرياء </span>يبطل الصدقة إذا قارنها؛ فقد ذم الله تعالى من فعل ذلك، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا * وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٤).\nوقال سبحانه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله، بمركوب وغيره وخلافته في أهله بخير، برقم ١٨٩٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: ويلك، برقم ٢٦٣٣، ومسلم، كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام، والجهاد، والخير، برقم ١٨٦٥.\n(٣) سورة النساء، الآيتان: ٣٨ - ٣٩.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.","vol":"1","page":363},{"text":"ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>٢ – المَنُّ والأذى </span>يبطل الصدقات؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٣).\nوقد مدح الله الذين ينفقون أموالهم إخلاصًا لله، ولا يتبعون ذلك بأي أذى فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (٤).\nوعن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم» قال: فقرأها رسول الله - ﷺ - ثلاث مرات، قال: أبو ذرٍّ: خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل إزاره، والمنَّان، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب» (٥).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٦.\n(٢) مسلم، كتاب الزهد، باب تحريم الرياء، برقم ٢٩٨٥.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.\n(٤) سورة البقرة، الآيتان: ٢٦٢ - ٢٦٣.\n(٥) مسلم، كتاب الإيمان، باب الإزار والمن بالعطية، وتنفيق السلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، برقم ١٠٦.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>٣ - الغلول </span>لا تقبل الصدقة منه؛ لحديث عبد الله ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>الخامس عشر: موضوعات متنوعة في الصدقات، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>١ - المبادرة بالصدقة واغتنام إمكانها قبل أن يُحال بين المسلم وبينها</span>؛ لحديث حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تصدقوا فيوشك الرجل يمشي بصدقته فيقول الذي أعطيها لو جئتنا بها بالأمس قبلناها، فأما الآن فلا حاجة لي بها فلا يجد من يقبلها» (٢).\nوعن أبي موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بصدقته من الذهب ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه، ويُرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به (٣) من قلة الرجال وكثرة النساء» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم ٢٢٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد، برقم ١٤١١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها، برقم ١٠١١.\n(٣) يلذن به: ينتمين إليه ليقوم بحوائجهن ويذب عنهن، كقبيلة بقي من رجالها واحد فقط بقيت نساؤها يلذن بذلك الرجل؛ ليذب عنهن ولا يطمع فيهن أحد بسببه، وأما سبب قلة الرجال فهو الحروب، شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٠١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد، برقم ١٤١٤، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها، برقم ١٠١٢.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد، برقم ١٤١٢، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها، برقم ١٥٧.","vol":"1","page":365},{"text":"قال النووي ﵀: «حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا» معناه والله أعلم: «أنهم يتركونها ويعرضون عنها فتبقى مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياهها؛ وذلك لقلة الرجال وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك، والاهتمام به» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطعت يدي، ثم يدعونه ولا يأخذون منه شيئًا» (٢).\nقال النووي ﵀: «ومعنى الحديث: التشبيه: أي تخرج ما في جوفها من القطع المدفونة فيها، والأسطوان بضم الهمزة، وهي جمع أسطوانة، وهي السارية والعمود، وشبهه بالأسطوان؛ لعظمه وكثرته» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>٢ - ضرب المثل للمنفق والبخيل</span>، يرغب في الصدقة ويحذر عن البخل؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «مثل البخيل والمنفق [وفي رواية البخيل والمتصدق] كمثل رجلين عليهما جُبَّتان [وفي رواية: جنتان] من حديد [قد اضطرت أيديهما] من ثُديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أَوْ وفَرَتْ على جلده حتى تخفي بنانه، وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كلُّ حلقة مكانها [وانضمت يداه إلى تراقيه] فهو [يجتهد أن] يوسعها ولا تتسع»\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٠١.\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة، قبل أن لا يوجد من يقبلها، برقم ١٠١٣.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٠٢.","vol":"1","page":366},{"text":"قال [أبو هريرة - ﵁ -: فأنا رأيت رسول الله - ﷺ - يقول بإصبعه: هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا تتسع»] (١).\nقيل: هو تمثيل لنماء المال بالصدقة والإنفاق، والبخل بضد ذلك.\nوقيل: هو تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء وتعوّد ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادة له.\nوقيل: معنى يمحو أثره: أي يذهب بخطاياه ويمحوها، والحديث جاء على التمثيل لا على الخبر عن كائن.\nوقيل: ضرب المثل بهما؛ لأن المنفق يستره الله تعالى بنفقته، ويستر عوراته في الدنيا والآخرة، كستر هذه الجنة لابسها، والبخيل كمن لبس جبة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفًا بادي العورة مفتضحًا في الدنيا والآخرة (٢).\nوقيل: هذا مثل ضربه النبي - ﷺ - للبخيل والمتصدق، فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعًا يستتر به من سلاح عدوِّه، فصبها على رأسه ليلبسها، والدرع أول ما تقع على الصدر والثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لبس درعًا سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله: «حتى تعفوَ أثره» أي تستر جميع بدنه. وجعل البخيل كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه، كلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته، وهو معنى قوله: «قلصت» أي: تضامت واجتمعت، والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب مثل البخيل والمتصدق، برقم ١٤٤٣، ١٤٤٤، ٢٩١٧، ٥٢٩٩، ٥٧٩٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب مثل المنفق والبخيل، برقم ١٠٢١.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١١٤.","vol":"1","page":367},{"text":"انفسح لها صدره وطابت نفسه، فتوسعت في الإنفاق، والبخيل إذا حدَّث نفسه بالصدقة شحت نفسه فضاق صدره وانقبضت يداه ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذا مثل عظيم لانشراح نفس المنفق ومحبته [للنفقة] ومثل لضيق صدر البخيل الممسك، والعلاج: أن يذكر أن الله الذي أعطاه المال، ويسأل ربه أن يشرح صدره» (٣).\nوسمعته في موضع آخر يقول: «البخيل كلما أراد أن يتصدق ضاق صدره ومنعه الشحّ، وخوفه من المستقبل، والكريم كلما أراد أن يتصدق انشرح صدره، وزاده ثقة بالله» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>٣ - ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق الليلة على زانية، قال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيٍّ، فأصبحوا يتحدثون، تُصُدِّق على غني، قال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد: على زانية،\n_________\n(١) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ٣/ ٣٠٦.\n(٣) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٤٤٣.\n(٤) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٧٩٧، وكان ذلك بتاريخ فجر الإثنين ٩/ ٥/١٤١٩هـ.","vol":"1","page":368},{"text":"وعلى غني، وعلى سارق، فأُتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت: أما الزانية فلعلها تستعفف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق يستعفف بها عن سرقته» (١).\nقال النووي ﵀: «... فيه ثبوت الثواب في الصدقة وإن كان الآخذ فاسقًا وغنيًا ... وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة فلا يُجزىء دفعها إلى غني» (٢). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض، ولا دلالة في الحديث على الإجزاء ولا على المنع» (٣).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «والظاهر أن صدقته تجزئ عن الفرض؛ لأنه لم يتعمد مخالفة الشرع؛ ولأن الله - ﷿ - قبل صدقته، والزانية والسارق إذا كانا فقيرين تدفع لهما الزكاة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>٤ - إذا تصدَّق على ابنه وهو لا يشعر</span>، فعن معن بن يزيد - ﵁ - قال: بايعت رسول الله - ﷺ -، أنا، وأبي، وجدي، وخطب عليَّ فأنكحني (٥) وخاصمت إليه (٦) وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم، برقم ١٤٢١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها، برقم ١٠٢٢.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١١٦.\n(٣) فتح الباري، ٣/ ٢٩١.\n(٤) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٤٢١.\n(٥) وخطب علي فأنكحني: أي طلب إليَّ النكاح فأجيب، يقال: خطب المرأة إلى وليها إذا أرادها الخاطب لنفسه، وعلى فلان إذا أرادها لغيره، والفاعل النبي - ﷺ -؛ لأن مقصود الراوي بيان أنواع علاقاته به من المبايعة وغيرها [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٩٢].\n(٦) وخاصمت إليه: تفسيرها جاء في آخر الحديث وهو قوله: «فخاصمته إلى رسول الله - ﷺ -» فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٩٢.","vol":"1","page":369},{"text":"رجل في المسجد، فجئتُ فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إيَّاك أردت. فخاصمته إلى رسول الله - ﷺ - فقال: «لك ما نويتَ يا يزيد، ولك ما أخذتَ يا معن» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذه صدقة تطوع، ولعل ابنه كان فقيرًا، ولا تلزم والده نفقته؛ لأنه لا يستطيع الإنفاق عليه؛ لأنه معطل عن الكسب» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>٥ - صدقة الخازن إذا تصدق بأمر صاحب المال</span>؛ لحديث أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: «الخازن المسلم، الأمين الذي ينفذ - وربما قال: يعطي - ما أُمر به كاملًا، موفَّرًا طيبًا به، فيدفعه إلى الذي أُمر له به أحد المتصدقين» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>٦ - أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسدٍ</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي - ﷺ -: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعضٍ شيئًا» (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الزكاة، باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر، برقم ١٤٢٢.\n(٢) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٤٢٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٣٨، ٢٢٦٠، ٢٣١٩، ومسلم، برقم ١٠٢٣ وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه، وقال أبو موسى عن النبي - ﷺ -: هو أحد المتصدقين، برقم ١٤٢٥، وباب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد، برقم ١٤٣٧، ١٤٣٩، ١٤٤٠، ١٤٤١، ٢٠٦٥. ومسلم، كتاب الزكاة، باب أجر الخازن الأمين، والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها غير مفسدة بإذنه الصريح أو العرفي، برقم ٨٠ ١٠٢٤.","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>٧ - أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي - ﷺ -: «إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة، لها أجرها، وله مثله، وللخازن مثل ذلك، له بما كسب ولها بما أنفقت» (١).\nقال الإمام النووي ﵀: «واعلم أنه لا بد للعامل وهو الخازن، وللزوجة، والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن أذِنَ أصلًا فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة، بل عليهم وزر بتصرفهم في مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان: أحدهما: الإذن الصريح في النفقة والصدقة، والثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف، والعادة، كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به، واطرد العرف فيه، وعُلِمَ بالعرف رضاء الزوج والمالك به، فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم، وهذا إذا علم رضاه، لاطراد العرف، وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك والرضا به، فإن اضطرب العرف وشك في رضاه أو كان شخصًا يشح بذلك، وعلم من حاله ذلك أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>٨ - صدقة العبد بإذن مواليه</span>؛ لحديث عمير مولى أبي اللخم قال: كنت مملوكًا فسألت رسول الله - ﷺ -: أأتصدق من مال مواليِّ بشيء؟ قال: «نعم، والأجر بينكما نصفان» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري برقم ١٤٤٠، ومسلم، برقم ٨٠ ١٠٢٤ وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٢) شرح النووي، ٧/ ١١٨.\n(٣) مسلم، كتاب الزكاة، باب ما أنفق العبد من مال مولاه، برقم ١٠٢٥.","vol":"1","page":371},{"text":"قال الإمام النووي ﵀: «هذا محمول على ما سبق أنه استأذن في الصدقة بقدر يعلم رضا سيده به» (١).\nقال النووي ﵀: «والأجر بينكما نصفان أي لكل منكما أجر، وليس المراد أن أجر نفس المال يتقاسمانه» (٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له» (٣).\nقال الإمام النووي ﵀: «معناه من غير إذنه الصريح في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره ...» (٤).\nوسمعت شيخنا ﵀ يقول في قوله - ﷺ -: «إذا تصدقت المرأة من طعام زوجها ... الحديث»: «هذا إذا أمر الزوج [بذلك] أو كان عليه العرف، وإذا علم لم يمنع» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>٩ - من أنفق زوجين في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير: فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١١٩.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٢٠.\n(٣) مسلم، كتاب الزكاة، باب ما أنفق العبد من مال مولاه، برقم ١٠٢٦.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٨٨.\n(٥) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٤٣٧.","vol":"1","page":372},{"text":"الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة» قال أبو بكر - ﵁ - عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة؟ فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم» (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «والمراد بالزوجين: إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد» (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يذكر أن الزوجين: كثوبين، أو درهمين، أو شاتين، والمراد نوعين من المال، والظاهر أنه زوجين من مال واحد، ولعل الأقرب من المراد بقوله «في سبيل الله» أنه طاعة الله، وإذا كان في الجهاد فهو أولى، وقُرئ عليه وأنا أسمع: قال العيني في شرح البخاري: «الزوجان: إن كان صاحب إبل فبعيرين، وإن كان صاحب بقر فبقرتين، وإن كان صاحب خيل ففرسين»، فقال شيخنا: «والمقصود أن فضل الله واسع» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>١٠ - صدقة كفالة اليتيم</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك بالسبابة والوسطى (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصيام، باب الريان للصائمين، برقم ١٨٩٦، ٣٢٥٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب من جمع الصدقة وأعمال البر، برقم ٨٥ ١٠٢٧.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٤/ ١١٢.\n(٣) سمعته منه أثناء تقريره على الحديث رقم ١٨٩٦ من صحيح البخاري.\n(٤) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، برقم ٢٩٨٣، وأخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيمًا، برقم ٦٠٥.","vol":"1","page":373},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اللهم إني أُحرِّج (١) حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» (٢).\n\n١١ - الساعي على الأرملة والمسكين، له الأجر العظيم؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار». وفي لفظ للبخاري: «وأحسبه قال - يشك القعنبيُّ: «كالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر»، وفي لفظ للبخاري: «أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل». ولفظ مسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله - وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر والصائم لا يفطر» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>١٢ - الصدقة الخالصة سماها الله قرضًا حسنًا</span>؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ\n_________\n(١) أحرج حق الضعيفين: أي أضيقه وأحرمه على من ظلمهما. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ١/ ٣٦١.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الأدب، باب حق اليتيم، برقم ٣٦٧٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٢٩٨، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ١٢، برقم ١٠١٥.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب النفقات، باب النفقة على الأهل، برقم ٥٣٥٣، ٦٠٦، ٦٠٧، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، برقم ٢٩٨٢.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٤٥.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ١٢، وانظر: سورة الحديد، الآية: ١٨، والمزمل: ٢٠.","vol":"1","page":374},{"text":"لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١).\nقال العلامة السعدي ﵀ في القرض الحسن: «وهي النفقة الطيبة، التي تكون خالصة لوجه الله، موافقة لمرضاة الله، من مال حلال طيب، طَيِّبةً به نفسه، وهذا من كرم الله تعالى حيث سماه قرضًا، والمال ماله، والعبد عبده، ووعد بالمضاعفة عليه أضعافًا كثيرة، وهو الكريم الوهاب، وتلك المضاعفة محلها وموضعها يوم القيامة، يوم كلّ يتبيَّن فقره ويحتاج إلى أقل شيء من الجزاء الحسن» (٢). وقال في موضع آخر عن القرض الحسن: «كل نفقة كانت من الحلال إذا قصد بها العبد وجه الله تعالى، وطلب مرضاته ووضعها في موضعها» (٣).\nقال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>١٣ - لا يشتري المسلم صدقته</span>؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - قال:\n_________\n(١) سورة التغابن، الآية: ١٧، وانظر: سورة الحديد، الآية: ١١.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ٨٣٩.\n(٣) المرجع السابق، ص ٨٦٩.\n(٤) سورة محمد، الآية: ٣٨.\n(٥) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ٩٢.","vol":"1","page":375},{"text":"حملت (١) على فرس عتيقٍ في سبيل الله فأضاعه صاحبه (٢)، فظننت أنه بائعه برُخصٍ، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: «لا تبتعه ولا تعد في صدقتك؛ [وإن أعطاكه بدرهم] فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه» (٣).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «الحاصل أن النهي عن شراء الصدقة عام، فلا يجوز شراء الصدقة التي تصدق بها مطلقًا: لا بنية الصدقة، [بها]، ولا غيرها؛ لأن البائع يتسامح مع المتصدق، والنهي يعم الصدقة والهبة جميعًا» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>١٤ - الشفاعة في الصدقة</span>؛ لحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا جاءه السائل أو طُلبت إليه حاجته قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» (٥).\nقال النووي ﵀: «فيه استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة، سواء كانت الشفاعة إلى سلطان ووالٍ ونحوهما، أم إلى واحد من الناس، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كفِّ ظلم، أو إسقاط تعزير، أو في تخليص عطاءٍ لمحتاج، أو نحو ذلك، وأما الشفاعة في الحدود\n_________\n(١) حملت: أي تصدقت به في سبيل الله على رجل ملكته إياه، فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣٥٣.\n(٢) أضاعه صاحبه: قصر في القيام بمؤونته وحسن رعايته.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب هل يشتري صدقته، برقم ١٤٨٩، ١٤٩٠، ومسلم، كتاب الهبات، باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به، برقم ١٦٢٠.\n(٤) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٨٩.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها، برقم ٤٣٢، ورقم ٦٠٢٧، ٦٠٢٨، ٧٤٧٦، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام، برقم ٢٦٢٧.","vol":"1","page":376},{"text":"فحرام، وكذلك الشفاعة في تتميم باطل أو إبطال حق، ونحو ذلك فهي حرام» (١).\nقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ\nمُقِيتًا﴾ (٢). قال البخاري ﵀: ﴿كِفْلٌ﴾ نصيب، قال أبو موسى\n﴿كِفْلَيْنِ﴾ (٣): أي: أجرين بالحبشية» (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «... أراد المصنف أن الكفل يُطلق ويراد به النصيب، ويُطلق ويراد به الأجر، وأنه في آية النساء بمعنى الجزاء، وفي آية الحديد بمعنى الأجر» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>١٥ - صدقة الكافر يثاب عليها إذا أسلم ومات على الإسلام</span>؛ لحديث حكيم بن حزام - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله! أرأيت أمورًا كنت أتحنَّث (٦) بها في الجاهلية: من صدقةٍ، أو عتاقةٍ، أو صلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أسلمت على ما أسلفت من خير». وفي لفظ: «أسلمت على ما سلف من خير» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>١٦ - الصدقة على السائل ولو أفحش في المسألة</span>؛ لحديث عمر بن\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤١٦.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٨٥.\n(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٨.\n(٤) البخاري: كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، قبل الحديث رقم ٦٠٢٨.\n(٥) فتح الباري، لابن حجر، ١٠/ ٤٥٢.\n(٦) أتحنث: أتقرب بها إلى الله تعالى، وأتعبد له بها، انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣٠٢.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب من تصدق في الشرك ثم أسلم، برقم ١٤٣٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده، برقم ١٩٤ (١٢٣).","vol":"1","page":377},{"text":"الخطاب - ﵁ -، قال: قسم رسول الله - ﷺ - قسمًا، فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحقَّ به منهم؛ قال: «إنهم خيَّروني بين أن يسألوني بالفحش أو يبخِّلوني فلست بباخل» (١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كنت أمشي مع رسول الله - ﷺ - وعليه رداءٌ نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة نظرت إلى صفحة عنق رسول الله - ﷺ - وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله - ﷺ -، فضحك ثم أمر له بعطاء» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>١٧ - الصدقة إذا بلغت محلها جازت لمن حُرِّمت عليه</span>؛ لحديث أم عطية ﵂، قالت: بعث إليَّ رسول الله - ﷺ - بشاة من الصدقة فبعثتُ إلى عائشة منها بشيء، فلما جاء رسول الله - ﷺ - إلى عائشة قال: «هل عندكم شيء؟» قالت: لا، إلا أن نُسيبَةَ بعثتْ إلينا من الشاة التي بعثتم بها إليها قال: «إنها قد بلغت محِلَّها». وفي لفظ للبخاري: «هل عندكم شيء؟» فقالت: لا، إلا شيء بعثت به إلينا نسيبة من الشاة التي بعَثْتَ بها من الصدقة، فقال: «إنها قد بلغت محلَّها» (٣).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة ومن يخاف على إيمانه، برقم ١٠٥٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم ... برقم ٣١٤٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة ومن يخاف على إيمانه، برقم ١٠٥٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب قدر كم يُعطى من الزكاة والصدقة، ومن أعطى شاة، برقم ١٤٤٦، وبابٌ إذا تحولت الصدقة، برقم ١٤٩٤، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إباحة الهدية للنبي - ﷺ - ولبني هاشم وبني عبد المطلب، وإن كان المهدي ملكها بطريق الصدقة، وبيان أن الصدقة إذا قبضها المتصدَّق عليه زال عنها وصف الصدقة، وحلت لكل أحدٍ ممن كانت الصدقة محرمة عليه، برقم ١٠٧٦.","vol":"1","page":378},{"text":"وعن أنس - ﵁ - قال: أهدت بريرة إلى النبي - ﷺ - لحمًا تُصدِّق به عليها، فقال: «هو لها صدقة، ولنا هدية» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>١٨ - الصدقة في عشر ذي الحجة</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر -» قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>١٩ - الصدقة في رمضان</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - أجود الناس [بالخير] و[كان] أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل - ﵇ - يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله - ﷺ - أجود بالخير من الريح المرسلة (٣) (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>٢٠ - الصدقة على الجيران</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سمعت\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب إذا تحولت الصدقة، برقم ١٤٩٥، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إباحة الهدية للنبي - ﷺ -، برقم ١٠٧٤، ١٠٧٥، وانظر: صحيح مسلم، برقم ١٠٧٣.\n(٢) البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق، رقم ٩٦٩، وأبو داود واللفظ له، كتاب الصوم، باب في صوم العشر، برقم ٢٤٣٨.\n(٣) المرسلة: المطلقة، يعني أنه في الإسراع بالجود، أسرع من الريح، وعبَّر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه. فتح الباري لابن حجر، ١/ ٣١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥٤، ومسلم، كتاب الفضائل، باب جوده - ﷺ -، برقم ٢٣٠٨.","vol":"1","page":379},{"text":"رسول الله - ﷺ - يقول: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ليورثنَّه» (١).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه» (٢).\n\n٢١ - فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. فكل صدقة يقدمها المسلم لله تعالى يثاب عليها، ولو كانت وزن ذرة من الخير؛ ولهذا جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار ...» الحديث وفيه: قيل: يا رسول الله! فالحُمْر؟ قال: «ما أنزل عليَّ في الحُمُر شيء، إلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣) (٤».\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>٢٢ - مصارف صدقة التطوع </span>مصارف عامة، تشمل أصناف أهل الزكاة الثمانية، والأصناف التي لا يصح دفع الزكاة إليهم: من الكفار غير الحربيين، وآل النبي محمد - ﷺ -: وهم بنو هاشم ومواليهم، والمماليك، والأغنياء، والمرأة الفقيرة التي تحت غني منفق، ومن تلزم نفقتهم: من الأصول وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، والزوجة والزوج، وأصحاب\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة، باب الوصية بالجار، برقم ٢٦٢٤.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة، باب الوصية بالجار، رقم ٢٦٢٥.\n(٣) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧ - ٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، برقم ١٤٠٢، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، برقم ٩٨٧، واللفظ من صحيح مسلم. وانظر مسند أحمد، ٢/ ٤٢٣.","vol":"1","page":380},{"text":"المعاصي الذين يستخدمونها في طاعة الله، والجهات الخيرية. كبناء المساجد، وإصلاح الطرق، وتجهيز الأموات، والإنفاق على دور وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وطباعة المصاحف، والكتب العلمية النافعة، وغير ذلك من جهات الخير.\nفصدقة التطوع لا تحصر في أشخاص بعينهم، ولا في جهات محددة، إنما تصرف في كل ما يحبه الله تعالى من وجوه الخير، حتى في الإحسان إلى الحيوانات، والطيور. وغير ذلك. والله تعالى الموفق للصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>السادس عشر: صدقة إعتاق الرقاب:</span>\nقال الإمام ابن كثير ﵀: «وقد ورد في ثواب الإعتاق، وفك الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضوٍ عضوًا من معتقها، حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا؛ لأن الجزاء من جنس العمل ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ\nتَعْمَلُونَ﴾ (١) (٢) ومن الأدلة التي ترغب في الإعتاق وفضله ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * </span>وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٣)؟\n﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة: من فك الرقاب وإطعام السغبان، فيكون خيرًا له من عداوة محمد - ﷺ -، هذا قول ابن زيد وجماعة، وقيل: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام\n_________\n(١) سورة الصافات، الآية: ٣٩.\n(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ص٦١٦.\n(٣) سورة البلد، الآيات: ١١ - - ١٦.","vol":"1","page":381},{"text":"الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة هنا مثل ضربه الله لمجاهدة: النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، تقول: لم يحمل على نفسه المشقة، بعتق الرقبة والإطعام، وهذا معنى قول قتادة، وقيل: إنه شبه ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة، وأطعم كان كمن اقتحم العقبة، وجاوزها، وقيل غير ذلك (١) قال العلامة السعدي ﵀: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي لم يقتحمها ويعبر عليها؛ لأنه متبع لشهواته، وهذه العقبة شديدة عليه، ثم فسر [هذه] العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي فكها من الرق، بعتقها، أو مساعدتها على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار) (٢) وقال قتادة: إنها عقبة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها، فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>٢ - لعظيم أجر عتق الرقاب جعل الله تعالى إعتاقها </span>من: كفارة القتل (٤) وكفارة اليمين (٥) وكفارة الظهار (٦). وجعلها النبي - ﷺ - من كفارة الوطء في نهار رمضان (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>٣ - جعلها الله تعالى من أعمال البر والتقوى </span>(٨).\n_________\n(١) تفسير البغوي، ٤/ ٤٨٩.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٩٢٥.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٤٣٦.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٩٥.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ٨٩.\n(٦) سورة المجادلة، الآية: ٣.\n(٧) البخاري، كتاب كفارات الأيمان، باب من أعان المعسر في الكفارة، برقم، ٦٧١٠، ومسلم، كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، برقم ١١١١.\n(٨) انظر: سورة البقرة، الآية: ١٧٧.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>٤ - جاءت فيها الأحاديث الكثيرة جدًّا منها </span>ما يأتي:\nالحديث الأول: عن البراء بن عازب - ﵁ -، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: «لئن أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة: أعتق النسمة، وفُكَّ الرقبة» فقال: يا رسول الله! أو ليستا واحدة؟ فقال: «لا، عتق النسمة أن تفرَّد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها ...» (١).\nالحديث الثاني: عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» (٢).\nالحديث الثالث: عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضوٍ منه عُضْوًا من النار، حتى فرجه بفرجه». قال سعيد بن مرجانة: فانطلقت به إلى علي بن الحسين فعمد علي بن الحسين ﵄ إلى عبدٍ له قد أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار فأعتقه» (٣).\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني واللفظ له، كتاب الزكاة، باب الحث على إخراج الصدقة، وبيان قسمتها، برقم١، وأحمد في المسند، ٣/ ٦٠٠، برقم ١٨٤٧، وقال محققو المسند: «إسناده صحيح»، وتقدم تخريجه.\n(٢) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد، والناكح، والمكاتب وعون الله إياهم، برقم ١٦٥٥، والنسائي كتاب نكاح الأبكار، باب معونة الله الناكح الذي يريد العفاف، برقم ٣٢١٨، وابن ماجه، كتاب العتق، باب المكاتب، برقم ٢٥١٨، وأحمد، ٢/ ٤٢٧، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٣٦، وقال ابن باز في حاشية على بلوغ المرام التعليق على الحديث رقم ٣٨٢: «بسند جيد أي عند النسائي».\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب كفارات الأيمان، باب قول الله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وأي الرقاب أزكى، برقم ٦٧١٥، وكتاب العتق، باب في العتق وفضله، وقوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد، ١٣ - ١٥]. برقم ٢٥١٧، ومسلم كتاب العتق، باب فضل العتق، برقم ٢٤ (١٥٠٩).","vol":"1","page":383},{"text":"الحديث الرابع: عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي - ﷺ - قال: «أيما امرئ مسلمٍ أعتق امرأً مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزىء كل عضوٍ منه عضوًا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزىء كل عضوٍ منهما عضوًا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، يجزىء كل عضوٍ منها عضوًا منها» (١).\nالحديث الخامس: عن أبي ذر - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ -: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيله» قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها» قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعًا أو تصنع لأخرق» قال: فإن لم أفعل؟ قال: «تدع الناس من شرك؛ فإنها صدقة تصدَّق بها على نفسك» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>السابع عشر: المنافسة العظيمة في الصدقات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>١ - صدقات أبي بكر - ﵁ </span>-، عندما أسلم أبو بكر - ﵁ - كان من أثرى أثرياء قريش، فكانت عنده أموال كثيرة، وقد كان في منزلهِ يوم أسلم أربعون ألف درهم أو دينار، فاستخدم أمواله كلها في طاعة الله، ومن ذلك صدقاته الآتية:\n_________\n(١) الترمذي، كتاب النذور، باب ما جاء في فضل من أعتق، برقم ١٥٤٧، وابن ماجه، كتاب العتق، باب العتق، برقم ٢٥٢٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٨١، وجاء في سنن أبي داود، من حديث كعب بن مرة، برقم ٣٩٦٧.\n(٢) متفق عليه، البخاري، كتاب العتق، باب أي الرقاب أفضل، برقم ٢٥١٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أفضل الأعمال، برقم ٨٤.","vol":"1","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>الصدقة الأولى: إنفاق ماله في إعتاق الرقاب:</span>\nأعتق - ﵁ - رقابًا كثيرة، حُفِظَ منها سبع رقاب: بلال، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والهندية، وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، وجارية بني مؤمل، وأم عبيس، رضي الله عن الجميع.\nوقد كانت هذه الرقاب يُعذّب معظمها على إسلامها، فأنقذها الله بأبي بكر الصديق - ﵁ -، وأخذ - ﵁ - ينفق أمواله في خدمة الإسلام والمسلمين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>الصدقة الثانية: إنفاق جميع ماله في الهجرة مع رسول الله - ﷺ </span>-:\nحمل الباقي من ماله عندما هاجر مع النبي - ﷺ - إلى المدينة، ولم يبق لأهله شيئًا، فعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: لما خرج رسول الله - ﷺ - وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر معه ماله كله، خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبت، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، قالت: فأخذت أحجارًا فجعلتها في كوة (٢) في البيت – كان أبي يجعل فيها ماله – ثم جعلت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يا أبت يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إن ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ، قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكِّن الشيخ بذلك» (٣).\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام، ١/ ٣٤٠، والإصابة في تمييز الصحابة، ٢/ ٢٤٣، والكامل في التاريخ لابن الأثير، ٢/ ٢٩٠، والبداية والنهاية، ٣/ ٥٨، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، ص ٣٨.\n(٢) الكوة: ثقب في الحائط. انظر: القاموس المحيط، باب الواو، فصل الكاف، ص ١٧١٣.\n(٣) أخرجه أحمد، ٦/ ٣٥٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٦/ ٥٩: «ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع»، وعزاه للطبراني أيضًا، وانظر أيضًا: البداية والنهاية،\n٣/ ١٧٩، وتاريخ الخلفاء للإمام السيوطي، ص ٣٩، وحياة الصحابة للكاندهلوي، ٢/ ١٦٤.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>الصدقة الثالثة: تصدُّقه بماله كله وعمر بالنصف في غزوة تبوك:</span>\nعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله. قال: وأتى أبو بكر - ﵁ - بكل ما عنده، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبدًا» (١).\nوأبو بكر - ﵁ - أولى الأمة بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>٢ - صدقات عثمان - ﵁ </span>-:\nكان عثمان - ﵁ - من الأغنياء الذين أغناهم الله - ﷿ -، وكان صاحب تجارة وأموال طائلة؛ ولكنه استخدم هذه الأموال في طاعة الله - ﷿ - ابتغاء مرضاته وما عنده، وصار سبَّاقًا لكل خير، ينفق ولا يخشى الفقر.\nومما أنفقه - ﵁ - من نفقاته الكثيرة على سبيل المثال ما يأتي:\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄، ٥/ ٦١٤، رقم ٣٦٧٥، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود في الزكاة، باب الرخصة في ذلك - أي الرخصة في إخراج المال كله -، ٢/ ١٢٩، رقم ١٦٧٨، والدارمي في الزكاة، باب الرجل يتصدق بجميع ما عنده، ١/ ٣٢٩، رقم ١٦٦٧، والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، ١/ ٤١٤، وأبو نعيم في الحلية، ١/ ٣٢.\n(٢) سورة الليل، الآيات: ١٧ - ٢١.\nوقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق - ﵁ - حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. انظر: تفسير ابن كثير، ٤/ ٥٢٢.","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>الصدقة الأولى: عندما قدم النبي - ﷺ - المدينة وجد أن الماء العذب قليل</span>، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله - ﷺ -: «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة» (١).\nوقال - ﷺ -: «من حفر بئر رومة فله الجنة» (٢).\nوقد كانت رومة قبل قدوم النبي - ﷺ - المدينة لا يشرب منها أحد إلا بثمن، فلما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي - ﷺ -: «تبيعنيها بعين في الجنة؟» فقال: يا رسول الله! ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان - ﵁ - فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي - ﷺ - فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: «نعم»، قال: قد جعلتها للمسلمين (٣).\nوقيل: كانت رومة ركيَّة ليهودي يبيع المسلمين ماءها، فاشتراها عثمان بن عفان من اليهودي بعشرين ألف درهم، فجعلها للغني والفقير وابن السبيل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>الصدقة الثانية: توسعته لمسجد رسول الله - ﷺ </span>-: بعد أن بنى رسول الله - ﷺ - مسجده في المدينة فصار المسلمون يجتمعون فيه، ليصلوا الصلوات\n_________\n(١) النسائي في كتاب الوصايا، باب وقف المساجد ٦/ ٢٣٥، رقم ٣٦٠٥، وانظر: صحيح النسائي ٢/ ٧٦٦، وأخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب عثمان - ﵁ -، ٥/ ٦٢٧ رقم ٣٦٩٩، وانظر: صحيح الترمذي، ٣/ ٢٠٩، وتحفة الأحوذي، ١٠/ ١٩٦، وفتح الباري، ٧/ ٥٤.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الوصايا، باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا، ٥/ ٤٠٧، رقم ٢٧٧٨،\n٧/ ٥٢ ٨/ ١١١، وانظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص ١٥١.\n(٣) ذكره ابن حجر في فتح الباري، ٥/ ٤٠٧ - ٤٠٨، وعزاه بسنده إلى البغوي في الصحابة، وانظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، ١٠/ ١٩٦.\n(٤) انظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، ١٠/ ١٩٠، وأعلام المسلمين لخالد البيطار، ٣/ ٣٩، وفتح الباري، ٥/ ٤٠٨.","vol":"1","page":387},{"text":"الخمس، ويحضروا خطب النبي - ﷺ - التي يُصدر إليهم فيها أوامره ونواهيه، ويتعلمون في المسجد أمور دينهم، وينطلقون منه إلى الغزوات ثم يعودون بعدها؛ ولذلك ضاق المسجد بالناس، فرغب النبي - ﷺ - من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد؛ لكي تزاد في المسجد حتى يتسع لأهله، فقال - ﷺ -: «من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة»، فاشتراها عثمان بن عفان - ﵁ - من صلب ماله (١) بخمسة وعشرين ألف درهم، أو بعشرين ألف، ثم أضيفت للمسجد (٢).\nووسع على المسلمين - ﵁ - وأرضاه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>الصدقة الثالثة: الصدقة العظيمة الكثيرة في غزوة تبوك </span>عندما أراد رسول الله - ﷺ - الرحيل إلى غزوة تبوك حث الصحابة الأغنياء على البذل؛ لتجهيز جيش العسرة، الذي أعده رسول الله - ﷺ - لغزو الروم، فأنفق أهل الأموال من صحابة رسول الله - ﷺ - كلٌّ على حسب طاقته وجهده.\nأما عثمان بن عفان فقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فقد ثبت أنه أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي - ﷺ -، فأخذ النبي - ﷺ - يُقلّبها في حجره، ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم؟» قالها مرارًا (٤).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب عثمان - ﵁ -، ٥/ ٦٢٧، رقم ٣٧٠٣، وانظر: صحيح الترمذي، ٣/ ٢٠٩، وأخرجه النسائي، كتاب الوصايا، باب وقف المساجد، ٦/ ٢٣٥، رقم ٣٦٠٦.\n(٢) النسائي، كتاب الوصايا، باب وقف المساجد،٦/ ٢٣٤،رقم٣٦٠٥،وانظر: صحيح النسائي،٢/ ٧٦٦.\n(٣) انظر: فتح الباري، ٥/ ٤٠٨، وأعلام المسلمين لخالد البيطار، ٣/ ٤١.\n(٤) الترمذي، في كتاب المناقب، باب مناقب عثمان - ﵁ -، ٥/ ٦٢٦ رقم ٣٧٠٠، والحاكم – واللفظ له – وصححه ووافقه الذهبي، ٣/ ١٠٢، وانظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ٥٤،\n٥/ ٤٠٨، ٨/ ١١١، وسيرة ابن هشام، ٤/ ١٧٢، والبداية والنهاية، ٥/ ٤، ٧/ ٢٠١، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، ص ١٥١، وحياة الصحابة، ٢/ ٢٦٤، ٢٦٥، وانظر: صحيح الترمذي،\n٣/ ٢٠٨، ٢١٠، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، ٣/ ٢٢٣، ٢/ ٣٥٣.","vol":"1","page":388},{"text":"وهذه نفقة عظيمة جدًا تدل على صدق عثمان وقوة إيمانه، ورغبته فيما عند الله تعالى وإيثار الآخرة على الدنيا، فرضي الله عنه وأرضاه، فقد حصل على الثواب العظيم والجزاء الذي ليس بعده جزاء: «من جهز جيش العسرة فله الجنة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>٣ - حكم الصدقة بجميع المال </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>٤ - حكم صدقة المرأة من مالها دون إذن زوجها </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>الثامن عشر: وصول ثواب الصدقات عن الأموات إليهم لما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>١ - ما يفعله الولد الصالح من الأعمال </span>الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء؛ لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله - ﷿ - يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٤). وقال رسول الله - ﷺ -: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>٢ - عن عائشة ﵂: «أن رجلًا قال: إن أمي افتلتت </span>(٦) نفسها\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الوصايا، باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا، ٥/ ٤٠٧، رقم ٢٧٧٨، وتقدم تخريجه، وانظر: البداية والنهاية، ٧/ ٢٠١.\n(٢) انظر: ص ٣١٠، وص ٣١٣، وص ٣١٦ من هذا الكتاب.\n(٣) انظر: سنن أبي داود، برقم ٣٥٤٧، والنسائي، ٥/ ٦٥ - ٦٦، وابن ماجه، برقم ٢٣٨٨، والحاكم، ٢/ ٤٧، وانظر تحقيق المسألة في: حاشية العلامة عبد العزيز ابن باز على بلوغ المرام، ص ٥٢١ على الحديث رقم ٨٣٤، وتوضيح الأحكام من بلوغ المرام، لعبد الله البسام، ٤/ ٩٩ - ١٠٠، الحديث رقم ٧٤٥، وانظر: ص ٣١٣، ٣١٦ من كتابي هذا.\n(٤) سورة النجم، الآية: ٣٩.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع والإجارات، باب في الرجل يأكل من مال ولده برقم ٣٥٢٨، والترمذي، كتاب الأحكام، باب الوالد يأخذ من مال ولده، برقم ١٣٥٨،والنسائي، كتاب البيوع، باب الحث على الكسب، برقم ٤٤٥٤، وابن ماجه، كتاب التجارات، باب الحث على المكاسب، برقم ٢١٣٧، والحاكم، ٢/ ٤٦، والطيالسي، ١٥٨٠، وأحمد، ٦/ ٤١، ١٢٦، ١٦٢، ١٧٣، ١٩٣، ٢٠١، ٢٠٢، ٢٢٠ وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»،ووافقه الذهبي! وقال الألباني ﵀: وهو خطأ من وجوه لا يتسع المجال لبيانها، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو: رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، ٢/ ١٧٩، ٢٠٤، ٢١٤ بسند حسن.\n(٦) بضم المثناة وكسر اللام، أي سلبت، على ما لم يسم فاعله، أي ماتت فجأة.","vol":"1","page":389},{"text":"[ولم تُوصِ]، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقتُ عنها [ولي أجر]؟ قال: «نعم»، [فتصدَّق عنها]» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>٣ - عن ابن عباس ﵄: «أن سعد بن عبادة - أخا بني ساعدة - توفيت أمه وهو غائب عنها</span>، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: «نعم»، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف (٢) صدقةٌ عليها» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>٤ - عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله: إن أمي ماتت</span>، أفأتصدق عنها؟ قال: «نعم» قلت: فأي صدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» فتلك سقاية سعد بالمدينة (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة البغتة، برقم ١٣٨٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، برقم ١٠٠٤، وأبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء فيمن مات عن غير وصية يُتصدق عنه، برقم ٢٨٨١، والنسائي، كتاب الوصايا، باب إذا مات الفجأة هل يستحب لأهله أن يتصدقوا عنه، برقم ٣٦٧٩، وابن ماجه، كتاب الوصايا، باب الدَّين قبل الوصية، برقم ٢٧١٧، والبيهقي، ٤/ ٦٢، ٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨، وأحمد، ٦/ ٥١.\nقال الألباني ﵀: والسياق للبخاري في إحدى روايتيه، والزيادة الأخيرة له في الرواية الأخرى، وابن ماجه، وله الزيادة الثانية، ولمسلم الأولى.\n(٢) أي المثمر، سمي بذلك لما يخرف منه أي يجنى من الثمرة.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمي ... برقم ٢٧٥٦، وأبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء فيمن مات عن غير وصية يتصدق عنه برقم ٢٨٨٢، والنسائي كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة على الميت برقم ٣٦٨٥، والترمذي، كتاب الزكاة، باب الصدقة على الميت، برقم ٦٦٩، والبيهقي، ٦/ ٢٧٨، وأحمد، ٣٠٨٠ - ٣٥٠٥ - ٣٥٠٨ والسياق له.\n(٤) أخرجه النسائي، كتاب الوصايا، باب ذكر الاختلاف على سفيان، برقم ٣٦٦٣، ٣٦٦٤، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب في فضل سقي الماء، برقم ١٦٨١، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب صدقة الماء، برقم ٣٦٨٤، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٥٦٠ - ٥٦١، وأخرجه أحمد، ٥/ ٢٨٥.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-594>٥ - عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إن أبي مات </span>وترك مالًا ولم يُوصِ فهل يُكفِّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: «نعم» (١) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>التاسع عشر: القناعة والعفة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>١ - مفهوم القناعة: </span>هي الرضا بما قسم الله تعالى وراحة القلب بذلك (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>٢ - مدح القناعة </span>والعفة جاء في ذلك أحاديث منها ما يأتي:\nالحديث الأول: حديث عبد الله بن محصن الخطمي عن أبيه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أصبح منكم آمنًا في سربه (٤) معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما أحيزت (٥) له الدنيا» [بحذافيرها (٦)] (٧).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت، برقم ١٦٣٠، والنسائي كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة على الميت، برقم ٣٦٥٠، والبيهقي، ٦/ ٢٧٨، وأحمد، ٢/ ٣٧١.\n(٢) وقد ذكرت في وصول الثواب والقرب المهداة إلى أموات المسلمين أكثر من خمسة وعشرين دليلًا في آخر صلاة الجنائز من كتاب صلاة المؤمن وقد أفردتها في رسالة مستقلة بعنوان: ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ٤/ ١١٥، والتعريفات للجرجاني، ص ٢٢٨، الحديث، ١٠/ ١٣٦.\n(٤) آمنًا في سربه: أي في نفسه، وقيل: في أهله وعياله، وقيل: في مسلكه وطريقه، وقيل: في بيته. واختار ابن الأثير الأول «في نفسه» جامع الأصول لابن الأثير، ١٠/ ١٣٦، وتحفة الأحوذي للمبارك فوري، ٧/ ١١.\n(٥) حيزت: جمعت. الترمذي، برقم ٢٣٤٦.\n(٦) «حذافيرها» لم أجد هذه الجملة في الأصول التي رجعت إليها، ولكن زادها ابن الأثير في جامع الأصول، وذكر المباركفوري في التحفة، ٧/ ١١، أنها في المشكاة، ومعنى حذافير: عالي الشيء ونواحيه، يقال: أعطاه الدنيا بحذافيرها: أي بأسرها، الواحد حذفار جامع الأصول،١٠/ ١٣٦.\n(٧) الترمذي، كتاب الزهد، باب: حدثنا عمرو بن مالك، برقم ٢٣٤٦، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب القناعة، برقم ٤١٤١، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٤٣، وفي صحيح الأدب المفرد، برقم ٣٠٠.","vol":"1","page":391},{"text":"الحديث الثاني: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه» (١).\nالحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفد ما عنده قال: «ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يتصبَّر يصبره الله، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر» (٢).\nالحديث الرابع: حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا (٣)، وتروح بطانًا (٤» (٥).\nالحديث الخامس: حديث أنس - ﵁ - قال: قال رجل يا رسول الله! أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل» (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، برقم ١٠٥٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم ١٤٦٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف، برقم ١٠٥٣.\n(٣) الخماص: الجياع الخاليات البطون من الغذاء. جامع الأصول، ١٠/ ١٤٠.\n(٤) البطان: الشباع الممتلئات البطون، جامع الأصول، ١٠/ ١٤٠.\n(٥) الترمذي: كتاب الزهد، باب في التوكل على الله، برقم ٢٣٤٤، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين، برقم ٤١٦٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٤.\n(٦) الترمذي، كتاب القيامة، بابٌ: حدثنا عمرو بن علي، برقم ٢٥٧، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٦١٠.","vol":"1","page":392},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>٣ - غنى النفس</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض (٣)، ولكن الغنى غنى النفس» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان». وفي رواية: «الأكلةُ والأكلتان (٥) والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه [ويستحي، أو] لا يقوم فيسأل الناس [إلحافًا] وفي لفظ: «إنما المسكين الذي يتعفف»، واقرَؤُا إن شئتم: يعني قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ\nإِلْحَافًا﴾ (٦) (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>٤ - الرضى بالقليل</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٢٣.\n(٢) سورة الطلاق، الآية: ٣.\n(٣) العرض: ما يتموَّله الإنسان ويقتنيه من المال وغيره، جامع الأصول، ١٠/ ١٤١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب الغنى غنى النفس، برقم ٦٤٤٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض، برقم ١٠٥١.\n(٥) الأكلة بضم الهمزة: اللقمة - وبالفتح - المرة الواحدة من الأكل. جامع الأصول، ١٠/ ١٤٢.\n(٦) إلحافًا: الإلحاف في المسألة: الإلحاح والإكثار منها: جامع الأصول، ١٠/ ١٤٢.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٧٦، ١٤٧٩، ٤٥٣٩، ومسلم، برقم ١٠٣٩، وتقدم تخريجه في مصارف الزكاة، مصرف المساكين.","vol":"1","page":393},{"text":"أن لا تزدروا (١) نعمة الله عليكم». وفي لفظ: «إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلْقِ، فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فُضِّل عليه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>العشرون: أنواع المسألة: الجائزة والممنوعة: </span>على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>١ - المسألة المذمومة وردت في أحاديث منها:</span>\nالحديث الأول: حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي - ﷺ - قال: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم» (٣).\nالحديث الثاني: حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو يستكثر» (٤).\nالحديث الثالث: حديث سمرة بن جندب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن المسألة كدٌّ يكدُّ بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سُلطانًا، أو في أمر لا بد منه» (٥). ولفظ أبي داود والنسائي: «المسائل كدوح (٦) (٧) يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك، إلا أن\n_________\n(١) تزدروا: الازدراء: الاحتقار، والعيب والانتقاص. جامع الأصول لابن الأثير، ١٠/ ١٤٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، بابٌ: لينظر إلى من هو أسفل منه ولا ينظر إلى من هو فوقه، برقم ٦٤٩٠، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٦٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثرًا، برقم ١٤٧٤، ٤٧١٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهية المسألة للناس، برقم ١٠٤٠.\n(٤) مسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة، برقم ١٠٤١.\n(٥) الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في النهي عن المسألة، برقم ٦٨١.\n(٦) كدوح: الخموش. جامع الأصول، ١٠/ ١٤٥.\n(٧) وأما «كدٌّ» فهو السعي والتعب في طلب الرزق، والكدُّ: الخدش. جامع الأصول، ١٠/ ١٤٥.","vol":"1","page":394},{"text":"يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بُدًّا» (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذا يدل على أن مسائل السلطان لا بأس بها؛ لأنه ولي بيت مال المسلمين، ولكن التعفف أفضل: ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله» (٢).\nالحديث الرابع: حديث الزبير بن العوام - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» (٣).\nالحديث الخامس: حديث حكيم بن حزام - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: «يا حكيم إنَّ هذا خَضِرَةٌ (٤) حُلوةٌ فمن أخذه بسخاوة نفس بُورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليدُ العليا خير من اليد السفلى» فقال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ (٥) أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر - ﵁ - يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر - ﵁ - دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا فقال\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الزكاة، باب ما تجوز فيه المسألة، برقم ١٦٣٩، والترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في النهي عن المسألة برقم ٦٨١، والنسائي كتاب الزكاة، باب مسألة الرجل ذا سلطان، برقم ٢٥٩٩، وصححه الترمذي، والألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٦٧ وغيره.\n(٢) سمعته منه أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٢٥٩٩.\n(٣) البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم ١٤٧١، ورقم ٢٠٧٥، ورقم ٢٣٥٣، وأخرج البخاري، برقم ١٤٧٠، ومسلم، برقم ١٠٤٢ نحوه، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٤) خضرة: الخضر: الناعم الطري، والمراد به: أن المال محبوب إلى الناس. جامع الأصول، ١٠/ ١٤٩.\n(٥) أرزأ: لا آخذ منه شيئًا، والإرزاء النقص. جامع الأصول، ١٠/ ١٥٠.","vol":"1","page":395},{"text":"[عمر]: إني أشهدكم معشر المسلمين على حكيمٍ أني أعرض عليه حقهُ من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد رسول الله [- ﷺ -] حتى توفي» (١).\nالحديث السادس: حديث عوف بن مالك - ﵁ - قال: كنا عند رسول الله - ﷺ -: تسعة أو ثمانية، أو سبعة فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» -وكنا حديثَ عهدٍ ببيعة - قلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» قال: فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، [وتسمعوا] وتطيعوا» وأسر كلمة خفية، «ولا تسألوا الناس شيئًا»، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا [أن] يناوله إيَّاه» (٢).\nالحديث السابع: حديث ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا وأتكفَّلُ له بالجنة؟» فقال ثوبان: أنا؛ فكان لا يسأل أحدًا شيئًا» (٣).\nالحديث الثامن: حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسدّ فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم ١٤٧٢، ورقم ٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، برقم ١٠٣٥.\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس، برقم ١٠٤٣، وما بين المعقوفين من سنن أبي داود، برقم ١٦٤٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الزكاة، باب كراهية المسألة، برقم ١٦٤٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٤٥٧.","vol":"1","page":396},{"text":"بالغنى، إما بموت عاجل، أو غنى عاجل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>٢ - المسألة الجائزة وردت في أحاديث منها:</span>\nالحديث الأول: حديث قبيصة بن مخارق الهلالي - ﵁ - قال: تحملتُ حمالة (٢)، فأتيتُ رسول الله - ﷺ - أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» ثم قال: «يا قبيصة إن المسألة لا تحلُّ إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالةً فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا (٣) من عيش - أو قال - سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة (٤) حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا (٥) من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال - سدادًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا (٦) يأكلها صاحبها سحتًا» (٧).\nالحديث الثاني: حديث سمرة - ﵁ - وفيه: «... إلا أن يسأل الرجل ذا سلطانٍ، أو في أمر لا يجد منه بُدًّا» (٨).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في الاستعفاف، برقم ١٦٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٤٥٨.\n(٢) حمالة: الحمالة: المال الذي يتحمله الإنسان: أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين: كالإصلاح بين قبيلتين، ونحو ذلك، شرح النووي، ٧/ ١٣٩، وجامع الأصول، ١٠/ ١٥٥.\n(٣) قوامًا: القِوام والسداد بمعنى واحد: ما يغني من الشيء وما يقوم به أمر الإنسان من ماء، وما تسدُّ به الحاجة، شرح النووي، ٧/ ١٣٩، وجامع الأصول، ١٠/ ١٥٦.\n(٤) فاقة: الفقر، شرح النووي، ٧/ ١٤٠، وجامع الأصول، ١٠/ ١٥٦.\n(٥) الحجا: العقل، شرح النووي، ٧/ ١٣٩، وجامع الأصول، ١٠/ ١٥٦.\n(٦) السحت: الحرام، سمي بذلك لأنه يسحت البركة ويذيبها، أو لأنه يهلك آكله. جامع الأصول، ١٠/ ١٥٦.\n(٧) مسلم، كتاب الزكاة، باب من تحل له المسألة، برقم ١٠٤٤.\n(٨) أبو داود، برقم ١٦٤٢، والترمذي، برقم ٦٨١، وتقدم تخريجه تحت الحديث الثالث من أنواع المسألة المذمومة.","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>٣ - لا يسأل بوجه الله إلا الجنة</span>؛ لحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سُئل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأل هجرًا (١») (٢). وعن رفاعة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سُئل بوجه الله فمنع سائله» (٣).\nوعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (٤). وفي حديث معاوية بن حيدة - ﵁ -: «وإني أسألك بوجه الله - ﷿ - بما بعثك ربك إلينا؟ قال: «بالإسلام» الحديث (٥).\n_________\n(١) هجرًا: أي ما لم يسأل أمرًا قبيحًا، ولا يليق، ويحتمل أنه أراد ما لم يسأل سؤالًا قبيحًا بكلام قبيح. المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٦٥٢.\n(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ١٠٣: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن على ضعف في بعضه مع توثيق. وقال المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٦٥٢: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا شيخه يحيى بن عثمان بن صلاح وهو ثقة، وفيه كلام». قال الألباني في الصحيحة وفي صحيح الترغيب والترهيب: «لكنه قد توبع كما بينته في الصحيحة» ٢٢٩٠.\nوالحديث قال الألباني عنه في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥١٣: «حسن».\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير، ٢٢/ ٣٧٧، برقم ٩٤٣، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥١٣: «حسن لغيره».\n(٤) أبو داود، كتاب الزكاة، باب عطية من سأل بالله؛ برقم ١٦٧٢، والنسائي، كتاب الزكاة، باب من سأل بالله - ﷿ -، برقم ٢٥٦٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢١٧.\n(٥) النسائي، كتاب الزكاة، باب من سأل بوجه الله - ﷿ -، برقم ٢٥٦٨، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢١٨، وفي إرواء الغليل، ٥/ ٣٢.","vol":"1","page":398},{"text":"وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وهذا لا بأس به، والسؤال بوجه الله لا يُسأل به إلا الجنة، أو ما يقرب إليها، وهذا مما يقرب إليها» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أخبركم بخير الناس منزلًا؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «رجل آخذ برأس فرسه في سبيل الله - ﷿ - حتى يموت أو يقتل، وأخبركم بالذي يليه؟» قلنا: نعم يا رسول الله، قال: «رجل معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس، وأخبركم بشر الناس؟» قلنا: نعم يا رسول الله، قال: «الذي يُسأل بالله - ﷿ - ولا يُعطي به» (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يذكر أن هذا فيمن سأل حقًا له؛ كأن يقول: أسألك بالله أن تقضيني ديني الذي عندك، أو يقول: أسألك بالله أن لا تؤذيني، أو غير ذلك، أما من سأل بالله بغير حق فلا تجب إجابته، كأن يقول: أسألك بالله أن تعطيني أموالك، أو غير ذلك فيما لا حق له فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>٤ - قبول العطاء من غير مسألة </span>ولا إشراف؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، قال: قد كان رسول الله - ﷺ - يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه منِّي، حتى أعطاني مرة مالًا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف (٣) ولا سائل،\n_________\n(١) سمعته منه أثناء تقريره على سنن النسائي، برقم ٢٥٦٨.\n(٢) النسائي، كتاب الزكاة، باب من يسأل بالله - ﷿ - ولا يعطى به، برقم ٢٥٦٨، والترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء أي الناس خير، برقم ١٦٥٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢١٨، وفي صحيح سنن الترمذي، ١/ ٢٣٥، وفي الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٥٥.\n(٣) مشرف: الإشرافُ على الشيء: الاطلاع عليه، والتعرض له، والمراد: وأنت غير طامع فيه، ولا طالب له. جامع الأصول، ١٠/ ١٦٢.","vol":"1","page":399},{"text":"فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك» وفي لفظ: «خذه فتموَّله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا (١) فلا تتبعه نفسك» قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يردُّ شيئًا أُعطيه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>الحادي والعشرون: الزهد والورع:</span>\nالورع: هو الكف عما لا ينبغي، ثم استعير للكف عن المباح والحلال (٣).\nذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما يُخاف ضرره في الآخرة (٤). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وهذه العبارة من أحسن ما قيل: في الزهد، والورع، وأجمعها» (٥).\nوقال الإمام أحمد ﵀: «الزهد على ثلاثة أوجه:\n_________\n(١) ما لا: أي ما لا يكون على هذه الصفة، بل تكون نفسك تؤثره وتميل إليه، فلا تتبعه نفسك، واتركه، فحذف هذه الجملة؛ لدلالة الحال عليها. جامع الأصول لابن الأثير، ١٠/ ١٦٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا إشراف نفس، برقم ١٤٧٣، ورقم ٧١٦٣، ٧١٦٤، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إباحة الأخذ لمن أُعطيَ من غير مسألة ولا إشراف، برقم ١٠٤٥.\n(٣) الفائق في غريب الحديث للزمخشري، ٤/ ٥٦، والنهاية لابن الأثير، ٥/ ١٧٤.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٠/ ٥١١، ٥٦١ ٢٠/ ١٤٢، ومدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ١٠.\n(٥) مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ١٠.","vol":"1","page":400},{"text":"الأول: ترك الحرام، وهو زهد العوام.\nوالثاني: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص.\nالثالث: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين (١»).\nولا يُعلِّقُ المؤمن قلبه بالدنيا؛ فإنه - ﷺ - قال في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (٢).\nقال الإمام النووي ﵀: «ومعناه أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا: من الشهوات المحرمة، والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له، من النعيم الدائم، والراحة الخاصة، من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته، وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم، وشقاء الأبد» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «رُبَّ أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره» (٤).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «تُوفِّي رسول الله - ﷺ - وما في رفي من شيء يأكله ذو كبدٍ إلا شطر شعير (٥) في رفٍّ لي، فأكلت منه حتى طال عليَّ،\n_________\n(١) مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ١٢.\n(٢) مسلم، كتاب الزهد، باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، برقم ٢٩٥٦.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٨/ ٣٠٥.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل الضعفاء، برقم ٢٦٢٢.\n(٥) شطر شعير: شيء من شعير. جامع الأصول، ٤/ ٦٨٨.","vol":"1","page":401},{"text":"فكلته، ففني» (١).\nوعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: «ألستم في طعام وشراب ما شئتم، لقد رأيت نبيكم - ﷺ - ما يجد من الدَّقل (٢) ما يملأ به بطنه» (٣). وفي لفظ عن عمر: «لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلًا يملأ به بطنه» (٤).\nوينبغي للعبد المسلم أن يعلم بأن الدنيا فانية وزائلة، وكل ما فيها يتغير ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريق، وهي مزرعة للآخرة على التحقيق، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة على النحو الآتي:\n\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-606> الأدلة من الكتاب الكريم العزيز:</span>\n١ - فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ*وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥).\n٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد، باب الدنيا سجن المؤمن، برقم ٢٩٧٣.\n(٢) الدَّقل: تمر رديء، شرح النووي على صحيح مسلم، ١٨/ ٣٢١.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد، باب الدنيا سجن المؤمن، برقم ٢٩٧٧.\n(٤) مسلم، كتاب الزهد، باب الدنيا سجن المؤمن، برقم ٢٩٧٨.\n(٥) سورة الزخرف، الآيات: ٣٣ - ٣٥.","vol":"1","page":402},{"text":"نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).\n٣ - وقال - ﷿ -: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (٢).\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣).\n٥ - وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤).\n٦ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥).\n٧ - وقال الله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٦).\n٨ - وقال سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٧).\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ٢٤.\n(٢) سورة الكهف، الآية: ٤٥.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٦٠.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٨٣.\n(٥) سورة القصص، الآية: ٨٨.\n(٦) سورة الشورى، الآية: ٣٦.\n(٧) سورة الأنعام، الآية: ٣٢.","vol":"1","page":403},{"text":"٩ - وقال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١).\n١٠ - وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).\n١١ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٣).\n١٢ - وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (٤).\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-607> الأدلة من السنة المطهرة</span>، فقد زهَّد النبي - ﷺ - الناس في الدنيا، ورغَّبهم في الآخرة، بفعله وقوله - ﷺ -.\n١ - أما فعله فمنه حديث عائشة ﵂ قالت: «خرج النبي - ﷺ - ولم يشبع من خبز الشعير» (٥).\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية: ٦٤.\n(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٠.\n(٣) سورة الرحمن، الآيتان: ٢٦ - ٢٧.\n(٤) سورة غافر، الآية: ٣٩.\n(٥) البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما كان النبي - ﷺ - وأصحابه يأكلون، برقم ٥٤١٤.","vol":"1","page":404},{"text":"٢ - وقالت: «ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر» (١).\n٣ - وقالت: «إنا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلَّة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله - ﷺ - نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (٢).\n٤ - وقال النبي - ﷺ -: «لو كان لي مثل أُحد ذهبًا ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أرصُدُهُ لدَيْن» (٣).\n٥ - وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه اضطجع على حصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر بن الخطاب - ﵁ -، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: يا رسول الله لو أخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال - ﷺ -: «ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (٤).\n٦ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض» (٥). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبًا كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٥.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون، والحجر والتفليس، باب أداء الديون، برقم ٢٣٨٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، برقم ٩٩١.\n(٤) أحمد في المسند، ١/ ٣٠١ بلفظه، والترمذي بنحوه، في كتاب الزهد، باب ٤٤، برقم ١٣٧٧، وقال حديث حسن صحيح، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١٠٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٨٠، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٩٤.\n(٥) البخاري، كتاب الأطعمة، باب قول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية، برقم ٥٣٧٤.","vol":"1","page":405},{"text":"يجدون، ولكن يؤثرون على أنفسهم (١).\n٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: «كان فراش رسول الله - ﷺ - من أدَم وحشوُهُ ليف» (٢).\n٨ - ومع هذا كله يقول - ﷺ -: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» (٣).\n٩ - وقال - ﷺ -: «قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافًا، وقنَّعَه الله بما آتاه» (٤).\nوأما قوله في التزْهِيد في الدنيا والتحْذِير من الاغترار بها، فكثير، ومنه:\n١٠ - دخل النبي - ﷺ - السوق يومًا فمرَّ بجدي صغير الأذنين ميت، فأخذه بأذنه ثم قال: «أيّكم يُحِبُّ أن هذا له بدرهم؟» قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أتحبون أنه لكم؟» قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسكٌّ (٥) فكيف وهو ميت؟ فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (٦).\n١١ - عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٩/ ٥١٧، ٥٤٩.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٦٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، واللفظ له، برقم ١٠٥٥.\n(٤) مسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، برقم ١٠٥٤.\n(٥) الأسك: مصطلم الأذنين مقطوعهما.\n(٦) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٧.","vol":"1","page":406},{"text":"شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له» (١).\n١٢ - عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحب دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» (٢).\n١٣ - عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أنه لما حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين، ليُبلِّغ الشاهد الغائب، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «حلاوة الدنيا مرةُ الآخرة، ومرةُ الدنيا حلاوة الآخرة» (٣).\n\n١٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-608> أوَّلُ من يدخل الجنة: </span>الأتقى الأزهد في الدنيا:\nعلى المسلم أن يعلم أن الداخلين إلى الجنة يكون أسبقهم إليها دخولًا أتقاهم لله تعالى، وأعلمهم به - ﷿ -، وأزهدهم في الدنيا على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>١ - أوَّلُ من يدخل الجنة: محمد - ﷺ </span>-.\nعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بك أُمِرتُ لا أفتحُ لأحدٍ قبلك» (٤).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا سويد، برقم ٢٤٦٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٩٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٩ - ٩٥٠.\n(٢) أحمد، ٤/ ٤١٢، وابن حبان، رقم ٧٠٩، والحاكم، ٤/ ٣١٩، قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، برقم ٤٧٤٤: «رواه أحمد ورواته ثقات». وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب على الحديث رقم ٣٢٤٧: «صحيح لغيره» وذكر له شاهدًا في الأحاديث الصحيحة، برقم ٣٢٨٧.\n(٣) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٤/ ٣١٠، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٨.\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ -: «أنا أول من يشفع في الجنة، وأكثر الأنبياء تبعًا»، ١/ ١٨٨، برقم ١٩٧.","vol":"1","page":407},{"text":"وعنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>٢ - أمة محمد - ﷺ </span>-.\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، هدانا الله له (قال: يوم الجمعة) فاليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>٣ - الفقراء:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام: نصف يوم» (٣). وفي لفظ للترمذي: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام» (٤).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يدخل فقراء المسلمين قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ -: «أنا أول من يشفع في الجنة، وأكثر الأنبياء تبعًا»، ١/ ١٨٨، برقم ١٩٦.\n(٢) مسلم، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ٢/ ٥٨٥، برقم ٨٥٥.\n(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، برقم ٢٣٥٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب منزلة الفقراء، برقم ٤١٢٢، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٥، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٩٦.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، برقم ٢٣٥٤، وانظر: الحديث السابق.\n(٥) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، برقم ٢٣٥٥، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٥، وانظر: تحفة الأحوذي، ٧/ ١٨ - ٢٣.","vol":"1","page":408},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا» (١).\nوالجمع بين الحديثين والله أعلم: أن الفقراء منهم من يسبق الأغنياء بخمسمائة عام، ومنهم من يسبق بأربعين عامًا، بحسب أحوال الفقراء والأغنياء، كما يتأخر مكث العصاة الموحدين بسبب أحوالهم. ولا يلزم من سبق الفقراء في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم؛ بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإن سبقه غيره في الدخول، فالغني إذا حوسب على غناه فوُجِدَ قد شكر الله تعالى فيه، وتقرب إليه بأنواع البر، والخير، والصدقة، والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول، ولم يكن له تلك الأعمال، ولاسيما إذا شاركه الغني في أعماله وزاد عليه فيها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. فالمزية مزيتان: السبق، والرفعة، وقد يجتمعان وينفردان، فيحصل لواحد السبق والرفعة، ويعدمهما آخر، ويحصل لآخر السبق دون الرفعة، ولآخر الرفعة دون السبق، وهذا بحسب المقتضى للأمرين أو لأحدهما وعدمه وبالله التوفيق (٢).\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد، باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ٤/ ٢٢٨٥، برقم ٢٩٧٩.\n(٢) انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح للإمام ابن القيم، ص ١٣٤.","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>فهرس المصادر والمراجع</span>\n١ - أبحاث هيئة كبار العلماء، إعداد الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، الطبعة الثالثة، ١٤٢٦هـ، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء.\n٢ - إبهاج المؤمنين بشرح منهج السالكين، لعبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، اعتنى به\nأبو أنس علي بن حسين أبو لوز، الطبعة الأولى ١٤٢٢، دار الوطن.\n٣ - الإجماع، لمحمد بن إبراهيم بن المنذر، تحقيق الدكتور أبي حماد صغير أحمد، الطبعة الثانية، ١٤٢٠هـ، مكتبة الفرقان، عجمان، ومكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة.\n٤ - إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، ت ٧٠٢هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ، عالم الكتب بيروت.\n٥ - أحكام القرآن، أبو بكر بن علي الرازي الجصاص (ت ٣٧٠ هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، طبعة ١٣٣٥هـ.\n٦ - الإحكام شرح أصول الأحكام، لعبد الرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، توزيع ونشر ورثة المؤلف.\n٧ - الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتصحيح وتعليق الشيخ محمد بن صالح العثيمين، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ، دار العاصمة بالرياض المملكة العربية السعودية.\n٨ - الأدب المفرد، للإمام أبي عبد الله محمد إسماعيل البخاري، تحقيق محمود فؤاد عبدالباقي، الطبعة الثالثة ١٤٠٩هـ، دار البشائر الإسلامية.\n٩ - إرشاد أولي الأبصار والألباب إلى نيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، للعلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق محمد أشرف عبد المقصود، الطبعة الأولى\n١٤٢٠هـ، مكتبة أضواء السلف.\n١٠ - الإرشادات إلى جمل من حكم وأحكام الزكاة، للشيخ عبد الله بن صالح القصير، الطبعة عام ١٤١٣هـ، دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١١ - إرواء الغليل، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٢ - الإصابة في تمييز الصحابة، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ط بدون تاريخ، دار صادر.","vol":"1","page":448},{"text":"١٣ - أضواء البيان، للشنقيطي ت ١٣٩٣هـ، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ، توزيع الرياسة العلمية لإدارة البحوث العلمية والإفتاء.\n١٤ - الإفصاح عن معاني الصحاح، للوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة المتوفى سنة (٥٦٠) هـ، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.\n١٥ - الإقناع لطالب الانتفاع، لموسى ابن أحمد الحجَّاوي، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبدالمحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ للطباعة والتوزيع.\n١٦ - الأم، للشافعي؛ محمد بن إدريس (ت ٢٠٤هـ). تحقيق: إحسان عبد المنان، ط١، د. م، الناشر: بيت الأفكار الدولية.\n١٧ - الأموال، للإمام الحافظ الحجة أبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق وتعليق محمد خليل هراس، ١٤٠١هـ- ١٩٨١م، منشورات مكتبة الكليات الأزهرية، ودار الفكر، القاهرة، الطبعة الثالثة.\n١٨ - الأموال، لابن زنجويه،\n١٩ - الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف، لعلي بن سليمان المرداوي، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبدالمحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر.\n٢٠ - بداية العابد وكفاية الزاهد، مع شرحه: بلوغ القاصد جل المقاصد، كلاهما للعلامة عبدالرحمن بن عبد الله البعلي ﵀ ١١١٠ - ١١٩٢هـ، تحقيق محمد بن ناصر العجمي، دار البشائر الإسلامية.\n٢١ - بداية المجتهد، لمحمد ابن أحمد بن رشد، ت ٥٩٥هـ، دار الفكر.\n٢٢ - البداية والنهاية، للحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير، ت: ٧٤٧هـ، تحقيق الدكتور عبدالله بن عبد المحسن التركي، مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر.\n٢٣ - بلوغ المرام، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني مع حاشية سماحه الشيخ ابن باز ﵀، مراجعة عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، الطبعة الثانية، دار الامتياز للنشر.\n٢٤ - التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر، الطبعة الرابعة ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.","vol":"1","page":449},{"text":"٢٥ - تاريخ الخلفاء، للإمام جلال الدين بن عيد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت ٩١١هـ، بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.\n٢٦ - تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، إشراف ومراجعة عبد الوهاب بن عبداللطيف، نشر مكتبه ابن تيمية، القاهرة.\n٢٧ - تخريج الروض المربع، للدكتور عبد الله الغصن ومجموعة من طلاب العلم، الطبعة الثانية عام ١٤٢٢هـ، دار الوطن للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢٨ - الترغيب والترهيب، للإمام عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ت ٦٥٦ تحقيق محيي الدين ديب مستو، دار ابن كثير ودار الكلم الطيب، دمشق بيروت.\n٢٩ - التعريفات، لعلي بن محمد بن علي الجرجاني ت ٨١٦، تحقيق الدكتور عبدالرحمن عميرة، عالم الكتب.\n٣٠ - التعليق المغني على سنن الدارقطني، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي ت ١٣٨٦هـ، نشر عبد الله هاشم يماني، المدينة، المملكة العربية السعودية.\n٣١ - تفسير البغوي، للإمام الحسين بن مسعود البغوي الشافعي، ت٥١٦هـ، تحقيق خالد بن عبد الرحمن ومروان سوار، الطبعة الأولى، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٣٢ - تفسير السعدي تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للعلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي، الطبعة الأولى ت ١٣٧٦هـ، تحقيق عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة.\n٣٣ - تفسير القرآن العظيم، للإمام إسماعيل بن عمر بن كثير ت ٧٤٧هـ، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٣٤ - التفسير الكبير، أو مفاتيح الغيب، للإمام: فخر الدين محمد بن عمر الرازي الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط١، ١٤٢١هـ ـ٢٠٠٠م.\n٣٥ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، للحافظ أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، ٧٧٣هـ، توزيع رياسة إدارات البحوث العلمية.\n٣٦ - التمهيد، للإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله القرطبي ابن عبد البر، ت ٤٦٥هـ.\n٣٧ - جامع الأصول، لابن الأثير المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، ت ٦٠٦هـ، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ، دار الفكر للطباعة والنشر، لبنان، بيروت.","vol":"1","page":450},{"text":"٣٨ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت ٣١٠هـ، تحقيق محمود محمد شاكر، توزيع دار التربية والتراث، مكة المكرمة.\n٣٩ - الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله بن أحمد الأنصاري القرطبي، الطبعة الأولى عام ١٤١٤ هـ، تحقيق الدكتور محمد بن إبراهيم الحفناوي، نشر دار الحديث، القاهرة.\n٤٠ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، للإمام ابن القيم، تحقيق الدكتور بسام علي سلامة، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ، دار ابن تيمية.\n٤١ - حاشية ابن باز على بلوغ المرام، مراجعة عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، الطبعة الثانية عام ١٤٢٥ هـ، دار الامتياز.\n٤٢ - حاشية ابن قاسم على الروض المربع، الطبعة الثالثة، نشر ورثة المؤلف.\n٤٣ - حاشية السندي على سنن النسائي، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦هـ، دار البشائر الإسلامية.\n٤٤ - الحاوي الكبير، لأبي الحسن على بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، تحقيق: على محمد مطرجي وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ.\n٤٥ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، ت ٤٣٠هـ، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان.\n٤٦ - الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية، لمعالي الشيخ الدكتور عمر بن عبد العزيز المترك، تحقيق الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ، دار العاصمة.\n٤٧ - الروض المربع شرح زاد المستقنع، تحقيق عبد الله الطيار، الطبعة الثانية، ١٤٢٢هـ دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٤٨ - الروض المربع شرح زاد المستنقع، تعليق مجموعة من طلبة العلم بإشراف عبد الله الطيار، الطبعة الثانية ١٤٢٢هـ، دار الوطن، الرياض المملكة العربية السعودية.\n٤٩ - الروض المربع شرح زاد المستنقع، مع حاشية عبد الرحمن بن قاسم، الطبعة الثالثة ١٤٠٥هـ، نشر ورثة المؤلف.\n٥٠ - زاد المعاد، في هدي خير العباد، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي، ابن قيم الجوزية، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرنؤوط، الطبعة","vol":"1","page":451},{"text":"الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٥١ - زكاة الأسهم والسندات، للشيخ صالح بن غانم السدلان، الطبعة الرابعة، ١٤١٧هـ، دار بلنسية للنشر والتوزيع.\n٥٢ - زكاة الحلي في الفقه الإسلامي، للدكتور عبد الله بن محمد أحمد الطيار، الطبعة الأولى، نشر مكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية.\n٥٣ - زكاة الحلي: الذهب والفضة والمجوهرات، للدكتور محمد بن عثمان شبير، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ، مكتبة دار الفلاح، الكويت.\n٥٤ - زكاة عروض التجارة، أبو البراء وأبو أنس، الطبعة الأولى ٢٠٠٠م، دار ماجد عسيري، جدة، المملكة.\n٥٥ - الزكاة وأحكامها، لوهبي سليمان غاوجي، الطبعة الأولى، ١٣٩٨هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٥٦ - الزكاة، للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ، دار البخاري، بريده، المملكة العربية السعودية.\n٥٧ - الزهد والرقائق، لعبد الله بن المبارك ت ١٨١هـ، تحقيق أحمد فريد، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ، دار المعراج الدولية للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٥٨ - سبل السلام الموصل إلى بلوغ المرام، للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، تحقيق محمد صبحي حسن حلاق، الطبعة الأولى عام ١٤١٨هـ، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية.\n٥٩ - السلسبيل في معرفة الدليل، للشيخ صالح البليهي، حاشية على زاد المستنقع، الطبعة الثالثة ١٤٠١هـ، الناشر بدون.\n٦٠ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة ١٤٩٨هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٦١ - سلسلة الأحاديث الضعيفة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة ١٤٩٨هـ، المكتب الإسلامي بيروت.\n٦٢ - سنن أبي داود، الطبعة الأولى عام ١٤٢٠هـ، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":452},{"text":"٦٣ - سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، الطبعة الأولى عام ١٤٢٠هـ، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٦٤ - سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة، الطبعة الأولى عام ١٤٢٠هـ، دار السلام للنشر والتوزيع الرياض المملكة العربية السعودية.\n٦٥ - سنن الدارقطني، للإمام علي بن عمر الدارقطني، ت ٣٨٥هـ، دار المحاسن للطباعة، القاهرة.\n٦٦ - سنن الدارمي، للإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت ٢٥٥هـ، الطبعة ١٤٠٤هـ، الباكستان. توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء.\n٦٧ - السنن الكبرى، للبيهقي، أحمد بن الحسين، ت ٤٥٨هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٦٨ - سنن النسائي، للإمام أحمد بن شعيب النسائي، الطبعة الأولى عام ١٤٢٠هـ، دار السلام للنشر والتوزيع الرياض المملكة العربية السعودية ..\n٦٩ - سيرة ابن هشام، لأبي محمد بن عبد الملك بن هشام، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء.\n٧٠ - شرح الزركشي على مختصر الخرقي، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين.\n٧١ - شرح السنة، للإمام الحسين بن مسعود البغوي ت ٥١٦هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش، الطبعة الأولى ١٣٩٠هـ، توزيع إدارات البحوث العلمية والإفتاء.\n٧٢ - شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، تحقيق عبد الحميد هنداوي، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة.\n٧٣ - الشرح الكبير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ٦٨٢هـ، مطبوع معه الإنصاف والمقنع، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر.\n٧٤ - الشرح المختصر على متن زاد المستقنع، للعلامة صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ، دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٧٥ - الشرح الممتع، لابن عثيمين، الطبعة الثالثة، ١٤١٥هـ، مؤسسة آسام للنشر، المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":453},{"text":"٧٦ - شرح النووي على صحيح مسلم، مراجعة خليل الميس، دار القلم، بيروت، لبنان.\n٧٧ - شرح معاني الآثار، لأبي جعفر الطحاوي ت ٣٢١هـ، تحقيق إبراهيم شمس الدين، الطبعة الثانية ١٤٢٧هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٧٨ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، ت ٧٣٠هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثانية ١٤٢٤هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٧٩ - صحيح ابن خزيمة، لمحمد بن إسحاق بن خزيمة، ت ٣١١هـ، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، الطبعة الأولى ١٣٩١هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٨٠ - صحيح ابن ماجه، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٨١ - صحيح الأدب المفرد، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية ١٤١٥هـ، دار الصديق الجبيل المملكة العربية السعودية.\n٨٢ - صحيح البخاري، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ت: ٢٥٦هـ، الطبعة الثانية ١٤١٩هـ، مكتبة دار السلام، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٨٣ - صحيح الترغيب والترهيب، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٨٤ - صحيح الجامع الصغير، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى ١٣٨٨هـ، المكتب الإسلامي.\n٨٥ - صحيح سنن أبي داود، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٨٦ - صحيح سنن الترمذي، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٨٧ - صحيح سنن النسائي، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٨٨ - صحيح مسلم، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ت: ٢٥٦هـ، الطبعة الثانية ١٤١٩هـ، مكتبة دار السلام، الرياض المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":454},{"text":"٨٩ - ضعيف الجامع الصغير، للعلامة الألباني ناصر الدين، الطبعة الأولى ١٣٨٨هـ، المكتب الإسلامي.\n٩٠ - العلل الكبير الترمذي: شرح علل للترمذي، للدكتور نور الدين عتر، الطبعة الأولى، ١٣٩٨هـ، دار الملاح للطباعة والنشر.\n٩١ - العمدة، لابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن قدامة ت ٥٤١هـ، تخريج عبد الله بن سفر العبدلي ومحمد بن دغيليب، مكتبة الطرفين، الطائف، المملكة العربية السعودية.\n٩٢ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ، دار الفكر.\n٩٣ - غريب الحديث، لابن قتيبة عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى (٢٧٦هـ)، تحقيق د. عبد الله الجبوري، مطبعة العاني، بغداد، الطبعة الأولى ١٣٩٧هـ.\n٩٤ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع أحمد بن عبدالرزاق الدويش، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ، نشر إدارة البحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.\n٩٥ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ٨٥٢هـ، أشرف على مقابلة نسخه المطبوعة والمخطوطة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، نشر مكتبة الرياض الحديثة.\n٩٦ - الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، لأحمد بن عبدالرحمن البنا، دار الشهاب، القاهرة.\n٩٧ - الفروع، لمحمد بن مفلح المقدسي، ت٧٦٣هـ، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٩٨ - فقه الدعوة في صحيح البخاري، لسعيد بن علي بن وهف القحطاني، الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ، توزيع مؤسسة الجريسي، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٩٩ - فقه السنة، لسيد سابق، الطبعة الثانية١٣٩٢هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n١٠٠ - الفقه على المذاهب الأربعة، لعبد الرحمن الجزيري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، بدون تاريخ.\n١٠١ - القاموس الفقهي: لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ، دار الفكر، دمشق، سورية.","vol":"1","page":455},{"text":"١٠٢ - القاموس المحيط، لمحمد بن يعقوب الفيروزأبادي، ت٨١٧هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٠٣ - القواعد، لعبد الرحمن بن رجب الحنبلي، ت ٧٩٥هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٠٤ - الكافي، لابن قدامة: عبد الله بن أحمد بن محمد، ت ٦٢٠هـ تحقيق الدكتور عبدالله بن عبد المحسن التركي، دار هجر.\n١٠٥ - الكامل في التاريخ، لابن الأثير:، علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم، ت ٦٣٠هـ، الطبعة السادسة ١٤٠٦هـ، دار الكتاب العربي.\n١٠٦ - لسان العرب، لابن منظور: جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ، دار صادر، بيروت، لبنان.\n١٠٧ - مجالس شهر رمضان، للعلامة محمد بن صالح بن عثيمين ﵀، تحقيق أشرف عبد المقصود، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، مكتبة أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٠٨ - مجمع البحرين في زوائد المعجمين، للحافظ نور الدين الهيثمي ت ٨٠٧هـ، تحقيق عبدالقدوس محمد نذير، الطبعة الثانية ١٤١٥هـ، مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٠٩ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي ت ٨٠٧هـ، الطبعة الثالثة ١٤٠٢هـ، منشورات دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n١١٠ - مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن القاسم، أشرف على طباعته المكتب السعودي بالمغرب.\n١١١ - مجموع الفتاوى للإمام ابن باز، جمع الشويعر، الطبعة الثانية ١٤٢٣هـ، توزيع مكتب الدعوة والإرشاد، الرياض.\n١١٢ - مجموع فتاوى ابن باز، جمع عبد الله الطيار، وأحمد الباز، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١١٣ - مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ، جمع فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، دار الثريا للنشر.\n١١٤ - المجموع، ليحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي.","vol":"1","page":456},{"text":"١١٥ - المحلى بالآثار، لمحمد بن علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، تحقيق أحمد شاكر، مكتبة دار التراث، القاهرة، بدون تاريخ.\n١١٦ - مختار الصحاح، لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، إخراج دائرة المعارف في مكتبة لبنان، بيروت، ١٩٨٥م.\n١١٧ - المختارات الجلية من المسائل الفقهية، للسعدي ت ١٣٧٦هـ، المؤسسة السعيدية بالرياض، المملكة العربية السعودية.\n١١٨ - مختصر الخرقي المطبوع مع المغني، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ، دار هجر للطباعة والنشر.\n١١٩ - مختصر الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، تحقيق محمد بن حامد فقي، دار نشر الكتب الإسلامية، الباكستان.\n١٢٠ - مختصر الفقه الإسلامي، لمحمد بن إبراهيم التويجري، الطبعة الرابعة ١٤٢٣هـ، بيت الأفكار الدولية.\n١٢١ - مدارج السالكين، لابن قيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية ومكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n١٢٢ - المدونة الكبرى، للإمام مالك، توزيع مكتبة دار الباز بمكة المكرمة.\n١٢٣ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، طبعة ١٤١٤هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n١٢٤ - المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٢٥ - مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، النسخة المحققة، تحقيق مجموعة من أهل العلم أشرف على التحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت- لبنان.\n١٢٦ - مسند الإمام أحمد، بعناية محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي ودار صادر، بيوت، لبنان.\n١٢٧ - مسند الإمام الشافعي، للشافعي؛ محمد بن إدريس (ت ٢٠٤هـ). ترتيب: محمد عابد السندي، ط١، القاهرة، ١٣٦٩هـ.","vol":"1","page":457},{"text":"١٢٨ - مشكاة المصابيح، للتبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، طبعة المكتب الإسلامي، دمشق، طبعة ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٢م.\n١٢٩ - مشكاة المصابيح، لمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٣٠ - مصارف الزكاة وتمليكها، لخالد عبد الرزاق العاني، الطبعة الأولى ١٩٩٩م، دار أسامة، الأردن، عمان.\n١٣١ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، تأليف أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.\n١٣٢ - مصنف ابن أبي شيبة، توزيع إدارات البحوث العلمية والإفتاء.\n١٣٣ - مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٣٤ - معالم السنن، لحمد بن محمد الخطابي (٣٨٨ هـ)، المطبوع مع مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٣٥ - المعجم الأوسط، للطبراني، المجموع في مجمع البحرين في زوائد المعجمين، مكتبة الرشد، الرياض.\n١٣٦ - المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ت ٣٦٠هـ، تحقيق حمدي عبدالمجيد السلفي، الجمهورية العراقية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، إحياء التراث.\n١٣٧ - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n١٣٨ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا.\n١٣٩ - معجم لغة الفقهاء، للأستاذ الدكتور، محمد رواس الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار النفائس، بيروت، لبنان.\n١٤٠ - المغني، لعبد الله أحمد بن محمد بن قدامة ت ٦٢٠، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبدالمحسن التركي، هجر للطباعة، القاهرة.","vol":"1","page":458},{"text":"١٤١ - مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، تحقيق عدنان داوودي، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ، دار القلم، دمشق، والدار الشامية، بيروت.\n١٤٢ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، تحقيق محيي الدين ديب مستو ويوسف علي بدوي، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ، دار ابن كثير ودار الكلم الطيب، بيروت، لبنان.\n١٤٣ - المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار الهجر.\n١٤٤ - منار السبيل، تأليف إبراهيم محمد بن سالم بن ضويان، تحقيق زهير الشاويش، الطبعة الخامسة ١٤٠٢هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٤٥ - منتهى الإرادات، لمحمد بن أحمد الفتوحي، تقي الدين ت ٩٧٢هـ، مع حاشية المنتهى لعثمان أحمد سعيد النجدي، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة.\n١٤٦ - المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود، للسبكي، مكتبة طبريّة، بدون تاريخ.\n١٤٧ - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، لعلي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق محمد عبدالرزاق حمزة، دار الكتب العلمية.\n١٤٨ - الموسوعة الفقهية الكويتية، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ، مطابع دار صفوة للنشر والتوزيع، توزيع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت.\n١٤٩ - الموسوعة الفقهية الميسرة، للعوائشة، الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ، المكتبة الإسلامية، عمان، الأردن.\n١٥٠ - الموطأ، للإمام مالك، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية.\n١٥١ - نصب الراية لأحاديث الهداية، للزيلعي، تحقيق محمد عوّامة، الطبعة الثانية ١٤٢٤هـ، مؤسسة الريان، بيروت.\n١٥٢ - النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير: أبي السعادات المبارك بن محمد، ت ٦٠٦هـ، تحقيق محمود محمد الطناحي وطاهر أحمد الزاوي، المكتبة العلمية، بيروت.\n١٥٣ - نيل الأوطار، للشوكاني، تحقيق أحمد محمد السيد ومحمود إبراهيم بزّال، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ، دار الكلم الطيب، دمشق، بيروت.","vol":"1","page":459}]}