{"ً":{"ٌ":96534,"ٍ":"نور الإخلاص وظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: نور الإخلاص وظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة في ضوء الكتاب والسُّنَّة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٣٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":23,"ٖ":1770154053,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"المبحث الأول: نور الإخلاص","level":1,"page":5},{"title":"المطلب الأول: مفهوم الإخلاص","level":2,"page":5},{"title":"الإخلاص في اللغة","level":3,"page":5},{"title":"حقيقة الإخلاص","level":3,"page":5},{"title":"المطلب الثاني: أهمية الإخلاص","level":2,"page":6},{"title":"﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾","level":3,"page":6},{"title":"قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله﴾","level":3,"page":6},{"title":"﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾","level":3,"page":6},{"title":"﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾","level":3,"page":6},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾","level":3,"page":7},{"title":"قال تعالى: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾","level":3,"page":7},{"title":"ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم","level":3,"page":7},{"title":"المطلب الثالث: مكانة النية الصالحة وثمراتها","level":2,"page":8},{"title":"النية: أساس العمل وقاعدته","level":3,"page":8},{"title":"قال النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ...»","level":3,"page":8},{"title":"وقال الله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة﴾","level":3,"page":8},{"title":"قال النبي - ﷺ -: إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان","level":3,"page":9},{"title":"قال - ﷺ -: \"ما من امرئ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم \"","level":3,"page":9},{"title":"قال - ﷺ -: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد \"","level":3,"page":9},{"title":"قال - ﷺ -: \"من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء \"","level":3,"page":9},{"title":"لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا","level":3,"page":10},{"title":"قال النبي - ﷺ - لرجل جاء إليه مقنع بالحديد","level":3,"page":10},{"title":"قال النبي - ﷺ -: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة»","level":3,"page":10},{"title":"وقال - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -: «إنك لن تنفق نفقة","level":3,"page":10},{"title":"وقال النبي - ﷺ -: «إنما الدنيا لأربعة نفر","level":3,"page":11},{"title":"وقال النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «إن الله - ﷿ - كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك","level":3,"page":11},{"title":"المطلب الرابع: ثمار الإخلاص وفوائده","level":2,"page":12},{"title":"أولا: خير الدنيا والآخرة من فضائل الإخلاص وثمراته","level":3,"page":12},{"title":"ثانيا: الإخلاص هو السبب الأعظم في قبول الأعمال","level":3,"page":12},{"title":"ثالثا: الإخلاص يثمر محبة الله للعبد","level":3,"page":12},{"title":"رابعا: الإخلاص أساس العمل وروحه","level":3,"page":12},{"title":"خامسا: يثمر الأجر الكبير والثواب العظيم بالعمل اليسير","level":3,"page":12},{"title":"سادسا: يكتب لصاحب الإخلاص كل عمل يقصد به وجه الله","level":3,"page":12},{"title":"سابعا: يكتب لصاحب الإخلاص ما نوى من العمل ولو لم يعمله","level":3,"page":12},{"title":"ثامنا: إذا نام أو نسي كتب له عمله الذي كان يعمله","level":3,"page":12},{"title":"تاسعا: إذا مرض العبد أو سافر كتب له بإخلاصه ما كان يعمل","level":3,"page":12},{"title":"عاشرا: ينصر الله الأمة بالإخلاص","level":3,"page":12},{"title":"الحادي عشر: الإخلاص يثمر النجاة من عذاب الآخرة","level":3,"page":12},{"title":"الثاني عشر: تفريج كروب الدنيا والآخرة من ثمرات الإخلاص","level":3,"page":12},{"title":"الثالث عشر: رفع المنزلة في الآخرة يحصل بالإخلاص","level":3,"page":12},{"title":"الرابع عشر: الإنقاذ من الضلال","level":3,"page":12},{"title":"الخامس عشر: الإخلاص سبب لزيادة الهدى","level":3,"page":12},{"title":"السادس عشر: الصيت الطيب عند الناس من ثمار الإخلاص","level":3,"page":13},{"title":"السابع عشر: طمأنينة القلب والشعور بالسعادة","level":3,"page":13},{"title":"الثامن عشر: تزيين الإيمان في النفس","level":3,"page":13},{"title":"التاسع عشر: التوفيق لمصاحبة أهل الإخلاص","level":3,"page":13},{"title":"العشرون: حسن الخاتمة","level":3,"page":13},{"title":"الحادي والعشرون: استجابة الدعاء","level":3,"page":13},{"title":"الثاني والعشرون: النعيم في القبر والتبشير بالسرور","level":3,"page":13},{"title":"الثالث والعشرون: دخول الجنة والنجاة من النار","level":3,"page":13},{"title":"المبحث الثاني: ظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة","level":1,"page":14},{"title":"المطلب الأول: خطر إرادة الدنيا بعمل الآخرة","level":2,"page":14},{"title":"الفرق بين الرياء، وإرادة الإنسان بعمله الدنيا","level":3,"page":14},{"title":"قال الله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم﴾","level":3,"page":14},{"title":"قال تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه﴾","level":3,"page":15},{"title":"وقال - ﷾ -: ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا﴾","level":3,"page":15},{"title":"وقال النبي - ﷺ -: «من تعلم علما ما يبتغى به وجه الله - ﷿ - لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»","level":3,"page":15},{"title":"«لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار»","level":3,"page":15},{"title":"«لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله؛ فإنه يدوم ويبقى، وينفد ما سواه»","level":3,"page":16},{"title":"المطلب الثاني: أنواع العمل للدنيا","level":2,"page":16},{"title":"النوع الأول: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس","level":3,"page":16},{"title":"النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة","level":3,"page":17},{"title":"النوع الثالث: أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا","level":3,"page":17},{"title":"النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرا يخرجه عن الإسلام","level":3,"page":17},{"title":"المطلب الثالث: خطر الرياء وآثاره","level":2,"page":17},{"title":"أولا: الرياء أخطر على المسلمين من المسيح الدجال","level":3,"page":18},{"title":"ثانيا: الرياء أشد فتكا من الذئب في الغنم","level":3,"page":18},{"title":"ثالثا: خطورة الرياء على الأعمال الصالحة","level":3,"page":18},{"title":"رابعا: يسبب عذاب الآخرة","level":3,"page":19},{"title":"خامسا: الرياء يورث الذل والصغار","level":3,"page":20},{"title":"سادسا: الرياء يحرم ثواب الآخرة","level":3,"page":20},{"title":"سابعا: الرياء سبب في هزيمة الأمة","level":3,"page":20},{"title":"ثامنا: الرياء يزيد الضلال","level":3,"page":20},{"title":"المطلب الرابع: أنواع الرياء ودقائقه","level":2,"page":21},{"title":"أولا: أن يكون مراد العبد غير الله","level":3,"page":21},{"title":"ثانيا: أن يكون قصد العبد ومراده لله تعالى","level":3,"page":21},{"title":"ثالثا: أن يدخل العبد في العبادة لله ويخرج منها لله فعرف بذلك","level":3,"page":21},{"title":"رابعا: وهناك رياء بدني: كمن يظهر الصفار والنحول، ليري الناس بذلك أنه صاحب عبادة","level":3,"page":21},{"title":"خامسا: رياء من جهة اللباس أو الزي","level":3,"page":22},{"title":"سادسا: الرياء بالقول","level":3,"page":22},{"title":"سابعا: الرياء بالعمل","level":3,"page":22},{"title":"ثامنا: الرياء بالأصحاب والزائرين","level":3,"page":22},{"title":"تاسعا: الرياء بذم النفس بين الناس","level":3,"page":22},{"title":"عاشرا: ومن دقائق الرياء وخفاياه: أن يخفي العامل طاعته بحيث لا يريد أن يطلع عليها أحد","level":3,"page":22},{"title":"الحادي عشر: ومن دقائق الرياء أن يجعل الإخلاص وسيلة لما يريد من المطالب","level":3,"page":23},{"title":"المطلب الخامس: أقسام الرياء وأثره على العمل","level":2,"page":23},{"title":"أولا: أن يكون العمل رياء محضا","level":3,"page":23},{"title":"ثانيا: أن يكون العمل لله ويشاركه الرياء من أصله","level":3,"page":24},{"title":"ثالثا: أن يكون أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء","level":3,"page":24},{"title":"١ - أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها","level":4,"page":24},{"title":"٢ - أن يرتبط أول العبادة بآخرها فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين:","level":4,"page":24},{"title":"الأمر الأول: أن يكون هذا الرياء خاطرا ثم دفعه الإنسان","level":5,"page":24},{"title":"الأمر الثاني: أن يسترسل معه الرياء","level":5,"page":24},{"title":"رابعا: أن يكون الرياء بعد الانتهاء من العبادة","level":3,"page":25},{"title":"المطلب السادس: أسباب الرياء ودوافعه","level":2,"page":25},{"title":"أولا: حب لذة الحمد والثناء والمدح","level":3,"page":25},{"title":"ثانيا: الفرار من الذم","level":3,"page":25},{"title":"ثالثا: الطمع فيما في أيدي الناس","level":3,"page":25},{"title":"المطلب السابع: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء","level":2,"page":26},{"title":"أولا: معرفة أنواع العمل للدنيا وأنواع الرياء","level":3,"page":27},{"title":"ثانيا: معرفة عظمة الله تعالى","level":3,"page":27},{"title":"ثالثا: معرفة ما أعده الله في الدار الآخرة","level":3,"page":27},{"title":"رابعا: الخوف من خطر العمل للدنيا والرياء المحبط للعمل","level":3,"page":27},{"title":"خاف الصحابة والتابعون وأهل العلم والإيمان من هذا البلاء الخطير","level":4,"page":28},{"title":"١ - قال الله تعالى: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾","level":5,"page":28},{"title":"٢ - أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه","level":5,"page":28},{"title":"٣ - ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا","level":5,"page":29},{"title":"٤ - ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق","level":5,"page":29},{"title":"٥ - نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله - ﷺ - منهم","level":5,"page":29},{"title":"٦ - اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق","level":5,"page":29},{"title":"٧ - لئن أستيقن أن الله تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها","level":5,"page":29},{"title":"٨ - «أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ -، يسأل أحدهم عن المسألة، ما منهم رجل إلا ود أن أخاه كفاه»","level":5,"page":30},{"title":"خامسا: الفرار من ذم الله","level":3,"page":30},{"title":"سادسا: معرفة ما يفر منه الشيطان","level":3,"page":30},{"title":"سابعا: الإكثار من أعمال الخير والعبادات غير المشاهدة","level":3,"page":30},{"title":"ثامنا: عدم الاكتراث بذم الناس ومدحهم","level":3,"page":31},{"title":"تاسعا: تذكر الموت وقصر الأمل","level":3,"page":32},{"title":"عاشرا: الخوف من سوء الخاتمة","level":3,"page":32},{"title":"الحادي عشر: مصاحبة أهل الإخلاص والتقوى","level":3,"page":32},{"title":"الثاني عشر: الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى","level":3,"page":33},{"title":"الثالث عشر: حب العبد ذكر الله له وتقديم حب ذكره له على حب مدح الخلق","level":3,"page":33},{"title":"الرابع عشر: عدم الطمع فيما في أيدي الناس","level":3,"page":33},{"title":"الخامس عشر: معرفة ثمرات الإخلاص وفوائده","level":3,"page":34}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34},"ٜ":{"1":[3,35]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2,3,4,5],"6":[6,7,8,9,10],"7":[11,12,13],"8":[14,15,16,17],"9":[18,19,20,21],"10":[22,23,24,25],"11":[26,27],"12":[28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43],"13":[44,45,46,47,48,49,50,51],"14":[52,53,54,55],"15":[56,57,58,59],"16":[60,61,62],"17":[63,64,65,66],"18":[67,68,69],"19":[70],"20":[71,72,73,74],"21":[75,76,77,78,79],"22":[80,81,82,83,84,85],"23":[86,87,88],"24":[89,90,91,92,93,94],"25":[95,96,97,98,99],"26":[100],"27":[101,102,103,104],"28":[105,106,107],"29":[108,109,110,111,112],"30":[113,114,115,116],"31":[117],"32":[118,119,120],"33":[121,122,123],"34":[124]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"٩\nرسائل سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nنور الإخلاص\nوظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة\nفي ضوء الكتاب والسُّنَّة\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:\nفهذه رسالة مختصرة في «نور الإخلاص وظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة» بيّنت فيها: مفهوم الإخلاص وأهميته، ومكانة النية الصالحة، وذكرت خطر إرادة الدنيا بالعمل الصالح، وأنواع العمل للدنيا، وخطر الرياء، وأنواعه، وأقسامه، وأثره على العمل، وأسبابه ودوافعه، وطرق تحصيل الإخلاص.\nولا شك أن الإخلاص سبب للنصر، والنجاة من عذاب الله، ورفع المنزلة في الدنيا والآخرة، والفوز بحب الله، ثم حب أهل السموات والأرض للمخلص، وهذا في الحقيقة نور يقذفه الله في قلب من شاء من عباده: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (١)، وإرادة الدنيا بعمل الآخرة، ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض؛ لأن ذلك ينافي كمال التوحيد ويحبط العمل الذي قارنه، قال الله - ﷿ -: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٤٠.","vol":"1","page":3},{"text":"الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١).\nوقد قسمت هذا البحث إلى مبحثين، وتحت كل مبحث مطالب على النحو الآتي:\nالمبحث الأول: نور الإخلاص:\nالمطلق الأول: مفهوم الإخلاص.\nالمطلب الثاني: أهمية الإخلاص.\nالمطلب الثالث: مكانة النية الصالحة وثمراتها.\nالمطلب الرابع: ثمار الإخلاص وفوائده.\nالمبحث الثاني: ظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة:\nالمطلب الأول: خطر إرادة الدنيا بعمل الآخرة.\nالمطلب الثاني: أنواع العمل للدنيا.\nالمطلب الثالث: خطر الرياء وأضراره.\nالمطلب الرابع: أنواع الرياء ودقائقه.\nالمطلب الخامس: أقسام الرياء وأثره على العمل.\nالمطلب السادس: أسباب الرياء ودوافعه.\nالمطلب السابع: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء.\n_________\n(١) سورة هود، الآيتان: ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":4},{"text":"والله أسأل باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب أن يجعل هذا العمل القليل مباركًا خالصًا لوجهه الكريم، مقربًا لمؤلفه، وقارئه، وطابعه، وناشره، من الفردوس الأعلى من الجنة، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه، فإنه تعالى خير مسؤول وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nالمؤلف\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\nحرر في عصر يوم الثلاثاء الموافق ١٦/ ١٠/١٤١٩هـ","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: نور الإخلاص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المطلب الأول: مفهوم الإخلاص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الإخلاص في اللغة: </span>خَلَص يخلص خلوصًا: صفا وزال عنه شوبه، ويقال: خلص من ورطته: سلم منها، ونجا، ويقال: خلَّصه تخليصًا: أي نجّاه. والإخلاص في الطاعة: ترك الرياء (١).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-5>حقيقة الإخلاص: </span>هو أن يريد العبد بعمله التقرب إلى الله تعالى وحده.\nوقد ذكر أهل العلم تعريفات بعضها قريب من بعض:\nفقيل: الإخلاص: إفراد الحق - سبحانه - بالقصد في الطاعة.\nوقيل: الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعْمَرَ من ظاهره.\nوقيل: تصفية العمل من كل ما يشوبه (٢).\nوعلى ما تقدّم: يتّضح أن الإخلاص: صرف العمل والتقرّب به إلى الله وحده، لا رياءً ولا سمعةً، ولا طلبًا للعَرَض الزائل، ولا تصنّعًا، وإنما يرجو ثواب الله، ويخشى عقابه، ويطمع في رضاه.\nولهذا قال القاضي عياض: «تَرْك العمل من أجل الناس رياءٌ،\n_________\n(١) المعجم الوسيط، ١/ ٢٤٩، ومختار الصحاح، ص٧٧.\n(٢) مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٩١.","vol":"1","page":6},{"text":"والعملُ من أجل الناس شركٌ، والإخلاصُ أن يعافيَكَ الله منهما» (١).\nوالإخلاص: في حياة المسلم أن يَقصد بعمله، وقوله، وسائر تصرفاته، وتوجيهاته وتعليمه وجه الله تعالى وحده لا شريك له ولا رب سواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الثاني: أهمية الإخلاص</span>\nلقد خلق الله الخلق: الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، وأمر جميع المكلفين بالإخلاص: <span data-type=\"title\" id=toc-7>﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ\n\nالدِّينَ﴾ </span>(٢)، و<span data-type=\"title\" id=toc-8>قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ الله </span>مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين *، أَلا لله الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣)، <span data-type=\"title\" id=toc-9>﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ * </span>لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤)، <span data-type=\"title\" id=toc-10>﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ </span>(٥).\nقال الفضيل بن عياض: هو أخلَصُهُ وأصوَبُهُ. قالوا: يا أبا علي:\nما أخلصه وأصوبه؟ فقال: «إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (٦). ثم قرأ\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٩١.\n(٢) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٣) سورة الزمر، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٤) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.\n(٥) سورة الملك، الآية: ٢.\n(٦) مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٨٩.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ </span>(١)، و<span data-type=\"title\" id=toc-12>قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ </span>(٢). فإسلام الوجه: إخلاص القصد والعمل لله، والإحسان فيه: متابعة رسول الله - ﷺ - وسنته (٣).\nوقد ثبت في الحديث عن أنس بن مالك - ﵁ - قال - ﷺ -: <span data-type=\"title\" id=toc-13>«ثلاث لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: </span>إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تُحيط من ورائهم» (٤).\nوالإخلاص هو روح عمل المسلم، وأهم صفاته، فبدونه يكون جهده وعمله هباءً منثورًا.\nوالإخلاص من أهم أعمال القلوب باتفاق أئمة الإسلام، ولاشك أن أعمال القلوب هي الأصل: لمحبة الله ورسوله، والتوكل عليه، والإخلاص له، والخوف منه، والرجاء له، وأعمال الجوارح تَبَعٌ؛ فإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح مات، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح.\nفيجب على المسلم أن يكون مخلصًا لله - ﷿ - لا يريد رياءً ولا سمعة،\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(٣) مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٩٠.\n(٤) أخرجه الترمذي، في كتاب العلم، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ٥/ ٣٤، برقم ٢٦٥٨ من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وأخرجه أحمد، ٥/ ١٨٣ من حديث زيد بن ثابت - ﵁ -، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، ١/ ٧٨.","vol":"1","page":8},{"text":"ولا ثناء الناس ولا مدحهم وحمدهم، إنما يعمل الصالحات، ويدعو إلى الله يريد وجهه - تعالى - كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى\nالله﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى الله﴾ (٢).\nوالإخلاص أعظم الصفات التي تجب على جميع المسلمين، فيريدون بدعوتهم وعملهم وجه الله والدار الآخرة، ويريدون إصلاح الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المطلب الثالث: مكانة النية الصالحة وثمراتها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>النية: أساس العمل وقاعدته</span>، ورأس الأمر وعموده، وأصله الذي عليه بُنِيَ؛ لأنها روح العمل، وقائده، وسائقه، والعمل تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يحصل التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة (٤)؛ ولهذا<span data-type=\"title\" id=toc-16> قال النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى </span>...» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>وقال الله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ </span>أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ الله\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٣.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ١/ ٣٤٩ و٤/ ٢٢٩.\n(٤) انظر: النية وأثرها في الأحكام الشرعية للدكتور صالح بن غانم السدلان، ١/ ١٥١.\n(٥) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -: البخاري، كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسوله - ﷺ -، ١/ ٩، برقم ١. ومسلم، كتاب الإمارة، باب: قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنية»، ٣/ ١٥١٥، برقم ١٩٠٧.","vol":"1","page":9},{"text":"فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).\n\nوهذا يدل على أهمية ومكانة النية، وأن الدعاة إلى الله وغيرهم من المسلمين بحاجة إلى إصلاح النية، فإذا صلحت أُعطي العبد الأجر الكبير، والثواب العظيم، ولو لم يعمل إنما نوى نية صادقة؛ ولهذا<span data-type=\"title\" id=toc-18> قال النبي - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له مثلُ ما كان </span>يعمل مقيمًا صحيحًا» (٢)، و<span data-type=\"title\" id=toc-19>قال - ﷺ -: «ما من امرئٍ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم </span>إلا كُتبَ له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة» (٣).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-20>قال - ﷺ -: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد </span>فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلى وحضر، لا ينقص ذلك من أجره شيئًا» (٤).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-21>قال - ﷺ -: «من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلّغه الله منازل الشهداء</span>، وإن مات على فراشه» (٥).\nوهذا يدل على فضل الله - ﷾ -، وإحسانه إلى عباده؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١١٤.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، بابٌ: يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة،٤/ ٢٠٠،برقم ٢٩٩٦.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب من نوى القيام فنام، ٢/ ٢٤، برقم ١٣١٤. والنسائي، كتاب قيام الليل، وتطوع النهار، باب من كان له صلاة بليل فغلبه عليها نوم، ٣/ ٢٧٥، برقم ١٧٨٤. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٢٠٤، وصحيح الجامع، ٥/ ١٦٠ برقم ٥٥٦٧.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها، ١/ ١٥٤، برقم ٥٦٤. والنسائي، كتاب الإمامة، باب حد إدراك الجماعة، ٢/ ١١١، برقم ٨٥٥. وقال ابن حجر في فتح الباري: «إسناده قوي»، ٦/ ١٣٧.\n(٥) مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، ٣/ ١٥١٧، برقم ١٩٠٩.","vol":"1","page":10},{"text":"في غزوة تبوك: <span data-type=\"title\" id=toc-22>«لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سِرتم مسيرًا </span>ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه»، قالوا: يا رسول الله كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: «حَبَسهُمُ العذر» (١).\nوبالنية الصالحة يضاعف الله الأعمال اليسيرة؛ ولهذا<span data-type=\"title\" id=toc-23> قال النبي - ﷺ - لرجل جاء إليه مقنع بالحديد</span>، فقال يا رسول الله: أقاتل أو أسلم؟ فقال - ﷺ -: «أسلم ثم قاتل»، فأسلم ثم قاتل فَقُتِلَ، فقال رسول الله - ﷺ -: «عمل قليلًا وأُجر كثيرًا» (٢).\nوجاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فدخل في الإسلام، فكان رسول الله - ﷺ - يعلمه الإسلام وهو في مسيره، فدخل خُفّ بعيره في جحر يربوع فوقصه بعيره فمات، فقال رسول الله - ﷺ -: «عمل قليلًا وأُجر كثيرًا» قالها حماد ثلاثًا (٣).\n\nوبالنية الصالحة يُبارك الله في الأعمال المباحة، فيثاب عليها العبد؛ ولهذا<span data-type=\"title\" id=toc-24> قال النبي - ﷺ -: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» </span>(٤)،<span data-type=\"title\" id=toc-25> وقال - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -: «إنك لن تُنفق نفقةً </span>تبتغي\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو، ٣/ ٢٨٠، برقم ٢٨٣٩، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب الرخصة في القعود من العذر، ٣/ ١٢، برقم ٢٠٥٨، واللفظ له.\n(٢) متفق عليه من حديث البراء - ﵁ -: البخاري، كتاب الجهاد والسير، بابٌ: عمل صالح قبل الجهاد، ٣/ ٢٧١، برقم ٢٨٠٨، واللفظ له. ومسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ٣/ ١٥٠٩، برقم ١٩٠٠.\n(٣) مسند الإمام أحمد، ٤/ ٣٥٧.\n(٤) متفق عليه من حديث أبي مسعود - ﵁ -: البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، ١/ ٢٤، برقم ٥٥. ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، والزوج، والأولاد، ٢/ ٦٢٥، برقم ١٠٠٢.","vol":"1","page":11},{"text":"بها وجه الله إلا أُجرت عليها حتى ما تجعلُ في في امرأتك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>وقال النبي - ﷺ -: «إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: </span>عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقّي فيه ربه، ويَصِلُ فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهو بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>وقال النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «إن الله - ﷿ - كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك</span>، فمن همّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ...» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية، ١/ ٢٤، برقم ٥٦. ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، ٣/ ١٢٥٠، برقم ١٦٢٨.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، ٤/ ٥٦٢، برقم ٢٣٢٥، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب النية، برقم ٤٢٢٨، وأحمد، ٤/ ١٣٠، وصححه الألباني، في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٠.\n(٣) متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄: البخاري، كتاب الرقاق، باب من همّ بحسنة أو سيئة، ٧/ ٢٣٩، برقم ٦٤٩١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب إذا همّ العبد بحسنة كتبت له وإذا همّ بسيئة لم تكتب، ١/ ١١٧، برقم ١٣١.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الرابع: ثمار الإخلاص وفوائده</span>\nالإخلاص له ثمرات حميدة وفوائد جليلة عظيمة، منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>أولًا: خير الدنيا والآخرة من فضائل الإخلاص وثمراته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>ثانيًا: الإخلاص هو السبب الأعظم في قبول الأعمال </span>مع متابعة النبي - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>ثالثًا: الإخلاص يُثمر محبة الله للعبد</span>، ثم محبة الملائكة، ووضع القبول في الأرض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>رابعًا: الإخلاص أساس العمل، وروحه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>خامسًا: يُثمر الأجر الكبير والثواب العظيم بالعمل اليسير</span>، والدعاء القليل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>سادسًا: يُكتب لصاحب الإخلاص كل عمل يقصد به وجه الله</span>، ولو كان مباحًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>سابعًا: يُكتب لصاحب الإخلاص ما نوى من العمل ولو لم يعمله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثامنًا: إذا نام أو نسي كُتب له عمله الذي كان يعمله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>تاسعًا: إذا مرض العبد أو سافر كُتب له بإخلاصه ما كان يعمل </span>صحيحًا مقيمًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>عاشرًا: ينصر الله الأمة بالإخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>الحادي عشر: الإخلاص يُثمر النجاة من عذاب الآخرة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الثاني عشر: تفريج كروب الدنيا والآخرة من ثمرات الإخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الثالث عشر: رفع المنزلة في الآخرة يحصل بالإخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الرابع عشر: الإنقاذ من الضلال</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الخامس عشر: الإخلاص سبب لزيادة الهدى</span>.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>السادس عشر: الصِّيت الطيب عند الناس من ثمار الإخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>السابع عشر: طمأنينة القلب والشعور بالسعادة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الثامن عشر: تزيين الإيمان في النفس</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>التاسع عشر: التوفيق لمصاحبة أهل الإخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>العشرون: حسن الخاتمة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>الحادي والعشرون: استجابة الدعاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>الثاني والعشرون: النعيم في القبر والتبشير بالسرور</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>الثالث والعشرون: دخول الجنة والنجاة من النار</span>.\nوهذه الثمرات والفوائد أدلتها كثيرة من الكتاب والسنة (١).\nفأسأل الله لي ولإخواني المسلمين الإخلاص في القول والعمل.\n_________\n(١) يدل على ذلك ما تقدم في المطلبين السابقين، وانظر: كتاب الإخلاص لحسين العوايشة، ص٦٤.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الثاني: ظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المطلب الأول: خطر إرادة الدنيا بعمل الآخرة</span>\nمن الخطر العظيم أن يعمل الإنسان عملًا صالحًا يريد به عرضًا من الدنيا، وهذا شِرْكٌ يُنافي كمال التوحيد الواجب، ويُحبط العمل، وهو أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل، ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذرًا من هذا وهذا.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفرق بين الرياء، وإرادة الإنسان بعمله الدنيا: </span>هو أن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، يجتمعان في أن الإنسان إذا أراد بعمله التزين عند الناس؛ ليروه ويعظِّموه، ويمدحوه، فهذا رياء، وهو أيضًا إرادة للدنيا؛ لأنه تصنّع عند الناس، وطلب الإكرام منهم والمدح والثناء.\nأما العمل للدنيا فهو أن يعمل الإنسان عملًا صالحًا لا يقصد به الرياء للناس، وإنما يقصد به عرضًا من الدنيا: كمن يحجّ عن غيره؛ ليأخذ مالًا، أو يجاهد للمغنم، أو غير ذلك، فالمرائي عمل لأجل المدح والثناء من الناس، والعامل للدنيا يعمل العمل الصالح يريد به عرض الدنيا، وكلاهما خاسر، نعوذ بالله من مُوجبات غضبه، وأليم عقابه (١).\nوقد جاءت النصوص تدل على خسران صاحب هذا العمل في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ</span>\n_________\n(١) انظر: فتح المجيد، ص٤٤٢، وتيسير العزيز الحميد، ص٥٣٤.","vol":"1","page":15},{"text":"أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (٢).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-56>قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ </span>وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>وقال - ﷾ -: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا </span>وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>وقال النبي - ﷺ -: «من تعلم علمًا ما يُبتغى به وجه الله - ﷿ - لا يتعلمُهُ إلا ليُصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة» </span>يعني ريحها (٥).\nوعن جابر - ﵁ - يرفعه: <span data-type=\"title\" id=toc-59>«لا تعلَّموا العلم لتُباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتخيّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار» </span>(٦).\n_________\n(١) سورة هود، الآية: ١٦.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ١٧.\n(٣) سورة الشورى، الآية: ٢٠.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٠٠.\n(٥) أبو داود، كتاب العلم، باب: في طلب العلم لغير الله،٣/ ٣٢٣،برقم ٣٦٦٤،وابن ماجه، في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم، ١/ ٩٣، برقم ٢٥٢،وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،١/ ٤٨.\n(٦) ابن ماجه ١/ ٩٣، في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، ١/ ٩٣، برقم ٢٥٤، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٤٨، وصحيح الترغيب للألباني، ١/ ٤٦، وفي الموضعين أحاديث أخرى.","vol":"1","page":16},{"text":"وقال ابن مسعود - ﵁ -: <span data-type=\"title\" id=toc-60>«لا تعلَّموا العلم لثلاث: لتُماروا به السفهاء، وتُجادلوا به العلماء، ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله؛ فإنه يدوم ويبقى، وينفد ما سواه» </span>(١).\nولهذا تَكَفَّل الله بالسعادة لمن عمل لله، فعن أنس يرفعه: «من كانت الآخرة همّهُ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>المطلب الثاني: أنواع العمل للدنيا</span>\nالعمل للدنيا أنواع متعددة، وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أنه جاء عن السلف في ذلك أربعة أنواع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>النوع الأول: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس </span>ابتغاء وجه الله تعالى: من صدقةٍ، وصلاةٍ، وإحسانٍ إلى الناس، وردِّ ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصًا لله تعالى؛ لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، وإنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله، وتنميته، أو حفظه أهله وعياله، أو إدامة النعم عليه وعليهم، ولا همّةَ له في طلب الجنة والهرب\n_________\n(١) الدرامي، ١/ ٧٠ موقوفًا، وابن ماجه عن أبي هريرة، في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، ١/ ٩٦، برقم ٢٦٠، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٨، وصحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٨.\n(٢) الترمذي، كتاب صفة القيامة، بابٌ: حدثنا قتيبة، ٤/ ٦٤٢، برقم ٢٤٦٥، وابن ماجه بنحوه من حديث زيد بن ثابت - ﵁ -، كتاب الزهد، ٢/ ١٣٧٥، برقم ٤١٠٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٥/ ٣٥١، والأحاديث الصحيحة، ٩٥٠.","vol":"1","page":17},{"text":"من النار، فهذا يُعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب. وهذا مروي عن ابن عباس ﵄.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو أن يعمل أعمالًا صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة</span>. وهو ما ذكر عن مجاهد رحمه الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>النوع الثالث: أن يعمل أعمالًا صالحة يقصد بها مالًا</span>، مثل أن يحج عن غيره لمال يأخذه، ولا يقصد بذلك وجه الله ولا الدار الآخرة، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو يجاهد لأجل المغنم، أو يتعلَّم العلم ليحصل على الشهادة وعلى الجاه، ولا يقصد بذلك وجه الله مطلقًا، أو يتعلَّم القرآن، ويواظب على الصلاة؛ لأجل وظيفة المسجد، أو غيره من الوظائف الدينية، ولا يريد بذلك ثوابًا مطلقًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصًا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يُكَفِّره كفرًا يخرجه عن الإسلام</span>، كمن يأتي بناقض من نواقض الإسلام. ذُكِرَ ذلك عن أنس - ﵁ - وغيره (١).\nفليحذر المسلم مما يحبط عمله، ويعرّضه لسخط الله وغضبه، وليحذر جميع المسلمين من هذه الأنواع الفاسدة، نعوذ بالله منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المطلب الثالث: خطر الرياء وآثاره</span>\nالرياء خطره عظيم جدًّا على الفرد والمجتمع والأمة؛ لأنه يُحبط\n_________\n(١) انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص٤٤٤، وتسير العزيز الحميد، ص٥٣٦، والقول السديد في مقاصد التوحيد، للسعدي، ص١٢٦.","vol":"1","page":18},{"text":"العمل والعياذ بالله ويظهر خطره في الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>أولًا: الرياء أخطر على المسلمين من المسيح الدجال: </span>قال النبي - ﷺ -: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟: الشرك الخفي أن يقوم الرجل فيصلي، فيزيّن صلاته لما يرى من نظر رجل» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>ثانيًا: الرياء أشدّ فتكًا من الذئب في الغنم</span>، قال النبي - ﷺ -: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسَدَ من حرص المرء على المال والشرف لدينه» (٢).\nوهذا مثل ضربه رسول الله - ﷺ - بيّن فيه أن الدين يفسد بالحرص على المال، وذلك بأن يشغله عن طاعة الله، وبالحرص على الشرف في الدنيا بالدين، وذلك إذا قصد الرياء والسمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>ثالثًا: خطورة الرياء على الأعمال الصالحة </span>خطر عظيم؛ لأنه يذهب بركتها، ويُبطلها والعياذ بالله: ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٣).\nهذه هي آثار الرياء تمحق العمل الصالح محقًا في وقت لا يملك صاحبه قوة ولا عونًا، ولا يستطيع لذلك ردًّا.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب: الرياء والسمعة، ٢/ ١٤٠٦، برقم ٤٢٠٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤١٠.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، بابٌ: حدثنا سويد، برقم ٢٣٧٦، ٤/ ٥٨٨، وأحمد، ٣/ ٤٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٨٠.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.","vol":"1","page":19},{"text":"قال تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).\nفهذا العمل الصالح أصله كالبستان العظيم كثير الثمار، فهل هناك أحد يحب أن تكون له هذه الثمار والبستان العظيم، ثم يرسل عليها الرياء فيمحقها محقًّا، وهو في أشدِّ الحاجة إليها!!\nولهذا قال النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِلَ عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (٢).\nوفي الحديث: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليومٍ لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان أشرك في عَمَلٍ عَمِلَهُ لله أحدًا فليطلب ثوابه من عند غير الله؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>رابعًا: يسبب عذاب الآخرة</span>؛ ولهذا أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة: قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدّق بماله، الذين فعلوا ذلك ليُقال: فلانٌ قارئ، فلانٌ شجاعٌ، فلانٌ كريم متصدّق. ولم تكن أعمالهم خالصةً لله تعالى (٤).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٦.\n(٢) مسلم، كتاب الزهد، باب: من أشرك في عمله غير الله، ٤/ ٢٢٨٩، برقم ٢٩٨٥.\n(٣) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، بابٌ: ومن سورة الكهف،٥/ ٣١٤،برقم ٣١٥٤،من حديث\nأبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري - ﵁ -،وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة، ٢/ ١٤٠٦، برقم ٤٢٠٣،وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب،١/ ١٨،وفي صحيح الترمذي، ٣/ ٧٤.\n(٤) انظر: الحديث في صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار،\n٣/ ١٥١٤، برقم ١٩٠٥.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>خامسًا: الرياء يُورث الذلّ والصّغار </span>والهوان والفضيحة، قال النبي - ﷺ -: «من سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يُرائي الله به» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>سادسًا: الرياء يحرم ثواب الآخرة</span>، قال النبي - ﷺ -: «بشر هذه الأمة\nبالسناء (٢) والدين، والرفعة، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>سابعًا: الرياء سبب في هزيمة الأمة</span>، قال النبي - ﷺ -: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم» (٤)، وهذا يبيّن أن الإخلاص لله سبب في نصر الأمة على أعدائها، وأن الرياء سبب في هزيمة الأمة!\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>ثامنًا: الرياء يزيد الضلال</span>، قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب الرياء والسمعة، ٧/ ٢٤٢، برقم ٦٤٩٩. ومسلم، كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله، ٤/ ٢٢٨٩، برقم ٢٩٨٦.\n(٢) معناه: ارتفاع المنزلة؛ لأن السناء هو الرفعة. انظر: المصباح المنير، ١/ ٢٩٣.\n(٣) مسند أحمد، ٥/ ١٣٤، والحاكم، ٤/ ٤١٨، وصححه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ١٥.\n(٤) رواه النسائي بلفظه، كتاب الجهاد، باب الاستنصار بالضعيف، ٦/ ٤٥، برقم ٣١٧٨، وأصله في صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب،\n٣/ ٢٩٦، برقم ٢٨٩٦، وصححه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ٦.\n(٥) سورة البقرة، الآيتان: ٩ - ١٠.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المطلب الرابع: أنواع الرياء ودقائقه</span>\nأبواب الرياء كثيرة نعوذ بالله من ذلك وهذه الأنواع على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>أولًا: أن يكون مراد العبد غير الله</span>، ويريد ويحب أن يعرف الناس أنه يفعل ذلك، ولا يقصد الإخلاص مطلقًا، نعوذ بالله من ذلك، فهذا نوع من النفاق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>ثانيًا: أن يكون قصد العبد ومراده لله تعالى</span>، فإذا اطّلع عليه الناس نشط في العبادة وزيّنها، وهذا شرك السرائر، قال النبي - ﷺ -: «يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر»، قالوا: يا رسول الله: وما شرك السرائر؟ قال: «يقوم الرجل فيصلِّي فيُزيِّن صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شِرْك السرائر» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>ثالثًا: أن يدخل العبد في العبادة لله، ويخرج منها لله، فَعُرِفَ بذلك </span>ومُدِح، فسكن قلبه إلى ذلك المدح، ومنّى النفس بأن يحمدوه ويمجِّدوه، وينال ما يريده من الدنيا، وهذا السرور والرغبة في الازدياد منه، والحصول على مطلوبه يدل على رياء خفي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>رابعًا: وهناك رياء بدني: كمن يظهر الصّفار والنّحول، ليُرِيَ الناس بذلك أنه صاحب عبادة </span>قد غلب عليه خوف الآخرة.\nوقد يكون الرياء بخفض الصوت، وذبول الشفتين؛ ليدل الناس على أنه صائم.\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، ٢/ ٦٧، برقم ٩٣٧، وأخرجه البيهقي في السنن، ٢/ ٢٩١، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٧.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>خامسًا: رياء من جهة الِّلباس أو الزي: </span>كمن يلبس ثيابًا مرقعة؛ ليقول الناس إنه زاهد في الدنيا، أو من يلبس لباسًا معيَّنًا يرتديه ويلبسه طائفة من الناس يَعدُّهم الناس علماء، فيلبس هذا اللباس ليقال عالم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>سادسًا: الرياء بالقول: </span>وهو على الغالب رياء أهل الدين بالوعظ والتذكير، وحفظ الأخبار والآثار؛ لأجل المحاورة، والمجادلة، والمناظرة، وإظهار غزارة العلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>سابعًا: الرياء بالعمل: </span>كمراءاة المصلِّي بطول الصلاة والركوع والسجود، وإظهار الخشوع، والمراءاة في الصوم والحجّ والصدقة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>ثامنًا: الرياء بالأصحاب والزائرين: </span>كالذي يكلَّف أن يستزير عالمًا؛ ليقال إن فلانًا قد زار فلانًا، ودعوة الناس لزيارته كي يُقال: إن أهل الدين يتردّدون عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>تاسعًا: الرياء بذمّ النفس بين الناس: </span>ويريد بذلك أن يُرِيَ الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>عاشرًا: ومن دقائق الرياء وخفاياه: أن يخفي العامل طاعته بحيث لا يريد أن يطّلع عليها أحدٌ</span>، ولا يُسرَّ بظهور طاعته، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدءوه بالسلام، وأن يُقابلوه بالبشاشة والتوقير، وأن يُثنوا عليه، وأن ينشطوا في قضاء حوائجه، وأن يُسامحوه في البيع والشراء، فإن لم يجد ذلك وجد ألمًا في نفسه، كأنه يتقاضى الاحترام على الطاعة التي أخفاها.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الحادي عشر: ومن دقائق الرياء أن يجعل الإخلاص وسيلة لما يريد من المطالب</span>، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «حُكِيَ أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجَّرت الحكمة من قلبه على لسانه. قال: فأخلصت أربعين يومًا، فلم يتفجَّر شيء، فذكرت ذلك لبعض العارفين، فقال لي: إنك أخلصت للحكمة، لم تُخلص لله» (١)، وذلك أن الإنسان قد يكون مقصوده نيل الحلم والحكمة، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم له، أو غير ذلك من المطالب. وهذا لم يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه؛ وإنما حصل هذا العمل لنيل ذلك المطلوب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المطلب الخامس: أقسام الرياء وأثره على العمل</span>\nالرياء أعاذنا الله منه أقسام ودركات، ينبغي لكل مسلم أن يعرف هذه الأقسام؛ ليهرب منها وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>أولًا: أن يكون العمل رياء محضًا</span>، ولا يُراد به إلا مراءاة المخلوقين، كحال المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٢)، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمنٍ في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، وهذا العمل لا شك في بطلانه، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، والعياذ بالله.\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٦/ ٦٦، ومنهاج القاصدين، ص٢١٤ - ٢٢١، والإخلاص للعوايشة، ص٢٤، والإخلاص والشرك الأصغر للدكتور عبد العزيز بن عبداللطيف، ص٩، والرياء لسليم الهلالي، ص١٧.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٤٢.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>ثانيًا: أن يكون العمل لله ويشاركه الرياء من أصله </span>- أي من أوّله إلى آخره - فالنصوص الصحيحة تدل على بُطلانه وحُبوطه أيضًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>ثالثًا: أن يكون أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء </span>أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>١ - أن لا يرتبط أوّل العبادة بآخرها</span>، فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل. مثل ذلك: إنسان عنده عشرون ريالًا يريد أن يتصدّق بها، فتصدق بعشرة خالصة لله، ثم طرأ عليه الرياء في العشرة الباقية، فالصدقة الأولى صحيحة مقبولة، والثانية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٢ - أن يرتبط أوّل العبادة بآخرها، فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>الأمر الأول: أن يكون هذا الرياء خاطرًا، ثم دفعه الإنسان </span>ولم يسكن إليه، وأعرض عنه وكرهه، فإنه لا يضرّه بغير خلاف؛ لقول النبي - ﷺ -: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلَّموا أو يعملوا» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الأمر الثاني: أن يسترسل معه الرياء </span>ويطمئن إليه، ولا يُدافعه ويُحبّه، فتبطل جميع العبادة على الصحيح؛ لأن أولها مرتبط بآخرها، مثال ذلك من ابتدأ الصلاة مخلصًا بها لله تعالى، ثم طرأ عليه الرياء في الركعة الثانية واسترسل معه إلى نهاية صلاته، ولم يُدافعه، فتبطل الصلاة كلها لارتباط أولها بآخرها (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر،\n١/ ١١٦، برقم ١٢٧.\n(٢) انظر: هذه الأقسام بالتفصيل في جامع العلوم والحكم لابن رجب، ١/ ٧٩ - ٨٤، وفتح المجيد، ص٤٣٨، وفتاوى ابن عثيمين، ٢/ ٢٩.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>رابعًا: أن يكون الرياء بعد الانتهاء من العبادة </span>(١).\nوأما إذا عمل المسلم العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضرَّه ذلك، فقد سُئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، ثم يحمدهُ الناس عليه، فقال: «تلك عاجل بُشرَى المؤمن» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>المطلب السادس: أسباب الرياء ودوافعه</span>\nأصل الرياء حبّ الجاه والمنزلة، ومن غلب على قلبه حُبّ هذا صار مقصور الهَمِّ على مراعاة الخلق، مشغوفًا بالترّدد إليهم، والمراءاة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله وتصرّفاته ملتفتًا إلى كل ما يعظِّم منزلته عند الناس، وهذا أصل الداء والبلاء؛ فإن من رغب في ذلك احتاج إلى الرياء في العبادات، واقتحام المحظورات.\nوهذا باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله، العارفون به، المحبون له.\nوإذا فُصِّل هذا السبب والمرض الفتاك رجع إلى ثلاثة أصول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>أولًا: حب لذّة الحمد والثناء والمدح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>ثانيًا: الفرار من الذمّ</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>ثالثًا: الطمع فيما في أيدي الناس </span>(٣).\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن عثيمين، ٢/ ٣٠.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، ٤/ ٢٠٣٤، برقم ٢٦٤٢.\n(٣) انظر: مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ص٢٢١ - ٢٢٢.","vol":"1","page":26},{"text":"ويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال - ﷺ -: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١).\nفقوله - ﷺ -: «يقاتل شجاعة» أي ليُذكر، ويُشكر، ويُمدح، ويُثنى عليه.\nوقوله - ﷺ -: «يقاتل حمية» أي يأنف أن يُغلب ويُقهر أو يُذمّ.\nوقوله - ﷺ -: «يقاتل رياءً» أي ليُرى مكانه، وهذا هو لذّة الجاه والمنزلة في القلوب.\nوقد يرغب الإنسان في المدح ولكنه يحذر من الذمّ كالجبان بين الشجعان، فإنه يثبت ولا يفرّ؛ لئلا يذمّ، وقد يُفتي الإنسان بغير علم حذرًا من الذم بالجهل، فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرّك إلى الرياء وتدعو إليه فاحذرها!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المطلب السابع: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء</span>\nقد عُرِفَ أن الرياء مُحبط للعمل، وسبب لغضب الله ومقته، وأنه من المهلكات، وأشدّ خطرًا على المسلم من المسيح الدجال.\nومَن هذه حاله فهو جدير بالتشمير عن ساق الجدّ في إزالته وعلاجه، وقطع عروقه وأصوله. ومن هذا العلاج الذي يُزيل الرياء ويُحصِّل\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ٣/ ٢٧٢، برقم ٢٨١٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، ٣/ ١٥١٢، برقم ١٩٠٤.","vol":"1","page":27},{"text":"الإخلاص بإذن الله تعالى ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>أولًا: معرفة أنواع العمل للدنيا، وأنواع الرياء</span>، وأقسامه، ودوافعه، وأسبابه ثم قطعها وقلع عروقها، وتقدّمت هذه الدوافع والأسباب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثانيًا: معرفة عظمة الله تعالى</span>، بمعرفة: أسمائه، وصفاته، وأفعاله معرفةً صحيحةً مبنية على فهم الكتاب والسنة، على مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإن العبد إذا عرف أن الله وحده هو الذي ينفع ويضرّ، ويُعزّ ويّذلّ، ويخفض ويرفع، ويّعطي ويمنع، ويُحيي ويُميت، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، إذا عرف ذلك، وعلم بأن الله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فسيُثمرُ ذلك إخلاصًا وصدقًا مع الله، فلابد من معرفة أنواع التوحيد كلّها معرفةً صحيحة سليمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>ثالثًا: معرفة ما أعدّه الله في الدار الآخرة </span>من نعيم وعذاب، وأهوال الموت، وعذاب القبر؛ فإن العبد إذا عرف ذلك وكان عاقلًا هرب من الرياء إلى الإخلاص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>رابعًا: الخوف من خطر العمل للدنيا والرياء المحبط للعمل</span>؛ فإن من خاف أمرًا بقي حَذِرًا منه فينجو؛ ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة.\nفينبغي للمرء، بل يجب عليه، إذا هاجت رغبته إلى آفة حبّ الحمد والمدح أن يُذَكِّرَ نفسه بآفات الرياء، والتعرّض لمقت الله، ومن عرف فقر الناس وضعفهم استراح كما قال بعض السلف: «جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، واحرص أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان، فلا تفرِّق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم","vol":"1","page":28},{"text":"عنها، واقْنَعْ بعلم الله وحده» (١).\nوبالله وحده، ثم بالخوف من حُبوط العمل نجا أهل العلم والإيمان من الرياء وحبوط العمل، فعن محمد بن لبيد - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر\nيا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله - ﷿ - لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» (٢).\n\nولهذا الخطر العظيم<span data-type=\"title\" id=toc-105> خاف الصحابة والتابعون وأهل العلم والإيمان من هذا البلاء الخطير</span>، ومن ذلك الأمثلة الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ </span>(٣)، قالت عائشة ﵂ يا رسول الله: أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر (أو يا بنت الصدّيق) ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويصلّي وهو يخاف ألا يُتقبَّل منه» (٤).\n٢ - قال ابن أبي مُليكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلُّهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل\n_________\n(١) انظر: الإخلاص والشرك الأصغر، ص١٥.\n(٢) أحمد في المسند، ٥/ ٤٢٨، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٤٥.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب: التوقي في العمل، ٢/ ١٤٠٤، برقم ٤١٩٨، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، بابٌ: ومن سورة «المؤمنون»، ٥/ ٣٢٧، برقم ٣١٧٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦٢، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ٤٠٩.","vol":"1","page":29},{"text":"وميكائيل» (١).\n\n٣ - وقال إبراهيم التيميّ: «ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مُكذِّبًا» (٢).\n٤ - ويُذكر عن الحسن أنه قال: «ما خافه إلا مؤمن، ولا أمِنه إلا منافق» (٣).\n٥ - وقال عمر بن الخطاب لحذيفة ﵄: «نشدتك بالله هل سمّاني لك رسول الله - ﷺ - منهم - يعني من المنافقين - قال: لا. ولا أُزَكِّي بعدك أحدًا» (٤).\n٦ - ويُذكر عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: «اللهمّ إني أعوذ بك من خشوع النفاق»، قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: «أن ترى البدن خاشعًا والقلب ليس بخاشع» (٥).\n٧ - ويُذكر عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: «لئن أستيقن أن الله تقبَّل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦).\n_________\n(١) البخاري معلقًا مجزومًأ به، قال ابن حجر: وصله ابن أبي خيثمة في تاريخه. انظر: فتح الباري، ١/ ١١٠.\n(٢) البخاري مع الفتح معلقًا ومجزومًا به. قال ابن حجر: وصله المصنف في التاريخ. انظر: فتح الباري، ١/ ١١٠.\n(٣) البخاري مع الفتح، وقال ابن حجر: وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافقين، وصححه. انظر: الفتح، ١/ ١١١.\n(٤) ابن كثير بنحوه، في البداية والنهاية، ٥/ ١٩، وانظر: صفات المنافقين لابن القيم، ص٣٦.\n(٥) ذكره ابن القيم في صفات المنافقين، ص٣٦.\n(٦) ذكره ابن كثير في تفسيره، ٢/ ٤١، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والآية: ٢٧ من سورة المائدة.","vol":"1","page":30},{"text":"٨ - وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ -، يُسأل أحدهم عن المسألة، ما منهم رجل إلا ودَّ أن أخاه كفاه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>خامسًا: الفرار من ذم الله</span>؛ فإن من أسباب الرياء الفرار من ذم الناس، ولكن العاقل يعلم أن الفرار من ذم الله أولى؛ لأن ذمه شين، كما قال رجل لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله إن مدحي زينٌ، وذمّي شينٌ. فقال - ﷺ - «ذاك الله» (٢).\nولا شكّ أن العبد إذا خاف الناس وأرضاهم بسخط الله سخط الله عليه، وغضب وأسخط الناس عليه. فهل أنت تخشى غضب الناس؟ فالله أحق أن تخشاه إن كنت صادقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>سادسًا: معرفة ما يفرّ منه الشيطان</span>؛ لأن الشيطان منبع الرياء، وأصل البلاء، والشيطان يفرّ من أمور كثيرة، منها: الأذان، وقراءة القرآن، وسجود التلاوة، والاستعاذة بالله منه، والتسمية عند الخروج من البيت والدخول في المسجد مع الذكر المشروع في ذلك، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وجميع الأذكار المشروعة (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>سابعًا: الإكثار من أعمال الخير والعبادات غير المشاهدة</span>، وإخفاؤها:\n_________\n(١) الدارمي في سننه، ١/ ٥٣، وابن المبارك في الزهد، ١/ ١٤٠، برقم ٤٩.\n(٢) أحمد في المسند، ٣/ ٤٨٨، ٦/ ٣٩٤، من حديث الأقرع بن حابس - ﵁ -، وإسناده حسن، ورواه الترمذي وحسنه، برقم ٣٢٦٣.\n(٣) انظر التفصيل في ذلك: كتاب مقامع الشيطان في ضوء الكتاب والسنة لسليم الهلالي، وهو مهم جدًّا، والإخلاص لحسين العوايشة، ص٥٧ - ٦٣.","vol":"1","page":31},{"text":"كقيام الليل، وصدقة السر، والبكاء خاليًا من خشية الله، وصلاة النوافل، والدعاء للإخوة في الله بظهر الغيب، والله - ﷿ - يحب العبد التقيّ الخفيّ، قال سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله يحبّ العبد التقيّ الغنيّ الخفيّ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>ثامنًا: عدم الاكتراث بذمّ الناس ومدحهم</span>؛ لأن ذلك لا يضرّ ولا ينفع، بل يجب أن يكون الخوف من ذمّ الله، والفرح بفضل الله ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢).\nفيا عبد الله أقبل على حب المدح والثناء فازهد فيهما زهد عُشَّاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذلك سَهُل عليك الإخلاص (٣).\nويسهِّلُ الزهدَ في حب المدح والثناء: العلمُ يقينًا أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين، ويضرّ ذمّه ويشين إلا الله وحده، فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذمِّ من لا يشينك ذمّهُ، وارغب في مدح مَنْ كلُّ الزين في مدحه، وكلُّ الشَّين في ذمّه، ولن يُقدَر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمن فقد الصبر واليقين كان كمن أراد السفر في البحر بغير مركب (٤).\nوانظر إلى من ذمَّك فإن يك صادقًا قاصدًا النصح لك فاقبل هديته ونصحه؛ فإنه قد أهدى إليك عيوبك، وإن كان كاذبًا فقد جنى على نفسه\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد، ٤/ ٢٢٧٧، برقم ٢٩٦٥.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٥٨.\n(٣) الفوائد لابن القيم، ص٦٧.\n(٤) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٢٦٨.","vol":"1","page":32},{"text":"وانتفعتَ بقوله؛ لأنه عرَّفك ما لم تكن تعرف، وذكَّرك من خطاياك\nما نسيتَ، وإن كان ذلك افتراءً عليك، فإنك إن خلوتَ من هذا العيب لم تخلُ من غيره، فاذكر نعمة الله عليك إذ لم يُطْلِعْ هذا المفتري على عيوبك، وهذا الافتراء كفّارات لذنوبك إن صبرتَ واحتسبتَ، وعليك أن تعلم أن هذا الجاهل جنى على نفسه، وتعرّض لمقت الله تعالى، فكن خيرًا منه: فاعفُ واصفحْ، واستغفر له ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>تاسعًا: تذكّرِ الموت وقَصْر الأمل </span>﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢)، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>عاشرًا: الخوف من سوء الخاتمة</span>، فعلى العبد أن يخاف أن تكون أعمال الرياء هي خاتمة عمله، ونهاية أجله، فيخسر خسارة فادحة عظيمة؛ لأن الإنسان يُبعث يوم القيامة على ما مات عليه، والناس يُبعثون على نياتهم، وخير الأعمال خواتمها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>الحادي عشر: مصاحبة أهل الإخلاص والتقوى</span>؛ فإن الجليس المخلص لا يعدمك الخير، وتجد منه قدوة لك صالحة، وأما المرائي\n_________\n(١) سورةالنور، الآية: ٢٢.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.\n(٣) سورة لقمان، الآية: ٣٤.","vol":"1","page":33},{"text":"والمشرك فيحرقك في نار جهنم إن أخذت بعمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>الثاني عشر: الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى</span>، وقد علَّمنا رسول الله - ﷺ - ذلك فقال: «يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل»، فقال بعض الصحابة: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل\nيا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللهمّ إنا نعوذ بك أن نُشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لِمَا لا نعلمه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>الثالث عشر: حبّ العبد ذكر الله له وتقديم حبّ ذكره له على حبّ مدح الخلق </span>﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٢)،وقال النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرَّب إليّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إلي ذراعًا تقرَّبتُ منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (٣)، والله المستعان (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الرابع عشر: عدم الطمع فيما في أيدي الناس</span>؛ فإن الإخلاص لا\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٤/ ٤٠٣، وإسناده جيد، وغيره، وانظر: صحيح الجامع، ٣/ ٢٣٣، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني، ١/ ١٩.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري واللفظ له، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:\n﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾، ٨/ ٢١٦، برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله، ٤/ ٢٠٦١، برقم ٢٦٧٥.\n(٤) انظر ما تقدم في: منهاج القاصدين، ص٢٢١ - ٢٢٣، وكتاب الإخلاص لحسين العوايشة، ص٤١ - ٦٤، والرياء ذمه وأثره السيئ في الأمة لسليم الهلالي، ص٦١ - ٧٢، والإخلاص والشرك الأصغر للدكتور عبد العزيز بن عبد اللطيف، ص١٣.","vol":"1","page":34},{"text":"يجتمع في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما في أيدي الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس مما في أيدي الناس، ويسهِّل ذبح الطمع العلم يقينًا أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يُؤتي العبد منها شيئًا سواه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>الخامس عشر: معرفة ثمرات الإخلاص وفوائده </span>وعواقبه الحميدة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أن الإخلاص سبب لنصر الأمة، والنجاة من عذاب الله، ورفْع المنزلة والدرجة في الدنيا والآخرة، والسلامة من الضلال في الدنيا، والفوز بحب الله للعبد، وحب أهل السماء والأرض، والصِّيت الطيِّب، وتفريج كروب الدنيا والآخرة، والطمأنينة والشعور بالسعادة والتوفيق، وتحمّل المتاعب والمصاعب، وتزيين الإيمان في القلوب، واستجابة الدعاء، والنعيم في القبر والتبشير بالسرور، والله الموفق سبحانه (٢).\nفالمسلم الذي يريد رضى الله، والفوز بنجاته ومحبة الله له، عليه أن يعمل جاهدًا في تحصيل الإخلاص والفرار من الرياء، أسأل الله أن يعصمني وإياك وجميع دعاة المسلمين وأئمتهم وعامتهم من هذا البلاء الخطير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.\n_________\n(١) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٢٦٧ - ٢٦٨.\n(٢) انظر: كتاب الإخلاص للعوايشة، ص٦٤ - ٦٦.","vol":"1","page":35}]}