{"ً":{"ٌ":96476,"ٍ":"المفاهيم الصحيحة للجهاد في سبيل الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: المفاهيم الصحيحة للجهاد في سبيل الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٣٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":19,"ٖ":1770154052,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أولا: مفهوم الجهاد لغة وشرعا:","level":1,"page":4},{"title":"لغة:","level":2,"page":4},{"title":"شرعا:","level":2,"page":4},{"title":"ثانيا: حكم الجهاد في سبيل الله:","level":1,"page":4},{"title":"١ - إذا حضر المسلم المكلف القتال والتقى الزحفان وتقابل الصفان","level":2,"page":5},{"title":"٢ - إذا حضر العدو بلدا من بلدان المسلمين","level":2,"page":5},{"title":"٣ - إذا استنفر إمام المسلمين الناس وطلب منهم ذلك.","level":2,"page":6},{"title":"ثالثا: مراتب الجهاد في سبيل الله:","level":1,"page":8},{"title":"المرتبة الأولى: جهاد النفس له أربع مراتب:","level":2,"page":8},{"title":"١ - جهادها على تعلم أمور الدين","level":3,"page":8},{"title":"٢ - جهادها على العمل به بعد علمه،","level":3,"page":8},{"title":"٣ - جهادها على الدعوة إليه ببصيرة،","level":3,"page":8},{"title":"٤ - جهادها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله،","level":3,"page":8},{"title":"المرتبة الثانية: جهاد الشيطان وله مرتبتان:","level":2,"page":8},{"title":"١ - جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات","level":3,"page":8},{"title":"٢ - جهاده على دفع ما يلقي إليه من الشهوات والإرادات الفاسدة،","level":3,"page":8},{"title":"المرتبة الثالثة: جهاد الكفار والمنافقين:","level":2,"page":9},{"title":"المرتبة الرابعة: جهاد أصحاب الظلم والعدوان، والبدع والمنكرات:","level":2,"page":9},{"title":"رابعا: الحكمة من مشروعية الجهاد","level":1,"page":12},{"title":"الأمر الأول: إعلاء كلمة الله تعالى:","level":2,"page":13},{"title":"الأمر الثاني: نصر المظلومين","level":2,"page":13},{"title":"الأمر الثالث: رد العدوان وحفظ الإسلام","level":2,"page":13},{"title":"خامسا: أنواع جهاد الأعداء:","level":1,"page":14},{"title":"١ - جهاد الكفار، والمنافقين والمرتدين.","level":2,"page":14},{"title":"٢ - جهاد البغاة المعتدين الذين يخرجون على الإمام المسلم","level":2,"page":14},{"title":"٣ - الدفاع عن الدين، والنفس، والأهل، والمال،","level":2,"page":14},{"title":"سادسا: شروط وجوب الجهاد:","level":1,"page":16},{"title":"سابعا: استئذان الوالدين في الخروج إلى الجهاد:","level":1,"page":16},{"title":"ثامنا: أمر الجهاد موكول إلى إمام المسلمين واجتهاده:","level":1,"page":19},{"title":"تاسعا: الاعتصام بالكتاب والسنة وخاصة أيام الفتن:","level":1,"page":24}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29},"ٜ":{"1":[3,30]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2,3,4,5],"5":[6,7],"6":[8],"8":[9,10,11,12,13,14,15,16,17],"9":[18,19],"12":[20],"13":[21,22,23],"14":[24,25,26,27],"16":[28,29],"19":[30],"24":[31]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nالمفاهيم الصحيحة للجهاد\nفي سبيل الله تعالى\nفي ضوء الكتاب والسنة\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:\nفقد كثر الكلام في هذه الأيام عن الجهاد في سبيل الله - ﷿ -؛ ولأهمية الأمر، وخطورته، أحببت أن أذكر لإخواني بعض المفاهيم الصحيحة التي ينبغي معرفتها وفقهها قبل أن يتكلم المسلم عن الجهاد، ولا شك أن باب الجهاد، وأحكامه باب واسع يحتاج إلى عناية فائقة، ولكني أقتصر من ذلك على كلمات مختصرات تُبيِّن الحق إن شاء الله تعالى في الأمور الآتية: مفهوم الجهاد في سبيل الله تعالى، وحكمه، ومراتبه، والحكمة من مشروعيته، وأنواعه، وشروط وجوب الجهاد، ووجوب استئذان الوالدين في الخروج إلى جهاد التطوع في سبيل الله تعالى، وأنَّ أمر الجهاد موكول إلى الإمام المسلم، واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك ما لم يأمر بمعصية، ووجوب الاعتصام بالكتاب والسنة وخاصة أيام الفتن.\nوالله أسأل أن يجعل هذا العمل القليل مباركًا، نافعًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى","vol":"1","page":3},{"text":"إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n\nأبو عبد الرحمن\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\nحرر يوم ٢٩/ ١٠/١٤٢٢هـ","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أولًا: مفهوم الجهاد<span data-type=\"title\" id=toc-3> لغة </span>و<span data-type=\"title\" id=toc-4>شرعًا:</span></span>\nلغة: بذل واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل (١).\nشرعًا: بذل الجهد من المسلمين في قتال الكفار المعاندين المحاربين، والمرتدّين، والبغاة ونحوهم؛ لإعلاء كلمة الله تعالى (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>ثانيًا: حكم الجهاد في سبيل الله:</span>\nالجهاد فرض كفاية إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن الباقين (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٤).\nقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في فرضية الجهاد: «لابد فيه من شرط، وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة، فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة؛ ولهذا لم يوجب الله - ﷾ - على المسلمين القتال وهم في مكة؛ لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة،\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ٣١٩ باب الجيم مع الهاء، والمصباح المنير، مادة «جهد»، ١/ ١١٢.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٢، ومنتهى الإرادات، لمحمد بن أحمد الفتوحي، ٢/ ٢٠٣، والإقناع لطالب الانتفاع، للحجّاوي، ٢/ ٦١، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٤/ ٢٥٣، وسبل السلام للصنعاني، ٧/ ٢٣٧، ونيل الأوطار للشوكاني، ٥/ ٦، والمغني لابن قدامة، ١٣/ ١٠، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ١٠/ ١٢، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٨/ ٨.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ١٣/ ٦.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ١٢٢.","vol":"1","page":5},{"text":"وكوَّنوا الدولة الإسلامية، وصار لهم شوكة أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلابد من هذا الشرط، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات؛ لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٢». انتهى كلامه ﵀ (٣).\nويكون الجهاد فرض عين في ثلاث حالات (٤):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>١ - إذا حضر المسلم المُكلَّف القتال والتقى الزحفان وتقابل الصفان</span>، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ* وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٦)، وذكر النبي - ﷺ - أن التولِّي يوم الزحف من السَّبع الموبقات (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٢ - إذا حضر العدو بلدًا من بلدان المسلمين </span>تعيّن على أهل البلاد قتاله وطرده منها، ويلزم المسلمين أن ينصروا ذلك البلد إذا عجز أهله عن إخراج العدو ويبدأ الوجوب بالأقرب فالأقرب (٨)، قال تعالى: ﴿يَا\n_________\n(١) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(٣) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٨/ ٩، وانظر: المحلى لابن حزم، ٧/ ٢٩١، وفتح الباري لابن حجر، ٦/ ٣٨.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ١٣/ ١٨.\n(٥) سورة الأنفال، الآية: ٤٥.\n(٦) سورة الأنفال، الآيتان: ١٥ - ١٦.\n(٧) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ...﴾، برقم ٢٧٦٦، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم ٨٩.\n(٨) الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٤٤٨.","vol":"1","page":6},{"text":"أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>٣ - إذا استنفر إمام المسلمين الناس وطلب منهم ذلك</span>، قال الله تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا هجرة بعدَ الفتحِ ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا استُنْفِرْتُم فانفِروا» (٣)، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (٤).\nقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «ولا يشترط أن يكون إمامًا عامًا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي - ﷺ - قال: «اسمعوا وأطيعوا ولو تأمَّر عليكم عبد حبشي» (٥)، فإذا تأمر إنسان على جهة ما صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا، ومن عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ - والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابن الزبير في الحجاز، وابن مروان في الشام، والمختار بن عبيد وغيره في العراق، فتفرقت الأمة، ومازال أئمة الإسلام يدينون بالولاء\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١٢٣.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٤١.\n(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، برقم٢٧٨٣، ومسلم، في كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد، برقم ١٣٥٣.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ٣٨.\n(٥) أخرجه البخاري، في كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى، برقم ٦٩٣.","vol":"1","page":7},{"text":"والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة، وبهذا نعرف ضلال ناشئة نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم فلا بيعة لأحد، نسأل الله العافية، ولا أدري أيريد هؤلاء أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟ أم يريدون أن يقال كل إنسان أمير نفسه؟ هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية؛ لأن عمل المسلمين من أزمنة متطاولة: على أن من استولى على ناحية من النواحي وصارت له الكلمة العليا فيها فهو إمام فيها، وقد نصَّ على ذلك العلماء مثل صاحب سبل السلام، وقال: إن هذا لا يمكن الآن تحقيقه؛ ولأن الناس لو تمردوا في هذا الحال على الإمام لحصل الخلل الكبير على الإسلام، إذ إن العدو سوف يقاتل ويتقدم إذا لم يجد من يقاومه، ويدافعه» (١).\nوجنس الجهاد فرض عين: إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فيجب على المسلم أن يجاهد في سبيل الله بنوع من هذه الأنواع حسب الحاجة والقدرة، والأمر بالجهاد بالنفس والمال كثير في القرآن والسنة، وقد ثبت من حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «جاهدوا المشركين بألسنتكم، وأنفسكم، وأموالكم، وأيديكم» (٢).\nوأضاف العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ حالة رابعة: وهي إذا احتيج إلى المسلم في الجهاد وجب عليه.\n_________\n(١) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٨/ ١٢.\n(٢) أخرجه أبو داود، في كتاب الجهاد، باب كراهية ترك الغزو، برقم ٢٥٠٤، والنسائي، في كتاب الجهاد، باب وجوب الجهاد، برقم ٣٠٩٨، وأحمد، في المسند، ٣/ ١٢٤، ١٥٣، ٢٥١، والحاكم، ٢/ ٨١ وصححه، وكذا صححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣٠٩٠.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثالثًا: مراتب الجهاد في سبيل الله:</span>\nالجهاد له أربع مراتب: جهاد النفس، والشيطان، والكفار، والمنافقين، وأصحاب الظلم والبدع والمنكرات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>المرتبة الأولى: جهاد النفس له أربع مراتب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>١ - جهادها على تعلم أمور الدين </span>والهُدى الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٢ - جهادها على العمل به بعد علمه</span>، وإلا فمجرّد العلم بلا عمل إن لم يضرّها لم ينفعها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٣ - جهادها على الدعوة إليه ببصيرة</span>، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٤ - جهادها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله</span>، وأذى الخلق، وأن يتحمل ذلك كله لله، فمن علم وعمل، وصبر فذاك يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المرتبة الثانية: جهاد الشيطان وله مرتبتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>١ - جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات </span>والشكوك القادحة في الإيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>٢ - جهاده على دفع ما يلقي إليه من الشهوات والإرادات الفاسدة</span>، فالجهاد الأول بعد اليقين، والثاني بعد الصبر، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا","vol":"1","page":9},{"text":"مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١)، والشيطان أخبث الأعداء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المرتبة الثالثة: جهاد الكفار والمنافقين:</span>\nوله أربع مراتب:\n١ - بالقلب.\n٢ - اللسان.\n٣ - المال.\n٤ - اليد.\nوجهاد الكفار أخصّ باليد، وجهاد المنافقين أخصّ باللسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المرتبة الرابعة: جهاد أصحاب الظلم والعدوان، والبدع والمنكرات:</span>\nوله ثلاث مراتب:\n١ - باليد إذا قدر المجاهد على ذلك.\n٢ - فإن عجز انتقل إلى اللسان.\n٣ - فإن عجز جاهد بالقلب، فعن أبي سعيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٣).\n_________\n(١) سورة السجدة، الآية: ٢٤.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ٦.\n(٣) أخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص، برقم ٤٩.","vol":"1","page":10},{"text":"فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد، وأكمل الناس عند الله من كمَّل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد؛ ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله محمد - ﷺ - خاتم أنبيائه ورسله؛ فإنه كمّل مراتب الجهاد، وجاهد في الله حق جهاده (١)، فصلوات الله وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار.\nولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله كما قال - ﷺ - في حديث فضالة بن عبيد الله - ﵁ -: «ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» (٢): كان جهاد النفس مقدَّمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له؛ فإنه ما لم يُجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرها الله به، وتترك ما نهاها الله عنه ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصار عليه، وعدوّه الذي بين جنبيه غالب له وقاهر له؟ ولا يمكنه الخروج إلى عدوّه حتى يجاهد نفسه على الخروج، فهذان عدوّان (٣)، وبينهما عدو ثالث لا يمكن للعبد أن يجاهدهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يُثبِّط الإنسان عن جهادهما، ويخوِّفه ويخذله، ولا يزال يُخوِّفُه ما في جهادهما من المشاقّ، وفوات اللذات،\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ٣/ ١٠، و١٢.\n(٢) أحمد في المسند، ٦/ ٢١، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ١١، قال الألباني في إسناد الإمام أحمد: «وهذا إسناد صحيح»، انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٨٩ - ٩٠، برقم ٥٤٩.\n(٣) النفس، والعدو في خارجها.","vol":"1","page":11},{"text":"والشهوات، فلا يمكنه أن يجاهد هذين العدوين إلا بجهاد هذا العدو الثالث، وهو الأصل لجهادهما وهو الشيطان (١).\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، ٣/ ٦.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>رابعًا: الحكمة من مشروعية الجهاد</span>\nبيَّن الله - ﷿ - الحكمة والغاية من الجهاد في سبيل الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٢).\nقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ في المقصود من الجهاد: «الجهاد نوعان: جهاد طلب، وجهاد دفاع، والمقصود منهما جميعًا هو تبليغ دين الله، ودعوة الناس إليه، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإعلاء دين الله في أرضه، وأن يكون الدين كله لله وحده ...»، ثم قال رحمه الله تعالى بعد أن أورد الآيتين السابقتين، وقال - ﷿ - في سورة التوبة: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال النبي - ﷺ -: «أُمرت أن أُقاتل النَّاسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقِّ الإسلام وحسابهم على الله - ﷿ -» (٤)، انتهى كلامه\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٣٩.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٣.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٥.\n(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾، برقم ٢٥، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، برقم ٢٢.","vol":"1","page":13},{"text":"﵀ (١)، فعلى هذا يكون الهدف والحكمة من الجهاد الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الأمر الأول: إعلاء كلمة الله تعالى</span>؛ لحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، الرجلُ يُقاتل للمغنم، والرجلُ يُقاتل ليُذكر، والرجلُ يُقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الأمر الثاني: نصر المظلومين</span>، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الأمر الثالث: رَدُّ العُدوان وحفظ الإسلام</span>، قال الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ الله وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا الله وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٥).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٨/ ٧٠، وانظر: ١٨/ ٧٠ - ٨٦، ومحاضرة له ﵀ بعنوان: «ليس الجهاد للدفاع فقط» في مجموع الفتاوى، ١٨/ ١٠١ - ١٤٤، وانظر: المغني لابن قدامة، ١٢/ ١٠، والمقنع مع الشرح الكبير، والإنصاف، ١٠/ ١٢.\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا، برقم ١٢٣، ومسلم، في كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، برقم ١٩٠٤.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٧٥.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٤.\n(٥) سورة الحج، الآية: ٤٠.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>خامسًا: أنواع جهاد الأعداء:</span>\nجهاد الأعداء أنواع؛ منها ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>١ - جهاد الكفار، والمنافقين والمرتدين </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٢ - جهاد البغاة المعتدين الذين يخرجون على الإمام المسلم </span>ولهم تأويل سائغ وشوكة، وفيهم منعة وقوة (٢)، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣)، وعن عرفَجَة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنه ستكون هناتٌ وهناتٌ (٤)، فمن أراد أن يُفرِّق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان»، وفي لفظ: «من أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجل واحد يريد أن يَشُقَّ عصاكم أو يُفرِّق جماعتكم فاقتلوه» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>٣ - الدِّفاع عن الدين، والنفس، والأهل، والمال</span>، ويدخل في هذا النوع جهاد قُطّاع الطُّرق (٦)، وعن سعيد بن زيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن\n_________\n(١) انظر: التفصيل في ذلك: زاد المعاد، ٣/ ١٠٠، و٣/ ٦ - ١١، والمغني لابن قدامة، ١٢/ ٢٦٤.\n(٢) انظر: المغني ١٢/ ٢٣٧.\n(٣) سورة الحجرات، الآيتان: ٩، ١٠.\n(٤) الهنات: الفتن والأمور الحادثة.\n(٥) أخرجه مسلم، في كتاب الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع، برقم ١٨٥٢.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ١٢/ ٤٧٤، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٣٤/ ٢٤١.","vol":"1","page":15},{"text":"قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد» (١)، وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال لخالد بن العاص: أما علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قُتل دون ماله فهو شهيد» (٢).\nوعن مُخارق - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النَّبي - ﷺ - فقال الرجل يأتيني يُريد مالي؟ قال: «ذكِّرهُ بالله»، قال فإن لم يذكر؟ قال: «فاستعن عليه من حولك من المسلمين»، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: «فاستعن عليه السلطان»، قال: فإن نأى السلطان عني [وعجل عليَّ]، قال: «قاتل دون مالك حتى تكون من شُهداء الآخرة أو تمنع مالك» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك» قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار» (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، في كتاب السنة، باب في قتال اللصوص، برقم ٤٧٧٢، والنسائي، في كتاب المحاربة، باب من قاتل دون أهله، برقم ٤٠٩١، وفي باب من قاتل دون دينه، برقم ٤٠٩٢، والترمذي، في كتاب الديات، باب من قاتل دون ماله، برقم ١٤٢١، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٦٤٤٥.\n(٢) أخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه، برقم ١٤١.\n(٣) أخرجه النسائي، في كتاب تحريم الدم، باب ما يفعل من تعرض لماله، برقم ٤٠٨٦، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٤٢٩٣.\n(٤) أخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه، برقم ١٤٠.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>سادسًا: شروط وجوب الجهاد:</span>\nقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى شروطًا للجهاد، منها ما ذكره الإمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى بقوله: «ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحُرِّيّة، والذُّكورية، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة»، ثم شرح ذلك بالتفصيل والتحقيق رحمه الله تعالى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>سابعًا: استئذان الوالدين في الخروج إلى الجهاد:</span>\nلا شكَّ أن برَّ الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام؛ لأن النَّبي - ﷺ - أخبر بذلك، ورتَّبه بثمَّ التي تعطي الترتيب والمُهلة (٢)، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: سألت رسول الله - ﷺ -: أيُّ العمل أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها»، قال: قلت: ثم أيُّ؟ قال: «ثم بر الوالدين»، قال: قلت: ثم أيُّ؟ قال: «ثم الجهاد في سبيل الله» (٣)؛ ولأهمية بر الوالدين، وأنه من أعظم القربات، قال النبي - ﷺ - لمن استأذنه في الجهاد: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» (٤)، أي خصصهما بجهاد النفس في رضاهما (٥)، وقد بيَّن الحافظ ابن حجر ﵀: أن هذا الرجل استفصل «... عن الأفضل في أعمال الطاعات؛ ليعمل به؛ لأنه سمع فضل الجهاد فبادر\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٨.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٠/ ٢٤٣.\n(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، برقم ٥٢٧، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، برقم ٨٥.\n(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب الجهاد، باب الجهاد بإذن الأبوين، برقم ٣٠٠٤، ومسلم، في كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، برقم ٢٥٤٩.\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٤٠.","vol":"1","page":17},{"text":"إليه، ثم لم يقنع حتى استأذن فيه، فَدُلَّ على ما هو أفضل منه في حقِّه» (١)، فقوله - ﷺ -: «ففيهما فجاهد»، قال الحافظ ابن حجر أيضًا: «أي إن كان لك أبوان فبالغ جهدك في برهما، والإحسان إليهما؛ فإن ذلك يقوم مقام الجهاد» (٢)؛ لأن المراد بالجهاد في الوالدين: بذل الجهد، والوسع، والطاقة في برهما؛ ولأهمية ذلك بيَّن العلماء أنه لا يجوز الخروج للجهاد إلا بإذن الأبوين بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية؛ فإن تعيّن الجهاد، وكان فرض عين فلا إذن؛ لأن الجهاد أصبح فرضًا على الجميع: إما باستنفار الإمام، أو هجوم العدوِّ على البلاد، أو حضور الصَّفِّ (٣)، أما إذا كان الجهاد فرض كفاية فلا يجوز الخروج إليه إلا بإذن الوالدين؛ ولهذا جاء في حديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «رِضَى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد» (٤)،وجاء في حديث جاهمة أنه جاء إلى - ﷺ - فقال: يا رسول الله أردتُ أن أغزوَ وقد جئت أستشيرك، فقال - ﷺ -: «هل لك من أمٍّ؟»،قال: نعم، قال: «فالْزَمها فإِنَّ الجنَّة تحت (٥) رِجْلَيْهَا» (٦)، وعن أبي الدرداء\n_________\n(١) المرجع السابق، ٦/ ١٤٠.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ١٠/ ٤٠٣.\n(٣) انظر: مشكل الآثار للطحاوي، ٥/ ٥٦٣، ومعالم السنن للخطابي، ٣/ ٣٧٨، والمفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٦/ ٥٠٩.\n(٤) أخرجه الترمذي، في كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضا الوالدين، برقم ١٨٩٩، والحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ٤/ ١٥٢، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٥١٦،وفي صحيح الأدب المفرد، ص ٣٣،برقم ٢.\n(٥) تحت رجليها: أي نصيبك من الجنة لا يصل إليك إلا برضاها، وكأنه لها وهي قاعدة عليه، فلا يصل إليك إلا من جهتها، [حاشية السندي على سنن النسائي، ٦/ ١١].\n(٦) أخرجه النسائي، في كتاب الجهاد، باب الرخصة في التخلف لمن له والدة، برقم ٣١٠٤، وأحمد في المسند، ٣/ ٤٢٩، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٤/ ١٥١، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ١٣٨: «رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات»، وحسنه عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول، ١/ ٤٠٣.","vol":"1","page":18},{"text":"- ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضِعْ ذلك الباب أو احفظه» (١)؛ ولهذه الأحاديث لا يجوز الخروج إلى جهاد التَّطوّع، وفرض الكفاية إلا بإذن الوالدين، والبقاء معهما، والإحسان إليهما أفضل من الخروج بإذنهما، أما إذا تعيَّن الجهاد فلا؛ لأنه أصبح فرضًا على الجميع.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، في كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضا الوالدين، برقم ١٩٠٠، وقال: «هذا حديث صحيح»، وقال عبد القادر الأرنؤوط في حاشيته على جامع الأصول، ١/ ٤٠٤: «وهو كما قال».","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>ثامنًا: أمر الجهاد موكول إلى إمام المسلمين واجتهاده:</span>\nويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١)؛ولقول النبي - ﷺ -: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني، فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (٢)، وفي حديث حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال له: «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع» (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمر واجبة؛ لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم: فما له في الآخرة من خلاق» (٤).\nومن طاعة ولي الأمر عدم الجهاد إلا بإذنه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - يستأذنه في الجهاد فقال: «أحيٌّ\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾، برقم ٧١٣٧، ومسلم، في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، برقم ١٨٣٥.\n(٣) أخرجه مسلم، في كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، برقم ١٨٤٧/ ٥٢.\n(٤) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٣٥/ ١٦ - ١٧.","vol":"1","page":20},{"text":"والداك»؟ قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إنَّما الإمام جُنَّة يُقاتل من ورائه، ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله - ﷿ - وعدل كان له بذلك أجر، وإن أمر بغيره كان عليه منه» (٢)، ومما يفسر ذلك قول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك» (٣)، وقال الإمام الخرقي ﵀: «وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا: المقلّ منهم والمُكثر، ولا يخرجون إلى العدوِّ إلا بإذن الأمير، إلا أن يفجأهم عدوٌّ يخافون كلبَهُ – أي شرّه وأذاه – فلا يُمْكِنهم أن يستأذنوه» (٤)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «فإذا ثبت هذا فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر الحرب موكول إليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقلّتهم، ومكامن العدو، وكيدهم، فينبغي أن يُرجع إلى رأيه؛ لأنه أحوط للمسلمين إلا أن يتعذر استئذانه؛ لمفاجأة عدوهم لهم، فلا يجب استئذانه؛ لأن المصلحة تتعين في قتالهم، والخروج إليه؛ لتعيّن الفساد في تركهم، ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي - ﷺ - فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجًا من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذن، فمدحه النبي - ﷺ - بقوله (٥): «وخير رجَّالتنا سلمة» فأعطاه النبي - ﷺ - سهمين: سهم الفارس،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٠٠٤، ومسلم، برقم ٢٥٤٩، وتقدم تخريجه في استئذان الوالدين في الخروج إلى الجهاد في سبيل الله تعالى.\n(٢) أخرجه مسلم، في كتاب الإمارة، باب الإمام جنة يقاتل به من ورائه أو يتقى به، برقم ١٨٤١.\n(٣) المغني لابن قدامة، ١٣/ ١٦.\n(٤) مختصر الخرقي المطبوع مع المغني، ٣/ ٣٣.\n(٥) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٣ - ٣٤.","vol":"1","page":21},{"text":"وسهم الراجل (١)، وذكر الإمام الخرقي وابن قدامة أيضًا أنه لا يجوز حتى الخروج من العسكر إلا بإذن الأمير، ولا يُحدث حدثًا إلا بإذنه (٢)؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)؛ ولأن الأمير أعرف بحال العدو، ومكامنهم، ومواضعهم، وقربهم، وبعدهم، فإذا خرج خارج بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كمينًا للعدوِّ فيأخذه ...» (٤).\nولِما تقدّم لا يجوز لأحد من أفراد رعية الإمام المسلم – وإن كان عاصيًا – أن يخرج إلى الجهاد إلا بإذنه على حسب ما تقدم. قال الإمام الخرقي ﵀: «ويُغزى مع كلِّ برٍّ وفاجرٍ»، قال ابن قدامة: «يعني مع كل إمام» (٥).\nولا يجوز لأحد من رعية الإمام أن يدعو الناس إلى الجهاد بدون إذن الإمام؛ لما في ذلك من المفاسد، والأضرار، ومخالفة إمام المسلمين الذي أمرنا الله بطاعته، وعلى كل مسلم أن يسأل أهل العلم إن لم يعلم؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والواجب أن يُعتبر في أمور\n_________\n(١) أخرجه مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها، برقم ١٨٠٧.\n(٢) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٧.\n(٣) سورة النور، الآية: ٦٢.\n(٤) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٨.\n(٥) المرجع السابق، ١٣/ ١٤.","vol":"1","page":22},{"text":"الجهاد برأي أهل الدين الصحيح، في الباطن الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، فأما أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يُؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا» (١).\nومما يُؤكد أهمية السمع والطاعة ما حصل لصحابة رسول الله - ﷺ - مع رسول الله ﵊ في صلح الحديبية حينما اشتد عليهم الكرب بمنعهم من العمرة، وما رأوا من غضاضة على المسلمين في الظاهر، ولكنهم امتثلوا أمر رسول الله - ﷺ - فكان ذلك فتحًا قريبًا، وخلاصة ذلك أن سهيل بن عمرو قال للنبي - ﷺ - حينما كتب: بسم الله الرحمن الرحيم: اكتب باسمك اللهم، فوافق معه النبي - ﷺ - على ذلك، ولم يوافق سهيل على كَتب محمد رسول الله، فتنازل النبي - ﷺ - وأمر أن يكتب محمد بن عبد الله، ومنع سهيل في الصلح أن تكون العمرة في هذا العام، وإنما في العام المقبل، وفي الصلح أن من أسلم من المشركين يردُّه المسلمون، ومن جاء من المسلمين إلى المشركين لا يُردّ، وأول من نُفِّذ عليه الشرط أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فردَّهُ النبي - ﷺ - بعد محاورة عظيمة، وحينئذٍ غضب الصحابة لذلك حتى قال عمر - ﵁ - للنبي - ﷺ -: ألست نبيّ الله حقًّا؟ قال: «بلى»، قال: ألسنا على الحق، وعدوُّنا على الباطل؟ قال - ﷺ -: «بلى»، قال: فلم نُعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري»، قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا، فلما فرغ الكتاب أمر النبي - ﷺ - الناس أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا، فدخل على أم سلمة ﵂، فشكا ذلك، فقالت: انحر واحلق،\n_________\n(١) الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٤٤٩.","vol":"1","page":23},{"text":"فخرج فنحر، وحلق، فنحر الناس وحلقوا حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا (١)، فحصل بهذا الصلح من المصالح ما الله به عليم، ونزلت سورة الفتح، ودخل في السنة السادسة والسابعة في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر، ثم دخل الناس في دين الله أفواجًا بعد الفتح في السنة الثامنة.\nوهذا ببركة طاعة الله ورسوله؛ ولهذا قال سهيل بن حنيف - ﵁ -: «اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أردّ أمر النبي - ﷺ - لرددته» (٢)، وهذا يدل على مكانة الصحابة - ﵃ -، وتحكيمهم رسول الله - ﷺ -، فحصل لهم من الفتح والنصر ما حصل ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، برقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢، ومسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية، برقم ١٧٨٤.\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب الجزية والموادعة، باب رقم ١٨، برقم ٣١٨١، ومسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، برقم ١٧٨٥/ ٩٥.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>تاسعًا: الاعتصام بالكتاب والسنة وخاصة أيام الفتن:</span>\nيجب على المسلم أن يعتصم بالكتاب والسنة، وخاصة في أيام الفتن؛ ولهذا حذّر النبي - ﷺ - من الفتن واستعاذ منها، وأمر بلزوم جماعة المسلمين، فقال - ﷺ -: «تعوَّذُوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» (١)، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويُلقى الشحّ، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج»، قالوا: يا رسول الله، أيّما هو؟ قال: «القتل، القتل»، وفي لفظ: «يتقارب الزمان، وينقص العلم ...» (٢).\nوقد بيّن النبي - ﷺ - أنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده أشرّ منه، فعن الزبير بن عدي - ﵁ - قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحَجَّاج فقال: «اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشرّ منه حتى تلقوا ربكم»، سمعته من نبيكم - ﷺ - (٣).\nوحثَّ - ﷺ - على الأعمال الصالحة قبل الانشغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة، فقال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يُصبح الرجل مؤمنًا ويُمسِي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم ٢٨٦٧.\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، برقم ٧٠٦١، ومسلم، في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، برقم ١٥٧/ ١٢، بعد حديث رقم ٢٦٧٢.\n(٣) أخرجه البخاري، في كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه، برقم ٧٠٦٨.\n(٤) أخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، برقم ١١٨.","vol":"1","page":25},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ستكون فتنٌ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرَّف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به» (١).\nوالمخرج من جميع الفتن المضلَّة التمسك بالكتاب والسُّنَّة، ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم؛ لأن من خالف ذلك فهو من الضَّالين.\nقال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا﴾ (٢)، وقال - ﷾ -: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (٤)، وقال تعالى فيمن يخالف أمر النبي - ﷺ -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم ٣٦٠١، ومسلم، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب نزول الفتن كمواقع القطر، برقم ٢٨٨٦.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٦٥.\n(٤) سورة طه، الآيات: ١٢٤ – ١٢٦.\n(٥) سورة النور، الآية: ٦٣.","vol":"1","page":26},{"text":"وثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «وجعل الذُّلّ والصَّغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» (١)، وجاء في السُّنن والمسانيد ما أُثر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا ألفينّ أحدكم متكئًا على أريكة (٢) يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرَّمناه، ألا وإني أُوتيتُ الكتاب ومثله معه، ألا وإنه مثل القرآن أو أعظم» (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: «فعلى كل مؤمن أن لا يتكلَّم في شيء من الدين إلا تبعًا لما جاء به الرسول - ﷺ -، ولا يتقدم بين يديه، بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعًا لقوله، وعمله تبعًا لأمره، فهكذا كان الصحابة - ﵃ -، ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين؛ فلهذا لم يكن أحد منهم يُعارض النصوص بمعقوله، ولا\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٢/ ٥٠، ٩٢، وعبد بن حميد، برقم ٨٤٨، والطبراني في مسند الشاميين، برقم ٢١٦، وابن الأعرابي في معجمه، برقم ١١٣٧، وعلق البخاري الجزء الأول منه في صحيحه بصيغة التمريض في كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في الرماح ويذكر عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: «جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري»، وأخرج أبو داود آخر الحديث في كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، برقم ٤٠٣١، وصحح إسناده العلامة أحمد بن محمد شاكر في شرحه وترتيبه للمسند، برقم ٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧ من حديث ابن عمر ﵄، وصحح الحديث أيضًا الشيخ الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٨٣١.\n(٢) الأريكة: السرير في الحجلة، ولا يسمى منفردًا أريكة، وقيل: هو كل ما اتكئ عليه، وقوله: «لا ألفين» يقال: ألفيت الشيء إذا وجدته، وصادفته، جامع الأصول، لابن الأثير، ١/ ٢٨٢.\n(٣) أخرجه أبو داود، في كتاب السنة، باب لزوم السنة، برقم ٤٦٠٤، ٤٦٠٥، وابن ماجه، في المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله - ﷺ -، والتغليظ على من عارضه، برقم ١٢، وصححه الألباني من حديث أبي رافع، وأبي ثعلبة، وأبي هريرة - ﵃ - في صحيح أبي داود، ٣/ ٣١٨، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٩/ ٨٥.","vol":"1","page":27},{"text":"يُؤسِّس دينًا غير ما جاء به الرسول - ﷺ -، وإذا أراد معرفة شيء من الدِّين نظر فيما قاله الله والرسول - ﷺ -، فمنه يتعلم، وبه يتكلم، وفيه ينظر، وبه يستدلّ، فهذا أصل أهل السنة» (١).\nولا شك أن الاختلاف يسبب الشرور الكثيرة، والفرقة، والعذاب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).\nوقد بيّن النبي - ﷺ - بقوله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»، قيل: من هم يا رسول الله، قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، وفي لفظ: «الجماعة» (٣)، أي: هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي.\nوعن حذيفة - ﵁ - قال: «كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنَّا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم»، قلت: هل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: «نعم وفيه دخن»، قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنّون بغير سُنتي، ويهتدون بغير هَديي،\n_________\n(١) مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٣/ ٦٣.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٥.\n(٣) أخرجه أبو داود، في كتاب السنة، باب شرح السنة، برقم ٤٥٩٦، ٤٥٩٧، والترمذي، في كتاب الإيمان، باب افتراق هذه الأمة، برقم ٢٦٤١، وابن ماجه، في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، برقم ٣٩٩٢.","vol":"1","page":28},{"text":"تعرف منهم وتُنكر»، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، فقلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا»، قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١).\nقال الإمام النووي – ﵀ -: «وفي حديث حذيفة هذا: لزوم جماعة المسلمين، وإمامهم، ووجوب طاعته، وإن فسق، وعمل المعاصي: من أخذ الأموال، وغير ذلك فتجب طاعته في غير معصية، وفيه معجزات لرسول الله - ﷺ -، وهي هذه الأمور التي أخبر بها وقد وقعت كلها» (٢).\nولا شك أن أمة محمد - ﷺ - لا تزال فيهم طائفة على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى تقوم الساعة؛ لحديث معاوية - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تزال طائفةٌ من أمتي قائمةً بأمر الله، لا يضرّهم من خذلهم، أو خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، برقم ٧٠٨٤، ومسلم، في كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة، برقم ١٨٤٧.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٧٩، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ١٣/ ٣٧.\n(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري، في كتاب المناقب، باب رقم ٢٨، برقم ٣٦٤١، ومسلم، في كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم»، برقم ١٠٣٧/ ١٧٤.","vol":"1","page":29},{"text":"وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"1","page":30}]}