{"ً":{"ٌ":96494,"ٍ":"شرح العقيدة الواسطية - ابن وهف","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية في ضوء الكتاب والسُّنَّة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٦٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":1,"ٖ":1770154052,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة:","level":1,"page":2},{"title":"المبحث الأول: تعريف الفرقة الناجية: (أهل السنة والجماعة)","level":1,"page":5},{"title":"المبحث الثاني: أركان الإيمان عند الفرقة الناجية","level":1,"page":6},{"title":"أولا: الإيمان بالله تعالى","level":2,"page":6},{"title":"ثانيا: الإيمان بالملائكة","level":2,"page":6},{"title":"ثالثا: الإيمان بالكتب","level":2,"page":6},{"title":"رابعا: الإيمان بالرسل","level":2,"page":7},{"title":"خامسا الإيمان بالبعث بعد الموت","level":2,"page":7},{"title":"سادسا: الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى","level":2,"page":8},{"title":"المبحث الثالث: مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى إجمالا","level":1,"page":9},{"title":"أولا: التحريف","level":2,"page":9},{"title":"ثانيا: التعطيل","level":2,"page":9},{"title":"أنواع التعطيل","level":3,"page":9},{"title":"ثالثا: التكييف","level":2,"page":10},{"title":"رابعا: التمثيل","level":2,"page":10},{"title":"المبحث الرابع: الإلحاد في أسماء الله وصفاته:","level":1,"page":12},{"title":"المبحث الخامس: طريقة أهل السنة والجماعة في النفي والإثبات","level":1,"page":13},{"title":"المبحث السادس: مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته تفصيلا","level":1,"page":15},{"title":"المبحث السابع: آيات الصفات وأحاديثها","level":1,"page":16},{"title":"١ - صفة العزة","level":2,"page":16},{"title":"٢ - صفة الإحاطة","level":2,"page":17},{"title":"٣ - صفة العلم","level":2,"page":17},{"title":"٤ - صفة الحكمة","level":2,"page":17},{"title":"٥ - صفة الخبرة","level":2,"page":17},{"title":"٦ - صفة الرزق","level":2,"page":17},{"title":"٧ - والقوة","level":2,"page":17},{"title":"٨ - والمتانة","level":2,"page":17},{"title":"٩ - صفة السمع","level":2,"page":18},{"title":"١٠ - صفة البصر","level":2,"page":18},{"title":"١١ - صفة الإرادة","level":2,"page":19},{"title":"١٢ - والمشيئة","level":2,"page":19},{"title":"١٣ - صفة المحبة","level":2,"page":20},{"title":"١٤ - والمودة","level":2,"page":20},{"title":"١٥ - صفة الرحمة","level":2,"page":20},{"title":"١٦ - والمغفرة","level":2,"page":20},{"title":"١٧ - صفة الرضى","level":2,"page":20},{"title":"١٨ - والغضب","level":2,"page":20},{"title":"١٩ - والسخط","level":2,"page":20},{"title":"٢٠ - واللعن","level":2,"page":20},{"title":"٢١ - والكراهية","level":2,"page":20},{"title":"٢٢ - والأسف","level":2,"page":20},{"title":"٢٣ - والمقت","level":2,"page":20},{"title":"٢٤ - مجيء الله","level":2,"page":21},{"title":"٢٥ - وإتيانه","level":2,"page":21},{"title":"٢٦ - صفة الوجه","level":2,"page":22},{"title":"٢٧ - واليدين","level":2,"page":22},{"title":"٢٨ - والعينين","level":2,"page":22},{"title":"٢٩ - صفة المكر","level":2,"page":22},{"title":"٣٠ - والكيد","level":2,"page":22},{"title":"٣١ - صفة العفو","level":2,"page":23},{"title":"٣٢ - والمغفرة","level":2,"page":23},{"title":"٣٣ - والعزة","level":2,"page":23},{"title":"٣٤ - والقدرة","level":2,"page":23},{"title":"٣٥ - صفة الاستواء","level":2,"page":24},{"title":"٣٦ - والعلو","level":2,"page":24},{"title":"٣٧ - صفة المعية لله تعالى","level":2,"page":24},{"title":"المعية معيتان:","level":3,"page":25},{"title":"١ - معية الله لجميع المخلوقات","level":4,"page":25},{"title":"٢ - معية خاصة لأهل الإيمان","level":4,"page":25},{"title":"٣٨ - صفة الكلام","level":2,"page":25},{"title":"٣٩ - رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة","level":2,"page":27},{"title":"٤٠ - نزول الله إلى السماء الدنيا كل ليلة","level":2,"page":28},{"title":"٤١ - صفة الفرح","level":2,"page":28},{"title":"٤٢ - صفة الضحك","level":2,"page":29},{"title":"٤٣ - صفة العجب","level":2,"page":29},{"title":"٤٤ - صفة قدم الرحمن","level":2,"page":30},{"title":"الصفات تنقسم إلى فعلية وذاتية","level":3,"page":30},{"title":"القسم الأول","level":4,"page":30},{"title":"القسم الثاني","level":4,"page":30},{"title":"قد تكون الصفات ذاتية فعلية باعتبارين","level":3,"page":30},{"title":"المبحث الثامن: وسطية أهل السنة والجماعة","level":1,"page":32},{"title":"أولا: توسط أهل السنة بين فرق الضلال في باب صفات الله تعالى","level":2,"page":32},{"title":"ثانيا: توسط أهل السنة في باب أفعال العباد بين الجبرية والقدرية","level":2,"page":32},{"title":"ثالثا: أهل السنة وسط في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية","level":2,"page":33},{"title":"رابعا: أهل السنة وسط في باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية، والمعتزلة، وبين المرجئة، والجهمية","level":2,"page":34},{"title":"١ - الحرورية","level":3,"page":35},{"title":"٢ - المعتزلة","level":3,"page":35},{"title":"٣ المرجئة","level":3,"page":35},{"title":"٤ - الجهمية","level":3,"page":36},{"title":"٥ أهل السنة والجماعة","level":3,"page":36},{"title":"خامسا: أهل السنة وسط في أصحاب رسول الله - ﷺ - بين الرافضة والخوارج والنواصب","level":2,"page":37},{"title":"المبحث التاسع: الإيمان باليوم الآخر","level":1,"page":38},{"title":"أولا: الإيمان بفتنة القبر","level":2,"page":38},{"title":"ثانيا: نعيم القبر وعذابه","level":2,"page":38},{"title":"ثالثا: القيامة الكبرى","level":2,"page":39},{"title":"رابعا: الميزان","level":2,"page":39},{"title":"خامسا: الدواوين وتطاير الصحف","level":2,"page":39},{"title":"سادسا: الحساب","level":2,"page":40},{"title":"سابعا: الحوض المورود","level":2,"page":41},{"title":"ثامنا: الصراط وبعده القنطرة بين الجنة والنار","level":2,"page":42},{"title":"تاسعا: الشفاعة","level":2,"page":42},{"title":"١ - الشفاعة العظمى","level":3,"page":42},{"title":"٢ - شفاعته - ﷺ - في أهل الجنة أن يدخلوها","level":3,"page":42},{"title":"٣ - شفاعته - ﷺ -، والنبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وغيرهم فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها","level":3,"page":43},{"title":"عاشرا: الجنة والنار","level":2,"page":45},{"title":"المبحث العاشر: القدر ومراتبه","level":1,"page":46},{"title":"المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم بما الخلق عاملون به بعلمه الأزلي الأبد","level":2,"page":46},{"title":"المرتبة الثانية: كتابة الله لجميع الأشياء في اللوح المحفوظ","level":2,"page":46},{"title":"المرتبة الثالثة: المشيئة النافذة التي لا يردها شيء","level":2,"page":47},{"title":"المرتبة الرابعة: الخلق كله لله تعالى","level":2,"page":47},{"title":"الإيمان بكتابة المقادير يدخل فيه خمسة تقادير","level":3,"page":47},{"title":"أقلام المقادير التي دلت عليها السنة","level":3,"page":49},{"title":"المبحث الحادي عشر: مذهب أهل السنة في الإيمان والدين","level":1,"page":51},{"title":"الظالم لنفسه","level":2,"page":52},{"title":"المقتصد","level":2,"page":52},{"title":"السابق بالخيرات","level":2,"page":52},{"title":"المبحث الثاني عشر: مذهب أهل السنة في أصحاب رسول الله - ﷺ - وأزواجه وأهل بيته","level":1,"page":54},{"title":"المبحث الثالث عشر: مذهب أهل السنة والجماعة في كرامات الأولياء","level":1,"page":57},{"title":"المبحث الرابع عشر: طريقة أهل السنة الاتباع","level":1,"page":59},{"title":"المبحث الخامس عشر: أصول أهل السنة التي يزنون بها جميع ما عليه الناس","level":1,"page":60},{"title":"١ - كتاب الله - ﷿ -","level":2,"page":60},{"title":"٢ - سنة الرسول - ﷺ -","level":2,"page":60},{"title":"٣ - إجماع الصدر الأول","level":2,"page":60},{"title":"المبحث السادس عشر: من أخلاق أهل السنة والجماعة","level":1,"page":61},{"title":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":2,"page":61},{"title":"ومن مكارم أخلاق أهل السنة","level":2,"page":61},{"title":"المؤمن للمؤمن كالبنيان","level":2,"page":62}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62},"ٜ":{"1":[3,63]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2],"6":[3,4,5,6],"7":[7,8],"8":[9],"9":[10,11,12,13],"10":[14,15],"12":[16],"13":[17],"15":[18],"16":[19,20],"17":[21,22,23,24,25,26,27],"18":[28,29],"19":[30,31],"20":[32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42],"21":[43,44],"22":[45,46,47,48,49],"23":[50,51,52,53],"24":[54,55,56],"25":[57,58,59,60],"27":[61],"28":[62,63],"29":[64,65],"30":[66,67,68,69,70],"32":[71,72,73],"33":[74],"34":[75],"35":[76,77,78],"36":[79,80],"37":[81],"38":[82,83,84],"39":[85,86,87],"40":[88],"41":[89],"42":[90,91,92,93],"43":[94],"45":[95],"46":[96,97,98],"47":[99,100,101],"49":[102],"51":[103],"52":[104,105,106],"54":[107],"57":[108],"59":[109],"60":[110,111,112,113],"61":[114,115,116],"62":[117]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح العقيدة الواسطية\nلشيخ الإسلام ابن تيمية\nفي ضوء الكتاب والسُّنَّة\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\n\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:\nفإن العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عقيدة أهل السنة والجماعة.\nومن أسباب كتابته لها رحمه الله تعالى وتسميتها بالواسطية: أن القاضي الواسطي عندما قدم لموسم الحج من بلدته واسط طلب من شيخ الإسلام أن يكتب له عقيدته السلفية؛ فكتبها ﵀ في جلسة واحدة بعد صلاة العصر، وهذا دليل واضح على سعة علمه ﵀ وما أعطاه الله من القدرة والموهبة العلمية الباهرة، ولا يستغرب ذلك؛ فإن فضل الله يؤتيه من يشاء ويحرمه من يشاء فنسأل الله العلي العظيم من فضله، وكرمه.\nوعندما عرفت ما للعقيدة الواسطية من الأهمية البالغة أحببت أن أقوم بشرح مختصر لهذه العقيدة وأسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه","vol":"1","page":3},{"text":"الكريم.\nلا شك أن العلماء قد قاموا بجهد كبير نحو هذه العقيدة بالحفظ، والتدريس، والتعليق، والشرح، ومما عرفته من الشروح لهذه العقيدة: الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية للشيخ زيد بن فياض، والكواشف الجلية عن معاني العقيدة الواسطية للشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان، والأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية للشيخ عبد العزيز بن محمد أيضًا. وشرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل الهراس، والتعليقات المفيدة على العقيدة الواسطية للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الشريف. وهذه الشروح جيدة قد بسطت معاني هذه العقيدة، وهذا الشرح المختصر الذي قمت به قد عملت فيه كالآتي:\nخرَّجت الأحاديث وعزوتها إلى مصادرها الأصلية، وربما اكتفيت بالإشارة إلى مصدر الحديث بدون نصِّه. وعزوت الآيات إلى سورها مرقَّمة. ووضعت لكل موضوع عنوانًا مناسبًا على النحو الآتي: تعريف الفرقة الناجية، أركان الإيمان عند الفرقة الناجية، مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى، طريقة أهل السنة في النفي والإثبات، ومذهبهم في أسماء الله وصفاته وآيات الصفات وأحاديثها، وجعلت لكل صفة عنوانًا، وربما جعلت عنوانًا يضم صفات وليس ذلك للحصر بل لذكر الصفات التي ذكرها المؤلف ﵀، وذكر المؤلف آيات كثيرة وأحاديث كذلك فاكتفيت بالدليل لكل صفة بآية أو حديث وحذفت الباقي للرغبة في الاختصار، ثم ذكرت توسط أهل السنة في باب صفات","vol":"1","page":4},{"text":"الله تعالى بين الفرق الأخرى، وتوسطهم في باب أفعال العباد، وتوسطهم في باب وعيد الله، وتوسطهم في باب أسماء الإيمان والدين، وتوسطهم في صحابة رسول الله - ﷺ -، ثم الإيمان باليوم الآخر وما يتعلق به، ثم القدر ومراتبه الأربع، ثم مذهب أهل السنة في الإيمان والدين، وفي صحابة رسول الله - ﷺ -، وكرامات الأولياء، ثم آخر ذلك مكارم أخلاق أهل السنة والجماعة.\nوأسأل الله التوفيق لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.\nالمؤلف\nحرر في عام ١٤٠٧هـ","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: تعريف الفرقة الناجية: «أهل السنة والجماعة»</span>\nالفِرقة بكسر الفاء: الطائفة من الناس. ووصفت بأنها الناجية المنصورة إشارة إلى قوله - ﷺ -: «لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» (١).\nوأهل السنة والجماعة بدل من الفرقة، والمراد بالسنة: الطريقة التي كان عليها رسول الله - ﷺ - وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة.\nوالجماعة: في الأصل القوم المجتمعون، والمراد بهم في هذه العقيدة: سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وإن كان واحدًا قد ثبت على الحق الذي كانت عليه الجماعة المذكورة (٢). قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «الجماعة من وافق الحق وإن كنت وحدك» (٣).\nوعن عوف بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار. وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة. فإحدى وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقنَّ أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار» (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب رقم ٢٨، برقم ٣٦٤١، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم»، برقم ١٩٢٠، ١٩٢١، ١٠٣٧.\n(٢) انظر: الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية، لزيد بن فياض، ص ١٤، وشرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل الهراس، ص١٦.\n(٣) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم، ١/ ٧٠.\n(٤) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، برقم ٣٩٩٢، وللحديث شواهد أخرى عن أبي هريرة، وأخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب شرح السنة، برقم ٤٥٩٦، والترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، برقم ٢٦٤٠، والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم ٢٠٣، ١٤٩٢.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الثاني: أركان الإيمان عند الفرقة الناجية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أولًا: الإيمان بالله تعالى: </span>وهو الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه الخالق، الرازق، المحيي، المميت، وأنه المستحق للعبادة دون ما سواه، وأن يُفرد بالعبادة والذل، والخضوع وجميع أنواع العبادات، وأن الله هو المتصف بصفات الكمال والعظمة، والجلال، المنزَّه عن كل عيب ونقص (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>ثانيًا: الإيمان بالملائكة: </span>وهو الاعتقاد الجازم بأن لله ملائكة موجودون مخلوقون من نور، وهم كما وصفهم الله عباد مكرمون لا يعصون الله\nما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الله الليل والنهار لا يفترون، وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم الله بها كما تواترت بذلك النصوص من الكتاب والسنة، فكل حركة في السموات والأرض فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسموات والأرض امتثالًا لأمر الله - ﷿ -. فيجب الإيمان بمن سَمَّى الله منهم على وجه التفصيل، ومن لم يسمِّ منهم فيجب الإيمان به على وجه الإجمال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>ثالثًا: الإيمان بالكتب: </span>وهو التصديق الجازم بأن لله كتبًا أنزلها على أنبيائه ورسله، وهي من كلامه حقيقة، وأنها نور وهدى، وأن ما تضمنته حق، ولا يعلم عددها إلا الله، ويجب الإيمان بها جملة إلا ما سمَّى الله منها\n_________\n(١) الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية، ص١٥،والأجوبة الأصولية، ص١٦،والطحاوية، ص٣٣٥. والإيمان بالله تعالى يشمل أربعة أمور: ١ - الإيمان بوجوده سبحانه. ٢ - الإيمان بربوبيته. ٣ - الإيمان بألوهيته. ٤ - الإيمان بأسمائه وصفاته.\n(٢) الروضة الندية، ص١٦، والعقيدة الطحاوية، ص٣٥٠.","vol":"1","page":7},{"text":"فيجب الإيمان به على وجه التفصيل وهي: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، ويجب مع الإيمان بالقرآن وأنه من عند الله الإيمان بأن الله تكلم به كما تكلم بالكتب المنزَّلة، كما يجب مع هذا كله اتباع ما فيه من أوامر، واجتناب ما فيه من زواجر، وأنه مُهَيْمِن على الكتب السابقة، وأنه مخصوص من الله بالحفظ من التبديل والتغيير، فهو كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>رابعًا: الإيمان بالرسل: </span>وهو التصديق الجازم بأن الله أرسل رسلًا لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، واقتضت حكمته تعالى أن يرسلهم إلى خلقه مبشرين ومنذرين، فيجب الإيمان بهم جميعًا على وجه الإجمال، ويجب الإيمان بمن سمَّى الله منهم على وجه التفصيل وهم: خمسة وعشرون ذكرهم الله في القرآن الكريم، ويجب الإيمان بأن لله رسلًا غيرهم وأنبياء لا يُحصي عددهم إلا الله، ولا يعلم أسماءهم إلا هو جل وعلا كما يجب الإيمان بأن محمدًا - ﷺ - أفضلهم وخاتمهم، وأن رسالته عامة للثقلين ولا نبي بعده - ﷺ - (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>خامسًا: الإيمان بالبعث بعد الموت: </span>وهو الاعتقاد الجازم بأن هناك دارًا آخرة يجازي الله فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويغفر الله ما دون الشرك لمن يشاء.\nوالبعث شرعًا: هو إعادة الأبدان وإدخال الأرواح فيها، فيخرجون\n_________\n(١) الأجوبة الأصولية، ص١٦، و١٧.\n(٢) انظر: الكواشف الجلية عن معاني الواسطية، ص٦٦.","vol":"1","page":8},{"text":"من الأجداث كأنهم جراد منتشر أحياء مهطعين إلى الداعي، فنسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>سادسًا: الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى: </span>وهو التصديق الجازم بأن كل خير وشر هو بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها أزلًا قبل إيجادها ثم أوجدها بقدرته، ومشيئته على وِفْقِ ما علمه منها، وأنه كتبها في اللوح المحفوظ قبل إحداثها (٢).\nوالأدلة على هذه الأركان الستة من الكتاب والسنة كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ... الآية (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤)، وقوله - ﷺ - في حديث جبريل. «... أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٥).\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق.\n(٢) شرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل الهراس، ص١٩.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.\n(٤) سورة القمر، الآية: ٤٩.\n(٥) أخرجه البخاري بلفظ قريب في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، برقم ٥٠، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله - ﷾ -، برقم ٨ - ١٠، واللفظ له.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الثالث: مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى إجمالًا</span>\nأهل السنة والجماعة يثبتون صفات الله تعالى: بلا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تكييف، ويمرُّونها كما جاءت مع الإيمان بمعانيها وما تدل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>أولًا: التحريف: </span>هو لغة التغيير والتبديل. واصطلاحًا. تغيير ألفاظ الأسماء الحسنى والصفات العلا أو معانيها. وهو ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: تحريف اللفظ بزيادة، أو نقص، أو تغيير شكل وذلك كقول الجهمية ومن تبعهم في استوى: استولى. بزيادة اللام. وكقول اليهود: حنطة لَمّا قيل لهم: قولوا حطة، وكقول بعض المبتدعة بنصب لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١).\nوالقسم الثاني: تحريف المعنى وهو إبقاء اللفظ على حاله وتغيير معناه وذلك كتفسير بعض المبتدعة: الغضب بإرادة الانتقام، والرحمة بإرادة الإنعام، واليد بالنعمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>ثانيًا: التعطيل: </span>هو لغة: الترك. والمراد به نفي الصفات الإلهية عن الله تعالى وإنكار قيامها بذاته تعالى أو إنكار بعضها. فيكون الفرق بين التحريف والتعطيل هو أن التعطيل نفي للمعنى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، والتحريف: هو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>أنواع التعطيل</span>\nالتعطيل أنواع:\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٦٤.","vol":"1","page":10},{"text":"١ - تعطيل الله عن كماله المقدس، وذلك بتعطيل أسمائه وصفاته أو تعطيل شيء من ذلك كما فعلت الجهمية والمعتزلة.\n٢ - تعطيل الله بترك معاملته، وذلك بترك عبادته أو بعضها، أو عبادة غيره معه.\n٣ - تعطيل المخلوق عن خالقه، وذلك مثل قول القائلين: إن الطبيعة هي التي أوجدت الأشياء، وإنها تتصرف بطبيعتها. وكل محرف معطل، وليس كل معطل محرفًا. فمن أثبت المعنى الباطل، ونفى المعنى الحق، فهو محرِّف ومعطِّل. أما من نفى الصفات فهو معطل وليس بمحرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>ثالثًا: التكييف: </span>هو السؤال بكيف. والمراد به تعيين وتحديد كنه الصفة بحيث يجعل لها كيفية معلومة، وليس المراد بنفي الكيفية تفويض المعنى المراد من الصفات؛ بل المعنى معلوم من لغة العرب، وهذا مذهب السلف كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى حينما سئل عن كيفية الاستواء فقال رحمه الله تعالى: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (١). فكل صفة من صفات الله تعالى تدل على معنى حقيقي ثابت نؤمن به ونثبته لله، ولكننا لا نعرف كيفيتها، وهيئتها وصورتها. فالواجب إثبات الصفات حقيقة ومعنى، وتفويض الكيفية بخلاف الواقفة الذين يفوضون معانيها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>رابعًا: التمثيل: </span>هو بمعنى التشبيه بحيث يُجعل لله شبيهٌ في صفاته الذاتية أو الفعلية، وهو قسمان:\n_________\n(١) فتاوى ابن تيمية، ٥/ ١٤٤.","vol":"1","page":11},{"text":"أ - تشبيه المخلوق بالخالق، كما شبهت النصارى المسيح بن مريم بالله تعالى، وكما شبهت اليهود عزيرًا بالله. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nب - تشبيه الخالق بالمخلوق، كما فعلت المشبهة الذين يقولون: له وجه كوجه المخلوق، ويد كيد المخلوق، وسمع كسمع المخلوق، ونحو ذلك من التشبيه الباطل تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا (١) (٢).\n_________\n(١) الكواشف الجلية عن معاني الواسطية، ص٨٦.\n(٢) قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «وهناك تشبيه ثالث وهو تشبيه الخالق بالمعدومات، والمستحيلات، والناقصات، أو الجمادات، وهذا الذي وقع فيه الجهمية والمعتزلة».","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الرابع: الإلحاد في أسماء الله وصفاته:</span>\nالإلحاد في أسماء الله تعالى: هو العدول بها وبحقائقها، ومعانيها عن الحق الثابت لها. والإلحاد إما أن يكون بجحدها أو إنكارها بالكلية، وإما بجحد معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويل الفاسد، وإما بجعلها أسماء لبعض المبتدعات كإلحاد أهل الاتحاد، فيدخل في الإلحاد: التحريف، والتعطيل، والتكييف، والتمثيل، والتشبيه (١).\n_________\n(١) انظر: الأجوبة الأصولية، ص٣٢، وشرح العقيدة الواسطية للهراس، ص٢٤.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الخامس: طريقة أهل السنة والجماعة في النفي والإثبات</span>\nأهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الله لنفسه مفصلًا على حد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله - ﷺ - من جميع الأسماء والصفات أثبتوه لله على الوجه اللائق به تعالى. وأهل السنة والجماعة ينفون ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - نفيًا إجماليًا غالبًا على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١).\nوالنفي يقتضي إثبات ما يضاده من الكمال فكل ما نفى الله عن نفسه من النقائص ومشاركة أحد من خلقه في شيء من خصائصه فإنها تدل على ضدها من أنواع الكمال. وجمع الله النفي والإثبات في آية واحدة - أعني النفي الإجمالي والإثبات المفصل - وهي قوله - ﷾ -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فهذه الآية تضمنت تنزيه الله عن مشابهة خلقه لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وفي أول هذه الآية رد على المشبهة وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وفي آخرها رد على المعطلة وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، وفي أول هذه الآية نفي مجمل، وفي آخرها إثبات مفصّل، وفيها رد على الأشاعرة الذين يقولون ببعض الصفات وينفون البعض الآخر، وفيها رد على المعتزلة الذين يقولون سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر (٢). وقد ساق المؤلف رحمه الله تعالى (٣) الآية السابقة، وسورة الإخلاص، وآية الكرسي لتضمن\n_________\n(١) سورة الشورى، الآية: ١١.\n(٢) الأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، ص٢٦.\n(٣) شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية.","vol":"1","page":14},{"text":"هذه السورة - وما ذكر معها من الآيات - النفي والإثبات (١)، فسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن كما بين ذلك رسول الله - ﷺ - (٢)، وذكر العلماء من تفسير ذلك أن القرآن أنزل على ثلاثة أنواع: توحيد، وقصص، وأحكام. وهذه السورة تدل على التوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات؛ لذا قيل إنها تعدل ثلث القرآن (٣).\nوآية الكرسي آية عظيمة، وهي أعظم آية في كتاب الله تعالى (٤)، وما ذلك إلا لما اشتملت عليه من الأسماء الحسنى والصفات العلا، فقد اجتمع فيها ما لم يجتمع في غيرها، فآية احتوت على هذه المعاني العظيمة يحق أن تكون أعظم آية في كتاب الله تعالى (٥).\n_________\n(١) الروضة الندية، ص١٢٠، وشرح العقيدة الواسطية للهراس، ص٣١.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب فضل ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، برقم ٥٠١٥، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، برقم ٨١١.\n(٣) شرح العقيدة الواسطية للهراس، ص٢١.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، برقم ٨١٠، وأبو داود في كتاب الوتر، باب ما جاء في آية الكرسي، برقم ١٤٦٠، وأحمد في المسند،\n٥/ ١٤٢.\n(٥) الأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، ص٤٠.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث السادس: مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته تفصيلًا</span>\nأهل السنة مذهبهم مذهب سلف هذه الأمة رحمهم الله تعالى، وهو أنهم يؤمنون بكل ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه، وبكل ما أخبر به عنه رسوله - ﷺ - إيمانًا سالمًا من التحريف والتعطيل، ومن التكييف والتمثيل، ويجعلون الكلام في صفات الله وذاته بابًا واحدًا فالقول في الصفات كالقول في الذات، فإن كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات. فيجب عندهم الإيمان بأسماء الله وصفاته التي ثبتت بالكتاب والسنة الصحيحة أو بأحدهما ويجب أن تُمرّ كما جاءت بلا تكييف مع الإيمان بما دلّت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف لله - ﷿ - يجب وصفه بها على الوجه اللائق به بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل (١).\nوأهل السنة والجماعة لا يقيسون الله بخلقه، فلا يجوز عندهم استعمال الأقيسة التي تقتضي المماثلة، والمساواة بين المقيس والمقيس عليه في الشؤون الإلهية، فلا يستخدمون قياس التمثيل، ولا قياس الشمول في حق الله تعالى. إنما يستخدمون في حقه سبحانه قياس الأَوْلى. ومضمون هذا القياس أن كل كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالخالق به أولى، وكل نقص تنزّه عنه المخلوق فالخالق أحقّ بالتنزيه عنه.\n_________\n(١) انظر العقيدة الصحيحة وما يضادها، للشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀، ص٧، ط الإفتاء، وشرح العقيدة الواسطية للهراس، ص٢٥ ..","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث السابع: آيات الصفات وأحاديثها</span>\nبعد أن ذكر المؤلف رحمه الله تعالى (١) عقيدة الفرقة الناجية إجمالًا: من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، شرع في ذلك على وجه التفصيل، فذكر ﵀ أن من الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله - ﷺ - من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.\nثم ذكر ﵀ جملة من الآيات، وجملة من الأحاديث الصحيحة التي أثبت فيها رسول الله - ﷺ - صفات الله - ﷿ - على الوجه اللائق به تعالى. وأراد المؤلف بهذا الإثبات أنه لا طريق لمعرفة الإنسان المسلم صفات ربه العلا، وأسمائه الحسنى إلا عن طريق الوحي. وأسماء الله وصفاته توقيفية فما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله - ﷺ - أثبتناه، وما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - نفيناه. وحسبنا ما جاء في هذا القرآن وصحيح السنة.\nومما ذكر ﵀ ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>١ - صفة العزة: </span>قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، فسبح الله نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب.\n_________\n(١) شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية.\n(٢) سورة الصافات، الآيات: ١٨٠ - ١٨١.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>٢ - صفة الإحاطة: </span>قال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، وقد فسر ذلك رسول الله - ﷺ - بقوله: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» (٢)، وهذا يدل على الإحاطة الزمانية ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ ويدل على الإحاطة المكانية قوله تعالى: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٣ - صفة العلم</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-23> ٤ - صفة الحكمة</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-24> ٥ - صفة الخبرة: </span>قال الله تعالى:\n﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٤)، وعلم الله تعالى من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله، فهو قد أحاط بكل شيء علمًا جملة وتفصيلًا. والله تعالى له الحكم في الدنيا والآخرة، وهو سبحانه إذا أحكم شيئًا لا يتطرّق إليه الفساد فقد أحكم هذا الخلق وأوجده وهو سبحانه الحكيم العليم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٦ - صفة الرزق</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-26> ٧ - والقوة</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-27> ٨ - والمتانة: </span>قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٦)، والرزاق هو كثير الرزق واسعه كما تدل\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية: ٣.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم ٢٧١٣، وانظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس، ص٤٢.\n(٣) سورة يوسف، الآية: ١٠٠.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٨.\n(٥) انظر الأجوبة الأصولية، ص٤٢.\n(٦) سورة الذاريات، الآية: ٥٨.","vol":"1","page":18},{"text":"عليه صيغة المبالغة، وكل ما في الكون من رزق فهو من الله تعالى. والرزق رزقان:\nرزق يستمر نفعه في الدنيا والآخرة، وهو رزق القلوب، الذي هو العلم والإيمان والرزق الحلال.\nوالرزق الثاني وهو الرزق العام لسائر الخلق برَّهم وفاجرهم والبهائم وغيرها. والله تعالى موصوف بالقوة، والقوي شديد القوة، فَعُلِمَ أن القوي من أسمائه ومعناه الموصوف بالقوة. والمتين البالغ في القوة والقدرة نهايتهما (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>٩ - صفة السمع</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-29> ١٠ - صفة البصر: </span>قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٢)، من صفات الله الذاتية: السمع والبصر. فله تعالى سمع وبصر يليق بجلاله لا كسمع خلقه ولا بصرهم، بل قد أحاط سمعه بجميع المسموعات، وهو يشاهد، ويرى كل شيء وإن خفي ظاهرًا وباطنًا (٣) وقد قال الشاعر:\nيا من يرى مدَّ البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل\nويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخَّ في تلك العظام النحَّل\nامننْ عليَّ بتوبةٍ تمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأوّل\n_________\n(١) الروضة الندية، ص٧٤.\n(٢) سورة الشورى، الآية: ١١.\n(٣) انظر: الروضة الندية، ص٧٤، وص١١٢.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>١١ - صفة الإرادة</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-31> ١٢ - والمشيئة: </span>قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢)، والإرادة نوعان:\n١ - إرادة كونية ترادفها المشيئة وهما تتعلقان بكل ما يشاء الله فعله وإحداثه، فهو سبحانه إذا أراد شيئًا وشاءه كان عقب إرادته له كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\n٢ - إرادة شرعية تتعلق بما أمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤).\nالفرق بين الإرادتين:\nالإرادة الكونية القدرية عامة تشمل جميع الحوادث وكل ما يقع في هذا الكون من خير وشر، وكفر، وإيمان، وطاعة ومعصية. أما الإرادة الدينية الشرعية فتختص بما يحبه الله ويرضاه مما جاء في الكتاب والسنة. فتجتمعان في حق المطيع وتنفرد الكونية القدرية في حق العاصي\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٣.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.\n(٣) سورة يس، الآية: ٨٢.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.","vol":"1","page":20},{"text":"والكافر. ومعنى ذلك أن طاعة المطيع أرادها الله دينًا، وشرعًا، وكونًا، وقدرًا. أما كفر الكافر فأراده الله كونًا وقدرًا، ولم يرده دينًا وشرعًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>١٣ - صفة المحبة</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-33> ١٤ - والمودة: </span>قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، ومحبة الله تليق بجلاله كما تقدم، وهي من الصفات الفعلية وسببها امتثال ما أمر الله به من الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله. وكذلك صفة المودة لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (٣)، والود صفاء المحبة وخالصها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>١٥ - صفة الرحمة</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-35> ١٦ - والمغفرة: </span>قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (٤)،وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥) في الآية الأولى أثبت الله لنفسه صفة الرحمة، وفي الآية الثانية أثبت سبحانه لنفسه صفة المغفرة، ونحن نثبت ما أثبت الله لنفسه على الوجه اللائق به - ﷾ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>١٧ - صفة الرضى</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-37> ١٨ - والغضب</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-38> ١٩ - والسخط</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-39> ٢٠ - واللعن</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-40> ٢١ - والكراهية</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-41> ٢٢ - والأسف</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-42> ٢٣ - والمقت: </span>قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا\n_________\n(١) العقيدة الطحاوية، ص١١٦، وشرح الواسطية للهراس، ص٥٢، والأجوبة الأصولية، ص٤٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٥.\n(٣) سورة البروج، الآية: ١٤.\n(٤) سورة غافر، الآية: ٧.\n(٥) سورة يونس، الآية: ١٠٧.\n(٦) سورة البينة، الآية: ٨.","vol":"1","page":21},{"text":"فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ (١)،وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ الله وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِن كَرِهَ الله انبِعَاثَهُمْ﴾ (٥)، في هذه الآيات وصف الله نفسه بالغضب، والسخط، والرضى، واللعن، والكراهية، والأسف، والمقت. وهذه كلها من صفات الأفعال التي يفعلها جل وعلا متى شاء إذا شاء، فكما أثبت أهل السنة الصفات الذاتية لله كذلك أثبتوا أفعاله الاختيارية على ما يليق بجلاله - ﷾ - (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٢٤ - مجيء الله</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-44> ٢٥ - وإتيانه: </span>قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ (٧)، وقال تعالى:\n﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٨). في هذه الآيات التي ذكر المؤلف وفي غيرها إثبات صفة المجيء، وصفة الإتيان، والنزول على ما يليق بالله تعالى. وهذه الأفعال الاختيارية المتعلقة بالمشيئة والقدرة.\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٩٣.\n(٢) سورة محمد، الآية: ٢٨.\n(٣) سورة الزخرف، الآية: ٥٥.\n(٤) سورة الصف، الآية: ٣.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ٤٦.\n(٦) انظر: الكواشف الجلية، ص٢١٠، والروضة الندية، ص٩٤.\n(٧) سورة البقرة، الآية: ٢١٠.\n(٨) سورة الفجر، الآيتان: ٢١ - ٢٢.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>٢٦ - صفة الوجه</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-46> ٢٧ - واليدين</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-47> ٢٨ - والعينين: </span>قال الله تعالى:\n﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣)، في هذه الآيات إثبات صفة الوجه، واليدين، والعينين لله تعالى على ما يليق به. ويدل على صفة العينين من السنة قوله - ﷺ -: «إن ربكم ليس بأعور» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٢٩ - صفة المكر</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-49> ٣٠ - والكيد: </span>قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله وَالله خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ\nكَيْدًا﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٧)، أثبت الله لنفسه هذه الصفات المذكورة في الآيات. وهي: المكر، والكيد، والمماحلة، وهذه صفات فعلية تثبت لله كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يجوز أن يشتق له من هذه الصفات الفعلية اسم، فلا يُقال: من أسمائه الماكر، ولا الكائد؛ لأن ذلك لم يرد، بل نقف عندما ورد من أنه سبحانه خير الماكرين، وأنه يكيد لأعدائه الكافرين. فوصف الله نفسه بالمكر، والكيد على وجه الجزاء\n_________\n(١) سورة الرحمن، الآية: ٢٧.\n(٢) سورة الطور، الآية: ٤٨.\n(٣) سورة ص، الآية: ٤٥.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي، برقم ٣٠٥٧، ومسلم في كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، برقم ١٦٩/ ٢٧٤.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ٥٤.\n(٦) سورة الطارق، الآيتان: ١٥ - ١٦.\n(٧) سورة الرعد، الآية: ١٣.","vol":"1","page":23},{"text":"والمقابلة، نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ (١)، وقيل على بابه: وهو إيصال المكر والكيد لمن يستحقه عقوبة له: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل﴾ (٢)، والله تعالى أطلق على نفسه أفعالًا لم يتسمَّ فيها بأسماء الفاعل: كأراد، وشاء، وأحدث، ولم يُسمَّ بالمريد، والشائي، والمُحدث، كما لم يُسمِّ نفسَه بالصانع، والفاعل، والمتقن، وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه، فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء. ولكن ما أثبته الله لنفسه أثبتناه، كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (٣)، وكقوله: ﴿صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٣١ - صفة العفو</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-51> ٣٢ - والمغفرة</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-52> ٣٣ - والعزة</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-53> ٣٤ - والقدرة: </span>قال الله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٧)، ففي هذه الآيات أثبت الله لنفسه صفة العفو، وصفة المغفرة، وصفة العزة، وصفة القدرة فنحن نثبتها لله على الوجه اللائق به تعالى لا يشبه في ذلك شيئًا من خلقه» (٨).\n_________\n(١) سورة الشورى، الآية: ٤٠.\n(٢) سورة الفيل، الآيتان: ١ - ٢.\n(٣) سورة البروج، الآية: ١٦.\n(٤) سورة النمل، الآية: ٨٨.\n(٥) سورة النساء، الآية: ١٤٩.\n(٦) سورة المنافقون، الآية: ٨.\n(٧) سورة النور، الآية: ٢٢.\n(٨) الروضة الندية، ص١١٥، والكواشف الجلية، ص٢٦٧، ومختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم، ٢/ ٣١ - ٣٥.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>٣٥ - صفة الاستواء</span>،<span data-type=\"title\" id=toc-55> ٣٦ - والعلو:</span>\nقال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١)، ذكر الله ذلك في سبعة مواضع من كتابه، فنحن نثبت ما أثبته الله لنفسه فنقول: إنه استوى حقيقة استواء يليق بجلاله، فالاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة (٢). وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣)، والعلوُّ وصفٌ ذاتيٌّ لله تعالى: فله العلوُّ المطلق: علوُّ الذاتِ وعلوُّ القدر، وعلوُّ القهر (٤)، وفي الحديث: «والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٣٧ - صفة المعيّة لله تعالى: </span>قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ\n_________\n(١) سورة طه، الآية: ٥٠.\n(٢) فتاوى ابن تيمية، ٥/ ١٤٤.\n(٣) سورة فاطر، الآية: ١٠.\n(٤) الروضة الندية، ص١٣١.\n(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، برقم ٣١٩١ عن عمران بن حصين أن رسول الله - ﷺ - قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء»، وعند أبي داود: «إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سمواته». أخرجه في كتاب السنة، باب في الجهمية والمعتزلة، برقم ٤٧٢٦، وعند الترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة هود من حديث أبي رزين، برقم ٣١٠٩: «كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء». وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن». وصححه الألباني في مختصر العلو للعلي الغفار، ص١٠٣.","vol":"1","page":25},{"text":"وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٢)، نجد في هذه الآيات أن الله تعالى أثبت لنفسه معيّةً، وهذه<span data-type=\"title\" id=toc-57> المعيّة معيّتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>١ - معيّة الله لجميع المخلوقات </span>ومقتضاها العلم، والإحاطة، والاطلاع، ودليل ذلك ما جاء في آية سورة الحديد السابقة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٢ - معيّة خاصة لأهل الإيمان </span>والتقوى ومقتضاها الحفظ، والعناية، والنصرة ... والمعيّة العامّة من الصفات الذاتية، والمعيّة الخاصّة من الصفات الفعلية. قال - ﷺ -: «إنّ أحدكم إذا قام في صلاته فإنّه يناجي ربه أو إنّ ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقنّ أحدكم قِبَلَ وجهه، [ولا عن يمينه] ولكن عن يساره أو تحت قدمه [وفي رواية] أو تحت قدمه اليسرى» (٣)، وقال - ﷺ -: «والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٣٨ - صفة الكلام </span>لله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية: ٤.\n(٢) سورة النحل، الآية: ١٢٨.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب حك البزاق باليد من المسجد، برقم ٤٠٥، وباب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، برقم ٤١٢، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، برقم ٥٥١.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، برقم ٢٧٠٤/ ٤٦.","vol":"1","page":26},{"text":"تَكْلِيمًا﴾ (١)، هذه الآية وغيرها من الآيات التي ذكرها المؤلف، وهي كثيرة جدًا، تدل على أن الله يتكلّم حقيقة على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه يتكلّم إذا شاء بما شاء متى شاء، فهو تعالى قد تكلّم بالقرآن، والكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والقرآن كلامه تعالى مُنَزَّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وإذا قرأ الناس القرآن أو كتبوه في المصاحف لم يخرجه ذلك عن أن يكون كلام الله؛ فإنّ الكلام إنّما يضاف إلى من قاله أولًا أي مبتدئًا لا إلى من بلّغه مؤديًا والله تكلم بحروفه، ومعانيه بلفظ نفسه سبحانه ليس شيء منه لغيره، فالله تعالى متكلّم بكلامٍ قديم النوع حادث الآحاد، وأنه لم يزل متكلّمًا بحرف وصوت بكلام يُسْمِعُه من شاء من خلقه وهو سبحانه يكلّم المؤمنين يوم القيامة ويكلّمونه، وكلامه قائم بذاته وهو صفة ذات وفعل فهو لم يزل ولا يزال متكلمًا إذا شاء على ما يليق بجلاله (٢)، وقد قال النبي - ﷺ -: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» (٣)، وقال - ﷺ -: يقول الله - ﷿ -: «يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، والخيرُ في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألفٍ تسعمائة وتسعةً وتسعين. قال: فذاك حين يشيب الصغير، وتضعُ كل ذات حملٍ حملها، وترى الناس\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٦٤.\n(٢) الروضة الندية، ١٤٦، والأجوبة الأصولية، ٩٣، وشرح الواسطية للهراس، ص٩٦.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب، برقم ٦٥٣٩، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، برقم ١٠١٦/ ٦٧.","vol":"1","page":27},{"text":"سُكارَى، وما هم بسُكارَى ولكن عذاب الله شديد ...» (١) الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٣٩ - رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة: </span>قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢)، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب آيات تدل على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة عِيانًا بأبصارهم على الوجه اللائق بالله تعالى، لا يشبه في ذلك شيء من خلقه، وقد وردت السنة بذلك أيضًا قال - ﷺ -: «إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ قال يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟، قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم - ﷿ -»، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٣) (٤)، وقد اتفق على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة: الأنبياء، والمرسلون، وجميع الصحابة، والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون. والمخالفون في ذلك: الجهمية، والمعتزلة، ومن تبعهم، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة (٥)، وقال النبي - ﷺ -: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلَبوا\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، برقم ٣٣٤٨، ومسلم في كتاب الإيمان، باب قوله: يقول الله لآدم أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، برقم ٢٢٢.\n(٢) سورة القيامة، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.\n(٣) سورة يونس، الآية: ٢٦.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم - ﷾ -، برقم ١٨١.\n(٥) الكواشف الجلية، ص٤٠١.","vol":"1","page":28},{"text":"على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وصلاةٍ قبل غروب الشمس فافعلوا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٤٠ - نزول الله إلى السماء الدنيا كل ليلة: </span>قال النبي - ﷺ -: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» (٢)، وهذا الحديث المتفق على صحته دليل صحيح صريح في إثبات نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، ونزوله تعالى يليق بجلاله، وعظمته، والنزول من الصفات الفعلية ينزل إذا شاء متى شاء فالنزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٤١ - صفة الفرح </span>لله تعالى: قال النبي - ﷺ -: «الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة» (٤)، وهذه الصفة من\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، برقم ٥٥٤، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، برقم ٦٣٣.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب أبواب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، برقم ١١٤٥، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، برقم ٧٥٨.\n(٣) شرح حديث النزول لابن تيمية ص٣٣ والروضة الندية ص١٧٢.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب التوبة (رقم ٦٣٠٩)، ومسلم في كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، برقم ٢٧٤٧/ ٨، وهذا لفظ البخاري بينما عند مسلم: «إذا استيقظ على بعيره»، ولفظ الحديث للبخاري. وانظر: الكواشف الجلية، ص٤٥٧، والروضة الندية، ص١٧٥.","vol":"1","page":29},{"text":"الصفات الفعلية وهي تليق بالله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٤٢ - صفة الضحك </span>لله تعالى: قال النبي - ﷺ -: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر: كلاهما يدخل الجنة»، فقالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «يقاتل هذا في سبيل الله - ﷿ - فَيُسْتَشْهَد ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيقاتل في سبيل الله - ﷿ - فيستشهد» (١)، في هذا الحديث دليل صحيح صريح على إثبات صفة الضحك لله على الوجه اللائق\nبجلاله تعالى، لا يشبه أحدًا من خلقه، وهذه الصفة من الصفات الفعلية التي يفعلها الله إذا شاء متى شاء كيف شاء على الوجه اللائق به سبحانه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٤٣ - صفة العجب: </span>قال - ﷺ -: «لقد عجب الله - ﷿ - أو ضحك من فلان وفلانة فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ\nخَصَاصَةٌ﴾» (٣)، وفي هذا الحديث الصحيح إثبات صفة العجب، وهي من الصفات الفعلية، فالله تعالى يعجب متى شاء إذا شاء على ما يليق بجلاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل، برقم ٢٨٢٦، ومسلم في كتاب الإمارة، باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، برقم ١٨٩٠.\n(٢) انظر الروضة الندية، ص١٧٥، والكواشف الجلية، ص٤٥٧.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾، برقم ٤٨٨٩، واللفظ له، ومسلم بلفظ مختلف في كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره، برقم ٢٠٥٤.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>٤٤ - صفة قَدَم الرحمن: </span>قال النبي - ﷺ -: «لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه -[وفي رواية] عليها قدمه - فينزوي بعضها إلى بعض فتقول قط قط» (١)، وفي هذا إثبات صفة قدم الرحمن على ما يليق بجلاله كما تقدم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الصفات تنقسم إلى فعلية وذاتية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>القسم الأول: </span>الصفات الذاتية: وهي التي لا تنفك عن الله تعالى، فهو لم يزل ولا يزال متصفًا بها: كالعلم، والحياة، والقدرة، والسمع، والبصر، والوجه، واليدين، والعينين، والرجل، والملك، والعظمة، والكبرياء، والعزة، والعلو، والإصبع، والقدم، والغنى، والرحمة، والكلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>القسم الثاني: </span>الصفات الفعلية: وهي التي تتعلق بالمشيئة والقدرة: كالاستواء، والنزول، والمجيء، والضحك، والرضى، والعجب، والسخط، والإتيان، والإحياء، والإماتة، والفرح، والغضب، والكره، والحب، فهذه صفات يقال لها قديمة النوع حادثة الآحاد، وهذه الصفات وغيرها تتعلق بالمشيئة إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>قد تكون الصفات ذاتية فعلية باعتبارين</span>\nكالكلام فإنّه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأنّه لم يزل ولا يزال متكلمًا،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه، برقم ٦٦٦١، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، برقم ٢٨٤٨.\n(٢) انظر مختصر الأجوبة الأصولية، ص١٠٣.\n(٣) انظر: مختصر الأجوبة الأصولية، ص٣٠.","vol":"1","page":31},{"text":"وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأنّ الكلام يتعلق بمشيئته يتكلم إذا شاء بما شاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ\nفَيَكُونُ﴾، وكل صفة تتعلق بمشيئة الله تعالى فإنّها تابعة لحكمته، وقد تكون الحكمة معلومةً لنا، وقد نعجز عن إدراكها، لكننا نعلم علم اليقين أنه سبحانه لا يشاء شيئًا إلا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١) (٢).\n_________\n(١) سورة الدهر، الآية: ٣٠.\n(٢) انظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، ص٢٤.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الثامن: وسطية أهل السنة والجماعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>أولًا: توسط أهل السنة بين فرق الضلال في باب صفات الله تعالى</span>\nالأمة الإسلامية وسط بين الملل، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١)، وأهل السنة وسط بين الفرق المنتسبة للإسلام. فهم وسط بين الجهمية الذين ينفون صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى، فعطَّلوا الله عن صفاته، فبذلك أطلق عليهم اسم أهل التعطيل، وبين أهل التمثيل وهم طائفة عارضت الجهمية، فأثبتوا الصفات لله غير أنهم جعلوها كصفات المخلوقين، فقالوا: يد كيد المخلوق، وسمع كسمع المخلوق. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nوأما أهل السنة والجماعة فيثبتون الصفات إثباتًا بلا تمثيل، وينزهون الله عن مشابهة المخلوقين تنزيهًا بلا تعطيل، فهم جمعوا بين التنزيه والإثبات. وقد ردّ الله على الطائفتين بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ على المشبِّهة. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ردٌّ على المعطِّلة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>ثانيًا: توسّط أهل السنة في باب أفعال العباد بين الجبرية والقدرية</span>\nوأهل السنة وسط في باب أفعال العباد بين الجبرية والقدرية وغيرهم. فالجبرية الذين هم الجهمية أتباع الجهم بن صفوان يقولون: إن العبد مجبورٌ على فعله وحركاته وأفعاله كلها كحركات المرتعش والعروق\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.\n(٢) الكواشف الجلية، ص٤٩٤، وشرح الواسطية للهراس، ص١٢٦.","vol":"1","page":33},{"text":"النابضة [وكالريشة في مهب الريح] والكل فعل الله.\nأما القدرية الذين هم المعتزلة أتباع معبد الجهني ومن وافقهم فقالوا: إنّ العبد هو الخالق لأفعاله دون مشيئة الله وقدرته، فأنكروا أن يكون الله هو الخالق لأفعال العباد، وقالوا: إنّ الله لم يُرِدْها ولم يشأْها. وهدى الله أهل السنة والجماعة لأن يكونوا وسطًا بين هاتين الفرقتين، فقالوا: إنّ الله تعالى هو خالق العباد وأفعالهم، والعباد فاعلون حقيقة ولهم قدرة على أعمالهم، والله خالقهم وخالق قدراتهم قال الله تعالى: ﴿وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وأثبتوا للعبد مشيئة واختيارًا تابعين لمشيئة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿لمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>ثالثًا: أهل السنة وسط في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية</span>\nالمرجئة: نسبة إلى الإرجاء وهو التأخير، وسُمُّوا بذلك لأنهم أخَّروا الأعمال عن الإيمان حيث قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فعندهم أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان غير مُعرَّض للوعيد، ومذهبهم باطل بالكتاب والسنة.\nوالوعيدية هم الذين قالوا: إنّ الله يجب عليه عقلًا أن يُعذِّب العاصي، كما يجب عليه أن يثيب الطائع، فمن مات على كبيرة ولم يتب منها فهو\n_________\n(١) سورة الصافات، الآية: ٩٦.\n(٢) سورة التكوير، الآيتان:٢٨ - ٢٩.","vol":"1","page":34},{"text":"خالد مُخلَّد في النار، وهذا أصل من أصول المعتزلة، وبه تقول الخوارج، قالوا: لأنَّ الله لا يخلف الميعاد. ومذهبهم باطل مخالف للكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لمَن\nيَشَاء﴾ (١).\nأما أهل السنة والجماعة فهم وسط في باب وعيد الله بين هاتين الطائفتين حيث قالوا: إنّ مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته أو مؤمن ناقص الإيمان، وإن مات ولم يتب فهو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه برحمته وفضله وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء عذبه بعدله بقدر ذنوبه في النار، ولكنه لا يخلد فيها بل يخرج بعد التطهير والتمحيص من الذنوب والمعاصي، ويدخل الجنة بشفاعة أو بفضل الله ورحمته، وكلٌّ من فضل الله تعالى. وقال أهل السنة: وإخلاف الوعيد كرم بخلاف إخلاف الوعد؛ فإنّه يمدح بإخلاف الوعيد بخلاف [إخلاف] الوعد.\nقال الشاعر:\nوإنِّي وإن أَوعدتُه أو وعدتُه ... لمخلفُ إيعادي ومنجزُ موعدي (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>رابعًا: أهل السُّنَّة وسط في باب أسماء الإيمان والدِّين بين الحرورية، والمعتزلة، وبين المرجئة، والجهمية</span>\nالمراد بالأسماء هنا أسماء الدِّين مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق. والمراد بالأحكام: أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(٢) انظر: الروضة الندية، ص٢٥٢، والكواشف، ص٥٠١.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>١ - الحرورية </span>طائفة من الخوارج نسبوا إلى حروراء، وهو موضع قريب من الكوفة اجتمعوا فيه حين خرجوا على علي - ﵁ - فعندهم أنَّه لا يُسمَّى مؤمنًا إلا من أدَّى الواجبات واجتنب الكبائر. ويقولون: إنّ الدين والإيمان قول، وعمل، واعتقاد. ولكنه لا يزيد ولا ينقص، فمن أتى كبيرة كفر في الدنيا وهو في الآخرة خالد مخلد في النار إن لم يتب قبل الموت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>٢ - المعتزلة </span>هم أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد سُمُّوا بذلك لمّا اعتزلوا مجلس الحسن البصري، وقيل غير ذلك. فعندهم أنه لا يُسمَّى مؤمنًا إلا من أدى الواجبات واجتنب الكبائر، ويقولون: إن الدين والإيمان قول وعمل واعتقاد، ولكنه لا يزيد ولا ينقص، فمن أتى كبيرة صار في منزلة بين المنزلتين - خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر - هذا حكمه عندهم في الدنيا،، وحكمه في الآخرة خالد مُخَلَّدٌ في النار. فوقع الخلاف بين الخوارج والمعتزلة في موضعين ووقع الاتفاق بينهم في موضعين. وقع الاتفاق بينهم في:\nأ - نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة.\nب - خلوده في النار مع الكفار.\nووقع الخلاف بينهم في:\nأ - الخوارج سَمُّوه كافرًا، والمعتزلة قالوا في منزلة بين المنزلتين.\nب - الخوارج استحلُّوا دمه وماله، والمعتزلة لم يفعلوا ذلك.\n\n٣ - المرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر","vol":"1","page":36},{"text":"طاعة، فهم يقولون: إن الإيمان مُجرَّد التصديق بالقلب. فمرتكب الكبيرة عندهم كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار. فعلى هذا يكون إيمان أفسق الناس كإيمان أكمل الناس.\n\n٤ - وكذا قال الجهمية. فالجهم قد ابتدع التعطيل، والجبر، والإرجاء كما قال الإمام ابن القيم ﵀، فمرتكب الكبيرة عند هؤلاء كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار.\n٥ - أما أهل السنة والجماعة فهداهم الله للحق، فقالوا: إنّ الإيمان قول باللِّسان، وعمل بالجوارح، واعتقاد بالقلب، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص من إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، فلا ينفون عنه الإيمان أصلًا كالخوارج والمعتزلة، ولا يقولون: بأنَّه كامل الإيمان كالمرجئة والجهمية. أما حكمهُ في الآخرة فهو تحت مشيئة الله إن شاء أدخله الجنة من أول مرَّة رحمة منه وفضلًا، وإن شاء عذبه بقدر معصيته عدلًا منه سبحانه ثم بعد التطهير يخرجه من النار ويدخله الجنة. هذا إن لم يأت بناقض من نواقض الإسلام، أو يستحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله.\nوحكم أهل السنة على عدم تخليد المؤمن في النار وسط كذلك بين الخوارج والمعتزلة لقولهم بخلوده في النار، وبين المرجئة والجهمية الذين قالوا لا يستحق على المعصية عقابًا (١).\n_________\n(١) انظر: الروضة الندية شرح الواسطية، ص٢٥٣، والكواشف الجلية، ص٥٠٢، وشرح الواسطية للهراس، ص١٣١، والتعليقات المفيدة على الواسطية، ص٤٩.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>خامسًا: أهل السنة وسط في أصحاب رسول الله - ﷺ - بين الرافضة والخوارج والنواصب</span>\nالرافضة هم طائفة من الشيعة غلوا في علي - ﵁ - وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثَّلاثة، وكفّروهم، ومن والاهم، وكفّروا من قاتل عليًا وقالوا: إنّ عليًا إمام معصوم، وسبب تسميتهم بهذا الاسم أنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين، حينما قالوا: تبرّأْ من الشيخين: أبي بكر وعمر، فقال: معاذ الله، وزيرا جدي، فرفضوه فسموا رافضة.\nوأما الزيدية فقالوا: نتولاهما، ونتبرّأ ممن تبرّأ منهما، وتبعوا زيدًا فسُمّوا بالزيدية.\nوالخوارج قابلوا هؤلاء فكفروا عليًا، ومعاوية، ومن معهما من الصحابة، وقاتلوهم، واستحلوا دماءهم، وأموالهم.\nوالنواصب: هم الذين نصبوا العداوة لأهل البيت ويطعنون فيهم.\nأما أهل السنة والجماعة فهداهم الله تعالى للحق والصواب، فلم يغلوا في علي وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة - ﵃ - ولم يكفّروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت. بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويوالونهم ويرتبونهم في الفضل والأفضليَّة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - ﵃ -،ويكفون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة، فكانوا وسطًا بين غلو الرافضة، وجفاء الخوارج (١).\n_________\n(١) انظر: الكواشف الجلية، ص٥٠٥.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث التاسع: الإيمان باليوم الآخر</span>\nالإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان السِّتة، وقد تقدم ذكر الإيمان باليوم الآخر إجمالًا، وهاهنا أراد مؤلف العقيدة (١) ﵀ ذكر بعض تفاصيل ذلك اليوم العظيم. وخلاصة مذهب أهل السنة في الإيمان باليوم الآخر على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>أولًا: الإيمان بفتنة القبر</span>. يجب الإيمان بأنَّ الناس يمتحنون في قبورهم بعد الموت، وهذا الامتحان أو الاختبار يقال له فتنة القبر، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أن الناس يمتحنون في قبورهم فيقال للإنسان: «مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومن نبيُّك؟. فالمؤمن يقول: ربِّي الله وديني الإسلام، ونبيّيَ محمد - ﷺ - والفاجر يقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فَيُضرب بمطرقةٍ من حديد فيصيح صيحةً يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها لصعق» (٢). قال الله تعالى:\n﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>ثانيًا: نعيم القبر وعذابه: </span>ورد به الكتاب والسنة، وأنه حق يجب الإيمان به. فإنّه بعد الفتنة في القبر نعوذ بالله من فتنة القبر وعذابه، بعد هذه الفتنة إما عذاب، وإما نعيم، فمن أجاب على أسئلة الامتحان في القبر نجا\n_________\n(١) شيخ الإسلام ابن تيمية، والمقصود: «العقيدة الواسطية».\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال، برقم ١٣٣٨.\n(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.","vol":"1","page":39},{"text":"وسعد في قبره، ويوم حشره، ومن لم يجب على هذه الأسئلة فقد خسر خسرانًا مبينًا نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. والنعيم أو العذاب في القبر يجري على الروح والجسد تبع له، وفي يوم القيامة على الروح والبدن جميعًا، والخلاصة أنّ عذاب القبر ونعيمه حقٌّ دلَّ عليه كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وإجماع الأمة الإسلامية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>ثالثًا: القيامة الكبرى: </span>يجب الإيمان بأنّه بعد انتهاء مُدَّة الحياة الدنيا تقوم القيامة الكبرى حين ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى، ثم ينفخ نفخة البعث والنشور فتعاد الأرواح إلى أجسادها فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين: حفاة، عراة، غرلًا ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ (١)، ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ*وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ (٢)، وأول من ينشقّ عنه القبر محمد - ﷺ -. وتدنو من العباد الشمس في هذا اليوم ويلجمهم العرق على حسب أعمالهم، ومنهم من يظله الله في ظله يوم لا ظلَّ إلاّ ظلُّه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>رابعًا: الميزان: </span>وتُنصب الموازين يوم القيامة فتوزن فيها أعمال العباد\n﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣)، ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٤)، وهذا الميزان حقيقي له لسان وكفتان، ويوزن العامل وعمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>خامسًا: الدواوين وتطاير الصحف: </span>وفي هذا اليوم تُنشر الدواوين\n_________\n(١) سورة المعارج، الآية: ٤٣.\n(٢) سورة العاديات، الآيتان: ٩ - ١٠.\n(٣) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧ - ٨.\n(٤) سورة المؤمنون، الآيتان: ١٠٢ - ١٠٣.","vol":"1","page":40},{"text":"وتفتح، فآخذٌ كتابه وصحائفَ أعماله بيمينه، فهذا له السعادة الأبدية التي لا يشقى بعدها أبدًا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ (١)، نسأل الله من فضله، وأن يجعلنا منهم. ومنهم آخذٌ كتابه بشماله من وراء ظهره، فهذا له الشقاوة، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ (٢) الآيات، نعوذ بالله من غضبه وعقابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>سادسًا: الحساب: </span>ويجب الإيمان بذلك؛ لأنَّ الله أخبر بذلك وأخبر به رسوله - ﷺ -. فإنّ الله يوقف عباده على أعمالهم قبل الانصراف من المحشر، فيرى كل إنسان عمله سواء كان خيرًا أو شرًا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤)، ويُسأل الإنسان في هذا اليوم العظيم عن أربع: «عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه\n_________\n(١) سورة الحاقة، الآيات: ١٩ - ٢٣.\n(٢) سورة الحاقة، الآيات: ٢٥ - ٣٣.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣٠.\n(٤) سورة الكهف، الآية: ٤٩.","vol":"1","page":41},{"text":"فيم فعل» (١)، وقال النبي - ﷺ -: «ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه تُرجمان، فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاءَ وجهه، فاتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة» (٢)، ويقول الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، والكفار لا يحاسبون حساب من توزن حسناتهم، وإنما يوقفون على أعمالهم ويقرُّون بها؛ فإنّهم لا حسنات لهم. نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>سابعًا: الحوض المورود: </span>ومن مذهب أهل السنة التصديق الجازم بأنّ حوض النبي - ﷺ - في عرصات القيامة، «وأنَّ ماءه أشدُّ بياضًا من اللَّبن، وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء، وطوله شهر وعرضه شهر، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدًا» (٤)، وهذا الحوض مُختصٌّ بمحمد - ﷺ -. والأنبياء كل له حوض، ولكن الحوض الأعظم هو لمحمد - ﷺ -. وهذا الحوض في الأرض، ويصب فيه ميزابان من الجنة من الكوثر، ومنبر الرسول - ﷺ - على حوضه.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة، باب في القيامة، برقم ٢٤١٧، وأبو يعلى في مسنده،\n١٣/ ٤٢٨، برقم ٧٤٣٤، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٦، وفي صحيح الجامع، برقم ٧٣٠٠.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد، برقم ١٤١٣، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، برقم ١٠١٦/ ٦٧.\n(٣) سورة الحجر، الآيتان: ٩٢ - ٩٣.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب في الحوض، برقم ٦٥٧٩، ومسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته، برقم ٢٢٩٢.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>ثامنًا: الصِّراط وبعده القنطرة بين الجنة والنار: </span>يجب الإيمان بذلك وأنه حقّ، وهو الجسر المنصوب على متن جهنم بين الجنة والنار، يمرّ عليه الأوّلون والآخرون، وهذا الصّراط أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعرة. فنسأل الله الثبات. والناس يمرُّون عليه على حسب أعمالهم. فمنهم من يتجاوزه كلمح البصر، ومنهم من يمرُّ كالبرق، ومنهم من يمرُّ كالريح، ومنهم من يمرُّ كالفرس الجواد، ومنهم من يمرُّ كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عَدْوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يسقط في جهنم، وعلى حافة الجسر كلاليب تخطف من أُمِرَتْ بخطفه، فإذا تجاوز المؤمنون وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعضٍ، فإذا نُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>تاسعًا: الشفاعة </span>هي سؤال الخير للغير، وقد ذكر المؤلف ﵀ ثلاثة أقسام من الشفاعة: ثنتان خاصتان بمحمد - ﷺ -، والثالثة يشفع هو وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>١ - الشَّفاعة العظمى </span>وهي شفاعته - ﷺ - لأهل الموقف حتى يُقضى بينهم حين يتراجع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٢ - شفاعته - ﷺ - في أهل الجنة أن يدخلوها </span>(٢). وهاتان الشفاعتان\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب قصاص المظالم، برقم ٢٤٤٠، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، برقم ١٩٥.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قول النبي - ﷺ -: أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعًا، برقم ١٩٦، ١٩٧.","vol":"1","page":43},{"text":"خاصتان به - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٣ - شفاعته - ﷺ -، والنبيين، والصِّدِّيقين، والشُّهداء، والصَّالحين، وغيرهم فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها</span>. ويخرج الله من النار بغير شفاعة بل بفضله ورحمته أقوامًا، ويبقى في الجنة فضل عن من دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة.\nوقد أوصلها في شرح الطحاوية إلى ثمانية أقسام هي:\n١ - الشفاعة العظمى لفصل القضاء.\n٢ - الشفاعة في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم.\n٣ - الشفاعة في أقوام أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.\n٤ - الشفاعة في رفع درجات من دخل الجنة.\n٥ - الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.\n٦ - شفاعته في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه.\n٧ - شفاعته لأن يُؤذن لجميع المؤمنين بدخول الجنة. وهي خاصة به كما تقدم.\n٨ - شفاعته في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار فيخرجون منها وهذه الشفاعة يشاركه غيره فيها. وهي تتكرر منه - ﷺ - أربع مرات:\nأ - يشفع فيمن كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان.\nب - ثم فيمن كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان.\nجثم فيمن كان في قلبه أدنى حبة من خردل من إيمان.","vol":"1","page":44},{"text":"د - ثم فيمن قال لا إله إلا الله (١)، وفي الصحيح قال فيقول الله تعالى: «شفعت الملائكة وشفع النبيُّون، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط» (٢)، وبعضهم أوصل الشفاعة إلى ستة أقسام:\n١ - الشفاعة العظمى.\n٢ - الشفاعة في دخول الجنة.\n٣ - الشفاعة فيمن استحقَّ النار أن لا يدخلها.\n٤ - الشفاعة فيمن دخلها أن يخرج منها.\n٥ - الشفاعة في رفع درجات أقوام ممن دخل الجنة.\n٦ - الشفاعة في تخفيف العذاب عن أبي طالب (٣). وقد قال - ﷺ -: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٤) والشفاعة المثبتة لها شرطان:\nالشرط الأول: إذن الله للشَّافع.\nالشرط الثاني: رِضى الله عن المشفوع له.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، برقم ٤٤، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، برقم ١٩٣/ ٣٢٥.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم ١٨٣.\n(٣) انظر الروضة الندية، ص٥٣٠، وشرح الطحاوية، ١٩٩، تحقيق الأرنؤوط. وانظر: الكواشف الجلية، ص٥٨٩.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في الشفاعة، برقم ٤٧٣٩،والترمذي في كتاب صفة القيامة، باب رقم ١١،برقم ٢٤٣٥،وأحمد في المسند،٣/ ٢١٣،والحاكم في المستدرك، ٢/ ٣٨٢، قال\nأبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح غريب»، وقال الحاكم: «على شرط الشيخين».وقال الذهبي: «على شرط مسلم».وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣٧١٤.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>عاشرًا: الجنة والنار</span>. ومذهب أهل السنة في الجنة والنار هو الاعتقاد الجازم بأنّ الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة دار أوليائه والنار دار أعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون، وأهل النار من الكفار فيها مخلدون، وأنَّ النار والجنة موجودتان وقد رآهما رسول الله - ﷺ - في صلاة الكسوف، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أنَّ الموت يجاء به في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ويُذبح ويقال: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت (١).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، برقم ٢٨٤٩.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث العاشر: القدر ومراتبه</span>\nالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، وقد تقدم ذكر الإيمان بالقدر إجمالًا ثم ذكره المؤلف ﵀ هنا تفصيلًا. والقدر هو تقدير الله تعالى للأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنَّها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته له ووقوعها على حسب ما قدَّرها وخلقه لها (١)، وللقدر أربع مراتب يجب الإيمان بها كما آمن بها أهل السنة، على النحو الآتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>المرتبة الأولى: الإيمان بأنّ الله تعالى علم بما الخلق عاملون به بعلمه الأزلي الأبد</span>، فقد علم جميع أحوالهم: من الطاعات، والأرزاق، والآجال، فهو سبحانه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٢)، ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>المرتبة الثانية: كتابة الله لجميع الأشياء في اللَّوح المحفوظ: </span>الدقيقة والجليلة، ما كان، وما سيكون، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٥).\n_________\n(١) انظر: الأجوبة الأصولية، ص١٢١.\n(٢) سورة الطلاق، الآية: ١٢.\n(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٦٢.\n(٤) سورة الحديد، الآية: ٢٢.\n(٥) سورة يس، الآية: ٢٢.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المرتبة الثالثة: المشيئة النافذة التي لا يردها شيء</span>، والقدرة التي لا يعجزها شيء، فجميع الحوادث وقعت بمشيئة الله وقدرته فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المرتبة الرابعة: الخلق كُلُّهُ لله تعالى</span>، فهو الخالق وكل ما سواه\nمخلوق له. لا إله غيره، ولا رب سواه، قال الله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢) (٣)، وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله﴾ (٤)، فالله الخالق لكل شيء وقع، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله - ﷺ -، ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، وهو الحكيم العليم، وقد جمع بعضهم مراتب القدر في بيت واحد قال فيه:\nعلمُ كتابة مولانا مشيئتهُ ... وخلقه وهو إيجاد وتكوين\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-101>الإيمان بكتابة المقادير يدخل فيه خمسة تقادير:</span>\n_________\n(١) سورة التكوير، الآية: ٢٩.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٢.\n(٣) انظر: الكواشف الجلية، ص٦٢١.\n(٤) سورة فاطر، الآية: ٣.","vol":"1","page":48},{"text":"١ - التقدير الشَّامل لجميع المخلوقات بمعنى أنَّ الله علمها، وكتبها، وشاءها وخلقها، وتقدم ذكر ذلك بأدلته في المراتب الأربع.\n٢ - التقدير الثاني كتابة الميثاق حينما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (١) الآيات.\n٣ - التقدير العُمُري: تقدير رزق العبد، وأجله، وعمله، وشقي، أو سعيد في بطن أمه. ودليله حديث ابن مسعود - ﵁ - (٢).\n٤ - التقدير السَّنوي ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٣)،قال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر، والأرزاق (٤).\n٥ - التقدير اليومي قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٥)، فالله تعالى كل يوم يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين (٦)، وهذا التقدير هو سوق المقادير إلى المواقيت التي قدرت لها فيما سبق. وهذا التقدير اليومي تفصيل من التقدير الحولي، والحولي تفصيل من\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٧٢.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، برقم ٢٦٤٣.\n(٣) سورة الدخان، الآية: ٤.\n(٤) ذكره في الدر المنثور، ٦/ ٢٥ بنحوه، وعزاه إلى محمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(٥) سورة الرحمن، الآية: ٢٩.\n(٦) انظر: معارج القبول، ٢/ ٣٤٥.","vol":"1","page":49},{"text":"التقدير العمري عند نفخ الروح في الجنين في بطن أمه، والعمري تفصيل من التقدير العمري الأول يوم الميثاق، وهو تفصيل من التقدير الذي خطه القلم في الإمام المبين (١)، و<span data-type=\"title\" id=toc-102>أقلام المقادير التي دلت عليها السنة </span>أربعة أقلام:\n١ - القلم الأول العام الشامل لجميع المخلوقات.\n٢ - القلم الثاني حين خلق آدم وهو قلم عام أيضًا لكنه لبني آدم.\n٣ - القلم الثالث حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه ويكتب به الأربع الكلمات.\n٤ - القلم الرابع الموضوع على العبد عند بلوغه الذي بأيدي الكرام الكاتبين، وهذا القلم يكتبون به ما يفعله بنو آدم (٢).\nوإذا علم العبد أن كلًا من عند الله فالواجب إفراده سبحانه بالعبادة والتَّقوى (٣). فعلى العبد أن يبذل الأسباب، ويسأل الله التوفيق والهداية، ويعلم أنَّه لا يصيبه إلا ما كتبه الله له ويعلم علمًا يقينًا أنّ الله لا يضيع أجر\n_________\n(١) انظر: معارج القبول، ٢/ ٣٤٧.\n(٢) قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «الأقلام لا يحصيها إلا الله جل وعلا فالجزم بالأربعة ليس بجيد، وقد ذكر ابن القيم في بعض كتبه الأقلام الأربعة، ولكن ليس المعنى أنه ليس هناك قلم آخر، وقد قيل: إنّ هناك قلمًا خامسًا، وهو ما يكتب به ما يحدث في السنة في ليلة القدر .. والحاصل أنّ الأقلام لا يجوز الجزم بأنَّها أربعة فقط، فالأقلام كثيرة، والله الذي يعلمها ويحصيها، ولهذا قال في حديث المعراج: «يسمع فيه صريف الأقلام ...»، فقد تكون أربعة، وقد تكون مائة، وقد تكون ألفًا، وقد يكون لكل شيء قلم خاص، فربنا هو العالم بها - ﷾ -». سمعته منه أثناء تقريره على شرح العقيدة الطحاوية وهو مسجل في ٣٢ شريطًا.\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية بتحقيق الأرنؤوط، ص٢٣٥.","vol":"1","page":50},{"text":"المحسنين، ولا يظلم مثقال ذرة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١).\n_________\n(١) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧ - ٨.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المبحث الحادي عشر: مذهب أهل السنة في الإيمان والدين</span>\nالدين والإيمان عند أهل السنة هو: قول، وعمل، واعتقاد. قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان، والجوارح. وأنّ الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قول القلب تصديقه وإيقانه، وقول اللسان: النطق بالشهادتين والإقرار بلوازمهما، وعمل القلب: النِّيّة، والإخلاص والمحبة، والانقياد والإقبال على الله، والتوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه، وكل ما هو من أعمال القلوب. وعمل اللِّسان: هو ما لا يُؤدَّى إلا به كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار من التسبيح، والتحميد، والتكبير، والدعاء، والاستغفار، وغير ذلك. وعمل الجوارح هو ما لا يُؤدَّى إلا بها مثل القيام، والركوع، والسجود، والمشي في مرضاة الله، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر (١).\nوأما زيادة الإيمان ونقصانه؛ فلقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢)، وقوله - ﷺ -: «يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة» (٣).\nومن الأدلة لزيادة الإيمان ونقصانه أن الله قسّم المؤمنين ثلاثة أقسام، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ\n_________\n(١) معارج القبول، ٢/ ١٧.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٢.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، برقم ٤٤، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، برقم ١٩٣/ ٣٢٥.","vol":"1","page":52},{"text":"الْكَبِيرُ﴾ (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-104>الظَّالم لنفسه </span>هو المفرِّط يفعل بعض الواجبات ويرتكب بعض المحرمات.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-105>المقتصد </span>هو المؤدِّي للواجبات التارك للمحرمات. وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-106>السَّابق بالخيرات</span>، وهو الفاعل للواجبات والمستحبات، والتارك للمحرمات والمكروهات (٢).\nوأهل السنة والجماعة لا يكفِّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر ما لم يستحل الذنب من الفاعل، وقد قال - ﷺ -: «من صلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم» (٣)، فكل من ارتكب كبيرةً أو أصرَّ على صغيرةٍ يسمى عاصيًا، وفاسقًا، وهو كسائر المؤمنين لا يخرج من الإيمان بمعصيته ما لم يستحلَّها. فيقال: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان. فلا يُعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم. أما حكمه في الآخرة فهو تحت مشيئة الله تعالى إذا مات ولم يتب، فإن شاء الله عذبه بقدر ذنبه ومصيره إلى الجنة، وإن شاء غفر له من أول\n_________\n(١) سورة فاطر، الآية: ٣٢.\n(٢) مختصر ابن كثير، ٣/ ٥٥٤ للرفاعي، وابن كثير، ٣/ ٥٥٤، وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية. وهم الذين تركوا بعض واجبات الإيمان وفعلوا بعض المحرمات انظر التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، ص١٧.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة، برقم ٣٩١، وانظر: الروضة الندية، ص٣٨٢.","vol":"1","page":53},{"text":"وهلة وأدخله الجنة برحمته وفضله. أما مرتكب الكبيرة عند الخوارج والمعتزلة فهو مخلَّد في النار في الآخرة، وفي الدنيا كافر عند الخوارج مُستحَلُّ الدم والمال، أما المعتزلة ففي منزلة بين المنزلتين: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر. وعند الجهمية والمرجئة: كامل الإيمان ولا يستحق العذاب. وسبق التفصيل في هذا في توسط أهل السنة.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>المبحث الثاني عشر: مذهب أهل السُّنَّة في أصحاب رسول الله - ﷺ - وأزواجه وأهل بيته</span>\nمن أصول أهل السنة سلامة قلوبهم لأصحاب رسول الله - ﷺ - من الحقد والبغض، والعداوة، وسلامة ألسنتهم من الطَّعن، والسَّبِّ. وهم يترضون عنهم ويدعون لهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ (١)، وهم يمتثلون أمر النبي - ﷺ - في قوله: «لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه» (٢)، ويقبلون ما جاء في الكتاب والسنة من فضائلهم، ويفضِّلون من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ويُقدِّمون المهاجرين على الأنصار، وكل العشرة المشهود لهم بالجنة من المهاجرين، ويؤمنون بأنَّ الله اطَّلع على أهل بدر وهم ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشرَ رجلًا فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٣)، ويؤمنون بأنَّه لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة؛ لقوله - ﷺ -: «لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة» (٤)، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله - ﷺ -، كثابت بن قيس بن شماس، فقد شهد له رسول الله - ﷺ - (٥)، وكالعشرة\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ١٠.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا»، برقم ٣٦٧٣، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة - ﵃ -،برقم ٢٥٤٠.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الجاسوس، برقم ٣٠٠٧، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر - ﵃ - وقصة حاطب بن أبي بلتعة، برقم ٢٤٩٤.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة، أهل بيعة الرضوان - ﵃ -، برقم ٢٤٩٦.\n(٥) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله، برقم ١١٩.","vol":"1","page":55},{"text":"المشهود لهم بالجنة. وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وسعد بن مالك بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد (١)، ويُقِرِّون بأن خير هذه الأمة بعد نبيها - ﷺ -: أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - ﵃ - (٢)، ويتبرؤون من طريق الروافض - وقد سبق بيان مذهبهم - ومن طريق النواصب الذين يكفّرون آل البيت ويطعنون فيهم، وقد نصبوا العداوة لأهل البيت ويمسك أهل السنة عما شجر بين الصحابة، وما صحَّ من أخبارهم فهم معذورون؛ لأنهم إمّا مجتهدون مصيبون، وإمّا مجتهدون مخطئون. وأهل السنة يعتقدون أنه لا أحد معصوم من الكبائر إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والصحابة تجوز عليهم الذنوب، ولكن لهم من السوابق والفضائل الشيء الكثير، وهذا يمحو السيئة، وهم خير القرون (٣)، وقد يكون أن من صدر منه ذنب قد تاب منه، وهم أسعد الناس بشفاعة محمد - ﷺ -. وأهل السنة يحبون آل بيت النبي - ﷺ - لوصيته بهم (٤)، ويوالون أزواج النبي - ﷺ -، ويترضَّون عنهنَّ، ويؤمنون أنَّهنَّ أزواجه في الآخرة، وأنَّهنَّ أمهات المؤمنين في الاحترام والتعظيم، وتحريم النكاح، وأنَّهنَّ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في الخلفاء، رقم ٤٦٤٩، والترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، برقم ٣٧٤٧، وابن ماجه في المقدمة، باب فضائل العشرة - ﵃ -، برقم ١٣٣،وأحمد في المسند، ١/ ١٨٧، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٥٠، ٤٠١٠.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر بعد النبي - ﷺ -، برقم ٣٦٥٥.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، برقم ٢٥٣٣.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -،برقم ٢٤٠٨.","vol":"1","page":56},{"text":"مطهرات مبرآت من كل سوء، ويتبرؤون ممن آذاهن، أو سبهنَّ، ويحرمون طعنهن وقذفهنّ، وقد ورد في فضلهنَّ أحاديث كثيرة فلتراجع (١)، فرضيَ الله عنهن وعن جميع أصحاب رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر: ما أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة ﵂، برقم ٣٧٦٨ - ٣٧٧٥، وفي كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي - ﷺ - خديجة وفضلها ﵂، رقم ٣٨١٥ - ٣٨٢١. ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، برقم ٢٤٣٠، ٢٤٣٧، وفي باب فضائل عائشة رضي الله تعالى عنها، برقم ٢٤٣٨ - ٢٤٤٧.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>المبحث الثالث عشر: مذهب أهل السنة والجماعة في كرامات الأولياء</span>\nوأهل السنة يؤمنون بكرامات الأولياء. والكرامة هي خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة، فإذا اقترن بدعوى النبوة كان معجزة، ولا يكون الأمر الخارق كرامة إلا لعبد ظاهره الصلاح، ومصحوبًا بصحة الاعتقاد والعمل الصالح.\nفإذا ظهر الأمر الخارق على يد المنحرفين فهو من الأحوال الشيطانية، وإذا ظهر الأمر الخارق على يد إنسان مجهول لا يعرف حاله فإنَّ حاله يعرض على الكتاب والسنة كما رُوي عن الشافعي أنه قال: إذا رأيتم الرجل يسير على الماء، ويطير في الهواء، فلا تصدقوه حتى تعرضوا حاله على الكتاب والسنة. أو كما قال ﵀ (١). وأهل السنة يؤمنون ويعتقدون اعتقادًا جازمًا بكرامات الأولياء، وما جرى على أيديهم من الخوارق للعادات في العلوم، والمكاشفات، وأنواع القدرة، والتأثير، ومن ذلك قصة أصحاب الكهف، والنوم الطويل الذي أوقعه الله بهم. ومن ذلك ما أكرم الله به مريم بنت عمران من إيصال الرزق إليها وهي في المحراب.\nومن ذلك قول عمر بن الخطاب وهو على المنبر: «يا سارية الجبل»، ورؤيته لجيش سارية وهو بنهاوند، وسمع سارية مع بُعد المسافة (٢)،\n_________\n(١) أورده ابن حجر الهيتمي في فتاويه، ٤/ ٢٤٠، وقال: «ذكره أبو نعيم»، وأورده الشيخ صالح الشامي في كتاب مواعظ الإمام الشافعي، ص ١٩.\n(٢) رواه عبد الرزاق، ٢/ ١٣٨، برقم ٢٨٠٦، والبيهقي في دلائل النبوة، برقم ٢٦٥٥، وابن عساكر في تاريخ دمشق، ٢٠/ ٢٤، وحسن إسناد القصة الحافظ ابن حجر في الإصابة، ٢/ ٣، وقال عنها الألباني في السلسلة الصحيحة، ٣/ ١٠١: «صحيح».","vol":"1","page":58},{"text":"وغير ذلك لا يحصى ولا يُعَدُّ. وقد رأيت كثيرًا من ذلك في كتاب الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية المسمَّى: «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان».","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>المبحث الرابع عشر: طريقة أهل السنة الاتّباع</span>\nأهل السنة يتبعون أقوال النبي - ﷺ -، وأفعاله، وتقريراته، وهذا هو المقصود باتباع آثاره، أما اتباع آثاره الحسِّيّة التي ليست من الدين كمواضع بوله، ونومه، ومشيه، فلا يجوز تتبّع ذلك؛ لأنّ ذلك وسيلة إلى الشرك. ومن طريقة أهل السنة اتّباع أقوال الصحابة عند خفاء سنة رسوله - ﷺ -، أما إذا وُجدَ النص من الكتاب أو من السنة، فإنه يجب تقديمه على رأي كل أحد من الناس، قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١).\nوأهل السنة يتبعون وصية الرسول - ﷺ - بسنته وسنة الخلفاء الراشدين، ويعضُّون عليها بالنَّواجذ ويتمسَّكون بها امتثالًا لأمره - ﷺ - (٢)، وهم يُقدِّمون كلام الله ثم يُقدِّمون هَدْي رسول الله - ﷺ -؛ ولهذا سُمُّوا بأهل السنة والجماعة.\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(٢) انظر: حديث العرباض بن سارية فقد أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في لزوم السنة، برقم ٤٦٠٧، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، برقم ٢٦٧٦، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، برقم ٤٢، ٤٣، وأحمد في المسند، ٤/ ١٢٦، والحاكم في المستدرك، ١/ ٩٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٤٣٦٩، وفي السلسلة الصحيحة، برقم ٩٣٧. وانظر: الأجوبة الأصولية، ص١٤٠، وشرح الطحاوية بتحقيق الأرنؤوط، ص٤٩٥.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المبحث الخامس عشر: أصول أهل السنة التي يَزِنُونَ بها جميع ما عليه الناس</span>\nأهل السنة يعتمدون على ثلاثة أصول يزنون بها جميع ما عليه\nالناس من أعمال، وأفعال ظاهرة، أو باطنة مما له تعلَّق بالدين، وهذه الأصول هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>١ - كتاب الله - ﷿ </span>- الذي هو خير الكلام، فمن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن تمسك به هُدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، ومن عدل عنه رغبة عنه ضلَّ وشقيَ في دنياه وأُخراه. وأهل السنة لا يقدِّمون على كلام الله قول أحدٍ من الناس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>٢ - سنة الرسول - ﷺ </span>-، فلا يقدمون على ما صحَّ منها كلام أحد من خلق الله.\n٣ - ما وقع عليه إجماع الصدر الأول من هذه الأمة قبل التفرق والانتشار وظهور البدع والمقالات، وما جاءهم بعد ذلك من المقالات وزنوها بهذه الأصول الثلاثة، فإن وافقها قبلوه، وإن خالفها ردّوه أيًّا كان قائله وهذا هو المنهج السليم والطريق القويم.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>المبحث السادس عشر: من أخلاق أهل السنة والجماعة</span>\nختم المؤلف رحمه الله تعالى عقيدته (١) ببعض الصفات الحميدة التي يتصف بها أهل السنة والجماعة، فمن محاسنهم، ومكارم أخلاقهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>، والمعروف ما حسنه الشرع والعقل، والمنكر هو كل قبيح شرعًا وعقلًا، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)؛ ولقوله - ﷺ -: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٣).\nوهذه الأمور الثلاثة هي مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - اليد، ثم اللسان، ثم القلب -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>ومن مكارم أخلاق أهل السنة: </span>الإدانة بالنصيحة لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم (٤).\n_________\n(١) شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، كما تقدم.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٤.\n(٣) مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ...، برقم ٤٩.\n(٤) أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ -: «الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، قبل الحديث رقم ٥٧، ومسلم مرفوعًا من حديث تميم الداري في كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، برقم ٥٥.","vol":"1","page":62},{"text":"وأن<span data-type=\"title\" id=toc-117> المؤمن للمؤمن كالبنيان </span>المرصوص (١)، ويرحمون إخوانهم المسلمين (٢)، ويحثُّون على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويأمرون بالصبر والإحسان إلى عباد الله على حسب أحوالهم، وما يجب لهم من أقارب، وأيتام، وفقراء، وينهون عن الفخر، والخيلاء، وكلما يفعلونه إنما هم فيه متّبِعون للكتاب والسنة فنسأل الله أن يجعلنا من الطَّائفة التي لا تزال على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة (٣)، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) انظر: ما أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، برقم ٤٨١، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، برقم ٢٥٨٥.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم ٦٠١١، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، برقم ٢٥٨٦.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، باب قول النبي - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» (رقم ٧٣١١)، ومسلم في كتاب الإماة، باب قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم» (رقم ١٩٢٠، ١٩٢١). وانظر شرح العقيدة الواسطية للهراس ص١٨١ والأسئلة والأجوبة الأصولية ص١٤٦.","vol":"1","page":63}]}