{"ً":{"ٌ":96478,"ٍ":"الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"بحوث ومسائل/الهدي النبوي في تربية الاولاد في ضوء الكتاب والسنة_القحطاني","files":["153222.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٣٢٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":19,"ٖ":1770154052,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المبحث الأول: أهمية تربية الأولاد في الإسلام","level":1,"page":4},{"title":"أولا: حرص الأنبياء والمرسلين على تربية أهليهم وأولادهم:","level":2,"page":4},{"title":"١ - نوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:","level":3,"page":4},{"title":"٢ - إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:","level":3,"page":6},{"title":"٣ - إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:","level":3,"page":13},{"title":"٤ - يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:","level":3,"page":14},{"title":"٥ - زكريا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:","level":3,"page":15},{"title":"٦ - محمد خاتم الأنبياء والمرسلين - ﷺ -","level":3,"page":17},{"title":"ثانيا: حرص الصالحين الصادقين على صلاح الذرية:","level":2,"page":20},{"title":"١ - حرص امرأة عمران:","level":3,"page":20},{"title":"٢ - حرص لقمان الحكيم:","level":3,"page":22},{"title":"٣ - حرص عباد الرحمن:","level":3,"page":25},{"title":"٤ - حرص المؤمنين على صلاح ذريتهم","level":3,"page":28},{"title":"ثالثا: أصول يجب العلم بها في التربية وغيرها:","level":2,"page":30},{"title":"١ - الإيمان أن هداية التوفيق والتسديد والتثبيت بيد الله تعالى،","level":3,"page":30},{"title":"٢ - الإيمان بأن الله تعالى علم هداية المهتدين،","level":3,"page":31},{"title":"٣ - الإيمان بأن ذلك التفاوت: من الشقاوة والسعادة، لحكمة","level":3,"page":32},{"title":"٤ - الإيمان بأن الله قادر على أن يجعل الناس كلهم مؤمنين؛","level":3,"page":33},{"title":"٥ - التبري من الحول والقوة «لا حول ولا قوة إلا بالله»","level":3,"page":33},{"title":"٦ - الإيمان بأن الله تعالى يجيب الدعوات","level":3,"page":34},{"title":"المبحث الثاني: أهمية اختيار الزوجة الصالحة في تربية الأولاد","level":1,"page":35},{"title":"المبحث الثالث: العقيقة واختيار الاسم الحسن حق للأولاد على الآباء","level":1,"page":53},{"title":"أولا: مفهوم العقيقة: لغة واصطلاحا:","level":2,"page":53},{"title":"ثانيا: حكم العقيقة عن المولود: الذكر والأنثى:","level":2,"page":53},{"title":"الحديث الأول:","level":3,"page":54},{"title":"الحديث الثاني:","level":3,"page":55},{"title":"الحديث الثالث:","level":3,"page":57},{"title":"الحديث الرابع:","level":3,"page":58},{"title":"ثالثا: وقت العقيقة:","level":2,"page":61},{"title":"رابعا: مقدار ما يذبح في العقيقة:","level":2,"page":62},{"title":"الحديث الأول:","level":3,"page":62},{"title":"الحديث الثاني:","level":3,"page":63},{"title":"الحديث الثالث:","level":3,"page":63},{"title":"الحديث الرابع:","level":3,"page":64},{"title":"الحديث الخامس:","level":3,"page":64},{"title":"خامسا: السن المجزئ في العقيقة سن الضحايا والهدايا:","level":2,"page":66},{"title":"سادسا: تسمية المولود في اليوم السابع من ولادته:","level":2,"page":68},{"title":"سابعا: تحسين اسم المولود، واختيار الاسم الذي لا محذور فيه","level":2,"page":69},{"title":"النوع الأول: أحب الأسماء إلى الله تعالى","level":3,"page":69},{"title":"النوع الثاني: أسماء سماها النبي - ﷺ - ابتداء،","level":3,"page":69},{"title":"١ - إبراهيم","level":4,"page":69},{"title":"٢ - عبد الله","level":4,"page":70},{"title":"٣ - كنى بأم عبد الله","level":4,"page":70},{"title":"٤ - يوسف","level":4,"page":70},{"title":"النوع الثالث: أسماء غيرها النبي - ﷺ -:","level":3,"page":70},{"title":"١ - برة سماها: زينب","level":4,"page":70},{"title":"٢ - برة أسماها: جويرية","level":4,"page":71},{"title":"٣ - عاصية سماها: جميلة","level":4,"page":71},{"title":"٤ - أبو الحكم كناه النبي - ﷺ - بأبي شريح","level":4,"page":71},{"title":"٥ - أصرم إلى زرعة","level":4,"page":71},{"title":"٦ - حزن إلى سهل","level":4,"page":72},{"title":"٧ - فلان إلى المنذر","level":4,"page":72},{"title":"ومعاني الأسماء المذكورة آنفا:","level":5,"page":73},{"title":"١ - أصرم","level":6,"page":73},{"title":"٢ - زرعة","level":6,"page":73},{"title":"٣ - حزن","level":6,"page":73},{"title":"٤ - عتلة","level":6,"page":73},{"title":"٥ - عزيز","level":6,"page":73},{"title":"٦ - شهاب","level":6,"page":73},{"title":"٧ - غراب","level":6,"page":73},{"title":"٨ - عفرة","level":6,"page":73},{"title":"٩ - بني الزنية","level":6,"page":74},{"title":"١٠ - الحباب","level":6,"page":74},{"title":"١١ - حرب","level":6,"page":74},{"title":"١٢ - مرة","level":6,"page":74},{"title":"النوع الرابع: أسماء نهى عنها النبي - ﷺ -:","level":3,"page":74},{"title":"مجموع الأسماء التي جاء النهي عنها","level":4,"page":75},{"title":"١ - يسار","level":5,"page":75},{"title":"٢ - رباح","level":5,"page":75},{"title":"٣ - نجيح","level":5,"page":75},{"title":"٤ - أفلح","level":5,"page":75},{"title":"٥ - يعلى","level":5,"page":75},{"title":"٦ - بركة","level":5,"page":75},{"title":"٧ - نافع","level":5,"page":75},{"title":"النوع الخامس: أسماء محرمة لا يجوز التسمية بها:","level":3,"page":76},{"title":"النوع السادس: الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم.","level":3,"page":77},{"title":"ثامنا: حلق رأس المولود الذكر:","level":2,"page":77},{"title":"تاسعا: الصدقة بعد حلاقة رأسه بزنة شعره فضة:","level":2,"page":79},{"title":"عاشرا: يلطخ رأسه بزعفران فيطلى به إن تيسر بعد الحلق:","level":2,"page":80},{"title":"الحادي عشر: تحنيك المولود سواء كان ذكرا أو أنثى:","level":2,"page":82},{"title":"الحديث الأول:","level":3,"page":82},{"title":"الحديث الثاني:","level":3,"page":82},{"title":"الحديث الثالث:","level":3,"page":82},{"title":"الثاني عشر: الأذان في إذن المولود: سواء كان ذكرا أو أنثى:","level":2,"page":83},{"title":"الثالث عشر: يعق عن السقط لأكثر من أربعة أشهر، ويسمى:","level":2,"page":84},{"title":"المبحث الرابع: أهمية الإنفاق على الأسرة من الحلال","level":1,"page":86},{"title":"المبحث الخامس: مداعبة الأولاد","level":1,"page":90},{"title":"المبحث السادس: الرعاية الصحية","level":1,"page":95},{"title":"١ - عدم تراكم المفرزات التي تؤدي إلى الالتهاب","level":2,"page":97},{"title":"٢ - عدم تراكم آثار البول","level":2,"page":97},{"title":"٣ - عدم تراكم آثار المفرزات المنوية","level":2,"page":97},{"title":"٤ - يعري الحشفة فيزيد من حساسية القضيب أثناء الجماع","level":2,"page":97},{"title":"المبحث السابع: الرضاعة","level":1,"page":101},{"title":"المبحث الثامن: الحضانة","level":1,"page":108},{"title":"أولا: تعريف الحضانة لغة وشرعا:","level":2,"page":108},{"title":"الحضانة في اللغة","level":3,"page":108},{"title":"والحضانة في الاصطلاح:","level":3,"page":108},{"title":"ثانيا: عناية الشريعة الإسلامية بالحضانة:","level":2,"page":108},{"title":"ثالثا: أهمية الحضانة:","level":2,"page":109},{"title":"رابعا: أقسام الولاية:","level":2,"page":110},{"title":"الولاية الأولى:","level":3,"page":110},{"title":"والولاية الثانية:","level":3,"page":110},{"title":"الولاية الثالثة:","level":3,"page":110},{"title":"خامسا: أنواع الولاية:","level":2,"page":111},{"title":"سادسا: شروط الحضانة:","level":2,"page":111},{"title":"١ - ألا تكون الأم مزوجة بأجنبي","level":3,"page":111},{"title":"٢ - أن تكون أمينة.","level":3,"page":111},{"title":"٣ - العدالة إذا كانت الحضانة لغير الأبوين","level":3,"page":111},{"title":"٤ - القدرة على التربية","level":3,"page":111},{"title":"٥ - أن تكون ذات رحم","level":3,"page":111},{"title":"٦ - يشترط في الحاضنة ألا تكون مرتدة","level":3,"page":112},{"title":"سابعا: أدلة ثبوت الحضانة:","level":2,"page":112},{"title":"من الكتاب:","level":3,"page":112},{"title":"ومن السنة:","level":3,"page":112},{"title":"أما الإجماع:","level":3,"page":114},{"title":"المبحث التاسع: النفقة على الأولاد","level":1,"page":116},{"title":"أولا: أهمية النفقة على الأولاد في الشريعة الإسلامية:","level":2,"page":116},{"title":"ثانيا: الأدلة على وجوب النفقة على الأولاد:","level":2,"page":116},{"title":"أما الكتاب:","level":3,"page":117},{"title":"أما الأدلة من السنة فهي:","level":3,"page":117},{"title":"وجوب نفقة الأولاد بالإجماع:","level":3,"page":120},{"title":"المبحث العاشر: تعليمهم التعليم الشرعي","level":1,"page":121},{"title":"أولا: المسؤوليات الكبرى للأب والمربي:","level":2,"page":127},{"title":"١ - مسؤولية التربية الإيمانية:","level":3,"page":127},{"title":"٢ - مسؤولية التربية الخلقية،","level":3,"page":127},{"title":"٣ - مسؤولية التربية الجسمية،","level":3,"page":127},{"title":"٤ - مسؤولية التربية العقلية،","level":3,"page":128},{"title":"٥ - مسؤولية التربية النفسية،","level":3,"page":128},{"title":"٦ - المسؤولية الاجتماعية،","level":3,"page":128},{"title":"٧ - يحذرهم من الانحراف الجنسي،","level":3,"page":128},{"title":"ثانيا: وسائل التربية المؤثرة التي ينبغي للأب والمربي استخدامها:","level":2,"page":128},{"title":"١ - التربية بالقدوة،","level":3,"page":128},{"title":"٢ - التربية بالعبادة:","level":3,"page":128},{"title":"٣ - التربية بالموعظة:","level":3,"page":128},{"title":"٤ - التربية بالملاحظة:","level":3,"page":128},{"title":"٥ - التربية بالعقوبة:","level":3,"page":129},{"title":"ثالثا: القواعد الأساسية في التربية التي يعمل بها الأب والمربي:","level":2,"page":129},{"title":"١ - الربط الاعتقادي","level":3,"page":129},{"title":"٢ - الربط الروحي،","level":3,"page":129},{"title":"٣ - قاعدة التحذير:","level":3,"page":130},{"title":"٤ - مسائل مهمة في التربية ينبغي للأب أن يعملها","level":3,"page":130},{"title":"المبحث الحادي عشر: تعليمهم حرفة شريفة يكتسبون منها","level":1,"page":131},{"title":"المبحث الثاني عشر: الرعاية العقلية","level":1,"page":136},{"title":"المبحث الثالث عشر: تعويدهم على الأخلاق الفاضلة","level":1,"page":139},{"title":"المبحث الرابع عشر: تأديبهم بالأدب النبوي","level":1,"page":145},{"title":"المبحث الخامس عشر: العدل بين الأولاد","level":1,"page":150},{"title":"المبحث السادس عشر: الحلم والرفق بهم","level":1,"page":154},{"title":"المبحث السابع عشر: الرحمة بالأولاد","level":1,"page":158},{"title":"المبحث الثامن عشر: التلطف بالأطفال وإدخال السرور عليهم","level":1,"page":161},{"title":"المثال الأول: مداعبته - ﷺ - محمود بن الربيع:","level":2,"page":161},{"title":"المثال الثاني: ملاطفته ومداعبته - ﷺ - لجملة من الأطفال:","level":2,"page":161},{"title":"المثال الثالث: ملاطفته - ﷺ - الحسن والحسين في مواقف كثيرة:","level":2,"page":162},{"title":"المثال الرابع: ركوب الصبي على ظهره - ﷺ - وهو ساجد:","level":2,"page":163},{"title":"المثال الخامس: محبته - ﷺ - لأسامة:","level":2,"page":164},{"title":"المثال السادس: حمله - ﷺ - بنت زينب وهو يصلي:","level":2,"page":164},{"title":"المثال السابع: مداعبة أم خالد باللغة الحبشية:","level":2,"page":165},{"title":"المثال الثامن: تخفيفه - ﷺ - الصلاة عند بكاء الصبي:","level":2,"page":165},{"title":"المثال التاسع: سلامه - ﷺ - على الصبيان:","level":2,"page":165},{"title":"المثال العاشر: مداعبته - ﷺ - لأبي عمير:","level":2,"page":166},{"title":"المثال الحادي عشر: إعطاؤه - ﷺ - الصبي قبل الأشياخ؛ لأنه عن يمينه:","level":2,"page":166},{"title":"المثال الثاني عشر: بول الصبيان في حجره - ﷺ -:","level":2,"page":167},{"title":"المبحث التاسع عشر: مصاحبتهم بعد البلوغ","level":1,"page":168},{"title":"ومن وصايا لقمان لابنه ما ذكر عنه:","level":2,"page":170},{"title":"المبحث العشرون: تعليمهم اختيار الجليس الصالح والصاحب الصالح","level":1,"page":172},{"title":"المبحث الحادي والعشرون: فوائد التربية الحسنة","level":1,"page":175},{"title":"أولا: بر الوالدين:","level":2,"page":175},{"title":"ثانيا: الرجولة الصالحة والأنوثة الصالحة:","level":2,"page":178},{"title":"ثالثا: الأخلاق الحميدة:","level":2,"page":179},{"title":"رابعا: تكوين أسرة مسلمة متماسكة:","level":2,"page":182},{"title":"خامسا: انتشار الحب بين الأولاد:","level":2,"page":184},{"title":"المبحث الثاني والعشرون: مضار التربية السيئة","level":1,"page":186},{"title":"أولا: عقوق الوالدين:","level":2,"page":186},{"title":"ثانيا: الرجولة الناقصة والأ نوثة الناقصة:","level":2,"page":188},{"title":"ثالثا: الأخلاق الفاسدة غير الحميدة:","level":2,"page":190},{"title":"رابعا: أسرة منحلة غير ملتزمة بشرع الله:","level":2,"page":191},{"title":"خامسا: وجود العداوة بين الأولاد:","level":2,"page":194},{"title":"المبحث الثالث والعشرون: الهدي النبوي في تربية الشباب","level":1,"page":197},{"title":"أولا: مفهوم مرحلة الشباب:","level":2,"page":197},{"title":"ثانيا: أهمية مرحلة الشباب:","level":2,"page":201},{"title":"١ - الشباب: بداية التكليف:","level":3,"page":201},{"title":"٢ - الشباب: فترة القوة:","level":3,"page":203},{"title":"٤ - الشباب: أطول مراحل العمر:","level":3,"page":210},{"title":"ثالثا: تعامل النبي - ﷺ - مع الشباب:","level":2,"page":211},{"title":"رابعا: مواقف النبي - ﷺ - مع الشباب في التربية:","level":2,"page":212},{"title":"١ - الرفق بهم والشفقة عليهم","level":3,"page":212},{"title":"٢ - الابتسام لهم والترحيب بهم","level":3,"page":214},{"title":"٣ - الشراء منهم وإكرامهم بزيادتهم في الربح","level":3,"page":214},{"title":"٤ - تقديرهم واحترام حقوقهم","level":3,"page":215},{"title":"٥ - دعاؤهم بأحب الأسماء إليهم وإدخال السرور عليهم","level":3,"page":216},{"title":"٦ - تهوين ما يحزنهم","level":3,"page":216},{"title":"٧ - إردافهم معه على الدابة","level":3,"page":217},{"title":"٨ - قضاء حاجاتهم","level":3,"page":218},{"title":"٩ - عيادة مرضاهم","level":3,"page":219},{"title":"خامسا: ترغيب الشباب في حسن الخلق","level":2,"page":219},{"title":"١ - حسن الأخلاق أحب الناس إلى رسول الله - ﷺ -","level":3,"page":219},{"title":"٢ - حسن الخلق يحرم على النار","level":3,"page":221},{"title":"٣ - الصدق يهدي إلى البر","level":3,"page":221},{"title":"٤ - الحب في الله طريق الجنة","level":3,"page":222},{"title":"٥ - ثمرة الورع والقناعة ومحبة الناس","level":3,"page":222},{"title":"٦ - ترغيب الشباب في أبواب الخير","level":3,"page":222},{"title":"سادسا: إرشاد النبي - ﷺ - الآباء في التأديب","level":2,"page":223},{"title":"سابعا: وصايا النبي - ﷺ - للشباب في الآداب","level":2,"page":225},{"title":"١ - لا تصاحب إلا مؤمنا.","level":3,"page":225},{"title":"٢ - أحسن خلقك للناس","level":3,"page":228},{"title":"٣ - املك عليك لسانك","level":3,"page":229},{"title":"٤ - لا تتبع النظرة النظرة","level":3,"page":230},{"title":"٥ - البداءة باليمين","level":3,"page":232},{"title":"٦ - ارفع إزارك","level":3,"page":233},{"title":"ثامنا: تقويم أخطاء الشباب في الآداب","level":2,"page":234},{"title":"١ - أسلوب الإصلاح العملي","level":3,"page":234},{"title":"٢ - أسلوب التلميح","level":3,"page":235},{"title":"٣ - أسلوب الثناء","level":3,"page":236},{"title":"٤ - أسلوب الإقناع بالحوار","level":3,"page":237},{"title":"٥ - أسلوب التحذير والتنفير","level":3,"page":238},{"title":"٦ - أسلوب العتاب والعقاب","level":3,"page":239},{"title":"المبحث الرابع والعشرون: التربية والتأديب بالقوة عند الحاجة","level":1,"page":242},{"title":"أولا: النصوص بالمنطوق أو المفهوم وهي على النحو الآتي:","level":2,"page":243},{"title":"١ - أمر الله - ﷿ - المؤمنين بإلزام أنفسهم وأهليهم بطاعة الله","level":3,"page":243},{"title":"٢ - نهى النبي - ﷺ - عن الضرب في الوجه؛","level":3,"page":243},{"title":"٣ - لعن رسول الله - ﷺ - من وسم البهيمة في وجهها؛","level":3,"page":244},{"title":"٤ - نهى النبي - ﷺ - عن الوسم في الوجه؛","level":3,"page":244},{"title":"٥ - نهى النبي - ﷺ - أن يضرب الرجل امرأته ضرب العبد،","level":3,"page":244},{"title":"٦ - أدب النبي - ﷺ - بعض المجاهدين في صدره،","level":3,"page":245},{"title":"٧ - خرج النبي - ﷺ - ليلة إلى مقبرة البقيع يزور أهلها،","level":3,"page":245},{"title":"٨ - إذا انتهكت حرمات الله، فلا يقوم لغضبه - ﷺ -","level":3,"page":246},{"title":"١٠ - نهى النبي - ﷺ - أن يسأل الرجل فيما يضرب امرأته؛","level":3,"page":247},{"title":"١١ - أمر النبي - ﷺ - بتغيير المنكر باليد لمن يستطيع ذلك؛","level":3,"page":248},{"title":"١٢ - بين النبي - ﷺ - أن تغيير المنكر جهاد؛","level":3,"page":248},{"title":"١٣ - خطر من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،","level":3,"page":248},{"title":"١٤ - تأثير ترك الأمر والنهي على الدعاء","level":3,"page":249},{"title":"١٥ - وجوب عمل المربي بما يقول،","level":3,"page":249},{"title":"١٦ - الوعيد الشديد لمن أمر الناس بالبر ونسي نفسه؛","level":3,"page":250},{"title":"١٧ - المعلم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل السراج","level":3,"page":250},{"title":"١٨ - بعض البشر يرى عيوب الناس ولا يرى عيوبه؛","level":3,"page":251},{"title":"١٩ - حذر النبي - ﷺ - بالوعيد الشديد لمن يترك أهله وأولاده","level":3,"page":251},{"title":"٢٠ - وجوب الأخذ على يد الظالم ومنعه من ظلمه؛","level":3,"page":251},{"title":"٢١ - التحذير من السكوت على المنكر؛","level":3,"page":252},{"title":"٢٢ - الأمر بالأخذ بما يعرف وترك ما ينكر إذا فسد الناس؛","level":3,"page":252},{"title":"٢٣ - الأمر بلزوم البيت وحفظ اللسان وترك أمر العامة عند","level":3,"page":252},{"title":"٢٤ - من شهد المنكر وأنكر كان كمن غاب عنه، ومن غاب عنه","level":3,"page":253},{"title":"٢٥ - أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر؛","level":3,"page":253},{"title":"٢٦ - المربي المخلص الصادق لا تأخذه في الله لومة لائم؛","level":3,"page":253},{"title":"٢٧ - أمر النبي - ﷺ - بضرب الأولاد على الصلاة لعشر؛","level":3,"page":254},{"title":"٢٨ - بين النبي - ﷺ - أن كل راع مسؤول عن رعيته؛","level":3,"page":254},{"title":"٢٩ - نهى - ﷺ - عن الجلد أكثر من عشر جلدات في التأديب إلا","level":3,"page":255},{"title":"٣٠ - أمر النبي - ﷺ - بتعليق السوط تأديبا لمن يراه من الأهل،","level":3,"page":255},{"title":"٣١ - أمر النبي - ﷺ - بإخافة الأهل في الله تعالى،","level":3,"page":255},{"title":"٣٢ - إذا احتيج إلى الضرب فلا يكون مبرحا؛","level":3,"page":257},{"title":"٣٣ - إصلاح الأهل والأولاد قبل إصلاح الناس","level":3,"page":257},{"title":"ثانيا: أسباب استخدام القوة في التأديب مع عصاة المسلمين:","level":2,"page":258},{"title":"المرتبة الأولى الحكمة:","level":3,"page":258},{"title":"المرتبة الثانية: الموعظة الحسنة،","level":3,"page":259},{"title":"المرتبة الثالثة: الجدال بالتي هي أحسن،","level":3,"page":259},{"title":"المرتبة الرابعة: استخدام القوة،","level":3,"page":259},{"title":"ثالثا: الكلمة القوية والفعل الحكيم:","level":2,"page":261},{"title":"رابعا: التهديد الحكيم والوعيد بالعقوبة:","level":2,"page":263},{"title":"خامسا: حكمة القوة في التربية بالعقوبات الشرعية:","level":2,"page":265},{"title":"توطئة:","level":3,"page":265},{"title":"النوع الأول: عقوبة الهجر الحكيم في التربية:","level":3,"page":266},{"title":"النوع الثاني: عقوبة التعزير:","level":3,"page":267},{"title":"النوع الثالث: القصاص:","level":3,"page":269},{"title":"النوع الرابع: حد الزنا واللواط:","level":3,"page":270},{"title":"النوع الخامس: حد القذف:","level":3,"page":271},{"title":"النوع السادس: حد شرب الخمر:","level":3,"page":271},{"title":"النوع السابع: حد السرقة:","level":3,"page":272},{"title":"النوع الثامن: حد المحاربين قطاع الطريق:","level":3,"page":272},{"title":"النوع التاسع: عقوبة المرتد:","level":3,"page":274},{"title":"النوع العاشر: قتال أهل البغي:","level":3,"page":274},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":276}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,313":276,"1,314":277,"1,315":278,"1,316":279,"1,317":280,"1,318":281,"1,319":282,"1,320":283,"1,321":284,"1,322":285,"1,323":286,"1,324":287,"1,325":288,"1,326":289,"1,327":290,"1,328":291,"1,329":292},"ٜ":{"1":[3,329]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329"],"ٞ":{"4":[1,2,3],"6":[4],"13":[5],"14":[6],"15":[7],"17":[8],"20":[9,10],"22":[11],"25":[12],"28":[13],"30":[14,15],"31":[16],"32":[17],"33":[18,19],"34":[20],"35":[21],"53":[22,23,24],"54":[25],"55":[26],"57":[27],"58":[28],"61":[29],"62":[30,31],"63":[32,33],"64":[34,35],"66":[36],"68":[37],"69":[38,39,40,41],"70":[42,43,44,45,46],"71":[47,48,49,50],"72":[51,52],"73":[53,54,55,56,57,58,59,60,61],"74":[62,63,64,65,66],"75":[67,68,69,70,71,72,73,74],"76":[75],"77":[76,77],"79":[78],"80":[79],"82":[80,81,82,83],"83":[84],"84":[85],"86":[86],"90":[87],"95":[88],"97":[89,90,91,92],"101":[93],"108":[94,95,96,97,98],"109":[99],"110":[100,101,102,103],"111":[104,105,106,107,108,109,110],"112":[111,112,113,114],"114":[115],"116":[116,117,118],"117":[119,120],"120":[121],"121":[122],"127":[123,124,125,126],"128":[127,128,129,130,131,132,133,134,135],"129":[136,137,138,139],"130":[140,141],"131":[142],"136":[143],"139":[144],"145":[145],"150":[146],"154":[147],"158":[148],"161":[149,150,151],"162":[152],"163":[153],"164":[154,155],"165":[156,157,158],"166":[159,160],"167":[161],"168":[162],"170":[163],"172":[164],"175":[165,166],"178":[167],"179":[168],"182":[169],"184":[170],"186":[171,172],"188":[173],"190":[174],"191":[175],"194":[176],"197":[177,178],"201":[179,180],"203":[181],"210":[182],"211":[183],"212":[184,185],"214":[186,187],"215":[188],"216":[189,190],"217":[191],"218":[192],"219":[193,194,195],"221":[196,197],"222":[198,199,200],"223":[201],"225":[202,203],"228":[204],"229":[205],"230":[206],"232":[207],"233":[208],"234":[209,210],"235":[211],"236":[212],"237":[213],"238":[214],"239":[215],"242":[216],"243":[217,218,219],"244":[220,221,222],"245":[223,224],"246":[225],"247":[226],"248":[227,228,229],"249":[230,231],"250":[232,233],"251":[234,235,236],"252":[237,238,239],"253":[240,241,242],"254":[243,244],"255":[245,246,247],"257":[248,249],"258":[250,251],"259":[252,253,254],"261":[255],"263":[256],"265":[257,258],"266":[259],"267":[260],"269":[261],"270":[262],"271":[263,264],"272":[265,266],"274":[267,268],"276":[269]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:\nفإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (١).\nفهذه رسالة في «الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة» كتبت أصلها في النصف الثاني من سنة ١٤٠٢هـ ثم في عام ١٤٣١هـ، نظرت فيها، وتأملت وحررتها تحريرًا، وزدت عليها زيادات نافعة إن شاءالله تعالى، وقد قسمت البحث إلى أربعة وعشرين مبحثًا على النحو الآتي:\nالمبحث الأول: أهمية تربية الأولاد في الإسلام.\n_________\n(١) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. أخرجه مسلم برقم ٨٦٧.","vol":"1","page":3},{"text":"المبحث الثاني: أهمية اختيار الزوجة الصالحة في تربية الأولاد.\nالمبحث الثالث: العقيقة واختيار الاسم الحسن حق للأولاد على الآباء.\nالمبحث الرابع: أهمية الإنفاق على الأسرة من الحلال.\nالمبحث الخامس: مداعبة الأولاد.\nالمبحث السادس: الرعاية الصحية.\nالمبحث السابع: الرضاعة.\nالمبحث الثامن: الحضانة.\nالمبحث التاسع: النفقة على الأولاد.\nالمبحث العاشر: تعليمهم التعليم الشرعي.\nالمبحث الحادي عشر: تعليمهم حرفة شريفة يكتسبون منها.\nالمبحث الثاني عشر: الرعاية العقلية.\nالمبحث الثالث عشر: تعويدهم على الأخلاق الفاضلة.\nالمبحث الرابع عشر: تأديبهم بالأدب النبوي.\nالمبحث الخامس عشر: العدل بين الأولاد.\nالمبحث السادس عشر: الحلم والرفق بهم.\nالمبحث السابع عشر: الرحمة بالأولاد.\nالمبحث الثامن عشر: التلطف بالأولاد والتبسط معهم وإدخال السرور عليهم.\nالمبحث التاسع عشر: مصاحبتهم بعد البلوغ.\nالمبحث العشرون: تعليمهم اختيار الجليس الصالح والصاحب الصالح.\nالمبحث الحادي والعشرون: فوائد وثمرات التربية الحسنة.","vol":"1","page":4},{"text":"المبحث الثاني والعشرون: مضار التربية السيئة.\nالمبحث الثالث والعشرون: الهدي النبوي في تربية الشباب.\nالمبحث الرابع والعشرون: التربية والتأديب بالقوة عند الحاجة.\nوالله أسأل أن يجعله نافعًا، مباركًا، خالصًا لوجهه الكريم،\nوأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.\nأبو عبد الرحمن\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\nكُتبَ أصله في النصف الثاني من عام ١٤٠٢هـ\nوحرِّر في ضحى يوم الأحد الموافق ١/ ٧/١٤٣١هـ","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المبحث الأول: أهمية تربية الأولاد في الإسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>أولًا: حرص الأنبياء والمرسلين على تربية أهليهم وأولادهم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>١ - نوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:</span>\n١ - قال اللَّه في قصته مع ابنه: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (١).\nقال العلامة السعدي ﵀: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ) لما ركب، ليركب معه (وَكَانَ) ابنه (فِي مَعْزِلٍ) عنهم، حين ركبوا، أي: مبتعدًا وأراد منه، أن يقرب ليركب، فقال له: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) فيصيبك ما يصيبهم.\nفـ (قَالَ) ابنه، مُكذِّبًا لأبيه أنه لا ينجو إلا من ركب معه السفينة:\n(سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ) أي: سأرتقي جبلًا أمتنع به من الماء، فـ (قَالَ) نوح: (لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ)، فلا يعصم أحدًا، جبل ولا غيره، ولو تسبب بغاية ما يمكنه من الأسباب، لما نجا إن لم ينجه الله: (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ) الابن (مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (٢).\n_________\n(١) سورة هود، الآيات: ٤٢ - ٤٣.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن، (ص ٣٨٢).","vol":"1","page":6},{"text":"٢ - (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (١).\nقوله - ﷿ -: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) أي: وقد قلت لي: فـ (احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) ولن تخلف ما وعدتني به؛ لعله ﵊، حملته الشفقة، وأن الله وعده بنجاة أهله، ظن أن الوعد لعمومهم، من آمن، ومن لم يؤمن، فلذلك دعا ربه بذلك الدعاء، ومع هذا، ففوّض الأمر لحكمة الله البالغة، فـ (قَالَ) الله له: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) الذين وعدتك بإنجائهم (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) أي: هذا الدعاء الذي دعوت به، لنجاة كافر، لا يؤمن بالله ولا رسوله.\n(فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي: ما لا تعلم عاقبته، ومآله، وهل يكون خيرًا، أو غير خير.\n(إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) أي: أني أعظك وعظًا تكون به من الكاملين، وتنجو به من صفات الجاهلين.\n_________\n(١) سورة هود، الآيات: ٤٥ - ٤٧.","vol":"1","page":7},{"text":"فحينئذ ندم نوح - ﵇ -، ندامة شديدة، على ما صدر منه، و(قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ).\nفبالمغفرة والرحمة ينجو العبد من أن يكون من الخاسرين، ودلّ هذا على أن نوحًا - ﵇ -، لم يكن عنده علم، بأن سؤاله لربه، في نجاة ابنه محرم، داخل في قوله: (وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) بل تعارض عنده الأمران، وظنّ دخوله في قوله: (وَأَهْلَكَ). وبعد ذلك تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>٢ - إبراهيم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام:</span>\n١ - (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (٢).\n«يخبر تعالى، عن عبده وخليله، إبراهيم - ﵇ -، المتفق على إمامته وجلالته، الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدّعيه، بل وكذلك المشركون: أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات، أي: بأوامر ونواهي، كما هي عادة اللَّه في ابتلائه لعباده، ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق، الذي ترتفع درجته،\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، (ص ٣٨٢ - ٣٨٣).\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٢٤.","vol":"1","page":8},{"text":"ويزيد قدره، ويزكو عمله، ويخلص ذهبه، وكان من أجلِّهم في هذا المقام، الخليل - ﵇ -.\nفأتمّ ما ابتلاه اللَّه به، وأكمله ووفَّاه، فشكر اللَّه له ذلك، ولم يزل اللَّه شكورًا، فقال: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) أي: يقتدون بك في الهدى، ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية، ويحصل لك الثناء الدائم، والأجر الجزيل، والتعظيم من كل أحد.\nوهذه - لعمر اللَّه - أفضل درجة، تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام، شمّر إليه العاملون، وأكمل حالة حصّلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم، من كلِّ صدّيق متَّبِعٍ لهم، داعٍ إلى اللَّه وإلى سبيله.\nفلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام، وأدرك هذا، طلب ذلك لذرّيته (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)؛ لتعلو درجته ودرجة ذريّته، وهذا أيضًا من إمامته، ونصحه لعباد اللَّه، ومحبّته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية، والمقامات السامية.\nفأجابه الرحيم اللطيف، وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام، فقال: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) أي: لا ينال الإمامة في الدين، من ظلم نفسه وضرّها، وحطّ قدرها، لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان، والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبّة التامّة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟","vol":"1","page":9},{"text":"ودلّ مفهوم الآية، أن غير الظالم، سينال الإمامة، ولكن مع إتيانه بأسبابها» (١).\n٢ - (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (٢).\nأي: واذكر إبراهيم وإسماعيل، في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس، واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء، حتى إنهما مع هذا العمل دعَوَا اللَّه أن يتقبّل منهما عملهما، حتى يحصل فيه النفع العميم.\nودعَوَا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام، الذي حقيقته، خضوع القلب، وانقياده لربه، المتضمِّن لانقياد الجوارح. (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) أي: علّمناها على وجه الإراءة والمشاهدة، ليكون أبلغ. يحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلّها، كما يدلّ عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعمُّ من ذلك، وهو الدّين كلّه، والعبادات كلّها، كما يدلّ عليه عموم اللفظ، لأن النسك: التعبد، ولكن غلب على متعبّدات الحج، تغليبًا عرفيًا، فيكون\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، (ص ٦٥).\n(٢) سورة البقرة، الآيتان: ١٢٧ - ١٢٨.","vol":"1","page":10},{"text":"حاصل دعائهما، يرجع إلى التوفيق للعلم النافع، والعمل الصالح، ولمّا كان العبد - مهما كان - لا بد أن يعتريه التقصير، ويحتاج إلى التوبة قالا: (وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (١).\n٣ - (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (٢).\n(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ) امتثالًا لربه: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) إخلاصًا وتوحيدًا، ومحبة، وإنابة فكان التوحيد للَّه نعته. ثم ورثه في ذريته، ووصّاهم به، وجعلها كلمة باقية في عقبه، وتوارثت فيهم، حتى وصلت ليعقوب، فوصّى بها بنيه.\nفأنتم - يا بني يعقوب - قد وصّاكم أبوكم بالخصوص، فيجب عليكم كمال الانقياد، واتباع خاتم الأنبياء قال: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ) أي: اختاره وتخيره لكم، رحمة بكم، وإحسانًا إليكم، فقوموا به، واتصفوا بشرائعه، وانصبغوا بأخلاقه، حتى تستمروا على ذلك، فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه، لأن من عاش على شيء، مات عليه، ومن مات على شيء، بعث عليه» (٣).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، (ص ٦٦).\n(٢) سورة البقرة، الآيتان: ١٣١ - ١٣٢.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن، (ص ٦٦).","vol":"1","page":11},{"text":"٤ - (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١).\n«أي: (وَ) اذكر إبراهيم ﵊ في هذه الحالة الجميلة، إذ قَال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ) أي: الحرم) آمِنًا (فاستجاب الله دعاءه شرعًا وقدرًا، فحرّمه الله في الشرع، ويسّر من أسباب حرمته قدرًا ما هو معلوم، حتى إنه لم يُرده ظالم بسوء إلاّ قصمه اللَّه، كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم.\nولما دعا له بالأمن دعا له ولبنيه بالأمن، فقال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ) أي: اجعلني وإياهم جانبًا بعيدًا عن عبادتها، والإلمام بها، ثم ذكر الموجب لخوفه عليه وعلى بنيه بكثرة من افتتن، وابتلي بعبادتها فقال: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) أي: ضلوا بسببها، (فَمَنْ تَبِعَنِي) على ما جئت به من التوحيد والإخلاص للَّه ربّ العالمين (فَإِنَّهُ مِنِّي) لتمام الموافقة، ومن أحبّ قومًا وتبعهم التحق بهم.\n(وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وهذا من شفقة الخليل ﵊؛ حيث دعا للعاصين بالمغفرة والرحمة من اللَّه،\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآيتان: ٣٥ - ٣٦.","vol":"1","page":12},{"text":"واللَّه ﵎ أرحم منه بعباده، لا يعذب إلا من تمرّد عليه» (١).\n٥ - (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) (٢).\nوذلك أنه أتى بـ (هاجر) أم إسماعيل، وبابنها إسماعيل ﵊، وهو في الرضاع، من الشام حتى وضعهما في مكة، وهي -إذ ذاك- ليس فيها سكن، ولا داعٍ، ولا مجيب، فلما وضعهما دعا ربه بهذا الدعاء، فقال - متضرعًا متوكلًا على ربه: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) أي: لا كل ذريتي؛ لأن إسحاق في الشام، وباقي بنيه كذلك، وإنما أسكن في مكة إسماعيل وذريته، وقوله: (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) أي: لأن أرض مكة لا تصلح للزراعة، (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: اجعلهم موحدين مقيمين الصلاة؛ لأن إقامة الصلاة من أخصّ وأفضل العبادات الدينية، فمن أقامها كان مقيما لدينه، (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) أي: تحبّهم وتحب الموضع الذي هم ساكنون فيه، فأجاب اللَّه دعاءه، فأخرج\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، (ص ٤٢٦ - ٤٢٧).\n(٢) سورة إبراهيم، الآيات: ٣٧ - ٤٠.","vol":"1","page":13},{"text":"من ذرية إسماعيل محمدًا - ﷺ -، حتى دعا ذريته إلى الدين الإسلامي، وإلى ملة أبيهم إبراهيم، فاستجابوا له، وصاروا مقيمي الصلاة. وافترض اللَّه حجّ هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم، وجعل فيه سرًا عجيبًا جاذبًا للقلوب، فهي تحجّه، ولا تقضي منه وطرًا على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه، ازداد شوقه، وعظم ولعه، وتوقه، وهذا سرّ إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة. (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) فأجاب اللَّه دعاءه، فصار يجبى إليه ثمرات كل شيء، فإنك ترى مكة المشرّفة كل وقت والثمار فيها متوفرة، والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب.\n(رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) أي: أنت أعلم بنا منّا، فنسألك من تدبيرك، وتربيتك لنا، أن تيسّر لنا من الأمور التي نعلمها، والتي لا نعلمها، ما هو مقتضى علمك ورحمتك، (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ)، ومن ذلك هذا الدعاء الذي لم يقصد به الخليل إلا الخير، وكثرة الشكر للَّه ربّ العالمين. فهبتهم من أكبر النعم، وكونهم على الكبر في حال الإياس من الأولاد نعمة أخرى، وكونهم أنبياء صالحين أجلّ وأفضل، (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي: لقريب الإجابة ممّن دعاه، وقد دعوته فلم يخيب رجائي» (١).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، (ص ٤٢٧ - ٤٢٨).","vol":"1","page":14},{"text":"٦ - (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (١).\nثم دعا لنفسه ولذريته، فقال: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) فاستجاب الله له في ذلك كله إلا أن دعاءه لأبيه إنما كان عن موعدة وعده إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه\n٧ - (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) (٢).\n(رَبِّ هَبْ لِي) ولدًا يكون (مِنَ الصَّالِحِينَ)، وذلك عند ما أيس من قومه، ولم يرَ فيهم خيرًا، دعا اللَّه أن يهب له غلامًا صالحًا، ينفع الله به في حياته، وبعد مماته، فاستجاب الله له، وقال: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ)، وهذا إسماعيل - ﵇ - بلا شك، فإنه ذكر بعده البشارة بإسحاق؛ ولأن الله تعالى قال في بشراه بإسحاق (فَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) فدلّ على أن إسحاق غير الذبيح، ووصف الله إسماعيل - ﵇ - بالحلم، وهو يتضمّن الصبر، وحسن الخلق، وسعة الصدر والعفو عمن جنى» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>٣ - إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام:</span>\n(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآيتان: ٤٠ - ٤١.\n(٢) سورة الصافات، الآيتان: ١٠٠ - ١٠١.\n(٣) تيسر الكريم الرحمن، (ص ٧٠٥).","vol":"1","page":15},{"text":"رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ\nمَرْضِيًّا) (١).\n«أي: واذكر في القرآن الكريم، هذا النبي العظيم، الذي خرج منه الشعب العربي، أفضل الشعوب، وأجلّها، الذي منهم سيّد ولد آدم. (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) أي: لا يعد وعدًا إلا وفى به. وهذا شامل للوعد الذي يعقده مع اللَّه، أو مع العباد؛ ولهذا لمّا وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه له، وقال: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)، وفى بذلك، ومكّن أباه من الذبح، الذي هو أكبر مصيبة تصيب الإنسان، ثم وصفه بالرسالة والنبوة، التي هي أكبر منن اللَّه على عبده، وأهلها من الطبقة العليا من الخلق. (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ) أي: كان مقيمًا لأمر اللَّه على أهله، فيأمرهم بالصلاة المتضمنة للإخلاص للمعبود، وبالزكاة المتضمّنة للإحسان إلى العبيد، فكمل نفسه، وكمل غيره، وخصوصًا أخصّ الناس عنده، وهم أهله؛ لأنهم أحقّ بدعوته من غيرهم. (وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)، وذلك بسبب امتثاله لمراضي ربه، واجتهاده فيما يرضيه، ارتضاه اللَّه وجعله من خواصّ عباده، وأوليائه المقربين، فرضي اللَّه عنه، ورضي هو عن ربه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>٤ - يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:</span>\n(أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ\n_________\n(١) سورة مريم، الآيتان: ٥٤ - ٥٥.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن، (ص ٤٩٦).","vol":"1","page":16},{"text":"إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (١).\n«ولمّا كان اليهود يزعمون أنهم على ملّة إبراهيم، ومن بعده يعقوب، قال تعالى منكرًا عليهم: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) أي: حضورًا (إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) أي: مقدماته وأسبابه، فقال لبنيه على وجه الاختبار، ولتقرّ عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي)؟ فأجابوه بما قرّت به عينه، فقالوا: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا)، فلا نشرك به شيئًا، ولا نعدل به أحدًا، (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) فجمعوا بين التوحيد والعمل. ومن المعلوم أنهم لم يحضروا يعقوب؛ لأنهم لم يوجدوا بعد، فإذا لم يحضروا، فقد أخبر اللَّه عنه أنه وصّى بنيه بالحنيفية، لا باليهودية» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٥ - زكريا عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام:</span>\n(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (٣).\n«أي: دعا زكريا - ﵇ - ربه أن يرزقه ذرية طيبة، أي: طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم.\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٣٣.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن، (ص ٦٦).\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣٨.","vol":"1","page":17},{"text":"فاستجاب له دعاءه» (١).\n(وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (٢).\n«أي: واذكر عبدنا ورسولنا زكريا، منوهًا بذكره، ناشرًا لمناقبه وفضائله، التي من جملتها، هذه المنقبة العظيمة المتضمّنة لنصحه للخلق، ورحمة الله إياه، وأنه (نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا) أي: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (٣) من هذه الآيات علمنا أن قوله: (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا) أنه لما تقارب أجله، خاف أن لا يقوم أحد بعده مقامه في الدعوة إلى اللَّه، والنصح لعباد اللَّه، وأن يكون في وقته فردًا، ولا يخلف من يشفعه ويعينه، على ما قام به، (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) أي: خير الباقين، وخير من خلفني بخير، وأنت أرحم بعبادك مني، ولكني أريد ما يطمئنّ به قلبي، وتسكن له نفسي، ويجري في موازيني ثوابه. (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى) النبي الكريم، الذي\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، (ص ١٢٩).\n(٢) سورة الأنبياء، الآيتان: ٨٩ - ٩٠.\n(٣) سورة مريم، الآيات: ٤ - ٦.","vol":"1","page":18},{"text":"لم يجعل اللَّه له من قبل سميًا. (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) بعدما كانت عاقرًا، لا يصلح رحمها للولادة، فأصلح اللَّه رحمها للحمل، لأجل نبيه زكريا، وهذا من فوائد الجليس، والقرين الصالح، أنه مبارك على قرينه، فصار يحيى مشتركًا بين الوالدين. ولمّا ذكر هؤلاء الأنبياء والمرسلين، كلًا على انفراده، أثنى عليهم عمومًا، فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: يبادرون إليها، ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها، إلا انتهزوا الفرصة فيها، (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوّذون بنا من الأمور المرهوب منها، من مضارّ الدارين، وهم راغبون راهبون، لا غافلون، لاهون، ولا مدلون، (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) أي: خاضعين متذلّلين متضرّعين، وهذا لكمال معرفتهم بربهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>٦ - محمد خاتم الأنبياء والمرسلين - ﷺ </span>-:\n١ - أمره اللَّه تعالى بقوله: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (٢).\n«أي: حثّ أهلك على الصلاة، وأزعجهم إليها من فرض ونفل. والأمر بالشيء، أمر بجميع ما لا يتمّ إلا به، فيكون أمرًا\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، (ص ١٢٩).\n(٢) سورة طه، الآية: ١٣٢.","vol":"1","page":19},{"text":"بتعليمهم، ما يصلح الصلاة ويفسدها ويكملها. (وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) أي: على الصلاة بإقامتها، بحدودها وأركانها وآدابها وخشوعها، فإن ذلك مشق على النفس، ولكن ينبغي إكراهها وجهادها على ذلك، والصبر معها دائمًا، فإن العبد إذا أقام صلاته على الوجه المأمور به، كان لما سواها من دينه أحفظ وأقوم، وإذا ضيعها كان لما سواها أضيع، ثم ضمن تعالى لرسوله الرزق، وأن لا يشغله الاهتمام به عن إقامة دينه، فقال: (نَحْنُ نَرْزُقُكَ) أي: رزقك علينا قد تكفّلنا به، كما تكفّلنا بأرزاق الخلائق كلهم، فكيف بمن قام بأمرنا، واشتغل بذكرنا؟! ورزق اللَّه عام للمتقي وغيره، فينبغي الاهتمام بما يجلب السعادة الأبدية، وهو: التقوى، ولهذا قال: (وَالْعَاقِبَةُ) في الدنيا والآخرة (لِلتَّقْوَى) التي هي فعل المأمور، وترك المنهي، فمن قام بها، كان له العاقبة، كما قال تعالى: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (١).\n٢ - أوحى اللَّه - ﷿ - إليه بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (٢).\n«أي: يا مَنْ مَنَّ اللَّه عليهم بالإيمان، قوموا بلوازمه وشروطه، فـ (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة،\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، (ص ٥١٧).\n(٢) سورة التحريم، الآية: ٦.","vol":"1","page":20},{"text":"ووقاية الأنفس بإلزامها أمر اللَّه، والقيام بأمره امتثالًا، ونهيه اجتنابًا، والتوبة عما يسخط اللَّه، ويوجب العذاب، ووقاية الأهل، والأولاد، بتأديبهم، وتعليمهم، وإجبارهم على أمر اللَّه، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر اللَّه به في نفسه، وفيما يدخل تحت ولايته من الزوجات والأولاد وغيرهم ممن هو تحت ولايته وتصرفه. ووصف اللَّه النار بهذه الأوصاف، ليزجر عباده عن التهاون بأمره فقال: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) كما قال تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ). (عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ) أي: غليظة أخلاقهم، عظيم انتهارهم، يفزعون بأصواتهم ويخيفون بمرآهم، ويهينون أصحاب النار بقوتهم، ويمتثلون فيهم أمر اللَّه، الذي حتم عليهم العذاب، وأوجب عليهم شدة العقاب، (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وهذا فيه أيضًا مدح للملائكة الكرام، وانقيادهم لأمر اللَّه، وطاعتهم له في كلّ ما أمرهم به» (١).\n٣ - أمر رسول الله - ﷺ - الناس بقوله: «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِع» (٢).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، (ص ٨٧٤).\n(٢) أخرجه أحمد (١١/ ٣٦٩، رقم ٦٧٥٦)، وابن أبي شيبة، (١/ ٣٤٧، رقم ٣٥٠١)، وأبوداود بلفظه، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، برقم ٤٩٥، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٦)، والحاكم (١/ ١٩٧، رقم ٧٠٨)، والبيهقي (٢/ ٢٢٨). وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٤٠١): «إسناده حسن صحيح».","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثانيًا: حرص الصالحين الصادقين على صلاح الذرية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>١ - حرص امرأة عمران: </span>(إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (١).\nقوله تعالى: «إذ قالت امرأة عمران) أي: والدة مريم لمّا حملت: (رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا) أي: جعلتُ ما في بطني خالصًا لوجهك، محررًا لخدمتك وخدمة بيتك (فتقبل مني) هذا العمل المبارك (إنك أنت السميع العليم) تسمع دعائي، وتعلم نيّتي وقصدي، هذا وهي في البطن قبل وضعها، (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى) كأنها تشوّفت أن يكون ذكرًا؛ ليكون أقدر على الخدمة، وأعظم موقعًا، ففي كلامها نوع عذر من ربّها، فقال اللَّه: (واللَّه أعلم بما وضعت) أي: لا يحتاج إلى إعلامها، بل علمه متعلِّق بها قبل أن تعلم أمّها ما هي (وليس الذكر\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيات: ٣٥ - ٣٧.","vol":"1","page":22},{"text":"كالأنثى وإني سميتها مريم) فيه دلالة على تفضيل الذكر على الأنثى، وعلى التسمية وقت الولادة، وعلى أن للأم تسمية الولد إذا لم يكره الأب (وإنّي أُعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم) دعت لها ولذرّيتها أن يُعيذهم اللَّه من الشيطان الرجيم. (فتقبّلها ربها بقبولٍ حسنٍ) أي: جعلها نذيرة مقبولة، وأجارها وذرّيتها من الشيطان (وأنبتها نباتًا حسنًا) أي: نبتت نباتًا حسنًا في بدنها وخلقها وأخلاقها، لأن اللَّه تعالى قيّض لها زكريا - ﵇ - (وكفّلها) إيّاه، وهذا من رفقه بها؛ ليربيها على أكمل الأحوال، فنشأت في عبادة ربها، وفاقت النساء، وانقطعت لعبادة ربّها، ولزمت محرابها أي: مصلاَّها فكان (كلّما دخل عليها زكريّا المحراب وجد عندها رزقًا) أي: من غير كسب ولا تعب، بل رزق ساقه اللَّه إليها، وكرامة أكرمها اللَّه بها، فيقول لها زكريا: (أنَّى لك هذا قالت هو من عند اللَّه) فضلًا وإحسانًا (إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب) أي: من غير حسبان من العبد، ولا كسب، قال تعالى: (ومن يتَّقِ اللَّهَ يجعلْ له مخرجًا ويرزقْهُ من حيثُ لا يحتسب) وفي هذه الآية دليل على إثبات كرامات الأولياء الخارقة للعادة، كما قد تواترت الأخبار بذلك، خلافًا لمن نفى ذلك» (١).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن (ص ١٢٨).","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>٢ - حرص لقمان الحكيم:</span>\n١ - (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (١).\n٢ - (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (٢).\n«والله تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدلّ على حكمته في وعظه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار فقال: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ)، أو قال له قولًا به يعظه بالأمر، والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك فقال: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ووجه كونه عظيمًا، أنه لا أفظع وأبشع ممّن سَوَّى المخلوق من تراب، بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك\n_________\n(١) سورة لقمان، الآية: ١٣.\n(٢) سورة لقمان، الآيات: ١٦ - ١٩.","vol":"1","page":24},{"text":"من الأمر شيئًا، بمن له الأمر كله، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه، بالربّ الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم، ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم، وأبدانهم، إلاّ منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟؟!\nوهل أعظم ظلمًا ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، فجعلها في أخس المراتب جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلمًا كبيرًا.\n(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ) أي في وسطها (أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ) في أي جهة من جهاتهما (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) لسعة علمه، وتمام خبرته، وكمال قدرته، ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) أي: لطيف في علمه وخبرته، حتى اطلع على البواطن والأسرار، وخفايا القفار والبحار. والمقصود من هذا، الحثّ على مراقبة الله، والعمل بطاعته، مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح، قَلَّ أو كَثُرَ. (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ) حثّه عليها، وخصّها لأنها أكبر العبادات البدنية، (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه. والأمر بما لا يتمّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا به، من الرفق، والصبر، وقد صرح به في قوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) ومن كونه فاعلًا","vol":"1","page":25},{"text":"لما يأمر به، كافًّا لما ينهى عنه، فتضمّن هذا، تكميل نفسه بفعل الخير، وترك الشر، وتكميل غيره بذلك، بأمره ونهيه. ولما علم أنه لا بدّ أن يبتلى إذا أمر ونهى، وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ) الذي وعظ به لقمان ابنه (مِنْ عَزْمِ الأمُورِ) أي: من الأمور التي يعزم عليها، ويهتمّ بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم. (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي: لا تُمِلْهُ وتعبس بوجهك للناس، تكبُّرًا عليهم، وتعاظمًا. (وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا) أي: بطرًا، فخرًا بالنعم، ناسيًا المنعم، معجبًا بنفسك. (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ) في نفسه وهيئته وتعاظمه (فَخُور) بقوله. (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) أي: امش متواضعًا مستكينًا، لا مَشْيَ البطر والتكبّر، ولا مشي التماوت. (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) أدبًا مع الناس ومع الله، (إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ) أي أفظعها وأبشعها (لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختصّ بذلك الحمار، الذي قد عُلمت خسّته وبلادته. وهذه الوصايا، التي وصّى بها لقمان لابنه، تجمع أمّهات الحِكَم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها، إن كانت أمرًا، وإلى تركها إن كانت نهيًا. وهذا يدلّ على ما ذكرنا في تفسير الحكمة، أنها العلم بالأحكام، وحِكَمِها ومناسباتها، فأمره بأصل الدين، وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له الموجب لتركه، وأمره ببر الوالدين، وبين له السبب","vol":"1","page":26},{"text":"الموجب لبرّهما، وأمره بشكره وشكرهما، ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما، ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقهما، بل يحسن إليهما، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك. وأمره بمراقبة الله، وخوَّفه القدوم عليه، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر، إلا أتى بها. ونهاه عن التكبّر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر، والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك. وأمره بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر، كما قال تعالى، فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا، أن يكون مخصوصًا بالحكمة، مشهورًا بها. ولهذا من منة الله عليه وعلى سائر عباده، أن قصّ عليهم من حكمته، ما يكون لهم به أسوة حسنة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٣ - حرص عباد الرحمن: </span>(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا*أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (٢).\n(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا) أي: قرنائنا من أصحاب وأقران وزوجات، (وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) أي: تقر بهم أعيننا. وإذا استقرأنا حالهم، وصفاتهم عرفنا من هممهم، وعلوّ\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن (ص ٦٤٨ - ٦٤٩).\n(٢) سور الفرقان، الآيات: ٧٤ - ٧٦.","vol":"1","page":27},{"text":"مرتبتهم أنهم لا تقرّ أعينهم حتى يروهم مطيعين لربهم، عالمين عاملين، وهذا كما أنه دعاء لأزواجهم وذرياتهم في صلاحهم، فإنه دعاء لأنفسهم؛ لأن نفعه يعود عليهم، ولهذا جعلوا ذلك هبة لهم فقالوا: (هَبْ لَنَا) بل دعاؤهم يعود إلى نفع عموم المسلمين؛ لأن بصلاح من ذكر يكون سببًا لصلاح كثير ممن يتعلّق بهم وينتفع بهم. (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) أي: أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، درجة الصديقين، والكمّل من عباد اللَّه الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم، يقتدى بأفعالهم، ويطمئن لأقوالهم، ويسير أهل الخير خلفهم فيهدون ويهتدون. ومن المعلوم أن الدعاء ببلوغ شيء دعاء بما لا يتمّ إلا به، وهذه الدرجة -درجة الإمامة في الدين- لا تتمّ إلا بالصبر واليقين، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهم أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)، فهذا الدعاء يستلزم من الأعمال، والصبر على طاعة اللَّه، وعن معصيته، وأقداره المؤلمة، ومن العلم التامّ الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين، خيرًا كثيرًا وعطاءً جزيلًا وأن يكونوا في أعلى ما يمكن من درجات الخلق بعد الرسل؛ ولهذا لمّا كانت هممهم ومطالبهم عالية، كان الجزاء من جنس العمل، فجازاهم بالمنازل العاليات، فقال: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا) أي: المنازل الرفيعة والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى، وتلذّه الأعين، وذلك بسبب صبرهم نالوا ما نالوا، كما قال","vol":"1","page":28},{"text":"تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)، ولهذا قال هنا: (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا) من ربهم، ومن ملائكته الكرام، ومن بعض على بعض، ويسلمون من جميع المنغصات والمكدرات.\nوالحاصل: أن اللَّه وصفهم بالوقار والسكينة والتواضع له ولعباده، وحسن الأدب والحلم، وسعة الخلق والعفو عن الجاهلين، والإعراض عنهم، ومقابلة إساءتهم بالإحسان، وقيام الليل، والإخلاص فيه، والخوف من النار والتضرّع لربهم أن ينجيهم منها، وإخراج الواجب والمستحب في النفقات والاقتصاد في ذلك - وإذا كانوا مقتصدين في الإنفاق الذي جرت العادة بالتفريط فيه أو الإفراط، فاقتصادهم وتوسّطهم في غيره من باب أولى- والسلامة من كبائر الذنوب، والاتصاف بالإخلاص للَّه في عبادته، والعفة عن الدماء والأعراض والتوبة عند صدور شيء من ذلك، وأنهم لا يحضرون مجالس المنكر والفسوق القولية والفعلية، ولا يفعلونها بأنفسهم، وأنهم يتنزّهون من اللغو والأفعال الرديَّة التي لا خير فيها، وذلك يستلزم مروءتهم وإنسانيتهم وكمالهم، ورفعة أنفسهم عن كل خسيس قولي وفعلي، وأنهم يقابلون آيات اللَّه بالقبول لها، والتفهم لمعانيها والعمل بها، والاجتهاد في تنفيذ أحكامها، وأنهم يدعون اللَّه تعالى بأكمل الدعاء، في الدعاء الذي ينتفعون به، وينتفع به من يتعلّق بهم، وينتفع به المسلمون من صلاح أزواجهم وذريتهم، ومن","vol":"1","page":29},{"text":"لوازم ذلك سعيهم في تعليمهم ووعظهم ونصحهم؛ لأن من حرص على شيء، ودعا اللَّه فيه، لا بد أن يكون متسببًا فيه، وأنهم دعوا اللَّه ببلوغ أعلى الدرجات الممكنة لهم، وهي درجة الإمامة والصديقية. فَلِلَّهِ ما أعلى هذه الصفات، وأرفع هذه الهمم، وأجلّ هذه المطالب، وأزكى تلك النفوس، وأطهر تلك القلوب، وأصفى هؤلاء الصفوة، وأتقى هؤلاء السادة، وللَّه فضل اللَّه عليهم ونعمته ورحمته التي جلّلتهم، ولطفه الذي أوصلهم إلى هذه المنازل. وللَّه، منة اللَّه على عباده أن بين لهم أوصافهم، ونعت لهم هيئاتهم، وبين لهم هممهم، وأوضح لهم أجورهم، ليشتاقوا إلى الاتصاف بأوصافهم، ويبذلوا جهدهم في ذلك، ويسألوا الذي منّ عليهم وأكرمهم الذي فضله في كل زمان ومكان، وفي كل وقت وأوان، أن يهديهم كما هداهم ويتولاهم بتربيته الخاصة كما تولاهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٤ - حرص المؤمنين على صلاح ذريتهم</span>، قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن (ص ٥٨٧ - ٥٨٨).","vol":"1","page":30},{"text":"يُوعَدُونَ) (١).\n«هذا من لطفه تعالى بعباده، وشكره للوالدين، أن وصّى الأولاد وعهد إليهم أن يحسنوا إلى والديهم بالقول اللطيف، والكلام الليّن، وبذل المال والنفقة، وغير ذلك من وجوه الإحسان. ثم نبّه على ذكر السبب الموجب لذلك، فذكر ما تحمّلته الأمّ من ولدها، وما قاسته من المكاره وقت حملها، ثمّ مشقّة ولادتها المشقّة الكبيرة، ثم مشقّة الرضاع، وخدمة الحضانة، وليست المذكورات مدة يسيرة ساعة أو ساعتين، وإنما ذلك مدّة طويلة قدرها (ثَلاثُونَ شَهْرًا) للحمل تسعة أشهر ونحوها، والباقي للرضاع هذا هو الغالب.\nويستدلّ بهذه الآية مع قوله: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) (٢) أن أقلّ مدّة الحمل ستة أشهر؛ لأنّ مدّة الرضاع -وهي سنتان- إذا سقطت منها السنتان بقي ستة أشهر مدّة للحمل، (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ) أي: نهاية قوته وشبابه، وكمال عقله، (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي) أي: ألهمني ووفقني (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) أي: نعم الدين، ونعم الدنيا، وشكره بصرف النعم في طاعة مسديها وموليها، ومقابلة منته بالاعتراف والعجز عن الشكر، والاجتهاد في الثناء بها على اللَّه، والنعم على الوالدين: نعم على أولادهم وذريتهم؛ لأنهم لا بد أن\n_________\n(١) سورة الأحقاف، الآيتان: ١٥ - ١٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.","vol":"1","page":31},{"text":"ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها، خصوصًا نعم الدين، فإن صلاح الوالدين بالعلم والعمل من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم. (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) بأن يكون جامعًا لما يصلحه، سالمًا مما يفسده، فهذا العمل الذي يرضاه اللَّه ويقبله ويثيب عليه. (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) لمّا دعا لنفسه بالصلاح، دعا لذريته أن يصلح اللَّه أحوالهم، وذكر أن صلاحهم يعود نفعه على والديهم لقوله: (وَأَصْلِحْ لِي)، (إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ) من الذنوب والمعاصي، ورجعت إلى طاعتك (وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).\n(أُولَئِكَ) الذين ذكرت أوصافهم (الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا)، وهو الطاعات لأنهم يعملون أيضًا غيرها. (وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ) فِي جملة (أَصْحَابِ الْجَنَّةِ)، فحصل لهم الخير والمحبوب، وزال عنهم الشر والمكروه. (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) أي: هذا الوعد الذي وعدناهم هو وعد صادق من أصدق القائلين الذي لا يخلف الميعاد» (١) - ﷾ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>ثالثًا: أصول يجب العلم بها في التربية وغيرها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>١ - الإيمان أن هداية التوفيق والتسديد والتثبيت بيد الله تعالى</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن (ص ٧٨١).","vol":"1","page":32},{"text":"بِالْمُهْتَدِين﴾ (١) فلا يهتدي مهتدٍ، ولا يهديه هادٍ إلا بتوفيق الله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>٢ - الإيمان بأن الله تعالى عَلِمَ هداية المهتدين</span>، وضلال الضالين في علمه السابق الذي لا أوَّل له، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ (٢) قال العلامة السعدي ﵀: «... ذكر أنه [- ﷾ -] خلق العباد وجعل منهم المؤمن والكافر، فإيمانهم وكفرهم كله بقضاء الله وقدره، وهو الذي شاء ذلك منهم، بأن جعل لهم قدرة وإرادة، بهما يتمكنون من كل ما يريدون، من الأمر، والنهي ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾» (٣).\nوعن علي بن أبي طالب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفوسَةٍ إلا كُتِبَ مكانَها: مِنَ الجَنَّة والنَّارِ، وإلا قد كُتِبت شَقِيَّة أو سَعِيدة» فقال رجل يا رسول الله أفلا نتَّكِلُ على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منَّا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأمَّا من كان منَّا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: «[اعْمَلوا فَكُلٌّ مُيَسَّر لما خُلِقَ له] أمَّا أهل السَّعادة فسيُيَسَّرون إلى عملِ أهل السَّعادة، وأما أهل الشقاوة فسيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٥٦.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ٢.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن (ص ٨٦٦).","vol":"1","page":33},{"text":"*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾» (١).\nولا شك أن الله تعالى إنّما يهدي من كان أهلًا للهداية، ويضلُّ من كان أهلًا للضلالة، قال - ﷿ -: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ (٢).\nفبيَّن الله - ﷿ - أن أسباب الضلالة لمن ضل إنما هي بسبب من العبد نفسه، والله - ﷿ - لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣). وقال ﷾: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾ (٤).\nوقال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُون﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>٣ - الإيمان بأن ذلك التفاوت: من الشقاوة والسعادة، لحكمةٍ </span>عظيمة جعلها الله سبحانه من أمور الغيب وأوجب على عباده الإيمان بها، والتَّسليم بأن ذلك عين الحكمة، والعدل، والرحمة، كما قال الخضر\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الجنائز، باب موعظة المحدِّث عند القبر برقم ١٣٦٢، وكتاب التفسير، بابٌ ﴿فسُنُيَسِّرهُ لليُسْرَى﴾ [سورة الليل: ٥ - ١٠]، ومسلم، كتاب القدر، باب كيف خلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه، وعمله، وشقاوته وسعادته، برقم ٦٢٤٧، والآيات من سورة الليل ٥ - ١٠.\n(٢) سورة الصف، الآية: ٥.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٤٠.\n(٤) سورة يونس، الآية: ٤٤.\n(٥) سورة يونس، الآية: ١٠١","vol":"1","page":34},{"text":"لموسى: ﴿وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ (١). قال العلامة السعدي ﵀: «وكان ذلك الغلام قد قُدِّر عليه أنه لو بلغ لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا، أي: لحملهما على الطغيان والكفر، إما لأجل محبتهما إياه، أو للحاجة إليه، أو يحدهما على ذلك: أي فقتلته لاطلاعي على ذلك سلامة لدين أبويه المؤمنين، وأي فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟ وهو وإن كان فيه إساءة إليهما، وقطع لذريتهما فإن الله سيعطيهم من الذرية ما هو خير منه، ولهذا قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أي: ولدًا صالحًا، زكيًا، واصلًا لرحمه، فإن الغلام الذي قتل لو بلغ لعقهما أشد العقوق بحملهما على الكفر والطغيان» (٢). وهذا لحكمةٍ عظيمةٍ يجب الإيمان بها وليست للعبث، قال الله - ﷿ -: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُون﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>٤ – الإيمان بأن الله قادر على أن يجعل الناس كلهم مؤمنين</span>؛ لقوله - ﷿ -: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُوْنُوا مُؤْمِنين﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٥ – التبري من الحول والقوة «لا حول ولا قوة إلا بالله» </span>وأن يخاف\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ٨٠.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن (ص ٤٨٣).\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ١١٥.\n(٤) سورة يونس، الآية: ٩٩.","vol":"1","page":35},{"text":"المؤمن سوء الخاتمة، فهو لا يدري بما يختم له، وهذا نبينا - ﷺ - يقول: «يا مُقَلِّبَ القُلوبَ ثَبِّتْ قَلْبي عَلَى دِينِك» (١). وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد بيَّن - ﷺ - أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلبهما كيف يشاء، فنحن أولى بهذا الدعاء؛ لضعفنا، وعدم عصمتنا، ونسأل الله للمهتدي الثبات، وللكافر والفاسق الهداية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٦ - الإيمان بأن الله تعالى يجيب الدعوات</span>، فينبغي للعبد أن يسأل الله تعالى الذرية الصالحة، ويسأله صلاح الذرية، ويلح في ذلك كما سبق في حال الأنبياء والصالحين (٢).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا أبو موسى برقم ٣٥٢٢، وأحمد (١٩/ ١٦٠، رقم ١٢١٠٧)، وابن حبان (٣/ ٢٢٢، رقم ٩٤٣)، وأبو يعلى (٤/ ٢٠٧، رقم ٢٣١٨)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٠٩، رقم ٢٩٨٠٧)، وعبد الرزاق (١٠/ ٤٤٢، رقم ١٩٦٤٧)، والحاكم\n(١/ ٥٢٥)، وصححه، وصحح إسناده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة،\n(٥/ ١٢٦)، وصحيح سنن الترمذي، برقم ٢٧٩٢.\n(٢) هذه الأصول الستة من مشاركة الشيخ عبد الرحمن العمر في ندوة الجامع الكبير بالرياض بتاريخ ١٥/ ٥/١٤٣١هـ، والقسم الخاص بمشاركتي في هذه الندوة من أول المبحث الأول في هذا الكتاب إلى هذه الأصول، وكان عنوان الندوة «تربية الناشئين في ضوء الكتاب والسنة» وقد عَلَّق عليها سماحة مفتي عام المملكة السعودية عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثاني: أهمية اختيار الزوجة الصالحة في تربية الأولاد</span>\nلقد شرع الله - ﵎ - الزواج للحفاظ على الأخلاق والنسل؛ لكي لا تختلط الأنساب وتُنتهك الأعراض؛ فإن الزواج أفضل طريق لاستنفاد طاقة الإنسان الجنسية المتجددة، ووسيلة لتنظيم الفطرة والغريزة، التي أودعها الله في الإنسان، حتى يحقق غاية استخلافه في الأرض، والسير بالحياة في مجال الخير والإصلاح، فليس أضر بالأمة ولا أفتك بها، ولا أسرع إلى خرابها من انتشار الفسق وترك الحبل على الغارب للمجرمين، فسدًّا لهذا جعل الله الزواج من سنن المرسلين، وجعله واجبًا على من خاف على نفسه من الوقوع في الزنا، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبَصَرِ وأحْصَنُ للفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ» (١).\nثم إنَّ الإسلام قد حثَّ الرجل المسلم على البحث عن الزوجة الصالحة؛ لأنها شريكة حياته، وهي التي سوف تربي أولاده، وهي نعمة عظيمة من الله ﷾، إذ أنعم بها على الذكر، وكذلك أنعم على الأنثى بالذكر، قال تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب قول النبي - ﷺ -: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج ...» برقم ٥٠٦٥، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، برقم ١٤٠٠.","vol":"1","page":37},{"text":"أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (٢).\nفينبغي أن يتخيّر الرجل المرأة الصالحة ذات الخلق الحميد والدين القويم، فلا يكون همه الجمال وحده، فقد تكون هذه المرأة سببُ تنغيصٍ وشقاوةٍ على الإنسان، ومن ثم ينشأ أولاده على: الفسق، والعصيان، وسوء الأخلاق، أما المرأة الصالحة، فهي تربي أجيالًا صالحين، وقد أرشد إليها الرسول - ﷺ - وأخبر أنها خير متاع، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (٣). أي أن الدنيا متاع زائل، وخير ما في هذا المتاع المرأة الصالحة؛ لأنها تُسعد صاحبها في الدنيا، وتعينه على أمر الآخرة. ولله در من قال:\n\nسعادة المرء في خمسٍ إذا اجتمعت ... صلاح جيرانه والبر في ولده\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٧٢.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، برقم ٥٠٩٠، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب نكاح ذات الدين، برقم ١٤٦٦.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، رقم ١٤٦٧.","vol":"1","page":38},{"text":"وزوجة حسنت أخلاقها ... وكذا خلٍّ وفيٍّ ورزق المرء في بلده (١)\n\nوالمرأة الصالحة خير كنز للإنسان المسلم، وهي أغلى من كنوز الذهب والفضة، فهي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله، وإذا أقسم عليها أبرته، فعن عبد الله بن سلام قال: قال الرسول - ﷺ -: «خيرُ النِّساءِ مَن تَسُرُّكَ إذَا أبْصَرْتَ، وتُطيعُكَ إذا أمَرْتَ، وتحفَظُ غَيْبتكَ في نَفْسِهَا ومالِك» (٢)، فقوله - ﷺ -: من تسرك إذا أبصرت: كناية عن جمال الخلقة ونظافة الملبس، وكمال الزينة، وقوله - ﷺ -: وتطيعك إذا أمرت: كناية عن طيب عنصرها، وحسن تربيتها، وقوله - ﷺ -: وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك: كناية عن قوة دينها وصدق إيمانها بالله ورسوله - ﷺ -.\nوحُقَّ لمن توفَّرت فيها هذه الصفات أن يصفها الصادق المصدوق - ﷺ - بأنها خير النساء.\nوالزوجة الصالحة فيض من السعادة، يغمر البيت ويملؤه سرورًا وبهجة، فعن أبي أمامة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى الله خَيْرًا له من زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ: إن أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عليها أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عنها نَصَحَتْهُ\n_________\n(١) من كتاب بناء الأسرة المسلمة، الحلقة الثانية، حسين محمد يوسف\n(٢) أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٩/ ٤٥٦ رقم ٤٢٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٧٥ رقم ٢٦٨٢)، والطيالسي في مسنده، برقم ٢٣٢٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣٢٩٩.","vol":"1","page":39},{"text":"في نَفْسِهَا وَمَالِهِ» (١).\nوعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مِنَ سعادةِ ابن آدَم ثَلاثة، ومن شَقاوة ابنِ آدمَ ثلاثة: مِن سَعَادةِ ابنِ آدم: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالمركب الصَّالِحُ، ومِنْ شَقاوَةِ ابن آدم: َالْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوء، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ» (٢). ولفظ ابن حبان في صحيحه: «أربعٌ مِنَ السَّعادة: المَرْأة الصَّالِحَة، والمسكَنُ الواسِع، والجَارُ الصَّالِح، والمَرْكب الهنيء، وأربعٌ من الشّقاوة: الجَار السُّوءُ، والمرأة السُّوءُ، والمسكن الضيِّق، والمركب السُّوءُ» (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب أفضل النساء، برقم ١٨٥٧، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٢٢ رقم ٧٨٨١) قال الكناني في مصباح الزجاجة (٢/ ٩٦ – ٩٧ رقم ٦٦٥): هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. قال البخاري: منكر الحديث، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو رواه مسلم وغيره. ورواه النسائي وسكت عنه. وقال العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ٢٣٦ رقم ٢١٨٨): رواه ابن ماجه والطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف، لكن له شواهد تدل على أن له أصلًا. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم ٤٩٩٩، وفي ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٧ رقم ١٢٠٥).\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ١٦٨) وابن حبان في صحيحه (٩/ ٣٤٠ رقم ٤٠٣٢) قال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٢٨ رقم ٢٩٤٨): رواه أحمد بإسناد صحيح، والطبراني والبزار والحاكم وصححه، إلا أنه قال: والمسكن الضيق. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٧٢): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٤٠٣ رقم ١٩١٤: صحيح لغيره.\n(٣) ابن حبان في صحيحه (٩/ ٣٤٠، برقم ٤٠٣٢)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٤٠٣، برقم ١٩١٤): «صحيح».","vol":"1","page":40},{"text":"ولفظ الحاكم: «ثلاثٌ مِنَ السَّعَادة، وثَلاثٌ مِنَ الشّقاوة: فمِنَ السَّعادة: المرأةُ تَرَاها تُعْجِبُكَ، وتَغيْبُ عنها فتأْمَنها على نَفسِها ومالِكَ، والدَّابةُ تكونُ وطيَّة فتلحقُ بأصحابِكَ، والدَّارُ تكونُ واسعة كثيرة المرافق.\nومن الشقاوة المرأة تراها فتسؤك، وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفًا فإن ضربتها أتعبتك وإن تركبها لم تلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق (١).\nوعن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رَزَقَهُ الله امْرَأَةً صَالِحَةً فَقَدْ أَعَانَهُ على شَطْرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ الله في الشَّطْرِ البَاقِي» رواه الطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٢).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ١٦٢)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٤٠٣ رقم ١٩١٥): «حسن».\n(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ١٧٥ رقم ٢٦٨١)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٩٤ رقم ٩٧٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٨٣ رقم ٥٤٨٧)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ونقل تصحيح الحاكم المنذري في ترغيبه (٣/ ٢٩ رقم ٢٩٥٠) بينما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٧٢): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الرحمن عن أنس. وعنه زهير بن محمد ولم أعرفه إلا أن يكون عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيكون إسناده منقطعًا، وإن كان غيره فلم أعرفه. بينما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٩/ ١١١): وهذه الأحاديث وإن كان في الكثير منها ضعف فمجموعها يدل على أن لما يحصل به المقصود من الترغيب في التزويج أصلًا. بينما قال في تلخيص الحبير (٣/ ١١٧): رواه الحاكم وسنده ضعيف. ونقل تضعيف الحافظ ابن حجر الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٢٧). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (رقم ٥٥٩٩). بينما قال في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٤٠٤ رقم ١٩١٦) حسن لغيره. وهذا الأخير هو من آخر ما قال الألباني ﵀، والله أعلم.","vol":"1","page":41},{"text":"والزوجة الصالحة هي سكن للزوج وحرث له، وهي شريكة حياته وربة بيته وأم أولاده، إن صلحت صلح الأولاد، وإن فسدت فسد الأولاد.\nقال الشاعر:\n\nالأمُّ مَدْرسَةً إذَا أعَدَدتها ... أعدَدتَ شعْبًا طَيبَ الأعْرَاقِ (١)\n\nومن أجل هذا رغَّب الإسلام في اختيار الزوجة الصالحة.\nوالصالحة: هي التي تحافظ على دينها، وأخلاقها، وعرضها، وتربي أولادها التربية الإسلامية.\nقال الشيخ محمد بن سالم البيحاني ﵀ في منظومته الرجزية:\n\nوإن أرَدتَ العَيْشَ فِي وَدَاعةٍ ... فالتَمِسِ المَرأة ذاتَ الطَّاعِةِ\nواحدة جميلة ذات شرف ... من أوسط البيوت لا من الطرف\nتكون عونًا له في الحياة الحلوة ... لزوجها في حقله والخلوه\nقارئة كاتبة وصانعة ... في بيتها جامعة ومانعة\n_________\n(١) هذا البيت من بحر الكامل، وينسب إلى حافظ إبراهيم، شاعر مصر القومي، ولقب بشاعر النيل، عاش يتيمًا، اشتهر شعره ونثره، وفي شعره إبداع امتاز به عن أقرانه، توفي بالقاهرة سنة ١٣٥١هـ.","vol":"1","page":42},{"text":"وبالقليل والكثير تكتفي ... وللنساء المؤمنات تقتفي\nمنزلها في غاية النظافة ... كأنه الجوهرة الشَّفَّافة\nأثاثه مرتب ترتيبًا ... به تسر الأهل والغريب\nولا تمنّ بالذي تعمله ... والمستحق لبرها تصله (١)\n\nروى النسائي وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خَيْرُ النِّساء مَن إذَا نَظَرْتَ إليْهَا سَرَّتْكَ، وإذَا أمَرْتَها أطَاعَتْكَ، وإذا أقْسَمْتَ عليْهَا أبَرَّتْكَ، وإِذَا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في نَفْسِها ومالِك» (٢).\nفهذا تحديد ووصفٌ للمرأة الصالحة وأنها الجميلة المطيعة البارَّة، الأمينة، ومن المزايا التي ينبغي توفرها في المرأة الصالحة المخطوبة: أن تكون من بيئة كريمة، معروفة باعتدال المزاج، وهدوء الأعصاب، والبعد عن الانحرافات النفسية؛ فإنها أجدر أن تكون حانَّة على ولدها، بارة بزوجها، عابدة لربها. فقد خطب رسول الله - ﷺ - أمَّ هاني، فاعتذرت إليه بأنها صاحبة أولاد.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ\n_________\n(١) منظومة البيحاني في تربية البنين (ص ٥).\n(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٣١٠ رقم ٨٩٦١)، والطبري في تفسيره (٥/ ٦٠)، والطيالسي في مسنده برقم ٢٣٢٥، والديلمي في مسند الفردوس (٢/ ١٨١ رقم ٢٩١٢)، والحاكم (٢/ ١٧٥ رقم ٢٦٨٢، ٢٦٨٣) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حزم في المحلى (١٠/ ٣٣٤): هذا خبر صحيح.","vol":"1","page":43},{"text":"الْإِبِلَ صالحُ نِساءُ قُرَيشٍ، أَحْنَاهُ (١) على ولَدٍ في صِغرهِ، وَأَرْعَاهُ (٢) على زَوْجٍ في ذَاتِ يَدِهِ» (٣).\nوطبيعة الأصل الكريم أن يتفرع عنه مثله. فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «النَّاسُ مَعادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهبِ والفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الْإِسْلَامِ إذا فَقُهُوا» (٤).\nفالمنبت الحسن يخرج نباته حسنًا، والمنبت السوء لا يخرج إلا سوءًا والعياذ بالله، والغصن كما قال القائل من منبته.\nوكما أن الزوجة سوف تكون ربةً لبيت الرجل، وتكون راعية في بيته، ومسؤولة عن رعيتها، كما ورد في السنة عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ على أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ على بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ» (٥).\n_________\n(١) أحناه: أكثر شفقة.\n(٢) أرعاه: أحفظه وأصون في ماله.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب إلى من ينكح برقم ٥٠٨٢، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل نساء قريش، برقم ٢٥٢٧.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب قول الله تعالى: (يا أيُّهَا النَّاس إنَّا خَلَقْنْاكُمْ)، برقم ٣٤٩٣، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب الأرواح جنود مجندة، برقم ٢٦٣٨/ ١٦٠.\n(٥) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، برقم ٨٩٣، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل ... برقم ١٨٢٩.","vol":"1","page":44},{"text":"فحريٌّ بالمرأة الصالحة التي تراقب الله أن تحافظ على أولادها، وعلى بيت زوجها، وكل ما يختص به من شؤون البيت ورعاية الأولاد، فهي تعلم أن طاعة زوجها من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله، فهي تُنَفِّذ أمر الله وتطيع زوجها في غير معصية الله ﵎.\nوعلى المرء أن يبحث عن الزوجة الصالحة، ويسأل الخالق الذي يعلم الغيب ويعلم ما تُكنُّ الضمائر، أن يرزقه زوجةً صالحةً، وأن يكون أكثر دعائه ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ (١).\nقال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: إنها تشمل كل مطلوب دنيوي: من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، إلى غير ذلك؛ فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا (٢).\nومما ينبغي للرجل المسلم أثناء بحثه عن الزوجة الصالحة ألا يغفل عن المرأة الولود الودود؛ فإن الزواج بالمرأة الصالحة التي لا تلد لا يكون مساعدًا على إنجاب الأولاد، الذين سوف يخدمون الإسلام، وقد ورد في هذا الجانب نصوص من الشريعة الإسلامية تحث على الزواج بالمرأة الولود الودود، فقد أخرج أبو داود بسنده\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٠١.\n(٢) تفسير ابن كثير، (١/ ٢٤٤ – ٢٤٥).","vol":"1","page":45},{"text":"عن معقل بن يسار أن رسول الله - ﷺ - قال: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ» (١).\nوقد اعتبرت الشريعة الإسلامية الذرية من مظاهر الأنس والبهجة في الحياة، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٢)، فالأولاد زينة.\nكما اعتبرت الشريعة الإسلامية الأولاد من مصادر النفع والخير في الحياة الدنيا، وبعد الممات. فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: «إذا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إلا من ثَلَاثَةٍ: إلا من صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - وفيه: «... إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول: أنَّى هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك» هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ أحمد: «إن الله - ﷿ - ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب النهي عن التزوج من لم يلد من النساء، برقم ٢٠٥٠، والحاكم (٢/ ١٧٦، رقم ٢٦٨٥)، والبيهقي في سننه الكبرى (٧/ ٨١ رقم ١٣٢٥٣)، وصححه الحاكم ونقل تصحيحه المنذري في ترغيبه (٣/ ٣١ رقم ٢٩٥٨) وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٩٤٠. وقال في صحيح سنن أبي داود (١/ ٥٧٤ رقم ٢٠٥٠): حسن صحيح.\n(٢) سورة الكهف، الآية: ٤٦.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم ١٦٣١.","vol":"1","page":46},{"text":"لك» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علَّمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا وَرَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «سبع يجري أجرها للعبد بعد موته وهو في قبره: من عَلَّم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا، أو ورَّث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته» (٣).\nوحتى لو مات ولده قبله يحصل على الأجر العظيم؛ لحديث أبي سلمى راعي رسول الله - ﷺ - يرفعه: «بخٍ بخٍ – وأشار بيده الخمس – ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفَّى للمرء المسلم فيحتسبه» (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الأدب، باب بر الوالدين، برقم ٣٦٦٠، وأحمد في المسند (١٦/ ٣٥٦ رقم ١٠٦١٠)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٣/ ٢١٤)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم ١٥٩٨، وقال عنه محققو المسند (١٦/ ٣٥٦): «إسناده حسن».\n(٢) ابن ماجه في المقدمة، باب ثواب معلم الناس الخير، برقم ٢٤٢، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ٩٨)، وفي إرواء الغليل (٦/ ٢٩).\n(٣) أبو نعيم في حليةالأولياء، بلفظه (٢/ ٣٤٤)، والبيهقي في الجامع لشعب الإيمان (٥/ ١٢٢ – ١٢٣)،وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٤٠، ٥٦٦، و٢/ ٦٩٩).\n(٤) ابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٣٣)، وابن حبان في صحيحه، برقم ٢٣٢٨، «موارد»، والحاكم (١/ ٥١١)، وصححه ووافقه الذهبي برقم ١٤٠٨، وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٠٤، وفي صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٤١٦، رقم ٢٣٢٨).","vol":"1","page":47},{"text":"وفضل تربية البنات والإحسان إليهن ثابت في الأحاديث الصحيحة، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو» وضم أصابعه (١)، وفي الترمذي: «وأشار بأصبعيه» (٢).\nوعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته (٣) كُنَّ له حجابًا من النار يوم القيامة» (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم تدركه ابنتان فيُحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة» (٥).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة، باب الإحسان إلى البنات، برقم ٢٦٣١.\n(٢) الترمذي برقم ١٩١٤.\n(٣) جِدته: أي من غناه.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الأدب، باب بر الولد والإحسان إلى البنات، برقم ٣٦٦٩، والبخاري في الأدب المفرد (رقم ٧٦)، وصححه الألباني في الصحيحة، برقم ٢٩٤، وفي صحيح ابن ماجه (٣/ ٢١٥)، وصحيح الأدب المفرد (ص٥٧).\n(٥) البخاري في الأدب المفرد (رقم ٧٧)، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب بر الولد والإحسان إلى البنات، برقم ٣٦٧٠، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص ٥٧)، وفي صحيح ابن ماجه (٣/ ٢١٥)، وفي الصحيحة، رقم ٢٧٧٥.","vol":"1","page":48},{"text":"له ثلاث بنات يؤويهنَّ، ويكفيهنَّ، ويرحمهنَّ، فقد وجبت له الجنة البتة» فقال رجل من بعض القوم: واثنتين يا رسول الله؟ قال: «واثنتين» (١).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يكون لأحد ثلاثُ بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان، أو أُختانِ، فيتقي الله فيهنَّ، ويُحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من عال ابنتين، أو ثلاثًا، أو أختين، أو ثلاثًا حتى يَبِنَّ (٣) أو يموت عنهنَّ كنتُ أنا وهوَ في الجنةِ كهاتَيْنِ» وأشار بأصبعهِ الوُسطى والتي تليها (٤).\n_________\n(١) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٧٨، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص ٥٨)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٩٤، ٢٤٩٢.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب في بر الوالدين، برقم ٥١٤٧، ٥١٤٨، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في النفقة على البنات والأخوات، برقم ١٩١٢، ١٩١٦، وابن حبان (٢/ ١٩١، برقم ٤٤٦، وأحمد في المسند (١٧/ ٤٧٦ رقم ١١٣٨٤، و١٨/ ٤١٣، رقم ١١٩٢٤)، والحديث قال عنه شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان (٢/ ١٩٠): «ومتن الحديث صحيح» وقال عنه محققو مسند الإمام أحمد: (١٧/ ٤٧٦): «حديث صحيح لغيره» وقال عنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٤٢٩: «صحيح لغيره» وأخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم ٧٩، وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص ٥٨): «حسن». وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٩٤، (١/ ١٨٣).\n(٣) يَبنَّ: أي ينفصلن عنه بتزويج أو موت. حاشية مسند الإمام أحمد (١٩/ ٤٨١).\n(٤) أحمد في المسند (١٩/ ٤٨١) برقم ١٢٤٩٨، و(٢٠/ ٤٨) برقم ١٢٥٩٣، وعبد بن حميد برقم ١٣٧٨، وابن حبان في صحيحه (٢/ ١٩١) برقم ٤٤٧، وغيرهم كثير، قال محققو مسند الإمام أحمد (١٩/ ٤٨١): «إسناده صحيح على شرط الشيخين» وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان (٢/ ١٩١): «إسناده صحيح على شرط الشيخين». وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٤٢٨): «صحيح»، وانظر: أحاديث كثيرة في ذلك سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (١/ ١٨٤ – ١٨٦) وأصل الحديث في صحيح مسلم برقم ٢٦٣١: «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو» وضم أصابعه. والجارية هي البنت الصغيرة، فتدخل الأخت في ذلك، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":49},{"text":"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرةً؛ لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صَنَعَتْ لرسول الله - ﷺ - فقال: «إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار» (١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: دخلت عليَّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرةٍ، فأعطيتها إيَّاها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت وخرجت، فدخل النبي - ﷺ - فأخبرته فقال: «من ابتُلي من هذه البنات بشيء [فأحسن إليهنّ] كنَّ له سترًا من النار» (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة، باب الإحسان إلى البنات برقم ٢٦٣٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة، والقليل من الصدقة، برقم ١٤١٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب الإحسان إلى البنات، برقم ٢٦٢٩.","vol":"1","page":50},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الجمع بين الحديثين السابقين: «ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها في حديث عروة: فلم تجد عندي غير تمرة واحدة: أي أخصها بها، ويحتمل أنها لم تكن عندها في أول الحال سوى واحدة فأعطتها ثم وجدت ثنتين، ويحتمل تعدد القصة» (١).\nفالأولاد نعمة من الله تعالى، وهبة من هباته، قال الله - ﷿ -: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُور * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ أي: يجمع لمن يشاء سبحانه بين الذكور والإناث فضلًا منه وإحسانًا.\nفنفع الأولاد الصالحين يعود على الوالدين في الدنيا والآخرة، والآيات والأحاديث في الحث على طلب الأولاد كثيرة جدًا.\nوإذا كانت شريعتنا الغراء قد حثَّت على طلب الزوجة الصالحة، فإنها قد حثَّت كذلك الآباء على تزويج بناتهم رجالًا صالحين، فعلى الأب أن يجتهد في اختيار الرجل الكفء الذي يتمتع بالخلق الحميد، والدين القويم، وصفاء العقيدة، وأن يكون لديه القدرة على تحمل الأمانة، وحفظ المرأة، وصيانتها، والوفاء بجميع حقوقها، والذي إذا أحبها أكرمها، وإذا أبغضها لم يُهنها، فعن\n_________\n(١) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، لابن حجر (١٠/ ٤٢٨).\n(٢) سورة الشورى، الآيتان: ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":51},{"text":"أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» (١).\nفقد بيَّن النبي - ﷺ - ما سيحدث للآباء من الأخطار\nالجسيمة، والمفاسد الكبيرة التي تنتظرهم إذا لم يختاروا لبناتهم، أو من ولاَّهم الله رعايته: من بنات، أو أخوات، أو أقرباء - الرجال العقلاء، الذين يعرفون ما يسرّهم وما يضرّهم؛ فإن العاقل\nالحازم هو الذي يحافظ على دينه، وشرفه، ويراقب ربه؛ لأنه يعلم أنه يراه، وسوف يحاسبه على ما عمل من عمل، ويُثيبه على كل ما يتقرب إليه به من الأعمال الصالحة، فهذا الرجل لا يمكن إن شاءالله أن يظلم من يتولَّى شؤونه: من زوجة وولد ... وغيرهم، كما أنه سوف يُعين هذه المرأة المسكينة على المحافظة على دينها، وشرفها؛ فإنها ولو كانت صالحة وتزوجت برجل لا يراقب مولاه، ولا يخشاه، فربما أضلَّها عن السبيل؛ لأن المرأة في الغالب على دين زوجها.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه (رقم ١٠٨٤)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٤١ – ١٤٢ رقم ٤٤٦)، وفي لفظٍ للترمذي (١٠٨٥): «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد»، قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه» ثلاث مرات. والحاكم (٢/ ١٧٩ رقم ٢٦٩٥) وصححه، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (١/ ٥٥١ رقم ١٠٨٤ ورقم ١٠٨٥): حسن صحيح.","vol":"1","page":52},{"text":"فالآباء إذا أحسنوا اختيار الرجل الصالح لبناتهم، فقد اجتهدوا وألقوا الأمانة من على أكتافهم إلى رجال صالحين، سوف يحملون هذه الأمانة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (١).\nوالخلاصة أن من أسباب صلاح الذرية في هذا المبحث ما يأتي:\n١ – التأكد من صلاح الزوجة في دينها وحسن خلقها، وأن تكون ودودًا ولودًا.\n٢ – التأكد من صلاح الزوج في دينه وخلقه، وأمانته.\n٣ – التأكد من صلاح أبوي الزوجين، وأولادهما: إخوة الزوجة، وإخوة الزوج؛ لأن أخلاق الوالدين وأخلاق إخوة الزوجين لها تأثير على أولاد الزوجين؛ لأن هذه الأخلاق تورث كما يورث الشَّبه في الغالب؛ ولأن العرق دسَّاس، وكذلك ينبغي أن يتَّصفوا بالسماحة، والشجاعة، والكرم، وحسن الخلق.\n٤ – الدعاء عند الدخول وبعده؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنِّبنا الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنه إن قُدِّر\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٧٢.","vol":"1","page":53},{"text":"بينهما ولدٌ لم يضره شيطان أبدًا» (١).\n٥ – أن يكون الأبوان قدوة صالحة لأولادهما.\n* ... * ... *\n_________\n(١) مسلم، كتاب النكاح، باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع، (رقم ١٤٣٤).","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الثالث: العقيقة واختيار الاسم الحسن حقٌّ للأولاد على الآباء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>أولًا: مفهوم العقيقة: لغة واصطلاحًا:</span>\nالعقيقة لغة: مشتقة من العقِّ، وهو القطع؛ وأصل العق: الشق والقطع، وقيل للذبيحة عقيقة؛ لأنها يُشقُّ حلقها، ويقال للشعر الذي يخرج على رأس المولود من بطن أمه: عقيقة؛ لأنه يُحلق، وقد جعل الزمخشري الشعر أصلًا، والشاة المذبوحة مشتقة منه (١).\nوالعقيقة شرعًا: الشاة التي تذبح عن المولود في اليوم السابع من ولادته عند حلق شعره (٢)، وهي من حقوق الولد على والده.\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «العقيقة: الذبيحة التي تذبح عن المولود، وقيل: هي الطعام الذي يصنع ويُدعى إليه من أجل المولود» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثانيًا: حكم العقيقة عن المولود: الذكر والأنثى:</span>\nالعقيقة سنة مؤكدة، سنَّها رسول الله - ﷺ - (٤)؛ للأحاديث الآتية:\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٣/ ٢٧٦).\n(٢) المرجع السابق (٣/ ٢٧٦)، ومعجم لغة الفقهاء، للروَّاس، (ص ٢٨٨)، والقاموس الفقهي لغة واصطلاحًا لسعدي أبو جيب (ص ٢٥٨).\n(٣) المغني لابن قدامة (١٣/ ٣٩٢)، وقال: «قال أبو عُبيد: الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود، وجمعها: عقائق ... ثم إن العرب سمَّت الذبيحة عند حلق شعره: عقيقة على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه، أو مجاوره، ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية، وصارت العقيقة مغمورة فيه، فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة، وقال ابن عبد البر: أنكر أحمد هذا التفسير، وقال: إنما العقيقة: الذبح نفسه ...».\n(٤) اختلف العلماء في حكم العقيقة على أقوال:\nالقول الأول: العقيقة سنة مؤكدة، قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني (١٣/ ٣٩٣): «والعقيقة سنة في قول عامة أهل العلم، منهم ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وفقهاء التابعين، وأئمة الأمصار».\nالقول الثاني: العقيقة ليست سنة، وهي من أمر الجاهلية، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. [المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٩٣].\nالقول الثالث: العقيقة واجبة، وبه قال الحسن، وداود، وروي عن بريدة، واستدلوا بحديث سمرة: «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه»؛ ولأحاديث الأمر بالعقيقة، وقالوا: ظاهر الأمر الوجوب. [المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٩٤].\nثم رد ابن قدامة على من قال: بأن العقيقة واجبة، وعلى أبي حنيفة وأصحابه الذين قالوا: إن العقيقة من أمر الجاهلية، فقال ﵀: «ولنا على استحبابها هذه الأحاديث: وعن أم كُرْزٍ الكعبية، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «عن الغلام شاتان، مكافئتان، وعن الجارية شاة»، وفي لفظ: «عن الغلام شاتان مثلان، وعن الجارية شاة» [رواه أبو داود، برقم ٢٨٣٤]، وفي رواية قال: «العقيقة عن الغلام شاتان».\nوالإجماع، قال أبو الزناد: العقيقة من أمر الناس، كانوا يكرهون تركه، وقال أحمد: العقيقة سنة عن رسول الله - ﷺ -، وقد عقَّ عن الحسن والحسين، وفعله أصحابه، وقال النبي - ﷺ -: «الغلام مرتهن بعقيقته»، وهو إسناد جيد، يرويه أبو هريرة عن النبي - ﷺ -.\nوجعلها أبو حنيفة من أمر الجاهلية؛ وذلك لقلة علمه ومعرفته بالأخبار.\nوأما بيان كونها غير واجبة، فدليله ما احتج به أصحاب الرأي من الخبر». [قلت: وهو قولهم] «روي عن النبي - ﷺ - أنه سئل عن العقيقة فقال: «إن الله تعالى لا يحب العقوق» [أحمد،٢/ ١٨٢]، فكأنه كره الاسم، وقال: «من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل» رواه مالك في موطئه»، ثم قال ابن قدامة عن قول أصحاب الرأي: «وما رووه محمول على الاستحباب جمعًا بين الأخبار؛ ولأنها ذبيحة لسرورٍ حادثٍ، فلم تكن واجبة، كالوليمة، والنقيعة [طعام القادم من السفر] [المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥].\nوقال شيخنا ابن باز في مجموع فتاويه (١٨/ ٤٨): «العقيقة سنة مؤكدة، وليست بواجبة». وانظر: مجموع فتاوى اللجنة الدائمة (١١/ ٤٣٩).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الحديث الأول: </span>حديث سلمان بن عامر الضبِّي، قال: سمعت","vol":"1","page":56},{"text":"رسول الله - ﷺ - يقول: «مَعَ الْغُلاَمِ عَقِيقَتُهُ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى» هذا لفظ البخاري وأهل السنن الأربع، ولفظ أحمد: «مع الغُلام عقيقتُهُ، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى»، وقال: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم صلةٌ وصدقة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الحديث الثاني: </span>حديث سمرة بن جُندبٍ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «كل غُلَام رهينةٌ بعقيقته، تذبح عَنهُ يَوْم سابعه، وَيُسَمَّى فِيهِ، ويُحلقُ رَأسُهُ» (٢).\n_________\n(١) البخاري، كتاب العقيقة، باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة، (رقم ٥٤٧١، ٥٤٧٢)، وأحمد في المسند (٢٦/ ٩٧٠، رقم ٦٢٣١)، وقد أخرجه أحمد في مواضع بأرقام، هي: (١٦٢٢٦، ١٦٢٢٩، ١٦٢٣٠، ١٦٢٣٢، ١٦٢٤٠، ١٦٢٤١، ١٧٨٧١، ١٧٨٧٣، ١٧٨٧٥، ١٧٨٨٥، ١٧٨٨٦)، وأبو داود (رقم ٢٨٣٩)، والترمذي (رقم ١٥١٥)، والنسائي (رقم ٤٢١٤).\n(٢) أحمد في المسند، (٣٣/ ٢٧١، برقم ٢٠٠٨٣، ورقم ٢٠١٩٣، ورقم ٢٠١٩٤)، وأبو داود، كتاب الضحايا، بابٌ في العقيقة (رقم ٢٨٣٨)، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب من العقيقة (رقم ١٥٢٢)، والنسائي، كتاب العقيقة، باب متى يعق (رقم ٤٢٢٠)، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب العقيقة، (رقم ٣١٦٥)، وقد صح سماع الحسن من سمرة بن جندب، فإنه صرَّح بالسماع، فقد روى البخاري في إثر حديث سلمان بن عامر الضبّي عن عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته فقال: من سمرة بن جندب» [صحيح البخاري، قبل الحديث رقم ٥٤٧٣]، وقال محققو مسند أحمد (٣٣/ ٢٧١): «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، وقد صرّح الحسن البصري بسماعه لهذا الحديث من سمرة». والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (٢/ ١٩٦ رقم ٢٨٣٨) وفي سائر السنن.","vol":"1","page":57},{"text":"قال الإمام ابن الأثير ﵀: «كل غُلام رَهِينة بعَقيقته» الرَّهينة: الرَّهْن، والهاءُ للمبالغة، كالشَّتِيمة والشتْم، ثم استُعْمِلا بمعنى المَرْهُون، فقيل: هو رَهْن بكذا، ورَهِينَة بكذا، ومعنى قوله - ﷺ -: «رهينة بعقَيِقته» أن العقَيِقَة لازِمةٌ له لا بُدَّ منها، فشبَّهه في لُزومها له، وعَدم انْفِكاكه منها بالرَّهن في يَدِ المُرْتَهن، قال الخطابي: تكلَّم الناسُ في هذا، وأجْودُ ما قيل فيه ما ذَهب إليه أحمدُ بن حنْبَل، قال: هذا في الشفاعَةِ، يريدُ أنه إذا لم يُعَقَّ عنه فمات طِفلًا لم يَشْفَع في والدَيه، وقيل: معناه أنه مَرهون بأذَى شَعَره، واستدَلُّوا بقوله: «فأمِيطُوا عنه الأذَى» وهو ما عَلق به من دَم الرَّحِم» (١) (٢).\nوقال العلامة ابن القيم ﵀: «والرهن في اللغة: الحبس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣)،وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنّهُ رَهِينَةٌ فِي نَفْسِهِ، مَمْنُوعٌ مَحْبُوسٌ عَنْ خَيْرٍ يُرَادُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ حُبِسَ بِتَرْكِ أَبَوَيْهِ الْعَقِيقَةَ عَمّا يَنَالُهُ\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٨٥).\n(٢) وقال الإمام السندي في حاشيته على سنن النسائي (٧/ ١٦٦): «وقال التوربشتي: أي إنه كالشيء المرهون، لا يتم الانتفاع به دون فكّه، والنعمة إنما تتم على المنعم عليه بقيامه بالشكر، ووظيفته، والشكر في هذه النعمة: ما سنَّه النبي - ﷺ -، وهو أن يعق عن المولود شكرًا لله تعالى، وطلبًا لسلامة المولود، ويحتمل أنه أراد بذلك: أن سلامة المولود، ونشوؤه على النعت المحمود رهينة بالعقيقة ...».\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار (٣/ ٥٠٣): «... وقيل: إنه مرهون بالعقيقة، بمعنى: أنه لا يُسمَّى، ولا يحلق شعره إلا بعد ذبحها، وبه صرّح صاحب المشارق ...».\n(٣) سورة المدثر، الآية: ٣٨.","vol":"1","page":58},{"text":"مَنْ عَقّ عَنْهُ أَبَوَاهُ، وَقَدْ يَفُوتُ الْوَلَدَ خَيْرٌ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ الْأَبَوَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَسْبِهِ، كَمَا أَنّهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ إذَا سَمّى أَبُوهُ لَمْ يَضُرّ الشّيْطَانُ وَلَدَهُ، وَإِذَا تَرَكَ التّسْمِيَةَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَلَدِ هَذَا الْحِفْظُ، وَأَيْضًا؛ فَإِنّ هَذَا إنّمَا يَدُلّ عَلَى أَنّهَا لَازِمَةٌ لَا بُدّ مِنْهَا، فَشَبّهَ لُزُومَهَا وَعَدَمَ انفكاك المولود عنها بالرهن، وقد يستدل بهذا من يرى وجوبها: كَاللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، وَأَهْلِ الظّاهِرِ، وَاَلله أَعْلَمُ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الحديث الثالث: </span>حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن العقيقة، فقال: «لا يحبُّ الله العقوق» وكأنه كره الاسم، قال لرسول الله - ﷺ -: إنما سألك: أحدُنا يولَدُ له؟ فقال: «من أحب أن ينْسُك عن ولده، فلينسك عنه، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية: شاة»، قال داود [راويه]: سألت زيد بن أسلم عن «المكافئتان؟» قال: الشاتان: المشبَّهتان تذبحان جميعًا، وهذا لفظ النسائي، ولفظ أحمد: سُئل عن العقيقة فقال: «إن الله لا يحب العقوق» وكأنه كره الاسم، قالوا: يا رسول الله، إنما نسألك عن أحدنا يولد له؟ قال: «من أحب منكم أن ينسك عن ولده\n_________\n(١) زاد المعاد (٢/ ٣٢٦)، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، لابن القيم (٢/ ٣٢٦): «المقصود بقوله: «كل غلام رهينة بعقيقته»: الله أعلم بمراده، وتفسيره بأنه محبوس عن الشفاعة لوالديه لا دليل عليه، فهو مرتهن، وقد يكون كما قال المؤلف: محبوس عن خير يُراد به، أو غيره، والعلم عند الله، المهم أنه مرتهن بعقيقته حتى يُعقّ عنه».","vol":"1","page":59},{"text":"فليفعل، عن الغلام: شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة»، ولفظ أبي داود: «لا يحب الله العقوق» كأنه كره الاسم، وقال: «من ولد له ولد فأحبَّ أن ينسك عنه فلينسك: عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الحديث الرابع: </span>حديث عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة»، وهذا لفظ أحمد، وفي لفظ له آخر: «أمرنا رسول الله - ﷺ -: أن نعقَّ عن الجارية شاة، وعن الغلام شاتين»، ولفظ الترمذي: «أن رسول الله - ﷺ - أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتانِ، وعن الجارية شاة» (٢).\nومعنى: «مكافأتان»، و«مكافئتان» واحد: والمعنى يجزئ في عقيقته: شاتان متساويتان في السن، والشَّبه، ولا ينزل سنهما عن سنِّ أدنى ما يجزئ في الأضحية، وتذبحان جميعًا (٣).\n_________\n(١) النسائي، كتاب العقيقة، (رقم ٤٢١٢)، وأبو داود، كتاب الضحايا، بابٌ في العقيقة، (رقم ٢٨٤٢)، وأحمد، (٢/ ١٨٢)، والنسخة المحققة، (رقم ٦٧١٣، ٦٨٢٢)، وقال الألباني في صحيح النسائي (٣/ ١٣٧): «حسن صحيح»، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، (رقم ١٦٥٥)، وإرواء الغليل (٤/ ٣٦٢). وحسنه في صحيح سنن أبي داود (٢/ ١٩٧ رقم ٢٨٤٢).\n(٢) أحمد (٤٠/ ٣٠، رقم ٢٤٠٢٨، ورقم ٢٥٢٥٠، ورقم ٢٦١٣٤)، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما جاء في العقيقة، (رقم ١٥١٣)، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب العقيقة، (رقم ٣١٦٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (٢/ ١٦٤ رقم ١٥١٣)، وفي صحيح ابن ماجه (٣/ ٩٢).\n(٣) وذكر ابن حجر عن زيد بن أسلم أنه سئل عن قوله: «مكافئتان» فقال: متشابهتان تذبحان جميعًا، أي لا يؤخر ذبح إحداهما عن الأخرى، وحكى أبو داود عن أحمد: المكافأتان: المتقاربتان، قال الخطابي: أي في السنِّ، وقال الزمخشري: معناه: متعادلتان لما يجزئ في الزكاة والأضحية، وأولى من ذلك كله ما وقع في رواية سعيد بن منصور في حديث أم كرزٍ من وجه آخر عن عبيد بن أبي يزيد بلفظ: «شاتان مثلان»، ووقع عند الطبراني في حديث آخر، قيل: ما المكافئتان؟ قال: المثلان، وما أشار إليه زيد بن أسلم: من ذبح إحداهما عقب الأخرى حسن، ويحتمل الحمل على المعنيين معًا» [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٩٢]، وانظر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، (٥/ ١٠٣).\nوقال الإمام السندي الحنفي في شرحه على سنن ابن ماجه، ٣/ ٥٤٩: «قوله عن الغلام» أي يجزئ في عقيقته: «شاتان مكافئتان» - بالهمز -، أي: متساويتان في السن، بمعنى أن لا ينزل سنهما عن سنِّ أدنى ما يجزئ في الأضحية، وقيل: متساويتان: أي متقاربتان، وهو من كسر الفاء، من مكافأه: إذا ساواه، قال الخطابي: المحدثون يفتحون الفاء «مكافأتان»، وأراد أنه أولى؛ لأنه يريد أن يساوى بينهما، وأما بالكسر «مكافِئتان» فلا، وقال الزمخشري: لا فرق بين الفتح والكسر؛ لأن كل واحدة إذا كانت أختها فقد كوفئت، فهي كافية ومكافأة.\nحاصله: أن الأصل في الفتح والكسر: اعتبار المساواة بالنظر إلى ثالث، فعلى الكسر هما يساويان الثاني، وعلى الفتح يساويهما ثالث، كما هو شأن باب المفاعلة، فإن اكتفى بمساواة إحداهما الأخرى فيصح الفتح والكسر جميعًا. فإن كل واحدة فاعلة لهذه المساواة، ومفعولة، ثم قال الزمخشري: يحتمل أن معناه: متساويتان لما يجب في الأضحية في السِّنَّيْن، ويحتمل مع الفتح: أن يراد مذبوحتان، من كافأ الرجل بين بعيرين إذا نحر هذا ثم هذا معًا، من غير تعيين: كأنه يريد شاتين يذبحهما معًا». وانظر أيضًا: حاشية السندي على سنن النسائي، (٧/ ١٦٤).","vol":"1","page":60},{"text":"وأما قوله - ﷺ -: «لا يحب الله العقوق» فقد قال الإمام ابن عبد البر ﵀: «وفي هذا الحديث كراهية ما يقبح معناه من الأسماء، وكان رسول الله - ﷺ - يحب الاسم الحسن، ويعجبه الفأل الحسن ... وكان الواجب بظاهر الحديث أن يقال للذبيحة عن المولود: نسيكة ولا يقال: عقيقة، لكني لا أعلم أحدًا من العلماء مال إلى ذلك، ولا قال","vol":"1","page":61},{"text":"به، وأظنهم - والله أعلم - تركوا العمل بهذا المعنى المدلول عليه من هذا الحديث؛ لما صح عندهم من لفظ العقيقة ...»، ثم ذكر حديث سمرة بن جندب - ﵁ -: «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويُسَمَّى فيه، ويحلق رأسه» (١).\nوحديث سلمان العنسي - ﵁ -: «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى» (٢)، ثم قال: «... وهما حديثان ثابتان، إسناد كل واحد منهما خير من إسناد حديث زيد بن أسلم هذا» (٣).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في العقيقة: «لا حرج في تسميتها بالعقيقة؛ لتسمية النبي - ﷺ -[لها بذلك] في الأحاديث الصحيحة» (٤) (٥).\n_________\n(١) أحمد، (٣٣/ ٢٧١، رقم ٢٠٠٨٣، ٢١٩٣، ٢١٩٤)، وأبو داود، (رقم ٢٨٣٨)، وبقية أصحاب السنن وتقدم تخريجه. وصححه الألباني في إرواء الغليل (٤/ ٣٨٥، ٣٩٤).\n(٢) البخاري، (رقم ٥٤٧١، ٥٤٧٢)، بنحوه، وأحمد في المسند، (٢٦/ ١٧٠ رقم ٦٢٣١)، وتقدم تخريجه.\n(٣) التمهيد لابن عبد البر، (٤/ ٣٠٥ – ٣٠٦).\n(٤) سمعته من شيخنا ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث (رقم ٥٤٧٢). وسمعته أيضًا يقول أثناء تقريره على زاد المعاد لابن القيم، (٢/ ٣٢٥): «... العقيقة سنة مؤكدة، وهي كالأضحية: يأكل، ويهدي، ويتصدق، وفي الأحاديث الصحيحة سمَّاها [النبي]- ﷺ -، فقال: «كل غلام رهينة بعقيقته» فلا بأس بتسميتها عقيقة»، وسمعته يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، (٢/ ٣٣٢)، عن خبر جعفر بن محمد عن أبيه: يرفعه مرسلًا: «ابعثوا إلى بيت القابلة برجل، وكلوا، وأطعموا، ولا تكسروا منها عظمًا» [أخرجه البيهقي، (٩/ ٣٠٢)، وأبو داود في المراسيل]، قال شيخنا: وهذا مرسل، والمرسل لا حجة فيه، فيأكل، أو يهدي، أو يتصدق ما تيسَّر، وكسر العظم لا بأس به، وذكر بعضهم أن هذا يترك تفاؤلًا».\n(٥) وقال العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب تحفة المودود بأحكام المولود، (ص ٣٧): «الفصل السادس: هل تكره تسميتها عقيقة: اختلف فيه، فكرهت ذلك طائفة، واحتجوا بأن رسول الله - ﷺ - كره الاسم، فلا ينبغي أن يطلق على هذه الذبيحة الاسم الذي كرهه، قالوا: فالواجب بظاهر هذا الحديث أن يقال لها: نسيكة، ولا يقال لها عقيقة.\nوقالت طائفة أخرى: لا يكره ذلك، ورأوا إباحته، واحتجوا بحديث سمرة: «الغلام مرتهن بعقيقته»، وبحديث سلمان بن عامر: «مع الغلام عقيقة»، ففي هذين الحديثين لفظ العقيقة، فدل على الإباحة، لا على الكراهة، قال أبو عمر: .. وعلى هذا كتب الفقهاء في كل الأمصار ليس فيها إلا العقيقة لا النسيكة، قال: على أن حديث مالك هذا ليس فيه التصريح بالكراهة، وكذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إنما فيهما: كأنه كره الاسم، وقال: «من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل».\nثم قال ابن القيم ﵀: «قلت: ونظير هذا اختلافهم في تسمية العشاء بالعتمة، وفيه روايتان عن أحمد، والتحقيق في الموضعين كراهة هجر الاسم المشروع: من العشاء والنسيكة، والاستبدال به اسم العقيقة والعتمة، فأما إذا كان المستعمل هو الاسم الشرعي، ولم يهجر، وأطلق الاسم الآخر أحيانًا فلا بأس بذلك، وعلى هذا تتفق الأحاديث وبالله التوفيق» انتهى كلام ابن القيم ﵀، (ص ٣٧).\nوقال العلامة السندي ﵀ في حاشيته على سنن النسائي، (٧/ ١٦٢ – ١٦٣): «وكأنه كره الاسم» يريد أنه ليس فيه توهين لأمر العقيقة، ولا إسقاط لوجوبها، وإنما استبشع الاسم وأحب أن يسميه بأحسن منه، كالنسيكة، والذبيحة، ولذلك قال: «من أحب أن ينسُك عن ولده» بضم السين: أي يذبح، قال: التوربشتي: هذا الكلام هو كأنه كره الاسم غير سديد، أُدرج في الحديث من قول بعض الرواة، ولا يُدرى من هو، وبالجملة فقد صدر عن ظن يحتمل الخطأ، والظاهر أنه ها هنا خطأ؛ لأنه - ﷺ - ذكر العقيقة في عدة أحاديث، ولو كان يكره لعدل عنه إلى غيره، ومن سنته تغيير الاسم إذا كرهه، والأوجه أن يقال: يحتمل أن السائل ظن أن اشتراك العقيقة مع العقوق في الاشتقاق مما يوهن أمرها، فأعلم النبي - ﷺ - أنَّ الذي كرهه الله تعالى من هذا الباب هو العقوق لا العقيقة، ويحتمل أن العقوق هنا مستعار للولد بترك العقيقة: أي لا يحب أن يترك الوالد حق الولد الذي هو العقيقة، كما لا يحب أن يترك الولد حق الوالد الذي هو حقيقة العقوق ... والله تعالى أعلم». انتهى كلام الإمام السندي.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>ثالثًا: وقت العقيقة:</span>\nالأفضل أن تذبح عن المولود اليوم السابع، وإن ذُبحت قبل ذلك بعد الولادة فلا بأس، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «فإن ذبحها قبل السابع جاز؛ لأنه فعلها بعد سببها، فجاز كتقديم الكفارة على الحنث ...» (١)، ولكن السنة أن تذبح في اليوم السابع، قال الإمام ابن قدامة: «وإن ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأه» (٢)، وقد دلَّت السنة الثابتة على مشروعية الالتزام بالسنة في اليوم السابع (٣)؛ لحديث\n_________\n(١) الكافي لابن قدامة، (٢/ ٤٩٨).\n(٢) المغني لابن قدامة، (١٣/ ٣٩٧).\n(٣) قال ابن القيم في تحفة المودود بأحكام المولود، (ص٤٣): «قال مالك: ولا يعد اليوم الذي ولد فيه، إلا أن يولد قبل الفجر من ليلة ذلك اليوم» وانظر: فتح الباري لابن حجر، (٩/ ٥٩٥).\nوقال أصحاب الموسوعة الفقهية، (٣٠/ ٢٧٨): «ذهب الشافعية، والحنابلة إلى أن وقت ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود، فلا تصح قبله، بل تكون ذبيحة عادية، وذهب الحنفية والمالكية إلى أن وقت العقيقة يكون في سابع الولادة، ولا يكون قبله، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن يوم الولادة يحسب من السبعة، ولا تحسب الليلة إن ولد ليلًا، بل يحسب اليوم الذي يليها، وقال المالكية: لا يحسب يوم الولادة في حق من ولد بعد الفجر، وأما من ولد مع الفجر أو قبله، فإن اليوم يحسب في حقه، وقالت المالكية: إن وقت العقيقة يفوت بفوات اليوم السابع، وقالت الشافعية: إن وقت الإجزاء في حق الأب ونحوه ينتهي ببلوغ المولود، وقال الحنابلة وهو قول ضعيف عند المالكية: إن فات ذبح العقيقة في اليوم السابع يسن ذبحها في الرابع عشر، فإن فات ذبحها فيه انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين من ولادة المولود، فيسن ذبحها فيه، وهو قول عند المالكية، وهذا مروي عن عائشة ﵂ ....»، قال ابن القيم في تحفة المودود بأحكام المولود، (ص٤٣): «والظاهر أن التقييد بذلك استحبابًا، وإلا فلو ذبح عنه في الرابع، أو الثامن، أو العاشر، أو ما بعده أجزأت، والاعتبار بالذبح لا بالطبخ والأكل».\nوقال سماحة شيخنا ابن باز في مجموع فتاويه، (٢٦/ ٢٦٦) في شأن من لم يُعقَّ عنه: «... يستحب أن يعق عن نفسه؛ لأن العقيقة سنة مؤكدة، وقد تركها والده، فشرع له أن يقوم بها إذا استطاع لعموم الأحاديث». وسمعته أيضًا يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، لابن القيم، (٢/ ٣٣٢): «والمقصود أن الإنسان إذا لم يعق عنه والده استحب له أن يعق عن نفسه؛ لأنها سنة، وكونها تجاوزت اليوم السابع لا يؤثر؛ لأنه من باب الأفضلية».\nوسمعت شيخنا ابن باز يذكر: أن من فاته اليوم السابع، فإنه لا يُحدِّد ذبح العقيقة بيومٍ معيَّن، فيذبح في أي وقت تيسر له.","vol":"1","page":64},{"text":"سمرة بن جندب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلق رأسُه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>رابعًا: مقدار ما يذبح في العقيقة:</span>\nالسنة أن يذبح عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ؛ للأحاديث الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الحديث الأول: </span>حديث أم كرز الكعبية ﵂، أن رسول الله - ﷺ - قال: «عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ»، هذا لفظ النسائي، وفي لفظٍ له أيضًا: قالت ﵂: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بِالْحُدَيْبِيَةِ أَسْأَلُهُ عَنْ لُحومِ الْهَدْيِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «عَلَى الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَلَى الْجَارِيَةِ شَاةٌ، لَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا»، ولفظ أبي داود: «عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ»، قال أبو داود: سمعت أحمد\n_________\n(١) أحمد (رقم ٢٠٠٨٣، ورقم ٢٠١٩٣)، وأبو داود، (رقم ٢٨٣٨)، والترمذي، (رقم ١٥٢٢)، والنسائي (رقم ٤٢٢٠)، وابن ماجه (رقم ٣١٦٥)،وصححه الألباني وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":65},{"text":"قال: مكافِئتان، أي مستويتان، أو متقاربتان»، وفي لفظ لأبي داود: قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مِثْلاَنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الحديث الثاني: </span>حديث ابن عمر ﵄ وفيه: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَنْسُكْ عَنْهُ: عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ»، هذا لفظ النسائي، ولفظ أبي داود: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ: عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الحديث الثالث: </span>حديث عائشة ﵂، قالت: «أمرنا رسول الله - ﷺ -: أن نعقَّ عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة» (٣).\n_________\n(١) النسائي، كتاب العقيقة، باب العقيقة عن الغلام، (رقم ٤٢١٥، ٤٢١٦، ٤٢١٧، ٤٢١٨)، وأبو داود، كتاب الضحايا، بابٌ في العقيقة، (رقم ٢٧٣٤، ورقم ٢٨٣٦)، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب الأذان في أذن المولود، (رقم ١٥١٦)، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب العقيقة، (رقم ٣١٦٢)، وأحمد (٤٥/ ١١٣، رقم ٢٧١٣٩، ورقم ٢٧١٤٢، ٢٧١٤٣، ٢٧٣٧١، ٢٧٣٧٢)، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٣/ ١٣٧ رقم ٤٢٢٣)، وفي سائر صحيح السنن الأربع.\n(٢) النسائي، (رقم ٤٢١٢)، وأبو داود، (رقم ٢٨٤٢)، وأحمد، (رقم ٦٧١٣، ٦٨٢٢)، وتقدم تخريجه في حكم العقيقة عن المولود، الحديث الثالث. والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ١٩٧ رقم ٢٨٤٢).\n(٣) الترمذي، (رقم ١٥١٣)، وابن ماجه، واللفظ له، (رقم ٣١٣٦)، وأحمد، (٤٠/ ٣٠، رقم ٢٤٠٢٨، ورقم ٢٥٢٥٠، ورقم ٢٦١٣٤)، وتقدم تخريجه في حكم العقيقة، الحديث الرابع. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٣/ ٩٢ رقم ٢٥٧٨).","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الحديث الرابع: </span>حديث ابن عباس ﵄، قال: «عقَّ رسول الله - ﷺ - عن الحسن والحسين - ﵃ -: بكبشين كبشين» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>الحديث الخامس: </span>حديث أسماء بنت يزيد ﵂، عن النبي - ﷺ - قال: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» (٢).\nوسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «السنة في العقيقة: شاتان عن الغلام، وشاة عن الجارية، ولا حرج أن يزيد إذا كان عنده ضيوف كثير ولا يكفيهم، والعقيقة أمرها واسع، سواء وزَّعها على إخوانه، أو أكل بعضًا وأهدى بعضًا، أو دعا عليها إخوانه، والسنة مثل الأضحية، وإزالة شعر الرأس بالحلق خاص بالغلام» (٣).\nوهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أن السنة أن يُذبح عن الغلام شاتان متماثلتان متقاربتان، وعن الجارية شاة، يتقرب بها\n_________\n(١) النسائي بلفظه، كتاب العقيقة، باب لم يعق عن الجارية، (رقم ٤٢١٩)، وأبو داود، كتاب الضحايا، بابٌ في العقيقة، (رقم ٢٨٤١)، بلفظ: كبشا كبشًا، وصححه الألباني في صحيح النسائي، (٣/ ١٣٩ رقم ٤٢٣٠)، وفي صحيح أبي داود، (٢/ ١٩٧)، وقال عن رواية النسائي: «بكبشين كبشين»، وهو الأصح.\n(٢) أحمد في المسند (٦/ ٤٥٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، رقم (٤١٠٥).\nوقد عزاه ابن حجر في فتح الباري، (٩/ ٥٩٢) بلفظ آخر إلى أحمد فقال: «وعند أحمد من حديث أسماء بنت يزيد عن النبي - ﷺ -: «العقيقة حق عن الغلام شاتان، مكافئتان، وعن الجارية شاة»، وبحثت له بهذا اللفظ في أحمد، فلم أجد إلا اللفظ الذي قبل هذا. وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم ٤١٣٣).\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث (رقم ٥٤٧٢).","vol":"1","page":67},{"text":"العبد إلى الله تعالى شكرًا على نعمته بهذا المولود (١).\n_________\n(١) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وهذه الأحاديث حجة الجمهور في التفرقة بين الغلام والجارية، وعن مالك: هما سواء، فيعق عن كل واحد منهما شاة، واحتج بما جاء: «أن النبي - ﷺ - عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا»، [أخرجه أبو داود، برقم ٢٨٤١]، فقد أخرجه أبو الشيخ من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: «كبشين كبشين»، وأخرج أيضًا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مثله، وعلى تقدير ثبوت رواية أبي داود فليس في الحديث ما يرد به الأحاديث المتواردة في التنصيص على التثنية للغلام، بل غايته أن يدل على جواز الاقتصار، وهو كذلك، فإن العدد ليس شرطًا بل مستحب، وذكر الحليمي: أن الحكمة في كون الأنثى على النصف من الذكر أن المقصود استيفاء النفس، فأشبهت الدية، قوَّاه ابن القيم بالحديث الوارد: أن من أعتق ذكرًا عتق كل عضو منه، ومن أعتق جاريتين كذلك، إلى غير ذلك مما ورد، ويحتمل أن يكون في ذلك الوقت ما تيسر العدد. واستدل بإطلاق الشاة والشاتين على أنه لا يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، وفيه وجهان للشافعية، وأصحهما يشترط، وهو بالقياس لا بالخبر، ويذكر الشاة والكبش على أنه يتعين الغنم للعقيقة، وبه ترجم أبو الشيخ الأصبهاني، ونقله ابن المنذر عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وقال البندنيجي من الشافعية: لا نص للشافعي في ذلك، وعندي أنه لا يجزئ غيرها، والجمهور على إجزاء الإبل والبقر أيضًا، وفيه حديث عند الطبراني، وأبي الشيخ عن أنس رفعه: «يعق عنه: من الإبل، والبقر، والغنم، ونص أحمد على اشتراطه كامله، وذكر الرافعي بحثًا أنها تتأدى بالسبع كما في الأضحية، والله أعلم» [فتح الباري، ٩/ ٥٩٢ – ٥٩٣].\nقال ابن القيم ﵀: «الفصل السادس: هل تشرع العقيقة بغير الغنم، كالإبل والبقر أم لا؟ وقد اختلف الفقهاء هل يقوم غير الغنم مقامها في العقيقة، ثم ذكر: عن أنس، وأبي بكرة، أنهما كانا يعقان عن أولادهما بالجزور. ثم قال: «وأنكر بعضهم ذلك، وقال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بشاتين عن الغلام، وعن الجارية بشاة، ولا يجوز أن يعق بغير ذلك، وثبت أن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ولدت غلامًا للمنذر بن الزبير، فقيل لها: هلا عقيت جزورًا؟ فقالت: معاذ الله، كانت عمتي تقول: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة». [البيهقي، ٩/ ٣٠١، وهو حديث صحيح]. ثم قال ابن القيم: «قال ابن المنذر: ولعل حجة من رأى العقيقة تجزئ بالإبل، والغنم والبقر قول النبي - ﷺ -: «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دمًا»، ولم يذكر دمًا دون دم، فما ذبح للمولود على ظاهر هذا الخبر يجزئ، قال: ويجوز أن يقول قائل: إن هذا مجمل وقول النبي - ﷺ -: «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة» مفسَّر، والمفسَّر أولى من المجمل». [انظر: تحفة المودود بأحكام المولود، ص٥٤ – ٥٥].\nقلت: والذي يظهر لي: أنه لا يُعدل عن أحاديث النبي - ﷺ - إلى أقوال الرجال، فقول: من قال: إنه لا يجزئ إلا الغنم قول قوي، وهو الصواب والعلم عند الله تعالى.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>خامسًا: السنُّ المجزئ في العقيقة سنّ الضحايا والهدايا:</span>\nقال العلامة ابن القيم ﵀: «وفي قوله - ﷺ -: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ ...» (١) (٢).\nفاستنبط ﵀، أن هذا الحديث دليل على أنه إنما يجزئ في العقيقة ما يجزئ في النسك: من الضحايا، والهدايا؛ ولأنه ذبح مسنون إما وجوبًا، وإما استحبابًا: يجري مجرى الهدي والأضحية:\nفي الصدقة، والهدية، والأكل، والتقرب إلى الله، فاعتبر فيها السنّ الذي يجزئ في الهدي والأضحية؛ ولهذا شُرِعَ في حق الغلام شاتان، وشرع أن تكونا مكافِئتين، لا تنقص إحداهما عن الأخرى، فاعتبر أن يكون سنّهما سنّ الذبائح المأمور بها؛ ولهذا جرت مجراها في عامة أحكامها (٣)، ثم قال ابن القيم ﵀: «قال أبو عمر ابن عبد البر: وقد\n_________\n(١) النسائي، (رقم ٤٢١٢)،وأبو داود، (رقم ٢٨٤٢)،وأحمد، (رقم ٦٧١٣)،وتقدم تخريجه في حكم العقيقة. والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ١٩٧ رقم ٢٨٤٢).\n(٢) تحفة المودود، بأحكام المولود، (ص٥٢).\n(٣) انظر: تحفة المودود، بأحكام المولود، (ص ٥٢ – ٥٣).","vol":"1","page":69},{"text":"أجمع العلماء: أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية، إلا من شذّ ممن لا يُعدُّ قوله خلافًا ... وقال مالك: العقيقة، بمنزله النسك، والضحايا، ولا يجوز عوراء، ولا عجفاء، ولا مكسورة، ولا مريضة، ولا يباع من لحمها شيء، ولا جلدها ... ويأكل أهلها منها ويتصدقون» (١).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «... حكم العقيقة حكم الأضحية: في سنِّها، وأنه يمنع فيها من العيوب ما يمنع فيها، ويستحب فيها من الصفة ما يستحبُّ فيها» (٢).\nوقال شيخنا ابن باز ﵀: «وقد عقَّ النبي - ﷺ - عن الحسن والحسين ﵄، وصاحبها مخير: إن شاء وزَّعها لحمًا بين الأقارب والأصحاب، والفقراء، وإن شاء طبخها ودعا إليها من شاء من الأقارب، والجيران، والفقراء، ...» (٣).\n_________\n(١) المرجع السابق، (ص ٥٣).\n(٢) المغني لابن قدامة، (١٣/ ٣٩٩)، وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، (٣٠/ ٢٧٩).\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز (١٨/ ٥١)، وسمعت شيخنا ابن باز أثناء تقريره على منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية على أحاديث (رقم ٢٧٥٦ – ٢٧٦٨)، وعلى زاد المعاد لابن القيم (٢/ ٣٢٧).\nيقول: «العقيقة لم يحدد النبي - ﷺ - في توزيع لحمها بشيء، فإذا أكل وتصدق، وأهدى فلا حرج، وإن جمع الناس عليها فلا حرج؛ لأنها من باب الشكر لله تعالى على هذه النعمة، وقال بعض أهل العلم: إنها مثل الضحية: ثلاثة أثلاث، والصواب أن الأمر مطلق، فما أطلقه الله ورسوله نطلقه ...»، ثم قال: «... فللذي يذبح أن يفعل ما شاء باللحم»، وانظر: المغني لابن قدامة، (١٣/ ٤٠٠).","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>سادسًا: تسمية المولود في اليوم السابع من ولادته:</span>\nالأفضل والسنة أن يُسمَّى المولود في اليوم السابع من ولادته؛ لحديث سمرة بن جندب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «كلُّ غلامٍ رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلق رأسه» (١).\nوإن سمَّاه قبل السابع فلا بأس؛ لحديث أنس بن مالكٍ - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ فسميته باسم أبي إبراهيم - ﵇ - ..» (٢)؛ ولحديث أبي موسى - ﵁ -، قال: «وُلد لي غلامٌ فأتيت به النبي - ﷺ -، فسماه إبراهيم، فحنَّكه بتمرةٍ، ودعا له بالبركة، ودفعه إليَّ ...» (٣)؛ ولحديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله - ﷺ - حين وُلِدَ ورسول الله - ﷺ - في عباءةٍ يهنأ (٤) بعيرًا له، فقال: «هل معك تمر؟» فقلت: نعم، فناولته تمراتٍ فألقاهن في فيه فلاكهن، ثم فغر فا الصبي (٥) فمجَّه في فيه، فجعل الصبي يتلمَّظه، قال رسول الله - ﷺ -: «حبُّ الأنصار التمر»، وسماه عبد الله (٦).\n_________\n(١) أحمد، (رقم ٢٠٠٨٣، ورقم ٢٠١٩٣)، وأبو داود، (رقم ٢٨٣٨)، والترمذي (رقم ١٥٢٢)، والنسائي (رقم ٤٢٢٠)، وابن ماجه، (رقم ٣١٦٥)، وتقدم تخريجه في حكم العقيقة. والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل (٤/ ٣٨٥، ٣٩٤).\n(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، (رقم ٢٣١٥).\n(٣) البخاري، كتاب العقيقة، باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه، (رقم ٥٤٦٧).\n(٤) يهنأ بعيرًا له: أي يطليه بالقطران.\n(٥) فغر فاه: فتح فمه.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب العقيقة، باب تسمية المولود، (رقم ٥٤٧٠)، ومسلم، واللفظ له، كتاب الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته، (رقم ٢١٤٤).","vol":"1","page":71},{"text":"وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وهذا يدلّ على شرعية تسمية المولود أول ما يولد، وهذا سنة، ويدل على شرعية التحنيك في أول يوم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>سابعًا: تحسين اسم المولود، واختيار الاسم الذي لا محذور فيه </span>شرعًا، ورد على أنواع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>النوع الأول: أحبُّ الأسماء إلى الله تعالى: </span>عبد الله وعبد الرحمن؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ أحبَّ أسمائكم إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن»، هذا لفظ مسلم، ولفظ أبي داود والترمذي: «أحبُّ الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله وعبد الرحمن» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>النوع الثاني: أسماء سمَّاها النبي - ﷺ - ابتداءً</span>، ومنها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>١ - إبراهيم</span>؛ لحديث أبي موسى - ﵁ -، وفيه: «ولد لي غلامٌ، فأتيت به النبي - ﷺ -، فسمّاه إبراهيم، فحنَّكه بتمرٍ ودعا له بالبركة» (٣)؛ ولحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «وُلد لي الليلة غلامٌ، فسمّيته باسم أبي إبراهيم - ﵇ -» (٤).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم (٥٤٦٧).\n(٢) مسلم، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء، (رقم ٢١٣٢)، وأبو داود، (رقم ٤٩٢٩)، والترمذي، (رقم ٢٨٣٣).\n(٣) البخاري، (رقم ٥٤٦٧)، وتقدم تخريجه في تسمية المولود.\n(٤) مسلم، (رقم ٢٣١٥)، وتقدم تخريجه في تسمية المولود.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>٢ - عبد الله</span>؛ لحديث أنس - ﵁ -، وفيه: أن النبي - ﷺ - حنَّك ابن أبي طلحة، وسماه: «عبد الله» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٣ - كنَّى بأمِّ عبد الله</span>، فعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله كلُّ صواحبي لهنَّ كُنى، قال: «فاكتني بابنك عبد الله بن الزبير» [يعني ابن اختها]، فكانت تُكنَّى: أمُّ عبد الله (٢).\nوَيُؤَيِّده حديث البراء بن عازب - ﵃ -، عن النبي - ﷺ - قال: «الخالة بمنزلة الأم» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٤ - يوسف</span>، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: «سمّاني رسول الله - ﷺ - يوسف وأقعدني على حجره ومسح على رأسي» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>النوع الثالث: أسماء غيَّرها النبي - ﷺ </span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>١ - «برَّة» سمّاها زينب</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: أن زينب بنت أبي سلمة، كان اسمها برة (٥)، فقيل: تُزكِّي نفسها، فسماها رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) البخاري، (رقم ٥٤٧٠)، ومسلم، (رقم ٢١٤٤)، وتقدم تخريجه في تسمية المولود، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه سمى أكثر من واحد باسم (عبد الله).\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب في المرأة تكنى، (رقم ٤٩٧٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (٣/ ٢٢١ رقم ٤٩٧٠).\n(٣) الترمذي، كتاب البر، باب ما جاء في بر الخالة، (رقم ١٩٠٤)، وصححه الألباني في إرواء الغليل، (رقم ٢١٩٠)، وفي صحيح الترمذي، (٢/ ٣٤٣). وفي صحيح أبي داود\n(٢/ ٣٣ - ٣٤ رقم ٢٢٨٠).\n(٤) البخاري، في الأدب المفرد، برقم ٣٦٧، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص١٤٧، وصحح الحافظ ابن حجر إسناده في فتح الباري، (١٠/ ٤٨٦).\n(٥) برة: اسم امرأة، وهو تأنيث بَرّ، والبَرُّ: ضد الفاجر. [جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٣٧٢].","vol":"1","page":73},{"text":"«زينب» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٢ - «برة» أسماها جويرية </span>أيضًا؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: كانت جويرية اسمها برة، فحوّل رسول الله - ﷺ - اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال خرج من عند برّة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٣ - «عاصية»، سمّاها جميلة</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله - ﷺ - غيّر اسم عاصية، وقال: «أنت جميلة»، وفي رواية: أن ابنة لعمر كانت يقال لها عاصية، فسمّاها رسول الله - ﷺ - «جميلة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٤ - «أبو الحكم» كَنَّاه النبيُّ - ﷺ - بأبي شريح </span>أكبر أولاده، فقد كان يكنى بأبي الحكم فقال النبي - ﷺ -: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم»، ثم سأل الرجل عن أكبر أولاده؟ فقال: شريح، فقال النبي - ﷺ -: «فأنت أبو شريح» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٥ - «أصرم» إلى زُرْعة</span>؛ لحديث أسامة - ﵁ -، وفيه: أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل: «ما اسمك؟» قال: أنا أصرم، قال: «بل أنت زُرْعة» (٥).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الآداب، باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه، (رقم ٦١٧٢)، ومسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، (رقم ٢١٤١).\n(٢) مسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، وتغيير اسم برة إلى زينب وجويرية، ونحوهما، (رقم ٢١٣٩).\n(٣) مسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، (رقم ٢١٤٠).\n(٤) أبو داود، كتاب الأدب، باب تغيير الاسم القبيح، (رقم ٤٩٥٥)، والنسائي كتاب آداب القضاة، (رقم ٥٤٠٢، ٨/ ٢٢٦)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، (٣/ ٢١٦ رقم ٤٩٥٥).\n(٥) أبو داود، كتاب الأدب، باب تغيير الاسم القبيح، (رقم ٤٩٥٤)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، (٣/ ٢١٦ رقم ٤٩٥٤).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>٦ - «حزْن» إلى سهل</span>، سأل النبي - ﷺ - جدَّ سعيد بن المسيب، فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ؟»، قَالَ: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: «بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ»، قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ»، هذا لفظ البخاري، ولفظ أبي داود، قال: «أنت سهل»، قال: لا، السَّهْلُ يُوطأ ويُمتهن» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٧ - «فلان» إلى المنذر</span>؛ لحديث سهل، وفيه أن النبي - ﷺ - سأل أبا أُسَيد عن اسم ولده فقَالَ: «مَا اسْمُهُ؟»، قَالَ: فُلَانٌ، فقَال النَّبيّ - ﷺ -: «وَلَكِنْ أَسْمِهِ الْمُنْذِرَ» فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ (٢).\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَغَيَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - اسْمَ: الْعَاصِ، وَعَزِيزٍ، وَعَتَلَةَ، وَشَيْطَانٍ، وَالْحَكَمِ، وَغُرَابٍ، وَحُبَابٍ، وَشِهَابٍ، فَسَمَّاهُ هِشَامًا، وَسَمَّى حَرْبًا سَلْمًا، وَسَمَّى الْمُضْطَجِعَ الْمُنْبَعِثَ، وَأَرْضًا تُسَمَّى عَفِرَةَ سَمَّاهَا خَضِرَةَ، وَشِعْبَ الضَّلاَلَةِ سَمَّاهُ شِعْبَ الْهُدَى، وَبَنُو الزِّنْيَةِ سَمَّاهُمْ بَنِي الرِّشْدَةِ، وَسَمَّى بَنِي مُغْوِيَةَ بَنِي رِشْدَةَ» (٣).\nوعن أبي وهب الجشمي - ﵁ -،وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «... وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى الله: عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه، (رقم ٦١٩٣)، وأبو داود، كتاب الآداب، باب في تغيير الاسم القبيح، (رقم ٤٩٥٦).\n(٢) البخاري، كتاب الأدب، باب تحويل الاسم أحسن منه، (رقم ٦١٩١).\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب تغيير الاسم القبيح، على إثر حديث رقم ٤٩٥٦، قال أبو داود: «تركت إسنادها للاختصار»، وصححها الألباني في صحيح سنن أبي داود، (٣/ ٢١٧ رقم ٤٩٥٦).","vol":"1","page":75},{"text":"وَمُرَّةُ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>ومعاني الأسماء المذكورة آنفًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>١ - أصرم: </span>إنما كره أصرم لما فيه من معنى الصرم: وهو القطع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٢ - زرعة: </span>جعله زرعة؛ لأنه من الزرع والزرع النبات، وهو ضد القطع (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٣ - حزن: </span>الحزونة: ضد السهولة، وهو ما خشن وغلظ من الأرض، ومعنى: «يمتهن»: يداس (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٤ - عتلة: </span>العتلة: الشدة والغلظة، يقال: عتلت الرجل إذا جذبته جذبًا عنيفًا، ومنه قيل: رجل عُتلٌّ، وهو الجافي الغليظ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٥ - عزيز: </span>إنما كره العزيز؛ لأن العبد موصوف بالذل والخضوع لله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٦ - شهاب: </span>وكره شهابًا؛ لأن الشهاب الشعلة؛ ولأنه يرجم به الشيطان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٧ - غراب: </span>وكره غرابًا؛ لأن معناه البعد، والغراب من أخبث الطيور، وقد أُبيح قتله في الحلِّ والحرم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٨ - عفرة: </span>العفرة من عفر الأرض، وهو لونها، ورويت عثرة بالثاء،\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء، برقم ٤٩٥٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (٣/ ٢١٤ رقم ٤٩٥٠)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٠٤، و١٠٤٠.\n(٢) جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٣٧٤.\n(٣) المرجع السابق، ١/ ٣٧٦.","vol":"1","page":76},{"text":"وهي التي لا نبات فيها، إنما هي صعيد، علاها العثير: وهو الغبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٩ - بني الزنيّة: </span>يقال فلان لزنية، إذا كان ولد زنا، وفلان لرشدة إذا كان النكاح صحيحًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>١٠ - الحُبَاب: </span>الحيَّة، وبه يسمَّى الشيطان حُبابًا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>١١ - حرب: </span>تركه لما فيه من القتل والأذى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>١٢ - مُرّة: </span>معناها المُرّ، والمُرُّ: كريه بغيض إلى الطباع (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>النوع الرابع: أسماء نهى عنها النبي - ﷺ </span>-:\nعن سمرة بن جندب - ﵁ -، قال: «نهانا رسول الله - ﷺ -: أن نسمِّيَ رقيقنا، بأربعة أسماء: أفلح، ورباح، ويسار، ونافع» (٣).\nوفي رواية عن سمرة عن النبي - ﷺ -، وفيه: «وَلاَ تُسَمِّيَنَّ غُلاَمَكَ يَسَارًا، وَلاَ رَبَاحًا، وَلاَ نَجِيحًا، وَلاَ أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ فَلاَ يَكُونُ فَيَقُولُ: لاَ» (٤) (٥).\n_________\n(١) انظر هذه المعاني: جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٣٧٦.\n(٢) جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٣٥٩.\n(٣) مسلم، كتاب الآداب، باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة، برقم ٢١٣٦.\n(٤) مسلم، في الكتاب والباب السابقين، برقم ٢١٣٧.\n(٥) وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٦: «كان هذا النهي أولًا، ثم سمَّى الصحابة ببعض هذه الأسماء، فدلّ ذلك على أنه منسوخ، أو أقرّه بعد ذلك، أو أنه يكون للكراهة ... وقد أقرّ ﵊ اسم حكيم بن حزام، والله - ﷿ - ذكر اسم امرأة العزيز، فللمخلوق ما يليق به، وللخالق ما يليق به، بخلاف الأسماء التي تدلّ على العظمة: كالخالق، والجبار، ورب العالمين، وغير ذلك فهذا لا يطلق إلا على الله».","vol":"1","page":77},{"text":"وعن جابر - ﵁ - قال: «أَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ» (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-67>مجموع الأسماء التي جاء النهي عنها </span>في هذه الأحاديث على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>١ - يسار</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٢ - رباح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٣ - نجيح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>٤ - أفلح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٥ - يعلى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٦ - بركة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٧ - نافع</span>.\nقال الإمام النووي ﵀: «يكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة في الحديث وما في معناها، ولا تختصّ الكراهة بها وحدها، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، والعلّة في الكراهة ما بيّنه - ﷺ - في قوله: «فإنك\n_________\n(١) مسلم، في الكتاب والباب السابقين، برقم ٢١٣٧.","vol":"1","page":78},{"text":"تقول: أثمَّ هو؟ فيقول: لا، فَكُرِه لبشاعة الجواب»، وربما أوقع بعض الناس في شيء من الطيرة، وأما قوله: أراد النبي - ﷺ -: أن ينهى عن هذه الأسماء، فمعناه: أراد أن ينهى عنها نهي تحريم، فلم ينه، وأما النهي الذي هو لكراهة التنزيه فقد نهى عنه في الأحاديث الباقية» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>النوع الخامس: أسماء محرمة لا يجوز التسمية بها:</span>\n* ملك الأملاك؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «إن أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ الله رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ» [لا مَالِكَ إِلا الله - ﷿ -]، قَالَ سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهانْشَاه»، وفي لفظ: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ، وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ، لا مَالِكَ إِلا الله» هذه ألفاظ مسلم، ولفظ البخاري: «أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ»، وفي لفظ للبخاري: «أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ الله -وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ-: أَخْنَعُ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ» (٢).\nومعنى: أخنع: الخانع الذليل، وقال أحمد: أخنع: أوضع (٣).\nومعنى: أخنى: الخنا: الفحش (٤).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله، برقم ٦٢٠٥، ٦٢٠٦، ومسلم، كتاب الآداب، باب تحريم التسمِّي بملك الأملاك أو بملك الملوك، برقم ٢١٤٣.\n(٣) تفسير أحمد: أوضع، ذكره مسلم، على إثر حديث رقم ٢١٤٣، والذليل ذكره ابن الأثير في جامع الأصول، ١/ ٣٦٠.\n(٤) جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٣٦٠.","vol":"1","page":79},{"text":"قال الإمام النووي ﵀: «واعلم أن التسمي بهذا الاسم حرام، وكذلك التَّسمي بأسماء الله تعالى المختصة به: كالرحمن، والقدوس، والمهيمن، وخالق الخلق، ونحوها ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>النوع السادس: الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم</span>.\nفينبغي للعبد المسلم أن يختار الأسماء المحبوبة لله تعالى، والتي لا محذور فيها شرعًا، قال البخاري رحمه الله تعالى: «بَابُ مَا يُدْعَى النَّاسُ بِآبَائِهِمْ»، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ الْغَادِرَ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ ابنِ فُلَانٍ» (٢).\nقال الإمام ابن حزم ﵀: «اتفقوا على استحسان الأسماء المضافة إلى الله: كعبد الله، وعبد الرحمن، وما أشبه ذلك، واتفقوا على تحريم كل اسم مُعبَّدٍ لغير الله، كعبد العزَّى، وعبد هُبَل، وعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>ثامنًا: حلق رأس المولود الذكر:</span>\nيُسنُّ أن يُحلق رأس المولود يوم سابعه، ويُزال عنه الأذى؛ لحديث سمرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «كلُّ غلامٍ رهينة بعقيقته، تذبح\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣٦٩، وانظر لزيادة البحث: فتح الباري، لابن حجر، ١٠/ ٥٨٩ - ٥٩٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب ما يدعى الناس بآبائهم، برقم ٦١٧٧، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، برقم ١٧٣٦.\n(٣) الفروع لابن مفلح، ٦/ ١٠٧ – ١٠٨.","vol":"1","page":80},{"text":"عنه يوم سابعه، ويسمَّى فيه، ويُحلق رأسه» (١).\nوعن علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: عقَّ رسول الله - ﷺ - عن الحسن بشاةٍ، وقال: «يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدّقي بزنة شعره فضّة»، قال: فوزنته، فكان وزنه درهمًا أو بعض درهم (٢).\nوفي حديث سلمان بن عامر الضبي: «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى» (٣) (٤).\nقال العلامة المرداوي ﵀: «تنبيه: الظاهر أن مراده بالحلق: الذكر، وهو الصحيح وعليه الأكثر، وقدمه في الفروع ... إذ الإناث يكره في حقهن الحلق» (٥).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وحكى الماورديُّ كراهة حلق رأس\n_________\n(١) أحمد، برقم ٢٠٠٨٣، وأصحاب السنن الأربع، وتقدم تخريجه في حكم العقيقة عن المولود، والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل (٤/ ٣٨٥، ٣٩٤).\n(٢) البخاري، بنحوه، برقم ٥٤٧٢،وأحمد بلفظه، ٢٦/ ١٧٠، برقم ٦٢٣١، وتقدم تخريجه في حكم العقيقة.\n(٣) الترمذي، كتاب الأضاحي، باب العقيقة بشاة، برقم ١٥١٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٦٦، وفي إرواء الغليل، برقم ١١٧٥، وصححه في صحيح سنن أبي داود (٢/ ١٩٦ رقم ٢٨٣٩)، وأخرجه أحمد، ٦/ ٣٩٠، ٣٩٢، والحاكم، ٤/ ٢٣٧، والبيهقي، ٩/ ٣٠٤.\n(٤) (أميطوا عنه الأذى): «أي أزيلوا». فتح، ٩/ ٤٩٣، والأذى حلق الرأس، وأخرجه أبو داود بسند صحيح عن الحسن: «أنه كان يقول: «إماطة الأذى حلق الرأس»، [قال الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٢٨٤٠: «صحيح مقطوع»]، ولكن لا يتعيَّن ذلك في حلق الرأس، فقد وقع في حديث ابن عباس عند الحاكم: «ويماط عنه الأذى ويحلق رأسه» فعطفه عليه، فالأولى حمل الأذى على ما هو أعم من حلق الرأس». [فتح الباري، ٩/ ٢٩٣].\n(٥) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف مع المقنع والشرح الكبير، ٩/ ٤٣٩.","vol":"1","page":81},{"text":"الجارية» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «ويحلق رأسه [أي الغلام]، ولا يحلق رأس الأنثى ...» (٢).\nوقال سماحة شيخنا ابن باز أيضًا: «... السنة حلق رأس الطفل الذكر عند تسميته في اليوم السابع فقط، أما الأنثى فلا يحلق رأسها؛ لقوله - ﷺ -: «كل غلام رهينة بعقيقته تُذبح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلق رأسه» (٣).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «وينبغي في اليوم السابع حلق رأس الغلام الذكر ...» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>تاسعًا: الصدقة بعد حلاقة رأسه بزنة شعره فضّة:</span>\nفعن علي - ﵁ - قال: عقّ رسول الله - ﷺ - عن الحسن بشاة، وقال: «يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدَّقي بِزِنَةِ شعره فِضَّة»، قال: فوزنته فكان وزنه درهمًا أو بعض درهم» (٥).\n_________\n(١) فتح الباري، ٩/ ٥٩٥، وقال ابن حجر هنا: «وعن بعض الحنابلة يحلق».\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، لعبد السلام ابن تيمية، الأحاديث رقم ٢٧٥٦ – ٢٧٦٨.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٤٨، والحديث تقدم تخريجه مرات، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز أيضًا، ١٨/ ٢٨.\n(٤) الشرح الممتع، ٧/ ٥٤٠.\n(٥) الترمذي، برقم ١٥١٩، وأحمد، ٦/ ٣٩٠، ٣٩٢، والحاكم، ٤/ ٢٣٧، والبيهقي، ٩/ ٣٠٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (٢/ ١٦٦ رقم ١٥١٩)، وفي إرواء الغليل، برقم ١١٧٥، وتقدم تخريجه.\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على زاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ٣٢٩: يذكر أن التصدّق بوزن شعر الغلام فضة ضعيف لا يحتج به، وإنما يحلق رأسه، ويُسمَّى، ويعق عنه، أما البنت فلا دليل على حلق رأسها، ولا يُسنّ، لكن إذا كان هناك مصلحة في حلق رأسها فلا بأس، وقد حسّن الألباني حديث: «احلقي رأسه، وتصدَّقي بزنة شعره فضَّة»، وليس بحسن، والحديث ليس بثابت، ومتنه منكر، وإن صح فهو شاذ.","vol":"1","page":82},{"text":"فهذا الحديث يدل على مشروعية الصدقة بمثل وزن شعره المحلوق (١).\nقال المرداوي ﵀: «قوله: ويحلق رأسه، ويتصدَّق بوزنه ورِقًا، يعني يوم السابع، وهذا المذهب وعليه الأصحاب ...» (٢).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «وينبغي في اليوم السابع حلق رأس الغلام الذكر، ويتصدق بوزنه ورِقًا أي فضةً» (٣).\nوقد ذكر الإمام ابن القيم آثارًا تدل على الصدقة بوزن شعر الغلام عند حلقة في يوم سابعه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>عاشرًا: يُلطَّخ رأسه بزعفران فيُطلى به إن تيسر بعد الحلق:</span>\nفعن بريدة - ﵁ -،قال: كُنَّا في الجاهليَّة إذ وُلِد لأحدنا غلامٌ ذبح شاةً ولطَّخ رأسه بدمها، فلمّا جاء الله بالإسلام، كُنَّا نذبح شاةً، ونحلق رأسه، ونلطِّخه\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٩٧.\n(٢) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف مع المقنع والشرح الكبير، ٩/ ٤٣٨.\n(٣) الشرح الممتع، ٧/ ٥٤٠.\n(٤) انظر: تحفة المودود بأحكام المولود، ص ٦٢.","vol":"1","page":83},{"text":"بزعفرانٍ» (١).\nوعن عائشة ﵂، قالت: كانوا في الجاهلية إذا عَقُّوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه، فقال النبي - ﷺ -: «اجعلوا مكان الدَّم خلوقًا» (٢).\nوهذا يدل على نسخ عادة الجاهلية، فعن يزيد بن عبدٍ المزني - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «يُعَقُّ عن الغلام ولا يمسُّ رأسه بدمٍ» (٣) (٤).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الضحايا، بابٌ في العقيقة، برقم ٢٨٤٣، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١٩٧: «حسن صحيح».\n(٢) ابن حبان، كتاب الأطعمة، باب العقيقة، برقم ٥٣٠٨، وأخرجه أبو يعلى، برقم ٤٥٢١، والبزار، برقم ٢٣٩، والبيهقي، ٩/ ٣٠٣، وعبد الرزاق، برقم ٧٩٦٣، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان، ١٢/ ١٢٤: «إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير يوسف بن سعيد، فقد روى له النسائي، وهو ثقة. حجاج: هو ابن محمد الأعور، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاري، وقد صرّح ابن جريج بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه». وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ٧٥٢، برقم ٤٦٣.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الذبائح، باب العقيقة، برقم ٣١٦٦، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، (٣/ ٩٣ رقم ٤٦٣)، وفي إرواء الغليل، ٤/ ٣٨٨ – ٣٨٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٤٥٢.\n(٤) سمعت شيخنا ابن باز يقول: «وكانوا في الجاهلية يلطخون رأسه بالدم، فجاء الله بالإسلام، فأمر بالحلق وإزالة الأذى، ويستحب أن يؤذن في اليمنى، ويقيم في اليسرى، وإن كان في سندها بعض الضعف، وكذلك التحنيك، والعقيقة، الأفضل اليوم السابع، فإن تأخَّر فلا حرج، وكذلك التحنيك لو تأخر عن الولادة إلى اليوم السابع أو غيره لا حرج، والتحنيك والأذان ليس من شرط أن يكون بعد الولادة فورًا». [سمعته منه ﵀ أثناء تقريره على المنتقى لابن تيمية، الحديث رقم ٢٧٦١ – ٢٧٦٨].","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الحادي عشر: تحنيك المولود سواء كان ذكرًا أو أنثى:</span>\nالأفضل تحنيك المولود؛ لفعل النبي - ﷺ - في أحاديث منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>الحديث الأول: </span>حديث أبي موسى - ﵁ - قال: وُلد لي غلامٌ، فأتيت به النبي - ﷺ - فسمَّاه إبراهيم، فحنَّكه بتمرٍ، ودعا له بالبركة، ودفعه إليَّ ...» (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الحديث الثاني: </span>حديث أنس - ﵁ -، قال: ذهبت بعبد الله بن طلحة الأنصاري إلى رسول الله - ﷺ - حين وُلِدَ، ورسول الله - ﷺ - في عباءةٍ يهنأ بعيرًا له (٢) فقال: «هل معك تمرة؟»، فقلت: نعم، فناولته تمراتٍ، فألقاهنَّ في فيه، فلاكهنَّ ثم فغر فا الصبي (٣)، فمجّه في فيه، فجعل الصبي يتلمَّظه، قال رسول الله - ﷺ -: «حب الأنصار للتمر»، وسماه عبد الله (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>الحديث الثالث: </span>حديث عائشة ﵂: «أن رسول الله - ﷺ - كان يُؤتَى بالصبيان فيُبرِّك عليهم ويُحنِّكهم» (٥).\nوغير ذلك من الأحاديث الكثيرة، التي تدل على سُنِّيَّة التحنيك (٦).\n_________\n(١) البخاري، برقم ٥٤٦٧، وتقدم تخريجه في تسمية المولود.\n(٢) يهنأ بعيرًا له: أي يطليه بالقطران.\n(٣) فغرفا الصبي: فتح فمه.\n(٤) البخاري، برقم: ٥٤٧٠، ومسلم، برقم ٢١٤٤، وتقدم تخريجه في تسمية المولود.\n(٥) مسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته، برقم ٢١٤٧.\n(٦) انظر: صحيح مسلم، من الحديث رقم ٢١٤٤ - ٢١٤٧.","vol":"1","page":85},{"text":"قال الإمام النووي ﵀: «اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته بتمرٍ، فإن تعذَّر فما في معناه، وقريب منه من الحلوى، فيمضغ المُحَنِّكُ التَّمْرَ حتى يصير مائعًا بحيث يُبتلع، ثم يفتح فم المولود ويضعها فيه؛ ليدخل شيء منها في جوفه» (١) (٢).\nوذكر العلامة ابن القيم ﵀ استحباب تحنيك المولود لهذه الأحاديث الصحيحة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الثاني عشر: الأذان في إذن المولود: سواء كان ذكرًا أو أنثى:</span>\nعن أبي رافع - ﵁ - قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - أذَّن في أُذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة» (٤).\nوقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ الآثار في ذلك، ثم قال: «وسِرُّ التأذين -والله أعلم - أن يكون أوَّل ما يقرع سمع الإنسان كلماته\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣٧٠.\n(٢) وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على منتقى الأخبار لعبد السلام ابن تيمية، الحديث رقم ٢٧٦٧: «... التحنيك والأذان ليس من شرط أن يكون بعد الولادة فورًا».\n(٣) تحفة المودود بأحكام المولود، ص ٢٤.\n(٤) الترمذي، كتاب الأضاحي، باب الأذان في أذن المولود، برقم ١٥١٤، قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وأبو داود، كتاب الأدب، باب في المولود يؤذن في أذنه، برقم ٥١٠٥، والحاكم، ٣/ ١٧٩، والبيهقي، ٩/ ٣٠٥، والطبراني في الكبير، برقم ٩٢٦، ٩٣١، و٢٥٧٨،و٢٥٧٩. وأحمد في المسند، ٤٥/ ١٦٦، برقم ٢٧١٨٦، وأخرجه برقم ٢٣٨٦٩، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٤٠٠، برقم ١١٧٣، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ٣٣٣: «والإقامة رويت في حديث في سنده مقال، ولكنَّها وردت عن بعض السلف»، ضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (رقم ١٥١٤)، وفي ضعيف سنن أبي داود (رقم ٥١٠٥).","vol":"1","page":86},{"text":"المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أوَّل ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالتَّلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يُلقَّن كلمة التوحيد عند خروجه منها، وغير مستنكر وصول التأذين إلى قلبه، وتأثره به، وإن لم يشعر، مع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حتى يُولد فيقارنه للمحنة التي قدَّرها الله، وشاءها، فيسمع شيطانه ما يضعفه، ويغيظه أول أوقات تعلُّقه به .. وغير ذلك من الحكم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>الثالث عشر: يُعَقُّ عن السقط لأكثر من أربعة أشهر، ويسمَّى:</span>\nعن المغيرة بن شعبة - ﵁ - يرفعه: «والسقط يُصلَّى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (٢).\nوقد ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن السِّقط الذي تضعه المرأة ميتًا، أو لغير تمام وقد كَمُلَ له أكثر من أربعة أشهر، فإنه يُغسَّل، ويكفَّن، ويُصلّى عليه، ويُسمَّى، ويُدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه نسمة نُفِخَ فيها الروح، فيُصلَّى عليه كالمستهلِّ الذي يصرخ عند الولادة، فإن المستهلّ\n_________\n(١) تحفة المودود بأحكام المولود، ص ٢٢، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٥٠٧ – ٥٠٩.\n(٢) أبو داود، كتاب الجنائز، باب المشي أمام الجنازة، برقم ٣١٨٠، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الأطفال، برقم ١٠٣١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (٢/ ٢٩٣ رقم ٣١٨٠)، وفي صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٢٥، وفي إرواء الغليل (٣/ ١٧٠).","vol":"1","page":87},{"text":"يُصلَّى عليه بغير خلاف (١).\nوكذلك العقيقة؛ لأنه صار بنفخ الروح إنسانًا، له حكم الأطفال، قال شيخنا ابن باز ﵀: «... إذا كان سقوط الجنين في الشهر الخامس وما بعده، فإنه يُغسَّل ويُكَفَّنُ، ويُصلَّى عليه، ويُسمَّى، ويُعقّ عنه؛ لأنه بذلك صار إنسانًا له حكم الأطفال؛ لعموم الأحاديث» (٢).\nوقال ﵀ بعد أن ذكر أحاديث العقيقة: «وهذه الأحاديث تعمّ السقط وغيره، إذا كانت قد نفخت فيه الروح، وهو الذي ولد في الشهر الخامس وما بعده ...» (٣).\nفالسقط الذي نفخت فيه الروح له أحكام الأطفال، ويشفع في والديه، وهو فرط، ويبعث يوم القيامة؛ ولهذا يُغسَّل، ويُكفَّنُ، ويُصلَّى عليه، ويُقبر في مقابر المسلمين، ويُسمّى، ويُعقّ عنه: عن الذكر شاتان والأنثى شاة (٤).\n_________\n(١) انظر: مختصر الخرقي المطبوع مع المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٥٨، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ١٠٧.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٢٢٨، ١٨/ ٤٩.\n(٣) المرجع السابق، ١٨/ ٤٩.\n(٤) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٥٣٩ – ٥٤٠.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الرابع: أهمية الإنفاق على الأسرة من الحلال</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ في سَبِيلِ الله، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ في رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ على مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ على أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الذي أَنْفَقْتَهُ على أَهْلِكَ» (١).\nفهذه النفقة التي تستحق الأجر العظيم يجب أن تكون من حلال؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا (٢).\nفقد حرَّم الله الربا، والغش، والسرقة، والخداع والغصب، وجميع ما حرَّم الله ورسوله، فإنه لا يجوز للإنسان الذي يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقترب منه؛ لأنه مهما أخذ من هذا الحرام وتصدق به أو أنفقه على عياله، فإن الله لا يقبل منه عدلًا ولا صرفًا.\nوقد جاء في ذلك الشيء الكثير من القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِين * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُون* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُون * أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك (رقم ٩٩٥).\n(٢) فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا ...» أخرجه مسلم (رقم ١٠١٥).\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٨.","vol":"1","page":89},{"text":"مَّبْعُوثُون * لِيَوْمٍ عَظِيم﴾ (١).\nوعن حكيم بن حزام - ﵁ - قال: قال الرسول - ﷺ -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا في بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَت بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (٢).\nعن جابر بن عبد الله - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لكعب بن عجرة - ﵁ -: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ من نَبَتَ لَحْمُهُ من سُحْتٍ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ» (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لاَ يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالًا حَرَامًا فَيَتصدَّق بهِ فيُقبَلَ منهُ، ولا يُنفِقَ منه فَيُبَارَكَ له فيه، وَلاَ يتركه خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلاَّ كان زَادَهُ إلى النَّارِ» (٤).\n_________\n(١) سورة المطففين، الآيات: ١ – ٥.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب إذا بيّن البيعان ولم يكتما ونصحا (رقم ٢٠٧٩)، ومسلم، كتاب البيوع، باب الصدق في البيع والبيان (رقم ١٥٣٢).\n(٣) أخرجه الحاكم (٤/ ٤٦٨ رقم ٨٣٠٢)، وابن حبان في صحيحه (٥/ ٩ رقم ١٧٢٣)، والدارمي (رقم ٢٧٧٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٣٤٥ – ٣٤٦ رقم ٢٠٧١٩)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٣٩ – ١٤٠ رقم ٢٧٣٠)، وفي الصغير (رقم ٤٣٠) وفي الكبير (١٩/ ١٠٥ رقم ٢١٢)، وأحمد (٣/ ٣٢١)، وفي النسخة المحققة (٢٢/ ٣٣٢ برقم ١٤٤٤١)، و(٢٣/ ٤٢٥ برقم ١٥٢٨٤)، وقال محققو مسند الإمام أحمد: «إسناده قوي على شرط مسلم، ورجاله ثقات، غير ابن خيثم، فصدوق لا بأس به». وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٤٧): رواه أحمد والبزار ... ورجالهما رجال الصحيح. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣٢٠ رقم ١٧٢٨) صحيح لغيره.\n(٤) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٧)، وقال محققو مسند أحمد ٦/ ١٩٠: «قال الدارقطني في العلل، ٥/ ٢٧١: الصحيح موقوف» والنسخة المحققة ٦/ ١٨٩، برقم ٣٦٧٢، وأخرجه الحاكم في المستدرك في النسخة الهندية، ٢/ ٤٤٧، وصححه ووافقه الذهبي، والعدني في الإيمان (رقم ٦٤)، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (رقم ٤٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ١٦٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥٣): رواه أحمد ورجال إسناده بعضهم مستور وأكثرهم ثقات. وقال في موضع آخر (١٠/ ٢٢٨): رواه أحمد ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف. وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٤٢٧): وهذا حديث حسن الألفاظ ضعيف الإسناد، وأكثره من قول علي - ﵁ -. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١/ ٥٣٢ رقم ١٠٧٦).","vol":"1","page":90},{"text":"وثبت أن عمر - ﵁ - أراق اللبن المغشوش بالماء تأديبًا للغاش، وزجرًا للناس عن غش المبيعات (١)، فعلى المسلم أن يراعي في كسبه على أسرته الكسب من الحلال الطيِّب؛ لأن التجَّار الذين يأكلون أموال الناس بالباطل هم الفجَّار؛ لحديث رفاعة - ﵁ -: أنه خرج مع النبي - ﷺ - إلى المصلَّى فرأى الناس يتبايعون، فقال: «معشر التجار»، فاستجابوا لرسول الله - ﷺ - ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: «إن التُّجار يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى الله، وبرَّ، وصدق» (٢).\nوعن عبد الرحمن بن شبل - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن التجار هم الفجَّار» فقالوا: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال: «بلى ولكنهم يحدِّثون فيكذبون، ويحلفون\n_________\n(١) ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، ٢٨/ ١١٥، ونسبه إلى مالك في المدونة، وذكره ابن القيم في الطرق الحكمية، ص ٣٨٨، وانظر: حقوق الإنسان في الإسلام (ص ٩٠).\n(٢) الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في التجارة وتسمية النبي - ﷺ - إياهم، برقم ١٢١٠، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة كتاب التجارات، باب التوقي في التجارة، برقم ٢١٤٦، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٢٠٨، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٤٥٨، وقال في صحيح الترغيب والترهيب: «صحيح لغيره» بينما قال في ضعيف سنن الترمذي ص ١١٧: «ضعيف».","vol":"1","page":91},{"text":"ويأثمون» (١).\nوعن أبي سعيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، والصدِّيقين، والشهداء» (٢).\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٢٤/ ٢٩٠، برقم ١٥٥٣٠، واللفظ له، والحاكم، وقال محققو المسند: «حديث صحيح» وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٣٤٣.\n(٢) الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في التجار وتسمية النبي - ﷺ - إياهم، برقم ١٢٠٩، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٣٤٢: «صحيح لغيره» بينما ضعفه في ضعيف سنن الترمذي ص ١١٧.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث الخامس: مداعبة الأولاد</span>\nلقد ضرب النبي - ﷺ - المثل الأعلى في الرفق في تربية الأطفال، وعلاج أخطائهم، بروح الشفقة والرأفة، والعطف، والرحمة، ومعرفة البواعث التي أدت إلى هفواتهم، والعمل على تداركها ولم يقر النبي - ﷺ - الشدة والعنف في معاملة الأولاد، واعتبر الغلظة والجفاء في معاملة الأولاد نوعًا من فقد الرحمة في القلب، وهدد المتصف بها، بأنه عرضة لعدم حصوله على الرحمة، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قبَّل رسول الله - ﷺ - الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدًا منهم، فنظر إليه رسول الله - ﷺ - وقال: «من لا يَرْحَمْ لا يُرحَمْ» (١).\nوعن أبي قتادة الأنصاري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله - ﷺ -، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (٢). قال ابن حجر: «وفيه تواضعه - ﷺ -، وشفقته على الأطفال وإكرامه لهم جبرًا لهم ولوالديهم» (٣).\nوعن عبد الله بن شداد بن الهاد عن أبيه قال: بينما رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (رقم ٥٩٩٧)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال ... (رقم ٢٣١٨).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة (رقم ٥١٦)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة (رقم ٥٤٣).\n(٣) فتح الباري (١/ ٥٩٢)","vol":"1","page":93},{"text":"يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد، فأطال السجود بالناس، حتى ظنوا أنه قد حدث أمر، فلما قضى صلاته قالوا: قد أطلت السجود يا رسول الله، حتى ظننا أنه قد حدث أمر، فقال: «إنَّ ابني قد ارْتَحَلني، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حتى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» (١).\nوعن أمِّ خالد بنت خالد بن سعيد قالت: أتيت رسول الله - ﷺ - مع أبي وعليَّ قميص أصفر، فقال رسول الله - ﷺ -: «سَنَهْ سَنَهْ» قال عبد الله: وهي بالحبشية: حسنة، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزجرني أبي، قال رسول الله - ﷺ -: «دعها»، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «أَبْلي وأَخْلِقي، ثُمَّ أَبْلي وأَخْلقِي، ثمَّ أبْلِي وأخْلِقي» قال عبد الله: فبقيت حتى ذكر يعني من بقائها (٢).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الحَسنُ والحُسينُ هُمَا رَيْحانَتايَ مِنَ الدُّنْيا» (٣).\n_________\n(١) أخرجه النسائي في الكبرى (١/ ٢٤٣ رقم ٧٢٧)، وفي المجتبى (٢/ ٢٢٩ رقم ١١٤١)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٢٦٣ رقم ٣٢٣٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ١٨٧ – ١٨٨ رقم ٩٣٤)، وأحمد (٣/ ٤٩٣)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٧٠ رقم ٧١٠٧). وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (١/ ٣٧١ رقم ١١٤٠).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من تكلم بالفارسية والرطانة (رقم ٣٠٧١).\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين ﵂ (رقم٣٧٥٣)، والترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب الحسن والحسين ﵄ (رقم٣٧٧٠) واللفظ له.","vol":"1","page":94},{"text":"وعن عائشة ﵂ قالت: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: تُقبِّلون الصِّبيان فما نقبلهم، فقال النبي - ﷺ -: «أوَأَمْلِكَ لَكَ أن نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ» (١).\nوعن أسامة بن زيد - ﵁ -: كان رسول الله - ﷺ - يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم يقول: «اللهمَّ ارحمْهُمَا، فإنِّي أرْحَمْهُما» (٢).\nوثبت عنه - ﷺ - أنه مرَّ بصبيان فسلَّم عليهم (٣).\nوقد كان النبي - ﷺ - يداعب الصبيان، فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال لأخٍ صغير لأنس بن مالك: «يا أبَا عُمَير ما فَعَلَ النُّغير» (٤). والنغير اسم لطائر يشبه العصفور، كان يلعب به أبو عمير فمات، فكان - ﷺ - يداعب الصبي ليخفف عنه، ويزيل حزنه بفقد الطائر الذي كان يلعب به، فقد كان التلطُّف بالأطفال من عادة رسول الله - ﷺ -، وكيف لا يكون هذا من خلقه - ﷺ - والقرآن خلقه (٥)؟ فمن كان القرآن خلقه\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (رقم ٥٩٩٨)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك (رقم ٢٣١٧).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب وضع الصبي على الفخذ (رقم ٦٠٠٣).\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم على الصبيان (رقم ٦٢٤٧) ومسلم، كتاب السلام، باب استحباب السلام على الصبيان (رقم ٢١٦٨).\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس (رقم ٦١٢٩) ومسلم، كتاب الأدب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته وحمله إلى صالح يحنكه وجواز تسميته يوم ولادته (رقم ٢١٥٠).\n(٥) عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله - ﷺ -، فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله - ﷺ - القرآن. أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض (رقم ٧٤٦).","vol":"1","page":95},{"text":"فقد أُعطيَ خيرًا كثيرًا.\nوعن عائشة ﵂ قالت: «كان - ﷺ - يُؤْتَى بالصِّبيان فيبارك عليهم ويحنِّكهم، فأُتِي بصبيٍّ فبال عليه، فدعا بماءٍ فأتبعه بوله، ولم يغسله» (١).\nومن هذه النصوص تبيَّن مدى عناية المصطفى - ﷺ - بالأطفال، وشفقته عليهم، وحرصه على إدخال السرور عليهم، فالأطفال يُمثِّلون بعض اليوم وكلّ الغد، فيحتاجون إلى بناء شخصيتهم وإشعارهم بالاهتمام بهم، وهذا بلا شك يترك آثارًا حسنة في نفوسهم، ويعود عليهم بالخير والبركة، ويعوِّدهم على الثقة بالله ثم بالنفس، ويربِّي فيهم حب الخير والتآخي.\nوقد أخذ الخلفاء والصحابة بنهج النبي - ﷺ - في الترفُّق بالأطفال، وأخذهم باللين والشفقة والعطف، فها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - الذي يهابه عظماء الرجال تأخذه الرقة واللين للأطفال، ويستنكر الغلظة والشدة في معاملتهم، ويعتبر ذلك من الأمور المخلة بأهلية الإنسان في الولاية على الغير، فقد دخل عليه\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب وضع الصبي في الحجر (رقم ٦٠٠٢) ومسلم، كتاب الطهارة، باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله (رقم ٢٨٦).","vol":"1","page":96},{"text":"أحد عماله، وولاته، فوجد عمر مستلقيًا على ظهره وصبيانه يلعبون حوله، فأنكر عليه سكوته على لعب الأطفال من حوله، فسأله عمر: كيف أنت مع أهلك؟ فأجاب: إذا دخلت سكت الناطق، قال له عمر: اعتزل عملنا؛ فإنك لا ترفق بأهلك وولدك، فكيف ترفق بأمة محمد - ﷺ - (١).\nفالخليفة الراشد يضرب مثلًا في حسن معاملة الأهل والولد والسعي في إدخال السرور عليهم؛ ليتربوا تربية حسنة بعيدة عن الخوف والجبن.\nوقد عزل عمر هذا الوالي؛ لجفائه، وشدته، وقسوته مع أقرب الناس إليه من الأهل والأولاد؛ لأن من يفعل هذا مع أسرته يكون مع الناس أشد جفاءً وغلظة وقسوة في المعاملة، رحم الله عمر فقد كان دائمًا خير قدوة، وخير مثل في الرفق والعدل، وفي حسن السياسة، وصلاح الرأي (٢).\n* ... * ... *\n_________\n(١) انظر: الطفل في الشريعة الإسلامية (ص ٢٠٨).\n(٢) الطفل في الشريعة الإسلامية، للدكتور محمد بن أحمد الصالح ص ٢٠٨.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المبحث السادس: الرعاية الصحية</span>\nيحث الإسلام على النظافة في البدن والملبس، فالنظافة من الإيمان (١)، وبالنظافة تدوم الصحة بإذن الله تعالى، ويزداد البدن قوة ونشاطًا.\nفعلى الوالد أو المربي أن يحافظ على نظافة الأولاد، وإضافة إلى النظافة لا بد من الأغذية المناسبة التي تلائم الطفل، وتنظيم الوجبات، ولا يكون الغذاء مفيدًا إلا إذا نُظِّم؛ فإن الإكثار من الطعام بدون تنظيم قد يضر، كما إن الإقلال إلى درجة الضعف يسبب أمراضًا ضارة كذلك، والرسول - ﷺ - قد أرشدنا إلى ترك الإكثار من الطعام، وأخبرنا بأن الأفضل لابن آدم أن يجعل ثلثًا لطعامه، وثلثًا لنفسه، وثلثًا لشرابه (٢).\n_________\n(١) النظافة من الإيمان معناه صحيح، ولكن ورد فيه حديث ضعيف جدًا، أخرجه الطبراني في الأوسط، قاله العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين، ١/ ٢٧٨.\n(٢) عن المقدام بن معدي كرب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطنٍ، بحسب ابن آدم أكلات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل (رقم ٢٣٨٠، ٢٣٨١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع، (برقم ٣٣٤٩)، بلفظ: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًا من بطن .. حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه فإن غلبت الآدميُّ نفسه: فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنَّفس» وابن حبان (٢/ ٤٤٩ رقم ٦٧٤)، والنسائي في الكبرى (٤/ ١٧٨ رقم ٦٧٧٠)، والحاكم (٤/ ٣٦٧ رقم ٧٩٤٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسنه ابن حجر في فتح الباري ٩/ ٥٢٨، ٥٢٩.","vol":"1","page":98},{"text":"ومن الرعاية الصحية أن يحافظ على أولاده، وأن لا يدفعهم إلى مرضعات لا يحافظن على النظافة، سواء كانت: النظافة الحسية، أو المعنويَّة، وإذا كانت الشريعة الإسلامية تدعو إلى النظافة، فلا غرو أن توجب أمورًا تتعلق بإزالة الأذى عن الطفل، منها: الختان، وحلق الرأس في اليوم السابع من ولادة الطفل، وبذل الوسع في نظافة بدن الطفل وثوبه.\nوالختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار من أعظم ما يتنظف بإزالته الإنسان المسلم، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «الفطرةُ خمسٌ: الْخِتَانُ وَالاِسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ» (١). فجعل الختان رأس خصال الفطرة، التي فطر الله الناس عليها، وهذا يتَّفق مع تأويل من تأول قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً﴾ (٢) على الختان.\nوقد جاء عن ابن عباس ﵄ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (٣) أنه ابتلاه بالطهارة وهي خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فالتي في الرأس: قص\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب تقليم الأظفار (رقم ٥٨٩١)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة (رقم ٢٥٧).\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٣٨.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٢٤.","vol":"1","page":99},{"text":"الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس.\nوالتي في الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء (١).\nوذُكِر عن ابن عباس ﵄: «الأقلف لا تقبل له صلاة، ولا تؤكل له ذبيحة، ولا يجوز له شهادة» (٢). والصواب خلاف ذلك كله، فصلاته صحيحة وتؤكل ذبيحته، وتجوز شهادته؛ لعدم الدليل الصحيح (٣).\nوقد أثبت الطب الحديث فوائد الختان، ومنافعه الكبيرة والكثيرة، ومن ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>١ - عدم تراكم المفرزات التي تؤدي إلى الالتهاب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٢ - عدم تراكم آثار البول</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>٣ - عدم تراكم آثار المفرزات المنوية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٤ - يعري الحشفة فيزيد من حساسية القضيب أثناء الجماع </span>(٤).\nأما حلق الرأس: فهو من مظاهر عناية الشريعة بالطفل،\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (١/ ١٦٦).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٢١ رقم ٢٣٣٣٤)، وانظر: الاستذكار (٨/ ٣٣٨)، والمحلى (٧/ ٤٥٤)، وانظر: تحفة المودود، لابن القيم (ص ٩٦).\n(٣) أخرج البخاري تعليقًا عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي أنهما قالا: «لا بأس بذبيحة الأقلف» في كتاب الذبائح والصيد، باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها، قبل الحديث رقم ٥٥٠٨.\n(٤) الطفل في الشريعة الإسلامية (ص ٨٤).","vol":"1","page":100},{"text":"والاهتمام بنظافته من ولادته حتى يبلغ رشده، وذلك لأن بقاء الشعر على رأس الطفل الصغير خاصة يلحق ضررًا به؛ لأنه يغلق مسام الرأس، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «أَمَرَنَا رسُولُ الله - ﷺ - حِينَ سَابعِ المولودِ بتسمِيَتهِ وعَقِيقتهِ وَوَضْعِ الأذَى عَنْهُ» (١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «عقَّ رسولُ الله - ﷺ - عَنِ الحَسنِ والحُسينِ يومَ السابعِ، وسَمَّاهُما وأَمَرَ أنْ يُمَاطَ عَنْ رُؤُوسِهما الأذَى» (٢).\nوعن سمرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «كُلُّ غُلاَمٍ مُرْتَهِنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عنه يوم سَابِعِهِ، ويُحْلَقُ، ويُسمَّى» (٣).\nونأخذ من هذا عناية الإسلام بصحة الطفل من نظافة وحفظ ورعاية وغير ذلك من المحافظة على صحته وأخلاقه.\nوعن ابن عباس ﵄: «نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ الناسِ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في تعجيل اسم المولود (رقم ٢٨٣٢) وقال: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٣٠ رقم ٢٨٣٢).\n(٢) أخرجه ابن حبان (١٢/ ١٢٧ رقم ٥٣١١)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢٩٩ رقم ١٩٠٥٥)، وأبو يعلى (٨/ ١٧ – ١٨ رقم ٤٥٢١)، والحاكم (٤/ ٢٦٤ رقم ٧٥٨٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الأضاحي، باب من العقيقة (رقم ١٥٢٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٣/ ٧٧ رقم ٤٥٤٦)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢٩٩ رقم ١٩٠٤٧). ونقل الألباني في إرواء الغليل (٤/ ٣٨٠) تصحيح الحاكم والذهبي وابن السكن وابن حجر رحم الله الجميع.","vol":"1","page":101},{"text":"الصِّحةُ والْفَرَاغُ» (١).\nعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نَظِّفُوا أفْنِيَتُكم، ولا تَشَبَّهوا باليَهودِ» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَوْلاَ أن أَشُقَّ عَلَى أمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلَّ صَلاَةٍ» (٣).\nوعن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تَدَاوَوْا عبَادَ الله، فإن الله تعالى لم يَضَعْ دَاءً إلا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ، الهرَمُ» (٤).\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الله - ﷿ - لم\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب ما جاء في الصحة والفراغ (رقم ٦٤١٢).\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في النظافة (رقم ٢٧٩٩)، والبزار (٣/ ٣٢٠ رقم ١١١٤) وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (رقم ١٦١٦). وفي ضعيف سنن الترمذي (٢٧٩٩).\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة (رقم ٨٨٧)، ومسلم كتاب الطهارة، باب السواك (رقم ٢٥٢).\n(٤) أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٤/ ١٧٠ رقم ١٣٨٥)، وابن حبان (١٣/ ٤٢٦ رقم ٦٠٦١)، وابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء (رقم ٣٤٣٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ١٤٠ رقم ١٤٦٧)، والحميدي في مسنده (٢/ ٣٦٣ رقم ٨٢٤)، والطبراني في الصغير (رقم ٥٥٩)، وفي الكبير (١/ ١٧٩ رقم ٤٦٤)، وصححه الكناني في مصباح الزجاجة (٤/ ٤٩). وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٣/ ١٥٨ رقم ٣٤٩٩).","vol":"1","page":102},{"text":"يُنزلْ داءً إلا أنْزَلَ لهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ من عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ من جَهِلَهُ» (١).\nفهذه النصوص من الشرع توجب العناية بالأطفال وصحتهم، والمحافظة عليهم والقيام بالرعاية الصحية، إضافة إلى الرعاية البدنية والأخلاقية.\n* ... * ... *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٣٧٧، ٤١٣)، وأبو يعلى (٩/ ١١٣ رقم ٥١٨٣)، والحاكم (٤/ ٤٤١ رقم ٨٢٠٥)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣٤٣ رقم ١٩٣٤٤)، والحميدي (١/ ٥٠ رقم ٩٠)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١٢١ رقم ٧٠٣٦)، وفي الكبير (١٠/ ١٦٣ رقم ١٠٣٣١)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٨٤): رواه أحمد والطبراني ورجال الطبراني ثقات. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم ٤٥١).","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث السابع: الرضاعة</span>\nالرضاع: هو مص الرضيع اللبن من ثدي المرأة في مدة الرضاع، ولما كان الطفل في مستهل حياته لا قدرة له على تناول الطعام، ولا قدرة له إلا أن يتغذى عن طريق المص، سواء كان ما يرضعه هو لبن الأم، أو غيرها من المراضع، أو كان رضاعًا صناعيًا بألبانٍ صناعية، فقد أمر الله أم المولود أن ترضعه حولين كاملين، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١)؛ لأنه يعلم - ﷾ - أن هذه المدة هي المثلى من جميع الوجوه: الصحية، والنفسية للطفل، وأثبتت البحوث الطبية اليوم أن مدة عامين ضرورية لنمو الطفل نموًا سليمًا من الناحيتين البدنية والنفسية، ولكن نعمة الله على الجماعة المسلمة لم تنتظر بهم حتى يعلموا هذا من تجاربهم، ومما يدل على عناية الشريعة الإسلامية بغذاء الطفل أنْ منحت المرضع الحق في الفطر في رمضان، كما أوجبت عليها تناول الغذاء الذي يُؤدي إلى إدرار اللبن، الذي يحفظ حياة الطفل، ويحصل به نموه (٢).\nوالذي خلق هذا الطفل هو أعلم بما يسره، وما يضره، وما يسعده، وما يشقيه، فقال - ﷾ -: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.\n(٢) الطفل في الشريعة الإسلامية (ص ٧٠).\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.","vol":"1","page":104},{"text":"الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير﴾ (٢). قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾: هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود [من غير أمِّه] وعمره فوقهما لم يحرم (٣). وقال الشوكاني في قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ قيل: هو خبر في معنى الأمر للدلالة على تحقق مضمونه. وقوله: ﴿حَوْلَين كَامِلين﴾ للدلالة على أن هذا التقرير تحقيقي لا تقريبي. وقوله: ﴿لمنْ أَرَادَ أن يُتمَّ الرَّضاعة﴾ وفيه دلالة على إن إرضاع الحولين ليس حتمًا بل هو التمام، ويجوز الاقتصار على ما دونه (٤).\nواستنبط ابن كثير من تفسير آية الأحقاف، وآية لقمان، وآية البقرة: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وهو استنباط قوي صحيح وافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة - ﵃ - (٥).\n_________\n(١) سورة الأحقاف، الآية: ١٥.\n(٢) سورة لقمان، الآية: ١٤.\n(٣) تفسير ابن كثير، (١/ ٢٨٤).\n(٤) تفسير الشوكاني آية ٢٣٣ من سورة البقرة.\n(٥) تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٨).","vol":"1","page":105},{"text":"وقد ذكر ابن كثير قصة رجل تزوج امرأة من جهينة فولدت له تمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان - ﵁ - فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما أتي بها عثمان أمر بها فرجمت، فبلغ ذلك عليًا، فقال علي لعثمان: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: أما سمعت قول الله - ﷿ -: ﴿وحَمْلُهُ وفِصَالهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾؟ وقال: (حَوْلَينِ كَامِلينِ) فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، فقال عثمان - ﵁ -: والله ما فطنت بهذا، عليَّ بالمرأة فوجدوها قد فُرِغَ منها (١).\nقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄: «إذا وَضَعَتِ المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع واحد وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لستة أشهر فحولين كاملين»؛ لأن الله يقول: ﴿وحَمْلُهُ وفِصَالهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢).\nوإن أراد والد الطفل أو والدته فطامه فلا بد من الرضى بين الطرفين، والتشاور، فإذا اتفقا على فطامه قبل الحولين فلا جناح عليهما، ولا ينبغي انفراد أحدهما بالفصال دون الآخر، أو يستبد من غير مشاورة الآخر، وهذا فيه احتياط للطفل وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده حيث نبَّه الوالدين وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٩٣ رقم ١٨٥٦٧) وانظر: تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٨).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٩٤ رقم ١٨٥٦٧)، وانظر: تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٨).","vol":"1","page":106},{"text":"ولقد حافظت الشريعة على رعاية الطفل، فإن تيسر إرضاعه من أمه فبها ونعمت، وإن عدم هذا فلا جناح على والدي الطفل أن يسلماه إلى مرضعة: ذات أمانة، وشرف، ودين، إذا سلَّما وَالِدَا الطفل أجرة المرضعة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١).\nوإذا رضع الولد من غير والدته وكان الرضاع خمس رضعات فأكثر في الحولين؛ فإن الرضاع يُحرِّم ما يحرم النسب، والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يَحْرُمُ مِنَ\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.\n(٢) سورة النساء، الآيتان: ٢٣ – ٢٤.","vol":"1","page":107},{"text":"الرّضاعِ مَا يَحرُمُ مِنَ النَّسبِ» (١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «يَحْرُمُ مِنَ الرِّضاعَةِ ما يَحرمُ مِنَ الوِلادَةِ» (٢).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُحْرِّمُ المصَّة والمصَّتانِ» (٣).\nولا يَحْرُم إلا من رضع خمس رضعات، قالت عائشة ﵂: «كَانَ فِيْما أُنْزلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلومَاتٍ ثُمَّ نُسِخْنَ بخَمْسٍ مَعْلُوماتٍ، فَتُوفِّي رسولُ الله - ﷺ - وهُنَّ فيما يُتْلَى مِنَ القُرْآنِ» (٤).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «انْظُرْنَ من إِخْوَانُكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (٥).\nوعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحرمُ مِنَ الرَّضَاعةِ إلاَّ ما فَتَقَ الأمْعاءَ في الثَّدْيِ وكانَ قَبلَ الفِطامِ» (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب (رقم ٢٦٤٥) ومسلم، كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة (رقم ١٤٤٧).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب (رقم ٢٦٤٦) ومسلم، كتاب الرضاع، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة (رقم ١٤٤٤).\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الرضاع، باب في المصة والمصتان (رقم ١٤٥٠).\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات (رقم ١٤٥٢).\n(٥) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب (رقم ٢٦٤٧) ومسلم، كتاب الرضاع، باب إنما الرضاعة من المجاعة (رقم ١٤٥٥) بلفظ: «انظرن إخوتكنَّ من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة».\n(٦) أخرجه الترمذي، كتاب الرضاع، باب ما جاء ما ذكر أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين (رقم ١١٥٢)، وابن حبان (١٠/ ٣٧ رقم ٤٢٢٤)، والنسائي في سننه الكبرى (٣/ ٣٠١ رقم ٥٤٦٥)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (١/ ٥٨٩ – ٥٩٠ رقم ١١٥٢)، وفي صحيح الجامع (رقم ٧٦٣٣).","vol":"1","page":108},{"text":"ولا ينبغي أن يتخذ أحد الوالدين من الطفل سببًا لمضارة الآخر ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ (١). فلا يستغل الأب عواطف الأم وحنانها ولهفتها على طفلها؛ ليهددها فيه، أو تقبل إرضاعه بلا مقابل إذا كانت أجنبية عن أب المولود، أمَّا إذا كانت الزوجية قائمة فليس لها أجرة على إرضاعه، وكذلك إذا كانت معتدة من طلاق رجعي، إذ إن النفقة تثبت لها لقيام الزوجية، وبقائها في مدة العدة، ولا تستحق أجرة أو نفقة، بسبب الرضاعة، إذ لا يحسب للمرأة نفقتان، وإن تعددت أسباب الوجود (٢). ولا تستغل هي عطف الأب على ابنه وحبه له لتثقل كاهله بمطالبها، وليس للأم مضارة الأب، وإذا فعلت فللأب أن يحضر لطفله مرضعًا حين تتحقق مصلحة الطفل في هذا الرضاع ...، على شرط أن يوفي أجرها وأن يحسن معاملتها.\nوإذا توفي الأب فإن المسؤولية تنتقل إلى وارثه، وعلى الوارث مثل ذلك، فهو المكلف أن يرزق من تقوم بإرضاع الطفل ويكسوها بالمعروف والحسنى، وهكذا توالي الشريعة الإسلامية عنايتها بالطفل، وتعمل على حفظه، فلا يتعرض للضياع إن مات والده،\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.\n(٢) زاد المعاد (٤/ ٣٢).","vol":"1","page":109},{"text":"فحقه وحق من تقوم بإرضاعه مكفول في جميع الحالات (١).\nوالشريعة تضرب المثل الأعلى في العناية بالطفل، والعمل على صيانته وحفظه، فلقد قرر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - ﵁ - عطاء للأطفال من بيت المال يبدأ بعد الفطام، ولما علم أن الأمهات تسارع إلى فطام أطفالهن استعجالًا لهذا العطاء، أفزعه ذلك وأقض مضجعه وحرمه النوم ولم يكد المصلون يتبينون صوته في القرآن من شدة تأثره وبكائه، فسارع بعد الصلاة بإصدار قراره بأن العطاء لكل طفل من حين ولادته، وما ذلك إلا للحفاظ على الطفولة وحمايتها، وإقناع الأمهات باستمرارهن في الإرضاع (٢).\nوهذا العمل الذي فعله عمر يدل على رحمته بالمؤمنين والشفقة على أطفالهم، والشريعة الإسلامية كاملة شاملة، تشمل جميع أمور الدنيا والآخرة، التي فيها سعادة للبشرية جمعاء في دنياهم وأخراهم، قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ (٣).\n\n* ... * ... *\n_________\n(١) في ظلال القرآن (ص ٢٥٤).\n(٢) انظر: طبقات ابن سعد، ٣/ ٢٩٨، والرياض النضرة، ٢/ ٣٨٩، وانظر: الطفل في الشريعة الإسلامية.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٧٧.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>المبحث الثامن: الحضانة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>أولًا: تعريف الحضانة لغة وشرعًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>الحضانة في اللغة: </span>هي ضم الشيء إلى الحضن، وهو الجنب أو الصدر والعضدان وما بينهما. يقال: حضن الطائر أفراخه واحتضنها: إذا ضمها إلى جناحه.\nوحضنت الأم طفلها إذا ضمته إلى جنبها أو صدرها.\nومن معانيها: النصر، والإيواء، يقال: حضنه واحتضنه، أي أواه ونصره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>والحضانة في الاصطلاح: </span>التزام الطفل لتربيته والقيام بحفظه وتدبير شؤونه (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>ثانيًا: عناية الشريعة الإسلامية بالحضانة:</span>\nلقد عنيت الشريعة الإسلامية بالأسرة ورسمت لها الطريق السوي؛ لكي يدوم الصفاء وتستمر المودة والمحبة والألفة؛ حتى يعيش الأولاد في أحضان الأبوين، عيشة كريمة بعيدة عن النكد والشحناء، فأمرت برعاية الولد والمحافظة على حياته وصحته وتربيته، وتنشئته وتثقيفه بين الأبوين ... هذا ما يُعْرَفُ بالحضانة، ولكن عندما تنفصم العُرَى الزوجية وينفصل الزوجان لا تترك الشريعة الأولاد للضياع والتشرد، وإنما تعمل على تربيتهم وحمايتهم؛ حتى يصلوا إلى مرحلة تمكنهم من الاعتماد على\n_________\n(١) المعجم الوسيط، مادة (حضن).","vol":"1","page":111},{"text":"أنفسهم وإدراك مصالحهم.\nولقد جاءت الشريعة في هذا الباب بتعاليم سامية ووصايا حكيمة، تأتي في الجو الملبد بالنزاع والمليء بالخصومات بين الزوجين، فتفتح الأنفس على الخير، وتلفتها إلى المعروف لمصلحة الطفل الناشئ الذي هو ثمرة مشتركة بين الزوجين يهمهما أمره.\nومرحلة الحضانة هذه قد حافظ فيها الإسلام على مصلحة الولد أولًا: وعطف فيها على الأم ثانيًا: رعاية لحنانها، وتقديرًا لعاطفتها الفيَّاضة التي ترى في الولد أنه جزء منها، فجعل للأم ثم لقرابتها الأقرب فالأقرب حضانة الطفل حتى يبلغ سبع سنين وبعدها يدخل في مرحلة أخرى يصدر فيها حكمًا يجعله لأبيه، أو لأمه، أو يخير بينهما، وذلك عدل ورحمة ووضع الأمور في مواضعها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>ثالثًا: أهمية الحضانة:</span>\nوللحضانة شأن آخر خلاف الرضاع، ولها أحكام تخالف الإرضاع، ولكن لا يرد تطبيق الأحكام للحضانة غالبًا إلا في حال الفرقة بين الزوجين ووجود أولاد دون السن التي يستغني فيها الصغير عن النساء، وذلك؛ لأن الطفل يحتاج إلى نوع من: الرعاية، والحماية، والتربية، والقيام بما يصلحه، وهذا ما يعرف بالولاية.\n_________\n(١) الطفل في الشريعة الإسلامية.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>رابعًا: أقسام الولاية:</span>\nالولاية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الولاية الأولى: </span>ولاية التربية والحفظ، وهي القيام على شؤون الطفل من وقت نزوله من بطن أمه وهي المسماة بالحضانة، والأم هنا أحق بالقيام على تربية ولدها، والأم مقدمة على الأب في هذا المجال، لما تحمله من أنواع الرحمة والعطف، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجْري له حِواءً، وإن أباه طلَّقني، وأراد أن ينتزعه منِّي، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «أنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لم تَنْكِحِي» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>والولاية الثانية: </span>الولاية على النفس: وذلك بإنفاذ التصرفات في كل أمر يتعلق بنفس الصغير المولَّى عليه، وبين هذه الولاية وبين الحضانة مشاركة زمنية، تنتهي بانتهاء مدة الحضانة، على أن هذه الولاية قد تكون من القوة بحيث يجبر المولَّى عليه على أمرٍ ينفعه، أو الاعتراض على سلوكه، والحيلولة بينه وبين التصرفات الضارة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>الولاية الثالثة: </span>الولاية على المال: وهي تختص بتنمية أمواله ودفع الزكاة عنه حتى يبلغ الصغير الرشد، وقد ورد النهي عن دفع\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الطلاق، باب من أحق بالولد (رقم ٢٢٧٦)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٤ رقم ١٥٥٤١)، والحاكم (٢/ ٢٢٥ رقم ٢٨٣٠)، وأحمد (٢/ ١٨٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٣٢٣): رواه أحمد ورجاله ثقات، وصححه الحاكم، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٣٢ رقم ٢٢٧٦)، وفي إرواء الغليل (٧/ ٢٤٤).","vol":"1","page":113},{"text":"المال إلى من ليس أهلًا لحفظه وصيانته، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (١).\nوقد علق القرطبي على الآية بقوله: «فالسفيه المشار إليه في الآية له أحوال: حال يحجر عليه لانعدام عقله بجنون أو غيره، وحال يحجر عليه لصغره، وحال لسوء نظره لنفسه وماله» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>خامسًا: أنواع الولاية:</span>\nوالولاية من حيث الولي نوعان:\nنوع يُقدَّمُ فيه الأب على الأم، ونوع تقدم فيه الأم على الأب، فيقدم الأب في الولاية على المال والنكاح، وتقدم الأم على الأب في الرضاع والحضانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>سادسًا: شروط الحضانة:</span>\nيشترط للحضانة شروط على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>١ - ألا تكون الأم مزوجة بأجنبي</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>٢ - أن تكون أمينة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>٣ - العدالة إذا كانت الحضانة لغير الأبوين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٤ - القدرة على التربية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٥ - أن تكون ذات رحم</span>، فلا حضانة للقريبة غير المحرم، كما لا\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٥.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن الكريم للقرطبي (٥/ ٢٨).","vol":"1","page":114},{"text":"يثبت الحق في الحضانة للمحارم غير الأقارب، كالأم والأخت من الرضاعة إذا لم تكن قريبة أو محرمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٦ - يشترط في الحاضنة ألا تكون مرتدة</span>؛ فإنها سوف تفسد المحضون.\nأما الشروط التي يلزم توافرها في الرجل الذي له حق الحضانة لعدم وجود أهل الحضانة من النساء، فهي:\n١ - الحرية.\n٢ - العقل.\n٣ - البلوغ.\n٤ - القدرة على تربية الطفل.\n٥ - الأمانة.\n٦ - وأن يكون ذا رحم محرمًا إذا كان الطفل أنثى.\n٧ - وأن يكون عصبة للطفل ويقدم من يكون مقدمًا في الميراث (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>سابعًا: أدلة ثبوت الحضانة:</span>\nأدلة ثبوت الحضانة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-113>من الكتاب: </span>قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>ومن السنة: </span>حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني فأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «أنْتِ أحقُّ بِهِ ما لم تَنْكِحي» (٣).\n_________\n(١) الطفل في الشريعة الإسلامية (ص ٩٨).\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطلاق، باب من أحق بالولد (رقم ٢٢٧٦)، وسبق تخريجه. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٣٢ رقم ٢٢٧٦)، وفي إرواء الغليل (٧/ ٢٤٤).","vol":"1","page":115},{"text":"وعن البراء بن عازب ﵄ أن ابنة حمزة اختصم فيها: علي، وجعفر، وزيد، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها رسول الله - ﷺ - لخالتها، وقال: «الخَالةُ بمَنزلةِ الأُمِّ» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه (٢).\nوعن أبي هريرة أيضًا - ﵁ -: أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني، فقال رسول الله - ﷺ -: «استَهِمَا عَلَيْهِ» فقال زوجها: من يُحاقُّني في ولدي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «هذَا أبوكَ وهَذهِ أمُّك وخُذْ بِيَدِ أيُّهُما شِئْتَ» فأخذَ بيد أمه فانطلقت به (٣).\nوروى أبو داود عن عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني جدي رافع، أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي - ﷺ - فقالت: ابنتي\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب عمرة القضاء (رقم ٤٢٥١).\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء في تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا (رقم ١٣٥٧)، وابن ماجه، كتاب الأحكام، باب تخيير الصبي بين أبويه (رقم ٢٣٥١)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣ رقم ١٥٥٣٥)، وأبو يعلى (١٠/ ٥١٢ رقم ٦١٣١) وصححه الترمذي. والألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٨٠ رقم ١٣٥٧)، وفي إرواء الغليل (٧/ ٢٤٩ – ٢٥١).\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطلاق، باب من أحق بالولد (رقم ٢٢٧٧)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣ رقم ١٥٥٣٦)، والحاكم (٤/ ١٠٨ رقم ٧٠٣٩)، وصححه، وكذا صححه ابن القطان كما قال في الدراية (٢/ ٨٢). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٣٢ – ٣٣ رقم ٢٢٧٧).","vol":"1","page":116},{"text":"وهي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي، فقال رسول الله - ﷺ -: «اقْعُد ناحية» وقال لها: «اقْعُدِي ناحية» فأقعد الصبية بينهما، ثم قال: «ادعوها» فمالت إلى أمِّها، فقال النبي - ﷺ -: «اللهمَّ اهْدِهَا» فمالت إلى أبيها فأخذها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>أما الإجماع: </span>فقد جاء في الفقه الحنبلي: أن كفالة الطفل وحضانته واجبة.\nوجاء في الفقه المالكي: الإجماع قائم على وجوب كفالة الأطفال الصغار (٢).\nوالشريعة الإسلامية كفلت حق الطفل كما كفلت حقوق الآخرين، فمهما عدلت البشرية إلى غيرها فإنها سوف تبقى تائهة ضائعة، حتى ترجع لتعاليم الشريعة الإسلامية وتترك قوانين هي عبارة عن كلمات تقال، وهي في الواقع توقع الفساد وتضيع حقوق الآخرين.\nأما أحكام الشريعة الإسلامية فإنها صالحة لكل زمان ومكان.\nونأخذ مما تقدم أن وقت حضانة الطفل من وقت ولادته إلى بلوغه مبلغ الرجال ينقسم إلى مرحلتين:\nالمرحلة الأولى: مرحلة الحضانة وهي التي يحتاج فيها الطفل إلى الرعاية والخدمة، ولا يحسن هذا في الغالب إلا النساء، وتنتهي هذه المرحلة بالنظر إلى الغلام – سواء كانت الحاضنة الأم أو\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الطلاق، باب إذا أسلم أحد الأبوين مع من يكون (٢٢٤٤). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٢١ رقم ٢٢٤٤).\n(٢) الطفل في الشريعة الإسلامية (ص ١٠١).","vol":"1","page":117},{"text":"غيرها – ببلوغه حدًا يستقل فيه بنفسه وحده وقدَّر بعض الفقهاء ذلك بسبع سنين.\nأما البنت فيفرق بين حضانة الأم والجدة وحضانة غيرهما، فإن كانت الحاضنة الأم أو الجدة بقيت البنت عندها حتى تبلغ مبلغ النساء، وإن كانت الحاضنة غيرهما بقيت عندها إلى سن المراهقة تسع سنين على المفتى به عند الحنفية ورواية عند أحمد (١).\nالمرحلة الثانية: وهي مرحلة ضم الطفل إلى وليه، الذي يرعاه ويقوم على تأديبه بأنواع التربية والتهذيب.\nأما البنت – بعد حد الاستغناء الذي تشارك فيه الغلام – فتستمر حضانتها حتى تبلغ مبلغ النساء إذا كانت الحاضنة هي الأم أو الجدة، أما إذا لم تكن كذلك فحتى سن التمييز عند غيرها من النساء، ثم تكون عند الأب ليقوم بحمايتها والمحافظة عليها وصون عرضها، والولد يقوم بتأديبه وإرشاده إلى الأمور الخيرية (٢).\n_________\n(١) الطفل في الشريعة الإسلامية (ص ١٠١ – ١٠٢).\n(٢) المرجع السابق بتصرف (ص ١٠٤).","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المبحث التاسع: النفقة على الأولاد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>أولًا: أهمية النفقة على الأولاد في الشريعة الإسلامية:</span>\nمن حقوق الطفل في الشريعة الإسلامية حقه في الإنفاق عليه مادام صغيرًا غير قادر على الكسب، ولم يكن له مال، وتستمر نفقة الصغير على أبيه أو على ورثته، حتى يحصل على مال أو يكبر ويكون قادرًا على التكسب.\nأما إذا كبر الصغار وهم فقراء أو كانوا غير قادرين على الكسب، فإما أن يكونوا ذكورًا أو يكونوا إناثًا، فإن كانوا ذكورًا فلا تجب نفقتهم على أبيهم إلا إذا كانوا عاجزين عن الكسب بسبب مرض أو غيره، فإن قدر أحدهم على اكتساب شيء لا يفي بنفقته كان على الأب أن يُكَمِّلها له.\nأما البنت فتجب نفقتها على أبيها حتى تتزوج ولو لم تكن عاجزة عن الكسب، ولا يجوز لأبيها أن يدفعها لتكسب أو يؤجرها في عمل أو خدمة، فإن ذلك يعرضها للفتنة والانحراف، ولكن إذا كان لها كسب من طريق مأمون كأن كانت تعمل وهي في بيتها وتكتسب من ذلك، وكان أبوها فقيرًا فلا تجب عليه نفقتها، فإن كان كسبها لا يفي بحاجتها كان على أبيها أن يكمل لها بما فيه كفايتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>ثانيًا: الأدلة على وجوب النفقة على الأولاد:</span>\nالنفقة على الأولاد واجبة بالكتاب والسنة والإجماع.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>أما الكتاب:</span>\nفقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١).\nوقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>أما الأدلة من السنة فهي:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «أفضلُ الصَّدَقة ما تركَ غِنىً، واليدُ العُليا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، ابْدأ بمَنْ تَعول، تَقُولُ المرأةُ: إمَّا أن تُطْعمَني وإمَّا تُطَلِّقَني، ويَقُولُ العبدُ: أطْعمني واسْتَعملني، ويَقُولُ الابن: أطْعِمني، إلى مَنْ تدَعُني» فقالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -؟ قال: لا، هَذا مِنْ كِيسِ أبي هُريرة» (٣).\nوعن عائشة ﵂ أن هندًا بنت عتبة جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه سرًا وهو لا يعلم، فهل في ذلك شيء؟ فقال النبي - ﷺ -: «خُذِي ما يَكْفِيكِ ووَلَدُكِ بالمعروفِ» (٤).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.\n(٢) سورة الطلاق، الآية: ٧.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب وجوب النفقة على الأهل والعيال (رقم ٥٣٥٥).\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف (رقم ٥٣٦٤)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب قضية هند (رقم ١٧١٤).","vol":"1","page":120},{"text":"وعن أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذَا أنْفَقَ المسلمُ نَفَقَةً عَلى أهلِهِ وهوَ يحْتِسِبُها كانَتْ لهُ صَدَقَةٌ» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «السَّاعِي عَلى الأرْمَلَةِ والمسْكينِ كالمُجَاهِدِ في سبيلِ الله أو القائِمِ اللَّيلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ» (٢).\nوعنه أيضًا: أن رسول الله - ﷺ - قال: «قالَ الله تعالى: أنْفِقْ يا ابنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيكَ» (٣).\nوعن سعد - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - يعودني وأنا مريض بمكة فقلت: لي مالٌ أوصي بمالي كلِّه؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: «الثُّلثُ والثُّلُثُ كثيرٌ، أَنْ تَدَعْ وَرَثَتكَ أغْنِياءَ خيرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عَالةً يتَكَفَّفونَ النَّاسَ في أيْدِيهِم، ومهما أنْفَقتَ فهُوَ لكَ صَدَقَةٌ حتَّى اللقْمَة ترْفَعُها في فيِّ امْرأتِكَ، ولعلَّ الله يَرْفَعُكَ، ينتَفِعُ بكَ ناسٌ ويَضُرَّ بكَ آخَرونَ» (٤).\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ ما تَرَكَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل (رقم ٥٣٥١)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين (رقم ١٠٠٢).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقةعلى الأهل (رقم ٥٣٥٣)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم (رقم ٢٩٨٢).\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل (رقم ٥٣٥٢)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف (رقم ٩٩٣).\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل (رقم ٥٣٥٤)، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث (رقم ١٦٢٨).","vol":"1","page":121},{"text":"غِنًى، واليَدُ العُليا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى، وابْدأ بِمَنْ تَعول: تَقُولُ امْرَأَتُكَ: إمَّا أنْ تُعطيني وإمَّا أن تُطَلِّقني، ويقُولُ العبدُ: اطْعِمني واسْتَعملني، ويَقولُ الابن: أطْعِمني إلى مَنْ تَكِلُني» (١). فقالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.\nوعن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -: «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ على عِيَالِهِ، ودِينارٌ يُنفِقُهُ على فَرَسِهِ في سبيلِ الله، ودِينارٌ يُنفِقُه على أَصْحَابِهِ في سَبِيلِ الله، قال أبو قِلاَبَةَ: بَدَأُ بِالْعِيَالِ ثم قال أبو قلابةَ: أيُّ رجلٍ أعظمُ أجْرًا منْ رجلٍ يُنفق على عِيالٍ صِغار، يَعفهم الله أو ينفعهم الله بهِ ويُغنِيهم» (٢). رواه مسلم والترمذي.\nوعن كعب بن عجرة - ﵁ - قال: مرَّ على النبي - ﷺ - رجل فرأى أصحاب رسول الله - ﷺ - من جلده ونشاطه، فقالوا يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال - ﷺ -: «إن كان خَرَجَ يَسْعَى على أولادٍ صِغارٍ فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّه، وَإِنْ كان خَرَجَ يَسْعَى على أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّه، وَإِنْ كان يَسْعَى على نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ في سَبِيلِ الله، وَإِنْ كان خَرَجَ يَسعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ في سَبِيلِ الشَّيْطَانِ» (٣). رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب وجوب النفقة على الأهل والعيال (رقم ٥٣٥٥)، وسبق تخريجه.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف (رقم ٩٩٤).\n(٣) أخرجه الطبراني في الصغير (رقم ٩٤٠) وفي الأوسط (٧/ ٥٦ رقم ٦٨٣٥)، وفي الكبير (١٩/ ١٢٩ رقم ٢٨٢) قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٣٣٥): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٣٢٥): رواه الطبراني في الثلاثة ورجال الكبير رجال الصحيح). وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣٠٦ رقم ١٦٩٢): صحيح لغيره، وصححه في صحيح الجامع الصغير (رقم ١٤٢٨).","vol":"1","page":122},{"text":"وهكذا نجد السنة المطهرة قد جاءت موافقة للقرآن الكريم من كل وجه، وشارحة له، في وجوب نفقة الولد على الوالد، فقد عاضدت السنة القرآن الكريم، وتواردت معه، وقد تضافرت الأدلة في هذا الحكم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>وجوب نفقة الأولاد بالإجماع:</span>\nقال ابن قدامة ﵀ في المغني عن ابن المنذر: «وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم، ولأن ولد الإنسان بعضه، وهو بعض ولده، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله كذلك على بعضه وأصله» (٢).\n\n* ... * ... *\n_________\n(١) الطفل في الشريعة الإسلامية (ص ١٧٩).\n(٢) المغني (٨/ ٢١٢).","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المبحث العاشر: تعليمهم التعليم الشرعي</span>\nيبدأ التعليم للطفل من أول خروجه من بطن أمه إلى هذه الحياة؛ لأنه من المستحب أن يسمع ما يطرد الشيطان عنه، وأن يطرق سمعه كلام حسن. وقد ورد في الحديث عن أبي رافع - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أذَّن في أُذن الحسن بن علي عند ولادته (١)، لأن هذا الكلام أحسن كلام يطرق أذن المولود، وحيث إن الطفل يعتبر صفحة بيضاء فاستحب أن يسمع أولًا وقبل كل شيء ذكر الله الذي يطرد الشيطان، ثم على والد الطفل عندما يبلغ سن التعليم، وقد يبدأ من استطاعة الطفل على النطق بالكلام فليقنه (لا إله إلا الله)، ويغرس حب الإسلام في قلبه، والعلم هو الذي يهدي الإنسان إلى معرفة خالقه ﷾، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الصبي يولد فيؤذن في أذنه (رقم ٥١٠٥)، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب الأذان في أذن المولود (رقم ١٥١٤)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣٠٥ رقم ١٩٠٨٦)، والحاكم (٣/ ١٩٧ رقم ٤٨٢٧)، وأحمد (٦/ ٣٩١)، والطبراني في الكبير (١/ ٣١٣ رقم ٩٢٦)، والبزار (٩/ ٣٢٥ رقم ٣٨٧٩)، وابن أبي الدنيا في العيال (رقم ٥٤) وصححه الحاكم وحسنه محقق كتاب العيال الدكتور/ نجم عبد الرحمن بن خلف. بينما ضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (رقم ١٥١٤) وفي ضعيف سنن أبي داود (رقم ٥١٠٥).\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨.","vol":"1","page":124},{"text":"* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ (١).\nوقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (٣).\nكما جاء في السنة الأمر بتعليم الأطفال كل ما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة، وأول شيء يلقن لهم ويلقى في أسماعهم، أعذب الكلام وأطيبه، وهو ذكر الله - ﷾ -.\nقال أبو رافع: رأيت النبي - ﷺ -: «أذَّنَ في أُذُنِ الحَسنَ بن علي حينَ وَلَدَتْهُ فاَطِمَة» (٤). ويتعين على الوالد والوالدة مواصلة تعليم الطفل وتربيته بحسب ما تقتضيه مراحل نموه، فيُعلَّم كيف ينطق ثم الكلام، وأحسن ما يقال له في هذا هو تلقينه لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله - ﷺ -، ويجعل هذا عند الطفل من باب التسلية له، ويحسن تعليم الأطفال كل ما ينفعهم ويقوي أجسادهم، يقول أمير المؤمنين عمر الفاروق - ﵁ -: «علِّموا أولادكم السباحةَ والرمي،\n_________\n(١) سورة العلق، الآيات: ١ – ٥.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٣) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(٤) أخرجه الترمذي، كتاب الأضاحي، باب الأذان في أذن المولود، (برقم ١٥١٤)،وسبق تخريجه. وانظر: تحفة المولود لابن القيم (ص ١٣٣). وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (رقم ١٥١٤) وفي ضعيف أبي داود (رقم ٥١٠٥).","vol":"1","page":125},{"text":"ومروهم فليثبوا على الخيل وثبًا» (١). ومن ذلك يجب على الأب أن يعلِّم ابنه الصلاة ويرغِّبه فيها إذا بلغ سبع سنين.\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال - ﷺ -: «مُرُوا أبْنَاءكم بالصَّلاةِ لسبعٍ، واضْرِبُوهُم عَلى تَرْكِها لِعَشْرٍ، وفرِّقُوا بَيْنهم في المضَاجِعِ» (٢).\nوأعظم العلوم: القرآن، فينبغي لوالد الطفل ووالدته أن يُعلَّموا أولادهم القرآن من الصِّغر.\nوعلى الأب أن يجتنب القسوة والضرب في أول أمر الطفل إلا بعد العاشرة إذا تكاسل عن الصلاة، وقد كان النبي - ﷺ - مثالًا للرحمة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي قتادة: «أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب على عنقه، فإذا ركع أو سجد وضعها، وإذا جلس ردها في مكانها، وهكذا حتى انتهى من صلاته» (٣).\n_________\n(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٨٦) مقتصرًا على الجزء الأول. وانظر: فيض القدير (٤/ ٣٢٧)، بينما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٧٠) بلفظ: «اقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبًا». وقال الألباني عن الجزء الأول في ضعيف الجامع (رقم ٣٧٢٧) ضعيف جدًا.\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة (رقم ٤٩٥)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٢٢٨ رقم ٣٠٥٠)، والدارقطني (١/ ٢٣٠ رقم ٢، ٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٠٤ رقم ٣٤٨٢)، وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص ٩٥)، وحسنه محقق كتاب العيال لابن أبي الدنيا (رقم ٢٩٧). وصححه الألباني في إرواء الغليل (١/ ٢٦٦) (٢/ ٧).\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة (رقم ٥١٦)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة (رقم ٥٤٣).","vol":"1","page":126},{"text":"ومن حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه (١).\nوقد اعتبر - ﷺ - تأديب الطفل حق من حقوقه على والده، فقال فيما رواه عنه أبي سعيد وابن عباس ﵄: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَلْيُحْسِن اسمُهُ وأدَبَه، فَإذَا بَلَغَ فَلْيُزوِّجهُ، فإنْ بَلَغَ ولم يُزَوِّجهُ فأصَابَ إثْمًا فإنَّما إثْمُهُ عَلى أبِيهِ» (٢).\nوكان ﵊ يهتم بالأطفال، ويعتني بهم، ويعلمهم الأدب حتى طريقة الأكل والشرب وغير ذلك، فقد قال - ﷺ - لعمر بن أبي سلمة عندما رآه يأكل وتطيش يده في الصحفة: «يا غُلام سمِّ الله، وكُلْ بِيَمينكَ، وكُلْ ممَّا يَلِيْكَ» (٣).\nوقوله - ﷺ - لعبد الله بن عباس ﵄: «يا غُلَامُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظْ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ الله، وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لو اجْتَمَعَتْ على أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لم يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله لك، وَلَوِ اجْتَمَعُوا على أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». رواه الترمذي. وفي رواية\n_________\n(١) إحياء علوم الدين للغزالي (٢/ ٢١٧).\n(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٤٠١ رقم ٨٦٦٦)، وابن أبي الدنيا في العيال (رقم ١٧٣). وذكره التبريزي في مشكاة المصابيح (٢/ ٩٣٩ رقم ٣١٣٨)، ولم يحكم عليه الألباني بشيء، بينما ضعفه في السلسلة الضعيفة (٢/ ١٦٣ – ١٦٤ رقم ٧٣٧).\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين (رقم ٥٣٧٦)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (رقم ٢٠٢٢).","vol":"1","page":127},{"text":"لغير الترمذي: «احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى الله في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وما أصَابَكَ لم يَكُنْ ليخطئك، وَاعْلَمْ أَنَّ النصرَ معَ الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ معَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مع الْعُسْرِ يُسْرًا» (١).\nهذا التوجيه الكريم من المصطفى - ﷺ - للأمة في شخصية ابن عباس ﵄ ليس تربية على الزهد أو توجيهها إلى اعتزال الحياة، ولكنها تصحيح العقيدة وتثبيت الإيمان الراسخ في قلب عبد الله بن عباس حتى لا يفسدها فقر أو حرمان، أو يطغيها ثراء أو متاع أو يحول بينها وبين عقيدتها عرض أو جاه، فهذه النصوص المذكورة تدل دلالة واضحة على مدى عناية الشريعة بالعلم والتعلم، إذًا فواجب على كل والد أن يربي أولاده على الأخلاق الفاضلة ويعلمهم دينهم، وأفضل ما يعلم الطفل قبل كل علم بعد استقامة لسانه هو القرآن الكريم؛ لأنه حبل الله المتين، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن تمسك به لم يضل. ثم بعد ذلك يُعلِّمه الصلاة إذا بلغ سبع سنين مع استمراره في تعلم القرآن والسنة النبوية على قدر تحمله وطاقته، ويكون ذلك على أيدي رجال صالحين، وهذان الأصلان العظيمان هما أساس\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة (رقم ٢٥١٦)، والحاكم (٣/ ٦٢٣ رقم ٦٣٠٣)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٣١٦ رقم ٥٤١٧)، وفي الكبير (١١/ ١٢٣ رقم ١١٢٤٣)، وأبو يعلى (٤/ ٤٣٠ رقم ٢٥٥٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٤٣٤ رقم ٧٤٥)، وعبد بن حميد (رقم ٦٣٦) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٦٠٩ – ٦١٠ رقم ٢٥١٦).","vol":"1","page":128},{"text":"الدين ومصدره، فإذا تعلم الناشئ هذا القرآن وهذه السنة المطهرة وتعمق فيهما وفهم الأحكام والعبادات، والمعاملات، والآداب كان من الذين وصفهم الله بالعلم إذا عمل بما علم ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١).\nونأخذ في هذا الموضع رأي ونظر مؤرخ من مؤرخي الإسلام بعد أن استدلينا من القرآن والسنة المطهرة، ألا وهو ابن خلدون.\nيرى ابن خلدون أن مناهج التعليم تختلف باختلاف البيئات الإسلامية، ولكن المسلمين متفقون على أن القرآن هو أصل الدين ومصدر العلوم الإسلامية، ولذلك جعلوه أصلًا من أصول التعليم، وأساسًا من أسس التربية الإسلامية، وفي ذلك يقول: «اعلم إن تعليم الوِلدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن، وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الكتاب، وسبب ذلك أن تعليم الصغر أشد رسوخًا وهو أصل لما بعده» (٢).\nوعلى ما تقدم فإن الأب مسؤول عن تعليم ابنه أمور دينه من أركان وواجبات ومستحبات، وكذلك أمور دنياه، التي تعود عليه\n_________\n(١) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(٢) مقدمة ابن خلدون (٤/ ١٢٣٩) بتصرف.","vol":"1","page":129},{"text":"وعلى أمة الإسلام بالخير والبركة، هذا هو التعليم المطلوب.\nوخلاصة القول: أن الأب يُربِّي أولاده ذكورًا وإناثًا على طاعة الله - ﷿ -، وطاعة رسوله - ﷺ - على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>أولًا: المسؤوليات الكبرى للأب والمربي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>١ - مسؤولية التربية الإيمانية: </span>تلقينه إذا نطق بالكلمات الطيبة وأعظمها «لا إله إلا الله» وتعريفه أوَّل ما يعقل: الحلال والحرام، ويؤمر بالصلاة في سن السابعة، وتأديبه على حب الله تعالى وحب النبي - ﷺ -، وحب القرآن، ويرشده إلى: الإيمان بأركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة، وركن الإحسان: أن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه، ويغرس الخشوع لله في قلبه، والتقوى، والمراقبة لله تعالى في السر والعلن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>٢ - مسؤولية التربية الخُلُقية</span>، وهذه المسؤولية هي ثمرة من ثمرات الإيمان، فيربيهم على الصدق، وجميع الأخلاق الفاضلة، ويحذرهم من الكذب وجميع الأخلاق الرذيلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>٣ - مسؤولية التربية الجسمية</span>، فينفق على أولاده من الحلال، ويحافظ على القواعد الصحية لأولاده، ويبعدهم عن أسباب الأمراض، ويعالج المرضى منهم، ويُطبِّق قاعدة: لا ضرر ولا ضرار، ويُعلِّمهم على الرماية، وركوب الخيل، والسباحة عند الأمن من المفاسد، ويعوّدهم على الجدِّ والرجولة، ويبعدهم عن كل ما يضرهم من المفاسد.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>٤ - مسؤولية التربية العقلية</span>، فيعلمهم كل ما ينفعهم منذ الصغر، وإبعادهم عن المفاسد المنتشرة؛ لما في ذلك من التأثير على العقل والذاكرة: كالخمور، والتدخين، وغير ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>٥ - مسؤولية التربية النفسية</span>، فيبعدهم عن ظاهرة الخور، والخجل، والخوف، والحسد، والغضب، والشعور بالنقص، ويربي فيهم الإيمان بالقضاء والقدر، وغير ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٦ - المسؤولية الاجتماعية</span>، فيربِّيهم على القيام بحقوق الآخرين بجميع أنواعها، وعلى الرحمة، والعفو، والتقوى، والإيثار، والجرأة، وغير ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>٧ - يُحذِّرهم من الانحراف الجنسي</span>، ويزوِّج المحتاج منهم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>ثانيًا: وسائل التربية المؤثرة التي ينبغي للأب والمربي استخدامها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>١ - التربية بالقدوة</span>، فيكون الأب والمربِّي قدوة صالحة في جميع أموره: في العبادة، والكرم، والزهد، والتواضع، والحلم، والشجاعة، ويتخذ الرسول - ﷺ - قدوة له، فحينئذ ينفع تعليمه ويقتدى به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٢ - التربية بالعبادة: </span>فيربي أولاده على العبادة، ويعلمهم أنواع العبادات بإخلاص، ومتابعة للنبي - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>٣ - التربية بالموعظة: </span>فيوصيهم ويعظهم، كما وعظ لقمان الحكيم ابنه، ويعظهم بالقرآن والسنة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>٤ - التربية بالملاحظة: </span>فيراقب أولاده في جميع الجوانب،\n_________\n(١) انظر: تربية الأولاد في الإسلام، لعبد الله علوان ١/ ١٥٥ - ٦١١.","vol":"1","page":131},{"text":"وجميع تصرفاتهم، فلا بد من ذلك، ويقوِّم ما اعوجّ منها بالحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>٥ – التربية بالعقوبة: </span>والتأديب عند الحاجة، وهي العقوبات الشرعية: من الحدود، والجلد على التهاون بالصلاة لمن بلغ سبع سنين، وعقوبة التعزيرات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>ثالثًا: القواعد الأساسية في التربية التي يعمل بها الأب والمربي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>١ – الربط الاعتقادي</span>، فيجب أن يُربط الولد منذ تعقُّله بأركان الإيمان الستة الأساسية، وأركان الإسلام الخمسة، وحينئذ ينشأ الولد على المراقبة لله تعالى، وقد سبق ذلك في مسؤولية التربية الإيمانية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>٢ – الربط الروحي</span>، فيربط الولد بالعبادة، ويؤمر بالصلاة، والصوم إذا أطاقه، وبعبادة الحج إذا استطاع الأب ذلك بغير مشقة، وبعبادة الزكاة، والصدقة إذا كان الأب والمربي يقدر على ذلك، ويربطه بالقرآن فيُحفَّظ ويُعلَّم، ويربطه بالمساجد التي هي بيوت الله تعالى، ويربطه بذكر الله - ﷿ -، فيُعلَّم أذكار الصباح والمساء، وأذكار أدبار الصلوات، وغير ذلك من الأذكار ويكون ذلك بالتدرّج، ويُربط الولد بالنوافل: من صلاة الضحى، وتحية المسجد، وسنة الوضوء، وصلاة الليل ولو قليلًا، وصلاة الاستخارة، ويُربط بالصيام، كصوم يوم عرفة، وعشر ذي الحجة، وصيام عاشوراء مع يوم قبله أو بعده، وبصوم ست من شوال، وغير ذلك على حسب الاستطاعة، ويربط بمراقبة الله تعالى في السر والعلن، ويربط الولد بالآداب الاجتماعية، وتعليمه حقوق الله تعالى، ثم حقوق المجتمع، وقد سبق في","vol":"1","page":132},{"text":"مسؤولية التربية الاجتماعية، ومن الربط الاجتماعي: ربط الولد بالمرشد الطلابي، وبالصحبة الصالحة، وبالعلم والعلماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>٣ - قاعدة التحذير: </span>فيحذر الأب والمربي الولد من الرِّدة، والتحذير من الإلحاد، والتحذير من اللهو المحرم: من الغناء، والمزامير، والشطرنج، والقمار، والموسيقى، والنظر إلى آلات الفساد، والمسلسلات الخليعة، ويحذره من التقليد بدون دليل، ويحذره من رفقة السوء، ومن مفاسد الأخلاق، ومن الحرام بجميع أنواعه: سواء كان في الملبس، أو المشرب والمأكل، أو حلق اللحية، أو إسبال الثياب، وغير ذلك من أنواع التحذير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>٤ - مسائل مهمة في التربية ينبغي للأب أن يعملها</span>، ومن أهمها: تشويق الولد إلى أفضل المكاسب، ومراعاة استعداداته، ويروّح على الولد في المباحات بدون إفراط ولا تفريط، وإيجاد التعاون بين البيت والمسجد والمدرسة، وتقوية الصلة بين المربِّي والولد، وتوفير الوسائل العلمية النافعة، والسير على منهج تربوي في اليوم والليلة ينفع الولد في الدنيا والآخرة (١).\n* ... * ... *\n_________\n(١) انظر: تربية الأولاد في الإسلام، لعبد الله بن ناصح علوان ٢/ ٦٣١ - ١١١٠، الطبعة الثالثة، ط ١٤٠١هـ، دار السلام، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المبحث الحادي عشر: تعليمهم حرفة شريفة يكتسبون منها</span>\nعلى والد الطفل أن يعلمه حرفة شريفة يكتسب منها بعد أن علمه ما يجب عليه من العلم الشرعي، ومن التربية الحسنة المستمدة من الكتاب والسنة، ولقد ورد في هذا الموضوع نصوص شرعية كثيرة، تحث الإنسان على أن يكون كسبه بيده، لأن أطيب ما أكل المسلم من عمل يده، وقد كان نبي الله داود يأكل من عمل يده.\nعن المقدام - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «مَا أكَلَ أحَدٌ طَعَامًا قَطّ خَيْرًا مِنْ أنْ يَأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (١). رواه البخاري.\nوعن أبي عبيدة مولى عبد الرحمن بن عوف أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «لأنْ يَحْتَطِبَ أحَدَكُم حزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أنْ يَسْألَ أحَدًا فَيُعطِيهِ أوْ يَمْنَعه» (٢). رواه البخاري.\nوعن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الله - ﷿ - يُدْخلُ الثَّلاثَةَ بالسَّهْمِ الوَاحِدِ الجَنَّةَ، صَانِعُهُ يَحتَسِبَ في صَنْعَتِهِ الخَير، والممدّ به، والرَّامِي بِهِ» وقال: «ارمُوا وارْكَبُوا، وإنْ تَرْمُوا أحبَّ إليَّ مِنْ أنْ تَرْكَبُوا، وإنْ كلّ شيءٍ يَلْهو بِهِ الرَّجلُ بَاطِلٌ، إلاَّ رَمْيةَ الرَّجلِ بِقَوْسِهِ، وتأدِيبهُ فَرسه ومُلاعَبَتِهِ امرأتِهِ، فإنَّهُنَّ مِنَ الحقِّ، ومَنْ نَسِيَ الرَّمْيَ بَعْدَما عَلِمَهُ فَقَدْ كَفَر الذي علمه» (٣). رواه أحمد\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده (رقم ٢٠٧٢).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده (رقم ٢٠٧٤)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس (رقم ١٠٤٢).\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الرمي (رقم ٢٥١٣)، والنسائي في الكبرى (٣/ ٣٩ رقم ٤٤٢٠)، وفي المجتبى، كتاب الخيل، باب تأديب الرجل فرسه (رقم ٣٥٧٨)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٣ رقم ١٩٥١٥)،والدارمي (رقم ٢٤٠٥)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢١٥ رقم ١٩٤٣٣)، وأحمد (٤/ ١٤٤)، والطيالسي (رقم ١٠٠٦، ١٠٠٧). وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (رقم ٢٥١٣).","vol":"1","page":134},{"text":"وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي.\nوعن أبي مسعود - ﵁ -: «إذَا أنْفَقَ المسْلمُ نَفَقَةً عَلى أهْلِهِ كَانَتْ لهُ صَدَقَةً» (١). رواه البخاري.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «السَّاعِي عَلَى الأرْمَلَة والمِسْكِينِ كالمجَاهِدِ في سَبيلِ الله أو القَائِمِ الليلَ الصَّائِمِ النَّهارَ» (٢).\nوعن سعد في حديثه الطويل، عن النبي - ﷺ -: «ومهْمَا أنفَقْتَ فهُوَ لَكَ صَدَقَةً، حتَّى اللقمَةَ ترْفَعُها في فيّ امْرَأتك» (٣). رواه البخاري.\nوعن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ أطْيَبَ مَا أكَلَ الرَّجُلَ مِنْ كَسْبِهِ، وإنَّ وَلَدهُ مِنْ كَسْبِهِ» (٤). رواه البخاري وأحمد\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل (رقم ٥٣٥١)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد (رقم ١٠٠٢).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل (رقم ٥٣٥٣)،سبق تخريجه.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل (رقم ٥٣٥٤)، سبق تخريجه.\n(٤) أخرجه ابن حبان (١٠/ ٧٢ رقم ٤٢٥٩)، والترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء أن الوالد يأخذ مال ولده (رقم ١٣٥٨)، والنسائي في الكبرى (٤/ ٤ رقم ٦٠٤٣)، وابن ماجه، كتاب التجارات، باب الحث على المكاسب (رقم ٢١٣٧)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٨٠ رقم ١٥٥٢٥)، وأحمد (٦/ ١٩٣)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٣٨٠ رقم ٣٥٢٨).","vol":"1","page":135},{"text":"وابن ماجه والترمذي والنسائي.\nوعن عائشة فيما نقل عنها عروة قال: قالت عائشة ﵂: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - عمَّال أنفسهم، فكان يكون لهم أرواحٌ، فقيل لهم: لو اغتسلتُم» (١). ولقد ذكر الله في القرآن ما يحث الإنسان على طلب الرزق من الحلال، ولكن بشرط ألا يشغله عن طاعة الله ﷾، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون* فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (٣).\nعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أفْضَلُ الصَّدَقةَ ما تَرَكَ غِنىً، واليَدُ العُلْيا خَيرٌ مِنَ اليدِ السُّفْلى، وابْدأ بِمَنْ تُعولُ ...» (٤).\nوعن كعب بن عجرة - ﵁ - قال: مرَّ على النبي - ﷺ - رجل، فرأى أصحاب رسول الله - ﷺ - من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله، لو\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده (رقم ٢٠٧١)، ومسلم بنحوه، كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال وبيان ما أمروا به (رقم ٨٤٧).\n(٢) سورة القصص، الآية: ٧٧.\n(٣) سورة الجمعة، الآيتان: ٩ – ١٠.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب وجوب النفقةعلى الأهل والعيال (رقم ٥٣٥٥).","vol":"1","page":136},{"text":"كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن كان خَرَجَ يَسْعَى على أولادٍ صِغارٍ فَهُوَ في سَبِيلِ الله، وَإِنْ كان خَرَجَ يَسْعَى على أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ في سَبِيلِ الله، وَإِنْ كان يَسْعَى على نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ في سَبِيلِ الله، وَإِنْ كان خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ في سَبِيلِ الشَّيْطَانِ» (١). رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\nوهكذا نجد السنة المطهرة تحث على طلب الرزق، كما حث على ذلك القرآن الكريم، والأدلة من القرآن والسنة على أن طلب الرزق عبادة كثيرة جدًا، ولكن الفرق بين هذه الأعمال والتي تتحول إلى عبادة وبين أعمال الذين يكدحون من غير المسلمين أن هذه الأعمال تتحول بنية المؤمن الصادق واحتسابه إلى عبادة.\nإذًا نأخذ مما تقدم أنه يجب على والد الطفل أن يعلمه حرفة شريفة يكتسب منها، لكي يعيش على الحلال، ويبتعد عن الحرام والشبهات، ولقد قال بعض المربين: إنه من المستحسن لوالد الطفل بعد أن يعلمه العلوم الشرعية التي لا بد منها، أن يراعي رغبة الولد وميوله إلى المهنة التي يرغب أن يكون عالمًا فيها، ما لم تتعارض مع الشريعة الإسلامية، ومن هؤلاء العلماء العلاَّمة ابن خلدون، وابن سينا وغيرهما.\nوقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الصغير (رقم ٩٤٠)، وسبق تخريجه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم ١٤٢٨)، وقال عنه في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣٠٦ رقم ١٦٩٢): صحيح لغيره.","vol":"1","page":137},{"text":"أنه قال: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى الله من الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بالله، ولا تَعْجَزْ، وإن أصَابَكَ شيءٌ فلا تَقُلْ لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وكذا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وما شَاءَ فَعَلَ، فإن لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (١).\nوعن أنس - ﵁ -: أن رجلًا من الأنصار أتى النبي - ﷺ - فسأله، فقال: «أَمَا في بَيْتِكَ شيءٌ؟» قال: بلى حلس، نلبس بعضَهُ ونبسط بعضه، وقعبٌ «إناء» نشرب فيه الماء، قال: «ائتني بهما» فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله - ﷺ - بيده، وقال: «مَنْ يشْتري هذينِ؟» قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال: «اشترِ بأحدِهِما طَعامًا فانبذهُ إلى أهْلِكَ، واشترِ بالآخَرِ قَدُّومًا فأتِني بهِ» فأتاه به، فشد فيه رسول الله - ﷺ - عودًا بيده، ثم قال: «اذْهَبْ واحْتَطِبْ وبِعْ ولا أرَيَنَّكَ خمسَةَ عَشَرَ يومًا»، ففعل فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «هذَا خَيرٌ لكَ مِنْ أنْ تَجِيءَ، والمسألة نكتَة في وَجْهِكَ يَومَ القِيامة» (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر (رقم ٢٦٦٤).\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الزكاة، باب ما تجوز فيه المسألة (رقم ١٦٤١)، وابن ماجه، كتاب التجارات، باب بيع المزايدة (رقم ٢١٩٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٦). وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (رقم ١٦٤١)، وفي ضعيف ابن ماجه (رقم ٢١٩٨)، وفي مشكاة المصابيح (رقم ١٨٥١)، وفي ضعيف الترغيب والترهيب (١/ ٥١٨ – ٥١٩ رقم ١٠٤٢).","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المبحث الثاني عشر: الرعاية العقلية</span>\nعلى والد الطفل أن يحافظ على رعاية ابنه من الناحية العقلية، ويلاحظ الصحة العقلية في الولد، فكل ما يؤثر على عقل الولد وذاكرته، واتزانه؛ فعليه أن يبعده عنه، وأن ينهاه عنه، ويبيّن له خطره المحدق على: الجسم، والعقل، والنفس.\nوبناء على هذا وجب على الأب أو المربِّي أن يلاحظ في الولد مفسدة تناول الخمور، والمخدرات؛ لكونها: تفتك بالجسم وتورث الهستريا والجنون.\nوعليه أن يلاحظ العادة السرية لكونها تورث السل، وتضعف الذاكرة، وتسبب الخمول الذهني، والشرود العقلي، والقلق والانطوائية والخوف.\nويمكن أن يلاحظ مفسدة التدخين؛ لكونه: يهيِّج الأعصاب، ويؤثِّر على الذاكرة، ويُضعف ملكة الإحضار الذهني، والتفكير. وعليه أن يلاحظ أخيرًا مفسدة الخلاعة من الأفلام، والتمثيليات والصور العارية؛ لكونها تعطل وظيفة العقل وتقضي بشكل تدريجي على ملكة الاستذكار والتفكير الصافي.\nفالصحة العقلية للولد هي من أهم ما يجب على الوالد أو على المربِّي أن يلحظها ويهتم بها، ويؤكد عليها، وهي من أظهر ما يتميز بها، وبقدر العناية والملاحظة والاهتمام يتحقق للولد الوقار","vol":"1","page":139},{"text":"والتعقل والاتزان (١).\nوعلى والد الطفل أو المربي أن يرشده إلى الاقتران بالجلساء الصالحين، والابتعاد عن جلساء السوء؛ لأن المرء من جليسه. فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «المرءُ عَلى دِينِ خَلِيلهِ، فَليَنْظر أحَدَكُم مَنْ يُخالِل» (٢).\nقال الشاعر:\n\nعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي (٣)\n\nعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوْءِ كَمَثَلِ صاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الحدَّادِ، لا يعدمكَ منْ صاحِبِ المسْكِ إمَّا أنْ تشتَريه، أو تَجِدَ\n_________\n(١) تربية الأولاد في الإسلام، لعبد الله علوان، القسم الثالث رقم (١) (ص ١٤٣) ببعض التصرف.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد (رقم ٢٣٧٨)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس (رقم ٤٨٣٣)، وأحمد (٢/ ٣٠٣)، وإسحاق بن راهويه (١/ ٣٥٢ رقم ٣٥١)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ١٤١ رقم ١٨٧)، والطيالسي (رقم ٢٥٧٣)، وعبد بن حميد (رقم ١٤٣١)، وصححه النووي في رياض الصالحين (ص ١١٢). وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٥٥٤ رقم ٢٣٧٨)، وفي السلسلة الصحيحة (رقم ٩٢٧).\n(٣) هذا البيت من بحر الطويل وينسب إلى طرفة بن العبد الشاعر الجاهلي، كان هجاءً غير فاحش القول، تفيض الحكمة على لسانه في أكثر شعره، مات سنة ٦٠ قبل الهجرة، وينسب هذا البيت أيضًا لعدي بن زيد شاعر من دهاةالجاهليين، مات سنة ٣٦ قبل الهجرة. وذكر البيت الإمام الطبري في تفسيره ونسبه إلى عدي بن زيد (٥/ ٨٨)، وكذا فعل المناوي في فيض القدير (٣/ ١١٨)، بينما ذكر البيت ولم ينسبه إلى أحد كل من ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٩٨)، وأبو عبد الرحمن السلمي في آداب الصحبة (ص ٤٢)، والعيني في عمدة القاري (١٥/ ٢١٦)، والعجلوني في كشف الخفاء (١/ ٣١٩).","vol":"1","page":140},{"text":"ريحه، وكِيرِ الحدَّادِ ْ يُحْرِقُ بَدَنَك أو ثَوْبَك، أوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً» (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب في العطار وبيع المسك (رقم ٢١٠١)، ورقم (٥٥٣٤)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء (رقم ٢٦٢٨).","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>المبحث الثالث عشر: تعويدهم على الأخلاق الفاضلة</span>\nلقد دعانا نبي الرحمة - ﷺ - إلى تأديب أطفالنا، وغرس الأخلاق الكريمة في نفوسهم، وتعويدهم على حسن السمت والتحلِّي بالصدق، والأمانة، واحترام الكبير، فعن عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لَيْسَ مِنْ أمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرَفْ لِعَالِمِنَا حَقَّه» (١).\nوعن أنس بن مالك ﵄ عن النبي - ﷺ -: «أكْرِموا أوْلادَكُم، وأحسِنُوا أدَبَهم» (٢).\nوعن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا من نَحْلٍ أَفْضَلَ من أَدَبٍ حَسَنٍ» (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٣)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١/ ١٨٧)، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٢٧) (٨/ ١٤). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١/ ١٥٢ رقم ١٠١) وفي صحيح الجامع (رقم ٥٤٤٣).\n(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الأدب، باب بر الوالد والإحسان إلى البنات (رقم ٣٦٧١)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٣٨٩ رقم ٦٦٥)، والديلمي في مسند الفردوس (١/ ٦٧ رقم ١٩٦)، وضعفه في مصباح الزجاجة (٤/ ١٠١ - ١٠٢). وقال الألباني في ضعيف الترغيب (٢/ ٢٠ رقم ١٢٣١): ضعيف جدًا.\n(٣) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في أدب الولد (رقم ١٩٥٢)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٨٤)، والحاكم (٤/ ٢٩٢ رقم ٧٦٧٩)، وأحمد (٣/ ٤١٢)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٢٠ رقم ١٣٢٣٤)، والقضاعي في الشهاب (٢/ ٢٥١ رقم ١٢٩٥)، وعبد بن حميد (رقم ٣٦٢)، وابن أبي الدنيا في العيال (رقم ٣٢٦)، وذكر الحديث البخاري في تاريخه الكبير (١/ ٤٢٢) وقال: ولم يصح سماع جده من النبي - ﷺ -، وذكره العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٢٧) وقال: وليس الحديث بثابت عن النبي - ﷺ - وفيه أيضًا مقال. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢/ ٢٠ رقم ١٢٣٠) وفي ضعيف الجامع (رقم ٥٢٢٧).","vol":"1","page":142},{"text":"وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما ورَّث والدٌ وَلَدًا خَيرًا مِنْ أدَبٍ حَسَن» (١). فالولد أمانةٌ عند أبويه، وهو معدن نفيس يجب الاعتناء به والمحافظة على تعويده على الأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة، وقلب الطفل طاهر نظيف قابل لما يُلقى إليه من خير وشر.\nفعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرَانِهِ، أو يُمَجِّسَانِهِ» (٢).\nومما لا شك فيه أن والد الطفل ووالدته يستطيعان بتوفيق الله لهما العمل على حسن تربية الولد، عن طريق القدوة الحسنة أولًا، ثم تلقينه الآداب الفاضلة، والعمل على غرس الخصال الكريمة في نفسه وطبعه على الصفات الحميدة، وتقوية صلته بالله عن طريق حفظه للقرآن، وممارسة والده ووالدته العبادات، وتعليمه إيَّاها وتعويده عليها؛ فإن المرحلة الأولى من مراحل الطفل هي أهم مرحلة في تربية الطفل جسميًا وخلقيًا، وفي تعويده أحسن العادات، وأكرم الأخلاق، فيعنى الوالدان بصحة الطفل وتغذيته تغذية صحية، وتعويده أدب الحديث، وأدب السؤال، بحيث يكون مُهذَّبًا في\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٧٧ رقم ٣٦٥٨)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢١١)، وقال: وهذا أيضًا بهذا الإسناد منكر. وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٠٥ – ١٠٦): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، وهو ضعيف.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين (رقم ١٣٨٥)، ومسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (رقم ٢٦٥٨).","vol":"1","page":143},{"text":"سؤاله، لطيفًا في حديثه، يحسن الوصول إلى ما يريد برفق وأدب. وينبغي أن يعوّد الطفل على النوم مبكرًا، والاستيقاظ مبكرًا، كما يعوّد على ممارسة الرياضة التي لا تتعارض مع الدين؛ ليقوى بها بدنه، ويعتاد على النشاط، والقدرة على الحركة، وعدم الكسل والخمول، وكلما تقدمت به السن تأكد العمل على حسن توجيهه وتربيته، فإذا بلغ ست سنين أُدّب، وهُذّب، وأُرسل إلى المدرسة المثالية للتعلم، ورُبِّي تربية كاملة: جسمية، وعقلية، وخلقية، واجتماعية، بحيث يُعدُّ للحياة العملية التي تنتظره.\nفإذا بلغ سبع سنين أُمِر بالصلاة، وعُلِّم الطهارة والوضوء، وشُجِّع على الصلاة، وتأديتها في أوقاتها في المسجد مع الجماعة، حتى يصبح ذلك خُلقًا له.\nفإذا بلغ عشر سنين ضُرِب إذا ترك الصلاة، أو أهمل فيها، وعُزِل فراشه عن إخوته وأخواته.\nفعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال - ﷺ -: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ على تَركِهَا لعشرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في الْمَضَاجِعِ» (١).\nوفي استطاعة المدرس أن يوصل إلى الأطفال كثيرًا من الأخلاق الفاضلة: كالصدق في القول، والأمانة في العمل، والعدالة\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة (رقم ٤٩٥)، وتقدم تخريجه. وصححه الألباني في إرواء الغليل (١/ ٢٦٦) (٢/ ٧).","vol":"1","page":144},{"text":"في الحكم، والصراحة، والشجاعة، والإخلاص.\nوينبغي أن يختار الرجل مؤدبًا لولده؛ فإن المؤدب (المدرس) هو الذي يربِّي هذا الولد.\nوقد قال بعض الحكماء يوصي مؤدب ولده: «ليكن إصلاحك لابني إصلاحك لنفسك؛ فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح ما استقبحت» (١).\nفالصبي يُحاكي أُستاذه، وزملاءه قصدًا ومن غير قصد فيما يقولون وما يفعلون، ويأنس بما يأنسون، وقد ثبت في علم النفس أن الطفل بطبيعته يُحاكي ما يحدث في المجتمع الذي يُحيط به: حسنًا كان أو قبيحًا، فهو يُحاكي من يعيشون معه أو يتصلون به؛ ولهذا يجب أن يكون المُقلِّد قدوة طيبة، ونموذجًا حسنًا؛ فإن الطفل للمحاكاة عنده أثر كبير في تربيته الخلقية، والعقلية، والتقليد عامل مُهِمٌّ في المرحلة الأولى لتكوين العادة.\nوالطفل يرى الشيء يفعل أمامه ويكرره حتى يصير عادة له، وهو في الواقع: يُحاكي أبويه، وإخوته الكبار، ولكنه يكسب من محاكاة الصغار أكثر مما يكسب من محاكاة الكبار.\nوينبغي للأب أن يُعوِّد الطفل على آداب الأكل، والشرب، وذلك بأن يغسل يديه قبل الأكل وبعده، ويُسمِّي عند البدء بالأكل والشرب، ويأكل بيمينه، ويحمد الله عند الانتهاء من الأكل والشرب،\n_________\n(١) الطفل في الشريعة الإسلامية (ص ٢١٠).","vol":"1","page":145},{"text":"ويأكل مما يليه، ولا ينظر إلى الآكلين حوله، ويمضغ اللقمة مضغًا جيدًا، ولا يتقدم على من هو أكبر منه، وإذا شرب يشرب بهدوء، ولا يتنفس في الإناء.\nوهذه الأخلاق قد ورد بها التوجيه من المصطفى - ﷺ - فيما يرويه عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: كُنتُ غُلامًا في حِجْر رسول الله - ﷺ - فقال لي: «يا غُلام سمِّ الله، وكُلْ بِيَمينكَ، وكُلْ ممَّا يَليكَ» (١).\nوينبغي للأبوين تعليم الأطفال أوقات الاستئذان على أبويهما، ما لم يبلغ الطفل الحلم، فإذا بلغ الحلم وجب عليه الاستئذان دائمًا وأبدًا، كلما أراد أن يدخل على أبويه، والأوقات التي يجب على الأبوين أن يرشدوا أطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم ثلاثة أوقات:\n١ – من قبل صلاة الفجر.\n٢ – حين وضع الثياب من الظهيرة.\n٣ – من بعد صلاة العشاء.\nوما عدا هذه الثلاثة الأوقات فيجوز دخول الأطفال الصغار بدون استئذان، وكذلك الخدم، فإذا بلغ الأطفال الحلم وجب عليهم الاستئذان كلما أرادوا الدخول؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين (رقم ٥٣٧٦)، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":146},{"text":"وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاء ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيَاتِ والله عَلِيمٌ حَكِيم﴾ (١).\nفهذه الآداب الإسلامية التي تُكسِبَ من تمسك بها السعادة في الدنيا والآخرة، وينبغي ألا يتهاون بها وألاَّ تُهمَل، وتُضيَّع؛ فإن من ترك الآداب الإسلامية وتخلَّى عنها فقد أهملها، ويخشى عليه من الضلال والعياذ بالله.\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٥٨.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>المبحث الرابع عشر: تأديبهم بالأدب النبوي</span>\nعلى الوالد أن يُؤدِّب أولاده، بالأدب النبوي، في جميع شؤون حياتهم: من عبادات، ومعاملات، وأخلاق، وآداب العبادة، وآداب كل شيء مباح: من الأعمال الدنيوية، وغيرها.\nومن ذلك تعليمهم آداب قراءة القرآن الكريم، بحيث يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند القراءة، وأن يكون على طهارة.\nوتعليمهم آداب دخول المساجد، فقد ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعُوذُ بالله العَظيمِ، وبِوَجْهِهِ الكَريم، وبِسُلطانِهِ القَديم مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم» قال: «فإذا قَالَ ذَلك قال الشَّيطان: حفظَ مِنِّي سائِرَ اليَومِ» (١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - يقول إذا دخل المسجد: «بسمِ الله، اللهمَّ صَلِّ عَلى مُحمَّدٍ»، وإذا خرج قال: «بسمِ الله، اللهمَّ صَلِّ عَلى مُحمَّدٍ» (٢).\nوعن أبي حُميد أو أبي أُسيد قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا دخل\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيما يقول الرجل عند دخوله المسجد (رقم ٤٦٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ١٣٦ - ١٣٧ رقم ٤٦٦)، وفي صحيح الجامع (رقم ٤٧١٥).\n(٢) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم ٨٨) وحسنه السيوطي كما ذكر المناوي في فيض القدير (٥/ ١٢٩) وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم ٤٧١٦). بينما حسنه في الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب (٢/ ٦٠٤)، وفي الكلم الطيب (رقم ٦٤).","vol":"1","page":148},{"text":"أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللهم افتح لنا أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وإذا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللهم إني أَسْأَلُكَ من فَضْلِكَ» (١).\nومن آداب دخول المسجد أن يدخل بالرِّجل اليمنى ويخرج باليسرى.\nويعلمه آداب دخول المنزل بأن يقول دعاء الدخول، والخروج وآداب الاستئذان وغيره من الآداب الإسلامية، فيقول عند دخوله المنزل: «اللهم إني أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلَجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بِسْمِ الله وَلَجْنَا، وَبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا، وَعَلَى الله رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ على أَهْلِهِ» (٢).\nويقول عند الخروج من المنزل: «بسم الله، توكَّلتُ على الله، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، اللهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أن أضِلَّ أو أُضَل، أو أزِلَّ أو أُزَلّ، أو أظْلِم أو أُظْلَم، أو أَجْهَلَ أو يُجْهَل عليَّ» (٣).\nويعلمه آداب النوم والاستيقاظ من النوم كذلك، فعن\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب ما يقول إذا دخل المسجد (رقم ٧١٣).\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب ما جاء فيمن دخل بيته ما يقول (رقم ٥٠٩٦)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٤٥٢) وفي مسند الشاميين (٢/ ٤٤٧ رقم ١٦٧٤). وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (رقم ٥٠٩٦)، وفي الكلم الطيب (رقم ٦٢)، بينما صححه في صحيح الجامع (رقم ٨٣٩).\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب ما جاء فيمن دخل بيته ما يقول (رقم ٥٠٩٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٣٤ رقم ٢٣٨٣) وفي الكبير (٢٣/ ٣٢٠ رقم ٧٢٦)، وفي الدعاء (رقم ٤١٢)، والقضاعي (٢/ ٣٣٣ رقم ١٤٦٩)، وصححه النووي في رياض الصالحين (ص ٣٨). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٢٥٢ رقم ٥٠٩٥).","vol":"1","page":149},{"text":"حذيفة بن اليمان ﵄ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن ينام قال: «باسْمِكَ اللهمَّ أمُوتُ وأحْيَا»، وإذا استيقظ من منامه قال: «الحَمدُ لله الذي أحْيَانا بَعدَما أماتَنَا وإليْهِ النُّشُور» (١). وغير ذلك من أدعية النوم والاستيقاظ.\nويعلمه آداب سماع الأذان والقول مثل ما يقول المؤذن.\nوبعد انتهاء المؤذن يصلي على النبي - ﷺ - ويسأل الله له الوسيلة (٢).\nويعلمه كذلك دعاء الكرب والهم والحزن والالتجاء إلى الله ليغرس في قلبه الاعتماد على الله في الرخاء والشدة، فقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول عند الكرب: «لَا إِلَهَ إلا الله الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إلا الله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إلا الله رَبُّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام (رقم ٦٣١٢)، ومسلم عن البراء بن عازب - ﵁ -، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (رقم ٢٧١١).\n(٢) فعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة». أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء (رقم ٦١٤)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة».\nأخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان (رقم ٣٨٤).","vol":"1","page":150},{"text":"السماوات وَرَبُّ الأرضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (١).\nويعلمه كذلك الدعاء عند لقاء العدو، فعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان إذا خاف قومًا قال: «اللهمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِم» (٢).\nويعلمه آداب ركوب الدابة، فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر: «يكبِّر ثلاثًا ثم يقول: سبحانَ الذِي سَخَّر لَنَا هَذا وما كُنَّا لهُ مُقرِنينَ، وإنَّا إلى رَبِّنَا لمنقَلِبونَ» (٣).\nويعلمه آداب القيام من المجلس، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فيه لَغَطُه فقالَ قَبْلَ أنْ يَقومَ مِنْ مَجْلِسِهِ: سُبْحانَكَ اللهمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إليْكَ إلا غُفِر له ما كان في مجلسه ذلك» (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الكرب (رقم ٦٣٤٦)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب دعاء الكرب (رقم ٢٧٣٠).\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الوتر، باب ما يقول إذا خاف قومًا (رقم ١٥٣٧)، والنسائي في سننه الكبرى (٦/ ١٥٤ رقم ١٠٤٣٧)، وابن حبان (١١/ ٨٢ رقم ٤٧٦٥)، والحاكم (١/ ١٥٤ رقم ٢٦٢٩)، وصححه وكذا صححه النووي في رياض الصالحين (ص ٢٤٦). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٤٢١ رقم ١٥٣٧).\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره (رقم ١٣٤٢).\n(٤) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا قام من المجلس (رقم ٣٤٣٣) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٢٤ رقم ١٩٧٩٦)، وابن أبي شيبة (٦/ ٤١ رقم ٢٩٣٢٥)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٥٤ رقم ١٢٢٧). وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ٤١٤ رقم ٣٤٣٣).","vol":"1","page":151},{"text":"وهذه الآداب النبوية الشريفة ينبغي للأب أن لا يسردها دفعة واحدة على الولد فيمل، ولكن يطبق أمامه، ويعلمه شيئًا فشيئًا، ومع طول الزمن وتتابع الليالي والأيام يصبح هذا العمل الطيب والآداب الحميدة - آداب الرسول - ﷺ - خلقًا لهذا الولد وجِبلَّة له، فيكون من الذاكرين الله كثيرًا؛ لأنه مربوط بآداب الرسول - ﷺ -، فعندما يدخل المسجد أو يخرج منه، وعند الدخول في المنزل والخروج منه، وعند النوم والاستيقاظ، وركوب الدابة، ودخول الخلاء والخروج منه، يفعل مثل ما كان رسول الله - ﷺ - يفعل، ومن فعل هذه السنن والآداب فإنه يكون من الأولى أن يحافظ على الفرائض والواجبات، فيكون موفقًا في دنياه وأخراه، ويصبح من الرجال الصالحين الذين يفيدون والديهم ومجتمعهم المسلم إن شاءالله تعالى.\n\n* ... * ... *","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>المبحث الخامس عشر: العدل بين الأولاد</span>\nلقد كفلت الشريعة الإسلامية للأولاد حقوقًا كثيرة، من بينها حقوقهم في النسب والرضاعة والحضانة، كما تقدم، وأوجب على الوالدين العدل في المعاملة بين الأولاد: في الأمور المادية، والأدبية، ولا عجب في أن تأمر الشريعة بالعدل بين الأولاد، وهي التي أمرت بالعدل بين جميع الناس، وقد أمر الله تعالى بالعدل في أكثر من موضع في القرآن الكريم.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٢).\nفالله - ﷾ - يدعو المؤمنين لأداء الأمانة، وهي القيام بالقسط المطلق، الذي يمنع البغي والظلم في الأرض، والذي يكفل العدل بين الناس، وإذا كان هذا النوع مطلوبًا في حق سائر الناس؛ فإنه يتحتم القيام به في حق الولد من باب أولى؛ لأن على الوالدين أن ينهضا بواجب حسن التربية؛ ولهذا فإنه لا يحل لشخص أن يفضِّل\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٩٠.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٣٥.","vol":"1","page":153},{"text":"بعض أولاده على بعض في العطاء؛ لما يترتب على ذلك: من زرع العداوة، والبغضاء، وقطع الصلات التي أمر الله بها أن توصل، وإذا كان كل من الأبوين يسره أن يتسابق أولاده في بره، ويتنافسوا في احترامه وتوقيره؛ فإن على الآباء والأمهات العدل بين أولادهم: في الهدايا، والهبات، بل وفي الملابس والأدوات، وفي المداعبة، والنظرات، والتقبيل؛ لأن هذا أدعى إلى إيجاد المودة، ويبعث على التراحم (١).\nوقد جاءت السنة المطهرة بالشيء الكثير من هذا، فعن النعمان بن بشير - ﵁ - أن أباه أتى به إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إني نَحلْتُ ابني هذا غُلامًا، فقال: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْله؟» قال: لا، قال: «فارْجِعْهُ» (٢).\nوفي رواية أخرى عند البخاري عن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله - ﷺ -، فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، فقال: «أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثلَ هَذَا؟» قال: لا، قال: «فاتَّقُوا الله واعْدِلُوا بَيْنَ أوْلادِكُمْ» قال: فرَجَعَ\n_________\n(١) الطفل في الشريعة الإسلامية (ص ١٨٢).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الهبة، باب الهبة للولد (رقم ٢٨٥٦)، ومسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (رقم ١٦٢٣).","vol":"1","page":154},{"text":"فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ (١).\nوفي رواية لمسلم: «أكلّ بَنِيكَ نَحَلتَ؟» قال: لا، قال: «فاردُدْهُ» (٢).\nوفي رواية لمسلم: «أفَعَلْتَ هذَا بِوَلَدِكَ كُلّهم؟» قال: لا، قال: «اتَّقُوا الله واعْدِلُوا في أولادَكمْ» (٣).\nوفي رواية لمسلم أيضًا: «يا بشير، ألَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذا؟» قال: نعم، فقال: «أكُلّهم وَهَبْتَ لَهُ مِثلَ هَذا؟» قال: لا، قال: «فلا تُشْهِدُني إذًا فإنِّي لا أشْهَدُ عَلى جوْرٍ» (٤).\nوفي رواية لمسلم أيضًا: «أكُلّ بَنِيكَ قَدْ نحَلْتَ مِثلَ النُّعمانِ؟» قال: لا، قال: «فأشْهِد عَلى هَذَا غَيرِي» ثم قال: «أيَسُرُّكَ أنْ يَكونُوا إليْكَ في البرِّ سَواء؟» قال: بلى، قال: «فلا إذًا» (٥).\nوفي رواية لمسلم أيضًا: «أكُلّ وَلَدِكَ أعْطَيتَهُ هَذا؟» قال: لا، قال: «ألَيْسَ تُريدُ مِنهم البرَّ مِثلَ ما تُريدُ منْ ذَا؟» قال: بلى، قال: «فإنِّي لا أشْهَد» (٦).\nوعن ابن عباس ﵄ يرفعه: «سَوُّوا بينَ أوْلادَكُم في العَطِيَّةِ،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب الإشهاد في الهبة (رقم ٢٥٨٧)، ومسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (رقم ١٦٢٣).\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (رقم ١٦٢٣) (١٠).\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (رقم ١٦٢٣) (١٣).\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (رقم ١٦٢٣) (١٤).\n(٥) أخرجه مسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (رقم ١٦٢٣) (١٧).\n(٦) أخرجه مسلم، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (رقم ١٦٢٣) (١٨).","vol":"1","page":155},{"text":"فلوْ كُنْتُ مُفَضِّلًا أحَدًا لَفَضَّلتُ النِّساءَ» (١).\nفمن هذه الروايات الصحيحة وغيرها يجب على الأب أن يعدل بين أولاده كما يجب عليه أن يعدل في كل أموره، وفي كل شيء، فإن الله - ﷾ - يحب المقسطين.\n\n* ... * ... *\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى (٦/ ١٧٧ رقم ١١٧٨٠)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٥٤ رقم ١١٩٩٧)، والديلمي في الفردوس (٢/ ٣٠٨ رقم ٣٣٩١)، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٥/ ٢١٤)، وتبعه في تحسينه كل من المباركفوري في تحفة الأحوذي (٤/ ٥٠٧)، والزرقاني في شرحه على موطأ مالك (٤/ ٥٤)، بينما نقل ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (٢/ ١٢٠ – ١٢١) تضعيف ابن الجوزي. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (رقم ٣٢١٥)، والسلسلة الضعيفة (١/ ٥١٤ رقم ٣٤٠).","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المبحث السادس عشر: الحلم والرفق بهم</span>\nعلى الأب أن يكون حليمًا في تربيته لأولاده، وأن يكون رفيقًا بهم، وألاَّ يكون قاسيًا شديدًا، فلقد كان الرسول - ﷺ - أرحم الناس وأكرمهم، وهو الذي كان يُقبِّل الحسن والحسين، وكان - ﷺ - بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، فعن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قَبَّل الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدًا منهم، فنظر إليه رسول الله - ﷺ - وقال: «مَنْ لا يَرحَمُ لا يُرحَمُ» (١).\nوعن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «يا عائشةُ إنَّ الله رَفِيقٌ يُحبُّ الرِّفْقَ، ويُعْطِي على الرَّفقِ ما لا يُعْطِي علَى العُنْفِ» (٢).\nوعن المقداد بن شريح عن أبيه قال: سألت عائشة ﵂ عن البداوة؟ فقالت::كان رسول الله - ﷺ - يبدو إلى هذه التِّلاع (٣)، وإنه أراد البداوة مرة فأرسل إليَّ ناقة محرَّمة (٤) من إبل الصدقة، فقال لي: «يا عائِشَةُ، ارفِقِي فإنَّ الرِّفْقَ لم يَكُنْ في شيءٍ قَطّ إلا زَانَهُ، ولا نُزِعَ من شيءٍ قطّ إلا شَانَهُ» (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (رقم ٥٩٩٧)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك (رقم ٢٣١٨) ..\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق (رقم ٢٥٩٣).\n(٣) التلاع: مسايل الماء من علو إلى سفل، واحدها تلعة. قاله ابن الأثير في النهاية (١/ ١٩٤).\n(٤) محرمة: هي التي لم تركب ولم تذلل. قاله ابن الجوزي في غريب الحديث (١/ ٢٠٨).\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب ما جاء في الهجرة وسكنى البدو (رقم ٢٤٧٨)، وابن حبان (٢/ ٣١٠ رقم ٥٥٠)، وأحمد (٦/ ١١٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ٢٠٩ رقم ٢٥٣٠٤). وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٨٩ رقم ٢٤٧٨): صحيح دون جملة التلاع.","vol":"1","page":157},{"text":"وعن جرير - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ يُحْرَمُ الرِّفْقَ يُحْرَمُ الخَيْرَ كُلَّهُ» (١).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه ﵊ قال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمَهُم الرَّحْمنُ، ارْحَمُوا مَنْ في الأرضِ يَرْحَمَكُمْ مَنْ في السَّماءِ» (٢).\nويؤخذ مما تقدم أن الرفق من أخلاق العظماء وأخلاق الرجال الذين يقتدون ويتبعون خير خلق الله محمد بن عبد الله ﵊، فهو الذي قال: «لمْ يَكُنْ الرِّفقُ في شَيءٍ قَط إلا زَانَهُ، ولا نُزِعَ مِن شيءٍ قَط إلا شَانَهُ» فعلى الأب أن يرفق بأولاده وأهله، وأن يعاملهم بالتي هي أحسن، فلا يكون بالشديد ولا يكون بالسهل الهيِّن؛ حتى يركب أولاده على عاتقه وتقلّ هيبته، لكن خير الأمور أوسطها، وفي الغالب أن الأولاد يعملون ما يعمل أبوهم. وقد قال بعض الشعراء:\n\nإذا كان ربّ البيت بالدُّف ضاربًا ... فشيمةُ أهلِ البيت كلهم الرقص (٣)\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق (رقم ٢٥٩٢).\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الرحمة (رقم ٤٩٤١)، والترمذي كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين (١٩٢٤)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٤١ رقم ١٧٦٨٣)، وابن أبي شيبة (٥/ ٢١٤ رقم ٢٥٣٥٥)، والحميدي في مسنده (٢/ ٢٦٩ رقم ٥٩١)، والطبراني في الأوسط (٩/ ٢٣ رقم ٩٠١٣)، وأحمد (٢/ ١٦٠)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٢١٢ رقم ٤٩٤١).\n(٣) هذا البيت من بحر الطويل، وينسب إلى محمد بن عبيد الله بن عبد الله المعروف بسبط\nابن التعاويذي شاعر العراق في عصره، المتوفى سنة ٥٨٣هـ.","vol":"1","page":158},{"text":"ومعنى ذلك أن صاحب البيت المسؤول عن الأسرة يعمل أي عمل ويهتم به؛ فإنَّ أسرته تقلِّده وتتبع أثره، وقد شاهدنا رجالًا صالحين يُصلُّون ونرى أبناءهم الصغار ينظرون إليهم ويرفعون رؤوسهم ويخفضون، يريدون تقليد آبائهم في صلاتهم، فهذا الواقع ملموس بالمشاهدة، وبالعكس نرى الرجال الذين عندهم نوع من الانحراف والخمول عندما يشربون السجائر، نرى أبناءهم يعمدون إلى أخذ أقلامًا أو أعوادًا صغيرة ويجعلونها في أفواههم، وكأنَّهم يشربون الدخان! كل ذلك لأنهم شاهدوا آباءهم، فأرادوا تقليدهم!! فيجب على الأب أن يحافظ على السلوك، والأخلاق الحميدة، ويكون رفيقًا، رحيمًا، قدوة لأولاده في كل خير.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ (١).\nفعلى هذا يجب على ولي الطفل أو المربِّي أن يكون رفيقًا في الأمور التي يحب الله الرفق فيها، ولا يكون رفيقًا في الأمور التي يغضب الله التهاون بها والتكاسل؛ فإنه يجب على كل مسلم أن يجعل أعماله موافقة لشرع الله - ﷿ -.\nوالتوجيهات الإسلامية التي ذكرت بعضًا منها في لين الجانب\n_________\n(١) سورة التحريم، الآية: ٦.","vol":"1","page":159},{"text":"وحسن القول، وفضيلة المعاملة والحلم والرفق، من صفات المؤمنين؛ لأنهم كالجسد الواحد في توادهم وتراحمهم، فالجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.\nفيجب على الآباء خاصة، وعلى المسلمين عامة الالتزام بالرفق.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المبحث السابع عشر: الرحمة بالأولاد</span>\nالرحمة بالأولاد والتبسط معهم، من أخلاق الرسول - ﷺ -، فهو القدوة العظمى والمربي الأول، فقد كان - ﷺ - أحسن الناس خلقًا، وهو الذي قال الله في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ (١).\nوقد قال - ﷺ -: «مَنْ يُحرَمَ الرِّفْق يُحْرَمَ الخَير كلُّه» (٢).\nوقال - ﷺ -: «مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: أتى النبي - ﷺ - رجل ومعه صبي، فجعل يضمه إليه، فقال الرسول - ﷺ -: «أتَرْحَمَه؟» قال: نعم، قال: «فالله أْرحَمُ بِكَ مِنْكَ بهِ، وهوَ أرْحَمُ الرَّاحِمينَ» (٤).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: جاءت امرأة إلى عائشة ﵂ فأعطتها عائشة ثلاث تمرات، فأعطت كل صبي لها تمرة، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين، ونظرا إلى أمهما، فعمدت الأم إلى التمرة فشقَّتها، فأعطت كل صبي نصف تمرة، فجاء النبي - ﷺ - فأخبرته عائشة، فقال: «ومَا يُعجِبُكِ مِنْ ذلكَ؟ لَقَدْ رَحِمَها الله بِرَحْمَتِها صَبِيَّيها» (٥). وكان ﵊ إذا رأى طفلًا\n_________\n(١) سورة القلم، الآية: ٤.\n(٢) أخرجه مسلم (رقم ٢٥٩٢) وتقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه البخاري (رقم ٥٩٩٧)، وتقدم تخريجه.\n(٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (رقم ٣٧٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٢٢ رقم ٧١٣٤)، والنسائي في النعوت والأسماء والصفات (ص ٣٠٨)، وفي جزء إملاء النسائي (رقم ٢). وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (رقم ٣٧٧).\n(٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (رقم ٨٩)، والحاكم (٤/ ١٩٦ رقم ٧٣٤٩) وصححه. وكذا صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (رقم ٨٩).\nبينما أخرج الحديث مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله - ﷺ - فقال: إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار. صحيح مسلم (رقم ١٤٨ - [٢٦٣٠].\nوأخرجه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: دخلت عليَّ امرأة معها ابنتان لها تسألني، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرةٍ واحدة، فأعطيتها إيَّاها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها شيئًا، ثم قامت فخرجت فدخل النبي - ﷺ - علينا، فأخبرته، فقال: «من ابتُليَ من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كُنَّ له سترًا من النار». [البخاري كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة، برقم ١٤١٨، وفي كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، برقم ٥٩٩٥. وأخرجه مسلم بهذا اللفظ أيضًا برقم ١٤٧ - [٢٦٢٩].","vol":"1","page":161},{"text":"يحتضر وأوشكت أن تفيض روحه، فاضت عيناه بالدموع: حزنًا، وعطفًا على الصغار، وتعليمًا للأمة فضيلة العطف والرحمة، فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلت بنت النبي - ﷺ - إلى أبيها إن ابني قد احتضر، فاشهدنا، فأرسل ﵊ يقرئها السلام، ويقول: «إنَّ للهِ ما أخَذَ ولهُ ما أعْطَى، وكلّ شيءٍ عِنْدَهُ بأجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِر ولتَحْتَسِب» فأرسلت إليه تُقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال ﵃، فرُفع إلى النبي - ﷺ - الصبي، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: «هذِهِ رحَمَةٌ جَعَلها الله في قُلُوبِ عِبَادهِ، وإنَّما يَرْحَمُ الله مِنْ عِبادِهِ","vol":"1","page":162},{"text":"الرُّحَمَاء» (١).\nوتسلية الرسول - ﷺ - لأخي أنس حين قال له - ﷺ - وهو يداعبه ويُسلِّيه: «يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيرُ» (٢).\nهذه نماذج قليلة جدًا من أخلاق الرسول - ﷺ -، فينبغي لكل مسلم أن يقتدي به في أفعاله ومعاملته وكل شؤون حياته - ﷺ -.\n\n* ... * ... *\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه (رقم ١٢٨٤)، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت (رقم ٩٢٣).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس (رقم ٦١٢٩)، ومسلم، كتاب الأدب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته وجواز تسميته يوم ولادته (رقم ٢١٥٠).","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المبحث الثامن عشر: التلطف بالأطفال وإدخال السرور عليهم</span>\nوَصَلَ النبيُّ - ﷺ - إلى الدرجة العليا في الكمال البشري في جميع المجالات، ومن هذه الأخلاق العظيمة أخلاقه مع الأطفال التي ضرب فيها المثل الأعلى، ولا يصل إلى درجته أحد من خلق الله تعالى، لا علماء النفس، ولا غيرهم؛ ولكن مع ذلك المسلم يُلْزِمُ نفسه على حسب قدرته بالاقتداء بالنبي - ﷺ -، ومن هذا تلطفه ومداعبته الكريمة للأطفال، ومن ذلك على سبيل المثال والإيجاز ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>المثال الأول: مداعبته - ﷺ - محمود بن الرُّبيع:</span>\nقال محمود - ﵁ -: «عَقلتُ من النبي - ﷺ - مَجَّةً مجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلوٍ» (١)، وقوله - ﵁ -: عقلت: أي حفظت، ومجةً: المجُّ هو إرسال الماء من الفَمِ، ولا يُسمَّى مجًّا إلا إذا كان عن بُعدٍ، وفعل ذلك - ﷺ - إمَّا مداعبةً أو ليُبارك عليه كما كان ذلك شأنه مع أولاد الصحابة (٢)، قال شيخنا ابن باز ﵀: وهذا من باب المداعبة وحسن الخلق (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>المثال الثاني: ملاطفته ومداعبته - ﷺ - لجملة من الأطفال:</span>\nعن جابر بن سَمُرة - ﵁ -، قال: «صليتُ مع رسول الله - ﷺ - صلاة\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير، برقم ٧٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، برقم ٢٦٥ – (٣٣).\n(٢) فتح الباري لابن حجر، ١/ ١٧٢.\n(٣) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٧٧.","vol":"1","page":164},{"text":"الأُولى ثم خرج إلى أهله وخرجتُ معه، فاستقبلهُ وِلدانٌ فجعل يمسح خدَّيْ أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدَّيَّ فوجدت لِيَدِهِ بردًا أو ريحًا، كأنما أخرجها من جؤنة (١) عطّار» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>المثال الثالث: ملاطفته - ﷺ - الحسن والحسين في مواقف كثيرة:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قبَّل رسول الله - ﷺ - الحسن بن عليٍّ وعنده الأقرع بن حابسٍ التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله - ﷺ - ثم قال: «من لا يَرْحم لا يُرحم» (٣).\nوعن عائشة ﵂ قالت: جاء أعرابيٌّ إلى النبي - ﷺ - فقال: تُقَبِّلون صبيانكم فما نُقَبِّلُهُم، فقال النبيُّ - ﷺ -: «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أن نَزَعَ اللهُ من قلبك الرحمة» (٤)، والمعنى: لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلبك بعد أن نزعها الله منه (٥).\nوالحسن والحسين ﵄ من أحب الناس إلى النبي - ﷺ -، فعن ابن عمر ﵄ قال: ... وسمعتُ النبي - ﷺ - يقول: «هُمَا ريحانتاي من الدنيا» (٦)، والمعنى: أنهما مما أكرمني الله وحباني به؛ لأن\n_________\n(١) والجؤنة: السفط الذي فيه متاع العطار.\n(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب طيب رائحة النبي - ﷺ -، ولين مسه، والتبرك بمسحه، برقم ٢٣٢٩.\n(٣) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، برقم ٥٩٩٧.\n(٤) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، برقم ٥٩٩٨، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال، وتواضعه، وفضل ذلك، برقم ٢٣١٧.\n(٥) فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٤٣٠.\n(٦) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، برقم ٥٩٩٤.","vol":"1","page":165},{"text":"الأولاد يُشمّون ويُقبَّلون، فكأنهم من جملة الرياحين، وقوله «من الدنيا» أي نصيبي من الريحان الدنيوي (١).\nوعن أبي بكرة - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة، ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعلَّ الله أن يُصلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٢).\nوقد أصلح الله به بين معاوية ومن معه وأتباع علي بن أبي طالب ومن معه فتنازل عن الخلافة لمعاوية فحقن الله تعالى به دماء المسلمين (٣).\nوعن البراء - ﵁ - قال: رأيتُ النبيَّ - ﷺ - والحسن بن عليٍّ على عاتقه يقول: «اللهم إني أُحِبُّه فأَحِبَّه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>المثال الرابع: ركوب الصبي على ظهره - ﷺ - وهو ساجد:</span>\nعن شدَّادٍ - ﵁ - قال: خرج النبي - ﷺ - إلى الناس؛ ليصلي بهم إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا فتقدَّم رسول الله - ﷺ - فوضعه، ثم كبر للصلاة، فصلَّى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أَبِي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله - ﷺ -، وهو ساجد، فرجعتُ إلى سجودي، فلمَّا قضى رسول الله - ﷺ - الصلاة قال الناس: يا\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٤٢٧.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين ﵄، برقم ٣٧٤٦.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي ﵄، برقم ٢٧٠٤.\n(٤) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين ﵄، برقم ٣٧٤٩.","vol":"1","page":166},{"text":"رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظنَنّا أنه قد حدث أمر أو أنه يُوحى إليك، قال: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أُعَجِّلَهُ حتى يقضي حاجته» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>المثال الخامس: محبته - ﷺ - لأُسامة:</span>\nعن أسامة بن زيد ﵄ قال: كان رسول الله - ﷺ - يأخذني فَيُقْعِدُني على فخذه ويُقعد الحسن بن علي على فخذه الآخر ثُمَّ يضمُّهما ثم يقول: «اللهم ارحمهما فإني أرحمهما»، وفي رواية: «اللهم إني أُحبُّهما فأَحبَّهما» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>المثال السادس: حَمْلُهُ - ﷺ - بنت زينب وهو يصلي:</span>\nفعن أبي قتادة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهو حاملٌ أمامة بنت زينب، بنت رسول الله - ﷺ - بنت أبي العاص، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها (٣).\n_________\n(١) أخرجه النسائي، كتاب التطبيق، باب هل يجوز أن تكون سجدة أطول من سجدة، برقم ١١٤٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي (١/ ٣٧١ رقم ١١٤٠)، ومسند أحمد ٢٥/ ٤٢٠، برقم ١٦٠٣٣.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب وضع الصبي على الفخذ، برقم ٦٠٠٣، وكتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين ﵄، برقم ٣٧٤٧، وكتاب فضائل الصحابة، باب ذكر أسامة بن زيد ﵄ ٣٧٣٥.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، برقم ٥١٦، وكتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، رقم ٥٩٩٦، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة، برقم ٥٤٣.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>المثال السابع: مداعبة أم خالد باللغة الحبشية:</span>\nفعن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: «أتيت رسول الله - ﷺ - مع أبي وعليَّ قميص أصفر، قال رسول الله - ﷺ -: «سَنَه سَنَه» قال عبد الله الراوي: وهي بالحبشية: حسنة، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي (١)، قال رسول الله - ﷺ -: «دعها» ثم قال: «أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي» قال عبد الله فبقيت حتى ذكر» (٢)، والمعنى فبقيت حتى ذكر الراوي من بقائها أمدًا طويلًا، وقيل: لم تعش امرأة مثلما عاشت أم خالد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>المثال الثامن: تخفيفه - ﷺ - الصلاة عند بكاء الصبي:</span>\nكان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي رحمة لأمه وشفقة عليها وعليه، - ﷺ -، فعن أبي قتادة، عن أبيه ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «إِنِّي لأقوم في الصلاة أُريد أن أُطوِّل فيها فأسمع بكاء الصّبيِّ؛ فأتجوَّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أُمِّه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>المثال التاسع: سلامه - ﷺ - على الصبيان:</span>\nفعن أنس بن مالك - ﵁ - أنه مرَّ على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي - ﷺ - يفعله (٥).\n_________\n(١) زبرني: أي نهرني وزجرني. انظر: المصباح المنير، ١/ ٢٥٠.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من تكلم بالفارسية والرطانة، برقم ٣٠٧١.\n(٣) فتح الباري لابن حجر، ١/ ١٨٤.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها، برقم ٧٠٧.\n(٥) البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم على الصبيان، برقم ٦٢٤٧، ومسلم، كتاب السلام، باب استحباب السلام على الصبيان، برقم ٢١٦٨.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المثال العاشر: مداعبته - ﷺ - لأبي عُميرٍ:</span>\nفعن أنس - ﵁ -، قال: كان النبي - ﷺ - أحسن الناس خُلقًا، وكان لي أخٌ يُقال له: أبو عُمير – أحسبه فَطِيمًا – وكان إذا جاء - ﷺ - قال: «يا أبا عُمير ما فعل النُّغير؟» (١) نُغرٌ كان يلعبُ به، أي طير صغير كان يلعب به أبو عمير، فمات النُّغير، فرآه النبي - ﷺ - حزينًا على النغير، فداعبه - ﷺ - (٢).\n\nالمثال الحادي عشر: إعطاؤه - ﷺ - الصبي قبل الأشياخ؛ لأ نه عن يمينه:\nأعطى - ﷺ - الشراب لغلام صغير عن يمينه قبل الأشياخ، فعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: أُتِيَ النبي - ﷺ - بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلامٌ أصغر القوم، والأشياخ عن يساره فقال: «يا غلام أَتَأْذَنُ لِي أَن أُعطيه الأشياخ؟» قال: ما كنت لأوثر بفضلي منكَ أحدًا يا رسول الله! فأعطاه إياه. وفي رواية: «أَتَأْذَنُ لي أن أُعطِيَ هؤلاء؟» فقال الغلامُ: لا واللهِ يا رسول الله، لا أُوثِرُ بنصيبي منك أحدًا، قال: فَتَلَّهُ رسولُ الله - ﷺ - في يده (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الكنية للصبي وقبل أن يولد للرجل، برقم ٦٢٠٣.\n(٢) فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٥٨٣.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب المساقاة (الشرب)، باب في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة، مقسومًا كان أو غير مقسوم، برقم ٢٣٥١، وكتاب المظالم، باب إذا أذن له أو أحله، ولم يبين كم هو، برقم ٢٤٥١.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المثال الثاني عشر: بول الصبيان في حجره - ﷺ </span>-:\nفعن أمِّ قيس بنت مِحصنٍ أنها أتت بابنٍ لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله - ﷺ - فأجلسه رسول الله - ﷺ - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فنضحه ولم يغسله (١).\nوغير هذه المواقف كثيرةٌ جدًا.\n\n* ... * ... *\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب بول الصبيان، برقم ٢٢٣.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>المبحث التاسع عشر: مصاحبتهم بعد البلوغ</span>\nبعد أن بذل الوالد جهده في تربيته لأولاده: من المهد، فالطفولة المبكرة، فالطفولة المتأخرة، فالمراهقة من سن الثانية عشر إلى إحدى وعشرين كما يقوله علماء النفس، فقد أدى ما كان واجبًا عليه من رعاية: عقلية، وتربية ماديَّة، وأدبيّة، وصحيّة، وغير ذلك؛ فإنه بعد البلوغ من الأحسن أن يصاحبه ويعتبره رجلًا ويحمله المسؤولية ويناصحه، ولا يَعْنِي هذا أن يتركه بعد البلوغ ولا يرشده إلى أمور دينه ودنياه، بل عليه أن يلازمه حتى ولو بعد البلوغ، ويرشده إلى كل خير.\nوقد قص القرآن الكريم قصصًا من إرشاد الآباء الصالحين وتوجيههم إلى كل خير، وتحذيرهم من كل شر، قال تعالى عن لقمان: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ (١)، يخبر تعالى عن وصية لقمان لابنه، أوصاه أولًا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به أحدًا، ثم قال محذرًا له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾.\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنَّهُ لَيْسَ بذلكَ، ألا تَسمَعُ إلى قولِ لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ\n_________\n(١) سورة لقمان، الآية: ١٣.","vol":"1","page":171},{"text":"عَظِيم﴾» (١).\nثُم قَصَّ الله - ﷾ - وصية أخرى للقمان لابنه، قال ﷾: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِير * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور * وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير﴾ (٢).\nهذه وصايا نافعة قد ذكرها الله - ﷾ - عن لقمان الحكيم، ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فلقمان أرشد ابنه إلى أن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة من خردل يُحضرها الله يوم القيامة ويجازي عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (٣).\nومهما كانت الذرة خافية يأتي بها من لا تخفى عليه خافية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِير﴾ أي لطيف العلم بالأشياء، وخبير بكل شيء، حتى دبيب النمل في الليل البهيم، وكل مخلوق يُرى وما لا يُرَى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿لا تُشْرِكْ بالله إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (رقم ٤٧٧٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب صدق الإيمان وإخلاصه (رقم ١٢٤).\n(٢) سورة لقمان، الآيات: ١٧ – ١٩.\n(٣) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧ - ٨.","vol":"1","page":172},{"text":"ثم أوصى لقمان ابنه بإقام الصلاة: ومعنى إقامتها بفروضها، وحدودها، وأركانها، وأوقاتها، وواجباتها، وأوصاه أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حسب الاستطاعة، ويصبر على ما أصابه؛ لأن الداعي إلى الله تعالى لا بد أن يناله الأذى، والصبر على أذى الناس من العزائم التي يوهبها الله لأهل دعوته.\nثم نهى لقمان ابنه عن الكبر، وتصعير الخدّ، أي لا يعرض بوجهه عن الناس إذا كلمهم أو كلموه، احتقارًا منه لهم، واستكبارًا عليهم، ونهاه ألا يمشي في الأرض مرحًا، والله لا يحب كل معجب بنفسه فخور على غيره، واقصد في مشيك: لا بطيئًا ولا مسرعًا، واغضض من صوتك: أي لا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه؛ فإنَّ أنكر الأصوات صوت الحمير، فهذه وصايا نافعة من قصص القرآن الكريم عن لقمان الحكيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>ومن وصايا لقمان لابنه ما ذُكِرَ عنه </span>أنه قال له:\n١ - يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك.\n٢ - يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام (يعني السلام)، ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق، حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله فاجعل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم (١).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٤٨).","vol":"1","page":173},{"text":"وعن أنس - ﵁ - قال: «كَانَ رَسولُ الله - ﷺ - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: سُئل النبي - ﷺ - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تَقْوى الله وحُسْن الخُلُق». وسُئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: «الأجْوَفانِ: الفَمُ والفَرْجُ» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - أنه ذُكِر مرفوعًا: «ذَهَبَ حُسْنُ الخُلق بخَيرِ الدُّنيا والآخِرة» (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الكنية للصبي وقبل أن يولد للرجل (رقم ٦٢٠٣)، ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات (رقم ٦٥٩).\n(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (رقم ٢٨٩) وابن حبان (٢/ ٢٢٤ رقم ٤٧٦)، والحاكم (٤/ ٣٦٠ رقم ٧٩١٩)، وأحمد (٢/ ٣٩٢)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ١٣٧ رقم ١٠٥٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٢٣٥ رقم ٤٩١٤)، وابن المبارك في الزهد (رقم ١٠٧٣)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (رقم ١٧٠)، وفي الورع (رقم ١٣٥)، وفي الصمت (رقم ٤)، وفي مداراة الناس (رقم ٧٦)، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص ١٢٣، برقم ٢٢٢/ ٢٨٩.\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٢٢ رقم ٤١١)، وعبد بن حميد (رقم ١٢١٢)، والديلمي في الفردوس (٢/ ٢٤٧ رقم ٣١٦٣)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٢/ ٣١٢)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (رقم ١٦٩)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٤٧)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٧١ رقم ٦٨٨)، قال ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٦٥٠): هذا حديث لا يصح. وقال الرازي في علل الحديث (١/ ٤١٦ رقم ١٢٥٢)، قال أبي: هذا حديث موضوع، لا أصل له. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ١٩٠ رقم ١٦٠٤): منكر.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المبحث العشرون: تعليمهم اختيار الجليس الصالح والصاحب الصالح</span>\nإن الشريعة الإسلامية قد أرشدت معتنقيها إلى كل فضيلة تعود بالخير عليهم في دنياهم وأخراهم، فلا نجد أمرًا من أمور البشرية يهمها ويسعدها إلا وقد جاء الإسلام بحكم واضح فيه، ويكون هذا الحكم شافيًا كافيًا، فقد شرع الإسلام اختيار الجليس الصالح، فمن هنا يجب على الآباء إرشاد أبنائهم إلى مجالسة الصالحين والتزام مجالسهم؛ فإن الصالح لا يأتي إلا بخير، كما قال الرسول - ﷺ -:\nفعن أبي هريرة - ﵁ -: «المرءُ عَلى دِينِ خَلِيْلِهِ، فَلْيَنظُر أحَدَكُمْ مَنْ يُخَالل» (١).\nفينبغي لأب الطفل وأمه كذلك أن يلحقا أولادهما برفقة صالحة وإبعادهم عن رفقاء السوء.\nوعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ، لَا يَعْدَمُكَ من صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أو تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أو ثَوْبَكَ أو تَجِدُ منه رِيحًا خَبِيثَةً» (٢).\nفالرسول - ﷺ - أرشدنا إلى أن الرجل على دين خليله، وأن الجليس السوء مثل حامل الكير: إما أن يجد منه الإنسان ريحًا خبيثة، وإما أن يحرق ثيابه. أما حامل المسك، فإنه لا يجد منه\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (رقم ٢٣٧٨)، وسبق تخريجه.\n(٢) أخرجه البخاري (رقم ٢١٠١)، ورقم (٥٥٣٤)، وسبق تخريجه.","vol":"1","page":175},{"text":"صاحبه إلا رائحة طيبة أو يشتري منه مسكًا، فعلى الآباء أولًا إرشاد أبنائهم وأقاربهم وإخوانهم الشباب وغيرهم إلى مجالسة الصالحين، وتحذيرهم من مجالسة الفساق والعاصين؛ فإنهم إذا جالسوا الصالحين فسوف يعينونهم على الحق، ويذكِّرونهم إذا نسوا.\nأما أهل الفسق والضلال فإنه لا يأتي منهم إلا شر ولا يعملون إلا فجورًا وعصيانًا والعياذ بالله، وقد أخبرنا الله - ﷾ - بالذي يَعضّ على يديه يوم القيامة ويذكر سبب ذلك أنه: كان جليسه، وخليله، وصديقه الذي كان يرشده ويهديه إلى: الفسق، والكفر، والعصيان، قال - ﷿ -: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (١).\nيخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول - ﷺ -، وما جاء به من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقًا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم (٢). وقد قال الله - ﷿ -: ﴿الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِين﴾ (٣).\nفنأخذ مما تقدم أن الخليل يتحسَّر على ما فعل مع خليله، الذي يعلم أنه لم يردُّه عن طريق الحق إلا هذا الخليل الضال، فقد ردَّه\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآيات: ٢٧ – ٢٩.\n(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٣١٨).\n(٣) سورة الزخرف، الآية: ٦٧.","vol":"1","page":176},{"text":"من طريق: الحق، والهدى، إلى طريق الباطل، والزور، ومن طريق النور، إلى طريق الظلام الدامس، وردّه من الإيمان إلى الكفر والجحود، فندم حين لا ينفع الندم، فيجب على الآباء إرشاد أبنائهم وتوجيههم إلى مجالسة الأخيار والبعد عن الأشرار.\nفعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المرءُ مَعَ مَنْ أحبَّ، ولهُ ما اكْتَسَب» (١).\nفالواجب على كل مسلم أن يأخذ بالتوجيهات التي وردت في الكتاب والسنة، حتى تصح أحوال أبنائهم، وتسمو أخلاقهم، ويظهر في المجتمع أدبهم وحتى يكونوا في الأمة أداة خير ودعاة إصلاح، ودعاة هداية، فيصلح المجتمع بصلاحهم، وتفخر الأمة: بكريم فعالهم، وجميل صفاتهم (٢).\nومن أسباب صلاح الذريّة: تزويج الأبناء بزوجات صالحات، وتزويج البنات بأزواج صالحين؛ لأن الزوج الصالح جليس صالح، والزوجة الصالحة جليسة صالحة، والدعاء للأولاد من القلب واللسان بصدق وإخلاص، والحذر من دعاء الوالدين على أولادهما؛ لأن دعوة الوالد على ولده مستجابة.\n* ... * ... *\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء أن المرء مع من أحب (رقم ٢٣٨٦) وقال: هذا حديث حسن غريب. قال الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٥٥٩ رقم ٢٣٨٦): صحيح بلفظ: «أنت مع من أحببت، ولك ما احتسبت».\n(٢) تربية الأولاد في الإسلام عبد الله علوان (ص ١٦٠).","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المبحث الحادي والعشرون: فوائد التربية الحسنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>أولًا: بر الوالدين:</span>\nبعد الجهد الطويل لهذا الأب والتربية الصالحة إذا كان صالحًا فإنه سوف يجني ثمرات جهده، وسوف يحصل إن شاءالله على أولاد صالحين، يبرُّونه في حياتهم بإطاعتهم له، ومحافظتهم على أوامر اللَّه ﵎، ففي حياة هذا الأب يجد أولادًا صالحين، بارّين بأمهم وأبيهم، رحماء بينهم، وقد قال القائل:\n\nوينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عوده أبوه (١)\n\nوبعد موت الأب يدعون له ويستغفرون له، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «إذَا مَاتَ الإنسانُ انْقَطعَ عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثلاثةٍ: إلا من صَدَقَةٍ جَاريةٍ، أو عِلمٍ يُنْتَفعُ به، أو ولدٍ صالِحٍ يَدعُو لهُ» (٢).\nفهذا من فضل اللَّه على كل من له ولد صالح؛ فإنه سوف يبرّه في حياته، وبعد موته، والقرآن الكريم والسنة فيهما الكثير من هذا، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ\n_________\n(١) هذا البيت من بحر الوافر، وينسب إلى أبي العلاء المعري الشاعر والفيلسوف، ولد ومات في معرة النعمان، كان نحيف الجسم، أصيب بالجدري وهو صغير فعمي في السنة الرابعة من عمره، كان يحرم لحم الحيوان فلم يأكل اللحم خمسًا وأربعين سنة وكان يلبس خشن الثياب، مات سنة ٤٤٩هـ.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (رقم ١٦٣١).","vol":"1","page":178},{"text":"تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١).\nفقد وصى الله بعبادته أولًا، وقرن بالعبادة بر الوالدين، ونهى ﷾ عن كل ما يؤذيهما حتى التأفيف، الذي هو أدنى مراتب القول السيء، ونهى ﷾ عن نهر الوالدين ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾. قال بعض المفسرين: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، وقال عطاء: لا تنفض يدك على والديك (٢)، ثم أمر سبحانه بالقول اللين والتواضع للوالدين والرحمة بهما.\nوقد ثبت في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها:\nحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رجل: يا رسول الله، من أحقُّ بحسن صحابتي؟ قال: «أمُّك» قال: ثم مَن؟ قال: «أمُّك»، قال: ثم مَن؟ قال: «أمُّك» قال: ثم مَن؟ قال: «أبُوك» (٣).\nوفي رواية قال: «أُمُّك، ثمَّ أُمُّك، ثمَّ أُمُّك، ثمَّ أبَاكَ، ثمَّ أدْناكَ أدْناكَ» (٤).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ مِنْ أبرِّ البرّ\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآيتان: ٢٣ – ٢٤.\n(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٦٥) وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٣٥).\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة (رقم ٥٩٧١)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به (رقم ٢٥٤٨) (١).\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به (رقم ٢٥٤٨) (٢).","vol":"1","page":179},{"text":"صِلَةُ الرَّجلِ أهلَ وُدِّ أبيهِ بعدَ أن يولِّي» (١).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ أحبَّ أن يُبْسَطَ لهُ في رِزْقِهِ، ويُنسأَ لهُ في أثَرِهِ فلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (٢).\nهذه الأحاديث تبيِّن حق الوالد على ولده، ففي الغالب أن الأبناء الذين تربوا على الأخلاق الإسلامية يلتزمون بهذه الشريعة وبهذه الفضائل، بل الواجبات، فهذا تعود ثمرته على الوالد الذي بذل جهده في تربية أولاده على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، فقد قال القائل:\n\nقد ينفع الأدب الأحداث في مَهَلٍ ... وليس ينفع بعد الكَبْرةِ الأدبُ\nإن الغصونَ إذا قوَّمتها اعتدلت ... ولا يَلينُ إذَا قَوَّمتَهُ الخَشَبُ (٣)\n\nفالولد الذي عوَّده أبوه على طاعة الله ﵎ في صغره يأتي بتوفيق الله صالحًا في كبره إن شاءالله، فمن هذا الصلاح يحصل الأب والأم على الأجر العظيم، والثواب الجزيل؛ لأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وهم قد أحسنوا تربية أولادهم في الصغر، فأعطاهم\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما (رقم ٢٥٥٢).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق (رقم ٢٠٦٧)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (رقم ٢٥٥٧).\n(٣) هذا البيت من بحر البسيط وينسب إلى سابق بن عبد الله البربري فقيه ومحدث وأحد شعراء الزهد في العصر الأموي، مات سنة ١٣٢هـ، وينسب أيضًا إلى صالح بن عبد القدوس الشاعر الحكيم، شعره كله أمثال وحكم، عمي في آخر عمره، مات سنة ١٦٠هـ، وذكر البيت أبو منصور الثعالبي في التمثيل والمحاضرة (ص ٢١٧)، وابن الجوزي في تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر (ص ٥).","vol":"1","page":180},{"text":"الله ﵎ هذا الأجر بسبب عملهم الطيب، وجعل أولادهم بارين بهم في حياتهم وبعد الممات، كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>ثانيًا: الرجولة الصالحة والأنوثة الصالحة:</span>\nمن فوائد التربية الحسنة للأولاد أنه يَنْتُجُ عن هذه التربية أولادٌ صالحون، وبنات صالحات، يمتثلون أوامر ربهم ورسولهم - ﷺ -، فهم يملكون أخلاقًا عالية وآدابًا سامية. فعن ابن عباس ﵄ قال: «لَعَنَ رسولُ الله - ﷺ - المخنَّثينَ منَ الرِّجالِ، والمترَجِّلات مِنَ النِّساءِ» (١).\nوفي رواية: «لعنَ رسولُ الله - ﷺ - المتشبِّهينَ مِنَ الرِّجالِ بالنِّساءِ، والمتشَبِّهات مِنَ النِّساءِ بالرِّجالِ» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «لَعَنَ رَسُولُ الله - ﷺ - الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ» (٣).\nفنجد الأبناء الذين أخذوا التربية الحسنة من آبائهم لا يسلكون هذه المسالك، بينما نجد الذين لم تحسن تربيتهم يسلكون هذه\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت (رقم ٥٨٨٦).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال (رقم ٥٨٨٥).\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب لباس النساء (رقم ٤٠٩٨)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٩٧ رقم ٩٢٥٣)، والحاكم (٤/ ٢١٥ رقم ٧٤١٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٩٦ رقم ٩٨٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ١٦٧ رقم ٧٨٠٢)، وصححه الحاكم، وكذا النووي في رياض الصالحين (ص ٣٧٣). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥١٩ رقم ٤٠٩٨).","vol":"1","page":181},{"text":"المسالك المذكورة.\nفالأبناء الذين تربوا تربية إسلامية تراهم محافظين على رجولتهم، فلا يتشبهون بالنساء ولا بالفساق، بينما نجد عكسهم بعكسهم، فالمربِّي الصالح يَنْتُجُ عن تربيته أولادٌ صالحون: ذكورًا وإناثًا، يحافظون على شرع الله، ويلتزمون بالآداب الإسلامية، والأخلاق الحميدة، والرجولة الكاملة، والأنوثة الكاملة للنساء؛ لأن مراقبة الله هي التي تجعل المسلم دائمًا وأبدًا يلتزم بالأخلاق الحميدة. وقد قال القائل:\n\nإذا ما خلوت الدهر يومًا ... فلا ... تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب\nولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا إن ما تخفي عليه يغيب (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>ثالثًا: الأخلاق الحميدة:</span>\nمن فوائد التربية الحسنة الأخلاق الحميدة التي وردت في الشرع، فقد كان الرسول - ﷺ - أحسن الناس خلقًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ (٢). ويقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا\n_________\n(١) هذا البيت من بحر الطويل وينسب إلى أبي العتاهية المتوفى سنة ٢١١هـ، وأبي نواس المتوفى سنة ١٩٨هـ، وصالح بن عبد القدوس المتوفى سنة ١٦٠هـ.\nوذكر البيتين ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٨٠) (٤/ ٣٠٥)، وأن الإمام أحمد ﵀ كان ينشدهما. وكذا قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص ١٦٢) بينما ذكرهما البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٦١ رقم ٧٢٩٢) وأخبر أن الشافعي ﵀ كان ينشدهما.\n(٢) سورة القلم، الآية: ٤.","vol":"1","page":182},{"text":"غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهمْ» (٢).\nوعن النواس بن سمعان - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن البر والإثم فقال: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ ما حَاكَ في صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه الناس» (٣).\nوعن أبي ذر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ الناس بِخُلُقٍ حَسَنٍ» (٤).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «ما شَيْءٌ أَثْقَلُ في مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يوم الْقِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» (٥).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها (رقم ١١٦٢)، وابن حبان (٩/ ٤٨٣ رقم ٤١٧٦)، وأحمد (٢/ ٢٥٠، ٤٧٢)، والبيهقي في الشعب (١/ ٦١ رقم ٢٧)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٤٠٩ رقم ١٩٢٣): حسن صحيح.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم (رقم ٢٥٥٣).\n(٤) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس (رقم ١٩٨٧)، والبزار (٩/ ٤١٦ رقم ٤٠٢٢)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في صحيح الترغيب (٣/ ١٢ رقم ٢٦٥٥): حسن لغيره.\n(٥) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق (رقم ٢٠٠٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ٢١١ رقم ٢٥٣٢٣)، وأحمد (٦/ ٤٤٦، ٤٤٨)، والطبراني في مسند الشاميين (٢/ ١٠٣ رقم ٩٩٣)، وعبد بن حميد (رقم ٢٠٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٣٦٣ رقم ٧٨٣)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣٧٨ رقم ٢٠٠٢).","vol":"1","page":183},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: «تَقْوى الله وحُسن الخُلُق»، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: «الفم والفَرج» (١).\nوعن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كان مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كان مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ في أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» (٢).\nفالآباء الصالحون يطبقون هذه الأخلاق الحميدة وغيرها من الأخلاق الفاضلة: كالتواضع، والصدق، والوفاء بالعهد، والأمانة، والاستقامة، والشجاعة، والصبر، والحلم، والأناة، والرفق، والتقوى، والحياء، والورع، والتوكل على الله، والرحمة، والمحبة، والإيثار على النفس، وهذه أخلاق حميدة يتصف بها أبناء الرجال الصالحين الذين تلقوا التربية الحسنة من آبائهم الصلحاء.\nقال الشاعر:\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق (رقم ٢٠٠٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم ٩٧٧) وقال في صحيح سنن الترمذي: حسن الإسناد.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق (رقم ٤٨٠٠)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٤٩ رقم ٢٠٩٦٥)، والطبراني في الكبير (٨/ ٩٨ رقم ٧٤٨٨)، وفي مسند الشاميين (٢/ ٤٠٧ رقم ١٥٩٤)، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٣٦٤ رقم ٤٤٣٧)، وصححه النووي في رياض الصالحين (ص ١٧٤). وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ١٧٩ رقم ٤٨٠٠).","vol":"1","page":184},{"text":"إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>رابعًا: تكوين أسرة مسلمة متماسكة:</span>\nإن من نتائج التربية الصالحة إخراج أسرة صالحين مصلحين، وأعظم أسرة يضرب بها المثل لكل الأجيال هي أسرة محمد بن عبد الله ﵊.\nفإن التعاطف الذي قدَّره الله تعالى بين الزوجين: الرجل والمرأة لِمَن أجلِّ النعم التي أسبغها الله على عباده، وأعظم الآيات الدالة على قدرته وإعجازه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ (٢).\nفبهذا التعاطف تقوم الأسرة السعيدة، وتدوم الحياة الأسرية المستقرة التي في ظلها تزدهر المعاني الكريمة، وإن المتأمل في سيرة الدعوة الإسلامية ليَسْتطيع أن يلمس بوضوح بعض ما يمكن للأسرة القوية، ولقد جعل الإسلام رابطة الزواج الشرعي القائم على الكتاب والسنة، هو الوسيلة الوحيدة لتكوين الأسرة المسلمة، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رَزَقَهُ الله امْرَأَةً صَالِحَةً\n_________\n(١) هذا البيت من بحر البسيط، وينسب إلى أحمد شوقي أشهر شعراء العصر الحديث، أرسله الخديوي توفيق إلى فرنسا لدراسة الحقوق، واطلع على الأدب الفرنسي، مات سنة ١٣٥١هـ، بينما جاء عجز البيت هكذا:\nفإن تولت مضوا في إثرها قُدُما.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٢١.","vol":"1","page":185},{"text":"فَقَدْ أَعَانَهُ على شَطرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ الله في الشَّطْرِ الثَّانِي» (١).\nففي هذا الأساس تتكون الأسرة المسلمة الصالحة من وقت زواج الرجل الصالح بالمرأة الصالحة، ومن ثم تربية الأولاد التربية الإسلامية، فيتكون مجتمع صالح من هذه الأسرة الصالحة، يتراحمون فيما بينهم، ويحب بعضهم بعضًا، ويقومون بواجبهم الذي خلقوا من أجله، وهو عبادة الله ﵎ وعدم الإشراك به.\nوالمؤمن دائمًا يسأل الله الذرية الصالحة كما قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٢).\nفمن نتائج دعاء المؤمنين ربهم رزقهم الهداية، ثم الأولاد وأعانهم على تربيتهم، ومن ثم تكونت: أسرة مسلمة، متماسكة، كالبنيان يشد بعضه بعضًا (٣)، وكانوا كالجسد الواحد: في توادِّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٤)، وكانوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا،\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ١٧٥ رقم ٢٦٨١)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٩٤ رقم ٩٧٢)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٨٣ رقم ٥٤٨٧)، وصححه الحاكم. بينما ضعفه الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (٣/ ١١٧) ونقل تضعيفه الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٢٧). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (رقم ٥٥٩٩) بينما قال في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٤٠٤ رقم ١٩١٦): حسن لغيره.\n(٢) سورة الفرقان، الآية: ٧٤.\n(٣) أهداف الأسرة في الإسلام والتيارات المعاصرة (بتصرف).\n(٤) فعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم (رقم ٦٠١١) ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (رقم ٢٥٨٦).","vol":"1","page":186},{"text":"وكانوا يحبون لإخوانهم المسلمين ما يحبون لأنفسهم، إلى غير ذلك من ترابط الأسرة المسلمة وتماسكها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>خامسًا: انتشار الحب بين الأولاد:</span>\nومن نتائج وفوائد التربية الحسنة انتشار الحُب بين الأولاد، وذلك؛ لأنهم مؤدبون على طاعة الله ورسوله، ومن أطاع الله فإنه يحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما يبغضه الله ورسوله، فالله قد أمر بالتواصل والتراحم، والتعاطف، فهم ممتثلون لأمره ﷾، ففي الصحيحين عن أنس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «ثَلَاثٌ من كُنَّ فيه وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، من كان الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إليه مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كانَ يحبُّ المرء لَا يُحِبُّهُ إلا لله، ومنْ كانَ َيَكْرَهُ أَنْ يرجعَ في الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ الله منهُ، كما يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى في النَّارِ» (١).\nوعن أبي أمامة - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: «مَنْ أحَبَّ لله، وأبْغَضَ لله وأعطَى للهِ، ومنَعَ لله، فقَدِ استكمَلَ الإيمانَ» (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان (رقم ١٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان (رقم ٤٣).\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (رقم ٤٦٨١)، وابن أبي شيبة (٧/ ١٣٠ رقم ٣٤٧٣٠)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٣٤ رقم ٧٦١٣)، وفي مسند الشاميين (٢/ ٢٣٩ رقم ١٢٦٠)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٤٩٢ رقم ٩٠٢١). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ١٤٠ – ١٤١ رقم ٤٦٨١).","vol":"1","page":187},{"text":"وعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: قال ﵊: «أوْثَق عُرَى الإيمانَ: الحبّ في الله، والبُغْضُ في الله» (١).\nوعبد الله الصادق في إيمانه: هو من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله ورسوله، هذا هو الذي استكمل الإيمان (٢).\nقال الله تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ (٣). فنتائج التربية الحسنة وفوائدها عظيمة وجمة: فهم متراحمون، متعاطفون فيما بينهم، ومتحابون، وليس حبهم بينهم فحسب، بل يحبون كل من كان يحب الله ورسوله، فهم يحبون لله ويبغضون له سبحانه.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٨٠ رقم ٣٤٣٣٨)، والطيالسي (رقم ٧٤٧)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (رقم ١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم ٢٥٣٩). وقال في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ١٦٥ – ١٦٦ رقم ٣٠٣٠): حسن لغيره.\n(٢) العبودية لابن تيمية (ص ٦).\n(٣) سورة المجادلة، الآية: ٢٢.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المبحث الثاني والعشرون: مضار التربية السيئة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>أولًا: عقوق الوالدين:</span>\nالآباء الذين لم يعتنوا بتربية أولادهم التربية الإسلامية سوف يجدون ما قدموا لأنفسهم في حياتهم وبعد وفاتهم، إلا من عصم الله ورحم، ففي الدنيا العقوق وعدم البر والصلة، وفي الآخرة يكون هذا الأب مسؤولًا أمام الخالق ﵎ عن الإهمال الذي قام به نحو أولاده، وكذلك إذا توفي الوالد وخلَّف أولادًا فسَّاقًا فإنه لا ينتفع منهم بعد موته؛ لأنهم قد لا يبتعدون عن الجرائم والآثام، فإذا فعلوا ذلك فيستبعد أن يدعوا لوالديهم، والصلاح شرط لقبول العمل وإيصاله إلى والد الولد «ولدٌ صالحٌ يدعو له». وقد ورد في قطيعة الأرحام وعقوق الوالدين أحاديث كثيرة منها حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رَغِمَ أنفُهُ، رَغِمَ أنفُهُ، رَغِمَ أنفُهُ» قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: «مَنْ أدْرَكَ والِدَيهِ عِنْدَ الكِبَر أحَدَهُما أو كِلاهُما، ثم لم يدخل الجنَّةَ» (١).\nوعن المغيرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ. وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وقال، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر فلم يدخل الجنة (رقم ٢٥٥١).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب في الاستقراض، باب ما ينهى عن إضاعة المال (رقم ٢٤٠٨)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منع وهات (رقم ٥٩٣).","vol":"1","page":189},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مِنَ الكبائرِ شَتْمُ الرَّجل والدَيْهِ» قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: «نَعم، يَسُبُّ أبَا الرَّجل فيسبُّ أباه، ويَسبُّ أمّهُ فيسب أمّه» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خَلَقَ الله الْخَلْقَ فلما فَرَغَ منه قَامَتِ الرَّحِمُ، فقال: مَهْ؟ قالت: هذا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ من الْقَطِيعَةِ. فقال: ألا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ من وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ من قَطَعَكِ؟ قالت: بَلَى يا رَبِّ! قال فَذَلِك لكِ» (٢).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «الرَّحِمُ معلَّقةٌ بالعَرْشِ، تقول: مَنْ وَصَلَني وصَلَهُ الله، ومَنْ قَطَعَني قَطَعَهُ الله» (٣).\nوعن جبير بن مطعم - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يدخُل الجنَّةَ قاطِعٌ» (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه (رقم ٥٩٧٣) ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (رقم ٩٠).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ برقم ٧٥٠٢، كتاب التفسير، باب وتقطعوا أرحامكم (رقم ٤٨٣٠)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (رقم ٢٥٥٤).\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من وصل وصله الله (رقم ٥٩٨٩)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (رقم ٢٥٥٥).\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب إثم القاطع (رقم ٥٩٨٤)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (رقم ٢٥٥٦).","vol":"1","page":190},{"text":"فلهذه الأحاديث الصحيحة تحرم القطيعة والعقوق، والغالب أن الأولاد الذين لم يتربوا على الأخلاق الفاضلة يقعون في ما ذُكِر وغيره من المحرمات؛ لأنه لا يوجد عندهم تحصين عن هذا، والمعصوم من عصم الله، ولكن هذا في الغالب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>ثانيًا: الرجولة الناقصة والأ نوثة الناقصة:</span>\nسبق أن عرفنا الرجولة الصالحة، والأنوثة الصالحة، وتبيَّن لنا أثر التربية الحسنة، أما الآن فأتناول أثر التربية السيئة، وما يترتب على هذه التربية وبسببها يخرج رجال ناقصو الرجولة، وبنات ناقصات الأنوثة.\nفلا شك أن التربية هي الأساس الذي يُبنى عليه المجتمع المسلم.\nولقد أخبرنا الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: «كُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرَانِهِ، أو يُمَجِّسَانِهِ» (١).\nفلهذا نجد أولادًا فاسقين في الغالب من الآباء الفاسقين، وذلك لأن هؤلاء الآباء لم يهتموا بأنفسهم ولا بأولادهم من الناحية المعنوية، فنجد أن الولد يحاول تقليد النساء، والبنت تحاول تقليد الرجال، وما ذلك إلا لعدم التربية الإسلامية، ومن ثم عدم الإيمان الكامل، وقد سبق وأن ذكرت قبل هذا حديث اللعن لمن تشبه من\n_________\n(١) أخرجه البخاري (رقم ١٣٨٥)، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":191},{"text":"الرجال بالنساء، ولمن تشبه من النساء بالرجال، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صِنْفَانِ من أَهْلِ النَّارِ لم أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بها الناس، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رؤوسهن كأسنة الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، ولا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ من مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (١).\nوهذا الحديث من علامات صدق الرسول - ﷺ -، فقد وقع بعد أربعة عشر قرنًا من الهجرة النبوية، وهو معجزة من معجزات الرسول - ﷺ -، فقد تكشَّفت النساء إلا من رحم ربي، وقد رأينا النساء اللائي قل حياؤهن يلبسن ملابس خفيفة أو ملابس قصيرة، حتى وصل الأمر إلى أقبح من هذا، فرأينا نساء يمشين مع رجالهن وقد أسبل رجالهن الثياب وهي تكنس الشوارع من طولها، أما نساؤهم فقد رفعن ثيابهن إلى أنصاف الساقين أو الركبتين، كاشفة رأسها، وعنقها، وصدرها، ومبدية زينتها أمام الرجال الأجانب، فأصبح الأمر بالعكس، فإنا لله وإنا إليه راجعون!!\nوما ذلك إلا بسبب التربية السيئة التي قامت بعيدة عن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.\nوسوء معاملة الأبوين للولد، من الأمور التي يكاد يجمع علماء التربية عليها، إن الولد إذا عومل من قبل أبويه ومربيه المعاملة\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات (رقم ٢١٢٨).","vol":"1","page":192},{"text":"القاسية وأدب بالضرب الشديد والتوبيخ في غير محله، وكان التحقير والازدراء موجهًا من الآباء والتشهير والسخرية فإن ردود الفعل ستظهر في سلوكه وخُلُقه، وإن مظاهر الخوف والانكماش، ستبدو في تصرفاته وأفعاله، وقد يؤول به الأمر إلى الانتحار حينًا، أو إلى مقاتلة أبويه أحيانًا، أو إلى ترك البيت نهائيًا، متخلصًا مما يعانيه من القسوة الظالمة والمعاملة الأليمة، فلا عجب – وهذه الحالة – أن نراه في المجتمع مجرمًا وفي هذه الحياة شاذًا ومنحرفًا!! ولا عجب أن ينشأ على الاعوجاج والميوعة والانحلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>ثالثًا: الأخلاق الفاسدة غير الحميدة:</span>\nإن التربية السيئة التي لم تعتمد على الهدي النبوي الشريف لا بد وأن تكون ناقصة، وينتج عنها أخلاق فاسدة غير مرضية، وقد قال الله ﵎: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُون﴾ (١). وقال تعالى: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٣).\nوعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذَا رَأَيْتَ الله\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية: ٤.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٨١.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٣١.","vol":"1","page":193},{"text":"يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فإنَّما هَوَ اسْتِدْراجٌ»، ثم تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون﴾ (١). وغير ذلك من النصوص التي وردت في الشرع تدل على ذم الأخلاق السيئة، والأبناء الذين لم يُعلَّموا الأخلاق الحميدة: أخلاق الرسول - ﷺ -، فكيف يعرفون أخلاقه وهم لم يعلَّموا ولم يوجَّهوا التوجيه السليم؟\nفهم عند آباءٍ فاسقين، وأمهات لا يخفن الله ولا يراقبنه، فمن هذه الغباوة ظهر أولاد فاسدون واستحبوا الأخلاق الرذيلة على الأخلاق الحميدة، واستحبوا: الكذب على الصدق، والأمانة، والنفاق على الإخلاص، واستحبوا: الإسراف، والبخل على الكرم، والاقتصاد، واستحبوا: التكبر، والإعجاب على التواضع، ولين الجانب، وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة الناتجة عن سوء التربية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>رابعًا: أسرةٌ منحلَّة غير ملتزمة بشرع الله:</span>\nمن نتائج التربية السيئة تفكك الأسرة وانحلالها وفساد أخلاقها، وذلك؛ لأن التربية الإسلامية هي أساس الأخلاق، والفضائل، فعند المراهقة للأولاد والبنات تنتشر الأخلاق الرذيلة\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، وفي الزهد (ص ١٢)، والبيهقي في الشعب (٤/ ١٢٨ رقم ٤٥٤٠)، وابن المبارك في الزهد (رقم ٣٢١)، وابن أبي الدنيا في الشكر (رقم ٣٢)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١١٠ رقم ٩٢٧٢)، وفي الكبير (١٧/ ٣٣٠ رقم ٩١٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم ٥٦١). وفي السلسلة الصحيحة (١/ ٧٧٣ رقم ٤١٣).","vol":"1","page":194},{"text":"وتتفرق الأسرة ولم يعد يضم البيت العائلي عددًا من الأسرة بحيث يجمع بين الجد وأولاده، وحفدته وزوجاتهم، فالزوج يعيش مستقلًا عن زوجته في معاشه ومهنته، والمرأة تنطلق في العمل، ولم يعد لديها الفراغ الكافي لتربية أطفالها، وقامت مقامها مدارس رياض الأطفال، وأخذت تزاحم الرجال جنبًا إلى جنب (١)، والبنت ذهبت مع صديقها للنزهة، والولد يذهب مع أقرانه الخبثاء، هذا بالنسبة للأسرة المنحلة انحلالًا كاملًا، أما ما دون ذلك فإنه يظهر في بعض الأسر التي لم تحض على التربية الإسلامية ولا على تعاليم الدين الصحيح، فنجد مثلًا عددًا من البنات يقبعن في بيوت آبائهن عوانس، بدون زواج، فالفتيان يقفون اليوم من الفتيات موقفًا لا يدل على إقبالهم عليهن، ورغبتهم فيهن؛ لأن مشكلة الجنس قد حلتها الأوضاع المتفككة المنحلة للأسرة، والمجتمع، وذلك لرغبة آباء البنات في المال الكثير، فكأن الفتاة سلعة، والزواج تجارة، فما على صاحب السلعة إلا أن يحتال ويساوم الشاري، ويشغل رغبته، وحاجته ليقبض أكبر ثمن ممكن لهذه السلعة، ولا يسأل والد الفتاة عن دين الرجل ولا أمانته، وإنما الذي يسأل عنه كم مع هذا من المال، وما له من حوانيت وأملاك!! إلخ (٢).\nفيسبب هذا ضياع الأسرة، وقد تحدث أمور لا يرضاها\n_________\n(١) الأسرة بين الجاهلية والإسلام (باختصار وتصرف) (ص ١٥٤).\n(٢) الأسرة بين الجاهلية والإسلام (بتصرف) (ص ١٥٥).","vol":"1","page":195},{"text":"المسلم، وما ذلك إلا لعدم التمسك بالشريعة الإسلامية وعدم التربية الإسلامية الصحيحة، التي على أساس من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ (١).\nوعن العرباض بن سارية - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عنها بَعْدِي إلا هَالِكٌ» (٢). أو كما قال - ﷺ -.\nوينتج من تفكك الأسرة والانحلال أمور كثيرة، ومن هذه الأخلاق الرذيلة التكبر على المسلمين، فعن عياض بن حمار - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: «... وإنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلي أَنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ على أَحَدٍ، ولا يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ» (٣).\nوالبغي هو التعدي والاستطالة.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذَا قالَ الرجل:\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ٧.\n(٢) أخرجه الحاكم (١/ ١٧٥ رقم ٣٣١)، وأحمد (٤/ ١٢٦)، وابن ماجه، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (رقم ٤٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٤٧ رقم ٦١٩)، وفي مسند الشاميين (٣/ ١٧٢ – ١٧٣ رقم ٢٠١٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم ٤٣٦٩). وفي السلسلة الصحيحة (٢/ ٦١٠ رقم ٩٣٧).\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (رقم ٢٨٦٥).","vol":"1","page":196},{"text":"هَلَكَ النَّاس فهوَ أهلَكهُمْ» (١).\nوعن أبي خراش - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «مَنْ هَجَرَ أخَاهُ سَنَةً فهوَ كسفكِ دَمِهِ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>خامسًا: وجود العداوة بين الأولاد:</span>\nإن من مضار التربية السيئة وجود العداوة بين الأولاد ونفور بعضهم من بعض، وذلك لأنه لا يوجد عندهم تراحم ولا تعاطف، ولا تكاتف فيما بينهم، فنجد الأخ قد لا يستأنس مع أخيه الذي من صلب أبيه، وما نتج هذا إلا عن سوء التربية التي تلقاها من أبيه أو مربيه، والله ﵎ قد نهى عن التباغض والعداوة سواء بين الأخوة الأشقاء أو بين المسلمين عمومًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٣).\nوقال سبحانه في صفات المؤمنين: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٤). وقال - ﷿ -: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن قول هلك الناس (رقم ٢٦٢٣).\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم (رقم ٤٩١٥)، والحاكم (٤/ ١٨٠ رقم ٧٢٩٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٢٠٥ رقم ٢٧٣٥)، وأحمد (٤/ ٢٢٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٠٨ رقم ٧٨٠)، وصححه النووي في رياض الصالحين (ص ٣٦٤)، والألباني في صحيح الجامع (رقم ٦٥٨١). وفي صحيح سنن أبي داود (٣/ ٢٠٤ – ٢٠٥ رقم ٤٩١٥).\n(٣) سورة الحجرات، الآية: ١٠.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٥٤.","vol":"1","page":197},{"text":"عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ (١).\nوعن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لَا تَبَاغَضُوا، ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا تَقَاطَعوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاث» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ويوم الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يشرك بالله شَيْئًا، إِلا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» (٣).\nوفي رواية لمسلم: «تُعرضُ الأعمال في كلِّ يومِ خميسٍ واثنين» وذكر نحو الحديث السابق (٤).\nونكتفي بهذه الأحاديث الصحيحة التي تحرم القطيعة والهجران فوق ثلاثٍ إلا لمن هجر لأجل الله، فلا إثم عليه إن شاءالله؛ لأن هجره من أجل أن يتوب من معصيته، فالأولاد الذين لم يدربوا على التراحم والتعاطف والتآلف يتصفون بالقطيعة والهجران إلا من رحم ربي، قال القائل:\n_________\n(١) سورة الفتح، الآية: ٢٩.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر (رقم ٦٠٦٥)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر (رقم ٢٥٥٩).\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن الشحناء والتهاجر (رقم ٢٥٦٥) (٣٥).\n(٤) المصدر السابق (رقم ٢٥٦٥) (٣٦).","vol":"1","page":198},{"text":"وينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عوده أبوه (١)\n\nفما على الأب إلا هداية الإرشاد والبيان، أما هداية القلب والجوارح فهي بيد الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ﷾.\nولا شك أن أسباب انحراف الأولاد كثيرة جدًا، ولكن منها الأسباب الآتية:\n١ - الفقر.\n٢ - الطلاق.\n٣ - الفراغ الذي يَتَحكَّمُ في الأطفال، وانتشار البطالة والجلوس بدون عمل.\n٤ - القرناء الفاسدين، والخلطة الفاسدة.\n٥ - سوء معاملة الوالدين للولد.\n٦ - مشاهدة أفلام الجريمة والجنس.\n٧ - تخلِّي الأبوين عن تربية الأولاد.\n٨ - مصيبة اليتم.\nوهذه أسباب خطيرة تسبب الانحراف عن الصراط المستقيم إلا من عصم الله - ﷿ - (٢).\n* ... * ... *\n_________\n(١) سبق الإشارة إليه في المبحث العشرين: فوائد التربية الحسنة.\n(٢) انظر: تربية الأولاد في الإسلام، لعبد الله علوان ١/ ١١٩ - ١٣٣.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>المبحث الثالث والعشرون: الهدي النبوي في تربية الشباب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>أولًا: مفهوم مرحلة الشباب:</span>\nلقد ذكر الله - ﷾ - هذه المرحلة في كتابه العزيز بالفتوة، كما في قوله عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (١).\nووصفها بالقوة كما في قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِير﴾ (٢).\nومرحلة القوة في هذه الآية التي تقع بين مرحلتي ضعف، هي مرحلة الشباب (٣).\nكما وردت الإشارة إليها بصفات أخرى: كالأشُد، كما في قوله ﷾: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٤).\nوالأشد هنا: الاحتلام كما قاله الشعبي ومالك وغير واحد من\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ١٣.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٥٤.\n(٣) انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٤٠).\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢.","vol":"1","page":200},{"text":"السلف (١). وقيل: «هو بلوغ سن الرشد والقوة» (٢). وصفة الرشد وردت في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣).\nفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الرشد لا يكون قبل الاحتلام.\nوفي السنة المطهرة ورد ذكر هذه المرحلة بلفظ الشباب والفتيان وغيرهما، ومن ذلك حديث ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ» (٤).\nوقال جندب بن عبد الله - ﵁ -: «كُنَّا مَعَ النبي - ﷺ -، ونَحْنُ فِتْيان حزاوِرة (٥)، فتَعَلَّمنا الإِيمانَ قَبْلَ أنْ نَتَعلَّمَ القرآنَ، فازْدَدْنا به إِيمانًا» (٦).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/ ١٩٠).\n(٢) تفسير القرآن الحكيم لمحمد رشيد رضا (٨/ ١٩٠)، الطبعة الثانية، بيروت، دار المعرفة.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٦.\n(٤) أخرجه البخاري (رقم ٥٠٦٥)، ومسلم، برقم ١٤٠٠، واللفظ له، سبق تخريجه.\n(٥) حزاورة: جمع حزور، وهو الغلام إذا اشتد وقوي. انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٦٢٩)، الطبعة الرابعة، بيروت، دار العلم للملايين، ١٩٩٠م مادة (حزور)\n(٦) أخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب في الإيمان برقم ٦١، والبيهقي في سننه الكبرى (٣/ ١٢٠ رقم ٥٠٧٥)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٦٥ رقم ١٦٧٨)، وقال الكناني في مصباح الزجاجة (١/ ١٢ رقم ٢٢): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ٣٧ – ٣٨ رقم ٥٢).","vol":"1","page":201},{"text":"وأما من حيث المعنى اللغوي فإن الشباب بمعنى: الفتاء والحداثة. يقال: شَبَّ الغُلاَمُ يَشِبّ شَبَابًا وشُبُوبًا، وشَبِيبًا، وأشبَّه الله، وأشبَّ الله قرنه، بمعنىً، والاسم الشبيبة، هو خلاف الشيب. والشباب جمع شَابٍّ وكذلك شُبَّانُ وشَبَبَةٌ. وشباب الشيء أوله، يقال: لقيت فلانًا في شباب النهار، أي في أوله (١).\nوكلمة (شاب) تعني في أصلها اللغوي النماء والقوة. يقول ابن فارس: «الشين والباء أصل واحد يدل على نماء الشيء وقوته، في حرارة تعتريه» (٢).\nولتحديد مرحلة الشباب فهي من حيث البداية تتبين مما يأتي:\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (٣).\nوعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رُفِعَ القَلَمُ عَن ثلاثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حتَّى يَسْتَيْقِظ، وعَنِ الصَّبيِّ حتَّى يَشبّ، وعَنِ المَعْتوهِ حتَّى يَعْقِل» (٤).\n_________\n(١) انظر: ابن منظور، لسان العرب (١/ ٤٨٠) مادة (شبب).\n(٢) انظر: معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام هارون، الطبعة الأولى، القاهرة، دار إحياء الكتاب العربية، ١٣٦٨هـ، (٣/ ١٧٧).\n(٣) سورة النور، الآية: ٥٩.\n(٤) أخرجه الترمذي، السنن، كتاب الحدود، باب فيمن لا يجب عليه الحد (٤/ ٣٢)، وقال: حسن غريب من هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم. وقال الألباني في كتابه صحيح سنن الترمذي (٢/ ١١٧ رقم ١٤٢٣): صحيح.","vol":"1","page":202},{"text":"وبالنظر إلى هذه النصوص نجد أن الله ﷾ سمَّى الإنسان قبل الاحتلام طفلًا.\nوفي حديث ابن مسعود - ﵁ - نجد أن الرسول - ﷺ - خاطب جماعة باسم الشباب، حاثًّا لهم على الزواج، ولا يكون الزواج إلا بعد الاحتلام.\nوفي حديث علي - ﵁ - نجد أن النبي - ﷺ - جعل بداية الشباب بلوغ الإنسان، وعلى هذا الأساس، فإن مرحلة الشباب تبدأ بالبلوغ.\nومن حيث نهاية المرحلة فقد ورد فيها خلاف بين أهل اللغة، ومن ذلك:\nما قاله الزبيدي عن محمد بن حبيب أن الشباب من سن السابعة عشرة إلى أن يستكمل إحدى وخمسين.\nوقيل: «الشاب هو البالغ إلى أن يكمل ثلاثين».\nوقيل: «ابن ست عشرة إلى اثنتين وثلاثين» (١).\nواعتبر أبو منصور الثعالبي في تقسيمه لأسنان الناس الشباب إلى سن الأربعين (٢).\nوعند بطرس البستاني، الشاب لغة: من يكون سنه بين الثلاثين\n_________\n(١) انظر: تاج العروس، الطبعة الأولى، بيروت، منشورات دار الحياة، ١٣٠٦هـ (١/ ٣٠٧).\n(٢) انظر: فقه اللغة، مصر، المطبعة الرحمانية، ١٣٤٦هـ، (ص ١٤٢، ١٤٣).","vol":"1","page":203},{"text":"إلى الأربعين (١).\nوأما التحديد المختار لمرحلة الشباب فهو: من البلوغ (٢) حتى بلوغ سن الأربعين.\nوسبب هذا الاختيار أن الأصل اللغوي لكلمة الشباب يدل على أمرين: النماء والقوة. ونجد في القرآن الكريم أن سن الأربعين داخلة في هذا المعنى وأنها نهاية للنماء. كما في قوله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ (٣).\nيقول ابن كثير ﵀: ﴿إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ .. أي قوي وشب وارتجل ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي تناهى عقله وكمل فهمه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>ثانيًا: أهمية مرحلة الشباب:</span>\nوأما أهمية هذه المرحلة فتعود إلى عدة سمات منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>١ - الشباب: بداية التكليف:</span>\nعن علي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَن ثلاثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حتَّى يَسْتَيْقِظ، وعَنِ الصَّبيِّ حتَّى يَشبّ، وعَنِ المَعْتوهِ حتَّى\n_________\n(١) انظر: محيط المحيط (بدون ناشر) (١/ ١٠٤٤).\n(٢) والبلوغ يكون إما بالعلامات الطبيعية كالاحتلام وإنبات الشعر الخشن حول القبل. وإما بالسن وهو بلوغ خمس عشرة سنة عند الحنابلة. وعند أبي حنيفة حتى يتم للذكر ثماني عشرة سنة. انظر: القاموس الفقهي، لسعدي أبو جيب، الطبعة الأولى، دمشق، دار الفكر، ١٤٠٢هـ (ص ٤٢).\n(٣) سورة الأحقاف، الآية: ١٥.\n(٤) تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٥٨).","vol":"1","page":204},{"text":"يَعْقِل» (١).\nومرحلة الشباب هي المرحلة التي يحصل فيها العلم والقدرة على التكليف الشرعي. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢): «الأمر والنهي، الذي يسميه العلماء التكليف الشرعي، مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، وكما لا تجب الطهارة بالماء والصلاة قائمًا، والصوم، وغير ذلك على من يعجز عنه».\nويقول (٣) أيضًا: «تكليف العاجز الذي لا قدرة له على الفعل بحال، غير واقع في الشريعة، بل قد تسقط الشريعة التكليف عمن تكمل فيه أداة العلم والقدرة، تخفيفًا عنه، وضبطًا لمناط التكليف، وإن كان تكليفه ممكنًا، كما رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وإن كان له فهم وتمييز، لكن ذلك لأنه لم يتم فهمه، ولأن العقل يظهر في الناس شيئًا فشيئًا وهم يختلفون فيه، فلما كانت الحكمة خفية ومنتشرة قيدت بالبلوغ».\nولما كانت مرحلة الشباب هي بداية سلوك طريق العبادة\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (رقم ١٤٢٣)، وسبق تخريجه. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ١١٧ رقم ١٤٢٣).\n(٢) مجموع الفتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد، الطبعة الأولى، بيروت، دار العربية (١٠/ ٣٤٤).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٤٤، ٣٤٥).","vol":"1","page":205},{"text":"الاختيارية التي تنبع من الإنسان نفسه، ويجري عليه القلم فيها بالحسنات والسيئات، فلا بد لهذا الشاب من رعاية خاصة تعينه على بداية سلوك الطريق، وتوضح له معالمه، وتذلل له مصاعبه، وتبين له زاده. حتى يسير الشاب إلى ربه آمنًا مطمئنًا على هُدًى وبصيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>٢ – الشباب: فترة القوة:</span>\nيمر الإنسان في حياته بمراحل تتفاوت قوةً وضعفًا، فهو يخرج إلى الدنيا صغيرًا ضعيفًا لا يعلم شيئًا، ثم يكبر شيئًا فشيئًا، ويقوى جسمه، وتنمو حواسه، ويزداد عقلًا وعلمًا، حتى يبلغ أشده.\nقال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (١).\nيقول ابن كثير ﵀ (٢): «ذكر الله تعالى منته على عباده في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، بعد هذا يرزقهم السمع الذي يدركون به الأصوات، والأبصار التي يحسون بها المرئيات، والأفئدة وهي العقول – التي مركزها القلب على الصحيح وقيل الدماغ – والعقل به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها، وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلًا قليلًا، كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده».\n_________\n(١) سور النحل، الآية: ٧٨.\n(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٥٨٠).","vol":"1","page":206},{"text":"ولكن هذه المرحلة من القوة لا تدوم مع الإنسان، بل إذا طال به العمر عاد مرة أخرى إلى الضعف، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُون﴾ (١).\nوقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِير﴾ (٢).\nقال ابن كثير ﵀ (٣): يخرج من بطن أمه ضعيفًا نحيفًا واهن القوى، ثم يشب قليلًا قليلًا، حتى يكون صغيرًا، ثم حدثًا، ثم مراهقًا، ثم شابًا وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص، فيكتهل، ثم يشيخ، ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللمة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة.\nوقال ابن جرير الطبري ﵀ (٤): أحدث لكم الضعف بالهرم والكبر عما كنتم عليه أقوياء في شبابكم، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاء﴾ يخلق ما يشاء: من ضعفٍ، وقوَّةٍ، وشبابٍ، وشيب.\nوقال ابن الجوزي (٥) ﵀ في قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ ضَعْفٍ\n_________\n(١) سورة يس، الآية: ٦٨.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٥٤.\n(٣) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٤٠).\n(٤) انظر: جامع البيان في تفسير القرآن، القاهرة، دار الحديث ١٤٠٧هـ، (٢١/ ٣٦، ٣٧).\n(٥) زاد المسير، الطبعة الأولى، بيروت، المكتب الإسلامي (٦/ ٣١٠).","vol":"1","page":207},{"text":"قُوَّةً﴾: يعني جعل بعد ضعف الطفولة قوة الشباب، ثم جعل من بعد قوة الشباب ضعف الكبر وشيبه.\nوكما ورد في السنة ما يدل على أن الشباب مرحلة القوة، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جمعت القرآن كله في ليلة. فقال رسول الله - ﷺ -: «إنِّي أخْشَى أنْ يَطُولَ عَلَيْكَ الزَّمان، وأنْ تَمِلَّ فاقرأْهُ في شَهرٍ». فقلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي. قال: «فاقْرأهُ في عَشْرةٍ» قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي. قال: «فاقْرأهُ في سَبْعٍ». قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابي. فأبى (١).\nوالقوة في هذه المرحلة في كل شيء: قوة في البدن، وقوة في الحواس، وقوة على العمل والتكسب، وقوة على طلب العلم. قال الإمام الشافعي (٢) ﵀:\n\nولا ينال العلم إلا فتى ... خال من الأفكار والشغل\nلو أن لقمان الحكيم الذي ... سارت به الركبان بالفضل\nبُلِيَ بفقرٍ وعيالٍ لما ... فرَّق بين التبن والبقل\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في السنن، كتاب إقامة الصلاة، باب في كم يستحب أن يقرأ القرآن (١/ ٤٢٨) حديث ١٣٤٦، وابن حبان (٣/ ٣٣ رقم ٧٥٦)، والنسائي في سننه الكبرى (٥/ ٢٤ رقم ٨٠٦٤)، وأحمد (٢/ ١٦٣)، وقال الألباني في كتابه (صحيح سنن ابن ماجه) (١/ ٤٠٠ رقم ١١١٤): صحيح.\n(٢) هذه الأبيات من بحر السريع، ديوان الشافعي، جمع وتعليق محمد عفيف الزعبي، الطبعة الثالثة، بيروت، دار الجيل (ص٢١).","vol":"1","page":208},{"text":"وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵀: قلت لأبي: يا أبت، ما الحفاظ؟ قال: يا بني شباب كانوا عندنا من أهل خراسان وقد تفرقوا (١).\nوكما أن مرحلة الشباب قوة في التعلُّم، فهي قوة في التعليم أيضًا. فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قلنا لزيد بن أرقم: حدثنا عن رسول الله - ﷺ - قال: كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله - ﷺ - شديد (٢).\nولما كانت مرحلة الشباب أيضًا مرحلة قوة في الشهوة الجنسية، لزم الاهتمام بها، وتحصين الشباب من الوقوع في المعصية، من أجل ذلك حرص الرسول - ﷺ - على تحصين شباب الصحابة ﵃، كما في حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: كنا مع النبي - ﷺ - شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا رسول الله - ﷺ -: «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبَصَرِ، وأحْصَنُ للفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنَّه لهُ وِجَاءٌ» (٣).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/ ٣٢٦)، وابن عساكر في تاريخه (١٣/ ١١٢)، والدارمي في السنن، المقدمة، نشر دار إحياء السنة النبوية.\n(٢) أخرجه ابن ماجه في السنن، المقدمة، باب التوقي في الحديث عن رسول الله - ﷺ - (١/ ١١) حديث (٢٥)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٦٩ رقم ٤٩٧٨)، وابن الجعد في مسنده (رقم ٦٨)، وأحمد (٤/ ٣٧٠)، والطيالسي (رقم ٦٧٦)، وقال الكناني في مصباح الزجاجة (١/ ٨): هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١/ ٢٦ رقم ٢٣).\n(٣) أخرجه البخاري (رقم ٥٠٦٥)، ومسلم برقم ١٤٠٠، وسبق تخريجه.","vol":"1","page":209},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن المباشرة للصائم، فرخَّص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب (١).\nومن هنا يتأكد الاهتمام بالشباب من أولياء أمورهم ومن المربين والدعاة، والسعي إلى تحصينهم، وأن يبعدوهم، ويبعدوا عنهم كل ما شأنه إثارة شهواتهم ووقوعهم فيما حرم الله عليهم.\n٣ – الشباب: أفضل فترات العمر:\nتعود الأفضلية لهذه المرحلة لما يجتمع للإنسان فيها من القوة والنشاط، دون غيرها، ولما يتوافر له فيها من كمال الحواس، والقدرة على التعلم والكسب، ولكن هذه الأفضلية ليست مطلقة لكل الناس، بل وربما كانت بعض الفترات عند بعض الناس أفضل من فترة الشباب، وذلك عندما يتحقق له في تلك المرحلة قوة الإيمان ودوام الصلة بالله - ﷾ -، ففي هذه الحال تكون الأفضلية الحقيقية. وتكتمل الأفضلية عندما تجتمع مرحلة الشباب مع قوة الإيمان فيها.\nومما يدل على فضل هذه المرحلة أنها هي الحال التي يكون\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الصوم، باب كراهيته للشاب (٢/ ٧٨١)، حديث (٢٣٨٧)، وابن ماجه بنحوه، كتاب الصيام، باب ما جاء في المباشرة للصائم (١/ ٥٣٩) حديث رقم (١٦٨٨)، وأخرجه مالك في الموطأ موقوفًا على ابن عباس، كتاب الصيام، ما جاء في التشديد في القبلة للصائم، وقال الألباني في كتابه صحيح سنن أبي داود: (٢/ ٦٥ رقم ٢٣٨٧): حسن صحيح.","vol":"1","page":210},{"text":"عليها أهل الجنة، لما ورد عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «ينادِي مُنَادٍ، إنَّ لَكُم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لكُم أنْ تَحْيوا فلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لكُم أن تَشبُّوا فلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكُمْ أنْ تَنْعَمُوا فلا تبأسُوا أبَدًا» (١).\nوراحة الحياة وبهجتها في الدنيا غالبًا ما تكون في مرحلة الشباب، فهي مرحلة يتطلع الصغير أن يصل إليها، ويتمنى الكبير أن يرجع إليها، هي مرحلة بكى عليها الشيوخ وتغنَّى بها الشعراء، كما يقول أبو العتاهية:\n\nبكيتُ على الشبابِ بدمعِ عيني ... فلم يُغن البكاء ولا النحيب\nفيا أسفًا أسفت على الشباب ... نعاه الشيبُ والرأس الخضيبُ\nعريت من الشباب وكنت غضًّا ... كما يعرى من الورق القضيب\nفيا ليت الشبابَ يعود يومًا ... فأخبره بما فعل المشيب (٢)\n\nويقول فتيان الشاغوري نادمًا على شبابه ومتلهفًا على لهو الشباب وعصره (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب صفة الجنة ونعيم أهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة (٤/ ٢١٨٢).\n(٢) هذه الأبيات من بحر الوافر، ديوان أبي العتاهية، (ص ٤٦).\n(٣) انظر: ديوان فتيان بن علي الشاغوري، تحقيق أحمد الجودي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق (ص ١٥٠).","vol":"1","page":211},{"text":"هريق شبابي واستشن لشقوتي ... أديمي فلم أملك شبابًا ولا وفرا (١)\nتبين لي خيط من الفجر ناصع ... إلى جنب خيط حالك وخط الشعرا (٢)\n\nواللهو الباطل مذموم في هذه المرحلة وفي غيرها من المراحل، ولكن المقصود هو استمتاع الشباب بطيبات الحياة. فهذا جابر بن عبد الله - ﵁ - لما تزوج سأله رسول الله - ﷺ - قائلًا: «هل تزوَّجتَ بِكْرًا أمْ ثَيِّبًا؟». قال جابر: تزوجت ثيبًا. قال: «فهلا تَزوَّجْتَ بِكرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُك» (٣).\nوعن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عَلَيْكُم بالأبْكارِ، فإنَّهُنَّ أعْذَبُ أفْواهًا، وأنْتَقُ أرْحامًا، وأرضَى باليسير» (٤).\n_________\n(١) هذا البيت من بحر الطويل. هراق الماء: صبه. وأصله أراق، وهراق شبابه عبارة عن ضياعه. استشن الرجل: هزل، استشن أديمه تشنج ويبس جلده عند الهرم.\n(٢) هذا البيت من بحر الطويل، أراد بخيط الفجر الناصع بياض الشعر وبالخيط الحالك سواده ووخط الشعر: دخل فيه، ووخطه الشيب فشا فيه، ديوان الشاغوري (ص ١٥٠).\n(٣) أخرجه البخاري مطولًا، الجامع الصحيح، كتاب الجهاد، باب استئذان الرجل الإمام (٢/ ٣٥٠) حديث رقم (٢٩٦٧).\n(٤) أخرجه ابن ماجه في السنن، كتاب النكاح، باب تزويج الأبكار (١/ ٥٩٨)، حديث رقم (١٨٦١)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٥٩) عن ابن مسعود - ﵁ -. وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه بلال الأشعري ضعفه الدارقطني، وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة بعدة طرق. وقال فيه: من الممكن أن يقال: بأن الحديث حسن بمجموع هذه الطرق. فإن بعضها ليس شديد الضعف. والله أعلم. ثم جزمت بذلك لما رأيت الحديث في كتاب السنن لسعيد بن منصور. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ١٩٢ – ١٩٦). وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٢/ ١٢٣ رقم ١٥٢٠).","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>٤ – الشباب: أطول مراحل العمر:</span>\nإذا كان عمر الإنسان في هذه الأمة بين الستين والسبعين إذا أطال الله عمره، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أعْمارُ أمَّتِي ما بَيْنَ السِّتِّين إلى السَّبعين، وأقلَّهم مَنْ يَجُوزُ ذلكَ» (١). فإن الوسط الحسابي لهذين العددين (٦٠، ٧٠) هو ٦٥ سنة. وإذا كان زمن سن الغلومية هو من الولادة حتى سن الشباب (٢).\nوسن الشباب من الرابعة عشرة – غالبًا – إلى الأربعين حسب التعريف السابق.\nثم زمن الكهولة من انتهاء فترة الشباب (٣) إلى تمام الخمسين (٤).\nثم الشيخوخة من بعد الخمسين إلى آخر العمر، فمرحلة\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي - ﷺ - (٥/ ٥٥٣) رقم (٣٥٥٠)، وقال: حسن غريب، وأخرجه ابن ماجه في السنن، كتاب الزهد، باب الأمل والأجل (٢/ ١٤١٥) رقم (٤٢٣٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٧)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن، انظر: صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٧٨)، وصحيح سنن ابن ماجه (٢/ ٤١٥)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٣٩٧) وجميعها للألباني. وقال في السلسلة الصحيحة (٢/ ٣٨٥ رقم ٧٥٧): حسن لذاته صحيح لغيره».\n(٢) قال الزبيدي في تاج العروس (٩/ ٥): والغلام بالضم من حين أن يولد إلى أن يشب.\n(٣) قال الأزهري: وقيل كهل حينئذ لانتهاء شبابه، لسان العرب (١١/ ٦٠٠) مادة (كهل).\n(٤) انظر: المرجع السابق، وليس من قول الأزهري.","vol":"1","page":213},{"text":"الشباب هي أطول هذه المراحل، ويمكن توضيح هذه النسب بالجدول والرسم البياني الآتي:\nجدول يبين النسب المئوية لمراحل العمر (١)\n\nالمرحلة ... السنوات ... السنوات ... النسبة المئوية\nالغلومية ... من الولادة ... إلى ١٣ ... ٢٠\nالشباب ... من ١٤ ... إلى ٤٠ ... ٤١.٥\nالكهولة ... من ٤١ ... إلى ٥٠ ... ١٥.٤\nالشيخوخة ... من ٥١ ... إلى الوفاة ... ٢٣.١\nالمجموع ... ١٠٠\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>ثالثًا: تعامل النبي - ﷺ - مع الشباب:</span>\nضرب النبي - ﷺ - أروع الأمثلة في تعامله مع الناس عامة، ومع الشباب خاصة، قبل البعثة وبعدها مما حبب الناس إليه، وألَّفهم عليه.\nوقد وصف شباب الصحابة - ﵃ - خلق رسول الله - ﷺ - وكان مما قالوا فيه: كان ﵊ أحسن الناس خُلُقًا، لم يكن فاحشًا، ولا متفحِّشًا، ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح (٢). ولا يكاد يواجه أحدًا في وجهه بشيء\n_________\n(١) المنهاج النبوي في دعوة الشباب لسليمان بن قاسم العيد (ص ٢٤ – ٣٨) ببعض التصرف، دار العاصمة، الطبعة الأولى، المملكة العربية السعودية، الرياض، ١٤١٥هـ.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦/ ١٧٤)، (٢/ ٣٢٨)، من حديث عائشة وأبي هريرة ﵄. وعند الدارمي في المقدمة بنحوه من حديث عبد الله بن سلام (١/ ٥). وعند البخاري قوله: «لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا» الجامع الصحيح، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن مسعود - ﵁ -، (٣/ ٣٤) حديث (٣٧٥٩). وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣٨٤ رقم ٢٠١٦).","vol":"1","page":214},{"text":"يكرهه (١). وما ضرب شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله (٢)، وإذا استسلف سلفًا قضى خيرًا منه (٣)، وما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال لا (٤). وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>رابعًا: مواقف النبي - ﷺ - مع الشباب في التربية:</span>\nمن مواقفه - ﷺ - مع الشباب التي تدل على حسن خلقه معهم المواقف الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>١ - الرفق بهم والشفقة عليهم</span>\nعن أبي سليمان مالك بن الحويرث - ﵁ - قال: أتينا النبي - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند مطولًا (٣/ ١٣٣) من حديث أنس بن مالك - ﵁ -. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (رقم ٤١٨٢، ٤٧٨٩)، وفي ضعيف الجامع (رقم ٤٥١٢).\n(٢) أخرجه مسلم مطولًا، كتاب الفضائل، باب مباعدته - ﷺ - للآثام (٤/ ١٨١٤).\n(٣) لما في صحيح البخاري، كتاب الاستقراض (٢/ ١٧٣)، من حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: «كان لي على النبي - ﷺ - دين فقضاني وزادني». وانظر: ابن القيم، زاد المعاد (١/ ١٦٥).\n(٤) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، (٤/ ١٨٠٥).\n(٥) المرجع السابق، باب مباعدته - ﷺ - للآثام، من حديث عائشة ﵂ (ص ١٨١٣).","vol":"1","page":215},{"text":"ونحن شببه متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، وكان رقيقًا (١) رحيمًا، فقال: «ارْجِعُوا إلى أهْلِيكُمْ فعَلِّمُوهم ومُرُوهُم، وصَلُّوا كَمَا رأيْتُمونِي أصَلِّي، وإذَا حَضَرتِ الصَّلاة فليؤذِّنْ لَكُمْ أحَدَكُم، ثمَّ ليؤُمَّكُمْ أكبَرُكُم» (٢).\nوانظر إلى شفقته - ﷺ - لما طلع عليه مصعب بن عمير - ﵁ - - وما كان بمكة أحسن منه ولا أنعم نعمة منه - وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله - ﷺ - بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم (٣).\nوهذا أنس بن مالك - ﵁ - يروي حاله مع رسول الله - ﷺ - فيقول: خدمت رسول الله - ﷺ - عشر سنين، فما قال لي أفٍّ (٤) قط، وما قال لشيء صنعته، لِمَ صنعته؟! ولا لشيء تركته: لمَ تركته؟! وكان رسول الله - ﷺ - من أحسن الناس خُلقًا، ولا مسست خزًّا قط (٥) ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله - ﷺ -، ولا شممت مسكًا قط، ولا\n_________\n(١) رقيقًا: من الرقة. وفي بعض الروايات رفيقًا من الرفق. ابن حجر، فتح الباري (١٠/ ٤٣٨).\n(٢) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم (٤/ ٩٣) حديث (٦٠٠٨).\n(٣) انظر: ابن الأثير، أسد الغابة (٤/ ٣٧٠).\n(٤) كلمة تقال من كرب أو ضجر. الفيروزآبادي، القاموس المحيط (٣/ ١١٧)، مادة (أف).\n(٥) الخز: ثياب تعمل من صوف وإبريسم. والإبريسم هو الحرير. ابن منظور، لسان العرب (٥/ ٣٤٥) مادة (خزز).","vol":"1","page":216},{"text":"عطرًا كان أطيب من عرق النبي - ﷺ - (١).\nفي هذا الحديث دليل على أن للاهتمام بحسن المظهر وطيب الرائحة أثره على المدعوين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>٢ - الابتسام لهم والترحيب بهم</span>\nعن جرير بن عبد الله قال: «ما حجبني رسول الله - ﷺ - منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي» (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «سَيَأتِيكُم أقْوَامٌ يَطْلُبُونَ العِلْمَ، فإذَا رَأيْتُمُوهُم فقُولُوا لَهُمْ: مَرْحبًا مَرْحبًا بِوَصِيَّةِ رسول الله - ﷺ - واقْنُوهم» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>٣ - الشراء منهم وإكرامهم بزيادتهم في الربح</span>\nعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت مع النبي - ﷺ - في غزاة فأبطأ بي جملي وأعيا (٤)، فأتى عليَّ النبي - ﷺ - فقال: «جابر؟» فقلت: نعم، قال: «ما شَأنُك؟» قلت: أبطأ عليَّ جملي وأعيا، فتخلفت، فنزل\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في خلق النبي - ﷺ - (٤/ ٣٦٨) وقال: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣٨٣ رقم ٢٠١٥). وهو عند البخاري بلفظ: «خدمت رسول الله - ﷺ - عشر سنين، فما قال لي أف، ولا لم صنعت؟ ولا ألا صنعت؟» الجامع الصحيح، كتاب الأدب، باب حسن الخلق (٤/ ٩٨) حديث (٦٠٣٨).\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل جرير بن عبد الله - ﵁ - (٤/ ١٩٢٥).\n(٣) أخرجه ابن ماجه، المقدمة، باب الوصاة بطلبة العلم (١/ ٩٠، ٩١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١/ ٩٨ رقم ٢٠٣)، وفي صحيح الجامع (رقم ٣٦٥١).\n(٤) أعيا: الإعياء الكلال، ابن منظور، لسان العرب (١٥/ ١١٤) مادة (عيا).","vol":"1","page":217},{"text":"يحجنه بمحجَنِه (١) ثم قال: «اركَب» فركبته، فلقد رأيته أكفه عن رسول الله - ﷺ - ... إلى أن قال: «أتَبِيعُ جَملَك؟» قلت: نعم، فاشتراه مني بأوقية، ثم قدم رسول الله - ﷺ - قبلي وقدمت بالغداة، فجئنا إلى المسجد فوجدته على باب المسجد قال: «الآن قَدِمْتَ؟» قلت: نعم، قال: «فدَع جملَك، فادخل، فصلِّ ركعتين»، فدخلت فصليت، فأمر بلالًا أن يزن له أوقية، فوزن لي بلال فأرجح في الميزان، فانطلقت حتى وليت، فقال: «ادعو لي جابرًا» قلت: الآن يرد عليَّ الجمل، ولم يكن شيء أبغض إليَّ منه، فقال: «خُذْ جَمَلَكَ، ولَكَ ثَمَنُه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>٤ - تقديرهم واحترام حقوقهم</span>\nعن سهل بن سعد - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - أُتي بشراب فشرب منه - وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ - فقال للغلام: «أتَأذَن لِي أنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ؟» فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أؤثر بنصيبي منك أحدًا، قال: فتله (٣) رسول الله - ﷺ - في يده (٤).\n_________\n(١) المحجن: العصا المعوجة. المرجع السابق (١٣/ ١٠٨) مادة (حجن).\n(٢) أخرجه البخاري مطولًا، الجامع الصحيح كتاب البيوع، باب شراء الدواب والحمير (٢/ ٨٨) حديث (٩٧).\n(٣) فتله: وضعه.\n(٤) متفق عليه. أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأشربة، باب هل يستأذن الرجل من عن يمينه (٤/ ١٩)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ (٣/ ١٦٠٣). واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>٥ – دعاؤهم بأحب الأسماء إليهم وإدخال السرور عليهم</span>\nكان رسول الله - ﷺ - يدعو عليًّا بأبي تراب. فعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي به (١). كما أنه ﵊ يغير الأسماء القبيحة إلى أحسن منها، كما غير اسم سهل بن سعد من حزن إلى سهل، وعاصية إلى جميلة، وبرة إلى جويرية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>٦ – تهوين ما يحزنهم</span>\nلما توفي والد جابر بن عبد الله ﵄ وحزن عليه جابر وازداد همه لما ترك والده من عيال ودين، لقيه الرسول - ﷺ - على هذه الحال فقال: «يا جابرُ، مَا لي أراكَ منْكَسِرًا؟» قالَ جابر: قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالًا ودينًا، قال: «أفَلا أبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ الله بهِ أبَاكَ؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «ما كَلَّمَ الله أحدًا قَطّ إلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجاب، وكَلَّمَ أبَاكَ كِفَاحًا، فقالَ: يا عَبْدِي، تَمَنَّ عليَّ أُعْطِكَ، قال: يا ربِّ تُحْيينِي فأُقْتَل فيكَ ثانيةً، فقالَ الربُّ سبحانه: إنَّه سَبَقَ مِنِّي أنَّهُم إليْهَا لا يَرْجِعُونَ. قالَ: يا ربِّ، فأبْلِغْ مَنْ وَرائِي، قال: فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ - (٤/ ١٨٧٤).\n(٢) قال ابن حجر في الإصابة (٢/ ٨٨): أن سهل بن سعد كان اسمه حزنًا فغيَّر رسول الله - ﷺ - اسمه إلى سهل. وفي صحيح مسلم (٣/ ١٦٨٦) غير اسم عاصية إلى جميلة، وبرة إلى جويرية.","vol":"1","page":219},{"text":"أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ (١).\nوعن المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: ما سأل رسول الله - ﷺ - أحد عن الدجال أكثر مما سألته عنه، فقال لي: «أيْ بُنيَّ، وما يُنْصِبُك (٢) مِنْهُ إنَّه لَنْ يَضُرُّكَ» قال: قلت: إنهم يزعمون أنه معه أنهار الماء وجبال الخبز، قال: «هوَ أهْوَنُ على الله مِنْ ذَلكَ» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب فانْخَنَس منه (٤) فذهب فاغتسل ثم جاء، فقال: «أيْنَ كُنْتَ يا أبَا هُريرة؟» قال: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: «سُبْحانَ الله، إنَّ المسلمَ لا يَنْجَس» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>٧ - إردافهم معه على الدابة</span>\nعن ابن عباس ﵄ أن أسامة - ﵁ - كان رِدف النبي - ﷺ - من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قال: لم يزل النبي - ﷺ - يلبي حتى رمى بجمرة العقبة (٦)، وكما كان عليه\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ٦٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١/ ٨١ - ٨٢ رقم ١٥٨).\n(٢) ينصبك: من النصب وهو التعب والمشقة. أي ما يشق عليك وما يتعبك.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الأدب، باب جواز قوله لغير ابنه: يا بني، واستحباب الملاطفة (٣/ ١٦٩٣).\n(٤) فانخنست منه: أي مضيت عنه مستخفيًا، ولذلك سمي الشيطان بالخناس.\n(٥) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الغسل، باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس (١/ ١٠٩) حديث (٢٨٣).\n(٦) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الحج، باب الركوب والارتداف في الحج (١/ ٤٧٦) حديث (١٥٤٤).","vol":"1","page":220},{"text":"الصلاة والسلام يردف معاذ بن جبل - ﵁ - كما علمنا من حديثه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>٨ – قضاء حاجاتهم</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله - ﷺ - ما أكره، فأتيت رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله - ﷺ -: «اللهمَّ اهْدِ أمَّ أبي هُريرة». فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله - ﷺ -، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مُجَافٌ (١)، فسمعت أمي خَشْفَ قدمي (٢)، فقالت: مكانك! يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة (٣) الماء، قال: فاغتسلتْ، ولَبِست دِرْعَها، وعجلت عن خِمَارِها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله - ﷺ - فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر، قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، «فحمد الله، وأثنى عليه، وقال خيرًا». قال: قلت يا رسول الله، ادع الله أن يُحبِّبني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «اللهمَّ حَبِّبْ عُبَيْدكَ هذا – يعني أبا هريرة\n_________\n(١) مجاف: أي مردود، لسان العرب (٩/ ٣٥) مادة (جوف).\n(٢) خشف: صوتها في الأرض، المرجع السابق (ص ٧١) مادة (خشف).\n(٣) خضخضة: تحريك الماء ونحوه. المرجع السابق (٧/ ١١٤) مادة (خضخض).","vol":"1","page":221},{"text":"– وأُمَّه إلى عبادِك المؤمنينَ، وحَبِّبْ إليْهِم المؤمنينَ» فما خُلِقَ مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبَّني (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>٩ – عيادة مرضاهم</span>\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «كان غلام يهودي يخدم رسول الله - ﷺ - فمرض، فأتاه النبي - ﷺ - يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: «أَسْلِم» فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم - ﷺ - فأسلم، فخرج النبي - ﷺ - وهو يقول: «الحمدُ للهِ الذي أنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>خامسًا: ترغيب الشباب في حسن الخلق</span>\nكان النبي - ﷺ - يحرص على هذا الجانب النفسي لدى الشباب، ليرغبهم في حسن الخلق والآداب الحسنة، وله - ﷺ - مع الشباب مواقف كثيرة لا يتسع المقام لحصرها، ولكن منها المواقف الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>١ – حسن الأخلاق أحب الناس إلى رسول الله - ﷺ </span>-\nعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إنَّ مِنْ أحَبِّكُم إليَّ، وأقرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَومَ القِيامَةِ أحَاسِنَكُمْ أخْلاقًا، وإنَّ أبْغَضَكُمْ إليَّ، وأبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَومَ القِيامَةِ الثَّرثَارونَ (٣) والمُتَشَدِّقونَ (٤)، والمُتَفِيْهِقون». قال: «المتكبرون» (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي هريرة الدوسي، (٤/ ١٩٣٨).\n(٢) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات (١/ ٤١٦).\n(٣) الثرثار: كثير الكلام، لسان العرب (٤/ ١٠٢) مادة (ثرر).\n(٤) المتشدق: هو المتوسع في الكلام من غير احتياط ولا احتراز، وقيل: المستهزئ بالناس، المرجع السابق (١٠/ ١٧٣) مادة (شدق).\n(٥) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معالي الأخلاق (٤/ ٣٧٠) حديث (٢٠١٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣٨٤ – ٣٨٥ رقم ٢٠١٨).","vol":"1","page":222},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا أخْبِرُكُم بأحَبِّكُمْ إليَّ، وأقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَومَ القِيامَة؟»، فسكت القوم، فأعادها مرتين أو ثلاثًا. قال القوم: نعم يا رسول الله، قال: «أحْسَنُكُم خُلُقًا» (١).\nولا شك أن الحصول على محبة الرسول - ﷺ -، والقرب منه يوم القيامة، من الأهداف التي يسعى إليها المؤمن. كما سأل ربيعة بن كعب الأسلمي - ﵁ - رسول الله - ﷺ - بقوله: أسألك مرافقتك في الجنة (٢).\nوعندما قال الرسول - ﷺ - في غزوة خيبر «لأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتحُ الله عَلى يَدَيْهِ، يحبُّ الله ورسُولَهُ، ويُحبُّهُ الله ورسولَه» (٣)، يقصد علي بن أبي طالب - ﵁ -. استشرف الصحابة ﵃ كلهم يرجو أن يُعطاها، رغبة منهم في أن يكونوا من أهل تلك الصفة.\nولا شك أن واحدة من الخصلتين: أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، كافية لترغيب المؤمن في العمل اللازم لها، وهو\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ١٨٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ١٠ رقم ٢٦٥٠) وفي صحيح الأدب المفرد (رقم ٢٧٢).\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه (١/ ٣٥٣) حديث رقم (٤٨٩).\n(٣) أخرجه البخاري مطولًا، الجامع الصحيح، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، (٣/ ١٣٧) حديث (٤٢١٠).","vol":"1","page":223},{"text":"حسن الخلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>٢ – حُسْنُ الخُلُق يُحرِّم على النار</span>\nعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أُخْبِرُكُم بِمَنْ يَحرُم علَى النَّارِ، وبمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّار؟ عَلَى كلِّ قَرِيبٍ هيِّنٍ سَهْلٍ» (١).\nإن النجاة من النار مطلب للؤمن، فإذا أدرك أن هذا مترتب على التواضع وخفض الجناح، أسرع لتحقيقه، لنيل مطلوبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>٣ – الصدق يهدي إلى البر</span>\nعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عَلَيْكُم بالصِّدْقِ؛ فإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةَ، وما يَزَال الرَّجُلَ يَصْدُقُ ويَتَحرَّى الصِّدْقَ حتَّى يُكْتَبَ عنْدَ الله صِدِّيقًا. وإيَّاكُم والكَذِب؛ فإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورَ، وإنَّ الفُجَورَ يَهْدي إلى النَّارِ. وما يزالُ العبدُ يَكْذَبُ ويتَحرَّى الكذِبَ حتَّى يُكتَبَ عندَ الله كَذَّابًا» (٢).\nإن معرفة الشباب المؤمن أن الصدق طريق موصل إلى الجنة، يرغِّبهم فيه، ويحثهم عليه. كما أن معرفتهم بأن الكذب طريق إلى\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، السنن، كتاب صفة القيامة باب (٤٥، ٤/ ٦٥٤) حديث رقم (٢٤٨٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٦٠١ رقم ٢٤٨٨).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يا أيُّها الذينَ آمَنُوا اتَّقوا الله وكُونُوا مَعَ الصَّادقين﴾ (رقم ٦٠٩٤)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله (رقم ٢٦٠٧) (١٠٥) واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":224},{"text":"النار فهذا يحذرهم منه، ويبعدهم عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>٤ - الحب في الله طريق الجنة</span>\nويرغب الرسول - ﷺ - الشباب وغيرهم بالتحاب بينهم، وإفشاء السلام، مبينًا أن ذلك هو طريق الجنة التي يسعى المؤمن للفوز بها.\nحيث يقول فيما رواه أبو هريرة - ﵁ -: «لا تَدْخُلوا الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنوا حتَّى تَحَابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ عَلَى شيءٍ إذَا فَعَلْتُموهُ تَحَابَبْتُم؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>٥ - ثمرة الورع والقناعة ومحبة الناس</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أبَا هُريرةَ! كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أعْبَدَ النَّاس، وكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أشْكَرَ النَّاس، وأحِبَّ للنَّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤمِنًا، وأحْسِنْ جِوارَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسلمًا، وأقِلَّ الضَّحِكَ فإنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكَ تُمِيتُ القَلْبَ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>٦ - ترغيب الشباب في أبواب الخير</span>\nعن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: كنت مع النبي - ﷺ - في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: «لقَدْ سألتَ عَظِيمًا، وإنَّه ليسيرٌ علَى مَنْ يَسَّرهُ الله عليه: تَعْبُدَ الله لا تُشْرك بِهِ شَيئًا، وتُقيمُ\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون (١/ ٧٤).\n(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الورع والتقوى (٢/ ١٤١٠) حديث (٤٢١٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٣/ ٣٧٤ رقم ٣٤١٧).","vol":"1","page":225},{"text":"الصَّلاةَ، وتُؤتِي الزَّكاةَ، وتَصُومُ رَمضانَ، وتَحِجُّ البَيْتَ» ثم قال: «ألا أدُلُّكَ علَى أبْوابِ الخَير؟ الصَّومُ جُنَّة، والصَّدَقةُ تُطْفئُ الخَطيئة، كَما يُطفئُ النارَ المَاءُ، وصلاةُ الرَّجُل في جَوْفِ الليْل». ثم قرأ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. ثم قال: «ألا أُخْبِرك بِرَأسِ الأمرِ وعُمودِه وذروَةِ سِنَامهِ؟ الجهَادُ». ثم قال: «ألا أخْبركَ بمِلاكِ ذلكَ كُلِّه؟» قلت: بلى. فأخذَ بلسانه فقال: «كفَّ عَلَيْكَ هذَا» قلت: يا نبي الله وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: «ثَكَلَتْكَ أمّك يا معاذ، هل يكبَّ النَّاسَ عَلَى وجوهِهم في النَّارِ إلا حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِم؟!» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>سادسًا: إرشاد النبي - ﷺ - الآباء في التأديب</span>\nتأديب الشباب هو حلقة من سلسلة مراحل التأديب التي تبدأ في الصغر. وفي هذه المرحلة – بداية التأديب – تقع المسؤولية كاملة على الأبوين، كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ إذ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «ألاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: فالإمامُ الأعظمُ الذي عَلَى النَّاسِ راعٍ، وهوَ مَسؤولٌ عنْ رعيَّتهِ: والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتِه، وهوَ مسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، والمَرْأةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أهْلِ بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ، وهيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُم، وعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ علَى مالِ سَيِّدِهِ، وهوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ، ألا فكُلُّكُمْ رَاعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة (٢/ ١٣١٤) حديث رقم (٣٩٧٣) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٣/ ٣٠١ – ٣٠٢ رقم ٣٢٢٤).","vol":"1","page":226},{"text":"رَعِيَّتهِ» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «مَا مِنْ مَولودٍ إلا ويُولَدُ علَى الفِطْرةِ، فأبَوَاهُ يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه، كما تُنتجُ البَهيمةُ بهيمةً جَمْعاء، هل تحسُّون فيها مِنْ جَدعاء» (٢).\nويحذر رسول الله - ﷺ - من أهمل رعيته كما ورد في حديث معقل بن يسار عن النبي - ﷺ - قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَستَرعيهِ الله رَعِيَّةً فلَمْ يُحِطْهَا بِنُصحِهِ [إلا] لمْ يَجِد رائِحَةَ الجَنَّةِ» (٣).\nكما وردت التوجيهات القرآنية من المولى جل وعلا كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٤).\nفإذا كان الأب يخاف على ابنه من نار الدنيا، ويضع الاحتياطات اللازمة لذلك، فخوفه عليه من نار الآخرة يجب أن يكون أشد، وصيانته منها هو تأديبه وتهذيبه وتعليمه القيام بحقوق الإسلام. عن علي - ﵁ - قال في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ\n_________\n(١) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِين﴾ [التغابن: ١٢]، (٤/ ٣٢٨) حديث (١٧٣٨)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل (٣/ ١٤٥٩)، واللفظ للبخاري.\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٨٥)، ومسلم، برقم (٢٦٥٨)، وتقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأحكام، باب من استرعى رعية فلم ينصح (٤/ ٣٣١)، حديث (٧١٥٠).\n(٤) سورة التحريم، الآية: ٦.","vol":"1","page":227},{"text":"نَارًا﴾ أدبوهم وعلموهم (١). وفي هذا المعنى أيضًا يخاطب الله ﷾ نبيه قائلًا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢).\nويوصي الله ﷾ المؤمنين بأولادهم كما في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (٣).\nكما يذكر الله ﷾ في سورة لقمان أنموذجًا من نماذج تأديب الآباء للأبناء، ويتمثل ذلك في وصايا لقمان ﵇ لابنه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>سابعًا: وصايا النبي - ﷺ - للشباب في الآداب</span>\nأوصى النبي - ﷺ - الشباب بوصايا كثيرة، منها الوصايا الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>١ - لا تصاحب إلا مؤمنًا</span>.\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه سمع الرسول - ﷺ - يقول: «لا تُصاحِب إلا مُؤْمنًا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إلا تَقِيٌّ» (٥).\nالشباب في هذه المرحلة وخاصة في بدايتها أحوج ما يكونون\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤/ ٣٩٢).\n(٢) سورة طه، الآية: ١٣٢.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١١.\n(٤) انظر الآيات: ١٣، ١٦، ١٧، ١٨، ١٩ من سورة لقمان.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس (رقم ٤٨٣٢)، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في صحبة المؤمن (رقم ٢٣٩٥)، وقال: هذا حديث حسن. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٥٦٣ - ٥٦٤ رقم ٢٣٩٥).","vol":"1","page":228},{"text":"إلى النصيحة والإرشاد في اختيار الأصحاب والجلساء.\nويضرب الرسول ﵊ للشباب مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كما في حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحامِلِ الْمِسْكِ ونافِخِ الكِيرِ، فحامِل المِسْكِ إمَّا أنْ يُحذيكَ وإمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبةً، ونافِخِ الكِيرِ إمَّا أنْ يُحْرِقُ ثِيابَكَ وإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا خَبيثةً» (١).\nولعظم تأثير الجليس على جليسه يقول ﷾: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المرءُ عَلى دِينِ خَلِيْلِهِ، فَلْيَنظُر أحَدَكُمْ مَنْ يُخَالل» (٣).\nوالشاب خاصة أشد تأثرًا بقرينه، ومن هنا تأتي أهمية اختيار\n_________\n(١) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك (٣/ ٤٦٣) رقم (٥٥٣٤). ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء (٤/ ٢٠٢٦)، واللفظ للبخاري.\n(٢) سورة الفرقان، الآيات: ٢٧ – ٢٩.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس (رقم ٤٨٣٣)، والترمذي، كتاب الزهد (رقم ٢٣٧٨)، وقال: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٥٥٤ رقم ٢٣٧٨).","vol":"1","page":229},{"text":"الصاحب، وإذا كان الفتى في هذه المرحلة لا يتمكن من المعرفة التامة بالصاحب المناسب الذي يسلم من شره، وينتفع بخيره. وهنا يأتي دور الداعية ببيان ذلك للشباب وإعانتهم عليه.\nذكر الغزالي شروط الصاحب فقال: ينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلًا، حسن الخُلق، غير فاسق، ولا مبتدع ولا حريص على الدنيا.\nأما العقل فهو رأس المال وهو الأصل، فلا خير في صحبة الأحمق، فإلى الوحشة والقطيعة ترجع عاقبتها وإن طالت. قال علي - ﵁ -:\n\nفلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه\nفكم من جاهل أردى ... حليمًا حين آخاه\nيقاس المرء بالمرء ... إذا ما المرء ما شاه\nوللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه (١)\n\nوأما حسن الخلق فلا بد منه، إذ رب عاقل يدرك الأشياء على ما هي عليه، ولكن إذا غلبه غضب أو شهوة أو بخل أو جبن أطاع هواه، وخالف ما هو معلوم عنده، لعجزه عن قهر صفاته وتقويم أخلاقه، فلا خير في صحبته.\nوأما الفاسق المصر على الفسق فلا فائدة في صحبته؛ لأن من\n_________\n(١) هذه الأبيات من بحر الهزج، وذكرها أبو حيان التوحيدي في الصداقة والصديق (ص٢٥٩).","vol":"1","page":230},{"text":"يخاف الله لا يصرُّ على كبيرة. ومن لا يخاف الله لا تؤمن غائلته، ولا يوثق بصداقته، بل يتغير بتغيير الأغراض.\nوأما المبتدع ففي صحبته خطر سراية البدعة وتعدي شؤمها إليه، فالمبتدع مستحق للهجر والمقاطعة، فكيف تؤثر صحبته؟\nوحسن الخُلُق قد جمعه علقمة العطاردي في وصيته لابنه، حين حضرته الوفاة.\nقال: يا بني إذا عرضت لك صحبة الرجال حاجة، فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدت بك مؤونة مانك.\nاصحب من إذا مددت يدك بالخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدّها، وإن رأى سيئة سدَّها.\nاصحب من إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك. اصحب من إذا قلت صدق قولك، وإن حاولت أمرًا أمرك، وإن تنازعتما في شيء آثرك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>٢ – أحسن خلقك للناس</span>\nعن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: آخر ما أوصاني به رسول الله - ﷺ - حين وضعت رجلي في الغرز (٢) أن قال: «أحْسِنْ خُلُقكَ للناسِ يا معاذ بن جبل» (٣).\n_________\n(١) إحياء علوم الدين، بيروت، نشر دار الندوة الجديدة (٢/ ١٧٠ – ١٧٢)، وانظر: فيض القدير (٦/ ٤٠٦).\n(٢) الغرز: ركاب الرحل من الجلد، الصحاح (٣/ ٨٨) مادة (غرز).\n(٣) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الجامع، ما جاء في حسن الخلق. (ص ٦٥٠) رقم (١٦٢٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ١٨٩ – ١٩٠ رقم ١٦٠٣).","vol":"1","page":231},{"text":"وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن معاذ بن جبل - ﵁ - أراد سفرًا فقال: يا رسول الله، أوصني، قال: «اعبُدِ الله ولا تُشْركْ بهِ شَيئًا» قال: يا رسول الله، زدني، قال: «إذَا سأْلْتَ فأحْسِن» قال: يا رسول الله زدني. قال: «استَقِمْ، ولتُحسِنَ خُلُقِك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>٣ – املك عليك لسانك</span>\nعن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: «امْلُك عَليكَ لِسانَك، وليسعَكَ بيتُكَ، وابكِ علَى خَطِيئتكَ» (٢).\nكما أوصى الرسول - ﷺ - الشاب معاذ بن جبل - ﵁ - بجملة من الأعمال ثم قال: «ألا أخُبِركَ بمَلاكِ ذلِكَ كُلّه؟» قال معاذ: بلى. فأخذ بلسانه وقال: «تكفّ عَليْكَ هَذا» قال معاذ: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: «ثَكَلَتْكَ أمُّك يا مُعاذ، هلْ يَكبُّ النَّاس على وجوهِهِم في النَّارِ إلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهم؟!» (٣).\nوهذه إشارة من الرسول - ﷺ - للشباب، إلى أن السلامة في كف\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم ١٢٢٨).\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان (رقم ٢٤٠٦)، وقال: حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٥٦٧ رقم ٢٤٠٦).\n(٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة حديث رقم (٣٩٧٣) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٣/ ٣٠١ – ٣٠٢ رقم ٣٢٢٤) وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":232},{"text":"اللسان؛ لأن الكلام ترجمان، يعبر عن مستودعات الضمائر، ويخبر بمكنونات السرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على رد شوارده، فحق على العاقل أن يحذر من زلَلِهِ، بالإمساك عنه، أو بالإقلال منه، فرحم الله امرءًا قال فَغَنِمَ، أو سكت فسَلِمَ.\nوقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «اللسان معيار أطاشه الجهل، وأرجحه العقل».\nوقال بعض الحكماء: «الزم الصمت تعد حكيمًا، جاهلًا كنت أو عالمًا».\nوقال بعض الأدباء: سعد من لسانه صموت، وكلامه قوت (١).\nوليعلم الشاب أنه إذا أراد أن يتكلم. فإن للكلام شروطًا هي:\n١ - أن يكون للكلام داع يدعو إليه: إما في اجتلاب نفع، أو دفع ضرر.\n٢ - أن يأتي به في موضعه، ويتوخى به إصابة فرصته.\n٣ - أن يقتصر منه على قدر الحاجة.\n٤ - أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>٤ - لا تتبع النظرة النظرة</span>\nعن بريدة عن أبيه عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يا عليّ لا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فإنَّ لكَ الأولى ولَيْسَت لكَ الآخِرَةُ» (٢).\n_________\n(١) انظر: الماوردي، أدب الدنيا والدين، تحقيق وتعليق مصطفى السقا، دار الكتب العلمية، بيروت، (ص ٢٦٥)، وفيض القدير (٤/ ٢٤).\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في نظر الفجأة (رقم ٢٧٧٧) وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٠٨ رقم ٢٧٧٧).","vol":"1","page":233},{"text":"وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن نظرة الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري (١).\nما أحوج الشباب إلى مثل هذه النصيحة، والتأكيد عليها لاجتماع شهواتهم وكثرة الفتن في هذا الزمان، وإذا كان الشاب غير متزوج، كانت الحاجة أشد، لما في النظر عليه من الخطر.\nقال ابن القيم ﵀: والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان. فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع. وفي هذا قيل: «الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده» ولهذا قال الشاعر:\n\nكل الحوادث مبدؤها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر\nكم نظرة بلغت في قلب صاحبها ... كمبلغ السهم بين القوس والوتر\nوالعبد ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين الغير موقوف على الخطر\nيسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبًا بسرورٍ عاد بالضرر (٢)\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الآداب، باب نظر الفجاءة (رقم ٢١٥٩).\n(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، الرياض، نشر مكتبة الرياض الحديثة ١٣٩٢هـ، (ص ١٣٤). وذكر الأبيات الذهبي في الكبائر (ص ٥٩).","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>٥ - البداءة باليمين</span>\nيُوصي رسول الله - ﷺ - الشباب بالتيمن، في أكلهم وشربهم وتنعلهم، وفي كل أمورهم، كما هي حاله. عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذَا أكَلَ أحدكُمْ فَلْيَأكُلْ بِيمِينهِ، وإذَا شَرِبَ فَلْيَشرَبْ بِيمينهِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشْرَبُ بشِمالِهِ» (١). وعن جابر بن عبد الله - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تأكُلُوا بالشِّمَالِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يأكُلُ بالشِّمال» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذَا انْتَعَلَ أحدُكُم فليَبْدأ باليُمْنَى، وإذَا خَلَعَ فليبدَأ بالشِّمالِ، وليُنْعلهُمَا جَميعًا، أو لِيَخْلَعْهُما جَميعًا» (٣).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تَمشِ في نَعْلٍ واحدٍ، ولا تَحْتَبِ (٤) في إزارٍ واحِدٍ، ولا تأكُلْ بِشِمَالِكَ، ولا تَشْتَمِلِ الصَّمَاء (٥)، ولا تضَعْ إحْدَى رِجْليكَ على الأخْرَى، إذَا\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامها (٣/ ١٥٩٨).\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب استحباب لبس النعل في اليمنى أولًا، (٣/ ١٦٦٠).\n(٤) الاحتباء هو: أن يقعد الإنسان على إليتيه وينصب ساقيه ويحتوي عليهما بثوب أو نحوه أو بيده، وهذه القعدة يقال لها الحبوة بضم الحاء وكسرها. وكان هذا الاحتباء عادة للعرب في مجالسهم. فإن انكشف معه شيء فهو حرام. شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ٧٦، ٧٧).\n(٥) اشتمال الصماء: قال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده، لا يرفع منه جانبًا فلا يبقى ما يخرج منه يده، وهذا يقوله أكثر أهل اللغة، وقال ابن قتيبة: سميت صماء لأنه سد المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها فرق ولا صدع، قال أبو عبيدة: هو أن يشتمل بثوب ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على أحد منكبيه. المرجع السابق.","vol":"1","page":235},{"text":"استَلْقَيتَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>٦ – ارفع إزارك</span>\nعن ابن عمر ﵄ قال: مررت على رسول الله - ﷺ - وفي إزاري استرخاء فقال: «يا عبد الله، ارْفَعْ إزَارَك» فرفعته، ثم قال: «زِدْ» فزدت، فما زلت أتحراها بعد. فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: «أنْصافِ السَّاقَين» (٢).\nوالتحذير من إسبال الثياب ضروري للشباب، لأن الشاب تعجبه نفسه ويغلبه هواه، فيقع فيما حرم الله.\nولا بد أن يدرك الشاب جيدًا خطر هذا الجرم، وما يترتب عليه من الإثم. ومن ذلك أن الله يوم القيامة لا ينظر إلى من جرَّ إزاره بطرًا، كما في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يَنْظرِ الله يومَ القِيامة إلى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا» (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب في منع الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى (٣/ ١٦٦٢).\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب خيلاء (٣/ ١٦٥٣).\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء (٤/ ٥٤). ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب خيلاء (٣/ ١٦٥٣) ولم يذكر يوم القيامة.","vol":"1","page":236},{"text":"وأنه مُعَرَّضٌ لأن يخسف الله به الأرض، كما في حديث سالم بن عبد الله أن أباه حدثه أن رسول الله - ﷺ - قال: «بينما رَجُلٌ يَجرُّ إزَارَهُ إذْ خُسِفَ بهِ؛ فهوَ يتَجَلْجَلُ في الأرضِ إلى يومِ القِيامةِ» (١). وأنه معرض لعذاب جهنم كما في قوله ﵊: «ما أسْفَلَ الكَعْبينِ مِنَ الإزارِ ففي النَّارِ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>ثامنًا: تقويم أخطاء الشباب في الآداب</span>\nاستخدم النبي - ﷺ - أساليب حكيمة في إصلاح أخطاء الشباب في الآداب، ومن ذلك الأساليب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>١ - أسلوب الإصلاح العملي</span>\nلما كان الرسول - ﷺ - في حجة الوداع، أردف معه الفضل بن العباس ﵄ من مزدلفة إلى منى، وكان الفضل - ﵁ - حسن الشعر، أبيض وسيمًا، فلما دفع رسول الله - ﷺ - مَرَّت به ظُعُن (٣) يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن. فوضع رسول الله - ﷺ - يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر. فحول الرسول - ﷺ - يده من الشق الآخر على وجه الفضل. يصرف وجهه من الشق الآخر\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء (٤/ ٥٤)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم التبختر في المشي مع إعجابه بثيابه (٤/ ١٦٥٤).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار (٤/ ٥٤) حديث (٥٧٨٧).\n(٣) الظعن: بضم الظاء والعين، ويجوز إسكان العين جمع ظعينة، كسفينة وسفن، وأصل الظعينة البعير الذي عليه امرأة. وتسمى به المرأة مجازًا لملابستها البعير. انظر: لسان العرب لابن منظور (١٣/ ٢٧٠، ٢٧١) مادة (ظعن).","vol":"1","page":237},{"text":"ينظر (١).\nتصرف حكيم من رسول الله - ﷺ - لم يزد على وضع يده أمام وجه الفضل - ﵁ -، مع أنه نظر إلى النساء وهو في عبادة، ورديف النبي - ﷺ -، ولكن هذا الأسلوب النبوي كان كافيًا لإصلاح الخطأ من الفضل بن عباس ﵄.\nومن الحكمة في الإصلاح الاقتصار من الأسلوب على ما يكون كافيًا في ردع المخطئ، وإصلاح الخطأ، دون الزيادة على ذلك، من التوبيخ والتجريح. من مراعاة حال المخطئ ودرجة الخطأ. فالفضل - ﵁ - شاب حديث السن قوي الشهوة. ولم تغب هذه الأشياء عن تصور النبي - ﷺ - عند توجيهه للفضل بن عباس ﵄.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>٢ – أسلوب التلميح</span>\nعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتيت النبي - ﷺ - في دين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: «مَنْ ذا؟» فقلتُ: أنا فقال: «أنَا أنَا ...» كأنه كرهها (٢).\nولم يوضح النبي - ﷺ - خطأه في الاستئذان، ولكنه لما ردد «أنا» كارهًا كان في ذلك إيحاء لجابر بن عبد الله ﵄ بخطئه.\nوقد يكون الإيحاء بالغضب، كما في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - أشد حياءً من العذراء في خدرها،\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ - (٢/ ٨٩١).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا (٤/ ١٤٠) حديث (٦٢٥٠).","vol":"1","page":238},{"text":"فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>٣ – أسلوب الثناء</span>\nللثناء تأثير عجيب على النفوس، إذا استغل في الدعوة، مع مراعاة الاعتدال فيه. وخاصة على الشباب، لما لديهم من حاجة إلى التقدير والاحترام والقبول الاجتماعي. ففي الثناء عليهم وبيان حسناتهم إشباع لهذه الحاجة.\nكان الرسول - ﷺ - يستغل هذه الحاجة في الوقت المناسب لإصلاح أخطاء الشباب في الآداب.\nعن خريم بن فاتك الأسدي - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «نِعْمَ الرَّجلُ أنتَ يا خريم، لولا خلَّتانِ فيكَ» قلت: وما هما يا رسول الله؟ قال: «إسْبَال إزَارِكَ، وإرْخاؤُكَ شَعْرِكَ» (٢).\nوفي رواية: «لولا أنَّ فِيْكَ اثنَتينِ كُنْتَ أنْتَ» قال: إن واحدة تكفيني، قال: «تسْبِل إزَارك، وتوفِّرُ شَعْرَك». قال: لا جرم والله لا أفعل (٣)! أسلوب حكيم جعل خريم بن فاتك الأسدي يقسم أن ينتهي عنهما، طمعًا في المكانة التي يكون فيها إذا ارتدع عن تلكما الخصلتين.\n_________\n(١) أخرجه البخاري، في كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب (٤/ ١١٠) حديث (٦١٠٢).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٢٢)، وأبو داود بلفظ قريب، كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار (رقم ٤٠٨٩)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (رقم ٤٠٨٩).\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٢١).","vol":"1","page":239},{"text":"فحري بالدعاة أن يغتنموا ما في الشباب من خصال حميدة، ليثنوا عليهم فيها، ويحذروهم من سواها، مع إشعارهم بأن أخطاءهم قليلة، وأنهم سيصبحون في مكان محمود إذا تخلصوا منها، بدلًا من التركيز على المساوئ، وإغفال المحاسن، والإعراض عن النتائج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>٤ – أسلوب الإقناع بالحوار</span>\nعن عبيدة بن خلف قال: قدمت المدينة وأنا شاب متأزر ببردة لي ملحاء أجرها، فأدركني رجل فغمزني بمخصرة معه، فقال: «أمَا لَوْ رَفَعْتَ ثَوْبَكَ كَانَ أبْقَى وأنْقَى» فالتفت، فإذا هو رسول الله - ﷺ - قال: قلت يا رسول الله، إنما هي بردة ملحاء، قال: «وإنْ كانَتْ بُردَةً مَلحاء، أما لَكَ فيَّ أسوَة» فنظرت إلى إزاره فإذا فوق الكعبين وتحت العضلة (١).\nلم يكتف رسول الله - ﷺ - ببيان الخطأ لعبيدة بن الحارث، بل حثه على إصلاحه، وأقنعه بأهمية ذلك، كما أن رسول الله - ﷺ - لم يجار الشاب عندما قال: «إنها بردة ملحاء» لها مكانة في نفسه، فحكم الشرع فوق هوى النفس.\nومن هذا الباب أيضًا حديث الشاب الذي جاء يستأذن النبي - ﷺ - في الزنى.\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٦٤)، ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (رقم ١٨٥٧).","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>٥ – أسلوب التحذير والتنفير</span>\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ مِنْ أكبرِ الكَبَائرَ أن يَلْعَنَ الرَّجُلُ والدَيْهِ» قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يَسُبُّ الرَّجلُ أبَا الرَّجُلِ، فيسبُّ أبَاهُ، ويَسُبُّ أمَّه، فيَسُبَّ أمَّه» (١).\nوعن أبي بكرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أنَبِّئكم بأكْبَرِ الكَبائر؟» قلنا بلى يا رسول الله، قال: (ثلاثًا): «الإشْراكَ بالله، وعُقُوقِ الوَالدَينِ». وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقَوْلُ الزُّورِ وشَهَادَةُ الزُّورِ، ألا وقَوْلُ الزُّورِ وشَهادَةُ الزُّورِ» فما زال يقولها حتى قلت: لا يسكت (٢).\nكما يحذر الرسول - ﷺ - الشباب الذين اغتروا بطراوة أجسادهم، وجمال أشكالهم، وحسن شعورهم، حتى تشبوا بالنساء: هيئةً، ولباسًا، ومشية، وكلامًا، كما يقول ابن عباس ﵄: لعن رسول الله - ﷺ - المتشبِّهين من الرِّجالِ بالنساءِ، والمتشبِّهات من النِّساءِ بالرِّجالِ (٣).\nوعن ابن عباس ﵄ أيضًا: لعن رسول الله - ﷺ - المخنثين من\n_________\n(١) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه (٤/ ٨٦)، حديث (٥٩٧٣).\n(٢) أخرجه البخاري، باب عقوق الوالدين من الكبائر (٤/ ٨٧)، حديث (٥٩٧٦).\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب المتشبهين بالنساء، والمتشبهات بالرجال (٤/ ٧١) رقم (٥٨٨٤).","vol":"1","page":241},{"text":"الرجال، والمترجِّلات من النساء، وقال: «أخْرِجُوهُم مِنْ بِيوتِكُمْ» قال: فأخرج النبي - ﷺ - فلانًا وأخرج عمر فلانة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>٦ - أسلوب العتاب والعقاب</span>\nأسلوب العتاب والعقاب الذي في محله ولا يتجاوز حده من الأساليب النبوية في تقويم الأخطاء لدى الشباب، فعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - وعلى فاطمة ﵂ من الليل، فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته فصلى هوِّيًا من الليل. قال فلم يسمع لنا حسًّا. قال: فرجع إلينا، فأيقظنا وقال: «قوما فصَلِّيا» قال: فجلست وأنا أعرك عيني وأقول: إنا والله ما نصلي إلا ما كتب لنا، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء يبعثنا بعثنا: قال: فولَّى رسول الله - ﷺ - وهو يقول ويضرب بيده على فخذه: «ما نُصلِّي إلا ما كَتَبَ لنا؟ ما نصلِّي إلا ما كَتَب لنا؟» ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٢).\nبهذا الأسلوب اللطيف الذي ليس فيه تجريح ولا توبيخ، عاتب رسول الله - ﷺ - عليًا وفاطمة ﵄.\nوعن معاوية بن جاهمة السلمي قال: أتيت رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه البخاري، باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت (٤/ ٧٢) رقم (٥٨٨٦).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٩١). والبخاري، الجامع الصحيح، كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة (٤/ ٣٩٨)، حديث (٧٤٦٥)، وهذا لفظ الإمام أحمد.","vol":"1","page":242},{"text":"فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: «وَيْحَكَ أحيَّةٌ أمُّك؟» قلت: نعم. قال: «ارجِع فبرَّهَا» ثم أتيته من الجانب الآخر، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. قال: «ويْحَك أحيَّةٌ أمُّكَ؟» قلت: نعم يا رسول الله، قال: «فارجِع إليْها فبُرَّها» ثم أتيته من أمامه، فقلت يا رسول الله: إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. قال: «ويْحكَ أحيَّة أمُّك» قلت: نعم يا رسول الله: قال: «ويحَك الزَمْ رِجْلَها فثمَّ الجنَّة» (١).\nمع أن معاوية كرر على رسول الله - ﷺ - الطلب إلا أن رسول الله - ﷺ - لم يزد عن قوله: «ويحك ..».\nولكن العتاب يزداد مع حجم الخطأ، فيكون عقابًا يصل إلى تطبيق الحد الشرعي إذا لزم الأمر ذلك دون مراعاة للطبقات أو تأثرٍ بالعواطف.\nكما ورد عن أبي هريرة - ﵁ - أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي - ﷺ - وهو جالس فقال: يا رسول الله اقضِ بكتاب الله، فقام خصمه فقال: صدق، اقضِ لي يا رسول الله بكتاب الله، إن ابني كان\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب الرجل يغزو وله أبوان (رقم ٢٧٨١) وصححه الألباني، في صحيح سنن ابن ماجه (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧ رقم ٢٢٥٩).","vol":"1","page":243},{"text":"عَسِيفًا (١) على هذا فزنى بامرأته. فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت بمائة من الغنم، ووليدة، ثم سألت أهل العلم فزعموا أن ما على ابني: جلد مائة وتغريب عام. فقال: «والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكتابِ الله: أمَّا الغَنَم والوَلِيدة فردٌّ عَلَيْكَ، وعلى ابْنِكَ جَلْدُ مائَة وتَغْريبُ عامٍ. وأمَّا أنْتَ يا أنيس فاغْدُ على امْرأةِ هذَا فارْجُمْهَا»، فغَدا أنيسٌ فَرَجَمَها (٢) (٣).\n\n* ... * ... *\n_________\n(١) العسيف: قال مالك: الأجير، والجمع عسفاء ويطلق أيضًا على الخادم وعلى العبد وعلى السائل. ابن حجر، فتح الباري (١٢/ ١٣٩).\n(٢) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الحدود، باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا عنه (٤/ ٢٥٩)، حديث (٦٨٣٥، ٦٨٣٦).\n(٣) انظر: المنهاج النبوي في دعوة الشباب، لسليمان بن قاسم العيدي، (ص ٣٠٥ – ٣٤٣) بتصرف.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المبحث الرابع والعشرون: التربية والتأديب بالقوة عند الحاجة</span>\nلا شك أن التربية بالرفق، واللين، والرحمة، من أهم أساليب التربية، وقد كان النبي - ﷺ - يفعل ذلك، كما تقدم في المباحث السابقة، وما ضرب رسول اللَّه - ﷺ - أحدًا بيده إلا أن يجاهد في سبيل اللَّه؛ لحديث: عائشة ﵂ قالت: «مَا ضَرَبَ رسولُ اللَّه - ﷺ - شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلاَ امْرَأةً وَلاَ خَادِمًا، إِلاَّ أنْ يُجَاهِدَ فِي سَبيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلاَّ أن يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تَعَالَى، فَيَنْتَقِمُ للَّهِ تَعَالَى» (١).\nولكن إذا لم ينفع الرفق واللين، والرحمة؛ فإن التربية بالحكمة هي وضع الشيء في موضعه بإحكامٍ وإتقانٍ، بدون زيادة ولا نقصان؛ فإن المربِّي كالطبيب في معالجته للمرض والمرضى، فمن المرض ما يحتاج إلى حمية المريض عن بعض المأكولات، ومن المرض ما يحتاج إلى بعض الأدوية اليسيرة، ومن المرض ما يحتاج إلى كيٍّ بالنار عند الحاجة، ومن المرض ما يحتاج إلى عملية جراحية للمريض، إذا لم ينفع في علاجه غيرها، فتستخدم عند الحاجة إليها، بشرط الالتزام بالشروط والضوابط الشرعية، وقد جاءت نصوص من الكتاب والسنة في التأديب بالقوة عند الحاجة لذلك، وهي على النحو الآتي:\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب مباعدته - ﷺ - للآثام، واختياره من المباح أسهله، وانتقامه لله عند انتهاك حرمته، برقم ٢٣٢٧.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>أولًا: النصوص بالمنطوق أو المفهوم وهي على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>١ - أمر الله - ﷿ - المؤمنين بإلزام أنفسهم وأهليهم بطاعة الله</span>، ووقاية أنفسهم وأهليهم من عذاب الله، قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ (١).\nقال العلامة السعدي ﵀: «أي يا من منَّ الله عليهم بالإيمان قوموا بلوازمه وشروطه، فـ ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة، ووقاية الأنفس بإلزامها بأمر الله، والقيام بأمره امتثالًا، ونهيه اجتنابًا، والتوبة عما يسخط الله ويوجب العذاب، ووقاية الأهل [والأولاد] بتأديبهم، وتعليمهم، وإجبارهم على أمر الله، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر الله به في نفسه، وفيما يدخل تحت ولايته: من الزوجات، والأولاد، وغيرهم، مِمَّن هُوَ تحت ولايته وتصرفه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>٢ - نهى النبي - ﷺ - عن الضرب في الوجه</span>؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ» (٣).\n_________\n(١) سورة التحريم، الآية: ٦.\n(٢) تفسير السعدي (ص ٨٧٤).\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب النهي عن ضرب الوجه، برقم ٢٦١٢، ومسند أحمد، ١٢/ ٢٧٥، برقم ٧٣٢٣، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب صفة الصلاة، باب التسليم على النبي - ﷺ -، برقم ٧٣١٠، وأما لفظ البخاري، كتاب العتق، باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه، برقم ٢٥٥٩، ولفظ آخر لمسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن ضرب الوجه، برقم ٢٦١٢: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «قَالَ إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ».","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>٣ - لعن رسول اللَّه - ﷺ - من وسم البهيمة في وجهها</span>؛ لحديث: جابر - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ في وَجْهِهِ، فَقَالَ: «لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>٤ - نهى النبي - ﷺ - عن الوسْم في الوجه</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عَنِ الضَّرْبِ في الوَجْهِ، وَعَنِ الوَسْمِ في الوَجْهِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>٥ - نهى النبي - ﷺ - أن يضرب الرجل امرأته ضرب العبد</span>، ثم يُضاجعها؛ لحديث: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْفُسِ، وَقَالَ: «بِمَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْفَحْلِ، أَوِ الْعَبْدِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا» وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَوُهَيْبٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ: «جَلْدَ الْعَبْدِ» (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه، ووسمه فيه، برقم ٢١١٧.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه، ووسمه فيه، برقم ٢١١٦.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم)، برقم ٦٠٤٢، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، برقم ٢٨٥٥، ولفظه: عن أبي زمعة ثم ذكر النساء فوعظ فيهن ثم قال: «إلام يجلد أحدكم امرأته» في رواية أبي بكر: (جلد الأمة)، وفي رواية أبي كريب: (جلد العبد)، «ولعله يضاجعها من آخر يومه».","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>٦ - أدّب النبي - ﷺ - بعض المجاهدين في صدره</span>، ثم طلب منه أن يقتصّ منه؛ لحديث: عبد الله بن جبير الخزاعي وغيره قال: «طعن رسول الله - ﷺ - رجلًا في بطنه، إما بقضيب، وإما بسواك، قال: أوجعتني فأقدني، فأعطاه العود الذي كان معه، ثم قال: «استقد»، فقبّل بطنه، ثم قال: بل أعفو عنك، لعلك أن تشفع لي بها يوم القيامة» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>٧ - خرج النبي - ﷺ - ليلة إلى مقبرة البقيع يزور أهلها</span>، فلحقته عائشة ﵂ فلهدها في صدرها؛ لحديث عائشة ﵂: «قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيهَا عِنْدِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا\n_________\n(١) وردت هذه القصة بروايات متقاربة في: معرفة الصحابة لأبي نعيم، ٣/ ١٦٠٩، بلفظه، والمستدرك، ٣/ ٢٨٨، برقم ٥٢٦٢، والسنن الكبرى للبيهقي، ٨/ ٤٩، والأحاديث المختارة للضياء المقدسي، ٣/ ٤١٧، سيرة ابن هشام، ٣/ ١٧٤، أسد الغابة لابن الأثير، ٢/ ٨٨، الروض الأنف، ٣/ ٦٧، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ٣/ ٢١٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٦/ ٤٥٢: «رواه الطبراني ورجاله ثقات». وحسّن إسناده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحية، ٦/ ٨٠٨.","vol":"1","page":248},{"text":"عَائِشُ؟ حَشْيَا رَابِيَةً»، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: «لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأمِّي فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: «فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: «أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟» قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ، نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ»، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>٨ - إذا انتهكت حرمات اللَّه، فلا يقوم لغضبه - ﷺ </span>- قائم وينتقم لله منه؛ لحديث عائشة ﵂: قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا» (٢).\n٩ - أمر النبي - ﷺ - بالأطر على الحق، والإلزام به؛ لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، برقم ٩٧٤.\n(٢) البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٦٠، ومسلم، كتاب الفضائل، باب مباعدته - ﷺ - للآثام، واختياره من المباح أسهله، وانتقامه لله عند انتهاك حرماته، برقم ٢٣٢٧.","vol":"1","page":249},{"text":"عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ، وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ». ثُمَّ قَالَ: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (إِلَى قَوْلِهِ: (فَاسِقُونَ (ثُمَّ قَالَ: «كَلاَّ وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا» (١)، وفي رواية زاد: «أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>١٠ - نهى النبي - ﷺ - أن يُسأل الرجل فيما يضرب امرأته</span>؛ لحديث: عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - عَنِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «لاَ يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَا\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، برقم ٤٣٣٨، الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، برقم ٣٠٤٧، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، برقم ٤٠٠٦، ومسند الإمام أحمد، ٦/ ٢٥١، برقم ٣٧١٣، والسنن الكبرى للبيهقي، ١٠/ ٩٣، وشعب الإيمان للبيهقي، ١٠/ ٤٣، والمعجم الكبير للطبراني، ١٠/ ١٤٥برقم ١٠٢٦٤، والمعجم الأوسط ١/ ١٦٦، ومسند أبي يعلى، ٨/ ٤٤٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ٧/ ٢٦٩: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح»، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص ٣٥٤، وقال محققو مسند الإمام أحمد، ٦/ ٢٥١، برقم ٣٧١٣: «إسناده ضعيف لانقطاعه: أبو عبيدة، وهو ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، وشريك بن عبد الله، وهو النخعي القاضي: سيئ الحفظ، وبقية رجاله ثقات».\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، برقم ٤٣٣٩. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (رقم ١٨٢٢).","vol":"1","page":250},{"text":"ضَرَبَ امْرَأَتَهُ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>١١ - أمر النبي - ﷺ - بتغيير المنكر باليد لمن يستطيع ذلك</span>؛ لحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>١٢ - بيَّن النبي - ﷺ - أنَّ تغيير المنكر جهاد</span>؛ لحديث عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِم خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>١٣ - خطر من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>، فعن حذيفة بن اليمان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ\n_________\n(١) أبو داود، كتاب النكاح، باب في ضرب النساء، برقم ٢١٤٧، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب ضرب النساء، برقم ١٩٨٦، ومسند الإمام أحمد، ١/ ٢٧٥، برقم ١٢٢، ومسند البزار، ١/ ٣٥٦، والأحاديث المختارة للضياء، ١/ ٦٢، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (رقم ٢١٤٧)، وفي ضعيف الجامع (رقم ٦٣٥٠).\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، برقم ٤٩.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، برقم ٥٠.","vol":"1","page":251},{"text":"بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>١٤ - تأثير ترك الأمر والنهي على الدعاء</span>، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ أَنْ قَدْ حَفَزَهُ شَيْءٌ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا، فَدَنَوْتُ مِنَ الْحُجُرَاتِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ - ﷿ - يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُونِي فَلَا أُجِيبُكُمْ، وَتَسْأَلُونِي فَلَا أُعْطِيكُمْ، وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلَا أَنْصُرُكُمْ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>١٥ - وجوب عمل المربِّي بما يقول</span>، فعن أسامة بن زيد - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى،\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٢٨/ ٢٣٣، برقم ٢٣٣٠١، والترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، برقم ٢١٦٩، وحسّنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، (٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧ برقم ٢٣١٣).\n(٢) أخرجه أحمد في المسند بلفظه، ٤٢/ ١٤٩، برقم ٢٥٢٥٥، وحسنه لغيره محققو المسند. وأخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، برقم ٤٠٠٤، بلفظ: «مروا بالمعروف، وانهو عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم»، ابن حبان، برقم ٢٩٠، بلفظ: «عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي - ﷺ - فعرفت في وجهه أن قد حضره شيء، فتوضأ وما كلم أحدًا، ثم خرج فلصقت بالحجرة أسمع ما يقول، فقعد على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «يا أيها الناس إن الله تبارك تعالى يقول لكم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم»، فما زاد عليهم حتى نزل». قال الألباني في رواية ابن حبان وابن ماجه في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٢٣٢٥:: «حسن لغيره»، دون لفظ «وتسألوني فلا أعطيكم ...» فقد حذفها.","vol":"1","page":252},{"text":"فَيَجْتَمِعُ إلّيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ ما لَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَآتِيهِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>١٦ - الوعيد الشديد لمن أمر الناس بالبر ونسي نفسه</span>؛ لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا [من أمتك] مِمَّنْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، أَفَلَا يَعْقِلُونَ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>١٧ - المعلم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل السراج</span>\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، برقم ٣٢٦٧، ومسلم، واللفظ له، كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، برقم ٢٩٨٩.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند، ١٩/ ٢٤٤، برقم ١٢٢١١، قال محققو المسند ١٩/ ٢٤٤: «حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان، لكن قد توبع ...، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الصحيح، وسيتكرر من هذا الطريق برقم (١٢٨٥٦).\nوهو في (الزهد) لوكيع (٢٩٧)، ومن طريقه أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٠٨، وأبو يعلى (٣٩٩٦). وأخرجه ابن المبارك في (الزهد) (٨١٩)، وعبد بن حميد (١٢٢٢)، وابن أبي الدنيا في (الصمت) (٥١٣)، والخطيب في (تاريخ بغداد)، ٦/ ١٩٩ - ٢٠٠، و١٢/ ٤٧، وفي (موضح أوهام الجمع والتفريق)، ٢/ ١٧٠، والبغوي في (شرح السنة)، (٤١٥٩)، وفي (تفسيره)، ١/ ٦٨ من طرق عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو يعلى (٤٠٦٩)، والبيهقي في (شعب الإيمان)، برقم (٤٩٦٥) من طريق معتمر بن سليمان، وأبو نعيم في (الحلية) ٨/ ١٧٢ من طريق ابن المبارك، كلاهما عن سليمان التيمي، عن أنس. والإسنادان صحيحان. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسير سورة البقرة (٤٧٦)، والبيهقي في (شعب الإيمان)، (٤٩٦٦) من طريق هشام الدستوائي، عن المغيرة بن حبيب ختن مالك». ا. هـ. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٢٣٢٧في السلسلة الصحيحة (رقم ٢٩١).","vol":"1","page":253},{"text":"الذي يحرقه نفسه؛ لحديث جُنْدُبِ بنِ عبدِ اللَّه الأزديِّ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَثَلُ الْعَالِمِ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ ويَنْسَى نَفْسَهُ، كَمَثَلِ السِّرَاجِ يُضِيءُ لِلنَّاسِ ويُحْرِقُ نَفْسَهُ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>١٨ - بعض البشر يرى عيوب الناس ولا يرى عيوبه</span>؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يُبصِرُ أَحَدُكُمُ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ وَيَنْسَى الْجِذَعَ فِي عَيْنِهِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>١٩ - حذّر النبي - ﷺ - بالوعيد الشديد لمن يترك أهله وأولاده </span>على المحرمات؛ لحديث معقل بن يسار: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>٢٠ - وجوب الأخذ على يد الظالم ومنعه من ظلمه</span>؛ لحديث قيس بن حازم قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ، وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا) عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)، وَإِنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٢/ ٢٢٧، برقم ١٦٥٩، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٢٣٢٨: «صحيح لغيره» وصححه في اقتضاء العلم العمل (ص ٤٩).\n(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ١٣/ ٧٣، برقم ٥٧٦١، وصححه الألباني في التعليقات الحسان، برقم ٥٧٣١، وفي صحيح الترغيب والترهيب، (٢/ ٥٨٥ رقم ٢٣٣١)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٣٣.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب من استُرعي رعية فلم ينصح، برقم ٧١٥٠، ورقم ٧١٥١، ومسلم، واللفظ له، كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، برقم ١٤٢.","vol":"1","page":254},{"text":"يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>٢١ - التحذير من السكوت على المنكر</span>؛ لحديث جرير - ﵁ - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِى قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِى يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ فَلاَ يُغَيِّرُوا إِلاَّ أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>٢٢ - الأمر بالأخذ بما يُعرف وترك ما يُنكر إذا فسد الناس</span>؛ لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ». أَوْ «يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا». وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَقَالُوا: وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>٢٣ - الأمر بلزوم البيت وحفظ اللسان وترك أمر العامة عند </span>عموم الفتن؛ لحديث عبْد اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ، فَقَالَ: «إذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا». وَشَبَّكَ بَيْنَ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، برقم ٤٣٣٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (٣/ ٣٥ - ٣٦ رقم ٤٣٣٨) وفي صحيح الجامع (رقم ١٩٧٣).\n(٢) أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، برقم ٤٣٣٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (٣/ ٣٦ رقم ٤٣٣٩)، وقال في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٥٧٨ رقم ٢٣١٦).\n(٣) أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، برقم ٤٣٤٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (٣٦ - ٣٧ رقم ٤٣٢٢) وفي صحيح الجامع (رقم ٤٥٩٤).","vol":"1","page":255},{"text":"أَصَابِعِهِ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ قَالَ: «الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>٢٤ - من شهد المنكر وأنكر كان كمن غاب عنه، ومن غاب عنه </span>ورضيه كان كمن حضر؛ لحديث الْعُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ، كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا». وَقَالَ مَرَّةً: «أَنْكَرَهَا» «كانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>٢٥ - أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر</span>؛ لحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». أَوْ «أَمِيرٍ جَائِرٍ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>٢٦ - المربي المخلص الصادق لا تأخذه في الله لومة لائم</span>؛ لحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ، وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، برقم ٤٣٤٣، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٣٧: «حسن صحيح». وصححه في صحيح الجامع (رقم ٥٦٣، ٤٥٩٤) وفي السلسلة الصحيحة (رقم ٢٠٥، ٢٠٦).\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، برقم ٤٣٤٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (٣/ ٣٨ رقم ٤٣٤٥).\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، برقم ٤٣٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (٣/ ٣٧ رقم ٤٣٤٤).","vol":"1","page":256},{"text":"أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» (١).\nوعن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>٢٧ - أمر النبي - ﷺ - بضرب الأولاد على الصلاة لعشر</span>؛ لحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>٢٨ - بيّن النبي - ﷺ - أن كلّ راعٍ مسؤول عن رعيّته</span>؛ لحديث عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَايَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي\n_________\n(١) أخرجه البخاري، واللفظ له، كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، برقم ٧١٩٩، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، برقم ٤٣ - (١٧٠٩).\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، برقم ٢٤٩٣.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، برقم ٤٩٤، و٤٩٥، ومسند أحمد، ١١/ ٢٨٤، وابن أبي شيبة ١/ ٣٠٤، برقم ٣٤٨٢، والحاكم، ١/ ٣١١، برقم ٧٠٨، وأبو نعيم في الحلية، ١٠/ ٢٦،، والبيهقى في السنن الكبرى، ٢/ ٢٢٨، وحسنه الأرناؤوط في تعليقه على المسند، ١١/ ٢٨٤. وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ١٤٤ - ١٤٥ رقم ٤٩٥): حسن صحيح.","vol":"1","page":257},{"text":"أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>٢٩ - نهى - ﷺ - عن الجلد أكثر من عشر جلدات في التأديب إلا </span>في حد من حدود الله؛ لحديث أَبِي بُرْدةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>٣٠ - أمر النبي - ﷺ - بتعليق السوط تأديبًا لمن يراه من الأهل</span>، فعن ابن عباس ﵄ ورفعه إلى النبي - ﷺ -: «عَلِّقُوا السَّوْطَ حَيثُ يَرَاهُ أهْلُ البَيْتِ، فًإِنَّهُ لَهُمْ أدَبٌ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>٣١ - أمر النبي - ﷺ - بإخافة الأهل في الله تعالى</span>، فعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: أوصاني رسول الله - ﷺ - بتسع: «لا تشرك بالله شيئًا، وإن\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، برقم ٨٩٣، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم، برقم ١٨٢٩.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب كم التعزير والأدب، برقم ٦٨٤٨، ومسلم، كتاب الحدود، باب قدر أسواط التعزير، برقم ١٧٠٨.\n(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١٠/ ٢٨٥، برقم ١٠٦٧٢، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ١٠٦. وحسّنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٤٣٢، برقم ١٤٤٧. ولفظه في تهذيب الآثار للطبري، ١/ ٤١١ بلفظ: «علق سوطك حيث يراه الخادم». وعند أبي نعيم، ٧/ ٣٣٢، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا بلفظ: «علقوا السوط حيث يراه أهل البيت»، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة،\n٣/ ٤٣١، برقم ١٤٤٦.","vol":"1","page":258},{"text":"قُطِّعت أو حُرِّقْت، ولا تتركنَّ الصلاةَ المكتوبةَ مُتعمِّدًا، ومن تركها مُتعمِّدًا برئت منه الذِّمَّة، ولا تشربنَّ الخمرَ؛ فإنها مفتاحُ كلِّ شَرٍّ، وأطِعْ والديْكَ، وإن أمراك أن تَخْرُجَ من دنياك فاخْرُجْ لهما، ولا تُنازِعَنَّ وُلاةَ الأمرِ، وإن رأيتَ أنَّكَ أنتَ، ولا تَفْرُرْ من الزَّحفِ، وإن هَلَكْتَ وَفَرَّ أصحابُكَ، وأنفِقْ من طَوْلِكَ على أهلِكَ، ولا ترفعْ عَصَاكَ على أهْلِكَ (١)، وأخِفْهُمْ في اللَّهِ - ﷿ -» (٢).\n_________\n(١) لا ترفع عصاك على أهلك، الجمع بين معنى الحديث: (لا ترفع عصاك على أهلك)، وفي رواية: (لا ترع عصاك عن أهلك) روايتان صحيحتان: أما على رواية: «ولا ترفع عصاك على أهلك» فنهيٌ عن ضرب المرأة، بل كل من يكون تحت رئاسته في البيت: من الزوجة والولد، والخادم بغير حق، وقد ورد أن النبي - ﷺ - قال في الذين ضربوا نساءهمٍ: «ليس أولئك بخياركم» [أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في ضرب النساء رقم ٢١٤٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٩٧].\nوأما على رواية أحمد وغيره: «لا ترفع عصاك عن أهلك» فالمراد به الضرب بحقٍّ كما في قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، انظر: فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد، لفضل الله الجيلاني (١/ ٨١).\n(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ٢٠، برقم ١٨، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص٩، برقم ١٤.\nوهو في شعب الإيمان،١٠/ ٢٧٠، والمستدرك، ٤/ ٤١، والسنن الكبرى للبيهقي، ٧/ ٣٠٤، والمعجم الكبير للطبراني،٢٤/ ١٩٠، وتهذيب الآثار مسند عمر بن الخطاب،١/ ٤١١ بلفظ: «ولا ترفع عصاك عنهم، أخفهم لله». وأيضاَ في ١/ ٤١٥، بلفظ: «لا ترفع عصاك عن أهلك»، قال: فكان يشتري سوطًا فيعلقه في قبته، لتنظر إليه امرأته وأهله. ومسند عبد بن حميد، ١/ ٤٦٢ عن أم أيمن أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يوصي بعض أهله فقال: «لا تشرك بالله شيئا، وإن قطعت أو حرقت بالنار، ولا تفر يوم الزحف، فإن أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت، وأطع والديك، وإن أمراك أن تخرج من مالك، ولا تترك الصلاة متعمدًا، فإنه من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله، إياك والخمر، فإنها مفتاح كل شر، والمعصية فإنها تسخط الله، ولا تنازع الأمر أهله وإن رأيت أن لك، أنفق على أهلك من طولك، ولا ترفع عصاك عنهم وأخفهم في الله - ﷿ -، قال عمرو ثنا غير سعيد أن الزهري قال كان الموصى بهذه الوصية ثوبان.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>٣٢ - إذا احتيج إلى الضرب فلا يكون مُبرِّحًا</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - في بيان خطبة النبي - ﷺ - يوم عرفة في عرفات، وفيه: «... فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهنَّ بأمانِ الله، واستحللتم فُروجهنَّ بكلمة الله، ولكم عليهنَّ أن لا يُوطِئْن فُرُشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلنَ فاضرِبُوهنَّ ضربًا غَيرَ مبرِّح ...» (١). والضرب المبرِّح: هو الضرب الشديد الشاق، والمعنى اضربوهن ضربًا ليس بشديد ولا شاق، والبَرَح: المشقة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>٣٣ - إصلاح الأهل والأولاد قبل إصلاح الناس: </span>كان عمر بن الخطاب - ﵁ - مع أهله قويًّا، فكان إذا أراد أن يأمر المسلمين بشيء أو ينهاهم عن شيء مما فيه: صلاحهم، ونجاحهم، وفلاحهم، بدأ بأهله، وتقدَّم إليهم بالوعظ لهم، والوعيد على خلافهم أمره، فعن سالم بن عبد الله بن عمر قال: «كان عمر إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد أحدًا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة» (٣).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم (١٢١٦).\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ١٨٤.\n(٣) انظر: تاريخ الأمم والملوك للإمام الطبري (٢/ ٦٨)، والكامل في التاريخ لابن الأثير (٣/ ٣١)، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر (٣/ ٤٠٤)، وأعلام المسلمين للبيطار (٢/ ٥٤).","vol":"1","page":260},{"text":"ولا شك أن الله تعالى أعز الإسلام بعمر بن الخطاب - ﵁ -؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» (١).\nوما فعله أمير المؤمنين عمر - ﵁ - في هذا التأديب العظيم الحكيم لأهله: من أعظم مواقف التربيةالحكيمة بالقوة؛ لأن الناس ينظرون إلى المربِّي والداعية، ومدى تطبيقه العملي والقولي لما يدعو إليه، كما ينظرون إلى تطبيقه ذلك على أهله ومن تحت يده (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>ثانيًا: أسباب استخدام القوة في التأديب مع عصاة المسلمين:</span>\nكما أن من الحكمة في الدعوة إلى الله استخدام القوة مع الكفار عند الحاجة إليها؛ فإن مراتب الدعوة والتأديب بحسب مراتب البشر، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٤).فعُلِمَ بذلك أن مراتب الدعوة إلى الله بحسب مراتب البشر: أربع مراتب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>المرتبة الأولى الحكمة: </span>وتكون للمستجيب الذكي القابل للحق الذي لا يعاند، فهذا يُبيَّن له الحق: علمًا، وعملًا، واعتقادًا؛ فإنه يقبله ويعمل به.\n_________\n(١) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر، (برقم ٣٦٨٤)، وكتاب مناقب الأنصار (برقم ٣٨٦٣).\n(٢) الحكمة في الدعوة إلى الله، للمؤلف، (ص ٣٥٦ - ٣٥٧).\n(٣) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(٤) سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>المرتبة الثانية: الموعظة الحسنة</span>، وتكون للقابل للحق المعترف به، ولكن عنده غفلة وتأخر، وشهوات تصدّه عن الحق، فهذا يُدعى بالموعظة الحسنة، المشتملة على الترغيب في الحق، والترهيب من الباطل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>المرتبة الثالثة: الجدال بالتي هي أحسن</span>، وتكون للمعاند الجاحد، يجادل بالتي هي أحسن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>المرتبة الرابعة: استخدام القوة</span>، وتكون لمن ظلم، وعاند، ولم يرجع إلى الحق؛ فإنه ينتقل معه إلى استخدام القوة إن أمكن (١).\nفكذلك تستخدم مع من يحتاجها من المسلمين الذين لم ينتفعوا بالمواعظ من الترغيب والترهيب، ولم يستفيدوا من حكمة القول التصويرية: من ضرب الأمثال، ولفت الأنظار إلى الصور المعنوية: كصفات المؤمنين وآثارها، ولفت الأنظار والقلوب إلى الآثار المحسوسة: كالأمر بالسير في الأرض، والنظر فيما حل بالمكذبين من الدمار والهلاك.\nفإذا لم يؤثر ما تقدم في عصاة المؤمنين فإن استخدام القوة حينئذٍ من الحكمة؛ لأن القوة كالعملية الجراحية للمريض إذا لم ينفع في علاج مرضه غيرها، فتستخدم عند الحاجة إليها بشرط الالتزام بالشروط والضوابط الشرعية.\nواستخدام القوة في هذه المرحلة يتنوع ويختلف باختلاف\n_________\n(١) انظر: الحكمة في الدعوة إلى الله (ص ٨٠٨) للمؤلف.","vol":"1","page":262},{"text":"الداعية المربِّي والمدعو، والأحوال والأزمان والأماكن، وإمكانية استخدام القوة مع أمن الوقوع في المفاسد؛ فإن النبي - ﷺ - شرع لأمته الدعوة إلى الله - تعالى - وإيجاب إنكار المنكر؛ ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله؛ فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا: كالإنكار على الملوك، والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد «استأذن الصحابة ﵃ رسول الله - ﷺ - في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: «لا ما أقاموا الصلاة» (١)، وقال: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر [ولا ينزعن يدًا من طاعة]» (٢).\nومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه وأنكر؛ ولهذا كان رسول الله - ﷺ - يترك بعض الأمور المختارة، ويصبر على بعض المفاسد خوفًا من أن يترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولهذا لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم (٣/ ١٤٨٢)، برقم ١٨٥٥، وأحمد بلفظه (٣/ ٢٨ – ٢٩).\n(٢) مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن برقم ١٨٤٩، (٣/ ١٤٧٧)، وباب خيار الأئمة وشرارهم (٣/ ١٤٨٢)، واللفظ من الموضعين.","vol":"1","page":263},{"text":"عزم على نقض بناء البيت وردّه على قواعد إبراهيم، ولكن منعه من ذلك -مع قدرته عليه- خشية وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش لذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في قتل عبد الله بن أبيّ، ولم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب على ذلك من وقوع ما هو أعظم منه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>ثالثًا: الكلمة القوية والفعل الحكيم:</span>\n١ - عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله - ﷺ - رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده»! فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله - ﷺ -: «خذ خاتمك انتفع به». قال: لا والله لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول الله - ﷺ - (٢).\n٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - مرَّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال: \"ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني» (٣).\n_________\n(١) انظر: إعلام الموقعين لابن القيم (٣/ ١٥ – ١٦)، وشرح النووي (١٦/ ١٣٩).\n(٢) مسلم، كتاب اللباس، باب تحريم خاتم الذهب على الرجال (٣/ ١٦٥٥) (رقم ٢٠٩٠).\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب قوله - ﷺ -: من غشنا فليس منا (١/ ٩٩) (رقم ١٠٢).","vol":"1","page":264},{"text":"٣ - وعن عائشة ﵂ أنها اشترت نمرقة (١) فيها تصاوير فقام النبي - ﷺ - بالباب فلم يدخل، فقلت: أتوب إلى الله ماذا أذنبت؟ قال: «ما هذه النمرقة؟» قلت: لتجلس عليها وتوسّدها قال: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم! وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة» (٢).\n٤ - وعنها ﵂: «قدم رسول الله - ﷺ - من سفر وقد سترت بقرام لي (٣) على سهوة (٤) فيها تماثيل (٥) فلما رآه رسول الله - ﷺ - هتكه، وقال: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله\". قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين» (٦).\n٥ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «بينما النبي - ﷺ - يصلي رأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بيده، فتغيظ ثم قال: «إن أحدكم إذا كان في\n_________\n(١) النمرقة: قيل هي الوسائد التي يضم بعضها إلى بعض، وقيل: هي الوسائد التي يجلس عليها. انظر: الفتح (١٠/ ٣٣٩)، وشرح النووي (١٤/ ٩٠).\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب اللباس، باب من كره القعود على الصورة (١٠/ ٣٨٩) (رقم ٥٩٥٧)، ومسلم، كتاب اللباس، باب تحريم تصوير صورة الحيوان (رقم ٢١٠٦) (٨٥).\n(٣) القرام: ستر فيه رقم ونقش. انظر: شرح النووي (١٤/ ٨٨)، وفتح الباري (١٠/ ٣٨٧).\n(٤) قيل بيت صغير علقت عائشة ﵂ الستر على بابه، وقيل: الكوة، وقيل: الرف. ورجح القول الأول الحافظ في فتح الباري (١٠/ ٣٨٧). وانظر: شرح النووي (١٤/ ٨٨).\n(٥) التصاوير. انظر: الفتح (١٠/ ٣٨٧)، وشرح النووي (١٤/ ٨٨).\n(٦) البخاري مع الفتح، كتاب اللباس، باب ما وطئ من التصاوير (١٠/ ٣٨٧) (رقم ٥٩٥٤)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم صور الحيوان وما فيه صور غير ممتهنة (٣/ ١٦٦٧)، (رقم ٢١٠٦) (٩٢).","vol":"1","page":265},{"text":"الصلاة فإن الله حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة» (١).\nفهذه كلمات حكيمة قوية مؤثرة تصحبها الحكمة الفعلية، وما ذلك إلا لأن النبي - ﷺ - أسوة الدعاة إلى الله، فقد قال - ﷺ -: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٢).\n٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: «ما خُيِّرَ رسول الله - ﷺ - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا؛ فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله - ﷺ - لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>رابعًا: التهديد الحكيم والوعيد بالعقوبة:</span>\nقال رسول الله - ﷺ -: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله (١٠/ ٥١٧) (رقم ٦١١١).\n(٢) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (١/ ٦٩) (رقم ٤٩).\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ - (٦/ ٥٦٦)، (١٢/ ٨٦، ١٨٦) (برقم ٣٥٦٠).","vol":"1","page":266},{"text":"فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (١).\nوفي هذا الحديث التخويف بتقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، والسر في ذلك- والله أعلم- أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة (٢)، وهذا من حكمته - ﷺ - فقد خوَّف وزجر عن التخلف عن صلاة الجماعة بهذا الوعيد والهم بالتعذيب، فللداعية الحكيم القادر أن يستخدم التخويف بالعقوبة الجائزة شرعًا، أما التعذيب بالنار فقد نسخ (٣).\nولا بد في التهديد والوعيد بالعقوبة من مراعاة الشروط والضوابط الشرعية، والأصول التي دل عليها كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.\nوهذه الشروط، والضوابط، والأصول تجعل الداعية المربِّي في سلامة من الزلل، فلا ينكر منكرًا ويقع ما هو أنكر منه، ولا يسعى في جلب مصلحة ويفوت ما هو أعظم منها؛ فإن من أعظم الحكم في الدعوة إلى الله دفع المفاسد وجلب المصالح، فإن تعارضت المصالح والمفاسد دفعت أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة (٢/ ١٢٥) (برقم ٦٤٤)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها (١/ ٤٥١) (رقم ٦٥١) (٢٥٢).\n(٢) انظر: فتح الباري (٢/ ١٣٠).\n(٣) انظر: المرجع السابق (٢/ ١٣٠)، قال - ﷺ -: «إن النار لا يعذب بها إلا الله» البخاري مع الفتح (٦/ ١٤٩)، برقم ٣٠١٦.","vol":"1","page":267},{"text":"أيسرهما وجلبت أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>خامسًا: حكمة القوة في التربية بالعقوبات الشرعية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>توطئة:</span>\nقرر الإسلام العقوبات الشرعية على ارتكاب الجرائم؛ ليستوفي المجرم جزاءه، ويطهر من هذه الجريمة، ويرتدع أمثاله من ناحية أخرى، وهذا من أبلغ الحكم، ومن أعدل الأحكام، ومن أعظم وسائل حفظ الأمن والاستقرار، وبهذا حفظ الإسلام لأهله: الدين، والنفس، والنسب، والعرض، والعقل، والمال (٢).\nوالدعوة إلى الله - تعالى- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتربية الحسنة لا يتم ذلك كله إلا بتطبيق وتنفيذ العقوبات الشرعية، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وذلك واجب على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبات على ترك الواجبات وفعل المحرمات، ولا يجوز لهم التهاون في تنفيذها؛ لأنها من شرع الله، وتعطيلها يؤدي إلى سخط الله كما يؤدي إلى فساد المجتمع، فإذا أقيمت الحدود ظهرت طاعة الله، ونقصت معصيته، وحصل الخير والنصر والتمكين (٣).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١/ ٣٢٥)، وشرح النووي (٣/ ١٩١)، وإعلام الموقعين لابن القيم (٣/ ١٥ - ١٧).\n(٢) وهذا يعرف عند أهل الأصول بالضروريات. انظر: أضواء البيان (٣/ ٤٤٨).\n(٣) انظر: الحسبة في الإسلام، لابن تيمية (ص ٥٠)، وأصول الدعوة، لعبد الكريم زيدان (ص٢٧٢)، وعناصر القوة في الإسلام (ص ٥١).","vol":"1","page":268},{"text":"وتطبيق هذه العقوبات كما أمر الله من حكمة القوة في الدعوة إلى الله ونصر دينه والتربية الحسنة. وسأذكر معظم هذه العقوبات الشرعية الحكيمة في عشرة أنواعٍ على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>النوع الأول: عقوبة الهجر الحكيم في التربية:</span>\nمن حكمة القوة في التربية: هجر من يظهر المنكرات على وجه التأديب حتى يتوب، كما هجر النبي - ﷺ - الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى أنزل الله توبتهم.\nوهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كان هجره يضعف الشر كان مشروعًا، وإن كان المهجور لا يرتدع بذلك ولا يرتدع به غيره، بل يزيد الشر والهاجر ضعيف وتكون مفسدة الهجر راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، كما كان الهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يتألف قوما ويهجر آخرين (١)، وينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق النفس، فالهجر لحق الله- تعالى- مأمور به والثاني منهي عنه.\nولا شك أن الهجر لحق الله من العقوبات الشرعية، فهو من\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٢٠٤ - ٢٠٧).","vol":"1","page":269},{"text":"جنس الجهاد في سبيل الله (١)، وهذا يفعل؛ لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله.\nوهذا يدل على أن حكمة القوة لها الأثر الكبير عند وضعها في موضعها.\nولهذا يجب على ولي أمر المسلمين- وهو الذي ينبغي أن ينصر الدعوة بعد النبي - ﷺ - أن يعلم بأن إقامة الحدود والعقوبات الشرعية رحمة من الله بعباده، وأن يكون قويا في إقامة الحد لا تأخذه في الله لومة لائم، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، ويكون بمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، فيدخل المريض على نفسه المشقة ويشرب الدواء لينال به الراحة والشفاء (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>النوع الثاني: عقوبة التعزير:</span>\nالتعزير هو العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها (٣)، وقد اتفق العلماء -﵏- على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد. والمعصية نوعان: ترك واجب أو فعل محرم (٤) كما يستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب وإلا قتل، وكما يعاقب تارك\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق (٢٨/ ٢٠٨).\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٣٢٩).\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١٢/ ٥٢٣).\n(٤) انظر: فتاوى ابن تيمية (٣٥/ ٤٠٢).","vol":"1","page":270},{"text":"الزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها (١).\nوالتعزير أجناس: فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب؛ فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة، أو ترك أداء الحقوق الواجبة مثل: ترك وفاء الدين مع القدرة عليه، أو على ترك رد المغصوب، أو أداء الأمانة إلى أهلها فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الواجب ويفرق عليه الضرب يوما بعد يوم، وإن كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب ونكالًا من الله له فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط، وليس لأقله حد.\nأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال وأعدلها أنه لا يتقدر بحد، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر مثل التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير الزنا واللواط لا يبلغ به الحد (٢).\nأما حديث «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» (٣) فقد فسره طائفةٌ من أهل العلم بأن المراد بحدود الله\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق (٢٨/ ٣٤٧)، والحسبة في الإسلام لابن تيمية (ص ٥٠).\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ١٠٨)، والحسبة في الإسلام (ص ٥٢).\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الحدود، باب التعزير والأدب (١٢/ ١٧٥)، (برقم ٦٨٤٨)، ومسلم، كتاب الحدود، باب قدر أسواط التعزير (٣/ ١٣٣٢) (برقم ١٧٠٨).","vol":"1","page":271},{"text":"ما حُرِّم لحق الله، ومراد الحديث أن من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز، وكتأديب الأب ولده الصغير فلا يزيد على عشر جلدات في التأديبات (١).\nثم من لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل مثل: المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>النوع الثالث: القصاص:</span>\nأوجب الله - تعالى - القصاص في جريمة قتل العمد والاعتداء على الأطراف، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الألبابِ لَعَلَّكُمْ\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٣٤٨)، وفتح الباري (١٢/ ١٧٨).\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ١٠٨، ١١٢، ١١٣، ٣٤٨)، والحسبة في الإسلام لابن تيمية أيضًا (ص٥٢).\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٤٥.","vol":"1","page":272},{"text":"تَتَّقُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>النوع الرابع: حد الزنا واللواط:</span>\n١ - الزاني إن كان محصنًا؛ فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت كما رجم النبي - ﷺ - ماعز بن مالك الأسلمي، ورجم الغامدية، ورجم اليهوديين، ورجم غير هؤلاء، ورجم المسلمون بعده (٢).\n٢ - وإن كان الزاني غير محصن؛ فإنه يجلد مائة جلدة بكتاب الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ويغرّب عامًا بسنة رسول الله - ﷺ - (٤).\n٣ - وأما اللواط فالصحيح الذي اتفق عليه الصحابة أنه يقتل الاثنان: الأعلى والأسفل، فعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (٥)، ولم يختلف الصحابة في قتله ولكن تنوعوا فيه (٦).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٩.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٣٣٣).\n(٣) سورة النور، الآية: ٢.\n(٤) انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٣٣٣).\n(٥) أخرجه أصحاب السنن: أبو داود، كتاب الحدود، باب فيمن عمل عمل قوم لوط، (٤/ ١٥٨) (برقم ٤٤٦٢)، والترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في حد اللواط (٤/ ٥٧) (برقم ١٤٥٦)، وابن ماجه، كتاب الحدود، باب من عمل عمل قوم لوط (٢/ ٨٥٦) (برقم ٢٥٦٤)، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٧٣ رقم ٤٤٦٢): حسن صحيح.\n(٦) انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٣٣٥).","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>النوع الخامس: حد القذف:</span>\nحفظ الإسلام الأعراض من الاعتداء عليها، وجعل عقوبة القاذف ثمانين جلدة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\nوهذا الحد جاء به الكتاب والسنة وأجمع عليه المسلمون؛ فإذا قذف المحصن بالزنا أو اللواط وجب الحد على قاذفه، والمحصن هنا هو الحر العفيف، وفي باب حد الزنا هو الذي وطئ وطأً كاملًا في نكاح تام (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>النوع السادس: حد شرب الخمر:</span>\nوحد الشرب ثابت بسنة رسول الله - ﷺ - وإجماع المسلمين، فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه ضرب في شرب الخمر بالجريد والنعال أربعين، وضرب أبو بكر - ﵁ - في خلافته أربعين، وضرب عمر - ﵁ - في خلافته ثمانين، وكان علي - ﵁ - يضرب مرة أربعين ومرة ثمانين.\nفمن العلماء من يقول يجب ضرب الثمانين، ومنهم من يقول: الواجب أربعون والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس\n_________\n(١) سورة النور، الآيتان: ٤ - ٥.\n(٢) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٨/ ٣٤٢).","vol":"1","page":274},{"text":"الخمر أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>النوع السابع: حد السرقة:</span>\nالسرقة اعتداء على مال معصوم لا شبهة له فيه يأخذه خفية بشروط معينة منها: أن يكون المال محرزا، ولا تقل قيمته عن ربع دينار، وحينئذ يجب عليه حد السرقة بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).\nولا يجوز بعد اكتمال شروط القطع وثبوت الحد عليه بالبينة أو بالإقرار تأخيره لا بحبس ولا مال يفتدي به ولا غيره بل تقطع يده اليمنى في الأوقات المعظمة وغيرها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>النوع الثامن: حد المحاربين قطاع الطريق:</span>\nقطاع الطريق هم المحاربون الذين يتعرضون للناس بالسلاح في الصحراء والطرقات؛ ليغصبوهم المال مجاهرة بالقوة والقهر وسواء ارتكب هذه الجريمة فرد أو جماعة فإنه يسمى بالمحارب (٤).\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق (٢٨/ ٣٣٦).\n(٢) سورة المائدة، الآيتان: ٣٨ - ٣٩.\n(٣) انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٣٢٩).\n(٤) انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٣٠٩)، والمغني لابن قدامة (١٢/ ٤٧٤).","vol":"1","page":275},{"text":"والأصل في عقوبتهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).\nوعن ابن عباس ﵄ أنه قال في قطاع الطريق: «إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض» (٢)، وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد، أما من كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتل حدًّا لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول بخلاف ما لو قتل رجل رجلًا لعداوة بينهما. أما غير القاتل فمنهم من قال للإمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى في قتله مصلحة، والقول الأول قول الأكثر (٣).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآيتان: ٣٣، ٣٤).\n(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب السرقة، باب قطاع الطريق (٨/ ٢٨٣ رقم ١٧٠٩٠) وفي سننه الصغرى (٧/ ٣٣١ رقم ٣٣٩٣)، وانظر: المغني (١٢/ ٤٧٥)، وفتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٣١٠).\n(٣) انظر: فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٣١٠).","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>النوع التاسع: عقوبة المرتد:</span>\nالمرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر بفعلٍ، أو قولٍ، أو اعتقادٍ، أو شكٍّ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).\nوقال النبي - ﷺ -: «من بدَّل دينه فاقتلوه» (٢).\nوقال النبي - ﷺ -: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٣).\nفمن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغًا عاقلًا استتيب ثلاثة أيام فإن رجع وإلا قتل بالسيف (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>النوع العاشر: قتال أهل البغي:</span>\nجريمة البغي هي خروج جماعة ذات قوة وشوكة بتأويل سائغ على الإمام يريدون خلعه بالقوة والعنف، فعلى الإمام أن يراسلهم فيسألهم ما ينقمون منه؟ فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادَّعوا شبهة\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢١٧.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله (٦/ ١٤٩)، (برقم ٣٠١٧)، وفي كتاب حكم المرتد (١٢/ ٢٦٧) (برقم ٦٩٢٢).\n(٣) أخرجه البخاري مع الفتح، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١٢/ ٢٠١) (برقم ٦٧٧٨)، ومسلم، كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم (٣/ ١٣٠٢) (برقم (١٦٧٦).\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١٢/ ٢٦٤)، وفتاوى ابن تيمية (٣٥/ ٩٩ – ٢٠٦).","vol":"1","page":277},{"text":"كشفها، فإن رجعوا وإلا قاتلهم، وعلى المسلمين القتال مع إمامهم، والأصل في هذه الجريمة (١) وعقوبتها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢).\nوقال رسول الله - ﷺ -: «ستكون هنات وهنات (٣)، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان» (٤).\nوقال النبي - ﷺ -: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه» (٥) (٦).\nوصلى اللَّه على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) انظر: المغني (١٢/ ٢٣٧)، وفتاوى ابن تيمية (٣٥/ ٥)، وأصول الدعوة لعبد الكريم زيدان (ص٢٧٩).\n(٢) سورة الحجرات، الآيتان: ٩ - ١٠.\n(٣) الفتن والأمور الحادثة. انظر: شرح النووي (١٢/ ٢٤١).\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع (٣/ ١٤٧٩) (برقم ١٨٥٢).\n(٥) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع (٣/ ١٤٨٠) (برقم ١٨٥٢) (٦٠).\n(٦) انظر: حكمة القوة الفعلية مع الكفار، في الحكمة في الدعوة إلى الله للمؤلف، (ص ٨١١ - ٨٥٢)، وحكمة القوة الفعلية مع عصاة المسلمين، المرجع السابق نفسه (ص ٨٥٣ - ٨٧٨).","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>المصادر والمراجع</span>\n١ - الآحاد والمثاني، لأحمد بن عمرو بن الضحاك أبي بكر الشيباني، ت ٢٨٧هـ، تحقيق د. باسم فيصل أحمد الجوابرة، ط١، ١٤١١ـ، دار الراية، الرياض.\n٢ - أحاديث في الصحة، نبيل الطويل.\n٣ - أحكام الأسرة في الإسلام، محمد سلام مدكور.\n٤ - إحياء علوم الدين، للإمام الغزالي، دار الندوة الجديدة، بيروت.\n٥ - الإخوان، لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا القرشي البغدادي، (٢٨١هـ)، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ - ١٩٨٨.\n٦ - آداب الصحبة، لأبي عبد الرحمن السلمي (٤١٢هـ)، تحقيق مجدي فتحي السيد، دار الصحابة للتراث، طنطا، مصر، الطبعة الأولى، ١٤١٠ - ١٩٩٠هـ.\n٧ - أدب الدنيا والدين، تحقيق وتعليق مصطفى السقا، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٨ - الأدب المفرد، للإمام أبي عبد الله محمد إسماعيل البخاري، تحقيق محمود فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثالثة ١٤٠٩هـ، دار البشائر الإسلامية.\n٩ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٠ - الاستذكار، للإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، ت ٤٦٣ هـ، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى، ١٤٠١هـ، دار قتيبة للطباعة والنشر، دمشق، بيروت.\n١١ - أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير؛ عز الدين علي بن محمد (ت٦٣٠هـ)، بيروت، نشر المكتبة الإسلامية لصاحبها رياض الحاج.\n١٢ - الأسرة بين الجاهلية والإسلام. بشير العوا. دار الفكر الإسلامي.\n١٣ - الإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني دار صادر، بيروت، لبنان.\n١٤ - إصلاح المال، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا القرشي البغدادي (ت ٢٨١هـ)، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت","vol":"1","page":313},{"text":"- لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ - ١٩٩٣هـ\n١٥ - أصول الدعوة، للدكتور عبد الكريم زيدان، الطبعة الثالثة، ١٣٩٦هـ، مكتبة المنار الإسلامية.\n١٦ - أعلام المسلمين للبيطار.\n١٧ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، طبعة ١٤٠٧هـ، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت.\n١٨ - اقتضاء العلم العمل، أحمد بن علي بن ثابت البغدادي أبو بكر (ت ٤٦٣هـ)، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٣٩٧هـ.\n١٩ - الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف، لعلي بن سليمان المرداوي، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر.\n٢٠ - أهداف الأسرة في الإسلام والتيارات المعاصرة، حسين محمد يوسف.\n٢١ - الإيمان، لمحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، تحقيق حمد بن حمدي الجابري الحربي، الدار السلفية، الكويت، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ.\n٢٢ - بناء الأسرة المسلمة، الحلقة الثانية، حسين محمد يوسف\n٢٣ - تاج العروس، الطبعة الأولى، بيروت، منشورات دار الحياة، ١٣٠٦هـ.\n٢٤ - التاريخ الإسلامي، محمود شاكر، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٢٥ - تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت ٣١٠هـ، الطبعة الثانية، ١٤٠٨هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٢٦ - التاريخ الكبير، محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.","vol":"1","page":314},{"text":"٢٧ - تاريخ بغداد، أحمد بن علي أبو بكر الخطيب البغدادي، (ت ٤٦٣هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٨ - تاريخ دمشق وذكر فضلها، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، ت ٥٧١هـ، دراسة وتحقيق علي شيري، دار الفكر والطباعة والنشر والتوزيع.\n٢٩ - تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، لأبي العُلا محمد عبد الرحمن عبد الرحيم المباركفوري، ت ١٣٥٣ هـ، الطبعة الثانية، ١٤٥٧ هـ، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n٣٠ - تحفة المودود بأحكام المولود، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١هـ، تحقيق بشير محمد عيون، الطبعة الثانية، ١٤٠٧هـ، مكتبة دار البيان، دمشق، ومكتبة المؤيد، الطائف، المملكة العربية السعودية.\n٣١ - تربية الأولاد في الإسلام، لعبد الله بن ناصح علوان، الطبعة الثالثة، ط ١٤٠١هـ، دار السلام، بيروت، لبنان.\n٣٢ - تربية البنين، منظومة رجزية، محمد سالم البحاني.\n٣٣ - الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ت ٦٥٦هـ، الطبعة الثالثة، ١٣٨٨هـ، دار إحياء التراث العربي.\n٣٤ - التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان وتمييز سقيمه من صحيحه، وشاذه من محفوظه، محمد ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠هـ)، دار باوزير.\n٣٥ - تفسير ابن أبي حاتم، الإمام الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق أسعد محمد الطيب، المكتبة العصرية - صيدا.\n٣٦ - تفسير البغوي (معالم التنزيل)،للإمام الحافظ أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي ت٥١٦ هـ، تحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار، الطبعة الأولى،١٤٠٦ هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٣٧ - تفسير القرآن الحكيم لمحمد رشيد رضا، الطبعة الثانية، بيروت، دار المعرفة.\n٣٨ - تفسير القرآن العظيم، للإمام إسماعيل بن عمر بن كثير ت ٧٤٧هـ، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٣٩ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، للحافظ أحمد بن علي بن محمد","vol":"1","page":315},{"text":"العسقلاني، ٧٧٣هـ، توزيع رياسة إدارات البحوث العلمية.\n٤٠ - التمثيل والمحاضرة، لأبي منصور الثعالبي، تحقيق زهية سعدو، رسالة دكتوراه، جامعة الجزائر، ٢٠٠٥م.\n٤١ - التمهيد، للإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله القرطبي ابن عبد البر، ت ٤٦٥هـ.\n٤٢ - تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر، لأبي الفرج بن الجوزي، دار الصحابة للتراث، طنطا، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ- ١٩٩١م.\n٤٣ - تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري (ت ٣١٠هـ)، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة.\n٤٤ - التواضع والخمول، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد ابن أبي الدنيا القرشي البغدادي (ت ٢٨١هـ)، تحقيق محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ - ١٩٨٩.\n٤٥ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، الطبعة الأولى ت ١٣٧٦هـ، تحقيق عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة.\n٤٦ - الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب، محمد ناصر الدين الألباني، غراس للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى.\n٤٧ - جامع الأصول من أحاديث الرسول، لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، ت٦٥٦ هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤٥٣ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٤٨ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت ٣١٠هـ، تحقيق محمود محمد شاكر، توزيع دار التربية والتراث، مكة المكرمة.","vol":"1","page":316},{"text":"٤٩ - الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، تحقيق أحمدمحمد شاكر، وأتمه إبراهيم عطوة عوض، المكتبة الإسلامية.\n٥٠ - الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله بن أحمد الأنصاري القرطبي، الطبعة الأولى عام ١٤١٤ هـ، تحقيق الدكتور محمد بن إبراهيم الحفناوي، نشر دار الحديث، القاهرة.\n٥١ - جزء إملاء النسائي\n٥٢ - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، الرياض، نشر مكتبة الرياض الحديثة ١٣٩٢هـ\n٥٣ - حاشية الإمام السندي على سنن النسائي، للعلامة عبد الهادي السندي، ت ١١٣٨ هـ، المطبوع مع سنن النسائي بعناية عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\n٥٤ - الحسبة في الإسلام، لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، ت ٧٢٨ هـ، بدون تاريخ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٥٥ - حقوق الإنسان في الإسلام.\n٥٦ - الحكمة في الدعوة إلى الله، سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الطبعة الثالثة، ١٤١٧ هـ، توزيع مؤسسة الجريسي، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٥٧ - حلية الأولياء وطبقات ألأصفياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، ت ٤٣٠هـ، بدون تاريخ، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٥٨ - خلاصة البدر المنير، لعمر بن علي بن الملقن الأنصاري المتوفى (٧٢٣هـ)، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ.\n٥٩ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ١٩٩٣م، دار الفكر، بيروت.\n٦٠ - الدراية في تخريج أحاديث الهداية، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق عبد هاشم اليماني المدني، دار المعرفة، بيروت.\n٦١ - ديوان أبي العتاهية، دار الكتب العلمية، بيروت، منشورات: محمد علي بيضون، ١٤١٩هـ /١٩٩٨م، بدون طبعة.\n٦٢ - ديوان الإمام الشافعي، لأبى عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ت ٢٥٤ هـ،","vol":"1","page":317},{"text":"جمعه وعلق عليه محمد عفيف الزعبي، الطبعة الثالثة، ١٣٩٢ هـ، مؤسسة الزعبي، بيروت، لبنان.\n٦٣ - ديوان فتيان بن علي الشاغوري، تحقيق أحمد الجودي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.\n٦٤ - الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، للفقيه المحدث عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي، قدم له وعلق عليه وضبطه طه عبد الرؤوف سعد، دار المعرفة، بيروت، ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.\n٦٥ - رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي، حققه علي عبد الحميد أبو الخير، دار الخير، دمشق، عام ١٤١٨هـ-١٩٩٨م.\n٦٦ - الرياض النضرة في مناقب العشرة، أحمد بن عبد الله الشهير بالمحب الطبري، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢٤هـ- ٢٠٠٣م.\n٦٧ - زاد المسير في علم التفسير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، ت ٥٩٦هـ، الطبعة الأولى، ١٣٨٤هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٦٨ - زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٦٩ - الزهد والرقائق، للإمام عبد الله بن المبارك المروزي، ت ١٨١ هـ، تحقيق أحمد فريد، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار المعراج الدولية للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٧٠ - الزهد، للإمام أحمد بن حنبل، مطبعة أم القرى بمكة المكرمة، عام ١٣٥٧هـ.\n٧١ - الزهد، لوكيع بن الجراح، ت ٢٢٩هـ، تحقيق عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، ١٤٠٤هـ، مكتبة الدار، المدينة المنورة.\n٧٢ - الزهد، لهناد بن السري الكوفي، تحقيق عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، ط١،١٤٠٦هـ، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت.\n٧٣ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة ١٤٩٨هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٧٤ - سلسلة الأحاديث الضعيفة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة","vol":"1","page":318},{"text":"١٤٩٨هـ، المكتب الإسلامي بيروت.\n٧٥ - سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، ت ٢٧٥ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n٧٦ - سنن أبي داود، الطبعة الأولى عام ١٤٢٠هـ، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٧٧ - سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، ت ٢٧٩ هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، ١٣٩٨ هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، مصر.\n٧٨ - سنن الدارقطني، للإمام علي بن عمر الدارقطني، ت ٣٨٥هـ، دار المحاسن للطباعة، القاهرة.\n٧٩ - سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت ٢٥٥ هـ، طبعة ١٤٠٤ هـ، تحقيق عبد الله بن هاشم اليماني، توزيع الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٨٠ - السنن الصغرى (المنة الكبرى شرح وتخريج السنن الصغرى) لأبي بكر البيهقي، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، مكتبة الرشد، الرياض، ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م.\n٨١ - السنن الكبرى، لأحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري، وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١١هـ.\n٨٢ - السنن الكبرى، للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي،\nت ٤٥٨ هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٨٣ - سنن النسائي (المجتبى)، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب، ت ٣٠٣ هـ، بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، ت ٩١١ هـ، وحاشية السندي،\nت ١١٣٨ هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، اعتنى به ورقمه عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\n٨٤ - سنن النسائي، للإمام أحمد بن شعيب النسائي، الطبعة الأولى عام ١٤٢٠هـ، دار السلام للنشر والتوزيع الرياض المملكة العربية السعودية.\n٨٥ - سيرة ابن هشام، لأبي محمد بن عبد الملك بن هشام، تحقيق محمد محيي الدين","vol":"1","page":319},{"text":"عبد الحميد، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء.\n٨٦ - شرح الزرقاني على الموطأ، محمد بن عبد الباقي بن يوسف، الزرقانى،\nت ١١٢٢ هـ، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٨٧ - شرح السنة، للإمام أبي محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، ت ٣٢٩ هـ، تحقيق أبي ياسر خالد بن قاسم الردادي، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية.\n٨٨ - شرح السندي على سنن ابن ماجه، المطبوع مع سنن ابن ماجه، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٨٩ - الشرح الكبير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ٦٨٢هـ، المطبوع مع الإنصاف والمقنع، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر.\n٩٠ - الشرح الممتع، لابن عثيمين، الطبعة الثالثة، ١٤١٥هـ، مؤسسة آسام للنشر، المملكة العربية السعودية.\n٩١ - شرح النووي على صحيح مسلم، ليحيى بن شرف الدين النووي، مراجعة خليل الميس، دار القلم، بيروت، لبنان.\n٩٢ - شعب الإيمان، للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت ٤٥٨ هـ، تحقيق أبي هاجر محمد السعيد بسيوني زغلول، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٩٣ - الشكر، لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا القرشي البغدادي (ت ٢٨١هـ)، تحقيق بدر البدر، المكتب الإسلامي - الكويت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٠ - ١٩٨٠.\n٩٤ - الشمائل المحمدية، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك\n(ت ٢٧٩هـ)، تحقيق سيد عباس الجليمي، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ.\n٩٥ - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، طبعة دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة، ١٩٩٠م.\n٩٦ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، للإمام أبي حاتم محمدبن أحمدبن حبان","vol":"1","page":320},{"text":"البستي، ت٣٥٤ هـ، رتبه الأمير علاء الدين علي بن سليمان بن بلبان الفارسي، ت ٧٣٩ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثانية،\n١٤١٤ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٩٧ - صحيح ابن خزيمة، للإمام أبي بكر محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي النيسابوري، ت ٣١١ هـ، تحقيق محمد مصطفى الأعظمى، طبعة ١٣٩٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٩٨ - صحيح ابن ماجه، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٩٩ - صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، بقلم محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية ١٤١٥هـ، دار الصديق، الجبيل، المملكة العربية السعودية.\n١٠٠ - صحيح البخاري، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ت ٢٥٦ هـ، طبعة ١٤١٤ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان. وطبعة ١٣١٥ هـ، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا، والنسخة المطبوعة مع فتح الباري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وإشراف محب الدين الخطيب، بدون تاريخ، مكتبة الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٠١ - صحيح الترغيب والترهيب، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٠٢ - صحيح الجامع الصغير، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى ١٣٨٨هـ، المكتب الإسلامي.\n١٠٣ - صحيح سنن ابن ماجه باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٠٤ - صحيح سنن أبي داود، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٠٥ - صحيح سنن الترمذي، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٠٦ - صحيح سنن النسائي، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":321},{"text":"١٠٧ - صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ت ٢٦١ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n١٠٨ - صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، لمحمد ناصر الدين الألباني، دار الصميعي، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ- ٢٠٠٢م.\n١٠٩ - الصداقة والصديق.\n١١٠ - الصمت وآداب اللسان، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد ابن أبي الدنيا القرشي البغدادي (٢٨١هـ)، تحقيق أبي إسحاق الحويني، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ.\n١١١ - ضعيف الجامع الصغير، للعلامة الألباني ناصر الدين، الطبعة الأولى ١٣٨٨هـ، المكتب\n١١٢ - ضعيف سنن ابن ماجه، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط١، ١٤٠٨هـ- ١٩٨٨م.\n١١٣ - ضعيف سنن أبي داود، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض- والمكتب الإسلامي، بيروت - لبنان، ط١، ١٤١٢هـ - ١٩٩١م.\n١١٤ - ضعيف سنن الترمذي، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، أشرف على طباعته زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت - لبنان، ط١، ١٤١١هـ- ١٩٩١م، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض.\n١١٥ - ضعيف سنن النسائي، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.\n١١٦ - غريب الحديث، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن حمادي بن أحمد بن جعفر، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٥م.\n١١٧ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ٨٥٢هـ، أشرف على مقابلة نسخه المطبوعة والمخطوطة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، نشر مكتبة الرياض الحديثة.\n١١٨ - الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد، ت ٢٣٠ هـ، بدون تاريخ، تصوير","vol":"1","page":322},{"text":"بيروت، دار صادر.\n١١٩ - الطفل في الشريعة الإسلامية، د. محمد بن أحمد الصالح.\n١٢٠ - العبودية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تقديم وتحقيق الشيخ عبد الرحمن الباني - المكتب الإسلامي - ط ثانية - بيروت ١٣٨٩ هـ.\n١٢١ - علل الحديث، لابن أبي حاتم أبي محمد عَبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن مهران الرازي، (ت ٣٢٧هـ)، تحقيق الدكتور سعد بن عبد الله الحميد.\n١٢٢ - العلل الكبير الترمذي، شرح علل للترمذي، للدكتور نور الدين عتر، الطبعة الأولى، ١٣٩٨هـ، دار الملاح للطباعة والنشر.\n١٢٣ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لعبد الرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق خليل الميسعمدة القاري، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣هـ.\n١٢٤ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني، ت ٨٥٥، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n١٢٥ - عمل اليوم والليلة، للحافظ أبي بكر أحمد بن محمد الدينوري المعروف بابن السني، ت ٢٦٥ هـ، تحقيق بشير محمد عيون، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، مكتبة دار البيان، دمشق، سورية.\n١٢٦ - العيال، لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا القرشي البغدادي (ت ٢٨١هـ]، تحقيق د نجم عبد الرحمن خلف، دار ابن القيم - السعودية - الدمام.\n١٢٧ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع أحمد بن عبد الرزاق الدويش، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ، نشر إدارة البحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.\n١٢٨ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ت ١٢٥٠ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٢٩ - الفروع، لمحمد بن مفلح المقدسي، ت٧٦٣هـ، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٣٠ - فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل","vol":"1","page":323},{"text":"البخاري، تأليف فضل الله الجيلاني، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧هـ، دار الطبعة السلفية، القاهرة.\n١٣١ - فقه اللغة وسرُّ العربية، لأبي منصور الثعالبي، مصر، المطبعة الرحمانية، ١٣٤٦هـ.\n١٣٢ - في ظلال القرآن، سيد قطب، الطبعة التاسعة، ١٤٠٠هـ، دار الشروق، بيروت، القاهرة.\n١٣٣ - فيض القدير شرح الجامع الصغير، للعلامة عبد الرؤوف المناوي، ت ١٠٣١ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٣٤ - القاموس الفقهي: لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ، دار الفكر، دمشق، سورية.\n١٣٥ - القاموس المحيط، للعلامة مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ت ٨١٧ هـ الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٣٦ - الكافي لابن قدامة: عبد الله بن أحمد بن محمد، ت ٦٢٠هـ تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر.\n١٣٧ - الكامل في التاريخ، لابن الأثير:، علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم، ت ٦٣٠هـ، الطبعة السادسة ١٤٠٦هـ، دار الكتاب العربي.\n١٣٨ - الكامل في ضعفاء الرجال، لعبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد، أبو أحمد الجرجاني، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٩ - ١٩٨٨م.\n١٣٩ - الكبائر، أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، حققه وعلق عليه أسامة صلاح الدين منيمنة، مكتبة المعارف، الرياض، ط١، ١٤١٠هـ.\n١٤٠ - كتاب السنة، للحافظ أبي بكر عمر بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، ت ٢٨٧ هـ، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة لمحمد بن ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٤١ - كشف الأستار عن زوائد البزار، للهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٢، ١٤٠٤هـ.","vol":"1","page":324},{"text":"١٤٢ - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، للعلامة إسماعيل بن محمد العجلوني، ت ١١٣٢ هـ، بإشراف وتصحيح أحمد القلاش، الطبعة الثالثة،١٤٠٣ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٤٣ - الكلم الطيب من أذكار النبي - ﷺ -، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، ت ٨٢٧ هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الثالثة، ١٤٠٣ هـ، دار البيان، دمشق، سورية.\n١٤٤ - لسان العرب، لابن منظور: جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ، دار صادر، بيروت، لبنان.\n١٤٥ - الضعفاء الكبير، لأبي جعفر محمد بن عمر بن موسى العقيلي، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، دار المكتبة العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م.\n١٤٦ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين على بن أبي بكر الهيثمي، ت ٨٠٧ هـ، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n١٤٧ - مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن القاسم، أشرف على طباعته المكتب السعودي بالمغرب.\n١٤٨ - مجموع فتاوى ابن باز، جمع عبد الله الطيار، وأحمد الباز، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٤٩ - محمد، الطبعة الأولى، بيروت، دار العربية.\n١٥٠ - المحلى بالآثار، لمحمد بن علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، تحقيق أحمد شاكر، مكتبة دار التراث، القاهرة، بدون تاريخ.\n١٥١ - محيط المحيط، المعلم بطرس البستاني، طبعة جديدة، ١٩٨٧م، مكتبة لبنان، بيروت.\n١٥٢ - المختارة للمقدسي (الأحاديث المختارة)، أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد الحنبلي المقدسي ٦٤٣هـ، تحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ.\n١٥٣ - مختصر الخرقي المطبوع مع المغني، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ، دار هجر للطباعة والنشر.","vol":"1","page":325},{"text":"مداراة الناس، لأبي بكر بن أبي الدنيا، تحقيق محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم، بيروت.\n١٥٤ - المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٥٥ - مسند أبي داود الطيالسي، لأبي داود سليمان بن داود الطيالسي (٢٠٤ هـ)، تحقيق: د. محمد بن عبد المحسن التركي، طبع دار هجر بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n١٥٦ - مسند أبي يعلى الموصلي، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن المثني التميمي، ت ٣٠٧ هـ، تحقيق حسين سليم أسد، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ، دار الثقافة العربية، دمشق، بيروت.\n١٥٧ - مسند إسحاق بن راهويه، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي، تحقيق: د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ - ١٩٩١م.\n١٥٨ - مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، النسخة المحققة، تحقيق مجموعة من أهل العلم أشرف على التحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت- لبنان.\n١٥٩ - مسند البزار (البحر الزخار)، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (ت٢٩٢هـ)، تحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله، مؤسسة علوم القرآن/ مكتبة العلوم والحكم، بيروت/ المدينة النبوية، ١٤٠٩هـ.\n١٦٠ - مسند الحميدي، عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، مكتبة المتنبي - بيروت، القاهرة.\n١٦١ - مسند الشاميين، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ - ١٩٨٤م.\n١٦٢ - مسند الشهاب، محمد بن سلامة بن جعفر أبو عبد الله القضاعي، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفيمسند الطيالسي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ - ١٩٨٦م.\n١٦٣ - مسند الفردوس (الفردوس بمأثور الخطاب)، أبو شجاع شيرويه بن شهرداد بن","vol":"1","page":326},{"text":"شيرويه الديلمي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.\n١٦٤ - مسند عبد بن حميد (المنتخب من مسند عبد بن حميد) لعبد بن حميد بن نصر أبي محمد الكشي، تحقيق: صبحي البدري السامرائي، ومحمود محمد خليل الصعيدي، مكتبة السنة - القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.\n١٦٥ - مشكاة المصابيح، لمحمد عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٦٦ - مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، لشهاب الدين البوصيري (ت ٨٤٠هـ)، ط١، بيروت، دار الجنان، ١٤٠٦هـ.\n١٦٧ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقرئ الفيومي، بدون تاريخ، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.\n١٦٨ - مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٦٩ - المصنف في الأحاديث والآثار، لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، تحقيق كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٩م.\n١٧٠ - المعجم الأوسط، للطبراني، المجموع في مجمع البحرين في زوائد المعجمين، مكتبة الرشد، الرياض.\n١٧١ - المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ت ٣٦٠هـ، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الجمهورية العراقية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، إحياء التراث.\n١٧٢ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، الطبعة الثانية، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا.\n١٧٣ - معجم شيوخ ابن الأعرابي، لأحمد بن محمد بن زياد، (ت ٣٤٠هـ)، تحقيق محمود نصار، والسيد يوسف أحمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٨م.\n١٧٤ - معجم لغة الفقهاء، للأستاذ الدكتور، محمد رواس الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار النفائس، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":327},{"text":"١٧٥ - معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام هارون، الطبعة الأولى، القاهرة، دار إحياء الكتاب العربية، ١٣٦٨هـ.\n١٧٦ - معرفة الصحابة، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (ت ٤٣٠هـ)، تحقيق عادل بن يوسف العزازي، دار الوطن للنشر - الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n١٧٧ - المغني، لعبد الله أحمد بن محمد بن قدامة ت ٦٢٠، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، هجر للطباعة، القاهرة.\n١٧٨ - مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، المقدمة، دار القلم، بيروت، ط٥، ١٩٨٤م.\n١٧٩ - المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، لمجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن تيمية، تصحيح محمد حامد الفقي، ١٤٠٢هـ، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٨٠ - منظومة البيحاني في تربية البنين،\n١٨١ - المنهاج النبوي في دعوة الشباب، لسليمان بن قاسم العيد، دار العاصمة، الطبعة الأولى، المملكة العربية السعودية، الرياض، ١٤١٥هـ.\n١٨٢ - الموسوعة الفقهية الكويتية، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ، مطابع دار صفوة للنشر والتوزيع، توزيع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت.\n١٨٣ - موضح أوهام الجمع والتفريق،\n١٨٤ - موطأ الإمام مالك، للإمام مالك بن أنس، ت ١٧٩ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وأولاده.\n١٨٥ - ندوة الجامع الكبير بالرياض بتاريخ ١٥/ ٥/١٤٣١هـ،\n١٨٦ - النعوت الأسماء والصفات، لأحمد بن شعيب النسائي، تحقيق د. عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة الأولى، ١٩٩٨م.\n١٨٧ - النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير: أبي السعادات المبارك بن محمد، ت ٦٠٦هـ، تحقيق محمود محمد الطناحي وطاهر أحمد الزاوي، المكتبة العلمية، بيروت.","vol":"1","page":328},{"text":"١٨٨ - نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول، لأبي عبد الله محمد الحكيم الترمذي، دار صادر، بيروت.\n١٨٩ - نيل الأوطار، للشوكاني، تحقيق أحمد محمد السيد ومحمود إبراهيم بزّال، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ، دار الكلم الطيب، دمشق، بيروت.\n١٩٠ - الورع، لعبد الله بن محمد أبي بكر القرشي البغدادي، تحقيق: أبي عبد الله محمد بن حمد الحمود، الدار السلفية - الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ - ١٩٨٨م.","vol":"1","page":329}]}