{"ً":{"ٌ":96517,"ٍ":"كيفية دعوة الوثنيين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: كيفية دعوة الوثنيين إلى اللَّه تعالى في ضوء الكتاب والسنة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٧٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":39,"ٖ":1770154053,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"تمهيد:","level":1,"page":3},{"title":"المبحث الأول: الحجج والبراهين العقلية القطعية على إثبات ألوهية الله تعالى.","level":1,"page":4},{"title":"المبحث الثاني: ضعف جميع المعبودات من دون الله من كل الوجوه","level":1,"page":7},{"title":"المبحث الثالث: ضرب الأمثلة الحكيمة","level":1,"page":9},{"title":"المبحث الرابع: الكمال المطلق للإله الحق المستحق للعبادة وحده","level":1,"page":12},{"title":"١ - المتفرد بالألوهية:","level":2,"page":13},{"title":"٢ - وهو الإله الذي خضع كل شيء لسلطانه","level":2,"page":14},{"title":"٣ - وهو الإله الذي بيده النفع والضر","level":2,"page":14},{"title":"٤ - وهو القادر على كل شيء","level":2,"page":15},{"title":"٥ - إحاطة علمه بكل شيء","level":2,"page":15},{"title":"المبحث الخامس: التوحيد دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام","level":1,"page":16},{"title":"المبحث السادس: الغلو في الصالحين سبب شرك البشر","level":1,"page":18},{"title":"زيارة القبور نوعان:","level":2,"page":23},{"title":"النوع الأول: زيارة شرعية","level":3,"page":23},{"title":"النوع الثاني: زيارة شركية وبدعية","level":3,"page":24},{"title":"١ - من يسأل الميت حاجته، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام.","level":4,"page":24},{"title":"٢ - من سأل الله - تعالى - بالميت،","level":4,"page":24},{"title":"٣ - من يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب","level":4,"page":24},{"title":"المبحث السابع: الشفاعة المثبتة والمنفية","level":1,"page":24},{"title":"الشفاعة لغة:","level":2,"page":24},{"title":"واصطلاحا:","level":2,"page":24},{"title":"يرد على من طلب الشفاعة من غير الله - تعالى - بالأقوال الحكيمة الآتية:","level":2,"page":25},{"title":"أولا: ليس المخلوق كالخالق،","level":3,"page":25},{"title":"١ - إما لإخبارهم عن أحوال الناس بما لا يعرفونه.","level":4,"page":25},{"title":"٢ - أو يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته فلابد له من أعوان؛ لذله وعجزه.","level":4,"page":25},{"title":"٣ - أو يكون الملك لا يريد نفع رعيته والإحسان إليهم","level":4,"page":25},{"title":"ثانيا: الشفاعة شفاعتان:","level":3,"page":27},{"title":"(أ) شفاعة مثبتة:","level":4,"page":27},{"title":"الشرط الأول:","level":5,"page":27},{"title":"الشرط الثاني:","level":5,"page":27},{"title":"(ب) الشفاعة المنفية:","level":4,"page":27},{"title":"ثالثا: الاحتجاج على من طلب الشفاعة","level":3,"page":28},{"title":"المبحث الثامن: الإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده","level":1,"page":28},{"title":"أولا: على وجه الإجمال:","level":2,"page":29},{"title":"ثانيا: على وجه التفصيل:","level":2,"page":30},{"title":"المبحث التاسع: البعث بعد الموت","level":1,"page":31},{"title":"المسلك الأول: الأدلة العقلية:","level":2,"page":32},{"title":"أولا: حكمة الله - تعالى - وعدله يقتضيان البعث والجزاء:","level":3,"page":32},{"title":"ثانيا: القادر على إيجاد الخلق قادر على إعادته، وهو أهون عليه.","level":3,"page":33},{"title":"ثالثا: الخالق لما هو أعظم قادر على خلق ما هو أصغر بلا شك:","level":3,"page":34},{"title":"رابعا: اليقظة بعد النوم:","level":3,"page":34},{"title":"خامسا: إخراج النار من الشجر الأخضر:","level":3,"page":35},{"title":"المسلك الثاني: الأدلة الحسية:","level":2,"page":36},{"title":"أولا: إحياء الله الموتى في الحياة الدنيا:","level":3,"page":36},{"title":"١ - قوم موسى حين قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة","level":4,"page":36},{"title":"٢ - قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل","level":4,"page":36},{"title":"٣ - قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت","level":4,"page":37},{"title":"٤ - قصة الرجل الذي مر على قرية ميتة فاستبعد أن يحييها الله، فأماته الله مائة سنة ثم أحياه","level":4,"page":37},{"title":"٥ - قصة إبراهيم - ﷺ - حين سأل الله - تعالى - أن يريه كيف يحيي الموتى؟","level":4,"page":37},{"title":"٦ - ما أخبر الله به عن عيسى - ﷺ - من أنه كان يحيي الموتى","level":4,"page":38},{"title":"ثانيا: إحياء الأرض بعد موتها:","level":3,"page":38},{"title":"المسلك الثالث: الأدلة الشرعية:","level":2,"page":39},{"title":"المبحث العاشر: الدعوة بالقوة الفعلية مع الكفار","level":1,"page":41},{"title":"المطلب الأول: مراتب الدعوة إلى الله تعالى","level":2,"page":41},{"title":"المرتبة الأولى: الحكمة.","level":3,"page":41},{"title":"المرتبة الثانية: الموعظة الحسنة.","level":3,"page":41},{"title":"المرتبة الثالثة: الجدال بالتي هي أحسن.","level":3,"page":41},{"title":"المرتبة الرابعة: استخدام القوة.","level":3,"page":41},{"title":"تكون مراتب المدعوين بحسب هذه المراتب كالآتي:","level":4,"page":42},{"title":"١ - المستجيب الذكي، القابل للحق، الذي لا يعاند ولا يأباه","level":5,"page":42},{"title":"٢ - القابل للحق المعترف به؛ لكن عنده نوع غفلة وتأخر","level":5,"page":42},{"title":"٣ - المعاند الجاحد، فهذا يجادل بالتي هي أحسن","level":5,"page":42},{"title":"٤ - فإن ظلم المعاند ولم يرجع إلى الحق انتقل معه إلى مرتبة استخدام القوة إن أمكن.","level":5,"page":42},{"title":"المطلب الثاني: أسباب استخدام القوة الفعلية مع الكفار","level":2,"page":43},{"title":"المطلب الثالث: قوة الجهاد في سبيل الله تعالى","level":2,"page":45},{"title":"المسلك الأول: أهداف الجهاد وغايته:","level":3,"page":46},{"title":"١ - إعلاء كلمة الله، وتبليغ دينه، ودعوة الناس إليه، وإخراجهم من الظلمات إلى النور","level":4,"page":47},{"title":"٢ - نصر المظلومين","level":4,"page":47},{"title":"٣ - رد العدوان، وحفظ الإسلام، وحماية عقيدة التوحيد","level":4,"page":47},{"title":"المسلك الثاني: أطوار قوة الجهاد:","level":3,"page":47},{"title":"الطور الأول:","level":4,"page":47},{"title":"الطور الثاني من أطوار الجهاد","level":4,"page":50},{"title":"المسلك الثالث: الإعداد لقوة الجهاد:","level":3,"page":51},{"title":"١ - قوة الإيمان والعمل الصالح","level":4,"page":51},{"title":"٢ - قوة الحديد وما استطاعه المسلمون من قوة مادية","level":4,"page":51},{"title":"المسلك الرابع: ضوابط قوة الجهاد:","level":3,"page":53},{"title":"(أ) الإسلام والهجرة،","level":4,"page":54},{"title":"(ب) فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية","level":4,"page":54},{"title":"(ج) فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم","level":4,"page":54},{"title":"المسلك الخامس: مراتب قوة الجهاد وأنواعه:","level":3,"page":55},{"title":"١ - جهاد النفس له أربع مراتب:","level":4,"page":55},{"title":"(أ) جهادها على تعلم أمور الدين والهدى","level":5,"page":55},{"title":"(ب) جهادها على العمل به بعد علمه،","level":5,"page":56},{"title":"(ج) جهادها على الدعوة إليه ببصيرة،","level":5,"page":56},{"title":"(د) جهادها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله،","level":5,"page":56},{"title":"٢ - جهاد الشيطان وله مرتبتان:","level":4,"page":56},{"title":"(أ) جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك","level":5,"page":56},{"title":"(ب) جهاده على دفع ما يلقي إليه من الشهوات والإرادات الفاسدة،","level":5,"page":56},{"title":"٣ - جهاد الكفار والمنافقين:","level":4,"page":57},{"title":"٤ - جهاد أصحاب الظلم والعدوان، والبدع والمنكرات:","level":4,"page":57},{"title":"(أ) باليد إذا قدر المجاهد على ذلك.","level":5,"page":57},{"title":"(ب) فإن عجز انتقل إلى اللسان.","level":5,"page":57},{"title":"(ج) فإن عجز جاهد بالقلب،","level":5,"page":57},{"title":"يتضح مما تقدم أن ميادين أو أنواع القتال في الجهاد كالآتي:","level":4,"page":59},{"title":"١ - جهاد الكفار، والمنافقين، والمرتدين","level":5,"page":59},{"title":"٢ - جهاد البغاة المعتدين.","level":5,"page":59},{"title":"٣ - جهاد الدفاع عن: الدين، والنفس، والأهل، والمال","level":5,"page":59},{"title":"المطلب الرابع: أسباب النصر","level":2,"page":59},{"title":"المسلك الأول: الإيمان والعمل الصالح:","level":3,"page":60},{"title":"المسلك الثاني: نصر دين الله تعالى:","level":3,"page":61},{"title":"المسلك الثالث: التوكل على الله والأخذ بالأسباب:","level":3,"page":61},{"title":"(أ) الاعتماد على الله، والثقة بوعده ونصره تعالى.","level":4,"page":62},{"title":"(ب) الأخذ بالأسباب المشروعة.","level":4,"page":62},{"title":"المسلك الرابع: المشاورة بين المسؤولين:","level":3,"page":63},{"title":"المسلك الخامس: الثبات عند لقاء العدو:","level":3,"page":63},{"title":"المسلك السادس: الشجاعة والبطولة والتضحية:","level":3,"page":64},{"title":"(أ) شجاعته البطولية الفذة في معركة بدر","level":4,"page":65},{"title":"(ب) في معركة أحد قاتل قتالا بطوليا لم يقاتله أحد","level":4,"page":65},{"title":"(ج) في معركة حنين: قال البراء: كنا إذا احمر البأس نتقي به","level":4,"page":65},{"title":"المسلك السابع: الدعاء وكثرة الذكر","level":3,"page":65},{"title":"المسلك الثامن: طاعة الله ورسوله - ﷺ -:","level":3,"page":68},{"title":"المسلك التاسع: الاجتماع وعدم النزاع:","level":3,"page":69},{"title":"المسلك العاشر: الصبر والمصابرة:","level":3,"page":69},{"title":"المسلك الحادي عشر: الإخلاص لله تعالى:","level":3,"page":70},{"title":"المسلك الثاني عشر: الرغبة فيما عند الله تعالى:","level":3,"page":71},{"title":"(أ) ما فعل عمير بن الحمام في بدر","level":4,"page":71},{"title":"(ب) ما فعل أنس بن النضر - عم أنس بن مالك - يوم أحد","level":4,"page":72},{"title":"المسلك الثالث عشر: إسناد القيادة لأهل الإيمان:","level":3,"page":73},{"title":"المسلك الرابع عشر: التحصن بالدعائم المنجيات:","level":3,"page":73},{"title":"(أ) التوبة والاستغفار من جميع المعاصي والذنوب كبيرها وصغيرها","level":4,"page":73},{"title":"١ - الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها.","level":5,"page":73},{"title":"٢ - العزيمة على عدم العودة إليها","level":5,"page":73},{"title":"٣ - الندم على فعلها","level":5,"page":74},{"title":"(ب) تقوى الله تعالى","level":4,"page":74},{"title":"(ج) أداء جميع الفرائض واتباعها بالنوافل.","level":4,"page":74},{"title":"(د) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،","level":4,"page":74},{"title":"(هـ) الاقتداء بالنبي - ﷺ - في جميع الاعتقادات، والأقوال والأفعال.","level":4,"page":75},{"title":"(و) الدعاء والضراعة إلى الله تعالى.","level":4,"page":75}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75},"ٜ":{"1":[3,76]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"4":[3],"7":[4],"9":[5],"12":[6],"13":[7],"14":[8,9],"15":[10,11],"16":[12],"18":[13],"23":[14,15],"24":[16,17,18,19,20,21,22],"25":[23,24,25,26,27],"27":[28,29,30,31,32],"28":[33,34],"29":[35],"30":[36],"31":[37],"32":[38,39],"33":[40],"34":[41,42],"35":[43],"36":[44,45,46,47],"37":[48,49,50],"38":[51,52],"39":[53],"41":[54,55,56,57,58,59],"42":[60,61,62,63,64],"43":[65],"45":[66],"46":[67],"47":[68,69,70,71,72],"50":[73],"51":[74,75,76],"53":[77],"54":[78,79,80],"55":[81,82,83],"56":[84,85,86,87,88,89],"57":[90,91,92,93,94],"59":[95,96,97,98,99],"60":[100],"61":[101,102],"62":[103,104],"63":[105,106],"64":[107],"65":[108,109,110,111],"68":[112],"69":[113,114],"70":[115],"71":[116,117],"72":[118],"73":[119,120,121,122,123],"74":[124,125,126,127],"75":[128,129]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nكيفية دعوة الوثنيين إلى اللَّه تعالى\nفي ضوء الكتاب والسنة\n\nتأليف الفقير إلى اللَّه تعالى\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:\nفهذه رسالة مختصرة في «كيفية دعوة الوثنيين المشركين إلى اللَّه تعالى» بيّنت فيها بإيجاز الأساليب والوسائل والطرق الحكيمة في دعوتهم إلى اللَّه تعالى.\nواللَّه تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل اليسير مباركًا، نافعًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول وهو حسبنا ونعم الوكيل.\nوصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد بن عبد اللَّه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nالمؤلف\nحرر ضحى يوم الخميس ٢٥/ ٢/١٤٢٥هـ","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد:</span>\nالوثني: من يتدين بعبادة الوثن (١)، يقال: رجل وثنيٌّ، وقوم وثنيُّون، وامرأة وثنية، ونساء وثنيَّات (٢)، واسم الوثن يتناول كل معبود من دون اللَّه. سواء كان ذلك المعبود قبرًا، أو مشهدًا، أو صورة، أو غير ذلك (٣).\nوكل من دعا نبيًّا أو وليًّا أو ملكًا أو جنيًّا، أو صرف له شيئًا من\n_________\n(١) الوثن: الصنم، والجمع وثن وأوثان وهو التمثال يعبد، سواء كان من خشب، أو حجر، أو نحاس، أو فضة أو غير ذلك. وقد كان الوثنيون يزعمون أن عبادته تقربهم إلى الله - تعالى -، كما بين - سبحانه - ذلك عنهم بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. (سورة الزمر، الآية: ٣). انظر: القاموس المحيط، باب النون، فصل الواو، ص١٥٩٧، وباب الميم فصل الصاد ص١٤٦٠، والمعجم الوسيط، مادة (وثن) ٢/ ١٠١٢، ومادة (صنم) ١/ ٥٢٦، والمصباح المنير، مادة (وثن) ص٦٤٧، ٦٤٨ ومادة (صنم)، ص٣٤٩ ومختار الصحاح، مادة (وثن)، ص٢٩٥، ومادة (صنم)، ص١٥٦.\n(٢) انظر: المعجم الوسيط، مادة (وثن) ٢/ ١٠١٢، والمصباح المنير، مادة (وثن) ص٦٤٨.\nقال ابن الأثير: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض، أو من خشب، أو حجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد. والصنم: الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما، وأطلقهما على المعنيين. انظر: النهاية في غريب الحديث ٥/ ١٥١ و٣/ ٥٦ ثم قال: وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي بن حاتم قال: أتيت النبي - ﷺ - وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: &gt;يا عدي اطرح عنك هذا الوثن&lt;. أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب سورة التوبة ٥/ ٢٧٨، برقم ٣٠٩٥، وانظر: صحيح الترمذي ٣/ ٥٦.\n(٣) انظر: فتح المجيد، شرح كتاب التوحيد، للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، ص٢٤٤.","vol":"1","page":4},{"text":"العبادة فقد اتخذه إلهًا من دون اللَّه (١)، وهذا هو حقيقة الشرك الأكبر، الذي قال اللَّه - تعالى - فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٢).\nوالمشركون يُدعَون إلى اللَّه - تعالى - بالحكمة القولية على حسب عقولهم وأفهامهم.\nوسأبين ذلك - بإذن اللَّه تعالى - في المباحث الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: الحجج والبراهين العقلية القطعية على إثبات ألوهية اللَّه تعالى</span>.\nالمبحث الثاني: ضعف جميع المعبودات من دون اللَّه من كل الوجوه.\nالمبحث الثالث: ضرب الأمثال الحكيمة.\nالمبحث الرابع: الكمال المطلق للإله المستحق للعبادة وحده.\nالمبحث الخامس: التوحيد دعوة جميع الرسل، عليهم الصلاة والسلام.\nالمبحث السادس: الغلو في الصالحين سبب كفر بني آدم.\nالمبحث السابع: الشفاعة المثبتة والمنفية.\nالمبحث الثامن: الإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده.\nالمبحث التاسع: البعث بعد الموت.\n_________\n(١) انظر: فتح المجيد، شرح كتاب التوحيد، ص٢٤٢.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٤٨.","vol":"1","page":5},{"text":"المبحث الأول: الحجج العقلية القطعية على إثبات ألوهية اللَّه تعالى\nمن البراهين القطعية التي ينبغي للدعاة إلى اللَّه تبيينها وتوضيحها لمن اتخذ من دون اللَّه آلهة أخرى، قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١).\nفقد أنكر – سبحانه – على من اتخذ من دونه آلهة من الأرض، سواء كانت أحجارًا أو خشبًا، أو غير ذلك من الأوثان التي تعبد من دون اللَّه! فهل هم يحيون الأموات ويبعثونهم؟ والجواب: كلا، لا يقدرون على شيء من ذلك، ولو كانت في السماوات والأرض آلهة تستحق العبادة غير اللَّه لفسدتا وفسد ما فيهما من المخلوقات؛ لأن تعدد الآلهة يقتضي التمانع والتنازع والاختلاف، فيحدث بسببه الهلاك، فلو فُرِضَ وجود إلهين، وأراد أحدهما أن يخلق شيئًا والآخر لا يريد ذلك، أو أراد أن يُعطي والآخر أراد أن يمنع، أو أراد أحدهما تحريك جسم والآخر يريد تسكينه، فحينئذ يختل نظام العالم، وتفسد الحياة!، وذلك:\n- لأنه يستحيل وجود مرادهما معًا، وهو من أبطل الباطل؛ فإنه لو وجد مرادهما جميعًا للزم اجتماع الضدين، وأن يكون الشيء\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآيات: ٢١ – ٢٣.","vol":"1","page":6},{"text":"الواحد حيًّا ميتًا، متحركًا ساكنًا.\n- وإذا لم يحصل مراد واحد منهما لزم عجز كل منهما، وذلك يناقض الربوبية.\n- وإن وُجِدَ مراد أحدهما ونفذ دون مراد الآخر، كان النافذ مراده هو الإله القادر، والآخر عاجز ضعيف مخذول.\n- واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور غير ممكن.\nوحينئذ يتعين أن القاهر الغالب على أمره هو الذي يوجد مراده وحده من غير مُمانع ولا مُدافع، ولا مُنازع ولا مُخالف ولا شريك، وهو اللَّه الخالق الإله الواحد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ ولهذا ذكر – سبحانه – دليل التمانع في قوله - ﷿ -: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١).\nوإتقان العالم العلوي والسفلي، وانتظامه منذ خلقه، واتساقه، وارتباط بعضه ببعض في غاية الدقة والكمال: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ (٢). وكل ذلك مسخر، ومدبر بالحكمة لمصالح الخلق كلهم – يدل على أن مدبره واحد، وربه واحد،\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآيتان: ٩١ - ٩٢.\n(٢) سورة الملك، الآية: ٣.","vol":"1","page":7},{"text":"وإلهه واحد، لا معبود غيره، ولا خالق سواه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الثاني: ضعف جميع المعبودات من دون اللَّه من كل الوجوه</span>\nمن المعلوم عند جميع العقلاء أن كل ما عُبِدَ من دون اللَّه من الآلهة ضعيف من كل الوجوه، وعاجز ومخذول، وهذه الآلهة لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئًا من ضر أو نفع، أو حياة أو موت، أو إعطاء أو منع، أو خفض أو رفع، أو عز أو ذل، وأنها لا تتصف بأي صفة من الصفات التي يتصف بها الإله الحق، فكيف يعبد من هذه حاله؟ وكيف يُرجى أو يُخاف من هذه صفاته؟ وكيف يُسأل من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا (٢).\nوقد بيّن اللَّه - ﷿ - ضعف وعجز كل ما عبد من دونه أكمل بيان، فقال – سبحانه -: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣)، ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٩/ ٣٥٢، ٣٥٤، ٣٣٧ - ٣٨٢، ١/ ٣٥ - ٣٧، وتفسير البغوي، ٣/ ٢٤١، ٣١٦، وابن كثير، ٣/ ٢٥٥، ١٧٦، وفتح القدير للشوكاني، ٣/ ٤٠٢، ٤٩٦، وتفسير عبد الرحمن السعدي، ٥/ ٢٢٠، ٣٧٤، وأيسر التفاسير لأبي بكر جابر الجزائري، ٣/ ٩٩، ومناهج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر بن عواض، الألمعي ص١٥٨ - ١٦١.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ٨٣، ٢١٩، ٢٧٧، ٤١٧، ٣/ ٤٧، ٢١١، ٣١٠، وتفسير السعدي، ٢/ ٣٢٧، ٤٢٠، ٣/ ٢٩٠، ٤٥١، ٥/ ٢٧٩، ٤٥٧، ٦/ ١٥٣، وأضواء البيان للشنقيطي، ٢/ ٤٨٢، ٣/ ١٠١، ٣٢٢، ٥٩٨، ٥/ ٤٤، ٦/ ٢٦٨.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٧٦.","vol":"1","page":8},{"text":"وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ، وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ* وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ (١).\nوهي مع هذه الصفات لا تملك كشف الضر عن عابديها ولا تحويله إلى غيرهم ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ (٢).\nومن المعلوم يقينًا أن ما يعبده المشركون من دون اللَّه من: الأنبياء أو الصالحين أو الملائكة أو الجن الذين أسلموا، أنهم في شغل شاغل عنهم باهتمامهم بالافتقار إلى اللَّه بالعمل الصالح، والتنافس في القُرب من ربهم، يرجون رحمته ويخافون عذابه،\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآيات: ١٩١ - ١٩٨.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٥٦.","vol":"1","page":9},{"text":"فكيف يُعبَدُ من هذه حاله؟ (١) قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٢).\nوقد أوضح وبيَّن سبحانه أن ما عُبِدَ من دونه قد توفرت فيهم جميع أسباب العجز وعدم إجابة الدعاء من كل وجه؛ فإنهم لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض لا على وجه الاستقلال، ولا على وجه الاشتراك، وليس للَّه من هذه المعبودات من ظهير يساعده على ملكه وتدبيره، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له (٣)، قال - ﷿ -: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ..﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثالث: ضرب الأمثلة الحكيمة</span>\nضرب الأمثال من أوضح وأقوى أساليب الإيضاح والبيان في إبراز الحقائق المعقولة في صورة الأمر المحسوس، وهذا من أعظم ما يُردُّ به على الوثنيين في إبطال عقيدتهم وتسويتهم المخلوق\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٤٨، وتفسير السعدي، ٤/ ٢٩١.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٥٧.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٣٧، وتفسير السعدي، ٦/ ٢٧٤.\n(٤) سورة سبأ، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.","vol":"1","page":10},{"text":"بالخالق في العبادة والتعظيم؛ ولكثرة هذا النوع في القرآن الكريم فسأقتصر على ثلاثة أمثلة توضح المقصود كالآتي:\n١ - قال اللَّه - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).\nحق على كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، فالآلهة التي تُعبد من دون اللَّه لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف بما هو أكبر منه، بل لا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه، فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو أضعف المخلوقات، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة الباطلة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون اللَّه؟!\nوهذا المثل من أبلغ ما أنزل اللَّه – تعالى – في بطلان الشرك وتجهيل أهله (٢).\n_________\n(١) سورة الحج، الآيتان: ٧٣ - ٧٤.\n(٢) انظر: أمثال القرآن لابن القيم، ص٤٧، والتفسير القيم لابن القيم، ص٣٦٨، وتفسير البغوي، ٣/ ٢٩٨، وابن كثير، ٣/ ٢٣٦، وفتح القدير للشوكاني، ٣/ ٤٧٠، وتفسير السعدي، ٥/ ٣٢٦.","vol":"1","page":11},{"text":"٢ - ومن أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك، وخسارة صاحبه، وحصوله على ضد مقصوده، قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاّ الْعَالِمُونَ﴾ (١).\nفهذا مثل ضربه اللَّه لمن عبد معه غيره يقصد به التعزز والتقوي والنفع، فبين – سبحانه – أن هؤلاء ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياء من دون اللَّه أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت التي هي من أضعف الحيوانات، اتخذت بيتًا وهو من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا، وكذلك من اتخذ من دون اللَّه أولياء، فإنهم ضعفاء، وازدادوا باتخاذهم ضعفًا إلى ضعفهم (٢).\n٣ - ومن أبلغ الأمثال التي تُبيّن أن المشرك قد تشتت شمله واحتار في أمره، ما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ للَّهِ\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآيات: ٤١ – ٤٣.\n(٢) انظر: تفسير البغوي، ٣/ ٤٦٨، وأمثال القرآن لابن القيم، ص٢١، وفتح القدير للشوكاني، ٤/ ٢٠٤.","vol":"1","page":12},{"text":"بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١).\nفهذا مثل ضربه اللَّه - تعالى - للمشرك والموحد، فالمشرك لمَّا كان يعبد آلهة شتى شُبِّهَ بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، يتنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب.\nوالموحِّد لما كان يعبد اللَّه وحده لا شريك له، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ والجواب: كلا، لا يستويان أبدًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الرابع: الكمال المطلق للإله الحق المستحق للعبادة وحده</span>\nبعد أن عرفنا صفات الآلهة الباطلة، وأنها لا تملك لنفسها ولا لغيرها ضرًّا ولا نفعًا، فهي لا تستحق العبادة، وإنما الذي يستحق العبادة وحده من يملك القدرة على كل شيء، والإحاطة بكل شي، وكمال السلطان والغلبة والقهر والهيمنة على كل شيء، والعلم بكل\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٢٩.\n(٢) انظر: تفسير البغوي، ٤/ ٧٨، وابن كثير، ٤/ ٥٢، والتفسير القيم، ص٤٢٣، وفتح القدير للشوكاني، ٤/ ٤٦٢، وتفسير السعدي، ٦/ ٤٦٨، وتفسير الجزائري، ٤/ ٤٣.","vol":"1","page":13},{"text":"شيء، ويملك الدنيا والآخرة، والنفع والضر، والعطاء والمنع بيده وحده، فمن كان هذا شأنه فإنه حقيق بأن يُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُطاع فلا يُعصى، ولا يُشرك معه غيره (١).\nوصفات الكمال المطلق للَّه - تعالى - لا يحيط بها أحد، ولكن منها على سبيل المثال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>١ - المتفرد بالألوهية: </span>لا يستحق الألوهية إلا اللَّه وحده، الحي الذي لا يموت أبدًا، القيوم الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع المخلوقات، وهي مفتقرة إليه في كل شيء، ومن كمال حياته وقيوميته أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وجميع ما في السماوات والأرض عبيده، وتحت قهره وسلطانه: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ (٢).\nومن تمام ملكه وعظمته وكبريائه أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكل الوجهاء والشفعاء عبيد له، لا يقدمون على شفاعة حتى يأذن لهم، ولا يأذن إلا لمن ارتضى، وعلمه تعالى محيط بجميع الكائنات، ولا يطلع أحد على شيء من علمه إلا ما أطلعهم عليه، ومن عظمته أن كرسيه وسع السموات والأرض، وأنه قد حفظهما\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي، ١/ ٢٣٧، ٣/ ٧١، ٢/ ٨٨، ٣٧٢، وابن كثير، ١/ ٣٠٩، ٢/ ٥٧٢، ٣/ ٤٢، ٢/ ١٢٧، ٤٣٥، ٥٧٠، ١/ ٣٤٤، ٢/ ١٣٨، وتفسير السعدي، ١/ ٣١٣، ٧/ ٦٨٦، ٢/ ٣٨١، ٣/ ٣٩٧، ٤/ ٢٠٤، ٦/ ٣٦٤، ١/ ٣٥٦، ٢/ ٣٧٢، وأضواء البيان، ٢/ ١٨٧، ٣/ ٢٧١.\n(٢) سورة مريم، الآيتان: ٩٣ - ٩٤.","vol":"1","page":14},{"text":"وما فيهما من مخلوقات، ولا يثقله حفظهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القاهر لكل شيء، العلي بذاته على جميع مخلوقاته، والعلي بعظمته وصفاته، العلي الذي قهر المخلوقات، ودانت له الموجودات، العظيم الجامع لصفات العظمة والكبرياء، وقد دل على هذه الصفات العظيمة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ...﴾ الآية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>٢ - وهو الإله الذي خضع كل شيء لسلطانه</span>، فانقادت له المخلوقات بأسرها: جماداتها وحيواناتها، وإنسها وجنّها وملائكتها ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>٣ - وهو الإله الذي بيده النفع والضر</span>، فلو اجتمع الخلق على أن ينفعوا مخلوقًا لم ينفعوه إلا بما كتبه اللَّه له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إذا لم يرد اللَّه ذلك ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٨٣.","vol":"1","page":15},{"text":"يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>٤ - وهو القادر على كل شيء</span>، ولا يعجزه شيء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>٥ - إحاطة علمه بكل شيء</span>، شامل للغيوب كلها: يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون (٣)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ (٤)، ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٥)، ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٦)، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧).\nولا شك أن من عرف هذه الصفات وغيرها من صفات الكمال\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ١٠٧.\n(٢) سورة يس، الآية: ٨٢.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٣٤٤، ٢/ ١٣٨، والسعدي، ٢/ ٣٥٦، ٢/ ٣٧٢.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ٥.\n(٥) سورة يونس، الآية: ٦١.\n(٦) سورة الأنعام، الآية: ٥٩.\n(٧) سورة الأنفال، الآية: ٧٥.","vol":"1","page":16},{"text":"والعظمة، فإنه سيعبد اللَّه وحده؛ لأنه الإله المستحق للعبادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الخامس: التوحيد دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام</span>\nيجب أن يُبلّغ كل من أشرك باللَّه - تعالى - أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - دعوا أقوامهم إلى عبادة اللَّه وحده دون ما سواه، وأن الحجة قد قامت على جميع الأمم، وما من أمة إلا بعث اللَّه فيهم رسولًا، وكلهم يدعون إلى عبادة اللَّه وحده لا شريك له (١)، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٤).\nفبيّن سبحانه في هذه الآيات عن طريق العموم أن جميع الرسل\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٩/ ٣٤٤، وتفسير ابن كثير، ٢/ ٥٦٧، والسعدي، ٤/ ٢٠٢، وأضواء البيان للشنقيطي، ٣/ ٢٦٨.\n(٢) سورة النحل، الآية: ٣٦.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.\n(٤) سورة الزخرف، الآية: ٤٥.","vol":"1","page":17},{"text":"دعوا إلى «لا إله إلا اللَّه»، وخلع جميع المعبودات من دون اللَّه (١)، وفصَّل ذلك في مواضع أخرى من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢)، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٣)، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٤)، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٥)، ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (٦).\nوهذا بلاغ مبين من اللَّه لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.\nفالداعية إلى اللَّه – تعالى – يقوم بإيصال هذه الحكم القولية إلى الناس، ويبين لهم ذلك، فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها، وما\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ٣/ ٢٦٨.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٩.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٦٥.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ٧٣.\n(٥) سورة الأعراف، الآية: ٨٥.\n(٦) سورة المائدة، الآية: ٧٢.","vol":"1","page":18},{"text":"ربك بظلام للعبيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث السادس: الغلو في الصالحين سبب شرك البشر</span>\nمن أعظم الحكم القولية في دعوة من تعلق بغير اللَّه - تعالى -، أن يبين لهم أن الغلو في الصالحين هو سبب الشرك باللَّه - تعالى - فقد كان الناس منذ أُهبط آدم - ﷺ - إلى الأرض على الإسلام، قال ابن عباس - ﵀ -: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام» (١).\nوبعد ذلك تعلق الناس بالصالحين، ودب الشرك في الأرض، فبعث اللَّه نوحًا - ﷺ - يدعو إلى عبادة اللَّه وحده، وينهى عن عبادة ما سواه (٢)، وردّ عليه قومه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (٣).\nوهذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد حتى إذا هلك\n_________\n(١) أخرجه الطبري في تفسيره، (٤/ ٢٧٥، رقم ٤٠٤٨)، والحاكم في المستدرك، كتاب التاريخ، ٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية، ١/ ١٠١، وعزاه إلى البخاري، وانظر: فتح الباري، ٦/ ٣٧٢.\n(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ١/ ١٠٦.\n(٣) سورة نوح، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":19},{"text":"أولئك ونُسِيَ العلم عُبِدت «(١).\nوهذا سببه الغلو في الصالحين، فإن الشيطان يدعو إلى الغلو في الصالحين وإلى عبادة القبور، ويُلقي في قلوب الناس أن البناء والعكوف عليها من محبة أهلها من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها والإقسام على اللَّه بها، وشأن اللَّه أعظم من أن يُسأل بأحد من خلقه، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى دعاء صاحب القبر وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون اللَّه، واتخاذ قبره وثنًا تعلق عليه الستور، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويذبح عنده، ثم ينقلهم من ذلك إلى مرتبة رابعة: وهي دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدًا، ثم ينقلهم إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقَّص أهل هذه الرتب العالية من الأنبياء والصالحين، وعند ذلك يغضبون (٢).\nولهذا حذَّر اللَّه عباده من الغلو في الدين، والإفراط بالتعظيم بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ورفع المخلوق عن منزلته التي أنزله اللَّه – تعالى – كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (٣)، ولهذا حذَّر رسول اللَّه - ﷺ -\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة نوح، ٨/ ٦٦٧، برقم ٤٩٢٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري، ٢٩/ ٦٢، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص٢٤٦.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٧١.","vol":"1","page":20},{"text":"عن الإطراء، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله» (١)، وقال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٢).\nوحذر - ﷺ - عن اتخاذ المساجد على القبور؛ لأن عبادة اللَّه عند قبور الصالحين وسيلة إلى عبادتهم، ولهذا لما ذكرت أم حبيبة وأم سلمة - ﵄ - لرسول اللَّه - ﷺ - كنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة».\nومن حرص النبي - ﷺ - على أمته أنه عندما نزل به الموت قال: «لَعْنَةُ اللَّه على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة - ﵂ -: يحذر ما صنعوا (٣).\nوقال قبل أن يموت بخمس: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ...﴾، ٦/ ٤٧٨، (رقم ٣٤٤٥)، ١٢/ ١٤٤، وانظر شرحه في الفتح، ١٢/ ١٤٩.\n(٢) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى، ٥/ ٢٦٨، (رقم ٣٠٥٥)، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، ٢/ ١٠٠٨، (رقم ٣٠٢٩)، وأحمد، ١/ ٣٤٧.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة، باب حدثنا أبو اليمان، ١/ ٥٣٢، (رقم ٤٣٥، ٤٣٦)، ٣/ ٢٠٠، ٦/ ٤٩٤، ٧/ ١٨٦، ٨/ ١٤٠، ١٠/ ٢٧٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، ١/ ٣٧٧، (رقم ٥٣١).","vol":"1","page":21},{"text":"مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (١).\nوحذّر - ﷺ - أمته عن اتخاذ قبره وثنًا يعبد من دون اللَّه، ومن باب أولى غيره من الخلق، فقال: «اللَّهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب اللَّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢).\nولعن - ﷺ - من اتخذ المساجد على القبور؛ لينفِّر عن هذا الفعل، فعن ابن عباس - ﵄ - قال: «لعن رسول اللَّه - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» (٣).\nولم يترك - ﷺ - بابًا من أبواب الشرك التي تُوصّل إليه إلا سدّه (٤)، قال - ﷺ -: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، ١/ ٣٧٧، (رقم ٥٣٢).\n(٢) الموطأ للإمام مالك، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة، ١/ ١٧٢، وهو عنده مرسل، ولفظ أحمد، ٢/ ٢٤٦: &gt;اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، ولعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد&lt;، وأبو نعيم في الحلية، ٧/ ٣١٧، وانظر: فتح المجيد، ص١٥٠.\n(٣) النسائي، كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور، ٤/ ٩٤، (رقم ٢٠٤١)، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، ٣/ ٢١٨، (رقم ٣٢٣٦)، والترمذي، كتاب الصلاة، باب كراهية أن يتخذ على القبر مسجدًا، ٢/ ١٣٦، (رقم ٣٢٠)، وابن ماجه في الجنائز، باب النهي عن زيارة النساء للقبور، ١/ ٥٠٢، (رقم ١٥٧٥)، وأحمد، ١/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤، ٢/ ٣٣٧، ٣/ ٤٤٢، ٤٤٣، والحاكم، ١/ ٣٧٤، وانظر ما نقله صاحب فتح المجيد في تصحيح الحديث عن ابن تيمية، ص٢٧٦.\n(٤) انظر: فتح المجيد، ص٢٨١.\n(٥) مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، ٢/ ٦٦٨، (رقم ٩٧٢).","vol":"1","page":22},{"text":"وقد بيّن - ﷺ - أن القبور ليست مواضع للصلاة، وأن من صلى عليه وسلم فستبلغه صلاته، سواء كان بعيدًا عن قبره أو قريبًا، فلا حاجة لاتخاذ قبره عيدًا: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (١).\nوقال - ﷺ -: «إن للَّه ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام» (٢).\nوإذا كان قبر النبي - ﷺ - أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فغيره أولى بالنهي كائنًا ما كان (٣).\nوقد كان - ﷺ - يطهر الأرض من وسائل الشرك، فيبعث بعض أصحابه إلى هدم القباب المشرفة على القبور، وطمس الصور، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللَّه - ﷺ -؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (٤).\nوكما سد - ﷺ - كل باب يوصّل إلى الشرك، فقد حمى التوحيد عما يقرب منه ويخالطه من الشرك وأسبابه، فقال - ﷺ -: «لا تشدوا\n_________\n(١) أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، ٢/ ٢١٨، (رقم ٢٠٤٢) بإسناد حسن، وأحمد، ٢/ ٣٥٧، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٨٣.\n(٢) النسائي في السهو، باب السلام على النبي - ﷺ -، ٣/ ٤٣، (رقم ١٢٨٠)، وأحمد، ١/ ٤٥٢، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ -، برقم ٢١، ص٢٤، وسنده صحيح.\n(٣) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية لعبد الرحمن بن قاسم، ٦/ ١٦٥ - ١٧٤.\n(٤) مسلم، كتاب الجنائز، الأمر بتسوية القبر، ١/ ٦٦٦، (رقم ٩٦٩).","vol":"1","page":23},{"text":"الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».\nفدخل في هذا النهي شدّ الرحال لزيارة القبور والمشاهد، وهو الذي فهمه الصحابة - ﵃ - من قول النبي - ﷺ -، ولهذا عندما ذهب أبو هريرة - ﵁ - إلى الطور، فلقيه بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين جئت؟ قال: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت إليه، سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد ...» (١).\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره - ﷺ - أو غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل ينهى عن ذلك» (٢).\n\nفتبين أن<span data-type=\"title\" id=toc-14> زيارة القبور نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>النوع الأول: زيارة شرعية </span>يقصد بها السلام عليهم، والدعاء لهم، كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات صلاة الجنازة؛ ولتذكر الموت؛ ولاتباع سنة النبي - ﷺ -، بشرط عدم شد الرحال.\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجمعة، باب الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، ٣/ ١١٤، (رقم ١٤٢٨)، ومالك في الموطأ، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة، ١/ ١٠٩، وأحمد في المسند، ٦/ ٧، ٣٩٧، وانظر: فتح المجيد، ص٢٨٩، وصحيح النسائي، ١/ ٣٠٩.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٤.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>النوع الثاني: زيارة شركية وبدعية </span>(١)، وهذا النوع ثلاثة أنواع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>١ - من يسأل الميت حاجته، وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>٢ - من سأل اللَّه - تعالى - بالميت</span>، كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يُخرِجُ عن الإسلام كما يُخرِج الأول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٣ - من يظنّ أن الدعاء عند القبور مُستجاب</span>، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، وهذا من المنكرات بالإجماع (٢).\nفإذا سلك الداعية هذه المسالك في دعوة الوثنيين بالحكمة القولية وُفّق بإذن اللَّه تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث السابع: الشفاعة المثبتة والمنفية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الشفاعة لغة: </span>يُقال: شفع الشيء: ضمَّ مثله إليه، فجعل الوتر شفعًا (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>واصطلاحًا: </span>التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرةٍ (٤).\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٣، والبداية والنهاية، ١٤/ ١٢٣.\n(٢) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ٦/ ١٦٥ - ١٧٤.\n(٣) انظر: القاموس المحيط، باب العين، فصل الشين، ص٩٤٧، والنهاية في غريب الحديث، ٢/ ٤٨٥، والمعجم الوسيط، ١/ ٤٨٧.\n(٤) انظر: شرح لمعة الاعتقاد للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص٨٠.","vol":"1","page":25},{"text":"من الحكمة القولية في دعوة من يتعلق بغير اللَّه - تعالى - ويطلب الشفاعة منه أن يبين له أن الشفاعة ملك للَّه وحده ﴿قُل للَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١).\n\nويمكن أن<span data-type=\"title\" id=toc-23> يرد على من طلب الشفاعة من غير اللَّه - تعالى - بالأقوال الحكيمة الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>أولًا: ليس المخلوق كالخالق</span>، فكل من قال: إن الأنبياء والصالحين والملائكة أو غيرهم من المخلوقين لهم عند اللَّه جاهٌ عظيمٌ ومقاماتٌ عاليةٌ، فهم يشفعون لنا عنده كما يتقرب إلى الوجهاء والوزراء عند الملوك والسلاطين، ليجعلوهم وسائط لقضاء حاجاتهم، فهذا القول من أبطل الباطل؛ لأنه شبه اللَّه العظيم ملك الملوك بالملوك الفقراء المحتاجين للوزراء والوجهاء في تكميل ملكهم ونفوذ قوتهم، فإن الوسائط بين الملوك وبين الناس على أحد وجوه ثلاثة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>١ - إما لإخبارهم عن أحوال الناس بما لا يعرفونه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٢ - أو يكون الملكُ عاجزًا عن تدبير رعيته فلابدّ له من أعوان؛ لذُلِّهِ وعجزه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>٣ - أو يكون الملك لا يريد نفع رعيته والإحسان إليهم</span>، فإذا خاطبه من ينصحه ويعظه تحركت إرادته وهمّته في قضاء حوائج رعيته.\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٤٤.","vol":"1","page":26},{"text":"واللَّه - ﷿ - ليس كخلقه الضعفاء، فهو تعالى لا تخفى عليه خافية، وغني عن كل ما سواه، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، ومعلوم أن الشافع عند ملوك الدنيا قد يكون له ملك مستقل، وقد يكن شريكًا لهم، وقد يكون معاونًا لهم، فالملوك يقبلون شفاعته لأحد ثلاثة أمور:\n(أ) تارة لحاجتهم إليه. (ب) وتارة لخوفهم منه.\n(ج) وتارة لجزاء إحسانه إليهم.\nوشفاعة العباد بعضهم عند بعض من هذا الجنس، فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة، واللَّه - ﷿ - لا يرجو أحدًا ولا يخافه، ولا يحتاج إليه (١)، ولهذا قطع اللَّه جميع أنواع التعلقات بغيره، وبين بطلانها، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ..﴾ (٢).\nفقد سدّت هذه الآية على المشركين جميع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك أبلغ سد وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وحينئذ فلابد أن يكون المعبود مالكًا للأسباب\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ١٢٦ - ١٢٩.\n(٢) سورة سبأ، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.","vol":"1","page":27},{"text":"التي ينتفع بها عابده، أو يكون شريكًا لمالكها، أو ظهيرًا أو وزيرًا أو معاونًا له، أو وجيهًا ذا حرمة وقدر يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>ثانيًا: الشفاعة شفاعتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>(أ) شفاعة مثبتة: </span>وهي التي تطلب من اللَّه، ولها شرطان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الشرط الأول: </span>إذن اللَّه للشافع أن يشفع، لقوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الشرط الثاني: </span>رضا اللَّه عن الشافع والمشفوع له، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٣)، ﴿يَومَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَولًا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>(ب) الشفاعة المنفية: </span>وهي التي تطلب من غير اللَّه فيما لا يقدر عليه إلا اللَّه، والشفاعة بغير إذنه ورضاه، والشفاعة للكفار: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٥)، ويستثنى شفاعته - ﷺ - في تخفيف\n_________\n(١) انظر: التفسير القيم، لابن القيم، ص٤٠٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٨.\n(٤) سورة طه، الآية: ١٠٩.\n(٥) سورة المدثر، الآية: ٤٨.","vol":"1","page":28},{"text":"عذاب أبي طالب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>ثالثًا: الاحتجاج على من طلب الشفاعة </span>من غير اللَّه بالنص والإجماع، فلم يكن النبي - ﷺ - ولا الأنبياء من قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة، أو الأنبياء، أو الصالحين، ولا يطلبوا منهم الشفاعة، ولم يفعل ذلك أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولم يستحبّ ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين، ولا من يعتبر قوله في مسائل الإجماع، فالحمد للَّه رب العالمين (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الثامن: الإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده</span>\nمن الحكمة في دعوة المشركين إلى اللَّه - تعالى - لفت أنظارهم وقلوبهم إلى نعم اللَّه العظيمة: الظاهرة والباطنة، والدينية والدنيوية. فقد أسبغ على عباده جميع النعم ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وسخر هذا الكون وما فيه من مخلوقات لهذا الإنسان.\n_________\n(١) انظر: البخاري مع الفتح، مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، ٧/ ١٧٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابًا، برقم ٢١١، ١/ ١٩٥.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ١١٢، ١٥٨، ١٤/ ٣٩٩ - ٤١٤، ١/ ١٠٨ - ١٦٥، ١٤/ ٣٨٠، ٤٠٩، ١/ ١٦٠ - ١٦٦، ١٩٥، ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٤١، ودرء تعارض العقل والنقل، ٥/ ١٤٧، وأضواء البيان، ١/ ١٣٧.\n(٣) سورة النحل، الآية: ٥٣.","vol":"1","page":29},{"text":"وقد بين سبحانه هذه النعم، وامتن بها على عباده، وأنه المستحق للعبادة وحده، ومما امتن به عليهم ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>أولًا: على وجه الإجمال:</span>\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ...﴾ (١)، ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٢) الآية. ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣).\nفقد شمل هذا الامتنان جميع النعم: الظاهرة والباطنة، الحسيّة والمعنوية، فجميع ما في السموات والأرض قد سُخّر لهذا الإنسان، وهو شامل لأجرام السموات والأرض، وما أودع فيهما من: الشمس والقمر والكواكب، والثوابت والسيارات، والجبال والبحار والأنهار، وأنواع الحيوانات، وأصناف الأشجار والثمار، وأجناس المعادن، وغير ذلك مما هو من مصالح بني آدم، ومصالح ما هو من ضروراتهم للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.\nوكل ذلك دالّ على أن اللَّه وحده هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له، وهذه أدلة عقلية لا تقبل ريبًا ولا شكًّا\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٩.\n(٢) سورة لقمان، الآية: ٢٠.\n(٣) سورة الجاثية، الآية: ١٣.","vol":"1","page":30},{"text":"على أن اللَّه هو الحق، وأن ما يُدعى من دونه هو الباطل (١)، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثانيًا: على وجه التفصيل:</span>\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ* وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ* وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ - بعد أن ذكر نعمًا كثيرة: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي، ١/ ٥٩، ٣/ ٧٢، وابن كثير، ٣/ ٤٥١، ٤/ ١٤٩، والشوكاني، ١/ ٦٠، ٤/ ٤٢٠، والسعدي، ١/ ٦٩، ٦/ ١٦١، ٧/ ٢١، وفي ظلال القرآن، ١/ ٥٣، ٥/ ٢٧٩٢، وأضواء البيان للشنقيطي، ٣/ ٢٢٥ - ٢٥٣.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٦٢، وانظر: سورة لقمان، الآية: ٣٠.\n(٣) سورة إبراهيم، الآيات: ٣٢ - ٣٤.","vol":"1","page":31},{"text":"وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).\nأفمن يخلق هذه النعم وهذه المخلوقات العجيبة كمن لا يخلق شيئًا منها؟\nومن المعلوم قطعًا أنه لا يستطيع فرد من أفراد العباد أن يحصي ما أنعم اللَّه به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسة من حواسه، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه في بدنه، وكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنوعها واختلاف أجناسها؟ (٢).\nولا يسع العاقل بعد ذلك إلا أن يعبد اللَّه الذي أسدى لعباده هذه النعم ولا يشرك به شيئًا، لأنه المستحق للعبادة وحده سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث التاسع: البعث بعد الموت</span>\nاستبعد المشركون والملحدون إعادة الأجساد بعد موتها، إذا تقطعت الأوصال، وتمزقت الأجساد، وبليت العظام وتفتت وتفرّقت في أجزاء الأرض، وتحلل الجسد إلى ذرات ترابية، وربما أكلته السباع، فصار غذاء لها واختلط بأجزائها (٣).\n_________\n(١) سورة النحل، الآيات: ١٤ - ١٨، وانظر: الآيات ٣ - ١٢ من السورة نفسها.\n(٢) انظر: فتح القدير، ٣/ ١٥٤، ٣/ ١١٠، وأضواء البيان، ٣/ ٢٥٣.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٤٥٨، ٤/ ٢٢٢، ومناهج الجدل، ص٣١١، ومعالم الدعوة، ١/ ١٩٨.","vol":"1","page":32},{"text":"ومن الحكمة القولية في دعوة هؤلاء إلى الإيمان بالبعث أن تُسلك معهم المسالك الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المسلك الأول: الأدلة العقلية</span>.\nالمسلك الثاني: الأدلة الحسية.\nالمسلك الثالث: الأدلة الشرعية.\n\nالمسلك الأول: الأدلة العقلية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>أولًا: حكمة اللَّه - تعالى - وعدله يقتضيان البعث والجزاء:</span>\nلقد شاء اللَّه - ﷿ - أن يجعل الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار وعمل، فأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأمر بعبادته وحده، وجعل دارًا أخرى، وذلك من مقتضيات ملكه وحكمته وعدله؛ ليُثيب المحسن على إحسانه، ويُجازي المسيء على إساءته، ولم يخلق الخلق عبثًا، ولم يتركهم هملًا، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (١)، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (٢)، ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ\n_________\n(١) سورة الملك، الآيتان: ١ - ٢.\n(٢) سورة المؤمنون، الآية: ١١٥.","vol":"1","page":33},{"text":"وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ (١).\nوهو - ﷿ - لا يساوي بين الخبيث والطيب، والمحسن والمسيء والكافر والمؤمن، وقد أنكر على من ظن ذلك (٢) فقال تعالى: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٣)، ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>ثانيًا: القادر على إيجاد الخلق قادر على إعادته، وهو أهون عليه</span>.\nالشيء إذا لم يكن ثم كان ثم أعدم فإن إعادته أيسر وأهون على من بدأه أول مرة ثم أفناه، وقد ردَّ اللَّه – سبحانه – على من أنكر البعث بهذا، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٥)، ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (٦).\nوغير ذلك من الأدلة القطعية التي تدل على أن من خلق\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ٤.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٤٥٨، والسعدي، ٦/ ١٨٥، وأضواء البيان، ٧/ ٣٠.\n(٣) سورة الجاثية، الآية: ٢١.\n(٤) سورة القلم، الآيتان: ٣٥ - ٣٦.\n(٥) سورة الروم، الآية: ٢٧.\n(٦) سورة مريم، الآيتان: ٦٦ - ٦٧.","vol":"1","page":34},{"text":"الخلائق وابتدع خلقهم على غير مثال سابق قادر على إعادة خلقهم مرة أخرى، وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ثالثًا: الخالق لمَّا هو أعظم قادر على خلق ما هو أصغر بلا شك:</span>\nمن المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، فخلقه لهذه المخلوقات العظيمة وقدرته عليها من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت؛ لأن من خلق الأعظم الأكبر لا شك في قدرته الكاملة على خلق الأيسر الأضعف الأصغر، وهو أولى بالقدرة والإمكان من الأعظم (٢)، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>رابعًا: اليقظة بعد النوم:</span>\nالنوم يعتبر موتًا مصغرًا، والاستيقاظ يعتبر حياة مصغرة أيضًا، وكما تتم عملية النوم للإنسان والحيوان وعملية الاستيقاظ تتم عملية الموت والحياة الكاملة لهما (٤)، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ١/ ٣٢ - ٣٥، وأضواء البيان، ١/ ٨٩، ١١٥، ٣/ ٢٢٣، ٧/ ٣٣٤ - ٣٣٦.\n(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ١/ ٣٢، وأضواء البيان، ١/ ٨٩، ١١٦.\n(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٣٣.\n(٤) انظر: أضواء البيان، ٤/ ٢٤، وعقيدة المؤمن لأبي بكر الجزائري، ص٢٦٥.","vol":"1","page":35},{"text":"مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١).\nومن آيات اللَّه العظيمة الباهرة الدالة على بعث الأرواح والأجساد ما أجراه اللَّه سبحانه على أهل الكهف من نوم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسع سنين، ثم بعثهم بعد هذا النوم الطويل (٢): ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>خامسًا: إخراج النار من الشجر الأخضر:</span>\nومن الأدلة على بعث الأجساد والأرواح قدرة اللَّه – تعالى – على إخراج النار اليابسة المحرقة من الشجر الأخضر الذي هو في غاية الرطوبة مع تضادهما وشدة تخالفهما، فالقادر على أن يخلق من الشجر الأخضر نارًا أولى بالقدرة على أن يخرج إنسانًا حيًّا من التراب، كما خلقه أول مرة (٤)، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ٦٠.\n(٢) انظر: تفسير البغوي، ٣/ ١٦٥، وابن كثير، ٣/ ٧٨، والسعدي، ٥/ ١٣، وأضواء البيان، ٤/ ٢٢ - ٢٤.\n(٣) سورة الكهف، الآية: ٢١.\n(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ١/ ٣٤، وتفسير ابن كثير، ٣/ ٥٨٣.\n(٥) سورة يس، الآية: ٨٠.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المسلك الثاني: الأدلة الحسية:</span>\nمن الأدلة الحسية التي شاهدها الناس ونقلها لنا أعظم الكتب والمهيمن عليها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>أولًا: إحياء اللَّه الموتى في الحياة الدنيا:</span>\nفمن أعظم البراهين التي تدل على البعث إحياء اللَّه - - ﷿ - - بعض الموتى في الحياة الدنيا؛ لأن من أحيا نفسًا واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (١).\nومن هذا النوع الأمثلة الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>١ - قوم موسى حين قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى اللَّه جهرةً</span>، فأماتهم اللَّه - تعالى - ثم أحياهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٢ - قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل</span>، فأمرهم اللَّه تعالى أن يذبحوا بقرة، ثم يضربوه ببعضها، ثم فعلوا فأحياه اللَّه، فأخبر بمن قتله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ\n_________\n(١) سورة لقمان، الآية: ٢٨.\n(٢) سورة البقرة، الآيتان: ٥٥ - ٥٦.","vol":"1","page":37},{"text":"الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٣ - قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت</span>، فأماتهم اللَّه تعالى ثم أحياهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٤ - قصة الرجل الذي مرّ على قرية ميتة فاستبعد أن يُحييها اللَّه، فأماته اللَّه مائة سنة ثم أحياه</span>، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٥ - قصة إبراهيم - ﷺ - حين سأل اللَّه – تعالى – أن يريه كيف يحيي الموتى</span>؟ فأمره أن يذبح أربعة من الطير، ويفرقهن أجزاء على الجبال التي حوله، ثم يناديهن فتجتمع الأجزاء بعضها إلى بعض،\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان: ٧٢ - ٧٣.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٤٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٩.","vol":"1","page":38},{"text":"وتأتي إلى إبراهيم سعيًا (١)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>٦ - ما أخبر اللَّه به عن عيسى - ﷺ - من أنه كان يحيي الموتى</span>، ويخرجهم من قبورهم بإذن اللَّه تعالى: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٣)، ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي﴾ (٤).\nفهذه أدلة حسية واقعة، وبرهان قطعي على القدرة الإلهية، وأن الذي أماتهم ثم أحياهم قادر على بعثهم يوم القيامة، فإنه لا يعجزه شيء سبحانه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>ثانيًا: إحياء الأرض بعد موتها:</span>\nإحياء اللَّه الأرض بعد موتها بُرهان قاطع من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت؛ لأنه بُرهان حسي يتجدد بين يدي الناس، ويشاهدون فيه آثار قدرة اللَّه - تعالى - في الإحياء المتجدد، ولأن\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٣١٥، والسعدي، ١/ ٣٢١.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٠.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ٤٩.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ١١٠.\n(٥) انظر تفسير السعدي، ١/ ٣٢١، ومناهج الجدل، ص٣٢٨.","vol":"1","page":39},{"text":"من أخرج النبات وجعل في الأرض من كل زوج بهيج فأحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم (١) قال اللَّه – تعالى -: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (٢)، ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣)، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المسلك الثالث: الأدلة الشرعية:</span>\nرد اللَّه – تعالى – شبه المنكرين للبعث، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (٥)، ﴿ق~ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ\n_________\n(١) أضواء البيان، ١/ ٩٠، ١١٦، ٣/ ٢٢٣، ٧/ ٣٣٦، وشرح أصول الإيمان لمحمد بن صالح العثيمين، ص٤٩.\n(٢) سورة الروم، الآية: ١٩.\n(٣) سورة الروم، الآية: ٥٠.\n(٤) سورة فصلت، الآية: ٣٩.\n(٥) سورة السجدة، الآيتان: ١٠ - ١١.","vol":"1","page":40},{"text":"رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (١).\nفبيّن سبحانه أنه يعلم ما تأكل الأرض من أجسادهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، ولا يخفى عليه أين تفرقت، وإلى أين ذهبت، كل ذلك عنده في كتاب مضبوط محفوظ (٢).\nوأمر اللَّه رسوله - ﷺ - أن يُقسم بربه – سبحانه – على وقوع البعث ووجوده، وأنه لا يغيب عن اللَّه – تعالى – مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا يعجزه شيء (٣)، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٤)، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٥).\nفإذا استخدم الداعية إلى اللَّه – تعالى – في دعوته للوثنيين بالحكمة القولية ما جاء في هذه المطالب ومسالكها التفصيلية، كان مصيبًا مسددًا، منزلًا للناس منازلهم، سالكًا طريق الحكمة في\n_________\n(١) سورة ق، الآيات: ١ - ٤.\n(٢) انظر تفسير ابن كثير، ٤/ ٢٢٣.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ٤٢١، ٣/ ٥٢٦، ٤/ ٣٧٥، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي، ٦/ ٦١٣.\n(٤) سورة يونس، الآية: ٥٣، وانظر: سورة سبأ، الآية: ٣.\n(٥) سورة التغابن، الآية: ٧.","vol":"1","page":41},{"text":"دعوتهم بإذن اللَّه تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث العاشر: الدعوة بالقوة الفعلية مع الكفار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>المطلب الأول: مراتب الدعوة إلى اللَّه تعالى</span>\nقد دل كتاب اللَّه على أن مراتب الدعوة - بحسب مراتب البشر - قال اللَّه تعالى -: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢)، فاتضح بذلك أن مراتب الدعوة إلى اللَّه أربع مراتب كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المرتبة الأولى: الحكمة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>المرتبة الثانية: الموعظة الحسنة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المرتبة الثالثة: الجدال بالتي هي أحسن</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المرتبة الرابعة: استخدام القوة</span>.\nولابد أن تكون مرتبة الحكمة ملازمة لجميع المراتب التي بعدها، فالموعظة لابد أن توضع في موضعها، والجدال في موضعه، واستخدام القوة في موضعه مع بيان الحق بدليله والإصابة في الأقوال والأفعال، وكل ذلك بإحكام وإتقان.\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.","vol":"1","page":42},{"text":"وبهذا<span data-type=\"title\" id=toc-60> تكون مراتب المدعوِّينَ بحسب هذه المراتب كالآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>١ - المستجيب الذكي، القابل للحق، الذي لا يعاند ولا يأباه</span>، وهذا يُبيّن له الحق علمًا وعملًا واعتقادًا، فيقبله ويعمل به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٢ - القابل للحق المعترف به؛ لكن عنده نوع غفلة وتأخر</span>، وله أهواء وشهوات تصدّه عن اتباع الحق، فهذا يُدعى بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٣ - المعاند الجاحد، فهذا يُجادل بالتي هي أحسن </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٤ - فإن ظلم المعاند ولم يرجع إلى الحق انتُقل معه إلى مرتبة استخدام القوة إن أمكن</span>.\nواستخدام القوة يكون بالكلام، وبالتأديب لمن له سلطة وقوة، وبالجهاد في سبيل اللَّه - تعالى - تحت لواء ولي أمر المسلمين بالشروط التي دلّ عليها الكتاب والسنة (٢)، وهذا ما يقتضيه مفهوم الحكمة الصحيح؛ لأنها وضع الشي في موضعه اللائق به بإحكام وإتقان وإصابة.\n_________\n(١) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢/ ٤٤، ١٥/ ٢٤٣، ١٩/ ١٦٤، ومفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ١٩٤، ١٩٥، والتفسير القيم لابن القيم، ص٣٤٤، ومعالم الدعوة في القصص القرآني للديلمي، ١/ ٥٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٤١٦، ٤/ ٣١٥، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب، ص٨٩، وفتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ١/ ٩٠، وزاد الداعية إلى الله، لفضيلة العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص١٥، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥.","vol":"1","page":43},{"text":"ويزيد ذلك وضوحًا وبيانًا ما كان عليه رسول اللَّه - ﷺ - وهو الذي أعطاه ربه من الحكمة ما لم يعط أحدًا من العالمين، فقد كان يضع العلم والتعليم والتربية في مواضعها، والموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي هي أحسن في موضعها، والقوة والغلظة والسيف في مواضعها، وهذا من أحكم الحكم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، وهذا عين الحكمة في الدعوة إلى اللَّه تعالى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المطلب الثاني: أسباب استخدام القوة الفعلية مع الكفار</span>\nأصناف المدعوين: من الملحدين، والوثنيين، وأهل الكتاب، وغيرهم من الكفار إذا لم يؤثر فيهم ما تقدم من حكمة القول في دعوتهم، ولم يستفيدوا من حكمة القول العقلية، والحسية، والنقلية، والبراهين المعجزة، والجدال بالتي هي أحسن، وأعرضوا وكذبوا فحينئذ يكون آخر الطب الكي: وهو استخدام القوة؛ فإن لها الأثر العظيم في نشر الدعوة، وقمع الباطل وأهله، ونصر الحق وأهله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ\n_________\n(١) سورة التحريم، الآية: ٩.\n(٢) انظر: تعليق الشيخ محمد حامد الفقي على التفسير القيم لابن القيم، ص٣٤٤.","vol":"1","page":44},{"text":"لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).\nفبين - سبحانه - أنه أرسل الرسل ﵊، بالبينات وهي: المعجزات، والحُجج الباهرات، والبراهين السَّاطعات، والدلائل القاطعات، التي يوضح اللَّه بها الحقّ، ويدفع بها الباطل، وأنزل مع الرسل الكتاب الذي فيه البينات والهدى والإيضاح، وأنزل معهم الميزان: وهو العدل في الأقوال والأفعال الذي يُنصَف به المظلوم من الظالم، ويقام به الحق، ويعامل الناس على ضوئه بالحق، وأنزل الحديد فيه قوة وردع وزجر لمن خالف الحق، فالحديد لمن لم تنفع فيه الحجة والبرهان وتؤثر فيه البيّنة، فهو الملزم بالحق والقامع للباطل بإذن اللَّه - تعالى -. ولقد أحسن من قال في مثل هذا:\n\nوما هو إلا الوحْيُ أوْحَدُّ مُرْهَفٍ ... تُميلُ ظُبَاه أخدَعَيْ كُلِّ مائِلِ\nفهذا دواءُ الدَّاءِ مِن كلِّ عالمٍ ... وهذا دواءُ الدَّاءِ من كُلِّ جاهِلِ\nهوَ الحقُّ إنْ تستيقِظُوا فيه تَغْنَمُوا ... وإن تَغْفَلُوا فالسَّيْفُ لَيْسَ بغافِلِ (٢)\n\nوقال آخر: يعني رسول اللَّه - ﷺ -:\n\nقالوا غَزَوْتَ ورسْلُ اللَّه ما بُعثوا ... لقتْلِ نفسٍ ولا جاءُوا لسفكِ دم\nجهلٌ وتضليلُ أحلامٍ وسفسطة ... فتحتَ بالسيف بعد الفتح بالقلم\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية: ٢٥.\n(٢) ديوان أبي تمام، بشرح الخطيب التبريزي، ٣/ ٨٦ - ٨٧.","vol":"1","page":45},{"text":"لما أتى لكَ عفوًا كلُّ ذي حَسَبٍ ... تكفَّلَ السيفُ بالجهالِ والعَمَم (١)\n\nوما أحكم ما قاله الآخر:\n\nدعا المصطفى دهرًا بمكة لم يجب ... وقد لان منه جانب وخطاب\nفلما دعا والسيف صلت بكفه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا (٢)\n\nفالعاقل ذو الفطرة السليمة ينتفع بالبينة والبرهان ويقبل الحق بدليله، أما الظالم المتّبع لهواه فلا يردّه إلا السيف وأنواع السلاح (٣)، ولهذا يكون الجهاد في سبيل اللَّه أعظم حكمة القوة في الدعوة إلى دين اللَّه تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المطلب الثالث: قوة الجهاد في سبيل اللَّه تعالى</span>\nالجهاد في سبيل اللَّه (٤) من أعظم ما تقرّب به العباد بعد الفرائض\n_________\n(١) الشوقيات: شعر أحمد شوقي، ١/ ٢٠١، ومعنى العمم: اسم جامع للعامة.\n(٢) انظر: فتاوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ٣/ ١٨٤، ٢٠٤.\n(٣) انظر الإمام محمد بن عبد الوهاب: دعوته وسيرته للعلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ص٢٨، وفتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣٧، ٢٦٤ وتفسير ابن كثير، ٣/ ٤١٦، ٤/ ٣١٥، وتفسير السعدي، ٧/ ٣٠١.\n(٤) الجهاد في اللغة: بذل واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل. وفي الشرع: بذل الجهد من المسلمين في قتال الكفار، والبغاة، والمرتدين ونحوهم. وهو فرض كفاية. ويكون عين في ثلاث حالات:\n١ - إذا حضر المسلم صف القتال.\n٢ - إذا حضر العدو بلدًا من بلدان المسلمين.\n٣ - إذا طلب إمام المسلمين النفير.\nانظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب الجيم مع الهاء، والمصباح المنير، مادة (جهد)، ١/ ١١٢، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٥ - ٨، والقتال في الإسلام، ص١١، وذكر ابن القيم أن جنس الجهاد فرض عين: إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد. فيجب على المسلم أن يجاهد في سبيل الله بنوع من هذه الأنواع حسب الحاجة والقدرة؛ ولهذا قال - ﷺ -: &gt;جاهدوا المشركين بألسنتكم، وأنفسكم، وأموالكم، وأيديكم&lt;، رواه أبو داود والنسائي والدارمي، وأحمد واللفظ له. ٣/ ١٥٣، وانظر زاد المعاد، ٣/ ٦، ١٠/ ١٢.","vol":"1","page":46},{"text":"إلى اللَّه - تعالى - لما يترتب عليه من نصر المؤمنين وإعلاء كلمة الدين وقمع الكافرين المعاندين والمنافقين وغير ذلك من المصالح الكثيرة والعواقب الحميدة، وله أهداف، وأطوار، وأنواع، ومراتب إذا علمها المجاهدون وعملوا بها فقد أحرزوا حكمة القوّة الفعلية في الدعوة إلى اللَّه.\nوسأتناول ذلك بإذن اللَّه - تعالى - في المسالك الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>المسلك الأول: أهداف الجهاد وغايته</span>.\nالمسلك الثاني: أطوار الجهاد.\nالمسلك الثالث: الإعداد للجهاد.\nالمسلك الرابع: ضوابط قوة الجهاد.\nالمسلك الخامس: مراتب الجهاد وأنواعه.\n\nالمسلك الأول: أهداف الجهاد وغايته:\nالجهاد جهادان: جهاد الطَّلب وجهاد الدِّفاع، والمقصود منها جميعًا والهدف هو:","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>١ - إعلاء كلمة اللَّه، وتبليغ دينه، ودعوة الناس إليه، وإخراجهم من الظلمات إلى النور</span>، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٢ - نصر المظلومين</span>، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٣ - رد العدوان، وحفظ الإسلام، وحماية عقيدة التوحيد</span>، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المسلك الثاني: أطوار قوة الجهاد:</span>\nقد كان الجهاد في الإسلام على أطوار ثلاثة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الطور الأول: </span>الإذن للمسلمين بالجهاد من غير إلزامهم به وفرضه\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٣.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٧٥.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٤.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٤٠.","vol":"1","page":48},{"text":"عليهم، كما في قوله سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١).\nالطور الثاني: الأمر بقتال من قاتل المسلمين والكفّ عمن كفّ عنهم، كما قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٢).\nالطور الثالث: جهاد الكفار والمشركين كافةً، وغزوهم في بلادهم وقتالهم بعد البلاغ والدعوة إلى الإسلام وإصرارهم على الكفر، فيجاهَدوا حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للَّه. وليعم الخير أهل الأرض، وتتسع رقعة الإسلام، ويزول من طريق الدعوة دُعاة الكفر والإلحاد، ويَنْعَمَ العباد بحكم الشريعة العادل، وليخرجوا بهذا الدين من ضيق الدنيا إلى سعة الإسلام، ومن عبادة الخلق إلى عبادة الخالق سبحانه، ومن ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة الإسلامية وأحكامها الرشيدة.\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٣٩.\n(٢) سورة النساء، الآيتان: ٨٩ - ٩٠، وانظر: سورة الكهف، الآية: ٢٩، وسورة البقرة، الآيتان: ١٩٠ - ٢٥٦.","vol":"1","page":49},{"text":"ويستمر القتال حتى يدخلوا في دين اللَّه أو يلتزموا بالجزية بشروطها إذا كانوا من أهلها (١)، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢).\nوهذا هو الذي استقر عليه أمر الإسلام وتوفي عليه نبينا محمد - ﷺ - وأنزل اللَّه فيه آية السيف، وهي من آخر ما نزل: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للَّهِ﴾ (٤). وقوله - ﷺ -: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ويُقيموا الصلاةَ ويُؤتُوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام\n_________\n(١) انظر: التفصيل فيمن تؤخذ منهم الجزية ومن لا تؤخذ منهم في زاد المعاد لابن القيم، ٣/ ١٥٣، وفتاوى ابن باز، ٣/ ١٩٠، وفضل الجهاد والمجاهدين لابن باز، ص٢١.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٢٩.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٥.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٣٩.","vol":"1","page":50},{"text":"وحسابهم على اللَّه «(١).\n\nوهذا إذا استطاع المسلمون بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل اللَّه. أما إذا لم يستطيعوا فعليهم أن يُقاتلوا من قاتلهم واعتدى عليهم، ويكفُّون عمن كفَّ عنهم عملًا بآية النساء وما ورد في معناها في<span data-type=\"title\" id=toc-73> الطور الثاني من أطوار الجهاد </span>(٢)، قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣)، ولا تعارض بين هذه الآية وآية التوبة وما جاء في معناها، لأن آية التوبة فيها الأمر بقتال الكفَّار إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفًا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه آية الأنفال، وكما فعل النبي - ﷺ - يوم الحُديبية، فلا مُنافاة ولا نسخ ولا تخصيص واللَّه أعلم (٤). ويكون الأمر لوليّ الأمر إن شاء قاتل، وإن شاء كفّ، وإن شاء قاتل قومًا دون قوم على حسب القوة والقدرة والمصلحة للمسلمين لا\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، ١/ ٧٥، (رقم ٢٥)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ١/ ٥٣ (رقم ٢٢).\n(٢) قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ‘ وهذا القول أصح وأولى من القول بالنسخ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ‘ وبهذا يعلم أن قول من قال من كُتَّاب العصر: إن الجهاد شرع للدفاع لا للطلب قول غير صحيح ومخالف للنصوص. انظر: فضل الجهاد لابن باز، ص٢٦، وفتاوى ابن باز أيضًا، ٣/ ١٧١.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٦١.\n(٤) تفسير ابن كثير، ٢/ ٣٢٤.","vol":"1","page":51},{"text":"على حسب هواه وشهواته. فإذا صار عندهم من القوة والقدرة، والسلاح ما يستطيعون به قتال جميع الكفار أعلنوها حربًا للجميع وأعلنوا الجهاد للجميع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>المسلك الثالث: الإعداد لقوة الجهاد:</span>\nولا يمكن أن يكون الجهاد قويًّا إلا بإعداد قوتين عظيمتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>١ - قوة الإيمان والعمل الصالح</span>، كما قال - ﷿ -: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٣)، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤)، فالقيام بجميع الواجبات والابتعاد عن جميع المحرَّمات من أعظم أسباب النصر والتمكين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>٢ - قوة الحديد وما استطاعه المسلمون من قوّة مادية</span>، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٥)، والإعداد يكون على حسب الظروف والأحوال، ويتناول كل وسيلة يستطيعها المسلمون، وقد ثبت عنه\n_________\n(١) انظر فتاوى ابن باز، ٣/ ١٩٣، وفتاوى ابن تيمية، ١٣/ ١٦.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٤٧.\n(٣) سورة محمد، الآيتان: ٧ - ٨.\n(٤) سورة غافر، الآية: ٥١.\n(٥) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":52},{"text":"- ﷺ - أنه قال: «وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قُوَّةٍ، ألا إن القوَّة الرمي، ألا إن القوّة الرمي، ألا إنّ القوة الرَّمي» (١)، فيجب إعداد القوات البرية، والجوية، والبحرية إذا استطاع المسلمون ذلك (٢)، ويجب عليهم أن يأخذوا حذرهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ (٣).\nوهذا يدل على وجوب العناية بالأسباب والحذر من مكائد الأعداء، ويدخل في ذلك جميع أنواع الإعداد المتعلقة بالأسلحة والأبدان، وتدريب المجاهدين على أنواع الأسلحة، وكيفية استعمالها وتوجيههم إلى ما يُعينهم على جهاد عدوّهم والسلامة من مكائده، واللَّه - ﷿ - أطلق الأمر بالإعداد وأخْذ الحذر، ولم يذكر نوعًا دون نوع ولا حالًا دون حال، وما ذلك إلا لأن الأوقات تختلف، والأسلحة تتنوع، والعدوّ يقل ويكثر، ويضعف ويقوى، فلهذا ينبغي على قادة المسلمين وأعيانهم ومفكريهم إعداد ما يستطيعون من قوة لقتال أعدائهم وما يرونه من المكيدة في ذلك، وقد قال - ﷺ -: «الحرب خدعة» (٤)، ومعناه أن الخصم قد يُدرك من خصمه بالمكر\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه، ٣/ ١٥٢٢، (رقم ١٩١٧).\n(٢) انظر: عناصر القوة في الإسلام، للسيد سابق، ص٢٢٣، وتفسير السعدي، ٣/ ١٨٣.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٧١.\n(٤) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب جواز الخداع في الحرب، ٣/ ١٣٦١، (رقم ١٧٣٩)، وانظر: شرح النووي، ١٢/ ١٥.","vol":"1","page":53},{"text":"والخديعة في الحرب ما لا يُدركه بالقوة والعدد، وذلك مُجرّب ومعروف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المسلك الرابع: ضوابط قوة الجهاد:</span>\nومع أن ما تقدم هو مفهوم القوة الصحيح في الدعوة إلى اللَّه - تعالى - فإن قوة الجهاد في سبيل اللَّه لها ضوابط ينبغي أن يلتزم بها المجاهدون في سبيل اللَّه - تعالى - ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢)، فيدخل في ذلك ارتكاب المناهي: من المثلة والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال، والرُّهبان، والمرضى، والعُمي، وأصحاب الصّوامع؛ لكن من قاتل من هؤلاء أو استعان الكفّار برأيه قتل (٣).\nويدخل في ذلك قتل الحيوان لغير مصلحة، وتحريق الأشجار، وإفساد الزّروع والثّمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت (٤)، ولهذا كان - ﷺ - إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سريّة أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا بسم اللَّه في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تُمثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم\n_________\n(١) فضل الجهاد والمجاهدين، ص٢٨، وفتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٢٥٣.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٠.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة ١٣/ ١٧٥ - ١٧٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٢٢٧ وعناصر القوة في الإسلام، ص٢١٢.","vol":"1","page":54},{"text":"إلى ثلاث خصال ... «(١)، ثم بيّنها - ﷺ - كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>(أ) الإسلام والهجرة</span>، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>(ب) فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>(ج) فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان باللَّه وقاتلهم </span>(٢).\nومن هذه الضوابط قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ (٣).\nفإذا كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز للمسلمين الغدر حتى ينقضي الأمد، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانةً، بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة، فحينئذٍ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوي علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك.\nودلت الآية على أنه إذا وُجِدَت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن يُنبذ إليهم عهدهم؛ لأنه لم يُخَف منهم بل عُلم ذلك.\nودل مفهوم الآية أيضًا أنه إذا لم يُخف منهم خيانة؛ بأن لم يوجد\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ٣/ ١٣٥٧ (رقم ١٧٣١).\n(٢) انظر: صحيح مسلم، ٣/ ١٣٥٧، وزاد المعاد، ٣/ ١٠٠.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٥٨.","vol":"1","page":55},{"text":"منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته (١).\nولهذا قال سليم بن عامر: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى عهدهم غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَون، وهو يقول: اللَّه أكبر، وفاء لا غدر. فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية - ﵁ - فسأله، فقال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشدُّ عقدة ولا يحلها حتى ينقضيَ أمَدُها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية (٢).\nوهذا هو عين الحكمة في دعوة من ظلم وتجبّر وصدَّ عن سبيل اللَّه تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المسلك الخامس: مراتب قوة الجهاد وأنواعه:</span>\nالجهاد له أربع مراتب: جهاد النفس، والشيطان، والكفَّار والمنافقين، وأصحاب الظلم والبدع والمنكرات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>١ - جهاد النفس له أربع مراتب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>(أ) جهادها على تعلم أمور الدين والهُدى </span>الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ٣٢١، وتفسير السعدي، ٣/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(٢) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه، ٣/ ٨٣، (رقم ٢٧٥٩)، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٢٨، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في الغدر، (رقم ١٥٨٠)، وقال: &gt;هذا حديث حسن صحيح&lt;.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>(ب) جهادها على العمل به بعد علمه</span>، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>(ج) جهادها على الدعوة إليه ببصيرة</span>، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل اللَّه من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا يُنجيه من عذاب اللَّه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>(د) جهادها على الصبر على مشاقّ الدعوة إلى اللَّه</span>، وأذى الخلق، وأن يتحمل ذلك كله للَّه. فمن علم وعمل، وصبر فذاك يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات. قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٢ - جهاد الشيطان وله مرتبتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>(أ) جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشّكوك </span>القادحة في الإيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>(ب) جهاده على دفع ما يلقي إليه من الشهوات والإرادات الفاسدة</span>، فالجهاد الأول بعد اليقين، والثاني بعد الصبر. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا\n_________\n(١) سورة العصر، الآيات: ١ - ٣.","vol":"1","page":57},{"text":"يُوقِنُونَ﴾ (١). والشيطان من أخبث الأعداء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٣ - جهاد الكفَّار والمنافقين:</span>\nوله أربع مراتب:\n(أ) بالقلب. (ب) باللسان. (ج) بالمال. (د) باليد.\nوجهاد الكفار أخصّ باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>٤ - جهاد أصحاب الظّلم والعدوان، والبدع والمنكرات:</span>\nوله ثلاث مراتب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>(أ) باليد إذا قدر المجاهد على ذلك</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>(ب) فإن عجز انتقل إلى اللسان</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>(ج) فإن عجز جاهد بالقلب</span>، قال - ﷺ -: «من رأى منكم منكرًا فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان» (٣).\nفهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد، وأكمل الناس عند اللَّه من كمل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند اللَّه\n_________\n(١) سورة السجدة، الآية: ٢٤.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ٦.\n(٣) مسلم كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، ١/ ٦٩، (رقم ٤٩).","vol":"1","page":58},{"text":"تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على اللَّه محمد خاتم أنبيائه ورسله؛ فإنه كمَّل مراتب الجهاد وجاهد في اللَّه حق جهاده (١)، فصلوات اللَّه وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار.\nولما كان جهاد أعداء اللَّه في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات اللَّه، كما قال - ﷺ -: «ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة اللَّه، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» (٢). كان جهاد النفس مقدمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرها اللَّه به وتترك ما نهاها اللَّه عنه، ويحاربها في اللَّه، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصار عليه، وعدوه الذي بين جنبيه غالب له وقاهر له؟ ولا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يُجاهد نفسه على الخروج. فهذان عدوان (٣)، وبينهما عدو ثالث لا يمكن للعبد أن يجاهدهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط الإنسان عن جهادهما ويخوِّفه ويخذله، ولا يزال يخوّفه ما في جهادهما من\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، ٣/ ١٠، ١٢.\n(٢) أحمد بسند جيد، (٦/ ٢١، ٢٢)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ١١، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله، (رقم ٣٩٣٤)، وفي الزوائد: &gt;إسناده صحيح، رجاله ثقات&lt;.\n(٣) النفس والعدو في خارجها.","vol":"1","page":59},{"text":"المشاقّ، وفوات اللذات، والشهوات، فلا يمكنه أن يُجاهد هذين العدوين إلا بجهاد هذا العدوّ الثالث، وهو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-95>يتضح مما تقدم أن ميادين أو أنواع القتال في الجهاد كالآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>١ - جهاد الكفّار، والمنافقين، والمرتدين </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٢ - جهاد البغاة المعتدين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٣ - جهاد الدفاع عن: الدين، والنفس، والأهل، والمال</span>. ويدخل في هذا النوع جهاد قُطَّاع الطّرق أو المحاربين. قال - ﷺ -: «من قُتِلَ دون ماله فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ دون دينه فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ دون دمه فهو شهيدٌ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المطلب الرابع: أسباب النصر</span>\nمن المعلوم يقينًا أن النصر على الأعداء له أسباب تُحقّقه للمسلمين على أعدائهم بإذن اللَّه - تعالى - وسأذكر معظم هذه\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، ٣/ ٦.\n(٢) انظر: التفصيل في ذلك، زاد المعاد، ٣/ ١٠٠، ٦ - ١١، والمغني لابن قدامة، ١٢/ ٢٦٤، والقتال في الإسلام لمحمد الجعوان، ص١١٣.\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب في قتال اللصوص، ٤/ ٢٤٦، (رقم ٤٧٧٢)، والترمذي، كتاب الديات، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، ٤/ ٢٨، (رقم ١٤٢١)، والنسائي، كتاب تحريم الدم، باب من قتل دون ماله، ٧/ ١١٤، (رقم ٤٠٨١، ٤٠٩١، ٤٠٩٢)، وأحمد برقم ١٦٥٢ - ١٦٥٣. قال الترمذي: &gt;هذا حديث حسن صحيح&lt;.","vol":"1","page":60},{"text":"الأسباب بإيجاز في أربعة عشر مسلكًا كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المسلك الأول: الإيمان والعمل الصالح:</span>\nوعد اللَّه المؤمنين بالنصر المبين على أعدائهم، وذلك بإظهار دينهم، وإهلاك عدوهم وإن طال الزمن قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ *يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). والمؤمنون الموعودون بالنصر هم الموصوفون بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ...﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ\n_________\n(١) سورة غافر، الآيتان: ٥١ - ٥٢.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٤٧.\n(٣) سورة الأنفال، الآيات: ٢ - ٤.\n(٤) سورة النور، الآية: ٥٥.","vol":"1","page":61},{"text":"لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المسلك الثاني: نصر دين اللَّه تعالى:</span>\nومن أعظم أسباب النصر: نصر دين اللَّه – تعالى – والقيام به قولًا، واعتقادًا، وعملًا ودعوة. قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المسلك الثالث: التوكل على اللَّه والأخذ بالأسباب:</span>\nالتوكل على اللَّه مع إعداد القوة من أعظم عوامل النصر، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٤١.\n(٢) سورة الحج، الآيتان: ٤٠ - ٤١.\n(٣) سورة محمد، الآيتان: ٧ - ٨.\n(٤) سورة الصافات، الآيات: ١٧١ - ١٧٣.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ١١.","vol":"1","page":62},{"text":"بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٢). ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (٣). ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ (٤). وقال - ﷺ -: «لو أنكم كنتم توكّلون على اللَّه حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وترُوحُ بِطانًا» (٥). ولابد مع التوكل من الأخذ بالأسباب، لأن التوكل يقوم على ركنين عظيمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>(أ) الاعتماد على اللَّه، والثقة بوعده ونصره تعالى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>(ب) الأخذ بالأسباب المشروعة</span>.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٦). وعن أنس - ﵁ - أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٠.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣.\n(٤) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.\n(٥) الترمذي، كتاب الزهد، باب في التوكل على الله، ٤/ ٥٧٣، (رقم ٢٣٤٤)، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٤.\n(٦) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":63},{"text":"وتوكل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>المسلك الرابع: المشاورة بين المسؤولين:</span>\nكما كان رسول اللَّه - ﷺ - يشاور أصحابه مع كمال عقله وسداد رأيه، امتثالًا لأمر اللَّه تعالى وتطييبًا لنفوس أصحابه، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٢)، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>المسلك الخامس: الثبات عند لقاء العدو:</span>\nمن عوامل النصر الثَّبات عند اللقاء وعدم الانهزام والفرار، فقد ثبت النبي - ﷺ - في جميع معاركه التي خاضها، كما فعل في بدر، وأُحد وحُنين. وكان يقول في حنين حينما ثبت وتراجع بعض المسلمين: «أنا النبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. اللَّهم نزِّل نصرك» (٤) وثبت أصحابه من بعده. وهو قدوتنا وأسوتنا الحسنة\n_________\n(١) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حدثنا عمرو بن علي، ٤/ ٦٦٨، (رقم ٢٥١٧)، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٣٠٩.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٣) سورة الشورى، الآية: ٣٨.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من صف أصحابه عند الهزيمة، ٦/ ١٠٥، (رقم ٢٩٣٠)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، ٣/ ١٤٠١، (رقم ١٧٧٦).","vol":"1","page":64},{"text":"﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١).\nوقال - ﷺ -: «يا أيُّها الناسُ لا تمنَّوا لقاءَ العدوِّ، واسألوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>المسلك السادس: الشجاعة والبطولة والتضحية:</span>\nمن أعظم أسباب النصر: الاتصاف بالشجاعة والتضحية بالنفس والاعتقاد بأن الجهاد لا يُقدِّم الموت ولا يُؤخِّره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ (٣).\nقال الشاعر:\n\nمن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب والموت واحد\n\nولهذا كان أهل الإيمان الكامل هم أشجع الناس، وأكملهم شجاعة هو إمامهم محمد - ﷺ -، وقد ظهرت شجاعته في المعارك الكبرى التي قاتل فيها، ومنها على سبيل المثال:\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٢) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء، ٣/ ١٣٦٢، (رقم ١٧٤٢).\n(٣) سورة النساء، الآية: ٧٨.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>(أ) شجاعته البطولية الفذَّة في معركة بدر</span>، قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «لقد رأيتُنا يوم بدرٍ ونحن نلوذُ برسول اللَّه - ﷺ - وهو أقربنا إلى العدوّ، وكان من أشد الناس يومئذٍ بأسًا» (١). وقال - ﵁ -: «كُنَّا إذا حَميَ البأسُ ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول اللَّه - ﷺ -، فلا يكون أحدنا أدنى إلى القوم منه» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>(ب) في معركة أحد قاتل قتالًا بطوليًّا لم يُقاتله أحد </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>(ج) في معركة حنين: قال البراء: كُنّا إذا احمر البأس نتقي به</span>، وإن الشجاع منا للذي يُحاذي به يعني النبي - ﷺ - (٤).\nوهكذا أصحابه - ﵃ - ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان، فينبغي للمجاهدين أن يقتدوا بنبيهم - ﷺ -، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>المسلك السابع: الدعاء وكثرة الذكر:</span>\nمن أعظم وأقوى عوامل النصر الاستغاثة باللَّه وكثرة ذكره؛ لأنه القويّ القادر على هزيمة أعدائه ونصر أوليائه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ١/ ٨٦.\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الإمام الذهبي، ٢/ ١٤٣.\n(٣) انظر: زاد المعاد، ٣/ ١٩٩.\n(٤) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، ٣/ ١٤٠١، (رقم ١٧٧٦).\n(٥) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.","vol":"1","page":66},{"text":"سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١). ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٢)، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (٣). وقد أمر اللَّه بالذكر والدعاء عند لقاء العدو، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). لأنه سبحانه النصير، فنعم المولى ونعم النصير. وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٥). ولهذا كان النبي - ﷺ - يدعو ربه في معاركه ويستغيث به، فينصره ويمدّه بجنوده، ومن ذلك أنه نظر - ﷺ - يوم بدر إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل - ﷺ - القبلة ورفع يديه واستغاث باللَّه، وما زال يطلب المدد من اللَّه وحده مادًّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: «يا نبي اللَّه كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.\n(٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٩.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٤٥.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٢٦.","vol":"1","page":67},{"text":"وعدك»، فأنزل اللَّه - ﷿ -: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١) فأمدَّه اللَّه بالملائكة. وهكذا كان - ﷺ - يدعو اللَّه في جميع معاركه، ومن ذلك قوله: «اللَّهم منزل الكتاب، سريع الحساب [مُجْريَ السَّحاب] [هازمَ الأحزاب] اهزم الأحزاب. اللَّهم اهزمهم وزلزلهم، وانصرنا عليهم» (٢). وكان يقول عند لقاء العدو: «اللَّهم أنت عَضُدي، وأنت نصيري، بك أحول، وبك أصُول، وبك أقاتل» (٣). وكان إذا خاف قومًا قال: «اللَّهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم» (٤). وقال ابن عباس - ﵄ -: «حسبنا اللَّه ونعم الوكيل. قالها إبراهيم حين أُلقيَ في النار، وقالها محمد حين قال له الناس: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾» (٥). وهكذا ينبغي أن يكون المجاهدون في سبيل اللَّه - تعالى - لأن الدعاء يدفع اللَّه به من البلاء ما اللَّه به عليم.\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٩.\n(٢) مسلم، كتاب، الجهاد والسير، باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو، ٣/ ١٣٦٣، (رقم ١٧٤٢).\n(٣) أبو داود، كتاب الجهاد، باب ما يدعى عند اللقاء، ٣/ ٤٢، (رقم ٢٦٣٢)، والترمذي، كتاب الدعوات، باب في الدعاء إذا غزا، ٥/ ٥٧٢، (رقم ٣٥٨٤)، وانظر: صحيح أبي داود، ٢/ ٤٩٩.\n(٤) أبو داود، كتاب الوتر، باب ما يقول الرجل إذا خاف قومًا، ٢/ ٨٩، (رقم ١٥٣٧)، وأحمد، ٤/ ٤١٤، وانظر: صحيح أبي داود، ١/ ٢٨٦.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾، ٨/ ٢٢٩، (رقم ٤٥٦٣).","vol":"1","page":68},{"text":"ولهذا قال - ﷺ -: «لا يردّ القضاء إلا الدّعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>المسلك الثامن: طاعة اللَّه ورسوله - ﷺ </span>-:\nطاعة اللَّه ورسوله من أقوى دعائم وعوامل النصر، فيجب على كل مجاهد في سبيل اللَّه - تعالى - بل على كل مسلم أن لا يعصي اللَّه طرفة عين، فما أمر اللَّه - تعالى - به وجب الائتمار به، وما نهى عنه تعالى وجب الابتعاد عنه. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٣). ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥). وقال - ﷺ -: «... وجُعِلَ الذلُّ والصّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم» (٦).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء، ٤/ ٤٤٨، (رقم ٢١٣٩)، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٢٥، والأحاديث الصحيحة، برقم ١٥٤.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٤٦.\n(٣) سورة النور، الآية: ٥٢.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.\n(٥) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(٦) أحمد، ٢/ ٩٢، والبخاري مع الفتح معلقًا كتاب الجهاد، باب ما قيل في الرماح، ٦/ ٩٨، وانظر صحيح الجامع الصغير، ٣/ ٨.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المسلك التاسع: الاجتماع وعدم النزاع:</span>\nيجب على المجاهدين أن يُحقِّقوا عوامل النصر، ولا سيما الاعتصام باللَّه والتكاتف، وعدم النزاع والافتراق، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (١). وقال: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المسلك العاشر: الصبر والمصابرة:</span>\nلابد من الصبر في الأمور كلها، ولا سيما الصبر على قتال أعداء اللَّه ورسوله. والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة اللَّه التي هي من عوامل النصر، وصبر عن محارم اللَّه، وصبر على أقدار اللَّه المؤلمة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤)، ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥). وجاء عنه\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٤٦.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ٢٠٠.\n(٥) سورة الأنفال، الآية: ٤٦.","vol":"1","page":70},{"text":"- ﷺ -: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» (١). وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>المسلك الحادي عشر: الإخلاص للَّه تعالى:</span>\nلا يكون المقاتل والغازي مجاهدًا في سبيل اللَّه إلا بالإخلاص، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (٣) الآية. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). وجاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول اللَّه! الرجل يُقاتل للمغنم، والرجل يُقاتل للذِّكْر (٥). والرجل يُقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل اللَّه؟ قال: «من قاتل لتكون كلمةُ اللَّه هي العليا\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد، ١/ ٣٠٧.\n(٢) سورة آل عمران، الآيات: ١٤٦ - ١٤٨.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٤٧.\n(٤) سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.\n(٥) أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة. انظر فتح الباري، ٦/ ٢٨.","vol":"1","page":71},{"text":"فهو في سبيل اللَّه» (١)، وقد ثبت عنه - ﷺ - أن أول من يُقضى عليه يوم القيامة ثلاثة، وذكر منهم من قاتل ليُقال: هو جريء – أي شجاع (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>المسلك الثاني عشر: الرغبة فيما عند اللَّه تعالى:</span>\nمما يُعين على النصر على الأعداء هو الطّمع في فضل اللَّه وسعادة الدنيا والآخرة، ولهذا نصر اللَّه نبيه - ﷺ - وأصحابه من بعده، ومما يدلّ على الرغبة فيما عند اللَّه تعالى ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>(أ) ما فعل عُمير بن الحمام في بدر</span>، حينما قال - ﷺ - «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض». فقال: يا رسول اللَّه جنّة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم» قال: بَخٍ بَخٍ (٣) فقال - ﷺ -: «ما يحملك على قولك بَخٍ بَخٍ»؟ قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: «فإنك من أهلها». فأخرج تمرات من قرنه (٤) فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل (٥).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ٦/ ٢٨، (رقم ٢٨١٠)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، ٣/ ١٥١٣، (رقم ١٩٠٤).\n(٢) انظر صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، ٣/ ١٥١٤، (رقم ١٩٠٥).\n(٣) كلمة تقال لتعظيم الأمر وتفخيمه في الخير. انظر شرح النووي، ١٣/ ٤٥.\n(٤) أي جعبة النشاب. انظر شرح النووي، ١٣/ ٤٦.\n(٥) مسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ٣/ ١٥١٠، (رقم ١٩٠١).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>(ب) ما فعل أنس بن النضر - عم أنس بن مالك - يوم أحد</span>. تأخر - ﵁ - عن معركة بدر، فشقّ عليه ذلك، وقال: أول مشهد شهده رسول اللَّه - ﷺ - غبت عنه، وإن أراني اللَّه مشهدًا فيما بعد مع رسول اللَّه - ﷺ - ليراني اللَّه ما أصنع (١). فشهد مع رسول اللَّه - ﷺ - يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو واهًا لريح الجنة (٢) أجده دون أحد. فقاتلهم حتى قُتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، فما عرفته أخته - الربيع بنت النضر - إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٣). فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه (٤).\nوالمسلم المجاهد في سبيل اللَّه - تعالى - إذا رغب فيما عند اللَّه، فإنه لا يُبالي بما أصابه رغبة في الفوز العظيم.\n\nفلست أُبالي حين أُقتل مسلمًا ... على أي جنب كان في اللَّه مصرعي\n_________\n(١) أي ليرى الله ما أصنع. انظر شرح النووي، ١٣/ ٤٨.\n(٢) كلمة تحنن وتلهف، انظر: شرح النووي، ٣/ ٤٨.\n(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب قول الله - ﷿ -: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، ٦/ ٢١، ٧/ ٣٥٥، (رقم ٢٨٠٥)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ٣/ ١٥١٢، (رقم ١٩٠٣).","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>المسلك الثالث عشر: إسناد القيادة لأهل الإيمان:</span>\nمن أسباب النصر تولية قيادة الجيوش، والسرايا، والأفواج والجبهات لمن عرفوا بالإيمان الكامل والعمل الصالح والشجاعة الحكيمة، ثم الأمثل فالأمثل، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١). واللَّه - ﷿ - يُحبُّ أهل التَّقوى، ومحبّته - سبحانه - للعبد من أعظم الأسباب في توفيق عبده وتسديده ونصره على أعدائه، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>المسلك الرابع عشر: التحصن بالدعائم المنجيات:</span>\nإن العباد لهم منجيات، ودعائم تُنجّيهم من المهالك والهزائم إذا حلّت بهم، وهذه الأمور هي من أعظم العلاج لمن أُصيب بالمهلكات أو الحروب والأوبئة، وهي كذلك وقاية من حلول المصائب قبل نزولها، وتتلخّص في اتّباع الدعائم المنجيات الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>(أ) التوبة والاستغفار من جميع المعاصي والذنوب كبيرها وصغيرها</span>، ولا تقبل التوبة إلا بشروط:\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>١ - الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>٢ - العزيمة على عدم العودة إليها</span>.\n_________\n(١) سورة الحجرات، الآية: ١٣.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٧٦.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>٣ - الندم على فعلها</span>. فإن كانت المعصية في حقّ آدمي فلها شرط رابع، وهو التّحلل من صاحب ذلك الحقّ. ولا تنفع التوبة عند الغرغرة، أو بعد طلوع الشمس من مغربها. ولا شكّ أن التوبة النصوح والاستغفار من أعظم وسائل النصر ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١). ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>(ب) تقوى اللَّه تعالى </span>وهي أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه ومن غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك. وهي أن تعمل بطاعة اللَّه على نور من اللَّه ترجو ثواب اللَّه، وأن تترك معصية اللَّه على نور من اللَّه تخاف عقاب اللَّه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>(ج) أداء جميع الفرائض واتباعها بالنوافل</span>؛ لأن محبة اللَّه لعبده تحصل بذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>(د) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>، قال - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليُوشِكَنَّ اللَّه أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدْعُنَّه فلا يستجيب لكم» (٣). وقال\n_________\n(١) سورة الرعد، الآية: ١١.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٣٣.\n(٣) الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ٤/ ٤٦٨، (رقم ٢١٦٩)، وقال: &gt;هذا حديث حسن&lt;. وأحمد واللفظ له، ٥/ ٣٨٨، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٣٣.","vol":"1","page":75},{"text":"تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>(هـ) الاقتداء بالنبي - ﷺ - في جميع الاعتقادات، والأقوال والأفعال</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>(و) الدعاء والضَّراعة إلى اللَّه تعالى</span>.\nوصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٦٥.","vol":"1","page":76}]}