{"ً":{"ٌ":96484,"ٍ":"رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة ﵃","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة ﵃ - مفهوم، وفوائد، وشروط، وآداب، ومسائل، وحِكَمٌ، وأحكامٌ\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nتقديم: معالي العلامة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، معالي العلامة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان\nالناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، الرياض\nتوزيع: مركز الدعوة والإرشاد بالقصب\nعدد الصفحات: ٦٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":19,"ٖ":1770154052,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":7},{"title":"المبحث الأول: مفهوم رمي الجمرات: لغة، واصطلاحا","level":1,"page":9},{"title":"الرمي","level":2,"page":9},{"title":"الجمرات","level":2,"page":9},{"title":"المبحث الثاني: سبب مشروعية الرمي وحكمته","level":1,"page":11},{"title":"المبحث الثالث: رمي جمرة العقبة وآدابه","level":1,"page":12},{"title":"أولا: يقطع التلبية عند جمرة العقبة","level":2,"page":12},{"title":"ثانيا: يستحب له أن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره","level":2,"page":12},{"title":"ثالثا: وقت رمي جمرة العقبة","level":2,"page":13},{"title":"رابعا: الحلق أو التقصير، والحلق أفضل","level":2,"page":14},{"title":"المبحث الرابع: رمي الجمرات أيام التشريق وآدابه","level":1,"page":17},{"title":"أولا: الرمي أيام التشريق واجب","level":2,"page":17},{"title":"الدليل الأول: حديث جابر - ﵁ -","level":3,"page":17},{"title":"الدليل الثاني: رمي النبي - ﷺ - في أيام التشريق الجمار الثلاث بعد الزوال","level":3,"page":17},{"title":"الدليل الثالث: أمر الله تعالى بذكره في أيام التشريق","level":3,"page":17},{"title":"ثانيا: وقت الرمي أيام التشريق: أوله وآخره على النحو الآتي:","level":2,"page":19},{"title":"١ - أول وقت الرمي أيام التشريق","level":3,"page":19},{"title":"الدليل الأول: رمى النبي - ﷺ - بعد الزوال","level":4,"page":19},{"title":"الدليل الثاني: أمرنا النبي - ﷺ - أن نأخذ عنه مناسك الحج","level":4,"page":20},{"title":"الدليل الثالث: حديث ابن عباس ﵄","level":4,"page":21},{"title":"الدليل الرابع: حديث عائشة ﵂","level":4,"page":21},{"title":"الدليل الخامس: حديث ابن عمر ﵄،","level":4,"page":22},{"title":"الدليل السادس: حديث عبد الله بن عمر ﵄","level":4,"page":22},{"title":"الدليل السابع: حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -","level":4,"page":23},{"title":"الدليل الثامن: حديث عائشة ﵂","level":4,"page":23},{"title":"الدليل التاسع: أن الرمي لو كان قبل الزوال في أيام التشريق جائزا، لفعله النبي - ﷺ -","level":4,"page":23},{"title":"الدليل العاشر: أن الرمي لو كان قبل الزوال جائزا؛ لبادر إليه الرسول - ﷺ -","level":4,"page":23},{"title":"الدليل الحادي عشر: أن الرسول - ﷺ - بادر بالرمي حين زالت الشمس، فرمى قبل","level":4,"page":25},{"title":"الدليل الثاني عشر: عمل جميع الصحابة بلا استثناء في حياة النبي - ﷺ - وبعد مماته","level":4,"page":25},{"title":"لم يثبت عن صحابي واحد أنه أفتى بالرمي قبل الزوال، أو رمى قبل الزوال","level":5,"page":26},{"title":"الثالث عشر: الذي يظهر: أن الثابت عن عطاء: أنه لا يجيز الرمي قبل الزوال","level":4,"page":27},{"title":"الرابع عشر: المحققون العلماء الربانيون","level":4,"page":28},{"title":"* منهم هؤلاء الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة","level":5,"page":28},{"title":"* وتبع هؤلاء الأئمة علماء الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا من شذ بقوله ورأيه","level":5,"page":28},{"title":"* قال شيخ الإسلام والمسلمين ابن تيمية ﵀","level":5,"page":28},{"title":"* وقال العلامة المحقق محمد الأمين الشنقيطي ﵀","level":5,"page":29},{"title":"* وقال العلامة الإمام مفتي المملكة العربية السعودية، ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية في عصره","level":5,"page":29},{"title":"أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾","level":6,"page":30},{"title":"وأما السنة فرميه - ﷺ - بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير المفيد للوجوب","level":6,"page":31},{"title":"وأما الإجماع فأمر معلوم،","level":6,"page":31},{"title":"الخامس عشر: رمي الجمرات عبادة توقيفية في كيفيتها، وفي زمانها، ومكانها لا يجوز القول فيها بالرأي:","level":4,"page":33},{"title":"الأمر الأول: قال الله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾","level":5,"page":33},{"title":"الأمر الثاني: قال الله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين﴾","level":5,"page":33},{"title":"الأمر الثالث: عن عبد الله بن عمر ﵄،","level":5,"page":34},{"title":"الأمر الرابع: ذم السلف للرأي المخالف للدليل، والتحذير من القول بالرأي:","level":5,"page":34},{"title":"١ - قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: «إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن،»","level":6,"page":34},{"title":"٢ - قال عروة بن الزبير - ﵁ -: «السنن، السنن، فإن السنن قوام الدين [أزهد الناس في]»","level":6,"page":35},{"title":"٣ - قال سهل بن حنيف - ﵁ -: «اتهموا رأيكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع»","level":6,"page":35},{"title":"٤ - قال الإمام أحمد ﵀: «لا تكاد ترى أحدا نظر في هذا الرأي إلا وفي»","level":6,"page":35},{"title":"٥ - قال الأوزاعي ﵀: «إذا أراد الله - ﷿ - أن يحرم عبده بركة العلم»","level":6,"page":35},{"title":"قال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة","level":7,"page":36},{"title":"والحاصل أنه لا يجوز الاعتماد على الرأي، بل يرجع إلى الكتاب والسنة","level":7,"page":36},{"title":"الأمر الخامس: قول العالم الرباني فيما لا يعلم: الله أعلم","level":5,"page":37},{"title":"١ - قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «يا أيها الناس، من علم شيئا فليقل به،»","level":6,"page":37},{"title":"٢ - وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ - أيضا: من علم علما فليقل به","level":6,"page":38},{"title":"٣ - قال عبد الله بن مسعود - ﵁ - أيضا: «إن من يفتي في كل ما يستفتونه لمجنون»","level":6,"page":38},{"title":"٤ - سئل سعيد بن جبير عن شيء فقال: «لا أعلم»،ثم قال: «ويل للذي يقول لما لا يعلم: إني أعلم»","level":6,"page":38},{"title":"٥ - قال مالك: «ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: لا أدري؛»","level":6,"page":38},{"title":"٦ - قال مالك: «من أين علموا ذلك؟ قال: منك يا أبا عبد الله، فقال: ما أعلمها أنا»","level":6,"page":38},{"title":"٧ - عن مالك ﵀ قال: «جنة العالم لا أدري، فإذا أغفلها أصيبت مقاتله»","level":6,"page":38},{"title":"٨ - قال الهيثم بن جميل: سمعت مالكا سئل عن ثمان وأربعين","level":6,"page":38},{"title":"٩ - قال خالد بن خداش: «قدمت على مالك بأربعين مسألة، فما أجابني منها إلا في خمس مسائل»","level":6,"page":39},{"title":"١٠ - ينبغي للعالم أن يورث جلساءه","level":6,"page":39},{"title":"١١ - قال ابن وهب: «لو كتبنا عن مالك: لا أدري؛ لملأنا الألواح»","level":6,"page":39},{"title":"١٢ - عن عقبة بن مسلم أنه قال: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا","level":6,"page":39},{"title":"١٣ - قال أبو داود: «قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم نصف العلم»","level":6,"page":39},{"title":"السادس عشر: أدوار الجسور المتكررة حصل بها اليسر والتيسير","level":4,"page":40},{"title":"٢ - آخر وقت الرمي أيام التشريق الثلاثة","level":3,"page":40},{"title":"والأفضل في رمي الجمار أيام التشريق أن ترمى قبل الغروب","level":4,"page":41},{"title":"أما الرمي بعد غروب الشمس ليلا فقد أجازه بعض أهل العلم","level":4,"page":41},{"title":"لا بأس أن يرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه إلى آخر الليل","level":4,"page":41},{"title":"واستدل على جواز الرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه بأدلة:","level":4,"page":42},{"title":"الدليل الأول: حديث ابن عباس ﵄","level":5,"page":42},{"title":"الدليل الثاني: عن نافع عن ابن عمر أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة","level":5,"page":43},{"title":"الدليل الثالث: حديث ابن عمر ﵄","level":5,"page":43},{"title":"الدليل الرابع: اليوم وقت للرمي والليل يتبعه","level":5,"page":44},{"title":"الدليل الخامس: تأمل الواقع","level":5,"page":44},{"title":"الدليل السادس: الرمي في الليل جائز","level":5,"page":44},{"title":"ثالثا: صفة رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة:","level":2,"page":44},{"title":"١ - يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة","level":3,"page":45},{"title":"٢ - يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة","level":3,"page":45},{"title":"٣ - ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة","level":3,"page":45},{"title":"رابعا: إذا عجز المتمتع والقارن عن الهدي وجب عليه أن يصوم","level":2,"page":46},{"title":"خامسا: من عجز عن الرمي","level":2,"page":47},{"title":"أما الأقوياء من الرجال والنساء فلا يجوز لهم التوكيل في الرمي","level":3,"page":47},{"title":"وهكذا الصبي يجوز أن يرمي عنه وليه","level":3,"page":47},{"title":"والصواب إن شاء الله تعالى أنه يشترط في الوكيل أن يكون حاجا ذلك العام","level":3,"page":47},{"title":"سادسا: من غربت عليه الشمس من اليوم الثاني عشر وهو لم يخرج من منى","level":2,"page":48},{"title":"سابعا: بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر من أيام التشريق بعد الزوال إن شاء الحاج تعجل","level":2,"page":49}],"ٛ":{"1,3":7,"1,4":8,"1,5":9,"1,6":10,"1,7":11,"1,9":12,"1,10":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,23":16,"1,24":17,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,51":42,"1,52":43,"1,53":44,"1,60":45,"1,61":46,"1,62":47,"1,63":48,"1,64":49},"ٜ":{"1":[3,64]},"ٝ":[null,null,null,null,null,null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,15","1,16","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,51","1,52","1,53","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64"],"ٞ":{"7":[1],"9":[2,3,4],"11":[5],"12":[6,7,8],"13":[9],"14":[10],"17":[11,12,13,14,15],"19":[16,17,18],"20":[19],"21":[20,21],"22":[22,23],"23":[24,25,26,27],"25":[28,29],"26":[30],"27":[31],"28":[32,33,34,35],"29":[36,37],"30":[38],"31":[39,40],"33":[41,42,43],"34":[44,45,46],"35":[47,48,49,50],"36":[51,52],"37":[53,54],"38":[55,56,57,58,59,60,61],"39":[62,63,64,65,66],"40":[67,68],"41":[69,70,71],"42":[72,73],"43":[74,75],"44":[76,77,78,79],"45":[80,81,82],"46":[83],"47":[84,85,86,87],"48":[88],"49":[89]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"رمي الجمرات\n\nفي ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة - ﵃ -\nمفهوم، وفوائد، وشروط، وآداب، ومسائل، وحِكَمٌ، وأحكامٌ\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"تقديم معالي العلامة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله تعالى\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:\nفقد اطلعت على الكتاب المسمّى: رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة، تأليف الفقير إلى الله تعالى الدكتور: سعيد بن علي بن وهف القحطاني، فوجدته: كتابًا، جيّدًا، مفيدًا، مدعّمًا بالأدلَّة، موثّقًا من المصادر العلمية.\nوأرجو الله أن ينفع به، ويثيب مؤلّفه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.\n\nكتبه\nصالح بن فوزان الفوزان\nعضو هيئة كبار العلماء\nفي ٢٨/ ٧/١٤٢٩هـ","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":null},{"text":"تقديم معالي العلامة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان حفظه الله تعالى\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، واهتدى بهديه، وبعد. فقد طلب مني الدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني أن أطّلع على رسالةٍ كتبها بعنوان: «رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة - ﵃ -»، وكانت هذه الرسالة طبعت في رمضان في العام الماضي ١٤٢٩هـ، وعليها تقريظ لفضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء، أثنى فيه فضيلته على رسالة الدكتور سعيد، ودعا له، فرأيت الاكتفاء بما كتبه الشيخ صالح وفقه الله، وبارك فيه، لكن الدكتور سعيد ألحّ عليّ، وراجعنى مرارًا، وأنا أشكره على حرصه، وكنت قرأت الرسالة قراءة عابرة منذ عدة أشهر، فأعدت مراجعتها، وتأمّلت ما كتبه وفّقه الله عن رمي الجمرات، فرأيته قد أحسن في كتابته، وظهر تحرِّيه واجتهاده في نقوله واستدلاله، وحرصه على نقل ترجيح العلماء الراسخين الذين هم أهل العلم حقًا، رحم الله من مات من العلماء، ووفّق الأحياء للالتزام بالكتاب والسنة، والتقيد بدلالتهما، وما فهمه عنهما الصحابة والتابعون، والقرون التي شهد لها رسول الله - ﷺ - بأنهم خير الناس، كما في حديث عمران بن حصين وغيره، ولا شك أن العبادات المؤقتة بوقتٍ وصفةٍ إنما مرجعها فهم الكتاب الكريم، وسنة سيد المرسلين، ومهمة العلماء أن يحسنوا فهم النصوص، والاستدلال بها، والاستنباط منها ..\nإن العلماء ليس إليهم التشريع، فذلك لله ولرسوله - ﷺ -؛ ولذا فإنه يجب على العلماء التقيد بدلالة النص، وأن لا يخرجوا عن دلالته لا في صفةٍ، ولا","vol":"1","page":null},{"text":"بدايةٍ ونهايةٍ، والدكتور سعيد في هذه الرسالة قد أحسن في تَقَيُّدِهِ بفهم الصحابة - ﵃ - في ابتداء الرمي يوم النحر، وأيام التشريق، وفي أمر انتهائه ...\nإن من المعلوم أن النبي - ﷺ - لم يحج بالمسلمين سوى حجة الوداع، وفي حجة الوداع أُخِذَتْ عنه أعمال الحج، وقد أفهم أصحابه بأن يأخذوا عنه؛ فأخذوا، ثم بلَّغوا الناس ما أخذوه حتى صار الواحد من الناس عندما يقرأ ما نُقِلَ عن الصحابة من فعلهم، أو إخبارهم بفعل رسول الله - ﷺ -، أو ما نقلوه من أقواله عليه أفضل الصلاة والتسليم كأنما يُشاهد أو يَسمع أقوال سيد البشر، وأقوال خير الناس بعده.\nإنّ على المسلم أن يَتعرَّف أفعال رسول الله - ﷺ - في جميع أمور التشريع فيما بينه - ﷺ - وبين الله، وما بينه وبين عباد الله، وأن يحسن التقيّد بها.\nوما التبس عليه أمره يسأل أهل العلم، وعليه أن يحسن اختيار من يسألهم، وأن يحرص على قراءة ما كُتِبَ من السابقين؛ ليستعين بذلك على فهم ما يقرؤه، لا على أن يجد أقوالًا عن من يدعو إلى التسهيل؛ فإن التسهيل المعتبر هو ما وافق الكتاب والسنة، ولم يخرج عن فهم الصحابة - ﵃ - والعلماء الراسخين من سلف هذه الأمة، وقد كثر المتحدثون عن التسهيل، ولو لم يكن عن دليلٍ صريحٍ؛ ولا شك أن النبي - ﷺ - قال: «يسروا ولا تعسروا»؛ وأمرنا - ﷺ - بالتيسير، ونهانا عن التعسير، وأخبرنا أننا إنّما بُعثنا مُيسّرين، ولم نُبْعَث معسّرين،، لكن ذلك كله في حدود ما دلّ عليه الكتاب والسنة؛ فإن الدين كَمُلَ في حياة رسول الله - ﷺ -، فلم يبق مجال لتوسعةٍ إلا في حدود ما جاء عن الله ورسوله، وما سوى ذلك فمردود على من قال به؛ لحديث عائشة ﵂ المخرج في الصحيح:","vol":"1","page":null},{"text":"«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»، وفي لفظ: «من أحدث في أمرنا ...»، وبالتالي فإني أؤيِّد ما ذكره فضيلة الشيخ صالح الفوزان عن هذه الرسالة، وأشكر الدكتور سعيد على ما قام به، وما أشار إليه من انتفاء الحرج في رمي الجمرات بما ظهر من آثار أدوار ما أنشئ من جسور رمي الجمرات، وما حصل من التوسُّعِ في ذلك في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، مما جعل الرمي في غاية اليسر، نسأل الله أن يزيده توفيقًا، ويعينه على حماية العقيدة، ونصرة الشريعة، وأن يشد أزره بإخوانه وأعوانه، وأن تكون مخافة الله والتماس رضاه، أهم الأمور لديهم، وأن يبارك فيهم.\nوكما أسأل الله سبحانه أن يهيئ لدولتنا كل أسباب الصيانة لهذه الملَّة، وصيانة العقيدة، وحماية المناسك وِفْق ما وصل إلينا من أعمال وأقوال سلفنا، وأن يرينا في دولتنا توالي نعمه عليها في أمر الدين والدنيا، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.\nكتب ذلك عضو هيئة كبار العلماء\nصالح بن محمد اللحيدان\n١٤/ ١٠/١٤٣٠هـ","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:\nفهذه رسالة مختصرةٌ، محررةٌ، في «رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة» بيَّنت فيها كل ما يحتاجه الحاج في رمي الجمرات في يوم العيد وأيام التشريق، وقرنت كل مسألة بدليلها من الكتاب والسنة، أو الإجماع، أومن أقوال الصحابة - ﵃ -.\nوقد ذكرت في متن هذه الرسالة القول الصحيح الراجح بدليله، وذكرت في الحواشي المسائل الخلافية، وبيَّنت الراجح منها؛ ليستفيد من ذلك طالب العلم وغيره.\nوقد استفدت كثيرًا من تقريرات وترجيحات سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى.\nوقد قسمت البحث إلى أربعة مباحث على النحو الآتي:\nالمبحث الأول: مفهوم رمي الجمرات: لغة واصطلاحًا.\nالمبحث الثاني: سبب مشروعية رمي الجمرات.\nالمبحث الثالث: رمي جمرة العقبة وآدابه.\nالمبحث الرابع: رمي الجمرات أيام التشريق وآدابه.\nوالله أسأل أن يجعل هذا العمل القليل نافعًا، مباركًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل،","vol":"1","page":3},{"text":"والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلى الله على عبده، ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\nحرر في ضحى يوم الإثنين ١٨/ ٧/١٤٢٩هـ","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: مفهوم رمي<span data-type=\"title\" id=toc-4> الجمرات: </span>لغة، واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الرمي </span>لغة: هو القذف والدفع.\nوهو في الاصطلاح: دفع الحصى الصغار بِقُوَّةٍ إلى موضع الرمي داخل حوض الجمرة.\nالجمرات، لغة: الجمرة: الحصاة الصغيرة، وجمعها جمرات، وجمار (١).\nقال الإمام ابن الأثير ﵀: «... الجمار: وهي الأحجار الصغار، ومنه سمِّيت جمار الحج للحصى التي يُرمَى بها، وأما موضع الجمار بمنىً فسُمِّيَ جمرة؛ لأنها تُرمى بالجمار، وقيل: لأنها مجمع الحصى التي يُرمى بها، من الجمرة: وهي اجتماع القبيلة على من نَاوَأها، وقيل: سُمِّيت به من قولهم: أجمر: إذا أسرع (٢).\nوقال العلامة أحمد الفيُّومي ﵀: «الجمرة هي مجتمع الحصى بمنى، فكلُّ كومةٍ من الحصى جمرة، والجمع: جمرات، وجمرات منى ثلاث ...» (٣).\nوعلى هذا فاشتقاق الجمرة: من التجمّر: وهو التجمّع؛ لاجتماع الحصى في الموضع الذي يُرمى فيه.\nأو سُمِّيت الجمرة من التجمّع لاجتماع الحجاج عندها يرمونها، والعلم عند الله تعالى (٤).\nالجمرة في الاصطلاح: هي مجتمع الحصى الذي تحت العمود\n_________\n(١) لسان العرب، لابن منظور، باب الراء، فصل الجيم، ٤/ ١٤٦.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، مادة (جمر)، ١/ ٢٩٢.\n(٣) المصباح المنير، للفيومي، مادة (جمر)، ١/ ١٠٨.\n(٤) انظر: أضواء البيان، ٥/ ٢٩٨.","vol":"1","page":5},{"text":"الشاخص الذي يقع وسط الحوض في الجمرة الصغرى، والجمرة الوسطى، ويقع الحوض في جهة جمرة العقبة الغربية الجنوبية (١)،فإذا وقع الحصى داخل الحوض تحت العمود الشاخص أجزأَ عند العلماء، وهو الموضع الذي رمى فيه رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) وقد أصبح حوض الجمرة الكبرى: جمرة العقبة من جميع الجهات بعد التوسعة السعودية الجديدة في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز وفقه الله تعالى.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: سبب مشروعية الرمي وحكمته</span>\nوردت أحاديث تدل على أن أوَّل من رمى الجمار إبراهيم الخليل - ﷺ -، فعن ابن عباس ﵄، يرفعه إلى النبي - ﷺ - قال: «لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ (١) في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض»، قال ابن عباس ﵄: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون» (٢)، وغير ذلك من الحكم (٣).\n_________\n(١) ساخ في الأرض: أي غاص فيها.\n(٢) ابن خزيمة، بنحوه، برقم ٢٩٦٧، والحاكم، ١/ ٤٦٦، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، على شرط مسلم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٧.\n(٣) وذكر شيخنا ابن باز ﵀ في مجموع فتاويه، ١٧/ ٣١٠ - ٣١٣ حكمًا أخرى هي:\n١ - اقتداءً بأبينا إبراهيم الخليل - ﵇ - حين اعترض له الشيطان في هذه المواقف، وبنبينا محمد - ﷺ - حين شرع ذلك لأمته في حجة الوداع.\n٢ - إقامة ذكر الله تعالى: «إنما جعل الطواف بالبيت، والسّعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» [أحمد، ٤٠/ ٤٠٨]، وتقدم تخريجه.\n٣ - التقيّد بالعدد سبعة له حكمة عظيمة، وهو التذكر بما شرع الله من هذا العدد: ترمى بسبع حصيات: كالطواف سبعًا، والسعي سبعًا.\n٤ - الدين الإسلامي دين امتثال لأمر الله، حتى ولو خفيت الحكمة.\n٥ - رمي الجمار يشعر المسلم بالتواضع والخضوع في امتثال الأمر، كما أنه يعوِّد المسلم على النظام والترتيب في المواعيد.\n٦ - الاحتفاظ بالحصيات وعدم وضعها في غير موضعها يشعر المسلم بأهمية المحافظة على ما شرع ربه وعدم الإسراف، ووضع الأمور في مواضعها من غير تبذير ولا زيادة.\n٧ - الرمي رمز وإشارة إلى عداوة الشيطان.\n٨ - غاية في تحقير المرجوم، والمسلم يرجم الجمار لكن الأصل لرجم إبراهيم - ﵇ - أن رجم الشيطان [رمي الجمرات للشريف، ص ٢٦].","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الثالث: رمي جمرة العقبة وآدابه</span>\nإذا وصل الحاج إلى منى يوم النحر فالأفضل أن يعمل الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>أولًا: يقطع التلبية عند جمرة العقبة</span>؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄: أن أسامة كان ردف النبي - ﷺ - من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: «لم يزل النبي - ﷺ - يلبي حتى رمى جمرة العقبة» (١)، وسُمِّيت جمرة العقبة؛ لأنها في عقبة مأزم منى، وخلفها من ناحية الشام وادٍ فيه بايع الأنصار رسول الله - ﷺ - بيعة العقبة، وهي ملاصقة للجبل، وبجانبها طريق مع الجبل يسمى العقبة، والعقبة: هي الطريق مع الجبل، ولهذا سميت بالعقبة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثانيًا: يستحب له أن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره</span>، وجمرة العقبة أمامه، ثم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده مع كل حصاة، ويكبر مع كل حصاة، ويتأكد بأن الرمي يقع في الحوض داخل المرمى؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، فعن عبد الرحمن بن يزيد: «أنه حجَّ مع عبد الله بن مسعود - ﵁ -، فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات [يُكبِّر مع كل حصاة]، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٤٣، ١٥٤٤، ومسلم، برقم ١٢٨١، ١٢٨٢، وتقدم تخريجه في أحكام التلبية.\n(٢) وقد أزيل طرف الجبل المتّصل بجمرة العقبة بناءً على فتوى مفتي البلاد السعودية في عصره، العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، بتاريخ ١/ ٩/ ١٣٧٥هـ، وأنشئت الطرقات بين جمرة العقبة والجبل، كما هو مشاهد الآن. [انظر: فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ،\n٥/ ١٥٠ - ١٥١].","vol":"1","page":9},{"text":"يمينه، ثم قال: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة»، وفي رواية: أن عبد الرحمن بن يزيد كان مع ابن مسعود - ﵁ - حين رمى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها، فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: «من ها هنا - والذي لا إله غيره - قام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة»، وفي لفظ: «أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة» (١).\nوعن جابر - ﵁ - عنه عن النبي - ﷺ -، وفيه: «... ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يُكبِّر مع كل حصاة منها، حصى الخذف، رمى من بطن الوادي ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثالثًا: وقت رمي جمرة العقبة</span>، هذه الجمرة الوحيدة التي يستحب للحاج أن يرميها ضُحىً يوم النحر (٣)، أما بقية الأيام فلا تُرمَى\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب رمي الجمار من بطن الوادي، برقم ١٧٤٧، وباب رمي الجمار بسبع حصيات، برقم ١٧٤٨، وباب من رمى جمرة العقبة فجعل البيت عن يساره، برقم ١٧٤٩، وباب يكبر مع كل حصاة، برقم ١٧٥٠، ومسلم كتاب الحج، باب رمي جمرة العقبة من بطن الوادي، وتكون مكة عن يساره، ويكبر مع كل حصاة، برقم ١٢٩٦.\n(٢) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) أول وقت رمي جمرة العقبة وآخره على النحو الآتي:\nأولًا: أول وقت رمي جمرة العقبة: أجمع العلماء على أن من رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس أجزأه ذلك، بل قال الإمام ابن المنذر في كتابه الإجماع، ص ٧٢: «وأجمعوا على أنه إن رمى جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أنه يجزئ».\nواختلفوا في أول الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة إلى ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أول وقت رمي جمرة العقبة بعد منتصف الليل [وقيده بعضهم بعد غروب القمر، كما صحّ عن أسماء بنت أبي بكر ﵂]، وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وعطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد، كما ذكره ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٩٥، وقال النووي في شرح المهذب: «وبه قال عطاء، وأحمد، وهو مذهب أسماء بنت أبي بكر ﵂، وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد، واستدلوا بحديث عائشة ﵂، قالت: «أرسل النبي - ﷺ - بأمِّ سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت» [أبو داود، برقم ١٩٤٢، والنسائي، برقم ٣٠٦٦]، وقال ابن حجر في بلوغ المرام: «إسناده على شرط مسلم، وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول،\n٣/ ٢٦٣: «إسناده حسن». [وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٧٦، فقد نقل عن الإمام النووي تصحيحه في شرح المهذب، ثم قال الشنقيطي: «ولا يخفى أن رواية أبي داود المذكورة ظاهرها الصحة».\nقال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل منتصف الليل من ليلة النحر، وكذلك طواف الإفاضة»، وقال ﵀: «الصحيح أن رمي جمرة العقبة في النصف الأخير من ليلة النحر مجزئ للضعفة وغيرهم، ولكن يشرع للمسلم القوي أن يجتهد حتى يرمي في النهار اقتداء بالنبي - ﷺ -؛ لأنه - ﷺ - رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس» [مجموع فتاوى ابن باز،\n١٦/ ١٤٣، وكان يفتي كثيرًا: بأنه يجوز الرمي بعد منتصف الليل، والأفضل بعد غروب القمر، ولكن الأفضل للأقوياء أن يرموا بعد طلوع الشمس، اقتداء بالنبي - ﷺ -، قال شيخنا ابن باز ﵀: «وحديث ابن عباس ﵄: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» [أخرجه أحمد، برقم ٢٠٨٢، ٠٨٩، و٢٥٠٧، و٢٨٤١، و٣٠٠٣، و٣١٩٢، و٣٢٠٣، وأبو داود، برقم ١٩٤٠، والنسائي، ٥/ ٢٧١، برقم ٣٠٦٤ والترمذي، برقم ٨٩٣] ضعيف لانقطاعه بين الحسن العرني وابن عباس، وعلى فرض صحته فهو محمول على الندب جمعًا بين الأحاديث، كما نبَّه على ذلك الحافظ ابن حجر ﵀». [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٣، ١٧٥، ٢٢٢، ١٧/ ٢٩٢، ٢٩٤، ٢٩٦، ٣٧٧، ٢٥/ ٢٣١].\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «... ولرمي هذه الجمرة [أي جمرة العقبة] وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء؛\nفأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس، قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين على أن رسول الله - ﷺ - إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وقال جابر - ﵁ -: «رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضحىً، وأما بعد فإذا زالت الشمس» [رواه مسلم، برقم ٣١٤ - (١٢٩٩)] إلى أن قال: «لأن رميها بعد طلوع الشمس يجزئ بالإجماع، وكان أولى.\nوحديث ابن عباس: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» [أبو داود، برقم ١٩٤٠، وغيره، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٥]، وكذا حديثه: «كان رسول الله - ﷺ - يقدم ضعفاء أهله بغلس ويأمرهم - يعني - لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس» [أخرجه أبو داود، برقم ١٩٤١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٦] يحمل إذا كان صحيحًا على الاستحباب كما تقدم.\nوأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، ... ثم استدل بحديث عائشة ﵂ في رمي صفية ﵂ قبل الفجر، وبحديث أسماء، وأنها نزلت من مزدلفة بعد غروب القمر، ثم رمت قبل صلاة الفجر، وقال: لأنه وقتٌ للدفع من مزدلفة، فكان وقتًا للرمي، ثم قال في الأخبار في الرمي بعد طلوع الشمس: «والأخبار المتقدمة محمولة على الاستحباب». [المغني، ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥].\nالقول الثاني: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن رمي جمرة العقبة يبتدئ من بعد طلوع الشمس، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، واحتجوا بقول النبي - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم ...» [مسلم، برقم ١٢١٨، والبيهقي بلفظه، ٥/ ١٢٥]، وبحديث ابن عباس، وفيه: «... لا ترموا الجمرة حتى تطلع المشس» [أبو داود، برقم ١٩٤٠، والنسائي، ٥/ ٢٧١، والترمذي، برقم ٨٩٣، وتقدم الحكم عليه].\nالقول الثالث: أول وقت رمي جمرة العقبة للضعفة بعد طلوع الفجر، ولغير الضعفة بعد طلوع الشمس، وهو قول لبعض أهل العلم، واختاره ابن القيم في زاد المعاد، ٢/ ٢٥٢، قال ابن القيم ﵀: «وفي المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها: الجواز بعد نصف الليل مطلقًا للقادر والعاجز، كقول الشافعي وأحمد رحمهما الله: [قال شيخنا ﵀ تعليقًا على هذا المذهب: وهذا هو الصواب، لكن بعد نصف الليل، والأقوياء الأفضل لهم تأخير الرمي إلى بعد طلوع الشمس]. والثاني: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، كقول أبي حنيفة ﵀، والثالث: لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس، كقول جماعة من أهل العلم، والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حدَّه بالنصف دليل، والله أعلم» [زاد المعاد، ٢/ ٢٥٢]. ويرى العلامة ابن عثيمين ﵀: أنه لا يدفع أحد من مزدلفة، ولا يرمي إلا بعد أن يصلي الفجر ما لم يكن ضعيفًا، أو صاحب ضعيف، ومع ذلك لو دفع بعد نصف الليل فإنه لا يأثم، والمسألة من باب الأفضلية [الشرح الممتع، ٧/ ٣٦١].\nثانيًا: آخر وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى غروب الشمس يوم النحر، قال الإمام ابن قدامه في المغني، ٥/ ٢٩٥: «قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقتٍ لها، وإن لم يكن مستحبًا لها»؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - يُسأل يوم النحر بمنى، فيقول: «لا حرج»، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: «اذبح ولا حرج»، وقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: «لا حرج» [البخاري، برقم ١٧٣٥، بلفظه، ومسلم، برقم ١٣٠٧].\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٣/ ٥٦٩ في قوله: «رميت بعدما أمسيت» أي بعد دخول المساء، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتدَّ الظلام، فلم يتعيَّن لكون الرمي المذكور كان بالليل»، فإن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرمِ جمرة العقبة، فقد اختلف العلماء على قولين:\nالقول الأول: يجوز الرمي ليلًا، وهو قول عبد الله ابن عمر ﵄، وبه قال الإمام مالك وأصحابه، والإمام الشافعي، ومحمد بن المنذر، ويعقوب، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:\n١ - حديث ابن عباس ﵄، قال: «كان النبي - ﷺ - يُسأل يوم النحر بمنىً فيقول: «لا حرج»، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: «إذبح ولا حرج»، وقال: رميت بعدما أمسيتُ؟ فقال: «لا حرج» [البخاري، برقم ١٧٣٥]، قالوا: فقد صرّح النبي - ﷺ - بأن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٢].\n٢ - ما روى مالك في الموطأ في كتاب الحج، باب الرخصة في رمي الجمار، ١/ ٤٠٩، عن نافع مولى ابن عمر: «أن ابنة أخٍ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئًا»، قال العلامة عبد المحسن بن حمد العباد البدر في كتابه تبصير الناسك،\nص ١٤٥: «بإسناد صحيح»، فقال أصحاب هذا القول: فقد أمر ابن عمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي - ﷺ -: أن الرمي ليلًا جائز. [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٥].\nالقول الثاني: لا يجوز الرمي ليلًا، بل إن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرمِ، فإنه يؤخر رمي جمرة العقبة حتى تزول الشمس من الغد ثم يرميها، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو مذهب الإمام أحمد، قال الإمام ابن قدامه في المغني، ٥/ ٢٩٥: «فإن أخرها إلى الليل لم يرمِ حتى تزول الشمس من الغد، وبهذا قال أبو حنيفة وإسحاق ...»، وردّ أصحاب هذا القول على من استدل بحديث: «رميت بعدما أمسيت» فقالوا: إن مراد السائل بقوله: «بعدما أمسيت» يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل، قالوا: والدليل الواضح على ذلك: أن حديث ابن عباس المذكور فيه: كان النبي - ﷺ - يُسأل يوم النحر بمنى ... الحديث، فتصريحه بقوله: «يوم النحر» يدل على أن سؤاله وقع في النهار، والرمي بعد الإمساء وقع في النهار؛ لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٥٦٩: «رميت بعدما أمسيت» أي بعد دخول المساء»، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتدّ الظلام لم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل»، وقال ابن منظور في لسان العرب: «المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعضهم إلى نصف الليل».\nفأجاب أصحاب القول الأول بأجوبة منها:\nالجواب الأول: أن قول النبي - ﷺ -: «لا حرج» بعد قول السائل رميت بعدما أمسيت؟ يشمل لفظه نفي الحرج عمن رمى بعدما أمسى، وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار وجزء من الليل.\nالجواب الثاني: أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس ﵄ المذكور ما هو أعم من يوم النحر، وهو صادق قطعًا بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق، ومعلوم أن الرمي فيها لا يكون إلا بعد الزوال، فقول السائل في بعض أيام التشريق: رميت بعدما أمسيت؛ لا ينصرف إلا إلى الليل، لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم، فلا يسأل عنه صحابي، فعن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول الله - ﷺ - يسأل أيام منى؟ فيقول: «لا حرج»، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: «لا حرج»، فقال رجل: رميت بعدما أمسيت؟ قال: «لا حرج»، [النسائي، برقم ٣٠٦٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٥٩]، فقوله في هذا الحديث الصحيح: أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد، فهو صادق بحسب وضع اللغة، ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا إلى الليل، كما تقدم [أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٢٨٤].\nالجواب الثالث: هو ما تقدم في موطأ الإمام مالك عن ابن عمر في الدليل الثاني من أدلة القائلين بجواز الرمي ليلًا.\nفالراجح جواز الرمي ليلًا، فيرمي من فاته الرمي لجمرة العقبة قبل غروب الشمس، ليلًا، عن اليوم الذي غابت شمسه، فيرمي عن جمرة العقبة ليلة الحادي عشر، وهو الذي يفتي به شيخنا ابن باز ﵀، ويرجحه منذ دهر طويل [انظر: مجموع الفتاوى له:١٧/ ٢٩٩، ٣٠١، ٣٧٧].\nثالثًا: جمهور العلماء على أن رمي جمرة العقبة واجب يجبر بدم، وخالف عبد الملك الماجشون من أصحاب مالك الجمهور، فقال: هو ركن، واحتج الجمهور بالقياس على الرمي في أيام التشريق [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٧].\nرابعًا: أجمع العلماء على أنه لا يرمي من الجمرات يوم النحر إلا جمرة العقبة [أضواء البيان، ٥/ ٢٨٧].","vol":"1","page":10},{"text":"الجمار الثلاث إلا بعد الزوال فعن جابر - ﵁ - قال: «رمى رسول الله - ﷺ - يوم النحر ضحىً وأما بعدُ فإذا زالت الشمس»، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري معلقًا: «رمى النبي - ﷺ - يوم النحر ضحىً، ورمى بعد ذلك بعد الزوال» (١)، وجمرة العقبة هي الأخيرة مما يلي مكة (٢).\nثم ينحر هديه، أو يذبحه إن كان عليه هدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>رابعًا: الحلق أو التقصير، والحلق أفضل</span>\nإذا فرغ الحاج من ذبح هديه أو نحره لمن كان له هدي حلق رأسه أو قصَّره، والحلق أفضل للرجل؛ لأن النبي - ﷺ - دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة واحدة؛ لحديث عبد الله بن عمر\n﵄: أن رسول الله - ﷺ - قال: «رحم الله المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب الحج، باب رمي الجمار، قبل الحديث رقم ١٧٤٦، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وقت استحباب الرمي، برقم ٣١٤ – (١٢٩٩).\n(٢) جمرة العقبة لها خصائص اختصت بها على سائر الجمرات على النحو الآتي:\n١ - ترمى يوم النحر. ٢ - صباحًا. ٣ - ترمى من أسفلها. ٤ - لا يوقف عندها للدعاء. ٥ - تستقبل حال الرمي. ٦ - أحد ما يحلّ به الحاج. ٧ - قطع الحاج التلبية إذا رماها. [فتاوى العلامة محمد بن إبراهيم ﵀، ٦/ ١٥].","vol":"1","page":15},{"text":"رسول الله، قال: «رحم الله المحلّقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: «رحم الله المحلقين»،قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «والمقصرين» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله: «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: «والمقصِّرين» (٢).\nأما المرأة فليس عليها إلا التقصير تأخذ من كل قرن قدر الأنملة أو أقل.\nوبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ويُسمَّى هذا التحلل الأول (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال، برقم،١٧٢٧،ومسلم، واللفظ له، في كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير، برقم ٣١٨ – (١٣٠١).\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال، برقم ١٧٢٨، ومسلم، واللفظ له، في كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير، برقم ١٣٠٢.\n(٣) مسائل مهمة في التحلل على النحو الآتي:\nالمسألة الأولى: اختلف العلماء ﵏: هل الحلق نسك أم لا؟ على قولين:\nالقول الأول: الحلق والتقصير نسك لا بد من فعله في الحج، والعمرة، فهو واجب من واجبات الحج، وواجب من واجبات العمرة، يثاب على فعله، ويستحق العقاب من تركه [قاله ابن تيميه في شرح العمدة، ٢/ ٥٤١]، قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٥/ ٣٠٤: «والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة، في ظاهر مذهب أحمد، وقول الخرقي، وهو قول مالكٍ، وأبي حنيفة، والشافعي»، وبيَّن الإمام ابن قدامة أن هذا القول هو الأصح؛ فإن النبي - ﷺ - أمر به، فروى ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: «من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحل»، [البخاري، برقم ١٦٢٣، ومسلم برقم ١٢١١]، وعن جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أحلوا من إحرامكم بطوافٍ بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصِّروا» [البخاري، برقم ١٤٦٦، ومسلم، برقم ١٠٠٥] وأمره يقتضي الوجوب؛ ولأن الله تعالى وصفهم به، بقوله سبحانه:\n﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [سورة الفتح: ٢٧]، ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به، كاللبس، وقتل الصيد؛ ولأن النبي - ﷺ - ترحَّم على المحلقين ثلاثًا، وعلى المقصرين مرة، ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل، كالمباحات؛ ولأن النبي - ﷺ - وأصحابه فعلوه في جميع حججهم وعمرهم، ولم يخلَّوا به، ولو لم يكن نسكًا لما داوموا عليه، بل لم يفعلوه إلا نادرًا؛ لأنه لم يكن من عاداتهم فيفعلوه عادة، ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله ...» [المغني لابن قدامه،\n٥/ ٣٠٥ – ٣٠٦ بتصرف].\nوقال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٨٨: «التحقيق أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير».\nالقول الثاني: الحلق والتقصير ليس بنسك، وإنما هو إطلاق من محظور كان محرَّمًا عليه بالإحرام، فأطلق فيه عند الحل، كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام، وهذا القول رواية عن أحمد، فعلى هذه الرواية لا شيء على تاركه، ويحصل الحلُّ بدونه، ووجه ذلك: أن النبي - ﷺ - أمر بالحل من العمرة قبله، فروى أبو موسى قال: قدمتُ على رسول الله - ﷺ -، فقال لي: (بمَ أهللتَ؟) قال: قلت: لبيك بإهلالٍ كإهلال رسول الله - ﷺ -، قال: «أحسنت»، فأمرني فطفت بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم قال لي: «أحلّ» [البخاري، برقم ١٦٠٩، ومسلم، برقم ١٢٢١].\nوعن جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - لما سعى بين الصفا والمروة، قال: «من كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة» [مسلم، برقم ١٢١٨]، وعن سراقه: أن النبي - ﷺ - قال: «إذا قدمتم فمن تطوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلَّ إلا من كان معه هدي» [أخرجه أحمد، برقم ١٥٤١٩، وأبو داود، برقم ١٨٠١،والدارِمِي، برقم ١٨٥٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٥٧٣]؛ ولأن ما كان محرمًا في الإحرام إذا أبيح كان إطلاقًا من محظور، كسائر محرّماته [المغني، ٥/ ٣٠٦].\nوالصواب أن الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة، وواجب من واجبات الحج، وواجب من واجبات العمرة، وعلى من تركه دمٌ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذا القول: «واعلم أن هذا القول غلط على المذهب ليس عن أحمد ما يدل على هذا، بل كلامه كله دليل على أن الحلق من المناسك [شرح العمدة، ٢/ ٥٤١].\nوقال العلامة الشنقيطي: «وأظهر القولين عندي: أن الحلق نسك» [أضواء البيان، ٥/ ٢٨٨]\nوقال العلامة محمد بن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع: ٧/ ٣٦٦: «والصواب: أنه نسك، وعبادة وقربة لله، والدليل على هذا: أن النبي - ﷺ - «دعا للمحلقين والمقصرين»، ولا يدعو إلا بشيء مطلوب شرعًا.\nونقل ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٧ اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه نُسُكٌ، ويحلُ قبله، وذكر جماعة على أنه نسك في حلّه قبله روايتين.\nالمسألة الثانية: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في مسألة التحلل من الحج على أقوال:\nالقول الأول: التحلل الأول يحصل بمجرد رمي جمرة العقبة، فيحل له كل شيء إلا النساء، وبه قال الإمام أحمد في رواية عنه، والإمام مالك، وعطاء، وأبو ثور؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساء» [أبو داود، برقم ١٩٧٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٥٤]، وقول ابن عباس ﵄، قال: «إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كلُّ شيء إلا النساء»،فقال له رجل: يا ابن عباس والطيب؟ فقال: «أما أنا فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يُضمِّخُ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟»،وهذا لفظ ابن ماجه، وأما لفظ النسائي، فقال: «فعن ابن عباس قال: «إذا رمى الجمرة فقد حلَّ له كلُّ شيء إلا النساء» قيل: والطيبُ؟ قال: «أما أنا فقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - يتضمَّخ بالمسك، أفطيب هو؟» [ابن ماجه، كتاب المناسك، باب ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة، برقم ٣٠٤١، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب ما يحل للمحرم بعد رمي الجمار، برقم ٣٠٨٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٥٣، وفي صحيح النسائي، ٢/ ٣٦٤]، وأخرجه أحمد، ٥/ ٢٧٦، برقم: ٣٢٠٤، وقال محققو المسند، ٥/ ٢٧٦: «صحيح لغيره، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الحسن بن عبد العزيز فمن رجال مسلم، وهو ثقة إلا أنه لم يسمع من ابن عباس»، ورواه أحمد أيضًا مرفوعًا٤/ ٥، برقم ٢٠٩٠، ولكن فيه الحسن العرني كذلك، وله شاهد عن عائشة ﵂، قالت: «طيبت رسول الله بيدي بذريرة لحجة الوداع للحلِّ والإحرام: حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت»، [أحمد، ٤٣/ ١٩٠، برقم ٢٦٠٧٨، وقال محققو المسند، ٤٣/ ١٩٠: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»، وقال الإمام النسائي ... عن عائشة ﵂، قالت: «طيبت رسول الله - ﷺ -، لحرمه حين أحرم، ولحلِّه بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت» [النسائي، برقم ٢٦٨٦، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٥٦] قال الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٣٨، عن إسناد الإمام أحمد، وإسناد النسائي هذا: «وإسنادهما صحيح على شرط الشيخين» [وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٣٩].\nوقد رجّح هذا القول الإمام ابن قدامه في المغني، ٥/ ٣١٠، فقال: «وعن أحمد أنه إذا رمى جمرة العقبة، فقد حلَّ، وإذا وطئ بعد جمرة العقبة فعليه دم، ولم يذكر الحلق، وهذا يدل على أن الحِلَّ بدون الحلق [يعني التحلل الأول]، وهذا قول عطاء، ومالك، وأبي ثور، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لقوله: [- ﷺ -] في حديث أم سلمة ﵂: «إن هذا يوم رُخِّص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلُّوا – يعني من كل ما حُرمتم منه - إلا النساء ..» [أبو داود، برقم ١٩٦٩، في كتاب المناسك، باب الإفاضة في الحج، وقال الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٦٠: «حسن صحيح».\nقال شيخنا ابن باز في مجموع الفتاوى، ١٧/ ٣١٦: «... التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة عند جمع من أهل العلم، وهو قولٌ قويٌ، وإنما الأحوط هو تأخير التحلل الأول حتى يحلق المحرم، أو يقصرّ، أو يطوف الإفاضة، ويسعى إن كان عليه سعي بعد رمي جمرة العقبة، ومتى فعل الثلاثة المذكورة حلّ التحلّل كله، والله ولي التوفيق».\nالقول الثاني: التحلل الأول لا يحصل إلا برمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير، فإذا فعل ذلك حلَّ له كله شيء إلا النساء، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، والإمام أحمد في الرواية الأخرى، قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٥/ ٣٠٧: «... المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق حلَّ له كلُّ ما كان محظورًا بالإحرام إلا النساء، هذا الصحيح من مذهب أحمد ﵀، نصَّ عليه، في رواية جماعة، فيبقى ما كان محرمًا عليه من النساء: من الوطء، والقبلة، واللمس، لشهوة، وعقد النكاح، ويحلُّ له ما سواه، هذا قول ابن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم، وطاوس، والنخعي، وعبيد بن الحسن، وخارجة بن زيد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وروي أيضًا عن ابن عباس ﵄».\nوعن أحمد أنه يحلُّ له كل شيء إلا الوطء في الفرج، لأنه أغلظ المحرمات، ويُفسدُ النسك بخلاف غيره»، وقال المرداوي في الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف، ٩/ ٢١٣: «وظاهر كلام أبي الخطاب، وابن شهاب، وابن الجوزي ... حلُّ العقدِ، وقاله الشيخ تقي الدين، وذكره عن أحمد، وعنه إلا الوطء في الفرج»، وفي الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص ١٧٥: «يحلُّ للمحرم بعد التحلل الأول كلُّ شيء حتى عقد النكاح، وهذا منصوص أحمد إلا النساء».\nوقال ابن قدامة في المغني، ٥/ ٣٠٩: «وظاهر كلام الخرقي ها هنا: أن الحلَّ إنما يحصلُ بالرمي والحلق معًا، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقول الشافعي، وأصحاب الرأي»، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء» [أحمد، ٤٢/ ٤٠، برقم ٢٥٠٣، قال محققو المسند، ٤٢/ ٤٠: «صحيح دون قوله: «وحلقتم»، وهذا إسناد ضعيف لضعف حجاج بن أرطأة»، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٣٥، برقم ١٠٤٦: «وضعيف بزيادة «وحلقتم»، قال ابن قدامه في المغني، ٥/ ٣١٠: «وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما؛ ولأنهما نسكان يتعقبهما الحلُّ فكان حاصلًا بهما، كالطواف والسعي في العمرة»، وأما التحلل الثاني فيحصل بالطواف بالبيت والسعي لمن كان عليه سعي.\nقال العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٧/ ٣٦٥: «الذي يظهر لي أنه لا يحل إلا بعد الرمي والحلق، والدليل قول عائشة ﵂: «كنت أطيب رسول الله - ﷺ - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» [البخاري، برقم ٢٥٩، ومسلم برقم ١١٨٩]، ولو كان يحل بالرمي لقالت: ولحله قبل أن يحلق، فهي ﵂ جعلت الحلَّ ما بين الطواف والذي قبله، والذي قبله هو الرمي، والنحر، والحلق، ولا سيما وأن النبي - ﷺ - قال: «إن معي الهدي فلا أحل حتى أنحر» [البخاري، برقم ١٥٦٦، ومسلم، برقم ١٢٢٩]، فالصواب أنه لا يحل التحلل الأول إلا بعد الرمي والحلق».\nوتقدم أن شيخنا ابن باز بيّن أن الأحوط أن لا يحل التحلل الأول إلا بعد الرمي والحلق، أو فعل اثنين من ثلاثة. [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ٢٢٤، ١٧/ ١٣١، ٣٢٧، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٨، و٢٥/ ٢٣١، ٢٤٠].\nالقول الثالث: التحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة: هي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة، فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة: تحلّل التحلّل الأول، وحلّ له كلُّ شيء إلا النساء، وإن فعل الثالث تحلل التحلل الثاني، وبهذا يحلُّ له كل شيء حتى النساء، وبهذا قال الإمام الشافعي كما نقله العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٨٩، وهو رواية عن الإمام أحمد، كما قاله ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٧، قال: «وهل يحصل التحلل الأول باثنين من رمي، وحلق، وطواف، واختاره الأكثر، أو بواحد من رمي، وطواف، والثاني بالباقي، فيه روايتان، فعلى الثانية الحلق إطلاق من محظور، وفي «التعليق» نسك كالمبيت بمزدلفة، ورمي يوم الثاني والثالث، واختار الشيخ أنه نسك».\nوقال المرداوي في تصحيح الفروع، ٦/ ٥٧: «... يحصل التحلل الأول باثنين: من رمي، وحلق، وطواف، وهو الصحيح ... والرواية الثانية: يحصل التحلل [أي الأول] بواحد من رمي وطواف»، وهذا على القول بأن الحلق ليس بنسك، والصواب أنه نسك كما تقدم.\nوقال الإمام ابن قدامة في الكافي، ٢/ ٤٤٥: «يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: الرمي، والحلق، والطواف، ويحصل التحلل الثاني بالثالث، إن قلنا إن الحلق نسك، وإن قلنا ليس بنسك حصل التحلل الأول بواحد من اثنين، وهما الرمي والطواف، وحصل التحلل الثاني بالثاني»، وتقدم أن الصواب أن الحلق نسك.\nوقال شيخنا ابن باز في مجموع الفتاوى، ١٧/ ٣٥٤: «يقصد بالتحلل الأول: إذا فعل اثنين من ثلاثة: إذا رمى، وحلق أو قصر، أو رمى، وطاف وسعى إن كان عليه سعي، أو طاف وسعى، وحلق أو قصر، فهذا هو التحلل الأول، وإذا فعل الثلاثة: الرمي، والطواف، والسعي إن كان عليه سعي، والحلق أو التقصير، فهذا هو التحلل الثاني، فإذا فعل اثنين فقط: لبس المخيط، وتطيب وحلَّ له كل ما حرم عليه بالإحرام ما عدا الجماع، فإذا جاء بالثالث حل له الجماع». وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا رمى الجمرة يوم العيد يحصل له التحلل الأول، وهو قول جيد، ولو فعله إنسان فلا حرج عليه إن شاء الله، ولكن الأولى والأحوط أن لا يعجل حتى يفعل معه ثانيًا بعده: الحلق أو التقصير، أو يضيف إليه الطواف والسعي إن كان عليه سعي ..».\nالمسألة الثالثة: القدر الذي يكفي في الحلق أو التقصير في الحج والعمرة: اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجب حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه للرجال، أما النساء فيقصرن من جميع الرأس قدر الأنملة، وبهذا قال الإمام أحمد، وأصحابه، والإمام مالك وأصحابه، ولا يلزم في التقصير تتبع كل شعرة، بل يكفيه أن يأخذ من جميع الرأس، وبعضهم يقول: يكفيه قدر الأنملة في التقصير من جميع الرأس، والمالكية يقولون: يقصره إلى القرب من أصول الشعر. قال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٨٩: «... أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزئ، ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يكفي في الحلق والتقصير ...» إلى أن قال: «وقال مالك، وأحمد، وأصحابهما يجب حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه، ولا يلزمه في التقصير تتبع كل شعره ...».\nوقال العلامة ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٤: «وإن قصر فمن جميه نصَّ عليه، قال شيخنا [يعني ابن تيمية] لا من كل شعرة بعينها».\nالقول الثاني: يكفي حلق ربع الرأس أو تقصير ربعه بقدر الأنملة، وبه قال أبو حنيفة [أضواء البيان، ٥/ ٥٨٩].\nالقول الثالث: يكفي في الحلق والتقصير ثلاث شعرات فصاعدًا؛ لأن ذلك يصدق عليه أنه حلق، أو قصر؛ لأن الثلاث جمع، وبه قال الإمام الشافعي وأصحابه. [أضواء البيان،\n٥/ ٥٨٩]. وذكر ابن مفلح في كتابه الفروع عن الإمام أحمد رواية ٦/ ٥٤، بقوله بعد أن ذكر وجوب حلق الجميع أو تقصيره قال: «وعنه أو بعضه، فيجزئ ما نزل عن رأسه».\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٨٩: «وأظهر الأقوال عندي أنه يلزم حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعره في التقصير؛ لأن فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفي الربع ولا ثلاث شعرات خلافًا للحنفية، والشافعية؛ لأن الله تعالى يقول: «مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ»، ولم يقل بعض رؤوسكم «وَمُقَصِّرِينَ» أي رؤوسكم؛ لدلالة ما ذكر قبله عليه، وظاهره حلق الجميع أو تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه؛ .. ولأن النبي - ﷺ - لما حلق في حجة الوداع حلق جميع رأسه ..» [مسلم، برقم ١٣٠٥، من حديث أنس - ﵁ -، وروى البخاري عن ابن عمر ﵄: «حلق رسول الله في حجته» [البخاري، برقم ١٧٢٦]، ولا شك أن حلق بعض الرأس دون بعض قد نهى عنه رسول الله - ﷺ -، فإنه قد نهى عن القزع [البخاري، برقم ٥٩٢٠، ٥٩٢١، ومسلم، برقم ٢١٢٠]، [انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٣٥٣، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٥٥٨، وحاشية الروض المربع، ١/ ١٦٢]، وقد قال النبي - ﷺ -: «احلقوه كله أو اتركوه كله» [النسائي، برقم ٥٠٦٣، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٣٥٩].\nالمسألة الرابعة: الحلق أفضل من التقصير بالنسبة للرجال، أما النساء فليس عليهن حلق، وإنما عليهن التقصير، فيجب على المرأة في الحج أو العمرة أن تقصِّر من جميع رأسها قدر الأنملة؛ لأنه يصدق عليه أنه تقصير، من غير منافاة لظاهر النصوص؛ ولأن شعر المرأة من جمالها؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» [أبو داود، برقم ١٩٨٤،١٩٨٥،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ٥٥٥].\nالمسألة الخامسة: حكم حلق المرأة رأسها: لا يجوز لخمسة أمور على النحو التالي:\n١ - الإجماع على عدم حلقهن في الحج، قال ابن المنذر في الإجماع، ص ٧٥: «وأجمعوا أن ليس على النساء حلق».\n٢ - أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق، عن علي، وعثمان، وعائشة، وهي يعضد بعضها بعضًا [أضواء البيان، ٥/ ٥٩٥ - ٥٩٧].\n٣ - أنه ليس من عمل نساء الصحابة ومن بعدهم، وفي الحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» [البخاري، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، واللفظ لمسلم، برقم ١٧١٨].\n٤ - حلق النساء تشبه بالرجال وهو حرام «لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال» [البخاري، برقم ٥٨٨٥].\n٥ - حلق النساء مثلة، والمثلة لا تجوز؛ لأن شعر رأس المرأة من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها، وتشويه لخلقها [أضواء البيان ٥/ ٥٩٧، قال الشنقيطي في الأضواء، ٥/ ٥٩٨: «وبهذا تعلم أن العرف الذي صار جاريًا في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله سنة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين، ونساء العرب قبل الإسلام، ومن جملة الانحرافات التي عمت البلوى بها في الدين والخلق، والسمت ...».\nوأما ما جاء عن أزواج النبي - ﷺ - من ذلك، فأما ميمونة على تقدير صحة حلقها فالحلق لضرورة المرض، لتمكين آلة الحجم من الرأس، وأما حديث مسلم «وكان أزواج النبي - ﷺ - يأخذن من رؤوسهن حتى يكون كالوفرة»، والوفرة ما جاوز شحمة الأذنين على قول ابن سيده، فتقصير أزواج النبي - ﷺ - رؤوسهن بعد وفاته - ﷺ -؛ لأنهن كن يتجملن له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن، أما بعد وفاته فلهن حكم خاص بهن لا تشاركهن فيه امرأة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهن انقطاعًا كليًا من التزويج، ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع. انظر التفصيل في [أضواء البيان، ٥/ ٥٩٩ – ٦٠١].","vol":"1","page":16},{"text":"فإذا تحلل التحلل الأول: استحب له أن يتطيب؛ لقول عائشة ﵂: «كنت أطيب رسول الله - ﷺ - لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» (١).\nويستحب له أن يتنظف ويلبس أحسن ثيابه.\nثم يطوف طواف الإفاضة، ويسعى إن كان عليه سعيٌ.\nثم يرجع الحاج إلى منى بعد طواف الإفاضة والسعي ممن عليه سعيٌ، فيبيت بها ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، إن أراد التأخر.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٣٩، ومسلم، برقم ١١٨٩، وتقدم تخريجه في الإحرام.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الرابع: رمي الجمرات أيام التشريق وآدابه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>أولًا: الرمي أيام التشريق واجب </span>من واجبات الحج عند جماهير العلماء، للأدلة الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الدليل الأول: حديث جابر - ﵁ </span>- قال: «رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الدليل الثاني: رمي النبي - ﷺ - في أيام التشريق الجمار الثلاث بعد الزوال</span>، وقد قال: «خذوا عني مناسككم لعلِّي لا أراكم بعد عامي هذا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الدليل الثالث: أمر الله تعالى بذكره في أيام التشريق</span>، فقال - ﷿ -: ﴿وَاذْكُرُوا الله فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٣)،فالحجاج مأمورون بذكر الله في منى، وليس في منى ذكر ينفرد به الحج إلا ذكر الجمار؛ لحديث عائشة ﵂، ترفعه: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (٤).\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) البيهقي في السنن الكبرى، ٥/ ١٢٥.\n(٣) البقرة، الآية: ٢٠٣.\n(٤) أحمد، برقم ٢٤٥١، ٤٠/ ٤٠٨، ورقم ٢٤٢٦٨، ورقم ٢٥٠٨٠، وأبو داود، برقم ١٨٨٨، والترمذي، برقم ٩٠٢، وابن خزيمة، ٤/ ٢٢٢، برقم ٢٧٣٨، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص١٤٨، وحسن إسناده الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٣/ ٢١٨، وقال الأعظمي في تحقيقه لصحيح ابن خزيمة، ٤/ ٢٢٢: «إسناده صحيح»، وتقدم تخريجه في واجبات الحج.","vol":"1","page":24},{"text":"قال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب يجبر بدم عند جماهير العلماء، على اختلافٍ بينهم في تعدد الدماء فيه، وعدم تعددها، ولا خلاف بينهم أنه ليس بركن؛ لأن الحج يتمّ قبله، ويتحلّل صاحبه التحلّل الأصغر، والأكبر، فيحلُّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام، فحجّه تام إجماعًا قبل رمي أيام التشريق، ولكن رميها واجب يجبر بدم، لأن النبي - ﷺ - رماها، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» (١) (٢).\nوكان شيخنا ﵀ يفتي كثيرًا: أن من ترك رميَ الجمار فعليه دم؛ لأنه ترك واجبًا من واجبات الحج يجبر بدم لفقراء الحرم بمكة (٣) (٤).\n_________\n(١) مسلم بنحوه، برقم ١٢١٨.\n(٢) وقد ذكر العلماء شروطًا لصحة الرمي منها الشروط الآتية:\nالشرط الأول: أن يكون المرمي به حصى؛ لقول الرسول - ﷺ -، وفعله.\nالشرط الثاني: أن يكون الرمي مقصودًا بفعله، فلو رمى في الهواء لا يقصد رمي الجمرة فوقعت الحصاة في المرمى لم يجزه؛ لأنه لم يقصده، ولو رمى إنسانًا فوقعت الحصاة في ثوبه فنفضها فوصلت إلى المرمى لم تجزه، فلا بد من نية مطلق الرمي لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات».\nالشرط الثالث: وقوع الحصى في المرمى في الحوض في مجتمع الحصى.\nالشرط الرابع: غلبة الظن أو العلم بوقوع الحصى في المرمى.\nالشرط الخامس: تفريق الرميات، فلو رماها دفعة واحدة لا تجزئ، وتعتبر واحدة فقط.\nالشرط السادس: ترتيب رمي الجمرات، فيبدأ بالصغرى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، لفعل النبي - ﷺ - وقوله: «لتأخذوا عني مناسككم» انظر: كتاب رمي الجمرات وما يتعلق به من أحكام، للدكتور شرف بن علي الشريف، ص ٦١ - ٧٢.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٧٣، ١٧/ ٣٦٩، ٣٧٩، ٢٣/ ٤٦٠.\n(٤) قال الحافظ بن حجر في الفتح، ٣/ ٥٧٩ في حكم رمي الجمار أيام التشريق: «وقد اختلف فيه: فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم، وعند المالكية سنة مؤكدة، فيجبر، وعندهم رواية: أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه ...».\nوقال العلامة الشنقيطي، في أضواء البيان، ٥/ ٢٩٣: «اعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب يجبر بدم عند جماهير العلماء على اختلاف بينهم في تعدد الدماء ...».","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثانيًا: وقت الرمي أيام التشريق: أوله وآخره على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>١ - أول وقت الرمي أيام التشريق: </span>بعد الزوال، ومن رمى قبل الزوال فلا يصح رميه، بل رميه باطل، وتجب عليه الإعادة في أيام التشريق بعد الزوال، فإن انتهت أيام التشريق ولم يعد، فإنه يجب عليه دم، لجبر هذا النقص، للأدلة الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>الدليل الأول: رمى النبي - ﷺ - بعد الزوال</span>، قال جابر - ﵁ -: «رمى النبي - ﷺ - يوم النحر ضُحىً، ورمى بعد ذلك بعد الزوال»، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضُحىً، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس» (١).\nفهذا فعل النبي - ﷺ -، وهو قدوتنا وأسوتنا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (٢).\nقال الإمام النووي ﵀ في شرحه لحديث جابر: «المراد بيوم النحر\n_________\n(١) البخاري معلقا مجزومًا به، كتاب الحج، باب رمي الجمار، قبل الحديث رقم ١٧٤٦، وأخرجه مسلم موصولًا في كتاب الحج، باب بيان وقت استحباب الرمي، برقم ١٢٩٩.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.","vol":"1","page":26},{"text":"جمرة العقبة؛ فإنه لا يشرع فيه غيرها بالإجماع، وأما أيام التشريق الثلاثة فيرمي كل يوم منها بعد الزوال، وهذا المذكور في جمرة يوم النحر سنة باتفاقهم، وعندنا يجوز تقديمهُ من نصف ليلة النحر، وأما أيام التشريق فمذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، وجماهير العلماء أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال؛ لهذا الحديث الصحيح ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الدليل الثاني: أمرنا النبي - ﷺ - أن نأخذ عنه مناسك الحج</span>، فنعمل كما عمل - ﷺ -،فعن جابر - ﵁ -،قال: رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلِّي لا أحجّ بعد حجَّتي هذه» هذا لفظ مسلم، ولفظ البيهقي: «خذوا عني مناسككم لعلّي لا أراكم بعد عامي هذا»،ولفظ النسائي قال جابر: رأيت رسول الله - ﷺ - يرمي الجمرة وهو على بعيره، وهو يقول: «يا أيها الناس خذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحج بعد عامي هذا» (٢)،ولفظ ابن ماجه: «... لتأخذ أمتي نسكها\n_________\n(١) وتمام كلام النووي، ٩/ ٥٣: «... وقال طاوس، وعطاء: يجزئه في الأيام الثلاثة قبل الزوال، وقال أبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه، يجوز في اليوم الثالث قبل الزوال، دليلنا: أنه - ﷺ - رمى كما ذكرنا، وقال: «لتأخذوا مناسككم»، واعلم أن رمي جمار أيام التشريق يشترط فيه الترتيب، وهو أن يبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة ...» [شرح النووي، ٩/ ٥٤]، وقال الحافظ ابن حجر، في الفتح، ٣/ ٥٨٠: «وفيه دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال، وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء وطاوس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقًا، ورخص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال، وقال إسحاق إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزئه».\n(٢) مسلم، برقم ١٢٩٧، والبيهقي، ٥/ ١٢٥، والنسائي، برقم ٣٠٦٢.","vol":"1","page":27},{"text":"فإني لا أدري لعلي لا ألقاها بعد عامي هذا» (١).\nقال الإمام النووي ﵀: «لتأخذوا مناسككم ...» فهذه اللام لام الأمر، ومعناه خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي: من الأقوال، والأفعال، والهيئات، هي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم، فخذوها عني، واقبلوها، واحفظوها، واعملوا بها، وعلِّموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله - ﷺ - في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢)، وقوله - ﷺ -: «لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» فيه إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته - ﷺ -، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع، والله أعلم» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الدليل الثالث: حديث ابن عباس ﵄</span>، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يرمي الجمار إذا زالت الشمس» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الدليل الرابع: حديث عائشة ﵂ </span>حين ذكرت أن النبي - ﷺ - طاف طواف الإفاضة، قالت: «... ثم رجع إلى منى فمكث بها لياليَ أيام\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الوقوف بجمع، برقم ٣٠٢٣، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٤٧.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة، برقم ٧٨٥.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ٥٠.\n(٤) الترمذي، كتاب الحج باب ما جاء في الرمي بعد الزوال، برقم ٨٩٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٦٣.","vol":"1","page":28},{"text":"التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، والثانية فيطيل القيام، ويتضرّع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الدليل الخامس: حديث ابن عمر ﵄</span>، فعن وبَرَة قال: «سألت ابن عمر ﵄، متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدتُ عليه المسألة، قال: كُنَّا نتحَيَّن (٢) فإذا زالت الشمس رمينا» (٣).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «قوله: «متى أرمي الجمار؟» يعني في غير يوم الأضحى، قوله: «إذا رمى إمامك فارمه» يعني الأمير الذي على الحج، وكأن ابن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير فيحصل له منه ضرر، فلما أعاد عليه المسألة لم يسعه الكتمان فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي - ﷺ -، وقد رواه ابن عيينة عن مسعر بهذا الإسناد فقال فيه: «فقلت له: أرأيت إن أخَّر إمامي» أي الرمي، فذكر الحديث» (٤)، وهذا دليل على أن أصحاب النبي - ﷺ - كانوا ينتظرون ويترقَّبون زوال الشمس فلا يرمون قبله، ولو كان الرمي جائزًا قبله لم ينتظروا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الدليل السادس: حديث عبد الله بن عمر ﵄</span>، فعن نافع: أن عبد الله\n_________\n(١) أبو داود، كتاب المناسك، باب في رمي الجمار، برقم ١٩٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٥٢.\n(٢) كنا نتحيّن: أي نطلب الحين: وهو الوقت.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب رمي الجمار، برقم ١٧٤٦.\n(٤) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٨٠.\n(٥) رمي الجمرات، للدكتور شرف الشريف، ص٩١.","vol":"1","page":29},{"text":"بن عمر كان يقول: «لا تُرمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الدليل السابع: حديث عمر بن الخطاب - ﵁ </span>-، أنه قال: «لا تُرمى الجمرة حتى يميل النهار» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الدليل الثامن: حديث عائشة ﵂ </span>عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٣)، وهذا يدلّ على أن جميع العبادات توقيفية لا يقبل منها إلا ما كان مشروعًا، أو أقره الشرع المطهر (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الدليل التاسع: أن الرمي لو كان قبل الزوال في أيام التشريق جائزًا، لفعله النبي - ﷺ </span>-؛ فيه من فعل العبادة في أول وقتها؛ ولما فيه من تطويل الوقت حتى يتسع وقت الدعاء عند الجمرة الأولى والوسطى؛ لأن ابن مسعود ذكر عن النبي - ﷺ - أنه دعا بمقدار قراءة سورة البقرة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الدليل العاشر: أن الرمي لو كان قبل الزوال جائزًا؛ لبادر إليه الرسول - ﷺ </span>-؛لما فيه من التَّيسير على أمته، وقد كان - ﷺ - يأمر أمته بالتيسير، فيقول: «يسِّروا ولا تُعسِّروا» (٦).\n_________\n(١) موطأ الإمام مالك، كتاب الحج، باب رمي الجمار، ١/ ٤٠٨،برقم ٢١٧، والبيهقي في السنن، ٥/ ١٤٩.\n(٢) البيهقي في السنن الكبرى، ٥/ ١٤٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، برقم ١٧١٨، وهذا لفظ مسلم، أما لفظ البخاري فهو: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وتقدم تخريجه.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٤.\n(٥) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٣٨٤.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة، برقم ٦٧، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٤.","vol":"1","page":30},{"text":"و«ما خُيِّر رسول الله - ﷺ - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا» (١).\nوقد كان يقول: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (٢).\nومعلوم يقينًا أن الحرّ كان شديدًا جدًا في عام حجة الوداع حتى في وقت الضُّحى بعد ارتفاع الشمس، والدليل على ذلك حديث أم الحصين ﵂، قالت: «حججت مع رسول الله - ﷺ - حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة: أحدهما يقود راحلته والآخر رافعٌ ثوبه على رأس رسول الله - ﷺ - من الشمس ...» وفي لفظ: «... والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبة» (٣)، وحديث جابر - ﵁ -،وفيه: «أنه - ﷺ - نزل في القبة التي ضُرِبَتْ له بِنَمِرة حتى زالت الشمس ...» (٤).\nوهذا يدل على شدّة الحرِّ في أول النهار، ومعلوم عند جميع الناس أن وقت زوال الشمس وبعده بقليل يكون أشدَّ حرًّا من أول النهار، وقد بيَّن النبي - ﷺ - أن الحكمة من النهي عن الصلاة حتى تزول الشمس هو: أن جهنم حينئذٍ تُسْجَرُ (٥)، وبعد الزوال يكون الحرُّ في الغالب قد اشتدَّ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله، برقم٦٤٠٤، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في التجاوز في الأمر، برقم ٢٣٢٧.\n(٢) مسلم، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، برقم ١٨٢٨.\n(٣) مسلم برقم، ١٢٩٨، وتقدم تخريجه في محظورات الإحرام.\n(٤) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه\n(٥) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، بَاب إِسْلَامِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، برقم ٨٣٢.","vol":"1","page":31},{"text":"على الأرض، وقد أمر - ﷺ - بالإبراد بصلاة الظهر، في شدّة الحرِّ (١).\nفلما كان الرسول - ﷺ - يتعمَّد أن يؤخِّر الرمي حتى تزول الشمس مع أنه أشقُّ على الناس دلَّ هذا على أن الرمي قبل الزوال في أيام التشريق لا يجوز ولا يجزئ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الدليل الحادي عشر: أن الرسول - ﷺ - بادر بالرمي حين زالت الشمس، فرمى قبل </span>أن يصلّي الظهر، وكأنه - ﷺ - يترقَّب زوال الشمس ليرمي ثم ليصلِّي الظهر، ولو كان الرمي جائزًا قبل الزوال لفعله - ﷺ - ولو مرة واحدة بيانًا للجواز، أو فعله بعض الصحابة، وأقرَّه النبي - ﷺ - (٣).\nحتى في اليوم الثالث عشر يوم النفر لم يرمِ إلا بعد الزوال، وهو يريد أن يصلّي بالمحصب «الأبطح» صلاة الظهر، وهذا يدل دلالة قاطعة أنه لو كان جائزًا لعجّل الرمي قبل الزوال، والله تعالى المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الدليل الثاني عشر: عمل جميع الصحابة بلا استثناء في حياة النبي - ﷺ - وبعد مماته</span>، فكلّهم يرمون في حجهم في أيام التشريق بعد الزوال، وقد حج مع النبي - ﷺ - من المدينة خلق كثير، بلغ عددهم كما ذكر العلماء: مائة وثلاثين ألفًا (٤).\nوقد بيّن جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حجة الوداع، أن\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، مواقيت الصلاة، بَاب الإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، برقم ٥٠٢، مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، بَاب اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إِلَى جَمَاعَةٍ وَيَنَالُهُ الْحَرُّ فِي طَرِيقِهِ، برقم ١٤٣٠.\n(٢) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٧/ ٣٨٤.\n(٣) المرجع السابق، ٧/ ٣٨٥.\n(٤) انظر: فتح الملك المعبود في شرح سنن أبي داود، ٢/ ١٠٥.","vol":"1","page":32},{"text":"أعدادهم كثيرة جدًا حيث قال: «مكث النبي - ﷺ - تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة: أن رسول الله - ﷺ - حاجٌّ فقدم المدينة بشرٌ كثيرٌ كلّهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله - ﷺ - ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة ...» إلى أن قال: «... فصلّى رسول الله - ﷺ - في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه: من راكب وما شٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به ...» (١)، وكل هؤلاء عملوا المناسك مع النبي - ﷺ - وقال لهم: «خذوا عني مناسككم، لعلي لا أراكم بعد عامي هذا» (٢)، فأخذوا عنه ذلك وطبَّقوه وعلَّموه من لم يسمع، وبلّغوه مَنْ بعدهم، فلم يرمِ واحدٌ من هؤلاء الصحابة الجمار أيام التشريق إلا بعد الزوال اقتداء بنبيِّهم - ﷺ -، و<span data-type=\"title\" id=toc-30>لم يثبت عن صحابيٍّ واحدٍ أنه أفتى بالرمي قبل الزوال، أو رمى قبل الزوال </span>لا في حياة النبي - ﷺ -، ولا بعد وفاته، وحج الناس في زمن الصحابة ثلاثًا وثمانين حَجةً ولم يرمِ واحد منهم قبل الزوال؛ لمدة أربعٍ وثمانين سنةً، بالعام الذي حج فيه النبي - ﷺ -؛ لأن النبي - ﷺ - مات وعمر أنس بن مالك - ﵁ - عشرون سنة، وهو آخر من مات من الصحابة، وقد عُمِّر حيث عاش مائة وثلاث سنين، وتوفي على الصحيح سنة ثلاث وتسعين هـ - ﵁ - وأرضاه\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢١٨.\n(٢) مسلم بنحوه، برقم ١٢٩٧، والبيهقي بلفظه، ٥/ ١٢٥.","vol":"1","page":33},{"text":"كما قال الإمام النووي والحافظ ابن حجر، والذهبي رحمهم الله تعالى (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «... والرمي بعد الزوال عند جمهور أهل العلم، والأئمة الأربعة، وخالف بعض التابعين، وهو قول شاذ؛ لقوله - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم»، ولو كان هناك رخصة لما أخَّرها رسول الله - ﷺ -، ومعلوم أن الرمي أول النهار فيه سهولة، وفيه سعة، فلو كان جائزًا لبادر إليه رسول الله - ﷺ -، وقد تتبَّعتُ هذا كثيرًا وزمنًا طويلًا، فلم أجد عن صحابيٍّ واحدٍ ما يدل على الرمي قبل الزوال: لا من قوله، ولا من فعله، والصواب أن الرمي قبل الزوال لا يجزئ، ولو قال به بعض التابعين، ولو قال به أبو حنيفة في يوم النفر، فهو فاسد، ومن ترك ذلك فعليه دم» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الثالث عشر: الذي يظهر: أن الثابت عن عطاء: أنه لا يجيز الرمي قبل الزوال</span>، فعن ابن جريج، قال سمعت عطاء يقول: «لا تُرمى الجمرة حتى تزول الشمس، فعاودته في ذلك فقال ذلك» (٤)، فقول عطاء الموافق\n_________\n(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي، ١/ ١٢٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ٣/ ٣٩٥ – ٤٠٦، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ١/ ٧١ - ٧٢.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام لابن حجر، الحديث رقم ٧٨١.\n(٣) قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٣٢٨،: «ولا يرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال، فإن رمى قبل الزوال أعاد، نص عليه أحمد، وروي ذلك عن ابن عمر، وبه قال: مالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وروي عن الحسن وعطاء، إلا أن إسحاق، وأصحاب الرأي رخَّصوا في الرمي يوم النفر قبل الزوال ولا ينفر إلا بعد الزوال، وعن أحمد مثله، ورخص عكرمة في ذلك أيضًا، وقال: طاوس: يرمي قبل الزوال وينفر قبله ..» ثم رد عليهم ﵀ بالأدلة المذكورة وانظر: أيضًا كتاب الفروع لابن مفلح، ٦/ ٦٠.\n(٤) مصنف ابن أبي شيبة، برقم ١٤٧٨٢، وقال العلامة عبد المحسن العباد البدر في تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة افعل ولا حرج ص٤٢: «بإسناد صحيح عن ابن جريج».","vol":"1","page":34},{"text":"للدليل أولى من غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الرابع عشر: المحققون العلماء الرّبّانيُّون</span>، الراسخون في العلم، العالمون بالله، وبعلم الكتاب والسنة، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) كلهم يقولون بعدم جواز الرمي قبل الزوال:\n* و<span data-type=\"title\" id=toc-33>منهم هؤلاء الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتَّبعة: </span>الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، إلا أن أبا حنيفة رخَّص في يوم النفر فقط قبل الزوال، ولكن لا ينفر إلا بعد الزوال (٢)، ولا دليل معه يرحمه الله: لا من كتاب، ولا سنة، ولا قولٍ لصحابي واحد، وإنما مجرد رأي رآه غفر الله له.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-34> وتبع هؤلاء الأئمة علماء الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا من شذَّ بقوله، ورأيه</span>، بل المحققون ربما أهملوا القول بالرمي قبل الزوال فلم يذكروا الخلاف؛ لشذوذ هذا القول، إلا عند الحاجة للردّ، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما ذكر الرمي بعد الزوال ولم يذكر الخلاف في مجموع الفتاوى (٣)، وتلميذه العلامة الإمام ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، فقد ذكر الرمي بعد الزوال، ولم يشر إلى الخلاف لشذوذه (٤).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-35> قال شيخ الإسلام والمسلمين ابن تيمية ﵀: </span>«الحاج يرمي الجمرات الثلاث أيام منى الثلاثة بعد الزوال، وهذا من العلم العام الذي\n_________\n(١) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٣٢٨.\n(٣) مجموع الفتاوى، ٢٦/ ١٦٢، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٤٠.\n(٤) انظر: زاد المعاد، ٢/ ٢٨٧.","vol":"1","page":35},{"text":"تناقلته الأمة خلفًا عن سلف عن نبيها - ﷺ - ....»، ثم ذكر الأدلة على ذلك، ومنها: حديث عائشة - ﵁ -، وحديث ابن عباس - ﵁ -، وحديث جابر - ﵁ -، وحديث ابن عمر - ﵁ - (١) (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-36> وقال العلامة المحقق محمد الأمين الشنقيطي ﵀: </span>«اعلم أن التحقيق أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال؛ لثبوت ذلك عن النبي - ﷺ -»، ثم ذكر بعض الأدلة التي ذكرتها سابقًا، ثم قال: «وبهذه النصوص الثابتة عن النبي - ﷺ - تعلم أن قول عطاء، وطاوس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه، كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنه مخالف لفعل النبي - ﷺ - الثابت المعتضد بقوله: «خذوا عني مناسككم»؛ ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه: محمد وأبو يوسف، ولم يرد في كتاب الله ولا سنة نبيه - ﷺ - شيء يخالف ذلك، فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق لا مستند له البتة، مع مخالفته للسنة الثابتة عنه - ﷺ -، فلا ينبغي لأحد أن يفعله ...» (٣).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-37> وقال العلامة الإمام مفتي المملكة العربية السعودية، ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية في عصره</span>؛ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ ردًا على شخص أفتى بجواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق، فردَّ ﵀ بردٍ مفيدٍ مُدَعَّمٍ بالأدلة من الكتاب والسنة، والإجماع، وهذا ملخَّصٌ لهذا الرد الموفق:\n_________\n(١) شرح العمدة، لابن تيمية، ٢/ ٥٥٧.\n(٢) وقد تقدم تخريج هذه الأدلة قبل صفحات.\n(٣) أضواء البيان، ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥.","vol":"1","page":36},{"text":"قال ﵀ ما ملخصه: «الأوقات التي وقَّتها الله ورسوله للعبادات ليس لأحد من العلماء تغييرها، بتقديم أو تأخيرٍ، أو زيادةٍ أو نقصانٍ؛ فإن التوقيت من الدين، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله [- ﷺ -]» (١).\nثم قال: «والفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه الأمر، وهو داخل في عموم قوله، - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم»، ثم ذكر الأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة على أن الرمي أيام التشريق لا يصح قبل الزوال (٢).\nثم بيَّن ﵀: أن: «الأئمة الأعلام، وجهابذة الإسلام، الذين يحجون على الدوام، ولم يجوِّزوا لأحد حج معهم من الأنام أن يرمي قبل الزوال [ولا فعله أحد منهم بنفسه]، ولم يخالفوا شرع إمام كل إمام» وإمامهم في عدم تجويز الرمي قبل الزوال، وسيد الأنام - ﷺ - وسنته الثابتة من فعله التشريعي، الخارج مخرج الامتثال، والتفسير المقتضي للوجوب، ومن قوله - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم» (٣)، وبعد أن ساق أدلة كثيرة، نقلية وعقلية قال ﵀:\n«إذا عُلم هذا فإن رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق لا يصح قبل الزوال: بالكتاب والسنة والإجماع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ </span>وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ\n_________\n(١) مجموع فتاوى العلامة ابن إبراهيم، ٦/ ١١٦.\n(٢) وهذه الأدلة التي ذكرها ﵀ قد سبق وأن ذكرتها في أول هذا الكلام عن الرمي أيام التشريق.\n(٣) مجموع فتاوى ابن إبراهيم، ٦/ ١١٤، بتصرف يسير.","vol":"1","page":37},{"text":"فَانْتَهُوا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>وأما السنة فرميه - ﷺ - بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير المفيد للوجوب</span>، كما في حديث جابر، وحديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وحديث عائشة، وقوله - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم» (٢) (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>وأما الإجماع فأمرٌ معلوم</span>، وقد نُصَّ عليه في بعض كتب الخلاف، والإجماع، ولا يرد عليه ما ذكره هذا الرجل عن طاوس، وعطاء، وغيرهما، فإن هذا لا يُعدُّ خلافًا أبدًا، ولا يعتبر خلافًا عند العلماء؛ لأنه لاحظّ له من النظر بتاتًا، بل هو مصادم للنصوص» (٤).\nوقال ﵀: «مَن طاوس وما طاوس؟ ومَن عطاء وما عطاء؟ وسنة رسول الله - ﷺ - كالشمس في رابعة النهار، وقال ابن عباس ﵄ حين ناظر من ناظره في متعة الحج، واحتج مناظره بقول أبي بكر وعمر ﵄: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله - ﷺ -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر (٥).\nوقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: «عجبت لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ\n_________\n(١) سورة الحشر: من الآية، ٧.\n(٢) مسلم، برقم ١٢١٨ بنحوه، والبيهقي بلفظه، ٥/ ١٢٥.\n(٣) هذه الأحاديث التي أشار إليها ﵀ تقدم تخريجها قبل صفحات، وقد خرجها ﵀ في الفتاوى قبل كلامه هذا.\n(٤) مجموع فتاوى ابن إبراهيم، ٦/ ١١٠.\n(٥) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٠/ ٢٥١،و٢٦/ ٢٧٦.","vol":"1","page":38},{"text":"عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعلَّه إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، أفتترك توقيت رسول الله - ﷺ - لتوقيتٍ سواه؟ أفتقيس قياسًا السُّنَّةُ تأباه، وكل من أهل العلم لا يرضاه؟» (٢).\nوقال الإمام العلامة شيخنا ابن باز ﵀: «... لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة قبل الزوال: ليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر عند أكثر أهل العلم، وهو الحق الذي لا شكّ فيه؛ لأن النبي - ﷺ - إنما رمى بعد الزوال في الأيام الثلاثة المذكورة، وهكذا أصحابه - ﵃ -، وقد قال - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم» (٣)، فالواجب على المسلمين اتباعه في ذلك كما يلزم اتباعه في كل ما شرع الله، وفي ترك كل ما نهى عنه الله ورسوله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) وقوله - ﷿ -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة» (٦).\nوسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز يقول ﵀: «ولا يجوز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وهناك قول شاذ بجواز الرمي قبل الزوال، وقول\n_________\n(١) سورة النور: من الآية، ٦٣.\n(٢) فتاوى سماحة العلامة ابن إبراهيم، ٦/ ٩٧، وهذا الرد يقع في هذه الفتاوى، ٦/ ٦٧ – ١١٨.\n(٣) مسلم، برقم ١٢٩٧ بنحوه، والبيهقي، بلفظه، ٥/ ١٢٥.\n(٤) سورة الحشر: من الآية، ٧.\n(٥) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٦) فتاوى ابن باز، ١٧/ ٣٠٠، ٢٩١، ٣٦٥، ٣٧٢، ١٦/ ١٤٣.","vol":"1","page":39},{"text":"شاذ آخر أنه يجوز الرمي قبل الزوال يوم النفر، والقول الصواب أن الرمي بعد الزوال، ومن رمى قبل الزوال فعليه دم، ولا بأس بالرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه، والأفضل بعد الزوال إلى الغروب» (١).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «.. يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يجزئ الرمي قبل الزوال ...» ثم ذكر الأدلة بالتفصيل ﵀ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الخامس عشر: رمي الجمرات عبادة توقيفيَّة في كيفيّتها، وفي زمانها، ومكانها، لا يجوز القول فيها بالرأي: </span>والفتوى بغير علم، من القول بالرأي، ومن قال برأيه وترك الدليل، فقد خالف الصواب للأمور الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الأمر الأول: قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ </span>وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى الله مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، والقول على الله تعالى بغير علم: أي بغير دليل من كتاب، أو سنة، سواء كان ذلك في أصول الدين، أو فروعه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الأمر الثاني: قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ </span>مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله﴾ (٤)، فقد جعل سبحانه من شرَّع للناس شيئًا من الدين لم يشرعه الله شريكًا له في تشريعه، ومن أطاعه في ذلك فهو مشرك بالله\n_________\n(١) سمعته ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٧٤٦.\n(٢) الشرح الممتع، ٧/ ٣٨٤.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.\n(٤) سورة الشورى، الآية: ٢١.","vol":"1","page":40},{"text":"تعالى شرك الطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الأمر الثالث: عن عبد الله بن عمر ﵄</span>، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الله لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُؤُوسًا (١) جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ»، هذا لفظٌ لمسلم، وفي لفظ له: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا اتَّخذ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئلوا فأفتَوْا بغيرعلم، فَضَلُّوا وأضَلُّوا»، ولفظ البخاري: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْقَ عالمٌ اتَّخذ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علمٍ، فضَلُّوا وأضَلُّوا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الأمر الرابع: ذمّ السلف للرأي المخالف للدليل، والتحذير من القول بالرأي</span>، ومنهم:\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>١ - قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: «إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن</span>، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلُّوا وأضَلُّوا» (٣).\n_________\n(١) رؤوس: جمع رأس، وفيه التحذير من اتخاذ الجهال رؤساء. [شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٦٥].\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، بابٌ: كيف يُقبض العلم، برقم ١٠٠، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي، وتكلف القياس، برقم ٧٣٠٧، ومسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، برقم ١٣ - (٢٦٧٣)، ورقم ١٤ - (٢٦٧٣).\n(٣) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ١/ ١٣٩، برقم ٢٠١، والدارمي في سننه، ١/ ٤٧، برقم ١٢١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٤١، برقم ٢٠٠١، ورقم ٢٠٠٣، و٢٠٠٥.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>٢ - قال عروة بن الزبير - ﵁ -: «السنن، السنن، فإن السنن قِوام الدين [أزهد الناس في </span>العالم أهله]» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٣ - قال سهل بن حنيف - ﵁ -: «اتهموا رأيكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع </span>أن أردَّ على رسول الله - ﷺ - أمره لرددته، والله ورسوله أعلم»، وفي لفظ له: «اتهموا رأيكم على دينكم» (٢)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي لا تعملوا في أمر الدين بالرّأي المجرَّد الذي لا يستند إلى أصلٍ من الدين» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٤ - قال الإمام أحمد - ﵀ -: «لا تكاد ترى أحدًا نظر في هذا الرأي إلا وفي </span>قلبه دغل» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٥ - قال الأوزاعي - ﵀ -: «إذا أراد الله - ﷿ - أن يحرم عبده بركة العلم </span>ألقى على لسانه الأغاليط» (٥).\nوقال الحافظ ابن عبد البر - ﵀ - بعد أن ساق آثارًا كثيرة في ذم الرأي ما ملخصه: قال أكثر أهل العلم: إن الرأي المذموم المعيب المهجور الذي لا يحل النظر فيه، والاشتغال به: هو الرأي المبتدع، وشبهه من\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٥١، برقم ٢٠٢٩، ٢٠٣٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب حدثنا عبدان، برقم ٣١٨١، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية، برقم ١٧٨٥.\n(٣) فتح الباري، لابن حجر، ١٣/ ٢٨٨.\n(٤) أخرجه ابن عبد البر في المرجع السابق، ٣/ ١٠٥٤، برقم ٢٠٣٥.\n(٥) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٧٣، برقم ٢٠٨٣.","vol":"1","page":42},{"text":"أنواع البدع (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-51>قال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة </span>هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، وردّ الفروع والنوازل بعضها على بعض قياسًا دون ردّها على أصولها من الكتاب أو من السنة (٢)، ثم قال: «ومن تدبّر الآثار المرويّة في ذمّ الرأي المرفوعة وآثار الصحابة والتابعين في ذلك علم أنه ما ذكرنا» (٣)،فرجَّح - ﵀ - هذا القول ثم قال: و«ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثًا عن رسول الله - ﷺ - ثم يردّه، دون ادّعاء نسخ ذلك بأثر أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلًا عن أن يتخذ إمامًا ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله - ﷿ - من ذلك» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>والحاصل أنه لا يجوز الاعتماد على الرأي، بل يُرجع إلى الكتاب والسنة</span>، أو إلى أحدهما، فإن لم يجد فيرجع إلى الإجماع، فإذا لم يجد الأمور الثلاثة رجع إلى أقوال الصحابة - ﵃ -، فإن وجد قولًا لأحدهم ولم يخالفه أحد من الصحابة، ولا عُرِفَ نصٌّ يخالفه، واشتهر هذا القول في زمانهم أخذ به؛ لأنه حجة عند جماهير العلماء، فإذا لم يجد قولًا يحتجّ به من أقوال الصحابة، واحتاج إلى القياس رجع إليه بدون تكلّف، بل يستعمله على أوضاعه، ولا يتعسّف في إثبات العلة الجامعة التي هي من أركان القياس، بل إذا لم تكن\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٥٣.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٢/ ١٠٥٤.\n(٣) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ٢/ ١٠٦٢.\n(٤) جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٨٠.","vol":"1","page":43},{"text":"العلّة الجامعة واضحة، فليتمسّك بالبراءة الأصلية (١).\nوما أحسن ما قاله الشافعي - ﵀ -:\n\nكل العلوم سوى القرآن مشغلةٌ ... إلا الحديث وعلمَ الفقه في الدين\nالعلمُ ما كان فيه حدَّثنا ... وما سوى ذاك وسواسُ الشياطين\n\nوما أحسن ما قاله القائل:\n\nالعلمُ قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه\nما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين نصوصٍ وبين رأي فقيه\n\nولله در القائل:\n\nوليس كل خلاف جاء معتبرًا ... إلا خلافًا له حظ من النظر (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الأمر الخامس: قول العالم الرباني فيما لا يعلم: الله أعلم </span>نصف العلم.\nمما يدل على خشية العالم لله - ﷿ - أن يردّ علم ما لا يعلمه إلى الله، أو يقول: لا أدري، وقد ثبت عن الصحابة، والتابعين من هذا الكثير، ومن ذلك ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>١ - قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «يا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ</span>، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلْيَقُلْ: اللهُ أعْلَمُ؛ فَإنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لاَ يَعْلَمُ: اللهُ أعْلَمُ». قالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين﴾ (٣) (٤).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٠/ ١٤، و١٩/ ١٧٦، وإعلام الموقعين لابن القيم، ١/ ٣٠، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ١٣/ ٢٨٢.\n(٢) انظر: فتاوى محمد بن إبراهيم، ٦/ ٤٠، ٩٩.\n(٣) البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة ص، باب ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾،٦/ ٣٧،برقم ٤٨٠٩، وتفسير سورة لدخان، باب ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾،٦/ ٤٦،برقم ٤٨٢٢.\n(٤) سورة ص، الآية: ٨٦.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>٢ - وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ - أيضًا: «مَنْ عَلِمَ علمًا فليقل به</span>، ومن لم يعلم فليقل: الله أعمل؛ فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٣ - قال عبد الله بن مسعود - ﵁ - أيضًا: «إن من يُفتي في كل ما يستفتونه لمجنون» </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٤ - سُئل سعيد بن جبير عن شيء فقال: «لا أعلم»، ثم قال: «ويل للذي يقول لما لا يعلم: إني أعلم» </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٥ - قال مالك: «ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: لا أدري</span>؛ فإنه عسى أن يهيأ له خير» (٤).\n٦ - قال ابن وهب، وقال له ابن القاسم: ليس بعد أهل المدينة أحد أعلم بالبيوع من أهل مصر، فقال مالك: «من أين علموا ذلك؟ قال: منك يا أبا عبد الله، فقال: ما أعلمها أنا، فكيف يعلمونها بي» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٧ - عن مالك ﵀ قال: «جُنة العالم لا أدري، فإذا أغفلها أُصيبت مقاتلُه» </span>(٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٨ - قال الهيثم بن جميل: سمعتُ مالكًا سُئل عن ثمانٍ وأربعين</span>\n_________\n(١) البخاري، برقم ٤٨٢١، ومسلم، برقم ٣٩ - ٤١ (٢٧٩٨).\n(٢) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ٢/ ٨٤٣.\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٨٣٦، برقم ١٥٦٨.\n(٤) المرجع السابق، ٢/ ٨٣٩، برقم ١٥٧٤.\n(٥) سير أعلام النبلاء للذهبي، ٨/ ٧٦.\n(٦) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ٢/ ٨٤١، وانظر: سير أعلام النبلاء، ٨/ ٧٧.","vol":"1","page":45},{"text":"مسألة فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بـ «لا أدري» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٩ - قال خالد بن خداش: «قدمت على مالكٍ بأربعين مسألة، فما أجابني منها إلا في خمس مسائل» </span>(٢).\n١٠ - عن ابن وهب، عن مالك، سمع عبد الله بن يزيد بن هُرْمُز يقول: «ينبغي للعالم أن يُورِّث جُلساءه قول: «لا أدري» حتى يكون ذلك أصلًا يفزعون إليه» (٣).\n١١ - وقال ابن وهب: «لو كتبنا عن مالك: لا أدري؛ لملأنا الألواح» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>١٢ - عن عقبة بن مسلم أنه قال: «صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرًا</span>، فكثيرًا ما كان يُسأل فيقول: «لا أدري»، ثم يلتفت إليَّ فيقول: «تدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسرًا إلى جهنم» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>١٣ - قال أبو داود: «قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم نصف العلم» </span>(٦).\nوهذا كله يؤكد للمفتي، ومعلِّم الناس الخير أهمية قوله: الله أعلم، أو لا أدري لما لا يعلمه، وأن ذلك من الآداب الجميلة التي تدل على خشية الله - ﷿ -.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء، ٨/ ٧٧.\n(٢) المرجع السابق، ٨/ ٧٧.\n(٣) سير أعلام النبلاء، للذهبي، ٨/ ٧٧.\n(٤) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٨٣٩، برقم ١٥٧٦.\n(٥) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ٢/ ٨٤١، برقم ١٥٨٥.\n(٦) المرجع السابق، ٢/ ٨٤٢، برقم ١٥٨٦، وفي بعض نسخ جامع بيان العلم وفضله أنه من قول أبي الدرداء، ٢/ ٨٤٢، حاشية المحقق.\nوقال الذهبي في سير أعلام النبلاء، ٨/ ٧٧: «قال ابن عبد البر: صح عن أبي الدرداء: أنَّ لا أدري، نِصف العلم». انظر: ترتيب المدارك، ١/ ١٤٤، ١٥٢.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>السادس عشر: أدوار الجسور المتكررة حصل بها اليسر والتيسير: </span>لا شك أن ما كان يحصل من أضرارٍ في بعض الأوقات عند رمي الجمار، قد زال بحمد الله تعالى، فقد أقيم الدور الثاني بناءً على فتوى مفتي البلاد السعودية في عصره: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، بتاريخ\n٢٥/ ٦/ ١٣٨٢هـ (١)، ثم أمر خادم الحرمين الشريفين: الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية وفقه الله، بالبدء في إقامة جسورٍ واسعة متكررة فوق الجسر الثاني بعد حج عام ١٤٢٦هـ، فبدأت الاستفادة بالجسر الأول منها في حج عام ١٤٢٧هـ، وكُرِّرَت الأدوار المتعددة فوق الجمرات في هوائها، فحصل بذلك التيسير ولله الحمد، مع التنظيم الجديد الذي جعل مساراتٍ للحجاج للذهاب والإياب، فزال ما كان\nيُخشى من الضرر، فلا حجة بعد ذلك لمن أفتى بالرمي قبل الزوال، كما أنه\nلا حجة له قبل ذلك؛ لمخالفته للنصوص الشرعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٢ - آخر وقت الرمي أيام التشريق الثلاثة:</span>\nتقدم: أن أول وقت رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة بعد الزوال، ولا خلاف بين العلماء أن بقية اليوم وقت للرمي إلى الغروب (٢) (٣).\n_________\n(١) انظر: فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، ٥/ ١٥٥.\n(٢) أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٩٩.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في نهاية وقت الرمي كلّ يومٍ من أيام التشريق على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: آخر وقت رمي كلّ يومٍ ينتهي بغروب شمس ذلك اليوم، وما بعده قضاء، وقد نقل عن مالك ﵀.\nالقول الثاني: ينتهي رمي كلّ يومٍ بطلوع فجر اليوم الذي بعده، وقد نقل عن أبي حنيفة ﵀.\nالقول الثالث: نهاية الرمي آخر أيام التشريق، فهي كلها كاليوم الواحد، فمن فاته الرمي قبل غروب شمس ذلك اليوم رماه في اليوم الذي بعده بعد الزوال، وإن أخّرها كلّها إلى آخر بومٍ رماها بعد الزوال بالترتيب، ولا شيء عليه، إلا أنه قد خالف السنة، ونقل عن الشافعية، والحنابلة، وأبي يوسف ومحمد من الحنفية، وسيأتي التفصيل في ذلك في الحواشي الآتية إن شاء اله تعالى. [انظر: رمي الجمرات للدكتور شرف الشريف، ص ٦٩].","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>والأفضل في رمي الجمار أيام التشريق أن تُرْمَى قبل الغروب</span>، وكذلك جمرة العقبة من رماها قبل غروب يوم النحر فقد رماها في وقتٍ لها، وإن كان الأفضل أن تُرمى جمرة العقبة ضحى لغير الضعفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>أما الرمي بعد غروب الشمس ليلًا فقد أجازه بعض أهل العلم</span>؛ لأن النبي - ﷺ - وقَّت ابتداء الرمي بعد الزوال في أيام التشريق ولم يوقِّت انتهاءه، وكذلك جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر للأقوياء، فالأحوط أن يرمي قبل الغروب حتى يخرج من الخلاف، ولكن لو اضطر إلى ذلك ودعت الحاجة إليه ف<span data-type=\"title\" id=toc-71>لا بأس أن يرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه إلى آخر الليل </span>قبل فجر اليوم الذي بعده (١) (٢)،\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى العلامة ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ١٦٥ و١٦٧، وأضواء البيان، ٥/ ٢٨٣، و٥/ ٢٩٩، وانظر: قرار هيئة كبار العلماء في جواز الرمي ليلًا في كتاب توضيح الأحكام من بلوغ المرام، للعلامة عبد الرحمن البسام، ٣/ ٣٧٣، وانظر: آثارًا وأحاديث في جواز الرمي ليلًا في جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٢٧٨ - ٢٨٢، والمجموع للإمام النووي، ٨/ ٢٤٠، واللقاء الشهري مع العلامة ابن عثيمين، ١٠/ ٧٧.\n(٢) اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن الرمي في النهار أفضل من بعد الزوال إلى غروب الشمس، لأن النبي - ﷺ - رمى في النهار ولم يرم بالليل، إلا أنه - ﷺ - ذُكر عنه أنه رخَّص للرعاة بالرمي في الليل، فاختلف العلماء: فمنهم من قال بجواز الرمي بالليل، وقد نقل عن الحنفية، وابن حزم، وبه قال محمد بن المنذر، وروي عن عروة بن الزبير، والنخعي والحسن.\nوقال المالكية يجوز قضاءً في القول المشهور عنهم، والقول الثاني توقف.\nوعند الشافعية وجهان أصحهما الجواز ..\nوقال الحنابلة وإسحاق، وأحد الوجهين عند الشافية لا يجوز الرمي في الليل، فإن غربت الشمس اليوم وهو لم يرم أخَّر الرمي حتى تزول الشمس، من الغد فيرمي للفائت أولًا ثم يرمي لهذا اليوم بالترتيب «رمي الجمرات وما يتعلق بها من أحكام، ص ١٠٠» وقد ذكرت أدلة من قال بالجواز في متن هذا البحث.\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان ٥/ ٢٩٩: «الفرع الثالث: في آخر وقت الرمي أيام التشريق: قد علمت أن أول وقت رميها بعد الزوال، ولا خلاف بين العلماء: أن بقية اليوم وقت للرمي إلى الغروب، واختلفوا فيما بعد الغروب: فمنهم من يقول: إن غربت الشمس ولم يرم رمى بالليل، وبعضهم يقول: الليل قضاء، وبعضهم يقول أداء، وقد قدمنا أقوالهم وحججهم في الكلام على رمي جمرة العقبة. ومنهم من يقول لا يرمي بالليل، بل يؤخِّر الرمي حتى تزول الشمس من الغد، كما قدمناه، مع إجماعهم على فوات وقت الرمي بغروب اليوم الثالث عشر من ذي الحجة الذي هو رابع يوم النحر.\nواعلم: أن هذا الحكم له حالتان:\nالأولى: حكم الرمي في الليلة التي تلي اليوم الذي فاته فيه الرمي من أيام التشريق.\nوالثانية: الرمي في يوم آخر من أيام التشريق.\nأما الليل: فقد قدمنا: أن الشافعية، والمالكية، والحنفية كلهم يقولون: يرمي ليلًا، والمالكية بعضهم يقولون الرمي ليلًا قضاءً وهو المشهور عندهم، وبعضهم يتوقف في كونه قضاءً أو أداءً، ...\nوالحنابلة قدمنا أنهم يقولون: لا يرمي ليلًا، بل يرمي من الغد بعد الزوال، وأما رمي يوم من أيام التشريق في يوم آخر منها فلا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في أيام التشريق الثلاثة، هل هي كيوم واحد، فالرمي جميعًا أداء، لأنها وقت للرمي كيوم واحد، أو كل يوم منها مستقل، فإن فات هو وليلته التي بعده فات وقت رميه، فيكون قضاء في اليوم الذي بعده.\nفعلى القول الأول: لو رمى عن اليوم الأول في الثاني، أو عن الثاني في الثالث، أو عن الأول والثاني في الثالث، فلا شيء عليه، لأنه رمى في وقت الرمي.\nوعلى الثاني يلزمه دم عن كل يوم فاته رمى فيه إلى الغد عند من يقول بتعدد الدماء: كالشافعية، أو دم واحد عن اليومين عند من يقول بعدم التعدد» [أضواء البيان، ٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠].\nقال الشنقيطي ﵀: «والتحقيق في هذه المسألة: أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه [أي في اليوم الذي يليه]، ولا شيء عليه، كما هو مذهب أحمد، ومشهور مذهب الشافعي، ومن وافقهما». [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٠].\nوالدليل على ذلك، حديث عاصم بن عدي العجلاني - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ -: «رخَّص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد بيومين، ويرمون يوم النفر»، وفي لفظ «رخَّص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا» هذان اللفظان لأبي داود، (برقم ١٩٧٤، ١٩٧٥) ولفظ النسائي: «رخص للرعاة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا» وفي لفظ: «رخص للرعاة في البيتوتة يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعده يجمعونهما في أحدها» (برقم ٣٠٦٨، ورقم ٣٠٦٩)، ولفظ الترمذي: «أرخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا»، وفي لفظ: «رخَّص رسول الله - ﷺ - لرعاء الإبل في البيتوتة: أن يرمو يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، فيرمونه في أحدهما، قال مالك: ظننت أنه قال: في الأول منهما ثم يرمون يوم النفر» (برقم ٩٥٤، ٩٥٥) ولفظ ابن ماجه: «رخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا».\nوفي لفظ: «رخَّص رسول الله - ﷺ - لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعون رمي يومين بعد النحر فيرمونه في أحدهما .. قال مالك: ظننت أنه قال: في الأول منهما، ثم يرمون يوم النفر» (برقم ٣٠٣٦،ورقم ٣٠٣٧)،وهذه ألفاظ الحديث في الكتب الستة، وأخرجه أحمد برقم ٢٣٧٧٤، ورقم ٢٣٧٧٥، ورقم ٢٣٧٧٦، ٣٩/ ١٩١ - ١٩٤، بألفاظ نحو ما في الكتب الستة، وفسره الإمام مالك في الموطأ ١/ ٤٠٩، بأن معنى الحديث: أنهم يرمون يوم النحر، ثم لا يرمون اليوم الذي بعده، وهو اليوم الحادي عشر، ثم يرمون اليوم الذي بعده، وهو اليوم الثاني عشر، فيجمعون الرمي اليوم الحادي عشر مع الثاني عشر، وهو يوم النفر الأول، فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الثاني، ثم نفروا مع الناس.\nوهذا نحو كلام الإمام مالك ﵀ قال العلامة الشنقيطي، ٥/ ٣٠١: «وهذا المعنى الذي فسر به الحديث هو صريح معناه في رواية من روى: أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا» وحديث عاصم قال فيه الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وصححه الألباني في صحيح السنن في المواضع المذكورة آنفًا. وقال محققو المسند، ٣٩/ ١٩١: «إسناده صحيح».\nوهذا يدل على أن من فاته الرمي في اليوم الأول رمى في اليوم الذي بعده بعد الزوال ولا شيء عليه، ولكن يرمي بالترتيب لليوم الفائت، ثم يرجع من الجمرة الصغرى ويرمي بالترتيب لليوم الذي بعده كذلك حتى ينتهي بيومه على الترتيب، والله أعلم. [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٥، و١٧/ ٣٧٤].\nقال العلامة الشنقيطي ﵀، ٥/ ٣٠٣: «وبما ذكرنا تعلم أن أيام الرمي كلها كاليوم الواحد، وأن من رمى عن يومٍ في الذي بعده لا شيء عليه؛ لإذن النبي - ﷺ - للرعاء في ذلك، ولكن لا يجوز تأخير يوم إلى يوم آخر إلا لعذر، فهو وقت له، ولكنه كالوقت الضروري، والله تعالى أعلم»، قلت: ويكون الرمي بعد الزوال لا قبله.\nقال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٥/ ٣٣٣ في رمي الجمرات أيام التشريق: «إذا أخَّر رمي يوم إلى يوم بعده، أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة، ولا شيء عليه، إلا أنه يقدِّم بالنية رمي اليوم الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، وبذلك قال الشافعي، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: إن ترك حصاة أو حصاتين أو ثلاثًا إلى الغد رماها وعليه لكل حصاة نصف صاع، وإن ترك أربعًا رماها وعليه دم، ولنا أن أيام التشريق وقت للرمي، فإذا أخَّره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شيء، كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته ... والحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخَّرها كالحكم في رمي أيام التشريق في أنها إذا لم ترمَ يوم النحر رميت من الغد، وإنما قلنا يلزمه الترتيب بنيته؛ لأنها عبادات يجب الترتيب فيها مع فعلها في أيامها، فوجب ترتيبها مجموعة، كالصلاتين المجموعتين والفوائت» [رجح ذلك الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٩٥].\nوقال الشنقيطي ﵀: «وأما رمي جمرة العقبة فقال بعض أهل العلم: إن حكمه مع رمي أيام التشريق كواحد منها، فمن أخّر رميه إلى يوم من أيام التشريق، فهو كمن أخّر يومًا منها إلى يوم، وعليه ففيه الخلاف المذكور، وقال بعض أهل العلم: هو مستقل بوقته دونها؛ لأنه يخالفها في الوقت، والعدد؛ لأنها جمرة واحدة أو ل النهار، وأيام التشريق بعكس ذلك، وله وجه من النظر، والله أعلم». [أضواء البيان/ ٥/ ٣٠٣].\nقلت: تقدم قول ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٩٥: ورمي جمرة العقبة يوم النحر، قال: «... فإن أخّرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد، وبهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق، وقال الشافعي، ومحمد بن المنذر، ويعقوب: يرمي ليلًا ...». وقد تقدم تفصيل ذلك، فيرجع إليه من شاء.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>واستدل على جواز الرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه بأدلة</span>، منها الأدلة الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الدليل الأول: حديث ابن عباس ﵄</span>، قال: كان رسول الله - ﷺ - يُسأل أيام منى، فيقول: «لا حرج»، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن","vol":"1","page":51},{"text":"أذبح؟ قال: «لا حرج»، فقال رجل: رميتُ بعدما أمسيتُ؟ قال: «لا حرج» [هذا لفظ النسائي] (١)، ولفظ البخاري: كان رسول الله - ﷺ - يُسأل يوم النحر بمنى ...» (٢) الحديث، وقد صرَّح النبي - ﷺ - أن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل (٣)، وقد تقدم في رمي جمرة العقبة أن المساء يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتدّ الظلام، وقول ابن منظور: «المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعضهم: إلى نصف الليل» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>الدليل الثاني: عن نافع عن ابن عمر أن ابنة أخٍ لصفية بنت أبي عُبيدٍ نفست بالمزدلفة</span>، فتخلَّفت هي وصفيَّة حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله بن عمر ﵄: أن ترميا الجمرة حين أتتا، ولم يرَ عليهما شيئًا» (٥).\nوهذا وإن كان في رمي جمرة العقبة؛ فإن رمي جمرة العقبة وقت الرمي فيه أوسع من وقت الرمي في أيام التشريق، فالرمي فيها بالليل من باب أولى (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>الدليل الثالث: حديث ابن عمر ﵄: </span>أن النبي - ﷺ -: «رخَّص\n_________\n(١) النسائي، برقم ٣٠٦٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٥٩، وتقدم تخريجه في رمي جمرة العقبة.\n(٢) البخاري، برقم ١٧٣٥، وتقدم تخريجه في رمي جمرة العقبة.\n(٣) أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٢.\n(٤) انظر: فتح الباري، ٣/ ٣٦٩، وانظر ما تقدم في رمي جمرة العقبة.\n(٥) موطأ الإمام مالك، ١/ ٤٠٩، وتقدم في رمي جمرة العقبة: أن إسناده صحيح.\n(٦) تبصير الناسك بأحكام المناسك، للعلامة عبد المحسن العباد، ص ١٥٨.","vol":"1","page":52},{"text":"للرعاء أن يرموا بالليل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>الدليل الرابع: اليوم وقت للرمي، والليل يتبعه </span>في ذلك كليلة النحر تجعل تبعًا ليوم عرفة في حكم الوقوف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>الدليل الخامس: تأمل الواقع</span>، والمشاهدة يدلان على أن الوقت من زوال الشمس إلى الغروب لا يكفي لرمي الأعداد الكثيرة من الحجاج.\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>الدليل السادس: الرمي في الليل جائز</span>؛ لأنه فعل من أفعال الحج، فجاز فعله بالليل، كالطواف، والسعي، والوقوف بعرفة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>ثالثًا: صفة رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة:</span>\nيجب الترتيب (٣) في رمي الجمار أيام التشريق الثلاثة على النحو الآتي:\n_________\n(١) البيهقي، ٥/ ١٥١، وقد ذكر له العلامة الألباني ﵀ طرقًا وشواهد في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٥/ ٦٢٢ - ٦٢٤، ثم قال: «فالحديث بمجموع هذه الطريق والتي قبلها حسن عندي، ولا سيما وقد قال الحافظ في التلخيص، ٢/ ٢٦٣ في حديث ابن عمر: «رواه البزار بإسناد حسن، والحاكم، والبيهقي».\n(٢) انظر: رمي الجمرات وما يتعلق به من أحكام، للدكتور الشريف، طبع جامعة أم القرى، ص ١٠١ - ١٠٢.\n(٣) مسائل في رمي الجمرات على النحو الآتي:\nالمسألة الأولى: يجب الترتيب في رمي الجمرات على الصحيح في أيام التشريق، فيبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات، مثل حصى الخذف، يكبر مع كل حصاة، ثم الجمرة الوسطى، ثم العقبة كذلك؛ لأن النبي - ﷺ - فعل ذلك وقال: «خذوا عني مناسككم» [أضواء البيان، ٥/ ٢٩٥، ٣٠٣، والمغني لابن قدامة، ٥/ ٣٢٩، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٥، و١٧/ ٣٧٧، وذكر شيخنا هنا أنه إن لم يرتب ناسيًا أو جاهلًا فذكر في وقت الرمي قبل انقضاء أيام التشريق أعاد، فيبدأ بالجمرة الوسطى، ثم العقبة، حتى يحصل بذلك الترتيب، أما إذا ذكره بعد انتهاء أيام التشريق فنرجو أن لا يكون عليه شيء لأجل الجهل والنسيان،\n١٧/ ٣٧٧.\nالمسألة الثانية: لا بد من رمي الحصاة بقوة، فلا يكفي طرحها، ولا وضعها باليد في المرمى؛ لأن ذلك ليس برمي في العرف [أضواء البيان، ٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧]، [وانظر: كتاب رمي الجمرات للدكتور الشريف، ص ٣١ - ٣٢].\nالمسألة الثالثة: الرمي بالحصى الذي مثل حصى الخذف؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: «رأيت النبي - ﷺ - رمى الجمرة بمثل حصى الخذف» [مسلم، برقم ١٢٩٩]، والخذف: الرمي بحصاة أو نحوها بالسبابة والإبهام أو بالسبابتين، وقد حددها فقهاء الحنابلة بأنها أكبر من الحمص، ودون البندق، كما حدّدها بعض فقهاء الشافعية بأنها دون الأنملة [رأس الأصبع] طولًا وعرضًا، وقد نهى النبي - ﷺ - عن الخذف الذي مثَّل بحصاته [رمي الجمرات وما يتعلق به من أحكام، ص ٣٣]، وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٨٩.\nالمسألة الرابعة: الشك في وقوع الحصى في المرمى [الحوض] قال شيخنا ابن باز ﵀: «من شك هل وقع الحصى في المرجم أم لا فعليه التكميل حتى يتيقَّن».\nوقال ﵀: «ولا بد في رمي الجمار من أن يتحقَّق أو يغلب على ظنه أن الحجر وصل إلى الحوض، فإن لم يتحقَّق ذلك، أو يغلب على ظنه أعاد الرمي في الوقت؛ فإن خرج من منى ولم يعد فعليه دم؛ لأنه ترك واجبًا، أما إذا تيسَّر له أن يعيد الرمي في أيام منى أعاده مرتَّبًا بالنية، ولا شيء عليه» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٥، و١٧٣، و١٧/ ١٧٧، ٣٠٩، ٣٧٩، و٣٠/ ١٩٥].\nالمسألة الخامسة: اعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: يستحب رمي جمرة العقبة راكبًا إن أمكن، ورمي أيام التشريق ماشيًا في الذهاب والإياب إن أمكن، وهذا من باب السنة. [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٨].\nالمسألة السادسة: إذا رمى النائب عن العاجز ثم زال عذر المستنيب وأيام الرمي باقية، فقال مالك: يقضي كل ما رماه عنه النائب مع لزوم الدم، وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء ما رمى عنه النائب؛ لأن فعل النائب كفعل المنوب عنه، فيسقط به الفرض، ولكن يندب إعادته، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي، وفي المسألة أقوال أخرى، ورجَّح الشنقيطي في أضواء البيان: أنه يرمي جميع ما رمي عنه، ولا شيء عليه؛ لأن الاستنابة إنما وقعت لضرورة العذر، فإذا زال العذر والوقت باقٍ، فعليه أن يباشر فعل العبادة بنفسه [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٩ - ٣١٠]. [وانظر أيضًا: رمي الجمرات للدكتور شرف الشريف، ص ١٣٣].\nالمسألة السابعة: اختلف العلماء ﵏ في القدر الذي يوجب تركه الدم من رمي الجمار على أربعة أقوال:\nالقول الأول: ذهب مالك وأصحابه إلى أن من أخَّر رمي حصاة واحدة من واحدة من الجمرات إلى الليل لذلك اليوم لزمه دم، وما فوق الحصاة أحرى بذلك سواء عندهم في ذلك رمي جمرة العقبة يوم النحر ورمي الثلاثة أيام التشريق، ومعلوم أن من توقَّف من المالكية في كون الرمي ليلًا قضاء يتوقف في وجوب الدم إن رمى ليلًا، ولكن مشهور مذهبه أن الليل قضاء. [أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٣٠٤].\nالقول الثاني: وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أن الدم يلزمه بترك رمي الجمرات كلها، أو رمى يومًا واحدًا من أيام التشريق، وكذلك رمي جمرة العقبة، فرمي جمرة العقبة، ورمي يومٍ من أيامِ التشريق، ورمي الجميع سواء عندهم فيما يلزم في كل واحد منها دم واحد، وما هو أكثر من نصف رمي يوم عندهم كرمي اليوم يلزم فيه دم، فلو رمى جمرة وثلاث حصيات من جمرة وترك الباقي فعليه دم؛ لأنه رمى عشر حصيات، وترك إحدى عشرة حصاة، فإن ترك أقل من نصف رمي يومٍ كأن ترك جمرة واحدة، فلا دم عليه، ولكن عليه الصدقة عندهم، فيلزمه لكل حصاة نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو شعير إلا أن يبلغ ذلك دمًا فينقص ما شاء هكذا يقولون، وليس لهم مستند من النقل، وغاية ما عندهم من الاستدلال: هو أن رمي اليوم الواحد نسك واحد، فمن ترك جمرة في يوم لم يترك نسكًا، وإنما ترك بعض نسك، والدم يلزم عند أبي حنيفة بفوات الرمي في يومه وليلته التي بعده، ولو رماه من الغد في أيام التشريق، وخالفه في ذلك صاحباه. [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٤].\nالقول الثالث: مذهب الشافعي: أنه إن ترك رمي الجمار الثلاث في يوم من أيام التشريق لزمه دم، وإن ترك ثلاث حصيات من جمرة فما فوقها لزمه دم؛ لأن ثلاث حصيات فما فوقها يقع عليها اسم الجمع، فصار تركها كترك الجمع، وإن ترك حصاة واحدة فثلاثة أقوال عندهم: يجب عليه ثلث دم، والقول الثاني مُدّ، والقول الثالث درهم، وحكم الحصاتين كذلك، قيل: يلزمه ثلثا دم، وقيل: مدان، وقيل: درهمان، فإن ترك الرمي في أيام التشريق كلها فعلى القول المشهور عندهم أنها كيوم واحد، واللازم دم واحد.\nوقولٍ للشافعية ثانٍ: وهو أن الجمرات الثلاث كلها كالشعرات الثلاث، فلا يكمل الدم في بعضها بل لا يلزم إلا بترك جميعها، بأن يترك رمي يوم، وعليه فإن ترك رمي جمرة من الجمار ففيه الأقوال الثلاثة المشهورة عندهم فيمن حلق شعرة أظهرها مُدّ، والثاني درهم، والثالث: ثلث دم، فإن ترك جمرتين فعلى هذا القياس: وهو لزوم مدين، أو درهمين، أو ثلثي دم، وعلى هذا لو ترك حصاة من جمرة، فعلى أن في الجمرة ثلث دم يلزمه في الحصاة جزء من واحد وعشرين جزءًا من دم، وعلى أن فيها مدًّا، أو درهمًا، ففي الحصاة سبع مد، أو سبع درهم ...» [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٠٥].\nالقول الرابع: وهو مذهب الإمام أحمد: أن من أخّر الرمي كله عن أيام التشريق فعليه دم، وعنه في ترك الجمرة الواحدة دم، ولا شيء عنده في الحصاة والحصاتين، وعنه يتصدق بشيء، وعنه أن في الحصاة الواحدة: دمًا كقول مالك، وعنه أن في ثلاث حصيات دمًا كأحد قولي الشافعي، وفيما دون ذلك كل حصاة كأحد الأقوال عند الشافعي، والعلم عند الله تعالى. [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٠٣ - ٣٠٨، وقد ذكر أدلة كل فريق هناك] [وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٣٨٠].\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «فاعلم أن دليلهم في إجماعهم على أن من ترك الرمي كله وجب عليه دم، هو ما جاء عن ابن عباس ﵄ موقوفًا عليه: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا»، وهذا صح عن ابن عباس موقوفًا». [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٦].\nثم قال: أما اختلاف العلماء في لزوم الدم بترك جمرة أو رمي يوم، أو حصاة، أو حصاتين إلى آخر ما تقدم، فهو من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فمالك مثلًا القائل بأن في الحصاة الواحدة دمًا، يقول: الحصاة الواحدة داخلة في أثر ابن عباس المذكور، فمناط لزوم الدم محقق فيها؛ لأنها شيء من نسك، فيتناوله قوله: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه ...» إلى آخره؛ لأن لفظة: شيئًا: نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة عموم.\nوالذين قالوا: لا يلزم في الحصاة والحصاتين دم، قالوا: الحصاة والحصاتان لا يصدق عليهما نسك، بل هما جزء من نسك، وكذلك الذين قالوا: لا يلزم في الجمرة الواحدة دم، قالوا: رمي اليوم الواحد نسك واحد، فمن ترك جمرة واحدة في اليوم لم يترك نسكًا، وإنما ترك بعض نسك، وكذلك الذين قالوا: لا يلزم إلا بترك الجميع، قالوا: إن الجميع نسك واحد، والعلم عند الله تعالى. [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨].\nالمسألة الثامنة: استقبال القبلة في رمي الجمرة الصغرى فيجعلها بين يديه ويرميها بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة، ثم الوسطى كذلك، هذا هو الأفضل، وبعض الفقهاء يطلق فيقول: يستقبل القبلة أثناء رمي الجمرة الصغرى والوسطى، وبيَّن العلامة ابن عثمين ﵀ أن في هذا صعوبة، ولكن الصحيح أنه يستقبل القبلة، ويجعل الجمرة الصغرى بين يديه، والوسطى كذلك. هذا هو الأفضل. أما العقبة فتقدم الكلام في صفة الرمي لها. [انظر: كتاب رمي الجمرات، وما يتعلق به من أحكام، للدكتور الشريف، ص ١١٩، والمغني لابن قدامة، ٥/ ٣٢٦].\nالمسألة التاسعة: قال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم: أن التحقيق في عدد الحصيات التي ترمى بها كل جمرة: سبع حصيات، وأحوط الأقوال في ذلك قول مالك وأصحابه، ومن وافقهم: أن من ترك حصاة واحدة كمن ترك رمي الجميع، وقال بعض أهل العلم: يجزئه الرمي بخمس أو بست». [أضواء البيان، ٥/ ٣١٠]. ومجموع الحصى سبعون حصاة: سبع ترمى بها جمرة العقبة يوم النحر، وثلاث وستون ترمى بها الجمرات الثلاث أيام التشريق الثلاثة في كل يوم إحدى وعشرين حصاة كل جمرة سبع، وقال ابن قدامة في المغني: والأولى أن لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات؛ لأن النبي - ﷺ - رمى بسبع حصيات، فإن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس، ولا ينقص أكثر من ذلك، نصَّ عليه، وهو قول مجاهد، وإسحاق، وعنه: إذا رمى بستٍّ ناسيًا فلا شيء عليه، ولا ينبغي أن يتعمَّده، فإن تعمَّد ذلك تصدق بشيء، وكان ابن عمر يقول: ما أبالي أرميت بسبعٍ أو ست، وقال ابن عباس: ما أدري رماها النبي - ﷺ - بسبعٍ أو ست، وعن أحمد: أن عدد السبع شرط، ويشبه مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن النبي - ﷺ - رمى بسبع، وقال أبو حبَّة: لا بأس بما رمى به الرجل من الحصى، فقال عبد الله بن عمرو: صدق أبو حبّة، وكان أبو حبّة بدريًّا، ووجه الرواية الأولى ما روى ابن أبي نجيح، قال: سئل طاوُسٌ عن رجلٍ ترك حصاةً قال: يتصدق بتمرة أو لقمة، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إن أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعدٍ، قال سعد: رجعنا من الحجة مع رسول الله - ﷺ -، بعضنا يقول: رميت بستٍّ، وبعضنا يقول: بسبعٍ، فلم يعب بعضنا على بعض، رواه الأثرم وغيره، ومتى أخلَّ بحصاةٍ واجبة من الأولى لم يصحّ رمي الثانية حتى يكمل الأولى، فإن لم يدرِ من أي الجمار تركه بنى على اليقين ...» [المغني، ٥/ ٣٣٠].\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٣١١: «والتحقيق أنه لا يجوز أقل من سبع حصيات للروايات الصحيحة عن النبي - ﷺ -: أنه كان يرمي الجمار بسبع حصيات مع قوله - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم»، فلا ينبغي العدول عن ذلك؛ لوضوح دليله، وصحته ...\nوالظاهر أن من شكّ في عدد ما رمى يبني على اليقين، وروى البيهقي عن عليٍّ - ﵁ - ما يؤيِّده». [وانظر أيضًا: رمي الجمرات للدكتور شرف الشريف، ص ٣٩ - ٤٠].\nقلت: وأما قول سعد بن ابي وقاص: «رجعنا ...» إلى قوله: بعضنا يقول: رميت بستٍ، وبعضنا يقول: بسبعٍ، فلم يعب بعضنا على بعض» [رواه البيهقي، ٥/ ١٤٩]، فقال ابن التركماني: سكت عنه، وقال الن القطان: لا أعمل لمجاهد سماعًا من سعد، وقال الطحاوي في أحكام القرآن: حديث منقطع لا يثبت أهل الإسناد مثله، وذكر ابن جرير في التهذيب أنه لم يستمر العمل به؛ لأنه لم يصح ...» [الجوهر النقي لابن التركماني، المطبوع مع سنن البيهقي الكبرى، ٥/ ١٤٩].\nالمسألة العاشرة: تكسير الحصى: ثبت عن النبي - ﷺ - أنه أمر ابن عباس أن يلقط له الحصى، واللقط هو: أخذ الحجارة الصغيرة جاهزة دون حاجة إلى تكسير، فإذا بحث الحاج عن حجارة صغيرة ولم يجد، وتعسر عليه ذلك، فلا بأس من أخذ حجر كبير وتكسيره إلى أحجار صغيرة يرمي بها، وأجمع الفقهاء أن اللقط أولى من تكسيره؛ للحديث: «القط لي حصى»؛ ولأن التكسير لا يؤمن أن يطير إلى الإنسان منه شيء يؤذيه. [المغني، ٥/ ٢٨٨، والشرح الكبير مع الإنصاف، ٩/ ١٨٨، ورمي الجمرات، ص ٣٨].\nالمسألة الحادية عشرة: يجزئ الرمي بكل ما يسمى حصى، وهي الحجارة الصغيرة، سواء كان: أبيض، أو أسود، أو أحمر، [انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٨٩].\nالمسألة الثانية عشرة: اتفق الأئمة الأربعة على أنه يجوز أن يأخذ الحصى من حيث شاء: من مزدلفة أو منى، ولكن الأفضل أن يأخذ سبع حصيات يوم النحر لرمي جمرة العقبة صباحًا؛ لفعل النبي - ﷺ -، ويلتقط أيام التشريق كل يومٍ إحدى وعشرين حصاة من منى [ويكره أن يأخذ الحصى من المسجد، ومن الحل خارج الحدود للحرم، ومن المواضع المتنجسة، كالمراحيض، والحمامات المتنجسة، أو من الحصى الذي قد رمي به] [رمي الجمرات للدكتور شرف الشريف، ص ٤٣ - ٤٦]، قال شيخنا ابن باز ﵀: «يُؤخذ الحصى من منى، وإذا أخذ حصى يوم العيد من المزدلفة فلا بأس، وهي سبع يرمي بها يوم العيد جمرة العقبة، ولا يشرع غسلها، بل يأخذها من منى أو المزدلفة ويرمي بها، أو من بقية الحرم، يجزئ ذلك ولا حرج فيه، وأيام التشريق يلقطها من منى ...» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٢٩٣].\nالمسألة الثالثة عشرة: استحب الفقهاء على الاقتصار على لقط الحصى من مزدلفة أو منى؛ لأنه لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه أخذه من غيرهما، كما اتفق الفقهاء على كراهة الرمي كراهة تنزيهية، بحجر أُخذ من خارج حدود الحرم المكي (الحل) أو أخذه من موضع نجس كالمرحاض، أو أخذه من المسجد؛ لئلا يخرج حصى المسجد منه [رمي الجمرات، ص ٤٧].\nالمسألة الرابعة عشرة: اتفق الفقهاء على جواز الرمي بالحصى الذي لم يُغسل، ولكنهم اختلفوا في استحباب غسله، والراجح عدم استحباب الغسل، إلا إذا رأى في الحصى نجاسة ظاهرة ولم يجد غيرها، فتغسل النجاسة؛ لئلا تتنجس اليد أو الثياب [المغني لابن قدامة،\n٥/ ٢٩١، ورمي الجمرات، ص ٥٢ - ٥٣، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٥].\nالمسألة الخامسة عشرة: الرمي بحجر قد رمي به، اختلف الفقهاء في ذلك، والخلاصة: أنه إن وجد حجرًا قرب الجمرات وغلب على ظنه أنه لم يرمَ به فلا بأس بالرمي به، أما الذي يغلب على ظنه أنه قد رمي به، أو تيقّن ذلك، أو أخذه من المرمى فاختلف العلماء في ذلك، فقال الشافعي: يجزئه ذلك، وكذلك جمهور المالكية، والأحناف، مع الكراهة، وأجازه ابن حزم على الإطلاق، وقال الحنابلة وبعض المالكية: لا يصح الرمي به، والذي يظهر والله أعلم أن الأحوط أن لا يرمى به؛ لحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، فإن رمى به أجزأه لعدم الدليل [المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٩٠، ورمي الجمرات، ص ٤٨ - ٥٠].\nالمسألة السادسة عشرة: بيع الحصى وشراؤه، الذي يظهر والله أعلم أنه مثل بيع الماء، الذي يشترك في ملكه جميع الناس؛ لأنهم شركاء فيه، وفي النار، والكلأ، ففي بيع هذه الثلاث خلاف قبل حيازتها، وأما بعد حيازة الماء في الإناء فإنه يجوز بيعه؛ لأنه حازه في إنائه وملكه، فكذا الحصى إذا حازه وملكه بالحيازة، والله تعالى أعلم [انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٩٠، ورمي الجمرات، ص ٥٤].\nالمسألة السابعة عشرة: الموالاة بين الرمي، فقد اختلف العلماء في اشتراط الموالاة بين رمي الجمرة الواحدة، أو رمي الجمرات الثلاث، فجمهور العلماء: من الحنفية، والحنابلة، والقول الصحيح عند الشافعية، والمالكية، إن الموالاة بين الجمرة الواحدة في رميها، وبين الجمرات الثلاث مستحبة، وليست شرطًا في صحة الرمي، وقال بعض الشافعية وبعض المالكية بأن الموالاة شرط في صحة الرمي إذا كان التفريق طويلًا، أما إذا كان يسيرًا فلا يضرُّ. والأقرب والله أعلم رأي الجمهور، ولكن الأفضل الموالاة؛ لفعل النبي - ﷺ -، فقد والى في رميه. والله أعلم، [انظر: رمي الجمرات، ص ٧٢، وحاشية الروض المربع، ٤/ ١٧٨].\nالمسألة الثامنة عشرة: إذا أغمي على المحرم قبل أن يوكِّل عنه أحدًا في الرمي فلا يُرمى عنه، فإذا زال عنه الإغماء في وقت الرمي رمى إن استطاع، أو وكَّل، فإن زال عنه بعد فوات الرمي فَدَى، أما إذا وكَّل المريض ثم أغمي عليه؛ فإن الوكيل يرمي عنه، ولا تنقطع الوكالة بالإغماء، كما لو وكَّل في الحج، ثم أغمي عليه. والعلم عند الله تعالى. [انظر: الجمرات، ص ١٣٧، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٩/ ٢٥٠]. [وانظر: أحكام من فاته الرمي فإنه يجب عليه دم، مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٧٣، ١٧/ ٣٦٩، ٣٧٩، ٢٣/ ٤٦٠].\nالمسألة التاسعة عشرة: من فاته رميُ يومٍ من أيام التشريق رماه في اليوم الذي بعده، وكذلك من فاته رمي جمرة العقبة فلم يرمه يوم النحر، ولا في الليل بعد الغروب رماه بعد الزوال في اليوم الذي بعده. [انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٩٥]، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «إذا أخَّر رمي يوم إلى ما بعده، أو أخَّر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة، ولا شيء عليه، إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، وبذلك قال الشافعي، وأبو ثور، ...» [المغني ٥/ ٣٣٣].\nوقد تقدم الخلاف في ذلك في آخر وقت الرمي أيام التشريق في الحاشية.\nوأفتى شيخنا ابن باز ﵀: أنه يصح تأخير الرمي كله إذا دعت الحاجة إلى ذلك إلى اليوم الثالث عشر، ويرمي مرتبًا، فيبدأ برمي جمرة العقبة عن يوم النحر، بعد الزوال، ثم يرمي الجمرة الصغرى، ثم الوسطى، ثم العقبة عن اليوم الحادي عشر، ثم يرجع فيرمي الثلاث الجمرات عن اليوم الثاني عشر، ثم يرجع فيرميهن عن اليوم الثالث عشر إن لم يتعجّل، لكنه يعتبر مخالفًا للسنة؛ فإن السنة أن يرمي كما رمى النبي - ﷺ -. [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٥، و١٧/ ٣٧٥، وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٩٥،\nو٥/ ٣٣٣، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٩٩].\nوالدليل على جواز ذلك هو ترخيص النبي - ﷺ - للرعاة: «أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا» فقد حصل الترخيص في رمي اليومين في اليوم الثاني منهما، وتقدم.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>١ - يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة </span>وهي التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده بالرمي مع كل حصاة، ويكبِّر على إثر كل حصاة، ولا بد أن يقع الحصى في الحوض، فإن لم يقع في الحوض لم يجزِ. ثم يتقدم حتى يُسهل في مكان لا يصيبه الحصى فيه ولا يؤذي الناس، فيستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو طويلًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٢ - يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة</span>، ثم يأخذ ذات الشمال ويتقدَّم حتى يسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا يدعو ويرفع يديه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>٣ - ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبِّر مع كل حصاة</span>، ثم ينصرف ولا يقف عندها ولا يدعو؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصياتٍ يُكبِّر عى إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يُسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا","vol":"1","page":60},{"text":"يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي - ﷺ - يفعله» (١).\nثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال كما رماها في الأول تمامًا. ويفعل عند الأولى والثانية كما فعل في اليوم الأول من أيام التشريق.\nوإذا لم يتعجَّل رمى في اليوم الثالث عشر كما رمى في الأول والثاني، ويعمل عند الأولى والثانية كما عمل في اليوم الأول والثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>رابعًا: إذا عجز المتمتع والقارن عن الهدي وجب عليه أن يصوم </span>ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله، وهو مخيَّر في صيام الثلاثة إن شاء صامها قبل يوم النحر، وإن شاء صامها في أيام التشريق الثلاثة، لحديث عائشة وابن عمر - ﵃ - قالا: «لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي» (٢)، والأفضل أن يقدم صيام الأيام الثلاثة عن يوم عرفة؛ ليكون يوم عرفة مفطرًا؛ لأن النبي - ﷺ - وقف يوم عرفة مفطرًا، فعن ميمونة ﵂: «أن الناس شكّوا في صيام النبي - ﷺ - يوم عرفة، فأرسلتُ إليه بحلابٍ (٣) وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون» (٤)، وفي رواية: «أن أمَّ الفضل أرسلت إليه بقدح لبنٍ\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويعمل، برقم ١٧٥١، وباب رفع اليدين عند جمرة الدنيا والوسطى، برقم ١٧٥٢،وباب الدعاء عند الجمرتين، برقم ١٧٥٣.\n(٢) البخاري، كتاب الصوم، باب صيام أيام التشريق، برقم ١٩٩٧، ١٩٩٨.\n(٣) الحِلاب: الإناء الذي يجعل فيه اللبن، وقيل هو اللبن المحلوب.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٩٨٩، ومسلم، برقم ١١٢٤، وتقدم تخريجه في الوقوف بعرفة.","vol":"1","page":61},{"text":"وهو واقف على بعيره فشربه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>خامسًا: من عجز عن الرمي </span>كالكبير، والمريض، والصغير، والمرأة الحامل ونحوهم، جاز أن يُوكِّل من يرمي عنه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا\nاسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، وهؤلاء لا يستطيعون مزاحمة الناس عند الجمرات، وزمن الرمي يفوت، ولا يشرع قضاؤه فجاز لهم أن يوكلوا بخلاف غيره من المناسك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>أما الأقوياء من الرجال والنساء فلا يجوز لهم التوكيل في الرمي</span>، ويجوز للوكيل أن يرمي عن نفسه ثم عن من وكَّله كل جمرة من الجمار الثلاث في موقفٍ واحدٍ، فيرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات عن نفسه، ثم بسبعٍ عن من وكَّله، وهكذا الثانية والثالثة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>وهكذا الصبي يجوز أن يرمي عنه وليُّه </span>على التفصيل السابق. وقد رُوِي عن جابر - ﵁ - قوله: «حججنا مع رسول الله - ﷺ - ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم» (٤)، والله أعلم (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>والصواب إن شاء الله تعالى أنه يشترط في الوكيل أن يكون حاجًا ذلك العام</span>؛ لأنَّ الرمي بعض أعمال الحج، فلا يصح إلا مِنْ حاجٍّ؛ لأنه\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٩٨٨، ومسلم، برقم ١١٢٣، وتقدم تخريجه في الوقوف بعرفة.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٦، ١٤٧، ١٧/ ٣٠٠ - ٣٠٨، ٣٨٣.\n(٤) أحمد في المسند، ٣/ ٣١٤، وابن ماجه، في كتاب المناسك، باب الرمي عن الصبيان، برقم: ٣٠٣٨، وانظر: تلخيص الحبير، ٢/ ٢٧٠.\n(٥) انظر في التوكيل في الرمي مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ١٥٥، و٢٧٨، وأضواء البيان، ٥/ ٣٠٨، ٣٠٩، والمنهج لمريد العمرة والحج، لابن عثيمين، ص ٦٣، وفتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ٢٤٥.","vol":"1","page":62},{"text":"لو رمى غير حاج فَرَمْيُهُ عَبَثٌ ولا ينفعه، وإذا لم يصحّ رميه عن نفسه فلا يصحّ عن غيره.\nويشترط أيضًا أن يرمي الوكيل عن نفسه أولًا، ثم عن من وكَّله، كل جمرة من الجمار الثلاث في موقف واحد على الصحيح (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>سادسًا: من غربت عليه الشمس من اليوم الثاني عشر وهو لم يخرج من منى</span>؛ فإنه يلزمه التأخر ويبيت في منى، ويرمي الجمار الثلاث في اليوم الثالث عشر بعد الزوال؛ لما ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: «من غربت له الشمس من أوسط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفرنَّ حتى يرمي الجمار من الغد» (٢)، لكن لو غربت عليه الشمس بمنى في اليوم الثاني عشر بغير اختياره، مثل أن يكون قد ارتحل وركب، ولكن تأخر بسبب زحام السيارات فلا يلزمه التأخر على الصحيح (٣) (٤).\n_________\n(١) رمي الجمرات وما يتعلق به من أحكام، للدكتور شرف الشريف، ص ١٣٢، ١٣٥.\n(٢) أخرجه مالك في الموطأ، ١/ ٤٠٧، والبيهقي، ٥/ ١٥٢، وقال عبد القادر الأرنؤوط: «إسناده صحيح». انظر: جامع الأصول، ٣/ ٢٨٢.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٥٠، ١٧٤، ١٧/ ٣٧٠، ٣٨٧.\n(٤) وقال الشنقيطي ﵀ في الأضواء، ٥/ ٣١٢: «والأظهر عندي أنه لو ارتحل من منى فغربت عليه الشمس، وهو سائر في منى لم يخرج منها: أنه يلزمه المبيت والرمي؛ لأنه يصدق عليه أنه غربت عليه الشمس في منى فلم يتعجل منها في يومين خلافًا للمشهور من مذهب الشافعي، القائل: بأنه يستمر في نفره، ولا يلزمه المبيت والرمي.\nوالأظهر عندي أيضًا أنه لو غربت عليه الشمس وهو في شغل الارتحال أنه يبيت، ويرمي، خلافًا لمن قال يجوز له الخروج منها بعد الغروب؛ لأنها غربت وهو مشتغل بالرحيل، وهما وجهان مشهوران عند الشافعي والعلم عند الله تعالى».","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>سابعًا: بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر من أيام التشريق بعد الزوال، إن شاء الحاج تعجَّل </span>وطاف طواف الوداع ثم ذهب إلى بلاده، وإن شاء تأخَّر فبات بمنى ليلة الثالث عشر، ورمى الجمار بعد الزوال في اليوم الثالث عشر، وهذا هو الأفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (١)؛ ولأن النبي - ﷺ - أَذِنَ ورخَّص للناس بالتعجُّلِ، ولم يتعجَّل هو، بل بقي حتى رمى الجمرات الثلاث بعد الزوال من اليوم الثالث عشر، ثم نزل بالأبطح، وصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم رقد رقدة، ثم نهض إلى مكة؛ ليطوف طواف الوداع (٢).\nوصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٠٣.\n(٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب الحج، باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح، من حديث أنس - ﵁ -، برقم ١٧٦٣، ورقم ١٧٦٤.","vol":"1","page":64}]}