{"ً":{"ٌ":96516,"ٍ":"كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الدعوة وأحوال المسلمين/كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة - القحطاني - ط الجريسي","files":["kdmatdks.pdf"]},"ّ":"الكتاب: كيفية دعوة الملحدين إلى اللَّه تعالى في ضوء الكتاب والسنة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٣٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":39,"ٖ":1770154053,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"تمهيد: إنزال الناس منازلهم:","level":1,"page":3},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الإلحاد","level":1,"page":6},{"title":"الإلحاد في الأصل هو","level":2,"page":6},{"title":"واللحد","level":2,"page":6},{"title":"والمراد بالملحدين","level":2,"page":7},{"title":"المبحث الثاني: الأدلة الفطرية","level":1,"page":7},{"title":"المبحث الثالث: البراهين والأدلة العقلية","level":1,"page":13},{"title":"المسلك الأول: التقسيم العقلي الحكيم:","level":2,"page":13},{"title":"المسلك الثاني: العدم لا يخلق شيئا:","level":2,"page":16},{"title":"المسلك الثالث: الطبيعة الصماء لا تملك قدرة، وفاقد الشيء لا يعطيه","level":2,"page":16},{"title":"المسلك الرابع: الصدفة العمياء لا تملك حياة:","level":2,"page":18},{"title":"المسلك الخامس: المناظرات العقلية الحكيمة:","level":2,"page":20},{"title":"المسلك السادس: مبدأ السببية:","level":2,"page":20},{"title":"المسلك السابع: التفكر في المصنوع يدل على بعض صفات الصانع:","level":2,"page":22},{"title":"المبحث الرابع: الأدلة الحسية المشاهدة","level":1,"page":23},{"title":"النوع الأول: إجابة الله - تعالى - للدعوات في جميع الأوقات","level":2,"page":24},{"title":"النوع الثاني: معجزات الأنبياء الحسية، وهي آيات يشاهدها الناس","level":2,"page":26},{"title":"وهذه الآيات المحسوسة تدل دلالة قاطعة على وجود الله - تعالى.","level":3,"page":27},{"title":"المبحث الخامس: الأدلة الشرعية","level":1,"page":27},{"title":"(أ) خبر الله الصادق،","level":2,"page":28},{"title":"(ب) دلالة القرآن بضرب الأمثال،","level":2,"page":29},{"title":"يستلزم ذلك أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه على ذكر طريقين.","level":3,"page":29},{"title":"الطريق الأول: توجيه الله - تعالى - الأنظار والقلوب إلى ما في هذا الكون من مخلوقات عجيبة تبهر العقول","level":4,"page":30},{"title":"الطريق الثاني: معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام","level":4,"page":30}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31},"ٜ":{"1":[3,32]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"6":[3,4,5],"7":[6,7],"13":[8,9],"16":[10,11],"18":[12],"20":[13,14],"22":[15],"23":[16],"24":[17],"26":[18],"27":[19,20],"28":[21],"29":[22,23],"30":[24,25]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nكيفية دعوة الملحدين إلى اللَّه تعالى\nفي ضوء الكتاب والسنة\n\nتأليف الفقير إلى اللَّه تعالى\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:\nفهذه رسالة مختصرة في» كيفية دعوة الملحدين إلى اللَّه تعالى «بينت فيها بإيجاز الأساليب والطرق في كيفية دعوتهم إلى اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل اليسير مباركًا، نافعًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول وهو حسبنا ونعم الوكيل.\nوصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد بن عبد اللَّه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nالمؤلف\nحرر ضحى يوم الخميس ٢٥/ ٢/١٤٢٥هـ","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد: إنزال الناس منازلهم:</span>\nالداعية الحكيم هو الذي يدرس الواقع، وأحوال الناس، ومعتقداتهم، وينزل الناس منازلهم، ثم يدعوهم على قدر عقولهم وأفهامهم وطبائعهم وأخلاقهم ومستواهم العلمي والاجتماعي، والوسائل التي يؤتون من جهتها، ولهذا قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب اللَّه ورسوله» (١).\nوذُكر عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - أن نُنزل الناس منازلهم» (٢).\nوقال عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٣).\nوقد بيَّن النبي - ﷺ - ذلك للدعاة إلى اللَّه - ﷿ - فقال لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن - داعيًا ومعلمًا وقاضيًا -: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب ...» الحديث (٤).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، ١/ ٢٢٥، (رقم ١٢٧).\n(٢) مسلم، في المقدمة، مع شرح النووي، ١/ ٥٥، وسنن أبي داود مع العون، ١٣/ ١٩١.\n(٣) مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، ١/ ١١.\n(٤) البخاري مع الفتح، باب الزكاة، باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، ٣/ ٣٢٢، (رقم ١٤٥٨)، واللفظ له، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله وشرائع الإسلام، ١/ ٥٠، (رقم ١٩).","vol":"1","page":4},{"text":"فبيَّن - ﷺ - لمعاذ عقيدة القوم الذين سوف يقدم عليهم حتى يعرف حالهم، ويستعد لهم، ويقدم لهم ما يناسبهم، وما يصلح أحوالهم.\nوقال - ﷺ - لعائشة ’: «يا عائشة، لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون» (١).\nفترك - ﷺ - هذه المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفاسد (٢).\nفدراسة البيئة والمكان الذي تبلغ فيه الدعوة أمر مهمٌّ جدًا، فإن الداعية يحتاج في دعوته إلى معرفة أحوال المدعوين: الاعتقادية، والنفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، ومعرفة مراكز الضلال ومواطن الانحراف معرفة جيدة، ويحتاج إلى معرفة لغتهم، ولهجتهم، وعاداتهم، والإحاطة بمشكلاتهم ونزعاتهم الخلقية، وثقافتهم، ومستواهم الجدلي، والشبه التي انتشرت في مجتمعهم، ومذاهبهم (٣).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، ١/ ٢٢٤، (١٢٦)، ومسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، (رقم ١٣٣٣)، (٤٠١، ٤٠٢).\n(٢) قال ابن حجر ‘: &gt;يستفاد منه ترك المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفسدة، وترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه&lt;. انظر: فتح الباري ١/ ٢٢٥.\n(٣) انظر: شرح الإمام النووي على مسلم،١/ ٧٦، ١٩٧،وفتح الباري،١/ ٢٢٥،وكيف يدعو الداعية لعبد الله ناصح العلوان، ص ٧، ٣٧، ٤٧، ١٥٥،وزاد الداعية إلى الله للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص٧.","vol":"1","page":5},{"text":"والداعية الحكيم يكون مدركًا لما حوله، مقدرًا للظروف التي يدعو فيها، مراعيًا لحاجات الناس ومشاعرهم، وكل أحوالهم.\nوالداعية إلى اللَّه – تعالى – لا ينجح في دعوته، ولا يكون موفقًا في تبليغه ولا مسددًا في قوله وفعله حتى يعرف من يدعوهم، وهل هذا المجتمع من المسلمين العُصاة، أو من المسلمين الذين انتشرت فيهم البدع والخرافات؟ هل هذا المجتمع من أهل الكتاب؟ فإذا كانوا منهم، فهل هم من اليهود أم من النصارى؟ هل هذا المجتمع من الملحدين الطبيعيين والماديين والدهريين؟ أم من الوثنيين المشركين؟\nفإذا عرف الداعية هذا كله، فكيف يدعو كل فئة من هذه الفئات بالحكمة؟ وماذا يقدم معهم؟ وماذا يؤخر؟ وما القضايا التي يعطيها أهمية وأولوية قبل غيرها؟ وما الأفكار الضرورية التي يطرحها ويبدأ بها؟\nوهكذا، فالداعية الحكيم كالطبيب الحكيم الذي يشخص المرض، ويعرف الداء ويحدده، ثم يعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعيًا في ذلك: قوة المريض وضعفه، وتحمله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشق بطنه، أو يقطع شيئًا من أعضائه، من أجل استئصال المرض","vol":"1","page":6},{"text":"طلبًا لصحة المريض، وهكذا الداعية الحكيم يعرف أمراض المجتمع، ويحدد الداء، ويعرف الدواء، وينظر ما هي الشبه والعوائق فيزيلها، ثم يقدم المادة المناسبة بدءًا بأمور العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية، مع تشويق المدعو إلى القبول والإجابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: مفهوم الإلحاد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الإلحاد في الأصل هو: </span>الميل والعدول عن الشيء، والظلم والجور، والجدال والمراء، يقال: لحد في الدين لحدًا، وألحد إلحادًا، لمن مال وعدل ومارى وجادل وظلم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>واللحد: </span>الشق الذي يعمل في جانب القبر لموضع الميت؛ لأنه قد أُميل عن وسط القبر إلى جانبه (٢).\nوالإلحاد: هو الميل عن الحق، والانحراف عنه بشتى الاعتقادات، والتأويل الفاسد، والمنحرف عن صراط اللَّه والمعاكس لحكمه يسمى ملحدًا (٣).\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، فصل اللام، باب الدال ص١٠٤، والمعجم الوسيط، مادة (لحد)، ٢/ ٨١٧، ومختار الصحاح، مادة (لحد)، ص٢٤٧، وفتح القدير للشوكاني، ٤/ ٥١٨، ٢/ ٢٦٨.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ٤/ ٢٣٦.\n(٣) انظر: الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة، للشيخ عبد الرحمن بن محمد الدوسري، ص٤٠.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>والمراد بالملحدين </span>في هذا المبحث: هو المعنى المصطلح عليه في هذا العصر، وهم: من أنكروا وجود رب خالق لهذا الكون، متصرف فيه، يدبر أمره بعلمه وحكمته، ويجري أحداثه بإرادته وقدرته، واعتبار الكون أو مادته الأولى أزلية، واعتبار تغيراته قد تمت بالمصادفة، أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار الحياة - وما تستتبع من شعور وفكر حتى قمتها الإنسان - من أثر التطور الذاتي للمادة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الثاني: الأدلة الفطرية</span>\nالفطر: الشق، والجمع منه فُطورٌ (٢)، قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ (٣)، وفطر اللَّه العالم: أوجده ابتداء (٤)، وفطر الخلق: خلقهم وبدأهم (٥)، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ (٦)، والفطرة: الخلقة التي خُلِقَ عليها كل موجود أول\n_________\n(١) انظر: كواشف زيوف المذاهب المعاصرة، لعبد الرحمن الميداني، ص٤٠٩.\n(٢) انظر: المعجم الوسيط، مادة (فطر)، ٢/ ٦٩٤، ومختار الصحاح، مادة (فطر)، ص٢١٢.\n(٣) سورة الملك، الآية: ٣.\n(٤) انظر: المعجم الوسيط، مادة (فطر)، ٢/ ٦٩٤.\n(٥) انظر: القاموس المحيط، فصل الفاء، باب الراء، ص٥٨٧.\n(٦) سورة الأنعام، الآية: ٧٩.","vol":"1","page":8},{"text":"خلقة (١)، والخلقة التي خلق عليها المولود في رحم أمه، والدين (٢)، والطبيعة السليمة التي لم تُشَبْ بعيبٍ (٣)، قال الرسول - ﷺ -: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون بها من جَدْعَاء» (٤)، ثم يقول أبو هريرة - ﵁ -: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٥).\nفمن حكمة القول مع الملحدين أن يستخدم الداعية إلى اللَّه - تعالى - في دعوته لهم الأدلة الفطرية، فيوضح ويبين لهم أن المولود يولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو تُرِكَ عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غَيرها، وإنما يعدل عنها من يعدل؛ لآفة من آفات البشر والتقليد ... وكل مولود يولد\n_________\n(١) انظر: المعجم الوسيط، مادة (فطر)، ٢/ ٦٩٤.\n(٢) القاموس المحيط، فصل الفاء، باب الراء، ص٥٨٧.\n(٣) انظر: المعجم الوسيط، مادة (فطر)، ٢/ ٦٩٤.\n(٤) يعني أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئًا من العيب، لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلًا، فخرج عن الأصل وهو تشبيه واقع ووجه واضح. انظر: فتح الباري، ٣/ ٢٤٩.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ ٣/ ٢١٩، (رقم ١٣٥٨)، وأخرجه في عدة مواضع انظرها: ٣/ ٢١٩، ٢٤٩، ٨/ ٥١٢، ١١/ ٤٩٣، وأخرجه مسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، ٤/ ٢٠٤٧، (رقم ٢٦٥٨).","vol":"1","page":9},{"text":"على معرفة اللَّه والإقرار به، فلا تجد أحدًا إلا وهو يقرّ بأن له صانعًا وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره (١).\nوالمقصود بفطرة اللَّه التي فطر الناس عليها: فطرة الإسلام (٢)، والسلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة؛ فإن حقيقة الإسلام هو الاستسلام للَّه وحده.\nوقد ضرب رسول اللَّه - ﷺ - مثل ذلك فقال: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟».\nفأوضح أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن، وأن العيب حادث طارئ (٣)، قال - ﷺ -: «إني خلقتُ عبادي كلهم حُنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يُشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا ...» (٤).\nوقد مثل شيخ الإسلام ابن تيمية الفطرة مع الحق بمثل يوضح ذلك، فقال: «ومثل الفطرة مع الحق مثل ضوء العين مع الشمس، وكل ذل عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس، والاعتقادات الباطلة\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ٣/ ٤٥٧، وفتح الباري، ٣/ ٢٤٨ - ٢٥٠.\n(٢) وقد جزم بذلك البخاري فقال: والفطرة الإسلام. انظر: البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، باب لا تبديل لخلق الله، ٨/ ٥١٢.\n(٣) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٤/ ٢٤٥، وفتح الباري، ٤/ ٢٤٥.\n(٤) مسلم، كتاب الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، ٤/ ٢١٩٧، (رقم ٢٨٦٥).","vol":"1","page":10},{"text":"العارضة من: تهودٍ، وتنصرٍ، وتمجسٍ، مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس، وكذلك كل ذي حس سليم يحب الحلو، إلا أن يعرض في طبيعته فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مرًّا» (١).\nوليس المراد بقوله - ﷺ -: «يولد على الفطرة» أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين ويعتقد الإسلام بالفعل؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢).\nولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، وقبوله وإرادته للحق، وإقراره بالربوبية، فلو خُلّي من غير معارض ومن غير مغيِّر لما كان إلا مسلمًا ولم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه صارف، ومن ثم شُبِّهت الفطرة باللبن، فهي تستلزم معرفة اللَّه ومحبته وتوحيده (٣).\nويدل على ذلك رواية مسلم: «ما من مولو يُولَدُ إلا وهو على هذه الملة حتى يُبيِّن عنه لسانه» (٤).\n_________\n(١) درء تعارض العقل والنقل، ٩/ ٣٧٥، والفتاوى لابن تيمية، ٤/ ٢٤٧.\n(٢) سورة النحل، الآية: ٧٨.\n(٣) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٦/ ٢٠٨، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٤/ ٢٤٧، ١٦/ ٣٤٤، ٤/ ٢٤٩، وفتح الباري، ٣/ ٢٤٨ - ٢٥٠.\n(٤) مسلم، كتاب القدر، باب معنى: كل مولود يولد على الفطرة، ٤/ ٢٠٤٨، (رقم ٢٦٥٨) (٢٣).","vol":"1","page":11},{"text":"وقد أخبر اللَّه - ﷿ - أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن اللَّه ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا﴾ الآية (١).\nوهذا يدل دلالة قاطعة على أن كل إنسان قد فُطِرَ على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم (٢).\nومما يبين ذلك ويوضحه أن العاقل إذا رجع إلى نفسه وعقله أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الخالق - تعالى - في تكوينه وبقائه وتقلبه في أحواله (٣)، وإذا نظر إلى الخلائق علم فقرهم كلهم إلى الخالق في كل شيء: فقراء إليه في الخلق والإيجاد، وفي البقاء والرزق والإمداد، وفقراء إليه في جلب المنافع ودفع المضار.\nفانظر إلى حالة الناس إذا كربتهم الشدائد، ووقعوا في المهالك، وأشرفوا على الأخطار، كيف تجد قلوبهم معلقة باللَّه، وأصواتهم مرتفعة بسؤاله، وأفئدتهم تنظر إلى إغاثته، لا تلتفت يمنة ولا يسرة إلا إليه (٤).\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٧٢.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ٢٦٢، ٣/ ٤٣٣، ودرء تعارض العقل والنقل، ٨/ ٤٨٧، وجامع الرسائل لابن تيمية، ١/ ١١، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي، ٢/ ٣٣٧.\n(٣) انظر: كتاب الداعي إلى الإسلام لعبد الرحمن الأنباري، ص٢١١، ودرء تعارض العقل والنقل، ٣/ ١١٣.\n(٤) انظر: الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، ص٢٥١، ٢٥٢.","vol":"1","page":12},{"text":"ومما يزيد ذلك وضوحًا أن الخلق متى شاهدوا شيئًا من الحوادث المتجددة كالرعد والصواعق، والبرق والزلازل، والبراكين المتفجرة الثائرة، والريح الشديدة، وانهمار الأمطار الغزيرة، وفيضانات الأنهار، واضطراب الأمواج في البحار والمحيطات، متى شاهدوا ذلك دعوا اللَّه وسألوه وافتقروا إليه؛ لأنهم يعلمون أن هذه الحوادث المتجددة لم تتجدد بنفسها، بل لها مُحدث أحدثها، وإن كانوا يعلمون هذا في سائر المحدثات؛ لكن ما اعتادوا حدوثه صار مألوفًا لهم، بخلاف المتجدد، ولو لم يكن إلا خلق الإنسان، فإنه من أعظم الآيات، فكلٌّ يعلم أنه لم يحدث نفسه، ولا أبواه أحدثاه، ولا أحد من البشر أحدثه، ويعلم أنه لابد له من خالق خلقه، وأن هذا الخالق موجود، حي، عليم، قدير، سميع، بصير، حكيم، حفيظ (١)، ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٢)، وقال - سبحانه - تذكيرًا لهذا الإنسان الجاحد: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٣)، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (٤).\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٣/ ١٢٢، ١٢٩، ١٣١، ١٣٧.\n(٢) سورة الذاريات، الآية: ٢١.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ٦٧.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٥٣.","vol":"1","page":13},{"text":"فبين هذا أن الناس إذا غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها في حال الضراء، لعلمهم الفطري أن اللَّه الذي يكشف الشدائد، ولا ملجأ منه إلا إليه، فيسألونه بلسان المقال ولسان الحال، فهل هذه الأمور تحصل إلا لأن الخليقة مفطورة على الاعتراف بربوبية اللَّه ووحدانيته، وأنه النافع والضار، وملكوت كل شيء بيده، إلا من فسدت فطرته بالعقائد الفاسدة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثالث: البراهين والأدلة العقلية</span>\nإذا كان الماديون والطبيعيون والدهريون يتظاهرون بإنكار وجود اللَّه - تعالى - فإن من الحكمة في دعوة هؤلاء إلى اللَّه - تعالى - أن تُقدّم لهم البراهين والأدلة العقلية القطعية في المسالك الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المسلك الأول: التقسيم العقلي الحكيم:</span>\nيستدل على كل من أنكر وجود اللَّه - تعالى - وربوبيته بأمر لا يمكنهم إلا التسليم للحق والانقياد له، أو الخروج عن موجب العقل إلى الجنون والفطر المنحرفة، فيقال لكل من أنكر ذلك:\nالأمور الممكن تقسيمها في العقل ثلاثة لا رابع لها:\n١ - إما أن تُوجد هذه المخلوقات بنفسها صُدقة من غير مُحدث ولا\n_________\n(١) انظر: الرياض الناضرة، ص٢٥٢، وعقيدة المسلمين للبليهي، ١/ ٧٠، وشرح أصول الإيمان للشيخ محمد بن عثيمين، ص١٥.","vol":"1","page":14},{"text":"خالق خلقَهَها، فهذا مُحالٌ ممتنع تجزم العقول ببطلانه ضرورة، ويُعلم يقينًا أن من ظن ذلك لهو إلى الجنون أقرب منه إلى العقل؛ لأن كل من له عقل يعرف أنه لا يمكن أن يوجد شيء من غير مُوجدٍ ولا مُحدثٍ، فلابد لكل حادث من مُحدث، ولا سبيل إلى إنكار ذلك، فإن وجود الشيء من غير مُوجد مُحالٌ وباطلٌ بالمشاهدة والحسّ والفطرة السليمة.\n٢ - وإما أن تكون هذه المخلوقات الباهرة هي المحدثة الخالقة لنفسها، فهذا أيضًا مُحالٌ ممتنع بضرورة العقل، وكل عاقل يجزم أن الشيء لا يُحدثُ نفسه ولا يخلقه؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقًا؟!\nفإذا بطلَ هذان القسمان عقلًا وفطرةً، وبان استحالتهما، تعين القسم الثالث:\n٣ - وهو أن هذه المخلوقات بأجمعها: علويها وسفليّها، وهذه الحوادث لابد لها من مُحدث ينتهي إليه الخلق والملك والتدبير، وهو اللَّه العظيم الخالق لكل شيء، المتصرف في كل شيء، المدبر للأمور كلها (١)، ولهذا ذكر اللَّه – تعالى – هذا الدليل العقلي\n_________\n(١) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ١/ ٦٦، ودرء تعارض العقل والنقل، ٣/ ١١٣، والرياض الناضرة للسعدي، ص٢٤٧، وتفسير السعدي، ٧/ ١٩٥، وأضواء البيان للشنقيطي، ٤/ ٣٦٨، وشرح أصول الإيمان لمحمد بن صالح العثيمين، ص١٥.","vol":"1","page":15},{"text":"والبرهان القطعي، فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (١)، ولذلك تأثر جبير بن مطعم بسماعها من النبي - ﷺ - تأثرًا عظيمًا، قال - ﵁ -: «سمعت النبي - ﷺ - يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاّ يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ (٢) كاد قلبي أن يطير» (٣)، «وذلك أول ما وقرَ الإيمانُ في قلبي» (٤).\nفالمخلوق لابد له من خالق، والمصنوع لابد له من صانع، والمفعول لابد له من فاعل، وهذه قضايا بدهية جلية واضحة، يشترك في العلم بها جميع العُقلاء، وهي أعظم القضايا العقلية، فمن ارتاب فيها أو شكّ في دلالتها فقد برهن على ضلاله، واختلال عقله (٥).\n_________\n(١) سورة الطور، الآية: ٣٥.\n(٢) سورة الطور، الآيات: ٣٥ – ٣٧.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة الطور، باب حدثنا عبد الله بن يوسف، ٨/ ٦٠٣، (رقم ٤٨٥٤).\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب حدثني خليفة، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ٧/ ٣٢٣، (رقم ٤٠٢٣).\n(٥) انظر: الرياض الناضرة لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص٢٤٧، ومنهاج الجدل في القرآن الكريم، للدكتور زاهر بن عواض الألمعي، ص١٣٨.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المسلك الثاني: العدم لا يخلق شيئًا:</span>\nمن القواعد العقلية التي ينبغي للداعية إلى اللَّه أن لا يغفلها في دعوته مع الملحدين قاعدة: العدم لا يخلق شيئًا، فالعدم الذي لا وجود له لا يستطيع أن يصنع شيئًا؛ لأنه غير موجود.\nوإذا تأمل العاقل في المخلوقات التي تولد في كل يوم، من إنسان وحيوان، وتفكر في كل ما يحدث في الوجود من رياح وأمطار، وليل ونهار، وما يجري في كل حين من حركات منتظمة للشمس والقمر والنجوم والكواكب، إذا تأمل العاقلُ في هذا وغيره من التغيرات المحكمة التي تجري في الوجود في كل لحظة، فإن العقل يجزم بأن هذا كله ليس من صنع العدم، وإنما هو من صنع الخالق الموجود ﷾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المسلك الثالث: الطبيعة الصماء لا تملك قدرة، وفاقد الشيء لا يعطيه</span>\nمن المعلوم عند جميع العُقلاء أن الذي لا يملك مالًا لا يسأل الناسُ منه المال، والجاهلُ لا يأتي منه العلم؛ لأن فاقد الشيء لا يُعطيه.\nفمن زعم أن الطبيعة (٢) خلقته أو خلقت شيئًا فقد خالف العقل\n_________\n(١) انظر: حاشية ثلاثة الأصول لمحمد بن عبد الوهاب، بقلم عبد الرحمن بن قاسم، ص٢٩، والإيمان للزنداني مع مجموعة من العلماء، ص٢١، وكتاب التوحيد للزنداني، ١/ ٢١.\n(٢) الطبيعة عند الماديين بمعنى المادة، والمادة بمعنى الطبيعة، وهي هذه المخلوقات بما هي عليه من صفات. انظر: موقف الإسلام من نظرية ماركس، لأحمد العوايشة، ص١٢٨، والإيمان للزنداني، ص٣٦.","vol":"1","page":17},{"text":"وحارب الحق، لأن الكون يشهد أن خالقه حكيم عليم خبير، هاد رزّاق، حافظ رحيم، واحد أحد، والطبيعة الجامدة لا تملك مثقال ذرة من ذلك.\nومن العجيب أن كل من زعم أن الطبيعة تخلق شيئًا فقد خالف مقتضى العقول؛ لأن الطبيعة لا تملك خبرة، ولهم خبرة، ولا تملك إرادة، ولهم إرادة، ولا تملك علمًا، ولهم علم! أما علموا أن فاقد الشيء لا يُعطيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ...﴾ (١)، فلابد أن يكون الخالق كاملًا كمالًا مطلقًا، بحيث يكون:\n١ - مستغنيًا عن غيره.\n٢ - ويكون أولًا ليس له بداية.\n٣ - وآخرًا ليس له نهاية.\n٤ - لا يحدّه زمان.\n٥ - لا يحدّه مكان.\n٦ - قادرًا على كل شيء.\n٧ - عالمًا بكل شيء، ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٧٣.","vol":"1","page":18},{"text":"وهذه الخصائص لا يمكن أن تكون إلا للَّه الكامل من كل الوجوه، وبذلك يسقط – بحمد اللَّه تعالى – قول الماديين؛ لأن المادة لا تتصف بشيء من ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المسلك الرابع: الصدفة العمياء لا تملك حياة:</span>\nيعتقد الملحدون بالصدفة (٢)، وهي أن جميع الأشياء والمخلوقات تم تكوينها على ما هي عليه بطريق الصدفة، والمقابلة، وليس ذلك بطريق القصد والإرادة والتدبير.\nومن حكمة القول مع هؤلاء أن يُقال لهم: من أين حصل لهذا العالم هذا النظام العجيب، والترتيب الحكيم الذي حارت فيه العقول؟ كيف ينسب ذلك إلى الاتفاق والمصادفة ومجرد البخت؟ وكيف اجتمعت تلك الأجزاء على اختلاف أشكالها، وتبايُن مواردها وقواعدها، وكيف حُفظت وبَقيت على تآلفها، وكيف تجددت المرة بعد المرة؟!\nإن مثل من يقول أو يعتقد أن هذا النظام والإبداع والإتقان وُجِدَ بطريق الصدفة لا غير، كمثل من وضع حروف الهجاء: أ، ب،\n_________\n(١) انظر: موقف الإسلام من نظرية ماركس، لأحمد العوايشة، ص١٢٥، ١٨٢، ١٨٧، ومذكرة في العقيدة الإسلامية للدكتور ناصر بن عقيل الطريفي، ص٩.\n(٢) الصدفة في اللغة: يقال: مصادفة: لقيه ووجده من غير موعد ولا توقع. انظر: المعجم الوسيط، مادة: صدف، ٢/ ٥١٠.","vol":"1","page":19},{"text":"ت ...، في صندوق ثم جعل يحركه طمعًا منه أن تتألف هذه الحروف من تلقاء نفسها، فيتركب منها قصيدة بليغة، أو كتاب دقيق في الهندسة، أليس ذلك من السّفه المبين ونقص العقل؟! فإنه لو داوم على تحريك هذا الصندوق السنين والدهور لم يحصل إلا على حروف.\nومثله كمن يقول: إن رجلًا أعمى غرزت له إبرة في لوحة، وأُعطي ألف إبرة، وقيل له: ارم هذه الإبر واحدة بعد الثانية، لتدخل الإبرة الأولى في ثُقب الإبرة المغروسة في اللوحة، وتدخل الإبرة الثانية في ثقب الأولى، والثالثة في ثقب الثانية، وهكذا بطريق الصدفة، حتى دخلت كل الإبر في بعضها بطريق الصدفة، فهل عاقل يصدق بهذه العملية والتي قبلها؟ لا يمكن أن يُصدّق عاقل بهذا، لأنه من قبيل المستحيل الذي لا تقبله العقول ولا تُقرّه، فكيف يُصدّق عاقل أن الكون كله بما فيه من إبداع وتنظيم في كل ذرة من ذراته وُجِدَ بطريق الصدفة؟\nإن مخلوقًا يُصدّق بهذه التخيلات لمجنون قطعًا، لا تصلح نسبته إلى العُقلاء، ولا يُذكر في عدادهم أبدًا ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (١).\nوهذا فيه دلالة عقلية قاطعة على أن اللَّه هو الخالق لكل شيء، وأن\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ١٠.","vol":"1","page":20},{"text":"الصدفة لا وجود لها ولا تصرف في مخلوقات اللَّه – تعالى – وبهذا تبطل شبه أهل الإلحاد والعناد الذين قالوا بالصدفة، وللَّه الحمد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المسلك الخامس: المناظرات العقلية الحكيمة:</span>\nمن الحكمة في دعوة الملحدين والطبيعيين الماديين أن يُناظروا بالمناظرات العقلية الحكيمة التي تُوضح لهم الحق، وتجعلهم يُسلِّمون ويقرُّون بأن اللَّه هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل.\nومن المناظرات التي أفحم بها المسلمون الملحدين ما ذُكِرَ عن أبي حنيفة – رحمه اللَّه تعالى – أنه اجتمع بطائفة من الملحدين وناظرهم فغلبهم، ورجعوا على أنفسهم بالملام، وقيل: إنهم رجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المسلك السادس: مبدأ السببية:</span>\nإنّ الواقع والعقول السليمة تشهد أن الإنسان منذ فتح عينيه لم\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٣/ ١٢٩، والإسلام يتحدى، لوحيد الدين خان، ص٦٥، وعقيدة المؤمن لأبي بكر الجزائري، ص٣٤، ومنهاج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر بن عواض الألمعي، ص١٤٢.\n(٢) سبقت هذه المناظرة بتمامها في مواقف أبي حنيفة، ص٤٤٢، وانظر: درء تعارض العقل والنقل، ٣/ ١٢٧، والرياض الناضرة للسعدي، ص٢٥٨، وعقيدة المسلمين للبليهي، ١/ ١٢٣، ومنهاج الجدل، ص١٣٩.","vol":"1","page":21},{"text":"يُشاهد أن حادثًا حدث من غير سبب، أو أن شيئًا وُجد من غير موجد، حتى أصبح هذا المعنى بحكم الواقع لا يتصور العقل خلافه، ولا يأبى الإقرار به إلا عقل مفقود أو مريض كشأن المعتوهين، أو عقل قاصر كشأن الطفل الذي يكسر الإناء، ثم يقول: إنه انكسر بنفسه (١).\nولذلك أدرك الأعرابي هذه السببية عندما سُئِل: ما الدليل على وجود الرّبّ؟ فقال: - سبحان اللَّه – إن البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذات فجاجٍ، وبحارٌ ذات أمواج، ليل داج، ونهار ساجٍ، ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير (٢).\nفكل مخلوق لابد له من خالق، وكل أثر لابد له من مؤثر، وكل محدَثٍ لابد له من مُحدِثٍ، وهذا هو قياس الشمول.\nأما قياس التمثيل فكقول: هذا مُحدَث فيحتاج إلى مُحدِثٍ (٣).\nوبناء على هذه القاعدة فعالمنا هذا، من أرض وسماوات، وإنسان وحيوان، وليل ونهار، وشمس وقمر، لابدّ له من مُحدث، ثم إن هذا العالم لا يبقى إلا بسبب يحفظه ويبقيه، كما أنه لم\n_________\n(١) انظر: موقف الإسلام من نظرية ماركس ص٢٨٤ – ٢٨٨.\n(٢) انظر: الرياض الناضرة ص٢٥٨، ومنهاج الجدل في القرآن الكريم ص١٣٩، وموقف الإسلام من نظرية ماركس ص٢٨٨.\n(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٧٣، ١٢١ – ١٢٧.","vol":"1","page":22},{"text":"يحدث إلا بسبب أحدثه، وهذا لا يقدر عليه إلا اللَّه الواحد القهَّار (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المسلك السابع: التفكر في المصنوع يدل على بعض صفات الصانع:</span>\nمن القواعد التي يُردّ بها على الملحدين قاعدة التفكر في المصنوع يدلّ على بعض صفات الصانع؛ لأن كل شيء يُوجد في المصنوع يدلّ على قدرة أو علم أو خبرة، أو حكمة عند الصانع.\nومن هنا نعلم أن التفكر في المخلوق يدلّ على بعض صفات الخالق.\nإذا علم هذا فإنه يقال لمن أنكر وجود اللَّه – تعالى – وربوبيته: تفكر في خلقك ونفسك، وانظر مبدأ خلقك من نطفة، ثم علقه، ثم مُضغة، ثم عظامًا، فكُسيت العظام لحمًا، حتى صرت بشرًا كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، أما يضطرك هذا التفكر والنظر إلى الاعتراف بالرب القادر على كل شيء، وأحاط علمه بكل شيء، الحكيم في كل ما خلقه وصنعه وأتقنه؟ فلو اجتمع الخلق كلهم على النطفة التي جعلها اللَّه مبدأ خلق الإنسان على أن ينقلوها في تلك الأطوار المتنوعة، أو يحفظوها في ذلك القرار المكين، ويجعلوا لها سمعًا وبصرًا وعقلًا وقوىً باطنة وظاهرة، وينموها هذه التنمية العجيبة، ويركبوها هذا التركيب المنظم، ويرتبوا الأعضاء\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/ ١٢١، ومذكرة في العقيدة الإسلامية للدكتور ناصر الطريفي ص٩.","vol":"1","page":23},{"text":"هذا الترتيب المحكم، فهل في اقتدارهم وفي استطاعتهم وعلومهم أن يصلوا إلى ذلك؟ ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ (١).\nولا شك أن العاقل المنصف إذا تفكر في ذلك دلّه وأوصله إلى الاعتراف بعظمة الخالق، وقدرة القادر، وحكمة الحكيم، وخبرة الخبير، وعلم العليم.\nوهذا دليل عقلي تضطر فيه العقول الصحيحة إلى معرفة ربها وعبوديته (٢)، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٣)، ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الرابع: الأدلة الحسية المشاهدة</span>\nمن الأدلة التي تدل على وجود اللَّه - تعالى - وربوبيته، وأنه\n_________\n(١) سورة الواقعة، الآيتان: ٥٨ - ٥٩.\n(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٧/ ٣٠٥، ٣٠٦، ٨/ ٧٠ - ٧٣، ٣/ ٣٣٣، ١/ ٢٥٩، والرياض الناضرة للسعدي، ص٢٤٨ - ٢٥٧، والإيمان لعبد المجيد الزنداني مع مجموعة من العلماء، ص٢٢، وعقيدة المسلمين، ١/ ١٠٩.\n(٣) سورة المؤمنون، الآيات: ١٢ - ١٤.\n(٤) سورة الذاريات، الآية: ٢١.","vol":"1","page":24},{"text":"الخالق لكل شيء المستحق للعبادة، الأدلة التي يسمعها الناس ويشاهدونها ويلمسونها، وهي على نوعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>النوع الأول: إجابة اللَّه - تعالى - للدعوات في جميع الأوقات</span>، فلا يُحصي الخلق ما يُعطيه اللَّه للسائلين، وما يُجيب به أدعية الداعين، ويرفع به كرب المكروبين، فتحصل المطالب الكثيرة بأسباب دعاء بعض العباد لربهم، والطمع في فضله والرجاء لرحمته، وهذا برهان مُشاهد محسوسٌ، لا ينكره إلا مُكابرٌ (١).\nفكم خرج المؤمنون يطلبون - بقلوب وجلةٍ تائبةٍ - من ربهم أن يسقيهم الغيث، فكانت الإجابة على الفور في كثير من الأحيان، فيأتي الغيث إلى المدينة أو القرية التي خرجت تدعو ربها، والقرى أو المدن التي بجوارها لا يأتيها بشيء، وكم رأى المضطرون تفريجًا لحالة الكرب بدعائهم (٢) ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ...﴾ (٣)، وعلى هذا يشهد مئات الملايين من المسلمين، ومن رأى هذه الإجابات من المنصفين في مشارق الأرض ومغاربها.\n_________\n(١) انظر: الرياض الناضرة، ص٢٥٣، وشرح أصول الإيمان للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص١٧.\n(٢) انظر: الإيمان، لعبد المجيد الزنداني مع مجموعة من العلماء، ص٤٠، والرياض الناضرة، ص٢٥١.\n(٣) سورة النمل، الآية: ٦٢.","vol":"1","page":25},{"text":"فمن الذي سمع دعاء المستغيثين فأجابهم، فأنشأ السحاب وأنزل المطر؟! هل هو وثن لا يقدر على فعل شيء؟! أم طبيعة صمّاء لا تملك إرادة ولا تدبيرًا، أم أن العدم الذي أنشأ وصمم، وأوجد وكوَّن، وقدَّر وأتقن، وسمع فأجاب، وهو العدم الذي لا وجود له؟!!\nوالحقيقة أن ذلك كله شاهد يتحدث إلى العقول البشرية أن لها ربًّا حكيمًا قادرًا سميعًا بصيرًا مجيبًا (١)، فعن أنس - ﵁ - أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة، ورسول اللَّه - ﷺ - يخطب، ثم قال: يا رسول اللَّه هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع اللَّه أن يُغيثنا، فرفع رسول اللَّه - ﷺ - يديه، ثم قال: «اللَّهم أغثنا، اللَّهم أغثنا، اللَّهم أغثنا». قال أنس: ولا واللَّه ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا واللَّه ما رأينا الشمس سبتًا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول اللَّه - ﷺ - قائم يخطب، فقال: يا رسول اللَّه، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع اللَّه يمسكها عنَّا، فرفع رسول اللَّه - ﷺ - يديه، ثم قال: «اللَّهم حوالينا ولا علينا، اللَّهم على الآكام والظَّرَاب وبُطُونِ الأودية ومنابت الشجر»، فأقلعت وخرجنا نمشي في\n_________\n(١) انظر: كتاب التوحيد، لعبد المجيد الزنداني، ١/ ٤٣.","vol":"1","page":26},{"text":"الشمس» (١).\nوهذا الحديث آية من آيات اللَّه تدل على وجوده، وأنه القادر على كل شيء، وقد حصل هذا للمسلمين كثيرًا، ولهذا قال الشاعر:\n\nوكم أصاب المسلمين من جفافٍ ... فنفروا ثقالهم مع الخفاف\nوطلبوا من الإله الفرجا ... فحققوا الفوز ونالوا المخرجا\nفهل طبيعة أجابت أم وثن ... أم أنه السميع كشَّاف المحن (٢)\n\nوما زالت إجابة الداعين أمرًا مشهودًا إلى يومنا هذا لمن صدق مع اللَّه، وأتى بشروط الإجابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>النوع الثاني: معجزات الأنبياء الحسية، وهي آيات يُشاهدها الناس </span>أو يسمعون بها، وهي من أعظم البراهين القاطعة على وجود مرسلهم؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها اللَّه – تعالى – تأييدًا لرسله، ونصرًا لهم.\nومن أمثلة ذلك: آية موسى - ﷺ - حين أمره اللَّه – تعالى – أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فانفلق اثني عشر طريقًا يابسًا، والماء بينها كالجبال، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، ٢/ ٥٠٧، (رقم ١٠١٤) وانظر: البخاري مع الفتح، ٢/ ٥٠١، ٢/ ٥٠٨، وأخرجه مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، ٢/ ٦١٢، (رقم ٨٩٧).\n(٢) هذه الأبيات لعبد الرحمن قاضي، انظر: الإيمان لعبد المجيد الزنداني ص٤٠.","vol":"1","page":27},{"text":"الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (١).\nومن آيات عيسى - ﷺ - أنه كان يُحيي الموتى، ويُخرجهم من قبورهم بإذن اللَّه، قال تعالى: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢)، ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي﴾ (٣).\nومن آيات محمد - ﷺ - انشقاق القمر، فقد طلبت منه قريش آية، فأشار إلى القمر، فانفلق فرقتين، فرآه الناس حقيقة في عهده - ﷺ -، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>وهذه الآيات المحسوسة تدل دلالة قاطعة على وجود اللَّه - تعالى </span>- (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث الخامس: الأدلة الشرعية</span>\nطريق الهداية الكاملة هو ما جاء عن اللَّه - تعالى - أو عن رسله عليهم الصلاة والسلام، وهي تجمع بين الأدلة النقلية والعقلية،\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآية: ٦٣.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٤٩.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ١١٠.\n(٤) سورة القمر، الآيتان: ١ - ٢.\n(٥) انظر: شرح أصول الإيمان، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص١٨.","vol":"1","page":28},{"text":"وهي من أعظم الأدلة التي تهدي لمعرفة اللَّه – تعالى – والإيمان به - ﷿ - وتبعث المهتدي بها إلى العمل المزكّي للنفس، والمهيئ له إلى سعادة الدارين، بخلاف الهداية العقلية وحدها، فإنها – وإن أنقذت صاحبها من القلق النفسي والحيرة الفكرية – لا تزكِّي نفسه، ولا تُقوِّم أخلاقه، ولا تهيئه لسعادة الدارين، ولا تُخرجه من دائرة الكفر حتى يؤمن بالأدلة الشرعية ويعمل بمقتضاها (١).\nوالكتب السماوية كلها تنطق بأن اللَّه هو الخالق لكل شيء، المستحق للعبادة، وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح العباد، دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها، دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به (٢).\nودلالة القرآن الكريم نوعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>(أ) خبر اللَّه الصادق</span>، فما أخبر اللَّه – تعالى – به، أو أخبر به رسوله - ﷺ - فهو حق وصدق (٣)، ولا يمكن أن يكون في ذلك شيء مُناقض لدليل عقلي ولا سمعي (٤)، لأن ما أثبته السمع الصحيح لم\n_________\n(١) انظر: عقيدة المؤمن، لأبي بكر جابر الجزائري، ص٣٩، ٤٩، ٦٣.\n(٢) انظر: شرح أصول الإيمان، لمحمد بن صالح العثيمين، ص١٧.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٦/ ٧١.\n(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول)، ١/ ١٧٢ - ١٨٠.","vol":"1","page":29},{"text":"ينفه العقل الصريح (١)، والمعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل ولا يناقضه (٢)، وكل ما عارض الشرع من العقليات فليس دليلًا صحيحًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>(ب) دلالة القرآن بضرب الأمثال</span>، وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب، فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي شرعية لأن الشرع دل عليها وأرشد إليها وأثبتها، وعقلية لأنها تعلم صحتها بالعقل (٤)، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).\nويمكن أن أقتصر في الأدلة الشرعية التي تثبت وجود اللَّه - تعالى - وأنه رب كل شيء ومليكه ومدبره، و<span data-type=\"title\" id=toc-23>يستلزم ذلك أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه على ذكر طريقين </span>(٦).\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٧/ ٣٩.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٦/ ٥.\n(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٥/ ٢٧٩.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٦/ ٧١، ٧٢.\n(٥) سورة البقرة، الآيتان: ٢١ - ٢٢.\n(٦) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٨/ ٣٥٤، ٧/ ٣٠٢، ٣٠٧، ٩/ ٤٠، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١١/ ٣٧٧ - ٣٨٠، وعقيدة المؤمن لأبي بكر الجزائري، ص٦٣، والرياض الناضرة للسعدي، ص٢٥٣ - ٢٦٧.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الطريق الأول: توجيه اللَّه - تعالى - الأنظار والقلوب إلى ما في هذا الكون من مخلوقات عجيبة تبهر العقول</span>، فقد بين - سبحانه - في كتابه الآيات الكونية الباهرة الدالة على وجوده - سبحانه - وكمال قدرته، وعظيم تدبيره، وإتقان صنعه، ومن ذلك عجائب خلق الإنسان وعناية اللَّه به، وبيانه - سبحانه - ما في عالم الحيوان من خلقه وتكوينه، وأجهزته، وتنويعه، وعالم النبات، وما فيه من غرائب وعجائب وسُنن تُحار فيها العقول، والرياح السيارة، وأعظم من ذلك كله توجيه الأنظار إلى خلق السماوات والأرض، والليل والنهار، وما في ذلك من آيات تدل على عظمة الخالق (١) قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢).\nوالقرآن الكريم يزخر بالأدلة على هذا النوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الطريق الثاني: معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام</span>، فقد أيد\n_________\n(١) انظر: معالم الدعوة في القصص القرآني للدكتور عبد الوهاب بن لطف الديلمي، ١/ ٢٥١، ومناهج الجدل، ص١٤٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٦٤.","vol":"1","page":31},{"text":"اللَّه الرسل - عليهم الصلاة والسلام - بالمعجزات الباهرة للعقول، والخارقة لسنن الكون وقوانين الحياة، ليستدلوا بها على صدق نبوتهم، وإثبات رسالتهم، فإذا ثبتت نبوة الرسل بقيام المعجزات علم أن هناك مرسلًا أرسلهم؛ لأن ثبوت الرسالة يستلزم ثبوت المرسل، والعلم بالإضافة يستلزم العلم بالمضاف إليه، فالمعجزات نفسها يعلم بها صدق الرسول المتضمن لإثبات من أرسله، والآيات الباهرة التي يستدل بها على إثبات الخالق تدل المعجزة كدلالتها وأعظم (١).\nوصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه.\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٩/ ٤٠، ٤١، ٤٣، ٧/ ٣٠٢ - ٣٠٧، وفتاوى شيخ الإسلام ١١/ ٣٧٧. وخلاصة ما ذكر ابن تيمية في إثبات وجود الله -تعالى- كالتالي:\n١ - الاستدلال بآيات الله في الكون.\n٢ - أدلة الفطرة، فإن الخلق مفطورون على الإقرار بالخالق.\n٣ - الاستدلال على الله بالله، فإنه عرفنا نفسه فعرفناه.\n٤ - الاستدلال بمعجزات الرسل.\n٥ - إجماع الأمم وأصحاب العقول والفطر السليمة.\n٦ - المقاييس العقلية. انظر: فتاوى شيخ الإسلام، ٣٦/ ٢١ - ٢٣، وستجد جميع الإحالات إلى المواضع التي ذكرها ابن تيمية في فتاواه.","vol":"1","page":32}]}