{"ً":{"ٌ":96482,"ٍ":"تبريد حرارة المصيبة عند موت الأحباب وفقد ثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: تبريد حرارة المصيبة عند موت الأحباب وفقد ثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد في ضوء الكتاب والسُّنَّة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٤٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":23,"ٖ":1770154052,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"١ - صلوات الله ورحمته وهدايته للصابرين","level":1,"page":5},{"title":"٢ - الاستعانة بالصبر من أسباب السعادة","level":1,"page":7},{"title":"٣ - محبة الله للصابرين،","level":1,"page":7},{"title":"٤ - معية الله مع الصابرين","level":1,"page":7},{"title":"٥ - استحقاق دخول الجنة لمن صبر","level":1,"page":7},{"title":"٦ - الصابرون يوفون أجرهم بغير حساب","level":1,"page":7},{"title":"٧ - جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ","level":1,"page":7},{"title":"٨ - ما أصاب من مصيبة في النفس","level":1,"page":8},{"title":"٩ - الله تعالى يجزي الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون","level":1,"page":9},{"title":"١٠ - ما يقال عند المصيبة والجزاء والثواب والأجر العظيم على ذلك","level":1,"page":9},{"title":"١١ - الأجر العظيم والثواب الكثير والفوز بالجنة","level":1,"page":10},{"title":"١٢ - أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل","level":1,"page":11},{"title":"١٣ - من كان بلاؤه أكثر فثوابه وجزاؤه أعظم وأكمل","level":1,"page":12},{"title":"١٤ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة","level":1,"page":13},{"title":"١٥ - فضل من يموت له ولد فيحتسبه","level":1,"page":14},{"title":"١٦ - من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجابا من النار","level":1,"page":14},{"title":"١٧ - من قدم اثنين من أولاده دخل الجنة","level":1,"page":14},{"title":"١٨ - من مات له واحد من أولاده فاحتسبه وصبر دخل الجنة","level":1,"page":15},{"title":"١٩ - من مات له ولد فاحتسبه وجده ينتظره عند باب الجنة","level":1,"page":16},{"title":"٢٠ - المؤمن إذا مات ولده سواء كان ذكرا أو أنثى وصبر واحتسب وحمد الله على تدبيره","level":1,"page":17},{"title":"٢١ - السقط يجر أمه بسره إلى الجنة","level":1,"page":17},{"title":"٢٢ - ومما يشرح صدر المسلم","level":1,"page":17},{"title":"٢٣ - من تصبر ودرب نفسه على الصبر صبره الله وأعانه وسدده","level":1,"page":19},{"title":"٢٤ - من أراد الله به خيرا أصابه بالمصائب؛ ليثيبه عليها","level":1,"page":19},{"title":"٢٥ - أمر المؤمن كله خير في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء","level":1,"page":19},{"title":"٢٦ - المصيبة تحط الخطايا حطا كما تحط الشجرة ورقها","level":1,"page":20},{"title":"٢٧ - يجتهد المسلم في استكمال شروط الصبر","level":1,"page":20},{"title":"الشرط الأول: الإخلاص لله - ﷿ - في الصبر","level":2,"page":20},{"title":"الشرط الثاني: عدم شكوى الله تعالى إلى العباد","level":2,"page":21},{"title":"الشرط الثالث: أن يكون الصبر في أوانه، ولا يكون بعد انتهاء زمانه","level":2,"page":21},{"title":"٢٨ - أمور لا تنافي الصبر ولا بأس بها","level":1,"page":22},{"title":"الأمر الأول: الشكوى إلى الله تعالى","level":2,"page":22},{"title":"الأمر الثاني: الحزن ودمع العين","level":2,"page":23},{"title":"٢٩ - الأمور التي تعين على الصبر على المصيبة بفقد الأحباب كثيرة منها ما يأتي:","level":1,"page":26},{"title":"الأمر الأول: معرفة جزاء المصيبة وثوابها وهذا من أعظم","level":2,"page":26},{"title":"الأمر الثاني: العلم بتكفيرها للسيئات وحطها كما تحط الشجرة ورقها","level":2,"page":26},{"title":"الأمر الثالث: الإيمان بالقدر السابق بها،.","level":2,"page":26},{"title":"الأمر الرابع: معرفة حق الله في تلك البلوى، فعليه الصبر والرضا","level":2,"page":26},{"title":"الأمر الخامس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها","level":2,"page":26},{"title":"الأمر السادس: العلم بترتبها عليه بذنبه.","level":2,"page":26},{"title":"الأمر السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة دواء نافع ساقه إليه العليم","level":2,"page":27},{"title":"الأمر الثامن: أن يعلم أن عاقبة هذا الدواء: من الشفاء والعافية","level":2,"page":27},{"title":"الأمر التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله","level":2,"page":27},{"title":"الأمر العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء","level":2,"page":27},{"title":"الأمر الحادي عشر: معرفة طبيعة الحياة الدنيا على حقيقتها","level":2,"page":27},{"title":"الأمر الثاني عشر: معرفة الإنسان نفسه","level":2,"page":28},{"title":"الأمر الثالث عشر: اليقين بالفرج","level":2,"page":28},{"title":"الأمر الرابع عشر: الاستعانة بالله","level":2,"page":29},{"title":"الأمر الخامس عشر: التأسي بأهل الصبر والعزائم","level":2,"page":30},{"title":"الأمر السادس عشر: استصغار المصيبة","level":2,"page":30},{"title":"الأمر السابع عشر: العلم أن المصيبة في غير الدين أهون","level":2,"page":30},{"title":"الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة","level":2,"page":31},{"title":"أما الأدلة من الكتاب","level":3,"page":31},{"title":"وأما الأدلة من السنة المطهرة.","level":3,"page":33},{"title":"الأمر التاسع عشر: العلم بأن الله تعالى يجمع بين المؤمن وذريته","level":2,"page":40}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42},"ٜ":{"1":[3,43]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2],"7":[3,4,5,6,7,8],"8":[9],"9":[10,11],"10":[12],"11":[13],"12":[14],"13":[15],"14":[16,17,18],"15":[19],"16":[20],"17":[21,22,23],"19":[24,25,26],"20":[27,28,29],"21":[30,31],"22":[32,33],"23":[34],"26":[35,36,37,38,39,40,41],"27":[42,43,44,45,46],"28":[47,48],"29":[49],"30":[50,51,52],"31":[53,54],"33":[55],"40":[56]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"رسائل سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nتبريد حرارة المصيبة\nعند موت الأحباب وفقد ثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد\nفي ضوء الكتاب والسُّنَّة\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\n\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:\nفهذه رسالة مختصرة في: «تبريد حرارة المصيبة عند موت الأحباب وفقد ثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد» كتبتُ أصلها في يوم ٢١/ ٧/١٤١٧هـ عندما فقد بعض الإخوة الأحباب بعض أولاده، أعظم الله أجره على مصابه، ولا حرمه جزيل ثوابه، وألهمه التسليم لأمره، والرضى بالقضاء: حلوه ومرّه، وأخلف عليه من مصابه أحسن الخلف بمنه وكرمه، وقد جمعت فيها بعض الآيات والأحاديث وأرسلتها إليه؛ لتبرِّد حرّ مصيبته ويحتسب ويصبر، ثم كنت بعد ذلك أرسلها إلى كل من بلغني أنه مات له أحد من أولاده في مناسبات عديدة ولله الحمد، ثم تكررت المناسبات العظام في الابتلاء والمحن، والمصائب الجسيمة، لكثير من الأحباب، جبر الله مصيبة كل مسلم مصاب، فرأيت أن أضيف إليها بعض الآيات والأحاديث؛ ليبرِّد بها كل مسلم مصاب","vol":"1","page":3},{"text":"حرارة مصيبته، وخاصة من أصيب بثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد (١).\nوأرجو الله - ﷿ - أن يفتح قلوب الأحباب لاقتناء هذه الرسالة ثم إهدائها لمن أصابته مصيبة بفقد فلذات الأكباد وثمرات الأفئدة، أو موت الأحباب تعزية لهم وتبريدًا لحرارة مصيبتهم، ويبشر بالأجر؛ لحديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من مؤمن يُعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة» (٢).\nولا شك أن المسلم المصاب إذا قرأ هذه الآيات والأحاديث انشرح صدره، وبردت حرارة مصيبته، وفرج كربه، وقد قال النبي - ﷺ -: «من نفَّس عن مؤمن كربة من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (٣).\nولله در القائل:\nالصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل\n\nوالله أسأل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يجعل هذا العمل\n_________\n(١) قد ألف في هذا الباب كتاب «برد الأكباد عند فقد الأولاد»، للحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن ناصر الدين الدمشقي (٧٧٧هـ-٨٤٢هـ) وكتاب «تبريد حرارة الأكباد في الصبر على فقد الأولاد» للشيخ أبي حفص عمر بن أحمد بن السعدية الحلبي المتوفى سنة ٦٦٠هـ. ذكر ذلك الشيخ عبد القادر ابن شيبة الحمد في مقدمته لبرد الأكباد؛ لابن ناصر الدين، ص٥، نشر دار الأرقم بالرياض، وتوزيع مؤسسة الجريسي بالرياض.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عزى مصابًا، برقم ١٦٠١، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٦٧، وفي إرواء الغليل برقم ٧٦٤.\n(٣) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم ٢٦٩٩.","vol":"1","page":4},{"text":"خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن يبرِّد به حرارة كبد كل مسلم مصاب، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.\nالمؤلف أبو عبد الرحمن\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\nحرر بعد عصر يوم الجمعة الموافق ٦/ ١٠/١٤٢٢هـ","vol":"1","page":5},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nمن سعيد بن علي بن وهف القحطاني إلى كُلِّ مسلمٍ مُصابٍ بمصيبةِ موت الأحباب، أو فقد فلذات الأكباد، وثمرات الأفئدة، جبر الله مصيبتهم.\nالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:\nفالله أسأل أن يُحسن عزاءكم، وأن يجمعكم ومن فقدتم في الفردوس الأعلى من الجنة، واعلموا «أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فاصبروا واحتسبوا» (١)، وأبشروا بما وعد الله عباده المؤمنين الصابرين، وإليكم ما تطمئنُّ به قلوبكم، ويُبرِّد حرّ مصيبتكم العظيمة، ويشرح صدوركم، ويذهب همومكم وغمومكم من كلام ربكم الكريم، الحكيم، الرؤوف، الرحيم، الذي هو أرحم بالعباد من والديهم، ومن كلام نبيكم وقدوتكم وحبيبكم محمد - ﷺ -:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>١ - صلوات الله ورحمته وهدايته للصابرين: </span>قال الله تعالى:\n﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٢).\n﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي: بشرهم بأنهم يُوفَّوْن أجورهم بغير حساب،\n_________\n(١) انظر: مسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٣.\n(٢) سورة البقرة، الآيات: ١٥٥ - ١٥٧.","vol":"1","page":6},{"text":"فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾، وهي كلّ ما يُؤلم القلب أو البدن، أو كليهما، كما تقدم في الآيات، ومن ذلك موت الأحباب، والأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، ﴿قَالُواْ إِنَّا لله﴾ أي مملوكون لله، مُدَبَّرون تحت أمره، وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأولادنا، وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء فقد تصرَّف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد: علمه بأن وقوع البلِيَّة من المالك الحكيم الذي هو أرحم بعبده من نفسه ووالدته، فيوجب له ذلك الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره؛ لِمَا هو خير لعبده وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفرًا عنده، وإن جزعنا وسخطنا لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله وراجع إليه من أقوى أسباب الصبر ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصبر المذكور ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي ثناء من الله عليهم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة، ومن رحمته إياهم أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به، وهو هنا: صبرهم لله (١).\nقال أمير المؤمنين عمر - ﵁ -: «نعم العدلان ونعمة العلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، فهذان العدلان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن للعلامة السعدي، ص٧٦، وتفسير ابن كثير، ص١٣٥.","vol":"1","page":7},{"text":"الْمُهْتَدُونَ﴾، فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>٢ - الاستعانة بالصبر من أسباب السعادة</span>، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>٣ - محبّة الله للصابرين</span>، قال - ﷿ -: ﴿وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>٤ - معيَّة الله مع الصابرين: </span>قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>٥ - استحقاق دخول الجنة لمن صبر</span>، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٦ - الصابرون يُوفَّون أجرهم بغير حساب</span>، فلا يُوزن لهم، ولا يُكال لهم، إنما يُغرف لهم غرفًا، وبدون عدٍّ ولا حدٍّ، ولا مقدار (٦)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>٧ - جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ</span>، من قبل أن يخلق الله\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ص١٣٥، وهو في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الصبر عند الصدمة الأولى، الباب رقم ٤٢، قبل الحديث رقم ١٣٠٢.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٥.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٤٦.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٥٣.\n(٥) سورة الفرقان، الآية: ٧٥.\n(٦) تفسير ابن كثير، ص١٥١١، وتفسير السعدي، ص٧٢١.\n(٧) سورة الزمر، الآية: ١٠.","vol":"1","page":8},{"text":"الخليقة ويبرأ النسمة، وهذا أمر عظيم لا تُحيط به العقول؛ بل تذهل عنده أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير (١)، قال الله - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِير *، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>٨ - ما أصاب من مصيبة في النفس</span>، والمال، والولد، والأحباب، ونحوهم إلا بقضاء الله وقدره، قد سبق بذلك علمه، وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته، فإذا آمن العبد أنها من عند الله فرضي بذلك وسلَّم لأمره، فله الثواب الجزيل، والأجر الجميل، في الدنيا والآخرة، ويهدي الله قلبه فيطمئن ولا ينزعج عند المصائب، ويرزقه الله الثبات عند ورودها، والقيام بموجب الصبر فيحصل له بذلك ثواب عاجل، مع ما يدَّخره الله له يوم الجزاء من الثواب (٣)، قال الله تعالى:\n﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤)، قال علقمة عن عبد الله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ هو الرجل الذي إذا أصابته مصيبة رضي بها وعرف أنها من الله» (٥).\nوما أحسن ما قال ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ص١٣١٣، وتفسير السعدي، ص٨٤٢.\n(٢) سورة الحديد، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.\n(٣) تفسير السعدي، ص٨٦٧.\n(٤) سورة التغابن، الآية: ١١.\n(٥) البخاري، كتاب التفسير، سورة التغابن، بعد الحديث رقم ٤٩٠٧.","vol":"1","page":9},{"text":"سبحان من يبتلي أناسًا ... أحبَّهم والبلاءُ عطاءُ\nفاصبرْ لبلْوى وكن راضيًا ... فإن هذا هو الدواءُ\nسلِّمْ إلى الله ما قضاه ... ويفعل الله ما يشاء (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>٩ - الله تعالى يجزي الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون</span>، قال تعالى:\n﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قَسَمٌ من الرب تعالى مؤكَّد باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة؛ فإن الله لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملًا، أي ويتجاوز عن سيئاتهم (٢)، ولله دَرُّ أبي يعلى الموصلي القائل:\nإني رأيت وفي الأيام تجربةٌ ... للصبر عاقبةٌ محمودةُ الأثر\nوقلّ من جدَّ في أمر يحاولُه ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>١٠ - ما يُقال عند المصيبة والجزاء والثواب والأجر العظيم على ذلك</span>، فعن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n«ما من عبدٍ تُصيبه مصيبةٌ فيقول: إنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون، اللهم أْجُرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها، إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها» قالت أم سلمة، فلما توفي أبو سلمة - ﵁ - قلت كما أمرني رسول الله - ﷺ -، فأخلف الله لي خيرًا منه رسولَ الله - ﷺ -، وفي لفظ: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أجُرْني\n_________\n(١) برد الأكباد عند فقد الأولاد، للحافظ المحدث أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن ناصر الدين الدمشقي (٧٧٧ - ٨٤٢هـ)، ص١٢.\n(٢) تفسير ابن كثير، ص٧٥٣، وتفسير السعدي، ص٤٤٩.\n(٣) انظر: الصبر الجميل لسليم الهلالي، ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":10},{"text":"في مصيبتي واخلِفْ لي خيرًا منها ...» الحديث» (١). وفي لفظ ابن ماجه: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي، فأجُرْني فيها، وعوِّضني خيرًا منها» (٢).\nوحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمّوه بيت الحمد» (٣).\nقال ابن ناصر الدين رحمه الله تعالى:\nيجري القضاء وفيه الخير نافلة ... لمؤمن واثق بالله لا لاهي\nإن جاءه فرحٌ أو نابه ترحٌ ... في الحالتين يقول الحمد لله (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>١١ - الأجر العظيم والثواب الكثير والفوز بالجنة </span>لمن مات حبيبه المصافي فصبر، وطلب الأجر من الله تعالى، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: يقول الله تعالى: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» (٥)، قوله: «جزاء» أي ثواب وقوله: «إذا قبضت صَفِيَّه» وهو الحبيب المصافي: كالولد، والأخ، وكل ما يحبه الإنسان، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت .. وقوله: «ثم\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة، برقم ٩١٨.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة، برقم ١٥٩٨، وصححه الألباني، في صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٦٧، وأصله في صحيح مسلم.\n(٣) الترمذي، برقم ١٠٢١، ويأتي تخريجه.\n(٤) برد الأكباد عند فقد الأولاد للحافظ محمد بن عبد الله بن ناصر الدين، ص١٧.\n(٥) البخاري، كتاب الرقاق، باب العمل الذي يبتغى به وجه الله، برقم ٦٤٢٤.","vol":"1","page":11},{"text":"احتسبه إلا الجنة»، والمراد: صَبَر على فقده راجيًا من الله الأجر والثواب على ذلك. والاحتساب: طلب الأجر من الله تعالى خالصًا.\nووجه الدلالة من هذا الحديث «أن الصفيَّ أعمّ من أن يكون ولدًا أم غيره، وقد أفرد ورتّب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «صفيه: حبيبه: كولده، أو أبيه، أو أمه، أو زوجته» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>١٢ - أشدّ الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل</span>؛ لحديث مصعب بن سعد عن أبيه - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل: يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقةً ابتُلِيَ على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» (٣).\nأكثر وأصعب بلاء: أي محنة ومصيبة؛ لأنهم لو لم يُبتلوا لتُوهِّم فيهم الألوهية؛ وليتوهن على الأمة الصبر على البلية؛ ولأن من كان أشد بلاء كان أشد تضرُّعًا، والتجاءً إلى الله تعالى «ثم الأمثل فالأمثل» أي\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٤٢٤، وذلك في فجر الأحد الموافق ١٤/ ١٠/ ١٤١٩هـ في الجامع الكبير بالرياض.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٨، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٢٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٦٥، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٧١، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٣.","vol":"1","page":12},{"text":"الفضلاء، والأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة، فكل من كان أقرب إلى الله يكون بلاؤه أشد؛ ليكون ثوابه أكثر «فإن كان في دينه صلبًا» أي قويًا شديدًا «اشتد بلاؤه» أي كميَّة وكيفيَّة «فما يبرح البلاء» أي ما يفارق (١).\nومما يزيد ذلك وضوحًا وتفسيرًا، حديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلِّغه إياها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>١٣ - من كان بلاؤه أكثر فثوابه وجزاؤه أعظم وأكمل</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (٣).\nوالمقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه لا الترغيب في طلبه للنهي عنه، فمن رضي بما ابتلاه الله به فله الرضى منه تعالى وجزيل الثواب، ومن سَخِطَ: أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه تعالى، فله السخط منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءًا يُجز به (٤).\n_________\n(١) تحفة الأحوذي للمباركفوري، ٧/ ٧٨ - ٧٩.\n(٢) أبو يعلى، وابن حبان، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٥٩٩.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٦، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٣١،وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي،٢/ ٥٦٤، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٧٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٦.\n(٤) تحفة الأحوذي للمباركفوري، ٧/ ٧٧.","vol":"1","page":13},{"text":"ولا شك أن الصبر ضياء كما قال النبي - ﷺ -: «والصبر ضياء» (١).\nوالضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس، بخلاف القمر، فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق، ولَمّا كان الصبر شاقًّا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس، وحبسها، وكفّها عما تهواه، كان ضياءً (٢)؛ ولهذا - والله أعلم - يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، بفضل الله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>١٤ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة</span>؛ لأنها زالت بسبب البلاء (٣)؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله\n- ﷺ -: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة: في نفسه، وماله، وولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» (٤).\n١٥ - فضل من يموت له ولد فيحتسبه، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (٥) إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم ٢٢٣.\n(٢) جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ٢/ ٢٤، ٢٥.\n(٣) تحفة الأحوذي للمباركفوري، ٧/ ٨٠.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٩، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٦٥، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٢٨٠.\n(٥) لم يبلغوا الحنث: أي لم يبلغوا سن التكليف الذي يكتب فيه الحنث وهو الإثم. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢٠.\n(٦) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المسلمين، برقم ١٣٨١.","vol":"1","page":14},{"text":"والولد يشمل الذكر والأنثى.\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تعدُّون الرّقوب (١) فيكم»؟ قال: قلنا: الذي لا يُولد له. قال: «ليس ذاك بالرّقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدِّم من ولده شيئًا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>١٦ - من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجابًا من النار</span>؛ ودخل الجنة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابًا من النار أو دخل الجنة» (٣). وفي صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - قال لامرأة مات لها ثلاثة من الولد: «لقد احتظرت بحظار شديد (٤) من النار» (٥)؛ ولحديث عتبة بن عبدٍ - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا تلقَّوْه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>١٧ - من قدّم اثنين من أولاده دخل الجنة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن\n_________\n(١) أصل الرقوب في كلام العرب الذي لا يعيش له ولد.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، برقم ٢٦٠٨.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المسلمين، قبل الحديث رقم ١٣٨١، تكلم الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٢٤٥ عن وصله، وقال: «قوله: كان له» كذا للأكثر: أي كان قولهم له حجابًا، وللكشميهني: «كانوا» أي الأولاد.\n(٤) احتظرت: أي امتنعت بمانع وثيق، والحظار ما يجعل حول البستان وغيره من قضبان وغيرها كالحائط، شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n\n(٥) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم ٢٦٣٦.\n(٦) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب في ثواب من أصيب بولده برقم ١٦٠٣، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٤٦.","vol":"1","page":15},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال لنسوة من الأنصار: «لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة»، فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: «أو اثنين» (١)، قال النووي ﵀: وقد جاء في غير مسلم «وواحد» (٢).\nوعن أبي صالح ذكوان عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تُعلّمنا مما علّمك الله، قال: «اجتمعن يوم كذا وكذا»، فاجتمعن فأتاهن رسول الله - ﷺ -، فعلمهن مما علمه الله قال: «ما منكن من امرأة تقدّم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجابًا من النار»، فقالت امرأة: واثنين، واثنين، واثنين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «واثنين، واثنين، واثنين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>١٨ - من مات له واحد من أولاده فاحتسبه وصبر دخل الجنة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: يقول الله تعالى: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفّيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم ١٥١ (٢٦٣٢).\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢٠، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري ٣/ ١١٩ جميع الأحاديث التي فيها زيادة واحد وتكلم عليها كلامًا نفيسًا، ثم أشار إلى أن الذي يستدل به على ذلك حديث: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة»، قال: وهذا يدخل فيه الواحد، فتح الباري، ٣/ ١١٩، و١١/ ٢٤٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسبه، برقم ١٠١، و١٢٤٩، و٧٣١٠، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم ٢٦٣٣.","vol":"1","page":16},{"text":"الجنة» (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه وهو أصحّ ما ورد في ذلك، وقوله: «فاحتسب» أي صبر راضيًا بقضاء الله راجيًا فضله» (٢)، وذكر ابن حجر ﵀ أنه يدخل في ذلك حديث قرة بن إياس، وسيأتي في الحديث الآتي (٣).\nوسيأتي أيضًا حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - الذي فيه قوله - ﷺ -: «ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمّوه بيت الحمد»، فهو يدلّ على أن من مات له ولد واحد دخل الجنة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>١٩ - من مات له ولد فاحتسبه وجده ينتظره عند باب الجنة</span>، بفضل الله - ﷿ - ورحمته؛ لحديث قرّة بن إياس - ﵁ - أن رجلًا كان يأتي النبي - ﷺ - ومعه ابن له، فقال له النبي - ﷺ -: «أتحبه»؟ فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي - ﷺ -، فقال: «ما فعل ابن فلان»؟ قالوا: يا رسول الله مات، فقال النبي - ﷺ - لأبيه: «أما تحبّ أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟» فقال رجل: يا رسول الله: أله خاصة أو لكُلِّنا؟ فقال: «بل لِكُلِّكم»، ولفظ النسائي: «ما يسرّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك؟» (٥).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب العمل الذي يُبتغى به وجه الله، برقم ٦٤٢٤.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ١١٩، ولابن حجر كلام يؤيد هذا في شرحه للحديث رقم ٦٤٢٤، في فتح الباري، ١١/ ٢٤٣.\n(٣) فتح الباري، ١١/ ٢٤٣.\n(٤) الترمذي، برقم ١٠٢١، وسيأتي.\n(٥) النسائي، كتاب الجنائز، باب الأمر باحتساب الأجر، برقم ١٨٧١، رقم الباب ٢٢، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ١١/ ٢٤٣: «أخرجه أحمد، والنسائي، وسنده على شرط الصحيح، وقد صححه ابن حبان، والحاكم»، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٤٠٤.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>٢٠ - المؤمن إذا مات ولده سواء كان ذكرًا أو أنثى وصبر واحتسب وحمد الله على تدبيره </span>وقضائه بنى الله له بيتًا في الجنة وسماه بيت الحمد؛ لحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمّوه بيت الحمد» (١).\nوعن أبي سلمى راعي رسول الله - ﷺ - يرفعه: «بخٍ بخٍ - وأشار بيده لخمس - ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يُتوَفَّى للمرء المسلم فيحتسبه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٢١ - السِّقط يجرّ أمّه بِسُرِّهِ إلى الجنة</span>؛ لحديث معاذ بن جبل - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: قال: «والذي نفسي بيده إن السقط ليجرُّ أُمَّهُ بسَرَرِه إلى الجنة إذا احتسبته» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٢٢ - ومما يشرح صدر المسلم </span>ويبرِّد حرَّ مصيبته أن أولاد المسلمين في\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجنائز، باب فضل المصيبة إذا احتسب، برقم، ١٠٢١، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٥٢٠، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٠٨.\n(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات، ٧/ ٤٣٣،وابن حبان، برقم ٢٣٢٨،والحاكم،١/ ٥١١ - ٥١٢، وقال: «صحيح الإسناد»،ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٠٤.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن أصيب بسقط، برقم ١٦٠٩، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٤٦.","vol":"1","page":18},{"text":"الجنة، قال الإمام النووي ﵀ بعد أن ساق الأحاديث في فضل من يموت له ولد فيحتسبه: «وفي هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة، وقد نقل جماعة فيهم إجماع المسلمين»، ونقل عن المازري قوله: «ونقل جماعة الإجماع في كونهم من أهل الجنة قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (١) (٢).\nويدل عليه حديث أبي هريرة - ﵁ - أن أولاد المسلمين في الجنة، «وأن أحدهم يلقى أباه فيأخذ بثوبه أو بيده فلا يتركه حتى يدخله الله وأباه، أو قال: أبويه الجنة» (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «أجمع المسلمون على أن أولاد المسلمين في الجنة، أما أولاد الكفار ففيهم خلاف، وأصح ماقيل فيهم أنهم يُمتحنون يوم القيامة، أو هم من أهل الجنة بدون امتحان، وهو أصحّ» (٤). وهو الصواب (٥)؛ لحديث سمرة بن جندب - ﵁ - في الحديث الطويل وفيه: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة»، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) سورة الطور، الآية: ٢١.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢١.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد، فيحتسبه، برقم ٢٦٣٥.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٣٨١، و١٣٨٢.\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٤٦.","vol":"1","page":19},{"text":"«وأولاد المشركين» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>٢٣ - من تصبّر ودرَّب نفسه على الصبر صبَّره الله وأعانه وسدّده</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، وفيه: «ومن يستعفف يُعفّه الله، ومن يستغنِ يُغْنِهِ الله، ومن يتصبَّر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٢٤ - من أراد الله به خيرًا أصابه بالمصائب؛ ليثيبه عليها </span>(٣)؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من يُرد الله به خيرًا يُصب منه» (٤). وسمعت شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «أي بالمصائب بأنواعها، وحتى يتذكّر فيتوب، ويرجع إلى ربه» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٢٥ - أمر المؤمن كله خير في السرّاء والضرّاء، وفي الشدّة والرّخاء</span>؛ لحديث صهيب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له» (٦).\n_________\n(١) البخاري، كتاب التعبير، باب الرؤيا بعد صلاة الصبح، برقم ٧٠٤٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم ١٤٦٩، وكتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله، برقم ٦٤٧٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، برقم ١٠٥٣.\n(٣) فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٠٨.\n(٤) البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤٥.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٦٤٥.\n(٦) مسلم، كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير، برقم ٢٩٩٩.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>٢٦ - المصيبة تحطّ الخطايا حطًّا كما تحطّ الشجرة ورقها</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه حتى الشوكة يُشاكها» (١).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من مسلم يُصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطَّ الله به سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها» (٢).\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «ما يُصيب المؤمن من نَصَبٍ، ولا وَصَبٍ، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ حتى الشوكةُ يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه» (٣)، وفي لفظ: «ما يُصيب المؤمنَ من وَصَبٍ (٤)، ولا نَصَبٍ (٥)، ولا سَقَم ...».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>٢٧ - يجتهد المسلم في استكمال شروط الصبر </span>التي إذا عمل بها المصاب المسلم حصل على الثواب العظيم، والأجر الجزيل، وتتلخص هذه الشروط في ثلاثة أمور:\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الشرط الأول: الإخلاص لله - ﷿ - في الصبر</span>؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾، ولقوله - ﷿ - في صفات أصحاب العقول السليمة: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤٠، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٤٩ (٢٥٧٢).\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤١، ٥٦٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٣.\n(٤) الوصب: المرض.\n(٥) النصب: التعب.","vol":"1","page":21},{"text":"وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١)، وهذا هو الإخلاص في الصبر المبرّأ من شوائب الرياء وحظوظ النفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الشرط الثاني: عدم شكوى الله تعالى إلى العباد</span>؛ لأن ذلك ينافي الصبر ويخرجه إلى السخط والجزع؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكني إلى عوّاده أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ثم يستأنف العمل» (٢).\nولله دَرُّ الشاعر الحكيم حيث قال:\nوإذا عرتك بليّةٌ فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلمُ\nوإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الشرط الثالث: أن يكون الصبر في أوانه، ولا يكون بعد انتهاء زمانه</span>؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: مرَّ النبي - ﷺ - بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اتّقِ الله واصبري» [فقالت]: إليك عنِّي فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي، فأتت باب النبي - ﷺ - فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (٤). أي الصبر\n_________\n(١) سورة الرعد، الآية: ٢٢.\n(٢) الحاكم في المستدرك، ١/ ٣٤٩ وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.\n(٣) الفوائد لابن القيم، ص١٦٥، وانظر: الصبر الجميل، لسليم الهلالي، ص٢٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، برقم ١٢٨٣، ومسلم، كتاب الجنائز، باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، برقم ١٥ (٩٢٦).","vol":"1","page":22},{"text":"الكامل الذي يترتّب عليه الأجر الجزيل؛ لكثرة المشقة فيه، وأصل الصدم الضرب في شيء صلب، ثم استعمل مجازًا في كل مكروه حصل بغتة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٢٨ - أمور لا تنافي الصبر ولا بأس بها</span>، منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الأمر الأول: الشكوى إلى الله تعالى</span>؛ فالتضرّع إليه، ودعاؤه في أوقات الشدّة عبادة عظيمة، فإن الله أخبر عن يعقوب بقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤).\nوأيوب ﵊ أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٥).\nوقال الله تعالى عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٦)، فإذا أصاب العبدَ مصيبةٌ فأنزلها بالله، وطلب كشفها منه فلا ينافي الصبر (٧).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٨١.\n(٢) سورة يوسف، الآية: ١٨.\n(٣) سورة يوسف، الآية: ٨٣.\n(٤) سورة يوسف، الآية: ٨٦.\n(٥) سورة الأنبياء، الآية: ٨٣.\n(٦) سورة ص، الآية: ٤٤.\n(٧) انظر: الصبر الجميل، لسليم الهلالي، ص٨٤.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الأمر الثاني: الحزن ودمع العين</span>؛ فإن ذلك قد حصل لأكمل الخلق نبينا محمد بن عبد الله - ﷺ -؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: دخلنا مع رسول الله - ﷺ - على أبي سيف القين (١) - وكان ظئرًا (٢) لإبراهيم - ﵇ - فأخذ رسول الله - ﷺ - إبراهيم فقبَّله وشمَّهُ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه (٣)، فجعلت عينا رسول الله - ﷺ - تذرفان (٤)، فقال له عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: وأنت يا رسول الله (٥)؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة» ثم أتبعها بأخرى (٦) فقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (٧).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف نفسه: فقلت يا رسول الله تبكي أَوَلَمْ تَنْهَ عن البكاء؟ وزاد فيه: «إنما\n_________\n(١) القين: الحداد، ويطلق على كل صانع، يقال: قان الشيء: إذا أصلحه. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٣.\n(٢) ظئرًا: مرضعًا، وأطلق عليه ذلك لأنه كان زوج المرضعة، وأصل الظئر: من ظأرت الناقة إذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي ترضع غير ولدها، وأطلق ذلك على زوجها؛ لأنه يشاركها في تربيته غالبًا. وإبراهيم: ابن رسول الله - ﷺ -، فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٣.\n(٣) يجود بنفسه: أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٤) تذرفان: يجري دمعهما. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٥) وأنت يا رسول الله: أي الناس لا يصبرون على المصيبة وأنت تفعل كفعلهم، كأنه تعجب لذلك منه مع عهده منه أنه يحث على الصبر وينهى عن الجزع، فأجابه بقوله: «إنها رحمة»:أي الحالة التي شاهدتها مني هي رقة القلب على الولد، لا ما توهمت من الجزع» فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٦) ثم أتبعها بأخرى: قيل: أتبع الدمعة بدمعة أخرى، وقيل: أتبع الكلمة الأولى المجملة وهي قوله: «إنها رحمة» بكلمة أخرى مفصلة وهي قوله: «إن العين تدمع»،فتح الباري لابن حجر،٣/ ١٧٤.\n(٧) متفق عليه، البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «إنا بك لمحزونون»، برقم ١٣٠٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، برقم ٢٣١٥.","vol":"1","page":24},{"text":"نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهوٍ ولعبٍ ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه، وشق جيوب، ورنّة\nشيطان». قال: «إنما هذا رحمة، ومن لا يَرحم لا يُرحم» (١).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «هذا الحديث يفسر البكاء المباح، والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين، ورقة القلب من غير سخط لأمر الله، وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى، وفيه مشروعية تقبيل الولد وشمّه، ومشروعية الرضاع، وعيادة الصغير، والحضور عند المحتضر، ورحمة العيال، وجواز الإخبار عن الحزن، وإن كان الكتمان أولى، وفيه وقوع الخطاب للغير، وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي - ﷺ - ولده مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب لوجهين: أحدهما: صغره، والثاني نزاعه. وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق، وفيه جواز الاعتراض على من خالف فعله ظاهر قوله؛ ليظهر الفرق» (٢).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي [- ﷺ -] يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، - ﵃ -، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله (٣) فقال: «قد قضى»؟ قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي - ﷺ -، فلما رأى القوم بكاء النبي - ﷺ - بَكَوْا، فقال: «ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذِّبُ\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٣) في غاشية أهله: أي الذين يغشونه للخدمة وغيرها. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥.","vol":"1","page":25},{"text":"بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذِّب بهذا (١) - وأشار إلى لسانه - أو يرحم (٢)، وإن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه» (٣)، وكان عمر - ﵁ - يضرب فيه بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويحثي بالتراب» (٤).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «في هذا إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبي - ﷺ -؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه ولم يعترضه بمثل ما اعترض به هناك، فدل على أنه تقرّر عنده العلم بأن مجرّد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضر» (٥).\nوفي حديث أسامة بن زيد - ﵁ - في قصةٍ لصبي لإحدى بنات رسول الله - ﷺ - حينما قال النبي - ﷺ - لرسول ابنته: «ارجع إليها فأخبرها: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب»، فأرسلت إلى رسول الله - ﷺ - وأقسمت عليه أن يحضر، فقام النبي - ﷺ - وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأسامة معهم، وحينما رُفع الصبي للنبي - ﷺ - وهو في النزع، فاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده\n_________\n(١) ولكن يعذب بهذا: أي إن قال سوءًا. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥.\n(٢) أو يرحم: أي إن قال خيرًا. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥.\n(٣) يعذب ببكاء أهله عليه: البكاء المحرم على الميت هو النوح، والندب بما ليس فيه، والبكاء المقرون بهما أو بأحدهما، شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٨٠. وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٥٣ - ١٦٠ وشرح النووي، ٦/ ٤٨٢ - ٤٨٦.\n(٤) متفق عليه: كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض، برقم ١٣٠٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٤.\n(٥) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥.","vol":"1","page":26},{"text":"الرحماء» (١).\nوقد روى أنس بن مالك - ﵁ - قال: «شهدنا بنتًا لرسول الله - ﷺ -، قال: ورسول الله - ﷺ - جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٢٩ - الأمور التي تعين على الصبر على المصيبة بفقد الأحباب كثيرة منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الأمر الأول: معرفة جزاء المصيبة وثوابها وهذا من أعظم </span>العلاج الذي يُبَرِّد حرارة المصيبة، وتقدمت الأدلة على ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الأمر الثاني: العلم بتكفيرها للسيئات وحطّها كما تحطّ الشجرة ورقها </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>الأمر الثالث: الإيمان بالقدر السابق بها</span>، وأنها مقدرة في أم الكتاب كما تقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>الأمر الرابع: معرفة حق الله في تلك البلوى، فعليه الصبر والرضا</span>، والحمد والاسترجاع والاحتساب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الأمر الخامس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها</span>، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِ قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الأمر السادس: العلم بترتّبها عليه بذنبه</span>، فإن لم يكن له ذنب كالأنبياء والرسل فلرفع درجاته.\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه»، برقم ١٢٨٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٣.\n(٢) البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه»،برقم ١٢٨٥.\n(٣) تقدمت الأدلة على ذلك في الفقرة رقم ٢٥.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الأمر السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة دواء نافع ساقه إليه العليم </span>بمصلحته، الرحيم به، فليصبر ولا يسخط ولا يشكو إلى غير الله فيذهب نفعه باطلًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الأمر الثامن: أن يعلم أن عاقبة هذا الدواء: من الشفاء والعافية </span>والصحة وزوال الآلام ما لم تحصل بدونه، قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الأمر التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله</span>، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبيّن حينئذٍ: هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الأمر العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السرّاء والضرّاء</span>، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الأمر الحادي عشر: معرفة طبيعة الحياة الدنيا على حقيقتها</span>؛ فهي ليست جنة نعيم ولا دار مقام، إنما ممرّ ابتلاء وتكليف؛ لذلك فالكيِّس\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢١٦.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٩.\n(٣) طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم، ص٤٤٨ - ٤٥٩، وانظر: زاد المعاد، ٤/ ١٨٨ - ١٩٦، وعدة الصابرين لابن القيم، ص٧٦ - ٨٦.","vol":"1","page":28},{"text":"الفطن لا يفجأ بكوارثها، ولله دَرُّ القائل:\nإن لله عبادًا فُطَنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا\nنظروا فيها فلمّا علموا ... أنها ليست لحيٍّ وطنا\nجعلوها لُجَّةً واتخذوا ... صالحَ الأعمال فيها سفنا\n\nفالحياة الدنيا لا تستقيم على حال، ولا يقر لها قرار، فيوم لك، ويوم آخر عليك، قال الله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَالله لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١).\nوقد أحسن أبو البقاء الرندي القائل:\nلكل شيء إذا ما تمَّ نُقصان ... فلا يُغرَّ بطيب العيش إنسان\nهي الأيام كما شاهدتَها دول ... فمن سرَّه زمنٌ ساءته أزمان (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>الأمر الثاني عشر: معرفة الإنسان نفسه</span>؛ فإن الله هو الذي منح الإنسان الحياة فخلقه من عدم إلى وجود، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فهو ملك لله أولًا وآخرًا، وصدق لبيد بن ربيعة - ﵁ - القائل:\nوما المال والأهلون إلا ودائعُ ... ولا بُدَّ يومًا أن ترد الودائع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>الأمر الثالث عشر: اليقين بالفرج</span>، فنصر الله قريب من المحسنين، وبعد الضيق سعة، ومع العسر يسرًا؛ لأن الله وعد بهذا، ولا يخلف\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٤٠.\n(٢) هكذا نُقل عند البعض، ولكن للإمام البستي في نونيته نحو هذا قال ﵀:\nلا تحسبن سرورًا دائمًا أبدًا ... من سره زمنٌ ساءته أزمانُ\nانظر: الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، ص ٦٢٥.","vol":"1","page":29},{"text":"الميعاد، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).\nوقد أحسن القائل:\nولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعًا وعند الله منها المخرجُ\nضاقت فلما استحكمت ... حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تفرجُ\n\nوقد وعد الله - ﷿ - بحسن العوض عما فات؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢).\nولله دَرُّ القائل:\nوكل كسرٍ فإن الله يجبرُه ... وما لكسرِ قناةِ الدين جبرانُ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>الأمر الرابع عشر: الاستعانة بالله</span>، فما على العبد إلا أن يستعين بربه أن يعينه، ويجبر مصيبته، قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤)، ومن كانت معية الله معه فهو حقيق أن يتحمل ويصبر على الأذى.\n_________\n(١) سورة هود، الآية: ٤٩.\n(٢) سورة النحل، الآيتان: ٤١ - ٤٢.\n(٣) هكذا سمعته من الشيخ محمد بن حسن الدريعي، يقول: إنه كتبه له بعض أصدقائه عندما انكسرت رجله، ولكن البيت في نونية علي بن محمد البستي هكذا:\nكل الذنوب فإن الله يغفرها ... إن شيَّع المرء إخلاص وإيمان\nوكل كسر فإن الدين يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران\nانظر: الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، ص٦٢٦.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٢٨.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الأمر الخامس عشر: التأسّي بأهل الصبر والعزائم</span>، فالتأمل في سير الصابرين وما لاقوه من ألوان الابتلاء والشدائد يعين على الصبر، ويطفئ نار المصيبة ببرد التأسي، قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>الأمر السادس عشر: استصغار المصيبة</span>، قال النبي - ﷺ -: «يا أيها الناس أيما أحدٍ من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحدًا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدَّ عليه من مصيبتي» (٢).\nوكتب بعض العقلاء إلى أخ له يعزّيه عن ابن له يقال له: محمد، فنظم الحديث الآنف شعرًا فقال:\nاصبر لكل مصيبة وتجلَّدِ ... واعلم بأن المرء غير مخلّدِ (٣)\nوإذا ذكرت محمدًا ومصابَهُ ... فاذكر مصابك بالنبي محمّد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>الأمر السابع عشر: العلم أن المصيبة في غير الدين أهون </span>وأيسر عند المؤمن، ولله دَرُّ القائل:\nوكل كسرٍ فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران\n\nوذكر أن امرأة من العرب مرت بابنين لها وقد قتلوا، فقالت: الحمد لله رب العالمين، ثم قالت:\n_________\n(١) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.\n(٢) ابن ماجه، واللفظ له، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة، برقم ١٥٩٩، والدارمي، ١/ ٤٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١١٠٦.\n(٣) انظر: مقومات الداعية الناجح، للمؤلف، ص٢٦٠ - ٢٧٩.","vol":"1","page":31},{"text":"وكل بلوى تصيب المرء عافية ... ما يُصَبْ يومًا يلقى الله في النار (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة</span>، وكل ما فيها يتغير ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريق، وهي مزرعة للآخرة على التحقيق، وقد دلّ على ذلك الكتاب والسنة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>أما الأدلة من الكتاب</span>، فعلى النحو الآتي:\n١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢).\n٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣).\n٣ - وقال - ﷿ -: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (٤).\n_________\n(١) برد الأكبار عند فقد الأولاد؛ لابن ناصر الدين، ص٦١.\n(٢) سورة الزخرف، الآيات: ٣٣ - ٣٥.\n(٣) سورة يونس، الآية: ٢٤.\n(٤) سورة الكهف، الآية: ٤٥.","vol":"1","page":32},{"text":"٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١).\n٥ - وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢).\n٦ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ\nتُرْجَعُونَ﴾ (٣).\n٧ - وقال الله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٤).\n٨ - وقال سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (٥).\n٩ - وقال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦).\n١٠ - وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٦٠.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٨٣.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٨٨.\n(٤) سورة الشورى، الآية: ٣٦.\n(٥) سورة الأنعام، الآية: ٣٢.\n(٦) سورة العنكبوت، الآية: ٦٤.","vol":"1","page":33},{"text":"الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١).\n١١ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٢).\n١٢ - وقال تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>وأما الأدلة من السنة المطهرة</span>، فقد زهَّد النبي - ﷺ - النَّاس في الدنيا، ورغَّبهم في الآخرة، بفعله وقوله - ﷺ -، على النحو الآتي.\n١ - أما فعله فمنه حديث عائشة ﵂ قالت: «خرج النبي - ﷺ - ولم يشبع من خبز الشعير» (٤).\n٢ - وقالت: «ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر» (٥).\n٣ - وقالت: «إنا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله - ﷺ - نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (٦).\n٤ - وقال - ﷺ -: «لو كان لي مثل أُحد ذهبًا ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاثٌ وعندي منه شيء إلا شيء أرصُدُهُ لدَيْن» (٧).\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية: ٢٠.\n(٢) سورة الرحمن، الآيتان: ٣٦ - ٣٧.\n(٣) سورة غافر، الآية: ٣٩.\n(٤) البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما كان النبي - ﷺ - وأصحابه يأكلون، برقم ٥٤١٤.\n(٥) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٥.\n(٦) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٩.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون، والحجر والتفليس، باب أداء الديون، برقم ٢٣٨٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، برقم ٩٩١.","vol":"1","page":34},{"text":"٥ - وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه اضطجع على حصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر بن الخطاب - ﵁ -، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال:\nيا رسول الله لو أخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال - ﷺ -: «ما لي وللدنيا،\nما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يومٍ صائفٍ فاستظلّ تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (١).\n٦ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض» (٢). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبًا كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم (٣).\n٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: «كان فراش رسول الله - ﷺ - من أدَم وحشوُهُ ليف» (٤).\n٨ - ومع هذا كان يقول - ﷺ -: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» (٥).\n٩ - وقال - ﷺ -: «قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافًا، وقنَّعَهُ الله بما آتاه» (٦).\n_________\n(١) أحمد في المسند، ١/ ٣٠١ بلفظه، والترمذي بنحوه، في كتاب الزهد، باب ٤٤، برقم ١٣٧٧، وقال: «حديث حسن صحيح»، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١٠٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٨٠، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٩٤.\n(٢) البخاري، كتاب الأطعمة، باب قول الله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية، برقم ٥٣٧٤.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٩/ ٥١٧، ٥٤٩.\n(٤) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٦.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٦٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، واللفظ له، برقم ١٠٥٥.\n(٦) مسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، برقم ١٠٥٤.","vol":"1","page":35},{"text":"وأما قوله في التزهيد في الدنيا والتحذير من الاغترار بها، فكثير، ومنه:\n١٠ - حديث مطرف عن أبيه - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يقرأ:\n﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: «يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك\nيا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت» (١).\n١١ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يقول العبد: مالي مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، [و] ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه الناس» (٢).\n١٢ - وقال النبي - ﷺ - مرة لأصحابه: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله»؟ قالوا: يا رسول الله ما منا أحدٌ إلا ماله أحب إليه. قال: «فإن ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر» (٣).\n١٣ - ودخل النبي - ﷺ - السوق يومًا فمرَّ بجدي صغير الأذنين ميت، فأخذه بأذنه ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم»؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أتحبون أنه لكم»؟ قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسكٌّ (٤)، فكيف وهو ميت؟ فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٨.\n(٢) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٩.\n(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له، برقم ٦٤٤٢.\n(٤) الأسك: مصطلم الأذنين مقطوعهما.\n(٥) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٧.","vol":"1","page":36},{"text":"١٤ - وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (١).\nوالدنيا مذمومة إذا لم تستخدم في طاعة الله - ﷿ -:\n١٥ - فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا إن الدنيا ملعونةٌ، ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالمٌ، أو متعلم» (٢)، وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة، مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله - ﷿ -؛ ولهوانها على الله - ﷿ - لم يبلِّغ رسوله - ﷺ - فيها وهو أحب الخلق إليه.\n١٦ - فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير (٣).\nوقوله: «وما والاه» أي ما يحبه الله من أعمال البر، وأفعال القُرَب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات، والفاضلات، ومستحسنات الشرع، وقوله: «وعالم أو متعلم» العالم والمتعلم: العلماء بالله، الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول، وما لا يتعلق بالدين. والرفع في «عالم أو متعلم» على التأويل: كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يحمدُ مما فيها «إلا ذكر الله وما والاه،\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١١٠، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله - ﷿ -، وقال: «هذا حديث صحيح»، برقم ٢٣٢٠، وابن المبارك في الزهد والرقائق، عن رجال من أصحاب النبي - ﷺ -، برقم ٤٧٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٣، وفي صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٠.\n(٢) الترمذي، بلفظه، كتاب الزهد، بابٌ: حدثنا محمد بن حاتم، برقم ٢٣٢٢،وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١١٢،وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٤.\n(٣) انظر: البخاري، كتاب البيوع، باب شراء الطعام إلى أجل، برقم ٢٢٠٠، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر، برقم ١٦٠٣.","vol":"1","page":37},{"text":"وعالم أو متعلم» (١)،فإذا رأى العاقل من ينافسه في الدنيا فعليه أن ينصحه ويحذّره وينافسه في الآخرة (٢).\n١٧ - وفي قصة أبي عبيدة - ﵁ - عندما قدم بمال من البحرين فجاءت الأنصار وحضروا مع رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح، فلمَّا صلى بهم الفجر، تعرَّضوا له، فتبسَّم حين رآهم وقال: «أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء»؟ قالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فأبشروا، وأمِّلوا\nما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»، وفي رواية: «وتلهيكم كما ألهتهم» (٣).\n١٨ - وفي حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «إن أكثر\nما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض»، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا»، ثم قال: «إن هذا المال خَضِرَة حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع [ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة]» (٤).\n_________\n(١) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١٠/ ٣٢٨٤ - ٣٢٨٥، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري، ٩/ ٣١، وتحفة الأحوذي للمباركفوري، ٦/ ٦١٣.\n(٢) فقه الدعوة للمؤلف، ٢/ ١٠٠٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، برقم ٣١٥٨، ٤٠١٥، ٦٤٢٥، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٦١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، برقم ١٠٥٢، وما بين المعقوفين من رواية مسلم.","vol":"1","page":38},{"text":"١٩ - وقال خَبَّابٌ - ﵁ -: «إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب» (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي الذي يوضع في البنيان وهو محمول على ما زاد على الحاجة» (٢).\nوذكر ﵀ آثارًا كثيرة في ذمّ البنيان ثم قال: «وهذا كله محمول على ما لا تمسُّ الحاجة إليه مما لا بدَّ منه للتوطّن، وما يقي البرد والحرّ» (٣).\nوالمسلم إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه.\n٢٠ - فعن معقل بن يسار - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ قلبك غنىً، وأملأ يديك رزقًا، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقرًا، وأملأ يديك شغلًا» (٤).\n٢١ - وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً، وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلًا، ولم أسدَّ فقرك» (٥). قال ذلك عندما تلا: ﴿مَن كَانَ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧٢، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨١.\n(٢) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ١٢٩.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ١١/ ٩٣، و١٠/ ١٢٩.\n(٤) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٢٦، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: «وهو كما قالا»، وصححه في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٥.\n(٥) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حدثنا قتيبة، برقم ٢٤٦٦، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، برقم ٤١٠٨، وأحمد، ٢/ ٣٥٨، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ٤٤٣، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٦، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٣٤٦، وفي صحيح الترمذي، ٢/ ٥٩٣.","vol":"1","page":39},{"text":"يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ (١).\nولا شك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة، بل وحتى الأعمال المباحة.\n٢٢ - وعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كانت الدنيا همّه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (٢).\n٢٣ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» (٣).\n٢٤ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحب دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» (٤).\n_________\n(١) سورة الشورى، الآية: ٢٠.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، برقم ٤١٠٥، وصحح الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٠، وصحيح الجامع، ٥/ ٣٥١.\n(٣) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا سويد، برقم ٢٤٦٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٩٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٩٤٩ - ٩٥٠.\n(٤) أحمد، ٤/ ٤١٢، وابن حبان، برقم ٧٠٩، والحاكم، ٤/ ٣١٩، قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، برقم ٤٧٤٤: «رواه أحمد ورواته ثقات». وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب على الحديث رقم ٣٢٤٧: «صحيح لغيره»، وذكر له شاهدًا في الأحاديث الصحيحة، برقم ٣٢٨٧.","vol":"1","page":40},{"text":"٢٥ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أنه لَمّا حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين ليُبلِّغ الشاهد الغائب، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «حلاوة الدنيا مرةُ الآخرة، ومرةُ الدنيا حلاوة الآخرة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>الأمر التاسع عشر: العلم بأن الله تعالى يجمع بين المؤمن وذريته</span>، ووالديه وأهله، ومن يحب في الجنة، وهذا الاجتماع الذي لا فراق بعده لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (٢)، قال الإمام ابن كثير ﵀: «يخبر تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه، ولطفه بخلقه، وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتّبعتهم ذرّيتهم في الإيمان يُلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم؛ لتقرَّ أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذلك» (٣). وهذا فضله تعالى على الأولاد ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأولاد فثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رَبّ أنَّى لي هذه؟ فيقول:\n_________\n(١) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي،٤/ ٣١٠،وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٨.\n(٢) سورة الطور، الآية: ٢١.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٢٦٨، ٤/ ٢٤٣.","vol":"1","page":41},{"text":"باستغفار ولدك لك» (١).\nقال العلامة السعدي ﵀: «وهذا من تمام نعيم أهل الجنة أن أَلحق الله بهم ذريتهم الذين اتّبعوهم بإيمان: أي الذين لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم فصارت الذرية تبعًا لهم بالإيمان، ومن باب أولى إذا تبعتهم ذريتهم بإيمانهم الصادر منهم أنفسهم، فهؤلاء المذكورون يلحقهم الله بمنازل آبائهم في الجنة، وإن لم يبلغوها، جزاء لآبائهم، وزيادة في ثوابهم، ومع ذلك لا ينقص الله الآباء من أعمالهم شيئًا» (٢). وهذا هو الفوز العظيم.\nنسأل الله تعالى أن يجمعنا في الفردوس الأعلى مع آبائنا، وذرّيّاتنا، وأزواجنا، وجميع أهلينا وأحبابنا في الله تعالى؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.\nولا شك أن من فارق ذريته وأهله، وأحبابه في الآخرة فقد خسر خسرانًا مبينًا، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (٣) أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبدًا، وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور،\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند،٢/ ٢٠٩،قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: «إسناده صحيح».\n(٢) تيسير الكريم الرحمن، للعلامة السعدي، ص٨١٥، وانظر: تفسير الطبري، ٢٢/ ٤٦٧ - ٤٧٠، وتفسير البغوي، ٤/ ٢٣٨.\n(٣) سورة الزمر، الآية: ١٥.","vol":"1","page":42},{"text":"وهذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح (١).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (٢)، قال الإمام ابن كثير ﵀: «أي ذُهِبَ بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد، وخسروا أنفسهم، وفُرِّق بينهم وبين أحبابهم، وأصحابهم، وأهاليهم، وقراباتهم فخسروهم» (٣).\nوقد ذُكِرَ أن بعض الصالحين مات له ابن فجزع عليه جزعًا شديدًا، حتى امتنع من الطعام والشراب، فبلغ ذلك الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فكتب إليه ومما كتب إليه:\nإني معزِّيك لا أنِّي على ثقةٍ ... من الحياة ولكن سنة الدين\nفما المعزَّى بباقٍ بعد ميته ... ولا المعزِّي ولو عاشا إلى حين (٤)\n\nوالله أسأل أن يحسن الختام وأن يجعل هذا العمل نافعًا لي ولكل من بلغ إليه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١١٥١.\n(٢) سورة الشورى، الآيتان: ٤٤ - ٤٥.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١١٩٤.\n(٤) برد الأكباد عند فقد الأولاد، لابن ناصر الدين، ص٦٧.","vol":"1","page":43}]}