{"ً":{"ٌ":96541,"ٍ":"نور الهدى وظلمات الضلال في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: نور الهدى وظلمات الضلال في ضوء الكتاب والسُّنَّة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٤٥٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":23,"ٖ":1770154053,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"المبحث الأول: النور والظلمات في الكتاب والسنة","level":1,"page":4},{"title":"المطلب الأول: النور والظلمات في الكتاب الكريم","level":2,"page":4},{"title":"١ - ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم﴾","level":3,"page":4},{"title":"٢ - ﴿أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من﴾","level":3,"page":8},{"title":"٣ - ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت﴾","level":3,"page":10},{"title":"٤ - ﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا * فأما الذين آمنوا﴾","level":3,"page":11},{"title":"٥ - ﴿قد جاءكم من الله نور﴾","level":3,"page":12},{"title":"٦ - ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض﴾","level":3,"page":13},{"title":"٧ - ﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا﴾","level":3,"page":14},{"title":"٨ - ﴿يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم﴾","level":3,"page":15},{"title":"٩ - ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾","level":3,"page":16},{"title":"١٠ - ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس﴾","level":3,"page":16},{"title":"١١ - ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا﴾","level":3,"page":17},{"title":"١٢ - ﴿الله نور السموات والأرض﴾","level":3,"page":17},{"title":"١٣ - ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة﴾","level":3,"page":27},{"title":"الناس قسمان:","level":4,"page":29},{"title":"القسم الأول: أهل الهدى والبصائر","level":5,"page":29},{"title":"القسم الثاني: أهل الجهل والظلم، وهؤلاء قسمان:","level":5,"page":29},{"title":"١ - الذين يحسبون أنهم على علم وهدى","level":6,"page":29},{"title":"٢ - أصحاب الظلمات، وهم المنغمسون في الجهل،","level":6,"page":29},{"title":"الناس في الهدى الذي بعث الله تعالى به رسوله - ﷺ - أربعة أقسام:","level":4,"page":30},{"title":"القسم الأول: قبلوه ظاهرا وباطنا وهم نوعان:","level":5,"page":30},{"title":"النوع الأول: أهل الفقه فيه، والفهم،","level":6,"page":30},{"title":"النوع الثاني: حفظوه، وضبطوه وبلغوا ألفاظه إلى الأمة،","level":6,"page":30},{"title":"القسم الثاني: من رده ظاهرا وباطنا، وكفر به ولم يرفع به رأسا وهؤلاء أيضا نوعان:","level":5,"page":31},{"title":"النوع الأول: عرفه وتيقن صحته، وأنه حق، ولكن حمله الحسد، والكبر،","level":6,"page":31},{"title":"النوع الثاني: أتباع هؤلاء الذين يقولون هؤلاء سادتنا وكبراؤنا","level":6,"page":31},{"title":"القسم الثالث: الذين قبلوا ما جاء به الرسول - ﷺ -، وآمنوا به ظاهرا،","level":5,"page":31},{"title":"النوع الأول: من أبصر ثم عمي،","level":6,"page":31},{"title":"النوع الثاني: ضعفاء البصائر","level":6,"page":31},{"title":"القسم الرابع: يكتمون إيمانهم في أقوامهم، ولا يتمكنون من إظهاره،","level":5,"page":32},{"title":"١٤ - ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾","level":3,"page":32},{"title":"١٥ - ﴿وما يستوي الأعمى والبصير﴾","level":3,"page":32},{"title":"١٦ - ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾","level":3,"page":34},{"title":"١٧ - ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾","level":3,"page":35},{"title":"١٨ - ﴿هو الذي ينزل على عبده آيات﴾","level":3,"page":40},{"title":"١٩ - ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم﴾","level":3,"page":41},{"title":"وقد جاء في هذا النور أحاديث وآثار كثيرة، منها","level":4,"page":42},{"title":"الحديث الأول","level":5,"page":42},{"title":"الحديث الثاني","level":5,"page":43},{"title":"الحديث الثالث","level":5,"page":43},{"title":"الحديث الرابع","level":5,"page":43},{"title":"٢٠ - ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾","level":3,"page":46},{"title":"المطلب الثاني: النور والظلمات في السنة النبوية","level":2,"page":51},{"title":"١ - كان النبي - ﷺ - يقول في دعائه في آخر الليل إذا ذهب إلى الصلاة في المسجد: «اللهم اجعل في قلبي نورا","level":3,"page":51},{"title":"٢ - عن أبي مالك الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطهور شطر الإيمان","level":3,"page":53},{"title":"٣ - أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك","level":3,"page":54},{"title":"٤ - إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها","level":3,"page":55},{"title":"٥ - وأفسح له في قبره ونور له فيه","level":3,"page":55},{"title":"٦ - وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله","level":3,"page":56},{"title":"٧ - ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين","level":3,"page":56},{"title":"٨ - النبي - ﷺ - نهى عن نتف الشيب وقال: \"إنه نور المسلم","level":3,"page":57},{"title":"٩ - من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة","level":3,"page":57},{"title":"١٠ - من شاب شيبة في سبيل الله","level":3,"page":57},{"title":"١١ - الشيب نور المؤمن","level":3,"page":58},{"title":"لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور يوم القيامة،","level":4,"page":58},{"title":"فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به","level":4,"page":66},{"title":"إن الله - ﷿ - خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره،","level":4,"page":66},{"title":"وإذا نور بين أيديهما حتى تفرقا فتفرق النور معهما","level":4,"page":67},{"title":"من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور","level":4,"page":68},{"title":"إن الله يحيي الأرض بنور الحكمة","level":4,"page":69},{"title":"حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة","level":4,"page":69},{"title":"القلوب أربعة","level":5,"page":71},{"title":"قلب أجرد فيه سراج يزهر","level":6,"page":71},{"title":"فالقلب الأجرد: المتجرد مما سوى الله - ﷾ -","level":6,"page":72},{"title":"والقلب الأغلف قلب الكافر؛ لأنه داخل في غلافه وغشائه،","level":6,"page":72},{"title":"القلب المنكوس المكبوب قلب المنافق","level":6,"page":72},{"title":"سيأتي أناس من أمتي يوم القيامة نورهم كضوء الشمس","level":4,"page":73},{"title":"هم في الظلمة دون الجسر","level":4,"page":73},{"title":"اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة،","level":4,"page":75},{"title":"المبحث الثاني: نور التوحيد وظلمات الشرك","level":1,"page":77},{"title":"المطلب الأول: نور التوحيد","level":2,"page":77},{"title":"* المسلك الأول: مفهوم التوحيد:","level":3,"page":77},{"title":"* المسلك الثاني: البراهين الساطعات في إثبات التوحيد","level":3,"page":77},{"title":"أولا: قال الله - ﷿ -: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾","level":4,"page":78},{"title":"ثانيا: قال - ﷾ -: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا﴾","level":4,"page":78},{"title":"ثالثا: قال - ﷿ -: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾","level":4,"page":78},{"title":"رابعا: قال الله - ﷾ -: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾","level":4,"page":79},{"title":"خامسا: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقولون لأممهم: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾","level":4,"page":79},{"title":"سادسا: قال - ﷾ -: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾","level":4,"page":79},{"title":"سابعا: قال - ﷾ -: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾","level":4,"page":79},{"title":"ثامنا: عن معاذ بن جبل - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: له: «يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده»؟","level":4,"page":80},{"title":"تاسعا: عن عتبان بن مالك - ﵁ -، يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «.. فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله»","level":4,"page":81},{"title":"* المسلك الثالث: أنواع التوحيد","level":3,"page":81},{"title":"النوع الأول: التوحيد الخبري العلمي الاعتقادي","level":4,"page":81},{"title":"النوع الثاني: التوحيد الطلبي القصدي الإرادي","level":4,"page":81},{"title":"أنواع التوحيد على التفصيل ثلاثة أنواع","level":5,"page":82},{"title":"النوع الأول: توحيد الربوبية","level":6,"page":82},{"title":"النوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات","level":6,"page":82},{"title":"النوع الثالث: توحيد الإلهية","level":6,"page":83},{"title":"* المسلك الرابع: ثمرات التوحيد وفوائده","level":3,"page":84},{"title":"أولا: خير الدنيا والآخرة من فضائل التوحيد","level":4,"page":85},{"title":"ثانيا: التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة","level":4,"page":85},{"title":"ثالثا: التوحيد الخالص يثمر الأمن التام في الدنيا والآخرة","level":4,"page":85},{"title":"رابعا: يحصل لصاحبه الهدى الكامل والتوفيق لكل أجر وغنيمة","level":4,"page":85},{"title":"خامسا: يغفر الله بالتوحيد الذنوب ويكفر به السيئات","level":4,"page":85},{"title":"سادسا: يدخل الله به الجنة","level":4,"page":85},{"title":"سابعا: التوحيد يمنع دخول النار بالكلية إذا كمل في القلب","level":4,"page":86},{"title":"ثامنا: يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى حبة","level":4,"page":86},{"title":"تاسعا: التوحيد هو السبب الأعظم في نيل رضا الله وثوابه","level":4,"page":86},{"title":"عاشرا: جميع الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها","level":4,"page":86},{"title":"الحادي عشر: يسهل على العبد فعل الخيرات وترك المنكرات","level":4,"page":86},{"title":"الثاني عشر: التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان","level":4,"page":87},{"title":"الثالث عشر: التوحيد يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام","level":4,"page":87},{"title":"الرابع عشر: يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم","level":4,"page":87},{"title":"الخامس عشر: التوحيد إذا كمل في القلب","level":4,"page":87},{"title":"السادس عشر: تكفل الله لأهل التوحيد بالفتح، والنصر في الدنيا","level":4,"page":87},{"title":"السابع عشر: الله - ﷿ - يدفع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة","level":4,"page":87},{"title":"المطلب الثاني: ظلمات الشرك","level":2,"page":89},{"title":"* المسلك الأول: مفهوم الشرك","level":3,"page":89},{"title":"* المسلك الثاني: البراهين الواضحات في إبطال الشرك","level":3,"page":90},{"title":"﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك﴾","level":4,"page":90},{"title":"﴿أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون﴾","level":4,"page":90},{"title":"من المعلوم عند جميع العقلاء أن كل ما عبد من دون الله من الآلهة ضعيف","level":4,"page":92},{"title":"من المعلوم يقينا أن ما يعبده المشركون من دون الله","level":4,"page":94},{"title":"وقد أوضح الله تعالى، وبين سبحانه أن ما عبد من دونه قد توافرت فيهم جميع أسباب العجز وعدم إجابة الدعاء من كل وجه","level":4,"page":94},{"title":"﴿قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر﴾","level":4,"page":95},{"title":"﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾","level":4,"page":95},{"title":"﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾","level":4,"page":95},{"title":"ضرب الأمثال من أوضح وأقوى أساليب الإيضاح","level":4,"page":96},{"title":"١ - قال الله - ﷿ -: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له﴾","level":5,"page":96},{"title":"٢ - ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت﴾","level":5,"page":97},{"title":"٣ - ومن أبلغ الأمثال التي تبين أن المشرك قد تشتت شمله","level":5,"page":97},{"title":"الذي يستحق العبادة وحده من يملك القدرة على كل شيء","level":4,"page":98},{"title":"المتفرد بالألوهية","level":5,"page":99},{"title":"وهو الإله الذي خضع كل شيء لسلطانه","level":5,"page":100},{"title":"وهو الإله الذي بيده النفع والضر","level":5,"page":100},{"title":"وهو القادر على كل شيء","level":5,"page":100},{"title":"إحاطة علمه بكل شيء","level":5,"page":100},{"title":"* المسلك الثالث: الشفاعة","level":3,"page":101},{"title":"أولا: مفهوم الشفاعة لغة","level":4,"page":101},{"title":"ثانيا: يرد على من طلب الشفاعة من غير الله تعالى بالأقوال الحكيمة الآتية","level":4,"page":102},{"title":"١ - ليس المخلوق كالخالق","level":5,"page":102},{"title":"الوجه الأول: إما لإخبارهم عن أحوال الناس بما لا يعرفونه","level":6,"page":102},{"title":"الوجه الثاني: أو يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته","level":6,"page":102},{"title":"الوجه الثالث: أو يكون الملك لا يريد نفع رعيته","level":6,"page":102},{"title":"٢ - الشفاعة: شفاعتان","level":5,"page":103},{"title":"- الشفاعة الأولى: الشفاعة المثبتة","level":6,"page":103},{"title":"الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع","level":7,"page":103},{"title":"الشرط الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع له","level":7,"page":104},{"title":"- الشفاعة الثانية: الشفاعة المنفية","level":6,"page":104},{"title":"٣ - الاحتجاج على من طلب الشفاعة من غير الله","level":5,"page":104},{"title":"* المسلك الرابع: مسبغ النعم المستحق للعبادة","level":3,"page":104},{"title":"أولا: على وجه الإجمال","level":4,"page":105},{"title":"ثانيا: على وجه التفصيل","level":4,"page":106},{"title":"* المسلك الخامس: أسباب ووسائل الشرك","level":3,"page":107},{"title":"أولا: الغلو في الصالحين هو سبب الشرك بالله تعالى","level":4,"page":107},{"title":"ثانيا: الإفراط في المدح والتجاوز فيه والغلو في الدين","level":4,"page":109},{"title":"ثالثا: بناء المساجد على القبور وتصوير الصور فيها","level":4,"page":109},{"title":"رابعا: اتخاذ القبور مساجد","level":4,"page":110},{"title":"خامسا: إسراج القبور وزيارة النساء لها","level":4,"page":111},{"title":"سادسا: الجلوس على القبور والصلاة إليها","level":4,"page":111},{"title":"سابعا: اتخاذ القبور عيدا وهجر الصلاة في البيوت","level":4,"page":111},{"title":"ثامنا: الصور وبناء القباب على القبور","level":4,"page":112},{"title":"تاسعا: شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة","level":4,"page":112},{"title":"عاشرا: الزيارة البدعية للقبور من وسائل الشرك","level":4,"page":113},{"title":"النوع الأول: زيارة شرعية","level":5,"page":113},{"title":"النوع الثاني: زيارة شركية وبدعية وهذا النوع ثلاثة أنواع:","level":5,"page":113},{"title":"١ - من يسأل الميت حاجته","level":6,"page":113},{"title":"٢ - من يسأل الله تعالى بالميت","level":6,"page":113},{"title":"٣ - من يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب","level":6,"page":114},{"title":"الحادي عشر: الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها","level":4,"page":114},{"title":"الخلاصة","level":4,"page":114},{"title":"* المسلك السادس: أنواع الشرك وأقسامه","level":3,"page":114},{"title":"أولا: الشرك أنواع منها:","level":4,"page":114},{"title":"النوع الأول: شرك أكبر يخرج من الملة","level":5,"page":114},{"title":"القسم الأول: شرك الدعوة","level":6,"page":114},{"title":"القسم الثاني: شرك النية والإرادة والقصد","level":6,"page":115},{"title":"القسم الثالث: شرك الطاعة","level":6,"page":115},{"title":"القسم الرابع: شرك المحبة","level":6,"page":115},{"title":"النوع الثاني: شرك أصغر لا يخرج من الملة","level":5,"page":116},{"title":"القسم الأول: شرك ظاهر","level":6,"page":118},{"title":"النوع الأول: الألفاظ","level":7,"page":118},{"title":"النوع الثاني: الأفعال","level":7,"page":118},{"title":"القسم الثاني من الشرك الأصغر: شرك خفي وهو الشرك في الإردات","level":6,"page":118},{"title":"النوع الأول: الرياء، والسمعة","level":7,"page":119},{"title":"النوع الثاني: إرادة الإنسان بعمله الدنيا","level":7,"page":119},{"title":"ثانيا: الفروق بين الشرك الأكبر والأصغر","level":4,"page":119},{"title":"الشرك الأكبر يخرج من الإسلام","level":5,"page":119},{"title":"الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار","level":5,"page":119},{"title":"الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال","level":5,"page":119},{"title":"الشرك الأكبر يبيح الدم والمال","level":5,"page":119},{"title":"الشرك الأكبر يوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين","level":5,"page":119},{"title":"* المسلك السابع: أضرار الشرك وآثاره","level":3,"page":120},{"title":"أولا: شر الدنيا والآخرة من أضرار الشرك وآثاره","level":4,"page":120},{"title":"ثانيا: الشرك هو السبب الأعظم لحصول الكربات في الدنيا والآخرة","level":4,"page":120},{"title":"ثالثا: الشرك يسبب الخوف وينزع الأمن في الدنيا والآخرة","level":4,"page":120},{"title":"رابعا: يحصل لصاحب الشرك الضلال في الدنيا والآخرة","level":4,"page":120},{"title":"خامسا: الشرك الأكبر لا يغفره الله إذا مات صاحبه قبل التوبة","level":4,"page":120},{"title":"سادسا: الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال","level":4,"page":120},{"title":"سابعا: الشرك الأكبر يوجب الله لصاحبه النار ويحرم عليه الجنة","level":4,"page":121},{"title":"ثامنا: الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار","level":4,"page":121},{"title":"تاسعا: الشرك أعظم الظلم والافتراء","level":4,"page":121},{"title":"عاشرا: الله تعالى بريء من المشركين ورسوله - ﷺ -","level":4,"page":121},{"title":"الحادي عشر: الشرك هو السبب الأعظم في نيل غضب الله وعقابه","level":4,"page":121},{"title":"الثاني عشر: الشرك يطفئ نور الفطرة","level":4,"page":122},{"title":"الثالث عشر: يقضي على الأخلاق الفاضلة","level":4,"page":122},{"title":"الرابع عشر: يقضي على عزة النفس","level":4,"page":122},{"title":"الخامس عشر: الشرك الأكبر يبيح الدم والمال","level":4,"page":123},{"title":"السادس عشر: الشرك الأكبر يوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين","level":4,"page":123},{"title":"السابع عشر: الشرك الأصغر ينقص الإيمان","level":4,"page":123},{"title":"الثامن عشر: الشرك الخفي وهو شرك الرياء والعمل لأجل الدنيا","level":4,"page":123},{"title":"المبحث الثالث: نور الإخلاص وظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة","level":1,"page":124},{"title":"المطلب الأول: نور الإخلاص","level":2,"page":124},{"title":"* المسلك الأول: مفهوم الإخلاص","level":3,"page":124},{"title":"الإخلاص في اللغة","level":4,"page":124},{"title":"حقيقة الإخلاص","level":4,"page":124},{"title":"* المسلك الثاني: أهمية الإخلاص","level":3,"page":125},{"title":"﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾","level":4,"page":125},{"title":"قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله﴾","level":4,"page":125},{"title":"﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾","level":4,"page":125},{"title":"﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾","level":4,"page":125},{"title":"﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾","level":4,"page":126},{"title":"قال تعالى: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾","level":4,"page":126},{"title":"ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم","level":4,"page":126},{"title":"* المسلك الثالث: مكانة النية الصالحة وثمراتها","level":3,"page":127},{"title":"النية: أساس العمل وقاعدته","level":4,"page":127},{"title":"قال النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ...»","level":4,"page":127},{"title":"وقال الله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾","level":4,"page":127},{"title":"قال النبي - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا»","level":4,"page":128},{"title":"قال - ﷺ -: \"ما من امرئ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم \"","level":4,"page":128},{"title":"قال - ﷺ -: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد \"","level":4,"page":128},{"title":"قال - ﷺ -: \"من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء \"","level":4,"page":128},{"title":"«لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه»","level":4,"page":129},{"title":"قال النبي - ﷺ - لرجل جاء إليه مقنع بالحديد، فقال يا رسول الله: أقاتل أو أسلم؟ فقال - ﷺ -: «أسلم ثم قاتل»","level":4,"page":129},{"title":"قال النبي - ﷺ -: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة»","level":4,"page":129},{"title":"«إنك لن تنفق نفقة ...»","level":4,"page":129},{"title":"وقال النبي - ﷺ -: «إنما الدنيا لأربعة نفر ..»","level":4,"page":130},{"title":"وقال النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «إن الله - ﷿ - كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك","level":4,"page":130},{"title":"* المسلك الرابع: ثمار الإخلاص وفوائده","level":3,"page":130},{"title":"أولا: خير الدنيا والآخرة من فضائل الإخلاص وثمراته","level":4,"page":131},{"title":"ثانيا: الإخلاص هو السبب الأعظم في قبول الأعمال","level":4,"page":131},{"title":"ثالثا: الإخلاص يثمر محبة الله للعبد","level":4,"page":131},{"title":"رابعا: الإخلاص أساس العمل وروحه","level":4,"page":131},{"title":"خامسا: يثمر الأجر الكبير والثواب العظيم بالعمل اليسير","level":4,"page":131},{"title":"سادسا: يكتب لصاحب الإخلاص كل عمل يقصد به وجه الله","level":4,"page":131},{"title":"سابعا: يكتب لصاحب الإخلاص ما نوى من العمل ولو لم يعمله","level":4,"page":131},{"title":"ثامنا: إذا نام أو نسي كتب له عمله الذي كان يعمله","level":4,"page":131},{"title":"تاسعا: إذا مرض العبد أو سافر كتب له بإخلاصه ما كان يعمل","level":4,"page":131},{"title":"عاشرا: ينصر الله الأمة بالإخلاص","level":4,"page":131},{"title":"الحادي عشر: الإخلاص يثمر النجاة من عذاب الآخرة","level":4,"page":131},{"title":"الثاني عشر: تفريج كروب الدنيا والآخرة من ثمرات الإخلاص","level":4,"page":131},{"title":"الثالث عشر: رفع المنزلة في الآخرة يحصل بالإخلاص","level":4,"page":131},{"title":"الرابع عشر: الإنقاذ من الضلال","level":4,"page":131},{"title":"الخامس عشر: الإخلاص سبب لزيادة الهدى","level":4,"page":131},{"title":"السادس عشر: الصيت الطيب عند الناس من ثمار الإخلاص","level":4,"page":131},{"title":"السابع عشر: طمأنينة القلب والشعور بالسعادة","level":4,"page":131},{"title":"الثامن عشر: تزيين الإيمان في النفس","level":4,"page":131},{"title":"التاسع عشر: التوفيق لمصاحبة أهل الإخلاص","level":4,"page":132},{"title":"العشرون: حسن الخاتمة","level":4,"page":132},{"title":"الحادي والعشرون: استجابة الدعاء","level":4,"page":132},{"title":"الثاني والعشرون: النعيم في القبر والتبشير بالسرور","level":4,"page":132},{"title":"الثالث والعشرون: دخول الجنة والنجاة من النار","level":4,"page":132},{"title":"المطلب الثاني: ظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة","level":2,"page":133},{"title":"* المسلك الأول: خطر إرادة الدنيا بعمل الآخرة","level":3,"page":133},{"title":"الفرق بين الرياء، وإرادة الإنسان بعمله الدنيا","level":4,"page":133},{"title":"قال الله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم﴾","level":4,"page":133},{"title":"قال تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه﴾","level":4,"page":134},{"title":"وقال - ﷾ -: ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا﴾","level":4,"page":134},{"title":"وقال النبي - ﷺ -: «من تعلم علما ما يبتغى به وجه الله - ﷿ - لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»","level":4,"page":134},{"title":"«لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء ...»","level":4,"page":134},{"title":"«من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه ...»","level":4,"page":135},{"title":"* المسلك الثاني: أنواع العمل للدنيا","level":3,"page":135},{"title":"النوع الأول: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس","level":4,"page":135},{"title":"النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رياء الناس","level":4,"page":136},{"title":"النوع الثالث: أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا","level":4,"page":136},{"title":"النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له","level":4,"page":136},{"title":"* المسلك الثالث: خطر الرياء وآثاره","level":3,"page":136},{"title":"أولا: الرياء أخطر على المسلمين من المسيح الدجال","level":4,"page":137},{"title":"ثانيا: الرياء أشد فتكا من الذئب في الغنم","level":4,"page":137},{"title":"ثالثا: خطورة الرياء على الأعمال الصالحة","level":4,"page":137},{"title":"رابعا: يسبب عذاب الآخرة","level":4,"page":138},{"title":"خامسا: الرياء يورث الذل والصغار","level":4,"page":139},{"title":"سادسا: الرياء يحرم ثواب الآخرة","level":4,"page":139},{"title":"سابعا: الرياء سبب في هزيمة الأمة","level":4,"page":139},{"title":"ثامنا: الرياء يزيد الضلال","level":4,"page":139},{"title":"* المسلك الرابع: أنواع الرياء ودقائقه","level":3,"page":139},{"title":"أولا: أن يكون مراد العبد غير الله","level":4,"page":140},{"title":"ثانيا: أن يكون قصد العبد ومراده لله تعالى","level":4,"page":140},{"title":"ثالثا: أن يدخل العبد في العبادة لله ويخرج منها لله فعرف بذلك","level":4,"page":140},{"title":"رابعا: وهناك رياء بدني: كمن يظهر الصفار والنحول، ليري الناس بذلك أنه صاحب عبادة","level":4,"page":140},{"title":"خامسا: رياء من جهة اللباس أو الزي","level":4,"page":140},{"title":"سادسا: الرياء بالقول","level":4,"page":141},{"title":"سابعا: الرياء بالعمل","level":4,"page":141},{"title":"ثامنا: الرياء بالأصحاب والزائرين","level":4,"page":141},{"title":"تاسعا: الرياء بذم النفس بين الناس","level":4,"page":141},{"title":"عاشرا: ومن دقائق الرياء وخفاياه: أن يخفي العامل طاعته بحيث لا يريد أن يطلع عليها أحد","level":4,"page":141},{"title":"الحادي عشر: ومن دقائق الرياء أن يجعل الإخلاص وسيلة لما يريد من المطالب","level":4,"page":141},{"title":"* المسلك الخامس: أقسام الرياء وأثره على العمل","level":3,"page":142},{"title":"أولا: أن يكون العمل رياء محضا","level":4,"page":142},{"title":"ثانيا: أن يكون العمل لله ويشاركه الرياء من أصله","level":4,"page":142},{"title":"ثالثا: أن يكون أصل العمل لله","level":4,"page":142},{"title":"١ - أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها","level":5,"page":143},{"title":"٢ - أن يرتبط أول العبادة بآخرها فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين:","level":5,"page":143},{"title":"الأمر الأول: أن يكون هذا الرياء خاطرا ثم دفعه الإنسان","level":6,"page":143},{"title":"الأمر الثاني: أن يسترسل معه الرياء","level":6,"page":143},{"title":"رابعا: أن يكون الرياء بعد الانتهاء من العبادة","level":4,"page":143},{"title":"* المسلك السادس: أسباب الرياء ودوافعه","level":3,"page":144},{"title":"أولا: حب لذة الحمد والثناء والمدح","level":4,"page":144},{"title":"ثانيا: الفرار من الذم","level":4,"page":144},{"title":"ثالثا: الطمع فيما في أيدي الناس","level":4,"page":144},{"title":"* المسلك السابع: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء","level":3,"page":145},{"title":"أولا: معرفة أنواع العمل للدنيا وأنواع الرياء","level":4,"page":145},{"title":"ثانيا: معرفة عظمة الله تعالى","level":4,"page":146},{"title":"ثالثا: معرفة ما أعده الله في الدار الآخرة","level":4,"page":146},{"title":"رابعا: الخوف من خطر العمل للدنيا والرياء المحبط للعمل","level":4,"page":146},{"title":"خاف الصحابة والتابعون وأهل العلم والإيمان من هذا البلاء الخطير","level":5,"page":147},{"title":"١ - قال الله تعالى: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾","level":6,"page":147},{"title":"٢ - أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه","level":6,"page":147},{"title":"٣ - وقال إبراهيم التيمي: «ما عرضت قولي على عملي","level":6,"page":147},{"title":"٤ - ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق","level":6,"page":148},{"title":"٥ - نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله - ﷺ - منهم","level":6,"page":148},{"title":"٦ - اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق","level":6,"page":148},{"title":"٧ - لئن أستيقن أن الله تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها","level":6,"page":148},{"title":"٨ - أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ -","level":6,"page":148},{"title":"خامسا: الفرار من ذم الله","level":4,"page":149},{"title":"سادسا: معرفة ما يفر منه الشيطان","level":4,"page":149},{"title":"سابعا: الإكثار من أعمال الخير والعبادات غير المشاهدة","level":4,"page":149},{"title":"ثامنا: عدم الاكتراث بذم الناس ومدحهم","level":4,"page":150},{"title":"تاسعا: تذكر الموت وقصر الأمل","level":4,"page":151},{"title":"عاشرا: الخوف من سوء الخاتمة","level":4,"page":151},{"title":"الحادي عشر: مصاحبة أهل الإخلاص والتقوى","level":4,"page":151},{"title":"الثاني عشر: الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى","level":4,"page":151},{"title":"الثالث عشر: حب العبد ذكر الله له وتقديم حب ذكره له على حب مدح الخلق","level":4,"page":152},{"title":"الرابع عشر: عدم الطمع فيما في أيدي الناس","level":4,"page":152},{"title":"الخامس عشر: معرفة ثمرات الإخلاص وفوائده","level":4,"page":153},{"title":"المبحث الرابع: نور الإسلام وظلمات الكفر","level":1,"page":154},{"title":"المطلب الأول: نور الإسلام","level":2,"page":154},{"title":"* المسلك الأول: مفهوم الإسلام","level":3,"page":154},{"title":"الإسلام لغة","level":4,"page":154},{"title":"الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان","level":5,"page":154},{"title":"الحالة الثانية: أن يطلق الإسلام مقترنا بذكر الإيمان","level":5,"page":154},{"title":"* المسلك الثاني: مراتب دين الإسلام","level":3,"page":155},{"title":"أولا: مرتبة الإسلام وأركانه","level":4,"page":155},{"title":"ثانيا: مرتبة الإيمان","level":4,"page":156},{"title":"ثالثا: مرتبة الإحسان","level":4,"page":156},{"title":"* المسلك الثالث: ثمرات الإسلام ومحاسنه","level":3,"page":158},{"title":"أولا: الإسلام الصحيح يثمر كل خير في الدنيا والآخرة","level":4,"page":158},{"title":"ثانيا: أعظم أسباب الحياة الطيبة والسعادة في الدنيا والآخرة","level":4,"page":158},{"title":"ثالثا: الإسلام يخرج الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام","level":4,"page":158},{"title":"رابعا: الإسلام يغفر الله به جميع الذنوب والسيئات","level":4,"page":158},{"title":"خامسا: إذا أحسن المسلم الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في كفره","level":4,"page":159},{"title":"سادسا: الإسلام يجمع الله به للعبد حسناته في الكفر والإسلام","level":4,"page":159},{"title":"سابعا: الإسلام يدخل الله به الجنة","level":4,"page":159},{"title":"ثامنا: سبب في النجاة من النار","level":4,"page":159},{"title":"تاسعا: الفلاح والفوز العظيم من ثمرات الإسلام","level":4,"page":160},{"title":"عاشرا: الإسلام يضاعف الله به الحسنات","level":4,"page":160},{"title":"الحادي عشر: يكون العمل القليل كثيرا بالإسلام الصحيح","level":4,"page":160},{"title":"الثاني عشر: الخير كله في الإسلام، ولا خير في العرب ولا في العجم إلا بالإسلام","level":4,"page":161},{"title":"الثالث عشر: الإسلام يثمر الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة","level":4,"page":161},{"title":"الرابع عشر: الإسلام يشرح الله به صدر صاحبه","level":4,"page":161},{"title":"الخامس عشر: الإسلام يثمر النور لصاحبه في الدنيا والآخرة","level":4,"page":161},{"title":"السادس عشر: الإسلام يجعل لصاحبه المكانة العالية عند الله","level":4,"page":161},{"title":"السابع عشر: الإسلام الكامل يثمر لصاحبه حلاوة الإيمان","level":4,"page":162},{"title":"الثامن عشر: الإسلام صراط الله المستقيم","level":4,"page":162},{"title":"التاسع عشر: من رضي بالإسلام دينا أرضاه الله في الدنيا والآخرة","level":4,"page":163},{"title":"العشرون: الإسلام هو الدين الذي كمله الله ورضيه","level":4,"page":163},{"title":"الحادي والعشرون: الإسلام يأمر بكل خير وصلاح وينهى عن كل شر وضرر","level":4,"page":163},{"title":"الثاني والعشرون: اختص الإسلام بخصائص عظيمة كريمة منها:","level":4,"page":164},{"title":"١ - الإسلام من عند الله","level":5,"page":164},{"title":"٢ - شامل لجميع نظم الحياة وسلوك الإنسان","level":5,"page":164},{"title":"٣ - عام لكل مكلف من الجن والإنس في كل زمان ومكان","level":5,"page":164},{"title":"٤ - والإسلام من حيث الثواب والعقاب ذو جزاء أخروي","level":5,"page":165},{"title":"٥ - الإسلام وسط: في عقائده، وعباداته، وأخلاقه","level":5,"page":165},{"title":"* المسلك الرابع: نواقض الإسلام","level":3,"page":165},{"title":"الأول: الشرك في عبادة الله تعالى","level":4,"page":165},{"title":"الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم","level":4,"page":166},{"title":"الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم","level":4,"page":166},{"title":"الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي - ﷺ - أكمل من هديه","level":4,"page":166},{"title":"الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول - ﷺ -","level":4,"page":169},{"title":"السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول - ﷺ -","level":4,"page":169},{"title":"السابع: السحر ومنه الصرف والعطف","level":4,"page":169},{"title":"الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين","level":4,"page":170},{"title":"التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد - ﷺ -","level":4,"page":170},{"title":"العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به","level":4,"page":170},{"title":"المطلب الثاني: ظلمات الكفر","level":2,"page":171},{"title":"* المسلك الأول: مفهوم الكفر","level":3,"page":171},{"title":"أولا: الكفر","level":4,"page":171},{"title":"ثانيا: الإلحاد","level":4,"page":172},{"title":"* المسلك الثاني: أنواع الكفر","level":3,"page":172},{"title":"أولا: الكفر الأكبر المخرج من الملة:","level":4,"page":172},{"title":"النوع الأول: كفر التكذيب","level":5,"page":173},{"title":"النوع الثاني: كفر الإباء والاستكبار مع التصديق","level":5,"page":173},{"title":"النوع الثالث: كفر الشك، وهو كفر الظن","level":5,"page":173},{"title":"النوع الرابع: كفر الإعراض","level":5,"page":173},{"title":"النوع الخامس: كفر النفاق","level":5,"page":173},{"title":"ثانيا: كفر أصغر لا يخرج من الملة:","level":4,"page":174},{"title":"ثالثا: الفروق بين الكفر الأكبر والأصغر:","level":4,"page":175},{"title":"الكفر الأكبر يخرج من الملة والأصغر لا يخرج من الملة","level":5,"page":175},{"title":"الكفر الأكبر يحبط جميع الأعمال، والأصغر لا يحبطها لكنه ينقصها","level":5,"page":175},{"title":"الكفر الأكبر يخلد في النار والأصغر لا يخلد","level":5,"page":175},{"title":"الكفر الأكبر يبيح الدم والمال، والكفر الأصغر لا يبيح الدم والمال","level":5,"page":175},{"title":"الكفر الأكبر يوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين","level":5,"page":175},{"title":"* المسلك الثالث: خطورة التكفير","level":3,"page":175},{"title":"* المسلك الرابع: أصول المكفرات","level":3,"page":176},{"title":"أولا: الكفار نوعان:","level":4,"page":176},{"title":"النوع الأول","level":5,"page":176},{"title":"النوع الثاني","level":5,"page":177},{"title":"ثانيا: جميع المكفرات تدخل تحت نواقض أربعة","level":4,"page":177},{"title":"القسم الأول: القوادح المكفرة:","level":5,"page":177},{"title":"الردة بالقول","level":6,"page":179},{"title":"الردة بالفعل","level":6,"page":180},{"title":"الردة بالاعتقاد","level":6,"page":181},{"title":"الردة بالشك","level":6,"page":183},{"title":"القسم الثاني: قوادح دون الكفر","level":5,"page":185},{"title":"* المسلك الخامس: آثار الكفر وأضراره","level":3,"page":186},{"title":"أولا: شر الدنيا والآخرة من أضرار الكفر","level":4,"page":186},{"title":"ثانيا: الكفر يسبب لصاحبه الضلال","level":4,"page":186},{"title":"ثالثا: الكفر الأكبر لا يغفره الله لمن مات عليه","level":4,"page":186},{"title":"رابعا: الكفر أعظم أسباب الخزي والعار","level":4,"page":187},{"title":"خامسا: يوجب الله لصاحبه النار","level":4,"page":187},{"title":"سادسا: يحبط جميع الأعمال","level":4,"page":187},{"title":"سابعا: يوجب الخلود في النار","level":4,"page":187},{"title":"ثامنا: يسبب الطرد والإبعاد من رحمة الله","level":4,"page":187},{"title":"تاسعا: أعظم أسباب غضب الله وأليم عقابه","level":4,"page":187},{"title":"عاشرا: الكفر يجعل صاحبه أضيق الناس صدرا","level":4,"page":188},{"title":"الحادي عشر: الكفر يطبع على القلب","level":4,"page":188},{"title":"الثاني عشر: الكفر الأكبر يبيح الدم والمال","level":4,"page":188},{"title":"الثالث عشر: الكفر الأكبر يوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين","level":4,"page":188},{"title":"الرابع عشر: الكفر الأصغر ينقص الإيمان ويضعفه","level":4,"page":188},{"title":"المبحث الخامس: نور الإيمان وظلمات النفاق","level":1,"page":189},{"title":"المطلب الأول: نور الإيمان","level":2,"page":189},{"title":"* المسلك الأول: مفهوم الإيمان","level":3,"page":189},{"title":"أولا: مفهوم الإيمان: لغة واصطلاحا:","level":4,"page":189},{"title":"ثانيا: الفرق بين الإيمان والإسلام:","level":4,"page":190},{"title":"* المسلك الثاني: طرق تحصيل الإيمان وزيادته","level":3,"page":191},{"title":"أولا: معرفة أسماء الله الحسنى","level":4,"page":191},{"title":"ثانيا: تدبر القرآن على وجه العموم","level":4,"page":192},{"title":"ثالثا: معرفة أحاديث النبي - ﷺ -","level":4,"page":192},{"title":"رابعا: معرفة النبي - ﷺ - ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية","level":4,"page":193},{"title":"خامسا: التفكر في الكون","level":4,"page":193},{"title":"سادسا: الإكثار من ذكر الله في كل وقت","level":4,"page":193},{"title":"سابعا: معرفة محاسن الإسلام","level":4,"page":194},{"title":"ثامنا: الاجتهاد في الإحسان في عبادة الله - ﷿ -","level":4,"page":194},{"title":"تاسعا: الاتصاف بصفات المؤمنين","level":4,"page":194},{"title":"عاشرا: الدعوة إلى الله وإلى دينه","level":4,"page":194},{"title":"الحادي عشر: الابتعاد عن شعب الكفر والنفاق، والفسوق والعصيان","level":4,"page":195},{"title":"الثاني عشر: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض","level":4,"page":195},{"title":"الثالث عشر: الخلوة بالله وقت نزوله لمناجاته وتلاوة كلامه","level":4,"page":195},{"title":"الرابع عشر: مجالسة العلماء الصادقين المخلصين","level":4,"page":195},{"title":"* المسلك الثالث: ثمرات الإيمان وفوائده","level":3,"page":195},{"title":"أولا: الاغتباط بولاية الله - ﷿ -","level":4,"page":196},{"title":"ثانيا: الفوز برضا الله","level":4,"page":196},{"title":"ثالثا: الإيمان الكامل يمنع من دخول النار","level":4,"page":196},{"title":"رابعا: إن الله يدفع عن الذين آمنوا جميع المكاره","level":4,"page":197},{"title":"خامسا: الإيمان يثمر الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة","level":4,"page":198},{"title":"سادسا: إن جميع الأعمال والأقوال إنما تصح وتكمل بحسب ما يقوم بقلب صاحبها","level":4,"page":199},{"title":"سابعا: صاحب الإيمان يهديه الله إلى الصراط المستقيم","level":4,"page":199},{"title":"ثامنا: الإيمان يثمر محبة الله للعبد ويجعل محبته في قلوب المؤمنين","level":4,"page":200},{"title":"تاسعا: حصول الإمامة في الدين","level":4,"page":200},{"title":"عاشرا: حصول رفع الدرجات","level":4,"page":200},{"title":"الحادي عشر: حصول البشارة بكرامة الله والأمن التام","level":4,"page":200},{"title":"الثاني عشر: يحصل بالإيمان الثواب المضاعف","level":4,"page":201},{"title":"الثالث عشر: حصول الفلاح والهدى للمؤمنين","level":4,"page":202},{"title":"الرابع عشر: الانتفاع بالمواعظ من ثمرات الإيمان","level":4,"page":202},{"title":"الخامس عشر: الإيمان يحمل صاحبه على الشكر في حالة السراء","level":4,"page":202},{"title":"السادس عشر: الإيمان الصحيح يدفع الريبة والشك","level":4,"page":203},{"title":"السابع عشر: الإيمان بالله ﷿ ملجأ المؤمنين في كل ما يلم بهم","level":4,"page":204},{"title":"الثامن عشر: الإيمان الصحيح يمنع العبد من الوقوع في الموبقات","level":4,"page":204},{"title":"التاسع عشر: خير الخليقة قسمان هم أهل الإيمان","level":4,"page":205},{"title":"فالناس أربعة أقسام","level":5,"page":205},{"title":"القسم الأول: خير في نفسه، متعد خيره إلى غيره","level":6,"page":205},{"title":"القسم الثاني: طيب في نفسه صاحب خير","level":6,"page":205},{"title":"القسم الثالث: من هو عادم للخير","level":6,"page":205},{"title":"القسم الرابع: من هو صاحب شر على نفسه وعلى غيره","level":6,"page":206},{"title":"العشرون: الإيمان يثمر الاستخلاف في الأرض","level":4,"page":206},{"title":"الحادي والعشرون: الإيمان ينصر الله به العبد","level":4,"page":206},{"title":"الثاني والعشرون: الإيمان يثمر للعبد العزة","level":4,"page":206},{"title":"الثالث والعشرون: الإيمان يثمر عدم تسليط الأعداء على المؤمنين","level":4,"page":206},{"title":"الرابع والعشرون: الأمن التام والاهتداء","level":4,"page":206},{"title":"الخامس والعشرون: حفظ سعي المؤمنين","level":4,"page":207},{"title":"السادس والعشرون: زيادة الإيمان للمؤمنين","level":4,"page":207},{"title":"السابع والعشرون: نجاة المؤمنين","level":4,"page":207},{"title":"الثامن والعشرون: الأجر العظيم لأهل الإيمان","level":4,"page":207},{"title":"التاسع والعشرون: معية الله لأهل الإيمان","level":4,"page":207},{"title":"الثلاثون: أهل الإيمان في أمن من الخوف والحزن","level":4,"page":207},{"title":"الحادي والثلاثون: الأجر الكبير","level":4,"page":207},{"title":"الثاني والثلاثون: الأجر غير الممنون","level":4,"page":208},{"title":"الثالث والثلاثون: القرآن إنما هو هدى ورحمة للمؤمنين","level":4,"page":208},{"title":"الرابع والثلاثون: أهل الإيمان لهم درجات عند ربهم","level":4,"page":208},{"title":"* المسلك الرابع: شعب الإيمان","level":3,"page":208},{"title":"الإيمان بالله - ﷿ -","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بالملائكة","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بالقرآن الكريم وجميع الكتب المنزلة","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بالقدر خيره وشره","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بالبعث بعد الموت","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بحشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بأن دار المؤمنين الجنة، ودار الكافرين النار","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بوجوب محبة الله - ﷿ -","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بوجوب الخوف من الله - ﷿ -","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بوجوب الرجاء من الله - ﷿ -","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بوجوب التوكل على الله - ﷿ -","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بوجوب محبة النبي - ﷺ -","level":4,"page":209},{"title":"الإيمان بوجوب تعظيم النبي - ﷺ -","level":4,"page":209},{"title":"حب المرء لدينه حتى يكون القذف في النار أحب إليه من الكفر","level":4,"page":209},{"title":"طلب العلم: وهو معرفة الله، ودينه، ونبيه - ﷺ - بالأدلة","level":4,"page":209},{"title":"نشر العلم، وتعليمه للناس","level":4,"page":210},{"title":"تعظيم القرآن الكريم، بتعلمه، وتعليمه، وحفظ حدوده","level":4,"page":210},{"title":"الطهارة والمحافظة على الوضوء","level":4,"page":210},{"title":"المحافظة على الصلوات الخمس","level":4,"page":210},{"title":"أداء الزكاة","level":4,"page":210},{"title":"الصيام: الفرض والنفل","level":4,"page":210},{"title":"الاعتكاف","level":4,"page":210},{"title":"الحج","level":4,"page":210},{"title":"الجهاد في سبيل الله - ﷿ -","level":4,"page":210},{"title":"المرابطة في سبيل الله - ﷿ -","level":4,"page":210},{"title":"الثبات للعدو وترك الفرار من الزحف","level":4,"page":210},{"title":"أداء الخمس من المغنم إلى الإمام أو نائبه","level":4,"page":210},{"title":"العتق بوجه التقرب إلى الله - ﷿ -","level":4,"page":210},{"title":"الكفارات الواجبة بالجنايات","level":4,"page":210},{"title":"الإيفاء بالعقود","level":4,"page":210},{"title":"تعديد نعم الله - ﷿ - وما يجب من شكرها","level":4,"page":210},{"title":"حفظ اللسان عما لا يحتاج إليه","level":4,"page":210},{"title":"حفظ الأمانات ووجوب أدائها إلى أهلها","level":4,"page":211},{"title":"تحريم قتل النفس، والجنايات عليها","level":4,"page":211},{"title":"تحريم الفروج وما يجب فيها من التعفف","level":4,"page":211},{"title":"قبض اليد عن الأموال المحرمة","level":4,"page":211},{"title":"وجوب التورع في المطاعم والمشارب","level":4,"page":211},{"title":"ترك الملابس والزي والأواني المحرمة والمكروهة","level":4,"page":211},{"title":"تحريم الملاعب والملاهي المخالفة للشريعة","level":4,"page":211},{"title":"الاقتصاد في النفقة وتحريم أكل المال بالباطل","level":4,"page":211},{"title":"ترك الغل والحسد","level":4,"page":211},{"title":"تحريم أعراض الناس وما يلزم من ترك الوقوع فيها","level":4,"page":211},{"title":"إخلاص العمل لله - ﷿ - وترك الرياء","level":4,"page":211},{"title":"السرور بالحسنة والاغتمام بالسيئة","level":4,"page":211},{"title":"معالجة كل ذنب بالتوبة النصوح","level":4,"page":211},{"title":"القرابين وجملتها: الهدي، والأضحية، والعقيقة","level":4,"page":211},{"title":"طاعة أولي الأمر","level":4,"page":211},{"title":"التمسك بما عليه الجماعة","level":4,"page":211},{"title":"الحكم بين الناس بالعدل","level":4,"page":211},{"title":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":4,"page":211},{"title":"التعاون على البر والتقوى","level":4,"page":212},{"title":"الحياء","level":4,"page":212},{"title":"بر الوالدين","level":4,"page":212},{"title":"صلة الأرحام","level":4,"page":212},{"title":"حسن الخلق","level":4,"page":212},{"title":"الإحسان إلى المماليك","level":4,"page":212},{"title":"حق السادة على المماليك","level":4,"page":212},{"title":"القيام بحقوق الأولاد والأهلين","level":4,"page":212},{"title":"مقاربة أهل الدين، وموادتهم، وإفشاء السلام","level":4,"page":212},{"title":"رد السلام","level":4,"page":212},{"title":"عيادة المريض","level":4,"page":212},{"title":"الصلاة على من مات من أهل القبلة","level":4,"page":212},{"title":"تشميت العاطس","level":4,"page":212},{"title":"مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم","level":4,"page":212},{"title":"إكرام الجار","level":4,"page":212},{"title":"إكرام الضيف","level":4,"page":212},{"title":"الستر على أصحاب الذنوب","level":4,"page":212},{"title":"الصبر على المصائب وعما تنزع النفس إليه من لذة وشهوة","level":4,"page":212},{"title":"الزهد وقصر الأمل","level":4,"page":212},{"title":"الغيرة وترك المذاء","level":4,"page":213},{"title":"الإعراض عن الغلو","level":4,"page":213},{"title":"الجود والسخاء","level":4,"page":213},{"title":"رحمة الصغير وتوقير الكبير","level":4,"page":213},{"title":"إصلاح ذات البين","level":4,"page":213},{"title":"أن يحب المرء لأخيه المسلم ما يحب لنفسه","level":4,"page":213},{"title":"* المسلك الخامس: صفات المؤمنين","level":3,"page":213},{"title":"أولا: قال الله - ﷿ -: ﴿وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾","level":4,"page":213},{"title":"ثانيا: قول الله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾","level":4,"page":214},{"title":"ثالثا: قال الله - ﷿ -: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾","level":4,"page":214},{"title":"رابعا: قال الله - ﷿ -: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾","level":4,"page":216},{"title":"المطلب الثاني: ظلمات النفاق","level":2,"page":217},{"title":"* المسلك الأول: مفهوم النفاق","level":3,"page":217},{"title":"أولا: مفهوم النفاق لغة وشرعا:","level":4,"page":217},{"title":"ثانيا: مفهوم الزنديق:","level":4,"page":218},{"title":"* المسلك الثاني: أنواع النفاق","level":3,"page":219},{"title":"أولا: النفاق الأكبر:","level":4,"page":219},{"title":"تكذيب الرسول - ﷺ -","level":5,"page":220},{"title":"تكذيب بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -","level":5,"page":220},{"title":"بغض الرسول - ﷺ -","level":5,"page":220},{"title":"بغض بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -","level":5,"page":220},{"title":"المسرة بانخفاض دين الرسول - ﷺ -","level":5,"page":221},{"title":"الكراهية لانتصار دين الرسول - ﷺ -","level":5,"page":221},{"title":"عدم اعتقاد وجوب تصديقه - ﷺ - فيما أخبر به","level":5,"page":221},{"title":"عدم اعتقاد وجوب طاعته - ﷺ - فيما أمر به","level":5,"page":221},{"title":"ثانيا: النفاق الأصغر:","level":4,"page":221},{"title":"ثالثا: الفروق بين النفاق الأكبر والنفاق الأصغر:","level":4,"page":222},{"title":"النفاق الأكبر يخرج من الملة","level":5,"page":222},{"title":"النفاق الأكبر يحبط جميع الأعمال","level":5,"page":223},{"title":"النفاق الأكبر اختلاف السر والعلانية في الاعتقاد","level":5,"page":223},{"title":"النفاق الأكبر يخلد صاحبه في النار","level":5,"page":223},{"title":"النفاق الأكبر لا يصدر من مؤمن","level":5,"page":223},{"title":"النفاق الأكبر في الغالب لا يتوب صاحبه","level":5,"page":223},{"title":"* المسلك الثالث: صفات المنافقين","level":3,"page":223},{"title":"ولا شك أن ذكر الله - ﷿ - لصفات المنافقين فيه فوائد عظيمة، منها","level":4,"page":223},{"title":"وصفات المنافقين كثيرة، منها","level":4,"page":223},{"title":"أولا: قال الله - ﷿ -: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾","level":5,"page":224},{"title":"يقولون آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين","level":6,"page":224},{"title":"يخادعون الله والذين آمنوا","level":6,"page":224},{"title":"في قلوبهم مرض","level":6,"page":224},{"title":"وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض","level":6,"page":224},{"title":"وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس","level":6,"page":224},{"title":"وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا","level":6,"page":224},{"title":"يشترون الضلالة بالهدى","level":6,"page":224},{"title":"ثانيا: قال الله - ﷿ -: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله﴾","level":5,"page":224},{"title":"حسن القول المعجب الذي يكون له وقع في القلوب","level":6,"page":224},{"title":"توسيط الله بجعله شاهدا على هذا القول","level":6,"page":224},{"title":"المهارة في الجدل، وقوة الإقناع","level":6,"page":225},{"title":"إذا اختفى عن الناس وذهب عنهم وانصرف","level":6,"page":225},{"title":"إذا أمر بتقوى الله تكبر، وأخذته العزة بالإثم","level":6,"page":225},{"title":"ثالثا: قال الله - ﷿ -: ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما﴾","level":5,"page":225},{"title":"أنهم يوالون الكفار ويحبونهم وينصرونهم","level":6,"page":225},{"title":"يعتزون بالكفار ويستنصرون بهم","level":6,"page":225},{"title":"رابعا: قال الله تعالى: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾","level":5,"page":225},{"title":"يخادعون الله وهو خادعهم","level":6,"page":225},{"title":"إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى","level":6,"page":225},{"title":"يراؤن الناس بأعمالهم","level":6,"page":225},{"title":"لا يذكرون الله إلا قليلا","level":6,"page":225},{"title":"مترددون بين فريق من المؤمنين وفريق من الكافرين","level":6,"page":226},{"title":"خامسا: قال الله تعالى في شأن المنافقين: ﴿قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم﴾","level":5,"page":226},{"title":"وصفهم الله بالفسق","level":6,"page":226},{"title":"كفروا بالله وبرسوله","level":6,"page":226},{"title":"لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى","level":6,"page":226},{"title":"لا ينفقون إلا وهم كارهون","level":6,"page":226},{"title":"سادسا: قال الله - ﷿ -: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم﴾","level":5,"page":226},{"title":"سابعا: قال الله - ﷿ -: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر﴾","level":5,"page":227},{"title":"المنافقون بعضهم من بعض: يتولى بعضهم بعضا","level":6,"page":227},{"title":"يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف","level":6,"page":227},{"title":"يقبضون أيديهم عن الصدقة وطرق الإحسان","level":6,"page":227},{"title":"نسوا الله فلا يذكرونه إلا قليلا، فنسيهم","level":6,"page":227},{"title":"إن المنافقين هم الفاسقون","level":6,"page":227},{"title":"ثامنا: قال الله - ﷿ -: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات﴾","level":5,"page":227},{"title":"يلمزون المطوعين في الصدقات","level":6,"page":228},{"title":"السخرية بالمؤمنين","level":6,"page":228},{"title":"كفروا بالله ورسوله","level":6,"page":228},{"title":"تاسعا: قال الله - ﷿ -: ﴿وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض﴾","level":5,"page":228},{"title":"عاشرا: قال النبي - ﷺ -: تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس","level":5,"page":229},{"title":"تأخير الصلاة عن وقتها","level":6,"page":229},{"title":"ينقر الصلاة ولا يذكر الله فيها إلا قليلا","level":6,"page":229},{"title":"الحادي عشر: قال الرسول - ﷺ -: إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء","level":5,"page":229},{"title":"صفات المنافقين إجمالا:","level":4,"page":229},{"title":"يدعون الإيمان وهم كاذبون","level":5,"page":229},{"title":"يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم","level":5,"page":229},{"title":"في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا","level":5,"page":229},{"title":"يدعون الإصلاح وهم المفسدون","level":5,"page":229},{"title":"يرمون المؤمنين بالسفه","level":5,"page":230},{"title":"يستهزئون بالمؤمنين ويسخرون منهم","level":5,"page":230},{"title":"يشترون الضلالة بالهدى","level":5,"page":230},{"title":"قولهم حسن وهم ألد الخصام","level":5,"page":230},{"title":"يشهدون الله على ما في قلوبهم وهم كاذبون","level":5,"page":230},{"title":"ماهرون في الجدل بالباطل","level":5,"page":230},{"title":"إذا اختفوا عن الناس اجتهدوا في الباطل","level":5,"page":230},{"title":"إذا قيل لهم اتقوا الله أخذتهم العزة بالإثم","level":5,"page":230},{"title":"يوالون الكفار وينصرونهم ويخدمونهم","level":5,"page":230},{"title":"يعتزون بالكفار ويستنصرون بهم","level":5,"page":230},{"title":"إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى","level":5,"page":230},{"title":"يراؤن الناس بأعمالهم","level":5,"page":230},{"title":"لا يذكرون الله إلا قليلا","level":5,"page":230},{"title":"مترددون بين الكفار والمؤمنين","level":5,"page":230},{"title":"يكفرون بالله ورسوله - ﷺ -","level":5,"page":230},{"title":"المنافقون هم الفاسقون","level":5,"page":230},{"title":"لا ينفقون إلا وهم كارهون","level":5,"page":230},{"title":"المنافقون يتولى بعضهم بعضا","level":5,"page":230},{"title":"يقبضون أيديهم فلا ينفقون في طرق الخير","level":5,"page":230},{"title":"يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف","level":5,"page":230},{"title":"نسوا الله فنسيهم","level":5,"page":230},{"title":"يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات","level":5,"page":231},{"title":"يؤخرون الصلاة عن وقتها","level":5,"page":231},{"title":"ينقرون الصلاة ولا يذكرون الله فيها إلا قليلا","level":5,"page":231},{"title":"أثقل الصلوات عليهم العشاء والفجر","level":5,"page":231},{"title":"يتأخرون عن صلاة الجماعة","level":5,"page":231},{"title":"قلوبهم قاسية وعقولهم قاصرة","level":5,"page":231},{"title":"لم يرضوا بالإسلام دينا","level":5,"page":231},{"title":"يأخذون من الدين ما وافق رغباتهم","level":5,"page":231},{"title":"يقولون ما لا يفعلون","level":5,"page":231},{"title":"يظهرون الشجاعة في السلم، وجبناء في الحرب","level":5,"page":231},{"title":"لا يتحاكمون إلى الله ورسوله - ﷺ -","level":5,"page":231},{"title":"يجدون الحرج والضيق في أنفسهم من حكم الله ورسوله - ﷺ -","level":5,"page":231},{"title":"يخذلون المؤمنين عن الجهاد","level":5,"page":231},{"title":"ييأسون من رحمة الله وينقطع أملهم في نصره","level":5,"page":231},{"title":"يقصدون بجهادهم الدنيا وإذا يئسوا من ذلك تثاقلوا","level":5,"page":231},{"title":"يفجرون في المخاصمة","level":5,"page":231},{"title":"يحاربون الإسلام وأهله عن طريق الخفية والتسمي به","level":5,"page":231},{"title":"لا يهمهم إلا مصالحهم الذاتية","level":5,"page":231},{"title":"يطعنون في العلماء المخلصين بالكذب وتغيير الحقائق","level":5,"page":231},{"title":"يثيرون الشبهات حول الإسلام، ليصدوا الناس عن الدخول فيه","level":5,"page":231},{"title":"يبغضون أنصار الدين","level":5,"page":231},{"title":"يكذبون في الحديث","level":5,"page":232},{"title":"يخونون الله ورسوله والمؤمنين","level":5,"page":232},{"title":"يخلفون الوعد","level":5,"page":232},{"title":"لكل واحد منهم وجهان: وجه للمؤمنين، ووجه لأعداء الدين","level":5,"page":232},{"title":"لا يعقلون ما ينفعهم، ولا يسمعون ما يفيدهم","level":5,"page":232},{"title":"تسبق يمين أحدهم كلامه","level":5,"page":232},{"title":"قلوبهم عن الخير لاهية وأجسادهم إليه ساعية","level":5,"page":232},{"title":"أخبث الناس قلوبا وأحسنهم أجساما","level":5,"page":232},{"title":"يسرون سرائر النفاق فأظهرها الله على وجوههم وألسنتهم","level":5,"page":232},{"title":"ينقضون العهد من أجل الدنيا","level":5,"page":232},{"title":"يسخرون بالقرآن الكريم","level":5,"page":232},{"title":"* المسلك الرابع: آثار النفاق وأضراره:","level":3,"page":232},{"title":"النفاق الأكبر يسبب الخوف والرعب","level":4,"page":233},{"title":"النفاق الأكبر يوجب لعنة الله تعالى","level":4,"page":233},{"title":"النفاق الأكبر يخرج صاحبه من الإسلام","level":4,"page":233},{"title":"النفاق الأكبر لا يغفره الله إذا مات عليه صاحبه","level":4,"page":233},{"title":"النفاق الأكبر يوجب لصاحبه النار","level":4,"page":234},{"title":"النفاق الأكبر يخلد صاحبه في النار","level":4,"page":234},{"title":"النفاق الأكبر يسبب نسيان الله لصاحبه","level":4,"page":234},{"title":"النفاق الأكبر يحبط جميع الأعمال","level":4,"page":234},{"title":"النفاق الأكبر يطفئ الله نور أصحابه يوم القيامة","level":4,"page":234},{"title":"النفاق الأكبر يحرم العبد دعاء المؤمنين والصلاة عليه عند موته","level":4,"page":235},{"title":"النفاق الأكبر يسبب عذاب الدنيا والآخرة","level":4,"page":235},{"title":"النفاق الأكبر إذا أظهره صاحبه وأعلنه كان مرتدا","level":4,"page":235},{"title":"النفاق الأكبر إذا أظهر صاحبه كفره يوجب العداوة بين صاحبه والمؤمنين","level":4,"page":235},{"title":"النفاق الأصغر، وهو النفاق العملي ينقص الإيمان","level":4,"page":235},{"title":"النفاق الأصغر صاحبه على خطر","level":4,"page":236},{"title":"المبحث السادس: نور السنة وظلمات البدعة","level":1,"page":237},{"title":"المطلب الأول: نور السنة","level":2,"page":237},{"title":"* المسلك الأول: مفهومها:","level":3,"page":237},{"title":"أولا: مفهوم العقيدة لغة واصطلاحا:","level":4,"page":237},{"title":"ثانيا: مفهوم أهل السنة:","level":4,"page":237},{"title":"السنة في اللغة: الطريقة والسيرة، حسنة كانت أم قبيحة","level":5,"page":237},{"title":"والسنة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية","level":5,"page":238},{"title":"ثالثا: مفهوم الجماعة:","level":4,"page":238},{"title":"الجماعة في اللغة:","level":5,"page":238},{"title":"والجماعة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية","level":5,"page":239},{"title":"* المسلك الثاني: أسماء أهل السنة وصفاتهم:","level":3,"page":239},{"title":"١ - أهل السنة والجماعة:","level":4,"page":239},{"title":"٢ - الفرقة الناجية","level":4,"page":240},{"title":"٣ - الطائفة المنصورة","level":4,"page":240},{"title":"٤ - المعتصمون المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله","level":4,"page":241},{"title":"٥ - هم القدوة الصالحة الذين يهدون إلى الحق وبه يعملون","level":4,"page":241},{"title":"٦ - أهل السنة خيار الناس ينهون عن البدع وأهلها،","level":4,"page":242},{"title":"٧ - أهل السنة هم الغرباء إذا فسد الناس","level":4,"page":242},{"title":"٨ - أهل السنة هم الذين يحملون العلم:","level":4,"page":243},{"title":"٩ - أهل السنة هم الذين يحزن الناس لفراقهم:","level":4,"page":243},{"title":"* المسلك الثالث: السنة نعمة مطلقة:","level":3,"page":243},{"title":"النعمة نعمتان: نعمة مطلقة، ونعمة مقيدة:","level":4,"page":243},{"title":"أولا: النعمة المطلقة","level":5,"page":243},{"title":"ثانيا: النعمة المقيدة","level":5,"page":244},{"title":"* المسلك الرابع: منزلة السنة:","level":3,"page":245},{"title":"السنة:","level":4,"page":245},{"title":"* المسلك الخامس: منزلة صاحب السنة وصاحب البدعة:","level":3,"page":245},{"title":"أولا: منزلة صاحب السنة:","level":4,"page":245},{"title":"ثانيا: علامات أهل السنة","level":4,"page":246},{"title":"١ - الاعتصام بالكتاب والسنة، والعض على ذلك بالنواجذ","level":5,"page":246},{"title":"٢ - التحاكم إلى الكتاب والسنة في الأصول والفروع","level":5,"page":246},{"title":"٣ - حبهم لأهل السنة والمتمسكين بها، وبغضهم لأهل البدع","level":5,"page":247},{"title":"٤ - لا يستوحشون من قلة السالكين","level":5,"page":247},{"title":"٥ - الصدق في الأقوال والأفعال","level":5,"page":247},{"title":"٦ - التأسي برسول الله - ﷺ -","level":5,"page":247},{"title":"ثالثا: منزلة صاحب البدعة:","level":4,"page":247},{"title":"المطلب الثاني: ظلمات البدعة","level":2,"page":248},{"title":"* المسلك الأول: مفهومها:","level":3,"page":248},{"title":"* المسلك الثاني: شروط قبول العمل:","level":3,"page":251},{"title":"الشرط الأول:","level":4,"page":251},{"title":"الشرط الثاني:","level":4,"page":251},{"title":"* المسلك الثالث: ذم البدعة في الدين:","level":3,"page":253},{"title":"أولا: من القرآن:","level":4,"page":253},{"title":"ثانيا: من السنة النبوية:","level":4,"page":255},{"title":"ثالثا: من أقوال الصحابة - ﵃ - في البدع:","level":4,"page":258},{"title":"رابعا: من أقوال التابعين وأتباعهم بإحسان:","level":4,"page":259},{"title":"خامسا: البدع مذمومة من وجوه:","level":4,"page":260},{"title":"* المسلك الرابع: أسباب البدع:","level":3,"page":260},{"title":"أولا: الجهل","level":4,"page":260},{"title":"ثانيا: اتباع الهوى","level":4,"page":261},{"title":"ثالثا: التعلق بالشبهات","level":4,"page":262},{"title":"رابعا: الاعتماد على العقل المجرد","level":4,"page":262},{"title":"خامسا: التقليد والتعصب","level":4,"page":263},{"title":"سادسا: مخالطة أهل الشر ومجالستهم","level":4,"page":263},{"title":"سابعا: سكوت العلماء وكتم العلم","level":4,"page":264},{"title":"ثامنا: التشبه بالكفار وتقليدهم","level":4,"page":266},{"title":"تاسعا: الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة","level":4,"page":268},{"title":"عاشرا: الغلو أعظم أسباب انتشار البدع","level":4,"page":268},{"title":"* المسلك الخامس: أقسام البدع:","level":3,"page":269},{"title":"القسم الأول: البدعة الحقيقية والإضافية:","level":4,"page":269},{"title":"١ - البدعة الحقيقية","level":5,"page":269},{"title":"٢ - البدعة الإضافية: وهي التي لها جهتان أو شائبتان","level":5,"page":270},{"title":"إحداهما: لها من الأدلة متعلق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة","level":6,"page":270},{"title":"والأخرى: ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية","level":6,"page":270},{"title":"القسم الثاني: البدعة الفعلية والتركية:","level":4,"page":271},{"title":"١ - البدعة الفعلية:","level":5,"page":271},{"title":"٢ - البدعة التركية","level":5,"page":272},{"title":"أما إن كان الترك تدينا فهو الابتداع في الدين","level":6,"page":273},{"title":"القسم الثالث: البدعة القولية الاعتقادية، والبدعة العملية:","level":4,"page":274},{"title":"١ - البدعة القولية الاعتقادية","level":5,"page":274},{"title":"٢ - البدعة العملية وهي أنواع:","level":5,"page":275},{"title":"النوع الأول: بدعة في أصل العبادة","level":6,"page":275},{"title":"النوع الثاني: ما يكون من الزيادة على العبادة المشروعة","level":6,"page":275},{"title":"النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة","level":6,"page":275},{"title":"النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع:","level":6,"page":275},{"title":"* المسلك السادس: حكم البدعة في الدين:","level":3,"page":275},{"title":"فمنها: ما هو كفر","level":4,"page":276},{"title":"ومنها: ما هو من وسائل الشرك","level":4,"page":276},{"title":"ومنها: ما هو من المعاصي","level":4,"page":276},{"title":"١ - من جهة كون صاحب البدعة مدعيا للاجتهاد أو مقلدا","level":5,"page":276},{"title":"٢ - من جهة وقوعها في الضروريات","level":5,"page":276},{"title":"٣ - من جهة كون صاحبها مستترا بها أو معلنا","level":5,"page":276},{"title":"٤ - من جهة كونه داعيا إليها أو غير داع لها","level":5,"page":277},{"title":"٥ - من جهة كونه خارجا على أهل السنة أو غير خارج","level":5,"page":277},{"title":"٦ - من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية","level":5,"page":277},{"title":"٧ - من جهة كون البدعة بينة أو مشكلة","level":5,"page":277},{"title":"٨ - من جهة كون البدعة كفرا أو غير كفر","level":5,"page":277},{"title":"٩ - من جهة الإصرار على البدعة أو عدمه","level":5,"page":277},{"title":"البدع تنقسم على حسب مراتبها في الإثم إلى ثلاثة أقسام:","level":4,"page":277},{"title":"القسم الأول: كفر بواح","level":5,"page":277},{"title":"القسم الثاني: كبيرة من كبائر الذنوب","level":5,"page":277},{"title":"القسم الثالث: صغيرة من صغائر الذنوب","level":5,"page":277},{"title":"الشرط الأول: لا يداوم عليها، فإن المداومة تنقلها إلى كبيرة في حقه","level":6,"page":277},{"title":"الشرط الثاني: لا يدعو إليها؛ فإن ذلك يعظم الذنب لكثرة العمل بها","level":6,"page":278},{"title":"الشرط الثالث: لا يفعلها في مجتمعات الناس، ولا في المواضع التي تقام فيها السنن","level":6,"page":278},{"title":"الشرط الرابع: لا يستصغرها ولا يستحقرها","level":6,"page":278},{"title":"ومنهم من قسم البدع إلى أقسام أحكام الشريعة الخمسة","level":7,"page":278},{"title":"* المسلك السابع: أنواع البدع عند القبور:","level":3,"page":279},{"title":"النوع الأول: من يسأل الميت حاجته","level":4,"page":279},{"title":"النوع الثاني: أن يسأل الله تعالى بالميت","level":4,"page":280},{"title":"النوع الثالث: أن يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب","level":4,"page":280},{"title":"* المسلك الثامن: البدع المنتشرة المعاصرة:","level":3,"page":281},{"title":"أولا: بدعة الاحتفال بالمولد النبوي:","level":4,"page":281},{"title":"أولا: الاحتفال بالمولد من البدع المحدثة في الدين","level":5,"page":281},{"title":"ثانيا: الخلفاء الراشدون ومن معهم من أصحاب النبي - ﷺ - لم يحتفلوا بالمولد","level":5,"page":282},{"title":"ثالثا: الاحتفال بالمولد من سنة أهل الزيغ والضلال","level":5,"page":282},{"title":"رابعا: إن الله - ﷿ - قد كمل الدين،","level":5,"page":283},{"title":"خامسا: إحداث مثل هذه الموالد البدعية يفهم منه أن الله تعالى لم يكمل الدين","level":5,"page":283},{"title":"سادسا: صرح علماء الإسلام المحققون بإنكار الموالد","level":5,"page":283},{"title":"سابعا: إن الاحتفال بالمولد لا يحقق محبة الرسول","level":5,"page":284},{"title":"ثامنا: الاحتفال بالمولد النبوي، واتخاذه عيدا فيه تشبه باليهود","level":5,"page":284},{"title":"تاسعا: العاقل لا يغتر بكثرة من يحتفل بالمولد من الناس في سائر البلدان","level":5,"page":284},{"title":"عاشرا: القاعدة الشرعية: رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله","level":5,"page":284},{"title":"الحادي عشر: إن المشروع للمسلم يوم الإثنين أن يصوم إذا أحب","level":5,"page":285},{"title":"الثاني عشر: عيد المولد النبوي لا يخلو من وقوع المنكرات والمفاسد غالبا","level":5,"page":285},{"title":"١ - أكثر القصائد والمدائح التي يتغنى بها أهل المولد لا تخلو من ألفاظ شركية","level":6,"page":285},{"title":"٢ - يحصل في الاحتفالات بالموالد في الغالب بعض المحرمات الأخرى","level":6,"page":286},{"title":"٣ - يحصل عمل قبيح في الاحتفال بمولد النبي","level":6,"page":286},{"title":"ثانيا: بدعة الاحتفال بأول ليلة جمعة من شهر رجب:","level":4,"page":287},{"title":"تلخيص لكلام الإمام أبي شامة في بطلان صلاة الرغائب ومفاسدها","level":5,"page":289},{"title":"١ - مما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين وأئمة المسلمين","level":6,"page":289},{"title":"٢ - هذه الصلاة مخالفة للشرع من وجوه ثلاثة","level":6,"page":289},{"title":"الوجه الأول","level":7,"page":289},{"title":"الوجه الثاني","level":7,"page":290},{"title":"المفسدة الأولى: اعتماد العوام على ما جاء في فضلها وتكفيرها","level":8,"page":290},{"title":"أحدهما: التفريط في الفرائض","level":9,"page":290},{"title":"والثاني: الانهماك في المعاصي","level":9,"page":290},{"title":"المفسدة الثانية: أن فعل البدع مما يغري المبتدعين في إضلال","level":8,"page":290},{"title":"المفسدة الثالثة: أن الرجل العالم إذا فعل هذه البدعة كان موهما للعامة أنها من السنن","level":8,"page":291},{"title":"المفسدة الرابعة: أن العالم إذا صلى هذه الصلاة المبتدعة كان متسببا إلى أن تكذب العامة","level":8,"page":291},{"title":"الوجه الثالث: أن هذه الصلاة البدعية مشتملة على مخالفة سنن الشرع:","level":7,"page":291},{"title":"الأمر الأول: مخالفة لسنة النبي - ﷺ - في الصلاة بسبب عدد السجدات","level":8,"page":291},{"title":"الأمر الثاني: مخالفة لسنة خشوع القلب وخضوعه","level":8,"page":291},{"title":"الأمر الثالث: مخالفة لسنة النوافل في البيوت","level":8,"page":291},{"title":"الأمر الرابع: أن من كمال هذه الصلاة البدعية عند واضعيها صيام يوم الخميس ذلك اليوم","level":8,"page":291},{"title":"الأمر الخامس: أن سجدتي هذه الصلاة بعد الفراغ منها","level":8,"page":291},{"title":"ثالثا: بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج:","level":4,"page":292},{"title":"وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء لا يحتفل بها","level":5,"page":293},{"title":"أولا: هذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأت خبر صحيح في تحديدها","level":6,"page":293},{"title":"ثانيا: لا يعرف عن أحد من المسلمين","level":6,"page":294},{"title":"ثالثا: قد أكمل الله لهذه الأمة دينها، وأتم النعمة","level":6,"page":294},{"title":"رابعا: حذر النبي - ﷺ - من البدع","level":6,"page":294},{"title":"رابعا: الاحتفال بليلة النصف من شعبان:","level":4,"page":295},{"title":"اختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:","level":5,"page":297},{"title":"أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد","level":6,"page":297},{"title":"والثاني: أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة، والقصص، والدعاء","level":6,"page":297},{"title":"خامسا: التبرك:","level":4,"page":299},{"title":"التبرك: هو طلب البركة، والتبرك بالشيء: طلب البركة بواسطته","level":5,"page":299},{"title":"المقصود بالبركة عدة أمور، منها:","level":5,"page":299},{"title":"١ - ثبوت الخير ودوامه","level":6,"page":299},{"title":"٢ - كثرة الخير وزيادته، واستمراره شيئا بعد شيء","level":6,"page":299},{"title":"٣ - وتبارك لا يوصف بها إلا الله، ولا تسند إلا إليه","level":6,"page":299},{"title":"والأمور المباركة أنواع، منها:","level":5,"page":299},{"title":"١ - القرآن الكريم مبارك:","level":6,"page":299},{"title":"٢ - الرسول - ﷺ - مبارك، جعل الله فيه البركة، وهذه البركة نوعان:","level":6,"page":300},{"title":"(أ) بركة معنوية: وهي ما يحصل من بركات رسالته في الدنيا والآخرة؛","level":7,"page":300},{"title":"(ب) بركة حسية، وهي على نوعين:","level":7,"page":300},{"title":"النوع الأول: بركة في أفعاله - ﷺ -،","level":8,"page":300},{"title":"النوع الثاني: بركة في ذاته، وآثاره الحسية:","level":8,"page":300},{"title":"والتبرك المشروع يكون بأمور، منها ما يأتي:","level":5,"page":301},{"title":"١ - التبرك بذكر الله، وتلاوة القرآن الكريم،","level":6,"page":301},{"title":"٢ - التبرك المشروع بذات النبي - ﷺ - في حياته؛","level":6,"page":301},{"title":"٣ - التبرك بشرب ماء زمزم؛","level":6,"page":303},{"title":"٤ - التبرك بماء المطر،","level":6,"page":304},{"title":"والتبرك الممنوع منه ما يأتي:","level":5,"page":304},{"title":"١ - التبرك بالنبي - ﷺ - بعد وفاته ممنوع إلا في أمرين:","level":6,"page":304},{"title":"الأمر الأول: الإيمان به، وطاعته واتباعه","level":7,"page":304},{"title":"الأمر الثاني: التبرك بما بقي من أشياء منفصلة عنه - ﷺ -: كثيابه، أو شعره، أو آنيته","level":7,"page":305},{"title":"٢ - من التبرك الممنوع: التبرك بالصالحين","level":6,"page":306},{"title":"٣ - من التبرك الممنوع: التبرك بالجبال والمواضع؛","level":6,"page":306},{"title":"وأسباب التبرك الممنوع: الجهل بالدين، والغلو في الصالحين، والتشبه بالكفار","level":5,"page":307},{"title":"وآثار التبرك الممنوع كثيرة منها: الشرك الأكبر،","level":5,"page":307},{"title":"ومن آثار التبرك الممنوع الابتداع في الدين، واقتراف المعاصي،","level":5,"page":307},{"title":"أما وسائل مقاومة التبرك الممنوع، فمنها: نشر العلم، والدعوة إلى منهج الحق،","level":5,"page":308},{"title":"سادسا: بدع منكرة مختلفة، كثيرة جدا:","level":4,"page":308},{"title":"١ - الجهر بالنية:","level":5,"page":309},{"title":"٢ - الذكر الجماعي بعد الصلوات؛","level":5,"page":309},{"title":"٣ - طلب قراءة الفاتحة على أرواح الأموات،","level":5,"page":309},{"title":"٤ - إقامة المآتم على الأموات، وصناعة الأطعمة، واستئجار المقرئين","level":5,"page":309},{"title":"٥ - الأذكار الصوفية بأنواعها التي تخالف هدي محمد - ﷺ -،","level":5,"page":310},{"title":"٦ - البناء على القبور: واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها","level":5,"page":310},{"title":"* المسلك التاسع: توبة المبتدع:","level":3,"page":310},{"title":"* المسلك العاشر: آثار البدع وأضرارها:","level":3,"page":312},{"title":"١ - البدع بريد الكفر","level":4,"page":312},{"title":"٢ - القول على الله بغير علم؛","level":4,"page":313},{"title":"٣ - بغض المبتدعة للسنة وأهلها،","level":4,"page":313},{"title":"٤ - رد عمل المبتدع؛","level":4,"page":313},{"title":"٥ - سوء عاقبة المبتدع؛","level":4,"page":314},{"title":"٦ - انعكاس فهم المبتدع، فيرى الحسنة سيئة، والسيئة حسنة","level":4,"page":314},{"title":"٧ - عدم قبول شهادة المبتدع وروايته،","level":4,"page":314},{"title":"٨ - المبتدعة أكثر من يقع في الفتن،","level":4,"page":314},{"title":"٩ - المبتدع استدرك على الشريعة؛","level":4,"page":315},{"title":"١٠ - المبتدع يلتبس عليه الحق بالباطل","level":4,"page":315},{"title":"١١ - المبتدع يحمل إثمه، وإثم من تبعه","level":4,"page":316},{"title":"١٢ - البدعة تدخل صاحبها في اللعنة","level":4,"page":316},{"title":"١٣ - المبتدع يحال بينه وبين الشرب من حوض النبي - ﷺ -، يوم القيامة","level":4,"page":316},{"title":"١٤ - المبتدع معرض عن ذكر الله","level":4,"page":317},{"title":"١٥ - المبتدعة يكتمون الحق، ويخفونه على أتباعهم","level":4,"page":318},{"title":"١٦ - عمل المبتدع ينفر عن الإسلام،","level":4,"page":318},{"title":"١٧ - المبتدع يفرق الأمة؛ فإنه ببدعته يفرق هو وأتباعه المسلمين","level":4,"page":318},{"title":"١٨ - المبتدع المجاهر ببدعته تجوز غيبته؛ لتحذير الأمة من بدعته","level":4,"page":318},{"title":"١٩ - المبتدع متبع لهواه معاند للشرع، ومشاق له","level":4,"page":319},{"title":"٢٠ - المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع","level":4,"page":319},{"title":"المبحث السابع: نور التقوى وظلمات المعاصي","level":1,"page":320},{"title":"المطلب الأول: نور التقوى وثمراتها","level":2,"page":320},{"title":"* المسلك الأول: مفهوم التقوى:","level":3,"page":320},{"title":"التقوى لغة","level":4,"page":320},{"title":"وأصل التقوى","level":4,"page":320},{"title":"* المسلك الثاني: أهمية التقوى:","level":3,"page":322},{"title":"أولا: أن الله - ﷿ - أوصى الأولين والآخرين بالتقوى","level":4,"page":322},{"title":"ثانيا: أمر الله - ﷿ - بالتقوى، وأوجب العمل بها على عباده في آيات كثيرة، منها:","level":4,"page":323},{"title":"ثالثا: أمر النبي - ﷺ - بالتقوى، وحث عليها في أحاديث كثيرة، منها:","level":4,"page":324},{"title":"رابعا: أكثر ما يدخل الجنة التقوى","level":4,"page":326},{"title":"خامسا: التقوى أهم من اللباس الحسي الذي لا غنى للإنسان عنه","level":4,"page":327},{"title":"سادسا: التقوى أهم من الطعام والشراب","level":4,"page":327},{"title":"* المسلك الثالث: صفات المتقين","level":3,"page":328},{"title":"أولا: قال الله - ﷿ -: ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾","level":4,"page":328},{"title":"ثانيا: قال الله - ﷿ -: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾","level":4,"page":329},{"title":"ثالثا: قال الله - ﷿ - بعد أن بين أن الشهوات زينت للناس: ﴿قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم﴾","level":4,"page":330},{"title":"رابعا: قال الله - ﷿ -: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات﴾:","level":4,"page":331},{"title":"خامسا: قال الله - ﷿ -: ﴿إن المتقين في جنات وعيون﴾","level":4,"page":333},{"title":"* المسلك الرابع: ثمرات التقوى:","level":3,"page":334},{"title":"أولا: الانتفاع بالقرآن الكريم، والفوز بهداية الإرشاد، وهداية التوفيق","level":4,"page":334},{"title":"ثانيا: معية الله مع المتقين","level":4,"page":334},{"title":"ثالثا: المكانة العالية عند الله يوم القيامة","level":4,"page":334},{"title":"رابعا: التوفيق لنيل العلم النافع وتحصيله،","level":4,"page":335},{"title":"خامسا: التقوى تثمر دخول الجنة وما فيها من أنواع النعيم","level":4,"page":335},{"title":"سادسا: محبة الله للمتقين","level":4,"page":338},{"title":"سابعا: عدم الخوف من ضرر وكيد الأعداء،","level":4,"page":339},{"title":"ثامنا: التقوى سبب لنزول المدد من السماء،","level":4,"page":339},{"title":"تاسعا: التقوى تثمر عدم العدوان، وعدم إيذاء عباد الله","level":4,"page":340},{"title":"عاشرا: قبول الأعمال الصالحة، قال الله - ﷿ -: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾","level":4,"page":340},{"title":"الحادي عشر: حصول الفلاح؛ لأن من اتقى الله أفلح كل الفلاح","level":4,"page":340},{"title":"الثاني عشر: التقوى تمنع صاحبها الزيغ والضلال بعد الهداية","level":4,"page":340},{"title":"الثالث عشر: السلامة من الخوف والحزن، فمن اتقى ما حرم الله عليه","level":4,"page":341},{"title":"الرابع عشر: التقوى تثمر البركات من السماء والأرض","level":4,"page":341},{"title":"الخامس عشر: الحصول على رحمة الله - ﷿ -،","level":4,"page":341},{"title":"السادس عشر: التقوى تثمر الفوز بولاية الله،","level":4,"page":342},{"title":"السابع عشر: التقوى تثمر توفيق صاحبها للتفريق بين الحق والباطل","level":4,"page":342},{"title":"الثامن عشر: التقوى تثمر حماية الإنسان من ضرر الشيطان","level":4,"page":343},{"title":"التاسع عشر: البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة","level":4,"page":343},{"title":"العشرون: حفظ الأجر؛ فإنه من يتقي فعل ما حرم الله، ويصبر على الطاعات","level":4,"page":344},{"title":"الحادي والعشرون: العاقبة الحميدة الحسنة في الدنيا والآخرة للمتقين","level":4,"page":344},{"title":"الثاني والعشرون: الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة للمتقين","level":4,"page":345},{"title":"الثالث والعشرون: التقوى تفرق بين المؤمنين والفجار","level":4,"page":345},{"title":"الرابع والعشرون: التقوى سبب لتعظيم شعائر الله","level":4,"page":346},{"title":"الخامس والعشرون: التقوى تصلح بها الأعمال وتقبل","level":4,"page":346},{"title":"السادس والعشرون: التقوى سبب للإكرام عند الله","level":4,"page":347},{"title":"السابع والعشرون: التقوى يحصل بها الفرج والمخرج من كل شدة ومشقة وكرب","level":4,"page":347},{"title":"الثامن والعشرون: التقوى يحصل بها تيسير الأمور،","level":4,"page":347},{"title":"التاسع والعشرون: التقوى تكفر بها السيئات","level":4,"page":348},{"title":"الثلاثون: التقوى تثمر الاهتداء والاتعاظ للمتقين","level":4,"page":348},{"title":"المطلب الثاني: ظلمات المعاصي وأضرارها","level":2,"page":350},{"title":"* المسلك الأول: مفهوم المعاصي وأسماؤها:","level":3,"page":350},{"title":"أولا: مفهوم المعاصي:","level":4,"page":350},{"title":"المعاصي لغة","level":5,"page":350},{"title":"والمعاصي في الاصطلاح الشرعي:","level":5,"page":350},{"title":"ثانيا: أسماء المعاصي:","level":4,"page":351},{"title":"١ - الفسوق والعصيان","level":5,"page":351},{"title":"٢ - الحوب","level":5,"page":351},{"title":"٣ - الذنب","level":5,"page":351},{"title":"٤ - الخطيئة","level":5,"page":351},{"title":"٥ - السيئة","level":5,"page":352},{"title":"٦ - الإثم","level":5,"page":352},{"title":"٧ - الفساد","level":5,"page":352},{"title":"٨ - العتو","level":5,"page":352},{"title":"* المسلك الثاني: أسباب المعاصي","level":3,"page":352},{"title":"النوع الأول: الابتلاء والاختبار، ومن ذلك:","level":4,"page":352},{"title":"١ - الابتلاء بالخير والشر،","level":5,"page":352},{"title":"٢ - الابتلاء بالمال والولد","level":5,"page":353},{"title":"٣ - وقد تكون الفتنة أعم مما تقدم","level":5,"page":353},{"title":"النوع الثاني: أسباب الوقوع في المعاصي، ومنها:","level":4,"page":353},{"title":"١ - ضعف الإيمان واليقين بالله","level":5,"page":353},{"title":"٢ - الشبهات،","level":5,"page":354},{"title":"٣ - الشهوات","level":5,"page":354},{"title":"٤ - الشيطان من أعظم أسباب وقوع المعاصي","level":5,"page":355},{"title":"والشيطان يريد أن يظفر بالإنسان في عقبة من سبع عقبات","level":6,"page":356},{"title":"العقبة الأولى: عقبة الكفر والشرك بالله وبدينه، ولقائه، وبصفات كماله","level":7,"page":356},{"title":"العقبة الثانية: عقبة البدعة،","level":7,"page":356},{"title":"العقبة الثالثة: عقبة الكبائر:","level":7,"page":356},{"title":"العقبة الرابعة: عقبة الصغائر:","level":7,"page":356},{"title":"العقبة الخامسة: عقبة المباحات التي لا حرج فيها:","level":7,"page":357},{"title":"العقبة السادسة: عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات","level":7,"page":357},{"title":"العقبة السابعة: تسليط جنده عليه بأنواع الأذى، باليد، واللسان،","level":7,"page":357},{"title":"* المسلك الثالث: مداخل المعاصي:","level":3,"page":358},{"title":"أولا: النفس الأمارة يدخل عليها الشيطان وأعوانه وجنوده من مرادها،","level":4,"page":358},{"title":"الشيطان وجنوده ملكوا ستة ثغور يدخلون منها على القلب","level":5,"page":358},{"title":"١ - ثغر العين","level":6,"page":358},{"title":"٢ - ثغر الأذن،","level":6,"page":358},{"title":"٣ - ثغر اللسان،","level":6,"page":358},{"title":"٤ - ثغر الفم،","level":6,"page":358},{"title":"٥ - ثغر اليد","level":6,"page":358},{"title":"٦ - ثغر الرجل،","level":6,"page":358},{"title":"ثانيا: أبواب الشيطان التي يدخل الناس معها إلى النار ثلاثة:","level":4,"page":358},{"title":"١ - باب شبهة أورثت شكا في دين الله","level":5,"page":358},{"title":"٢ - باب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعة الله ومرضاته","level":5,"page":358},{"title":"٣ - باب غضب أورث العدوان على خلق الله - ﷿ -","level":5,"page":359},{"title":"ثالثا: طرق الشيطان على الإنسان من ثلاث جهات:","level":4,"page":359},{"title":"الجهة الأولى: التزيد والإسراف،","level":5,"page":359},{"title":"الجهة الثانية: الغفلة","level":5,"page":359},{"title":"الجهة الثالثة: تكلف ما لا يعنيه من جميع الأشياء","level":5,"page":359},{"title":"رابعا: المداخل التي من حفظها نجا من المهالك،","level":4,"page":359},{"title":"١ - النظرة:","level":5,"page":359},{"title":"٢ - الخطرة:","level":5,"page":360},{"title":"والخطرات المحمودة أقسام تدور على أربعة أصول:","level":6,"page":360},{"title":"* خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه","level":7,"page":360},{"title":"* وخطرات يستدفع بها مضار دنياه","level":7,"page":360},{"title":"* وخطرات يستجلب بها مصالح آخرته","level":7,"page":360},{"title":"* وخطرات يستدفع بها مضار آخرته","level":7,"page":360},{"title":"٣ - اللفظة:","level":5,"page":360},{"title":"٤ - الخطوة:","level":5,"page":362},{"title":"* المسلك الرابع: أصول المعاصي:","level":3,"page":363},{"title":"١ - الكبر: وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره","level":4,"page":363},{"title":"٢ - الحرص: وهو الذي أخرج آدم من الجنة","level":4,"page":363},{"title":"٣ - الحسد: وهو الذي جرأ أحد ابني آدم على أخيه","level":4,"page":363},{"title":"أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة:","level":5,"page":363},{"title":"١ - تعلق القلب بغير الله","level":6,"page":363},{"title":"٢ - طاعة القوة الغضبية، وهي الظلم، وغاية ذلك القتل","level":6,"page":363},{"title":"٣ - طاعة القوة الشهوانية، وهي الفواحش، وغاية ذلك الزنا","level":6,"page":363},{"title":"أركان الكفر أربعة:","level":5,"page":364},{"title":"١ - الكبر","level":6,"page":364},{"title":"٢ - الحسد","level":6,"page":364},{"title":"٣ - الغضب","level":6,"page":364},{"title":"٤ - الشهوة","level":6,"page":364},{"title":"* المسلك الخامس: أقسام المعاصي:","level":3,"page":365},{"title":"القسم الأول: الذنوب الملكية","level":4,"page":365},{"title":"القسم الثاني: الذنوب الشيطانية","level":4,"page":365},{"title":"القسم الثالث: الذنوب السبعية","level":4,"page":365},{"title":"القسم الرابع: الذنوب البهيمية","level":4,"page":365},{"title":"* المسلك السادس: أنواع المعاصي:","level":3,"page":366},{"title":"١ - الإصرار والمداومة عليها","level":4,"page":368},{"title":"٢ - استصغار المعصية واحتقارها","level":4,"page":368},{"title":"٣ - الفرح بالصغيرة والافتخار بها","level":4,"page":369},{"title":"٤ - أن يكون عالما يقتدى به،","level":4,"page":369},{"title":"٥ - إذا فعل الذنب ثم جاهر به؛","level":4,"page":369},{"title":"* المسلك السابع: آثار المعاصي على الفرد والمجتمع:","level":3,"page":369},{"title":"أولا: آثار المعاصي على الفرد: أنواع، منها:","level":4,"page":369},{"title":"النوع الأول: آثارها على القلب:","level":5,"page":369},{"title":"١ - ضرر المعاصي على القلب كضرر السموم على الأبدان","level":6,"page":369},{"title":"٢ - حرمان العلم","level":6,"page":369},{"title":"٣ - الوحشة في القلب بأنواعها","level":6,"page":370},{"title":"٥ - توهن القلب وتضعفه:","level":6,"page":372},{"title":"٦ - تحجب القلب عن الرب في الدنيا","level":6,"page":373},{"title":"٧ - يألف المعصية، فينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة","level":6,"page":374},{"title":"٨ - هوان المعاصي على المصرين عليها،","level":6,"page":374},{"title":"٩ - تورث الذل، فإن العز كل العز في طاعة الله - ﷿ -","level":6,"page":375},{"title":"١٠ - تفسد العقل وتؤثر فيه","level":6,"page":376},{"title":"١١ - تطبع على القلب، فإذا تكاثرت طبعت على قلب صاحبها فكان من الغافلين","level":6,"page":376},{"title":"١٢ - الذنوب تطفئ غيرة القلب","level":6,"page":376},{"title":"١٣ - الذنوب تذهب الحياء من القلب","level":6,"page":379},{"title":"١٤ - المعاصي تلقي الخوف والرعب في القلوب","level":6,"page":380},{"title":"١٥ - تمرض القلب، وتصرفه عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه","level":6,"page":380},{"title":"١٦ - المعاصي تصغر النفوس، وتقمعها، وتدسيها)","level":6,"page":381},{"title":"١٧ - خسف القلب ومسخه،","level":6,"page":381},{"title":"١٨ - المعاصي تنكس القلب حتى يرى الباطل حقا والحق باطلا","level":6,"page":382},{"title":"١٩ - تضيق الصدر، فالذي يقع في الجرائم","level":6,"page":382},{"title":"الوجه الثاني: آثار المعاصي على الدين","level":5,"page":382},{"title":"٢٠ [١] تزرع المعاصي أمثالها","level":6,"page":382},{"title":"٢١ [٢] تحرم الطاعة وتثبط عنها","level":6,"page":383},{"title":"٢٢ [٣] المعصية سبب لهوان العبد العاصي على الله وسقوطه من عينه","level":6,"page":383},{"title":"٢٣ [٤] تدخل الذنوب العبد تحت لعنة رسول الله - ﷺ -","level":6,"page":383},{"title":"٢٤ [٥] حرمان دعوة الرسول - ﷺ - والملائكة","level":6,"page":386},{"title":"٢٥ [٦] المعاصي تسبب نسيان الله لعبده ونسيان العبد نفسه:","level":6,"page":387},{"title":"٢٦ [٧] تخرج صاحبها من دائرة الإحسان","level":6,"page":388},{"title":"٢٧ [٨] تفوت ثواب المؤمنين","level":6,"page":388},{"title":"٢٨ [٩] توجب القطيعة بين العبد والرب","level":6,"page":390},{"title":"٢٩ [١٠] المعاصي تجعل صاحبها أسيرا للشيطان","level":6,"page":390},{"title":"٣٠ [١١] المعاصي تجعل صاحبها من السفلة","level":6,"page":390},{"title":"٣١ [١٢] تسقط الكرامة، من عقوبات المعاصي","level":6,"page":390},{"title":"٣٢ [١٣] كراهية الله للعاصي","level":6,"page":391},{"title":"النوع الثالث: آثار المعاصي على البدن:","level":5,"page":391},{"title":"٣٣ [١] العقوبات الشرعية،","level":6,"page":391},{"title":"٣٤ [٢] العقوبات القدرية، وهي نوعان:","level":6,"page":392},{"title":"فالعقوبات القدرية على القلوب:","level":7,"page":392},{"title":"والعقوبات على الأبدان نوعان:","level":7,"page":392},{"title":"والخلاصة أن العقوبات القدرية:","level":7,"page":393},{"title":"٣٥ [٣] والمعاصي توهن البدن","level":6,"page":393},{"title":"النوع الرابع: آثار المعاصي على الرزق:","level":5,"page":393},{"title":"٣٦ [١] المعاصي تحرم الرزق،","level":6,"page":393},{"title":"٣٧ [٢] تزيل النعم، فالمعاصي تزيل النعم، وتحل النقم،","level":6,"page":394},{"title":"٣٨ [٣] تزيل البركة في المال، وقد تتلفه","level":6,"page":395},{"title":"النوع الخامس: آثار المعاصي العامة على الفرد","level":5,"page":395},{"title":"٣٩ [١] تمحق البركات","level":6,"page":395},{"title":"٤٠ [٢] المعاصي مجلبة للذم،","level":6,"page":396},{"title":"٤١ [٣] المعاصي تجرئ على الإنسان أعداءه","level":6,"page":396},{"title":"٤٢ [٤] تضعف العبد أمام نفسه،","level":6,"page":397},{"title":"٤٣ [٥] مكر الله بالماكر، ومخادعته للمخادع، واستهزاؤه بالمستهزئ","level":6,"page":398},{"title":"٤٤ [٦] المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ","level":6,"page":398},{"title":"٤٥ [٧] تعسير أموره عليه، وهذا من أعظم ما يصيب العاصي","level":6,"page":399},{"title":"٤٦ [٨] تقصر المعاصي العمر، وتمحق بركته ولابد؛","level":6,"page":399},{"title":"٤٧ [٩] يرفع الله مهابة العاصي من قلوب الخلق،","level":6,"page":400},{"title":"النوع السادس: آثار المعاصي على الأعمال","level":5,"page":400},{"title":"٤٨ [١] عن ثوبان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لأعلمن أقواما","level":6,"page":400},{"title":"٤٩ [٢] أتدرون ما المفلس","level":6,"page":401},{"title":"ثانيا: آثار المعاصي على المجتمع:","level":4,"page":401},{"title":"٥٠ [١] إهلاك الأمم بسبب المعاصي","level":5,"page":401},{"title":"٥١ [٢] إزالة النعم، فالمعاصي تزيل النعم بأنواعها","level":5,"page":403},{"title":"النوع الأول: نعمة الإيمان، وهي أعظم النعم على الإطلاق","level":6,"page":403},{"title":"النوع الثاني: نعمة المال والرزق الحلال","level":6,"page":403},{"title":"النوع الثالث: نعمة الأولاد","level":6,"page":403},{"title":"النوع الرابع: نعمة الأمن في الأوطان","level":6,"page":403},{"title":"النوع الخامس: نعمة العافية في الأبدان","level":6,"page":403},{"title":"٥٢ [٣] نزول العقوبات العامة المهلكة، ومنها ما يأتي:","level":5,"page":404},{"title":"أ - ظهور الطاعون","level":6,"page":404},{"title":"ب - نزول الأوجاع التي لم تكن في الأسلاف الذين مضوا","level":6,"page":404},{"title":"ج - الأخذ بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان","level":6,"page":404},{"title":"د - منع القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا","level":6,"page":404},{"title":"هـ - تسليط الأعداء","level":6,"page":404},{"title":"٥٣ [٤] حلول الهزائم،","level":5,"page":405},{"title":"٥٤ [٥] المعاصي مواريث الأمم الظالمة","level":5,"page":406},{"title":"٥٥ [٦] المعاصي تؤثر حتى على الدواب، والأشجار، والأرض وعلى المخلوقات","level":5,"page":406},{"title":"٥٦ [٧] تسبب عذاب القبر، وعذاب يوم القيامة،","level":5,"page":406},{"title":"* المسلك الثامن: العلاج:","level":3,"page":406},{"title":"أولا: التوبة النصوح والاستغفار من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها","level":4,"page":406},{"title":"التوبة لها فضائل عظيمة يجنيها التائب، ومنها على سبيل المثال ما يأتي:","level":5,"page":407},{"title":"١ - محبة الله للتوابين، قال الله - ﷿ -: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾","level":6,"page":407},{"title":"٢ - فرح الله - ﷿ - بتوبة عبده إليه","level":6,"page":407},{"title":"٣ - تبديل الله - ﷿ - السيئات حسنات","level":6,"page":408},{"title":"٤ - التوبة الخالصة الصادقة من جميع الذنوب يدخل الله صاحبها الجنة","level":6,"page":408},{"title":"والتوبة لها شروط وأركان لا تقبل إلا بها، وهي:","level":5,"page":408},{"title":"أ- الإقلاع عن المعصية وتركها","level":6,"page":408},{"title":"ب - العزيمة على عدم العودة إليها أبدا","level":6,"page":408},{"title":"ج - الندم على فعلها","level":6,"page":408},{"title":"د - إن كانت المعصية في حق آدمي فلها شرط أو ركن رابع","level":6,"page":408},{"title":"ثانيا: تقوى الله - ﷿ -، في السر والعلن","level":4,"page":409},{"title":"ثالثا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":4,"page":409},{"title":"رابعا: الاقتداء بالنبي - ﷺ -، في جميع الاعتقادات، والأقوال والأفعال","level":4,"page":410},{"title":"خامسا: الدعاء والالتجاء إلى الله - ﷿ -:","level":4,"page":410},{"title":"١ - الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب:","level":5,"page":410},{"title":"٢ - الدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء","level":5,"page":410},{"title":"٣ - مقامات الدعاء مع البلاء ثلاثة:","level":5,"page":410},{"title":"المقام الأول: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه","level":6,"page":410},{"title":"المقام الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد","level":6,"page":410},{"title":"المقام الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه","level":6,"page":411},{"title":"٤ - الإلحاح في الدعاء من أنفع الأدوية،","level":5,"page":411},{"title":"٥ - آفات الدعاء:","level":5,"page":411},{"title":"٦ - أوقات إجابة الدعاء مهمة ينبغي أن يعتني الداعي في دعائه بها","level":5,"page":412},{"title":"٧ - أهم ما يسأل العبد ربه،","level":5,"page":412},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":414}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,373":372,"1,374":373,"1,375":374,"1,376":375,"1,377":376,"1,378":377,"1,379":378,"1,380":379,"1,381":380,"1,382":381,"1,383":382,"1,384":383,"1,385":384,"1,386":385,"1,387":386,"1,388":387,"1,389":388,"1,390":389,"1,391":390,"1,392":391,"1,393":392,"1,394":393,"1,395":394,"1,396":395,"1,397":396,"1,398":397,"1,399":398,"1,400":399,"1,401":400,"1,402":401,"1,403":402,"1,404":403,"1,405":404,"1,406":405,"1,407":406,"1,408":407,"1,409":408,"1,410":409,"1,411":410,"1,412":411,"1,413":412,"1,414":413,"1,446":414,"1,447":415,"1,448":416,"1,449":417,"1,450":418,"1,451":419,"1,452":420,"1,453":421,"1,454":422,"1,455":423,"1,456":424,"1,457":425,"1,458":426},"ٜ":{"1":[3,458]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2,3,4],"8":[5],"10":[6],"11":[7],"12":[8],"13":[9],"14":[10],"15":[11],"16":[12,13],"17":[14,15],"27":[16],"29":[17,18,19,20,21],"30":[22,23,24,25],"31":[26,27,28,29,30,31],"32":[32,33,34],"34":[35],"35":[36],"40":[37],"41":[38],"42":[39,40],"43":[41,42,43],"46":[44],"51":[45,46],"53":[47],"54":[48],"55":[49,50],"56":[51,52],"57":[53,54,55],"58":[56,57],"66":[58,59],"67":[60],"68":[61],"69":[62,63],"71":[64,65],"72":[66,67,68],"73":[69,70],"75":[71],"77":[72,73,74,75],"78":[76,77,78],"79":[79,80,81,82],"80":[83],"81":[84,85,86,87],"82":[88,89,90],"83":[91],"84":[92],"85":[93,94,95,96,97,98],"86":[99,100,101,102,103],"87":[104,105,106,107,108,109],"89":[110,111],"90":[112,113,114],"92":[115],"94":[116,117],"95":[118,119,120],"96":[121,122],"97":[123,124],"98":[125],"99":[126],"100":[127,128,129,130],"101":[131,132],"102":[133,134,135,136,137],"103":[138,139,140],"104":[141,142,143,144],"105":[145],"106":[146],"107":[147,148],"109":[149,150],"110":[151],"111":[152,153,154],"112":[155,156],"113":[157,158,159,160,161],"114":[162,163,164,165,166,167,168],"115":[169,170,171],"116":[172],"118":[173,174,175,176],"119":[177,178,179,180,181,182,183,184],"120":[185,186,187,188,189,190,191],"121":[192,193,194,195,196],"122":[197,198,199],"123":[200,201,202,203],"124":[204,205,206,207,208],"125":[209,210,211,212,213],"126":[214,215,216],"127":[217,218,219,220],"128":[221,222,223,224],"129":[225,226,227,228],"130":[229,230,231],"131":[232,233,234,235,236,237,238,239,240,241,242,243,244,245,246,247,248,249],"132":[250,251,252,253,254],"133":[255,256,257,258],"134":[259,260,261,262],"135":[263,264,265],"136":[266,267,268,269],"137":[270,271,272],"138":[273],"139":[274,275,276,277,278],"140":[279,280,281,282,283],"141":[284,285,286,287,288,289],"142":[290,291,292,293],"143":[294,295,296,297,298],"144":[299,300,301,302],"145":[303,304],"146":[305,306,307],"147":[308,309,310,311],"148":[312,313,314,315,316],"149":[317,318,319],"150":[320],"151":[321,322,323,324],"152":[325,326],"153":[327],"154":[328,329,330,331,332,333],"155":[334,335],"156":[336,337],"158":[338,339,340,341,342],"159":[343,344,345,346],"160":[347,348,349],"161":[350,351,352,353,354],"162":[355,356],"163":[357,358,359],"164":[360,361,362,363],"165":[364,365,366,367],"166":[368,369,370],"169":[371,372,373],"170":[374,375,376],"171":[377,378,379],"172":[380,381,382],"173":[383,384,385,386,387],"174":[388],"175":[389,390,391,392,393,394,395],"176":[396,397,398],"177":[399,400,401],"179":[402],"180":[403],"181":[404],"183":[405],"185":[406],"186":[407,408,409,410],"187":[411,412,413,414,415,416],"188":[417,418,419,420,421],"189":[422,423,424,425],"190":[426],"191":[427,428],"192":[429,430],"193":[431,432,433],"194":[434,435,436,437],"195":[438,439,440,441,442],"196":[443,444,445],"197":[446],"198":[447],"199":[448,449],"200":[450,451,452,453],"201":[454],"202":[455,456,457],"203":[458],"204":[459,460],"205":[461,462,463,464,465],"206":[466,467,468,469,470,471],"207":[472,473,474,475,476,477,478],"208":[479,480,481,482],"209":[483,484,485,486,487,488,489,490,491,492,493,494,495,496,497,498,499],"210":[500,501,502,503,504,505,506,507,508,509,510,511,512,513,514,515,516],"211":[517,518,519,520,521,522,523,524,525,526,527,528,529,530,531,532,533,534],"212":[535,536,537,538,539,540,541,542,543,544,545,546,547,548,549,550,551,552,553],"213":[554,555,556,557,558,559,560,561],"214":[562,563],"216":[564],"217":[565,566,567],"218":[568],"219":[569,570],"220":[571,572,573,574],"221":[575,576,577,578,579],"222":[580,581],"223":[582,583,584,585,586,587,588,589],"224":[590,591,592,593,594,595,596,597,598,599,600],"225":[601,602,603,604,605,606,607,608,609,610,611],"226":[612,613,614,615,616,617,618],"227":[619,620,621,622,623,624,625],"228":[626,627,628,629],"229":[630,631,632,633,634,635,636,637,638],"230":[639,640,641,642,643,644,645,646,647,648,649,650,651,652,653,654,655,656,657,658,659],"231":[660,661,662,663,664,665,666,667,668,669,670,671,672,673,674,675,676,677,678,679,680],"232":[681,682,683,684,685,686,687,688,689,690,691,692],"233":[693,694,695,696],"234":[697,698,699,700,701],"235":[702,703,704,705,706],"236":[707],"237":[708,709,710,711,712,713],"238":[714,715,716],"239":[717,718,719],"240":[720,721],"241":[722,723],"242":[724,725],"243":[726,727,728,729,730],"244":[731],"245":[732,733,734,735],"246":[736,737,738],"247":[739,740,741,742,743],"248":[744,745],"251":[746,747,748],"253":[749,750],"255":[751],"258":[752],"259":[753],"260":[754,755,756],"261":[757],"262":[758,759],"263":[760,761],"264":[762],"266":[763],"268":[764,765],"269":[766,767,768],"270":[769,770,771],"271":[772,773],"272":[774],"273":[775],"274":[776,777],"275":[778,779,780,781,782,783],"276":[784,785,786,787,788,789],"277":[790,791,792,793,794,795,796,797,798,799,800],"278":[801,802,803,804],"279":[805,806],"280":[807,808],"281":[809,810,811],"282":[812,813],"283":[814,815,816],"284":[817,818,819,820],"285":[821,822,823],"286":[824,825],"287":[826],"289":[827,828,829,830],"290":[831,832,833,834,835],"291":[836,837,838,839,840,841,842,843],"292":[844],"293":[845,846],"294":[847,848,849],"295":[850],"297":[851,852,853],"299":[854,855,856,857,858,859,860,861],"300":[862,863,864,865,866],"301":[867,868,869],"303":[870],"304":[871,872,873,874],"305":[875],"306":[876,877],"307":[878,879,880],"308":[881,882],"309":[883,884,885,886],"310":[887,888,889],"312":[890,891],"313":[892,893,894],"314":[895,896,897,898],"315":[899,900],"316":[901,902,903],"317":[904],"318":[905,906,907,908],"319":[909,910],"320":[911,912,913,914,915],"322":[916,917],"323":[918],"324":[919],"326":[920],"327":[921,922],"328":[923,924],"329":[925],"330":[926],"331":[927],"333":[928],"334":[929,930,931,932],"335":[933,934],"338":[935],"339":[936,937],"340":[938,939,940,941],"341":[942,943,944],"342":[945,946],"343":[947,948],"344":[949,950],"345":[951,952],"346":[953,954],"347":[955,956,957],"348":[958,959],"350":[960,961,962,963,964],"351":[965,966,967,968,969],"352":[970,971,972,973,974,975,976],"353":[977,978,979,980],"354":[981,982],"355":[983],"356":[984,985,986,987,988],"357":[989,990,991],"358":[992,993,994,995,996,997,998,999,1000,1001,1002,1003],"359":[1004,1005,1006,1007,1008,1009,1010],"360":[1011,1012,1013,1014,1015,1016,1017],"362":[1018],"363":[1019,1020,1021,1022,1023,1024,1025,1026],"364":[1027,1028,1029,1030,1031],"365":[1032,1033,1034,1035,1036],"366":[1037],"368":[1038,1039],"369":[1040,1041,1042,1043,1044,1045,1046,1047],"370":[1048],"372":[1049],"373":[1050],"374":[1051,1052],"375":[1053],"376":[1054,1055,1056],"379":[1057],"380":[1058,1059],"381":[1060,1061],"382":[1062,1063,1064,1065],"383":[1066,1067,1068],"386":[1069],"387":[1070],"388":[1071,1072],"390":[1073,1074,1075,1076],"391":[1077,1078,1079],"392":[1080,1081,1082],"393":[1083,1084,1085,1086],"394":[1087],"395":[1088,1089,1090],"396":[1091,1092],"397":[1093],"398":[1094,1095],"399":[1096,1097],"400":[1098,1099,1100],"401":[1101,1102,1103],"403":[1104,1105,1106,1107,1108,1109],"404":[1110,1111,1112,1113,1114,1115],"405":[1116],"406":[1117,1118,1119,1120,1121],"407":[1122,1123,1124],"408":[1125,1126,1127,1128,1129,1130,1131],"409":[1132,1133],"410":[1134,1135,1136,1137,1138,1139,1140],"411":[1141,1142,1143],"412":[1144,1145],"414":[1146]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"رسائل سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nنور الهدى\nوظلمات الضلال\nفي ضوء الكتاب والسُّنَّة\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:\nفهذه رسالة في «نور الهدى وظلمات الضلالة»، بيّنت فيها بإيجاز نور الإسلام، والإيمان، والتوحيد، والإخلاص، والسُّنّة، والتقوى، كما بيّنت ظلمات الكفر، والشرك، والنفاق، وإرادة الدنيا بعمل الآخرة، والبدعة والمعاصي، وكل ذلك مقرونًا بالأدلة من الكتاب الكريم، والسنة المطهرة.\nولا شكّ أن الله - ﷿ - أنزل القرآن الكريم على محمد - ﷺ - ليخرج الناس من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى (١)، قال الله - ﷾ -: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آيات القرآن، للطبري، ١٦/ ٥١٢.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ١.","vol":"1","page":3},{"text":"وقد قسمت البحث إلى سبعة مباحث، وتحت كل مبحث مطالب، وتحت كل مطلب مسالك على النحو الآتي:\nالمبحث الأول: النور والظلمات في الكتاب والسنة.\nالمبحث الثاني: نور التوحيد، وظلمات الشرك.\nالمبحث الثالث: نور الإخلاص، وظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة.\nالمبحث الرابع: نور الإسلام، وظلمات الكفر.\nالمبحث الخامس: نور الإيمان، وظلمات النفاق.\nالمبحث السادس: نور السنة، وظلمات البدعة.\nالمبحث السابع: نور التقوى، وظلمات المعاصي.\nوأسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا أن يجعل هذا العمل القليل مباركًا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به، وينفع به كلّ من انتهى إليه، إنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيّد الناس أجمعين نبينا محمد وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nالمؤلف\nحرر يوم الأربعاء الموافق ٢٨/ ١٠/١٤١٩هـ","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: النور والظلمات في الكتاب والسنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المطلب الأول: النور والظلمات في الكتاب الكريم</span>\nجاء في كتاب الله - ﷿ - ذكر النور والظلمات في آيات كثيرة، وهذا فيه دلالة على الترغيب في العمل لاكتساب النور، وسؤال الله ذلك، والترهيب من الظلمات والاستعاذة بالله من ذلك، ومن هذه الآيات ما يأتي:\n\n١ - قال الله - ﷿ - في شأن المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ (١).\nجاء عن ابن عباس ﵄ وقتادة، ومقاتل، والضّحاك، والسُّدّي أن هذه الآيات نزلت في المنافقين، يقول: مَثَلُهم في نفاقهم كمَثَلِ رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة، فاستدفأ ورأى ما حوله، فاتقى مما يخاف، فبينما هو كذلك إذ طَفئت نارُه، فبقي في ظلمة خائفًا متحيِّرًا، فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أَمِنوا على أموالهم، وأولادهم، وناكحوا المؤمنين، ووارثوهم، وقاسموهم الغنائم، فذلك نورهم، فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف (٢).\nواختار الإمام ابن جرير الطبري هذا القول، فقال: «وأولى التأويلات بالآية: ما قاله قتادة، والضحاك، وما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس» (٣)، وذكر ﵀ أن هؤلاء المنافقين أظهروا إيمانهم\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان: ١٧ - ١٨.\n(٢) تفسير البغوي، ١/ ٥٣.\n(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١/ ٣٢٤، وذكر سنده لقولهم في: ١/ ٣٢٣.","vol":"1","page":5},{"text":"بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، حتى حُكِمَ لهم بذلك في الدنيا: في حقن الدماء والأموال، والأمن على الذرِّية، كمثل استضاءة الموقد للنار بالنار، حتى إذا انتفع بضيائها، وأبصر ما حوله خمدت النار، فذهب نوره، وعاد في ظلمة وحيرة، فالله - ﷿ - يُطفئ نورهم يوم القيامة، فيستنظروا المؤمنين؛ ليقتبسوا من نورهم، فيقال لهم: «ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا» (١)، فقد حصل لهم في الآخرة ظلمة القبر، وظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة المعاصي على اختلاف أنواعها (٢).\nواختار الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى أن هؤلاء آمنوا ثم كفروا فقال: «وتقدير هذا المثل أن الله سبحانه شبَّههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت\nما حوله، وانتفع بها، وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، واستأنس بها، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يُبصر ولا يهتدي، وهو مع هذا أصمُّ لا يسمع، أبكمُ لا ينطق، أعمى لو كان ضياءً لما أبصر؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغيّ على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا» (٣)، وقال ﵀: «وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن،١/ ٣٢٦،والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١/ ٢٣٠.\n(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٧.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٥١.","vol":"1","page":6},{"text":"هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، والصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينافي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه، وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير هذه الآية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٢) انتهى (٣).\nقال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: «مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارًا: أي كان في ظلمة عظيمة، وحاجة إلى النار شديدة، فاستوقدها من غيره، ولم تكن عنده مُعدَّةً، بل هي خارجة عنه، فلما أضاءت النار ما حوله، ونظر المحل الذي هو فيه، وما فيه من المخاوف، وأمنها، وانتفع بتلك النار، وقرت بها عينه، وظن أنه قادر عليها، فبينما هو كذلك ذهب الله بنوره، فزال عنه النور، وذهب معه السرور، وبقي في الظلمة العظيمة، والنار محرقة فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، والظلمة الحاصلة بعد النور، فكيف يكون حال هذا الموصوف؟ فكذلك هؤلاء المنافقون، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين، ولم تكن صفةً لهم، فاستضاؤوا بها مؤقتًا، وانتفعوا، فحُقنت بذلك دماؤهم، وسَلِمت أموالهم، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم كذلك إذ هجم عليهم الموتُ فسلبهم الانتفاع بذلك النور، وحصل لهم كلُّ همٍّ وغمٍّ وعذاب، وحصل لهم:\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٨.\n(٢) سورة المنافقون، الآية: ٣.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٥١.","vol":"1","page":7},{"text":"ظلمة القبر، وظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة المعاصي، على اختلاف أنواعها، وبعد ذلك ظلمة النار وبئس القرار؛ فلهذا قال تعالى: ﴿صُمٌّ﴾ أي عن سماع الخير، ﴿بُكْمٌ﴾ أي عن النطق به، ﴿عُمْيٌ﴾ أي عن رؤية الحق، ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾؛ لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعًا منهم» (١).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «شبَّه سبحانه أعداءه المنافقين بقوم أوقدوا نارًا؛ لتضيء لهم، وينتفعوا بها، فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم ويضرهم، وأبصروا الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين، فهم قوم سَفَر ضلُّوا الطريق فأوقدوا النار تضيء لهم الطريق، فلما أضاءت لهم وأبصروا وعرفوا طفئت تلك الأنوار، وبقوا في الظلمات لا يبصرون، وقد سُدّت عليهم أبواب الهدى الثلاثة؛ فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب: مما يسمعه بأذنه، ويراه بعينه، ويعقله بقلبه، وهؤلاء قد سُدَّت عليهم أبواب الهدى، فلا تسمع قلوبهم شيئًا، ولا تبصره، ولا تعقل ما ينفعها» (٢).\nوبيَّن رحمه الله تعالى أن الله - ﷾ -: «سَمَّى كتابه نورًا، ورسوله - ﷺ - نورًا، ودينه نورًا، وهُدَاه نورًا، ومن أسمائه النور، والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم ذهاب بهذا كله» (٣)، وبيّن ﵀: «أن الخارجين عن\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٧.\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية، ٢/ ٦٣.\n(٣) المرجع السابق، ٢/ ٣٥، وانظر: ٢/ ٤٤.","vol":"1","page":8},{"text":"طاعة الرسل يتقلَّبون في عشر ظلمات: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث، وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار، ولهذه الأمة ونبيها - ﷺ - من النور ما ليس لأمة غيرها، ولنبيها - ﷺ - من النور ما ليس لنبي غيره» (١).\n\n٢ - وقول الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ والله مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (٢)، وهذا مثل آخر ضربه الله - ﷿ - للمنافقين، بمعنى: إن شئت مثِّلْهم بالمستوقد، وإن شئت بأهل الصيِّب، وهو المطر الذي يصوب: أي ينزل من السماء إلى الأرض، وقيل: ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، يريد: وكصيِّبٍ ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ أي: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، ﴿وَرَعْدٌ﴾: وهو الصوت الذي يسمع من السحاب،\n﴿وَبَرْقٌ﴾، وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ البرق في تلك الظلمات ﴿مَّشَوْاْ فِيهِ﴾، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾: أي وقفوا متحيرين (٣).\n_________\n(١) المرجع السابق، ٢/ ٤٣.\n(٢) سورة البقرة، الآيتان: ١٩ - ٢٠.\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل القرآن، للطبري، ١/ ٣٣٣ - ٣٦٢، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١/ ٢٣٣ - ٢٤٢، وتفسير البغوي، ١/ ٥٣ - ٥٤، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير،\n١/ ٥٣، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٧.","vol":"1","page":9},{"text":"فالله تعالى شَبَّههم في كفرهم ونفاقهم بقومٍ كانوا في مفازةٍ وسوادٍ في ليلةٍ مظلمة، أصابهم فيها مطرٌ فيه ظلمات، من صفتها أن السَّاري لا يمكنه المشي فيها، وصواعق من صفتها أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هولها، وقوة صوتها المخيفة، وبرق من صفته أن يقرب من خطف أبصارهم، ويعميها من شدة توقُّده. فهذا مَثَلٌ ضربه الله للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر: القرآن؛ لأنه حياة القلوب، كما أن المطر حياة الأبدان، والظلمات: الكفر والشرك الذي حذَّر عنه القرآن، والرعد ما خوِّفوا به من الوعيد، وذكر النار، والبرق ما فيه من الهدى والبيان، والوعد، وذكر الجنة، فالمنافقون يسدُّون آذانهم عند قراءة القرآن، مخافةَ ميل القلب إليه؛ لأن الإيمان عندهم كفر، والكفر موت\n﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾: أي يبهر قلوبهم (١).\nوقال العلامة السعدي ﵀ بعد أن ذكر تفسير الآية: «فهكذا حالة المنافقين إذا سمعوا القرآن، وأوامره، ونواهيه، ووعده، ونهيه، ووعيده جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه، ووعده، ووعيده، فيروعهم وعيده، وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيِّب الذي يسمع الرعد فيجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت، فهذا ربما حصلت له السلامة، وأما المنافقون فأنَّى لهم السلامة، وهو تعالى محيط بهم: قدرةً، وعلمًا، فلا\n_________\n(١) تفسير البغوي، ١/ ٥٤.","vol":"1","page":10},{"text":"يفوتونه، ولا يعجزونه، بل يحفظ عليهم أعمالهم، ويجازيهم عليها أتمَّ الجزاء، ولَمّا كانوا مُبتلين بالصَّمَمِ، والبكم، والعمى المعنوي، ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ أي الحسية، ففيه تخويف لهم، وتحذير من العقوبة الدنيوية؛ ليحذروا فيرتدعوا عن بعض شرهم، ونفاقهم ﴿إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئًا فعله من غير ممانع ولا معارض» (١).\nوقد تكلَّم الإمام ابن القيم ﵀ كلامًا نفيسًا بعد أن ذكر المثل الناري للمنافقين، فقال: «ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي، فشبههم بأصحاب صيِّب، وهو المطر الذي يصوَّب: أي ينزل من السماء، فيه ظلمات، ورعد، وبرق؛ فلضعف بصائرهم وعقولهم اشتدت عليهم زواجر القرآن، ووعده، ووعيده، وتهديده، وأوامره، ونواهيه، وخطابه الذي يشبه الصواعق، فحالهم كحال من أصابه مطر فيه ظلمة، ورعد، وبرق؛ فلضعفه وخوفه جعل أصبعيه في أذنيه خشيةً من صاعقة تصيبه» (٢).\n\n٣ - قال الله - ﷿ -: ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٧.\n(٢) أمثال القرآن، ص١٨، وانظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، لابن القيم، ٢/ ٦٨، ففيه كلام عظيم النفع.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٧.","vol":"1","page":11},{"text":"لا شك أن الله - ﷿ - نصير المؤمنين، وظهيرهم، ويتولاهم بعونه وتوفيقه، ويخرجهم من ظلمات: الكفر، والشرك، والضلالة، إلى نور: الإيمان، والتوحيد، والهداية، وقد جعل سبحانه الظلمات للكفر مثلًا؛ لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجبٌ أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحة أسبابه، فالله - ﷿ - وليُّ المؤمنين، ومُبصِّرهم حقيقة الإيمان، وسبله، وشرائعه، وحججه، وهاديهم فموفِّقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظُلَمِ سواتره عن إبصار القلوب، والذين كفروا بجحد وحدانيته، نُصَراؤهم وظُهراؤهم الذين يتولونهم ﴿الطَّاغُوتُ﴾ وهم: الأنداد، والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله، يخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، وشكوكه الحائلة دون إبصار القلوب، ورؤية ضياء الإيمان وحقائق أدلته وسُبُله (١).\n\n٤ - وقال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِالله وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (٢).\nفبيّن الله - ﷿ - أنه قد جاء جميع الناس حجة منه سبحانه، وبرهان قاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهة، وهو محمد - ﷺ - الذي جعله الله حجة قطع بها أعذار الناس، وأنزل الله معه النور الواضح المبين «وهو القرآن الكريم»\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١/ ٣١٨، و٥/ ٤٢٤، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ٣/ ٢٨٢.\n(٢) سورة النساء، الآيتان: ١٧٤ - ١٧٥.","vol":"1","page":12},{"text":"الذي يُبيّن الحجة الواضحة، والسبل الهادية إلى ما فيه النجاة من عذاب الله، وأليم عقابه، لمن سلكها واستنار بضوئها (١). والله - ﷿ - قد جعل النور في كتبه التي أنزلها على رسله، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (٢)، وقال - ﷾ -: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ (٣)، وقال تعالى في عيسى - ﷺ -: ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ (٤)، وقد أنزل الله - ﷿ - القرآن الكريم، وختم به هذه الأنوار، فهو النور الأعظم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله﴾ (٥).\n\n٥ - وقال الله - ﷿ -: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ (٦): يعني بالنور محمدًا - ﷺ - الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به، يُبيّن الحق، قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (٧)، ومن إنارته - ﷺ - للحق تبيينه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب، وقوله تعالى: ﴿وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ يعني كتابًا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم:\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٩/ ٤٢٧،وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ١/ ٥٦٠.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٤٤.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ٩١.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٤٦.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ٤٨.\n(٦) سورة المائدة، الآيتان: ١٥ - ١٦.\n(٧) سورة الأحزاب، الآيتان: ٤٥ - ٤٦.","vol":"1","page":13},{"text":"من توحيد الله، وحلاله، وحرامه، وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد - ﷺ - يُبين للناس ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم، ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقَّه من باطله (١).\n﴿يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ سبل السلام: طرق السلام، والسلام هو الله - ﷿ -، وسبيل الله الذي شرعه لعباده، ودعاهم إليه، وابتعث به رسله: هو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملًا إلا به، ويخرجهم من الظلمات إلى النور: يعني من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإسلام وضيائه (٢).\nوقال السعدي ﵀: «ظلمات: الكفر، والبدعة، والمعصية، والجهل والغفلة، إلى نور: الإيمان، والسنة، والطاعة، والعلم والذكر» (٣).\n\n٦ - وقال - ﷿ -: ﴿الْحَمْدُ لله الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ (٤)، قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: «واختلف العلماء في المعنى المراد بالظلمات والنور، فقال السدي، وقتادة، وجمهور المفسرين: المراد سواد الليل، وضياء النهار، وقال الحسن: الكفر، والإيمان، قلت: اللفظ يعمُّه» (٥)، وقال السعدي ﵀: «فحَمِد نفسه على خلق السموات والأرض\n_________\n(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٠/ ١٤٣.\n(٢) المرجع السابق، ١٠/ ١٤٥.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص١٨٨.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن، ٦/ ٣٦١.","vol":"1","page":14},{"text":"الدّالّة على كمال قدرته، وسَعَة علمه، ورحمته، وعموم حكمته، وانفراده بالخلق والتدبير، وعلى جعله الظلمات والنور، وذلك شامل للحسِّي من ذلك: كالليل والنهار، والشمس والقمر، والمعنوي: ظلمات: الجهل، والشك، والشرك، والمعصية، والغفلة، ونور العلم، والإيمان، واليقين، والطاعة، وهذا كله يدلّ دلالة قاطعة أنه تعالى هو المستحق للعبادة وإخلاص الدين له (١).\n\n٧ - وقال - ﷾ -: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ\nمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢).\nهذا مثل ضربه الله للمؤمن الذي كان ميتًا: أي في الضلالة حائرًا، فأحيا الله قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتِّباع رسوله - ﷺ - (٣)، فقد كان ميِّت القلب بعدم روح العلم والهدى والإيمان، وبجهله بتوحيد الله وشرائع دينه، وتَرْكِهِ العمل لله بما يؤدي إلى نجاته، فأحياه الله بروح أخرى غير الروح التي أحيا بها بدنه، وهي روح هدايته للإسلام، ومعرفة الله وتوحيده، ومحبته، وعبادته وحده لا شريك له، وجعل له نورًا يمشي به بين الناس، وهو نور القرآن والإسلام، فهل يستوي هذا بمن هو في الظلمات: ظلمات الجهل، والكفر، والشرك، والشكّ، والغيّ\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢١٢.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.\n(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٢/ ١٦٣.","vol":"1","page":15},{"text":"والإعراض، والمعاصي؟ ليس بخارجٍ منها؛ قد التبست عليه الطرق وأظلمت عليه المسالك، فحضره الهمُّ، والغمُّ، والحزن، والشقاء، فنبه - ﷿ - العقول بما تدركه وتعرفه، أنه لا يستوي هذا ولا هذا، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، والأحياء والأموات، فكأنه قيل: فكيف يُؤثِر من له مسكة من عقل أن يكون بهذه الحالة، وأن يبقى في الظلمات متحيِّرًا؛ فأجاب بأنه ﴿زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، فلم يزل الشيطان يُحَسِّن لهم أعمالهم، ويُزَيِّنُها في قلوبهم، حتى استحسنوها ورأوها حقًا، وصار ذلك عقيدة في قلوبهم، وصفة راسخة ملازمة لهم (١).\n٨ - وقال - ﷾ -: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢).\nبيّن وأوضح - ﷾ - أن اليهود والنصارى ومن معهم من المشركين\n\n﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ونور الله: دينه الذي أرسل به محمدًا - ﷺ -، وسمّاه الله نورًا؛ لأنه يستنار به في ظلمات الجهل، والأديان الباطلة؛ فإنه علمٌ بالحق، وعملٌ بالحق، ويدخل في هذا النور حجج الله على توحيده؛ فإنّ البراهين نور لما فيها من البيان، فهؤلاء اليهود والنصارى ومن ضاهاهم من المشركين يريدون أن يطفئوا نور الله بمجرد أقوالهم الباطلة، وجدالهم، وافترائهم، فمثلهم كمثل من يريد أنْ\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٢/ ٨٨، ومدارج السالكين، لابن القيم،\n٣/ ٢٥٨، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٢/ ١٦٣، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٣٤.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٣٢.","vol":"1","page":16},{"text":"يُطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فلا على مرادهم حصلوا، ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها (١)، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَالله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢).\n\n٩ - وقال - ﷾ -: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (٣)، قال قتادة: «أما الأعمى والبصير: فالكافر والمؤمن، وأما الظلمات والنور: فالهدى والضلالة» (٤).\n١٠ - وقال - ﷿ -: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٥)، قال قتادة: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من الضلالة إلى الهدى» (٦)، قال السعدي ﵀: ليخرج الناس من ظلمات الجهل، والكفر، والأخلاق السيئة، وأنواع المعاصي إلى نور العلم، والإيمان، والأخلاق الحسنة» (٧).\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٤/ ٢١٣ - ٢١٤، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ٨/ ٦١٤، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٢/ ٣٣٤، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٩٥، وص٧٩٧.\n(٢) سورة الصف، الآيتان: ٧ - ٨.\n(٣) سورة الرعد، الآية: ١٦.\n(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٦/ ٤٠٧.\n(٥) سورة إبراهيم، الآية: ١.\n(٦) جامع البيان عن تأويل أي القرآن، للطبري، ١٦/ ٥١٢.\n(٧) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣٧٥.","vol":"1","page":17},{"text":"١١ - وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (١): أي ادعهم من الضلالة إلى الهدى (٢).\nوقال السعدي ﵀: «أي ظلمات الجهل والكفر، وفروعه إلى نور العلم والإيمان وتوابعه» (٣).\n\n١٢ - وقال الله - ﷿ -: ﴿الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤).\nوقد فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فقيل في تفسير ذلك أقوال:\n١ - الله هادي أهل السموات والأرض.\n٢ - الله يُدبِّر الأمر في السموات والأرض: نجومها، وشمسها، وقمرها، فهو سبحانه مُنوِّر السموات والأرض.\n٣ - الله ضياء السموات والأرض (٥).\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ٥.\n(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٦/ ٥١٨.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣١٦.\n(٤) سورة النور، الآية: ٣٥.\n(٥) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري، ١٩/ ١٧٧، وتفسير البغوي،\n٣/ ٣٤٥، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١١/ ٢٥٨، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير،\n٣/ ٢٨٠، واجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ٢/ ٤٤.","vol":"1","page":18},{"text":"قال الإمام ابن القيم ﵀: «والحق أنه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلِّها» (١).\nفالله - ﷿ - هادي أهل السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من الضلالة ينجون، وهو سبحانه منوِّر السموات والأرض، ومُدَبِّر الأمر فيهما: بنجومها، وشمسها، وقمرها، وهو - ﷿ - نور؛ فقد سمَّى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا تتلألأ (٢).\nقال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀: «﴿الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، الحسي والمعنوي، وذلك أنه تعالى بذاته نور، وحجابه نور، الذي لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والنور، وبه استنارت الجنة. وكذلك المعنوي يرجع إلى الله: فكتابه نور، وشرعه نور، والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمنين نور، فلولا نوره تعالى لتراكمت الظلمات؛ ولهذا كل محل يفقد نوره فَثمَّ الظلمة والحصر» (٣).\nوالنور يضاف إلى الله - ﷿ - على وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله، فالأول كقوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٦.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٤٤.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٥١٧.","vol":"1","page":19},{"text":"رَبِّهَا﴾ (١)، فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء (٢)، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي - ﷺ - في إثبات صفة النور والفعل لله - ﷿ -، وأنه نور السموات والأرض وما فيهما، ومُنوِّرهما وما فيهما، وهي على النحو الآتي:\nالحديث الأول: حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - إذا قام يتهجَّد من الليل قال: «اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيِّم السموات والأرض ومن فيهن ...» الحديث (٣).\nالحديث الثاني: حديث أبي موسى - ﵁ - قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات فقال: «إن الله - ﷿ - لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٤).\nفالله - ﷿ - لا ينام وهو منزه عن ذلك، قال الله - ﷿ -: ﴿الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ (٥)، والسِّنة: النعاس. وهو - ﷿ - يخفض الميزان ويرفعه، وسُمِّي الميزان قسطًا؛ لأن القسط العدل وبالميزان يقع العدل. والمراد أن الله تعالى يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، ويوزن من أرزاقهم النازلة، وقيل: المراد بالقسط: الرزق\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٦٩.\n(٢) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٥.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب التهجد بالليل، ١/ ٥٣٢، برقم ١١٢٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٦٩.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قوله - ﷺ -: «إن الله لا ينام»، ١/ ١٦٢، برقم ١٧٩.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.","vol":"1","page":20},{"text":"الذي هو قسط كل مخلوق يخفضه فيقتره، ويرفعه فيوسعه، والله أعلم (١)، وهو - ﷿ - يُرفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار الذي بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده؛ فإن الملائكة الحَفَظَة يصعدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل، والله أعلم (٢)، والله ﵎ حجابه النور: أي الحجاب المانع والساتر من رؤيته النور، وسبحات وجهه: نوره وجلاله، ولو كشف وأزال الحجاب المُسمَّى نورًا، وتجلّى لخلقه لأحرقت سبحات وجهه جميع مخلوقاته؛ لأن بصره - ﷿ - محيط بجميع الكائنات (٣).\nالحديث الثالث: حديث أبي ذر - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ -:هل رأيت ربك؟ قال: «نورٌ أنَّى أراه»،وفي رواية: «رأيتُ نورًا» (٤)،والمعنى حجابه النور فكيف أراه (٥)،قال الإمام ابن القيم ﵀: «... سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «معناه كان ثَمَّ نور، أو حال دون رؤيته نور، فأنّى أراه» (٦).\nوقوله - ﷿ -: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قيل في تفسير «الهاء» أقوال على النحو الآتي:\nالقول الأول: مثل نور الله: أي مثل: هدى الله في قلب المؤمن.\nالقول الثاني: مثل نور المؤمن الذي في قلبه من القرآن والإيمان.\nالقول الثالث: مثل نور محمد - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٦.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٣/ ١٧.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٧.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قوله - ﷺ -: «نور أنى أراه» ١/ ١٦١، برقم ١٧٨.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٥.\n(٦) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٧.","vol":"1","page":21},{"text":"القول الرابع: مثل نور القرآن (١).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: والصحيح أنه يعود على الله - ﷿ -، والمعنى: مثل نور الله - ﷾ - في قلب عبده، وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله - ﷺ -، فهذا مع تضمُّن عود الضمير إلى المذكور، وهو وجه الكلام، يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتمّ معنىً ولفظًا، وهذا النور يضاف إلى الله تعالى إذ هو معطيه لعبده، وواهبه إياه، ويُضاف إلى العبد إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل، وقابل، ومحل، وحامل، ومادة، وقد تضمَّنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل: فالفاعل هو الله تعالى، مُفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء، والقابل العبد المؤمن، والمحل قلبه، والحامل: همته، وعزيمته، وإرادته، والمادة: قوله وعمله» (٢).\nوقوله - ﷿ -: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ فيه أقوال النحو الآتي:\nالقول الأول: المشكاة: كلّ كُوَّةٍ لا منفذ لها، وهذا مثل ضربه الله لمحمد - ﷺ -، والمصباح قلبه، والزجاجة صدره.\nالقول الثاني: المشكاة: صدر المؤمن، والمصباح القرآن والإيمان، والزجاجة قلبه.\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٩/ ١٧٨ - ١٧٩، وتفسير البغوي، ٣/ ٣٤٥، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١١/ ٢٦١، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٢٨٠.\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":22},{"text":"القول الثالث: هو مثل للمؤمن غير أن المصباح وما فيه مثل لفؤاده، والمشكاة مثل لجوفه، ومعنى نور على نور: يعني إيمانه وعمله.\nالقول الرابع: مثل القرآن في قلب المؤمن.\nواختار الإمام ابن جرير ﵀ أن أولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلوب أهل الإيمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد الذي أنزله إليهم، فآمنوا به وصدّقوا بما فيه، في قلوب المؤمنين مثل مشكاة، وهي عمود القنديل الذي في الفتيلة، وذلك هو نظير الكوّة التي تكون في الحيطان لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة لأنه غير نافذ، وهو أجوف مفتوح الأعلى، فهو كالكوّة التي في الحائط لاتنفذ، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: والمصباح هو السراج، وجعل السراج هو المصباح مثلًا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾: يعني أن السراج الذي في المشكاة في القنديل: وهو الزجاجة وذلك مثل القرآن، يقول القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله، والشك فيه واستنارته بنور القرآن، واستضاءته بآيات ربه البينات، ومواعظه فيها بالكوكب الدّريّ، فقال: ﴿الزُّجَاجَةُ﴾، وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه، كأنه كوكب دُرّيّ» (١).\nوقوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾، وفي تفسيرها أقوال:\n_________\n(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١٩/ ١٨٤، بتصرف يسير.","vol":"1","page":23},{"text":"١ - قيل: شرقية غربية تطلع عليها الشمس بالغداة، وتغرب عليها، فيصيبها حر الشمس بالغداة والعشي، وهذا أجود لزيتها.\n٢ - وقيل: هي شجرة وسط الشجر ليست من الشرق ولا من الغرب.\n٣ - وقيل: هي شجرة ليست من شجر الدنيا.\nقال الإمام الطبري ﵀: «وأولى هذه الأقوال قول من قال: إنها شرقية غربية، وقال: ومعنى الكلام: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية» (١).\nوقوله تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nوالمعنى: هذا القرآن نور من عند الله أنزله إلى خلقه يستضيئون به\n﴿عَلَى نُورٍ﴾ على الحجج والبيان الذي قد نصبه لهم قبل مجيء القرآن، مما يدل على حقيقة وحدانيته، وذلك بيان من الله، ونور على البيان، والنور الذي كان وضعه لهم ونصبه قبل نزوله، والله - ﷿ - يوفق لاتّباع نوره من يشاء من عباده، ويُمثّل الأمثال والأشباه للناس، كما مثل لهم هذا القرآن في قلب المؤمن بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في هذه الآية من الأمثال، وهو سبحانه يضرب الأمثال عن علم سبحانه - ﷿ - (٢).\n_________\n(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١٩/ ١٨٧، وانظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي،\n١١/ ٢٦١، وتفسير البغوي، ٣/ ٣٤٧، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٢٨١، واجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٥١، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٥١٧.\n(٢) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٩/ ١٨٨.","vol":"1","page":24},{"text":"وذكر ابن كثير ﵀ أن أُبي بن كعب - ﵁ - قال في تفسير: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [إيمان العبد وعمله]: «فهو يتقلب في خمسة أنوار: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة» (١).\nوتكلّم العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀ على تفسير: ﴿مَثَلُ\nنُورِهِ﴾ الذي يهدي إليه، وهو نور الإيمان والقرآن في قلب المؤمن\n﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ أي كوة ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾؛ لأن الكوة تجمع نور المصباح بحيث لا يتفرق ذلك ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ من صفائها وبهائها ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أي مضيء إضاءة الدُّرّ، ﴿يُوقَدُ﴾ ذلك المصباح الذي في تلك الزجاجة الدرية ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ﴾: أي يوقد من زيت الزيتون، الذي ناره من أنور ما يكون ﴿لا شَرْقِيَّةٍ﴾ فقط، فلا تصيبها الشمس آخر النهار، ﴿وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ فقط، فلا تصيبها الشمس أول النهار، وإذا انتفى عنها الأمران، كانت متوسطة من الأرض كزيتون الشام، تصيبه الشمس أول النهار وآخره، فيحسن ويطيب، ويكون أصفى لزيتها؛ ولهذا قال: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا﴾ من صفائها ﴿يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ فإذا مسته النار أضاء إضاءة بليغة ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ أي نور النار ونور الزيت ووجه هذا المثل الذي ضربه الله، وتطبيقه على حالة المؤمن ونور الله في قلبه، أن فطرته التي فُطِر عليها بمنزلة الزيت الصافي، ففطرته صافية، مستعدة للتعاليم الإلهية، والعمل المشروع، فإذا وصل إليه العلم والإيمان اشتعل ذلك النور في قلبه، بمنزلة إشعال النار فتيلة\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، ٣/ ٢٨١، وانظر: تفسير البغوي، ٣/ ٣٤٧.","vol":"1","page":25},{"text":"ذلك المصباح، وهو صافي القلب: من سوء القصد، وسوء الفهم عن الله، إذا وصل إليه الإيمان أضاء إضاءةً عظيمة؛ لصفائها من الكدورات، وذلك بمنزلة صفاء الزجاجة الدّريّة، فيجتمع له: نور الفطرة، ونور الإيمان، ونور العلم، وصفاء المعرفة، ونور على نوره، ولما كان هذا من نور الله تعالى، وليس كل أحد يصلح له ذلك قال: ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ ممن يعلم زكاءه وطهارته، وأنه يزكى معه وينمو، ﴿وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ ليعقلوا عنه، ويفهموا لطفًا منه بهم، وإحسانًا إليهم؛ وليتضح الحق من الباطل، فإن الأمثال تُقرِّب المعاني المعقولة من المحسوسة، فيعلمها العباد علمًا واضحًا ﴿وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فعلمه محيط بجميع الأشياء، فَلْتَعْلموا أن ضربه الأمثال ضربُ من يعلم حقائق الأشياء، وتفاصيلها، وأنها مصلحة للعباد، فليكُن اشتغالكم بتدبُّرها وتعقُّلها، لا بالاعتراض عليها، ولا بمعارضتها، وأنتم لا تعلمون» (١)، وهذه الآية من أولها إلى آخرها فيها فوائد عظيمة، وأمثال حكيمة بليغة؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم ﵀: «وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني، وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقرُّ به عيون أهله، وتبتهج به قلوبُهم، وفي التشبيه لأهل المعاني طريقتان:\nأحدهما: طريقة التشبيه المركب، وهي أقرب مأخذًا، وأسلم من التكلف، وهي أن تشبه الجملة برمّتها بنور المؤمن من غير تعرض\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٥١٧.","vol":"1","page":26},{"text":"لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبَّه، ومقابلته بجزء من المشبَّه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن الكريم، فتأمّل صفة مشكاة، وهو كوّة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء، وقد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدّرّيّ في صفائها وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان وأتمها وقودًا من زيت شجرة ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾: بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل تصيبها الشمس أعدل إصابة، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائه وحسنه يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به.\nوالطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصَّل، فقيل: المشكاة: صدر المؤمن، والزجاجة قلبه، وشُبِّه قلبه بالزجاجة لرقّتها، وصفائها، وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن، فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة: فهو يرحم، ويحسن، ويتحنّن، ويُشفق على الخلق برأفته، وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه، ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتدّ في أمر الله تعالى، ويتصلّب في ذات الله تعالى، ويغلظ على أعداء الله تعالى، ويقوم بالحق لله تعالى، وقد جعل الله القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: «القلوب آنية الله في أرضه، وأحبها إليه: أرقّها وأصلبها وأصفاها» (١)، والمصباح: هو نور\n_________\n(١) عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة يرفعه: «إن لله ﵎ في الأرض آنية، وأحب آنية الله إليه ما رقّ منها وصفا، وآنية الله في الأرض قلوب عباده الصالحين». أحمد في الزهد، ص٢٨٣، برقم ٨٢٧، وصححه الألباني بعد أن ذكر طرقه في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٢٦٣، برقم ١٦٩١.","vol":"1","page":27},{"text":"الإيمان في قلبه، والشجرة المباركة: هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى، ودين الحق، وهي مادة المصباح، التي يَتَّقِد منها، والنور على النور: نور الفطرة الصحيحة، والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر، فيزداد العبد نورًا على نور؛ ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه من الأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه، ونطق به، فيتفق عنده شاهد العقل، والشرع، والفطرة، والوحي، فيريه عقله، وفطرته، وذوقه أن الذي جاء به الرسول - ﷺ - هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة، بل يتصادقان ويتوافقان، فهذا علامة النور على النور عكس من تلاطمت في قلبه أمواج الشُّبَه الباطلة، والخيالات الفاسدة (١).\n\n١٣ - وضرب الله - ﷿ - مثلين لبُطلان عمل الكفار فقال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَالله سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (٢).\nفالمثل الأول ضربه الله - ﷿ - لأعمال الكفرة الذين جحدوا توحيده، وكذّبوا بالقرآن وبما جاء به، مَثَلُ أعمالهم التي عملوها كسرابٍ بقِيعةٍ -\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٩ - ٥٢، بتصرف يسير.\n(٢) سورة النور، الآيتان: ٣٩ - ٤٠.","vol":"1","page":28},{"text":"جمع قاعٍ - يحسبه العطشان ماءً، حتى إذا جاءه ملتمسًا ماءً يستغيث به من عطشه لم يجد السراب شيئًا، فكذلك الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها في غرور، يحسبون أنها منجيتهم عند الله من عذابه كما حسب الظمآن السراب ماءً، فظنه يرويه من ظمئه، حتى إذا هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان يرى أنه نافعه عند الله لم يجده ينفعه شيئًا؛ لأنه عمله على كفرٍ بالله، ووجد هذا الكافرُ اللهَ عند هلاكه بالمرصاد، فوفّاه يوم القيامة حساب أعماله التي عملها في الدنيا، وجازاه بها جزاءه الذي يستحقه عليها منه.\nوالمثل الثاني: ضربه الله - ﷿ - في بطلان أعمال الكفار، مثل ظلمات في بحر عميق كثير الماء، يغشاه موج، ومن فوق الموج موج آخر يغشاه، ومن فوق الموج الثاني سحاب، فجعل الظلمات مثلًا لأعمالهم، والبحر اللُّجّيِّ مثلًا لقلب الكافر الذي مثل عمله مثل هذه الظلمات: يغشاه الجهل بالله؛ لأن الله ختم عليه فلا يعقل عن الله، وختم على سمعه فلا يسمع مواعظ الله، وجعل على بصره غشاوة فلا يبصر به حق الله، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض (١)، وهذا كقوله - ﷿ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلا تَذَكَّرُون﴾ (٢)، قال السعدي ﵀: «فالكفار تراكمت على قلوبهم الظلمات: ظلمة الطبيعة التي لا خير فيها،\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٩/ ١٩٥ - ١٩٩، وأمثال القرآن، لابن القيم، ص٢٢، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٢٨٦.\n(٢) سورة الجاثية، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":29},{"text":"وفوقها ظلمة الكفر، وفوق ذلك ظلمة الجهل، وفوق ذلك ظلمة الأعمال الصادرة عما ذكر، فبقوا في الظلمة متحيّرين، وفي غمرتهم يعْمَهُون، وعن الصراط المستقيم مُدبرون، وفي طرق الغي والضلال يتردّدون، وهذا؛ لأن الله خذلهم فلم يُعطِهم من نوره» (١).\n\nوذكر الإمام ابن القيم ﵀ كلامًا نفيسًا بعد أن فسَّر الآيات من قول الله تعالى: ﴿الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾، هذا مضمونه: فانظر كيف تضمنت هذه الآيات طوائف بني آدم كلّهم أتمّ انتظام، واشتملت عليهم أكمل اشتمال؛ فإن<span data-type=\"title\" id=toc-17> الناس قسمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>القسم الأول: أهل الهدى والبصائر </span>الذين عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول - ﷺ - عن الله، وأن كل ما عارضه فشبهات تشتبه على من قلّ نصيبه من العقل والسمع ... وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق، أصحاب العلم النافع والعمل الصالح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>القسم الثاني: أهل الجهل والظلم، وهؤلاء قسمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>١ - الذين يحسبون أنهم على علم وهدى</span>، وهم أهل الجهل المركب الذين يجهلون الحق ويعادونه ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالونه ويوالون أهله، وهم يحسبون أنهم على شيء ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٢ - أصحاب الظلمات، وهم المنغمسون في الجهل</span>، بحيث قد أحاط\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٥١٩.","vol":"1","page":30},{"text":"بهم من كل جهة، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضل سبيلًا، فأعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، كظلمات: ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظلم واتباع الهوى، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض عن الحق؛ فإن المعرض عما بعث الله تعالى به محمدًا - ﷺ - من الهدى ودين الحق يتقلّب في خمس ظلمات: قوله ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمة: فقلبه مظلم، ووجهه مظلم، وكلامه مظلم، وحاله مظلم (١).\n\nثم ذكر ﵀ أن شيخه ابن تيمية قال:<span data-type=\"title\" id=toc-22> الناس في الهدى الذي بعث الله تعالى به رسوله - ﷺ - أربعة أقسام:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-23> القسم الأول: قبلوه ظاهرًا وباطنًا، وهم نوعان:</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-24> النوع الأول: أهل الفقه فيه، والفهم</span>، والتعليم، وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله تعالى كتابه، وفهموا مراده، وبلّغوه إلى الأمة، واستنبطوا أسراره، وكنوزه، فهؤلاء كمثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم، وأخذوا من ذلك الكلأ الغذاء والقوت، والدواء، وسائر ما يصلح لهم.\n-<span data-type=\"title\" id=toc-25> النوع الثاني: حفظوه، وضبطوه وبلّغوا ألفاظه إلى الأمة</span>، فحفظوا عليهم النصوص، وليسوا من أهل الاستنباط والفقه في مراد الشارع، فهم أهل حفظ وضبط، وأداء لِمَا سمعوه، وهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس، فوردوه، وشربوا منه، وسقوا منه أنعامهم، وزرعوا به.\n_________\n(١) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على المعطلة والجهمية، ٢/ ٥٣ - ٥٨.","vol":"1","page":31},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-26> القسم الثاني: من ردّه ظاهرًا وباطنًا، وكفر به، ولم يرفع به رأسًا، وهؤلاء أيضًا نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>النوع الأول: عرفه وتيقَّن صحته، وأنه حق، ولكن حمله الحسد، والكِبر</span>، وحب الرئاسة، والملك، والتقدم بين قومه على جحده، ودفعه بعد البصيرة واليقين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>النوع الثاني: أتباع هؤلاء الذين يقولون هؤلاء سادتنا وكبراؤنا</span>، وهم أعلم منا بما يقبلونه وما يردونه، ولنا أسوة بهم، ولا نرغب بأنفسنا عن أنفسهم، ولو كان حقًا لكانوا هم أهله، وأولى بقبوله، وهؤلاء بمنزلة الدوّابّ والأنعام، يساقون حيث يسوقهم راعيهم (١).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-29> القسم الثالث: الذين قبلوا ما جاء به الرسول - ﷺ -، وآمنوا به ظاهرًا</span>، وجحدوه وكفروا به باطنًا، وهم المنافقون، وهم أيضًا نوعان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>النوع الأول: من أبصر ثم عمي</span>، وعلم ثم جهل، وأقرّ ثم أنكر، وآمن ثم كفر، فهؤلاء رؤوس أهل النفاق، وسادتهم، وأئمتهم، ومثلهم مثل من استوقد نارًا، ثم حصل بعدها على الظلمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>النوع الثاني: ضعفاء البصائر </span>الذين أعشى بصائرهم ضوء البرق فكاد أن يخطفها، لضعفها وقوته، وأصمّ آذانهم صوت الرعد، فهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، فلا يقربون من سماع القرآن والإيمان؛ بل يهربون منه، ويكون حالهم حال من يسمع الرعد الشديد،\n_________\n(١) انظر: وصف الله لهم في سورة البقرة، الآيتان: ١٦٦ - ١٦٧، وسورة الأحزاب، الآيات: ٦٦ - ٦٨، وسورة غافر، الآيتان: ٤٧ - ٤٨، وسورة ص، الآيات: ٥٧ - ٦١.","vol":"1","page":32},{"text":"فمن شدة خوفه منه يجعل أصابعه في أذنيه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-32> القسم الرابع: يكتمون إيمانهم في أقوامهم، ولا يتمكنون من إظهاره</span>، ومن هؤلاء مؤمن آل فرعون، الذي يكتم إيمانه، ومن هؤلاء النجاشي الذي صلَّى عليه رسول الله - ﷺ -؛ فإنه كان ملك نصارى الحبشة، وكان في الباطن مؤمنًا، وغير هؤلاء كثير (١).\n١٤ - وقال - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٢): أي الله - ﷿ - الذي يذكركم ويثني عليكم، وملائكته يدعون لكم، ويستغفرون لكم، وبسبب رحمته بكم وثنائه عليكم، ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال، والكفر، والمعاصي والذنوب إلى نور الهدى والإيمان، واليقين، والتوفيق، والعلم والعمل (٣)، قال القرطبي ﵀: «ومعنى هذا التثبيت على الهداية، لأنهم كانوا في وقت الخطاب على الهداية» (٤).\n١٥ - وقال - ﷾ -: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ (٥).\n_________\n(١) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٧٢ - ٧٦، بتصرف يسير.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣.\n(٣) انظر: جامع البيان، للطبري، ٢/ ٢٨٠، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٤٤٦، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦١٤.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن، ١٤/ ١٩٣.\n(٥) سورة فاطر، الآيات: ١٩ - ٢٢.","vol":"1","page":33},{"text":"هذه أمثال ضربها الله - ﷿ - للمؤمن والإيمان، والكافر والكفر، كما أن هذه الأشياء المذكورات المتباينة المختلفة لا تتساوى، فكذلك فلتعلموا أن عدم تساوي المتضادات المعنوية أولى وأولى، فلا يستوي الكافر والمؤمن، والجاهل والعالم، والضال والمهتدي، ولا أصحاب النار وأصحاب الجنة، ولا أموات القلوب وأحياؤها؛ فإن بين هذه الأشياء من التفاوت ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإذا علمت المراتب، وميزت الأشياء، وبان الذي ينبغي أن يُتنافس في تحصيله من ضدّه، فليختر الحازم لنفسه ما هو أولى وأحق بالإيثار (١).\nوقد جاء هذا التفسير عن السلف الصالح، فقد ذكر الإمام ابن جرير ﵀ عن ابن عباس ﵄ أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، قال: «هو مثل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية، يقول: وما يستوي الأعمى، والظلمات، والحرور، ولا الأموات، فهو مثل أهل المعصية، ولا يستوي البصير، والنور، ولا الظل، والأحياء، فهو مثل أهل الطاعة» (٢)، وقال قتادة: «... خلقًا فُضِّل بعضه على بعض، فأما المؤمن فَعَبْدٌ حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل، وأما الكافر فعًبْدٌ ميت: ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل» (٣) فاتضح بذلك أن الأعمى عن دين الله لا يستوي هو والذي\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢٠/ ٤٥٧، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٤/ ٣٢٧، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٥٣٠، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦٣٤.\n(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢٠/ ٤٥٨.\n(٣) المرجع السابق، ٢٠/ ٤٥٨.","vol":"1","page":34},{"text":"قد أبصر دينه، وعلم وعمل، قال الله - ﷿ -: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١).\nوقد قال الله - ﷿ - عن أصحاب الظلمات: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ الله يُضْلله وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ\nمُّسْتَقِيمٍ﴾ (٢)،فهم صم عن سماع الحق، بكم عن النطق به، فلا ينطقون إلا بالباطل، في الظلمات منغمسون: ظلمات الجهل، والكفر، والشرك، والظلم، والعناد، والإعراض، والمعاصي، وهذا من إضلال الله إيَّاهم؛ فإنه المنفرد بالهداية والإضلال بحسب ما اقتضاه فضله، وحكمته، وعدله (٣).\n\n١٦ - وقال الله - ﷿ -: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ الله أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤)، يقول تعالى: أفمن فسح الله قلبه، وشرح صدره لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته، فهو على نور من ربه، وعلى بصيرة مما هو عليه، ويقين بتنوير الحق في قلبه، فهو لذلك الأمر متَّبع، وعما نهاه الله عنه منتهٍ، وقد انشرح صدره للإسلام، فاتَّسع لتلقّي أحكام الله والعمل بها، منشرحًا قرير العين، كمن أقسى الله قلبه فأخلاه\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٩.\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١١/ ٣٥٠، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢١٨.\n(٤) سورة الزمر، الآية: ٢٢.","vol":"1","page":35},{"text":"من ذكره، وضيَّقه عن استماع الحق، واتّباع الهدى، والعمل بالصواب، فهو لا يلين لكتاب الله، ولا يتذكر آياته، ولا يطمئن بذكره؛ بل هو معرض عن ربه ملتفت إلى غيره، فهذا له الويل الشديد، والشر الكبير (١)، قال الله - ﷿ -: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).\n\n١٧ - وقال الله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الأمُورُ﴾ (٣).\nكما كان الله - ﷿ - يوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كذلك أوحى إلى محمد - ﷺ - هذا القرآن العظيم، وسمّاه روحًا؛ لأن الروح يُحْيى به الجسد، والقرآن تَحْيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين؛ لِمَا فيه من الخير الكثير والعلم الغزير، وما كان محمد - ﷺ - قبل نزول القرآن يدري ما شرائع الإيمان ومعالمه على التفصيل الذي شرع له في القرآن، ولكن جعل الله القرآن نورًا يرشد به، ويهدي من يشاء من\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢١/ ٢٧٧، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٥/ ٢٣٦، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٤/ ٥١، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦٦٨.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.\n(٣) سورة الشورى، الآيتان: ٥٢ - ٥٣.","vol":"1","page":36},{"text":"عباده، فيستضيئون بهذا القرآن في ظلمات الكفر، والشبهات، والضلال، والبدع، والشرك، والشهوات، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم (١)، كقوله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ\nلِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).\nفهذا القرآن يعظ عن الأعمال الموجبة لسخط الله المقتضية لعقابه، ويحذر عنها ببيان آثارها ومفاسدها، وهو شفاء لِمَا في الصدور من أمراض الشهوات الصادرة عن [عدم] (٣) الانقياد للشرع، وأمراض الشبهات القادحة في العلم اليقيني؛ فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد مما يوجب للعبد الرغبة في الخير، والرهبة عن الشر (٤)، وكقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (٥)، فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين بها، وأما الظالمون بعدم التصديق به، أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلا خسارًا؛ لأن الحجة\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢١/ ٥٩٩ - ٥٦١، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٦/ ٥٣ - ٥٩، وتفسير البغوي، ٤/ ١٣٢، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير،\n٤/ ١٢٤، واجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ٢/ ٨٧ - ٨٨، والضوء المنير على التفسير، من كتب ابن القيم، جمع: علي الصالحي، ٥/ ٣٢٣.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٥٧.\n(٣) زيادة يقتضيها السياق، أو الصادرة عن الانقياد للشرع.\n(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣٢٣.\n(٥) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.","vol":"1","page":37},{"text":"تقوم عليهم به، فالشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب من الشُّبَه، والجهالات، والآراء الفاسدة، والانحراف السيئ، والقصود الرديئة؛ لأنه مشتمل على العلم اليقين الذي تزول به كل شبهة وجهالة، والوعظ والتذكير الذي يزول به كل شهوة تخالف أمر الله، ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها، فمتى عمل به العبد فاز بالرحمة والسعادة الأبدية، والثواب العاجل والآجل (١)، كقوله - ﷿ -: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٢)، فهو يهديهم لطريق الرشد، والصراط المستقيم، ويعلمهم من العلوم النافعة ما به تحصل الهداية التامة، وهو شفاء لهم من الأسقام القلبية؛ لأنه يزجر عن مساوئ الأخلاق، ويحث على التوبة النصوح، التي تغسل الذنوب، وتشفي القلوب، أما الذين لا يؤمنون بالقرآن ففي آذانهم صمم عن استماعه وإعراض عنه، وهو عليهم عمى، فلا يبصرون به رشدًا، ولا يهتدون به، ولا يزيدهم إلا ضلالًا؛ لأنهم إذا ردّوا الحق ازدادوا عمىً إلى عماهم، وغيًّا إلى غيهم، وينادون إلى الإيمان ويدعون إليه فلا يستجيبون، بمنزلة الذي يُنادى وهو في مكان بعيد لا يسمع داعيًا، ولا يجيب مناديًا، والمقصود أن الذين لا يؤمنون بالقرآن لا ينتفعون بهداه، ولا يبصرون بنوره، ولا يستفيدون منه خيرًا، لأنهم سدوا على أنفسهم أبواب الهدى، بإعراضهم وكفرهم (٣).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٤١٦.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٤٤.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦٩٧.","vol":"1","page":38},{"text":"وفي قوله - ﷿ - في أول الآية: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ مال الإمام ابن جرير ﵀ إلى أن الروح هنا هو القرآن الكريم، وجزم به الحافظ ابن كثير ﵀، والسعدي ﵀، وقيل: إن الروح هنا: النبوة، وقيل: الرحمة، وقيل: الوحي (١).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀ في تفسير هذه الآية: «أي جعلنا ذلك الروح نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا، فَسمَّى وحيه روحًا، لِمَا يحصل به من حياة القلوب والأرواح، التي هي الحياة الحقيقية، ومن عدمها فهو ميت لا حي، والحياة الأبدية السرمدية في دار النعيم هي ثمرة حياة القلب بهذا الروح الذي أوحى إلى رسوله - ﷺ - فمن لم يحيَ به في الدنيا فهو ممن له جهنم، لا يموت فيها ولا يحيا، وأعظم حياة في الدور الثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الجزاء أعظمهم نصيبًا من هذه الحياة بهذه الروح، وسمّاه نورًا لِمَا يحصل به من استنارة القلوب، وإضاءتها، وكمال الروح بهاتين الصفتين: بالحياة، والنور، ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والاهتداء بما بعثوا به، وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم، وإلا فالروح ميتة مظلمة، فإن كان العبد مشارًا إليه: بالزهد، والفقه، والفضيلة؛ فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله - ﷺ -، وجعله نورًا يهدي به من يشاء من عباده وراء ذلك كله، فليس العلم كثرة النقل، والبحث، والكلام، ولكن نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها، وحقها من\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢١/ ٥٥٩، وتفسير البغوي، ٤/ ١٣٢، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٦/ ٥٣، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٤/ ١٢٤.","vol":"1","page":39},{"text":"باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال» (١).\nوقد أمر الله - ﷿ - بالإيمان بهذا النور العظيم فقال: ﴿فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢).\nولا شك أن ما في الكتاب الكريم من الأحكام، والشرائع، والأخبار أنوار يهتدى بها في ظلمات الجهل؛ ولهذا سماه الله نورًا (٣).\nوقد كتب الله الفوز والفلاح لمن آمن بالنبي - ﷺ - ونصره، واتَّبع النور الذي أُنزل معه، فقال - ﷿ -: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤)، ومع هذا البيان الواضح، والنور الساطع فقد كذَّب المشركون واليهود النبيَّ - ﷺ -، فعزَّاه الله مُسلِّيًا له (٥) فقال: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (٦)، وقال - ﷿ -: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (٧).\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية، ٢/ ٨٨.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ٨.\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢٣/ ٤١٩، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٨/ ١٣٢، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٨٠٣.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٥٧.\n(٥) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٧/ ٤٥٠، ١٧/ ٤٥٩، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ٤/ ٣٠٤، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ١/ ٤٣٤، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص١٢٦.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ١٨٤.\n(٧) سورة فاطر، الآية: ٢٥.","vol":"1","page":40},{"text":"وقد ذم الله - ﷿ - من يجادل بالباطل بغير علم صحيح، ولا هدى، ولا كتاب منير يوضح الحق ويبينه، فلا عقل مرشد، ولا متبوع مهتدٍ، ولا حجة عقلية ولا نقلية، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ (١).\n\n١٨ - وقال الله - ﷾ -: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢)، الله - ﷿ - الذي ينزل على عبده محمد - ﷺ - آياتٍ واضحات، وحججًا دامغاتٍ، ودلائل باهراتٍ، وبراهين قاطعات، وأعظمها القرآن الكريم؛ ليخرج الناس بإرسال الرسول - ﷺ - وما أنزله عليه من الكتاب والحكمة: من ظلمات الضلالة، والشرك والكفر، والجهل، والآراء المتضادة، إلى نور الإيمان والتوحيد، والعلم والهدى، وهذا من رحمته بعباده وإحسانه إليهم، فله الشكر والحمد والثناء الحسن، لا إله غيره ولا رب سواه (٣)، وهذا كقوله - ﷾ -:\n﴿فَاتَّقُوا الله يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٤).\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٨، وسورة لقمان، الآية: ٢، وانظر: تفسير السعدي، ص٤٨٣، ٥٩٨.\n(٢) سورة الحديد، الآية: ٩.\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢٣/ ١٧٣، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٧/ ٢٣٠، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٤/ ٣٠٧، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٧٧٨.\n(٤) سورة الطلاق، الآيتان: ١٠ - ١١.","vol":"1","page":41},{"text":"١٩ - وقال - ﷿ -: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ*يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ الله وَغَرَّكُم بِالله الْغَرُورُ*فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١).\nوفي قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ جاء عن الضحاك أن معنى ذلك: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى هداهم بين أيديهم، وبأيمانهم كتبهم (٢).\nوقيل: ﴿وَبِأَيْمَانِهِم﴾ الباء بمعنى في: أي في أيمانهم، أو بمعنى عن: أي عن أيمانهم (٣).\nوقال أكثر المفسرين يعطي الله المؤمنين نورًا يوم القيامة على قدر أعمالهم، يمشون به على الصراط، ويُعطى المنافقون أيضًا نورًا خديعة لهم، كما قال - ﷾ -: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (٤).\n_________\n(١) سورة الحديد، الآيات: ١٢ - ١٥.\n(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢٣/ ١٧٩، واختاره ابن جرير في هذا الموضع.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٧/ ٢٣٥.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٤٢.","vol":"1","page":42},{"text":"وقيل: إنما يعطون النور؛ لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره؛ لنفاقه، كما قال ابن عباس ﵄.\nوقيل: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين، ولا يُعطَون النور، فبينما هم يمشون إذ بعث الله فيهم ريحًا وظلمة، فأطفأ بذلك نور المنافقين، فيخشى المؤمنون أن يُسْلَبوا نورهم كما سُلبه المنافقون، فيسألون الله - ﷿ - أن يتمَّ لهم نورهم، قال سبحانه عن ذلك: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي الله النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا للمؤمنين: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>وقد جاء في هذا النور أحاديث وآثار كثيرة، منها </span>ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الحديث الأول: </span>حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه سئل عن الورود، وفيه رؤية الله تعالى: «فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلِقُ بهم ويتبعونه، ويُعطَى كل إنسانٍ منهم - منافق أو مؤمن - نورًا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يُطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة\n_________\n(١) سورة التحريم، الآية: ٨.\n(٢) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢٣/ ١٧٨ - ١٨٧، و٤٩٣ - ٤٩٦، وتفسير البغوي، ٤/ ٢٩٥، و٣٦٧، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٧/ ٢٣٣ - ٢٣٩، و١٨/ ١٩١، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٤/ ٣٠٨ - ٣١٠، و٣٩٢، واجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ٣/ ٨٦، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٧٧٩ - ٨٠٩.","vol":"1","page":43},{"text":"البدر، سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضواء نجم في السماء ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الحديث الثاني: </span>حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، قال: «يُؤتَوْن نورهم على قدر أعمالهم: فمنهم من يُؤتى نوره كالجبل، ومنهم من يُؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يُؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورًا من نوره على إبهامه يطفأُ مرة ويَقِدُ مرة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الحديث الثالث: </span>حديث بريدة أن النبي - ﷺ - بيَّن أن إكثار المشي في الظلم إلى المساجد يُثمر إعطاء النور التام يوم القيامة، فعن بريدة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «بشّر المشَّائين في الظّلم إلى المساجد بالنُّور التَّامّ يوم القيامة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الحديث الرابع: </span>حديث أبي هريرة - ﵁ -،أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة، ١/ ١٧٨، برقم ١٩١.\n(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢٣/ ١٧٩، والحاكم، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي على شرط البخاري، ٢/ ٤٧٨.\n(٣) أخرجه أبو داود، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى الصلاة، ١/ ١٥٤، برقم ٥٦١، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة، ١/ ٤٣٥، برقم ٢٢٣، وقال: «هو صحيح مسند موقوف إلى أصحاب النبي - ﷺ -». وأخرجه ابن ماجه من حديث سهل بن سعد، وأنس ﵄، في كتاب المساجد والجماعات، باب المشي إلى الصلاة ١/ ٢٥٦، برقم ٧٨٠، ورقم ٧٨١، والحاكم في المستدرك، ١/ ٥٣، وقال الإمام المنذري عن رواية أبي داود والترمذي: «ورجال إسناده ثقات» الترغيب والترهيب، ١/ ٢٨٩، وقال العلامة الألباني في تحقيقه لمشكاة المصابيح للتبريزي، ١/ ٢٢٤: «الحديث صحيح لشواهده الكثيرة، عن جماعة من الصحابة جاوزوا العشرة، وقد خرجتها في صحيح أبي داود، برقم ٥٧٠».","vol":"1","page":44},{"text":"ليضيء للذين يتخلّلون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة» (١)، وذكر الطيبي، والمناوي، ثم المباركفوري: أن هذا النور يحيط بالمشَّائين إلى المساجد في الظُّلَم من جميع جوانبهم على الصراط، لمَّا قاسوا مشقة المشي في ظلمة الليل جوزوا بنور يضيء لهم ويحيط بهم على الصراط ووصف النور بالتامّ، وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة، وقولهم فيه: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾، وإلى قصة المنافقين وقولهم للمؤمنين: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾، وفيه أن من انتهز هذه الفرص، وهي المشي إلى المساجد في الظلم في الدنيا كان مع النبيين، والذين آمنوا: من الصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا (٢).\nولا شك أن سرعة المرور على الصراط بحسب النور، فمن كان نوره أعظم كان مروره على الجسر أسرع، وهو أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعر، فمن الناس من يمرّ عليه ويتجاوزه كلمح البصر، ومنهم من يمرّ كالبرق، ومنهم من يمرّ كالريح، ومنهم من يتجاوزه كالطير، ومنهم من يمرّ كالفرس الجواد، ومنهم من يمرّ كركاب الإبل (٣)، ومنهم من يزحف\n_________\n(١) الطبراني في المعجم الأوسط، ٢/ ٤٣، برقم ٦٨٠، [مجمع البحرين في زوائد المعجمين]، وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٢٩٠: «رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «وإسناده حسن» ٢/ ٣٠.\n(٢) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٣/ ٩٤١ - ٩٤٢، وفيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، ٣/ ٢٠١، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري، ٢/ ١٤.\n(٣) هذه الدرجات الست في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، معرفة طريقة الرؤية، ١/ ١٦٩، برقم ١٨٣، قال أبو سعيد الخدري: «بلغني أن الجسر أدق من الشعر، وأحد من السيف»، مسلم،\n١/ ١٧١، رواية الحديث رقم ١٨٣، والبخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ٨/ ٢٢٨، برقم ٧٤٣٩.","vol":"1","page":45},{"text":"زحفًا (١) حتى يجيء آخرهم يسحب سحبًا (٢).\nوقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن الأنوار تقسم دون الجسر على حسب الأعمال، فيُعطَى العبد من النور هناك بحسب قوة نوره، وإيمانه، ويقينه، وإخلاصه، ومتابعته للرسول - ﷺ - في دار الدنيا، فقال ﵀: «فمنهم من يكون نوره كالشمس (٣)، ودون ذلك كالقمر، ودونه كأشدِّ كوكبٍ في السماء إضاءة، ومنهم من يكون نوره كالسراج في قوّته وضعفه، وما بين ذلك، ومنهم من يُعطَى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى، بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا، فهو هذا النور الذي بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهرًا يُرى عِيانًا بالأبصار، ولا يستضيء به غيره، ولا يمشي أحدٌ إلا في نور نفسه، إن كان له نور مشى في نوره، وإن لم يكن له نورٌ أصلًا لم ينفعه نور غيره، ولما كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمر ولا متصل بباطنه، ولا له مادة من الإيمان أُعطي في الآخرة نورًا ظاهرًا لا مادة له، ثم يُطفأ عنه أحوج ما كان إليه» (٤).\nوبيّن ﵀ أن مشي الناس على الصراط بحسب سرعتهم في الخير\n_________\n(١) من رواية لمسلم، ١/ ١٨٧، برقم ١٩٥.\n(٢) من رواية للبخاري، برقم ٧٤٣٩، وانظر: معارج القبول، للشيخ حافظ الحكمي،\n٢/ ٨٥٠ - ٨٥٧.\n(٣) انظر: مسند الإمام أحمد، ٢/ ٧٧، ٢/ ٢٢٢، وشرح أحمد شاكر للمسند، برقم ٦٦٥٠، ٧٠٧٢.\n(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ٢/ ٨٦.","vol":"1","page":46},{"text":"في الدنيا، فقال: «مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا، فأسرعهم سيرًا هنا أسرعهم هناك، وأبطأهم هنا أبطأهم هناك، وأشدهم ثباتًا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك، ومن خطفته كلاليب الشهوات، والشبهات، والبدع المضلّة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هاهنا، فناج مُسَلَّم، ومخدوش مُسَلَّم، ومخزول\n- أي مقطع بالكلاليب - مُكردس في النار كما أثَّرت فيه تلك الكلاليب في الدنيا ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (١).\n\n٢٠ - وقال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢).\nضَمِن الله - ﷿ - للمؤمنين بالتقوى ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: أعطاهم نصيبين من رحمته: نصيبًا في الدنيا ونصيبًا في الآخرة، وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين.\nالأمر الثاني: أعطاهم نورًا يمشون به في الظلمات.\nالأمر الثالث: مغفرة ذنوبهم، وهذا غاية التيسير، فقد جعل سبحانه التقوى سببًا لكل يسر، وتَرْكَ التقوى سببًا لكل عسر (٣).\n_________\n(١) المرجع السابق، ٢/ ٨٦ - ٨٧.\n(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٨.\n(٣) الضوء المنير على التفسير، من كتب ابن القيم، للصالحي، ٥/ ٦٢٤.","vol":"1","page":47},{"text":"وهذا الخطاب في هذه الآية فيه قولان لأهل التفسير:\n١ - قيل تُحمل على مؤمني أهل الكتاب، وأنهم يُؤتَوْن أجرهم مرتين؛ لإيمانهم بأنبيائهم، ثم إيمانهم بمحمد - ﷺ -، فيُعطَون بذلك: نصيبين من الأجر، كما قال - ﷾ -: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (١).\nفلا شك أن من آمن من أهل الكتاب بنبيه، ثم آمن بمحمد - ﷺ - فإنه يُعطَى أجرين، قال النبي - ﷺ -: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي - ﷺ - فآمن به، واتّبعه، وصدّقه، فله أجران، وعبد مملوك أدَّى حقّ الله تعالى، وحقَّ سيّده فله أجران، ورجل كانت له أمةٌ فغذَّاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوّجها، فله أجران» (٢).\n٢ - وقيل: هي في حق هذه الأُمَّة؛ لِمَا ذكره سعيد بن جبير أن أهل الكتاب افتخروا بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، فأنزل الله - ﷿ - هذه الآية في حق هذه الأمة (٣).\nومما يؤيّد هذا القول ما رواه أبو موسى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجُلٍ استأجر قومًا يعملون له يومًا\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٥٤.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي موسى - ﵁ -: البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل من أسلم من أهل الكتابين، ٤/ ٢٥، برقم ٣٠١١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ -، ١/ ١٣٤، برقم ١٥٤، واللفظ له.\n(٣) أخرجه ابن جرير بسنده، في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢٣/ ٢٠٩.","vol":"1","page":48},{"text":"إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا، ولكم الذي شرطتُ لهم من الأجر، فعملوا، حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومَثَل ما قبلوا من هذا النور» (١).\nقال العلامة السعدي ﵀: «ويُحتمل أن يكون الأمر عامًا يدخل فيه أهل الكتاب وغيرهم، وهذا هو الظاهر، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين: ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم أعطاهم ﴿كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾: لا يعلم قدرهما ولا وصفهما إلا الله تعالى: أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، وأجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى» (٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: وفي هذا أقوال:\n١ - قيل: النور هنا: القرآن الكريم.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الإجارة، باب الإجارة من العصر إلى الليل، ٣/ ٦٩، برقم ٢٢٧١.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٧٨٢.","vol":"1","page":49},{"text":"٢ - وقيل: الهدى.\nقال الإمام الطبري ﵀: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذِكْرُهُ: وعد هؤلاء القوم أن يجعل لهم نورًا يمشون به، والقرآن مع اتِّباع النبي - ﷺ - نور لمن آمن بهما، وصدّقهما، وهدىً؛ لأن من آمن بذلك فقد اهتدى» (١).\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀: «يعني هدى يتبصّرون به من العمى والجهالة، ويغفر لكم، ففضلهم بالنور والمغفرة ... وهذه الآية (٢) كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٣).\nوقال العلامة السعدي ﵀: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: أي يُعطيكم علمًا، وهدىً، ونورًا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات ﴿وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، فلا يستغرب كثرة هذا الثواب على فضل ذي الفضل العظيم، الذي عمّ فضله أهل السموات والأرض، فلا يخلو مخلوق من فضله طرفة عين، ولا أقلّ من ذلك» (٤).\nوقوله تعالى: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾، قيل: تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام (٥).\n_________\n(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢٣/ ٢١٣.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، ٤/ ٣١٨.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٢٩.\n(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٧٨٣.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ١٧/ ٢٥٦.","vol":"1","page":50},{"text":"وقيل: تمشون به على الصراط (١).\nوقد جمع بين هذين القولين الإمام ابن القيم ﵀، فقال: «وفي قوله: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ إعلام بأن تصرفهم وتقلّبهم الذي ينفعهم إنما هو بالنور، وأنّ مشيهم بغير نور غير مجدٍ عليهم، ولا نافع لهم، بل ضرره أكثر من نفعه، وفيه أن أهل النور هم أهل المشي، ومن سواهم أهل الزمانة والانقطاع، فلا مشي لقلوبهم، ولا لأحوالهم، ولا لأقوالهم، ولا لأقدامهم إلى الطاعات، وكذلك لا تمشي على الصراط، إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم، وفي قوله تعالى: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ نكتة بديعة، وهي أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم، كما يمشون بها بين الناس في الدنيا، ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدمًا عن قدم على الصراط، فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه» (٢).\n_________\n(١) تفسير البغوي، ٤/ ٣٠٢.\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٤٣.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المطلب الثاني: النور والظلمات في السنة النبوية</span>\nجاء في أحاديث النبي - ﷺ - ذكر النور والحث على اكتسابه والترغيب فيه، وسؤال الله - ﷿ - ذلك، وجاء ذكر الظلمات والتحذير من أسباب ذلك، ومن الأحاديث والآثار في ذلك ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>١ - كان النبي - ﷺ - يقول في دعائه في آخر الليل إذا ذهب إلى الصلاة في المسجد: «اللهم اجعل في قلبي نورًا</span>، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن أمامي نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا، وعظِّم لي نورًا، واجعل لي نورًا، واجعلني نورًا، اللهم أعطني نورًا، واجعل في عصبي نورًا، وفي لحمي نورًا، وفي دمي نورًا، وفي شعري نورًا، وفي بشري نورًا» (١).\nقال ابن الأثير ﵀: «أراد ضياء الحق، وبيانه، كأنه قال: اللهم استعمل هذه الأعضاء منِّي في الحق، واجعل تصرفي وتقلّبي فيها على سبيل الصواب والخير» (٢).\nوقال الإمام النووي ﵀: «قال العلماء سأل النور في أعضائه، وجسمه، وتصرفاته، وتقلباته، وحالاته، وجملته في جهاته الست، حتى لا يزيغ شيء منها عنه» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄: البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل، ٧/ ١٩١، برقم ٦٣١٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ١/ ٥٢٥، برقم ٧٦٣.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب النون مع الواو، مادة «نور» ٥/ ١٢٥.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٩١، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ١١٨.","vol":"1","page":52},{"text":"ويزيد لك وضوحًا ما بيّنه الإمام القرطبي ﵀ حيث قال: «يمكن أن تحمل على ظاهرها، فيكون معنى سؤاله: أن يجعل الله له في كل عضو من أعضائه نورًا يوم القيامة يستضيء به في تلك الظلم، هو ومن تبعه، أو من شاء الله ممن تبعه، والأولى أن يقال: هذه الأنوار هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ (١)، وكما قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (٢) أي علمًا وهداية»، ثم قال: «والتحقيق في معنى النور مظهرٌ ما ينسب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور الشمس: مظهرٌ للمبصرات، ونور القلب: كاشفٌ عن المعلومات، ونور الجوارح: ما يبدو عليها من أعمال الطاعات، فكأنه دعا بإظهار الطاعات عليها دائمًا، والله أعلم» (٣).\nوذكر الطيبي ﵀: أن معنى طلب النور للأعضاء: عضوًا عضوًا، أن يتحلَّى بأنوار المعرفة والطاعة، ويتعرّى عن ظلمة الجهالة والمعاصي؛ فإن الشياطين تحيط بالجهات الست بالوساوس، فكان التخلص منها بالأنوار السادَّة لتلك الجهات، وكل هذه الأنوار راجعة إلى الهداية، والبيان، وضياء الحق، وإلى مطالع هذه الأنوار يرشد قوله تعالى (٤): ﴿الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٢٢.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.\n(٣) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٣٩٥.\n(٤) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٤/ ١١٨٣، وفتح الباري، لابن حجر، ١١/ ١١٨.","vol":"1","page":53},{"text":"الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٢ - عن أبي مالك الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطّهور شطر الإيمان</span>، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور ...» الحديث (٢).\nقوله - ﷺ -: «والصلاة نور»، قال الإمام القرطبي ﵀ في شرح ذلك: «معناه: أن الصلاة إذا فُعِلَت بشروطها: المصححة، والمكملة نوَّرت القلب؛ بحيث تُشرق فيه أنوار المكاشفات والمعارف، حتى ينتهي أمر من يراعيها حق رعايتها أن يقول «وجعلت قُرّة عيني في الصلاة» (٣)، أيضًا: فإنها تنوِّر بين يدي مراعيها يوم القيامة في تلك الظلم، وأيضًا: تنوِّر وجه المصلي يوم القيامة، فيكون ذا غُرّةٍ وتحجيل» (٤).\nوقال الإمام النووي: «وأما قوله - ﷺ -: «والصلاة نور» فمعناه: أنها تمنع صاحبها من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب، كما أن النور يُستضاء به، وقيل: معناه: أن يكون أجرها نورًا لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها، وإقباله إلى الله تعالى، بظاهره وباطنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٣٥.\n(٢) أخرجه مسلم، في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، ١/ ٢٠٣، برقم ٢٢٣.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٣/ ١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥، والنسائي في كتاب عشرة النساء، باب: حب النساء، ٧/ ٦٢.\n(٤) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ٤٧٦.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٤٥.","vol":"1","page":54},{"text":"وقيل: معناه: أنها تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضًا على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصلِّ، والله أعلم» (١)، قلت: النور يشمل ذلك كله في كل ما ذُكِرَ والله أعلم.\n\n٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: بينما جبريل قاعد عند النبي - ﷺ - سمع نقيضًا (٢) من فوقه، فرفع رأسه فقال: «هذا باب من السماء فُتح اليوم لم يُفتَح قطّ إلاّ اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أو تيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلاّ أُعطيته» (٣).\nوقد بيّن الإمام القرطبي ﵀ معنى ذلك: وأن قول الملك: «أبشر بنورين» أي أبشر بأمرين عظيمين، نيِّرين، تنير لقارئهما، وتنوِّره، وخُصّت الفاتحة بهذا؛ لأنها تضمّنت جملة معانٍ: الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلى الجملة فهي آخذة بأصول القواعد الدينية، والمعاقد المعارفية، وخُصّت خواتيم سورة البقرة بذلك، لِمَا تضمّنته من الثناء على النبي - ﷺ -، وعلى أصحابه - ﵃ -، بجميل انقيادهم لمقتضاها، وتسليمهم لمعناها، وابتهالهم إلى الله، ورجوعهم إليه في جميع أمورهم، ولِمَا حصل فيها من إجابة دعواتهم، بعد أن علموها، فخفَّف عنهم، وغفر لهم، ونُصِروا، وفيها غير ذلك مما يطول تتبُّعه» (٤).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٠٣.\n(٢) نقيضًا: أي صوتًا كصوت الباب إذا فتح. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٣٩.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، ١/ ٥٥٤، برقم ٨٠٦.\n(٤) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٤٣٤.","vol":"1","page":55},{"text":"٤ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن الله - ﷿ - ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم» (١).\nقال الطيبي ﵀: «أما قوله - ﷺ -: «إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً» إلى آخره، فكالأسلوب الحكيم، يعني ليس النظر في الصلاة على الميت إلى حقارته ورفعة شأنه، بل هي بمنزلة الشفاعة له، لينوَّر قبره ...» (٢).\n\n٥ - وعن أمِّ سلمة ﵂ في دعاء النبي - ﷺ - لأبي سلمة عند إغماضه: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديّين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه» (٣)، وهذا دعاء عظيم لأبي سلمة، فإن النبي - ﷺ - دعا له برفع الدرجة: أي: ارفع درجته واجعله في زمرة الذين هديتهم للإسلام، وكن الخليفة على من يتركه من عقبه: كأهله وأولاده، فاحفظ أمورهم ومصالحهم، ولا تكِلْهم إلى غيرك؛ فإنهم عقبة: أي الذين تأخروا عنه، ويعني بالغابرين: الباقين، كما قال الله - ﷿ -: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٤): أي من الباقين في العذاب، وغبر من الأضداد، يأتي بمعنى بقي، وبمعنى ذهب (٥).\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، ٢/ ٦٥٩، برقم ٩٥٦.\n(٢) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٤/ ١٣٩٥، وانظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ٤/ ١٧.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر، ٢/ ٦٣٤، برقم ٩٢٠.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ٨٣.\n(٥) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٥٧٣، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٧٨، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٤/ ١٣٧٤.","vol":"1","page":56},{"text":"وقوله - ﷺ -: «وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه» أي وسّع في قبره، وادفع عنه ظلمة القبر» (١).\n\n٦ - وعن زيد بن أرقم - ﵁ - قال: قام رسول الله - ﷺ - يومًا فينا خطيبًا بماءٍ يُدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فَحِمَد الله، وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثم قال: «أمّا بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله: فيه الهدى والنور [وهو حبل الله المتين، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغّب فيه ..» الحديث (٢).\nقال الإمام النووي ﵀ في قوله - ﷺ -: «هو حبل الله» قيل: «المراد بحبل الله: عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه، ورحمته، وقيل: هو نوره الذي يهدي به» (٣).\nولا شك أن العمل بكتاب الله يوصل إلى رحمته، ورضاه، وهدايته وتوفيقه، والله المستعان.\n\n٧ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في فتنة القبر، وإجابة المسلم على الأسئلة: «ثم يُفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم يُنوّر له فيه» (٤)، والمعنى أنه يُوسَّع له في قبره سبعون ذراعًا في الطول وسبعون\n_________\n(١) انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ٤/ ٨٧.\n(٢) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، ٤/ ١٨٧٣، برقم ٢٤٠٨.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ١٩١.\n(٤) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ٤/ ٢٧٤، برقم ١٠٧١، وابن أبي عاصم، في كتاب السنة، ٢/ ٤١٦، برقم ٨٦٤، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٦٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٤٣.","vol":"1","page":57},{"text":"ذراعًا في العرض، ثم يجعل له النور في هذا القبر الذي وُسِّع له (١).\n\n٨ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن النبي - ﷺ - نهى عن نتف الشيب وقال: «إنه نور المسلم» (٢).\n٩ - وعن كعب بن مُرّة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ شاب شيبةً في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة» (٣).\n١٠ - وعن عمرو بن عبسة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة» (٤).\n_________\n(١) انظر: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، ٤/ ٦٨٣.\n(٢) الترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في النهي عن نتف الشيب، ٥/ ١٢٥، برقم ٢٨٢١، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب نتف الشيب، ٢/ ١٢٢٦، برقم ٣٧٢١، وأحمد في المسند، ٢/ ١٧٩، ٢٠٧، ٢١٠، ٢١٢،وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،٢/ ٣٦٩،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٤٣.\n(٣) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من شاب شيبة في سبيل الله، ٤/ ١٧٢، برقم ١٦٣٤، والنسائي، في كتاب الزينة، باب النهي عن نتف الشيب، ٨/ ١٣٦، برقم ٥٠٦٨، وابن حبان في صحيحه، عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، ٧/ ٢٥١، برقم ٢٩٨٣، وأبو داود بنحوه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، في كتاب الترجّل، بابٌ: في نتف الشيب، ٤/ ٨٥، برقم ٤٢٠٢، وأحمد في المسند، ٤/ ٤١٣، ٢٣٦، ٦/ ٢٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٢٤٨، برقم ١٢٤٤، وفي صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٢٦.\n(٤) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من شاب شيبة في سبيل الله، ٤/ ١٧٢، برقم ١٦٣٥، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وأخرجه ابن حبان من حديث أبي نجيح السلمي، ٧/ ٢٥٢، برقم ٢٩٨٤.","vol":"1","page":58},{"text":"١١ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجلٌ شيبةً في الإسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة، ورُفِع بها درجة» (١).\n١٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: <span data-type=\"title\" id=toc-57>«لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نورٌ يوم القيامة</span>، ومن شاب شيبة في الإسلام، كُتب له بها حسنة، وحُطّ عنه بها خطيئة، ورُفِع له بها درجة» (٢).\nوقد جاءت الأحاديث الكثيرة في هذا المعنى عن أكثر من عشرة من أصحاب النبي - ﷺ -، وهذه الأحاديث الخمسة السابقة تبيّن فضل الشيب، وأنه لا يُنتف؛ لأنه نور المسلم، ووقاره؛ لأن الوقار يمنع الشخص عن الغرور والطرب، ويميل إلى الطاعة والتوبة، وتنكسر نفسه عن الشهوات، فيصير ذلك نورًا يسعى بين يديه في ظلمات الحشر إلى أن يدخله الجنة (٣).\nفالشيب يصير نفسه نورًا يهتدي به صاحبه، ويسعى بين يديه يوم القيامة، والشيب وإن لم يكن من كسب العبد، لكنه إذا كان بسبب من نحو جهاد أو خوف من الله ينزل منزلة سعيه، فيُكره نتف الشيب من نحو:\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، ٥/ ٢٠٥، برقم ٦٣٨٧، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٤٣. ورواه أبو داود بنحوه، في كتاب الترجل، باب في نتف الشيب، ٤/ ٨٥، برقم ٤٢٠٢.\n(٢) ابن حبان في صحيحه ٧/ ٢٥٣، برقم ٢٩٨٥، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٢٤٧، برقم ١٢٤٣.\n(٣) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٩/ ٢٩٣٤.","vol":"1","page":59},{"text":"لحية، وشارب، وعنفقة، وحاجب، قال النووي: لو قيل يحرم لم يبعد (١).\nومن غيّر بالسواد لا يحصل على هذا النور إلاّ أن يتوب أو يعفو الله عنه (٢).\nوهذا الشعر الأبيض يؤدي إلى نور الأعمال الصالحة، فيصير نورًا في قبر المسلم، ويسعى بين يديه في ظلمات حشره (٣)، ويحصل هذا الفضل بشعرة واحدة بيضاء، تكون ضياء ومخلصًا عن ظلمات الموقف، وشدائده (٤).\nوهذا الفضل في هذه الأحاديث يرغِّب المسلم في ترك نتف الشيب، وأعظم من النتف التغيير بالسواد، فقد نهى عنه النبي - ﷺ -، وحذّر منه، فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أُتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «غيِّروا هذا بشيء واجتنبوا السواد» (٥)، والثغامة نبت أبيض الزهر، والثمر، شُبِّه بياض الشيب به، وقيل: شجرة تبيضّ كأنها الثلجة، أو كأنها الملح (٦).\nوقوله - ﷺ -: «غيّروا هذا بشيء» أمرٌ بتغيير الشيب، قال به جماعة من: الخلفاء، والصحابة، لكن لم يَصِر أحد إلى أنه للوجوب، وإنما هو مستحبٌّ (٧).\n_________\n(١) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، ٦/ ١٥٦.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٦/ ١٥٧.\n(٣) انظر: مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري، ٨/ ٢٣٥.\n(٤) انظر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، للمباركفوري، ٥/ ٢٦١.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب استحباب خضاب الشيب بصفرة أو حمرة وتحريمه بالسواد، ٣/ ١٦٦٣، برقم ٤٢١٢.\n(٦) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٥/ ٤١٨.\n(٧) المرجع السابق، ٥/ ٤١٨، وسمعت شيخنا العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀ أثناء تقريره على الحديث رقم ٥٠٧٣، من سنن النسائي في: ٢١/ ٨/١٤١٨هـ يقول: «الخضاب سنة مؤكدة وليس واجبًا».","vol":"1","page":60},{"text":"قال الإمام القرطبي ﵀: «أما قولهم: إن النبي - ﷺ - لم يخضب فليس بصحيح، بل قد صحّ عنه أنه خضب بالحنّاء، وبالصّفرة» (١)، ولعل القرطبي ﵀ يشير إلى حديث أبي رمثة - ﵁ - حيث قال: «أتيت أنا وأبي النبيَّ - ﷺ -، وكان قد لطّخ لحيته بالحنّاء» (٢).\nوعنه - ﵁ - قال: «أتيت النبي - ﷺ - ورأيته قد لطّخ لحيته بالصّفرة» (٣).\nوعن زيد بن أسلم قال: «رأيت ابن عمر يُصفِّر لحيته، فقلت:\nيا أبا عبد الرحمن، تُصفِّر لحيتك بالخلوق؛ قال: إني رأيت رسول الله - ﷺ - يُصفِّر بها لحيته ولم يكن شيء من الصبغ أحب إليه منها» (٤)، وهذا من فعله - ﷺ -، أما من قوله فقد ثبت عنه أحاديث:\nفعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أحسن ما غيرتم به الشيب: الحناءُ والكتم» (٥).\n_________\n(١) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٥/ ٤١٨.\n(٢) النسائي، في كتاب الزينة، باب الخضاب بالحناء والكتم، ٨/ ١٤٠، برقم ٥٠٨٣، وأبو داود، كتاب الترجل، باب في الخضاب، ٤/ ٨٦، برقم ٤٢٠٦، وصححه الألباني في صحيح النسائي،\n٣/ ١٠٤٤.\n(٣) النسائي، كتاب الزينة، باب الخضاب بالحناء والكتم، ٨/ ١٤٠، برقم ٥٠٨٤، وأبو داود في كتاب الترجل، باب في الخضاب، ٤/ ٨٦، برقم ٤٢٠٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي،\n٣/ ١٠٤٤، وفي مختصر الشمائل المحمدية، ص٤٠ - ٤١، برقم ٣٦ - ٣٧.\n(٤) النسائي، كتاب الزينة، باب الخضاب بالصفرة، ٨/ ١٤٠، برقم ١٠٨٥، وصححه الألباني، في صحيح سنن النسائي، ٣/ ١٠٤٤.\n(٥) النسائي، كتاب الزينة، باب الخضاب بالحناء والكتم، ٨/ ١٣٩، برقم ٥٠٧٧ - ٥٠٨٠، ومن حديث عبد الله بن بريدة، برقم ٥٠٨١ - ٥٠٨٢، وأخرجه أبو داود، كتاب الترجل، باب الخضاب، ٤/ ٨٥، برقم ٤٢٠٥.","vol":"1","page":61},{"text":"وعن ابن عباس ﵄ قال: مرَّ على النبي - ﷺ - رجل قد خضب بالحناء فقال: «ما أحسن هذا؟»، قال: فمر آخر قد خضب بالحناء والكتم فقال: «هذا أحسن من هذا»، قال: فمر آخر قد خضب بالصفرة فقال: «هذا أحسن من هذا كله» (١).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يلبس النعال السبتية، ويصفِّر لحيته بالورس والزعفران، وكان ابن عمر يفعله» (٢).\nوسمعت شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «وقد جاء التصفير عن ابن عمر في الصحيحين، ويستثنى من التزعفر: ما كان في اللحية، أو الشارب، أو الرأس» (٣)، وسمعته أيضًا يقول: «والسنة الخضاب بالحناء أو بالصفرة، أو بالحناء والكتم» (٤).\nقال الإمام القرطبي ﵀: «وأما الصباغ بالحناء بحتًا، وبالحناء والكتم، فلا ينبغي أن يختلف فيه؛ لصحة الأحاديث بذلك، غير أنه قد\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الترجل، باب ما جاء في خضاب الصفرة، ٤/ ٨٦، برقم ٤٢١١، وقال العلامة الألباني في تحقيقه لمشكاة المصابيح: «وإسناده جيد»، ٢/ ١٢٦٦.\n(٢) النسائي، كتاب الزينة، باب تصفير اللحية بالورس والزعفران، ٨/ ١٨٦، برقم ٥٢٤٤، وأبو داود، كتاب الترجل، باب ما جاء في خضاب الصفرة، ٤/ ٨٦، برقم ٤٢١٠، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٣/ ١٠٦٥، برقم ٤٨٣٩، وصحيح سنن أبي داود، ٢/ ٧٩٢.\n(٣) سمعته من سماحته، يوم الأحد بعد المغرب، في جامع الأميرة سارة أثناء شرحه لحديث رقم ٥٢٤٤، من سنن النسائي، بتاريخ ١٠/ ١١/١٤١٨هـ.\n(٤) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٥٠٨٥، من سنن النسائي في المكان السابق، بتاريخ ٢٤/ ٨/١٤١٨هـ.","vol":"1","page":62},{"text":"قال بعض العلماء: إن الأمر في ذلك محمول على حالين:\n* أحدهما: عادة البلد، فمن كانت عادة موضعه ترك الصبغ فخروجه عن المعتاد شهرة تَقْبُح وتكره.\n* وثانيهما: اختلاف حال الناس في شيبهم، فربَّ شيبة نقية هي أجمل بيضاء منها مصبوغة، وبالعكس فمن قبَّحه الخضاب اجتنبه، ومن حسنه استعمله، وللخضاب فائدتان:\nإحداهما: تنظيف الشعر مما يتعلق به من الغبار والدخان.\nوالأخرى: مخالفة أهل الكتاب (١)؛ لقوله - ﷺ -: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (٢)، ثم قال ﵀: «ولكن هذا الصباغ بغير السواد، تمسكًا بقوله - ﷺ -: «واجتنبوا السواد»، والله أعلم (٣)، وقال ﵀: «وقوله - ﷺ -: «واجتنبوا السواد» أمر باجتناب السواد، وكرهه جماعة منهم: علي بن أبي طالب، ومالك، وهو الظاهر من هذا الحديث، وقد عُلِّلَ ذلك بأنه من باب التدليس على النساء؛ وبأنه سواد في الوجه، فيكره؛ لأنه تشبه بسيما أهل النار» (٤)، ثم ذكر ﵀ جماعة كثيرة من السلف كانوا يخضبون بالسواد، وقال: «ولا أدري عذر هؤلاء عن\n_________\n(١) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٤٢٠.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ٤/ ١٧٥، برقم ٣٤٦٢، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب في مخالفة اليهود في الصبغ، ٣/ ٦٣١٦، برقم ٢١٠٣.\n(٣) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٤٢٠.\n(٤) المرجع السابق، ٥/ ٤١٩.","vol":"1","page":63},{"text":"حديث أبي قحافة ما هو؟ فأقل درجاته الكراهة كما ذهب إليه مالك» (١).\nقلت: أما عذر السلف الذين كانوا يخضبون بالسواد، فيحمل على أنه لم يبلغهم حديث النهي الصريح عن الصبغ بالسواد، والله أعلم. وقال الإمام النووي ﵀: «ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة، أو حمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح» (٢).\nويؤكد اختيار الإمام النووي ومن سلك مسلكه في تحريم الخضاب بالسواد ما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة» (٣)، وسمعت سماحة العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن هذا الحديث: «إسناده جيد، وهذا يدل على تحريم تغيير الشيب بالسواد، ويقتضي أنه كبيرة؛ لأنه وعيد» (٤).\nوقوله - ﷺ -: «كحواصل الحمام» أي كصدور الحمام في الغالب؛ لأن صدور بعض الحمام ليست بسود (٥).\n_________\n(١) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٥/ ٤١٩.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣٢٥.\n(٣) أبو داود، كتاب الترجل، باب ما جاء في خضاب السواد، ٤/ ٨٧، برقم ٤٢١٢، والنسائي في كتاب الزينة، باب النهي عن الخضاب بالسواد، ٨/ ١٣٨، برقم ٥٠٧٥، وأحمد في المسند،\n١/ ٢٧٣، وقال ابن حجر في فتح الباري، ٦/ ٤٩٩: «إسناده قوي»، وصحح إسناده العلامة الألباني في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، وقال: على شرط الشيخين، ص٨٤.\n(٤) سمعته منه أثناء شرحه لحديث رقم ٥٠٧٥، من سنن النسائي، في جامع الأميرة سارة بالبديعة، بعد مغرب يوم الأحد الموافق ٢١/ ٨/١٤١٨هـ.\n(٥) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٩/ ٢٩٣٣، ومرقاة المفاتيح، للملاّ علي القاري، ٨/ ٢٣٢.","vol":"1","page":64},{"text":"ومما يدل على قُبح الخضاب بالسواد ما بيَّنه بعض السلف الذين كانوا يخضبون بالسواد حيث قيل: إنه قال:\nنُسَوِّدُ أعلاها وتأبى أصُولُها ... ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل (١)\n\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «والصواب أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها بوجه؛ فإن الذي نهى عنه النبي - ﷺ - من تغيير الشيب أمران:\nأحدهما: نتفه.\nوالثاني: خضابه بالسواد ... والذي أذن فيه: هو صبغه وتغييره بغير السواد: كالحناء والصفرة، وهو الذي عمله الصحابة - ﵃ - ...\nوأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب لِمَا تقدم، وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله، وهذه المسألة من المسائل التي حلف عليها ... ورخص فيه آخرون، منهم أصحاب أبي حنيفة، وروي ذلك عن الحسن، والحسين، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن جعفر، وعقبه بن عامر، وفي ثبوته عنهم نظر، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله - ﷺ -، وسنته أحق بالاتباع، ولو خالفها من خالفها» (٢).\nويستخلص من الأحاديث الواردة في الشيب وخضابه ما يأتي:\n_________\n(١) شرح مشكل الآثار، للطحاوي، ٩/ ٣١٤.\n(٢) تهذيب ابن القيم المطبوع مع معالم السنن للخطابي، ٦/ ١٠٤.","vol":"1","page":65},{"text":"أولًا: الشيب نور المسلم في الدنيا والآخرة.\nثانيًا: المنع من نتف الشيب ثابت عن النبي - ﷺ -.\nثالثًا: الشيب تُزاد به الحسنات.\nرابعًا: الشيب تُرفع به الدرجات.\nخامسًا: الشيب تُحطّ به الخطايا.\nسادسًا: تحريم صبغ الشيب بالسواد.\nسابعًا: صبغ الشيب بالحناء، أو الصفرة، أو الحناء والكتم سنة مؤكدة.\nثامنًا: الحناء: لونه أحمر، والحناء والكتم: لونه بين السواد والحمرة.\nتاسعًا: من صبغ الشيب بالسواد من السلف فلا دليل له من كتاب ولا سنة.\nعاشرًا: لا قول لأحد مع قول رسول الله - ﷺ - كائنًا من كان.\nالحادي عشر: الشيب له أسباب غير كبر السن، فقد يكون مبكرًا؛ لخوف الله - ﷿ -، أو لغيره من الأسباب، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو بكر - ﵁ -: يا رسول الله قد شبت؟ قال: «شيبتني هودٌ، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كوِّرت» (١).\nوعن أبي جحيفة - ﵁ -، قال: قالوا: يا رسول الله، نراك قد شبت؟ قال: «شيبتني هودٌ وأخواتها» (٢)، والله - ﷿ - الموفق للصواب.\n١٣ - وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: «كنت أرجو أن يعيش\n_________\n(١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الواقعة، ٥/ ٤٠٢، برقم ٣٢٩٧، وحسنه، وصححه الألباني مختصر شمائل الترمذي، ص٤٠، برقم ٣٤.\n(٢) أخرجه الترمذي في الشمائل، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، ص٤٠، برقم ٣٥.","vol":"1","page":66},{"text":"رسول الله - ﷺ - حتى يَدْبُرنا - يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يك محمد - ﷺ - قد مات<span data-type=\"title\" id=toc-58> فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به </span>بما هدى الله محمدًا - ﷺ -» (١).\nوالمقصود بالنور الذي قال عمر بن الخطاب - ﵁ -:هو القرآن العظيم؛ لأن فيه الهدى والنور، فمن عمل بما فيه كان على الصراط المستقيم وعلى الحق المبين (٢).\n\n١٤ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: <span data-type=\"title\" id=toc-59>«إن الله - ﷿ - خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره</span>، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله» (٣)، وهذا الحديث يبيّن أن الله - ﷿ - خلق الخلق في ظلمة، وألقى عليهم شيئًا من نوره، فمن أصابه شيء من ذلك النور اهتدى إلى طريق الجنة، ومن أخطأه ذلك النور وجاوزه ولم يصل إليه ضل وخرج عن طريق الحق؛ لأن الاهتداء والضلال قد جرى على علم الله وحكم به في الأزل لا يتغير ولا يتبدل، وجفاف القلم عبارة عنه. وقيل: من أجل عدم تغير ما جرى في الأزل تقديره: من الإيمان، والطاعة، والكفر، والمعصية، أقول: جف القلم (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف، ٨/ ١٦٠، برقم ٧٢١٩.\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١٣/ ٢٠٩، وإرشاد الساري، للقسطلاني، ١٥/ ١٨٠.\n(٣) الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، ٥/ ٢٦، برقم ٢٦٤٢، وقال: «هذا حديث حسن»، وأخرجه أحمد، ٢/ ١٧٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٣٠، وصحح إسناده العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٠٧٦.\n(٤) تحفة الأحوذي، للمباركفوري، ٧/ ٤٠١.","vol":"1","page":67},{"text":"١٥ - عن أنس - ﵁ - أن رجلين خرجا من عند النبي - ﷺ - في ليلة مظلمة،<span data-type=\"title\" id=toc-60> وإذا نور بين أيديهما حتى تفرّقا فتفرّق النور معهما»</span>، وقال معمر عن ثابت عن أنس: «إن أسيد بن حضير ورجلًا من الأنصار»، وقال حماد: أخبرنا ثابت عن أنس: «كان أسيد بن حُضير وعبّاد بن بشر عند النبي - ﷺ -» (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «فأما رواية معمر فوصلها عبد الرزاق في مصنفه عنه، ومن طريقه الإسماعيلي بلفظ: «إن أسيد بن حضير ورجلًا من الأنصار تحدثا عند رسول الله - ﷺ - حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عُصية فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت عصا الآخر فمشى كل منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله»،\nوأما رواية حماد بن سلمة فوصلها أحمد والحاكم في المستدرك بلفظ: «إن أسيد بن حضير وعباد بن بشر كانا عند النبي - ﷺ - في ليلة ظلماء حندس، فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما فمشيا في ضوئها، فلما افترقت بهما الطريق أضاءت عصا الآخر» (٢).\nوهذه من كرامات الأولياء؛ فإن أهل الصلاح إذا حصل لهم أمر خارق للعادة فهي كرامة، أما إذا حصل ذلك لفاسق فهي من عمل الشيطان، وإذا حصل لإنسان مجهول مستور فيعرض أمره على الكتاب\n_________\n(١) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب منقبة أسيد بن حضير وعباد بن بشر،٣/ ٢٧٠،برقم ٣٨٠٥.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٧/ ١٢٥.","vol":"1","page":68},{"text":"والسنة. وهذا النور الذي حصل لهذين الصحابيين مبني على نور الإيمان والتقوى، فاستنار الباطن، وجعل الله نورًا في عصا كل واحد منهما، فاستنار الظاهر، وليس من شرطٍ أن يحصل ذلك لكل مؤمن، وإنما ذلك راجع إلى الله - ﷿ -.\n\n١٦ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: <span data-type=\"title\" id=toc-61>«من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور </span>ما بين الجمعتين» (١).\nذكر العلامة الملاّ علي القاري أن معنى: «أضاء له من النور» أي: في قلبه، أو قبره، أو يوم حشره في الجمع الأكبر، «ما بين الجمعتين» أي: مقدار الجمعة التي تليها من الزمان، وهكذا كل جمعة تلا فيها هذه السورة» (٢).\nقال الطيبي ﵀: «أضاء له» يجوز أن يكون لازمًا، وقوله: «ما بين الجمعتين» ظرف، فيكون إشراق ضوء النور فيما بين الجمعتين، بمنزلة إشراق النور نفسه مبالغة، ويجوز أن يكون متعديًا، والظرف مفعول به» (٣).\n١٧ - وذكر مالك ﵀: أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: «يا بنيّ جالس العلماء وزاحمهم بالركب، فإن الله يُحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الله الأرض الميتة بوابل السماء» (٤).\n_________\n(١) البيهقي ٣/ ٢٤٩، والحاكم في المستدرك وصحح إسناده، ٢/ ٣٦٨، والدارمي موقوفًا في حكم الرفع، في فضائل القرآن، باب في فضل سورة الكهف، ٢/ ٣٢٦، برقم ٣٤١٠، وصححه الألباني بطرقه، في إرواء الغليل، ٣/ ٩٤، برقم ٦٢٦.\n(٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ٤/ ٦٧٨.\n(٣) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٥/ ١٦٧٥.\n(٤) موطأ الإمام مالك، ٢/ ١٠٠٢.","vol":"1","page":69},{"text":"فقوله: «جالس العلماء وزاحمهم بالركب» عبارة عن مزيد القرب منهم، وقوله: «ف<span data-type=\"title\" id=toc-62>إن الله يحيي الأرض بنور الحكمة» </span>هي تحقيق العلم وإتقان العمل، والإصابة في القول والفعل، وهي العلم المشتمل على الفقه في الدين، والمعرفة بالله مع نفاذ البصيرة، وتحقيق الحق للعمل، والكف عن الباطل (١).\nفالله سبحانه يحيي القلوب بذلك كما يحيي الأرض بالمطر، وهذا يؤكد على فضل العلم النافع والعمل الصالح؛ ولهذا الفضل قال محمد بن سيرين ﵀: «إن قومًا تركوا طلب العلم، ومجالسة العلماء، وأخذوا في الصلاة، والصيام حتى يبس جلدُ أحدهم على عظمه، ثم خالفوا السنة فهلكوا، وسفكوا دماء المسلمين، فوالذي لا إله غيره ما عمل أحد عملًا على جهل إلا كان يفسد أكثر مما يصلح» (٢).\n\n١٨ - وعن حذيفة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عُودًا عُودًا، فأيُّ قلب أُشربها نُكت فيه نكتٌ سوداءٌ، وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء،<span data-type=\"title\" id=toc-63> حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا لا تضّرهُ فتنة </span>ما دامت السموات والأرض، والآخر أسودُ مربادًّا كالكُوز مجخيًّا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرِب من هواه» (٣).\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك،٤/ ٥٥٣،والحكمة في الدعوة إلى الله - ﷿ -،لسعيد بن علي بن وهف القحطاني، ص٢٧.\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار بسنده، ٢٧/ ٤٣٤، برقم ٤١٧٧٩.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا،١/ ١٢٨،برقم ١٤٤.","vol":"1","page":70},{"text":"الفتنة أصلها في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان، والاختبار، ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، فقيل: فُتن الرجل إذا وقع في الفتنة وتحوّل من حال حسنة إلى سيئة.\nوقوله - ﷺ -: «تُعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عُودًا عُودًا» والمعنى أن الفتن تلصق بعرض القلوب: أي بجانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم، ويؤثر فيه شدة التصاقها به، وتُعاد وتُكرر شيئًا بعد شيء، فأي قلب أُشربها فدخلت فيه دخولًا تامًا وألزمها وحلّت منه محلّ الشراب نقط فيه نقطة سوداء، ولا يزال هذا القلب يشرب الفتن كلما عُرضت عليه كما يشرب الإسفنج الماء حتى يسودّ وينتكس، فيكون كالكُوز المائل المنكوس، «والكوز هو ما اتَّسع رأسه من أواني الشرب إذا كانت بِعُرى وآذان، فإن لم يكن لها عُرى فهي أكواب» (١).\nفإذا انتكس القلب وصار مكبوبًا منكوسًا عرض له اشتباه المعروف عليه بالمنكر، وربما استحكم عليه المرض حتى يعتقد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلًا والباطل حقًا، وبذلك يحكم هواه على ما جاء به الرسول - ﷺ -، وينقاد له ويتبعه.\nوالقلب الآخر: قلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتن أنكرها، وردّها فازداد نوره، وإشراقه، وقوته؛ ولقوة هذا القلب وشدّته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل شُبِّه بالحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء، فهذا القلب لا تلصق به\n_________\n(١) مشارق الأنوار، للقاضي عياض، ١/ ٣٤٩.","vol":"1","page":71},{"text":"الفتن ولا تؤثر فيه، بخلاف القلب الأسود المربادّ «والمربادّ: هو الذي بين البياض والسواد والغبرة، مثل لون الرمادة» (١)، فهذا القلب قد اسودَّ، وقُلِبَ، ونُكِسَ حتى لا يعلق به خير ولا حكمة، فَشُبِّهَ بالكوز المنحرف الذي لا يثبت فيه الماء، فإنه قد دخل قلبه بكل معصية تعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن، وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز فإذا انكبّ انصبّ ما فيه ولم يدخله شيء بعد ذلك (٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات، وفتن الشبهات، وفتن الغي والضلال، وفتن المعاصي، والبدع: فتن الظلم والجهل، فالأولى: توجب فساد القصد والإرادة، والثانية: توجب فساد العلم والاعتقاد» (٣)،وقال ﵀: «وقد قسم الصحابة - ﵃ - القلوب إلى أربعة كما صح عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قوله (٤):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>«القلوب أربعة: </span><span data-type=\"title\" id=toc-65>قلب أجرد فيه سراج يزهر</span>، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق عرف ثم أنكر، وقلب فيه مادتان: إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدّها ماء طيب، ومثل النفاق مثل قرحة يمدّها قيح ودم، فأيهما\n_________\n(١) انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض، ١/ ٢٧٩.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٥٣٠ - ٥٣١، وإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن القيم، ١/ ١٦.\n(٣) المرجع السابق، ١/ ١٧.\n(٤) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ١/ ١٧.","vol":"1","page":72},{"text":"غلب عليه غلب» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>فالقلب الأجرد: المتجرِّد مما سوى الله - ﷾ </span>- ورسوله - ﷺ -، فقد تجرَّد وسلم مما سوى الحق، وفيه سراج يزهر، وهو مصباح الإيمان ونوره، فهو متجرّد سالم من شبهات الباطل وشهوات الغي، وقد أشرق واستنار بنور العمل والإيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>والقلب الأغلف: قلب الكافر، لأنه داخل في غلافه وغشائه</span>، فلا يصل إليه نور العلم والإيمان، فإذا ذكر له تجريد التوحيد وتجريد المتابعة للنبي - ﷺ - ولَّى مدبرًا.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-68>القلب المنكوس المكبوب: قلب المنافق </span>وهذا شر القلوب وأخبثها؛ فإنه يعتقد الباطل حقًا ويوالي أصحابه، والحق باطلًا ويعادي أهله، ومع ذلك يُبطن الكفر، ويُظهر الإيمان.\nوأما القلب الذي له مادتان: فهو القلب الذي لم يتمكّن فيه الإيمان، ولم يُزهر فيه سراجه، حيث لم يتجرّد للحق المحض، الذي بعث الله - ﷿ - به رسوله - ﷺ -، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر، والحكم للغالب وإليه يرجع (٢).\n١٩ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يرفعه: «طوبى\n_________\n(١) ذكره ابن تيمية موقوفًا على حذيفة - ﵁ -، وعزاه إلى أبي داود السجستاني وذكر إسناده، ثم قال: وقد روي مرفوعًا، وهو في المسند مرفوعًا. كتاب الإيمان لابن تيمية، ص٢٨٨، قلت: هو في المسند، ٢/ ١٧، وقال العلامة الألباني: «قلت: والمرفوع إسناده ضعيف، والصحيح موقوف»، كتاب الإيمان لابن تيمية، ص٢٨٨ ح.\n(٢) انظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ١/ ١٨ - ١٩.","vol":"1","page":73},{"text":"للغرباء» فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: «أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» قال: وكنا عند رسول الله - ﷺ - يومًا آخر حين طلعت الشمس، فقال رسول الله - ﷺ -: <span data-type=\"title\" id=toc-69>«سيأتي أناس من أمتي يوم القيامة نورهم كضوء الشمس» </span>قلنا: من أولئك يا رسول الله؟ فقال: «فقراء المهاجرين الذين تُتَّقَى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره، يُحشرون في أقطار الأرض» (١)، وهذا النور أعظم\nما ورد للمؤمن يوم القيامة؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم ﵀ عند ذكره لنور المؤمنين يوم القيامة، وأنه يكون على حسب قوة إيمانهم، ويقينهم، وإخلاصهم: «فمنهم من يكون نوره كالشمس، ودون ذلك القمر، ودونه كأشدِّ كوكب في السماء إضاءة ...» (٢).\n\n٢٠ - قال يهودي للنبي - ﷺ -: أين يكون الناس يوم تُبدَّل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله - ﷺ -: <span data-type=\"title\" id=toc-70>«هم في الظلمة دون الجسر» </span>(٣)، قال الإمام القرطبي ﵀: «والجَسر - بفتح الجيم وكسرها - ما يُعبر عليه، وهو الصراط هنا، و«دون» بمعنى فوق، كما قال في حديث عائشة ﵂: «على الصراط» (٤)، وقد جاءت الأحاديث\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند، ٢/ ١٧٧، وصححه الألباني بطرقه، في سلسلة الأحاديث الصحيحة،\n٤/ ١٥٣، برقم ١٦١٩، وصححه أحمد محمد شاكر، في ترتيبه وشرحه للمسند، ١٠/ ١٣٥ - ١٣٦، برقم ٦٦٥٠، و١٢/ ٢٨، برقم ٧٠٧٢، و١٢/ ٧٩، برقم ٧٠٧٢.\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية لغزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٨٦.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما،\n١/ ٢٥٢، برقم ٣١٥.\n(٤) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ١/ ٥٧٤، ٧/ ٣٥٢، وانظر: إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للأبي، ٢/ ١٥٦.","vol":"1","page":74},{"text":"التي تدلّ على أن الناس عند تبديل الأرض غير الأرض يكونون على الصراط بألفاظ متقاربة، فعن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾، فأين يكون الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط» (١)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وفي رواية الترمذي «على جسر جهنم»؛ ولأحمد من طريق ابن عباس عن عائشة: «على متن جهنم» (٢)، فظاهر الأدلة تقتضي أنه يذهب بهذه الأرض ويُؤتى بأرض أخرى (٣)، وقد جاء الحديث الصحيح في صفة الأرض المبدَّلة، وأنها بيضاء عفراء، فعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد» (٤)، والأرض العفراء: البيضاء بياضًا ليس ناصعًا بل يضرب إلى الحمرة، وقوله «كقرصة النقي» القرصة: الخبزة، والنقي: هي النقي من الغش والنخال، وقوله: «ليس فيها علم لأحد»: أي ليس فيها علامة لأحد، ولا علامة سكنى، ولا بناء، ولا أثر، ولا شيء من العلامات التي يُهتدى\n_________\n(١) مسلم، كتاب صفة القيامة، والجنة والنار، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة،\n٤/ ٢١٥٠، برقم ٢٧٩١، والآية: ٤٨، من سورة إبراهيم.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٣٧٦، ورواية الترمذي هي في سننه، برقم ٣١٢١.\n(٣) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٧/ ٣٥١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب قبض الله الأرض يوم القيامة،٤/ ٢٤٨، برقم ٦٥٢١، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة،\n٤/ ٢١٥٠، برقم ٢٧٩٠.","vol":"1","page":75},{"text":"بها في الطرقات: كالجبل، والصخرة البارزة، وفيه تعريض بأرض الدنيا، وأنها ذهبت (١).\n\n٢١ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: <span data-type=\"title\" id=toc-71>«اتقوا الظلم فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة</span>، واتقوا الشحّ، فإن الشحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم» (٢).\nقال الإمام القرطبي ﵀: «ظاهره أن الظالم يعاقب يوم القيامة، بأن يكون في ظلمات متوالية، يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، حين يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾، فيقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾» (٣)، وذكر الحافظ ابن حجر ﵀: أن الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة، والمعصية فيه أشد من غيرها؛ لأنه لا يقع غالبًا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات\n_________\n(١) انظر: الفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٧/ ٣٥٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ١٤٠، وفتح الباري، لابن حجر، ١١/ ٣٧٥.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٦، برقم ٢٥٧٨، وأخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب الظلم ظلمات يوم القيامة، من حديث عبد الله بن عمر ﵄ بلفظ: «الظلم ظلمات يوم القيامة»، ٣/ ١٣٦، برقم ٢٤٤٧.\n(٣) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٦/ ٥٥٦، والآية: ١٣ من سورة الحديد، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٣٧٠، وإكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم، للأبي،\n٨/ ٥٣٤.","vol":"1","page":76},{"text":"الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئًا» (١)، وقوله: «اتقوا الشحّ، فإنّ الشحّ أهلك من كان قبلكم» قال جماعة: الشحّ: أشدّ البخل، وأبلغ في المنع من البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: الشحّ: الحرص على ما ليس عندك، والبخل: الامتناع عن إخراج ما حصل عندك (٢). ولا شك أن الظلم ثلاثة أنواع:\n١ - ظلم الشرك، ٢ - ظلم المعاصي، ٣ - ظلم النفس، وبمعنى أوضح: نوعان: ظلم العبد نفسه، وهو نوعان: الظلم بالشرك، والظلم بالمعاصي، وظلم العبد غيره. والله - ﷿ - الموفق والمعين والهادي إلى سواء السبيل.\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٥/ ١٠٠.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٦/ ٥٥٧، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ١٧١، وإكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للأبي، ٨/ ٥٣٤.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الثاني: نور التوحيد وظلمات الشرك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المطلب الأول: نور التوحيد</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-74> المسلك الأول: مفهوم التوحيد:</span>\nالتوحيد المطلق: هو: العلم والاعتراف المقرون بالاعتقاد الجازم، بتفرّد الله - ﷿ - بالأسماء الحسنى، وتَوَحُّدِهِ بِصفات الكمال، والعظمة والجلال، وإفراده وحده بالعبادة (١)، قال - ﷾ -: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).\nقال العلامة السعدي ﵀: «أي متوحد منفرد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فليس له شريك: في ذاته، ولا سَمِيٌّ له، ولا كفءٌ، ولا مثلٌ، ولا نظيرٌ، ولا خالقُ ولا مدبرُ غيره؛ فإذا كان كذلك فهو المستحق؛ لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به أحد من خلقه» (٣).\nوالتوحيد على هذه المعاني: هو إفراد الله تعالى بما يختص به: من الأسماء، والصفات، والألوهية، والربوبية.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-75> المسلك الثاني: البراهين الساطعات في إثبات التوحيد</span>\nالبراهين الساطعات، والبينات الواضحات في كتاب الله - ﷿ -، وفي سنة النبي - ﷺ - على إثبات التوحيد كثيرة لا تحصر، ولكن منها على سبيل\n_________\n(١) انظر: القول السديد في مقاصد التوحيد، للسعدي، ص١٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦٠.","vol":"1","page":78},{"text":"المثال ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>أولًا: قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ *</span>\nمَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ\nالْمَتِينُ﴾ (١) والمعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا ليُوحِّدونِ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>ثانيًا: قال - ﷾ -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا </span>أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوت فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ (٣): يخبر الله - ﷿ - أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمّة متقدّمة، أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة، ودين واحد، وهو: عبادة الله وحده لا شريك له، فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل قسمين: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله﴾ فاتبعوا المرسلين، ﴿وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ فاتبع سبيل الغي (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>ثالثًا: قال - ﷿ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾ </span>(٥)، فكل الرسل عليهم الصلاة والسلام قبل النبي - ﷺ -: زبدة رسالتهم وأصلها: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة (٦)؛ ولهذا قال الله - ﷿ -: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ\n_________\n(١) سورة الذاريات، الآيات: ٥٦ - ٥٨.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن الكريم، للقرطبي، ١٧/ ٥٧.\n(٣) سورة النحل، الآية: ٣٦.\n(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣٩٣.\n(٥) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.\n(٦) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٨/ ٤٢٧، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٤٧٠.","vol":"1","page":79},{"text":"أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>رابعًا: قال الله - ﷾ -: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ </span>(٢)، فالله - ﷿ - قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد فقال:\n﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قضاءً دينيًا، وأمرًا شرعيًّا، ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ﴾ أحدًا: من أهل الأرض والسموات، الأحياء، والأموات، ﴿إِلاَّ إِيَّاهُ﴾؛ لأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>خامسًا: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقولون لأممهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ </span>(٤)، والمعنى: اعبدوا الله وحده؛ لأنه الخالق، الرازق، المدبر لجميع الأمور، وما سواه مخلوق مُدبَّر ليس له من الأمر شيء (٥)، فهو المستحق للعبادة وحده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>سادسًا: قال - ﷾ -: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ </span>(٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>سابعًا: قال - ﷾ -: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِين * </span>لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٧): أمر الله\n_________\n(١) سورة الزخرف، الآية: ٤٥.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٧/ ٤١٣، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٣٤، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٤٠٧.\n(٤) سورة الأعراف، الآيات: ٥٩ - ٦٥.\n(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٥٥.\n(٦) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٧) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.","vol":"1","page":80},{"text":"- ﷿ - نبيه محمدًا - ﷺ - أن يقول للمشركين: إن صلاتي وذبحي، وحياتي، وما آتيه فيها، وما يجريه الله عليَّ، وما يُقَدِّر عليَّ فالجميع لله رب العالمين، لا شريك له في العبادة، كما أنه لا شريك له في الملك والتدبير، وبذلك أمرني ربي، وأنا أول من أقرَّ، وأذعن، وخضع من هذه الأمة لربه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>ثامنًا: عن معاذ بن جبل - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: له: «يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده»</span>؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا»، ثم سار ساعة ثم قال:\n«يا معاذ، هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. ال: «حقّ العباد على الله أن لا يعذِّبَ من لا يشرك به شيئًا» (٢)، وهذا الحديث العظيم يبيّن أن حقّ الله على عباده أن يعبدوه وحده لا شريك له بما شرعه لهم من العبادات، ولا يشركوا معه غيره، وأن حق العباد على الله - ﷿ - أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، ولا شك أن حق العباد على الله: هو ما وعدهم به من الثواب، فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق، وقوله الحق، الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فهو حق جعله الله سبحانه على نفسه، تفضلًا، وكرمًا، فهو سبحانه الذي أوجب على نفسه حقًّا لعباده المؤمنين، كما حرّم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه، ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٢/ ٢٨٣، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٤٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل، ٧/ ٨٩، برقم ٥٩٦٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، قطعًا، ١/ ٥٨، برقم ٣٠، واللفظ للبخاري، برقم ٢٨٥٦، ورقم ٦٥٠٠.","vol":"1","page":81},{"text":"بحكم رحمته، وعدله، كتب على نفسه الرحمة، وحرّم على نفسه الظلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>تاسعًا: عن عتبان بن مالك - ﵁ -، يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «.. فإن الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» </span>(٢).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-85> المسلك الثالث: أنواع التوحيد</span>\nالله - ﷾ -: هو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، فإفراده تعالى وحده بالعبادة كلها وإخلاص الدين كله لله، هذا هو توحيد الألوهية: وهو معنى «لا إله إلا الله»، وهذا التوحيد يتضمن جميع أنواع التوحيد (٣) ويستلزمها؛ فإن التوحيد نوعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>النوع الأول: التوحيد الخبري العلمي الاعتقادي </span>(٤): وهو توحيد في المعرفة والإثبات، وهو: توحيد الربوبية، والأسماء، والصفات، وهو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتكلّمه بكتبه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه، وقدره، وحكمته، وتنزيهه عمَّا لا يليق به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>النوع الثاني: التوحيد الطلبي القصدي الإرادي: </span>وهو توحيد في\n_________\n(١) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ١/ ٢٠٣، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١/ ٣٤٥، ومجموع فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢١٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت،١/ ١٢٥،برقم ٤٢٥،ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، ١/ ٤٥٥،برقم ٣٣.\n(٣) انظر: تيسير العزيز الحميد، للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ص٧٤، والقول السديد، للسعدي، ص١٧، وبيان حقيقة التوحيد، للشيخ صالح الفوزان، ص٢٠.\n(٤) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٣/ ٤٤٩.","vol":"1","page":82},{"text":"الطلب والقصد: وهو توحيد الإلهية أو العبادة (١).\n\nوتكون<span data-type=\"title\" id=toc-88> أنواع التوحيد على التفصيل ثلاثة أنواع </span>على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>النوع الأول: توحيد الربوبية</span>، وهو: الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى هو الرب المتفرّد بالخلق، والملك، والرِّزْق، والتدبير، الذي ربّى جميع خلقه بالنعم، وربّى خواص خلقه - وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم المخلصون - بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الجميلة، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، وهذه التربية النافعة للقلوب والأرواح المثمرة لسعادة الدنيا والآخرة.\nوتوحيد الربوبية باختصار: هو توحيد الله تعالى بأفعاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>النوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات: </span>وهو الاعتقاد الجازم بأن الله هو المنفرد بالكمال المطلق من جميع الوجوه، وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله - ﷺ - من جميع الأسماء والصفات، ومعانيها وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله من غير نفيٍ لشيءٍ منها، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تكييف. ونفي ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - من النقائص والعيوب، وعن كل ما ينافي كماله.\nوتوحيد الربوبية والأسماء والصفات قد وضَّحه الله في كتابه كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول سورة آل\n_________\n(١) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، لابن القيم، ٢/ ٩٤، ومعارج القبول، لحافظ الحكمي، ١/ ٩٨، وفتح المجيد، لعبد الرحمن بن حسن، ص ١٧.","vol":"1","page":83},{"text":"عمران، وسورة الإخلاص بكاملها، وغير ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>النوع الثالث: توحيد الإلهية</span>، ويقال له: توحيد العبادة، وهو الاعتقاد الجازم - مع العلم والعمل والاعتراف - بأن الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها، وإخلاص الدين كله لله، وهو يستلزم توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات ويتضمنهما؛ لأن الألوهية التي هي صفة تعمُّ أوصاف الكمال، وجميع أوصاف الربوبية والعظمة؛ فإنه المألوه المعبود لما له من أوصاف العظمة والجلال، ولما أسداه إلى خلقه من الفواضل والإفضال، فتوحُّدُهُ سبحانه بصفات الكمال، وتفرّدُه بالربوبية، يلزم منه أن لا يستحقّ العبادة أحد سواه.\nوتوحيد الألوهية باختصار: هو إفراد الله تعالى بعبادة العباد.\nوتوحيد الألوهية: هو مقصود دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم. وهذا النوع قد تضمنته سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا\nالْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢)، وأول سورة السجدة وآخرها، وأول سورة غافر ووسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وغالب سور القرآن.\n_________\n(١) انظر: فتح المجيد، ص١٧، والقول السديد في مقاصد التوحيد لعبد الرحمن السعدي، ص١٤ - ١٧، ومعارج القبول، ١/ ٩٩.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٦٤.","vol":"1","page":84},{"text":"وكل سور القرآن قد تضمنت أنواع التوحيد، فالقرآن كله من أوله إلى آخره في تقرير أنواع التوحيد؛ لأن القرآن كله:\nإما خبر عن الله تعالى وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأقواله، فهذا هو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي: «توحيد الربوبية والأسماء والصفات».\nوإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما يُعبد من دونه، وهذا هو التوحيد الإرادي الطلبي - «توحيد الألوهية» -.\nوإما أمر ونهي وإلزام بطاعة الله، وذلك من حقوق التوحيد ومكملاته.\nوإما خبر عن إكرام أهل التوحيد، وما فعل بهم في الدنيا من النصر والتأييد، وما يكرمهم به في الآخرة، وهو جزاء توحيده سبحانه.\nوإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلّ بهم في الآخرة من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.\nفالقرآن كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-92> المسلك الرابع: ثمرات التوحيد وفوائده</span>\nالتوحيد له فضائل عظيمة، وآثار حميدة، ونتائج جميلة، ومن ذلك ما يأتي:\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٣/ ٤٥٠، وفتح المجيد، ص١٧ - ١٨، والقول السديد،\nص١٦، ومعارج القبول، ١/ ٩٨.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>أولًا: خير الدنيا والآخرة من فضائل التوحيد </span>وثمراته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>ثانيًا: التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة</span>، يدفع الله به العقوبات في الدارين، ويبسط به النعم والخيرات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>ثالثًا: التوحيد الخالص يثمر الأمن التام في الدنيا والآخرة</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>رابعًا: يحصل لصاحبه الهدى الكامل، والتوفيق لكل أجر وغنيمة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>خامسًا: يغفر الله بالتوحيد الذنوب، ويكفّر به السيئات</span>، ففي الحديث القدسي عن أنس - ﵁ - يرفعه: «يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>سادسًا: يدخل الله به الجنة</span>، فعن عبادة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (٣).\nوفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ٨٢.\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب فضل التوبة والاستغفار، ٥/ ٥٤٨، برقم ٣٥٤٠، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٦، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٧، ١٢٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾\n٤/ ١٦٨، برقم ٣٢٥٢، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، ١/ ٥٧، برقم ٢٨.","vol":"1","page":86},{"text":"مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>سابعًا: التوحيد يمنع دخول النار بالكلية إذا كمل في القلب</span>، ففي حديث عتبان - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «... فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>ثامنًا: يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى حبة </span>من خردل من إيمان (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>تاسعًا: التوحيد هو السبب الأعظم في نيل رضا الله وثوابه</span>، وأسعد الناس بشفاعة محمد - ﷺ -: «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>عاشرًا: جميع الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها</span>، وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمّت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>الحادي عشر: يُسَهِّل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات</span>، ويسلِّيه عن المصائب، فالموحِّد المخلص لله في توحيده تخفُّ عليه الطاعات؛ لِمَا يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهوِّن عليه ترك ما تهواه\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ١/ ٩٤، برقم ٩٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، ١/ ١٢٦، برقم ٤٢٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦، برقم ٣٣.\n(٣) انظر: صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، برقم ٧٤١٠، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، ١/ ١٧٠، برقم ١٨٣، ورقم ١٩٣.\n(٤) البخاري، كتاب العلم، باب الحرص على الحديث، ١/ ٣٨، برقم ٩٩.","vol":"1","page":87},{"text":"النفس من المعاصي؛ لِمَا يخشى من سخط الله وعقابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>الثاني عشر: التوحيد إذا كَمُل في القلب حبّب الله لصاحبه الإيمان</span>، وزيّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>الثالث عشر: التوحيد يخفف عن العبد المكاره، ويهوِّن عليه الآلام</span>، فبحسب كمال التوحيد في قلب العبد يتلقَّى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة، وتسليمٍ ورضًا بأقدار الله المؤلمة، وهو من أعظم أسباب انشراح الصدر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>الرابع عشر: يحرِّر العبد من رِقّ المخلوقين والتعلُّقِ بهم</span>، وخوفهم ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا هو العزُّ الحقيقي، والشرف العالي، ويكون مع ذلك متعبِّدًا لله لا يرجو سواه، ولا يخشى إلا إيَّاه، وبذلك يتمُّ فلاحه، ويتحقّق نجاحه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الخامس عشر: التوحيد إذا كَمُلَ في القلب</span>، وتحقَّق تحققًا كاملًا بالإخلاص التامّ فإنه يصير القليل من عمل العبد كثيرًا، وتُضاعف أعماله وأقواله الطيبة بغير حصر، ولا حساب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>السادس عشر: تكفَّل الله لأهل التوحيد بالفتح، والنصر في الدنيا</span>، والعزّ والشرف، وحصول الهداية، والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>السابع عشر: الله - ﷿ - يدفع عن الموحِّدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة</span>، ويمنُّ عليهم بالحياة الطيبة، والطمأنينة إليه، والأُنس بذكره.","vol":"1","page":88},{"text":"قال العلامة السعدي ﵀: «وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة، والله أعلم» (١).\nوقال ابن تيمية ﵀: «وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرّب إليه بما يحبّه، ولا تتمّ محبّة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله» (٢).\n_________\n(١) القول السديد في مقاصد التوحيد، ص٢٥.\n(٢) مجموع الفتاوى، ٢٨/ ٣٢.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المطلب الثاني: ظلمات الشرك</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-111> المسلك الأول: مفهوم الشرك</span>\nالشِّرْكُ، والشِّرْكَةُ بمعنىً، وقد اشتركا، وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، وأشرك بالله: كفر، فهو مشركٌ ومشركي، والاسم الشرك فيهما، ورغبنا في شرككم: مشاركتكم في النسب (١)، وأشرك بالله: جعل له شريكًا في ملكه، أو عبادته، فالشرك: هو أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، وهو أكبر الكبائر، وهو الماحق للأعمال، والمبطل لها، والحارم المانع من ثوابها، فكل من عدل بالله غيره: بالحب، أو التعظيم، أو اتبع خطواته، ومبادئه المخالفة لملة إبراهيم - ﷺ - فهو مشرك (٢).\nوالشرك هو: مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ (٣).\nوالشرك شركان: شرك أكبر يخرج من المِلَّة، وشرك أصغر لا يخرج من الملة (٤).\nوذكر العلامة السعدي ﵀ أن حدَّ الشرك الأكبر الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد نوعًا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله،\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، باب الكاف، فصل الشين، ص١٢٤٠.\n(٢) الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة، لعبد الرحمن الدوسري، ص٤١.\n(٣) سورة الشعراء، الآيتان: ٩٧ - ٩٨.\n(٤) انظر: قضية التكفير، للمؤلف، ص١١٩.","vol":"1","page":90},{"text":"فكل: اعتقاد، أو قول، أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر، وهذا ضابط للشرك الأكبر لا يشذ عنه شيء.\nوأما حدّ الشرك الأصغر فهو: كل وسيلة وذريعة يتطرّق منها إلى الشرك الأكبر، من: الإرادات، والأقوال، والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-112> المسلك الثاني: البراهين الواضحات في إبطال الشرك</span>\nالأدلّة القاطعة الواضحة في إبطال الشرك، وذمّ أهله كثيرة، منها ما يأتي:\n\nأولًا: كل من دعا نبيًّا، أو وليًّا، أو مَلَكًا، أو جنيًّا، أو صرف له شيئًا من أنواع العبادة فقد اتخذه إلهًا من دون الله (٢)، وهذا هو حقيقة الشّرك الأكبر الذي قال الله تعالى فيه: <span data-type=\"title\" id=toc-113>﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ </span>لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nثانيًا: من البراهين القطعية التي ينبغي تبيينها وتوضيحها لمن اتَّخَذَ من دون الله آلهة أخرى، قوله تعالى: <span data-type=\"title\" id=toc-114>﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * </span>لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٤).\nفقد أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه آلهة من الأرض، سواء كانت\n_________\n(١) انظر: القول السديد في مقاصد التوحيد، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص٣١، ٣٢، ٥٤.\n(٢) انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص٢٤٢.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(٤) سورة الأنبياء، الآيات: ٢١ - ٢٣.","vol":"1","page":91},{"text":"أحجارًا أو خشبًا، أو غير ذلك من الأوثان التي تعبد من دون الله! فهل هم يحيون الأموات ويبعثونهم؟ الجواب: كلا، لا يقدرون على شيء من ذلك، ولو كان في السَّموات والأرض آلهة تستحق العبادة غير الله لفسدتا وفسد ما فيهما من المخلوقات؛ لأن تعدد الآلهة يقتضي التمانع والتنازع والاختلاف، فيحدث بسببه الهلاك، فلو فُرِضَ وجود إلهين، وأراد أحدهما أن يخلق شيئًا والآخر لا يريد ذلك، أو أراد أن يُعطي والآخر أراد أن يمنع، أو أراد أحدهما تحريك جسم والآخر يريد تسكينه، فحينئذ يختل نظام العالم، وتفسد الحياة! وذلك:\n* لأنه يستحيل وجود مرادهما معًا، وهو من أبطل الباطل؛ فإنه لو وجد مرادهما جميعًا للزم اجتماع الضدين، وأن يكون الشيء الواحد حيًّا ميتًا، متحركًا ساكنًا.\n* وإذا لم يحصل مراد واحد منهما لزم عجز كل منهما، وذلك يناقض الربوبية.\n* وإن وُجِدَ مراد أحدهما ونفذ دون مراد الآخر، كان النافذ مراده هو الإله القادر، والآخر عاجز ضعيف مخذول.\n* واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور غير ممكن.\nوحينئذ يتعيَّن أن القاهر الغالب على أمره هو الذي يوجد مراده وحده غير مُمانع ولا مُدافع، ولا مُنازع، ولا مُخالف، ولا شريك، وهو الله الخالق الإله الواحد، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه؛ ولهذا ذكر سبحانه دليل التمانع في قوله - ﷿ -: ﴿مَا اتَّخَذَ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا","vol":"1","page":92},{"text":"لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١).\nوإتقان العالم العلوي والسفلي، وانتظامه منذ خلقه، واتساقه، وارتباط بعضه ببعض في غاية الدقة والكمال: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ (٢). وكل ذلك مُسخَّر، ومُدَبَّر بالحكمة لمصالح الخلق كلِّهم، يدل على أن مُدبِّره واحد، وربّه واحد، وإلهه واحد، لا معبود غيره، ولا خالق سواه (٣).\n\nثالثًا:<span data-type=\"title\" id=toc-115> من المعلوم عند جميع العقلاء أن كل ما عُبِدَ من دون الله من الآلهة ضعيف </span>من كل الوجوه، وعاجز ومخذول، وهذه الآلهة لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئًا من ضر أو نفع، أو حياة أو موت، أو إعطاء أو منع، أو خفض أو رفع، أو عزّ أو ذلّ، وأنها لا تتصف بأي صفة من الصفات التي يتصف بها الإله الحق، فكيف يعبد من هذه حاله؟ وكيف يُرجى أو يُخاف من هذه صفاته؟ وكيف يُسئَل من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا (٤).\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآيتان: ٩١ - ٩٢.\n(٢) سورة الملك، الآية: ٣.\n(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٩/ ٣٥٢، ٣٥٤، ٣٣٧ - ٣٨٢، ١/ ٣٥ - ٣٧، وتفسير البغوي، ٣/ ٢٤١، ٣١٦،وابن كثير، ٣/ ٢٥٥، ١٧٦،وفتح القدير للشوكاني، ٣/ ٤٠٢، ٤٩٦، وتفسير عبد الرحمن السعدي، ٥/ ٢٢٠، ٣٧٤، وأيسر التفاسير لأبي بكر جابر الجزائري، ٣/ ٩٩، ومناهج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر بن عواض الألمعي، ص١٥٨ - ١٦١.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ٨٣، ٢١٩، ٢٧٧، ٤١٧، ٣/ ٤٧، ٢١١، ٣١٠، وتفسير السعدي،\n٢/ ٣٢٧، ٤٢٠، ٣/ ٢٩٠، ٤٥١، ٥/ ٢٧٩، ٤٥٧، ٦/ ١٥٣، وأضواء البيان للشنقيطي،\n٢/ ٤٨٢، ٣/ ١٠١، ٣٢٢، ٥٩٨، ٥/ ٤٤، ٦/ ٢٦٨.","vol":"1","page":93},{"text":"وقد بيّن الله - ﷿ - ضعف وعجز كل ما عبد من دونه أكمل بيان، فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَالله هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ الله الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ (٣).\nوهي مع هذه الصفات لا تملك كشف الضر عن عابديها ولا تحويله إلى غيرهم: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٧٦.\n(٢) سورة الأعراف، الآيات: ١٩١ - ١٩٨.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٣.","vol":"1","page":94},{"text":"عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ (١).\n\nرابعًا:<span data-type=\"title\" id=toc-116> من المعلوم يقينًا أن ما يعبده المشركون من دون الله: </span>الأنبياء، أو الصالحين، أو الملائكة، أو الجن الذين أسلموا، أنهم في شغلٍ شاغل عنهم باهتمامهم بالافتقار إلى الله بالعمل الصالح، والتنافس في القُرْبِ من ربهم يرجون رحمته، ويخافون عذابه، فكيف يُعبَدُ من هذا حاله؟ (٢) قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٣).\nخامسًا:<span data-type=\"title\" id=toc-117> وقد أوضح الله تعالى، وبيّن سبحانه أن ما عُبِدَ من دونه قد توافرت فيهم جميع أسباب العجز وعدم إجابة الدعاء من كل وجه</span>؛ فإنهم لا يملكون مثقال ذرة في السَّمَوات ولا في الأرض لا على وجه الاستقلال، ولا على وجه الاشتراك، وليس لله من هذه المعبودات من ظهير يساعده على ملكه وتدبيره، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له (٤)، قال - ﷿ -: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَه ُ﴾ (٥)، وقال - ﷾ -: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٥٦.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٤٨، وتفسير السعدي، ٤/ ٢٩١.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ٥٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٣٧، وتفسير السعدي، ٦/ ٢٧٤.\n(٥) سورة سبأ، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.","vol":"1","page":95},{"text":"يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (١).\n\nسادسًا: قال الله - ﷿ -: <span data-type=\"title\" id=toc-118>﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرٍّ </span>هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ الله عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٢).\nسابعًا: قال - ﷾ -: <span data-type=\"title\" id=toc-119>﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ </span>فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ (٣)، وهذا وصف لكل مخلوق، وأنه لا ينفع ولا يضرّ، وإنما النافع الضارّ هو الله، ومن دعا ما لا يضرّه ولا ينفعه فقد ظلم نفسه بالوقوع في الشرك الأكبر، وإذا كان النبي ﵊ لو دعا غير الله لكان من الظالمين المشركين، فكيف بغيره (٤)؟، فالنافع الضار هو المستحق للعبادة وحده ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ (٥).\nثامنًا: قال الله - ﷿ -: <span data-type=\"title\" id=toc-120>﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن\nلاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُون* </span>وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين﴾ (٦)، فهل هناك أضلُّ\n_________\n(١) سورة فاطر، الآيتان: ١٣ - ١٤.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٣٨.\n(٣) سورة يونس، الآيتان: ١٠٦ - ١٠٧.\n(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣٣١.\n(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٧.\n(٦) سورة الأحقاف، الآيتان: ٥ - ٦.","vol":"1","page":96},{"text":"من هؤلاء الذين يعبدون من لا يستجيب لهم مدة مقامهم في الدنيا، لا ينتفعون بهم مثقال ذرة، وهم لا يسمعون منهم دعاءً، ولا يجيبون لهم نداءً، وهذا حالهم في الدنيا، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، ويكونون لهم أعداء يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض (١).\n\nتاسعًا:<span data-type=\"title\" id=toc-121> ضرب الأمثال من أوضح وأقوى أساليب الإيضاح </span>والبيان في إبراز الحقائق المعقولة في صورة الأمر المحسوس، وهذا من أعظم\nما يُردُّ به على الوثنيين في إبطال عقيدتهم وتسويتهم المخلوق بالخالق في العبادة والتعظيم؛ ولكثرة هذا النوع في القرآن الكريم سأقتصر على ثلاثة أمثلة توضح المقصود على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>١ - قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ </span>إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢).\nحقٌّ على كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره؛ فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، فالآلهة التي تُعبَد من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف بما هو أكبر منه، بل لا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه، فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو أضعف المخلوقات، ولا\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٧٢٤.\n(٢) سورة الحج، الآيتان: ٧٣ - ٧٤.","vol":"1","page":97},{"text":"على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة الباطلة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟!\nوهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله تعالى في بطلان الشرك وتجهيل أهله (١).\n\n٢ - ومن أحسن الأمثال وأدلّها على بطلان الشرك، وخسارة صاحبه وحصوله على ضد مقصوده، قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ (٢).\nفهذا مثل ضربه الله لمن عبد معه غيره يقصد به التعزُّز والتقوي والنفع، فبيّن سبحانه أن هؤلاء ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياء من دون الله أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت التي هي من أضعف الحيوانات، اتخذت بيتًا وهو من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا، وكذلك من اتخذ من دون الله أولياء، فإنهم ضعفاء، وازدادوا باتخاذهم ضعفًا إلى ضعفهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>٣ - ومن أبلغ الأمثال التي تُبيّن أن المشرك قد تشتّت شمله</span>، واحتار\n_________\n(١) انظر: أمثال القرآن، لابن القيم، ص٤٧، والتفسير القيم، لابن القيم، ص٣٦٨، وتفسير البغوي، ٣/ ٢٩٨، وتفسير ابن كثير، ٣/ ٢٣٦، وفتح القدير للشوكاني، ٣/ ٤٧٠، وتفسير السعدي، ٥/ ٣٢٦.\n(٢) سورة العنكبوت، الآيات: ٤١ - ٤٣.\n(٣) انظر: تفسير البغوي،٣/ ٤٦٨،وأمثال القرآن لابن القيم، ص٢١،وفتح القدير للشوكاني، ٤/ ٢٠٤.","vol":"1","page":98},{"text":"في أمره، ما بيّنه تعالى بقوله: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١).\nفهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحِّد، فالمشرك لمّا كان يعبد آلهة شتى شُبِّهَ بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، يتنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب.\nوالموحِّد لمّا كان يعبد الله وحده لا شريك له، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ والجواب: كلا، لا يستويان أبدًا (٢).\n\nعاشرًا:<span data-type=\"title\" id=toc-125> الذي يستحق العبادة وحده من يملك القدرة على كل شيء</span>، والإحاطة بكل شيءٍ، وكمال السلطان والغلبة والقهر والهيمنة على كل شيءٍ، والعلم بكل شيء، ويملك الدنيا والآخرة، والنفع والضر، والعطاء والمنع بيده وحده، فمن كان هذا شأنه فإنه حقيق بأن يُذكَر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُطاع فلا يُعصى، ولا يُشرك معه غيره (٣).\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٢٩.\n(٢) انظر: تفسير البغوي ٤/ ٧٨، وابن كثير ٤/ ٥٢، والتفسير القيم، لابن القيم، ص٤٢٣، وفتح القدير للشوكاني، ٤/ ٤٦٢، وتفسير السعدي، ٦/ ٤٦٨، وتفسير الجزائري، ٤/ ٤٣.\n(٣) انظر: تفسير البغوي، ١/ ٢٣٧، ٣/ ٧١، ٢/ ٨٨، ٣٧٢، وتفسير ابن كثير، ١/ ٣٠٩، ٢/ ٥٧٢،\n٣/ ٤٢، ٢/ ١٢٧، ٤٣٥، ٥٧٠، ١/ ٣٤٤، ٢/ ١٣٨، وتفسير السعدي، ١/ ٣١٣، ٧/ ٦٨٦،\n٢/ ٣٨١، ٣/ ٣٩٧، ٤/ ٢٠٤، ٦/ ٣٦٤، ١/ ٣٥٦، ٢/ ٣٧٢، وأضواء البيان، ٢/ ١٨٧، ٣/ ٢٧١.","vol":"1","page":99},{"text":"وصفات الكمال المطلق لله تعالى، لا يحيط بها أحد، ولكن منها على سبيل المثال، ما يأتي:\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-126> المتفرِّد بالألوهية: </span>لا يستحق الألوهية إلا الله وحده، الحيّ الذي لا يموت أبدًا، القيّوم الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع المخلوقات، وهي مفتقرة إليه في كل شيء، ومن كمال حياته وقيّوميّته أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وجميع ما في السَّموات والأرض عبيده، وتحت قهره وسلطانه: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ (١).\nومن تمام ملكه وعظمته وكبريائه أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكل الوجهاء والشفعاء عبيد له، لا يقدمون على شفاعة حتى يأذن لهم، ولا يأذن إلا لمن ارتضى، وعلمه تعالى محيط بجميع الكائنات، ولا يطّلع أحد على شيء من علمه إلا ما أطلعهم عليه، ومن عظمته أن كُرْسِيَّه وسع السَّموات والأرض، وأنه قد حفظهما وما فيهما من مخلوقات، ولا يثقله حفظهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القاهر لكل شيء، العلي بذاته على جميع مخلوقاته، والعلّي بعظمته وصفاته، العلي الذي قهر المخلوقات، ودانت له الموجودات، العظيم الجامع لصفات العظمة والكبرياء، وقد دلّ على هذه الصفات العظيمة قوله تعالى: ﴿الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ\n_________\n(١) سورة مريم، الآيتان: ٩٣ - ٩٤.","vol":"1","page":100},{"text":"هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (١).\n\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-127> وهو الإله الذي خضع كل شيء لسلطانه</span>، فانقادت له المخلوقات بأسرها: جماداتها، وحيواناتها، وإنسها، وجنّها، وملائكتها ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٢).\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-128> وهو الإله الذي بيده النفع والضرّ</span>، فلو اجتمع الخلق على أن ينفعوا مخلوقًا لم ينفعوه إلا بما كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضرّوه بشيء لم يضرّوه إذا لم يرد الله ذلك: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣).\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-129> وهو القادر على كل شيء</span>، ولا يعجزه شيء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤).\n٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-130> إحاطة علمه بكل شيء</span>، شامل للغيوب كلها: يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون (٥): ﴿إِنَّ الله لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٨٣.\n(٣) سورة يونس، الآية: ١٠٧.\n(٤) سورة يس، الآية: ٨٢.\n(٥) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٣٤٤، ٢/ ١٣٨، والسعدي، ٢/ ٣٥٦، ٣٧٢.","vol":"1","page":101},{"text":"الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ (١)، ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٢)، ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٣)، ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤).\nولا شك أن من عرف هذه الصفات وغيرها من صفات الكمال والعظمة، فإنه سيعبد الله وحده؛ لأنه الإله المستحق للعبادة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-131> المسلك الثالث: الشفاعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>أولًا: مفهوم الشفاعة لغةً: </span>يُقال شفع الشيء: ضمَّ مثله إليه، فجعل الوتر شفعًا (٥).\nواصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرّةٍ (٦).\nمن الحكمة القولية في دعوة من يتعلّق بغير الله تعالى، ويطلب الشفاعة منه أن يُبيَّن له أن الشفاعة ملكٌ لله وحده: ﴿قُل لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٧).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٥.\n(٢) سورة يونس: الآية: ٦١.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ٥٩.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٧٥.\n(٥) انظر: القاموس المحيط، باب العين، فصل الشين، ص٩٤٧، والنهاية في غريب الحديث،\n٢/ ٤٨٥، والمعجم الوسيط، ١/ ٤٨٧.\n(٦) انظر: شرح لمعة الاعتقاد للشيخ محمد صالح العثيمين، ص٨٠.\n(٧) سورة الزمر، الآية: ٤٤.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>ثانيًا: يُرَدُّ على من طلب الشفاعة من غير الله تعالى بالأقوال الحكيمة الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>١ - ليس المخلوق كالخالق</span>، فكل من قال: إن الأنبياء والصالحين والملائكة أو غيرهم من المخلوقين لهم عند الله جاهٌ عظيمٌ، ومقاماتٌ عاليةٌ، فهم يشفعون لنا عنده، كما يُتقرّب إلى الوجهاء والوزراء عند الملوك والسّلاطين، ليجعلوهم وسائط لقضاء حاجاتهم، فهذا القول من أبطل الباطل؛ لأنه شبَّه اللهَ العظيم ملك الملوك بالملوك الفقراء المحتاجين للوزراء والوجهاء في تكميل ملكهم ونفوذ قوتهم؛ فإن الوسائط بين الملوك وبين الناس على أحد وجوه ثلاثة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>الوجه الأول: إما لإخبارهم عن أحوال الناس بما لا يعرفونه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>الوجه الثاني: أو يكون الملِكُ عاجزًا عن تدبير رعيته</span>، فلا بد له من أعوان؛ لذُلِّهِ وعجزه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>الوجه الثالث: أو يكون الملك لا يُريدُ نفع رعيته </span>والإحسان إليهم، فإذا خاطبه من ينصحه ويعظه تحركت إرادته وهمّته في قضاء حوائج رعيته.\nوالله - ﷿ - ليس كخلقه الضعفاء، فهو تعالى لا تخفى عليه خافية، وغني عن كل ما سواه، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، ومعلوم أن الشافع عند ملوك الدنيا قد يكون له ملك مستقل، وقد يكون شريكًا لهم، وقد يكون معاونًا لهم، فالملوك يقبلون شفاعته لأحد ثلاثة أمور:\nأ - تارة لحاجتهم إليه.\nب - وتارة لخوفهم منه.\nجـ - وتارة لجزاء إحسانه إليهم.","vol":"1","page":103},{"text":"وشفاعة العباد بعضهم عند بعض من هذا الجنس، فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة، والله - ﷿ - لا يرجو أحدًا ولا يخافه، ولا يحتاج إليه (١)؛ ولهذا قطع الله جميع أنواع التعلّقات بغيره، وبيّن بطلانها، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢).\nفقد سدّت هذه الآية على المشركين جميع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك أبلغ سدٍّ وأحكمه؛ فإن العابد إنما يتعلّق بالمعبود لِمَا يرجو من نفعه، وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكًا للأسباب التي ينتفع بها عابده، أو يكون شريكًا لمالكها، أو ظهيرًا، أو وزيرًا، أو معاونًا له، أو وجيهًا ذا حرمة وقدر يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت موادِّه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>٢ - الشفاعة: شفاعتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>الشفاعة الأولى: الشفاعة المثبتة: </span>وهي التي تطلب من الله ولها شرطان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>الشرط الأول: إذن الله للشّافع أن يشفع</span>، لقوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (٤).\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ١٢٦ - ١٢٩.\n(٢) سورة سبأ، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.\n(٣) انظر: التفسير القيم، لابن القيم، ص٤٠٨.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>الشرط الثاني: رضا الله عن الشّافع والمشفوع له</span>، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (١)، ﴿يَومَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَولًا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>الشفاعة الثانية: الشفاعة المنفية: </span>وهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والشفاعة بغير إذنه ورضاه، والشفاعة للكفار: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٣)،ويستثنى شفاعته - ﷺ - في تخفيف عذاب أبي طالب (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>٣ - الاحتجاج على من طلب الشفاعة من غير الله </span>بالنص والإجماع، فلم يكن النبي - ﷺ - ولا الأنبياء من قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة، أو الأنبياء، أو الصالحين، ولا يطلبوا منهم الشفاعة، ولم يفعل ذلك أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولم يستَحِبّ ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين، ولا من يعتبر قوله في مسائل الإجماع، فالحمد لله رب العالمين (٥).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-144> المسلك الرابع: مسبغ النعم المستحق للعبادة</span>\nمن الحكمة في دعوة المشركين إلى الله تعالى لفت أنظارهم وقلوبهم إلى\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ٢٨.\n(٢) سورة طه، الآية: ١٠٩.\n(٣) سورة المدثر، الآية: ٤٨.\n(٤) انظر: البخاري مع الفتح، مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، ٧/ ١٩٣، برقم ٣٨٨٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابًا، ١/ ١٩٥، برقم ٢١١.\n(٥) انظر: فتاوى ابن تيمية،١/ ١١٢،١٥٨، ١٤/ ٣٩٩ - ٤١٤، ١/ ١٠٨ - ١٦٥، ١٤/ ٣٨٠، ٤٠٩، ١/ ١٦٠ - ١٦٦، ١٩٥، ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٤١، ودرء تعارض العقل والنقل، له، ٥/ ١٤٧، وأضواء البيان، ١/ ١٣٧.","vol":"1","page":105},{"text":"نعم الله العظيمة: الظاهرة والباطنة، والدينية والدنيوية. فقد أسبغ على عباده جميع النعم: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾ (١)، وسخر هذا الكون وما فيه من مخلوقات لهذا الإنسان.\nوقد بيّن سبحانه هذه النعم، وامتنَّ بها على عباده، وأنه المستحق للعبادة وحده، ومما امتنّ به عليهم ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>أولًا: على وجه الإجمال: </span>قال الله - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢)، ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٣)، ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤).\nفقد شمل هذا الامتنان جميع النعم: الظاهرة والباطنة، الحسّيّة والمعنوية، فجميع ما في السموات والأرض قد سُخِّر لهذا الإنسان، وهو شامل لأجرام السموات والأرض، وما أودع فيهما من: الشمس والقمر، والكواكب، والثوابت، والسيارات، والجبال، والبحار، والأنهار، وأنواع الحيوانات، وأصناف الأشجار والثمار، وأجناس المعادن، وغير ذلك مما هو من مصالح بني آدم، ومصالح ما هو من ضروراتهم للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٥٣.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٩.\n(٣) سورة لقمان، الآية: ٢٠.\n(٤) الجاثية، الآية: ١٣.","vol":"1","page":106},{"text":"وكل ذلك دالّ على أن الله وحده هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذلّ والمحبة إلا له، وهذه أدلّة عقلية لا تقبل ريبًا ولا شكًا على أن الله هو الحق، وأن ما يُدعَى من دونه هو الباطل (١): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ الله هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>ثانيًا: على وجه التفصيل: </span>ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ - بعد أن ذكر نعمًا كثيرة: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤).\nأفمن يخلق هذه النعم وهذه المخلوقات العجيبة كمن لا يخلق شيئًا\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي، ١/ ٥٩، ٣/ ٧٢، وابن كثير، ٣/ ٤٥١، ٤/ ١٤٩، والشوكاني، ١/ ٦٠،\n٤/ ٤٢٠، والسعدي، ١/ ٦٩، ٦/ ١٦١، ٧/ ٢١، وأضواء البيان للشنقيطي، ٣/ ٢٢٥ - ٢٥٣.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٦٢، وانظر: سورة لقمان، الآية: ٣٠.\n(٣) سورة إبراهيم، الآيات: ٣٢ - ٣٤.\n(٤) سورة النحل، الآيات: ١٤ - ١٨، وانظر: الآيات: ٣ - ١٢ من السورة نفسها.","vol":"1","page":107},{"text":"منها؟\nومن المعلوم قطعًا أنه لا يستطيع فرد من أفراد العباد أن يُحصي\nما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسّة من حواسّه، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه في بدنه، وكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنوّعها واختلاف أجناسها؟ (١).\nولا يسع العاقل بعد ذلك إلا أن يعبد الله الذي أسدى لعباده هذه النعم ولا يشرك به شيئًا؛ لأنه المستحق للعبادة وحده سبحانه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-147> المسلك الخامس: أسباب ووسائل الشرك</span>\nحذّر النبي - ﷺ - عن كل ما يوصل إلى الشرك ويسبب وقوعه، وبيّن ذلك بيانًا واضحًا، ومن ذلك على سبيل الإيجاز ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>أولًا: الغلو في الصالحين هو سبب الشرك بالله تعالى</span>، فقد كان الناس منذ أُهبِطَ آدم - ﷺ - إلى الأرض على الإسلام، قال ابن عباس ﵄: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام» (٢).\nوبعد ذلك تعلّق الناس بالصالحين، ودبّ الشرك في الأرض، فبعث الله نوحًا - ﷺ - يدعو إلى عبادة الله وحده، وينهى عن عبادة ما سواه (٣)، وردّ\n_________\n(١) انظر: فتح القدير، ٣/ ١٥٤، ٣/ ١١٠، وأضواء البيان، ٣/ ٢٥٣.\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التاريخ، ٢/ ٥٤٦، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية، ١/ ١٠١، وعزاه إلى البخاري، وانظر: فتح الباري، ٦/ ٣٧٢.\n(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ١/ ١٠٦.","vol":"1","page":108},{"text":"عليه قومه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١).\nوهذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وَسَمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسِيَ العلم عُبِدت (٢).\nوهذا سببه الغلوّ في الصالحين؛ فإن الشيطان يدعو إلى الغلوّ في الصالحين، وإلى عبادة القبور.\nثم يُلقي في قلوب الناس أن البناء والعكوف عليها من محبة أهلها من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب.\nثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها، والإقسام على الله بها، وشأن الله أعظم من أن يُسأل بأحد من خلقه.\nفإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى دعاء صاحب القبر وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنًا تُعلَّق عليه الستور، ويُطاف به، ويُستلم ويُقبّل، ويُذبح عنده.\nثم ينقلهم من ذلك إلى مرتبة رابعة: وهي دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدًا.\n_________\n(١) سورة نوح، الآية: ٢٣.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة نوح، ٨/ ٦٦٧، برقم ٤٩٢٠.","vol":"1","page":109},{"text":"ثم ينقلهم إلى أن من نهى عن ذلك فقد تَنَقَّصَ أهل هذه الرتب العالية من الأنبياء والصالحين، وعند ذلك يغضبون (١).\nولهذا حذّر الله عباده من الغلوّ في الدين، والإفراط بالتعظيم بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ورفْع المخلوق عن منزلته التي أنزله الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>ثانيًا: الإفراط في المدح والتجاوز فيه، والغلو في الدين: </span>حذّر رسول الله - ﷺ - عن الإطراء في المدح فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣)، وقال النبي - ﷺ -: «إياكم والغلوّ في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>ثالثًا: بناء المساجد على القبور، وتصوير الصُّوَر فيها: </span>حذَّر - ﷺ - عن اتخاذ المساجد على القبور، وعن اتخاذها مساجد؛ لأن عبادة الله عند قبور الصالحين وسيلة إلى عبادتهم؛ ولهذا لَمَّا ذكرت أم حبيبة وأم سلمة ﵄ لرسول الله - ﷺ - كنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: «إن أولئكِ إذا كان فيهم\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري، ٢٩/ ٦٢، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص٢٤٦.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٧١.\n(٣) البخاري مع الفتح بلفظه، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ..﴾،\n٦/ ٤٧٨، ١٢/ ١٤٤، وانظر: شرحه في الفتح، ١٢/ ١٤٩.\n(٤) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى، ٥/ ٢٦٠، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، ٢/ ١٠٠٨، وأحمد، ١/ ٣٤٧.","vol":"1","page":110},{"text":"الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئكِ شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (١).\nوَمِنْ حرصِ النبيِّ - ﷺ - على أمته أنه عندما نزل به الموت قال: «لَعْنَةُ الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».قالت عائشة ﵂: يُحذِّر ما صنعوا (٢).\nوقال قبل أن يموت بخمس: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>رابعًا: اتخاذ القبور مساجد: </span>حذّر النبي - ﷺ - أمته عن اتخاذ قبره وثنًا يُعبد من دون الله، ومن باب أولى غيره من الخلق، فقال: «اللهمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، كتاب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، ١/ ٥٢٣،\n٣/ ٢٠٨، ٧/ ١٨٧، وأخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، ١/ ٣٧٥.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة، باب: حدثنا أبو اليمان، ١/ ٥٣٢، ٣/ ٢٠٠، ٦/ ٤٩٤،\n٧/ ١٨٦، ٨/ ١٤٠، ١٠/ ٢٧٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، ١/ ٣٣٧.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، ١/ ٣٧٧.\n(٤) الموطأ للإمام مالك، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة، ١/ ١٧٢، وهو عنده مرسل، ولفظ أحمد، ٢/ ٢٤٦: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وأبو نعيم في الحلية، ٧/ ٣١٧، وانظر: فتح المجيد، ص١٥٠.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>خامسًا: إسراج القبور وزيارة النساء لها: </span>حذّر النبي - ﷺ - عن إسراج القبور؛ لأن البناء عليها، وإسراجها، وتجصيصها، والكتابة عليها، واتخاذ المساجد عليها من وسائل الشرك، فعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>سادسًا: الجلوس على القبور والصلاة إليها: </span>لم يترك النبي - ﷺ - بابًا من أبواب الشرك التي تُوصِّل إليه إلاّ سدَّه (٢)، ومن ذلك قوله - ﷺ -: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إليها» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>سابعًا: اتخاذ القبور عيدًا، وهجر الصلاة في البيوت</span>، بيّن النبي - ﷺ - أن القبور ليست مواضع للصلاة، وأن من صلى عليه وسلم فستبلغه صلاته، سواء كان بعيدًا عن قبره أو قريبًا، فلا حاجة لاتخاذ قبره عيدًا: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٤).\nوقال النبي الرحيم - ﷺ -: «إن لله ملائكة سياحين يبلّغوني من أمتي\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور، ٤/ ٩٤، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، ٣/ ٢١٨، والترمذي، كتاب الصلاة، باب كراهية أن يتخذ على القبر مسجدًا، ٢/ ١٣٦،وابن ماجه في الجنائز، باب النهي عن زيارة النساء للقبور،١/ ٥٠٢، وأحمد، ١/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤، ٢/ ٣٣٧، ٣/ ٤٤٢، ٤٤٣، والحاكم، ١/ ٣٧٤، وانظر ما نقله صاحب فتح المجيد في تصحيح الحديث عن ابن تيمية، ص٢٧٦.\n(٢) انظر: فتح المجيد، ص٢٨١.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، ٢/ ٦٦٨، برقم ٩٧٢.\n(٤) أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، ٢/ ٢١٨ بإسناد حسن، وأحمد، ٢/ ٣٥٧، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٨٣.","vol":"1","page":112},{"text":"السلام» (١).\nفإذا كان قبر النبي - ﷺ - أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فغيره أولى بالنهي كائنًا من كان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>ثامنًا: الصور وبناء القباب على القبور: </span>كان النبي - ﷺ - يطهِّر الأرض من وسائل الشرك، فيبعث بعض أصحابه إلى هدم القباب المشرفة على القبور، وطمس الصور، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -؟ «ألا تدع تمثالًا إلاّ طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلاّ سويته» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>تاسعًا: شدّ الرّحال إلى غير المساجد الثلاثة: </span>وكما سدّ النبي - ﷺ - كل باب يوصّل إلى الشرك فقد حمى التوحيد عما يقرب منه ويخالطه من الشرك وأسبابه، فقال - ﷺ -: «لا تشدّوا الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (٤).\nفدخل في هذا النهي شدّ الرحال لزيارة القبور والمشاهد، وهو الذي فهمه الصحابة - ﵃ - من قول النبي - ﷺ -؛ ولهذا عندما ذهب أبو هريرة - ﵁ - إلى الطور، فلقيه بصرة بن أبي بصرة الغفاري: فقال: من أين جئت؟ قال:\n_________\n(١) النسائي في السهو، باب السلام على النبي - ﷺ -، ٣/ ٤٣، وأحمد، ١/ ٤٥٢، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ -، برقم ٢١، ص٢٤، وسنده صحيح.\n(٢) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية لعبد الرحمن بن قاسم، ٦/ ١٦٥ - ١٧٤.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر، ٢/ ٦٦٦، برقم ٩٦٩.\n(٤) البخاري مع الفتح، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ٣/ ٦٣، ومسلم بلفظه، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، ٢/ ٩٧٦، برقم ٨٢٧.","vol":"1","page":113},{"text":"من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت إليه، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تُعمل المطيّ إلاّ إلى ثلاثة مساجد ...» (١).\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره - ﷺ - أو غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل يُنهى عن ذلك» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>عاشرًا: الزيارة البدعية للقبور من وسائل الشرك</span>؛ لأن زيارة القبور نوعان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>النوع الأول: زيارة شرعية </span>يُقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم، كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات صلاة الجنازة؛ وَلِتذكِّر الموت - بشرط عدم شدِّ الرِّحال -؛ ولاتّباع سنة النبي - ﷺ -.\nالنوع الثاني: زيارة شركية وبدعية (٣)، وهذا النوع ثلاثة أنواع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>١ - من يسأل الميت حاجته</span>، وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>٢ - من يسأل الله تعالى بالميت</span>، كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحقّ الشيخ فلان، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يُخرج عن الإسلام كما يُخرِج الأول.\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجمعة، باب الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، ٣/ ١١٤، ومالك في الموطأ، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة، ١/ ١٠٩، وأحمد في المسند، ٦/ ٧، ٣٩٧، وانظر: فتح المجيد، ص٢٨٩، وصحيح النسائي، ١/ ٣٠٩.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٤.\n(٣) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٣، والبداية والنهاية، ١٤/ ١٢٣.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>٣ - من يظنّ أن الدعاء عند القبور مُستجاب</span>، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، وهذا من المنكرات بالإجماع (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>الحادي عشر: الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها </span>من وسائل الشرك؛ لِمَا في ذلك من التشبّه بالذين يسجدون لها في هذين الوقتين، قال النبي - ﷺ -: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان» (٢).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-164>الخلاصة: </span>أن وسائل الشرك التي تُوصل إليه: هي كل وسيلة وذريعة تكون طريقًا إلى الشرك الأكبر، ومن الوسائل التي لم تُذكر هنا: تصوير ذوات الأرواح، والوفاء بالنذر في مكان يُعبد فيه صنم، أو يُقام فيه عيد من أعياد الجاهلية، وغير ذلك من الوسائل (٣).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-165> المسلك السادس: أنواع الشرك وأقسامه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>أولًا: الشرك أنواع، منها </span>ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>النوع الأول: شرك أكبر يُخرج من الملّة</span>؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ (٤)، وهو أربعة أقسام:\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>القسم الأول: شرك الدعوة: </span>لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا\n_________\n(١) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ٦/ ١٦٥ - ١٧٤.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها،١/ ٥٦٨،برقم ٨٢٨.\n(٣) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، للعلامة الدكتور صالح الفوزان، ص٥٤ - ٧٠، ١١٣ - ١٥٢.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١١٦.","vol":"1","page":115},{"text":"الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>القسم الثاني: شرك النية والإرادة والقصد: </span>لقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>القسم الثالث: شرك الطاعة: </span>وهي طاعة الأحبار والرهبان وغيرهم في معصية الله تعالى، قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>القسم الرابع: شرك المحبة: </span>لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله﴾ (٤).\nوالخلاصة: أن الشرك الأكبر هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله - ﷿ -: كأن يدعو غير الله، أو يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يتقرّب لأصحاب القبور، أو الجن والشياطين بشيء من أنواع العبادة، أو يخاف الموتى أن يضرّوه، أو يرجو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وغير ذلك من أنواع العبادة التي لا\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية: ٦٥، وانظر: الجواب الكافي لابن القيم، ص٢٣٠ - ٢٤٤، ومدارج السالكين، لابن القيم، ١/ ٣٣٩ - ٣٤٦.\n(٢) سورة هود، الآيتان: ١٥ - ١٦، وانظر: سورة الإسراء، الآية: ٨، وسورة الشورى، الآية: ٢٠.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٣١.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٦٥.","vol":"1","page":116},{"text":"تصرف إلا لله - ﷿ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>النوع الثاني: شرك أصغر لا يُخرج من الملة</span>، وهو: كل وسيلة وذريعة توصل إلى الشرك الأكبر: من الإرادات، والأقوال، والأفعال، التي لم تبلغ رتبة العبادة. وهو أيضًا: كل ما ورد في الشرع تسميته شركًا، ولم يصل إلى حدّ الشرك الأكبر.\nومنه يسير الرياء، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢).\nومنه الحلف بغير الله؛ لقوله - ﷺ -: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٣).\nومنه قول الرجل: لولا الله وأنت، أو ما شاء الله وشئت.\nومن أنواع الشرك: شرك خفي: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء على صفاةٍ سوداء في ظلمة الليل» (٤)، وكفارته هي أن يقول العبد: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم» (٥)، قال ابن عباس ﵄ في قوله\n_________\n(١) انظر: كتاب التوحيد للعلامة الفوزان، ص١١.\n(٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(٣) رواه الترمذي وحسنه عن ابن عمر ﵄، في كتاب النذور والأيمان، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، ٤/ ١١٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٩٩.\n(٤) أخرجه الحكيم الترمذي، انظر: صحيح الجامع، ٣/ ٢٣٣،وتخريج الطحاوية للأرنؤوط، ص٨٣.\n(٥) أخرجه الحكيم الترمذي، وانظر: صحيح الجامع، ٣/ ٢٣٣، ومجموعة التوحيد لمحمد بن عبدالوهاب، وابن تيمية، ص٦.","vol":"1","page":117},{"text":"تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لله أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاةٍ سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتِك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان (٢).\nوقول النبي - ﷺ -: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٣)، قال الترمذي: فُسِّرَ عند بعض أهل العلم أن قوله: فقد كفر أو أشرك على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر أن النبي - ﷺ -: سمع عمر يقول: وأبي وأبي، فقال - ﷺ -: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» (٤). وحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من قال في حلفه: باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله» (٥).\n* ولعل الشرك الخفي يدخل في الشرك الأصغر، فيكون الشرك شركين: شرك أكبر، وشرك أصغر، وهذا الذي أشار إليه ابن القيم ﵀ (٦).\nوالخلاصة: أن الشرك الأصغر قسمان:\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢.\n(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره، ١/ ٥٦، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(٣) رواه الترمذي عن ابن عمر،٤/ ١١٠، وتقدم تخريجه.\n(٤) رواه الترمذي عن ابن عمر ﵄، في كتاب النذور والأيمان، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، ٤/ ١١٠، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٩٢.\n(٥) رواه الترمذي عن أبي هريرة في الكتاب والباب المشار إليهما آنفًا، ٤/ ١١٠، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٩٢.\n(٦) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص٢٣٣.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>القسم الأول: شرك ظاهر</span>، وهونوعان: ألفاظ، وأفعال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>النوع الأول: الألفاظ: </span>كالحلف بغير الله، وقول: ما شاء الله وشئت، أو لولا الله وأنت، أو هذا من الله ومنك، أو هذا من بركات الله وبركاتك، ونحو ذلك. والصواب أن يقول: ما شاء الله وحده، أو\nما شاء الله ثم شئت، ولولا الله وحده، أو لولا الله ثم أنت، وهذا من الله وحده، أو هذا من الله ثم منك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>النوع الثاني: الأفعال: </span>مثل: لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، وتعليق التمائم خوفًا من العين أو الجنّ، فمن فعل ذلك يعتقد أن هذه الأشياء ترفع البلاء بعد نزوله، أو تدفعه قبل نزوله، فقد أشرك شركًا أكبر، وهو شرك في الربوبية؛ حيث اعتقد شريكًا مع الله في الخلق والتدبير، وشرك في العبودية حيث تألَّه لذلك، وعلّق به قلبه طمعًا ورجاءً لنفعه، وإن اعتقد أن الله - ﷿ - الدافع للبلاء، والرافع له وحده، ولكن اعتقدها سببًا يستدفع بها البلاء، فقد جعل ما ليس سببًا شرعيًا ولا قدريًا سببًا، وهذا محرّم وكذب على الشرع وعلى القدر:\nأما الشرع؛ فإنه نهى عن ذلك أشد النهي، وما نهى عنه فليس من الأسباب النافعة.\nوأما القدر: فليس هذا من الأسباب المعهودة ولا غير المعهودة التي يحصل بها المقصود، ولا من الأدوية المباحة النافعة، وهو من جملة وسائل الشرك؛ فإنه لابد أن يتعلق قلب متعلقها بها، وذلك نوع شرك ووسيلة إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>القسم الثاني من الشرك الأصغر: شرك خفي وهو الشرك في الإردات</span>، والنيات، والمقاصد، وهو نوعان:","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>النوع الأول: الرياء، والسمعة</span>، والرياء: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها، فيحمدوه عليها، والفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء لِمَا يُرى من العمل: كالصلاة، والصدقة، والحج، والجهاد، والسمعة لِمَا يُسمع: كقراءة القرآن، والوعظ، والذكر، ويدخل في ذلك تحدّث الإنسان عن أعماله، وإخباره بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>النوع الثاني: إرادة الإنسان بعمله الدنيا: </span>وهو إرادته بالعمل الذي يُبتغى به وجه الله عَرَضًا من مطامع الدنيا، وهو شرك في النيات والمقاصد، وينافي كمال التوحيد، ويحبط العمل الذي قارنه (١).\nنسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>ثانيًا: الفروق بين الشرك الأكبر والأصغر:</span>\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-180> الشرك الأكبر يخرج من الإسلام</span>، والأصغر لا يُخرج من الإسلام.\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-181> الشرك الأكبر يُخلّد صاحبه في النار</span>، والأصغر لا يُخلّد صاحبه في النار إن دخلها.\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-182> الشرك الأكبر يُحبط جميع الأعمال</span>، والشرك الأصغر لا يحبط جميع الأعمال وإنما يُحبط الرياء والعمل للدنيا العمل الذي خالطه.\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-183> الشرك الأكبر يُبيح الدم والمال</span>، والأصغر ليس كذلك (٢).\n٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-184> الشرك الأكبر يوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين</span>، فلا يجوز\n_________\n(١) انظر: القول السديد في مقاصد التوحيد، للسعدي، ص٤٣، والجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص٢٤٠، وكتاب التوحيد للعلامة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان،\nص١١ - ١٢، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد له، ص١٣٤ - ١٤٣.\n(٢) انظر: كتاب التوحيد، للعلامة الدكتور صالح الفوزان، ص١٢.","vol":"1","page":120},{"text":"للمؤمنين موالاته، ولو كان أقرب قريب، وأما الشرك الأصغر فإنه لا يمنع الموالاة مطلقًا، بل صاحبه يُحبّ ويُوالَى بقدر ما معه من التوحيد، ويُبغض ويُعادى بقدر ما فيه من الشرك الأصغر (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-185> المسلك السابع: أضرار الشرك وآثاره</span>\nالشرك له آثار خطيرة، ومفاسد جسيمة، وأضرار مهلكة، منها على سبيل الاختصار والإجمال، ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>أولًا: شرّ الدنيا والآخرة من أضرار الشرك وآثاره</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>ثانيًا: الشرك هو السبب الأعظم لحصول الكربات في الدنيا والآخرة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>ثالثًا: الشرك يسبب الخوف، وينزع الأمن في الدنيا والآخرة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>رابعًا: يحصل لصاحب الشرك الضلال في الدنيا والآخرة</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>خامسًا: الشرك الأكبر لا يغفره الله إذا مات صاحبه قبل التوبة</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>سادسًا: الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥).\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، ص١٥.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١١٦.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ٨٨.\n(٥) سورة الزمر، الآية: ٦٥.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>سابعًا: الشرك الأكبر يوجب الله لصاحبه النار ويحرم عليه الجنة</span>، فعن جابر بن عبد الله - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» (١).\nوقد قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>ثامنًا: الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>تاسعًا: الشرك أعظم الظلم والافتراء</span>، قال الله - ﷾ - يحكي قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٤)، وقال سبحانه:\n﴿وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>عاشرًا: الله تعالى بريء من المشركين ورسولُهُ - ﷺ </span>-، قال - ﷿ -: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ الله بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>الحادي عشر: الشرك هو السبب الأعظم في نيل غضب الله وعقابه</span>،\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار، ١/ ٩٤، برقم ٩٣.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٧٢.\n(٣) سورة البينة، الآية: ٦.\n(٤) سورة لقمان، الآية: ١٣.\n(٥) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(٦) سورة التوبة، الآية: ٣.","vol":"1","page":122},{"text":"والبعد عن رحمته نعوذ بالله من كل ما يغضبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>الثاني عشر: الشرك يطفئ نور الفطرة</span>؛ لأن الله - ﷿ - فطر الناس على توحيده وطاعته، قال سبحانه: ﴿فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١). قال النبي - ﷺ -: «ما من مولود إلا يولد على الفطر، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (٢)، وفي الحديث القدسي: أن النبي - ﷺ - قال فيما يرويه عن ربه تعالى: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزل به سلطانًا» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الثالث عشر: يقضي على الأخلاق الفاضلة</span>؛ لأن أخلاق النفس الفاضلة من الفطرة، وإذا كان الشرك يقضي على الفطرة فمن باب أولى أن يقضي على ما انبنى على فطرة الله من الأخلاق الطيّبة الحسنة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>الرابع عشر: يقضي على عزّة النفس</span>؛ لأن المشرك يذلّ لجميع طواغيت الأرض كلّها؛ لأنه يعتقد أنه لا معتصم له إلا هم، فيذلّ ويخضع لمن لا يسمع ولا يرى، ولا يعقل، فيعبد غير الله، ويذلّ له، وهذا غاية الإهانة والتعاسة، نسأل الله العافية.\n_________\n(١) سورة الروم، الآية: ٣٠.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، ٢/ ١١٩، برقم ١٣٥٨، ومسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، ٤/ ٢٠٤٧، برقم ٢٦٥٨.\n(٣) مسلم، كتاب الجنة، باب الصفات التي يعرف بها أهل الجنة وأهل النار، ١/ ٢١٩٧، برقم ٢٨٦٥.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>الخامس عشر: الشرك الأكبر يبيح الدم والمال</span>؛ لقوله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>السادس عشر: الشرك الأكبر يوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين</span>، فلا يجوز لهم موالاته ولو كان أقرب قريب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>السابع عشر: الشرك الأصغر يُنقص الإيمان</span>، وهو من وسائل الشرك الأكبر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>الثامن عشر: الشرك الخفي، وهو شرك الرياء، والعمل لأجل الدنيا</span>، يُحبط العمل الذي قارنه، وهو أخوف من المسيح الدجال؛ لعظم خفائه، وخطره على أمة محمد - ﷺ -.\nقال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ* وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢).\nفاحذر يا عبد الله الشرك كلَّه: كبيره، وصغيره، نعوذ بالله منه، ونسأل الله السلامة والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ\nسَبِيلَهُمْ﴾، ١/ ١٤، برقم ٢٥، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ١/ ٥٣، برقم ٢٠.\n(٢) سورة الماعون، الآيات: ٤ - ٧.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>المبحث الثالث: نور الإخلاص وظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>المطلب الأول: نور الإخلاص</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-206> المسلك الأول: مفهوم الإخلاص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>الإخلاص في اللغة: </span>خَلَص يخلص خلوصًا: صفا وزال عنه شوبه، ويقال: خلص من ورطته: سلم منها، ونجا، ويقال: خلَّصه تخليصًا: أي نجّاه. والإخلاص في الطاعة: ترك الرياء (١).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-208>حقيقة الإخلاص: </span>هو أن يريد العبد بعمله التقرب إلى الله تعالى وحده.\nوقد ذكر أهل العلم تعريفات بعضها قريب من بعض:\nفقيل: الإخلاص: إفراد الحق - سبحانه - بالقصد في الطاعة.\nوقيل: الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعْمَرَ من ظاهره.\nوقيل: تصفية العمل من كل ما يشوبه (٢).\nوعلى ما تقدّم: يتّضح أن الإخلاص: صرف العمل والتقرّب به إلى الله وحده، لا رياءً ولا سمعةً، ولا طلبًا للعَرَض الزائل، ولا تصنّعًا، وإنما يرجو ثواب الله، ويخشى عقابه، ويطمع في رضاه.\nولهذا قال القاضي عياض: «تَرْك العمل من أجل الناس رياءٌ،\n_________\n(١) المعجم الوسيط، ١/ ٢٤٩، ومختار الصحاح، ص٧٧.\n(٢) مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٩١.","vol":"1","page":125},{"text":"والعملُ من أجل الناس شركٌ، والإخلاصُ أن يعافيَكَ الله منهما» (١).\nوالإخلاص: في حياة المسلم أن يَقصد بعمله، وقوله، وسائر تصرفاته، وتوجيهاته وتعليمه وجه الله تعالى وحده لا شريك له ولا رب سواه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-209> المسلك الثاني: أهمية الإخلاص</span>\nلقد خلق الله الخلق: الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، وأمر جميع المكلفين بالإخلاص: <span data-type=\"title\" id=toc-210>﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ\n\nالدِّينَ﴾ </span>(٢)، و<span data-type=\"title\" id=toc-211>قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ الله </span>مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين *، أَلا لله الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣)، <span data-type=\"title\" id=toc-212>﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ * </span>لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤)، <span data-type=\"title\" id=toc-213>﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ </span>(٥).\nقال الفضيل بن عياض: هو أخلَصُهُ وأصوَبُهُ. قالوا: يا أبا علي:\nما أخلصه وأصوبه؟ فقال: «إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (٦). ثم قرأ\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٩١.\n(٢) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٣) سورة الزمر، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٤) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.\n(٥) سورة الملك، الآية: ٢.\n(٦) مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٨٩.","vol":"1","page":126},{"text":"قوله تعالى: <span data-type=\"title\" id=toc-214>﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ </span>(١)، و<span data-type=\"title\" id=toc-215>قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ </span>(٢). فإسلام الوجه: إخلاص القصد والعمل لله، والإحسان فيه: متابعة رسول الله - ﷺ - وسنته (٣).\nوقد ثبت في الحديث عن أنس بن مالك - ﵁ - قال - ﷺ -: <span data-type=\"title\" id=toc-216>«ثلاث لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: </span>إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تُحيط من ورائهم» (٤).\nوالإخلاص هو روح عمل المسلم، وأهم صفاته، فبدونه يكون جهده وعمله هباءً منثورًا.\nوالإخلاص من أهم أعمال القلوب باتفاق أئمة الإسلام، ولاشك أن أعمال القلوب هي الأصل: لمحبة الله ورسوله، والتوكل عليه، والإخلاص له، والخوف منه، والرجاء له، وأعمال الجوارح تَبَعٌ؛ فإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح مات، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح.\nفيجب على المسلم أن يكون مخلصًا لله - ﷿ - لا يريد رياءً ولا سمعة،\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(٣) مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٩٠.\n(٤) أخرجه الترمذي، في كتاب العلم، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ٥/ ٣٤، برقم ٢٦٥٨ من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وأخرجه أحمد، ٥/ ١٨٣ من حديث زيد بن ثابت - ﵁ -، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، ١/ ٧٨.","vol":"1","page":127},{"text":"ولا ثناء الناس ولا مدحهم وحمدهم، إنما يعمل الصالحات، ويدعو إلى الله يريد وجهه - تعالى - كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى\nالله﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى الله﴾ (٢).\nوالإخلاص أعظم الصفات التي تجب على جميع المسلمين، فيريدون بدعوتهم وعملهم وجه الله والدار الآخرة، ويريدون إصلاح الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-217> المسلك الثالث: مكانة النية الصالحة وثمراتها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>النية: أساس العمل وقاعدته</span>، ورأس الأمر وعموده، وأصله الذي عليه بُنِيَ؛ لأنها روح العمل، وقائده، وسائقه، والعمل تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يحصل التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة (٤)؛ ولهذا<span data-type=\"title\" id=toc-219> قال النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى </span>...» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>وقال الله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ </span>إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ الله\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٣.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ١/ ٣٤٩ و٤/ ٢٢٩.\n(٤) انظر: النية وأثرها في الأحكام الشرعية للدكتور صالح بن غانم السدلان، ١/ ١٥١.\n(٥) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -: البخاري، كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسوله - ﷺ -، ١/ ٩، برقم ١. ومسلم، كتاب الإمارة، باب: قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنية»، ٣/ ١٥١٥، برقم ١٩٠٧.","vol":"1","page":128},{"text":"فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).\n\nوهذا يدل على أهمية ومكانة النية، وأن الدعاة إلى الله وغيرهم من المسلمين بحاجة إلى إصلاح النية، فإذا صلحت أُعطي العبد الأجر الكبير، والثواب العظيم، ولو لم يعمل إنما نوى نية صادقة؛ ولهذا<span data-type=\"title\" id=toc-221> قال النبي - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» </span>(٢)، و<span data-type=\"title\" id=toc-222>قال - ﷺ -: «ما من امرئٍ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم </span>إلا كُتبَ له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة» (٣).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-223>قال - ﷺ -: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد </span>فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلى وحضر، لا ينقص ذلك من أجره شيئًا» (٤).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-224>قال - ﷺ -: «من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلّغه الله منازل الشهداء</span>، وإن مات على فراشه» (٥).\nوهذا يدل على فضل الله - ﷾ -، وإحسانه إلى عباده؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١١٤.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، بابٌ: يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة،٤/ ٢٠٠،برقم ٢٩٩٦.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب من نوى القيام فنام، ٢/ ٢٤، برقم ١٣١٤. والنسائي، كتاب قيام الليل، وتطوع النهار، باب من كان له صلاة بليل فغلبه عليها نوم، ٣/ ٢٧٥، برقم ١٧٨٤. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٢٠٤، وصحيح الجامع، ٥/ ١٦٠ برقم ٥٥٦٧.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها، ١/ ١٥٤، برقم ٥٦٤. والنسائي، كتاب الإمامة، باب حد إدراك الجماعة، ٢/ ١١١، برقم ٨٥٥. وقال ابن حجر في فتح الباري: «إسناده قوي»، ٦/ ١٣٧.\n(٥) مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، ٣/ ١٥١٧، برقم ١٩٠٩.","vol":"1","page":129},{"text":"في غزوة تبوك: <span data-type=\"title\" id=toc-225>«لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سِرتم مسيرًا ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه»</span>، قالوا: يا رسول الله كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: «حَبَسهُمُ العذر» (١).\nوبالنية الصالحة يضاعف الله الأعمال اليسيرة؛ ولهذا<span data-type=\"title\" id=toc-226> قال النبي - ﷺ - لرجل جاء إليه مقنع بالحديد، فقال يا رسول الله: أقاتل أو أسلم؟ فقال - ﷺ -: «أسلم ثم قاتل»</span>، فأسلم ثم قاتل فَقُتِلَ، فقال رسول الله - ﷺ -: «عمل قليلًا وأُجر كثيرًا» (٢).\nوجاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فدخل في الإسلام، فكان رسول الله - ﷺ - يعلمه الإسلام وهو في مسيره، فدخل خُفّ بعيره في جحر يربوع فوقصه بعيره فمات، فقال رسول الله - ﷺ -: «عمل قليلًا وأُجر كثيرًا» قالها حماد ثلاثًا (٣).\n\nوبالنية الصالحة يُبارك الله في الأعمال المباحة، فيثاب عليها العبد؛ ولهذا<span data-type=\"title\" id=toc-227> قال النبي - ﷺ -: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» </span>(٤)، وقال - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -: <span data-type=\"title\" id=toc-228>«إنك لن تُنفق نفقةً </span>تبتغي\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو، ٣/ ٢٨٠، برقم ٢٨٣٩، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب الرخصة في القعود من العذر، ٣/ ١٢، برقم ٢٠٥٨، واللفظ له.\n(٢) متفق عليه من حديث البراء - ﵁ -: البخاري، كتاب الجهاد والسير، بابٌ: عمل صالح قبل الجهاد، ٣/ ٢٧١، برقم ٢٨٠٨، واللفظ له. ومسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ٣/ ١٥٠٩، برقم ١٩٠٠.\n(٣) مسند الإمام أحمد، ٤/ ٣٥٧.\n(٤) متفق عليه من حديث أبي مسعود - ﵁ -: البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، ١/ ٢٤، برقم ٥٥. ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين، والزوج، والأولاد، ٢/ ٦٢٥، برقم ١٠٠٢.","vol":"1","page":130},{"text":"بها وجه الله إلا أُجرت عليها حتى ما تجعلُ في في امرأتك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>وقال النبي - ﷺ -: «إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: </span>عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقّي فيه ربه، ويَصِلُ فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهو بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>وقال النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «إن الله - ﷿ - كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك</span>، فمن همّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ...» (٣).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-231> المسلك الرابع: ثمار الإخلاص وفوائده</span>\nالإخلاص له ثمرات حميدة وفوائد جليلة عظيمة، منها ما يأتي:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية، ١/ ٢٤، برقم ٥٦. ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، ٣/ ١٢٥٠، برقم ١٦٢٨.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، ٤/ ٥٦٢، برقم ٢٣٢٥، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب النية، برقم ٤٢٢٨، وأحمد، ٤/ ١٣٠، وصححه الألباني، في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧٠.\n(٣) متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄: البخاري، كتاب الرقاق، باب من همّ بحسنة أو سيئة، ٧/ ٢٣٩، برقم ٦٤٩١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب إذا همّ العبد بحسنة كتبت له وإذا همّ بسيئة لم تكتب، ١/ ١١٧، برقم ١٣١.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>أولًا: خير الدنيا والآخرة من فضائل الإخلاص وثمراته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>ثانيًا: الإخلاص هو السبب الأعظم في قبول الأعمال </span>مع متابعة النبي - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>ثالثًا: الإخلاص يُثمر محبة الله للعبد</span>، ثم محبة الملائكة، ووضع القبول في الأرض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>رابعًا: الإخلاص أساس العمل، وروحه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>خامسًا: يُثمر الأجر الكبير والثواب العظيم بالعمل اليسير</span>، والدعاء القليل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>سادسًا: يُكتب لصاحب الإخلاص كل عمل يقصد به وجه الله</span>، ولو كان مباحًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>سابعًا: يُكتب لصاحب الإخلاص ما نوى من العمل ولو لم يعمله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>ثامنًا: إذا نام أو نسي كُتب له عمله الذي كان يعمله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>تاسعًا: إذا مرض العبد أو سافر كُتب له بإخلاصه ما كان يعمل </span>صحيحًا مقيمًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>عاشرًا: ينصر الله الأمة بالإخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>الحادي عشر: الإخلاص يُثمر النجاة من عذاب الآخرة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>الثاني عشر: تفريج كروب الدنيا والآخرة من ثمرات الإخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>الثالث عشر: رفع المنزلة في الآخرة يحصل بالإخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>الرابع عشر: الإنقاذ من الضلال</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>الخامس عشر: الإخلاص سبب لزيادة الهدى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>السادس عشر: الصِّيت الطيب عند الناس من ثمار الإخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>السابع عشر: طمأنينة القلب والشعور بالسعادة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>الثامن عشر: تزيين الإيمان في النفس</span>.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>التاسع عشر: التوفيق لمصاحبة أهل الإخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>العشرون: حسن الخاتمة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>الحادي والعشرون: استجابة الدعاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>الثاني والعشرون: النعيم في القبر والتبشير بالسرور</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الثالث والعشرون: دخول الجنة والنجاة من النار</span>.\nوهذه الثمرات والفوائد أدلتها كثيرة من الكتاب والسنة (١).\nفأسأل الله لي ولإخواني المسلمين الإخلاص في القول والعمل.\n_________\n(١) يدل على ذلك ما تقدم في المطلبين السابقين، وانظر: كتاب الإخلاص لحسين العوايشة، ص٦٤.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>المطلب الثاني: ظلمات إرادة الدنيا بعمل الآخرة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-256> المسلك الأول: خطر إرادة الدنيا بعمل الآخرة</span>\nمن الخطر العظيم أن يعمل الإنسان عملًا صالحًا يريد به عرضًا من الدنيا، وهذا شِرْكٌ يُنافي كمال التوحيد الواجب، ويُحبط العمل، وهو أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل، ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذرًا من هذا وهذا.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-257>الفرق بين الرياء، وإرادة الإنسان بعمله الدنيا: </span>هو أن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، يجتمعان في أن الإنسان إذا أراد بعمله التزين عند الناس؛ ليروه ويعظِّموه، ويمدحوه، فهذا رياء، وهو أيضًا إرادة للدنيا؛ لأنه تصنّع عند الناس، وطلب الإكرام منهم والمدح والثناء.\nأما العمل للدنيا فهو أن يعمل الإنسان عملًا صالحًا لا يقصد به الرياء للناس، وإنما يقصد به عرضًا من الدنيا: كمن يحجّ عن غيره؛ ليأخذ مالًا، أو يجاهد للمغنم، أو غير ذلك، فالمرائي عمل لأجل المدح والثناء من الناس، والعامل للدنيا يعمل العمل الصالح يريد به عرض الدنيا، وكلاهما خاسر، نعوذ بالله من مُوجبات غضبه، وأليم عقابه (١).\nوقد جاءت النصوص تدل على خسران صاحب هذا العمل في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ </span>أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ\n_________\n(١) انظر: فتح المجيد، ص٤٤٢، وتيسير العزيز الحميد، ص٥٣٤.","vol":"1","page":134},{"text":"إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (٢).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-259>قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ </span>وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>وقال - ﷾ -: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا </span>وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>وقال النبي - ﷺ -: «من تعلم علمًا ما يُبتغى به وجه الله - ﷿ - لا يتعلمُهُ إلا ليُصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة» </span>يعني ريحها (٥).\nوعن جابر - ﵁ - يرفعه: <span data-type=\"title\" id=toc-262>«لا تعلَّموا العلم لتُباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء</span>، ولا لتخيّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار» (٦).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: «لا تعلَّموا العلم لثلاث: لتُماروا به السفهاء،\n_________\n(١) سورة هود، الآية: ١٦.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ١٧.\n(٣) سورة الشورى، الآية: ٢٠.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٠٠.\n(٥) أبو داود، كتاب العلم، باب: في طلب العلم لغير الله،٣/ ٣٢٣،برقم ٣٦٦٤،وابن ماجه، في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم، ١/ ٩٣، برقم ٢٥٢،وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،١/ ٤٨.\n(٦) ابن ماجه ١/ ٩٣، في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، ١/ ٩٣، برقم ٢٥٤، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٤٨، وصحيح الترغيب للألباني، ١/ ٤٦، وفي الموضعين أحاديث أخرى.","vol":"1","page":135},{"text":"وتُجادلوا به العلماء، ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم\nما عند الله؛ فإنه يدوم ويبقى، وينفد ما سواه» (١).\n\nولهذا تَكَفَّل الله بالسعادة لمن عمل لله، فعن أنس يرفعه: <span data-type=\"title\" id=toc-263>«من كانت الآخرة همّهُ جعل الله غناه في قلبه</span>، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له» (٢).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-264> المسلك الثاني: أنواع العمل للدنيا</span>\nالعمل للدنيا أنواع متعددة، وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أنه جاء عن السلف في ذلك أربعة أنواع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>النوع الأول: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس </span>ابتغاء وجه الله تعالى: من صدقةٍ، وصلاةٍ، وإحسانٍ إلى الناس، وردِّ ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصًا لله تعالى؛ لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، وإنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله، وتنميته، أو حفظه أهله وعياله، أو إدامة النعم عليه وعليهم، ولا همّةَ له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يُعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة من\n_________\n(١) الدرامي، ١/ ٧٠ موقوفًا، وابن ماجه عن أبي هريرة، في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، ١/ ٩٦، برقم ٢٦٠، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٨، وصحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٨.\n(٢) الترمذي، كتاب صفة القيامة، بابٌ: حدثنا قتيبة، ٤/ ٦٤٢، برقم ٢٤٦٥، وابن ماجه بنحوه من حديث زيد بن ثابت - ﵁ -، كتاب الزهد، ٢/ ١٣٧٥، برقم ٤١٠٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٥/ ٣٥١، والأحاديث الصحيحة، ٩٥٠.","vol":"1","page":136},{"text":"نصيب. وهذا مروي عن ابن عباس ﵄.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو أن يعمل أعمالًا صالحة ونيته رياء الناس </span>لا طلب ثواب الآخرة. وهو ما ذكر عن مجاهد رحمه الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>النوع الثالث: أن يعمل أعمالًا صالحة يقصد بها مالًا</span>، مثل أن يحج عن غيره لمال يأخذه، ولا يقصد بذلك وجه الله ولا الدار الآخرة، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو يجاهد لأجل المغنم، أو يتعلَّم العلم ليحصل على الشهادة وعلى الجاه، ولا يقصد بذلك وجه الله مطلقًا، أو يتعلَّم القرآن، ويواظب على الصلاة؛ لأجل وظيفة المسجد، أو غيره من الوظائف الدينية، ولا يريد بذلك ثوابًا مطلقًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصًا في ذلك لله وحده لا شريك له</span>، لكنه على عمل يُكَفِّره كفرًا يخرجه عن الإسلام، كمن يأتي بناقض من نواقض الإسلام. ذُكِرَ ذلك عن أنس - ﵁ - وغيره (١).\nفليحذر المسلم مما يحبط عمله، ويعرّضه لسخط الله وغضبه، وليحذر جميع المسلمين من هذه الأنواع الفاسدة، نعوذ بالله منها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-269> المسلك الثالث: خطر الرياء وآثاره</span>\nالرياء خطره عظيم جدًّا على الفرد والمجتمع والأمة؛ لأنه يُحبط العمل والعياذ بالله ويظهر خطره في الأمور الآتية:\n_________\n(١) انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص٤٤٤، وتسير العزيز الحميد، ص٥٣٦، والقول السديد في مقاصد التوحيد، للسعدي، ص١٢٦.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>أولًا: الرياء أخطر على المسلمين من المسيح الدجال: </span>قال النبي - ﷺ -: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟: الشرك الخفي أن يقوم الرجل فيصلي، فيزيّن صلاته لما يرى من نظر رجل» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>ثانيًا: الرياء أشدّ فتكًا من الذئب في الغنم</span>، قال النبي - ﷺ -: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسَدَ من حرص المرء على المال والشرف لدينه» (٢).\nوهذا مثل ضربه رسول الله - ﷺ - بيّن فيه أن الدين يفسد بالحرص على المال، وذلك بأن يشغله عن طاعة الله، وبالحرص على الشرف في الدنيا بالدين، وذلك إذا قصد الرياء والسمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>ثالثًا: خطورة الرياء على الأعمال الصالحة </span>خطر عظيم؛ لأنه يذهب بركتها، ويُبطلها والعياذ بالله: ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٣).\nهذه هي آثار الرياء تمحق العمل الصالح محقًا في وقت لا يملك صاحبه قوة ولا عونًا، ولا يستطيع لذلك ردًّا.\nقال تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب: الرياء والسمعة، ٢/ ١٤٠٦، برقم ٤٢٠٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤١٠.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، بابٌ: حدثنا سويد، برقم ٢٣٧٦، ٤/ ٥٨٨، وأحمد، ٣/ ٤٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٨٠.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.","vol":"1","page":138},{"text":"مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).\nفهذا العمل الصالح أصله كالبستان العظيم كثير الثمار، فهل هناك أحد يحب أن تكون له هذه الثمار والبستان العظيم، ثم يرسل عليها الرياء فيمحقها محقًّا، وهو في أشدِّ الحاجة إليها!!\nولهذا قال النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِلَ عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (٢).\nوفي الحديث: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليومٍ لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان أشرك في عَمَلٍ عَمِلَهُ لله أحدًا فليطلب ثوابه من عند غير الله؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>رابعًا: يسبب عذاب الآخرة</span>؛ ولهذا أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة: قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدّق بماله، الذين فعلوا ذلك ليُقال: فلانٌ قارئ، فلانٌ شجاعٌ، فلانٌ كريم متصدّق. ولم تكن أعمالهم خالصةً لله تعالى (٤).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٦.\n(٢) مسلم، كتاب الزهد، باب: من أشرك في عمله غير الله، ٤/ ٢٢٨٩، برقم ٢٩٨٥.\n(٣) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، بابٌ: ومن سورة الكهف،٥/ ٣١٤،برقم ٣١٥٤،من حديث\nأبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري - ﵁ -،وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة، ٢/ ١٤٠٦، برقم ٤٢٠٣،وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب،١/ ١٨،وفي صحيح الترمذي، ٣/ ٧٤.\n(٤) انظر: الحديث في صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار،\n٣/ ١٥١٤، برقم ١٩٠٥.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>خامسًا: الرياء يُورث الذلّ والصّغار </span>والهوان والفضيحة، قال النبي - ﷺ -: «من سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يُرائي الله به» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>سادسًا: الرياء يحرم ثواب الآخرة</span>، قال النبي - ﷺ -: «بشر هذه الأمة\nبالسناء (٢) والدين، والرفعة، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>سابعًا: الرياء سبب في هزيمة الأمة</span>، قال النبي - ﷺ -: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم» (٤)، وهذا يبيّن أن الإخلاص لله سبب في نصر الأمة على أعدائها، وأن الرياء سبب في هزيمة الأمة!\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>ثامنًا: الرياء يزيد الضلال</span>، قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٥).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-278> المسلك الرابع: أنواع الرياء ودقائقه</span>\nأبواب الرياء كثيرة نعوذ بالله من ذلك وهذه الأنواع على النحو الآتي:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب الرياء والسمعة، ٧/ ٢٤٢، برقم ٦٤٩٩. ومسلم، كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله، ٤/ ٢٢٨٩، برقم ٢٩٨٦.\n(٢) معناه: ارتفاع المنزلة؛ لأن السناء هو الرفعة. انظر: المصباح المنير، ١/ ٢٩٣.\n(٣) مسند أحمد، ٥/ ١٣٤، والحاكم، ٤/ ٤١٨، وصححه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ١٥.\n(٤) رواه النسائي بلفظه، كتاب الجهاد، باب الاستنصار بالضعيف، ٦/ ٤٥، برقم ٣١٧٨، وأصله في صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب،\n٣/ ٢٩٦، برقم ٢٨٩٦، وصححه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ٦.\n(٥) سورة البقرة، الآيتان: ٩ - ١٠.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>أولًا: أن يكون مراد العبد غير الله</span>، ويريد ويحب أن يعرف الناس أنه يفعل ذلك، ولا يقصد الإخلاص مطلقًا، نعوذ بالله من ذلك، فهذا نوع من النفاق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>ثانيًا: أن يكون قصد العبد ومراده لله تعالى</span>، فإذا اطّلع عليه الناس نشط في العبادة وزيّنها، وهذا شرك السرائر، قال النبي - ﷺ -: «يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر»، قالوا: يا رسول الله: وما شرك السرائر؟ قال: «يقوم الرجل فيصلِّي فيُزيِّن صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شِرْك السرائر» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>ثالثًا: أن يدخل العبد في العبادة لله، ويخرج منها لله، فَعُرِفَ بذلك </span>ومُدِح، فسكن قلبه إلى ذلك المدح، ومنّى النفس بأن يحمدوه ويمجِّدوه، وينال ما يريده من الدنيا، وهذا السرور والرغبة في الازدياد منه، والحصول على مطلوبه يدل على رياء خفي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>رابعًا: وهناك رياء بدني: كمن يظهر الصّفار والنّحول، ليُرِيَ الناس بذلك أنه صاحب عبادة </span>قد غلب عليه خوف الآخرة.\nوقد يكون الرياء بخفض الصوت، وذبول الشفتين؛ ليدل الناس على أنه صائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>خامسًا: رياء من جهة الِّلباس أو الزي: </span>كمن يلبس ثيابًا مرقعة؛ ليقول الناس إنه زاهد في الدنيا، أو من يلبس لباسًا معيَّنًا يرتديه ويلبسه طائفة من الناس يَعدُّهم الناس علماء، فيلبس هذا اللباس ليقال عالم.\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، ٢/ ٦٧، برقم ٩٣٧، وأخرجه البيهقي في السنن، ٢/ ٢٩١، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٧.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>سادسًا: الرياء بالقول: </span>وهو على الغالب رياء أهل الدين بالوعظ والتذكير، وحفظ الأخبار والآثار؛ لأجل المحاورة، والمجادلة، والمناظرة، وإظهار غزارة العلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>سابعًا: الرياء بالعمل: </span>كمراءاة المصلِّي بطول الصلاة والركوع والسجود، وإظهار الخشوع، والمراءاة في الصوم والحجّ والصدقة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>ثامنًا: الرياء بالأصحاب والزائرين: </span>كالذي يكلَّف أن يستزير عالمًا؛ ليقال إن فلانًا قد زار فلانًا، ودعوة الناس لزيارته كي يُقال: إن أهل الدين يتردّدون عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>تاسعًا: الرياء بذمّ النفس بين الناس: </span>ويريد بذلك أن يُرِيَ الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>عاشرًا: ومن دقائق الرياء وخفاياه: أن يخفي العامل طاعته بحيث لا يريد أن يطّلع عليها أحدٌ</span>، ولا يُسرَّ بظهور طاعته، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدءوه بالسلام، وأن يُقابلوه بالبشاشة والتوقير، وأن يُثنوا عليه، وأن ينشطوا في قضاء حوائجه، وأن يُسامحوه في البيع والشراء، فإن لم يجد ذلك وجد ألمًا في نفسه، كأنه يتقاضى الاحترام على الطاعة التي أخفاها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>الحادي عشر: ومن دقائق الرياء أن يجعل الإخلاص وسيلة لما يريد من المطالب</span>، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «حُكِيَ أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجَّرت الحكمة من قلبه على لسانه.","vol":"1","page":142},{"text":"قال: فأخلصت أربعين يومًا، فلم يتفجَّر شيء، فذكرت ذلك لبعض العارفين، فقال لي: إنك أخلصت للحكمة، لم تُخلص لله» (١)، وذلك أن الإنسان قد يكون مقصوده نيل الحلم والحكمة، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم له، أو غير ذلك من المطالب. وهذا لم يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه؛ وإنما حصل هذا العمل لنيل ذلك المطلوب.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-290> المسلك الخامس: أقسام الرياء وأثره على العمل</span>\nالرياء أعاذنا الله منه أقسام ودركات، ينبغي لكل مسلم أن يعرف هذه الأقسام؛ ليهرب منها وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>أولًا: أن يكون العمل رياء محضًا</span>، ولا يُراد به إلا مراءاة المخلوقين، كحال المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٢)، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمنٍ في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، وهذا العمل لا شك في بطلانه، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، والعياذ بالله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>ثانيًا: أن يكون العمل لله ويشاركه الرياء من أصله </span>- أي من أوّله إلى آخره - فالنصوص الصحيحة تدل على بُطلانه وحُبوطه أيضًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>ثالثًا: أن يكون أصل العمل لله</span>، ثم طرأت عليه نية الرياء أثناء\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٦/ ٦٦، ومنهاج القاصدين، ص٢١٤ - ٢٢١، والإخلاص للعوايشة، ص٢٤، والإخلاص والشرك الأصغر للدكتور عبد العزيز بن عبداللطيف، ص٩، والرياء لسليم الهلالي، ص١٧.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٤٢.","vol":"1","page":143},{"text":"العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>١ - أن لا يرتبط أوّل العبادة بآخرها</span>، فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل. مثل ذلك: إنسان عنده عشرون ريالًا يريد أن يتصدّق بها، فتصدق بعشرة خالصة لله، ثم طرأ عليه الرياء في العشرة الباقية، فالصدقة الأولى صحيحة مقبولة، والثانية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>٢ - أن يرتبط أوّل العبادة بآخرها، فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>الأمر الأول: أن يكون هذا الرياء خاطرًا، ثم دفعه الإنسان </span>ولم يسكن إليه، وأعرض عنه وكرهه، فإنه لا يضرّه بغير خلاف؛ لقول النبي - ﷺ -: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلَّموا أو يعملوا» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>الأمر الثاني: أن يسترسل معه الرياء </span>ويطمئن إليه، ولا يُدافعه ويُحبّه، فتبطل جميع العبادة على الصحيح؛ لأن أولها مرتبط بآخرها، مثال ذلك من ابتدأ الصلاة مخلصًا بها لله تعالى، ثم طرأ عليه الرياء في الركعة الثانية واسترسل معه إلى نهاية صلاته، ولم يُدافعه، فتبطل الصلاة كلها لارتباط أولها بآخرها (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>رابعًا: أن يكون الرياء بعد الانتهاء من العبادة </span>(٣).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر،\n١/ ١١٦، برقم ١٢٧.\n(٢) انظر: هذه الأقسام بالتفصيل في جامع العلوم والحكم لابن رجب، ١/ ٧٩ - ٨٤، وفتح المجيد، ص٤٣٨، وفتاوى ابن عثيمين، ٢/ ٢٩.\n(٣) انظر: فتاوى ابن عثيمين، ٢/ ٣٠.","vol":"1","page":144},{"text":"وأما إذا عمل المسلم العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضرَّه ذلك، فقد سُئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، ثم يحمدهُ الناس عليه، فقال: «تلك عاجل بُشرَى المؤمن» (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-299> المسلك السادس: أسباب الرياء ودوافعه</span>\nأصل الرياء حبّ الجاه والمنزلة، ومن غلب على قلبه حُبّ هذا صار مقصور الهَمِّ على مراعاة الخلق، مشغوفًا بالترّدد إليهم، والمراءاة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله وتصرّفاته ملتفتًا إلى كل ما يعظِّم منزلته عند الناس، وهذا أصل الداء والبلاء؛ فإن من رغب في ذلك احتاج إلى الرياء في العبادات، واقتحام المحظورات.\nوهذا باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله، العارفون به، المحبون له.\nوإذا فُصِّل هذا السبب والمرض الفتاك رجع إلى ثلاثة أصول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>أولًا: حب لذّة الحمد والثناء والمدح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>ثانيًا: الفرار من الذمّ</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>ثالثًا: الطمع فيما في أيدي الناس </span>(٢).\nويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال - ﷺ -: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، ٤/ ٢٠٣٤، برقم ٢٦٤٢.\n(٢) انظر: مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ص٢٢١ - ٢٢٢.","vol":"1","page":145},{"text":"فهو في سبيل الله» (١).\nفقوله - ﷺ -: «يقاتل شجاعة» أي ليُذكر، ويُشكر، ويُمدح، ويُثنى عليه.\nوقوله - ﷺ -: «يقاتل حمية» أي يأنف أن يُغلب ويُقهر أو يُذمّ.\nوقوله - ﷺ -: «يقاتل رياءً» أي ليُرى مكانه، وهذا هو لذّة الجاه والمنزلة في القلوب.\nوقد يرغب الإنسان في المدح ولكنه يحذر من الذمّ كالجبان بين الشجعان، فإنه يثبت ولا يفرّ؛ لئلا يذمّ، وقد يُفتي الإنسان بغير علم حذرًا من الذم بالجهل، فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرّك إلى الرياء وتدعو إليه فاحذرها!\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-303> المسلك السابع: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء</span>\nقد عُرِفَ أن الرياء مُحبط للعمل، وسبب لغضب الله ومقته، وأنه من المهلكات، وأشدّ خطرًا على المسلم من المسيح الدجال.\nومَن هذه حاله فهو جدير بالتشمير عن ساق الجدّ في إزالته وعلاجه، وقطع عروقه وأصوله. ومن هذا العلاج الذي يُزيل الرياء ويُحصِّل الإخلاص بإذن الله تعالى ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>أولًا: معرفة أنواع العمل للدنيا، وأنواع الرياء</span>، وأقسامه، ودوافعه، وأسبابه ثم قطعها وقلع عروقها، وتقدّمت هذه الدوافع والأسباب.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ٣/ ٢٧٢، برقم ٢٨١٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، ٣/ ١٥١٢، برقم ١٩٠٤.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>ثانيًا: معرفة عظمة الله تعالى</span>، بمعرفة: أسمائه، وصفاته، وأفعاله معرفةً صحيحةً مبنية على فهم الكتاب والسنة، على مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإن العبد إذا عرف أن الله وحده هو الذي ينفع ويضرّ، ويُعزّ ويّذلّ، ويخفض ويرفع، ويّعطي ويمنع، ويُحيي ويُميت، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، إذا عرف ذلك، وعلم بأن الله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فسيُثمرُ ذلك إخلاصًا وصدقًا مع الله، فلابد من معرفة أنواع التوحيد كلّها معرفةً صحيحة سليمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>ثالثًا: معرفة ما أعدّه الله في الدار الآخرة </span>من نعيم وعذاب، وأهوال الموت، وعذاب القبر؛ فإن العبد إذا عرف ذلك وكان عاقلًا هرب من الرياء إلى الإخلاص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>رابعًا: الخوف من خطر العمل للدنيا والرياء المحبط للعمل</span>؛ فإن من خاف أمرًا بقي حَذِرًا منه فينجو؛ ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة.\nفينبغي للمرء، بل يجب عليه، إذا هاجت رغبته إلى آفة حبّ الحمد والمدح أن يُذَكِّرَ نفسه بآفات الرياء، والتعرّض لمقت الله، ومن عرف فقر الناس وضعفهم استراح كما قال بعض السلف: «جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، واحرص أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان، فلا تفرِّق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، واقْنَعْ بعلم الله وحده» (١).\nوبالله وحده، ثم بالخوف من حُبوط العمل نجا أهل العلم والإيمان\n_________\n(١) انظر: الإخلاص والشرك الأصغر، ص١٥.","vol":"1","page":147},{"text":"من الرياء وحبوط العمل، فعن محمد بن لبيد - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر\nيا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله - ﷿ - لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» (١).\n\nولهذا الخطر العظيم<span data-type=\"title\" id=toc-308> خاف الصحابة والتابعون وأهل العلم والإيمان من هذا البلاء الخطير</span>، ومن ذلك الأمثلة الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ </span>(٢)، قالت عائشة ﵂ يا رسول الله: أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر (أو يا بنت الصدّيق) ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويصلّي وهو يخاف ألا يُتقبَّل منه» (٣).\n٢ - قال ابن أبي مُليكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلُّهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>٣ - وقال إبراهيم التيميّ: «ما عرضتُ قولي على عملي </span>إلا خشيت أن\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٥/ ٤٢٨، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٤٥.\n(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب: التوقي في العمل، ٢/ ١٤٠٤، برقم ٤١٩٨، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، بابٌ: ومن سورة «المؤمنون»، ٥/ ٣٢٧، برقم ٣١٧٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦٢، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ٤٠٩.\n(٤) البخاري معلقًا مجزومًأ به، قال ابن حجر: وصله ابن أبي خيثمة في تاريخه. انظر: فتح الباري، ١/ ١١٠.","vol":"1","page":148},{"text":"أكون مُكذِّبًا» (١).\n\n٤ - ويُذكر عن الحسن أنه قال: «ما خافه إلا مؤمن، ولا أمِنه إلا منافق» (٢).\n٥ - وقال عمر بن الخطاب لحذيفة ﵄: «نشدتك بالله هل سمّاني لك رسول الله - ﷺ - منهم - يعني من المنافقين - قال: لا. ولا أُزَكِّي بعدك أحدًا» (٣).\n٦ - ويُذكر عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: «اللهمّ إني أعوذ بك من خشوع النفاق»، قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: «أن ترى البدن خاشعًا والقلب ليس بخاشع» (٤).\n٧ - ويُذكر عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: «لئن أستيقن أن الله تقبَّل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥).\n٨ - وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ -، يُسأل أحدهم عن المسألة، ما منهم\n_________\n(١) البخاري مع الفتح معلقًا ومجزومًا به. قال ابن حجر: وصله المصنف في التاريخ. انظر: فتح الباري، ١/ ١١٠.\n(٢) البخاري مع الفتح، وقال ابن حجر: وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافقين، وصححه. انظر: الفتح، ١/ ١١١.\n(٣) ابن كثير بنحوه، في البداية والنهاية، ٥/ ١٩، وانظر: صفات المنافقين لابن القيم، ص٣٦.\n(٤) ذكره ابن القيم في صفات المنافقين، ص٣٦.\n(٥) ذكره ابن كثير في تفسيره، ٢/ ٤١، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والآية: ٢٧ من سورة المائدة.","vol":"1","page":149},{"text":"رجل إلا ودَّ أن أخاه كفاه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>خامسًا: الفرار من ذم الله</span>؛ فإن من أسباب الرياء الفرار من ذم الناس، ولكن العاقل يعلم أن الفرار من ذم الله أولى؛ لأن ذمه شين، كما قال رجل لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله إن مدحي زينٌ، وذمّي شينٌ. فقال - ﷺ - «ذاك الله» (٢).\nولا شكّ أن العبد إذا خاف الناس وأرضاهم بسخط الله سخط الله عليه، وغضب وأسخط الناس عليه. فهل أنت تخشى غضب الناس؟ فالله أحق أن تخشاه إن كنت صادقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>سادسًا: معرفة ما يفرّ منه الشيطان</span>؛ لأن الشيطان منبع الرياء، وأصل البلاء، والشيطان يفرّ من أمور كثيرة، منها: الأذان، وقراءة القرآن، وسجود التلاوة، والاستعاذة بالله منه، والتسمية عند الخروج من البيت والدخول في المسجد مع الذكر المشروع في ذلك، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وجميع الأذكار المشروعة (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>سابعًا: الإكثار من أعمال الخير والعبادات غير المشاهدة</span>، وإخفاؤها: كقيام الليل، وصدقة السر، والبكاء خاليًا من خشية الله، وصلاة النوافل، والدعاء للإخوة في الله بظهر الغيب، والله - ﷿ - يحب العبد التقيّ\n_________\n(١) الدارمي في سننه، ١/ ٥٣، وابن المبارك في الزهد، ١/ ١٤٠، برقم ٤٩.\n(٢) أحمد في المسند، ٣/ ٤٨٨، ٦/ ٣٩٤، من حديث الأقرع بن حابس - ﵁ -، وإسناده حسن، ورواه الترمذي وحسنه، برقم ٣٢٦٣.\n(٣) انظر التفصيل في ذلك: كتاب مقامع الشيطان في ضوء الكتاب والسنة لسليم الهلالي، وهو مهم جدًّا، والإخلاص لحسين العوايشة، ص٥٧ - ٦٣.","vol":"1","page":150},{"text":"الخفيّ، قال سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله يحبّ العبد التقيّ الغنيّ الخفيّ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>ثامنًا: عدم الاكتراث بذمّ الناس ومدحهم</span>؛ لأن ذلك لا يضرّ ولا ينفع، بل يجب أن يكون الخوف من ذمّ الله، والفرح بفضل الله ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢).\nفيا عبد الله أقبل على حب المدح والثناء فازهد فيهما زهد عُشَّاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذلك سَهُل عليك الإخلاص (٣).\nويسهِّلُ الزهدَ في حب المدح والثناء: العلمُ يقينًا أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين، ويضرّ ذمّه ويشين إلا الله وحده، فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذمِّ من لا يشينك ذمّهُ، وارغب في مدح مَنْ كلُّ الزين في مدحه، وكلُّ الشَّين في ذمّه، ولن يُقدَر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمن فقد الصبر واليقين كان كمن أراد السفر في البحر بغير مركب (٤).\nوانظر إلى من ذمَّك فإن يك صادقًا قاصدًا النصح لك فاقبل هديته ونصحه؛ فإنه قد أهدى إليك عيوبك، وإن كان كاذبًا فقد جنى على نفسه وانتفعتَ بقوله؛ لأنه عرَّفك ما لم تكن تعرف، وذكَّرك من خطاياك\nما نسيتَ، وإن كان ذلك افتراءً عليك، فإنك إن خلوتَ من هذا العيب لم\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد، ٤/ ٢٢٧٧، برقم ٢٩٦٥.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٥٨.\n(٣) الفوائد لابن القيم، ص٦٧.\n(٤) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٢٦٨.","vol":"1","page":151},{"text":"تخلُ من غيره، فاذكر نعمة الله عليك إذ لم يُطْلِعْ هذا المفتري على عيوبك، وهذا الافتراء كفّارات لذنوبك إن صبرتَ واحتسبتَ، وعليك أن تعلم أن هذا الجاهل جنى على نفسه، وتعرّض لمقت الله تعالى، فكن خيرًا منه: فاعفُ واصفحْ، واستغفر له ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>تاسعًا: تذكّرِ الموت وقَصْر الأمل </span>﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢)، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>عاشرًا: الخوف من سوء الخاتمة</span>، فعلى العبد أن يخاف أن تكون أعمال الرياء هي خاتمة عمله، ونهاية أجله، فيخسر خسارة فادحة عظيمة؛ لأن الإنسان يُبعث يوم القيامة على ما مات عليه، والناس يُبعثون على نياتهم، وخير الأعمال خواتمها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>الحادي عشر: مصاحبة أهل الإخلاص والتقوى</span>؛ فإن الجليس المخلص لا يعدمك الخير، وتجد منه قدوة لك صالحة، وأما المرائي والمشرك فيحرقك في نار جهنم إن أخذت بعمله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>الثاني عشر: الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى</span>، وقد علَّمنا رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) سورةالنور، الآية: ٢٢.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.\n(٣) سورة لقمان، الآية: ٣٤.","vol":"1","page":152},{"text":"ذلك فقال: «يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل»، فقال بعض الصحابة: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل\nيا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللهمّ إنا نعوذ بك أن نُشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لِمَا لا نعلمه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>الثالث عشر: حبّ العبد ذكر الله له وتقديم حبّ ذكره له على حبّ مدح الخلق </span>﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٢)،وقال النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرَّب إليّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إلي ذراعًا تقرَّبتُ منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (٣)، والله المستعان (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>الرابع عشر: عدم الطمع فيما في أيدي الناس</span>؛ فإن الإخلاص لا يجتمع في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما في أيدي الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٤/ ٤٠٣، وإسناده جيد، وغيره، وانظر: صحيح الجامع، ٣/ ٢٣٣، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني، ١/ ١٩.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري واللفظ له، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:\n﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾، ٨/ ٢١٦، برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله، ٤/ ٢٠٦١، برقم ٢٦٧٥.\n(٤) انظر ما تقدم في: منهاج القاصدين، ص٢٢١ - ٢٢٣، وكتاب الإخلاص لحسين العوايشة، ص٤١ - ٦٤، والرياء ذمه وأثره السيئ في الأمة لسليم الهلالي، ص٦١ - ٧٢، والإخلاص والشرك الأصغر للدكتور عبد العزيز بن عبد اللطيف، ص١٣.","vol":"1","page":153},{"text":"الإخلاص فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس مما في أيدي الناس، ويسهِّل ذبح الطمع العلم يقينًا أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يُؤتي العبد منها شيئًا سواه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>الخامس عشر: معرفة ثمرات الإخلاص وفوائده </span>وعواقبه الحميدة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أن الإخلاص سبب لنصر الأمة، والنجاة من عذاب الله، ورفْع المنزلة والدرجة في الدنيا والآخرة، والسلامة من الضلال في الدنيا، والفوز بحب الله للعبد، وحب أهل السماء والأرض، والصِّيت الطيِّب، وتفريج كروب الدنيا والآخرة، والطمأنينة والشعور بالسعادة والتوفيق، وتحمّل المتاعب والمصاعب، وتزيين الإيمان في القلوب، واستجابة الدعاء، والنعيم في القبر والتبشير بالسرور، والله الموفق سبحانه (٢).\nفالمسلم الذي يريد رضى الله، والفوز بنجاته ومحبة الله له، عليه أن يعمل جاهدًا في تحصيل الإخلاص والفرار من الرياء، أسأل الله أن يعصمني وإياك وجميع دعاة المسلمين وأئمتهم وعامتهم من هذا البلاء الخطير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n_________\n(١) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٢٦٧ - ٢٦٨.\n(٢) انظر: كتاب الإخلاص للعوايشة، ص٦٤ - ٦٦.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>المبحث الرابع: نور الإسلام وظلمات الكفر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>المطلب الأول: نور الإسلام</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-330> المسلك الأول: مفهوم الإسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>الإسلام لغة: </span>الانقياد والإذعان، أما في الشرع، فلإطلاقه حالتان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان</span>، فهو حينئذٍ يُراد به الدين كله: أصوله، وفروعه: من اعتقاداته، وأقواله، وأفعاله، فتبيّن بذلك أن الإسلام عند إطلاقه مفردًا: هو الاعتراف باللسان، والاعتقاد بالقلب، والاستسلام لله في جميع ما قضى وقدَّر، كما ذُكِرَ عن إبراهيم - ﷺ - في قوله (١): ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، وكقوله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٤)، وقوله - ﷾ -: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥).\nفظهر أن الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>الحالة الثانية: أن يطلق الإسلام مقترنًا بذكر الإيمان</span>، فهو حينئذ يراد به\n_________\n(١) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للعلامة الراغب الأصفهاني، مادة «سلم»، ص٤٢٣، ومعارج القبول، للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، ٢/ ٥٩٥.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٣١.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٩.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٣.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ٨٥.","vol":"1","page":155},{"text":"الأعمال، والأقوال الظاهرة، وبه يحقن الدم، سواء حصل معه الاعتقاد، أو لم يحصل معه (١)؛ كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-334> المسلك الثاني: مراتب دين الإسلام</span>\nلا شكّ أن أصول الدين التي يجب على كل مسلم معرفتها والعمل بها ثلاثة: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمدًا - ﷺ -.\nفالإسلام هو الأصل الثاني من أصول الدين، وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان. وكل مرتبة من هذه المراتب لها أركان على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>أولًا: مرتبة الإسلام، وأركانه </span>خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا؛ لقول النبي - ﷺ - في جوابه لجبريل - ﵇ -: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا» (٣)؛ ولحديث ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «بُني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام\n_________\n(١) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للعلامة الراغب الأصفهاني، مادة «سلم»، ص٤٢٣، وجامع العلوم والحكم لابن رجب، ١/ ١٠٤، ومعارج القبول، للشيخ حافظ الحكمي، ٢/ ٥٩٦.\n(٢) سورة الحجرات: الآية: ١٤.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب الإيمان، والإسلام، والإحسان،١/ ٣٧، برقم ٨،من حديث عمر - ﵁ -.","vol":"1","page":156},{"text":"الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>ثانيًا: مرتبة الإيمان</span>، وهو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، وأركانه ستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - في قصة جواب النبي - ﷺ - لجبريل: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>ثالثًا: مرتبة الإحسان</span>، وهو ركن واحد، وهو أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - في قصة جواب النبي - ﷺ - لجبريل حينما سأله عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٣).\nولا شكّ أن معنى الإحسان في اللغة: إجادة العمل وإتقانه، وإخلاصه، وفي الشرع: هو ما فسّره النبي - ﷺ - بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك».\nوالمقصود أنه - ﷺ - فسّر الإحسان بتحسين الظاهر والباطن، وأن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ - «بني الإسلام على خمس»، ١/ ٩،\nبرقم ٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أركان الإسلام ودعائمه العظام، ١/ ٤٥، برقم ١٦، وانظر: ثلاثة الأصول، للشيخ محمد بن عبد الوهاب المطبوع مع حاشية ابن القاسم، ص٢٥،\nو٤٧، فقد ذكر لكل ركن من هذه الأركان دليلًا من الكتاب، ودليلًا من السنة.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) تقدم تخريجه في حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - في قصة جواب النبي - ﷺ - لجبريل.","vol":"1","page":157},{"text":"يستحضر قُرب الله - ﷿ -، وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية، والخوف، والهيبة، والتعظيم، ويوجب النصح في العبادة بتحسينها، وبذل الجهد في إتمامها، وإكمالها (١).\nولأهمية الإحسان فقد جاء ذكره في القرآن في مواضع: تارة مقرونًا بالإيمان، وتارة مقرونًا بالإسلام، وتارة مقرونًا بالتقوى، وتارة مقرونًا بالعمل.\nفالمقرون بالإيمان كقول الله - ﷿ -: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢).\nوالمقرون بالإسلام كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٤).\nوالمقرون بالتقوى كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٥).\nوقد يذكر مفردًا كقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٦)،\n_________\n(١) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ١/ ١٢٦،ومعارج القبول، لحافظ الحكمي، ٢/ ٦١١، وثلاثة الأصول للشيخ محمد بن عبد الوهاب المطبوع مع حاشية ابن القاسم، ص٦٢،وص٦٥، فقد ذكر لجميع أركان الإيمان، وركن الإحسان دليلًا من الكتاب، ودليلًا من السنة لكل ركن.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٩٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١١٢.\n(٤) سورة لقمان، الآية: ٢٢.\n(٥) سورة النحل، الآية: ١٢٨.\n(٦) سورة يونس، الآية: ٢٦.","vol":"1","page":158},{"text":"وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي - ﷺ - تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله - ﷿ - في الجنة (١)،وهذا مناسب لجعله جزاءً لأهل الإحسان؛ لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاءُ ذلك النظر إلى الله عِيانًا في الآخرة (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-338> المسلك الثالث: ثمرات الإسلام ومحاسنه</span>\nالإسلام له فضائل عظيمة، وآثار حميدة، ونتائج كريمة، منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>أولًا: الإسلام الصحيح يثمر كل خير في الدنيا والآخرة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>ثانيًا: أعظم أسباب الحياة الطيّبة والسعادة في الدنيا والآخرة</span>. قال الله - ﷿ -: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>ثالثًا: الإسلام يخرج الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام </span>والإيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>رابعًا: الإسلام يغفر الله به جميع الذنوب والسيئات</span>؛ لقول الله تعالى للنبي - ﷺ -: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤)، وفي حديث عمرو بن العاص - ﵁ - في قصة إسلامه، قال: «فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي - ﷺ - فقلت: ابسط يمينك، فلأُبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «مالك يا عمرو؟» قال: قلت: أردت أن أشترط. قال: «تشترط بماذا؟»، قلت: أن يُغفَرَ لي، قال: «أما علمت\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم - ﷾ -،١/ ١٦٣،برقم ١٨٠.\n(٢) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ١/ ١٢٦.\n(٣) سورة النحل، الآية: ٩٧.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٣٨.","vol":"1","page":159},{"text":"أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>خامسًا: إذا أحسن المسلم الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في كفره</span>؛ لقول النبي - ﷺ - لرجل سأله: «إذا أحسنتَ في الإسلام لم تُؤاخذ بما عملت في الجاهلية، وإذا أسأتَ في الإسلام أُخذتَ بالأوّل والآخر» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>سادسًا: الإسلام يجمع الله به للعبد حسناته في الكفر والإسلام</span>؛ لحديث حكيم بن حزام - ﵁ - أنه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ أشياء كنتُ أتحنّثُ بها في الجاهلية، من: صدقةٍ، وعتاقٍ، وصلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال النبي - ﷺ -: «أسلمتَ على ما سلفَ لك من خيرٍ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>سابعًا: الإسلام يُدخل الله به الجنة</span>، ففي حديث أنس بن مالك - ﵁ - أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن رسالته، وعن الصلوات الخمس، والزّكاة، والصّوم، والحجّ، وهذه أركان الإسلام، فقال الرجل: والذي بعثك بالحقّ لا أزيد عليهنّ، ولا أنقص منهنّ، فقال النبي - ﷺ -: «لئن صدق ليدخلنَّ الجنة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>ثامنًا: سبب في النجاة من النار</span>، فقد ثبت في حديث أنس - ﵁ - أنه قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي - ﷺ - فمرض، فأتاه النبي - ﷺ - يعوده، فقعد\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسلام يهدم ما قبله، ١/ ١١٢، برقم ١٢١.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند،١/ ٣٧٩،وصححه أحمد محمد شاكر في شرحه للمسند،٥/ ٣٠٩،برقم ٣٥٩٦.\n(٣) البخاري، كتاب الزكاة، باب من تصدق في الشرك ثم أسلم، ٢/ ١٤٦، برقم ١٤٣٦، ورقم ٢٢٢٠، و٢٥٣٨، و٥٩٩٢.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام، ١/ ٤١، برقم ١٢، وانظر: حديث رقم ١٣، في الكتاب نفسه.","vol":"1","page":160},{"text":"عند رأسه، فقال له: «أسلم»، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطِعْ أبا القاسم - ﷺ -، فأسلمَ، فخرج النبي - ﷺ - وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» (١).\nوفي حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إنّه لا يدخل الجنة إلاّ نفسٌ مسلمةٌ، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>تاسعًا: الفلاح والفوز العظيم من ثمرات الإسلام</span>، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: «قد أفلح مَنْ أسلمَ، ورُزِقَ كفافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>عاشرًا: الإسلام يضاعف الله به الحسنات</span>، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتبُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب له بمثلها حتى يلقى الله» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>الحادي عشر: يكون العمل القليل كثيرًا بالإسلام الصحيح</span>؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - لرجل جاء إليه مقنّع بالحديد، فقال: يا رسول الله، أُقاتلُ أو أسلمُ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أسلمْ ثم قاتلْ»، فأسلم ثم قاتل فَقُتِلَ، فقال رسول الله - ﷺ -: «عَمِل قليلًا وأُجر كثيرًا» (٥).\n_________\n(١) البخاري، في كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام، ٢/ ١١٨، برقم ١٣٥٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد، بابٌ: إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر، برقم ٣٠٦٢، وكتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٨٩، برقم ٤٢٠٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، ١/ ١٠٥، برقم ١١١.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، ٢/ ٧٣٠، برقم ١٠٥٤.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إذا همّ العبد بحسنة كتبت، وإذا همّ بسيئة لم تكتب،١/ ١١٨، برقم ١٢٩.\n(٥) متفق عليه من حديث البراء - ﵁ -، البخاري كتاب الجهاد والسير، بابٌ: عمل صالح قبل الجهاد، ٣/ ٣٧١، برقم ٢٨٠٨، واللفظ له، ومسلم كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد،\n٣/ ١٥٠٩، برقم ١٩٠٠.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>الثاني عشر: الخير كله في الإسلام، ولا خير في العرب، ولا في العجم إلا بالإسلام</span>، وقد ثبت في الحديث: «أيما أهل بيتٍ من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرًا أدخل عليهم الإسلام» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>الثالث عشر: الإسلام يثمر الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة</span>، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنةً يُعطَى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسناتِ ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُجزى بها» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>الرابع عشر: الإسلام يشرح الله به صدر صاحبه</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>الخامس عشر: الإسلام يثمر النور لصاحبه في الدنيا والآخرة</span>، قال الله - ﷿ -:\n﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ الله أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>السادس عشر: الإسلام يجعل لصاحبه المكانة العالية عند الله </span>- ﷿ -، فقد\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٣/ ٤٧٧، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٣٤، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٥١.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا، ٤/ ٢١٦٢، برقم ٢٨٠٨.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.\n(٤) سورة الزمر، الآية: ٢٢.","vol":"1","page":162},{"text":"ثبت عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن النبي - ﷺ - قال: «لَزَوال الدنيا أهونُ على الله من قتل رجلٍ مسلم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>السابع عشر: الإسلام الكامل يثمر لصاحبه حلاوة الإيمان</span>، فعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ثلاث مَنْ كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: مَنْ كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرء لا يحبّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار» (٢).\nوعن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا» (٣) - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>الثامن عشر: الإسلام صراط الله المستقيم</span>، ومن سلكه كان من الفائزين، فعن النوَّاس بن سمعان - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -، قال: «ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مُفتحة، وعلى الأبواب ستور مُرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجُّوا، وداعٍ يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أحدكم فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويلك لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه، والصراط الإسلام، والسوران حدود الله\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن، ٤/ ١٦، برقم ١٣٩٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان، ١/ ١٣، برقم ٢١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، ١/ ٦٦، برقم ٤٣.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد - ﷺ - رسولًا فهو مؤمن، ١/ ٦٢، برقم ٣٤.","vol":"1","page":163},{"text":"تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله - ﷿ -، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» (١)، زاد الترمذي: ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>التاسع عشر: من رضي بالإسلام دينًا أرضاه الله في الدنيا والآخرة</span>، فقد جاء عن النبي - ﷺ -: «من قال حين يُمسي وحين يُصبح: رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًا ثلاث مرات إلاّ كان حقًا على الله أن يرضيه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>العشرون: الإسلام هو الدين الذي كمَّله الله ورضيه</span>، فختم به الأديان، قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>الحادي والعشرون: الإسلام يأمر بكل خير وصلاح، وينهى عن كل شر وضرر</span>، فما من مصلحة دقيقة ولا جليلة إلا أرشد إليها، ولا خير إلا دلَّ عليه، ولا شرٍّ إلا حذّر منه: فهو يأمر بتوحيد الله، والإيمان به، ويحثّ على العلم والمعرفة، ويأمر بالعدل والصّدق في الأقوال والأفعال، وبالبرّ\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٤/ ١٨٢، ١٨٣، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٧٣، والترمذي، في كتاب الأمثال، باب ما جاء في مثل الله لعباده، ٥/ ١٤٤، برقم ٢٨٥٩، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، ١/ ٦٧.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٢٥.\n(٣) أحمد في المسند، ٤/ ٣٦٧، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٤، وابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم ٦٨، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٥١٨، وأبو داود، برقم ٥٠٧٢، والترمذي، برقم ٣٣٨٩، وحسنه ابن باز في تحفة الأخيار، ص٣٩.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٣.","vol":"1","page":164},{"text":"والصِّلة والإحسان إلى الأقارب والجيران والأصحاب وجميع الخلق، وينهى عن الكذب، والظلم، والقسوة، والعقوق، والبخل، وسوء الخلق، ويأمر بالوفاء، وينهى عن الغدر، والغشِّ، ويأمر بالنّصح، والاجتماع، والتآلف، والتّحابب والإنفاق، وينهى عن التّعادي والتّباغض والافتراق، والمعاملات السيئة، وأكل المال بالباطل، ويأمر بأداء الحقوق، وينهى عن ضدها، ويأمر بكل معروف، وطيِّب، ونافع، ومستحسن شرعًا، وعقلًا، وفطرةً، وينهى عن كل فاحشة، ومنكر، وخبيث شرعًا، وعقلًا، وفطرةً، ويأمر بالتعاون على البر والتقوى، وينهى عن التعاون على الإثم والعدوان، والتعلّق بالمخلوقين والعمل لأجلهم، ويأمر بعبادة الله وحده، ويحفظ الدين، والنفس، والعِرْض، والعقل، والمال، وهذا الدين صالح لكل زمان، ومكان، ولكل أمّةٍ، ونبيُّ هذا الدين محمد - ﷺ - هو أعلى الخلق في كل صفة كمال إنساني، ولذلك صار سيِّدَ الخلق - ﷺ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>الثاني والعشرون: اختصّ الإسلام بخصائص عظيمة كريمة، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>١ - الإسلام من عند الله</span>، قال الله - ﷿ - يمدح نبيه - ﷺ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>٢ - شامل لجميع نظم الحياة، وسلوك الإنسان </span>شمولًا تامًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>٣ - عام لكلِّ مُكلَّف من الجن والإنس في كل زمان ومكان</span>، قال الله\n_________\n(١) انظر: وجوب التعاون بين المسلمين، للسعدي، ص٢٢.\n(٢) سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤.","vol":"1","page":165},{"text":"تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>٤ - والإسلام من حيثُ الثواب والعقاب ذو جزاء أخروي</span>، بالإضافة إلى جزائه الدنيوي.\n٥ - الإسلام يحرص على إبلاغ الناس أعلى مستوى ممكن من الكمال الإنساني، وهذه مثالية الإسلام، ولكنه لا يغفل عن طبيعة الإنسان وواقعه، وهذه هي واقعية الإسلام.\n\n٦ - الإسلام وسط: في عقائده، وعباداته، وأخلاقه، وأنظمته، قال الله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٢)، وهذه خصائص جميلة (٣).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-366> المسلك الرابع: نواقض الإسلام</span>\nنواقض الإسلام كثيرة، وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في باب حكم المرتدّ أن المسلم قد يرتدّ عن دينه بأمور وأنواع كثيرة من النواقض التي تُحلّ دمه وماله، ويكون بها خارجًا من الإسلام، ومن أخطرها وأكثرها وقوعًا عشرة نواقض (٤):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>الأول: الشرك في عبادة الله تعالى</span>، قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.\n(٣) انظر: الحكمة في الدعوة إلى الله، للمؤلف، ص ١١٧.\n(٤) انظر: هذه النواقض في مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، القسم الأول، العقيدة والآداب الإسلامية، ص٣٨٥، ومجموعة التوحيد لشيخي الإسلام أحمد بن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، ص٢٧، ص٢٨.\n(٥) سورة النساء، الآية: ١١٦.","vol":"1","page":166},{"text":"بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (١)، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجنّ أو للقبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم</span>، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، فقد كفر إجماعًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>الثالث: من لم يكفِّر المشركين، أو شكّ في كفرهم</span>، أو صحّح مذهبهم كَفَر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>الرابع: من اعتقد أنّ هدي غير النبي - ﷺ - أكملُ من هديه</span>، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه – كالذين يفضّلون حكم الطواغيت على حكمه – فهو كافر.\nويدخل في هذا الناقض: من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنّها الناس أفضل من شريعة الإسلام، أو أنها مساوية لها، أو أنه يجوز التحاكم إليها، ولو اعتقد أن الحكم بالشريعة أفضل، أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سببًا في تخلّف المسلمين، أو أنه يُحصر في علاقة المرء بربه، دون أن يتدخّل في شؤون الحياة الأخرى، ويدخل فيه أيضًا من يرى أن إنفاذ حكم الله في قطع يد السارق، أو رجم الزاني المحصن، لا يناسب العصر الحاضر، ويدخل في ذلك أيضًا كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات، أو الحدود، أو غيرهما وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة؛ لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرم الله إجماعًا، وكلّ من استباح ما حرم الله مما هو معلوم تحريمه من الدين بالضرورة: كالزنا، والخمر، والربا، والحكم بغير شريعة الله، فهو كافر بإجماع المسلمين. نعوذ بالله من\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٧٢.","vol":"1","page":167},{"text":"موجبات غضبه وأليم عقابه (١).\nوالخلاصة أن الحكم بغير ما أنزل الله فيه تفصيل، وإليك الصواب في ذلك إن شاء الله تعالى:\nقال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣).\nوقال سبحانه: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤).\nقال طاووس وعطاء: كُفر دون كُفر، وظُلم دون ظُلم، وفسق دون فسق (٥)، وقال ابن عباس ﵄: «هي به كُفر، وليس كُفرًا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله» (٦).\nوقال - ﵁ -: «من جحد ما أنزل الله فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم: فهو ظالم فاسق» (٧).\nوالصواب أن من حكم بغير ما أنزل الله قد يكون مرتدًا، وقد يكون مسلمًا عاصيًا مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب؛ فلهذا نجد أن أهل العلم قد قسموا الكلمات الآتية إلى قسمين، وهي كلمة: كافر، وفاسق، وظالم، ومنافق، ومشرك. فكُفر دون كُفر، وظُلم دون ظُلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك.\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للعلامة ابن باز، ١/ ١٣٧.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٤٤.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٤٥.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٤٧.\n(٥) تفسير ابن كثير، ٢/ ٥٨، وانظر: تفسير الطبري، ١٠/ ٣٥٥ - ٣٥٨.\n(٦) تفسير ابن جرير، ١٠/ ٣٥٦.\n(٧) المرجع السابق، ١٠/ ٣٥٦.","vol":"1","page":168},{"text":"فالأكبر يُخرج من الملّة، لمنافاته أصل الدين بالكلّية، والأصغر ينقص الإيمان، ويُنافي كماله، ولا يُخرج صاحبه من الملّة؛ ولهذا فصَّل العلماءُ القول في حكم من حكم بغير ما أنزل الله تعالى:\nقال سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى: «من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أنواع:\n١ - من قال أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية، فهو كافر كفرًا أكبر.\n٢ - ومن قال أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز وبالشريعة جائز، فهو كافر كفرًا أكبر.\n٣ - ومن قال أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهو كافر كفرًا أكبر.\n٤ - ومن قال أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمرٍ صادر من حُكَّامه، فهو كافر كفرًا أصغر لا يخرج من الملّة، ويُعتبر من أكبر الكبائر» (١).\nولا مُنافاة بين تسمية العمل فسقًا، أو عامله فاسقًا، وبين تسميته مسلمًا وجريان أحكام المسلمين عليه؛ لأنه ليس كل فسق يكون كفرًا، ولا كل ما يسمى كفرًا، وظلمًا، يكون مخرجًا من الملة حتى ينظر إلى لوازمه وملزوماته؛ وذلك لأنَّ كلًا من الكفر، والشرك، والظلم،\n_________\n(١) حدثنا بهذا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وهو مسجل في شريط في مكتبتي الخاصة، وانظر: فتاوى سماحته ﵀، ١/ ١٣٧، وانظر التفصيل، ومتى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أكبر: كتاب «نواقض الإيمان القولية والعملية»، للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف، ص٢٤٩ - ٣٤٣.","vol":"1","page":169},{"text":"والفسوق، والنفاق جاءت في النصوص على قسمين:\nالقسم الأول: أكبر يُخرج من الملّة لمنافاته أصل الدين.\nالقسم الثاني: أصغر يُنقص الإيمان ويُنافي كماله، ولا يُخرج صاحبه منه، فكُفر دون كُفر، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق. والفاسق بالمعاصي التي لا تُوجب الكفر لا يخلد في النار، بل أمره مردود إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول وهلة برحمته وفضله، وإن شاء عاقبه بقدر الذنب الذي مات مصرًا عليه، ولا يُخلده في النار، بل يُخرجه برحمته، ثم بشفاعة الشافعين، إن كان مات على الإيمان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول - ﷺ </span>- ولو عمل به كفر إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول - ﷺ </span>-، أو ثوابه، أو عقابه، كفر. والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٣).\nالسابع: السحر، ومنه: الصرف (٤)، والعطف (٥)، فمن فعله، أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ\n_________\n(١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم أصول التوحيد، للشيح حافظ الحكمي، ٢/ ٤٢٣.\n(٢) سورة محمد، الآية: ٩.\n(٣) سورة التوبة، الآيتان: ٦٥ - ٦٦.\n(٤) الصرف: عمل سحري يقصد منه تغيير الإنسان وصرفه عما يهواه، كصرف الرجل عن محبة زوجته إلى بغضها.\n(٥) العطف: عمل سحري يقصد منه ترغيب الإنسان فيما لا يهواه، فيحبه بطرق شيطانية.","vol":"1","page":170},{"text":"فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ (١).\n\nالثامن: مظاهرة (٢) المشركين، ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد - ﷺ </span>- كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى - ﵇ - فهو كافر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه، ولا يعمل به</span>، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ (٤)، ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل، والجادّ، والخائف، إلا المُكره، وكلها أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه (٥).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.\n(٢) المظاهرة: المناصرة والتعاون معهم على المسلمين.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٥١.\n(٤) سورة السجدة، الآية: ٢٢.\n(٥) مجموعة التوحيد لشيخي الإسلام: أحمد بن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله، ص٢٧، ٢٨، ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الأول، العقيدة والآداب الإسلامية، ص٣٨٥، ٣٨٧، ومجموعة فتاوى ابن باز، ١/ ١٣٥.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>المطلب الثاني: ظلمات الكفر</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-378> المسلك الأول: مفهوم الكفر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>أولًا: الكفر: </span>بالفتح: الستر والتغطية، يُقال: كفر الزارع البذر في الأرض: إذا غطّاه بالتراب. وبالضم: ضِدُّ الإيمان، وكفر نعمة الله، وبها كُفُورًا وكفرانًا: جحدها، وسترها، وكافره حقه: جحده، والمكفَّرُ كَمُعَظَّمٍ: المجحُودُ النِّعمةِ مع إحسانِهِ. وكَافرٌ: جاحدٌ لأنْعُمِ الله تعالى (١).\nفالكفر: هو الستر، وجحود الحق، وإنكاره، والكافر: ضدّ المسلم، والمرتدّ: هو الذي كفر بعد إسلامه؛ بقول، أو فعل، أو اعتقاد، أو شكّ، وحدُّ الكفر الجامع لجميع أجناسه، وأنواعه، وأفراده: هو جحد ما جاء به الرسول - ﷺ -، أو جحد بعضه، كما أن الإيمان: اعتقاد ما جاء به الرسول - ﷺ -، والتزامه، والعمل به جملة وتفصيلًا (٢)، والكفر هو: أوّل ما ذُكِرَ من المعاصي في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، وهو أكبر الكبائر على الإطلاق، فلا كبيرة فوق الكفر (٤)، والكفر كفران:\nالكفر الأول: كُفر يُخرج من الملّة، وهو «الكفر الأكبر».\nالكفر الثاني: كفر لا يُخرج من الملّة، وهو «الكفر الأصغر» أو كُفر دون كفر (٥).\n_________\n(١) القاموس المحيط، فصل الكاف، باب الراء، والمعجم الوسيط، ص٧٩١.\n(٢) إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، للسعدي ﵀، ص١٩١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٦.\n(٤) الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة، ص٥.\n(٥) مجموعة التوحيد لشيخي الإسلام: أحمد بن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، ص٦.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>ثانيًا: الإلحاد: </span>إلحاد ولحود، ولحد القبر كمنع، وألحده، عمل له لحدًا، والميت دفنه، وإليه مال كالْتحد. وألْحدَ مالَ، وعدلَ، ومارَى، وجادل (١)، ويلاحظ أن المعاجم الحديثة استعملت كلمة إلحاد، وفسرتها بأنها الكفر. وفَهمُ المفسرين لمادة «لحد» في القرآن الكريم، يمكن تلخيصه في أنه الميل عن دين الله إلى درجة الكفر، وفسّروا الإلحاد في سورة الحجّ، بأنه أيّ معصيةٍ في الحرم، ولكن المعصية في الحرم إذا قيست بغيرها في مكان آخر كانت شديدة جدًا (٢).\nقال فضيلة الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀: «الإلحاد هو الميل عن الحق والانحراف عنه بشتى الاعتقادات، والتأويلات، ولذا سُمّي لحد القبر لحدًا، لميله عن وسطه إلى أحد جوانبه، فالمنحرف عن صراط الله، والمعاكس لحكمه بالتأويل الفاسد، وإبداء التشكيك، يُسمَّى مُلحدًا ... وأول الناس إلحادًا المشركون الذين اشتقّوا لآلهتهم من أسماء الله، كالّلات، والعُزّى، ومن الإلّ الذي هو الإله ... ثم كلّ من ألحد في أسمائه، وصفاته، وصرفها عن ظاهرها ... فهو ملحد» (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-381> المسلك الثاني: أنواع الكفر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>أولًا: الكفر الأكبر المُخرج من الملّة:</span>\nوهو خمسة أنواع (٤):\n_________\n(١) القاموس المحيط، فصل اللام، باب الدال، والمعجم الوسيط، ص٨١٧.\n(٢) جهود المفكرين المسلمين المحدثين في مقاومة التيار الإلحادي، ص٢١.\n(٣) الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة لعبد الرحمن الدوسري، ص٤٠.\n(٤) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ١/ ٣٣٥ - ٣٣٨.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>النوع الأول: كفر التكذيب</span>، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>النوع الثاني: كفر الإباء والاستكبار مع التّصديق</span>، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>النوع الثالث: كفر الشك، وهو كفر الظنّ</span>، والدليل قوله تعالى:\n﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَّكِنَّا هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>النوع الرابع: كفر الإعراض</span>، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>النوع الخامس: كفر النفاق</span>، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية: ٦٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٣٤.\n(٣) سورة الكهف، الآيات: ٣٥ - ٣٨.\n(٤) سورة الأحقاف، الآية: ٣.\n(٥) سورة المنافقون، الآية: ٣.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>ثانيًا: كفر أصغر لا يُخرج من الملّة:</span>\nوهو كفر النعمة: والدليل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ (١)، والله المستعان (٢).\nومما يدل من السُّنة على الكفر الذي لا يُخرج من الملّة، قوله - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٣)، وقوله - ﷺ -: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما» (٤)، وقوله - ﷺ -: «من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها ... فقد كفر بما أُنزل على محمد» (٥)، ونظائر ذلك كثيرة.\nوهذا النوع لا يُبطل الإسلام ولكن يُنقصه ويُضعفه، ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله تعالى وعقابه إذا لم يتب، وهو جنس المعاصي التي يعرف صاحبها أنها معاصي، كالزنا، ولكن لا يستحلّها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه ثم أدخله الجنة بإيمانه وعمله الصالح وإن شاء غفر له (٦).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ١١٢.\n(٢) مجموعة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ ابن تيمية رحمهما الله، ص٦.\n(٣) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -: البخاري، كتاب الأدب، باب ما يُنهى عنه من السباب واللعن، ٧/ ١١٠، رقم ٦٠٤٤، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، ١/ ٨١، برقم ٦٤.\n(٤) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر ﵄: البخاري، كتاب الأدب، باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، ٧/ ١٢٦، برقم ٦١٠٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال من قال لأخيه المسلم: يا كافر، ١/ ٧٩، ٦٠.\n(٥) مسند الإمام أحمد، ٢/ ٤٠٨، وصححه الألباني في آداب الزفاف، ص٣١.\n(٦) انظر: فتاوى سماحة العلامة ابن باز، ٤/ ٢٠، و٤٥.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>ثالثًا: الفروق بين الكفر الأكبر والأصغر:</span>\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-390> الكفر الأكبر يُخرج من الملّة، والأصغر لا يُخرج من الملّة</span>.\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-391> الكفر الأكبر يُحبط جميع الأعمال، والأصغر لا يُحبطها لكنه يُنقصها</span>.\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-392> الكفر الأكبر يُخلّد في النار، والأصغر لا يُخلّد</span>، وهذا إذا دخلها فإن الله قد يعفو عنه.\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-393> الكفر الأكبر يُبيح الدم والمال، والكفر الأصغر لا يُبيح الدم والمال</span>.\n٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-394> الكفر الأكبر يُوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين</span>، ولا يجوز للمؤمنين محبته وموالاته، ولو كان أقرب قريب، وأما الكفر الأصغر فإنه لا يمنع الموالاة مطلقًا، بل صاحبه يُحَبُّ ويُوالَى بقدر ما معه من الإيمان، ويُبغض ويُعادَى بقدر ما فيه من العصيان (١).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-395> المسلك الثالث: خطورة التكفير</span>\nالذي ينبغي أن نؤصّله هنا: أن الحكم بالكفر على إنسان ما حكم خطير، لِمَا يترتب عليه من آثار، هي غاية في الخطر، منها:\nأولًا: أنه لا يحلّ لزوجته البقاء معه، ويجب أن يفرّق بينها وبينه؛ لأن المسلمة لا يصحُّ أن تكون زوجة لكافر بالإجماع المتيقّن.\nثانيًا: أن أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه؛ لأنه لا يُؤتمن عليهم، ويُخشى أن يؤثِّر عليهم بكفره، وبخاصة أن عودهم طريّ؛ وهم أمانة في عنق المجتمع الإسلامي كلّه.\nثالثًا: إنه فقد حق الولاية والنصرة من المجتمع الإسلامي بعد أن مرق\n_________\n(١) انظر: كتاب التوحيد للعلامة الدكتور صالح الفوزان، ص١٥.","vol":"1","page":176},{"text":"منه وخرج عليه بالكفر الصريح، والرّدَّة البواح.\nرابعًا: أنه يجب أن يُحاكم أمام القضاء الإسلامي؛ ليُنفَّذ فيه حكم المرتدّ، بعد أن يُستتاب، وتُزال من ذهنه الشبهات، وتُقام عليه الحجة.\nخامسًا: أنه إذا مات على ردّته لا تُجرى عليه أحكام المسلمين، فلا يُغسّل، ولا يُصلّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يُورث، كما أنه لا يرث إذا مات مورِّث له قبله.\nسادسًا: أنه إذا مات على حاله من الكفر يستوجب لعنة الله، وطرده من رحمته، والخلود الأبدي في نار جهنم، وهذه الأحكام الخطيرة تُوجب على من يتصدى للحكم بتكفير أحدٍ من المسلمين، أن يتريَّث مراتٍ ومراتٍ قبل أن يقول ما يقول (١).\nسابعًا: أنه لا يُدعى له بالرحمة، ولا يُستغفر له؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢)، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: «الكفر حقّ الله ورسوله، فلا كافر إلا من كفَّره الله ورسوله» (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-396> المسلك الرابع: أصول المكفِّرات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>أولًا: الكفّار نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>النوع الأول: </span>الكفّار الذين لم يدخلوا في دين الإسلام، ولا انتسبوا\n_________\n(١) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ٦/ ٤٩، وقد قرأتُ هذه المسائل على معالي الشيخ الدكتور صالح الفوزان، في ٢٠/ ٦/١٤١٧، فأقرّها جزاه الله خيرًا.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٣.\n(٣) إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، ص١٩٨.","vol":"1","page":177},{"text":"للإيمان بمحمد - ﷺ - من: أُميين، ومشركين، وأهل كتاب، من: يهود ونصارى، ومن: مجوس، وعبدة أوثان، ودهريين، وفلاسفة ... وغيرهم من أصناف الكفار، فهؤلاء الجنس، دلّ الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، على كفرهم، وشقائهم، وخلودهم في النار، وتحريم الجنة عليهم، ولا فرق بين عالمهم وجاهلهم، وأُمِّيهم، وكتابيِّهم، وعوامِّهِم، وخواصِّهِم، وهذا أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>النوع الثاني: </span>الذين ينتسبون لدين الإسلام، ويزعمون أنهم مؤمنون بمحمد - ﷺ -، ثم يصدر منهم ما يناقض هذا الأصل، ويزعمون بقاءهم على دين الإسلام، وأنهم من أهله، فهؤلاء لتكفيرهم أسباب متعددة ترجع كلها إلى تكذيب الله ورسوله، وعدم التزام دينه ولوازم ذلك (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>ثانيًا: جميع المكفِّرات تدخل تحت نواقض أربعة: </span>القول، أو الفعل، أو الاعتقاد، أو الشك والتوقف. قال سماحة العلامة إمام علماء هذا العصر، عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ ورفع درجاته: «العقيدة الإسلامية لها قوادح، وهذه القوادح قسمان: قسم ينقض هذه العقيدة ويبطلها، ويكون صاحبه كافرًا نعوذ بالله، وقسم ينقص هذه العقيدة ويضعفها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>القسم الأول: القوادح المكفِّرة:</span>\nنواقض الإسلام هي الموجبة للرِّدَّة، هذه تسمى نواقض، والناقض يكون قولًا، ويكون عملًا، ويكون اعتقادًا، ويكون شَكًّا.\n_________\n(١) انظر: إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأسر الأسباب، للسعدي،\nص١٩١ - ١٩٣.","vol":"1","page":178},{"text":"فقد يرتدُّ الإنسان بقولٍ يقوله، أو بعملٍ يعمله، أو باعتقادٍ يعتقده، أو بشكٍّ يطرؤ عليه، وهذه الأمور الأربعة كلُّها يأتي منها الناقض الذي يقدح في العقيدة ويبطلها، وقد ذَكَرَها أهل العلم في كتبهم، وسَمَّو بابها: «باب حكم المرتد»، فكلُّ مذهب من مذاهب العلماء، وكلُّ فقيهٍ من الفقهاء ألَّفَ كُتُبًا – في الغالب – عندما يذكر الحدود – يذكر باب حكم المرتدّ، وهو الذي يكفر بعد الإسلام، وهذا مرتدّ، يعني أنه رَجَع عن دين الله وارتدَّ عنه، قال فيه النبي - ﷺ -: «من بدَّل دينَهُ فاقتلوه» خرَّجه البخاري في «الصحيح» (١).\nوفي «الصحيحين» (٢) أن النبي - ﷺ - بعث أبا موسى الأشعري - ﵁ - إلى اليمن، ثم أتْبَعَهُ معاذ بن جبل، فلما قَدِمَ عليه قال: انزل، وألقى له وسادة، وإذا رجلٌ عنده مُوثَق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديًّا فأسلم، ثم راجع دينه – دين السَّوء – فتهوَّد، قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله، فقال: اجلس، نعم، قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به فَقُتِل.\nفدلَّ ذلك على أن المرتدّ عن الإسلام يُقتل، إذا لم يتب، يُستتاب فإن تاب ورجع فالحمد لله، وإن لم يرجع وأصرَّ على كفره وضلاله يُقْتَل، ويُعجَّل به إلى النار لقوله - ﷺ -: «من بدَّل دينه فاقتلوه» (٣).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد، باب: لا يعذَّب بعذاب الله، ٤/ ٢٧، برقم ٣٠١٧.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي موسى - ﵁ -: البخاري، كتاب استتابة المرتدين، ٨/ ٦٤، برقم ٦٩٢٣، ومسلم، كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة، ٣/ ١٤٥٦، برقم ١٧٣٣.\n(٣) رواه البخاري، برقم ٣٠١٧، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":179},{"text":"١ -<span data-type=\"title\" id=toc-402> الرّدّة بالقول:</span>\nالنواقض التي تنقض الإسلام كثيرة، منها قولٌ، مثل: سبّ الله: هذا قولٌ ينقض الدين، وسب الرسول - ﷺ -، يعني: اللعن، والسّبّ لله ولرسوله، أو العيب، مثل أن يقول: إنَّ الله ظالم، إنَّ الله بخيل، إنَّ الله فقير، إنَّ الله - جل وعلا - لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور، كُلُّ هذه الأقوال رِدَّةٌ عن الإسلام.\nمن انتقص الله، أو سبَّه، أو عابه بشيء فهو كافر مرتدٌّ عن الإسلام - نعوذ بالله - هذه ردّةٌ قولية، إذا سبَّ الله، أو استهزأ به، أو تنقَّصه، أو وصفه بأمرٍ لا يليق، كما تقول اليهود: إن الله بخيل، إن الله فقير ونحن أغنياء، وهكذا لو قال: إن الله لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور، أو نفى صفات الله ولم يؤمن بها، فهذا يكون مرتدًا بأقواله السيئة.\nأو قال مثلًا: إنَّ الله لم يوجب علينا الصلاة، هذه ردّة عن الإسلام، من قال إن الله لم يوجب الصلاة فقد ارتدَّ عن الإسلام بإجماع المسلمين، إلا إذا كان جاهلًا بعيدًا عن المسلمين لا يعرف، فيُعلَّم، فإنْ أصرَّ كَفَر.\nوأما إذا كان بين المسلمين، ويعرف أمور الدِّين، فإن قال: ليست الصلاة بواجبة؛ فهذه رِدَّة، يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل.\nأو قال: الزكاة غير واجبة على الناس، أو قال: صوم رمضان غير واجب على الناس، أو الحج مع الاستطاعة غير واجب على الناس، من قال هذه المقالات كَفَر إجماعًا، ويُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل - نعوذ بالله-. وهذه الأمور ردَّةٌ قولية.","vol":"1","page":180},{"text":"٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-403> الرّدّة بالفعل:</span>\nوالردة الفعلية: مثل: ترك الصلاة، فكونه لا يصلي، وإن قال: إنها واجبة - لكن لا يصلي - هذه رِدَّة على الأصحِّ من أقوال العلماء؛ لقول النبي - ﷺ -: «العَهْدُ الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تَرَكَها فقد كفر» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه بإسناد صحيح (١)، وقوله - ﷺ -: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢).\nوقال شَقِيقُ بن عبد الله العُقَيلي التابعي المتّفق على جلالته - ﵀ -: «كان أصحاب محمد - ﷺ - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ غير الصلاة» رواه الترمذي (٣)، وإسناده صحيح.\nوهذه ردّةٌ فعلية، وهي ترك الصلاة عمدًا.\nومن ذلك: لو استهان بالمصحف الشريف، وقعد عليه مستهينًا به، أو لطَّخه بالنجاسة عمدًا، أو وطأه بقدمه يستهين به، فإنه يرتدّ بذلك عن الإسلام.\nومن الرِّدَّة الفعلية: كونه يطوف بالقبور يتقرَّب لأهلها بذلك، أو يصلّي لهم، أو للجنّ، وهذه رِدَّةٌ فعلية.\n_________\n(١) المسند، ٥/ ٣٤٦، وسنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، ٥/ ١٤، برقم ٢٦٢١، وسنن النسائي، كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة، ١/ ٢٣١، ٢٣٢، برقم ٤٦٣، وسنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، ١/ ٣٤٢، برقم ١٠٧٩، من حديث بريدة - ﵁ -، وانظر: صحيح الترمذي، ٣/ ٣٢٩.\n(٢) كتاب الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، ١/ ٨٨، برقم ٨٢.\n(٣) السنن، كتاب الإيمان، باب: ما جاء في ترك الصلاة، ٥/ ١٤، برقم ٢٦٢٢.","vol":"1","page":181},{"text":"أما دعاؤه إيَّاهم والاستعانة بهم والنذر لهم: فردَّة قولية.\nأما من طاف بالقبور يقصد بذلك عبادة الله، فهو بدعةٌ قادحةٌ في الدِّين، لا يكون رِدَّة، إنما يكون بدعة قادحة في الدين، إذا لم يقصد التقرّب إليه بذلك، وإنما فعل ذلك تقرّبًا إلى الله سبحانه جهلًا منه.\nومن الكفر الفعلي: كونه يذبح لغير الله ويتقرب لغيره سبحانه بالذبائح، يذبح البعير أو الشاة أو الدجاجة أو البقرة لأصحاب القبور تقربًا إليهم يعبُدُهم بها، أو للجِنِّ يعبدهم بها، أو للكواكب يتقرب إليها بذلك، وهذا ما أُهِلَّ به لغير الله، فيكون ميتةً، ويكون كفرًا أكبر - نسأل الله العافية -.\nهذه كلُّها من أنواع الردة عن الإسلام والنواقض الفعلية.\n\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-404> الرّدّة بالاعتقاد:</span>\nومن أنواع الرّدّة العقدية: التي يعتقدُها بقلبه وإن لم يتكلم، ولم يفعل - بل بقلبه يعتقد - إذا اعتقد بقلبه أنَّ الله جل وعلا فقيرٌ، أو أنه بخيل، أو أنه ظالم، ولو أنه ما تكلم، ولو لم يفعل شيئًا، هذا كفر بمجرد هذه العقيدة بإجماع المسلمين.\nأو اعتقد بقلبه أنه لا يُوجد بعثٌ ولا نشور، وأن كلَّ ما جاء هذا ليس له حقيقة، أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد جَنَّة أو نار، ولا حياة أخرى، إذا اعتقد ذلك بقلبه، ولو لم يتكلم بشيء، هذا كفرٌ ورِدَّةٌ عن الإسلام - نعوذ بالله -، وتكون أعمالُهُ باطلة، ويكون مصيره إلى النار بسبب هذه العقيدة.","vol":"1","page":182},{"text":"وهكذا لو اعتقد بقلبه – ولو لم يتكلم – أنَّ محمدًا - ﷺ - ليس بصادق، أو أنَّه ليس بخاتم الأنبياء، وأنَّ بعده أنبياء، أو اعتقد أنَّ مُسيلمة الكذَّاب نبيٌّ صادق، فإنه يكون كافرًا بهذه العقيدة.\nأو اعتقد – بقلبه – أنَّ نوحًا، أو موسى، أو عيسى، أو غيرهم من الأنبياء ﵈ أنهم كاذبون، أو أحدًا منهم، فهذا رِدّةٌ عن الإسلام.\nأو اعتقد أنه لا بأس أنْ يُدعى مع الله غيره، كالأنبياء أو غيرهم من الناس، أو الشمس والكواكب أو غيرها، إذا اعتقد بقلبه ذلك صار مُرتدًّا عن الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ\nنَسْتَعِينُ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٤).\nوقال: ﴿فَادْعُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٥).\nوقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nفمن زَعَم أو اعتقد أنه يجوزُ أن يُعْبَدَ مع الله غيرُهُ من مَلَكٍ، أو نبيٍّ، أو\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٦٢.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.\n(٣) سورة الفاتحة، الآية: ٥.\n(٤) سورة الإسراء، جزء من الآية: ٢٣.\n(٥) سورة غافر، جزء من الآية: ١٤.\n(٦) سورة الزمر، الآية: ٦٥.","vol":"1","page":183},{"text":"شجرٍ، أو جِنٍّ، أو غير ذلك فهو كافر وإذا نطق وقال بلسانه ذلك صار كافرًا بالقول والعقيدة جميعًا، وإن فعل ذلك ودعا غير الله، واستغاث بغير الله، صار كافرًا بالقول والعمل والعقيدة جميعًا، نسأل الله العافية.\nومما يدخل في هذا ما يفعله عُبَّاد القبور اليوم في كثير من الأمصار من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وطلب المَدَدِ منهم، فيقول بعضهم: يا سيدي المَدَدَ المَدَدَ، يا سيدي الغوثَ الغوثَ، أنا بجوارك، اشفِ مريضي، ورُدَّ غائبي وأصلح قلبي.\nيخاطبون الأموات الذين يُسمّونهم الأولياء، ويسألونهم هذا السؤال، نَسُوا الله وأشركوا معه غيره - تعالى الله عن ذلك -.\nفهذا كفرٌ قوليٌّ، وعقديٌّ، وفعليّ.\nوبعضُهم ينادي من مكانٍ بعيد وفي أمصارٍ متباعدة: يا رسول الله انصرني ... ونحو هذا، وبعضهم يقول عند قبره: يا رسول الله اشفِ مريضي، يا رسول الله المدد المدد، انصرنا على أعدائنا، أنت تعلم ما نحن فيه، انصُرنا على أعدائنا.\nوالرسول - ﷺ - لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، هذا من الشرك القولي العملي، وإذا اعتقد مع ذلك أن هذا جائز، وأنه لا بأس به، صار شركًا قوليًّا، وفعليًّا، وعقديًّا، نسأل الله العافية.\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-405> الرّدّة بالشك:</span>\nعَرَضْنَا للرِّدَّة التي تكون بالقول، والرّدّة في العمل، والرّدة في العقيدة،","vol":"1","page":184},{"text":"أما الرّدّة بالشكّ، فمثل الذي يقول: أنا لا أدري هل الله حقٌّ أم لا؟ ... أنا شاكٌّ، هذا كافرٌ كُفْرَ شكٍّ، أو قال: أنا لا أعلم هل البعث حقٌّ أم لا؟ أو قال: أنا لا أدري هل الجنة والنار حقٌّ أم لا؟ ... أنا لا أدري، أنا شاكٌّ؟.\nفمثلُ هذا يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل كافرًا لشكِّه فيما هو معلومٌ من الدِّين بالضرورة، وبالنَّصِّ، والإجماع.\nفالذي يشكّ في دينه ويقول: أنا لا أدري هل الله حقٌّ، أو هل الرسول حقٌّ، وهل هو صادق أم كاذب؟ أو قال: لا أدري هل هو خاتم النبيين، أو قال: لا أدري مسيلمة كاذب أم لا؟ أو قال: ما أدري هل الأسود العنسي - الذي ادَّعى النبوة في اليمن - كاذبٌ أم لا؟ هذه الشكوك كلُّها ردَّةٌ عن الإسلام يُستتاب صاحبها، ويُبيَّن له الحقّ، فإن تاب وإلا قُتِل.\nومثل لو قال: أشك في الصلاة هل هي واجبةٌ أم لا؟ والزكاة هل هي واجبةٌ أم لا؟ وصيام رمضان هل هو واجبٌ أم لا؟ أو شك في الحج مع الاستطاعة هل هو واجبٌ في العُمُرِ مَرَّةً أم لا؟ فهذه الشكوك كلها كفر أكبر، يُستتاب صاحبها، فإن تاب وآمن وإلا قُتِلَ لقول النبي - ﷺ -: «من بدّل دينه فاقتلوه» رواه البخاري في «الصحيح» (١).\nفلا بُدَّ من الإيمان بأنَّ هذه الأمور - أعني الصلاة والزكاة والصيام والحج - كلها حقّ، وواجبة على المسلمين بشروطها الشرعية (٢).\n_________\n(١) ورقمه (٣٠١٧)، وتقدم تخريجه.\n(٢) انظر: القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀، ص٢٧ - ٤٢، بتصرف يسير جدًا.","vol":"1","page":185},{"text":"أما الوسوسة العارضة والخطرات، فإنها لا تضرّ إذا دفعها المؤمن، ولم يسكن إليها، ولم تستقرّ في قلبه؛ لقوله - ﷺ -: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به» (١).\nوعليه أن يعمل الآتي:\nيستعيذ بالله من الشيطان.\nينتهي عما يدور في نفسه (٢).\nيقول آمنت بالله ورسله (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>القسم الثاني: قوادح دون الكفر:</span>\nتضعف الإيمان وتنقصه، وتجعل صاحبها معرضًا للنار وغضب الله، لكن لا يكون صاحبها كافرًا، مثل: أكل الربا، وارتكاب المحرَّمات: كالزنا، والبدع، إذا آمن بأن ذلك حرام، ولم يستحلَّه، أما إذا اعتقد أن ذلك حلالٌ صار كافرًا، وغير ذلك مثل الاحتفال بالمولد، وهو ما أحدثه الناس في القرن الرابع وما بعده من الاحتفال بمولد الرسول - ﷺ -، فيكون ذلك إضعافًا للعقيدة، إلا إذا كان هناك في المولد استغاثة بالرسول - ﷺ -، فإن هذه البدعة تكون من النوع الأول المُخرِج عن الإسلام.\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، ١/ ١١٦.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ٤/ ١١٠، برقم ٣٢٧٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، ١/ ١٢٠، برقم ١٣٤.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان، وما قوله من وجدها، ١/ ١١٩، برقم ١٣٤.","vol":"1","page":186},{"text":"ومن النوع الثاني كذلك التطيّر كما يفعل أهل الجاهلية، وقد ردَّ الله عليهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ الله بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (١). فالطيرة شرك دون كفر ... وكذلك الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، قال النبي - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (٢)، انتهى ملخصًا (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-407> المسلك الخامس: آثار الكفر وأضراره</span>\nالكفر له آثار خطيرة، وأضرار جسيمة، منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>أولًا: شرّ الدنيا والآخرة من أضرار الكفر </span>وآثاره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>ثانيًا: الكفر يُسبِّب لصاحبه الضّلال</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>ثالثًا: الكفر الأكبر لا يغفره الله لمن مات عليه</span>، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرًا﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة النمل، الآية: ٤٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود،\n٣/ ٢٢٢، برقم ٢٦٩٧. ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ومحدثات الأمور، ٣/ ١٣٤٤، برقم ٧١٨.\n(٣) القوادح في العقيدة للعلامة ابن باز وهي محاضرة ألقاها في الجامع الكبير في شهر صفر عام ١٤٠٣هـ، وهي مسجلة عندي بمكتبتي الخاصة، ثم طبعت والحمد لله تعالى في عام ١٤١٦هـ، بعنوان: القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها، اعتنى بنشرها وعرضها على مؤلفها: خالد بن عبد الرحمن الشايع جزاه الله خيرًا.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٦٧.\n(٥) سورة النساء، الآيتان: ١٦٨ - ١٦٩.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>رابعًا: الكفر أعظم أسباب الخزي والعار</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَأَنَّ الله مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>خامسًا: يوجب الله لصاحبه النار </span>قال - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>سادسًا: يُحبط جميع الأعمال</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤)، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَالله سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٥)، وقال - ﷿ -: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾ (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>سابعًا: يوجب الخلود في النار</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>ثامنًا: يسبب الطرد والإبعاد من رحمة الله </span>تعالى، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الله لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>تاسعًا: أعظم أسباب غضب الله وأليم عقابه</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَكِن\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٢.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ٣٦.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٢٣.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٥.\n(٥) سورة النور، الآية: ٣٩.\n(٦) سورة إبراهيم، الآية: ١٨.\n(٧) سورة البقرة، الآية: ١٦٧.\n(٨) سورة الأحزاب، الآية: ٦٤.","vol":"1","page":188},{"text":"مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>عاشرًا: الكفر يجعل صاحبه أضيق الناس صدرًا</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>الحادي عشر: الكفر يطبع على القلب</span>، قال الله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>الثاني عشر: الكفر الأكبر يُبيح الدم والمال </span>عن طريق الجهاد، أو عن طريق ولاة أمر المسلمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>الثالث عشر: الكفر الأكبر يُوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين</span>، ولا يجوز للمؤمنين محبته، ومُوالاته، ولو كان أقرب قريب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>الرابع عشر: الكفر الأصغر يُنقص الإيمان ويُضعفه</span>، ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله تعا لى وعقابه إذا لم يتب، وهو جنس المعاصي (٤).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ١٠٦.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٥٥.\n(٤) انظر: فتاوى سماحة العلامة ابن باز، ٤/ ٢٠، ٤٥.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>المبحث الخامس: نور الإِيمان وظلمات النفاق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>المطلب الأول: نور الإِيمان</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-424> المسلك الأول: مفهوم الإِيمان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>أولًا: مفهوم الإِيمان: لغةً واصطلاحًا:</span>\nالإِيمان لغةً: التصديق، قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ (١) أي بمصدّق لنا.\nوحقيقة الإِيمان: أنه مُركّب من قولٍ وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب، واللسان، والجوارح. فهذه أربعة أمور جامعة لأمور دين الإسلام:\nالأول: قول القلب: وهو تصديقه، وإيقانه، واعتقاده.\nالثاني: قول اللسان: وهو النطق بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بلوازمها.\nالثالث: عمل القلب: وهو النيّة، والإخلاص، والمحبّة، والانقياد، والإقبال على الله - ﷿ -، والتوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه.\nالرابع: عمل اللسان والجوارح: فعمل اللسان ما لا يؤدَّى إلا به: كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار، والدعاء، والاستغفار، وغير ذلك. وعمل الجوارح ما لا يؤدَّى إلا بها، مثل: القيام، والركوع، والسجود، والمشي في مرضاة الله، كنقل الخطا إلى المساجد، وإلى الحج، والجهاد في\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ١٧.","vol":"1","page":190},{"text":"سبيل الله - ﷿ -، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما يشمله حديث شعب الإِيمان (١).\nقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: «الإِيمان ... التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أمر الله ورسوله بالإِيمان به، والانقياد ظاهرًا وباطنًا، فهو تصديق القلب، واعتقاده المتضمن لأعمال القلوب، وأعمال البدن، وذلك شامل للقيام بالدين كله؛ ولهذا كان الأئمة والسلف يقولون: الإِيمان: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وهو: قول، وعمل، واعتقاد، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، فهو يشمل عقائد الإِيمان، وأخلاقه، وأعماله» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>ثانيًا: الفرق بين الإِيمان والإسلام:</span>\nفي الشرع: أن الإِيمان على حالتين:\nالحالة الأولى: أن يُطلق الإِيمان على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام، فحينئذٍ يراد به الدين كله، كقوله - ﷿ -: ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ (٣)، وهذا المعنى هو الذي قصده السلف بقولهم ﵏: «إن الإِيمان اعتقاد، وقول، وعمل، وإن الأعمال كلها داخلة في مُسمَّى الإِيمان».\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز، ص٣٧٣، ومعارج القبول شرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، للشيخ حافظ الحكمي، ٢/ ٥٨٧ - ٥٩١، وأصول وضوابط في التكفير، للعلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ص ٣٤، وكتاب الإيمان لابن منده، ١/ ٣٠٠، ٣٤١.\n(٢) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، ص٩، وانظر: كتاب الإيمان لابن منده، ١/ ٣٤١، وفتاوى ابن تيمية، ٧/ ٥٠٥.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٧.","vol":"1","page":191},{"text":"والحالة الثانية: أن يطلق الإِيمان مقرونًا بالإسلام، وحينئذٍ يُفَسَّر الإِيمان بالاعتقادات الباطنة: كالإِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، كقوله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ (١).\nويُفسَّر الإسلام بأعمال الجوارح الظاهرة: كالنطق بالشهادتين والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وغير ذلك من الأعمال (٢)، كقوله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) الآية، فالإِيمان والإسلام إذا افترقا اجتمعا، وإن اجتمعا افترقا، وذلك كالفقير والمسكين، إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كان لكل واحدٍ مسمى يخصه (٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-427> المسلك الثاني: طرق تحصيل الإِيمان وزيادته</span>\nالإِيمان كمال العبد، وبه ترتفع درجاته في الدنيا والآخرة، وهو السبب والطريق لكل خيرٍ عاجلٍ وآجلٍ، ولا يحصل ولا يقوى، ولا يتمّ إلا بمعرفة ما منه يستمدّ؛ فإنه يحصل ويقوى ويزيد بأمور كثيرة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>أولًا: معرفة أسماء الله الحسنى</span>، الواردة في الكتاب والسنة، والحرص على فهم معانيها، والتعبُّد لله بها، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلله الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٥)، وقال\n_________\n(١) سورة النساء، الآية:٥٧.\n(٢) انظر فتاوى ابن تيمية، ٧/ ١٣ - ١٥، و٥٥١ - ٥٥٥، ومعارج القبول، للشيخ حافظ الحكمي،\n٢/ ٥٩٧ - ٦٠٨.\n(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(٤) انظر فتاوى ابن تيمية، ٧/ ٥٥١، ٥٧٥ - ٦٢٣، وجامع العلوم والحكم، لابن رجب، ١/ ١٠٤.\n(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.","vol":"1","page":192},{"text":"النبي - ﷺ -: «إن لله تسعًا وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة» (١)، أي من حفظها، وفهم معانيها، واعتقدها، وتعبَّد لله بها، دخل الجنة، فَعُلِمَ أن ذلك أعظم ينبوع الإِيمان، ومادّة لحصوله، وقوته، وثباته؛ ومعرفة أسماء الله - ﷿ -: هي أصل الإِيمان، وتتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي روح الإِيمان، وأصله وغايته، فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه، وقوي يقينه، فينبغي للمؤمن أن يبذل مقدوره ومُستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، بلا تمثيلٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تحريفٍ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>ثانيًا: تدبّر القرآن على وجه العموم</span>، فإن المتدبِّر لا يزال يستفيد من علوم القرآن، ومعارفه ما يزداد به إيمانًا، وكذلك إذا نظر إلى انتظامه وأحكامه، وأنه يُصدِّق بعضه بعضًا، ويوافق بعضه بعضًا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف، إذا فعل ذلك تيقَّن أنه من عند الله، وهذا من أعظم مقويّات الإِيمان (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>ثالثًا: معرفة أحاديث النبي - ﷺ </span>-، وما تدعو إليه من علوم الإِيمان، وأعماله، كل ذلك من مُحصِّلات الإِيمان ومقويّاته، فكلّما ازداد العبد\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الشروط، باب ما يجوز في الاشتراط والثنيا في الإقرار والشروط التي يتعارفها الناس بينهم، ٣/ ٢٤٢، برقم ٢٧٣٦، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، ٤/ ٢٠٦٣، واللفظ له.\n(٢) انظر: التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للعلامة السعدي، ص٤٠.\n(٣) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم،٢/ ٢٨،والتوضيح والتبيان لشجرة الإيمان، للسعدي، ص٤١.","vol":"1","page":193},{"text":"معرفة بكتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ - ازداد إيمانه ويقينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>رابعًا: معرفة النبي - ﷺ - ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية</span>، والأوصاف الكاملة؛ فإن من عرفه حق المعرفة لم يَرْتَبْ في صدقه، وصدق ما جاء به من الكتاب والدين الحق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>خامسًا: التفكر في الكون: </span>في خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان وما هو عليه من الصفات؛ فإن ذلك داعٍ قويٌّ للإيمان؛ لما في هذه الموجودات من عظمة الخلق الدالة على قدرة خالقها، وعظمته، وما فيها من الحسن والانتظام، والإحكام الذي يُحيِّر العقول، وكذلك النظر إلى فقر المخلوقات كلِّها، واضطرارها إلى ربها من كل الوجوه، وأنها لا تستغني عنه طرفة عين، وذلك يوجب للعبد كمال الخضوع، وكثرة الدعاء، والافتقار إلى الله، والتضرّع إليه في جلب ما يحتاجه من منافع دينه ودنياه، ودفع ما يضرّه في دينه ودنياه، ويوجب له قوة التوكل على ربه، وكمال الثقة بوعده، وشدّة الطّمع في برّه وإحسانه، وبهذا يتحقق الإِيمان ويقوى.\nوكذلك التفكر في كثرة نعم الله العامّة والخاصّة التي لا يخلو منها مخلوق طرفة عين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>سادسًا: الإِكثار من ذكر الله في كل وقت</span>، ومن الدعاء الذي هو العبادة؛ فإن الذكر يغرس شجرة الإِيمان في القلب، ويُغذِّيها، ويقوّيها، وكلّما ازداد العبد ذكرًا لله قوي إيمانه، ويكون الذكر على كلّ حال: باللسان، والقلب، والعمل، والحال؛ فنصيب العبد من الإيمان على قدر نصيبه من","vol":"1","page":194},{"text":"هذا الذكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>سابعًا: معرفة محاسن الإسلام</span>؛ فإن الدين الإسلامي كله محاسن: عقائده أصحّ العقائد، وأصدقها، وأنفعها، وأخلاقه أجمل الأخلاق، وأعماله وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها، وبهذا النظر يزيّن الله الإيمان في قلب العبد، ويحبّبه إليه، فيجد حلاوة الإيمان، فيتجمّل الباطن بأصول الإيمان، وحقائقه، ويتجمّل الظاهر بأعمال الإيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>ثامنًا: الاجتهاد في الإِحسان في عبادة الله - ﷿ </span>-، والإِحسان إلى خلقه؛ فيجتهد الإِنسان في عبادة الله كأنه يشاهده، فإن لم يقوَ على ذلك استحضر أن الله يشاهده ويراه، فيجتهد في إكمال العمل وإتقانه، وكذلك الإِحسان إلى الخلق: بالقول، والفعل، والمال، والجاه، وأنواع المنافع، فإذا أحسن عبادة الخالق، وأحسن إلى خلقه، وواظب على ذلك قوي إيمانه، ويقينه، ويصل ذلك إلى حقِّ اليقين، الذي هو أعلى مراتب اليقين، فيذوق حلاوة الطاعات، ويجد ثمرة المعاملات، وهذا هو الإيمان الكامل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>تاسعًا: الاتّصاف بصفات المؤمنين</span>؛ من الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها، وأداء الزكاة، والإِعراض عن اللغو الذي هو كلُّ كلامٍ لا خير فيه، وكل فعلٍ لا خير فيه، بل يقول المسلم الخير، ويفعله، ويترك الشرّ: قولًا، وفعلًا، لاشكّ أن ذلك كله يزيد الإيمان، ويقوِّيه، وكذلك العِفَّة عن الفواحش، ورعاية الأمانات والعهود، وحفظها من علامات الإيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>عاشرًا: الدعوة إلى الله وإلى دينه</span>، والتّواصي بالحقّ والتواصّي بالصّبر، والدعوة إلى أصل الدين، والتزام شرائعه بالأمر بالمعروف،","vol":"1","page":195},{"text":"والنهي عن المنكر، وبذلك يُكَمِّل العبد نفسه، ويكمِّل غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>الحادي عشر: الابتعاد عن شُعَبِ الكفر والنفاق، والفسوق والعصيان</span>؛ فإنه لابدّ في الإيمان من فعل جميع الأسباب المقويّة المنميّة له، ولابدّ مع ذلك من دفع الموانع والعوائق، وهي الإقلاع عن المعاصي، والتوبة مما يقع منها، وحفظ الجوارح كلها عن المحرمات، ومقاومة فتن الشبهات القادحة في علوم الإيمان المضعفة له، والشهوات المضعفة لإرادات الإيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>الثاني عشر: التقرُّب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض</span>، وتقديم كل ما يحبّه الله على ما سواه عند غَلَبة الهوى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>الثالث عشر: الخلوة بالله وقت نزوله؛ لمناجاته، وتلاوة كلامه</span>، والوقوف بالقلب، والتأدّب بآداب العبودية بين يديه، ثم خَتْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>الرابع عشر: مجالسة العلماء الصادقين المخلصين</span>؛ وانتقاء أطايب ثمرات كلامهم كما يُنتقى أطايب الثمر (١).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-442> المسلك الثالث: ثمرات الإيمان وفوائده</span>\nالإيمان له فوائد وثمرات لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، فكم له من ذلك في القلب، والبدن، والراحة، والحياة الطيّبة، في الدنيا والآخرة، ومُجملها أن خيرات الدنيا والآخرة، ودفع الشرور كلّها من ثمرات الإيمان، ومن هذه الثمرات والفوائد ما يأتي:\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٣/ ١٧، والتوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للسعدي،\nص٤٠ - ٦٢.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>أولًا: الاغتباط بولاية الله - ﷿ </span>-، قال الله - ﷿ -: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ\nيَتَّقُونَ﴾ (١)، وقوله - ﷿ -: ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ (٢) أي: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات، ومن ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة والذكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>ثانيًا: الفوز برضا الله</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (٣)، فنالوا رضوان الله ورحمته، والفوز بهذه المساكن الطيبة، بإيمانهم الذي كمَّلوا به أنفسهم، وكمَّلوا غيرهم بقيامهم بطاعة الله وطاعة رسوله - ﷺ -، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحصلوا على أعظم الفوز والفلاح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>ثالثًا: الإيمان الكامل يمنع من دخول النار</span>، والإيمان الضعيف يمنع من الخلود فيها، فإنّ من آمن إيمانًا أدّى به جميع الواجبات، وترك جميع المحرَّمات؛ فإنه لا يدخل النار، كما أنه لا يُخلّد في النار من كان في قلبه\n_________\n(١) سورة يونس، الآيتان: ٦٢ - ٦٣.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٧.\n(٣) سورة التوبة، الآيتان: ٧١ - ٧٢.","vol":"1","page":197},{"text":"شيء من الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>رابعًا: إن الله يدفع عن الذين آمنوا جميع المكاره</span>، وينجيهم من الشدائد، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) أي: يدافع عنهم كل مكروه، وشرّ شياطين الإنس والجنّ، ويدافع عنهم الأعداء، ويدافع عنهم المكاره قبل نزولها، ويرفعها أو يخفّفها بعد نزولها، قال الله - ﷿ -: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّه مَخْرَجًا﴾ (٥)، أي من كل ما ضاق على الناس ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٦)، فالمؤمن المتقي يُيسِّر الله له أموره، ويُيسِّره لليُسرَى، ويجنِّبه العُسْرَى، ويُسهِّل عليه الصعاب، ويجعل له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ويرزقه من حيث لا\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٣٨.\n(٢) سورة الأنبياء، الآيتان: ٨٧ - ٨٨.\n(٣) سورة يونس، الآية: ١٠٣.\n(٤) سورة الصافات، الآيات: ١٧١ - ١٧٣.\n(٥) سورة الطلاق، الآية: ٢.\n(٦) سورة الطلاق، الآية: ٤.","vol":"1","page":198},{"text":"يحتسب، وشواهد هذا كثيرة من الكتاب والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>خامسًا: الإيمان يثمر الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة</span>، قال الله - ﷿ -:\n﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١)، وذلك أنه من خصائص الإيمان أنه يثمر طمأنينة القلب، وراحته، وقناعته بما رزقه الله، وعدم تعلقه بغيره، وهذه هي الحياة الطيّبة، فإن أصل الحياة الطيّبة: راحة القلب وطمأنينته، وعدم تشوّشه مما يتشوّش منه الفاقد للإيمان الصحيح (٢)، والحياة الطيّبة تشمل: الرِّزق الحلال الطيِّب، والقناعة، والسعادة، ولذَّة العبادة في الدنيا، والعمل بالطاعة والانشراح بها (٣).\nقال الإمام ابن كثير: «والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله» (٤)، قال النبي - ﷺ -: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه» (٥)، وقال - ﷺ -: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنةً يُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسناتِ ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُجزى بها» (٦).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٩٧.\n(٢) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للسعدي، ص٦٨.\n(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٢/ ٥٦٦.\n(٤) المرجع السابق، ٢/ ٥٦٦.\n(٥) مسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، ٢/ ٧٣٠، برقم ١٠٥٤.\n(٦) مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا، ٤/ ٢١٦٢، برقم ٢٨٠٨.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>سادسًا: إن جميع الأعمال والأقوال إنما تصح وتكمل بحسب ما يقوم بقلب صاحبها</span>؛ من الإيمان والإخلاص، قال الله - ﷿ -: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ (١)، أي لا يُجحد سعيه، ولا يضيع عمله، بل يُضاعف بحسب قوة إيمانه، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (٢)، والسعي للآخرة، هو العمل بكل ما يقرب إليها من الأعمال التي شرعها الله على لسان نبيه محمد - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>سابعًا: صاحب الإيمان يهديه الله إلى الصراط المستقيم</span>، ويهديه في الصراط المستقيم إلى علم الحقّ، والعمل به، وإلى تلقّي المحابّ والمسارّ بالشكر، وتلقّي المكاره والمصائب بالرّضا والصّبر، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ (٣)، قال الإمام ابن كثير ﵀: «يُحتمل أن تكون الباء هنا سببية، فتقديره: أي بحسب إيمانهم في الدنيا، يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم، حتى يجوزوه، ويخلصوا إلى الجنة، ويُحتمل أن تكون للاستعانة»، كما قال مجاهد: «يهديهم ربهم بإيمانهم» قال: «يكون لهم نورًا يمشون به» (٤)، وقيل: يُمثّل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، إذا قام من قبره\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ٩٤.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ١٩.\n(٣) سورة يونس، الآية: ٩، وانظر: سورة الحج، الآية: ٥٤، وانظر: التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للسعدي، ص٧٠.\n(٤) تفسير القرآن العظيم، ٢/ ٣٩٠.","vol":"1","page":200},{"text":"يُعارض صاحبه، ويُبشّره بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك، فيجعل له نورًا من بين يديه، حتى يُدخله الجنة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>ثامنًا: الإيمان يثمر محبّة الله للعبد، ويجعل محبّته في قلوب المؤمنين</span>، ومن أحبّه الله، وأحبّه المؤمنون حصلت له السعادة، والفلاح، والفوائد الكثيرة من محبّة المؤمنين: من الثناء الحسن، والدعاء له حيًّا وميتًا، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>تاسعًا: حصول الإمامة في الدين</span>، وهذا من أجمل ثمرات الإيمان، أن يجعل الله للمؤمنين الذين كملوا إيمانهم بالعلم والعمل لسان صدق، ويجعلهم أئمةً يهدون بأمره، ويُقتدى بهم، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٣)، فبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين؛ لأن رأس الإيمان وكماله: الصبر واليقين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>عاشرًا: حصول رفع الدرجات</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾ (٤)، فهم أعلى الخلق درجة عند الله، وعند عباده في الدنيا والآخرة، وإنما نالوا هذه الرفعة بإيمانهم الصحيح، وعلمهم ويقينهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>الحادي عشر: حصول البشارة بكرامة الله والأمن التام </span>من جميع الوجوه،\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٥/ ٢٧، وأسنده إلى قتادة.\n(٢) سورة مريم، الآية: ٩٦.\n(٣) سورة السجدة، الآية: ٢٤.\n(٤) سورة المجادلة، الآية: ١١.","vol":"1","page":201},{"text":"كما قال - ﷿ -: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)،فأطلقها ليعمَّ الخير العاجل والآجل، وقيّدها في مثل قوله - ﷿ -: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (٢)،فلهم البشارة المُطلقة والمُقيّدة، ولهم الأمن المطلق في الدنيا والآخرة في مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٣)، ولهم الأمن المقيد في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤)، فنفى عنهم الخوف لما يستقبلونه، والحزن مما مضى، وبذلك يتمُّ لهم الأمن، فالمؤمن له الأمن التام في الدنيا والآخرة، وله البشارة بكلّ خير (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>الثاني عشر: يحصل بالإيمان الثواب المضاعف</span>، وكمال النور الذي يمشي به العبد في حياته، ويمشي به يوم القيامة، ففي الدنيا: يسير بنور علمه وإيمانه، وإذا طفئت الأنوار يوم القيامة مشى بنوره على الصراط حتى يجوز به إلى دار الكرامة والنعيم، وكذلك رتَّب الله المغفرة على الإيمان، ومن غفر سيئاته سلم من العقاب، ونال أعظم الثواب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٦).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٣، وسورة التوبة، الآية: ١١٢، وسورة يونس، الآية: ٨٧، وسورة الأحزاب، الآية: ٤٧، وسورة الصف، الآية: ١٣.\n(٢) سورة البقرة الآية: ٢٥.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ٨٢.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ٤٨.\n(٥) انظر: التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للسعدي، ص٧٧ - ٨٨.\n(٦) سورة الحديد، الآية: ٢٨، وانظر: سورة الأنفال، الآية:٢٩.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>الثالث عشر: حصول الفلاح والهدى للمؤمنين </span>بسبب إيمانهم، قال الله - ﷿ - بعد ذكره إيمان المؤمنين بما أنزل على محمد - ﷺ -، وما أنزل على من قبله، والإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، فهذا هو الهدى التامّ، والفلاح الكامل، فلا سبيل إلى الهدى والفلاح إلا بالإيمان التامّ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>الرابع عشر: الانتفاع بالمواعظ من ثمرات الإيمان</span>، قال الله - ﷿ -:\n﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وهذا؛ لأن الإيمان يحمل صاحبه على التزام الحق، واتباعه، علمًا وعملًا، ومعه الآلة العظيمة، والاستعداد لتلقّي المواعظ النافعة، وليس عنده مانع يمنعه من قبول الحق، ولا من العمل به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>الخامس عشر: الإيمان يحمل صاحبه على الشكر في حالة السرَّاء</span>، والصبر في حالة الضرَّاء، وكسب الخير في كلّ أوقاته، قال الله - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣)، وقال - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٤)، ولو لم يكن من ثمرات الإيمان إلا أنه يُسلِّي صاحبه عن المصائب والمكاره التي كلُّ أحدٍ عرضة لها في\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٥.\n(٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٥.\n(٣) سورة الحديد، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.\n(٤) سورة التغابن، الآية: ١١.","vol":"1","page":203},{"text":"كل وقت، ومصاحبة الإيمان واليقين أعظم مسلٍّ عنها؛ قال النبي - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سرّاءُ شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاءُ صبر، فكان خيرًا له» (١)، والشكر والصبر هما جماع كلّ خير، فالمؤمن مغتنم للخيرات في كل أوقاته، رابح في كل حالاته، ويجتمع له عند النّعم والسرّاء، نعمتان: نعمة حصول المحبوب، ونعمة التوفيق للشّكر الذي هو أعلى من ذلك، وبذلك تتمّ عليه النعمة، ويجتمع له عند حصول الضرّاء ثلاث نِعَمٍ: نعمة تكفير السيئات، ونعمة حصول مرتبة الصبر التي هي أعلى من ذلك، ونعمة سهولة الضراء عليه؛ لأنه متى عرف حصول الأجر، والثواب، والتمرّن على الصبر هانت عليه المصيبة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>السادس عشر: الإيمان الصحيح يدفع الريبة والشك</span>، ويقاوم ويقطع جميع الشكوك التي تعرض لكثير من الناس فتضرّهم في دينهم، وليس لعلل الشكوك التي تُلْقيها شياطين الإنس والجنّ، والنّفوس الأمّارة بالسّوء دواء إلا تحقيق الإيمان، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (٣).\nوعلاج هذه الوساوس بأربعة أمور:\nالانتهاء عن هذه الوساوس الشيطانية.\nالاستعاذة من شرّ من ألقاها، وهو الشيطان.\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير، ٤/ ٢٢٩٥، برقم ٢٩٩٩.\n(٢) انظر: التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، ص٧١، و٨٨.\n(٣) سورة الحجرات، الآية: ١٥.","vol":"1","page":204},{"text":"الاعتصام بعصمة الإيمان فيقول: «آمنت بالله».\nالانتهاء عن التفكير فيها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>السابع عشر: الإيمان بالله - ﷿ - ملجأ المؤمنين في كل ما يلمُّ بهم: </span>من سرور، وحزن، وخوفٍ، وأمنٍ، وطاعة، ومعصية، وغير ذلك من الأمور التي لابدّ لكل أحد منها، فعند المحابّ والسّرور يلجؤون إلى الإيمان، فيحمدون الله، ويُثنون عليه، ويستعملون النعم فيما يحبّ، وعند المكاره والأحزان يلجؤون إلى الإيمان من جهات عديدة: يتسلَّون بإيمانهم وحلاوته، ويتسلَّون بما يترتّب على ذلك، من الثواب، ويقابلون الأحزان والقلق براحة القلب، والرجوع إلى الحياة الطيبة المقاومة للأحزان، ويلجؤون إلى الإيمان عند الخوف، فيطمئنّون إليه ويزيدهم إيمانًا، وثباتًا، وقوة، وشجاعة، ويضمحلُّ الخوف الذي أصابهم، كما قال الله تعالى عن الصحابة - ﵃ -: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ الله وَالله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>الثامن عشر: الإيمان الصحيح يمنع العبد من الوقوع في المُوبقات </span>المُهلكة، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ...» (٣)،ومن وقع منه ذلك؛ فلضعف إيمانه، وذهاب نوره،\n_________\n(١) انظر: التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للسعدي، ص٨٣.\n(٢) سورة آل عمران، الآيتان: ١٧٣ - ١٧٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المظالم، باب النهبى بغير إذن صاحبه، ٣/ ١٤٦، برقم ٢٤٧٥، ومسلم واللفظ له، كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بالمعاصي، ١/ ٧٦، برقم ٥٧.","vol":"1","page":205},{"text":"وزوال الحياء من الله، وهذا معروف مُشاهد، والإيمان الصحيح الصادق، يصحبه الحياء من الله، والحبّ له، والرّجاء القويّ لثوابه، والخوف من عقابه، ورغبته في اكتساب النور، وهذه الأمور تأمر صاحبها بكل خير، وتزجره عن كل شرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>التاسع عشر: خير الخليقة قسمان: هم أهل الإيمان</span>، فعن أبي موسى - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجَّة ريحها طيّب، وطعمها طيّب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلوٌ، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيّب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح، وطعمها مرّ» (١)،<span data-type=\"title\" id=toc-462> فالناس أربعة أقسام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>القسم الأول: خير في نفسه، متعدٍ خيره إلى غيره</span>، وهو خير الأقسام، فهذا المؤمن الذي قرأ القرآن،\nوتعلّم علوم الدين، فهو نافع لنفسه، نافع لغيره، مبارك أينما كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>القسم الثاني: طيّب في نفسه، صاحب خير</span>، وهو المؤمن الذي ليس عنده من العلم ما يعود به على غيره، فهذان القسمان هما خير الخليقة، والخير الذي فيهم عائد إلى ما معهم من الإيمان القاصر، والمتعدي نفعه إلى الغير بحسب أحوال المؤمنين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>القسم الثالث: من هو عادم للخير</span>، ولكنه لا يتعدَّى ضرره إلى غيره.\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، وقصرها، باب فضيلة حافظ القرآن، ١/ ٥٤٩، برقم ٧٩٧.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>القسم الرابع: من هو صاحب شر على نفسه وعلى غيره</span>، فهذا شرّ الأقسام.\nفعاد الخير كله إلى الإيمان وتوابعه، وعاد الشر إلى فقد الإيمان والاتّصاف بضدِّه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>العشرون: الإيمان يثمر الاستخلاف في الأرض</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>الحادي والعشرون: الإيمان ينصر الله به العبد</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>الثاني والعشرون: الإيمان يثمر للعبد العزّة</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>الثالث والعشرون: الإيمان يثمر عدم تسليط الأعداء على المؤمنين</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>الرابع والعشرون: الأمن التامّ والاهتداء</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٦).\n_________\n(١) انظر: التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للسعدي، ص٦٣ - ٩٠.\n(٢) سورة النور، الآية: ٥٥.\n(٣) سورة الروم، الآية: ٤٧.\n(٤) سورة المنافقين، الآية: ٨.\n(٥) سورة النساء، الآية: ١٤١.\n(٦) سورة الأنعام، الآية: ٨٢.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>الخامس والعشرون: حفظ سعي المؤمنين</span>؛ قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>السادس والعشرون: زيادة الإيمان للمؤمنين</span>؛ قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>السابع والعشرون: نجاة المؤمنين</span>، قال الله - ﷿ - في قصة يونس: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>الثامن والعشرون: الأجر العظيم لأهل الإيمان</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ الله الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>التاسع والعشرون: معيّة الله لأهل الإيمان</span>، وهي المعية الخاصة: معية التوفيق والإلهام والتسديد، قال الله - ﷿ -: ﴿وَأَنَّ الله مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>الثلاثون: أهل الإيمان في أمنٍ منَ الخوف والحزن</span>، قال الله - ﷿ -:\n﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>الحادي والثلاثون: الأجر الكبير: </span>قال الله - ﷿ -: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٧).\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ٣٠.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٤.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٨٨.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٤٦.\n(٥) سورة الأنفال، الآية: ١٩.\n(٦) سورة الأنعام، الآية: ٤٨.\n(٧) سورة الإسراء، الآية: ٩.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>الثاني والثلاثون: الأجر غير الممنون</span>، قال الله - ﷾ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>الثالث والثلاثون: القرآن إنما هو هُدىً ورحمةٌ للمؤمنين </span>(٢)، وشفاءٌ ورحمة (٣)، وهو لهم هدى وشفاء (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>الرابع والثلاثون: أهل الإيمان: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ </span>وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٥).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-482> المسلك الرابع: شُعَب الإيمان</span>\nالإيمان له شُعَبٌ كثيرة، وهذا يدلّ على أن الإيمان إذا أُفرد شمل الدين كله، وقد بيّن النبي - ﷺ - شُعب الإيمان إجمالًا وتفصيلًا.\nأمّا الإجمال، فقد ورد في حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان»، وفي رواية: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستّون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (٦).\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية: ٨.\n(٢) انظر: سورة يونس، الآية: ٥٧.\n(٣) انظر سورة الإسراء، الآية: ٨٢.\n(٤) انظر سورة فصلت، الآية: ٢٤.\n(٥) سورة الأنفال، الآية: ٤.\n(٦) متفق عليه، واللفظ لمسلم: البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، ١/ ١٠، برقم ٩، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، وأفضلها وأدناها، وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان، ١/ ٦٣، برقم٣٥.","vol":"1","page":209},{"text":"وقد ذكر الإمام أبو بكر البيهقي سبعًا وسبعين شعبة من شعب الإيمان (١)، وهذه الشعب باختصار على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>الإيمان بالله - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>الإيمان بالملائكة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>الإيمان بالقرآن الكريم، وجميع الكتب المنزلة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>الإيمان بالقدر خيره وشره </span>من الله - ﷿ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>الإيمان باليوم الآخر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>الإيمان بالبعث بعد الموت</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>الإيمان بحشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم </span>إلى الموقف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>الإيمان بأن دار المؤمنين الجنة، ودار الكافرين النار</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>الإيمان بوجوب محبة الله - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>الإيمان بوجوب الخوف من الله - ﷿ </span>- (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>الإيمان بوجوب الرجاء من الله - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>الإيمان بوجوب التوكل على الله - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>الإيمان بوجوب محبّة النبي - ﷺ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>الإيمان بوجوب تعظيم النبي - ﷺ </span>-، وتبجيله، وتوقيره بدون غلوّ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>حبّ المرء لدينه حتى يكون القذف في النار أحبّ إليه من الكفر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>طلب العلم: وهو معرفة الله، ودينه، ونبيّه - ﷺ - بالأدلّة</span>.\n_________\n(١) ذكر ذلك في سبعة مجلدات، وشرحها شرحًا نفيسًا بالأحاديث بسنده.\n(٢) هذه الشعب في المجلد الأول من شعب الإيمان للبيهقي، ١/ ١٠٣ - ٤٦٣.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>نشر العلم، وتعليمه للناس</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>تعظيم القرآن الكريم: بتعلّمه، وتعليمه، وحفظ حدوده</span>، وأحكامه، وعلم حلاله، وحرامه، وتبجيل أهله، وحفظه (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>الطهارة والمحافظة على الوضوء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>المحافظة على الصلوات الخمس</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>أداء الزكاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>الصيام: الفرض والنفل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>الاعتكاف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>الحج </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>الجهاد في سبيل الله - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>المرابطة في سبيل الله - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>الثبات للعدو وترك الفرار من الزّحف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>أداء الخُمس من المغنم إلى الإمام، أو نائبه </span>على الغانمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>العتق بوجه التقرّب إلى الله - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>الكفّارات الواجبة بالجنايات</span>، وهي في الكتاب والسنة أربع: كفّارة القتل، وكفّارة الظهار، وكفّارة اليمين، وكفّارة المسيس في صوم رمضان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>الإيفاء بالعقود</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>تعديد نعم الله - ﷿ -، وما يجب من شكرها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>حفظ اللسان عمّا لا يُحتاج إليه</span>.\n_________\n(١) هذه الشعب من رقم ١٢ - ١٩، في المجلد الثاني من شعب الإيمان للبيهقي، ٢/ ٣ - ٥٤٨.\n(٢) هذه الشعب من رقم ٢٠ - ٢٥، في المجلد الثالث من شعب الإيمان للبيهقي، ٣/ ٣ - ٤٩٤.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>حفظ الأمانات، ووجوب أدائها إلى أهلها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>تحريم قتل النفس، والجنايات عليها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>تحريم الفروج وما يجب فيها من التعفّف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>قبض اليد عن الأموال المحرّمة</span>، ويدخل فيها: تحريم السرقة، وقطع الطريق، وأكل الرّشاء، وأكل ما لا يستحقّه شرعًا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>وجوب التورّع في المطاعم والمشارب</span>، واجتناب ما لا يحلّ منها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>ترك الملابس والزّيّ والأواني المحرّمة والمكروهة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>تحريم الملاعب والملاهي المخالفة للشريعة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>الاقتصاد في النفقة، وتحريم أكل المال بالباطل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>ترك الغلّ والحسد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>تحريم أعراض الناس، وما يلزم من ترك الوقوع فيها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>إخلاص العمل لله - ﷿ -، وترك الرّياء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>السرور بالحسنة، والاغتمام بالسيئة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>معالجة كلّ ذنبٍ بالتّوبة النصوح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>القرابين وجملتها: الهدي، والأضحية، والعقيقة </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>طاعة أولي الأمر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>التمسك بما عليه الجماعة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>الحكم بين الناس بالعدل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر</span>.\n_________\n(١) هذه الشعب من رقم ٢٦ - ٣٨، في المجلد الرابع من شعب الإيمان للبيهقي، ٤/ ٣ - ٣٩٨.\n(٢) هذه الشعب من رقم ٣٩ - ٤٨، في المجلد الخامس من شعب الإيمان للبيهقي، ٥/ ٣ - ٤٨٥.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>التعاون على البر والتقوى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>الحياء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>برّ الوالدين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>صلة الأرحام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>حسن الخلق</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>الإحسان إلى المماليك</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>حقّ السّادة على المماليك</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>القيام بحقوق الأولاد والأهلين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>مقاربة أهل الدين، وموادتهم، وإفشاء السلام</span>، والمصافحة لهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>ردّ السلام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>عيادة المريض </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>الصلاة على من مات من أهل القبلة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>تشميت العاطس</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>مباعدة الكفار والمفسدين، والغلظة عليهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>إكرام الجار</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>إكرام الضيف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>الستر على أصحاب الذّنوب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>الصبر على المصائب وعما تنزع النفس إليه من لذَّة وشهوةٍ</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>الزّهد، وقصر الأمل</span>.\n_________\n(١) هذه الشعب من رقم ٤٩ - ٦٣، في المجلد السادس من شعب الإيمان للبيهقي، ٦/ ٣ - ٥٤٧.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>الغيرة، وترك المذاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>الإعراض عن الغلوّ</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>الجود والسّخاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>رحمة الصغير، وتوقير الكبير</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>إصلاح ذات البين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>أن يحبّ المرء لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه</span>، ويكره له ما يكره لنفسه، ويدخل فيه إماطة الأذى عن الطريق، المشار إليه في الحديث (١).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-560> المسلك الخامس: صفات المؤمنين</span>\nالمؤمنون لهم صفات كريمة وأعمال عظيمة، وصفهم الله بها، وأثنى عليهم، ومن هذه الصفات على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>أولًا: قال الله - ﷿ -: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * </span>إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (٢).\nوقد ظهر في هذه الآيات صفات عظيمة من صفات المؤمنين وهي:\nطاعة الله ورسوله - ﷺ -.\nخوف الله ورهبته وخشيته - ﷿ -.\nزيادة الإيمان عند سماع القرآن، لتدبرهم له.\n_________\n(١) هذه الشعب من رقم ٦٤ - ٧٧، في المجلد السابع من شعب الإيمان للبيهقي، ٧/ ٣ - ٥٤٠.\n(٢) سورة الأنفال، الآيات: ١ - ٣.","vol":"1","page":214},{"text":"التوكل والاعتماد على الله - ﷿ - مع العمل بالأسباب.\nإقام الصلاة: من فرائض ونوافل بأعمالها الظاهرة والباطنة.\nالإنفاق الواجب: كالزكوات، والكفّارات، والنفقة على من تجب نفقته، والصّدقة في طريق الخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>ثانيًا: قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ </span>يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).\nففي هذه الآية صفات عظيمة اتصف بها المؤمنون وهي:\nموالاة المؤمنين، ومحبّتهم في الله تعالى، ونصرتهم.\nالأمر بالمعروف، وهو اسم جامعٌ لكلّ ما عُرف حسنه: من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة.\nالنهي عن المنكر، وهو كلّ ما خالف المعروف، وناقضه: من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة.\nإقام الصلاة بأعمالها الظاهرة والباطنة، من فرضٍ ونفل.\nإعطاء الزكاة لأهلها بأصنافهم الثمانية.\nطاعة الله ورسوله - ﷺ -، وملازمة ذلك في جميع الأحوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>ثالثًا: قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ </span>يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٧١.","vol":"1","page":215},{"text":"الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).\nفظهر في هاتين الآيتين صفات عظيمة من صفات أهل الإيمان، وهي على النحو الآتي:\nالقتال في سبيل الله، وبذل الجهد والطاقة في ذلك.\nالتوبة من جميع الذنوب وملازمتها في جميع الأوقات.\nالعبودية لله - ﷿ - بالقيام بجميع الواجبات، والمستحبّات، والابتعاد عن جميع المحرّمات والمكروهات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين.\nالحمد لله في السّراء والضرّاء، والثناء عليه بنعمه، والاعتراف بالنعم الظاهرة والباطنة.\nالسياحة في السفر بطلب العلم، والحجّ والعمرة، والجهاد، وصلة الأقارب ونحو ذلك، كصيام النفل المشروع.\nالإكثار من الصلاة المشتملة على الركوع والسجود.\nالأمر بالمعروف، ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبّات.\nالنهي عن المنكر: ويدخل فيه كل ما نهى عنه الله ورسوله - ﷺ -.\nتعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لذلك فعلًا وتركًا.\n_________\n(١) سورة التوبة، الآيتان: ١١١ - ١١٢.","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>رابعًا: قال الله - ﷿ -: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * </span>الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١)، وهذه الصفات في هذه الآيات على النحو الآتي:\nالخشوع في الصلاة، وحضور القلب بين يدي الله - ﷿ - فيها.\nالإعراض عن اللغو الذي لا خير فيه؛ فإن من أعرض عن ذلك كان إعراضه عن المحرّم من بابِ أولى.\nتأدية زكاة الأموال وتزكية النفوس من أدناس الأخلاق، وذلك بتركها.\nحفظ الفروج عن الزنا، وتجنّب ما يكون وسيلة إلى ذلك: كالنظر، والخلوة، واللّمس.\nحفظ الأمانات سواء كانت من حقوق الله أو حقوق العباد، والآية عامة.\nحفظ العهود والمواثيق بين العبد وبين الله وبين الإنسان وبين العباد.\nالمحافظة على الصلاة بأركانها وشروطها وواجباتها ومستحبّاتها.\nوغير ذلك من صفات المؤمنين في كتاب الله - ﷿ -، وأسأل الله - ﷿ - أن يوفقني وجميع المسلمين للاتّصاف بهذه الصفات الكريمة.\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآيات: ١ - ١١.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-565>المطلب الثاني: ظلمات النفاق</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-566> المسلك الأول: مفهوم النفاق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>أولًا: مفهوم النفاق لغةً وشرعًا:</span>\nالنفاق: لغةً: النفق سرب في الأرض، مشتق إلى موضع آخر، وفي التهذيب: له مخلص إلى مكان آخر، والنفقة والنافقاء، جحر الضبّ واليربوع، وقيل: النفقة والنافقاء موضع يرققه اليربوع من جحره، فإذا أُتيَ من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج، ونفِق اليربوع ونَفق «بالفتح» وانتفق، ونفق: خرج منه. ونفق اليربوع تنفيقًا، ونافق، أي دخل في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين، والنِّفاق بالكسر، فعل النافق، والنفاق الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من وجه آخر (١).\nوفي الحديث عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لتتبعُنَّ سنن الذين من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضبٍّ لاتَّبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمَنْ؟» (٢).\nوالنفاق: شرعًا: كما قال ابن كثير ﵀: «النفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشرّ، وهو أنواع: اعتقاديٌّ، وهو الذي يخلّد صاحبه في النار، وعمليٌّ وهو أكبر من الذنوب، قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسرّه علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه» (٣).\n_________\n(١) النفاق وآثاره ومفاهيمه، تأليف الشيخ عبد الرحمن الدوسري، ص١٠٥ - ١٠٦.\n(٢) مسلم، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، ٤/ ٢٠٥٤، برقم ٢٦٦٩.\n(٣) تفسير ابن كثير، ١/ ٤٨ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وانظر: تفسير ابن جرير الطبري، ١/ ٢٦٨ - ٢٧٢.","vol":"1","page":218},{"text":"والنفاق نوعان: أكبر يُخرج من الملّة، وأصغر لا يُخرج من الملّة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>ثانيًا: مفهوم الزنديق:</span>\nالزنديق: الزنديق بالكسر من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة، وبالرّبوبية، أو من يُبطن الكفر ويُظهر الإيمان (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الزنديق في عُرْف الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي - ﷺ -، وهو أن يُظهر الإسلام، ويُبطن غيره، سواء أبطن دينًا من الأديان، كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطِّلًا جاحدًا للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة.\nومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطِّل، وهذا يُسمَّى في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس، ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأوّل؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر، وغير الكافر، والمرتدّ وغير المرتدّ، ومن أظهر ذلك أو أسرَّه.\nوهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفّار، والمرتدّين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة؛ فإن الله أخبر بزيادة الكفر، كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (٣)، وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض\n_________\n(١) انظر: قضية التكفير، للمؤلف، ص٦٨، ١٣٢ - ١٣٤.\n(٢) القاموس المحيط، فصل الزاي، باب القاف، ص١١٥١.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٣٧.","vol":"1","page":219},{"text":"الكفّار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (١).\nفهذا أصل ينبغي معرفته؛ فإنه مهمٌّ في هذا الباب؛ فإن كثيرًا ممن تكلّم في «مسائل الإيمان والكفر» لتكفير أهل الأهواء لم يلحظوا هذا الباب، ولم يُميِّزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ومن تدبَّر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون: مؤمنًا مخطئًا، جاهلًا ضالًا عن بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -.\nوقد يكون منافقًا زنديقًا يظهر خلاف ما يبطن» (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-569> المسلك الثاني: أنواع النفاق</span>\nالنفاق: نفاقان: نفاق دون نفاق، أو نفاق مُخْرِجٌ من الملّة، ونفاق لا يُخرج من الملّة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>أولًا: النفاق الأكبر:</span>\nوهو أن يُظهر الإنسان الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ويُبطن ما يُناقض ذلك كلّه أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله - ﷺ -، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار (٤).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٨٨.\n(٢) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٧/ ٤٧١.\n(٣) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ١/ ٣٤٧ - ٣٥٩.\n(٤) جامع العلوم والحكم للإمام ابن رجب رحمه الله تعالى، ٢/ ٤٨٠، وانظر: صفات المنافقين لابن القيم، ص٤.","vol":"1","page":220},{"text":"وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعض صور النفاق الأكبر فقال: «فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أُبيٍّ وغيره، بأن يُظهر:<span data-type=\"title\" id=toc-571> تكذيب الرسول - ﷺ </span>-، أو جحود بعض ما جاء به، أو بُغضه، أو عدم اعتقاد وجوب طاعته، أو المسرّة بانخفاض دينه، أو المساءَة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا لله ورسوله، وهذا القدر كان موجودًا في زمن رسول الله - ﷺ -، ومازال بعده، بل هو بعده أكثر منه على عهده - ﷺ - ...» (١).\nوقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «... فأما النفاق الاعتقاديّ فهو ستة أنواع: تكذيب الرسول - ﷺ -، أو<span data-type=\"title\" id=toc-572> تكذيب بعض ما جاء به الرسول - ﷺ </span>-، أو<span data-type=\"title\" id=toc-573> بغض الرسول - ﷺ </span>-، أو بغض ما جاء به الرسول - ﷺ -، أو المسرّة بانخفاض دين الرسول - ﷺ -، أو الكراهية بانتصار دين الرسول - ﷺ -، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدّرك الأسفل من النار» (٢).\nفيتحصل مما ذكره هذان الإمامان أنواعٌ أو صفاتٌ للنفاق الأكبر، وهي على النحو الآتي:\nتكذيب الرسول - ﷺ -.\nتكذيب بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -.\nبغض الرسول - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>بغض بعض ما جاء به الرسول - ﷺ </span>-.\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ٢٨/ ٤٣٤.\n(٢) مجموعة التوحيد لشيخي الإسلام أحمد بن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، ص٧.","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-575>المسرَّة بانخفاض دين الرسول - ﷺ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>الكراهية لانتصار دين الرسول - ﷺ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>عدم اعتقاد وجوب تصديقه - ﷺ - فيما أخبر به</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>عدم اعتقاد وجوب طاعته - ﷺ - فيما أمر به</span>.\nوغير ذلك مما دلّ القرآن الكريم أو السنة المطهَّرة على أنه من النفاق الأكبر المخرج من ملّة الإسلام (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>ثانيًا: النفاق الأصغر:</span>\nوهو النفاق العملي: وهو أن يظهر الإنسان علانيةً صالحةً، ويُبطن ما يُخالف ذلك وأصول هذا النفاق ترجع إلى حديث عبد الله بن عمر، وعائشة - ﵃ -، وهي خمسة أنواع:\nأن يحدّث بحديث لمن يصُدّقه به، وهو كاذبٌ له.\nإذا وعد أخلف، وهو على نوعين:\nالنوع الأول: أن يعِدَ ومن نيّته أن لا يفي بوعده، وهذا أَشرُّ الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيّته أن لا يفعل كان كذبًا وخُلْفًا. قاله: الأوزاعي.\nالنوع الثاني: أن يعِدَ ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له، فيخلف من غير عذر له في الخلف.\nإذا خاصم فجر، ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدًا حتى\n_________\n(١) انظر: نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف، للدكتور محمد بن عبد الله الوهيبي،٢/ ١٦٠.","vol":"1","page":222},{"text":"يصير الحق باطلًا، والباطل حقًا، وهذا مما يدعو إلى الكذب.\nإذا عاهد غدر ولم يفِ بالعهد، والغدر حرام في كل عهدٍ بين المسلمين وغيرهم، ولو كان المعاهَد كافرًا.\nالخيانة في الأمانة، فإذا اؤتمن المسلم أمانة، فالواجب عليه أن يؤدّيها.\nوحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كُلّه يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية، واختلاف القلب واللسان، واختلاف الدخول والخروج؛ ولهذا قالت طائفة من السلف: خشوع النفاق: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع (١).\nوهذا النفاق لا يُخرج من الملّة، فهو «نفاق دون نفاق»؛ لحديث عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» (٢)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>ثالثًا: الفروق بين النفاق الأكبر والنفاق الأصغر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>النفاق الأكبر يُخرج من الملّة</span>، والأصغر لا يُخرج من الملّة (٤).\n_________\n(١) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، ٢/ ٤٨٠ - ٤٩٥، فقد أعطى الموضوع حقه، وذكر فوائد جمة فلتراجع. وانظر: مجموعة التوحيد، ص٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، ١/ ١٧، برقم ٣٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، ١/ ٧٨، برقم ٥٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، ١/ ١٦، برقم ٣٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، ١/ ٧٨، برقم ٥٩.\n(٤) انظر؛ كتاب التوحيد، للدكتور، صالح الفوزان، ص١٨.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>النفاق الأكبر يُحبط جميع الأعمال</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>النفاق الأكبر اختلاف السرّ والعلانية في الاعتقاد</span>، والأصغر اختلاف السرّ والعلانية في الأعمال دون الاعتقاد (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>النفاق الأكبر يُخلّد صاحبه في النار </span>إذا مات عليه، والأصغر لا يُخلده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>النفاق الأكبر لا يصدر من مؤمن</span>، أما النفاق الأصغر فقد يصدر من المؤمن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>النفاق الأكبر في الغالب لا يتوب صاحبه </span>(٢)، وإذا تاب فقد اختلف في توبته في الظاهر عند الحاكم؛ لكون ذلك لا يُعلَم، إذْ هم دائمًا يُظهرون الإسلام (٣).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-587> المسلك الثالث: صفات المنافقين</span>\nالمنافقون لهم صفات كثيرة، بيّنها الله - ﷿ - في كتابه الكريم، وبيّنها النبي - ﷺ -،<span data-type=\"title\" id=toc-588> ولا شك أن ذكر الله - ﷿ - لصفات المنافقين فيه فوائد عظيمة، منها:</span>\nنعمة الله - ﷿ - على المؤمنين بإخبارهم عن أحوال المنافقين وصفاتهم حتى يبتعدوا عنها.\nتهديد المؤمنين من سلوك مسالك المنافقين والتحذير من الاتصاف بصفاتهم.\nحض المؤمنين على الصدق مع الله، وتصفية سرائرهم، وإسلام وجوههم لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>وصفات المنافقين كثيرة، منها </span>على سبيل المثال ما يأتي:\n_________\n(١) انظر: كتاب التوحيد، للفوزان، ص١٨.\n(٢) انظر: كتاب التوحيد، للفوزان، ص١٨.\n(٣) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣٣٤.","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>أولًا: قال الله - ﷿ -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * </span><span data-type=\"title\" id=toc-592>يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا </span>وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)، فظهر في هذه الآيات أن من صفات المنافقين هذه الخصال القبيحة الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>يقولون آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ</span>.\nيُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ </span>قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ </span>قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا </span>وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى كبرائهم ورؤسائهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>يشترون الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى </span>فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>ثانيًا: قال الله - ﷿ -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله </span>عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٢)، فظهر من صفات المنافقين في هذه الآيات ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>حُسن القول المُعجب الذي يكون له وقع في القلوب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>توسيط الله بجعله شاهدًا على هذا القول</span>، وموثقًا له، وهذا من\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيات: ٨ - ٢٠.\n(٢) سورة البقرة، الآيات: ٢٠٤ - ٢٠٦.","vol":"1","page":225},{"text":"أعظم الجناية على الله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>المهارة في الجدل، وقوة الإقناع</span>؛ لقمع كل معارضة تقف أمامه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>إذا اختفى عن الناس وذهب عنهم وانصرف</span>، اجتهد في عمل المعاصي التي هي فساد في الأرض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>إذا أُمر بتقوى الله تكبّر، وأخذته العزّة بالإثم</span>، فجمع بين العمل بالجرائم والتكبر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>ثالثًا: قال الله - ﷿ -: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * </span>الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لله جَمِيعًا﴾ (١)، فمن صفات المنافقين في هاتين الآيتين ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>أنهم يوالون الكفار، ويحبّونهم وينصرونهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>يعتزّون بالكفّار، ويستنصرون بهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>رابعًا: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ<span data-type=\"title\" id=toc-608> يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ </span></span>وَ<span data-type=\"title\" id=toc-609>إِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى </span>يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَ<span data-type=\"title\" id=toc-611>لاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلًا * </span>مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (٢)، فظهر في هاتين الآيتين أن من صفات المنافقين ما يأتي:\nيخادعون الله، وهو خادعهم.\nإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>يراؤن الناس بأعمالهم</span>.\n_________\n(١) سورة النساء، الآيتان: ١٣٨ - ١٣٩.\n(٢) سورة النساء، الآيتان: ١٤٢ - ١٤٣.","vol":"1","page":226},{"text":"لا يذكرون الله إلا قليلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>متردِّدون بين فريقٍ من المؤمنين وفريقٍ من الكافرين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>خامسًا: قال الله تعالى في شأن المنافقين: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ </span>إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ<span data-type=\"title\" id=toc-615> كَفَرُواْ بِالله وَبِرَسُولِهِ </span>وَ<span data-type=\"title\" id=toc-616>لاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى </span>وَ<span data-type=\"title\" id=toc-617>لاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ </span>(١)، فظهر في هاتين الآيتين صفات قبيحة من صفات المنافقين، هي على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>وصفهم الله بالفسق </span>فقال: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\nكفروا بالله وبرسوله.\nلا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى.\nلا ينفقون إلا وهم كارهون.\nوفي هذه الصفات غاية الذمّ للمنافقين ولمن فعل فعلهم، فينبغي لكل أحد أن يبتعد عن الفسق، ويُؤمن بالله ورسوله - ﷺ -، ويأتي الصلاة وهو نشيط البدن والقلب، ويُنفق وهو مُنشرح الصدر، ثابت القلب، يرجو ذخرها وثوابها من الله وحده، ولا يتشبّه بالمنافقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>سادسًا: قال الله - ﷿ -: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم </span>قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُون * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ\n_________\n(١) سورة التوبة، الآيتان: ٥٣ - ٥٤.","vol":"1","page":227},{"text":"طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ (١)، فالمنافقون يستهزئون بالله ورسوله، والمؤمنين، وقد فضحهم الله - ﷿ - وبيّن صفاتهم للمؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>سابعًا: قال الله - ﷿ -: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ </span>وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ<span data-type=\"title\" id=toc-624> إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * </span>وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (٢)، فظهر في هاتين الآيتين بعض صفات المنافقين الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>المنافقون بعضهم من بعض: يتولّى بعضهم بعضًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>يقبضون أيديهم عن الصدقة وطرق الإحسان</span>، فهم من أبخل الناس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>نسوا الله فلا يذكرونه إلا قليلًا، فنسيهم </span>من رحمته، فلا يوفّقهم لخير.\nإن المنافقين هم الفاسقون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>ثامنًا: قال الله - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ </span>وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَالله لاَ\n_________\n(١) سورة التوبة، الآيات: ٦٤ - ٦٦.\n(٢) سورة التوبة، الآيتان: ٦٧ - ٦٨.","vol":"1","page":228},{"text":"يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١)، فالمنافقون ظهر لهم صفات في هاتين الآيتين، منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>يلمزون المطوّعين في الصدقات: </span>يلمزون المكثر في الصدقة فيقولون: قصد بنفقته الرياء، والسّمعة، ويلمزون المقلّ الفقير فيقولون: إن الله غنيٌّ عن صدقة هذا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>السخرية بالمؤمنين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>كفروا بالله ورسوله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>تاسعًا: قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ </span>هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون﴾ (٢)، فالمنافقون إذا أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض جازمين على ترك العمل بها، وينتظرون الفرصة في الاختفاء عن أعين المؤمنين، ثم انصرفوا مُتسلّلين، وانقلبوا مُعرضين، فجازاهم الله بعقوبةٍ من جنس عملهم، فكما انصرفوا عن العمل صرف الله قلوبهم، وصدّها عن الحق، وخذلها بأنهم قوم لا يفقهون فقهًا ينفعهم؛ فإنهم لو فقهوا، لكانوا إذا أُنزلت سورة آمنوا بها، وانقادوا لأمرها (٣)، كما قال - ﷿ -: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٤).\n_________\n(١) سورة التوبة، الآيتان: ٧٩ - ٨٠.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٧.\n(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣١٣.\n(٤) سورة محمد، الآية: ١٦.","vol":"1","page":229},{"text":"وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>عاشرًا: قال النبي - ﷺ -: «تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس </span>حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا» (٢)، فظهر في هذا الحديث صفتان من صفات المنافقين، هما:\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>تأخير الصلاة عن وقتها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>ينقر الصلاة، ولا يذكر الله فيها إلا قليلًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>الحادي عشر: قال الرسول - ﷺ -: «إنَّ أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء </span>وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوها ولو حبوًا ...» (٣).\nفظهر أن<span data-type=\"title\" id=toc-634> صفات المنافقين إجمالًا </span>على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>يدَّعون الإيمان، وهم كاذبون</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>يخادعون الله والذين آمنوا، وما يخدعون إلا أنفسهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>يدَّعون الإصلاح، وهم المفسدون</span>.\n_________\n(١) سورة الجاثية، الآية: ٢٣.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالعصر، ١/ ٤٣٤، برقم ٦٢٢.\n(٣) متفق عليه، من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة العشاء في جماعة، ١/ ١٨١، برقم ٦٥٨، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، ١/ ٤٥١، برقم ٦٥١.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>يرمون المؤمنين بالسَّفَه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>يستهزئون بالمؤمنين، ويسخرون منهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>يشترون الضلالة بالهدى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>قولهم حسن، وهم ألدُّ الخصام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>يُشهدون الله على ما في قلوبهم، وهم كاذبون</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>ماهرون في الجدل بالباطل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>إذا اختفوا عن الناس اجتهدوا في الباطل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>إذا قيل لهم اتّقوا الله أخذتهم العزة بالإثم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>يوالون الكفار، وينصرونهم، ويخدمونهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>يعتزّون بالكفار، ويستنصرون بهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>يراؤن الناس بأعمالهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>لا يذكرون الله إلا قليلًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>متردِّدون بين الكفار والمؤمنين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>يكفرون بالله ورسوله - ﷺ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>المنافقون هم الفاسقون</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>لا ينفقون إلا وهم كارهون</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>المنافقون يتولّى بعضهم بعضًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>يقبضون أيديهم فلا ينفقون في طرق الخير</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>نسوا الله فنسيهم</span>.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-660>يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>يؤخّرون الصلاة عن وقتها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>ينقرون الصلاة، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>أثقل الصلوات عليهم العشاء والفجر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>يتأخّرون عن صلاة الجماعة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>قلوبهم قاسية، وعقولهم قاصرة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>لم يرضوا بالإسلام دينًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>يأخذون من الدين ما وافق رغباتهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>يقولون ما لا يفعلون</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>يُظهرون الشجاعة في السلم، وجبناء في الحرب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>لا يتحاكمون إلى الله ورسوله - ﷺ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>يجدون الحرج والضيق في أنفسهم من حكم الله ورسوله - ﷺ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>يُخذِّلون المؤمنين عن الجهاد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>ييأسون من رحمة الله، وينقطع أملهم في نصره</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>يقصدون بجهادهم الدنيا، وإذا يئسوا من ذلك تثاقلوا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>يفجرون في المخاصمة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>يحاربون الإسلام وأهله عن طريق الخفية والتسمِّي به</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>لا يهمّهم إلا مصالحهم الذاتية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>يطعنون في العلماء المخلصين بالكذب وتغيير الحقائق</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>يُثيرون الشبهات حول الإسلام، ليصدّوا الناس عن الدخول فيه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>يُبغضون أنصار الدين</span>.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>يكذبون في الحديث</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>يخونون الله ورسوله والمؤمنين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>يُخلفون الوعد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>لكل واحد منهم وجهان: وجه للمؤمنين، ووجه لأعداء الدين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>لا يعقلون ما ينفعهم، ولا يسمعون ما يُفيدهم</span>، ولا ينظرون إلى آيات الله التي تدلّ على قدرته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>تسبق يمين أحدهم كلامه </span>لعلمه أن قلوب المؤمنين لا تطمئن إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>قلوبهم عن الخير لاهية، وأجسادهم إليه ساعية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>أخبث الناس قلوبًا، وأحسنهم أجسامًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>يُسِرُّون سرائر النفاق، فأظهرها الله على وجوههم وألسنتهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>ينقضون العهد من أجل الدنيا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>يسخرون بالقرآن الكريم</span>.\nفهذه صفات المنافقين، فاحذرها أيها المسلم قبل أن تنزل بك القاضية.\nوهذه الصفات من باب الأمثلة (١)، وصفات المنافقين كثيرة في كتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله ﵊، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-692> المسلك الرابع: آثار النفاق وأضراره:</span>\nالنفاق له آثار خطيرة، وأضرار مُهلكة، منها ما يأتي:\n_________\n(١) وانظر: صفات المنافقين لابن القيم، ص٤، والمنافقون في القرآن الكريم للدكتور عبد العزيز الحميدي، ص٤٤١.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>النفاق الأكبر يسبّب الخوف والرّعب </span>في القلوب، قال الله - ﷿ -:\n﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>النفاق الأكبر يُوجب لعنة الله تعالى</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ (٢).\nوقال سبحانه: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>النفاق الأكبر يُخرج صاحبه من الإسلام</span>؛ لأنه إسرار الكفر، وإظهار الخير، بل هو أشدُّ من الكفر الظاهر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>النفاق الأكبر لا يغفره الله إذا مات عليه صاحبه</span>؛ لأنه أشدُّ من الكفر الظاهر الذي قال الله تعالى في أصحابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرًا﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٦٤.\n(٢) سورة التوبة: الآية: ٦٨.\n(٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٦٠ - ٦١.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٤٥.\n(٥) سورة النساء، الآيتان: ١٦٨ - ١٦٩.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-697>النفاق الأكبر يوجب لصاحبه النار</span>، ويُحرِّم عليه الجنة، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>النفاق الأكبر يُخلِّد صاحبه في النار</span>، فلا يخرج منها أبدًا؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>النفاق الأكبر يُسبّب نسيان الله لصاحبه</span>، قال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>النفاق الأكبر يُحبط جميع الأعمال</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>النفاق الأكبر يُطفئ الله نور أصحابه يوم القيامة</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٤٠.\n(٢) سورة التوبة، جزء من الآية: ٦٨.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٦٧.\n(٤) سورة التوبة، الآيتان: ٥٣ - ٥٤.\n(٥) سورة الحديد، الآية: ١٣.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>النفاق الأكبر يَحرِمُ العبد دعاء المؤمنين والصلاة عليه عند موته</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>النفاق الأكبر يُسبّب عذاب الدنيا والآخرة</span>، قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>النفاق الأكبر إذا أظهره صاحبه وأعلنه كان مرتدًّا </span>عن الإسلام، فيكون حلال الدم والمال، وتُطبّق عليه أحكام المرتدّ، إلا أن قبول توبته عند الحاكم فيها خلاف في الظاهر؛ لأن المنافقين يُظهرون الإسلام دائمًا (٣).\nأما إذا أخفى المنافق نفاقه وكفره؛ فإنه معصوم الدم والمال بما أظهر من الإيمان، والله يتولى السّرائر (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>النفاق الأكبر إذا أظهر صاحبه كفره يُوجب العداوة بين صاحبه والمؤمنين</span>، فلا يُوالونه ولو كان أقرب قريب، وأما إذا لم يُظهر كفره فيُعامل بالظاهر، والله يتولَّى السّرائر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>النفاق الأصغر، وهو النفاق العملي، ينقص الإيمان </span>ويضعفه، ويكون صاحبه على خطر من عذاب الله تعالى.\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٨٤.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٥٥.\n(٣) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣٣٤.\n(٤) انظر: المنافقون في القرآن، للدكتور عبد العزيز الحميدي، ص٤٥٠.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>النفاق الأصغر صاحبه على خطر</span>؛ لئلا يجرّه إلى النفاق الأكبر.\nونعوذ بالله من غضبه، ومن جميع أنواع النفاق صغيره وكبيره، ونسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.\nوصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>المبحث السادس: نور السنة وظلمات البدعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>المطلب الأول: نور السنة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-710> المسلك الأول: مفهومها:</span>\nالسنة لها أهل، ولهم عقيدة، واجتماع على الحق، فمن المناسب أن أذكر التعريف لهذه الكلمات الثلاث: «عقيدة أهل السنة والجماعة».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>أولًا: مفهوم العقيدة لغةً واصطلاحًا:</span>\nالعقيدة لغةً: كلمة «عقيدة» مأخوذة من العقد والربط، والشدّ بقوة، ومنه الإحكام والإبرام، والتماسك والمراصّة، يقال: عقد الحبل يعقده: شدّه، ويقال: عقد العهدَ والبيع: شدّه، وعقد الإزارَ: شدّه بإحكام، والعقد: ضدّ الحل (١).\nمفهوم العقيدة اصطلاحًا: العقيدة تطلق على الإيمان الجازم، والحكم القاطع الذي لا يتطرّق إليه شكٌّ، وهي ما يُؤمن به الإنسانُ، ويعقد عليه قلبه وضميره، ويتخذه مذهبًا ودينًا يدين به؛ فإن كان هذا الإيمان الجازم، والحكم القاطع صحيحًا كانت العقيدة صحيحةً كاعتقاد أهل السنة والجماعة، وإن كان باطلًا كانت العقيدة باطلةً كاعتقاد فرق الضلالة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>ثانيًا: مفهوم أهل السنة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>السنة في اللغة: الطريقة والسيرة، حسنة كانت أم قبيحة </span>(٣).\n_________\n(١) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الدال، فصل العين،٣/ ٢٩٦،والقاموس المحيط للفيروز آبادي، باب الدال، فصل العين، ص٣٨٣،ومعجم المقاييس في اللغة لابن فارس، كتاب العين، ص ٦٧٩.\n(٢) انظر: مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة، للشيخ الدكتور ناصر العقل ص ٩ - ١٠.\n(٣) لسان العرب، لابن منظور، باب النون، فصل السين، ١٣/ ٢٢٥.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>والسنة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: </span>الهدي الذي كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه: علمًا واعتقادًا، وقولًا، وعملًا، وهي السنة التي يجب اتباعها ويُحمد أهلُها، ويُذمُّ من خَالَفها؛ ولهذا قيل: فلان من أهل السنة: أي من أهل الطريقة الصحيحة المستقيمة المحمودة (١).\nقال الحافظ ابن رجب ﵀: «والسنة هي الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه - ﷺ - هو وخلفاؤه الراشدون: من الاعتقادات، والأعمال، والأقوال، وهذه هي السُّنة الكاملة» (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه؛ بأنه طاعة لله ورسوله، سواء فعله رسول الله - ﷺ -، أو فُعِل في زمانه، أو لم يفعله ولم يفعل على زمانه، لعدم المقتضى حينئذٍ لفعله، أو وجود المانع منه» (٣)، وبهذا المعنى تكون السنة: «اتّباع آثار رسول الله - ﷺ -، باطنًا وظاهرًا، واتّباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>ثالثًا: مفهوم الجماعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>الجماعة في اللغة: </span>مأخوذة من مادة جمع، وهي تدور حول الجمع والإجماع والاجتماع، وهو ضدّ التفرق، قال ابن فارس ﵀: «الجيم والميم والعين أصل واحد يدل على تضامّ الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعًا» (٥).\n_________\n(١) انظر: مباحث في عقيدة أهل السنة، للدكتور ناصر العقل، ص١٣.\n(٢) جامع العلوم والحكم، ١/ ١٢٠.\n(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢١/ ٣١٧.\n(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٣/ ١٥٧.\n(٥) معجم المقاييس في اللغة، لابن فارس، كتاب الجيم، باب ما جاء من كلام العرب في المضاعف والمطابق أوله جيم، ص ٢٢٤.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>والجماعة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: </span>هم سلف الأمة: من الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين اجتمعوا على الحق الصريح من الكتاب والسنة (١).\nوقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك»، قال نُعيم بن حمّاد: «يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة، قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذٍ» (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-718> المسلك الثاني: أسماء أهل السُّنَّةِ وصِفَاتِهم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>١ - أهل السنة والجماعة: </span>هم من كان على مثل ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه، وهم المتمسكون بسنة النبي - ﷺ - وهم الصحابة، والتابعون، وأئمة الهدى المُتَّبِعون لَهُم، وهم الذين استقاموا على الاتِّباع وابتعدوا عن الابتداع في أي مكان وفي أي زمان، وهم باقون منصورون إلى يوم القيامة (٣)، وسُمُّوا بذلك لانتسابهم لسنة النبي - ﷺ -، واجتماعهم على الأخذ بها: ظاهرًا وباطنًا، في القول، والعمل، والاعتقاد (٤). فعن عوف بن مالك\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز، ص٦٨، وشرح العقيدة الواسطية لابن تيمية، تأليف العلامة محمد خليل هراس، ص٦١.\n(٢) ذكره الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان، ١/ ٧٠، وعزاه إلى البيهقي.\n(٣) انظر: مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة، للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، ص ١٣ - ١٤.\n(٤) انظر: فتح رب البرية بتخليص الحموية، للعلامة محمد بن عثيمين ﵀، ص ١٠، وشرح العقيدة الواسطية، للعلامة صالح بن فوزان الفوزان، ص ١٠.","vol":"1","page":240},{"text":"- ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ -: «افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقةً، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعين فرقة في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفسُ محمدٍ بيده لَتَفْتَرِقَنَّ أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، واحدةٌ في الجنة، واثنتان وسبعون في النار»، قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: «الجماعة» (١)، وفي رواية الترمذي عن عبد الله بن عمرو: قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>٢ - الفرقة الناجية: </span>أي الناجية من النار؛ لأن النبي - ﷺ - استثناها عندما ذكر الفرق، وقال: «كلها في النار إلا واحدة» أي ليست في النار (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>٣ - الطائفة المنصورة: </span>فعن معاوية - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تزال طائفةٌ من أمتي قائمةٌ بأمر الله لا يضرُّهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (٤)، وعن المغيرة بن شعبة - ﵁ - نحوه (٥)، وعن ثوبان - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ -: «لا تزال\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه بلفظه، في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، ٢/ ٣٢١، برقم ٣٩٩٢، وأبو داود، كتاب السنة، باب شرح السنة، ٤/ ١٩٧، برقم ٤٥٩٦، وابن أبي عاصم، في كتاب السنة، ١/ ٣٢، برقم ٦٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٦٤.\n(٢) سنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، ٥/ ٢٦، برقم ٢٦٤١.\n(٣) انظر: من أصول أهل السنة والجماعة، للعلامة صالح بن فوزان الفوزان، ص ١١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب المناقب، بابٌ: حدثنا محمد بن المثنى، ٤/ ٢٢٥، برقم ٣٦٤١، ومسلم بلفظه، في كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم» ٢/ ١٥٢٤، برقم ١٠٣٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب المناقب، بابٌ: حدثنا محمد بن المثنى، ٤/ ٢٢٥، برقم ٣٦٤٠، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم» ٢/ ١٥٢٣، برقم ١٩٢١.","vol":"1","page":241},{"text":"طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١)، وعن جابر بن عبد الله ﵄ نحوه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>٤ - المعتصمون المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله </span>- ﷺ -، وما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؛ ولهذا قال فيهم النبي - ﷺ -: «ما أنا عليه وأصحابي» (٣)، أي هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>٥ - هم القدوة الصالحة الذين يهدون إلى الحق وبه يعملون</span>، قال أيوب السختياني ﵀: «إن من سعادة الحدَث (٤)، والأعجمي أن يوفقهما الله لعالِمٍ من أهل السنة» (٥)، وقال الفضيل بن عياض ﵀: «إن لله عبادًا يُحيي بِهمُ البلادَ، وهم أصحاب السنة، ومن كان يعقل ما يَدخُلُ جَوفَهُ من حلّه كان من حزب الله» (٦).\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الإمارة باب قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم» ٢/ ١٥٢٣، برقم ١٩٢٠.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الإمارة باب قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم»، ٢/ ١٥٢٣، برقم ١٩٢٣.\n(٣) سنن الترمذي، برقم ٢٦٤١، وتقدم تخريجه.\n(٤) الحَدَث: الشاب. النهاية في غريب الحديث والأثر، باب الحاء مع الدال، مادة: «حدث»،١/ ٣٥١.\n(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لللالكائي، ١/ ٦٦، برقم ٣٠.\n(٦) المرجع السابق، ١/ ٧٢، برقم ٥١.","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>٦ - أهل السنة خيار الناس ينهون عن البدع وأهلها</span>، قيل لأبي بكر بن عياش مَنِ السُّنّي؟ قال: «الذي إذا ذُكِرَتِ الأهواء لم يتعصبْ إلى شيءٍ منها» (١). وذكر ابن تيمية ﵀: أن أهل السنة هم خيار الأمة، ووسطها الذين على الصراط المستقيم: طريق الحق والاعتدال (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>٧ - أهل السنة هم الغرباء إذا فسد الناس: </span>فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء» (٣)، وفي رواية عند الإمام أحمد ﵀ عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قيل: ومن الغرباء؟ قال: «النُّزَّاع (٤) من القبائل» (٥)، وفي رواية عند الإمام أحمد ﵀ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: «أناس صالحون في أناس سوءٍ كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» (٦)، وفي رواية من طريق آخر: «الذين يصلحون إذا فسد الناس» (٧)، فأهل السنة الغرباء بين جموع أصحاب البدع والأهواء والفرق.\n_________\n(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لللالكائي، ١/ ٧٢، برقم ٥٣.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، ١/ ١٣٠، برقم ١٤٥.\n(٤) هو الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته: أي بَعُدَ وغاب، والمعنى طوبى للمهاجرين الذين هجروا أوطانهم في الله تعالى. النهاية لابن الأثير، ٥/ ٤١.\n(٥) المسند، ١/ ٣٩٨.\n(٦) المسند، ٢/ ١٧٧، و٢٢٢.\n(٧) مسند الإمام أحمد، ٤/ ١٧٣.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-726>٨ - أهل السنة هم الذين يحملون العلم:</span>\nأهل السنة هم الذين يحملون العلم، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ ولهذا قال ابن سيرين ﵀: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فَيُنْظَرُ إلى أهل السنة فيُؤخَذ حديثُهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يُؤخَذ حديثهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>٩ - أهل السنة هم الذين يحزنُ الناسُ لفراقهم:</span>\nقال أيوب السختياني ﵀: «إني أُخْبَرُ بموت الرجل من أهل السنة فكأنما أفقد بعض أعضائي» (٢)، وقال: «إن الذين يتمنون موتَ أهل السُّنَّةِ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتِمّ نوره ولو كره الكافرون» (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-728> المسلك الثالث: السنة نعمةٌ مطلقة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>النعمة نعمتان: نعمة مطلقة، ونعمة مقيدة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>أولًا: النعمة المطلقة: </span>هي المتصلة بسعادة الأبد، وهي: نعمة الإسلام، والسنة؛ فإن سعادة الدنيا والآخرة، مبنية على أركان ثلاثة: الإسلام، والسنة، والعافية في الدنيا والآخرة. ونعمة الإسلام والسنة هي النعمة التي أمرنا الله - ﷿ - أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط أهلها، ومن خصهم بها، وجعلهم أهل الرفيق الأعلى حيث يقول تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٤).\n_________\n(١) مسلم، في المقدمة، باب الإسناد من الدين، ١/ ١٥.\n(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لللالكائي، ١/ ٦٦، برقم ٢٩.\n(٣) المرجع السابق، ١/ ٦٨، برقم ٣٥.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٦٩.","vol":"1","page":244},{"text":"فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة، وأصحابها المعنيون بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١)، فكان الكمال في جانب الدين، والتمام في جانب النعمة، قال عمر بن عبد العزيز ﵀: «إن للإيمان حدودًا، وفرائض، وسننًا، وشرائع، فمن استكملها فقد استكمل الإيمان» (٢).\nودين الله هو شرعه المتضمِّن لأمره ونهيه، ومحابّه، والمقصود أن النعمة المطلقة هي التي اختُصَّت بالمؤمنين، وهي نعمة الإسلام والسنة، وهذه النعمة هي التي يُفرح بها في الحقيقة، والفرح بها مما يحبه الله ويرضاه، قال - ﷾ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣)، وقد دارت أقوال السلف على أن فضل الله ورحمته: «الإسلام والسنة، وعلى حسب حياة القلب يكون فرحه بهما، وكلما كان أرسخ فيهما كان قلبه أشدَّ فرحًا، حتى أن القلب ليرقص فرحًا إذا باشر روح السنة أحزن ما يكون الناس وهو ممتلىء أمنًا أخوف ما يكون الناس» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>ثانيًا: النعمة المقيدة: </span>كنعمة الصحة، والغنى، وعافية الجسد، وبسط الجاه، وكثرة الولد، والزوجة الحسنة، وأمثال هذا، فهذه النعمة مشتركة بين البر والفاجر، والمؤمن والكافر؛ وإذا قيل: لله على الكافر نعمة بهذا\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٣.\n(٢) البخاري معلقًا، في كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس»، ١/ ٩.\n(٣) سورة يونس، الآية: ٥٨.\n(٤) مقتبس من كلام الإمام ابن القيم في كتابه: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٣٣ - ٣٦، و٣٨.","vol":"1","page":245},{"text":"الاعتبار فهو حق، والنعمة المقيدة تكون استدراجًا للكافر والفاجر، ومآلها إلى العذاب والشقاء لمن لم يُرزق النعمة المطلقة (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-732> المسلك الرابع: منزلة<span data-type=\"title\" id=toc-733> السنة:</span></span>\nالسنة: حصن الله الحصين الذي من دخله كان من الآمنين، وبابه الأعظم الذي من دخله كان إليه من الواصلين، وهي تقوم بأهلها وإن قعدت بهم أعمالهم، ويسعى نورها بين أيديهم إذا طفئت لأهل البدع والنفاق أنوارهم، وأهل السنة هم المبيَّضة وجوههم إذا اسودَّت وجوه أهل البدعة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٢)، قال ابن عباس ﵄: «تبيَضُّ وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والتفرُّق» (٣).\nوالسنة هي الحياة والنور اللذان بهما سعادة العبد وهداه وفوزه، قال الله جل وعلا: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، والله الموفق (٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-734> المسلك الخامس: منزلة صاحب السنة وصاحب البدعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>أولًا: منزلة صاحب السنة:</span>\n_________\n(١) مقتبس من كلام الإمام ابن القيم في كتابه: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ٢/ ٣٦.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.\n(٣) ذكره ابن القيم، في اجتماع الجيوش، ٢/ ٣٩، وابن كثير في تفسيره، ١/ ٣٦٩، وانظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير، ٧/ ٩٣.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.\n(٥) اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، ٢/ ٣٨.","vol":"1","page":246},{"text":"صاحب السنة حيُّ القلب، مستنير القلب، وقد ذكر الله - ﷿ - الحياة والنور في كتابه في غير موضع، وجعلهما صفة أهل الإيمان؛ فإن القلب الحي المستنير: هو الذي عقل عن الله، وأذعن، وفهم عنه، وانقاد لتوحيده، ومتابعة ما بعث به رسول الله - ﷺ -.\nوقد كان النبي - ﷺ - يسأل الله تعالى أن يجعل له نورًا: في قلبه، وسمعه، وبصره، ولسانه، ومن فوقه، ومن تحته، وعن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه ومن أمامه، وأن يجعل له نورًا، وأن يجعل ذاته نورًا، وفي بشره، ولحمه، وعظمه، ولحمه، ودمه، فطلب - ﷺ - النور لذاته، ولأبعاضه، ولحواسه الظاهرة والباطنة، ولجهاته الست، والمؤمن مدخله نور، ومخرجه نور، وقوله نور، وعمله نور، وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر لصاحبه يوم القيامة، فيسعى بين يديه، و[عن] يمينه، فمن الناس من يكون نوره: كالشمس، وآخر كالنجم، وآخر كالنخلة الطويلة، وآخر كالرجل القائم، وآخر دون ذلك، حتى أن منهم من يُعطى نورًا على رأس إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى، كما كان نور إيمانه ومتابعته في الدنيا كذلك، فهو هذا بعينه يظهر هناك للحسّ، والعيان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>ثانيًا: علامات أهل السنة </span>كثيرة، يدركها العقلاء من البشر، ومن أهمّ تلك العلامات:\nالاعتصام بالكتاب والسنة، والعضّ على ذلك بالنواجذ.\nالتحاكم إلى الكتاب والسنة في الأصول والفروع.\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، ٢/ ٣٨ - ٤١ بتصرف.","vol":"1","page":247},{"text":"حبهم لأهل السنة والمتمسّكين بها، وبُغضهم لأهل البدع.\nلا يستوحشون من قلّة السالكين؛ لأن الحق ضالة المؤمن، يأخذ به ولو خالفه الناس.\nالصدق في الأقوال والأفعال، بالتطبيق الصحيح لهدي الكتاب والسنة.\nالتأسّي برسول الله - ﷺ - الذي كان خلقه القرآن (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>ثالثًا: منزلة صاحب البدعة:</span>\nصاحب البدعة ميت القلب، مظلمه، وقد جعل الله الموت والظلمة صفة من خرج عن الإيمان، والقلب الميت المظلم الذي لم يعقل عن الله، ولا انقاد لما بُعث به رسول الله - ﷺ -؛ ولهذا وصف الله - ﷾ - هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها؛ ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم في جميع حياتهم، فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة، وإذا قسمت الأنوار يوم القيامة دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات، ومدخلهم في النار مظلم، وهذه الظلمة، التي خلق فيها الخلق أولًا، فمن أراد الله - ﷾ - به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها (٢).\n_________\n(١) انظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث، للإمام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، ص ١٤٧، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار، للدكتور صالح بن سعد السحيمي، ص ٢٦٤.\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ٢/ ٣٩ - ٤٠ بتصرف.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-744>المطلب الثاني: ظلمات البدعة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-745> المسلك الأول: مفهومها:</span>\nالبدعة: لغة: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي - ﷺ - من الأهواء والأعمال (١)، ويقال: «ابتدعتُ الشيء، قولًا أو فعلًا إذا ابتدأته عن غير مثال سابق» (٢)، وأصل مادة «بدع» للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٣)، أي: مخترعهما من غير مثال سابق متقدم (٤).\nوالبدعة في الاصطلاح الشرعي لها عدة تعريفات عند العلماء ويكمِّل بعضها بعضًا، منها:\n١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «البدعة في الدين: هي ما لم يشرعْه الله ورسوله - ﷺ -: وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب، ولا استحباب» (٥).\n«والبدعة نوعان: نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، وهذا الثاني يتضمَّن الأوّل، كما أن الأوّل يدعو إلى الثاني» (٦). «وكان الذي بنى عليه أحمد وغيره مذاهبهم: أن الأعمال\n_________\n(١) القاموس المحيط، باب العين، فصل الدال، ص ٩٠٦، ولسان العرب، ٨/ ٦، وفتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ٤١٤.\n(٢) معجم المقاييس في اللغة لابن فارس، ص ١١٩.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١١٧، وسورة الأنعام، الآية: ١٠١.\n(٤) الاعتصام للشاطبي،١/ ٤٩،وانظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة «بدع»، ص ١١١.\n(٥) فتاوى ابن تيمية، ٤/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٦) المرجع السابق، ٢٢/ ٣٠٦.","vol":"1","page":249},{"text":"عبادات وعادات»، فالأصل في العبادات أنه لا يُشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أنه لا يحظر منها إلا ما حظر الله» (١).\nوقال أيضًا: «والبدعة ما خالف الكتاب والسنة، أو إجماع سلف الأمة: من الاعتقادات، والعبادات: كأقوال الخوارج، والروافض، والقدرية، والجهمية، وكالذين يتعبّدون بالرقص والغناء في المساجد، والذين يتعبّدون بحلق اللحى، وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التي يتعبّد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة، والله أعلم» (٢).\n٢ - قال الشاطبي رحمه الله تعالى: «البدعة: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي (٣) الشرعيَّة، يُقصدُ بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه».\nوهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصُّها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العاديّة في معنى البدعة، فيقول «البدعة: طريقة في الدِّين مخترعةٌ، تضاهي الشّرعيّة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية» (٤).\nثم قرّر رحمه الله تعالى على تعريفه الثاني أن العادات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبّد بها، أو تُوضع وضع التّعبُّد تدخلها البدعة، فحصل بذلك أنه جمع بين التعريفين، ومثل للأمور\n_________\n(١) المرجع السابق، ٤/ ١٩٦.\n(٢) فتاوى ابن تيمية، ١٨/ ٣٤٦، وانظر: ٣٥/ ٤١٤ من المرجع نفسه.\n(٣) تضاهي: يعني أنها تشبه الطريقة الشرعية من غير أن تكون الحقيقة كذلك بل هي مضادة لها. انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٥٣.\n(٤) الاعتصام، ١/ ٥٠ - ٥٦.","vol":"1","page":250},{"text":"العادية التي لابدّ فيها من التعبُّد: بالبيع، والشراء، والنكاح، والطلاق، والإيجارات، والجنايات ... لأنها مقيّدة بأمور وشروط وضوابط شرعية لا خيرة للمكلَّف فيها (١).\n٣ - وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (٢): «والمراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعةً لغةً، فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدِّين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة.\nأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر - ﵁ - لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك قال: «نعمة البدعة هذه» (٣) ... ومراده - ﵁ - أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها.\nفمنها: أن النبي - ﷺ - كان يحث على قيام رمضان، ويرغِّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا، وهو - ﷺ - صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك مُعلِّلًا، بأنه خشي\n_________\n(١) المرجع السابق، ٢/ ٥٦٨، ٥٦٩، ٥٧٠، ٥٩٤.\n(٢) جامع العلوم والحكم، ٢/ ١٢٧ - ١٢٨ بتصرف يسير جدًا.\n(٣) انظر: صحيح البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان،٢/ ٣٠٨،برقم ٢٠١٠.","vol":"1","page":251},{"text":"أن يُكتب عليهم فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمن بعده - ﷺ - (١).\nومنها: «أنه - ﷺ - أمر باتّباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين» (٢).\nوالبدعة بدعتان: بدعة مكفِّرة تُخرج عن الإسلام، وبدعة مُفَسِّقة لا تُخرج عن الإسلام (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-746> المسلك الثاني: شروط قبول العمل:</span>\nلا يقبل أي عمل مما يُتقرّب به إلى الله - ﷿ - إلا بشرطين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>الشرط الأول: </span>إخلاص العمل لله وحده لا شريك له، لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>الشرط الثاني: </span>المتابعة للرسول - ﷺ -؛ لقول النبي - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٥).\nفمن أخلص أعماله لله، متّبعًا في ذلك رسول الله - ﷺ -، فهذا الذي عمله مقبول، ومن فقد الإخلاص، والمتابعة لرسول الله - ﷺ -، أو أحدهما فعمله\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان،٢/ ٣٠٩،برقم ٢٠١٢.\n(٢) جامع العلوم والحكم، ٢/ ١٢٩.\n(٣) انظر: الاعتصام للشاطبي، ٢/ ٥١٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ١/ ٩، برقم ١،ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات»،٢/ ١٥١٥،برقم ١٩٠٧.\n(٥) مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، ٣/ ١٣٤٤، برقم ١٧١٨، ولفظ البخاري، ومسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، البخاري، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، برقم ١٧١٨.","vol":"1","page":252},{"text":"مردود داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (١)، ومن جمع الأمرين فهو داخل في قوله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٢)، وفي قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣)، فحديث عمر - ﵁ -: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال الباطنة، وحديث عائشة ﵂: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ميزان للأعمال الظاهرة، فهما حديثان عظيمان يدخل فيهما الدين كلّه: أصوله، وفروعه، ظاهره وباطنه، أقواله، وأفعاله (٤).\nوقد تكلّم الإمام النووي على حديث عائشة ﵂ كلامًا نفيسًا، قال فيه: «قوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»، وفي الرواية الثانية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ»،قال أهل العربية: الردّ هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتدٍّ به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه - ﷺ -؛ فإنه صريح في ردِّ كل البدع، والمخترعات (٥)،وفي الرواية الثانية زيادة وهي: أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سُبِقَ إليها، فإذا احتُجَّ عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئًا، فيُحتجّ عليه بالثانية التي فيها التصريح بردّ كل\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآية: ٢٣.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١١٢.\n(٤) انظر: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للسعدي، ص ١٠.\n(٥) المخترعات: أي في الدين.","vol":"1","page":253},{"text":"المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو غيره سبق بإحداثها» (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-749> المسلك الثالث: ذم البدعة في الدين:</span>\nجاء في ذمّ البدعة نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وحذّر منها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن ذلك على سبيل الإيجاز ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>أولًا: من القرآن:</span>\n١ - قال الله - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ (٢)، وقد ذكر الشاطبي ﵀ آثارًا تدل على أن هذه الآية في الذين يجادلون في القرآن، وفي الخوارج ومن وافقهم (٣).\n٢ - وقال - ﷿ -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤)، فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط وهم أهل البدع (٥)، فهذه الآية تشمل\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٢٥٧، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٦/ ١٧١.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٧.\n(٣) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٧٠ - ٧٦.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.\n(٥) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٧٦.","vol":"1","page":254},{"text":"النهي عن جميع طرق أهل البدع (١).\n٣ - وقال - ﷾ -: ﴿وَعَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢)، فالسبيل: القصد هو: طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق: أي عادل عنه، وهي طرق البدع والضلالات (٣).\n٤ - وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ (٤)، وهؤلاء هم أصحاب الأهواء، والضلالات، والبدع من هذه الأمة (٥).\n٥ - وقال - ﷿ -: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٦).\n٦ - وقال - ﷾ -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧).\n٧ - وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ (٨).\n_________\n(١) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٧٨.\n(٢) سورة النحل، الآية: ٩.\n(٣) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٧٨.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٩.\n(٥) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ١٧٩.\n(٦) سورة الروم، الآيتان: ٣١ - ٣٢.\n(٧) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(٨) سورة الأنعام، الآية: ٦٥.","vol":"1","page":255},{"text":"٨ - وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ (١)، والله - ﷿ - أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>ثانيًا: من السنة النبوية:</span>\nجاءت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله - ﷺ - في ذم البدع والتحذير منها، ومن ذلك ما يأتي:\n١ - حديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣).\n٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي - ﷺ - كان يقول في خطبته: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٤).\n٣ - وفي رواية النسائي: كان رسول الله - ﷺ - في خطبته: يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: «من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور مُحدَثاتُها، وكل مُحدَثة بدعةٌ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (٥).\n_________\n(١) سورة هود، الآيتان: ١١٨ - ١١٩.\n(٢) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٧٠ - ٩١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، ١/ ٥٩٢، برقم ٨٦٧.\n(٥) أصله في صحيح مسلم في الحديث السابق، وأخرجه النسائي بلفظه، في كتاب صلاة العيدين، باب كيف الخطبة، ٣/ ١٨٨، برقم ١٥٧٨.","vol":"1","page":256},{"text":"٤ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (١).\n٥ - وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ» (٢).\n٦ - وعن العِرْباض بن سارية - ﵁ - قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة وَجِلَتْ منها القلوب، وذَرَفَتْ منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع فأوصنا؟ قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبد، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (٣).\n_________\n(١) مسلم، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، ٤/ ٢٠٦٠، برقم ٢٦٧٤.\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، ٢/ ٧٠٥، برقم ١٠١٧.\n(٣) أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، ٤/ ٢٠١، برقم ٤٧٠٧، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، ٥/ ٤٤ برقم ٢٦٧٦، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، ١/ ١٥ - ١٦، برقم ٤٢، ٤٣، ٤٤، وأحمد، ٤/ ٤٦ - ٤٧.","vol":"1","page":257},{"text":"٧ - وعن حذيفة - ﵁ - قال: كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم»، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دَخَنٌ»، قلت: وما دَخَنُهُ؟ قال: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتُنكر»، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم، دُعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، فقلت:\nيا رسول الله، صِفْهم لنا، قال: «نعم: قومٌ من جِلدتنا، يتكلّمون بألسنتنا»، قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزلْ تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١)، قال الإمام النووي ﵀: قوله: «يهدون بغير هديي» الهدي الهيئة، والسيرة، والطريقة، قوله: «دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها»، قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعون إلى بدعة أو ضلال آخر كالخوارج، والقرامطة، وأصحاب المحنة» (٢).\n٨ - وفي حديث زيد بن أرقم - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «أما بعد، ألا أيها\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، ٨/ ١١٩، برقم ٧٠٨٤، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة، ومفارقة الجماعة، ٣/ ١٤٧٥، برقم ١٨٤٧.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٧٩.","vol":"1","page":258},{"text":"الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، [هو حبل الله المتين من اتّبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به»، فحثَّ على كتاب الله، ورغَّب فيه (١).\n٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «يكون في آخر الزمان دجّالون كذّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يُضلّونكم ولا يفتنونكم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>ثالثًا: من أقوال الصحابة - ﵃ - في البدع:</span>\n١ - ذكر ابن سعد ﵀ بإسناده أن أبا بكر - ﵁ - قال: «أيها الناس إنما أنا متّبع، ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوِّموني» (٣).\n٢ - وقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: «إيّاكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلُّوا وأضلُّوا» (٤).\n٣ - وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم، كل بدعة ضلالة» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، ٤/ ١٨٧٣، برقم ٢٤٠٨.\n(٢) مسلم، في المقدمة، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها، ١/ ١٢، برقم\n٦، ٧، وابن وضاح في ما جاء في البدع، ص ٦٧، برقم ٦٥.\n(٣) الطبقات الكبرى، ٣/ ١٣٦.\n(٤) أخرجه اللالكائي، في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ١/ ١٣٩، برقم ٢٠١، والدارمي في سننه، ١/ ٤٧، برقم ١٢١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٤١، برقم ٢٠٠١، ورقم ٢٠٠٣، ورقم ٢٠٠٥.\n(٥) أخرجه ابن وضاح في ما جاء في البدع، ص٤٣، برقم ١٤، ١٢، والطبراني في المعجم الكبير،\n٩/ ١٥٤، برقم ٨٧٧٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ١/ ١٨١: «ورجاله رجال الصحيح»، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ١/ ٩٦، برقم ١٠٢، وانظر: آثارًا أخرى عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - في ما جاء في البدع لابن وضاح، ص ٤٥، ومجمع الزوائد، ١/ ١٨١.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-753>رابعًا: من أقوال التابعين وأتباعهم بإحسان:</span>\n١ - كتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى رجل فقال: «أما بعد، أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتّباع سنة نبيه - ﷺ -، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته» (١).\n٢ - وقال الحسن البصري ﵀: «لا يصحُّ القول إلا بعمل، ولا يصحُّ قول وعمل إلا بنية، ولا يصحُّ قول وعمل ونية إلا بالسنة» (٢).\n٣ - وقال الإمام الشافعي ﵀: «حُكْمي في أصحاب الكلام أن يُضربوا بالجريد، ويُحملوا على الإبل، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويُقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام» (٣).\n٤ - وقال الإمام مالك ﵀: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا - ﷺ - خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤)، فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا» (٥).\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب لزوم السنة، ٤/ ٢٠٣، برقم ٤٦١٢، وانظر: صحيح سنن أبي داود، للألباني، ٣/ ٨٧٣.\n(٢) أخرجه اللالكائي، في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ١/ ٦٣، برقم ١٨.\n(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية، ٩/ ١١٦.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٣.\n(٥) الاعتصام، للإمام الشاطبي، ١/ ٦٥.","vol":"1","page":260},{"text":"٥ - وقال الإمام أحمد ﵀: «أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -، والاقتداء وترك البدع، وكل بدعة ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>خامسًا: البدع مذمومة من وجوه:</span>\n١ - قد عُلم بالتجارب أن العقول غير مستقلة بمصالحها دون الوحي، والابتداعُ مضادّ لهذا العمل.\n٢ - الشريعة جاءت كاملة، لا تحمل الزيادة ولا النقصان.\n٣ - المبتدع معاند للشرع ومشاقّ له.\n٤ - المبتدع متّبع لهواه؛ لأن العقل إذا لم يكن متَّبِعًا للشرع لم يبق له إلا اتّباع الهوى.\n٥ - المبتدع قد نزَّل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع، وألزم المكلَّفين بالجري على سننها (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-755> المسلك الرابع: أسباب البدع:</span>\nالبدع لها أسباب أدت إليها ومن هذه الأسباب (٣) ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>أولًا: الجهل</span>، فهو آفة خطيرة، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ\n_________\n(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لللالكائي، ١/ ١٧٦.\n(٢) انظر: الاعتصام، للشاطبي، ١/ ٦١ - ٧٠.\n(٣) انظر كثيرًا من هذه الأسباب: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٢٨٧ - ٣٦٥.","vol":"1","page":261},{"text":"عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء، فيرفَعُ العلم معهم، ويُبقي في الناس رُؤوسًا جُهَّالًا يفتون بغير علم، فَيَضِلُّون ويُضِلُّون» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>ثانيًا: اتباع الهوى</span>، من الأسباب الخطيرة التي توقع الناس في البدع، والأهواء، قال الله - ﷿ -: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٥).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، ٨/ ١٨٧، برقم ٧٣٠٧، ومسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن آخر الزمان، ٤/ ٢٠٥٨، برقم ٢٦٧٣.\n(٤) سورة ص، الآية: ٢٦.\n(٥) سورة الكهف، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":262},{"text":"أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ الله﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>ثالثًا: التعلق بالشبهات: </span>فإن المبتدعة يتعلقون بالشبهات فيقعون في البدع، قال الله - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>رابعًا: الاعتماد على العقل المجرَّد</span>، فإن من اعتمد على عقله وترك النص من القرآن والسنة أو من أحدهما ضلّ، والله - ﷿ - يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٥)، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا﴾ (٦).\n_________\n(١) سورة الجاثية، الآية: ٢٣.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٥٠.\n(٣) سورة النجم، الآية: ٢٣.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ٧.\n(٥) سورة الحشر، الآية: ٧.\n(٦) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-760>خامسًا: التقليد والتعصب: </span>فإن أكثر أهل البدع يقلِّدون آباءهم ومشايخهم، ويتعصبون لمذاهبهم، قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (٢)، وأهل البدع زُيِّنت لهم أعمالهم، قال الله - ﷿ -: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٣)، وقال الله - ﷿ - مُبَيِّنًا حال أهل البدع والأهواء: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولاْ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>سادسًا: مخالطة أهل الشر ومجالستهم</span>، من الأسباب المؤدية إلى الوقوع في البدع وانتشارها بين الناس، وقد بين الله - ﷿ - أن المُجالِس لأهل السوء يندم، قال - ﷾ -: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (٥)، وقال - ﷿ -: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٠.\n(٢) سورة الزخرف، الآية: ٢٢.\n(٣) سورة فاطر، الآية: ٨.\n(٤) سورة الأحزاب، الآيات: ٦٦ - ٦٨.\n(٥) سورة الفرقان، الآيات: ٢٧ - ٢٩.","vol":"1","page":264},{"text":"يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، وقال - ﷾ -: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ الله جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقال النبي - ﷺ -: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحًا خبيثة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>سابعًا: سكوت العلماء وكتم العلم</span>، من أسباب انتشار البدع والفساد بين الناس، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٤)، وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)، وقال - ﷾ -:\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ٦٨.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٤٠.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -: البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، ٦/ ٢٨٧، برقم ٥٥٣٤، ومسلم، في كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء، ٤/ ٢٠٢٦، برقم ٢٦٢٨.\n(٤) سورة البقرة، الآيتان: ١٥٩ - ١٦٠.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٧٤.","vol":"1","page":265},{"text":"﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (١)، وقد أوجب الله على طائفة من الأمة الدعوة إلى الله - ﷿ - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال - ﷾ -: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)، وعن أبي سعيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٣)، وهذا الحديث يبيّن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على كل أحدٍ على حسب هذه الدرجات.\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما من نبيّ بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حورايُّون وأصحاب، يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبهم فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّةُ خرْدل» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من سُئِلَ عن علم\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٧.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٤.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، ١/ ٦٩، برقم ٤٩.\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، ١/ ٧٠، برقم ٥٠.","vol":"1","page":266},{"text":"يعلمُهُ فكتمه أُلجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نار» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>ثامنًا: التشبه بالكفار وتقليدهم </span>من أعظم ما يُحدث البدع بين المسلمين، ومما يدل على ذلك حديث أبي واقد الليثي - ﵁ - قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين، ونحن حديثو عهدٍ بكفر، وكانوا أسلموا يوم الفتح، قال: فمررنا بشجرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ وكان للكفار سدرة يعكفون حولها، ويعلِّقون بها أسلحتهم، يدعونها ذات أنواط، فلما قلنا ذلك للنبي - ﷺ - قال: «الله أكبر وقلتم، والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٢)، لتركبنَّ سنن من كان قبلكم» (٣)، وهذا الحديث فيه دلالة واضحة على أن التشبه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل على أن يطلبوا هذا الطلب القبيح، وهو الذي حمل أصحاب النبي محمد - ﷺ - على أن يسألوه أن يجعل لهم شجرة يتبَّركون بها من دون الله - ﷿ -، وهكذا غالب الناس من المسلمين،\n_________\n(١) الترمذي، في كتاب العلم، باب ما جاء في كتمان العلم، ٥/ ٢٩، برقم ٢٦٤٩، وأبو داود، في العلم، باب كراهية منع العلم، ٣/ ٣٢١، برقم ٣٦٥٨، وابن ماجه، في المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه، ١/ ٩٨، برقم ٢٦٦، ومسند أحمد، ٢/ ٢٦٣، ٣٠٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٣٦، وصحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٤٩.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٣٨.\n(٣) أخرجه بلفظه، أبو عاصم في كتاب السنة، ١/ ٣٧، برقم ٧٦، وحسن إسناده الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة، المطبوع مع كتاب السنة، ١/ ٣٧، وأخرجه الترمذي بنحوه، في كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، ٤/ ٤٧٥، برقم ٢١٨٠، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وانظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد، لجاسم بن فهيد الدوسري، ص٦٤ - ٦٥.","vol":"1","page":267},{"text":"قلّدوا الكفار في عمل البدع والشركيات، كأعياد المواليد، وبدع الجنائز، والبناء على القبور، ولا شك أن اتباع السَّنَن باب من أبواب الأهواء، والبدع (١) ويزيد ذلك وضوحًا حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لَتتَّبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم: شِبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا في جحر ضبٍّ لاتّبعتموهم» قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن»؟ (٢)، قال الإمام النووي ﵀: «السَّنَن، بفتح السين والنون: وهو الطريق، والمراد بالشبر، والذراع، وجحر الضب: التمثيل بشدّة الموافقة في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ -،فقد وقع ما أخبر به - ﷺ -» (٣).\nفظهر أن الشبر، والذراع، والطريق، ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمّه (٤)، وقد حذّر النبي - ﷺ - عن التشبّه بغير أهل الإسلام، فقال: «بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذلُّ والصغار على من خالف أمري، ومن تشبّه بقوم فهو منهم» (٥).\n_________\n(١) انظر: تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص١٤٧، ورسائل ودراسات في الأهواء والافتراق والبدع وموقف السلف منها، للدكتور ناصر العقل، ٢/ ١٧٠، وكتاب التوحيد، للدكتور العلامة صالح الفوزان، ص٨٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، ٨/ ١٩١، برقم ٧٣٢٠، ومسلم، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، ٤/ ٢٠٥٤، برقم ٢٦٦٩.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٦٠.\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١٣/ ٣٠١.\n(٥) أحمد في المسند، ٢/ ٥٠، ٩٢، وصحح إسناده أحمد محمد شاكر في شرحه للمسند، برقم ٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧، من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>تاسعًا: الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة</span>، من الأسباب التي تؤدّي إلى البدع وانتشارها؛ فإن كثيرًا من أهل البدع اعتمدوا على الأحاديث الواهية الضعيفة، والمكذوبة على رسول الله - ﷺ -، والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها، وردّوا الأحاديث الصحيحة التي تخالف ما هم عليه من البدع، فوقعوا بذلك في المهالك والعطب، والخسارة، ولا حول ولا قوة إلا بالله (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>عاشرًا: الغلو أعظم أسباب انتشار البدع</span>، وظهورها، وهو سبب شرك البشر؛ لأن الناس بعد آدم ﵊ كانوا على التوحيد عشرة قرون، وبعد ذلك تعلَّق الناس بالصالحين، وغلَوا فيهم حتى عبدوهم من دون الله - ﷿ -؛ فأرسل الله تعالى نوحًا - ﷺ - يدعو إلى التوحيد، ثم تتابع الرسل عليهم الصلاة والسلام (٢)، والغلوّ يكون: في الأشخاص، كتقديس الأئمة، والأولياء، ورفعهم فوق منازلهم، ويصل ذلك في النهاية إلى عبادتهم، ويكون الغلوّ في الدين، وذلك بالزيادة على ما شرعه الله، أو التشدّد والتكفير بغير حق، والغلوّ في الحقيقة: هو مجاوزة الحد في الاعتقادات، والأعمال، وذلك بأن يزاد في حمد الشيء، أو\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٢/ ٣٦١ - ٣٦٣، والاعتصام للشاطبي، ١/ ٢٨٧ - ٢٩٤، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص٨٤٨، ورسائل ودراسات في الأهواء والافتراق والبدع وموقف السلف منها، للدكتور ناصر العقل، ٢/ ١٨٠.\n(٢) انظر: البداية والنهاية، لابن كثير، ١/ ١٠٦.","vol":"1","page":269},{"text":"يُزاد في ذمّه على ما يستحق (١)، وقد حذَّر الله عن الغلوّ فقال - ﷿ - لأهل الكتاب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ (٢)، وحذّر النبي - ﷺ - من الغلوّ في الدين، فعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إياكم والغلوّ في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين» (٣)، فظهر أن الغلوّ في الدين من أعظم أسباب الشرك، والبدع، والأهواء (٤)؛ ولخطر الغلوّ في الدين حذّر النبي - ﷺ - عن الإطراء فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-766> المسلك الخامس: أقسام البدع:</span>\nالبدع أقسام مختلفة باعتبارات مختلفة، وإليك التفصيل بإيجاز واختصار:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>القسم الأول: البدعة الحقيقية والإضافية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>١ - البدعة الحقيقية: </span>وهي التي لم يدلّ عليها دليل شرعي لا من\n_________\n(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، ١/ ٢٨٩.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٧١.\n(٣) النسائي، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى، ٥/ ٢٦٨، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، ٢/ ١٠٠٨، وأحمد ١/ ٣٤٧، وصحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، ١/ ٢٨٩.\n(٤) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، ١/ ٢٨٩، والاعتصام للشاطبي، ١/ ٣٢٩ - ٣٣١، ورسائل ودراسات في الأهواء والبدع وموقف السلف منها، للدكتور ناصر العقل، ١/ ١٧١، ١٨٣، والغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، للدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص٧٧ - ٨١، والحكمة في الدعوة إلى الله - ﷿ -، لسعيد بن علي [المؤلف]، ص٣٧٩.\n(٥) البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ...﴾،٤/ ١٧١،برقم ٣٤٤٥.","vol":"1","page":270},{"text":"كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا استدلالٍ مُعتبَر عند أهل العلم، لا في الجملة، ولا في التفصيل؛ ولذلك سمّيت بدعة؛ لأنها شيء مُخترع في الدين على غير مثال سابق (١)، ومن أمثلة ذلك: التقرّب إلى الله - ﷿ - بالرّهبانية: أي اعتزال الخلق في الجبال ونبذ الدنيا ولذّاتها تعبّدًا لله - ﷿ -، والذين فعلوا ذلك ابتدعوا عبادة من عند أنفسهم، وألزموا أنفسهم بها (٢)، ومن أمثلة ذلك: تحريم ما أحلّ الله من الطيّبات تعبّدًا لله - ﷿ - (٣)، وغير ذلك من الأمثلة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>٢ - البدعة الإضافية: وهي التي لها جهتان أو شائبتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>إحداهما: لها من الأدلة متعلَّق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>والأخرى: ليس لها متعلَّق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية: </span>أي أنها بالنسبة لإحدى الجهتين سنة لاستنادها إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، ولأنها مستندة إلى شيء، والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، ومن جهة الكيفيات، أو الأحوال، أو التفاصيل لم يقم عليها، مع أنها محتاجة إليه؛ لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العادات\n_________\n(١) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٣٦٧.\n(٢) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٣٧٠، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٤/ ٣١٦، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٧٨٢.\n(٣) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٤١٧.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ١/ ٣٧٠ - ٤٤٥.","vol":"1","page":271},{"text":"المحضة (١)، ومن أمثلة ذلك: الذكر أدبار الصلوات، أو في أي وقت على هيئة الاجتماع بصوت واحد، أو يدعو الإمام والناس يؤمِّنون أدبار الصلوات، فالذكر مشروع، ولكن أداءه على هذه الكيفية غير مشروع، وبدعة مخالفة للسنة (٢)، ومن ذلك تخصيص يوم النصف من شعبان بصيام، وليلته بقيام، وصلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب، وهذه بدع منكرة، وهي بدعة إضافية؛ لأن عبادات الصلاة والصيام الأصل فيها المشروعية، لكن يأتي الابتداع في تخصيص الزمان، أو المكان، أو الكيفية؛ فإن ذلك لم يأت في كتاب ولا سنة، فهي مشروعة باعتبار ذاتها، بدعة باعتبار ما عَرَض لها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>القسم الثاني: البدعة الفعلية والتَّركية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>١ - البدعة الفعلية: </span>تدخل في تعريف البدعة: فهي طريقة في الدين مُخترَعة، تشبه الطريقة الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه (٤)، ومن أمثلة ذلك: الزيادة في شرع الله ما ليس منه، كمن يزيد في الصلاة ركعة، أو يدخل في الدين ما ليس منه، أو يفعل العبادة على كيفية يخالف فيها هدي النبي - ﷺ - (٥)، أو يخصّص وقتًا للعبادة\n_________\n(١) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٣٦٧، ٤٤٥.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ١/ ٤٥٢، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص ٩٦.\n(٣) انظر: أصول في البدع والسنن، للشيخ العدوي، ص٣٠، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للسحيمي، ص٩٦.\n(٤) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٥٠ - ٥٦.\n(٥) انظر: المرجع السابق،١/ ٣٦٧ - ٤٤٥،وتنبيه أولي الأبصار، للدكتور صالح السحيمي، ص٩٩، وحقيقة البدعة وأحكامها، لسعيد الغامدي، ٢/ ٣٧، وأصول في البدع والسنن للعدوي،\nص٧٠، وعلم أصول البدع، لعلي بن حسن الأثري، ص١٠٧.","vol":"1","page":272},{"text":"المشروعة لم يخصصه الشرع: كتخصيص يوم النصف من شعبان بصيام وليلته بقيام (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>٢ - البدعة التَّركية: </span>تدخل في عموم تعريف البدعة، من حيث إنها «طريقة في الدين مخترعة» (٢)، فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريمًا للمتروك، أو غير تحريم؛ فإن الفعل «مثلًا» قد يكون حلالًا بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه، أو يقصد تركه قصدًا، فهذا الترك إما أن يكون لأمر يُعتبر شرعًا، أو لا: فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه؛ لأنه ترك ما يجوز تركه، أو ما يُطلب بتركه، كالذي يمنع نفسه من الطعام الفلاني من أجل أنه يضرّه في جسمه، أو عقله، أو دينه، وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من الترك، وهذا راجع إلى الحمية من المضرّات، وأصله قوله - ﷺ -: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء» (٣)، وكذلك لو ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وهذا كترك المشتبه حذرًا من الوقوع في الحرام، واستبراءً للدين والعرض.\n_________\n(١) انظر: كتاب التوحيد، للعلامة الدكتور صالح الفوزان، ص٨٢.\n(٢) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٥٧.\n(٣) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -: البخاري، كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة، ٢/ ٢٨٠، برقم ١٩٠٥، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنته، ٢/ ١٠١٨، برقم ١٤٠٠.","vol":"1","page":273},{"text":"وإن كان الترك لغير ذلك، فإما أن يكون تديُّنًا أو لا؛ فإن لم يكن تدينًا فالتارك عابث بتحريمه الفعل، أو بعزيمته على الترك، ولا يسمى هذا الترك بدعة؛ لأنه لا يدخل تحت لفظ الحدّ، إلا على الطريقة الثانية القائلة: إن البدعة تدخل في العادات، وأما على الطريقة الأولى، فلا يدخل، لكن هذا التارك يكون مخالفًا بتركه، أو باعتقاده التحريم فيما أحلَّ الله، وإثم المخالفة يختلف باختلاف درجات المتروك: من حيث: الوجوب، والندب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>أما إن كان الترك تديُّنًا فهو الابتداع في الدين</span>، سواءً كان المتروك مباحًا، أو مأمورًا به، وسواءً كان في العبادات، أو المعاملات، أو العادات: بالقول، أو الفعل، أو الاعتقاد، إذا قصد بتركه التعبّد لله كان مبتدعًا بتركه (١)، ومن الأدلّة على أن الترك في مثل ذلك يكون بدعة: قصة الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها، فكأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ -؟ قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - ﷺ - فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له؛ لكني: أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢).\n_________\n(١) انظر: الاعتصام، للشاطبي، ١/ ٥٨.\n(٢) متفق عليه من حديث أنس بن مالك - ﵁ -: البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح،\n٦/ ١٤٢، برقم ٥٠٦٣، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه،\n٢/ ١٠٢٠، برقم ١٤٠١.","vol":"1","page":274},{"text":"والمراد بالسنة: الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء: الإعراض عنه إلى غيره، والمراد: من ترك طريقتي، وأخذ بطريقة غيري فليس مني (١).\nواتّضح مما سبق أن البدعة على قسمين: بدعة فعلية، وبدعة تركية، كما ظهر أن السنة على قسمين: سنة فعلية وسنة تركية، فسنة النبي - ﷺ - كما تكون بالفعل تكون بالترك، فكما كلفنا الله باتباع النبي - ﷺ - في فعله الذي يتقرب به إلى الله - إذا لم يكن من باب الخصوصيات -، كذلك طالبنا باتباعه في تركه، فيكون الترك سنة، والفعل سنة، وكما لا نتقرّب إلى الله بترك ما فعل، لا نتقرّب إليه بفعل ما ترك، فالفاعل لما ترك، كالتارك لما فعل، ولا فرق بينهما (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>القسم الثالث: البدعة القولية الاعتقادية، والبدعة العملية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>١ - البدعة القولية الاعتقادية: </span>كمقالات الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، وسائر الفرق الضالّة، واعتقاداتهم، ويدخل في ذلك الفرق التي ظهرت كالقاديانية، والبهائية، وجميع فرق الباطنية المتقدمة:\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٩/ ١٠٥.\n(٢) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٥٧ - ٦٠، و٤٧٩، ٤٨٥، ٤٩٨، والأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، لجلال الدين السيوطي، ص٢٠٥، وأصول في البدع، للشيخ محمد أحمد العدوي،\nص٧٠، وحقيقة البدعة وأحكامها، لسعيد بن ناصر الغامدي، ٢/ ٣٧ - ٥٨، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص٩٧، وعلم أصول البدع للشيخ علي بن حسن الأثري، ص١٠٧، وتحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين، للشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي، ص٨٣.","vol":"1","page":275},{"text":"كالإسماعيلية، والنصيرية، والدروز، والرافضة وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>٢ - البدعة العملية وهي أنواع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>النوع الأول: بدعة في أصل العبادة</span>، كأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يحدث صلاة غير مشروعة، أو صيامًا غير مشروع، أو أعيادًا غير مشروعة، كأعياد المواليد وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>النوع الثاني: ما يكون من الزيادة على العبادة المشروعة</span>، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة </span>المشروعة، بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وكذلك أداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتعبد بالتشديد على النفس في العبادات إلى حدٍّ يخرج عن سنة رسول الله - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع: </span>كتخصيص يوم النصف من شعبان بصيام، وليلته بقيام؛ فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل (١).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-783> المسلك السادس: حكم البدعة في الدين:</span>\nلاشك أن كل بدعة في الدين ضلالة، ومحرّمة، لقول النبي - ﷺ -: «إياكم\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٨/ ٣٤٦، ٣٥ - ٤١٤، وكتاب التوحيد للعلامة الدكتور صالح الفوزان، ص ٨١ - ٨٢، ومجلة الدعوة، العدد ١١٣٩، ٩ رمضان، ١٤٠٨، مقال الدكتور صالح الفوزان في أنواع البدع، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص ١٠٠.","vol":"1","page":276},{"text":"ومُحدَثات الأمور، فإن كل مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١)، وقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢)، فدل الحديثان على أن كل مُحدَثٍ في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة، فالبدع في العبادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>فمنها: ما هو كفر: </span>كالطواف بالقبور تقرّبًا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وكأقوال غلاة الجهمية، والمعتزلة، والرافضة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>ومنها: ما هو من وسائل الشرك: </span>كالبناء على القبور، والصلاة والدعاء عندها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>ومنها: ما هو من المعاصي: </span>كبدعة التبتل «ترك الزواج»، والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع الشهوة، وغير ذلك (٣)، وقد ذكر الإمام الشاطبي ﵀: أن إثم المبتدع ليس على رتبة واحدة، بل هو على مراتب مختلفة، واختلافها يقع من جهات، على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>١ - من جهة كون صاحب البدعة مُدَّعيًا للاجتهاد أو مقلدًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>٢ - من جهة وقوعها في الضروريات: </span>الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال أو غيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>٣ - من جهة كون صاحبها مستترًا بها أو معلنًا</span>.\n_________\n(١) أبو داود، ٤/ ٢٠١، برقم ٤٦٠٧، والترمذي، ٥/ ٤٤، برقم ٢٦٧٦، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، ٣/ ٢٢٢،برقم ٢٦٩٧،ومسلم، ٣/ ١٣٤٣، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) انظر: كتاب التوحيد للعلامة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، ص ٨٢.","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-790>٤ - من جهة كونه داعيًا إليها أو غير داعٍ لها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>٥ - من جهة كونه خارجًا على أهل السنة أو غير خارج</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>٦ - من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>٧ - من جهة كون البدعة بيِّنة أو مشكلة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>٨ - من جهة كون البدعة كفرًا أو غير كفر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>٩ - من جهة الإصرار على البدعة أو عدمه</span>.\nوبيّن ﵀ أن هذه المراتب تختلف في الإثم على حسب النظر إلى دركاتها (١).\nوأوضح ﵀ أن هذه المراتب منها ما هو محرم، ومنها ما هو مكروه، وأن وصف الضلال ملازم لها، وشامل لأنواعها (٢).\n\nولا شك أن<span data-type=\"title\" id=toc-796> البدع تنقسم على حسب مراتبها في الإثم إلى ثلاثة أقسام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>القسم الأول: كفر بواح </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>القسم الثاني: كبيرة من كبائر الذنوب </span>(٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>القسم الثالث: صغيرة من صغائر الذنوب </span>(٥)، وللبدعة الصغيرة شروط، هي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>الشرط الأول: لا يداوم عليها، فإن المداومة تنقلها إلى كبيرة في حقه</span>.\n_________\n(١) انظر: الاعتصام، ١/ ٢١٦ - ٢٢٤، و٢/ ٥١٥ - ٥٥٩.\n(٢) انظر: الاعتصام للشاطبي، ٢/ ٥٣٠.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٥١٦.\n(٤) انظر: الاعتصام للشاطبي، ٢/ ٥١٧ و٢/ ٥٤٣ - ٥٥٠.\n(٥) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٥١٧، و٢/ ٥٣٩، ٥٤٣ - ٥٥٠.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-801>الشرط الثاني: لا يدعو إليها؛ فإن ذلك يعظم الذنب لكثرة العمل بها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>الشرط الثالث: لا يفعلها في مجتمعات الناس، ولا في المواضع التي تقام فيها السنن</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>الشرط الرابع: لا يستصغرها ولا يستحقرها</span>، فإن ذلك استهانة بها، والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب (١).\nواسم الضلالة يقع على هذه الأقسام الثلاثة؛ لأن النبي - ﷺ - جعل كل بدعة ضلالة، وهذا يشمل البدعة المكفرة، والبدعة المفسقة: سواء كانت كبيرة أو صغيرة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>ومنهم من قسم البدع إلى أقسام أحكام الشريعة الخمسة: </span>فقال: قسم من البدع واجب، وقسم محرم، وقسم مندوب إليه، والقسم الرابع: بدعة مكروهة، والقسم الخامس: البدع المباحة. وهذا التقسيم مخالف لقوله - ﷺ -: «فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٣).\nوقد رد على هذا التقسيم الإمام الشاطبي ﵀ بعد أن ذكر التقسيم وصاحبه: «والجواب أن هذا التقسيم أمر مُخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي: لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوبٍ، أو ندبٍ، أو إباحةٍ؛ لما كان ثَمَّ بدعة، ولكان\n_________\n(١) انظر هذه الشروط مع شرحها النفيس: الاعتصام للشاطبي، ٢/ ٥٥١ - ٥٥٩.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٥١٦.\n(٣) أبو داوود، ٤/ ٢٠١، برقم ٤٦٠٧، والترمذي، ٥/ ٤٤، برقم ٢٦٧٦، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":279},{"text":"العمل داخلًا في عموم الأعمال المأمور بها، أو المخيّر فيها، فالجمع بين كون تلك الأشياء بدعًا، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها، أو ندبها، أو إباحتها جمع بين متنافيين، أما المكروه منها والمحرم، فمسلَّمٌ من جهة كونها بدعًا، لا من جهةٍ أخرى (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-805> المسلك السابع: أنواع البدع عند القبور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>النوع الأول: من يسأل الميت حاجته </span>(٢)، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٣)، فكل من دعا نبيًا، أو وليًا، أو صالحًا، وجعل فيه نوعًا من الإلهيّة، فقد تناولته هذه الآية؛ فإنها عامة في كل من دعا من دون الله مدعوًّا، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته، ويخاف عذابه، فكل من دعا مَيِّتًا، أو غائبًا: من الأنبياء، والصالحين، سواء كان بلفظ الاستغاثة، أو غيرها فقد فعل الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من العبادة مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أعني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يُستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قُتل، فإن الله إنما أرسل الرسل،\n_________\n(١) الاعتصام، ١/ ٢٤٦.\n(٢) انظر: تعريف البدعة لغة واصطلاحًا، في المطلب الأول من المبحث الثاني من هذا الكتاب.\n(٣) سورة الإسراء، الآيتان: ٥٦ - ٥٧.","vol":"1","page":280},{"text":"وأنزل الكتب ليُعبد وحده، ولا يُجعل معه إله آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>النوع الثاني: أن يسأل الله تعالى بالميت</span>، وهو من البدع المحدثة في الإسلام، وهذا ليس كالذي قبله فإنه لا يصل إلى الشرك الأكبر.\nوالعامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بالأنبياء والصالحين كقول أحدهم: أتوسل إليك بنبيك، أو بأنبيائك، أو بملائكتك، أو بالصالحين من عبادك، أو بحقّ الشيخ فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، وغير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم، وهذه الأمور من البدع المحدثة المنكرة، والذي جاءت به السنة هو التوسّل والتوجّه بأسماء الله تعالى، وصفاته، وبالأعمال الصالحة، كما ثبت في الصحيحين في قصة الثلاثة (أصحاب الغار)، وبدعاء المسلم الحي الحاضر لأخيه المسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>النوع الثالث: أن يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب</span>، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد القبر لذلك.\nفإن هذا من المنكرات إجماعًا، ولم نعلم في ذلك نزاعًا بين أئمة الدين، وهذا أمر لم يشرعه الله، ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين ولا أئمة المسلمين، وأصحاب رسول الله - ﷺ - قد أجدبوا مرات، ودهمتهم نوائب، ولم يجيئوا عند قبر النبي - ﷺ -، بل خرج عمر بالعباس فاستسقى بدعائه، وقد كان السلف ينهون عن الدعاء عند القبور، فقد رأى علي بن الحسين ﵄ رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي - ﷺ - فيدخل فيها فيدعو فيها، فقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله - ﷺ -، قال: «لا تجعلوا قبري عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم","vol":"1","page":281},{"text":"قبورًا، وصلوا عليَّ، وسلّموا حيثما كنتم، فسيبلغني سلامكم وصلاتكم» (١)، ووجه الدلالة أن قبر النبي - ﷺ - أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدًا فغيره أولى بالنهي كائنًا ما كان (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-809> المسلك الثامن: البدع المنتشرة المعاصرة:</span>\nالبدع المنتشرة المعاصرة كثيرة جدًا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>أولًا: بدعة الاحتفال بالمولد النبوي:</span>\nالاحتفال بالمولد بدعة منكرة، وأول من أحدثها العبيديون في القرن الرابع الهجري، وقد بيّن العلماء قديمًا وحديثًا بطلان هذه البدعة والرد على من ابتدعها وعمل بها، فلا يجوز الاحتفال بالمولد، لأمور وبراهين منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>أولًا: الاحتفال بالمولد من البدع المحدثة في الدين </span>التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن النبي - ﷺ - لم يشرعه لا بقوله، ولا فعله، ولا تقريره، وهو قدوتنا وإمامنا، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُو وَاتَّقُوا الله إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤)،وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ\n_________\n(١) رواه إسماعيل القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي - ﷺ -، ص٣٤، وصححه الألباني في المرجع نفسه، وله طرق وروايات ذكرها في كتابه تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، ص١٤٠.\n(٢) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية لعبد الرحمن بن قاسم، ٦/ ١٦٥ - ١٧٤.\n(٣) رواه أبو داود، واللفظ له، في كتاب المناسك، باب زيارة القبور، ٢/ ٢١٨، برقم ٢٠٤٢، وأحمد، ٢/ ٣٦٧، وحسنه الشيخ الألباني في كتابه: تحذير الساجد، ص١٤٢.\n(٤) سورة الحشر، الآية: ٧.","vol":"1","page":282},{"text":"الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (١)،وقال النبي - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>ثانيًا: الخلفاء الراشدون ومن معهم من أصحاب النبي - ﷺ - لم يحتفلوا بالمولد</span>، ولم يدعوا إلى الاحتفال به، وهم خير الأمة بعد نبيها، وقد قال - ﷺ - في حق الخلفاء الراشدين: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدثات الأمور، فإن كل مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>ثالثًا: الاحتفال بالمولد من سنة أهل الزيغ والضلال</span>؛ فإن أول من أحدث الاحتفال بالمولد الفاطميون، العبيديون في القرن الرابع الهجري، وقد انتسبوا إلى فاطمة ﵂ ظلمًا وزورًا، وبهتانًا؛ وهم في الحقيقة من اليهود، وقيل من المجوس، وقيل من الملاحدة (٤)، وأولهم المعز لدين الله العبيدي المغربي الذي خرج من المغرب إلى مصر في شوال سنة ٣٦١هـ، وقدم إلى مصر في رمضان سنة ٣٦٢هـ (٥)، فهل لعاقل مسلم أن يقلد\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) أبو داود، برقم ٤٦٠٧، والترمذي، برقم ٢٦٧٦، وتقدم تخريجه.\n(٤) انظر: الإبداع في مضار الابتداع، للشيخ علي محفوظ، ص٢٥١، والتبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع، ص٣٥٩ - ٣٧٣، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص٢٣٢.\n(٥) انظر: البداية والنهاية: لابن كثير، ١١/ ٢٧٢ - ٢٧٣، ٣٤٥، ١٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨، و٦/ ٢٣٢، ١١/ ١٦١، ١٢/ ١٣، ٦٣، ٢٦٦، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٥/ ١٥٩ - ٢١٥، وذكر أن آخر ملوك العبيدية: العاضد لدين الله، قتله صلاح الدين الأيوبي سنة ٥٦٤هـ، قال: «تلاشى أمر العاضد مع صلاح الدين إلى أن خلعه وخطب لبني العباس واستأصل شأفة بني عبيد ومحق دولة الرفض، وكانوا أربعة عشر متخلفًا لا خليفة، والعاضد في اللغة: القاطع، فكان هذا عاضدًا لدولة أهل بيته»، ١٥/ ٢١٢.","vol":"1","page":283},{"text":"الرافضة، ويتّبع سنتهم ويخالف هدي نبيه محمد - ﷺ -؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>رابعًا: إن الله - ﷿ - قد كمَّل الدين</span>، فقال - ﷾ -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١)، والنبي - ﷺ - قد بلّغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقًا يوصل إلى الجنة، ويُباعد من النار إلا بيَّنه للأمة، ومعلوم أن نبيّنا - ﷺ - هو أفضل الأنبياء، وخاتمهم، وأكملهم بلاغًا، ونصحًا لعباد الله، فلو كان الاحتفال بالمولد من الدين الذي يرضاه الله - ﷿ - لبيَّنه - ﷺ - لأمته، أو فعله في حياته، قال - ﷺ -: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدلّ أمّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>خامسًا: إحداث مثل هذه الموالد البدعية يُفهم منه أن الله تعالى لم يُكمل الدين </span>لهذه الأمة، فلا بد من تشريع ما يكمل به الدين! ويفهم منه أن الرسول - ﷺ - لم يُبلّغ ما ينبغي للأمة حتى جاء هؤلاء المبتدعون المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به سبحانه، زاعمين أن ذلك يقرّبهم إلى الله، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم، واعتراض على الله - ﷿ -، وعلى رسوله - ﷺ -، والله - ﷿ - قد أكمل الدين، وأتمّ على عباده نعمته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>سادسًا: صرّح علماء الإسلام المحقّقون بإنكار الموالد</span>، والتحذير منها\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٣.\n(٢) مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء: الأول فالأول،٢/ ١٤٧٣،برقم ١٨٤٤.","vol":"1","page":284},{"text":"عملًا بالنصوص من الكتاب والسنة، التي تحذّر من البدع في الدين، وتأمر باتّباع النبي - ﷺ -، وتحذّر من مخالفته في القول وفي الفعل والعمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>سابعًا: إن الاحتفال بالمولد لا يحقّق محبّة الرسول </span>- ﷺ -، وإنما يحقّق ذلك: اتّباعه، والعمل بسنته، وطاعته - ﷺ -، قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>ثامنًا: الاحتفال بالمولد النبوي، واتخاذه عيدًا فيه تشبه باليهود </span>والنصارى في أعيادهم، وقد نُهينا عن التشبه بهم، وتقليدهم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>تاسعًا: العاقل لا يغترّ بكثرة من يحتفل بالمولد من الناس في سائر البلدان</span>، فإن الحقّ لا يُعرف بكثرة العاملين، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية، قال الله - ﷾ -: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ (٣)، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>عاشرًا: القاعدة الشرعية: ردّ ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله </span>- ﷺ -، كما قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٣١.\n(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية، ٢/ ٦١٤ - ٦١٥، وزاد المعاد، لابن القيم، ١/ ٥٩.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١١٦.\n(٤) سورة يوسف، الآية: ١٠٣.\n(٥) سورة سبأ، الآية: ١٣.","vol":"1","page":285},{"text":"إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ (٢)، ولا شك أن من ردّ الاحتفال بالمولد إلى الله ورسوله يجد أن الله يأمر باتّباع النبي - ﷺ -، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٣)، ويبين - ﷾ - أنه قد أكمل الدين، وأتمّ النعمة على المؤمنين، ويجد أن النبي - ﷺ - لم يأمر بالاحتفال بالمولد، ولم يفعله، ولم يفعله أصحابه، فعلم بذلك أن الاحتفال بالمولد ليس من الدين، بل هو من البدع المحدثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>الحادي عشر: إن المشروع للمسلم يوم الإثنين أن يصوم إذا أحبّ</span>، لأن النبي - ﷺ - سئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: «ذاك يومٌ ولدت فيه، ويومٌ بعثت، أو أُنزل عليَّ فيه» (٤)، فالمشرع التأسي بالنبي - ﷺ - في صيام يوم الإثنين، وعدم الاحتفال بالمولد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>الثاني عشر: عيد المولد النبوي لا يخلو من وقوع المنكرات والمفاسد غالبًا</span>، ويعرف ذلك من شاهد هذا الاحتفال، ومن هذه المنكرات على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>١ - أكثر القصائد والمدائح التي يتغنَّى بها أهل المولد لا تخلو من ألفاظ شركية</span>، والغلوّ، والإطراء الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -، فقال: «لا تطروني\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(٢) سورة الشورى، الآية: ١٠.\n(٣) سورة الحشر، الآية: ٧.\n(٤) صحيح مسلم عن أبي قتادة - ﵁ -، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة وعاشوراء، والإثنين والخميس، ٢/ ٨١٩، برقم ١١٦٢.","vol":"1","page":286},{"text":"كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>٢ - يحصل في الاحتفالات بالموالد في الغالب بعض المحرمات الأخرى: </span>كاختلاط الرجال بالنساء، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات، وقد يحصل فيها الشرك الأكبر كالاستغاثة بالرسول - ﷺ -،أو غيره من الأولياء، والاستهانة بكتاب الله - ﷿ -، فيشرب الدخان في مجلس القرآن، ويحصل الإسراف والتبذير في الأموال، وإقامة حلقات الذكر المحرَّف في المساجد أيام الموالد، مع ارتفاع أصوات المنشدين مع التصفيق القوي من رئيس الذاكرين، وكل ذلك غير مشروع بإجماع علماء أهل الحق (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>٣ - يحصل عمل قبيح في الاحتفال بمولد النبي </span>- ﷺ -، وذلك يكون بقيام البعض عند ذكر ولادته - ﷺ - إكرامًا له وتعظيمًا، لاعتقادهم أن رسول الله - ﷺ - يحضر المولد في مجلس احتفالهم؛ ولهذا يقومون له محيِّين ومرحبِّين، وهذا من أعظم الباطل، وأقبح الجهل؛ فإن رسول الله - ﷺ - لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة (٣)، كما قال الله - ﷿ -: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٤)، وقال ﵊: «أنا سيّد ولد آدم يوم\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ...﴾ ٤/ ١٧١،برقم ٣٤٤٥.\n(٢) انظر: الإبداع في مضار الابتداع، للشيخ علي محفوظ، ص ٢٥١ - ٢٥٧.\n(٣) انظر: التحذير من البدع، لسماحة العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀، ص١٣.\n(٤) سورة المؤمنون، الآيتان: ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":287},{"text":"القيامة، وأول من ينشقّ عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفّع» (١)، فهذه الآية، والحديث الشريف، وما جاء في هذا المعنى من الآيات والأحاديث، كلّها تدلّ على أن النبي - ﷺ - وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة.\nقال سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين، ليس فيه نزاعٌ بينهم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>ثانيًا: بدعة الاحتفال بأول ليلة جمعة من شهر رجب:</span>\nالاحتفال بأول ليلة جمعة من شهر رجب بدعة منكرة، فقد ذكر الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: أنه أخبره أبو محمد المقدسي فقال: «وأما صلاة رجب فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربعمائة [٤٨٠هـ]، وما كُنَّا رأيناها، ولا سمعنا بها قبل ذلك» (٣).\nوقال الإمام أبو شامة ﵀: «وأما صلاة الرغائب فالمشهور بين الناس اليوم أنها هي التي تُصلى بين العشائين ليلة أول جمعة من شهر رجب» (٤).\nوقال الحافظ ابن رجب ﵀: «فأما الصلاة فلم يصحَّ في شهر\n_________\n(١) مسلم، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا محمد - ﷺ - على جميع الخلائق،٤/ ١٧٨٢، برقم ٢٢٧٨.\n(٢) التحذير من البدع، ص٧ - ١٤، وانظر: الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ ص٢٥٠ - ٢٥٨، والتبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع، ص٣٥٨ - ٣٧٣، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، ص٢٢٨ - ٢٥٠.\n(٣) الحوادث والبدع، لأبي بكر الطرطوشي، ص٢٦٧، برقم ٢٣٨.\n(٤) كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، للإمام أبي شامة، ص١٣٨.","vol":"1","page":288},{"text":"رجب صلاة مخصوصة، تختصُّ به، والأحاديث المرويّة في صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذبٌ وباطل لا تصحّ، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء» (١).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معيَّن، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه، حديث صحيح يصلح للحجة» (٢)، ثم بيّن ﵀ أن الأحاديث الواردة في فضل رجب، أو فضل صيامه، أو صيام شيء منه على قسمين: ضعيفة، وموضوعة (٣)، ثم ذكر حديث صلاة الرغائب، وفيه: أنه يصوم أول خميس من رجب ثم يصلي بين العشائين ليلة الجمعة اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرةً، و﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ثلاثَ مراتٍ، و﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ اثنتي عشرة مرّةً، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، ثم ذكر كلامًا طويلًا في صفة التسبيح والاستغفار، والسجود، والصلاة على النبي - ﷺ -، ثم بيّن بأن هذا الحديث موضوع مكذوب على رسول الله - ﷺ -، وبيّن أن من يصلِّيها يحتاج إلى أن يصوم، وربما كان النهار شديد الحر، فإذا صام لم يتمكن من الأكل حتى يصلي المغرب، ثم يقف في صلاته، ويقع في ذلك التسبيح الطويل، والسجود الطويل، فيتأذّى غاية الأذى، وقال: «وإني لأغار لرمضان ولصلاة التراويح كيف زوحم بهذه، بل هذه عند العوام أعظم وأجلّ؛ فإنه\n_________\n(١) لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص٢٢٨.\n(٢) تبيين العجب بما ورد في شهر رجب، ص٢٣.\n(٣) انظر: تبيين العجب بما ورد في شهر رجب، ص٢٣.","vol":"1","page":289},{"text":"يحضرها من لا يحضر الجماعات» (١).\nوقال الإمام ابن الصلاح ﵀، في صلاة الرغائب: «حديثها موضوع على رسول الله - ﷺ -، وهي بدعة حدثت بعد أربعمائة من الهجرة» (٢).\nوأفتى الإمام العزّ بن عبد السلام سنة سبع وثلاثين وستمائة\n[٦٣٧هـ] أن صلاة الرغائب بدعة منكرة، وأن حديثها كذب على\nرسول الله - ﷺ -» (٣).\n\nوأختم كلام الأئمة ب<span data-type=\"title\" id=toc-827>تلخيصٍ لكلام الإمام أبي شامة في بطلان صلاة الرغائب ومفاسدها</span>، فقد بيَّن ﵀ ذلك على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>١ - مما يدلّ على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين وأئمة المسلمين: </span>من الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، وغيرهم ممّن دوَّن الكتب في الشريعة، مع شدّة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسنن، لم ينقل عن واحدٍ منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دوّنها في كتابه، ولا تعرّض لها في مجلسه، والعادة تحيل أن تكون هذه سنة، وتغيب عن هؤلاء الأعلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>٢ - هذه الصلاة مخالفة للشرع من وجوهٍ ثلاثة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>الوجه الأول: </span>مخالفة لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، ص٥٤.\n(٢) كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، للإمام أبي شامة، ص١٤٥.\n(٣) تبيين العجب بما ورد في شهر رجب، ص ١٤٩.","vol":"1","page":290},{"text":"تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» (١)، فلا يجوز أن تُخصّ ليلة الجمعة بصلاة زائدة على سائر الليالي لهذا الحديث (٢)، وهذا يعمُّ أوّل ليلة جمعة من رجب وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>الوجه الثاني: </span>صلاة رجب وشعبان صلاتا بدعة قد كُذِبَ فيهما على رسول الله - ﷺ -، بوضع ما ليس من حديثه، وكُذِبَ على الله بالتقدير عليه في جزاء الأعمال ما لم يُنَزِّل به سلطانًا، فمن الغيرة لله ولرسوله - ﷺ - تعطيل ما كُذِبَ فيه على الله ورسوله - ﷺ -، وهجره، واستقباحه، وتنفير الناس عنه؛ فإنه يلزم من الموافقة على ذلك مفاسد، هي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>المفسدة الأولى: اعتماد العوام على ما جاء في فضلها وتكفيرها</span>، فيحمل كثيرًا منهم على أمرين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>أحدهما: التفريط في الفرائض</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>والثاني: الانهماك في المعاصي</span>، وينتظرون مجيء هذه الليلة ويصلون هذه الصلاة، فيرون ما فعلوه مجزئًا عما تركوه، وماحيًا ما ارتكبوه، فعاد ما ظنه واضع الحديث في صلاة الرغائب حاملًا على مزيد الطاعات: مكثرًا من مزيد ارتكاب المعاصي والمنكرات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>المفسدة الثانية: أن فعل البدع مما يغري المبتدعين في إضلال </span>الناس إذا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم الجمعة، ٢/ ٣٠٣، برقم ١٩٨٥، ومسلم، كتاب الصيام، باب كراهة صوم يوم الجمعة منفردًا، ٢/ ٨٠١، برقم ١١٤٤.\n(٢) انظر: كتاب الباعث على إنكار البدع، لأبي شامة، ص ١٥٦.","vol":"1","page":291},{"text":"رأوا رواج ما وضعوه، وانهماك الناس عليه، فينقلونهم من بدعة إلى بدعة، أما ترك البدع ففيه زجر للمبتدعين والواضعين عن وضع البدع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>المفسدة الثالثة: أن الرجل العالم إذا فعل هذه البدعة كان موهمًا للعامة أنها من السنن</span>، فيكون كاذبًا على رسول الله - ﷺ - بلسان الحال، ولسان الحال قد يقوم مقام لسان المقال، وأكثر ما أُوتي الناس في البدع بهذا السبب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>المفسدة الرابعة: أن العالم إذا صلَّى هذه الصلاة المبتدعة كان متسبِّبًا إلى أن تكذب العامة </span>على رسول الله - ﷺ -، فيقولون هذه سنة من السنن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>الوجه الثالث: أن هذه الصلاة البدعية مشتملة على مخالفة سنن الشرع </span>في الصلاة لأمور:\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>الأمر الأول: مخالفة لسنة النبي - ﷺ - في الصلاة بسبب عدد السجدات</span>، وعدد التسبيحات، وعدد قراءة سورتي: «القدر»،و«الإخلاص» في كل ركعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>الأمر الثاني: مخالفة لسنة خشوع القلب وخضوعه </span>وحضوره في الصلاة، وتفريغه لله، والوقوف على معاني القرآن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>الأمر الثالث: مخالفة لسنة النوافل في البيوت</span>؛ لأن فعلها في البيوت أولى من فعلها في المساجد، وفعلها على الانفراد، إلا صلاة التراويح في رمضان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>الأمر الرابع: أن من كمال هذه الصلاة البدعية عند واضعيها صيام يوم الخميس ذلك اليوم</span>، فيلزم بذلك تعطيل سنتين: سنة الإفطار، وسنة تفريغ القلب من ألم الجوع والعطش.\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>الأمر الخامس: أن سجدتي هذه الصلاة بعد الفراغ منها </span>سجدتان لا","vol":"1","page":292},{"text":"سبب لهما (١).\nوكل ما تقدم من الأدلّة، وأقوال الأئمة، وأوجه البطلان، وأقسام المفاسد يُبيِّن للعاقل أن صلاة الرغائب بدعة منكرة قبيحة، محدثة في الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>ثالثًا: بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج:</span>\nليلة الإسراء والمعراج من آيات الله - ﷿ - العظيمة الدالة على صدق النبي - ﷺ -، وعظم منزلته عند الله، وعلى عظم قدرة الله الباهرة، وعلى علوِّه - ﷿ - على جميع خلقه، قال - ﷿ -: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ (٢).\nوتواتر عن رسول الله - ﷺ -: أنه عُرج به إلى السماء، وفُتحت له أبوابها، حتى جاوز السماء السابعة، فكلّمه ربّه - ﷿ - كما أراد - ﷾ -، وفرض عليه الصلوات الخمس، وكان الله - ﷿ - فرضها خمسين صلاة، فلم يزل نبيّنا محمد - ﷺ - يراجع ربه، ويسأله التخفيف، حتى جعلها خمسًا في الفرض، وخمسين صلاة في الأجر؛ لأن الحسنة بعشرة أمثالها، فلله الحمد والشكر على جميع نعمه التي لا تعد ولا تحصى (٣).\n_________\n(١) انظر: كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، لأبي شامة، ص ١٥٣ - ١٩٦، وهذه المفاسد، وأوجه البطلان تشمل صلاة الرغائب في أول جمعة من رجب، وليلة النصف من شعبان، كما صرح بذلك أبو شامة في كتابه الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص١٧٤.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ١.\n(٣) انظر: التحذير من البدع، للعلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ص١٦.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء لا يُحتفَل بها</span>، ولا تُخصّ بشيء من أنواع العبادة التي لم تُشرع؛ لأمور منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>أولًا: هذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأتِ خبر صحيح في تحديدها</span>، ولا تعيينها، لا في رجب ولا في غيره، فقيل: إنها كانت بعد مبعثه - ﷺ - بخمسة عشر شهرًا، وقيل: ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر، قبل الهجرة بسنة، وقيل: كان ذلك بعد مبعثه بخمس سنين (١) وقيل: ليلة سبعة وعشرين من شهر ربيع الأول (٢)، وقال الإمام أبو شامة ﵀: «وذكر عن بعض القُصَّاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب» (٣)، وذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن ليلة الإسراء لا يُعرف أيّ ليلة كانت (٤).\nقال العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀: «وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأتِ في الأحاديث الصحيحة تعيينها، لا في رجب ولا في غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي - ﷺ - عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها» (٥)، ولو ثبت تعيينها لم يجز أن تُخصَّ بشيءٍ من أنواع العبادة بدون دليل (٦).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(٢) انظر: كتاب الحوادث والبدع، لأبي شامة، ص٢٣٢.\n(٣) المرجع السابق، ص٢٣٢،وانظر: تبيين العجب بما ورد في شهر رجب، لابن حجر، ص ٩، ١٩، ٥٢، ٦٤، ٦٥.\n(٤) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، ١/ ٥٨.\n(٥) التحذير من البدع، ص١٧.\n(٦) المرجع السابق، ص١٧.","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-847>ثانيًا: لا يعرف عن أحد من المسلمين: </span>أهل العلم والإيمان أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة عن غيرها؛ ولأن النبي - ﷺ - وأصحابه، والتابعين وأتباعهم بإحسان لم يحتفلوا بها، ولم يخصّوها بشيء من العبادة، ولم يذكروها، ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا؛ لبيّنه رسول الله - ﷺ - للأمة: إما بالقول، وإما بالفعل، ولو وقع أمر من ذلك؛ لعرف واشتهر، ونقله الصحابة - ﵃ - إلينا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>ثالثًا: قد أكمل الله لهذه الأمة دينها، وأتمّ النعمة</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٢)، وقال - ﷾ -: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>رابعًا: حذّر النبي - ﷺ - من البدع</span>، وصرّح بأن كل بدعة ضلالة، وأنها مردودة على صاحبها، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (٤)، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٥).\nوحذّر السلف الصالح من البدع؛ لأنها زيادة في الدين وشرعٌ لم يأذن به الله، ورسوله - ﷺ -، وتشبُّه بأعداء الله: من اليهود والنصارى في زياداتهم\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٥٨، والتحذير من البدع، للعلامة ابن باز، ص١٧.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٣.\n(٣) سورة الشورى، الآية: ٢١.\n(٤) البخاري ٣/ ٢٢٢، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، ٣/ ٣٤٤، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، ٣/ ٣٤٤، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":295},{"text":"في دينهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>رابعًا: الاحتفال بليلة النصف من شعبان:</span>\nأخرج الإمام محمد بن وضَّاح القرطبي بإسناده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال: لم أدرك أحدًا من مشيختنا، ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولم ندرك أحدًا منهم يذكر حديث مكحول (٢) ولا يرى لها فضلًا على ما سواها من الليالي» (٣).\nوقال الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: «وأخبرني أبو محمد المقدسي، قال: «لم تكن عندنا ببيت المقدس قطُّ صلاة الرغائب هذه التي تُصلّى في رجب وشعبان، وأوّل ما حدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة [٤٤٨هـ]، قَدِمَ علينا في بيت المقدس رجل من أهل نابلس يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام فصلَّى في المسجد\n_________\n(١) انظر: التحذير من البدع، لابن باز، ص١٩.\n(٢) يعني بحديث مكحول ما أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، برقم ٥١٢، وابن حبان برقم ٥٦٦٥ [١٢/ ٤٨١]، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٠٩، برقم ٢١٥، وأبو نعيم في الحلية، ٥/ ١٩١، والبيهقي في شعب الإيمان، ٥/ ٢٧٢ برقم ٦٦٢٨، عن معاذ بن جبل - ﵁ - يرفعه: «يطلع الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشركٍ أو مشاحن»، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: حديث صحيح روي عن جماعة من الصحابة من طرق مختلفة يشد بعضها بعضًا، وهم: معاذ بن جبل، وأبو ثعلبة الخشني، وعبد الله بن عمرو، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأبو بكر الصديق، وعوف بن مالك، وعائشة - ﵃ -، ثم خَرَّج هذه الطرق الثمانية، وتكلم على رجالها في أربع صفحات. قلت: فإن صحّ هذا الحديث في فضل ليلة النصف من شعبان كما يقول الألباني ﵀ فليس فيه ما يدل على تخصيص ليلتها بقيام ولا يومها بصيام، إلا ما كان يعتاده المسلم من العبادات المشروعة في أيام السّنَة؛ لأن العبادات توقيفية.\n(٣) كتاب فيه ما جاء في البدع، للإمام ابن وضَّاح، المتوفى سنة ٢٨٧هـ ص١٠٠، برقم ١١٩.","vol":"1","page":296},{"text":"الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل ثم انضاف إليهم ثالث، ورابع، فما ختمها إلا وهم في جماعة كبيرة، ثم جاء في العام القابل فصلّى معه خلق كثير، ثم جاء من العام القابل فصلَّى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد، وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى وبيوت الناس، ومنازلهم ثم استقرّت كأنها سُنَّة إلى يومنا هذا» (١).\nوأخرج الإمام ابن وضاح بسنده أن ابن أبي مليكة قيل له إن زيادًا النميري يقول: إن ليلة النصف من شعبان أجرها كأجر ليلة القدر، فقال ابن أبي مليكة: «لو سمعته منه وبيدي عصًا لضربته بها، وكان زيادٌ قاضيًا» (٢).\nوقال الإمام أبو شامة الشافعي ﵀: «وأما الألفية فصلاة النصف من شعبان سُمِّيت بذلك لأنها يُقرأ فيها ألف مرة ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ لأنها مائة ركعة، في كل ركعة يقرأ الفاتحة مرة، وسورة الإخلاص عشر مرات، وهي صلاة طويلة مستثقلة لم يأتِ فيها خبر، ولا أثر، إلا ضعيف أو موضوع، وللعوامّ بها افتتان عظيم، والتزم بسببها كثرة الوقيد في جميع مساجد البلاد، التي تصلَّى فيها، ويستمر ذلك الليل كله، ويجري فيه الفسوق والعصيان، واختلاط الرجال بالنساء، ومن الفتن المختلفة ما شهرته تُغني عن وصفه، وللمتعبّدين من العوامِّ فيها اعتقاد متين، وزيّن لهم الشيطانُ جَعْلَها من أصل شعائر المسلمين» (٣).\n_________\n(١) كتاب الحوادث والبدع، للطرطوشي، المتوفى سنة ٤٧٤هـ، ص٢٦٦، برقم ٢٣٨.\n(٢) كتاب فيه ما جاء في البدع، لابن وضاح، ص١٠١، برقم ١٢٠، ورواه الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع عن ابن وضاح، ص٢٦٣، برقم ٢٣٥.\n(٣) كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، لعبد الرحمن بن إسماعيل، المعروف بأبي شامة، المتوفى سنة ٦٦٥هـ، ص١٢٤.","vol":"1","page":297},{"text":"وقال الحافظ ابن رجب ﵀ بعد كلام نفيس: «وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام: كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر، وغيرهم يعظّمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثارٌ إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختُلف في تعظيمها، فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عبّاد أهل البصرة، وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم: عطاء، وابن أبي مليكه، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة، و<span data-type=\"title\" id=toc-851>اختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعةً في المساجد</span>، كان خالد بن معدان، ولقمان بن عامر، وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم، ويتبخّرون، ويكتحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد ليس ذلك ببدعة، نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>والثاني: أنه يُكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة، والقصص، والدعاء</span>، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي، إمام أهل الشام، وفقيههم، وعالمهم، وهذا الأقرب إن شاء الله تعالى ...»، ثم قال: «ولا يُعرف للإمام أحمد كلامٌ في ليلة نصف شعبان، ويُخرَّج في استحباب قيامها عنه روايتان، من الروايات عنه في","vol":"1","page":298},{"text":"قيام ليلة العيد؛ فإنه في رواية لم يستحبّ قيامها جماعةً؛ لأنه لم يُنقل عن النبي - ﷺ - وأصحابه، واستحبّها في رواية؛ لفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف من شعبان، لم يثبت فيها شيء عن النبي - ﷺ -، ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام» (١).\nقال الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «وأما ما اختاره الأوزاعي ﵀ من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول فهو غريب وضعيف؛ لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعًا لم يجزْ للمسلم أن يحدثه في دين الله، سواء فعله مفردًا أو جماعةً، وسواءً أسرّه أو أعلنه، لعموم قول النبي - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢)، وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها» (٣).\nفمما تقدم من كلام الإمام ابن وضاح، والإمام الطرطوشي، والإمام عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، والحافظ ابن رجب ﵏، وإمام هذا الزمان عبد العزيز ابن باز ﵀، يتضح أن تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة أو غيرها من العبادة غير المشروعة بدعة لا أصل لها من كتاب، ولا سنة، ولا عملها أحد من أصحاب النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) لطائف المعارف، لابن رجب، ص٢٦٣.\n(٢) مسلم، ٣/ ٣٤٤، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) التحذير من البدع، ص٢٦.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>خامسًا: التبرّك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>التّبرُّك: هو طلب البركة، والتبرّك بالشيء: طلب البركة بواسطته </span>(١).\nولا شك أن الخير والبركة بيد الله - ﷿ -، وقد اختص الله - ﷿ - بعض خلقه بما شاء من الفضل والبركة، وأصل البركة: الثبوت واللزوم، وتطلق على النماء والزيادة، والتبريك: الدعاء، يقال: برَّك عليه: أي دعا له بالبركة، ويقال: بارك الله الشيءَ، وبارك فيه، أو بارك عليه: أي وضع فيه البركة، وتبارك لا يوصف به إلا الله ﵎، فلا يُقال: تبارك فلان؛ لأن المعنى عَظُمَ وهذه صفة لا تنبغي إلا الله - ﷿ -، واليُمْنُ: هو البركة: فالبركة واليُمن لفظان مترادفان، وقد ظهر من معاني ألفاظ القرآن الكريم أن<span data-type=\"title\" id=toc-856> المقصود بالبركة عدة أمور، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>١ - ثبوت الخير ودوامه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>٢ - كثرة الخير وزيادته، واستمراره شيئًا بعد شيء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>٣ - وتبارك لا يوصف بها إلا الله، ولا تسند إلا إليه</span>، وذكر ابن القيم ﵀ أن تباركه - ﷾ -: دوام جوده، وكثرة خيره، ومجده وعلوِّه، وعظمته وتقدّسه، ومجيء الخيرات كلها من عنده، وتبريكه على من شاء من خلقه، وهذا هو المعهود من ألفاظ القرآن أنها تكون دالة على جملة معان (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>والأمور المباركة أنواع، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>١ - القرآن الكريم مبارك: </span>أي كثير البركات والخيرات؛ لأن فيه خير\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، باب الباء مع الراء، مادة «برك»، ١/ ١٢٠، والتبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور ناصر الجديع، ص٣٠.\n(٢) انظر: جلاء الأفهام ص١٨٠، وتيسير الكريم الرحمن في تفسيره كلام المنان، للسعدي، ٣/ ٣٩.","vol":"1","page":300},{"text":"الدنيا والآخرة، وطلب البركة من القرآن يكون بتلاوته حق تلاوته، والعمل بما فيه على الوجه الذي يرضي الله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>٢ - الرسول - ﷺ - مبارك، جعل الله فيه البركة، وهذه البركة نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>(أ) بركة معنوية: وهي ما يحصل من بركات رسالته في الدنيا والآخرة</span>؛ لأن الله أرسله رحمة للعالمين، وأخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأحلّ لهم الطيبات، وحرّم عليهم الخبائث، وختم به الرسل، ودينه يحمل اليسر والسماحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>(ب) بركة حسّيّة، وهي على نوعين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>النوع الأول: بركة في أفعاله - ﷺ </span>-، وهي ما أكرمه الله به من المعجزات الباهرة الدالّة على صدقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>النوع الثاني: بركة في ذاته، وآثاره الحسية: </span>وهي ما جعل الله له - ﷺ - من البركة في ذاته؛ ولهذا تبرّك به الصحابة في حياته، وبما بقي له من آثار جسده بعد وفاته (١).\nوالتبرّك بالنبي - ﷺ - في حياته لا يقاس عليه أحد من خلق الله - ﷿ -؛ لما جعل الله فيه من البركة، ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد جعل الله فيهم البركة، وكذا الملائكة، والصالحين، ولكن لا يُتبرَّك بهم لعدم الدليل؛ وكذلك بعض الأماكن مباركة: كالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ثم سائر المساجد، وقد\n_________\n(١) انظر: التبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور ناصر الجديع، ص٢١ - ٩٦.","vol":"1","page":301},{"text":"جعل الله في بعض الأزمنة بركة: كرمضان، وليلة القدر، وعشر ذي الحجة، والأشهر الحرم، ويوم الإثنين والخميس، والجمعة، ووقت النزول الإلهي في الثلث الآخر من الليل، وغير ذلك من الأزمنة المباركة، التي لا يتبرّك بها المسلم، وإنما يطلب البركة من الله - ﷿ - بقيامه بالأعمال الصالحة المشروعة فيها (١).\n٣ - هناك أشياء مباركة: كماء زمزم، وكالمطر؛ لأن من بركاته: شرب الناس منه والأنعام والدوابّ، وإنبات الثمار والأشجار، وشجرة الزيتون مباركة، واللبن مبارك، والخيل مباركة، والغنم مباركة، والنخيل مباركة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>والتبرّك المشروع يكون بأمور، منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>١ - التبرّك بذكر الله، وتلاوة القرآن الكريم</span>، ويكون ذلك على الوجه المشروع، وهو طلب البركة من الله - ﷿ - بذكر القلب، واللسان، والعمل بالقرآن والسنة على الوجه المشروع؛ لأن من بركات ذلك اطمئنان القلب، وقوة القلب على الطاعة، والشفاء من الآفات، والسعادة في الدنيا والآخرة، ومغفرة الذنوب، ونزول السكينة، وأن القرآن يكون شفيعًا لأصحابه يوم القيامة، ولا يُتبرّك بالمصحف كوضعه في البيت أو في السيارة وإنما التبرّك يكون بالتلاوة، والعمل به (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>٢ - التبرّك المشروع بذات النبي - ﷺ - في حياته</span>؛ لأن النبي - ﷺ - مبارك في ذاته،\n_________\n(١) انظر: التبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور ناصر الجديع، ص٧٠ - ١٨٢.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ص ١٨٣ - ١٩٧.\n(٣) انظر: التبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور ناصر الجديع، ص ٢٠١ - ٢٤١.","vol":"1","page":302},{"text":"وما اتصل بذاته؛ ولهذا تبرك الصحابة - ﵃ - بذاته - ﷺ -، ومن ذلك،\nما ثبت عن أبي جحيفة - ﵁ - قال: «خرج رسول الله - ﷺ - بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك» (١).\nوعن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أتى مِنىً، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: «خذ»، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس»، وفي رواية: «ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر» (٢)، فقال: «احلق» فحلقه، فأعطاه أبا طلحة فقال: «اقسمه بين الناس» (٣).\nوكان الصحابة يتبركون بثياب النبي - ﷺ - ومواضع أصابعه، وبماء وضوئه، وبفضل شربه، وهو كثير (٤)، ويتبركون بالأشياء المنفصلة منه: كالشعر، والأشياء التي استعملها وبقيت بعده: كالثياب، والآنية، والنعل، وغير ذلك مما اتصل بجسده - ﷺ - (٥).\nولا يقاس عليه غيره - ﷺ -؛ فإنه لم يؤثر عنه - ﷺ - أنه أمر بالتبرك بغيره من\n_________\n(١) البخاري: كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، ٤/ ٢٠٠، برقم ٣٥٥٣.\n(٢) أي: ناول الحلاق.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق، والابتداء في الحلق بالجانب الأيمن من رأس المحلوق، ٢/ ٩٤٧، برقم ١٣٠٥.\n(٤) انظر: التبرك، أنواعه وأحكامه، للدكتور الجديع، ص ٢٤٨ - ٢٥٠.\n(٥) انظر: التبرك، أنواعه وأحكامه، للدكتور الجديع، ص ٢٥٢ - ٢٦٠.","vol":"1","page":303},{"text":"الصحابة - ﵃ - أو غيرهم، ولم ينقل أن الصحابة - ﵃ - فعلوا ذلك مع غيره لافي حياته ولا بعد مماته، ولم يفعلوه مع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولا مع الخلفاء الراشدين المهديين، ولا مع العشرة المشهود لهم بالجنة، قال الإمام الشاطبي ﵀: «الصحابة - ﵃ - بعد موته ﵊، لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي - ﷺ - بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق - ﵁ -، فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر - ﵁ -، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريقٍ صحيح معروف أن متبرّكًا تبرّك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها» (١)، ولا شكَّ أنَّ الانتفاع بعلم العلماء، والاستماع إلى وعظهم، ودعائهم، والحصول على فضل مجالس الذكر معهم فيها من الخير والبركة والنفع الشيء العظيم، ولكن لا يُتبرّك بذواتهم، وإنما يُعمل بعلمهم الصحيح، ويُقتدى بأهل السنة منهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>٣ - التبرّك بشرب ماء زمزم</span>؛ لأنه أفضل مياه الأرض، ويُشبع من شربه، ويكفيه عن الطعام، ويُستشفى بشربه مع النية الصالحة من الأسقام؛ لأنه لما شرب له؛ قال النبي - ﷺ - في ماء زمزم: «إنها مباركة، إنها طعام طعم [وشفاء سقيم]» (٣)، وعن جابر - ﵁ - يرفعه: «ماء زمزم لما\n_________\n(١) الاعتصام للشاطبي،٢/ ٨، ٩،ونظر: التبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور الجديع، ص٢٦١ - ٢٦٩.\n(٢) انظر: التبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور الجديع، ص ٢٦٩ - ٢٧٨.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر - ﵁ -، ٤/ ١٩٢٢، برقم ٢٤٧٣، وما بين المعقوفين عند البزار، والبيهقي، والطبراني، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رجاله ثقات»، ٣/ ٢٨٦.","vol":"1","page":304},{"text":"شرب له» (١)، ويذكر أن النبي - ﷺ - «كان يحمل ماء زمزم في الأداوي والقرب، فكان يصبّ على المرضى ويسقيهم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>٤ - التبرّك بماء المطر</span>، لا شك أن المطر مبارك لما جعل الله فيه من البركة: من شرب الناس منه، والأنعام، والدوابّ، وإنبات الأشجار، والثمار، وأحيى به الله كل شيء، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - من حديث أنس - ﵁ -، قال: أصابنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - مطر. قال: فحسر (٣) رسول الله - ﷺ - ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: «لأنه حديثُ عهدٍ بربه» (٤)، قال الإمام النووي ﵀: «ومعنى حديث عهد بربه: أي بتكوين ربه إياه، ومعناه أن المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها، فيُتبرّك بها» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>والتبرّك الممنوع منه ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>١ - التبرّك بالنبي - ﷺ - بعد وفاته ممنوع إلا في أمرين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>الأمر الأول: الإيمان به، وطاعته واتباعه</span>، فمن فعل ذلك حصل له\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الشرب من زمزم، ٢/ ١٠١٨، برقم ٣٠٦٢، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٨٣، وإرواء الغليل، ٤/ ٣٢٠.\n(٢) الترمذي بنحوه، عن عائشة ﵂، كتاب الحج، بابٌ: حدثنا أبو كريب، ٣/ ٢٨٦، برقم ٩٦٣، والبيهقي، ٥/ ٢٠٢، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٢٨٤، والأحاديث الصحيحة، ٢/ ٥٧٢.\n(٣) أي: كشف بعض بدنه. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٤٨.\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، ٢/ ٦١٥، برقم ٨٩٨.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٤٨.","vol":"1","page":305},{"text":"الخير الكثير، والأجر العظيم، والسعادة في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>الأمر الثاني: التبرك بما بقي من أشياء منفصلة عنه - ﷺ -: كثيابه، أو شعره، أو آنيته</span>، وقد تقدّم بيان ذلك.\nوما عدا ذلك من التبرك فلا يُشرع، فلا يُتبرّك بقبره، ولا تشد الرحال لزيارة قبره، وإنما تُشدّ الرحال لزيارة أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، والمسجد النبوي، وإنما تُستحب الزيارة لقبره لمن كان في المدينة، أو زار المسجد ثم زار قبره، وصفة الزيارة: إذا دخل المسجد صلى تحية المسجد، ثم يذهب إلى القبر ويقف بأدبٍ مستقبلًا الحجرة، فيقول بأدب وخفض صوت: «السلام عليك يا رسول الله»، وكان ابن عمر ﵄ لا يزيد على ذلك، وإن زاد «السلام عليك يارسول الله، يا خيرة الله من خلقه، أشهد أنك رسول الله حقًا، وأنك قد بلَّغت الرسالة، وأدّيت الأمانة، وجاهدت في الله حق جهاده، ونصحت الأمة»، فلا بأس بذلك لأن ذلك من صفاته (١)، ولا يدعو عند القبر؛ لظنه أن الدعاء عنده مُستجاب، ولا يطلب منه الشفاعة، ولا يتمسح بالقبر، ولا يقبّله، ولا شيء من جدرانه، ولا يتبرّك بالمواضع التي جلس فيها أو صلى فيها، ولا بالطرق التي سار عليها، ولا بالمكان الذي أنزل عليه فيه الوحي، ولا بمكان ولادته، ولا بليلة مولده، ولا بالليلة التي أُسري به فيها، ولا بذكرى الهجرة، ولا غير ذلك مما لم يشرعه الله، ولا رسوله - ﷺ - (٢).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٨٩.\n(٢) انظر: التبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور الجديع، ص ٣١٥ - ٣٨٠.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>٢ - من التبرك الممنوع: التبرك بالصالحين</span>، فلا يُتبرّك بذواتهم، ولا آثارهم، ولا مواضع عباداتهم، ولا مكان إقامتهم، ولا بقبورهم، ولا تُشدّ الرحال إلى زيارتها، ولا يُصلّى عندها، ولا تُطلب الحوائج عند قبورهم، ولا يُتمسح بها، ولا يُعكف عندها، ولا يُتبرّك بمواليدهم، وغير ذلك ومن فعل شيئًا من ذلك تقربًا إليهم فقد أشرك بالله شركًا أكبر، إذا اعتقد أنهم يضرون أو ينفعون، أو يعطون أو يمنعون، أما من فعل ذلك يرجو البركة من الله بالتبرك بهم فقد ابتدع بدعة نكراء، وعمل عملًا قبيحًا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>٣ - من التبرك الممنوع: التبرك بالجبال والمواضع</span>؛ لأن ذلك يخالف ما كان عليه النبي - ﷺ -، والتبرك بذلك يسبب تعظيم هذه الجبال والمواضع، ولا يجوز القياس على تقبيل الحجر الأسود، أو الطواف بالبيت؛ فإن ذلك عبادة لله - ﷿ - توقيفية، ولا يمسح غير الحجر الأسود والركن اليماني من الكعبة؛ لأن النبي - ﷺ - لم يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين باتفاق العلماء (٢)، قال الإمام ابن القيم ﵀: «ليس عل وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه وتحط الأوزار فيه غير الحجر الأسود والركن اليماني» (٣).\nوقال ﵀ عند كلامه على خصائص مكة: «ليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيها غيرها» (٤).\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، ص ٣٨١ - ٤١٨.\n(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، ٢/ ٧٩٩.\n(٣) زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٤٨.\n(٤) زاد المعاد، ١/ ٤٨.","vol":"1","page":307},{"text":"وقال شيخ الإسلام في حكم الطواف بغير الكعبة: «وأما الطواف بذلك فهو من أعظم البدع المحرمة، ومن اتخذه دينًا يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل» (١).\nولا يجوز التمسّح، ولا تقبيل مقام إبراهيم، ولا الحجر، ولا شيئًا من جدران المسجد، ولا يُتبرّك بجبل حراء، ويُسمَّى جبل النور، ولا تشرع زيارته، ولا الصعود إليه، ولا قصده للصلاة، ولا يُتبرّك بجبل ثور، ولا تُشرع زيارته، ولا جبل عرفات، ولا جبل أبي قبيس، ولا جبل ثبير، ولا يُتبرّك بالدور: كدار الأرقم ولا غيرها، ولا تشرع زيارة جبل الطور، ولا تُشدّ الرحال إليه، ولا يُتبرّك بالأشجار والأحجار ونحوها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>وأسباب التبرك الممنوع: الجهل بالدين، والغلو في الصالحين، والتشبه بالكفار</span>، وتعظيم الآثار المكانية (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>وآثار التبرك الممنوع كثيرة منها: الشرك الأكبر</span>، وهو أعظم الآثار، وأشدها خطرًا، إذا كان التبرّك في حد ذاته شركًا، وإذا كان التبرّك يؤدّي إلى الشرك فيكون من وسائل الشرك الأكبر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>ومن آثار التبرّك الممنوع الابتداع في الدين، واقتراف المعاصي</span>، والوقوع في أنواع الكذب، وتحريف النصوص، وتحميلها ما لا تحمل، وإضاعة السنن، والتغرير بالجهال، وإضاعة الأجيال، كل هذه الأمور من آثار التبرك المحرم المذموم.\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٢١.\n(٢) انظر: التبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور الجديع، ص٤١٩ - ٤٦٤.\n(٣) انظر: التبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور الجديع، ص ٤٢٠ - ٤٨١.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>أما وسائل مقاومة التبرك الممنوع، فمنها: نشر العلم، والدعوة إلى منهج الحق</span>، وإزالة وسائل الغلو ومظاهر التبرك، وتحطيم كل وسيلة من هذه الوسائل (١).\nقال العلامة السعدي ﵀ في تعليقه على كتاب التوحيد: باب من تبرك بشجرة أو حجرة أو نحوهما: «أي فإن ذلك من الشرك، ومن أعمال المشركين؛ فإن العلماء اتفقوا على أنه لا يشرع التبرك بشيء من الأشجار، والأحجار، والبقع، والمشاهد وغيرها؛ فإن هذا التبرك غلوٌّ فيها، وذلك يتدرّج به إلى دعائها وعبادتها وهذا هو الشرك الأكبر كما تقدم انطباق الحديث عليه، وهذا عام في كل شيء حتى مقام إبراهيم، وحجرة النبي - ﷺ -، وصخرة بيت المقدس، وغيرها من البقع الفاضلة.\nوأما استلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام الركن اليماني من الكعبة المشرّفة، فهذا عبودية لله، وتعظيم لله، وخضوع لعظمته، فهو روح التّعبُّد. فهذا تعظيم للخالق وتَعبُّدٌ له، وذلك تعظيم للمخلوق، وتألُّه له. والفرق بين الأمرين كالفرق بين الدعاء لله الذي هو إخلاصٌ وتوحيدٌ، والدعاء للمخلوق الذي هو شرك وتنديد» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>سادسًا: بدع منكرة مختلفة، كثيرة جدًا:</span>\nمنها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، ص ٤٨٣ - ٥٠٦، واقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، ص ٧٩٥ - ٨٠٢، وكتاب التوحيد، للعلامة الدكتور صالح الفوزان، ص ٩٣.\n(٢) القول السديد في مقاصد التوحيد، ص٥١.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-883>١ - الجهر بالنيّة: </span>كأن يقول المسلم: نويت أن أصلي لله كذا وكذا، أو نويت أن أصوم هذا اليوم فرضًا، أو نفلًا لله تعالى، أو يقول نويت أن أتوضأ، أو نويت أن أغتسل، أو نحو ذلك، وهذا التلفّظ بالنيّة بدعة؛ لأن ذلك ليس من هدي النبي - ﷺ -؛ ولأن الله - ﷿ - يقول: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ الله بِدِينِكُمْ وَالله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ\nعَلِيمٌ﴾ (١)، والنية محلّها القلب، فهي عمل قلبي لا عمل لساني، قال الحافظ ابن رجب ﵀: «النية هي: قصد القلب ولا يجب التلفظ بما في القلب في شيء من العبادات» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>٢ - الذكر الجماعي بعد الصلوات</span>؛ والمشروع أن يقول كل واحد الذكر الوارد منفردًا، كما كان النبي - ﷺ - يذكر الله - ﷿ - أدبار الصلوات، وكما عمله الصحابة - ﵃ -؛ لأنهم المطبّقون لسنته ﵊، فلا شك أن الذكر الجماعي بدعة مخالفة لهدي النبي - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>٣ - طلب قراءة الفاتحة على أرواح الأموات</span>، أو تقرأ على الأموات، أو قراءتها بعد الدعاء للأموات، أو عند خطبة النكاح، كل ذلك من البدع المنكرة التي لم ترد عن رسول الله - ﷺ -، ولم يفعلها الصحابة - ﵃ -، وهم أعلم الناس بأحوال النبي - ﷺ -، فعُلم بذلك أن هذا الفعل بدعة مُحدثة مُنكرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>٤ - إقامة المآتم على الأموات، وصناعة الأطعمة، واستئجار المقرئين </span>لقراءة القرآن، يزعمون أن ذلك من باب العزاء، وأنه ينفع الميت، وكل\n_________\n(١) سورة الحجرات، الآية: ١٦.\n(٢) جامع العلوم والحكم، ١/ ٩٢.","vol":"1","page":310},{"text":"ذلك من البدع، والأغلال التي ما أنزل الله بها من سلطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>٥ - الأذكار الصوفية بأنواعها التي تخالف هدي محمد - ﷺ </span>-، سواء كانت المخالفة في الصيغة، أو الهيئة، أو الوقت، لقوله ﵊: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>٦ - البناء على القبور: واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها</span>، ودفن الأموات فيها، والصلاة إلى القبور، وزيارتها لأجل التبرّك بها، والتوسّل بأصحابها، أو غيرهم من الموتى، والتبرك بالصلاة عند قبورهم، أو الدعاء عندها، وزيارة النساء للقبور، واتّخاذ السّرُج عليها، كلّ ذلك من البدع المنكرة القبيحة (٢).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-889> المسلك التاسع: توبة المبتدع:</span>\nلاشك أن البدعة أخطر من المعاصي؛ فإن المعاصي إذا اجتمعت على الإنسان، وأصرّ عليها أهلكته، والبدعة أشدّ إهلاكًا من المعاصي، كما قال سفيان الثوري ﵀: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتاب منها» (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومعنى قولهم: إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زُيِّن له سوء عمله فرآه حسنًا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا؛ لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه، وبأنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب،\n_________\n(١) مسلم، ٣/ ٣٤٤، برقم ١٧١٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) انظر: كتاب التوحيد، للعلامة الدكتور صالح الفوزان، ص٩٤.\n(٣) شرح السنة، للبغوي، ١/ ٢١٦.","vol":"1","page":311},{"text":"أو استحباب؛ ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنًا، وهو سيئ في نفس الأمر؛ فإنه لا يتوب» (١)، ثم قال: «ولكن التوبة ممكنة وواقعة بأن يهديه الله، ويرشده حتى يتبيّن له الحقّ، كما هدى - ﷾ - من هدى من الكفار والمنافقين، وطوائف أهل البدع والضلال» (٢)، وقال ﵀: «ومن قال: إنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقًا فقد غلط غلطًا منكرًا» (٣)، فقد فسّر شيخ الإسلام حديث حجب التوبة عن صاحب البدعة بكلامه هذا تفسيرًا واضحًا ولله الحمد، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة» (٤)، وقد وضح المعنى لهذا الحديث في كلام ابن تيمية ﵀ آنفًا، ولا شك أن النصوص يُفسّر بعضها بعضًا، والله - ﷿ - بيّن لعباده أنه يقبل توبة التائبين إذا أقلعوا عن جرائمهم، وندموا وعزموا على أن لا يعودوا، وردّوا الحقوق إلى أهلها إن وجدت، فقال سبحانه بعد أن ذكر المشركين، والقتلة، والزناة، وتوعّدهم بالإهانة: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٥).\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٠/ ٩.\n(٢) المرجع السابق، ١٠/ ٩ - ١٠.\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١١/ ٦٨٥.\n(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، ٨/ ٦٢، برقم ٤٧١٣ [مجمع البحرين في زوائد المعجمين. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «ورجاله رجال الصحيح، غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة»، ١٠/ ١٨٩، وصحح إسناده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ١٥٤، برقم ١٦٢٠، وذكر طرقه الأخرى.\n(٥) سورة الفرقان، الآية: ٧٠.","vol":"1","page":312},{"text":"وقال - ﷿ -: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١).\nوقال - ﷾ -: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٣).\nوهذه التوبة تعمُّ من تاب من الملحدين، والكافرين، والمشركين، والمبتدعين، وغيرهم ممن تاب من أهل المعاصي، إذا اكتملت شروط التوبة، ولله الحمد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-890> المسلك العاشر: آثار البدع وأضرارها:</span>\nالبدع لها آثار خطيرة، وعواقب وخيمة، وأضرار مهلكة، منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>١ - البدع بريد الكفر</span>، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ» فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: «ومن الناس إلا أولئك» (٤).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لتتبعُنَّ سنن من كان\n_________\n(١) سورة طه، الآية: ٨٢.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٥٣.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١١٠.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، ٨/ ١٩١، برقم ٧٣١٩.","vol":"1","page":313},{"text":"قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ تبعتموهم» قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>٢ - القول على الله بغير علم</span>؛ لأن الناظر في سير المبتدعة يجدهم أكثر الناس كذبًا على الله ورسوله - ﷺ -، وقد حذر الله تعالى عن التّقوُّل عليه فقال - ﷾ -: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (٢).\nوحذّر النبي - ﷺ - عن الكذب عليه، وتوعّد من فعل ذلك بالعذاب الشديد، فقال - ﷺ -: «من تعمَّد علي كذبًا فليتبوَّأْ مقعده من النار» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>٣ - بُغض المبتدعة للسنة وأهلها</span>، وهذا مما يدل على خطورة البدع، قال الإمام إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ﵀: «وعلامات أهل البدع ظاهرة على أهلها بادية، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدّة معاداتهم لحَمَلَةِ أخبار النبي - ﷺ -، واحتقارهم لهم» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>٤ - رد عمل المبتدع</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»،وفي رواية للمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الاعتصام، باب قول النبي - ﷺ -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»،\n٨/ ١٩١، برقم ٧٣٢٠، ومسلم، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، ٤/ ٢٠٥٤، برقم ٢٦٦٩.\n(٢) سورة الحاقة، الآيات: ٤٤ - ٤٦.\n(٣) متفق عليه من حديث أنس - ﵁ -: البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي - ﷺ -،\n١/ ٤١، برقم ١٠٨، ومسلم في المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -، ١/ ٧، برقم ٢.\n(٤) عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث، ص٢٩٩.\n(٥) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: البخاري، ١/ ٩، برقم ١، ومسلم، ٢/ ١٥١٥، برقم: ١٩٠٧، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-895>٥ - سوء عاقبة المبتدع</span>؛ لأن الشيطان يريد أن يظفر بالإنسان في عقبة من عدة عقبات: العقبة الأولى: الشرك بالله تعالى، فإن نجا العبد من هذه العقبة طلبه الشيطان على عقبة البدعة، وهذا يؤكّد أن البدع أخطر من المعاصي (١)؛ ولهذا قال سفيان الثوري ﵀: «البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتاب منها» (٢)، وهذا في الغالب، والله - ﷿ - يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>٦ - انعكاس فهم المبتدع، فيرى الحسنة سيئة، والسيئة حسنة</span>، والسنة بدعة، والبدعة سنة، فعن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: «والله لتفشُوَنَّ البدع، حتى إذا تُرِكَ منها شيء قالوا: تُرِكت السنة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>٧ - عدم قبول شهادة المبتدع وروايته</span>، فقد أجمع أهل العلم من المحدِّثين والفقهاء وأصحاب الأصول على أن المبتدع الذي يكفر ببدعته لا تقبل روايته، وأما الذي لا يكفر ببدعته فاختلفوا في قبول روايته، ورجح الإمام النووي ﵀ أن روايته تقبل إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولا تقبل إذا كان داعية (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>٨ - المبتدعة أكثر من يقع في الفتن</span>، وقد حذّر الله - ﷿ - من الفتن فقال:\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ١/ ٢٢٢.\n(٢) شرح السنة، للبغوي، ١/ ٢١٦.\n(٣) أخرجه الإمام محمد بن وضاح، في كتاب فيه ما جاء في البدع، ص١٢٤، برقم ١٦٢، وانظر: آثارًا في ذلك لابن وضاح في كتابه هذا، ص١٢٤ - ١٥٦.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١/ ١٧٦.","vol":"1","page":315},{"text":"﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، فهل هناك فتنة أخطر من مخالفة سنة رسول الله - ﷺ -، وعصيان أمره؟.\nوقد حثَّ النبي - ﷺ - على الأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن فقال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>٩ - المبتدع استدرك على الشريعة</span>؛ لأنه ببدعته نصب نفسه مشرّعًا مكمِّلًا للدين، والله - ﷿ - قد أكمل الدين، وأتمَّ النعمة، قال - ﷾ -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٤)، وبيَّن - ﷾ - في القرآن الكريم كل شيء، قال - ﷿ -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>١٠ - المبتدع يلتبس عليه الحقّ بالباطل</span>؛ لأن العلم نور يهدي الله به من يشاء من عباده، والمبتدع حُرِمَ التقوى التي يُوفَّقُ صاحبها لإصابة الحق، قال الله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا\n_________\n(١) سورةالأنفال، الآية: ٢٥.\n(٢) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(٣) أخرجه مسلم عن أبي هريرة - ﵁ -، كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، ١/ ١١٠، برقم ١١٨.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٣.\n(٥) سورة النحل، الآية: ٨٩.","vol":"1","page":316},{"text":"وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>١١ - المبتدع يحمل إثمه، وإثم من تبعه</span>، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>١٢ - البدعة تُدخِل صاحبها في اللعنة</span>، ففي الحديث الذي رواه أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال فيمن أحدث في المدينة: «من أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدِثًا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا» (٣)، قال الإمام الشاطبي ﵀: «وهذا الحديث في سياق العموم، فيشمل كل حدث أُحدث فيها مما يُنافي الشرع، والبدع من أقبح الحدث» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>١٣ - المبتدع يحال بينه وبين الشرب من حوض النبي - ﷺ -، يوم القيامة</span>، فعن سهل بن سعد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أنا فرطكم على الحوض، من وَرَد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، وليردنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفوني، ثم يُحال بيني وبينهم» (٥)، وفي لفظ فأقول: «إنهم مني» فيقال:\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٩.\n(٢) مسلم، ٤/ ٢٠٦٠، برقم ٢٦٧٤، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الاعتصام، باب إثم من آوى محدثًا، ٨/ ١٨٧، برقم ٧٣٠٦، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة، ٢/ ٩٩٤، برقم ١٣٦٦.\n(٤) الاعتصام، ١/ ٩٦.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب في حوض النبي - ﷺ -، ٧/ ٢٦٤، برقم ٦٥٨٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته، ٤/ ١٧٩٣، برقم ٢٢٩٠.","vol":"1","page":317},{"text":"إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: «سحقًا سحقًا لمن غيّر بعدي» (١)، وعن شقيق عن عبد الله - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «يا ربّ أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (٢).\nوعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليَّ منكم، وسيؤخذ ناسٌ من دوني فأقول: يا ربِّ مني ومن أمتي فيقال: هل شَعَرْت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم»، فكان ابن أبي مليكة يقول: «اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو أن نُفتن في ديننا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>١٤ - المبتدع مُعْرِضٌ عن ذكر الله</span>؛ لأن الله - ﷿ - شرع لنا أذكارًا ودعوات في كتابه، وعلى لسان رسوله محمد - ﷺ -، فمنها ما هو مقيّد: كأذكار أدبار الصلوات، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ منه، ومنها ما هو مُطلق لم يحدَّد بزمان ولا مكان، قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا الله ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٤)، فالمبتدعة معرضون عن هذه الأذكار: إما بانشغالهم ببدعهم وافتتانهم\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب في حوض النبي - ﷺ -، ٧/ ٢٦٤، برقم ٦٥٨٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقائق، باب في حوض - ﷺ -، ٧/ ٢٦٢، برقم ٦٥٧٥، ومسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ -، ٤/ ١٧٩٦، برقم ٢٢٩٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقائق، باب في حوض النبي - ﷺ -، ٧/ ٢٦٦، برقم ٦٥٩٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته، ٤/ ١٧٩٤، برقم ٢٢٩٣.\n(٤) سورة الأحزاب، الآيتان: ٤١ - ٤٢.","vol":"1","page":318},{"text":"بها، وإما باستبدال الأذكار المشروعة بأذكار بدعية، استغنوا بها عما شرع الله ورسوله - ﷺ -، فأعرضوا بها عن ذكر الله تعالى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>١٥ - المبتدعة يكتمون الحقّ، ويُخفونه على أتباعهم</span>، وقد توعّد الله هؤلاء وأمثالهم باللعنة، قال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>١٦ - عمل المبتدع يُنَفِّر عن الإسلام</span>، فإذا عمل بخرافات بدعته سَبَّبَ ذلك سخرية أعداء الإسلام بالدين الإسلامي، وهو من هذه البدع بريء (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>١٧ - المبتدع يفرّق الأمة؛ فإنه ببدعته يفرّق هو وأتباعه المسلمين</span>، فيوجد بسبب ذلك أحزابًا وشيعًا متفرّقة، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>١٨ - المبتدع المجاهر ببدعته تجوز غيبته؛ لتحذير الأمة من بدعته</span>، ولاشك أن من أظهر بدعته فهو أشدّ خطرًا ممن أظهر فسقه، والغيبة\n_________\n(١) انظر: تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار، للدكتور صالح بن سعد السحيمي، ص١٨٩\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٩.\n(٣) انظر: تنبيه أولي الأبصار، للدكتور صالح السحيمي، ص١٩٥.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":319},{"text":"محرّمة بالكتاب والسنة، ولكن تُباح بغرض شرعي لستة أسباب (١): التظلّم، والاستعانة على تغيير المنكر، والاستفتاء، وتحذير المسلمين من الشرّ، وإذا جاهر بفسقه، وبدعته، والتعريف (٢)، وقد جمع بعضهم هذه الأمور الستة في قوله:\nالقدحُ ليس بغيبةٍ في ستةٍ ... متظلِّمٍ ومعرِّفٍ ومحذِّرٍ\nومجاهر فسقًا ومستفتٍ ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>١٩ - المبتدع متبع لهواه معاند للشرع، ومشاقّ له </span>(٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>٢٠ - المبتدع قد نزَّل نفسه منزلة المضاهي للشارع</span>؛ لأن الله وضع الشرائع، وألزم المكلفين بالجري على سننها (٥).\nوالله أسأل لي ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ١٤٢، وانظر: تنبيه أولي الأبصار، للدكتور السحيمي، ص ١٥٣ - ١٩٨.\n(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ١٠/ ٤٧١، ٧/ ٨٦.\n(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز، مقدمة الألباني، ص٤٣.\n(٤) انظر: الاعتصام للشاطبي، ١/ ٦١.\n(٥) انظر: المرجع السابق، ١/ ٦١ - ٧٠.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>المبحث السابع: نور التقوى وظلمات المعاصي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>المطلب الأول: نور التقوى وثمراتها</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-913> المسلك الأول: مفهوم التقوى:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>التقوى لغة: </span>الحذر، يقال: اتقيت الشيء، وتَقَيْتُهُ أتقيه تُقَى، وتِقيَّةً، وتِقاءً: حذرتُه. وقوله - ﷿ -: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (١)، أي هو أهلٌ أن يُتّقى عقابه، وأهل أن يُعمل بما يُؤدّي إلى مغفرته (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>وأصل التقوى: </span>أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقايةً تقيه منه، فتقوى العبد لربه: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه: من غضبه وسخطه، وعقابه وقايةً من ذلك. وهو فعل طاعته واجتناب معصيته (٣)، فظهر من ذلك أن حقيقة التقوى كما قال طلق بن حبيب ﵀: «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله» (٤).\nويدخل في التقوى الكاملة: فعل الواجبات، وترك المحرّمات، والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك فعلُ المندوبات، وترك المكروهات، وهو أعلى درجات التقوى (٥)، وقد عرّف التقوى الكاملة\n_________\n(١) سورة المدثر، الآية: ٥٦.\n(٢) انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الياء، فصل الواو، مادة «وقي»، ١٥/ ٤٠٢، والقاموس المحيط، باب الياء، فصل الواو، مادة «وقى»، ص١٧٣١.\n(٣) جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ١/ ٣٩٨، وانظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير، ٢/ ١٨١.\n(٤) جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ١/ ٤٠٠.\n(٥) المرجع السابق، ١/ ٣٩٩.","vol":"1","page":321},{"text":"الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - ﵁ - في تفسيره لقول الله - ﷿ -: ﴿اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١)، فقال: «أن يُطاع فلا يُعصَى، ويُذكر فلا يُنسَى، وأن يُشكر فلا يُكفر» (٢)، قال الحافظ ابن رجب ﵀: «وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات، ومعنى ذكره فلا يُنسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته، وسكناته، وكلماته: فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها» (٣).\nوذكر الإمام القرطبي ﵀: «أن قول الله - ﷿ -: ﴿اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بَيَّنه قوله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)، وأن المعنى: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، وبيّن أن هذا أصوب من القول بالنسخ؛ لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع، والجمع ممكن فهو أولى» (٥).\nوقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرّمات، كما قال أبو هريرة - ﵁ - وسُئل عن التقوى؟ فقال: «هل أخذت طريقًا ذا شوكٍ؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوكَ عدلتُ عنه، أو جاوزتُه، أو قصرتُ عنه، قال: ذاك التقوى، وأخذ هذا المعنى ابن المعتز، فقال:\nخلِّ الذنوب صغيرَها ... وكبيرَها فهو التقى\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n(٢) أخرجه الطبراني، في المعجم الكبير، ٩/ ٩٢، برقم ٨٥٠٢، والحاكم في المستدرك، ٢/ ٢٩٤، وابن جرير في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٧/ ٦٥، وذكر طرقًا كثيرة من رقم ٧٥٣٦ إلى رقم ٧٥٥١.\n(٣) جامع العلوم والحكم، ١/ ٤٠١.\n(٤) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ٤/ ١٦٦.","vol":"1","page":322},{"text":"واصنع كماشٍ فوق ... أرض الشوك يحذر ما يَرَى\nلا تحقرنَّ صغيرة ... إن الجبالَ من الحصى (١)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-916> المسلك الثاني: أهمية التقوى:</span>\nالتقوى من أهم أسباب الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة؛ لأمور، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>أولًا: أن الله - ﷿ - أوصى الأوّلين والآخرين بالتقوى </span>فقال - ﷾ -: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ الله﴾ (٢)، فهذه وصية عظيمة للأولين والآخرين بالتقوى المتضمِّنة للأمر والنهي، وتشريع الأحكام، والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب، والمعاقبة لمن ضيَّعها وأهملها بأليم العقاب، ولهذا قال: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ الله غَنِيًّا حَمِيدًا﴾.\nقال العلامة السعدي ﵀: «﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ بأن تتركوا تقوى الله وتشركوا بالله ما لم يُنزِّل به سلطانًا فإنكم لا تضرون بذلك إلا أنفسكم، ولا تضرون الله شيئًا، ولا تنقصون ملكه، وله عبيد خير منكم وأعظم وأكثر، مطيعون له، خاضعون لأمره؛ ولهذا رتّب على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ الله غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ له الجود الكامل، والإحسان الشامل، الصادر من خزائن رحمته التي لا ينقصها الإنفاق، ولا يغيضها نفقةـ سحّاء الليل والنهار» (٣).\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ١/ ٤٠٢.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٣١.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص١٧١.","vol":"1","page":323},{"text":"والحميد من أسماء الله تعالى الحسنى الدال على أنه المستحق لكل حمد ومحبة، وثناء وإعظام، وذلك لما اتّصف به من صفات الحمد، التي هي صفة الجمال والجلال؛ ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، فهو المحمود على كل حال، وما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين «الغني الحميد»؛ فإنه غني محمود، فله كمال من غناه، وكمال من حمده، وكمال من اقترن أحدهما بالآخر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>ثانيًا: أمر الله - ﷿ - بالتقوى، وأوجب العمل بها على عباده في آيات كثيرة، منها:</span>\n١ - قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (٢).\n٢ - وقال - ﷿ -: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (٣).\n٣ - وقال - ﷿ -: ﴿وَاتَّقُواْ الله وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤).\n٤ - قال الله - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٥).\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، ص١٧١.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٤٨، وانظر: الآية: ١٢٣.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٣١.\n(٥) سورة النساء، الآية: ١.","vol":"1","page":324},{"text":"٥ - وقال - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٦)، والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة جدًا (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>ثالثًا: أمَرَ النبيُّ - ﷺ - بالتقوى، وحث عليها في أحاديث كثيرة، منها:</span>\n١ - عن أبي أمامة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب في حجة الوداع فقال: «اتقوا الله ربكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدُّوا زكاة أموالِكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم» (٨).\n٢ - أوصى النبي - ﷺ - معاذ بن جبل - ﵁ - بالتقوى، ووصيّته لرجل واحد وصيّة للأمة فقال: «اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيّئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (٩)، وقوله - ﷺ -: «اتقِ الله حيثما كنت»، قال الحافظ ابن رجب ﵀: «مراده في السر والعلانية، حيث يراه الناس وحيث لا يرونه» (١٠)، وكان النبي - ﷺ - يسأل الله - ﷿ - خشيته في السر والعلانية فيقول في دعائه: «... أسألك خشيتك في الغيب والشهادة» (١)،\n_________\n(٦) سورة الحشر، الآية: ١٨.\n(٧) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص٧٥٩ - ٧٦٠، فقد ذكر الأمر بالتقوى في تسعةٍ وسبعين موضعًا في القرآن الكريم.\n(٨) الترمذي، كتاب الصلاة، بابٌ منه: ١/ ٢، برقم ٦١٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ١٩٠، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٦٧.\n(٩) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس،٤/ ٣٥٥،برقم ١٩٨٧،وقال: «هذا حديث حسن صحيح»،وأحمد في المسند،٥/ ١٥٣،والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي،١/ ٥٤.\n(١٠) جامع العلوم والحكم، ١/ ٤٠٧.\n(١) النسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر: نوع آخر، ٣/ ٥٤، برقم ١٣٠٥، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٨٠، وهو حديث طويل.","vol":"1","page":325},{"text":"قال الحافظ ابن رجب ﵀: «وخشية الله في الغيب والشهادة: هي من المنجيات» (٢)، وقال: «وكان الإمام أحمد ينشد:\nإذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل ... خلوتُ ولكن قُل عليَّ رقيبُ\nولا تحسبنّ الله يغفُلُ ساعةً ... ولا أن ما يُخفى عليه يغيبُ (٣)\n\nوقال ابنُ السَّمَّاك ﵀ (٤) ينشد:\nيا مُدمِن الذنب أما تستحي ... والله في الخلوةِ ثانيكا\nغرَّك من ربك إمهالُهُ ... وسَتْرُهُ طُولَ مساويكا (٥)\n\nوقال أبو محمد عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني ﵀ في نونيته:\nوإذا ما خلوت بريبة في ظُلمةٍ ... والنفسُ داعيةٌ إلى الطُّغيان\nفاستحي من نَظَرِ الإله وقُل لها ... إن الذي خلق الظلام يراني (٦)\n\nوقال آخر:\nيا من يرى مدَّ البعوض جناحه ... في ظلمة الليل البهيم الأليَل\n_________\n(٢) جامع العلوم والحكم، ١/ ٤٠٧.\n(٣) المرجع السابق، ١/ ٤٠٩.\n(٤) هو الزاهد القدوة سيد الوعاظ، أبو العباس محمد بن صبيح العجلي ابن السماك، المتوفى سنة ١٩٣هـ، انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، ٨/ ٣٢٨ - ٣٣٠.\n(٥) جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ١/ ٤١٠.\n(٦) نونية القحطاني، ص٢٥.","vol":"1","page":326},{"text":"ويرى نياط عروقها في نحرها ... والمخ يجري في تلك العظام النُّحَل\nامنن عليَّ بتوبةٍ تمحو بها ... ما كان مني في الزمانِ الأول\n\n٣ - وعن العرباض بن سارية - ﵁ - قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودِّعٍ فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسّمع والطاعة ...» (١).\nقال الحافظ ابن رجب ﵀: «فهاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والآخرة» (٢).\n٤ - وعن بريدة - ﵁ - أنه قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا أمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سرية أوصاه في خاصّتِهِ بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ...» (٣).\n٥ - لأَهمِّية التقوى دعا النبي - ﷺ - ربه فسأله التُّقَى، فعن ابن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>رابعًا: أكثر ما يُدخل الجنةَ التقوى</span>، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سُئل\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، ٤/ ٢٠١، برقم ٤٦٠٧، والترمذي، ٥/ ٤٤، برقم ٢٦٧٦، وأحمد في المسند،\n٤/ ٤٦، وابن ماجه، ١/ ١٥، برقم ٤٣، ٤٤.\n(٢) جامع العلوم والحكم، ٢/ ١١٦.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، ٣/ ١٣٥٦، برقم ١٧٣١.\n(٤) مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما علم ومن شر ما لم يعلم، ٤/ ٢٠٨٧، برقم ٢٧٢١.","vol":"1","page":327},{"text":"رسول الله - ﷺ - عن أكثر ما يُدخل الناسَ الجنةَ، فقال: «تقوى الله، وحسن الخلق»،وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: «الفم، والفرج» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>خامسًا: التقوى أهم من اللباس الحسّي الذي لا غنى للإنسان عنه</span>؛ لأن لباس التقوى لا يبلى ولا يبيد، ويستمرّ مع العبد، وهو جمال القلب والروح، وأما اللباس الظاهر فغايته أن يستر العورة الظاهرة، في وقت من الأوقات، أو يكون جمالًا للإنسان، وليس وراء ذلك منه نفع، وبتقدير عدم هذا اللباس تنكشف عورته الظاهرة التي لا يضرّه كشفها مع الضرورة، أما بتقدير عدم لباس التقوى، فإنه تنكشف عورته الباطنة، وينال الخزي والفضيحة (٢)، قال الله - ﷿ -: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٣)، وهذا اللباس هو الذي لا يستغني عنه الإنسان طرفة عين، وبدونه لا قيمة له ولا كرامة ولا فلاح، ولقد أحسن القائل حين قال:\nإذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى ... تقلّب عريانًا ولو كان كاسيا\nوخير لباس المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان لله عاصيًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>سادسًا: التقوى أهم من الطعام والشراب</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (٤)، قال ابن عمر ﵄:\n_________\n(١) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق، ٤/ ٣٦٣، برقم ٢٠٠٤، وقال: «هذا حديث صحيح غريب»، وحسن الألباني إسناده، في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٩٤.\n(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٤٨.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٦.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.","vol":"1","page":328},{"text":"«إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر» (١).\nوأمر الله - ﷿ - بالتزود في السفر؛ لأن في التزوّد الاستغناء عن المخلوقين، والكفّ عن أموالهم؛ ولأن التزود فيه نفع وإعانة للمسافرين، وهذا الزاد المراد منه: إقامة البنية: بلغةً ومتاعًا. ولما أمر الله بالزاد للسفر في الدنيا أمر بالزاد الحقيقي: زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، وهو الزاد المستمر نفعه لصاحبه في دنياه وأخراه، فهو زاد التقوى، الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل إلى أكمل لذّة، وأجلِّ نعيم، ومن ترك هذا الزاد فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر، وممنوع من الوصول إلى دار المتقين (٢)، وقد أحسن القائل:\nتزوَّدْ من التقى فإنك لا تدري ... إذا جُنَّ ليل هل تعيش إلى الفجر\nفكم من صحيح مات من غير علة ... وكم من عليل عاش حينًا من الدهر\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-923> المسلك الثالث: صفات المتقين:</span>\nالمتقون لهم صفات وأعمال نالوا بها السعادة في الدنيا والآخرة، ومن هذه الصفات على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>أولًا: قال الله - ﷿ -: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ* </span>الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٣)، ففي\n_________\n(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير،١/ ٢٢٧،وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٧٤.\n(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٧٤.\n(٣) سورة البقرة، الآيات: ١ - ٤.","vol":"1","page":329},{"text":"هذه الآيات مجموعة مباركة من صفات المتقين، هي:\nالإيمان بالغيب.\nإقام الصلاة.\nالإنفاق الواجب والمستحب في جميع طرق الخير.\nالإيمان بالقرآن والكتب المنزلة السابقة.\nالإيقان والإيمان الكامل بالآخرة، واليقين هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك.\nومن عمل بهذه الصفات كان على الهدى العظيم، وكان من المفلحين الفائزين في الدنيا والآخرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>ثانيًا: قال الله - ﷿ -: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ </span>وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢)، ففي هذه الآية العظيمة بيّن الله - ﷿ - كثيرًا من أعمال المتقين، وصفاتهم الكريمة العظيمة، وهي:\nالإيمان بالله - ﷿ -.\nالإيمان باليوم الآخر.\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٤.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.","vol":"1","page":330},{"text":"الإيمان بالملائكة.\nالإيمان بالكتب التي أنزل الله - ﷿ -.\nالإيمان بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nإعطاء المال، للأقرباء، واليتامى، والمساكين، والمسافرين، والسائلين، وإعتاق الرقاب.\nإقام الصلاة.\nإيتاء الزكاة.\nالوفاء بالعهد.\nالصبر في الفقر، والمرض، ووقت قتال الأعداء.\nالصدق في الأقوال، والأفعال، والأحوال.\nفهؤلاء الذين عملوا هذه الأعمال صدقوا في إيمانهم؛ لأن أعمالهم صدَّقت إيمانهم، وهم المفلحون؛ لأنهم تركوا المحظورات وفعلوا المأمورات؛ ولأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير: تضمنًا ولزومًا؛ لأن الوفاء بالعهد يدخل فيه الدين كله، ومن قام بهذه الأعمال كان لما سواها أقوم، فهؤلاء هم الأبرار الصادقون، المتقون (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>ثالثًا: قال الله - ﷿ - بعد أن بيّن أن الشهوات زُيِّنت للناس: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ </span>جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* الصَّابِرِينَ\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦٦.","vol":"1","page":331},{"text":"وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (١)، وقد ظهرت أعمال مباركة، وصفات كريمة من صفات المتقين في هذه الآيات الثلاث، هي:\nالتوسّل إلى الله - ﷿ - بالإيمان به.\nطلب المغفرة من الله - ﷿ -.\nطلبهم من الله - ﷿ - الوقاية من عذاب النار.\nالصبر على طاعة الله وعن محارم الله، وعلى أقدار الله المؤلمة.\nالصدق في الأقوال والأعمال والأحوال.\nالقنوت الذي هو دوام الطاعة مع الخشوع.\nالإنفاق في سبيل الخيرات على الفقراء وأهل الحاجات.\nالاستغفار خصوصًا وقت الأسحار؛ لأنهم مدّوا الصلاة إلى وقت السحر فجلسوا يستغفرون الله تعالى (٢).\nفهؤلاء لهم أصناف الخيرات والنعيم المقيم، ولهم رضوان الله، الذي هو أكبر من كل شيء، ولهم الأزواج المطهّرة من كل آفة ونقص: جميلات الأخلاق، كاملات الخلائق (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>رابعًا: قال الله - ﷿ -: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ </span>وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيات: ١٥ - ١٧.\n(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص١٠٣.\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري، ٦/ ٢٥٩ - ٢٦٧، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص١٠٣.","vol":"1","page":332},{"text":"وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (١)، في هذه الآيات أعمال عظيمة وصفات كريمة لأهل التقوى، ذكرها الله بعد أن أمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي أعدها للمتقين، وهذه الصفات على النحو الآتي:\nالإنفاق: في العسر واليسر، والشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض.\nكظم الغيظ وعدم إظهاره، والصبر على مقابلة المسيء إليهم، فلا ينتقمون منه.\nالعفو عن كل من أساء إليهم بقول أو فعل.\nذكر الله وما توعّد به العاصين، ووعد به المتقين فيسألوه المغفرة لذنوبهم.\nالمبادرة للتوبة والاستغفار عند عمل السيئات الكبيرة والصغيرة.\nعدم الإصرار على الذنوب والاستمرار عليها، بل تابوا عن قريب.\nثم بيّن الله - ﷿ - جزاءَهم على عمل هذه الصفات: مغفرة من ربهم وجنات فيها من النعيم المقيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (٢).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيات: ١٣٣ - ١٣٦.\n(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ١/ ٣٨٤، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص١١٦.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>خامسًا: قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * </span>آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١).\nفي هذه الآيات أعمال عظيمة من أعمال المتقين، وصفات كريمة، هي:\nالإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله.\nصلاة الليل الدالة على الإخلاص وتواطؤ القلب واللسان، فكان نومهم بالليل قليلًا.\nالاستغفار بالأسحار قبيل الفجر، فقد مدّوا صلاتهم إلى السحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل يستغفرون الله.\nالإنفاق على المحتاجين الذين يطلبون من الناس، والذين لا يسألونهم.\nوهذه صفات المتقين الذين أدخلهم الله الجنات المشتملات على جميع أصناف الأشجار والفواكه، وعلى العيون السارحة تشرب منها تلك البساتين، ويشرب منها عباد الله المتقون (٢).\nوهذه نماذج وأمثلة من صفات المتقين، وهي كثيرة في كتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله - ﷺ -.\n_________\n(١) سورة الذاريات، الآيات: ١٥ - ١٩.\n(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٧٥١.","vol":"1","page":334},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-929> المسلك الرابع: ثمرات التقوى:</span>\nالتقوى لها ثمرات يجنيها المتقي في الدنيا والآخرة، وعلى حسب العمل بصفات المتقين يكون السبق في الحصول على هذه الثمرات، ومن هذه الثمار على سبيل المثال لا الحصر، ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>أولًا: الانتفاع بالقرآن الكريم، والفوز بهداية الإرشاد، وهداية التوفيق</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>ثانيًا: معيّة الله مع المتقين</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَاتَّقُواْ الله وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢)،وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٣)، وهذه معيّة التوفيق والتسديد، والنصرة، والتأييد، والإعانة، والحماية، كما قال الله - ﷿ - حكاية عن محمد - ﷺ - وقوله لأبي بكر - ﵁ -: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ (٤)، وأمّا المعيّة العامّة فهي معيّة شاملة لكل شيء، بسمعه، وبصره، وعلمه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>ثالثًا: المكانة العالية عند الله يوم القيامة</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٦).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان: ١ - ٢.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٤.\n(٣) سورة النحل، الآية: ١٢٨.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ٤٠.\n(٥) سورة الحديد، الآية: ٤.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ٢١٢.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-933>رابعًا: التوفيق لنيل العلم النافع وتحصيله</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَاتَّقُواْ الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>خامسًا: التقوى تثمر دخول الجنة وما فيها من أنواع النعيم</span>، ومن ذلك، ما يأتي:\n١ - الفوز بالجنة، قال الله - ﷿ -: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (٢).\n٢ - ميراث الجنة، قال - ﷿ -: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤)، وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٥).\n٣ - المتقون لهم نعم الدرجات، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦).\n٤ - نيل ما تشتهيه الأنفس، قال الله - ﷿ -: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي الله الْمُتَّقِينَ﴾ (٧)، وقال\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥.\n(٣) سورة مريم، الآية: ٦٣.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣.\n(٥) سورة النساء، الآية: ٧٧.\n(٦) سورة النحل، الآية: ٣٠.\n(٧) سورة النحل، الآية: ٣١.","vol":"1","page":336},{"text":"- ﷾ -: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).\n٥ - المتقون يحشرون وفدًا، قال الله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ (٢)، ذكر الإمام الطبري ﵀ بسنده عن عليٍّ - ﵁ -: أنهم يحشرون على نُوقٍ من الإبل عليها رحائل الذهب، وأزمّتها الزبرجد، يركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة (٣).\n٦ - المتقون تقرّب لهم الجنة، قال الله - ﷿ -: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (٥).\n٧ - المتقون لهم في الجنة غرف مبنية من فوقها غرف، يُرى ظاهِرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، قال الله - ﷿ -: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله الْمِيعَادَ﴾ (٦)،وقال - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٧).\n٨ - المتقون لا يمسّهم العذاب بل ينجّيهم الله بنجاتهم، قال الله - ﷿ -:\n_________\n(١) سورة الزخرف، الآية: ٧١.\n(٢) سورة مريم، الآية: ٨٥.\n(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١٨/ ٢٥٤ - ٢٥٥.\n(٤) سورة الشعراء، الآية: ٩٠.\n(٥) سورة ق، الآية: ٣١.\n(٦) سورة الزمر، الآية: ٢٠.\n(٧) سورة العنكبوت، الآية: ٥٨.","vol":"1","page":337},{"text":"﴿وَيُنَجِّي الله الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١).\n٩ - المتقون يَسلمون من عذاب جهنم ويمرون على الصراط، قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢).\n١٠ - صحبة المتقين ومحبتهم دائمة في الدنيا والآخرة، وكل صحبة غيرها فإنها تنقلب يوم القيامة إلى عداوة، قال الله - ﷿ -: ﴿الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ﴾ (٣).\n١١ - المتقون لهم المقام الأمين، قال الله - ﷾ -: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤).\n١٢ - التقوى تثمر ورود أنهار الجنة والشرب منها، قال الله - ﷿ -: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٦١.\n(٢) سورة مريم، الآية: ٧١ - ٧٢.\n(٣) سورة الزخرف، الآية: ٦٧.\n(٤) سورة الدخان، الآيات: ٥١ - ٥٧.","vol":"1","page":338},{"text":"حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (١).\n١٣ - المتقون في مقعد صدق عند الله - ﷿ -، قال - ﷾ -: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (٢).\n١٤ - المتقون أثمرت لهم تقواهم السير تحت ظلال أشجار الجنة، والتنعم بما يشتهون، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣)، وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمّر السريع في ظلها مائة عام ما يقطعها» (٤).\n١٥ - المتقون لهم حسن المرجع في الجنة، قال الله - ﷿ -: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>سادسًا: محبة الله للمتقين</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦)، وقال - ﷾ -: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧)، وقال النبي\n_________\n(١) سورة محمد، الآية: ١٥.\n(٢) سورة القمر، الآيتان: ٥٤ - ٥٥.\n(٣) سورة المرسلات، الآيات: ٤١ - ٤٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ٧/ ٢٥٦، برقم ٦٥٥٣، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، ٤/ ٢١٧٥، برقم ٢٨٦٦.\n(٥) سورة ص، الآيات: ٤٩ - ٥٤.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ٧٦.\n(٧) سورة التوبة، الآية: ٤، والآية: ٧.","vol":"1","page":339},{"text":"- ﷺ -: «إن الله يحب العبدَ التَّقِيَّ، الغنيَّ، الخفيَّ» (١)، وذكر الإمام القرطبي، والإمام النووي، رحمهما الله: أن المراد بالغني غني النفس، هذا هو المعنى المحبوب؛ لقوله - ﷺ -: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» (٢)، وقيل: يعني به: من استغنى بالله، ورضي بما قسم الله له، والخفيّ: يعني به الخامل الذي لا يريد العلوَّ في الدنيا، ولا الظهور في مناصبها، وجاء في بعض الروايات: «إن الله يحب العبد التقي، الغني، الحفيّ»، ومعنى: الحفي: أي العالم من قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (٣)، وقيل: الوصول للرحم اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء، والساعي في حوائجهم (٤)، وقال النووي: «والصحيح بالمعجمة» أي: الخفي (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>سابعًا: عدم الخوف من ضرر وكيد الأعداء</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>ثامنًا: التقوى سبب لنزول المدد من السماء</span>، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب،٤/ ٢٢٧٧،برقم ٢٩٦٥،من حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الرقاق، باب الغنى غنى النفس،\n٧/ ٢٢٨، برقم ٦٤٤٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض، ٢/ ٧٢٦، برقم ١٠٥١.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.\n(٤) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٧/ ١٢٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٣١٤.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٣١٤.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ١٢٠.","vol":"1","page":340},{"text":"* بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>تاسعًا: التقوى تثمر عدم العدوان، وعدم إيذاء عباد الله</span>، قال الله - ﷿ -:\n﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)، وقال - ﷾ - في قصة مريم: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>عاشرًا: قبول الأعمال الصالحة، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ </span>(٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>الحادي عشر: حصول الفلاح؛ لأن من اتقى الله أفلح كل الفلاح</span>، ومن ترك تقواه حصل له الخسران، وفاتته الأرباح، قال الله - ﷿ -: ﴿فَاتَّقُواْ الله يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>الثاني عشر: التقوى تمنع صاحبها الزيغ والضلال بعد الهداية</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٦)، وصراط الله الموصل إليه وإلى جنته ما بيّنه الله - ﷿ - في كتابه من الأحكام والشرائع، والأخلاق الكريمة،\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيات: ١٢٣ - ١٢٥.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(٣) سورة مريم، الآيتان: ١٧ - ١٨.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٢٧.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ١٠٠.\n(٦) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.","vol":"1","page":341},{"text":"فمن اتبع صراط الله - ﷿ - بالقيام بالمأمورات والابتعاد عن المنهيات\n-اعتقادًا، وعلمًا، وعملًا، وقولًا-نال الفوز والفلاح، وكان من عباد الله المتقين، وسلم من الزيغ والضلال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>الثالث عشر: السلامة من الخوف والحزن، فمن اتقى ما حرّم الله عليه: </span>من الشرك، والكبائر، والصغائر، وأصلح أعماله الظاهرة والباطنة، فلا خوف عليه من الشر، ولا يحزن على ما مضى، فإذا انتفى الخوف والحزن حصل الأمن التام، والسعادة والفلاح الأبدي (٢)، قال الله - ﷿ -:\n﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>الرابع عشر: التقوى تثمر البركات من السماء والأرض</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (٤)، وقال - ﷿ - في أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>الخامس عشر: الحصول على رحمة الله - ﷿ </span>-،قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)، وقال\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٤٣.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ص٢٥٠.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٣٥.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ٩٦.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ٦٦.\n(٦) سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.","vol":"1","page":342},{"text":"- ﷿ -: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>السادس عشر: التقوى تثمر الفوز بولاية الله</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالله وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>السابع عشر: التقوى تثمر توفيق صاحبها للتفريق بين الحق والباطل</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٤).\nفقد بيّن الله - ﷿ - أن من اتّقاه حصل له أربعة أمور عظيمة، كل واحد منها خير من الدنيا وما فيها:\nالأول: الفرقان، وهو العلم والهدى الذي يُفرِّق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام.\nوالثاني والثالث: تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، وكل واحد منهما داخل في الآخر عند الإطلاق، وعند الاجتماع: يفسر تكفير السيئات، بالذنوب الصغائر، ومغفرة الذنوب بتكفير الكبائر.\nالرابع: الأجر العظيم والثواب الجزيل (٥). وقال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٥.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٣٤.\n(٣) سورة الجاثية، الآية: ١٩.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ٢٩.\n(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٨١.","vol":"1","page":343},{"text":"آمَنُوا اتَّقُوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>الثامن عشر: التقوى تثمر حماية الإنسان من ضرر الشيطان</span>، فيذكر صاحبها ما أوجب الله عليه، ويبصر ويستغفر، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>التاسع عشر: البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤)، أما البشرى في الدنيا، فهي: الثناء الحسن، والمودة في قلوب المؤمنين، والرّؤيا الصالحة (٥)، وما يراه العبد من لطف الله به، وتيسيره لأحسن الأعمال، والأخلاق، وصرفه عن مساوئ الأخلاق. وعن أبي ذر - ﵁ - قال: قيل لرسول الله - ﷺ -: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» (٦).\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية: ٢٨.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٠١.\n(٤) سورة يونس، الآيات: ٦٢ - ٦٤.\n(٥) انظر: صحيح مسلم، كتاب الرؤيا، ٤/ ١٧٧٤، برقم ٢٢٦٣، ٢٢٦٤.\n(٦) مسلم، كتاب البر والصلة، باب إذا أُثنيَ على الصالح فهي بشرى ولا تضره،٤/ ٢٠٣٤،برقم ٢٦٤٢.","vol":"1","page":344},{"text":"قال الإمام النووي ﵀: «قال العلماء: معناه: هذه البشرى المعجلة له بالخير، وهي دليل على رضا الله تعالى عنه، ومحبته له فَيُحَبِّبه إلى الخلق ... هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم» (١).\nوأما البشارة في الآخرة فأولها البشارة عند قبض أرواحهم كما قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٢)، والبشارة في القبر برضى الله والنعيم المقيم، وفي الآخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب الأليم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>العشرون: حفظ الأجر؛ فإنه من يتقي فعل ما حرم الله، ويصبر على الطاعات</span>، وعن المحرمات، وعلى أقدار الله المؤلمة لا يضيع أجره، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>الحادي والعشرون: العاقبة الحميدة الحسنة في الدنيا والآخرة للمتقين</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٥)، وقال - ﷿ -: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٦)،\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢٨.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٠.\n(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣٢٤،والطبعة القديمة،٣/ ٣٦٧.\n(٤) سورة يوسف، الآية: ٩٠.\n(٥) سورة طه، الآية: ١٣٢.\n(٦) سورة الأعراف، الآية: ١٢٨.","vol":"1","page":345},{"text":"وقال - ﷾ -: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، وقال - ﷾ -: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ\nلِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، وكان النبي - ﷺ - يدعو بحسن العاقبة فيقول: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>الثاني والعشرون: الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة للمتقين</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>الثالث والعشرون: التقوى تفرق بين المؤمنين والفجار</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٥)، وقال - ﷿ -: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٦)، وقال - ﷾ -: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٧)، فالله - ﷿ - لا يجعل المتقين القائمين بما أمر به المبتعدين عما نهى عنه، كالمفسدين في الأرض والمكثرين من الذنوب المقصّرين في حقوق ربهم؛ فإن حكمته\n_________\n(١) سورة هود، الآية: ٤٩.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٨٣.\n(٣) أحمد في المسند، ٤/ ١٨١، والطبراني في الكبير، ٢/ ٣٣، برقم ١١٩٦، ١١٩٧، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٧٨: «رجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني ثقات».\n(٤) سورة النور، الآية: ٥٢.\n(٥) سورة ص، الآية: ٢٨.\n(٦) سورة الجاثية، الآية: ٢١.\n(٧) سورة القلم، الآيات: ٣٤ - ٣٦.","vol":"1","page":346},{"text":"تعالى لا تقتضي أن يجعل المتقين القانتين لربهم المنقادين لأوامره، المتبعين مراضيه كالمجرمين الذين وقعوا في معاصيه والكفر بآياته، ومن ظن أنه تعالى يسوِّي بين هؤلاء في الدنيا والآخرة فقد أساء الحكم وحكمه باطل ورأيه فاسد؛ فإن الحكم الواقع القطعي أن المؤمنين المتقين لهم النصر، والفلاح، والسعادة في العاجل والآجل كلٌّ على قدر عمله، وأن المجرمين المسيئين لهم الغضب والإهانة، والعذاب، والشقاء في الدنيا والآخرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>الرابع والعشرون: التقوى سبب لتعظيم شعائر الله</span>؛ لأن شعائر الله أعلام الدين الظاهرة، وتعظيمها إجلالها، والقيام بها، وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد، وهذا التعظيم صادر من تقوى القلوب، فالمعظِّم لها يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه؛ لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله، وإجلاله (٢)،قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>الخامس والعشرون: التقوى تصلح بها الأعمال وتُقبل</span>، قال الله - ﷿ -:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤)، فأمر سبحانه بالتقوى في السر والعلانية، وخصّ منها القول السديد، وهذا القول الموافق للصواب أو المقارب له عند تعذّر اليقين: من قراءة، وذكرٍ، وأمرٍ بالمعروف، ونهي عن المنكر، وتعلّم العلم وتعليمه، والحرص على\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٧٢٢، ٨١٥.\n(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٤٨٧.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٣٢.\n(٤) سورة الأحزاب، الآيتان: ٧٠ - ٧١.","vol":"1","page":347},{"text":"إصابة الصواب في المسائل العلمية، ولين الكلام، ولطفه، ويترتّب على ذلك صلاح العمل فلا يفسد، ومغفرة الذنوب، فبالتقوى تستقيم الأمور، ويندفع بها كل محذور (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>السادس والعشرون: التقوى سببٌ للإكرام عند الله</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢)،فأكرم الناس عند الله أتقاهم، وهو أكثرهم طاعة، وانكفافًا عن المعاصي، لا أكثرهم قرابة وقومًا، ولا أشرفهم نسبًا، ولكن الله - ﷿ - عليم خبير يعلم من يقوم بتقوى الله ظاهرًا وباطنًا، مِمَّن لا يقوم بذلك ظاهرًا، ولا باطنًا، فيجازي كلًا بما يستحق (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>السابع والعشرون: التقوى يحصل بها الفرج والمخرج من كل شدة ومشقة وكرب</span>، ويسوق الله بها الرزق للمتقي من حيث لا يحتسبه، ولا يشعر به، ولا يخطر له على بال، قال الله - ﷾ -: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>الثامن والعشرون: التقوى يحصل بها تيسير الأمور</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥)، فمن اتقى الله - ﷿ - يسّر له كلّ أموره،\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦٢٠.\n(٢) سورة الحجرات، الآية: ١٣.\n(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٧٤٥.\n(٤) سورة الطلاق، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٥) سورة الطلاق، الآية: ٤.","vol":"1","page":348},{"text":"وسهّل عليه كل عسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>التاسع والعشرون: التقوى تُكفّر بها السيئات</span>، وتُعظم بها الأجور لمن اتقى، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (١)، وقال - ﷾ -: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>الثلاثون: التقوى تثمر الاهتداء والاتعاظ للمتقين</span>؛ لأنهم هم المنتفعون بالآيات، فتهديهم إلى سبيل الرشاد، وتعظهم وتزجرهم عن طريق الغي، قال الله - ﷿ -: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، وقوله - ﷿ -: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ أي هذا القرآن جعله الله بيانًا للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خاصة، قاله الحسن وقتادة (٤)،وجزم بها الحافظ ابن كثير ﵀ (٥)،وقيل: ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه الآية، وهو قوله تعالى:\n﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ﴾ (٦)،قال العلامة السعدي ﵀: «وكلا المعنيين حق» (٧).\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآية: ٥.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٦٥.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٣٨.\n(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٧/ ٢٣٢.\n(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ١/ ٣٨٦.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ١٣٧، واختار هذا القول ابن جرير، انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٧/ ٢٣٢.\n(٧) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص١١٧.","vol":"1","page":349},{"text":"وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلني وجميع المؤمنين من هؤلاء المتقين الذين يفوزون بهذه الثمرات العظيمة؛ فإنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-960>المطلب الثاني: ظلمات المعاصي وأضرارها</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-961> المسلك الأول: مفهوم المعاصي وأسماؤها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>أولًا: مفهوم المعاصي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>المعاصي لغة: </span>العصيان خلاف الطاعة، يقال: عصى العبد ربه: إذا خالف أمره، وعصى فلانٌ أميره يعصيه عَصْيًا وعِصْيانًا، ومعصيةً إذا لم يطعه، فهو عاص (١)، قال الله - ﷿ -: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (٢)، وقال الجرجاني ﵀: «العصيان: هو ترك الانقياد» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>والمعاصي في الاصطلاح الشرعي: </span>هي ترك المأمورات، وفعل المحظورات، فتبين بذلك أن المعاصي هي ترك ما أمر الله به أو أمر به رسوله - ﷺ -، وفعل ما نهى الله عنه، أو نهى عنه رسوله - ﷺ -: من الأقوال، والأعمال، والمقاصد الظاهرة والباطنة (٤)، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (٥)، وقال - ﷾ -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا\n_________\n(١) لسان العرب، لابن منظور، باب الياء، فصل العين، مادة «عصا»، ١٥/ ٦٧.\n(٢) سورة الحجرات، الآية: ٧.\n(٣) التعريفات، ص١٩٥.\n(٤) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص٢٢١، والمعاصي وأثرها على الفرد والمجتمع، لحامد بن محمد المصلح، ص٣٠.\n(٥) سورة النساء، الآية: ١٤.","vol":"1","page":351},{"text":"مُّبِينًا﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>ثانيًا: أسماء المعاصي:</span>\nقد جاء معنى المعصية بألفاظ كثيرة، ومن ذلك ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>١ - الفسوق والعصيان</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>٢ - الحُوب</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>٣ - الذنب</span>، قال الله - ﷾ - بعد أن ذكر قوم لوط، ومدين، وعاد، وثمود، وقارون، وفرعون، وهامان: ﴿فَكُلًاّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>٤ - الخطيئة</span>، قال الله - ﷿ - في ذكره لقول إخوة يوسف - ﷺ -: ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ (٦).\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.\n(٢) سورة الجن، الآية: ٢٣.\n(٣) سورة الحجرات، الآية: ٧.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٢.\n(٥) سورة العنكبوت، الآية: ٤٠.\n(٦) سورة يوسف، الآية: ٩٧.","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>٥ - السيئة</span>، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>٦ - الإثم</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>٧ - الفساد</span>، قال الله - ﷾ -: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>٨ - العتوّ</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٤).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-974> المسلك الثاني: أسباب المعاصي:</span>\nالمعاصي لها أسباب كثيرة تحصل بسببها، وتكثر وتقل بذلك، وهذه الأسباب نوعان، على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>النوع الأول: الابتلاء والاختبار، ومن ذلك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>١ - الابتلاء بالخير والشر</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٥)،فالله سبحانه يبتلي عباده بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى\n_________\n(١) سورة هود، الآية: ١١٤.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٣٣.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٦٦.\n(٥) سورة الأنبياء، الآية: ٣٥.","vol":"1","page":353},{"text":"والضلالة، فبالخير يختبر هل يؤدّى شكره، وبالشر يختبر هل يصبر على ضرّه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>٢ - الابتلاء بالمال والولد</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَالله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢)،فالأموال والأولاد فتنة: أي اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه؛ ليعلم من يطيعه ممن يعصيه (٣)،قال ابن مسعود - ﵁ -: «لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مُضلاّت الفتن» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>٣ - وقد تكون الفتنة أعمَّ مما تقدّم</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (٥)، وهذه الفتن وغيرها مما في معناها تكون من أسباب النجاة عند النجاح في الاختبار، وتكون من أسباب المعاصي والهلاك عند الإخفاق والرسوب في الامتحان، والله نسأل التوفيق والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>النوع الثاني: أسباب الوقوع في المعاصي، ومنها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>١ - ضعف الإيمان واليقين بالله </span>- ﷿ -، والجهل به سبحانه؛ فإن عدم المراقبة لله - ﷿ - وعدم الخوف منه، وعدم محبته وإجلاله وتعظيمه وخشيته تجعل الإنسان يستخف بوعد الله - ﷿ - ووعيده، والله سبحانه لا تخفى عليه\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٨/ ٤٤٠.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ١٥.\n(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٤/ ٣٧٦.\n(٤) إغاثة اللهفان، لابن القيم، ٢/ ١٦٠.\n(٥) سورة الفرقان، الآية: ٢٠.","vol":"1","page":354},{"text":"خافية، قال الله - ﷿ -: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>٢ - الشبهات</span>، قال الإمام ابن القيم ﵀: «والفتنة نوعان: فتنة الشبهات، وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات، وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما» (٣).\nففتنة الشبهات تنشأ من ضعف البصيرة، وقلّة العلم، وفساد القصد، وحصول الهوى، وتنشأ أيضًا من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حقٍّ ثابت خفيٍّ على الرجل، فلم يظفر به، وتارة من غَرَضٍ فاسدٍ وهوىً متبع، فهي من عمى في البصيرة، وفسادٍ في الإرادة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>٣ - الشهوات</span>، وقد جمع الله بين الشبهات والشهوات في قوله - ﷾ -:\n﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ﴾ (٥)، قال الإمام ابن القيم ﵀: «أي تمتّعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتهم، والخلاق: هو النصيب المقدَّر، ثم قال: وخُضتم كالذي خاضوا، فهذا الخوضُ بالباطل وهو الشبهات، فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان: من\n_________\n(١) سورة غافر، الآية: ١٩.\n(٢) سورة الشعراء، الآيتان: ٢١٨ - ٢١٩.\n(٣) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ٢/ ١٦٥.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ٢/ ١٦٦.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ٦٩.","vol":"1","page":355},{"text":"الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل؛ لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد باطل، والتكلّم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح، فالأول: هو البدع وما والاها، والثاني فسق الأعمال، فالأول فساد من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات» (١)، وفتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر؛ ولهذا جعل الله - ﷿ - إمامة الدين بالصبر واليقين، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢)، فدلّ على أنه بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، فبكمال العقل والصبر تُدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تُدفع فتنة الشبهة (٣).\nولا شك أن الشهوات منها ما يكون مباحًا حلالًا، ومنها ما يكون حرامًا، فحلالها ما أحلَّه الله ورسوله، وحرامها ما حرّمه الله ورسوله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>٤ - الشيطان من أعظم أسباب وقوع المعاصي: </span>لأنه أخبث عدو للإنسان، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٤)،والشياطين نوعان: شياطين الإنس، وشياطين الجن، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٥)،\n_________\n(١) إغاثة اللهفان، ٢/ ١٦٦.\n(٢) سورة السجدة، الآية: ٢٤.\n(٣) انظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم، ٢/ ١٦٧.\n(٤) سورة فاطر، الآية: ٦.\n(٥) سورة الأنعام، الآية: ١١٢.","vol":"1","page":356},{"text":"والمخرج من شياطين الإنس، بالإحسان إليهم، والدفع بالتي هي أحسن، ومقابلة السيئة بالحسنة.\nأما شياطين الجن، فالمخرج منها الاستعاذة بالله منهم، قال الله - ﷿ -:\n﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالله إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>والشيطان يريد أن يظفر بالإنسان في عقبة من سبع عقبات</span>، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>العقبة الأولى: عقبة الكفر والشرك بالله وبدينه، ولقائه، وبصفات كماله</span>، وبما أخبرت به رسله عنه، فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح، فإن نجا العبد من هذه العقبة طلبه على:\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>العقبة الثانية: عقبة البدعة</span>، إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله - ﷺ -،وإما بالتعبّد بما لم يأذن به الله من الأمور المحدثة في الدين التي لا يقبل الله منها شيئًا، فإن وفّق الله العبد لقطع هذه العقبة طلبه الشيطان على:\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>العقبة الثالثة: عقبة الكبائر</span>، فإن ظفر به فيها زيّنها له، وحسَّنها في عينه، فإن قطع العبد هذه العقبة بتوفيق الله طلبه على:\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>العقبة الرابعة: عقبة الصغائر</span>، فكال له منها بالمكاييل العظيمة، ولا يزال يهوِّن عليه أمرها حتى يُصِرَّ عليها، فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالًا منه، فالإصرار على الذنب أقبح منه، ولا\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية: ٣٦.","vol":"1","page":357},{"text":"كبيرة مع التوبة والاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، فإن نجا العبد من هذه العقبة طلبه الشيطان على:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>العقبة الخامسة: عقبة المباحات التي لا حرج فيها</span>، فيشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزوّد لمعاده، ثم طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السنن، ثم مِنْ ترك السُّنن إلى ترْك الواجبات، وأقل ما ينال منه تفويت الأرباح والمكاسب العظيمة، فإن نجا من هذه العقبة ببصيرة تامة، ونور هادٍ، ومعرفة بقدر الطاعات، طلبه على:\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>العقبة السادسة: عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات</span>، فأمره بها وحسَّنها في عينه، وزيَّنها له؛ ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبًا وربحًا، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، فإن نجا من هذه العقبة بفقه الأعمال ومراتبها عند الله، ومنازلها في الفضل، لم يبق هناك عقبة يطلبه عليها سوى واحدة لابد منها، وهي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>العقبة السابعة: تسليط جنده عليه بأنواع الأذى، باليد، واللسان</span>، والقلب على حسب مرتبته في الخير، فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدوّ بخيله ورجله، وظاهر عليه بجنده، وسلّط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط، وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها؛ فإنه كلما جدَّ في الاستقامة والدعوة إلى الله جدّ العدوّ في إغراء السفهاء به، والله المستعان، وعليه التكلان (١).\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ١/ ٢٢٢ - ٢٢٦.","vol":"1","page":358},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-992> المسلك الثالث: مداخل المعاصي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>أولًا: النفس الأمارة يدخل عليها الشيطان وأعوانه وجنوده من مرادها</span>، ومحبوباتها، وشهواتها، فإذا صارت النفس الأمّارة مع<span data-type=\"title\" id=toc-994> الشيطان وجنوده ملكوا ستة ثغور يدخلون منها على القلب</span>؛ لإفساده، وهذه الثغرات على النحو الآتي:\nثغر العين، فيجعلون نظرها تفرّجًا وتلهّيًا لا اعتبارًا.\nثغر الأذن، فَيُدْخِلون معها الباطل، ويمنعون دخول الحق.\nثغر اللسان، فيجرون عليه من الكلام ما يضرّه ولا ينفعه، ويمنعونه مما ينفعه.\nثغر الفم، فيدخلون معه إلى البطن أنواع المحرمات.\nثغر اليد، فيجعلونها تبطش بالباطل، وتتوقف عن الحق.\nثغر الرجل، فيجعلونها تمشي إلى الباطل (١).\nقال الإمام ابن القيم ﵀ يحكي عن الشيطان كلامه مع جنوده، وحثّهم على الاستيلاء على هذه الثغور: «فرابطوا على هذه الثغور كلّ المرابطة، فمتى دخلتم منها إلى القلب فهو قتيل أسير، أو جريح مُثخن بالجراحات» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>ثانيًا: أبواب الشيطان التي يُدخِل الناسَ معها إلى النار ثلاثة:</span>\nباب شبهة أورثت شكًّا في دين الله.\nباب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعة الله ومرضاته.\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص١٨٠ - ١٨٩.\n(٢) المرجع السابق، ص١٨١.","vol":"1","page":359},{"text":"باب غضب أورث العدوان على خلق الله - ﷿ - (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>ثالثًا: طرق الشيطان على الإنسان من ثلاث جهات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>الجهة الأولى: التزيّد والإسراف</span>، فيزيد على قدر الحاجة، فتصير فَضْلَةً، وهي حظُّ الشيطان ومدخله إلى القلب، وطريق الاحتراز منه عدم إعطاء النفس تمام مطلوبها: من غذاء، أو نوم، أو لذّة، أو راحة، فمتى أُغلِق هذا الباب حصل الأمان من دخول العدوِّ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1007>الجهة الثانية: الغفلة</span>؛ فإن الذاكر في حصن الذكر، فمتى غفل فُتِحَ باب الحصن، فولجه العدوّ، فيعسر عليه أو يصعب إخراجه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>الجهة الثالثة: تكلف ما لا يعنيه من جميع الأشياء </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>رابعًا: المداخل التي من حفظها نجا من المهالك</span>، ولهذا قيل: «من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات» (٣).\nوأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>١ - النظرة: </span>فاللحظات رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، ومن أطلق بصره في ما حرَّم الله أورد نفسه موارد الهلاك، قال الله - ﷿ -: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ\n_________\n(١) انظر: الفوائد، لابن القيم، ص١٠٥.\n(٢) الفوائد، لابن القيم، ص٣٣٤.\n(٣) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص٢٦٦.","vol":"1","page":360},{"text":"وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (١)، ولا شك أن النظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، قال الشاعر:\nكل الحوادث مبدأها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر\nكم نظرة بلغت من قلب صاحبها ... كمبلغ السهم بين القوس والوتر\nوالعبد مادام ذا طرف يقلبه ... في أعين الغير موقوف على الخطر\nيسر مُقلتَهُ ما ضرَّ مُهجتَهُ ... لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>٢ - الخطرة: </span>والخطرات شأنها أصعب؛ لأنها مبدأ الخير والشر، ومنها تولد الإرادات، والهمّ والعزائم، فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه، وقهر هواه، ومن استهان بالخطرات قادته إلى الهلكات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>والخطرات المحمودة أقسام تدور على أربعة أصول:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1013> خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1014> وخطرات يستدفع بها مضارّ دنياه</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1015> وخطرات يستجلب بها مصالح آخرته</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1016> وخطرات يستدفع بها مضارّ آخرته</span>.\nفليحصر العبد خطراته، وأفكاره، وهمومه في هذه الأقسام الأربعة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1017>٣ - اللفظة: </span>واللفظات حفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة، فلا يتكلّم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، وإذا أراد أن يتكلّم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن\n_________\n(١) سورة النور، الآيتان: ٣٠ - ٣١.\n(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص٢٦٨.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ص٢٦٩ - ٢٧٦.","vol":"1","page":361},{"text":"كان فيها ربح نظر: هل تفوتُ بها كلمة هي أربح منها؟ فلا يضيّعها بهذه، وإذا أردت أن تستدلّ على ما في القلب فاستدلّ عليه بحركة اللسان؛ فإنه يطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى؛ ولهذا قال يحيى بن معاذ ﵀: «القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها، ومغارفها ألسنتها، فانتظر حتى يتكلم الرجل، فإن لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلوٍ وحامضٍ، وعذبٍ وأجاجٍ يخبرك عن طعم قلبه اغتراف لسانه» (١)، والمعنى أنك كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقة ذلك، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في القِدْر بلسانك (٢)، فيجب على المرء المسلم أن يحفظ لسانه؛ فإن أكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج، واللسان يكبّ الناس على مناخرهم في النار، وربما تكلّم الرجل بكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم أبعد ما بين المشرق والمغرب، أو يهوي بها في النار سبعين خريفًا، أو يتكلّم بكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه.\nوالمؤمن بالله واليوم الآخر يتكلّم بالخير أو يسكت، وإذا حَسُن إسلامه فإنه لا يتكلم إلا فيما يعنيه، واللسان أخوف ما خاف رسول الله - ﷺ - على المسلم، وكلّ كلام ابن آدم عليه لا له: إلا أمرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن منكرٍ، أو ذكرًا لله - ﷿ -، والكلام أسيرك، فإذا خرج من فيك صرت أنت أسيره، والله لا يخفى عليه قول القائل، قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن\n_________\n(١) حلية الأولياء، لأبي نعيم، ١٠/ ٦٣، وانظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص٢٧٦.\n(٢) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص٢٧٦.","vol":"1","page":362},{"text":"قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١).\nواللسان فيه آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت، فالمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاصٍ لله، والساكت عن الحق شيطان أخرس عاصٍ لله مراءٍ مداهنٌ إذا لم يخف على نفسه، وأهل الوسط من أهل الحق كفّوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله - ﷿ - وما اتصل به (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>٤ - الخطوة: </span>والخطوات حفظها بأن لا ينقل العبد قدمه إلا فيما يرجو ثوابه، فإن لم يكن في خطاه مزيد ثواب فالقعود عنها خير له، ويمكنه أن يستخرج من كل مباح بخطوة إليه قُربةً ينويها لله، فتقع خطاه كلها قربة بالنية الصالحة (٣).\nوقد وصف الله - ﷿ - عباد الرحمن بالاستقامة في لفظاتهم وخطواتهم، فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (٤)، كما جمع الله - ﷿ - بين اللحظات والخطرات في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة ق، الآية: ١٨.\n(٢) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص٢٧٦ - ٢٨١.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ص٢٨٢.\n(٤) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.\n(٥) سورة غافر، الآية: ١٩.","vol":"1","page":363},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1019> المسلك الرابع: أصول المعاصي:</span>\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «أصول الخطايا كلها ثلاثة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1020>١ - الكِبْر: وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>٢ - الحِرْص: وهو الذي أخرج آدم من الجنة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>٣ - الحَسَد: وهو الذي جرَّأَ أحد ابني آدم على أخيه</span>.\nفمن وُقِيَ شر هذه الثلاثة فقد وُقِيَ الشر، فالكفر من الكِبْر، والمعاصي من الحِرص، والبغي والظلم من الحسَد» (١).\n\nوذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن<span data-type=\"title\" id=toc-1023> أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1024>١ - تعلق القلب بغير الله</span>، وهو الشرك، فغاية التعلّق بغير الله شرك، وأن يُدعى معه إله آخر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>٢ - طاعة القوة الغضبية، وهي الظلم، وغاية ذلك القتل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>٣ - طاعة القوة الشهوانية، وهي الفواحش، وغاية ذلك الزنا</span>.\nوقد جمع الله سبحانه بين هذه الثلاثة في قوله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٢).\nوهذه الثلاثة يدعو بعضها إلى بعض: فالشرك يدعو إلى الظلم\n_________\n(١) الفوائد، ص١٠٥.\n(٢) سورة الفرقان، الآيتان: ٦٨ - ٦٩.","vol":"1","page":364},{"text":"والفواحش، كما أن الإخلاص والتوحيد يصرفهما عن صاحبه، قال الله - ﷿ -:\n﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (١)، فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنا، وكذلك الظلم يدعو إلى الشرك والفاحشة؛ فإن الشرك أظلم الظلم، كما أن أعدل العدل التوحيد، فالعدل قرين التوحيد، والظلم قرين الشرك، والفاحشة تدعو إلى الشرك والظلم. فهذه الثلاثة يجر بعضها إلى بعض، ويأمر بعضها ببعض (٢).\n\nوبيّن رحمه الله تعالى: أن<span data-type=\"title\" id=toc-1027> أركان الكفر أربعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>١ - الكبر </span><span data-type=\"title\" id=toc-1029>٢ - الحسد </span><span data-type=\"title\" id=toc-1030>٣ - الغضب </span><span data-type=\"title\" id=toc-1031>٤ - الشهوة</span>.\nفالكبر يمنع العبد الانقياد، والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها، والغضب يمنعه العدل، والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة، فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد، وإذا انهدم ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله، وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع، وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة، وزوال الجبال عن أماكنها أيسر من زوال هذه الأربعة عمن ابتلي بها، ولاسيما إذا صارت هيئات راسخة، وملكات وصفات ثابتة؛ فإنه لا يستقيم له معها عمل البتة، ولا تزكو نفسه، وكلما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه الأربعة، وإذا استحكمت هذه الأربعة في القلب أرته الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، والمعروف في صورة المنكر، والمنكر في صورة\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ٢٤.\n(٢) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص١٥٤.","vol":"1","page":365},{"text":"المعروف، وقربت منه الدنيا، وبعّدت منه الآخرة (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1032> المسلك الخامس: أقسام المعاصي:</span>\nالذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام هي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>القسم الأول: الذنوب الملكية </span>وهي أن يتعاطى الإنسان ما لا يصلح له من صفات الربوبية: كالعظمة، والكبرياء، والجبروت، والقهر، والعلو، واستعباد الخلق، ونحو ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>القسم الثاني: الذنوب الشيطانية</span>، وهي الذنوب التي يتشبه الإنسان بالشيطان في عملها، فالتشبه بالشيطان: في الحسد، والبغي، والغش، والغل، والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي الله، وتحسينها، والنهي عن طاعة الله، وتهجينها، والابتداع في الدين، والدعوة إلى البدع والضلال، وهذا القسم يلي القسم الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>القسم الثالث: الذنوب السبعية</span>، وهي التي يشبه الإنسان في فعلها السباع، وهي ذنوب العدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثّب على الضعفاء والعاجزين، ويتولّد من هذا القسم أنواع أذى النوع الإنساني، والجرأة على الظلم والعدوان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1036>القسم الرابع: الذنوب البهيمية</span>، وهي الذنوب التي يشبه الإنسان في فعلها البهائم، مثل: الشره، والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومنها يتولّد الزنا، والسرقة، وأكل أموال اليتامى، والبخل، والشحّ،\n_________\n(١) انظر: الفوائد، لابن القيم، ص٢٨١.","vol":"1","page":366},{"text":"والجبن، والهلع، والجزع، وغير ذلك، وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق؛ لعجزهم عن الذنوب الملكية، والسبعية، ومن هذا القسم يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرّهم إليها بالزّمام (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1037> المسلك السادس: أنواع المعاصي:</span>\nالمعاصي نوعان: كبائر وصغائر، قال الإمام ابن القيم ﵀: «وقد دلّ القرآن، والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم، والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر» (٢)، قال الله - ﷿ -: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٣)، وقال - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ﴾ (٤)، وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ -: أيّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك»، قلت: إن ذلك لعظيم. قال قلت: ثم أيُّ؟ قال: «ثم أن تقتل ولدَك مخافةَ أن يَطعمَ معك»، قال: قلت: ثم أيُّ؟ قال: «ثم أن تزاني حَليلةَ جارك» (٥).\nوعن أبي بكرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص٢٢٢ - ٢٢٣.\n(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص٢٢٣.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٣١.\n(٤) سورة النجم، الآية: ٣٢.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لله أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ٥/ ١٧٢، برقم ٤٤٧٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب كون الشرك أعظم الذنوب وبيان أعظمها بعده، ١/ ٩٠، برقم ٨٦.","vol":"1","page":367},{"text":"ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وجلس وكان متكئًا فقال: «ألا وقول الزور»، فمازال يكرّرها حتى قلنا: ليته سكت (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مُكفِّرات لما بينهن إذا اجتُنِبَتِ الكبائر»، وفي رواية: «ما لم تُغْشَ الكبائر» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٣).\nواختُلِفَ في حدِّ الكبيرة وفي عدد الكبائر فقيل: إنها أربع، وقيل: سبع، وقيل: تسع، وقيل: إحدى عشرة، وقيل: سبعون، وقيل: إن رجلًا قال لابن عباس ﵄: كم الكبائر أسبع هي؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، ٢/ ٢٠٤، برقم ٢٦٥٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها، ١/ ٩١، برقم ٨٧.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، ١/ ٢٠٩، برقم ٢٣٣٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، ٣/ ٢٥٦، برقم ٢٧٦٦، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، ١/ ٩٢، برقم ٨٩.\n(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٨/ ٢٤٥، برقم ٩٢٠٧، وانظر: الأقوال في عدد الكبائر هذا المرجع، ٨/ ٢٣٣ - ٢٥٨، والفتح، لابن حجر، ١٢/ ١٨٣.","vol":"1","page":368},{"text":"والصواب: أن الكبائر لم تُضبطْ بعدٍّ، وأنها كل ذنب ترتّب عليه حدٌّ في الدنيا، أو تُوعِّد عليه بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، أو العقوبة، أو نفي إيمان، وما لم يترتّب عليه حدٌّ في الدنيا، ولا وعيدٌ في الآخرة، فهو صغيرة (١)، ولكن قد تكون الصغائر من الكبائر لأسباب، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>١ - الإصرار والمداومة عليها</span>، كما في قول ابن عباس ﵄: «لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1039>٢ - استصغار المعصية واحتقارها</span>، فعن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا عائشة إيَّاكِ ومُحقرَاتِ الأعمال فإن لها من الله طالبًا» (٣).\nوعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إياكم ومحقرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» (٤).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٤٤٤، وشرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز، ص٤١٨، والجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص٢٢٥ - ٢٢٦.\n(٢) تقدم تخريجه قبل الهامش السابق.\n(٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الذنوب، ٢/ ١٤١٧، برقم ٤٢٤٣، وأحمد، ٦/ ٧٠، وصححه الألباني، في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤١٦، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٥١٣، ٢٧٣١.\n(٤) أخرجه أحمد في المسند، ٥/ ٣٣١،وصحح إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد،١٠/ ١٩٠،وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة،١/ ١٢٩،برقم ٣٨٩: «وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين».","vol":"1","page":369},{"text":"تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا»، قال أبو شهاب: بيده فوق أنفه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>٣ - الفرح بالصغيرة والافتخار بها</span>، كأن يقول ما رأيتني كيف مَزَّقت عِرض فلان، وذكرت مساويه حتى خجَّلته، أو خدعته، أو غبنته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>٤ - أن يكون عالمًا يُقتدى به</span>، فإذا فعل العالم الصغيرة، وظهرت أمام الناس كبر ذنبه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>٥ - إذا فعل الذنب ثم جاهر به</span>؛ لأن المجاهر غير معافى (٢)، فينبغي لكل مسلم أن يبتعد عن جميع الذنوب صغيرها وكبيرها؛ ليكون من الفائزين في الدنيا والآخرة.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1043> المسلك السابع: آثار المعاصي على الفرد والمجتمع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>أولًا: آثار المعاصي على الفرد: أنواع، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>النوع الأول: آثارها على القلب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>١ - ضرر المعاصي على القلب كضرر السموم على الأبدان</span>، على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرٌّ وداءٌ إلا سببه الذنوب والمعاصي؟ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>٢ - حرمان العلم</span>؛ فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تُطفئ ذلك النور، وتُعمي بصيرة القلب، وتسدُّ طرق العلم، وتحجب\n_________\n(١) البخاري، كتاب الدعوات، باب التوبة، ٧/ ١٨٨، برقم ٦٣٠٨.\n(٢) انظر: مختصر منهاج القاصدين، للمقدسي، ص٢٥٨.\n(٣) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص٨٤.","vol":"1","page":370},{"text":"موارد الهداية، قال الله - ﷿ -: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١)، ولما جلس الشافعي بين يدي مالك، وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقّد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: «إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية» (٢)، وقال الشافعي ﵀:\nشكوتُ إلى وكيعٍ سُوءَ حِفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي\nوأخبرني بأن العلم نورٌ ... ونورُ الله لا يُهدَى لعاصي (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>٣ - الوحشة في القلب بأنواعها: </span>وحشة بين العاصي وبين ربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين الخلق، وكلّما كثرت الذنوب اشتدّت الوحشة، والوحشة التي بين العاصي وبين ربه لا توازنها، ولا تقارنها لذة أصلًا، ولو اجتمعت له لذّات الدنيا بأسرها لم تفِ بتلك الوحشة، ولو لم تُترك الذنوب إلا حذرًا من الوقوع في تلك الوحشة لكان العاقل حريًّا بتركها.\nوأما الوحشة التي بين العاصي وبين الناس، ولاسيما أهل الخير منهم؛ فإنه يجد وحشة بينه وبينهم، وكلّما قويت تلك الوحشة بَعُد منهم ومن مجالستهم، وحُرم بركة الانتفاع بهم، وقرب من حزب الشيطان، بقدر ما بَعُدَ من حزب الرحمن، وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بينه وبين امرأته وولده وأقاربه، وبينه وبين نفسه فتراه مستوحشًا بنفسه، قال\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٤٦.\n(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص١٠٤، ١٤٨، ١٧٣، ٢١٢.\n(٣) ديوان الشافعي، ص٨٨، وانظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٠٤.","vol":"1","page":371},{"text":"بعض السلف: «إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلقِ دابتي وامرأتي» (١)، وقال الفضيل بين عياض ﵀: «إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي» (٢).\nوسر المسألة أن الطاعة توجب القرب من الربِّ سبحانه، فكلّما قوي القرب قوي الأنس، والمعصية توجب البعد من الربّ، وكلما ازداد البعد قويت الوحشة، والوحشة سببها الحجاب، وكلما غلظ الحجاب زادت الوحشة، فالغفلة تُوجب الوحشة، وأشد منها وحشة المعصية، وأشد منها وحشة الشرك والكفر، ولا تجد أحدًا ملابسًا شيئًا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما لابسه منه، فتعلو الوحشة وجهه، وقلبه، فيستوحِشُ، ويُستوحشُ منه (٣).\n٤ - الظلمة في القلب؛ فإن العاصي يجد ظلمة في قلبه حقيقة يُحسّ بها كما يُحسّ بظلمة الليل البهيم، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسِّية لبصره؛ فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته، حتى يقع في البدع، والضلالات، والأمور المهلكة، وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه، وتصير سوادًا فيه يراه كل أحد (٤)،قال عبد الله بن عباس ﵄: «إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في\n_________\n(١) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص١٠٥، ١٤٤.\n(٢) حلية الأولياء، لأبي نعيم، ٨/ ١٠٩.\n(٣) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٤٤.\n(٤) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٠٥ - ١٠٦.","vol":"1","page":372},{"text":"البدن، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>٥ - تُوهن القلب وتُضعفه:</span>\nأما وهن القلب؛ فإن المعاصي لا تزال تُوهنه حتى تُزيل حياته بالكلية (٢).\nوأما ضعف القلب؛ فإن المعاصي تُضعفه من عدّة وجوه، هي:\nالوجه الأول: تُضعف في القلب تعظيم الربّ - ﷻ -، وتُضعف وقاره في قلب العبد ولابدّ شاء أم أبى، ولو تمكّن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرّأ على معاصيه؛ فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ (٣)، وتعظيم حرمات الله - ﷿ - في القلب تحول بين العبد وبين الذنوب (٤).\nالوجه الثاني: تُضعف المعصية إرادة الخير في قلب العبد، وتُقوّي إرادة المعصية، فتُضعف في قلبه إرادة التوبة شيئًا فشيئًا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكليّة، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله، يأتي من الاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، مصرّ عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنه، وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك (٥).\n_________\n(١) المرجع السابق، ص١٠٦.\n(٢) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٠٦.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٣٠.\n(٤) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٣٤.\n(٥) انظر: المرجع السابق، ص١١٠، وص٢٠٠.","vol":"1","page":373},{"text":"الوجه الثالث: تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه أو توقفه وتقطعه عن السير، فالذنب إما أن يُميت القلب، أو يُمرضه مرضًا مخوِّفًا، أو يُضعف قوته ولابد، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي - ﷺ -، فقال: «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزَن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَعِ الدين، وغَلَبةِ الرجال» (١)، والمقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة لـ: «جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء» (٢)، ومن أقوى الأسباب الجالبة لـ: «زوال نعمة الله، وتحول عافيته، وفجأة نقمته، وجميع سخطه» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>٦ - تحجب القلب عن الربّ في الدنيا</span>، والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما قال الله - ﷿ -: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (٤)، فكانت الذنوب حجابًا بينهم وبين قلوبهم، وحجابًا بينهم وبين ربهم وخالقهم (٥).\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أنس - ﵁ -: البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من غلبة الرجال،\n٧/ ٢٠٣، برقم ٦٣٦٣، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من العجز والكسل، ٤/ ٢٠٧٩، برقم ٢٧٠٦.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء، ٧/ ١٩٩، برقم ٦٣٤٧، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، ٤/ ٢٠٨٠، برقم ٢٧٠٧.\n(٣) مسلم، كتاب الذكر والدعاء،٤/ ٢٠٩٧،برقم ٢٧٣٩، وانظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٤٠.\n(٤) سورة المطففين، الآيتان: ١٤ - ١٥.\n(٥) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص٢١٥.","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1051>٧ - يألف المعصية، فينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة</span>، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه، وهذا عند أصحاب الفسوق هو غاية التهتّك، وتمام الّلذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدِّث بها من لم يعلم أنه علمها، وهذا الضرب من الناس لا يعافون ويُسدّ عليهم طريق التوبة، وتُغلق عنهم أبوابها في الغالب، فعن أبي هريرة - ﵁ -، قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كلُّ أمتي معافىً إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1052>٨ - هوان المعاصي على المصرّين عليها</span>، فلا يزال العبد يرتكب المعاصي حتى تهون عليه، وتصغر في قلبه وعينه، وذلك علامة الهلاك؛ لأن الذنب كلما صغر في قلب العبد وعينه عَظُم عند الله؛ ولهذا قال عبدالله بن مسعود - ﵁ -: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مَرّ على أنفه فقال به هكذا» (٢).\nفالمؤمن قلبه فيه نور، فهو على يقين من الذنب الصغير، وليس على يقين من المغفرة، فيخاف الذنب الصغير أن يهلكه كالجبل، والفاجر قليل المعرفة بالله، ولذلك قلّ خوفه من الله، واستهان بالمعصية (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه،٧/ ١١٧،برقم ٦٠٦٩،ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، ٤/ ٢٢٩١، برقم ٢٩٩٠.\n(٢) البخاري في صحيحه، ٧/ ١٨٨، برقم ٦٣٠٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ١٠٥.","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1053>٩ - تُورث الذلّ، فإنّ العزّ كلّ العزّ في طاعة الله - ﷿ </span>-،والذلّ كلّ الذلّ في معصية الله - ﷾ -،قال الله - ﷿ -: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلله الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال، قال رسول الله - ﷺ -: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجُعِل الذّلُّ والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبّه بقوم فهو منهم» (٣).\nفمن أراد العزّة فليطلبها بطاعة الله؛ فإنه لا يجدها إلا في طاعته، وكان من دعاء بعض السلف: «اللهم أعزّني بطاعتك ولا تذلّني بمعصيتك»، وقال الحسن البصري ﵀: «إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، إن ذلّ المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذِلَّ من عصاه» (٤).\nوقال عبد الله بن المبارك ﵀:\nرأيت الذنوب تُميتُ القلوب ... وقد يورثُ الذلَّ إدمانُها\nوتركُ الذنوبِ حياةُ القلوب ... وخيرٌ لنفسك عصيانُها\n_________\n(١) سورة فاطر، الآية: ١٠.\n(٢) سورة المنافقون، الآية: ٨.\n(٣) أخرجه أحمد في المسند، ٢/ ٥٠، ٩٢، وابن أبي شيبة في المصنف، ٥/ ٣١٣، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٥/ ١٠٩.\n(٤) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص١١٣.","vol":"1","page":376},{"text":"وهل أفسد الدِّينَ إلا الملوكُ ... وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>١٠ - تُفسد العقل وتُؤثر فيه</span>؛ فإن للعقل نورًا، والمعصية تُطفئ نور العقل، فإذا طفئ نورُه ضعف ونقص، وغاب، وما عصى الله أحد حتى يغيب عقله؛ لأن واعظ القرآن ينهاه، وواعظ الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله ذو عقل سليم؟\nولا شك أن المعصية إن لم تُفسد العقل فهي تُنقص من كماله، فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع لله والآخر عاصٍ إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصحّ، ورأيه أسدّ، والصواب قرينه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>١١ - تطبع على القلب، فإذا تكاثرت طبعت على قلب صاحبها فكان من الغافلين</span>؛ لأن القلب يصدأ من المعصية، فإذا ازدادت غلب الصدأ حتى يصير رانًا، ثم يغلب حتى يصير طبعًا وختمًا، وقفلًا، فيصير في غشاوة وغلاف (٣)، قال الله - ﷿ -: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>١٢ - الذنوب تطفئ غيرة القلب</span>؛ فإنّ أشرف الناس وأعلاهم همّةً\n_________\n(١) المرجع السابق، ص١١٤.\n(٢) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص١١٤.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ص١٥٣.\n(٤) سورة المطففين، الآية: ١٤.","vol":"1","page":377},{"text":"أشدّهم غيرةً على نفسه وخاصته، وعموم الناس؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - أغير الخلق على الأمة، والله - ﷿ - أشد غيرة منه؛ ولهذا قال - ﷺ -: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحبّ إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث الله المرسلين مُبشّرين ومُنذِرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» (١).\nوعن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «يا أُمة محمد ما أحد أغير من الله أن يرى عبده أو أمته يزني، يا أُمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرَّم [الله] عليه» (٣).\nوعن جابر بن عتيك مرفوعًا: «إن من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يُبغض الله، ومن الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يُبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في ريبة، وأما التي يُبغض الله فالغيرة في غير الريبة،\n_________\n(١) متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -: البخاري، كتاب التوحيد، باب قول النبي - ﷺ -: «لا شخص أغير من الله» ٨/ ٢٢٠،برقم ٧٤١٦، ومسلم، كتاب اللعان،٢/ ١١٣٦،برقم ١٤٩٩.\n(٢) البخاري، كتاب النكاح، باب الغيرة، ٦/ ١٩١، برقم ٥٢٢١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب الغيرة، ٦/ ١٩٦، برقم ٥٢٢٣، ومسلم، كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، ٤/ ٢١١٤، برقم ٢٧٦١، واللفظ له، وما بين المعقوفين من صحيح البخاري.","vol":"1","page":378},{"text":"والاختيال الذي يحب الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة، والاختيال الذي يبغض الله - ﷿ - الخيلاء في الباطل» (١)، والمقصود بالغيرة في الريبة: الغيرة في مواضع التهمة والتردّد، فتظهر فائدتها، وهي الرهبة والانزجار، وإن كانت الغيرة بدون ريبة فإنها تورث البغض والفتن (٢)، والاختيال في الصدقة أن يكون سخيًا، فيعطي طيبة بها نفسه، فلا يستكثر كثيرًا، ولا يعطي منها شيئًا إلا وهو مستقلّ، وأما الحرب: فأن يتقدم فيها بنشاط وقوة وعدم جبن (٣).\nوالمقصود أن المعاصي كلما اشتدّت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه، وأهله، وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جدًا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه، ولا من غيره، وإذا وصل إلى هذا الحدّ، فقد دخل في باب الهلاك؛ ولهذا كان الدّيوث من أخبث الخلق، والجنة حرام عليه؛ لأنه لا غيرة له؛ ولهذا رضي بالسوء في أهله، وهذا يدلّ على أن أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له، فالغيرة تحمي القلب وتحمي له الجوارح، وتدفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة تميت القلب، فتموت له الجوارح فلا يبقى عندها دفع البتة، وهذا يبين أهمية الغيرة ومكانتها (٤).\n_________\n(١) النسائي، كتاب الزكاة، باب الاختيال في الصدقة، ٥/ ٧٨، برقم ٢٥٥٨، وأحمد في المسند،\n٥/ ٤٤٥، وله شاهد عند ابن ماجه، برقم ١٩٩٦، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، والحديث حسنه الألباني بطرقه في إرواء الغليل، ٧/ ٥٨، برقم ١٩٩٩.\n(٢) انظر: حاشية السندي على سنن النسائي، ٥/ ٧٩.\n(٣) انظر: شرح السيوطي على سنن النسائي، ٥/ ٧٩.\n(٤) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٣٠ - ١٣١.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1057>١٣ - الذنوب تذهب الحياء من القلب</span>، وهو أصل كلّ خير، وذهابه ذهاب الخير كله، فعن عمران بن حصين - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الحياءُ خير كله»، أو قال: «الحياءُ كله خير» (١).\nوعنه - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (٢).\nوالمقصود أن الذنوب تضعف الحياء عند العبد حتى ربما انسلخ منه بالكليّة، فلا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله، ولا باطلاعهم عليه، بل كثير من أهل المعاصي يخبر عن حاله وقبح ما يفعل، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد إلى هذه الحال لم يبق في صلاحه مطمع (٣)، وهذا ينطبق عليه أحد المعنيين لحديث أبي مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئت» (٤)، وهذا الحديث له تفسيران:\nالتفسير الأول: أنه للتهديد والوعيد، والمعنى من لم يستح فإنه يصنع ما شاء من القبائح؛ لأن الحامل على تركها الحياء، فإذا لم يكن هناك حياء يردعه عن القبائح وقع فيها، وهذا المعنى هو المشهور.\nالتفسير الثاني: أن الفعل إذا لم تستح من الله من فعله فافعله وإنما ينبغي تركه هو ما يستحي منه من الله، فالمعنى الأول تهديدًا كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، ١/ ٦٤، برقم ٣٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب الحياء، ٧/ ١٣٠، برقم ٦١١٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، ١/ ٦٤، برقم ٣٧.\n(٣) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص١٣١ - ١٣٣.\n(٤) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، بابٌ، ٤/ ١٨٣، برقم ٣٤٨٣.","vol":"1","page":380},{"text":"مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)، والمعنى الثاني: يكون إذنًا وإباحة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>١٤ - المعاصي تلقي الخوف والرعب في القلوب</span>، فلا ترى العاصي دائمًا إلا خائفًا مرعوبًا؛ فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج منه أحاطت به المخاوف من كل جانب، فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقّه أمنًا، ومن عصاه انقلبت مآمنه منه مخاوف، فمن خاف الله أمَّنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>١٥ - تُمْرِضُ القلب، وتَصْرِفُهُ عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه</span>، وتأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب، ولا دواء لها إلا تركها، وكما أن من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه، فكذا يكون قلبه في هذا الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيم أهلها نعيمًا البتة، ولا تحسبن أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٤) مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة: دار الدنيا، والبرزخ، والقرار، فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب، وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ ولهذا قال بعض الصالحين: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. ويقول آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية: ٤٠.\n(٢) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٣٢، وجامع الأصول، لابن الأثير، ٣/ ٦٢١.\n(٣) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٤٣ - ١٤٤.\n(٤) سورة الانفطار، الآيتان: ١٣ - ١٤.","vol":"1","page":381},{"text":"ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>١٦ - المعاصي تُصغّر النفوس، وتقمعها، وتدسِّيها</span>، وتحقِّرها حتى تصير أصغر شيء وأحقره، كما أن الطاعة تنميها وتزكيها، وتكبِّرها، قال الله - ﷿ -: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (٢)، والمعنى قد أفلح من كبَّرها وأعلاها بطاعة الله، وأظهرها، وقد خاب وخسر من أخفاها، وحقَّرها وصغَّرها بمعصية الله، فالطاعة تُكبر النفوس وتُعزّها وتُعليها حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاه وأعلاه، فما كبَّر النفوس وشرّفها، ورفعها، وأعزّها مثل طاعة الله، وما صغّر النفوس وأذلّها، وحقّرها مثل معصية الله - ﷿ - (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>١٧ - خسف القلب ومسخه</span>، وعلامة خسف القلب أنه لا يزال جوّالًا حول السفليات والقاذورات والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه الله وقرَّبه إليه لا يزال جوالًا حول العرش، وأما مسخ القلب، فإن من القلوب ما يمسخ بسبب المعاصي كما تمسخ الصورة فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه، وأعماله، وطبيعته، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير، لشدة شبه صاحبه به، ومنها ما يمسخ على قلب كلب، أو حمار، أو حية، أو عقرب، ومن الناس من يكون على أخلاق السباع العادية، ومنهم من يتطوس في ثيابه كما يتطوس\n_________\n(١) الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٤٧.\n(٢) سورة الشمس، الآيتان: ٩ - ١٠.\n(٣) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص١٤٩.","vol":"1","page":382},{"text":"الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليدًا كالحمار، وغير ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>١٨ - المعاصي تُنكّس القلب حتى يرى الباطل حقًا والحق باطلًا</span>، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، ويفسد ويرى أنه يصلح، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى، وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلب (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>١٩ - تُضَيِّق الصدر، فالذي يقع في الجرائم</span>، ويُعرض عن طاعة الله يضيق صدره بحسب إعراضه، قال الله - ﷿ -: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، فمِنْ أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى، وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة ما سواه؛ فإن من أحبّ شيئًا غير الله عُذِّب به، وسجن قلبه في محبته (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>الوجه الثاني: آثار المعاصي على الدين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>٢٠ [١] تزرع المعاصي أمثالها</span>، ويولد بعضها بعضًا، حتى يصعب على العبد التخلص منها، كما قال بعض السلف: «إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها». وهكذا حتى تصير\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص٢١٣ - ٢١٤.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ص٢١٥.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.\n(٤) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ٢٥.","vol":"1","page":383},{"text":"الطاعات والمعاصي هيئات راسخة، وصفات لازمة، فلو عطَّل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت حتى يعود إلى الطاعة، ولو عطل المجرم المعصية، وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاق صدره حتى يعاود المعصية (١)، فعلى المسلم أن يُقبل على الطاعة، ويترك المعصية، ويسأل الله - ﷿ - أن يُحبِّب إليه الإيمان، ويزيّنه في قلبه، ويكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ويجعله من الراشدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>٢١ [٢] تَحْرِمُ الطاعة وتُثَبِّطُ عنها</span>، فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصدّ عن طاعة، وتكون بدله، ويقطع طريق طاعة أخرى، لكان كافيًا في ضرره، فالمعاصي تحرم الطاعات، وتقطع طرق الأعمال الصالحة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>٢٢ [٣] المعصية سبب لهوان العبد العاصي على الله وسقوطه من عينه</span>، قال الحسن البصري ﵀: «هانوا عليه فعصوه، ولو عزّوا عليه لعصمهم» (٣)، وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال الله - ﷿ -:\n﴿وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (٤)، ولو عظَّمهم الناس في الظاهر خوفًا من شرهم، أو لحاجتهم إليهم، فإنهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>٢٣ [٤] تُدخل الذنوب العبد تحت لعنة رسول الله - ﷺ </span>-، فإنه لعن على معاصٍ وغيرها أكبر منها، فهي أولى بدخول فاعلها تحت اللعنة، فلعن:\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٠٨.\n(٢) انظر: الجواب الكافي، ص١٠٦، ٢١٢.\n(٣) المرجع السابق، ص١١٢.\n(٤) سورة الحج، الآية: ١٨.\n(٥) الجواب الكافي، لابن القيم، ص١١٢.","vol":"1","page":384},{"text":"الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة (١).\nولعن النامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله تعالى (٢).\nولعن آكل الربا وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء (٣).\nومرَّ على حمار قد وُسِمَ في وجهه فقال: «لعن الله الذي وسمه» (٤).\nولعن السارق يسرق البيضة فتُقطع يده، ويسرق الحبل فتُقطع يده (٥).\nولعن من ذبح لغير الله، ومن آوى مُحدِثًا، ومن لعن والديه، ومن غيّر منار الأرض (٦).\nولعن المتشبّهات بالرجال من النساء، والمتشبّهين بالنساء من الرجال (٧).\nولعن الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه [وآكل ثمنها] (٨).\nولعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا يرميه (٩).\n_________\n(١) البخاري، كتاب اللباس، باب وصل الشعر، ٧/ ٨١، برقم ٥٩٣٣، ومسلم، كتاب اللباس، باب تحريم فعل الواصلة، ٣/ ١٦٧٧، برقم ٢١٢٤.\n(٢) البخاري، كتاب اللباس، باب المتفلجات للحسن، ٧/ ٨١، برقم ٥٩٣١، ومسلم، كتاب اللباس، باب تحريم فعل الواصلة، ٣/ ١٦٧٨، برقم ٢١٢٥.\n(٣) مسلم، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا وموكله، ٣/ ١٢١٨، برقم ١٥٩٧.\n(٤) مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه،٣/ ١٦٧٣، برقم ٢١١٧.\n(٥) مسلم، كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، ٣/ ١٣١٤، برقم ١٦٨٧.\n(٦) مسلم، كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله ولعن فاعله، ٣/ ١٥٦٧، برقم ١٩٧٨.\n(٧) البخاري، كتاب اللباس، باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال، برقم ٥٨٨٥.\n(٨) أبو داود، كتاب الأشربة، باب العنب يعصر للخمر، ٣/ ٣٢٦، برقم ٣٦٧٤، وابن ماجه، كتاب الأشربة، باب لعنت الخمر على عشرة أوجه، ٢/ ١١٢٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٧٠٠، وما بين المعقوفين لابن ماجه.\n(٩) مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، ٣/ ١٥٥٠، برقم ١٩٥٨.","vol":"1","page":385},{"text":"ولعن المصور (١).\nولعن من سبَّ أباه، ومن سبَّ أمه، ومن كمه أعمى عن الطريق، ومن وقع على بهيمة، ومن عمل بعمل قوم لوط (٢).\nولعن الراشي والمرتشي (٣).\nولعن زوّارات القبور والمتّخذين عليها المساجد والسُّرُج (٤).\nولعن من أتى امرأة في دبرها (٥).\nوأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح (٦).\nوأخبر أن من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه (٧).\nوقد لعن الله - ﷿ - في كتابه من آذاه وآذى رسوله - ﷺ - (٨).\nولعن من أفسد في الأرض، ونقض عهد الله وقطع ما أمر الله به أن يوصل (٩).\n_________\n(١) البخاري، كتاب اللباس، باب من لعن المصور، ٧/ ٨٨، برقم ٥٩٦٢.\n(٢) أحمد في المسند،١/ ٢١٧،وصحح إسناده أحمد محمد شاكر في شرحه للمسند،٣/ ٢٦٦،برقم ١٨٧٥.\n(٣) الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء في الراشي والمرتشي، ٣/ ٦١٣، برقم ١٣٣٦، وأبو داود، كتاب الأقضية، باب كراهة الرشوة، ٣/ ٣٠٠، برقم ٣٥٨٠، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٤، وإرواء الغليل، برقم ٢٦٢٦، وفي صحيح سنن أبي داود، برقم ٣٠٥٥.\n(٤) أبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء للقبور، ٣/ ٢١٨، برقم ٣٢٣٦، والترمذي،\n٢/ ١٣٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٣٠٨.\n(٥) أبو داود، كتاب النكاح، باب في جامع النكاح، ٢/ ٢٤٩، برقم ٢١٦٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٠٦.\n(٦) البخاري، كتاب النكاح، باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، ٦/ ١٨٣، برقم ٥١٩٣.\n(٧) مسلم، كتاب البر والصلة، باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى المسلم،٤/ ٢٠٢٠،برقم ٢٦١٦.\n(٨) انظر: سورة الأحزاب، الآية: ٥٧.\n(٩) انظر: سورة الرعد، الآية: ٢٥.","vol":"1","page":386},{"text":"ولعن من كتم ما أنزل الله من البينات والهدى (١).\nولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة (٢).\nولعن من جعل سبيل الكافرين أهدى من سبيل المؤمنين (٣).\nولعن الله ورسوله على أشياء غير هذه، فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضاء فاعله بأن يكون ممن يلعنه الله ورسوله وملائكته لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه، فليبتعد العاقل عن كل معصية حتى ينجو، والله المستعان (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>٢٤ [٥] حرمان دعوة الرسول - ﷺ - والملائكة</span>، فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وبيّن سبحانه أن الملائكة يستغفرون لهم، قال الله - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥)، فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين المتّبعين لكتابه وسنة رسوله الذين لا سبيل لهم غيرها،\n_________\n(١) انظر: سورة البقرة، الآية: ١٥٩.\n(٢) انظر: سورة النور، الآية: ٢٣.\n(٣) انظر: سورة النساء، الآيتان: ٥١ - ٥٢.\n(٤) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص١١٥ - ١١٩.\n(٥) سورة غافر، الآيات: ٧ - ٩.","vol":"1","page":387},{"text":"فلا يطمع غير هؤلاء بإجابة هذه الدعوة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>٢٥ [٦] المعاصي تُسبّب نسيان الله لعبده ونسيان العبد نفسه</span>، فإذا نسي الله العبد فهناك الهلاك الذي لا يُرجى معه نجاة، قال الله - ﷿ -:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢)، فقد أخبر الله - ﷿ - أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه: أي أنساه مصالحها وما ينجيها من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية، وكمال لذتها وسرورها، ونعيمها، فأنساه الله ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمة الله وخوفه، والقيام بأمره، فترى العاصي مهملًا لمصالح نفسه، مضيِّعًا لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره، واتَّبع هواه، وانفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته، وفرَّط في سعادته الأبدية، واستبدل بها أدنى ما يكون من لذة، وإنما ذلك متاع زائل لا خير فيه، كما قيل:\nأحلام نوم أو كظلٍّ زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يُخدعُ\n\nوأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه وإهماله لها، وإضاعة حظها، ونصيرها من الله، وبيعها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن، فضيع ما لا غنى له عنه ولا عوض له منه:\nمن كل شيء إذا ضيعته عوضٌ ... وما من الله إن ضيعته عوضُ\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١١٩ - ١٢٠.\n(٢) سورة الحشر، الآيتان: ١٨ - ١٩.","vol":"1","page":388},{"text":"فالله - ﷿ - يعوِّض عن كل ما سواه ولا يعوِّض عنه شيء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>٢٦ [٧] تخرج صاحبها من دائرة الإحسان</span>، فإن من عقوبات المعاصي أن تمنع العاصي ثواب المحسنين؛ فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي؛ لأن المحسن يعبد الله كأنه يراه، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية فضلًا عن الوقوع فيها (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>٢٧ [٨] تفوِّت ثواب المؤمنين</span>، ومن فاته ثواب المؤمنين وحسن دفاع الله عنهم فاته كل خير رتبه الله في كتابه على الإيمان، وهو نحو مائة خصلة كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها، ومنها:\nأ - الأجر العظيم: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ الله الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nب - الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤).\nج - موالاة الله لهم، ولا يذلّ من والاه: ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (٥).\nد - ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٦).\nهـ - معية الله لهم: ﴿وَأَنَّ الله مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧).\nوالرفعة في الدنيا والآخرة: ﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي، ص١٣٥ - ١٣٦، و١٩٠ - ١٩٥.\n(٢) انظر: الجواب الكافي، ص١٣٧.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٤٦.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٣٨.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٥٧.\n(٦) سورة الأنفال، الآية: ٤.\n(٧) سورة الأنفال، الآية: ١٩.","vol":"1","page":389},{"text":"أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١).\nز - العزة: ﴿وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nح - إعطاؤهم نصيبين من رحمته، وإعطاؤهم نورًا يمشون به ومغفرة ذنوبهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).\nط - أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤).\nي - القرآن هدى لهم وشفاء: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥).\nوالمقصود أن الإيمان سبب جالب لكل خير في الدنيا والآخرة، وكل شر في الدنيا والآخرة فسببه عدم الإيمان، فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئًا يسبب له الخسارة في الدنيا والآخرة، فإن الإصرار على الذنوب يسبب الرين على القلوب، فيخاف أن يستمرّ على ذلك فيسبّب له ارتكاب ما يخرجه عن الإيمان بالكليّة، ومن هنا اشتدّ خوف السلف\n_________\n(١) سورة المجادلة، الآية: ١١.\n(٢) سورة المنافقون، الآية: ٨.\n(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٨.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ٤٨.\n(٥) سورة فصلت، الآية: ٤٤.","vol":"1","page":390},{"text":"فقال بعضهم: «أنتم تخافون الذنوب، وأنا أخاف الكفر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>٢٨ [٩] توجب القطيعة بين العبد والرب</span>، وإذا وقعت القطيعة بين العبد وربه انقطعت عنه أسباب الخير، واتصلت به أسباب الشر، فأيّ فلاح، وأيُّ رجاء، وأيُّ عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليّه ومولاه الذي لا غنى له عنه طرفة عين (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>٢٩ [١٠] المعاصي تجعل صاحبها أسيرًا للشيطان</span>، وفي سجن شهواته وقيود هواه، فهو أسير مسجون مُقيَّد، ولا أسير أسوأ حالًا من أسيرٍ أسَرَهُ أعدى عدوٍّ له، ولا سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة، فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ والله المستعان (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>٣٠ [١١] المعاصي تجعل صاحبها من السفلة</span>؛ فإن الله خلق خلقه قسمين: عُلية، وسفلة، وجعل عليين مستقرّ العلية، وأسفل سافلين مستقر السفلة، وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>٣١ [١٢] تُسْقِط الكرامة، من عقوبات المعاصي: </span>سقوط الجاه،\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي، ص١٣٩، وص٢١٧ - ٢١٩.\n(٢) انظر: الجواب الكافي، ص، ١٤٤، ١٥٥، ١٩٥.\n(٣) انظر: الجواب الكافي، ص١٥٠.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ص١٦١.","vol":"1","page":391},{"text":"والمنزلة والكرامة عند الله - ﷿ -؛ فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم (١)، وأقربهم منه منزلة أطوعهم له، وعلى قدر طاعة العبد له تكون منزلته عنده، فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه، فأسقطه من قلوب عباده، وإذا لم يبق له جاه عند الخلق، وهان عليهم عاملوه على حسب ذلك، فعاش بينهم أسوأ عيش: خامل الذكر، ساقط القدر، رزيّ الحال، لا حرمة له، ولا فرح له، ولا سرور؛ فإن خمول الذكر، وسقوط القدر والجاه جالب لكل غمٍّ وهمٍّ وحزن، ولا سرور معه، ومن أعظم نعم الله على العبد الطائع أن يرفع له بين العالمين ذكره، ويُعلي قدره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>٣٢ [١٣] كراهية الله للعاصي</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَالله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٣)، وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>النوع الثالث: آثار المعاصي على البدن:</span>\nللمعاصي آثار على بدن العاصي، منها على سبيل المثال ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>٣٣ [١] العقوبات الشرعية</span>، إذا لم تَرُع العاصي العقوبات السابقة ولم يجد لها تأثيرًا في قلبه، فلينظر إلى العقوبات الشرعية التي شرعها الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ - على الجرائم، وهي: الحدود، والكفّارات، والتعزيرات.\nأما الحدود فهي: قتل المرتدّ، وحدّ الزنا، وحدّ السرقة، وحدّ القذف، وحدّ شرب الخمر، وهذه تحفظ الضرورات الخمس: «حفظ الدين،\n_________\n(١) ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ سورة الحجرات، الآية: ١٣.\n(٢) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص١٥١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٠٧.","vol":"1","page":392},{"text":"والنفس، والنسل، والعقل، والمال»، وما شرع الله - ﷿ - هذه الحدود والقصاص إلا لحفظ هذه الضرورات الخمس.\nوأما الكفّارات: فمنها: كفّارة قتل الخطأ، وكفّارة الظهار، وكفّارة الجماع في نهار رمضان، وكفارة الوطء في الإحرام، وفي الحيض، والنفاس، وكفّارة اليمين.\nوأما التعزيرات: فهي حسب ما يراه الحاكم المسلم، وأنه يردع ويزجر (١)، ولا يصل التعزير إلى الحد، إلا إذا كان الجرم عظيمًا، فقد يصل التعزير إلى القتل، وذلك حسب القواعد الشرعية، لا على حسب هواه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>٣٤ [٢] العقوبات القدريّة، وهي نوعان: </span>نوع على القلوب والنفوس، ونوع على الأبدان والأموال،<span data-type=\"title\" id=toc-1081> فالعقوبات القدرية على القلوب: </span>آلام وجودية يضرب بها القلب، وقطع المواد التي بها حياته وصلاحه عنه، وإذا قطعت عنه حصل له أضدادها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>والعقوبات على الأبدان نوعان: </span>نوع في الدنيا، ونوع في الآخرة، والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوّع إلى عقوبات شرعية، وعقوبات قدريّة، وهي إمّا في القلب، وإمّا في البدن، وإمّا فيهما، وعقوبات في دار\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص٢٠١ - ٢٠٧، والمعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع، لحامد بن محمد المصلح، ص١١٦ - ١١٨.\n(٢) انظر: مجلة البحوث الإسلامية، الصادرة من رئاسة البحوث العلمية، قرار هيئة كبار العلماء رقم١٣٨، في حكم مهرب ومروج المخدرات، العدد الحادي والعشرون، ص٣٥٥.","vol":"1","page":393},{"text":"البرزخ بعد الموت، وعقوبات يوم حشر الأجساد مع الأرواح (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>والخلاصة أن العقوبات القدريّة: </span>هي ما يصيب الإنسان في دينه، أو دنياه، أو كليهما: من الفتن، والمحن، والابتلاء، بسائر المصائب على اختلاف أشكالها، وهي على ثلاثة أنواع:\nمنها ما يكون لرفع الدرجات.\nومنها ما يكون لتكفير السيئات.\nومنها ما يكون عقابًا للإنسان على ظلمه وعدوانه، وعصيانه لربه، وهذه الدرجة الأخيرة عامة للمسلم والكافر، كلٌّ على حسب ذنبه وجرمه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>٣٥ [٣] والمعاصي تُوهن البدن</span>؛ فإن المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنُه، وأما الفاجر فإنه وإن كان قويَّ البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه، قال الإمام ابن القيم ﵀: «وتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>النوع الرابع: آثار المعاصي على الرزق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1086>٣٦ [١] المعاصي تحرم الرزق</span>، ولا شك أن الرجل قد يُحرم الرزق بالذنب يُصيبه، وكما أن تقوى الله مجبلة للرزق كما قال سبحانه: ﴿وَمَن\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص٢٠٨ - ٢١١.\n(٢) انظر: المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع، لحامد بن محمد المصلح، ص١١٨.\n(٣) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص١٠٦.","vol":"1","page":394},{"text":"يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (١)، فكذلك ترك تقوى الله مجلبة للفقر، وهذا مفهوم الآية؛ فإن من لم يتق الله لا يجعل الله له مخرجًا، ولا يرزقه من حيث لا يحتسب، وما استجلب رزق بمثل ترك المعاصي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>٣٧ [٢] تُزيل النعم، فالمعاصي تُزيل النعم، وتحلّ النقم</span>، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلّت به نقمة إلا بذنب، كما ذُكر عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة» (٣)، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٤)، وقال - ﷿ -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (٥)، فلا يغيّر الله تعالى نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غيَّر غُيِّر عليه جزاءً وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد.\nفإن غيّر المعصية بالطاعة غيَّر الله عليه العقوبة بالعافية، والذلّ بالعزّ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٢) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٠٤.\n(٣) المرجع السابق، ص١٤٢.\n(٤) سورة الشورى، الآية: ٣٠.\n(٥) سورة الأنفال، الآية: ٥٣.","vol":"1","page":395},{"text":"الله بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (١).\nولقد أحسن القائل:\nإذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تُزيلُ النِّعَم\nوحطها بطاعة ربِّ العباد ... فربُّ العباد سريع النقم (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>٣٨ [٣] تزيل البركة في المال، وقد تُتلفه</span>، ومن ذلك أن من كذب في بيعه وشرائه، وكتم العيوب في السلعة، عُوقب بمحق البركة، فعن حكيم بن حزام - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما» (٣)، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» (٤)، والمعنى أن من أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله يفتح عليه في الدنيا، فييسّر له أداءه، أو يتكفّل الله به عنه يوم القيامة، ومن أخذها يريد إتلافها وقع له الإتلاف في معاشه وماله، وقيل: المراد بذلك عذاب الآخرة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>النوع الخامس: آثار المعاصي العامة على الفرد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>٣٩ [١] تمحق البركات: </span>بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم،\n_________\n(١) سورة الرعد، الآية: ١١.\n(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص١٤٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب البيوع، باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا، ٣/ ١٤، برقم ٢٠٧٩، ومسلم، كتاب البيوع، باب الصدق في البيع والبيان، ٣/ ١١٦٤، برقم ١٥٣٢.\n(٤) البخاري، كتاب البيوع، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها،٣/ ١١٣،برقم ٢٣٨٧.\n(٥) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٥/ ٥٤.","vol":"1","page":396},{"text":"وبركة العمل، وبركة الطاعة، وبالجملة تمحق بركات الدين والدنيا، فلا تجد أقلّ بركة في عمره، ودينه، ودنياه ممن عصى الله، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (١)، فالمعاصي سبب لمحق البركات في كل شيء، فينبغي للمسلم أن يهرب من المعاصي حتى تحصل البركة في دينه ودنياه وآخرته (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>٤٠ [٢] المعاصي مجلبة للذمّ</span>، فإن من عقوباتها أن تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذمّ والصَّغار، فتسلبه اسم المؤمن، والبَرّ، والمحسن، والمتَقي، والمطيع، والمنيب، والولي، والوَرِع، والصالح والعابد، والطيِّب، ونحو ذلك. وتكسوه اسم الفاجر، والعاصي، والمخالف، والمسيء، والمفسد، والخبيث، والكاذب، والخائن، وقاطع الرحم، والغادر، والفاجر، وأمثالها، فلو لم يكن في عقوبة المعصية إلا استحقاق تلك الأسماء القبيحة وموجباتها، لكان في العقل ناهٍ عنها. والله المستعان (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>٤١ [٣] المعاصي تجرِّئ على الإنسان أعداءه</span>، وهذا من عقوباتها على فاعلها، فتجرِّئ عليه الشياطين بالأذى والإغواء، والوسوسة، والتخويف، والتحزين، وإنسائه ما فيه مصلحته.\nوتجرئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره.\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٩٦.\n(٢) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٥٧ - ١٦١.\n(٣) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٥٢.","vol":"1","page":397},{"text":"وتجرئ عليه أهله، وخدمه وأولاده، وجيرانه، وهذا يكفي في قبح المعاصي. والله المستعان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1093>٤٢ [٤] تضعف العبد أمام نفسه</span>، وهذا من أعظم عقوبات المعاصي، فإنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه، فإن كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وأعلم الناس أعرفهم بذلك على التفصيل، والمعاصي تخون العبد في تحصيل هذا العلم وإيثار الحظ العالي الدائم على الحظ الخسيس المنقطع، فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم، وعن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع له في الدارين، فإذا وقع في مكروه واحتاج إلى التخلص منه خانه قلبه ونفسه وجوارحه، وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدأ، ولزمه في غمده بحيث لا ينجذب إذا جذبه، فعرض له عدوّ يريد قتله، فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه، فدهمه العدو وظفر به، فكذلك القلب يصدأ بالذنوب، ويصير مثخنًا بالمرض، إذا احتاج إلى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئًا، والعبد إنما يُحارب ويُصاول ويُقدم بقلبه، والجوارح تبع للقلب.\nوالمقصود أن العبد إذا وقع في شدّة أو كربة أو بليِّة خانه قلبه، ولسانه، وجوارحه عما هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه، والتذلّل والانكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، فحينئذٍ يذكره بقلب لاهٍ ساهٍ غافل، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له، ولم\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي، ص١٦٦.","vol":"1","page":398},{"text":"تطاوعه، هذا كله أثر الذنوب والمعاصي.\nوهناك أمر أخوف من ذلك وأدهى منه، وهو أن يخون العاصي قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله، فربما تعذّر عليه النطق بالشهادة، كما شهد الناس كثيرًا من المحتضرين أصابهم ذلك، وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ كثيرًا من هذه الوقائع، منها:\nأن رجلًا شحَّاذًا قال عند موته: «فلس لله، فِلْسٌ لله» حتى خرجت روحه.\nوقيل لتاجر عند موته: قل لا إله إلا الله، فقال: «هذه القطعة رخيصة هذا مُشترَى جيد»، حتى قضى.\nولُقِّن آخر «لا إله إلا الله»، فقال: «كلما أردت أن أقولها ولساني يمسك عنها».\nوغير ذلك من القصص كثير (١).\nنسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>٤٣ [٥] مكر الله بالماكر، ومُخادعته للمُخادع، واستهزاؤه بالمستهزئ</span>، وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق، وكل ذلك من عقوبات المعاصي، وأضرارها، نسأل الله العفو والعافية (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>٤٤ [٦] المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ</span>، والعذاب في الآخرة، كلّ ذلك من عقوبات المعاصي، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص١٦٨ - ١٧١.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ص٢١٥.","vol":"1","page":399},{"text":"فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١)، قال الإمام ابن القيم ﵀: «فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله - ﷺ -: في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده، ولا تقرّ العين، ولا يهدأ القلب، ولا تطمئن النفس إلا بإلهها، ومعبودها الذي هو الحقّ، وكل معبود سواه باطل، فمن قرّت عينه بالله قرَّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تقطَعت نفسه على الدنيا حسرات» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>٤٥ [٧] تعسير أموره عليه، وهذا من أعظم ما يصيب العاصي</span>، فلا يتوجَّهُ لأمر إلا يجده مُغلقًا دونه، أو متعسّرًا عليه، وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرًا، فمن عطّل التقوى جعل له من أمره عسرًا، ويا لله العجب كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه وطرقها معسرة عليه وهو لا يعلم من أين أُتي؟ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>٤٦ [٨] تُقصِّر المعاصي العمر، وتمحق بركته ولابدّ</span>؛ فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور يقصّر العمر، وقد اختلف العلماء في ذلك فقالت طائفة: نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه، وهذا حق وهو بعض تأثير المعاصي.\nوقالت طائفة بل تنقصه حقيقة كما تنقص الرزق، فجعل الله سبحانه للبركة في الرزق أسبابًا كثيرة تكثره وتزيده، وللبركة في العمر أسبابًا تكثره وتزيده. ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب كما ينقص بأسباب،\n_________\n(١) سورة طه، الآية: ١٢٤.\n(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص٢١٦.\n(٣) المرجع السابق، ص١٠٥.","vol":"1","page":400},{"text":"فالأرزاق والآجال، والصحة والمرض، والغنى والفقر، وإن كانت بقضاء الرب - ﷿ - فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها لمسبباتها مقتضية لها.\nوقالت طائفة أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة هي حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته، فليس عمره إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره، فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها، فإذا أعرض العبد عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>٤٧ [٩] يرفع الله مهابة العاصي من قلوب الخلق</span>، وهذا من بعض عقوبات المعاصي، فلاشك أنه يهون عليهم، ويستخفون به، كما هان عليه أمره واستخفّ به، فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يعظّمه الناس، وكيف ينتهك عبد حرمات الله، ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس، أم كيف يستخفّ بمعاصي الله ولا يستخفّ به الخلق؟ (٢) قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>النوع السادس: آثار المعاصي على الأعمال:</span>\nلاشك أن الأعمال تتأثر في بعض الأحوال بالمعاصي، ومن ذلك ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>٤٨ [١] عن ثوبان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لأعلمنَّ أقوامًا </span>من أمتي\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي، ص١٠٧.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ص١٣٤.\n(٣) سورة الحج، الآية: ١٨.","vol":"1","page":401},{"text":"يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة، بيضًا فيجعلها الله - ﷿ - هباءً منثورًا»، قال ثوبان - ﵁ -: يا رسول الله صفهم لنا، جَلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: «أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» (١)، قلت: ولعل هؤلاء استحلّوا هذه المحارم، أو عملوا عملًا يخرجهم عن الإسلام، أو لهم غرماء أُعطوا هذه الحسنات كلها، والله - ﷿ - أعلم.\n\n٤٩ [٢] وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة: بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طُرح في النار» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>ثانيًا: آثار المعاصي على المجتمع:</span>\nالمعاصي لها تأثير عظيم على المجتمعات والأمم، ومن ذلك على سبيل المثال ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>٥٠ [١] إهلاك الأمم بسبب المعاصي</span>، لاشك أن جميع الأضرار في الدنيا والآخرة تحصل بسبب المعاصي.\nفما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة، والنعيم، والبهجة،\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، في كتاب الزهد، باب ذكر الذنوب، ٢/ ١٤١٨، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ١٧، برقم ٥٠٥، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ٤١٧.\n(٢) أخرجه مسلم، في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٧، برقم ٢٥٨١.","vol":"1","page":402},{"text":"والسرور، إلى دار الآلام، والأحزان، والمصائب؟\nوما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده، ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بُعدًا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحًا، وبالجنة نارًا تلظّى، وبالإيمان كفرًا؟\nوما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماءُ فوق رؤوس الجبال؟\nوما الذي سلّط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمّرت ما مرّت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابّهم، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟\nوما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطّعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟\nوما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعًا، ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم، ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد؟\nوما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظّى؟\nوما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نُقلت أرواحهم إلى جهنم: فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟\nوما الذي خسف بقارون، وداره، وماله، وأهله؟","vol":"1","page":403},{"text":"وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرَّها تدميرًا؟\nوما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ (١)\nلاشك أن الذي أصاب هؤلاء جميعًا وأهلكهم هي ذنوبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>٥١ [٢] إزالة النعم، فالمعاصي تزيل النعم بأنواعها</span>؛ فإن شكر الله على نعمه يزيدها، قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد﴾ (٢)، ونعم الله على عباده كثيرة لا تُحصى، كما قال - ﷿ -: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٤).\nومن النعم على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>النوع الأول: نعمة الإيمان، وهي أعظم النعم على الإطلاق</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>النوع الثاني: نعمة المال والرزق الحلال</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>النوع الثالث: نعمة الأولاد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1108>النوع الرابع: نعمة الأمن في الأوطان</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>النوع الخامس: نعمة العافية في الأبدان </span>(٥).\nوهذه النعم وغيرها تزيد بالشكر، وتزول أو تنقص، أو لا يبارك فيها\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم، ص٨٤ - ٨٦.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٧.\n(٣) سورة النحل، الآية: ١٨.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٣٤.\n(٥) انظر: الجواب الكافي، ص١٤٢، والمعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع، لحامد بن محمد المصلح، ص١٤١ - ١٥٠.","vol":"1","page":404},{"text":"للعبد بالذنوب والمعاصي، والإعراض عن الله - ﷿ -. قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>٥٢ [٣] نزول العقوبات العامة المهلكة، ومنها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>أ - ظهور الطاعون</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>ب - نزول الأوجاع التي لم تكن في الأسلاف الذين مضوا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1113>ج - الأخذ بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>د - منع القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>هـ - تسليط الأعداء</span>.\nويجعل الله بأسهم بينهم.\nفعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله - ﷺ - فقال: «يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (٢).\n_________\n(١) سورة الشورى، الآية: ٣٠.\n(٢) أخرجه ابن ماجه، في كتاب الفتن، باب العقوبات، ٢/ ١٣٣٢، برقم ٤٠١٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٤/ ٥٤٠، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،\n٢/ ٣٧٠، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ٧، برقم ١٠٦.","vol":"1","page":405},{"text":"وهذا من أعلام نبوة نبينا محمد - ﷺ -، فقد وقع ذلك كله بمن وقع في هذه المعاصي، ومن الأدلة المحسوسة على ذلك مرض الإيدز الذي وقع بمن أعلنوا بالفواحش، نسأل الله العفو والعافية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>٥٣ [٤] حلول الهزائم</span>، فإن ذلك بأسباب المعاصي والإعراض عن دين الله - ﷿ -، كما أن من أسباب النصر الطاعة والإقبال على الله - ﷾ -، قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَالله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (٣)، وقال الله - ﷿ -: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٥)، وقال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٦)، فالأخذ بهذه الأسباب من أعظم\n_________\n(١) انظر: الحكمة في الدعوة إلى الله، للمؤلف، ص٥٠٦.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٤٥ - ٤٧.\n(٣) سورة غافر، الآية: ٥١.\n(٤) سورة الروم، الآية: ٤٧.\n(٥) سورة الحج، الآية: ٤٠.\n(٦) سورة محمد، الآيتان: ٧ - ٨.","vol":"1","page":406},{"text":"أسباب النصر، وتركها من أعظم أسباب حلول الهزائم والخسارة في الدنيا والآخرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>٥٤ [٥] المعاصي مواريث الأمم الظالمة</span>، فليحذر المسلم أن يرث المعاصي عن الظالمين، فإن اللوطية: ميراث عن قوم لوط، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص: ميراث عن قوم شعيب، والعلو في الأرض بالفساد: ميراث عن قوم فرعون، والتكبر والتجبر: ميراث عن قوم هود، وغير ذلك، فالعاصي لابس ثياب هذه الأمم، وهم أعداء الله - ﷿ - (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>٥٥ [٦] المعاصي تؤثر حتى على الدوابّ، والأشجار، والأرض وعلى المخلوقات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1119>٥٦ [٧] تسبب عذاب القبر، وعذاب يوم القيامة</span>، وعذاب النار، نعوذ بالله من ذلك (٣).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1120> المسلك الثامن: العلاج:</span>\nإن العباد لهم منجيات تنجيهم من المهالك والجرائم، والمصائب إذا حلت بهم، وتنجيهم من حلول العقوبات قبل نزولها، وتسبّب لهم السعادة في الدنيا والآخرة، ومن هذه الأمور ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1121>أولًا: التوبة النصوح والاستغفار من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها</span>،\n_________\n(١) انظر: المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع، لحامد بن محمد المصلح، ص١٥٣ - ١٥٤.\n(٢) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص١١١.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ص١٢٠ - ١٢٤، والمعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع، لحامد بن محمد المصلح، ص١٦٤ - ٢٢٢.","vol":"1","page":407},{"text":"قال الله - ﷿ -: ﴿وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣)، وقد مدح الله المسارعين إلى التوبة فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤)، وقال الله - ﷿ -: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٥).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-1122>التوبة لها فضائل عظيمة يجنيها التائب، ومنها على سبيل المثال ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>١ - محبّة الله للتوّابين، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ </span>(٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>٢ - فرح الله - ﷿ - بتوبة عبده إليه</span>، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٣١.\n(٢) سورة التحريم، الآية: ٨.\n(٣) سورة الزمر، الآية: ٥٣.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.\n(٥) سورة طه، الآية: ٨٢.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.","vol":"1","page":408},{"text":"قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدّة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدّة الفرح» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1125>٣ - تبديل الله - ﷿ - السيئات حسنات</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1126>٤ - التوبة الخالصة الصادقة من جميع الذنوب يدخل الله صاحبها الجنة</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي الله النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>والتوبة لها شروط وأركان لا تُقبل إلا بها، وهي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>أ- الإقلاع عن المعصية وتركها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>ب - العزيمة على عدم العودة إليها أبدًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1130>ج - الندم على فعلها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>د - إن كانت المعصية في حق آدمي فلها شرط أو ركن رابع</span>، وهو\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب التوبة، ٧/ ١٨٩، برقم ٦٣٠٩، ومسلم واللفظ له، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، ٤/ ٢١٠٤، برقم ٢٧٤٧.\n(٢) سورة الفرقان، الآية: ٦٨ - ٧٠.\n(٣) سورة التحريم، الآية: ٨.","vol":"1","page":409},{"text":"التحلّل من صاحب ذلك الحق، وردّ الحقوق.\nولا تنفع التوبة عند الغرغرة، أو بعد طلوع الشمس من مغربها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>ثانيًا: تقوى الله - ﷿ -، في السر والعلن</span>، وهي أن يعمل العبد بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله، ويترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله. ويجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه ومن غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>ثالثًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢).\nوقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده ثم لتدعُنُّه فلا يستجيب لكم» (٣)، وقال الله - ﷿ -: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ (٤).\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، ١/ ٢٠١ - ٤٤٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٥٩، والآداب الشرعية لابن مفلح، ١/ ٨٥ - ١٥٦، وغذاء الألباب، للسفاريني، ٢/ ٥٦٨ - ٥٩٦.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٤.\n(٣) الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،٤/ ٤٦٨،برقم ٢١٦٩، وأحمد في اللفظ له في مسنده، ٥/ ٣٨٨،وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٣٣.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٦٥.","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1134>رابعًا: الاقتداء بالنبي - ﷺ -، في جميع الاعتقادات، والأقوال والأفعال </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1135>خامسًا: الدعاء والالتجاء إلى الله - ﷿ </span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>١ - الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب</span>، ولكن قد يتخلَّف عنه أثره:\nإما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله؛ لما فيه من العدوان.\nوإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله - ﷿ -.\nوإما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو.\nوإما لعدم توافر شروط الدعاء المستجاب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>٢ - الدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء: </span>يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>٣ - مقامات الدعاء مع البلاء ثلاثة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>المقام الأول: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>المقام الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد</span>، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفًا.\n_________\n(١) انظر: المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع، ص٣٠٣ - ٣٢٢.\n(٢) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص٢٢، ٣٥.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ص٢٣ - ٢٤.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1141>المقام الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه </span>(١).\nفعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء» (٢)، وعن سلمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يردُّ القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العُمرِ إلا البر» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>٤ - الإلحاح في الدعاء من أنفع الأدوية</span>، فالمسلم الصادق يُقبل على الدعاء، ويلزمه، ويُواظب عليه، ويُكرره في أوقات الإجابة، وهذا من أعظم ما يُطلب به إجابة الدعاء (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>٥ - آفات الدعاء: </span>إن من آفات الدعاء التي تمنع ترتّب أثره، أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة، فيستحسر ويترك الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذرًا أو غرس غرسًا فجعل يتعهّده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله (٥).\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، ص٢٤، ٣٥ - ٣٧.\n(٢) الحاكم، ١/ ٤٩٣، وأحمد في المسند، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٣/ ١٥١، برقم ٣٤٠٢.\n(٣) الترمذي، في كتاب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا بالدعاء، ٤/ ٤٨٤، برقم ٢١٣٩، بلفظه، وقال: «هذا حديث حسن غريب»، وأخرجه الحاكم بنحوه، ١/ ٤٩٣، من حديث ثوبان وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ٧٦، برقم ١٥٤، وفي صحيح سنن الترمذي، لشاهده من حديث ثوبان عند الحاكم، وعند ابن ماجه، برقم ٤٠٢٢، وأحمد، ٥/ ٢٧٧.\n(٤) انظر: الجواب الكافي لابن القيم، ص٢٥، وشروط الدعاء وموانع الإجابة، لسعيد بن علي بن وهف [المؤلف]، ص٥١ - ٥٢.\n(٥) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص٢٦، وشروط الدعاء وموانع الإجابة، لسعيد بن علي بن وهف [المؤلف]، ص٣٩.","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1144>٦ - أوقات إجابة الدعاء مهمة ينبغي أن يعتني الداعي في دعائه بها</span>، ومن أعظمها: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تُقضى صلاة الجمعة، وآخر ساعة بعد عصر يوم الجمعة، فإذا حضر القلب في هذه الأوقات، وصادف خشوعًا وانكسارًا بين يدي الرب، وذلًا له وتضرّعًا ورقّة، واستقبل الداعي القبلة؛ وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنَّى بالصلاة على محمد عبده ورسوله - ﷺ -، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة، وتوسّل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته، وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يُردّ أبدًا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>٧ - أهم ما يسأل العبد ربه</span>، لا شك أن العبد يسأل الله كلّ شيء يحتاجه في أمر دينه ودنياه؛ لأن الخزائن كلها بيده - ﷾ -، وهو - ﷿ - لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، ويحب - ﷿ - أن يُسأل، فليسألْه العبدُ كلّ شيء يحتاجه، حتى شِسعَ نعله، ويهتم العبد اهتمامًا بالغًا بالأمور المهمّة العظيمة التي فيها السعادة الحقيقية، ومن أهمّ ذلك تسعة أمور، هي:\nالأمر الخامس: سؤال الله - ﷿ -: الثبات على دينه.\nالأمر السادس: سؤال الله سبحانه: حسن العاقبة في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) انظر: الجواب الكافي، لابن القيم، ص٢٧ - ٢٨، وشروط الدعاء وموانع الإجابة، لسعيد بن علي بن وهف [المؤلف]، ص٤٥ - ٩١.","vol":"1","page":413},{"text":"الأمر السابع: سؤال الله تعالى: دوام النعمة والاستعاذة به من زوالها.\nالأمر الثامن: الاستعاذة بالله: من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعدا.\nالأمر التاسع: سؤال الله: صلاح الدين والدنيا والآخرة (١).\nوالله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وينفع به كل من انتهى إليه، فإنه تعالى خير مسؤول وأكرم مأمول وهو حسبي ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه: نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ٢/ ٣٨ - ٤٠، وشروط الدعاء وموانع الإجابة، للمؤلف، ص١٣ ٦ - ١٤٩.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1146>فهرس المصادر والمراجع</span>\n* القرآن الكريم\nآداب الزفاف في السنة المطهرة، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة، بدون تاريخ، المكتب الإسلامي، بيروت.\nالآداب الشرعية، للإمام أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي (ت ٦٧٣هـ)، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعمر القيام، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\nالإبداع في مضار الابتداع، للشيخ علي محفوظ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\nاجتماع الجيوش الإسلامية، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي الشهير بابن قيم الجوزية، ت ٧٥١هـ، تحقيق عواد عبد الله المعتق، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، مطابع الفرزدق التجارية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nالأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة، للشيخ عبد الرحمن بن محمد الدوسري، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ، دار الأرقم، الكويت.\nالإخلاص والشرك الأصغر، لعبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، الطبعة الأولى،\n١٤١٢ هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nأربعون حديثًا في مدح السنة وذم البدعة، يوسف بن إسماعيل النبهاني، بعناية بسام بن عبدالوهاب الجابي، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار ابن حزم، بيروت، لبنان.\nالإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد، للدكتور صالح بن فوزان، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ، توزيع المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد بسلطانة، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nإرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقة بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت ١٣٧٦ هـ، طبعة ١٤٠٢هـ، مكتبة دار المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nإرشاد أولي الساري لشرح صحيح البخاري، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني، ت ٩٢٣هـ، الطبعة السادسة، ١٣٠٤هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\nإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٣٩٩هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nالاستذكار، للإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر،\nت ٤٦٣ هـ، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى، ١٤٠١هـ، دار قتيبة للطباعة والنشر، دمشق، بيروت.","vol":"1","page":446},{"text":"إصلاح المساجد من البدع والعوائد، محمد بن جمال الدين القاسمي، تخريج ناصر الدين الألباني، الطبعة الخامسة، ١٤٠٣ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nأصول في البدع والسنن، محمد بن أحمد العدوي، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار الفتح، الشارقة.\nأصول وضوابط في التكفير، العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، اعتنى به عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، دار المنارة، المملكة العربية السعودية.\nأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، ت ١٣٩٣هـ، طبعة ١٤٠٣هـ، طبع وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nالاعتصام، للإمام إبراهيم بن موسى الشاطبي، ت ٧٩٠ هـ، تحقيق سليم بن عيد الهلالي، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، دار ابن عفان، الخبر، المملكة العربية السعودية.\nإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١هـ، تحقيق محمد حامد الفقي، بدون تاريخ، مكتبة حميدو، الإسكندرية، مصر.\nاقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، ت ٧٢٨، تحقيق الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، الطبعة ١٤٠٤ هـ، مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nإكمال إكمال المعلم، لمحمد بن خليفة الأشناني الأبي، ت ٨٢٨هـ، ضبطه وصححه محمد سالم هاشم دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\nأمثال القرآن، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي بن قيم الجوزية، ت٧٥١هـ، تحقيق د ناصر بن سعد الرشيد، الطبعة الأولى، ١٤٠٠هـ، دار مكة، المملكة العربية السعودية.\nالأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، للحافظ جلال الدين السيوطي، تحقيق مشهور بن حسن بن سلمان، الطبعة الثانية، ١٤١٦ هـ، دار ابن القيم، الدمام، المملكة العربية السعودية.\nالإيمان، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، ت ٧٢٨ هـ، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nالبداية والنهاية، للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير،\nت: ٧٤٧هـ، الطبعة الثالثة، ١٩٧٩م، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان.\nالبدع: أساليبها ومضارها، للشيخ محمود شلتوت، ت ١٣٨٣ هـ، تحقيق علي بن حسن عبد المجيد، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ، مكتبة ابن الجوزي، الأحساء، المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":447},{"text":"البدع والمحدثات وما لا أصل له، لابن باز، وابن عثيمين ومجموعة من العلماء، جمع حمود بن عبد الله المطر، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ، دار ابن خزيمة، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nبهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي،\nت٣٧٦ ١ هـ، تخريج بدر البدر، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ، مكتبة السندس، الكويت.\nبيان حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل، للدكتور صالح بن فوزان، طبعة ١٤١٤ هـ، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\nالتبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع، الطبعة الثانية،\n١٤١٣ هـ دار الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nتبيين العجب بما ورد في شهر رجب، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق طارق بن عوض الدارعي، طبع ونشر مؤسسة قرطبة، الأندلس.\nتحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة، ١٣٩٨ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\nتحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين، أحمد بن حجر آل بوطامي، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ، مكتبة ابن تيمية، الكويت.\nالتحذير من البدع، للعلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ، دار إمام الدعوة، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nتحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، لأبي العُلا محمد عبد الرحمن عبد الرحيم المباركفوري، ت ١٣٥٣ هـ، الطبعة الثانية، ١٤٥٧ هـ، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\nالترغيب والترهيب من الحديث الشريف، للإمام زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ت ٦٥٦ هـ، تحقيق محيي الدين ديب مستو، سمير أحمد العطار، يوسف على بدوي، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ، دار ابن كثير، دمشق، بيروت.\nالتعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، ت ٨١٦ هـ، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، عالم الكتب، بيروت، لبنان.\nتفسير البغوي (معالم التنزيل)،للإمام الحافظ أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي ت٥١٦ هـ، تحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\nتفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت ٣١٥ هـ، تحقيق محمود وأحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، دار المعارف بمصر.\nتفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم)، للإمام أبي الفداء إسماعيل بن الخطيب عمر بن كثير القرشي الدمشقي، ت ٧٧٤ هـ، طبعة ١٤٠٧ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\nالتفسير القيم للإمام ابن القيم، جمعه محمد أويس الندوي، تحقيق محمد حامد الفقي، بدون تاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":448},{"text":"تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، الدكتور صالح بن سعد السميحي، الطبعة الأولى، ١٤١٠، دار ابن حزم، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nتهذيب سنن أبي داود (المطبوع مع معالم السنن)، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمدبن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\nالتوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت ١٣٧٦هـ، طبعة ١٤٠٦ هـ، مكتبة المعارف، الرياض المملكة العربية السعودية.\nتيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، للعلامة سليمان بن عبد الله بن محمد عبد الوهاب، ت ١٢٣٣ هـ، الطبعة، ١٤٠٦ هـ، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي، ت١٣٧٦هـ، تحقيق محمد زهري النجار، طبعة ١٤٠٤ هـ، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nثلاثة الأصول، لمحمد بن عبد الوهاب، ت ١٢٠٦ هـ، بحاشية عبد الرحمن بن محمدبن قاسم، ت ١٣٩٢ هـ، الطبعة الخامسة، ١٤٠٧ هـ.\nجامع الأصول من أحاديث الرسول، لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري،\nت٦٥٦ هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤٥٣ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\nجامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر يوسف بن عبد البر، ت ٤٦٣ هـ، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.\nجامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، للإمام الحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ت ٧٩٥ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\nالجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبى، ت ٦٧١ هـ، تحقيق محمد إبراهيم الحفناوي، ومحمود حامد عثمان، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، دار الحديث، القاهرة.\nجلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام، للإمام شمس الدين أبي عبد الله بن أبى بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي الشهير بابن القيم، ت ٧٥١ هـ، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ دار العروبة، الصفاة، الكويت.\nالجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت٧٥١هـ، تحقيق أبي حذيفة عبيد الله بن عالية، الطبعة الأولى،١٤٠٧هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":449},{"text":"حاشية الإمام السندي على سنن النسائي، للعلامة عبد الهادي السندي، ت ١١٣٨ هـ، المطبوع مع سنن النسائي بعناية عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\nحقيقة البدعة وأحكامها، سعيد بن ناصر الغامدي، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، دار الرشد، المملكة العربية السعودية.\nالحكمة في الدعوة إلى الله، سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الطبعة الثالثة،\n١٤١٧ هـ، توزيع مؤسسة الجريسي، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nحلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، ت ٤٣٠ هـ، بدون تاريخ، دار الكتب العربية، بيروت، لبنان.\nدرء تعارض العقل والنقل، لأبي العباس تقي الدين أحمدبن عبدالحليم ابن تيمية،\nت ٧٢٨ هـ، تحقيق د. محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى، ١٤٥٠ هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\nدراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها، للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، الطبعة الأولى، ١٤١٨، مركز الدراسات والإعلام، دار إشبيليا، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nالدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ت ١٣٩٢ هـ الطبعة الثانية، ١٣٨٥ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nديوان الإمام الشافعي، لأبى عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ت ٢٥٤ هـ، جمعه وعلق عليه محمد عفيف الزعبي، الطبعة الثالثة، ١٣٩٢ هـ، مؤسسة الزعبي، بيروت، لبنان.\nالرياء: ذمه وأثره السيئ في الأمة، سليم بن عيد الهلالي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية.\nزاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\nالزهد والرقائق، للإمام عبد الله بن المبارك المروزي، ت ١٨١ هـ، تحقيق أحمد فريد، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار المعراج الدولية للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nسلسلة الأحاديث الصحيحة، للعلامة ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية، ١٣٩٩هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nسنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، ت ٢٧٩ هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، ١٣٩٨ هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، مصر.\nسنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت ٢٥٥ هـ، طبعة ١٤٠٤ هـ، تحقيق عبد الله بن هاشم اليماني، توزيع الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية","vol":"1","page":450},{"text":"والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nسنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، ت ٢٧٥ هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، بدون تاريخ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\nسنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، ت ٢٧٥ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\nالسنن الكبرى، للإمام الحافظ أبي بكر أحمد لن الحسين بن على البيهقي، ت ٤٥٨ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\nسنن النسائي، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب، ت ٣٠٣ هـ، بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، ت ٩١١ هـ، وحاشية السندي، ت ١١٣٨ هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، اعتنى به ورقمه عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\nسير أعلام النبلاء، للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت ٧٤٨ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الرابعة، ١٤٠٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\nشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للإمام أبي القاسم هبة الله بن حسن الطبري اللالكائى، ت ٤١٨ هـ، تحقيق د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، الطبعة الرابعة، ١٤١٦ هـ، دار طيبة، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nشرح الزرقاني على الموطأ، محمد بن عبد الباقي بن يوسف، الزرقانى، ت ١١٢٢ هـ، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\nشرح السنة، للإمام الحافظ أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، ت ٥١٩ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nشرح السيوطي على سنن النسائي، للعلامة عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر محمد بن سابق الدين، ت ٩١١ هـ، بعناية عبد الفتاح أبوغدة، الطبعة الثانية، ١٤٥٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\nشرح صحيح مسلم للنووي، لمحيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي،\nت ٦٧٦ هـ، تحقيق لجنة من العلماء بإشراف الناشر، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ، دار القلم، بيروت، لبنان.\nشرح الطيبي على مشكاة المصابيح، شرف الدين الحسين بن عبد الله بن محمد الطيبي،\nت ٧٤٣ هـ، تحقيق عبد الحميد هنداوي، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nشرح العقيدة الطحاويه، للعلامة علي بن علي بن محمدبن أبي العز الدمشقي،\nت ٧٩٢ هـ، تخريج محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة، ١٣٩٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":451},{"text":"شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ت ٧٢٨ هـ، بقلم العلامة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، الطبعة الخامسة، ١٤١١ هـ، طبع تحت إشراف الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.\nشرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام بن تيمية، تأليف العلامة محمد خليل هراس، تخريج علوي السقاف، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، دار الهجرة، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nشرح العقيدة الواسطية لابن تيمية، ت ٧٢٨، بقلم محمد بن صالح العثيمين، جمع سعد فواز الجميل، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية.\nشرح لمعة الاعتقاد، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، ت٦٢٠ هـ بقلم الشيخ محمد بن صالح العثيمين، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، دار ابن القيم.\nشرح مشكل الآثار، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، ت ٣٢١ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\nشروط الدعاء وموانع الإجابة، لسعيد بن علي بن وهف القحطاني، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ، توزيع مؤسسة الجريسي، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nشعب الإيمان، للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت ٤٥٨ هـ، تحقيق أبي هاجر محمد السعيد بسيوني زغلول، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\nصحيح البخاري، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ت ٢٥٦ هـ، طبعة ١٤١٤ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان. وطبعة ١٣١٥ هـ، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا، والنسخة المطبوعة مع فتح الباري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وإشراف محب الدين الخطيب، بدون تاريخ، مكتبة الرياض، المملكة العربية السعودية.\nصحيح الترغيب والترهيب، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى،\n١٤١٢ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nصحيح الجامع الصغير، للعلامة ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٣٨٨ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nصحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، للإمام أبي حاتم محمدبن أحمدبن حبان البستي،\nت٣٥٤ هـ، رتبه الأمير علاء الدين علي بن سليمان بن بلبان الفارسي، ت ٧٣٩ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\nصحيح ابن خزيمة، للإمام أبي بكر محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي النيسابوري،\nت ٣١١ هـ، تحقيق محمد مصطفى الأعظمى، طبعة ١٣٩٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nصحيح سنن الترمذي باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى،","vol":"1","page":452},{"text":"١٤٠٨ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nصحيح سنن أبي داود باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٩، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nصحيح سنن ابن ماجه باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nصحيح سنن النسائي باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nصحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري االنيسابوري، ت ٢٦١ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\nصفات المنافقين، للإمام أبي عبد الله محمد بن أبى بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ.\nصفة النفاق، للإمام جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي، ٣٠١ هـ، تحقيق بدر البدر، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي.\nالضوء المنير على التفسير، جمع علي الحمد المحمد الصالحي من كتب ابن قيم الجوزية، بدون تاريخ، مؤسسة النور للطباعة والتجليد، عنيزة، مكتبة دار السلام، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nالطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري، ت ٢٣٥ هـ، تحقيق محمد عبد القادر عطا، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\nظلال الجنة في تخريج السنة، للعلامة ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nعقيدة السلف وأصحاب الحديث، الإمام إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني،\nت ٤٤٩ هـ، تحقيق ناصر بن عبد الرحمن الجديع، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار العاصمة الرياض، المملكة العربية السعودية.\nعلم أصول البدع، علي بن حسن بن عبد الحميد، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ، دار الراية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nغاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nغذاء الألباب لشرح منظومة الآداب، للشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفارينى، ت ١١٨٨ هـ، طبعة ١٣٩٣ هـ، مؤسسة قرطبة، المملكة العربية السعودية.\nالغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، الدكتور عبد الرحمن معلا اللويحق، الطبعة الثانية، ١٤١٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\nفتاوى إسلامية، جمع وترتيب، محمد بن عبد العزيز المسند، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":453},{"text":"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، جمع وترتيب الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ، نشر الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nفتاوى محمد بن صالح العثيمين، جمع فهد بن ناصر السليمان، الطبعة الأولى، دار الوطن، المملكة العربية السعودية.\nفتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني،\nت ٨٥٢ هـ، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي وإشراف محب الدين الخطيب، بدون تاريخ، مكتبة الرياض، المملكة العربية السعودية.\nفتح رب البرية بتلخيص الحموية، للشيخ الإسلام ابن تيمية، ت ٧٢٨ هـ، بقلم العلامة محمد بن صالح العثيمين، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ، مطبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية.\nفضل الصلاة على النبي - ﷺ -، إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي، ت ٢٨٢هـ، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة، ١٣٩٧هـ، المكتب الإسلامي.\nفتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ت ١٢٥٠ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\nفتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، د. عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب،\nت ١٢٨٥هـ، تحقيق د. الوليد بن عبد الرحمن آل فريان، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ، دار الصميعي، الرياض، المملكة العربية السعودية. وطبعة دار المنار، بعناية صادق بن سليم بن صادق، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nالفوائد، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزقية، ت ٧٥١هـ، تحقيق بشير محمد عيون، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ، مكتبة دار البيان، دمشق، سورية.\nفيض القدير شرح الجامع الصغير، للعلامة عبد الرؤوف المناوي، ت ١٠٣١ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\nالقاموس المحيط، للعلامة مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ت ٨١٧ هـ الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\nقضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال، سعيد بن علي بن وهف القحطاني، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ، توزيع مؤسسة الجريسي، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nالقوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها، للعلامة عبد العزيز بن عبدالله ابن باز، اعتنى به، خالد بن عبد الرحمن الشايع، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ، دار بلنسية.\nالقول السديد في مقاصد التوحيد، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي،\nت ١٣٧٦ هـ، بعناية وتخريج د. المرتضى الزين أحمد، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ، مجموعة التحف النفائس الدولية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nكتاب الإخلاص، حسين العوايشة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ، المكتبة الإسلامية، عمان، الأردن.","vol":"1","page":454},{"text":"كتاب الإيمان، للحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحق بن يحيى بن منده، ت ٣٩٥ هـ، تحقيق د. على بن محمد فقيهي، الطبعة الثانية، ١٤٥٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\nكتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، للإمام، شهاب الدين أبي محمدعبدالرحمن بن إسماعيل، المعروف بأبي شامة، ت ٦٦٥ هـ، تحقيق مشهور بن حسن بن سلمان، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الراية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nكتاب التوحيد، للدكتور صالح بن فوزان الفوزان، طبعة خيرية بدون تاريخ.\nكتاب الحوادث والبدع، للعلامة إبراهيم بن أحمد الطرطوشي، ت ٥٧٩ هـ، تحقيق عبدالمجيد تركي، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nكتاب الزهد، للإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ت ٢٤١ هـ، تحقيق محمد السعيد بسيوني، الطبعة الأولى، ١٤٥٦ هـ، دار الكتاب العربي، الرملة، بير وت، لبنان.\nكتاب السنة، للحافظ أبي بكر عمر بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني،\nت ٢٨٧ هـ، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة لمحمد بن ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nكتاب فيه ما جاء في البدع، للإمام محمد بن وضاح القرطبي، ت ٢٨٧ هـ، تحقيق بدر البدر، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ دار الصميعي، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nالكلمات النافعة في المكفرات الواقعة، للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، المطبوع ضمن الجامع الفريد، بدون تاريخ، توزيع الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nلسان العرب، للإمام أبي الفضل جمال الدين بن مكرم بن علي بن منظور، ت ٧١١ هـ، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ، دار صادر، بيروت، لبنان.\nلطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، للحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب،\nت ٧٩٥ هـ، تحقيق ياسين بن محمد السواس، الطبعة الثالثة، ١٤١٦ هـ، دار ابن كثير، بيروت.\nمباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة، للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، الطبعة الأولى، بدون تاريخ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nمجلة البحوث الإسلامية، العدد ١٢، نشرة إدارة البحوث العلمية للإفتاء، المملكة العربية السعودية.\nمجمع البحرين في زوائد المعجمين، للحافظ نور الدين علي بن أبى بكر الهيثمي، تحقيق عبد القدوس بن محمد نذير، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ، مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nمجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين على بن أبي بكر الهيثمي، ت ٨٠٧ هـ، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":455},{"text":"مجموع فتاوى ابن تيمية، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية،\nت ٧٢٨ هـ، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، بدون تاريخ، مكتبة المعارف، الرباط، المغرب.\nمجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، جمع وترتيب د. محمد بن سعد الشويعر، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، الرئاسة العامة لإدارات البحوث والعلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.\nمجموعة التوحيد، لشيخي الإسلام: أحمد بن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، بدون تاريخ، المكتبة السلفية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية.\nمجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الطبعة الأولى، بدون تاريخ، جامعة الإمام محمدبن سعود الإسلامية.\nمختار الصحاح، للإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، طبعة ١٩٨٥م، مكتبة لبنان، بيروت، لبنان.\nمختصر الشمائل المحمدية، للإمام أبي عيسى محمد بن سورة الترمذي، ت ٢٧٩ هـ، اختصره محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، المكتبة الإسلامية، عمان، الأردن.\nمختصر منهاج القاصدين، للإمام أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسى،\nت ٦٨٩ هـ، تعليق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، طبعة ١٣٩٨ هـ، مكتبة دار البيان، دمشق.\nمدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية تحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة بدون تاريخ، مكتبة السنة المحمدية، ومكتبة تيمية، القاهرة.\nمرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ت ١٠١٤ هـ، طبعة ١٤١٤ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\nالمستدرك على الصحيحين، للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\nمسند الإمام أحمد بشرح أحمد شاكر، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، شرحه وضع فهارسه أحمد محمد شاكر، بدون تاريخ، دار المعارف، مصر.\nمسند الإمام أحمد، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ت ٢٤١ هـ، بدون تاريخ، المكتب الإسلامي، دار صادر، بيروت، لبنان.\nمشارق الأنوار على صحاح الآثار، للإمام القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي، بدون تاريخ، المكتبة العتيقة، تونس، دار التراث، القاهرة.\nمشكاة المصابيح، لمحمد عبد الله الخطيب التبريزي، ت ٧٣٧هـ، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nالمصنف، للحافظ أي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ت ٢١١هـ، تحقيق حبيب","vol":"1","page":456},{"text":"الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\nمعارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، ت ٣٧٧ هـ، تخريج عمر بن محمود أبو عمر، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ، دار ابن القيم، الدمام، المملكة العربية السعودية.\nالمعاصي وأثرها على الفرد والمجتمع، لحامد المصلح، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، مكتبة الضياء، جدة، المملكة العربية السعودية.\nمعجم الطبراني الكبير، للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ت ٣٦٠هـ، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، وزارة الأوقاف والشئون الدينية بالجمهورية العراقية.\nالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضعه محمد فؤاد عبد الباقيبدون تاريخ، دار الدعوة، إستانبول.\nمعجم المقاييس في اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، ت ٣٩٥ هـ، تحقيق شهاب الدين أبي عمرو، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\nالمعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، الطبعة الثانية، ١٣٩٢هـ، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا.\nمفردات ألفاظ القرآن، العلامة الراغب الأصفهاني، ت ٥٠٢ هـ، تحقيق صفوان عدنان داوودي، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، دار القلم، دمشق، دار الشامية، بيروت.\nالمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي،\nت ٦٥٦ هـ، تحقيق محيى الدين مستو وجماعة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ، دار ابن كثير، دمشق، بيروت.\nمقامع الشيطان، لسليم بن عيد الهلالي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، مكتبة ابن الجوزي، الأحساء، المملكة العربية السعودية.\nالمنافقون في القرآن الكريم، للدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الحميدي، الطبعة الأولى،\n١٤٠٩ هـ دار المجتمع للنشر والتوزيع، جدة، المملكة العربية السعودية.\nمناهج الجدل في القرآن الكريم، للدكتور زاهر بن عواض الألمعي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٤ هـ، مطابع الفرزدق، الرياض.\nموطأ الإمام مالك، للإمام مالك بن أنس، ت ١٧٩ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وأولاده.\nالنفاق وآثاره ومفاهيمه، للشيخ عبد الرحمن الدوسري، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ، دار الأرقم، الكويت.\nالنهاية في غريب الحديث، للإمام أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري،\nت ٦٠٦ هـ، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بدون تاريخ، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.\nالنهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد، للدوسري.","vol":"1","page":457},{"text":"نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف، للدكتور محمد بن عبدالله الوهيبي، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ، دار المسلم، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nنواقض الإيمان القولية والعملية، للدكتور عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nنونية القحطاني، عبد الله بن محمد الأندلسي، ت ٣٨٧ هـ، تصحيح وتعليق محمد بن أحمد سيد أحمد، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ، مكتبة السوادي، جدة، المملكة العربية السعودية.\nالنية وأثرها في الأحكام الشرعية، الدكتور صالح بن غانم السدلان، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ، دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية.\nوجوب التعاون بين المسلمين، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، طبعة ١٤٠٢ هـ، مكتبة المعارف، الرياض المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":458}]}