{"ً":{"ٌ":96477,"ٍ":"النور والظلمات في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: النور والظلمات في ضوء الكتاب والسُّنَّة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٧٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":18,"ٖ":1770154052,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"المبحث الأول: النور والظلمات في الكتاب الكريم","level":1,"page":4},{"title":"١ - ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا﴾","level":2,"page":4},{"title":"٢ - ﴿أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق﴾","level":2,"page":8},{"title":"٣ - ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات﴾","level":2,"page":10},{"title":"٤ - ﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم﴾","level":2,"page":11},{"title":"٥ - ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾","level":2,"page":12},{"title":"٦ - ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض﴾","level":2,"page":13},{"title":"٧ - ﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا﴾","level":2,"page":14},{"title":"٨ - ﴿يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم﴾","level":2,"page":15},{"title":"٩ - ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾","level":2,"page":16},{"title":"١٠ - ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس﴾","level":2,"page":16},{"title":"١١ - ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا﴾","level":2,"page":17},{"title":"١٢ - ﴿الله نور السموات والأرض﴾","level":2,"page":17},{"title":"١٣ - ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة﴾","level":2,"page":27},{"title":"الناس قسمان:","level":3,"page":29},{"title":"القسم الأول: أهل الهدى والبصائر","level":4,"page":29},{"title":"القسم الثاني: أهل الجهل والظلم، وهؤلاء قسمان:","level":4,"page":29},{"title":"١ - الذين يحسبون أنهم على علم وهدى","level":5,"page":29},{"title":"٢ - أصحاب الظلمات، وهم المنغمسون في الجهل،","level":5,"page":30},{"title":"الناس في الهدى الذي بعث الله تعالى به رسوله - ﷺ - أربعة أقسام:","level":3,"page":30},{"title":"القسم الأول: قبلوه ظاهرا وباطنا وهم نوعان:","level":4,"page":30},{"title":"النوع الأول: أهل الفقه فيه، والفهم،","level":5,"page":30},{"title":"النوع الثاني: حفظوه، وضبطوه وبلغوا ألفاظه إلى الأمة","level":5,"page":31},{"title":"القسم الثاني: من رده ظاهرا وباطنا، وكفر به ولم يرفع به رأسا وهؤلاء أيضا نوعان:","level":4,"page":31},{"title":"النوع الأول: عرفه وتيقن صحته، وأنه حق، ولكن حمله الحسد، والكبر،","level":5,"page":31},{"title":"النوع الثاني: أتباع هؤلاء الذين يقولون هؤلاء سادتنا وكبراؤنا","level":5,"page":31},{"title":"القسم الثالث: الذين قبلوا ما جاء به الرسول - ﷺ -، وآمنوا به ظاهرا،","level":4,"page":31},{"title":"النوع الأول: من أبصر ثم عمي،","level":5,"page":31},{"title":"النوع الثاني: ضعفاء البصائر الذين أعشى","level":5,"page":32},{"title":"القسم الرابع: يكتمون إيمانهم في أقوامهم، ولا يتمكنون من إظهاره،","level":4,"page":32},{"title":"١٤ - ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾","level":2,"page":32},{"title":"١٥ - ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾","level":2,"page":33},{"title":"١٦ - ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾","level":2,"page":34},{"title":"١٧ - ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾","level":2,"page":35},{"title":"١٨ - ﴿هو الذي ينزل على عبده آيات﴾","level":2,"page":40},{"title":"١٩ - ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم﴾","level":2,"page":41},{"title":"وقد جاء في هذا النور أحاديث وآثار كثيرة، منها","level":3,"page":42},{"title":"الحديث الأول","level":4,"page":42},{"title":"الحديث الثاني","level":4,"page":43},{"title":"الحديث الثالث","level":4,"page":43},{"title":"الحديث الرابع","level":4,"page":44},{"title":"٢٠ - ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾","level":2,"page":46},{"title":"المبحث الثاني: النور والظلمات في السنة النبوية","level":1,"page":51},{"title":"١ - كان النبي - ﷺ - يقول في دعائه في آخر الليل إذا ذهب إلى الصلاة في المسجد: «اللهم اجعل في قلبي نورا","level":2,"page":51},{"title":"٢ - عن أبي مالك الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطهور شطر الإيمان","level":2,"page":53},{"title":"٣ - أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك","level":2,"page":54},{"title":"٤ - إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها","level":2,"page":55},{"title":"٥ - وأفسح له في قبره ونور له فيه","level":2,"page":55},{"title":"٦ - وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله","level":2,"page":56},{"title":"٧ - ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين،","level":2,"page":57},{"title":"٨ - النبي - ﷺ - نهى عن نتف الشيب وقال: \"إنه نور المسلم","level":2,"page":57},{"title":"٩ - من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة","level":2,"page":57},{"title":"١٠ - من شاب شيبة في سبيل الله","level":2,"page":57},{"title":"١١ - الشيب نور المؤمن","level":2,"page":58},{"title":"١٢ - لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور يوم القيامة،","level":2,"page":58},{"title":"١٣ - فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به","level":2,"page":66},{"title":"١٤ - إن الله - ﷿ - خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره،","level":2,"page":66},{"title":"١٥ - عن أنس - ﵁ - أن رجلين خرجا من عند النبي - ﷺ - في ليلة مظلمة","level":2,"page":67},{"title":"١٦ - من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور","level":2,"page":68},{"title":"١٧ - إن الله يحيي القلوب بنور الحكمة،","level":2,"page":69},{"title":"١٨ - وعن حذيفة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تعرض","level":2,"page":69},{"title":"القلوب أربعة","level":3,"page":72},{"title":"قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن","level":4,"page":72},{"title":"فالقلب الأجرد: المتجرد مما سوى الله - ﷾ -","level":4,"page":72},{"title":"والقلب الأغلف قلب الكافر؛ لأنه داخل في غلافه وغشائه،","level":4,"page":72},{"title":"القلب المنكوس المكبوب قلب المنافق","level":4,"page":72},{"title":"١٩ - سيأتي أناس من أمتي يوم القيامة نورهم كضوء الشمس","level":2,"page":73},{"title":"٢٠ - هم في الظلمة دون الجسر","level":2,"page":73},{"title":"٢١ - اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة،","level":2,"page":75}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76},"ٜ":{"1":[3,77]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2,3],"8":[4],"10":[5],"11":[6],"12":[7],"13":[8],"14":[9],"15":[10],"16":[11,12],"17":[13,14],"27":[15],"29":[16,17,18,19],"30":[20,21,22,23],"31":[24,25,26,27,28,29],"32":[30,31,32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"40":[36],"41":[37],"42":[38,39],"43":[40,41],"44":[42],"46":[43],"51":[44,45],"53":[46],"54":[47],"55":[48,49],"56":[50],"57":[51,52,53,54],"58":[55,56],"66":[57,58],"67":[59],"68":[60],"69":[61,62],"72":[63,64,65,66,67],"73":[68,69],"75":[70]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"رسائل سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nالنور والظلمات\nفي ضوء الكتاب والسُّنَّة\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\n\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:\nفهذه رسالة مختصرة في «النور والظلمات في الكتاب والسُّنَّة»، ذكرت فيها بإيجاز الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي جاء فيها ذكر النور والظلمات، وفسرت الآيات، وشرحت الأحاديث وبنيت ذلك على كلام أئمة التفسير وشُرَّاح السنة.\nولا ريب أن الله - ﷿ - أنزل على نبينا محمد - ﷺ - الوحي، وسماه روحًا؛ لأن الروح يحيى به الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدين والدنيا والآخرة، وجعله الله نورًا يهدي به من يشاء من عباده، فيستضيئون به في ظلمات الكفر، والشبهات والضلال، ويهتدون به إلى صراط مستقيم، قال الله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ الله الَّذِي","vol":"1","page":3},{"text":"لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الأمُورُ﴾ (١).\nوالله - ﷿ - يخرج الناس بالوحي من ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة إلى نور العلم والإيمان والأخلاق الحسنة، قال - ﷿ -: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢).\nوقد قسمت البحث إلى مبحثين:\nالمبحث الأول: النور والظلمات في الكتاب الكريم.\nالمبحث الثاني: النور والظلمات في السنة النبوية.\nوالله أسأل أن يجعله عملًا مباركًا متقبلًا نافعًا لي ولكل من انتهى إليه؛ فإنه تعالى جواد كريم وخير مسئول وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الناس أجمعين نبينا محمد وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nالمؤلف\nحرر في ضحى يوم الثلاثاء الموافق ١٦/ ١٠/١٤١٩هـ\n_________\n(١) سورة الشورى، الآيتان: ٥٢ - ٥٣.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ١.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: النور والظلمات في الكتاب الكريم</span>\nجاء في كتاب الله - ﷿ - ذكر النور والظلمات في آيات كثيرة، وهذا فيه دلالة على الترغيب في العمل لاكتساب النور، وسؤال الله ذلك، والترهيب من الظلمات والاستعاذة بالله من ذلك، ومن هذه الآيات ما يأتي:\n\n١ - قال الله - ﷿ - في شأن المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ (١).\nجاء عن ابن عباس ﵄ وقتادة، ومقاتل، والضّحاك، والسُّدّي أن هذه الآيات نزلت في المنافقين، يقول: مَثَلُهم في نفاقهم كمَثَلِ رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة، فاستدفأ ورأى ما حوله، فاتقى مما يخاف، فبينما هو كذلك إذ طَفئت نارُه، فبقي في ظلمة خائفًا متحيِّرًا، فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أَمِنوا على أموالهم، وأولادهم، وناكحوا المؤمنين، ووارثوهم، وقاسموهم الغنائم، فذلك نورهم، فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف (٢).\nواختار الإمام ابن جرير الطبري هذا القول، فقال: «وأولى التأويلات بالآية: ما قاله قتادة، والضحاك، وما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس» (٣)، وذكر ﵀ أن هؤلاء المنافقين أظهروا إيمانهم بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، حتى حُكِمَ لهم بذلك في\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان: ١٧ - ١٨.\n(٢) تفسير البغوي، ١/ ٥٣.\n(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١/ ٣٢٤، وذكر سنده لقولهم في: ١/ ٣٢٣.","vol":"1","page":5},{"text":"الدنيا: في حقن الدماء والأموال، والأمن على الذرِّية، كمثل استضاءة الموقد للنار بالنار، حتى إذا انتفع بضيائها، وأبصر ما حوله خمدت النار، فذهب نوره، وعاد في ظلمة وحيرة، فالله - ﷿ - يُطفئ نورهم يوم القيامة، فيستنظروا المؤمنين؛ ليقتبسوا من نورهم، فيقال لهم: «ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا» (١)، فقد حصل لهم في الآخرة ظلمة القبر، وظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة المعاصي على اختلاف أنواعها (٢).\nواختار الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى أن هؤلاء آمنوا ثم كفروا فقال: «وتقدير هذا المثل أن الله سبحانه شبَّههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت\nما حوله، وانتفع بها، وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، واستأنس بها، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يُبصر ولا يهتدي، وهو مع هذا أصمُّ لا يسمع، أبكمُ لا ينطق، أعمى لو كان ضياءً لما أبصر؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغيّ على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا» (٣)، وقال ﵀: «وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن،١/ ٣٢٦،والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١/ ٢٣٠.\n(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٧.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٥١.","vol":"1","page":6},{"text":"هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، والصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينافي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه، وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير هذه الآية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٢) انتهى (٣).\nقال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: «مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارًا: أي كان في ظلمة عظيمة، وحاجة إلى النار شديدة، فاستوقدها من غيره، ولم تكن عنده مُعدَّةً، بل هي خارجة عنه، فلما أضاءت النار ما حوله، ونظر المحل الذي هو فيه، وما فيه من المخاوف، وأمنها، وانتفع بتلك النار، وقرت بها عينه، وظن أنه قادر عليها، فبينما هو كذلك ذهب الله بنوره، فزال عنه النور، وذهب معه السرور، وبقي في الظلمة العظيمة، والنار محرقة فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، والظلمة الحاصلة بعد النور، فكيف يكون حال هذا الموصوف؟ فكذلك هؤلاء المنافقون، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين، ولم تكن صفةً لهم، فاستضاؤوا بها مؤقتًا، وانتفعوا، فحُقنت بذلك دماؤهم، وسَلِمت أموالهم، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم كذلك إذ هجم عليهم الموتُ فسلبهم الانتفاع بذلك النور، وحصل لهم كلُّ همٍّ وغمٍّ وعذاب، وحصل لهم:\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٨.\n(٢) سورة المنافقون، الآية: ٣.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٥١.","vol":"1","page":7},{"text":"ظلمة القبر، وظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة المعاصي، على اختلاف أنواعها، وبعد ذلك ظلمة النار وبئس القرار؛ فلهذا قال تعالى: ﴿صُمٌّ﴾ أي عن سماع الخير، ﴿بُكْمٌ﴾ أي عن النطق به، ﴿عُمْيٌ﴾ أي عن رؤية الحق، ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾؛ لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعًا منهم» (١).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «شبَّه سبحانه أعداءه المنافقين بقوم أوقدوا نارًا؛ لتضيء لهم، وينتفعوا بها، فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم ويضرهم، وأبصروا الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين، فهم قوم سَفَر ضلُّوا الطريق فأوقدوا النار تضيء لهم الطريق، فلما أضاءت لهم وأبصروا وعرفوا طفئت تلك الأنوار، وبقوا في الظلمات لا يبصرون، وقد سُدّت عليهم أبواب الهدى الثلاثة؛ فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب: مما يسمعه بأذنه، ويراه بعينه، ويعقله بقلبه، وهؤلاء قد سُدَّت عليهم أبواب الهدى، فلا تسمع قلوبهم شيئًا، ولا تبصره، ولا تعقل ما ينفعها» (٢).\nوبيَّن رحمه الله تعالى أن الله - ﷾ -: «سَمَّى كتابه نورًا، ورسوله - ﷺ - نورًا، ودينه نورًا، وهُدَاه نورًا، ومن أسمائه النور، والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم ذهاب بهذا كله» (٣)، وبيّن ﵀: «أن الخارجين عن\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٧.\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية، ٢/ ٦٣.\n(٣) المرجع السابق، ٢/ ٣٥، وانظر: ٢/ ٤٤.","vol":"1","page":8},{"text":"طاعة الرسل يتقلَّبون في عشر ظلمات: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث، وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار، ولهذه الأمة ونبيها - ﷺ - من النور ما ليس لأمة غيرها، ولنبيها - ﷺ - من النور ما ليس لنبي غيره» (١).\n\n٢ - وقول الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ والله مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (٢)، وهذا مثل آخر ضربه الله - ﷿ - للمنافقين، بمعنى: إن شئت مثِّلْهم بالمستوقد، وإن شئت بأهل الصيِّب، وهو المطر الذي يصوب: أي ينزل من السماء إلى الأرض، وقيل: ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، يريد: وكصيِّبٍ ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ أي: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، ﴿وَرَعْدٌ﴾: وهو الصوت الذي يسمع من السحاب،\n﴿وَبَرْقٌ﴾، وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ البرق في تلك الظلمات ﴿مَّشَوْاْ فِيهِ﴾، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾: أي وقفوا متحيرين (٣).\n_________\n(١) المرجع السابق، ٢/ ٤٣.\n(٢) سورة البقرة، الآيتان: ١٩ - ٢٠.\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل القرآن، للطبري، ١/ ٣٣٣ - ٣٦٢، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١/ ٢٣٣ - ٢٤٢، وتفسير البغوي، ١/ ٥٣ - ٥٤، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير،\n١/ ٥٣، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٧.","vol":"1","page":9},{"text":"فالله تعالى شَبَّههم في كفرهم ونفاقهم بقومٍ كانوا في مفازةٍ وسوادٍ في ليلةٍ مظلمة، أصابهم فيها مطرٌ فيه ظلمات، من صفتها أن السَّاري لا يمكنه المشي فيها، وصواعق من صفتها أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هولها، وقوة صوتها المخيفة، وبرق من صفته أن يقرب من خطف أبصارهم، ويعميها من شدة توقُّده. فهذا مَثَلٌ ضربه الله للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر: القرآن؛ لأنه حياة القلوب، كما أن المطر حياة الأبدان، والظلمات: الكفر والشرك الذي حذَّر عنه القرآن، والرعد ما خوِّفوا به من الوعيد، وذكر النار، والبرق ما فيه من الهدى والبيان، والوعد، وذكر الجنة، فالمنافقون يسدُّون آذانهم عند قراءة القرآن، مخافةَ ميل القلب إليه؛ لأن الإيمان عندهم كفر، والكفر موت\n﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾: أي يبهر قلوبهم (١).\nوقال العلامة السعدي ﵀ بعد أن ذكر تفسير الآية: «فهكذا حالة المنافقين إذا سمعوا القرآن، وأوامره، ونواهيه، ووعده، ونهيه، ووعيده جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه، ووعده، ووعيده، فيروعهم وعيده، وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيِّب الذي يسمع الرعد فيجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت، فهذا ربما حصلت له السلامة،\n_________\n(١) تفسير البغوي، ١/ ٥٤.","vol":"1","page":10},{"text":"وأما المنافقون فأنَّى لهم السلامة، وهو تعالى محيط بهم: قدرةً، وعلمًا، فلا يفوتونه، ولا يعجزونه، بل يحفظ عليهم أعمالهم، ويجازيهم عليها أتمَّ الجزاء، ولَمّا كانوا مُبتلين بالصَّمَمِ، والبكم، والعمى المعنوي، ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ أي الحسية، ففيه تخويف لهم، وتحذير من العقوبة الدنيوية؛ ليحذروا فيرتدعوا عن بعض شرهم، ونفاقهم ﴿إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئًا فعله من غير ممانع ولا معارض» (١).\nوقد تكلَّم الإمام ابن القيم ﵀ كلامًا نفيسًا بعد أن ذكر المثل الناري للمنافقين، فقال: «ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي، فشبههم بأصحاب صيِّب، وهو المطر الذي يصوَّب: أي ينزل من السماء، فيه ظلمات، ورعد، وبرق؛ فلضعف بصائرهم وعقولهم اشتدت عليهم زواجر القرآن، ووعده، ووعيده، وتهديده، وأوامره، ونواهيه، وخطابه الذي يشبه الصواعق، فحالهم كحال من أصابه مطر فيه ظلمة، ورعد، وبرق؛ فلضعفه وخوفه جعل أصبعيه في أذنيه خشيةً من صاعقة تصيبه» (٢).\n\n٣ - قال الله - ﷿ -: ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٧.\n(٢) أمثال القرآن، ص١٨، وانظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، لابن القيم، ٢/ ٦٨، ففيه كلام عظيم النفع.","vol":"1","page":11},{"text":"أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).\nلا شك أن الله - ﷿ - نصير المؤمنين، وظهيرهم، ويتولاهم بعونه وتوفيقه، ويخرجهم من ظلمات: الكفر، والشرك، والضلالة، إلى نور: الإيمان، والتوحيد، والهداية، وقد جعل سبحانه الظلمات للكفر مثلًا؛ لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجبٌ أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحة أسبابه، فالله - ﷿ - وليُّ المؤمنين، ومُبصِّرهم حقيقة الإيمان، وسبله، وشرائعه، وحججه، وهاديهم فموفِّقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظُلَمِ سواتره عن إبصار القلوب، والذين كفروا بجحد وحدانيته، نُصَراؤهم وظُهراؤهم الذين يتولونهم ﴿الطَّاغُوتُ﴾ وهم: الأنداد، والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله، يخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، وشكوكه الحائلة دون إبصار القلوب، ورؤية ضياء الإيمان وحقائق أدلته وسُبُله (٢).\n\n٤ - وقال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِالله وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (٣).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٧.\n(٢) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١/ ٣١٨، و٥/ ٤٢٤، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ٣/ ٢٨٢.\n(٣) سورة النساء، الآيتان: ١٧٤ - ١٧٥.","vol":"1","page":12},{"text":"فبيّن الله - ﷿ - أنه قد جاء جميع الناس حجة منه سبحانه، وبرهان قاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهة، وهو محمد - ﷺ - الذي جعله الله حجة قطع بها أعذار الناس، وأنزل الله معه النور الواضح المبين «وهو القرآن الكريم» الذي يُبيّن الحجة الواضحة، والسبل الهادية إلى ما فيه النجاة من عذاب الله، وأليم عقابه، لمن سلكها واستنار بضوئها (١). والله - ﷿ - قد جعل النور في كتبه التي أنزلها على رسله، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (٢)، وقال - ﷾ -: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ (٣)، وقال تعالى في عيسى - ﷺ -: ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ (٤)، وقد أنزل الله - ﷿ - القرآن الكريم، وختم به هذه الأنوار، فهو النور الأعظم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله﴾ (٥).\n\n٥ - وقال الله - ﷿ -: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ (٦): يعني بالنور محمدًا - ﷺ - الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به، يُبيّن الحق، قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٩/ ٤٢٧،وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ١/ ٥٦٠.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٤٤.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ٩١.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٤٦.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ٤٨.\n(٦) سورة المائدة، الآيتان: ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":13},{"text":"أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (١)، ومن إنارته - ﷺ - للحق تبيينه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب، وقوله تعالى: ﴿وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ يعني كتابًا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم: من توحيد الله، وحلاله، وحرامه، وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد - ﷺ - يُبين للناس ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم، ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقَّه من باطله (٢).\n﴿يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ سبل السلام: طرق السلام، والسلام هو الله - ﷿ -، وسبيل الله الذي شرعه لعباده، ودعاهم إليه، وابتعث به رسله: هو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملًا إلا به، ويخرجهم من الظلمات إلى النور: يعني من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإسلام وضيائه (٣).\nوقال السعدي ﵀: «ظلمات: الكفر، والبدعة، والمعصية، والجهل والغفلة، إلى نور: الإيمان، والسنة، والطاعة، والعلم والذكر» (٤).\n\n٦ - وقال - ﷿ -: ﴿الْحَمْدُ لله الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ (٥)، قال الإمام القرطبي\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآيتان: ٤٥ - ٤٦.\n(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٠/ ١٤٣.\n(٣) المرجع السابق، ١٠/ ١٤٥.\n(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص١٨٨.\n(٥) سورة الأنعام، الآية: ١.","vol":"1","page":14},{"text":"﵀ في تفسير هذه الآية: «واختلف العلماء في المعنى المراد بالظلمات والنور، فقال السدي، وقتادة، وجمهور المفسرين: المراد سواد الليل، وضياء النهار، وقال الحسن: الكفر، والإيمان، قلت: اللفظ يعمُّه» (١)، وقال السعدي ﵀: «فحَمِد نفسه على خلق السموات والأرض الدّالّة على كمال قدرته، وسَعَة علمه، ورحمته، وعموم حكمته، وانفراده بالخلق والتدبير، وعلى جعله الظلمات والنور، وذلك شامل للحسِّي من ذلك: كالليل والنهار، والشمس والقمر، والمعنوي: ظلمات: الجهل، والشك، والشرك، والمعصية، والغفلة، ونور العلم، والإيمان، واليقين، والطاعة، وهذا كله يدلّ دلالة قاطعة أنه تعالى هو المستحق للعبادة وإخلاص الدين له (٢).\n\n٧ - وقال - ﷾ -: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ\nمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٣).\nهذا مثل ضربه الله للمؤمن الذي كان ميتًا: أي في الضلالة حائرًا، فأحيا الله قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتِّباع رسوله - ﷺ - (٤)، فقد كان ميِّت القلب بعدم روح العلم والهدى والإيمان، وبجهله بتوحيد الله وشرائع دينه، وتَرْكِهِ العمل لله بما يؤدي إلى نجاته، فأحياه الله بروح\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن، ٦/ ٣٦١.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢١٢.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.\n(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٢/ ١٦٣.","vol":"1","page":15},{"text":"أخرى غير الروح التي أحيا بها بدنه، وهي روح هدايته للإسلام، ومعرفة الله وتوحيده، ومحبته، وعبادته وحده لا شريك له، وجعل له نورًا يمشي به بين الناس، وهو نور القرآن والإسلام، فهل يستوي هذا بمن هو في الظلمات: ظلمات الجهل، والكفر، والشرك، والشكّ، والغيّ والإعراض، والمعاصي؟ ليس بخارجٍ منها؛ قد التبست عليه الطرق وأظلمت عليه المسالك، فحضره الهمُّ، والغمُّ، والحزن، والشقاء، فنبه - ﷿ - العقول بما تدركه وتعرفه، أنه لا يستوي هذا ولا هذا، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، والأحياء والأموات، فكأنه قيل: فكيف يُؤثِر من له مسكة من عقل أن يكون بهذه الحالة، وأن يبقى في الظلمات متحيِّرًا؛ فأجاب بأنه ﴿زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، فلم يزل الشيطان يُحَسِّن لهم أعمالهم، ويُزَيِّنُها في قلوبهم، حتى استحسنوها ورأوها حقًا، وصار ذلك عقيدة في قلوبهم، وصفة راسخة ملازمة لهم (١).\n٨ - وقال - ﷾ -: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢).\nبيّن وأوضح - ﷾ - أن اليهود والنصارى ومن معهم من المشركين\n\n﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ونور الله: دينه الذي أرسل به محمدًا - ﷺ -، وسمّاه الله نورًا؛ لأنه يستنار به في ظلمات الجهل، والأديان\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٢/ ٨٨، ومدارج السالكين، لابن القيم،\n٣/ ٢٥٨، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٢/ ١٦٣، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٣٤.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٣٢.","vol":"1","page":16},{"text":"الباطلة؛ فإنه علمٌ بالحق، وعملٌ بالحق، ويدخل في هذا النور حجج الله على توحيده؛ فإنّ البراهين نور لما فيها من البيان، فهؤلاء اليهود والنصارى ومن ضاهاهم من المشركين يريدون أن يطفئوا نور الله بمجرد أقوالهم الباطلة، وجدالهم، وافترائهم، فمثلهم كمثل من يريد أنْ يُطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فلا على مرادهم حصلوا، ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها (١)، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَالله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢).\n\n٩ - وقال - ﷾ -: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (٣)، قال قتادة: «أما الأعمى والبصير: فالكافر والمؤمن، وأما الظلمات والنور: فالهدى والضلالة» (٤).\n١٠ - وقال - ﷿ -: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٥)، قال قتادة: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٤/ ٢١٣ - ٢١٤، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ٨/ ٦١٤، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٢/ ٣٣٤، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٩٥، وص٧٩٧.\n(٢) سورة الصف، الآيتان: ٧ - ٨.\n(٣) سورة الرعد، الآية: ١٦.\n(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٦/ ٤٠٧.\n(٥) سورة إبراهيم، الآية: ١.","vol":"1","page":17},{"text":"الضلالة إلى الهدى» (١)، قال السعدي ﵀: ليخرج الناس من ظلمات الجهل، والكفر، والأخلاق السيئة، وأنواع المعاصي إلى نور العلم، والإيمان، والأخلاق الحسنة» (٢).\n\n١١ - وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (٣): أي ادعهم من الضلالة إلى الهدى (٤).\nوقال السعدي ﵀: «أي ظلمات الجهل والكفر، وفروعه إلى نور العلم والإيمان وتوابعه» (٥).\n\n١٢ - وقال الله - ﷿ -: ﴿الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦).\nوقد فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فقيل في تفسير ذلك أقوال:\n_________\n(١) جامع البيان عن تأويل أي القرآن، للطبري، ١٦/ ٥١٢.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣٧٥.\n(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٥.\n(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٦/ ٥١٨.\n(٥) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣١٦.\n(٦) سورة النور، الآية: ٣٥.","vol":"1","page":18},{"text":"١ - الله هادي أهل السموات والأرض.\n٢ - الله يُدبِّر الأمر في السموات والأرض: نجومها، وشمسها، وقمرها، فهو سبحانه مُنوِّر السموات والأرض.\n٣ - الله ضياء السموات والأرض (١).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «والحق أنه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلِّها» (٢).\nفالله - ﷿ - هادي أهل السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من الضلالة ينجون، وهو سبحانه منوِّر السموات والأرض، ومُدَبِّر الأمر فيهما: بنجومها، وشمسها، وقمرها، وهو - ﷿ - نور؛ فقد سمَّى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا تتلألأ (٣).\nقال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀: «﴿الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، الحسي والمعنوي، وذلك أنه تعالى بذاته نور، وحجابه نور، الذي لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والنور، وبه استنارت الجنة. وكذلك المعنوي يرجع إلى الله: فكتابه نور، وشرعه نور، والإيمان\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري، ١٩/ ١٧٧، وتفسير البغوي،\n٣/ ٣٤٥، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١١/ ٢٥٨، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير،\n٣/ ٢٨٠، واجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ٢/ ٤٤.\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٦.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٤٤.","vol":"1","page":19},{"text":"والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمنين نور، فلولا نوره تعالى لتراكمت الظلمات؛ ولهذا كل محل يفقد نوره فَثمَّ الظلمة والحصر» (١).\nوالنور يضاف إلى الله - ﷿ - على وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله، فالأول كقوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (٢)، فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء (٣)، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي - ﷺ - في إثبات صفة النور والفعل لله - ﷿ -، وأنه نور السموات والأرض وما فيهما، ومُنوِّرهما وما فيهما، وهي على النحو الآتي:\nالحديث الأول: حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - إذا قام يتهجَّد من الليل قال: «اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيِّم السموات والأرض ومن فيهن ...» الحديث (٤).\nالحديث الثاني: حديث أبي موسى - ﵁ - قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات فقال: «إن الله - ﷿ - لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٥).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٥١٧.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٩.\n(٣) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب التهجد بالليل، ١/ ٥٣٢، برقم ١١٢٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٦٩.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قوله - ﷺ -: «إن الله لا ينام»، ١/ ١٦٢، برقم ١٧٩.","vol":"1","page":20},{"text":"فالله - ﷿ - لا ينام وهو منزه عن ذلك، قال الله - ﷿ -: ﴿الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ (١)، والسِّنة: النعاس. وهو - ﷿ - يخفض الميزان ويرفعه، وسُمِّي الميزان قسطًا؛ لأن القسط العدل وبالميزان يقع العدل. والمراد أن الله تعالى يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، ويوزن من أرزاقهم النازلة، وقيل: المراد بالقسط: الرزق الذي هو قسط كل مخلوق يخفضه فيقتره، ويرفعه فيوسعه، والله أعلم (٢)، وهو - ﷿ - يُرفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار الذي بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده؛ فإن الملائكة الحَفَظَة يصعدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل، والله أعلم (٣)، والله ﵎ حجابه النور: أي الحجاب المانع والساتر من رؤيته النور، وسبحات وجهه: نوره وجلاله، ولو كشف وأزال الحجاب المُسمَّى نورًا، وتجلّى لخلقه لأحرقت سبحات وجهه جميع مخلوقاته؛ لأن بصره - ﷿ - محيط بجميع الكائنات (٤).\nالحديث الثالث: حديث أبي ذر - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ -:هل رأيت ربك؟ قال: «نورٌ أنَّى أراه»،وفي رواية: «رأيتُ نورًا» (٥)،والمعنى حجابه النور فكيف أراه (٦)،قال الإمام ابن القيم ﵀: «... سمعت شيخ الإسلام ابن\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٦.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٣/ ١٧.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٧.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قوله - ﷺ -: «نور أنى أراه» ١/ ١٦١، برقم ١٧٨.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٥.","vol":"1","page":21},{"text":"تيمية يقول: «معناه كان ثَمَّ نور، أو حال دون رؤيته نور، فأنّى أراه» (١).\nوقوله - ﷿ -: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قيل في تفسير «الهاء» أقوال على النحو الآتي:\nالقول الأول: مثل نور الله: أي مثل: هدى الله في قلب المؤمن.\nالقول الثاني: مثل نور المؤمن الذي في قلبه من القرآن والإيمان.\nالقول الثالث: مثل نور محمد - ﷺ -.\nالقول الرابع: مثل نور القرآن (٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: والصحيح أنه يعود على الله - ﷿ -، والمعنى: مثل نور الله - ﷾ - في قلب عبده، وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله - ﷺ -، فهذا مع تضمُّن عود الضمير إلى المذكور، وهو وجه الكلام، يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتمّ معنىً ولفظًا، وهذا النور يضاف إلى الله تعالى إذ هو معطيه لعبده، وواهبه إياه، ويُضاف إلى العبد إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل، وقابل، ومحل، وحامل، ومادة، وقد تضمَّنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل: فالفاعل هو الله تعالى، مُفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء، والقابل العبد المؤمن، والمحل قلبه، والحامل: همته، وعزيمته، وإرادته، والمادة: قوله وعمله» (٣).\nوقوله - ﷿ -: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ فيه أقوال\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٧.\n(٢) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٩/ ١٧٨ - ١٧٩، وتفسير البغوي، ٣/ ٣٤٥، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١١/ ٢٦١، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٢٨٠.\n(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":22},{"text":"النحو الآتي:\nالقول الأول: المشكاة: كلّ كُوَّةٍ لا منفذ لها، وهذا مثل ضربه الله لمحمد - ﷺ -، والمصباح قلبه، والزجاجة صدره.\nالقول الثاني: المشكاة: صدر المؤمن، والمصباح القرآن والإيمان، والزجاجة قلبه.\nالقول الثالث: هو مثل للمؤمن غير أن المصباح وما فيه مثل لفؤاده، والمشكاة مثل لجوفه، ومعنى نور على نور: يعني إيمانه وعمله.\nالقول الرابع: مثل القرآن في قلب المؤمن.\nواختار الإمام ابن جرير ﵀ أن أولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلوب أهل الإيمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد الذي أنزله إليهم، فآمنوا به وصدّقوا بما فيه، في قلوب المؤمنين مثل مشكاة، وهي عمود القنديل الذي في الفتيلة، وذلك هو نظير الكوّة التي تكون في الحيطان لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة لأنه غير نافذ، وهو أجوف مفتوح الأعلى، فهو كالكوّة التي في الحائط لاتنفذ، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: والمصباح هو السراج، وجعل السراج هو المصباح مثلًا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾: يعني أن السراج الذي في المشكاة في القنديل: وهو الزجاجة وذلك مثل القرآن، يقول القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله، والشك فيه واستنارته بنور القرآن، واستضاءته بآيات ربه البينات، ومواعظه فيها بالكوكب الدّريّ، فقال:","vol":"1","page":23},{"text":"﴿الزُّجَاجَةُ﴾، وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه، كأنه كوكب دُرّيّ» (١).\nوقوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾، وفي تفسيرها أقوال:\n١ - قيل: شرقية غربية تطلع عليها الشمس بالغداة، وتغرب عليها، فيصيبها حر الشمس بالغداة والعشي، وهذا أجود لزيتها.\n٢ - وقيل: هي شجرة وسط الشجر ليست من الشرق ولا من الغرب.\n٣ - وقيل: هي شجرة ليست من شجر الدنيا.\nقال الإمام الطبري ﵀: «وأولى هذه الأقوال قول من قال: إنها شرقية غربية، وقال: ومعنى الكلام: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية» (٢).\nوقوله تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nوالمعنى: هذا القرآن نور من عند الله أنزله إلى خلقه يستضيئون به\n﴿عَلَى نُورٍ﴾ على الحجج والبيان الذي قد نصبه لهم قبل مجيء القرآن، مما يدل على حقيقة وحدانيته، وذلك بيان من الله، ونور على البيان، والنور\n_________\n(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١٩/ ١٨٤، بتصرف يسير.\n(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١٩/ ١٨٧، وانظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي،\n١١/ ٢٦١، وتفسير البغوي، ٣/ ٣٤٧، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٢٨١، واجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٥١، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٥١٧.","vol":"1","page":24},{"text":"الذي كان وضعه لهم ونصبه قبل نزوله، والله - ﷿ - يوفق لاتّباع نوره من يشاء من عباده، ويُمثّل الأمثال والأشباه للناس، كما مثل لهم هذا القرآن في قلب المؤمن بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في هذه الآية من الأمثال، وهو سبحانه يضرب الأمثال عن علم سبحانه - ﷿ - (١).\nوذكر ابن كثير ﵀ أن أُبي بن كعب - ﵁ - قال في تفسير: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [إيمان العبد وعمله]: «فهو يتقلب في خمسة أنوار: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة» (٢).\nوتكلّم العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀ على تفسير: ﴿مَثَلُ\nنُورِهِ﴾ الذي يهدي إليه، وهو نور الإيمان والقرآن في قلب المؤمن\n﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ أي كوة ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾؛ لأن الكوة تجمع نور المصباح بحيث لا يتفرق ذلك ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ من صفائها وبهائها ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أي مضيء إضاءة الدُّرّ، ﴿يُوقَدُ﴾ ذلك المصباح الذي في تلك الزجاجة الدرية ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ﴾: أي يوقد من زيت الزيتون، الذي ناره من أنور ما يكون ﴿لا شَرْقِيَّةٍ﴾ فقط، فلا تصيبها الشمس آخر النهار، ﴿وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ فقط، فلا تصيبها الشمس أول النهار، وإذا انتفى عنها الأمران، كانت متوسطة من الأرض كزيتون الشام، تصيبه الشمس أول النهار وآخره، فيحسن ويطيب، ويكون أصفى لزيتها؛ ولهذا قال: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا﴾ من صفائها ﴿يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٩/ ١٨٨.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، ٣/ ٢٨١، وانظر: تفسير البغوي، ٣/ ٣٤٧.","vol":"1","page":25},{"text":"تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ فإذا مسته النار أضاء إضاءة بليغة ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ أي نور النار ونور الزيت ووجه هذا المثل الذي ضربه الله، وتطبيقه على حالة المؤمن ونور الله في قلبه، أن فطرته التي فُطِر عليها بمنزلة الزيت الصافي، ففطرته صافية، مستعدة للتعاليم الإلهية، والعمل المشروع، فإذا وصل إليه العلم والإيمان اشتعل ذلك النور في قلبه، بمنزلة إشعال النار فتيلة ذلك المصباح، وهو صافي القلب: من سوء القصد، وسوء الفهم عن الله، إذا وصل إليه الإيمان أضاء إضاءةً عظيمة؛ لصفائها من الكدورات، وذلك بمنزلة صفاء الزجاجة الدّريّة، فيجتمع له: نور الفطرة، ونور الإيمان، ونور العلم، وصفاء المعرفة، ونور على نوره، ولما كان هذا من نور الله تعالى، وليس كل أحد يصلح له ذلك قال: ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ ممن يعلم زكاءه وطهارته، وأنه يزكى معه وينمو، ﴿وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ ليعقلوا عنه، ويفهموا لطفًا منه بهم، وإحسانًا إليهم؛ وليتضح الحق من الباطل، فإن الأمثال تُقرِّب المعاني المعقولة من المحسوسة، فيعلمها العباد علمًا واضحًا ﴿وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فعلمه محيط بجميع الأشياء، فَلْتَعْلموا أن ضربه الأمثال ضربُ من يعلم حقائق الأشياء، وتفاصيلها، وأنها مصلحة للعباد، فليكُن اشتغالكم بتدبُّرها وتعقُّلها، لا بالاعتراض عليها، ولا بمعارضتها، وأنتم لا تعلمون» (١)، وهذه الآية من أولها إلى آخرها فيها فوائد عظيمة، وأمثال حكيمة بليغة؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم ﵀: «وهذا التشبيه العجيب الذي\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٥١٧.","vol":"1","page":26},{"text":"تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني، وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقرُّ به عيون أهله، وتبتهج به قلوبُهم، وفي التشبيه لأهل المعاني طريقتان:\nأحدهما: طريقة التشبيه المركب، وهي أقرب مأخذًا، وأسلم من التكلف، وهي أن تشبه الجملة برمّتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبَّه، ومقابلته بجزء من المشبَّه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن الكريم، فتأمّل صفة مشكاة، وهو كوّة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء، وقد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدّرّيّ في صفائها وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان وأتمها وقودًا من زيت شجرة ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾: بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل تصيبها الشمس أعدل إصابة، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائه وحسنه يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به.\nوالطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصَّل، فقيل: المشكاة: صدر المؤمن، والزجاجة قلبه، وشُبِّه قلبه بالزجاجة لرقّتها، وصفائها، وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن، فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة: فهو يرحم، ويحسن، ويتحنّن، ويُشفق على الخلق برأفته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه، ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتدّ في أمر الله تعالى، ويتصلّب في ذات الله تعالى، ويغلظ على أعداء الله تعالى، ويقوم بالحق لله تعالى، وقد","vol":"1","page":27},{"text":"جعل الله القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: «القلوب آنية الله في أرضه، وأحبها إليه: أرقّها وأصلبها وأصفاها» (١)، والمصباح: هو نور الإيمان في قلبه، والشجرة المباركة: هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى، ودين الحق، وهي مادة المصباح، التي يَتَّقِد منها، والنور على النور: نور الفطرة الصحيحة، والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر، فيزداد العبد نورًا على نور؛ ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه من الأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه، ونطق به، فيتفق عنده شاهد العقل، والشرع، والفطرة، والوحي، فيريه عقله، وفطرته، وذوقه أن الذي جاء به الرسول - ﷺ - هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة، بل يتصادقان ويتوافقان، فهذا علامة النور على النور عكس من تلاطمت في قلبه أمواج الشُّبَه الباطلة، والخيالات الفاسدة (٢).\n\n١٣ - وضرب الله - ﷿ - مثلين لبُطلان عمل الكفار فقال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَالله سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ\n_________\n(١) عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة يرفعه: «إن لله ﵎ في الأرض آنية، وأحب آنية الله إليه ما رقّ منها وصفا، وآنية الله في الأرض قلوب عباده الصالحين». أحمد في الزهد، ص٢٨٣، برقم ٨٢٧، وصححه الألباني بعد أن ذكر طرقه في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٢٦٣، برقم ١٦٩١.\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٩ - ٥٢، بتصرف يسير.","vol":"1","page":28},{"text":"نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (١).\nفالمثل الأول ضربه الله - ﷿ - لأعمال الكفرة الذين جحدوا توحيده، وكذّبوا بالقرآن وبما جاء به، مَثَلُ أعمالهم التي عملوها كسرابٍ بقِيعةٍ - جمع قاعٍ - يحسبه العطشان ماءً، حتى إذا جاءه ملتمسًا ماءً يستغيث به من عطشه لم يجد السراب شيئًا، فكذلك الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها في غرور، يحسبون أنها منجيتهم عند الله من عذابه كما حسب الظمآن السراب ماءً، فظنه يرويه من ظمئه، حتى إذا هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان يرى أنه نافعه عند الله لم يجده ينفعه شيئًا؛ لأنه عمله على كفرٍ بالله، ووجد هذا الكافرُ اللهَ عند هلاكه بالمرصاد، فوفّاه يوم القيامة حساب أعماله التي عملها في الدنيا، وجازاه بها جزاءه الذي يستحقه عليها منه.\nوالمثل الثاني: ضربه الله - ﷿ - في بطلان أعمال الكفار، مثل ظلمات في بحر عميق كثير الماء، يغشاه موج، ومن فوق الموج موج آخر يغشاه، ومن فوق الموج الثاني سحاب، فجعل الظلمات مثلًا لأعمالهم، والبحر اللُّجّيِّ مثلًا لقلب الكافر الذي مثل عمله مثل هذه الظلمات: يغشاه الجهل بالله؛ لأن الله ختم عليه فلا يعقل عن الله، وختم على سمعه فلا يسمع مواعظ الله، وجعل على بصره غشاوة فلا يبصر به حق الله، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض (٢)، وهذا كقوله - ﷿ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ\n_________\n(١) سورة النور، الآيتان: ٣٩ - ٤٠.\n(٢) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٩/ ١٩٥ - ١٩٩، وأمثال القرآن، لابن القيم، ص٢٢، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٢٨٦.","vol":"1","page":29},{"text":"هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلا تَذَكَّرُون﴾ (١)، قال السعدي ﵀: «فالكفار تراكمت على قلوبهم الظلمات: ظلمة الطبيعة التي لا خير فيها، وفوقها ظلمة الكفر، وفوق ذلك ظلمة الجهل، وفوق ذلك ظلمة الأعمال الصادرة عما ذكر، فبقوا في الظلمة متحيّرين، وفي غمرتهم يعْمَهُون، وعن الصراط المستقيم مُدبرون، وفي طرق الغي والضلال يتردّدون، وهذا؛ لأن الله خذلهم فلم يُعطِهم من نوره» (٢).\n\nوذكر الإمام ابن القيم ﵀ كلامًا نفيسًا بعد أن فسَّر الآيات من قول الله تعالى: ﴿الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، هذا مضمونه: فانظر كيف تضمنت هذه الآيات طوائف بني آدم كلّهم أتمّ انتظام، واشتملت عليهم أكمل اشتمال؛ فإن<span data-type=\"title\" id=toc-16> الناس قسمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>القسم الأول: أهل الهدى والبصائر </span>الذين عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول - ﷺ - عن الله، وأن كل ما عارضه فشبهات تشتبه على من قلّ نصيبه من العقل والسمع ... وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق، أصحاب العلم النافع والعمل الصالح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>القسم الثاني: أهل الجهل والظلم، وهؤلاء قسمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>١ - الذين يحسبون أنهم على علم وهدى</span>، وهم أهل الجهل المركب\n_________\n(١) سورة الجاثية، الآية: ٢٣.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٥١٩.","vol":"1","page":30},{"text":"الذين يجهلون الحق ويعادونه ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالونه ويوالون أهله، وهم يحسبون أنهم على شيء ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٢ - أصحاب الظلمات، وهم المنغمسون في الجهل</span>، بحيث قد أحاط بهم من كل جهة، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضل سبيلًا، فأعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، كظلمات: ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظلم واتباع الهوى، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض عن الحق؛ فإن المعرض عما بعث الله تعالى به محمدًا - ﷺ - من الهدى ودين الحق يتقلّب في خمس ظلمات: قوله ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمة: فقلبه مظلم، ووجهه مظلم، وكلامه مظلم، وحاله مظلم (١).\nثم ذكر ﵀ أن شيخه ابن تيمية قال:<span data-type=\"title\" id=toc-21> الناس في الهدى الذي بعث الله تعالى به رسوله - ﷺ - أربعة أقسام:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-22> القسم الأول: قبلوه ظاهرًا وباطنًا، وهم نوعان:</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-23> النوع الأول: أهل الفقه فيه، والفهم</span>، والتعليم، وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله تعالى كتابه، وفهموا مراده، وبلّغوه إلى الأمة، واستنبطوا أسراره، وكنوزه، فهؤلاء كمثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم، وأخذوا من ذلك الكلأ الغذاء والقوت، والدواء، وسائر ما يصلح لهم.\n_________\n(١) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على المعطلة والجهمية، ٢/ ٥٣ - ٥٨.","vol":"1","page":31},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-24> النوع الثاني: حفظوه، وضبطوه وبلّغوا ألفاظه إلى الأمة</span>، فحفظوا عليهم النصوص، وليسوا من أهل الاستنباط والفقه في مراد الشارع، فهم أهل حفظ وضبط، وأداء لِمَا سمعوه، وهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس، فوردوه، وشربوا منه، وسقوا منه أنعامهم، وزرعوا به.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-25> القسم الثاني: من ردّه ظاهرًا وباطنًا، وكفر به، ولم يرفع به رأسًا، وهؤلاء أيضًا نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>النوع الأول: عرفه وتيقَّن صحته، وأنه حق، ولكن حمله الحسد، والكِبر</span>، وحب الرئاسة، والملك، والتقدم بين قومه على جحده، ودفعه بعد البصيرة واليقين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>النوع الثاني: أتباع هؤلاء الذين يقولون هؤلاء سادتنا وكبراؤنا</span>، وهم أعلم منا بما يقبلونه وما يردونه، ولنا أسوة بهم، ولا نرغب بأنفسنا عن أنفسهم، ولو كان حقًا لكانوا هم أهله، وأولى بقبوله، وهؤلاء بمنزلة الدوّابّ والأنعام، يساقون حيث يسوقهم راعيهم (١).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-28> القسم الثالث: الذين قبلوا ما جاء به الرسول - ﷺ -، وآمنوا به ظاهرًا</span>، وجحدوه وكفروا به باطنًا، وهم المنافقون، وهم أيضًا نوعان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>النوع الأول: من أبصر ثم عمي</span>، وعلم ثم جهل، وأقرّ ثم أنكر، وآمن ثم كفر، فهؤلاء رؤوس أهل النفاق، وسادتهم، وأئمتهم، ومثلهم مثل من استوقد نارًا، ثم حصل بعدها على الظلمة.\n_________\n(١) انظر: وصف الله لهم في سورة البقرة، الآيتان: ١٦٦ - ١٦٧، وسورة الأحزاب، الآيات: ٦٦ - ٦٨، وسورة غافر، الآيتان: ٤٧ - ٤٨، وسورة ص، الآيات: ٥٧ - ٦١.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>النوع الثاني: ضعفاء البصائر الذين أعشى </span>بصائرهم ضوء البرق فكاد أن يخطفها، لضعفها وقوته، وأصمّ آذانهم صوت الرعد، فهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، فلا يقربون من سماع القرآن والإيمان؛ بل يهربون منه، ويكون حالهم حال من يسمع الرعد الشديد، فمن شدة خوفه منه يجعل أصابعه في أذنيه.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-31> القسم الرابع: يكتمون إيمانهم في أقوامهم، ولا يتمكنون من إظهاره</span>، ومن هؤلاء مؤمن آل فرعون، الذي يكتم إيمانه، ومن هؤلاء النجاشي الذي صلَّى عليه رسول الله - ﷺ -؛ فإنه كان ملك نصارى الحبشة، وكان في الباطن مؤمنًا، وغير هؤلاء كثير (١).\n١٤ - وقال - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٢): أي الله - ﷿ - الذي يذكركم ويثني عليكم، وملائكته يدعون لكم، ويستغفرون لكم، وبسبب رحمته بكم وثنائه عليكم، ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال، والكفر، والمعاصي والذنوب إلى نور الهدى والإيمان، واليقين، والتوفيق، والعلم والعمل (٣)، قال القرطبي ﵀: «ومعنى هذا التثبيت على الهداية، لأنهم كانوا في وقت الخطاب على الهداية» (٤).\n_________\n(١) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٧٢ - ٧٦، بتصرف يسير.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣.\n(٣) انظر: جامع البيان، للطبري، ٢/ ٢٨٠، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٤٤٦، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦١٤.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن، ١٤/ ١٩٣.","vol":"1","page":33},{"text":"١٥ - وقال - ﷾ -: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ (١).\nهذه أمثال ضربها الله - ﷿ - للمؤمن والإيمان، والكافر والكفر، كما أن هذه الأشياء المذكورات المتباينة المختلفة لا تتساوى، فكذلك فلتعلموا أن عدم تساوي المتضادات المعنوية أولى وأولى، فلا يستوي الكافر والمؤمن، والجاهل والعالم، والضال والمهتدي، ولا أصحاب النار وأصحاب الجنة، ولا أموات القلوب وأحياؤها؛ فإن بين هذه الأشياء من التفاوت ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإذا علمت المراتب، وميزت الأشياء، وبان الذي ينبغي أن يُتنافس في تحصيله من ضدّه، فليختر الحازم لنفسه ما هو أولى وأحق بالإيثار (٢).\nوقد جاء هذا التفسير عن السلف الصالح، فقد ذكر الإمام ابن جرير ﵀ عن ابن عباس ﵄ أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، قال: «هو مثل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية، يقول: وما يستوي الأعمى، والظلمات، والحرور، ولا الأموات، فهو مثل أهل المعصية، ولا يستوي البصير، والنور، ولا الظل، والأحياء، فهو مثل أهل الطاعة» (٣)، وقال قتادة: «... خلقًا فُضِّل\n_________\n(١) سورة فاطر، الآيات: ١٩ - ٢٢.\n(٢) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢٠/ ٤٥٧، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٤/ ٣٢٧، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٥٣٠، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦٣٤.\n(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢٠/ ٤٥٨.","vol":"1","page":34},{"text":"بعضه على بعض، فأما المؤمن فَعَبْدٌ حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل، وأما الكافر فعًبْدٌ ميت: ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل» (١) فاتضح بذلك أن الأعمى عن دين الله لا يستوي هو والذي قد أبصر دينه، وعلم وعمل، قال الله - ﷿ -: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢).\nوقد قال الله - ﷿ - عن أصحاب الظلمات: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ الله يُضْلله وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ\nمُّسْتَقِيمٍ﴾ (٣)،فهم صم عن سماع الحق، بكم عن النطق به، فلا ينطقون إلا بالباطل، في الظلمات منغمسون: ظلمات الجهل، والكفر، والشرك، والظلم، والعناد، والإعراض، والمعاصي، وهذا من إضلال الله إيَّاهم؛ فإنه المنفرد بالهداية والإضلال بحسب ما اقتضاه فضله، وحكمته، وعدله (٤).\n\n١٦ - وقال الله - ﷿ -: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ الله أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٥)، يقول تعالى: أفمن فسح الله قلبه، وشرح صدره لمعرفته، والإقرار\n_________\n(١) المرجع السابق، ٢٠/ ٤٥٨.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ٣٩.\n(٤) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١١/ ٣٥٠، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢١٨.\n(٥) سورة الزمر، الآية: ٢٢.","vol":"1","page":35},{"text":"بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته، فهو على نور من ربه، وعلى بصيرة مما هو عليه، ويقين بتنوير الحق في قلبه، فهو لذلك الأمر متَّبع، وعما نهاه الله عنه منتهٍ، وقد انشرح صدره للإسلام، فاتَّسع لتلقّي أحكام الله والعمل بها، منشرحًا قرير العين، كمن أقسى الله قلبه فأخلاه من ذكره، وضيَّقه عن استماع الحق، واتّباع الهدى، والعمل بالصواب، فهو لا يلين لكتاب الله، ولا يتذكر آياته، ولا يطمئن بذكره؛ بل هو معرض عن ربه ملتفت إلى غيره، فهذا له الويل الشديد، والشر الكبير (١)، قال الله - ﷿ -: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).\n\n١٧ - وقال الله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الأمُورُ﴾ (٣).\nكما كان الله - ﷿ - يوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كذلك أوحى إلى محمد - ﷺ - هذا القرآن العظيم، وسمّاه روحًا؛ لأن الروح يُحْيى به\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢١/ ٢٧٧، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٥/ ٢٣٦، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٤/ ٥١، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦٦٨.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.\n(٣) سورة الشورى، الآيتان: ٥٢ - ٥٣.","vol":"1","page":36},{"text":"الجسد، والقرآن تَحْيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين؛ لِمَا فيه من الخير الكثير والعلم الغزير، وما كان محمد - ﷺ - قبل نزول القرآن يدري ما شرائع الإيمان ومعالمه على التفصيل الذي شرع له في القرآن، ولكن جعل الله القرآن نورًا يرشد به، ويهدي من يشاء من عباده، فيستضيئون بهذا القرآن في ظلمات الكفر، والشبهات، والضلال، والبدع، والشرك، والشهوات، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم (١)، كقوله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ\nلِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).\nفهذا القرآن يعظ عن الأعمال الموجبة لسخط الله المقتضية لعقابه، ويحذر عنها ببيان آثارها ومفاسدها، وهو شفاء لِمَا في الصدور من أمراض الشهوات الصادرة عن [عدم] (٣) الانقياد للشرع، وأمراض الشبهات القادحة في العلم اليقيني؛ فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد مما يوجب للعبد الرغبة في الخير، والرهبة عن الشر (٤)، وكقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢١/ ٥٩٩ - ٥٦١، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٦/ ٥٣ - ٥٩، وتفسير البغوي، ٤/ ١٣٢، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير،\n٤/ ١٢٤، واجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ٢/ ٨٧ - ٨٨، والضوء المنير على التفسير، من كتب ابن القيم، جمع: علي الصالحي، ٥/ ٣٢٣.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٥٧.\n(٣) زيادة يقتضيها السياق، أو الصادرة عن الانقياد للشرع.\n(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣٢٣.","vol":"1","page":37},{"text":"لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (١)، فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين بها، وأما الظالمون بعدم التصديق به، أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلا خسارًا؛ لأن الحجة تقوم عليهم به، فالشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب من الشُّبَه، والجهالات، والآراء الفاسدة، والانحراف السيئ، والقصود الرديئة؛ لأنه مشتمل على العلم اليقين الذي تزول به كل شبهة وجهالة، والوعظ والتذكير الذي يزول به كل شهوة تخالف أمر الله، ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها، فمتى عمل به العبد فاز بالرحمة والسعادة الأبدية، والثواب العاجل والآجل (٢)، كقوله - ﷿ -: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٣)، فهو يهديهم لطريق الرشد، والصراط المستقيم، ويعلمهم من العلوم النافعة ما به تحصل الهداية التامة، وهو شفاء لهم من الأسقام القلبية؛ لأنه يزجر عن مساوئ الأخلاق، ويحث على التوبة النصوح، التي تغسل الذنوب، وتشفي القلوب، أما الذين لا يؤمنون بالقرآن ففي آذانهم صمم عن استماعه وإعراض عنه، وهو عليهم عمى، فلا يبصرون به رشدًا، ولا يهتدون به، ولا يزيدهم إلا ضلالًا؛ لأنهم إذا ردّوا الحق ازدادوا عمىً إلى عماهم، وغيًّا إلى غيهم، وينادون إلى الإيمان ويدعون إليه فلا يستجيبون، بمنزلة الذي يُنادى وهو\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٤١٦.\n(٣) سورة فصلت، الآية: ٤٤.","vol":"1","page":38},{"text":"في مكان بعيد لا يسمع داعيًا، ولا يجيب مناديًا، والمقصود أن الذين لا يؤمنون بالقرآن لا ينتفعون بهداه، ولا يبصرون بنوره، ولا يستفيدون منه خيرًا، لأنهم سدوا على أنفسهم أبواب الهدى، بإعراضهم وكفرهم (١).\nوفي قوله - ﷿ - في أول الآية: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ مال الإمام ابن جرير ﵀ إلى أن الروح هنا هو القرآن الكريم، وجزم به الحافظ ابن كثير ﵀، والسعدي ﵀، وقيل: إن الروح هنا: النبوة، وقيل: الرحمة، وقيل: الوحي (٢).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀ في تفسير هذه الآية: «أي جعلنا ذلك الروح نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا، فَسمَّى وحيه روحًا، لِمَا يحصل به من حياة القلوب والأرواح، التي هي الحياة الحقيقية، ومن عدمها فهو ميت لا حي، والحياة الأبدية السرمدية في دار النعيم هي ثمرة حياة القلب بهذا الروح الذي أوحى إلى رسوله - ﷺ - فمن لم يحيَ به في الدنيا فهو ممن له جهنم، لا يموت فيها ولا يحيا، وأعظم حياة في الدور الثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الجزاء أعظمهم نصيبًا من هذه الحياة بهذه الروح، وسمّاه نورًا لِمَا يحصل به من استنارة القلوب، وإضاءتها، وكمال الروح بهاتين الصفتين: بالحياة، والنور، ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والاهتداء بما بعثوا به، وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم، وإلا فالروح ميتة مظلمة، فإن كان\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦٩٧.\n(٢) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢١/ ٥٥٩، وتفسير البغوي، ٤/ ١٣٢، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٦/ ٥٣، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٤/ ١٢٤.","vol":"1","page":39},{"text":"العبد مشارًا إليه: بالزهد، والفقه، والفضيلة؛ فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله - ﷺ -، وجعله نورًا يهدي به من يشاء من عباده وراء ذلك كله، فليس العلم كثرة النقل، والبحث، والكلام، ولكن نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها، وحقها من باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال» (١).\nوقد أمر الله - ﷿ - بالإيمان بهذا النور العظيم فقال: ﴿فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢).\nولا شك أن ما في الكتاب الكريم من الأحكام، والشرائع، والأخبار أنوار يهتدى بها في ظلمات الجهل؛ ولهذا سماه الله نورًا (٣).\nوقد كتب الله الفوز والفلاح لمن آمن بالنبي - ﷺ - ونصره، واتَّبع النور الذي أُنزل معه، فقال - ﷿ -: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤)، ومع هذا البيان الواضح، والنور الساطع فقد كذَّب المشركون واليهود النبيَّ - ﷺ -، فعزَّاه الله مُسلِّيًا له (٥) فقال: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية، ٢/ ٨٨.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ٨.\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢٣/ ٤١٩، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٨/ ١٣٢، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٨٠٣.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٥٧.\n(٥) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٧/ ٤٥٠، ١٧/ ٤٥٩، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ٤/ ٣٠٤، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ١/ ٤٣٤، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص١٢٦.","vol":"1","page":40},{"text":"بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (٢).\nوقد ذم الله - ﷿ - من يجادل بالباطل بغير علم صحيح، ولا هدى، ولا كتاب منير يوضح الحق ويبينه، فلا عقل مرشد، ولا متبوع مهتدٍ، ولا حجة عقلية ولا نقلية، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ (٣).\n\n١٨ - وقال الله - ﷾ -: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤)، الله - ﷿ - الذي ينزل على عبده محمد - ﷺ - آياتٍ واضحات، وحججًا دامغاتٍ، ودلائل باهراتٍ، وبراهين قاطعات، وأعظمها القرآن الكريم؛ ليخرج الناس بإرسال الرسول - ﷺ - وما أنزله عليه من الكتاب والحكمة: من ظلمات الضلالة، والشرك والكفر، والجهل، والآراء المتضادة، إلى نور الإيمان والتوحيد، والعلم والهدى، وهذا من رحمته بعباده وإحسانه إليهم، فله الشكر والحمد والثناء الحسن، لا إله غيره ولا رب سواه (٥)، وهذا كقوله - ﷾ -:\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٤.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ٢٥.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٨، وسورة لقمان، الآية: ٢، وانظر: تفسير السعدي، ص٤٨٣، ٥٩٨.\n(٤) سورة الحديد، الآية: ٩.\n(٥) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢٣/ ١٧٣، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٧/ ٢٣٠، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٤/ ٣٠٧، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٧٧٨.","vol":"1","page":41},{"text":"﴿فَاتَّقُوا الله يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١).\n\n١٩ - وقال - ﷿ -: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ*يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ الله وَغَرَّكُم بِالله الْغَرُورُ*فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢).\nوفي قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ جاء عن الضحاك أن معنى ذلك: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى هداهم بين أيديهم، وبأيمانهم كتبهم (٣).\nوقيل: ﴿وَبِأَيْمَانِهِم﴾ الباء بمعنى في: أي في أيمانهم، أو بمعنى عن: أي عن أيمانهم (٤).\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآيتان: ١٠ - ١١.\n(٢) سورة الحديد، الآيات: ١٢ - ١٥.\n(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢٣/ ١٧٩، واختاره ابن جرير في هذا الموضع.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٧/ ٢٣٥.","vol":"1","page":42},{"text":"وقال أكثر المفسرين يعطي الله المؤمنين نورًا يوم القيامة على قدر أعمالهم، يمشون به على الصراط، ويُعطى المنافقون أيضًا نورًا خديعة لهم، كما قال - ﷾ -: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (١).\nوقيل: إنما يعطون النور؛ لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره؛ لنفاقه، كما قال ابن عباس ﵄.\nوقيل: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين، ولا يُعطَون النور، فبينما هم يمشون إذ بعث الله فيهم ريحًا وظلمة، فأطفأ بذلك نور المنافقين، فيخشى المؤمنون أن يُسْلَبوا نورهم كما سُلبه المنافقون، فيسألون الله - ﷿ - أن يتمَّ لهم نورهم، قال سبحانه عن ذلك: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي الله النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا للمؤمنين: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>وقد جاء في هذا النور أحاديث وآثار كثيرة، منها </span>ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>الحديث الأول: </span>حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه سئل عن\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٤٢.\n(٢) سورة التحريم، الآية: ٨.\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢٣/ ١٧٨ - ١٨٧، و٤٩٣ - ٤٩٦، وتفسير البغوي، ٤/ ٢٩٥، و٣٦٧، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٧/ ٢٣٣ - ٢٣٩، و١٨/ ١٩١، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٤/ ٣٠٨ - ٣١٠، و٣٩٢، واجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ٣/ ٨٦، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٧٧٩ - ٨٠٩.","vol":"1","page":43},{"text":"الورود، وفيه رؤية الله تعالى: «فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلِقُ بهم ويتبعونه، ويُعطَى كل إنسانٍ منهم - منافق أو مؤمن - نورًا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يُطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضواء نجم في السماء ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الحديث الثاني: </span>حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، قال: «يُؤتَوْن نورهم على قدر أعمالهم: فمنهم من يُؤتى نوره كالجبل، ومنهم من يُؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يُؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورًا من نوره على إبهامه يطفأُ مرة ويَقِدُ مرة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الحديث الثالث: </span>حديث بريدة أن النبي - ﷺ - بيَّن أن إكثار المشي في الظلم إلى المساجد يُثمر إعطاء النور التام يوم القيامة، فعن بريدة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «بشّر المشَّائين في الظّلم إلى المساجد بالنُّور التَّامّ يوم القيامة» (٣).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة، ١/ ١٧٨، برقم ١٩١.\n(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢٣/ ١٧٩، والحاكم، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي على شرط البخاري، ٢/ ٤٧٨.\n(٣) أخرجه أبو داود، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى الصلاة، ١/ ١٥٤، برقم ٥٦١، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة، ١/ ٤٣٥، برقم ٢٢٣، وقال: «هو صحيح مسند موقوف إلى أصحاب النبي - ﷺ -». وأخرجه ابن ماجه من حديث سهل بن سعد، وأنس ﵄، في كتاب المساجد والجماعات، باب المشي إلى الصلاة ١/ ٢٥٦، برقم ٧٨٠، ورقم ٧٨١، والحاكم في المستدرك، ١/ ٥٣، وقال الإمام المنذري عن رواية أبي داود والترمذي: «ورجال إسناده ثقات» الترغيب والترهيب، ١/ ٢٨٩، وقال العلامة الألباني في تحقيقه لمشكاة المصابيح للتبريزي، ١/ ٢٢٤: «الحديث صحيح لشواهده الكثيرة، عن جماعة من الصحابة جاوزوا العشرة، وقد خرجتها في صحيح أبي داود، برقم ٥٧٠».","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الحديث الرابع: </span>حديث أبي هريرة - ﵁ -،أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله ليضيء للذين يتخلّلون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة» (١)، وذكر الطيبي، والمناوي، ثم المباركفوري: أن هذا النور يحيط بالمشَّائين إلى المساجد في الظُّلَم من جميع جوانبهم على الصراط، لمَّا قاسوا مشقة المشي في ظلمة الليل جوزوا بنور يضيء لهم ويحيط بهم على الصراط ووصف النور بالتامّ، وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة، وقولهم فيه: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾، وإلى قصة المنافقين وقولهم للمؤمنين: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾، وفيه أن من انتهز هذه الفرص، وهي المشي إلى المساجد في الظلم في الدنيا كان مع النبيين، والذين آمنوا: من الصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا (٢).\nولا شك أن سرعة المرور على الصراط بحسب النور، فمن كان نوره أعظم كان مروره على الجسر أسرع، وهو أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعر، فمن الناس من يمرّ عليه ويتجاوزه كلمح البصر، ومنهم من يمرّ كالبرق، ومنهم من يمرّ كالريح، ومنهم من يتجاوزه كالطير، ومنهم من\n_________\n(١) الطبراني في المعجم الأوسط، ٢/ ٤٣، برقم ٦٨٠، [مجمع البحرين في زوائد المعجمين]، وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٢٩٠: «رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «وإسناده حسن» ٢/ ٣٠.\n(٢) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٣/ ٩٤١ - ٩٤٢، وفيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، ٣/ ٢٠١، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري، ٢/ ١٤.","vol":"1","page":45},{"text":"يمرّ كالفرس الجواد، ومنهم من يمرّ كركاب الإبل (١)، ومنهم من يزحف زحفًا (٢) حتى يجيء آخرهم يسحب سحبًا (٣).\nوقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن الأنوار تقسم دون الجسر على حسب الأعمال، فيُعطَى العبد من النور هناك بحسب قوة نوره، وإيمانه، ويقينه، وإخلاصه، ومتابعته للرسول - ﷺ - في دار الدنيا، فقال ﵀: «فمنهم من يكون نوره كالشمس (٤)، ودون ذلك كالقمر، ودونه كأشدِّ كوكبٍ في السماء إضاءة، ومنهم من يكون نوره كالسراج في قوّته وضعفه، وما بين ذلك، ومنهم من يُعطَى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى، بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا، فهو هذا النور الذي بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهرًا يُرى عِيانًا بالأبصار، ولا يستضيء به غيره، ولا يمشي أحدٌ إلا في نور نفسه، إن كان له نور مشى في نوره، وإن لم يكن له نورٌ أصلًا لم ينفعه نور غيره، ولما كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمر ولا متصل بباطنه، ولا له مادة من الإيمان أُعطي في الآخرة نورًا ظاهرًا لا مادة له، ثم يُطفأ عنه\n_________\n(١) هذه الدرجات الست في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، معرفة طريقة الرؤية، ١/ ١٦٩، برقم ١٨٣، قال أبو سعيد الخدري: «بلغني أن الجسر أدق من الشعر، وأحد من السيف»، مسلم،\n١/ ١٧١، رواية الحديث رقم ١٨٣، والبخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ٨/ ٢٢٨، برقم ٧٤٣٩.\n(٢) من رواية لمسلم، ١/ ١٨٧، برقم ١٩٥.\n(٣) من رواية للبخاري، برقم ٧٤٣٩، وانظر: معارج القبول، للشيخ حافظ الحكمي،\n٢/ ٨٥٠ - ٨٥٧.\n(٤) انظر: مسند الإمام أحمد، ٢/ ٧٧، ٢/ ٢٢٢، وشرح أحمد شاكر للمسند، برقم ٦٦٥٠، ٧٠٧٢.","vol":"1","page":46},{"text":"أحوج ما كان إليه» (١).\nوبيّن ﵀ أن مشي الناس على الصراط بحسب سرعتهم في الخير في الدنيا، فقال: «مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا، فأسرعهم سيرًا هنا أسرعهم هناك، وأبطأهم هنا أبطأهم هناك، وأشدهم ثباتًا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك، ومن خطفته كلاليب الشهوات، والشبهات، والبدع المضلّة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هاهنا، فناج مُسَلَّم، ومخدوش مُسَلَّم، ومخزول\n- أي مقطع بالكلاليب - مُكردس في النار كما أثَّرت فيه تلك الكلاليب في الدنيا ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (٢).\n\n٢٠ - وقال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣).\nضَمِن الله - ﷿ - للمؤمنين بالتقوى ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: أعطاهم نصيبين من رحمته: نصيبًا في الدنيا ونصيبًا في الآخرة، وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين.\nالأمر الثاني: أعطاهم نورًا يمشون به في الظلمات.\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ٢/ ٨٦.\n(٢) المرجع السابق، ٢/ ٨٦ - ٨٧.\n(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":47},{"text":"الأمر الثالث: مغفرة ذنوبهم، وهذا غاية التيسير، فقد جعل سبحانه التقوى سببًا لكل يسر، وتَرْكَ التقوى سببًا لكل عسر (١).\nوهذا الخطاب في هذه الآية فيه قولان لأهل التفسير:\n١ - قيل تُحمل على مؤمني أهل الكتاب، وأنهم يُؤتَوْن أجرهم مرتين؛ لإيمانهم بأنبيائهم، ثم إيمانهم بمحمد - ﷺ -، فيُعطَون بذلك: نصيبين من الأجر، كما قال - ﷾ -: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (٢).\nفلا شك أن من آمن من أهل الكتاب بنبيه، ثم آمن بمحمد - ﷺ - فإنه يُعطَى أجرين، قال النبي - ﷺ -: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي - ﷺ - فآمن به، واتّبعه، وصدّقه، فله أجران، وعبد مملوك أدَّى حقّ الله تعالى، وحقَّ سيّده فله أجران، ورجل كانت له أمةٌ فغذَّاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوّجها، فله أجران» (٣).\n٢ - وقيل: هي في حق هذه الأُمَّة؛ لِمَا ذكره سعيد بن جبير أن أهل الكتاب افتخروا بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، فأنزل الله - ﷿ - هذه الآية في\n_________\n(١) الضوء المنير على التفسير، من كتب ابن القيم، للصالحي، ٥/ ٦٢٤.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٥٤.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي موسى - ﵁ -: البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل من أسلم من أهل الكتابين، ٤/ ٢٥، برقم ٣٠١١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ -، ١/ ١٣٤، برقم ١٥٤، واللفظ له.","vol":"1","page":48},{"text":"حق هذه الأمة (١).\nومما يؤيّد هذا القول ما رواه أبو موسى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجُلٍ استأجر قومًا يعملون له يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا، ولكم الذي شرطتُ لهم من الأجر، فعملوا، حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومَثَل ما قبلوا من هذا النور» (٢).\nقال العلامة السعدي ﵀: «ويُحتمل أن يكون الأمر عامًا يدخل فيه أهل الكتاب وغيرهم، وهذا هو الظاهر، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين: ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم أعطاهم ﴿كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾: لا يعلم قدرهما ولا وصفهما إلا الله تعالى: أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، وأجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير بسنده، في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢٣/ ٢٠٩.\n(٢) البخاري، كتاب الإجارة، باب الإجارة من العصر إلى الليل، ٣/ ٦٩، برقم ٢٢٧١.","vol":"1","page":49},{"text":"بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى» (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: وفي هذا أقوال:\n١ - قيل: النور هنا: القرآن الكريم.\n٢ - وقيل: الهدى.\nقال الإمام الطبري ﵀: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذِكْرُهُ: وعد هؤلاء القوم أن يجعل لهم نورًا يمشون به، والقرآن مع اتِّباع النبي - ﷺ - نور لمن آمن بهما، وصدّقهما، وهدىً؛ لأن من آمن بذلك فقد اهتدى» (٢).\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀: «يعني هدى يتبصّرون به من العمى والجهالة، ويغفر لكم، ففضلهم بالنور والمغفرة ... وهذه الآية (٣) كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٤).\nوقال العلامة السعدي ﵀: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: أي يُعطيكم علمًا، وهدىً، ونورًا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات ﴿وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، فلا يستغرب كثرة هذا الثواب على فضل ذي الفضل العظيم، الذي عمّ فضله أهل السموات والأرض، فلا\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٧٨٢.\n(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢٣/ ٢١٣.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، ٤/ ٣١٨.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٢٩.","vol":"1","page":50},{"text":"يخلو مخلوق من فضله طرفة عين، ولا أقلّ من ذلك» (١).\nوقوله تعالى: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾، قيل: تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام (٢).\nوقيل: تمشون به على الصراط (٣).\nوقد جمع بين هذين القولين الإمام ابن القيم ﵀، فقال: «وفي قوله: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ إعلام بأن تصرفهم وتقلّبهم الذي ينفعهم إنما هو بالنور، وأنّ مشيهم بغير نور غير مجدٍ عليهم، ولا نافع لهم، بل ضرره أكثر من نفعه، وفيه أن أهل النور هم أهل المشي، ومن سواهم أهل الزمانة والانقطاع، فلا مشي لقلوبهم، ولا لأحوالهم، ولا لأقوالهم، ولا لأقدامهم إلى الطاعات، وكذلك لا تمشي على الصراط، إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم، وفي قوله تعالى: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ نكتة بديعة، وهي أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم، كما يمشون بها بين الناس في الدنيا، ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدمًا عن قدم على الصراط، فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه» (٤).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٧٨٣.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٧/ ٢٥٦.\n(٣) تفسير البغوي، ٤/ ٣٠٢.\n(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٣.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الثاني: النور والظلمات في السنة النبوية</span>\nجاء في أحاديث النبي - ﷺ - ذكر النور والحث على اكتسابه والترغيب فيه، وسؤال الله - ﷿ - ذلك، وجاء ذكر الظلمات والتحذير من أسباب ذلك، ومن الأحاديث والآثار في ذلك ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>١ - كان النبي - ﷺ - يقول في دعائه في آخر الليل إذا ذهب إلى الصلاة في المسجد: «اللهم اجعل في قلبي نورًا</span>، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن أمامي نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا، وعظِّم لي نورًا، واجعل لي نورًا، واجعلني نورًا، اللهم أعطني نورًا، واجعل في عصبي نورًا، وفي لحمي نورًا، وفي دمي نورًا، وفي شعري نورًا، وفي بشري نورًا» (١).\nقال ابن الأثير ﵀: «أراد ضياء الحق، وبيانه، كأنه قال: اللهم استعمل هذه الأعضاء منِّي في الحق، واجعل تصرفي وتقلّبي فيها على سبيل الصواب والخير» (٢).\nوقال الإمام النووي ﵀: «قال العلماء سأل النور في أعضائه، وجسمه، وتصرفاته، وتقلباته، وحالاته، وجملته في جهاته الست، حتى\n_________\n(١) متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄: البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل، ٧/ ١٩١، برقم ٦٣١٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ١/ ٥٢٥، برقم ٧٦٣.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الواو، مادة «نور» ٥/ ١٢٥.","vol":"1","page":52},{"text":"لا يزيغ شيء منها عنه» (١).\nويزيد لك وضوحًا ما بيّنه الإمام القرطبي ﵀ حيث قال: «يمكن أن تحمل على ظاهرها، فيكون معنى سؤاله: أن يجعل الله له في كل عضو من أعضائه نورًا يوم القيامة يستضيء به في تلك الظلم، هو ومن تبعه، أو من شاء الله ممن تبعه، والأولى أن يقال: هذه الأنوار هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ (٢)، وكما قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (٣) أي علمًا وهداية»، ثم قال: «والتحقيق في معنى النور مظهرٌ ما ينسب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور الشمس: مظهرٌ للمبصرات، ونور القلب: كاشفٌ عن المعلومات، ونور الجوارح: ما يبدو عليها من أعمال الطاعات، فكأنه دعا بإظهار الطاعات عليها دائمًا، والله أعلم» (٤).\nوذكر الطيبي ﵀: أن معنى طلب النور للأعضاء: عضوًا عضوًا، أن يتحلَّى بأنوار المعرفة والطاعة، ويتعرّى عن ظلمة الجهالة والمعاصي؛ فإن الشياطين تحيط بالجهات الست بالوساوس، فكان التخلص منها بالأنوار السادَّة لتلك الجهات، وكل هذه الأنوار راجعة إلى الهداية، والبيان، وضياء الحق، وإلى مطالع هذه الأنوار يرشد قوله\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٩١، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ١١٨.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٢٢.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.\n(٤) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٣٩٥.","vol":"1","page":53},{"text":"تعالى (١): ﴿الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٢ - عن أبي مالك الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطّهور شطر الإيمان</span>، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور ...» الحديث (٣).\nقوله - ﷺ -: «والصلاة نور»، قال الإمام القرطبي ﵀ في شرح ذلك: «معناه: أن الصلاة إذا فُعِلَت بشروطها: المصححة، والمكملة نوَّرت القلب؛ بحيث تُشرق فيه أنوار المكاشفات والمعارف، حتى ينتهي أمر من يراعيها حق رعايتها أن يقول «وجعلت قُرّة عيني في الصلاة» (٤)، أيضًا: فإنها تنوِّر بين يدي مراعيها يوم القيامة في تلك الظلم، وأيضًا: تنوِّر وجه المصلي يوم القيامة، فيكون ذا غُرّةٍ وتحجيل» (٥).\nوقال الإمام النووي: «وأما قوله - ﷺ -: «والصلاة نور» فمعناه: أنها تمنع صاحبها من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب، كما أن النور يُستضاء به، وقيل: معناه: أن يكون أجرها نورًا لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب،\n_________\n(١) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٤/ ١١٨٣، وفتح الباري، لابن حجر، ١١/ ١١٨.\n(٢) سورة النور، الآية: ٣٥.\n(٣) أخرجه مسلم، في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، ١/ ٢٠٣، برقم ٢٢٣.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٣/ ١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥، والنسائي في كتاب عشرة النساء، باب: حب النساء، ٧/ ٦٢.\n(٥) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ٤٧٦.","vol":"1","page":54},{"text":"ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها، وإقباله إلى الله تعالى، بظاهره وباطنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (١).\nوقيل: معناه: أنها تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضًا على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصلِّ، والله أعلم» (٢)، قلت: النور يشمل ذلك كله في كل ما ذُكِرَ والله أعلم.\n\n٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: بينما جبريل قاعد عند النبي - ﷺ - سمع نقيضًا (٣) من فوقه، فرفع رأسه فقال: «هذا باب من السماء فُتح اليوم لم يُفتَح قطّ إلاّ اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أو تيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلاّ أُعطيته» (٤).\nوقد بيّن الإمام القرطبي ﵀ معنى ذلك: وأن قول الملك: «أبشر بنورين» أي أبشر بأمرين عظيمين، نيِّرين، تنير لقارئهما، وتنوِّره، وخُصّت الفاتحة بهذا؛ لأنها تضمّنت جملة معانٍ: الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلى الجملة فهي آخذة بأصول القواعد الدينية، والمعاقد المعارفية، وخُصّت خواتيم سورة البقرة بذلك، لِمَا تضمّنته من الثناء على النبي - ﷺ -، وعلى أصحابه - ﵃ -، بجميل انقيادهم لمقتضاها، وتسليمهم\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٤٥.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٠٣.\n(٣) نقيضًا: أي صوتًا كصوت الباب إذا فتح. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٣٩.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، ١/ ٥٥٤، برقم ٨٠٦.","vol":"1","page":55},{"text":"لمعناها، وابتهالهم إلى الله، ورجوعهم إليه في جميع أمورهم، ولِمَا حصل فيها من إجابة دعواتهم، بعد أن علموها، فخفَّف عنهم، وغفر لهم، ونُصِروا، وفيها غير ذلك مما يطول تتبُّعه» (١).\n\n٤ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن الله - ﷿ - ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم» (٢).\nقال الطيبي ﵀: «أما قوله - ﷺ -: «إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً» إلى آخره، فكالأسلوب الحكيم، يعني ليس النظر في الصلاة على الميت إلى حقارته ورفعة شأنه، بل هي بمنزلة الشفاعة له، لينوَّر قبره ...» (٣).\n\n٥ - وعن أمِّ سلمة ﵂ في دعاء النبي - ﷺ - لأبي سلمة عند إغماضه: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديّين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه» (٤)، وهذا دعاء عظيم لأبي سلمة، فإن النبي - ﷺ - دعا له برفع الدرجة: أي: ارفع درجته واجعله في زمرة الذين هديتهم للإسلام، وكن الخليفة على من يتركه من عقبه: كأهله وأولاده، فاحفظ أمورهم ومصالحهم، ولا تكِلْهم إلى غيرك؛ فإنهم عقبة: أي الذين تأخروا عنه، ويعني بالغابرين: الباقين، كما قال الله - ﷿ -: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ\n_________\n(١) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٤٣٤.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، ٢/ ٦٥٩، برقم ٩٥٦.\n(٣) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٤/ ١٣٩٥، وانظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ٤/ ١٧.\n(٤) مسلم، كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر، ٢/ ٦٣٤، برقم ٩٢٠.","vol":"1","page":56},{"text":"كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (١): أي من الباقين في العذاب، وغبر من الأضداد، يأتي بمعنى بقي، وبمعنى ذهب (٢).\nوقوله - ﷺ -: «وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه» أي وسّع في قبره، وادفع عنه ظلمة القبر» (٣).\n\n٦ - وعن زيد بن أرقم - ﵁ - قال: قام رسول الله - ﷺ - يومًا فينا خطيبًا بماءٍ يُدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فَحِمَد الله، وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثم قال: «أمّا بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله: فيه الهدى والنور [وهو حبل الله المتين، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغّب فيه ..» الحديث (٤).\nقال الإمام النووي ﵀ في قوله - ﷺ -: «هو حبل الله» قيل: «المراد بحبل الله: عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه، ورحمته، وقيل: هو نوره الذي يهدي به» (٥).\nولا شك أن العمل بكتاب الله يوصل إلى رحمته، ورضاه، وهدايته وتوفيقه، والله المستعان.\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٨٣.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٥٧٣، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٧٨، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٤/ ١٣٧٤.\n(٣) انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ٤/ ٨٧.\n(٤) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، ٤/ ١٨٧٣، برقم ٢٤٠٨.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ١٩١.","vol":"1","page":57},{"text":"٧ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في فتنة القبر، وإجابة المسلم على الأسئلة: «ثم يُفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم يُنوّر له فيه» (١)، والمعنى أنه يُوسَّع له في قبره سبعون ذراعًا في الطول وسبعون ذراعًا في العرض، ثم يجعل له النور في هذا القبر الذي وُسِّع له (٢).\n٨ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن النبي - ﷺ - نهى عن نتف الشيب وقال: «إنه نور المسلم» (٣).\n٩ - وعن كعب بن مُرّة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ شاب شيبةً في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة» (٤).\n١٠ - وعن عمرو بن عبسة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من شاب\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ٤/ ٢٧٤، برقم ١٠٧١، وابن أبي عاصم، في كتاب السنة، ٢/ ٤١٦، برقم ٨٦٤، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٦٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٤٣.\n(٢) انظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، ٤/ ٦٨٣.\n(٣) الترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في النهي عن نتف الشيب، ٥/ ١٢٥، برقم ٢٨٢١، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب نتف الشيب، ٢/ ١٢٢٦، برقم ٣٧٢١، وأحمد في المسند، ٢/ ١٧٩، ٢٠٧، ٢١٠، ٢١٢،وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،٢/ ٣٦٩،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٤٣.\n\n(٤) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من شاب شيبة في سبيل الله، ٤/ ١٧٢، برقم ١٦٣٤، والنسائي، في كتاب الزينة، باب النهي عن نتف الشيب، ٨/ ١٣٦، برقم ٥٠٦٨، وابن حبان في صحيحه، عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، ٧/ ٢٥١، برقم ٢٩٨٣، وأبو داود بنحوه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، في كتاب الترجّل، بابٌ: في نتف الشيب، ٤/ ٨٥، برقم ٤٢٠٢، وأحمد في المسند، ٤/ ٤١٣، ٢٣٦، ٦/ ٢٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٢٤٨، برقم ١٢٤٤، وفي صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٢٦.","vol":"1","page":58},{"text":"شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة» (١).\n\n١١ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجلٌ شيبةً في الإسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة، ورُفِع بها درجة» (٢).\n١٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نورٌ يوم القيامة، ومن شاب شيبة في الإسلام، كُتب له بها حسنة، وحُطّ عنه بها خطيئة، ورُفِع له بها درجة» (٣).\nوقد جاءت الأحاديث الكثيرة في هذا المعنى عن أكثر من عشرة من أصحاب النبي - ﷺ -، وهذه الأحاديث الخمسة السابقة تبيّن فضل الشيب، وأنه لا يُنتف؛ لأنه نور المسلم، ووقاره؛ لأن الوقار يمنع الشخص عن الغرور والطرب، ويميل إلى الطاعة والتوبة، وتنكسر نفسه عن الشهوات، فيصير ذلك نورًا يسعى بين يديه في ظلمات الحشر إلى أن يدخله الجنة (٤).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من شاب شيبة في سبيل الله، ٤/ ١٧٢، برقم ١٦٣٥، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وأخرجه ابن حبان من حديث أبي نجيح السلمي، ٧/ ٢٥٢، برقم ٢٩٨٤.\n(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، ٥/ ٢٠٥، برقم ٦٣٨٧، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٤٣. ورواه أبو داود بنحوه، في كتاب الترجل، باب في نتف الشيب، ٤/ ٨٥، برقم ٤٢٠٢.\n(٣) ابن حبان في صحيحه ٧/ ٢٥٣، برقم ٢٩٨٥، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٢٤٧، برقم ١٢٤٣.\n(٤) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٩/ ٢٩٣٤.","vol":"1","page":59},{"text":"فالشيب يصير نفسه نورًا يهتدي به صاحبه، ويسعى بين يديه يوم القيامة، والشيب وإن لم يكن من كسب العبد، لكنه إذا كان بسبب من نحو جهاد أو خوف من الله ينزل منزلة سعيه، فيُكره نتف الشيب من نحو: لحية، وشارب، وعنفقة، وحاجب، قال النووي: لو قيل يحرم لم يبعد (١).\nومن غيّر بالسواد لا يحصل على هذا النور إلاّ أن يتوب أو يعفو الله عنه (٢).\nوهذا الشعر الأبيض يؤدي إلى نور الأعمال الصالحة، فيصير نورًا في قبر المسلم، ويسعى بين يديه في ظلمات حشره (٣)، ويحصل هذا الفضل بشعرة واحدة بيضاء، تكون ضياء ومخلصًا عن ظلمات الموقف، وشدائده (٤).\nوهذا الفضل في هذه الأحاديث يرغِّب المسلم في ترك نتف الشيب، وأعظم من النتف التغيير بالسواد، فقد نهى عنه النبي - ﷺ -، وحذّر منه، فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أُتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «غيِّروا هذا بشيء واجتنبوا السواد» (٥)، والثغامة نبت أبيض الزهر، والثمر، شُبِّه بياض الشيب به، وقيل: شجرة تبيضّ كأنها الثلجة، أو كأنها الملح (٦).\n_________\n(١) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، ٦/ ١٥٦.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٦/ ١٥٧.\n(٣) انظر: مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري، ٨/ ٢٣٥.\n(٤) انظر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، للمباركفوري، ٥/ ٢٦١.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب استحباب خضاب الشيب بصفرة أو حمرة وتحريمه بالسواد، ٣/ ١٦٦٣، برقم ٤٢١٢.\n(٦) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٥/ ٤١٨.","vol":"1","page":60},{"text":"وقوله - ﷺ -: «غيّروا هذا بشيء» أمرٌ بتغيير الشيب، قال به جماعة من: الخلفاء، والصحابة، لكن لم يَصِر أحد إلى أنه للوجوب، وإنما هو مستحبٌّ (١).\nقال الإمام القرطبي ﵀: «أما قولهم: إن النبي - ﷺ - لم يخضب فليس بصحيح، بل قد صحّ عنه أنه خضب بالحنّاء، وبالصّفرة» (٢)، ولعل القرطبي ﵀ يشير إلى حديث أبي رمثة - ﵁ - حيث قال: «أتيت أنا وأبي النبيَّ - ﷺ -، وكان قد لطّخ لحيته بالحنّاء» (٣).\nوعنه - ﵁ - قال: «أتيت النبي - ﷺ - ورأيته قد لطّخ لحيته بالصّفرة» (٤).\nوعن زيد بن أسلم قال: «رأيت ابن عمر يُصفِّر لحيته، فقلت:\nيا أبا عبد الرحمن، تُصفِّر لحيتك بالخلوق؛ قال: إني رأيت رسول الله - ﷺ - يُصفِّر بها لحيته ولم يكن شيء من الصبغ أحب إليه منها» (٥)، وهذا من\n_________\n(١) المرجع السابق، ٥/ ٤١٨، وسمعت شيخنا العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀ أثناء تقريره على الحديث رقم ٥٠٧٣، من سنن النسائي في: ٢١/ ٨/١٤١٨هـ يقول: «الخضاب سنة مؤكدة وليس واجبًا».\n(٢) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٥/ ٤١٨.\n(٣) النسائي، في كتاب الزينة، باب الخضاب بالحناء والكتم، ٨/ ١٤٠، برقم ٥٠٨٣، وأبو داود، كتاب الترجل، باب في الخضاب، ٤/ ٨٦، برقم ٤٢٠٦، وصححه الألباني في صحيح النسائي،\n٣/ ١٠٤٤.\n(٤) النسائي، كتاب الزينة، باب الخضاب بالحناء والكتم، ٨/ ١٤٠، برقم ٥٠٨٤، وأبو داود في كتاب الترجل، باب في الخضاب، ٤/ ٨٦، برقم ٤٢٠٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي،\n٣/ ١٠٤٤، وفي مختصر الشمائل المحمدية، ص٤٠ - ٤١، برقم ٣٦ - ٣٧.\n(٥) النسائي، كتاب الزينة، باب الخضاب بالصفرة، ٨/ ١٤٠، برقم ١٠٨٥، وصححه الألباني، في صحيح سنن النسائي، ٣/ ١٠٤٤.","vol":"1","page":61},{"text":"فعله - ﷺ -، أما من قوله فقد ثبت عنه أحاديث:\nفعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أحسن ما غيرتم به الشيب: الحناءُ والكتم» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: مرَّ على النبي - ﷺ - رجل قد خضب بالحناء فقال: «ما أحسن هذا؟»، قال: فمر آخر قد خضب بالحناء والكتم فقال: «هذا أحسن من هذا»، قال: فمر آخر قد خضب بالصفرة فقال: «هذا أحسن من هذا كله» (٢).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يلبس النعال السبتية، ويصفِّر لحيته بالورس والزعفران، وكان ابن عمر يفعله» (٣).\nوسمعت شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «وقد جاء التصفير عن ابن عمر في الصحيحين، ويستثنى من التزعفر: ما كان في اللحية، أو الشارب، أو الرأس» (٤)، وسمعته أيضًا\n_________\n(١) النسائي، كتاب الزينة، باب الخضاب بالحناء والكتم، ٨/ ١٣٩، برقم ٥٠٧٧ - ٥٠٨٠، ومن حديث عبد الله بن بريدة، برقم ٥٠٨١ - ٥٠٨٢، وأخرجه أبو داود، كتاب الترجل، باب الخضاب، ٤/ ٨٥، برقم ٤٢٠٥.\n(٢) أبو داود، كتاب الترجل، باب ما جاء في خضاب الصفرة، ٤/ ٨٦، برقم ٤٢١١، وقال العلامة الألباني في تحقيقه لمشكاة المصابيح: «وإسناده جيد»، ٢/ ١٢٦٦.\n(٣) النسائي، كتاب الزينة، باب تصفير اللحية بالورس والزعفران، ٨/ ١٨٦، برقم ٥٢٤٤، وأبو داود، كتاب الترجل، باب ما جاء في خضاب الصفرة، ٤/ ٨٦، برقم ٤٢١٠، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٣/ ١٠٦٥، برقم ٤٨٣٩، وصحيح سنن أبي داود، ٢/ ٧٩٢.\n(٤) سمعته من سماحته، يوم الأحد بعد المغرب، في جامع الأميرة سارة أثناء شرحه لحديث رقم ٥٢٤٤، من سنن النسائي، بتاريخ ١٠/ ١١/١٤١٨هـ.","vol":"1","page":62},{"text":"يقول: «والسنة الخضاب بالحناء أو بالصفرة، أو بالحناء والكتم» (١).\nقال الإمام القرطبي ﵀: «وأما الصباغ بالحناء بحتًا، وبالحناء والكتم، فلا ينبغي أن يختلف فيه؛ لصحة الأحاديث بذلك، غير أنه قد قال بعض العلماء: إن الأمر في ذلك محمول على حالين:\n* أحدهما: عادة البلد، فمن كانت عادة موضعه ترك الصبغ فخروجه عن المعتاد شهرة تَقْبُح وتكره.\n* وثانيهما: اختلاف حال الناس في شيبهم، فربَّ شيبة نقية هي أجمل بيضاء منها مصبوغة، وبالعكس فمن قبَّحه الخضاب اجتنبه، ومن حسنه استعمله، وللخضاب فائدتان:\nإحداهما: تنظيف الشعر مما يتعلق به من الغبار والدخان.\nوالأخرى: مخالفة أهل الكتاب (٢)؛ لقوله - ﷺ -: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (٣)، ثم قال ﵀: «ولكن هذا الصباغ بغير السواد، تمسكًا بقوله - ﷺ -: «واجتنبوا السواد»، والله أعلم (٤)، وقال ﵀: «وقوله - ﷺ -: «واجتنبوا السواد» أمر باجتناب السواد، وكرهه جماعة\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٥٠٨٥، من سنن النسائي في المكان السابق، بتاريخ ٢٤/ ٨/١٤١٨هـ.\n(٢) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٤٢٠.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ٤/ ١٧٥، برقم ٣٤٦٢، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب في مخالفة اليهود في الصبغ، ٣/ ٦٣١٦، برقم ٢١٠٣.\n(٤) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٤٢٠.","vol":"1","page":63},{"text":"منهم: علي بن أبي طالب، ومالك، وهو الظاهر من هذا الحديث، وقد عُلِّلَ ذلك بأنه من باب التدليس على النساء؛ وبأنه سواد في الوجه، فيكره؛ لأنه تشبه بسيما أهل النار» (١)، ثم ذكر ﵀ جماعة كثيرة من السلف كانوا يخضبون بالسواد، وقال: «ولا أدري عذر هؤلاء عن حديث أبي قحافة ما هو؟ فأقل درجاته الكراهة كما ذهب إليه مالك» (٢).\nقلت: أما عذر السلف الذين كانوا يخضبون بالسواد، فيحمل على أنه لم يبلغهم حديث النهي الصريح عن الصبغ بالسواد، والله أعلم. وقال الإمام النووي ﵀: «ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة، أو حمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح» (٣).\nويؤكد اختيار الإمام النووي ومن سلك مسلكه في تحريم الخضاب بالسواد ما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة» (٤)، وسمعت سماحة العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن هذا الحديث: «إسناده جيد، وهذا يدل على\n_________\n(١) المرجع السابق، ٥/ ٤١٩.\n(٢) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٤١٩.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣٢٥.\n(٤) أبو داود، كتاب الترجل، باب ما جاء في خضاب السواد، ٤/ ٨٧، برقم ٤٢١٢، والنسائي في كتاب الزينة، باب النهي عن الخضاب بالسواد، ٨/ ١٣٨، برقم ٥٠٧٥، وأحمد في المسند،\n١/ ٢٧٣، وقال ابن حجر في فتح الباري، ٦/ ٤٩٩: «إسناده قوي»، وصحح إسناده العلامة الألباني في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، وقال: على شرط الشيخين، ص٨٤.","vol":"1","page":64},{"text":"تحريم تغيير الشيب بالسواد، ويقتضي أنه كبيرة؛ لأنه وعيد» (١).\nوقوله - ﷺ -: «كحواصل الحمام» أي كصدور الحمام في الغالب؛ لأن صدور بعض الحمام ليست بسود (٢).\nومما يدل على قُبح الخضاب بالسواد ما بيَّنه بعض السلف الذين كانوا يخضبون بالسواد حيث قيل: إنه قال:\nولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل (٣) ... نُسَوِّدُ أعلاها وتأبى أصُولُها\n\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «والصواب أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها بوجه؛ فإن الذي نهى عنه النبي - ﷺ - من تغيير الشيب أمران:\nأحدهما: نتفه.\nوالثاني: خضابه بالسواد ... والذي أذن فيه: هو صبغه وتغييره بغير السواد: كالحناء والصفرة، وهو الذي عمله الصحابة - ﵃ - ...\nوأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب لِمَا تقدم، وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله، وهذه المسألة من المسائل التي حلف عليها ... ورخص فيه آخرون،\n_________\n(١) سمعته منه أثناء شرحه لحديث رقم ٥٠٧٥، من سنن النسائي، في جامع الأميرة سارة بالبديعة، بعد مغرب يوم الأحد الموافق ٢١/ ٨/١٤١٨هـ.\n(٢) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٩/ ٢٩٣٣، ومرقاة المفاتيح، للملاّ علي القاري،\n٨/ ٢٣٢.\n(٣) شرح مشكل الآثار، للطحاوي، ٩/ ٣١٤.","vol":"1","page":65},{"text":"منهم أصحاب أبي حنيفة، وروي ذلك عن الحسن، والحسين، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن جعفر، وعقبه بن عامر، وفي ثبوته عنهم نظر، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله - ﷺ -، وسنته أحق بالاتباع، ولو خالفها من خالفها» (١).\nويستخلص من الأحاديث الواردة في الشيب وخضابه ما يأتي:\nأولًا: الشيب نور المسلم في الدنيا والآخرة.\nثانيًا: المنع من نتف الشيب ثابت عن النبي - ﷺ -.\nثالثًا: الشيب تُزاد به الحسنات.\nرابعًا: الشيب تُرفع به الدرجات.\nخامسًا: الشيب تُحطّ به الخطايا.\nسادسًا: تحريم صبغ الشيب بالسواد.\nسابعًا: صبغ الشيب بالحناء، أو الصفرة، أو الحناء والكتم سنة مؤكدة.\nثامنًا: الحناء: لونه أحمر، والحناء والكتم: لونه بين السواد والحمرة.\nتاسعًا: من صبغ الشيب بالسواد من السلف فلا دليل له من كتاب ولا سنة.\nعاشرًا: لا قول لأحد مع قول رسول الله - ﷺ - كائنًا من كان.\nالحادي عشر: الشيب له أسباب غير كبر السن، فقد يكون مبكرًا؛ لخوف الله - ﷿ -، أو لغيره من الأسباب، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو بكر - ﵁ -: يا رسول الله قد شبت؟ قال: «شيبتني هودٌ، والواقعة، والمرسلات،\n_________\n(١) تهذيب ابن القيم المطبوع مع معالم السنن للخطابي، ٦/ ١٠٤.","vol":"1","page":66},{"text":"وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كوِّرت» (١).\nوعن أبي جحيفة - ﵁ -، قال: قالوا: يا رسول الله، نراك قد شبت؟ قال: «شيبتني هودٌ وأخواتها» (٢)، والله - ﷿ - الموفق للصواب.\n\n١٣ - وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: «كنت أرجو أن يعيش رسول الله - ﷺ - حتى يَدْبُرنا - يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يك محمد - ﷺ - قد مات فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به بما هدى الله محمدًا - ﷺ -» (٣).\nوالمقصود بالنور الذي قال عمر بن الخطاب - ﵁ -:هو القرآن العظيم؛ لأن فيه الهدى والنور، فمن عمل بما فيه كان على الصراط المستقيم وعلى الحق المبين (٤).\n\n١٤ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله - ﷿ - خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله» (٥)، وهذا الحديث يبيّن أن الله - ﷿ - خلق الخلق في ظلمة، وألقى عليهم شيئًا من نوره، فمن أصابه شيء من ذلك النور اهتدى إلى طريق\n_________\n(١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الواقعة، ٥/ ٤٠٢، برقم ٣٢٩٧، وحسنه، وصححه الألباني مختصر شمائل الترمذي، ص٤٠، برقم ٣٤.\n(٢) أخرجه الترمذي في الشمائل، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، ص٤٠، برقم ٣٥.\n(٣) البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف، ٨/ ١٦٠، برقم ٧٢١٩.\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١٣/ ٢٠٩، وإرشاد الساري، للقسطلاني، ١٥/ ١٨٠.\n(٥) الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، ٥/ ٢٦، برقم ٢٦٤٢، وقال: «هذا حديث حسن»، وأخرجه أحمد، ٢/ ١٧٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٣٠، وصحح إسناده العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٠٧٦.","vol":"1","page":67},{"text":"الجنة، ومن أخطأه ذلك النور وجاوزه ولم يصل إليه ضل وخرج عن طريق الحق؛ لأن الاهتداء والضلال قد جرى على علم الله وحكم به في الأزل لا يتغير ولا يتبدل، وجفاف القلم عبارة عنه. وقيل: من أجل عدم تغير ما جرى في الأزل تقديره: من الإيمان، والطاعة، والكفر، والمعصية، أقول: جف القلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>١٥ - عن أنس - ﵁ - أن رجلين خرجا من عند النبي - ﷺ - في ليلة مظلمة</span>، وإذا نور بين أيديهما حتى تفرّقا فتفرّق النور معهما»، وقال معمر عن ثابت عن أنس: «إن أسيد بن حضير ورجلًا من الأنصار»، وقال حماد: أخبرنا ثابت عن أنس: «كان أسيد بن حُضير وعبّاد بن بشر عند النبي - ﷺ -» (٢).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «فأما رواية معمر فوصلها عبد الرزاق في مصنفه عنه، ومن طريقه الإسماعيلي بلفظ: «إن أسيد بن حضير ورجلًا من الأنصار تحدثا عند رسول الله - ﷺ - حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عُصية فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت عصا الآخر فمشى كل منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله»،\nوأما رواية حماد بن سلمة فوصلها أحمد والحاكم في المستدرك بلفظ: «إن أسيد بن حضير وعباد بن بشر كانا عند النبي - ﷺ - في ليلة ظلماء حندس،\n_________\n(١) تحفة الأحوذي، للمباركفوري، ٧/ ٤٠١.\n(٢) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب منقبة أسيد بن حضير وعباد بن بشر،٣/ ٢٧٠،برقم ٣٨٠٥.","vol":"1","page":68},{"text":"فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما فمشيا في ضوئها، فلما افترقت بهما الطريق أضاءت عصا الآخر» (١).\nوهذه من كرامات الأولياء؛ فإن أهل الصلاح إذا حصل لهم أمر خارق للعادة فهي كرامة، أما إذا حصل ذلك لفاسق فهي من عمل الشيطان، وإذا حصل لإنسان مجهول مستور فيعرض أمره على الكتاب والسنة. وهذا النور الذي حصل لهذين الصحابيين مبني على نور الإيمان والتقوى، فاستنار الباطن، وجعل الله نورًا في عصا كل واحد منهما، فاستنار الظاهر، وليس من شرطٍ أن يحصل ذلك لكل مؤمن، وإنما ذلك راجع إلى الله - ﷿ -.\n\n١٦ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (٢).\nذكر العلامة الملاّ علي القاري أن معنى: «أضاء له من النور» أي: في قلبه، أو قبره، أو يوم حشره في الجمع الأكبر، «ما بين الجمعتين» أي: مقدار الجمعة التي تليها من الزمان، وهكذا كل جمعة تلا فيها هذه السورة» (٣).\nقال الطيبي ﵀: «أضاء له» يجوز أن يكون لازمًا، وقوله: «ما بين الجمعتين» ظرف، فيكون إشراق ضوء النور فيما بين الجمعتين، بمنزلة إشراق\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ١٢٥.\n(٢) البيهقي ٣/ ٢٤٩، والحاكم في المستدرك وصحح إسناده، ٢/ ٣٦٨، والدارمي موقوفًا في حكم الرفع، في فضائل القرآن، باب في فضل سورة الكهف، ٢/ ٣٢٦، برقم ٣٤١٠، وصححه الألباني بطرقه، في إرواء الغليل، ٣/ ٩٤، برقم ٦٢٦.\n(٣) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ٤/ ٦٧٨.","vol":"1","page":69},{"text":"النور نفسه مبالغة، ويجوز أن يكون متعديًا، والظرف مفعول به» (١).\n\n١٧ - وذكر مالك ﵀: أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: «يا بنيّ جالس العلماء وزاحمهم بالركب، فإن الله يُحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الله الأرض الميتة بوابل السماء» (٢).\nفقوله: «جالس العلماء وزاحمهم بالركب» عبارة عن مزيد القرب منهم، وقوله: «فإن الله يحيي الأرض بنور الحكمة» هي تحقيق العلم وإتقان العمل، والإصابة في القول والفعل، وهي العلم المشتمل على الفقه في الدين، والمعرفة بالله مع نفاذ البصيرة، وتحقيق الحق للعمل، والكف عن الباطل (٣).\nفالله سبحانه يحيي القلوب بذلك كما يحيي الأرض بالمطر، وهذا يؤكد على فضل العلم النافع والعمل الصالح؛ ولهذا الفضل قال محمد بن سيرين ﵀: «إن قومًا تركوا طلب العلم، ومجالسة العلماء، وأخذوا في الصلاة، والصيام حتى يبس جلدُ أحدهم على عظمه، ثم خالفوا السنة فهلكوا، وسفكوا دماء المسلمين، فوالذي لا إله غيره ما عمل أحد عملًا على جهل إلا كان يفسد أكثر مما يصلح» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>١٨ - وعن حذيفة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تُعرَض</span>\n_________\n(١) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٥/ ١٦٧٥.\n(٢) موطأ الإمام مالك، ٢/ ١٠٠٢.\n(٣) انظر: شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك،٤/ ٥٥٣،والحكمة في الدعوة إلى الله - ﷿ -،لسعيد بن علي بن وهف القحطاني، ص٢٧.\n(٤) أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار بسنده، ٢٧/ ٤٣٤، برقم ٤١٧٧٩.","vol":"1","page":70},{"text":"الفتن على القلوب كالحصير عُودًا عُودًا، فأيُّ قلب أُشربها نُكت فيه نكتٌ سوداءٌ، وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا لا تضّرهُ فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسودُ مربادًّا كالكُوز مجخيًّا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرِب من هواه» (١).\nالفتنة أصلها في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان، والاختبار، ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، فقيل: فُتن الرجل إذا وقع في الفتنة وتحوّل من حال حسنة إلى سيئة.\nوقوله - ﷺ -: «تُعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عُودًا عُودًا» والمعنى أن الفتن تلصق بعرض القلوب: أي بجانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم، ويؤثر فيه شدة التصاقها به، وتُعاد وتُكرر شيئًا بعد شيء، فأي قلب أُشربها فدخلت فيه دخولًا تامًا وألزمها وحلّت منه محلّ الشراب نقط فيه نقطة سوداء، ولا يزال هذا القلب يشرب الفتن كلما عُرضت عليه كما يشرب الإسفنج الماء حتى يسودّ وينتكس، فيكون كالكُوز المائل المنكوس، «والكوز هو ما اتَّسع رأسه من أواني الشرب إذا كانت بِعُرى وآذان، فإن لم يكن لها عُرى فهي أكواب» (٢).\nفإذا انتكس القلب وصار مكبوبًا منكوسًا عرض له اشتباه المعروف عليه بالمنكر، وربما استحكم عليه المرض حتى يعتقد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلًا والباطل حقًا،\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا،١/ ١٢٨،برقم ١٤٤.\n(٢) مشارق الأنوار، للقاضي عياض، ١/ ٣٤٩.","vol":"1","page":71},{"text":"وبذلك يحكم هواه على ما جاء به الرسول - ﷺ -، وينقاد له ويتبعه.\nوالقلب الآخر: قلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتن أنكرها، وردّها فازداد نوره، وإشراقه، وقوته؛ ولقوة هذا القلب وشدّته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل شُبِّه بالحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء، فهذا القلب لا تلصق به الفتن ولا تؤثر فيه، بخلاف القلب الأسود المربادّ «والمربادّ: هو الذي بين البياض والسواد والغبرة، مثل لون الرمادة» (١)، فهذا القلب قد اسودَّ، وقُلِبَ، ونُكِسَ حتى لا يعلق به خير ولا حكمة، فَشُبِّهَ بالكوز المنحرف الذي لا يثبت فيه الماء، فإنه قد دخل قلبه بكل معصية تعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن، وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز فإذا انكبّ انصبّ ما فيه ولم يدخله شيء بعد ذلك (٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات، وفتن الشبهات، وفتن الغي والضلال، وفتن المعاصي، والبدع: فتن الظلم والجهل، فالأولى: توجب فساد القصد والإرادة، والثانية: توجب فساد العلم والاعتقاد» (٣)،وقال ﵀: «وقد قسم الصحابة - ﵃ - القلوب إلى أربعة كما صح عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قوله (٤):\n_________\n(١) انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض، ١/ ٢٧٩.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٥٣٠ - ٥٣١، وإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن القيم، ١/ ١٦.\n(٣) المرجع السابق، ١/ ١٧.\n(٤) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ١/ ١٧.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>«القلوب أربعة: </span><span data-type=\"title\" id=toc-64>قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن</span>، وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق عرف ثم أنكر، وقلب فيه مادتان: إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدّها ماء طيب، ومثل النفاق مثل قرحة يمدّها قيح ودم، فأيهما غلب عليه غلب» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>فالقلب الأجرد: المتجرِّد مما سوى الله - ﷾ </span>- ورسوله - ﷺ -، فقد تجرَّد وسلم مما سوى الحق، وفيه سراج يزهر، وهو مصباح الإيمان ونوره، فهو متجرّد سالم من شبهات الباطل وشهوات الغي، وقد أشرق واستنار بنور العمل والإيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>والقلب الأغلف: قلب الكافر، لأنه داخل في غلافه وغشائه</span>، فلا يصل إليه نور العلم والإيمان، فإذا ذكر له تجريد التوحيد وتجريد المتابعة للنبي - ﷺ - ولَّى مدبرًا.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-67>القلب المنكوس المكبوب: قلب المنافق </span>وهذا شر القلوب وأخبثها؛ فإنه يعتقد الباطل حقًا ويوالي أصحابه، والحق باطلًا ويعادي أهله، ومع ذلك يُبطن الكفر، ويُظهر الإيمان.\nوأما القلب الذي له مادتان: فهو القلب الذي لم يتمكّن فيه الإيمان، ولم يُزهر فيه سراجه، حيث لم يتجرّد للحق المحض، الذي بعث الله - ﷿ - به\n_________\n(١) ذكره ابن تيمية موقوفًا على حذيفة - ﵁ -، وعزاه إلى أبي داود السجستاني وذكر إسناده، ثم قال: وقد روي مرفوعًا، وهو في المسند مرفوعًا. كتاب الإيمان لابن تيمية، ص٢٨٨، قلت: هو في المسند، ٢/ ١٧، وقال العلامة الألباني: «قلت: والمرفوع إسناده ضعيف، والصحيح موقوف»، كتاب الإيمان لابن تيمية، ص٢٨٨ ح.","vol":"1","page":73},{"text":"رسوله - ﷺ -، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر، والحكم للغالب وإليه يرجع (١).\n\n١٩ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يرفعه: «طوبى للغرباء» فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: «أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» قال: وكنا عند رسول الله - ﷺ - يومًا آخر حين طلعت الشمس، فقال رسول الله - ﷺ -: «سيأتي أناس من أمتي يوم القيامة نورهم كضوء الشمس» قلنا: من أولئك يا رسول الله؟ فقال: «فقراء المهاجرين الذين تُتَّقَى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره، يُحشرون في أقطار الأرض» (٢)، وهذا النور أعظم\nما ورد للمؤمن يوم القيامة؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم ﵀ عند ذكره لنور المؤمنين يوم القيامة، وأنه يكون على حسب قوة إيمانهم، ويقينهم، وإخلاصهم: «فمنهم من يكون نوره كالشمس، ودون ذلك القمر، ودونه كأشدِّ كوكب في السماء إضاءة ...» (٣).\n\n٢٠ - قال يهودي للنبي - ﷺ -: أين يكون الناس يوم تُبدَّل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «هم في الظلمة دون الجسر» (٤)، قال الإمام القرطبي ﵀: «والجَسر - بفتح الجيم\n_________\n(١) انظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ١/ ١٨ - ١٩.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند، ٢/ ١٧٧، وصححه الألباني بطرقه، في سلسلة الأحاديث الصحيحة،\n٤/ ١٥٣، برقم ١٦١٩، وصححه أحمد محمد شاكر، في ترتيبه وشرحه للمسند، ١٠/ ١٣٥ - ١٣٦، برقم ٦٦٥٠، و١٢/ ٢٨، برقم ٧٠٧٢، و١٢/ ٧٩، برقم ٧٠٧٢.\n(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية لغزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٨٦.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما،\n١/ ٢٥٢، برقم ٣١٥.","vol":"1","page":74},{"text":"وكسرها - ما يُعبر عليه، وهو الصراط هنا، و«دون» بمعنى فوق، كما قال في حديث عائشة ﵂: «على الصراط» (١)، وقد جاءت الأحاديث التي تدلّ على أن الناس عند تبديل الأرض غير الأرض يكونون على الصراط بألفاظ متقاربة، فعن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾، فأين يكون الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط» (٢)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وفي رواية الترمذي «على جسر جهنم»؛ ولأحمد من طريق ابن عباس عن عائشة: «على متن جهنم» (٣)، فظاهر الأدلة تقتضي أنه يذهب بهذه الأرض ويُؤتى بأرض أخرى (٤)، وقد جاء الحديث الصحيح في صفة الأرض المبدَّلة، وأنها بيضاء عفراء، فعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد» (٥)، والأرض العفراء: البيضاء بياضًا ليس ناصعًا بل يضرب إلى الحمرة، وقوله\n_________\n(١) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ٥٧٤، ٧/ ٣٥٢، وانظر: إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للأبي، ٢/ ١٥٦.\n(٢) مسلم، كتاب صفة القيامة، والجنة والنار، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة،\n٤/ ٢١٥٠، برقم ٢٧٩١، والآية: ٤٨، من سورة إبراهيم.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٣٧٦، ورواية الترمذي هي في سننه، برقم ٣١٢١.\n(٤) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٧/ ٣٥١.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب قبض الله الأرض يوم القيامة،٤/ ٢٤٨، برقم ٦٥٢١، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة،\n٤/ ٢١٥٠، برقم ٢٧٩٠.","vol":"1","page":75},{"text":"«كقرصة النقي» القرصة: الخبزة، والنقي: هي النقي من الغش والنخال، وقوله: «ليس فيها علم لأحد»: أي ليس فيها علامة لأحد، ولا علامة سكنى، ولا بناء، ولا أثر، ولا شيء من العلامات التي يُهتدى بها في الطرقات: كالجبل، والصخرة البارزة، وفيه تعريض بأرض الدنيا، وأنها ذهبت (١).\n\n٢١ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «اتقوا الظلم فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحّ، فإن الشحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم» (٢).\nقال الإمام القرطبي ﵀: «ظاهره أن الظالم يعاقب يوم القيامة، بأن يكون في ظلمات متوالية، يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، حين يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾، فيقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾» (٣)، وذكر الحافظ ابن حجر ﵀: أن الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة، والمعصية فيه أشد من\n_________\n(١) انظر: الفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٧/ ٣٥٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ١٤٠، وفتح الباري، لابن حجر، ١١/ ٣٧٥.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٦، برقم ٢٥٧٨، وأخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب الظلم ظلمات يوم القيامة، من حديث عبد الله بن عمر ﵄ بلفظ: «الظلم ظلمات يوم القيامة»، ٣/ ١٣٦، برقم ٢٤٤٧.\n(٣) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٦/ ٥٥٦، والآية: ١٣ من سورة الحديد، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٣٧٠، وإكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم، للأبي،\n٨/ ٥٣٤.","vol":"1","page":76},{"text":"غيرها؛ لأنه لا يقع غالبًا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئًا» (١)، وقوله: «اتقوا الشحّ، فإنّ الشحّ أهلك من كان قبلكم» قال جماعة: الشحّ: أشدّ البخل، وأبلغ في المنع من البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: الشحّ: الحرص على ما ليس عندك، والبخل: الامتناع عن إخراج ما حصل عندك (٢). ولا شك أن الظلم ثلاثة أنواع:\n١ - ظلم الشرك، ٢ - ظلم المعاصي، ٣ - ظلم النفس، وبمعنى أوضح: نوعان: ظلم العبد نفسه، وهو نوعان: الظلم بالشرك، والظلم بالمعاصي، وظلم العبد غيره. والله - ﷿ - الموفق والمعين والهادي إلى سواء السبيل.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٥/ ١٠٠.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٦/ ٥٥٧، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ١٧١، وإكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للأبي، ٨/ ٥٣٤.","vol":"1","page":77}]}