{"ً":{"ٌ":96524,"ٍ":"مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الدعوة وأحوال المسلمين/مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة - القحطاني","files":["17992.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة - مفهوم، ونظر، وتطبيق\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٣٨٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":39,"ٖ":1770154053,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"التمهيد: مفهوم مقومات الداعية الناجح","level":1,"page":7},{"title":"الفصل الأول: العلم النافع","level":1,"page":8},{"title":"المبحث الأول: أهمية العلم النافع","level":2,"page":9},{"title":"المبحث الثاني: أقسام العلم","level":2,"page":12},{"title":"القسم الأول: علم بالله، وأسمائه، وصفاته","level":3,"page":12},{"title":"القسم الثاني: علم بما أخبر الله به","level":3,"page":12},{"title":"القسم الثالث: العلم بما أمر الله به من العلوم","level":3,"page":12},{"title":"المبحث الثالث: العمل بالعلم","level":2,"page":15},{"title":"المبحث الرابع: طرق تحصيل العلم","level":2,"page":19},{"title":"١ - أن يسأل العبد ربه العلم النافع","level":3,"page":19},{"title":"٢ - الاجتهاد في طلب العلم","level":3,"page":19},{"title":"٣ - اجتناب جميع المعاصي","level":3,"page":20},{"title":"٤ - عدم الكبر والحياء عن طلب العلم","level":3,"page":21},{"title":"٥ - الإخلاص في طلب العلم والعمل به","level":3,"page":21},{"title":"الفصل الثاني: الحكمة","level":1,"page":23},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الحكمة","level":2,"page":24},{"title":"المطلب الأول: تعريف الحكمة في اللغة","level":3,"page":24},{"title":"١ - بمعنى العدل والعلم والحلم والنبوة والقرآن والإنجيل","level":4,"page":24},{"title":"٢ - عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم","level":4,"page":24},{"title":"٣ - الحكيم","level":4,"page":24},{"title":"٤ - الحكم والحكيم","level":4,"page":24},{"title":"٥ - الحكمة: إصابة الحق","level":4,"page":24},{"title":"٦ - والحكيم: المانع من الفساد","level":4,"page":24},{"title":"٧ - الحكمة: ما أحاط بحنكي الفرس","level":4,"page":25},{"title":"٨ - والحكم: هو المنع من الظلم","level":4,"page":25},{"title":"العدل","level":5,"page":25},{"title":"والحلم","level":5,"page":25},{"title":"والعلم","level":5,"page":25},{"title":"والنبوة","level":5,"page":26},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الحكمة في الاصطلاح الشرعي","level":3,"page":26},{"title":"والحكمة في كتاب الله نوعان:","level":4,"page":27},{"title":"المفردة","level":5,"page":27},{"title":"المقرونة","level":5,"page":28},{"title":"المبحث الثاني: أهمية الحكمة","level":2,"page":30},{"title":"١ - بين القرآن الكريم طرق الدعوة إلى الله تعالى","level":3,"page":30},{"title":"٢ - من تتبع سيرة النبي - ﷺ - وجد أنه كان يلازم الحكمة في جميع أموره","level":3,"page":30},{"title":"٣ - من الناس من يظن أو يعتقد أن الحكمة تقتصر على الكلام اللين","level":3,"page":31},{"title":"باستخدام الرفق واللين، والحلم والعفو،","level":4,"page":31},{"title":"وتارة تكون الحكمة باستخدام الموعظة الحسنة","level":4,"page":32},{"title":"وتارة تكون الحكمة باستخدام الجدال بالتي هي أحسن،","level":4,"page":32},{"title":"وتارة تكون الحكمة باستخدام القوة:","level":4,"page":32},{"title":"٤ - الحكمة تجعل الداعي إلى الله يقدر الأمور قدرها","level":3,"page":33},{"title":"٥ - الحكمة تجعل الداعية إلى الله يتأمل ويراعي أحوال المدعوين","level":3,"page":33},{"title":"المبحث الثالث: أنواع الحكمة","level":2,"page":35},{"title":"النوع الأول: حكمة علمية نظرية:","level":3,"page":35},{"title":"النوع الثاني: حكمة عملية:","level":3,"page":35},{"title":"المبحث الرابع: درجات الحكمة","level":2,"page":37},{"title":"الدرجة الأولى: أن تعطي كل شيء حقه","level":3,"page":37},{"title":"الدرجة الثانية: معرفة عدل الله في وعيده","level":3,"page":37},{"title":"الدرجة الثالثة: البصيرة وهي قوة الإدراك والفطنة والخبرة","level":3,"page":38},{"title":"والبصيرة في الدعوة إلى الله في ثلاثة أمور","level":4,"page":38},{"title":"الأمر الأول: أن يكون الداعية على بصيرة فيما يدعو إليه","level":5,"page":38},{"title":"الأمر الثاني: أن يكون على بصيرة بحال المدعو","level":5,"page":39},{"title":"الأمر الثالث: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة","level":5,"page":39},{"title":"المبحث الخامس: طرق تحصيل الحكمة","level":2,"page":41},{"title":"تمهيد:","level":3,"page":41},{"title":"المطلب الأول: السلوك الحكيم","level":3,"page":42},{"title":"السلوك","level":4,"page":42},{"title":"الخلق","level":4,"page":43},{"title":"القسم الأول","level":5,"page":43},{"title":"القسم الثاني","level":5,"page":43},{"title":"المسالك الحكيمة","level":4,"page":45},{"title":"المسلك الأول: قدوة الداعية في سلوكه","level":5,"page":45},{"title":"المسلك الثاني: أصول السلوك الحكيم:","level":5,"page":50},{"title":"العدل","level":6,"page":51},{"title":"النوع الأول: العدل بين العبد وربه","level":7,"page":52},{"title":"النوع الثاني: العدل بين العبد وبين نفسه","level":7,"page":52},{"title":"النوع الثالث: العدل بين العبد وبين الخلق","level":7,"page":52},{"title":"الإحسان","level":6,"page":52},{"title":"المعنى الأول: متعد بنفسه","level":7,"page":52},{"title":"المعنى الثاني: متعد بحرف جر","level":7,"page":52},{"title":"المسلك الثالث: وصايا الحكماء باكتساب الحكمة:","level":5,"page":54},{"title":"المطلب الثاني: العمل بالعلم المقرون بالصدق والإخلاص","level":3,"page":58},{"title":"العلم هو ما قام عليه الدليل","level":4,"page":58},{"title":"المطلب الثالث: الاستقامة","level":3,"page":60},{"title":"الشرط الأول: دعوته إلى الله - تعالى - بأن يعبد الله وحده","level":4,"page":63},{"title":"الشرط الثاني: عمل الداعية الصالحات بأداء الفرائض","level":5,"page":63},{"title":"الشرط الثالث: اعتزاز الداعية بالإسلام وانقياده لأمره شكرا لربه","level":5,"page":63},{"title":"المطلب الرابع: الخبرات والتجارب","level":3,"page":64},{"title":"المطلب الخامس: السياسة الحكيمة","level":3,"page":69},{"title":"الطريق الأول: تحري أوقات الفراغ والنشاط","level":4,"page":70},{"title":"الطريق الثاني: ترك الأمر الذي لا ضرر فيه ولا إثم","level":4,"page":71},{"title":"الطريق الثالث: تأليف القلوب بالمال","level":4,"page":72},{"title":"الطريق الرابع: التأليف بالجاه من السياسة الحكيمة","level":4,"page":73},{"title":"الطريق الخامس: التأليف بالعفو في موضع الانتقام","level":4,"page":74},{"title":"الطريق السادس: عدم مواجهة الداعية أحدا بعينه","level":4,"page":74},{"title":"الطريق السابع: إعطاء الوسائل صورة ما تصل إليه","level":4,"page":76},{"title":"الطريق الثامن: أن يجيب الداعية على السؤال الخاص","level":4,"page":77},{"title":"الطريق التاسع: ضرب الأمثال","level":4,"page":78},{"title":"المطلب السادس: فقه أركان الدعوة إلى الله تعالى","level":3,"page":79},{"title":"الركن الأول: موضوع الدعوة «ما يدعو إليه الداعية»:","level":4,"page":80},{"title":"الإسلام اختص بخصائص عظيمة منها:","level":5,"page":80},{"title":"١ - الإسلام من عند الله تعالى","level":6,"page":80},{"title":"٢ - الإسلام شامل لجميع نظم الحياة وسلوك الإنسان،","level":6,"page":80},{"title":"٣ - الإسلام عام لجميع البشرية في كل زمان ومكان،","level":6,"page":80},{"title":"٤ - الإسلام هو من حيث الجزاء","level":6,"page":81},{"title":"٥ - والإسلام يحرص على إبلاغ الناس","level":6,"page":81},{"title":"٦ - الإسلام وسط: في عقائده، وعباداته، وأخلاقه، وأنظمته","level":6,"page":81},{"title":"الشريعة الإسلامية مدارها على ثلاث مصالح","level":5,"page":81},{"title":"المصلحة الأولى: درء المفاسد","level":6,"page":81},{"title":"المصلحة الثانية: جلب المصالح","level":6,"page":82},{"title":"المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق","level":6,"page":82},{"title":"الركن الثاني: الداعي:","level":4,"page":82},{"title":"١ - وظيفة الداعية:","level":5,"page":82},{"title":"الصورة الأولى: فردية","level":6,"page":84},{"title":"الصورة الثانية: بصفة جماعية","level":6,"page":84},{"title":"٢ - عدة الداعية وسلاحه:","level":5,"page":84},{"title":"السلاح الأول: الفهم الدقيق","level":6,"page":85},{"title":"الأمر الأول: فهم الداعية العقيدة الإسلامية","level":7,"page":85},{"title":"الأمر الثاني: فهم الداعية غايته","level":7,"page":85},{"title":"الأمر الثالث: تعلقه بالآخرة","level":7,"page":85},{"title":"السلاح الثاني: الإيمان العميق","level":6,"page":85},{"title":"السلاح الثالث: اتصال الداعية بالله - تعالى - في جميع أموره","level":6,"page":85},{"title":"٣ - أخلاق الداعية وصفاته:","level":5,"page":85},{"title":"الركن الثالث: المدعو:","level":4,"page":87},{"title":"الركن الرابع: أساليب الدعوة ووسائل تبليغها:","level":4,"page":89},{"title":"أولا: أساليب الدعوة:","level":5,"page":89},{"title":"١ - تشخيص وتحديد الداء في المدعوين، ومعرفة الدواء:","level":6,"page":90},{"title":"٢ - إزالة الشبهات التي تمنع المدعوين من رؤية الداء والإحساس به:","level":6,"page":90},{"title":"٣ - ترغيب المدعوين وتشويقهم:","level":6,"page":91},{"title":"٤ - تعهد المستجيبين من المدعوين:","level":6,"page":91},{"title":"٥ - تقوم جميع الأساليب:","level":6,"page":91},{"title":"ثانيا: وسائل تبليغ الدعوة إلى الله تعالى:","level":5,"page":91},{"title":"وسائل الدعوة","level":6,"page":91},{"title":"النوع الأول: وسائل خارجية","level":7,"page":91},{"title":"الوسيلة الأولى: التبليغ بالقول:","level":8,"page":92},{"title":"الوسيلة الثانية: الاستعانة بعد الله - تعالى - بالغير في تبليغ الدعوة","level":8,"page":92},{"title":"الوسيلة الثالثة: المحافظة على النظام المشروع","level":8,"page":92},{"title":"النوع الثاني: وسائل تبليغ الدعوة بصورة مباشرة","level":7,"page":92},{"title":"الوسيلة الأولى: التبليغ بالقول","level":8,"page":92},{"title":"١ - اللقاءات العامة","level":9,"page":93},{"title":"٢ - اللقاءات الخاصة","level":9,"page":93},{"title":"٣ - الدعوة الفردية","level":9,"page":93},{"title":"٤ - الكتابة","level":9,"page":93},{"title":"٥ - وسائل الإعلام الحديثة","level":9,"page":93},{"title":"٦ - الوسائل الشخصية","level":9,"page":93},{"title":"الوسيلة الثانية: التبليغ بالعمل:","level":8,"page":94},{"title":"الوسيلة الثالثة: التبليغ بالسيرة الحسنة:","level":8,"page":94},{"title":"* حسن الخلق كلمة يندرج تحتها كثير من الصفات","level":9,"page":95},{"title":"* موافقة القول للعمل","level":9,"page":95},{"title":"المبحث السادس: إنزال الناس منازلهم ومراتبهم","level":2,"page":96},{"title":"المطلب الأول: إنزال الناس منازلهم","level":3,"page":96},{"title":"المطلب الثاني: مراتب الدعوة والمدعوين","level":3,"page":99},{"title":"١ - المستجيب الذكي القابل للحق","level":4,"page":99},{"title":"٢ - القابل للحق المعترف به","level":4,"page":100},{"title":"٣ - المعاند الجاحد","level":4,"page":100},{"title":"٤ - فإن ظلم المعاند ولم يرجع إلى الحق انتقل معه","level":4,"page":100},{"title":"الفصل الثالث: الحلم","level":1,"page":102},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الحلم","level":2,"page":103},{"title":"المبحث الثاني: أهمية الحلم","level":2,"page":105},{"title":"الحلم من أعظم مقومات الداعية الناجح","level":3,"page":105},{"title":"الأناة","level":3,"page":106},{"title":"المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الحلم في الدعوة إلى الله","level":2,"page":108},{"title":"الصورة الأولى: مع من قال هذه قسمة ما عدل فيها:","level":3,"page":108},{"title":"الصورة الثانية: مع من قال: كنا أحق بهذا:","level":3,"page":108},{"title":"الصورة الثالثة: مع الطفيل","level":3,"page":110},{"title":"الصورة الرابعة: مع من أراد قتل النبي - ﷺ -","level":3,"page":111},{"title":"الصورة الخامسة: مع زيد الحبر","level":3,"page":112},{"title":"الصورة السادسة: مع زعيم المنافقين","level":3,"page":114},{"title":"١ - شفاعته لليهود - بنو قينقاع - عندما نقضوا العهد:","level":4,"page":114},{"title":"٢ - ما فعله مع النبي - ﷺ - يوم أحد:","level":4,"page":115},{"title":"٣ - صده الرسول - ﷺ - عن الدعوة إلى الله تعالى:","level":4,"page":116},{"title":"٤ - تثبيته بني النضير:","level":4,"page":116},{"title":"٥ - كيده وغدره للنبي - ﷺ - ومن معه من المسلمين في غزوة المريسيع:","level":4,"page":117},{"title":"الموقف المخزي الأول:","level":5,"page":117},{"title":"الموقف المخزي الثاني:","level":5,"page":117},{"title":"الموقف المخزي الثالث:","level":5,"page":117},{"title":"الصورة السابعة: مع ثمامة","level":3,"page":119},{"title":"الصورة الثامنة: مع من جبذ النبي - ﷺ - بردائه","level":3,"page":121},{"title":"الصورة التاسعة: اللهم اغفر لقومي","level":3,"page":122},{"title":"الصورة العاشرة: مع أبي إبراهيم","level":3,"page":122},{"title":"الصورة الحادية عشر: مع من سب","level":3,"page":123},{"title":"الصورة الثانية عشرة: مع عيينة","level":3,"page":125},{"title":"الصورة الثالثة عشرة: حلم زين العابدين","level":3,"page":127},{"title":"المبحث الرابع: طرق تحصيل الحلم","level":2,"page":128},{"title":"المطلب الأول: علاج الغضب","level":3,"page":128},{"title":"الطريق الأول: الوقاية:","level":4,"page":128},{"title":"الطريق الثاني: العلاج إذا وقع الغضب:","level":4,"page":128},{"title":"النوع الأول: الاستعاذة بالله","level":5,"page":128},{"title":"النوع الثاني: الوضوء","level":5,"page":129},{"title":"النوع الثالث: تغيير الحالة","level":5,"page":129},{"title":"النوع الرابع: استحضار ما ورد في فضل كظم الغيظ","level":5,"page":130},{"title":"المطلب الثاني: أسباب تحصيل الحلم","level":3,"page":130},{"title":"١ - الرحمة بالجهال","level":4,"page":130},{"title":"٢ - القدرة على الانتصار","level":4,"page":130},{"title":"٣ - الترفع عن السباب","level":4,"page":130},{"title":"٤ - الاستهانة بالمسيء","level":4,"page":131},{"title":"٥ - الاستحياء من جزاء الجواب","level":4,"page":131},{"title":"٦ - التفضل على الساب","level":4,"page":131},{"title":"٧ - قطع السباب","level":4,"page":131},{"title":"٨ - الخوف من العقوبة على الجواب","level":4,"page":131},{"title":"٩ - الرعاية ليد سالفة","level":4,"page":131},{"title":"١٠ - المكر وتوقع الفرص الخفية","level":4,"page":131},{"title":"الفصل الرابع: الأناة والتثبت","level":1,"page":133},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الأناة والتثبت","level":2,"page":134},{"title":"المبحث الثاني: أهمية الأناة والتثبت","level":2,"page":136},{"title":"المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الأ ناة في الدعوة","level":2,"page":141},{"title":"الصورة الأولى: مع أسامة:","level":3,"page":141},{"title":"الصورة الثانية: قبل القتال:","level":3,"page":142},{"title":"الخصلة الأولى: الإسلام والهجرة","level":4,"page":142},{"title":"الخصلة الثانية: فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية","level":4,"page":142},{"title":"الخصلة الثالثة: فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم","level":4,"page":142},{"title":"الصورة الثالثة: في الصلاة:","level":3,"page":142},{"title":"الصورة الرابعة: من تثبت سليمان - ﷺ -:","level":3,"page":143},{"title":"الصورة الخامسة: في الغزو:","level":3,"page":145},{"title":"المبحث الرابع: العجلة والاستعجال","level":2,"page":147},{"title":"المطلب الأول: مفهوم العجلة وصورها","level":3,"page":147},{"title":"١ - استعجال نزول العذاب","level":4,"page":147},{"title":"٢ - استعجال البروز قبل النضوج","level":4,"page":147},{"title":"٣ - ترك الدعاء","level":4,"page":148},{"title":"٤ - استعجال النصر","level":4,"page":148},{"title":"المطلب الثاني: ذم العجلة","level":3,"page":148},{"title":"المطلب الثالث: علاج الاستعجال","level":3,"page":150},{"title":"١ - العلم بأن وعد الله آت لا ريب فيه","level":4,"page":150},{"title":"٢ - النظر إلى سنن الله في الغابرين","level":4,"page":150},{"title":"٣ - عدم وقوع الأمر","level":4,"page":150},{"title":"٤ - يتخلص من العجلة بالتدرب","level":4,"page":151},{"title":"٥ - تقوى الله تعالى ودعاؤه","level":4,"page":151},{"title":"الفصل الخامس: الرفق واللين","level":1,"page":152},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الرفق واللين","level":2,"page":153},{"title":"الرفق لغة","level":3,"page":153},{"title":"المداراة","level":3,"page":154},{"title":"ظهر مما تقدم","level":3,"page":155},{"title":"١ - أن الرفق واللين","level":4,"page":155},{"title":"٢ - أن المداراة تطلق على الرفق واللين","level":4,"page":156},{"title":"٣ - أن المداهنة مذمومة","level":4,"page":156},{"title":"المبحث الثاني: أهمية الرفق واللين","level":2,"page":157},{"title":"المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الرفق في الدعوة","level":2,"page":160},{"title":"الصورة الأولى: مع شاب استأذن في الزنا","level":3,"page":160},{"title":"الصورة الثانية: مع اليهود:","level":3,"page":161},{"title":"الصورة الثالثة: مع من بال في المسجد:","level":3,"page":162},{"title":"١ - إما أن يقطع عليه بوله فيتضرر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه","level":4,"page":164},{"title":"٢ - وإما أن يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه","level":4,"page":164},{"title":"الصورة الرابعة: مع معاوية بن الحكم:","level":3,"page":165},{"title":"الصورة الخامسة: مع من كانت يده تطيش:","level":3,"page":167},{"title":"الصورة السادسة: مع من أصاب من امرأته قبل الكفارة:","level":3,"page":167},{"title":"الصورة السابعة: مع من بكت عند القبر:","level":3,"page":168},{"title":"الصورة الثامنة: من رفق صلة بن أشيم:","level":3,"page":168},{"title":"الفصل السادس: الصبر","level":1,"page":169},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الصبر","level":2,"page":170},{"title":"الصبر لغة","level":3,"page":170},{"title":"حقيقة الصبر","level":3,"page":170},{"title":"المبحث الثاني: أهمية الصبر في الدعوة إلى الله تعالى","level":2,"page":171},{"title":"أولا: إن الابتلاء للدعاة إلى الله لا بد منه","level":3,"page":172},{"title":"ثانيا: الصبر يحتاجه الداعية في دعوته إلى الله في ثلاثة أحوال:","level":3,"page":173},{"title":"١ - قبل الدعوة بتصحيح النية والإخلاص","level":4,"page":173},{"title":"٢ - أثناء الدعوة، فيلازم الصبر","level":4,"page":173},{"title":"٣ - بعد الدعوة، وذلك من وجوه:","level":4,"page":173},{"title":"الوجه الأول:","level":5,"page":173},{"title":"الوجه الثاني","level":5,"page":173},{"title":"الوجه الثالث","level":5,"page":173},{"title":"ثالثا: الصبر في الدعوة إلى الله - ﷿ - بمثابة الرأس من الجسد","level":3,"page":173},{"title":"رابعا: الصبر في الدعوة إلى الله تعالى من أعظم أركان السعادة الأربعة","level":3,"page":174},{"title":"خامسا: الصبر من أعظم أركان الخلق الحسن","level":3,"page":174},{"title":"سادسا: الصبر في الدعوة إلى الله من أهم المهمات","level":3,"page":174},{"title":"سابعا: الصبر في الدعوة إلى الله - ﷿ - من أعظم القربات ومن أجل الهبات","level":3,"page":174},{"title":"ثامنا: الدعوة إلى الله سبيلها طويل تحف به المتاعب والآلام","level":3,"page":175},{"title":"تاسعا: الصبر في مقام الدعوة إلى الله تعالى هو وصف الأنبياء","level":3,"page":175},{"title":"عاشرا: الداعية إلى الله - ﷿ - لا يكون قدوة في الخير مطلقا إلا بالصبر والثبات عليه","level":3,"page":175},{"title":"الحادي عشر: الصبر ينتصر به الداعية على عدوه","level":3,"page":176},{"title":"الثاني عشر: الصبر من أهم المهمات للداعية","level":3,"page":177},{"title":"الثالث عشر: الصبر يشتمل على أكثر مكارم الأخلاق","level":3,"page":177},{"title":"الرابع عشر: الصبر نصف الإيمان","level":3,"page":177},{"title":"الخامس عشر: الصبر سبب حصول كل كمال","level":3,"page":177},{"title":"السادس عشر: الصبر يجعل الداعية إلى الله - ﷿ - يضبط نفسه عن أمور لابد له من الابتعاد عنها","level":3,"page":178},{"title":"المحور الأول: الصبر على طاعة الله","level":4,"page":178},{"title":"المحور الثاني: الصبر عن محارم الله","level":4,"page":178},{"title":"المحور الثالث: الصبر على اقدار الله المؤلمة","level":4,"page":179},{"title":"السابع عشر: الصبر ذو مقام كريم وخلق عظيم","level":3,"page":179},{"title":"الثامن عشر: رتب الله تعالى خيرات الدنيا والآخرة على الصبر","level":3,"page":180},{"title":"المبحث الثالث: مجالات الصبر","level":2,"page":182},{"title":"المجال الأول: ضبط النفس عن السأم","level":3,"page":182},{"title":"المجال الثاني: ضبط النفس عن الضجر","level":3,"page":182},{"title":"المجال الثالث: ضبط النفس عن العجلة","level":3,"page":182},{"title":"المجال الرابع: ضبط النفس عن الغضب","level":3,"page":182},{"title":"المجال الخامس: ضبط النفس عن الخوف","level":3,"page":182},{"title":"المجال السادس: ضبط النفس عن الطمع","level":3,"page":182},{"title":"المجال السابع: ضبط النفس عن الاندفاع","level":3,"page":182},{"title":"المجال الثامن: ضبط النفس لتحمل المتاعب","level":3,"page":182},{"title":"المبحث الرابع: حكم الصبر","level":2,"page":184},{"title":"القسم الأول: صبر واجب","level":3,"page":184},{"title":"القسم الثاني: صبر مندوب","level":3,"page":184},{"title":"القسم الثالث: صبر محرم","level":3,"page":184},{"title":"القسم الرابع: صبر مكروه","level":3,"page":184},{"title":"القسم الخامس: صبر مباح","level":3,"page":184},{"title":"المبحث الخامس: أنواع الصبر","level":2,"page":186},{"title":"المطلب الأول: الصبر على طاعة الله","level":3,"page":186},{"title":"الصبر على الطاعة يتكون من ثلاث شعب:","level":4,"page":186},{"title":"الأولى: صبر قبل الطاعة","level":5,"page":186},{"title":"الثانية: الصبر حال الطاعة حيث لا يغفل عنها أثناء تأديتها","level":5,"page":187},{"title":"الثالثة: الصبر بعد العمل","level":5,"page":187},{"title":"العائق الأول: إعراض الناس عن دعوتك:","level":6,"page":188},{"title":"العائق الثاني: الأذى من الناس قولا وفعلا:","level":6,"page":190},{"title":"العائق الثالث: استبطاء النصر والفرج:","level":6,"page":193},{"title":"في تأخير الفرج لطائف وأسرار","level":4,"page":193},{"title":"١ - أن الكرب كلما اشتد كان الفرج قريبا","level":5,"page":193},{"title":"٢ - أن الكرب كلما اشتد وجد اليأس من كشفه","level":5,"page":194},{"title":"٣ - أن الكرب كلما اشتد فإن العبد حينئذ يحتاج إلى زيادة","level":5,"page":194},{"title":"المطلب الثاني: الصبر عن المعاصي والمحرمات","level":3,"page":195},{"title":"المطلب الثالث: الصبر على المصائب وأقدار الله المؤلمة","level":3,"page":196},{"title":"المبحث السادس: صور من تطبيق الصبر في الدعوة","level":2,"page":198},{"title":"المطلب الأول: صور من صبر النبي - ﷺ - في دعوته","level":3,"page":198},{"title":"الصورة الأولى: صعوده على الصفا ونداؤه العام:","level":4,"page":198},{"title":"الصورة الثانية: اضطهاد سادات قريش:","level":4,"page":202},{"title":"الصورة الثالثة: مع عتبة:","level":4,"page":203},{"title":"الصورة الرابعة: مع أبي جهل:","level":4,"page":206},{"title":"الصورة الخامسة: وضع السلا على ظهره - ﷺ -:","level":4,"page":207},{"title":"الصورة السادسة: مع عقبة","level":4,"page":208},{"title":"الصورة السابعة: مع زوجة أبي لهب:","level":4,"page":210},{"title":"الصورة الثامنة: حبسه - ﷺ - في الشعب:","level":4,"page":212},{"title":"الصورة التاسعة: مع أهل الطائف:","level":4,"page":213},{"title":"الصورة العاشرة: مع أهل الأسواق والمواسم:","level":4,"page":217},{"title":"الصورة الحادية عشرة: جرح وجهه وكسرت رباعيته - ﷺ -:","level":4,"page":222},{"title":"المطلب الثاني: صور من شجاعته وإقدامه - ﷺ -","level":3,"page":223},{"title":"الصورة الأولى: شجاعته - ﷺ - في معركة بدر الكبرى:","level":4,"page":224},{"title":"الصورة الثانية: شجاعته - ﷺ - في غزوة أحد:","level":4,"page":227},{"title":"الصورة الثالثة: شجاعته - ﷺ - في معركة حنين","level":4,"page":228},{"title":"الصورة الرابعة: شجاعته - ﷺ - في الحماية لأصحابه:","level":4,"page":231},{"title":"الصورة الخامسة: شجاعته - ﷺ - العقلية:","level":4,"page":232},{"title":"المطلب الثالث: صور من صبر الصحابة - ﵃ -","level":3,"page":233},{"title":"الصورة الأولى: صبر بلال:","level":4,"page":233},{"title":"الصورة الثانية: صبر آل ياسر:","level":4,"page":234},{"title":"الصورة الثالثة: صبر صهيب:","level":4,"page":234},{"title":"الصورة الرابعة: صبر أبي سلمة وزوجته:","level":4,"page":234},{"title":"الصورة الخامسة: صبر عبد الله بن حذافة:","level":4,"page":236},{"title":"الصورة السادسة: صبر خبيب:","level":4,"page":238},{"title":"الصورة السابعة: صبر سعد بن أبي وقاص - ﵁ -:","level":4,"page":238},{"title":"الصورة الثامنة: صبر أم حبيبة أم المؤمنين ﵂:","level":4,"page":239},{"title":"الصورة التاسعة: صبر أنس بن النضر - ﵁ -:","level":4,"page":240},{"title":"الصورة العاشرة: صبر عمير بن الحمام:","level":4,"page":241},{"title":"المبحث السابع: طرق تحصيل الصبر","level":2,"page":242},{"title":"المطلب الأول: الطرق العامة لتحصيل الصبر","level":3,"page":242},{"title":"أولا: معرفة طبيعة الحياة الدنيا:","level":4,"page":242},{"title":"ثانيا: اليقين بحسن الجزاء عند الله:","level":4,"page":243},{"title":"ثالثا: معرفة الإنسان نفسه:","level":4,"page":244},{"title":"رابعا: اليقين بالفرج:","level":4,"page":247},{"title":"خامسا: الاستعانة بالله:","level":4,"page":249},{"title":"سادسا: التأسي بأهل الصبر والعزائم:","level":4,"page":249},{"title":"سابعا: الإيمان بقدر الله وقضائه:","level":4,"page":250},{"title":"ثامنا: استصغار المصيبة:","level":4,"page":252},{"title":"تاسعا: الحذر من الآفات العائقة في الطريق:","level":4,"page":252},{"title":"١ - الاستعجال:","level":5,"page":252},{"title":"٢ - الغضب:","level":5,"page":253},{"title":"٣ - الضيق:","level":5,"page":254},{"title":"٤ - اليأس:","level":5,"page":254},{"title":"المطلب الثاني: طرق تحصيل الصبر عن المعاصي","level":3,"page":255},{"title":"أولا: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها","level":4,"page":255},{"title":"ثانيا: الحياء من الله سبحانه","level":4,"page":256},{"title":"ثالثا: مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك","level":4,"page":256},{"title":"رابعا: خوف الله وخشية عقابه","level":4,"page":257},{"title":"خامسا: محبة الله","level":4,"page":257},{"title":"سادسا: شرف النفس وزكاؤها وفضلها","level":4,"page":257},{"title":"سابعا: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية","level":4,"page":257},{"title":"ثامنا: قصر الأمل وعلمه بسرعة انتقاله","level":4,"page":258},{"title":"تاسعا: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه","level":4,"page":258},{"title":"عاشرا: ثبات شجرة الإيمان في القلب","level":4,"page":258},{"title":"المطلب الثالث: طرق تحصيل الصبر على الطاعات","level":3,"page":258},{"title":"المطلب الرابع: طرق تحصيل الصبر على المصيبة والبلاء وأقدار الله المؤلمة","level":3,"page":259},{"title":"أولا: معرفة جزائها وثوابها.","level":4,"page":259},{"title":"ثانيا: العلم بتكفيرها للسيئات ومحوها لها.","level":4,"page":259},{"title":"ثالثا: الإيمان بالقدر السابق الجاري بها","level":4,"page":259},{"title":"رابعا معرفة حق الله عليه في تلك البلوى","level":4,"page":259},{"title":"خامسا: العلم بترتبها عليه بذنبه","level":4,"page":259},{"title":"سادسا: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها","level":4,"page":259},{"title":"سابعا: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع","level":4,"page":260},{"title":"ثامنا: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء","level":4,"page":260},{"title":"تاسعا: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله","level":4,"page":260},{"title":"عاشرا: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء","level":4,"page":260},{"title":"الفصل السابع: الإخلاص والصدق","level":1,"page":262},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الإخلاص","level":2,"page":263},{"title":"الإخلاص في اللغة:","level":3,"page":263},{"title":"وحقيقة الإخلاص:","level":3,"page":263},{"title":"المبحث الثاني: أهمية الإخلاص","level":2,"page":265},{"title":"المبحث الثالث: النية أساس العمل","level":2,"page":268},{"title":"المطلب الأول: أهمية النية ومكانتها","level":3,"page":268},{"title":"المطلب الثاني: خطر إرادة الدنيا بعمل الآخرة","level":3,"page":271},{"title":"المطلب الثالث: أنواع العمل للدنيا","level":3,"page":273},{"title":"النوع الأول","level":4,"page":273},{"title":"النوع الثاني","level":4,"page":274},{"title":"النوع الثالث","level":4,"page":274},{"title":"النوع الرابع","level":4,"page":274},{"title":"المبحث الرابع: خطر الرياء، وأنواعه، وأسبابه","level":2,"page":275},{"title":"المطلب الأول: خطر الرياء","level":3,"page":275},{"title":"١ - الرياء أخطر على المسلمين من المسيح الدجال:","level":4,"page":275},{"title":"٢ - الرياء أشد فتكا من الذئب في الغنم،","level":4,"page":275},{"title":"٣ - خطورة الرياء على الأعمال الصالحة خطر عظيم؛","level":4,"page":275},{"title":"٤ - أول من تسعر بهم النار يوم القيامة:","level":4,"page":277},{"title":"٥ - الرياء يورث الذل والصغار والهوان والفضيحة،","level":4,"page":277},{"title":"٦ - الرياء يحرم ثواب الآخرة،","level":4,"page":277},{"title":"٧ - الرياء سبب في هزيمة الأمة،","level":4,"page":277},{"title":"المطلب الثاني: أنواع الرياء","level":3,"page":278},{"title":"١ - أن يكون مراد العبد غير الله،","level":4,"page":278},{"title":"٢ - أن يكون قصد العبد ومراده لله تعالى","level":4,"page":278},{"title":"٣ - أن يدخل العبد في العبادة لله ويخرج منها لله","level":4,"page":278},{"title":"٤ - وهناك رياء بدني:","level":4,"page":278},{"title":"٥ - رياء من جهة اللباس أو الزي:","level":4,"page":279},{"title":"٦ - الرياء بالقول:","level":4,"page":279},{"title":"٧ - الرياء بالعمل:","level":4,"page":279},{"title":"٨ - الرياء بالأصحاب والزائرين:","level":4,"page":279},{"title":"٩ - الرياء بذم النفس بين الناس،","level":4,"page":279},{"title":"١٠ - ومن دقائق الرياء وخفاياه:","level":4,"page":279},{"title":"١١ - ومن دقائق الرياء أن يجعل الإخلاص وسيلة","level":4,"page":280},{"title":"المطلب الثالث: أقسام الرياء","level":3,"page":280},{"title":"١ - أن يكون العمل رياء محضا،","level":4,"page":280},{"title":"٢ - أن يكون العمل لله،","level":4,"page":281},{"title":"٣ - أن يكون أصل العمل لله،","level":4,"page":281},{"title":"الحال الأولى:","level":5,"page":281},{"title":"الحال الثانية:","level":5,"page":281},{"title":"الأمر الأول:","level":6,"page":281},{"title":"الأمر الثاني:","level":6,"page":281},{"title":"٤ - أن يكون الرياء بعد الانتهاء من العبادة","level":4,"page":282},{"title":"المطلب الرابع: أسباب الرياء ودوافعه","level":3,"page":282},{"title":"١ - حب لذة الحمد والثناء والمدح.","level":4,"page":282},{"title":"٢ - الفرار من الذم.","level":4,"page":282},{"title":"٣ - الطمع فيما في أيدي الناس","level":4,"page":283},{"title":"المبحث الخامس: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء","level":2,"page":284},{"title":"١ - معرفة أنواع الرياء، ودوافعه، وأسبابه","level":3,"page":284},{"title":"٢ - معرفة عظمة الله تعالى،","level":3,"page":284},{"title":"٣ - معرفة ما أعده الله في الدار الآخرة","level":3,"page":284},{"title":"٤ - الخوف من الرياء المحبط للعمل؛","level":3,"page":284},{"title":"٥ - الفرار من ذم الله؛","level":3,"page":287},{"title":"٦ - معرفة ما يفر منه الشيطان؛","level":3,"page":288},{"title":"٧ - الإكثار من أعمال الخير والعبادات غير المشاهدة،","level":3,"page":288},{"title":"٨ - عدم الاكتراث بذم الناس ومدحهم؛","level":3,"page":288},{"title":"٩ - تذكر الموت وقصر الأمل،","level":3,"page":289},{"title":"١٠ - الخوف من سوء الخاتمة،","level":3,"page":290},{"title":"١١ - مصاحبة أهل الإخلاص والتقوى؛","level":3,"page":290},{"title":"١٢ - الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى","level":3,"page":290},{"title":"١٣ - حب العبد ذكر الله له،","level":3,"page":290},{"title":"١٤ - عدم الطمع فيما في أيدي الناس","level":3,"page":291},{"title":"١٥ - معرفة ثمرات الإخلاص وفوائده","level":3,"page":291},{"title":"المبحث السادس: الصدق","level":2,"page":293},{"title":"المطلب الأول: مفهوم الصدق وأهميته وفضله","level":3,"page":293},{"title":"المطلب الثاني: مجالات الصدق","level":3,"page":295},{"title":"١ - الصدق في النية والقصد","level":4,"page":295},{"title":"٢ - الصدق في القول","level":4,"page":295},{"title":"٣ - وأما صدق العمل","level":4,"page":296},{"title":"المطلب الثالث: أثر الصدق في نجاح الدعوة","level":3,"page":296},{"title":"١ - أن للصدق أثره البالغ في مسيرة الدعاة","level":4,"page":296},{"title":"٢ - للصدق أثره الحميد في التآلف والتآزر والتوادد","level":4,"page":297},{"title":"٣ - الصدق يزرع في النفوس الثقة والطمأنينة والراحة والأنس","level":4,"page":297},{"title":"الفصل الثامن: القدوة الحسنة","level":1,"page":299},{"title":"المبحث الأول: مفهوم القدوة الحسنة","level":2,"page":300},{"title":"المبحث الثاني: أهمية القدوة الحسنة","level":2,"page":301},{"title":"١ - إن المثال الحي والقدوة الصالحة يثير في نفس البصير العاقل قدرا","level":3,"page":301},{"title":"٢ - إن القدوة الحسنة المتحلية بالفضائل تعطي الآخرين قناعة","level":3,"page":301},{"title":"٣ - إن الأتباع والمدعوين الذين يربيهم ويدعوهم الداعية","level":3,"page":301},{"title":"٤ - إن مستويات الفهم للكلام عند الناس تتفاوت،","level":3,"page":302},{"title":"٥ - إن النبي - ﷺ - قد حذر الدعاة من المخالفة لما يقولون،","level":3,"page":302},{"title":"٦ - إن جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم كانوا قدوة حسنة لأقوامهم","level":3,"page":303},{"title":"٧ - إن الناس كما ينظرون إلى الداعية في أعماله وتصرفاته: ينظرون إلى أسرته","level":3,"page":303},{"title":"المبحث الثالث: وجوب القدوة الحسنة","level":2,"page":305},{"title":"الفصل التاسع: الخلق الحسن","level":1,"page":310},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الخلق الحسن","level":2,"page":311},{"title":"الخلق لغة","level":3,"page":311},{"title":"السلوك","level":3,"page":311},{"title":"المبحث الثاني: أهمية الخلق الحسن","level":2,"page":313},{"title":"الأمر الأول: الخلق الحسن في حياة المسلم عامة وفي حياة الدعاة إلى الله تعالى خاصة من أعظم روابط الإيمان وأعلى درجاته","level":3,"page":313},{"title":"الأمر الثاني: الخلق الحسن ضرورة اجتماعية لجميع المجتمعات","level":3,"page":314},{"title":"الأمر الثالث: الخلق الحسن يجعل الداعية إلى الله تعالى من أحسن الناس","level":3,"page":314},{"title":"الأمر الرابع: الخلق الحسن من أعظم القربات وأجل العطايا والهبات","level":3,"page":314},{"title":"الأمر الخامس: الخلق الحسن هو وصية رسول الله - ﷺ -","level":3,"page":315},{"title":"الأمر السادس: الخلق الحسن ذو أهمية بالغة","level":3,"page":315},{"title":"الأمر السابع: الخلق الحسن من أعظم الأساليب","level":3,"page":316},{"title":"الأمر الثامن: الخلق الحسن هو أمنية كل مسلم","level":3,"page":317},{"title":"الأمر التاسع: الخلق الحسن يحبب الداعية إلى الناس جميعا","level":3,"page":317},{"title":"الأمر العاشر: من لم يتخلق بالخلق الحسن من الدعاة ينفر الناس","level":3,"page":317},{"title":"الأمر الحادي عشر: إن صلاح الأمة وهدايتها والنهوض بها","level":3,"page":319},{"title":"الأمر الثاني عشر: الخلق الحسن في الدعوة يجعل الداعية مستنير القلب","level":3,"page":319},{"title":"الأمر الثالث عشر: الخلق الحسن في الدعوة","level":3,"page":319},{"title":"الأمر الرابع عشر: الخلق الحسن موضوع واسع جدا","level":3,"page":320},{"title":"المبحث الثالث: طرق تحصل الخلق الحسن","level":2,"page":322},{"title":"١ - التدريب العملي،","level":3,"page":322},{"title":"٢ - الغمس في البيئة الصالحة","level":3,"page":322},{"title":"المبحث الرابع: فروع الخلق الحسن","level":2,"page":323},{"title":"تمهيد: فروع الخلق الحسن:","level":3,"page":323},{"title":"المطلب الأول: الجود والكرم","level":3,"page":323},{"title":"١ - الجود بالنفس","level":4,"page":323},{"title":"٣ - الجود براحته","level":4,"page":323},{"title":"٤ - الجود بالعلم وبذله","level":4,"page":323},{"title":"٥ - الجود بالنفع بالجاه","level":4,"page":323},{"title":"٦ - الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه","level":4,"page":323},{"title":"٧ - الجود بالعرض","level":4,"page":324},{"title":"٨ - الجود بالصبر، والاحتمال، وكظم الغيظ","level":4,"page":324},{"title":"٩ - الجود بالخلق الحسن، والبشاشة، والبسطة","level":4,"page":324},{"title":"١٠ - الجود بترك ما في أيدي الناس عليهم","level":4,"page":324},{"title":"المطلب الثاني: العدل","level":3,"page":327},{"title":"المطلب الثالث: التواضع","level":3,"page":329},{"title":"الخاتمة: ملخص البحث وأهم النتائج","level":1,"page":332},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":341}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,159":153,"1,160":154,"1,161":155,"1,162":156,"1,163":157,"1,164":158,"1,165":159,"1,166":160,"1,167":161,"1,168":162,"1,169":163,"1,170":164,"1,171":165,"1,172":166,"1,173":167,"1,174":168,"1,175":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,224":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,234":227,"1,235":228,"1,236":229,"1,237":230,"1,238":231,"1,239":232,"1,240":233,"1,241":234,"1,242":235,"1,243":236,"1,244":237,"1,245":238,"1,246":239,"1,247":240,"1,248":241,"1,249":242,"1,250":243,"1,251":244,"1,252":245,"1,253":246,"1,254":247,"1,255":248,"1,256":249,"1,257":250,"1,258":251,"1,259":252,"1,260":253,"1,261":254,"1,262":255,"1,263":256,"1,264":257,"1,265":258,"1,266":259,"1,267":260,"1,268":261,"1,269":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"1,275":267,"1,276":268,"1,277":269,"1,278":270,"1,279":271,"1,280":272,"1,281":273,"1,282":274,"1,283":275,"1,284":276,"1,285":277,"1,286":278,"1,287":279,"1,288":280,"1,289":281,"1,290":282,"1,291":283,"1,292":284,"1,293":285,"1,294":286,"1,295":287,"1,296":288,"1,297":289,"1,298":290,"1,299":291,"1,300":292,"1,301":293,"1,302":294,"1,303":295,"1,304":296,"1,305":297,"1,306":298,"1,307":299,"1,309":300,"1,310":301,"1,311":302,"1,312":303,"1,313":304,"1,314":305,"1,315":306,"1,316":307,"1,317":308,"1,318":309,"1,319":310,"1,321":311,"1,322":312,"1,323":313,"1,324":314,"1,325":315,"1,326":316,"1,327":317,"1,328":318,"1,329":319,"1,330":320,"1,331":321,"1,332":322,"1,333":323,"1,334":324,"1,335":325,"1,336":326,"1,337":327,"1,338":328,"1,339":329,"1,340":330,"1,341":331,"1,342":332,"1,343":333,"1,344":334,"1,345":335,"1,346":336,"1,347":337,"1,348":338,"1,349":339,"1,350":340,"1,377":341,"1,378":342,"1,379":343,"1,380":344,"1,381":345,"1,382":346,"1,383":347,"1,384":348,"1,385":349,"1,386":350,"1,387":351,"1,388":352},"ٜ":{"1":[3,388]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388"],"ٞ":{"2":[1],"7":[2],"8":[3],"9":[4],"12":[5,6,7,8],"15":[9],"19":[10,11,12],"20":[13],"21":[14,15],"23":[16],"24":[17,18,19,20,21,22,23,24],"25":[25,26,27,28,29],"26":[30,31],"27":[32,33],"28":[34],"30":[35,36,37],"31":[38,39],"32":[40,41,42],"33":[43,44],"35":[45,46,47],"37":[48,49,50],"38":[51,52,53],"39":[54,55],"41":[56,57],"42":[58,59],"43":[60,61,62],"45":[63,64],"50":[65],"51":[66],"52":[67,68,69,70,71,72],"54":[73],"58":[74,75],"60":[76],"63":[77,78,79],"64":[80],"69":[81],"70":[82],"71":[83],"72":[84],"73":[85],"74":[86,87],"76":[88],"77":[89],"78":[90],"79":[91],"80":[92,93,94,95,96],"81":[97,98,99,100,101],"82":[102,103,104,105],"84":[106,107,108],"85":[109,110,111,112,113,114,115],"87":[116],"89":[117,118],"90":[119,120],"91":[121,122,123,124,125,126],"92":[127,128,129,130,131],"93":[132,133,134,135,136,137],"94":[138,139],"95":[140,141],"96":[142,143],"99":[144,145],"100":[146,147,148],"102":[149],"103":[150],"105":[151,152],"106":[153],"108":[154,155,156],"110":[157],"111":[158],"112":[159],"114":[160,161],"115":[162],"116":[163,164],"117":[165,166,167,168],"119":[169],"121":[170],"122":[171,172],"123":[173],"125":[174],"127":[175],"128":[176,177,178,179,180],"129":[181,182],"130":[183,184,185,186,187],"131":[188,189,190,191,192,193,194],"133":[195],"134":[196],"136":[197],"141":[198,199],"142":[200,201,202,203,204],"143":[205],"145":[206],"147":[207,208,209,210],"148":[211,212,213],"150":[214,215,216,217],"151":[218,219],"152":[220],"153":[221,222],"154":[223],"155":[224,225],"156":[226,227],"157":[228],"160":[229,230],"161":[231],"162":[232],"164":[233,234],"165":[235],"167":[236,237],"168":[238,239],"169":[240],"170":[241,242,243],"171":[244],"172":[245],"173":[246,247,248,249,250,251,252,253],"174":[254,255,256,257],"175":[258,259,260],"176":[261],"177":[262,263,264,265],"178":[266,267,268],"179":[269,270],"180":[271],"182":[272,273,274,275,276,277,278,279,280],"184":[281,282,283,284,285,286],"186":[287,288,289,290],"187":[291,292],"188":[293],"190":[294],"193":[295,296,297],"194":[298,299],"195":[300],"196":[301],"198":[302,303,304],"202":[305],"203":[306],"206":[307],"207":[308],"208":[309],"210":[310],"212":[311],"213":[312],"217":[313],"222":[314],"223":[315],"224":[316],"227":[317],"228":[318],"231":[319],"232":[320],"233":[321,322],"234":[323,324,325],"236":[326],"238":[327,328],"239":[329],"240":[330],"241":[331],"242":[332,333,334],"243":[335],"244":[336],"247":[337],"249":[338,339],"250":[340],"252":[341,342,343],"253":[344],"254":[345,346],"255":[347,348],"256":[349,350],"257":[351,352,353,354],"258":[355,356,357,358],"259":[359,360,361,362,363,364,365],"260":[366,367,368,369],"262":[370],"263":[371,372,373],"265":[374],"268":[375,376],"271":[377],"273":[378,379],"274":[380,381,382],"275":[383,384,385,386,387],"277":[388,389,390,391],"278":[392,393,394,395,396],"279":[397,398,399,400,401,402],"280":[403,404,405],"281":[406,407,408,409,410,411],"282":[412,413,414,415],"283":[416],"284":[417,418,419,420,421],"287":[422],"288":[423,424,425],"289":[426],"290":[427,428,429,430],"291":[431,432],"293":[433,434],"295":[435,436,437],"296":[438,439,440],"297":[441,442],"299":[443],"300":[444],"301":[445,446,447,448],"302":[449,450],"303":[451,452],"305":[453],"310":[454],"311":[455,456,457],"313":[458,459],"314":[460,461,462],"315":[463,464],"316":[465],"317":[466,467,468],"319":[469,470,471],"320":[472],"322":[473,474,475],"323":[476,477,478,479,480,481,482,483],"324":[484,485,486,487],"327":[488],"329":[489],"332":[490],"341":[491]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مقومات\nالداعية الناجح\nفي ضوء الكتاب والسنة\nمفهوم، ونظر، وتطبيق\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - ﷺ -.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم\nمُّسْلِمُونَ﴾ (١).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشرّ الأمور مُحدَثاتها، وكل مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١.\n(٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٧٠ - ٧١.","vol":"1","page":3},{"text":"لاشكَّ أن الداعية إلى الله تعالى لا يكون ناجحًا موفقًاَ مسددًا في دعوته إلا بإخلاص عمله كله لله، ومتابعته لرسول الله - ﷺ - في كل أموره، وبالتزامه بالصفات والمقوِّمات التي تجعله مستقيمًا في دعوته معتدلًا، لا إفراط ولا تفريط. ولا ريب أن معرفة الداعية للمقوِّمات التي تجعله ناجحًا في دعوته من أهم المهمّات؛ لأن نجاح دعوته، وفوزه برضى ربه، وتوفيقه موقوف على العمل بهذه المقوّمات، ومقوّمات الداعية الناجح متعددة وكثيرة؛ ولكني سأقتصر على ذكر أصولها، وأسسها التي تتفرّع منها جميع المقوِّمات التي لابدّ لكل داعية من معرفتها، والعمل بها، وتطبيقها في حياته.\nوهذا موضوع مهم جدًا ينبغي أن يُبيَّن ويُبرز من قبل العلماء المبرزين الذين بذلوا حياتهم وجهدهم في سبيل نشر هذا الدين، وإيصاله للناس بالوسائل والطرق النافعة المشروعة؛ ولكني سأذكر ما يسّر الله لي من هذه المقوّمات التي لا يستغني عنها الداعية في دعوته.\nوقد قسمت البحث إلى تمهيدٍ، وتسعة فصول، وتحت كل فصل مباحث، وتحت كل مبحث مطالب في الغالب على النحو الآتي:\nالتمهيد: مفهوم مقومات الداعية الناجح.\nالفصل الأول: العلم النافع\nالمبحث الأول: أهمية العلم\nالمبحث الثاني: أقسام العلم النافع\nالمبحث الثالث: العمل بالعلم","vol":"1","page":4},{"text":"المبحث الرابع: طرق تحصيل العلم\nالفصل الثاني: الحكمة\nالمبحث الأول: مفهوم الحكمة.\nالمبحث الثاني: أهمية الحكمة\nالمبحث الثالث: أنواع الحكمة\nالمبحث الرابع: درجات الحكمة\nالمبحث الخامس: طرق تحصيل الحكمة.\nالمبحث السادس: إنزال الناس منازلهم ومراتبهم.\nالفصل الثالث: الحلم\nالمبحث الأول: مفهوم الحلم\nالمبحث الثاني: أهمية الحلم\nالمبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الحلم في الدعوة.\nالمبحث الرابع: طرق تحصيل الحلم.\nالفصل الرابع: الأناة والتثبت\nالمبحث الأول: مفهوم الأناة.\nالمبحث الثاني: أهمية الأناة.\nالمبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الأناة في الدعوة.\nالمبحث الرابع: العجلة والاستعجال.\nالفصل الخامس: الرفق واللين\nالمبحث الأول: مفهوم الرفق واللين.\nالمبحث الثاني: أهمية الرفق واللين.","vol":"1","page":5},{"text":"المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الرفق واللين في الدعوة.\nالفصل السادس: الصبر\nالمبحث الأول: مفهوم الصبر.\nالمبحث الثاني: أهمية الصبر في الدعوة.\nالمبحث الثالث: مجالات الصبر.\nالمبحث الرابع: حكم الصبر.\nالمبحث الخامس: أنواع الصبر.\nالمبحث السادس: صور من مواقف تطبيق الصبر والشجاعة في الدعوة.\nالمبحث السابع: طرق تحصيل الصبر.\nالفصل السابع: الإخلاص والصدق\nالمبحث الأول: مفهوم الإخلاص.\nالمبحث الثاني: أهمية الإخلاص.\nالمبحث الثالث: النية أساس العمل.\nالمبحث الرابع: خطر الرياء وأنواعه وأقسامه.\nالمبحث الخامس: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء.\nالمبحث السادس: الصدق.\nالفصل الثامن: القدوة الحسنة\nالمبحث الأول: مفهوم القدوة الحسنة.\nالمبحث الثاني: أهمية القدوة الحسنة.\nالمبحث الثالث: وجوب القدوة الحسنة.\nالفصل التاسع: الخلق الحسن","vol":"1","page":6},{"text":"المبحث الأول: مفهوم الخلق الحسن.\nالمبحث الثاني: أهمية الخلق الحسن في الدعوة.\nالمبحث الثالث: طرق تحصيل الخلق الحسن.\nالمبحث الرابع: فروع الخلق الحسن وتطبيقها في الدعوة.\nوالله أسأل بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا، أن يجعل هذا العمل مباركًا، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به إخواني الدعاة، وجميع من انتهى إليه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم موافقًا لسُنّة سيد الناس أجمعين؛ فإنه سبحانه خير مسئول، وأكرم مأمولٍ، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nالمؤلف\nعصر يوم الجمعة ٥/ ٣/١٤١٥هـ","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>التمهيد: مفهوم مقوّمات الداعية الناجح</span>\nالقِوامُ: نظام الأمر، وعماده، وملاكه الذي يقوم به. يُقالُ: هذا قِوام الدين، وقِوام الحق: أي الذي يقوم به. ويقال: فلان قِوام أهل بيته: عمادهم. ويقال: الدستور هو قِوام الدولة: أي الضابط لها تقوم عليه. ويقال: قوّم الشيء تقويمًا: أزال اعوجاجه وعدَّله، وقِوامُ كل شيء ما استقام به .. وقوَّمتُ الشيء فهو قويم: أي مستقيم (١).\nفتبين من هذه التعريفات اللغوية أن مقوِّمات الداعية الناجح: هي المعدِّلات التي تُعدّل الداعية، وتقيم اعوجاجه فتجعله: مستقيمًا، معتدلًا، حكيمًا، منضبطًا في كل أموره، ناجحًا في دعوته وموفقًا مسددًاًًًً، ملهمًا بإذن الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: لسان العرب لابن منظور، ١٢/ ٥٠٤، والقاموس المحيط، ص١٤٨٧، ومختار الصحاح، ص٢٣٣، والمعجم الوسيط، ٢/ ٧٦٨، وجمهرة اللغة لابن دريد، ٣/ ١٦٦، والهادي إلى لغة العرب للكرمي، ٣/ ٥٨١، والمنجد الأبجدي، ص٨٢١، ومحيط المحيط للمعلم بطرس، ص٧٦٤.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول: العلم النافع</span>\nالمبحث الأول: أهمية العلم النافع.\nالمبحث الثاني: أقسام العلم النافع.\nالمبحث الثالث: العمل بالعلم.\nالمبحث الرابع: طرق تحصيل العلم.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول: أهمية العلم النافع</span>\nالعلم من أعظم المقوّمات للداعية الناجح، وهو من أركان الحكمة، ولهذا أمر الله به، وأوجبه قبل القول والعمل، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (١).\nوقد بوَّب الإمام البخاري رحمه الله تعالى لهذه الآية بقوله: «باب: العلم قبل القول والعمل» (٢).\nوذلك أن الله أمر نبيه بأمرين: بالعلم، ثم العمل، والمبدوء به العلم في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله﴾، ثم أعقبه بالعمل في قوله:\n﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾، فدلّ ذلك على أن مرتبة العلم مُقدَّمة على مرتبة العمل، وأن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو مقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل (٣).\nوالعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول - ﷺ -، وقد يكون علم من غير الرسول - ﷺ -، لكن في أمور دنيوية، مثل: الطب، والحساب، والفلاحة، والتجارة (٤).\nولا يكون الداعية إلى الله مستقيمًا حكيمًا إلا بالعلم الشرعي، وإن لم يصحب الداعية من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه،\n_________\n(١) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(٢) البخاري، كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل، قبل الحديث رقم ٦٨.\n(٣) انظر: فتح الباري ١/ ١٦٠، وحاشية ثلاثة الأصول لمحمد بن عبد الوهاب، جمع عبد الرحمن بن قاسم الحنبلي، ص١٥.\n(٤) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٣/ ١٣٦، ٦/ ٣٨٨.","vol":"1","page":11},{"text":"فسلوكه على غير طريق، وهو مقطوع عليه طريق الوصول، ومسدود عليه سبيل الهدى والفلاح، وهذا إجماع من العارفين.\nولاشك أنه لا ينهى عن العلم إلا قُطَّاع الطريق، ونوّاب إبليس وَشُرَطه (١). وقد مدح الله - ﷿ - أهل العلم وبيَّن فضلهم، وأثنى عليهم، قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢)،\n﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٣)، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤)، وبيَّن سبحانه أن العلم نور لحامله والعامل به في الدنيا والآخرة: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٥)، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٦)؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (٧).\nوقال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكان\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين للإمام ابن القيم، ٢/ ٤٦٤.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٣) سورة المجادلة، الآية: ١١.\n(٤) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.\n(٦) سورة الشورى، الآية: ٥٢.\n(٧) البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، برقم ٧١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، برقم ١٠٣٧.","vol":"1","page":12},{"text":"منها أجادِبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان: لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً فذلك مثل من فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلت به» (١).\nوهذا يدل على أهمية العلم للدعاة إلى الله تعالى، وأنه من أهم المهمات، وأعظم الواجبات؛ ليدعوا الناس على بصيرة.\nفيجب أن يكون الداعية على بيّنة في دعوته؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، والعلم الصحيح مرتكز على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -؛ لأن كل علم يتلقَّى من غيرهما يجب أن يعرض عليهما، فإن وافق ما فيهما قُبل، وإن كان مخالفًا وجب ردّه على قائله كائنًا من كان (٣).\nوهذا معنى كلام الشافعي ﵀:\n\nكل العلوم سوى القرآن مشغلةٌ ... إلاّ الحديث وعلم الفقه في الدين\nالعلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين (٤)\n\nومقصوده - ﵀ - بوسواس الشياطين العلوم التي تخالف الكتاب والسنة، أو التي ليس فيها نفع للمسلمين.\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب فضل من علم وعلّم، برقم ٧٩، ومسلم، كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي - ﷺ - من الهدى والعلم، برقم ٢٢٨٣.\n(٢) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٣) انظر: زاد الداعية إلى الله للعلامة ابن عثيمين، ص٦.\n(٤) انظر: ديوان الشافعي، ص١٢٤، والبداية والنهاية لابن كثير، ١٠/ ١٢٤.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: أقسام العلم</span>\nوقد قسّم الإمام ابن تيمية ﵀ العلم النافع - الذي هو أحد دعائم الحكمة وأسسها - إلى ثلاثة أقسام، فقال ﵀: «والعلم الممدوح الذي دلّ عليه الكتاب والسنة هو العلم الذي ورّثه الأنبياء» كما قال النبي - ﷺ -: «إن الأنبياء لم يورّثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ» (١).\nوهذا العلم ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>القسم الأول: علم بالله، وأسمائه، وصفاته</span>، وما يتبع ذلك، وفي مثله أنزل الله سورة الإخلاص، وآية الكرسي ونحوهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>القسم الثاني: علم بما أخبر الله به </span>مما كان من الأمور الماضية، وما يكون من الأمور المستقبلة، وما هو كائن من الأمور الحاضرة، وفي مثل هذا أنزل الله آيات القصص، والوعد، والوعيد، وصفة الجنة والنار، ونحو ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>القسم الثالث: العلم بما أمر الله به من العلوم </span>المتعلقة بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله من معارف القلوب وأحوالها، وأقوال الجوارح وأعمالها، وهذا يندرج فيه: العلم بأصول الإيمان وقواعد\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، برقم ٣٦٤١، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، برقم ٢٦٨٢، وابن ماجه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، برقم ٢٢٣، وانظر: صحيح ابن ماجه للألباني، ١/ ٤٣.","vol":"1","page":14},{"text":"الإسلام، ويندرج فيه العلم بالأقوال والأفعال الظاهرة، ويندرج فيه ما وُجد في كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة p  فإن ذلك جزءٌ من جزءٍ من علم الدين.\nوقد أشار الإمام ابن القيم إلى هذه الأقسام بقوله:\n\nالعلم أقسام ثلاثة ما لها ... من رابع والحقّ ذو تبيان\nعِلمٌ بأوصاف الإله وفعله ... وكذلك الأسماء للرحمن\nوالأمر والنهي الذي هو دينه ... وجزاؤه يوم المعاد الثاني\n\nوالناس إنما يغلطون في هذه المسائل؛ لأنهم لا يفهمون مسميات الأسماء الواردة في الكتاب والسنة، ولا يعرفون حقائق الأمور الموجودة، فرُبَّ رجل يحفظ حروف العلم التي أعظمها حفظ حروف القرآن، ولا يكون له من الفهم، بل ولا من الإيمان ما يتميز به على من أُوتي القرآن، ولم يؤت حفظ حروف العلم، كما قال النبي - ﷺ -: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُترُجّة، ريحها طيبّ، وطعمها طيّب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيّب، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح، وطعمها مرّ» (١).\nفقد يكون الرجل حافظًا لحروف القرآن وسوره، ولا يكون مؤمنًا، بل يكون منافقًا، فالمؤمن الذي لا يحفظ حروفه وسوره خير منه، وإن\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام، برقم ٥١١١، ومسلم في صلاة المسافرين، باب فضيلة حافظ القرآن، برقم ٥١١١.","vol":"1","page":15},{"text":"كان ذلك المنافق ينتفع به الغير كما يُنتفع بالريحان، وأما الذي أُوتي العلم والإيمان، فهو مؤمنٌ حكيمٌ وعليمٌ، فهو أفضل من المؤمن الذي ليس مثله في العلم مثل اشتراكهما في الإيمان، فهذا أصل تجب معرفته (١).\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية ١١/ ٣٩٦، ٣٩٧ بتصرف، والفتاوى أيضًا ٧/ ٢١ - ٢٥، وقال ابن تيمية ﵀: «العلوم خمسة: فعلم هو حياة الدين، وهو علم التوحيد، وعلم هو غذاء الدين، وهو علم التذكر بمعاني القرآن والحديث، وعلم هو دواء الدين، وهو علم الفتوى إذا نزل بالعبد نازلة احتاج إلى من يشفيه منها كما قال ابن مسعود، وعلم هو داء الدين، وهو الكلام المحدث، وعلم هو هلاك الدين، وهو علم السحر ونحوه». انظر: فتاوى ابن تيمية، ١٠/ ١٤٥.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الثالث: العمل بالعلم</span>\nوالعلم لابدّ فيه من إقرار القلب، ومعرفته بمعنى ما طلب منه علمه، وتمامه أن يعمل بمقتضاه؛ فإن العلم النافع - الذي هو أعظم أركان الحكمة التي من أُوتيها فقد أُوتيَ خيرًا كثيرًا - هو ما كان مقرونًا بالعمل، أما العلم بلا عمل، فهو حجة على صاحبه يوم القيامة؛ ولهذا حذَّر الله المؤمنين من أن يقولوا ما لا يفعلون، رحمةً بهم، وفضلًا منه وإحسانًا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (١).\nوحذّرهم عن كتمان العلم، وأمرهم بتبليغه للبشرية على حسب الطاقة والجهد، وعلى حسب العلم الذي أعطاهم الله - ﷿ - لا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ (٢).\nوهذه الآية، وإن كانت نازلة في أهل الكتاب وما كتموه من شأن الرسول - ﷺ - وصفاته، فإن حكمها عام لكل من اتّصف بكتمان ما أنزل الله من البيّنات الدّالات على الحق، المُظهرات له، والعلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبيّن به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم، ومن نبذ ذلك وجمع بين المفسدتين: كَتْم ما أنزل الله، والغش لعباد الله، لعنه الله، ولعنه جميع الخليقة؛ لسعيه في غشّ الخلق وفساد\n_________\n(١) سورة الصف، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":17},{"text":"أديانهم، وإبعادهم عن رحمة الله، فجُوزيَ من جنس عمله، كما أن معلّم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء؛ لسعيه في مصلحة الخلق، وإصلاح أديانهم؛ ولأنه قربهم من رحمة الله، فَجُوزيَ من جنس عمله (١).\nوقد بين النبي - ﷺ - أن «من سُئِل عن علمٍ يَعْلَمُهُ فَكتَمَهُ أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نار» (٢).\nفتبيّن بذلك وغيره أن العلم النافع الذي هو أحد أركان الحكمة لا يكون إلا مع العمل به؛ ولهذا قال سفيان (٣) في العمل بالعلم والحرص عليه: «أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله» (٤).\nوقال ﵀: «يُرادُ للعلم: الحفظ، والعمل، والاستماع، والإنصات، والنشر» (٥).\nوقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «تعلّموا، تعلّموا،\n_________\n(١) انظر: تفسير عبد الرحمن بن ناصر السعدي،١/ ١٨٦،وتفسير البغوي،١/ ١٣٤،وابن كثير، ١/ ٢٠٠.\n(٢) الترمذي، في العلم، باب ما جاء في كتمان العلم، برقم ٢٦٤٩، وأبو داود في العلم، باب كراهية منع العلم، برقم ٣٦٥٨، وابن ماجه في المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه، برقم ٢٦٦، وأحمد، ٢/ ٢٦٣، ٣٠٥، وانظر: صحيح ابن ماجه للألباني، ١/ ٤٩، وصحيح الترمذي، ٢/ ٣٣٦.\n(٣) سفيان بن عيينة بن أبي عمران، الإمام الكبير شيخ الإسلام، ولد سنة ١٠٧هـ، في النصف من شعبان، وعاش (٩١) سنة. انظر: سير أعلام النبلاء، ٨/ ٤٥٤ - ٤٧٤.\n(٤) أخرجه الدارمي في سننه، في المقدمة، باب فضل العلم والعالم، ١/ ٨١.\n(٥) المصدر السابق، ١/ ٨١.","vol":"1","page":18},{"text":"فإذا علمتم فاعملوا» (١).\nوقال - ﵁ -: «إن الناس أحسنوا القول كلهم، فمن وافق فعله قوله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبّخ نفسه» (٢).\nوقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حلقًا فيباهي بعضهم بعضًا، حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله - ﷿ -» (٣).\nوقال أبو الدرداء - ﵁ -: «لا تكون تقيًّا حتى تكون عالمًا، ولا تكون بالعلم جميلًا حتى تكون به عاملًا» (٤).\nولهذا قال الشاعر:\n\nإذا العلم لم تعمل به كان حجةً ... عليك ولم تُعذر بما أنت جاهلُه\nفإن كنت قد أُوتيت علمًا فإنما ... يصدق قولَ المرء ما هو فاعلُه (٥)\n\nوبهذا يتضح أن العلم لا يكون من دعائم الحكمة إلا باقترانه بالعمل.\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ١/ ١٩٥.\n(٢) المرجع السابق، ٢/ ٦.\n(٣) جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٧.\n(٤) المرجع السابق، ٢/ ٧.\n(٥) جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٧.","vol":"1","page":19},{"text":"وقد كان علم السلف الصالح - وعلى رأسهم أصحاب النبي - ﷺ - مقرونًا بالعمل؛ ولهذا كانت أقوالهم، وأفعالهم وسائر تصرفاتهم تزخر بالحكمة؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسُلِّط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها» (١).\nوقد دعا النبي - ﷺ - لعبد الله بن عباس ﵄ بالحكمة، والفقه في الدين، فقال - ﷺ -: «اللهم علمه الحكمة»، وفي لفظ: «اللهم علمه الكتاب»، وفي لفظ: «اللهم فقهه في الدين» (٢).\nفكان ﵄ حَبْرًا للأمة في علم الكتاب والسنة والعمل بما فيهما استجابة لدعوة النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة، برقم ١٣٤٣، ومسلم، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها، برقم ٨١٦.\n(٢) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر ابن عباس ﵄، برقم ٣٥٤٦، ٦٨٤٢، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل ابن عباس ﵄، برقم ٢٤٧٧.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الرابع: طرق تحصيل العلم</span>\nوالعلم النافع له أسباب يُنال بها، وطرق تُسلك في تحصيله وحفظه، من أهمها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>١ - أن يسألَ العبد ربّه العلمَ النافع</span>، ويستعين به تعالى، ويفتقر إليه، وقد أمر الله نبيه - ﷺ - بسؤاله أن يزيده علمًا إلى علمه (١)، فقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٢)، وقد كان النبي - ﷺ - يقول: «اللهم انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزدني علمًا» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٢ - الاجتهاد في طلب العلم</span>، والشوق إليه، والرغبة الصادقة في ابتغاء مرضاة الله تعالى، وبذل جميع الأسباب في طلب علم الكتاب والسنة (٤).\nوقد جاء رجل إلى أبي هريرة - ﵁ - فقال: إني أريد أن أتعلّم العلم وأخاف أن أُضيِّعه، فقال أبو هريرة - ﵁ -: «كفى بتركك له تضييعًا» (٥).\nولهذا قال بعض الحكماء عندما سُئلَ: ما السبب الذي يُنال به العلم؟ قال: بالحرص عليه يُتبع، وبالحب له يُستمع، وبالفراغ له يجتمع، [عَلِّم علمك من يجهل، وتعلّم ممن يعلم، فإنك إن فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما تعلّمت] (٦).\n_________\n(١) انظر: تفسير الإمام البغوي، ٣/ ٢٣٣، وتفسير العلامة السعدي، ٥/ ١٩٤.\n(٢) سورة طه، الآية: ١١٤.\n(٣) الترمذي، في الدعوات، باب في العفو والعافية، برقم ٣٥٩٩، وابن ماجه في العلم، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، برقم ٣٨٣٣، وانظر: صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٧.\n(٤) انظر: تفسير السعدي، ٥/ ١٩٤.\n(٥) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ١/ ١٠٤.\n(٦) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ١/ ١٠٢، ١٠٣.","vol":"1","page":21},{"text":"ولهذا قال الإمام الشافعي ﵀:\n\nأخي لن تنال العلم إلا بستةٍ ... سأنبئك عن تفصيلها ببيان\nذكاءٌ، وحرصٌ، واجتهادٌ، وبُلغةٌ ... وصحبةُ أستاذٍ وطول زمان (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٣ - اجتناب جميع المعاصي </span>بتقوى الله تعالى؛ فإن ذلك من أعظم الوسائل إلى حصول العلم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ (٣).\nوهذا واضح بيِّن أنَّ من اتقى الله جعل له علمًا يُفَرِّقُ به بين الحق والباطل (٤)؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد عَلِمَه بالذنب يعمله» (٥).\nوقال عمر بن عبد العزيز - ﵀ -: «خمسٌ إذا أخطأ القاضي منهن خطة (٦) كانت فيه وصمةً (٧) أن يكون: فهمًا، حليمًا، عفيفًا، صليبًا (٨)، عالمًا سؤولًا عن العلم» (٩).\n_________\n(١) ديوان الشافعي، ص١١٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٢٩.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٣٣٨، وتفسير السعدي، ١/ ٣٤٩.\n(٥) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ١/ ١٩٦.\n(٦) خطة: أي خصلة. انظر: فتح الباري، ١٣/ ١٤٦.\n(٧) وصمة: عيبًا. انظر: فتح الباري، ١٣/ ١٤٦.\n(٨) قويًا شديدًا، يقف عند الحق ولا يميل مع الهوى. انظر: فتح الباري، ١٣/ ١٤٦.\n(٩) البخاري مع الفتح، كتاب الأحكام، باب متى يستوجب الرجل القضاء، ١٣/ ١٤٦.","vol":"1","page":22},{"text":"وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:\n\nشَكوتُ إلى وكيعٍ (١) سوء حفظي\nوأخبرني بأن علم الله نور ... ونور الله لا يُهدى لعاصي (٢)\n\nوقال الإمام مالك للإمام الشافعي رحمهما الله تعالى: «إني أرى الله قد جعل في قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٤ - عدم الكبر والحياء عن طلب العلم</span>، ولهذا قالت عائشة ﵂: «نِعْمَ النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» (٤).\nوقالت أم سُليم ﵂: يا رسول الله، إن الله لا يسْتَحْيي من الحق، فهل على المرأة من غُسلٍ إذا احتلمت؟ قال النبي - ﷺ -: «إذا رأت الماء» (٥).\nوقال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٥ - الإخلاص في طلب العلم والعمل به</span>، بل أعظمها ولُبُّها، قال\nالنبي - ﷺ -: «من تعلّم علمًا ممّا يُبتغى به وجه الله - ﷿ -، لا يتعلّمه إلا ليصيب\n_________\n(١) وكيع بن الجراح بن مليح، الإمام، الحافظ، محدث العراق، ولد سنة ١٢٩هـ، ومات سنة ... فأرشدني إلى ترك المعاصي\n١٩٦هـ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٩/ ١٤٠، وتهذيب التهذيب، ١١/ ١٠٩.\n(٢) ديوان الشافعي، ص٨٨،وانظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم، ص١٠٤.\n(٣) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص ١٠٤.\n(٤) البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، قبل الحديث رقم ١٣٠.\n(٥) متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، برقم ١٣٠، وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم، برقم ٣٣٢.\n(٦) البخاري مع الفتح، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، قبل الحديث رقم ١٣٠.","vol":"1","page":23},{"text":"به عرضًا من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة» (١) يعني ريحها.\nفيظهر مما تقدم أن العلم لا بدَّ فيه من العمل والإخلاص والمتابعة.\n_________\n(١) أبو داود بلفظه في العلم، باب في طلب العلم لغير الله، برقم ٢٨٨٥، وابن ماجه في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم، برقم ٥٤، وانظر: صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٨.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل الثاني: الحكمة</span>\nالمبحث الأول: مفهوم الحكمة.\nالمبحث الثاني: أهمية الحكمة.\nالمبحث الثالث: أنواع الحكمة.\nالمبحث الرابع: درجات الحكمة.\nالمبحث الخامس: طرق تحصيل الحكمة.\nالمبحث السادس: إنزال الناس منازلهم ومراتبهم.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الأول: مفهوم الحكمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المطلب الأول: تعريف الحكمة في اللغة</span>\nجاءت كلمة الحكمة في اللغة بعدة معان، منها:\n\n١ - تستعمل بمعنى: العدل، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل.\nوأحكم الأمر: أتقنه فاستحكم ومنعه عن الفساد (١).\n\n٢ - والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويُقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويُتقنها: حكيم (٢).\n٣ - والحكيم: المتقن للأمور، يقال للرجل إذا كان حكيمًا: قد أحكمته التجارب (٣).\n٤ - والحَكَمُ والحكيم هما بمعنى: الحاكم، والقاضي، والحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يُحكِمُ الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى: مفعل (٤).\n٥ - والحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>٦ - والحكيم: المانع من الفساد</span>، ومنه سُمِّيت حَكَمة اللجام؛ لأنها\n_________\n(١) القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، المتوفى سنة ٨١٧هـ، باب الميم، فصل الحاء، ص١٤١٥، وانظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء،\n١٢/ ١٤٣، ومختار الصحاح، مادة: حكم، ص٦٢.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الكاف، مادة حكم، ١/ ١١٩، وانظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء، ١٢/ ١٤٠، والمعجم الوسيط، مادة: حكم، ١/ ١٩٠.\n(٣) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الميم، فصل الحاء، ١٢/ ١٤٣، ومختار الصحاح، مادة: حكم، ص ٦٢.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الحاء مع الكاف، مادة: حكم، ١/ ٤١٩.\n(٥) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، كتاب الحاء، مادة: حكم، ص١٢٧.","vol":"1","page":27},{"text":"تمنع الفرَس من الجري والذهاب في غير قصد، والسورة المحكمة، الممنوعة من التغيير وكل التبديل، وأن يلحق بها ما يخرج عنها، ويزدد عليها ما ليس منها.\nوالحكمة من هذا؛ لأنها تمنع صاحبها من الجهل، ويقال: أحكم الشيء، إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد، فهو محكم وحكيم على التكثير (١).\n\n٧ - والحَكَمَةُ: ما أحاط بحنكي الفرَس، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تمنعه من الجري الشديد، وتذلل الدابة لراكبها، حتى تمنعها من الجماح، ومن كثير من الجهل، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٨ - والحُكْمُ: هو المنع من الظلم</span>، وسمّيت حكمة الدابة، لأنها تمنعها، يقال: حكمت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يديه، والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل، وتقول: حكمت فلانًا تحكيمًا: منعته عما يريد (٣).\nومما تقدّم يتّضح ويتبيّن أن الحكمة يظهر فيها معنى المنع، فقد استعملت في عدة معانٍ تتضمن معنى المنع:\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-27>العدل: </span>يمنع صاحبه من الوقوع في الظلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>والحِلْمُ: </span>يمنع صاحبه من الوقوع في الغضب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>والعلم: </span>يمنع صاحبه من الوقوع في الجهل.\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١/ ٢٨٨ بتصرف يسير.\n(٢) انظر: المصباح المنير، لأحمد بن محمد الفيومي، المتوفى سنة ٧٧٠هـ، مادة: الحكم،\n١/ ١٤٥، وتاج العروس، ٨/ ٢٥٣.\n(٣) مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس، ٢/ ٩١، باب الحاء والكاف، مادة: حكم.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>والنُّبُوّة</span>، والقرآن، والإنجيل: فالنبي - ﷺ - إنما بُعِثَ لمنع من بعث إليهم من عبادة غير الله، ومن الوقوع في المعاصي والآثام، والقرآن والإنجيل وجميع الكتب السماوية أنزلها الله تتضمن ما يمنع الناس من الوقوع في الشرك وكل منكر وقبيح.\nومن فسّر الحكمة بالمعرفة فهو مبني على أن المعرفة الصحيحة فيها معنى المنع، والتحديد، والفصل بين الأشياء، وكذلك الإتقان، فيه منع للشيء المتقن من تطرق الخلل والفساد إليه، وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه؛ ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه لا جميع معناه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>المطلب الثاني: تعريف الحكمة في الاصطلاح الشرعي</span>\nذكر العلماء مفهوم الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية، واختلفوا على أقوال كثيرة، فقيل: الحكمة: النبوة، وقيل: القرآن والفقه به: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخّره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. وقيل: الإصابة في القول والفعل، وقيل: معرفة الحق والعمل به، وقيل: العلم النافع، والعمل الصالح، وقيل: الخشية لله، وقيل: السنة، وقيل: الورع في دين الله، وقيل: العلم والعمل به، ولا يُسمَّى الرجل حكيمًا إلا إذا جمع بينهما، وقيل: وضع كل شيء في موضعه\n_________\n(١) مجموعة الرسائل الكبرى، لابن تيمية، ٢/ ٧.","vol":"1","page":29},{"text":"[بإحكامٍ، وإتقانٍ]، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة (١).\nفجميع الأقوال تدخل في هذا التعريف؛ لأن الحكمة مأخوذة من الحكم وفصل القضاء الذي هو بمعنى الفصل بين الحق والباطل، يقال: إن فلانًا لحكيم بيِّن الحكمة، يعني: أنه لبيّن الإصابة في القول والفعل، فجميع التعاريف داخلة في هذا القول؛ لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها، وعلم، ومعرفة، والمصيب عن فهم منه بمواضع الصواب يكون في جميع أموره: فهِمًا، خاشيًا لله، فقيهًا، عالمًا، عاملًا بعلمه، ورعًا في دينه ... والحكمة أعمّ من النبوة، والنبوة بعض معانيها وأعلى أقسامها؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مُسدَّدون، مُفهَّمون، ومُوفَّقون لإصابة الصواب في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، وفي جميع الأمور (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>والحكمة في كتاب الله نوعان </span>(٣): مفردة، ومقرونة بالكتاب.\nف<span data-type=\"title\" id=toc-33>المفردة </span>كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٥). وقوله سبحانه:\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لله وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ\n_________\n(١) انظر: التعريف بالتفصيل في الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى للمؤلف، ص٢٦ - ٣١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري، ١/ ٤٣٦، ٣/ ٦١.\n(٣) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٤٧٨، والتفسير القيم لابن القيم، ص٢٢٧.\n(٤) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.","vol":"1","page":30},{"text":"وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١).\nوهذه الحكمة فُسِّرت بما تقدم من أقوال العلماء في تعريف الحكمة وهذا النوع كثير في كتاب الله تعالى.\nوقد ذكر بعضهم تسعة وعشرين قولًا في تعريف الحكمة (٢).\n«وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه - ﷺ - حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل فهو حكمة، وأصل الحكمة ما يمتنع به من السَّفَه، فقيل للعلم حكمة؛ لأنه يمتنع به من السفه، وبه يعلم الامتناع من السفه الذي هو كلُّ فعلٍ قبيح ...» (٣).\nوعند التأمل والنظر نجد أن التعريف الشامل الذي يجمع ويضمّ جميع هذا الأقوال في تعريف الحكمة هو: «الإصابة في الأقوال والأفعال، والإرادات، والاعتقاد، ووضع كل شيء في موضعه».\n\nأما الحكمة<span data-type=\"title\" id=toc-34> المقرونة </span>بالكتاب، فهي السنة من: أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله، وتقريراته، وسيرته، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤).\n_________\n(١) سورة لقمان، الآية: ١٢.\n(٢) انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان، ٢/ ٣٢٠.\n(٣) انظر: شرح النووي على مسلم، ٢/ ٣٣.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٢٩.","vol":"1","page":31},{"text":"وقوله: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ الله وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).\nقال الله - ﷿ - ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (٣)، وغير ذلك من الآيات.\nوممن فسر الحكمة المقرونة بالكتاب بالسنة: الإمام الشافعي، والإمام ابن القيم، وغيرهما من الأئمة (٤).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣١.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.\n(٣) سورة الجمعة، الآية: ٢.\n(٤) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٤٧٨، والتفسير القيم، ص٢٢٧.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث الثاني: أهمية الحكمة</span>\n١ - قد بيّن القرآن الكريم طرق الدعوة إلى الله تعالى، ويأتي في مقدمة هذه الطرق: الحكمة في الدعوة إلى الله - ﷿ -، وقد أمر الله تعالى نبيه محمدًا - ﷺ - بالدعوة إلى الله تعالى بالحكمة، فقال: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٢ - من تتبّع سيرة النبي - ﷺ - وجد أنه كان يلازم الحكمة في جميع أموره</span>، وخاصة في دعوته إلى الله - ﷿ -، فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا بفضل الله تعالى، ثم بفضل هذا النبي الحكيم - ﷺ - الذي ملأ الله قلبه بالإيمان والحكمة، فعن أنس - ﵁ - قال: كان أبو ذر يُحدّث أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل فَفرجَ صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست (٢) من ذهب ممتلئٍ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي ..» الحديث (٣).\nوهذا يُثبِتُ أن الحكمة من أعظم الأمور الأساسية في منهج الدعوة إلى الله تعالى، حيث امتلأ بها صدر رسول الله - ﷺ - وهو صاحب الدعوة، مع الإيمان، وهو قضية الدعوة في لحظة واحدة، كما يؤكّد قيمة وأهمية\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(٢) إناء كبير مستدير. انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١/ ٤٦٠، والمعجم الوسيط، مادة: (الطّسْت)، ٢/ ٥٥٧.\n(٣) البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء، برقم ٣١٦٤، ومسلم، واللفظ له، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، برقم ١٦٣.","vol":"1","page":33},{"text":"الحكمة من خلال مجيئها يحملها جبريل وهو روح القدس، في طست من ذهب، وهو أغلى المعادن، في مكة المكرمة، وهي البقعة المباركة؛ ليمتلئ بها صدر محمد رسول الله - ﷺ - وهو خير الخلق، بعد غسله بماء زمزم وهو أطهر الماء وأفضله.\nكل هذا يؤكد أن الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى أمرها عظيم، وشأنها كبير، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١).\nثم سار أصحاب رسول الله - ﷺ - على طريقه وهديه في الدعوة إلى الله بالحكمة، فانتشر الإسلام في عهدهم - ﵃ - انتشارًا عظيمًا، ودخل في الإسلام خلق لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، وجاء التابعون، وكمّلوا السير على هذا الطريق في الدعوة إلى الله بالحكمة، وهكذا سارت القرون الثلاثة المفضلة ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان، فأظهر الله الإسلام وأهله، وأذَلَّ الشرك وأهله وأعوانه.\n\n٣ - ومن الناس من يظن أو يعتقد أن الحكمة تقتصر على الكلام اللين، والرفق، والعفو، والحلم .. فحسب، وهذا نقص وقصور ظاهر لمفهوم الحكمة؛ فإن الحكمة قد تكون:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-39> باستخدام الرفق واللين، والحلم والعفو</span>، مع بيان الحق علمًا وعملًا واعتقادًا بالأدلة، وهذه المرتبة تستخدم لجميع الأذكياء من البشر الذين يقبلون الحق ولا يعاندون.\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.","vol":"1","page":34},{"text":"-\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>وتارة تكون الحكمة باستخدام الموعظة الحسنة </span>المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل، وهذه المرتبة تستخدم مع القابل للحق المعترف به، ولكن عنده غفلة وشهوات، وأهواء تصدّه عن اتّباع الحق.\n-<span data-type=\"title\" id=toc-41> وتارة تكون الحكمة باستخدام الجدال بالتي هي أحسن</span>، بِحُسنِ خُلُقٍ، ولُطفٍ، ولين كلام، ودعوة إلى الحق، وتحسينه بالأدلة العقلية والنقلية، وردّ الباطل بأقرب طريق، وأنسب عبارة، وأن لا يكون القصد من ذلك مجرّد المجادلة والمغالبة وحبّ العلوّ، بل لابدّ أن يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق، وهذه المرتبة تستخدم لكل معاند جاحد.\n-<span data-type=\"title\" id=toc-42> وتارة تكون الحكمة باستخدام القوة: </span>بالكلام القوي، وبالضرب والتأديب وإقامة الحدود لمن كان له قوة وسلطة مشروعة، وبالجهاد في سبيل الله تعالى بالسيف والسنان تحت لواء ولي أمر المسلمين، مع مراعاة الضوابط والشروط التي دلَّ عليها الكتاب والسنة، وهذه المرتبة تستخدم لكل معاند جاحد ظلم وطغى، ولم يرجع للحق بل ردّه ووقف في طريقه (١).\nوما أحسن ما قاله الشاعر:\n\nدعا المصطفى دهرًا بمكةَ لم يُجب ... وقد لان منه جانبٌ وخطابُ\nفلما دعا والسيفُ صلتٌ بِكفِّهِ ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا (٢)\n_________\n(١) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ١٩٤، وتفسير ابن كثير، ٣/ ٤١٦، و٤/ ٣١٥، وفتاوى ابن تيمية، ٢/ ٤٥، و١٩/ ١٦٤.\n(٢) ذكر سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز ابن باز في مجموع فتاواه، ٣/ ١٨٤، و٢٠٤: «أن هذا الشعر يروى لحسان بن ثابت - ﵁ -».","vol":"1","page":35},{"text":"وصدق هذا القائل فقد قال: قولًا صادقًا مطابقًا للحق (١)؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إن من الشِّعرِ حكمة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٤ - الحكمة تجعل الداعي إلى الله يُقدِّر الأمور قدرها</span>، فلا يُزَهِّد في الدنيا، والناس بحاجة إلى النشاط والجدّ والعمل، ولا يدعو إلى التبتل والانقطاع، والمسلمون في حاجة إلى الدفاع عن عقيدتهم وبلادهم، ولا يبدأ بتعليم الناس البيع والشراء، وهم في مسيس الحاجة إلى تعلم الوضوء والصلاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٥ - الحكمة تجعل الداعية إلى الله يتأمل ويراعي أحوال المدعوين </span>وظروفهم وأخلاقهم وطبائعهم، والوسائل التي يُؤتَون من قبلها، والقدر الذي يبيّن لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشقّ بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع والتشويق في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، ويدعو إلى الله بالعلم لا بالجهل، ويبدأ بالمهم فالذي يليه، ويُعلِّم العامة ما يحتاجونه بألفاظ وعبارات قريبة من أفهامهم ومستوياتهم، ويخاطبهم على قدر عقولهم، فالحكمة تجعل الداعية ينظر ببصيرة المؤمن، فيرى حاجة الناس فيعالجها بحسب ما يقتضيه الحال، وبذلك ينفذ إلى قلوب الناس من\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٥٤٠، ٦/ ٥٣١، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٣٣، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، ١٣/ ٣٥٤.\n(٢) البخاري، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشِّعر والرَّجَزِ والحداءِ وما يكره منه، برقم ٥٧٩٣.","vol":"1","page":36},{"text":"أوسع الأبواب، وتنشرح له صدورهم، ويرون فيه المنقذ الحريص على سعادتهم ورفاهيتهم وأمنهم واطمئنانهم، وهذا كله من الدعوة إلى الله بالحكمة التي هي الطريق الوحيد للنجاح.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثالث: أنواع الحكمة</span>\nالحكمة نوعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>النوع الأول: حكمة علمية نظرية</span>، وهي الاطِّلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها، خلقًا وأمرًا، وقدرًا وشرعًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>النوع الثاني: حكمة عملية</span>، وهي وضع الشيء في موضعه (١).\nفالحكمة النظرية مرجعها إلى العلم والإدراك، والحكمة العملية مرجعها إلى فعل العدل والصواب، ولا يمكن خروج الحكمة عن هذين المعنيين؛ لأن كمال الإنسان في أمرين: أن يعرف الحق لذاته، وأن يعمل به، وهذا هو العلم النافع والعمل الصالح.\nوقد أعطى الله - ﷿ - أنبياءه ورسله ومن شاء من عباده الصالحين هذين النوعين، قال تعالى عن إبراهيم - ﷺ -: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾، وهو الحكمة النظرية، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٢)، وهو الحكمة العملية.\nوقال تعالى لموسى - ﷺ -: ﴿إِنَّنِي أَنَا الله لا إِلَهَ إِلا أَنَا﴾، وهو الحكمة النظرية، ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ (٣)، وهو الحكمة العملية.\nوقال عن عيسى - ﷺ -: ﴿إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، وهو الحكمة النظرية، ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٤)، وهو\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٤٧٨.\n(٢) سورة الشعراء، الآية: ٨٣.\n(٣) سورة طه، الآية: ١٤.\n(٤) سورة مريم، الآيتان: ٣٠ - ٣١.","vol":"1","page":38},{"text":"الحكمة العملية.\nوقال في شأن محمد - ﷺ -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله﴾، وهو الحكمة النظرية، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (١)، وهو الحكمة العملية.\nوقال في جميع الأنبياء: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ﴾، وهو الحكمة النظرية، ثم قال: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ (٢)، وهو الحكمة العملية (٣).\n_________\n(١) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(٢) سورة النحل، الآية: ٢.\n(٣) انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي، ٧/ ٦٨.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المبحث الرابع: درجات الحكمة</span>\nالحكمة العملية لها ثلاث درجات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>الدرجة الأولى: «أن تعطي كل شيء حقه</span>، ولا تعدِّيه حدّه، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخّره عنه».\nلما كانت الأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها، ولها حدود ونهايات تصل إليها ولا تتعدّاها، ولها أوقات لا تتقدّم عنها ولا تتأخّر، كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثلاث بأن تعطي كل مرتبة حقها الذي أحقه الله لها بشرعه وقدره، ولا تتعدّى بها حدّها فتكون متعديًا مخالفًا للحكمة، ولا تطلب تعجيلها عن وقتها فتخالف الحكمة، ولا تؤخرها عنه فتفوتها، وهذا حكم عام لجميع الأسباب مع مسبباتها شرعًا وقدرًا، فإضاعتها تعطيل للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسقي الأرض، وتعدّي الحق كسقيها فوق حاجتها، بحيث يغرق البذر والزرع ويفسد، وتعجيلها قبل وقتها كحصاده قبل إدراكه وكماله، وهذا يكون فعل ما ينبغي على الوجه الأكمل في الوقت المناسب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>الدرجة الثانية: معرفة عدل الله في وعيده</span>، وإحسانه في وعده، وعدله في أحكامه الشرعية والكونية الجارية على الخلائق، فإنه لا ظلم فيها ولا فجور، قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢)، وكذلك معرفة بِرِّه في منعه، فإنه سبحانه هو الجواد\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، ٢/ ٤٧٩.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٤٠، وانظر: مدارج السالكين، ٢/ ٤٨١.","vol":"1","page":40},{"text":"الذي لا ينقص خزائنه الإنفاق، ولا يغيض ما في يمينه سعة عطائه، فهو سبحانه لا يضع بره وفضله إلا في موضعه ووقته بقدر ما تقتضيه حكمته، فما أعطى إلا بحكمته ولا منع إلا بحكمته، ولا أضل إلا بحكمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>الدرجة الثالثة: البصيرة، وهي قوة الإدراك والفطنة والخبرة </span>(١).\nوالبصيرة أعلى درجات العلم التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئيّ إلى البصر، وهذه الخصيصة التي اختصّ بها الصحابة عن سائر الأمة ثم المخلصين من أتباع النبي - ﷺ -، وهي أعلى درجات العلماء (٢)، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، فقد أمر الله رسوله - ﷺ -، أن يخبر الناس أن هذه طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، وعلم، وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله - ﷺ -، على بصيرة ويقين، وبرهان عقلي وشرعي (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>والبصيرة في الدعوة إلى الله في ثلاثة أمور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الأمر الأول: أن يكون الداعية على بصيرة فيما يدعو إليه </span>بأن يكون عالمًا بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه؛ لأنه قد يدعو إلى شيء يظنه واجبًا\n_________\n(١) المعجم الوسيط، مادة: بصر، ١/ ٥٩.\n(٢) انظر: مدارج السالكين، ٢/ ٤٨٢.\n(٣) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ٤٩٦، وتفسير السعدي، ٤/ ٦٣.","vol":"1","page":41},{"text":"وهو في شرع الله غير واجب، فيلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، وقد يدعو إلى ترك شيء يظنه محرمًا وهو في دين الله غير محرم، فيحرم على عباد الله ما أحلّه الله لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الأمر الثاني: أن يكون على بصيرة بحال المدعو</span>، فلابد من معرفة حال المدعو: الدينية، والاجتماعية، الاعتقادية، والنفسية، والعلمية، والاقتصادية حتى يُقدِّم له ما يناسبه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>الأمر الثالث: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة </span>(١)، وقد رسم الله - ﷿ - طرق الدعوة ومسالكها في آيات كثيرة منها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ ...﴾ (٢)، وهذه الآية قاعدة قوية متينة في الدعوة إلى الله تعالى، ثم تكون هذه القاعدة متفرعة إلى ثلاثة أبواب:\nوهي الدعوة إلى الله: بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن (٣)، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤).\nقلت: والباب الرابع: الدعوة إلى الله باستخدام القوة عند الحاجة إليها كما قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا\n_________\n(١) انظر: زاد الداعية إلى الله للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص٧.\n(٢) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٣) هذا التقسيم الجيد للقاعدة والثلاثة أبواب، للشيخ عبد القادر شيبة الحمد في محاضرة بعنوان: طرق الدعوة إلى الله، ألقيت بجامع الراجحي بالربوة، بالرياض، عام ١٤٠٨هـ.\n(٤) سورة النحل، الآية: ١٢٥.","vol":"1","page":42},{"text":"الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (١).\nولاشك أن أحسن الطرق في دعوة الناس طريقة القرآن، ومخاطبته لهم ودعوته، ومجادلتهم (٢).\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١٩/ ١٥٨ - ١٧٣.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الخامس: طرق تحصيل الحكمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>تمهيد:</span>\nالحكمة هبة وفضل من الله - ﷿ - يهبها لمن يشاء من عباده وأوليائه، والحكمة ليست كسبية تحصل بمجرد كسب العبد دون تعليم الأنبياء له طرق تحصيلها، فالعبد لا يكون حكيمًا إلا إذا سلك طرق تحصيل الحكمة، ولا يمكن أن يحصل على الحكمة إلا إذا كانت طرقها مستقاة من الكتاب والسنة، وإذا وُفِّقَ الداعية المسلم لطرق الحكمة فلا يخرجها ذلك عن كونها هبة من الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١)، بل الله الذي وفّقه وسدّده، وأعطاه خيرًا كثيرًا، جليلًا قدره، عظيمًا نفعه، ولهذا استنبط بعض المحققين من قوله: ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أن إيتاء الحكمة خير من الدنيا وما فيها كلها؛ لأن الله وصف الدنيا في قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ﴾ (٢)، فدلّ فذلك على أن ما يؤتيه الله من حكمته خير من الدنيا وما عليها؛ لأن من أوتيها خرج من ظلمة الجهل إلى نور الهدى، وحمق الانحراف في الأقوال والأفعال إلى إصابة الصواب فيها، وحصول السداد والاعتدال، والبصيرة المستنيرة، وإتقان الأمور وإحكامها، وتنزيلها منازلها، وهذا كله من أفضل العطايا وأجلّ الهبات (٣).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٧٧.\n(٣) انظر: صفوة الآثار والمفاهيم للعلامة عبد الرحمن الدوسري، ٤/ ١٣١، وتيسير الكريم الرحمن،\n١/ ٣٣٢، وفي ظلال القرآن، ١/ ٣١٢، ولقمان الحكيم وحكمه، ص٣٠.","vol":"1","page":44},{"text":"والحكمة لها طرق تكتسب بها بتوفيق الله تعالى، ومن أهم هذه الطرق التي إذا سلكها المسلم صار حكيمًا بإذن الله تعالى ما يأتي:\n\nالعلم النافع، والحلم، والأناة، وهذه الثلاثة: هي أركان الحكمة التي تقوم عليها (١)، والرفق واللين، والإخلاص والتقوى، والصبر والمصابرة، و<span data-type=\"title\" id=toc-59>السلوك </span>الحكيم، والعمل بالعلم، والاستقامة والخبرات والتجارب، وجهاد النفس والشيطان، وعلوّ الهمّة، والعدل، والدعاء، والاستخارة والاستشارة، وفقه وإتقان أركان الدعوة إلى الله تعالى.\nوسأذكر في هذا المبحث بالتفصيل بعض هذه الطرق التي إذا سلكها الداعية المسلم - مع ما تقدَّم من الطرق - كان حكيمًا في أقواله وأفعاله، وتصرفاته، وأفكاره، موافقًا للصواب في جميع أموره بإذن الله تعالى، وذلك في المطالب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المطلب الأول: السلوك الحكيم</span>\nالسلوك: مصدر سلك يقال: سلك طريقًا، وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا (٢)، وسلكه غيره.\nوالسلوك: سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه، يقال: فلان حسن السلوك\nأو سيّئ السلوك (٣).\n_________\n(١) انظر: الحكمة في الدعوة إلى الله، للمؤلف، ص٤٣ - ٧٨.\n(٢) لسان العرب لابن منظور، حرف الكاف فصل السين، ١٠/ ٤٤٢.\n(٣) المعجم الوسيط، مادة (سلك)، ١/ ٤٤٥.","vol":"1","page":45},{"text":"أما<span data-type=\"title\" id=toc-60> الخُلق </span>فهو: حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجة إلى فكر وروِيَّة، وجمعه: أخلاق.\nوالأخلاق عِلْمٌ موضوعه أحكام قَيِّمة تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح (١)، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>القسم الأول: </span>ما يكون طبيعيًا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب، ويهيج لأدنى سبب، وكالذي يجبن من أيسر شيء، كمن يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>القسم الثاني: </span>ما يكون مستفادًا بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه بالرويّة والفكر، ثم يستمر عليه حتى يصير مَلَكَة وخُلقًا (٢).\nوالسلوك عمل إرادي، كقول: الصدق، والكذب، والبخل، والكرم، ونحو ذلك.\n\nفاتضح أن الخلق حالة راسخة في النفس وليس شيئًا خارجًا مظهريًّا، فالأخلاق شيء يتصل بباطن الإنسان، ولابد لنا من مظهر يدلّنا على هذه الصفة النفسية، وهذا المظهر هو السلوك، فالسلوك هو المظهر الخارجي للخلق، فنحن نستدل من السلوك المستمر لشخص ما على خلقه، فالسلوك دليل الخلق، ورمز له، وعنوانه، فإذا كان السلوك حسنًا\nدل على خلق حسن، وإن كان سيئًا دل على خلق قبيح، كما أن الشجرة\n_________\n(١) المعجم الوسيط، مادة (خلق)، ١/ ٢٥٢.\n(٢) انظر: مقدمة في علم الأخلاق، د/محمود حمدي زقزوق، ص٣٩.","vol":"1","page":46},{"text":"تعرف بالثمر، فكذلك الخُلق الطيّب يعرف بالأعمال الطيبة (١).\nوالحكمة تتفرّع إلى فروع، وأحد هذه الفروع هو السلوك الحكيم، والتزام فضائل الأخلاق، واجتناب رذائلها ظاهرًا وباطنًا هو السلوك الأخلاقي الحكيم (٢).\nوالداعية إذا التزم السلوك الأخلاقي الحكيم كان ذلك من أعظم طرق اكتساب الحكمة، ومن أسباب توفيق الله له في دعوته، وفي أموره كلها، واستقامته، وحسن سيرته، وأدعى لقبول دعوته، وإصلاح الأخلاق، ومحاربة المنكرات، إذ لا يجد في الناس من يغمزه في سلوكه الشخصي، سواء كان ذلك من قبل قيامه بالدعوة أو بعده، وكثيرًا ما سمعنا أن أناسًا قاموا بدعوة الإصلاح، وخاصة إصلاح الأخلاق، وكان من أكبر العوامل في إعراض الناس عنهم، وعن دعوتهم ما يذكرونه لهم من ماضٍ ملوّث، وخلق غير مستقيم، بل إن هذا الماضي السيئ مدعاة للشك في صدق مثل هؤلاء الدعاة، بحيث يُتَّهمون بالتستر وراء دعوة الإصلاح؛ لأغراض خاصة، أو يتهمون بأنهم ما بدءوا بالدعوة إلى الإصلاح إلا بعد أن قضوا بعض أوقات أو مراحل أعمارهم، وأخذوا نصيبهم من ملذّات الحياة وشهواتها، وأصبحوا في وضع أو عمر لا أمل لهم فيه بالاستمرار فيما كانوا يبلغون فيه من عَرَضٍ\nأو مالٍ، أو شهرة، أو جاهٍ.\n_________\n(١) انظر: مقدمة في علم الأخلاق، ص٤٣.\n(٢) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني، ١/ ١٣.","vol":"1","page":47},{"text":"أما الداعية المستقيم في شبابه وحياته كلها، فإنه يظل أبدًا بفضل الله رافع الرأس، ناصع الجبين، ولا يجد أعداء الدعوة سبيلًا إلى غمزه بماضٍ قريب أو بعيد، ولا يتخذون من الماضي المنحرف وسيلة إلى التشهير به، أو دعوة الناس إلى الاستخفاف به وبشأنه.\nولاشك أن الله - ﷿ - يقبل توبة التائب المقبل عليه بصدق وإخلاص، ويمحو بحسناته الحاضرة سيئاته المنصرمة. والداعية إذا استقامت سيرته، وحسنت سمعته الطيبة الحميدة، وسلوكه الحكيم (١) نجح في دعوته بإذن الله تعالى.\n\nوإذا سلك الداعية<span data-type=\"title\" id=toc-63> المسالك الحكيمة </span>في سلوكه فقد سلك أعظم الطرق في اكتساب الحكمة، ومن هذه المسالك على سبيل المثال ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>المسلك الأول: قدوة الداعية في سلوكه</span>\nينبغي للداعية أن يتخذ في سلوكه وأعماله كلها قدوة حكيمًا، وإمامًا نبيلًا، وهو محمد بن عبد الله - ﷺ - فقد كان حسن السيرة والسلوك، بل كان أعظم خلق الله في حسن خُلقه الذي دلّ عليه سلوكه الحكيم، ولا غرابة فقد مدحه ربه وأثنى عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢)، وعرف قومه ذلك منه، ولكن صدّ بعضهم عن تصديقه الكبر والجحود ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ (٣)، ولهذا عندما قال - ﷺ -\n_________\n(١) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي، ص٣٩.\n(٢) سورة القلم، الآية: ٤.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ٣٣.","vol":"1","page":48},{"text":"لقومه: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مُصدقيَّ؟»، قالوا: ما جرّبنا عليك كذبًا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» (١).\nوفي حديث أبي سفيان مع هرقل حينما سأله عن أحوال النبي - ﷺ - وسلوكه، قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: قلت: لا ... ثم قال: ماذا يأمركم به؟ قال أبو سفيان: قلت: يقول: «اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة ...»، ثم قال هرقل لأبي سفيان في نهاية الحديث: «فإن كان ما تقول حقًا، فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه» (٢).\nوفي حديث جعفر بن أبي طالب للنجاشي: أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه: من الحجارة\nوالأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وحسن الجوار، والكفّ\n_________\n(١) البخاري، كتاب التفسير، سورة تبت، باب حدثنا يوسف، برقم٤٦٨٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، برقم ٥٢٩.\n(٢) البخاري، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان، برقم ٧.","vol":"1","page":49},{"text":"عن المحارم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا: بالصلاة، والزكاة، والصيام ... وعدد عليه أمور الإسلام، فصدّقناه، ثم قال النجاشي لجعفر ووفده: مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أُقبّل نعله (١).\nفهذا الرسول الكريم هو قدوة الداعية، وإمامه الذي يسير على هديه، ويلتزم أخلاقه، وسلوكه، فقد كان - ﷺ - حسن السيرة والسلوك الحكيم في حياته كلها، ولم يُتّهم بشيء مما كان يعمله قومه، فقد نشأ - ﷺ - في مجتمع كثرت فيه المفاسد، وعمّت فيه الرذائل: فالبغاء، والاستبضاع، والزنى الجماعي، والإفرادي، ونكاح أسبق الرجال ممن مات زوجها، والاعتداء على الأعراض والأموال والدماء، كل ذلك كان شائعًا في قومه قبل الإسلام، لا ينكره أحد، ولا تحاربه جماعة، هذا بالإضافة إلى وَأْدِ البنات، وقتل الأولاد خشية الفقر أو العار، ولعب الميسر، وشرب الخمر، أمور تُعدُّ في الجاهلية من المفاخر والتباهي، وليس من شرط أن يكون المجتمع كله يرتكب هذه الجرائم، وإنما عدم إنكارها هو دليل على الرضى بها، وهذا ما يدعو إلى انتشارها إلى جانب الأفكار الأخرى.\nوالنبي - ﷺ - لم يعمل أي عمل أو يباشر أي خُلق من هذه الأخلاق الرذيلة، بل قد اتصف بجميع مكارم الأخلاق بين قومه، فكان صادقًا\nلا يعرف الكذب، أمينًا لا يعرف الخيانة، وفيًّا لا يعرف الغدر، حتى كان\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء، ١/ ٥٠٥ - ٦٠٥، والرحيق المختوم، ص٩٢.","vol":"1","page":50},{"text":"معروفًا في مجتمعه بهذه الصفات، مُميزًَّا بها عن غيره، ولا يجهل ذلك أحد ممن عرفه، ولا يساويه في ذلك أحد من خلق الله، ولا ينكر ذلك أحد، سواء كان عدوًّا أو غيره، ولا يمكن أن يتهمه خصم، فقد بُعِثَ - ﷺ - وناصَبَهُ قومه العداء، ولكن لم يستطع واحد منهم أن يتهمه بصفة غير لائقة، أو خُلق يعيبه به، ولو عرفوا شيئًا من ذلك - وقد عاش بينهم أربعين عامًا - لأراحهم من التنقيب عن خصلة غير حميدة يتهمونه بها عندما يحل الموسم، ويلتقي بالناس في الحج حتى يبعدوه عنهم فعجزوا عن ذلك، ووجدوا أن كلمة «ساحر» هي أنسب الصفات التي يطلقونها عليه حيث يفرق بدعوته إلى الله بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والرجل وزوجته، واتهموه بالجنون؛ لأنه خالف شركهم ودعا إلى عبادة الله وحده، ولم يستطيعوا أن يأتوا بأي خلق رذيل فينسبوه إليه - ﷺ -، وعندما سألهم - ﷺ - عن صدقه قالوا: «ما جرّبنا عليك كذبًا» (١)، ولهذا لُقِّبَ بين قومه بـ «محمد الأمين» (٢).\nفالصدق والأمانة من أولى الأخلاق وأحكم السلوك التي يجب على الدعاة إلى الله الاتّصاف والتخلّق بها، والصدق يكون في: القول، والنية،\nوالعزم، والعمل.\n_________\n(١) البخاري، كتاب التفسير، باب حدثنا يوسف، برقم ٣٣، ومسلم، كتاب الأيمان، باب: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، برقم ٢٢٠،وتقدم تخريجه.\n(٢) أحمد في المسند من حديث السائب بن عبد الله - ﵁ -، بإسناد حسن، ٣/ ٤٢٥، قال الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي، وله شاهد من حديث علي - ﵁ -، رواه الطيالسي بترتيب الشيخ عبد الرحمن البنا، ٢/ ٨٦.","vol":"1","page":51},{"text":"فالصدق في القول هو أشهر أنواع الصدق، ويكون بالإخبار، فإن نقل الداعية أو غيره من المسلمين خلاف الواقع وما هو عليه فهو كاذب ومفتر، ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (١).\nوقال النبي - ﷺ -: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان﴾ (٢).\nوالصدق في النية: الإخلاص في العمل لوجه الله تعالى.\nوالصدق في العزم على العمل: كأن يقول المسلم: لئن عافاني الله لأتصدّق في سبيله بكذا، فإذا عوفي دخل الصدق بالوفاء فيما نذر به.\nوقد ذمّ الله - ﷿ - عدم الصدق بالوفاء بالعهد: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ الله لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ (٣).\nوالصدق في العمل: يكون بأن لا يختلف ظاهر الداعية المسلم عن\nباطنه (٤)، فما أجمل وما أحسن، وما أحكم، وما أكرم من سار على هديه\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ١٠٥.\n(٢) البخاري، كتاب الإيمان، باب علامات المنافق، برقم ٣٣، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم ٧٤٦.\n(٣) سورة التوبة، الآيات: ٧٥ - ٧٧.\n(٤) انظر: التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر، ١/ ٣٣.","vol":"1","page":52},{"text":"- ﷺ - واتبع سلوكه الحكيم، وكل سلوكه حكيم - ﷺ - وكيف لا يكون كذلك وهو الذي بعثه الله رحمة للعالمين، متمّمًا لمكارم الأخلاق، قال - ﷺ -: «إنما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق» (١).\nوسُئلت عائشة ﵂ عن خُلُقِهِ، فقالت: «فإن خُلُقَ نبي الله - ﷺ - كان القرآن» (٢).\nولنا فيه خير أسوة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣)، فحريٌّ بالداعية أن يلتزم سلوكه، وبذلك يكون حكيمًا في دعوته، موافقًا للصواب بإذن الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المسلك الثاني: أصول السلوك الحكيم:</span>\nلقد جعل الله - ﷿ - للسلوك الحكيم قواعد عظيمة، إذا التزمها الداعية إلى الله - ﷿ - كان ذلك من أسباب توفيق الله له، واكتسابه الحكمة، ومن أجمع الآيات في هذا الشأن، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٤).\nوهذه الآية من أعظم قواعد السلوك الحكيم وأصوله العظيمة، فهي جامعة لجميع المأمورات والمنهيات، لم يبق شيء إلا دخل فيها، وهذه\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بلفظه، ١٠/ ١٩٢، وأحمد، ٢/ ٣٨١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٦١٣، وانظر: صحيح الجامع الصغير، ٣/ ٨، برقم ٢٨٣٠، والأحاديث الصحيحة، ١/ ٧٥، برقم ٤٥.\n(٢) مسلم، في صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، برقم ٧٧٦.\n(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٩٠.","vol":"1","page":53},{"text":"قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات، فكل مسألة مشتملة على عدل، أو إحسان، أو إيتاء ذي قربى، فهي مما أمر الله به.\nوكل مسألة مشتملة على فحشاء، أو منكر، أو بغي، فهي مما نهى الله عنه.\nوبهذا يُعْلَم حسن ما أمر الله به، وقبح ما نهى عنه، وبها يعتبر ما عند الناس من الأقوال، وتُردّ إليها سائر الأحوال (١).\nفهذه الأوامر والنواهي جمعت فضائل الأخلاق والآداب، وأنواع التكاليف التي رسمها الله وحث عليها؛ لما فيها من إصلاح النفوس، وصلاح حال الأمم والشعوب (٢)؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «أجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في سورة النحل»: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بِ<span data-type=\"title\" id=toc-66>الْعَدْلِ </span>وَالإِحْسَانِ ...﴾ الآية (٣).\nوالداعية المسلم من أولى الناس بتطبيق هذا السلوك الحكيم، فيكون عدلًا محسنًا واصلًا لأقربائه، مبتعدًا عن الفحشاء والمنكر، والبغي.\n\nوالعدل: ضد الجور (٤)، وهو إعطاء المرء ما له وأخذ ما عليه (٥)،\nوأنواعه ثلاثة:\n_________\n(١) انظر: تفسير السعدي، ٤/ ٢٣٣، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، ٤/ ٢١٨٩ - ٢١٩١، وتفسير المراغي، ١٤/ ١٣٠.\n(٢) انظر: تفسير المراغي، ١٤/ ١٣٠.\n(٣) أخرجه الإمام الطبري بسنده في تفسيره، ٤/ ١٠٩.\n(٤) انظر: القاموس المحيط، ١٣٣١.\n(٥) انظر: المعجم الوسيط، ٢/ ٥٨٨.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>النوع الأول: العدل بين العبد وربه</span>، وهو: إيثار حق الله على حظّ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والامتثال للأوامر، والاجتناب للزواجر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>النوع الثاني: العدل بين العبد وبين نفسه: </span>منعها عما فيه من هلاكها ودمارها، وإلزامها بتقوى الله في السر والعلن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>النوع الثالث: العدل بين العبد وبين الخلق: </span>ببذل النصيحة، وترك الخيانة فيما قلّ وكثر، والإنصاف من النفس بكل وجه، ولا يكون من الداعية إلى أحد مساءة بقول أو فعل، والصبر على ما يحصل منهم من البلوى، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كل ما عليه (١).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-70>الإحسان: </span>مصدر أحسن يحسن إحسانًا، وهو على معنيين (٢):\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المعنى الأول: متعدٍّ بنفسه</span>، كقولك: أحسنت كذا، أي: حسَّنته وكمَّلته، وهو منقول بالهمزة، من: حسن الشيء، وهذا المعنى يدلّ عليه حديث جبريل: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٣).\nوهذا المعنى راجع إلى إحسان العبادة وتكميلها وتحسينها، والقيام بها كما يحبّ الله - تعالى - على الوجه الأكمل، ومراقبة الله فيها واستحضار عظمته وجلاله: حالة الشروع فيها، وحالة الاستمرار.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-72>المعنى الثاني: متعدٍّ بحرف جر</span>، كقولك: أحسنت إلى فلان، أي:\n_________\n(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي، ٣/ ١١٧٢، وأحكام القرآن للقرطبي، ١٠/ ١٦٦، وفي ظلال القرآن، ٤/ ٢١٩٠.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٠/ ١٦٧، وتفسير السعدي، ٤/ ٢٣٢.\n(٣) مسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، برقم ٩.","vol":"1","page":55},{"text":"أوصلت إليه ما ينتفع به، وهذا إيصال المنافع بأنواعها إلى الخلق، ويدخل في ذلك حتى الإحسان إلى الحيوانات (١).\nومن قواعد السلوك الحكيم التي تشتمل على عدة من أمّهات الحكم العالية (٢) قوله تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا * وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ... الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (٣).\nفبيّن الله - ﷿ - في هذه الوصايا الحكيمة قواعد السلوك الحكيم، وبدأه بقاعدة التوحيد؛ ليقيم على هذه القاعدة البناء الاجتماعي كله، وآداب العمل والسلوك فيه، كما تربط بهذه العروة الوثقى جميع الروابط؛ فإن جميع ما في الحياة لا يقوم بناؤه إلا بالتوحيد، وكل سلوك لا يقوم ولا يستند إلى توحيد الله لا تقوم له قائمة، ولا يطلق عليه سلوكًا حكيمًا، بل سلوكًا جاهليًّا (٤).\nوهذه الوصايا في سورة الإسراء من أعظم ما تكتسب به الحكمة، قال الإمام الشوكاني: «وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفًا» (٥).\nفاشتملت هذه الوصايا على خمس وعشرين حكمة، الأخذ بها خير\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٠/ ١٦٧.\n(٢) انظر: تفسير السعدي،٤/ ٢٧٩،وتفسير النسفي،٤/ ١٣٠،والرياض الناضرة للسعدي، ص٨٧.\n(٣) سورة الإسراء، الآيات: ٢٢ - ٣٩.\n(٤) انظر: في ظلال القرآن، ٤/ ٢٢٠٩، ٢٢٢٠.\n(٥) انظر: فتح القدير للشوكاني، ٣/ ٢٢٩.","vol":"1","page":56},{"text":"من الدنيا وما فيها، والتفريط بها هو سبب خسران الدنيا والآخرة (١).\nويختم الله - ﷿ - الأوامر والنواهي في الوصايا كما بدأها بربطها بالله وعقيدة التوحيد والتحذير من الشرك، وبيان أن هذه المذكورات بعض الحكمة التي يهدي إليها القرآن الذي أوحاه الله إلى رسوله - ﷺ -: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ (٢)، وهو ختام يشبه الابتداء، فتجيء محبوكة الطرفين، موصولة بالقاعدة الكبرى التي يقيم عليه الإسلام الحياة، قاعدة: توحيد الله وعبادته وحده دون ما سواه (٣).\nوبهذا يُعلم أن من عمل بهذه القواعد، والتزم هذا السلوك الحكيم قد سلك أعظم طرق اكتساب الحكمة؛ لأن الحكمة معرفة الحق والصواب والعمل به؛ ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر الوصايا العشر في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المسلك الثالث: وصايا الحكماء باكتساب الحكمة:</span>\nالحكماء الذين آتاهم الله الحكمة يوصون باكتساب أصول الحِكَم التي من التزمها وعمل بها بإخلاصٍ وصدقٍ وفَّقه الله لاكتساب الحكمة، ومن ذلك ما أخبر الله به عن لقمان الحكيم ووصاياه الحكيمة التي آتاه\n_________\n(١) انظر: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، ٢/ ٥٩٩.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٣٩.\n(٣) انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب، ٤/ ٢٢٨.\n(٤) الوصايا العشر في سورة الأنعام، الآيات: ١٥١ - ١٥٣.","vol":"1","page":57},{"text":"الله إياها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لله وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ... الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١).\nهذه وصية حكيم لابنه، فهي نصيحة مبرأة من العيب، وصاحبها قد أوتي الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وهي تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية من وصايا هذا الحكيم لابنه يقرن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرًا، وإلى تركها إن كانت نهيًا، وهذا يدل على أن الحكمة هي: العلم بالأحكام، وحكمها، ومناسبتها، ووضع الأشياء مواضعها.\nومن فضل الله على عباده ومنّته أن قصَّ عليهم هذه الحِكَم حتى يعملوا بها ويكتسبوها بفضله تعالى، وهذا الحكيم أمر ابنه بأصل الدين وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك بالله، وبين له الموجب لتركه، وأمره ببرّ الوالدين، وبين له السبب الموجب لبرّهما، وأمره بشكر الله وشكرهما، ثم احترز بأن محلّ برّهما وامتثال أوامرهما ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقّهما بل يُحسن إليهما، وأن لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك، وأمره بمراقبة الله - ﷿ - وخوفه القدوم عليه، وأنه تعالى لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً من الخير والشر إلا أتى بها، فصوّر له عظمة علم الله، ودقّة\n_________\n(١) سورة لقمان، الآيات: ١٢ - ١٩.","vol":"1","page":58},{"text":"شموله، وإحاطته تصويرًا يرتعش له الوجدان البشري، وأوصاه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد ما أمره بتكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، حتى يحصل الكمال لغيره بعد كمال نفسه، ولما علم هذا الحكيم أنه لابد أن يُبتلى إذا أمر ونهى، وأنّ في الأمر والنهي مشقَّة على النفوس أمره بالصبر على ما يحصل له من المشقة والأذى؛ فإنه لابد وأن يواجه المتاعب التي يواجهها صاحب العقيدة الصحيحة، وبيّن له أن ذلك من الأمور التي يعزم عليها، ويهتمّ بها، ولا يقف لها إلا أهل العزائم؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصبر يسهل الله بذلك كل أمرٍ عسير، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (١).\nومع ذلك كله من الأمر بجميع الحكم السابقة لم يغفل هذا الحكيم عن وصية ابنه بالآداب السامية، فنهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك حتى لا يتطاول على الناس فيفسد بالقدوة ما يصلح الكلام.\nفحقيقٌ بمن أوصى بهذه الوصايا، وهذا السلوك الحكيم أن يكون مخصوصًا بالحكمة، مشهورًا بها، وحقيقٌ بمن التزم هذه الوصايا - بصدقٍ وإخلاصٍ ورغبةً فيما عند الله - أن يُؤتيه الحكمة، ويوفقه للصواب في القول والعمل (٢).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٤٥، وانظر أيضًا: سورة البقرة، الآية: ١٥٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٤٤٤، وفي ظلال القرآن، ٥/ ٢٧٨١، ٢٧٩٠، ٢٧٨٢، وتفسير السعدي، ٦/ ١٥٩، ١٦١.","vol":"1","page":59},{"text":"ومما يبيّن أن الإنسان يكتسب الحكمة بتوفيق الله ثم بالتزامه للسلوك الحكيم - رغبة فيما عند الله وطلبًا لرضاه - ما ذُكِرَ من الأسباب التي اكتسب بها لقمان الحكمة بعد توفيق الله له وتسديده، ومن ذلك:\nأنه وقف رجل على لقمان، فقال له: أنت لقمان، أنت عبد بني النحاس؟ قال: نعم، قال: فأنت راعي الغنم الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يا ابن أخي إن أنت صنعت ما أقول لك كنت كذلك، قال: وما هو؟ قال لقمان: «غَضِّي بصري، وكَفّي لساني، وعفّة طعمتي، وحفظي فرجي، وقيامي بعدتي، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيّرني كما ترى» (١).\nوسأله آخر عن السبب الذي بلغ به الحكمة، فقال: «قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيني» (٢).\nوسأله آخر، فقال: «صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني» (٣).\nوهذه الأخلاق الكريمة، والسلوك الحكيم يزخر بها كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وليست من قول لقمان وحده، فاتضح بذلك أن الداعية إلى الله وغيره من المسلمين إذا سلك هذه المسالك اكتسب الحكمة بعون الله تعالى.\n_________\n(١) البداية والنهاية لابن كثير، ٢/ ٢٢٤، وعزاه بسنده إلى ابن وهب.\n(٢) البداية والنهاية، ٢/ ٢٢٤، وعزاه لابن أبي حاتم بسنده.\n(٣) أخرجه ابن جرير بإسناده في تفسيره، ٢١/ ٤٤، وانظر: البداية والنهاية، ٢/ ١٢٤.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المطلب الثاني: العمل بالعلم المقرون بالصدق والإخلاص</span>\nالعمل بالعلم بإخلاصٍ، وصدقٍ، ورغبة في رضى الله - ﷿ - من أعظم المطالب التي تكتسب بها الحكمة بتوفيق الله وتسديده وفضله وإحسانه.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-75>العلم هو ما قام عليه الدليل</span>، وهو النقل المصدق والبحث المحقق، والنافع منه ما جاء به الرسول - ﷺ -: علم الكتاب والسنة، والمطلوب من الإنسان هو فهم معانيهما، والعمل بما فيهما، فإن لم تكن هذه همة حافظ القرآن وطالب السنة لم يكن من أهل العلم والدين (١).\nولهذا كانت الحكمة عند العرب هي العلم النافع والعمل الصالح (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «قال غير واحد من السلف: الحكمة معرفة الدين والعمل به» (٣).\nوالعلم بلا عمل حجة على صاحبه يوم القيامة، ولهذا حذر الله المؤمنين أن يقولوا ما لا يفعلون، فقال - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٤).\nومثل من يتعلم العلم ويزداد منه ولا يعمل به مثل رجل احتطب حطبًا فحزم حزمة، ثم ذهب يحملها فعجز عنها، فضمّ إليها أخرى (٥).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٣/ ١٣٦، ٦/ ٣٣٨، ٢٣/ ٥٤.\n(٢) المرجع السابق، ١٩/ ١٧٠، وتفسير العلامة السعدي، ٦/ ١٥٤.\n(٣) درء تعارض العقل والنقل، ٩/ ٢٢، ٢٣، وانظر: تفسير السعدي، ١/ ٨٧.\n(٤) سورة الصف، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٥) انظر: الزهد للإمام أحمد، ص٨٥.","vol":"1","page":61},{"text":"والداعية لا يكون حكيمًا في دعوته ما لم يعمل بعلمه، ولهذا ينفر الناس عنه، وتزل موعظته من القلوب كما يزل القطر من الصفا؛ لأن الكلام - في الغالب - إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان (١)، قال الشاعر:\n\nيا أيها الرجل المعلم غيره ... هلاّ لنفسك كان ذا التعليم\nابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nفهناك يُقبل ما تقول ويُقتدى ... بالعلم منك وينفع التعليم\nتصف الدواء لذي السقام من الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم\nأراك تلقح بالرشاد عقولنا ... نصحًا وأنت من الرشاد عديم\nلا تنهَ عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم (٢)\n\nوالعمل بالعلم لابد فيه من الإخلاص، والإخلاص لابد أن يقصد به وجه الله، ومحبته، ورضاه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «حُكيَ أن أبا حامد بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجّرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، قال: فأخلصت أربعين يومًا، فلم يتفجر شيء، فذكرت ذلك لبعض العارفين فقال لي: إنك أخلصت للحكمة، لم تُخْلِص لله» (٣).\nوذلك أن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل\n_________\n(١) انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ٢/ ٨.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ١/ ١٩٦، ودرء تعارض العقل والنقل، ٩/ ٢٢، ٢٣.\n(٣) درء تعارض العقل والنقل، ٦/ ٦٦.","vol":"1","page":62},{"text":"المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب.\nوقد عرف أن ذلك لم يحصل بالإخلاص لله، وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطلب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضًا؛ لأن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته، والأول يراد لكونه وسيلة إليه، فإذا قصد أن يخلص؛ ليصير عالمًا، أو عارفًا، أو ذا حكمة، أو متشرفًا بالنسبة إليه، أو صاحب مكاشفات وتصرفات، ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى، وإنما يريد الله ابتداء من ذاق حلاوة محبته وذكره (١).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: «وقد روي: إذا زهد العبد في الدنيا وكل الله - سبحانه - بقلبه ملكًا يغرس فيه آثار الحكمة كما يغرس أكار (٢) أحدكم الفسيل في بستانه» (٣).\nأما من لم يعمل بالعلم، أو عمل به ولكنه لم يخلص في ذلك فهذا بعيد عن إيتاء الحكمة التي من أوتيها فقد أُوتي خيرًا كثيرًا؛ ولهذا قال الشاعر:\n\nوكيف يصح أن تُدعى حكيمًا ... وأنت لكل ما تهوى ركوب (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>المطلب الثالث: الاستقامة</span>\nالاستقامة: كلمة جامعة تشمل الدين كله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا\n_________\n(١) درء تعارض العقل والنقل، ٦/ ٦٦، ٦٧ بتصرف.\n(٢) الأكار: الزارع. انظر: لسان العرب، حرف الراء، فصل الهمزة، مادة: أكر.\n(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٨/ ٥١٨.\n(٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٩/ ٢٢، ٢٣.","vol":"1","page":63},{"text":"رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى للنبي - ﷺ -: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣).\nوعن سفيان بن عبد الله - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك؟ قال: «قل: آمنت بالله، ثم استقم» (٤).\nوالمطلوب من العبد المسلم وخاصة الدعاة إلى الله: الاستقامة، وهي السداد؛ فإن لم يقدر فالمقاربة، فإن نزل عن المقاربة فلم يبق إلا التفريط والضياع.\nفعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «سدِّدوا وقارِبوا، واعلموا أنه لن ينجوَ أحدٌ منكم بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلاّ أن يتغمدنيَ الله برحمةٍ منه وفضلٍ» (٥).\nفجمع هذا الحديث مقامات الدين كلها، فأمر بالاستقامة، وهي: السداد والإصابة في النيات، والأقوال، والأعمال، وعلم النبي - ﷺ - أنهم\nلا يطيقون الاستقامة، فنقلهم إلى المقاربة، وهي أن يقرب الإنسان من الاستقامة بحسب طاقته، كالذي يرمي إلى الهدف، فإن لم يصبه يقاربه،\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية: ٣٠.\n(٢) سورة الأحقاف، الآيتان: ١٣ - ١٤.\n(٣) سورة هود، الآية: ١١٣.\n(٤) مسلم، في كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام، برقم ٣٨.\n(٥) مسلم، في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل الجنة أحد بعمله بل برحمة الله، برقم ٢٨١٦.","vol":"1","page":64},{"text":"ومع هذا أخبرهم - ﷺ - أن الاستقامة والمقاربة لا تُنجي يوم القيامة، فلا يعتمد أحدٌ على عمله، ولا يُعجب به، ولا يرى أن نجاته به، بل إنما نجاته برحمة الله، وعفوه، وفضله، فالاستقامة كلمة آخذة بمجامع الدين كله، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق، والوفاء بالعهد، وهي تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات.\nوالداعية إلى الله يجب أن يكون من أعظم الناس استقامة، وبهذا - بإذن الله تعالى - لا يُخيِّب الله سعيه، ويجعل الحكمة على لسانه، وفي أفعاله، وتصرفاته، وهو تعالى ذو الفضل والإحسان (١).\nوأعظم الكرامة لزوم الاستقامة، وبذلك يُقبل قول الداعية، ويُقتدَى بأفعاله، فيُعطى بذلك خيرًا كثيرًا، وثوابًا جزيلًا؛ لإخلاصه وصدق نيته، ورغبته فيما عند الله - ﷿ -، ويحصل على أحسن قولٍ وعملٍ على الإطلاق، كما قال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).\nإنّ كلمة الدعوة حينئذٍ هي أحسن كلمة تقال في الأرض، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء، ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الدعوة، ومع الاستسلام الكامل لله وحده، والاعتزاز بالإسلام.\nوبهذا يُعلم أن هذه الآية اشتملت على ثلاثة شروط حتى يكون الداعية لا أحد أحكم ولا أحسن قولًا منه في الدنيا أبدًا:\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ١٠٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٥/ ٣٥٧.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٣.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الشرط الأول: دعوته إلى الله - تعالى - بأن يُعبد الله وحده</span>، فَيُطاع فلا يُعصى، ويُذكرَ فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>الشرط الثاني: عمل الداعية الصالحات بأداء الفرائض</span>، واجتناب المحارم، والقيام بالمستحبات، والابتعاد عن المكروهات، فهو مع دعوته الخلق إلى الله يبادر هو بنفسه إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>الشرط الثالث: اعتزاز الداعية بالإسلام وانقياده لأمره شكرًا لربه</span>؛ ولأنه على الحق الواضح المبين، فإذا قام الداعية بهذه الشروط الثلاثة، فلا أحد أحسن قولًا منه (١).\nولكن قد يحصل للداعية ما يصدُّه عن دعوته من شياطين الإنس، وشياطين الجن، فبيّن الله - ﷿ - أن المخرج من شياطين الإنس بالإحسان إليهم، ومعاملتهم باللِّين، والعفو عنهم، والإعراض عن جهلهم وإساءتهم.\nأما شياطين الجن فلا منجي منهم إلا بالاستعاذة منهم بالله وحده (٢)، قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا\nيَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالله إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير العلامة السعدي، ٦/ ٥٧٥، وتفسير الجزائري، ٤/ ١٢٠.\n(٢) انظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٢/ ٣٤١، ٣٤٢، وتفسير السعدي، ٦/ ٥٢٧، وزاد المعاد،\n٢/ ٤٦٢.\n(٣) سورة الأعراف، الآيتان: ١٩٩ - ٢٠٠، وانظر: سورة المؤمنون، الآيات: ٩٦ - ٩٨، وسورة فصلت، الآيات: ٣٤ - ٣٦.","vol":"1","page":66},{"text":"ولاشك أن الداعية إذا سلك هذه المسالك الحكيمة اكتسب الحكمة بتوفيق الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المطلب الرابع: الخبرات والتجارب</span>\nالتجربة لها الأثر العظيم في اكتساب المهارات والخبرات، وهي من أعظم طرق اكتساب الحكمة، والتجربة لا تخرج الحكمة عن كونها فضل الله يؤتيه من يشاء؛ فإنه المعطي الوهّاب ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾ (١)؛ ولكنه سبحانه جعل لكل شيء سببًا يوصل إليه.\nوالتجربة في العلم: اختبار مُنظِّم لظاهرة أو ظواهر يراد ملاحظتها ملاحظة دقيقة منهجية؛ للكشف عن نتيجةٍ ما، أو تحقيق غرضٍ معين، وما يعمل أولًا لتلافي النقص في شيءٍ وإصلاحه (٢)، ويُقال: جَرَّبَهُ تَجرِبَةً: اختبره، ورجل مجرب، كمعظم: بُلِيَ ما كان عنده، ومجرِّب: عرف الأمور (٣)، تقول، جربت الشيء تجريبًا: اختبرته مرة بعد أخرى، والاسم التجربة، والجمع التجارب (٤).\nوعن معاوية - ﵁ - قال: «لا حكيم إلا ذو تجربة» (٥).\nومن المعلوم أن الحكيم لابد له من تجارب قد أحكمته، ولهذا قيل:\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٥٣.\n(٢) المعجم الوسيط، مادة: جرب، ١/ ١١٤.\n(٣) القاموس المحيط، باب الباء، فصل الجيم، ص٨٥.\n(٤) المصباح المنير، مادة جرب، ص٩٥.\n(٥) البخاري، كتاب الأدب، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، موقوفًا على معاوية مجزومًا به، بعد الرقم ٦١٣٢.","vol":"1","page":67},{"text":"«لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة» (١).\nوالمعنى: لا حليم إلا صاحب زلة قدم، أو لغزة قلم في تقريره أو تحريره.\nوقيل: لا حليم كاملًا إلا من وقع في زلة وحصل منه الخطأ والتخجل فعفي عنه فعرف به رتبة العفو فيحلم عند عثرة غيره؛ لأنه عند ذلك يصير ثابت القدم، ولا حكيم كاملًا إلا من جرب الأمور، وعلم المصالح والمفاسد؛ فإنه لا يفعل فعلًا إلا عن حكمة، إذ الحكمة إحكام الشيء وإصلاحه عن الخلل (٢).\nوالحكيم هو المتيقظ المتنبه، أو المتقن للحكمة الحافظ لها (٣).\nوالحكمة من أثمن نتائج التمييز والتفكير، وهي زبدة العلم والاختبار، فالعلم يخطط الأسس النظرية، ثم يكتمل ويصقل بالخبرة العملية المبنيَّة على المران والتجارب؛ ولهذا كان العلماء الأحداث بسبب قلة تجاربهم أنقص حكمة، وأقل رسوخًا في العلم من كبار العلماء الراسخين في العلم (٤).\nوبهذا يعلم أن الداعية إلى الله إذا خالط الناس، وعرف عاداتهم وتقاليدهم، وأخلاقهم الاجتماعية، ومواطن الضعف والقوة، سيركز على ما ينفع الناس، ويضع الأشياء في مواضعها؛ لأنه قد جرّبهم، فالتجارب تنمّي المواهب والقدرات، وتزيد البصير بصرًا، والحليم\n_________\n(١) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في التجارب، برقم ٢٠٣٣، وأحمد في المسند، ٣/ ٨.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٥٣٠، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ١٨٢.\n(٣) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، ٦/ ٤٢٤.\n(٤) انظر: الدعائم الخلقية للقوانين الشرعية، للدكتور/ صبحي محمصاني، ص١٤٠.","vol":"1","page":68},{"text":"حلمًا، وتجعل العاقل حكيمًا، وقد تشجِّع الجبان، وتسخِّي البخيل، وقد تُليِّن قلب القاسي، وتقوِّي قلب الضعيف، ومن زادته التجارب عمىً إلى عماه فهو من الحمقى الذين لا يفقهون (١).\nوأعظم الناس تجربة، وأكملهم حكمةً: الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم صفوة البشر اصطفاهم الله وربّاهم، ثم أرسلهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومع هذا ما بعث الله من نبي إلا رعى الغنم، كما قال النبي - ﷺ -: «ما بعث الله نبيًّا إلاّ رعى الغنم»، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (٢).\nوفي رواية: قالوا: أكنت ترعى الغنم؟ قال: «وهل من نبيٍّ إلاّ وقد رعاها؟» (٣).\nوالحكمة من ذلك - والله أعلم - أن الله - ﷿ - يلهم الأنبياء قبل النبوة رعي الغنم؛ ليحصل لهم التمرين والتجربة برعيها على ما يُكلَّفُونه من\nالقيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يُحصِّل لهم الحلم والشفقة، كما قال النبي - ﷺ -: «أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ أفئدةً وألين قلوبًا. الإيمانُ يَمانٍ، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم» (٤)؛ ولأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد\n_________\n(١) انظر: هكذا علمتني الحياة، القسم الأول: للدكتور مصطفى السباعي، ص٤٧.\n(٢) البخاري، كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط، برقم ٢٢٦٢.\n(٣) البخاري، كتاب الأنبياء، باب يعكفون على أصنام لهم، برقم ٣٢٢٥، وكتاب الأطعمة، باب الكباث، برقم ٣٢٢٥، ومسلم في كتاب الأشربة، باب فضيلة الأسود من الكباث، برقم ٢٠٥٠، وهو النضيج من ثمر الأراك، انظر: شرح النووي، ١٤/ ٦.\n(٤) البخاري، كتاب المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، برقم ٤١٢٧، ومسلم في الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان، برقم ٥٢.","vol":"1","page":69},{"text":"تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوِّها من سبعٍ وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طبائعها، وشدّة تفرّقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طبائعهم وتفاوت عقولهم، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كُلِّفوا القيام بذلك من أوّل وهلة، لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخُصّت الغنم بذلك؛ لكونها أضعف من غيرها؛ ولأن تفرّقها أكثر من تفرق الإبل والبقر، لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرّقها فهي أسرع انقيادًا من غيرها (١).\nثم بعد رعيهم الغنم جرّبوا الناس، وعرفوا طبائعهم، فازدادوا تجارب إلى تجاربهم؛ ولهذا قال موسى - ﷺ - لمحمد - ﷺ - عندما فرضت عليه الصلاة خمسين صلاة في كل يومٍ ليلة الإسراء والمعراج: «إنّ أمّتك لا تستطيع خمسين صلاة كلّ يومٍ، وإني والله قد جرّبت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف\nلأمتك ...» فما زال النبي - ﷺ - يراجع ربه ويضع عنه حتى أُمِرَ بخمسٍ صلواتٍ كل يوم (٢).\nفموسى قد جرب الناس، وعلم أن أمة محمد - ﷺ - أضعف من بني\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، ٤/ ٤٤١، وشرح النووي على مسلم، ١٤/ ٦.\n(٢) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، برقم ٣٦٧٤.","vol":"1","page":70},{"text":"إسرائيل أجسادًا، وأقلّ منهم قوةً، والعادة أن ما عجز عنه القوي فالضعيف من باب أولى (١).\nفالداعية بتجاربه بالسفر، ومعاشرته الجماهير، وتعرفه على عوائد الناس وعقائدهم، وأوضاعهم، ومشكلاتهم، واختلاف طبائعهم وقدراتهم، سيكون له الأثر الكبير في نجاح دعوته وابتعاده عن الوقوع في الخطأ؛ لأنه إذا وقع في خطأ في منهجه في الدعوة إلى الله، أو أموره الأخرى لا يقع فيه مرة أخرى، وإذا خُدع مرة لم يخدع مرة أخرى، بل يستفيد من تجاربه وخبراته؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين» (٢)، وقال: «كلّكم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون» (٣).\nوإذا أراد الداعية أن يكتسب الحكمة من التجارب، فلابد له - لإصلاح المتديِّنين وتوجيههم - أن يعيش معهم في مساجدهم، ومجتمعاتهم، ومجالسهم، وإذا أراد إصلاح الفلاحين والعمال عاش\nمعهم في قراهم ومصانعهم، وإذا أراد أن يصلح المعاملات التجارية بين الناس، فعليه أن يختلط بهم في أسواقهم، ومتاجرهم، وأنديتهم، ومجالسهم، وإذا أراد أن يصلح الأوضاع السياسية، فعليه أن يختلط بالسِّياسيين، ويتعرَّف إلى تنظيماتهم، ويستمع لخطبهم، ويقرأ لهم\n_________\n(١) انظر: حاشية السندي على سنن النسائي، ١/ ٢٢٠، وفتح الباري، ١/ ٤٦٣.\n(٢) البخاري، كتاب الأدب، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، برقم ٥٧٨٢، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، برقم ٢٩٩٨.\n(٣) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حدثنا هناد، برقم ٢٤٩٩،وابن ماجه في الزهد، باب ذكر التوبة، برقم ٤٢٥١، والدارمي في الرقائق، باب التوبة، ٢/ ٢١٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي،٢/ ٣٠٥.","vol":"1","page":71},{"text":"برامجهم، ثم يتعرف إلى البيئة التي يعيشون فيها، والثقافة التي حصلوا عليها، والاتجاه الذي يندفعون نحوه؛ ليعرف كيف يخاطبهم بما لا تنفر منه نفوسهم، وكيف يسلك في إصلاحهم بما لا يدعوهم إلى محاربته عن كُرْهِ نفسٍ واندفاع عاطفي، فيحرم نفسه من الدعوة إلى الله، ويحرم الناس من علمه (١)، وهذا يؤهِّله إلى أن يُحدِّثَ الناس بما يعرفون، ولا يحدِّثهم حديثًا لا تبلغه عقولهم، قال علي - ﵁ -: «حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ الله ورسوله» (٢).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: «ما أنت بِمُحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنةً» (٣).\nوهكذا ينبغي أن يكوِّن الداعية من تجاربه في الحياة، ومعرفته بشؤون الناس ما يُمكِّنه من اكتساب الحكمة، وتحقيق قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المطلب الخامس: السياسة الحكيمة</span>\nإذا سلك الداعية إلى الله مسلك السياسة الحكيمة في دعوته إلى الله تعالى، فسيكون لذلك عظيم الأثر في نجاح دعوته واكتسابه الحكمة، والوصول إلى الغاية المطلوبة بإذن الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي، ص٤١، والرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، لعبد الرحمن السعدي، ص٨٨.\n(٢) البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، برقم ١٢٧.\n(٣) مسلم، في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، برقم ١٤.\n(٤) سورة النحل، الآية: ١٢٥.","vol":"1","page":72},{"text":"والنبي - ﷺ - هو أُسوتنا وقدوتنا، وإمام الدعاة إلى الله، وقد سلك هذا المسلك، فنفع الله به العباد، وأنقذهم به من الشرك إلى التوحيد، وكان لسياسته الحكيمة عظيم النفع والأثر في نجاح دعوته، وإنشاء دولته، وقوة سلطانه، ورفعة مقامه، ولم يُعرَف في تاريخ السياسات البشرية أن رجلًا من الساسة المصلحين في أيِّ أمةٍ من الأمم كان له مثل هذا الأثر العظيم، ومَن مِن المصلحين المبرِّزين - سواء كان قائدًا مُحنَّكًا، أو مربِّيًا حكيمًا - اجتمع لديه من رجاحة العقل، وأصالة الرأي، وقوة العزم، وصدق الفراسة، ما اجتمع في رسول الله - ﷺ -؟ ولقد برهن على وجود ذلك فيه: صحة رأيه، وصواب تدبيره، وحسن تأليفه، ومكارم أخلاقه، - ﷺ - (١).\nفإذا قام الداعية بسلوك هذا المسلك بإخلاص، وصدق، وعزيمة، اكتسب من الحكمة في الدعوة إلى الله مكتسبًا عظيمًا.\nوطرق السياسة الحكيمة في الدعوة إلى الله - ﷿ - كثيرة، منها الطرق الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الطريق الأول: تحري أوقات الفراغ، والنشاط</span>، والحاجة عند المدعوين حتى لا يملُّوا عن الاستماع ويفوتهم من الإرشاد والتعليم النافع، والنصائح الغالية الشيء الكثير، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يتخوّل\nأصحابه بالموعظة كراهة السآمة عليهم، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يتخوَّلُنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (٢).\n_________\n(١) انظر: هداية المرشدين، للشيخ على محفوظ، ص٢٤، و٣١.\n(٢) البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، برقم ٩٥، وباب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة، برقم ١١٨.","vol":"1","page":73},{"text":"ولهذا طبَّق الصحابة هذه السياسة، فقد كان عبد الله بن مسعود يُذكِّر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لودِدْتُ أنك ذكرتنا في كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملّكم، وإني أتخوَّلُكم بالموعظة كما كان النبي - ﷺ - يتخوّلنا بها مخافة السآمة علينا (١).\nوقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يسّروا ولا تُعسّروا، وبشّروا ولا تُنفِّروا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>الطريق الثاني: ترك الأمر الذي لا ضرر فيه ولا إثم</span>، اتقاءً للفتنة، فقد يجد الداعية قومًا استقر مجتمعهم وعاداتهم على أشياء لا تخالف الشريعة؛ ولكن فعل غيرها أفضل، فإذا علم الداعية أنه سيحصل فتنة إذا دعا إلى ترك هذا الأمر أو فعله فلا حرج ألاَّ يدعو، فقد ترك النبي - ﷺ - هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم - ﷺ - اجتنابًا لفتنة قومٍ كانوا حديثي عهدٍ بجاهلية، فعن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال لها: «يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فَهُدِمَ، فأدخلت فيه ما أُخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابًا\nشرقيًا، وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم» (٣).\nوفي رواية: «إن قومك قصرت بهم النفقة»، قلت: فما شأن بابه\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة، برقم ٧٠.\n(٢) البخاري، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة، برقم ٦٩، ومسلم، كتاب الجهاد، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٤.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، برقم ١٥٠٩، ومسلم، في الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، برقم ١٣٣٣.","vol":"1","page":74},{"text":"مرتفعًا؟ قال: «فعل ذلك قومك لِيُدخِلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديثٌ عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجَدْرَ في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض» (١).\nوهذا يدل الداعية على أن المصالح إذا تعارضت، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذَّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بُدِئَ بالأهم؛ لأن النبي - ﷺ - أخبر أن نقض الكعبة وردَّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم - ﷺ - مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهو خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيمًا، فتركها - ﷺ - لدفع هذه المفسدة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الطريق الثالث: تأليف القلوب بالمال </span>أحيانًا، فالداعية كالطبيب الذي يشخِّص المرض أولًا، ثم يعطي العلاج على حسب نوع المرض، فإذا علم الداعية أن المدعو لم يرسخ الإيمان في قلبه رسوخًا لا تزلزله الفتن، فله أن يعطيه من المال ما يستطيعه، للاحتفاظ بالبقاء على الهداية بالإسلام، وقد شرع الله للمؤلفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة، وقد كان رسول الله - ﷺ - يسلك\nهذا المسلك، فيؤثر حديثي العهد بالإسلام بجانب من المال، إذا ظهر له أن الإيمان لم يرسخ؛ ولذلك أشار - ﷺ - بقوله: «إني لأعطي الرجل وغيره أحبُّ إليَّ منه خشية أن يُكبّ في النار على وجهه» (٣).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، برقم ١٥٠٩، ومسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة، برقم ١٣٣٢.\n(٢) انظر: شرح النووي على مسلم، ٩/ ٨٩.\n(٣) البخاري بنحوه، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، برقم ١٤٠٨، ومسلم في الإيمان، باب تأليف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، برقم ٢٤٨٠.","vol":"1","page":75},{"text":"وقد كان يعطي النبي - ﷺ - أشراف قريش وغيرهم من المؤلفة قلوبهم، لتلافي أحقادهم؛ ولأن الهدايا تجمع القلوب، وتجعل القلوب متهيئة للنظر في صدق الدعوة، وصحة العقيدة، والاستفادة من الآيات البيِّنات، والبراهين الواضحة (١).\nوصدق النبي - ﷺ - حيث قال: «تهادوا تحابّوا» (٢).\nوللتأليف بالمال أمثلة كثيرة من هديه - ﷺ - (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>الطريق الرابع: التأليف بالجاه من السياسة الحكيمة</span>؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - للأنصار حينما آثر عليهم غيرهم في العطاء: «أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله - ﷺ -؟ فوالله لما تنقلبون به خير ما ينقلبون به»، فقالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا (٤).\nوفي رواية: «لو سلك الناس واديًا أو شِعبًا، وسلكت الأنصار واديًا أو شِعبًا لسَلكتُ وادي الأنصار أو شِعب الأنصار» (٥).\n_________\n(١) انظر: هداية المرشدين، ص٣٥.\n(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ٦/ ١٦٩،والبخاري في الأدب المُفْرَد، ص٢٠٨، برقم ٥٩٤، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير،٣/ ٧٠: «إسناده حسن»،وانظر: إرواء الغليل، برقم ١٦٠١.\n(٣) انظر: صحيح مسلم، ٤/ ١٨٠٣ - ١٨٠٦، وانظر أيضًا: البخاري مع الفتح، ٣/ ١٣٥، ٦/ ٢٥٠، ١١/ ٢٥٨.\n(٤) البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم، برقم ٢٤٨٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم وتصبر من قوي إيمانه، برقم ٢٤٨٣.\n(٥) مسلم، في كتاب الزكاة، الباب السابق، برقم، ٢٤٨٦.","vol":"1","page":76},{"text":"فإذا سلك الداعية هذه السياسة وُفِّق للصواب والحكمة - بإذن الله تعالى -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>الطريق الخامس: التأليف بالعفو في موضع الانتقام</span>، والإحسان في مكان الإساءة، وباللين في موضع المؤاخذة، وبالصبر على الأذى، فكان يقابل الأذى بالصبر الجميل، ويقابل الحمق بالحلم والرفق، ويقابل العجلة والطيش بالأناة والتثبت.\nوهذا أعظم ما يجذب المدعوين إلى الإسلام والاستقامة والثبات، وبمثل هذه المعاملة الحسنة جمع النبي - ﷺ - قلوب أصحابه حوله، فتفانوا في محبته والدفاع عنه، وعن دعوته بمؤازرته ومناصرته.\nوقد مدح الله رسوله - ﷺ -، وأمره بالعفو والصفح والاستغفار لمن تبعه من المؤمنين بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ\nعَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>الطريق السادس: عدم مواجهة الداعية أحدًا بعينه </span>عندما يريد أن يُؤدِّبه أو يزجره مادام يجد في الموعظة العامة كفاية، وهذا من السياسة\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.","vol":"1","page":77},{"text":"البالغة في منتهى الحكمة؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يسلك هذا الأسلوب الحكيم، ومن ذلك قوله - ﷺ -: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه، فيتنخَّع أمامه، أيحب أحدكم أن يُستقبل فيتنخّع في وجهه، فإذا تنخّع أحدكم فليتنخّع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليفعل هكذا»، ووصف القاسم فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض (١).\nوفقد النبي - ﷺ - ناسًا في بعض الصلوات، فقال: «والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطبٍ فيُحطبَ، ثم آمر بالصلاة فيؤذَّن لها، ثم آمر رجلًا يؤمُّ الناس، ثم أُخالف إلى رجالٍ [يتخلّفون عنها] فأحرق عليهم بيوتهم» (٢).\nوقال - ﷺ -: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة»،فاشتدّ قوله في ذلك حتى قال: «لينتهُنَّ عن ذلك أو لتُخطَفنَّ أبصارُهم» (٣).\nوصنع النبي - ﷺ - شيئًا فرخّص فيه، فتنزَّه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فخطب، فحمد الله، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزَّهون عن شيءٍ أصنعه،\nفوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدُّهم له خشية» (٤).\nوقال النبي - ﷺ -: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق في المسجد، برقم ٥٥٠.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، برقم ٦١٨، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، برقم ٦٥١، وما بين المعقوفين من رواية مسلم.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة، برقم ٧١٧.\n(٤) البخاري، كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب، برقم ٥٧٥٠، ومسلم، كتاب الفضائل، باب علمه - ﷺ - بالله تعالى وشدة خشيته، برقم ٢٣٥٦.\n(٥) مسلم، في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، برقم ١٤٠١.","vol":"1","page":78},{"text":"وبلغه شرط أهل بريرة ﵂ أن الولاء لهم بعد بيعها، ثم خطب الناس فقال: «ما بال أناسٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة مرة، شرط الله أحقُّ وأوثقُ» (١).\nوهذا يدلّ الداعية على أن من الحكمة عدم مواجهة الناس بالعتاب سترًا عليهم، ورفقًا بهم، وتلطُّفًا.\nوالداعية يستطيع أن يُوجِّه العتاب عن طريق مخاطبة الجمهور إذا كان المدعوّ المقصود بينهم ومن جملتهم، وهذا من أحكم الأساليب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>الطريق السابع: إعطاء الوسائل صورة ما تصل إليه</span>، كقوله - ﷺ -: «من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله» (٣).\nفقد صوَّر النبي - ﷺ - الدلالة على فعل الخير في صورة الفعل نفسه.\nوكقوله - ﷺ -: «من جهَّز غازيًا فقد غزا» (٤).\nوقال - ﷺ -: «إن من الكبائر أن يلعن الرجل والديه»، قيل: يا رسول الله: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه،\n_________\n(١) البخاري، كتاب المكاتب، باب ما يجوز من شروط المكاتب، برقم ٢٥٨٤، ومسلم، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، برقم ١٥٠٤.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٥١٣.\n(٣) مسلم، في كتاب الأمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله، برقم ١٨٩٣.\n(٤) مسلم، في كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله، برقم ١٨٩٥.","vol":"1","page":79},{"text":"ويسبُّ أمه فيسب أمَّه» (١).\nوهذا أصل في سدّ الذرائع، ويُؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرَّمٍ يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣).\nفقد أعطى النبي - ﷺ - من يسبُّ أبا الغير وأمه صورة من يسب والديه؛ لأنه تسبَّب في سبِّهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>الطريق الثامن: أن يجيب الداعية على السؤال الخاص </span>بما يتناوله وغيره حتى يكون ما أجاب به قاعدة عامة للسائل وغيره، قال عمرو بن العاص: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي - ﷺ - فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «مالك يا عمرو؟» قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟»، قلت: أن يُغفَر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة\nتهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ...» (٤).\nفأجاب - ﷺ - بما يفيد عدم المؤاخذة عن كل من اعتنق الإسلام، وعن كل من هاجر، وعن كل من حج حجًّا مبرورًا، وقد كان يكفيه في\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، برقم ٥٩٧٣.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٤٠٤.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٠٨.\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، برقم ١٢١.","vol":"1","page":80},{"text":"الجواب أن يقول: غُفر لك، أو نحوها (١).\nوقال - ﷺ - لمن سأله عن ماء البحر: «هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته» (٢).\nفأجاب - ﷺ - السائل عن الحكم الذي سأل عنه، وزاده حكمًا لم يسأل عنه، وهو حلّ ميتة البحر، فعندما عرف - ﷺ - اشتباه الأمرِ على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، وقد يُبْتَلَى بها راكب البحر، فعقّب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة، وذلك من محاسن الفتوى أن يُجاء في الجواب بأكثر مما سُئِلَ عنه تتميمًا للفائدة، وإفادة لعلم غير المسؤول عنه، ويتأكد عند ظهور الحاجة إلى حكمٍ كما هنا؛ لأن من توقف في طهورية ماء البحر فهو عن العلم بحل ميتته، مع تقدم تحريم الميتة أشد توقفًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>الطريق التاسع: ضرب الأمثال</span>، قال - ﷺ -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان\nيشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه» (٤).\nوقد مثل النبي - ﷺ - المؤمنين في تبادل الرحمة والمودة والعطف بالجسد في روابطه العضوية، إذا مرض عضو مرضت باقي الأعضاء، فقال: «مثل\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على مسلم، ٢/ ١٣٨، وانظر: هداية المرشدين، ص٣٢.\n(٢) أبو داود، في الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، برقم، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، برقم ٨٣، والنسائي في الطهارة، باب ماء البحر، برقم ٣٣١، وابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، برقم ٣٨٦، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٤.\n(٣) انظر: سبل السلام شرح بلوغ المرام، للشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني، ١/ ١٨.\n(٤) البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، برقم ٢٤٤٦، ومسلم، في كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، برقم ٢٥٨٥.","vol":"1","page":81},{"text":"المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (١).\nومثّلهم النبي - ﷺ - في الحديث الذي قبل هذا في التعاون على البر والتقوى والتكاتف بالبنيان يشدّ بعضهم بعضًا كشدّ البنيان (٢).\nومن المعلوم يقينًا أن الداعية إذا سلك هذه المسالك اكتسب الحكمة بعون الله - تعالى - ووُفِّق لهدي النبي - ﷺ - في دعوته، وسُدِّد في قوله وفعله بتوفيق الله - ﷾ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>المطلب السادس: فقه أركان الدعوة إلى الله تعالى</span>\nلا يكون الداعية حكيمًا في دعوته إلى الله - تعالى - إلا بفقه وإتقان ركائز الدعوة وأسسها التي تقوم عليها، حتى يسير في دعوته على بصيرة، ولاشك أن فهم هذه الأركان يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ\nالْمُشْرِكِينَ﴾ (٣).\nفلابدّ من معرفة الداعية لما يدعو إليه، ومن هو الداعي، وما هي الصفات والآداب التي ينبغي أن تتوافر في الداعية؟ ومن هو المدعو، وما هي الوسائل والأساليب التي تستخدم في نشر الدعوة وتبليغها؟\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم ٥٦٦٥، ومسلم في البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، برقم ١٩٩٩.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٤٥٠، وشرح النووي، ١٦/ ١٣٩.\n(٣) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.","vol":"1","page":82},{"text":"هذه هي أركان الدعوة: الموضوع، والداعي، والأساليب، والوسائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الركن الأول: موضوع الدعوة «ما يدعو إليه الداعية»:</span>\nموضوع الدعوة: هو دين الإسلام «إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ﴾ (١).\n﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).\nوهذا ما فَصَّله حديث جبريل في ذكر أركان الإسلام: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». وأركان الإيمان: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». والإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٣).\n\nولاشك أن<span data-type=\"title\" id=toc-93> الإسلام اختص بخصائص عظيمة منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>١ - الإسلام من عند الله تعالى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٢ - الإسلام شامل لجميع نظم الحياة وسلوك الإنسان</span>، ومن هذه النظم:\nنظام الأخلاق، ونظام المجتمع، والإفتاء، والحسبة، والحكم، والاقتصاد، والجهاد، ونظام الجريمة والعقاب، وذلك كله قائم على الرحمة، والعدل، والإحسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٣ - الإسلام عام لجميع البشرية في كل زمان ومكان</span>، قال الله تعالى:\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٩.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٨٥.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، برقم ٩.","vol":"1","page":83},{"text":"﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٤ - الإسلام هو من حيث الجزاء: </span>- الثواب والعقاب الذي يصيب مُتَّبِعَهُ أو مخالفه - ذو جزاء أُخرويّ بالإضافة إلى جزائه الدنيوي إلا ما خصّه الدليل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٥ - والإسلام يحرص على إبلاغ الناس </span>أعلى مستوى ممكن من الكمال الإنساني: وهذه مثالية الإسلام، ولكنه لا يغفل عن طبيعة الإنسان وواقعه، وهذه هي واقعيّة الإسلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٦ - الإسلام وسط: في عقائده، وعباداته، وأخلاقه، وأنظمته</span>، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢).\nكما يلزم الداعية فهم مقاصد الإسلام التي دلّت عليها الشريعة الإسلامية: وهي تحقيق مصالح العباد، ودرء المفاسد والأضرار عنهم في العاجل والآجل.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «إن الشريعة الإسلامية\nجاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها» (٣).\n\nوبالجملة فإن<span data-type=\"title\" id=toc-100> الشريعة الإسلامية مدارها على ثلاث مصالح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المصلحة الأولى: درء المفاسد </span>عن ستة أشياء: الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال.\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.\n(٣) انظر: منهاج السنة النبوية، ١/ ١٤٧.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المصلحة الثانية: جلب المصالح: </span>فقد فتح القرآن الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين وسدّ كل ذريعة تؤدّي إلى الضرر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق </span>ومحاسن العادات، فالقرآن حلّ جميع المشكلات العالمية التي عجز عنها البشر ولم يترك جانبًا من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا والآخرة إلا وضع لها القواعد، وهدى إليها بأقوم الطّرق وأعدلها (١).\nفالداعية الحكيم هو الذي يدعو إلى ما تقدم من أركان الإسلام، وأصول الإيمان، والإحسان، ويبيّن للناس جميع ما جاء في القرآن والسنة: من العقائد، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، بالتفصيل والشرح والتوضيح (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>الركن الثاني: الداعي:</span>\nلابُدَّ للداعية من معرفة هذا الأصل بشروطه، وما هي عدّة الداعية وسلاحه، وما هي وظيفته، وأخلاقه، وفهم ذلك من أهمّ المهمات\nللداعية، وإليك التفصيل بإيجاز:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>١ - وظيفة الداعية:</span>\nوظيفة الداعية إلى الله - تعالى - هي وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، والرسل هم قدوة الدعاة إلى الله، وأعظمهم محمد - ﷺ -، قال\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان للشنقيطي ٣/ ٤٠٩ - ٤٥٧.\n(٢) انظر: فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ١/ ٣٤٢، وأصول الدعوة، لعبد الكريم زيدان، ص٧ - ٢٩٣، والدعوة إلى الله، للدكتور توفيق الواعي، ص٨١.","vol":"1","page":85},{"text":"تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٢).\nوقال سبحانه: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ (٤).\nوالأمة شريكة لرسولها في وظيفة الدعوة إلى الله، فالآيات التي تأمره بالدعوة إلى الله يدخل فيها المسلمون جميعًا؛ لأن الأصل في خطاب الله تعالى لرسوله - ﷺ - دخول أمته فيه إلا ما استُثْني، وليس من هذا المستثنى أمر الله تعالى بالدعوة إليه، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله﴾ (٥).\nوقد جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخصِّ أوصاف المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ\nبَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (٦)، وبهذا يتضح أن المكلَّف بالدعوة إلى الله هو كل مسلم ومسلمة على قدر الطاقة، وعلى قدر العلم، ولا يختصّ العلماء بأصل هذا الواجب؛ لأنه واجب على الجميع كلٌّ بحسبه، وإنما يختص أهل العلم بتبليغ تفاصيل الإسلام،\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآيتان: ٤٥ - ٤٦.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٦٧.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٨٧.\n(٤) سورة الرعد، الآية: ٣٦.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١١٠.\n(٦) سورة التوبة: الآية: ٧١.","vol":"1","page":86},{"text":"وأحكامه، ومعانيه الدقيقة، ومسائل الاجتهاد، نظرًا لسعة علمهم، ومعرفتهم بالمسائل، والجزئيات، والأصول، والفروع.\nومما يزيد الأمر وضوحًا قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)، فبين سبحانه أن أتباع الرسول - ﷺ - هم الدعاة إلى الله، وهم أهل البصائر كما كان الرسول - ﷺ - يدعو إلى الله على بصيرةٍ، وعلمٍ، ويقين (٢).\nوالدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم ومسلمة كلٌ بحسبه، وهي تؤدَّى على صورتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>الصورة الأولى: فردية</span>، يقوم بها المسلم على صفة فردية بحسب طاقته، وقدرته، وعلمه، كما قال النبي - ﷺ -: «من رأى منكم منكرًا فليغيِّرْه بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الصورة الثانية: بصفة جماعية</span>، فتكون فرقة متصدية لهذا الشأن، كما\nقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>٢ - عدّة الداعية وسلاحه:</span>\nيحتاج الداعية إلى الله - تعالى - في أداء مهمته ووظيفته إلى عُدَّةٍ\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٢) انظر: أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان، ص٢٩٥ - ٣٥٦.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، برقم ٤٩.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٤.","vol":"1","page":87},{"text":"وسلاحٍ قوي، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>السلاح الأول: الفهم الدقيق </span>المبني على العلم قبل العمل، والقائم على تدبّر معاني وأحكام القرآن الكريم، وفهم السنة النبوية الشريفة، ويرتكز هذا الفهم على عدة أمور، من أهمها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>الأمر الأول: فهم الداعية العقيدة الإسلامية </span>فهمًا صحيحًا متقنًا بالأدلة من الكتاب، والسنة، وإجماع علماء أهل السنة والجماعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>الأمر الثاني: فهم الداعية غايته </span>في الحياة ومركزه بين البشر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>الأمر الثالث: تعلقه بالآخرة</span>، وتجافيه عن دار الغرور.\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>السلاح الثاني: الإيمان العميق </span>المثمر: لمحبة الله، وخوفه، ورجائه، واتباع رسوله - ﷺ - في كل أموره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>السلاح الثالث: اتصال الداعية بالله - تعالى - في جميع أموره</span>، وتعلقه به، وتوكله عليه، واستغاثته به، وإخلاصه له، والصدق معه في الأقوال والأفعال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>٣ - أخلاق الداعية وصفاته:</span>\nيحتاج الداعية إلى الأخلاق الحسنة والصفات الكريمة: وهي أخلاق الإسلام التي بيّنها الله في كتابه، وبيّنها رسوله - ﷺ - في سنته.\nومن أهمّ هذه الأخلاق والصفات التي ينبغي للداعية أن يلتزمها: الصدق، والإخلاص، والدعوة، إلى الله على بصيرة، والحلم، والرفق، واللين، والصبر، والرحمة، والعفو، والصفح، والتواضع، والوفاء، والإيثار، والشجاعة، والذكاء، والأمانة، والحياء المحمود، والكرم،","vol":"1","page":88},{"text":"والتقوى، والإرادة القوية التي تشمل قوة العزيمة، والهمة العالية، والتفاؤل، والنظام والدقة والمحافظة على الوقت، والاعتزاز بالإسلام، والعمل بما يدعو إليه؛ ليكون قدوةً صالحةً، والزهد، والورع، والاستقامة، وإدراك الداعية لما حوله، والقصد والاعتدال، والشعور بمعيّة الله، والثقة بالله تعالى، والتدرج في الدعوة، والبدء بالأهمّ فالمهمّ كما فعل النبي - ﷺ -، وأمر بذلك معاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن.\nكما ينبغي للداعية أن يبتعد عن كل ما يضادّ هذه الأخلاق من الأخلاق القبيحة.\nومن هذه الأمور المهمّة التي ينبغي للداعية أن يعتني بها، معرفة القواعد، والضوابط التي يجب مراعاتها والسير على ضوئها، حتى يكون الداعية مُسدَّدًا في دعوته.\nومن ذلك: قول سفيان الثوري (١): «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن\nالمنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه، عدل فيما يأمر به عدل فيما ينهى عنه، عالم بما يأمر به، عالم بما ينهى عنه» (٢).\nوقال الإمام محمد المقدسي: «قال بعض السلف: «لا يأمر بالمعروف إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه» (٣).\n_________\n(١) هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ المجتهد: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ولد سنة ٩٧هـ، ومات سنة ١٦١هـ، انظر: سير أعلام النبلاء، ٧/ ٢٢٩ - ٢٧٩.\n(٢) انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأبي الخلال، ص٥٠.\n(٣) مختصر منهاج القاصدين، ص١٢٩، ونسب هذا القول إلى بعض السلف ابن تيمية أيضًا في: الحسبة في الإسلام، ص٨٤.","vol":"1","page":89},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «فلابد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر. العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة لابد أن يكون مستصحبًا في هذه الأحوال» (١).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: «فإنكار المنكر أربع درجات:\nالأولى: أن يزول ويخلفه ضدّه.\nالثانية: أن يقلّ وإن لم يزل بجملته.\nالثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.\nالرابعة: أن يخلفه ما هو شرّ منه.\nفالدرجتان الأُولَيان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرَّمة» (٢).\nفإذا طبّق الداعية ما تقدم من الصفات والأخلاق والقواعد\nوالضوابط كان من أعظم الناس حكمة - بإذن الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>الركن الثالث: المدعو:</span>\nينبغي للداعية أن يعلم أن الدعوة إلى الإسلام عامة لجميع البشر، بل للجن والإنس جميعًا، في كل زمانٍ ومكانٍ إلى قيام الساعة، وليست خاصة بجنسٍ دون جنسٍ، أو طبقةٍ دون طبقةٍ، أو فئةٍ دون فئةٍ، أو زمانٍ دون زمانٍ، أو مكانٍ دون مكان. ومن حقّ المدعو أن يُؤتى ويُدعى، ولا يجلس الداعي في بيته وينتظر مجيء الناس إليه، فقد كان النبي - ﷺ - يأتي\n_________\n(١) الحسبة في الإسلام، ص٨٤.\n(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم رحمه الله تعالى، ٣/ ١٦.","vol":"1","page":90},{"text":"الناس ويدعوهم، ويخرج إلى القبائل في المواسم، ويذهب إلى مقابلة وملاقاة الوفود ومن يقدم.\nولا يجوز للداعية أن يستصغر شأن أي إنسان أو أن يستهين به؛ لأن من حق كل إنسان أن يُدعى.\nوإذا كان من حق المدعو أن يُؤتى ويُدعى ولا يستهان به، ولا يستصغر من شأنه فعليه أن يستجيب.\nوينبغي للداعية أن يعلم أن المدعوين أصناف وأقسام:\nفمنهم الملحد، ومنهم المشرك الوثني، ومنهم اليهودي، ومنهم النصراني، ومنهم المنافق، ومنهم المسلم الذي يحتاج إلى التربية والتعليم، ومنهم المسلم العاصي، ثم هم أيضًا يختلفون في قدراتهم العقلية، والعلمية، والصحية، ومراكزهم الاجتماعية، فهذا مثقَّفٌ، وهذا أمّيٌ، وهذا رئيسٌ، وهذا مرؤوسٌ، وهذا غنيٌّ، وهذا فقيرٌ، وهذا صحيح،\nوهذا مريض، وهذا عربي، وهذا أعجمي ... فينبغي للداعية أن يكون كالطبيب الحاذق الحكيم الذي يشخِّص المرض، ويعرف الداء ويحدّده، ثم يُعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعيًا في ذلك قوة المريض وضعفه، وتحمّله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشقّ بطنه، أو يقطع شيئًا من أعضائه من أجل استئصال المرض طلبًا لصحة المريض (١).\n_________\n(١) انظر: أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان، ص٣٦٥ - ٣٩٤.","vol":"1","page":91},{"text":"والداعية ينبغي له أن يبدأ مع المدعوِّين بخطوات مناسبة محسوسة (١)، منها ما يأتي:\n١ - يبدأ بنفسه فيصلحها حتى يكون القدوة الصالحة.\n٢ - ثم يمضي إلى تكوين بيته وإصلاح أسرته، ليُكوِّن البيت المسلم، واللبنة المؤمنة.\n٣ - ثم يتوجّه إلى المجتمع، وينشر دعوة الخير فيه، ويحارب الرذائل والمنكرات بالحكمة، ويشجع الفضائل ومكارم الأخلاق.\n٤ - ثم دعوة غير المسلمين إلى منهج الحق وإلى شريعة الإسلام «حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>الركن الرابع: أساليب الدعوة ووسائل تبليغها:</span>\nالداعية يحتاج إلى فهم أساليب الدعوة ووسائل تبليغها، حتى يكون على قدر من الكفاءة لتبليغ الدعوة إلى الله تعالى بإحكامٍ وإتقانٍ وبصيرةٍ، وذلك على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>أولًا: أساليب الدعوة:</span>\nالأسلوب: الطريق والفن، يقال: هو على أسلوب من أساليب القوم: أي على طريق من طرقهم، ويقال: أخذنا في أساليب من القول: فنون متنوعة (٣).\n_________\n(١) وقد أوضحت كيفية دعوة المدعوين على اختلاف أصنافهم في الفصل الثالث والفصل الرابع من كتاب الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، ص٣٣٣، و٣١٥.\n(٢) انظر: الدعوة إلى الله، للدكتور توفيق الواعي، ص٨٤.\n(٣) انظر: القاموس المحيط، فصل السين، باب الباء، ص١٢٥، والمصباح المنير، مادة (سلب)،\n١/ ٢٤٨، والمعجم الوسيط، مادة (سلب)، ١/ ٤٤١.","vol":"1","page":92},{"text":"وأساليب الدعوة: هي العلم الذي يتصل بكيفية مباشرة التبليغ، وإزالة العوائق عنه.\nوالمصادر الأساسية التي يستمد الداعية ويتعلم أساليب دعوته الحكيمة منها هي: كتاب الله - تعالى -، وسنة رسوله - ﷺ -، وسيرة السلف الصالح: من الصحابة الكرام، والتابعين لهم بإحسان من أهل العلم والإيمان.\nوتقوم أساليب الدعوة الحكيمة الناجحة المؤثرة على الأساليب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>١ - تشخيص وتحديد الداء في المدعوين، ومعرفة الدواء: </span>فإن طبيب الأبدان الحاذق الحكيم يشخّص ويعرف الداء أولًا، ثم يصف العلاج حسب الداء. والداعية إلى الله - تعالى - هو طبيب الأرواح والقلوب،\nفعليه أن يسلك هذا الأسلوب في معالجة الأرواح، والداء عند الناس قد يكون كفرًا، وقد يكون معصية، فعلى الداعية أن يعطي الدواء على حسب الداء؛ فإنّ دواء الكفر الإيمان بالله، وبما جاء عنه وعن رسوله - ﷺ -، ودواء المعاصي كبائرها وصغائرها التوبة إلى الله - تعالى -، والإقبال إليه، والإكثار من الطاعات المكفِّرة للسيئات، وهكذا لكل داءٍ دواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>٢ - إزالة الشبهات التي تمنع المدعوين من رؤية الداء والإحساس به: </span>ولاشك أن الشبهات: هي ما يثير الشك والارتياب في صدق الداعية وحقيقة ما يدعو إليه، فيمنع ذلك من رؤية الحق والاستجابة له، أو","vol":"1","page":93},{"text":"تأخير هذه الاستجابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>٣ - ترغيب المدعوين وتشويقهم: </span>إلى استعمال الدواء، والاستجابة وقبول الحق، والثبات عليه، وترهيبهم من ترك الدواء بكل ما يخوف ويحذر من عدم الاستجابة، أو عدم الثبات على الحق بعد قبوله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>٤ - تعهد المستجيبين من المدعوين: </span>بالتربية والتعليم، والتوجيه؛ لتحصل لهم المناعة ضد دائهم القديم، ومن أعظم وسائل التربية المؤثرة: الاتصال بكتاب الله - تعالى - تلاوةً، وتدبرًا، وفهمًا، والاتصال الدائم بالسنة النبوية، وسيرة السلف من الصحابة - ﵃ -، فعلى الداعية أن يعين المستجيبين على هذه الأمور العظيمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>٥ - تقوم جميع الأساليب: </span>على أسلوب الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ثم استخدام القوة للمعاندين الظالمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>ثانيًا: وسائل تبليغ الدعوة إلى الله تعالى:</span>\nالوسيلة في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء (١)، و<span data-type=\"title\" id=toc-125>وسائل الدعوة </span>هي: ما يستعين به الداعية على تبليغ الدعوة من أشياء وأمور.\nولاشك أن وسائل الدعوة على نوعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>النوع الأول: وسائل خارجية </span>تتعلق باتخاذ الأسباب لتهيئة المجال المناسب، ومنها على سبيل المثال ما يأتي:\nالوسيلة الأولى: الحذر المبني على التوكل على الله - تعالى - مع الأخذ\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الواو مع السين، ٥/ ١٨٥.","vol":"1","page":94},{"text":"بالأسباب، ومعلوم أن الحذر أنواع من جهة ما يحذره الداعي المسلم، فهناك: حذره من الوقوع في المعاصي، والحذر من الأهل والولد، والحذر من اتباع الهوى، والحذر من المنافقين والكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>الوسيلة الثانية: الاستعانة بعد الله - تعالى - بالغير في تبليغ الدعوة</span>، فالداعية يحرص على إيصال الدعوة إلى الناس، فيستعين بكل وسيلة مشروعة لتحقيق ما يحرص عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>الوسيلة الثالثة: المحافظة على النظام المشروع: </span>كحفظ الداعية تنظيم وقته وعدم إضاعته، وإذا كان الدعاة جماعة فعليهم أن يراعوا قواعد النظام التي أمر بها الإسلام، حتى تثمر جهودهم ولا تضيع؛ فإن القليل من العمل بنظامٍ والدوام عليه خير من الكثير مع الفوضى والانقطاع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>النوع الثاني: وسائل تبليغ الدعوة بصورة مباشرة</span>.\nوهذه الوسائل تكون: بالقول، وبالعمل، وبسيرة الداعية التي تجعله قدوة حسنة لغيره فتجذبهم إلى الإسلام، ومن هذه الوسائل ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127><span data-type=\"title\" id=toc-131>الوسيلة الأولى: التبليغ بالقول:</span></span>\nوسيلة القول في مجال التبليغ أنواع متعددة، منها: الخطبة، والدرس، والمحاضرة، والندوة، والمناقشة، والجدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكلمة الوعظية، والدعوة الفردية، والنصيحة الأخوية، والفتوى الشرعية، والكتابة: كالرسالة، والمقال، والكتاب، والكُتيِّب، والنشرة.","vol":"1","page":95},{"text":"والداعية يستعين في تبليغ دعوته بجميع الوسائل المختلفة، المشروعة، المفيدة، وقد تكون بعض الوسائل نافعة في زمن دون زمن، وفي مجتمع دون آخر، والداعية الحكيم هو الذي يختار الوسائل المناسبة لكل عصر ومصر.\nووسيلة التبليغ بالقول تُبلَّغ عن طريق الوسائل الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>١ - اللقاءات العامة: </span>كإقامة المحاضرات، والندوات، والمناقشات، والدروس في المساجد، والجامعات، والمعاهد، والمدارس، والمؤتمرات، وفي المناسبات التي يحضرها الناس بصورة جماعية كبيرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٢ - اللقاءات الخاصة: </span>كالدروس الخاصة بطلاب العلم، ولا يمنع حضور غيرهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>٣ - الدعوة الفردية: </span>بالنصيحة الأخوية، والهدية الرمزية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>٤ - الكتابة: </span>الرسالة، والمقال، والكتاب، والكُتيِّب، والنشرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>٥ - وسائل الإعلام الحديثة: </span>المسموعة، والمرئية، والمقروءة، والشخصية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>٦ - الوسائل الشخصية </span>كالمسجلات، وشرائط التسجيل، والهاتف ..\nفينبغي للداعية الحكيم أن يغتنم استخدام هذه الوسائل ويشغلها بالحق؛ لأنه بذلك يخاطب ملايين البشر في مشارق الأرض ومغاربها، وعن طريقها تصل الدعوة إلى أقطار بعيدة، وتعمّ أماكن كثيرة.\nوينبغي أن يكون قول الداعية واضحًا بيِّنًا، خاليًا من الألفاظ التي تحمل حقًا وباطلًا، وخطأً وصوابًا، وأن يستعمل الألفاظ الشرعية المستعملة في القرآن والسنة وعند علماء المسلمين.\nكما ينبغي للداعية أن يتأنّى في كلامه حتى يستوعب السامع كلامه","vol":"1","page":96},{"text":"ويفهَمَه، وأن يبتعد عن التفاصح والتعاظل، والتكلف في النطق، ويبتعد عن روح الاستعلاء على المدعو واحتقاره وإظهار فضله عليه، وأن يتلطّف بالقول للمدعوين، ويكون موضع الثقة بين الناس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>الوسيلة الثانية: التبليغ بالعمل:</span>\nوالتبليغ بالعمل هو كل فعل يؤدي إلى إزالة المنكر ونصرة الحق وإظهاره، والأصل في ذلك قول النبي - ﷺ -: «من رأى منكم منكرًا فليغيّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٢)، والتبليغ بالعمل كما يكون بإزالة المنكر يكون بإقامة المعروف: كبناء المساجد، وبناء الجامعات، والمعاهد، والمدارس الإسلامية، وإقامة\nالمكتبات فيها وتزويدها بالكتب النافعة، وبناء المستشفيات الإسلامية، ودور الرعاية الاجتماعية، وطبع الكتب الإسلامية وتوزيعها، واختيار الرجل الصالح للعمل في هذه المجالات وفي المجالات المهمة، وهذا - كله - في الحقيقة دعوة صامتة إلى الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>الوسيلة الثالثة: التبليغ بالسيرة الحسنة:</span>\nمن وسائل التبليغ المهمّة في تبليغ الدعوة إلى الله، وجذب الناس إلى الإسلام التبليغ بالسيرة الطيّبة للداعي، وأفعاله الحميدة، وصفاته العالية، وأخلاقه الكريمة، والتزامه بالإسلام ظاهرًا وباطنًا، مما يجعله\n_________\n(١) انظر: أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان، ص٤٥٣، و٤٥٤، والدعوة إلى الله تعالى للدكتور توفيق الواعي، ص٢٦٢، و٢٦٤.\n(٢) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، برقم ٤٩.","vol":"1","page":97},{"text":"قدوةً طيبةً، وأُسوةً حسنةً لغيره؛ لأن التأثير بالأفعال والسلوك أبلغ من التأثير بالكلام وحده.\nوأصول السيرة الحسنة التي يكون بها الداعية قدوةً طيبةً لغيره ترجع إلى أصلين عظيمين: حسن الخلق، وموافقة العمل للقول.\n\n- ف<span data-type=\"title\" id=toc-140>حسن الخلق كلمة يندرج تحتها كثير من الصفات: </span>كالتواضع، والوفاء بالعهد، والأمانة، وقوة العزيمة، والشجاعة، والصبر، والشكر، والحلم، والرفق، والتقوى، والحياء، والعفو والصفح، والجود، والكرم، والصدق والعدل، وحفظ اللسان، والرحمة.\n- و<span data-type=\"title\" id=toc-141>موافقة القول للعمل </span>هي أن يكون فعل الداعية موافقًا للطريق المستقيم، وسيرته تطبيقًا عمليًا لقوله، ولا يخالف ظاهره باطنه، فإن أمر بشيء التزمه، وإن نهى عن شيء كان أول تاركٍ له؛ ليفيد وعظه،\nوينفع إرشاده ويُثمر، ويُقتدى به، فإن كان يأمر بالخير ولا يفعله، وينهى عن الشر وهو واقع فيه، فهو بحاله هذه عقبة في سبيل الدعوة إلى الله تعالى (١).\n_________\n(١) انظر: أساليب الدعوة ووسائل تبليغها بالتفصيل في: أصول الدعوة لعبد الكريم زيدان، ص٣٩٥ - ٤٦٩، والدعوة إلى الله لتوفيق الواعي، ص٢٤١ - ٣٧٢، والحكمة في الدعوة إلى الله للمؤلف، ص١٢٤ - ١٣٠.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المبحث السادس: إنزال الناس منازلهم ومراتبهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>المطلب الأول: إنزال الناس منازلهم</span>\nالداعية الحكيم هو الذي يدرس الواقع، وأحوال الناس، ومعتقداتهم، ويُنزل الناس منازلهم، ثم يدعوهم على قدر عقولهم، وأفهامهم، وطبائعهم، وأخلاقهم، ومستواهم العلمي والاجتماعي، والوسائل التي يؤتون من جهتها؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «حَدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكذَّب الله ورسوله» (١).\nوذُكِرَ عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نُنْزِلَ الناس منازلهم» (٢).\nوقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٣).\nوقد بيّن النبي - ﷺ - ذلك للدعاة إلى الله - ﷿ -، فقال لمعاذ بن جبل - ﵁ - حينما بعثه إلى اليمن - داعيًا ومعلمًا وقاضيًا -: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب ...» الحديث (٤).\nفبين - ﷺ - لمعاذ عقيدة القوم الذين سوف يقدم عليهم حتى يعرف\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب من خص قومًا بالعلم دون قوم كراهية أن لا يفهموا، برقم ١٥٧.\n(٢) مسلم، في المقدمة، مع شرح النووي، ١/ ٥٥، وسنن أبي داود مع العون، ١٣/ ١٩١.\n(٣) مسلم، في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، ١٤.\n(٤) البخاري، كتاب الزكاة، باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، برقم ١٣٩٥، واللفظ له، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله وشرائع الإسلام، برقم ١٩.","vol":"1","page":99},{"text":"حالهم، ويستعدّ لهم، ويقدّم لهم ما يناسبهم، وما يُصلح أحوالهم.\nوقال النبي - ﷺ - لعائشة ﵂: «يا عائشة، لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون» (١).\nفترك - ﷺ - هذه المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفاسد (٢).\nفدراسة البيئة والمكان الذي تبلغ فيه الدعوة أمر مهمٌّ جدًا؛ فإن الداعية يحتاج في دعوته إلى معرفة أحوال المدعوين: الاعتقادية، والنفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، ومعرفة مراكز الضلال ومواطن الانحراف معرفة جيدة، ويحتاج إلى معرفة لغتهم، ولهجتهم، وعاداتهم، والإحاطة بمشكلاتهم ونزعاتهم الخلقية، وثقافتهم، ومستواهم الجدلي، والشُّبه التي انتشرت في مجتمعهم، ومذاهبهم (٣).\nوالدّاعية الحكيم يكون مدركًا لما حوله، مقدّرًا للظروف التي يدعو فيها، مراعيًا لحاجات الناس ومشاعرهم، وكل أحوالهم.\nوالداعية إلى الله - تعالى - لا ينجح في دعوته، ولا يكون موفقًا في\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، برقم ١٢٦.\n(٢) قال ابن حجر - ﵀ - تعالى: «يستفاد منه ترك المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفسدة، وترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه». انظر: فتح الباري، ١/ ٢٢٥.\n(٣) انظر: شرح الإمام النووي على مسلم، ١/ ٧٦، ١٩٧، وفتح الباري، ١/ ٢٢٥، وكيف يدعو الداعية لعبد الله ناصح علوان، ص٧، ٣٧، ٤٧، ١٥٥، وزاد الداعية إلى الله للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص٧.","vol":"1","page":100},{"text":"تبلغيه ولا مسدّدًا في قوله وفعله حتى يعرف من يدعوهم، وهل هذا المجتمع من المسلمين العُصاة، أو من المسلمين الذين انتشرت فيهم البدع والخرافات؟ هل هذا المجتمع من أهل الكتاب؟ فإذا كانوا منهم، فهل هم من اليهود أم من النصارى؟ هل هذا المجتمع من الملحدين الطبيعيين والمادّيين والدهريّين؟ أم من الوثنيين المشركين؟.\nفإذا عرف الداعية هذا كله، فكيف يدعو كل فئة من هذه الفئات بالحكمة؟ وماذا يقدّم معهم؟ وماذا يؤخّر؟ وما القضايا التي يعطيها أهمية وأولوية قبل غيرها؟ وما الأفكار الضرورية التي يطرحها ويبدأ بها؟\nوهكذا، فالداعية الحكيم كالطبيب الحكيم الذي يُشخِّصُ المرض، ويعرف الداء ويُحدّده، ثم يعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعيًا في ذلك: قوة المريض وضعفه، وتحمله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشق بطنه، أو يقطع شيئًا من أعضائه، من أجل استئصال المرض طلبًا لصحة المريض، وهكذا فالداعية الحكيم يعرف أمراض المجتمع، ويُحدّد الدّاء، ويعرف الدّواء، وينظر ما هي الشبه والعوائق فيزيلها، ثم يقدم المادة المناسبة بدءًا بأمور العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية، مع تشويق المدعو إلى القبول والإجابة (١).\n_________\n(١) انظر: الحكمة في الدعوة إلى الله للمؤلف، ص٣٣٥ - ٣٣٦.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>المطلب الثاني: مراتب الدعوة والمدعوين</span>\nقد دلّ كتاب الله على أنّ مراتب الدعوة - بحسب مراتب البشر - قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢)، فاتضح بذلك أن مراتب الدعوة إلى الله أربع مراتب على النحو الآتي:\nالمرتبة الأولى: الحكمة.\nالمرتبة الثانية: الموعظة الحسنة.\nالمرتبة الثالثة: الجدال بالتي هي أحسن.\nالمرتبة الرابعة: استخدام القوة.\nولابد أن تكون مرتبة الحكمة ملازمة لجميع المراتب التي بعدها، فالموعظة لابد أن توضع في موضعها، والجدال في موضعه، واستخدام القوة في موضعه مع بيان الحق بدليله والإصابة في الأقوال والأفعال، وكل ذلك بإحكامٍ وإتقان.\nوبهذا تكون مراتب المدعوين بحسب هذه المراتب على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>١ - المستجيب الذّكي، القابل للحقّ</span>، الذي لا يعاند ولا يأباه، وهذا يُبين له الحق علمًا وعملًا واعتقادًاَ، فيقبله ويعمل به.\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>٢ - القابل للحقّ المعترف به</span>؛ لكن عنده نوع غفلة وتأخر، وله أهواء وشهوات تصدّه عن اتّباع الحقّ، فهذا يُدعى بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحقّ والتّرهيب من الباطل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>٣ - المعاند الجاحد</span>، فهذا يُجادل بالتي هي أحسن (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>٤ - فإن ظلم المعاند ولم يرجع إلى الحقّ انتُقِل معه </span>إلى مرتبة استخدام القوة إن أمكن.\nواستخدام القوة يكون بالكلام، وبالتأديب لمن له سلطة وقوّة، وبالجهاد في سبيل الله - تعالى - تحت لواء ولي أمر المسلمين بالشّروط التي دلّ عليها الكتاب والسنة (٢)، وهذا ما يقتضيه مفهوم الحكمة الصحيح؛ لأنها وضع الشيء في موضعه اللائق به بإحكام وإتقان وإصابة (٣).\nويزيد ذلك وضوحًا وبيانًا ما كان عليه الرسول - ﷺ - وهو الذي أعطاه ربه من الحكمة ما لم يعطِ أحدًا من العالمين، فقد كان يضع العلم والتّعليم والتّربية في مواضعها، والموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي\n_________\n(١) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢/ ٤٤، ٤٥، ١٥/ ٢٤٣، ١٩/ ١٦٤، ومفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ١٩٤، ١٩٥، والتفسير القيم لابن القيم، ص٣٤٤، ومعالم الدعوة في القصص القرآني للديلمي، ١/ ٥٣.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٤١٦، ٤/ ٣١٥، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب، ص٨٩، وفتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ١/ ٩٠، وزاد الداعية إلى الله لفضيلة العلامة محمد بن عثيمين، ص١٥، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥.\n(٣) قد بينت كيفية دعوة هذه الأصناف الأربعة في رسالة الحكمة في الدعوة إلى الله بالتفصيل، انظر: ص٣٣٣ - ٥٦٤.","vol":"1","page":103},{"text":"هي أحسن في موضعها، والقوة والغلظة والسيف في مواضعها، وهذا من أحكم الحكم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، وهذا عين الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى (٢).\n_________\n(١) سورة التحريم، الآية: ٩.\n(٢) انظر: تعليق الشيخ محمد حامد الفقي على التفسير القيم لابن القيم، ص٣٤٤.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>الفصل الثالث: الحِلْمُ</span>\nالمبحث الأول: مفهوم الحلم.\nالمبحث الثاني: أهمية الحلم.\nالمبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الحلم في الدعوة.\nالمبحث الرابع: طرق تحصيل الحلم.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>المبحث الأول: مفهوم الحِلْم</span>\nالحِلْم: بالكسر: العقل (١)، وحلم حلمًا: تأنَّى وسكن عند الغضب أو مكروه مع قدرة، وقوة، وعقل (٢)، ومن أسماء الله - تعالى -: (الحليم)، وهو الذي لا يستخفّه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقدارًا فهو منتهٍ إليه (٣).\nوالحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب (٤).\nوالحلم: هو حالة متوسطة بين رذيلتين: الغضب، والبلادة، فإذا استجاب المرء لغضبه بلا تعقّل ولا تبصّر كان على رذيلة، وإن تبلّد، وضيّع حقه ورضي بالهضم والظلم كان على رذيلة، وإن تحلّى بالحلم مع القدرة وكان حلمه مع من يستحقه كان على فضيلة.\nوهناك ارتباط بين الحلم وكظم الغيظ، وهو أن ابتداء التخلق بفضيلة الحلم يكون بالتحلم: وهو كظم الغيظ، وهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة، لما في كظم الغيظ من كتمان ومقاومة واحتمال، فإذا أصبح ذلك هيئة راسخة في النفس، وأصبح طبعًا من طبائعها كان ذلك هو الحلم، والله أعلم (٥).\n_________\n(١) القاموس المحيط، باب الميم، فصل الحاء، ص١٤١٦.\n(٢) المعجم الوسيط، مادة: حلم، ١/ ١٩٤.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، حرف الحاء مع اللام، ١/ ٤٣٤.\n(٤) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة حلم، ص١٢٩.\n(٥) انظر: مفردات غريب القرآن ص١٢٩، وأخلاق القرآن للشرباصي، ١/ ١٨٢، والأخلاق الإسلامية لعبد الرحمن الميداني، ٢/ ٣٢٦.","vol":"1","page":107},{"text":"وقد وصف الله نفسه بصفة الحلم في عدة مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١).\nونلاحظ أن الآيات التي وصفت الله بصفة الحلم قد قرنت صفة الحلم - في أغلب هذه الآيات - بصفة المغفرة أو العفو، ويأتي هذا الاقتران في الغالب بعد إشارة سابقة إلى خطأ واقع، أو تفريط في أمر محمود، وهذا أمر يتفق مع الحلم؛ لأنه تأخير عقوبة، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (٢).\nونجد أيضًا أن عددًا من الآيات التي وصفت الله بالحلم قد قرن فيها ذكر الحلم بالعلم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٣)، وهذا يفيد - والله أعلم بمراده - أن كمال الحلم يكون مع كمال العلم، وهذا من أعظم مقومات الداعية الناجح، ومن أعظم أركان الحكمة (٤).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٥.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ٤٥.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٥٩.\n(٤) انظر: أخلاق القرآن للشرباصي، ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المبحث الثاني: أهمية الحِلْم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>الحلم من أعظم مقومات الداعية الناجح</span>، وهو أيضًا من دعائم الحكمة، فلا يكون الداعية ناجحًا حتى يكون: حكيمًا، فالحكمة تقوم على ثلاثة أركان: العلم، والحلم، والأناة، وكل خلل في الداعية إلى الله فسببه الإخلال بالحكمة وأركانها، فأكمل الناس أوفرهم منها نصيبًا، وأنقصهم وأبعدهم عن الكمال أقلّهم منها ميراثًا، ومعاول هدم الحكمة: الجهل، والطيش، والعجلة، فلا حكمة لجاهل، وطائش، ولا عجول (١).\nومما يُؤكِّد أن الحلم من أعظم مقومات الداعية ومن أركان الحكمة التي ينبغي للداعية أن يدعو بها إلى الله - تعالى - مدح النبي - ﷺ - للحلم، وتعظيمه لأمره، وأنه من الخصال التي يحبها الله - ﷿ -، قال النبي - ﷺ - للأشجِّ (٢): «إن فيك خصلتين يحبِّهما الله: الحلم والأناة» (٣).\nوفي رواية قال الأشجّ: يا رسول الله، أنا تخلَّقت بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله جبلك عليهما»، قال: الحمد لله الذي جبلني على خُلُقيْن يحبهما الله ورسوله (٤).\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، ٢/ ٤٨٠.\n(٢) المنذر بن عائذ بن المنذر العصري، أشج عبد القيس، كان سيد قومه، رجع بعد إسلامه إلى البحرين مع قومه، ثم نزل البصرة بعد ذلك ومات بها - ﵁ -. انظر: تهذيب التهذيب،\n١٠/ ٢٦٧.\n(٣) مسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله - تعالى - ورسوله، برقم ٢٥.\n(٤) أبو داود، في الأدب، باب في قبلة الجسد، برقم ٥٢٢٧، وأحمد، ٤/ ٢٠٦، ٣/ ٢٣.","vol":"1","page":109},{"text":"وسبب قول النبي - ﷺ - ذلك للأشجّ ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي - ﷺ -، وأقام الأشجّ عند رحالهم، فجمعها، وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي - ﷺ - فقرّبه النبي - ﷺ - وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبي - ﷺ -: «تبايعونِ على أنفسكم وقومكم؟» فقال القوم: نعم، فقال الأشجّ: يا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل على شيء أشدّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، ونرسل من يدعوهم، فمن اتبَّعَنا كان منا، ومن أبى قاتلناه، قال: «صدقت، إن فيك خصلتين ...» الحديث.\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-153>الأناة: </span>تربُّصُه حتى نظر في مصالحه، ولم يعجل، والحلم: هذا القول الذي قاله، الدال على صحّة عقله، وجودة نظره للعواقب (١).\nومما يُؤكِّد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة ودعائمها العظام أنه خُلُق عظيم من أخلاق النبوة والرسالة، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم عظماء البشر، وقدوة أتباعهم من الدعاة إلى الله والصالحين في الأخلاق المحمودة كافة.\nوقد واجه كل واحد منهم من قومه ما يثير الغضب، ويغضب منه عظماء الرجال، ولكن حلموا عليهم، ورفقوا بهم، ولانوا لهم حتى جاءهم نصر الله المؤزَّر، وعلى رأسهم إمامهم، وسيدهم، وخاتمهم محمد - ﷺ - ولم يكن غريبًا أن يوجهه الله تعالى إلى قمة هذه السيادة حين يقول له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم، ١/ ١٨٩، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ١٥٢.","vol":"1","page":110},{"text":"الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالله إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣).\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآيتان: ١٩٩ - ٢٠٠.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٤.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الحلم في الدعوة إلى الله</span>\nبَلَغَ النبي - ﷺ - في حلمه، وعفوه في دعوته إلى الله - تعالى - الغاية المثالية، والدلائل على ذلك كثيرة جدًا، منها على سبيل المثال لا الحصر الصور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>الصورة الأولى: مع من قال هذه قسمة ما عُدِلَ فيها:</span>\nعن ابن مسعود - ﵁ - قال: لما كان يوم حنينٍ آثر النبيُّ - ﷺ - أُناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أُناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُدِلَ فيها، وما أُريدَ بها وجه الله، فقلت: والله لأُخبرنَّ النبي - ﷺ -، فأتيته فأخبرته، فقال: «فمن يعدلْ إذا لم يعدلِ الله ورسولُه؟! رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (١).\nوهذا من أعظم مظاهر الحلم في الدعوة إلى الله - تعالى - وقد اقتضت حكمة النبي - ﷺ - أن يقسم الغنائم بين هؤلاء المؤلفة قلوبهم، ويوكِّل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>الصورة الثانية: مع من قال: كنا أحقَّ بهذا:</span>\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - إلى رسول\n_________\n(١) البخاري بلفظه، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس، برقم ٢٩٨١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، برقم ١٠٦٢.\n(٢) انظر: فتح الباري، شرح صحيح البخاري، ٨/ ٤٩.","vol":"1","page":112},{"text":"الله من اليمن بذهيبة (١) في أديم مقروظ (٢) لم تُحصِّل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر (٣)، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل (٤)، والرابع إما علقمة (٥) وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحقَّ بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبيَّ - ﷺ - فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء؟» قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كثّ اللحية، محلوق الرأس، مشمِّر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتّقِ الله، قال: «ويلك، أولست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله؟»، قال: ثم ولَّى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: «لا، لعله أن يكون يصلي»، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول الله - ﷺ -: «إني لم أومر أن أنقِّب قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم»، قال: ثم نظر إليه وهو مُقفٍّ فقال: «إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٦).\n_________\n(١) أي: ذهب. انظر: فتح الباري، ٨/ ٦٨.\n(٢) مدبوغ بالقرظ. انظر: فتح الباري، ٨/ ٦٨.\n(٣) وهو عيينة بن حصن بن حذيفة، نسب لجده الأعلى. الفتح، ٨/ ٦٨.\n(٤) زيد الخيل بن مهلهل الطائي، وسماه النبي - ﷺ - زيد الخير، بالراء بدل اللام. انظر: فتح الباري، ٨/ ٦٨.\n(٥) ابن علاثة العامري، أسلم وحسن إسلامه، واستعمله عمر على حوران، فمات بها في خلافته. انظر: فتح الباري، ٨/ ٦٨.\n(٦) البخاري، كتاب المغازي، باب بعث على بن أبي طالب، وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن، برقم ٣١٦٦، ومسلم، في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم ١٠٦٤.","vol":"1","page":113},{"text":"وهذا من ظواهر حلم النبي - ﷺ -، فقد أخذ بالظاهر، ولم يؤمر أن ينقب قلوب الناس، ولا أن يشق بطونهم، والرجل قد استحق القتل واستوجبه؛ ولكن النبي - ﷺ - لم يقتله، لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، ولاسيما من صلّى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>الصورة الثالثة: مع الطفيل</span>\nمن مواقف الحلم ما فعله رسول الله - ﷺ - مع الطفيل بن عمرو الدوسي - ﵁ -، فقد أسلم الطفيل - ﵁ - قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه إلى الله - ﷿ - فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول الله - ﷺ - وذكر له أن دوسًا هلكت وكفرت وعصت وأبت.\nفعن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إن دوسًا قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: «اللهم اهد دوسًا، وائت بهم، اللهم اهد دوسًا، وائت بهم» (٢).\nوهذا يدلّ على حلم النبي - ﷺ - وصبره، وتأنِّيه في الدعوة إلى الله - ﷿ -؛ فإنه - ﷺ - لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من ردّ الدعوة؛ ولكنه - ﷺ - دعا لهم\n_________\n(١) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ٨/ ٦٩.\n(٢) البخاري، في كتاب الجهاد، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم، برقم ٢٧٧٩، وفي كتاب المغازي، باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي، برقم ٤١٣١، وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين، برقم ٦٠٣٤، ومسلم، في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل غفار وأسلم وجهينة وأشجع وتميم ودوس وطيئ، برقم ٢٥٢٤، وأخرجه أحمد واللفظ له، ٢/ ٢٤٣، ٤٤٨، وانظر: البداية والنهاية، ٦/ ٣٣٧، ٣/ ٩٩، وسيرة ابن هشام، ١/ ٤٠٧.","vol":"1","page":114},{"text":"بالهداية، فاستجاب الله دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم، فأسلم على يديه خلق كثير، ثم قدم على النبي - ﷺ - وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتًا من دوس، ثم لحقوا بالنبي - ﷺ - بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (١).\nالله أكبر! ما أعظمها من حكمة أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة.\nوهذا مما يوجب على الدعاة إلى الله - ﷿ - العناية بالحلم في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل الله ثم معرفة هدي النبي - ﷺ - في دعوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>الصورة الرابعة: مع من أراد قتل النبي - ﷺ </span>-\nروى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: غزونا مع رسول الله - ﷺ - قِبَلَ نجد (٢)، فأدركنا رسول الله - ﷺ - في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله - ﷺ - تحت شجرة، فعلّق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلّون بالشجر، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «إن رجلًا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتًا (٣) في يده، فقال لي: من يمنعنك مني؟ قال: قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، قال: فشام (٤) السيف، فها هو ذا جالس»، ثم لم يعرض له رسول الله - ﷺ - (٥).\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١/ ٣٤٦،وزاد المعاد، ٣/ ٦٢٦،والإصابة في تمييز الصحابة، ٢/ ٢٢٥.\n(٢) وقع في رواية البخاري التصريح باسمها «ذات الرقاع»، انظر: البخاري مع الفتح، ٧/ ٤٢٦.\n(٣) والسيف صلتًا: أي مسلولًا. انظر: شرح النووي، ١٥/ ٤٥.\n(٤) شام السيف: أي رده في غمده. انظر: المرجع السابق، ١٥/ ٤٥.\n(٥) البخاري، كتاب الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة، برقم ٢٩١٠، وكتاب المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، برقم ٤١٣٦، ومسلم، واللفظ له، كتاب الفضائل، باب: توكله على الله - تعالى -، وعصمة الله - تعالى - له من الناس، برقم ٨٤٣، وأحمد،\n٣/ ٣١١، ٣٦٤.\nوانظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني، فقد ذكر رواية مطولة عزاها لأبي بكر الإسماعيلي في صحيحه، ٢/ ٣٣٥.","vol":"1","page":115},{"text":"الله أكبر! ما أعظم هذا الخلق! وما أكبر أثره في النفس! أعرابي يريد قتل النبي - ﷺ - ثم يعصمه الله منه، ويمكِّنه من القدرة على قتله، ثم يعفو عنه! إن هذا لخُلُقٌ عظيم، وصدق الله العظيم إذ يقول للنبي - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١)، وهذا الخلق الحكيم قد أثَّر في حياة الرجل، وأسلم بعد ذلك، فاهتدى به خلق كثير (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>الصورة الخامسة: مع زيد الحبر</span>\nكان النبي - ﷺ - يعفو عند القدرة، ويحلم عند الغضب، ويحسن إلى المسيء، وقد كانت هذه الأخلاق العالية من أعظم الأسباب في إجابة دعوته والإيمان به، واجتماع القلوب عليه، ومن ذلك ما فعله مع زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبار (٣).\nجاء زيد بن سعنة إلى رسول الله - ﷺ - يطلبه دينًا له، فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه، وأغلظ له القول، ونظر إلى النبي - ﷺ - بوجهٍ غليظٍ وقال: يا محمد، ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني عبد المطلب قوم مُطْلٌ،\n_________\n(١) سورة القلم، الآية: ٤.\n(٢) انظر: فتح الباري، ٧/ ٤٢٨، وشرح النووي على مسلم، ١٥/ ٤٤، وذكر ابن حجر والنووي في هذا الموضع أن اسم الأعرابي: غورث بن الحارث.\n(٣) انظر: هذا الحبيب يا محب، ص٥٢٨، وهداية المرشدين، ص٣٨٤.","vol":"1","page":116},{"text":"وشدّد له في القول، فنظر إليه عمر وعنياه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله - ﷺ - ما أسمع، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله - ﷺ - ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدَةٍ وتَبَسُّمٍ، ثم قال: «أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعًا من تمرٍ»، فكان هذا سببًا لإسلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوكان زيد قبل هذه القصة يقول: «لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد - ﷺ - إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا» (١).\nفاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وُصِفَ، فأسلم وآمن وصدق، وشهد مع النبي - ﷺ - مشاهده، واستشهد في غزوة تبوك مقبلًا غير مدبر (٢).\nفقد أقام محمد - ﷺ - براهين عديدة من أخلاقه على صدقه، وأن ما يدعو إليه حق.\n_________\n(١) ذكر ابن حجر في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة هذه القصة وعزاها إلى الطبراني، والحاكم، وأبي الشيخ في كتابه أخلاق النبي - ﷺ -، وابن سعد، وغيرهم، ثم قال ابن حجر: ورجال إسناده موثقون ... ومحمد بن أبي السري وثقة ابن معين ... والوليد قد صرح بالتحديث، ١/ ٥٦٦.\nوذكره ابن كثير في البداية والنهاية، ٢/ ٣١٠، وعزاه إلى أبي نعيم في الدلائل، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ٢٤٠: «رواه الطبراني، ورجاله ثقات».\n(٢) الإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٥٦٦.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>الصورة السادسة: مع زعيم المنافقين</span>\nقدم النبي - ﷺ - المدينة، وقد أجمع الأوس والخزرج على تمليك عبد الله بن أُبيّ، ولم يختلف عليه في شرفه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين، وكانوا قد نظموا له الخرز، ليُتَوِّجوه ثم يملِّكوه عليهم، فجاءهم الله - تعالى - برسول الله - ﷺ - وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام امتلأ قلبه حقدًا وعداوة وبغضًا، ورأى أن رسول الله - ﷺ - قد استلبه ملكه، فلما رأى قومه أبوا إلا الإسلام، دخل فيه كارهًا مُصرًّا على النفاق والحقد والعداوة (١)، ولم يألُ جهدًا في الصدّ عن الإسلام، وتفريق جماعة المسلمين، والذبّ عن اليهود ومساعدتهم.\nوقد ظهرت مواقفه الخبيثة في معاداته لدعوة الإسلام، ولكن عن طريق التستر والنفاق، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يقابل عداوته بالعفو والصفح والحلم؛ لأنه يُظهر الإسلام؛ ولأن له أعوانًا من المنافقين، هو رئيسهم وهم تبع له، فكان - ﷺ - يحسن إليه بالمقال والفعل، ويقابل إساءته بالعفو والإحسان في عدة مواقف، منها على سبيل المثال ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>١ - شفاعته لليهود - بنو قينقاع - عندما نقضوا العهد:</span>\nنقض بنو قينقاع العهد بعد بدر بكشف عورة امرأة من المسلمين في السوق، وبقتل رجل نصرها من المسلمين (٢)، فسار إليهم رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام، ٢/ ٢١٦، والبداية والنهاية، ٤/ ١٥٧.\n(٢) انظر: سيرة ابن هشام، ٢/ ٤٢٧، والبداية والنهاية، ٤/ ٤، والرحيق المختوم، ص٢٢٨، وهذا الحبيب، ص٢٤٦.","vol":"1","page":118},{"text":"يوم السبت للنصف من شوال، على رأس عشرين شهرًا من الهجرة، وحاصرهم خمسة عشر يومًا، وتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم أشدّ الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - فأمر بهم فَكُتِّفُوا، وكانوا سبعمائة مقاتل، فقام إلى النبي - ﷺ - عبد الله بن أُبيّ حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في مواليّ، فأبطأ عليه رسول الله - ﷺ -، فقال: يا محمد، أحسن في مواليّ، فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع النبي - ﷺ -، وقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مائة حاسر، وثلاث مائة دارع (١)، قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم النبي - ﷺ - له (٢)، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من أرض الشام، وقبض منهم أموالهم، وخمس غنائمهم صلوات الله وسلامه عليه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>٢ - ما فعله مع النبي - ﷺ - يوم أحد:</span>\nخرج النبي - ﷺ - إلى معركة أحد، فلما صار بين أُحُد والمدينة انخزل عبد الله بن أُبيّ بنحو ثلث العسكر، ورجع بهم إلى المدينة فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر ﵄ فوبّخهم، وحضّهم على الرجوع، وقال: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم\n_________\n(١) الحاسر: هو الذي لا درع له، والدارع: هو لابس الدرع. انظر: المعجم الوسيط، مادة «حسر»، ١/ ١٧٢، ومادة «درع»، ١/ ٢٨٠.\n(٢) انظر: سيرة ابن هشام، ٢/ ٤٢٨، والبداية والنهاية لابن كثير، ٤/ ٤.\n(٣) انظر: زاد المعاد، ٣/ ١٢٦، ١٩٠.","vol":"1","page":119},{"text":"تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبّهم (١).\nفلم يعاقبه رسول الله - ﷺ - على هذا الجرم العظيم، وتخذيل المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>٣ - صدّه الرسول - ﷺ - عن الدعوة إلى الله تعالى:</span>\nركب النبيُّ - ﷺ - إلى سعد بن عبادة، فمرّ بعدوّ الله عبد الله بن أٌبيّ وحوله رجال من قومه، فنزل - ﷺ - فسلّم ثم جلس قليلًا، فتلا القرآن، ودعا إلى الله - ﷿ -، وذكَّر بالله، وحذّر وبشّر وأنذر، وعندما فرغ النبي - ﷺ - من مقالته، قال له عبد الله بن أٌبيّ: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا، إن كان حقًا فاجلس في بيتك فمن جاءك له فحدِّثه إيَّاه، ومن لم يأتك فلا تغته (٢)، ولا تأته في مجلسه بما يكره منه (٣)، فلم يؤاخذه النبي - ﷺ - وعفا عنه وصفح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>٤ - تثبيته بني النضير:</span>\nعندما نقض يهود بني النضير العهد بِهَمِّهِم بقتل النبي - ﷺ -، بعث إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق - وعلى رأسهم عبد الله بن أُبيّ - أن اثبتوا وتمنّعوا فإنا لن نُسلمكم، إن قُوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فقويت\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، ٣/ ١٩٤، وسيرة ابن هشام، ٣/ ٨، ٣/ ٥٧، والبداية والنهاية، ٤/ ٥١.\n(٢) أي: لا تكثر عليه به وتتردد به عليه، أو لا تعذبه به. انظر: القاموس المحيط، باب التاء، فصل الغين، ص٢٠٠، والمعجم الوسيط، مادة «غتَّ»، ٢/ ٦٤٤.\n(٣) انظر: سيرة ابن هشام، ٢/ ٢١٨، ٢١٩.","vol":"1","page":120},{"text":"عزيمة اليهود، ونابذوا رسول الله - ﷺ - بنقض العهد، فخرج إليهم حتى نزل بهم وحاصرهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأجلاهم النبي - ﷺ - وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام (١).\nوترك النبي - ﷺ - عبد الله بن أُبيّ فلم يُعاقبه على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>٥ - كيده وغدره للنبي - ﷺ - ومن معه من المسلمين في غزوة المريسيع:</span>\nفي هذه الغزوة قام عبد الله بن أُبيّ بعدة مواقف مخزية توجب قتله وعقابه، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>الموقف المخزي الأول: </span>دبّر المنافقون في هذه الغزوة قصة الإفك، وتولّى كِبْرَه عبد الله بن أُبيّ بن سلول (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>الموقف المخزي الثاني: </span>وفي هذه الغزوة قال عبد الله بن أُبيّ: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلّ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الموقف المخزي الثالث: </span>وفي هذه الغزوة قال عدو الله: ﴿لا تُنفِقُوا\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام، ٣/ ١٩٢، والبداية والنهاية، ٤/ ٧٥، وزاد المعاد، ٣/ ١٢٧.\n(٢) انظر قصة الإفك في البخاري، كتاب المغازي، باب حديث الإفك، قبل الرقم ٤١٤٢، وكتاب التفسير، سورة النور، باب ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، ٨/ ٤٥٢، ومسلم، كتاب التوبة، باب حديث الإفك، برقم ٢٧٧٠، وزاد المعاد، ٣/ ٢٥٦ - ٢٦٨.\n(٣) سورة المنافقون، الآية: ٨.\nوانظر: البخاري، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، برقم ٤٩٠٥، وفي كتاب المناقب، باب ما ينهى عنه من دعوى الجاهلية، برقم ٣٥١٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، برقم ٢٥٨٤، وانظر: سيرة ابن هشام، ٣/ ٣٣٤.","vol":"1","page":121},{"text":"عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ (١).\nوقد ظهرت الحكمة المحمدية، وتجلت السياسة الرشيدة في إخماد النبي - ﷺ - نار الفتنة، وقطع دابر الشرّ - بفضل الله ثم بصبره - على عبد الله بن أُبيّ، وتحمّله له، والإحسان إليه، ومقابلة هذه المواقف المخزية من هذا الزعيم المنافق بالعفو؛ لأن هذا الرجل له أعوان، ويخشى من شرهم على الدعوة الإسلامية؛ ولأنه يُظهر إسلامه؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - لعمر بن الخطاب - حينما قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق -: «دعه حتى لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (٢).\nفلو قتله رسول الله - ﷺ - لكان ذلك منفِّرًا للناس عن الدخول في الإسلام؛ لأنهم يرون أن عبد الله بن أُبيّ مسلم، ومن ثم سيقول الناس: إن محمدًا يقتل المسلمين، فعند ذلك تظهر المفاسد، وتتعطَّل المصالح.\nفظهرت حكمة النبي - ﷺ - وصبره على بعض المفاسد خوفًا من أن تترتّب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولتقوى شوكة الإسلام، وقد أُمر بالحكم الظاهر، والله يتولّى السرائر.\nوقد ظهرت الحكمة لعمر بعد ذلك في عدم قتل عبد الله بن أُبيّ فقال:\n_________\n(١) سورة المنافقون، الآية: ٧.\nوالحديث في البخاري، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله﴾، برقم ٤٩٠٤، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، برقم ٢٧٧٢.\n(٢) البخاري، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، برقم ٤٩٠٥، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، برقم ٢٥٨٤.","vol":"1","page":122},{"text":"«قد والله علمت، لأمر رسول الله - ﷺ - أعظم بركة من أمري» (١).\nوهكذا ينبغي للدعاة إلى الله أن يسلكوا طريق الحكمة في دعوتهم اقتداء بنبيهم - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>الصورة السابعة: مع ثمامة</span>\nروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: بعث رسول الله - ﷺ - خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أُثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله - ﷺ - فقال: «ماذا عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم (٢)، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تُعطَ منه ما شئت؛ فتركه رسول الله حتى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: ما قلت لك، إن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعطَ منه ما شئت؟ فتركه رسول الله - ﷺ - حتى كان من الغد، فقال: «ماذا عندك يا ثمامة؟»، فقال: عندي ما قلت لك، إن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تُعطَ منه ما شئت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أطلقوا ثمامة»، فانطلق إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا محمد! والله ما كان على\n_________\n(١) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، ٤/ ١٨٥، وانظر: شرح النووي على مسلم، ١٦/ ١٣٩، وهذا الحبيب يا محبّ، ص٣٣٦.\n(٢) معناه: أن تقتل تقتل صاحب دم يدرك قاتله به ثأره لرئاسته وفضيلته، وقيل: معناه تقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه فلا عتب عليك في قتله. انظر: فتح الباري، ٨/ ٨٨.","vol":"1","page":123},{"text":"الأرض وجه أبغضَ إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ، والله ما كان من دين أبغضَ إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين كله إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشّره رسول الله - ﷺ -، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: [لا والله]، ولكني أسلمت مع رسول الله - ﷺ -، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله - ﷺ -» (١).\n«ثم خرج - ﵁ - إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئًا، فكتبوا إلى رسول الله - ﷺ -: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فكتب رسول الله - ﷺ - إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل» (٢).\nوذكر ابن حجر أن ابن منده روى بإسناده عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة، ومنعه قريش عن الميرة، ونزول قوله تعالى:\n﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٣).\nوقد ثبت ثمامة على إسلامه لما ارتدّ أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من\n_________\n(١) البخاري، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال، برقم ٤٣٧٢، ومسلم - واللفظ له إلا ما بين المعقوفين فمن البخاري - في كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المنّ عليه، برقم ١٧٦٤.\n(٢) سيرة ابن هشام، ٤/ ٣١٧ بتصرف يسير، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٨٨.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٧٦.\nوقال ابن حجر عن هذا الأثر: «إسناده حسن». انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٢٠٣.","vol":"1","page":124},{"text":"قومه فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين (١).\nالله أكبر، ما أحلم النبي محمدًا - ﷺ -، وما أعظمه من موقف، فقد كان - ﷺ - يتألف القلوب، ويلاطف من يُرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير.\nوهكذا ينبغي للدعاة إلى الله - ﷿ - أن يعظّموا أمر الحلم والعفو عن المسيء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة؛ لما أسداه النبي - ﷺ - إليه من الحلم والعفو والمنّ بغير مقابل، وقد ظهر لهذا العفو الأثر الكبير في حياة ثمامة، وفي ثباته على الإسلام ودعوته إليه (٢)؛ ولهذا قال:\n\nأهمّ بترك القول ثم يردّني ... إلى القول إنعامُ النّبيّ محمّدِ\nشكرتُ له فكّي من الغلِّ بعدما ... رأيت خيالًا من حسامٍ مهنّدِ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>الصورة الثامنة: مع من جبذ النبي - ﷺ - بردائه</span>\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كنت أمشي مع النبي - ﷺ - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذةً شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي - ﷺ - قد أثّرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله - ﷺ - فضحك، ثم أمر له بعطاء (٤).\n_________\n(١) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٢٠٣.\n(٢) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٢/ ٨٩، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٨/ ٨٨.\n(٣) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٢٠٣.\n(٤) البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، برقم ٣١٤٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة، برقم ١٠٥٧.","vol":"1","page":125},{"text":"وهذا من روائع حلمه - ﷺ - وكماله، وحسن خلقه، وصفحه الجميل، وصبره على الأذى في النفس، والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام؛ وليتأسّى به الدعاة إلى الله، والولاة بعده في حلمه، وخُلُقه الجميل من الصفح، والإغضاء، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>الصورة التاسعة: اللهم اغفر لقومي</span>\nومن عظيم حلمه عدم دعائه على من آذاه من قومه، وقد كان باستطاعته أن يدعو عليهم، فيهلكهم الله، ويدمرهم، ولكنه - ﷺ - حليم حكيم يهدف إلى الغاية العظمى، وهي رجاء إسلامهم، أو إسلام ذرياتهم؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: كأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - يحكي نبيًّا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدْمَوْهُ وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>الصورة العاشرة: مع أبي إبراهيم</span>\nومما يدلّ على أن الحلم ركن من أركان الحكمة ملازمة صفة الحلم للأنبياء قبل النبي - ﷺ - في دعوتهم إلى الله تعالى.\nفهذا إبراهيم أبو الأنبياء، عليه وعليهم الصلاة والسلام، قد بلغ من الحلم مبلغًا عظيمًا حتى وصفه الله بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٥٠٦، وشرح النووي على مسلم، ٧/ ١٤٦، ١٤٧.\n(٢) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان، برقم ٣٤٧٧، ومسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، برقم ١٧٩٢.","vol":"1","page":126},{"text":"لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١).\nفقد كان إبراهيم كثير الدعاء، حليمًا عمّن ظلمه، وأناله مكروهًا، ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا﴾ (٢).\nفحلم عنه مع أذاه له، ودعا له، واستغفر (٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (٤).\nوهكذا جميع الأنبياء والمرسلين، كانوا من أعظم الناس حلمًا مع أقوامهم في دعوتهم إلى الله تعالى (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>الصورة الحادية عشر: مع من سبّ</span>\nومن وراء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، يأتي الدعاة إلى الله والصالحون من أتباعهم، وإذا كان الله - ﷿ - قد جعل محمدًا - ﷺ - مثلًا عاليًا في الحلم، فقد أراد لأتباعه أن يسيروا على نهجه وسنته، ولذلك يقول الله\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١١٤.\n(٢) سورة مريم، الآيات: ٤٦ - ٤٨.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ٣٩٦، والبغوي، ٢/ ٣٣٢، والأخلاق الإسلامية للميداني، ٢/ ٣٣٢.\n(٤) سورة التوبة: الآية: ١١٤.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ١١٤، وموسوعة أخلاق القرآن للشرباصي، ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":127},{"text":"- تعالى - عن الأخيار من هؤلاء: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (١).\nفمن صفاتهم أنهم أصحاب حلم، فإذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا كما كان رسول الله - ﷺ - لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا (٢).\nفعن النعمان بن مقرن المزني - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ - وسبّ رجل رجلًا عنده، فجعل المسبُوبُ يقول: عليك السلام، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما إنَّ ملكًا بينكما يذبّ عنك كلما يشتمك هذا، قال له: بل أنت وأنت أحقّ به، وإذا قال له: عليك السلام، قال: بل لك، أنت أحق به» (٣).\nفهؤلاء الدعاة إلى الله والصالحون إذا خاطبهم الجاهلون قالوا صوابًا وسدادًا، ويردّون المعروف من القول على من جهل عليهم (٤)؛ لأن من أخلاقهم العفو والصفح عمن أساء إليهم، فقد تخلّقوا بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعةً، حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله كظموا ذلك الغضب فلم يُنفِّذُوه، ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.\n(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ٢/ ٣١٠، والإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٥٥٦، ومجمع الزوائد، ٨/ ٢٤٠.\n(٣) رواه الإمام أحمد في المسند، ٥/ ٤٤٥، وقال ابن كثير في تفسيره، ٣/ ٣٢٦: «إسناده حسن».\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٣٢٦.","vol":"1","page":128},{"text":"يَغْفِرُونَ﴾ (١)، فترتّب على هذا الحلم، والعفو، والصفح من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير (٢)، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>الصورة الثانية عشرة: مع عيينة</span>\nومما يُبيّن حلم أصحاب النبي - ﷺ - من بعده وإن كانوا خلفاء وأمراء، ما رواه البخاري عن ابن عباس - ﵁ - قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على أخيه الحرّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القرّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله - تعالى - قال لنبيّه - ﷺ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٤)، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله (٥).\n_________\n(١) سورة الشورى، الآية: ٣٧.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ٤/ ١١٨، وتفسير العلامة السعدي، ٦/ ٦٢١.\n(٣) سورة فصلت، الآية: ٣٤.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(٥) البخاري، كتاب التفسير، سورة الأعراف، باب: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، برقم ٤٦٤٢.","vol":"1","page":129},{"text":"وهذا الرجل قد جفا عمر أمير المؤمنين بعدة أمور تثير الغضب، وتجعله عرضة للانتقام والتأديب.\nأول هذه الأمور: قوله: هي يا ابن الخطاب، ولم يقل: يا أمير المؤمنين.\nوالثاني: قوله: والله ما تعطينا الجزل، يعني العطاء الكثير.\nوالثالث: وهو أقبح الأمور الثلاثة، قوله: ولا تحكم بيننا بالعدل.\nومع هذا كله حلم عنه عمر وعفا عنه، وصفح بعدما سمع الآية، وسمع قول الحر: إن هذا من الجاهلين، ووقف عند الآية: ولم يعمل بغير ما دلت عليه، بل عمل بمقتضاها، - ﵁ - وأرضاه (١)، وهذا يدل على كمال حلمه وحكمته التي استفادها من هدي رسول الله - ﷺ - فرسخت في ذهنه حتى كانت هيئة راسخة ثابتة في نفسه وخُلُقه.\nوهذا يحتاج في بداية الأمر إلى جهاد وقوة؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٢).\nولاشك أن الغضب يهدم الحلم وينافيه، وصاحب الغضب لا يكون حليمًا، ولهذا قال - ﷺ - لمن قال أوصني: «لا تغضب» (٣).\nوالداعية إلى الله يستطيع أن يتّصف بالحلم؛ ليكون حكيمًا، وذلك\n_________\n(١) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٣/ ٢٥٩، ٨/ ٣٠٥، ١٣/ ٢٥٠.\n(٢) البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، برقم ٦١٤١، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب، برقم ٢٦٠٩.\n(٣) البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، برقم ٦١١٦، والحديث فيه: فردد مرارًا، قال: «لا تغضب».","vol":"1","page":130},{"text":"بعلاج الغضب (١)، إذا حلّ به ونزل، ولا يكون العلاج النافع إلا بما شرعه الله، وبينه نبيه - ﷺ -، فقد عمل على تربية المسلمين تربية قولية وفعلية وعملية حتى يكونوا حلماء، حكماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>الصورة الثالثة عشرة: حلم زين العابدين</span>\nولم يقتصر الحلم على النبي - ﷺ - وأصحابه، بل حلم أتباعه أهل العلم والإيمان ومن ذلك:\nسبَّ رجلٌ عليَّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب المشهور بزين العابدين يومًا فجل يتغافل عنه - يريه أنه لم يسمعه - فقال له الرجل: إياك أعني، فقال له علي: وعنك أغضي (٢).\nوخرج يومًا من المسجد فسبه رجل فانتدب الناس إليه فقال: دعوه. ثم أقبل عليه فقال: ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك إذ رآه يقول: إنك من أولاد الأنبياء (٣).\n_________\n(١) انظر: المبحث الرابع: طرق تحصيل الحلم، المطلب الأول: علاج الغضب من هذا الكتاب.\n(٢) البداية والنهاية لابن كثير، ٩/ ١٠٥.\n(٣) المرجع السابق، ٩/ ١٠٥.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>المبحث الرابع: طرق تحصيل الحلم</span>\nهناك أسباب تجلب الحلم وتدعو إليه، من حافظ عليها واجتهد في تحصيلها كان حليمًا بإذن الله تعالى، ومنها على سبيل المثال ما يأتي في المطالب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>المطلب الأول: علاج الغضب</span>\nعلاج الغضب بالأدوية المشروعة يكون بطريقين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>الطريق الأول: الوقاية:</span>\nومعلوم أن الوقاية خير من العلاج، وتحصل الوقاية من الغضب قبل وقوعه باجتناب أسبابه، واستئصالها قبل وقوعها، ومن هذا الأسباب التي ينبغي لكل مسلم أن يُطهِّر نفسه منها: الكبر، والإعجاب بالنفس، والافتخار، والتِّيه، والحرص المذموم، والمزاح في غير مناسبة، أو الهزل وما شابه ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>الطريق الثاني: العلاج إذا وقع الغضب:</span>\nوينحصر في أربعة أنواع على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>النوع الأول: الاستعاذة بالله </span>من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالله إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)،وعن سليمان بن\nصُردٍ - ﵁ - قال: استبَّ رجلان عند النبي - ﷺ - ونحن عنده جلوس وأحدهما\n_________\n(١) انظر: الدعائم الخلقية والقوانين الشرعية، للدكتور صبحي محمصاني، ص٢٢٧.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٠، وانظر: سورة المؤمنون، الآية: ٩٧، وسورة فصلت، الآية: ٣٦.","vol":"1","page":132},{"text":"يسبّ صاحبه مغضبًا قد احمرّ وجهه، فقال النبي - ﷺ -: «إني لأعلمُ كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد. لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (١).\nولما كان الشيطان على نوعين:\nنوع يُرى عيانًا، وهو شيطان الإنس، ونوع لا يُرى، وهو شيطان الجن.\nجعل الله سبحانه المخرج من شر شيطان الإنس بالإعراض عنه، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن، ومن شر شيطان الجن بالاستعاذة بالله منه (٢)، وما أحسن ما قاله القائل:\n\nفما هو إلا الاستعاذة ضارعًا ... أو الدفع بالحُسْنَى هما خيرُ مطلوب\nفهذا دواء الداء من شر ما يُرى ... وذاك دواء الداء من شر محجوب (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>النوع الثاني: الوضوء</span>؛ لحديث عطية السعدي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلِقَ من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>النوع الثالث: تغيير الحالة </span>التي عليها الغضبان، بالجلوس، أو\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، برقم ٦١١٥، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب، برقم ٢٦١٠.\n(٢) انظر: سورة الأعراف، الآية: ٢٠٠، وسورة المؤمنون الآية: ٩٧، وسورة فصلت، الآية: ٣٦.\n(٣) انظر: زاد المعاد، ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣ بتصرف يسير، وأضواء البيان، ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢.\n(٤) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما يقال عند الغضب، برقم ٤٧٨٤، قال الشيخ عبد العزيز ابن باز: «وإسناده جيد»، وانظر: تهذيب السنن، ٧/ ١٦٥ - ١٦٨، وعون المعبود، ١٣/ ١٤١.","vol":"1","page":133},{"text":"الخروج، أو غير ذلك، عن أبي ذر - ﵁ - قال: إن رسول الله - ﷺ - قال لنا: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلاّ فليضطجع» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>النوع الرابع: استحضار ما ورد في فضل كظم الغيظ </span>من الثواب، وما ورد في عاقبة الغضب من الخذلان العاجل والآجل، عن معاذ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفذه دعاه الله - ﷿ - على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخيّره من الحور ما شاء» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>المطلب الثاني: أسباب تحصيل الحلم</span>\nوإذا أراد الداعية أن يزداد حلمه، وتعظم حكمته، فليحرص على الأسباب التي تدعو إلى الحلم، فليعمل بها، وهي عشرة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>١ - الرحمة بالجهال</span>؛ فإنها من أوكد أسباب الحلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>٢ - القدرة على الانتصار</span>؛ وذلك من سعة الصدر، وحسن الثقة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>٣ - الترفع عن السباب</span>، وذلك من شرف النفس وعلو الهمة.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٥/ ١٥٢، وأبو داود في الأدب، باب ما يقال عند الغضب، برقم ٤٧٨٢، وابن حبان، ص ٤٨٤ (موارد)، وشرح السنة للبغوي، ١٣/ ١٦٢، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ٧٠، وقال: «رجال أحمد رجال الصحيح»، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٩٠٨.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب من كتم غيظًا، برقم ٤٧٧٧، والترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حدثنا عبد بن حميد، برقم ٤٧٧٧، وابن ماجه، في كتاب الزهد، باب الحلم، برقم ٤١٨٦، وحسنه الألباني صحيح الترمذي، ٢/ ٣٠٥، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ٤٠٧، وصحيح الجامع، ٥/ ٣٥٣، وصحيح أبي داود، ٣/ ٩٠٧.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>٤ - الاستهانة بالمسيء:</span>\nإذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوتُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>٥ - الاستحياء من جزاء الجواب</span>، وهذا من صيانة النفس وكمال المروءة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>٦ - التفضّل على السّابّ</span>، وهذا من الكرم وحبّ التألّف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>٧ - قطع السّباب</span>، وهذا من الحزم كما قال الشاعر:\nوفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى ... وفي الخرق إغراء فلا تك أخرقا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>٨ - الخوف من العقوبة على الجواب</span>، وهذا مما يقتضيه الحزم، فقد قيل: الحلم حجاب الآفات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>٩ - الرعاية ليد سالفة</span>، وحرمة لازمة، وهذا من الوفاء وحسن العهد، قال الشاعر:\nإن الوفاء على الكريم فريضة ... واللؤم مقرون بذي الإخلاف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>١٠ - المكر وتوقع الفرص الخفية</span>، وهذا من الدهاء، وقد قيل: من ظهر غضبه قلّ كيده.\nوقال بعض الشعراء:\n\nولَلْكفُّ عن شتم اللئيم تكرّمًا ... أضرّ له من شتمه حين يشتم (١)\n\nفإذا راعى الداعية الوقاية من الغضب، والعلاج، وهذه الأسباب\nالعشرة كان حليمًا بإذن الله - تعالى - وبهذا يحقّق ركنًا من أركان الحكمة التي من أوتيها فقد أُوتي خيرًا كثيرًا.\n_________\n(١) انظر: أدب الدنيا والدين لأبي الحسن الماوردي، المتوفى سنة ٤٥٠هـ، ص٢١٤.","vol":"1","page":135},{"text":"وينبغي أن يعلم أن الغضب لله يكون محمودًا، ولا يدخل في الغضب المذموم، فالغضب المحمود يكون من أجل الله عندما ترتكب حرمات الله، أو تترك أوامره ويستهان بها، وهذا من علامات قوة الإيمان، ولكن بشرط أن لا يخرج هذا الغضب عن حدود الحلم والحكمة، وقد كان رسول الله - ﷺ - يغضب لله إذا انتهكت محارمه، وكان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتُهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء، ولم يضرب بيده خادمًا، ولا امرأة، إلاّ أن يجاهد في سبيل الله، وقد خدمه أنس بن مالك - ﵁ - عشر سنوات، فما قال له: أُفٍّ قطّ، ولا قال له لشيء فعله: لم فعلت كذا، ولا لشيء لم يفعله: ألا فعلت كذا؟ (١).\nوهذا لا ينافي الحلم والحكمة، بل الغضب لله في حدود الحكمة من صميم الحلم والحكمة.\n_________\n(١) انظر: عدة حالات غضب فيها النبي - ﷺ - لله تعالى، في البخاري مع الفتح، في كتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله - تعالى - ١٠/ ٥١٧، بأرقام الحديث: ٦١١٤، ورقم ٦١١٥، ورقم ٦١١٦ وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، ص١٢٧، وفتح الباري، ١٠/ ٥١٨، الطبعة السلفية.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>الفصل الرابع: الأناة والتثبُّت</span>\nالمبحث الأول: مفهوم الأناة.\nالمبحث الثاني: أهمية الأناة.\nالمبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الأناة في الدعوة.\nالمبحث الرابع: العجلة والاستعجال.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>المبحث الأول: مفهوم الأناة والتثبت</span>\nالأناة في اللغة: التثبت وعدم العجلة، يقال: تَأنَّى في الأمر: مكث ولم يعجل، والاسم منه: أناة (١).\nويقال: تأنَّى في الأمر: ترفَّق، وتنظّر، وتَمهّلَ، واستأنى به: انتظر به وأمهله (٢).\nوتأتي الأناة بمعنى التبيّن والتثبّت في الأمور، يقال: تَبيّنَ في الأمر والرأي: تثبّت، وتأنّى فيه ولم يعجل (٣).\nويأتي التبين بمعنى: التبصر: التعرف والتأمل، يقال: تبصّر الشيء، وتأمل في رأيه: تبين ما يأتيه من خيرٍ أو شرٍ (٤).\nوعلى ضوء ما تقدم تكون الأناة هي: التصرف الحكيم بين العجلة والتباطؤ (٥).\nوالأناة مظهر من مظاهر خُلق الصبر، وهي من صفات أصحاب العقل والرزانة، بخلاف العجلة فإنها من صفات أصحاب الرعونة والطيش، وهي تدل على أن صاحبها لا يملك الإرادة القوية القادرة\n_________\n(١) المصباح المنير، مادة: أنى، ٢٨.\n(٢) انظر: مختار الصحاح، مادة: أنى، ص١٣، والمعجم الوسيط، ١/ ٣١.\n(٣) انظر: المعجم الوسيط، مادة: أبان، ١/ ٨٠، ومادة: ثبت، ١/ ٩٣.\n(٤) انظر: القاموس المحيط، باب الراء، فصل الباء، ص٤٤٨، ومختار الصحاح، مادة: بصر،\nص٢٢، والمعجم الوسيط، ١/ ٥٩.\n(٥) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها لعبد الرحمن الميداني، ٢/ ٣٥٢.","vol":"1","page":139},{"text":"على ضبط نفسه تجاه انفعالاته العجولة، وبخلاف التباطؤ والتواني فهما من صفات أصحاب الكسل والتهاون بالأمور، ويدلاّن على أن صاحبهما لا يملك القدرة على دفع همّته للقيام بالأعمال التي تحقّق له ما يرجوه، أو ليس لديه همة عالية تنشد الكمال، فهو يرضى بالدنيات، إيثارًا للراحة، وكسلًا عن القيام بالواجب.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>المبحث الثاني: أهمية الأناة والتثبت</span>\nوالأناة عند الداعية إلى الله - تعالى - تسمح له بأن يُحكِّم أموره، ويضع الأشياء في مواضعها، فهي ركن من أركان الحكمة، بخلاف العجلة فإنها تعرّضه لكثير من الأخطاء والإخفاق، والتعثر، والارتباك، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وبخلاف التباطؤ والكسل فهو أيضًا يعرضه للتخلف والحرمان من تحقق النتائج التي يرجوها (١).\nوالداعية مطلوب منه أن يتخلّق بخُلُق الأناة، ولكن ما يتطلب من الأمور عملًا سريعًا فالحكمة السرعة إذن، وهي لا تخرج عن الأناة، فالقضية نسبية، وما يتطلب من الأمور عملًا بطيئًا فالحكمة البطء إذن، وهو لا يخرج عن الأناة؛ لأن الأمر نسبي، وليس للأناة مقادير زمنية ثابتة؛ ولكنها تختلف باختلاف حاجة الأشياء إلى مقدار السرعة الزمنية التي تحتاجها وتستدعيها النتائج المطلوبة، فالأشياء مربوطة بأوقاتها، والعجلة فيها مع معرفة أوقاتها المطلوبة خُلُقٌ مذموم يدل على ضعف الهمة والإخلاد إلى الراحة والكسل، أما الأناة فليست تعجلًا ومسابقة لأوقات الأشياء، ولا تباطؤًا وكسلًا، وكل من العجلة والتباطؤ يضيعان على أصحابهما الجهد والزمن، وما بذلوه، والأناة هي الكفيلة - بإذن الله تعالى - بتحقيق المطلوب، وتفادي الخسارة.\n_________\n(١) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها لعبد الرحمن الميداني، ٢/ ٣٥٣، وأخلاق القرآن الكريم للشرباصي، ٣/ ١٥.","vol":"1","page":141},{"text":"وقد ذم الإسلام الاستعجال ونهى عنه، وذم التباطؤ والكسل ونهى عنه، ومدح الأناة وأمر بها، وعمل على تربية المسلمين على الأناة والتثبت الحكيم بالأعمال وتصريف الأمور (١).\nقال الله - تعالى - للنبي - ﷺ - تربية له وتعليمًا: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٢).\nفأمر الله سبحانه نبيه بعدم العجلة ومسابقة الملَك في قراءته، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبيِّنه له ويفسِّره (٣).\nوقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى الله المَلِكُ الحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٤).\nوأمر سبحانه عباده المؤمنين والدعاة إلى الله - تعالى - بالتأني في الأمور والتثبت فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٥)، قرأ الجمهور (فتبينوا) من التبين، وهو التأمل، وقرأ حمزة والكسائي: (فتَثبَّتوا)،\n_________\n(١) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني، ٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤، بتصرف.\n(٢) سورة القيامة، الآيات: ١٦ - ١٩.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ٤/ ٤٥٠.\n(٤) سورة طه، الآية: ١١٤.\n(٥) سورة الحجرات، الآية: ٦.","vol":"1","page":142},{"text":"والمراد من التبيّن التعرّف والتفحّص، ومن التثبّت: الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر (١).\nوالدعاة إلى الله أولى بامتثال أمر الله - تعالى - وبالتأنِّي والتثبُّت من الأقوال والأفعال، والاستيثاق من مصدرها قبل الحكم عليها أو لها، وعليهم أن يتدبروا الأمور على مهلٍ، غير متعجلين؛ لتظهر لهم جلية واضحة، لا غموض فيها ولا التباس (٢).\nوالداعية إلى الله - تعالى - إذا أبصر العاقبة أمِنَ الندامة، ولا يكون ذلك إلا إذا تدبّر الأمور التي تعرض له، ويواجهها، فإذا كانت رشدًا، وحقًا، وصوابًا فليمض، وإذا كانت غيَّا، وضلالًا، وظنًّا خاطئًا، فليقف ولينتهِ حتى يتضح له الحق.\nوالمشاهَد والواقع أن عدم التثبت وعدم التأني يؤدِّيان إلى كثير من الأضرار والمفاسد، فقد يسمع الإنسان خبرًا، أو يقرأ نبأ في صحيفة، أو مجلة، فيسارع بتصديقه، ويعادي ويصادق، ويبني على ذلك التصرفات والأعمال التي يصدرها للمقاومة أو الموافقة، على أساس أنه حق واقع، ثم يظهر أنه كان مكذوبًا، أو مُحرّفًا، أو مزوَّرًا، أو مبالغًا فيه، أو مرادًا به غير ما فهمه الإنسان، ومن هنا يكتوي المتسرع بلهب الندم والحسرة بسبب استعجاله وعدم تثبته.\nوقد يصاب الداعية أو غيره من المسلمين بأذى دون أن يعرف\n_________\n(١) انظر: فتح القدير، للإمام الشوكاني، ٤/ ٦٠.\n(٢) انظر: في ظلال القرآن، ٦/ ٣٣٣٤، وموسوعة أخلاق القرآن للشرباصي، ٣/ ١٥.","vol":"1","page":143},{"text":"مصدره، فيستعجل ويسارع فيتّهم هذا، أو يسبّ ذاك، فيندم ويحصد ثمرة عجلته وعدم تثبته، ولو أنه تأنَّى، وتبيَّن، وتثبَّت؛ لأدرك مصدر الأذى على حقيقته، وحينئذ يصدر التصرف على أساس البينة والبرهان، فلا يفقد أصدقاء له، ولا يضيف إلى أعداءه عدوًا جديدًا منهم.\nويدخل في العجلة وعدم التثبت تعجل الإنسان في المدح أو الذم، دون دراية أو دون موجب لذلك، أو يتعجل بالكلام قبل أن يديره على عقله، أو بالفتوى قبل أن يعرف دليله وبرهانه الذي اعتمد عليه، وبنى عليه فتواه، وبعد ذلك يحصد الغم والأسف (١)، ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (٢).\nولعظم أمر الأناة والتبين التي أمر الله بها حتى في جهاد الكفار في سبيل الله الذي هو من أعظم وسائل الدعوة إلى الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣).\nومن المعلوم أن الأمور قسمان: أمور واضحة، وأمور غير واضحة.\nفالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبيت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل.\nوأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الداعية خاصة والمسلمين\n_________\n(١) انظر: موسوعة أخلاق القرآن الكريم، ٣/ ٢٦، وفي ظلال القرآن، ٦/ ٣٣٤٢.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ١١.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٩٤.","vol":"1","page":144},{"text":"عامةً بحاجة إلى التثبت فيها والتبين؛ فإن ذلك يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكفّ عن شرور عظيمة ما يجعل المسلم في سلامة عن الزلل، وبذلك يُعرفُ دين العبد وعقله ورزانته (١).\nومما يزيد الآية السابقة وضوحًا ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال: كان رجل في غُنَيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غُنَيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تلك الغُنَيمة، وقرأ ابن عباس: السلام (٢).\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ٢/ ١٣٢.\n(٢) البخاري، كتاب التفسير، سورة النساء، باب: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾، برقم٤٥٩١.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الأ ناة في الدعوة</span>\nلا يكون الداعية ناجحًا في دعوته إلا إذا التزم الأناة في جميع أموره وتصرفاته، ومما يوضح ذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ -، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>الصورة الأولى: مع أسامة:</span>\nعن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبَّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي - ﷺ - قال: فقال لي: «يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوِّذًا، قال: فقال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟»، قال، فمازال يُكرّرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (١).\nوفي رواية: قال: قلت يا رسول الله: إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا»، فمازال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ (٢).\nوفي رواية: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟»، قال: يا رسول الله: استغفر لي، قال: «وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟». قال فجعل لا يزيده على أن يقول: «كيف تصنع بلا إله\n_________\n(١) البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي - ﷺ - أسامة إلى الحرقات، برقم ٤٢٦٩، ومسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، برقم ٩٦.\n(٢) مسلم، في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، برقم ٩٦.","vol":"1","page":146},{"text":"إلا الله إذا جاءت يوم القيامة» (١).\nولهذا كان النبي - ﷺ - أعظم الناس أناةً وتثبُّتًا، فكان لا يُقاتل أحدًا من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام، فعن أنس بن مالك - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>الصورة الثانية: قبل القتال:</span>\nكان النبي - ﷺ - يُعلِّم ويربِّي أصحابه على الأناة والتثبُّت في دعوتهم إلى الله - تعالى - ومن ذلك أنه كان يأمر أمير سريته أن يدعوَ عدوَّه قبل القتال إلى ثلاث خصال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>الخصلة الأولى: الإسلام والهجرة</span>، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>الخصلة الثانية: فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>الخصلة الثالثة: فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>الصورة الثالثة: في الصلاة:</span>\nومن تربيته لأصحابه - ﷺ - على الأناة وعدم العجلة قوله: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسْعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة فما أدركْتُمْ\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، برقم ٩٦.\n(٢) البخاري بلفظه مطولًا، في كتاب الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء، برقم ٦١٠، ومسلم، في الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سُمِعَ فيهم الأذان، برقم ١٣٦٥.\n(٣) أخرج الحديث مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، برقم ١٧٣١، وانظر: زاد المعاد لابن القيم، ٣/ ١٠٠.","vol":"1","page":147},{"text":"فصلّوا، وما فاتكم فأتموا» (١).\nوقوله - ﷺ -: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت» (٢).\nولِسُمُوِّ الأناة أحبها الله - ﷿ -، قال رسول الله - ﷺ - للأشج: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة» (٣).\nوالرسل عليهم الصلاة والسلام هم صفوة الخلق وقدوتهم، وهم أكمل الناس أناة وحلمًا، وأعظمهم في ذلك وأوفرهم حظًا محمد - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>الصورة الرابعة: من تثبت سليمان - ﷺ </span>-:\nومن أمثلة ذلك قصة سليمان مع الهدهد وتثبّته وعدم عجلته، قال سبحانه عن ذلك: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ (٤).\nفهذا الهدهد من جنود سليمان - ﷺ - كان غائبًا بغير إذن سليمان، وحينئذ يتعيّن أن يُؤخذ الأمر بالحزم والجدّ في تنظيم الجنود حتى لا تكون فوضى؛ فإن سليمان إذا لم يأخذ بذلك في تنظيم الجنود ومراقبتهم كان المتأخر منهم قدوة سيئة لبقية الجنود؛ ولهذا نجد سليمان النبي الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب المخالف، ولكن سليمان ليس ملكًا جبارًا في الأرض، ولا متسرّعًا عجولًا، وهو لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب، فلا ينبغي أن\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة، وقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾، برقم ٩٠٨، ومسلم في المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بسكينة ووقار والنهي عن إتيانها سعيا، برقم ٦٠٢.\n(٢) مسلم، في كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة، برقم ٦٠٤.\n(٣) مسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله - تعالى - ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه، برقم ١٧.\n(٤) سورة النمل، الآيتان: ٢٠ - ٢١.","vol":"1","page":148},{"text":"يترك الأناة والتثبت ويقضي في شأنه قضاءً نهائيًا قبل أن يسمع منه ويتبين عذره، ومن ثم تبرز سمة النبي العادل المتثبت ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: حجة قوية واضحة توضح عذره وتنفي المؤاخذة عنه (١).\nفالأناة صفة جميلة، وتكون أجمل إذا جاءت من القادر على العقاب، ولهذا قال الشاعر ابن هانئ المغربي:\n\nوكل أناة في المواطن سؤدد ... ولا كأناة من قديرٍ محكم\nومن يتبين أن للصفح موضعًا ... من السيف يصفح عن كثير ويحلم\nوما الرأي إلا بعد طول تَثَبُّتٍ ... ولا الحزم إلا بعد طول تلوم\n\nوقال الشاعر يمدح عاقلًا حكيمًا:\n\nبصير بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه في كل أمر عواقبه (٢)\n\nوالداعية إلى الله - ﷿ - إذا تثبت، وتأمل في جميع أموره اكتسب ركنًا من أركان الحكمة، وينبغي ألا يقتصر في منهجه المتكامل على التأني والتثبت في الأفعال والأقوال فحسب، بل عليه أن يجري ذلك على القلب في خواطره، وتصوراته، وفي مشاعره وأحكامه ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (٣).\nفلا يقول اللسان كلمة، ولا يروي حادثة، ولا يحكم العقل حكمًا، ولا يبرم الداعية أمرًا إلا وقد تثبّت من كل جزئية، ومن كل ملابسة،\n_________\n(١) انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب، ٥/ ٢٦٣٨، وفقه الدعوة في إنكار المنكر، لعبد الحميد البلالي، ص١٧.\n(٢) انظر: موسوعة أخلاق القرآن، للدكتور الشرباصي، ٣/ ٢٧.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.","vol":"1","page":149},{"text":"ومن كل نتيجة، حتى لا يبقى هنالك شك ولا شبهة في صحتها، وحينئذ يصل الداعية المسلم المتمسك بهذه الضوابط إلى أعلى درجات الأناة والحكمة والسداد - بإذن الله تعالى - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>الصورة الخامسة: في الغزو:</span>\nعن أنس - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر، الله أكبر فقال رسول الله - ﷺ -: «على الفطرة»، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «خرجت من النار» (٢).\nوعنه - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان إذا غزا بنا قومًا لم يغزُ بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذانًا كف عنهم وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم ... (٣).\nوهذا يدل على تثبته - ﷺ - وعدم عجلته، وهو أسوة الدعاة إلى الله تعالى وقدوتهم.\nوعن عبد الله بن سرجس المزني - ﵁ -،أن النبي - ﷺ - قال: «السَّمْتُ الحسن (٤)، والتُّؤَدَةُ، والاقتصاد (٥)، جزء من أربعةٍ وعشرين جزءًا من\n_________\n(١) انظر: في ظلال القرآن، ٤/ ٢٢٢٧.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان، برقم ٣٨٢.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء، برقم ٢٩٤٣.\n(٤) السمت الحسن: هو حسن الهيئة والمنظر. انظر: فيض القدير للمناوي، ٣/ ٢٧٧.\n(٥) الاقتصاد: هو التوسط في الأمور والتحرز عن طرفي الإفراط والتفريط. انظر: المرجع السابق ٣/ ٢٧٧.","vol":"1","page":150},{"text":"النبوة» (١).\nوبهذا يُعلم أن الأناة في كل شيء محمودة وخيرٌ إلا ما كان من أمر الآخرة، بشرط مراعاة الضوابط التي شرعها الله حتى تكون المسارعة مما يحبه الله تعالى (٢).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في التأني والعجلة، برقم ٢٠١٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٩٥.\n(٢) انظر: شرح السنة للبغوي، ١٣/ ١٧٧، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ١٥٣.","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>المبحث الرابع: العجلة والاستعجال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>المطلب الأول: مفهوم العجلة وصورها</span>\nالاستعجال: هو طلب وقوع الأمر قبل وقته، وهو صفة مذمومة. والذي يحرك هذه الصفة: هو أن طبيعة الإنسان العجلة ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (١)، ولكن المؤمن يعمل بالأسباب، ويبتعد عن أسباب العجلة.\nوللعجلة صور في حياة الناس، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>١ - استعجال نزول العذاب </span>بالمخالفين، وهذا أمارة وعلامة اليأس الذي لا يليق بالدعاة إلى الله تعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>٢ - استعجال البروز قبل النضوج </span>والرسوخ في العلم، فلا يجوز الاستعجال في ذلك بدون بصيرة؛ ولهذا قال بعضهم:\nمن تَحلّى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الامتحان (٣)\n\nوقد قيل: العلم ثلاثة أشبار: من دخل في الشبر الأول تكبّر، ومن دخل في الشبر الثاني تواضع، ومن دخل في الشبر الثالث علم أنه ما يعلم (٤)، ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ\nيَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ٣٧.\n(٢) سورة مريم، الآية: ٨٤.\n(٣) انظر: الدعوة والدعاة بين تحقيق التوكل واستعجال النتائج لسليم الهلالي، ص٧٤.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ص٧٥.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٨٨.","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>٣ - ترك الدعاء</span>، قال - ﷺ -: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل» قيل: يا رسول الله، فما الاستعجال؟ قال: «يقول قد دعوت فلم أر يُستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع\nالدعاء» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>٤ - استعجال النصر </span>دون التمكن من أسبابه.\nوهناك صور كثيرة لا يمكن حصرها فعلى الدعاة أن يبتعدوا عن العجلة وأسبابها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>المطلب الثاني: ذمّ العجلة</span>\nالعجلة مذمومة، قال سبحانه عن فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ\nفَأَطَاعُوهُ﴾ (٢)، استخفهم وحملهم على الضلالة والجهل، واستخف عقولهم، يقال: استخف عن رأيه: إذا حمله على الجهل وأزاله عما كان عليه من الصواب (٣).\nوقال سبحانه: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (٤).\nولاشك أن الإنسان قد خلق من عجل ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (٥)؛\n_________\n(١) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، والتوبة والاستغفار، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، برقم ٢٧٣٥.\n(٢) سورة الزخرف، الآية: ٥٤.\n(٣) تفسير ابن كثير، ٤/ ١٣٠، وشرح السنة للبغوي، ١٣/ ١٧٥.\n(٤) سورة الروم، الآية: ٦٠.\n(٥) سورة الأنبياء، الآية: ٣٧.","vol":"1","page":153},{"text":"ولكنه - بحمد الله - إذا امتثل أمر الله وترك نهيه حسنت أخلاقه وطبائعه.\nوالعجلة لها أسباب ينبغي اجتنابها، منها: عدم النظر في العواقب، وسنن الله في الكون، ومنها الشيطان عدو الإنسان؛ فإن أساس العجلة من الشيطان؛ لأنه الحامل عليها بوسوسته، فيمنع من التثبت والنظر في العواقب، فيقع المستعجل في المعاطب والفشل (١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - يرفعه: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» (٢)؛ ولذلك قيل:\n\nيا صاحبيّ تلوّما لا تعجلا ... إن النجاح رهين أن لا تعجلا\n\nوقال عمرو بن العاص - ﵁ -: «لا يزال الرجل يجني من ثمرة العجلة الندامة» (٣).\nوينبغي أن يُعْلَم أن العجلة المذمومة ما كان في غير طاعة، ومع عدم التثبت وعدم خوف الفوت، ولهذا قيل لبعض السلف: لا تعجل، فإن العجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (٤).\nوقد قال بعض السلف: لا تعجل عجلة الأخرق وتحجم إحجام الواني.\nوالخلاصة: أنه يستثنى من العجلة ما لا شبهة في خيريته، قال تعالى:\n_________\n(١) انظر: شرح السنة للبغوي، ١٣/ ١٧٦، وفيض القدير شرح الجامع الصغير، ٣/ ١٨٤.\n(٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده، ٣/ ١٠٥٤، والبيهقي في السنن الكبرى، ١٠/ ١٠٤٠، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٤٠٤: «هذا إسناد حسن ورجاله ثقات».\n(٣) انظر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ١٥٣.\n(٤) سورة طه، الآية: ٨٤.","vol":"1","page":154},{"text":"﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (١).\nوعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال الأعمش: ولا أعلمه إلا عن النبي - ﷺ -: «التُّؤَدَة (٢) في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>المطلب الثالث: علاج الاستعجال</span>\nيمكن التخلّص من الاستعجال بأمور، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>١ - العلم بأن وعد الله آتٍ لا ريب فيه</span>، فإن كان الاستعجال بنزول العذاب على المخالفين، فليعلم المستعجل أنما هي آجال محدودة، ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤)، وإن كان استعجال النصر قبل التمكن من أسبابه فليعلم المستعجل أن الله مُتمُّ نوره ولو كره الكافرون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>٢ - النظر إلى سنن الله في الغابرين </span>الذين استعجلوا العذاب، فأصبح لا يُرى إلا مساكنهم عبرة لكل معتبر؛ ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ ...﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>٣ - عدم وقوع الأمر </span>على وفق استعجال المستعجل قد يكون رحمة من\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ٩٠.\n(٢) التُّؤَدَة: التأني. انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي،٣/ ٢٧٧،وعون المعبود، ٣/ ١٦٥.\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب الرفق، برقم ٤٨١٠، والحاكم بلفظه وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ١/ ٦٤، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٩١٣.\nوذلك لأن الحزم بذل الجهد في عمل الآخرة؛ لتكثير القربات ورفع الدرجات لأن في تأخير الخيرات آفات. انظر: فيض القدير، ٣/ ٢٧٧، وعون المعبود، ٣/ ١٦٥.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٤٢.\n(٥) سورة الرعد، الآية: ٦.","vol":"1","page":155},{"text":"الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>٤ - يتخلص من العجلة بالتدرب</span>، والتصبّر، والمجاهدة على عدم العجلة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ\nالْمُحْسِنِينَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>٥ - تقوى الله تعالى ودعاؤه</span>، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ١١.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.\n(٣) سورة الطلاق، الآية: ٢.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٢٩.\n(٥) سورة غافر، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>الفصل الخامس: الرفق واللين</span>\nالمبحث الأول: مفهوم الرفق واللين.\nالمبحث الثاني: أهمية الرفق واللين.\nالمبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الرفق في الدعوة.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>المبحث الأول: مفهوم الرفق واللين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>الرفق لغة: </span>اللطف ولين الجانب (١)، وهو ضد العنف (٢)، واللين: ضد الخشونة (٣)، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٤).\nومعنى ﴿لِنتَ لَهُمْ﴾: سهَّلت لهم أخلاقك، وكثرة احتمالك، ولم تسرع إليهم بالغضب فيما كان منهم (٥).\nفظهر من هذه التعريفات اللغوية أن الرفق واللين يتضمن: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والأيسر وحسن الخلق، وكثرة الاحتمال، وعدم الإسراع بالغضب والتعنيف (٦).\nويُطلق الرفق واللين على المداراة إذا كان في ذلك دفع برفق، يُقال: «دَارَأهُ» أي لاينه واتقاه (٧)، ودفعه (٨)، ولاطفه ولاينه اتقاءً لشرِّه (٩)، وفي الحديث: «أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي فجاءت بهمة تمرّ بين يديه فمازال\n_________\n(١) القاموس المحيط، ص١٤٥، والمعجم الوسيط، ١/ ٣٦٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ٢/ ٢٤٦.\n(٢) مختار الصحاح، ص١٠٥.\n(٣) المرجع السابق، ص٢٥٥.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٥) انظر: تفسير البغوي، ١/ ٤٤٩.\n(٦) انظر: فتح الباري، ١٠/ ٤٤٩.\n(٧) مختار الصحاح، ص٨٥، مادة «دَرَأَ».\n(٨) القاموس المحيط، ص٥٠.\n(٩) المعجم الوسيط، ١/ ٢٧٦.","vol":"1","page":159},{"text":"يُدارئُها» أي يدافعها (١)، وقد بوّب البخاري - ﵀ - بابًا في صحيحه فقال: (باب<span data-type=\"title\" id=toc-223> المداراة </span>مع الناس) ثم أورد حديث عائشة أنه استأذن على النبي - ﷺ - رجل فقال: «ائذنوا له فبئس ابن العشيرة» - أو بئس أخو العشيرة»، فلما دخل «ألان له الكلام». قالت عائشة: فقلت له: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له في القول. فقال: «أي عائشة إن شر الناس منزلة عند الله من تركه - أو ودعه - الناس اتِّقاء فُحشه» (٢)، ويذكر عن أبي الدرداء - ﵁ -: «إنا لنكشِرُ (٣) في وجوه أقوام وإن قلوبنا تلعنهم» (٤).\nفظهر أن المداراة هي: الدفع برفق ولين.\nوالمداراة ليست من المداهنة: قال ابن بطال - ﵀ -: المداراة من أخلاق المؤمنين وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. قال: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق: أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضى بما هو فيه من غير إنكار عليه.\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، ٢/ ١١٠.\n(٢) البخاري، كتاب الأدب، باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب، برقم ٦٠٥٤.\n(٣) هو في الغالب الضحك مع ظهور الأسنان، الفتح، ١٠/ ٥٢٨.\n(٤) البخاري، بصيغة التمريض، كتاب الأدب، باب المداراة مع الناس، قبل الحديث رقم ٦١٣١، وقال ابن حجر١٠/ ٥٢٨: «منقطع».","vol":"1","page":160},{"text":"والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل لاسيما إذا احتيج إلى تألفّه ونحو ذلك (١).\nوقد قال الله تعالى لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢)، ومعنى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا﴾: يقول: دارياه وارفقا به (٣)، وقد استدل بهذه الآية المأمون عندما عنّفه واعظ وشدّد عليه القول، فقال: يا رجل ارفق، فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق، فقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٤)، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٥).\nولهذا قال القائل:\n\nوإذا عجزت عن العدوِّ فداره ... وامزح له إن المزاحَ وفاقُ\nفالنارُ بالماء الذي هو ضدُّها ... تُعطي النِّضاح وطبعُها الإحراقُ\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-224>ظهر مما تقدم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>١ - أن الرفق واللين: </span>لين الجانب بالقول، والفعل، والأخذ بالأسهل\n_________\n(١) فتح الباري، ١٠/ ٥٢٨.\n(٢) سورة طه، الآيتان: ٤٣ - ٤٤.\n(٣) تفسير البغوي، ٣/ ٢١٩.\n(٤) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي، ٢/ ٣٣٤. وانظر: الرفق واللين للدكتور فضل إلهي، ص١٢.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":161},{"text":"والأيسر، وحسن الخلق، وكثرة الاحتمال، وعدم الإسراع بالغضب والتعنيف والشدة والخشونة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>٢ - أن المداراة تطلق على الرفق واللين </span>إذا كان فيها مدافعة، كتعليم الجاهل، ونهي الفاسق عن فسقه. والمداراة من أخلاق المؤمنين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>٣ - أن المداهنة مذمومة </span>محرمة، وهي: معاشرة الفاسق ومخاللته مع الرضى بما هو عليه من المعاصي وعدم الإنكار عليه، والله الموفق.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>المبحث الثاني: أهمية الرفق واللين</span>\nعن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال لها: «إنه من أُعطي حظّه من الرفق فقد أُعطي حظّه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخُلُق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (١).\nفقد عظّم النبي - ﷺ - شأن الرفق في الأمور كلها، وبين ذلك بفعله وقوله بيانًا شافيًا كافيًا؛ لكي تعمل أمّتهُ بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى الله - ﷿ -؛ فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرّفاتهم، وأحوالهم. وهذا الحديث السابق وغيره من الأحاديث التي ستأتي تُبيّن فضل الرفق، والحث على التخلّق به، وبغيره من الأخلاق الحسنة، وذمّ العنف وذمّ من تخلَّق به.\nفالرفق سبب لكل خير؛ لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب، ومن الثواب ما لا يحصل بغيره، وما لا يأتي من ضده (٢).\nوقد حذّر النبي - ﷺ - من العنف، وعن التشديد على أمته - ﷺ -، فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في بيتي هذا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (٣)، وكان - ﷺ - إذا أرسل أحدًا من أصحابه\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٦/ ١٥٩، وإسناده صحيح كما في الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم ٥١٩.\n(٢) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٦/ ١٤٥، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٤٤٩، وتحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، ٦/ ١٥٤.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، برقم ١٨٢٨.","vol":"1","page":163},{"text":"في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير.\nفعن أبي موسى - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أموره قال: «بشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا» (١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أراد الله - ﷿ - بأهل بيتٍ خيرًا أدخل عليهم الرفق» (٢).\nوقال النبي - ﷺ - لأبي موسى الأشعري ومعاذ ﵄ حينما بعثهما إلى اليمن: «يسَّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوَعَا ولا تختلِفَا» (٣).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يسِّرُوا ولا تعسِّرُوا، وبشِّرُوا ولا تنفِّرُوا» (٤).\nفي هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي - ﷺ - في هذه الألفاظ بين الشيء وضده؛ لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقتٍ والتعسير في وقت، ويبشر في وقت وينفر في وقت آخر، فلو اقتصر على يسّروا لصدق ذلك على من يسِّر مرّة أو مرّات، وعسّر في معظم الحالات، فإذا قال: ولا تعسِّرُوا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه، وهذا هو المطلوب، وكذا يقال في يسّرا ولا تعسرا، وبشرا\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٢.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند، ٦/ ٧١، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٢١٩، برقم ١٢١٩: «حديث صحيح من رواية عائشة ﵂».\n(٣) البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، برقم ٤٣٤١، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٣، واللفظ له.\n(٤) البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، برقم ٦٩، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٤.","vol":"1","page":164},{"text":"ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء، والنبي - ﷺ - قد حثّ في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل الله وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وهذا فيه تأليف لمن قرب إسلامه وترك التشديد عليه، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويُتلطّف بهم في أنواع الطاعات قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج فمتى يُسِّرَ على الداخل في الطاعة، أو المريد للدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالبًا الازدياد منها، ومتى عُسِّرت عليه أوْشَكَ أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم ولا يستحليها (١)، وهكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يتخوّل أصحابه بالموعظة في الأيام كراهة السَّآمة عليهم (٢).\nفصلوات الله وسلامه عليه فقد دلّ أمته على كل خير، وحذّرهم من كل شرّ، ودعا على من شقّ على أمته، ودعا لمن رفق بهم كما تقدم في حديث عائشة، وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم (٣).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٢/ ٤١، وفتح الباري، ١/ ١٦٣.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١/ ١٦٢، ١٦٣.\n(٣) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢/ ٢١٣.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الرفق في الدعوة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>الصورة الأولى: مع شاب استأذن في الزنا</span>\nعن أبي أمامة - ﵁ - قال: إن فتىً شابًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا له: مه مه! فقال له: «ادنه»، فدنا منه قريبًا، قال: «أتحبّه لأمك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا الناس يحبّونه لأمهاتهم». قال: «أفتحبّه لابنتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: «أفتحبه لعمتك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال: فوضع يده عليه، وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصّن فرجه»، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (١).\nوهذا الموقف العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى الله - ﷿ - أن يعتنوا بالرفق والإحسان إلى الناس، ولاسيما من يُرغَبُ في استئلافهم ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم.\nوكما يبين لنا الرسول - ﷺ - الرّفق بفعله بينه لنا بقوله وأمرنا بالرفق في الأمر كله.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند من حديث أبي أمامة - ﵁ -، ٥/ ٢٥٦، ٢٥٧، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني، ١/ ١٢٩، وقال: «رجاله رجال الصحيح»، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٣٧٠.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>الصورة الثانية: مع اليهود:</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله - ﷺ - فقالوا: السامُ عليكم، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السامُ واللعنة. قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: «مهلًا يا عائشة إن الله يُحبّ الرفق في الأمر كله»، فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله - ﷺ -: «قد قلت وعليكم» (١).\nوقال رسول الله - ﷺ -: «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يُعطي على ما سواه» (٢).\nوقال النبي - ﷺ -: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزع من شيء إلا شانه» (٣).\nوبين رسول الله - ﷺ - أن من حُرِمَ الرفق فقد حرم الخير، قال - ﷺ -: «من يحرم الرفق يحرم الخير» (٤).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من أٌعطيَ حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرِمَ حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير» (٥)، وعنه - ﵁ - يبلغ به قال: «من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، برقم ٦٠٢٤.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، عن عائشة ﵂،\nبرقم ٢٥٩٣.\n(٣) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما سابقًا، برقم ٢٥٩٤،عن عائشة ﵂ أيضًا.\n(٤) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما سابقًا عن جرير بن عبد الله - ﵁ -، برقم ٢٥٩٢.\n(٥) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الرفق، برقم ٢٠١٣، وقال: «حديث حسن صحيح»، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٩٥.","vol":"1","page":167},{"text":"من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخُلُق الحسن» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>الصورة الثالثة: مع من بال في المسجد:</span>\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله - ﷺ - إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: مَهْ مَهْ (٢)، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تزرموه (٣)، دعوه»، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - ﷺ - دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن»، أو كما قال رسول الله - ﷺ -.\nقال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه (٤) عليه (٥).\nوقد ثبت في البخاري وغيره أن هذا الرجل هو الذي قال: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا»، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قام رسول الله - ﷺ - وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند، ٦/ ٤٥١، وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٧٦، وذكر له شواهد كثيرة.\n(٢) مه: كلمة زجر، وهو اسم مبني على السكون، معناه: اسكت. وقيل: أصلها: ما هذا؟ انظر: شرح النووي، ٣/ ١٩٣.\n(٣) لا تزرموه: أي لا تقطعوا عليه بوله. والإزرام: القطع. انظر: المرجع السابق، ٣/ ١٩٠.\n(٤) شنه: أي صبه عليه. انظر: المرجع السابق، ٣/ ١٩٣.\n(٥) أخرجه مسلم بلفظه في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها، برقم ٢٨٦، والبخاري، بمعناه مختصرًا في كتاب الوضوء، باب ترك النبي - ﷺ - والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد، برقم ٢١٩، وروايات بول الأعرابي في البخاري في عدة مواضع منها: برقم ٢١٩، ٢٢٠، ٢٢١، وقبل الحديث رقم ٢٢٢.","vol":"1","page":168},{"text":"ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي - ﷺ - قال للأعرابي: «لقد حجّرت واسعًا» يريد رحمة الله (١).\nوتُفسّر هذه الرواية الروايات الأخرى عند غير البخاري، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: دخل رجل أعرابي المسجد فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا! فالتفت إليه رسول الله - ﷺ - فقال: «لقد تحجّرت واسعًا»، ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «إنما بُعثتم مُيسِّرين، ولم تُبعثوا مُعسِّرين، أهريقوا عليه دلوًا من ماء، أو سجلًا من ماء» (٢).\nقال: يقول الأعرابي بعد أن فقه: «فقام النبي - ﷺ - إليّ بأبي وأمي فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب» (٣).\nالنبي - ﷺ - أحكم خلق الله، فمواقفه وتصرفاته كلها مواقف حكمة مشرفة، ومن وقف على أخلاقه ورفقه وعفوه وحلمه، ازداد يقينه وإيمانه بذلك.\nوهذا الأعرابي قد عمل أعمالًا تثير الغضب، وتسبّب عقوبته وتأديبه من الحاضرين؛ ولذلك قام الصحابة إليه، واستنكروا أمره، وزجروه، فنهاهم النبي - ﷺ - أن يقطعوا عليه بوله.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم ٦٠١٠.\n(٢) أخرجه الترمذي بنحوه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في البول يصيب الأرض، برقم ١٤٧، وأخرجه أحمد في المسند بترتيب أحمد شاكر واللفظ لأحمد، ١٢/ ٢٤٤، برقم ٧٢٥٤، وأخرجه أحمد أيضًا مطولًا، ٢٠/ ١٣٤، برقم ١٠٥٤٠، وأبو داود، برقم ٣٨٠.\n(٣) أخرجه أحمد في المسند بترتيب أحمد شاكر وهو تكملة للحديث السابق من رواية أبي هريرة - ﵁ -، ٢٠/ ١٣٤، برقم ١٠٥٤٠، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب الأرض يصيبها لبول كيف تغسل، برقم ٥٢٩.","vol":"1","page":169},{"text":"وهذا في غاية الرفق والحلم والرحمة، ويجمع ذلك كله الحكمة، فقد أنكر النبي - ﷺ - بالحكمة على هذا الأعرابي عمله، فقال له حينما قال: «اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا»: «لقد حجّرت واسعًا»، يريد - ﷺ - رحمة الله، فإن رحمة الله قد وسعت كل شيء، قال - ﷿ -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، فقد بخل هذا الأعرابي برحمة الله على خلقه.\nوقد أثنى الله - ﷿ - من فعل خلاف ذلك حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ (٢).\nوهذا الأعرابي قد دعا بخلاف ذلك، فأنكر عليه النبي - ﷺ - بالحكمة (٣).\nوحينما بال في المسجد أمر النبي - ﷺ - بتركه؛ لأنه قد شرع في المفسدة، فلو منع ذلك لزادت المفسدة، وقد حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منعه - ﷺ - بعد ذلك لدار بين أمرين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>١ - إما أن يقطع عليه بوله فيتضرّر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>٢ - وإما أن يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو ثوبه</span>، أو مواضع أخرى من المسجد.\nفأمر النبي - ﷺ - بالكفّ عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (٤).\nوهذا من أعظم الحكم العالية، فقد راعى النبي - ﷺ - هذه المصالح، وما\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.\n(٢) سورة الحشر، الآية: ١٠.\n(٣) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ٤٣٩.\n(٤) انظر: فتح الباري، شرح صحيح البخاري، ١/ ٣٢٥، وشرح النووي على مسلم، ٣/ ١٩١.","vol":"1","page":170},{"text":"يقابلها من المفاسد، ورسم - ﷺ - لأمته والدعاة من بعده كيفية الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، ولا سبٍّ ولا إيذاء ولا تشديد، إذا لم يكن ذلك منه عنادًا ولا استخفافًا، وقد كان لهذا الاستئلاف والرحمة والرفق الأثر الكبير في حياة هذا الأعرابي وغيره، فقد قال بعد أن فقه - كما تقدّم - وفي رواية الإمام أحمد: فقام النبي - ﷺ - إليّ بأبي وأمي، فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب (١).\nفقد أثّر هذا الخلق العظيم في حياة الرجل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>الصورة الرابعة: مع معاوية بن الحكم:</span>\nعن معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ - قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ - إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمّياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله - ﷺ - فبأبي هو وأمي ما رأيت معلِّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني (٣) ولا ضربني ولا شتمني، قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، أو كما قال رسول الله - ﷺ -.\nقلت: يا رسول الله! إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، برقم ٥٢٩، وأحمد، تقدم تخريجه.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١/ ٣٢٥، وشرح النووي، ٣/ ١٩١، وعون المعبود شرح سنن أبي داود،\n٢/ ٣٩، وتحفة الأحوذي، شرح سنن الترمذي، ١/ ٤٥٧.\n(٣) ما كهرني: أي ما قهرني ولا نهرني. انظر: شرح النووي، ٥/ ٢٠.","vol":"1","page":171},{"text":"بالإسلام، وإنا منا رجالًا يأتون الكهان، قال: «فلا تأتهم».\nقال: ومنا رجال يتطيرون، قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنّهم» (١)، (قال ابن الصلاح: فلا يصدّنكم)، قال: قلت: ومنا رجال يخطّون، قال: «كان نبي من الأنبياء يخطّ، فمن وافق خطّه فذاك» (٢).\nقال: وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبَلَ أُحُد والجوَّانية (٣)، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله - ﷺ - فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها، قال: «ائتني بها»، فأتيته بها، فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (٤).\nوهذا الموقف من أعظم الحكم البارزة السامية التي أوتيها النبي - ﷺ -، وقد ظهر أثر ذلك في حياة ونفس معاوية - ﵁ -؛ لأن النفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها، ولهذا قال معاوية - ﵁ -: ما رأيت معلِّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه.\n_________\n(١) قال العلماء: معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة، ولا عتب عليكم في ذلك، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم. انظر: المرجع السابق، ٥/ ٢٢.\n(٢) اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه: من وافق خطه فهو مباح له؛ ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يُباح، والمقصود أنه حرام؛ لأنه لا يُباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، وقيل: إنه نُسخ في شرعنا. فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن فهو محرم. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٣.\n(٣) الجوانية: موضع في شمال المدينة بقرب جبل أحد. انظر: المرجع السابق، ٥/ ٢٣.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، برقم ٥٣٧، وانظر شرحه في شرح مسلم للنووي، ٥/ ٢٠.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>الصورة الخامسة: مع من كانت يده تطيش:</span>\nعن عمر بن أبي سلمة - ﵁ - قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله - ﷺ - وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله - ﷺ -: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، فمازالت تلك طعمتي بعد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>الصورة السادسة: مع من أصاب من امرأته قبل الكفارة:</span>\nعن سلمة بن صخر الأنصاري - ﵁ - قال في حديثه: «... خرجت فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته خبري فقال لي: «أنت بذاك»؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: «أنت بذاك»؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: «أنت بذاك»؟ فقلت: نعم ها أنذا فامضِ فيَّ حكمك فإني صابر له، قال: «أعتق رقبة»، قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: «فصم شهرين» قال: قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: «فتصدق» قال: فقلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشًا ما لنا عشاء، قال: «اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقًا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك»، قال فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله - ﷺ - السعة والبركة وقد أمر لي بصدقتكم فادفعوها لي، قال: فدفعوها لي» (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام، برقم ٢٠٢٢، والبخاري، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين، برقم ٥٣٧٦.\n(٢) أحمد، برقم ١٦٤٦٨، وأبو داود، كتاب الطلاق، باب في الظهار، برقم ٢٢١٥، والترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - ﷺ -، باب ومن سورة المجادلة، برقم وابن ماجه، كتاب الطلاق، باب الظهار، برقم ٢٠٢٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٥٢، وإرواء الغليل، ٧/ ١٧٩.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>الصورة السابعة: مع من بكت عند القبر:</span>\nعن أنس - ﵁ - قال: مرَّ النبي - ﷺ - بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اتقِ الله واصبري» قالت: إليك عنّي فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - ﷺ -، فأتت النبي - ﷺ - فلم تجد عنده بوّابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (١)، وهذا فيه الدلالة على رفق النبي - ﷺ - بالجاهل، وترك المؤاخذة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>الصورة الثامنة: من رفق صلة بن أشيم:</span>\nومن المواقف التطبيقية ما فعله صلة بن أشيم - ﵀ - حين مر رجل قد أسبل ثيابه يسحبها ويجرّها على الأرض، فأخذ الناس يسبّونه ويُغلظون له في القول، فساءه ذلك، وأراد أن يريهم درسًا عمليًا للرفق واللين في الإنكار فقال لهم: دعوني أكفكم أمره، ثم قال: يا ابن أخي إنّ لي إليك حاجة. قال: ما هي؟ قال: أحب أن ترفع إزارك، قال: نعم ونعمى عيني - أي أقر عينك بطاعتك واتباع أمرك - فرفع إزاره. فقال: صلة لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم، فإنكم لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم (٢).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري، برقم ١٢٨٣.\n(٢) مختصر منهاج القاصدين، ص١٣٧.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>الفصل السادس: الصبر</span>\nالمبحث الأول: مفهوم الصبر.\nالمبحث الثاني: أهمية الصبر في الدعوة.\nالمبحث الثالث: مجالات الصبر.\nالمبحث الرابع: حكم الصبر.\nالمبحث الخامس: أنواع الصبر.\nالمبحث السادس: صور من مواقف تطبيق الصبر والشجاعة في الدعوة.\nالمبحث السابع: طرق تحصيل الصبر.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>المبحث الأول: مفهوم الصبر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>الصبر لغة: </span>الحبس والمنع، وهو ضدّ الجزع، ويقال: صبر صبرًا: تجلَّد ولم يجزع، وصبر: انتظر، وصبّر نفسه: حبسها وضبطها، وصبر فلانًا: حبسه، وصبرت صبرًا: حبست النفس عن الجزع، وسُمّي الصوم صبرًا لما فيه من حبس النفس عن الطعام، والشراب، والنكاح (١).\nفتبين بذلك أن الصبر هو: منع وحبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكِّي، والجوارح عن التشْويش: كلطم الخدود، وشقّ الجيوب ونحوهما (٢).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-243>حقيقة الصبر: </span>هو خُلُقٌ فاضل من أخلاق النفس يمنع صاحبه من فعل ما لا يَحْسُنُ، ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها (٣).\nوهذه القوة تمكِّن الإنسان من ضبط نفسه لتحمّل المتاعب، والمشاق، والآلام (٤).\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ٣/ ٧،والمصباح المنير،١/ ٣٣١،والقاموس المحيط، ص٥٤٠،ومختار الصحاح، ص١٤٥،والقاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، ص٢٠٦.\n(٢) انظر: عدة الصابرين لابن القيم، ص٢٧، ومدارج السالكين، ٢/ ١٥٦، وطريق الهجرتين لابن القيم، ص٤٣٧.\n(٣) انظر: عدة الصابرين، ص٢٩.\n(٤) انظر: الأخلاق الإسلامية للميداني، ٢/ ٣٠٥.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>المبحث الثاني: أهمية الصبر في الدعوة إلى الله تعالى</span>\nالصبر في الدعوة إلى الله تعالى من أهم المهمات، ومن أعظم الواجبات على الدعاة إلى الله - ﷾ -، والصبر وإن كان واجبًا بأنواعه على كل مسلم، فإنه على الدعاة إلى الله من باب أولى وأولى؛ ولهذا أمر الله به إمام الدعاة وقدوتهم رسول الله ﵊: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣)، فهذا سيد ولد آدم - ﷺ - قد أمره الله بالصبر، وأتباعه من باب أولى.\nوالله - ﷿ - قد أوضح للناس أنه لابد من الابتلاء، والاختبار، والامتحان لعباده، وخاصة الدعاة إلى الله تعالى؛ ليظهر الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، والصابر من غيره، وهذه سنة الله في خلقه، قال سبحانه: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤)، وقال - ﷿ -: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ\n_________\n(١) سورة النحل، الآيتان: ١٢٧، ١٢٨.\n(٢) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ٣٤.\n(٤) سورة العنكبوت، الآيات: ١ - ٣.","vol":"1","page":178},{"text":"وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (١).\nوقال ﵊: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه ...» (٢).\nوقد ذم الله - ﷿ - من لم يصبر على الأذى من أجل الدعوة إلى الله فقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله فَإِذَا أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الله﴾ (٣)؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله\nقَرِيبٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٥).\nوتبرز أهمية الصبر في الدعوة إلى الله - ﷿ - في عدة أمور، منها:\n\nأولًا: إن الابتلاء للدعاة إلى الله لابد منه، فلو سلم أحد من الأذى لسلم رسل الله عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم إمامهم محمد بن عبد الله عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام فقد أُوذوا فصبروا، وجاهدوا حتى\n_________\n(١) سورة محمد، الآية: ٣١.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٨، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٢٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٦٥، وأحمد في المسند، والحاكم عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - بإسناد صحيح، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، ١/ ٦٥، برقم ١٤٣.\n(٣) سورة العنكبوت، الآية: ١٠.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢١٤.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٧٩.","vol":"1","page":179},{"text":"نصرهم الله على أعداء الدعوة إلى الله تعالى، ولاشك أن كل داعية مخلص يصيبه الأذى، وإن سلم أحد فذلك من أندر النوادر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>ثانيًا: الصبر يحتاجه الداعية في دعوته إلى الله في ثلاثة أحوال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>١ - قبل الدعوة بتصحيح النية والإخلاص</span>، وتجنب دواعي الرياء والسمعة، وعقد العزم على الوفاء بالواجب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>٢ - أثناء الدعوة، فيلازم الصبر </span>عن دواعي التقصير والتفريط، ويلازم الصبر على استصحاب ذكر النية، وعلى حضور القلب بين يدي الله تعالى، ولا ينساه في أمره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>٣ - بعد الدعوة، وذلك من وجوه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>الوجه الأول: </span>أن يُصبِّر نفسه عن الإتيان بما يُبطل عمله، فليس الشأن الإتيان بالطاعة، وإنما الشأن في حفظها مما يبطلها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>الوجه الثاني: </span>أن يصبر عن رؤيتها والعجب بها، والتكبر، والتعظم بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>الوجه الثالث: </span>أن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فإن العبد يعمل العمل سرًّا بينه وبين الله سبحانه فيكتب في ديوان السر، فإن تحدث به نُقل إلى ديوان العلانية (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>ثالثًا: الصبر في الدعوة إلى الله - ﷿ - بمثابة الرأس من الجسد</span>، فلا دعوة لمن لا صبر له كما أنه لا جسد لمن لا رأس له، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا\n_________\n(١) عدة الصابرين، ص٩٠.","vol":"1","page":180},{"text":"صبر له، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له» (١)، فإذا كان ذلك في الإيمان فالصبر في الدعوة إلى الله تعالى من باب أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>رابعًا: الصبر في الدعوة إلى الله تعالى من أعظم أركان السعادة الأربعة </span>قال - ﷾ -: ﴿وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٢)، كما قال ذلك سماحة العلامة ابن باز رحمه الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>خامسًا: الصبر من أعظم أركان الخُلق الحسن </span>الذي يحتاجه كل مسلم عامة وكل داعية إلى الله تعالى خاصة، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>سادسًا: الصبر في الدعوة إلى الله من أهم المهمات</span>؛ ولهذا ذكره الله - ﷿ - في القرآن الكريم في نحو تسعين موضعًا كما قال الإمام أحمد (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>سابعًا: الصبر في الدعوة إلى الله - ﷿ - من أعظم القربات ومن أجل الهبات </span>ولم أعلم -على قلة علمي - أن هناك شيئًا غير الصبر يُجازى ويثاب عليه العبد بغير حساب قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٥)، اللهم إلا الصيام فإن الصيام من الصبر.\n_________\n(١) هذا مقتبس من كلام علي بن أبي طالب - ﵁ -،حيث قال: «ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد» ثم رفع صوته فقال: «ألا لا إيمان لمن لا صبر له» انظر فتاوى ابن تيمية،١٠/ ٤.\n(٢) سورة العصر.\n(٣) انظر: مدارج السالكين، ٢/ ٣٠٨.\n(٤) المرجع السابق، ٢/ ١٥٢.\n(٥) سورة الزمر، الآية: ١٠.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>ثامنًا: الدعوة إلى الله سبيلها طويل تحف به المتاعب والآلام</span>؛ لأن الدعاة إلى الله يطلبون من الناس أن يتركوا أهواءهم وشهواتهم التي لا يرضاها الله - ﷿ -، وينقادوا لأوامر الله، ويقفوا عند حدوده، ويعملوا بشرائعه التي شرع، فيتخذ أعداء الدعوة من هذه الدعوة عدوًا يحاربونه بكل سلاح، وأمام هذه القوة لا يجد الدعاة مفرًّا من الاعتصام باليقين والصبر؛ لأن الصبر سيف لا ينبو، ومطية لا تكبو، ونور لا يخبو.\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>تاسعًا: الصبر في مقام الدعوة إلى الله تعالى هو وصف الأنبياء </span>والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعليه مدار نجاح دعوتهم إلى الله تعالى، ولاشك أن الداعية إذا فقد الصبر كان كمن يريد السفر في بحر لُجِّي بغير مركب ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (١)؛ ولهذا أوصى به الحكماء من أتباع الأنبياء، فهذا لقمان الحكيم عندما أوصى ابنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قرن ذلك بالصبر ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٢)، فهو عندما أمره بتكميل نفسه بطاعة الله أمره أن يكمّل غيره وأن يصبر على ما ينزل به من الشدائد والابتلاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>عاشرًا: الداعية إلى الله - ﷿ - لا يكون قدوة في الخير مطلقًا إلا بالصبر والثبات عليه</span>، كما قال سبحانه في صفات عباد الرحمن: ﴿... وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٣)، وهذه الإمامة في الدين لا تحصل قطعًا إلا بالصبر،\n_________\n(١) سورة الروم، الآية: ٦٠.\n(٢) سورة لقمان، الآية: ١٧.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٧٤.","vol":"1","page":182},{"text":"فقد جعل الله الإمامة في الدين موروثة بالصبر واليقين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١)، فإن الدين كله علم بالحق وعمل به، والعمل به لابد فيه من صبر، والداعية لابد له من أن يعلم الحق ويعمل به حتى يقوم بالدعوة، ولا يقوم بالدعوة إلا بالصبر على ما أصابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>الحادي عشر: الصبر ينتصر به الداعية على عدوه </span>- مع الأخذ بالأسباب - من الكفار والمنافقين، والمعاندين، وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة الحميدة، قال - ﷿ -: ﴿... وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٣)، وحكى الله عن يوسف ﵊ قوله وبأي شيء نال النصر والتمكين، فقال لإخوته حينما سألوه: ﴿أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤)، ولابد بعون الله وتوفيقه من النصر للداعية المتقي الصابر العامل بما أمره ربه، ومن ذلك الأخذ بجميع الأسباب المشروعة ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة السجدة، الآية: ٢٤.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٢٠.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٨٦.\n(٤) سورة يوسف، الآية: ٩٠.\n(٥) سورة هود، الآية: ١١٥.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>الثاني عشر: الصبر من أهم المهمات للداعية</span>؛ لأنه لا يكون داعية مُوَفَّقًا إلا إذا كان صابرًا على دعوته وما يدعو إليه، صابرًا على ما يعترض دعوته من معارضات، صابرًا على ما يعترضه هو من أذى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>الثالث عشر: الصبر يشتمل على أكثر مكارم الأخلاق</span>، فيدخل فيه الحلم؛ فإنه صبر عن دواعي الانتقام عند الغضب، والأناة: صبر عن إجابة دواعي العجلة، والعفو والصفح صبر عن إجابة دواعي الانتقام، والجود والكرم صبر عن إجابة دواعي الإمساك، والكيس: صبر عن إجابة دواعي الكسل والخمول، والعدل صبر إذا تعلق بالتسوية بين المتماثلين، وسعة الصدر صبر عن الضجر، والكتمان وحفظ السر صبر عن إظهار ما لا يحسن إظهاره، والشجاعة صبر عن إجابة دواعي الفرار، وهذا يدل على أهمية الصبر في الدعوة إلى الله تعالى، وأن الداعية لا يسعه أن يستغني عنه في جميع أحواله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>الرابع عشر: الصبر نصف الإيمان: </span>فالإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (١). وقال النبي - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>الخامس عشر: الصبر سبب حصول كل كمال</span>، فأكمل الخلق أصبرهم؛ لأن كمال الصبر بالعزيمة والثبات، فمن لم يكن له عزيمة فهو ناقص،\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ٥.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، برقم ٢٩٩٩.","vol":"1","page":184},{"text":"ومن كان له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ناقص، فإذا انضم الثبات إلى العزيمة أثمر كل مقام شريف وحالٍ كامل، ولهذا يُرْوَى: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد» (١)، وشجرة الثبات والعزيمة لا تقوم إلا على ساق الصبر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>السادس عشر: الصبر يجعل الداعية إلى الله - ﷿ - يضبط نفسه عن أمور لابد له من الابتعاد عنها</span>، ومنها: ضبط النفس عن الاندفاع بعوامل الضجر، والجزع، والسأم، والملل، والعجلة، والرعونة، والغضب، والطيش، والخوف، والطمع، والأهواء، والشهوات، وبالصبر يتمكن الداعية أن يضع الأشياء مواضعها، ويتصرف في الأمور بعقل واتِّزان، وينفِّذ ما يريد من تصرف في الزمن المناسب بالطريقة المناسبة الحكيمة، وعلى الوجه المناسب، بخلاف عدم الصبر الذي يوقع في التسرع والعجلة، فيضع الداعية الأشياء في غير مواضعها، ويتصرف فيخطئ في تحديد الزمان، ويسيء في طريقة التنفيذ، وربما يكون صاحب حق فيكون مفسدًا، ولو أنه اعتصم بالصبر لسلم من ذلك كله بإذن الله تعالى (٣)، وبهذا يتضح أن الصبر ضروري للداعية يتسلح به ويتصف به في محاور ثلاثة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>المحور الأول: الصبر على طاعة الله </span>والدعوة إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>المحور الثاني: الصبر عن محارم الله</span>.\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب منه، برقم ٣٤٠٧، ٥/ ٤٧٦، والنسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء، برقم ١٣٠٤، ٣/ ٥٤، وأحمد في المسند، ٤/ ١٢٥.\n(٢) انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم، ص٤٤٠.\n(٣) انظر: عدة الصابرين لابن القيم، ص١٤٠، والأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني، ٢/ ٣٠٥، و٣٢٩.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>المحور الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة</span>.\nوكل هذه المحاور الثلاثة لها ارتباط وثيق بوظيفة الدعوة إلى الله - ﷿ -؛ لأنها تجعل الداعية قدوة حسنة لغيره من الناس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>السابع عشر: الصبر ذو مقام كريم وخلق عظيم</span>؛ ولهذا قرنه الله بالقيم العليا في الإسلام، ومن هذه القيم التي قرنه بها ما يأتي:\n١ - قرنه باليقين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢).\n٢ - ربطه الله تعالى بالشكر في أربع سور ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (٣).\n٣ - جمعه مع التوكل ﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٤).\n٤ - قرنه بالصلاة ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥).\n٥ - قرنه بالتسبيح والاستغفار ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٦).\n٦ - جمعه مع الجهاد ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ\n_________\n(١) انظر: المرأة المسلمة المعاصرة، إعدادها ومسؤوليتها في الدعوة، للدكتور: أحمد أبا بطين،\nص٢١٠.\n(٢) سورة السجدة، الآية: ٢٤.\n(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٥، وسورة لقمان، الآية: ٣١، وسورة سبأ، الآية: ١٩، وسورة الشورى، الآية: ٣٣.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٤٢.\n(٥) سورة، البقرة، الآية: ١٥٣.\n(٦) سورة الطور، الآية: ٤٨.","vol":"1","page":186},{"text":"جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).\n٧ - ربطه بالتقوى ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٢).\n٨ - ربطه بالحق ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣).\n٩ - قرنه بالرحمة: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>الثامن عشر: رتَّب الله تعالى خيرات الدنيا والآخرة على الصبر </span>ومن ذلك:\n١ - معيَّة الله مع الصابرين ﴿إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥).\n٢ - محبَّة الله للصابرين ﴿وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٦).\n٣ - صلوات الله ورحمته على الصابرين ﴿... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٧).\n٤ - ضمان النصر والمدد للصابرين ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٨).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ١١٠.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٦.\n(٣) سورة العصر، الآية: ٣.\n(٤) سورة البلد، الآية: ١٧.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٥٣.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ١٤٦.\n(٧) سورة البقرة، الآيات: ١٥٥ - ١٥٧.\n(٨) سورة آل عمران، الآيتان: ١٢٥ - ١٢٦.","vol":"1","page":187},{"text":"٥ - الحفظ من كيد الأعداء ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (١).\n٦ - استحقاق دخول الجنة ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ (٢).\nوهذه الفضائل قليل من كثير، ولله دَرُّ القائل:\n\nالصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٢٠.\n(٢) سورة الفرقان، الآية: ٧٥.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>المبحث الثالث: مجالات الصبر</span>\nللصبر مجالات كثيرة في حياة الإنسان منها المجالات الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>المجال الأول: ضبط النفس عن السأم </span>والملل عند القيام بالأعمال التي تتطلب الصبر والمثابرة خلال مدة مناسبة قد يراها المستعجل مدة طويلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>المجال الثاني: ضبط النفس عن الضجر </span>والجزع عند حلول المصائب والمكاره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>المجال الثالث: ضبط النفس عن العجلة </span>والرعونة عند تحقيق مطلب من المطالب المادية أو المعنوية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>المجال الرابع: ضبط النفس عن الغضب</span>، والطيش عند مثيرات عوامل الغضب في النفس، ومحرضات الإرادة للاندفاع بطيش لا حكمة فيه ولا اتّزان في القول أو في العمل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>المجال الخامس: ضبط النفس عن الخوف </span>عند مثيرات الخوف في النفس، حتى لا يجبن الإنسان في المواضع التي تحسن فيها الشجاعة، وتكون خيرًا، ويقبح فيها الجبن ويكون شرًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>المجال السادس: ضبط النفس عن الطمع </span>عند مثيرات الطمع حتى لا يندفع الإنسان وراء الطمع في أمرٍ يقبح الطمع فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>المجال السابع: ضبط النفس عن الاندفاع </span>وراء أهوائها، وشهواتها وغرائزها كلما كان هذا الاندفاع أمرًا لا خير فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>المجال الثامن: ضبط النفس لتحمل المتاعب</span>، والمشاقّ، والآلام الجسدية والنفسية كلما كان في هذا التحمل خير عاجل أو آجل.\nوحين يتأمل المسلم في المجالات التي تحتاج إلى صبر في حياة الإنسان يتبيّن له أن الصبر ضرورة لكل عمل نافع: فكسب الرزق يحتاج إلى","vol":"1","page":189},{"text":"صبر، ومعاملة الناس تحتاج إلى صبر، والقيام بالواجبات والمستحبات يحتاج إلى صبر، والكفّ عن المحرمات والمكروهات يحتاج إلى صبر، والجهاد في سبيل الله يحتاج إلى صبر، ومقارعة شدائد الحياة ومقاومة مكارهها وتحمل تكاليفها يحتاج إلى صبر، والدراسة والبحث العلمي والاجتهاد في استخراج الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية أمور تحتاج إلى صبر جميل، فلا يقوم بها إلا كل صابر، وكظم الغيظ والدفع بالتي هي أحسن أمور تحتاج إلى حظ عظيم من خلق الصبر (١).\nوالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتربية الأسرة المسلمة تربية إسلامية أمور تحتاج إلى صبر عظيم.\nفتبين بذلك أن الإنسان لا يستغني عن الصبر في حال من أحواله؛ لأنه بين أمر يجب عليه تنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه (٢).\nفالصبر ضرورة لازمة للإنسان ليبلغ آماله، وتنجح مقاصده، فمن صبر ظفر، فكل الناجحين في الدنيا والآخرة إنما حققوا آمالهم بالله ثم بالصبر، ولله درُّ أبي يعلى الموصلي القائل:\n\nإني رأيتُ وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر\nوقلَّ من جدَّ في أمرٍ يحاوله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر (٣)\n_________\n(١) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني، ٢/ ٣٠٦، و٣١٩.\n(٢) انظر: عدة الصابرين لابن القيم، ص٨٧.\n(٣) انظر: الصبر الجميل لسليم الهلالي، ص ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>المبحث الرابع: حكم الصبر</span>\nذكر الإمام ابن القيم أن الصبر واجب بإجماع الأئمة (١)، ويقصد بذلك -﵀ - الصبر الواجب؛ فإن الصبر ينقسم إلى خمسة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>القسم الأول: صبر واجب: </span>كالصبر على الطاعات، والصبر عن المحرّمات، والصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها: كالأمراض، والفقر، وفقد الأنفس والأموال وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>القسم الثاني: صبر مندوب: </span>كالصبر عن المكروهات، والصبر على المستحبات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>القسم الثالث: صبر محرم: </span>كالصبر على المحرّمات: كمن يصبر عن الطعام والشراب حتى يموت أو يصبر على ما يهلكه من سبع أو حية، أو حريق أو ماء، وهو يستطيع مدافعة ذلك بالأسباب النافعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>القسم الرابع: صبر مكروه: </span>كمن يصبر عن الطعام والشراب حتى يتضرر بذلك بدنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>القسم الخامس: صبر مباح: </span>وهو الصبر عن كل فعلٍ مستوي الطرفين خُيِّر بين فعله وتركه.\nوبالجملة: فالصبر على الواجب واجب، وعن الواجب حرام.\n_________\n(١) انظر: عدة الصابرين لابن القيم مع الأمثلة لكل نوع، ص٥٠ - ٥٢، والصبر في ضوء الكتاب والسنة، مجلة دعوة الحق، العدد ٥٤، ص٧٥ - ٩٠، مع الأمثلة بتوسع لكل نوع، ومدارج السالكين، ٢/ ١٥٢.","vol":"1","page":191},{"text":"والصبر عن الحرام واجب، وعليه حرام.\nوالصبر عن المكروه مستحب، وعليه مكروه.\nوالصبر على المستحبّ مستحبٌّ، وعنه مكروه.\nوالصبر عن المباح مباح، وعليه مباح. والله أعلم.\nوالصبر المحمود والمأجور عليه صاحبه هو ما اشتمل على شروط ثلاثة:\n١ - الإخلاص لله ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (١).\n٢ - عدم الشكوى إلى العباد.\n٣ - أن يكون الصبر في أوانه عند الصدمة الأولى (٢).\n_________\n(١) سورة المدثر، الآية: ٧.\n(٢) انظر: الصبر الجميل، ص٢٧ - ٢٩.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>المبحث الخامس: أنواع الصبر</span>\nسبق في أقسام الصبر باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به أن الصبر الواجب ثلاثة أنواع هي: صبر على طاعة الله وأداء الواجبات، وصبر عن المعاصي والمحرمات، وصبر على المصائب والبليات وأقدار الله المؤلمة. وسأبين ذلك بشيء من التفصيل في المطالب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>المطلب الأول: الصبر على طاعة الله</span>\nالطريق إلى الله تعالى مليئة بالعوائق؛ لأن النفس بطبعها تنفر من القيود، والعبودية لله قيد لشهوات النفس؛ ولذلك فالنفس لا تستقيم على أمر الله بيسر وسهولة، فلابد من ترويضها، وكبح جماحها، وهذا يحتاج إلى اصطبار.\nقال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (١).\nوقال جل ثناؤه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-289>الصبر على الطاعة يتكون من ثلاث شعب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>الأولى: صبر قبل الطاعة </span>بتصحيح النية، والإخلاص، والتبرؤ من شوائب الرياء.\n_________\n(١) سورة مريم، الآية: ٦٥.\n(٢) سورة طه، الآية: ١٣٢.","vol":"1","page":193},{"text":"قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (١).\nفقدم الله - ﷾ - الصبر على العمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>الثانية: الصبر حال الطاعة حيث لا يغفل عنها أثناء تأديتها</span>، ولا يتكاسل، فيأتي بها على أكمل وجه مشروع متّبعًا ما بينه الرسول - ﷺ - حذو القُذَّة بالقُذَّة.\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>الثالثة: الصبر بعد العمل</span>، فلا ينظر لنفسه بعين العجب، فيتظاهر بما قدَّم سمعةً ورياءً؛ لئلا يحبط عمله ويبطل أجره، ويمحو أثره.\nوالصبر على الدعوة إلى الله من أعظم الطاعات؛ فإن الدعوة إلى الله سبيلها طويل، تحف به المتاعب والآلام، وذلك أن الدعاة يطلبون من الناس أن يطلِّقوا أهواءهم، وينحروا أوهامهم، ويثوروا على شهواتهم، ويقفوا عند حدود الله أمرًا ونهيًا.\nوأكثر الناس لا يؤمنون بهذا النمط الجديد، فيتخذون من هذه الدعوة عدوًا يحاربونه بكل سلاح.\n_________\n(١) سورة هود، الآية: ١١.\n(٢) سورة العنكبوت، الآيتان: ٥٨ - ٥٩.","vol":"1","page":194},{"text":"وأمام هذه الدعوة العاتية، والسلطة الطاغية لا يجد الدعاة مفرًا من الاعتصام باليقين والصبر؛ لأن الصبر سيف لا ينبو، ومطية لا تكبو، ونور لا يخبو.\nوحينئذٍ لابد أن يتنادى أهل الإيمان ليتواصوا بالحق، ويتواصوا بالصبر لينجوا من الخسران المبين الذي يواجه الفارِّين من وجه الهدى.\nوفي ذلك أنزل الحق سورة كاملة هي سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١).\nومن هذه العصابة المباركة العبد الصالح لقمان وابنه، وهاهو لقمان يوصي ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٢).\nودونك أيها الداعي إلى الله على بصيرة بعض المعوقات التي تعترض طريقك لئلا تأخذك على حين غرة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>العائق الأول: إعراض الناس عن دعوتك:</span>\nلا شيء أثقل على صاحب الدعوة وهو يصيح بأعلى صوته، وينادي بملء فيه لينقذ الناس من الظلمات إلى النور، فلا يجد إلا آذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وأناسًا قد استغشوا ثيابهم، وأصرّوا واستكبروا استكبارًا.\n_________\n(١) سورة العصر، الآيات: ١ - ٣.\n(٢) سورة لقمان، الآية: ١٧.","vol":"1","page":195},{"text":"فهاهو نبي الله نوح - ﷺ - يناجي ربه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا\nاسْتِكْبَارًا﴾ (١).\nولكن التحديات تزيد عود الداعية صلابة، وهمته شموخًا، فلا يفتأ قائمًا على أمر الله، ظاهرًا على الحق، لا يضره من خالفه، ولا من خذله حتى يجعل الله له سبيلًا: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ (٢).\nهذا هو شأن قوم أول المرسلين نوح - ﷺ -، وهو موقف قوم خاتم المرسلين محمد - ﷺ - لم يتغير ولم يتبدل، وهذه هي سبيل المجرمين في كل القرون ... ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.\nويصف الله ﵎ موقف قريش من النبي - ﷺ -: ﴿حم* تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ (٣).\nولهذا قال الله تعالى آمرًا نبيه - ﷺ -: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِالله وَلاَ تَحْزَنْ\nعَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم\n_________\n(١) سورة نوح، الآيات: ٥ - ٧.\n(٢) سورة نوح، الآيتان: ٨ - ٩.\n(٣) سورة فصلت، الآيات: ١ - ٥.","vol":"1","page":196},{"text":"مُّحْسِنُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>العائق الثاني: الأذى من الناس قولًا وفعلًا:</span>\nأعداء الحق يقابلون الإحسان بالإساءة، فالداعي إلى الله يمحض لهم النصح فيتهمونه بما ليس فيه، ويدعوهم إلى الله بالموعظة الحسنة فيردونه بالسوء، ويجادلهم بالتي هي أحسن فيقاومونه بالتي هي أخشن وأسوأ، ويصدع بينهم بالحق فلا يسمع منهم إلا الباطل.\nوفوق هذا كله تمتدّ يد الباطل إلى الأموال فتنهبها، وإلى الأبدان فتعذّبها، والحرمات فتنتهكها، والأنفس فتقتلها.\nوهذا ما أشار إليه رب العزة مخاطبًا المؤمنين ليوطّنوا أنفسهم على الصبر والثبات: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٢).\nوفي الآية: نكت لطيفة ينبغي لفت نظر الدعاة إليها:\nالأولى: وصف الله - ﷾ - الأذى المسموع من أهل الكتاب والمشركين بالكثرة، وهذا يدل على أن حربًا كلامية وإعلامية ستشن على أهل الإيمان.\nأسلحتها: التشويه، والتشويش، والدسّ، والافتراء، والتحريف.\nشعارها: الغاية تبرر الوسيلة، واكذب حتى يصدِّقك الناس.\n_________\n(١) سورة النحل، الآيتان: ١٢٧، ١٢٨.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٦.","vol":"1","page":197},{"text":"فلابُدَّ من احتمال مكارهها، والصبر على تجرّع غصصها حتى يأتي نصر الله فيحقّ الحق، ويبطل الباطل إن الباطل كان زهوقًا.\nالثانية: قرن الله الصبر بالتقوى، فلابدَّ أن يجمع المؤمنون التقوى والصّبر لمواجهة هذه الحرب الضروس.\nالصبر للثبات في وجه الباطل.\nوالتقوى للتعفّف عن مقابلة الخصوم بأسلحتهم الخبيثة، فالمؤمن لا يواجه الدسّ بالدسّ، ولا الافتراء بمثله؛ لأن المؤمنين يحكمهم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لله شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١).\nالثالثة: قرن الله بين أهل الكتاب والمشركين هذا مع اختلاف مشربهم ووجهتهم، وفي هذا لفتة رائعة إلى أن عدواتهم للإسلام وأهله وحَّدت بينهم على اختلاف.\nهذا ما قرره القرآن الكريم قبل مئات السنين، وأيده التاريخ والواقع.\nلقد وجدنا اليهودية العالمية، والصليبية، والشيوعية الدولية تختلف بينها أشد الاختلاف، ثم تتناسى هذا كلّه عندما يحاربون الإسلام.\nقال الله تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢).\nوقال جل ثناؤه: ﴿وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٨.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٧٣.\n(٣) سورة الجاثية، الآية: ١٩.","vol":"1","page":198},{"text":"فصبر جميل، والله المستعان على ما يفعلون.\nوأنبياء الله جميعًا يمثلون هذا النوع من الصبر حيث قالوا ردًّا على أذى أقوامهم: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١).\nوكان عزاء رسول الله - ﷺ - أن الرسل جميعًا من قبله حدث لهم الأذى والتشويه والافتراء: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾ (٢).\nومن هنا أمر الله رسوله أن يصبر على إيذاء قومه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا﴾ (٣).\nولقد ضرب سحرة فرعون - حين وقع الحق فآمنوا - مثلًا رائعًا في الصبر، فلم يفتّ من عضُدِهم، ولم يزعزع يقينَهم تهديدُ فرعون:\n﴿... آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤).\nما هذا الوعيد الهادر (٥) من طاغية جبار يقول للناس: أنا ربكم الأعلى،\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ١٢.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٤.\n(٣) سورة المزمل، الآية: ١٠.\n(٤) سورة الأعراف، الآيتان: ١٢٣ - ١٢٤.\n(٥) الهادر: هدر البعير هدرًا، أي ردد صوته في حنجرته، ويضرب لمن يصيح ويجلب. القاموس المحيط، (هدر).","vol":"1","page":199},{"text":"وما علمت لكم من إلهٍ غيري.\nإن أمواجه تتحطّم على يقين المؤمنين الذين وقفوا كالجبال الشمّ، ولكنهم توجهوا إلى الله ليثبّتهم، ويلقي في قلوبهم السكينة، ويفرغ عليهم الصبر: ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>العائق الثالث: استبطاء النصر والفرج:</span>\nلقد جعل الله - ﷾ - العاقبة للمتقين، وكتب لهم التمكين في الأرض؛ ليكون الدين كله لله، ولكن هذه المنزلة لن يبلغها المؤمنون بين عشيةٍ وضحاها.\nقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ (٢).\nمتى نصر الله؟ استبطاءً له، واستعجالًا لمجيئه؛ هنالك يجيء الغوث للملهوف، والفرج للمكروب، فتفرح القلوب - ألا إن نصر الله قريب.\n\nوليعلم المسلم أن<span data-type=\"title\" id=toc-296> في تأخير الفرج لطائف وأسرار</span>ًا، منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>١ - أن الكرب كلما اشتدّ كان الفرج قريبًا </span>كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ\nيُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٣).\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآيتان: ١٢٥ - ١٢٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢١٤.\n(٣) سورة يوسف، الآية: ١١٠.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>٢ - أن الكرب كلما اشتدّ وجد اليأس من كشفه </span>من جهة المخلوق، وازداد التعلق بالخالق حتى يصل العبد إلى محض التوكل الذي هو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>٣ - أن الكرب كلما اشتدّ فإن العبد حينئذ يحتاج إلى زيادة </span>مجاهدة الشيطان لأنه يأتيه فيقنِّطه، ويسخِّطه، فيحتاج العبد إلى مجاهدته ودفعه، فيحوز ثواب مجاهدة عدوّه ودفعه.\nولهذا قال النبي - ﷺ -: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي فَيَدع الدعاء» (٢).\nواعلم أخا الإيمان أن المؤمن كلما استبطأ الفرج واستيأس منه ولاسيما بعد كثرة الدعاء وإلحاح التضرع ولم تظهر له إجابة رجع إلى نفسه يلومها، قائلًا: إنما أُتيتُ من قِبَلِكِ.\nوهذا اللّوم أحبّ إلى الله من أكثر الطاعات لأنه يورث انكسار العبد الصالح لربِّه، فلذلك يسرع إليه الفرج ويتواثب إليه اليسر؛ لأن الله يجبر\nالمنكسرة قلوبهم لأجله، وعلى قدر الكسر يكون الجبر.\nقال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآية: ٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل، برقم ٦٣٤٠، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل، فيقول: دعوت فلم يستجب لي، برقم ٢٧٣٥.","vol":"1","page":201},{"text":"خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ الله قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>المطلب الثاني: الصبر عن المعاصي والمحرمات</span>\nإذا أخذت الدنيا زينتها وأقبلت على الإنسان تتراقص كالحسناء اللعوب، ونشرت شهواتها ذات اليمين وذات الشمال، فهذا لون جديد من الابتلاء، إنه فتنة السرَّاء؛ لأن الله يبلو عباده بالشر والخير.\nقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢).\nانظر رحمك الله لقد جعل ذو الجلال والإكرام التنعيم والإكرام ابتلاءً كالتضييق في الرزق سواء.\nولذلك فالعبد محتاج إلى الصبر عن ملاذ الدنيا وشهوات النفس، فلا يطلق لها العنان لتسترسل وراء شهواتها من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث.\nوثمة أمر آخر للصبر في هذا المجال إنه الصبر عن التطلُّع إلى دنيا الآخرين، والاغترار بما ينعمون به من مال وبنين.\nقال تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرُ وَأَبْقَى﴾ (٣).\nولا تظن أيها العبد القانع بما آتاه الله أن ما في أيدي الطغاة العتاة\nالمغرورين نعم .. إنها نقم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.\nألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ *\n_________\n(١) سورة النمل، الآية: ٦٢.\n(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٣٥.\n(٣) سورة طه، الآية: ١٣١.","vol":"1","page":202},{"text":"نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ (١).\nوهذا هو المثال لا يزال شاخصًا للذين يعتبرون في كل القرون، لقد خرج قارون الذي ملك الكنوز ذات المفاتيح التي تنوء بالعصبة أولي القوة ... خرج على قومه في كامل زينته، وأبهى حلته، وفخامة موكبه ومركبه. فقال الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها في حسرة وتلهف:\n﴿... يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٢).\nولكن الدنيا لن تخلو من ناصح أمين ورِث العلم والإيمان والصبر من المرسلين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ﴾ (٣).\nوكان ما قدَّره الله فصل الخطاب: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>المطلب الثالث: الصبر على المصائب وأقدار الله المؤلمة</span>\nلا أحد يسلم من آلام النفس، وأمراض البدن، وفقدان الأحباء،\nوخسران المال.\nوهذا ما لا يخلو منه بَرٌّ ولا فاجر، ولا مؤمن ولا كافر، ولكن المؤمن\n_________\n(١) سورة المؤمنين، الآيتان: ٥٥ - ٥٦.\n(٢) سور القصص، الآية: ٧٩.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٨٠.\n(٤) سورة القصص، الآيتان: ٨١ - ٨٢.","vol":"1","page":203},{"text":"يتلقَّى هذه المصائب برضىً وطمأنينة تفعم قلبه الذي أسلس قياده لمقلِّب القلوب والأبصار؛ لأنه يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.\nقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (١).\nفالبلاء هنا عام يصيب القلوب بالخوف، والبطون بالجوع، والأموال بالنقص، والأنفس بالموت، والثمرات بالآفات.\nومن لطف الله ورحمته بعباده أنه جعل البلاء: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ\nالْخَوفْ ...﴾ الآية؛ ليدل على التقليل مراعاة لضعف العباد، وتخفيفًا عليهم، ورحمةً بهم.\nوفي هذا المجال كان صبر أنبياء الله مثلًا يُقتدى به، فأيوب صبر على مرضه وفقد أهله، ويعقوب ﵊ صبر على فراق ولده، وكيد أبنائه، ويوسف ﵊ صبر على السجن والافتراء والدسّ والتشويه الذي مارسته امرأة العزيز قبل أن يحصحص الحق، ومحمد - ﷺ - صبر على كسر رباعيَّته، وشجّ وجهه، ووضع السلا على ظهره - ﷺ - ... !!\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٥.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>المبحث السادس: صور من تطبيق الصبر في الدعوة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>المطلب الأول: صور من صبر النبي - ﷺ - في دعوته</span>\nللنبي محمد - ﷺ - مواقف في الدعوة إلى الله تدل على صبره، ورغبته فيما عند الله تعالى، ومن المعلوم أنه صبر في جميع أحواله ابتداءً بدعوته السرية حتى لَقِيَ ربه صابرًا محتسبًا، وصور صبره في دعوته كثيرة جدًا لا تحصر، ولكني أقتصر على إيراد الصور التطبيقية الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>الصورة الأولى: صعوده على الصفا ونداؤه العام:</span>\nأمر الله نبيه بإنذار عشيرته الأقربين، فقال - ﷿ -: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١).\nفقام رسول الله - ﷺ - بتنفيذ أمر ربه بالجهر بالدعوة والصدع بها، وإنذار عشيرته، فوقف مواقف حكيمة أظهر الله بها الدعوة الإسلامية، وبيّن بها حكمة النبي - ﷺ - وشجاعته، وصبره وإخلاصه لله رب العالمين، وقمع بها الشرك وأهله، وأذلهم إلى يوم الدين.\nعن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي - ﷺ - على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب، وقريش، فقال: أرأيتكم لو\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآيات: ٢١٤ - ٢١٦.","vol":"1","page":205},{"text":"أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟ قالو: نعم، ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (١).\nوفي رواية لأبي هريرة - ﵁ - أنه - ﷺ - ناداهم بطنًا بطنًا، ويقول لكل بطن: «أنقذوا أنفسكم من النار ...»، ثم قال: «يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلُّها ببلالها» (٢).\nوهذه الصيحة العالمية غاية البلاغ، وغاية الإنذار، فقد أوضح - ﷺ - لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأوضح أن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار، الذي جاء من عند الله تعالى، فقد دعا - ﷺ - قومه - في هذا الموقف العظيم - إلى الإسلام، ونهاهم عن عبادة الأوثان، ورغّبهم في الجنة، وحذّرهم من النار، وقد ماجت مكة بالغرابة والاستنكار، واستعدّت لحسم هذه الصرخة العظيمة التي ستزلزل عاداتها وتقاليدها وموروثاتها الجاهلية؛ ولكن الرسول الكريم - ﷺ - لم يضرب لصرخاتهم حسابًا؛ لأنه مرسل من الله - ﷿ -، ولابدَّ أن يُبلِّغ البلاغ المبين عن رب العالمين، حتى ولو\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، باب وأنذر عشيرتك الأقربين، ٨/ ٥٠١، برقم ٤٧٧٠، ومسلم بنحوه في كتاب الإيمان، باب قوله: وأنذر عشيرتك الأقربين، ١/ ١٩٤، برقم ٢٠٨، والآيتان من سورة المسد: ١ - ٢.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة الشعراء، باب وأنذر عشيرتك الأقربين، ٨/ ٥٠١، برقم ٤٧٧١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: وأنذر عشيرتك الأقربين، ١/ ١٩٢، برقم ٢٠٤، واللفظ له.","vol":"1","page":206},{"text":"خالفه أو ردّ دعوته جميع العالمين، وقد فعل - ﷺ - (١).\nاستمرّ - ﷺ - يدعو إلى الله - تعالى - ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهرًاً، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يردّه عن ذلك رادّ، ولا يصدّه عن ذلك صادّ، استمر يتتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من: حرٍّ وعبدٍ، وقويٍّ وضعيفٍ، وغنيٍّ وفقيرٍ، جميع الخلق عنده في ذلك سواء.\nوقد تسلط عليه وعلى من اتبعه الأشدَّاء الأقوياء من مشركي قريش بالأذيَّة القوليَّة والفعليَّة، وانفجرت مكة بمشاعر الغضب لأنها لا تريد أن تفارق عبادة الأصنام والأوثان (٢)، ومع ذلك لم يفتر محمد - ﷺ - في دعوته، ولم يترك العناية والتربية الخاصة لأولئك الذين دخلوا في الإسلام، فقد كان يجتمع بالمسلمين في بيوتهم على شكل أُسرٍ بعيدة عن أعين قريش، وتتكوّن هذه الأسر من الأبطال الذين عقد عليهم رسول الله - ﷺ - الأمل بعد الله - تعالى - في حمل العبء والمهامّ الجسيمة لنشر الإسلام، وبذلك تكوّنت طبقة خاصة من المؤمنين الأوائل قوية في إيمانها، متينة في عقيدتها، مدركة لمسئوليتها، منقادة لأمر ربها، طائعة لقائدها، مطبقة لكل أمر يصدر عنه برغبة وشوق واندفاع لا يعادله اندفاع، وحب لا يساويه حب.\n_________\n(١) انظر: الرحيق المختوم، ص٧٨، وفقه السيرة، لمحمد الغزالي، ص١٠١، ١٠٢، والسيرة النبوية، دروس وعبر لمصطفى السباعي، ص٤٧.\n(٢) البداية والنهاية، ٣/ ٤٠.","vol":"1","page":207},{"text":"وبهذه المواقف الحكيمة، والتربية الصالحة المتينة استطاع محمد - ﷺ - أن يؤدِّي الأمانة، ويبلّغ الرسالة، وينصح الأمة، ويجاهد في الله حقّ جهاده، ويرسم لنا طريقًا نسير عليه في دعوتنا وعملنا وسلوكنا، فهو قدوتنا وإمامنا الذي نسير على هديه، ونستنير بحِكَمِهِ - ﷺ -.\nفقد بدأ الدعوة بعناصر اختارها وربّاها، فلبّت الدعوة، وآمنت به، وكانت دعوته عامة للناس، وأثناء هذه الدعوة يركّز على من يجد عندهم الإمكانات أو يتوقع منهم ذلك، وقد تكوَّن من هذه العناصر نواة القاعدة الصلبة التي ثبتت عليها أركان الدعوة (١).\nومع هذا الجهد المبارك العظيم لم يلجأ رسول الله - ﷺ - إلى الاغتيال السياسي، ولم يتخلَّص بالاغتيال من أفراد بأعيانهم، وكان بإمكانه ذلك وبكل يسر وسهولة، إذ كان يستطيع أن يكلف أحد الصحابة بقتل بعض قادة الكفر: كالوليد بن المغيرة المخزومي، أو العاص بن وائل السهمي، أو أبي جهل عمرو بن هشام، أو أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب، أو النضر بن الحارث، أو عقبة بن أبي معيط، أو أُبّي بن خلف، أو أُمية بن خلف ...، وهؤلاء هم من أشدّ الناس أذيّة لرسول الله - ﷺ -،فلم يأمر أحدًا من أصحابه باغتيال أحد منهم أو غيرهم من أعداء الإسلام؛ فإن مثل هذا الفعل قد يُوْدي بالجماعة الإسلامية كاملة، أو يعرقل مسيرتها مدة ليست باليسيرة، كردّ فعل من أعداء الإسلام الذين يتكالبون على حربه، والنبي - ﷺ - لم يؤمر في هذه المرحلة باغتيالهم؛ لأن الذي أرسله هو أحكم الحاكمين.\n_________\n(١) التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر، ٢/ ٦٥.","vol":"1","page":208},{"text":"وعلى هذا يجب أن يسير الدعاة إلى الله فوق كل أرض، وتحت كل سماء، وفي كل وقت، يجب أن تكون الدعوة على حسب المنهج الذي سار عليه رسول الله - ﷺ - سواء كان ذلك قبل الهجرة أو بعدها، فطريق الدعوة الصحيح هو هديه والتزام أخلاقه وحكمه وتصرفاته على حسب ما أرادها - ﷺ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>الصورة الثانية: اضطهاد سادات قريش:</span>\nرأت قريش أن تجرّب أسلوبًا آخر تجمع فيه بين الترغيب والترهيب، فلترسل إلى محمد - ﷺ - تعرض عليه من الدنيا ما يشاء، ولترسل إلى عمه الذي يحميه تحذِّره مغبّة هذا التأييد والنصر لمحمد - ﷺ -، وتطلب منه أن يكف عنها محمدًا ودينه (٢).\nجاءت سادات قريش إلى أبي طالب، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه، وإنا والله لا نصبر على هذا، مِنْ: شَتْم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى نكفَّه عنا، أو ننازله وإيَّاك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين.\nفعظُم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، وعظم عليه فراق قومه وعداوته لهم، ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله - ﷺ - لهم، ولا خذلانه، فبعث إلى رسول الله - ﷺ - فقال له: يا ابن أخي، إن قومك جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبقِ عليّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن\n_________\n(١) انظر: التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر، ٢/ ٦٥.\n(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ٣/ ٤١، وفقه السيرة لمحمد الغزالي، ص١١٢.","vol":"1","page":209},{"text":"قومك ما يكرهون من قولك.\nفثبت النبي - ﷺ - على دعوته إلى الله، ولم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأنه على الحق، ويعلم بأن الله سينصر دينه ويعلي كلمته، وعندما رأى أبو طالب هذا الثبات ويئس من موافقة النبي - ﷺ - لقريش على ترك دعوته إلى التوحيد قال:\n\nوالله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أُوسَّد في التراب دفينا\nفاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وأبشر وقرّ بذاك منك عيونا (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>الصورة الثالثة: مع عتبة:</span>\nبعد أن أسلم حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب أخذت السحائب تنقشع، وأقلق هذا الموقف الجديد مضاجع المشركين، وأفزعهم وزادهم هولًا وفزعًا تزايد عدد المسلمين، وإعلانهم إسلامهم، وعدم مبالاتهم بعداء المشركين لهم، الأمر الذي جعل رجال قريش يساومون رسول الله - ﷺ -، فبعث المشركون عتبة بن ربيعة ليعرض على رسول الله - ﷺ - أمورًا لعله يقبل بعضها فيُعطَى من أمور الدنيا ما يريد.\nفجاء عتبة حتى جلس إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا ابن أخي إنك منَّا حيث قد علمت من السطة (٢) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام، ١/ ٢٧٨، وانظر: البداية والنهاية، ٣/ ٤٢، وفقه السيرة للغزالي، ص١١٤، والرحيق المختوم، ص٩٤.\n(٢) يعني: المنزلة الرفيعة. انظر: المصباح المنير، مادة «سطا»، ص٢٧٦، والقاموس المحيط، باب الواو، فصل السين، ص١٦٧٠.","vol":"1","page":210},{"text":"أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال رسول الله - ﷺ -: «قل أبا الوليد أسمع»، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تريد به شرفًا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطبّ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ... حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله - ﷺ - يستمع منه، قال: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم، قال: «فاستمع مني»، قال: أفعل، فقال: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيم* حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ (١). ثم مضى رسول الله - ﷺ - فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه، ثم انتهى رسول الله - ﷺ - إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك» (٢).\n_________\n(١) سورة فصلت، الآيات: ١ - ٥.\n(٢) أخرج هذه القصة ابن إسحاق، ١/ ٣١٣ من سيرة ابن هشام، قال الألباني: وإسناده حسن إن شاء الله. انظر: فقه السيرة للغزالي، ص١١٣، وتفسير ابن كثير، ٤/ ٦١، والبداية والنهاية،\n٣/ ٦٢، والرحيق المختوم، ص١٠٣.","vol":"1","page":211},{"text":"وفي رواية أخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول - ﷺ - إلى قوله تعالى:\n﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (١)،فقام مذعورًا فوضع يده على فم رسول الله - ﷺ - يقول: أنشدك الله والرحم، وطلب منه أن يكفّ عنه، فرجع إلى قومه مسرعًا كأن الصواعق ستلاحقه، واقترح على قريش أن تترك محمدًا وشأنه، وأخذ يرغبهم في ذلك (٢).\nلقد تخّير رسول الله - ﷺ - بفضل الله - تعالى -، ثم بحكمته العظيمة هذه الآيات من الوحي، ليعرف عتبة حقيقة الرسالة والرسول، وأن محمدًا - ﷺ - يحمل كتابًا من الخالق إلى خلقه، يهديهم من الضلال، وينقذهم من الخبال، ومحمد - ﷺ - قبل غيره مكلف بتصديقه والعمل به، والوقوف عند أحكامه، فإذا كان الله - ﷿ - يأمر الناس بالاستقامة على أمره، فمحمد - ﷺ - أولى الناس بذلك، وهو لا يطلب ملكًا ولا مالًا ولا جاهًا، لقد مكّنه الله من هذا كله، فعفّ عنه وترفّع أن يمدّ يديه إلى هذا الحطام الفاني؛ لأنه صادق في دعوته، مخلص لربه، - ﷺ - (٣).\nوهذا موقف من أعظم مواقف الصبر والحكمة التي أوتيها النبي - ﷺ -، فهو قد ثبت وصدق في دعوته، ولم يرد مالًا، ولا جاهًا، ولا مُلكًا، ولا نكاحًا، من أجل أن يتخلّى عن دعوته، وقد اختار الكلام المناسب في\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية: ١٣.\n(٢) انظر: البداية والنهاية، ٣/ ٦٢، وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم السيرة، ص١٥٨، وفقه السيرة لمحمد الغزالي، ص١١٤، وهذا الحبيب يا محبّ، ص١٠٢، وتفسير ابن كثير، ٤/ ٦٢.\n(٣) انظر: فقه السيرة لمحمد الغزالي، ص١١٣.","vol":"1","page":212},{"text":"الموضع المناسب، وهذا هو عين الحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>الصورة الرابعة: مع أبي جهل:</span>\nقرَّر المشركون ألا يألوا جهدًا في محاربة الإسلام وإيذاء النبي - ﷺ - ومن دخل معه في الإسلام، والتعرض لهم بألوان النكال والإيلام.\nومنذ جهر النبي - ﷺ - بدعوته إلى الله، وبيّن أباطيل الجاهلية، انفجرت مكة بمشاعر الغضب، وظلت عشرة أعوام تعدّ المسلمين عصاة ثائرين فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، واستباحت في الحرم الآمن دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وصاحبت هذه النار المشتعلة حرب من السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب، وتشويه تعاليم الإسلام، وإثارة الشبهات، وبثّ الدعايات الكاذبة، ومعارضة القرآن، والقول بأنه أساطير الأولين، ومحاولة المشركين للنبي - ﷺ - أن يعبد آلهتهم عامًا، ويعبدون الله عامًا! إلى غير ذلك من مفاوضاتهم المضحكة!\nواتَّهموا النبيَّ - ﷺ - بالجنون، والسحر، والكذب والكهانة، والنبي - ﷺ - ثابت صابر محتسب يرجو من الله النصر لدينه، وإظهاره (١).\nلقد نال المشركون من النبي - ﷺ - ما لم ينالوه من كثير من المؤمنين، فهذا أبو جهل يعتدي على النبي - ﷺ - ليعفِّر وجهه في التراب، ولكن الله حماه منه، وردَّ كيد أبي جهل في نحره، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو جهل: هل يعفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: قيل: نعم. فقال: واللات\n_________\n(١) انظر: فقه السيرة لمحمد الغزالي، ص١٠٦، والرحيق المختوم، ص٨٠، ٨٢، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، ٢/ ٨٥، ٨٨، ٩١، ٩٣، ٩٤، وهذا الحبيب يا محبّ، ص١١٠.","vol":"1","page":213},{"text":"والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته، أو لأعفرنَّ وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله - ﷺ - وهو يصلي، زعم ليطأنَّ على رقبته، قال: فما فجئهم (١) منه إلا وهو ينكص على عقبيه (٢)، ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا، وأجنحة، فقال رسول الله - ﷺ -: «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا». قال: فأنزل الله - ﷿ -: ﴿كَلاّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ إلى آخر السورة (٣).\nوقد عصم الله النبي - ﷺ - من هذا الطاغية ومن غيره، وصبر على هذا الأذى العظيم ابتغاء وجه الله - تعالى -، فضحّى بنفسه وماله ووقته في سبيل الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>الصورة الخامسة: وضع السَّلا على ظهره - ﷺ </span>-:\nومما أُصيب به محمد - ﷺ - من الأذى ما رواه ابن مسعود - ﵁ - قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سَلا (٤) جزور بني فلان فيأخذه فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى\nالقوم (٥)\n_________\n(١) ويقال أيضًا: فجأهم، أي بغتهم. انظر: شرح النووي، ١٧/ ١٤٠.\n(٢) يرجع يمشي إلى ورائه. انظر: المرجع السابق، ٧/ ١٤٠.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب المنافقين، باب قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ ٤/ ٢١٥٤، برقم ٢٧٩٧. وانظر: شرح النووي، ١٧/ ١٤٠.\n(٤) السّلا: هو اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة وسائر الحيوان، وهي من الآدمية: المشيمة. انظر: شرح النووي، ١٢/ ١٥١.\n(٥) هو عقبة بن أبي مُعيط، كما صرح في رواية لمسلم في صحيحه، ٣/ ١٤١٩.","vol":"1","page":214},{"text":"فأخذه، فلما سجد النبي - ﷺ - وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله - ﷺ -، والنبي - ﷺ - ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي - ﷺ - صلاته، رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، ثم قال: «اللهم عليك بقريش» ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: «اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي مُعيط»، وذكر السابع ولم أحفظه، فوالذي بعث محمدًا - ﷺ - بالحق لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>الصورة السادسة: مع عقبة</span>\nومن أشد ما صنع به المشركون - ﷺ - ما رواه البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير - ﵁ -، قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشدّ ما صنع المشركون برسول الله - ﷺ -؟ قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله - ﷺ - ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبه،\nودفعه عن رسول الله - ﷺ - وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، في كتاب الوضوء، باب إذا أُلقيَ على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته، ١/ ٣٤٩، برقم ٢٤٠، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، ٢/ ١٤١٨، برقم ١٧٩٤.","vol":"1","page":215},{"text":"جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ (١).\nوقد اشتدّ أذى المشركين لرسول الله - ﷺ - ولأصحابه، حتى جاء بعض الصحابة إلى رسول الله - ﷺ - يستنصره، ويسأل منه الدعاء والعون، ولكن النبي الحكيم واثق بنصر الله وتأييده، فإن العاقبة للمتقين.\nعن خباب بن الأرتِّ - ﵁ - قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسِّد بردة له في ظل الكعبة، [ولقد لقينا من المشركين شِدّة]، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشَّط بأمشاط الحديد [ما دون عظامه من لحم أو عصب]، فما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليُتَمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (٢).\nوهكذا اشتدّ أذى قريش على رسول الله - ﷺ - وعلى أصحابه، وما ذلك\n_________\n(١) سورة غافر، الآية: ٢٨.\nوالحديث في البخاري مع الفتح، في كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة، ٧/ ١٦٥، برقم ٣٨٥، وكتاب التفسير، سورة المؤمن، ٨/ ٥٥٣،، باب، برقم ٤٨١٥، وكتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا»، ٧/ ٢٢، برقم ٣٦٧٨. واللفظ ملفقّ من كتاب المناقب وكتاب التفسير.\n(٢) البخاري مع الفتح في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٦/ ٦١٩، برقم ٣٦١٢، وفي كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة، ٧/ ١٦٤، برقم٣٨٥٢، وفي كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، ١٢/ ٣١٥، برقم ٦٩٤٣، واللفظ من كتاب الإكراه، وما بين المعقوفين من مناقب الأنصار.","vol":"1","page":216},{"text":"كله إلا من أجل إعلاء كلمة الله، والصدع بالحق، والثبات عليه، والدعوة إلى التوحيد الخالص، ونبذ عادات الجاهلية وخرافاتها ووثنيتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>الصورة السابعة: مع زوجة أبي لهب:</span>\nلقي النبي - ﷺ - أشدّ الأذى، ووصل الأمر إلى تغيير اسمه - ﷺ - احتقارًا له ولدينه، وحسدًا وبُغضًا له، فقد كان المشركون من قريش من شدة كراهتهم للنبي - ﷺ - لا يُسمّونه باسمه الدال على المدح فيعدلون إلى ضده، فيقولون: مُذمَّم، وإذا ذكروه بسوء قالوا: فعل الله بمذمم، ومذمم ليس هو اسمه ولا يعرف به، فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفًا إلى غيره بحمد الله تعالى (١).\nقال النبي - ﷺ -: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش، ولعنهم؟! يشتمون مذممًا، ويلعنون مُذممًا، وأنا محمد» (٢).\nوالنبي - ﷺ - له خمسة أسماء ليس منها مُذَمَم (٣).\nجاءت أم جميل زوجة أبي لهب - حين سمعت ما أنزل الله فيها وفي زوجها من القرآن - إلى رسول الله - ﷺ - وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها ملء الكف من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله - ﷺ - فلا ترى إلا أبا بكر،\nفقالت: يا أبا بكر! أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، ٦/ ٥٥٨.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ -، ٦/ ٥٥٤، برقم ٣٥٣٣.\n(٣) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ - ٦/ ٥٥٤،برقم ٣٥٣٢.","vol":"1","page":217},{"text":"لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة، ثم قالت:\nمُذَممًا عصينا ... ... وأمره أبينا ... ... ... ودينه قلينا (١)\nاستمر المشركون في إلحاق الأذى برسول الله - ﷺ - وبأصحابه الذين أسلموا وبعد أن زاد عدد المسلمين وكثر ازداد حنق المشركين على المسلمين، وبسطوا إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء، ولما رأى رسول الله - ﷺ - ذلك، ورأى أنه في حماية الله ثم عمه أبي طالب، وهو لا يستطيع أن يمنع المسلمين مما هم فيه من العذاب - فقد مات منهم من مات، وعُذّب من عُذّب حتى عمي وهو تحت العذاب - فأذن رسول الله لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا، وأربع نسوة، ورئيسهم عثمان بن عفان - ﵁ -، ذهبوا فوفَّق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين، فحملوهم فيها إلى أرض الحبشة، وكان ذلك في رجب، في السنة الخامسة من البعثة، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوا منهم أحدًا، ثم بلغ هؤلاء المهاجرين أن قريشًا قد كفّوا عن النبي - ﷺ - فرجعوا إلى مكة من الحبشة، وقبل وصولهم مكة بساعة من نهار بلغهم أن الخبر كذب، وأن قريشًا أشد ما كانوا عداوة لرسول الله - ﷺ - فدخل من دخل مكة بجوار، وكان من الداخلين ابن مسعود - ﵁ -، ووجد أن ما بلغهم من إسلام أهل مكة كان باطلًا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار - كابن مسعود -أو مستخفيًا، ثم اشتد البلاء من قريش على من دخل مكة\nمن المهاجرين وغيرهم، ولقوا منهم أذىً شديدًا، فأذن لهم رسول الله - ﷺ - في\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام،١/ ٣٧٨،ومعنى قولها: قلينا: أي أبغضنا. انظر: تفسير ابن كثير، ٤/ ٥٢٣.","vol":"1","page":218},{"text":"الخروج إلى الحبشة مرة ثانية، وكان عدد من خرج في هذه المرة الثانية ثلاثة وثمانين رجلًا، إن كان فيهم عمار بن ياسر، ومن النساء تسع عشرة امرأة، فكان المهاجرون في مملكة أصحمة النجاشي آمنين، فلما علمت قريش بذلك أرسلت للنجاشي بهدايا وتحف ليردّهم عليهم، فمنع ذلك عليهم، ورد عليهم هداياهم، وبقي المهاجرون في الحبشة آمنين حتى قدموا إلى رسول الله - ﷺ - عام خيبر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>الصورة الثامنة: حبسه - ﷺ - في الشعب:</span>\nولما رأت قريش انتشار الإسلام، وكثرة من يدخل فيه، وبلغها ما لقي المهاجرون في بلاد الحبشة، من: إكرام وتأمين، مع عودة وفدها خائبًا، اشتد حنقها على الإسلام، وأجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم، وبني عبد المطلب، وبني عبد مناف، وأن لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يكلموهم، ولا يجالسوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله - ﷺ -، وكتبوا بذلك صحيفة وعلّقوها في سقف الكعبة، فانحاز بنو هاشم، وبنو عبد المطلب مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب، فإنه بقي مظاهرًا لقريش على رسول الله - ﷺ - وعلى بني هاشم، وبني عبد المطلب.\nوحُبِسَ رسول الله - ﷺ - في شعب أبي طالب ليلة هلال محرم، سنة سبع\nمن البعثة، وبقوا محصورين محبوسين، مضيقًا عليهم جدًا، مقطوعًا عنهم\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ٣/ ٢٣، ٣٦، ٣٨، والرحيق المختوم، ص٨٩، وهذا الحبيب يامحب، ص١٢٠، وسيرة ابن هشام، ١/ ٣٤٣، والبداية والنهاية، ٣/ ٦٦، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، ٢/ ٩٨، ١٠٩، وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم السيرة، ص١٨٣.","vol":"1","page":219},{"text":"الطعام والماء نحو ثلاث سنين حتى بلغهم الجهد، وسُمِعَ أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب، ثم أطلع الله رسوله على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله - ﷿ -، فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن محمدًا قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا: قد أنصفت، فأنزلوا الصحيفة، فلما رأوا الأمر كما أخبر به رسول الله - ﷺ - ازدادوا كفرًا إلى كفرهم، وخرج رسول الله - ﷺ - ومن معه من الشعب بعد عشرة أعوام من البعثة، ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل غير ذلك (١).\nولما نُقِضَت الصحيفة وافق موت أبي طالب موت خديجة وبينهما زمن يسير، فاشتد البلاء على رسول الله - ﷺ - من سفهاء قومه، وتجرؤوا عليه فكاشفوه بالأذى، فازدادوا غمًّا على غمٍّ حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يؤووه أو ينصروه على قومه، فلم ير من يؤوي، ولم ير ناصرًا، وآذوه مع ذلك أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>الصورة التاسعة: مع أهل الطائف:</span>\nفي شوال، من السنة العاشرة بعد النبوة، خرج النبي - ﷺ - إلى الطائف لعله\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، ٣/ ٣٠، وسيرة ابن هشام، ١/ ٣٧١، البداية والنهاية، ٣/ ٦٤، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، ٢/ ١٠٩، ١٢٧، ١٢٨، وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم السيرة، ص١٢٦، ١٣٧، والرحيق المختوم، ص١١٢.\n(٢) انظر: زاد المعاد، ٣/ ٣١، والرحيق المختوم، ص١١٣.","vol":"1","page":220},{"text":"يجد في ثقيف حسن الإصغاء لدعوته والانتصار لها، وكان معه زيد بن حارثة مولاه، وكان في طريقه كلما مرَّ على قبيلة دعاهم إلى الإسلام، فلم تُجِبْه واحدة منها.\nعندما وصل إلى الطائف عمد إلى رؤسائها فجلس إليهم، ودعاهم إلى الإسلام، فردوا عليه ردًا قبيحًا، وأقام رسول الله - ﷺ - بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلادنا، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، فلما أراد الخروج تبعه هؤلاء السفهاء واجتمعوا عليه صَفَّين يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السَّفه، ورجموا عراقيبه حتى اختضب نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة - ﵁ - يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه، ورجع رسول الله - ﷺ - من الطائف إلى مكة محزونًا، كسير القلب، وفي طريقه إلى مكة أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبَيْن على أهل مكة، وهما جبلاها اللذان هي بينهما (١).\nعن عائشة ﵂ أنها قالت لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك [ما لقيت]، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل\nبن عبد كلال (٢)، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، ٣/ ٣١، والرحيق المختوم، ص١٢٢، وهذا الحبيب يا محبّ، ص١٣٢، والبداية والنهاية، ٣/ ١٣٥.\n(٢) ابن عبد ياليل بن كلال من أكابر أهل الطائف من ثقيف. الفتح، ٦/ ٣١٥.","vol":"1","page":221},{"text":"وجهي، فلم أسْتَفِق إلا بقرن الثعالب (١)، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني: فقال: إن الله - ﷿ - قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك فما شئت (٢)؟ إن شئت أن أُطْبِق عليهم الأخشبين». فقال له رسول الله - ﷺ -: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (٣).\nوفي هذا الجواب الذي أدلى به رسول الله - ﷺ - تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم الذي أمدّه الله به.\nوفي ذلك بيان شفقته على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا\nأَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٥). فصلوات الله وسلامه عليه (٦).\n_________\n(١) وهو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل، ويعرف الآن بالسيل الكبير. انظر: الفتح، ٦/ ٣١٥.\n(٢) استفهام، أي: فأمرني بما شئت. انظر: فتح الباري، ٦/ ٣١٦.\n(٣) البخاري مع الفتح في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، ٦/ ٣١٢، برقم ٣٢٣١، ومسلم بلفظه في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، ٣/ ١٤٢٠، برقم ١٧٩٥، وما بين المعقوفين من البخاري دون مسلم.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٥) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(٦) انظر: البخاري مع الفتح، ٦/ ٣١٦، والرحيق المختوم، ص١٢٤.","vol":"1","page":222},{"text":"وأقام - ﷺ - بنخلة أيامًا، وصمّم على الرجوع إلى مكة، وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام، وإبلاغ رسالة الله الخالدة، بنشاط جديد، وجدٍّ وحماسٍ، وحينئذ قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ فَرُوي عنه (١) أنه قال: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه».\nثم سار حتى وصل إلى مكة فأرسل رجل من خزاعة إلى مطعم بن عدي ليدخل في جواره، فقال مطعم: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدًا، فدخل رسول الله - ﷺ - ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المُطْعمُ بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله - ﷺ - إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته (٢).\nوفي هذه المواقف العظيمة التي وقفها النبي - ﷺ - في رحلته إلى الطائف دليل واضح على تصميمه الجازم في الاستمرار في دعوته، وعدم اليأس\nمن استجابة الناس لها، وبَحَثَ عن ميدان جديد للدعوة، بعد أن قامت الحواجز دونها في الميدان الأول.\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ٣/ ٣٣.\n(٢) انظر: زاد المعاد، ٣/ ٣٣، وسيرة ابن هشام، ٢/ ٢٨، والبداية والنهاية، ٣/ ١٣٧، والرحيق المختوم، ص١٢٥.","vol":"1","page":223},{"text":"وفي ذلك دليل على أن النبي - ﷺ - كان أستاذًا في الحكمة، وذلك؛ لأنه حينما قدم الطائف اختار الرؤساء وسادة ثقيف في الطائف وقد علم أنهم إذا أجابوه أجابت كل قبائل أهل الطائف.\nوفي سيل الدماء من قدمي النبي - ﷺ - وهو النبي الكريم - أكبر مثل لما يتحمله الداعية في سبيل الله من أذى واضطهاد.\nوفي عدم دعائه على قومه، وعلى أهل الطائف، وعدم موافقة ملك الجبال في إطباق الأخْشَبيْن على أهل مكة أكبر مثل لما يتحمله الداعية في صبره على من ردّ دعوته، وعدم اليأس من هدايتهم، فربما يُخرِج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا.\nومن حكمته - ﷺ - أنه لم يدخل مكة إلا بعد أن دخل في جوار المُطْعم بن عدي، وهكذا ينبغي للداعية أن يبحث عمن يحميه من كيد أعدائه؛ ليقوم بدعوته على الوجه المطلوب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>الصورة العاشرة: مع أهل الأسواق والمواسم:</span>\nباشر النبي - ﷺ - دعوته في مكة بعد عودته من الطائف في شهر ذي القعدة سنة عشر من النبوة، فبدأ يذهب إلى المواسم التي تقام في الأسواق مثل: عكاظ، ومجنة، وذي مجاز، وغيرها، التي تحضرها القبائل\nالعربية للتجارة والاستماع لما يُلقى فيها من الشعر، ويعرض نفسه على هذه القبائل يدعوها إلى الله - تعالى -، وجاء موسم الحج لهذه السنة\n_________\n(١) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي، ص٥٨، وهذا الحبيب يا محبّ، ص١٣٤.","vol":"1","page":224},{"text":"فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة.\nولم يكتف رسول الله - ﷺ - بعرض الإسلام على القبائل فحسب، بل كان يعرضه على الأفراد أيضًا.\nوكان - ﷺ - يرغب جميع الناس بالفلاح، فعن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، قال: أخبرني رجل يقال له: ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًّا، قال: رأيت النبي - ﷺ - في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه، أحول، ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فذكروا لي نسب رسول الله - ﷺ - وقالوا: هذا عمه أبو لهب (١).\nوقد كانت الأوس والخزرج يحجّون كما تحجّ العرب دون اليهود، فلما رأى الأنصار أحواله - ﷺ - ودعوته، عرفوا أنه الذي تتوعدهم به اليهود، فأرادوا أن يسبقوهم؛ ولكنهم لم يبايعوا النبي - ﷺ - في هذه السنة، ورجعوا\nإلى المدينة (٢).\nوفي موسم الحج من السنة الحادية عشرة من النبوة، عرض النبي - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٤/ ٣٤١، ٣/ ٤٩٢، وسنده حسن، وله شاهد عند ابن حبان، برقم ١٦٨٣ (موارد) من حديث طارق بن عبد الله المحاربي، والحاكم في المستدرك بإسنادين، وقال عن الإسناد الأول: صحيح على شرط الشيخين، رواته كلهم ثقات أثبات، ١/ ١٥.\n(٢) انظر: زاد المعاد، ٣/ ٤٣، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، ٢/ ١٣٦، والرحيق المختوم،\nص١٢٩، والبداية والنهاية، ٣/ ١٤٩، وابن هشام، ٢/ ٣١.","vol":"1","page":225},{"text":"نفسه على القبائل، وبينما الرسول - ﷺ - يعرض نفسه، مر بعقبة مِنَى فوجد بها ستة نفر من شباب يثرب، فعرض عليهم الإسلام، فأجابوا دعوته، ورجعوا إلى قومهم وقد حملوا معهم رسالة الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله - ﷺ - (١).\nثم استدار العام وأقبل الناس إلى الحج في السنة الثانية عشرة من النبوة، وكان من بين حجاج يثرب اثنا عشر رجلًا، فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد اتصلوا برسول الله - ﷺ - في العام السابق، والتقوا حسب الموعد مع رسول الله - ﷺ - عند العقبة بمنى، وبايعوا رسول الله - ﷺ - بيعة النساء (٢).\nعن عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال وحوله عصابة من أصحابه: «تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتانٍِ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروفٍ، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن\nأصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فأمره إلى الله: إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه» فبايعناه على ذلك (٣).\n_________\n(١) انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، ٢/ ١٣٧، وهذا الحبيب يا محبّ، ٢/ ١٤٥، والرحيق المختوم، ص١٣٢، وزاد المعاد، ٣/ ٤٥، وسيرة ابن هشام، ٢/ ٣٨، والبداية والنهاية، ٣/ ١٤٩.\n(٢) انظر: زاد المعاد، ٣/ ٤٦، والرحيق المختوم، ص١٣٩، والتاريخ الإسلامي، ٢/ ١٣٩، وهذا الحبيب يا محبّ، ص١٤٥، وسيرة ابن هشام، ٢/ ٣٨.\n(٣) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب وفود الأنصار إلى النبي - ﷺ - في مكة، ٧/ ٢١٩، برقم ٣٨٩٢، وكتاب الإيمان، باب حدثنا أبو اليمان، ١/ ٦٤، برقم ١٨.","vol":"1","page":226},{"text":"وبعد أن انتهت المبايعة، وانتهى الموسم بعث النبي - ﷺ - مع هؤلاء مصعب بن عمير - ﵁ - ليعلّم المسلمين شرائع الإسلام؛ وليقوم بنشر الإسلام، وقد قام بذلك - ﵁ - أتم قيام، وفي موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة حضر لأداء الحج من يثرب ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، وكلهم قد أسلموا.\nفلما قدموا مكة واعدوا النبي - ﷺ - عند العقبة، وجاءهم على موعدهم، ثم تكلم رسول الله - ﷺ -، ثم قالوا: يا رسول الله، على ما نبايعك؟ فقال: «تبايعوني على: السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة» (١)، فقاموا إليه فبايعوه.\nوبعد عقد هذه البيعة جعل عليهم رسول الله - ﷺ - اثني عشر زعيمًا، يكونون نقباء على قومهم، وكانوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، ثم رجعوا إلى يثرب، وعندما وصلوا أظهروا الإسلام فيها، ونفع الله بهم\nفي الدعوة إلى الله تعالى (٢).\nوبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح النبي - ﷺ - في تأسيس وطن\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٣/ ٣٢٢، والبيهقي، ٩/ ٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٦٢٤، وحسن إسناده للحافظ في الفتح، ٧/ ١١٧.\n(٢) انظر: سيرة ابن هشام، ٢/ ٤٩، والبداية والنهاية، ٣/ ١٥٨، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، ٢/ ١٤٢، والرحيق المختوم، ص١٤٣.","vol":"1","page":227},{"text":"للإسلام، انتشر الخبر في مكة كثيرًا، وثبت لقريش أن النبي - ﷺ - قد بايع أهل يثرب، فاشتد أذاهم على من أسلم في مكة، فأمر النبي - ﷺ - بالهجرة إلى المدينة، فهاجر المسلمون، فاجتمع قريش في السادس والعشرين من شهر صفر في السنة الرابعة عشرة من النبوة، وأجمعوا على قتل النبي - ﷺ -، فأوحى الله إلى النبي - ﷺ - بذلك؛ ولحسن سياسته وحكمته أمر عليًا أن يبيت في فراشه تلك الليلة، فبقي المشركون ينظرون إلى علي من صِير الباب (١)، وخرج رسول الله - ﷺ -، ومرّ بأبي بكر، وهاجر إلى المدينة (٢).\nوهذه المواقف العظيمة التي وقفها رسول الله - ﷺ - دليل واضح على حكمة النبي - ﷺ -،وعلى صبره، وشجاعته، وأنه - ﷺ - حينما علم بأن قريشًا قد طغت، ورفضت الدعوة بحث عن مكان يتخذ فيه قاعدة للدعوة الإسلامية، ولم يكتف بذلك، بل أخذ منهم البيعة والمعاهدة على نصرة الإسلام، وتم ذلك في مؤتمرين: بيعة العقبة الأولى، ثم الثانية، وعندما وجد مكان الدعوة الذي يتخذ قاعدة لها، ووجد أنصار الدعوة أذن بالهجرة لأصحابه، وأخذ هو بالأسباب عندما تآمرت عليه قريش، وهذا لا يعتبر\nجبنًا، ولا فرارًا من الموت؛ ولكن يعتبر أخذًا بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، وهذه السياسة الحكيمة من أسباب نجاح الدعوة، وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله، فإن النبي - ﷺ - هو قدوتهم وإمامهم (٣).\n_________\n(١) صير الباب: هو شق الباب. انظر: المعجم الوسيط، مادة «صار» ١/ ٥٣١.\n(٢) انظر: سيرة ابن هشام، ٢/ ٩٥، والبداية والنهاية، ٣/ ١٧٥، وزاد المعاد، ٣/ ٥٤، والسيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي، ص٦١، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، ٢/ ١٤٨، وهذا الحبيب يا محبّ، ص١٥٦.\n(٣) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر، ص٦٨.","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>الصورة الحادية عشرة: جرح وجهه وكسرت رباعيته - ﷺ </span>-:\nوعن سهل بن سعد - ﵁ - أنه سُئلَ عن جرح النبي - ﷺ - يوم أحد فقال: جُرِحَ وجه النبي - ﷺ - وكُسِرَت رباعيته، وهُشِمَت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة ﵂ تغسل الدم، وعليٌّ - ﵁ - يمسك، فلما رأت الدم لا يرتد إلا كثرة أخذت حصيرًا فأحرقته حتى صار رمادًا، ثم ألزقته فاستمسك الدم (١).\nوقد حصل له هذا الأذى العظيم الذي ترتج لعظمته الجبال، هو نبي الله - ﷺ - ولم يدع على قومه، بل دعا لهم بالمغفرة، لأنهم لا يعلمون.\nفعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: كأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٢).\nفالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وعلى رأسهم محمد - ﷺ - قد كانوا (٣) على جانب عظيم من الحلم والتصبر، والعفو والشفقة على قومهم ودعائهم لهم بالهداية والغفران، وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب لبس البيضة، ٦/ ٩٦، برقم ٢٩١١، ومسلم، كتاب الجهاد، باب غزوة أحد، ٣/ ١٤١٦، برقم ١٧٩٠.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان، ٦/ ٥١٤، برقم ٣٤٧٧، وكتاب استتابة المرتدين، باب حدثنا عمر بن حفص، ١٢/ ٢٨٢، برقم ٦٩٢٩، وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب عزوة أحد، ٣/ ١٤١٧، برقم ١٧٩٢، وانظر: شرحه في الفتح، ٦/ ٥٢١، وشرح النووي لصحيح مسلم، ١٢/ ١٤٨.\n(٣) انظر: شرح النووي لمسلم، ١٢/ ١٤٨.","vol":"1","page":229},{"text":"لا يعلمون (١)، قال النبي - ﷺ -: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله - ﷺ -»، وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله - ﷺ - في سبيل الله - ﷿ -» (٢).\nوفي إصابة النبي - ﷺ - يوم أحد عزاء للدعاة فيما ينالهم في سبيل الله من أذى في أجسامهم، أو اضطهاد لحرياتهم، أو قضاء على حياتهم، فالنبي - ﷺ - هو القدوة قد أوذي وصبر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>المطلب الثاني: صور من شجاعته وإقدامه - ﷺ </span>-\nلاشك أن الشجاعة صبر في ساحات القتال والوغى، وفيها ضبط النفس عن مثيرات الخوف حتى لا يجبن الإنسان في المواضع التي تحسن فيها الشجاعة ويقبح فيها الجبن ويكون شرًا، ومن هذه الصور يجد الإنسان أن النبي - ﷺ - خير قدوة وخير مثال في ذلك؛ ولهذا جاهد في سبيل الله: بالقلب، واللسان، والسيف، والسنان، والدعوة والبيان، فقد أرسل\nستًا وخمسين سرية وقاد بنفسه سبعًا وعشرين غزوة، وقاتل في تسع من غزواته، ومن ذلك الصور الآتية (٤):\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم ١٢/ ١٥٠ بتصرف.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب ما أصاب النبي - ﷺ - من جراح يوم أحد، ٧/ ٣٧٢، برقم ٤٠٧٣، ومسلم، كتاب الجهاد، باب: اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله،\n٣/ ١٤١٧، برقم ١٧٩٣.\n(٣) السيرة النبوية دروس وعبر، ص١١٦.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم،١٢/ ٤٣٦،والحكمة في الدعوة إلى الله تعالى للمؤلف، ص١٧٢.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>الصورة الأولى: شجاعته - ﷺ - في معركة بدر الكبرى:</span>\nمن مواقفه التي تزخر بالحكمة في هذه الغزوة أنه - ﷺ - استشار الناس قبل بدء المعركة؛ لأنه - ﷺ - يريد أن يعرف مدى رغبة الأنصار في القتال؛ لأنه شُرِطَ له في البيعة أن يمنعوه في المدينة مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم وأبناءهم وأزواجهم، أما خارج المدينة فلم يحصل أي شرط، فأراد - ﷺ - أن يستشيرهم، فجمعهم - ﷺ - واستشارهم، فقام أبو بكر - ﵁ - فقال وأحسن، ثم عمر بن الخطاب - ﵁ - فقال وأحسن، ثم استشارهم ثانيًا، فقام المِقْدَاد فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، [نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، ثم استشار الناس ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله كأنك تريدنا]، وكان النبي - ﷺ - يعنيهم، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم؛ ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها، وإني أقول عن\nالأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصِلْ حَبْل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرنَّ معك،","vol":"1","page":231},{"text":"والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فَخُضْتَهُ لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوًا غدًا، إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدقٌ في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، فأشرق وجه رسول الله - ﷺ - وسُرَّ بما سمع، ونشَّطه ذلك، ثم قال: «سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» (١).\nومن مواقفه العظيمة في بدر: اعتماده على ربه - ﵎ - لأنه قد علم أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا العدة، وإنما يكون بنصر الله - ﷿ - مع الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله - ﷾ -.\nعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي\nالله - ﷺ - القبلة، ثم مدَّ يديه، فجعل يهتف بربه (٢): «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»، فمازال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه\n_________\n(١) سيقت هذه القصة بالمعنى، وانظر: سيرة ابن هشام،٢/ ٢٥٣، وفتح الباري، ٧/ ٢٨٧، وزاد المعاد، ٣/ ١٧٣،والرحيق المختوم، ص٢٠٠،وقد أخرج البخاري مواضع منها. انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، ٧/ ٢٨٧، برقم ٣٩٥٢، وكتاب التفسير، ٨/ ٢٧٣،وأخرج مسلم بعض المواضع من القصة. انظر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر، ٣/ ١٤٠٣، برقم ١٧٧٩، وانظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، ٢/ ١٩٤.\n(٢) يهتف بربه، أي: يصيح ويستغيث بالله بالدعاء. انظر: شرح النووي، ١٢/ ٨٤.","vol":"1","page":232},{"text":"من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدة ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١) فأمدّه الله بالملائكة (٢).\nوقد خرج رسول الله - ﷺ - من العريش وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٣).\nوقاتل - ﷺ - في المعركة، وكان من أشدِّ الخلق وأقواهم وأشجعهم، ومعه أبو بكر - ﵁ - كما كانا في العريش يُجاهِدان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرضا، وحثا على القتال، وقاتلا بالأبدان جمعًا بين المقامين الشريفين (٤).\nوكان أشجع الناس الرسول - ﷺ -، فعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: «لقد رأَيْتُنَا يوم بدر، ونحن نلوذ برسول الله - ﷺ - وهو أقربنا إلى العدو، وكان\nمن أشد الناس يومئذ بأسًا» (٥).\nوعنه - ﵁ - قال: «كنا إذا حمي البأس، ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله - ﷺ - فلا يكون أحدنا أدنى إلى القوم منه» (٦).\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٩.\n(٢) أخرجه مسلم بلفظه في كتاب الجهاد والسير والمغازي، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر،\n٣/ ١٣٨٣،برقم ١٧٦٣،والبخاري مع الفتح بمعناه مختصرًا، في كتاب المغازي، باب قوله تعالى:\n﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾،٧/ ٢٨٧،برقم ٣٩٥٣،وانظر: الرحيق المختوم، ص٢٠٨.\n(٣) سورة القمر، الآية: ٤٥، والحديث في البخاري مع الفتح، ٧/ ٢٨٧.\n(٤) انظر: البداية والنهاية، ٣/ ٢٧٨.\n(٥) أخرجه أحمد في المسند، ١/ ٨٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ١٤٣.\n(٦) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي،٢/ ١٤٣،وعزاه ابن كثير في البداية والنهاية،٣/ ٢٧٩،إلى النسائي.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>الصورة الثانية: شجاعته - ﷺ - في غزوة أحد:</span>\nمن مواقفه في الشجاعة أيضًا، وصبره على أذى قومه ما فعله - ﷺ - في غزوة أحد، فقد كان يقاتل قتالًا عظيمًا؛ فإن الدولة كانت أول النهار للمسلمين على المشركين، فانهزم أعداء الله وولَّوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله - ﷺ - بحفظه، وذلك أنهم ظنوا أنه ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وتركوا الجبل فكرّ فرسان المشركين فوجدوا الثغر خاليًا قد خلا من الرُّماة فجازوا منه، وتمكنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة، وهم سبعون، وتولَّى الصحابة، وخلص المشركون إلى رسول الله - ﷺ - فجرحوا وجهه، وكسروا رباعيَّته اليمنى، وكانت السفلى، وهشموا البيضة على رأسه، وقاتل الصحابة دفاعًا عن رسول الله - ﷺ - (١).\nوكان حول النبي - ﷺ - رجلان من قريش، وسبعة من الأنصار، فقال - ﷺ - لما رهقوه، وقربوا منه: «من يردّهم عنَّا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة»،\nفتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِلَ، ثم رهقوه أيضًا فقال: «من يردّهم عنَّا وله الجنة»،فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِلَ، فلم يزل كذلك حتى قُتِلَ السبعة، فقال رسول الله - ﷺ - لصاحبيه: «ما أنصفنا أصحابنا» (٢).\nوعندما اجتمع المسلمون، ونهضوا مع النبي - ﷺ - إلى الشعب الذي نزل\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، ٣/ ١٩٦، ١٩٩، والرحيق المختوم، ص٢٥٥، ٢٥٦.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، ٣/ ١٤١٥، برقم ١٧٨٩.","vol":"1","page":234},{"text":"فيه، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والحارث بن الصّمة الأنصاري وغيرهم، فلما استندوا إلى الجبل أدرك رسولَ الله - ﷺ - أُبَيُّ بن خلف، وهو على جواد له، ويقول: أين محمد، لا نجوت إن نجا؟ فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا، فأمرهم رسول الله - ﷺ - بتركه، فلما دنا منه تناول رسول الله - ﷺ - الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله وأبصر ترقوته من فرجةٍ بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن فرسه مرارًا، فلما رجع عدو الله إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير ... قال: قتلني والله محمد، فقالوا له: ذهب والله فؤادك والله إن بك من بأس، قال: إنه قد قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق عليَّ لقتلني، فمات عدو الله بسرف، وهم قافلون إلى مكة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>الصورة الثالثة: شجاعته - ﷺ - في معركة حنين</span>\nبعد أن دارت معركة حنين والتقى المسلمون والكفار، ولَّى المسلمون مدبرين (٢)، فطفق رسول الله - ﷺ - يركض بغلته قِبَلَ الكفار ... ثم قال: «أي عباس، ناد أصحاب السمرة» فقال عباس- وكان رجلًا صيِّتًا-: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفَتهم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، قال:\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ٣/ ١٩٩، والرحيق المختوم، ص٢٦٣، وروى قصة قتل النبي - ﷺ - لأبي بن خلف: أبو الأسود عن عروة بن الزبير، والزهري عن سعيد بن المسيب. انظر: البداية والنهاية لابن كثير،٤/ ٣٢،وكلاهما مرسل، والطبري،٢/ ٦٧،وانظر: فقه السيرة لمحمد الغزالي، ص٢٢٦.\n(٢) كان مع النبي - ﷺ - في هذه الغزوة ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه من المدينة ففتح بهم. انظر: زاد المعاد، ٣/ ٤٦٨.","vol":"1","page":235},{"text":"فاقتتلوا والكفار ... فنظر رسول الله - ﷺ - وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال - ﷺ -: «الآن حمي الوطيس» (١).\nوظهرت شجاعة النبي - ﷺ - التي لا نظير لها في هذا الموقف الذي عجز عنه عظماء الرجال (٢).\nوسئل البراء، فقال له رجل: يا أبا عمارة، أكنتم وليتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولّى رسول الله - ﷺ -، ولكنه خرج شبان أصحابه (٣) وأخفاؤهم (٤) حسرًا (٥) ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قومًا رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن، وبني نصر، فرشقوهم رشقًا (٦)،ما يكادون يخطئون، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله - ﷺ -\nوأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول:\n\nأنا النبيُّ لا كَذِبْ ... أنا ابنُ عبدِ المطّلبْ\nاللهم نزِّل نصرك (٧)\n_________\n(١) مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب: غزوة حنين، وقد اختصرت ألفاظه،٣/ ١٣٩٨،برقم ١٧٧٥.\n(٢) انظر: الرحيق المختوم، ص٤٠١، وهذا الحبيب يا محب، ص٤٠٨.\n(٣) جمع شباب. شرح النووي لمسلم، ١٢/ ١١٧.\n(٤) جمع خفيف، وهم المسارعون المستعجلون. شرح النووي لمسلم، ١٢/ ١١٧.\n(٥) حسرًا: جمع حاسر، أي بغير دروع، وقد فسره بقوله: ليس عليهم سلاح. شرح النووي لمسلم،١٢/ ١١٧.\n(٦) رشقا: هو بفتح الراء، وهو مصدر، وأما الرشق بالكسر فهو اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة. انظر: شرح النووي، ١٢/ ١١٨.\n(٧) مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، مع التصرف في بعض الكلمات، ٣/ ١٤٠٠، برقم ١٧٧٦، والبخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته فاستنصر،٦/ ١٥٠، برقم ٢٩٢٩، ٨/ ٢٧، ٢٨، برقم ٤٣١٧.","vol":"1","page":236},{"text":"قال البراء: كُنَّا والله إذا احمرّ البأس (١) نتَّقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي - ﷺ - (٢).\nوفي رواية لمسلم عن سلمة قال: مررت على رسول الله - ﷺ - منهزمًا (٣)، وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله - ﷺ -: «لقد رأى ابن الأكوع فزعًا». فلما غشوا رسول الله - ﷺ - نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: «شاهت الوجوه» (٤)، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولَّوْا مدبرين، فهزمهم الله، وقسم رسول الله - ﷺ - غنائمهم بين المسلمين (٥).\nوقد قال العلماء: إن ركوب النبي - ﷺ - البغلة في موضع الحرب، وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات؛ ولأنه أيضًا يكون معتمدًا\nيرجع الناس إليه، وتطمئن قلوبهم به وبمكانه، وإنما فعل هذا عمدًا، وإلا فقد كانت له - ﷺ - أفراس معروفة.\nومما يدلّ على شجاعته تقدمه - ﷺ - وهو يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فرَّ الناس عنه، ونزوله إلى الأرض حين غشوه مبالغة في الشجاعة\n_________\n(١) إذا احمر البأس: كناية عن شدة الحرب، واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة. انظر: شرح النووي، ١٢/ ١٢١.\n(٢) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، ٣/ ١٤٠١، برقم ١٧٧٦.\n(٣) قال العلماء: قوله: «منهزمًا» حال من ابن الأكوع، وليس النبي - ﷺ -. انظر: شرح النووي، ١٢/ ١٢٢.\n(٤) شاهت الوجوه، أي: قبحت. انظر: شرح النووي، ١٢/ ١٢٢.\n(٥) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين،٣/ ١٤٠٢، برقم ١٧٧٧.","vol":"1","page":237},{"text":"والصبر، وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلًا على الأرض من المسلمين، وقد أخبر الصحابة - ﵃ - بشجاعته - ﷺ - في جميع المواطن (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>الصورة الرابعة: شجاعته - ﷺ - في الحماية لأصحابه:</span>\nروى البخاري ومسلم، عن أنس - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فَزِعَ أهل المدينة ذات ليلةٍ، فانطلق الناس قَبِلَ الصوت، فاستقبلهم النبي - ﷺ - قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا»،وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: «لقد وجدته بحرًا، أو إنه لبحر» (٢).\nوهذا المثال وغيره من الأمثلة السابقة تدل دلالة واضحة على أن النبي - ﷺ - أشجع إنسان على الإطلاق، فلم يكتحل الوجود بمثله - ﷺ -، وقد شهد له بذلك الشجعان الأبطال (٣).\nقال البراء - ﵁ -: «كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي - ﷺ -» (٤).\nوقال أنس في الحديث السابق: «كان النبي - ﷺ - أحسن الناس، وأجود\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٢/ ١١٤.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل، ١٠/ ٤٥٥، برقم ٢٩٠٨، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في شجاعة النبي - ﷺ - وتقدمه للحرب، ٤/ ١٨٠٢، برقم ٢٣٠٧.\n(٣) انظر: رواية علي بن أبي طالب في شجاعة النبي - ﷺ - في مسند أحمد ١/ ٨٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ١٤٣.\n(٤) أخرجه مسلم، ٣/ ١٤٠١، برقم ١٧٧٦، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":238},{"text":"الناس، وأشجع الناس ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>الصورة الخامسة: شجاعته - ﷺ - العقلية:</span>\nكانت هذه الشواهد السابقة لشجاعته القلبية، أما شجاعته العقلية فسأكتفي بشاهدٍ واحدٍ؛ فإنه يكفي عن ألف شاهد ويزيد، وهو موقفه من تعنّت سهيل بن عمرو، وهو يملي وثيقة صلح الحديبية، إذْ تنازل - ﷺ - عن كلمة «بسم الله الرحمن الرحيم» إلى باسمك اللهم، وعن كلمة «محمد رسول الله» إلى كلمة: محمد بن عبد الله، وقبوله شرط سهيل على أن لا يأتي النبي - ﷺ - رجل من قريش حتى ولو كان مسلمًا إلاّ ردّه إلى أهل مكة، وقد استشاط الصحابة غيظًا، وبلغ الغضب حدًّا لا مزيد عليه، وهو - ﷺ - صابر ثابت حتى انتهت الوثيقة، وكان بعد أيام فتحًا مبينًا.\nفضرب - ﷺ - بذلك المثل الأعلى في الشجاعتين: القلبية، والعقلية، مع بُعد النظر، وأصالة الرأي، وإصابته؛ فإن من الحكمة أن يتنازل الداعية عن أشياء لا تضرّه بأصل قضيته لتحقيق أشياء أعظم منها (٢).\nوجميع ما تقدم من نماذج من شجاعته - ﷺ - وثباته، وهذا نقطة من بحر، وإلا فإنه لو كُتِبَ في شجاعته - ﷺ - بالاستقصاء لكُتِبَ مجلدات، فيجب على كل مسلم، وخاصة الدعاة إلى الله - ﷿ - أن يتخذوا الرسول - ﷺ - قدوةًَ في\n_________\n(١) انظر: البخاري، برقم ٢٩٠٨، ومسلم، برقم ٢٣٠٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) انظر: وثيقة صلح الحديبية كاملة في البخاري مع الفتح، ٥/ ٣٢٩، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، برقم ٤١٨٠، ٤١٨١، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، برقم ١٨٧٣، وشرح الوثيقة في الفتح، ٥/ ٣٣٣ - ٣٥٢، ومسند أحمد، ٤/ ٣٢٨ - ٣٣١، وانظر: هذا الحبيب يا محبّ، ص٥٣٢.","vol":"1","page":239},{"text":"كل أحوالهم وتصرفاتهم، وبذلك يحصل الفوز والنجاح، والسعادة في الدنيا والآخرة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>المطلب الثالث: صور من صبر الصحابة - ﵃ </span>-\nالصحابة - ﵃ - لهم مواقف كثيرة جدًّا لا يستطيع أحد أن يحصرها؛ لأنهم - ﵃ - باعوا أنفسهم، وأموالهم وحياتهم لله، ابتغاء مرضاته، وخوفًا من عقابه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة.\nومن درس حياتهم، ونظر إلى تطبيقاتهم للإسلام قولًا، وعملًا، واعتقادًا ازداد إيمانًا، وأحبهم؛ فيحصل له بذلك محبة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>الصورة الأولى: صبر بلال:</span>\nبلال بن رباح - ﵁ - كان يعذبه أمية بن خلف على توحيده وإيمانه بالله\n- تعالى - وقد عذّبه أشد العذاب، ومن ذلك أن أمية كان يُخرجُ بلالًا إذا حميت الشمس في الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصّخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى\nتموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أَحدٌ أحدٌ، فمر به أبو بكر فاشتراه. وهذه الكلمة التي زعزعت كيان أمية بن خلف (٢).\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٢) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة،١/ ١٦٥،وسيرة ابن هشام،١/ ٣٤٠،وسير أعلام النبلاء، ١/ ٣٧.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>الصورة الثانية: صبر آل ياسر:</span>\nوهذا عمار بن ياسر، وأبوه ياسر، وأمه سُميّة - ﵃ - يُعذبون أشد العذاب من أجل إيمانهم بالله - تعالى -، فلم يردَّهم ذلك العذاب عن دينهم؛ لأنهم صدقوا مع الله فصدقهم الله - تعالى - ولهذا قيل لهم: «صبرًا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة» (١) فرضي الله عنهم وأرضاهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>الصورة الثالثة: صبر صُهيب:</span>\nوهذا صُهيب الرومي - ﵁ - أراد الهجرة فمنعه كفار قريش أن يُهاجر بماله، وإن أحب يتجرّد من ماله كلِّه ويدفعه إليهم تركوه وما أراد، فأعطاهم ماله ونجا بدينه مهاجرًا إلى الله ورسوله، وأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله وَالله رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣)، فتلقاه عمر بن الخطاب - ﵁ - وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له: ربح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه\nالآية (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>الصورة الرابعة: صبر أبي سلمة وزوجته:</span>\nوهذا عبد الله بن عبد الأسد أبو سلمة وزوجته أم سلمة ﵄\n_________\n(١) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٣/ ٣٨٨، وانظر: مجمع الزوائد، ٩/ ٢٩٣، وقال: «رجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم»، وانظر: الإصابة، ٢/ ٥١٢.\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء، ١/ ٤٠٦، والإصابة، ٢/ ٥١٢، وسيرة ابن هشام، ١/ ٣٤٢.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٠٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٢٤٨، وسير أعلام النبلاء، ٢/ ١٧ - ٢٦، والإصابة، ٢/ ١٩٥.","vol":"1","page":241},{"text":"يصبران على البلاء العظيم ويقفان الموقف الحكيم الذي يدل على صدقهما مع الله (١).\nكان أبو سلمة أول من هاجر من مكة إلى المدينة، قبل العقبة الثانية بسنة تقريبًا.\nبعد أن رجع أبو سلمة وزوجته أم سلمة من الهجرة إلى الحبشة آذته قريش، وعلم بإسلام من أسلم من الأنصار، فقرر الهجرة إلى المدينة - فرارًا بدينه - فحمل زوجته أم سلمة، وابنهما سلمة وقاد بهما راحلته وخرج متجهًا إلى المدينة وقبل أن يخرج من مكة لحقه رجال من بني مخزوم فقالوا له: هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيتك صاحبتك هذه عَلامَ نتركك تسير بها في البلاد؟ ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوا الراحلة وعليها أم سلمة وابنه سلمة، وغضب لذلك رجال من بني عبد الأسد وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من بني صاحبنا فتجاذب بنو مخزوم وبنو عبد الأسد الطفل حتى خُلِعَت يده، وأخذه بنو عبد الأسد وحبس بنو المغيرة أم سلمة عندهم، وانطلق أبو سلمة إلى\nالمدينة هاربًا بدينه. قالت أم سلمة: ففرَّقوا بيني وبين زوجي وبيني وبين ابني، فكنت أخرج كل غداة إلى الأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي، وذلك سنة أو قريبًا منها حتى مرّ بي رجل من بني عمي - أحد بني المغيرة - فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء، ١/ ١٥٠، والإصابة في تمييز الصحابة، ٢/ ٣٣٥، والبداية والنهاية لابن كثير، ٤/ ٩٠.","vol":"1","page":242},{"text":"المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها، وبينها وبين ولدها؟ قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: وردّ بنو عبد الأسد عند ذلك ابني فارتحلت ببعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي أحد من خلق الله (١).\nالله أكبر ما أعظم هذا الموقف وما أحكمه: فقد ترك أبو سلمة زوجته وابنه، وماله، وهاجر بنفسه تاركًا نصفه وراءه من أجل دينه ويتجاذب بنو عبد الأسد وبنو المغيرة بن أم سلمة، ويخلعون يده وهي تنظر، وتحبس من أجل دينها، وتبكي كل يوم في الأبطح سنة أو قريبًا منها، إنه موقف عظيم وبلاء كبير أسفر عن قوة الإيمان والصدق مع الله، فنسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، ورضي الله عن أبي سلمة وزوجته وأرضاهما، فقد جاهدا في الله، وأُوذيا في الله، وصبرا في الله، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>الصورة الخامسة: صبر عبد الله بن حذافة:</span>\nوعندما ينظر الإنسان في موقف عبد الله بن حذافة بن قيس - ﵁ - عندما حاول ملك الروم أن يصدّه عن دينه يرى الموقف الحكيم، والرجل العظيم!\nوجَّه عمر بن الخطاب - ﵁ - جيشًا إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة،\nفذهبوا به إلى مَلِكِهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال: هل لك أن تتنصَّر وأُعطيك نصف ملكي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد - ﷺ - طرفة عين، قال: إذًا أقتلك. قال: أنت وذاك، فأُمِرَ به فصُلِبَ وقال للرماة:\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام، ٢/ ٧٧، والبداية والنهاية، ٣/ ١٦٩، والرحيق المختوم، ص١٥٠، وهذا الحبيب يا محبّ، ص١٥١.","vol":"1","page":243},{"text":"ارموه قريبًا من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى ولم يجزع، فأنزله، وأمر بقدر فصُبَّ فيه ماء وأُغليَ عليه حتى احترقت، ودعا بأسيريْنِ من المسلمين، فأمر بأحدهما، فأُلقي فيها فإذا عظامه تلوح، وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، فأمر بإلقائه في القدر إن لم يتنصّر، فلما ذهبوا به بكى، فقيل للمَلِك: إنه بكى، فظن أنه قد جزع، فقال: رُدُّوه، فقال: ما أبكاك؟ قال: قلت هي نفس واحدة تُلقى الساعة فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تُلقى في النار في الله، فتعجب الطاغية فقال له: هل لك أن تُقبّل رأسي وأُخلِّي عنك؟ فقال له عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبّل رأسه، فخلّى عنهم، وقدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره. فقال عمر: حقٌّ على كلِّ مسلم أن يُقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأُ. فقبَّل رأسه (١).\nهذا موقف عظيم حكيم؛ فإن عبد الله - ﵁ - ثبت على دينه، ولم يقبل سواه، ولو أُعطي ملك كسرى ومثله معه، وملك العرب جميعًا، ثم لصدقه مع الله لم يجزع من الرّماة عندما رموه وهو مصلوب، ولم يجزع من القِدْرِ والماء المغليّ وقد رأى من يُلقى في النار من الأسرى وعظامه تلوح،\nومع ذلك تمنَّى أن يكون له عدد شعره من الأنفس تعذب في الله ومن أجل الله، وعندما رأى أن المصلحة عامة لجميع الأسرى قبَّل رأس الطاغية؛ لكي يخرج المسلمين من الأسر، وهذا من أعظم الحكم العظيمة. فرضي الله عن عبد الله بن حُذافة وأرضاه.\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٢/ ١٤، والإصابة في تمييز الصحابة، ٢/ ٢٦٩.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>الصورة السادسة: صبر خبيب:</span>\nومن هذه المواقف العظيمة التي تدل على قوة الإيمان والرغبة فيما عند الله والدار الآخرة، ما فعله الصحابي الجليل: خبيب بن عدي بن عامر - ﵁ - عندما أسرته كفار قريش وعذبته فثبت حتى قُتِلَ شهيدًا - ﵁ -.\nقالت بعض بنات الحارث بن عامر: والله ما رأيت أسيرًا قطُّ خيرًا من خبيب والله لقد وجدته يومًا يأكل قِطفًا من عنبٍ في يده وإنه لمُوثَقٌ بالحديد وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيبٌ: دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين فقال والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعٌ لزدت. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بَدَدًا، ولا تبق منهم أحدًا، ثم أنشأ يقول:\n\nفلستُ أُبالي حين أقتلُ مسلمًا ... على أيِّ جنب كان لله مصرعي\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يُبارك على أوصالِ شِلوٍّ ممزّعِ\n\nثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو الذي سن لكلِّ مسلم قُتِلَ صبرًا الصلاة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>الصورة السابعة: صبر سعد بن أبي وقاص - ﵁ </span>-:\nوهذا سعد بن أبي وقاص - ﵁ - تَعْرض أمه عليه أن يكفر بدين محمد - ﷺ -، وحلفت أن لا تكلمه، ولا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيعيّر بها، فيقال: يا قاتل أمه! وقالت له: زعمت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر، ومن ركع ركعتين عند القتل، ٦/ ١٦٦، برقم ٣٠٤٥، وكتاب المغازي، باب حدثني عبد الله بن محمد الجعفي،\n٧/ ٣٠٨، برقم ٣٩٨٩، ٧/ ٣٧٨، ١٣/ ٣٨١، وانظر: سير أعلام النبلاء، ١/ ٢٤٦.","vol":"1","page":245},{"text":"آمرك بهذا. قال سعد: لا تفعلي يا أُمّه إني لا أدع ديني هذا لشيء. فبقيت ثلاثة أيام لا تأكل ولا تشرب، فلما رأى سعد بن أبي وقاص ذلك منها قال لها: يا أُمّه، تعلمين والله لو كان لك مائة نفسٍ، فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني، إن شئتِ فكلي أو لا تأكلي. فلما رأت ذلك أكلت (١). قال سعد - ﵁ -: نزلت هذه الآية فيّ: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢)، وقد جعل الله سعدًا مستجاب الدعوة لدعوة النبي - ﷺ -: «اللهم استجب لسعد إذا دعاك» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>الصورة الثامنة: صبر أم حبيبة أم المؤمنين ﵂:</span>\nومن ذلك ما فعلته أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان؛ أم المؤمنين ﵂، وذلك أن أباها قدم من مكة إلى المدينة يريد أن يزيد في الهدنة بينه وبين الرسول - ﷺ -، فلما دخل على بنته أم حبيبة ﵂ وذهب ليجلس على\nفراش رسول الله - ﷺ - طوته دونه، فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله - ﷺ - وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر (٤)، قلت: والله لم يصبها إلا قوة\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل سعد بن أبي وقاص، ٤/ ١٨٧٧، برقم ١٧٤٨، مختصرًا بمعناه، وأحمد، ١/ ١٨١ - ١٨٢، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة العنكبوت، ٥/ ٣٤١، برقم ٣١٨٩، وانظر: سير أعلام النبلاء، ١/ ١٠٩.\n(٢) سورة لقمان، الآية: ١٥.\n(٣) الترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، ٥/ ٦٤٩، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٣/ ٤٩٨، وسنده صحيح. انظر: سير أعلام النبلاء، ١/ ١١١.\n(٤) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، ٤/ ٣٠٦، وعزاه بإسناده إلى ابن سعد. وانظر أيضًا: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، ٣/ ١٣٥.","vol":"1","page":246},{"text":"الإيمان ومحبة الله ورسوله، فقدَّمت محبة الله ورسوله على محبة والدها المشرك ولم ترضَ أن يجلس المشرك على فراش رسول الله - ﷺ -، فرضي الله عن أم المؤمنين؛ فإنها لم تأخذها في الله لومة لائم، وهذا من أعظم الحكم.\nوالصحابة ﵃ جميعًا رجالًا ونساءً، كانت أعمالهم وحياتهم، ومماتهم لله لا يريدون، ولا يرغبون إلا ما يرضيه - تعالى - حتى ولو كان ذلك ببذل أحبّ الأشياء إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>الصورة التاسعة: صبر أنس بن النضر - ﵁ </span>-:\nعن أنس - ﵁ - قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يارسول الله غبتُ عن أول قتال قاتلتَ فيه المشركين، والله لئن أشهدني الله قتال المشركين ليريَنّ الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين -، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المشركين-، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقاتلهم حتى قتل. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة: من بين ضربة بسيف وطعنة برمح، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه. ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ\nصَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ (١). قال فكنا نقول: نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (٢).\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.\n(٢) البخاري مع الفتح في كتاب الجهاد، باب قول الله - ﷿ -: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾، ٦/ ٢١، برقم ٢٨٠٥،\n٧/ ٣٥٤، برقم ٤٠٤٨،. وانظر: البخاري مع الفتح، ٨/ ٥١٨، برقم ٤٧٨٣، والبداية والنهاية، ٤/ ٣١ - ٣٤، والإصابة في تمييز الصحابة، ١/ ٧٤، وهذا الحبيب يا محب، ص٢٦٩.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>الصورة العاشرة: صبر عمير بن الحُمَام </span>- ﵁ -:\nويدل على رغبة الصحابة - ﵃ - فيما عند الله ما فعل عُمير بن الحُمام في بدر حينما سمع رسول الله يقول لأصحابه: «قومُوا إلى جَنّةٍ عرضُهَا السّموات والأرضُ» فقال: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم». قال: بخ بخ (١)، فقال - ﷺ -: «ما يحملك على قولك بخ بخ؟»، قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: «فإنك من أهلها» فأخرج تمرات من قرنه (٢) فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل من تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل (٣).\nوهذه النماذج تدل على صبر الصحابة وحكمتهم العظيمة، وصدقهم مع الله ورغبتهم فيما عنده - سبحانه - من الثواب وزهدهم في الدنيا.\nوالصحابة - ﵃ - لهم مواقف حكيمة كثيرة لا تُحْصَى، ولكن ما ذكرته هنا\nمن مواقفهم ما هو إلا بعض الأمثلة اليسيرة من المواقف الحكيمة التي تدل على حكمتهم ويستفيد منها الدعاة إلى الله -تعالى -.\nوأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا. والله المستعان.\n_________\n(١) كلمة تقال لتعظيم الأمر وتفخيمه في الخير. انظر: شرح النووي، ١٣/ ٤٥.\n(٢) أي جعبة النشاب. انظر: شرح النووي، ١٣/ ٤٦.\n(٣) مسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ٣/ ١٥١٠، برقم ١٩٠١.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>المبحث السابع: طرق تحصيل الصبر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>المطلب الأول: الطرق العامة لتحصيل الصبر</span>\nلا يشك ذو مسكة عقل أن الصبر مرُّ المذاق، صعب على النفس البشرية لأنه يُعطِّلها عن مألوفاتها، ورغباتها، لذلك فلابدَّ من تعويدها عليه شيئًا فشيئًا حتى تستسيغه وتعضّ عليه بالنواجذ عند المصائب والفتن.\nوسأبيّن جملة من الأمور التي تعين على الصبر، وتهوّنه على النفس، وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>أولًا: معرفة طبيعة الحياة الدنيا:</span>\nلعل أقرب أمر يعين الإنسان على الصبر ويحمل النفس عليه هو تصوّر الحياة التي يعيش فيها، ومعرفتها على حقيقتها وواقعها، فهي ليست جنة نعيم، ولا دار مُقامة، إنما ممرّ ابتلاء وتكليف؛ لذلك فالكَيِّس الفطن لا يفاجأ بكوارثها، فالشيء من معدنه لا يستغرب.\nولله دَرُّ القائل:\n\nإن لله عبادًا فُطَنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفِتَنا\nنظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحيٍّ وَطَنا\nجعلوها لُجَّةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سُفُنا\n\nورب العالمين يشير إلى أن حياة الإنسان محفوفة بالمخاطر مملوءة بالمتاعب في قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (١).\n_________\n(١) سورة البلد، الآية: ٤.","vol":"1","page":249},{"text":"فها هي الدنيا كما وصفت لا تستقيم على حال، ولا يقر لها قرار، فيوم لك وآخر عليك، قال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١).\nوقد أحسن أبو البقاء الرندي القائل:\n\nلكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغرّ بطيب العيش إنسان\nهي الأيام كما شاهدتها دول ... من سره زمان ساءته أزمان\n\nوليعلم العبد الصالح أنه لو فتش العالم لم يجد إلا مبتلى: إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وأن سرور الدنيا أحلام نائم، وظل زائل، وسحابة صيف، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرّت يومًا أساءت دهرًا، وإن متّعت قليلًا، منعت طويلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>ثانيًا: اليقين بحسن الجزاء عند الله:</span>\nإذا علم العبد أن الصابرين ينتظرهم أحسن الجزاء عند الله حين يرجعون إليه، ويقفون بيديه، فيعوضهم عن صبرهم خيرًا، ويمنحهم أجرًا، ويجزل لهم المثوبة، فإنه لاشك يتصبّر ويرضى بما قدّره الله.\nولا يجد المتتبع لآيات القرآن الكريم شيئًا ضُخِّمَ جزاؤه، وعُظِّم أجره مثل الصبر.\nفهاهو يتحدث عن هذا الأجر بأسلوب المدح والتفخيم: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٤٠.\n(٢) سورة العنكبوت، الآيتان: ٥٨ - ٥٩.","vol":"1","page":250},{"text":"ويُبيِّن أن جزاءهم يكون بأحسن ما كانوا يعملون: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ\nيَعْمَلُونَ﴾ (١).\nويصرّح أن أجر الصابرين غير معدود، ورزقهم غير محدود: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>ثالثًا: معرفة الإنسان نفسه:</span>\nالله - ﷾ - هو الذي منح الإنسان الحياة؛ فخلقه من عدم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فهو ملك لله أولًا وآخرًا، لذلك فإذا نزل بالعبد نازل سلبه شيئًا مما عنده، فإنما استردّ صاحب الملك بعض ما وهب، ولا ينبغي للمودَع أن يسخط على صاحب العارية إذا استردَّها.\nوصدق لبيد بن ربيعة - ﵁ - القائل:\n\nوما المالُ والأَهلون إلا ودائعٌ ... ولابدّ يومًا أن تُردَّ الودائع\n\nوفي قصة أم سُلَيم مع زوجها أبي طلحة دليل واضح على فهم السلف الصالح - رضوان الله عليهم - لهذه الحقيقة حيث عرفوا أنفسهم فعرفوا مقام ربهم وقدَّروه حقَّ قدره.\nعن أنس - ﵁ - قال: مات ابنٌ لأبي طلحة من أم سُلَيم فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه.\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٩٦.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ١٠.","vol":"1","page":251},{"text":"قال: فجاء فَقَرَّبَتْ إليه عشاءً فأكل وشرب، قال: ثم تَصَنَّعتْ له أحسن ما كان تصنَّعُ قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها.\nقالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟\nقال: لا.\nقالت: فاحتسب ابنك.\nقال: فغضب، وقال: تركتِني حتى تلطَّختُ ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره بما كان.\nفقال رسول الله - ﷺ -: «بارك الله لكما في غابر ليلتكما».\nقال: فحملت، قال: فكان رسول الله - ﷺ - في سفر وهي معه، وكان رسول الله - ﷺ - إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طُرُوقًا فدنوا من المدينة فضربها المخاض فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله - ﷺ -.\nقال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج وأدخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى.\nقال: تقول أم سُلَيم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد انطلق، فانطلقنا.\nقال: فضربها المخاض حين قدما فولدت غلامًا.\nفقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله - ﷺ -، فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله - ﷺ - قال: فصادفته","vol":"1","page":252},{"text":"ومعه ميسم فلما رآني قال: «لعل أم سُلَيم ولدت».\nقلت: نعم، فوضع الميسم. وقال: وجئت به فوضعته في حجره ودعا رسول الله - ﷺ - بعجوة من عجوة المدينة فَلاكَها في فيه حتى ذابت ثم قَذَفَها في الصبي يتلمظها. قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «انظروا إلى حُبِّ الأنصار التَّمْر».\nقال: فمسح وجهه وسمّاه «عبد الله».\n[قال سفيان: قال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن] (١).\nوهذه المعاني قبس من قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ (٢).\nهذه الكلمة الطيبة تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلّى عن مصيبته:\n١ - أن العبد وأهله وماله ملك لله - ﷿ - حقيقة.\n٢ - أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ليوفيه حسابه.\nفإذا كانت هذه بداية العبد وما خوِّله ونهايته، فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود؟ ففكره في مبدئه ومعاده أعظم معين على التحلِّي بالصبر عند الشدائد والمصائب والمحن والفتن، فاللهم ثبتنا بالقول\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب الجنائز، باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة، برقم ١٣٠١، ٣/ ١٦٩، و٩/ ٥٨٧، ومسلم مع النووي، ١٦/ ١١، برقم ٢١٤٤، وما بين المعقوفين للبخاري الموضع الأول.\n(٢) سورة البقرة، الآيتان: ١٥٥ - ١٥٦.","vol":"1","page":253},{"text":"الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>رابعًا: اليقين بالفرج:</span>\nلا يشك العاقل أن نصر الله قريب، وفرجه آتٍ لا ريب فيه، وأن بعد الضيق سعة، ومع العسر يسرًا؛ لأن الله وعد بهذا، والله لا يخلف الميعاد.\nهذا اليقين جدير أن يبدد ظلمة القلق، ويقهر شبح اليأس، ويضيء نفس المؤمن بنور الصبر الذي لا يخبو.\nولذلك ورد الصبر في كتاب الله مقرونًا بأن وعد الله حق كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (١).\nوقوله جل شأنه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ (٢).\nوقد وعد الله عباده الصابرين بقرب الفرج في صور، منها:\nالأولى: الوعد بالسعة بعد الضيق، والرخاء بعد الشدة، واليسر بعد العسر، وفي هذا يقول جل وعلا: ﴿سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٣).\nولم يكتف الخالق - ﷾ - أن جعل اليسر بعد العسر، بل جعله في موطن آخر معه وبصيغة التأكيد حيث قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٤).\n_________\n(١) سورة الروم، الآية: ٦٠.\n(٢) سورة غافر، الآية: ٥٥.\n(٣) سورة الطلاق، الآية: ٧.\n(٤) سورة الشرح، الآيتان: ٥، ٦.","vol":"1","page":254},{"text":"وفي هذه الآيات يتجلى أمران:\n١ - تحقق اليسر بعد العسر تحققًا قريبًا حتى كأنه معه ومتصل به، حتى لو دخل العسر جحر ضب لتبعه اليسر، ولن يغلب عُسرٌ يُسرَين.\n٢ - إن مع العسر يسرًا بالفعل، ولكن قد يكون ملموسًا أو مكنونًا، ففي كل قدر لطف، وفي كل بلاء نعمة.\nولا يشكّ مؤمن عرف ربه وآمن به أن الله يُقدِّر ويلطف: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١)؛ لأنه أعلم بمن خلق وأرحم بهم من أنفسهم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢).\nالثانية: الوعد بحسن العاقبة، والعبرة بالعواقب، والمدار على الخواتيم. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).\nولقد أحسن القائل:\n\nاشتدّي أزمة تنفرجي ... قد آذن ليلك بالبلج\n\nولله درّ القائل:\n\nولرُبَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى ... ذرعًا وعند الله منها المخرجُ\nضاقت فلمّا استحكمتْ حلقاتُها ... فُرِجت وكنت أظنها لا تُفرَجُ\n\nالثالثة: الوعد بحسن العوض عما فات، فإن الله لا يضيع أجر من\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٠.\n(٢) سورة الملك، الآية: ١٤.\n(٣) سورة هود، الآية: ٤٩.","vol":"1","page":255},{"text":"أحسن عملًا. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>خامسًا: الاستعانة بالله:</span>\nإذا استعان العبد بربه ولجأ إلى حماه شعر بالطمأنينة في قلبه، والسكينة تملأ جوارحه، فمن كان في حمى الله فلن يضام. قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ﴾ (٢).\nومن كانت معيّة الله معه، وعين الله ترعاه، فهو حقيق أن يتحمل المتاعب، ويصبر على الأذى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>سادسًا: التأسّي بأهل الصبر والعزائم:</span>\nإن التأمّل في سِير الصابرين، وما لاقوه من ألوان الشدائد، وما ذاقوه من صنوف البلاء يعين على الصبر، ويطفئ نار المصيبة ببرد التأسي.\nومن هنا حرص القرآن الكريم والسنة النبوية على ذكر قصص الأنبياء والصالحين تسلية للنبي - ﷺ - والمؤمنين، وتثبيتًا لقلوبهم في مواجهة البلاء والفتن. قال تعالى: ﴿وَكُلًاّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).\n_________\n(١) سورة النحل، الآيتان: ٤١ - ٤٢.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٢٨.\n(٣) سورة هود، الآية: ١٢٠.","vol":"1","page":256},{"text":"ويجيء الخطاب الرباني لرسول الله - ﷺ - قائلًا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (١).\nفإذا ضاق صدره بما يفعلون، وأدركه الحزن عليهم مما يمكرون، وجد في صبر إخوانه من المرسلين ما يشد أزره، ويمضي عزمه، ويذهب همه، فهو ليس بدعًا مما أصاب الرسل من قبله، يقول الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>سابعًا: الإيمان بقدر الله وقضائه:</span>\nعلى المسلم أن يعلم علم اليقين أن قدر الله نافذ لا محالة، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣)، ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤).\nإن الركون للصبر في مثل هذا المقام أمر محمود بل واجب لأن مقادير الله نافذة سواء رضي العبد أم سخط، صبر أم جزع، ولكن العاقل ينبغي\n_________\n(١) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٤.\n(٣) سورة الحديد، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.\n(٤) سورة التغابن، الآية: ١١.","vol":"1","page":257},{"text":"أن يتحلى بالصبر حتى لا يحرم المثوبة، وإلا ستؤول به السنن الكونية إلى صبر الاضطرار الذي لا قيمة له في دين الله كما قال النبي - ﷺ -: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (١).\nوذلك لأن العبد إن صبر إيمانًا واحتسابًا نفذت فيه المقادير وله الأجر، وإن جزع وهلع وتبرّم سلا سَلْوَ البهائم ونفذت فيه المقادير، وعليه الوزر.\nإن التسليم بالقدر هو مقتضى العقل والدين معًا، وإلا فليفعل ما يشاء من إظهار الكآبة والمبالغة في التوجع والتشكي، ولن يغيِّر من الواقع شيئًا، ولن يبدِّل سنن الله في الكون، وإنما يزيد نفسه كمدًا وغمًا، وحسرة.\nوانظر أيها العبد الصالح كيف يقرّر الله هذه الحقيقة مخاطبًا رسوله الكريم - ﷺ - حين آذاه موقف قريش وتكذيبها له: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢).\nوقال الله - ﷿ - للقانطين من رحمة الله اليائسين من نصره: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ\n_________\n(١) البخاري مع الفتح،٣/ ١٤٨،برقم ١٢٨٣،ومسلم مع النووي،٦/ ٢٢٧،برقم ٩٢٦،وتقدم تخريجه.\n(٢) سورة الأنعام، الآيات: ٣٣ - ٣٥.","vol":"1","page":258},{"text":"فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>ثامنًا: استصغار المصيبة:</span>\nقال النبي - ﷺ -: «يا أيها الناس أيما أحدٍ من الناس أو من المؤمنين أُصيب فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحدًا من أمتي لن يُصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي» (٢).\nوكتب بعض العقلاء إلى أخ له يعزيه عن ابن له يقال له: محمد، فنظم الحديث الآنف شعرًا فقال:\n\nاصبر لكل مصيبةٍ وتجلّدِ ... واعلم بأن المرء غير مُخلّدِ\nوإذا ذكرت محمدًا ومصابَهُ ... فاذكر مصابك بالنبي محمّدِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>تاسعًا: الحذر من الآفات العائقة في الطريق:</span>\nلابدَّ للناس عامة، وللمؤمنين خاصة، ولحملة الدعوة على وجه أخص أن يحذروا من الآفات النفسية التي تعتري النفس البشرية فتعيق الصبر وتعترض طريقه وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>١ - الاستعجال:</span>\nالإنسان مولع بالعاجل لأنه خلق من عجل؛ لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (٣).\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ١٥.\n(٢) أخرجه ابن ماجه واللفظ له، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة، برقم ١٥٩٩، والدارمي، ١/ ٤٠، وابن سعد، ٢/ ٢٧٥ وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه،\n١/ ٢٦٧، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٩٧، برقم ١١٠٦.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٣٧.","vol":"1","page":259},{"text":"فإذا أبطأ الخير عن الإنسان نفد صبره، وضاق صدره ناسيًا أن لكل أجل كتابًا مسمى، وأن الله لا يعجل بعجلة الخلق.\nوليعلم العبد أن لكل ثمرة أوانًا لنضوجها، فيحسن عندئذٍ قطافها، والاستعجال لا ينضجها بل يهلكها، وقديمًا قيل: «من استعجل الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه».\nولهذا خاطب الله رسوله قائلًا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (١).\nوالاستعجال من سنن المشركين لجهلهم وسفههم فقد كانوا يستعجلون عذاب الله غرورًا وعنادًا، فردّ عليهم ربهم بما يقطع دابرهم: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>٢ - الغضب:</span>\nقد يرى المسلم ما يكره، ويسمع ما يؤذيه فيستفزّه الغضب إلى الإعراض عن الناس والنفور منهم، ومن ثم إلى اليأس والقنوط وهما آفة الصبر.\nفيجب على المسلم أن يصبر على أذى الناس وإعراضهم عن دعوته، ويعاودهم المرة بعد المرة عسى أن يهدي الله به رجلًا واحدًا، فيكون خيرًا له مما طلعت عليه الشمس.\n_________\n(١) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٥٣.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>٣ - الضيق:</span>\nقال تعالى لرسوله الكريم: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (١).\nوقال جل شأنه: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢).\nإن الإيمان والكفر والهدى والضلال لا يستطيع الإنسان أن يجلبها لمن أحب ويدفعها عنه، وإنما عليه التذكير والنصيحة والبيان والبلاغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>٤ - اليأس:</span>\nاليأس آفة الصبر الكبرى، لأنها تطفئ سراج الأمل، فيترك العبد العمل، ويخلد إلى الكسل.\nولهذا حرص القرآن الكريم والسنة المطهرة على غرس بذور الأمل في نفوس المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٣).\nوقال - ﷻ - مخبرًا عن موسى وقومه: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ*\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ١٢٧.\n(٢) سورة هود، الآية: ١٢.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٣٩.","vol":"1","page":261},{"text":"قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١).\nوعلى منهج القرآن في إضاءة شعلة الأمل أمام المؤمنين درج رسول الله - ﷺ - عندما جاءه خبّاب بن الأرتّ - ﵁ - يشكو ما يلاقيه المؤمنون من أذى المشركين شكوى تحمل معنى الضيق والتبرّم والاستعجال، فضرب له رسول الله - ﷺ - مثلًا فقال: «لقد كان من قبلكم ليُمشّط بمشاط من حديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويُوضع المنشار على مفرق رأسه فيُشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتِمَّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حَضر مَوت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه» وفي رواية: «ولكنكم تستعجلون» (٢).\nوما ذلك إلا لأن الأمل أعظم معين على الصبر على طول الطريق وقلة الرفيق، وخاصة في زمن الغربة، فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وعافنا واعفُ عنا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>المطلب الثاني: طرق تحصيل الصبر عن المعاصي</span>\nالصبر عن المعاصي والسيئات ينشأ من أسباب عديدة، منها على سبيل المثال ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>أولًا: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها</span>، وأن الله إنما حرَّمها ونهى عنها\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآيتان: ١٢٨ - ١٢٩.\n(٢) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة، برقم ٣٨٥٢.\n(٣) انظر: الصبر الجميل للشيخ سليم بن عيد الهلالي، ص٥٥ - ٧٠، ودعوة الحق، العدد ٥٤ ص١٥١ - ١٦٠، والصبر في القرآن للدكتور يوسف القرضاوي، ٩١ - ١١٢.","vol":"1","page":262},{"text":"صيانة وحماية عن الدَّنايا والرذائل، كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره. وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يعلق عليها وعيد العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>ثانيًا: الحياء من الله سبحانه</span>؛ فإن العبد متى علم بنظر الله إليه، ومقامه عليه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وكان حييًّا استحيى من ربه أن يتعرض لمساخطه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>ثالثًا: مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك</span>؛ فإن الذنوب تزيل النعم ولابدَّ، فما أذنب عبدٌ ذنبًا إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب، فإن تاب ورجع رجعت إليه أو مثلها، وإن أصرّ لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة نعمة حتى تسلب النعم كلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).\nوأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبه يزيل النعم ويسلبها.\nقال بعض السلف: أذنبتُ ذنبًا فحُرِمتُ من قيام الليل سنة.\nوقال آخر: أذنبتُ ذنبًا فحُرِمتُ فهم القرآن. وفي مثل هذا قيل:\n\nإذا كنتَ في نعمة فارْعَهَا ... فإنّ المعاصي تُزيل النعم\n\nوبالجملة فإن المعاصي نار النعم تأكلها كما تأكل النار الحطب، عياذًا\n_________\n(١) سورة الرعد، الآية: ١١.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٥٣.","vol":"1","page":263},{"text":"بالله من زوال نعمته، وتحول عافيته، وفُجاءة نقمته، وجميع سخطه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>رابعًا: خوف الله وخشية عقابه</span>، وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده والإيمان به وبكتابه وبرسوله، وهذا السبب يَقْوَى بالعلم واليقين، ويضعف بضعفهما. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>خامسًا: محبة الله</span>، وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>سادسًا: شرف النفس وزكاؤها وفضلها </span>وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطّها وتضع قدرها، وتخفض منزلتها وتحقرها، وتسوّي بينها وبين السفلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>سابعًا: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية</span>، وقبح أثرها والضرر الناشئ منها: من سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيقه وغمّه، وحزنه وألمه، وانحصاره وشدة قلقه واضطرابه، وتمزّق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوّه؛ فإن الذنوب تميت القلوب، والعبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن أذنب ذنبًا آخر نكت نكتة أخرى، ولا تزال حتى تعلو قلبه، فذلك هو الران قال الله تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢).\nوبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علمًا، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علمًا، فخير الدنيا والآخرة بحذافيره\n_________\n(١) سورة فاطر، الآية: ٣٨.\n(٢) سورة المطففين، الآية: ١٤.","vol":"1","page":264},{"text":"في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>ثامنًا: قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله</span>، وأنه كمسافر دخل قرية وهو عازم على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها، فهو لعلمه بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضرّه ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل، ولا أضرّ من التسويف وطول الأمل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>تاسعًا: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه </span>وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس؛ فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات، فإنها تطلب لها مصرفًا فيضيق عليها المباح فتتعدّاه إلى الحرام، وأعظم الأشياء ضررًا على العبد بطالته وفراغه؛ فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ينفعه شغلته بما يضره ولابد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>عاشرًا: ثبات شجرة الإيمان في القلب</span>، وهو الجامع لهذه الأسباب كلها: فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتمّ، وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر. والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>المطلب الثالث: طرق تحصيل الصبر على الطاعات</span>\nوالصبر على الطاعة ينشأ من معرفة أسباب الصبر عن المعاصي السابقة، ومن معرفة ما تجلبه الطاعة من العواقب الحميدة والآثار الجميلة، ومن أقوى أسبابها الإيمان والمحبة، فكلما قوي داعي الإيمان والمحبة لله تعالى، ولرسوله - ﷺ - في القلب كانت استجابته للطاعة بحسبه.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>المطلب الرابع: طرق تحصيل الصبر على المصيبة والبلاء وأقدار الله المؤلمة</span>\nكثيرة، منها الطرق الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>أولًا: معرفة جزائها وثوابها </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>ثانيًا: العلم بتكفيرها للسيئات ومحوها لها </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>ثالثًا: الإيمان بالقدر السابق الجاري بها</span>، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يُخلق فلابد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>رابعًا: معرفة حق الله عليه في تلك البلوى</span>، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلابد له منه وإلا تضاعف عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>خامسًا: العلم بترتبها عليه بذنبه</span>، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير﴾ (٣).\nفهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم أسباب دفع تلك المصيبة.\nقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>سادسًا: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها </span>وقسمها وأن\n_________\n(١) انظر: الدعاء والعلاج بالرقى للمؤلف، ص١٢٧ - ١٣١؛ فإن فيه أدلة من الكتاب والسنة على علاج المصيبة ينبغي أن يستحضرها من أصيب بمصيبة، وانظر أيضًا: تبريد حرارة المصيبة للمؤلف.\n(٢) انظر: تبريد حرارة المصيبة للمؤلف، وزاد المعاد، ٤/ ١٨٨ - ١٩٦.\n(٣) سورة الشورى، الآية: ٣٠.\n(٤) ذكره الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين وباب السعادتين، ص٤٥٧ وبحثت عنه كثيرًا فلم أجد من خرجه.","vol":"1","page":266},{"text":"العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِّ قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>سابعًا: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواءٌ نافع </span>ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته، الرحيم به، فليصبر على تجرعه، ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>ثامنًا: أن يعلم أن في عُقبى هذا الدواء </span>من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>تاسعًا: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله </span>وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه؛ فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>عاشرًا: أن يعلم أن الله يربِّي عبده على السراء والضراء</span>، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال؛ فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال وقال: «اللهم أعني على ذكرك\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢١٦.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٩.","vol":"1","page":267},{"text":"وشكرك وحسن عبادتك» (١).\nفهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر.\nنسأل الله أن يسترنا بعافيته، ولا يفضحنا بابتلائه بمنّه وكرمه (٢).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الاستغفار، برقم ١٥٢٢، والنسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء، برقم ١٣٠٢، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٩٠، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٨٤، وفي صحيح الأدب المفرد، برقم ٥٣٣.\n(٢) انظر: كتاب طريق الهجرتين، وباب السعادتين لابن القيم، ص٤٤٨ - ٤٥٩، وانظر: زاد المعاد، له، ٤/ ١٨٨ - ١٩٦، وعدة الصابرين، له أيضًا، ص٧٦ - ٨٦.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>الفصل السابع: الإخلاص والصدق</span>\nالمبحث الأول: مفهوم الإخلاص.\nالمبحث الثاني: أهمية الإخلاص.\nالمبحث الثالث: النية أساس العمل.\nالمبحث الرابع: خطر الرياء وأنواعه وأقسامه.\nالمبحث الخامس: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء.\nالمبحث السادس: الصدق.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>المبحث الأول: مفهوم الإخلاص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>الإخلاص في اللغة: </span>خَلَصَ يخلص خلوصًا: صفا وزال عنه شوبه، ويقال: خلص من ورطته: سلم منها ونجا، ويقال: خلَّصه تخليصًا: أي نجَّاه، والإخلاص في الطاعة ترك الرياء (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>وحقيقة الإخلاص: </span>هو أن يريد العبد بعمله التقرب إلى الله تعالى وحده.\nوقد ذكر أهل العلم تعريفات بعضها قريب من بعض:\nفقيل: الإخلاص: إفراد الحق - سبحانه - بالقصد في الطاعة.\nوقيل: الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره.\nوقيل: تصفية العمل من كل ما يشوبه (٢).\nوعلى ما تقدم: يتضح أن الإخلاص: صرف العمل والتقرب به إلى الله وحده، لا رياءً ولا سمعة، ولا طلبًا للعرض الزائل، ولا تصنعًا، وإنما يرجو ثواب الله ويخشى عقابه ويطمع في رضاه.\nولهذا قال القاضي عياض: «ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما» (٣).\n_________\n(١) المعجم الوسيط، ١/ ٢٤٩، ومختار الصحاح، ص٧٧.\n(٢) مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٩١.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٩١.","vol":"1","page":271},{"text":"والإخلاص في حياة الداعية: أن يقصد بإراداته، وأعماله، وأقواله، وسائر تصرفاته، وتوجيهاته وتعليمه وجه الله تعالى وحده لا شريك له ولا ربَّ سواه.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>المبحث الثاني: أهمية الإخلاص</span>\nلقد خلق الله الخلق: الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، وأمر جميع المكلفين بالإخلاص، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١).\nوقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلا لله الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ (٤).\nقال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا يعلى: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: «إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًاَ لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (٥). ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ\n_________\n(١) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٢) سورة الزمر، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٣) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.\n(٤) سورة الملك، الآية: ٢.\n(٥) مدارج السالكين، ٢/ ٨٩.","vol":"1","page":273},{"text":"بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٢)، فإسلام الوجه: إخلاص القصد والعمل لله، والإحسان فيه: متابعة رسول الله - ﷺ - وسنته» (٣).\nوقد ثبت في الحديث عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «ثلاث لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم» (٤).\nوالإخلاص هو روح عمل الداعية، وأهم صفاته، فبدونه يكون جهد الداعية وعمله هباءً منثورًا.\nوالإخلاص من أهم أعمال القلوب باتفاق أئمة الإسلام، ولاشك أن أعمال القلوب هي الأصل: لمحبة الله ورسوله، والتوكل عليه، والإخلاص له، والخوف منه، والرجاء له، وأعمال الجوارح تبع؛ فإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح مات، فمعرفة أحكام القلوب أهمّ من معرفة أحكام الجوارح.\nفيجب على الداعية أن يكون مخلصًا لله - ﷿ - لا يريد رياءً ولا سمعة،\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(٣) مدارج السالكين، ٢/ ٩٠.\n(٤) أخرجه الترمذي، كتاب العلم، باب الحث على تبليغ السماع، برقم ٢٦٥٨، وابن ماجه، المقدمة، باب من بلغ علمًا، برقم ٢٣٠، وأحمد، ٥/ ١٨٣، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، ١/ ٧٨.","vol":"1","page":274},{"text":"ولا ثناء الناس ولا مدحهم وحمدهم، إنما يدعو إلى الله يريد\nوجه الله - تعالى - كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى الله﴾ (٢).\nوالإخلاص أعظم الصفات التي تجب على الدعاة فيريدوا بدعوتهم وجه الله والدار الآخرة، ويريدوا إصلاح الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور (٣).\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٣.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ١/ ٣٤٩، و٤/ ٢٢٩.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>المبحث الثالث: النية أساس العمل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>المطلب الأول: أهمية النية ومكانتها</span>\nالنية: أساس العمل وقاعدته، ورأس الأمر وعموده، وأصله الذي عليه بُنيَ؛ لأنها روح العمل، وقائده، وسائقه، والعمل تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يحصل التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة (١)؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى ...» (٢).\nوقال الله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nوهذا يدلّ على أهمية ومكانة النية، وأن الدعاة إلى الله وغيرهم من المسلمين بحاجة إلى إصلاح النية، فإذا صلحت أُعطي العبد الأجر الكبير والثواب العظيم، ولو لم يعمل وإنما نوى نية صادقة، ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٤)، وقال - ﷺ -: «ما من امرئٍ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها\n_________\n(١) انظر: النية وأثرها في الأحكام الشرعية للدكتور صالح بن غانم السدلان، ١/ ١٥١.\n(٢) البخاري، كتاب الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، برقم ١، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ - إنما الأعمال بالنية، برقم ١٩٠٧.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١١٤.\n(٤) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، برقم ٢٨٣٤.","vol":"1","page":276},{"text":"نوم إلا كُتبَ له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة» (١).\nوقال النبي - ﷺ -: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلى وحضر لا ينقص ذلك من أجره شيئًا» (٢).\nوقال الرسول - ﷺ -: «من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (٣).\nوهذا يدل على فضل الله - ﷾ - وإحسانه إلى عباده؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - في غزوة تبوك: «لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه»، قالوا: يا رسول الله كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: «حَبَسهُمُ العُذر» (٤).\nوبالنية الصالحة يضاعف الله الأعمال اليسيرة؛ ولهذا قال الرسول - ﷺ - لرجل جاء إليه مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله: أقاتل أو أسلم؟ فقال - ﷺ -: «أسلم ثم قاتل»، فأسلم ثم قاتل فَقُتِل، فقال رسول الله - ﷺ -: «عمل\n_________\n(١) أبو داود، كتاب التطوع، باب النعاس في الصلاة، برقم ١٣١٤، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب من كان له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم، برقم ١٧٨٤، وانظر: إرواء الغليل للألباني، ٢/ ٢٠٤، وصحيح الجامع، ٥/ ١٦٠، برقم ٥٥٦٧.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها، برقم ٥٦٤، والنسائي، كتاب الإمامة، حد إدراك الجماعة، برقم ٨٥٥، والحاكم، ١/ ٣٢٧، قال ابن حجر في فتح الباري، ٦/ ١٣٧: «إسناده قويّ».\n(٣) مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب الشهادة في سبيل الله تعالى،، برقم ١٩٠٩.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب الرخصة في القعود من العذر، برقم ٢٥١٠، واللفظ له، والبخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو، برقم ٢٦٨٤.","vol":"1","page":277},{"text":"قليلًا وأجر كثيرًا» (١).\nوجاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فدخل في الإسلام، فكان رسول الله - ﷺ - يعلّمه الإسلام وهو في مسيره، فدخل خف بعيره في جحر يربوع فوقصه بعيره فمات، فقال رسول الله - ﷺ -: «عمل قليلًا وأجر كثيرًا» قالها حماد ثلاثًا (٢).\nوبالنية الصالحة يبارك الله في الأعمال المباحة فيثاب عليها العبد؛ ولهذا قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» (٣)، وقال النبي - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -: «إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعلُ في فِي امرأتك» (٤).\nوقال رسول الله - ﷺ -: «إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبدٍ رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي به ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا فهو بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء» (٥). وقال الرسول - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «إن الله - ﷿ - كتب\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب عمل صالح قبل القتال، برقم ٢٨٠٨، واللفظ له، ومسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، برقم ١٩٠٠.\n(٢) مسند الإمام أحمد، ٤/ ٣٥٧.\n(٣) البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، برقم ٥٥.\n(٤) البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، برقم ٥٦.\n(٥) الترمذي، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا مثل أربعة نفر، برقم ٢٣٢٥، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب النية، برقم ٤٢٢٨، وأحمد، ٤/ ١٣٠، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٠.","vol":"1","page":278},{"text":"الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك فمن همّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>المطلب الثاني: خطر إرادة الدنيا بعمل الآخرة</span>\nمن الخطر العظيم أن يعمل الإنسان عملًا صالحًا يريد به عرضًا من الدنيا، وهذا شرك ينافي كمال التوحيد الواجب ويحبط العمل، وهو أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذرًا من هذا وهذا.\nوالفرق بين الرياء، وإرادة الإنسان بعمله الدنيا: هو أن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا يجتمعان في أن الإنسان إذا أراد بعمله التزين عند الناس، ليروه ويعظِّموه ويمدحوه، فهذا رياء، وهو أيضًا إرادة الدنيا؛ لأنه تصنّع عند الناس وطلب الإكرام والمدح والثناء.\nأما العمل للدنيا فهو أن يعمل الإنسان عملًا صالحًا لا يقصد به الرياء للناس، وإنما يقصد به عرضًا من الدنيا: كمن يحج عن غيره ليأخذ مالًا، أو يجاهد للمغنم، أو غير ذلك، فالمرائي عمل لأجل المدح والثناء من الناس، والعامل للدنيا يعمل العمل الصالح يريد به عرض الدنيا\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة، برقم ٦٤٩١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة تكتب وإذا هم بسيئة لم تكتب، برقم ١٣١.","vol":"1","page":279},{"text":"وكلاهما خاسر، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه (١).\nوقد جاءت النصوص تدل على خسران صاحب هذا العمل في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ (٥).\nوقال الرسول - ﷺ -: «من تعلّم علمًا مما يُبتغى به وجه الله - ﷿ - لا يتعلّمهُ إلا ليُصيب به عَرَضًا من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة» يعني ريحها (٦).\nوعن جابر - ﵁ - يرفعه: «لا تعلَّموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا\n_________\n(١) انظر: فتح المجيد، ص٤٤٢، وتيسير العزيز الحميد، ص٥٣٤.\n(٢) سورة هود، الآيات: ١٥ - ١٦.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ١٧.\n(٤) سورة الشورى، الآية: ٢٠.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٠٠.\n(٦) أبو داود، كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير الله تعالى، برقم ٣٦٦٤، وابن ماجه، المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، برقم ٢٥٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٨.","vol":"1","page":280},{"text":"به السفهاء، ولا لتخيّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار» (١).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: «لا تعلّموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله؛ فإنه يدوم ويبقى وينفد ما سواه» (٢).\nولهذا تكفّل الله بالسعادة لمن عمل لله، فعن أنس يرفعه: «من كانت الآخرة همّهُ جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>المطلب الثالث: أنواع العمل للدنيا</span>\nالعمل للدنيا أنواع متعددة، وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أنه جاء عن السلف في ذلك أربعة أنواع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>النوع الأول: </span>العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله تعالى: من صدقة، وصلاة، وإحسان إلى الناس، ورد ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصًا لله تعالى؛ لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، وإنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله، وتنميته، أو حفظه أهله\n_________\n(١) ابن ماجه، المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، برقم ٢٥٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٨، وصحيح الترغيب، ١/ ٤٦، وفي الموضعين أحاديث أخرى.\n(٢) الدارمي، ١/ ٧٠ موقوفًا، وابن ماجه عن أبي هريرة، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٨، وصحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٨.\n(٣) الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب حدثنا قتيبة، برقم ٢٤٦٥، وابن ماجه، بنحوه، برقم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٥/ ٣٥١، والأحاديث الصحيحة، ٩٥٠.","vol":"1","page":281},{"text":"وعياله، أو إدامة النعم عليه وعليهم، ولا همّة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يُعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب، وهذا مروي عن ابن عباس ﵄.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>النوع الثاني: </span>وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو أن يعمل أعمالًا صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة. وهو ما ذكر عن مجاهد رحمه الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>النوع الثالث: </span>أن يعمل أعمالًا صالحة يقصد بها مالًا، مثل أن يحج عن غيره لمال يأخذه، ولا يقصد بذلك وجه الله ولا الدار الآخرة، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو يجاهد لأجل المغنم، أو يتعلّم العلم ليحصل على الشهادة وعلى الجاه، ولا يقصد بذلك وجه الله مطلقًا، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة؛ لأجل وظيفة المسجد أو غيره من الوظائف الدينية، ولا يريد بذلك ثوابًا مطلقًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>النوع الرابع: </span>أن يعمل بطاعة الله مخلصًا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفّره كفرًا يخرجه عن الإسلام، كمن يأتي بناقض من نواقض الإسلام. ذُكِرَ ذلك عن أنس - ﵁ - وغيره (١).\nفليحذر الداعية إلى الله تعالى مما يُحبط عمله ويعرّضه لسخط الله وغضبه، وليحذر جميع المسلمين من هذه الأنواع الفاسدة نعوذ بالله منها.\n_________\n(١) انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص٤٤٤، وتيسير العزيز الحميد، ص٥٣٦، والقول السديد للسعدي، ص١٢٦.","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>المبحث الرابع: خطر الرياء، وأنواعه، وأسبابه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>المطلب الأول: خطر الرياء</span>\nالرياء خطره عظيم جدًا على الفرد والمجتمع والأمة؛ لأنه يحبط العمل والعياذ بالله، ويظهر خطره في الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>١ - الرياء أخطر على المسلمين من المسيح الدجال: </span>قال الرسول - ﷺ -: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال، الشرك الخفي أن يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لِمَا يرى من نظر رجل» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>٢ - الرياء أشد فتكًا من الذئب في الغنم</span>، قال رسول الله - ﷺ -: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسَدَ من حرص المرء على المال والشرف لدينه» (٢).\nوهذا مثل ضربه رسول الله - ﷺ - بيّن فيه أن الدين يفسد بالحرص على المال، وذلك بأن يشغله عن طاعة الله، وبالحرص على الشرف في الدنيا بالدين، وذلك إذا قصد الرياء والسمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>٣ - خطورة الرياء على الأعمال الصالحة خطر عظيم</span>؛ لأنه يُذهب بركتها، ويُبطلها والعياذ بالله، قال الله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة، برقم ٤٢٠٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤١٠.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب حدثنا سويد، برقم ٢٣٧٦، وأحمد، ٣/ ٤٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٨٠.","vol":"1","page":283},{"text":"فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين﴾ (١).\nهذه هي آثار الرياء تمحق العمل الصالح محقًا في وقت لا يملك صاحبه قوة ولا عونًا، ولا يستطيع لذلك ردًَّا.\nقال تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون﴾ (٢).\nفهذا العمل الصالح أصله كالبستان العظيم كثير الثمار، فهل هناك أحد يحب أن تكون له هذه الثمار والبستان العظيم ثم يرسل عليها الرياء فيمحقها محقًا، وهو في أشد الحاجة إليها!!\nولهذا قال رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (٣)، وفي الحديث: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان أشرك في عملٍ عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» (٤).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٦.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، برقم ٢٩٨٥.\n(٤) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب سورة الكهف، برقم ٣١٥٤، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة، برقم، ٤٢٠٣، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٨، وفي صحيح الترمذي، ٣/ ٧٤.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>٤ - أول من تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة: </span>قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدق بماله، الذين فعلوا ذلك ليقال: فلان قارئ، فلان شجاع، فلان كريم متصدق، ولم تكن أعمالهم خالصة لله تعالى (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>٥ - الرياء يورث الذلّ والصغار والهوان والفضيحة</span>، قال رسول الله - ﷺ -: «من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>٦ - الرياء يحرم ثواب الآخرة</span>، قال النبي - ﷺ -: «بشّر هذه الأمة بالسناء (٣)، والدين، والرفعة، والتمكين، في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>٧ - الرياء سبب في هزيمة الأمة</span>، قال رسول الله - ﷺ -: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم» (٥).\nوهذا يبين أن الإخلاص لله سبب في نصر الأمة على أعدائها، وأن الرياء سبب في هزيمة الأمة!\n_________\n(١) انظر الحديث في صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، برقم ١٩٠٥.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب الرياء والسمعة، برقم ٦٤٩٩، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، برقم ٢٩٦٨.\n(٣) معناه ارتفاع المنزلة لأن السناء هو الرفعة. انظر: المصباح المنير، ١/ ٢٩٣.\n(٤) مسند أحمد، ٥/ ١٣٤، والحاكم، ٤/ ٣١٨، وصححه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ١٥.\n(٥) رواه النسائي، كتاب الجهاد، باب الاستنصار بالضعيف، برقم ٣١٧٨، وصححه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ٦.","vol":"1","page":285},{"text":"٨ - الرياء يزيد الضلال، قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>المطلب الثاني: أنواع الرياء</span>\nأبواب الرياء كثيرة نعوذ بالله من ذلك وهذه الأنواع على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>١ - أن يكون مراد العبد غير الله</span>، ويريد ويحب أن يعرف الناس أنه يفعل ذلك، ولا يقصد الإخلاص مطلقًا، نعوذ بالله من ذلك، فهذا نوع من النفاق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>٢ - أن يكون قصد العبد ومراده لله تعالى </span>فإذا اطّلع عليه الناس نشط في العبادة وزينها وهذا شرك السرائر، قال رسول الله - ﷺ -: «يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر»، قالوا: يا رسول الله: وما شرك السرائر؟ قال: «يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لِمَا يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>٣ - أن يدخل العبد في العبادة لله ويخرج منها لله </span>فَعُرِفَ بذلك ومُدِح فسكن قلبه إلى ذلك المدح، ومنّى النفس بأن يحمدوه ويمجِّدوه، وينال ما يريده من الدنيا، وهذا السرور والرغبة في الازدياد منه والحصول على مطلوبه يدل على رياء خفي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>٤ - وهناك رياء بدني: </span>كمن يظهر الصفار والنحول، ليُريَ الناس\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان: ٩ - ١٠.\n(٢) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، ٢/ ٦٧، برقم ٩٣٧، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٧.","vol":"1","page":286},{"text":"بذلك أنه صاحب عبادة قد غلب عليه خوف الآخرة، وقد يكون الرياء بخفض الصوت وذبول الشفتين ليدل الناس على أنه صائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>٥ - رياء من جهة اللباس أو الزي: </span>كمن يلبس ثيابًا مرقّعة؛ ليقول الناس إنه زاهد في الدنيا، أو من يلبس لباسًا معينًا يرتديه ويلبسه طائفة من الناس يعدّهم الناس علماء، فيلبس هذا اللباس ليُقال عالم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>٦ - الرياء بالقول: </span>وهو على الغالب رياء أهل الدين بالوعظ والتذكير، وحفظ الأخبار والآثار؛ لأجل المحاورة، والمجادلة، والمناظرة، وإظهار غزارة العلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>٧ - الرياء بالعمل: </span>كمراءاة المصلي بطول الصلاة والركوع والسجود، وإظهار الخشوع، والمراءاة في الصوم والحج والصدقة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>٨ - الرياء بالأصحاب والزائرين: </span>كالذي يتكلف أن يستزير عالمًا؛ ليقال إن فلانًا قد زار فلانًا، ودعوة الناس لزيارته كي يقال: إن أهل الدين يترددون عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>٩ - الرياء بذمّ النفس بين الناس</span>، ويريد بذلك أن يُرِيَ الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>١٠ - ومن دقائق الرياء وخفاياه: </span>أن يخفي العامل طاعته بحيث لا يريد أن يطّلع عليها أحدٌ، ولا يُسرَّ بظهور طاعته، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحبّ أن يبدءوه بالسلام، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير، وأن يثنوا عليه، وأن ينشطوا في قضاء حوائجه، وأن يسامحوه في البيع والشراء، فإن لم يجد ذلك وجد ألمًا في نفسه، كأنه يتقاضى الاحترام على","vol":"1","page":287},{"text":"الطاعة التي أخفاها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>١١ - ومن دقائق الرياء أن يجعل الإخلاص وسيلة </span>لِمَا يريد من المطالب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «حُكِيَ أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجّرت الحكمة من قلبه على لسانه، قال: فأخلصت أربعين يومًا، فلم يتفجّر شيء، فذكرت ذلك لبعض العارفين فقال لي: إنك أخلصت للحكمة، لم تخلص لله» (١)، وذلك أن الإنسان قد يكون مقصوده نيل الحلم والحكمة، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم له، أو غير ذلك من المطالب. وهذا لم يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه؛ إنما حصل هذا العمل لنيل ذلك المطلوب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>المطلب الثالث: أقسام الرياء</span>\nالرياء أعاذنا الله منه أقسام ودركات ينبغي لكل مسلم أن يعرف هذه الأقسام؛ ليهرب منها وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>١ - أن يكون العمل رياء محضًا</span>، ولا يراد به إلا مراءاة المخلوقين كحال المنافقين، قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٢)، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، وهذا العمل لا شك في بطلانه وأن\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٦/ ٦٦، ومنهاج القاصدين، ص٢١٤ - ٢٢١، والإخلاص للعوائشة، ص٢٤، والإخلاص والشرك الأصغر للدكتور عبد العزيز بن عبد اللطيف، ص٩، والرياء لسليم الهلالي، ص١٧.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٤٢.","vol":"1","page":288},{"text":"صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، والعياذ بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>٢ - أن يكون العمل لله</span>، ويشاركه الرياء من أصله - أي من أوله إلى آخره -، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>٣ - أن يكون أصل العمل لله</span>، ثم طرأت عليه نية الرياء أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>الحال الأولى: </span>أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها، فأولها صحيح بكل حال وآخرها باطل، مثال ذلك: إنسان عنده عشرون ريالًا يريد أن يتصدق بها، فتصدق بعشرة خالصة لله، ثم طرأ عليه الرياء في العشرة الباقية، فالصدقة الأولى صحيحة مقبولة، والثانية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>الحال الثانية: </span>أن يرتبط أول العبادة بآخرها فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>الأمر الأول: </span>أن يكون هذا الرياء خاطرًا ثم دفعه الإنسان ولم يسكن إليه، وأعرض عنه وكرهه، فإنه لا يضره بغير خلاف؛ لقول النبي - ﷺ -: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>الأمر الثاني: </span>أن يسترسل معه الرياء ويطمئن إليه ولا يدافعه ويحبه، فتبطل جميع العبادة على الصحيح؛ لأن أولها مرتبط بآخرها، مثال ذلك: من ابتدأ الصلاة مخلصًا بها لله تعالى ثم طرأ عليه الرياء في الركعة الثانية واسترسل معه إلى نهاية صلاته، ولم يدافعه، فتبطل الصلاة كلها لارتباط\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، برقم ١٢٧.","vol":"1","page":289},{"text":"أولها بآخرها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>٤ - أن يكون الرياء بعد الانتهاء من العبادة </span>(٢).\nوأما إذا عمل المسلم العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضرّه ذلك، فقد سئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ثم يحمده الناس عليه، فقال: «تلك عاجل بُشْرَى المؤمن» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>المطلب الرابع: أسباب الرياء ودوافعه</span>\nأصل الرياء حب الجاه والمنزلة، ومن غلب على قلبه حُبّ هذا صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفًا بالتردد إليهم، والمراءاة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله وتصرفاته ملتفتًا إلى كل ما يعظِّم منزلته عند الناس، وهذا أصل الداء والبلاء، فإن من رغب في ذلك احتاج إلى الرياء في العبادات، واقتحام المحظورات، وهذا باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله، العارفون به، المحبون له.\nوإذا فُصِّل هذا السبب والمرض الفتاك رجع إلى ثلاثة أصول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>١ - حب لذّة الحمد والثناء والمدح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>٢ - الفرار من الذم</span>.\n_________\n(١) انظر: هذه الأقسام بالتفصيل في جامع العلوم والحكم لابن رجب، ١/ ٧٩ - ٨٤، وفتح المجيد، ص٤٣٨ وفتاوى ابن عثيمين، ٢/ ٢٩.\n(٢) انظر: فتاوى ابن عثيمين، ٢/ ٣٠.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره، برقم ٢٦٤٢.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>٣ - الطمع فيما في أيدي الناس </span>(١).\nويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَميّة، ويقاتل رياءً، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال - ﷺ -: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٢).\nفقوله: «يقاتل شجاعة» أي ليُذكر ويُشكر ويُمدح ويُثنى عليه.\nوقوله: «يقاتل حمية» أي يأنف أن يُغلب ويُقهر أو يُذمّ.\nوقوله: «يقاتل رياءً» أي ليُرَى مكانه، وهذا هو لذة الجاه والمنزلة في القلوب.\nوقد يرغب الإنسان في المدح، ولكنه يحذر من الذم كالجبان بين الشجعان، فإنه يثبت ولا يفر، لئلا يذم، وقد يفتي الإنسان بغير علم حذرًا من الذم بالجهل، فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرك إلى الرياء وتدعو إليه فاحذرها!\n_________\n(١) انظر: مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ص٢٢١ - ٢٢٢.\n(٢) البخاري، كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا، برقم ١٢٣، ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، برقم ١٩٠٤.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>المبحث الخامس: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء</span>\nقد عُرِفَ أن الرياء محبط للعمل، وسبب لغضب الله ومقته، وأنه من المهلكات، وأشد خطرًا على المسلم من المسيح الدجال.\nومَن هذه حاله فهو جدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته وعلاجه، وقطع عروقه وأصوله. ومن هذا العلاج الذي يزيل الرياء، ويحصِّل الإخلاص بإذن الله تعالى ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>١ - معرفة أنواع الرياء، ودوافعه، وأسبابه </span>ثم قطعها وقلع عروقها، وتقدمت هذه الدوافع والأسباب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>٢ - معرفة عظمة الله تعالى</span>، بمعرفة: أسمائه، وصفاته، وأفعاله معرفةً صحيحةً مبنية على فهم الكتاب والسنة على مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإن العبد إذا عرف أن الله وحده هو الذي ينفع ويضرّ، ويعزّ ويذلّ، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إذا عرف ذلك، وعلم بأن الله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له فسيُثمرُ ذلك إخلاصًا وصدقًا مع الله، فلابُدَّ من معرفة أنواع التوحيد كلها معرفة صحيحة سليمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>٣ - معرفة ما أعدَّه الله في الدار الآخرة </span>من نعيم وعذاب، وأهوال الموت، وعذاب القبر؛ فإن العبد إذا عرف ذلك، وكان عاقلًا هرب من الرياء إلى الإخلاص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>٤ - الخوف من الرياء المحبط للعمل</span>؛ فإن من خاف أمرًا بقي حَذِرًا","vol":"1","page":292},{"text":"منه فينجو؛ فإن من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة. فينبغي للمرء بل يجب عليه إذا هاجت رغبته إلى آفة حُبّ الحمد والمدح أن يُذَكِّرَ نفسه بآفات الرياء، والتعرّض لمقت الله، ومن عرف فقر الناس وضعفهم استراح كما قال بعض السلف: «جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، واحرص أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان فلا تفرق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، واقنع بعلم الله وحده» (١).\nوبالله وحده ثم بالخوف من حبوط العمل نجا أهل العلم والإيمان من الرياء وحبوط العمل، فعن محمد بن لبيد - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؛ قال: «الرياء، يقول الله - ﷿ - لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» (٢).\nولهذا الخطر العظيم خاف الصحابة والتابعون وأهل العلم والإيمان من هذا البلاء الخطير، ومن ذلك الأمثلة الآتية:\nالمثال الأول: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٣)، قالت عائشة ﵂ يا رسول الله: أهو\n_________\n(١) انظر: الإخلاص والشرك الأصغر، ص١٥.\n(٢) أحمد في المسند، ٥/ ٤٢٨، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٤٥.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":293},{"text":"الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر «أو يا بنت الصديق» ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويصلّي وهو يخاف ألا يُتقبَّل منه» (١).\nالمثال الثاني: قال ابن أبي مُلَيْكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلُّهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل» (٢).\nالمثال الثالث: وقال إبراهيم التيميّ: «ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذِّبًا» (٣).\nالمثال الرابع: ويُذكر عن الحسن أنه قال: «ما خافه إلا مؤمن ولا أمِنه إلا منافق» (٤).\nالمثال الخامس: وقال عمر بن الخطاب لحذيفة ﵄: «نشدتك\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوقي على العمل، برقم ٤١٩٨، وانظر: صحيح ابن ماجه للألباني، ٢/ ٤٠٩ ورواه أحمد، ٦/ ١٥٩، ٢٥، والترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - ﷺ -، باب ومن سورة المؤمنون، برقم ٣١٧٤، والحاكم، ٢/ ٣٩٣، وحسنه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦٢.\n(٢) البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، قبل الحديث رقم ٤٨.قال ابن حجر في فتح الباري،١/ ١١٠: «وصله ابن أبي خيثمة في تاريخه».\n(٣) البخاري معلقًا ومجزومًا به، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، قبل الحديث رقم ٤٨.قال ابن حجر: «وصله المصنف في تاريخه».انظر: فتح الباري، ١/ ١١٠.\n(٤) البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، قبل الحديث رقم ٤٨.، وقال ابن حجر: «وصله جعفر الفريابي في كتب صفة المنافقين»، وصححه. انظر: الفتح، ١/ ١١١.","vol":"1","page":294},{"text":"بالله هل سمّاني لك رسول الله - ﷺ - منهم - يعني من المنافقين - قال: لا، ولا أُزكِّي بعدك أحدًا» (١).\nالمثال السادس: ويُذكر عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: «اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق» قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: «أن ترى البدن خاشعًا والقلب ليس بخاشع» (٢).\nالمثال السابع: ويُذكر عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: «لئن أستيقن أن الله تقبَّل لي صلاة واحدة أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾» (٣).\nالمثال الثامن: وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركتُ عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ -، يُسأل أحدهم عن المسألة، ما منهم رجل إلا ودَّ أن أخاه كفاه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>٥ - الفرار من ذمّ الله</span>؛ فإن من أسباب الرياء الفرار من ذمّ الناس، ولكن العاقل يعلم أن الفرار من ذمّ الله أولى؛ لأن ذمّه شين، كما قال رجلٌ لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله إنَّ مدحي زين وذمّي شين، فقال - ﷺ -: «ذاك الله» (٥)، ولا شك أن العبد إذا خاف الناس وأرضاهم بسخط الله\n_________\n(١) ابن كثير بنحوه، في البداية والنهاية، ٥/ ١٩، وانظر: صفات المنافقين لابن القيم، ص٣٦.\n(٢) ذكره ابن القيم في صفات المنافقين، ص٣٦.\n(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره، ٢/ ٤١، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والآية من سورة المائدة، الآية: ٢٧.\n(٤) الدارمي في سننه، ١/ ٥٣، وانظر: تخريجه في كتاب الرياء لسليم الهلالي، ص٣٢.\n(٥) أحمد في المسند، ٣/ ٤٨٨، ٦/ ٣٩٤، من حديث الأقرع بن حابس - ﵁ -، وإسناده حسن، ورواه الترمذي وحسنه، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - ﷺ -، باب ومن سورة الحجرات، برقم ٣٢٦٧.","vol":"1","page":295},{"text":"سخط الله عليه، وغضب وأسخط الناس عليه، فهل أنت تخشى غضب الناس؟ فالله أحق أن تخشاه إن كنت صادقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>٦ - معرفة ما يفرُّ منه الشيطان</span>؛ لأن الشيطان منبع الرياء وأصل البلاء، والشيطان يفر من أمور كثيرة، منها الأذانُ، وقراءة القرآن، وسجود التلاوة، والاستعاذة بالله منه، والتسمية عند الخروج من البيت والدخول في المسجد مع الذكر المشروع في ذلك، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وجميع الأذكار المشروعة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>٧ - الإكثار من أعمال الخير والعبادات غير المشاهدة</span>، وإخفاؤها: كقيام الليل، وصدقة السر، والبكاء خاليًا من خشية الله، وصلاة النوافل، والدعاء للإخوة في الله بظهر الغيب، والله - ﷿ - يحب العبد التقيّ، النقيّ، الخفيّ، قال سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله يحب العبد التقيّ، النقيّ، الخفيّ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>٨ - عدم الاكتراث بذمّ الناس ومدحهم</span>؛ لأن ذلك لا يضر ولا ينفع، بل يجب أن يكون الخوف من ذمّ الله، والفرح بفضل الله، قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣)، فيا عبد الله أقبل على حب المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذلك سَهُل عليك الإخلاص (٤).\n_________\n(١) انظر التفصيل في ذلك: كتاب مقامع الشيطان في ضوء الكتاب والسنة لسليم الهلالي، وهو مهم جدًا، والإخلاص لحسين العوائشة، ص٥٧ - ٦٣.\n(٢) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٦٥.\n(٣) سورة يونس، الآية: ٥٨.\n(٤) الفوائد لابن القيم، ص٦٧.","vol":"1","page":296},{"text":"ويسهِّلُ الزهد في حب المدح والثناء العلم يقينًا أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمّه ويشين إلا الله وحده، فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذمِّ من لا يشينك ذمّهُ، وارغب في مدح مَن كلّ الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمن فقد الصبر واليقين كان كمن أراد السفر في البحر بغير مركب (١).\nوانظر إلى من ذمّك فإن يك صادقًا قاصدًا النصح لك فاقبل هديته ونصحه فإنه قد أهدى إليك عيوبك، وإن كان كاذبًا فقد جنى على نفسه وانتفعتَ بقوله؛ لأنه عرَّفك ما لم تكن تعرف، وذكّرك من خطاياك ما نسيت، وإن كان ذلك افتراءً عليك، فإنك إن خلوت من هذا العيب لم تخلُ من غيره، فاذكر نعمة الله عليك إذ لم يطلع هذا المفتري على عيوبك، وهذا الافتراء كفارات لذنوبك إن صبرت واحتسبت، وعليك أن تعلم أن هذا الجاهل جنى على نفسه وتعرض لمقت الله تعالى، فكن خيرًا منه: فاعف واصفح، واستغفر له، قال الله - ﷿ -: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>٩ - تذكّر الموت وقصر الأمل</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣).\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ\n_________\n(١) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٢٦٨.\n(٢) سورة النور، الآية: ٢٢.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.","vol":"1","page":297},{"text":"بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>١٠ - الخوف من سوء الخاتمة</span>، فعلى العبد أن يخاف أن تكون أعمال الرياء هي خاتمة عمله ونهاية أجله، فيخسر خسارة فادحة عظيمة؛ لأن الإنسان يبعث يوم القيامة على ما مات عليه، والناس يبعثون على نياتهم، وخير الأعمال خواتمها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>١١ - مصاحبة أهل الإخلاص والتقوى</span>؛ فإن الجليس المخلص لا يعدمك الخير، وتجد منه قدوة لك صالحة، وأما المرائي والمشرك فيحرقك في نار جهنم إن أخذت بعمله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>١٢ - الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى</span>، وقد علَّمنا رسول الله - ﷺ - ذلك فقال: «يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل»، فقال بعض الصحابة: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لِمَا لا نعلمه» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>١٣ - حبّ العبد ذكر الله له</span>، وتقديم حبّ ذكره له على حب مدح الخلق، قال الله - ﷿ -: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٣)، وقال رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن\n_________\n(١) سورة لقمان، الآية: ٣٤.\n(٢) أخرجه أحمد، ٤/ ٤٠٣، وإسناده جيد، وغيره، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع، ٣/ ٢٣٣، وصحيح الترغيب، ١/ ١٩.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.","vol":"1","page":298},{"text":"تقرّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا، وإن تقرّب إلي ذراعًا تقرّبت منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (١)، والله المستعان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>١٤ - عدم الطمع فيما في أيدي الناس</span>؛ فإن الإخلاص لا يجتمع في القلب ومحبّة المدح والثناء والطمع فيما في أيدي الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضبّ والحوت، فإذا حدّثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس مما في أيدي الناس، ويسهِّل ذبح الطمع العلم يقينًا أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئًا سواه (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>١٥ - معرفة ثمرات الإخلاص وفوائده </span>وعواقبه الحميدة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أن الإخلاص سبب لنصر الأمة، والنجاة من عذاب الله، ورفع المنزلة والدرجة في الدنيا والآخرة، والسلامة من الضلال في الدنيا، والفوز بحبّ الله للعبد وحبّ أهل السماء والأرض، والصيت الطيّب، وتفريج كروب الدنيا والآخرة، والطمأنينة والشعور بالسعادة والتوفيق، وتحمّل المتاعب والمصاعب، وتزيين الإيمان في القلوب، واستجابة الدعاء، والنعيم في القبر والتبشير بالسرور، والله\n_________\n(١) البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، برقم ٢٦٧٥، واللفظ للبخاري.\n(٢) انظر: ما تقدم في منهاج القاصدين، ص٢٢١ - ٢٢٣، وكتاب الإخلاص لحسين العوائشة، ص٤١ - ٦٤، والرياء ذمه وأثره السيئ في الأمة لسليم الهلالي، ص٦١ - ٧٢، والإخلاص والشرك الأصغر، ص١٣.\n(٣) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٢٦٧ - ٢٦٨.","vol":"1","page":299},{"text":"الموفق سبحانه (١).\nفالداعية الذي يريد نجاح دعوته، والفوز بنجاته ومحبة الله له، عليه أن يعمل جاهدًا في تحصيل الإخلاص والفرار من الرياء، أسأل الله أن يعصمني وإياك وجميع دعاة المسلمين وأئمتهم وعامتهم من هذا البلاء الخطير.\n_________\n(١) انظر: كتاب الإخلاص للعوائشة، ص٦٤ - ٦٦.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>المبحث السادس: الصدق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>المطلب الأول: مفهوم الصدق وأهميته وفضله</span>\nالصدق: مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم، وهو ضد الكذب (١)، وقيل: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معًا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا تامًا (٢)، وقيل: الصدق حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه (٣).\nولا يخفى ما للصدق من فضل عظيم، وثواب جزيل، ومقام كريم، ومما يدلّ على فضل الصدق، وسموّ منزلته، وعلوّ مكانه أنه من خصائص أهل الإيمان والتقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤)، فمن اتصف بهذه الصفات العظام وكانت لباسه وحليته فقد فاز. نسأل الله أن يجعلنا منهم.\nولقد أمر الله عباده المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين ويلازموا\n_________\n(١) المعجم الوسيط، ١/ ٥١١، والقاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، ص٢٠٩.\n(٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، ص٤٧٨.\n(٣) مدارج السالكين، ٢/ ٢٦٨.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.","vol":"1","page":301},{"text":"الصدق في كل الأحوال فهو سبيل النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١).\nومما يدل على فضل الصدق والصادقين سوء مصير الكذابين وبوارهم، وأن الكذب من علامات النفاق والعياذ بالله - تعالى - وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (٢)، وفي رواية: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ...» فذكر الكذب (٣).\nوالصدق طريق البر والجنة على عكس الكذب الذي هو طريق الفجور والنار والعياذ بالله، وفي الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون عند الله صدّيقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذّابًا» (٤).\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١١٩.\n(٢) البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم ٣٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم ٥٩.\n(٣) البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم ٣٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم ٥٨،.\n(٤) البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾، برقم ٦٠٩٤، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب، وحسن الصدق وفضله، برقم ٢٦٠٧.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>المطلب الثاني: مجالات الصدق</span>\nأهم مجالات الصدق ثلاثة:\nالصدق في القصد بمعنى خلوص النية وصدق العزيمة وثبات الإرادة.\nوالصدق في القول بالأخذ بالحق ونبذ الباطل واللغو واللهو المحرم.\nوالصدق في العمل بموافقة القول العمل، وموافقتهما هدي الكتاب والسنة.\nومتى بلغ العبد تحقيق الصدق في هذه المجالات كلها على الوجه الأتم الأكمل كان من الصِّدِّيقين، وكانت الحياة حينئذ لا تساوي عنده إلا بقدر ما يتبلغ به المسافر، وكان ما عند الله - ﷾ - أحبّ إليه مما في أيدي الناس.\nوسأتناول فيما يلي كل واحد من هذه المجالات ببعض البسط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>١ - الصدق في النية والقصد: </span>الصدق في القصد يستلزم إخلاص النية لله - ﷿ - في الدعوة وفي كل طاعة وقربة، فلا يدعو لطلب جاه ولا محمدة ولا وجاهة، ومتى دخل شيء من هذه الشوائب النية خرج الإخلاص المشروط لقبول العمل، ومتى حصل الصدق في القصد وتحقق الإخلاص أثمر ذلك عزيمة صادقة وإرادة ماضية، فلا يتوانى الداعي الصادق عن المضي في إيصال الحق والخير للناس يبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، يتعلَّم ويعلِّم، ويتوخّى الحق والصدق أينما كان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>٢ - الصدق في القول: </span>يستلزم أن لا ينطق الداعي بالباطل أيًا كانت صورة هذا الباطل: كذبًا، أو شتمًا، أو سبابًا، أو لعنًا، أو فحشًا، أو غيبة، أو نميمة، أو قول الزور .. وبالجملة فهو أبعد الناس عن آفات اللسان.","vol":"1","page":303},{"text":"هذا ما يمس حياة الدعاة وسيرتهم الذاتية.\nأما في مجال الدعوة فالحال كذلك، فلا يدعو إلا على بصيرة، ومعرفة بالحق ودليله، وبعد تبصّر وتفقّه، فالدعوة لا تصحّ إلا على بصيرة ... ولا يعظ الناس إلا بالصادق من القصص والأمثال، ويبتعد عن الكذب، والدجل، والأحلام، والرؤى التي لا يُعرف مصدرها ولا صدقها ولا عدالة صاحبها ولا ثبوتها عنه .. فدين الله - ﷿ - مصدره الكتاب والسنة وفهم السلف لهما لا غير، ومتى استبدل الداعي هذين المصدرين بغيرهما - أعني الكتاب والسنة - فقد ضلّ سواء السبيل.\nوبالجملة فرائد الدعاة الصادقين توخّي الحق والحق هو ما في الكتاب والسنة منهما يستمدون، ومنهما ينهلون، وعلى هداهما يسيرون، وإليهما يدعون، وفي ساحتهما يتحاكمون.\nنسأل الله أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يجعلنا من أهل الصدق والرشد إنه سميع مجيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>٣ - وأما صدق العمل: </span>فهو مطابقة الأقوال والأعمال للحق الذي يدعو إليه، وقد تقدم في مبحث العمل بالعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>المطلب الثالث: أثر الصدق في نجاح الدعوة</span>\nالصدق له الآثار الحميدة في حياة الدعاة، ونجاح الدعوة، ومن هذه الآثار الآتية:\n\n١ - لا يخفى أن للصدق أثره البالغ في مسيرة الدعاة، إذ يظهر","vol":"1","page":304},{"text":"الصدق في كلام الداعي، وسمته، ولهجته، وحرارة عاطفته، فيؤثر ذلك في المدعوين، ويترك فيهم انطباعًا عميقًا بمصداقية الفكرة التي يدعو إليها ويؤمن بها.\nولقد كان النبي - ﷺ - يحدث الذين يلقونه أول مرة فيقولون: والله ما هذا بوجه كذّاب ولا بكلام كذاب! وإذا كان المسلم مطالبًا بالصدق في الأقوال والأعمال والمقاصد؛ فإن الدعاة إلى الله تعالى من باب أولى وأوجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>٢ - للصدق أثره الحميد في التآلف والتآزر والتوادد </span>وتقارب القلوب، على عكس الكذب الذي يغرس الضغينة ويرفع الثقة، ويورث الريبة بفعل التلوّن والتغيّر وعدم الثبات الذي يتصف به الكاذب، ومن هذا المنطلق كان من لوازم الصدق ترك كل آفات اللسان: كالهمز، واللمز، والقيل، والقال، وكثرة السؤال .. ومتى تآلفت القلوب وتصافت واجتمعت على محبة الله سرت الدعوة في المجتمع سريان الماء في الزرع، فأمدته بالحياة والنماء والبقاء، ونما في المجتمع - كذلك - الإيمان، واستوثقت عراه وارتفعت أعلامه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>٣ - الصدق يزرع في النفوس الثقة والطمأنينة والراحة والأنس</span>، فيركن الناس إلى الدعاة الصادقين، ويثقون فيهم وبهم ويأمنونهم، وتقوية هذه الوشائج بين الدعاة والمدعوين من أهم أسباب نجاح الدعوة، ولا يتحقق ذلك إلا بالصدق .. على عكس الكذب الذي يزرع في النفوس بذور الريبة والشك والحذر، فليس أمر أهل الكذب من","vol":"1","page":305},{"text":"الوضوح والثبات بالمكان الذي يألفه الناس ويحبذونه.\nومتى وثق الناس في الداعي لصدقه فتحوا له القلوب فاستمعوا إليه إذا تحدّث وقبلوا إرشاده وتوجيهه إذا وجّه وأرشد وبيّن وحدّث، وتوجهوا إليه يسألون ويستفتون .. وحصل التواصل بينه وبينهم وهي نعمة لا تُقدَّر بثمن ولم تحصل إلا بفضل الله، ثم بفضل الصدق، ونقاء الصفحة، وخلو السيرة من مساوئ الأعمال والأخلاق (١).\n_________\n(١) انظر: أصول الدعوة وطرقها للدكتور عبد الرب بن نوّاب، ٢/ ١٢٨.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>الفصل الثامن: القُدوة الحسنة</span>\nالمبحث الأول: مفهوم القدوة الحسنة.\nالمبحث الثاني: أهمية القدوة الحسنة.\nالمبحث الثالث: وجوب القدوة الحسنة.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>المبحث الأول: مفهوم القدوة الحسنة</span>\nالأُسوةُ: والإِسوةُ كالقِدوة، والقدوة: هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسنًا وإن قبحًا، وإن سارًّا وإن ضارًّا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (١)، فوصفها بالحسنة (٢)، ويقال: فلان قُدوةٌ إذا كان يُقتدى به (٣).\nوالأسوة أو القدوة نوعان: أسوة حسنة، وأسوة سيئة: فالأُسوة الحسنة الأسوة بالرسول - ﷺ -، وأما الأسوة بغيره إذا خالفه فهي أسوة سيئة، كقول المشركين حين دعتهم الرسل للتأسي بهم ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (٤).\nوالمقصود من الأُسوة أو القدوة أن يكون الداعية المسلم قدوةً صالحة فيما يدعو إليه فلا يناقض قولُهُ فِعلَهُ، ولا فعله قوله.\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٢) مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، ص٥٧٦، مادة (أسا).\n(٣) المعجم الوسيط، ٢/ ٧٢١، ومختار الصحاح، ص٢٢٠.\n(٤) سورة الزخرف، الآية: ٢٢، وانظر: تفسير كلام المنان للعلامة عبد الرحمن السعدي، ٦/ ٢٠٨.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>المبحث الثاني: أهمية القدوة الحسنة</span>\nلا شك أن الداعية إلى الله تعالى بحاجة شديدة جدًا إلى تطبيق ما يقول ويدعو إليه حتى يقتدي به الناس؛ ولهذا بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى هذه المسألة، وشدّد في عدم التزامها حيث قال: «علماء السوء جلسوا على أبواب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما يدعون إليه حقًا، كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاّء، وفي الحقيقة قطّاع طرق» (١).\nويمكن إجمال أهمية القدوة العملية في الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>١ - إن المثال الحي والقدوة الصالحة يثير في نفس البصير العاقل قدرًا </span>كبيرًا من الاستحسان والإعجاب والتقدير والمحبة، فيميل إلى الخير، ويتطلّع إلى مراتب الكمال ويأخذ يحاول، ويعمل مثله حتى يحتل درجة الكمال والاستقامة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>٢ - إن القدوة الحسنة المتحلِّية بالفضائل تُعطي الآخرين قناعة </span>بأن بلوغ هذه الفضائل والأعمال الصالحة من الأمور الممكنة التي هي في متناول القدرات الإنسانية، وشاهد الحال أقوى من شاهد المقال (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>٣ - إن الأتباع والمدعوّين الذين يربّيهم ويدعوهم الداعية </span>ينظرون إليه نظرة دقيقة دون أن يعلم هو أنه تحت رقابة مجهرية، فرُبّ عمل يقوم\n_________\n(١) الفوائد، ص١١٢.\n(٢) انظر: الأخلاق الإسلامية للميداني، ١/ ٢١٤، و٢١٥.","vol":"1","page":310},{"text":"به من المخالفات لا يلقي له بالًا يكون في نظرهم من الكبائر؛ لأنهم يعدُّونه قدوة لهم (١)، وقد يراه الجاهل على عملٍ غير مشروع أو محرم فيظن أنه على حق، ولا شك أن الأمر خطير، والنجاة من ذلك أن يعمل الدعاة بالعلم، وليتقوا الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>٤ - إن مستويات الفهم للكلام عند الناس تتفاوت</span>، ولكن الجميع يستوون أمام الرؤية بالعين المجردة، وذلك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد الداعية إيصالها للناس المقتدين به، ومما يدل على ذلك أن البخاري بوّب بابًا قال فيه: «باب الاقتداء بأفعال النبي - ﷺ -»، ثم ساق الحديث: «اتخذ النبي - ﷺ - خاتمًا من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب» فقال النبي - ﷺ -: «إني اتخذت خاتمًا من ذهب» فنبذه وقال: «إني لن ألبسه أبدًا»، فنبذ الناس خواتيمهم (٢).\nقال ابن بطّال: «فدلّ ذلك على أن الفعل أبلغ من القول» (٣).\nولهذا أمثلة كثيرة؛ فإنه خلع خاتمه فخلعوا خواتيمهم في هذه القصة، ونزع نعله في الصلاة حينما أخبره جبريل أن فيهما أذىً فنزعوا، ولَمّا أمرهم عام الحديبية بالتحلّل وتأخّروا عن المبادرة رجاء أن يأذن لهم في القتال وأن ينصروا فيكملوا عمرتهم، قالت له أم سلمة: اخرج إليهم واذبح واحلق ففعل فتابعوه مسرعين (٤)، فدلّ ذلك كله على أهمية القدوة وعظيم مكانتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>٥ - إن النبي - ﷺ - قد حذّر الدعاة من المخالفة لِمَا يقولون</span>، فبيّن - ﷺ - في\n_________\n(١) انظر: المصفّى من صفات الدعاة لعبد الحميد البلالي، ١/ ٢١.\n(٢) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بأفعال النبي، برقم ٧٢٩٨.\n(٣) فتح الباري، ١٣/ ٢٧٥.\n(٤) انظر فتح الباري، ١٣/ ٢٧٥.","vol":"1","page":311},{"text":"الحديث الشريف حال الدعاة الذين يأمرون الناس وينهونهم وينسون أنفسهم، قال: «أتيت ليلة أُسري بي على قومٍ تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلَّما قرضت وفت، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباءُ أمتكَ الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به» (١).\nولا يقتصر الخطر على الداعية وعلى دينه، بل يتعدّى إلى كل من يدعوهم.\nوإن مما يذكر في هذا الشأن، أن انحراف الداعية وخروجه عن النهج الصحيح هو في الوقت نفسه سببٌ في انحراف كل من تأثر به أو سمع منه، وما ذلك إلا بسبب أن سلوك الداعية وتصرفاته كلها مرصودة من قبل الناس، وجميع أفعاله وأقواله موضوعة تحت المجهر.\nفليحتطِ الداعية لهذا الأمر المهم، ويراقب أفعاله وأقواله .. وليرِ الله تعالى من نفسه خيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>٦ - إن جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم كانوا قُِدوةً حسنةً لأقوامهم</span>، وهذا يدل على عِظَم وأهمية القدوة الحسنة؛ ولهذا قال شعيب ﵊ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>٧ - إن الناس كما ينظرون إلى الداعية في أعماله وتصرفاته ينظرون إلى أسرته </span>وأهل بيته، وإلى مدى تطبيقهم لِمَا يقول، وهذا يفيد ويبيّن أن الداعية\n_________\n(١) البيهقي في شعب الإيمان عن أنس - ﵁ -، ٢/ ٢٨٣، وأحمد، ٣٢/ ١٢٠، ٢٣١، ٢٣٩، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير، ٢/ ٩٦، برقم ١٢٨.\n(٢) سورة هود، الآية: ٨٨.","vol":"1","page":312},{"text":"كما يجب عليه أن يكون قدوة في نفسه يجب عليه أن يقوِّم أهل بيته وأسرته، ويلزمهم بما يأمر به الناس، ويدعوهم إليه؛ ولهذه الأهمية كان عمر بن الخطاب - ﵁ - إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء، جمع أهله فقال: «إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد أحدًا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة» (١).\nولقد تنبه لخطورة هذا الأمر الفقيه أبو المنصور الدمياطي فأخذ يحذر القدوات قائلًا:\n\nأيها العالِم إياك الزلل ... واحذرِ الهفوةَ، فالخطبُ جلَلْ\nهفوة العالِم مستعظمة ... إن هفا أصبح في الخلق مَثَلْ\nوعلى زلَته عمدتهم ... فبها يحتجّ من أخطأ وزَلّْ\nلا تقلْ يستر علمي زلَّتي ... بلْ بها يحصل في العلم الخلَلْ\nإن تكن عندك مستحقرةً ... فهي عند الله والناس جَبَلْ\nفإذا الشمس بدت كاسفةً ... وجلُ الخلقُ لها كل الوَجَلْ\nوترامت نحوها أبصارُهم ... في انزعاجٍ واضطرابٍ وزجَلْ\nوسرى النقص لهم من نقصها ... فغدت مُظلمةً منها السُّبُلْ\nوكذا العالِم في زلَّته ... يفتن العالم طُرًّا ويضِلّْ\nيُقتدى منه بما فيه هفا ... لا بما استعصم فيه واستَقَلّْ\nفهو ملحُ الأرض ما يصلحه ... إن بدا فيه فسادٌ وخَلَلْ (٢)\n_________\n(١) تاريخ الأمم والملوك للطبري، ٢/ ٦٨، والكامل في التاريخ لابن الأثير، ٣/ ٣١.\n(٢) المدخل، لابن الحاج، ١/ ١٠٧، ١٠٨، وانظر: المصفّى من صفات الدعاة لعبد الحميد البلالي، ١/ ٢١.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>المبحث الثالث: وجوب القدوة الحسنة</span>\nمن الأخلاق والأوصاف التي ينبغي، بل يجب أن يكون عليها الداعية، العمل بدعوته، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عنه ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك، أما المؤمنون الرابحون فهم دعاةالحق يعملون به وينشطون فيه، ويسارعون إليه، ويبتعدون عما ينهون عنه، قال الله - جل وعلا -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (١)، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).\nهذه الآية العظيمة تُبيِّن لنا أن الداعي إلى الله - ﷿ - ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضًا؛ ولهذا قال بعده: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، فالداعي إلى الله - ﷿ - يكون داعية باللسان، وداعية بالعمل، ولا أحسن قولًا من هذا الصنف من الناس، هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، وهم يوجِّهون الناس بالأقوال والأعمال فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم (٣).\nوهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام، دعاة إلى الله بالأقوال والأعمال، والسيرة وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون\n_________\n(١) سورة الصف، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٣.\n(٣) فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ١/ ٣٥٠.","vol":"1","page":314},{"text":"بالأقوال، ولا سيما العامّة وأرباب العلوم القاصرة؛ فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها، فالداعي إلى الله - ﷿ - من أهمّ المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة، وذا عمل صالح، وذا خلق فاضل حتى يُقتدى بفعاله وأقواله (١).\nولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ\nصَالِحًا﴾، الآية. وهذه الآية الكريمة تفيد أن الدعاة إلى الله - ﷿ - هم أحسن الناس قولًا إذا حققوا قولهم بالعمل الصالح، والتزموا الإسلام عن إيمان ومحبة وفرح بهذه النعمة العظيمة، وبذلك يتأثّر الناس بدعوتهم، وينتفعون بها ويحبونهم عليها، بخلاف الدعاة الذين يقولون ما لا يفعلون، فإنهم لا حظّ لهم من هذا الثناء العاطر، ولا أثر لدعوتهم في المجتمع، إنما نصيبهم في هذه الدعوة المقت من الله - سبحانه - والسب من الناس، والإعراض عنهم والتنفير من دعوتهم.\nقال الله - ﷿ - موبِّخًا اليهود: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (٢)، فأرشد - سبحانه - في هذه الآية إلى أن مخالفة الداعي لِمَا يقول أمر يخالف العقل، كما أنه يخالف الشرع، فكيف يرضى بذلك من له دين أو عقل (٣).\nوصحّ عن النبي، - ﷺ - أنه قال: «يُؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار،\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ٣/ ١١٠.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٤.\n(٣) انظر: فتاوى ابن باز، ٢/ ٣٤٣.","vol":"1","page":315},{"text":"فتندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار بالرّحى، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» (١).\nهذه حال من دعا إلى الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم خالف قوله فعله وفعله قوله، نعوذ بالله من ذلك، فمن أهمّ الأخلاق ومن أعظمها في حق الداعية، أن يعمل بما يدعو إليه، وأن ينتهي عما ينهى عنه، وأن يكون ذا خلق فاضل، وسيرة حميدة، وصبر ومصابرة، وإخلاص في دعوته (٢).\nفأنت يا عبد الله في أشدّ الحاجة إلى تقوى ربك ولزومها والاستقامة عليها ولو جرى من الامتحان، ولو أصابك من الأذى أو الاستهزاء من أعداء الله، أو من الفسقة والمجرمين فلا تبالِ، واذكر الرسل عليهم الصلاة والسلام، واذكر أتباعهم بإحسان، فقد أوذوا واستهزئ بهم وسخر بهم، ولكنهم صبروا فكانت لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة (٣).\nوالمؤمن الداعي إلى الله قويّ الإيمان، البصير بأمر الله يصرِّح بحق الله، وينشط في الدعوة إلى الله، ويعمل بما يدعو إليه، ويحذر ما ينهى عنه، فيكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه، ومن أبعد الناس عن كل ما ينهى عنه، ومع ذلك يصرّح بأنه مسلم، وبأنه يدعو إلى الإسلام، ويغتبط\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أسامة بن زيد: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، برقم ٣٢٦٧، ومسلم كتاب الزهد، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله، برقم ٢٩٨٩.\n(٢) انظر: فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ١/ ٣٥١.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٢٩٠.","vol":"1","page":316},{"text":"بذلك ويفرح به كما قال - ﷿ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١)، فالفرح برحمة الله فرح الاغتباط، فرح السرور، أمر مشروع (٢).\nوينبغي للدعاة إلى الله تعالى: أن يُعنوا عناية تامة بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرًا وتعقلًا، وعملًا بالسنة المطهرة؛ لأنها الأصل الثاني، ولأنها المفسِّرة لكتاب الله، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤).\nوالعلم هو ما قاله الله في كتابه الكريم، أو قاله الرسول - ﷺ - في سنته الصحيحة، وذلك بأن يعتني الداعية بالقرآن الكريم والسنة المطهرة؛ ليعرف ما أمر الله به وما نهى الله عنه، ويعرف طريقة الرسول - ﷺ - في دعوته إلى الله وإنكاره المنكر وطريقة أصحابه - ﵃ - (٥).\nفجدير بأهل العلم من الدعاة والمدرسين والطلبة، جدير بهم أن يعنوا بكتاب الله - ﷿ - حتى يستقيموا عليه، وحتى يكون لهم خلقًا ومنهجًا يسيرون\nعليه أينما كانوا، يقول - ﷿ -: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٦)، فهو\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ٥٨.\n(٢) انظر: فتاوى ابن باز، ١/ ٣٣٨.\n(٣) سورة النحل، الآية: ٤٤.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٦٤.\n(٥) انظر: فتاوى ابن باز، ٤/ ١٧١، ٢٣٢.\n(٦) سورة الإسراء، الآية: ٩.","vol":"1","page":317},{"text":"الهادي إلى الطريقة التي هي أقوم الطرق وأهدى السبل، وهل هناك هدف للمؤمن أعظم من أن يكون على أهدى السبل وأقومها.\nفعلى جميع أهل العلم وطلبته أن يُعنوا بهذا الخُلُق، وأن يُقبلوا على كتاب الله قراءةً، وتدبُّرًا، وتعقّلًا، وعملًا، يقول - ﷾ -: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (١).\nأصحاب العقول الصحيحة الذين وهبهم الله التمييز بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، ومن أراد هذا الخلق العظيم فعليه بالإقبال على كتاب الله - ﷿ - والعناية به: تلاوةً، وتدبرًا، وتعقلًا، ومذاكرة بينه وبين زملائه، وسؤالًا لأهل العلم عمَّا أشكل عليه من الاستفادة من كتب التفسير المعتمدة، ومع العناية بالسنة النبوية؛ لأنها تفسر القرآن وتدل عليه، حتى يسير على هذا النهج القويم، وحتى يكون من أهل كتاب الله قراءة وتدبرًا وعملًا (٢).\n_________\n(١) سورة ص، الآية: ٢٩.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ٤/ ٧٩، ٨٠.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>الفصل التاسع: الخُلُق الحَسَن</span>\nالمبحث الأول: مفهوم الخلق الحسن.\nالمبحث الثاني: أهمية الخلق الحسن في الدعوة.\nالمبحث الثالث: طرق تحصيل الخلق الحسن.\nالمبحث الرابع: فروع الخلق الحسن وتطبيقها في الدعوة.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>المبحث الأول: مفهوم الخُلُق الحسن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>الخُلْقُ لغةً: </span>السجيّة، والطبع، والمروءة، والدين (١).\nوحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة، وهي: نفسه، وأوصافها، ومعانيها المختصة بها، بمنزلة: الخَلْق لصورته الظاهرة، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة (٢).\nفالخلق: حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجةٍ إلى فكر ورويّة، وجمعه: أخلاق. والأخلاق: علم موضوعه أحكام قيمة تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح (٣)،وهذه الحال تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: ما يكون طبيعيًا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب، ويهيج لأدنى سبب، وكالذي يجبن من أيسر شيء، كمن يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه.\nالقسم الثاني: ما يكون مستفادًا بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه بالرويَّة والفكر ثم يستمر عليه حتى يكون ملكةً وخلقًا (٤).\n\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-457> السلوك: </span>فهو سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه، يقال: فلان حسن\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، ص١٣٧، والمصباح المنير، ١/ ١٨٠.\n(٢) انظر: غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ٢/ ٧٠.\n(٣) انظر: المعجم الوسيط، ١/ ٤٤٥.\n(٤) انظر: مقدمة في علم الأخلاق، د/ محمود حمدي زقزوق، ص٣٩.","vol":"1","page":321},{"text":"السلوك أو سيّئ السلوك (١).\nوالسلوك: عمل إراديٌّ، كقول: الكذب، والصدق، والبخل، والكرم ونحو ذلك.\nفاتّضح أن الخلق حالة راسخة في النفس، وليس شيئًا خارجًا مظهريًّا، فالأخلاق شيء يتصل بباطن الإنسان، ولا بد لنا من مظهر يدلنا على هذه الصفة النفسية، وهذا المظهر هو: السلوك، فالسلوك: هو المظهر الخارجي للخلق، فنحن نستدل من السلوك المستمر لشخصٍ ما على خلقه، فالسلوك دليل الخلق، ورمز له، وعنوانه، فإذا كان السلوك حسنًا دلّ على خلق حسن، وإن كان السلوك سيئًا دلّ على سلوك قبيح، كما أن الشجرة تعرف بالثمر، فكذلك الخلق الحسن يعرف بالأعمال الطيبة (٢).\n_________\n(١) المعجم الوسيط، ١/ ٢٥٢.\n(٢) انظر: مقدمة في علم الأخلاق، ص٤٣.","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>المبحث الثاني: أهمية الخلق الحسن</span>\nالخلق الحسن في الدعوة إلى الله تعالى من أهم المهمات، ومن أعظم القربات، ومن أولى الواجبات التي ينبغي أن يتصف بها الدعاة، ولابد منها لكل داعية يرغب فيما عند الله تعالى، ويرغب في نجاح دعوته وظهور ثمراتها؛ فإن الدعاة إلى الله تعالى أشدّ حاجة من غيرهم لمعرفة الخلق الحسن وتطبيقه على أنفسهم في جميع مجالات الحياة طلبًا لحصول الآثار العظيمة النبيلة في مجتمعاتهم كما حصل في صدر الإسلام؛ فإنه لا يُحصَى من دخل في الإسلام بسبب خلق النبي الكريم ﵊ سواء كان ذلك الخلق الحسن من: جوده أو كرمه، أو عفوه أو صفحه، أو حلمه أو أناته، أو رفقه أو صبره، أو تواضعه أو عدله، أو رحمته أو منّه، أو شجاعته وقوته .. وهكذا أصحابه الكرام - ﵃ -، ومن أشهر الأمثلة قصة مصعب بن عمير - ﵁ - مع سَيِّدَي: الأوس والخزرج حينما استخدم معهما الخلق الحسن - الرفق والحلم والأناة - فأسلما على يديه، ثم دعا كلٌّ منهما قومه إلى الإسلام، فلم يبقَ بيت إلا دخله الإسلام بفضل الله تعالى ثم بفضل هذا الخلق الحسن العظيم.\nوتبرز أهمية الخلق الحسن في الدعوة إلى الله تعالى في أمور منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>الأمر الأول: الخلق الحسن في حياة المسلم عامة وفي حياة الدعاة إلى الله تعالى خاصة من أعظم روابط الإيمان وأعلى درجاته</span>؛ لقوله - ﷺ -: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» (١).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب الرضاع، باب حق المرأة على زوجها، برقم ١١٦٢، وأبو داود، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، برقم ٤٦٨٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٣٤٠.","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>الأمر الثاني: الخلق الحسن ضرورة اجتماعية لجميع المجتمعات</span>، وهو من أعظم المهمات التي تتعين على جميع الدعاة إلى الله تعالى؛ لأن من تخلّق به كان من أحبّ الناس إلى النبي - ﷺ - وأقربهم منه مجلسًا يوم القيامة: «إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>الأمر الثالث: الخلق الحسن يجعل الداعية إلى الله تعالى من أحسن الناس</span>، ومن خيارهم مطلقًا، ولا يكون كذلك إلا بالتخلّق بهذا الخلق العظيم، قال النبي - ﷺ -: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» (٢).\nوقد أحسن الشاعر إذ يقول:\nإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>الأمر الرابع: الخلق الحسن من أعظم القربات وأجلّ العطايا والهبات</span>، والداعية إلى الله تعالى هو من أحق الناس بهذا الخير العظيم؛ ليطبِّقه على نفسه، ويدعو الناس إليه؛ ليحصل على الثواب الجزيل؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن» (٣).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب معالي الأخلاق، برقم ٢٠١٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٩٦.\n(٢) البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥٩، ومسلم، كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه - ﷺ -، برقم ٢٣٢١.\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، برقم ٤٧٩٩، والترمذي، كتاب الشهادات، باب بيان مكارم الأخلاق، برقم ٢٥٨٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٩١١.","vol":"1","page":324},{"text":"وقال النبي - ﷺ -: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (١)، وقال ﵊ لعبد الله بن عمرو: «أربع إذا كن فيك فما عليك ما فاتك من الدنيا: حفظُ أمانةٍ، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» (٢).\nوبهذا يحصل الداعية على جوامع الخيرات والبركات «البر حسن الخلق» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>الأمر الخامس: الخلق الحسن هو وصية رسول الله - ﷺ </span>- إلى جميع الدعاة، فقد أوصى به - ﷺ - معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن واليًا، وقاضيًا، وداعيًا إلى الله فقال له: «.. وخالق الناس بخلق حسن» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>الأمر السادس: الخلق الحسن ذو أهمية بالغة</span>؛ لأن الله - ﷿ - أمر به نبيه الكريم، وأثنى عليه به، وعظّم شأنه الرسول الأمين - ﷺ -. قال الله - ﷿ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٥)، وقال - ﷾ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٦)، وقال النبي - ﷺ -: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٧).\nوسئلت عائشة ﵂ عن خُلُقِهِ - ﷺ - فقالت: «.. فإن خلق نبيكم - ﷺ -\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، برقم ٤٧٩٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٩١١.\n(٢) أحمد في المسند بإسناد جيد، ٢/ ١٧٧، وانظر: صحيح الجامع الصغير للألباني، ١/ ٣٠١، برقم ٨٨٦.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم، برقم ٢٥٥٣.\n(٤) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب معاشرة الناس، برقم ١٩٨٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٩١.\n(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(٦) سورة القلم، الآية: ٤.\n(٧) البيهقي في السنن الكبرى بلفظه، ١٠/ ١٩٢، وأحمد، ٢/ ٣٨١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٦١٣، وانظر: الأحاديث الصحيحة للألباني، ١/ ٧٥، برقم ٤٥.","vol":"1","page":325},{"text":"كان القرآن» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>الأمر السابع: الخلق الحسن من أعظم الأساليب </span>التي تجذب الناس إلى الإسلام، والهداية، والاستقامة؛ ولهذا من تتبَّع سيرة المصطفى - ﷺ - وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله وخاصة في دعوته إلى الله تعالى، فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا بفضل الله تعالى ثم بفضل حسن خلقه - ﷺ -، فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم.\nفهذا يُسلم ويقول: «والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ» (٢).\nوذاك يقول: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا» (٣)، تأثر بعفو النبي - ﷺ - ولم يتركه على تحجيره رحمة الله التي وسعت كل شيء، بل قال له: «لقد تحجَّرت واسعًا».\nوالآخر يقول: «فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه» (٤).\nوالرابع يقول: «يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة» (٥).\nوالخامس يقول: «والله لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني وإنه\n_________\n(١) مسلم في صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، برقم ٧٤٦.\n(٢) البخاري، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة، برقم ٤٣٧٢، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المنّ عليه،، برقم ١٧٦٤.\n(٣) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم ٦٠١٠.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة، برقم ٥٣٧.\n(٥) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، برقم ٢٣١٢.","vol":"1","page":326},{"text":"لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحبّ الناس إليَّ» (١).\nوالسادس يقول: بعد عفو النبي - ﷺ - عنه: «جئتكم من عند خير الناس»، ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير (٢)، وهناك أمثلة كثيرة جدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>الأمر الثامن: الخلق الحسن هو أمنية كل مسلم </span>وكل داعية مخلص خاصة؛ لأنه بذلك ينجو ويفوز وينجح في جميع أموره الخاصة والعامة؛ ولهذه الأهمية كان - ﷺ - يدعو ربه أن يهديه للخلق الحسن، فكان - ﷺ - يقول في استفتاحه لصلاة الليل: «واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت ..» (٣)، وكان يقول: «اللهم كما أحسنت خلْقي فحسّن خُلُقي» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>الأمر التاسع: الخلق الحسن يحبّب الداعية إلى الناس جميعًا </span>حتى أعدائه، ويتمكن بذلك من إرضاء الناس على اختلاف طبقاتهم، وكل من جالسه أو خالطه أحبه، وبهذا يسهل على الداعية إدراك مطالبه السامية بإذن الله تعالى؛ لأن الدعاة إلى الله - ﷿ - لا يَسعَون الناس بأموالهم ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>الأمر العاشر: من لم يتخلّق بالخلق الحسن من الدعاة ينفِّر الناس </span>من دعوته، ولا يستفيدون من علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم أو يبدو منه احتقارهم، واستصغارهم، ولو\n_________\n(١) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، برقم ٢٣١٣.\n(٢) انظر: فتح الباري، ٧/ ٤٢٨.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧١.\n(٤) البيهقي في الشعب، ٦/ ٣٦٤، وأحمد، ٦/ ٦٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١١٣، برقم ٧٤.","vol":"1","page":327},{"text":"كان ما يقوله حقًا. قال - ﷿ - للنبي الكريم - ﷺ -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ - ممتنًا على عباده: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣).\nوقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ..﴾ (٤) الآية.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٥)، وقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٦).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ الله فَضْلًا كَبِيرًا﴾ (٧).\nولا شك أنه يتعين على كل داعية أن يتخذه - ﷺ - قدوة وإمامًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٢) سورة الشعراء، الآية: ٢١٥.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.\n(٥) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(٦) سورة الفتح، الآية: ٢٩.\n(٧) سورة الأحزاب، الآيات: ٤٥ - ٤٧.","vol":"1","page":328},{"text":"وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>الأمر الحادي عشر: إن صلاح الأمة وهدايتها والنهوض بها </span>لا يكون سليمًا نقيًا إلا بالأخذ من المنبع الصافي، والبعد عن الأفكار الهدامة المنحرفة، والتزام الدعاة إلى الله تعالى بالخلق الحسن ودعوة الناس إليه هو من هذا المنبع، وتطبيق ذلك على أنفسهم قبل الدعوة إليه ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)؛ ولهذا أمر الله بالعلم قبل العمل، وبالعمل قبل الدعوة إليه، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤)، فقدَّم العمل قبل الدعوة إلى الحق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>الأمر الثاني عشر: الخلق الحسن في الدعوة يجعل الداعية مستنير القلب</span>، ويفتح مداركه، فيتبصَّر به مواطن الحق، ويهتدي به إلى الوسائل والأساليب الصحيحة في دعوة الناس الملائمة للظروف والأحوال، والأشخاص ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ (٥) الآية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>الأمر الثالث عشر: الخلق الحسن في الدعوة </span>من أعظم الأسباب التي\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٢) سورة الصف، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٣) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(٤) سورة العصر.\n(٥) سورة الأنفال، الآية: ٢٩.","vol":"1","page":329},{"text":"تُنجي من النار وتُورث الفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم، وهذا هو غاية كل مسلم بعد رضى الله - ﷿ -؛ ولهذا عندما سأل النبي - ﷺ - رجلًا فقال له: «ما تقول في الصلاة؟» قال: أتشهّد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار. أما والله! ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال النبي - ﷺ -: «حَوْلها نُدَنْدِنُ» (١)، وهذا يدلّ أن جميع الأقوال والدعوات والأعمال؛ إنما هو من أجل الفوز بالجنة والنجاة من النار بعد رضى الله - ﷿ -.\nوقد تكفل النبي - ﷺ - ببيت في أعْلى الجنة لمن حسَّن خلقه فقال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المِراء وإن كان مُحقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه» (٢)، وسُئل عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، فقال: «تقوى الله وحسن الخلق» (٣).\nويبين النبي - ﷺ - فيما أخرجه الترمذي بإسناد حسن «أن النار تحرم على كل قريب هيّن سهل» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>الأمر الرابع عشر: الخلق الحسن موضوع واسع جدًا </span>يشمل: الحلم،\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة، برقم ٧٩٢، وأحمد، ٣/ ٤٧٤، وانظر: صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، برقم ٤٨٠٢، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٩١١، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٧٣.\n(٣) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب حسن الخلق، برقم ٢٠٠٥، وانظر: جامع الأصول،\n١١/ ٦٩٤، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٩٤.\n(٤) الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا هناد، برقم ٢٤٩٠، وانظر: جامع الأصول، ١١/ ٦٩٨.","vol":"1","page":330},{"text":"والأناة، والجود والكرم، والعفو والصفح، والرفق واللين، والصبر والعزيمة، والثبات، والعدل والإنصاف، والصدق، والبرّ، والوفاء بالعهد، والإيثار، والرحمة، والعفّة، والتواضع، والزهد، والكيِّس والنشاط، والسماحة، والمروءة، والشجاعة، والأمانة، والإخلاص ... وهذا هو الخلق الحسن في الدعوة إلى الله تعالى وما يتفرّع منه.\nأما الخلق العظيم الذي مدح الله به النبي - ﷺ - فهو الدين كله، والخلق الحسن جزء منه كما ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى (١)، وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في مدارج السالكين: «حسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصوّر قيام ساقِه إلا عليها: الصبر، والعفّة، والشجاعة، والعدل، ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة» (٢).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٠/ ٦٥٨.\n(٢) مدارج السالكين، ٢/ ٣٠٨.","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>المبحث الثالث: طرق تحصل الخلق الحسن</span>\nالأسباب والوسائل التي يكتسب بها الخلق الحسن كثيرة، ولكن من أبرزها على سبيل المثال ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>١ - التدريب العملي</span>، والممارسة التطبيقية للأخلاق الحسنة ولو مع التكلّف في أول الأمر، وقسر النفس على غير ما تهوى؛ فالعلم بالتعلم والحلم بالتحلّم، والصبر بالتصبّر، والاستعفاف بالتعفّف، قال - ﷺ -: «ومن يستعفف يعفّه الله ومن يستغن يُغنه الله، ومن يتصبّر يصبِّره الله» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>٢ - الغمس في البيئة الصالحة</span>؛ لأن من طبيعة الإنسان أن يكتسب من البيئة التي ينغمس فيها ويعيش مع أهلها، فيكتسب ما لديهم من أخلاق، وعادات، وتقاليد، وأنواع سلوك عن طريق المحاكاة والتقليد، وبذلك تتم العدوى النافعة، ولهذا قيل: إن الطبع للطبع يسرق، وأعظم من ذلك توجيه النبي - ﷺ - وبيانه أن الجليس الصالح كحامل المسك إما أن تبتاع منه أو تجد منه ريحًا طيبة (٢).\nولاشك أن الرجل على دين خليله، فلينظر كل داعية من يخالل (٣)\n_________\n(١) البخاري، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، برقم ١٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والتصبر، برقم ١٠٥٣.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين، برقم ٢٦٢٨.\n(٣) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني، ١/ ٢٠٩ - ٢١٣.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>المبحث الرابع: فروع الخلق الحسن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>تمهيد: فروع الخلق الحسن:</span>\nفروع حسن الخلق كثيرة جدًا فهو يشمل: الحلم، والأناة، والجود والكرم، والعفو، والصفح، والرفق واللين، والصبر والعزيمة، والثبات، والعدل، والإنصاف، والصدق والإخلاص، والبر، والوفاء، والإيثار والرحمة، والتواضع، والزهد، والكيس والنشاط، والسماحة، والمروءة، والشجاعة، والأمانة، وحفظ السر، والورع، واليقين، والتوكل ... وهذا مفهوم واسع لا يتسع له هذا المبحث، وقد تقدم في الفصول والمباحث السابقة جملة من هذه الأخلاق الحسنة.\nأما في هذا المبحث فسأقتصر على المطالب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>المطلب الأول: الجود والكرم</span>\nالجود والكرم خُلقٌ عظيم وهو على عشر مراتب على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>١ - الجود بالنفس </span>وهو أَعْلى مراتب الجود.\nالجود بالرياسة، فيحمل الجواد جوده على الجود برياسته والإيثار في قضاء حاجات الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>٣ - الجود براحته</span>، فيجود بها تعبًا في مصلحة غيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>٤ - الجود بالعلم وبذله </span>وهو من أعلى مراتب الجود، وهو أفضل من المال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>٥ - الجود بالنفع بالجاه </span>كالشفاعة وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>٦ - الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه</span>، فكل يوم تعدل فيه بين اثنين","vol":"1","page":333},{"text":"صدقة، وتعين الرجل في دابته فترفع متاعه عليها أو تحمله عليها صدقة، والكلمة الطيبة صدقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>٧ - الجود بالعرض</span>، كمن يعفو عمن اغتابه، أو سبّه، ونال من عرضه، كما فعل أبو ضمضم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>٨ - الجود بالصبر، والاحتمال، وكظم الغيظ</span>، وهذا أنفع من الجود بالمال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>٩ - الجود بالخلق الحسن، والبشاشة، والبسطة</span>، وهو فوق الجود بالصبر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>١٠ - الجود بترك ما في أيدي الناس عليهم </span>فلا يلتفت إليه.\nولكل مرتبة من الجود مزيد وتأثير خاص في القلب، والله سبحانه قد ضمن المزيد للجواد والإتلاف للممسك، والله المستعان (١).\nوكل أنواع الجود والكرم ينبغي للدعاة أن يتحلوا بها في دعوتهم، ومن الصور العظيمة لتطبيق الجود والكرم ما فعله رسول الله - ﷺ - ومن ذلك:\nعن أنس - ﵁ - قال: ما سئل رسول الله - ﷺ - على الإسلام شيئًا إلا أعطاهُ، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (٢).\nوهذا الموقف الحكيم العظيم يدلّ على عظم سخاء النبي - ﷺ -، وغزارة جوده (٣).\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٦ بتصرف.\n(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل - ﷺ - شيئًا فقال: لا، برقم ٢٣١٢.\n(٣) انظر: أمثلة كثيرة من كرمه وجوده في البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا عبدان ١/ ٣٠، وكتاب الأدب باب حسن الخلق وما يكره من البخل، ١٠/ ٤٥٥، وكتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ -: لو أن عندي مثل أحُد ذهبًا، ١١/ ٢٦٤، ١١/ ٣٠٣، وكتاب الكفالة، باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع، ٤/ ٤٧٤، وكتاب التمني، باب تمني الخير، وقول النبي - ﷺ -: لو كان لي مثل أحُد ذهبًا، ١٣/ ٢١٧، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، ٤/ ١٨٠٥، ١٨٠٦، وكتاب الزكاة، باب من سأل بفحش وغلظة، ٢/ ٧٣٠، وباب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، ٢/ ٦٨٧.","vol":"1","page":334},{"text":"وكان - ﷺ - يعطي العطاء ابتغاء مرضاة الله - ﷿ - وترغيبًا للناس في الإسلام، وتأليفًا لقلوبهم، وقد يُظهر الرجل إسلامه أولًا للدنيا ثم - بفضل الله تعالى، ثم بفضل النبي - ﷺ - ونور الإسلام - لا يلبث إلا قليلًا حتى ينشرح صدره للإسلام بحقيقة الإيمان، ويتمكّن من قلبه، فيكون أحب إليه من الدنيا وما فيها (١).\nولهذا شواهد كثيرة، منها: ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - غزا غزوة الفتح - فتح مكة - ثم خرج - ﷺ - بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله - ﷺ - يومئذ صفوان بن أمية مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، قال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ (٢).\nوقال أنس - ﵁ -: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» (٣).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على مسلم، ١٥/ ٧٢.\n(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه، برقم ٢٣١٣.\n(٣) مسلم، في الكتاب والباب المشار إليهما آنفًا، ٤/ ١٨٠٦.","vol":"1","page":335},{"text":"وإذا رأى النبي - ﷺ - الرجل ضعيف الإيمان، فقد كان - ﷺ - يجزل له في العطاء، قال - ﷺ -: «إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه» (١)؛ ولذلك كان - ﷺ - «يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل» (٢).\nومن مواقفه الحكيمة العظيمة في ذلك ما فعله - ﷺ - مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين، فإنه بعد أن أسقى أصحابه من مزادتيها، ورجعت المزادتان أشد ملاءةً منها حين ابتدأ فيها قال لأصحابه: «اجمعوا لها»، فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيقة وسويقة - حتى جمعوا لها طعامًا كثيرًا وجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها - ﷺ -: «اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين والله ما رزأناك (٣) من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا».\nوفي القصة أنها رجعت إلى قومها فقالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذلك الصرم (٤) بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا (٥).\nوفي رواية: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من\n_________\n(١) البخاري، كتاب الزكاة، باب قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، برقم ١٤٧٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء من يخاف على إيمانه، برقم ١٥٠.\n(٢) البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم، برقم ٢٩٧٨.\n(٣) ما رزأناك: أي: لم ننقص من مائك شيئًا. انظر: فتح الباري، ١/ ٤٥٣.\n(٤) الصرم: أبيات مجتمعة من الناس. انظر: فتح الباري، ١/ ٤٥٣.\n(٥) البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، برقم ٣٥٧١، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، برقم ٦٨٢.","vol":"1","page":336},{"text":"المشركين ولا يصيبون ذلك الصرم الذي هي فيه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام (١).\nوقد كان سبب إسلام هذه المرأة أمران:\nالأمر الأول: ما رأته من أخذ النبي - ﷺ - وأصحابه من مزادتيها ولم ينقص ذلك من مائها شيئًا، وهذا من معجزات النبي - ﷺ - التي تدل على صدق رسالته.\nالأمر الثاني: كرم النبي - ﷺ - حينما أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعامًا كثيرًا.\nأما قومها، فقد أسلموا على يديها؛ لأن المسلمين صاروا يراعون قومها بإقرار النبي - ﷺ - على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سببًا لإسلامهم (٢).\nوهذه الأمثلة التي سُقْتُها ما هي إلا قطرة من بحر من كرم النبي - ﷺ -، فما أحوجنا، وما أولى جميع الدعاة إلى الله - ﷿ - إلى الاقتداء بالنبي - ﷺ - والاقتباس من نوره وهديه في دعوته وفي أموره كلها، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>المطلب الثاني: العدل</span>\nالعدل له مجالات كثيرة لا تحصر منها: العدل في الولاية، والعدل في\n_________\n(١) البخاري، كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم بكفيه من الماء، برقم ٣٤٤.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١/ ٤٥٣.","vol":"1","page":337},{"text":"القضاء، والعدل في تطبيق الحدود، والعدل في المعاملات بين الناس، والعدل في الإصلاح بين الناس، والعدل مع الأعداء، والعدل مع الأولاد، والعدل بين الزوجات ... وغير ذلك.\nومن الأمثلة العظيمة في تطبيق العدل المثال العظيم الآتي:\nقد كان النبي - ﷺ - أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يُضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول - ﷺ - لم يحابِ في ذلك، ولم يقبل الشفاعة في حدٍّ من حدود الله تعالى.\nفعن عائشة ﵂ أن قريشًا أهمّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي - ﷺ - في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله - ﷺ -؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبّ رسول الله - ﷺ - فأُتِيَ بها رسول الله - ﷺ -، فكلّمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول الله - ﷺ - فقال: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟» فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله! فلما كان العشي قام رسول الله - ﷺ - فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، فقال: «أما بعد، أيها الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».\nثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.\nقالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع","vol":"1","page":338},{"text":"حاجتها إلى رسول الله - ﷺ - (١).\nإن العدل خلاف الجور، وقد أمر الله - ﷿ - به في القول والحكم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٢)، وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ (٣).\nولاشك أن هذا الموقف الحكيم وغيره من مواقفه - ﷺ - مما يوجب على الدعاة تطبيقها أسوة به - ﷺ - (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>المطلب الثالث: التواضع</span>\nيقال: تواضع: تذلّل وتخاشع (٥)، والمراد بالتواضع: إظهار التنزل لمن يراد تعظيمه، وقيل: تعظيم من فوقه لفضله (٦).\nوالتواضع صفة عظيمة وخلق كريم يجب على الدعاة إلى الله تعالى، وغيرهم، ولهذا مدح الله المتواضعين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ\n_________\n(١) البخاري بنحوه مختصرًا في كتاب الحدود، باب إقامة الحد على الشريف والوضيع، برقم ٦٧٨٧، وباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، برقم ٦٧٨٨، ورواه مسلم بلفظه في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود، برقم ١٦٨٨، وانظر: شرح النووي، ١١/ ١٨٦، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٢/ ٩٥، ٩٦.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٥٨.\n(٤) انظر مواقف حكيمة في هذا الشأن في: سنن أبي داود، ٢/ ٢٤٢، والترمذي، ٣/ ١٣٧، والنسائي، ٧/ ٦٤، وانظر أيضًا: البخاري مع الفتح، ٣/ ٢٩٢، ٢/ ١٤٣، ١١/ ٣١٢،\n١٢/ ١١٢، ومسلم، ٣/ ٤٥٨، وهذا الحبيب يا محبّ، ص٥٣٤، ٥٣٥.\n(٥) القاموس المحيط، ص٩٩٧.\n(٦) فتح الباري، ١١/ ٣٤١.","vol":"1","page":339},{"text":"يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (١)، أي يمشون في سكينة ووقار متواضعين غير أشرين ولا متكبّرين، ولا مرحين، فهم علماء، حلماء، وأصحاب وقار وعفّة (٢).\nوالدعاة إلى الله تعالى إذا تواضعوا رفعهم الله في الدنيا والآخرة؛ لقول النبي - ﷺ -: «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، ومن تواضع لله رفعه» (٣).\nوهذا ما يفتح الله به للداعية قلوب الناس؛ فإن الله يرفعه في الدنيا والآخرة، ويثبت له بتواضعه في قلوب الناس منزلة ويرفعه عندهم ويجلُّ مكانه (٤)، أمَّا من تكبر على الناس فقد توعده الله بالذلّ والهوان في الدنيا والآخرة؛ لأن الله - ﷿ - «العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداؤه فمن ينازعه ذلك عذّبه» (٥).\nوعن أنس - ﵁ - قال: كانت ناقة لرسول الله - ﷺ - تُسمّى العضباء وكانت لا تُسْبَقُ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتدّ ذلك على المسلمين وقالوا: سُبِقَتِ العضباء، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن حقًا على الله أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه» (٦).\nورسول الله - ﷺ - هو الأسوة الحسنة للدعاة فقد كان متواضعًا في دعوته للناس، فعن أبي مسعود - ﵁ - قال: أتى النبي - ﷺ - رجل فكلّمه\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.\n(٢) انظر: مدارج السالكين، ٢/ ٣٢٧.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، برقم ٢٥٨٨.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ١٤٢.\n(٥) مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكبر، برقم ٢٦٢٠،ولفظه: «فمن ينازعني عذبته».\n(٦) البخاري، كتاب الرقائق، باب التواضع، برقم ٦٥٠١.","vol":"1","page":340},{"text":"فجعل ترعُد فرائصه فقال له: «هوِّن عَليكَ نفسك فإني لستُ بِمَلِكٍ، إنما أنا ابن امرأةٍ كانت تأكل القديد» وزاد الحاكم في روايته عن جرير بن عبد الله: «... في هذه البطحاء»، ثم تلا جرير: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (١).\nفعلى الدعاة أن يقتدوا برسول الله - ﷺ - فقد كان متواضعًا في دعوته مع الناس، فكان يمرّ بالصبيان فيسلّم عليهم، وتأخذه بيده الأمة فتنطلق به حيث شاءت، وكان في بيته في خدمة أهله، ولم يكن ينتقم لنفسه قط، وكان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء، فكان متواضعًا من غير ذلّة، جوادًا من غير سَرَف، رقيق القلب رحيمًا بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم (٢)، فيجب على الدعاة إلى الله - ﷿ - الاقتداء به - ﷺ -.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) الحاكم، ٢/ ٤٤٦، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني،\n٤/ ٤٩٧، سورة ق، الآية: ٤٥.\n(٢) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>الخاتمة: ملخص البحث وأهم النتائج</span>\nالحمد لله الذي منّ على عبده الضعيف إليه وحده بمعالجة هذا الموضوع على قدر الفهم والاستطاعة.\nلاشك أني قد حاولت في العمل في هذا البحث التسديد والمقاربة، وبذلت ما استطعت من جهد في إعداده، ولا أدّعي الكمال؛ فإن الكمال المطلق من جميع الوجوه لله وحده، وما منا إلا يُؤخذ من قوله ويُردّ إلا محمد عبد الله ﵊.\nوأسأل الله أن يجعله مباركًا نافعًا لكاتبه، ومن انتهى إليه إلى يوم الدين.\nأما أهم النتائج التي أعانني الله عليها، ويسّر سبحانه التوصّل إليها في هذا البحث فهي على النحو الآتي:\n١ - إن مقومات الداعية الناجح هي المعدِّلات التي تعدِّل الداعية وتقوِّم اعوجاجه فتجعله مستقيمًا معتدلًا، حكيمًا منضبطًا في كل أموره، ناجحًا في دعوته موفّقًا مُسدَّدًا بإذن الله تعالى.\n٢ - إن مقومات الداعية الناجح كثيرة متعددة، ولكني اقتصرت على أصولها وأسسها التي تتفرّع منها جميع المقومات، التي لابد لكل داعية من معرفتها والعمل بها وتطبيقها في حياته. وهي في نظري عشرة أصول: العلم النافع، والحكمة، والحلم، والأناة، والرفق، والصبر، والصدق، والإخلاص، والقدوة الحسنة، والخلق الحسن.\nولا ريب أن معرفة الداعية للمقومات التي تجعله ناجحًا في دعوته من أهم المهمات، ومن أولى الواجبات؛ لأن نجاح دعوته، وفوزه برضى","vol":"1","page":342},{"text":"ربه، وتوفيقه موقوف على العمل بهذه المقومات.\n٣ - إن العلم النافع من أعظم مقومات الداعية الناجح؛ ولهذا أمر الله به قبل القول والعمل فقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١)؛ ولهذا بوّب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه بابًا قال فيه: بابٌ: العلم قبل القول والعمل.\nوالعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول - ﷺ -، قال النبي - ﷺ -: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (٢).\nوالعلم النافع أقسام ثلاثة: علم بالله وأوصافه وما يتبع ذلك، وعلم بما أخبر الله به مما كان من الأمور الماضية وما يكون في المستقبل، وعلم بما أمر الله به من العلوم المتعلقة بالقلوب والجوارح.\nوالعلم لابد فيه من إقرار القلب ومعرفته بما طُلِبَ منه عمله وتمامه العمل بمقتضاه؛ فإن العلم النافع ما كان مقرونًا بالعمل، أما العلم بلا عمل فهو حجة على صاحبه يوم القيامة. وقد أحسن القائل حيث قال:\n\nإذا العلم لم تعمل به كان حجةً حجة ... عليك ولم تُعْذَرْ بما أنت جاهله\nفإن كنت قد أوتيت علمًا ... فإنما يصدق قول المرء ما هو فاعله\n\nوالعلم له طرق يكتسب بها، ومن أعظمها: أن يسأل العبد ربه العلم النافع، وأن يجتهد في طلبه، وأن يبتعد عن جميع المعاصي؛ لأنها سبب في حرمان العلم، وأن لا يستحيي من طلب العلم، ولا يتكبر عن طلبه،\n_________\n(١) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، برقم ٧١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، برقم ٩٨ (١٠٣٧).","vol":"1","page":343},{"text":"وأن يخلص في الطلب.\n٤ - إن الحكمة هي الركن الأعظم من مقومات الداعية الناجح، وهي بلا شك الإصابة في الأقوال والأفعال، ووضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان.\nوالحكمة تكون تارة باستخدام الرفق واللين، وتارة باستخدام الموعظة الحسنة، وتارة تكون باستخدام الجدال بالتي هي أحسن، وتارة تكون باستخدام القوة لمن كان له سلطة مشروعة بالضوابط التي دلّ عليها الكتاب والسنة.\nوالحكمة حكمتان: حكمة علمية وحكمة عملية وهي درجات بيّنها أهل العلم، والحكمة لها طرق تكتسب بها وتُحصّل بها، فإذا سلك الداعية هذه الطرق وُفِّق لاكتساب الحكمة بإذن الله تعالى، ومن أبرز وأهم هذه الطرق الطرق الآتية:\nالطريق الأول: السلوك الحكيم الذي يسلكه الداعية في حياته وتصرفاته، وسيرته.\nالطريق الثاني: العلم بالعمل المقرون بالصدق والإخلاص.\nوما أحسن وأجمل ما قاله الشاعر الحكيم:\n\nوكيف يصح أن تُدْعى حكيمًا ... وأنت لكل ما تهوى ركوب\n\nالطريق الثالث: الخبرات والتجارب؛ لأن التجارب لها الأثر العظيم في اكتساب المهارات والخبرات.\nالطريق الرابع: السياسة الحكيمة ومن أعظمها: تحرّي أوقات الفراغ والنشاط والحاجة عند المدعوين، حتى لا يملّوا عن الاستماع، وترك","vol":"1","page":344},{"text":"الأمر الذي لا إثم في تركه ولا ضرر اتقاءً للفتنة، وهذا يبيّن للداعية أن المصالح إذا تعارضت أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بُدِئَ بالأهم، فإنّ دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ودفع أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.\nالطريق الخامس: فقه ركائز الدعوة وأركانها؛ فإن الداعية لا يكون حكيمًا حتى يعرف موضوع الدعوة الذي يدعو إليه، ومن هو الداعي، وما هي الصفات والآداب التي ينبغي أن تتوافر في الداعية؟ ومن هو المدعو، وما هي الوسائل والأساليب التي تستخدم في نشر الدعوة وتبليغها؟\nوالداعية الحكيم هو الذي ينزل الناس منازلهم، ومراتبهم، فيدرس الواقع لأحوال الناس ومعتقداتهم، ونفسياتهم، ويعرف مراكز الضلال ومواطن الانحراف معرفة جيدة، ثم يدعوهم على حسب أحوالهم وما يحتاجون إليه، فالداعية الحكيم كالطبيب الذي يُشخِّص المرض، ويعرف الداء ويحدّده، ثم يعطي العلاج والدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعيًا في ذلك قوة المريض، وضعفه وتحمّله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشقّ بطنه، أو يقطع شيئًا من أعضائه؛ من أجل استئصال المرض طلبًا لصحة المريض، وهكذا الداعية الحكيم يعرف أمراض المجتمع، ويحدّد المرض تحديدًا دقيقًا، وينظر ما هي الشبه والعوائق فيزيلها، ثم يقدم العلاج المناسب بدءًا بأمور العقيدة الإسلامية الصحيحة مع تشويق المدعوّ إلى القبول والإجابة.\n٥ - إن الحلم هو ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وهو من","vol":"1","page":345},{"text":"أعظم مقومات الداعية الناجح، وما أكثر الصور التطبيقية التي فعلها رسول الله - ﷺ - وأصحابه الكرام - ﵃ - في مجال الحلم في الدعوة إلى الله تعالى فدخل الناس في دين الله أفواجًا بفضل الله تعالى ثم بتطبيق هذا المقوم العظيم.\nوالحلم له طرق يكتسب بها إذا سلكها الداعية كان حليمًا وموفقًا.\n٦ - إن الأناة من أعظم مقومات الداعية الناجح، وهي من صفات أصحاب العقل والرزانة، بخلاف العجلة فإنها من صفات أصحاب الرعونة والطيش، وهي تدلّ على أن صاحبها لا يملك الإرادة القوية التي تضبط نفسه؛ فإن الأناة عند الداعية تجعله يحكِّم أموره ويضع الأشياء مواضعها، والتثبت في الأمور الواقعة وفي الأخبار الواردة حتى تتضح وتظهر، والاستيثاق من مصدرها قبل الحكم عليها أوْ لها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) وكم من الصور التطبيقية للأناة في الدعوة إلى الله تعالى التي طبقها رسول الله - ﷺ - وطبقها مِنْ بعدِهِ أهل العلم والإيمان فنفع الله بها؟\n٧ - إن الرفق هو لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأيسر والأسهل، وحسن الخلق وكثرة الاحتمال، وعدم الإسراع بالغضب والتعنيف والشدة، وهو من أعظم مقومات الداعية الناجح؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزع من شيء إلا شانه» (٢)، وقال - ﷺ -: «يسِّروا ولا تعسِّروا وبشِّروا ولا تنفِّروا» (٣).\n_________\n(١) سورة الحجرات، الآية: ٦.\n(٢) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، برقم ٧٨ (٢٥٩٤).\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، برقم ٦٩، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ٨ - (١٧٣٤).","vol":"1","page":346},{"text":"٨ - إن الصبر هو منع النفس وحبسها عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن التشويش، وهو يمنع صاحبه من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها، وهذه القوة تمكِّن الداعية من ضبط نفسه لتحمّل المشاق والمتاعب والآلام ابتغاء مرضاة الله تعالى، وهو من أعظم مقومات الداعية الناجح، ويحتاجه الداعية قبل الدعوة، وأثناء الدعوة، وبعد الدعوة كما بيّن ذلك أهل العلم والإيمان.\nوالصبر في الدعوة بمثابة الرأس من الجسد، فلا دعوة لمن لا صبر له، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له.\nوالصبر ينتصر به الداعية على عدوه مع الأخذ بالأسباب المشروعة ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١).\nفلابد للداعية أن يصبر على دعوته وما يدعو إليه، وعلى ما يتعرّض دعوته من معارضات، وعلى ما يصيبه هو من أذى، فإذا فعل ذلك كان إمامًا يُقتدى به: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢).\n٩ - إن الصدق والإخلاص في الدعوة إلى الله: هو التقرّب بهذا العلم إلى الله وحده: لا رياءً ولا سمعةً، ولا طلبًا للعرض الزائل، ولا تصنعًا وإنما يرجو ثواب الله ويخشى عقابه، ويطمع في رضاه، ويقصد بدعوته وسائر\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٢٠.\n(٢) سورة السجدة، الآية: ٢٤.","vol":"1","page":347},{"text":"تصرفاته وتوجيهاته وجه الله وحده لا شريك له، ولا رب سواه. ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ ...﴾ (١).\nوالصدق يكون في القصد والنية وهو الإخلاص، وفي القول بالأخذ بالحق ونبذ الباطل، وفي العمل بموافقة القول، وهذه المجالات تحت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).\n١٠ - إن القدوة الحسنة هي أن يكون الداعية قدوة صالحة فيما يدعو إليه فلا يناقض قوله فعله ولا فعله قوله، وهي من أعظم مقومات الداعية الناجح؛ لأن الناس ينظرون إلى الداعية نظرة دقيقة دون أن يعلم أنه تحت رقابة مجهرية، فرب عمل يقوم به الداعية من المخالفات لا يلقي له بالًا يكون في نظرهم من الكبائر والموبقات؛ لأنهم يعدّونه قُدوة، وقد يراه الجاهل على عملٍ غير مشروع فيظن أنه على حق، ومعلوم أن الداعية إذا كان عاملًا بما يدعو إليه كان ذلك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد الداعية إيصالها للناس المقتدين به؛ لأن كثيرًا من الناس ينتفعون بالسيرة الحسنة أكثر مما ينتفعون بالأقوال، ولاسيما عامة الناس؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا ...﴾ (٣) وقد ذم سبحانه من خالف قوله فعله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٩.\n(٣) سورة فصلت، الآية: ٣٣.","vol":"1","page":348},{"text":"تَفْعَلُونَ﴾ (١)،، ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (٢)، وما أحسن ما قاله القائل:\n\nيا أيها الرجل المعلِّم غيره ... هلاَّ لنفسك كان ذا التعليم\nابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nفهناك يقبل ما تقولُ ويُقتدى ... بالعلم منك وينفع التعليمُ\nلا تنهَ عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم\n\n١١ - إن الخلق الحسن حالة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال الحسنة الجميلة وهو من أعظم مقومات الداعية الناجح، وإذا تخلَّق به الداعية أحبه الناس جميعًا حتى أعدائه في الغالب، فيتمكن بذلك من إدراك مطالبه السامية بإذن الله تعالى؛ لأن الداعية لا يسع الناس بماله ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق.\nومن التجارب الملموسة والمشاهدة أن من لم يتخلق بالخلق الحسن من الدعاة ينفر الناس من دعوته، ولا يستفيدون من علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يسيء إليهم، ويبدو منه احتقارهم ولو كان ما يقوله حقًا؛ ولهذا قال الله تعالى لنبيه الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ...﴾ (٣).\nوالخلق الحسن موضوع واسع جدًا يشمل: الحلم، والأناة، والجود،\n_________\n(١) سورة الصف، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٤.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":349},{"text":"والكرم، والعفو والصفح، والرفق واللين، والصبر والعزيمة، والثبات، والعدل والإنصاف، والصدق والإخلاص، والبر والإحسان، والوفاء، والإيثار، والرحمة، والتواضع، والزهد، والكيس والنشاط، والسماحة، والمروءة، والشجاعة، والأمانة، وحفظ السر، والورع، واليقين، والتوكل، وهذا مفهوم واسع إذا عمل به الداعية كان ناجحًا في دعوته بعون الله.\nوالله أسأل أن يوفق جميع علماء المسلمين ودعاتهم إلى العمل بهذه المقومات، وأن يزيدني وإياهم علمًا، وهدىً، وتوفيقًا، وأن يحسن لي ولهم ولجميع المسلمين العاقبة في الأمور كلها، وأن يجيرنا جميعًا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>المصادر والمراجع</span>\n١ - القرآن الكريم.\n٢ - أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي، ت ٥٤٣ هـ، تحقيق علي بن محمد البجاوي، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٣ - إحياء علوم الدين، للإمام الغزالي، دار الندوة الجديدة، بيروت.\n١ - الإخلاص والشرك الأصغر، لعبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢ - الأخلاق الإسلامية وأسسها، لعبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني، الطبعة الثالثة، ١٤١٣هـ، دار القلم دمشق.\n٣ - أدب الدنيا والدين، لأبي الحسن الماوردي، ت ٤٥٠ هـ، طبعة ١٣٧٤هـ، ميدان الأزهر، مكتبة ومطبعة محمد بن علي صبيح وأولاده.\n٤ - الأدب المفرد، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري تخريج محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثالثة دار البشائر، بيروت، لبنان.\n٥ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود، بدون تاريخ، دار الفكر.\n٦ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٧ - أسس الدعوة وأدب الدعاة، للدكتور محمد الوكيل، الطبعة الثانية، ١٤٠٦هـ، دار الوفاء ودار المجتمع، جدة.\n٨ - الإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني دار صادر، بيروت، لبنان.\n٩ - أصول الدعوة، للدكتور عبد الكريم زيدان، الطبعة الثالثة، ١٣٩٦هـ، مكتبة المنار الإسلامية.\n١٠ - أصول الدعوة وطرقها، للدكتور عبد الرب بن نوّاب، الطبعة الأولى، ١٤١٣هـ، دار العاصمة، الرياض.\n١١ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي طبع وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٢ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم","vol":"1","page":377},{"text":"الجوزية، ت ٧٥١هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، طبعة ١٤٠٧هـ، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت.\n١٣ - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١هـ، تحقيق محمد حامد الفقي، بدون تاريخ، مكتبة حميدو، الإسكندرية.\n١٤ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأبي بكر الخلال، بتحقيق عبد القادر أحمد عطا، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، دار الباز للنشر والتوزيع، مكة المكرمة.\n١٥ - أيسر التفاسير، لأبي بكر جابر الجزائري، بدون ناشر، الطبعة الأولى،١٤٠٧هـ.\n١٦ - البداية والنهاية، للحافظ عماد الدين أبى الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، ت ٧٧٤ هـ، الطبعة الثالثة، ١٩٧٩ م، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان.\n١٧ - تاج العروس من جواهر القاموس، لمحمد مرتضى الزبيدي، بدون تاريخ، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان.\n١٨ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ٧٤٨هـ، (قسم السيرة النبوية وعهد الخلفاء الراشدين)، تحقيق الدكتور عمر بن عبد السلام، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ، دار الكتاب العربي.\n١٩ - التاريخ الإسلامي، محمود شاكر، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٢٠ - تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت ٣١٠هـ، الطبعة الثانية، ١٤٠٨هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٢١ - تاريخ نجد، روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام، لحسين بن غنام، بتحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد، الطبعة الثالثة، ١٤٠٣هـ، مطابع شركة الصفحات الذهبية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢٢ - تبريد حرارة المصيبة، لأبي عبد الرحمن سعيد بن علي بن وهف القحطاني، توزيع مؤسسة الجريسي.\n٢٣ - تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، لأبي العُلا محمد عبد الرحمن عبد الرحيم المباركفوري،\nت ١٣٥٣ هـ، الطبعة الثانية، ١٤٥٧ هـ، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n٢٤ - الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ت ٦٥٦هـ، الطبعة الثالثة، ١٣٨٨هـ، دار إحياء التراث العربي.\n٢٥ - تفسير البحر المحيط، لأبي عبد الله محمد بن يوسف بن حيان الأندلسي، ت ٧٥٤هـ، الطبعة الثانية، ١٤٠٣هـ، دار الفكر.\n٢٦ - تفسير البغوي (معالم التنزيل)،للإمام الحافظ أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي\nت٥١٦ هـ، تحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار، الطبعة الأولى،١٤٠٦ هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٢٧ - تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت ٣١٥ هـ، تحقيق محمود وأحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، دار المعارف بمصر.\n٢٨ - التفسير الكبير، لمحمد الرازي فخر الدين بن ضياء الدين عمر، ت ٦٠٤هـ، الطبعة الأولى،","vol":"1","page":378},{"text":"بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٩ - تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم)، للإمام أبي الفداء إسماعيل بن الخطيب عمر بن كثير القرشي الدمشقي، ت ٧٧٤ هـ، طبعة ١٤٠٧ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٣٠ - تفسير القرآن الحكيم، الشهير بتفسير المنار، لمحمد رشيد رضا، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، بيروت، لبنان.\n٣١ - التفسير القيم للإمام ابن القيم، جمعه محمد أويس الندوي، تحقيق محمد حامد الفقي، بدون تاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٣٢ - تفسير المراغي، لأحمد مصطفى المراغي، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٣٣ - تفسير النسفي، لعبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، ت ٧٠١ هـ، بدون تاريخ، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٣٤ - تقريب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢هـ، تحقيق محمد عوامة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، دار الرشيد، سوريا، حلب.\n٣٥ - تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢ هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٤هـ، دار الفكر.\n٣٦ - تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، للعلامة سليمان بن عبد الله بن محمد عبد الوهاب، ت ١٢٣٣ هـ، طبعة ١٤٠٦ هـ، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٣٧ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت١٣٧٦هـ، تحقيق محمد زهري النجار، طبعة ١٤٠٤ هـ، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٣٨ - جامع الأصول من أحاديث الرسول، لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري،\nت٦٥٦ هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤٥٣ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٣٩ - جامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر يوسف بن عبد البر، ت ٤٦٣ هـ، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.\n٤٠ - الجامع لأحكام القرآن الكريم، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبى، ت ٦٧١ هـ، تحقيق محمد إبراهيم الحفناوي، ومحمود حامد عثمان، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، دار الحديث، القاهرة.\n٤١ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، للإمام الحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ت ٧٩٥ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٤٢ - جمهرة اللغة، لابن دريد أبي بكر بن محمد بن الحسن البصري، الطبعة الأولى، ١٣٤٥هـ، دار صادر.","vol":"1","page":379},{"text":"٤٣ - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت٧٥١هـ، تحقيق أبي حذيفة عبيد الله بن عالية، الطبعة الأولى،١٤٠٧هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n٤٤ - حاشية ثلاثة الأصول لمحمد بن عبد الوهاب، بقلم عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ت١٣٩٢هـ، الطبعة الخامسة، ١٤٠٧هـ، بدون ناشر.\n٤٥ - الحسبة في الإسلام، لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، ت ٧٢٨ هـ، بدون تاريخ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٤٦ - الحكمة في الدعوة إلى الله، سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الطبعة الثالثة، ١٤١٧ هـ، توزيع مؤسسة الجريسي، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٤٧ - الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، للدكتور محمد ربيع المدخلي، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ، مكتبة لينة.\n٤٨ - حلية الأولياء وطبقات ألأصفياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، ت ٤٣٠هـ، بدون تاريخ، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٤٩ - درء تعارض العقل والنقل، لأبي العباس تقي الدين أحمدبن عبد الحليم ابن تيمية، ت ٧٢٨ هـ، تحقيق د. محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى، ١٤٥٠ هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n٥٠ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ت ١٣٩٢هـ، الطبعة الثانية، ١٣٨٥هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٥١ - الدعائم الخلقية للقوانين الشرعية، للمحامي صبحي محمصاني، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، دار الملايين، بيروت.\n٥٢ - دعوة الحق: الصبر في ضوء الكتاب والسنة، لأسماء عمر حسن، العدد ٥٤، ١٤٠٦هـ، رابطة العالم الإسلامي، مكة.\n٥٣ - الدعوة إلى الله، لتوفيق الواعي، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، مكتبة الفلاح، الكويت.\n٥٤ - دقائق التفسير، الجامع لتفسير ابن تيمية، جمع الدكتور محمد السيد الجليند، الطبعة الثالثة، ١٤٠٦هـ، مؤسسة علوم القرآن الكريم، بيروت، ودار القبلة، جدة، المملكة العربية السعودية.\n٥٥ - الدعوة والدعاة بين تحقيق التوكل واستعجال النتائج، لسليم بن عيد الهلالي، الطبعة الأولى، ١٤١٣هـ، دار الصديق، الجبيل.\n٥٦ - دور المنهاج الرباني في الدعوة الإسلامية، لعدنان علي رضا النحوي، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥هـ، مطابع الفرزدق التجارية بالرياض، المملكة العربية السعودية.\n٥٧ - ديوان أبي تمام، بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق محمد عبده عزام، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، دار المعارف بمصر.\n٥٨ - ديوان الإمام الشافعي، لأبى عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ت ٢٥٤ هـ، جمعه","vol":"1","page":380},{"text":"وعلق عليه محمد عفيف الزعبي، الطبعة الثالثة، ١٣٩٢ هـ، مؤسسة الزعبي، بيروت، لبنان.\n٥٩ - الذكر والدعاء والعلاج بالرقى من الكتاب والسنة، لسعيد بن علي بن وهف القحطاني، مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الطبعة الثالثة، شعبان ١٤٢٢هـ.\n٦٠ - الرحيق المختوم، لصفي الرحمن المباركفوري، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، دار القلم، بيروت، لبنان.\n٦١ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لأبي الفضل شهاب الدين محمود الألوسي البغدادي، ت ١٢٧٠هـ، الطبعة ١٤٠٨هـ، بدون تاريخ، دار الفكر.\n٦٢ - الرياء: ذمه وأثره السيئ في الأمة، سليم بن عيد الهلالي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية.\n٦٣ - الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت١٣٧٦ هـ، بدون تاريخ، نشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، المملكة العربية السعودية.\n٦٤ - زاد الداعية إلى الله، لمحمد بن صالح العثيمين، بدون تاريخ، مطابع المدينة بالرياض، المملكة العربية السعودية.\n٦٥ - زاد المسير في علم التفسير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، ت ٥٩٦هـ، الطبعة الأولى، ١٣٨٤هـ، المكتب الإسلامي.\n٦٦ - زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٦٧ - سبل السلام الموصل إلى بلوغ المرام، للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، تحقيق محمد صبحي حسن حلاق، الطبعة الأولى عام ١٤١٨هـ، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية.\n٦٨ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة ١٤٩٨هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٦٩ - سلسلة الأحاديث الضعيفة، للعلامة ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٧٠ - سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، ت ٢٧٩ هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، ١٣٩٨ هـ ة مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة، مصر.\n٧١ - سنن الدارقطني، للإمام علي بن عمر الدارقطني، ت ٣٨٥هـ، وبذيله التعليق المغني على الدارقطني، لمحمد شمس الحق العظيم أبادي، تحقيق عبد الله هاشم يماني، بدون تاريخ، دار المحاسن للطباعة والنشر، القاهرة والمدينة المنورة.","vol":"1","page":381},{"text":"٧٢ - سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت ٢٥٥ هـ، طبعة ١٤٠٤ هـ، تحقيق عبد الله بن هاشم اليماني، توزيع الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٧٣ - سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، ت ٢٧٥ هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، بدون تاريخ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٧٤ - السنن الكبرى، للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي، ت ٤٥٨ هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٧٥ - السنن الكبرى، لأحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري، وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١١هـ.\n٧٦ - سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، ت ٢٧٥ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n٧٧ - سنن النسائي، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب، ت ٣٠٣ هـ، بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ، وحاشية السندي، ت ١١٣٨ هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، اعتنى به ورقمه عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\n٧٨ - سير أعلام النبلاء، للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت ٧٤٨ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الرابعة، ١٤٠٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٧٩ - السيرة النبوية دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي، الطبعة الثامنة، ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي.\n٨٠ - سيرة ابن هشام، لأبي محمد بن عبد الملك بن هشام، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء.\n٨١ - شرح السنة، للإمام الحافظ أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، ت ٥١٩ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٨٢ - شرح صحيح مسلم لإمام النووي، لمحيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، ت ٦٧٦ هـ، تحقيق لجنة من العلماء بإشراف الناشر، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ، دار القلم، بيروت، لبنان.\n٨٣ - شعب الإيمان، للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت ٤٥٨ هـ، تحقيق أبي هاجر محمد السعيد بسيوني زغلول، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٨٤ - الشوقيات، شعر أحمد شوقي، بدون تاريخ، دار العودة، بيروت.\n٨٥ - الصبر الجميل، لسليم بن عيد الهلالي، الطبعة الثانية، ١٤١١هـ، دار ابن القيم، الدمام.","vol":"1","page":382},{"text":"٨٦ - الصبر في القرآن الكريم، للدكتور يوسف القرضاوي، الطبعة الثانية، ١٤٠٤هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٨٧ - صحيح البخاري، لأبي عبد الله محمدبن إسماعيل البخاري، ت ٢٥٦ هـ، طبعة ١٤١٤ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان. وطبعة ١٣١٥ هـ، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا، والنسخة المطبوعة مع فتح الباري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وإشراف محب الدين الخطيب، بدون تاريخ، مكتبة الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٨٨ - صحيح الترغيب والترهيب، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٥٢ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٨٩ - صحيح الجامع الصغير، للعلامة ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٣٨٨ هـ؟ المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٩٠ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، للإمام أبي حاتم محمدبن أحمدبن حبان البستي، ت٣٥٤ هـ، رتبه الأمير علاء الدين علي بن سليمان بن بلبان الفارسي، ت ٧٣٩ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٩١ - صحيح ابن خزيمة، للإمام أبي بكر محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي النيسابوري، ت ٣١١ هـ، تحقيق محمد مصطفى الأعظمى، طبعة ١٣٩٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٩٢ - صحيح سنن الترمذي باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٩٣ - صحيح سنن أبي داود باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٩، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٩٤ - صحيح سنن ابن ماجه باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٩٥ - صحيح سنن النسائي باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٩٦ - صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري االنيسابوري، ت ٢٦١ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n٩٧ - صفات المنافقين، للإمام أبي عبد الله محمد بن أبى بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ.\n٩٨ - صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير القرآن العظيم، لعبد الرحمن بن محمد الدوسري، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ، مكتبة دار الأرقم، الكويت.\n٩٩ - الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد، ت ٢٣٠ هـ، بدون تاريخ، تصوير بيروت، دار صادر.\n١٠٠ - طريق الهجرتين وباب السعادتين، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، ت ٧٥١، تخريج عمر بن محمود وأبو عمر، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ، دار ابن القيم، الدمام، المملكة العربية السعودية. .","vol":"1","page":383},{"text":"١٠١ - ظلال الجنة في تخريج السنة، للعلامة ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٠٢ - عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية،\nت ٧٥١ هـ، تحقيق محمد عثمان الخشت، الطبعة الرابعة، ١٤١٠ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n١٠٣ - عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين، لصالح بن إبراهيم البليهي، الطبعة الثانية، ١٤٠٤هـ، مكتبة ابن تيمية.\n١٠٤ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ، دار الفكر.\n١٠٥ - فتاوى محمد بن صالح العثيمين، جمع فهد بن ناصر السليمان، الطبعة الأولى، دار الوطن، المملكة العربية السعودية.\n١٠٦ - فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، جمع وترتيب وتحقيق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى، ١٣٩٩، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة (وقف لله تعالى).\n١٠٧ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢ هـ، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي وإشراف محب الدين الخطيب، بدون تاريخ، مكتبة الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٠٨ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ت ١٢٥٠ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٠٩ - فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، د. عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب،\nت ١٢٨٥هـ، تحقيق د. الوليد بن عبد الرحمن آل فريان، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ، دار الصميعي، الرياض، المملكة العربية السعودية. وطبعة دار المنار، بعناية صادق بن سليم بن صادق، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١١٠ - فقه الدعوة في إنكار المنكر، لعبد الحميد البلالي، الطبعة الثانية، ١٤٠٧هـ، دار الدعوة، الكويت.\n١١١ - فقه السيرة، لمحمد الغزالي، الطبعة السابعة، ١٩٧٦م، خرج أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني، دار الكتب الحديثة.\n١١٢ - الفوائد، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١هـ، بتحقيق بشير عيون، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ، مكتبة دار البيان، دمشق.\n١١٣ - في ظلال القرآن، سيد قطب، الطبعة التاسعة، ١٤٠٠هـ، دار الشروق، بيروت، القاهرة.\n١١٤ - فيض القدير شرح الجامع الصغير، للعلامة عبد الرؤوف المناوي، ت ١٠٣١ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١١٥ - القاموس المحيط، للعلامة مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ت ٨١٧ هـ","vol":"1","page":384},{"text":"الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١١٦ - القاموس الفقهي: لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ، دار الفكر، دمشق، سورية.\n١١٧ - القول السديد في مقاصد التوحيد، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت ١٣٧٦ هـ، بعناية وتخريج د. المرتضى الزين أحمد، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ، مجموعة التحف النفائس الدولية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١١٨ - الكامل في التاريخ، لابن الأثير:، علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم، ت ٦٣٠هـ، الطبعة السادسة ١٤٠٦هـ، دار الكتاب العربي.\n١١٩ - كتاب الإخلاص، حسين العوايشة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ، المكتبة الإسلامية، عمان، الأردن.\n١٢٠ - كتاب الزهد، للإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ت ٢٤١ هـ، تحقيق محمد السعيد بسيوني، الطبعة الأولى، ١٤٥٦ هـ، دار الكتاب العربي، الرملة، بيروت، لبنان.\n١٢١ - كيف ندعو الناس، لعبد البديع صقر، الطبعة التاسعة، ١٤٠٤هـ، دار التوفيق النموذجية، القاهرة.\n١٢٢ - كيف يدعو الداعية، لعبد الله ناصح علوان، الطبعة الثانية، ١٤٠٦هـ، دار السلام، القاهرة، وحلب.\n١٢٣ - لسان العرب، للإمام أبي الفضل جمال الدين بن مكرم بن علي بن منظور، ت ٧١١ هـ، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ، دار صادر، بيروت، لبنان.\n١٢٤ - لقمان الحكيم وحكمه، لمحمد خير رمضان، الطبعة الأولى، ١٤٠٤هـ، دار المصحف.\n١٢٥ - المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح، لعبد المؤمن بن خلف الدمياطي، ت ٧٠٥هـ، تحقيق عبد الملك بن دهيش، الطبعة الثالثة، ١٤٠٦هـ، الناشر: المحقق.\n١٢٦ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين على بن أبي بكر الهيثمي، ت ٨٠٧ هـ، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n١٢٧ - مجموع فتاوى ابن باز، جمع عبد الله الطيار، وأحمد الباز، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٢٨ - مجموع فتاوى ابن تيمية، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية،\nت ٧٢٨ هـ، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، بدون تاريخ، مكتبة المعارف، الرباط، المغرب.\n١٢٩ - مجموعة الرسائل الكبرى، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية، ت ٧٢٨هـ، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٣٠ - محيط المحيط، المعلم بطرس البستاني، طبعة جديدة، ١٩٨٧م، مكتبة لبنان، بيروت.\n١٣١ - مختار الصحاح، للإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، طبعة ١٩٨٥م، مكتبة","vol":"1","page":385},{"text":"لبنان، بيروت، لبنان.\n١٣٢ - مختصر سنن أبي داود مع معالم السنن للخطابي وتهذيبه لابن قيم الجوزية، تحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي، ط دار المعرفة، بيروت.\n١٣٣ - مختصر سيرة الرسول - ﷺ -، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ت ١٢٠٦هـ، بدون تاريخ، توزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والإرشاد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٣٤ - مختصر منهاج القاصدين، للإمام أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسى، ت ٦٨٩ هـ، تعليق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، طبعة ١٣٩٨ هـ، مكتبة دار البيان، دمشق.\n١٣٥ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية تحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة بدون تاريخ، مكتبة السنة المحمدية، ومكتبة تيمية، القاهرة.\n١٣٦ - المدخل لابن الحاج.\n١٣٧ - المرأة المسلمة المعاصرة إعدادها ومسؤوليتها في الدعوة، لأحمد أبا بطين، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ، دار عالم الكتب، الرياض.\n١٣٨ - المستدرك على الصحيحين، للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٣٩ - مسند الإمام أحمد، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ت ٢٤١ هـ، بدون تاريخ، المكتب الإسلامي، دار صادر، بيروت، لبنان.\n١٤٠ - مسند الإمام أحمد بشرح أحمد شاكر، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، شرحه وضع فهارسه أحمد محمد شاكر، بدون تاريخ، دار المعارف، مصر.\n١٤١ - مسند أبي داود الطيالسي، لأبي داود سليمان بن داود الطيالسي (٢٠٤ هـ)، تحقيق: د. محمد بن عبد المحسن التركي، طبع دار هجر بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n١٤٢ - مشكاة المصابيح، لمحمد عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٤٣ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقرئ الفيومي، بدون تاريخ، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.\n١٤٤ - المصفى من صفات الدعاة، لعبد الحميد البلالي، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥هـ، دار الدعوة، الكويت.\n١٤٥ - معالم الدعوة، لعبد الوهاب بن لطف الديلمي، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، دار المجتمع، جدة، المملكة العربية السعودية.\n١٤٦ - معجم المقاييس في اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، ت ٣٩٥ هـ، تحقيق شهاب الدين أبي عمرو، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":386},{"text":"١٤٧ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، الطبعة الثانية، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا.\n١٤٨ - مفتاح دار السعادة، للعلامة الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تخريج علي بن حسن بن علي بن عبد المجيد، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ، دار ابن عفان، الخبر، المملكة العربية السعودية.\n١٤٩ - المفردات في غريب القرآن، للعلامة أبي القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، ت ٥٠٢ هـ، تحقيق محمد سيد كيلاني، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٥٠ - مقامع الشيطان، لسليم بن عيد الهلالي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، مكتبة ابن الجوزي، الأحساء، المملكة العربية السعودية.\n١٥١ - مقاييس اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، ت ٣٩٥هـ، بتحقيق عبد السلام محمد هارون، طبعة ١٣٩٩هـ، دار الفكر.\n١٥٢ - مقدمة في علم الأخلاق، للدكتور محمود حمدي زقزوق، الطبعة الثانية، ١٤٠١هـ، دار القلم، الكويت.\n١٥٣ - من صفات الداعية اللين والرفق، للدكتور فضل إلهي، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ، توزيع مؤسسة الجريسي، الرياض.\n١٥٤ - المنجد الأبجدي، الطبعة التاسعة، دار المشرق، بيروت، لبنان.\n١٥٥ - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، ت ٧٠٨هـ، تحقيق محمد بن عبد الرزاق حمزة، بدون تاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n١٥٦ - موسوعة أخلاق القرآن الكريم، للدكتور أحمد الشرباصي، الطبعة الثانية، ١٤٠٥هـ، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان.\n١٥٧ - الموطأ، للإمام مالك بن أنس، ت ١٧٩هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وأولاده.\n١٥٨ - النهاية في غريب الحديث، للإمام أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري،\nت ٦٠٦ هـ، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بدون تاريخ، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.\n١٥٩ - النية وأثرها في الأحكام الشرعية، الدكتور صالح بن غانم السدلان، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ، دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٦٠ - الهادي إلى لغة العرب، لحسن بن سعيد الكرمي، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ، دار لبنان، بيروت.\n١٦١ - هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة، للشيخ علي محفوظ، الطبعة التاسعة، ١٣٩٩هـ، دار الاعتصام.\n١٦٢ - هذا الحبيب يا محب، لأبي بكر جابر الجزائري، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ، مكتبة لينة، دمنهور.","vol":"1","page":387},{"text":"١٦٣ - هكذا علمتني الحياة، للدكتور مصطفى السباعي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٦هـ، المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":388}]}