{"ً":{"ٌ":96518,"ٍ":"كيفية دعوة أهل الكتاب إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: كيفية دعوة أهل الكتاب إلى اللَّه تعالى في ضوء الكتاب والسنة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٩٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":39,"ٖ":1770154053,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"تمهيد:","level":1,"page":3},{"title":"المبحث الأول: حكمة القول مع اليهود","level":1,"page":5},{"title":"المسلك الأول: الأدلة العقلية والنقلية على نسخ الإسلام لجميع الشرائع:","level":2,"page":6},{"title":"أولا: الأدلة العقلية","level":3,"page":8},{"title":"ثانيا: الأدلة النقلية السمعية","level":3,"page":9},{"title":"النوع الأول: ما تقوم به الحجة على منكري النسخ","level":4,"page":9},{"title":"النوع الثاني: تقوم الحجة به على من آمن بنبوة محمد - ﷺ - واعترف بها","level":4,"page":12},{"title":"المسلك الثاني: الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة","level":2,"page":14},{"title":"النوع الأول: إلباس الحق بالباطل:","level":3,"page":15},{"title":"النوع الثاني: كتمان الحق:","level":3,"page":17},{"title":"النوع الثالث: إخفاء الحق:","level":3,"page":18},{"title":"النوع الرابع: لي اللسان:","level":3,"page":20},{"title":"النوع الخامس: تحريف الكلام عن مواضعه:","level":3,"page":21},{"title":"١ - تحريف التبديل:","level":4,"page":22},{"title":"٢ - تحريف بالزيادة:","level":4,"page":22},{"title":"٣ - تحريف بالنقص:","level":4,"page":22},{"title":"٤ - تحريف المعنى:","level":4,"page":22},{"title":"المسلك الثالث: إثبات اعتراف المنصفين من علماء اليهود:","level":2,"page":24},{"title":"١ - عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه:","level":3,"page":24},{"title":"٢ - زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود:","level":3,"page":27},{"title":"٣ - من أسلم عند الموت","level":3,"page":28},{"title":"المسلك الرابع: الأدلة على إثبات رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:","level":2,"page":29},{"title":"(أ) البراهين والبينات على صدق نبوة عيسى ابن مريم - ﷺ -:","level":3,"page":29},{"title":"(ب) الحجج والبراهين على صدق نبوة محمد - ﷺ -:","level":3,"page":30},{"title":"المبحث الثاني: حكمة القول مع النصارى","level":1,"page":34},{"title":"المسلك الأول: إبطال عقيدة التثليث وإثبات الوحدانية لله تعالى:","level":2,"page":34},{"title":"١ - التوحيد دين الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وأتباعهم","level":3,"page":35},{"title":"٢ - النصارى تلقوا عقيدة التثليث عن أصحاب المجامع:","level":3,"page":36},{"title":"٣ - بطلان كون الثلاثة إله واحد:","level":3,"page":39},{"title":"أولا: لم خصصتم الأقانيم الثلاثة؟ فإنه قد ثبت أنه: موجود، حي عليم، قادر","level":4,"page":39},{"title":"ثانيا: قولكم: الأب الذي هو ابتداء الاثنين","level":4,"page":40},{"title":"ثالثا: قولكم في النطق: إنه الابن، وإنه مولود من الله - تعالى -:","level":4,"page":40},{"title":"رابعا: إن تسمية حياة الله: روح القدس، لم ينطق به شيء من كتب الله المنزلة","level":4,"page":40},{"title":"خامسا: إنكم تدعون أن المتجسد بالمسيح هو الكلمة، الذي هو العلم","level":4,"page":40},{"title":"سادسا: العلم صفة، والصفة لا تخلق ولا ترزق، والمسيح نفسه ليس هو صفة قائمة","level":4,"page":41},{"title":"سابعا: مما لا يشك في صحته عاقل: أن عقيدة التثليث باطلة مردودة","level":4,"page":41},{"title":"١ - الإيمان بكلام الأنبياء وبطلان دينهم (عقيدة التثليث).","level":5,"page":42},{"title":"٢ - تصحيح دينهم وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.","level":5,"page":42},{"title":"٤ - إبطال عقيدة التثليث بما في كتب النصارى:","level":3,"page":42},{"title":"٥ - إبطال القرآن الكريم لعقيدة التثليث:","level":3,"page":43},{"title":"المسلك الثاني: الأدلة والبراهين القاطعة على بشرية عيسى وعبوديته لله:","level":2,"page":50},{"title":"المسلك الثالث: البراهين الدالة دلالة قطعية على إبطال قضية الصلب والقتل:","level":2,"page":54},{"title":"١ - الأدلة العقلية:","level":3,"page":54},{"title":"(أ) بما أنكم أجمعتم أيها النصارى على القول بالاتحاد والصلب والقتل","level":4,"page":54},{"title":"(ب) أنتم تزعمون أن المسيح قتل وصلب","level":4,"page":55},{"title":"١ - أن ناسوته لم يصلب وليس فيه لاهوتا.","level":5,"page":55},{"title":"٢ - ذكركم ذلك دعوى مجردة، فيكفي في مقابلتها المنع.","level":5,"page":55},{"title":"(ج) إذا كان عيسى ابن الله - تعالى - قديم الروح بزعمكم فكيف قدر اليهود على أن يقتلوا ابن الله","level":4,"page":55},{"title":"٢ - أخبار القتل والصلب مصدرها اليهود:","level":3,"page":56},{"title":"٣ - تناقض الأناجيل في قضية الصلب:","level":3,"page":57},{"title":"٤ - إبطال القرآن الكريم لقضية الصلب والقتل:","level":3,"page":57},{"title":"المسلك الرابع: البينات الواضحات على وقوع النسخ والتحريف في الأناجيل:","level":2,"page":59},{"title":"١ - الأناجيل القانونية الموجودة الآن ما هي إلا كتب مؤلفة","level":3,"page":61},{"title":"٢ - الشواهد على التحريف من الأناجيل:","level":3,"page":61},{"title":"المسلك الخامس: إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى:","level":2,"page":63},{"title":"١ - النجاشي ملك الحبشة - ﵀ - و- ﵁ -","level":3,"page":64},{"title":"٢ - سلمان الفارسي - ﵁ - وأرضاه:","level":3,"page":64},{"title":"٣ - هرقل عظيم الروم:","level":3,"page":65},{"title":"المبحث الثالث: البراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها","level":1,"page":67},{"title":"المسلك الأول: معجزات القرآن العظيم:","level":2,"page":68},{"title":"المعجزة لغة:","level":3,"page":68},{"title":"الوجه الأول: الإعجاز البياني والبلاغي:","level":3,"page":70},{"title":"الوجه الثاني: الإخبار عن الغيوب:","level":3,"page":73},{"title":"النوع الأول: غيوب الماضي:","level":4,"page":73},{"title":"النوع الثاني: غيوب الحاضر:","level":4,"page":73},{"title":"النوع الثالث: غيوب المستقبل،","level":4,"page":73},{"title":"الوجه الثالث: الإعجاز التشريعي:","level":3,"page":74},{"title":"المصلحة الأولى: درء المفاسد","level":4,"page":75},{"title":"المصلحة الثانية: جلب المصالح","level":4,"page":75},{"title":"المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق","level":4,"page":75},{"title":"الوجه الرابع: الإعجاز العلمي الحديث:","level":3,"page":76},{"title":"المسلك الثاني: معجزات النبي - ﷺ - الحسية:","level":2,"page":77},{"title":"النوع الأول: المعجزات العلوية، ومنها:","level":3,"page":77},{"title":"١ - انشقاق القمر:","level":4,"page":77},{"title":"٢ - صعوده - ﷺ - ليلة الإسراء والمعراج إلى ما فوق السموات:","level":4,"page":77},{"title":"النوع الثاني: آيات الجو:","level":3,"page":78},{"title":"١ - من هذه المعجزات طاعة السحاب له - ﷺ -،","level":4,"page":78},{"title":"٢ - ومن هذا النوع نصر الله للنبي - ﷺ - بالريح","level":4,"page":78},{"title":"النوع الثالث: تصرفه في الحيوان: الإنس، والجن والبهائم:","level":3,"page":79},{"title":"(أ) تصرفه في الإنس:","level":4,"page":79},{"title":"(ب) تصرفه في الجن والشياطين","level":4,"page":79},{"title":"(ج) تصرفه في البهائم:","level":4,"page":80},{"title":"النوع الرابع: تأثيره في الأشجار والثمار والخشب","level":3,"page":80},{"title":"(أ) تأثيره في الأشجار","level":4,"page":80},{"title":"(ب) تأثيره في الثمار","level":4,"page":81},{"title":"(ج) تأثيره في الخشب","level":4,"page":82},{"title":"النوع الخامس: تأثيره في الجبال والأحجار وتسخيرها له:","level":3,"page":82},{"title":"(أ) تأثيره في الجبال:","level":4,"page":82},{"title":"(ب) تأثيره في الحجارة","level":4,"page":82},{"title":"(ج) تأثيره في تراب الأرض:","level":4,"page":83},{"title":"النوع السادس: تفجير الماء، وزيادة الطعام والشراب والثمار:","level":3,"page":83},{"title":"(أ) نبع الماء وزيادة الشراب:","level":4,"page":83},{"title":"(ب) زيادة الطعام وتكثيره لما جعل الله في النبي - ﷺ - من البركة","level":4,"page":84},{"title":"(ج) زيادة الثمار والحبوب:","level":4,"page":85},{"title":"النوع السابع: تأييد الله له بالملائكة","level":3,"page":85},{"title":"النوع الثامن: كفاية الله له أعداءه وعصمته من الناس:","level":3,"page":87},{"title":"١ - كفاه الله - تعالى - المشركين والمستهزئين","level":4,"page":87},{"title":"٢ - كفاه الله أهل الكتاب","level":4,"page":87},{"title":"٣ - وعصمه تعالى من جميع الناس بقوله","level":4,"page":87},{"title":"النوع التاسع: إجابة دعواته - ﷺ -:","level":3,"page":88},{"title":"١ - قال - ﷺ - لأنس - ﵁ -: اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته","level":4,"page":88},{"title":"٢ - ودعا - ﷺ - لأم أبي هريرة بالهداية فهداها الله فورا، وأسلمت.","level":4,"page":89},{"title":"٣ - وقال - ﷺ - لعروة بن أبي الجعد البارقي: اللهم بارك له في صفقة يمينه","level":4,"page":89},{"title":"٤ - ودعاؤه - ﷺ - على بعض أعدائه، فلم تتخلف الإجابة","level":4,"page":89},{"title":"٥ - ودعاؤه يوم بدر، ويوم حنين، وعلى سراقة بن مالك - ﵁ - وغيره كثير.","level":4,"page":90},{"title":"المسلك الثالث: عموم رسالته - ﷺ -:","level":2,"page":90},{"title":"١ - إما أن يكون المخالف مؤمنا بأنه مرسل من عند الله؛ ولكنه يقول: رسالته خاصة بالعرب.","level":3,"page":91},{"title":"٢ - وإما أن يكون المخالف منكرا للرسالة جملة وتفصيلا.","level":3,"page":91}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95},"ٜ":{"1":[3,96]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"5":[3],"6":[4],"8":[5],"9":[6,7],"12":[8],"14":[9],"15":[10],"17":[11],"18":[12],"20":[13],"21":[14],"22":[15,16,17,18],"24":[19,20],"27":[21],"28":[22],"29":[23,24],"30":[25],"34":[26,27],"35":[28],"36":[29],"39":[30,31],"40":[32,33,34,35],"41":[36,37],"42":[38,39,40],"43":[41],"50":[42],"54":[43,44,45],"55":[46,47,48,49],"56":[50],"57":[51,52],"59":[53],"61":[54,55],"63":[56],"64":[57,58],"65":[59],"67":[60],"68":[61,62],"70":[63],"73":[64,65,66,67],"74":[68],"75":[69,70,71],"76":[72],"77":[73,74,75,76],"78":[77,78,79],"79":[80,81,82],"80":[83,84,85],"81":[86],"82":[87,88,89,90],"83":[91,92,93],"84":[94],"85":[95,96],"87":[97,98,99,100],"88":[101,102],"89":[103,104,105],"90":[106,107],"91":[108,109]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nكيفية دعوة أهل الكتاب إلى اللَّه تعالى\nفي ضوء الكتاب والسنة\n\nتأليف الفقير إلى اللَّه تعالى\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:\nفهذه رسالة مختصرة في «كيفية دعوة أهل الكتاب إلى اللَّه تعالى» بيّنت فيها الطرق المُثلَى في كيفية دعوتهم بالأساليب والوسائل المناسبة على حسب ما تقتضيه الحكمة في دعوته إلى اللَّه تعالى.\nواللَّه تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل اليسير مباركًا، نافعًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول وهو حسبنا ونعم الوكيل.\nوصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد بن عبد اللَّه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nالمؤلف\nحرر ضحى يوم الخميس ٢٥/ ٢/١٤٢٥هـ","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد:</span>\nإن من حكمة القول في دعوة أهل الكتاب إلى اللَّه - تعالى - أن يُجَادَلُوا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولُطْفٍ ولين كلام، ودعوة إلى الحق، وتحسينه بالأدلة العقلية والنقلية، ورد الباطل بأقرب طريق وأنسب عبارة، وأن لا يكون القصد من ذلك مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل لابد أن يكون القصد بيان الحق، وهداية الخلق، كما قال - ﷿ - (١)، ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣).\nونظير ذلك من الدعوة بالقول الحكيم قوله - ﷿ - لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٤).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٣٧٢، ٣/ ٤١٦، وفتح القدير للشوكاني، ١/ ٣٤٨، والسعدي، ١/ ٣٨٩، ٦/ ٩٢، وأضواء البيان، ٣/ ٣٨٥.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ٦٤.\n(٤) سورة طه، الآيتان: ٤٣ - ٤٤.","vol":"1","page":4},{"text":"ومن ذلك القول اللين كقوله تعالى لموسى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (١).\nوقد كان النبي - ﷺ - يستخدم القول الحكيم في دعوته إلى اللَّه - ﷿ - ومن ذلك ما روته عائشة - ﵂ - قالت: دخل رهط من اليهود على رسول اللَّه - ﷺ - فقالوا: السَّامُ (٢) عليك. قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السَّامُ واللعنة! قالت: فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «مهلًا يا عائشة، إن اللَّه يحب الرّفق في الأمر كله». فقلت: يا رسول اللَّه! أولم تسمع ما قالوا: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «قد قلت: وعليكم» (٣).\nوكان - ﷺ - يستخدم ذلك حتى في رسائله، ففي كتابه إلى هرقل:\n«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول اللَّه، إلى هرقل عظيم الروم.\nسلام على من اتبع الهدى. أما بعد:\nفإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك اللَّه\n_________\n(١) سورة النازعات، الآيات: ١٧ - ١٩.\n(٢) السام: الموت، وقيل: الموت العاجل، وقيل: تسأمون دينكم. انظر: الفتح، ١١/ ٤٢، ٤٣، ١٠/ ١٣٥.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، ١٠/ ٤٤٩، (رقم ٦٠٢٤)، ١١/ ٤٢، ومسلم كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف الرد عليهم، ٤/ ١٧٠٦، (رقم ٢١٦٥).","vol":"1","page":5},{"text":"أجرك مرتين، فإن توليتَ فإن عليك إثم الأريسيين (١)، و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢).\nوعلى أساس دعوة أهل الكتاب بالجدال بالتي هي أحسن القول الحكيم، فسأتحدث عن ذلك بإذن اللَّه - تعالى - في المباحث الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المبحث الأول: حكمة القول مع اليهود</span>.\nالمبحث الثاني: حكمة القول مع النصارى.\nالمبحث الثالث: البراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها.\nالمبحث الأول: حكمة القول مع اليهود\nمن حكمة القول مع اليهود في دعوتهم إلى اللَّه - ﷿ - أن يسلك معهم الداعية المسلم المسالك الآتية:\nالمسلك الأول: الأدلة العقلية والنقلية على نسخ الإسلام لجميع الشرائع.\n_________\n(١) الأريسيين: أي إثم الفلاحين، والمعنى: فإن لم تدخل في الإسلام فإن عليك إثمك وإثمهم إذا لم يسلموا تقليدًا لك. انظر: فتح الباري، ١/ ٣٩.\n(٢) البخاري مع الفتح واللفظ له، كتاب التفسير، باب: قل يا أهل الكتاب ...، ٨/ ٢١٥، (رقم ٤٥٥٣)، وكتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، ١/ ٣٢، (رقم ٧)، ومسلم في كتاب الجهاد، باب كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، ٣/ ١٣٩٦، (رقم ١٧٧٣).","vol":"1","page":6},{"text":"المسلك الثاني: الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة.\nالمسلك الثالث: إثبات اعتراف المنصفين من علماء اليهود.\nالمسلك الرابع: الأدلة على ثبات رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.\n\nالمسلك الأول: الأدلة العقلية والنقلية على نسخ (١) الإسلام لجميع الشرائع:\nدعوة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إلى توحيد اللَّه تعالى دعوة واحدة، فقد اتفقوا جميعًا على دعوة الناس إلى إفراد اللَّه بالعبادة، لا إله إلا هو، ولا ربّ سواهُ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ (٢)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٣).\nفأصل دين الأنبياء صلى اللَّه عليهم وسلم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع (٤)، ولهذا قال - ﷺ -: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات (٥)،\n_________\n(١) النسخ في اللغة: الإزالة، وفي الاصطلاح: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه. انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ١٥٠، ومناهل العرفان، ٢/ ٧١.\n(٢) سورة النحل، الآية: ٣٦.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.\n(٤) انظر: فتح الباري، ٦/ ٤٨٩.\n(٥) أولاد العلات: الإخوة من أب وأمهاتهم شتى. (الضرائر). فتح الباري، ٦/ ٤٨٩.","vol":"1","page":7},{"text":"أمهاتهم شتى ودينهم واحد، [وليس بيني وبين عيسى نبي]» (١).\nثم ختم اللَّه - تعالى - الشرائع كلها بشريعة محمد - ﷺ -، فأرسله اللَّه إلى جميع الثقلين: من إنس وجن، ونسخت شريعته جميع الشرائع السابقة، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).\nوقال - ﷺ -: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي أو نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٣).\nواللَّه - تعالى - حكيم عليم ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٤)، ولا غرابة في أن يرفع شرع بآخر مراعاة لمصلحة العباد عن علم سابق من علام الغيوب ﵎، ولكن اليهود والنصارى (٥) أنكروا نسخ الشريعة الإسلامية لجميع الشرائع\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب قول الله - تعالى- ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ...﴾، ٦/ ٤٧٧ (رقم ٣٤٤٢)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى - ﷺ -، ٤/ ١٨٣٧، (رقم ٢٣٦٥)، وما بين المعقوفين من البخاري، ٦/ ٤٧٨، ومسلم، ٤/ ١٨٣٧.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٨٥.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته، ١/ ١٣٤، (رقم ١٥٣).\n(٤) سورة الأنبياء، الآية: ٢٣.\n(٥) لتداخل أقوال النصارى مع اليهود في النسخ، فسأذكر الرد عليهم جميعًا في هذا المسلك - إن شاء الله تعالى -.","vol":"1","page":8},{"text":"السابقة (١)، فيكون الرد عليهم بالقول الحكيم كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أولًا: الأدلة العقلية:</span>\n١ - ليس هنالك محظور في النسخ عقلًا، وكل ما لم يترتب عليه محظور كان جائزًا عقلًا، فالنسخ جائز عقلًا.\n٢ - اللَّه - تعالى - يأمر بالشيء على قدر ما تقتضيه المصلحة، فقد يأمر بالشيء في وقت، وينهى عنه في وقت آخر؛ لأنه - سبحانه - أعلم بمصالح عباده، والطبيب الحكيم يأمر المريض بشرب الدواء، أو استعمال دواء خاص في بعض الأزمنة، وينهاه عنه في زمن آخر، بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف مزاجه، والملك الذي يُشفق على رعيته ينقلهم في بعض الأزمنة إلى نوع من السياسة غير النوع الأول، لما في ذلك من المصالح، وقد يسوس الوالد الحكيم ولده في وقت باللطف، وفي وقت آخر بالتأديب،\n_________\n(١) ثم افترق اليهود والنصارى إلى ثلاث طوائف:\n(أ) طائفة الشمعونية من اليهود، قالوا: النسخ ممتنع عقلًا وسمعًا، وعلى هذا القول إجماع النصارى المتأخرين.\n(ب) وطائفة العنانية من اليهود، قالوا: النسخ جائز عقلًا، لكنه لم يقع سمعًا فهو ممتنع.\n(ج) طائفة العيسوية من اليهود، قالوا: النسخ جائز عقلًا وواقع سمعًا، إلا أن الشريعة الإسلامية لم تنسخ ما قبلها من الشرائع، وإنما هي للعرب خاصة، وعلى هذا القول إجماع النصارى المتقدمين. انظر: مناهل العرفان للزرقاني، ١/ ٨٢، ٨٣.","vol":"1","page":9},{"text":"على قدر ما يرى في ذلك من المصلحة (١)، واللَّه - ﷿ - ﴿... وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)، وهو سبحانه لا يفعل شيئًا إلا لحكمة بالغة، فهو يُحيي ثم يُميت ثم يُحيي، وينقل الدولة من قوم أعزّة إلى قوم أذلّة، ومن قوم أذلة إلى أعزة، ويُعطي من شاء ما شاء، ويمنع من شاء (٣) ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٤).\n٣ - يلزم من يقول بوقوع النسخ سمعًا وجوازه عقلًا أنهم ما داموا يجوزون أن يأمر الشارع عباده بأمر مؤقت ينتهي بانتهاء وقته، وقد وقع ذلك سمعًا فليجوزوا نسخ الشريعة الإسلامية للأديان السابقة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>ثانيًا: الأدلة النقلية السمعية</span>، وهي نوعان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>النوع الأول: ما تقوم به الحجة على منكري النسخ </span>من اليهود والنصارى الذين لم يعترفوا برسالة محمد - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر: الداعي إلى الإسلام، لكمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي المتوفى سنة ٥٧٧هـ، ص٣١٩، ومناهل العرفان للزرقاني، ٢/ ٨٣.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٢٧.\n(٣) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ١/ ١٨٠.\n(٤) سورة الأنبياء، الآية: ٢٣.\n(٥) انظر: مناهل العرفان، ٢/ ٨٦.","vol":"1","page":10},{"text":"النوع الثاني: ما تقوم به الحجة على من آمن برسالة محمد - ﷺ -، ولكنهم قالوا: إنها خاصة بالعرب (١).\nالنوع الأول: تقوم الحجة على من أنكروا نبوة محمد - ﷺ - مطلقًا بالأدلة الواردة في التوراة والإنجيل، والداعية المسلم إذ يُورد الأدلة من كتبهم لا يعتقد أن هذه النصوص كما أُنزلت، بل يحتمل أن تكون مما وقع عليه التحريف والتغيير؛ فإن اليهود والنصارى قد غيَّروا وبدَّلوا كثيرًا من كتبهم، ولكن المسلم يقيم الحجة عليهم بما بين أيديهم من التوراة والإنجيل (٢)، لا لثبوتها ولكن لإلزامهم بالتسليم، أو يعترفوا بالتحريف، ومن ذلك ما يلي:\n١ - جاء في التوراة: إن اللَّه - تعالى - أمر آدم أن يزوج بناته من\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، ٧/ ٢٧.\n(٢) تنقسم أخبار اليهود والنصارى إلى ثلاثة أقسام:\n(أ) ما علم صحته بنقله عن النبي - ﷺ - نقلًا صحيحًا أو كان له شاهد صحيح من الشرع يؤيده، فهذا القسم صحيح مقبول.\n(ب) ما علم كذبه لكونه يناقض ما عرف من شريعة محمد - ﷺ -، أو لا يتفق مع العقل الصحيح، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته.\n(ج) ما هو مسكوت عنه، وليس من النوع الأول ولا الثاني، وهذا القسم يتوقف عنه المسلم فلا يصدقه ولا يكذبه، ويجوز حكايته، لقوله - ﷺ -: \"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل ... \"، البخاري مع الفتح، ٨/ ١٧٠، (رقم ٤٤٨٥)، ١٣/ ١١٦، وقوله - ﷺ -: \"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ... \" في البخاري مع الفتح، ٦/ ٤٩٦، (رقم ٣٤٦١)، وانظر: التفسير والمفسرون للذهبي، ١/ ١٧٩.","vol":"1","page":11},{"text":"بنيه، وورد أنه كان يولد له في كل بطن من البطون ذكر وأنثى، فكان يزوج توأمة هذا للآخر، ويزوج توأمة الآخر لهذا، إقامة لاختلاف البطون مقام اختلاف الآباء والأمهات والأنساب، ثم حرَّم اللَّه ذلك بإجماع المتدينين من المسلمين واليهود والنصارى (١).\n٢ - جاء في السفر الأول من التوراة: إن اللَّه - تعالى - قال لنوح عند خروجه من السفينة: «إني جعلت كل دابة مأكلًا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه»، ثم اعترفوا بعد ذلك بأن اللَّه حرَّم كثيرًا على أصحاب الشرائع، من ذلك الخنزير في شريعة موسى، وهذا عين النسخ (٢).\n٣ - أمر اللَّه إبراهيم - ﷺ - بذبح ولده، ثم نسخ هذا الحكم قبل العمل به، وقد أقرّ منكرو النسخ بذلك (٣).\n٤ - الجمع بين الأختين كان مباحًا في شريعة يعقوب - ﷺ -، ثم حُرِّم في شريعة موسى - ﷺ - (٤).\n٥ - أمر اللَّه - تعالى - من عَبَدَ العجلَ من بني إسرائيل أن\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ١٥٢، ٣٨٣، ومناهل العرفان للزرقاني، ٢/ ٨٧، وإظهار الحق، لرحمة الله الهندي، ١/ ٥١٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ١٥٢، ٣٨٣، ومناهل العرفان، ٢/ ٨٧، وإظهار الحق، ١/ ٥١٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ١٥٢، ٣٨٣، ومناهل العرفان، ٢/ ٨٧، وإظهار الحق، ١/ ٣١٥.\n(٤) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ١/ ١٨١، والداعي إلى الإسلام للأنباري، ص٣٢٤، وابن كثير، ١/ ١٥٢، ٣٨٣، ومناهل العرفان، ٢/ ٨٨، وإظهار الحق، ١/ ٥١٥.","vol":"1","page":12},{"text":"يقتتلوا، ثم أمرهم برفع السيف عنهم (١).\nوغير ذلك كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>النوع الثاني: تقوم الحجة به على من آمن بنبوة محمد - ﷺ - واعترف بها</span>؛ ولكنه جعلها خاصة بالعرب دون غيرهم، فهؤلاء متى سلّموا واعترفوا برسالته - ﷺ - وأنه صادقٌ فيما بلغه عن اللَّه - ﷿ - من الكتاب والسنة وجب عليهم الإيمان والتصديق بكل ما ثبت عنه، وما جاء به من عموم الرسالة، والنسخ الثابت بالكتاب والسنة (٢)، ومن هذا النوع ما يأتي:\n١ - قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ (٣).\n٢ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا\n_________\n(١) ابن كثير، ١/ ١٥٢، ومناهل العرفان، ٢/ ٨٧، وانظر ذلك من القرآن في سورة البقرة، الآية: ٥٤.\n(٢) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية، ١/ ٣٧، ١/ ٣١ - ١٧٦، ودرء تعارض العقل والنقل، ٧/ ٢٧.\n(٣) سورة البقرة، الآيتان: ١٠٦ - ١٠٧.","vol":"1","page":13},{"text":"كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١).\n٣ - وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢).\n٤ - وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (٣).\n٥ - وقال - ﷿ -: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٤).\n٦ - وقال جل وعلا: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٥).\n٧ - إجماع سلف الأمة على أن النسخ وقع في الشريعة\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيات: ٩٣ - ٩٥.\n(٢) سورة النساء، الآيتان: ١٦٠ - ١٦١.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٤٦.\n(٤) سورة النحل، الآية: ١٠١.\n(٥) سورة الرعد، الآيتان: ٣٨ - ٣٩.","vol":"1","page":14},{"text":"الإسلامية، كما أن النسخ وقع بها لجميع الشرائع السابقة (١).\nوبهذه الأدلة العقلية والنقلية السمعية - التي دلت على جواز النسخ عقلًا ووقوعه (٢) نقلًا وسمعًا - سقطت أقوال منكري النسخ وأقوال من أنكر عموم رسالة النبي - ﷺ - (٣)، وللَّه الحمد والمنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المسلك الثاني: الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة:</span>\nمن حكمة القول في دعوة اليهود إلى اللَّه - ﷿ - أن يبيَّن لهم بالجدال بالتي هي أحسن أن الكتب التي بأيديهم قد دخلها التحريف والتبديل والتغيير (٤).\nواليهود والنصارى يُقرّون أن التوراة كانت طول مملكة بني إسرائيل عند الكاهن الأكبر الهاروني وحده، وتقرّ اليهود أن سبعين\n_________\n(١) تفسير البغوي، ٣/ ٢٢، ٨٤، ١/ ٣٢٦، وابن كثير، ١/ ١٥١، ٣٨٢، ٥٨٥، ٢/ ١٨٦، ٥٢٠، ٥٨٧، والشوكاني، ١/ ٣٦١، وإغاثة اللهفان لابن القيم، ٢/ ٣٢١ - ٣٢٨، والسعدي، ١/ ٤٠١، ٤/ ١١٦، ٢٤١، ومناهل العرفان، ٢/ ٨٩.\n(٢) وهناك شبهات لمنكرين النسخ قد تضمن الرد عليها الأدلة السابقة، وانظر أيضًا الرد عليها في الفصل لابن حزم، ١/ ١٨١ - ٢٠٠، والداعي إلى الإسلام للأنباري، ص٣١٧ - ٣٤٠، ومناهل العرفان، ٢/ ٩٣ - ١٠٤.\n(٣) وستأتي الأدلة القطعية على إثبات رسالة محمد - ﷺ - وشمولها - إن شاء الله تعالى -.\n(٤) لاشك أنه يجب على كل مسلم الإيمان بكل كتاب أنزله الله، وبكل نبي أرسله، وهذا هو أصل دين المسلمين، فمن كفر بنبي واحد أو كتاب واحد فهو كافر حلال الدم عند المسلمين. انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١/ ٣٣، ولكن الكلام الآن هو في بيان وقوع التحريف والتبديل في التوراة.","vol":"1","page":15},{"text":"كاهنًا اجتمعوا على اتفاق من جميعهم على تبديل ثلاثة عشرة حرفًا من التوراة، وذلك بعد المسيح - ﷺ - في عصر القياصرة الذين كانوا تحت قهرهم، ومن رضي بتبديل موضع واحد من كتاب اللَّه فلا يؤمن من تحريف غيره.\nواليهود تقر أيضًا أن السامرة حرفوا مواضع التوراة، وبدَّلوها تبديلًا ظاهرًا، وزادوا ونقصُوا والسامرة تدَّعي على اليهود بأن التوراة التي بأيديهم محرّفة مبدّلة (١).\nوالذي يحكم بين الجميع هو كلام اللَّه - ﷿ - المنزل على محمد - ﷺ -، المهيمن على ما سبقه من الكتب المصدِّق لها، فقد سجل التحريف وأثبته على أهل الكتاب، ونسب إليهم أنواعًا من التحريف للتوراة، كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>النوع الأول: إلباس الحق بالباطل:</span>\nكان بنو إسرائيل يخلطون الحق بالباطل، بحيث لا يتميز الحق من الباطل، وقد سجل القرآن الكريم هذا الجرم عليهم، قال سبحانه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ\n_________\n(١) انظر: الفصل لابن حزم، ١/ ١٠٢، ١٨٧، ١٩٧، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٢/ ١٨، وهداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم، ص٥٨١.","vol":"1","page":16},{"text":"فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية (١)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية (٢).\nومن أبلغ الصور وأقبحها في إلباس الحق ادعاء الكهنة والأحبار في التوراة التي بأيديهم أن هارون - ﷺ - هو الذي جمع الذهب من بني إسرائيل واشترك معهم في صناعة العجل الذهبي، ووافقهم على عبادته من دون اللَّه – تعالى – وفي الوقت نفسه يبرئون السامري.\nفهارون - ﷺ - الذي تحمل المشاق في سبيل إقرار فرعون بالتوحيد جعلوه داعية إلى الشرك والكفر، ولكن القرآن الكريم كان لهذه الدعوى بالمرصاد، فكذبهم، وبين حقيقة الأمر (٣)، قال تعالى: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ...﴾ الآيات (٤)، فهذا هو الصدق حقًّا، إنما عمل لهم العجل السامري، أما هارون فنهاهم ولكنهم عصوا وكادوا يقتلونه (٥).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيات: ٤٠ - ٤٢.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٧١.\n(٣) انظر: الفصل لابن حزم، ١/ ٢٥٦، وهداية الحيارى لابن القيم، ص٥٨٢.\n(٤) انظر: سورة طه، الآيات: ٨٧ - ٩١.\n(٥) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ١/ ٤٥٦، وهداية الحيارى، ص٥٨٢.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>النوع الثاني: كتمان الحق:</span>\nلاشك أن اللَّه حق، ولا يقول إلا حقًّا، والتوراة التي أنزلت على موسى كلها حق؛ لأنها كلام اللَّه – تعالى – ولكن بني إسرائيل كانوا يكتمون الحق، قاصدين بذلك إخضاع كتاب اللَّه لأهوائهم وشهواتهم، فالآيات التي يرون فيها منفعة لهم عاجلة أو تكون في جانب حجتهم يقرونها، أما الآيات التي يرون أن فيها دليلًا عليهم فيكتمونها، ولهذا سجل اللَّه عليهم هذا الكتم في كتابه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).\nومن أعظم ما كتمه أهل الكتاب هو ما وجدوه في كتبهم من صفات محمد - ﷺ -، واختيار اللَّه له رسولًا إلى الناس أجمعين، وقد كانوا يعرفونه في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم إذا سُئِلُوا عن ذلك كتموه (٢)، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٧١، وانظر: سورة البقرة، الآية: ٤٢.\n(٢) انظر: تفسير البغوي، ١/ ٦٧، ١٦٢، ٣١٥، وابن كثير، ١/ ٨٥، ٩٥، ٣٧٤.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٤٦.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ٢٠.","vol":"1","page":18},{"text":"وقد بيَّن - ﷿ - صفاته - ﷺ - الكاملة في التوراة والإنجيل، فقال - ﷿ -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١).\nومع هذه الأوصاف العظيمة التي كانوا يعرفونها مكتوبة عندهم، أنكروا نبوته - ﷺ -، وكتموا ما علموه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>النوع الثالث: إخفاء الحق:</span>\nالإخفاء قريب من الكتمان (٣)، وقد كان أهل الكتاب يخفون من أحكام التوراة الشيء الكثير، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآيتان: ١٥٦ - ١٥٧.\n(٢) انظر الأمثلة من نصوص التوراة التي بينت صفات النبي - ﷺ - واضحة جلية، ولكن اليهود كتموا ذلك، في: الملل والأهواء والنحل لابن حزم،١/ ٢٠١ - ٣٢٩، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٣/ ٢٩٩ - ٣٣٢، وهداية الحيارى لابن القيم، ص٥٢٢ - ٥٨٠، وإغاثة اللهفان لابن القيم، ٢/ ٣٥١ - ٣٦٣، وإظهار الحق لرحمة الله الهندي، ١/ ٣٣٥ - ٥٠٨.\n(٣) انظر: هداية الحيارى لابن القيم، ص٥٢٤، ويمكن أن يقال الفرق بين الكتمان والإخفاء: بأن الكتمان هو ما كتموه من أوصاف النبي وأمته حقدًا وكراهة، والإخفاء هو إخفاء كل ما فيه خزي لهم ومخالفة، والله أعلم. انظر: التوراة دراسة وتحليل لمحمد شلبي، ص٨٠.","vol":"1","page":19},{"text":"قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ (١).\nومن الأحكام التي أخفاها اليهود حكم رجم الزاني المحصن، فقد جاءوا إلى النبي - ﷺ - برجل وامرأة قد زنيا، فقال لهم: «كيف تفعلون بمن زنى منكم؟». قالوا: نُحَمِّمهما ونضربهما. فقال: «لا تجدون في التوراة الرجم؟» فقالوا: لا نجد فيها شيئًا. فقال لهم عبد اللَّه بن سلام: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدراسها الذي يدرسها منكم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم، فنزع يده (٢) عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما رسول اللَّه - ﷺ - فرجما ... الحديث (٣).\nولهذا قال سبحانه: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ١٥.\n(٢) وفي رواية أخرى للبخاري: قال عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم. انظر: البخاري مع الفتح، ٢/ ١٦٦.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، ٨/ ٢٢٤، (رقم ٤٥٥٦)، ١٢/ ١٦٦، ١٣/ ٥١٦.\n(٤) سورة المائدة، الآيات: ٤١ - ٤٣.","vol":"1","page":20},{"text":"لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (١).\nفأنكر سبحانه على أهل الكتاب المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم: التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة اللَّه فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد - ﷺ - تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>النوع الرابع: ليُّ اللسان:</span>\nمن أنواع تحريف اليهود للتوراة: ليُّ اللسان، فهم يلوون ألسنتهم ويعطفونها بالتحريف، ليلبسوا على السامع اللفظ المنزل بغيره، ويفلتون ألسنتهم حين يقرءون كلام اللَّه – تعالى – لإمالته عما أنزله اللَّه عليه إلى اللفظ الذي يريدونه (٣)، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤).\nومن التحريف بليِّ اللسان ما كان يفعله اليهود مع رسول اللَّه - ﷺ - بقولهم: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ ويقصدون معنى: اسمع لا\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٢٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٣٥٦، وأضواء البيان للشنقيطي، ٢/ ٥٧.\n(٣) انظر: تفسير البغوي، ١/ ٣٢٠، وابن كثير، ١/ ٣٧٧، وهداية الحيارى، ص٥٢٤، وفتح القدير للشوكاني، ١/ ٣٥٤.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ٧٨.","vol":"1","page":21},{"text":"سمعت، أي: يدعون على النبي - ﷺ - وقد كان المسلمون يقولون للنبي - ﷺ - راعنا، من المراعاة، والمعنى فَرِّغ سمعك لكل منا، فلما سمع اليهود هذه اللفظة اغتنموا الفرصة في التحريف، لأن معناها عندهم السبّ والطعن بمعنى: يا أحمق (١)، ولكن اللَّه - ﷿ - كشف سترهم، فقال: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٢).\nونهى اللَّه المؤمنين عن صفات اليهود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>النوع الخامس: تحريف الكلام عن مواضعه:</span>\nأثبت اللَّه - ﷿ - على أهل الكتاب هذا النوع من التحريف، فقال - ﷿ -: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ...﴾ (٤)، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي،١/ ١٠٢، ٤٣٨، وابن كثير، ١/ ١٤٩، ٥٠٨، وفتح القدير للشوكاني، ١/ ١٢٤، ٤٧٤.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٤٦.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٠٤.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٤٦.","vol":"1","page":22},{"text":"مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ...﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ...﴾ (٢).\nوهذا النوع من التحريف له أربع صور كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>١ - تحريف التبديل: </span>وهو وضع كلمة مكان كلمة، أو جملة مكان جملة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>٢ - تحريف بالزيادة: </span>ويكون بزيادة كلمة أو جملة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>٣ - تحريف بالنقص: </span>وهو إسقاط كلمة، أو جملة من الكلام المنزل على موسى - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>٤ - تحريف المعنى: </span>تبقى الكلمة أو الجملة كما هي، ولكنهم يجعلونها محتملة لمعنيين، ثم يختارون المعنى الذي يتّفق مع أهوائهم وأغراضهم (٣).\nوهذه الصور لها أمثلة كثيرة من التوراة لا يتسع المقام لذكرها (٤).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ١٣.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٤١.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٣٧٧، وإغاثة اللهفان لابن القيم، ٢/ ٣٦٠، ٣٦١، وإظهار الحق لرحمة الله الهندي، ١/ ٣٣٧ - ٥٠٨، والتوراة: دراسة وتحليل، للدكتور/ محمد شلبي شتيوي، ص٨٣.\n(٤) انظر: الأمثلة على تحريف التبديل في الفصل لابن حزم، ١/ ٢٠٧ - ٢٤٤، وإغاثة اللهفان ٢/ ٣٤٢ - ٣٤٤، وهداية الحيارى، ص٥٨٢، والمناظرة الكبرى، ص٤٦٥ - ٤٧٥، والأمثلة على تحريف الزيادة في: إظهار الحق، ١/ ٣٣٨ - ٣٤٧، والتوراة دراسة وتحليل، ص٩٠ - ٩٤، وأمثلة النقص في: إظهار الحق، ١/ ٤١٤ - ٤٥٦، والتوراة دراسة وتحليل، ٩٥ - ٩٨، وأمثلة التأويل في إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ٢/ ٣٣١، ٣٣٢، ٣٦١ - ٣٦٢، وهداية الحيارى، ص٥٢٦ - ٥٣٩.","vol":"1","page":23},{"text":"وقد بيَّن اللَّه - ﷿ - أن أهل الكتاب يعلمون أن ما جاء به محمد - ﷺ - هو الحق، لما يجدونه في كتبهم من نعته - ﷺ - وأمته، وما شرفه اللَّه به من الشريعة الكاملة (١)، قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣).\nومن رحمة اللَّه - تعالى - بهم وكرمه أنه عندما ذكر ما فعلوه من العظائم دعاهم إلى التوبة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٤)، فلو آمنوا باللَّه وملائكته وجميع كتبه ورسله لكفَّر عنهم\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ١/ ١٩٤.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٤.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ٧١، وانظر: آل عمران، الآيتان: ٩٨ - ٩٩.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٤٧.","vol":"1","page":24},{"text":"سيئاتهم وأدخلهم الجنة (١)، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المسلك الثالث: إثبات اعتراف المنصفين من علماء اليهود:</span>\nلاشك أن من حكمة القول مع أهل الكتاب في دعوتهم إلى اللَّه - ﷿ - الاستشهاد عليهم بشهادة علماء أهل الكتاب المنصفين، الذين وفقهم اللَّه - تعالى - وقبلوا الحق، وبيّنوه ولم يكتموه، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ (٤).\nوأذكر على سبيل المثال من هؤلاء العلماء الذين يعترف اليهود بأنهم كانوا منهم فأقروا بالإسلام وأنه الدين الحق ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>١ - عبد اللَّه بن سلام ﵁ وأرضاه:</span>\nلو لم يسلم من اليهود في زمن النبي - ﷺ - إلا سيد اليهود على الإطلاق وابن سيدهم، وعالمهم وابن عالمهم، وخيرهم وابن\n_________\n(١) انظر: تفسير السعدي، ٢/ ٣١٩.\n(٢) سورة المائدة، الآيتان: ٦٥ - ٦٦.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١١٠.\n(٤) سورة يوسف، الآية: ٢٦.","vol":"1","page":25},{"text":"خيرهم، باعترافهم وشهادتهم، لكان في مقابلة كل يهودي على وجه الأرض، فكيف وقد تابعه من الأحبار والرُّهبان من لا يُحصي عددهم إلا اللَّه (١).\nوقد آمن هذا الرجل باللَّه وبرسوله - ﷺ -، فعن أنس - ﵁ - قال: بلغ عبد اللَّه بن سلام مقدم النبي - ﷺ - المدينة فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيٌّ، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «خبَّرني بهنَّ آنفًا جبريلُ» قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «أما أول أشرط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيت كبد الحوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها»، [قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه] قال: يا رسول اللَّه، إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتُوني عندك، فادعهم [فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي]، [فأرسل نبي اللَّه - ﷺ - فأقبلوا]، فدخلوا عليه فقال لهم رسول اللَّه - ﷺ -: «يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا اللَّه، فواللَّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول اللَّه حقًا، وأني جئتكم بحق، فأسلِمُوا»، قالوا: ما\n_________\n(١) انظر: هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ص٥١٤، ٥٢٥.","vol":"1","page":26},{"text":"نعلمه – قالوا للنبي - ﷺ -، قالها ثلاث مرارًا – فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «فأي رجل فيكم عبد اللَّه بن سلام؟» قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، وأخبرنا وابن أخبرنا، [خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا]، قال: «أفرأيتم إن أسلم؟» قالوا: أعاذه اللَّه من ذلك، حاشا للَّه ما كان ليسلم، قال: «أفرأيتم إن أسلم؟» قالوا: حاشا للَّه ما كان ليسلم، قال: «أفرأيتم إن أسلم؟» قالوا: حاشا للَّه ما كان ليسلم، قال: «يا ابن سلام اخرج عليهم»، [فخرج عليهم عبد اللَّه فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه]، [معشر اليهود، اتقوا اللَّه، فواللَّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول اللَّه، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت]، [شرُّنا وابن شرِّنا، ووقعوا فيه]، [فأخرجهم رسولُ اللَّه - ﷺ -] (١).\nوعن عبد اللَّه بن سلام - ﵁ - قال: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة انجفل الناس قبله، وقيل قدم رسول اللَّه - ﷺ -، قدم رسول اللَّه - ﷺ -، قدم رسول اللَّه - ﷺ - ثلاثًا، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبيّنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذّاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، ٦/ ٣٦٢، (رقم ٣٣٢٩)، ومناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة، ٧/ ٢٥٠، (رقم ٣٩١١)، وباب حدثني حامد بن عمر، عن بشر بن المفضل ٧/ ٢٧٢ (رقم ٣٩٣٨)، وكتاب التفسير، سورة البقرة، باب قوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾. ٨/ ١٦٥، (رقم ٤٤٨٠)، وألفاظ الحديث من المواضع الأربعة، وانظر: البداية والنهاية، ٣/ ٢١٠.","vol":"1","page":27},{"text":"أن قال: «يا أيها الناس، أفشُوا السلام، وأطعِمُوا الطعامَ، وصِلُوا الأرحامَ، وصلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ، تدخُلُوا الجنّةَ بسلام» (١).\nوقد أثنى اللَّه على هذا العالم الرباني، فعن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي - ﷺ - يقول لأحد يمشي (٢) على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد اللَّه بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية (٣): ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٢ - زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود </span>- ﵁ -:\nقال - ﵁ -: ما من علامات النبوة شيءٌ إلا وقد عرفتها في وجه رسول اللَّه - ﷺ - حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، وقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد\n_________\n(١) ابن ماجه في كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، ٢/ ١٠٨٣، (رقم ٣٢٥١) بلفظه، والترمذي في صفة القيامة، باب حدثنا محمد بن بشار، ٤/ ٦٥٢، (٢٤٨٥)، وأحمد في المسند، ٤/ ٤٥١، وانظر: صحيح ابن ماجه، ٢/ ٢٢٢.\n(٢) قد ثبت عنه - ﷺ - أنه شهد لأناس كثير بالجنة، ومنهم العشرة المبشرون بالجنة، فقيل بأن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - يعني من الأحياء، لأن عبد الله بن سلام - ﵁ - عاش بعد موتهم، ولم يتأخر معه من العشرة غير سعد وسعيد، ويؤخذ هذا من قول سعد - ﵁ -: يمشي على الأرض. انظر: فتح الباري، ٧/ ١٢٩، ١٣٠.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب عبد الله بن سلام، ٧/ ١٢٨، (رقم (٣٨١٢)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن سلام، ٤/ ١٩٣٠، (رقم ٢٤٨٣).\n(٤) سورة الأحقاف، الآية: ١٠.","vol":"1","page":28},{"text":"نبيًّا، وأشهدك أن شطر مالي - فإني أكثرها مالًا - صدقة على أمة محمد - ﷺ -. قال عمر: أو على بعضهم، فإنك لا تسعهم. قلت: أو على بعضهم. فخرج عمر وزيد إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وآمن به، وصدّقه، وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة، ثم توفي في غزوة تبوك مُقبلًا غير مدبر (١)، ﵁ ورحمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٣ - من أسلم عند الموت:</span>\nأتى رسول اللَّه - ﷺ - وأبو بكر وعمر على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يُعزِّي بها نفسه على ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي»؟ فقال برأسه هكذا، أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه. فقال: «أقيموا اليهودي عن أخيكم»، ثم وليَ كفنه، وحنطهُ، وصلى عليه - ﷺ - (٢).\nهذه ثلاثة أمثلة لاعترافات أحبار اليهود بأن محمدًا - ﷺ - حقًّا،\n_________\n(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني، وقال: \"رجاله ثقات\"، ٨/ ٢٤٠، وتقدم تخريجه كاملًا مطولًا في مواقف النبي - ﷺ - الفردية، والقصة هنا مختصرة، فارجع إليها في المجمع، ٨/ ٢٣٩، ٢٤٠.\n(٢) أحمد في المسند، ٥/ ٤١١، وقال ابن كثير: هذا حديث جيد قوي، له شواهد في الصحيح عن أنس - ﵁ -، انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ٢٥٢، ومجمع الزوائد، ٨/ ٢٣٤.","vol":"1","page":29},{"text":"وأن صفته موجودة في التوراة، ويعرفه اليهود كما يعرفون أبناءهم ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المسلك الرابع: الأدلة على إثبات رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:</span>\nمن حكمة القول مع اليهود في دعوتهم إلى اللَّه - تعالى - إثبات نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وذلك بما ظهر على يديهما من المعجزات الباهرات، والآيات البينات الظاهرة التي لا يقدر أحد أن يأتي بمثلها، كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>(أ) البراهين والبينات على صدق نبوة عيسى ابن مريم - ﷺ </span>-:\nثبتت نبوة عيسى - ﷺ - بما ظهر على يده من المعجزات الخارقة للعادات من: إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم، وإبراء الأكمه، والأبرص، وخلق الطير من الطين بإذن اللَّه، والإخبار بالغيوب، وإنزال الطعام من السماء، وولادته من أم بغير أبٍ، وكلامه في المهد (٢)، وغير ذلك من المعجزات (٣).\nومعجزات عيسى لم تكن دون معجزات موسى عليهما الصلاة والسلام، فكلا الرسولين اشتركا في المعجزات والآيات الظاهرة، فإن قيل: إن أحدهما قد تعلمها بحيلة، فالآخر يمكن أن يُقال ذلك\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ٢٩.\n(٢) انظر الأدلة على هذه المعجزات في آل عمران، الآية ٤٩، وسورة المائدة، الآية: ١١٠، والآيتان: ١١٤ - ١١٥.\n(٣) انظر: كتاب الداعي إلى الإسلام، للأنباري ص٣٤٧، وإغاثة اللهفان لابن القيم، ٢/ ٣٤٧.","vol":"1","page":30},{"text":"في حقه، وقد أخبرا جميعًا أن اللَّه – تعالى – هو الذي أجرى ذلك على أيديهما، وأنه ليس من صنعهما، فتكذيب أحدهما وتصديق الآخر تفريق بين المتماثلين، وليس هناك دليل على أن موسى - ﷺ - تلقى المعجزات عن اللَّه – تعالى – إلا وهو يدلُّ على أن عيسى - ﷺ - تلقاها عن اللَّه – تعالى – فإن أمكن القدح في معجزات عيسى أمكن القدح في معجزات موسى، وإن كان ذلك باطلًا فهذا باطل أيضًا (١)، ولا شك أنه لا يمكن القدح في شيء من ذلك أبدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>(ب) الحُججُ والبراهين على صدق نبوة محمد - ﷺ </span>-:\nظهر على يده - ﷺ - من الآيات والمعجزات الخارقة للعادات عند التحدي أكثر من سائر الأنبياء، والعهد بهذه المعجزات قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرهم، ونقلها ثابت بالتواتر قرنًا بعد قرن، وأعظمها مُعجزة: القرآن، لم يتغير ولم يتبدل منه شيء، بل كأنه منزل الآن، وما أخبر به يقع كل وقت على الوجه الذي أخبر به، كأنه يُشاهده عيانًا، وقد عجز الأولون والآخرون على الإتيان بمثله ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢).\nولا يمكن ليهودي أن يؤمن بنبوة موسى - ﷺ - إن لم يؤمن بنبوة\n_________\n(١) انظر: إغاثة اللهفان، ٢/ ٣٤٧.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٨٨.","vol":"1","page":31},{"text":"محمد - ﷺ -، ولا يمكن لنصراني أن يقر بنبوة المسيح - ﷺ - إلا بعد إقراره بنبوة محمد - ﷺ -، لأن من كفر بنبوة نبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ولم ينفعه إيمانه ببعضهم دون بعض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا، وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (١).\nولا ينفع أهل الكتاب شهادة المسلمين بنبوة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام؛ لأن المسلمين آمنوا بهما على يد محمد - ﷺ -، وكان إيمانهم بهما من الإيمان بمحمد - ﷺ - وبما جاء به، فلولاه ما عرفنا نبوتهما، ولا سيما وليس بأيدي أهل الكتاب عن أنبيائهم ما يُوجب الإيمان بهم؛ فلولا القرآن ومحمد - ﷺ - ما عرفنا شيئًا من آيات الأنبياء المتقدمين، فمحمد - ﷺ - وكتابه هو الذي قرر نبوة موسى وعيسى، لا اليهود والنصارى، بل نفس ظهوره ومجيئه تصديقًا لنبوتهما؛ فإنهما أخبرا بظهوره، وبشّرا بظهوره: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢)، فلما بعث كان بعثه تصديقًا لهما، قال\n_________\n(١) سورة النساء، الآيات: ١٥٠ – ١٥٢.\n(٢) سورة الصف، الآية: ٦.","vol":"1","page":32},{"text":"تعالى عن محمد - ﷺ -: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١).\nفمجيئه تصديق لهما من جهتين: من جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه، ومن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به وشهادته بنبوتهم، ولو كان كاذبًا لم يصدق من قبله، كما يفعل أعداء الأنبياء (٢).\nومن أعظم الأدلة على صدقه - ﷺ - أنه قال لليهود لما بهتوه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣)، ولم يجسر أحد منهم على ذلك – مع اجتماعهم على تكذيبه وعداوته – لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك، فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم، وصدقه فيما يخبرهم به لسألوا اللَّه الموت لأي الفريقين أكذب، منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة (٤)، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ للَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة الصافات، الآية: ٣٧.\n(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٥/ ٧٨ - ٨٣، ودقائق التفسير لابن تيمية، ٣/ ٣٤، وإغاثة اللهفان لابن القيم، ٢/ ٣٥٠، ٣٥١، وهداية الحيارى، ص٦٣٥.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٩٤.\n(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٧/ ٩٩، وتفسير ابن كثير، ١/ ١٢٨، ١٢٩، وتفسير السعدي، ١/ ١١٤.\n(٥) سورة الجمعة، الآيتان: ٦ - ٧.","vol":"1","page":33},{"text":"وغير ذلك من دلائل نبوته وصدقه (١) - ﷺ -، التي سأذكرها – إن شاء اللَّه – في آخر مطلب من مطالب حكمة القول مع أهل الكتاب.\n_________\n(١) ومن دلائل نبوته - ﷺ - في هذا الزمن ما نشر في صحيفة البلاد السعودية، في عددها رقم ٩٤٢٢، في ١٥/ ٨/١٤١٠هـ، الموافق ١٢ مارس ١٩٩٠م، ودخل في الإسلام بسبب ذلك أربع قرى نيجيرية، وهذا نص المنشور:\n«لقي أحد الضالين والمستهزئين بالإسلام حتفه إثر تشكيكه في الإسلام والقرآن وإعلانه أمام جمع من الناس قائلًا: إن كان القرآن والإسلام حقًا فإني أسأل الله ألا أرجع إلى بيتي حيًا.\nويشاء الله أن يلقى هذا الكافر حتفه قبل أن يعود إلى منزله فعلًا!\nهذا وقد وقعت هذه الحادثة في قرية (بوب) في ولاية غونفولي بشمالي نجيريا وأسلم على إثرها أهل القرية وثلاث قرى مجاورة. ويقول شهود عيان رأوا الحادثة: إن المكذب ويدعى عمر غيمو وهو قس في كنيسة باتيسي بقرية بوب وقف خطيبًا في الكنيسة وبدأ في التطاول على الإسلام والقرآن الكريم وردد العديد من الأكاذيب والأباطيل والافتراءات على الإسلام والقرآن الكريم. ثم قال في نهاية خطبته: (إن كان القرآن والدين الإسلامي حقًا فأسأل الرب ألا يرجعني إلى بيتي حيًا). وخرج القس من الكنيسة وهو على ثقة تامة بأنه لن يصيبه شيء وسيصل إلى منزله في صحة وعافية، ليتخذ ذلك فيما بعد دليلًا يؤكد به للناس افتراءه وأكاذيبه. ويشاء الله - ﷿ - وعلى الرغم من أن الطريق إلى منزله لا توجد به أي أخطار تهدد حياة الإنسان، يشاء الله أن تتعثر قدماه وهو يعبر جدول ماء صغير وسقط فيه حتى مات وسارع إليه جماعة من المسيحيين في دهشة وذهول ونقلوه إلى المستشفى والتي رفضت استلامه لوفاته، فذهبوا به إلى مستشفى آخر وثالث وكان التأكيد أنه قد لاقى حتفه ليسقط في أيديهم لحدوث الوفاة بهذه البساطة ودون حدوث أي إصابة أو جرح. والأعجب من ذلك أن أحد المارة كان قد حاول في البداية إنقاذ هذا المستهزئ عند تعثره فلقي مصرعه ... تجدر الإشارة إلى أن هذا القس كان مسيحيًا، ثم أسلم، وعاش فترة بين المسلمين يتعامل معهم ويتعاملون معه إلا أنه نكص على عقبيه وارتد عن الإسلام وأصبح حربًا على دين الله إلى أن لقي مصيره المحتوم».","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الثاني: حكمة القول مع النصارى</span>\nمن حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى اللَّه - تعالى - أن يسلك معهم الداعية المسلم المسالك الحكيمة الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المسلك الأول: إبطال عقيدة التثليث وإثبات الوحدانية للَّه تعالى</span>.\nالمسلك الثاني: البراهين على إثبات بشرية عيسى وعبوديته للَّه تعالى.\nالمسلك الثالث: البراهين على إبطال قضية الصلب والقتل.\nالمسلك الرابع: البينات على إثبات وقوع النسخ والتحريف.\nالمسلك الخامس: إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى.\nالمسلك الأول: إبطال عقيدة التثليث وإثبات الوحدانية للَّه تعالى:\nالمقصود بالتثليث عند النصارى ثلاثة أشياء: الأب، والابن، ورُوحُ القدس.\nوقالوا: الأب هو الذات، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو الحياة (١)، ويعبرون عن ذلك بأن اللَّه - تعالى عن كفرهم - ثلاثة\n_________\n(١) اختلف النصارى في تفسير هذا الكلام على أقوال:\n١ - فكثير منهم يقول: الأب هو الوجود، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو الحياة.\n٢ - ومنهم من يقول: الأب هو الوجود، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو القدرة.\n٣ - وقيل: الأقانيم ثلاثة: جواد، حكيم، قادر، فقالوا: الجواد الأب، والحكيم الابن، والقادر: روح القدس.\n٤ - وقيل: الذات الأب، والنطق الابن، والحياة روح القدس.\n٥ - ومنهم من يعبر عن الكلمة بالعلم فيقول: موجود، حي، عالم، أو موجد، عالم، قادر.\n٦ - ومنهم من يقول: موجود، حي، حكيم.\n٧ - ومنهم من يقول: قائم بنفسه، حي، حكيم.\nكلهم متفقون على أن المتجسد في المسيح - على زعمهم - والحال فيه هو أقنوم الكلمة، وهو الذي يسمونه الابن دون الأب، - تعالى الله عن قولهم - انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٢/ ٩٠، ٩٤، والملل والنحل للشهرستاني، ١/ ٢٢٢ - ٢٢٨.\nوفرق النصارى الثلاث: الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية متفقون على أن معبودهم ثلاثة، ولكنهم اختلفوا في فتسير الأقانيم الثلاثة، وفي الحلول والاتحاد. انظر: الجواب الصحيح، ٢/ ٩٥، والفصل لابن حزم، ١/ ١١٠ - ١١٢، وإظهار الحق، ١/ ٥٧٦، والملل والنحل للشهرستاني، ١/ ٢٢١ - ٢٢٨، والبداية والنهاية، ٢/ ١٥٠، ودقائق التفسير، ٣/ ٣٠، وإغاثة اللهفان، ٢/ ٢٧٣.\nقال ابن حزم في الفصل، ١/ ١١٢: ولولا أن الله وصف قولهم في كتابه ... لما انطلق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع السمج السخيف، وتالله لولا أنا شاهدنا النصارى ما صدقنا أن في العالم عقلًا يسع هذا الجنون، ونعوذ بالله من الخذلان.","vol":"1","page":35},{"text":"أقانيم، والأقنوم في لغتهم هو الأصل (١)، والثلاثة أسماء إله واحد (٢) في زعمهم الباطل عقلًا وشرعًا.\nوالرّدُّ على عقيدة التثليث وإبطالها (٣)، ودعوة أصحابها إلى اللَّه بالقول الحكيم يتلخص في الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>١ - التوحيد دين الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وأتباعهم:</span>\nإن عقيدة التثليث لم تكن في أمةٍ من الأمم السابقة من عهد آدم\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح، ٢/ ١٠٠، ١١٢، والداعي إلى الإسلام للأنباري، ص٣٥٩، والفصل لابن حزم، ١/ ١١٩.\n(٢) انظر: الداعي إلى الإسلام، ص٣٦٣، ٣٦٤، والجواب الصحيح، ٢/ ١١٢.\n(٣) انظر: اليهودية والمسيحية، للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص٤١١ - ٤٣٩.","vol":"1","page":36},{"text":"﵊، إلى رفع عيسى - ﷺ -.\nوعقيدة التوحيد هي دين الأنبياء وأتباعهم، كما أن كتب العهد القديم عند أهل الكتاب ناطقة بأن اللَّه واحد، أزليٌّ، أبديٌّ، حيٌّ لا يموت، قادر يفعل ما يشاء، ليس كمثله شيء، لا في الذات ولا في الصفات، وعبادة غير اللَّه حرام، وحرمتها مصرحة في مواضع شتى، وهذا الأمر لشهرته وكثرته في تلك الكتب غير محتاج إلى نقل الشواهد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>٢ - النصارى تلقوا عقيدة التثليث عن أصحاب المجامع:</span>\nإن المصادر النصرانية الموثوق فيها لا تملك سوى الإقرار بأن دعوة عيسى - ﷺ - كانت توحيد اللَّه الخالص من الشرك، إلى بداية القرن الرابع الميلادي (٢)، وذلك أن اللَّه - ﷿ - بعث عبده ورسوله عيسى ابن مريم إلى بني إسرائيل، فجدد لهم الدين، وصدق لما بين يديه من التوراة، وأحل لهم بعض الذي حُرّم عليهم، ودعاهم إلى عبادة اللَّه وحده، فعادوه وكذبوه، ورموه وأمه بالعظائم، وأرادوا قتله، فطهره اللَّه - تعالى - منهم، ورفعه إليه، ولم يصلوا إليه بسوء، وأقام اللَّه - تعالى - للمسيح أنصارًا دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، واستقام الأمر على السداد\n_________\n(١) انظر: إظهار الحق، لرحمة الله الهندي، ١/ ٥٤٣، ٥٧٧.\n(٢) انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم، ٢/ ٢٧٠، وهداية الحيارى، ص٦٢٢، والمناظرة بين الإسلام والنصرانية، ص١٦٤.","vol":"1","page":37},{"text":"بعده نحو ثلاثمائة سنة، ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير، ولم يبق بأيدي النصارى منه إلا بقايا: كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحلت لهم بنصها، ثم استحلوا الخنزير، وأحلوا السبت، وعوضوا منه يوم الأحد، وتركوا الختان، والاغتسال من الجنابة، وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس فصلوا إلى المشرق، وعظموا الصليب وعبدوه، وعندما أخذ دين المسيح - ﷺ - في التغير والفساد اجتمعت النصارى عدة مجامع، ثم يفترقون على الاختلاف والتلاعن، ومن أهم هذه المجامع: مجمع نيقية عام ٣٢٥م، فقد جمع الملك قسطنطين – باني القسطنطينية – ألفين وثمانية وأربعين أسقفًا (٢٠٤٨) من جميع بلدان العالم، وكانوا مختلفي الآراء والأديان، واتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا (٣١٨) على أن المسيح ابن اللَّه – تعالى عن كفرهم – وأنه مساوٍ له في الجوهر، وأنه نزل من السماء وتجسد من روح القدس، وصار إنسانًا، وحمل به، ثم ولد من مرين، وقُتِلَ وصُلِبَ، ودُفِنَ، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء مرة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، وقالوا: نؤمن بروح القدس، وأجبر الملك الناس على هذه العقيدة التي أسسها هؤلاء الأساقفة.\nثم عُقِدَ مجمع آخر عام ٣٨١م، وحضره مائة وخمسون أسقفًا (١٥٠)، وأجمعوا على أن روح القدس خالق غير مخلوق، وبهذا","vol":"1","page":38},{"text":"المجمع تم لهم التثليث، وقالوا: بأن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم، وفرض ملوك النصارى هذه العقيدة على الناس.\nثم عُقِدَ مجمع سنة ٤٣١م، وحضره نحو مائتي أسقف (٢٠٠) وقرروا أن مريم ولدت إلهًا .. !\nواستمرت المجامع تُعقد بعد ذلك، وأشهرها المجامع العشرة التي عُقِدَت على مر العصور، وكلهم يُكفِّر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا، فدينهم الذي ابتدعوا قائم على اللعنة (١).\nفثبت بهذا الاستعراض أن دين المسيح - ﷺ - هو التوحيد إلى نهاية القرن الثالث الميلادي، وأن المجامع النصرانية هي التي فرضت عقيدة التثليث، وألزم الملوك الناس بذلك بالسيف والعطاء (٢).\nفعُلِمَ قطعًا بأن عقيدة التثليث عقيدة وثنية مصدرها المجامع النصرانية، بدءًا بمجمع نقية سنة ٣٢٥م، وهذا من أعظم ما يُردُّ به على النصارى، ولكن بالقول الحكيم، وبالرفق واللين، والجدال بالتي هي أحسن.\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ١/ ١١٥، ٢/ ٩٠ - ١٣٥، ٣/ ٢٢ - ٤٥، وإغاثة اللهفان، ٢/ ٢٧٠ - ٢٨١، وهداية الحيارى، ص٦٤٦ - ٦٥٨، والبداية والنهاية لابن كثير، ٢/ ١٥٠، ١٥١، والمناظرة بين الإسلام والنصرانية، ص٢٠٢ - ٢١٦.\n(٢) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ٢/ ٢٢٨.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>٣ - بطلان كون الثلاثة إله واحد:</span>\nقال المثلثة: الأب، والابن، وروح القدس: الثلاثة أسماء إله واحد، ورب واحد، وخالق واحد، ومسمى واحد، لم يزل ولا يزال شيئًا حيًّا ناطقًا: أي الذات والنطق والحياة (١)، ويعبرون عن ذلك بأن اللَّه - تعالى عن كفرهم - ثلاثة أقانيم، وحينئذ يرد عليهم بالقول الحكيم بالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>أولًا: لم خصصتم الأقانيم الثلاثة؟ فإنه قد ثبت أنه: موجود، حي عليم، قادر</span>، سميع، بصير، كريم، خالق، رازق ...، فيلزمكم على قولكم هذا أن تُثبتوا أقنومًا رابعًا وهو القدرة، وخامسًا وهو: السمع، وسادسًا وهو: البصر، وسابعًا وهو: الكرم، وثامنًا وهو: الخلق، وتاسعًا وهو: الكلام ... وسائر الصفات الثابتة، فإن أسماء اللَّه - تعالى - وصفاته متعددة كثيرة، ومنها تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة (٢).\nفإذا كانت أسماء اللَّه كثيرة فالاقتصار على ثلاثة أسماء أو ثلاث\n_________\n(١) فالذات عندهم: الأب الذي هو ابتداء الاثنين، والنطق: الابن الذي هو مولود منه كولادة النطق من العقل، والحياة: هي روح القدس، ثم يعبرون عن ذلك بأن الله - تعالى - ثلاثة أقانيم - تعالى الله عن ذلك - والأقنوم في لغتهم: هو الأصل. انظر: الجواب الصحيح ٢/ ١٠٠، ١١٢، والداعي إلى الإسلام ص٣٥٩، والفصل لابن حزم، ١/ ١١٩.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار ٥/ ٣٥٤، (رقم ٢٧٣٦)، ١١/ ٢١٤، ومسلم، كتاب الذكر، باب أسماء الله - تعالى - ... ٤/ ٢٠٦٣، (رقم ٢٦٧٧).","vol":"1","page":40},{"text":"صفات باطل مردود (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>ثانيًا: قولكم: الأبُ الذي هو ابتداء الاثنين</span>، والابن النطق الذي هو مولود منه كولادة النطق من العقل: كلام باطل؛ لأن صفات الكمال لازمة لذات اللَّه - تعالى - أولًا وآخرًا، فهو لم يزل ولا يزال حيًّا، عالمًا، قادرًا، فلم يَصِرْ حيًّا بعد أن لم يكن حيًّا، ولا عالمًا بعد أن لم يكن عالمًا!!\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>ثالثًا: قولكم في النطق: إنه الابن، وإنه مولود من اللَّه - تعالى </span>-: إن أردتم به أنه صفة لازمة له، فكذلك الحياة صفة لازمة له، فيكون روح القدس أيضًا ابنًا ثانيًا، وإن أردتم أنه حصل منه بعد أن لم يكن لزم أن يكون عالمًا بعد أن لم يكن، وهذا مع كونه باطلًا وكفرًا فيلزم مثله في الحياة، وأنه صار حيًّا بعد أن لم يكن حيًّا، تعالى اللَّه وتقدس عن ذلك!!\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>رابعًا: إن تسمية حياة اللَّه: روح القدس، لم ينطق به شيء من كتب اللَّه المنزلة</span>، فإطلاق روح القدس على حياة اللَّه من التبديل والتحريف للكلم عن مواضعه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>خامسًا: إنكم تدعون أن المتجسد بالمسيح هو الكلمة، الذي هو العلم</span>، وهذا إن أردتم به نفس الذات العالمة الناطقة كان المسيح هو الأب، وهو الابن، وهو روح القدس، وهذا عندكم وعند جميع\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٢/ ١١٣.","vol":"1","page":41},{"text":"الناس باطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>سادسًا: العلم صفة، والصفة لا تَخلُق ولا تَرزُقُ، والمسيح نفسه ليس هو صفة قائمة </span>بغيرها باتفاق العقلاء، وأيضًا هو عند المثلثة خالق للسماوات والأرض، فامتنع أن يكون المتحد به صفة، فإن الإله المعبود هو الإله الحي العليم القدير، وليس هو نفس الحياة ولا نفس العلم والكلام، فلو قال قائل: يا حياة اللَّه، أو يا علم اللَّه، أو يا كلام اللَّه اغفر لي وارحمني ... كان هذا باطلًا في صريح العقل، ولهذا لم يُجَوِّزْ أحد من أهل الأديان السماوية أن يقال للتوراة أو الإنجيل وغير ذلك من كلام اللَّه: اغفر لي وارحمني، وإنما يقال للإله المتكلم بهذا الكلام - وهو اللَّه وحده -: اغفر لي وارحمني.\nوالمسيح عند المثلِّثة هو الإله الخالق الذي يقال له: اغفر لنا وارحمنا، فلو كان هو نفس علم اللَّه وكلامه لم يجز أن يكون إلهًا معبودًا، فكيف إذا لم يكن هو نفس علم اللَّه وكلامه، بل هو مخلوق بكلامه حيث قال: (كن)، فكان، فتبين بذلك أن كلمات اللَّه كثيرة لا نهاية لها، ومعلوم أن المسيح ليس هو كلمات كثيرة، بل غايته أن يكون كلمة واحدة، إذ هو المخلوق بكلمة من كلمات اللَّه - ﷿ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>سابعًا: مما لا يَشكُّ في صحته عاقل: أن عقيدة التثليث باطلة مردودة </span>بصريح النقل وصحيح العقل، ومن المعلوم عند سائر أهل\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٢/ ١١٢ - ١١٦، بتصرف.","vol":"1","page":42},{"text":"الملل: أن اللَّه موجود، حي، عليم، متكلم، قدير لا تختص صفاته بثلاثة، ولا يعبر عن ثلاثة منها بعبارة لا تدل على ذلك، وهو: لفظ الأب، والابن، وروح القدس، فإن هذه الألفاظ لا تدل على ما فسروها به في لغة أحد من الأمم، ولا يوجد في كلام أحد من الأنبياء أنه عبر بهذه الألفاظ عما ذكروه من المعاني، بل ذلك مما ابتدعه النصارى، ولم يدل عليه شرع ولا عقل (١).\nفتبين أن جميع كتب الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - تُبْطِل مذهب النصارى، فهم بين أمرين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>١ - الإيمان بكلام الأنبياء وبطلان دينهم (عقيدة التثليث)</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٢ - تصحيح دينهم وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٤ - إبطال عقيدة التثليث بما في كتب النصارى:</span>\nمن الأدلة التي تُلزم أصحاب التثليث أن يبين لهم بالقول الحكيم ما في كتبهم التي يعترفون بها، فإن فيها ما يبطل قولهم وعقيدتهم في التثليث، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي:\n(أ) جاء في إنجيل يُوحنَّا: إن المسيح - ﷺ - قال في دعائه: «إن الحياة الدائمة إنما تجبُ للناس بأن يشهدوا أنك أنت اللَّه الواحد\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٢/ ٩١.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٢١٣.","vol":"1","page":43},{"text":"الحق، وأنك أرسلت اليسوع المسيح» (١).\nوهذه حقيقة شهادة أن لا إله إلا اللَّه، ولا معبود بحقٍّ سواه.\n(ب) وقال: «إن اللَّه - ﷿ - ما أكل ولا يأكل، وما شرب ولا يشرب، ولم ينم ولا ينام، ولا ولد له ولا يلد ولا يولد، ولا رآه أحد ولا يراه أحد (٢) إلا مات» (٣).\nوبهذا يظهر سر قوله تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ (٤).\nوغير ذلك من الأمثلة كثير لا يتسع المقام لذكرها (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٥ - إبطال القرآن الكريم لعقيدة التثليث:</span>\nالقرآن الكريم هو الأصل في تصحيح العقائد، وما سبق من القول الحكيم مع النصارى إنما هو مخاطبتهم على قدر عقولهم بالأدلة العقلية، وبالواقع من تاريخهم، وما جاء في كتبهم، مما يبطل عقيدة التثليث، ويُثبتُ أن عقيدة التوحيد هي دين الأنبياء جميعًا\n_________\n(١) هداية الحيارى لابن القيم، ص٦٢٠.\n(٢) المقصود بنفي الرؤية هنا في الدنيا، أما في الآخرة فإن المؤمنين يرون ربهم في الجنة، وهو أعظم نعيم أهل الجنة - جعلنا الله منهم -.\n(٣) انظر: هداية الحيارى، ص٦٢١.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٧٥.\n(٥) انظر كثيرًا من الأمثلة على ذلك في: هداية الحيارى، ص٦٢٠ - ٦٢٢، وإظهار الحق، ٢/ ٢٥ - ٣٩.","vol":"1","page":44},{"text":"عليهم الصلاة والسلام.\nوالقرآن الكريم – المحفوظ من اللَّه عن التبديل والتحريف – يتولى الرد على هذه القضية بأوجز عبارة وأوضحها، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (١)، ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ - مبينًا حقيقة عيسى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ، لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٧١.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ١٧.","vol":"1","page":45},{"text":"انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١).\nوأخبر اللَّه عن المسيح أنه لم يأمر الناس إلا بما أمره اللَّه به، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ* مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢)، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا* تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا* أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا* وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٣)، ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤)، فهل بعد هذا القول بيان؟ وهل بعد هذه الحجج من حجج؟ (٥).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآيات: ٧٢ – ٧٥.\n(٢) سورة المائدة، الآيتان: ١١٦ - ١١٧.\n(٣) سورة مريم، الآيات: ٨٨ – ٩٣.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ٣٠.\n(٥) انظر: الجواب الصحيح، ٢/ ٢٧٩ - ٢٨١، ودقائق التفسير، ٣/ ٢٨، ٢٩.","vol":"1","page":46},{"text":"وأما قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ (١)، فقد بينها اللَّه تعالى أعظم بيان وأكمله وأبلغه.\n(أ) فالكلمة التي ألقاها اللَّه إلى مريم هي: (كن)، فكان عيسى بـ «كن»، وليس عيسى هو الكن، ولكن بالكن كان عيسى، فالكن من اللَّه قوله: (كن)، وليس الكن مخلوقًا (٢)، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ* وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ* قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٣).\nففي هذا الكلام وجوه تبين أنه مخلوق، وليس كما يقول النصارى، وذلك:\n١ - قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾، وهي نكرة في سياق الإثبات يقتضي أنه كلمة من كلمات اللَّه، وليس هو كلامه كله، كما يقول النصارى.\n٢ - ومنها أنه بيّن مراده بقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾، وأنه مخلوق،\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٧١.\n(٢) فتاوى ابن تيمية، ٢٠/ ٤٩٣، ودقائق التفسير، ٣/ ٣١، وتفسير ابن كثير، ١/ ٥٩١.\n(٣) سورة آل عمران، الآيات: ٤٥ – ٤٧.","vol":"1","page":47},{"text":"حيث قال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٢).\nفهذه ثلاثة آيات في القرآن تبيّن أن اللَّه قال له: ﴿كن﴾، وهذا تفسير كونه كلمة منه.\n٣ - وقال: اسمه المسيح عيسى ابن مريم.\n٤ - وأخبر أنه وجيه في الدنيا والآخرة.\n٥ - وأنه من المقربين.\nوهذه كلها صفة مخلوق، واللَّه – تعالى – وكلامه الذي هو صفته لا يقال فيه شيءٌ من ذلك.\n٦ - وقالت مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾، فبيّن أن المسيح الذي هو الكلمة ولد مريم لا ولد اللَّه ﷾ (٣).\n(ب) أما الروح التي قال تعالى فيها: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾، فلا يجب\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٥٩.\n(٢) سورة مريم، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.\n(٣) انظر: الجواب الصحيح، ٢/ ٩٩ - ٣٠٠، ٢/ ١٤٠، ٢٢٧.","vol":"1","page":48},{"text":"أن يكون منفصلًا من ذات اللَّه، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ (١)، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٢)، ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣).\nفهذه الأشياء كلها من اللَّه وهي مخلوقة.\nوأبلغ من ذلك روح اللَّه التي أرسلها إلى مريم، وهي مخلوقة ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ (٤)، ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (٦).\nفعُلِمَ بذلك أن الروح الذي أرسله اللَّه إلى مريم هو روح القدس، وهو الملك جبريل، - ﵇ -، وهو مخلوق، وهو الذي خُلِقَ المسيح من نفخه ومن مريم، فإذا كان الأصل مخلوقًا فكيف الفرع الذي حصل به؟\n_________\n(١) سورة الجاثية، الآية: ١٣.\n(٢) سورة النحل، الآية: ٥٣.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٧٩.\n(٤) سورة مريم، الآيات: ١٧ – ١٩.\n(٥) سورة الأنبياء، الآية: ٩١.\n(٦) سورة التحريم، الآية: ١٢.","vol":"1","page":49},{"text":"أما قوله عن المسيح: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ فخص بذلك لأنه نفخ في أمه من الروح، فحملت به من ذلك النفخ، وذلك غير روحه التي يشاركه فيها سائر البشر، فامتاز بأن حملت به من نفخ الروح، فلهذا سمي روحًا منه (١).\nأما إضافة الروح إلى اللَّه في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ فهي إضافة مخلوق إلى خالقه، كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (٢)، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (٣)، والمضاف إلى اللَّه – تعالى – نوعان:\n(أ) إن كان صفة مضافة إلى اللَّه لم تقم بمخلوق: كعلم اللَّه، وقدرة اللَّه، والقرآن كلام اللَّه، وحياة اللَّه، كان صفة للَّه تعالى.\n(ب) وإن كان المضاف عينًا قائمة بنفسها أو صفة فيها، أو صفة لغير اللَّه: كالبيت، والناقة، والعبد، والروح كان مخلوقًا مضافًا إلى خالقه ومالكه.\nلكن هذه الإضافة (ناقة اللَّه)، (بيت اللَّه)، (عباد اللَّه)، (روح اللَّه)، إضافة مخلوق إلى خالقه تقتضي التشريف، وبهذا يتبين أنه لا يوجد\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح، ٢/ ١٢٧، ١٢٨، ١٣٣، ٣٠٢، ٣٠٣، ودقائق التفسير، ٢/ ٣٤١، ٣/ ٣٢، والبغوي، ١/ ٥٠١، وابن كثير، ١/ ٥٩١، ٤/ ٣٩٥، وفتح القدير، ١/ ٥٤٠.\n(٢) سورة الشمس، الآية: ١٣.\n(٣) سورة الإنسان، الآية: ٦.","vol":"1","page":50},{"text":"للنصارى حجة إطلاقًا، فسقط قولهم بحمد اللَّه تعالى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المسلك الثاني: الأدلة والبراهين القاطعة على بشرية عيسى وعبوديته للَّه:</span>\nومن حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى اللَّه أن يُبين لهم أن عيسى - ﷺ - عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، خلقه - ﷿ -، وبيّن لعباده أنه مخلوق، وأن ذلك لا يُعجزه قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (٢).\nفقد خلق اللَّه - تعالى - هذا النوع على الأقسام الممكنة، ليبين عموم قدرته، فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٣)، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء، فلهذا شبهه اللَّه بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادرًا أن يخلقه من تراب، والتراب ليس\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح، ٢/ ١١٥، ١٢٧، ١٢٨، ١٣٢، ١٣٨ - ١٤٠، ١٤٢، ودقائق التفسير، ٢/ ٣٤٣.\n(٢) سورة آل عمران، الآيتان: ٥٩ - ٦٠.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١.","vol":"1","page":51},{"text":"من جنس بدن الإنسان، أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان؟ وهو - ﷿ - خلق آدم من تراب، ثم قال له: كن، فكان لما نفخ فيه من روحه، فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه، وقال له: كن، فكان، ولم يكن آدم بما نفخ فيه من روحه لاهوتًا وناسوتًا، بل كله ناسوت، فكذلك المسيح كله ناسوت (١).\nوقد أمر اللَّه رسوله - ﷺ - أن يُباهل النصارى على حقيقة عيسى - ﷺ -، وأنه عبد اللَّه ورسوله، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (٢).\nوقد امتثل النبي - ﷺ - قول اللَّه فدعاهم إلى المباهلة، فعرفوا أنهم إن باهلوه أنزل اللَّه عليهم لعنته، فأقروا بالجزية وهم صاغرون.\nوهذا كله يُبيّن أن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وأنه مخلوق، ويُبيّن أنّ النصارى بامتناعهم عن المباهلة وعن الدخول في الإسلام كانوا ظالمين (٣).\nوقد بيّن - ﷿ - حقيقة عيسى، ووصفه وأمه وصفًا كاملًا لا يدع\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٢/ ٢٩٤، ودقائق التفسير لابن تيمية، ٢/ ٣٣٤، وتفسير ابن كثير، ١/ ٣٦٨.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٦١.\n(٣) انظر: الجواب الصحيح، ٢/ ٢٩٥، ودقائق التفسير، ٢/ ٣٣٤، ودرء تعارض العقل والنقل، ١/ ١٩٨، وتفسير ابن كثير، ١/ ٣٦٨.","vol":"1","page":52},{"text":"مجالًا للشك، ويقطع كل شبهة ترد على بشرية عيسى وأمه، فقال - ﷿ -: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ...﴾ إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا* قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا* وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ* مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ...﴾ الآيات (١).\nوقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢).\nوهو - ﷺ - عبد اللَّه ورسوله، وأحد أنبيائه ورسله الكرام، ويتصف بصفات البشر، ويأكل الطعام كما يأكله البشر (٣): ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ (٤).\n_________\n(١) سورة مريم، الآيات: ١٦ – ٣٥.\n(٢) سورة الزخرف، الآية: ٥٩.\n(٣) انظر تفسير ابن كثير، ٢/ ٨٢.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٧٥.","vol":"1","page":53},{"text":"وقد شهد رسول اللَّه - ﷺ - بالجنة لمن شهد أن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، فقال: «من شهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم روح منه، وأن الجنة حقٌّ، والنار حقٌّ، أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل» (١).\nوحذر - ﷺ - عن الغلو، وبيّن أنه من أسباب تأليه النصارى لعيسى ابن مريم (٢).\nوبهذه البراهين القطعية من الأدلة العقلية والنقلية يتضح لكل ذي لُبٍّ أن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ومَنْ وصفه بغير ذلك من الصفات التي لم يصفه بها ربه وخالقه فقد خرج عن مقتضى العقل والنقل إلى الجنون أو الجحود والظلم: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا للَّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا﴾ (٣)، ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾، ٦/ ٤٧٤، (رقم ٣٤٣٥)، ومسلم، في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، ١/ ٥٧، (رقم ٢٨)، وانظر زيادة للحديث في البخاري مع الفتح، ٦/ ٤٧٤، ومسلم، ١/ ٥٧.\n(٢) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ...﴾، ٦/ ٤٧٨ (رقم ٣٤٤٥)، وكتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، ١٢/ ١٤٤، (رقم ٦٨٣٠).\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٧٢.","vol":"1","page":54},{"text":"ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ* وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>المسلك الثالث: البراهين الدالة دلالة قطعية على إبطال قضية الصلب والقتل:</span>\nزعم النصارى أن اليهود قتلوا عيسى - ﷺ - وصلبوه وقُبِرَ، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء (٢)، وقد كذبهم اللَّه فيما زعموا، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (٣).\nومن الحكمة القولية في دعوتهم إلى اللَّه وإبطال مذهبهم أن يُردّ عليهم بالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>١ - الأدلة العقلية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>(أ) بما أنكم أجمعتم أيها النصارى على القول بالاتحاد والصلب والقتل </span>(٤)، فهل كان الاتحاد موجودًا في حالة الصلب والقتل أم لا؟\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيتان: ٧٩ - ٨٠.\n(٢) انظر: الجواب الصحيح، ٢/ ١١٦، والداعي إلى الإسلام للأنباري، ص٣٧٧، وإغاثة اللهفان، ٢/ ٢٧٣، وهداية الحيارى، ص٦١٨.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٥٧.\n(٤) قالوا: إن الإله اتحد مع الإنسان فصار شيئًا واحدًا: اتحاد الكلمة بجسد المسيح، ولا يسمون الكلمة التي هي العلم عندهم ابنًا إلا بعد تدرعها بالمسيح، فالمسيح عندهم مع ما تدرع به: ابن ... انظر: الفصل لابن حزم، ١/ ١١٧، والداعي إلى الإسلام، ص٣٦٥، والملل للشهرستاني، ١/ ٢٢٢، ودقائق التفسير، ٢/ ٣٤٦.","vol":"1","page":55},{"text":"فإن قلتم كان موجودًا، لزمكم القول بأن ابن اللَّه القديم - في زعمكم - مات وصُلِبَ، لأن جواز القتل كجواز الموت والحركة والسكون والافتراق، وفيه جواز موت الأب والروح، وهذا لا يقولون به.\nفإن قالوا: إن الاتحاد بَطل، قيل لهم: فيجب ألا يكون المقتول مسيحًا؛ لأن الجسد عند انتقاضِ الاتحاد ليس بمسيح، فبطل قولكم بأن المسيح قُتِلَ وصلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>(ب) أنتم تزعمون أن المسيح قُتِلَ وصُلِب</span>، والمسيح في عقيدتكم كان لاهوتًا وناسوتًا، فيلزم من ذلك إطلاق القول بقتل إلهكم، لأن المسيح عندكم إله مُطلق، ومن ضرورة ذلك إطلاق القول بقتل الإله وموته، وذلك مروق عن الدين (١).\nفإن قالوا: إنما قُتل الناسوتُ دن اللاهوت. قيل لهم: هذا باطل من وجهين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>١ - أن ناسوته لم يصلب وليس فيه لاهوتًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٢ - ذكركم ذلك دعوى مُجردة، فيكفي في مقابلتها المنع </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>(ج) إذا كان عيسى ابن اللَّه - تعالى - قديم الروح بزعمكم فكيف قدر اليهود على أن يقتلوا ابن اللَّه</span>، وهو إله عندكم، والإله لا يُقتل!!\n_________\n(١) انظر: الداعي إلى الإسلام، ص٣٧٨.\n(٢) انظر: الجواب الصحيح، ٢/ ٢٩٧، ودقائق التفسير، ٢/ ٣٣٦، وإغاثة اللهفان، ٢/ ٢٩٠.","vol":"1","page":56},{"text":"فإن قالوا: إنما قُتِلَ الهيكل دون الروح، قيل لهم: قد بطل الاتحاد الذي ادعيتموه، فكان يجب أن يمنع الروح واللاهوت عن القتل وإتلاف الهيكل والناسوت، فدل ذلك على أنه كان عبدًا للَّه ورسولًا له، لا ابنًا له (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٢ - أخبار القتل والصلب مصدرها اليهود:</span>\nمن المعلوم يقينًا أن أخبار المسيح والصلب والقتل إنما تلقاها النصارى عن اليهود، وقد ثبت أنه لم يحضر أحد منهم، وإنما قال اليهود: قتلناه وصلبناه، وهم أعظم أعدائه الذين رموه وأمه بالعظائم، وأجمعت اليهود على أن عيسى - ﷺ - لم يدَّع شيئًا من الإلهية التي نسبها إليه النصارى، فحينئذ يقال للنصارى: إن صدقتم اليهود في القتل والصلب فصدقوهم في أنه ليس بإله، بل هو عبد مخلوق! (٢).\nومن العجيب أن النصارى يُعظِّمون الصليب، وكان من مقتضى العقول أن يحرِّقوا كل صليب وجدوه، لأنه قد صُلِبَ عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم .. فبأي وجه بعد هذا يستحق الصليب التعظيم (٣).\n_________\n(١) انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري، ص٣٧٨، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٢/ ٢٧٩ - ٢٩٤.\n(٢) انظر: هداية الحيارى، ص٦٣٧ - ٦٣٩، والجواب الصحيح، ٢/ ٢٨٣.\n(٣) انظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم، ٢/ ٨٥، وهداية الحيارى، ص٤٩٥، والفصل لابن حزم، ١/ ١٢٣ - ١٢٨.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>٣ - تناقض الأناجيل في قضية الصلب:</span>\nوقع في قضية الصلب في الأناجيل المعتمدة عند النصارى أكثر من ثلاثين تناقضًا، وحينئذ يطبق على هذه التناقضات قاعدة: كل ما تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال (١).\nوهذا يدلُّ على أن كل ما تعلق بالصلب اشتبه أمره على النصارى، وغابت عنهم الحقيقة، فهم لا يزالون مختلفين، وبهذا يسقط قولهم؛ لأنهم لا علم لهم ولا دليل يعتمدون عليه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٤ - إبطال القرآن الكريم لقضية الصلب والقتل:</span>\nأوضح اللَّه في القرآن الكريم أمر الصلب وبيّنه وجلاّهُ وأظهره، وأوضحه عنه رسوله - ﷺ - المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا، وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٣).\nفعيسى - ﷺ - لم يُصلب، بل رفعه اللَّه إليه، ولم يمت، قال تعالى:\n_________\n(١) انظر أمثلة هذه التناقضات مع إحالتها إلى الأناجيل في: المناظرة بين الإسلام والنصرانية ص٦٢ - ١٠٨، والإنجيل دراسة وتحليل للدكتور/ محمد شلبي، ص٩٤ - ١٢١.\n(٢) انظر: المناظرة بين الإسلام والنصرانية، ص١٠٤.\n(٣) سورة النساء، الآيات: ١٥٥ - ١٥٩.","vol":"1","page":58},{"text":"﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (١)، وقال تعالى حكاية عن المسيح: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢).\nوالوفاة هنا بمعنى القبض، كما يقال: توفيت من فلان ما لي عليه، بمعنى: قبضته واستوفيته، فيكون معنى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ أي: إني قابضك من الأرض ورافعك إليَّ (٣).\nوقوله - ﷿ -: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعم اليهود والنصارى، فدلَّ ذلك على أن جميع أهل الكتاب يؤمنون بالمسيح قبل موته، وذلك إذا نزل في آخر الزمان (٤) آمنت اليهود\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٥٥.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ١١٧.\n(٣) ورجح هذا القول الطبري في تفسيره، ٣/ ٢٠٣.\nوهناك أقوال أخرى في معنى الوفاة هنا، فمنهم من قال: النوم، وهم الأكثر، كما قاله ابن كثير، ١/ ٣٦٧، ومنهم من قال في الآية تقديم وتأخير، وتقديره: إني رافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك.\nانظر: تفسير الطبري، ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٤، والبغوي، ١/ ٣٠٨، وزاد المسير، ١/ ٣٩٦، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٢/ ٢٨٥، وتفسير ابن كثير، ١/ ٣٦٧، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ١/ ٣٤٢.\n(٤) انظر خبر نزول عيسى آخر الزمان وحكمه بالشريعة الإسلامية في البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم، ٦/ ٤٩٠، (رقم ٣٤٤٨)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد - ﷺ -، ١/ ١٣٥، (رقم ١٥٥).","vol":"1","page":59},{"text":"والنصارى بأنه رسول اللَّه، ليس كاذبًا كما يقول اليهود، ولا هو اللَّه كما يقول النصارى (١)، ثم بعد أن يحكم بشريعة محمد - ﷺ - يموت كما يموت البشر قبل يوم القيامة.\nفاتضح بذلك - بحمد اللَّه - أن عيسى لم يُقتل، ولم يُصلب، ولم يَمت حتى الآن، فبطل قول النصارى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ واللَّه المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المسلك الرابع: البينات الواضحات على وقوع النسخ والتحريف في الأناجيل:</span>\nمن حكمة القول في دعوة النصارى إلى اللَّه - تعالى - أن يبيّن لهم بالأدلة العقلية والنقلية أن دين الإسلام قد نسخ جميع الشرائع السابقة، وأن ما وجد من الكتب السابقة فهو بين أمرين: إما حق قد نسخته الشريعة الإسلامية، وإما كلام محرف أو خلط فيه الحق بالباطل (٢).\nومن المعلوم أن النصارى يقسمون الكتاب إلى قسمين:\n١ - كتب العهد القديم (٣).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، ٦/ ٤٩١، ٤٩٢، ٤/ ٤١٤، ٥/ ١٢١، وشرح النووي، ٢/ ١٩٠.\n(٢) أما إثبات نسخ الشريعة الإسلامية لجميع الشرائع السابقة، فقد قدمت عليه الأدلة العقلية والنقلية في المطلب الأول من حكمة القول مع اليهود، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n(٣) كتب العهد القديم هي ما يدعي النصارى أنه وصل إليهم بواسطة الأنبياء الذين كانوا قبل عيسى، وأشهر هذه الكتب خمسة: ١ - سفر التكوين. ٢ - سفر الخروج. ٣ - سفر الأخبار. ٤ - سفر العدد. ٥ - سفر الاستثناء.\nومجموع هذه الكتب يسمى بالتوراة. انظر إظهار الحق، لرحمة الله الهندي، ١/ ٩٥ - ٩٨، واليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص٩٩ - ١٨٣.","vol":"1","page":60},{"text":"٢ - كتب العهد الجديد (١).\nأما كتب العهد القديم فقد تقدم إثبات وقوع التحريف فيها بالأدلة العقلية والنقلية (٢).\nوأما كتب العهد الجديد فلا شك أن القول بالتحريف في كتب العهد الجديد عند النصارى أيسر عليهم من القول بالتحريف في العهد القديم؛ لأنهم لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند اللَّه - تعالى - على المسيح، ولا أن المسيح - ﷺ - أتاهم بها، بل كلهم مُجمعون على أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال في أزمان مختلفة (٣)، ولهذا قال ابن تيمية - رحمه اللَّه تعالى -: «الإنجيل بمنزلة ما ينقل من أقوال الأنبياء وسيرهم، ويقع في ذلك الصح والخطأ» (٤).\nولسعة هذا الموضوع سأقتصر على ما يثبت وقوع التحريف في الأناجيل بالأمثلة الآتية:\n_________\n(١) كتب العهد الجديد هي ما يدعي النصارى أنها كتبت بالإلهام بعد عيسى - ﷺ -، وأشهرها الأناجيل الأربعة: ١ - إنجيل متى. ٢ - إنجيل مرقس. ٣ - إنجيل لوقا. ٤ - إنجيل يوحنا. انظر: إظهار الحق، ١/ ٩٥ - ٩٨، واليهود والمسيحية، ص٣١٣ - ٣٥٢.\n(٢) انظر حكمة القول مع اليهود: المسلك الثاني من المطلب الأول.\n(٣) انظر: الفصل لابن حزم، ٢/ ١٣، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٢/ ١٩، والمناظرة بين الإسلام والنصرانية، ص٤٧.\n(٤) انظر: الجواب الصحيح، ٢/ ١٩.","vol":"1","page":61},{"text":"١ - النتيجة التي لا مفرّ من التسليم بها أن الأناجيل القانونية الموجودة الآن ما هي إلا كتب مؤلفة، وهي تبعًا لذلك معرّضة للخطأ والصواب، ولا يمكن الادعاء ولو لحظة أنها كتبت بإلهام؛ فلقد كتبها أناس مجهولون، في أماكن غير معلومة، وفي تواريخ غير مؤكدة، والشيء المؤكد أن هذه الأناجيل مختلفة غير متآلفة، بل إنها متناقضة مع نفسها، ومع حقائق العالم الخارجي، لأنها فشلت في تنبؤات كثيرة، كالقول بنهاية العالم، وهذا القول قد يضايق النصراني العادي، بل قد يصدمه؛ ولكن بالنسبة للعالم النصراني فقد أصبح ذلك عنده حقيقة مسلم بها (١)، لِمَا أجراه من أبحاث، ولِمَا علمه من واقع الأناجيل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٢ - الشواهد على التحريف من الأناجيل:</span>\n(أ) جاء في إنجيل مرقس: أن المسيح قال لتلاميذه: «اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن، وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيّات، وإن شربوا شيئًا مميتًا لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون» (٢).\n_________\n(١) انظر: المناظرة بين الإسلام والنصرانية، ص٣٥ - ٥٠، فهناك تجد كثيرًا من الأمثلة على هذه التناقضات.\n(٢) انظر: الفصل لابن حزم، ٢/ ١٣٩، وعزاه المحقق إلى إنجيل مرقس، الإصحاح ١٦/ ١٥ - ١٨.","vol":"1","page":62},{"text":"ففي هذا النص حجة على النصارى من وجهين:\nالوجه الأول: قولهم عن عيسى: إنه أمرهم أن يبشروا بالإنجيل، فدل ذلك على أن إنجيلًا أتاهم به وليس هو عندهم الآن، وإنما عندهم أربعة أناجيل متغايرة، وليس منها إنجيل أُلِّف إلا بعد رفع عيسى - ﷺ - بأعوام كثيرة، فصحّ أن ذلك الإنجيل الذي أخبر المسيح أنه أتاهم به وأمرهم بالتبشير به ذهب عنهم؛ لأنهم لا يعرفون له أصلًا، وهذا ما لا يمكن سواه.\nالوجه الثاني: قولهم: إنه وعد كل من آمن بدعوة التلاميذ أنهم يتكلمون بلغات لا يعرفونها، وينفون الجن عن المجانين، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرءون، ويحملون الحيّات، وإن شربُوا شربة قتَّالة لا تضرهم، وهذا وعد ظاهر الكذب؛ فإن ما من النصارى أحد يتكلم بلغة لم يتعلمها، ولا منهم أحد ينفي جنيًّا، ولا من يحمل حية فلا تضره، ولا من يضع يده على مريض فيُشفى، ولا منهم أحد يُسقى السم فلا يضره، وهم معترفون بأن يوحنا – صاحب الإنجيل – قتل بالسم وحاشا للَّه أن يأتي نبي بمواعيد كاذبة، وهذا دليل على تحريف النصارى وتناقضهم وتكذيبهم أنفسهم» (١).\n(ب) ومن ذلك ما جاء في إنجيل متّى أن عيسى - ﷺ - دعا على شجرة تين خضراء، فيبست التينة في الحال، فتعجب التلاميذ من\n_________\n(١) انظر: الفصل لابن حزم، ٢/ ١٣٩.","vol":"1","page":63},{"text":"ذلك، فقال لهم عيسى: «الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان، ولا تشكُّوا أمر التينة فقط، بل إن قلتم أيضًا لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون» (١).\nوهذا فيه حجّة على النصارى، وذلك أن الأمر لا يخلو من أن يكون النصارى مؤمنين بالمسيح - ﷺ -، أو غير مؤمنين، فإن كانوا مؤمنين، فقد كذبوا المسيح فيما نسبوه إليه في هذه المقالة – وحاشا له من الكذب – فليس منهم أحد قدر على أن يأمر حبة من خردل بالانتقال فتنتقل، فكيف على قلع جبل وإلقائه في البحر!\nوإن كانوا غير مؤمنين به فهم بإقرارهم هذا كفار، ولا يجوز أن يصدق كافر (٢).\nوبهذا يتبين أن الأناجيل وقع فيها تحريفٌ عظيم، ولا يعتمد عليها، ولا مخرج من هذا التيه إلا بالدخول في الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المسلك الخامس: إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى:</span>\nمن حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى اللَّه الاستشهاد عليهم بشهادة المنصفين من علماء النصارى، ومن وفقه اللَّه منهم\n_________\n(١) انظر: الفصل لابن حزم، ٢/ ١٣٩، وعزاه المحقق إلى إنجيل متى، الإصحاح،\n٢١/ ١٨ - ٢٢.\n(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الإمام الحافظ، ولد سنة ٣٨٤هـ، وتوفي سنة ٤٥٦هـ، ٢/ ٩٨.\nوانظر: الفصل لابن حزم، ٢/ ١٤ - ٢٠٠، والمناظرة بين الإسلام والنصرانية، ص٣٢ - ٤٥٢.","vol":"1","page":64},{"text":"للإسلام، فإن هذا من باب ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ (١)، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>١ - النجاشي ملك الحبشة - ﵀ - و- ﵁ </span>-:\nعندما قرأ جعفر بن أبي طالب - ﵁ - على النجاشي (٢) صدرًا من سورة مريم، بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكى أساقفته حين سمعوا ما تُلي عليهم، وقال النجاشي للوفد: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ فقال جعفر - ﵁ -: يقول فيه قول اللَّه: هو روح اللَّه وكلمته، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر ... فتناول النجاشي عودًا فرفعه، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه، وقال للوفد: مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول اللَّه، وأنه الذي بشَّر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله ... (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٢ - سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه:</span>\nقصة سلمان مشهورة عجيبة (٤)، فقد عاش مع مجموعة من\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ٢٦.\n(٢) أصحمة ملك الحبشة، أسلم وحسن إسلامه، وهو معدود في الصحابة، ولم يُهاجر، ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، صحابي من وجه، توفي في حياة النبي - ﷺ - فصلى عليه بالناس صلاة الغائب، ولم يثبت أنه صلى على غائب سواه. انظر: سير أعلام النبلاء، ١/ ٤٢٨ - ٤٤٣.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء، ١/ ٤٣٨.\n(٤) انظر: قصته وإسلامه - ﵁ - في سير أعلام النبلاء، ١/ ٥٠٥ - ٥٥٦.","vol":"1","page":65},{"text":"علماء النصارى، وعندما كان مع آخر عالم من هؤلاء بعمورية بالروم حضرته الوفاةُ، فأوصى سلمان الفارسي وقال: «قد أظلَّكَ زمان نبي يُبعثُ من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه».\nوسافر سلمان ووجد العلامات التي وصفت له، فأسلم ﵁ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٣ - هرقل عظيم الروم:</span>\nقال هرقل لأبي سفيان في آخر حديثه: «... وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه ...» (٢).\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١/ ٥٠٩، ٥١٠.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، ١/ ٣٢، (رقم ٧)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، ٣/ ١٣٩٦، (رقم ١٧٧٣).","vol":"1","page":66},{"text":"ثم قال للروم بعد ذلك: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت مُلككم فتبايعوا هذا النبي؟ (١) ولكن رغب في ملكه وضنَّ به، فلم يسلم!\nوهذا مما يبيّن أن عدول أهل الكتاب ومنصفيهم قد شهدوا لرسول اللَّه - ﷺ - وأنه رسول اللَّه حقًّا، فلا يقدح قدح المكذبين بعد ذلك (٢).\nوقد أسلم الجمُّ الغفير من علماء النصارى وشهدوا بأن محمدًا - ﷺ - رسولُ اللَّه إلى الناس أجمعين، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣).\nفحريٌّ بجميع النصارى أن يسيروا على طريق علمائهم المنصفين، ويسلموا للَّه رب العالمين.\nفينبغي للداعية إلى اللَّه أن لا يُغفل هذا المسلك في دعوته للنصارى إلى اللَّه تعالى (٤).\n_________\n(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، ١/ ٣٣، (رقم ٧).\n(٢) انظر: هداية الحيارى لابن القيم، ص٥٢٥.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٨٢.\n(٤) ممن سلك هذا المسلك من العلماء المعاصرين: فضيلة الشيخ/ عبد المجيد الزنداني – وفقه الله وحفظه -، فهو يستشهد على النصارى بشهادة علمائهم، فأسلم على يديه الجم الغفير – فجزاه الله خيرًا -.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الثالث: البراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها</span>\nمن أعظم الأقوال الحكيمة في دعوة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن تبيّن لهم البراهين والأدلة القطعية الدالة على صدق رسالة محمد - ﷺ - إلى الناس أجمعين.\nولا شك أن الآيات والبينات الدالة على نبوته - ﷺ - وعموم رسالته كثيرة متنوعة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، وجميع الأنواع تنحصر في نوعين:\n(أ) منها: ما مضى وصار معلومًا بالخبر الصادق كمعجزات موسى وعيسى.\n(ب) ومنها: ما هو باق إلى اليوم كالقرآن، والعلم والإيمان اللذين في أتباعه، فإن ذلك من أعلام نبوته، وكشريعته التي أتى بها، والآيات التي يظهرها اللَّه وقتًا بعد وقتٍ من كرامات الصالحين من أمته، وظهور دينه بالحجة والبرهان، وصفاته الموجودة في كتب الأنبياء قبله وغير ذلك (١)، وهذا باب واسع لا أستطيع حصره؛ ولكن سأقتصر في إثبات نبوته - ﷺ - وعموم رسالته على المسالك الآتية:\nالمسلك الأول: معجزات القرآن العظيم.\nالمسلك الثاني: معجزاته - ﷺ - الحسية.\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٤/ ٦٧ - ٧١.","vol":"1","page":68},{"text":"المسلك الثالث: عموم رسالته - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>المسلك الأول: معجزات القرآن العظيم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>المعجزة لغة: </span>ما أُعجزَ به الخصم عند التحدي (١).\nوهي أمر خارق للعادة يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله، يجعله اللَّه على يد من يختاره لنبوته؛ ليدلّ على صدقه وصحة رسالته (٢).\nوالقرآن الكريم كلام اللَّه المنزل على محمد - ﷺ - هو المعجزة العظمى، الباقية على مرور الدهور والأزمان، المعجز للأولين والآخرين إلى قيام الساعة (٣)، قال - ﷺ -: «ما من الأنبياء نبيّ إلا\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، باب الزاي، فصل العين، ص ٦٦٣.\n(٢) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني، ١/ ٦٦، والمعجم الوسيط، مادة: (عجز)، ٢/ ٥٨٥، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، للدكتور صالح الفوزان، ٢/ ١٥٧.\nوالفرق بين المعجزة والكرامة: هو أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بدعوة النبوة والتحدي للعباد. أما الكرامة: فهي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا التحدي، ولا تكون الكرامة إلا لعبد ظاهره الصلاح، مصحوبًا بصحة الاعتقاد والعمل الصالح. أما إذا ظهر الأمر الخارق على أيدي المنحرفين فهو من الأحوال الشيطانية. وإذا ظهر الأمر الخارق على يد إنسان مجهول الحال؛ فإن حاله يعرض على الكتاب والسنة كما قال الإمام الشافعي - ﵀ -: \"إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة\". انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص٥١٠، وسير أعلام النبلاء، ١٠/ ٢٣، والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية للسلمان، ص٣١١.\n(٣) انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري، ص٣٩٣.","vol":"1","page":69},{"text":"أعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه اللَّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة «(١).\nوليس المراد في هذا الحديث حصر معجزاته - ﷺ - في القرآن، ولا أنه لم يؤت من المعجزات الحسية كمن تقدمه، بل المراد أن القرآن المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره؛ لأن كل نبي أُعطي معجزة خاصة به، تحدّى بها من أُرسل إليهم، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه، ولهذا لما كان السحر فاشيًا في قوم فرعون جاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقف ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره.\nولما كان الأطباء في غاية الظهور جاء عيسى بما حيّر الأطباء، من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وكل ذلك من جنس عملهم، ولكن لم تصل إليه قدرتهم.\nولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والخطابة جعل اللَّه – سبحانه – معجزة نبينا محمد - ﷺ - القرآن الكريم الذي (٢) ﴿لا يَأْتِيهِ\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، ٩/ ٣، (رقم ٤٩٨١)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس، ١/ ١٣٤، (رقم ١٥٢).\n(٢) انظر: فتح الباري، ٩/ ٦، ٧، وشرح النووي على مسلم، ٢/ ١٨٨، وأعلام النبوة للماوردي، ص٥٣، وإظهار الحق، ٢/ ١٠١.","vol":"1","page":70},{"text":"الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١).\nولكن معجزة القرآن الكريم تتميز عن سائر المعجزات؛ لأنه حجة مستمرة، باقية على مرّ العصور، والبراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، أما القرآن فلا يزال حجة قائمة كأنما يسمعها السامع من فم رسول اللَّه، ولاستمرار هذه الحجة البالغة قال - ﷺ -: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يومَ القيامة» (٢).\nوالقرآن الكريم آية بيّنة، معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، والبلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن اللَّه - تعالى - وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك من الوجوه الكثيرة التي ذكر كل عالمٍ ما فتح اللَّه عليه به منها (٣)، وسأقتصر على أربعة وجوه من باب المثال لا الحصر بإيجاز كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الوجه الأول: الإعجاز البياني والبلاغي:</span>\nمن الإعجاز القرآني ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان،\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية: ٤٢.\n(٢) انظر: البداية والنهاية، ٦/ ٦٩، وتقدم تخريج الحديث.\n(٣) انظر: الجواب الصحيح، ٤/ ٧٤، ٧٥، وأعلام النبوة للماوردي، ص٥٣ - ٧٠، والبداية والنهاية، ٦/ ٥٤، ٦٥، والبرهان في علوم القرآن للزركشي، ٢/ ٩٠ - ١٢٤، ومناهل العرفان للزرقاني، ٢/ ٢٢٧ - ٣٠٨.","vol":"1","page":71},{"text":"والتركيب المعجز، الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك، قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاّ يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٢).\nوبعد هذا التحدي انقطعوا فلم يتقدم أحد، فمدّ لهم في الحبل وتحداهم بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣). فعجزوا فأرخى لهم في الحبل فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤)، ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٨.\n(٢) سورة الطور، الآيتان: ٣٣ - ٣٤.\n(٣) سورة هود، الآية: ١٣.\n(٤) سورة يونس، الآية: ٣٨.\n(٥) سورة البقرة، الآيتان: ٢٣ - ٢٤.","vol":"1","page":72},{"text":"فقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ أي: فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، فثبت التحدي، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله فيما يستقبل من الزمان، كما أخبر قبل ذلك، وأمر النبي وهو بمكة أن يقول: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١).\nفعم بأمره له أن يخبر جميع الخلق معجزًا لهم، قاطعًا بأنهم إذا اجتمعوا لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن، وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه، ولا أتوا بسورة مثله من حين بُعِثَ - ﷺ - إلى اليوم والأمر على ذلك (٢).\nوالقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز (٣)، ولهذا كان القرآن الكريم يغني عن جميع المعجزات\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٨.\n(٢) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٤/ ٧١ - ٧٧، والبداية والنهاية، ٦/ ٦٥.\n(٣) انظر: استخراج الجدال من القرآن الكريم لابن نجم، ص١٠٠، وفتح الباري، ٦/ ٥٨٢، ومناهل العرفان للزرقاني، ١/ ٣٣٦، ١/ ٢٣١، ٢٣٢.","vol":"1","page":73},{"text":"الحسية والمعنوية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>الوجه الثاني: الإخبار عن الغيوب:</span>\nمن وجوه الإعجاز القرآني أنه اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد - ﷺ - بها، ولا سبيل لبشر مثله أن يعلمها، وهذا مما يدلّ على أن القرآن كلام اللَّه - تعالى - الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (١).\nوالإخبار بالغيوب أنواع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>النوع الأول: غيوب الماضي: </span>وتتمثل في القصص الرائعة وجميع ما أخبر اللَّه به عن ماضي الأزمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>النوع الثاني: غيوب الحاضر: </span>أخبر اللَّه رسوله - ﷺ - بغيوب حاضرة، ككشف أسرار المنافقين، والأخطاء التي وقع فيها بعض المسلمين، أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا اللَّه، وأطلع عليه رسوله - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>النوع الثالث: غيوب المستقبل</span>، أخبر اللَّه رسوله - ﷺ - بأمور لم تقع، ثم وقعت كما أخبر، فدلّ ذلك على أن القرآن كلام اللَّه، وأن محمدًا\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ٥٩.","vol":"1","page":74},{"text":"- ﷺ - رسول اللَّه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>الوجه الثالث: الإعجاز التشريعي:</span>\nالقرآن العظيم جاء بهدايات كاملة تامّة، تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيء، خالق البشرية والخبير بما يُصلحها ويُفسدها، وما ينفعها ويضرّها، فإذا شرع أمرًا جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢).\nويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية ومسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال، مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص، فيُلْغُونَ غدًا ما وضعوه اليوم؛ لأن الإنسان محلّ النقص والخطأ، والجهل لأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث غدًا في أوضاع الإنسان وأحواله، وفيما يصلح البشرية في كل عصر ومصر.\nوهذا دليل حسي مُشاهد على عجز جميع البشر عن الإتيان\n_________\n(١) انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري، ص٤٢٤ - ٤٢٨، وإظهار الحق، ٦٥ - ١٠٧، ومناهل العرفان، ٢/ ٢٦٣، ومعالم الدعوة للديلمي، ١/ ٤٦٣.\nوقد أخبر - ﷺ - بأمور غيبية كثيرة جدًا. انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٣١١ - ٣٣١.\n(٢) سورة الملك، الآية: ١٤.","vol":"1","page":75},{"text":"بأنظمة تصلح الخلق وتقوّم أخلاقه، وعلى أن القرآن كلام اللَّه سليم من كل عيب، كفيل برعاية مصالح العباد، وهدايتهم إلى كل ما يصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة إذا تمسكوا به واهتدوا بهديه (١)، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٢).\nوبالجملة فإن الشريعة التي جاء بها كتاب اللَّه - تعالى - مدارها على ثلاث مصالح:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>المصلحة الأولى: درء المفاسد </span>عن ستة أشياء (٣): حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>المصلحة الثانية: جلب المصالح </span>(٤): فقد فتح القرآن الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، وسدّ كل ذريعة تؤدي إلى الضرر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق </span>ومحاسن العادات.\nفالقرآن الكريم حلّ جميع المشاكل العالمية التي عجز عنها البشر، ولم يترك جانبًا من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا\n_________\n(١) انظر: مناهل العرفان للزرقاني، ٢/ ٢٤٧، وأثر تطبيق الحدود في المجتمع الإسلامي، من البحوث المقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ص١١٧، ومعالم الدعوة للديلمي، ١/ ٤٢٦.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٩.\n(٣) درء المفاسد هو المعروف عند أهل الأصول بالضروريات. انظر: أضواء البيان، ٣/ ٤٤٨.\n(٤) جلب المصالح يعرف عند أهل الأصول بالحاجيات. أضواء البيان، ٣/ ٤٤٨.","vol":"1","page":76},{"text":"والآخرة إلا وضع لها القواعد، وهدى إليها بأقوم الطرق وأعدلها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الوجه الرابع: الإعجاز العلمي الحديث:</span>\nيتصل بما ذكر من إعجاز القرآن في إخباره عن الأمور الغيبية المستقبلة نوع جديد كشف عنه العلم في العصر الحديث، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢).\nلقد تحقق هذا الوعد من ربنا في الأزمنة المتأخرة، فرأى الناس آيات اللَّه في آفاق المخلوقات بأدق الأجهزة والوسائل: كالطائرات، والغواصات، وغير ذلك من أدق الأجهزة الحديثة التي لم يمتلكها الإنسان إلا في العصر الحديث ... فمن أخبر محمدًا - ﷺ - بهذه الأمور الغيبية قبل ألف وأربعمائة وعشرة أعوام؟ إن هذا يدلّ على أن القرآن كلام اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه حقًّا.\nوقد اكتُشِفَ هذا الإعجاز العلمي: في الأرض وفي السماء، وفي البحار والقفار، وفي الإنسان والحيوان، والنبات، والأشجار، والحشرات، وغير ذلك، ولا يتّسع المقام لذكر الأمثلة العديدة على ذلك (٣).\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان، ٣/ ٤٠٩ - ٤٥٧، فقد أوضح هذا الجانب بالأدلة العقلية والنقلية جزاه الله خيرًا وغفر له.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٥٣.\n(٣) انظر أمثلة كثيرة في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم في مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني، ٢/ ٢٧٨ - ٢٨٤، وكتاب الإيمان، لعبد المجيد الزنداني، ص٥٥ - ٥٩، وكتاب التوحيد للزنداني أيضًا/ ١/ ٧٤ - ٧٧.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المسلك الثاني: معجزات النبي - ﷺ - الحسية:</span>\nمعجزات النبي - ﷺ - الحسية الخارقة للعادة كثيرة جدًا (١)، لا أستطيع حصرها، وسأقتصر بإيجاز على ذكر تسعة أنواع منها على سبيل المثال، كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>النوع الأول: المعجزات العلوية، ومنها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>١ - انشقاق القمر: </span>وهذه من أمهات معجزاته - ﷺ - الدالة على صدقه، فقد سأل أهل مكة رسول اللَّه - ﷺ - أن يُريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا جبل حِراء بينهما (٢)، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ الآيات (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>٢ - صعوده - ﷺ - ليلة الإسراء والمعراج إلى ما فوق السموات: </span>وهذا ما أخبر به القرآن الكريم، وتواترت به الأحاديث، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجدِ الأَقْصَى\n_________\n(١) قال ابن تيمية - ﵀ -: \"قد جمعت نحو ألف معجزة\". انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية، ص١٥٨.\nومعجزاته - ﷺ - تزيد على ألف ومائتين، وقيل: ثلاثة آلاف معجزة. انظر: فتح الباري، ٦/ ٥٨٣.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر، ٧/ ١٨٢، ٦/ ٦٣١، (رقم ٣٦٣٦)، ٨/ ٦١٧، ومسلم، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر، ٤/ ٢١٥٩، (رقم ٢٨٠).\n(٣) سورة القمر، الآيتان: ١ - ٢.","vol":"1","page":78},{"text":"الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ (١).\nوهذه الآية من أعظم معجزاته - ﷺ -، فإنه أُسري به إلى بيت المقدس، وقطع المسافة في زمن قصير، ثم عُرِجَ به إلى السماوات، ثم صعد إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، ورأى الجنة، وفرضت عليه الصلوات، ورجع إلى مكة قبل أن يُصبح، فكذبته قريش، وطلبوا منه علامات تدلّ على صدقه، ومن ذلك علامات بيت المقدس، لعلمهم بأنه - ﷺ - لم ير بيت المقدس قبل ذلك، فجلَّى اللَّه له بيت المقدس ينظر إليه ويخبرهم بعلاماته وما سألوا عنه (٢).\nوغير ذلك من الآيات العلوية، كحراسة السماء بالشهب عند بعثته - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>النوع الثاني: آيات الجوّ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>١ - من هذه المعجزات طاعةُ السَّحاب له - ﷺ </span>-، بإذن اللَّه - تعالى - في حصوله ونزول المطر وذهابه بدعائه (٣) - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>٢ - ومن هذا النوع نصر اللَّه للنبي - ﷺ - بالريح </span>التي قال تعالى عنها:\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ١.\n(٢) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب حديث الإسراء، ٧/ ١٩٦، (رقم ٣٨٨٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، ١/ ١٥٦، (رقم ١٧٠).\n(٣) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، ٢/ ٤١٣ (رقم ٩٣٣)، ومسلم، كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، ٢/ ٦١٤، (رقم ٨٩٧).","vol":"1","page":79},{"text":"﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ (١)، وهذه الريح هي ريح الصَّبّا، أرسلها على الأحزاب، قال - ﷺ -: «نُصِرْتُ بالصّبا، وأُهْلِكت عادٌ بالدَّبورِ «(٢)، وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>النوع الثالث: تصرفه في الحيوان: الإنس، والجنّ والبهائم:</span>\nوهذا باب واسع، منه على سبيل المثال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>(أ) تصرفه في الإنس:</span>\n١ - كان علي بن أبي طالب - ﵁ - يشتكي عينيه من وجع بهما، فبصقَ رسول اللَّه - ﷺ - فيهما دعا له فبرأ، كأن لم يكن به وجع (٣).\n٢ - انكسرت ساق عبد اللَّه بن عتيك - ﵁ - فمسحها رسول اللَّه - ﷺ -، فكأنها لم تنكسر قطُّ (٤).\n٣ - أُصيب سلمة بن الأكوع بضربة في ساقه يوم خيبر، فنفث فيها رسول اللَّه - ﷺ - ثلاث نفثات، فما اشتكاها سلمة بعد ذلك (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>(ب) تصرفه في الجنّ والشياطين:</span>\n١ - كان - ﷺ - يُخرج الجن من الإنس بمجرد المخاطبة. فيقول:\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٩.\n(٢) مسلم، كتاب الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور، (رقم ٩٠٠).\n(٣) انظر: البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل من أسلم على يديه رجل، ٦/ ١٤٤، (رقم ٣٠٠٩)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي - ﵁ -، ٤/ ١٨٧٢، (رقم ٢٤٠٦).\n(٤) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب قتل أبي رافع، ٧/ ٣٤٠، (رقم ٤٠٣٩).\n(٥) انظر: المرجع السابق، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٧/ ٤٧٥، (رقم ٤٢٠٦).","vol":"1","page":80},{"text":"«اخرج عدو اللَّه أنا رسول اللَّه» (١).\n٢ - أخرج الشيطان من صدر عثمان بن أبي العاص، فضرب صدر عثمان بيده ثلاث مرات، وتفل في فمه، وقال: «اخرج عدو اللَّه» فعل ذلك ثلاث مرات، فلم يُخالط عثمان الشيطان بعد ذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>(ج) تصرفه في البهائم:</span>\nوقد حصل له مرارًا، ومن ذلك أنه جاء بعير فسجد للنبي - ﷺ -، فقال أصحابه: يا رسول اللَّه! تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحقّ أن نسجد لك، فقال - ﷺ -: «اعبدوا ربَّكم، وأكرِمُوا أخاكُم، ولو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>النوع الرابع: تأثيره في الأشجار والثمار والخشب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>(أ) تأثيره في الأشجار:</span>\n١ - جاء أعرابي إلى رسول اللَّه - ﷺ - وهو في سفر، فدعاه رسول اللَّه - ﷺ - إلى الإسلام، فقال الأعرابي: ومن يشهد لك على ما تقول؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «هذه السَّلمة» (٤)، فدعاها رسول اللَّه - ﷺ - وهي\n_________\n(١) مسند أحمد، ٤/ ١٧٠ - ١٧٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٩/ ٦: رجال أحمد رجال الصحيح.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الطب، باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه، بسند حسن، ٢/ ١١٧٤، (رقم ٣٥٤٨)، وانظر: صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٧٣.\n(٣) مسند أحمد، ٦/ ٧٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٩/ ٩: إسناده جيد، وانظر: معجزات من هذا النوع مسند الإمام أحمد، ٤/ ١٧٠ - ١٧٢، ومجمع الزوائد للهيثمي، ٩/ ٣ - ١٢.\n(٤) شجرة من شجر البادية، انظر: المصباح المنير، مادة (سلم)، ١/ ٢٨٦، ومختار الصحاح، مادة (سلم)، ص١٣١.","vol":"1","page":81},{"text":"بشاطئ الوادي، فأقبلت تخدّ (١) الأرض خدًّا حتى قامت بين يديه، فأشهدها ثلاثًا، فشهدت ثلاثًا أنه كما قال، ثم رجعت إلى مَنْبَتِها (٢).\n٢ - أراد رسول اللَّه - ﷺ - أن يقضي حاجته وهو في سفر، فلم يجد ما يستتر به، فأخذ بغصن شجرة وقال: «انقادي عليَّ بإذن اللَّه»، فانقادت معه كالبعير المخشوم (٣) حتى أتى الشجرة الأخرى، ففعل وقال كذلك، ثم أمرهما أن تلتئما عليه فالتأمتا، ثم بعد قضاء الحاجة رجعت كل شجرة، وقامت كل واحدة منهما على ساق ... (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>(ب) تأثيره في الثمار:</span>\nجاء أعرابي إلى رسول اللَّه - ﷺ - فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال: «إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول اللَّه»؟ فدعاه رسول اللَّه - ﷺ - فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي - ﷺ -، ثم قال: «ارجع»، فعاد، فأسلم الأعرابي (٥).\n_________\n(١) أي: تشقها أخدودًا. وانظر: المصباح المنير، مادة (خد)، ١/ ١٦٥، ومختار الصحاح، مادة (خد)، ص٧٢.\n(٢) الدارمي، في المقدمة، باب ما أكرم اللَّه به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن، ١/ ١٧، (رقم ١٦)، وإسناده صحيح، وانظر: مشكاة المصابيح، برقم ٥٩٢٥، ٣/ ١٦٦٦.\n(٣) الذي جعل في أنفه عودًا، ويشد فيه حبل ليذل وينقاد إذا كان صعبًا. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٨/ ١٤٦.\n(٤) انظر: صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، ٤/ ٢٣٠٦، (رقم ٣٠١٢).\n(٥) الترمذي، كتاب المناقب، باب حدثنا عباد، ٥/ ٥٩٤، (رقم ٣٦٢٨)، وأحمد، ١/ ١٢٣، والحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ٢/ ٦٢٠.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>(ج) تأثيره في الخشب:</span>\nكان - ﷺ - يخطب في المدينة يوم الجمعة على جذع نخل، فلما صنع له المنبر ورقِي عليه صاحَ الجذعُ صياحَ الصبي، [وخارَ كما تخورُ البقرة، جزعًا على رسول اللَّه - ﷺ - فالتزمه رسول اللَّه - ﷺ - وضمه إليه وهو يئن، ومسحه حتى سكن] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>النوع الخامس: تأثيره في الجبال والأحجار وتسخيرها له:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>(أ) تأثيره في الجبال:</span>\nصعد النبي - ﷺ - أُحدًا، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فضربه - ﷺ - برجله، وقال: «اثبت أحد، فإن عليك نبي، وصدِّيق، وشهيدان» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>(ب) تأثيره في الحجارة:</span>\nوقال - ﷺ -: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يُسلِّم عليّ قبل أن أُبعثَ، إني لأعرفه الآن» (٣).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٦/ ٦٠٢، (رقم ٣٥٨٤)، وما بين المعقوفين عند أحمد في المسند، ٢/ ١٠٩.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله - ﷺ -: لو كنت متخذًا خليلًا .. ٧/ ٢٢، ٤٠، ٧/ ٥٣، (رقم ٣٦٧٥).\n(٣) مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، ٤/ ١٧٨٢، (رقم ٢٢٧٧).","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>(ج) تأثيره في تراب الأرض:</span>\nعندما كان رسول اللَّه - ﷺ - في معركة حنين، واشتدّ القتال، نزل عن بغلته وقبض قبضة من تراب الأرض، واستقبل به وجوه القوم، فقال: «شاهَت الوُجُوه»، فما خلق اللَّه إنسانًا منهم إلا ملأ عينيه من تلك القبضة، فهزمهم اللَّه وقسم غنائمهم بين المسلمين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>النوع السادس: تفجير الماء، وزيادة الطعام والشراب والثمار:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>(أ) نبع الماء وزيادة الشراب:</span>\nهذا النوع حصل لرسول اللَّه - ﷺ - مراتٍ كثيرة جدًّا (٢)، ومن ذلك:\n١ - عطش الناس في الحديبية، فوضع يده - ﷺ - في الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه كالعيون، فشربوا وتوضؤوا، قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة (٣).\n٢ - قدم - ﷺ - تبوك، فوجد عينها كشراك النعل، فغُرِفَ له منها\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، ٣/ ١٤٠٢، (رقم ١٧٧٧). وحصل له مثل ذلك في معركة بدر.\n(٢) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٦/ ٥٨٠، من حديث ٣٥٧١ - ٣٥٧٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، ١/ ٤٧١ - ٤٧٧، (رقم ٦٨١، ٦٨٢)، وجامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٣٣٤ - ٣٥١.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، ٦/ ٥٨١، ٧/ ٤٤١، ٤٤٣، ١٠/ ١٠١، (رقم ٣٥٧٦)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، ٣/ ١٤٨٤، (رقم ١٨٥٦) (٧٢).","vol":"1","page":84},{"text":"قليلًا قليلًا، حتى اجتمع له شيء قليل، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر، وبقيت العين إلى الآن (١).\n٣ - قصة أبي هريرة - ﵁ - وقدح اللبن، وزيادة لبن القدح حتى شرب منه أضياف الإسلام (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>(ب) زيادة الطعام وتكثيره لما جعل اللَّه في النبي - ﷺ - من البركة:</span>\n١ - كان النبي - ﷺ - في ألف وأربعمائة من أصحابه في غزوة، فأصابهم مشقة، فأمر - ﷺ - أن يجمعوا ما معهم من طعام وبسطوا سفرة، وكان الطعام شيئًا يسيرًا فبارك فيه، وأكلوا، وحشوا أوعيتهم من ذلك الطعام (٣).\n٢ - بقي الصحابة والنبي - ﷺ - في غزوة الخندق ثلاثة أيام لا يذوقون طعامًا، فذبح جابر بن عبد اللَّه - ﵁ - عناقًا، وطحنت زوجته صاعًا من شعير، ثم دعا النبي - ﷺ -، فصاح النبي - ﷺ - بأهل الخندق يدعوهم على هذا الطعام اليسير، ثم جاء النبي - ﷺ - وبصقَ في العجين وبارك، وبصقَ في البرمة وبارك، قال جابر - ﵁ -: وهم ألف، فأقسم باللَّه لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغطّ كما\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب معجزات النبي - ﷺ -، ٤/ ١٧٨٤، (رقم ٧٠٦).\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، ١١/ ٢٨١، (رقم ٦٤٥٢).\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب حمل الزاد في الغزو، ٦/ ١٢٩، (رقم ٢٩٨٢)، ومسلم، اللقطة، باب استحباب خلط الأزواد إذا قلَّت، ٣/ ١٣٥٤، (رقم ١٧٢٩).","vol":"1","page":85},{"text":"هي (١)، وإن عجيننا ليخبز كما هو (٢).\nوهذا باب واسع لا يمكن حصره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>(ج) زيادة الثمار والحبوب:</span>\n١ - جاء رجل يستطعم النبي - ﷺ - فأطعمه شطرَ وسْقِ شعيرٍ، فما زال الرجل يأكل منه وأهله حتى كاله، فأتى النبي - ﷺ - فقال: «لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم» (٣).\n٢ - كان على والد جابر دين، وما في نخله لا يقضي ما عليه سنين، فجاء جابر إلى رسول اللَّه - ﷺ - ليحضر الكيل، فحضر، ومشى حول الجرن، ثم أمر جابرًا أن يكيل فكال لهم حتى أوفاهم، قال جابر - ﵁ -: «وبقي تمري وكأنه لم ينقص منه شيء» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>النوع السابع: تأييد اللَّه له بالملائكة:</span>\nأيد اللَّه رسوله بالملائكة في عدة مواضع، نُصرً له ولدينه، منها على سبيل المثال:\n_________\n(١) أي: تغلي ويسمع غليانها. انظر: الفتح ٧/ ٣٩٩.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق ٧/ ٣٩٥، ٣٩٦ (رقم ٤١٠١)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب جواز استتباع غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك ٣/ ١٦١٠ (رقم ٢٠٣٩).\n(٣) مسلم، كتاب الفضائل، باب معجزات النبي ﷺ ٤/ ١٧٨٤ (رقم ٢٢٨١).\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة ٦/ ٥٨٧، ٧/ ٣٥٧ (رقم ٣٥٨٠)، وانظر شرح روايات الحديث في الفتح ٦/ ٥٩٣.","vol":"1","page":86},{"text":"١ - في الهجرة، قال المولى - جل وعلا -: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ (١).\n٢ - في بدر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢).\n٣ - في أُحدٍ، قاتل جبريل وميكائيل - ﵉ - عن يمين النبي - ﷺ - وعن يساره (٣).\n٤ - في الخندق، قال اللَّه - ﷿ -: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ (٤).\n٥ - في غزوة بني قُريظة، جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - بعد أن وضع السلاح من غزوة الخندق واغتسل، فقال له جبريل: قد وضعت السلاح؟ واللَّه ما وضعناه فاخرج إليهم، فسأله النبي - ﷺ -: «إلى أين»؟ فأشار إلى بني قريظة، فخرج - ﷺ -، ونصره اللَّه عليهم (٥).\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٤٠.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٩.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب: إذ همت طائفتان ...، ٧/ ٣٥٨، (رقم ٤٠٥٤)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب قتال جبريل وميكائيل عن النبي - ﷺ - يوم أحد، ٤/ ١٨٠٢، (رقم ٢٣٠٦).\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٩.\n(٥) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب، ٧/ ٤٠٧، (رقم ٤١١٧)، ومسلم، كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد، ٣/ ١٣٨٩، (رقم ١٧٦٩).","vol":"1","page":87},{"text":"٦ - في حنين، قال اللَّه - ﷾ -: ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>النوع الثامن: كفاية اللَّه له أعداءه وعصمته من الناس:</span>\nهذا النوع من أعظم الآيات الدالة على صدق رسالة محمد - ﷺ -، ومن ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>١ - كفاه اللَّه - تعالى - المشركين والمستهزئين</span>، فلم يصلوا إليه بسوء، قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٢ - كفاه اللَّه أهل الكتاب</span>، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>٣ - وعصمه تعالى من جميع الناس بقوله: </span>﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٤).\nوهذا خبر عام بأن اللَّه يعصمه من جميع الناس، فكلٌّ من هذه\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٢٦.\n(٢) سورة الحجر، الآيتان: ٩٤ - ٩٥.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٣٧.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٦٧.","vol":"1","page":88},{"text":"الأخبار الثلاثة قد وقع كما أخبر اللَّه - تعالى - فقد كفاه اللَّه أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ونصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وانتقم ممن عاداه.\nومن ذلك أن رجلًا نصرانيًّا أسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي - ﷺ - ثم ارتدّ وعاد نصرانيًّا، فكان يقول: ما يَدْري محمد إلا ما كتبت له، فأماته اللَّه، فدفنه قومه، فأصبح وقد أخرجته الأرض من بطنها، فأعادوا دفنه، وأعمقوا قبره، فأصبح وقد أخرجته الأرض منبوذًا على ظهرها، فأعادوا دفنه وأعمقوا له، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أن هذا ليس من الناس فتركوه منبوذًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>النوع التاسع: إجابة دعواته - ﷺ </span>-:\nالأدعية التي دعا بها النبي - ﷺ - وشُوهدت إجابتها كالشمس في رابعة النهار كثيرة جدًّا، لا تُحصر ولا يتّسع المقام لذكر أكثرها، ولكن منها على سبيل المثال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>١ - قال - ﷺ - لأنس - ﵁ -: «اللَّهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته</span>\"\" (٢)، [وأطل حياته واغفر له] (٣)، قال أنس: فواللَّه إنّ مالي\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، ٦٦٢٤، (رقم ٣٦١٧)، ومسلم، صفات المنافقين، ٤/ ٢١٤٥، (رقم ٢٧٨١).\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الصيام، باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم، ٤/ ٢٢٨، ١١/ ١٤٤، (رقم ١٩٨٢)، ومسلم، في فضائل الصحابة، باب فضائل أنس، ٤/ ١٩٢٨، (رقم ٢٤٨٠).\n(٣) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٥٣، وانظر: فتح الباري، ١١/ ١٤٥، وسير أعلام النبلاء، ٢/ ٢١٩.","vol":"1","page":89},{"text":"لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّون على نحو المائة اليوم (١)، [وحدثتني ابنتي أمينة أنه دُفِنَ لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة] (٢).\nوكان له - ﵁ - بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>٢ - ودعا - ﷺ - لأم أبي هريرة بالهداية فهداها اللَّه فورًا، وأسلمت </span>(٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>٣ - وقال - ﷺ - لعروة بن أبي الجعد البارقي: «اللَّهم بارك له في صفقة يمينه»</span>، فكان يقف في الكوفة ويربح أربعين ألفًا قبل أن يرجع إلى أهله (٥)، [وكان لو اشترى التراب لربح فيه] (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>٤ - ودعاؤه - ﷺ - على بعض أعدائه، فلم تتخلّف الإجابة</span>، كأبي\n_________\n(١) مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل أنس، ٤/ ١٩٢٩، (رقم ٢٤٨١)، (١٤٣).\n(٢) البخاري مع الفتح كتاب الصيام، باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم، ٤/ ٢٢٨، (رقم ١٩٨٢).\n(٣) الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أنس ٥/ ٦٨٣، (رقم ٣٨٣٣)، وقال: \"هذا حديث حسن غريب\"، وانظر: صحيح الترمذي، ٣/ ٢٣٤.\n(٤) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي هريرة، ٤/ ١٩٣٨، (رقم ٢٤٩١).\n(٥) أحمد في المسند، ٤/ ٣٧٦.\n(٦) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن المثنى، ٦/ ٦٣٢، (رقم ٣٦٤٢).","vol":"1","page":90},{"text":"جهل، وأميّة، وعقبة، وعتبة ... (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>٥ - ودعاؤه يوم بدر، ويوم حنين، وعلى سراقة بن مالك - ﵁ - وغيره كثير </span>(٢).\nوالحقيقة أن العاقل المنصف يقف أمام هذه الدلائل والبينات مذعورًا، ولا يسعه إلا أن يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>المسلك الثالث: عموم رسالته - ﷺ </span>-:\nإن أصل الأصول هو تحقيق الإيمان بما جاء به محمد - ﷺ -، وأنه رسول اللَّه إلى جميع الخلق: إنسهم وجنّهم، عربهم وعجمهم، كتابيّهم ومجوسيّهم، رئيسهم ومرؤوسهم، وأنه لا طريق إلى اللَّه - - ﷿ - - لأحد من الخلق إلا بمتابعته - ﷺ - باطنًا وظاهرًا، حتى لو أدركه موسى وعيسى، وغيرهما من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ لوجب عليهم اتباعه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ\n_________\n(١) انظر: البخاري مع الفتح، ١/ ٣٤٩، ومسلم، ٣/ ١٤١٨.\n(٢) انظر: دعاءه يوم بدر في صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، ٣/ ١٣٨٤، (رقم ١٧٦٣)، ويوم حنين في مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، ٣/ ١٤٠٢، (رقم ١٧٧٥)، وقصة سراقة في البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة، ٧/ ٢٣٨، (رقم ٣٩٠٦).","vol":"1","page":91},{"text":"أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ* فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). - ﵁ -\nقال ابن عباس - ﵁ - «ما بعث اللَّه نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد وهو حيٌّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به، ولينصرنه\" (٢).\nولهذا جاء في الحديث: «لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعني» (٣).\nومن خالف عموم رسالة النبي - ﷺ - لا يخلو من أحد أمرين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>١ - إما أن يكون المخالِفُ مؤمنًا بأنه مرسل من عند اللَّه؛ ولكنه يقول: رسالته خاصة بالعرب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٢ - وإما أن يكون المخالف منكرًا للرسالة جملةً وتفصيلًا</span>.\nفأما المعترف له بالرسالة؛ ولكنه يجعلها خاصة بالعرب فإنه\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيتان: ٨١ - ٨٢.\n(٢) انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية، ص٧٧، ١٩١ - ٢٠٠، وفتاوى ابن تيمية، ١٩/ ٩ - ٦٥، بعنوان: إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ١/ ٣١ - ١٧٦، وتفسير ابن كثير، ١/ ٣٧٨، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ٢/ ٣٣٤، ومعالم الدعوة للديلمي، ١/ ٤٥٤ - ٤٥٦، والمناظرة في الإسلام والنصرانية، ص٣٠٣ - ٣٠٩.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ٣/ ٣٣٨، وله شواهد وطرق كثيرة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ١٧٣ - ١٧٤، وانظر: مشكاة المصابيح بتحقيق الألباني، ١/ ٦٣، ٦٨.","vol":"1","page":92},{"text":"يلزمه أن يصدقه في كل ما جاء به عن اللَّه - تعالى - ومن ذلك عموم رسالته، ونسخها للشرائع قبلها، فقد بيّن - ﷺ - أنه رسول اللَّه إلى الناس أجمعين، وأرسل رسله، وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وسائر ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، ثم قاتل من لم يدخل في الإسلام من المشركين، وقاتل أهل الكتاب، وسبى ذراريهم، وضرب الجزية عليهم، وذلك كلّه بعد امتناعهم عن الدخول في الإسلام، أما كونه يؤمن برسول ولا يصدّقه في جميع ما جاء به فهذا تناقض ومكابرة.\nوأما المنكر لرسالة نبينا محمد - ﷺ - مطلقًا، فقد قام البرهان القاطع على صدق صاحب الرسالة - ﷺ -، ولا تزال معجزات القرآن تتحدى الإنس والجنّ، فإما أن يأتي بما يُناقض المعجزة القائمة وإلا لزمه الاعتراف بمدلولها، فإن اعترف بالرسالة لزمه التصديق بكل ما أخبر به الرسول - ﷺ -، وإن ذهب يُكابر ويُعاند ليأتي بقرآن مثل ما جاء به محمد - ﷺ - وقع في العجز وفضح نفسه لا محالة؛ لأن أصحاب الفصاحة والبلاغة قد عجزوا عن ذلك، ولا شكّ أن غيرهم أعجز عن هذا؛ لأن القرآن معجزة قائمة مستمرة خالدة (١).\n_________\n(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ١/ ١٤٤، ١٦٦، ومناهج الجدل في القرآن الكريم، ص٣٠٣، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للدكتور/ صالح بن فوزان، ٢/ ١٨٢.","vol":"1","page":93},{"text":"وحينئذ يلزم جميع الخلق العمل بما فيه والتحاكم إليه.\nوقد صرح القرآن الكريم بأن محمدًا - ﷺ - رسول إلى جميع الناس، وخاتم النبيين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٢)، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (٣).\nوهذا تصريح بعموم رسالته لكل من بلغه القرآن.\nوصرح تعالى بشمول رسالة النبي - ﷺ - لأهل الكتاب، فقال: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٤)، ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٥)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٦)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.\n(٢) سورة الفرقان، الآية: ١.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٩.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ٢٠.\n(٥) سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.\n(٦) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.","vol":"1","page":94},{"text":"لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١).\nوبلغ - ﷺ - الناس جميعًا أنه خاتم الأنبياء، وأن رسالته عامة، قال - ﷺ -: «أعطيت خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي»، وذكر منها: «وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصّة، وبُعثت إلى الناس كافَّةً» ... الحديث (٢).\nوقال - ﷺ -: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلاّ وُضِعت هذا اللبنة»؟ قال: «فأنا اللَّبنةُ، وأنا خاتم النبيين» (٣).\nوعموم رسالته - ﷺ - لجميع الإنس والجن في كل زمان ومكان من بعثته إلى يوم القيامة، وكونها خاتمة الرسالات، يقضي ويدلّ دلالة قاطعة على أن النبوة قد انقطعت بانقطاع الوحي بعده، وأنه لا مصدر للتشريع والتعبد إلا كتاب اللَّه – تعالى – وسنة رسوله - ﷺ -، وهذا يقتضي وجوب الإيمان بعموم رسالته واتباع ما جاء به، فقد\n_________\n(١) سورة سبأ، الآية: ٢٨.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة، باب قول النبي - ﷺ -: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ١/ ٥٣٣، (رقم ٤٣٨)، ومسلم، كتاب المساجد، ١/ ٣٧٠، (رقم ٥٢١).\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين، ٦/ ٥٥٨، (رقم ٣٥٣٥)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه - ﷺ - خاتم النبيين، ٤/ ١٧٩٠، (رقم ٢٢٨٦).","vol":"1","page":95},{"text":"قال - ﷺ -: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (١).\nوبعون اللَّه - تعالى - ثم بهذه المسالك الثلاثة الآنفة الذكر - تقوم الحجة وتثبت رسالة النبي - ﷺ - وعمومها وشمولها لجميع الثقلين: الإنس والجن، في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (٢)، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ...﴾ الآية (٣).\nأما دعوة أهل الكتاب بالقوة الفعلية فقد بيّنتها في آخر رسالة كيفية دعوة الوثنيين، فليرجع إليها من شاء.\nوصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته، ١/ ١٣٤، (رقم ١٥٣).\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٠٤.\n(٣) سورة الكهف، الآية: ٢٩.","vol":"1","page":96}]}