{"ً":{"ٌ":96547,"ٍ":"مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"بحوث ومسائل/مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة - القحطاني","files":["mhoidks.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة - مفهوم، وفضائل، ومنافع، وفوائد، وشروط، وأركان، وواجبات، وآداب، ومسائل، وحِكَمٌ، وأحكامٌ\nالمؤلف: د. سعيد بن على بن وهف القحطاني\nالناشر: مركز الدعوة والإرشاد، القصب\nالطبعة: الثانية، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م\nعدد الصفحات: ٧٨١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":18,"ٖ":1770154054,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة:","level":1,"page":3},{"title":"المبحث الأول: مفهوم المناسك، والحج، والعمرة","level":1,"page":6},{"title":"أولا: مفهوم المناسك: لغة، واصطلاحا:","level":2,"page":6},{"title":"المناسك لغة","level":3,"page":6},{"title":"والمناسك اصطلاحا","level":3,"page":7},{"title":"ثانيا: مفهوم الحج: لغة، واصطلاحا:","level":2,"page":8},{"title":"الحج لغة:","level":3,"page":8},{"title":"والحج شرعا","level":3,"page":8},{"title":"ثالثا: مفهوم العمرة: لغة، واصطلاحا:","level":2,"page":10},{"title":"العمرة، والاعتمار لغة","level":3,"page":10},{"title":"والعمرة شرعا","level":3,"page":10},{"title":"والتعريف الذي يجمع هذه التعريفات","level":3,"page":11},{"title":"المبحث الثاني: فضائل الحج والعمرة","level":1,"page":12},{"title":"أولا: من حج البيت الحرام، أو اعتمر فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه","level":2,"page":12},{"title":"ثانيا: العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما","level":2,"page":13},{"title":"ثالثا: الحج يهدم ما كان قبله","level":2,"page":13},{"title":"رابعا: الحج المبرور من أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل الله","level":2,"page":13},{"title":"خامسا: الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب،","level":2,"page":14},{"title":"سادسا: أفضل الجهاد وأجمله الحج المبرور","level":2,"page":14},{"title":"سابعا: الحاج والمعتمر وفد الله تعالى","level":2,"page":15},{"title":"ثامنا: المعتمر والحاج يعطيهم الله ما سألوه","level":2,"page":15},{"title":"تاسعا: الحج والعمرة جهاد الكبير، والصغير، والضعيف،","level":2,"page":16},{"title":"عاشرا: الحاج والمعتمر يلبي معه الشجر والحجر حتى تنقطع الأرض","level":2,"page":16},{"title":"الحادي عشر: الله تعالى يباهي بالحجاج في عرفة الملائكة؛","level":2,"page":16},{"title":"الثاني عشر: خير الدعاء دعاء الحجاج يوم عرفة","level":2,"page":16},{"title":"الثالث عشر: عمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي - ﷺ -؛","level":2,"page":17},{"title":"الرابع عشر: مسح الحجر الأسود والركن اليماني، يحطان الخطايا","level":2,"page":17},{"title":"الخامس عشر: الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة","level":2,"page":18},{"title":"السادس عشر: من طاف بالبيت العتيق واستلم الحجر الأسود شهد له","level":2,"page":18},{"title":"السابع عشر: من حج البيت كمل إسلامه","level":2,"page":19},{"title":"الثامن عشر: الحاج إذا خرج من بيته قاصدا البيت الحرام كتب له","level":2,"page":19},{"title":"التاسع عشر: الحاج والمعتمر يكتب له بركعتي الطواف عتق رقبة","level":2,"page":20},{"title":"العشرون: طواف الحاج أو المعتمر بين الصفا والمروة،","level":2,"page":20},{"title":"الحادي والعشرون: الحاج يغفر له في وقوفه بعرفة","level":2,"page":20},{"title":"الثاني والعشرون: يغفر الله تعالى لأهل عرفات، وأهل المشعر؛","level":2,"page":21},{"title":"الثالث والعشرون: الحاج له بكل حصاة يرمي بها الجمار تكفير","level":2,"page":22},{"title":"الرابع والعشرون: الحاج يعطى بكل شعرة حلقها حسنة،","level":2,"page":23},{"title":"الخامس والعشرون: إذا لبى الملبي في الحج، أو كبر بشر","level":2,"page":24},{"title":"السادس والعشرون: الحج يقع معظمه في أفضل أيام الدنيا:","level":2,"page":24},{"title":"وعشر ذي الحجة، فضلها عظيم","level":3,"page":25},{"title":"الفضل الأول: هي الأيام التي أقسم الله تعالى بها في كتابه","level":4,"page":25},{"title":"الفضل الثاني: وهي الأيام التي يكون العمل فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله تع","level":4,"page":26},{"title":"الفضل الثالث: وهي أيام عظيمة عند الله","level":4,"page":26},{"title":"الفضل الرابع: وهي أيام أفضل من أيام عشر رمضان الأخيرة","level":4,"page":26},{"title":"الفضل الخامس: هي الأيام التي فيهن يومان هما أفضل أيام العام","level":4,"page":26},{"title":"الفضل السادس: فضائل الأعمال في عشر ذي الحجة أنواع:","level":4,"page":29},{"title":"النوع الأول: أداء الحج والعمرة في هذه الأيام من أفضل الأعمال","level":5,"page":29},{"title":"النوع الثاني: صيام الأيام التسعة","level":5,"page":29},{"title":"النوع الثالث: التوبة والإقلاع عن جميع المعاصي","level":5,"page":30},{"title":"النوع الرابع: إذا دخل عشر ذي الحجة أمسك من أراد أن يضحي عن شعره","level":5,"page":30},{"title":"النوع الخامس: كثرة الأعمال الصالحة","level":5,"page":30},{"title":"النوع السادس: الحرص على أداء صلاة العيد لغير الحاج","level":5,"page":30},{"title":"النوع السابع: تشرع الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق","level":5,"page":31},{"title":"النوع الثامن: نحر الهدايا يوم النحر وأيام التشريق","level":5,"page":31},{"title":"النوع التاسع: التكبير، والتهليل","level":5,"page":31},{"title":"القسم الأول: التكبير المطلق","level":6,"page":31},{"title":"أولا: وقت التكبير المطلق في عيد الفطر، وعيد الأضحى","level":7,"page":31},{"title":"١ - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الفطر من غروب الشمس آخر يوم من رمضان","level":8,"page":32},{"title":"٢ - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الأضحى من أول عشر ذي الحجة","level":8,"page":32},{"title":"ثانيا: صفة التكبير جاء في آثار عن أصحاب النبي - ﷺ -","level":7,"page":35},{"title":"النوع الأول: كان عبد الله بن مسعود - ﵁ - يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله","level":8,"page":35},{"title":"النوع الثاني: وكان ابن عباس ﵄ يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر","level":8,"page":35},{"title":"النوع الثالث: وكان سلمان - ﵁ - يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا","level":8,"page":35},{"title":"النوع الرابع: وكان عبد الله بن مسعود - ﵁ - يقول: الله أكبر، الله أكبر،","level":8,"page":35},{"title":"القسم الثاني التكبير المقيد:","level":6,"page":36},{"title":"أولا: يبتدئ التكبير المقيد من عقب صلاة الفجر يوم عرفة وينتهي بعد","level":7,"page":36},{"title":"ثانيا: صفة التكبير المقيد","level":7,"page":40},{"title":"السابع والعشرون: ماء زمزم شفاء سقم وطعام طعم","level":2,"page":40},{"title":"الثامن والعشرون: إذا طاف الحاج طواف الوداع","level":2,"page":42},{"title":"الشرط الأول: الإخلاص للمعبود","level":3,"page":42},{"title":"الشرط الثاني: المتابعة للرسول - ﷺ -","level":3,"page":43},{"title":"المبحث الثالث: منافع الحج وفوائده ومقاصده والحكمة من مشروعيته","level":1,"page":44},{"title":"أولا: تعظيم شعائر الله وحرماته","level":2,"page":44},{"title":"وحرمات الله: كل ما له حرمة، وأمر باحترامه","level":3,"page":50},{"title":"استقامة القلب بشيئين:","level":3,"page":51},{"title":"الأول: أن تكون محبة الله تتقدم عنده على جميع المحاب","level":4,"page":51},{"title":"الثاني: تعظيم الأمر والنهي","level":4,"page":51},{"title":"ثانيا: مغفرة ذنوب الحاج ورضوان الله عليه","level":2,"page":52},{"title":"ثالثا: مضاعفة الصلوات في الحرم من المنافع العظيمة","level":2,"page":54},{"title":"رابعا: ذكر الله تعالى في الأيام المعلومات: وهي عشر ذي الحجة وأيام التشريق","level":2,"page":60},{"title":"خامسا: دخول الجنة والنجاة من النار من أعظم منافع الحج","level":2,"page":61},{"title":"سادسا: السلامة من الفقر، لمن تابع بين الحج والعمرة","level":2,"page":62},{"title":"سابعا: أرباح التجارة، من المنافع المباحة الدنيوية","level":2,"page":62},{"title":"ثامنا: إظهار التذلل لله تعالى، والخضوع له سبحانه","level":2,"page":65},{"title":"تاسعا: أداء الشكر لله تعالى؛ فإن في الحج يؤدي العبد بعض الشكر","level":2,"page":65},{"title":"عاشرا: الحج أعظم مؤتمر بشري تجتمع كلمة أصحابه","level":2,"page":66},{"title":"الحادي عشر: الحج يذكر المسلم بالموت والانتقال إلى الآخرة","level":2,"page":67},{"title":"الثاني عشر: الحج يذكر بيوم القيامة","level":2,"page":67},{"title":"الثالث عشر: الحج امتثال لأمر الله وإجابة لأمره لإبراهيم","level":2,"page":68},{"title":"الرابع عشر: الصلة بالله تعالى، والتقرب إليه، ومفارقة الأهل","level":2,"page":69},{"title":"الخامس عشر: اتصال المسلمين بعضهم ببعض، وتعاونهم","level":2,"page":69},{"title":"السادس عشر: التعلم، والتعليم، ونشر الدعوة والخير بين الناس في المواسم:","level":2,"page":70},{"title":"السابع عشر: أعظم المنافع تحقيق التوحيد ونبذ الشرك؛","level":2,"page":71},{"title":"١ - إجابة لك بعد إجابة","level":3,"page":74},{"title":"٢ - انقياد لك بعد انقياد","level":3,"page":74},{"title":"٣ - أنه من لب بالمكان إذا قام ولزمه","level":3,"page":74},{"title":"٤ - أنه من قولهم: داري تلب دارك","level":3,"page":75},{"title":"٥ - معناه: حبا لك بعد حب","level":3,"page":75},{"title":"٦ - مأخوذ من لب الشيء","level":3,"page":75},{"title":"٧ - أنه من قولهم: فلان رخي اللبب","level":3,"page":75},{"title":"٨ - أنه من الإلباب: وهو الاقتراب:","level":3,"page":75},{"title":"المبحث الرابع: حكم الحج ومنزلته في الإسلام","level":1,"page":77},{"title":"أولا: حكم الحج في الإسلام:","level":2,"page":77},{"title":"أما الكتاب:","level":3,"page":77},{"title":"وأما السنة","level":3,"page":78},{"title":"١ - حديث أنس بن مالك - ﵁ -","level":4,"page":78},{"title":"٢ - حديث عبد الله بن عمر ﵄","level":4,"page":79},{"title":"٣ - حديث جبريل في رواية عمر بن الخطاب","level":4,"page":79},{"title":"٤ - حديث أبي هريرة - ﵁ -،","level":4,"page":80},{"title":"٥ - حديث عبد الله بن عباس ﵄،","level":4,"page":80},{"title":"وأما الإجماع:","level":3,"page":82},{"title":"ثانيا: منزلة الحج في الإسلام:","level":2,"page":82},{"title":"١ - الحج أحد الأركان والدعائم العظام","level":3,"page":82},{"title":"٢ - لعظم منزلة الحج في الإسلام أن من تركه متعمدا جاحدا لوجوبه كفر","level":3,"page":83},{"title":"٣ - الحج سهم من أسهم الإسلام","level":3,"page":83},{"title":"٤ - الحرمان لمن وسع الله عليه ثم لم يزر البيت العتيق","level":3,"page":84},{"title":"المبحث الخامس: حكم العمرة","level":1,"page":87},{"title":"١ - جواب النبي - ﷺ - لسؤال جبريل","level":2,"page":87},{"title":"٢ - حديث عائشة ﵂","level":2,"page":87},{"title":"٣ - حديث أبي رزين","level":2,"page":88},{"title":"٤ - حديث الصبي بن معبد،","level":2,"page":88},{"title":"٥ - قول ابن عمر ﵄","level":2,"page":89},{"title":"٦ - قول ابن عمر ﵄","level":2,"page":89},{"title":"٧ - قول ابن عباس ﵄ عن العمرة","level":2,"page":89},{"title":"المبحث السادس: شروط وجوب الحج والعمرة","level":1,"page":92},{"title":"أولا: مفهوم الشرط لغة واصطلاحا:","level":2,"page":92},{"title":"ثانيا: شروط وجوب الحج والعمرة:","level":2,"page":92},{"title":"الشرط الأول: الإسلام","level":3,"page":92},{"title":"الشرط الثاني: العقل","level":3,"page":93},{"title":"الشرط الثالث: البلوغ","level":3,"page":93},{"title":"الشرط الرابع: كمال الحرية","level":3,"page":94},{"title":"الشرط الخامس: الاستطاعة","level":3,"page":94},{"title":"الحديث الأول: حديث ابن عباس","level":4,"page":97},{"title":"الحديث الثاني: حديث أبي هريرة - ﵁ -،","level":4,"page":97},{"title":"الحديث الثالث: حديث ابن عمر ﵄","level":4,"page":97},{"title":"الحديث الرابع: حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -","level":4,"page":97},{"title":"الحديث الخامس: حديث ابن عباس","level":4,"page":97},{"title":"١ - من تحرم عليه من النسب","level":5,"page":100},{"title":"٢ - أما محارمها بالسبب","level":5,"page":100},{"title":"ثالثا: أقسام شروط وجوب الحج والعمرة:","level":2,"page":101},{"title":"القسم الأول: شرطان للوجوب والصحة","level":3,"page":101},{"title":"القسم الثاني: شرطان للوجوب والإجزاء","level":3,"page":101},{"title":"القسم الثالث: شرط للوجوب فقط","level":3,"page":101},{"title":"المبحث السابع: وجوب الحج على الفور","level":1,"page":102},{"title":"* فإن كان قادرا على الحج بنفسه وجب عليه أن يحج","level":2,"page":103},{"title":"* وإن كان عاجزا عن الحج بنفسه فعلى نوعين:","level":2,"page":103},{"title":"النوع الأول:","level":3,"page":103},{"title":"النوع الثاني:","level":3,"page":103},{"title":"المبحث الثامن: النيابة في الحج والعمرة","level":1,"page":104},{"title":"الوجه الأول: أن النبي - ﷺ - أمر بفعل حجة الإسلام","level":2,"page":106},{"title":"الوجه الثاني: أن النبي - ﷺ - بين أن الحج دين في الذمة","level":2,"page":106},{"title":"الوجه الثالث: قوله - ﷺ -: اقضوا الله فالله أحق بالوفاء","level":2,"page":106},{"title":"الوجه الرابع: أن هذه الأحاديث تقتضي جواز فعل الحج المفروض عن الميت","level":2,"page":107},{"title":"الوجه الخامس: أن النبي - ﷺ - أمر الولي أن يحج عنه","level":2,"page":107},{"title":"١ - رجل يحب أن يبرئ ذمة الميت عن الحج ويحسن إليه","level":3,"page":108},{"title":"٢ - رجل يحب الحج ورؤية المشاعر وهو عاجز عن النفقة","level":3,"page":108},{"title":"المبحث التاسع: آداب السفر والعمرة والحج","level":1,"page":109},{"title":"أولا: يستخير الله سبحانه في الوقت، والراحلة، والرفيق،","level":2,"page":109},{"title":"ثانيا: يجب على الحاج والمعتمر أن يقصد بحجه وعمرته","level":2,"page":110},{"title":"ثالثا: على الحاج والمعتمر التفقه في أحكام العمرة والحج،","level":2,"page":111},{"title":"رابعا: التوبة من جميع الذنوب والمعاصي","level":2,"page":111},{"title":"خامسا: على الحاج أو المعتمر أن ينتخب المال الحلال لحجه","level":2,"page":112},{"title":"سادسا: يستحب للمسافر أن يكتب وصيته، وما له وما عليه","level":2,"page":112},{"title":"سابعا: يستحب للمسافر أن يوصي أهله بتقوى الله تعالى","level":2,"page":112},{"title":"ثامنا: يستحب للمسافر أن يجتهد في اختيار الرفيق الصالح","level":2,"page":113},{"title":"تاسعا: يستحب للمسافر أن يودع أهله، وأقاربه، وأهل العلم:","level":2,"page":113},{"title":"عاشرا: لا يصطحب معه الجرس والمزامير والكلب في السفر؛","level":2,"page":114},{"title":"الحادي عشر: إذا أراد السفر بإحدى زوجاته إن كان له أكثر من واحدة أقرع بينهن","level":2,"page":114},{"title":"الثاني عشر: يستحب له أن يخرج للسفر يوم الخميس","level":2,"page":115},{"title":"الثالث عشر: يستحب له أن يدعو بدعاء الخروج من المنزل","level":2,"page":115},{"title":"الرابع عشر: يستحب له أن يدعو بدعاء السفر، إذا ركب","level":2,"page":116},{"title":"الخامس عشر: يستحب له أن لا يسافر وحده بلا رفقة","level":2,"page":116},{"title":"السادس عشر: يؤمر المسافرون أحدهم؛ ليكون أجمع لشملهم،","level":2,"page":116},{"title":"السابع عشر: يستحب إذا نزل المسافرون منزلا أن ينضم بعضهم إلى بعض","level":2,"page":117},{"title":"الثامن عشر: يستحب إذا نزل منزلا في السفر أو غيره","level":2,"page":117},{"title":"التاسع عشر: يستحب له أن يكبر على المرتفعات ويسبح إذا هبط","level":2,"page":117},{"title":"العشرون: يستحب له أن يدعو بدعاء دخول القرية أو البلدة","level":2,"page":118},{"title":"الحادي والعشرون: يستحب له السير أثناء السفر في الليل","level":2,"page":118},{"title":"الثاني والعشرون: يستحب له أن يقول في السحر إذا بدا له الفجر","level":2,"page":118},{"title":"الثالث والعشرون: يستحب له أن يكثر من الدعاء في السفر","level":2,"page":118},{"title":"الرابع والعشرون: يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر على حسب طاقته وعلمه","level":2,"page":119},{"title":"الخامس والعشرون: يبتعد عن جميع المعاصي","level":2,"page":119},{"title":"السادس والعشرون: يحافظ على جميع الواجبات","level":2,"page":120},{"title":"السابع والعشرون: يتخلق بالخلق الحسن، ويخالق به الناس،","level":2,"page":120},{"title":"الثامن والعشرون: يعين الضعيف، والرفيق في السفر: بالنفس، والمال، والجاه،","level":2,"page":121},{"title":"التاسع والعشرون: معرفة أحكام المسح على الخفين والعمائم","level":2,"page":121},{"title":"١ - حكم المسح على الخفين: مشروع بالكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة","level":3,"page":122},{"title":"٢ - شروط المسح على الخفين وما في معناهما:","level":3,"page":123},{"title":"الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة","level":4,"page":123},{"title":"الشرط الثاني: أن يكون المسح في الحدث الأصغر","level":4,"page":123},{"title":"الشرط الثالث: أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعا","level":4,"page":124},{"title":"الشرط الرابع: أن يكون الخفان أو الجوربان أو العمامة طاهرة","level":4,"page":124},{"title":"الشرط الخامس: أن يكون ساترا لمحل الفرض","level":4,"page":125},{"title":"الشرط السادس: أن يكون مباحا لا مغصوبا","level":4,"page":125},{"title":"الشرط السابع: أن لا ينزع بعد المسح","level":4,"page":126},{"title":"٣ - مبطلات المسح:","level":3,"page":126},{"title":"المبطل الأول: إذا حدث ما يوجب الغسل","level":4,"page":126},{"title":"المبطل الثاني: إذا خلع الخفين","level":4,"page":127},{"title":"المبطل الثالث: إذا انقضت المدة المعتبرة شرعا بطل المسح","level":4,"page":127},{"title":"٤ - كيفية المسح على الخفين والجوربين والعمائم:","level":3,"page":127},{"title":"الصفة الأولى:","level":4,"page":128},{"title":"الصفة الثانية:","level":4,"page":128},{"title":"٥ - المسح على الجبائر:","level":3,"page":129},{"title":"الوجه الأول:","level":4,"page":129},{"title":"الوجه الثاني:","level":4,"page":129},{"title":"الوجه الثالث:","level":4,"page":129},{"title":"الوجه الرابع:","level":4,"page":130},{"title":"الوجه الخامس:","level":4,"page":130},{"title":"الوجه السادس:","level":4,"page":130},{"title":"أما كيفية المسح على الجبائر:","level":5,"page":130},{"title":"المرتبة الأولى:","level":6,"page":130},{"title":"المرتبة الثانية:","level":6,"page":130},{"title":"المرتبة الثالثة:","level":6,"page":130},{"title":"المرتبة الرابعة:","level":6,"page":130},{"title":"الثلاثون: معرفة أحكام قصر الصلاة في السفر:","level":2,"page":130},{"title":"٢ - القصر في السفر أفضل من الإتمام","level":3,"page":132},{"title":"٣ - مسافة قصر الصلاة في السفر","level":3,"page":135},{"title":"٤ - يقصر المسافر إذا خرج عن جميع بيوت قريته أو مدينته","level":3,"page":139},{"title":"٥ - إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة","level":3,"page":140},{"title":"٦ - قصر الصلاة بمنى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج","level":3,"page":143},{"title":"٧ - جواز التطوع على المركوب في السفر:","level":3,"page":145},{"title":"٨ - السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر، والوتر","level":3,"page":147},{"title":"٩ - صلاة المقيم خلف المسافر صحيحة ويتم المقيم بعد سلام المسافر","level":3,"page":149},{"title":"١٠ - صلاة المسافر خلف المقيم صحيحة","level":3,"page":150},{"title":"١١ - نية القصر أو الجمع عند افتتاح الصلاة والموالاة بين الصلاتين المجموعتين:","level":3,"page":151},{"title":"١٢ - رخص السفر:","level":3,"page":154},{"title":"الأمر الأول: القصر؛ ولذلك ليس للقصر من الأسباب غير السفر","level":4,"page":154},{"title":"الأمر الثاني: الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء","level":4,"page":154},{"title":"الأمر الثالث: الفطر في رمضان من رخص السفر","level":4,"page":155},{"title":"الأمر الرابع: الصلاة النافلة على الراحلة أو وسيلة النقل إلى جهة سيره","level":4,"page":155},{"title":"الأمر الخامس: الصلاة النافلة للماشي إلى جهة سيره","level":4,"page":155},{"title":"الأمر السادس: المسح على الخفين، والعمامة، والخمار، ونحوها","level":4,"page":155},{"title":"الأمر السابع: ترك الرواتب في السفر، ولا يكره له ذلك","level":4,"page":155},{"title":"الأمر الثامن: من رخص السفر ما ثبت عن النبي - ﷺ -","level":4,"page":155},{"title":"الحادي والثلاثون: معرفة أحكام الجمع وأنواعه ودرجاته في سفر الحج وغيره:","level":2,"page":156},{"title":"١ - الجمع بعرفة","level":3,"page":156},{"title":"٢ - الجمع بمزدلفة","level":3,"page":156},{"title":"٣ - الجمع في الأسفار الأخرى أثناء السير في وقت الأولى أو الثانية أو بينهما؛","level":3,"page":157},{"title":"٤ - درجات الجمع في السفر ثلاث","level":3,"page":160},{"title":"الدرجة الأولى: إذا كان المسافر سائرا في وقت الصلاة الأولى","level":4,"page":160},{"title":"الدرجة الثانية: إذا كان المسافر نازلا في وقت الصلاة الأولى","level":4,"page":161},{"title":"الدرجة الثالثة: إذا كان المسافر نازلا في وقت الصلاتين جميعا","level":4,"page":161},{"title":"المبحث العاشر: مواقيت الحج والعمرة","level":1,"page":164},{"title":"أولا: مفهوم المواقيت:","level":2,"page":164},{"title":"ثانيا: المواقيت نوعان: المواقيت الزمانية، والمكانية:","level":2,"page":164},{"title":"النوع الأول: المواقيت الزمانية","level":3,"page":164},{"title":"النوع الثاني: المواقيت المكانية","level":3,"page":168},{"title":"١ - ذو الحليفة","level":4,"page":168},{"title":"٢ - الجحفة","level":4,"page":168},{"title":"٣ - قرن المنازل","level":4,"page":169},{"title":"٤ - يلملم:","level":4,"page":169},{"title":"٥ - ذات عرق:","level":4,"page":170},{"title":"ثالثا: مسائل في المواقيت:","level":2,"page":175},{"title":"١ - وقتت المواقيت تعظيما لبيت الله الحرام","level":3,"page":175},{"title":"٢ - المواقيت الخمسة المذكورة مواقيت أيضا لكل من مر عليها","level":3,"page":176},{"title":"٣ - من كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات فميقاته من موضع سكنه","level":3,"page":176},{"title":"٤ - أهل مكة يحرمون بالحج من مكة","level":3,"page":176},{"title":"٥ - إحرام المكي بالعمرة يكون من الحل خارج الحرم","level":3,"page":176},{"title":"٦ - من سلك إلى الحرم طريقا لا ميقات فيها","level":3,"page":178},{"title":"٧ - جمهور أهل العلم على أن من جاوز ميقات من المواقيت","level":3,"page":179},{"title":"٨ - من مر على واحد من هذه المواقيت وهو لا يريد حجا ولا عمرة","level":3,"page":179},{"title":"٩ - حكم الإحرام قبل الميقات، سواء كان ذلك من بلده","level":3,"page":180},{"title":"١٠ - من تجاوز هذه المواقيت بلا نية الحج أو العمرة","level":3,"page":181},{"title":"١١ - تحديد بعض هذه المواقيت من معجزات نبوة النبي - ﷺ -","level":3,"page":182},{"title":"١٢ - من جاء من أهل الشام ومصر عن طريق المدينة","level":3,"page":182},{"title":"١٣ - من لم يحاذ ميقاتا من المواقيت الخمسة في طريقه","level":3,"page":182},{"title":"المبحث الحادي عشر: الإحرام","level":1,"page":184},{"title":"أولا: مفهوم الأحرام لغة وشرعا:","level":2,"page":184},{"title":"الإحرام لغة","level":3,"page":184},{"title":"والإحرام شرعا:","level":3,"page":184},{"title":"ثانيا: أعمال مريد العمرة أو الحج عند الميقات:","level":2,"page":184},{"title":"١ - يستحب له أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، وينتف إبطيه،","level":3,"page":184},{"title":"وأما اللحية فيجب توفيرها ويحرم حلقها وتقصيرها","level":4,"page":185},{"title":"٢ - أن يتجرد من ثيابه ويستحب له أن يغتسل","level":3,"page":186},{"title":"٣ - يستحب له أن يتطيب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره","level":3,"page":186},{"title":"٤ - أن يحرم الرجل في رداء وإزار ويستحب أن يكونا أبيضين","level":3,"page":187},{"title":"أما المرأة فيجوز لها","level":4,"page":187},{"title":"٥ - يستحب له أن يحرم بعد صلاة فريضة - غير الحائض والنفساء","level":3,"page":188},{"title":"٦ - ثم بعد الفراغ من الصلاة ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده","level":3,"page":189},{"title":"ثالثا: مسائل في الإحرام:","level":2,"page":193},{"title":"١ - إذا كان من يريد الإحرام خائفا من عائق يعوقه عن إتمام نسكه","level":3,"page":193},{"title":"٢ - إذا كان مع من يريد الحج أو العمرة أطفال أو صبيان","level":3,"page":196},{"title":"٣ - العبرة بالإحرام","level":3,"page":196},{"title":"المبحث الثاني عشر: صفة حج النبي - ﷺ - بإيجاز","level":1,"page":197},{"title":"المبحث الثالث عشر: صفة الأنساك الثلاثة","level":1,"page":206},{"title":"أولا: مفهوم وصفة الأنساك الثلاثة:","level":2,"page":206},{"title":"١ - العمرة وحدها","level":3,"page":206},{"title":"والتمتع أفضل الأنساك لمن لم يكن معه هدي","level":4,"page":206},{"title":"٢ - الجمع بين العمرة والحج","level":3,"page":207},{"title":"٣ - الحج وحده:","level":3,"page":208},{"title":"أما المفرد فليس عليه هدي. والأفضل للقارن وكذا المفرد","level":4,"page":209},{"title":"ويدل على مشروعية هذه الأنساك الثلاثة","level":4,"page":209},{"title":"أما من وصل الميقات في أشهر الحج","level":4,"page":211},{"title":"ثانيا: أفضل الأنساك الثلاثة:","level":2,"page":211},{"title":"والتمتع: هو","level":3,"page":211},{"title":"والتمتع أفضل الأنساك","level":3,"page":211},{"title":"المبحث الرابع عشر: التلبية: مفهومها، وألفاظها، وحكمها، ووقتها، وفوائدها:","level":1,"page":213},{"title":"أولا: مفهومها:","level":2,"page":213},{"title":"ثانيا: ألفاظ التلبية:","level":2,"page":214},{"title":"١ - حديث ابن عمر ﵄","level":3,"page":214},{"title":"٢ - حديث عائشة ﵂","level":3,"page":215},{"title":"٣ - حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -","level":3,"page":215},{"title":"٤ - حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -","level":3,"page":215},{"title":"٥ - حديث أبي هريرة - ﵁ -","level":3,"page":215},{"title":"٦ - عن ابن عباس ﵄","level":3,"page":215},{"title":"ثالثا: حكم الزيادة على تلبية النبي - ﷺ -:","level":2,"page":216},{"title":"١ - ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر","level":3,"page":216},{"title":"٢ - ما ثبت في حديث جابر - ﵁ - في صفة حجة النبي - ﷺ -","level":3,"page":216},{"title":"٣ - حديث أنس بن مالك - ﵁ -،","level":3,"page":217},{"title":"٤ - حديث عبد الله بن عمر ﵄","level":3,"page":217},{"title":"رابعا: حكم التلبية:","level":2,"page":218},{"title":"المذهب الأول: أنها سنة من السنن","level":3,"page":218},{"title":"المذهب الثاني: واجبة ويجب بتركها دم","level":3,"page":218},{"title":"المذهب الثالث: واجبة","level":3,"page":218},{"title":"المذهب الرابع: أنها ركن في الإحرام","level":3,"page":219},{"title":"خامسا: أول وقت التلبية:","level":2,"page":219},{"title":"١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄","level":3,"page":219},{"title":"٢ - حديث جابر بن عبد الله ﵄","level":3,"page":220},{"title":"٣ - حديث أنس بن مالك - ﵁ -","level":3,"page":220},{"title":"٤ - حديث ابن عباس ﵄","level":3,"page":220},{"title":"٥ - حديث جابر - ﵁ - في حديثه عن صفة حجة الوداع","level":3,"page":220},{"title":"٦ - حديث ابن عمر ﵄","level":3,"page":221},{"title":"سادسا: فضائل التلبية","level":2,"page":223},{"title":"١ - التلبية توحيد، ومن حقق التوحيد دخل الجنة","level":3,"page":223},{"title":"٢ - الملبي بحج أو عمرة يبشر بالجنة","level":3,"page":224},{"title":"٣ - التلبية من أفضل الأعمال","level":3,"page":224},{"title":"٤ - الملبي في الحج أو العمرة يلبي معه الشجر والحجر","level":3,"page":224},{"title":"٥ - التلبية من شعار الحج","level":3,"page":225},{"title":"سابعا: رفع الصوت بالتلبية سنة للرجال:","level":2,"page":225},{"title":"١ - حديث خلاد بن السائب بن خلاد عن أبيه","level":3,"page":225},{"title":"٢ - حديث زيد بن خالد الجهني","level":3,"page":225},{"title":"٣ - حديث أنس - ﵁ -","level":3,"page":225},{"title":"٤ - حديث أبي بكر الصديق - ﵁ -","level":3,"page":226},{"title":"ثامنا: خفض الصوت بالتلبية للنساء:","level":2,"page":226},{"title":"تاسعا: سبب التلبية:","level":2,"page":227},{"title":"عاشرا: فوائد التلبية:","level":2,"page":228},{"title":"الفائدة الأولى: أن قولك: لبيك يتضمن إجابة داع دعاك","level":3,"page":229},{"title":"الفائدة الثانية: أن التلبية تتضمن المحبة","level":3,"page":229},{"title":"الفائدة الثالثة: أنها تتضمن دوام العبودية","level":3,"page":229},{"title":"الفائدة الرابعة: أنها تتضمن الخضوع والتذلل لله وحده","level":3,"page":229},{"title":"الفائدة الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص","level":3,"page":229},{"title":"الفائدة السادسة: أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى","level":3,"page":230},{"title":"الفائدة السابعة: أنها تتضمن التقرب من الله","level":3,"page":230},{"title":"الفائدة الثامنة: أنها جعلت في الإحرام شعارا","level":3,"page":230},{"title":"الفائدة التاسعة: أنها شعار التوحيد","level":3,"page":230},{"title":"الفائدة العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة","level":3,"page":230},{"title":"الفائدة الحادية عشرة: أنها مشتملة على الحمد لله","level":3,"page":231},{"title":"الفائدة الثانية عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها","level":3,"page":231},{"title":"الفائدة الثالثة عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده","level":3,"page":231},{"title":"الفائدة الرابعة عشرة: أن هذا المعنى مؤكد الثبوت","level":3,"page":231},{"title":"الفائدة الخامسة عشرة: في «إن» وجهان: فتحها وكسرها","level":3,"page":231},{"title":"الفائدة السادسة عشرة: أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك","level":3,"page":231},{"title":"الفائدة السابعة عشرة: أن النبي - ﷺ - قال: وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي","level":3,"page":232},{"title":"الفائدة الثامنة عشرة: أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله وتوحيده","level":3,"page":232},{"title":"الفائدة التاسعة عشرة: في عطف الملك على الحمد والنعمة","level":3,"page":233},{"title":"الفائدة العشرون: لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر","level":3,"page":233},{"title":"الفائدة الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة بأنه لا شريك له","level":3,"page":233},{"title":"الحادي عشر: مواطن التلبية:","level":2,"page":234},{"title":"الثاني عشر: التلبية في حال طواف القدوم والسعي بعده:","level":2,"page":235},{"title":"القول الأول: لا يلبي في طواف القدوم والسعي بعده","level":3,"page":235},{"title":"القول الثاني: لا بأس بالتلبية في طواف القدوم","level":3,"page":235},{"title":"الثالث عشر: التلبية في مواضع النسك:","level":2,"page":236},{"title":"الرابع عشر: قطع التلبية إذا شرع المعتمر في الطواف وإذا رمى الحاج جمرة العقبة","level":2,"page":236},{"title":"وأما قطع التلبية في الحج إذا رمى جمرةالعقبة","level":3,"page":237},{"title":"وأما قطع التلبية في العمرة إذا شرع في الطواف","level":3,"page":238},{"title":"المبحث الخامس عشر: محظورات الإحرام","level":1,"page":240},{"title":"المحظور الأول: حلق الرأس، ويلحق به سائر شعر البدن","level":2,"page":240},{"title":"المحظور الثاني: تقليم الأظفار من اليدين أو الرجلين بلا عذر","level":2,"page":241},{"title":"المحظور الثالث: تعمد تغطية الرأس للرجل","level":2,"page":241},{"title":"المحظور الرابع: لبس الرجل للمخيط عمد في جميع بدنه","level":2,"page":245},{"title":"المحظور الخامس: تعمد استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب","level":2,"page":247},{"title":"المحظور السادس: قتل صيد البر الوحشي المأكول، واصطياده","level":2,"page":248},{"title":"الأحاديث كلها مدارها على أمرين","level":3,"page":253},{"title":"أحدهما: أن يصاد الصيد من أجل المحرم","level":4,"page":253},{"title":"الثاني: إذا صاد الحلال الصيد ولم يقصد به المحرم","level":4,"page":253},{"title":"المحظور السابع: عقد النكاح، فلا يتزوج المحرم","level":2,"page":254},{"title":"المحظور الثامن: الوطء الذي يوجب الغسل","level":2,"page":255},{"title":"المحظور التاسع: المباشرة فيما دون الفرج بوطء في غيره،","level":2,"page":255},{"title":"أحدهما: مباشرة النساء بالجماع ومقدماته","level":3,"page":256},{"title":"الثاني: الكلام بذلك،","level":3,"page":256},{"title":"المبحث السادس عشر: محظورات الحرمين: مكة والمدينة","level":1,"page":257},{"title":"أولا: تحريم صيد الحرم المكي، وشجره، ونباته، وحشيشه إلا الإذخر:","level":2,"page":257},{"title":"أما النص؛","level":3,"page":257},{"title":"١ - حديث ابن عباس ﵄،","level":4,"page":257},{"title":"٢ - حديث أبي هريرة - ﵁ -","level":4,"page":258},{"title":"وأما الإجماع:","level":3,"page":258},{"title":"ثانيا: تحريم صيد الحرم المدني النبوي، وشجره على المحرم","level":2,"page":259},{"title":"١ - حديث عبد الله بن زيد - ﵁ -:","level":3,"page":259},{"title":"٢ - حديث جابر بن عبد الله ﵄","level":3,"page":259},{"title":"٣ - حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -","level":3,"page":259},{"title":"٤ - حديث علي - ﵁ -","level":3,"page":261},{"title":"المبحث السابع عشر: فدية المحظورات","level":1,"page":262},{"title":"أولا: فاعل محظورات الإحرام له ثلاث حالات:","level":2,"page":262},{"title":"الحالة الأولى: أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة","level":3,"page":262},{"title":"الحالة الثانية: أن يفعل المحظور لحاجته إلى ذلك","level":3,"page":262},{"title":"الحالة الثالثة: أن يفعل المحظور وهو معذور","level":3,"page":262},{"title":"ثانيا: أقسام محظورات الإحرام من حيث الفدية:","level":2,"page":265},{"title":"القسم الأول: ما لا فدية فيه: وهو عقد النكاح","level":3,"page":265},{"title":"القسم الثاني: ما فديته مغلظة وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول","level":3,"page":265},{"title":"القسم الثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد","level":3,"page":265},{"title":"القسم الرابع: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات","level":3,"page":265},{"title":"ثالثا: مقدار الفدية في محظورات الإحرام على النحو الآتي:","level":2,"page":265},{"title":"١ - الفدية في إزالة الشعر، والظفر، وتغطية الرجل رأسه","level":3,"page":265},{"title":"٢ - الوطء الذي يوجب الغسل","level":3,"page":267},{"title":"٣ - جزاء الصيد: إن كان للصيد مثل خير","level":3,"page":271},{"title":"* إما ذبح المثل وتوزيع جميع لحمه على فقراء مكة","level":4,"page":272},{"title":"*وإما أن ينظر كم يساوي هذا المثل ويخرج ما يقابل قيمته","level":4,"page":272},{"title":"*وإما أن يصوم عن طعام كل مسكين يوما","level":4,"page":272},{"title":"*فإن لم يكن للصيد مثل خير بين شيئين:","level":4,"page":272},{"title":"*إما أن ينظر كم قيمة الصيد المقتول ويخرج ما يقابلها","level":4,"page":273},{"title":"*وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوما","level":4,"page":273},{"title":"٤ - المباشرة بشهوة فيما دون الفرج","level":3,"page":275},{"title":"رابعا: من كرر محظورا من جنس واحد ولم يفد فدى مرة بخلاف صيد:","level":2,"page":276},{"title":"خامسا: من فعل محظورا من أجناس فدى لكل مرة رفض إحرامه أو لا","level":2,"page":276},{"title":"المبحث الثامن عشر: الإحصار عن البيت الحرام","level":1,"page":278},{"title":"أولا: مفهوم الإحصار لغة واصطلاحا:","level":2,"page":278},{"title":"الإحصار لغة","level":3,"page":278},{"title":"والإحصار شرعا:","level":3,"page":279},{"title":"ثانيا: من أحرم بحج أو عمرة ثم منع من الوصول إلى البيت","level":2,"page":279},{"title":"المبحث التاسع عشر: ما يباح للمحرم","level":1,"page":283},{"title":"١ - يجوز للمحرم وغير المحرم أن يقتل الفواسق المؤذية في الحل والحرم","level":2,"page":283},{"title":"٢ - إذا لم يجد المحرم إزارا جاز له لبس السراويل","level":2,"page":284},{"title":"٣ - لا حرج على المحرم في لبس الخفاف التي ساقها أسفل من الكعبين","level":2,"page":285},{"title":"٤ - لا حرج على المحرم أن يغتسل للتبرد، ويغسل رأسه","level":2,"page":285},{"title":"٥ - للمحرم أن يغسل ثيابه","level":2,"page":285},{"title":"٦ - لا بأس بوضع النظارة الشمسية أو الطبية","level":2,"page":285},{"title":"٧ - لا بأس بربط الساعة على المعصم أو لبسها","level":2,"page":285},{"title":"٨ - لا بأس بالحجامة","level":2,"page":285},{"title":"٩ - لا بأس بالاستظلال بالمظلة أو الشمسية، أو بسقف السيارة،","level":2,"page":286},{"title":"١٠ - لا حرج بعقد الإزار وربطه بخيط ونحوه لعدم الدليل","level":2,"page":286},{"title":"١١ - يباح للمرأة من المخيط ما شاءت من الثياب وغيرها","level":2,"page":286},{"title":"١٢ - لا حرج في شد ما يحفظ المال على الوسط","level":2,"page":286},{"title":"١٣ - لا حرج في أن يخيط المحرم الشقوق في إزاره أو ردائه","level":2,"page":287},{"title":"المبحث العشرون: أركان الحج وواجباته","level":1,"page":288},{"title":"أولا: أركان الحج: أربعة على الصحيح:","level":2,"page":288},{"title":"مفهوم الأركان لغة واصطلاحا:","level":3,"page":288},{"title":"الأركان لغة","level":4,"page":288},{"title":"والركن اصطلاحا","level":4,"page":288},{"title":"وأركان الحج أربعة على الصحيح، وهي على النحو الآتي:","level":3,"page":289},{"title":"الركن الأول: الإحرام: وهو نية الدخول في النسك","level":4,"page":289},{"title":"الركن الثاني: الوقوف بعرفة","level":4,"page":289},{"title":"الركن الثالث: طواف الإفاضة للحج","level":4,"page":290},{"title":"ولطواف الزيارة وقتان","level":5,"page":291},{"title":"الركن الرابع: السعي بين الصفا والمروة","level":4,"page":292},{"title":"ثانيا: واجبات الحج:","level":2,"page":292},{"title":"الواجب الأول: الإحرام من الميقات","level":3,"page":293},{"title":"الواجب الثاني: الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس لمن وقف نهارا","level":3,"page":293},{"title":"الواجب الثالث: المبيت بمزدلفة","level":3,"page":294},{"title":"الواجب الرابع: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق الثلاثة للمتأخرين","level":3,"page":294},{"title":"الواجب الخامس: رمي الجمرات مرتبا","level":3,"page":296},{"title":"الواجب السادس: الحلق أو التقصير","level":3,"page":297},{"title":"الواجب السابع: طواف الوداع","level":3,"page":298},{"title":"والباقي من أفعال الحج وأقواله سنن","level":4,"page":298},{"title":"المبحث الحادي والعشرون: أركان العمرة وواجباتها","level":1,"page":300},{"title":"أولا: أركان العمرة ثلاثة:","level":2,"page":300},{"title":"الركن الأول: الإحرام","level":3,"page":300},{"title":"الركن الثاني: الطواف بالبيت العتيق","level":3,"page":300},{"title":"الركن الثالث: السعي","level":3,"page":300},{"title":"ثانيا: واجبات العمرة: اثنان:","level":2,"page":300},{"title":"الواجب الأول: الإحرام بها من الحل","level":3,"page":300},{"title":"الواجب الثاني: الحلق أو التقصير","level":3,"page":301},{"title":"المبحث الثاني والعشرون: سنن الحج والعمرة","level":1,"page":302},{"title":"أولا: سنن الإحرام:","level":2,"page":302},{"title":"١ - تقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبطين، وحلق شعر العانة، قبل الإحرام","level":3,"page":302},{"title":"٢ - الغسل عند الإحرام","level":3,"page":302},{"title":"٣ - التطيب في البدن قبل الإحرام","level":3,"page":302},{"title":"٤ - إحرام الرجل في إزار ورداء أبيضين","level":3,"page":302},{"title":"٥ - الإحرام في نعلين","level":3,"page":303},{"title":"٦ - الإحرام بعد صلاة فريضة","level":3,"page":303},{"title":"٧ - التحميد، والتسبيح، والتكبير عند الاستواء على المركوب قبل التلبية","level":3,"page":303},{"title":"٨ - التلفظ بالإهلال بالتلبية ونية الدخول في النسك يكون عند الاستواء على المركوب","level":3,"page":304},{"title":"٩ - الإهلال بالتلبية مستقبل القبلة","level":3,"page":304},{"title":"١٠ - رفع الصوت بالتلبية","level":3,"page":305},{"title":"ثانيا: سنن دخول مكة:","level":2,"page":305},{"title":"١ - المبيت بذي طوى","level":3,"page":305},{"title":"٢ - الاغتسال لدخول مكة","level":3,"page":306},{"title":"٣ - دخول مكة نهارا،","level":3,"page":306},{"title":"٤ - دخول مكة من أعلاها، والخروج من أسفلها","level":3,"page":306},{"title":"٥ - يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد الحرام","level":3,"page":308},{"title":"ثالثا: سنن الطواف بالبيت الحرام:","level":2,"page":308},{"title":"١ - طواف القدوم، للقارن والمفرد","level":3,"page":308},{"title":"٢ - استلام الحجر الأسود وتقبيله مع التكبير","level":3,"page":308},{"title":"٣ - استلام الركن اليماني","level":3,"page":308},{"title":"٤ - الرمل في الثلاثة الأشواط الأول","level":3,"page":308},{"title":"٥ - الاضطباع في طواف العمرة، وطواف الحج","level":3,"page":308},{"title":"٦ - الدعاء في الطواف، والذكر.","level":3,"page":308},{"title":"٧ - الدنو من البيت عند عدم المشقة.","level":3,"page":308},{"title":"٨ - أن يقرأ قبل صلاة ركعتي الطواف: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾.","level":3,"page":309},{"title":"٩ - أن يصلي ركعتي الطواف.","level":3,"page":309},{"title":"١٠ - القراءة في ركعتي الطواف بـ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾.","level":3,"page":309},{"title":"١١ - الشرب من ماء زمزم بعد ركعتي الطواف","level":3,"page":309},{"title":"١٢ - إذا فرغ من ركعتي الطواف سن عوده إلى الحجر","level":3,"page":309},{"title":"رابعا: سنن السعي بين الصفا والمروة:","level":2,"page":309},{"title":"١ - الموالاة بين السعي والطواف","level":3,"page":309},{"title":"٢ - يرقى على الصفا ويرقى على المروة","level":3,"page":309},{"title":"٣ - يقرأ قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعآئر الله﴾","level":3,"page":309},{"title":"٤ - يستقبل البيت وهو على الصفا حتى يراه","level":3,"page":310},{"title":"٥ - يقول الذكر المشروع على الصفا،","level":3,"page":310},{"title":"٦ - ستر العورة أثناء السعي بين الصفا والمروة","level":3,"page":310},{"title":"٧ - اجتناب النجاسة","level":3,"page":310},{"title":"٨ - يسعى على طهارة من الحدث الأكبر والأصغر","level":3,"page":310},{"title":"٩ - يسعى سعيا شديدا بين العلمين الأخضرين إلا النساء","level":3,"page":310},{"title":"١٠ - الذكر والدعاء أثناء السعي بين الصفا والمروة","level":3,"page":310},{"title":"١١ - يقول على المروة ما قاله على الصفا","level":3,"page":310},{"title":"١٢ - الموالاة بين أشواط السعي","level":3,"page":310},{"title":"خامسا: سنن الخروج إلى منى يوم الثامن (يوم التروية):","level":2,"page":310},{"title":"١ - يفعل ما فعله عند الميقات","level":3,"page":310},{"title":"٢ - يحرم بالحج يوم التروية من منزله","level":3,"page":310},{"title":"٣ - يصلي صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر","level":3,"page":310},{"title":"٤ - المبيت بمنى ليلة عرفة حتى يصلي الفجر","level":3,"page":311},{"title":"سادسا: سنن الوقوف بعرفة:","level":2,"page":311},{"title":"١ - النزول بنمرة إن تيسر إلى الزوال","level":3,"page":311},{"title":"٢ - صلاة الظهر والعصر جمعا وقصرا بنمرة يوم عرفة","level":3,"page":311},{"title":"٣ - يستقبل القبلة في وقوفه يوم عرفة","level":3,"page":311},{"title":"٤ - يجعل الجبل بينه وبين القبلة إن تيسر","level":3,"page":311},{"title":"٥ - أن يكون على طهارة أثناء دعائه","level":3,"page":311},{"title":"٦ - يكثر من الدعاء، والذكر، والالتجاء إلى الله تعالى","level":3,"page":311},{"title":"سابعا: سنن المبيت بمزدلفة:","level":2,"page":311},{"title":"١ - يصلي المغرب والعشاء عند وصوله قبل حط الرحال جمعا وقصرا","level":3,"page":311},{"title":"٢ - ينام مبكرا ليتقوى على أعمال يوم النحر","level":3,"page":311},{"title":"٣ - يقف بالمشعر الحرام بعد صلاة الفجر","level":3,"page":311},{"title":"٤ - يدعو ويكبر ويهلل حتى يسفر جدا","level":3,"page":311},{"title":"٥ - يسرع في بطن محسر إن تيسر له ذلك","level":3,"page":311},{"title":"ثامنا: سنن يوم النحر في منى:","level":2,"page":311},{"title":"١ - يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه أثناء رمي جمرة العقبة","level":3,"page":311},{"title":"٢ - الرمي يكون ضحى إن تيسر.","level":3,"page":311},{"title":"٣ - يكبر مع كل حصاة يرمي بها","level":3,"page":312},{"title":"٤ - يقطع التلبية عند رمي جمرة العقبة","level":3,"page":312},{"title":"٥ - يبدأ بالتكبير بدلا من التلبية","level":3,"page":312},{"title":"٦ - يرتب هذه الأعمال يوم النحر: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم يطوف طواف الإفاضة","level":3,"page":312},{"title":"تاسعا: سنن أيام التشريق:","level":2,"page":312},{"title":"١ - الإكثار من التكبير، والتهليل، والتحميد","level":3,"page":312},{"title":"٢ - الإكثار من ذكر الله تعالى في هذه الأيام المعدودات","level":3,"page":312},{"title":"٣ - أن يجمع الحاج بين الليل والنهار في منى","level":3,"page":312},{"title":"٥ - الدعاء عند الجمرة الأولى بعد رميها","level":3,"page":312},{"title":"٦ - الدعاء عند الجمرة الثانية بعد رميها","level":3,"page":312},{"title":"٧ - لا يقف للدعاء بعد رمي الجمرة الكبرى","level":3,"page":312},{"title":"٨ - أن يكون على طهارة من الحدث الأكبر والأصغر","level":3,"page":312},{"title":"عاشرا: سنن طواف الوداع:","level":2,"page":313},{"title":"١ - يبيت بالمحصب قبل الوداع إن تيسر","level":3,"page":313},{"title":"٢ - أن يفرد طواف الوداع","level":3,"page":313},{"title":"٣ - يصلي ركعتين بعده","level":3,"page":313},{"title":"٤ - يخرج من أسفل مكة من كدى إن تيسر","level":3,"page":313},{"title":"المبحث الثالث والعشرون: فضائل مكة والمدينة","level":1,"page":314},{"title":"أولا: فضائل مكة وخصائصها كثيرة، ومنها ما جاء في الأحاديث الآتية:","level":2,"page":314},{"title":"١ - تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها","level":3,"page":314},{"title":"٢ - حديث أبي شريح العدوي","level":3,"page":315},{"title":"٣ - حديث أبي هريرة - ﵁ -","level":3,"page":316},{"title":"٤ - وينهى عن حمل السلاح بمكة لغير حاجة","level":3,"page":318},{"title":"٥ - وأما حمل السلاح لحاجة لا بد منها فلا بأس به","level":3,"page":318},{"title":"٦ - ويجوز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد العمرة أو الحج","level":3,"page":318},{"title":"٧ - حديث جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه","level":3,"page":319},{"title":"٨ - ومما يدل على فضل مكة على سائر البلدان","level":3,"page":319},{"title":"ثانيا: فضائل المدينة وخصائصها ومنها ما جاء في الأحاديث الآتية:","level":2,"page":319},{"title":"١ - فضل المدينة، ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة، وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها","level":3,"page":319},{"title":"٢ - حديث رافع بن خديج","level":3,"page":320},{"title":"٣ - حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -","level":3,"page":321},{"title":"٤ - حديث سعد - ﵁ -","level":3,"page":321},{"title":"٥ - حديث عامر بن سعد","level":3,"page":321},{"title":"٦ - حديث أنس بن مالك - ﵁ -،","level":3,"page":322},{"title":"٧ - حديث أنس - ﵁ - عن عاصم","level":3,"page":322},{"title":"٨ - حديث أنس بن مالك - ﵁ -","level":3,"page":323},{"title":"٩ - حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال","level":3,"page":323},{"title":"١٠ - حديث علي - ﵁ -،","level":3,"page":324},{"title":"١١ - حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -","level":3,"page":325},{"title":"١٢ - حديث أبي هريرة - ﵁ -","level":3,"page":326},{"title":"١٣ - حديث أبي هريرة - ﵁ -","level":3,"page":326},{"title":"١٤ - الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها","level":3,"page":326},{"title":"١٥ - حديث سهل بن حنيف - ﵁ -","level":3,"page":329},{"title":"١٦ - حديث عائشة ﵂","level":3,"page":329},{"title":"١٧ - حديث ابن عمر ﵄","level":3,"page":329},{"title":"١٨ - حديث أبي هريرة - ﵁ -","level":3,"page":330},{"title":"١٩ - صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال إليها","level":3,"page":330},{"title":"٢٠ - وحديث أبي هريرة - ﵁ -","level":3,"page":330},{"title":"٢١ - المدينة تنفي شرارها","level":3,"page":331},{"title":"٢٢ - حديث أبي هريرة - ﵁ -","level":3,"page":331},{"title":"٢٣ - حديث جابر بن عبد الله","level":3,"page":332},{"title":"٢٤ - حديث زيد بن ثابت - ﵁ -","level":3,"page":332},{"title":"٢٥ - حديث جابر بن سمرة - ﵁ -","level":3,"page":332},{"title":"٢٦ - من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله","level":3,"page":332},{"title":"٢٧ - حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -","level":3,"page":333},{"title":"٢٨ - الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار","level":3,"page":333},{"title":"٢٩ - المدينة حين يتركها أهلها","level":3,"page":334},{"title":"٣٠ - ما بين بيت النبي - ﷺ - ومنبره روضة من رياض الجنة","level":3,"page":335},{"title":"٣١ - وحديث أبي هريرة - ﵁ -","level":3,"page":335},{"title":"٣٢ - أحد جبل يحبنا ونحبه","level":3,"page":336},{"title":"٣٣ - حديث أنس بن مالك - ﵁ -","level":3,"page":336},{"title":"٣٤ - فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة","level":3,"page":336},{"title":"٣٥ - حديث ابن عمر ﵄","level":3,"page":336},{"title":"٣٦ - حديث جابر - ﵁ -،","level":3,"page":337},{"title":"٣٧ - لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد","level":3,"page":337},{"title":"٣٨ - المسجد الذي أسس على التقوى","level":3,"page":337},{"title":"٣٩ - فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته","level":3,"page":338},{"title":"٤٠ - حديث سهل بن حنيف - ﵁ -","level":3,"page":338},{"title":"٤١ - وحديث أسيد بن ظهير الأنصاري - ﵁ -،","level":3,"page":338},{"title":"٤٢ - الإيمان يأرز إلى المدينة","level":3,"page":339},{"title":"٤٣ - حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -","level":3,"page":339},{"title":"٤٤ - حديث ابن عمر ﵄","level":3,"page":339},{"title":"٤٥ - حديث علي - ﵁ -","level":3,"page":339},{"title":"المبحث الرابع والعشرون: صفة دخول مكة","level":1,"page":340},{"title":"أولا: يستحب له أن يستريح بمكان مناسب حتى يحصل له النشاط","level":2,"page":340},{"title":"ثانيا: يستحب له إن تيسر أن يغتسل","level":2,"page":340},{"title":"ثالثا: يستحب له إن تيسر أن يدخل مكة من أعلاها","level":2,"page":340},{"title":"رابعا: إذا وصل إلى المسجد الحرام فالأفضل له أن يفعل ما يفعل","level":2,"page":341},{"title":"خامسا: من لم يتيسر له الغسل قبل دخول المسجد","level":2,"page":342},{"title":"سادسا: تحية المسجد الحرام الطواف لمن أراد الطواف","level":2,"page":343},{"title":"سابعا: الركوب في الطواف أو السعي لا بأس به لمن كان به علة كالمريض","level":2,"page":343},{"title":"المبحث الخامس والعشرون: الطواف بالبيت العتيق","level":1,"page":345},{"title":"أولا: شروط صحة الطواف بالبيت العتيق على النحو الآتي:","level":2,"page":345},{"title":"الشرط الأول: الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر","level":3,"page":345},{"title":"الشرط الثاني: الطهارة من النجس","level":3,"page":348},{"title":"الشرط الثالث: ستر العورة","level":3,"page":349},{"title":"الشرط الرابع: أن يكون الطواف سبعة أشواط كاملة","level":3,"page":350},{"title":"الشرط الخامس: أن يكون الطواف بجميع البيت خارجه","level":3,"page":351},{"title":"الشرط السادس: الترتيب، وهو أن يطوف على يمينه","level":3,"page":352},{"title":"الشرط السابع: أن يبتدئ بالحجر الأسود فيحاذيه","level":3,"page":353},{"title":"الشرط الثامن: الموالاة. فيوالي في طوافه ويستأنف الطواف من أوله","level":3,"page":353},{"title":"الشرط التاسع: النية","level":3,"page":357},{"title":"ثانيا: صفة الطواف بالبيت على النحو الآتي:","level":2,"page":358},{"title":"١ - يقطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف","level":3,"page":358},{"title":"للحجر الأسود سنن أربع:","level":4,"page":359},{"title":"السنة الأولى: يمسحه بيده، ويقبله، ويكبر","level":5,"page":359},{"title":"السنة الثانية: فإن لم يتيسر له ذلك مسحه بيده وقبل يده","level":5,"page":360},{"title":"السنة الثالثة: فإن لم يتيسر له ذلك استلمه بعصا وقبل ما استلمه به","level":5,"page":360},{"title":"السنة الرابعة: فإن لم يتيسر له ذلك أشار إليه بيده وكبر","level":5,"page":360},{"title":"٢ - ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره","level":3,"page":361},{"title":"٣ - يرمل الرجل في طواف العمرة، وفي الطواف الأول من الحج","level":3,"page":361},{"title":"٤ - يضطبع الرجل في جميع الطواف الأول دون غيره","level":3,"page":363},{"title":"٥ - يطوف من وراء الحجر؛ لحديث ابن عباس ﵄","level":3,"page":364},{"title":"٦ - فإذا وصل وحاذى الركن اليماني استلمه بيمينه","level":3,"page":365},{"title":"فعلم مما تقدم من الأدلة: أنه لا يشرع استلام الركنين الآخرين الشاميين","level":4,"page":366},{"title":"٧ - يستحب له أن يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود","level":3,"page":366},{"title":"٨ - كلما مر بالحجر الأسود استلمه وقبله، وقال «الله أكبر»","level":3,"page":367},{"title":"٩ - فإذا كمل سبعة أشواط وفرغ منها سوى رداءه فوضعه على كتفيه","level":3,"page":367},{"title":"١٠ - يستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها","level":3,"page":368},{"title":"١١ - يستحب له أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر","level":3,"page":368},{"title":"والنساء يطفن مع الرجال، لكن لا يزاحمن الرجال","level":4,"page":369},{"title":"المبحث السادس والعشرون: السعي بين الصفا والمروة","level":1,"page":370},{"title":"أولا: مفهوم الصفا والمروة: لغة، واصطلاحا:","level":2,"page":370},{"title":"الصفا لغة:","level":3,"page":370},{"title":"والصفا شرعا:","level":3,"page":370},{"title":"المروة لغة:","level":3,"page":371},{"title":"والمروة شرعا:","level":3,"page":371},{"title":"ثانيا: سبب مشروعية السعي بين الصفا والمروة:","level":2,"page":372},{"title":"ثالثا: شروط صحة السعي بين الصفا والمروة:","level":2,"page":377},{"title":"الشرط الأول: النية","level":3,"page":377},{"title":"الشرط الثاني: أن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة","level":3,"page":379},{"title":"الشرط الثالث: أن يكون السعي بعد طواف صحيح","level":3,"page":379},{"title":"الشرط الرابع: أن يكون السعي سبعة أشواط","level":3,"page":381},{"title":"الشرط الخامس: استيعاب ما بين الصفا والمروة","level":3,"page":381},{"title":"الشرط السادس: أن يكون السعي في المسعى بين الصفا والمروة","level":3,"page":382},{"title":"رابعا: السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة:","level":2,"page":384},{"title":"١ - قال الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعآئر الله﴾","level":3,"page":384},{"title":"٢ - أن النبي - ﷺ - طاف في حجه وعمرته بين الصفا والمروة سبعا","level":3,"page":385},{"title":"الدليل الأول:","level":4,"page":385},{"title":"الدليل الثاني:","level":4,"page":385},{"title":"٣ - حديث عائشة ﵂","level":3,"page":386},{"title":"٤ - حديث حبيبة بنت أبي تجزية","level":3,"page":388},{"title":"٥ - حديث عائشة ﵂","level":3,"page":388},{"title":"٦ - حديث أبي موسى - ﵁ -","level":3,"page":388},{"title":"خامسا: صفة السعي بين الصفا والمروة:","level":2,"page":390},{"title":"١ - ثم بعد صلاته ركعتين خلف المقام","level":3,"page":390},{"title":"٢ - ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت فيستقبل القبلة","level":3,"page":390},{"title":"٣ - ثم ينزل من الصفا إلى المروة فيمشي حتى يصل إلى العلم الأخضر الأول","level":3,"page":391},{"title":"٤ - ثم ينزل من المروة إلى الصفا فإذا وصل العلم الأول سعى بينه","level":3,"page":392},{"title":"٥ - فإذا أتم سبعة أشواط مبتدئا بالصفا خاتما بالمروة","level":3,"page":393},{"title":"المبحث السابع والعشرون: أعمال الحج يوم الثامن (يوم التروية)","level":1,"page":395},{"title":"١ - إذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن","level":2,"page":395},{"title":"٢ - يستحب الاغتسال، والتنظف، والتطيب","level":2,"page":395},{"title":"٣ - ينوي الحج بقلبه ويلبي قائلا: «لبيك حجا»","level":2,"page":395},{"title":"٤ - يستحب التوجه إلى منى قبل الزوال والإكثار من التلبية","level":2,"page":396},{"title":"٥ - يصلي بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر","level":2,"page":396},{"title":"٦ - يستحب للحاج أن يبيت بمنى ليلة عرفة","level":2,"page":397},{"title":"المبحث الثامن والعشرون: الوقوف بعرفة","level":1,"page":398},{"title":"أولا: إذا وصل الحاج إلى [قبيل] عرفة استحب له أن ينزل بنمرة","level":2,"page":398},{"title":"ثانيا: إذا زالت الشمس سن للإمام أو نائبه أن يخطب","level":2,"page":400},{"title":"ثالثا: من لم يصل مع الإمام صلى مع جماعة أخرى","level":2,"page":403},{"title":"رابعا: ثم ينزل إلى الموقف بعرفة إن لم يكن بها","level":2,"page":403},{"title":"خامسا: خير الدعاء دعاء يوم عرفة","level":2,"page":403},{"title":"سادسا: إذا غربت الشمس وتحقق من غروبها","level":2,"page":428},{"title":"سابعا: ولا يفوت الوقوف بعرفة إلا بطلوع الفجر","level":2,"page":429},{"title":"المبحث التاسع والعشرون: الفوات","level":1,"page":431},{"title":"أولا: مفهوم الفوات","level":2,"page":431},{"title":"الفوات لغة","level":3,"page":431},{"title":"وفوات الحج اصطلاحا","level":3,"page":431},{"title":"ثانيا: أحكام الفوات:","level":2,"page":431},{"title":"المبحث الثلاثون: المبيت بمزدلفة","level":1,"page":434},{"title":"أولا: إذا وصل الحاج إلى مزدلفة صلى بها المغرب","level":2,"page":434},{"title":"ثانيا: يبيت الحاج في هذه الليلة بمزدلفة","level":2,"page":436},{"title":"ثالثا: يجوز للضعفة من النساء، والصبيان، ونحوهم، ومن يقوم برعايتهم أن ينزلوا من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل","level":2,"page":437},{"title":"الحديث الأول: حديث عبد الله مولى أسماء","level":3,"page":437},{"title":"الحديث الثاني: حديث ابن عباس ﵄","level":3,"page":437},{"title":"الحديث الثالث: حديث عائشة ﵂","level":3,"page":437},{"title":"الحديث الرابع: حديث عائشة ﵂","level":3,"page":438},{"title":"الحديث الخامس: حديث أم حبيبة ﵂","level":3,"page":438},{"title":"الحديث السادس: حديث ابن عمر","level":3,"page":438},{"title":"الحديث السابع: حديث الفضل","level":3,"page":439},{"title":"رابعا: إذا تبين الفجر الثاني صلى الفجر مبكرا بأذان وإقامة","level":2,"page":439},{"title":"خامسا: إذا أسفر جدا دفع من مزدلفة","level":2,"page":440},{"title":"سادسا: يكثر الحاج من التلبية في سيره إلى منى","level":2,"page":443},{"title":"المبحث الحادي والثلاثون: أعمال الحج يوم النحر","level":1,"page":444},{"title":"أولا: رمي جمرة العقبة:","level":2,"page":444},{"title":"١ - يقطع التلبية عند جمرة العقبة","level":3,"page":444},{"title":"٢ - يستحب له أن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره","level":3,"page":444},{"title":"٣ - وقت رمي جمرة العقبة، هذه الجمرة الوحيدة","level":3,"page":445},{"title":"ثانيا: نحر الهدي أو ذبحه:","level":2,"page":446},{"title":"ثالثا: الحلق أو التقصير، والحلق أفضل:","level":2,"page":448},{"title":"رابعا: طواف الإفاضة مع السعي لمن كان عليه سعي:","level":2,"page":451},{"title":"والأعمال التي يحصل بها التحلل الثاني ثلاثة","level":3,"page":455},{"title":"المبحث الثاني والثلاثون: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق","level":1,"page":457},{"title":"أولا: قول الله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾","level":2,"page":457},{"title":"ثانيا: بات النبي - ﷺ - بمنى ليالي التشريق،","level":2,"page":457},{"title":"ثالثا: أذن النبي - ﷺ - للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته","level":2,"page":457},{"title":"رابعا: رخص النبي - ﷺ - لرعاء الإبل في البيتوتة ليالي منى","level":2,"page":458},{"title":"خامسا: ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب:","level":2,"page":458},{"title":"المبحث الثالث والثلاثون: خطب النبي - ﷺ - في الحج ووداعه لأمته ووصاياه","level":1,"page":461},{"title":"أولا: أذانه - ﷺ - في الناس بالحج:","level":2,"page":461},{"title":"ثانيا: خطبه - ﷺ - في حجة الوداع، وتوديعه لأمته ووصاياه:","level":2,"page":461},{"title":"١ - خطبته - ﷺ - ووداعه ووصيته لأمته في عرفات","level":3,"page":461},{"title":"٢ - خطبته - ﷺ - ووداعه ووصيته لأمته يوم النحر","level":3,"page":465},{"title":"٣ - خطبته - ﷺ - ووصيته لأمته في أوسط أيام التشريق:","level":3,"page":470},{"title":"أربع خطب مسنونة:","level":4,"page":472},{"title":"إحداها يوم السابع من ذي الحجة","level":5,"page":472},{"title":"والثانية: هذه التي ببطن عرنة يوم عرفات","level":5,"page":472},{"title":"والثالثة: يوم النحر","level":5,"page":472},{"title":"والرابعة: يوم النفر الأول","level":5,"page":472},{"title":"وخلاصة القول","level":4,"page":472},{"title":"١ - إن كل من قدم المدينة إجابة لأذان النبي - ﷺ - بالحج","level":5,"page":473},{"title":"٢ - استحباب نزول الحاج إلى عرفات بعد زوال الشمس","level":5,"page":473},{"title":"٣ - استحباب خطبة الإمام بالحجاج بعرفات","level":5,"page":473},{"title":"٤ - تأكيد غلظ تحريم الدماء، والأعراض، والأموال","level":5,"page":473},{"title":"٥ - استخدام ضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير","level":5,"page":473},{"title":"٦ - إبطال أفعال الجاهلية، وربا الجاهلية","level":5,"page":473},{"title":"٧ - إن الإمام ومن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يجب أن يبدأ بنفسه","level":5,"page":473},{"title":"٨ - الموضوع من الربا هو الزائد على رأس المال","level":5,"page":474},{"title":"٩ - مراعاة حق النساء، ومعاشرتهن بالمعروف","level":5,"page":474},{"title":"١٠ - وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وجواز","level":5,"page":474},{"title":"١١ - الوصية بكتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ -","level":5,"page":474},{"title":"١٢ - قوله - ﷺ -: لتأخذوا عني مناسككم","level":5,"page":474},{"title":"١٣ - وفي قوله - ﷺ -: لعلي لا أحج بعد حجتي هذه","level":5,"page":474},{"title":"١٤ - الحث على تبليغ العلم ونشره","level":5,"page":474},{"title":"١٥ - استخدام السؤال ثم السكوت والتفسير يدل على التفخيم","level":5,"page":475},{"title":"١٦ - الأمر بطاعة ولي الأمر مادام يقود الناس بكتاب الله تعالى","level":5,"page":475},{"title":"١٧ - الوصية بطاعة الله، والصلاة، والزكاة، والصيام","level":5,"page":475},{"title":"١٨ - معجزة النبي - ﷺ - الظاهرة الدالة على صدقه","level":5,"page":475},{"title":"١٩ - الضحية سنة مؤكدة على الصحيح من أقوال أهل العلم","level":5,"page":475},{"title":"المبحث الرابع والثلاثون: رمي الجمار أيام التشريق وأحكامه","level":1,"page":476},{"title":"أولا: مفهوم رمي الجمرات: لغة، واصطلاحا:","level":2,"page":476},{"title":"الرمي لغة:","level":3,"page":476},{"title":"وهو في الاصطلاح","level":3,"page":476},{"title":"الجمرات، لغة","level":3,"page":476},{"title":"الجمرة في الاصطلاح","level":3,"page":477},{"title":"ثانيا: سبب مشروعية الرمي وحكمته","level":2,"page":477},{"title":"ثالثا: الرمي أيام التشريق واجب من واجبات الحج","level":2,"page":478},{"title":"الدليل الأول: حديث جابر - ﵁ -","level":3,"page":478},{"title":"الدليل الثاني: رمي النبي - ﷺ - في أيام التشريق الجمار الثلاث بعد الزوال","level":3,"page":478},{"title":"الدليل الثالث: أمر الله تعالى بذكره في أيام التشريق","level":3,"page":478},{"title":"رابعا: وقت الرمي أيام التشريق: أوله وآخره على النحو الآتي:","level":2,"page":480},{"title":"١ - أول وقت الرمي أيام التشريق: بعد الزوال","level":3,"page":480},{"title":"الدليل الأول: رمى النبي - ﷺ - بعد الزوال","level":4,"page":480},{"title":"الدليل الثاني: أمرنا النبي - ﷺ - أن نأخذ عنه مناسك الحج","level":4,"page":481},{"title":"الدليل الثالث: حديث ابن عباس ﵄،","level":4,"page":482},{"title":"الدليل الرابع: حديث عائشة ﵂","level":4,"page":483},{"title":"الدليل الخامس: حديث ابن عمر ﵄","level":4,"page":483},{"title":"الدليل السادس: حديث عبد الله بن عمر ﵄","level":4,"page":484},{"title":"الدليل السابع: حديث عمر بن الخطاب","level":4,"page":484},{"title":"الدليل الثامن: حديث عائشة ﵂","level":4,"page":484},{"title":"الدليل التاسع: أن الرمي لو كان قبل الزوال في أيام التشريق جائزا","level":4,"page":484},{"title":"الدليل العاشر: أن الرمي لو كان قبل الزوال جائزا","level":4,"page":485},{"title":"ومعلوم يقينا أن الحر كان شديدا جدا في عام حجة الوداع","level":5,"page":485},{"title":"وهذا يدل على شدة الحر في أول النهار","level":5,"page":486},{"title":"الدليل الحادي عشر: أن الرسول - ﷺ - بادر بالرمي حين زالت الشمس","level":4,"page":486},{"title":"الدليل الثاني عشر: عمل جميع الصحابة بلا استثناء في حياة النبي - ﷺ - وبعد مماته","level":4,"page":487},{"title":"الثالث عشر: الذي يظهر: أن الثابت عن عطاء: أنه لا يجيز الرمي قبل الزوال","level":4,"page":489},{"title":"الرابع عشر: المحققون العلماء الربانيون","level":4,"page":489},{"title":"* ومنهم هؤلاء الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة","level":5,"page":489},{"title":"* وتبع هؤلاء الأئمة علماء الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا من شذ","level":5,"page":489},{"title":"* قال شيخ الإسلام والمسلمين ابن تيمية","level":5,"page":490},{"title":"* وقال العلامة المحقق محمد الأمين الشنقيطي","level":5,"page":490},{"title":"* وقال العلامة الإمام مفتي المملكة العربية السعودية","level":5,"page":491},{"title":"أما الكتاب","level":6,"page":492},{"title":"وأما السنة فرميه - ﷺ - بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير المفيد للوجوب","level":6,"page":492},{"title":"وأما الإجماع فأمر معلوم","level":6,"page":492},{"title":"الخامس عشر: رمي الجمرات عبادة توقيفية في كيفيتها، وفي زمانها، ومكانها","level":4,"page":494},{"title":"الأمر الأول: قال الله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن","level":5,"page":495},{"title":"الأمر الثاني: قال الله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾","level":5,"page":495},{"title":"الأمر الثالث: عن عبد الله بن عمر ﵄،","level":5,"page":495},{"title":"الأمر الرابع: ذم السلف للرأي المخالف للدليل، والتحذير من القول بالرأي","level":5,"page":496},{"title":"١ - قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: إياكم وأصحاب الرأي","level":6,"page":496},{"title":"٢ - قال عروة بن الزبير - ﵁ -: السنن، السنن","level":6,"page":496},{"title":"٣ - قال سهل بن حنيف - ﵁ -: اتهموا رأيكم","level":6,"page":496},{"title":"٤ - قال الإمام أحمد - ﵀ -: لا تكاد ترى أحدا نظر في هذا الرأي","level":6,"page":497},{"title":"٥ - قال الأوزاعي - ﵀ -: إذا أراد الله - ﷿ - أن يحرم عبده بركة العلم","level":6,"page":497},{"title":"وقال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة هو القول في أحكام","level":7,"page":497},{"title":"والحاصل أنه لا يجوز الاعتماد على الرأي، بل يرجع إلى الكتاب والسنة،","level":7,"page":498},{"title":"الأمر الخامس: قول العالم الرباني فيما لا يعلم: الله أعلم نصف العلم","level":5,"page":499},{"title":"١ - قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: يا أيها الناس، من علم شيئا فليقل به","level":6,"page":499},{"title":"٢ - قال عبد الله بن مسعود - ﵁ - أيضا: إن من يفتي","level":6,"page":499},{"title":"٣ - سئل سعيد بن جبير عن شيء فقال: لا أعلم","level":6,"page":499},{"title":"٤ - قال مالك: ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه","level":6,"page":499},{"title":"٥ - قال ابن وهب، وقال له ابن القاسم: ليس بعد أهل المدينة أحد","level":6,"page":500},{"title":"٦ - عن مالك ﵀ قال: جنة العالم لا أدري","level":6,"page":500},{"title":"٧ - قال الهيثم بن جميل: سمعت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة","level":6,"page":500},{"title":"٨ - قال خالد بن خداش: قدمت على مالك","level":6,"page":500},{"title":"٩ - عن ابن وهب، عن مالك","level":6,"page":500},{"title":"١٠ - وقال ابن وهب: لو كتبنا عن مالك: لا أدري لملأنا الألواح","level":6,"page":500},{"title":"١١ - عن عقبة بن مسلم أنه قال: صحبت ابن عمر","level":6,"page":501},{"title":"١٢ - قال أبو داود: قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم نصف العلم","level":6,"page":501},{"title":"السادس عشر: أدوار الجسور المتكررة حصل بها اليسر والتيسير","level":4,"page":501},{"title":"٢ - آخر وقت الرمي أيام التشريق الثلاثة","level":3,"page":502},{"title":"والأفضل في رمي الجمار أيام التشريق أن ترمى قبل الغروب","level":4,"page":502},{"title":"أما الرمي بعد غروب الشمس ليلا فقد أجازه بعض أهل العلم","level":4,"page":502},{"title":"الدليل الأول:","level":5,"page":504},{"title":"الدليل الثاني:","level":5,"page":505},{"title":"الدليل الثالث:","level":5,"page":505},{"title":"الدليل الرابع:","level":5,"page":505},{"title":"الدليل الخامس:","level":5,"page":505},{"title":"الدليل السادس:","level":5,"page":505},{"title":"خامسا: صفة رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة","level":2,"page":506},{"title":"١ - يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة وهي التي تلي مسجد الخيف","level":3,"page":507},{"title":"٢ - يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة،","level":3,"page":507},{"title":"٣ - ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة","level":3,"page":507},{"title":"سادسا: إذا عجز المتمتع والقارن عن الهدي","level":2,"page":508},{"title":"سابعا: من عجز عن الرمي كالكبير، والمريض، والصغير،","level":2,"page":509},{"title":"أما الأقوياء من الرجال والنساء فلا يجوز لهم التوكيل في الرمي،","level":3,"page":509},{"title":"والصواب إن شاء الله تعالى أنه يشترط في الوكيل أن يكون حاجا ذلك العام","level":3,"page":510},{"title":"ثامنا: من غربت عليه الشمس من اليوم الثاني عشر","level":2,"page":510},{"title":"تاسعا: بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر من أيام التشريق بعد الزوال","level":2,"page":511},{"title":"المبحث الخامس والثلاثون: طواف الوداع","level":1,"page":513},{"title":"المبحث السادس والثلاثون: الخلاصة الجامعة في صفة الحج","level":1,"page":517},{"title":"أولا: أعمال المعتمر والحاج عند الميقات","level":2,"page":517},{"title":"١ - يستحب له أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، وينتف إبطيه، ويحلق شعر عانته","level":3,"page":517},{"title":"٢ - أن يتجرد من ثيابه ويستحب له أن يغتسل","level":3,"page":517},{"title":"٣ - يستحب له أن يتطيب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره في رأسه ولحيته","level":3,"page":517},{"title":"٤ - أن يحرم الرجل في رداء وإزار ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين","level":3,"page":517},{"title":"٥ - يستحب له أن يحرم بعد صلاة فريضة","level":3,"page":517},{"title":"٦ - ثم بعد الفراغ من الصلاة ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة","level":3,"page":517},{"title":"٧ - وإذا كان من يريد الإحرام خائفا من عائق يعوقه عن إتمام نسكه","level":3,"page":518},{"title":"٨ - وإذا كان مع من يريد الحج أو العمرة أطفال أو صبيان","level":3,"page":518},{"title":"* - ومن وصل إلى الميقات في أشهر الحج","level":4,"page":518},{"title":"النسك الأول: العمرة وحدها","level":5,"page":519},{"title":"النسك الثاني: الجمع بين العمرة والحج","level":5,"page":519},{"title":"النسك الثالث: الحج وحده","level":5,"page":519},{"title":"* أما من وصل الميقات في أشهر الحج وهو لا يريد حجا، وإنما يريد العمرة","level":4,"page":520},{"title":"٩ - يجتنب محظورات الإحرام: وهي ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام","level":3,"page":520},{"title":"المحظور الأول: إزالة الشعر من جميع البدن بحلق أو غيره بلا عذر","level":4,"page":520},{"title":"المحظور الثاني: تقليم الأظفار من اليدين أو الرجلين بلا عذر","level":4,"page":520},{"title":"المحظور الثالث: تعمد تغطية الرأس للرجل","level":4,"page":520},{"title":"المحظور الرابع: لبس الرجل للمخيط عمدا في جميع بدنه","level":4,"page":520},{"title":"المحظور الخامس: تعمد استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن","level":4,"page":521},{"title":"المحظور السادس: قتل صيد البر الوحشي المأكول، واصطياده","level":4,"page":521},{"title":"المحظور السابع: عقد النكاح، فلا يتزوج المحرم","level":4,"page":521},{"title":"المحظور الثامن: الوطء الذي يوجب الغسل","level":4,"page":521},{"title":"المحظور التاسع: المباشرة فيما دون الفرج بوطء في غيره","level":4,"page":521},{"title":"* ويحرم على الحاج وغيره، والمحرم وغير المحرم صيد الحرم","level":5,"page":521},{"title":"ثانيا: صفة دخول مكة","level":2,"page":521},{"title":"١ - يستحب له أن يستريح بمكان مناسب حتى يحصل له النشاط والنظافة قبل الطواف.","level":3,"page":521},{"title":"٢ - يستحب له إن تيسر أن يغتسل","level":3,"page":521},{"title":"٣ - يستحب له إن تيسر أن يدخل مكة من أعلاها","level":3,"page":521},{"title":"٤ - فإذا وصل إلى المسجد الحرام فالأفضل له أن يقدم رجله اليمنى","level":3,"page":522},{"title":"٥ - من لم يتيسر له الغسل قبل دخول المسجد فلا بد له من الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر.","level":3,"page":522},{"title":"٦ - تحية المسجد الحرام الطواف لمن أراد الطواف","level":3,"page":522},{"title":"٧ - الركوب في الطواف أو السعي لا بأس به لمن كان به علة كالمريض.","level":3,"page":522},{"title":"ثالثا: صفة الطواف بالبيت","level":2,"page":522},{"title":"١ - يقطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف إن كان متمتعا أو معتمرا","level":3,"page":522},{"title":"٢ - ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره.","level":3,"page":523},{"title":"٣ - يرمل الرجل في الثلاثة الأشواط الأول من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه","level":3,"page":523},{"title":"٤ - يضطبع الرجل في جميع الطواف الأول دون غيره","level":3,"page":523},{"title":"٥ - فإذا وصل وحاذى الركن اليماني استلمه بيمينه","level":3,"page":523},{"title":"٦ - يستحب له أن يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود","level":3,"page":523},{"title":"٧ - كلما مر بالحجر الأسود استلمه وقبله","level":3,"page":523},{"title":"٨ - فإذا كمل سبعة أشواط وفرغ منها سوى رداءه فوضعه على كتفيه","level":3,"page":524},{"title":"٩ - يستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها ويصب على رأسه؛ لفعله - ﷺ -","level":3,"page":524},{"title":"١٠ - يستحب له أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر.","level":3,"page":524},{"title":"رابعا: السعي بين الصفا والمروة","level":2,"page":524},{"title":"١ - ثم يخرج إلى المسعى ويتجه إلى الصفا","level":3,"page":524},{"title":"٢ - ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت فيستقبل القبلة فيوحد الله ويكبره [ويحمده]","level":3,"page":524},{"title":"٣ - ثم ينزل من الصفا إلى المروة فيمشي حتى يصل إلى العلم الأخضر الأول","level":3,"page":525},{"title":"٤ - ثم ينزل من المروة إلى الصفا فإذا وصل العلم الأول سعى بينه وبين الثاني سعيا شديدا","level":3,"page":525},{"title":"٥ - فإذا أتم سبعة أشواط مبتدئا بالصفا خاتما بالمروة حلق رأسه إن كان رجلا معتمرا، أو متمتعا","level":3,"page":525},{"title":"خامسا: أعمال الحج اليوم الثامن","level":2,"page":527},{"title":"١ - إذا كان يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة استحب للذين أحلوا بعد العمرة","level":3,"page":527},{"title":"٢ - يستحب الاغتسال، والتنظف، والتطيب","level":3,"page":527},{"title":"٣ - ينوي الحج بقلبه ويلبي قائلا: «لبيك حجا»","level":3,"page":527},{"title":"٤ - يستحب التوجه إلى منى قبل الزوال والإكثار من التلبية.","level":3,"page":527},{"title":"٥ - يصلي بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر قصرا بلا جمع","level":3,"page":527},{"title":"٦ - يستحب للحاج أن يبيت بمنى ليلة عرفة؛ لفعله - ﷺ -","level":3,"page":527},{"title":"سادسا: صفة الوقوف بعرفة","level":2,"page":528},{"title":"١ - إذا وصل الحاج إلى عرفة استحب له أن ينزل بنمرة إلى الزوال","level":3,"page":528},{"title":"٢ - إذا زالت الشمس سن للإمام أو نائبه أن يخطب خطبة يبين فيها ما يشرع للحاج في هذا اليوم وما بعده","level":3,"page":528},{"title":"٣ - من لم يصل مع الإمام صلى مع جماعة أخرى إذا زالت الشمس جمعا وقصرا","level":3,"page":528},{"title":"٤ - ثم ينزل إلى الموقف بعرفة إن لم يكن بها","level":3,"page":528},{"title":"٥ - يستحب في هذا الموقف العظيم أن يجتهد الحاج في ذكر الله","level":3,"page":528},{"title":"٦ - فإذا غربت الشمس وتحقق غروبها انصرف الحجاج إلى مزدلفة","level":3,"page":529},{"title":"٧ - ولا يفوت الوقوف بعرفة إلا بطلوع الفجر من يوم النحر.","level":3,"page":529},{"title":"٨ - إذا طلع الفجر من يوم النحر ولم يقف الحاج بعرفة","level":3,"page":529},{"title":"سابعا: صفة المبيت بمزدلفة","level":2,"page":529},{"title":"١ - إذا وصل الحاج مزدلفة صلى بها المغرب ثلاث ركعات","level":3,"page":529},{"title":"٢ - يبيت الحاج في هذه الليلة بمزدلفة، ويحرص أن ينام مبكرا؛ ليكون نشيطا","level":3,"page":530},{"title":"٣ - يجوز للضعفة من النساء، والصبيان، ونحوهم أن ينزلوا من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل","level":3,"page":530},{"title":"٤ - إذا تبين الفجر الثاني صلى الفجر مبكرا، ثم يقف عند المشعر الحرام ويستقبل القبلة","level":3,"page":530},{"title":"٥ - إذا أسفر جدا دفع من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس","level":3,"page":530},{"title":"٦ - يكثر الحاج من التلبية في سيره إلى منى","level":3,"page":530},{"title":"ثامنا: أعمال الحج يوم النحر","level":2,"page":530},{"title":"١ - يقطع التلبية عند جمرة العقبة، ويستحب له أن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره","level":3,"page":531},{"title":"٢ - إذا فرغ الحاج من رمي جمرة العقبة نحر هديه أو ذبحه","level":3,"page":531},{"title":"٣ - إذا فرغ الحاج من ذبح هديه أو نحره لمن كان له هدي حلق رأسه أو قصره","level":3,"page":531},{"title":"٤ - يتوجه الحاج بعد الأعمال السابقة إلى مكة؛ ليطوف بالبيت.","level":3,"page":532},{"title":"تاسعا: أعمال الحج أيام التشريق","level":2,"page":533},{"title":"١ - يرجع الحاج بعد طواف الإفاضة والسعي ممن عليه سعي إلى منى","level":3,"page":533},{"title":"٢ - يرمي الجمرات الثلاث في اليومين بعد زوال الشمس","level":3,"page":533},{"title":"أ - يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة وهي التي تلي مسجد الخيف","level":4,"page":533},{"title":"ب - يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة","level":4,"page":533},{"title":"ج - ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة","level":4,"page":533},{"title":"٣ - إذا عجز المتمتع والقارن عن الهدي وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله","level":3,"page":534},{"title":"٤ - من عجز عن الرمي كالكبير، والمريض، والصغير، والمرأة الحامل ونحوهم","level":3,"page":534},{"title":"٥ - الأفضل في رمي الجمار أيام التشريق أن ترمى قبل الغروب","level":3,"page":534},{"title":"٦ - من غربت عليه الشمس من اليوم الثاني عشر وهو لم يخرج من منى","level":3,"page":535},{"title":"٧ - بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر من أيام التشريق بعد الزوال","level":3,"page":535},{"title":"عاشرا: طواف الوداع","level":2,"page":535},{"title":"إذا أراد الحاج الخروج من مكة فلا يخرج حتى يطوف طواف الوداع","level":3,"page":535},{"title":"المبحث السابع والثلاثون: الخلاصة الجامعة في صفة العمرة","level":1,"page":536},{"title":"أولا: أعمال المعتمر عند الميقات","level":2,"page":536},{"title":"١ - يستحب له أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، وينتف إبطيه، ويحلق عانته","level":3,"page":536},{"title":"٢ - أن يتجرد من ثيابه، ويستحب له أن يغتسل؛ لفعل النبي - ﷺ -","level":3,"page":536},{"title":"٣ - يستحب له أن يتطيب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره في رأسه ولحيته","level":3,"page":536},{"title":"٤ - أن يحرم الرجل في رداء وإزار","level":3,"page":536},{"title":"٥ - يستحب له أن يحرم بعد صلاة فريضة","level":3,"page":536},{"title":"٦ - ثم بعد الفراغ من الصلاة ينوي بقلبه الدخول في نسك العمرة","level":3,"page":536},{"title":"٨ - وإن كان مع من يريد العمرة أطفال أو صبيان","level":3,"page":537},{"title":"٩ - يجتنب المحرم بالعمرة محظورات الإحرام التسعة التي تقدم ذكرها","level":3,"page":537},{"title":"ثانيا: صفة دخول مكة","level":2,"page":537},{"title":"١ - يستحب له أن يستريح بمكان مناسب حتى يحصل له النشاط والنظافة قبل الطواف.","level":3,"page":537},{"title":"٢ - يستحب له إن تيسر أن يغتسل","level":3,"page":537},{"title":"٣ - يستحب له إن تيسر أن يدخل مكة من أعلاها","level":3,"page":537},{"title":"٤ - فإذا وصل إلى المسجد الحرام","level":3,"page":537},{"title":"٥ - من لم يتيسر له الغسل قبل دخول المسجد","level":3,"page":538},{"title":"٦ - تحية المسجد الحرام الطواف لمن أراد الطواف","level":3,"page":538},{"title":"٧ - الركوب في الطواف أو السعي لا بأس به لمن كان به علة كالمريض.","level":3,"page":538},{"title":"ثالثا: صفة الطواف بالبيت","level":2,"page":538},{"title":"١ - يقطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف","level":3,"page":538},{"title":"٢ - ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره.","level":3,"page":538},{"title":"٣ - يرمل الرجل في الثلاثة الأشواط الأول من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه","level":3,"page":538},{"title":"٤ - يضطبع الرجل في جميع الطواف الأول دون غيره","level":3,"page":539},{"title":"٥ - فإذا وصل وحاذى الركن اليماني استلمه بيمينه","level":3,"page":539},{"title":"٦ - يستحب له أن يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود","level":3,"page":539},{"title":"٧ - كلما مر بالحجر الأسود استلمه وقبله","level":3,"page":539},{"title":"٨ - فإذا كمل سبعة أشواط، وفرغ منها سوى رداءه","level":3,"page":539},{"title":"٩ - يستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها، ويصب على رأسه؛ لفعله - ﷺ -.","level":3,"page":540},{"title":"١٠ - يستحب له أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر","level":3,"page":540},{"title":"رابعا: صفة السعي بين الصفا والمروة","level":2,"page":540},{"title":"١ - ثم يخرج إلى المسعى ويتجه إلى الصفا","level":3,"page":540},{"title":"٢ - ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت","level":3,"page":540},{"title":"٣ - ثم ينزل من الصفا إلى المروة","level":3,"page":540},{"title":"٤ - ثم ينزل من المروة إلى الصفا","level":3,"page":540},{"title":"٥ - فإذا أتم سبعة أشواط مبتدئا بالصفا","level":3,"page":541},{"title":"خامسا: مسائل في العمرة:","level":2,"page":542},{"title":"المسألة الأولى: من كرر العمرة في أشهر الحج لا يلزمه إلا هدي واحد","level":3,"page":542},{"title":"المسألة الثانية: من أحرم بعمرة في أشهر الحج فله أن يدخل عليها الحج فيكون قارنا","level":3,"page":542},{"title":"المسألة الثالثة: إذا ساق المعتمر الهدي، وهو يريد الحج من عامه","level":3,"page":543},{"title":"أحدهما: أن له التحلل أيضا","level":4,"page":543},{"title":"والقول الثاني: أنه لا يجوز له الإحلال حتى يبلغ الهدي محله يوم النحر","level":4,"page":543},{"title":"المسألة الرابعة: حكم تكرار العمرة","level":3,"page":545},{"title":"المسألة الخامسة: عدد عمر النبي - ﷺ -","level":3,"page":547},{"title":"المسألة السادسة: هل اعتمر النبي - ﷺ - في رجب؟","level":3,"page":548},{"title":"المسألة السابعة: من لم يؤد عمرة الإسلام مع حج القران","level":3,"page":549},{"title":"المسألة الثامنة: الأقرب أنه لا يجب طواف الوداع على المعتمر","level":3,"page":549},{"title":"المسألة التاسعة: الحيض لا يكون به الإحصار في الحج","level":3,"page":550},{"title":"المسألة العاشرة: من نسي الحلق أو التقصير في العمرة","level":3,"page":550},{"title":"المبحث الثامن والثلاثون: الهدايا","level":1,"page":551},{"title":"أولا: مفهوم الهدي: لغة، واصطلاحا","level":2,"page":551},{"title":"الهدي لغة","level":3,"page":551},{"title":"والهدي اصطلاحا","level":3,"page":551},{"title":"والتعريف المختار","level":3,"page":551},{"title":"ثانيا: أنواع الهدايا: عشرة أنواع","level":2,"page":551},{"title":"النوع الأول: هدي المحصر","level":3,"page":551},{"title":"النوع الثاني: هدي التمتع والقران","level":3,"page":551},{"title":"النوع الثالث: هدي جزاء الصيد","level":3,"page":551},{"title":"النوع الرابع: هدي فدية الأذى","level":3,"page":551},{"title":"النوع الخامس: ما وجب لترك واجب","level":3,"page":551},{"title":"النوع السادس: هدي الإفساد وما في معناه","level":3,"page":552},{"title":"النوع السابع: هدي الفوات وما في معناه","level":3,"page":552},{"title":"النوع الثامن: الهدي المنذور في الذمة","level":3,"page":552},{"title":"النوع التاسع: الهدي المعين واجبا","level":3,"page":552},{"title":"النوع العاشر: الهدي المعين تطوعا","level":3,"page":552},{"title":"ثالثا: الهدي الواجب بالنذر","level":2,"page":552},{"title":"والأصل في الهدي الواجب بالنذر، قول الله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾","level":3,"page":552},{"title":"رابعا: الهدي الواجب بغير النذر","level":2,"page":553},{"title":"الهدي المنصوص عليه في القرآن","level":3,"page":553},{"title":"الدم الأول: دم الإحصار المنصوص عليه في قول الله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾","level":4,"page":553},{"title":"الدم الثاني: دم جزاء الصيد","level":4,"page":553},{"title":"الدم الثالث: دم فدية الأذى","level":4,"page":553},{"title":"الدم الرابع: دم هدي التمتع والقران","level":4,"page":553},{"title":"* الأمر الأول: مفهوم القارن الذي يلزمه الهدي:","level":5,"page":553},{"title":"* الأمر الثاني: مفهوم المتمتع الذي يلزمه الهدي: هو من أحرم بالعمرة في أشهر الحج","level":5,"page":554},{"title":"* الأمر الثالث: شروط وجوب هدي المتمتع والقارن على النحو الآتي:","level":5,"page":554},{"title":"الشرط الأول: أن يعتمر في أشهر الحج، فإن اعتمر في غيرها لم يلزمه دم","level":6,"page":554},{"title":"الشرط الثاني: أن يحج في نفس تلك السنة التي اعتمر في أشهر الحج فيها","level":6,"page":554},{"title":"الشرط الثالث: أن لا يعود إلى بلده أو ما يماثله في المسافة","level":6,"page":554},{"title":"الشرط الرابع: أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام","level":6,"page":555},{"title":"* وأظهر الأقوال من أقوال أهل العلم في المراد بحاضري المسجد الحرام:","level":7,"page":555},{"title":"* والظاهر أنه متى حج بعد أن اعتمر في أشهر الحج من تلك السنة فعليه","level":7,"page":555},{"title":"* والظاهر أيضا أنه يكون متمتعا عليه الهدي:","level":7,"page":555},{"title":"الشرط الخامس: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج","level":6,"page":556},{"title":"* الأمر الرابع: أجمع من يعتد به من أهل العلم على أن القارن يلزمه ما يلزم المتمتع من الهدي","level":5,"page":556},{"title":"* الأمر الخامس: القارن كالمتمتع من حاضري المسجد الحرام","level":5,"page":556},{"title":"* والأظهر أن من كان من حاضري المسجد الحرام يحرم بالقران","level":6,"page":557},{"title":"وأقرب الأقوال للصواب أن دم القران لا يسقطه السفر","level":6,"page":557},{"title":"* الأمر السادس: ما يجزي في هدي التمتع والقران","level":5,"page":557},{"title":"* الأمر السابع: أول وقت نحر الهدي: هو يوم النحر على الصحيح","level":5,"page":557},{"title":"الدليل الأول: لم ينحر النبي - ﷺ - هديه إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة","level":6,"page":557},{"title":"الدليل الثاني: لم ينحر عن أحد من أزواجه - ﷺ - إلا بعد رمي جمرة العقبة،","level":6,"page":558},{"title":"الدليل الثالث: لم ينحر كل من كان معه من أصحابه إلا يوم النحر،","level":6,"page":558},{"title":"الدليل الرابع: جرى عمل الخلفاء الراشدين، والمهاجرين، والأنصار،","level":6,"page":558},{"title":"الدليل الخامس: قول الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾","level":6,"page":558},{"title":"الدليل السادس: قول الله - ﷿ -: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾","level":6,"page":558},{"title":"الدليل السابع: قول الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني","level":6,"page":559},{"title":"الدليل الثامن: من أوضح الأدلة الثابتة في ذلك الأحاديث المتفق عليها","level":6,"page":559},{"title":"* الأمر الثامن: فقراء الحرم: هم الموجودون فيه وقت نحر الهدايا","level":5,"page":562},{"title":"* الأمر التاسع: آخر وقت نحر الهدي غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق","level":5,"page":563},{"title":"* الأمر العاشر: الأفضل أن يكون ذبح الهدايا والضحايا نهارا","level":5,"page":565},{"title":"* الأمر الحادي عشر: العاجز عن الهدي في حجه ينتقل إلى الصوم ولو غنيا في بلده","level":5,"page":565},{"title":"* الأمر الثاني عشر: الصدقة بلحوم الهدي وجلودها وجلالها","level":5,"page":566},{"title":"* الأمر الثالث عشر: الاشتراك في الهدي وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما عن سبعة","level":5,"page":567},{"title":"* الأمر الرابع عشر: نحر البدن قياما مقيدة","level":5,"page":568},{"title":"* الأمر الخامس عشر: استحباب بعث الهدي إلى الحرم","level":5,"page":568},{"title":"* الأمر السادس عشر: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها","level":5,"page":571},{"title":"* الأمر السابع عشر: ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق","level":5,"page":572},{"title":"* الأمر الثامن عشر: لا يشترط في الهدي أن يجمع بين الحل والحرم:","level":5,"page":574},{"title":"* الأمر التاسع عشر: سوق الهدي من الميقات إلى الحرم:","level":5,"page":575},{"title":"* الأمر العشرون: شراء الهدي من الطريق:","level":5,"page":575},{"title":"* الأمر الحادي والعشرون: إشعار الهدي بشق سنامه الأيمن بالشفرة:","level":5,"page":576},{"title":"* الأمر الثاني والعشرون: ولا يسن الهدي إلا من بهيمة الأنعام","level":5,"page":577},{"title":"* الأمر الثالث والعشرون: الذكر والأنثى في الهدي سواء؛ لأن الله - ﷿ - قال: ﴿والبدن جعلناها ..","level":5,"page":577},{"title":"* الأمر الرابع والعشرون: من وجب عليه بدنة أجزأه سبع من الغنم","level":5,"page":577},{"title":"* الأمر الخامس والعشرون: إذا أوجب هديا فله إبداله بخير منه،","level":5,"page":578},{"title":"* الأمر السادس والعشرون: إذا ولدت الهدية فولدها بمنزلتها إن أمكن سوقه","level":5,"page":578},{"title":"* الأمر السابع والعشرون: لا يأكل من هدي واجب إلا من هدي التمتع والقران دون ما سواهما","level":5,"page":578},{"title":"* الأمر الثامن والعشرون: هدي التطوع الذي أوجبه بالتعيين","level":5,"page":579},{"title":"* الأمر التاسع والعشرون: ذبح فدية الأذى تجوز في الموضع الذي حلق فيه","level":5,"page":580},{"title":"* الأمر الثلاثون: وما وجب لترك نسك، أو فوات فلمساكين الحرم دون غيرهم","level":5,"page":580},{"title":"* الأمر الحادي والثلاثون: وما وجب نحره بالحرم وجب تفرقة لحمه به","level":5,"page":580},{"title":"* الأمر الثاني والثلاثون: إذا نذر هديا وأطلق فأقل ما يجزئ شاة،","level":5,"page":580},{"title":"* الأمر الثالث والثلاثون: شروط الهدي","level":5,"page":581},{"title":"الشرط الأول: أن يكون الهدي ملكا للمهدي","level":6,"page":581},{"title":"الشرط الثاني: أن يكون الهدي من الجنس الذي عينه الشارع: وهو بهيمة الأنعام","level":6,"page":581},{"title":"الشرط الثالث: أن يبلغ الهدي السن المعتبره شرعا","level":6,"page":581},{"title":"الشرط الرابع: أن يكون الهدي سالما من العيوب المانعة من الإجزاء","level":6,"page":582},{"title":"* الأمر الرابع والثلاثون: العيوب المكروهة في الهدايا","level":5,"page":582},{"title":"* الأمر الخامس والثلاثون: تعيين الهدي، وأحكام تعيينه","level":5,"page":582},{"title":"* الأمر السادس والثلاثون: حكم الأكل والإطعام والصدقة، هي نفس ما يأتي في الأضاحي","level":5,"page":582},{"title":"* الأمر السابع والثلاثون: شروط المذكي","level":5,"page":582},{"title":"* الأمر الثامن والثلاثون: الآداب المستحبة للمهدي","level":5,"page":582},{"title":"١ - يختار الهدي فيحرص على أكمل الهدايا، وأجملها، وأسمنها، وأغلاها","level":6,"page":582},{"title":"٢ - الإحسان إلى الذبيحة فيعمل كل ما يريحها عند الذكاة","level":6,"page":582},{"title":"٣ - ينحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى","level":6,"page":582},{"title":"٤ - يذبح الأغنام والبقر على جنبها الأيسر، ويضع رجله على صفحة عنقها","level":6,"page":582},{"title":"٥ - يستقبل القبلة عند الذبح","level":6,"page":582},{"title":"٦ - التسمية عند الذبح، وهي واجبة","level":6,"page":583},{"title":"٧ - يسمي عند ذبح الهدي من هو له","level":6,"page":583},{"title":"٨ - استكمال قطع الحلقوم، والمريء، والودجين عند الذبح","level":6,"page":583},{"title":"٩ - يدعو بالقبول عند التذكية","level":6,"page":583},{"title":"خامسا: الهدي المسكوت عنه في القران","level":2,"page":583},{"title":"١ - هدي الفوات؛ فإن من فاته الحج، فعليه أن يتحلل بعمرة","level":3,"page":583},{"title":"٢ - هدي الإحصار، من لم يجده صام عشرة أيام، ثم حلق وتحلل","level":3,"page":583},{"title":"٣ - ومذهب أحمد قياس كل دم وجب لترك واجب على دم التمتع","level":3,"page":583},{"title":"سادسا: الهدي المستحب: وهو هدي التطوع:","level":2,"page":584},{"title":"المبحث التاسع والثلاثون: الأضاحي","level":1,"page":585},{"title":"أولا: مفهومها:","level":2,"page":585},{"title":"ثانيا: حكمها:","level":2,"page":585},{"title":"فأما الكتاب","level":3,"page":585},{"title":"وأما السنة","level":3,"page":585},{"title":"وأما الإجماع:","level":3,"page":585},{"title":"ثالثا: ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها لما يلي:","level":2,"page":587},{"title":"١ - الذبح وإراقة الدم تقربا لله تعالى عبادة مشتملة على تعظيم الله تعالى","level":3,"page":587},{"title":"٢ - ذبح الأضحية وعدم التصدق بثمنها هو هدي النبي - ﷺ - وعمل المسلمين،","level":3,"page":588},{"title":"٣ - ومما يؤكد أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها ولو زاد الثمن","level":3,"page":588},{"title":"رابعا: إذا دخل شهر ذي الحجة فلا يأخذ من أراد أن يضحي من شعره ولا بشرته شيئا","level":2,"page":588},{"title":"خامسا: يبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة عيد الأضحى","level":2,"page":588},{"title":"سادسا: آخر وقت ذبح الأضاحي","level":2,"page":589},{"title":"سابعا: شروط الأضحية:","level":2,"page":590},{"title":"الشرط الأول: أن تكون الضحية ملكا للمضحي ملكها بطريق شرعي","level":3,"page":590},{"title":"الشرط الثاني: أن تكون الأضحية من الجنس الذي عينه الشارع","level":3,"page":591},{"title":"الشرط الثالث: أن تبلغ الأضحية السن المعتبرة شرعا،","level":3,"page":591},{"title":"الشرط الرابع: أن تكون سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء","level":3,"page":593},{"title":"لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أنها تمنع الإجزاء","level":4,"page":594},{"title":"ثامنا: العيوب المكروهة في الأضحية على النحو الآتي:","level":2,"page":595},{"title":"الأولى: العضباء: وهي مقطوعة الأذن: النصف فما فوقه","level":3,"page":595},{"title":"الثانية: المقابلة: وهي التي شقت أذنها من الأمام عرضا","level":3,"page":595},{"title":"الثالثة: المدابرة: وهي التي شقت أذنها من الخلف عرضا","level":3,"page":595},{"title":"الرابعة: الشرقاء: وهي التي شقت أذنها طولا","level":3,"page":595},{"title":"الخامسة: الخرقاء: وهي التي خرقت أذنها","level":3,"page":595},{"title":"السادسة: المصفرة: وهي التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها","level":3,"page":596},{"title":"السابعة: المستأصلة: وهي التي ذهب قرنها من أصله","level":3,"page":596},{"title":"الثامنة: البخقاء: وهي التي بخقت عينها","level":3,"page":596},{"title":"التاسعة: المشيعة: وهي التي لا تتبع الغنم عجفا، وضعفا،","level":3,"page":596},{"title":"وذكر بعض أهل العلم أنه يلحق بالعيوب المكروهة العيوب الآتية:","level":4,"page":597},{"title":"الأولى: البتراء، وهي التي قطع ذنبها","level":5,"page":597},{"title":"وأما البتراء من الضأن وهي التي قطعت أليتها أو أكثرها فلا تجزئ","level":6,"page":598},{"title":"الثانية: ما قطع أنفها أو شفتها","level":5,"page":598},{"title":"الثالثة: ما قطع ذكره فتكره التضحية به","level":5,"page":598},{"title":"تاسعا: تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته، والبدنة عن سبعة","level":2,"page":599},{"title":"وأما البدنة فتجزئ عن سبعة، والبقرة عن سبعة","level":3,"page":599},{"title":"عاشرا: تتعين الأضحية بقول المسلم هذه أضحية، فتصير واجبة","level":2,"page":600},{"title":"الحكم الأول: زوال ملكه عنها، فلا يجوز له بيعها، ولا هبتها،","level":3,"page":600},{"title":"الحكم الثاني: لا يتصرف فيها تصرفا مطلقا فلا يستعملها في حرث","level":3,"page":601},{"title":"الحكم الثالث: إذا حصل لها عيب يمنع الإجزاء","level":3,"page":601},{"title":"الحكم الرابع: إذا ضاعت أو سرقت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه","level":3,"page":601},{"title":"الحكم الخامس: لا يجوز بيع شيء من الأضحية","level":3,"page":601},{"title":"الحادي عشر: يأكل من أضحيته ويتصدق","level":2,"page":602},{"title":"الثاني عشر: صفة ذبح الأضاحي وغيرها مما يذكى على النحو الآتي:","level":2,"page":604},{"title":"١ - لا يذبح إلا المسلم المميز العاقل، أو الكتابي","level":3,"page":604},{"title":"٢ - يراعي المضحي الأمور الآتية:","level":3,"page":604},{"title":"الأمر الأول: يختار الأضحية، فيحرص على أكمل الأضاحي","level":4,"page":604},{"title":"الأمر الثاني: الإحسان إلى الذبيحة، فيعمل كل ما يريحها عند الذكاة،","level":4,"page":606},{"title":"الأمر الثالث: إذا كانت الضحية من الإبل نحرها قائمة معقولة يدها اليسرى","level":4,"page":607},{"title":"الأمر الرابع: إذا كانت الضحية من غير الإبل ذبحها مضجعة على جنبها الأيسر","level":4,"page":608},{"title":"الأمر الخامس: أن يستقبل القبلة عند الذبح؛","level":4,"page":608},{"title":"الأمر السادس: التسمية عند الذبح والنحر، وهي واجبة","level":4,"page":608},{"title":"الأمر السابع: من الآداب المستحبة أن يسمي عند ذبح الأضحية","level":4,"page":609},{"title":"الأمر الثامن: قطع: الحلقوم، والمريء، والودجين، وإنهار الدم:","level":4,"page":610},{"title":"الأول: الحلقوم:","level":5,"page":610},{"title":"الثاني: المريء:","level":5,"page":610},{"title":"الثالث والرابع: الودجان:","level":5,"page":610},{"title":"والغنم: على ثلاث حالات","level":6,"page":610},{"title":"الحالة الأولى:","level":7,"page":611},{"title":"الحالة الثانية:","level":7,"page":611},{"title":"والحالة الثالثة:","level":7,"page":611},{"title":"الأمر التاسع: يدعو عند ذبح الأضحية","level":4,"page":611},{"title":"المبحث الأربعون: العقيقة","level":1,"page":612},{"title":"أولا: مفهوم العقيقة: لغة واصطلاحا:","level":2,"page":612},{"title":"العقيقة لغة:","level":3,"page":612},{"title":"والعقيقة شرعا","level":3,"page":612},{"title":"ثانيا: حكم العقيقة عن المولود: الذكر والأنثى","level":2,"page":612},{"title":"الحديث الأول: حديث سليمان بن عامر الضبي","level":3,"page":613},{"title":"الحديث الثاني: حديث سمرة بن جندب - ﵁ -،","level":3,"page":614},{"title":"الحديث الثالث: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄،","level":3,"page":616},{"title":"الحديث الرابع: حديث عائشة ﵂","level":3,"page":616},{"title":"ثالثا: وقت العقيقة","level":2,"page":619},{"title":"الأفضل أن تذبح عن المولود اليوم السابع","level":3,"page":619},{"title":"رابعا: مقدار ما يذبح في العقيقة","level":2,"page":620},{"title":"الحديث الأول: حديث أم كرز الكعبية ﵂","level":3,"page":620},{"title":"الحديث الثاني: حديث ابن عمر ﵄","level":3,"page":621},{"title":"الحديث الثالث: حديث عائشة ﵂","level":3,"page":621},{"title":"الحديث الرابع: حديث ابن عباس ﵄","level":3,"page":621},{"title":"الحديث الخامس: حديث أسماء بنت يزيد ﵂","level":3,"page":621},{"title":"خامسا: السن المجزئ في العقيقة سن الضحايا والهدايا","level":2,"page":623},{"title":"سادسا: تسمية المولود في اليوم السابع من ولادته","level":2,"page":625},{"title":"سابعا: تحسين اسم المولود، واختيار الاسم الذي لا محذور فيه شرعا، ورد على أنواع:","level":2,"page":626},{"title":"النوع الأول: أحب الأسماء إلى الله تعالى","level":3,"page":626},{"title":"النوع الثاني: أسماء سماها النبي - ﷺ - ابتداء:","level":3,"page":626},{"title":"١ - إبراهيم","level":4,"page":626},{"title":"٢ - عبد الله","level":4,"page":626},{"title":"كنى بأم عبد الله","level":5,"page":627},{"title":"٣ - يوسف،","level":4,"page":627},{"title":"النوع الثالث: أسماء غيرها النبي","level":3,"page":627},{"title":"١ - برة","level":4,"page":627},{"title":"٢ - برة","level":4,"page":628},{"title":"٣ - عاصية","level":4,"page":628},{"title":"٤ - أبو الحكم","level":4,"page":628},{"title":"٥ - أصرم","level":4,"page":628},{"title":"٦ - حزن","level":4,"page":628},{"title":"٧ - فلان","level":4,"page":629},{"title":"ومعاني الأسماء المذكورة آنفا:","level":5,"page":629},{"title":"١ - أصرم","level":6,"page":629},{"title":"٢ - زرعة","level":6,"page":630},{"title":"٣ - حزن","level":6,"page":630},{"title":"٤ - عتلة","level":6,"page":630},{"title":"٥ - عزيز","level":6,"page":630},{"title":"٦ - شهاب","level":6,"page":630},{"title":"٧ - غراب","level":6,"page":630},{"title":"٨ - عفرة","level":6,"page":630},{"title":"٩ - بني الزنية","level":6,"page":630},{"title":"١٠ - الحباب","level":6,"page":630},{"title":"١١ - حرب","level":6,"page":631},{"title":"١٢ - مرة","level":6,"page":631},{"title":"النوع الرابع: أسماء نهى عنها النبي - ﷺ -","level":3,"page":631},{"title":"النوع الخامس: أسماء محرمة لا يجوز التسمية بها","level":3,"page":632},{"title":"النوع السادس: الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم.","level":3,"page":633},{"title":"ثامنا: حلق رأس المولود الذكر","level":2,"page":634},{"title":"تاسعا: الصدقة بعد حلاقة رأسه بزنة شعره فضة","level":2,"page":635},{"title":"عاشرا: يلطخ رأسه بزعفران فيطلى به إن تيسر بعد الحلق","level":2,"page":636},{"title":"الحادي عشر: تحنيك المولود سواء كان ذكرا أو أنثى","level":2,"page":637},{"title":"الحديث الأول: حديث أبي موسى - ﵁ -","level":3,"page":638},{"title":"الحديث الثاني: حديث أنس - ﵁ -","level":3,"page":638},{"title":"الحديث الثالث: حديث عائشة ﵂","level":3,"page":638},{"title":"الثاني عشر: الأذان في إذن المولود: سواء كان ذكرا أو أنثى:","level":2,"page":639},{"title":"الثالث عشر: يعق عن السقط لأكثر من أربعة أشهر، ويسمى","level":2,"page":640},{"title":"الرابع عشر: الفرع والعتيرة","level":2,"page":641},{"title":"١ - مفهوم الفرع","level":3,"page":641},{"title":"٢ - مفهوم العتيرة","level":3,"page":641},{"title":"المبحث الحادي والأربعون: زيارة مسجد رسول الله - ﷺ -","level":1,"page":644},{"title":"١ - تستحب زيارة مسجد النبي - ﷺ - وهي مشروعة في أي وقت،","level":2,"page":644},{"title":"٢ - إذا دخل المسجد النبوي الشريف","level":2,"page":644},{"title":"٣ - يصلي ركعتين تحية المسجد، أو يصلي ما شاء","level":2,"page":645},{"title":"٤ - ثم بعد الصلاة إن أراد زيارة قبر النبي - ﷺ - وقف أمام قبره: بأدب","level":2,"page":645},{"title":"٥ - ثم يأخذ ذات اليمين قليلا فيسلم على أبي بكر الصديق - ﵁ -،","level":2,"page":646},{"title":"والمرأة لا تزور قبر النبي - ﷺ - ولا قبر غيره؛ لأنه - ﷺ - لعن زوارات القبور","level":3,"page":646},{"title":"٦ - يستحب لزائر المدينة أثناء وجوده بها أن يزور مسجد قباء","level":2,"page":647},{"title":"٧ - ويسن للرجال زيارة قبور","level":2,"page":647},{"title":"المبحث الثاني والأربعون: آداب العودة من الحج والعمرة أو السفر","level":1,"page":649},{"title":"١ - يتعجل في العودة ولا يطيل المكث في","level":2,"page":649},{"title":"٢ - يقرأ دعاء السفر أثناء ركوبه على مركوبه","level":2,"page":649},{"title":"٣ - يستحب له أن يقول أثناء رجوعه من سفره","level":2,"page":649},{"title":"٤ - يلتزم بآداب السفر المذكورة في أول هذا الكتاب، في المبحث التاسع","level":2,"page":649},{"title":"٥ - يستحب له إذا رأى بلدته أن يقول: آيبون، تائبون، عابدون،","level":2,"page":649},{"title":"٦ - لا يقدم على أهله ليلا إذا أطال الغيبة لغير حاجة","level":2,"page":650},{"title":"٧ - يستحب للقادم من السفر أن يبتدئ بالمسجد الذي بجواره","level":2,"page":650},{"title":"يستحب للمسافر إذا قدم من سفر أن يتلطف بالولدان","level":3,"page":650},{"title":"٩ - تستحب الهدية، لما فيها من تطييب","level":2,"page":651},{"title":"١٠ - إذا قدم المسافر إلى بلده استحبت المعانقة","level":2,"page":652},{"title":"١١ - يستحب جمع الأصحاب وإطعامهم عند القدوم من السفر","level":2,"page":652},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":654}],"ٛ":{"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,105":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,179":173,"1,180":174,"1,181":175,"1,182":176,"1,183":177,"1,184":178,"1,185":179,"1,186":180,"1,187":181,"1,188":182,"1,189":183,"1,190":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,224":213,"1,225":214,"1,226":215,"1,227":216,"1,228":217,"1,229":218,"1,230":219,"1,231":220,"1,232":221,"1,233":222,"1,234":223,"1,235":224,"1,236":225,"1,237":226,"1,238":227,"1,239":228,"1,240":229,"1,241":230,"1,242":231,"1,243":232,"1,244":233,"1,245":234,"1,246":235,"1,247":236,"1,248":237,"1,251":238,"1,252":239,"1,253":240,"1,254":241,"1,255":242,"1,256":243,"1,257":244,"1,258":245,"1,259":246,"1,260":247,"1,261":248,"1,262":249,"1,263":250,"1,264":251,"1,265":252,"1,266":253,"1,268":254,"1,271":255,"1,272":256,"1,273":257,"1,274":258,"1,275":259,"1,276":260,"1,277":261,"1,278":262,"1,279":263,"1,280":264,"1,281":265,"1,282":266,"1,283":267,"1,284":268,"1,285":269,"1,286":270,"1,287":271,"1,288":272,"1,289":273,"1,290":274,"1,291":275,"1,292":276,"1,293":277,"1,294":278,"1,295":279,"1,296":280,"1,298":281,"1,299":282,"1,301":283,"1,302":284,"1,303":285,"1,304":286,"1,305":287,"1,306":288,"1,307":289,"1,308":290,"1,309":291,"1,310":292,"1,311":293,"1,312":294,"1,313":295,"1,314":296,"1,315":297,"1,316":298,"1,317":299,"1,318":300,"1,319":301,"1,320":302,"1,321":303,"1,322":304,"1,323":305,"1,324":306,"1,325":307,"1,326":308,"1,327":309,"1,328":310,"1,329":311,"1,330":312,"1,331":313,"1,332":314,"1,333":315,"1,334":316,"1,335":317,"1,336":318,"1,337":319,"1,338":320,"1,339":321,"1,340":322,"1,341":323,"1,342":324,"1,343":325,"1,344":326,"1,345":327,"1,346":328,"1,347":329,"1,348":330,"1,349":331,"1,350":332,"1,351":333,"1,352":334,"1,353":335,"1,354":336,"1,355":337,"1,356":338,"1,357":339,"1,358":340,"1,359":341,"1,360":342,"1,361":343,"1,362":344,"1,363":345,"1,364":346,"1,365":347,"1,367":348,"1,368":349,"1,369":350,"1,370":351,"1,371":352,"1,372":353,"1,373":354,"1,374":355,"1,375":356,"1,376":357,"1,378":358,"1,379":359,"1,380":360,"1,381":361,"1,382":362,"1,383":363,"1,384":364,"1,385":365,"1,386":366,"1,387":367,"1,388":368,"1,389":369,"1,390":370,"1,391":371,"1,392":372,"1,393":373,"1,394":374,"1,395":375,"1,396":376,"1,397":377,"1,398":378,"1,399":379,"1,400":380,"1,401":381,"1,402":382,"1,403":383,"1,405":384,"1,406":385,"1,407":386,"1,408":387,"1,409":388,"1,410":389,"1,413":390,"1,414":391,"1,415":392,"1,416":393,"1,417":394,"1,418":395,"1,419":396,"1,420":397,"1,421":398,"1,422":399,"1,423":400,"1,424":401,"1,425":402,"1,427":403,"1,428":404,"1,429":405,"1,430":406,"1,431":407,"1,432":408,"1,433":409,"1,434":410,"1,435":411,"1,436":412,"1,437":413,"1,438":414,"1,439":415,"1,440":416,"1,441":417,"1,442":418,"1,443":419,"1,444":420,"1,445":421,"1,446":422,"1,447":423,"1,448":424,"1,449":425,"1,450":426,"1,451":427,"1,452":428,"1,455":429,"1,457":430,"1,458":431,"1,459":432,"1,460":433,"1,461":434,"1,463":435,"1,464":436,"1,465":437,"1,466":438,"1,467":439,"1,468":440,"1,469":441,"1,470":442,"1,471":443,"1,472":444,"1,473":445,"1,478":446,"1,479":447,"1,480":448,"1,481":449,"1,487":450,"1,488":451,"1,489":452,"1,490":453,"1,491":454,"1,494":455,"1,495":456,"1,496":457,"1,497":458,"1,498":459,"1,499":460,"1,500":461,"1,501":462,"1,502":463,"1,503":464,"1,504":465,"1,505":466,"1,506":467,"1,507":468,"1,508":469,"1,509":470,"1,510":471,"1,511":472,"1,512":473,"1,513":474,"1,514":475,"1,515":476,"1,516":477,"1,517":478,"1,518":479,"1,519":480,"1,520":481,"1,521":482,"1,522":483,"1,523":484,"1,524":485,"1,525":486,"1,526":487,"1,527":488,"1,528":489,"1,529":490,"1,530":491,"1,531":492,"1,532":493,"1,533":494,"1,534":495,"1,535":496,"1,536":497,"1,537":498,"1,538":499,"1,539":500,"1,540":501,"1,541":502,"1,542":503,"1,545":504,"1,546":505,"1,547":506,"1,553":507,"1,554":508,"1,555":509,"1,556":510,"1,557":511,"1,558":512,"1,559":513,"1,560":514,"1,561":515,"1,562":516,"1,563":517,"1,564":518,"1,565":519,"1,566":520,"1,567":521,"1,568":522,"1,569":523,"1,570":524,"1,571":525,"1,572":526,"1,573":527,"1,574":528,"1,575":529,"1,576":530,"1,577":531,"1,578":532,"1,579":533,"1,580":534,"1,581":535,"1,582":536,"1,583":537,"1,584":538,"1,585":539,"1,586":540,"1,587":541,"1,588":542,"1,589":543,"1,590":544,"1,591":545,"1,592":546,"1,595":547,"1,596":548,"1,597":549,"1,598":550,"1,599":551,"1,600":552,"1,601":553,"1,602":554,"1,604":555,"1,605":556,"1,606":557,"1,607":558,"1,608":559,"1,609":560,"1,610":561,"1,611":562,"1,612":563,"1,613":564,"1,614":565,"1,615":566,"1,616":567,"1,617":568,"1,618":569,"1,619":570,"1,620":571,"1,621":572,"1,622":573,"1,623":574,"1,624":575,"1,625":576,"1,626":577,"1,627":578,"1,628":579,"1,629":580,"1,630":581,"1,631":582,"1,632":583,"1,633":584,"1,634":585,"1,635":586,"1,636":587,"1,637":588,"1,638":589,"1,639":590,"1,640":591,"1,641":592,"1,642":593,"1,643":594,"1,644":595,"1,645":596,"1,648":597,"1,649":598,"1,650":599,"1,651":600,"1,652":601,"1,653":602,"1,654":603,"1,655":604,"1,656":605,"1,657":606,"1,658":607,"1,659":608,"1,660":609,"1,661":610,"1,662":611,"1,663":612,"1,664":613,"1,665":614,"1,666":615,"1,667":616,"1,668":617,"1,669":618,"1,671":619,"1,672":620,"1,673":621,"1,674":622,"1,675":623,"1,676":624,"1,677":625,"1,678":626,"1,679":627,"1,680":628,"1,681":629,"1,682":630,"1,683":631,"1,684":632,"1,685":633,"1,686":634,"1,687":635,"1,688":636,"1,689":637,"1,690":638,"1,691":639,"1,692":640,"1,693":641,"1,694":642,"1,695":643,"1,696":644,"1,697":645,"1,698":646,"1,699":647,"1,700":648,"1,701":649,"1,702":650,"1,703":651,"1,704":652,"1,705":653,"1,769":654,"1,770":655,"1,771":656,"1,772":657,"1,773":658,"1,774":659,"1,775":660,"1,776":661,"1,777":662,"1,778":663,"1,779":664,"1,780":665,"1,781":666},"ٜ":{"1":[2,781]},"ٝ":[null,"1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,105","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,268","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,298","1,299","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,455","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,478","1,479","1,480","1,481","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,545","1,546","1,547","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781"],"ٞ":{"3":[1],"6":[2,3,4],"7":[5],"8":[6,7,8],"10":[9,10,11],"11":[12],"12":[13,14],"13":[15,16,17],"14":[18,19],"15":[20,21],"16":[22,23,24,25],"17":[26,27],"18":[28,29],"19":[30,31],"20":[32,33,34],"21":[35],"22":[36],"23":[37],"24":[38,39],"25":[40,41],"26":[42,43,44,45],"29":[46,47,48],"30":[49,50,51,52],"31":[53,54,55,56,57],"32":[58,59],"35":[60,61,62,63,64],"36":[65,66],"40":[67,68],"42":[69,70],"43":[71],"44":[72,73],"50":[74],"51":[75,76,77],"52":[78],"54":[79],"60":[80],"61":[81],"62":[82,83],"65":[84,85],"66":[86],"67":[87,88],"68":[89],"69":[90,91],"70":[92],"71":[93],"74":[94,95,96],"75":[97,98,99,100,101],"77":[102,103,104],"78":[105,106],"79":[107,108],"80":[109,110],"82":[111,112,113],"83":[114,115],"84":[116],"87":[117,118,119],"88":[120,121],"89":[122,123,124],"92":[125,126,127,128],"93":[129,130],"94":[131,132],"97":[133,134,135,136,137],"100":[138,139],"101":[140,141,142,143],"102":[144],"103":[145,146,147,148],"104":[149],"106":[150,151,152],"107":[153,154],"108":[155,156],"109":[157,158],"110":[159],"111":[160,161],"112":[162,163,164],"113":[165,166],"114":[167,168],"115":[169,170],"116":[171,172,173],"117":[174,175,176],"118":[177,178,179,180],"119":[181,182],"120":[183,184],"121":[185,186],"122":[187],"123":[188,189,190],"124":[191,192],"125":[193,194],"126":[195,196,197],"127":[198,199,200],"128":[201,202],"129":[203,204,205,206],"130":[207,208,209,210,211,212,213,214,215],"132":[216],"135":[217],"139":[218],"140":[219],"143":[220],"145":[221],"147":[222],"149":[223],"150":[224],"151":[225],"154":[226,227,228],"155":[229,230,231,232,233,234],"156":[235,236,237],"157":[238],"160":[239,240],"161":[241,242],"164":[243,244,245,246],"168":[247,248,249],"169":[250,251],"170":[252],"175":[253,254],"176":[255,256,257,258],"178":[259],"179":[260,261],"180":[262],"181":[263],"182":[264,265,266],"184":[267,268,269,270,271,272],"185":[273],"186":[274,275],"187":[276,277],"188":[278],"189":[279],"193":[280,281],"196":[282,283],"197":[284],"206":[285,286,287,288],"207":[289],"208":[290],"209":[291,292],"211":[293,294,295,296],"213":[297,298],"214":[299,300],"215":[301,302,303,304,305],"216":[306,307,308],"217":[309,310],"218":[311,312,313,314],"219":[315,316,317],"220":[318,319,320,321],"221":[322],"223":[323,324],"224":[325,326,327],"225":[328,329,330,331,332],"226":[333,334],"227":[335],"228":[336],"229":[337,338,339,340,341],"230":[342,343,344,345,346],"231":[347,348,349,350,351,352],"232":[353,354],"233":[355,356,357],"234":[358],"235":[359,360,361],"236":[362,363],"237":[364],"238":[365],"240":[366,367],"241":[368,369],"245":[370],"247":[371],"248":[372],"253":[373,374,375],"254":[376],"255":[377,378],"256":[379,380],"257":[381,382,383,384],"258":[385,386],"259":[387,388,389,390],"261":[391],"262":[392,393,394,395,396],"265":[397,398,399,400,401,402,403],"267":[404],"271":[405],"272":[406,407,408,409],"273":[410,411],"275":[412],"276":[413,414],"278":[415,416,417],"279":[418,419],"283":[420,421],"284":[422],"285":[423,424,425,426,427,428],"286":[429,430,431,432],"287":[433],"288":[434,435,436,437,438],"289":[439,440,441],"290":[442],"291":[443],"292":[444,445],"293":[446,447],"294":[448,449],"296":[450],"297":[451],"298":[452,453],"300":[454,455,456,457,458,459,460],"301":[461],"302":[462,463,464,465,466,467],"303":[468,469,470],"304":[471,472],"305":[473,474,475],"306":[476,477,478],"308":[479,480,481,482,483,484,485,486,487],"309":[488,489,490,491,492,493,494,495,496],"310":[497,498,499,500,501,502,503,504,505,506,507,508,509],"311":[510,511,512,513,514,515,516,517,518,519,520,521,522,523,524,525,526],"312":[527,528,529,530,531,532,533,534,535,536,537,538],"313":[539,540,541,542,543],"314":[544,545,546],"315":[547],"316":[548],"318":[549,550,551],"319":[552,553,554,555],"320":[556],"321":[557,558,559],"322":[560,561],"323":[562,563],"324":[564],"325":[565],"326":[566,567,568],"329":[569,570,571],"330":[572,573,574],"331":[575,576],"332":[577,578,579,580],"333":[581,582],"334":[583],"335":[584,585],"336":[586,587,588,589],"337":[590,591,592],"338":[593,594,595],"339":[596,597,598,599],"340":[600,601,602,603],"341":[604],"342":[605],"343":[606,607],"345":[608,609,610],"348":[611],"349":[612],"350":[613],"351":[614],"352":[615],"353":[616,617],"357":[618],"358":[619,620],"359":[621,622],"360":[623,624,625],"361":[626,627],"363":[628],"364":[629],"365":[630],"366":[631,632],"367":[633,634],"368":[635,636],"369":[637],"370":[638,639,640,641],"371":[642,643],"372":[644],"377":[645,646],"379":[647,648],"381":[649,650],"382":[651],"384":[652,653],"385":[654,655,656],"386":[657],"388":[658,659,660],"390":[661,662,663],"391":[664],"392":[665],"393":[666],"395":[667,668,669,670],"396":[671,672],"397":[673],"398":[674,675],"400":[676],"403":[677,678,679],"428":[680],"429":[681],"431":[682,683,684,685,686],"434":[687,688],"436":[689],"437":[690,691,692,693],"438":[694,695,696],"439":[697,698],"440":[699],"443":[700],"444":[701,702,703,704],"445":[705],"446":[706],"448":[707],"451":[708],"455":[709],"457":[710,711,712,713],"458":[714,715],"461":[716,717,718,719],"465":[720],"470":[721],"472":[722,723,724,725,726,727],"473":[728,729,730,731,732,733,734],"474":[735,736,737,738,739,740,741],"475":[742,743,744,745,746],"476":[747,748,749,750,751],"477":[752,753],"478":[754,755,756,757],"480":[758,759,760],"481":[761],"482":[762],"483":[763,764],"484":[765,766,767,768],"485":[769,770],"486":[771,772],"487":[773],"489":[774,775,776,777],"490":[778,779],"491":[780],"492":[781,782,783],"494":[784],"495":[785,786,787],"496":[788,789,790,791],"497":[792,793,794],"498":[795],"499":[796,797,798,799,800],"500":[801,802,803,804,805,806],"501":[807,808,809],"502":[810,811,812],"504":[813],"505":[814,815,816,817,818],"506":[819],"507":[820,821,822],"508":[823],"509":[824,825],"510":[826,827],"511":[828],"513":[829],"517":[830,831,832,833,834,835,836,837],"518":[838,839,840],"519":[841,842,843],"520":[844,845,846,847,848,849],"521":[850,851,852,853,854,855,856,857,858,859],"522":[860,861,862,863,864,865],"523":[866,867,868,869,870,871],"524":[872,873,874,875,876,877],"525":[878,879,880],"527":[881,882,883,884,885,886,887],"528":[888,889,890,891,892,893],"529":[894,895,896,897,898],"530":[899,900,901,902,903,904],"531":[905,906,907],"532":[908],"533":[909,910,911,912,913,914],"534":[915,916,917],"535":[918,919,920,921],"536":[922,923,924,925,926,927,928,929],"537":[930,931,932,933,934,935,936],"538":[937,938,939,940,941,942,943],"539":[944,945,946,947,948],"540":[949,950,951,952,953,954,955],"541":[956],"542":[957,958,959],"543":[960,961,962],"545":[963],"547":[964],"548":[965],"549":[966,967],"550":[968,969],"551":[970,971,972,973,974,975,976,977,978,979,980],"552":[981,982,983,984,985,986,987],"553":[988,989,990,991,992,993,994],"554":[995,996,997,998,999],"555":[1000,1001,1002,1003],"556":[1004,1005,1006],"557":[1007,1008,1009,1010,1011],"558":[1012,1013,1014,1015,1016],"559":[1017,1018],"562":[1019],"563":[1020],"565":[1021,1022],"566":[1023],"567":[1024],"568":[1025,1026],"571":[1027],"572":[1028],"574":[1029],"575":[1030,1031],"576":[1032],"577":[1033,1034,1035],"578":[1036,1037,1038],"579":[1039],"580":[1040,1041,1042,1043],"581":[1044,1045,1046,1047],"582":[1048,1049,1050,1051,1052,1053,1054,1055,1056,1057,1058],"583":[1059,1060,1061,1062,1063,1064,1065,1066],"584":[1067],"585":[1068,1069,1070,1071,1072,1073],"587":[1074,1075],"588":[1076,1077,1078,1079],"589":[1080],"590":[1081,1082],"591":[1083,1084],"593":[1085],"594":[1086],"595":[1087,1088,1089,1090,1091,1092],"596":[1093,1094,1095,1096],"597":[1097,1098],"598":[1099,1100,1101],"599":[1102,1103],"600":[1104,1105],"601":[1106,1107,1108,1109],"602":[1110],"604":[1111,1112,1113,1114],"606":[1115],"607":[1116],"608":[1117,1118,1119],"609":[1120],"610":[1121,1122,1123,1124,1125],"611":[1126,1127,1128,1129],"612":[1130,1131,1132,1133,1134],"613":[1135],"614":[1136],"616":[1137,1138],"619":[1139,1140],"620":[1141,1142],"621":[1143,1144,1145,1146],"623":[1147],"625":[1148],"626":[1149,1150,1151,1152,1153],"627":[1154,1155,1156,1157],"628":[1158,1159,1160,1161,1162],"629":[1163,1164,1165],"630":[1166,1167,1168,1169,1170,1171,1172,1173,1174],"631":[1175,1176,1177],"632":[1178],"633":[1179],"634":[1180],"635":[1181],"636":[1182],"637":[1183],"638":[1184,1185,1186],"639":[1187],"640":[1188],"641":[1189,1190,1191],"644":[1192,1193,1194],"645":[1195,1196],"646":[1197,1198],"647":[1199,1200],"649":[1201,1202,1203,1204,1205,1206],"650":[1207,1208,1209],"651":[1210],"652":[1211,1212],"654":[1213]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مناسك الحج والعمرة\nفي الإسلام\nفي ضوء الكتاب والسنة\nمفهوم، وفضائل، ومنافع، وفوائد، وشروط، وأركان، وواجبات، وآداب، ومسائل، وحِكَمٌ، وأحكامٌ\n\nتأليف الفقير إلى اللَّه تعالى\nد. سعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"٥ - مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة\nمركز الدعوة والإرشاد بالقصب، ١٤٣١هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر.\nالقحطاني، سعيد بن علي بن وهف\nأركان الإسلام./ سعيد بن علي بن وهف القحطاني - القصب، ١٤٣١هـ\n٥ مج.\nردمك: ٥ - ٠ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٠ - ٥ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج٥)\n(خمسة أجزاء في صندوق واحد)\n١ - الإسلام ٢ - العبادات (فقه إسلامي) ٣ - التربية الإسلامية.\nأ. العنوان\nديوي ٢٥٢ ... ٤٣٩٦/ ١٤٣١\nرقم الإيداع: ٤٣٩٦/ ١٤٣١\nردمك: ٥ - ٠ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٠ - ٥ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج٥)\nالطبعة الأولى: ذو القعدة ١٤٣٠هـ-٢٠٠٩م\nالطبعة الثانية: شوال ١٤٣١هـ-٢٠١٠م","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:\nفهذه رسالة في «مناسك الحج والعمرة في الإسلام» بيَّنت فيها كل ما يحتاجه الحاج والمعتمر، والزائر لمسجد رسول اللَّه - ﷺ -، من حين خروجه من بيته إلى أن يرجع إلى أهله، سالمًا غانمًا إن شاء اللَّه تعالى، وقرنت كل مسألة بدليلها من الكتاب والسنة، أو الإجماع على حسب القدرة التي يسّرها اللَّه تعالى لي.\nوقد ذكرت في متن هذه الرسالة القول الصحيح الراجح بدليله، وذكرت في الحواشي المسائل الخلافية، وبيّنت الراجح منها؛ ليستفيد من ذلك طالب العلم وغيره.\nوقد استفدت كثيرًا من تقريرات وترجيحات سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز رحمه اللَّه تعالى.\nوقد قسمت البحث إلى اثنين وأربعين مبحثًا على النحو الآتي:\nالمبحث الأول: مفهوم المناسك، والحج، والعمرة.\nالمبحث الثاني: فضائل الحج والعمرة.\nالمبحث الثالث: منافع الحج، وفوائده، ومقاصده.\nالمبحث الرابع: حكم الحج، ومنزلته في الإسلام.\nالمبحث الخامس: حكم العمرة.\nالمبحث السادس: شروط وجوب الحج والعمرة.\nالمبحث السابع: وجوب الحج على الفور.","vol":"1","page":3},{"text":"المبحث الثامن: النيابة في الحج والعمرة.\nالمبحث التاسع: آداب الحج، والعمرة، والسفر.\nالمبحث العاشر: مواقيت الحج والعمرة،.\nالمبحث الحادي عشر: الإحرام.\nالمبحث الثاني عشر: صفة حج النبي - ﷺ - بإيجاز.\nالمبحث الثالث عشر: صفة الأنساك الثلاثة.\nالمبحث الرابع عشر: التلبية: مفهومها، وألفاظها، وحكمها، ووقتها، وفوائدها، وآدابها.\nالمبحث الخامس عشر: محظورات الإحرام.\nالمبحث السادس عشر: فدية المحظورات.\nالمبحث السابع عشر: محظورات الحرمين: مكة والمدينة.\nالمبحث الثامن عشر: الإحصار عن البيت الحرام.\nالمبحث التاسع عشر: ما يباح للمحرم.\nالمبحث العشرون: أركان الحج وواجباته.\nالمبحث الحادي والعشرون: أركان العمرة وواجباتها.\nالمبحث الثاني والعشرون: سنن الحج والعمرة.\nالمبحث الثالث والعشرون: فضائل مكة والمدينة.\nالمبحث الرابع والعشرون: صفة دخول مكة.\nالمبحث الخامس والعشرون: الطواف بالبيت العتيق.\nالمبحث السادس والعشرون: السعي بين الصفا والمروة.\nالمبحث السابع والعشرون: أعمال الحج يوم الثامن (يوم التروية).\nالمبحث الثامن والعشرون: الوقوف بعرفة.","vol":"1","page":4},{"text":"المبحث التاسع والعشرون: الفوات.\nالمبحث الثلاثون: المبيت بمزدلفة.\nالمبحث الحادي والثلاثون: أعمال الحج يوم النحر.\nالمبحث الثاني والثلاثون: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.\nالمبحث الثالث والثلاثون: خطب النبي - ﷺ - في الحج.\nالمبحث الرابع والثلاثون: رمي الجمار أيام التشريق.\nالمبحث الخامس والثلاثون: طواف الوداع.\nالمبحث السادس والثلاثون: الخلاصة الجامعة في صفة الحج.\nالمبحث السابع والثلاثون: الخلاصة الجامعة في صفة العمرة.\nالمبحث الثامن والثلاثون: الهدايا.\nالمبحث التاسع والثلاثون: الأضاحي.\nالمبحث الأربعون: العقيقة.\nالمبحث الحادي والأربعون: زيارة مسجد رسول اللَّه - ﷺ -.\nالمبحث الثاني والأربعون: آداب العودة من الحج، والعمرة، والسفر.\nواللَّه أسأل أن يجعل هذا العمل القليل نافعًا، مباركًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلى اللَّه على عبده، ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، محمد بن عبد اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\nحرر في ضحى يوم الإثنين ١٨/ ٧/١٤٢٩هـ","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: مفهوم المناسك، والحج، والعمرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أولًا: مفهوم<span data-type=\"title\" id=toc-4> المناسك: لغة</span>، واصطلاحًا:</span>\nالمناسك لغة: جمع مَنْسَِك - بفتح السين وكسرها - من نَسَكَ يَنْسُكُ منسكًا: تعبَّد، قال ابن الأثير ﵀: «... ٍ فالمناسك جمع مَنْسَِك - بفتح السين وكسرها -، وهو المتعبَّد، ويقع على المصدر، والزمان، والمكان، ثم سُمِّيَتْ أمور الحجِ كلّها مناسك.\nوالمَنْسَِك: المذبَحُ، وقد نَسَكَ ينْسُكُ نَسْكًا، إذا ذبح، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها: نُسُكٌ.\nوالنُّسُكُ أيضًا: الطاعة والعبادة، وكل ما تُقُرِّبَ به إلى اللَّه تعالى، والنُّسك: ما أمرت به الشريعة، والورع: ما نهت عنه.\nوالناسك: العابد، وسُئل ثَعْلَبٌ عن الناسِك ما هو؟ فقال: هو مأخوذٌ من النسيكة، وهي سبيكة الفضة المصفّاة، كأنه صفَّى نفسه لله تعالى» (١).\nقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (٢) أي: متعبّداتنا (٣).\nومنا سك الحج: عباداته، وقيل: مواضع العبادات، ومن فعل كذا فعيله نسك: أي دم يريقه (٤).\nوقال الراغب الأصفهاني ﵀: «النُّسُكُ: العبادةُ، والناسك:\nالعابد، واختصَّ بأعمال الحجِّ، والمناسك: مواقف النُّسُك، وأعمالها،\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، ٥/ ٤٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٢٨.\n(٣) لسان العرب، لابن منظور، ١٠/ ٤٩٩، والقاموس المحيط، للفيروزآبادي، ص ١٢٣٣.\n(٤) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، للفيومي، ٢/ ٦٠٤.","vol":"1","page":6},{"text":"والنسيكة مختصة بالذبيحة، قال [اللَّه تعالى]: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١)، [وقال تعالى]: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (٢)، وقال تعالى:\n﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (٣») (٤)، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٥).\nوأكثر إطلاق المنسك أو النسك على الذبيحة (٦)، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>والمناسك اصطلاحًا: </span>العبادات التي تُفعل في الحج أو العمرة عادة (٨).\nوقيل: المناسك: الأماكن التي تُفعل فيها عبادات الحج عادة (٩).\nوقيل: المناسك: مواقف النسك وأعمالُها (١٠).\nوقيل: المناسك: مواضع متعبدات الحج، وعلى هذا فالمناسك:\nالمتعبَّدات كلها، وقد غلب إطلاقها على أفعال الحج؛ لكثرة أنواعها (١١).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٠٠.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٦٧.\n(٤) مفردات ألفاظ القرآن، ص ٨٠٢.\n(٥) سورة الحج، الآية: ٣٤.\n(٦) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٧/ ٧.\n(٧) سورة الأنعام، الآية: ١٦٢.\n(٨) معجم لغة الفقهاء، لمحمد فؤاد روَّاس، ص ٤٣٣، وانظر: القاموس الفقهي: لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، ص ٣٥٢.\n(٩) المرجع السابق، ص ٤٣٤.\n(١٠) مفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، ص ٨٠٢.\n(١١) التعليقات على الروض المربع، لعبد اللَّه الطيار، وإبراهيم بن عبد العزيز الغصن، وخالد المشيقح، ٥/ ١٠.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>ثانيًا: مفهوم<span data-type=\"title\" id=toc-7> الحج: لغة</span>، واصطلاحًا:</span>\nالحج لغة: القصدُ إلى كلِّ شيء، فخصَّه الشرع بقصد معيّن ذي شروط معلومة (١).\nوقيل: الحج لغة: القصد إلى الشيء المعظَّم (٢).\nوقيل: الحج: القصد للزيارة، كما قال الشاعر:\nيحجُّون بيت الزبرقان المعصفر (٣)\nوقيل: الحَِجُّ - بفتح الحاء وكسرها -: القصد (٤).\nوقيل: الحجُّ: القصدُ والكفُّ، وقصد مكة للنسك، وهو حاجٌّ، وحاجِجٌ، جمعه: حُجاج، وحجيج، وحاجةٌ: من حواجّ (٥).\nويقال: الحجُّ: القصد، حجَّ إلينا فلانٌ: قدم، وحجَّه يحجُّه حجًا: قصده (٦).\nويُقال: الحجُّ: القصد، ثم غلب في الاستعمال الشرعي والعرفي على حج بيت اللَّه تعالى وإتيانه، فلا يُفهم عند الإطلاق إلا هذا النوع الخاص من القصد؛ لأنه هو المشروع الموجود كثيرًا، وقيل: كثرة القصد إلى من يُعظَّم (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>والحج شرعًا: </span>القصد لبيت اللَّه تعالى بصفةٍ مخصوصةٍ، في وقتٍ\nمخصوصٍ، بشرائطَ مخصوصةٍ (٨).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ١/ ٣٤٠.\n(٢) التعريفات، للجرجاني، ص ١١٥،والقاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، ص ٧٧.\n(٣) مفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، ص ٢١٨، وصدر البيت: وأشهد من عونٍ حلولًا كثيرة. مفردات الأصفهاني، ص ٢١٨، ولسان العرب، ٢/ ٢٢٦.\n(٤) معجم لغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص ١٥٣.\n(٥) القاموس المحيط، للفيروزأبادي، ص ٢٣٤.\n(٦) لسان العرب، لابن منظور، ٢/ ٢٢٦، وانظر: المصباح المنير، ١/ ١٢١.\n(٧) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١/ ٧٥.\n(٨) التعريفات، للجرجاني، ص ١١٥.","vol":"1","page":8},{"text":"وقيل: الحج: خُصَّ في تعاريف الشرع: بقصد بيت اللَّه تعالى إقامةً للنسك (١)، فقيل: الحَجُّ، والحِجُّ، فالحَجُّ مصدرٌ، والحِجُّ اسم.\nوقيل: الحج أداءُ أعمالٍ مخصوصةٍ في حرم مكة وما حوله، في أوقاتٍ مخصوصةٍ مع النية (٢).\nوقيل: الحج وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة، وطواف بالبيت سبعًا، وسعي بين الصفا والمروة كذلك على وجهٍ مخصوص (٣).\nوقيل: قصد البيت الحرام للتقرب إلى اللَّه تعالى بأفعالٍ مخصوصة، في زمان مخصوص، ومكان مخصوص من حج أو عمرة (٤).\nوقيل: الحج تعورف على استعماله في القصد إلى مكة للنسك، والحجِّ إلى البيت خاصة، تقول: حجَّ يحجُّ حجًا، والحج قصد التوجه إلى البيت بالأعمال المشروعة: فرضًا، وسنة (٥).\nوقيل: الحج: أصله القصد، ثم قصر استعماله في الشرع على قصد الكعبة للحج أو العمرة، ومنه يُقال: ماحجَّ ولكن دجَّ، فالحج: القصد\nللنسك، والدجُّ: القصد للتجارة (٦).\n_________\n(١) مفردات ألفاظ القرآن، للأصبهاني، ص ٢١٨.\n(٢) معجم لغة الفقهاء، لمحمد رواس، ص ١٥٣.\n(٣) القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، ص ٧٦.\n(٤) القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، ص ٧٧.\n(٥) لسان العرب، لابن منظور، ٢/ ٢٢٦.\n(٦) المصباح المنير، للفيومي، ١/ ١٢١.","vol":"1","page":9},{"text":"وقيل: الحج: خصَّه الشرع بقصدٍ معينٍ، بشروطٍ معلومة (١).\nوقيل: الحج في الشرع: اسم لأفعال مخصوصة في أوقات مخصوصة، في مكان مخصوص، من شخص مخصوص (٢).\nوقيل: الحج: التعبد لله - ﷿ - بأداء المناسك على ما جاء في سنة رسول اللَّه - ﷺ - (٣).\nوالتعريف الذي يجمع هذه التعريفات هو أن يقال: الحج اصطلاحًا: التعبد لله بأفعالٍ وأقوالٍ مخصوصةٍ، في أوقاتٍ مخصوصةٍ، في مكانٍ مخصوصٍ، من شخصٍ مخصوصٍ، بشروطٍ مخصوصةٍ، والعلم عند اللَّه تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثالثًا: مفهوم العمرة: لغة، واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>العمرة، والاعتمار لغة: </span>الزيارة التي فيها عمارةُ الوُدِّ (٤).\nوقيل: العمرة: الزيارة، والمعتمر: الزائر، والقاصد للشيء (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>والعمرة شرعًا: </span>زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة مذكورة في الفقه (٦).\nوقيل: العمرة: الحج الأصغر، ويوم الحج الأكبر يوم النحر (٧).\nوقيل: زيارة بيت اللَّه الحرام، بإحرام، وطواف، وسعي، دون وقوف بعرفة (٨).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ١/ ٣٤٠.\n(٢) سمعت هذا التعريف من شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم٧٢٦.\n(٣) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٧/ ٧.\n(٤) مفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، ص ٥٩٦.\n(٥) القاموس المحيط، للفيروزأبادي، ص ٥٧١،وانظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير،٣/ ٢٩٧.\n(٦) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ٣/ ٢٩٧.\n(٧) مفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، ص ٢١٩، وانظر: المصباح المنير، للفيومي، ٢/ ٤٢٩، وانظر: سنن الدارقطني، ٢/ ٢٨٥، برقم ٢٢١ عن ابن عباس، والبيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ٣٥٢، وعن عمرو بن حزم في كتابه عندما بعث إلى اليمن، في سنن الدارقطني، ٢/ ٢٨٥، برقم ٢٢٢، والبيهقي في الكبرى، ٤/ ٣٥٢، وجاء من كلام الشافعي عند الترمذي، في آخر حديث رقم ٩٣١.\n(٨) معجم لغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص ٢٩١.","vol":"1","page":10},{"text":"وقيل: العمرة: قصد الكعبة للنسك المعروف (١).\nوقيل: العمرة: التعبد لله تعالى بالطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، والحلق، أو التقصير (٢).\nوقيل: العمرة: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة بإحرام (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>والتعريف الذي يجمع هذه التعريفات </span>هو: التعبد لله تعالى بزيارة بيت اللَّه الحرام، بإحرام، وطواف، وسعي بين الصفا والمروة، وحلق أو تقصير، ثم تحلل.\n_________\n(١) القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، ص ٢٦٢.\n(٢) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٧/ ٨.\n(٣) الموسوعة الفقهية، لوزارة لأوقاف الكويتية، ٣٠/ ٣١٤.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الثاني: فضائل الحج والعمرة</span>\nفضائل الحج والعمرة كثيرة، منها الفضائل الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أولًا: من حج البيت الحرام، أو اعتمر فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من حج هذا البيت فلم يرفث (١)، ولم يفسق (٢)، رجع كما ولدته أمه» (٣)، وفي لفظ مسلم:\n«من أتى هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه» (٤)، وهذا\n_________\n(١) فلم يرفث: قال ابن عباس ﵄: «إنما الرفث ما روجع به النساء»، كأنه يرى الرفث الذي نهى اللَّه عنه ما خوطبت به المرأة، فأما ما يقوله ولم تسمعه امرأة فغير داخل فيه. وقال الأزهريُّ: «الرفث: كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة». [النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ٢/ ٢٤١].\nوقال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: (فلا رفث): أي من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه: من المباشرة، والتقبيل، ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء» [تفسير القرآن العظيم، ٢/ ٢٤٢].\n(٢) ولم يفسق: أصل الفسوق الخروج عن الاستقامة، والجور، وبه سُمِّيَ العاصي فاسقًا. [النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ٣/ ٤٤٦]، ولا شك أن الفسوق: هو جميع المعاصي كما قال اللَّه تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فيدخل في الفسوق جميع المعاصي كما صوَّبه الإمام ابن كثير في تفسيره، ٢/ ٢٤٤، ومن ذلك الوقوع في محظورات الإحرام، والسباب، والشتم، كما قال النبي - ﷺ -: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) [أخرجه البخاري برقم ٦٠٤٤، ومسلم، برقم ٦٣. وغير ذلك من أنواع المعاصي، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٢١، والحديث رقم ١٨١٩: «يدخل في الفسق المعاصي التي قبل الحج، فإذا كان مُصِرًَّا عليها فهو فاسق»، «والرفث: الجماع ودواعيه».\n(٣) متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة، برقم ١٥٢١، وكتاب المحصر، برقم ١٨١٩، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة، برقم ١٣٥٠.\n(٤) صحيح مسلم، برقم ١٣٥٠، وفي الترمذي «غفر له ما تقدم من ذنبه».انظر: صحيح الترمذي١/ ٢٤٥.","vol":"1","page":12},{"text":"اللفظ يشمل الحج والعمرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>ثانيًا: العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما</span>، والحج المبرور جزاؤه الجنة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (٢).\nوالحج المبرور هو الذي لا رياء فيه، ولا سمعة، ولم يخالطه إثم ولا يعقبه معصية، وهو الحج الذي وُفِّيت أحكامه ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، وهو المقبول، ومن علامات القبول أن يرجع خيرًا مما كان ولا يعاود المعاصي. والمبرور مأخوذ من البر وهو الطاعة واللَّه أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثالثًا: الحج يهدم ما كان قبله</span>؛ لحديث عمرو بن العاص - ﵁ -، وفيه: أنه قال: فلما جعل اللَّه الإسلام في قلبي أتيت النبي - ﷺ - فقلت: ابسط يمينك لأُبايِعَكَ، فبسط يمينه، فقبضت يَديَ، قال: «مالك يا عمرو؟» قلت: أردتُ أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما\nكان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>رابعًا: الحج المبرور من أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل اللَّه</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سُئِلَ النبي - ﷺ -: أي الأعمال أفضل؟ قال:\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ٣/ ٣٨٢.\n(٢) متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب العمرة، باب العمرة، وجوب العمرة وفضلها، برقم ١٧٧٣، ومسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، برقم ١٣٤٩.\n(٣) انظر: فتح الباري ٣/ ٣٨٢ وشرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١١٩.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج، برقم ١٢١.","vol":"1","page":13},{"text":"«إيمان باللَّه ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل اللَّه». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>خامسًا: الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب</span>، والحج المبرور ثوابه الجنة؛ لحديث عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>سادسًا: أفضل الجهاد وأجمله الحج المبرور</span>؛ لحديث عائشة\n﵂ قالت: يا رسول اللَّه، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لا، ولكنَّ أفضل الجهاد حج مبرور»، وفي رواية: أنها قالت: قلت: يا رسول اللَّه ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: «لَكُنَّ أحسن الجهاد\nوأجمله الحجُّ حجٌّ مبرور»، قالت عائشة ﵂: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول اللَّه - ﷺ - (٣).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، برقم ١٥١٩،وانظر: البخاري مع الفتح،٣/ ٣٨١.\n(٢) الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة، برقم ٨١٠، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب فضل المتابعة بين الحج والعمرة، برقم ٢٦٣١، وقال عنه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٢٦: «حسن صحيح»، وفي صحيح النسائي، ٢/ ٢٤٠: «حسن صحيح»، وجاء الحديث مختصرًا عن ابن عباس في سنن النسائي، برقم ٢٦٣٠ بلفظ: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد»، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٤٠، وكذلك عند ابن ماجه، من حديث عمر - ﵁ - بلفظ: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد»، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٦.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، برقم ١٥٢٠، وكتاب جزاء الصيد، باب حجُّ النساء، برقم١٨٦١، وكتاب الجهاد، باب فضل الجهاد، برقم ٢٧٨٤ بلفظ: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور»، وباب جهاد النساء، برقم ٢٨٧٥، بلفظ: قالت: استأذنت النبي - ﷺ - في الجهاد، فقال: «جهادكُنَّ الحج».","vol":"1","page":14},{"text":"وعنها: قالت: قلت: يا رسول اللَّه على النساء جهاد؟ قال: «نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» (١)، ولفظ النسائي أنها ﵂ قالت: يا رسول اللَّه، ألا نخرج فنجاهد معك؛ فإني لا أرى عملًا في القرآن أفضل من الجهاد، فقال: «لا، ولَكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله، حج البيت حج مبرور» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>سابعًا: الحاج والمعتمر وفدُ اللَّه تعالى</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «وفد اللَّه ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر» (٣).\nوالمعنى: السائرون إلى اللَّه تعالى، القادمون عليه من المسافرين ثلاثة أصناف، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين؛ لاختصاص السفر بهم\nعادة (٤)، وفيه إضافة تشريف لهؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>ثامنًا: المعتمر والحاج يعطيهم اللَّه ما سألوه</span>؛ لحديث ابن عمر\n﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «الغازي في سبيل اللَّه، والحاج، والمعتمر، وفد\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج جهاد النساء، برقم ٢٩٠١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٠، وفي إرواء الغليل، ٤/ ١٥١ برقم ٩٨١، وقال: «في البخاري نحوه» يعني حديث عائشة السابق.\n(٢) أخرجه النسائي، كتاب مناسك الحج، باب فضل الحج، برقم ٢٦٢٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٤٠ ..\n(٣) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب فضل الحج، برقم ٢٦٢٥، وصححه الألباني في صحيح النسائي ٢/ ٢٣٩، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٢٦٢٦: «سنده جيد».\n(٤) حاشية السندي على سنن النسائي، ٥/ ١١٣.","vol":"1","page":15},{"text":"اللَّه. دعاهم فأجابوا، وسألوه فأعطاهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>تاسعًا: الحج والعمرة جهاد الكبير، والصغير، والضعيف</span>، والمرأة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «جهاد الكبير، والصغير، والضعيف، والمرأة: الحج والعمرة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>عاشرًا: الحاج والمعتمر يلبِّي معه الشجر والحجر حتى تنقطع الأرض </span>عن يمينه وشماله؛ لحديث سهل - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ما من مسلم يُلبِّي إلا لبَّى من عن يمينه وشماله، من حجرٍ، أو شجرٍ، أو مدرٍ حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الحادي عشر: اللَّه تعالى يباهي بالحجاج في عرفة الملائكة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: إن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «ما من يوم أكثر من\nأن يعتق اللَّه فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الثاني عشر: خير الدعاء دعاء الحجاج يوم عرفة</span>؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - قال: «خير الدعاء دعاء\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب فضل دعاء الحاج، برقم ٢٨٩٣، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٨، وفي الأحاديث الصحيحة ٤/ ٤٣٣.\n(٢) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب فضل الحج، برقم ٢٦٢٦، وحسنه الألباني في صحيح النسائي ٢/ ٢٣٩.\n(٣) الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر، برقم ٨٢٨، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب التلبية، برقم ٢٩٢١، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٣١، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٦، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٢٢.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة، ويوم عرفة، برقم ١٣٤٩.","vol":"1","page":16},{"text":"يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الثالث عشر: عمرة في رمضان تعْدل حجة مع النبي - ﷺ </span>-؛ لحديث عبد اللَّه بن عباس ﵄، قال: لما رجع النبي - ﷺ - من حجته قال لأم سنان: «ما منعك من الحجِّ؟» قالت: أبو فلان - تعني زوجها - كان له ناضحان، حج على أحدهما، والآخر يسقي أرضًا لنا، قال - ﷺ -: «فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الرابع عشر: مسح الحجر الأسود والركن اليماني، يحطّان الخطايا </span>حطًّا، والطواف بالبيت كعتق رقبة، وكل خطوة يُكتب له بها عشر حسنات، ويُحطُّ عنه عشر سيئات، ويُرفع له عشر درجات؛ لحديث عبد اللَّه بن عُبيد بن عُمير عن أبيه، قال: قلت لابن عمر: ما لي لا أراك تستلم إلا\nهذين الركنين: الحجر الأسود، والركن اليماني؟ فقال ابن عمر: إنْ أفعل فقد سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «إن استلامهما يحطُّ الخطايا»، قال: وسمعته يقول: «من طاف أسبوعًا يحصيه، وصلّى ركعتين كان كعدل رقبة»، قال: وسمعته يقول: «ما رفع رَجلٌ قدمًا ولا وضعها إلا كُتبَ له عشرُ حسنات، وحُطَّ عنه عشرُ سيئات، ورُفع له عشرُ درجات».، وفي لفظ لأحمد: «أراك تزاحم على هذين الركنين؟» قال: «إن أفعل، فقد سمعت\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب دعاء يوم عرفة، برقم ٣٥٨٥،وحسنه الألباني في صحيح الترمذي،٣/ ٤٧٢،وفي الأحاديث الصحيحة،٤/ ٦،برقم ١٥٠٣،وفي صحيح الجامع، ٣/ ١٢١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء، برقم ١٨٦٣، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل العمرة في رمضان، برقم ٢٢٢ - (١٢٥٦)، وفي لفظ لمسلم: «فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة».","vol":"1","page":17},{"text":"رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «إن مسحهما يَحُطَّان الخطايا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الخامس عشر: الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة </span>فيما سواه؛ لحديث جابر - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>السادس عشر: من طاف بالبيت العتيق واستلم الحجر الأسود شهد له </span>يوم القيامة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -\nفي الحجر: «واللَّه ليبعثنّهُ اللَّه يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسانٌ ينطق به، يشهد على من استلمه بحق» (٣).\nوعنه أيضًا قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضًا من الثلج فسوّدته خطايا بني آدم» (٤).\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٨/ ٣١، برقم ٤٤٦٢، و٩/ ٥١٣، برقم ٥٧٠١، وقال محققو المسند:» حديث حسن «، وأخرجه بنحوه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في استلام الركنين، برقم ٩٥٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٩١ - ٤٩٢، وقد استوفى تخريج هذا الحديث محققو مسند الإمام أحمد، ٨/ ٣١، برقم ٤٤٦٢، و٩/ ٥١٣، وبرقم ٥٧٠١، فيراجع لمن شاء. وأخرجه النسائي بنحوه، كتاب مناسك الحج، باب ذكر الفضل في الطواف بالبيت، برقم ٢٩١٩، وصححه أيضًا الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣١٩، وابن ماجه مختصرًا، في كتاب مناسك الحج، باب فضل الطواف، برقم ٢٩٥٦، وصححه الألباني أيضًا في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٢٧، وابن خزيمة، ٤/ ٢١٨، برقم ٢٧٢٩.\n(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام، ومسجد النبي - ﷺ -،برقم ١٦٠٤،وأحمد،٣/ ٣٤٣،وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه،١/ ٢٣٦، وفي إرواء الغليل، ٤/ ٣٤١.\n(٣) الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الحجر الأسود، برقم ٩٦١، وابن خزيمة، ٤/ ٢٠، وأحمد ١/ ٢٦٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٩٣.\n(٤) ابن خزيمة بلفظه، ٢/ ٢٢٠، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في فضل الحجر الأسود، والركن والمقام، برقم ٨٧٧، ولفظه: «... وهو أشد بياضًا من اللبن»، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٤٥٢.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>السابع عشر: من حج البيت كمل إسلامه</span>؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإسلام، قال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء، وتصوم رمضان». قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: «نعم» قال: صدقت (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الثامن عشر: الحاج إذا خرج من بيته قاصدًا البيت الحرام كتب له </span>بكل خطوة يخطوها هو ودابته حسنة، ومحا اللَّه عنه خطيئة، ورفعت له درجة؛ لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - يرفعه، وفيه: «فإن لك من الأجر إذا أممت البيت العتيق أن لا ترفع قدمًا، أو تضعها أنت ودابتك\nإلا كتبت لك حسنة، ورفعت لك درجة» (٢)،وفي حديث ابن عمر ﵄ يرفعه: «... فإنك إذا خرجت من بيتك تؤمُّ البيت الحرام لا تضعُ ناقتك خفًا، ولا ترفعه إلا كتب [اللَّه] لك به حسنة، ومحا عنك خطيئة» (٣).\n_________\n(١) ابن خزيمة في صحيحه، برقم ١، ١/ ٣، والحديث في البخاري من حديث أبي هريرة، برقم ٥٠ بغير هذا السياق، وهو في مسلم، برقم٨، من حديث عمر، بغير سياق ابن خزيمة، والحديث صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٦.\n(٢) رواه الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين، ٣/ ١٨٥، برقم ١٦٥٠]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ٢٧٧: «وفيه محمد بن عبد الرحيم بن شروس، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ومن فوقه موثوقون»، وحسنه الألباني لغيره، في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١٠/١٢.\n(٣) رواه ابن حبان، برقم ١٨٨٧، والبزار، برقم ١٠٨٢، والطبراني في الكبير، برقم ١٣٥٦٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ٢٧٤: «رواه الطبراني في الكبير بنحوه، ورجال البزار موثوقون»، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١٠.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>التاسع عشر: الحاج والمعتمر يكتب له بركعتي الطواف عتق رقبة </span>من بني إسماعيل؛ لحديث ابن عمر ﵄ وفيه: «... وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>العشرون: طواف الحاج أو المعتمر بين الصفا والمروة</span>، كعتق سبعين رقبة؛ لحديث ابن عمر ﵄ وفيه «... وأما طوافك بالصفا والمروة، كعتق سبعين رقبة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الحادي والعشرون: الحاج يُغفر له في وقوفه بعرفة</span>، ولو كانت ذنوبه عدد الرمل، أو قطر المطر، ويباهي به اللَّه الملائكة؛ لحديث ابن عمر يرفعه وفيه: «... وأما وقوفك عشية عرفة، فإن اللَّه يهبط إلى السماء\nالدنيا فيباهي بكم الملائكة، ويقول: عبادي جاؤوني شعثًا من كل فجٍّ عميقٍ يرجون رحمتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورًا لكم، ولمن شفعتم له» (٣).\nوفي حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - يرفعه: «وأما وقوفك بعرفة فإن اللَّه - ﷿ - يقول لملائكته: يا ملائكتي ما جاء بعبادي؟ قالوا: جاؤوا يكتسبون\n_________\n(١) ابن حبان: ١٨٨٧، والبزار، برقم ١٠٨٢، والطبراني في الكبير، برقم ١٣٥٦٦، من حديث ابن عمر السابق، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١٠.\n(٢) ابن حبان، والبزار، والطبراني، من حديث ابن عمر السابق، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١٠.\n(٣) ابن حبان، والبزار، والطبراني، من حديث ابن عمر السابق، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١٠.","vol":"1","page":20},{"text":"رضوانك والجنة، فيقول اللَّه - ﷿ -:فإني أشهد نفسي وخلقي أني قد غفرت لهم، ولو كانت ذنوبهم عدد أيام الدهر، وعدد رمل عالج» (١).\nوفي لفظ لحديث ابن عمر ﵄: «فإذا وقفت بعرفة، فإن اللَّه - ﷿ - ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: «انظروا إلى عبادي شعثًا غبرًا، اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم، وإن كانت عدد قطر السماء ورمل عالج (٢) ...» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -،عن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «إن اللَّه يباهي بأهل عرفات ملائكة السماء، فيقول: «انظروا إلى عبادي هؤلاء جاؤوني شعثًا غبرًا» (٤).\nوعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ - ﷿ - يُبَاهِى مَلاَئِكَتَهُ عَشِيَة عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِى، أَتَوْنِى شُعْثًا غُبْرًا» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>الثاني والعشرون: يغفر اللَّه تعالى لأهل عرفات، وأهل المشعر</span>؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: وقف النبي - ﷺ - بعرفات، وقد كادت\n_________\n(١) الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين، ٣/ ١٨٥، برقم ١٦٥٠]، من حديث عبادة السابق، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١٠.\n(٢) رَمْلٌ عَالِجٌ: جبال متواصلة يتصل أعلاها بالدّهناء والدّهناء بقرب اليمامة وأسفلها بنجد، ويتسع اتساعًا كثيرًا حتى قال البكري رمل عالج يحيط بأكثر أرض العرب. [المصباح المنير، مادة علج].\n(٣) ابن حبان، برقم ١٨٨٧، والبزار، برقم ١٠٨٢، والطبراني في الكبير، برقم، ١٣٥٦٦، وتقدم تخريجه، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٣٦.\n(٤) أحمد، ١٣/ ٤١٥، وقال محققو المسند، ١١/ ٤١٥: «صحيح، وهذا إسناد حسن»، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٣٣.\n(٥) أحمد، ١٣/ ٦٦٠، برقم ٧٠٨٩، وقال محققو المسند، ١١/ ٦٦٠: «إسناده لا بأس به»، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٣٤.","vol":"1","page":21},{"text":"الشمس أن تؤوب (١)، فقال: «يا بلال، أنصت لي الناس»، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول اللَّه - ﷺ -، فأنصت الناس فقال: «معشر الناس، أتاني جبريل - ﵇ - آنفًا، فأقرأني من ربِّي السلام، وقال: إن اللَّه - ﷿ - غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التَّبعات (٢»)، فقام عمر بن الخطاب - ﵁ - فقال: يا رسول اللَّه! هذا لنا خاصة؟ قال: «هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة»، فقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: كَثُرَ خيرُ اللَّه وطاب» (٣).\nوعَنْ بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ غَدَاةَ جَمْعٍ: «يَا بِلَالُ أَسْكِتْ\nالنَّاسَ»،أَوْ «أَنْصِتْ النَّاسَ»،ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ (٤) فِي جَمْعِكُمْ هَذَا فَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ، ادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّهِ» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الثالث والعشرون: الحاج له بكل حصاة يرمي بها الجمار تكفير </span>كبيرة من الموبقات؛ لحديث ابن عمر ﵄ وفيه: «وأما رميك\n_________\n(١) تؤوب: أي تغرب، غَرَبت من الأوْب: الرجوع لأنها ترجع بالغروب إلى الموضع الذي طَلَعْت منه. [النهاية في غريب الحديث، مادة «أوب»]\n(٢) التبعات: مفرده: تَّبِعَة، والتبعة: ما يَتْبَع المالَ من نَوَائِب الحقوق، وهو من تَبِعْتُ الرجُل بِحَقّي. [النهاية، مادة «تبع»].\n(٣) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب، ٢/ ١٥٧، برقم ١٧٣٧، وعزاه جازمًا به إلى ابن المبارك، وصححه لغيره العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٣٣، وقال في حاشيته في هذا الموضع: «.. ومع ذلك فله شواهد خرَّجتها في الصحيحة، ١٦٢٤».\n(٤) تطوّل عليكم: من طاول: مُفاعَلة من الطَّوْل بالفتح، وهو الفَضْل والعُلُوّ. [النهاية، مادة «طول»].\n(٥) أخرجه ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الوقوف بجمع، برقم ٣٠٢٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٤٨، وفي الصحيحة، برقم ١٦٢٤.","vol":"1","page":22},{"text":"الجمار؛ فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات ...» (١)، وعن ابن عباس ﵄ رفعه إلى النبي - ﷺ - قال: «لما أتى إبراهيم خليل اللَّه المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ (٢) في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض»، قال ابن عباس ﵄: الشيطان ترجمون، وملَّة أبيكم إبراهيم تتَّبعون» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الرابع والعشرون: الحاج يُعطى بكل شعرة حلقها حسنة</span>، وتُمحى عنه بها خطيئة، وله بكل شعرة نور يوم القيامة، وما ينحره من الهدي مُدَّخَرٌ له عند اللَّه؛ لحديث ابن عمر وفيه «... وأما نحرك فمدخور\nلك عند ربك، وأما حلاقك رأسك، فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، وتمحى عنك بها خطيئة ...» (٤)، وفي حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -:\n«... وأما حلقك رأسك، فإنه ليس من شعرة تقع في الأرض إلا كانت لك نورًا يوم القيامة ...» (٥).\n_________\n(١) تقدم تخريجه من حديث ابن عمر السابق، وحسنه الألباني لغيره، في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١٠.\n(٢) ساخ في الأرض: أي غاص فيها.\n(٣) ابن خزيمة: برقم ٢٩٦٧، والحاكم، ١/ ٤٦٦، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي على شرط مسلم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٧.\n(٤) تقدم تخريجه من حديث ابن عمر السابق عند ابن حبان، والبزار، والطبراني، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٣/ ١٠.\n(٥) تقدم تخريجه في الطبراني في الأوسط، كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ٢٧٤، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١١، و٣٩.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الخامس والعشرون: إذا لبَّى الملبِّي في الحجّ، أو كبَّر بُشِّرَ </span>بالجنة؛ وفضل رفع الصوت بالتلبية؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «ما أهلَّ مهلٌّ (١)، ولا كبَّر مُكبِّرٌ إلا بُشِّر»، قيل: يا رسول اللَّه بالجنة؟ قال: «نعم» (٢).\nوعن أبي بكر الصديق - ﵁ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «العجُّ (٣)، والثجُّ (٤») (٥)، ولفظ الترمذي: أن رسول اللَّه - ﷺ -\nسُئل: أيُّ الحج أفضل؟ قال: «العجُّ، والثجُّ» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>السادس والعشرون: الحج يقع معظمه في أفضل أيام الدنيا: </span>عشر ذي الحجة؛ لحديث جابر - ﵁ -، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر» - يعني عشر ذي الحجة - قيل: ولا مثلهنَّ في سبيل اللَّه؟ قال: «ولا مثلهن في سبيل اللَّه إلا رجلٌ عَفَّر وجهه في التراب»، وذكر عرفة، فقال: «يوم مباهاةٍ ينزل اللَّه ﵎ إلى سماء الدنيا، فيقول: «عبادي شُعثًا غُبرًا ضاحين (٧)، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميقٍ،\n_________\n(١) أهلَّ: رفع صوته بالتلبية: الترغيب والترهيب للمنذري، ٢/ ١٣٨.\n(٢) الطبراني في الأوسط، برقم ١٧٠٦، مجمع البحرين في زوائد المعجمين، ٣/ ٢١٨) وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٢٤.\n(٣) العجُّ: رفع الصوت بالتلبية.\n(٤) الثجُّ: سيلان دم الهدايا والأضاحي.\n(٥) ابن ماجة، كتاب المناسك، باب رفع الصوت بالتلبية، برقم ١٩٢٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة، ٣/ ١٧، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٢٤.\n(٦) الترمذي كتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر، برقم ٨٢٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٣١.\n(٧) ضاحين: بارزين للشمس لا يظلهم شيء. [انظر: النهاية لابن الأثير، مادة «ضحي».","vol":"1","page":24},{"text":"ويستعيذون من عذابي، ولم يروا يومًا أكثر عتيقًا وعتيقة من النار» هذا لفظ البزار.\nولفظ أبي يعلى: «ما من أيام أفضل عند اللَّه من عشر ذي الحجة» فقال رجل يا رسول اللَّه! هي أفضل أم عدتهنّ جهادًا في سبيل اللَّه؟ فقال: «هي أفضل من عدتهن جهادًا في سبيل اللَّه إلا عفيرًا يعفِّر وجهه في التراب (١)، وما من يوم أفضل عند اللَّه من يوم عرفة، ينزل اللَّه إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا عبادي شعثًا غبرًا ضاحين، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميقٍ، لم يروا رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم أر\nيومًا أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>وعشر ذي الحجة، فضلها عظيم </span>بيَّنه اللَّه تعالى في كتابه، وبيَّنه رسوله محمد - ﷺ - في سنته، ومن ذلك الفضائل الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الفضل الأول: هي الأيام التي أقسم اللَّه تعالى بها في كتابه </span>بقوله:\n﴿وَالْفَجْر* وَلَيَالٍ عَشْر﴾ (٣)، وهي عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وابن كثير، وابن القيم، وغير واحد من السلف والخلف (٤).\n_________\n(١) عفيرًا يعفر وجهه: العفر: ظاهرُ التُّرابِ ويُسَكَّنُ، ج: أعْفارٌ ... وعَفَرَهُ في التُّرابِ يَعْفِرُهُ، وعَفَّرَهُ فانْعَفَرَ وتَعَفَّرَ: مَرَّغَهُ فيه، أو دسَّهُ وضَرَبَ به الأرضَ كاعْتَفَرَهُ. [القاموس المحيط، مادة «عفر»].\n(٢) أخرجه البزار في كشف الأستار، برقم ١١٢٨، وهو في مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة، ومسند أحمد، لابن حجر، ١/ ٤٥٦، برقم ٧٧٧، ورواه ابن حبان، برقم ٣٨٤٢، وأبو يعلى، ٤/ ٦٩، برقم ٢٠٩٠، وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، ٢/ ١٥١: «رواه البزار بإسناد حسن، وأبو يعلى بإسناد صحيح»، وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٣٢.\n(٣) سورة الفجر، الآيتان: ١ - ٢.\n(٤) تفسير ابن كثير، ٤/ ١٠٦، وزاد المعاد، ١/ ٥٦.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الفضل الثاني: وهي الأيام التي يكون العمل فيها أفضل من الجهاد في سبيل اللَّه تع</span>الى؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اللَّه من هذه الأيام العشر»، قالوا: يا رسول اللَّه! ولا الجهاد في سبيل اللَّه؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «ولا الجهاد في سبيل اللَّه، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الفضل الثالث: وهي أيام عظيمة عند اللَّه</span>، والأعمال فيها أحب إليه\nفيهن؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «ما من أيام أعظم عند اللَّه ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الفضل الرابع: وهي أيامٌ أفضل من أيام عشر رمضان الأخيرة</span>؛ فإن الإمام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى قال: «... ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان؛ وبهذا يزول الاشتباه، ويدلُّ عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فُضِّلت باعتبار ليلة القدر، وهي من الليالي، وعشر ذي الحجة فُضِّل باعتبار أيامه؛ إذ فيه: يوم النحر، ويوم عرفة، ويوم التروية» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الفضل الخامس: هي الأيام التي فيهن يومان هما أفضل أيام العام:</span>\n_________\n(١) البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق، برقم ٩٦٩، والترمذي، كتاب الصوم عن رسول اللَّه - ﷺ -، باب ما جاء في العمل في الأيام العشر، برقم ٧٥٧، واللفظ له.\n(٢) أحمد، برقم ٥٤٤٦، ٦١٥٤، وصححه أحمد شاكر، ٧/ ٤٤.\n(٣) زاد المعاد، ١/ ٥٧.","vol":"1","page":26},{"text":"يوم النحر، ويوم عرفة؛ لحديث عبد اللَّه بن قُرْطٍ الثمالي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن أعظم الأيام عند اللَّه تعالى: يوم النحر، ثم يوم القرِّ» (١).\nويوم القرِّ هو حادي عشر ذي الحجة؛ لأن الناس يقرُّون فيه بمنى؛ لأنهم قد فرغوا في الغالب: من طواف الإفاضة، والنحر، واستراحوا وقرُّوا.\nوأما يوم عرفة؛ فلحديث عائشة ﵂، قالت: إن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق اللَّه فيه عبدًا من النار من يوم عرفة،\nوإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» (٢).\nوقال - ﷺ -: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة ...» (٣). وقال - ﷺ -: «صيام يوم عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده ...» (٤).\nوهذا لغير الحاجّ، أما الحاجّ فالسُّنة في حقّه الإفطار ليتقوَّى على الدعاء والذكر اقتداء برسول اللَّه - ﷺ -؛ فإنه كان مفطرًا يوم عرفة. وأما قول النبي - ﷺ - في يوم الجمعة: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ...» (٥). فقال الإمام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى: «والصواب أن يوم\n_________\n(١) أبو داود، كتاب المناسك، باب من نحر الهدي بيده واستعان بغيره، برقم ١٧٦٥، وأحمد، ٤/ ٣٥٠،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ٤٩٤،والحاكم ٤/ ٢٢١،ووافقه الذهبي.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، برقم ١٣٤٨.\n(٣) الترمذي كتاب الدعوات عن رسول اللَّه - ﷺ -، باب في دعاء يوم عرفة، برقم ٣٥٨٥، ومالك في الموطأ، با ب ما جاء في الدعاء، ١/ ٢١٤، ٢١٥، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٨٤.\n(٤) مسلم، كتاب الصيام، باب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء، برقم ١١٦٢.\n(٥) مسلم، كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة، برقم ٨٥٤.","vol":"1","page":27},{"text":"الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر، وليلة الجمعة ...» (١). أي ليلة القدر أفضل ليالي السنة، وليلة الجمعة أفضل ليالي الأسبوع، وصوَّب ابن القيم رحمه اللَّه تعالى أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر؛ لأن الحديث الدال على ذلك لا يعارضه شيء يقاومه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ\nيَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٢).\nوثبت في الصحيحين: أن أبا بكر وعليًا أذَّنا بذلك يوم النحر، لا يوم عرفة، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «بعثني أبو بكرٍ في تلك الحَجَّة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان ... ثم أردف رسول اللَّه - ﷺ - عليًا، فأمره أن يؤذن بـ «براءة»، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منىً يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» (٣). وثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يوم الحج الأكبر يوم النحر» (٤). قال ابن القيم بأصح إسناد (٥).\nقال ابن القيم ﵀: «ويوم عرفة: مقدمة ليوم النحر بين يديه؛\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٦٠.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٣.\n(٣) البخاري، كتاب الصلاة، باب ما يستر من العورة، برقم ٣٦٩، وكتاب الحج، بابٌ: لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك، برقم ١٦٢٢، ومسلم، كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، وبيان يوم الحج الأكبر، برقم ١٣٤٧.\n(٤) أبو داود، كتاب المناسك، باب يوم الحج الأكبر، برقم ٩٤٥، وصحح إسناده ابن القيم في زاد المعاد، ١/ ٥٥، وقال عنه الألباني في صحيح أبي داود، ٦/ ١٩٢: «صحيح».\n(٥) زاد المعاد، ١/ ٥٥.","vol":"1","page":28},{"text":"فإن فيه يكون الوقوف، والتضرُّع، والتوبة، والابتهال، والاستقالة، ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة؛ ولهذا سُمِّي طوافه طواف الزيارة؛ لأنهم قد طُهِّروا من ذنوبهم يوم عرفة، ثم أَذِنَ لهم ربهم يوم النحر في زيارته، والدخول عليه إلى بيته» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الفضل السادس: فضائل الأعمال في عشر ذي الحجة أنواع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>النوع الأول: أداء الحج والعمرة في هذه الأيام من أفضل الأعمال</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». وفي لفظ مسلم: «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (٢). وهذا لفظ يشمل الحج والعمرة ولله الحمد. وقال ﵊: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (٣). والمبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة، ولم يخالطه إثم، ولم يعقبه معصية، وهو المقبول، ومن علامات القبول أن يرجع العبد خيرًا مما كان، ولا يعاود المعاصي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>النوع الثاني: صيام الأيام التسعة</span>، أو ما تيسر منها؛ لقول النبي - ﷺ -: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى اللَّه من هذه الأيام العشر» والصيام من أعظم الأعمال الصالحة، وقد حث النبي - ﷺ - عليه، ورغَّب فيه، ومن ذلك قوله - ﷺ -: «ما من عبدٍ يصومُ يومًا في سبيل اللَّه إلا باعَدَ اللَّه\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٥٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب قول اللَّه تعالى: ﴿فلا رفث﴾، برقم ١٧٢٣،ومسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، برقم ٣٣٥٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٧٧٣، ومسلم، برقم ١٣٤٩، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":29},{"text":"بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» (١). وروى النسائي مرفوعًا: «كان يصوم تسعًا من ذي الحجة» (٢). وصوم يوم عرفة لغير الحاج «يكفِّر\nالسنة التي قبله والسنة التي بعده» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>النوع الثالث: التوبة والإقلاع عن جميع المعاصي</span>؛ لأن التوبة من أعظم الأعمال الصالحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>النوع الرابع: إذا دخل عشر ذي الحجة أمسك من أراد أن يضحي عن شعره</span>، وبشرته؛ لحديث أم سلمة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحّي فليمسك عن شعره وأظفاره». وفي لفظ: «... فلا يأخذنّ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحّي» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>النوع الخامس: كثرة الأعمال الصالحة</span>، من نوافل العبادات: كالصلاة والصدقة، والقراءة للقرآن الكريم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الجيران، وصلة الأرحام وغير ذلك من الأعمال الصالحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>النوع السادس: الحرص على أداء صلاة العيد لغير الحاجّ</span>، والتبكير إليها، واستماع الخطبة؛ فإنها من أعظم شعائر الإسلام؛ ولعظم شأنها أُمِرَ بها النساء حتى الأبكار، فعن أمِّ عطية ﵂ قالت: «كُنَّا نؤمر أن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٢٨٤٠، ومسلم، برقم ١١٥٣، وتقدم تخريجه.\n(٢) النسائي، وانظر: صحيح النسائي، للألباني (٢/ ٥٠٨).\n(٣) مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة، برقم ١٩٧ - (١١٦٢).\n(٤) مسلم، برقم ١٩٧٧.","vol":"1","page":30},{"text":"نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيّض فيكنّ خلف الناس، فيكبِّرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، ويرجون بركة ذلك\nاليوم وطهرته».وفي لفظ: «وأمر الحيّض أن يعتزلن مصلّى المسلمين» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>النوع السابع: تشرع الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق</span>، وهي سنة أبينا إبراهيم ﵊ حين فدى اللَّه ولده بذبح عظيم: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم﴾ (٢). وقد ثبت أن النبي - ﷺ - «ضحّى بكبشين أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمَّى وكبَّر ووضع رجله على صفاحهما» (٣). وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>النوع الثامن: نحر الهدايا يوم النحر وأيام التشريق</span>، وهي واجبة على المتمتع والقارن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>النوع التاسع: التكبير، والتهليل</span>، والذكر في هذه الأيام العشر وأيام التشريق. والتكبير قسمان على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>القسم الأول: التكبير المطلق</span>، وهو الذي لا يتقيد بأدبار الصلوات، بل يشرع في كل وقت: وهو في عيد الفطر، وعيد الأضحى، والذي ينبغي معرفته عن التكبير المطلق في العيدين: وقته، وصفته، وذلك على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>أولًا: وقت التكبير المطلق في عيد الفطر، وعيد الأضحى </span>على النحو الآتي:\n_________\n(١) البخاري، برقم ٩٧١، ٩٨٠، ومسلم، برقم ٨٩٠.\n(٢) سورة الصافات، الآية: ١٠٧.\n(٣) البخاري، برقم ٥٥٥٣، ومسلم، برقم ١٩٦٦.\n(٤) سورة الكوثر، الآية: ٢.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>١ - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الفطر من غروب الشمس آخر يوم من رمضان: </span>إما بإكمال ثلاثين يومًا، وإما برؤية هلال شوال، فإذا غربت\nشمس آخر يوم من رمضان شُرِعَ التكبير المطلق، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)، ويستمرّ في التكبير من غروب الشمس إلى أن يفرغ الإمام من الخطبة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٢ - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الأضحى من أول عشر ذي الحجة </span>إلى آخر يوم من أيام التشريق: في جميع الأوقات، في الليل، والنهار، والطريق، والأسواق، والمساجد، والمنازل، وفي كل موضع يجوز فيه ذكر اللَّه تعالى؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(٢) فقد جاء عن النبي - ﷺ - أنه كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى وحتى يقضي صلاته، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير، [ابن أبي شيبة في المصنف، والمحامي في كتاب صلاة العيدين، وتقدم تخريجه في التكبير في الطريق إلى مصلى العيد]. قال المرداوي في الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف ٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧: \"ويستحب التكبير في ليلتي العيدين، أما ليلة عيد الفطر فيسن التكبير فيها بلا نزاع أعلمه، ونص عليه، ويستحب أيضًا أن يكبر من الخروج إليها إلى فراغ الخطبة على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب، منهم القاضي وأصحابه، وهو من المفردات، وعنه إلى خروج الإمام إلى صلاة العيد، وقيل إلى سلامه، وعنه إلى وصول المصلِّي إلى المصلَّى، وإن لم يخرج الإمام\". قال العلامة ابن عثيمين ﵀: \"ويسن التكبير المطلق في عشر ذي الحجة، وتبتدئ من دخول شهر ذي الحجة إلى آخر اليوم التاسع، وسميت عشرًا وهي تسع من باب التغليب، فالمطلق في ليلتي العيدين من غروب الشمس إلى أن ينتهي الإمام من خطبته على مذهب الحنابلة، أو إلى خروج الإمام من البلد، فإذا رأوه سكتوا، أو إلى أن تبتدئ الصلاة أو إلى أن تنتهي الصلاة، والخلاف في هذا أمره سهل، ومعلوم أن الإمام إذا حضر سيشرع في الصلاة وينقطع كل شيء، وإذا انتهى من الصلاة سيشرع في الخطبة\" الشرح الممتع ٥/ ٢١٥.","vol":"1","page":32},{"text":"الْفَقِيرَ﴾ (١)،وقول اللَّه - ﷿ -: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّه فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ (٢)، قال ابن عباس\n﵄: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّه فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق» (٣).\nوعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: «الأيام المعلومات التي قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، والمعدودات أيام التشريق» (٤)؛ولحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «ما من أيام أعظم عند اللَّه ولا أحب إليه من العمل فيهن، من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد» (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اللَّه من هذه الأيام العشر» فقالوا: يا رسول اللَّه، ولا الجهاد في سبيل اللَّه؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «ولا الجهاد في سبيل اللَّه إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (٦).\nوقال الإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى: «وكان ابن عمر، وأبو هريرة رضي اللَّه\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٢٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٠٣.\n(٣) البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق، قبل الحديث رقم ٩٦٩ بصيغة الجزم، وقال النووي في شرح المذهب،٨/ ٣٨٢: «رواه البيهقي بإسناد صحيح».\n(٤) ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري،٢/ ٤٥٨،وعزاه إلى ابن مردويه، وقال: «إسناده صحيح».\n(٥) أخرجه أحمد، برقم ٥٤٤٦، ورقم ٦١٥٤، وقال أحمد شاكر في شرحه للمسند،\n٧/ ٢٢٤: «إسناده صحيح».\n(٦) البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق، برقم ٩٦٩، واللفظ للترمذي، برقم ٧٥٧.","vol":"1","page":33},{"text":"عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، ويكبر\nمحمد بن علي خلف النافلة» (١).\nوقال الإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى: «وكان عمر - ﵁ - يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتجّ منى تكبيرًا.\nوكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فُسطاطه، ومجلسه، وممشاه تلك الأيام جميعًا.\nوكانت ميمونة تكبر يوم النحر، وكنَّ النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد» (٢).\nوعن أم عطية ﵂ قالت: كنا نؤمر أن نَخرج يوم العيد حتى نُخرج البكر من خدرها، حتى نُخرج الحيّض، فيكنّ خلف الناس فيُكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته» (٣)؛ ولحديث نبيشة الهذلي قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «أيام التشريق أيام أكل وشرب [وذكر لله]» (٤).\nقال الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «أما التكبير في الأضحى فمشروع من أول الشهر إلى نهاية اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة»\n_________\n(١) البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق، قبل الحديث رقم ٩٦٩. وقال الحافظ في الفتح، ٢/ ٤٥٨ في أثر محمد بن علي: «وقد وصله الدارقطني ... قال حدثنا أبو هنة رزيق المدني، قال: رأيت أبا جعفر محمد بن علي يكبر بمنى في أيام التشريق خلف النوافل».\n(٢) البخاري، كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة، قبل الحديث رقم ٩٧٠.\n(٣) البخاري، كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة، الحديث رقم ٩٧١.\n(٤) مسلم، كتاب الصوم، باب تحريم صوم أيام التشريق، وبيان أنها أيام أكل وشرب وذكر لله - ﷿ -، برقم ١١٤١.","vol":"1","page":34},{"text":"ثم ذكر آية البقرة والحج والأحاديث والآثار السابقة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>ثانيًا: صفة التكبير جاء في آثارٍ عن أصحاب النبي - ﷺ </span>- على أنواع على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>النوع الأول: كان عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - يقول: «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه</span>، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ولله الحمد» (٢). قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذا قول: عمر، وعلي، وابن مسعود، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن المبارك إلا أنه زاد: على ما هدانا، لقوله:\n﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>النوع الثاني: وكان ابن عباس ﵄ يقول: «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ولله الحمد، اللَّه أكبر </span>وأجل، اللَّه أكبر على ما هدانا» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>النوع الثالث: وكان سلمان - ﵁ - يقول: «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر كبيرًا» </span>(٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>النوع الرابع: وكان عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - يقول: «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر</span>،\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٨.\n(٢) ابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٨، قال العلامة الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٢٥: «وإسناده صحيح». وقال: «ولكنه ذكره في مكان آخر بالسند نفسه بتثليث التكبير».\n(٣) المغني، ٣/ ٢٩٠، قال: وقال مالك، والشافعي، يقول: «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر؛ لأن جابرًا صلى في أيام التشريق، فلما فرغ من صلاته قال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ... ولنا خبر جابر، عن النبي - ﷺ -، وهو نص في كيفية التكبير، وأنه قول الخليفتين الراشدين، وقول ابن مسعود» المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٩٠.\n(٤) البيهقي في السنن الكبرى،٣/ ٣١٥، قال العلامة الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٢٥: «وسنده صحيح أيضًا».\n(٥) ذكره ابن حجر في فتح الباري،٢/ ٤٦٢ فقال: «وأما صيغة التكبير فأصح ما ورد فيه: ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان، قال: كبروا اللَّه: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر كبيرًا»، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ٣١٦، ولكنه بلفظ: «كبروا: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر كبيرًا».","vol":"1","page":35},{"text":"اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر ولله الحمد» (١).\nقال الإمام الصنعاني ﵀: «وفي الشرح صفات كثيرة عن عدة من الأئمة وهو يدل على التوسعة في الأمر؛ وإطلاق الآية يقتضي ذلك» (٢) واللَّه - ﷿ - أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>القسم الثاني التكبير المقيَّد: </span>وهو الذي يُقيَّد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى خاصة، ووقته، وصفته على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>أولًا: يبتدئ التكبير المقيَّد من عقب صلاة الفجر يوم عرفة، وينتهي بعد </span>صلاة العصر في اليوم الثالث من أيام التشريق؛ لما ورد عن علي بن\nأبي طالب الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين - ﵃ -: «أنه كان يكبر من\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٥.\n(٢) سبل السلام، ٣/ ٢٤٧.\n(٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وأما صيغة التكبير فأصح ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال: «كبروا اللَّه: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر كبيرًا» ونقل عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه جعفر الفريابي في كتاب العيدين، من طريق يزيد بن أبي زياد عنهم، وهو قول الشافعي، وزاد «ولله الحمد».\nوقيل يكبر ثلاثًا، ويزيد: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، إلخ» وقيل: يكبر ثنتين بعدهما: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ولله الحمد، جاء ذلك عن عمر، وعن ابن مسعود نحوه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وقد أحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها» [فتح الباري، ٢/ ٤٦٢]، وذكر العلامة ابن عثيمين ﵀ أن صفة التكبير فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم:\nالأول: أنه شفع: «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر اللَّه أكبر، ولله الحمد».\nالثاني: أنه وتر: «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر ولله الحمد».\nالثالث: أنه وتر في الأولى شفع في الثانية: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ولله الحمد». الشرح الممتع، ٥/ ٢٢٥، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٩٠، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٤/ ٢٦٢.","vol":"1","page":36},{"text":"صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويكبر بعد العصر» (١)، ولما ورد عن عمر الخليفة الراشد - ﵁ -: «أنه كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق» (٢)، ولما ورد عن ابن عباس ﵄ «أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، لا يكبر في المغرب» (٣).ولما ورد عن ابن مسعود - ﵁ - أنه كان: «يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق» (٤).وفي الباب آثار كثيرة عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - (٥) واللَّه أعلم (٦).قال الحاكم ﵀: «فأما من فِعْلِ عمر، وعلي، وعبد اللَّه بن عباس،\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة،٢/ ١٦٥،والحاكم وصححه،٢٩٩،والبيهقي،٣/ ٣١٤،وصححه النووي في المجموع ٥/ ٣٥،وقال الألباني في إرواء الغليل،٣/ ١٢٥: «وقد صح عن علي - ﵁ -».\n(٢) ابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٦، والبيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ٣١٤، وفيه الحجاج بن أرطأة، وقد صححه الحاكم، ١/ ٢٩٩، وصححه النووي في المجموع، ٣/ ٣٥، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٢٥: «وسنده صحيح».\n(٣) ابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٧، والبيهقي، ٣/ ٣١٤، والحاكم وصححه، ١/ ٢٩٩، وصححه النووي في المجموع، ٣/ ٣٥، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٢٥: «وسنده صحيح».\n(٤) الحاكم وصححه،١/ ٢٩٩ - ٣٠٠،واللفظ له، وصححه النووي في المجموع،٥/ ٣٥، وابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٦، ولكن بلفظ: «... إلى صلاة العصر من يوم النحر».\n(٥) فقد جاء عن جابر مرفوعًا: في الدارقطني، ٢/ ٤٩، والبيهقي، ٣/ ٣١٥، ولكن فيه كلام، انظر: إرواء الغليل للألباني ٣/ ١٢٤، وجاء عن زيد بن ثابت، عند ابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٦، وعن عمار عند الحاكم، ١/ ٢٩٩، وصححه، وضعفه النووي في المجموع، ٣/ ٣٥.\n(٦) قال الإمام النووي ﵀: «أما التكبير بعد الصلاة في عيد الأضحى فاختلف علماء السلف ومن بعدهم فيه على نحو عشرة مذاهب، هل ابتداؤه: من صبح يوم عرفة، أو ظهره، أو صبح يوم النحر، أو ظهره، وهل انتهاؤه: في ظهر يوم النحر [وقيل إلى عصره] أو ظهر أول أيام النفر، أو في صبح آخر أيام التشريق، أو ظهره، أو عصره، واختار مالك والشافعي وجماعة: ابتداؤه من يوم النحر، وانتهاؤه صبح آخر أيام التشريق، وللشافعي قول إلى العصر من آخر أيام التشريق، وقول إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وهو الراجح عند جماعة من أصحابنا وعليه العمل في الأمصار». شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٣٠، وما بين المعقوفين من فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٦٢، نقلًا عن غير النووي. وقال الإمام ابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٢٥٩: «وأما التكبير بعد الصلوات وغيرها: ففي عيد الفطر لا يسن عقب صلوات ليلته على الأصح، وفي عيد الأضحى اختلف علماء السلف». ثم ساق كلام النووي. ثم قال: «فرع: مذهب مالك، والشافعي، وجماعة من أهل العلم استحباب هذا التكبير: للمنفرد، والجماعة، والرجال، والنساء، والمقيم، والمسافر، وقال أبو حنيفة والثوري، وأحمد: إنما يلزم جماعات الرجال، ثم قال: «فرع: اختلفوا في التكبير عقب النوافل: فالأصح عند الشافعي أنه يكبر، وقال مالك في المشهور عنه: لا يكبر، وهو قول الثوري، وأحمد وإسحاق» ا. هـ. وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره للآثار عن الصحابة وغيرهم في التكبير المقيد بأدبار الصلوات: «وقد اشتملت هذه الآثار على وجود التكبير في تلك الأيام عقب الصلوات، ومنهم من خص ذلك بالمكتوبات دون النوافل، ومنهم من خصه بالرجال دون النساء، وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤداة دون المقضية، وبالمقيم دون المسافر، وبساكن المصر دون القرية، وظاهر اختيار البخاري شمول ذلك للجميع، والآثار التي ذكرها تساعده» فتح الباري شرح صحيح البخاري، ٢/ ٤٦٢، وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: «وإذا رأيت اختلاف العلماء بدون أن يذكروا نصًّا فاصلًا فإن الأمر في هذه المسألة واسع، فإن كبّر بعد صلاته منفردًا فلا حرج عليه، وإن ترك التكبير ولو في الجماعة فلا حرج عليه؛ لأن الأمر واسع».الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢١٨. وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٩١،والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف،٥/ ٣٦٦ - ٣٨٠، وشرح السنة للإمام البغوي، ٤/ ٣٠٠،وزاد المعاد لابن القيم،١/ ٤٤٩،والكافي لابن قدامة، ١/ ٥٢٤.","vol":"1","page":37},{"text":"وعبد اللَّه بن مسعود، فصحَّ عنهم التكبير، من غداة عرفة، إلى آخر أيام التشريق» (١).وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وأصح ما ورد فيه عن الصحابة: قول علي، وابن مسعود، إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى.\nأخرجه ابن المنذر وغيره، واللَّه أعلم» (٢).وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من\n_________\n(١) مستدرك الحاكم، ١/ ٢٩٩.\n(٢) فتح الباري، ٢/ ٤٦٢.","vol":"1","page":38},{"text":"الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة. ويشرع لكل أحد أن يكبر عند الخروج إلى العيد وهذا باتفاق الأئمة الأربعة» (١).\nوقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀: «وروي عن النبي - ﷺ - وعن جماعة من الصحابة - ﵃ -: التكبير في أدبار الصلوات الخمس من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهذا في حق غير الحاج، أما الحاج فيشتغل في حال إحرامه بالتلبية حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، وبعد ذلك يشتغل بالتكبير عند أول حصاة من الجمرة المذكورة، وإن كبر مع التلبية فلا بأس، لقول أنس - ﵁ -: «كان يُلبِّي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه» (٢)، ولكن الأفضل في حق المحرم هو التلبية وفي حق الحلال هو التكبير في الأيام المذكورة، وبهذا تعلم أن التكبير المطلق والمقيد يجتمعان في أصح أقوال العلماء في خمسة أيام، وهي: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، وأما اليوم الثامن وما قبله إلى أول الشهر فالتكبير فيه مطلق لا مقيد، لما تقدم من الآية والآثار» (٣).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأما المحرمون فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر ... لأنهم كانوا مشغولين قبل ذلك بالتلبية وغيرهم يبتدئ من\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ٢٢٠.\n(٢) البخاري، كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة، برقم ٩٧٠.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٨ - ١٩.","vol":"1","page":39},{"text":"يوم عرفة لعدم المانع» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>ثانيًا: صفة التكبير المقيد: </span>هو مثل التكبير المطلق كما تقدم (٢): «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر اللَّه أكبر ولله الحمد» (٣)،وهو قول الخليفتين الراشدين: عمر بن الخطاب، وعلي، وقول ابن مسعود - ﵃ -، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق رحمهم اللَّه تعالى (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>السابع والعشرون: ماء زمزم شفاء سُقمٍ وطعام طعمٍ</span>، وهو لما شرب له؛ لحديث أبي ذر - ﵁ -، في قصته الطويلة، وفيها: أن النبي - ﷺ - قال له وهو في المسجد الحرام: «متى كنت هاهنا؟»، قال: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين ما بين ليلة ويومٍ قال: «فمن كان يطعمك؟» قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماءُ زمزم فسمنت حتى تكسّرت عُكنُ بطني، وما أجد على كَبدي سُخْفةَ جوعٍ، قال: «إنها مباركةٌ، إنها طعامُ طُعمٍ» (٥).\nولفظ البيهقي: «إنها مباركة، إنها طعام طُعمٍ، وشفاء سُقْمٍ» (٦).\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٨٩.\n(٢) تقدم في صفة التكبير المطلق أنه جاء عن الصحابة - ﵃ - أنواع من التكبير. فانظرها قبل صفحات.\n(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وصفة التكبير المنقول عن أكثر الصحابة: قد روي مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ولله الحمد» وإن قال اللَّه أكبر ثلاثًا جاز، ومن الفقهاء من يكبر ثلاثًا فقط، ومنهم من يكبر ثلاثًا ويقول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ٢٢٠.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٢٩٠،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٣٨٠، وتقدمت أقوال الأئمة في أنواع التكبير في التكبير المطلق.\n(٥) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي ذر - ﵁ -، برقم ٢٤٧٣.\n(٦) البيهقي في السنن الكبرى، ٥/ ١٤٧، والبيهقي في دلائل النبوة، ٢/ ٢٠٨ - ٢١٢، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٤٣٥.","vol":"1","page":40},{"text":"ولفظ البزار: «زمزم طعام طُعم وشِفاء سُقم» (١).\nوعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السُّقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي بَرَهُوت بقية [بـ] حضرموت (عليه] كرجل الجراد من الهوامِّ يصبح يتدفق، ويمسي لا بلال بها» (٢).\nوعن جابر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «ماء زمزم لما شُرِب له» (٣).\nوعن عائشة ﵂: أنها حَمَلَتْ ماء زمزم في القوارير، وقالت:\n«حمله رسول اللَّه - ﷺ - في الأداوي والقرب، فكان يصبُّ على المرضى ويسقيهم» (٤).\nقال ابن القيم ﵀: «وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيت به من عِدَّة أمراضٍ فبرأْتُ بإذن اللَّه» (٥)،\n_________\n(١) البزار، [مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد، برقم ٨٠٠]، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: «رواه البزار بإسناد صحيح»، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٤٠.\n(٢) الطبراني في المعجم الكبير، ١١/ ٩٨، برقم ١١١٦٧، وفي المعجم الأوسط، [مجمع البحرين بزوائد المعجمين، ٣/ ٢٣٤، برقم ١٧٣٨]، ما بين المعقوفين من المعجم الأوسط، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب،٢/ ٤٠،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٠٥٦.\n(٣) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الشرب من زمزم، برقم ٣٠٦٢، وأحمد، ٣/ ٣٥٧، ٣٧٢، وابن أبي شيبة، ٧/ ٤٥٣، وصححه الألباني، في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٥٩.\n(٤) الترمذي، كتاب الحج، باب ١١٥، برقم ٩٦٣، والحاكم، ١/ ٥٨٥، والبيهقي في الكبرى،\n٥/ ٢٠٢، وفي شعب الإيمان، ٣/ ٤٨٢، برقم ٤١٢٩، وأبو يعلى، ٨/ ١٣٩، برقم ٤٦٨٣، وصححه الألباني في صحيح الترمذي،١/ ٤٩٣،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٨٣.\n(٥) زاد المعاد، ٤/ ١٧٨، ٣٩٣.","vol":"1","page":41},{"text":"وقال ﵀: «لقد مرَّ بي وقتٌ في مكة سقمتُ فيه ولا أجد طبيبًا، ولا دواءً، فكنت أُعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيرًا عجيبًا، آخذ شربةً من ماء زمزم وأقرؤها عليها مرارًا، ثم أشربه فوجدت بذلك البُرْءَ التَّام، ثم صرتُ أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع به غاية الانتفاع، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألمًا، فكان كثير منهم يبرأ سريعًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>الثامن والعشرون: إذا طاف الحاجُّ طواف الوداع </span>خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، وفيه: «... وأما طوافك بالبيت إذا ودَّعت فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك» (٢).\nوفضائل الحج والعمرة لا تحصل إلا لمن أخلص عمله لله، وأدَّى حجه أو عمرته على هدي رسول اللَّه - ﷺ -، فهذان شرطان لابد منهما في قبول كل قول وعمل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>الشرط الأول: الإخلاص للمعبود</span>؛ لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣). ولهذا حَرِصَ النبي - ﷺ - على الإخلاص\nوالدعاء به، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: حجَّ النبي - ﷺ - على رَحْلٍ رثٍّ وقطيفة (٤) تسْوى أربعة دراهم، أو لا تسْوَى ثم قال: «اللَّهم حِجةٌ لا رياءَ\n_________\n(١) زاد المعاد، ٤/ ١٧٨، والجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص ٢١.\n(٢) رواه الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين في زوائد المعجمين، ٣/ ١٨٥، برقم ١٦٥٠]، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١٠، ١١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللَّه - ﷺ -، برقم ١، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنية»، برقم ١٩٠٧.\n(٤) قطيفة: كساءٌ له خمْلٌ. الترغيب للمنذري، ٢/ ١٣٠.","vol":"1","page":42},{"text":"فيها ولا سُمعة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>الشرط الثاني: المتابعة للرسول - ﷺ </span>-؛ لقوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢)، فمن أخلص أعماله لله، مُتَّبعًا في ذلك رسول اللَّه - ﷺ -، فهذا الذي عمله مقبول، ومن فقد الأمرين أو أحدهما فعمله مردود داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (٣)، ومن جمع الأمرين فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٤)، وقوله - ﷿ -: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥)، فحديث عمر - ﵁ - «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال الباطنة، وحديث عائشة ﵂ «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ميزان للأعمال الظاهرة، فهما حديثان عظيمان يدخل فيهما الدين كله، أصوله، وفروعه، ظاهره وباطنه (٦).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج على الرحل، برقم ٢٨٩٠، والترمذي في الشمائل، برقم ٣٢٧، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٧، وفي مختصر الشمائل، برقم ٢٨٨، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، برقم ٢٦٩٧، ومسلم كتاب، الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم ١٧١٨، وهذا لفظ مسلم، أما لفظ البخاري: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٢٣.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١١٢.\n(٦) انظر: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص١٠.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الثالث: منافع الحج وفوائده ومقاصده والحكمة من مشروعيته:</span>\nالنفع: ضدُّ الضرِّ، نفعه ينفعه نفعًا ومنفعة، يقال: نفعه بكذا فانتفع به، والاسم المنفعة، [وجمعه: المنافع]، ويقال: نفّاعٌ: كثير النفع، فالمنفعة: اسم ما انتفع به (١).\nوالنفع: الخير: وهو ما يتوصَّل به الإنسان إلى مطلوبه (٢).\nوقيل: النفع: ما يُستعان به في الوصول إلى الخيرات، وما يتوصَّل به إلى الخير فهو خير، فالنفع خير، وضدّه الضر (٣).\nومنافع الحج، وفوائده، ومقاصده، والحكمة من مشروعيته كثيرة، لا تُحصر ولا تُعَدُّ، ولكن على وجه الاختصار منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>أولًا: تعظيم شعائر اللَّه وحرماته</span>، فمن أعظم المنافع للحج تعظيم شعائر اللَّه تعالى وحرماته، وهذه المنفعة من أعظم العبادات لله تعالى، قال اللَّه - ﷿ -: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب﴾ (٤)، وقال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ (٥).\nقال ابن الأثير ﵀: «قد تكرر في الحديث ذكر (الشعائر)\n_________\n(١) لسان العرب، لابن منظور، ٨/ ٣٥٨، ومختار الصحاح، للرازي، ص ٢٨٠، وأضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٤٨٩.\n(٢) المصباح المنير، للفيومي، ٢/ ٦١٨.\n(٣) مفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، ص ٨١٩.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٣٢.\n(٥) سورة الحج، الآية: ٣٠.","vol":"1","page":44},{"text":"وشعائر الحج: آثاره، وعلاماته، جمع شعيرة، وقيل: هو كل ما كان من أعماله: كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك، وقال الأزهري: الشعائر: المعالم التي ندب اللَّه إليها، وأمر بالقيام عليها، ومنه سُمِّي المشعر الحرام؛ لأنه معلم للعبادة وموضع، ومنه حديث [زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «جاءني جبريل، فقال: يا محمد، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعار الحج»] (١) .. ومنه: (إشعار البدن)، وهو أن يشقَّ أحد جَنْبَتَي سنام البدنة حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هديٌ ...» (٢)، والشعار: علامة القوم في الحرب، وهو ما ينادون به؛ ليعرف بعضهم بعضًا، والعيد شعار من شعائر الإسلام، .. والشعائر: أعلام الحج، وأفعاله .. والمشاعر: مواضع المناسك، والمشعر الحرام: جبل بآخر مزدلفة، واسمه قُزَح ...» (٣).\nوقيل: شعائر اللَّه: يعني مناسك الحج، وقال الزجاج في شعائر اللَّه: يعني بها جميع متعبدات اللَّه التي أشعرها اللَّه: أي جعلها أعلامًا لنا، وهي كل ما كان من موقف، أو سعي، أو ذبح، وإنما قيل: شعائر اللَّه لكل علم مما تُعبِّد به؛ لأن قولهم: شعرت به: علمته؛ فلهذا سميت الأعلام\nالتي هي مُتَعَبَّدات اللَّه تعالى شعائر، والمشاعر مواضع المناسك (٤).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب المناسك، أباب رفع الصوت بالتلبية، برقم ٢٩٢٣، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٦، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٣٠.\n(٢) النهاية في غريب الحديث، ٢/ ٤٧٩، ببعض التصرف.\n(٣) انظر: المصباح المنير، للفيومي، ١/ ٣١٥.\n(٤) لسان العرب، لابن منظور، ٤/ ١١٤ - ٤١٥.","vol":"1","page":45},{"text":"وقال الراغب الاصفهاني ﵀: «ومشاعر الحج: معالمه الظاهرة للحواس، والواحد مشعر، ويقال: شعائر الحج، الواحد: شعيرة، قال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (١) وقال: ﴿فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٢)، ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (٣)،أي ما يُهدى إلى بيت اللَّه، وسُمِّي بذلك؛ لأنها تشعر: أي تُعلَّم بأن تُدْمَى بشعيرة: أي حديدة يشعر بها (٤).\nوقال الإمام الطبري رحمه اللَّه تعالى: «﴿ذلك ومن يعظِّم شعائر اللَّهِ فإنها من تقوى القلوب﴾: يقول تعالى ذكره: هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس، وأمرتكم به، من اجتناب الرجس من الأوثان، واجتناب قول الزور حنفاء لله، وتعظيم شعائر اللَّه، وهو استحسان البدن، واستسمانها، وأداء مناسك الحج على ما أمر اللَّه جل ثناؤه من تقوى قلوبكم»، ثم قال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن اللَّه تعالى ذِكْرُهُ أخبر أن تعظيم شعائره: وهي ما جعله أعلامًا لخلقه فيما تعبَّدهم به من مناسك حجِّهم من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها، والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم من تقوى قلوبهم لم يخصص من\nذلك شيئًا، فتعظيم ذلك من تقوى القلوب ... وحقٌّ على عباده المؤمنين تعظيم جميع ذلك ... فإن تلك التعظيمة: من اجتناب الرجس من الأوثان من تقوى القلوب: .. أي فإنها من وجل القلوب من خشية اللَّه،\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٣٢.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٨.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(٤) مفردات ألفاظ القرآن، ص ٤٥٦.","vol":"1","page":46},{"text":"وحقيقة معرفتها، وإخلاص توحيده» (١).\nوقال الإمام القرطبي ﵀: «﴿ومن يعظم شعائر اللَّه﴾: الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمرٌ أشعر به وأعلم، ومنه شعار القوم في الحرب: أي علاماتهم التي يتعارفون بها، ومنه إشعار البدنة، وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم، فيكون علامة، فتسمَّى شعيرة، بمعنى المشعورة، فشعائر اللَّه: أعلام دينه، لاسيما ما يتعلق بالمناسك .. وأضاف التقوى إلى القلوب؛ لأن حقيقة التقوى في القلب؛ ولهذا قال ﵊ في صحيح الحديث: «التقوى ها هنا» (٢)، وأشار إلى صدره (٣).\nوقال الإمام البغوي ﵀: «قال ابن عباس: شعائر اللَّه: البُدْن، والهدي، وأصلها من الإشعار، وهو إعلامها، ليُعلم أنها هدي، وتعظيمها استسمانها واستحسانها، وقيل: شعائر اللَّه: أعلام دينه، فإنها من تقوى القلوب: أي: إن تعظيمها من تقوى القلوب» (٤).\nوقال ابن كثير ﵀: «﴿ومن يعظم شعائر اللَّه﴾: أي أوامره ﴿فإنها\nمن تقوى القلوب﴾، ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم عن مقسم، عن ابن عباس: تعظيمها: استسمانها، واستحسانها» (٥).\n_________\n(١) جامع البيان، ١٨/ ٦٢١.\n(٢) مسلم، كتاب البر، باب تحريم ظلم المسلم، برقم ٣٢ - (٢٥٦٤).\n(٣) الجامع لأحكام القرآن، ١١/ ٦١ - ٦٢.\n(٤) تفسير البغوي، ٣/ ٢٨٦.\n(٥) تفسير القرآن العظيم، ١٠/ ٥٣.","vol":"1","page":47},{"text":"وقال العلامة السعدي ﵀: «والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١)، ومنها الهدايا والقربان للبيت، وتقدّم أن معنى تعظيمها: إجلالها، والقيام بها، وتكميلها، على أكمل ما يقدر عليه العبد، ومنها الهدايا، فتعظيمها باستحسانها، واستسمانها، وأن تكون مكملة من كل وجه، فتعظيم شعائر اللَّه صادر من تقوى القلوب، فالمعظِّم لها يُبرهن على تقواه وصحة إيمانه، لأنّ تعظيمها تابع لإعظام اللَّه وإجلاله» (٢).\nوقال ﵀: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣): يخبر تعالى: أن الصفا والمروة ... من شعائر اللَّه: أي: أعلام دينه الظاهرة التي تعبَّد اللَّه بها عباده، وإذا كانا من شعائر اللَّه، فقد أمر اللَّه بتعظيم شعائره فقال:\n﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٤)، فدلّ مجموع النصين أنهما من شعائر اللَّه، وأن تعظيم شعائره من تقوى القلوب، والتقوى واجبة على كل مكلَّف، وذلك يدلّ على أن السعي بهما فرض\nلازم للحج والعمرة كما عليه الجمهور، ودلّت عليه الأحاديث النبوية، وفعله النبي - ﷺ - وقال: «خذوا عني مناسككم» (٥») (٦).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٨.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ٥٣٨.\n(٣) سورة البقرة: الآية: ١٥٨.\n(٤) سورة الحج: الآية، ٣٢.\n(٥) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، برقم ١٢٩٧.\n(٦) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٧٦.","vol":"1","page":48},{"text":"وقال العلامة الشنقيطي ﵀: «﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ عام في جميع شعائر اللَّه، وقد نصَّ على أن البُدن فرد من أفراد هذا العموم داخل فيه قطعًا، وذلك في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ\nاللَّهِ﴾ (١)، فيدخل في الآية تعظيم البُدن، واستسمانها، واستحسانها، كما قدمنا عن البخاري: أنهم كانوا يستسمنون الأضاحي، وكانوا يرون أن ذلك من تعظيم شعائر اللَّه، وقد قدمنا أن اللَّه صرح بأن الصفا والمروة داخلان في هذا العموم بقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢) الآية: وأن تعظيمهما المنصوص في هذه الآية: عدم التهاون بالسعي بين الصفا والمروة ...» (٣).\nوأما حرمات اللَّه تعالى في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (٤)، فقال الإمام ابن جرير ﵀: «ومن يجتنب ما أمره اللَّه باجتنابه في حال إحرامه تعظيمًا منه لحدود اللَّه أن يواقعها،\nوحُرَمهُ أن يستحلَّها فهو خير له عند ربه في الآخرة» (٥).\nوقال الإمام البغوي ﵀: «﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أي معاصي اللَّه وما نهى عنه، وتعظيمها: ترك ملابستها ... وذهب قوم إلى أن الحرمات هنا: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٣٦.\n(٢) سورة البقرة الآية: ١٥٨.\n(٣) أضواء البيان، ٥/ ٦٩٢ - ٦٩٣، وانظر: جامع البيان للطبري، ٣/ ٢٢٦.\n(٤) سورة الحج: الآية، ٣٠.\n(٥) جامع البيان، ١٨/ ٦١٧.","vol":"1","page":49},{"text":"الحرام، والإحرام ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي تعظيم الحرمات خير له عند اللَّه في الآخرة» (١).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀: «﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيمًا في نفسه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي فله على ذلك خير كثير، وثواب جزيل، فكما [أن] على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات والمحظورات» (٢).\nوقال الإمام القرطبي ﵀: «الحرمات: المقصود هنا هي: أفعال الحج المشار إليها في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، ... ويجمع ذلك أن تقول: الحرمات: امتثال الأمر: من فرائضه وسننه، وقوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها ...» (٣).\nوقال العلامة السعدي ﵀: «﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرنا لكم من تلكم الأحكام، وما فيها من تعظيم حرمات اللَّه، وإجلالها وتكريمها؛ لأن تعظيم حرمات اللَّه من الأمور المحبوبة المقربة إليه، التي من عظَّمها وأجلَّها أثابه اللَّه ثوابًا جزيلًا، وكانت خيرًا له في دينه ودنياه، وأخراه عند ربه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>وحرمات اللَّه: كلُّ ما له حرمة، وأمر باحترامه </span>بعبادة أو غيرها:\n_________\n(١) تفسير البغوي، ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦.\n(٢) تفسير القرآن العظيم: ١٠/ ٥١.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن، ١١/ ٥٩.","vol":"1","page":50},{"text":"كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر اللَّه العباد القيام بها: فتعظيمها: إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاونٍ ومتكاسلٍ، ولا متثاقلٍ» (١).\nفيجب على العبد أن يعظِّم حرمات اللَّه: باجتنابها، سواء كان ذلك في الحج أو في غيره، ويعظم حرمات اللَّه كما تقدم، ويدلّ على عبودية العبد لله تعالى تعظيم شعائره كما تقدم.\n\nوقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى: أن<span data-type=\"title\" id=toc-75> استقامة القلب بشيئين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>الأول: أن تكون محبة اللَّه تتقدم عنده على جميع المحابّ</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>الثاني: تعظيم الأمر والنهي</span>؛ فإنه ذم من لا يعظمه، ولا يعظم أمره ونهيه قال سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ للَّهِ وَقَارًا﴾ (٢) ... وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام في تعظيم الأمر والنهي: هو أن لا يعارضا بترخيصٍ\nجافٍ، ولا يعارضا لتشديدٍ غالٍ، ولا يحملا على علةٍ توهن الانقياد» (٣).\nوقد كان النبي - ﷺ - يربي أصحابه، بل وأمته على تعظيم شعائر اللَّه تعالى فكان يقول - ﷺ -: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (٤).\nوكان - ﷺ - يقول: «... وصلوا كما رأيتموني أصلي» (٥).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ٥٣٧.\n(٢) سورة نوح، الآية: ١٣.\n(٣) الوابل الصيب، لابن القيم، ص ٢٤ - ٢٥.\n(٤) البخاري، برقم ١٥٢١، ومسلم برقم ١٣٥٠، وتقدم تخريجه.\n(٥) البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم ٦٠٨.","vol":"1","page":51},{"text":"وقال - ﷺ - في حجة الوداع وهو يرمي جمرة العقبة: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجتي هذه» (١).\nفمن تعظيم شعائر اللَّه تعالى: الاقتداء بالنبي - ﷺ - في جميع مناسك الحج، وما يعمله الحاجّ في المشاعر، وإذا قصَّر في شيء من ذلك متعمِّدًا راغبًا عن سنته - ﷺ - فليس منه في شيء، وكذلك جميع العبادات التي شرعها - ﷺ -.\nومن تتبّع أحوال النبي - ﷺ -، وتأمّل في صفة حجة الوداع ظهر له تعظيم النبي - ﷺ - لشعائر اللَّه، وتعظيمه لحرمات اللَّه - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>ثانيًا: مغفرة ذنوب الحاج ورضوان اللَّه عليه</span>، فيرجع إلى وطنه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه، إذا كان متَّقيًا ربه في حجِّه: بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وقد تقدم في فضائل الحج والعمرة قول النبي\n- ﷺ -: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه» (٢).\nوذكر الإمام الطبري رحمه اللَّه تعالى: أن معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٣) هو أن الحاج يخرج مغفورًا له كيوم ولدته أمه لا إثم عليه، فقد ذكر ستة أقوال لأهل العلم في معنى الآية، ثم قال ﵀: «وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ من أيام\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، برقم ١٢٩٧. ...\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٢١، ١٨١٩، ومسلم، برقم ١٣٥٠ من حديث أبي هريرة - ﵁ - وتقدم تخريجه.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٠٣.","vol":"1","page":52},{"text":"منى الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه، لحطّ اللَّه ذنوبه إن كان قد اتّقى اللَّه في حجه، فاجتنب فيه ما أمره اللَّه باجتنابه، وفعل فيه ما أمره بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده، (وَمَنْ تَأَخَّرَ) إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غدٍ النفر الأول (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) لتكفير اللَّه له ما سلف: من آثامه وإجرامه إن كان اتقى اللَّه في حجه بأدائه بحدوده؛ وإنما قلنا إن ذلك أولى تأويلاته بالصحة؛ لتظاهر الأخبار عن رسول اللَّه - ﷺ - أنه قال: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه» (١)، وأنه قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة» (٢) ... وما\nأشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب، مما ينبئ عن أن من حجّ فقضاه بحدوده على ما أمره اللَّه، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ اللَّه في حجه، فكان في ذلك من قول رسول اللَّه - ﷺ - ما يوضح أن معنى قوله جل وعز: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أنه خارج من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورة أجرامه، وأنه لا معنى لقول من تأول قوله: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) فلا حرج عليه في نفره في اليوم الثاني، ولا حرج عليه في مقامه إلى اليوم الثالث؛ لأن الحرج إنما يوضع عن العامل فيما كان عليه ترْك عمله، فيرخّص له في عمله بوضع الحرج عنه في عمله، أو فيما كان عليه عمله فيرخّص له في تركه بوضع الحرج عنه في\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، برقم ١٥٢١، ومسلم، برقم ١٣٥٠، وتقدم تخريجه.\n(٢) الترمذي، برقم ٨١٠، والنسائي، برقم ٢٦٣١، وقال الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٢٦:» حسن صحيح»، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":53},{"text":"تركه ...» (١)، وقد رجح اختيار الإمام ابن جرير العلامة الجهبذ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>ثالثًا: مضاعفة الصلوات في الحرم من المنافع العظيمة</span>؛\nفإن الصلاة فيه أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه؛ لقول النبي - ﷺ -: «... وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه» (٣)، وهذا ... ثوابه عظيم؛ فإن من صلّى يومًا واحدًا خمس صلوات، كانت أفضل من خمسمائة ألف صلاة، فتكون أفضل من الصلاة في مائتين وإحدى وثمانين\nسنة وستة أشهر تقريبًا؛ لأن المصلي إذا صلَّى خمس صلوات، كان ذلك عدد الصلوات في اليوم، فيكون بمائة ألف يوم تقسيم ثلاثمائة وخمسة وخمسين يومًا، عدد أيام السنة القمرية، والناتج يكون عدد السنين هكذا ١٠٠٠٠٠ يوم ÷ ٣٥٥ يومًا = ٢٨١،٦٩ سنة، وهذا فضل عظيم، وثواب كبير جليل، لمن وفقه اللَّه تعالى للخير (٤).\n_________\n(١) جامع البيان عن تأويل أي القرآن، ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٤.\n(٢) أضوء البيان، ٥/ ٤٩٠ - ٤٩٢.\n(٣) ابن ماجه، برقم ١٤٠٦، وأحمد، ٣/ ٣٤٣، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٣٦، وتقدم تخريجه.\n(٤) أيهما أفضل: الطواف بالبيت أو صلاة النافلة في المسجد الحرام؟\nاختلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: الطواف بالبيت أفضل، وبه قال بعض علماء الشافعية، واستدلوا بأن اللَّه قدَّم الطواف على الصلاة في قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].\nوالقول الثاني: الصلاة أفضل لأهل مكة، والطواف أفضل للغرباء، وممن قال بهذا القول: ابن عباس، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب. [أضواء البيان، ٥/ ٢٢٩].\nقال شيخنا ابن باز ﵀: «في التفضيل بين كثرة النافلة وكثرة الطواف خلاف، والأرجح أن يكثر من هذا وهذا، ولو كان غريبًا، وذهب بعض أهل العلم إلى التفضيل، فاستحبوا الإكثار من الطواف في حقِّ الغريب، ومن الصلاة في حقِّ غيره، والأمر في ذلك واسع ولله الحمد». [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٣٨ - ١٣٩، ٣٦٧، و١٧/ ٢٢٥، ومجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ٢٤٨].\nقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٢٩٠: «جمهور أهل العلم على أن الطواف بالبيت أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام».","vol":"1","page":54},{"text":"وقد جعل اللَّه هذا المسجد أول بيت وُضِع للعبادة، وهو أفضل المساجد مطلقًا؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿ِإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ\nآمِنًا وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: قلت: يا رسول اللَّه: أيُّ مسجدٍ وضع في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام» قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «المسجد الأقصى»، قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة»، ثم قال: «حيثما أدركت الصلاة فصلِّ، والأرض لك مسجد»، وفي لفظ مسلم: «ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركت الصلاة فصل» (٢).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيتان: ٩٦ - ٩٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: حدثنا موسى بن إسماعيل، برقم ٣٣٦٦، وباب قول اللَّه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [سورة ص:٣٠]، برقم ٣٤٢٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة برقم ٥٢٠.","vol":"1","page":55},{"text":"فقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ يخبر تعالى عن شرف هذا البيت العظيم الحرام، وأنه أول بيت وضعه اللَّه للناس يتعبدون فيه لربهم - ﷾ -، ويطوفون به، ويُصلُّون إليه (١)، وقوله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ بكة: من أسماء مكة، قال الإمام ابن كثير ﵀: «بكة من اسماء مكة على المشهور، قيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها تبكّ أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلون بها، ويخضعون عندها، وقيل: لأن الناس يتباكّون فيها: أي يزدحمون» (٢)، وقال ﵀: «وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكة، وبكة،\nوالبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رحم، وأم القرى، وصلاح، والعَرَش على وزن بدر، والقادس؛ لأنها تطهِّر من الذنوب، والمقدّسة، والناسة - بالنون والباء أيضًا -، والنسَّاسة، والحاطمة، والرأس، وكوثا، والبلدة، والبنية، والكعبة» (٣).\nوقوله تعالى: (مُبَارَكًَا):أي فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية» (٤).\nوقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي أدلة واضحة، ودلالات ظاهرة، وبراهين قاطعات على أن اللَّه تعالى عظَّمه وشرَّفه» (٥).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ص١٣٨، وانظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ١١٥.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، ٣/ ١١٥.\n(٣) المرجع السابق: ٣/ ١١٦.\n(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ص١٣٨.\n(٥) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ٣/ ١١٦، وتفسير البغوي، ١/ ٣٢٨، وتيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص ١٣٩.","vol":"1","page":56},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ ومن الآيات البينات (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وكان أثر قدميه عليه، وكان ملصقًا بجدار الكعبة، حتى أخَّره عمر بن الخطاب في خلافته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكَّن الطائفون بالصلاة خلفه، ولا يشوِّشون على الطائفين بالبيت أثناء الصلاة (١).\nومن الآيات البينات: الحجر الأسود، والحطيم (٢)، وزمزم، والمشاعر\nكلها، وقيل: مقام إبراهيم: جميع الحرم (٣).\nقال الإمام الطبري ﵀ بعد أن ذكر أقوال أهل العلم: «وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: الآيات البينات: منهن مقام إبراهيم، وهو قول: قتادة ومجاهد الذي رواه معمر عنهما، فيكون الكلام مرادًا فيه: (منهن) فترك ذكره اكتفاءً بدلالة الكلام عليها، فإن قال قائل: فهذا المقام من الآيات البينات، فما سائر الآيات التي من أجلها قيل: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ؟﴾، قيل: منهن المقام، ومنهن الحجر، ومنهن الحطيم» (٤).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٣/ ١١٦، وتفسير السعدي، ص١٣٩، وانظر: تفسير الطبري، ٣/ ٣٣، ٣٧، و٧/ ٢٨ - ٢٩.\n(٢) الحطيم: هو ما بين الركن والباب. وقيل: هو الحِجْر المُخْرج منهاـ سمي به لأن البيت رُفع وتُرِك هو مَحْطومًا، وقيل: لأنَّ العرب كانت تطرَح فيه ما طافت به من الثياب، فَتَبْقى حتَّى تَنْحَطم بِطُول الزمان فيكونُ فعيلا بمعنى فاعل. [النهاية، مادة حطم].\n(٣) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٨.\n(٤) جامع البيان، ٧/ ٢٨.","vol":"1","page":57},{"text":"قال الإمام ابن كثير ﵀ عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) قال: الحرم كله مقام إبراهيم» (١).\nوقال العلامة السعدي ﵀: «ويحتمل أن المراد بمقام إبراهيم مفرد مضاف يراد به مقاماته في مواضع المناسك كلها، فيكون على هذا جميع أجزاء الحج ومفرداته آيات بينات: كالطواف، والسعي، ومواضعها، والوقوف بعرفة، ومزدلفة، والرمي، وسائر الشعائر والآيات في ذلك ما جعله اللَّه في القلوب من تعظيمها واحترامها، وبذل نفائس النفوس والأموال في الوصول إليها، وتحَمُّل كل مشقة لأجلها، وما في ضمنها من\nالأسرار البديعة، والمعاني الرفيعة، وما في أفعالها من الحكم والمصالح التي يعجز الخلق عن إحصاء بعضها ...» (٢).\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في الجاهلية، حتى أن الواحد من أهل الجاهلية يجد قاتل أبيه فلا يهيجه في الحرم (٣).\nوأما في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من إقامة حدود اللَّه، فمن فعل ما يوجب حدًا أقيم عليه فيه، ومن فعل حدًا خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم عائذًا به، فإنه يُخرَج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ (٤).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، ٣/ ١١٧.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص ١٣٩.\n(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ١١٧، وتفسير البغوي، ١/ ٣٢٩، وتيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص١٣٩.\n(٤) تفسير الطبري،٧/ ٢٩ - ٣٤،وتفسير القرآن العظيم لابن كثير،٣/ ١١٧،وتفسير البغوي، ١/ ٣٢٩.","vol":"1","page":58},{"text":"وذلك بدعاء إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، حين قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١)، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (٢).\nوقال الإمام البغوي رحمه اللَّه تعالى: «(ومن دخله كان آمنًا) قال: وقيل: هو خبر بمعنى الأمر، تقديره: ومن دخله فأمِّنوه، كقوله: ﴿فَلا\nرَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا» (٣).\nوقد ذكر اللَّه منَّته على عباده فقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٥).\nوقد ثبت في الحديث الصحيح قول النبي - ﷺ -: «إن إبراهيم حرّم مكة، ودعا لأهلها، وحرّمتُ المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة، ودعوت لأهلها في مدِّها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم [- ﵇ -] لمكة» (٦).\nوثبتت أحاديث أخرى تدلّ على أن اللَّه الذي حرّم مكة، ففي الصحيحين\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٢٦.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٣٥.\n(٣) تفسير البغوي، ١/ ٣٢٩.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٥٧.\n(٥) سورة العنكبوت، الآية: ٦٧.\n(٦) البخاري، برقم ٢١٢٩، ومسلم، برقم ١٣٦٠، ويأتي تخريجه إن شاء اللَّه في محظورات الحرم.","vol":"1","page":59},{"text":"عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن هذا البلد حرّمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، وإنه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إلا ساعة من نهار ...» (١).\nقال الإمام ابن كثير ﵀: «فإذا عُلم هذا، فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالّة على أن اللَّه حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدّالّة على أن إبراهيم - ﵇ - حرّمها؛ لأن إبراهيم بلّغ عن\nاللَّه حكمه فيها، وتحريمه إياها ...» (٢).\nولعظمة هذا البيت توعّد اللَّه من أراد فيه بإلحاد بظلم بعذاب أليم فقال - ﷾ -: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>رابعًا: ذكر اللَّه تعالى في الأيام المعلومات: وهي عشر ذي الحجة وأيام التشريق </span>(٤) من جملة المنافع للحج، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَام﴾ ِ (٥).\nقال الإمام الشنقيطي رحمه اللَّه تعالى: «اللام في قوله: (ليشهدوا) هي\n_________\n(١) البخاري برقم ١٣٤٩، ١٨٣٤، ١٥٨٧، ٣١٨٩، ٣٠٧٧، ومسلم برقم ١٣٥٣، ويأتي تخريجه إن شاء اللَّه في محظورات الإحرام.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، ٢/ ٧٤.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٢٥. ... ...\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ٢٤١.\n(٥) سورة الحج، الآيتان: ٢٧ - ٢٨.","vol":"1","page":60},{"text":"لام التعليل، وهي متعلقة بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية: أي أن تؤذن فيهم يأتوك مشاة، وركبانًا لأجل أن يشهدوا: أي يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم» (١).\nفقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّه فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ من المنافع الدينية، قال العلامة: الإمام شيخنا ابن باز ﵀: «وعطفه على المنافع من باب عطف\nالخاص على العام» (٢) يعني عطف الذكر على المنافع. وقال العلامة السعدي ﵀: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ وهذا من المنافع الدينية» (٣).\nولا شك أن الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والدعاء على الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، ومزدلفة، ورمي الجمار، كل هذه من ذكر اللَّه تعالى، ولهذا روي «إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر اللَّه - ﷿ -» (٤)، وهذا المعنى صحيح حتى ولو لم يصحّ فيه الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>خامسًا: دخول الجنة والنجاة من النار من أعظم منافع الحج</span>؛\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٤٨٩.\n(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ٥/ ١٣٥، و١٦/ ١٨٥.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٥٣٧.\n(٤) أحمد في المسند، ٤٠/ ٤٠٨، برقم ٢٤٣٥١، ورقم ٢٤٢٦٨، ورقم ٢٥٠٨٠، وأبو داود، برقم ١٨٨٨، والترمذي، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، برقم ٩٠٢، وغيرهم، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص ١٤٨، وحسن إسناده عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٣/ ٢١٨، وقال الأعظمي في تحقيقه لصحيح ابن خزيمة، ٤/ ٢٢٢: «إسناده صحيح».","vol":"1","page":61},{"text":"لقوله - ﷺ -: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس جزاء إلا الجنة» (١)، وهذا أعظم المنافع التي تحصل لمن حج حجًا مبرورًا؛ لأن من زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>سادسًا: السلامة من الفقر، لمن تابع بين الحج والعمرة</span>؛ لقول النبي\n- ﷺ -: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ...» الحديث (٣).\nوهذا من المنافع؛ فإن المتابعة بين الحج والعمرة يزيلان الفقر، قال العلامة المباركفوري ﵀: «ينفيان الفقر: أي يزيلانه، وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى\nالقلب» (٤)، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>سابعًا: أرباح التجارة، من المنافع المباحة الدنيوية </span>التي تحصل للحاج إذا أراد البيع والشراء أرباح التجارة، وقد أباح اللَّه ذلك للحاج إذا لم تشغله عن حجه، قال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦).\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٧٧٣، ومسلم، برقم ١٣٤٩، وتقدم تخريجه.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.\n(٣) الترمذي، برقم ٨١٠، والنسائي، برقم ٢٦٣١، وتقدم تخريجه.\n(٤) تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، ٣/ ٥٣٩.\n(٥) سورة الطلاق، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ٩٨.","vol":"1","page":62},{"text":"وعن ابن عباس ﵄ قال: «كانت عكاظُ، ومَجنَّةُ، وذو المجازِ أسواقًا في الجاهلية، فتأثَّموا أن يتَّجروا في المواسم، فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج»، وفي لفظ: «كان ذو المجاز وعكاظ متَّجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت:\n﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج» (١).\nوعنه - ﵁ - أنه قرأ هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: «كانوا لا يتَّجرون بمنى، فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات» (٢).\nوروى الإمام الطبري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده» (٣).\nوقال الإمام الشنقيطي ﵀: «وقوله: (منافع) (٤) جمع منفعة، ولم يبيِّن هنا هذه المنافع ما هي، وقد جاء بيان بعضها في الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو أخروي، وأما الدنيوي فكأرباح التجارة، إذا خرج الحاج بمال تجارته معه؛ فإنه يحصل له الربح غالبًا،\n_________\n(١) البخاري، كتاب التفسير، بابٌ (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم) برقم ٤٥١٩، وفي كتاب الحج، باب التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية، برقم ١٧٧٠، وأطرافه في البخاري، ٢٠٩٨، ورقم ٤٥١٩.\n(٢) أبو داود، كتاب المناسك، باب التجارة في الحج، برقم ١٧٣١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٨٥.\n(٣) تفسير الطبري، ٤/ ١٦٢، برقم ٣٧٦١.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":63},{"text":"وذلك نفع دنيوي، وقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى:\n﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) أنه ليس على الحاج إثم ولا حرج إذ ابتغى ربحًا بتجارة في أيام الحج إن كان ذلك لا يشغله عن شيء من أداء مناسكه ... ومن المنافع الدنيوية ما يصيبونه من البدن،\nوالذبائح ... كقوله تعالى: (فكلوا منها) (٢) في الموضعين، وكل ذلك نفع دنيوي، وفي ذلك بيان أيضًا لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه» (٣).\nوقال الإمام الطبري ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾: «اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكرها اللَّه في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي التجارة، ومنافع الدنيا ... وقال آخرون: هي الأجر في الآخرة، والتجارة في الدنيا، ... وقال آخرون: بل هي العفو والمغفرة، ... وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عنى بذلك: ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي اللَّه والتجارة، وذلك أن اللَّه عمَّ لهم منافع جميع ما يَشْهَد له الموسم ويتأتى له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة، ولم يخصص من ذلك شيئًا من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت» (٤).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀: «منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان اللَّه تعالى، وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من منافع\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية: ٩٨.\n(٢) سورة الحج: الآية، ٢٨، والآية: ٣٦.\n(٣) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ٥/ ٤٨٩ - ٤٩٠، ببعض التصرف.\n(٤) تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل القرآن)، ١٨/ ٦١٠.","vol":"1","page":64},{"text":"البُدن، والربح، والتجارات» (١).\nوذكر الإمام البغوي ﵀ ما حاصله: العفو والمغفرة، وقيل: التجارة،\nوقيل: الأسواق، وقيل: التجارة وما يرضى اللَّه به من أمر الدنيا والآخرة (٢).\nوالصواب في المنافع إن شاء اللَّه تعالى: هو مجموع هذه الأقوال كما قال الإمام الطبري رحمه اللَّه تعالى، وأن المنافع عامة شاملة لكل المنافع في الدنيا والآخرة، واللَّه تعالى أعلم، فيدخل فيها ما تقدم من المنافع، وما سيأتي ذكره إن شاء اللَّه تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>ثامنًا: إظهار التذلل لله تعالى، والخضوع له سبحانه</span>؛ وذلك لأن الحاج والمعتمر يرفض أسباب الترف والتزين، والتطيب، ويلبس ثياب الإحرام مظهرًا فقره لربه، متجرِّدًا عن كل ما يشغله ويصرفه عن مولاه، فيتعرَّض بذلك لمغفرته سبحانه، ثم يقف الحاج في عرفة متضرّعًا، متذلِّلًا، حامدًا شاكرًا، لربه، ومستغفرًا لذنوبه وعثراته، سائلًا ربه ما يحتاجه في دنياه وأخراه، وفي طوافه بالبيت العتيق يلوذ باللَّه ويلجأ إليه من ذنوبه، ومن هوى نفسه والشيطان ووساوسه (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>تاسعًا: أداء الشكر لله تعالى؛ فإن في الحج يؤدي العبد بعض الشكر </span>لسلامة البدن من العوارض المانعة من الحجِّ وغيره، وشكر نعمة المال، وشكر نعمة الفراغ، وشكر نعمة الحياة، وشكر نعمة القوة\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، ١٠/ ٤٤.\n(٢) تفسير البغوي: ٣/ ٢٨٣ - ٢٣٤.\n(٣) الموسوعة الفقهية، ١٧/ ٢٦.","vol":"1","page":65},{"text":"والشباب، وهذه النعم من أعظم ما يتمتع به الإنسان من نعم الدنيا؛ لأن الإنسان بهذه النعم: يجهد نفسه، وينفق ماله؟، ويشغل وقته، ويغتنم حياته وقوته، في طاعة ربه، والتقرب إليه - ﷾ -، وقد قال النبي - ﷺ -: «نعمتان\nمغبون فيها كثير من الناس: الصحة والفراغ» (١)، وقال - ﷺ -: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (٢).\nومعلوم أن شكر اللَّه تعالى على نعمه من أعظم العبادات التي ينال بها العبد الثواب والزيادة من فضل اللَّه - ﷿ -، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>عاشرًا: الحج أعظم مؤتمر بشري تجتمع كلمة أصحابه </span>الصادقين على البر والتقوى، فيجتمع المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتجاه أرواحهم، ومَهْوَى قلوبهم، فيتعرّف بعضهم على بعض، ويألف بعضهم بعضًا، فتذوب الفوارق بين الناس: فوارق اللون والجنس، وفوارق اللسان واللغة، وفوارق الغنى والفقر، وفوارق الجاه والسلطان: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه أَتْقَاكُمْ﴾ (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما جاء في الصحة والفراغ، ولا عيش إلا عيش الآخرة، برقم ٦٤١٢.\n(٢) الحاكم، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٠٦، ورواه ابن المبارك في الزهد، ١/ ١٠٤، برقم ٢ من حديث عمرو بن ميمون مرسلًا، وقال ابن حجر في فتح الباري،\n١١/ ٢٣٥، بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون، فمرسل عمرو بن ميمون شاهد لرواية الحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٣٥٥، برقم ١٠٨٨.\n(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٧.\n(٤) سورة الحجرات، الآية: ١٣.","vol":"1","page":66},{"text":"وهذا كله يُبيِّن أن الحكمة لمشروعية الحج: إظهار العبودية لله تعالى، وأن الحج يشتمل على حِكم جليلة، كثيرة، وفوائد عديدة، تدركها\nالعقول الصحيحة، والفطر السليمة، وتشمل حياة المسلم: الروحية، والمالية، والجسدية، ومصالح المسلمين: في الدين، والدنيا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>الحادي عشر: الحج يذكّر المسلم بالموت والانتقال إلى الآخرة</span>، وذلك إذا تجرَّد الحاج من ثيابه، ولبس الإحرام الذي يشبه الأكفان، ورأى: بأن الرئيس والمرؤوس، والملك، والوزير، والغني، والفقير، والعربي، والأعجمي، والأسود، والأبيض، والصغير، والكبير، كلهم لباسهم واحد، ولا فرق بينهم في ذلك، وهذا يُذكِّر بخروج الإنسان من الدنيا، ولا يحمل معه إلا هذه الأكفان، التي تبلى بعد ذلك سريعًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>الثاني عشر: الحج يذكِر بيوم القيامة</span>؛ لأن الحاج إذا رأى جموع الحجاج قد جاؤوا من كل فجٍّ عميق، ومن كلِّ طريقٍ بعيدٍ، واجتمعوا للطواف بالبيت العتيق، وانصرفوا من اجتماعهم بعد الصلوات، يُذكِّر بهذا الاجتماع، وهذا الانصراف يوم القيامة، وانصراف الناس بعد ذلك كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣).\n_________\n(١) الموسوعة الفقهية، ١٧/ ٢٦ - ٢٧.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ٩٤.\n(٣) سورة الزلزلة، الآيات: ٦ - ٨.","vol":"1","page":67},{"text":"وكذلك الطواف بين الصفا والمروة، وزحام الناس في الدخول مع\nالأبواب والخروج يذكر بيوم القيامة.\nوكذلك اجتماع الحجاج في عرفة في صعيدٍ واحدٍ، في يومٍ واحدٍ، بلباسٍ واحدٍ، بأعدادٍ كثيرةٍ هائلةٍ، يذكِّر المسلم بيوم القيامة، واجتماع الناس جميعًا في عرصات القيامة، لا ينفعهم إ لا ما قدَّموا، في هذا اليوم العظيم الذي لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم.\nفإذا رأى المسلم العاقل هذه الجموع ذَكَّره بهذا اليوم العظيم، ولان قلبه، واستعدّ للقاء اللَّه تعالى. واللَّه المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>الثالث عشر: الحج امتثال لأمر اللَّه وإجابة لأمره لإبراهيم </span>بالدعوة إليه؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١)؛ ولقوله تعالى لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ\nلَهُمْ﴾ (٢)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: خطبنا رسول اللَّه - ﷺ - فقال: «أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحُجُّوا»،فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه، (فسكت) حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «لو قلتُ: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم؛ فإنما هَلَكَ من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأْتُوا منه ما\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٢٧.","vol":"1","page":68},{"text":"استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>الرابع عشر: الصلة باللَّه تعالى، والتقرب إليه، ومفارقة الأهل</span>، والأوطان والعشيرة؛ لأداء الحج، وزيارة البيت العتيق، وهذا فيه فوائد عظيمة، ومنافع كثيرة، لا تحيط بها العبارة؛ لأنه في هذه العبادة: يركب الأخطار، ويقطع الطرق الطويلة، ويشق الأجواء يرجو رحمة ربه، ويخاف عقابه سبحانه، فما أحراه بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، من المولى الكريم - ﷿ -.\nولا شك أن هذه العبادة شرع اللَّه فيها: الإحرام، والتلبية، واجتناب كثير من العوائد، وكشف الرجل رأسه، وخلع ثيابه وإبدالها بالإزار والرداء، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، وحلق الرأس أو تقصيره، والتقرُّب إلى اللَّه تعالى بذبح الهدايا والقرابين، وغير ذلك مما شرع اللَّه في الحج، وكل ذلك تشهد العقول الصحيحة، والفطر السليمة المستقيمة بحسنه، وأنه لا حكمة فوق حكمة من شرعه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>الخامس عشر: اتصال المسلمين بعضهم ببعض، وتعاونهم </span>في مصالحهم: لا شك أن من فوائد الحج اتصال المسلمين من جميع أقطار الأرض في مواسم الحج، فيحصل بذلك الخير الكثير، والتشاور في كثير من أمورهم، وتعاونهم في مصالحهم العاجلة والآجلة، واستفادة بعضهم من بعض، وتوحيد كلمتهم على الحق، وكل ذلك من جملة منافع الحج\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، برقم ١٣٣٧.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ٢/ ٢٣٤.","vol":"1","page":69},{"text":"التي أشار إليها تعالى بقوله (١): ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>السادس عشر: التعلم، والتعليم، ونشر الدعوة والخير بين الناس في المواسم:</span>\nالحجاج جاؤوا من كل فج عميق؛ ليؤدُّوا هذا الواجب العظيم؛ وليستفيدوا من حجهم أنواعًا من الطاعات لله تعالى، والمشاعر المقدسة يلتقي فيها أولياء اللَّه، والعلماء من أقطار الأرض، فيستفيد العالم والمتعلم: يستفيد العالم بنشر علم الكتاب والسنة في هؤلاء الجموع الكثيرة، وتعليمهم ما يجب عليهم، وتحذيرهم مما يضرّهم، وترسيخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم.\nويستفيد الراغب في الخير: من العلماء والدعاة إلى اللَّه - ﷿ -، من حلقات العلم في المسجد الحرام، وفي المشاعر المقدسة (٣).\nولا شك أن هذا من التزود بالتقوى التي هي خير زاد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٤)، فيدخل في ذلك الاستفادة من العلماء الربانيين، ويدخل في ذلك تعليم الناس الخير، والدعوة إلى اللَّه تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بالأسلوب الحسن، والحكمة والموعظة الحسنة (٥)،كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ٢/ ٢٣٤، وانظر: مجموع الفتاوى له، ٥/ ١٣٠، ١٩٤، ١٦/ ١٧٠، ١٧١، ١٨٥، ١٩٣.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٢٨.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ٥/ ١٩٤.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.\n(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٦٧ - ١٦٨.","vol":"1","page":70},{"text":"وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١).\nقال شيخنا ابن باز ﵀: «وكل ما يفعله الحاج: من طاعة اللَّه ونفع لعباده، مما ذكر ومما لم يُذكر، كله داخل في المنافع، وهذا من\nحكمة (٢) اللَّه في إبهامها حتى يدخل فيها كل ما يفعله المؤمن والمؤمنة، من طاعة لله، ومن نفع لعباده، فالصدقة على الفقير منفعة، وتعليم الجاهل منفعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منفعة، وفي الدعوة إلى اللَّه منافع عظيمة، والصلاة في المسجد الحرام منفعة، ... وكل ما تفعله مما ينفع الناس من قولٍ، أو فعلٍ، أو صدقةٍ، أو غيرها مما شرعه اللَّه أيضًا داخل في المنافع، فينبغي للحاج أن يستغل هذه الفرصة العظيمة ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>السابع عشر: أعظم المنافع تحقيق التوحيد ونبذ الشرك</span>؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه - ﵁ - في صفة حجة النبي - ﷺ -: حجة الوداع، وفيه: أن النبي - ﷺ - كان معه جمع غفير عند إحرامه من ذي الحليفة، قال جابر\n- ﵁ -، فنظرت إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه - ﷺ - بين\n_________\n(١) سورة النحل: الآية: ١٢٥.\n(٢) في الأصل: «من حكم اللَّه في إبهامها» قلت: ولعله خطأ مطبعي، وأن الصواب: «من حكمة اللَّه في إبهامها».\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٧٠، وانظر: جملة من منافع الحج ومقاصده، وفوائده، وحكمه وأهدافه: مجموع فتاوى ابن باز ﵀، ٢/ ٢٣٤، و٥/ ١٣٠، ١٤١، ١٩٤، و١٦/ ١٥٩، ١٧٠، ١٧١، ١٧٧، ١٨٥، ١٩٣، ١٩٦، ٢١٤، ٢٤١، و١٧/ ١٦١، ١٦٣، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٤٨٩، وتفسير ابن كثير، ١٠/ ١٤٤، والبغوي، ٣/ ١٨٤، والطبري:\n١٨/ ٦٠٣، ٦١٠.","vol":"1","page":71},{"text":"أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: «لبَّيْك اللَّهمّ لبَّيْك، لبَّيْك لا شريك لك لبَّيْك، إنَّ الحمدَ، والنِّعْمَةَ لك والمُلْكَ، لا شريك لك» (١).\nوقد جاءت هذه التلبية بلفظها من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن تلبية رسول اللَّه - ﷺ -: «لبّيك اللَّهمّ لبَّيك، لبيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (٢)، وفي لفظ للبخاري ومسلم قال ابن عمر: «لا يزيد على هؤلاء الكلمات» (٣)، وكان ابن عمر ﵄ يزيد فيها: «لبَّيك، لبَّيك، وسعديك، والخير بيديك، لبَّيك والرغباء إليك والعمل» (٤)، ولفظ ابن ماجه وأبي داود: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك، وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل (٥).\nوعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: كان عمر بن الخطاب يهلُّ بإهلال رسول اللَّه - ﷺ - من هؤلاء الكلمات (٦)، ويقول: لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك، لبَّيك، وسَعْدَيْكَ، والخيرُ في يديك، لبَّيك والرغباءُ إليك والعمل (٧).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب التلبية، برقم ١٥٤٩، وكتاب اللباس، باب التلبية، برقم ٥٩١٥، ومسلم، كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها، برقم ١١٨٤.\n(٣) البخاري، برقم: ٥٩١٥، ومسلم، برقم ١١٨٤.\n(٤) مسلم، برقم ١١٨٤، وتقدم تخريجه قبل حديث واحد.\n(٥) أبو داود، كتاب المناسك، باب كيف التلبية، برقم ١٨١٢، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب التلبية، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٠٩، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٥.\n(٦) أي تلبية النبي - ﷺ -.\n(٧) مسلم، برقم ١١٨٤، وتقدم تخريج أصله في الحديث الذي قبله عن ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":72},{"text":"وعن عائشة ﵂ قالت: إني لأعلم كيف كان النبي - ﷺ - يلبِّي: «لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك» (١).\nوجاء لفظ حديث عائشة ﵂ عن ابن مسعود - ﵁ - قال: كان من تلبية النبي - ﷺ -: «لبَّيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك» (٢).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول اللَّه - ﷺ -: «ويلكم: قد قد (٣»)،فيقولون: إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: كان من تلبية النبي - ﷺ -: «لبَّيْك إلهَ الحقّ»، ولفظ ابن ماجه: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال في تلبيته: «لبَّيْك إله الحق لبيك» (٥)،وقد اشتملت تلبية النبي - ﷺ - على إثبات التوحيد، والبراءة من الشرك.\nفمن حج أو اعتمر فقد شرعت له هذه التلبية، وهذا من أعظم تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك، وهذا كله من أعظم المنافع. وقوله - ﷺ -:\n«لبَّيك اللَّهمّ لبَّيك» من التلبية، وهي إجابة المنادي: أي إجابتي لك\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب التلبية، برقم ١٥٥٠.\n(٢) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب كيفية التلبية، برقم ٢٧٥٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٧٤.\n(٣) قد قد: أي: اقتصروا على هذا الكلام الذي هو توحيد، ولا تضيفوا إليه الشرك.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها، برقم ١١٨٥.\n(٥) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب كيفية التلبية، برقم ٢٧٥١،وابن ماجه، كتاب المناسك، باب التلبية، برقم ٢٩٢٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٧٤، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٦.","vol":"1","page":73},{"text":"يا ربِّ، وهو مأخوذ من لبَّ المكان، وألبَّ به إذا أقام به، وألبَّ على كذا: إذا لم يفارقه، ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير: أي إجابة لك بعد إجابة.\nوقيل معناه: اتجاهي وقصدي يا ربِّ إليك، من قولهم: داري تلبُّ دارك: أي تواجهها.\nوقيل: معناه: إخلاصي لك، من قولهم: حسبٌ لُباب، إذا كان خالصًا محضًا، ومنه لبُّ الطعام ولبابه.\nوقيل: معناها: محبتي لك يا ربِّ، من قول العرب: امرأةٌ لبَّةٌ، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه (١).\nولعظم التلبية وعلوِّ شأنها تعدَّدت معانيها عند العلماء، وكل هذه المعاني تدلُّ على توحيد اللَّه تعالى، والنهي عن ضده، وهو: الشرك باللَّه - ﷿ -، وقد نقل الإمام ابن القيم ﵀ ثمانية أقوال في معانيها، وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>١ - إجابة لك بعد إجابة</span>؛ ولهذا المعنى كررت التلبية إيذانًا بتكرير الإجابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٢ - انقياد لك بعد انقياد</span>، من قولهم: لبب الرجل إذا قبضت على تلابيبه، ومنه لببته بردائه: فالمعنى: انقدتُ لك، وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة، كما يفعل بمن لبب بردائه، وقبض على تلابيبه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٣ - أنه من لبّ بالمكان إذا قام ولزمه</span>، والمعنى: أنا مقيم على طاعتك\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ٤/ ٢٢٢.","vol":"1","page":74},{"text":"ملازم لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٤ - أنه من قولهم: داري تلبّ دارك: </span>أي تواجهها وتقابلها: أي مواجهة بما تحبّ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٥ - معناه: حبًا لك بعد حُبٍّ </span>من قولهم: امرأة لبة: إذا كانت محبة لولدها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٦ - مأخوذ من لبّ الشيء: </span>وهو خالصه، ومنه لبُّ الطعام، ولبُّ الرجل عقله وقلبه، ومعناه: أخلصت لُبِّي وقلبي لك، وجعلت لك لبِّي وخالصتي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>٧ - أنه من قولهم: فلان رخي اللبب</span>، وفي لبب رضي: أي في حال واسعة منشرح الصدر، ومعناه: بوجد المحبّ إلى محبوبه، لا بكرهٍ ولا تكلف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>٨ - أنه من الإلباب: وهو الاقتراب: </span>أي اقتراب إليك بعد اقتراب، لما يقترب المحب من محبوبه، ومعنى: «وسعديك» من المساعدة، وهي المطاوعة: أي مساعدة في طاعتك، وما تحب بعد مساعدة.\nومعنى: «والرغباء إليك»: أي الطلب والمسألة والرغبة (١).\nولا شك أن التلبية فيها الإعلان بإجابة دعوة اللَّه تعالى وطاعته،\nوالإعلان بالتوحيد والبراءة من الشرك وأهله، وهذا من أعظم المنافع.\n_________\n(١) انظر: تهذيب السنن لابن القيم، المطبوع مع مختصر سنن أبي داود للمنذري، ومعالم السنن للخطابي، ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦.","vol":"1","page":75},{"text":"وقد اشتملت التلبية على قواعد عظيمة، وفوائد جليلة، كثيرة نافعة (١).\nولا شك أن الاهتمام بمعرفة معنى التلبية، ومعرفة هذه الفوائد التي تضمنتها يعين العبد المسلم على القيام بعبادة الحج والعمرة، والتقرب لله تعالى بقول هذه الكلمات على أحسن وجه وأكمله.\n_________\n(١) وسأذكر منها إحدى وعشرين فائدة في المبحث الثالث عشر: التلبية: مفهومها، وألفاظها، وحكمها، ووقتها، وفوائدها.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المبحث الرابع: حكم الحج ومنزلته في الإسلام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>أولًا: حكم الحج في الإسلام:</span>\nالأصل في وجوب الحج الكتاب، والسنة، والإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>أما الكتاب: </span>فقول اللَّه تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١)، وحرف عَلى: يدلُّ على الإيجاب، لا سيما إذا ذُكر المستحق، فقيل: لفلان على فلان كذا، وقد أتبعه بقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾؛ ليبيَّن أن من لم يعتقد وجوبه فهو كافر، وأنه إنما وضع البيت، وأوجب حجه؛ ليشهدوا منافع لهم، لا لحاجةٍ إلى الحجاج، كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده، ويعظِّمه؛ لأن اللَّه غني عن العالمين.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ (٢) على أحد\nالتأويلين (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٤)، فأذَّن فيه إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة، وأتم التسليم: «إن لربكم بيتًا فحجّوه» (٥).\nوقال الإمام ابن كثير رحمه اللَّه تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٣) أي معنى قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾: أقيموا الحج والعمرة. [انظر: شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، لابن تيمية، ١/ ٧٧، وحاشية المحقق].\n(٤) سورة الحج، الآية: ٢٧.\n(٥) الطبري في تفسيره: جامع البيان، عن سعيد بن جبير، ١٧/ ١٠٦، ١٠٧.","vol":"1","page":77},{"text":"النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: «هذه آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل: بل هي قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾، والأول أظهر» (١).\nوقال الإمام الطبري ﵀ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال بعد أن ذكر أقوال أهل العلم: «وأولى التأويلات بالصواب في ذلك: قول من قال: «ومن كفر» ومن جحد فرض ذلك، وأنكر وجوبه، فإن اللَّه غنيٌّ عنه وعن حجه، وعن العالمين جميعًا» (٢)؛ ولهذا قال ﵀: «ومن جحد ما ألزمه اللَّه من فرض حج بيته، فأنكره، وكفر به؛ فإن اللَّه غنيٌّ عنه، وعن حجِّه وعمله، وعن سائر خلقه: من الجن والإنس ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>وأما السنة</span>؛ فلإحاديث كثيرة، منها الأحاديث الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>١ - حديث أنس بن مالك - ﵁ </span>- قال: نُهينا أن نسأل رسول اللَّه - ﷺ - عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن اللَّه أرسلك؟ قال: «صدق»، قال: فمن خلق السماء؟ قال: «اللَّه»، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «اللَّه»، قال: فمن\nنصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: «اللَّه»، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب الجبال، اللَّه أرسلك؟ قال: «نعم»،\nقال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، فقال: «صدق»، قال: فبالذي أرسلك اللَّه أمرك بهذا؟ قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: «صدق)، قال: فبالذي أرسلك اللَّه أمرك بهذا؟ قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك أنَّ علينا صومَ شهر رمضان في سنتنا، قال «صدق»، قال: فبالذي أرسلك: اللَّه أمرك بهذا؟ قال: «نعم»،\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ٤/ ١٢٠.\n(٢) جامع البيان، للطبري، ٧/ ٥١.\n(٣) المرجع السابق، ٧/ ٥٧.","vol":"1","page":78},{"text":"قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: «صدق»، قال: ثم ولَّى، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنَّ ولا أنقص منهنَّ، فقال النبي - ﷺ -: «لئن صدق ليدخلن الجنة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>٢ - حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄</span>، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «بُني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>٣ - حديث جبريل في رواية عمر بن الخطاب </span>- ﵁ -، وفيه أنه قال: بينا نحن عند رسول اللَّه - ﷺ - ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي - ﷺ -، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على\nفخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام، برقم ١٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، برقم ٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، برقم ١٦، واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":79},{"text":"سبيلًا ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٤ - حديث أبي هريرة - ﵁ </span>-، وفيه: أنه قال: خطبنا رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: «أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجّوا ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٥ - حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄</span>، قال: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّه - ﷺ -، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّه - ﷺ - جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ (٣)، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّه - ﷺ - فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» قَال: َ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَقَالَ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي سَائِلُكَ وَمُغَلِّظٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ. قَالَ: «لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ».\nقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّه إِلَهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، اللَّه بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا؟ فَقَالَ: «اللَّهمَّ نَعَمْ».\nقَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّه إِلَهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ\nبَعْدَكَ، اللَّه أَمَرَكَ أَنْ تَأْمُرَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ قَال: َ «اللَّهمَّ نَعَمْ».\nقَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ اللَّه أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟ قَالَ: «اللَّهمَّ نَعَمْ».\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ...، برقم ٨.\n(٢) مسلم، برقم ١٣٣٧، وتقدم تخريجه في منافع الحج.\n(٣) غديرتان: الغديرة: الذؤابة من الشعر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، مادة (غ در).","vol":"1","page":80},{"text":"قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً: الزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا، يُنَاشِدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا يُنَاشِدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، ثُمَّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - حِينَ وَلَّى: «إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ (١) يَدْخُلْ الْجَنَّة».\nقَالَ: فَأَتَى إِلَى بَعِيرِهِ، فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى. قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ. قَالَ: وَيْلَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللَّه لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّه - ﷿ - قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وإِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ. قَالَ: فَوَاللَّه مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا.\nقَالَ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ (٢).\n_________\n(١) العَقيصَة: الشعر المعْقُوص، وهو نحوٌ من المضْفُور. وأصلُ العقْص: اللَّيُّ، وإدْخال أطْرَاف الشَّعر في أُصُوله. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، مادة: (ع ق ص).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد، ٤/ ٢٠٩، برقم ٢٣٨٠، بلفظه، ومختصرًا في ٤/ ١١٨، برقم ٢٢٥٤،\nو٤/ ٢١١، برقم ٢٣٨١، وأخرجه أبو داود مختصرًا، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد، برقم ٤٨٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤٣، وقال محققو مسند الإمام أحمد: «حديث حسن. محمد بن الوليد بن نويفع قد توبع، وهو في السيرة» لابن هشام، ٤/ ٢١٩ - ٢٢١ عن ابن إسحاق بهذا الإسناد. ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الدارمي (٦٥٢)، وابن شبة في «تاريخ المدينة»، ٢/ ٥٢١ - ٥٢٢، وأبو داود (٤٨٧)، والبيهقي في «الدلائل» ٥/ ٣٧٤ - ٣٧٥، وقرن الدارمي وابن شبة وأبو داود بمحمد بن إسحاق سلمة بن كهيل. وأخرجه مختصرًا بنحوه ابن سعد، ١/ ٢٩٩، من طريق شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، عن كريب، به. وانظر: مسند الإمام أحمد، برقم (٢٢٥٤).\nوقوله: «جلدًا»، أي: قويًا».","vol":"1","page":81},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فتكون بنو بكر بن سعد بن بكر قد أوفدت ضمامًا في سنة تسعٍ، وفيها أسلمت ثقيف أيضًا، وهذه السنة هي سنة الوفود» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>وأما الإجماع: </span>فأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة (٢).\nقال الإمام ابن المنذر: «وأجمعوا على أن على المرء في عمره حجة واحدة: حجة الإسلام إلا أن ينذر نذرًا فيجب عليه الوفاء به» (٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد أجمع المسلمون في الجملة على أن الحجَّ فرضٌ لازمٌ» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>ثانيًا: منزلة الحج في الإسلام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>١ - الحج أحد الأركان والدعائم العظام </span>التي يقوم عليها الإسلام، فمن\n_________\n(١) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١/ ٨٧.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٥/ ٦، ونقل الإجماع أيضًا: ابن عبد البر في التمهيد، ٢١/ ٥٢، وابن حزم الظاهري، في مراتب الإجماع، ص ٧٥.\n(٣) الإجماع لابن المنذر، ص ٦١.\n(٤) شرح العمدة، لابن تيمية، ١/ ٨٧.","vol":"1","page":82},{"text":"تركه بعد الاستطاعة متعمدًا بدون عذر فقد ترك ركنًا عظيمًا من أركان الإسلام، فلا يتمُّ إسلامه إلا بأداء هذه الفريضة العظيمة؛ فهو الركن الخامس من أركان الإسلام؛ لقول النبي - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>٢ - لعظم منزلة الحج في الإسلام أن من تركه متعمدًا جاحدًا لوجوبه كفر </span>باللَّه تعالى، لقوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، فمن تركه؛ لأنه لم يعتقد وجوبه كفر (٣)، ومن تركه جاحدًا لوجوبه كفر كذلك (٤).\nالحج سهم من أسهم الإسلام، فمن تركه بدون عذرٍ فقد خاب؛ لحديث حذيفة - ﵁ - يرفعه: «الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم،\nوالصلاة سهم، والصوم سهم، وحج بيت اللَّه سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل اللَّه سهم، وقد خاب من لا سهم له» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري برقم:٨،ومسلم، برقم ١٦،واللفظ لمسلم، وتقدم تخريجه في حكم الحج في الإسلام.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.\n(٣) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، لابن تيمية، ١/ ٧٧.\n(٤) تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل آي القرآن)، ٧/ ٥١، ٥٧.\n(٥) أخرجه البزار في كشف الأستار، برقم ٨٧٥، وذكره الإمام المنذري في الترغيب والترهيب،\n١/ ٥٨٢، برقم ١١٠٠، ثم قال: «رواه البزار مرفوعًا، وفيه يزيد بن العطاء اليشكري»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ٣٨: «رواه البزار، وفيه يزيد بن عطاء وثقه أحمد وغيره، وضعفه جماعة، وبقيةُ رجاله ثقات»، وأخرجه ابن أبي شيبه في المصنف موقوفًا على حذيفة، ٥/ ٣٥٢، ١١/ ٧، والبزار، برقم ٣٣٧، والطيالسي، برقم ٤١٣، قال الألباني ﵀ في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٥٧، عن المرفوع عن حذيفة: «حسن لغيره»، وقال عن الموقوف على حذيفة: «صحيح موقوف»، وقال ﵀: «وهو مخرج في الصحيحة، ٣٣٣».\n٣ - وروي الحديث أي عن علي - ﵁ - في مسند أبي يعلى، ١/ ٤٠٠، برقم ٥٢٣، ولكن قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ٣٨: «وفي إسناده الحارث وهو كذاب»، ولكن حسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٥٧، لما تقدم ذكره.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>٤ - الحرمان لمن وسَّعَ اللَّه عليه ثم لم يزر البيت العتيق</span>؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ -، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «قال اللَّه: إن عبدًا صَحَّحْتُ له جسمه، ووسَّعْتُ عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام ولا يفِدُ إليَّ لمحروم» (١).\nقال الإمام المنذري رحمه اللَّه تعالى: «رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي، وقال: قال علي بن المنذر (٢): أخبرني بعض أصحابنا قال: كان\nحسن بن حُيَيٍّ (٣) يعجبه هذا الحديث وبه يأخذ، ويحبُّ للرجل الموسِرِ الصحيح أن لا يَتْرَكَ الحج خمس سنين» (٤)، وهذا من باب الاستحباب؛\n_________\n(١) ابن حبان في صحيحه، ٩/ ١٦، برقم ٣٧٠٣، والبيهقي، ٥/ ٢١٢، وأبو يعلى، برقم ١٠٣١، وصحح الحديث لغيره الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٤٢، وصححه أيضًا شعيب الأرنؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان، ٩/ ١٦.\n(٢) علي بن المنذر: قال عنه الألباني في هامش صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٤٢: «رجل فاضل من طبقة أحمد بن حنبل، وهو الطريفي الأودي، قال ابن أبي حاتم، ٣/ ١/ ٢٠٦: «سمعت منه مع أبي، وهو ثقة صدوق، سئل أبي عنه فقال: حج خمسين أو خمسًا وخمسين سنة، ومحله الصدق».\n(٣) حسن بن حييٍّ: هو الحسن بن صالح بن حُيَيٍّ، وهو ابن حيان بن شفيّ الهمداني، من رجال مسلم، [قاله الألباني في حاشية صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٤٢].\n(٤) الترغيب والترهيب للمنذري، ٢/ ١٦٩.","vol":"1","page":84},{"text":"لأن اللَّه لم يوجب الحج إلا مرة واحدة في العمر، إذا اكتملت شروط وجوب الحج، وهذا من رحمته بعباده، فما زاد على ذلك فهو تطوع، ولله الحمد.\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال لنسائه عام حجة الوداع: «هذه ثُمَّ ظهور الحُصُر»، قال: فكنَّ كلهنَّ يحججن إلا زينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة، وكانتا تقولان: واللَّه لا تُحرِّكنا دابةٌ بعد أن سمعنا ذلك من النبي - ﷺ -، قال إسحاق بن سليمان في حديثه: قالتا: واللَّه لا تحرِّكنا دابة بعد قول رسول اللَّه - ﷺ -: «هذه ثم ظُهُور الحُصُر»، وقال يزيد: بعد أن سمعنا ذلك من رسول اللَّه - ﷺ - (١).\nوعن أبي واقد الليثي عن أبيه - ﵁ -، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول\nلأزواجه في حجة الوداع: «هذه ثم ظُهُورَ الحُصُْرِ» (٢).\nوعن أمِّ سلمة ﵂، قالت: قال لنا رسول اللَّه - ﷺ - في حجة الوداع: «إنما هي هذه الحجة، ثم الجلوسَُ على ظُهُور الحُصَُر في البيوت» (٣).\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٤٤/ ٣٣٢، برقم ٢٦٧٥١، وأبو يعلى، برقم ٧١٥٤، والبزار، برقم ١٠٧٧، وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب، ٢/ ١٧٠، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٤٢: «حسن صحيح»، وحسن إسناده أيضًا محققو مسند الإمام أحمد،\n٤٤/ ٣٣٣.\n(٢) أحمد، ٣٦/ ٢٣٦، برقم ٢١٩٠٥، و٣٦/ ٢٤٠، برقم ٢٩١٠، وأبو داود كتاب المناسك، باب فرض الحج، برقم ١٧٢٢، والطبراني في الكبير، ٣/ ٢٥٢، برقم ٣٣١٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٨٣، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٤٣.\n(٣) أخرجه أبو يعلى،١٢/ ٣١٢،برقم ٦٨٨٥،وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، ٢/ ١٧٠: «رواه الطبراني في الكبير، وأبو يعلى، ورواته ثقات»، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٤٣.","vol":"1","page":85},{"text":"قال الإمام البيهقي ﵀: «في حج عائشة ﵂ وغيرها من أمهات المؤمنين ﵅ ... بعد رسول اللَّه - ﷺ - دلالة على أن المراد من هذا الخبر وجوب الحج عليهنَّ مرةً واحدةً كما بين وجوبه على الرجال مرة، لا المنع من الزيادة عليه واللَّه أعلم» (١) (٢).\nوقال السندي ﵀: «قوله: «هذه» أي حجتكن هذه «ثم ظهور الحصر» ثم الأولى لكنَّ لزوم البيت والحُصُر - بضمتين، وتسكَّن الصاد تخفيفًا -: جمع حصير يبسط في البيوت، ولعلَّ المراد تطييب أنفسهن بترك الحج، بعد أن لم يتيسر، أو جواز الترك لهن، على المعنى الذي ذكرنا، لا النهي عن الحج، واللَّه أعلم» (٣).\n_________\n(١) سنن البيهقي، ٤/ ٣٢٧.\n(٢) وانظر: عون المعبود شرح سنن أبي داوود، ٥/ ١٤٦، فقد ذكر الخلاف في هذه المسألة، والذي يظهر أن المرأة كالرجل في تكرار الحج والعمرة، إلا أن شدة الزحام معروفة وخطرها على النساء أكثر. واللَّه أعلم.\n(٣) حاشية محققي مسند الإمام أحمد، ٤٤/ ٢٣٢، ٣٣٣.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>المبحث الخامس: حكم العمرة</span>\nالعمرة لغة: الزيارة، وشرعًا: زيارة البيت العتيق على وجه مخصوص، بإحرام، وطواف وسعي، وحلق أو تقصير، ثم تحلل.\nوالصحيح أن العمرة تجب على من يجب عليه الحج للأحاديث الثابتة الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>١ - جواب النبي - ﷺ - لسؤال جبريل </span>من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: بينا نحن جلوس عند رسول اللَّه - ﷺ - في أناسٍ إذ جاء رجل ليس عليه شحناء سفر، وليس من أهل البلد، يتخطَّى حتى ورك فجلس بين يدي رسول اللَّه - ﷺ -،كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي رسول اللَّه - ﷺ - فقال: يا محمد، ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان»، قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال: «نعم»،قال: صدقت»،وذكر باقي الحديث ... (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>٢ - حديث عائشة ﵂ </span>أنها قالت للنبي - ﷺ -: يا رسول اللَّه! على النساء جهاد؟ قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» (٢).\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني، وقال: «إسناد ثابت صحيح» ٢/ ٢٨٢، وأخرجه مسلم بهذا الإسناد، برقم ٢٦٦٤، والبيهقي، ٤/ ٣٥٠، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ١، ١/ ٣، وفي كتاب المناسك، باب ذكر البيان أن العمرة فرض وأنها من الإسلام، برقم ٣٠٤٤، والحديث في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة، برقم ٥٠ بغير هذا السياق، وفي صحيح مسلم، برقم ٨، من حديث عمر بغير هذا السياق أيضًا، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٦.\n(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج جهاد النساء، برقم ٢٩٠١، والإمام أحمد في المسند، ٦/ ١٥٦، والمسند المحقق، برقم ٢٤٤٦٣، ٤١/ ١٠، ٤٢/ ١٩٨، برقم ٢٥٣٢٢، قال محققو المسند، ٤١/ ١٠، ٤٢/ ١٩٨: «إسناده صحيح»، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة، برقم ٣٠٧٤، والدارقطني، ٢/ ٢٨٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٥١ الطبعة القديمة، وقال العلامة ابن باز ﵀ في مجموع الفتاوى له، ١٦/ ٣١: «أخرجه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح» ..","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>٣ - حديث أبي رَزِين </span>أنه قال: يا رسول اللَّه! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن قال: «حجَّ عن أبيك واعتمر» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>٤ - حديث الصُّبيِّ بن مَعْبَدٍ</span>، في قصته الطويلة، وفيه: أنه أتى عمر بن الخطاب - ﵁ - فقال: «... يا أمير المؤمنين، إني كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا، وَإني أَسْلَمْتُ وأنا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَقَالَ لِي: اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ، وَإِنِّي أَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا، فَقَالَ لِي عُمَرُ - ﵁ -:هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ - ﷺ -» (٢).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، برقم ١٨١٠، بلفظ: «احجج عن أبيك واعتمر»، والترمذي، كتاب الحج، باب منه، برقم ٩٣٠، بلفظه، والنسائي، بلفظه، كتاب مناسك الحج، باب العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع، برقم ٢٦٣٧، وابن ماجه، بلفظه، في كتاب المناسك، باب الحج عن الحي إذا لم يستطع، برقم ٢٩٠٦، وأحمد في لفظه، ٢٦/ ١٠٤، برقم ١٦١٨٤، وابن خزيمة، برقم ٣٠٤٠، وابن حبان، برقم ٣٩٩١، والطبراني في الكبير، ١٩/ ٤٥٧، و٤٥٨، والحاكم، ١/ ٤٨١، والبيهقي، ٤/ ٣٢٩، وأخرجه أيضًا أحمد في عدة مواضع من المسند، برقم ١٦١٨٥، ١٦١٩٠، ١٦١٩٩، ١٦٢٠٣، وقال محققو المسند،\n٢٦/ ١٠٤: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير النعمان بن سالم، فمن رجال مسلم، وغير صحابيه، فقد روى له البخاري في «الأدب المفرد»، وأصحاب السنن، وصححه الألباني في: صحيح أبي داود، ١/ ٥٠٩، وصحيح الترمذي، ١/ ٤٧٧، وصحيح النسائي، ٢/ ٥٥٦، وصحيح ابن ماجه ١/ ٢٧٥.\n(٢) أبو داود، كتاب المناسك، بابٌ في الإقران، برقم ١٧٩٩، بلفظه، وأخرجه النسائي، كتاب المناسك، باب القران، برقم ٢٧٢١، وأحمد بترتيب أحمد محمد شاكر، ١/ ١٨٩، برقم ٨٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٠٥، وفي صحيح النسائي، ٢/ ٢٦٤، وأحمد شاكر في المسند، ١/ ١٨٩.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>٥ - قول ابن عمر ﵄: </span>«ليس أحد إلا وعليه حج وعمرة» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>٦ - قول ابن عمر ﵄: </span>«الحج والعمرة فريضتان» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>٧ - قول ابن عباس ﵄ عن العمرة: </span>«إنها لقرينتها في كتاب اللَّه - ﷿ -: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾» (٣).\nوهذا هو الصواب الذي دلت عليه الأدلة الشرعية أن العمرة فريضة كالحج تجب في العمر مرة واحدة على من وجب عليه الحج، سواء كان من أهل مكة أو غيرهم (٤) وهذا معنى كلام عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه وغيرهم من الصحابة رضي\nاللَّه تعالى عنهم (٥) (٦).\n_________\n(١) البخاري، كتاب العمرة، باب العمرة: وجوب العمرة وفضلها، قبل الحديث رقم ١٧٧٣، قال الألباني في مختصر صحيح البخاري، ١/ ٥١٢: «وصله ابن خزيمة، والدارقطني، ص ٢٨٢، والحاكم، ١/ ٤٧١، والبيهقي، ٤/ ٣٥١، عنه بلفظ: «ليس من خلق اللَّه أحدٌ إلا عليه حج وعمرة، واجبتان [من استطاع إليه سبيلًا]، فمن زاد بعدهما شيئًا فهو خير وتطوع»، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قال ...».\n(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ٣٥١، وقال عنه الألباني في حاشيته على مختصر البخاري له، ١/ ٥١٢: «إسناد صحيح ... عنه» ..\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب العمرة، باب العمرة: وجوب العمرة وفضلها، قبل الحديث رقم ١٧٧٣، وقال الألباني في مختصر صحيح البخاري له في حاشيته على هذا الأثر، ١/ ٥١٢: «وصله الشافعي، والبيهقي، بسند صحيح عنه».\n(٤) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة ابن باز، ١١/ ٣١٦.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة: ٥/ ١٣ وشرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ٨٨ - ٩٨ وفتح الباري ٣/ ٥٩٧ وفتاوى ابن تيمية ٦/ ٢٥٦.\n(٦) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في حكم العمرة: هل هي واجبة على من وجب عليه الحج، أم هي مستحبة؟ على قولين:\nالقول الأول: إن العمرة واجبة وفريضة من فرائض الإسلام، وهي قرينة الحج في قوله تعالى:\n﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩٦]، وقوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة، الآية: ١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩٦]. واستدلوا بالأحاديث الكثيرة الصحيحة: منها حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - في سؤال جبريل عند ابن خزيمة، والدارقطني، وحديث عائشة ﵂، وفيه: «عليهن جهاد لا قتال فيه»، وهذا ظاهر في الوجوب؛ لأن على من صيغ الوجوب، كما ذكر ذلك أهل أصول الفقه، ومن أدلتهم حديث أبي رَزين: «حج عن أبيك واعتمر»، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف، وكذلك حديث الصُّبيِّ: «وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ، فقال له أمير المؤمنين عمر - ﵁ -: «هُديت لسنة نبيِّك - ﷺ -»، وقول ابن عمر ﵄: «الحج والعمر فريضتان»، وقول ابن عباس ﵄: «إنها لقرينتها في كتاب اللَّه - ﷿ -: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، وقد تقدم تخريج جميع هذه الأحاديث وغيرها من الآثار، وأنها كلها ثابتة.\nوممن قال بأن العمرة فرض مرة واحدة في العمر: الشافعي في الصحيح من مذهبه، قال الإمام النووي: وبه قال عمر، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وطاووس، وعطاء، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، ومسروق، وأبو بردة بن أبي موسى الحضرمي، وعبد اللَّه بن شداد، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود. وقال ابن قدامة ﵀ في المغني: «وتجب العمرة على من وجب عليه الحج في إحدى الروايتين عن عمر، وابن عباس، وزيد ابن ثابت، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وبه قال الثوري، والشافعي في أحد قوليه».\nوالقول الثاني: إن العمرة سنة في العمر، وليست بواجبة، وبه قال: مالك وأصحابه، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وروي ذلك عن ابن مسعود، وحكاه ابن المنذر وغيره عن النخعي، واستدلوا بما روي عن جابر يرفعه عندما سُئل - ﷺ - عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: «لا، وإن تعتمروا هو أفضل» [الترمذي، برقم ٩٣١، وأحمد في المسند، ٣/ ٣١٦ بلفظ: «لا، وإن تعتمر خير لك»]. ولكن الحديث ضعفه ابن حجر في التلخيص، ٢/ ٢٢٦، وقال العلامة الألباني في ضعيف الترمذي، ص ١٠٠: «إسناده ضعيف». واستدلوا بما روي عن طلحة أنه سمع رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «الحج جهاد، والعمرة تطوع» [ابن ماجه، برقم ٢٩٨٩، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص ٢٤١، وفي سلسلة الأحاديث الضعيفة، برقم ٢٠٠]، وقال ابن حجر في التلخيص، ٢/ ٢٢٦: «وفي الباب عن أبي صالح عن أبي هريرة، رواه الدارقطني، وابن حزم، والبيهقي، وإسناده ضعيف».\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، ٢٦/ ٥: «والعمرة في وجوبها قولان في مذهب الشافعي، وأحمد، والمشهور عنهما وجوبها، والقول الآخر لا تجب، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وهذا القول أرجح»، فعلى هذا العمرة سنة عند شيخ الإسلام ﵀. وقال في الفتاوى أيضًا، ٢٦/ ٧: «والأظهر أن العمرة ليست بواجبة، وأن من حج ولم يعتمر فلا شيء عليه، سواء ترك العمرة عامدًا أو ناسيًا».\nويرى ابن تيمية ﵀ أن أهل مكة ليس عليهم عمرة، فقال في الاختيارات الفقهية،\nص ١٧٠: «والقول بوجوب العمرة على أهل مكة: قول ضعيف جدًا، مخالف للسنة الثابتة، ولهذا كان أصح الطريقين عن أحمد: أن أهل مكة لا عمرة عليهم، رواية واحدة».\nقال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه تعالى في أضواء البيان، ٥/ ٦٥٧، بعد أن ذكر أدلة الفريقين، وبين مناقشة الأدلة: «والذي يظهر بمقتضى الصناعة الأصولية: ترجيح أدلة الوجوب على أدلة عدم الوجوب، وذلك من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن أكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن الأصل على الخبر المبقي على البراءة الأصلية.\nالثاني: أن جماعة من أهل الأصول رجّحوا الخبر الدال على الوجوب على الخبر الدال على عدمه، ووجه ذلك هو الاحتياط في الخروج من عهدة الطلب.\nالثالث: أنك إن عملت بقول من أوجبها ... برئت ذمتك بإجماع أهل العلم من المطالبة بها، ولو مشيت على أنها غير واجبة فلم تؤدها على سبيل الوجوب بقيت مطالبًا بواجب على قول جمعٍ كثيرٍ من العلماء، والنبي - ﷺ - يقول: «دع ما يريبك إلى مالا يريبك» [الترمذي، برقم ٢٥١٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٦١١]، ويقول: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ...» [البخاري، برقم ٥٢، ومسلم، برقم ١٥٩٩].\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول: «والصواب أن العمرة واجبة مرة في العمر كالحج»، سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٧٢٧، وسمعته أثناء تقريره على كتاب العمرة من صحيح البخاري، باب العمر: وجوب العمرة وفضلها، قبل الحديث رقم ١٧٧٣، يقول: «مراد المؤلف ﵀ بيان فرضية العمرة، وأنها فريضة كالحج، وهذا هو الصواب، الذي دلت عليه الأدلة الشرعية»، وقال في مجموع الفتاوى له، ١٦/ ٣١، ٣٥٥: «والعمرة لها أدلتها، والصواب أنها واجبة مرة في العمر كالحج، وما زاد فهو تطوع».\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه اللَّه تعالى في عمرة أهل مكة: وهل هي واجبة على المكي: «في هذا خلاف في مذهب الإمام أحمد، والإمام أحمد نص على أنها غير واجبة على المكي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ... ولكن في القلب من هذا شيء؛ لأن الأصل أن دلالات الكتاب والسنة عامة، تشمل جميع الناس إلا بدليل يدل على خروج بعض أفراد العام من الحكم العام» [الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٧/ ١٠].\nقال المرداوي في الإنصاف، ٨/ ٦: «وجوب الحج في العمر مرة واحدة إجماع، والعمرة إذا قلنا: تجب، فمرة واحدة بلا خلاف، والصحيح من المذهب أنها تجب مطلقًا، وعليه جماهير الأصحاب ...» يعني على أهل مكة وغيرهم؛ ولهذا قال ابن قدامة في الكافي، ٢/ ٢٩٧: «وتجب العمرة على من يجب عليه الحج»، وقال في عمدة الفقه، ص ٧٦: «يجب الحج والعمرة مرة في العمر ...»، وقال العلامة ابن مفلح في الفروع،٥/ ٢٠١: «والعمرة فرض كالحج، ذكره الأصحاب، قال القاضي وغيره: أطلق أحمدُ وجوبها في مواضع، فيدخل فيه المكي وغيرُه».\nوانظر: المغني، لابن قدامة، ٥/ ١٣، والشرح الكبير، لابن قدامة، ٨/ ٧ - ٩، والإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٨/ ٩، وأضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٦٥١ - ٦٥٨، وشرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١/ ٨٨ - ٩٨، ومجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ٥، و٢٦/ ٢٤٨ - ٢٥٨، وفتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٥٩٧.","vol":"1","page":89},{"text":"وتجزئ عمرة المتمتع، وعمرة القارن، والعمرة من أدنى الحل عن عمرة الإسلام الواجبة (١).\nولا يجب الحج والعمرة في العمر إلا مرة واحدة؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن الأقرع بن حابس سأل النبي - ﷺ - فقال: «يا رسول اللَّه، الحجُّ في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: «بل مرة واحدة فمن زاد فهو تطوع»\nولفظ النسائي: «لو قلت: نعم لوجبت، ثم إذًا لا تسمعون ولا تطيعون، ولكنها حجةٌ واحدة» (٢).\n_________\n(١) المغني لابن قدامه، ٥/ ١٥.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب فرض الحج، برقم ١٧٢١، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب وجوب الحج، برقم ٢٦١٩، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب فرض الحج، برقم ٢٨٨٦، وأحمد، ٤/ ١٥١، برقم ٢٣٠٤، ٢٦٦٣، ٢٧٤٢، ٣٥١٠، و٣٥٢٠، ٣٣٠٣، وصححه محققو المسند، ٤/ ١٥١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٨٣، وفي صحيح سنن النسائي، ٢/ ٢٣٧، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٦.","vol":"1","page":92},{"text":"قال الإمام ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن على المرء في عمره حجةً واحدة، حجة الإسلام إلا أن ينذر نذرًا فيجب عليه الوفاء به» (١).\nوقال المرداوي ﵀: «وجوب الحج في العمر مرة واحدة إجماع، والعمرة إذا قلنا تجب فمرة واحدة بلا خلاف» (٢).\nوإذا دخل المسلم بالإحرام في حج التطوع، أو عمرة التطوع وجب عليه الإتمام، وكان ذلك فريضة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، قال الإمام ابن عبد البر ﵀: «... الإتمام يجب في العمرة كما يجب في الحج لمن دخل في واحدٍ منهما بإجماع» (٤).\n_________\n(١) الإجماع لابن المنذر، ص ٦١.\n(٢) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٨/ ٥ - ٦.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٤) التمهيد لابن عبد البر، ٢٠/ ١٧، وانظر: الإجماع لابن عبد البر، جمع فؤاد بن عبد اللَّه وعبد الوهاب بن ظافر، ص ١٤٤.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المبحث السادس: شروط وجوب الحج والعمرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>أولًا: مفهوم الشرط لغة واصطلاحًا:</span>\nالشرط لغة: العلامة، واصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>ثانيًا: شروط وجوب الحج والعمرة:</span>\nيجب الحج والعمرة بخمسة شروط (١) على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>الشرط الأول: الإسلام</span>؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢)؛ ولأنه لا يصح منهم ذلك، ومحال أن يجب ما لا يصح؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمَّره عليها رسول اللَّه - ﷺ - قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان»، هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «لا يحجُّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» (٣).\nوعن زيد بن أثيع، قال: سألت عليًا: بأي شئ بُعِثْتَ؟ قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع\nالمسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي - ﷺ - عهدٌ\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة،٥/ ٦،وشرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة لابن تيمية، ١/ ١١٣.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٢٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عُريان ولا يحج مشرك، برقم ١٦٢٢، ومسلم، كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، برقم ١٣٤٧، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ١١٥.","vol":"1","page":94},{"text":"فعهده إلى مُدَّتِهِ، ومن لا مُدَّة له، فأربعة أشهر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>الشرط الثاني: العقل</span>، فلا حج ولا عمرة على مجنون كسائر العبادات إلا أن يفيق؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الشرط الثالث: البلوغ</span>، فلا يجب الحج على الصبي حتى يحتلم؛ للحديث السابق، ولكن لو حج الصبي صح حجه ولا يجزئه عن حجة الإسلام؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن امرأة رفعت إلى النبي - ﷺ - صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» (٣).\nوعن السائب بن يزيد - ﵁ -، قال: «حُجَّ بي مع رسول اللَّه - ﷺ - وأنا ابن\nسبع سنين» (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ -: «أيما صَبِيٍّ حجَّ، ثم بلغ\n_________\n(١) أحمد، ١/ ٧٩، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية الطواف عُريانًا، برقم ٨٧١، وصححه الألباني، في صحيح الترمذي، ١/ ٤٤٩، وفي إرواء الغليل، برقم ١١٠١.\n(٢) أبو داود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا، برقم ٤٤٠١، ورقم ٤٤٠٢، والترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، برقم ١٤٢٣، وابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، برقم ٢٠٤١، ٢٠٤٢، وقد ثبت من حديث عائشه ﵂، عند أحمد، ٦/ ١٠٠، ١٠٤، وأبي داود، برقم ٤٣٩٨، والنسائي، ٦/ ١٥٦، والحاكم، ٢/ ٥٩، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل، وفي صحيح السنن.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب صحة حج الصبي، وأجر من حج به، برقم ١٣٣٦.\n(٤) البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب حج الصبيان، برقم ١٨٥٨.","vol":"1","page":95},{"text":"فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>الشرط الرابع: كمال الحرية</span>، فلا يجب الحج على المملوك، ولكنه لو حج فحجه صحيح ولا يجزئه عن حجة الإسلام؛ لقوله - ﷺ - في حديث ابن عباس ﵄ السابق: «... وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى».\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>الشرط الخامس: الاستطاعة</span>؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢).\nوقد فسَّر هذه الآية كثير من أهل العلم بما روي مرفوعًا: أن رجلًا سأل عما يوجب الحج، فقيل له: «الزاد والراحلة» (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الحج إنما يجب على من\nاستطاع إليه سبيلًا بنصِّ القرآن والسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين، ومعنى قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ واستطاعة السبيل عند أبي عبد اللَّه وأصحابه: ملك الزاد والراحلة، فمناط الوجوب وجود المال، فمن وجد المال وجب عليه الحج بنفسه أو بنائبه، ومن لم يجد المال لم يجب عليه\n_________\n(١) أخرجه الشافعي، في مسنده، ١/ ٢٩٠، والطحاوي، ١/ ٤٣٥، والبيهقي، ٥/ ١٥٦، والحاكم، ١/ ٤٨١، وغيرهم، وقال الحافظ في فتح الباري، ٤/ ٧١،: «إسناده صحيح»، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ١٥٦، برقم ٩٨٦.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.\n(٣) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب ما يوجب الحج، برقم ١٨٩٧، عن ابن عباس ﵄، ورقم ٢٨٩٦، عن ابن عمر ﵄، والترمذي عن ابن عمر، كتاب الحج، باب ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة، برقم ٨١٣، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه، وفي ضعيف الترمذي. وفي إرواء الغليل، ٤/ ١٦٧، وقال الألباني أيضًا في صحيح الترغيب والترهيب،\n٢/ ٢٠ عن حديث ابن عمر عند ابن ماجه: «حسن لغيره».","vol":"1","page":96},{"text":"الحج وإن كان قادرًا ببدنه ...» (١).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «والاستطاعة المشترطة: ملك الزاد والراحلة، وبه قال الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشافعي، وإسحاق، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وقال عكرمة: هي الصحة ...» (٢).\nقال الشنقيطي رحمه اللَّه تعالى: «... أما الأكثرون الذين فسَّروا الاستطاعة بالزاد والراحلة، فحجتهم الأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - بتفسير الاستطاعة في الآية: بالزاد والراحلة ...، وقد روي عنه ذلك من حديث: ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث أنس، ومن حديث عائشة، ومن حديث جابر، ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، ومن حديث ابن مسعود ...»، ثم تكلم الشنقيطي ﵀ عن هذه الأحاديث ثم قال: «... وبما ذكرنا تعلم أن حديث ابن عباس هذا عند ابن ماجه لا يقلّ عن درجة الحسن، مع أنه معتضد بما تقدم» (٣)،\nوقال في موضع آخر: «الذي يظهر لي واللَّه تعالى أعلم: أن حديث الزاد والراحلة المذكور ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج؛ لأن الطريقين اللتين أخرجهما به الحاكم في المستدرك عن أنسٍ قال: كلتاهما صحيحة الإسناد، وأقر تصحيحها الحافظ الذهبي، ولم يتعقبه بشيء ...» (٤)، ولكن\n_________\n(١) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، ١/ ١٢٤.\n(٢) المغني لابن قدامه، ٥/ ٨، وانظر: كلام الترمذي في سننه آخر الحديث، رقم ٨١٣.\n(٣) أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٨٢ و٨٦.\n(٤) المرجع السابق، ٥/ ٨٩، ٩٢.","vol":"1","page":97},{"text":"لو حج غير المستطيع كان حجه مجزئًا (١).\nويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر، فأما القريب الذي يمكنه المشي فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه؛ لأنها مسافة قريبة يمكنه المشي إليها» (٢).\nوشرط خاص بالمرأة: وهو وجود المحرم؛ لحديث ابن عباس ﵄، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة إلا معها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم»، فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا: قال: «انطلق فحج مع امرأتك» (٣).\nفلا يجب على المرأة أن تسافر للحج، ولا يجوز لها ذلك إلا مع زوج أو\nذي محرم (٤)، لكن لو حجت المرأة بغير محرم أجزأتها الحجة عن حجة الفرض مع معصيتها، وعظيم الإثم عليها (٥).\nوالأحاديث في تحريم سفر المرأة بدون محرم كثيرة، منها الأحاديث\n_________\n(١) انظر: مفهوم الاستطاعة في أضواء البيان، ٥/ ٧٥ - ٩٨، والمغني لابن قدامة، ٥/ ٧ - ١٤، وشرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة لابن تيمية، ١/ ١٢٤ - ١٣٠، والفتاوى الإسلامية، ٢/ ١٨٧.\n(٢) المغني لابن قدامه، ٢/ ١٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد، باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة، أو كان له عذر هل يؤذن له، برقم ٣٠٠٦، ومسلم، واللفظ له، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، برقم ١٣٤١.\n(٤) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة لابن تيمية ١/ ١٧٢.\n(٥) المرجع السابق ١/ ١٨٢.","vol":"1","page":98},{"text":"الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>الحديث الأول: حديث ابن عباس </span>المتقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>الحديث الثاني: حديث أبي هريرة - ﵁ </span>-، قال: قال النبي - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمةٌ» (١)، وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها». وفي لفظ له: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم».\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>الحديث الثالث: حديث ابن عمر ﵄ </span>أن النبي - ﷺ - قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم»، وفي لفظ: «لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم». وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>الحديث الرابع: حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ </span>- قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «لا\nيحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>الحديث الخامس: حديث ابن عباس </span>﵄ عن النبي - ﷺ -: «لا يخلونَّ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: في كم يقصر الصلاة؟، برقم ١٠٨٨، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ١٣٣٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: في كم يقصر الصلاة؟، برقم ١٠٨٦، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره برقم ١٣٣٨.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ١٣٤١.","vol":"1","page":99},{"text":"رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» (١).\nقال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى: «فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل: أي يوم بليلته، أو ليلة بيومها قل الاختلاف واندرج في الثلاث فيكون أقل المسافة يومًا وليلة» (٢).\nوقد ثبت عن ابن عباس ﵄ من قوله: «لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (٣)،والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهلٍ أو ماشية فأتمَّ» (٤).\nوهذه الأحاديث نصوص من النبي - ﷺ - في تحريم سفر المرأة بغير محرم، ولم يخصِّص سفرًا من سفر، مع أن سفر الحج من أشهرها وأكثرها، فلا يجوز أن يغفله، ويهمله، ويستثنيه بالنيّة من غير لفظ، بل قد فهم الصحابة - ﵃ - دخول سفر الحج في ذلك، لمّا سأله ذلك الرجل عن سفر الحج، وأقرّه على ذلك، وأمره أن يسافر مع امرأته، ويترك الجهاد الذي\nقد تعيّن عليه بالاستنفار فيه، ولولا وجوب ذلك لم يجز أن يخرج سفر الحج من هذا الكلام، وهو أغلب أسفار النساء؛ فإن المرأة لا تسافر في الجهاد، ولا في التجارة غالبًا، وإنما تسافر في الحج، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز لها السفر إلا على وجه يُؤمَن فيه البلاء، ثم بعض الفقهاء ذكر كل منهم ما اعتقده حافظًا لها، وصاينًا، كنسوةٍ ثقات، ورجال\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، برقم ٥٢٣٣، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، برقم ١٣٤١.\n(٢) فتح الباري، ٢/ ٥٦٦.\n(٣) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. معجم البلدان، ٤/ ١٢١.\n(٤) البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ١٣٧،وابن أبي شيبة في مصنفه واللفظ له، ٢/ ٤٤٥، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٤: «وإسناده صحيح».","vol":"1","page":100},{"text":"مأمونين، ومنعها أن تسافر بدون ذلك، فاشتراط ما اشترطه اللَّه ورسوله أحق، وأوثق، وحكمته ظاهرة؛ فإن النساء لحمٌ على وضم (١) إلا ما ذبَّ عنه، والمرأة في السفر معرضة للصعود، والنزول، والبروز، محتاجة إلى من يعالجها ويمس بدنها، وتحتاج هي ومن معها من النساء إلى قيِّمٍ يقوم عليهنّ، وغير المَحرَم لا يؤمَن، ولو كان أتقى الناس؛ فإن القلوب سريعة التقلب، والشيطان بالمرصاد (٢)، وقد قال النبي - ﷺ -: «... ألا لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة، وإيَّاكم والفُرقَة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنتُهُ وساءته سيئتُهُ فذلكم المؤمن» (٣)، ولفظ أحمد: «... ولا يخلونَّ رجل بامرأةٍ فإن ثالثهما الشيطان» (٤).\nولا يجوز للمرأة أن تسافر بغير محرم إلا في الهجرة؛ لأن الذي تهرب\nمنه شر من الذي تخافه على نفسها، وقد خرجت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وغيرها من المهاجرات بغير محرم ... (٥).\nوقال الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى بعد أن ساق روايات الأحاديث التي تنهى عن سفر المرأة بغير محرم: «.. وفي رواية أبي داود: «ولا تسافر\n_________\n(١) الوضم: كل شيء يجعل عليه اللحم يقيه من الأرض.\n(٢) شرح العمدة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١/ ١٧٤ - ١٧٩.\n(٣) الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، برقم ٢١٦٥، وصححه الألباني، في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٤٥٧.\n(٤) مسند الإمام أحمد، ١/ ٢٦.\n(٥) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١/ ١٧٤ - ١٧٩ بتصرف يسير جدًا.","vol":"1","page":101},{"text":"بريدًا» (١)، والبريد مسيرة نصف يوم، قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ؛ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة، أو البريد، قال البيهقي: كأنه - ﷺ - سُئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم؟ فقال: لا، وسُئل عن سفرها يومين بغير محرم؟ فقال: لا، وسئل عن سفرها يومًا؟ فقال: لا، وكذلك البريد، فأدَّى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحدٍ فسمعه في مواطن فروى تارةً هذا، وتارةً هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كلِّه تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد - ﷺ - تحديد أقل ما يسمَّى سفرًا، فالحاصل أن كل ما يُسمَّى سفرًا تُنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يومًا، أو بريدًا، أو غير ذلك؛ لرواية بن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم»،وهذا يتناول جميع ما يسمَّى سفرًا، واللَّه أعلم» (٢).\nومحرم المرأة: هو زوجها، ومن تحرم عليه على التأبيد: بنسب، أو\nسبب مباح:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>١ - من تحرم عليه من النسب: </span>كآبائها وإن علوا، وأبنائها وإن نزلوا، وإخوانها: الأخ الشقيق، أو لأب، أو لأم، وبني إخوتها، وأعمامها وإن علوا، وأخوالها فكلهم محارم لها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>٢ - أما محارمها بالسبب</span>، فقسمان: صهر، ورضاع:\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب في المرأة تحج بغير محرم، برقم ١٧٢٥.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ١٠٣ - ١٠٤.","vol":"1","page":102},{"text":"أما الصهر فأربعة: زوج أمها، وزوج ابنتها، وأبو زوجها، وابن زوجها.\nوأما الرضاع، فإنه يحرم منه ما يحرم من النسب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>ثالثًا: أقسام شروط وجوب الحج والعمرة:</span>\nشروط وجوب الحج والعمرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>القسم الأول: شرطان للوجوب والصحة</span>، وهما: الإسلام، والعقل، فلا تجب على كافر، ولا مجنون، ولا يصح منهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>القسم الثاني: شرطان للوجوب والإجزاء</span>، وهما: البلوغ، والحرية، وليسا شرطًا للصحة، فلو حج الصبي والعبد صَحَّ حجهما، ولم يجزئهما عن حجة الإسلام إن بلغ الصبي، أو عتق العبد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>القسم الثالث: شرط للوجوب فقط</span>، وهو الاستطاعة، بملك الزاد والراحلة، ووجود المحرم للمرأة، فلا يجب الحج ولا العمرة على غير المستطيع، ولا على امرأة ليس لها محرم، ولو تجشَّم غير المستطيع المشقة، وسار بغير زادٍ وراحلةٍ، فحَجَّ كان حجه صحيحًا مجزئًا، كما لو تكلَّف\nالقيام في الصلاة والصيام من يسقط عنه أجزأه.\nوالمرأة التي ليس لها محرم لو حجت فحجها صحيح مجزئٌ، لكنها تأثم؛ لسفرها بدون محرم (٢) (٣).\n_________\n(١) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، ١/ ١٨٠ - ١٨١.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٥/ ٧، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٨/ ٥ - ١٠.\n(٣) واختلف العلماء في شرطين: وهما:\nالأول: تخلية الطريق، وهو أن لا يكون في الطريق مانع من عدوٍّ ونحوه.\nالثاني: إمكان المسير، وهو أن تكْمُل فيه هذه الشروط، والوقت متسع يمكنه الخروج إلى الحج.\n\" فروي أنهما من شروط الوجوب فلا يجب الحج بدونهما؛ لأن اللَّه تعالى إنما فرض الحج على المستطيع، وهذا غير مستطيع؛ ولأن هذا يتعذّر معه فعل الحج، فكان شرطًا: كالزاد، والراحلة، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي.\n\" وروي أنهما ليسا من شروط الوجوب؛ وإنما يشترطان للزوم السعي، فلو كملت الشروط الخمسة المذكورة في شروط وجوب الحج، ثم مات قبل وجود هذين الشرطين حُجّ عنه بعد موته، وإن أعسر قبل وجودهما بقي الحج في ذمته، وهذا ظاهر كلام الخرقي، فإنه لم يذكرهما. [المغني، لابن قدامة، ٥/ ٧، والشرح الكبير، ٨/ ٦٦].\nويستفاد من ذلك أن من اكتملت له الشروط الخمسة، ولكن الطريق غير خالٍ من الموانع بحيث يكون فيه قطاع طرق، أو اكتملت الشروط الخمسة، ولكن الوقت لا يتسع للسفر والوصول إلى عرفات قبل فوات الحج؛ فإن الإنسان لو مات قبل أن يحج فعليه الحج، يخرج من تركته، ولا إثم عليه؛ لأن خلوَّ الطريق من الموانع، وإمكان المسير يشترطان للزوم السعي فقط. وهذا على قول من قال: إنهما ليسا من شروط الوجوب.\nوأما على قول من قال: إنهما من شروط الوجوب؛ فإنه إذا مات قبل وجود هذين الأمرين لم يكن في ذمته شيء، وإن مات بعد وجودهما وهو لم يحج أثم، ويخرج من تركته ما يحج به عنه ويعتمر.\nوهما روايتان عن الإمام أحمد، قال المرداوي في تصحيح الفروع في الرواية الثانية: وهي أنهما من شروط لزوم الأداء، وليسا من شرائط الوجوب: «وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، وهو الصواب» ٥/ ٢٤٠، وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٧، وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ١٦٧ - ١٧١، والإنصاف مع الشرح الكبير والمقنع ٨/ ٦٦ - ٧٠.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>المبحث السابع: وجوب الحج على الفور</span>\nمن كملت له شروط وجوب الحج وجب عليه أن يحج على الفور ولم يجز له تأخيره، ويأثم إن أخَّره بلا عُذرٍ؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له»، وهذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود: «من أراد الحجّ فليتعجّل»، ولفظ ابن ماجه: «من أراد الحجَّ فليتعجَّل، فإنه قد يمرض المريض، وتضلُّ الدّابّة، وتعرض الحاجة» (١).\nفأمر بالتعجيل والأمر يقتضي الإيجاب (٢)؛ ولهذا ثبت عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: «لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين» (٣)، وفي رواية أنه قال: ليمت يهوديًا أو نصرانيًا - يقولها ثلاث مرات - رجل مات ولم يحج، ووجد لذلك سَعَة، وخُلِّيت سبيله (٤)، فإذا وجدت هذه الشروط في شخص فقد وجب عليه الحج (٥).\n_________\n(١) مسند أحمد، ٥/ ٥٨، برقم ٢٨٦٧، ورقم ١٨٣٣،وأبو داود، كتاب المناسك، بابٌ، برقم ١٧٣٢، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الخروج إلى الحج، برقم ٢٨٨٣،وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٢٥،وفي صحيح سنن ابن ماجه،٣/ ٥،وفي إرواء الغليل، ٤/ ١٦٨.\n(٢) انظر: شرح العمدة في مناسك الحج والعمرة لابن تيمية، ١/ ٢٠٦، ومجموع فتاوى ابن باز في الحج، ٥/ ٢٤٣، والمغني لابن قدامة، ٥/ ٣٦، وأضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ١٢٥.\n(٣) رواه سعيد ابن منصور في سننه، وصححه ابن حجر في التلخيص الحبير موقوفًا، ٢/ ٢٢٣.\n(٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى،٤/ ٣٣٤،وصححه ابن حجر في التلخيص الحبير موقوفًا، ٢/ ٢٢٣.\n(٥) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى هل الحج يجب إذا اكتملت الشروط على الفور أم على التراخي فيجوز تأخيره إلى وقت آخر؟ على قولين:\nالقول الأول: قول الجمهور: وهو أن الحج يجب على الفور إذا اكتملت شروط وجوبه، قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٣٦: «وجملة ذلك أن من وجب عليه الحجُّ وأمكنه فعله وجب عليه على الفور، ولم يجز له تأخيره، وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك».\nواستدل الجمهور على وجوب الحج على الفور بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٩٧]، وبقول النبي - ﷺ -: «أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجُّوا ...» [مسلم، برقم ١٣٣٧]، والأصل في الأمر أن يكون على الفور؛ ولهذا غضب النبي - ﷺ - في غزوة الحديبية عندما أمر أصحابه بالحلق والإحلال وتباطؤوا [انظر: صحيح البخاري، برقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢]، وقد جاء أمر النبي - ﷺ - بالتعجل إلى الحج، فقال: «تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» [أحمد، برقم٢٨٦٧، وأبو داود، برقم ١٧٣٢، وابن ماجه، برقم ٢٨٨٣، وصححه الألباني، وتقدم تخريجه]، فأمر بالتعجيل والأمر يقتضي الإيجاب، ولأن اللَّه أمر بالاستباق إلى الخيرات فقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ...﴾ [البقرة: ١٤٨] والتأخير خلاف ما أمر به.\nوهذا هو الصواب: وهو أن الحج يجب على الفور؛ لما تقدم، وقد رجحه شيخنا ابن باز: وأن الحج يجب على الفور في أصح قولي العلماء [مجموع الفتاوى لابن باز، ١٦/ ٣٠، ١٢١، ٣٤٨، ٣٥٣، ٣٥٨]، وكذا قال ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٧/ ١٦: «الصواب أنه واجب على الفور»، وهو مذهب الحنابلة، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وهو قول الجمهور.\nالقول الثاني: أن الحج يجب وجوبًا موسعًا: أي على التراخي، وله تأخيره، وهو قول الشافعي ﵀، واحتجوا بالقياس على الصلاة في الوقت: إن شئت صلها في أوله، أو في آخره، والعمر هو وقت الحج، فإن شاء حج أول العمر أو آخره، واحتجوا أيضًا بأن اللَّه فرض الحج في السنة السادسة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولم يحج النبي - ﷺ - إلا في السنة العاشرة.\nولكن الصحيح أنه يجب على الفور؛ للأدلة السابقة في قول الجمهور، وأما القول: إن عمر الإنسان كله وقت للحج، فهذا صحيح، لكن جاءت الأدلة بالأمر بالتعجيل؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾ فهذا ليس أمرًا بهما ابتداءً، ولكنه أمر بالإتمام بعد الشروع فيهما، وأما فرض الحج فالصواب أنه فرض في السنة التاسعة، ولم يحج النبي - ﷺ - إلا في العاشرة؛ لكثرة الوفود عليه في تلك السنة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. [انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٣٦ - ٣٧، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٨/ ٥٠ - ٥١، وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ١٩٨ - ٢٢٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ١٨، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٢٥١ - ٢٥٤، والروض المربع المحقق، ٥/ ١٨]. قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه تعالى: «اختلف أهل العلم في ذلك، وسنبين هنا إن شاء اللَّه أقوالهم، وحججهم، وما يرجحه الدليل عندنا من ذلك:\nفممن قال: إن وجوبه على التراخي: الشافعي وأصحابه، قال النووي: وبه قال الأوزاعي، والثوري، ومحمد بن الحسن، ونقله الماوردي عن ابن عباس، وأنس، وجابر، وعطاء، وطاوس.\nوممن قال إنه على الفور: الإمام أحمد، وأبو يوسف، وجمهور أصحاب أبي حنيفة، والمزني ...\nأما مذهب مالك فعنه في المسألة قولان مشهوران كلاهما شهره بعض علماء المالكية: أحدهما أنه على الفور، والثاني أنه على التراخي ...». ثم ذكر ﵀ أدلة كل فريق بالتفصيل، ثم بيّن ما ردَّ به كل فريقٍ على من خالفه، ثم قال ﵀: «أظهر القولين عندي وأليقهما بعظمة خالق السموات والأرض: هو وجوب أوامره جل وعلا كالحج على الفور، لا على التراخي؛ لما قدمنا من النصوص الدالة على الأمر بالمبادرة، وللخوف من مباغتة الموت كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران، الآية: ١٣٣]، ولما قدمنا معها من الآيات، وكقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف، الآية: ١٨٥]، ولما قدمنا من أن الشرع، واللغة، والعقل كلها تدل على أن أوامر اللَّه تجب على الفور، وقد بيّنا أوجه الجواب عن كونه - ﷺ - لم يحجّ حجّة الإسلام إلا سنة عشر، والعلم عند اللَّه تعالى» [أضواء البيان، ٥/ ١٠٨، ١٢٥].","vol":"1","page":105},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-145> فإن كان قادرًا على الحج بنفسه وجب عليه أن يحج</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-146> وإن كان عاجزًا عن الحج بنفسه فعلى نوعين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>النوع الأول: </span>إن كان يرجو زوال عجزه وبرءه كالمريض الذي مرضه طارئ ويرجو الشفاء، فإنه يؤخر الحج حتى يستطيع الحج بنفسه فإن مات قبل ذلك حُجَّ عنه من تركته ولا يأثم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>النوع الثاني: </span>وإن كان الذي وجب عليه الحج عاجزًا عجزًا مستمرًا لا يرجو زواله ولا يرجو بُرءَه، كالكبير، والمريض المقعد الميئوس منه، ومن لا يستطيع الركوب، فإنه يُوكِّل من يحج عنه ويعتمر (١).\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان، ٥/ ٩٣ و٩٨، والمغني لابن قدامة، ٥/ ١٩ و٢٢ وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ١٨٣ والمنهج لمريد الحج والعمرة لابن عثيمين، ص٥٢.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المبحث الثامن: النيابة في الحج والعمرة</span>\nمن لا يستطيع الحج والعمرة بنفسه وقد اكتملت له الشروط كمن لا يستطيع الركوب، ولا يقدر عليه ولا يثبت على المركوب، ولا يُرجى برؤه فإنه يلزمه أن يُنيب من يحجَّ عنه ويعتمرُ (١)؛لحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول اللَّه إن فريضة اللَّه على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: «نعم»،وذلك في حجة الوداع. وفي رواية لمسلم: «فحجي عنه» (٢).\nوحديث أبي رَزِين أنه قال: يا رسول اللَّه إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: «فحج عن أبيك واعتمر» (٣).\nفإن توفِّي من وجب عليه الحجُّ ولم يحج أُخرج عنه من ماله ما يُحجُّ به عنه، ويُعتمر (٤)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: أمرت امرأة سنان بن\n_________\n(١) المغني لابن قدامة،٥/ ١٩،وشرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة لابن تيمية،١/ ١٣٣،\nو١٨٣، والروض المربع حاشية ابن قاسم،٣/ ٥١٨،وأضواء البيان، ٥/ ٩٣،وشرح الزركشي، ٣/ ٣١.\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، برقم ١٨٥٤، ومسلم، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانةٍ وهرمٍ ونحوهما أو للموت، برقم ١٣٣٤.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، برقم ١٨١٠، والترمذي، كتاب الحج، باب الحج عن الشيخ الكبير، برقم ٩٣٠، والنسائي كتاب الحج، باب العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع، برقم ٣٦٣٨، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج عن الحي إذا لم يستطع، برقم ٢٩٠٦، وانظر: صحيح النسائي، ٢/ ٥٥٦، وصحيح أبي داود، ١/ ٣٤١، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ١٥٢، وصحيح الترمذي، ١/ ٢٧٥.\n(٤) المغني، لابن قدامة، ٥/ ٣٦، ٣٨، و١٩، وشرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١/ ١٨٣.","vol":"1","page":108},{"text":"عبد اللَّه الجهني أن يسأل رسول اللَّه - ﷺ - أن أمها ماتت ولم تحجّ أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: «نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها أكان يجزئ عنها؟» قال: نعم، قال: «فلتحجَّ عن أمها» (١).\nوحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم. قال: «اقضوا اللَّه فاللَّه أحق بالوفاء» (٢).\nوفي رواية: «فاقضوا اللَّه الذي له؛ فإن اللَّه أحق بالوفاء» (٣).\nوفي رواية: أن رجلًا قال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت، فقال: «فاقض اللَّه، فهو أحق بالقضاء» (٤).\nوحديث ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه - ﷺ - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من شبرمة؟» قال: أخٌ لي أو قريبٌ لي، قال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا. قال: «حجّ عن نفسك ثم عن\nشبرمة» (٥).\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ١/ ٢١٧، ٢٤٤، ٢٧٩، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب الحج عن الميت الذي لم يحج، برقم ٢٦٣١، وابن خزيمة، برقم ٣٠٣٤، ٣٠٣٥، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٥٥٩.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت، برقم ١٨٥٢.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين اللَّه حكمهما ليفهم السائل، برقم ٧٣١٥.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر، برقم ٦٦٩٩.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، برقم ١٨١١، وابن ماجه، كتاب الحج، باب الحج عن الميت، برقم ٢٩٠٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٤١، وإرواء الغليل، ٤/ ١٧١.","vol":"1","page":109},{"text":"وحديث عبد اللَّه بن عمرو: «أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يُعتِق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول اللَّه - ﷺ -، فأتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول اللَّه إن أبي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، وإن هشامًا أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إنه لو كان مسلمًا فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك»، (وفي رواية): «فلو كان أقرَّ بالتوحيد فصُمت وتصدقت عنه نفعه ذلك» (١) (٢).\nووجه الدلالة من هذه الأحاديث على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>الوجه الأول: أن النبي - ﷺ - أمر بفعل حجة الإسلام</span>، والحجة المنذورة عن الميت، وبيّن أنها تُجزئ عنه، وهذا يدل على بقائها في ذمته، وأنها لم تسقط بالموت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>الوجه الثاني: أن النبي - ﷺ - بيَّن أن الحج دَيْنٌ في الذمة</span>، وكل من عليه\nدين وجب أن يُقضى عنه من تركته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>الوجه الثالث: قوله - ﷺ -: «اقضوا اللَّه فاللَّه أحق بالوفاء»: </span>إما أن يكون\n_________\n(١) قلت: هذه الرواية ظاهرها أن صيام التطوع يلحق الميت إذا أُهدي له، واللَّه تعالى أعلم.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في وصية الحربي، يسلم وليه أيلزمه أن ينفذها، برقم ٢٨٨٣، والبيهقي، ٦/ ٢٧٩، قال الألباني: «والسياق له، وأحمد، رقم ٦٧٠٤، والرواية الأخرى له، وإسنادهم حسن».","vol":"1","page":110},{"text":"معناه: أن قضاء دين اللَّه أوجب من قضاء دين الآدمي، كما فسره بذلك القاضي وغيره؛ لأن وجوبه أوكد وأثبت، وإما أن يكون معناه: إذا كان قضاء دين الآدمي يجزئ عنه بعد الموت، فدين اللَّه أحق أن يجزئ؛ لأن اللَّه تعالى كريم جواد، ومن يكون أحرى بقبول القضاء فحقه أولى أن يُقضى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>الوجه الرابع: أن هذه الأحاديث تقتضي جواز فعل الحج المفروض عن الميت</span>؛ سواء أوصى بذلك أم لم يوصِ، وسواء كان له تركة أم لم يكن له شيء؛ لأن النبي - ﷺ - لم يسألهم عن تركة خلَّفوها، وتقتضي أن ذلك يجزئ عنه، ويُؤدَّى عنه ما وجب عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>الوجه الخامس: أن النبي - ﷺ - أمر الولي أن يحج عنه</span>، والأمر يقتضي الوجوب، لا سيما وقد شبهه بالدين الذي يجب قضاؤه من تركته (١).\n* ولا يجوز أن يحج النائب عن غيره إلا بعد أن يحج عن نفسه؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه - ﷺ - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من شبرمة؟» قال: أخٌ لي، أوقريبٌ لي، قال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا. قال: «حج عن نفسك ثم عن شبرمة» (٢).\nوينبغي أن يحرص المستنيب على اختيار الوكيل الصالح الذي يعرف أحكام الحج والعمرة، ويراقب اللَّه - ﷿ - في ذلك؛ لأن هذا من أسباب القبول، وعلى الوكيل أن يخلص النية لله سبحانه، ويَعْلم أنه لا ينبغي\n_________\n(١) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، ١/ ١٨٦ - ١٨٨.\n(٢) أبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٤١، وإرواء الغليل،\n٤/ ١٧١، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":111},{"text":"لأحدٍ على الصحيح أن يأخذ مالًا يحج به عن غيره إلا لأحد رجلين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>١ - رجل يحب أن يبرئ ذمة الميت عن الحج ويحسن إليه </span>بقضاء هذا الدين، إما لصلةٍ بينهما أو رحمة عامة بالمؤمنين فيأخذ من المال ما يستعين به على أداء الحج عنه ويرد الباقي الفاضل من المال، وهذا محسن واللَّه يحب المحسنين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>٢ - رجل يحب الحج ورؤية المشاعر وهو عاجز عن النفقة </span>فيأخذ ما يقضي حاجته ويؤدي به عن أخيه فريضة الحج.\nوالخلاصة: أن المستحب للوكيل أن يأخذ ليَحُجَّ لا أن يحُجَّ ليأخذ، وهذا يُرجَى له الثواب العظيم وأن يُعطى مثل أجر من وكَّله أو حج عنه إن شاء اللَّه تعالى (١) قال النبي - ﷺ -: «الخازن الأمين الذي يؤدي ما أُمِر به طيبة به نفسه أحد المتصدقين» (٢).\nأما من أخذ المال، وأراد الدنيا بعمل الآخرة، ولم يقصد إلا الحطام الفاني، فليس له في الآخرة من نصيب؟ (٣)، واللَّه المستعان.\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٤ - ٢٠ بتصرف.\n(٢) البخاري مع الفتح، ٤/ ٤٣٩ ومسلم ٢/ ٧١٠.\n(٣) انظر: فتاوى ابن تيمية ٢٦/ ٢٨ و٢٠.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>المبحث التاسع: آداب السفر والعمرة والحج</span>\nالآداب التي ينبغي للمسافر والمعتمر والحاج المسافر (١) معرفتها والعمل بها؛ ليحصل على عمرة مقبولة، ويُوفَّق لحج مبرور، وسفر مبارك آداب كثيرة منها: آداب واجبة وآداب مستحبة، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الآداب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>أولًا: يستخير اللَّه سبحانه في الوقت، والراحلة، والرفيق</span>، وجهة\nالطريق إن كثرت الطرق، ويستشير في ذلك أهل الخبرة والصلاح. أما\n_________\n(١) اختلف العلماء في نوع السفر الذي تختص به رخص السفر: من القصر، والجمع، والفطر، والمسح على الخفين والعمائم ثلاثة أيام، والصلاة على الراحلة تطوعًا على أقوال:\n١ - فقيل: رخص السفر: من القصر، والجمع، والفطر في رمضان، والمسح ثلاثًا، والصلاة على الراحلة تطوعًا تكون في السفر الواجب: كالسفر لفريضة الحج، أو العمرة الواجبة، أو الجهاد الواجب، والسفر المندوب: كالسفر لحج التطوع، أو عمرة التطوع، أو جهاد التطوع، والمباح: كالسفر للتجارة المباحة، وكل أمر مباح، أما السفر المحرم: كأن يسافر لفعل ما حرمه اللَّه تعالى، والمكروه: كأن يسافر الإنسان وحده، فلا تباح فيه هذه الرخص.\n٢ - وقيل: لا يقصر إلا في الحج والعمرة والجهاد؛ لأن الواجب لا يترك إلا لواجب، أما السفر المباح والمحرم والمكروه فلا.\n٣ - وقيل لا يقصر إلا في سفر الطاعة؛ لأن النبي - ﷺ - إنما قصر في سفر واجب أو مندوب.\n٤ - وذهب الإمام أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة كثيرة من العلماء إلى أنه يجوز القصر حتى في السفر المحرم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعًا في جنس السفر ولم يخص سفرًا دون سفر، وهذا القول هو الصحيح، فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر». مجموع الفتاوى، ٢٤/ ١٠٩، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٥ - ١١٧، والاختيارات العلمية، من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١١٠، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٤٧، والشرح الكبير المطبوع مع المقنع، ٥/ ٣٠، والإنصاف للمرداوي المطبوع مع الفتح والشرح الكبير،٥/ ٣٤،والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٤٩٣، والفتاوى له، ١٥/ ٢٦٠، ٢٧٤ - ٢٨١.","vol":"1","page":113},{"text":"الحج؛ فإنه خير لا شك فيه. وصفة الاستخارة أن يصلي ركعتين ثم يدعو بالوارد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>ثانيًا: يجب على الحاج والمعتمر أن يقصد بحجه وعمرته </span>وجه اللَّه تعالى، والتقرب إليه، وأن يحذر أن يقصد حطام الدنيا أو المفاخرة، أو حيازة الألقاب، أو الرياء والسمعة؛ فإن ذلك سبب في بطلان العمل وعدم قبوله. قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣).\nوالمسلم هكذا لا يريد إلا وجه اللَّه والدار الآخرة؛ ولهذا قال اللَّه - ﷿ -:\n﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (٤).\nوفي الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا\nأشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٥).\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الاستخارة، برقم ٦٠١٩، وحصن المسلم، ص٤٥، للمؤلف.\n(٢) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢، ١٦٣.\n(٣) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(٤) سورة الإسراء، الآية: ١٨.\n(٥) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير اللَّه، برقم ٢٩٨٥.","vol":"1","page":114},{"text":"وقد خاف النبي - ﷺ - على أمته من الشرك الأصغر فقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» فسُئل عنه فقال: «الرياء» (١).\nوقال - ﷺ -: «من سمَّع سمَّع اللَّه به، ومن يُرائي يُرائي اللَّه به» (٢).\nقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>ثالثًا: على الحاج والمعتمر التَّفَقُّه في أحكام العمرة والحج</span>، وأحكام السفر قبل أن يسافر: من القصر، والجمع، وأحكام التيمم، والمسح على الخفين، وغير ذلك مما يحتاجه في طريقه إلى أداء المناسك قال النبي - ﷺ -: «من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين» (٤).وسيأتي ذلك إن شاء اللَّه تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>رابعًا: التوبة من جميع الذنوب والمعاصي</span>، سواء كان حاجًّا أو معتمرًا، أو غير ذلك فتجب التوبة من جميع الذنوب والمعاصي، وحقيقة التوبة: الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها، والندم على فعل ما مضى منها، والعزيمة على عدم العودة إليها، وإن كان عنده للناس مظالم ردّها وتحللهم منها، سواء كانت: عرضًا أو مالًا، أو غير ذلك من قبل أن\nيُؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات أخيه فطرحت عليه (٥).\n_________\n(١) أحمد في المسند،٥/ ٤٢٨ وحسنه الألباني في صحيح الجامع،٢/ ٤٥.\n(٢) متفق عليه من حديث جندب - ﵁ -: البخاري، كتاب الرقاق، باب الرياء والسمعة، برقم ٦٤٩٩، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير اللَّه، برقم ٢٩٨٧.\n(٣) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٤) البخاري، من حديث معاوية - ﵁ -،كتاب العلم، باب من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، برقم ٧١.\n(٥) انظر: سورة النور، الآية:٣١،والبخاري، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، برقم ٦٥٣٤، ٦٥٣٥.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>خامسًا: على الحاج أو المعتمر أن ينتخب المال الحلال لحجه </span>وعمرته؛ لأن اللَّه طيِّبٌ لا يقبل إلا طيّبًا؛ ولأن المال الحرام يسبب عدم إجابة الدعاء (١)، وأيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>سادسًا: يستحب للمسافر أن يكتب وصيته، وما له وما عليه </span>فالآجال بيد اللَّه تعالى، قال اللَّه - ﷿ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣).\nوقال النبي - ﷺ -: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٤).\nويشهد عليها، ويقضي ما عليه من الديون، ويرد الودائع إلى أهلها أو يستأذنهم في بقائها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>سابعًا: يستحب للمسافر أن يوصي أهله بتقوى اللَّه تعالى</span>، وهي وصية اللَّه تعالى للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ\nمِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (٥).\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، برقم ١٠١٥.\n(٢) أبو نعيم في الحلية بنحوه،١/ ٣١،وأحمد في الزهد بمعناه، ص١٦٤،وفي المسند،٣/ ٣٢١، والدارمي، ٢/ ٢٢٩،وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح الجامع،٤/ ١٧٢،وانظر: فتح الباري، ٣/ ١١٣.\n(٣) سورة لقمان، الآية: ٣٤.\n(٤) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄: البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصايا، برقم ٢٧٣٨، ومسلم، كتاب الوصية، برقم ١٦٢٧.\n(٥) سورة النساء، الآية: ١٣١.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>ثامنًا: يستحب للمسافر أن يجتهد في اختيار الرفيق الصالح</span>، ويحرص أن يكون من طلبة العلم الشرعي؛ فإن هذا من أسباب توفيقه وعدم وقوعه في الأخطاء في سفره وفي حجه وعمرته؛ لقول النبي - ﷺ - «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (١)؛ولقوله - ﷺ - «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي» (٢)، وقد مثل النبي - ﷺ - الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>تاسعًا: يستحب للمسافر أن يودع أهله، وأقاربه، وأهل العلم: </span>من جيرانه، وأصحابه، قال النبي - ﷺ -: «من أراد سفرًا فليقل لمن يخلِّف: أستودعكم اللَّه الذي لا تضيع ودائعه» (٤)، وكان النبي - ﷺ - يودع أصحابه\nإذا أراد أحدهم سفرًا فيقول: «أستودع اللَّه دينك وأمانتك وخواتيم عملك» (٥)، وكان - ﷺ - يقول لمن طلب منه أن يوصيه من المسافرين:\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، برقم ٤٨٣٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ١٨٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، برقم ٤٨٣٢، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في صحبة المؤمن، برقم ٢٣٩٥، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٤٨٣٢، وصحيح الترمذي، برقم ٢٥١٩.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي موسى - ﵁ -: البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، برقم ٥٥٣٤، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء، برقم ٢٦٢٨.\n(٤) أحمد، ٢/ ٤٠٣، ابن ماجه، الجهاد، باب تشييع الغزاة ووداعهم، برقم ٢٨٢٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦، ٢٥٤٧، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٣٣.\n(٥) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الدعاء عند الوداع، برقم ٢٦٠٠،والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء فيما يقول إذا ودع إنسانًا، برقم ٣٤٤٢،وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٥٥.","vol":"1","page":117},{"text":"«زوَّدك اللَّه التقوى، وغفر ذنبك، ويسَّر لك الخير حيثُ ما كنتَ» (١). وجاء رجل إلى النبي - ﷺ - يريد سفرًا فقال: يا رسول اللَّه أوصني، فقال: «أوصيك بتقوى اللَّه والتكبير على كل شرف»، فلما مضى قال: «اللَّهم ازوِ له الأرض، وهوِّن عليه السفر» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>عاشرًا: لا يصطحب معه الجرس والمزامير والكلب في السفر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس» (٣). وعنه - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «الجرس مزامير الشيطان» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الحادي عشر: إذا أراد السفر بإحدى زوجاته إن كان له أكثر من واحدة أقرع بينهن </span>فأي زوجة وقعت عليها القرعة خرجت معه؛\nلحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه» (٥). وهذا هو السنة، إذا أراد أن\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا ودع إنسانًا، برقم ٣٤٤٤، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤١٩: «حسن صحيح».\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب منه وصيته - ﷺ - المسافر بتقوى اللَّه والتكبير على كل شرف، برقم ٣٤٤٥ وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الحرس والتكبير في سبيل اللَّه، برقم ٢٧٧١. وأحمد، والحاكم، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٥٦، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ١٢٤، وصحيح ابن خزيمة، ٤/ ١٤٩.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة: باب كراهة الكلب والجرس في السفر، (برقم ٢١١٣).\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب كراهة الكلب والجرس في السفر، (رقم ٢١١٤)، وأحمد في مسنده، (٢/ ٣٧٢)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في تعليق الأجراس، (رقم ٢٥٥٦).\n(٥) متفق عليه، البخاري، كتاب الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها، برقم ٢٥٩٣، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عائشة ﵂، برقم ٢٤٤٥.","vol":"1","page":118},{"text":"يسافر ببعض نسائه، فالقرعة فيها راحة عظيمة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>الثاني عشر: يستحب له أن يخرج للسفر يوم الخميس </span>من أول النهار؛ لفعله - ﷺ -. قال كعب بن مالك - ﵁ -: «لقلَّما كان رسول اللَّه - ﷺ - يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس» (٢).\nودعا لأمته - ﷺ - بالبركة في أول النهار فقال: «اللَّهم بارك لأمتي في بكورها» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>الثالث عشر: يستحبُّ له أن يدعو بدعاء الخروج من المنزل </span>فيقول عند خروجه: «بسم اللَّه، توكلت على اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه (٤)، اللَّهم إني أعوذ بك أن أضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أزلَّ أو أُزَلَّ، أو أظلِمَ أو\nأُظلَمَ، أو أجهلَ أو يُجهلَ عليَّ» (٥).\n_________\n(١) سمعته من شيخنا الإمام ابن باز أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٢٨٧٩.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد، باب من أراد غزوة فورّى بغيرها ومن أحب الخروج يوم الخميس، برقم ٢٩٤٨.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الابتكار في السفر (رقم ٢٦٠٦)،والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في التبكير بالتجارة، (رقم ١٢١٢)،وابن ماجه في كتاب التجارات، باب ما يرجى من البركة في البكور، (رقم ٢٢٣٦)، وأحمد في مسنده، (١/ ١٥٤، ٣/ ٤١٦)، قال أبو عيسى: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،٢/ ٤٩٤،وصحيح الترمذي،٢/ ٧ - ٨.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا خرج من بيته، (رقم ٥٠٩٥)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا خرج من بيته، (رقم ٣٤٢٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٤١٠، وصحيح أبي داود، ٣/ ٩٥٩.\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا خرج من بيته، (رقم ٥٠٩٤)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب منه، (رقم ٣٤٢٧)، والنسائي في كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من دعاء لا يستجاب، (رقم ٥٥٣٦)، وابن ماجه في كتاب الدعوات، باب ما يدعو الرجل إذا خرج من بيته، (رقم ٣٨٨٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٩٥٩، وصحيح الترمذي، ٣/ ٤١٠ - ٤١١.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>الرابع عشر: يستحبّ له أن يدعو بدعاء السفر، إذا ركب </span>دابته، أو سيارته، أو الطائرة، أو غيرها من المركوبات فيقول: «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر» ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (١)، «اللَّهمّ إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللَّهمّ هوِّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللَّهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللَّهمّ إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب: في المال، والأهل ..» وإذا رجع من سفره قالهن وزاد فيهن: «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>الخامس عشر: يستحبّ له أن لا يسافر وحده بلا رفقة</span>؛ لقوله - ﷺ -: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» (٣).وقال - ﷺ -: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>السادس عشر: يؤمِّر المسافرون أحدَهم؛ ليكون أجمعَ لشملهم</span>، وأدعى لاتفاقهم، وأقوى لتحصيل غرضهم، قال - ﷺ -: «إذا خرج ثلاثة في\n_________\n(١) سورة الزخرف، الآيتان: ١٣ - ١٤.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره، (رقم ١٣٤٢).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب السير وحده، (رقم ٢٩٩٨).\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الرجل يسافر وحده، (رقم ٢٦٠٧)، والترمذي في كتاب الجهاد، باب ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده، (رقم ١٦٧٤)، وقال: حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده، (٢/ ١٨٦، ٢١٤)، والحاكم في المستدرك، (٢/ ١٠٢) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسّنه الألباني في الصحيحة، (رقم ٦٢)، وصحيح الترمذي، ٢/ ٢٤٥.","vol":"1","page":120},{"text":"سفر فليؤمِّروا أحدهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>السابع عشر: يستحب إذا نزل المسافرون منزلًا أن ينضمّ بعضهم إلى بعض</span>، فقد كان بعض أصحاب النبي - ﷺ - إذا نزلوا منزلًا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال - ﷺ -: «إنما تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان» (٢). فكانوا بعد ذلك ينضمُّ بعضُهم إلى بعض حتى لو بسط عليهم ثوب لوسعهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>الثامن عشر: يستحبّ إذا نزل منزلًا في السفر أو غيره </span>من المنازل أن يدعو بما ثبت عنه - ﷺ -: «أعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق»؛ فإنه إذا قال ذلك لم يضرَّه شيء حتى يرتحل من منزله ذلك (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>التاسع عشر: يستحبّ له أن يكبّر على المرتفعات ويسبح إذا هبط </span>المنخفضات والأودية، قال جابر - ﵁ -: «كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا\nسبحنا» (٤)، ولا يرفعوا أصواتهم بالتكبير، قال - ﷺ -: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب» (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، برقم ٢٦٠٨، ٢٦٠٩، وحسّنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٩٤، ٤٩٥.\n(٢) أبو داود، كتاب الجهاد، باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته، برقم ٢٦٢٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١٣٠.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، برقم ٢٧٠٩.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب التسبيح إذا هبط واديًا، برقم ٢٩٩٣.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير، برقم ٢٩٩٢، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، برقم ٢٧٠٤.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>العشرون: يستحبّ له أن يدعوَ بدعاء دخول القرية أو البلدة </span>فيقول إذا رآها: «اللَّهم ربَّ السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>الحادي والعشرون: يستحبّ له السير أثناء السفر في الليل </span>وخاصة أوله؛ لقوله - ﷺ -: «عليكم بالدُّلجة؛ فإن الأرض تُطوَى بالليل» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>الثاني والعشرون: يستحبّ له أن يقول في السحر إذا بدا له الفجر: </span>«سمّع سامعٌ بحمد اللَّه وحسن بلائه علينا. ربنا صاحبنا،\nوأفضل علينا عائذًا باللَّه من النار» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>الثالث والعشرون: يستحبّ له أن يكثر من الدعاء في السفر</span>؛ فإنه حريٌّ بأن تجاب دعوته، ويُعطى مسألته؛ لقوله - ﷺ -: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد\n_________\n(١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٥٤٤،وابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم ٥٢٤، وابن حبان كما في موارد الظمآن، برقم ٢٣٧٧، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ٢٥٦٥، والحاكم في المستدرك، ١/ ٤٤٦، ٢/ ١٠٠، وصححه ووافقه الذهبي، وحسّنه الحافظ ابن حجر. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١٣٧: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وقال ابن باز ﵀ في تحفة الأخيار، ص٣٧: «رواه النسائي بإسناد حسن».\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الدلجة، برقم ٢٥٧١، والحاكم في مستدركه، ١/ ٤٤٥، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه الكبرى، ٥/ ٢٥٦، وصححه الألباني في الصحيحة، برقم ٦٨١، وفي صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٦٩.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧١٨.","vol":"1","page":122},{"text":"على ولده» (١).\nويكثر الحاج من الدعاء كذلك على الصفا والمروة، وفي عرفات، وفي المشعر الحرام بعد الفجر، وبعد رمي الجمرة الصغرى، والوسطى أيام التشريق؛ لأن النبي - ﷺ - أكثر في هذه المواطن الستة من الدعاء ورفع يديه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>الرابع والعشرون: يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر على حسب طاقته وعلمه</span>، ولابد من أن يكون على علم وبصيرة فيما يأمر وفيما ينهى عنه، ويلتزم الرفق واللين، ولا شك أنه يُخشى على من لم ينكر المنكر أن يعاقبه اللَّه - ﷿ - بعدم قبول دعائه؛ لقوله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليوشكنَّ اللَّه أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>الخامس والعشرون: يبتعد عن جميع المعاصي</span>، فلا يؤذي أحدًا بلسانه، ولا بيده، ولا يزاحم الحجاج والمعتمرين زحامًا يؤذيهم، ولا ينقل النميمة ولا يقع في الغيبة، ولا يجادل مع أصحابه وغيرهم إلا بالتي هي أحسن، ولا يكذب، ولا يقول على اللَّه ما لا يعلم، وغير ذلك من أنواع المعاصي والسيئات قال سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الوتر، باب الدعاء بظهر الغيب، برقم ١٥٣٦، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في دعوة الوالدين، برقم ١٩٠٥، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب دعوة الوالد ودعوة المظلوم، برقم ٣٨٦٢، وأحمد، ٣/ ٢٥٨، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٤/ ٣٤٤، وغيره.\n(٢) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ٢/ ٢٢٧ و٢٨٦.\n(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، برقم ٢١٦٩، وابن ماجه، وأحمد، ٥/ ٣٨٨، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٤٦٠.","vol":"1","page":123},{"text":"فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (٢)، والمعاصي في الحرم ليست كالمعاصي في غيره، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>السادس والعشرون: يحافظ على جميع الواجبات</span>، ومن أعظمها الصلاة في أوقاتها مع الجماعة، ويكثر من الطاعات: كقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والإحسان إلى الناس بالقول والفعل، والرفق بهم، وإعانتهم عند الحاجة. قال - ﷺ -: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد\nإذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>السابع والعشرون: يتخلق بالخلق الحسن، ويخالق به الناس</span>، والخلق الحسن يشمل: الصبر، والعفو، والرفق، واللين، والحلم، والأناة وعدم العجلة في الأمور، والتواضع، والكرم والجود، والعدل، والثبات، والرحمة، والأمانة، والزهد والورع، والسماحة، والوفاء، والحياء، والصدق، والبر والإحسان، والعفة، والنشاط، والمروءة؛ ولعظم فضل حسن الخلق قال - ﷺ -:\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٨.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٢٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم ٦٠١١، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، برقم ٢٥٨٦.","vol":"1","page":124},{"text":"«أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا ..» (١)، وقال: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>الثامن والعشرون: يعين الضعيف، والرفيق في السفر: بالنفس، والمال، والجاه</span>، ويواسيهم بفضول المال وغيره مما يحتاجون إليه، فعن أبي سعيد - ﵁ - «أنهم كانوا مع رسول اللَّه - ﷺ - في سفر فقال: «من كان معه فضل ظهر فليعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعُدْ به على من لا زاد له»، فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في\nفضل» (٣). وعن جابر - ﵁ - قال: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يتخلف في المسير فيزجي الضعيف (٤)، ويردف، ويدعو لهم» (٥). وهذا يدل على رأفته - ﷺ - وحرصه على مصالحهم؛ ليقتدي به المسلمون عامة، والمسؤولون خاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>التاسع والعشرون: معرفة أحكام المسح على الخفين والعمائم</span>\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، برقم ٤٦٨٢، والترمذي في كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، برقم١١٦٢، وقال: حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده، ٢/ ٢٥٠، ٤٧٢، والحاكم في مستدركه، ١/ ٣، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة، برقم ٢٨٤، وصحيح الترمذي، ١/ ٥٩٤.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، برقم ٤٧٩٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٩١١، وفي صحيح الجامع، برقم ١٩٣٢.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب اللقطة، باب استحباب المؤاساة بفضول المال، برقم ١٧٢٨.\n(٤) ومعنى يزجي الضعيف: أي يسوقه ويدفعه حتى يلحق بالرفاق. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٢/ ٢٩٧.\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في لزوم الساقة، برقم ٢٦٣٩، والحاكم في المستدرك، ٢/ ١١٥،وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ٥٠٠، وفي الصحيحة، برقم ٢١٢٠.","vol":"1","page":125},{"text":"والجبيرة في السفر\nينبغي للمسافر لحجٍّ أو عمرةٍ، أو غير ذلك: أن يتفقَّه في أحكام المسح على الخفين، والعمائم، والجبيرة في السفر، على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>١ - حكم المسح على الخُفَّيْن: مشروع بالكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة</span>؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَين﴾ (١) على قراءة الجر، أما قراءة النصب فتحمل على غسل الرجلين المكشوفتين.\nأما السُّنة فقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي - ﷺ - (٢). قال الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى: «ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثًا عن أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -، ما رفعوا إلى النَّبي - ﷺ - وما وقفوا» (٣).\nوقال الحسن البصري ﵀: «حدثني سبعون من أصحاب النبي - ﷺ - أنه مسح على الخُفَّيْن» (٤). والأفضل في حقِّ كل أحد بحسب قُدرتِهِ، فَلِلاَبس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خُفَّه إذا اكتملت الشروط، اقتداءً بالنَّبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ -، وَلِمَن قدماه مكشوفتان الغسل، ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه (٥)؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النَّبي - ﷺ - أنه قال: «إن\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ١٨٣، وفتح الباري، ١/ ٣٠٦.\n(٣) ذكره ابن قدامة في المغني، ١/ ٣٦٠، وتعرف تلك الآثار بالتتبع، وقد روى أكثرها ابن أبي شيبة، ١/ ١٧٥ - ١٨٤.\n(٤) ذكره ابن حجر في الفتح، ١/ ٣٠٦، وعزاه لابن أبي شيبة، وذكره في التلخيص الحبير ١/ ١٥٨،وعزاه لابن المنذر، انظر: الأوسط لابن المنذر،١/ ٤٣٣، و١/ ٤٢٧.\n(٥) الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١٣، وانظر: زاد المعاد، ١/ ٩٩، والمغني، ١/ ٣٦٠.","vol":"1","page":126},{"text":"اللَّه يُحبُّ أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» (١). وفي حديث ابن مسعود وعائشة ﵄: «إن اللَّه يُحبُّ أن تقبل رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>٢ - شروط المسح على الخفين وما في معناهما:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارةٍ</span>؛ لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -، قال: كنت مع النَّبي - ﷺ - في سفر، فأهويت لأنزع خُفَّيْه فقال: «دعهما فإني\nأدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>الشرط الثاني: أن يكون المسح في الحدث الأصغر</span>؛ لحديث صفوان بن عسَّال - ﵁ - قال: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يأمرنا إذا كُنّا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم» (٤) فلا يجوز المسح في الجنابة ولا فيما يوجب الغسل (٥).\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٢/ ١٠٨، والبيهقي في سننه الكبرى، ٣/ ١٤٠، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ٩٥٠، ٢٠٢٧، والخطيب في تاريخه، ١٠/ ٣٤٧. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ١٦٢: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، والبزار، والطبراني في الأوسط، وإسناده حسن، وصححه الألباني في الإرواء، ٣/ ٩، برقم ٥٦٤.\n(٢) الطبراني، وابن حبان، رقم ٣٥٦٨، والبيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ١٤٠، وصححه الألباني في الإرواء، ٣/ ١١ - ١٣، والعزائم هي الفرائض. وعند مسلم من حديث جابر - ﵁ -: «عليكم برخصة اللَّه الذي رخص لكم» في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية، برقم ١١١٥.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، برقم ٢٠٦، ومسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، برقم ٢٧٤/ ٧٩.\n(٤) أخرجه أحمد، ٤/ ٢٣٩، والنسائي في كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر، برقم ١٢٧، والطبراني في الكبير، برقم ٧٣٥١، وابن خزيمة، برقم ١٩٦، وصححاه. وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١٤٠، برقم ١٠٤.\n(٥) انظر: فتاوى المسح على الخفين لابن عثيمين، ص٨، والمغني، ١/ ٥٦١، وشرح الزركشي، ١/ ٣٨٨، والشرح الممتع، ٦/ ١٦٨.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>الشرط الثالث: أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعًا </span>وهو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: «جعل رسول اللَّه - ﷺ - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم» (١)؛ ولحديث صفوان - ﵁ - المتقدم؛ ولحديث أبي بكرة - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ - «أنَّه رَخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، إذا تطهر فلبس خُفَّيْه أن يمسح عليهما» (٢). وهذه المدة على الصحيح تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث (٣)، وتنتهي بأربع وعشرين ساعة بالنسبة\nللمقيم، واثنتين وسبعين ساعة بالنسبة للمسافر (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>الشرط الرابع: أن يكون الخُفَّان أو الجوربان أو العمامة طاهرة </span>(٥)؛ فإن كانت نجسة؛ فإنه لا يجوز المسح عليها، والطاهر ضد النجس والمتنجّس، والنجس: نجس العين كما لو كانت الخفاف من جلد حمار. والمتنجِّس\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين، برقم ٢٧٦.\n(٢) ابن خزيمة،١/ ٩٦،وابن حبان (موارد)، برقم ١٨٤، والدارقطني، وانظر: التلخيص الحبير،١/ ١٥٧.\n(٣) الفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٣٦، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء،\n٥/ ٢٤٣، وشرح العمدة لابن تيمية، ص٥٥٦، وفتاوى المسح على الخفين لابن عثيمين، ص٨، وفتاوى ابن عثيمين، ٤/ ١٨٦، وإرشاد أولي البصائر والألباب للسعدي، ص١٤، والشرح الممتع لابن عثيمين، ١/ ١٨٧، وشرح عمدة الأحكام لابن باز، ص٢٢، مخطوط، وانظر: تمام النصح للألباني، فقد نقل آثارًا تنص على أن المسح يبدأ من المسح بعد الحدث ص ٨٩ - ٩٢، وشرح بلوغ المرام لسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، حديث رقم ٦٩.\n(٤) المغني لابن قدامة، ١/ ٣٦٩، وشرح العمدة في الفقه لابن تيمية، ص ٢٥٦، وفتاوى المسح على الخفين لابن عثيمين، ص ١٨.\n(٥) انظر: الفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٣٥، والشرح الممتع، ١/ ١٨٨.","vol":"1","page":128},{"text":"كما لو كانت من جلد بعير لكن أصابتها نجاسة، إلا أن المتنجس إذا طهر جاز المسح عليه والصلاة فيه؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - قال: بينما رسول اللَّه - ﷺ - يصلِّي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول اللَّه - ﷺ - صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم»؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا»، وقال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه [بالأرض] وليصلِّ فيهما» (١).\nوهذا يدل على أنه لا يجوز أن يصلَّى فيما فيه نجاسة، ولأن النجس إذا مسح عليه بالماء تلوث بالنجاسة؛ فلا يصح المسح عليه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>الشرط الخامس: أن يكون ساترًا لمحل الفرض</span>، وأن يكون صفيقًا لا يصف البشرة (٣)، ويُعفى عن الخروق اليسيرة، وقد رجح القول بهذا الشرط العلامة عبد العزيز ابن باز رحمه اللَّه تعالى (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>الشرط السادس: أن يكون مباحًا لا مغصوبًا</span>، ولا حريرًا لرجل، ولا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، برقم ٦٥٠،وأحمد،٣/ ٢٠، وما بين المعقوفين من رواية الإمام أحمد، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٦٠٥، وفي الإرواء، برقم ٢٨٤، وتقدم تخريجه في المبحث الثاني: أنواع النجاسات.\n(٢) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ١٨٨، وفتاوى المسح على الخفين لابن عثيمين، ص ٧.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ١/ ٣٧٢، ٣٧٣، وشرح العمدة في الفقه لابن تيمية، ص ٢٥٠، ومنار السبيل، ١/ ٣٠، وشرح الزركشي، ١/ ٣٩١، والشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ٩٠.\n(٤) الفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٣٥، وشرح عمدة الأحكام للمقدسي لسماحته، ص ٢١، مخطوط، وفتاوى اللجنة الدائمة، ٥/ ٢٣٨، ٢٤٣، ٢٤٦، والفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٣٤.","vol":"1","page":129},{"text":"مسروقًا، فإن المحرَّم نوعان: محرّم لكسبه كالمغصوب والمسروق، ومحرّم لعينه: كالحرير للرجل، وكذا اتخاذ ما فيه صور لذوات الأرواح، فلا يجوز أن يمسح على هذين النوعين؛ لأن المسح على الخفين رخصة، فلا تستباح به المعصية؛ ولأن القول بالجواز مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس هذا المحرم، والمحرم يجب إنكاره (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>الشرط السابع: أن لا ينزع بعد المسح </span>قبل انقضاء المدة؛ فإن خلع خفيه\nأو ما في معناهما بعد المسح عليهما أعاد الوضوء مع غسل الرِّجلين (٢).\nورجح هذا القول العلامة عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز، وقال: هو قول الجمهور، وهو الصواب (٣).\nوهناك بعض الشروط ذكرها بعض أهل العلم ليس عليها دليل، أو تدخل فيما سبق (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>٣ - مُبطلات المسح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>المبطل الأول: إذا حدث ما يوجب الغسل </span>كالجنابة بطل المسح ولا\n_________\n(١) الشرح الممتع، ١/ ١٨٩، والمغني لابن قدامة، ١/ ٣٧٣، وشرح الزركشي، ١/ ٣٩٦، ومنار السبيل، ١/ ٣٠، ويفتي به سماحة الشيخ ابن باز رحمه اللَّه تعالى.\n(٢) المغني لابن قدامة، ١/ ٣٦٧، وشرح العمدة في الفقه [كتاب الطهارة] لابن تيمية، ص ٢٥٧، وانظر: الشرح الممتع لزاد المستقنع، ١/ ٢١٥.\n(٣) ٢) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٥/ ٢٥١ - ٢٥٢، وشرح بلوغ المرام لسماحة الشيخ ابن باز، مخطوط.\n(٤) انظر: منار السبيل، ١/ ٣٠، والسلسبيل في معرفة الدليل، ١/ ١٤٢، وهي: إمكان المشي بهما عرفًا، وثبوتهما بنفسهما، وألا يكون واسعًا يرى منه محل الفرض، وانظر: شرح الزركشي، ١/ ٣٩٥ - ٣٩٦.","vol":"1","page":130},{"text":"بد من غسل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>المبطل الثاني: إذا خلع الخفين </span>أو ما في معناهما بعد المسح عليهما بطل وضوؤه على القول الراجح كما تقدم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>المبطل الثالث: إذا انقضت المدة المعتبرة شرعًا بطل المسح </span>(٣). ورجح سماحة الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز رحمه اللَّه تعالى أن انقضاء المدة يبطل المسح لمفهوم أحاديث التوقيت، فإذا انقضت المدة خلع الخفين وغسل الرجلين، وخلع العمامة ومسح الرأس (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>٤ - كيفية المسح على الخفين والجوربين والعمائم:</span>\nيمسح على ظاهر الخفين أو الجوربين؛ لحديث علي - ﵁ - قال: «لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللَّه - ﷺ - يمسح على ظاهر خفيه» (٥)؛ ولحديث المغيرة بن شعبة أن رسول اللَّه - ﷺ -: «كان يمسح على الخفين» وقال: «على ظهر الخفين» (٦)،\n_________\n(١) لحديث صفوان بن عسال، أخرجه أحمد، ٤/ ٢٣٩، وابن خزيمة، برقم ١٩٦، والنسائي، برقم ١٢٧، والطبراني في الكبير، برقم ٧٣٥١، وتقدم تخريجه في المبحث السادس: المسح على الخفين.\n(٢) لما تقدم في الشرط السابع.\n(٣) انظر: شرح العمدة في الفقه، كتاب الطهارة، لابن تيمية، ص ٢٥٧، والمغني لابن قدامة، ١/ ٣٦٦.\n(٤) ذكر ذلك سماحة الشيخ في شرحه لبلوغ المرام، وكان يفتي به كثيرًا.\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب كيف المسح، برقم ١٦٢، وصححه العلامة ابن باز، والألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٣، وانظر: إرواء الغليل برقم ١٠٣.\n(٦) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب كيف المسح، برقم ١٦١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٣.","vol":"1","page":131},{"text":"قال ابن قدامة ﵀: «روى الخلال بإسناده عن المغيرة بن شعبة فذكر وضوء النَّبي - ﷺ - قال: «ثم توضأ ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين» (١). قال ابن عقيل: سنة المسح هكذا «أن يمسح خفيه بيديه اليمنى لليمنى، واليسرى لليسرى»،\nوقال أحمد: «كيفما فعلت فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين» (٢).\nوالمسح على الجوربين كالمسح على الخفين تمامًا؛ لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: «توضأ رسول اللَّه - ﷺ - ومسح على الجوربين والنعلين» (٣).\nوذكر ابن قدامة أنه إذا مسح على الجوربين والنعلين جميعًا فإنه بعد المسح لا يخلع النعلين (٤).\nأما المسح على العمائم وخمار المرأة على الصحيح فهو على صفتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>الصفة الأولى: </span>المسح على العمامة المحنَّكة والخمار المحنَّك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>الصفة الثانية: </span>المسح على الناصية والتكميل على العمامة أو الخمار (٥).\n_________\n(١) ذكره في المغني، ١/ ٣٧٧، وعزاه للخلال بإسناده.\n(٢) المغني، ١/ ٣٧٨، وانظر: شرح العمدة، ص٣٧٢، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي، ١/ ٤٠٣، وزاد: قال في البلغة: «ويسن تقديم اليمين».\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب المسح على الجوربين، برقم ١٥٩، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٣.\n(٤) المغني لابن قدامة، ١/ ٣٧٥، وشرح العمدة لابن تيمية، ص٢٥١، وزاد المعاد، ١/ ١٩٩، والاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص ١٤.\n(٥) أخرجه البخاري، برقم ٢٠٤، ٢٠٥، وقد تقدم في فروض الوضوء وأركانه.","vol":"1","page":132},{"text":"ويشترط للعمامة والخمار ما يشترط للخفين على الصحيح، كما رجح ذلك سماحة العلامة ابن باز رحمه اللَّه تعالى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>٥ - المسح على الجبائر:</span>\nالأحاديث التي وردت في الجبائر قال جماعة من أهل العلم: إنها\nضعيفة (٢)، ولكن ذكر العلامة ابن باز ﵀ أن أحاديث الجبائر مع أحاديث المسح على الخفين تدل على شرعية المسح على الجبائر؛ لأن المسح على الخفين للتيسير، فالمسح على الجبائر أولى بالشرعية؛ ولكونه ضروريًا لم يشرع فيه التوقيت (٣)، ويفارق مسح الجبيرة مسح الخف من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>الوجه الأول: </span>لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرر بنزعها، والخف خلاف ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>الوجه الثاني: </span>يجب استيعابها بالمسح إلا ما زاد على محل الفرض في الوضوء؛ لأنه لا ضرر في تعميمها به بخلاف الخف فإنه يشق تعميمه بالمسح، فيجزئ فيه مسح بعضه كما وردت به السنة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>الوجه الثالث: </span>يمسح على الجبيرة من غير توقيت؛ لأن مسحها لضرورة فتقدّر بقدرها.\n_________\n(١) وانظر المغني لابن قدامة، ١/ ٣٨٣.\n(٢) منها حديث علي بن أبي طالب، وحديث ابن عباس، وحديث جابر، انظر: بلوغ المرام، من حديث ١٤٥ - ١٤٧.\n(٣) شرح بلوغ المرام للعلامة ابن باز، حديث ١٤٥ - ١٤٧، مخطوط.\n(٤) قال ابن تيمية ﵀: وهو مذهب الفقهاء قاطبة، انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢١/ ١٧٨ - ١٨٢.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>الوجه الرابع: </span>يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر بخلاف الخف؛ فإنه لا يمسح عليه إلا في الأصغر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>الوجه الخامس: </span>لا يشترط تقدم الطهارة على شدِّها على القول الراجح بخلاف الخفّ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>الوجه السادس: </span>الجبيرة لا تختص بعضو معين والخف يختص بالرِّجل (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>أما كيفية المسح على الجبائر:</span>\nإذا وُجِدَ جرح في أعضاء الطهارة فله مراتب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>المرتبة الأولى: </span>أن يكون مكشوفًا ولا يضره الغسل، فيجب غسله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>المرتبة الثانية: </span>أن يكون مكشوفًا ويضره الغسل والمسح لا يضره، فيجب مسحه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>المرتبة الثالثة: </span>أن يكون مكشوفًا ويضره الغَسلُ والمسح، فحينئذ يشد عليه جبيرة ويمسح عليها، فإن عجز فهنا يتيمم له.\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>المرتبة الرابعة: </span>أن يكون مستورًا بجبس، أو لزقة، أو جبيرة، أو شبه ذلك ففي هذه الحال يمسح على الساتر، ويغنيه عن الغَسل (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>الثلاثون: معرفة أحكام قصر الصلاة في السفر:</span>\nالأصل في قصر الصلاة في السفر: الكتاب والسنة والإجماع:\n_________\n(١) المغني، ١/ ٣٥٦، وفتاوى ابن تيمية، ٢١/ ١٧٦ - ١٧٩. وانظر: الأسئلة والأجوبة الفقهية للسلمان، ١/ ٣١، فقد زاد بعض الفروق.\n(٢) الشرح الممتع، ١/ ٢٠٤.\n(٣) فتاوى المسح على الخفين لابن عثيمين، ص ٢٥.","vol":"1","page":134},{"text":"أما الكتاب: فقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (١). وعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب:\n﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبت منه، فسألت رسول اللَّه - ﷺ - عن ذلك فقال: «صدقةٌ تصدَّق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته» (٢).\nوأما السنة: فقد تواترت الأخبار أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يقصر في أسفاره: حاجًّا، ومعتمرًا، وغازيًا، قال عبد اللَّه بن عمر ﵄: «صحبت رسول اللَّه - ﷺ - فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك، - ﵃ -» (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: «فرض اللَّه الصلاة حين فرضها: ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فَأُقرَّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر». وفي لفظ للبخاري: «فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - ﷺ - ففرضت أربعًا وتركت صلاة السفر على الأولى» (٤).\nزاد أحمد: إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وإلا الصبح، فإنها تطول فيها\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٠١.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة، برقم ١١٠٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، برقم ٣٥٠، وكتاب التقصير، باب يقصر إذا خرج من موضعه، برقم ١٠٩٠، وكتاب مناقب الأنصار، باب التاريخ من أين أرَّخوا التاريخ، برقم ٣٩٣٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ١٥٧٠.","vol":"1","page":135},{"text":"القراءة» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم - ﷺ -\nفي الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» (٢)، وعن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: «صليت مع رسول اللَّه - ﷺ - بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق - ﵁ - بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب - ﵁ - ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان». وفي لفظ: «صليت مع النبي - ﷺ - ركعتين، ومع أبي بكر - ﵁ - ركعتين، ومع عمر - ﵁ - ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، يا ليت حظي من أربع: ركعتان متقبلتان» (٣).\nوأما الإجماع، فقد أجمع أهل العلم على أن من سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة: في حج، أو عمرة، أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين (٤)، وأجمعوا على أن لا يقصر في المغرب ولا في صلاة الصبح (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>٢ - القصر في السفر أفضل من الإتمام</span>؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن اللَّه يحب أن تؤتى رُخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته» (٦)، وفي رواية: «إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصُه كما يحب أن\n_________\n(١) مسند أحمد، ٦/ ٢٤١، وابن خزيمة، برقم ٣٠٥، وابن حبان، برقم ٢٧٣٨.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٤، وكتاب الحج، باب الصلاة بمنى، برقم ١٦٥٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٥.\n(٤) انظر: الإجماع لابن المنذر، ص٤٦، والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٥.\n(٥) انظر: الإجماع لابن المنذر، ص٤٦.\n(٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٢/ ١٠٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٥٦٤.","vol":"1","page":136},{"text":"تؤتى عزائمُه» (١). ولكن لو أتم المسافر الصلاة الرباعية أربعًا فصلاته\nصحيحة ولكنه خالف الأفضل؛ لأن عائشة ﵂ كانت تتم في السفر بعد موت النبي - ﷺ -، وأتم عثمان - ﵁ - بمنى (٢)، ولكن ما داوم عليه رسول اللَّه - ﷺ - في أسفاره أفضل بلا شك (٣)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول: «أصل الصلاة ركعتان كما فرضها اللَّه تعالى، ثم زاد فيها سبحانه في الحضر بعد الهجرة ثنتين، في العشاء، والظهر، والعصر، وبقيت صلاة السفر على حالها: الظهر، والعصر، والعشاء ركعتان، وهذا يؤيد الأصل، والمغرب والفجر بقيت على أصلها، فالقصر سنة مؤكدة، ولكن لا مانع من الإتمام في السفر، والقصر صدقة من اللَّه، فمن صلى أربعًا فلا حرج، وقد كانت عائشة ﵂ تتم في السفر، وتأولت أنه لا يشق عليها، ولم ينكر عليها الصحابة، وهي من أعلم\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان من حديث ابن عباس ﵄، ٢/ ٦٩، برقم ٣٥٤، والطبراني في المعجم الكبير، برقم ١١٨٨٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١١، برقم ٥٦٤.\n(٢) إتمام عائشة ﵂ في السفر رواه مسلم، في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٣ - (٦٨٥)، وإتمام عثمان - ﵁ - في منى رواه البخاري في كتاب التقصير، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٤، وكتاب الحج، باب الصلاة بمنى، برقم ١٦٥٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٥.\n(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد تنازع العلماء في التربيع [في السفر] هل هو محرم أو مكروه؟ أو ترك الأولى؟ أو مستحب؟ أو هما سواء؟ على خمسة أقوال: «أحدها: قول من يقول: الإتمام أفضل، كقولٍ للشافعي، والثاني: قول من يسوي بينهما كبعض أصحاب مالك، والثالث: قول من يقول القصر أفضل، كقول الشافعي الصحيح، وإحدى الروايتين عن أحمد، والرابع: قول من يقول: القصر واجب، كقول أبي حنيفة ومالك في رواية، وأظهر الأقوال: قول من يقول: إنه سنة والإتمام مكروه؛ ولهذا لا تجب نية القصر عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في أحد القولين عنه في مذهبه». مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٩، ١٠، ٢١ - ٢٢.","vol":"1","page":137},{"text":"الناس» (١).\nوإذا نسي صلاة الحضر فذكرها في السفر فعليه أن يصليها صلاة حضر تامة من غير قصر إجماعًا؛ لأن الصلاة تعيَّن عليه فعلها أربعًا، فلم يجز له النقصان من عددها؛ ولأنه إنما يقضي ما فاته وقد فاته أربعٌ، وأما إن نسي صلاة السفر فذكرها في الحضر، فقال الإمام أحمد: عليه الإتمام احتياطًا، وبه قال الأوزاعي، وداود، والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي: يصليها صلاة سفر؛ لأنه إنما يقضي ما فاته، ولم يفته إلا ركعتان (٢)، واللَّه - ﷿ - أعلم (٣). وإن نسيها في سفر وذكرها فيه أو ذكرها في سفر آخر قضاها مقصورة؛ لأنها وجبت في السفر وفُعلت فيه (٤).\n_________\n(١) سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، على الأحاديث ذات الأرقام ٤٥٢، ٤٥٣، ٤٥٤، ٤٥٥، وقال على حديث عائشة ﵂: «إن النبي - ﷺ - كان يقصر في السفر ويتم ويصوم ويفطر» قال أهل العلم ليس بمحفوظ، بل هو شاذ، والمحفوظ عن النبي - ﷺ - في السفر أنه كان يقصر، فقد خالفت هذه الرواية رواية الثقات كأنس وغيره، لكن فعل عائشة يدل على الجواز كما تقدم، ولكن ما سار عليه النبي - ﷺ - هو أولى وأفضل، وقد كان عثمان يقصر ثم أتم بعد ذلك، وصلى معه بعض أصحابه.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤١ - ١٤٢، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٥٣ - ٥٤، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ٣٨٧.\n(٣) اختار العلامة محمد بن صالح العثيمين أن الراجح فيمن نسي صلاة سفر فذكرها في حضر صلاها قصرًا؛ لأنها صلاة وجبت عليه في سفر وصلاة السفر مقصورة فلا يلزمه إتمامها، وعلى هذا فللمسألة أربع صور:\n١ - ذكر صلاة سفر في سفر، يقصر.\n٢ - ذكر صلاة حضر في حضر، يتم.\n٣ - ذكر صلاة سفر في حضر، يقصر على الصحيح.\n٤ - ذكر صلاة حضر في سفر، يتم. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥١٧ - ٥١٩، و٥/ ٥٤٢ - ٥٤٣.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٢.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>٣ - مسافة قصر الصلاة في السفر: </span>قال البخاري ﵀: «بابٌ: في\nكم يقصرُ الصلاة، وسمَّى النبي - ﷺ - يومًا وليلة سفرًا، وكان ابن عمر وابن عباس - ﵃ - يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخًا» (١)، قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى: «قوله: بابٌ في كم يقصر الصلاة؟ يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر، ولا يسوغ له في أقل منها ... وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة» (٢). وقول البخاري ﵀: «وسمى النبي - ﷺ - يومًا وليلة سفرًا». قال الحافظ ابن حجر ﵀: «والمعنى سمى مدة اليوم والليلة سفرًا، كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة المذكور عنده في الباب» (٣)، قلت: وهو قوله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة» (٤)، وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها». وفي لفظ: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم\n_________\n(١) البخاري، كتاب التقصير، باب: في كم يقصر الصلاة؟ قبل الحديث رقم ١٠٨٦، قال الحافظ ابن حجر عن أثر بن عمر وابن عباس: «وصله ابن المنذر من رواية يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح: أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك» فتح الباري، ٢/ ٥٦٦، وقال الألباني عن أثر ابن عباس وابن عمر ﵄: «صحيح ... وصله البيهقي في سننه،٣/ ١٣٧:إن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عباس ﵄ كانا يصليان ركعتين ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك وإسناده صحيح». إرواء الغليل، ٣/ ١٧.\n(٢) فتح الباري، ٢/ ٥٦٦.\n(٣) المرجع السابق، ٢/ ٥٦٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: في كم يقصر الصلاة، برقم ١٠٨٨، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ١٣٣٩.","vol":"1","page":139},{"text":"إلا مع ذي محرم». وعن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم»، وفي لفظ: «لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم». وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم» (١). وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها» (٢).\nومن حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ -: «لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» (٣).\nقال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى: «فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل: أي يوم بليلته، أو ليلة بيومها قل الاختلاف واندرج في الثلاث فيكون أقل المسافة يومًا وليلة» (٤)،وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ من قوله: «لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (٥)، والطائف، وجدة،\nفإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتمَّ» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: في كم يقصر الصلاة، برقم ١٠٨٦، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره برقم ١٣٣٨.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ١٣٤١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، برقم ٥٢٣٣، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، برقم ١٣٤١.\n(٤) فتح الباري، ٢/ ٥٦٦.\n(٥) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. معجم البلدان، ٤/ ١٢١.\n(٦) البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ١٣٧،وابن أبي شيبة في مصنفه واللفظ له، ٢/ ٤٤٥، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٤: «وإسناده صحيح».","vol":"1","page":140},{"text":"والخلاصة أن الجمهور من أهل العلم على أن مسافة السفر التي تقصر فيها الصلاة أربعة بُرُد، والبريد مسيرة نصف يوم، وهو أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فإذا كانت مسافة سفر الإنسان ستة عشر فرسخًا أو ثمانية وأربعين ميلًا فله أن يقصر عند الجمهور (١)، وهذا هو الأحوط للمسلم، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول (٢): «الأولى في هذا أن ما يعد سفرًا تلحقه أحكام السفر: من قصر وجمع، وفطر، وثلاثة أيام للمسح على الخفين؛ لأنه يحتاج إلى الزاد والمزاد: أي ما يعد سفرًا وما لا فلا، ولكن إذا عمل المسلم بقول\nالجمهور وهو أنَّ ما يُعدُّ سفرًا هو يومين قاصدين (٣)، أما البريد\n_________\n(١) المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر إذا خرج عن جميع بيوت قريته من الأمور التي اختلف فيه العلماء حتى حكاه ابن المنذر وغيره فيها نحوًا من عشرين قولًا، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن العلماء تنازعوا هل يختص القصر بسفر دون سفر، أو يجوز في كل سفر، واختار أن أظهر الأقوال أنه يجوز في كل سفر قصيرًا كان أو طويلًا، كما قصر أهل مكة خلف النبي - ﷺ - بعرفة ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد: أربعة فراسخ، ولكن لابد أن يكون ذلك مما يعد سفرًا مثل: أن يتزود له، ويبرز للصحراء، وتنازع العلماء في قصر أهل مكة، فقيل: كان ذلك لأجل النسك، وقيل: كان ذلك لأجل السفر، وكلا القولين قال به بعض أصحاب أحمد، والقول الثاني هو الصواب، وهو أنهم قصروا لأجل سفرهم؛ ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وكانوا محرمين، والقصر معلق بالسفر وجودًا وعدمًا. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤ - ١١ - ٤١. والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٥ - ١٠٩، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٨.\n(٢) سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٧.\n(٣) اليومان القاصدان هما أربعة برد، والبريد مسيرة نصف يوم، ومعنى القاصدين: أي لا يسير فيها الإنسان ليلًا ونهارًا سيرًا بحتًا، ولا يكون كثير النزول والإقامة، والبريد قدروه بأربعة فراسخ، فتكون أربعة برد ستة عشر فرسخًا، والفرسخ قدروه بثلاثة أميال، فتكون ثمانية وأربعين ميلًا، والميل المعروف ألف وستمائة متر، فتكون الأربعة برد =٧٦.٨ كيلو تقريبًا، وقيل: ٨٠.٦٤ كيلو، وقيل: ٧٢، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: والميل المعروف = كيلو وستين في المائة. انظر: الشرح الممتع،٤/ ٤٩٦، تيسير العلام للبسام،١/ ٢٧٣،والفتح الرباني للبنا، ٥/ ١٠٨.","vol":"1","page":141},{"text":"والفراسخ الثلاثة فلا تعد عندهم سفرًا، فلو عمل الإنسان بهذا القول فهذا حسن من باب الاحتياط؛ لئلا يتساهل الناس فيصلوا قصرًا فيما لا ينبغي لهم ذلك؛ لكثرة الجهل، وقلة البصيرة، ولا سيما عند وجود السيارات؛ فإن هذا قد يفضي إلى التساهل حتى يفطر في ضواحي البلد، واليومان هما سبعون كيلو أو ثمانون كيلو تقريبًا» (١).\nوقال شيخنا الإمام ابن باز رحمه اللَّه تعالى: «وقال بعض أهل العلم إنه يحدد بالعُرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفرًا في العُرف يسمى سفرًا، وما لا فلا (٢)، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم\n_________\n(١) واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما تقدم أنه لا حدّ للسفر بالمسافة بل كل ما يعد سفرًا يتزود له ويبرز للصحراء فهو سفر، ورجحه العلامة ابن عثيمين، بل واختاره ابن قدامة في المغني. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٩،ومجموع فتاوى ابن تيمية،٢٤/ ١١ - ١٣٥،ومجموع فتاوى ابن عثيمين،١٥/ ٢٥٢ - ٤٥١، والاختيارات للسعدي، ص٦٥.\n(٢) ذكر ابن تيمية ﵀: أن حد السفر الذي علق عليه الشارع الفطر، والقصر اضطرب الناس فيه، فقيل: ثلاثة أيام، وقيل يومين، وقيل أقل من ذلك، حتى قيل: ميل، والذين حددوا ذلك بالمسافة، منهم من قال: ثمانية وأربعون ميلًا، ومنهم من قال: ستة وأربعون، وقيل: خمسة وأربعون، وقيل: أربعون، فالذين قالوا ثلاثة أيام، احتجوا بحديث يمسح المسافر ثلاثة أيام، وحديث لا تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم ... والذين قالوا: يومين اعتمدوا على قول ابن عمر وابن عباس. مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٣٨ - ٤٠. وذكر ابن تيمية أيضًا أن ابن حزم قال: «لم نجد أحدًا يقصر في أقل من ميل». فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ٤١.\nوعن أنس - ﵁ - قال: «كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين» مسلم، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٩١، وقوله: «ثلاثة أميال أو فراسخ» شك من الراوي، وقال الظاهرية: مسافة القصر ثلاثة أميال، وأجيب عليهم بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به على الثلاثة الأميال، نعم يحتج به على التحديد بالثلاثة الفراسخ إذ يحتج به على الثلاثة الأميال، نعم يحتج به على التحديد بالثلاثة الفراسخ إذ الأميال داخلة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطًا. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٧، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٣٤، وسمعت هذا المعنى من شيخنا ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٧. وقال ابن قدامة في المغني، ٣/ ١٠٨: «يحتمل أنه أراد إذا سافر سفرًا طويلًا قصر إذا بلغ ثلاثة أميال، كما قال في لفظه الآخر «إن النبي - ﷺ - صلى بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين» وقال الصنعاني في سبل السلام،٣/ ١٣٣: «المراد من قوله إذا خرج: إذا كان قصده مسافة هذا القدر لا أن المراد أنه كان إذا أراد سفرًا طويلًا فلا يقصر إلا بعد هذه المسافة».","vol":"1","page":142},{"text":"وهو التحديد بالمسافة التي ذكرت، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم فينبغي الالتزام بذلك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>٤ - يقصر المسافر إذا خرج عن جميع بيوت قريته أو مدينته </span>إذا كان سفره تقصر في مثله الصلاة، قال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج عن جميع البيوت من القرية التي خرج منها» (٢)، وهذا مذهب جمهور أهل العلم أن المسافر إذا أراد سفرًا تقصر في مثله الصلاة لا يقصر حتى يفارق جميع البيوت (٣)، قال أنس - ﵁ -: «صليت الظهر مع النبي - ﷺ - بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين»، وفي لفظ: «أن رسول اللَّه - ﷺ - صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر\nبذي الحليفة ركعتين» (٤)، وهذا فيه دلالة على أنه ليس لمن نوى السفر أن يقصر حتى يخرج من عامر بيوت قريته أو مدينته أو خيام قومه ويجعلها وراء ظهره (٥). وخرج علي\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٦٧.\n(٢) الإجماع لابن المنذر، ص٤٧.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب يقصر إذا خرج من موضعه برقم ١٠٨٩،وكتاب الحج، باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح، برقم ١٥٤٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٩٠.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١، والشرح الكبير مع المقنع، ٥/ ٤٤، والإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٤٤، والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥١٢.","vol":"1","page":143},{"text":"- ﵁ - فقصر وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة؟ قال: لا، حتى ندخلها (١).\nوإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة فله قصرها؛ لأنه سافر قبل خروج وقتها، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها، وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وهو إحدى الروايتين في مذهب الحنابلة (٢) واللَّه أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>٥ - إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة</span>، قال ابن المنذر ﵀: «وأجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على أن لمن سافر سفرًا يقصر في مثله الصلاة وكان سفره في حج أو عمرة، أو غزو أن له أن يقصر مادام مسافرًا» (٤).\nفعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين، قلت: كم أقام بمكة (٥)؟ قال: عشرًا» (٦).\nقال ابن قدامة ﵀: «وجملة ذلك أن من لم يُجمع إقامة مدة تزيد\n_________\n(١) البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: يقصر إذا خرج من موضعه، قبل الحديث رقم ١٠٨٩.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٣، وانظر: الإنصاف للمرداوي المطبوع مع المقنع، والشرح الكبير، ٥/ ٥٣، والرواية الثانية عند الحنابلة وهي الرواية الصحيحة من مذهبهم أنه يتمها. انظر: الإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٥٣، المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٣.\n(٣) واختار العلامة ابن عثيمين القصر فقال: «لو دخل وقت وهو في بلده ثم سافر فإنه يقصر، ولو دخل وقت الصلاة وهو السفر ثم دخل بلده فإنه يتم، اعتبارًا بحال فعل الصلاة» الشرح الممتع، ٤/ ٥٢٣.\n(٤) الإجماع لابن المنذر، ص٤٧.\n(٥) السائل هو الراوي عن أنس: يحيى بن أبي إسحاق.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر، برقم ١٠٨١، ومسلم كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٩٣.","vol":"1","page":144},{"text":"على إحدى وعشرين صلاة فله القصر ولو أقام سنين» (١).\nأما إذا نوى الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام؛ فإنه يتم؛ لأن النبي - ﷺ - قدم مكة في حجة الوداع يوم الأحد من ذي الحجة، وأقام فيها الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم خرج إلى منى يوم الخميس، فقد قدم لصبح رابعة، فأقام اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع المسافر أن يقيم كما أقام النبي - ﷺ - قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمَّ (٢)، قال ابن عباس ﵄: «قدم النبي - ﷺ - وأصحابه لصبح رابعة يلبُّون بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة إلا من معه الهدي» (٣).\nقال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: «إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة\nأيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي - ﷺ - لما دخل مكة، فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، وإن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة، وأما إن قال غدًا أسافر، أو بعد غد أسافر، ولم ينوِ المقام فإنه يقصر؛ فإن النبي - ﷺ - أقام بمكة بضعة عشر يومًا، يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة. واللَّه أعلم» (٤).\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٥٣.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة،٣/ ١٤٧ - ١٤٨،والشرح الكبير المطبوع مع المقنع، ٥/ ٦٨، والإنصاف المطبوع مع الشرح الكبير، ٥/ ١٦٨، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٩٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب كم أقام النبي - ﷺ - في حجته، برقم ١٠٨٥.\n(٤) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ٢٤/ ١٧، وسئل ﵀ عن رجل يعلم أنه يقيم شهرين فهل يجوز له القصر؟ فأجاب: «الحمد لله هذه مسألة فيها نزاع بين العلماء منهم من يوجب الإتمام، ومنهم من يوجب القصر، والصحيح أن كليهما سائغ فمن قصر فلا ينكر عليه، ومن أتم لا ينكر عليه، وكذلك تنازعوا في الأفضل، فمن كان عنده شك في جواز القصر فأراد الاحتياط فالإتمام أفضل، وأما من تبينت له السنة، وعلم أن النبي - ﷺ - لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحد السفر بزمان أو بمكان، ولا حد الإقامة أيضًا بزمن محدود، لا ثلاثة، ولا أربعة، ولا اثنا عشر، ولا خمسة عشر، فإنه يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل، حتى كان مسروق قد ولَّوه ولاية لم يكن يختارها، فأقام سنين يقصر الصلاة، وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة، وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر كما أقام النبي - ﷺ - وأصحابه بعد فتح مكة قريبًا من عشرين يومًا يقصرون الصلاة، وأقاموا بمكة أكثر من عشرة أيام يفطرون في رمضان، وكان النبي - ﷺ - لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام، وإذا كان التحديد لا أصل له فمادام المسافر مسافرًا يقصر الصلاة ولو أقام في مكان شهورًا واللَّه أعلم». مجموع الفتاوى، ٢٤/ ١٧ - ١٨، وانظر: مواضع أخرى في الفتاوى، ٢٤/ ١٤٠، و٢٤/ ١٣٧، وانظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١١٠، والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥٢٩ - ٥٣٩، والاختيارات الجلية للسعدي، ص٦٦.","vol":"1","page":145},{"text":"وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول عن إقامة النبي - ﷺ - عام الفتح بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة (١): «وقد أقام - ﷺ - في مصالح الإسلام والمسلمين، وهذه الإقامة لم يكن مجمعًا\nعليها؛ لهذه الأغراض، فلما حصل المقصود ارتحل إلى المدينة، ومن المعلوم أن المهاجر لا يقيم في بلده أكثر من ثلاثة أيام، ولكنه أقام لهذه المصالح، فإذا أقام المسافر إقامة لم يُجمعها قصر» (٢). وسمعته يقول عن إقامة النبي - ﷺ - في غزوة تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة (٣): «وإقامته - ﷺ -\n_________\n(١) البخاري، كتاب التقصير، باب ما جاء في التقصير ولم يقيم حتى يقصر، برقم ١٠٨٠، وفي كتاب المغازي، برقم ٤٢٩٨، ٤٢٩٩.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٩، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا أقام بأرض العدو يقصر، برقم ١٢٣٥، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٣٦.","vol":"1","page":146},{"text":"عشرين يومًا في تبوك ينظر فيما يتعلق بحرب الروم، هل يتقدم أم يرجع، ثم أذن اللَّه له أن يرجع، واحتج بهذه القصة وقصة الفتح على أنه لا بأس بالقصر مدة الإقامة العارضة، ولو طالت، حتى قال أهل العلم: لو مكث سنين مادام لم يجمع إقامة؛ فإنه في سفر، وله أحكام السفر، وهذا هو الصواب، أما إذا أجمع إقامة فاختلف العلماء في مقدارها هل تقدر بعشرين يومًا، أو بتسعة عشر يومًا، أو بثلاثة أيام، أو أربعة أيام على أقوال: وأحسن ما قيل في ذلك: أربعة أيام؛ لأنها إقامة النبي - ﷺ - في حجة الوداع، فإذا أجمع الإقامة أكثر من أربعة أيام أتمَّ، وإن كانت أربعة فأقلّ قصر؛ لأنها إقامة معزوم عليها، وعليه الشافعي، وأحمد، ومالك، وبقول الشافعي وأحمد ومالك، تنتظم الأدلة، ويكون ذلك صيانة من تلاعب الناس، وهذا هو الأحوط، كما قال الجمهور: أربعة أيام؛ لأن ما زاد عنها غير مجمع عليه، وما نقص من هذا مجمع عليه: أي داخل في المجمع عليه» (١). وبهذا يخرج المسلم من الخلاف ويترك ما يريبه إلى ما لا يريبه،\nواللَّه - ﷿ - أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>٦ - قصر الصلاة بمنى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج</span>؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال: «صليت مع النبي - ﷺ - بمنى ركعتين، وأبي بكر، وعمر، ومع عثمان صدرًا من إمارته، ثم أتمها أربعًا» (٣).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٦١.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ٢٧٦، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٨/ ٩٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٤.","vol":"1","page":147},{"text":"وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: «صلى بنا عثمان بن عفان - ﵁ - بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - فاسترجع، قال: صليت مع رسول اللَّه - ﷺ - بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق - ﵁ - بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب - ﵁ - ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان» (١).\nوعن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس - ﵁ - قال: «خرجنا مع النبي - ﷺ - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمت بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا»، وفي لفظ مسلم: «كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا». وفي لفظ لمسلم: «خرجنا من المدينة إلى الحج ...» (٢).\nوحديث أنس هذا لا يعارض حديث ابن عباس: «أقام رسول اللَّه - ﷺ -\nتسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا» (٣)؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة وحديث أنس في حجة الوداع، وقد قدم النبي - ﷺ - وأصحابه لصبح رابعة من ذي الحجة، ولا شك أنه - ﷺ - خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها في حجة الوداع عشرة أيام بلياليها كما قال أنس - ﵁ - (٤).\nوعن حارثة بن وهب الخزاعي - ﵁ - قال: «صليت خلف رسول اللَّه - ﷺ -\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٨٤، ومسلم، برقم ٦٩٥، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر؟ برقم ١٠٨١، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ١٥ - (٦٩٣).\n(٣) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر؟ برقم ١٠٨٠.\n(٤) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢١٠.","vol":"1","page":148},{"text":"بمنى والناس أكثر ما كانوا فصلى ركعتين في حجة الوداع» (١). فهذه سنة رسول اللَّه - ﷺ -، فينبغي العمل بها واتباعها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>٧ - جواز التطوع على المركوب في السفر:</span>\nيصح التطوع على المركوب في السفر: من راحلة، وطائرة، وسيارة،\nوسفينة وغيرها من وسائل النقل، أما الفريضة فلابد من النزول لها إلا عند العجز؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ [برأسه] إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته».\nوفي لفظ: «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» (٣)؛ ولحديث عامر بن ربيعة - ﵁ - قال: «رأيت النبي - ﷺ - يصلي على راحلته حيث توجهت به». وفي\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٦.\n(٢) أما إتمام عثمان - ﵁ - فله تأويلات كثيرة ذكر الإمام ابن القيم منها ستة تأويلات يعتذر له بها، منها: أن الأعراب كثروا في ذلك العام، وقد قال له بعضهم: إنه صلى ركعتين فقال: «يا أمير المؤمنين مازلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين» فأحب عثمان - ﵁ - أن يعلم الأعراب أن الصلاة أربع، وغير ذلك من التأويلات. أما عائشة ﵂، فقد قيل إنها تأولت أن القصر رخصة وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل، فعن عروة عن أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعًا فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أخي إنه لا يشق علي» رواه البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ١٤٣، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٥٧١: «إسناده صحيح».\nوانظر: للفائدة لاستكمال الاعتذار لعثمان - ﵁ - ولعائشة أم المؤمنين ﵂: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٤٦٥ - ٤٧٢، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر في السفر، برقم ٩٩٩، ١٠٠٠، ورقم ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، برقم ٧٠٠.","vol":"1","page":149},{"text":"لفظ: «ولم يكن رسول اللَّه - ﷺ - يصنع ذلك في المكتوبة». وفي لفظ: «أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به» (١)؛ولحديث جابر - ﵁ - قال: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يصلي على راحلته حيث توجهت به، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة» (٢).وفي لفظ: «كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة».وفي هذا أحاديث أخرى كحديث أنس - ﵁ - (٣).\nويستحب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث أنس - ﵁ - «أن رسول اللَّه - ﷺ - كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجهه\nركابه» (٤)، فإذا لم يفعل ذلك فالصلاة صحيحة عملًا بالأحاديث الصحيحة كما رجحه شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ (٥).\nوذكر الإمام النووي ﵀ «أن التنفل على الراحلة في السفر الذي تُقصر فيه الصلاة جائز بإجماع المسلمين ...» (٦).\nوأما السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة فالصواب جواز ذلك، وهو مذهب الجمهور (٧)؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٩٣، ١١٠٤، ومسلم، برقم ٧٠١، وتقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، برقم ٤٠٠، ١٠٩٤، ١٠٩٩، ٤١٤٠، وتقدم تخريجه.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة، برقم ٧٠٢.\n(٤) أبو داود برقم ١٢٢٥، وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٢٨، وتقدم تخريجه.\n(٥) سمعته يرجح ذلك أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٢٨.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢١٦.\n(٧) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٧٥، وشرح النووي، ٥/ ٢١٧، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٩٦.","vol":"1","page":150},{"text":"تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، وقد رجح الإمام ابن جرير ﵀ أن هذه الآية تدخل فيها صلاة التطوع في السفر على الراحلة حيثما توجهت بك راحلتك (٢). وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ عن الإمام الطبري ﵀ أنه احتج للجمهور: أن اللَّه جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر، وقد أجمعوا على أن من كان خارج المصر على ميل أو أقل ونيته العود إلى منزله لا إلى سفر آخر ولم يجد ماءً أنه يجوز له التيمم، فكما جاز له التيمم في هذا القدر جاز له التنفل على الدابة لاشتراكهما في الرخصة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>٨ - السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر، والوتر</span>؛ لحديث حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتةٌ نحوَ (٤) حيثُ صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول اللَّه - ﷺ - في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، ثم\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١١٥.\n(٢) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٣/ ٥٣٠، و٥٣٣، وانظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٩٥ - ٩٦.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ٥٧٥، وقد ذكر صاحب المغني أن الأحكام التي يستوي فيها السفر الطويل والقصير ثلاثة: التيمم، وأكل الميتة في المخمصة، والتطوع على الراحلة، وبقية الرخص تختص بالسفر الطويل. المغني لابن قدامة، ٢/ ٦٩.\n(٤) المقصود: حصلت منه التفاتةٌ إلى جهة المكان الذي صلَّى فيه. انظر: شرح النووي، ٥/ ٢٠٤.","vol":"1","page":151},{"text":"صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وقد قال اللَّه تعالى:\n﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١). أما سنة الفجر، والوتر فلا تُترك لا في الحضر ولا في السفر؛ لحديث عائشة ﵂ في سنة الفجر أن النبي - ﷺ - «لم يكن يدعهما أبدًا» (٢)؛ ولحديث أبي قتادة - ﵁ - في نوم النبي - ﷺ - وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وفيه: «ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول اللَّه - ﷺ - ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم» (٣).\nوأما سنة الوتر؛ فلحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «كان النبي\n- ﷺ - يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته». وفي لفظ: «كان يوتر على البعير» (٤).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان تعاهده - ﷺ - ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل ولم يكن يدعها هي والوتر سفرًا ولا حضرًا ... ولم ينقل عنه في السفر أنه - ﷺ - صلى سنة راتبة غيرهما» (٥).\nوأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقًا، مثل: صلاة الضحى،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري بنحوه، كتاب التقصير، باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة، برقم ١١٠١، ١١٠٢، ومسلم بلفظه، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٥٩، ومسلم، برقم ٧٢٤، وتقدم تخريجه.\n(٣) أخرجه مسلم، برقم ٦٨١، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر على الدابة، برقم ٩٩٩، وباب الوتر في السفر، برقم ١٠٠٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به، برقم ٧٠٠.\n(٥) زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٣١٥.","vol":"1","page":152},{"text":"والتهجد بالليل، وجميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب: كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد وغير ذلك (١).\nقال الإمام النووي ﵀: «وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>٩ - صلاة المقيم خلف المسافر صحيحة ويتمُّ المقيم بعد سلام المسافر</span>؛ للآثار في ذلك (٣)،والإجماع، قال ابن قدامة ﵀: «أجمع أهل العلم على أن\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ومقالات للإمام ابن باز، ١١/ ٣٩٠ - ٣٩١.\n(٢) شرح النووي صحيح مسلم، ٥/ ٢٠٥، وقال: «واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور، ودليله الأحاديث المطلقة في ندب الرواتب»، ٥/ ٢٠٥، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٧٧، وقال ابن قدامة: فأما سائر السنن والتطوعات قبل الفرائض وبعدها فقال أحمد: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس، وروي عن الحسن، قال: كان أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وأنس، وابن عباس، وأبي ذر، وجماعة من التابعين كثير، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، ونقل ذلك عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين ... ثم قال: وحديث الحسن عن أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - قد ذكرناه [مصنف ابن أبي شيبة، ١/ ٣٨٢]، فهذا يدل على أنه لا بأس بفعلها، وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها، فيجمع بين الأحاديث واللَّه أعلم. المغني، ٣/ ١٥٥ - ١٥٧.\nقلت: والصواب ما رجحه شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ -: أن المشروع ترك الرواتب في السفر، وهذا هو السنة أن يترك راتبة الظهر، والمغرب، والعشاء، ما عدا الوتر وسنة الفجر، فلا يتركهما؛ لحديث ابن عمر وغيره أن النبي - ﷺ - كان يدع الرواتب في السفر، أما النوافل المطلقة فمشروعة في السفر والحضر، وهكذا ذوات الأسباب. انظر: فتاوى الإمام ابن باز، ١١/ ٣٩٠ - ٣٩١.\n(٣) روي عن عمران - ﵁ - يرفعه: «أنه - ﷺ - أقام بمكة زمان الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب ثم يقول: يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا سفر» أحمد بلفظه، ٤/ ٤٣٠، وأبو داود، كتاب صلاة السفر، باب متى يتم المسافر، برقم ١٢٢٩، ولفظه: «يا أهل البلد صلوا أربعًا فإنا قوم سفر» وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ضعيف، قال الشوكاني: «وإنما حسّن الترمذي حديثه (٥٤٥) لشواهده»، نيل الأوطار، ٢/ ٤٠٢.","vol":"1","page":153},{"text":"المقيم إذا ائتمّ بالمسافر، وسلم المسافر من ركعتين أن على المقيم إتمام\nالصلاة» (١). وعن عمر - ﵁ - أنه كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم يقول: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفرٌ» (٢).\nفظهر من ذلك أن المقيم إذا صلى خلف المسافر صلاة الفريضة: كالظهر، والعصر، والعشاء، فإنه يلزمه أن يكمل صلاته أربعًا، أما إذا صلى المقيم خلف المسافر طلبًا لفضل الجماعة، وقد صلى المقيم فريضته،\nفإنه يصلي مثل صلاة المسافر: ركعتين؛ لأنها في حقه نافلة (٣).\nوإذا أمّ المسافر المقيمين فأتم بهم فصلاتهم تامة صحيحة وخالف الأفضل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>١٠ - صلاة المسافر خلف المقيم صحيحة</span>، ويتم المسافر مثل صلاة إمامه، سواء أدرك جميع الصلاة، أو ركعة، أو أقل، وحتى لو دخل معه في التشهد الأخير قبل السلام فإنه يتم، وهذا هو الصواب من قولي أهل العلم؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵄ من حديث موسى بن سلمة ﵀ قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا\n_________\n(١) المغني، ٣/ ١٤٦، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٠٣.\n(٢) مالك في الموطأ موقوفًا، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب صلاة المسافر إذا كان إمامًا أو كان وراء الإمام، برقم ١٩، ١/ ١٤٩، قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٤٠٢: «وأثر عمر رجال إسناده أئمة ثقات».\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للإمام ابن باز، ١٢/ ٢٥٩ - ٢٦١.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٦، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٦٠، وقد كان عثمان - ﵁ - يتم بالناس في الحج في السنوات الأخيرة من خلافته، وثبت عن عائشة أنها كانت تتم الصلاة في السفر، وتقول: إنه لا يشق عليها، فلا حرج في إتمام المسافر، ولكن الأفضل ما فعله النبي - ﷺ - لأنه المشرع المعلم - ﷺ -، انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٦٠، وحديث عثمان في مسلم، برقم ٦٩٤، ٦٩٥.","vol":"1","page":154},{"text":"وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: «تلك سنة أبي القاسم - ﷺ -» (١). وكان ابن عمر ﵄ إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (٢).\nوذكر الإمام ابن عبد البر ﵀ أن في إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن\nيصلي أربعًا (٣). وقال: «قال أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه أنه تلزمه صلاة المقيم، وعليه الإتمام» (٤).\nومما يدل على أن المسافر إذا صلى خلف المقيم يلزمه الإتمام عموم قوله - ﷺ -: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا ..» (٥) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>١١ - نية القصر أو الجمع عند افتتاح الصلاة والموالاة بين الصلاتين المجموعتين:</span>\nاختلف العلماء هل يشترط للقصر والجمع نية؟ قال شيخ الإسلام ابن\n_________\n(١) أحمد في المسند، ١/ ٢١٦، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٢١: «قلت وسنده صحيح رجاله رجال الصحيح»، والحديث أخرجه مسلم بلفظ: «كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام»؟ فقال: «ركعتين سنة أبي القاسم - ﷺ -»، مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٨.\n(٢) مسلم، الكتاب والباب السابق، برقم ١٧ (٦٨٨)، وانظر آثارًا في موطأ الإمام مالك، ١/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(٣) التمهيد، ١٦/ ٣١١ - ٣١٢.\n(٤) المرجع السابق، ١٦/ ٣١٥.\n(٥) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، برقم ٧٢٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١٤.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٤٦، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ١٥٩، ٢٦٠، والشرح الممتع، لابن عثيمين،٤/ ٥١٩.","vol":"1","page":155},{"text":"تيمية ﵀: «الجمهور لا يشترطون النية: كمالك، وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو مقتضى نصوصه، والثاني تشترط: كقول الشافعي، وكثير من أصحاب أحمد: كالخرقي وغيره، والأول أظهر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه» (١). وقال ﵀: «والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي - ﷺ -، فإنه كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر، ولا يأمرهم بنية القصر ... وكذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمع قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاة الأولى، فعلم أيضًا أن الجمع لا يفتقر إلى أن\nينوي حين الشروع في الأولى» (٢)، وقال ﵀: «والنبي - ﷺ - لما كان يصلي بأصحابه جمعًا وقصرًا لم يكن يأمر أحدًا منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع، ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم، وكذلك لما خرج من المدينة صلى بهم بذي الحليفة ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر» (٣).\nوقال سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «... والراجح أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة الأولى، بل يجوز الجمع بعد الفراغ من الأولى إذا وجد شرطه: من خوف، أو مطر، أو مرض» (٤).\n_________\n(١) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ١٦، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٩.\n(٢) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،٢٤/ ٢١،وانظر: الإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ١٠٢.\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٥٠.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٩٤.","vol":"1","page":156},{"text":"فظهر أن الصحيح من قولي أهل العلم أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة في القصر والجمع (١).\nأما الموالاة بين الصلاتين المجموعتين فقد اشترطها بعضهم، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والعلامة السعدي، عدم اشتراط الموالاة (٢).\nوقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀: «الواجب في جمع التقديم الموالاة بين الصلاتين، ولا بأس بالفصل اليسير عُرفًا؛ لما ثبت عن النبي - ﷺ - في ذلك وقد قال - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). أما جمع التأخير فالأمر فيه واسع؛ لأن الثانية تفعل في وقتها؛ ولكن الأفضل هو الموالاة بينهما تأسيًا بالنبي - ﷺ - في ذلك، واللَّه ولي التوفيق» (٤) واللَّه أعلم (٥).\n_________\n(١) ورجح ذلك شيخ الإسلام كما تقدم، والإمام ابن باز، والسعدي في المختارات الجلية، ص٦٧، والمرداوي في الإنصاف، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٦٢، وابن عثيمين في الشرح الممتع، ٤/ ٥٢٣ - ٥٢٥، و٥٦٦، وانظر: الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١١٣.\n(٢) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٥١، و٥٤، والاختيارات الفقهية له، ص١١٢، والمختارات الجلية للسعدي، ص٦٨، والإنصاف للمرداوي، ٥/ ١٠٤.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، برقم ٦٣١.\n(٤) مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز، ١٢/ ٢٩٥.\n(٥) قال العلامة ابن عثيمين: «واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لا تشترط الموالاة بين المجموعتين، وقال: إن معنى الجمع هو الضم بالوقت: أي ضم وقت الثانية للأولى بحيث يكون الوقتان وقتًا واحدًا ... وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ نصوصًا عن الإمام أحمد تدل على ما ذهب إليه من أنه لا تشترط الموالاة في الجمع بين الصلاتين تقديمًا كما أن الموالاة لا تشترط بالجمع بينهما تأخيرًا، والأحوط أن لا يجمع إذا لم يتصل، ولكن رأي شيخ الإسلام له قوة» الشرح الممتع،٤/ ٥٦٨ - ٥٦٩.\nوالأقوال ثلاثة: الأول: الموالاة ليست شرطًا في جمع التقديم ولا في جمع التأخير، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية.\nالثاني: الموالاة شرط في الجمعين؛ لأن الجمع هو الضم، وهو قول بعض العلماء.\nالثالث: تشترط الموالاة في جمع التقديم ولا تشترط في جمع التأخير، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. الشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥٧٨.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>١٢ - رخص السفر:</span>\nمن قواعد الشريعة: «المشقة تجلب التيسير» (١)، ولما كان السفر قطعة من\nالعذاب؛ لقوله - ﷺ -: «السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه، ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله» (٢)، رتّب الشارع ما رتّب من الرخص، حتى ولو فُرِض خلوُّه من المشاق؛ لأن الأحكام تعلَّق بعللها العامة، وإن تخلفت في بعض الصور والأفراد، فالحكم الفرد يُلحق بالأعم، ولا يفرد بالحكم، وهذا معنى قول الفقهاء ﵏: «النادر لا حكم له»، يعني لا ينقض القاعدة ولا يخالف حكمه حكمها، فهذا أصل يجب اعتباره، فأعظم رخص السفر وأكثرها حاجة الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>الأمر الأول: القصر؛ ولذلك ليس للقصر من الأسباب غير السفر</span>؛ ولهذا أضيف السفر إلى القصر لاختصاصه به، فتقصر الرباعية من أربع إلى ركعتين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>الأمر الثاني: الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء </span>في وقت إحداهما، والجمع أوسع من القصر؛ ولهذا له أسباب أُخر غير السفر:\n_________\n(١) انظر: إرشاد أولي البصائر والألباب للعلامة السعدي، ص١١٣، ورسالة القواعد الفقهية له، ص٤٩ - ٥٠.\n(٢) البخاري، كتاب العمرة، باب السفر قطعة من العذاب، برقم ١٨٠٤.","vol":"1","page":158},{"text":"كالمرض، والاستحاضة، والمطر، والوحل، والريح الشديدة الباردة، ونحوها من الحاجات، والقصر أفضل من الإتمام، بل يكره الإتمام لغير سبب، وأما الجمع في السفر فالأفضل تركه إلا عند الحاجة إليه، أو إدراك الجماعة، فإذا اقترن به مصلحة جاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>الأمر الثالث: الفطر في رمضان من رخص السفر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>الأمر الرابع: الصلاة النافلة على الراحلة أو وسيلة النقل إلى جهة سيره</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>الأمر الخامس: الصلاة النافلة للماشي إلى جهة سيره</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>الأمر السادس: المسح على الخفين، والعمامة، والخمار، ونحوها</span>، ثلاثة أيام بلياليها؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: «جعل رسول اللَّه - ﷺ -، ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم» (١)، وتقدم التفصيل في ذلك.\nوأما التيمم فليس سببه السفر، وإن كان الغالب أن الحاجة إليه في السفر أكثر منه في الحضر، وكذلك أكل الميتة للمضطر عام في السفر والحضر، ولكن في الغالب وجود الضرورة في السفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>الأمر السابع: ترك الرواتب في السفر، ولا يكره له ذلك</span>، مع أنه يكره تركها في الحضر، أما راتبة الفجر وصلاة الوتر، والصلوات المطلقة فتصلى حضرًا وسفرًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>الأمر الثامن: من رخص السفر ما ثبت عن النبي - ﷺ </span>- أنه قال: «إذا مرض\n_________\n(١) مسلم، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين، برقم ٢٧٦.","vol":"1","page":159},{"text":"العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (١). فالأعمال التي يعملها في حضره: من الأعمال القاصرة على نفسه، والمتعدية يجري له أجرها إذا سافر، وكذلك إذا مرض، فيا لها من نعمة ما أجلها وأعظمها.\nوأما صلاة الخوف فليس سببه السفر، ولكنه فيه أكثر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>الحادي والثلاثون: معرفة أحكام الجمع وأنواعه ودرجاته في سفر الحج وغيره:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>١ - الجمع بعرفة</span>؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «إنهم كانوا\nيجمعون بين الظهر والعصر في السُّنّة» (٣)، «وكان ابن عمر ﵄ إذا فاتته الصلاة مع الإمام جمع بينهما» (٤). وعن جابر - ﵁ - في حديثه في حجة الوداع، وفيه: أن النبي - ﷺ - أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئًا» (٥). ومما يدل على أنه - ﷺ - صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين حديث أنس - ﵁ - قال: «خرجنا مع النبي - ﷺ - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة». وفي لفظ لمسلم: «خرجنا من المدينة إلى الحج ..» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>٢ - الجمع بمزدلفة</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - حينما أفاض من عرفة: «أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، بابٌ: يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، برقم ٢٩٩٦.\n(٢) انظر: إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، للعلامة السعدي، ص١١٣ - ١١٦ بتصرف يسير.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بعرفة، برقم ١٦٦٢.\n(٤) البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بعرفة، قبل الحديث رقم ١٦٦٢.\n(٥) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٨١، ومسلم، برقم ٦٩٣، وتقدم تخريجه في قصر الصلاة بمنى.","vol":"1","page":160},{"text":"يسبح بينهما (١) شيئًا» (٢)؛ ولحديث أسامة بن زيد - ﵁ -، وفيه: «أن النبي - ﷺ - لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصلِّ بينهما شيئًا» (٣)؛ ولحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «جمع\nرسول اللَّه - ﷺ - بين المغرب والعشاء بِجَمْعٍ، ليس بينهما سجدة، وصلى المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>٣ - الجمع في الأسفار الأخرى أثناء السير في وقت الأولى أو الثانية أو بينهما</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير (٥)، ويجمع بين المغرب والعشاء» (٦)، وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير (٧») (٨)، وعن أنس - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يجمع بين\n_________\n(١) ولم يسبح بينهما: لم يصلِّ صلاة النافلة. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٧٢١.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بمزدلفة، برقم ١٦٧٢، ومسلم، كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعًا بالمزدلفة في هذه الليلة، برقم ١٢٨٠.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعًا بالمزدلفة في هذه الليلة، برقم ١٢٨٨.\n(٥) إذا كان على ظهر سير: أي إذا كان سائرًا. فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٨٠.\n(٦) البخاري، كتاب تقصر الصلاة، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، برقم ١١٠٧.\n(٧) إذا جد به السير: أي إذا اهتم به وأسرع فيه. النهاية في غريب الحديث، ١/ ٢٤٤، وقال الحافظ: «إذا جد به السير: أي اشتد». فتح الباري، ٢/ ٥٨٠.\n(٨) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء برقم ١١٠٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، برقم ٧٠٣.","vol":"1","page":161},{"text":"صلاة المغرب والعشاء في السفر» (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «أورد فيه ثلاثة أحاديث (٢): حديث ابن عمر وهو مقيد بما إذا جد السير، وحديث ابن عباس، وهو مقيد بما إذا كان سائرًا، وحديث أنس وهو مطلق، واستعمل المصنف الترجمة مطلقة إشارة إلى العمل بالمطلق؛ لأن القيد فرد من أفراده، وكأنه رأى\nجواز الجمع بالسفر: سواء كان سائرًا، أم لا، وسواء كان سيره مُجدًّا أم لا» (٣) وعلى ذلك كثير من الصحابة - ﵃ - (٤)، وهو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة (٥)، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا\n_________\n(١) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، برقم ١١٠٨.\n(٢) يعني البخاري ﵀ في قوله: «باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء».\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ٥٨٠.\n(٤) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في الجمع بين الصلاتين في السفر على أقوال:\n١ - جواز الجمع مطلقًا في السفر في قول أكثر أهل العلم في وقت إحدى الصلاتين: الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، وعليه كثير من أصحاب النبي - ﷺ -، وكثير من التابعين، ومن الفقهاء: الثوري، والشافعي، وأحمد، ومالك.\n٢ - ومذهب أبي حنيفة لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة بعرفة، وليلة مزدلفة بها.\n٣ - وقيل يجوز جمع التأخير فقط وهو رواية عن أحمد، ومالك، واختاره ابن حزم.\nوالصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة الصريحة هو القول الأول. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٢٧، والشرح الكبير المطبوع مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٨٥، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢٢، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٨٠، وشرح النووي على صحيح مسلم،\n٥/ ٢٢٠، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن، ٤/ ٧١.\n(٥) قرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن فعل كل صلاة في وقتها قصرًا أفضل في السفر إذا لم يكن به حاجة إلى الجمع؛ فإن غالب صلاة النبي - ﷺ - التي كان يصليها في السفر إنما يصليها في أوقاتها، وإنما كان الجمع منه مرات قليلة، أما الجمع في عرفة ومزدلفة، فمتفق عليه ومنقول بالتواتر، وهو السنة، والجمع ليس كالقصر؛ فإن القصر سنة راتبة، وأما الجمع فإنه رخصة عارضة يختص بمحل الحاجة. انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ١٩، و٢٤/ ٢٣، ٢٧، وقال ﵀: «ومن سوّى من العامة بين القصر والجمع فهو جاهل بسنة رسول اللَّه - ﷺ -، وبأقوال علماء المسلمين» مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٢٧، وانظر: حاشية الروض المربع، لابن قاسم ٢/ ٣٩٦. وذكر المرداوي في الإنصاف المطبوع مع الشرح الكبير، ٥/ ٨٥: أن ترك الجمع أفضل على الصحيح من مذهب الحنابلة، وقيل: الجمع أفضل.\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: «الصحيح أن الجمع سنة إذا وجد سببه؛ لوجهين: الوجه الأول: أنه من رخص اللَّه - ﷿ -، واللَّه سبحانه يحب أن تؤتى رخصه. الوجه الثاني: أن فيه اقتداء برسول اللَّه - ﷺ -،فإنه كان يجمع عند وجود السبب المبيح للجمع» الشرح الممتع، ٤/ ٥٤٨.","vol":"1","page":162},{"text":"ارتحل قبل أن تزيغ الشمس (١) أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب» (٢)، وفي رواية للحاكم في الأربعين: «صلى الظهر والعصر، ثم ركب» (٣)؛ ولأبي نعيم في مستخرج مسلم: «كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل» (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول:\n_________\n(١) تزيغ الشمس: زاغت الشمس، تزيغ: إذا مالت عن وسط السماء إلى الغرب. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٧١٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، بابٌ: يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، برقم ١١١١، وبابٌ: إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب، برقم ١١١٢.\n(٣) قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٦٢، في رواية الحاكم في الأربعين: «بإسناد صحيح». وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٨٣، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ٤٧٧ - ٤٨٠.\n(٤) عزاه إليه ابن حجر في بلوغ المرام، وقال الصنعاني في سبل السلام، ٣/ ١٤٤ في رواية المستخرج على صحيح مسلم: «لا مقال فيها». وقال الألباني في إرواء الغليل بعد ذكره للطرق: «فقد تبيّن مما سبق ثبوت جمع التقديم في حديث أنس من طرق ثلاثة عنه» إرواء الغليل، ٣/ ٣٤، و٣/ ٣٢ - ٣٣.","vol":"1","page":163},{"text":"«هذا يدل على أن الجمع يراعى فيه الرحيل قبل الوقت وبعد الوقت، فإن كان الرحيل قبل الوقت جمع جمع تأخير، وإن كان بعد الوقت جمع جمع تقديم، هذا هو الأفضل، وكيفما جمع جاز؛ لأن الوقتين صارا وقتًا واحدًا، فلو صلى أول الوقت، أو آخره، فلا بأس، ففي حالة السفر والمرض يكون وقت الظهر والعصر وقتًا واحدًا، والمغرب والعشاء وقتًا\nواحدًا، ولكن الأفضل ما تقدم» (١).\nومما يدل على مشروعية جمع التقديم حديث معاذ - ﵁ - قال: «خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا» (٢). وقد فصل هذا الإجمال رواية الترمذي وأبي داود عن معاذ - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>٤ - درجات الجمع في السفر ثلاث </span>(٤):\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>الدرجة الأولى: إذا كان المسافر سائرًا في وقت الصلاة الأولى </span>فإنه ينزل في\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٦٢.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، برقم ١٠٦.\n(٣) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين برقم ٥٥٣، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين، برقم ١٢٠٨، و١١٢٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل،٣/ ٣٨، برقم ٥٧٨، وفي صحيح سنن الترمذي، ١/ ٣٠٧، وصحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٣٠.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،٢٤/ ٦٣.","vol":"1","page":164},{"text":"وقت الثانية فيصلي جمع تأخير في وقت الثانية (١)، فهذا هو الجمع الذي ثبت\nفي الصحيحين من حديث أنس، وابن عمر، كما تقدم، وهو نظير جمع مزدلفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>الدرجة الثانية: إذا كان المسافر نازلًا في وقت الصلاة الأولى </span>ويكون سائرًا في وقت الصلاة الثانية؛ فإنه يصلي جمع تقديم في وقت الأولى، وهذا نظير الجمع بعرفة، وهذا الذي ثبت من حديث أنس - ﵁ - في رواية الحاكم ومستخرج مسلم لأبي نعيم، وثبت من حديث معاذ - ﵁ - في سنن الترمذي وأبي داود كما تقدّم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>الدرجة الثالثة: إذا كان المسافر نازلًا في وقت الصلاتين جميعًا </span>نزولًا مستمرًا، فالغالب من سنة النبي - ﷺ - أنه لا يجمع بينهما وإنما يصلي كل صلاة في وقتها مقصورة كما فعل - ﷺ - في منى وفي أكثر أسفاره، ولكن قد يجمع أحيانًا أثناء نزوله نزولًا مستمرًا كما جاء عن معاذ - ﵁ - أنهم خرجوا مع رسول اللَّه - ﷺ - في غزوة تبوك، «فكان رسول اللَّه - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخّر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا» (٢)، قال\n_________\n(١) وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الجمع جائز في الوقت المشترك، فتارة يجمع في أول الوقت، كما جمع - ﷺ - بعرفة، وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع - ﷺ - بمزدلفة: وفي بعض أسفاره، وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين، وقد يقعان معًا في آخر وقت الأولى، وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية، وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا، وكل هذا جائز؛ لأن أصل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك، والتقديم، والتوسط، والتأخير بحسب الحاجة والمصلحة، ففي عرفة ونحوها يكون التقديم هو السنة، وكذلك جمع المطر: السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب، حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟ ... انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،٢٤/ ٥٦.\n(٢) النسائي، كتاب المواقيت، باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر، برقم ٥٨٧، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين، برقم ١٢٠٦، وموطأ الإمام مالك، كتاب قصر الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر،١/ ١٤٣ - ١٤٤ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٣٠، وفي صحيح سنن النسائي،١/ ١٩٦.","vol":"1","page":165},{"text":"شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ظاهره أنَّه كان نازلًا في خيمة في السفر، وأنه أخّر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل إلى\nبيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا، فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل، وأما السائر فلا يقال: دخل وخرج بل نزل وركب ... وهذا دليل على أنه - ﷺ - كان يجمع أحيانًا في السفر وأحيانًا لا يجمع، وهو الأغلب على أسفاره ... وهذا يبيّن أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر، بل يفعل للحاجة، سواء كان في السفر أو الحضر؛ فإنه قد جمع أيضًا في الحضر؛ لئلا يحرج أمته، فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع، سواء كان ذلك سيره وقت الثانية، أو وقت الأولى وشقَّ النزول عليه، أو كان مع نزوله لحاجة أخرى: مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر، ووقت العشاء، فينزل وقت الظهر وهو تعبان، سهران، جائع محتاج إلى راحة وأكل ونوم، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يحتاج أن يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك؛ ليستيقظ نصف الليل لسفره، فهذا ونحوه يباح له الجمع. وأما النازل أيامًا في قرية أو مصر وهو في ذلك كأهل المصر: فهذا وإن كان يقصر؛ لأنه مسافر فلا يجمع» (١).\nواستُدِلَّ على أن المسافر يجمع بين الصلاتين عند الحاجة في نزوله في\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٦٤ - ٦٥، وأما تلميذه ابن القيم فلا يرى الجمع وقت النزول، انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٤٨١، وأما شيخنا عبد العزيز ابن باز، فيرى أن الجمع للمسافر وقت النزول لا بأس به، ولكن تركه أفضل. انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٩٧.","vol":"1","page":166},{"text":"السفر بحديث أبي جحيفة - ﵁ -:أنه أتى النبي - ﷺ - وهو نازل بمكة بالأبطح في حجة الوداع في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج النبي - ﷺ - بالهاجرة عليه حلة حمراء، فتوضأ وأذن بلال، ثم رُكِزَت له عنزة فتقدم فصلى بهم بالبطحاء\nالظهر ركعتين، والعصر ركعتين ...» (١)،قال النووي ﵀: «فيه دليل على القصر والجمع في السفر، وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع وهو نازل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إلى الأولى، وأما من كان في وقت الأولى سائرًا فالأفضل تأخير الأولى إلى وقت الثانية» (٢)،واللَّه تعالى أعلم (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب استعمال فضل وضوء الناس، برقم ١٨٧، ومسلم، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، برقم ٥٠٣.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٤٦٨.\n(٣) ذكر العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ خلاف العلماء في مسألة جمع المسافر أثناء السير والنزول: قال:\nأ - فمنهم من يقول: لا يجوز الجمع للمسافر إلا إذا كان سائرًا لا إذا كان نازلًا، وذكر أدلتهم.\nب - والقول الثاني: أنه يجوز الجمع للمسافر سواء كان نازلًا، أم سائرًا واستدلوا بما يلي:\n١ - أن النبي - ﷺ - جمع بغزوة تبوك وهو نازل.\n٢ - ظاهر حديث أبي جحيفة - ﵁ - الثابت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - كان نازلًا بالأبطح في حجة الوداع فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين.\n٣ - عموم حديث ابن عباس: «جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا سفر».\n٤ - أنه إذا جاز الجمع للمطر ونحوه فجوازه في السفر من باب أولى.\n٥ - أن المسافر يشق عليه أن يفرد كل صلاة في وقتها: إما للعناء أو قلة الماء أو غير ذلك.\nقال ﵀: «والصحيح أن الجمع للمسافر جائز لكنه في حق السائر مستحب وفي حق النازل جائز غير مستحب، إن جمع فلا بأس وإن ترك فهو أفضل» الشرح الممتع، ٤/ ٥٥٠ - ٥٥٣.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>المبحث العاشر: مواقيت الحج والعمرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>أولًا: مفهوم المواقيت: </span>جمع ميقات وهو ما حُدِّد ووُقِّت للعبادة: من زمان ومكان. والتوقيت: التحديد، وهو أن يجعل للشيء وقتٌ يختصُّ به، وهو بيان مقدار المدة، ثم اتُّسع فيه فأُطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات: والمراد بالميقات هاهنا: الوقت والمكان اللذان يحرِمُ منهما الحاج أو المعتمر، وينشئ النية.\nوهو في الاصطلاح موضع العبادة وزمانها:\nوالمقصود في هذا المبحث ما حدد الشارع للإحرام من المكان والزمان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>ثانيًا: المواقيت نوعان: المواقيت الزمانية، والمكانية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>النوع الأول: المواقيت الزمانية: </span>فالميقات الزماني بالنسبة للحاج من أول شهر شوال إلى العاشر من ذي الحجة، فيكون الميقات الزماني للحج: شوال (٢)، وذو القعدة (٣)، والعشر الأول من ذي الحجة (٤). قال تعالى:\n﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، ص ٢٠٨، والمصباح المنير، ٢/ ٦٦٧، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٢١٢، وجامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ١٢.\n(٢) شوال: اسم للشهر الذي يلي رمضان، وهو أول أشهر الحج، وسُمِّي بذلك؛ لتشويل لبن الإبل فيه، وهو تولِّيه وإدباره، وقال الفرَّاء: وسمِّي بذلك؛ لشولان الناقة فيه بذنبها، ويجمع على شواويل، وشواول، وشوالات [لسان العرب لابن منظور، ٢/ ٣٨٥].\n(٣) ذو القعدة: سُمِّي بذلك؛ لقعودهم فيه عن القتال، والترحال، وهي بالسكر «قِعْدَة» والفتح «ذو القعدة» والجمع ذوات القعدات، والمثنى منه ذوات القَعْدة، وقيل جمعه: ذوات القَعدة [مختار الصحاح للرازي، ص ٥٧، والمصباح المنير للفيومي، ص ٦١٥].\n(٤) ذو الحجة: سُمِّي بذلك؛ لإقامتهم الحج فيه [المصباح المنير، ص ١٤٧].","vol":"1","page":168},{"text":"جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ (١).\nوقال ابن عمر ﵄: «أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة» (٢).\nوقال ابن عباس ﵄: «من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج» (٣).\nفالإحرام بالحج يبدأ في أول ليلة من شوال، وينتهي بطلوع الفجر من ليلة النحر (٤)، فقوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وهي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، وقد قيل: وذو الحجة مع الإجماع على فوات الحج بعدم الوقوف بعرفة قبل الفجر من ليلة النحر (٥)، فإن قيل: كيف يكون النحر يوم الحج الأكبر والحج يفوت\nبطلوع فجر يوم النحر (٦)، فالجواب: أن الذي فاته وقت الوقوف لا\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.\n(٢) البخاري، كتاب الحج، باب قول اللَّه تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] قبل الحديث رقم ١٥٦٠، قال الحافظ في الفتح (٣/ ٤٢٠): «وصله الطبري والدارقطني»، وقال الألباني في مختصر صحيح البخاري، ١/ ٤٦٢: «بسند صحيح عنه»، ومعنى السنة هنا: أي الطريقة والشريعة. انظر: شرح الزركشي، ٣/ ٧١.\n(٣) البخاري، في الكتاب والباب السابقين، قبل الحديث رقم ١٥٦٠، قال الحافظ في الفتح،\n٣/ ٤٢٠: «وصله ابن خزيمة، والحاكم، والدارقطني»، وقال الألباني في مختصر صحيح البخاري، ١/ ٤٦٢: «بسند صحيح عنه».\n(٤) شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٣٩٩.\n(٥) تبصير الناسك بأحكام المناسك، لعبد المحسن بن حمد العباد البدر، ص ٤٥.\n(٦) أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣١٨.","vol":"1","page":169},{"text":"الحج (١)؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: وقف النبي - ﷺ - يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجَّ، بهذا، وقال: «هذا يوم الحج الأكبر» (٢).\nفَعُلِم بهذا أن يوم النحر من أشهر الحج وهو يوم الحج الأكبر (٣)، وأن أشهر الحج: شهران وبعض الثالث (٤) (٥)، وأما ميقات العمرة الزماني\n_________\n(١) سمّي بيوم النحر، لنحرهم الهدايا والضحايا فيه، والنحر أعلى الصدر وموضع القلادة وهو مصدر جمعه نحور، الصحاح للجوهري، باب نحر، ص ٨٢٤.\n(٢) البخاري، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، برقم ١٧٤٢.\n(٣) شرح العمدة، لابن تيمية، ١/ ٣٧٧، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٣١٨.\n(٤) سمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، قبل الحديث رقم ١٥٦٠: «أشهر الحج شهران وبعض الثالث». وانظر مثل هذا، شرح العمدة لابن تيمية،\n١/ ٣٨٣، وعند الإمام مالك: أن أشهر الحج ثلاثة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، واختاره ابن هبيرة، وقال ابن عثيمين: «الصواب ما ذهب إليه مالك ﵀ من أن أشهر الحج ثلاثة» الشرح الممتع، ٧/ ٦٢، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٣١٩.\n(٥) اختلف العلماء في حكم الإحرام قبل أشهر الحج:\nفقيل: يكره الإحرام بالحج قبل أشهره؛ لأنه أحرم به قبل وقته؛ ولأن في صحته اختلافًا، فإن أحرم به قبل أشهره صح، وإذا بقي على إحرامه إلى وقت الحج جاز. نصَّ عليه أحمد، وهو قول النخعي، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، واستدلوا بقول اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فدل على أن جميع الأشهر ميقات.\nوقيل: لا يجوز تقديم إحرام الحج عن أشهره؛ لقوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقالوا: يجعل إحرامه بالحج قبل أشهره عمرة، وممن قال بذلك: عطاء، وطاوس، ومجاهد، والشافعي [المغني لابن قدامة، ٥/ ٧٤].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة، ١/ ٣٩٤: «وقد احتج جماعة من أصحابنا وغيرهم بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ﴾ فقالوا: وهذا عام في جميع الأهلة، فيقتضي أن تكون جميعًا ميقاتًا للحج، وهذا غلط محقق؛ لأن الهلال إنما يكون وقتًا للشيء إذا اختلف حكمه به وجودًا وعدمًا».\nوالرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن الإحرام لا ينعقد بالحج قبل أشهره. [شرح العمدة،\n١/ ٣٨٩، وانظر: الفروع لابن مفلح، ٥/ ٣١٦].\nقال الإمام الشنقيطي ﵀: «اعلم أن جماعة من أهل العلم قالت: لا ينعقد الإحرام بالحج في غير أشهر الحج، وأكثر من قال بهذا يقولون: إنه إن أحرم بالحج في غير أشهره ينعقد إحرامه بعمرة لا حج، وهذا هو مذهب الشافعي ...» إلى أن قال: «قال مقيده عفا اللَّه عنه وغفر له: ومن العجيب عندي أن يستدل عالم بمثل هذه الأدلة التي هي في غاية السقوط، كما ترى؛ لأن آية: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ﴾ ليس معناها أن كل شهر منها ميقات للحج، ولكن أشهر الحج إنما تعلم بحساب جميع الأشهر؛ لأنه هو الذي يتميز به وقت الحج من غيره؛ ولأن هذه الأدلة التي لا يعوَّل عليها في مقابلة آية محكمة من كتاب اللَّه صريحة في توقيت الحج بأشهر معلومات، وهي قوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾. فتجاهل هذا النص القرآني ومعارضته بما رأيت من الغرائب كما ترى». ثم قال ﵀: «والتحقيق الذي يدل عليه القرآن هو قول من قال: إن الحج لا ينعقد في غير زمنه، كما أن الصلاة لا ينعقد إحرامها قبل وقتها، وانقلاب إحرامه عمرة له وجه من النظر، ويستأنس له بأن النبي - ﷺ - أمر أصحابه المحرمين بالحج الذين لم يسوقوا هديًا أن يقلبوا حجهم الذي أحرموا به عمرة، وبأن من فاته الحج تحلل من إحرامه للحج بعمرة، والعلم عند اللَّه تعالى». [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٤١ - ٣٤٢، وانظر: شرح العمدة لابن تيمية،\n١/ ٣٨٥ - ٣٩٨، والمقنع، والشرح الكبير والإنصاف، ٨/ ١٣١ - ١٣٤، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٣١٦ - ٣١٧].\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع، ٥/ ٦٤: «لا يجوز أن يحرم قبل الميقات الزماني ... وأنه لو أحرم قبل دخول شوال صار الإحرام عمرة لا حجًا ...».\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ - الأحاديث: (٢٣٥١ - ٢٣٦٣): «هذه الأحاديث تدل على أن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، ولكن لو أحرم بالحج لزمه الحج ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ للهِ﴾ فلو أحرم بالحج في رمضان لزمه، ولكن له أن يجعلها عمرة».\nقلت: كلام الشنقيطي على أدلة القائلين بالجواز كلام نفيس، فالأقرب للصواب ما رجحه ﵀، واللَّه تعالى أعلم.","vol":"1","page":170},{"text":"فهو العام كله، يحرم بها المعتمر متى شاء لا يختص بوقتٍ، ولا يختصُّ إحرامها بوقت، فيعتمر متى شاء: في شعبان، أو رمضان، أو شوال، أو","vol":"1","page":171},{"text":"غير ذلك من الشهور (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>النوع الثاني: المواقيت المكانية: </span>وهي خمسة بتوقيت النبي - ﷺ - على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>١ - ذو الحليفة </span>(٢): والمسافة بينها وبين المسجد النبوي ١٣ كيلو، ومنها إلى مكة ٤٢٠ كيلو، وهي ميقات أهل المدينة ومن أتى على طريقهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>٢ - الجحفة: </span>وهي ميقات أهل الشام، وهي الآن خراب (٣)، وسميت الجحفة؛ لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام، وقد كانت قرية كبيرة اسمها مهيعة (٤). والناس يحرمون اليوم من رابغ؛ لأنها قبل الجحفة بيسير، تقع عنها غربًا ببعد ٢٢ ميلًا، ويحاذي الجحفة من خط الهجرة الخط السريع من المدينة باتجاه مكة وبين هذه المحاذاة ومكة ٢٠٨ كيلو. وتبعد رابغ عن مكة ١٨٦ كيلو ويحرم منها أهل شمال المملكة\nالعربية السعودية، وساحل المملكة الشمالي إلى العقبة، ويحرم منها بلدان إفريقيا الشمالية والغربية، وأهل لبنان، وسوريا، والأردن، وفلسطين، ومن مرَّ عليها من غيرهم.\n_________\n(١) شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٣٩٩.\n(٢) وقد سماها جهال العامة: أبيار علي؛ لظنهم أن عليًا قاتل الجن بها وهو كذب؛ فإن الجن لم يقاتلهم أحد من الصحابة - ﵃ -. انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ٩٩، وذو الحليفة قرية ماء من مياه بني جشم، والحلفاء: نبت ينبت في الماء، أطرافه محددة كأنها أطراف سعف النخل والخوص، ينبت في مفايض الماء. انظر: معجم البلدان للحموي، ٢/ ٢٩٥، ولسان العرب لابن منظور، ٩/ ٥٦، والمصباح المنير، ١/ ١٤٦.\n(٣) قال العلامة ابن جبرين: قد أصلح للجحفة طريق ينفصل من الطريق العام بعد رابغ، وقد بني بها مسجد ومغاسل للإحرام.\n(٤) معجم البلدان لياقوت بن عبد اللَّه الحموي، ٢/ ١١١.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>٣ - قرن المنازل </span>(١): ويسمَّى الآن: السيل الكبير، ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة ٧٨ كيلو، ويحرم منه أهل نجد، وحجاج الشرق كله: من أهل الخليج، والعراق، وإيران، ومن مرَّ عليه من غيرهم.\nووادي محرم الواقع في طريق الهدى غرب الطائف يبعد عن مكة ٧٥ كيلو، ويحرم منه حجاج أهل الطائف. ومن مرَّ على طريقهم من غيرهم، وليس ميقاتًا مستقلًا، وإنما هو الطريق الأعلى لقرن المنازل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>٤ - يلملم: </span>وفيه بئر تسمى السعدية، ويلملم وادٍ عظيم، ينحدر من جبال السروات إلى تهامة، ثم يصب في البحر الأحمر، ويبعد مكان الإحرام منه عن مكة المكرمة ١٢٠ كيلو.\nعن ابن عباس ﵄ قال: «وقَّت رسول اللَّه - ﷺ - لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهنَّ فمهلَّه (٢) من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها». وفي لفظ للبخاري وغيره: «... ومن كان دون ذلك فمن\nحيث أنشأ (٣) حتى أهل مكة من مكة» (٤).\n_________\n(١) قرن المنازل، وهو قرن الثعالب بسكون الراء ميقات أهل نجد تلقاء مكة على يوم وليلة، وهو قرنٌ أيضًا غير مضاف، وأصله الجبل الصغير المستطيل، المنقطع عن الجبل الكبير. معجم البلدان لياقوت الحموي، ٤/ ٣٣٢.\n(٢) مُهَلُّ: المُهَلُّ: موضع الإهلال، يعني به الميقات وموضع الإحرام. جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ١٧.\n(٣) فمن حيث أنشأ: أي فميقاته من حيث أنشأ نية الإحرام، فيسافر أو يذهب من مكانه إلى مكة. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣٨٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب مُهلَّ أهل الشام، برقم ١٥٢٦، وباب مُهَلِّ أهل مكة للحج والعمرة، برقم ١٥٢٤، ومسلم، كتاب الحج، باب مواقيت لحج، برقم ١١٨١.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>٥ - ذات عرق: </span>يقع عن مكة شرقًا بمسافة قدرها ١٠٠ كيلو، وهذا الميقات مهجور الآن؛ لعدم وجود الطرق عليها، واليوم حجاج المشرق الذين يأتون عن طريق البر يحرمون من السيل أو من ذي الحليفة (١)، فعن عائشة ﵂: «أن رسول اللَّه - ﷺ - وقت لأهل العراق ذات عرق». هذا لفظ أبي داود، وأما لفظ النسائي فذكر المواقيت الخمسة، قالت عائشة ﵂: «وقت رسول اللَّه - ﷺ - لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل نجد قرنًا، ولأهل اليمن يلملم» (٢).\nوعن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه - ﵁ - يُسأل عن المهلّ فقال: سمعته [أحسبه رفع إلى النبي - ﷺ -] فقال: «مُهلُّ أهل المدينة من ذي الحُليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومُهلَّ أهل العراق من ذات عرق، ومُهلَّ أهل نجدٍ من قرنٍ، ومُهلُّ أهل اليمن من يلملم» (٣).\nوعن الحارث بن عمرو السهمي - ﵁ - أنه قال: أتيت رسول اللَّه - ﷺ - وهو\nبمنى، أو بعرفات، وقد أطاف به الناس، قال: فتجيء الأعراب، فإذا رأوا وجههُ قالوا: هذا وجهٌ مباركٌ، قال: ووقَّت ذات عرقٍ لأهل العراق (٤).\n_________\n(١) انظر هذا التحديد لجميع مسافات المواقيت في توضيح الأحكام في بلوغ المرام للبسام،٣/ ٢٨٥ - ٢٨٨).\n(٢) أخرجه أبو داود بلفظه، كتاب المناسك، بابٌ في المواقيت، برقم ١٧٣٩، والنسائي بذكر المواقيت الخمسة، كتاب مناسك الحج، باب ميقات أهل العراق، برقم ٢٦٥٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٨٨، وفي صحيح سنن النسائي، ٢/ ٢٤٧.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة، برقم ١٨ - (١١٨٣).\n(٤) أبو داود، كتاب المناسك، بابٌ في المواقيت، برقم ١٧٤٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٨٨.","vol":"1","page":174},{"text":"وعن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «لما فُتِحَ هذان المِصْرَان (١) أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول اللَّه - ﷺ - حدَّ لأهل نجد قرنًا، وهو جور عن طريقنا (٢)، وإنَّا إن أردنا قرنًا شقَّ علينا، قال: فانظروا حذوها (٣) من طريقكم فحدَّ لهم ذات عرق» (٤).\nولم يبلغ عمر بن الخطاب - ﵁ - حديث عائشة، ولا حديث جابر، ولا حديث الحارث بن عمرو السهمي في تحديد النبي - ﷺ - ذات عرق لأهل العراق، فحدد - ﵁ - لأهل العراق ذات عرق، وهذا من اجتهاداته الكثيرة التي وافق فيها السنة (٥).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «جاء أهل البصرة إلى عمر - ﵁ - فوقَّت لهم ذات عرق وهو لم يبلغه الحديث، وهو موفّقٌ - ﵁ -، له\nاجتهادات كثيرة وافق فيها السنة» (٦).\n_________\n(١) المراد بالمصرين: الكوفة والبصرة، وهما سرَّتا العراق. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣٨٩، وجامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ١٨.\n(٢) جور عن طريقنا: أي مائل عن طريقنا الذي نسلكه ونقصده. انظر: فتح الباري لابن حجر،\n٣/ ٣٨٩، وجامع الأصول، ٣/ ١٨.\n(٣) انظروا حذوها: اعتبروا ما يقابل الميقات من الأرض التي تسلكونها من غير ميلٍ، فاجعلوه ميقاتًا. [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣٨٩].\n(٤) البخاري، كتاب الحج، باب ذات عرق لأهل العراق، برقم ١٥٣١.\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣٨٩.\n(٦) سمعته ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٣١، وقال العلامة الشنقيطي ﵀: «وأما الميقات الخامس الذي اختلف العلماء فيه، هل وقَّته رسول اللَّه - ﷺ - أو وقته عمر بن الخطاب - ﵁ -، فهو: ذات عرق لأهل العراق، فقال بعض أهل العلم: توقيت ذات عرق لأهل العراق من النبي - ﷺ -، وقال بعضهم بتوقيت عمر بن الخطاب - ﵁ -»، ثم ذكر ﵀ أدلة كل فريق، ثم قال: «أظهر القولين عندي دليلًا أن ذات عرق وقتها النبي - ﷺ - لأهل العراق». أضواء البيان، ٥/ ٣١٩ - ٣٢٦.","vol":"1","page":175},{"text":"وأما تحديد موقع ذات عرق فقد حددته هيئة كبار العلماء بقرارهم الآتي (١):\n_________\n(١) بسم اللَّه الرحمن الرحيم. قرار رقم (١٧٧) وتاريخ ٢٩/ ٣/١٤١٤هـ، الصادر عن هيئة كبار العلماء بشأن ميقات (ذات عرق).\nالحمد لله رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه. وبعد:\nفإن مجلس هيئة كبار العلماء قد اطَّلع في دورته الأربعين على الرسالة المقدمة من بعض سكان الضريبة المتضمنة طلب بناء مسجد في ميقات ذات عرق يكون مَعْلمًا للميقات يُحرم منه من يمر بهذا الميقات ممن يريد الحج أو العمرة؛ لأن عدم وجود مسجد في الميقات أدَّى إلى تجاوز الميقات من بعض مريدي الحج والعمرة من غير أهل المنطقة قبل الإحرام لعدم وجود ما يرشد إليه؛ ولأهمية الموضوع ومسيس الحاجة إلى إيضاح هذا الميقات رأى المجلس تكليف أصحاب الفضيلة الشيخ عبد اللَّه بن عبد الرحمن البسام، والشيخ عبد اللَّه بن سليمان المنيع عضوي المجلس، والشيخ عبد العزيز بن محمد العبد المنعم الأمين العام للهيئة بزيارة موقع الميقات المذكور والعناية بتحديده وبيان ما يحتاج إليه من مسجد ومرافقه، وقد قاموا بالمهمة وأعدوا التقرير اللازم، وفي الدورة الحادية والأربعين للمجلس المنعقدة في الطائف في الفترة من ١٨/ ٣/١٤١٤هـ إلى ٢٩/ ٣/١٤١٤هـ عرض الموضوع واطلع المجلس على التقرير الذي أعده المشايخ الذي نصه:\n«الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:\nفلما كان ميقات «ذات عرق» مُدرجًا في جدول أعمال الدورة الأربعين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في الرياض ابتداء من تاريخ ١٠/ ١١/١٤١٣هـ. وقد رأى المجلس - كما ورد في المحضر الأول من محاضر هذه الدورة - تكليف كل من فضيلة عضوي المجلس الشيخين عبد اللَّه بن عبد الرحمن البسام وعبد اللَّه بن سليمان المنيع، وأمين عام الهيئة عبد العزيز بن محمد العبد المنعم بزيارة ميقات «ذات عرق» وكتابة تقرير بشأنه يتضمن وصفًا له، وبيان حدوده، وتقديمه للمجلس في دورته الحادية والأربعين.\nوإنفاذًا لما رآه المجلس توجهت اللجنة المكلفة بالمهمة في يوم السبت الموافق ١٢/ ٢/١٤١٤هـ إلى ميقات «ذات عرق»، وقد سلكت في ذهابها الطريق الموازي لوادي العقيق المتجه شمالًا من (عشيرة) إلى بلدة (المحاني)، وعند محاذاتها «ذات عرق» من الشرق تركت الطريق المزفت، واتجهت غربًا مارة بوادي العقيق عرضًا مع خط ترابي ممسوح يصل ما بين الطريق المزفت وبين ذات عرق، وقد حسبت المسافة من وادي العقيق إلى ذات عرق فبلغت ثمانية وعشرين كيلو مترًا حسب عداد السيارة.\nوقد وصلت اللجنة منطقة ذات عرق، وتجولت فيها وفيما حولها من وديان ومزارع، ثم كتبت ما انتهت إليه من معلومات وحقائق معتمدة في ذلك على:\n١ - ما ذكره بعض أهل العلم من مفسرين وفقهاء ومؤرخين عن هذا الميقات حيث استعرضت اللجنة وهي في رحلتها قراءة كثير من أقوال أهل العلم في وصف هذا الميقات، وذكر بعض معالمه.\n٢ - مشاهدة معالم هذا الميقات من أودية وجبال، وتطبيق ما ذكره أهل العلم عليها لاسيما ممن كتبوا في وصف طرق الحاج، وأشاروا إلى كثير من المواضع مع ضبطها بالوصف والمسافات.\n٣ - الاستعانة ببعض أهل الخبرة من سكان تلك الجهة، فقد اتصلت اللجنة بثلاثة من كبار السن من أهل تلك المنطقة، واصطحبتهم معها في جولاتها، ووقوفها على مختلف المعالم من جبال وأودية وآبار وخرائب، وتعرَّفت منهم على أسمائها، وعلى كل ما يعرفونه عنها في القديم حينما كان الحاج يستخدم الإبل في سفره، ويحرم بالنسك من هذا الميقات، وفي الحاضر حيث تغيرت وسائل المواصلات، فأصبح الإحرام منه منقطعًا، وذلك من أكثر من أربعين عامًا حيث ذكروا ذلك.\nوتوصلت اللجنة إلى الحقائق التالية:\n١ - أن (عرقًا) قمة جبل مرتفع ولونه متميز عن بقية الجبل بلون إلى السواد أقرب واقع على كامل قمة الجبل، وهذا الجبل مرتفع عما حوله ممتد من الشرق إلى الغرب بطول ألفي متر تقريبًا، يحده من الشرق وادي (الحنو)، ومن الغرب وادي (العصلاء الشرقية)، وهذا الجبل هو الحد الجنوبي للميقات.\n٢ - أن ميقات «ذات عرق» ريع بين جبلين، فيه مجرى سيل كبير متجه من الشرق إلى الغرب يُدعى «وادي الضريبة» يتسع هذا الريع في بعض نواحيه ويضيق في نواحي أخرى بين مائتي متر، وخمسمائة متر، وطوله من الشرق إلى الغرب ألفا متر تقريبًا.\nويطلق عليه اسم «الطرفاء» وفي منتصفه بئر قديمة فيها ماء تسمى «الخضراء» يحرم عندها من يريد الإحرام من أهل البلد أو من يمر بها ممن هم حولها حسب إفادة المرافقين للجنة من أهل المنطقة، وفي هذا المحدود يوجد آثار خرائب، وأساسات مباني قديمة لم يبق منها إلا ما هو ملاصق للأرض، وفي غربيه شمال مجرى الوادي آثار مقبرة قديمة، وتغطي أشجار السلم والطلح والسمر عامة أرض الميقات.\nحدود الميقات: أما حدود هذا الميقات كما وَضُحَ للجنة:\nفيحده من الشرق ملتقى وادي (الحنو) مع وادي (أنخل) عند مصبهما ليتكون منهما وادي «الضريبة»، وعند ملتقى هذين الواديين يبتدئ العرق المنسوب إليه هذا الميقات. ويوجد في هذا الحد ثلاث نصائب: إحداها في جنوبيه في سفح العرق المذكور عند ابتدائه من الشرق حيث مجرى وادي (الحنو)، والثانية فوق ملتقى وادي الحنو ووادي أنخل في المثلث الفاصل بينهما قُبيل التقائهما، والثالثة في سفح الجبل الشمالي المقابل لجبل «عرق» من الشمال، وهذه العلامات الثلاث ذكر المرافقون من أهل تلك الجهة أنها وُضِعت منذ حوالي ثلاثين سنة من قبل لجنة خرجت من مكة بقصد تحديد الميقات، ومَنْع التعدي عليه.\nويحده من الغرب وادي العصلاء الشرقية، المتجه من الجنوب إلى الشمال حيث يصب سيله في وادي الضريبة. ويمتد الحد الغربي شمالًا على مسامتة وادي العصلاء حتى يصل إلى الجبل المقابل من الناحية الشمالية، ويوجد مجرى سيل متجه من الجنوب إلى الشمال موازٍ للعصلاء الشرقية من الغرب يدعى «العصلاء الغربية» وبينهما حوالي خمسمائة متر، ويصب سيله في وادي الضريبة. وقد وضعت نصائب من قبل اللجنة السابقة في الضفة الشرقية للعصلاء الغربية، وقال المرافقون: إن هذا متجاوز للحد، وإنما وضعت هذه الأنصاب لتكون حمى للميقات، إذ أن حد الميقات من الغرب هو العصلاء الشرقية - كما أوضحناه آنفًا - لوجود الآثار شرقيها؛ ولأن العرق المنسوب إليه هذا الميقات ينتهي عند هذا الحد.\nونوصي بأن يبقى ما بين العصلاء الشرقية والعصلاء الغربية حمى للميقات كما وضعته اللجنة السابقة، ولا يسمح لأحد بإحيائه أو تملكه؛ لئلا يضيق الميقات بالتعدي على حدوده.\nويحد الميقات من الجنوب قمة جبل عرق ابتداء من طرفه الشرقي عند مجرى وادي الحنو إلى طرفه الغربي حيث ينتهي بمجرى العصلاء الشرقية.\nويحده من الشمال الجبال المتصلة الواقعة شمال وادي الضريبة من مصب وادي أنخل في وادي الضريبة شرقًا ممتدًا حتى ملتقى وادي الضريبة بوادي العصلاء الشرقية غربًا.\nوطول الميقات شرقًا وغربًا ألفا متر تقريبًا وهو طول العرق المذكور.\nوعرض الميقات يختلف باختلاف ما بين الجبلين ضيقًا واتساعًا، ويتراوح ذلك ما بين مائتي متر وخمسمائة متر كما سبقت الإشارة إليه.\nأما موقع إقامة مسجد الميقات ومرافقه، فترى اللجنة أن يقام في المتسع الواقع شمال شرق بئر «الخضراء» لتوسطه؛ ولأن جميع من سألناهم أجمعوا على أن الإحرام في الماضي والحاضر هو قرب هذه البئر التي يوجد حولها بقية الآبار المندفنة، والغرف المتهدمة، والمقابر في سفح الجبال الشمالية الغربية مما يلي وادي الضريبة.\nهذا ما توصلت إليه اللجنة فيما يتعلق بميقات «ذات عرق» ونسأل اللَّه إصابة الحق في القول والعمل. وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم».\nولمزيد التأكد طلب المجلس حضور الشريف شاكر بن هزاع قائم مقام مكة سابقًا واطلاعه على تقرير اللجنة ومعرفة ما لديه من معلومات عن الميقات المذكور لما له من خبرة في ذلك، وقد حضر عند هيئة كبار العلماء في يوم السبت الموافق ٢٥/ ٣/١٤١٤هـ، وأفاد أن ما تضمنه تقرير اللجنة موافق لما قررته اللجنة التي شكلت في عام ١٣٨٧هـ لتحديد ذات عرق وكان عضوًا فيها ووضعت علامات حدود الميقات في ذلك الوقت التي لا تزال باقية إلى الآن وهي نفس العلامات التي رأتها اللجنة التي شكلها المجلس.\nكما قام كل من عضوي المجلس فضيلة الشيخ محمد بن سليمان البدر، وفضيلة الشيخ بكر بن عبد اللَّه أبو زيد يوم الجمعة الموافق ٢٤/ ٣/١٤١٤هـ بزيارة لميقات ذات عرق، وأفادا المجلس بأنهما اطَّلعا على الميقات ومعالمه وسألا عددًا من سكان المنطقة عن الميقات واتضح لهما أن ما جاء في تقرير اللجنة التي كلفها المجلس فيه وصف دقيق لذات عرق يوافق واقعها على الطبيعة، وبناءً على ما تقدم فإن المجلس يرى ما يلي:\n١ - أن تهتم الحكومة بميقات ذات عرق الذي هو أحد المواقيت المكانية المعتبرة للحج والعمرة من حيث المحافظة عليه، وذلك بوضع علامات واضحة وبارزة في بدايته من الشرق ونهايته من الغرب حسب الحدود الموضحة في تقرير اللجنة المذكور ضمن هذا القرار حتى لا يتجاوزه أحد ممن يريد الحج أو العمرة قبل الإحرام.\n٢ - يوصي المجلس بتكليف الجهة المختصة بالمبادرة بإنفاذ أمر خادم الحرمين الشريفين حفظه اللَّه ببناء مسجد ميقات ذات عرق وتأمين ما يحتاجه من خدمات ومرافق حسبما صرح به معالي وزير الحج والأوقاف السابق ونشر في جريدة الجزيرة في عددها (٧٤٧٠) الصادر في ١٩/ ٩/١٤١٣هـ.\n٣ - يقام المسجد في المكان الذي اقترحته اللجنة في تقريرها للأسباب التي ذكرتها. وباللَّه التوفيق، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، [انظر: توضيح الأحكام من بلوغ المرام، للعلامة عبد اللَّه بن عبد الرحمن البسام، ٣/ ٢٧٨ - ٢٨٢، وهو أحد أعضاء هيئة كبار العلماء، وأحد أعضاء اللجنةالتي خرجت ووقفت على ميقات ذات عرق].","vol":"1","page":176},{"text":"والواجب على مَن مر على هذه المواقيت أن يحرم منها ويحرم عليه أن يتجاوزها بدون إحرام إذا كان قاصدًا مكة يريد حجًا أو عمرة، سواء كان مروره عن طريق البر، أو البحر، أو الجو، والمشروع لمن توجه إلى","vol":"1","page":179},{"text":"مكة عن طريق الجو بقصد الحج أو العمرة: أن يتأهَّب لذلك بالغسل ونحوه قبل الركوب في الطائرة، فإذا دنا من الميقات لبس إزاره ورداءه، ثم لبَّى بما يريد من حج أو عمرة، وإن لبس إزاره ورداءه قبل الركوب أو قبل الدنو من الميقات فلا بأس، ولكن لا ينوي الدخول في الإحرام ولا يلبِّي إلا إذا حاذى الميقات أو دنا منه؛ لأن النبي - ﷺ - لم يحرم إلا من الميقات.\nوأما من كان مسكنه دون هذه المواقيت كسكان: جدة، وبحرة، والشرائع، وغيرها فمسكنه هو ميقاته فيحرم منه بما أراد من حج أو عمرة، أما أهل مكة فيحرمون بالحج وحده من مكة (١).\nومن أراد الإحرام بعمرة أو حج فتجاوز الميقات غير محرم، فإنه يرجع ويحرم من الميقات، فإن لم يرجع فعليه دم يجزئ في الأضحية؛ لقول ابن عباس ﵄: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا» (٢).\nأما من توجه إلى مكة ولم يرد حجًا ولا عمرة، وإنما أراد التجارة، أو القيام بعمل من الأعمال له أو لغيره، أو زيارة لأقربائه أو غيرهم ونحو ذلك، فالصواب أنه ليس عليه إحرام إلا أن يرغب في ذلك؛ لقول النبي - ﷺ - حينما وقَّت المواقيت: «... هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة ...» (٣). فمفهومه أن من مر على المواقيت ولم يرد حجًا ولا عمرةً فلا إحرام عليه، ويدل على ذلك أيضًا أن النبي - ﷺ -، لما دخل مكة\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز الجزء الخامس، القسم الأول (٥/ ٢٥١).\n(٢) مالك في الموطأ، ١/ ٤١٩، والدارقطني، ٢/ ٢٤٤، والبيهقي، ٥/ ١٥٢، قال الألباني: ثبت موقوفًا. وانظر: إرواء الغليل، ٤/ ٢٩٩.\n(٣) وتقدم تخريجه. البخاري، برقم ١٥٢٦، ومسلم، برقم ١١٨١.","vol":"1","page":180},{"text":"عام الفتح لم يدخلها محرمًا بل دخلها وعلى رأسه المغفر (١)؛ لكونه لم يرد حينئذٍ حجًا ولا عمرةً وإنما أراد فتحها وإزالة ما فيها من الشرك (٢).\nوعن جابر - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام» (٣)، ولعله - ﷺ - كان عند أول دخوله على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، أو العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد، واللَّه أعلم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>ثالثًا: مسائل في المواقيت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>١ - وُقتت المواقيت تعظيمًا لبيت اللَّه الحرام</span>، فبيت اللَّه الحرام لما كان معظَّما مشرَّفًا، جعل اللَّه له حصنًا، وهو مكة، وحمى، وهو الحرم، وللحرم\nحرمٌ وهو المواقيت، حتى لا يجوز لمن خارج هذه المواقيت أن يتجاوزها إلا بإحرام إذا أراد الحج أو العمرة، تعظيمًا لبيت اللَّه الحرام (٥).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ «... المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم، فكل من مرَّ من جوانب الحرم لزمه تعظيم حرمته، وإن كان بعض جوانبه أبعد من بعض ... وأيضًا فإن هذه\n_________\n(١) المغفر: ما يلبس على الرأس من درع الحديد، فتح الباري لابن حجر، ٤/ ٦٠.\n(٢) البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، برقم ١٨٤٦، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام برقم ٣٥٧.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام، برقم ١٣٥٨.\n(٤) انظر: فتح الباري، ٤/ ٦١ - ٦٢.\n(٥) انظر: الروض المربع مع حاشيته لابن القاسم، ٣/ ٥٣٤، والإحكام شرح أصول الأحكام، لعبد الرحمن بن محمد بن القاسم، ٢/ ٣٤٦،والإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن،٦/ ٢٥.","vol":"1","page":181},{"text":"المواقيت حدود النسك فليس لأحد أن يتعدى حدود اللَّه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>٢ - المواقيت الخمسة المذكورة مواقيت أيضًا لكل من مرَّ عليها </span>من غير أهلها، وهو يريد النسك حجًا أو عمرة، كما في حديث ابن عباس ﵄ «... فهن لهنَّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>٣ - من كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات فميقاته من موضع سكنه</span>، لحديث ابن عباس ﵄ وفيه: «فمن كان دونهنَّ فمهله من أهله». وفي لفظ: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ». وفي لفظ: «فمن كان دونهن فمن أهله» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>٤ - أهل مكة يحرمون بالحج من مكة</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ وفيه: «... حتى أهل مكة يهلُّون منها». وفي لفظ: «... حتى أهل مكة من\nمكة» (٤). وهذا بالنسبة إلى الإهلال بالحج لا خلاف فيه بين أهل العلم، إلا ما ذكره بعضهم من أن المكي يجوز له أن يحرم من أي موضع من الحرم ولو خارجًا عن مكة، وهذا القول ظاهر السقوط لمخالفته للنص الصريح عن النبي - ﷺ - (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>٥ - إحرام المكي بالعمرة يكون من الحلِّ خارج الحرم </span>من أي مكان\n_________\n(١) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، لابن تيمية، ١/ ٣١٩ - ٣٢٠.\n(٢) البخاري، برقم ١٥٢٦، ومسلم، برقم ١١٨١، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ١٥٢٩، ومسلم، برقم ١١٨١ وتقدم تخريجه.\n(٤) البخاري، برقم ١٥٢٤، ومسلم، برقم ١١٨١، وتقدم تخريجه.\n(٥) أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٣٢٧.","vol":"1","page":182},{"text":"كان، من التنعيم، أو عرفات، أو الجعرانة، أو الشميسي موضع صلح الحديبية، أو غير ذلك من الأمكنة خارج الحرم؛ فإن جماهير أهل العلم على أن المكي لا يحرم بالعمرة من مكة، بل يخرج إلى الحلِّ ويُحرم منه، وهو قول الأئمة الأربعة، وأصحابهم، وحكى غير واحدٍ عليه الإجماع (١).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «أهل مكة من كان بها، سواء كان مقيمًا بها، أو غير مقيم؛ لأن كل من أتى على ميقات كان ميقاتًا له، فكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاته للحج، وإن أراد العمرة فمن الحلِّ، لا نعلم في هذا خلافًا» (٢)؛ ولذلك أمر النبي - ﷺ - عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة ﵂ من التنعيم (٣)، وهو أدنى الحل إلى مكة؛ وإنما لزم الإحرام من الحلِّ؛ لقصة عائشة، وليجمع المحرم بالعمرة في النسك\nبين الحلِّ والحرم؛ فإنه لو أحرم من الحرم لما جمع بينهما فيه؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة فيجتمع له الحل والحرم، والعمرة بخلاف ذلك (٤). وهذا هو الصواب.\nوالصواب أن أهل مكة الذين هم أهلها المقيمون بها لهم أن يتمتَّعوا، ويقرنوا، وليس عليهم هدي.\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «أقرب أقوال أهل العلم عندي\n_________\n(١) أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٣٢٨.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٥/ ٥٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب العمرة، باب عمرة التنعيم، برقم ١٧٨٤، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، برقم ١٢١٢.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٥/ ٥٩ - ٦٠، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٢٩ - ٣٣٠.","vol":"1","page":183},{"text":"للصواب في هذه المسألة: أن أهل مكة لهم أن يتمتَّعوا ويقرنوا، وليس عليهم هدي» (١).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وإن أحرم بالعمرة من الحرم انعقد إحرامه بها وعليه دمٌ، لتركه الإحرام من الميقات» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>٦ - من سلك إلى الحرم طريقًا لا ميقات فيها</span>، فميقاته المكان المحاذي لأقرب المواقيت إليه، كما يدلُّ عليه توقيت عمر - ﵁ -، ذات عرق لأهل العراق، لمحاذاتها قرن المنازل، فقال - ﵁ -: «فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق» (٣). قال الشنقيطي ﵀: «وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم» (٤).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «فإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فأحرم من بُعدٍ، بحيث يتيقَّن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرمًا؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يجوز، فالاحتياط فعل ما لا شك فيه، ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه؛ لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك، فإن أحرم ثم علم أنه قد جاوز ما يُحاذيه من المواقيت غير محرم فعليه دم» (٥).\nوسواء كانت هذه المحاذاة: عن طريق البر، أو البحر، أو الجو، فهي\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٣٣١، وراجع الأدلة هناك.\n(٢) المغني، ٥/ ٦٢.\n(٣) البخاري، برقم ١٥٣١، وتقدم تخريجه.\n(٤) أضواء البيان، ٥/ ٣٣٢.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٥/ ٦٣ - ٦٤.","vol":"1","page":184},{"text":"في الحكم واحد، واللَّه تعالى علم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>٧ - جمهور أهل العلم على أنَّ من جاوز ميقات من المواقيت </span>المذكورة غير محرم وهو يريد الحج أو العمرة أن عليه دمًا؛ لخبر ابن عباس ﵄ أنه قال: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا» (١).\nقال الشنقيطي ﵀: «وأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن جاوز الميقات ثم رجع إلى الميقات وهو لم يحرم أنه لا شيء عليه؛ لأنه لم يبتدئ إحرامه إلا من الميقات، وأنه إن جاوز الميقات غير محرم، وأحرم في حال مجاوزته الميقات ثم رجع إلى الميقات محرمًا أن عليه دمًا؛ لإحرامه بعد الميقات، ولو رجع إلى الميقات فإن ذلك لا يرفع حكم إحرامه مجاوزًا\nللميقات، واللَّه تعالى أعلم» (٢).\nوهكذا يرجِّح شيخنا ابن باز ﵀: أن من تجاوز الميقات ناويًا للحج أو العمرة فيلزمه أن يرجع إلى الميقات الذي مرَّ عليه، ما لم يحرم، وإلا وجب عليه الدم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>٨ - من مرَّ على واحدٍ من هذه المواقيت وهو لا يريد حجًا ولا عمرة</span>، إنما يريد قضاء حاجة أخرى، فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فقال بعضهم لا يجوز لأحد دخول مكة بغير إحرام، ولو كان دخوله لغرض آخر غير النسك، وقال بعضهم: إذا كان دخوله لغرض\n_________\n(١) موطأ الإمام مالك، ١/ ٤١٩، والدارقطني، ٢/ ٢٤٤، والبيهقي، ٥/ ١٥٢، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٩٩: «ثبت موقوفًا» وتقدم تخريجه.\n(٢) أضواء البيان، ٥/ ٣٣٣، وانظر: الإعلام فوائد عمدة الأحكام لابن الملقن، ٦/ ١٩.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٤٠، ٤١، ٤٣.","vol":"1","page":185},{"text":"غير النسك فلا مانع من دخوله غير محرم (١).\nوالصواب ما دل عليه مفهوم حديث ابن عباس ﵄، وفيه أن النبي - ﷺ - قال لما حدَّد المواقيت: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة» (٢). فمفهومه: أن من مرَّ على المواقيت ولم يرد حجًا ولا عمرة فلا إحرام عليه، ويدل على ذلك أيضًا أن النبي - ﷺ - لما دخل مكة عام الفتح لم يدخلها محرمًا، بل دخلها وعلى رأسه المغفر (٣)،\nوعليه أيضًا عمامة سوداء بغير إحرام (٤). وقد ذكر العلامة الشنقيطي ﵀ أقوال أهل العلم في ذلك مع أدلة كل فريق ثم قال: «أظهر القولين عندي دليلًا: أن من أراد دخول مكة حرسها اللَّه لغرض غير الحج والعمرة أنه لا يجب عليه الإحرام، ولو أحرم كان خيرًا؛ لأن أدلة هذا القول أقوى وأظهر» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>٩ - حكم الإحرام قبل الميقات، سواء كان ذلك من بلده</span>، أو من دويرة أهله، أو من بيت المقدس: قال الإمام ابن قدامة ﵀: «لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرمًا تَثْبُتُ في حقه أحكام الإحرام» (٦).\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤.\n(٢) البخاري، برقم ١٥٢٦، ومسلم، برقم ١١٨١، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ١٨٤٦، ومسلم، برقم ٣٥٧، وتقدم تخريجه.\n(٤) مسلم، برقم ٣٥٨، وتقدم تخريجه.\n(٥) أضواء البيان، ٥/ ٣٣٧.\n(٦) المغني لابن قدامة، ٥/ ٦٥.","vol":"1","page":186},{"text":"وقال الإمام ابن المنذر ﵀: «أجمعوا على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم» (١).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولكن الأفضل الإحرام من الميقات ويمكن قبله» (٢).\nوقال الإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى: «وكره عثمان - ﵁ - أن يحرم من\nخُراسان أو كَرمان» (٣).\nوذكر الشنقيطي ﵀ اختلاف أهل العلم في الأفضل من الأمرين: وهما الإحرام من الميقات، أو الإحرام من بلده إن كان أبعد من الميقات، وذكر أدلة كل فريق ثم قال: «أظهر القولين عندي دليلًا: هو الاقتداء بالنبي - ﷺ -، والإحرام من الميقات، فلو كان الإحرام قبله فيه فضلٌ لفَعَلَهُ النبي - ﷺ -، والخير كله في اتباعه - ﷺ -» (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «السنة أن يحرم من الميقات، والإحرام قبل الميقات فيه حرجٌ ومخالفة للسنة، أما بالطائرة فقد يحتاج إلى الاحتياط» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>١٠ - من تجاوز هذه المواقيت بلا نِيَّة الحج أو العمرة</span>، ثم طرأ له\n_________\n(١) الإجماع لابن المنذر، ص ٦١.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٥/ ٦٥، وانظر: الفروع لابن مفلح، ٥/ ٣١٤.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب قول اللَّه تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ الآية، قبل الحديث رقم ١٥٦٠.\n(٤) أضواء البيان، ٥/ ٣٣٩.\n(٥) سمعته ﵀ أثناء تقرير على صحيح البخاري، قبل الحديث رقم ١٥٦٠.","vol":"1","page":187},{"text":"العزم على الحج والعمرة؛ فإنه يحرم من حيث أراد النسك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>١١ - تحديد بعض هذه المواقيت من معجزات نبوة النبي - ﷺ </span>- التي تدل على أن اللَّه تعالى أرسله للناس جميعًا؛ فإنه حددها قبل إسلام أهلها، إشعارًا منه بأنهم سيسلمون ويحجون، ويحرمون منها، وقد كان ذلك ولله\nالحمد والمنة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>١٢ - من جاء من أهل الشام ومصر عن طريق المدينة</span>، فالصواب أنه يحرم من ذي الحليفة لدخوله في عموم قول النبي - ﷺ -: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن»، قال الشنقيطي ﵀: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن أهل الشام ومصر مثلًا إذا قدموا المدينة فميقاتهم من ذي الحليفة، وليس لهم أن يؤخروا إحرامهم إلى ميقاتهم الأصلي، الذي هو الجحفة، أو ما حاذاها؛ لظاهر حديث ابن عباس المتفق عليه: «هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» (٣) (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>١٣ - من لم يحاذِ ميقاتًا من المواقيت الخمسة في طريقه: </span>فإنه يُحرم إذا كان بينه وبين مكة مرحلتان، نحو ثمانين كيلًا، قال شيخنا ابن باز رحمه\n_________\n(١) توضيح الأحكام للبسام، ٣/ ٢٨٢.\n(٢) المرجع السابق، ٣/ ٢٨٢.\n(٣) أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(٤) اختلف العلماء فيما إذا مر الشامي بميقات أهل المدينة هل له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة التي هي الأصل في ميقات أهل الشام: فالجمهور أنه ليس له أن يؤخر وأنه يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة. وذهب مالك إلى أن له أن يحرم من الجحفة. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٦/ ١٢١، والشرح الممتع، ٧/ ٥٣، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٦/ ١٠٠، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٣٠١.","vol":"1","page":188},{"text":"اللَّه: «... والذي لم يكن الميقات في طريقه، فإنه يتحرَّى محاذاة أوَّل ميقاتٍ يمرُّ به ثم يحرم، والذي لا يتسنَّى له لا هذا ولا هذا، فإنه يُحرم إذا كان بينه وبين مكة مرحلتان، وهما يوم وليلة، ومقدار ذلك ثمانون كيلا ً تقريبًا» (١).\nوأهل السودان على حسب طريقهم، فإن كان طريقهم يمرُّ بميقات الجحفة لزمهم الإحرام إذا حاذوها، وإن كان طريقهم لا يحاذي ميقاتًا قبل جدة فإنهم يحرمون منها إذا كانوا ممن أراد الحجَّ أو العمرة (٢).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٤١.\n(٢) المرجع السابق، ١٧/ ٣٥.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>المبحث الحادي عشر: الإحرام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>أولًا: مفهوم<span data-type=\"title\" id=toc-269> الأحرام لغة </span>وشرعًا:</span>\nالإحرام لغة: مصدر أحرم الرجل يحرم إحرامًا: إذا أهل بالحج أو العمرة، وباشر أسبابهما، وشروطهما، من خلع المخيط، واجتناب الأشياء التي منعه الشرع منها: كالطيب، والنكاح، والصيد، ونحو ذلك. والأصل فيه المنع، وكأن المحرم مُنِعَ من هذه الأشياء، وأحرم الرجل: إذا دخل في الأشهر الحرم، وإذا دخل الحرم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>والإحرام شرعًا: </span>هو نية الدخول في النسك من حجٍّ أو عمرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>ثانيًا: أعمال مريد العمرة أو الحج عند الميقات:</span>\nإذا وصل مريد العمرة أو الحج إلى الميقات شرع له أن يعمل الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>١ - يستحب له أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، وينتف إبطيه</span>، ويحلق شعر عانته؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - قال: «وقَّت لنا رسول اللَّه - ﷺ - في قص الشارب، وتقليم\nالأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، أن لا نترك أكثر من أربعين يومًا» (٣).\n_________\n(١) جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ١٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب اللباس، باب قص الشارب برقم ٥٨٨٨، وباب تقليم الأظفار، برقم ٥٨٩٠، ومسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، برقم ٢٥٧، واللفظ له.\n(٣) النسائي، كتاب الطهارة، باب التوقيت في ذلك، برقم ١٤، وابن ماجه، كتاب الاستئذان، باب ما جاء في توقيت تقليم الأظفار، وأخذ الشارب، برقم ٢٧٥٨، وأخرجه مسلم، في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، برقم ٢٥٨، بلفظ «وُقت لنا» الحديث.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>وأما اللحية فيجب توفيرها ويحرم حلقها وتقصيرها</span>، وأخذ شيء منها (١)؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى وأحفوا الشَّوارب» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «جُزُّوا الشوارب وأرخوا اللِّحى، خالفوا المجوس» (٣).\nومن حديث ابن عمر يرفعه: «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى» (٤).\nوقد جاء الوعيد فيمن لم يأخذ من شاربه، ففي حديث زيد بن أرقم - ﵁ -: «من لم يأخذ من شاربه فليس منَّا» (٥) (٦).\n_________\n(١) جاء في صحيح البخاري، آخر الحديث رقم ٥٨٩٢ «وكان ابن عمر إذا حجَّ أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه» وسمعت شيخنا يقول على هذا الحديث أثناء تقريره على صحيح البخاري: «وهذا من اجتهاده - ﵁ - الذي خالف فيه السنة والحجة فيما روى لا في ما رأى مما يخالف السنة».\n(٢) أخرجه البخاري، في كتاب اللباس، باب تقليم الأظفار، برقم ٥٨٩٢، ومسلم، في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، برقم ٢٥٩.\n(٣) أخرجه مسلم، في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، برقم ٢٦٠.\n(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري، في كتاب اللباس، باب إعفاء اللحى، برقم ٥٨٩٣، ومسلم، في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، برقم ٢٥٩، واللفظ للبخاري.\n(٥) أخرجه الترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء في قص الشارب، برقم ٢٧٦١.\n(٦) وأما حلق الشارب فلم يرد عن النبي - ﷺ -، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٨٨٨، يقول: «الظاهر أن حلق الشارب غير مشروع، فالنبي - ﷺ - قال: «... وقص الشارب» ولم يقل: واحلقوا».","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>٢ - أن يتجرد من ثيابه ويستحب له أن يغتسل</span>؛ لحديث زيد بن ثابت - ﵁ -، أنه رأى النبي - ﷺ - تجرد لإهلاله واغتسل (١).\nوالغسل سنة عند الإحرام للرجال والنساء حتى النفساء والحائض؛ لأن النبي - ﷺ - أمر أسماء بنت عميس لما ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم، وذلك: أنها أرسلت إلى رسول اللَّه - ﷺ - كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي» (٢).\nوأمر عائشة لما حاضت وقد أحرمت بعمرة أن تغتسل وتحرم بالحج، وتفعل ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت. فعن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي - ﷺ - عام حجة الوداع، فأهللتُ بعمرةٍ، ولم أكن سُقْتُ الهدي، فقال النبي - ﷺ -: «من كان معه هدي فليُهلل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحلّ منهما جميعًا» قالت: فحضت، فلما دخلت ليلة عرفة، قلت: يا رسول اللَّه إني كنت أهللت بعمرة، فكيف أصنع بحجتي؟ قال: «انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن العمرة، وأهلِّي بالحج» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>٣ - يستحب له أن يتطيب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره </span>في رأسه ولحيته، ولا يضره بقاء الطيب بعد الإحرام؛ لحديث عائشة رضي اللَّه\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الاغتسال عند الإحرام، برقم ٨٣٠، وابن خزيمة،\n٤/ ١٦١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،\n١/ ٤٣٣.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، من حديث جابر - ﵁ -، برقم ١٢١٨.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج، والتمتع، والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة برقم ١٢١١.","vol":"1","page":192},{"text":"عنها قالت: «كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص [الطيب] في رأسه ولحيته بعد ذلك». هذا لفظ مسلم، وفي لفظ للبخاري ومسلم: «كأني أنظر إلى وبيص (١) الطيب في مفارق رسول اللَّه - ﷺ - وهو محرم» (٢). وقالت عائشة ﵂: «كنت أطيب رسول اللَّه - ﷺ - لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» (٣).\nولكن لا يُطيِّب شيئًا من ثياب الإحرام (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>٤ - أن يحرم الرجل في رداء وإزار ويستحب أن يكونا أبيضين </span>نظيفين، ويحرم في نعلين؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>أما المرأة فيجوز لها </span>أن تحرم فيما شاءت من الثياب المباحة لها مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم. قالت عائشة ﵂: «المحرمة\nتلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرْقع، ولا تَتَلثَّم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت» (٦).\n_________\n(١) الوبيص: البريق، والتلألؤ، فهو يدل على وجود عين قائمة، لا الريح فقط. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٣٩٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام، برقم ١٥٣٨، وكتاب الغسل، باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب، برقم ٢٧١، وأطرافه في صحيح البخاري، رقم ٥٩١٨، ورقم ٥٩٢٣، ومسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام، برقم ١١٩٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام، برقم ١٥٣٩، ومسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام، برقم ١١٨٩.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٩٦.\n(٥) أحمد، ٢/ ٣٤، وذكره الحافظ في التلخيص، ٢/ ٢٣٧، وعزاه لأبي عوانة بسند على شرط الصحيح.\n(٦) أخرجه البيهقي، ٥/ ٤٧، قال الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢١٢: «بسند صحيح».","vol":"1","page":193},{"text":"ويجوز لها أن تلبس الخفين والجوربين؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: أنه كان يقطع الخفين للمرأة المحرمة، ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة ﵂ حدثتها «أن رسول اللَّه - ﷺ - قد كان رخَّص للنساء في الخفين فترك ذلك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>٥ - يستحب له أن يحرم بعد صلاة فريضة - غير الحائض والنفساء </span>- إن كان في وقت فريضة، فإن لم يكن وقت فريضة صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء (٢) (٣).\n_________\n(١) أحمد، ٦/ ٣٥، وأبو داود، كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم، برقم ١٨٣١، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥١٤.\n(٢) فتاوى مهمة تتعلق بالحج والعمرة لابن باز، ص ٧، وانظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٠٨، وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٤١٧، والمنهج لمريد العمرة والحج لابن عثيمين، ص ٢٣.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى هل للإحرام صلاة تخصه أم لا؟ على قولين:\nالقول الأول: قول الجمهور، قال الخرقي ﵀ في مختصره: «فإن حضر وقت صلاة مكتوبة وإلا صلى ركعتين» وقال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٥/ ٨٠: «المستحب أن يحرم عقيب الصلاة، فإن حضر صلاة مكتوبة أحرم عقيبها، وإلا صلى ركعتين تطوعًا وأحرم عقيبهما، استحب ذلك: عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعي، والثوري، وأبوحنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وقد روي عن أحمد أن الإحرام عقيب صلاة، وإذا استوت به راحلته».\nالقول الثاني: أن المستحب أن يحرم عقيب فرض، وإلا فليس للإحرام صلاة، وهو رواية عن الإمام أحمد ذكرها المرداوي في الإنصاف فقال: «وعنه يستحب أن يحرم عقيب مكتوبة فقط»\n[٨/ ١٤٣]. واختار ذلك شيخ الإسلام في الفتاوى، [٢٦/ ١٠٩]، فقال: «يستحب أن يحرم عقيب صلاة إما فرض وإما تطوع، إن كان وقت تطوع في أحد القولين، وفي الآخر: إن كان يصلي فرضًا أحرم عقيبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه وهذا أرجح». وقال ابن القيم في زاد المعاد، [٢/ ١٠٧]، في صفة حجة النبي - ﷺ -: «ثم صلى الظهر ركعتين، ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه، ولم ينقل عنه أنه صلى للإحرام ركعتين، غير فرض الظهر» فعن أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا على جبل البيداء أهل». [أبو داود، برقم ١٧٧٤، والنسائي، برقم ٢٦٦٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٩٦].\nوقال سماحة شيخنا ابن باز ﵀ في الفتاوى، ١٦/ ١٧٢: «المشروع للحاج إذا وصل الميقات: أن يغتسل إذا تيسر له ذلك، وأن يتوضأ ويصلي ركعتين سُنَّة الوضوء، إلا أن يكون إحرامه بعد فريضة فإن ذلك يكفيه؛ لأن النبي - ﷺ - أحرم في حجة الوداع بعد صلاة الظهر بذي الحليفة» وذكر ﵀ أن جمهور أهل العلم على استحباب صلاة ركعتين قبل الإحرام؛ لحديث عمر - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة». [البخاري، برقم ١٥٣٤]، ثم قال في مجموع الفتاوى له،\n١٧/ ٦٩: «وهذا يدل على مشروعية صلاة الركعتين، وهذا قول جمهور أهل العلم. وقال آخرون: ليس في هذا نص» وقال: «يحتمل أن المراد صلاة الفريضة ... وليس بنص في ركعتي الإحرام، وكونه أحرم بعد فريضة لا يدل على شرعية ركعتين خاصة». وسمعته يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٢٣٣٧: «ولا بأس أن يصلي سنة الوضوء بعده جمعًا بين القولين قبل الإحرام»، وذكر العلامة محمد بن صالح العثيمين في الشرح الممتع، ٧/ ٧٧: أنه إذا أمكن أن يحرم بعد صلاة فريضة فهو المشروع، أو يصلي صلاة الضحى إن كان في الضحى، أو سنة الوضوء إذا توضأ، وإن بقي في الميقات إلى وقت فريضة فالأفضل أن يهل بعد فريضة.\nانظر: شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٤١٩، والفتاوى له، ٢٦/ ١٠٩، والأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية له، ص ١٧٣، والمغني لابن قدامة، ٥/ ٨٠، والإنصاف للمرداوي،\n٨/ ١٤٣، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧، وزاد المعاد لابن القيم، ٢/ ١٠٧، والروض المربع، تحقيق الطيار ومجموعة من أهل العلم، ٥/ ٧٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٧٦ - ٧٧، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٢٦ - ١٧٢، و١٧/ ٣٨، ٦٧، ٦٨، ٧٠، ٢٥/ ٢٢٦، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٣٤٣.","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>٦ - ثم بعد الفراغ من الصلاة ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي\nيريده </span>من حج أو عمرة؛ لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١).\nفإن كان يريد العمرة قال: لبيك عمرة، أو اللَّهم لبيك عمرة.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١، ومسلم، برقم ١٩٠٧، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":195},{"text":"وإن كان يريد الحج مفردًا قال: لبيك حجًّا، أو اللَّهم لبيك حجًّا؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: قدمنا مع رسول اللَّه - ﷺ -، ونحن نقول: لبيك اللَّهم لبيك بالحج (١).\nوإن كان يريد الجمع بين الحج والعمرة (قارنًا) قال: لبيك عمرة وحجًّا، أو اللَّهم لبيك حجًّا وعمرةً؛ لحديث أنس - ﵁ -، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - أهلَّ بهما جميعًا: «لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا». وفي لفظ: «لبيك عمرة وحجًّا». وفي لفظ: «لبيك بعمرة وحج» (٢)؛ ولحديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجة» (٣).\nوإن كان حاجًّا أو معتمرًا عن غيره - وكيلًا - نوى ذلك بقلبه ثم قال: لبيك عن فلان، وإن كان حاجًّا أو معتمرًا عن أنثى قال: لبيك عن أم فلان، أو بنت فلان، أو فلانة.\nوالأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة أو سيارة، أو غيرهما (٤)، اقتداء بالنبي - ﷺ -؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «ما أهل رسول اللَّه - ﷺ - إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره»،\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٥٧٠، وسيأتي تخريجه في أنواع الأنساك.\n(٢) مسلم، برقم ١٨٥١، وسيأتي تخريجه في أنواع الأنساك.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب قول النبي - ﷺ -: «العقيق وادٍ مبارك»، برقم ١٥٣٤.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٤٩، وانظر: شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٤١٩، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي، ٣/ ٩٥.","vol":"1","page":196},{"text":"وهذا لفظ لمسلم، وفي لفظ للبخاري أن ابن عمر ﵄ قال: «أهلَّ النبي - ﷺ - حين استوت به راحلته قائمة» (١).\nوللبخاري أيضًا: «كان ابن عمر ﵄ إذا أراد الخروج إلى مكة ادَّهن بدهنٍ ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد الحُليفة فيصلِّ، ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت النبي - ﷺ - يفعل». وفي لفظ للبخاري أيضًا: «كان ابن عمر ﵄ إذا صلى الغداة بذي الحُليفة أمر براحلته، ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا ثم يلبِّي ...» (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وهذا يدل على استقبال القبلة عند الإهلال، وهو معلق صحيح» (٣). وسمعته يقول: «الأظهر أنه يتهيأ من المصلَّى، ويهلُّ إذا ركب على راحلته، وأما إهلاله وهو على\nالبيداء فهو تكرار» (٤) (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من أهل حين استوت به راحلته، برقم ١٥٥٢، وأطرافه: ١٦٦، ١٥١٤، ١٦٠٩، ٢٨٦٥، ٥١٥١، ومسلم، كتاب الحج، باب أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذي الحليفة، برقم ٢٤ - (١١٨٦).\n(٢) البخاري، كتاب الحج، باب الإهلال مستقبل القبلة، برقم ١٥٥٣، ورقم ١٥٥٤.\n(٣) سمعته ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، على الحديث رقم ١٥٥٣.\n(٤) سمعته ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، على الحديث رقم ١٥٤١.\n(٥) قال الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى على حديث ابن عمر: «فإني لم أر رسول اللَّه - ﷺ - يهل حتى تنبعث به راحلته»، وقال في الحديث الذي قبله: كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل، وفي رواية: حين قام به بعيره، وفي رواية: يهل حين تستوي به راحلته قائمة. هذه الروايات كلها متفقة في المعنى، وانبعاثها: هو استواؤها قائمة، وفيها دليل لمالك، والشافعي، والجمهور أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته، وقال أبو حنيفة: يحرم عقب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، وهو قول ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف، وفيه أن التلبية لا تقدم على الإحرام». شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٣٤٣ - ٣٤٤.","vol":"1","page":197},{"text":"وعن ابن عباس ﵄ قال: «صلَّى رسول اللَّه - ﷺ - الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدَّم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ عند البخاري وفيه: «... فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه وقلَّد بدنته، وذلك لخمسٍ بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع خلون من ذي الحجة ...» (٢).\nوعن جابر بن عبد اللَّه ﵄: «أن إهلال رسول اللَّه - ﷺ - من ذي الحليفة حين استوت به راحلته». رواه أنس وابن عباس - ﵃ - (٣).\nوعن أنس - ﵁ - قال: «صلى النبي - ﷺ - بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين،\nثم بات حتى أصبح بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهل» (٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذه نصوص صحيحة أنه - ﷺ - إنما أهل حين استوت به راحلته واستوى عليها، ورواتها مثل: ابن عمر، وجابر، وأنس، وابن عباس في روايات صحيحة» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب إشعار الهدي وتقليده عند الإحرام، برقم ٢٠٥ - (١٢٤٣).\n(٢) البخاري، كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم من الثياب، برقم ١٥٤٥.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب قول اللَّه تعالى: (الحج)، برقم ١٥١٥.\n(٤) البخاري، كتاب الحج، باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح، برقم ١٥٤٦.\n(٥) شرح العمدة، في بيان مناسك الحج والعمرة، ١/ ٤٢٥ - ٤٢٦.","vol":"1","page":198},{"text":"وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول على قول البخاري: «رواه أنس وابن عباس» قال: «... وكذا جابر وابن عمر، كلهم ذكروا بأنه - ﷺ - أهل بعدما ركب، فقد صلَّى ثم ركب على راحلته ولبّى حين استوت به، أما حديث أنه أوجب بعد صلاته، ثم أوجب عندما ركب، ثم عند الاستواء على البيداء فهو ضعيف» (١).\nويلبي بتلبية النبي - ﷺ -: «لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>ثالثًا: مسائل في الإحرام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>١ - إذا كان من يريد الإحرام خائفًا من عائق يعوقه عن إتمام نسكه </span>شُرِعَ له أن يشترط فيقول عند إحرمه بالنسك: «... فإن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني»؛ لأن النبي - ﷺ - أمر ضباعة بنت الزبير حين أرادت أن تحرم وهي مريضة أن تشترط، فمتى اشترط المحرم ذلك عند\nإحرامه ثم أصابه ما يمنعه من إتمام نسكه فإن له التحلل ولا شيء عليه.\nفعن عائشة ﵂ قالت: دخل رسول اللَّه - ﷺ - على ضباعة بنت الزبير فقال لها: «لعلك أردت الحج؟» قالت: واللَّه لا أجدني إلا وجعة (٣)، فقال لها: «حجِّي واشترطي (٤)، قولي: اللَّهم محلِّي حيث حبستني» (٥). وكانت تحت المقداد بن الأسود (٦).\nوعن ابن عباس ﵄: أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ﵂، أتت رسول اللَّه - ﷺ - فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج فما تأمرني؟ قال: «أهلي بالحج واشترطي أن محلِّي حيث\n_________\n(١) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥١٥.\n(٢) متفق عليه، البخاري، برقم ١٥٤٩، ومسلم، برقم ١٩ - (١١٨٤) وتقدم تخريجه في منافع الحج.\n(٣) ما أجدني إلا وجعه: أي ما أجد نفسي إلا ذات وجع، تعني: أجد في نفسي ضعفًا من المرض، لا أدري أقدر على إتمام الحج أم لا.\n(٤) حجي واشترطي: أي أحرمي بالحجي واجعلي شرطًا في حجك عند الإحرام، وهو اشتراط التحلل متى احتجتِ إليه.\n(٥) محلي حيث حبستني: أي موضع إحلالي من الأرض حيث حبستني: أي هو المكان الذي عجزت عن الإتيان بالمناسك وانحبست عنها بسبب قوة المرض، ومحلِّي بكسر الحاء: اسم مكان، بمعنى: موضع التحلل من الإحرام.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، برقم ٥٠٨٩، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بقدر المرض ونحوه، برقم ١٢٠٧.","vol":"1","page":199},{"text":"حبستني» (١)، ولفظ أبي داود: «قولي لبيك اللَّهم لبيك، ومحلِّي من الأرض حيث حبستني» (٢).\nوفي لفظ للنسائي: «قولي: لبيك اللَّهم لبيك ومحلِّي من الأرض\nحيث حبستني؛ فإن لك على ربك ما استثنيت» (٣).\nوعن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ﵂ قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «احرمي وقولي: إن محلِّي حيث تحبسني، فإن حُبِسْتِ، أو مرضت فقد أحللتِ من ذلك شَرْطَكِ على ربِّك - ﷿ -» (٤).\nوما دلت عليه هذه الأحاديث ورواياتها الصحيحة هو الصواب\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بقدر المرض ونحوه، برقم ١٢٠٨.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الحج، باب الاشتراط في الحج، برقم ١٧٧٦، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الاشتراط في الحج، برقم ٩٤١.\n(٣) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب كيف يقول إذا اشترط، برقم ٢٧٦٥،وقال العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي،٢/ ٢٧٨: «حسن صحيح» وانظر: إرواء الغليل للألباني، برقم ١٠١٠.\n(٤) أحمد في المسند، ٤٥/ ٣٤٧، برقم ٢٧٣٥٨، وقال محققو المسند: «حديث صحيح» والحديث في مسند أحمد الطبعة القديمة، ٦/ ٤١٩.","vol":"1","page":200},{"text":"من أقوال العلماء (١).\n_________\n(١) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في الاشتراط عند الإحرام، على ثلاثة أقوال على النحو الآتي:\nالقول الأول: الاشتراط عند الإحرام سنة مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة، قال في الفروع، لابن مفلح، ٥/ ٣٢٨: «ويستحب أن يشترط» «ومحلي حيث حبستني»، وقال في الإنصاف،\n٨/ ١٨٧: «... يقول ذلك بلسانه ... وهو صحيح، فلا يصح الاشتراط بقلبه على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، وقطع به كثير منهم، وقيل يصح؛ لأنه تابع للإحرام، وينعقد بالنية فكذا الاشتراط، وهما احتمالان مطلقان في المغني، ٥/ ٩٤، وانظر: مسائل أحمد رواية ابن هاني، ١/ ١٥٢، ورواية عبد اللَّه، ٢/ ٦٨٥، واستدلوا بقصة ضباعة ﵂.\nالقول الثاني: الاشتراط عند الإحرام ليس بسنة مطلقًا، ولا يشرع ولا يصح، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وبقول ابن عمر ﵄، فعن سالم قال: كان ابن عمر ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: «أليس حسبكم سنة رسول اللَّه - ﷺ - إن حُبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حلَّ من كل شيء حتى يحج عامًا قابلًا، ويهدي ويصوم إن لم يجد هديًا». وفي لفظ: «فإن حبس أحدكم حابس فليأتِ البيت فليطف به، وبين الصفا والمروة، ثم ليحلق، أو يقصر، ثم ليحلل وعليه الحج من قابل». هذا لفظ النسائي في كتاب مناسك الحج، باب ما يفعل من حبس عن الحج ولم يكن اشترط، برقم ٢٧٦٨، ٢٧٦٩، والبخاري، كتاب المحصر، باب الإحصار في الحج، برقم ١٨١٠. ونسب هذا القول: للحنفية، والمالكية ابن مفلح في الفروع، ٥/ ٣٢٩.\nالقول الثالث: الاشتراط عند الإحرام سنة لمن يخاف المانع من إتمام النسك، من حصر مرض أو غيره، وتركه سنة لمن لم يخف، واستدلوا بقصة ضباعة، وأن النبي - ﷺ -: إنما أمرها أن تشترط على ربها لما كانت مريضة شاكية، فخاف أن يصدَّها المرض عن البيت. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ويستحب للمحرم الاشتراط إن كان خائفًا، وإلا فلا، جمعًا بين الأخبار». [الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ١٧٣]، وقال في موضع آخر: «لكن المقصود بهذا اللفظ أنه أمرها بالاشتراط في التلبية، ولم يأمرها أن تقول قبل التلبية شيئًا، لا اشتراطًا ولا غيره»، وقال: «وإن اشترط على ربه خوفًا من العارض فقال: وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، كان حسنًا؛ فإن النبي - ﷺ - أمر ابنة عمه ضباعة بنت الزبير أن تشترط على ربها، لما كانت شاكية، فخاف أن يصدها المرض عن البيت ولم يكن يأمر بذلك كل من حج». [مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧]، وقال ابن مفلح في الفروع، ٥/ ٣٢٩: «واستحب شيخنا الاشتراط للخائف خاصة جمعًا بين الأدلة، ونقل أبو داود: إن اشترط فلا بأس»، ويعني بشيخه: ابن تيمية ﵀.\nقال الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى عن حديث ضباعة بنت الزبير: «فيه دلالة لمن قال: يجوز أن يشترط الحاج والمعتمر في إحرامه أنه إن مرض تحلَّل، وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وأخيرين من الصحابة - ﵃ -، وجماعة من التابعين، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وحجتهم هذا الحديث الصحيح الصريح. وقال أبو حنيفة، ومالك، وبعض التابعين لا يصح الاشتراط، وحملوا الحديث على أنها قضية عين، وأنه مخصوص بضباعة، وفي الحديث دليل على أن المرض لا يبيح التحلل إذا لم يكن اشترط في حال الإحرام، واللَّه أعلم». [شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٣٨١ - ٣٨٢].\nوقال الإمام القرطبي ﵀: «وبظاهر هذا الحديث قال جماعة من العلماء من الصحابة والتابعين، وغيرهم، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وللشافعي قولان، فكل هؤلاء يجوز الاشتراط في الحج، وأنه له الفسخ إذا وقع شرطه، ومنع من ذلك جماعة أخرى، وقالوا: إنه لا ينفع، منهم: ابن عمر، والزهري، ومالك، وأبو حنيفة، متمسكين بقوله تعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦] وبقوله: ﴿ولا تُبْطِلُوا\nأعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، واعتذروا عن الحديث بوجهين: أحدهما: ادّعاء الخصوص بهذه المرأة، وثانيهما: أنهم حملوه على التحلل بالعمرة؛ فإنها أرادت أن تحج، كما جاء مفسرًا من رواية ابن المسيب، وهو أن رسول اللَّه - ﷺ - أمر ضباعة أن تشترط، وتقول: «اللَّهم الحج أردت، فإن تيسر وإلا فعمرة» [البيهقي، ٥/ ٢٢٣]، وروي عن عائشة أنها كانت تقول: «للحجِّ خرجتُ وله قصدت فإن قضيته فهو الحج، وإن حال دونه فهو العمرة» [البيهقي، ٥/ ٢٢٢]، واللَّه أعلم. المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم، ٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦.\nوقال شيخنا ابن باز ﵀: «وإن خاف المحرم ألا يتمكن من أداء نسكه؛ لكونه مريضًا أو خائفًا من عدو ونحوه استحب له أن يقول عند إحرامه: «فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني؛ لحديث ضباعة بنت الزبير ... وفائدة هذا الشرط: أن المحرم إذا عرض له ما يمنعه من تمام نسكه: من مرض، أو صد عدو، جاز له التحلل ولا شيء عليه». [مجموع فتاوى ابن باز ١٦/ ٤٩]، وقال: «الاشتراط يكون وقت الإحرام إذا دعت الحاجة إليه؛ لحديث عائشة ﵂ في قصة ضباعة بنت الزبير». مجموع الفتاوى، ١٦/ ١٢٨.\nورجح العلامة ابن عثيمين ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وهو: أن الاشتراط سنة لمن كان يخاف المانع من إتمام النسك، ثم قال: «وهذا القول هو الصحيح والذي تجتمع به الأدلة» [الشرح الممتع، ٧/ ٨٠].","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>٢ - إذا كان مع من يريد الحج أو العمرة أطفال أو صبيان</span>، وأراد أن يحرموا بحج أو عمرة رغبة في الثواب له ولهم، فإن كان الصبي مميزًا أحرم بإذن وليه، وفعل عند الإحرام ما يفعله الكبير مما تقدم ذكره.\nوإن كان الصبي أو الجارية دون التمييز نوى عنهما وليهما الإحرام ولبَّى عنهما. ويمنعهما مما يمنع منه الكبير من محظورات الإحرام، وينبغي أن يكونا طاهري الثياب والأبدان حال الطواف.\nوكذلك يؤمر المميز والجارية المميزة بالطهارة قبل الشروع في الطواف (١)؛لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - لقي ركبًا بالروحاء فقال: «من القوم؟» قالوا المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: «رسول اللَّه» فرفعت إليه امرأة صبيًا فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم ولك\nأجر» (٢)؛ ولحديث السائب بن يزيد - ﵁ - قال: «حُجَّ بي مع رسول اللَّه - ﷺ - وأنا ابن سبع سنين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>٣ - العبرة بالإحرام: </span>فلو أحرم بالعمرة في رمضان، ولم يؤدِّها إلا في شوَّال، ثم حجَّ من عامه لم يكن متمتعًا بالعمرة إلى الحج؛ لأن إحرامه بالعمرة كان في غير أشهر الحج (٤).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٥٥، ٢٥٦.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب صفة حج الصبي وأجر من حج به، برقم ١٣٣٦.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب حج الصبيان، برقم ١٨٥٨.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٩٣، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١١/ ٣٢٩ - ٣٣٠.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>المبحث الثاني عشر: صفة حج النبي - ﷺ - بإيجاز</span>\nعن جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ عن أبيه. قال: دَخَلْنَا على جَابِرِ بن عبد اللَّه، فَسَأَلَ عن الْقَوْمِ (١) حتى انْتَهَى إلي. فقلت: أنا محمد بن عَلِيِّ بن حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بيده إلى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الأعلى (٢)، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بين ثَدْيَيَّ وأنا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ. فقال: مَرْحَبًا بِكَ. يا بن أَخِي! سَلْ عَمَّا شِئْتَ. فَسَأَلْتُهُ وهو أَعْمَى. وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ. فَقَامَ في نِسَاجَةٍ (٣) مُلْتَحِفًا بها. كُلَّمَا وَضَعَهَا على مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إليه من صِغَرِهَا. وَرِدَاؤُهُ إلى جَنْبِهِ، على الْمِشْجَبِ (٤). فَصَلَّى بِنَا. فقلت: أَخْبِرْنِي عن حَجَّةِ رسول اللَّه - ﷺ - فقال بيده (٥). فَعَقَدَ تِسْعًا. فقال إِنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لم يَحُجَّ. ثُمَّ أَذَّنَ في الناس (٦) في الْعَاشِرَةِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - حَاجٌّ. فَقَدِمَ المدِينَة بَشَرٌ كَثِيرٌ. كلهم يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّه - ﷺ -. وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ. فَخَرَجْنَا معه، حتى أَتَيْنَا\n_________\n(١) (فسأل عن القوم) أي عن جماعة الرجال الداخلين عليه، فإنه إذ ذاك كان أعمى. عَمِيَ في آخر عمره.\n(٢) (فنزع زري الأعلى) أي أخرجه من عروته لينكشف صدري عن القميص.\n(٣) (نساجة) قال الإمام النووي: هذا هو المشهور في نسخ بلادنا ورواياتنا لصحيح مسلم وسنن أبي داود. ووقع في بعض النسخ: في ساجة. بحذف النون. ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور. قال: وهو الصواب. قال: والساجة والساج، جميعًا، ثوب كالطيلسان وشبهه. قال: ورواية النون وقعت في رواية الفارسي ومعناه ثوب ملفق. قال: قال بعضهم: النون خطأ وتصحيف. قلت: ليس كذلك، بل كلاها صحيح، ويكون ثوبًا ملفقًا على هيئة الطيلسان. وقال في النهاية: هي ضرب من الملاحف منسوجة، كأنها سميت بالمصدر. يقال: نسجت أنسج نسجًا نساجة.\n(٤) (المشجب) هو عيدان تضم رؤوسها، ويفرج بين قوائمها، توضع عليها الثياب.\n(٥) (فقال بيده) أي أشار بها.\n(٦) (ثم أذن في الناس) معناه أعلمهم بذلك وأشاعه بينهم؛ ليتأهبوا للحج معه، ويتعلموا المناسك والأحكام ويشهدوا أقواله وأفعاله ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب وتشيع دعوة الإسلام.","vol":"1","page":204},{"text":"ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بن أبي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إلى رسول اللَّه - ﷺ -: كَيْفَ أَصْنَعُ قال: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي (١) بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» فَصَلَّى رسول اللَّه - ﷺ - في الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ (٢) حتى إذا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ على الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إلى مَدِّ بَصَرِي (٣) بين يَدَيْهِ. من رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذلك، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذلك، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلك، وَرَسُولُ اللَّه - ﷺ - بين أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وهو يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وما عَمِلَ بِهِ من شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ (٤) «لَبَّيْكَ اللَّهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لك لَبَّيْكَ، إِنَّ الحمْدَ وَالنِّعْمَةَ لك وَالملْكَ، لَا شَرِيكَ لك». وَأَهَلَّ الناس بهذا الذي يُهِلُّونَ بِهِ، فلم يَرُدَّ رسول اللَّه - ﷺ - عليهم شَيئًا منه. وَلَزِمَ رسول اللَّه - ﷺ - تَلْبِيَتَهُ قال جَابِرٌ - ﵁ -: لَسْنَا نَنْوِي إلا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حتى إذا\nأَتَيْنَا الْبَيْتَ معه اسْتَلَمَ الرُّكْنَ (٥) فَرَمَلَ ثَلَاثًا (٦) وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ\nنَفَذَ إلى مَقَامِ إبراهيم (٧) - ﵇ - فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا من مَقَامِ إبراهيم\n_________\n(١) (واستثفري) الاستثفار هو أن تشد في وسطها شيئًا، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها، من قدامها ومن ورائها، في ذلك المشدود في وسطها. وهو شبيه بثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها.\n(٢) (ثم ركب القصواء) هي ناقته - ﷺ -. قال أبو عبيدة: القصواء المقطوعة الأذن عرضًا.\n(٣) (ثم نظرت إلى مد بصري) هكذا هو في جميع النسخ: مد بصري، وهو صحيح، ومعناه منتهى بصري، وأنكر بعض أهل اللغة: مد بصري، وقال الصواب: مدى بصري، وليس هو بمنكر، بل هما لغتان، المد أشهر.\n(٤) (فأهلّ بالتوحيد) يعني قوله: لبيك لا شريك لك.\n(٥) (استلم الركن) يعني الحجر الأسود. فإليه ينصرف الركن عند الإطلاق واستلامه مسحه وتقبيله.\n(٦) (فرمل ثلاثًا) قال العلماء: الرمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطا، وهو الخبب.\n(٧) (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) أي بلغه ماضيًا في زحام.","vol":"1","page":205},{"text":"مُصَلًّى﴾ (١) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أبي يقول - ولا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إلا عن النبي - ﷺ -: كان يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ قُلْ هو اللَّه أَحَدٌ، وَقُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. ثُمَّ رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ من الْبَابِ (٢) إلى الصَّفَا. فلما دَنَا من الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ من شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عليه حتى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّه، وَكَبَّرَهُ، وقال: «لَا إِلَهَ إلا اللَّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، له الملكُ وَلَهُ الحمْدُ وهو على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إلا اللَّه وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثُمَّ دَعَا بين ذلك قال مِثْلَ هذا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ نَزَلَ إلى الْمَرْوَةِ حتى إذا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ (٤) في بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حتى إذا صَعِدَتَا (٥) مَشَى، حتى أتى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ على الْمَرْوَةِ كما فَعَلَ على الصَّفَا، حتى إذا كان آخِرُ طَوَافِهِ على الْمَرْوَةِ فقال: «لو أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ من أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لم أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كان مِنْكُمْ ليس معه هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً». فَقَامَ سُرَاقَةُ بن مَالِكِ بن جُعْشُمٍ فقال: يا رَسُولَ اللَّه\nأَلِعَامِنَا هذا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رسول اللَّه - ﷺ - أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً في الْأُخْرَى وقال: «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ» مَرَّتَيْنِ «لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ» وَقَدِمَ عَلِيٌّ من الْيَمَنِ\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٢٥.\n(٢) (ثم خرج من الباب) أي من باب بني مخزوم، وهو الذي يسمى باب الصفا. وخروجه ﵇ منه لأنه أقرب الأبواب إلى الصفا.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٥٨.\n(٤) (حتى إذا انصبت قدماه) أي انحدرت. فهو مجاز من انصباب الماء.\n(٥) (حتى إذا صعدتا) أي ارتفعت قدماه عن بطن الوادي.","vol":"1","page":206},{"text":"بِبُدْنِ (١) النَّبي - ﷺ -،فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذلك عليها، فقالت: إِنَّ أبي أَمَرَنِي بهذا، قال: فَكَانَ عَلِيٌّ يقول بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إلى رسول اللَّه - ﷺ - مُحَرِّشًا (٢) على فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّه - ﷺ - فِيمَا ذَكَرَتْ عنه فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذلك عليها، فقال: «صَدَقَتْ صَدَقَتْ. مَاذَا قُلْتَ حين فَرَضْتَ الْحَجَّ؟» قال قلت: اللَّهم إني أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قال: «فإن مَعِيَ الْهَدْيَ فلا تَحِلُّ» قال: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الذي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ من الْيَمَنِ وَالَّذِي أتى بِهِ النبي - ﷺ - مِائَةً قال: فَحَلَّ الناس كلهم وَقَصَّرُوا، إلا النبي - ﷺ - وَمَنْ كان معه هَدْيٌ، فلما كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رسول اللَّه - ﷺ - فَصَلَّى بها الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ. ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حتى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعَرٍ تُضْرَبُ له بِنَمِرَةَ (٣) فَسَارَ رسول اللَّه - ﷺ - ولا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (٤). كما كانت قُرَيْشٌ\n_________\n(١) (ببدن) هو جمع بَدَنة، وأصله الضم. كخُشب في جمع خشبة.\n(٢) (محرشًا) التحريش الإغراء، والمراد هنا أن يذكر له ما يقتضي عتابها.\n(٣) (بنمرة) بفتح النون وكسر الميم. هذا أصلها. ويجوز فيها ما يجوز في نظيرها، وهو إسكان الميم مع فتح النون وكسرها، وهي موضع بجنب عرفات، وليست من عرفات.\n(٤) (ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام) معنى هذا أن قريشًا كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام. وهو جبل في المزدلفة يقال له قزح. وقيل إن المشعر الحرام كل المزدلفة. وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات، فظنت قريش أن النبي - ﷺ - يقف في المشعر الحرام على عادتهم ولا يتجاوزه. فتجاوزه النبي - ﷺ - إلى عرفات؛ لأن اللَّه تعالى أمره بذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي سائر العرب غير قريش، وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة لأنها من الحرم، وكانوا يقولون: نحن أهل حرم اللَّه فلا نخرج منه.","vol":"1","page":207},{"text":"تَصْنَعُ في الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ (١) رسول اللَّه - ﷺ - حتى أتى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بها حتى إذا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ (٢) له، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي (٣). فَخَطَبَ الناس وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا (٤) في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا، ألا كُلُّ شَيْءٍ من أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ من دِمَائِنَا دَمُ بن رَبِيعَةَ بن الحارِثِ كان مُسْتَرْضِعًا في بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بن عبد المطَّلِبِ، فإنه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّه في النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّه وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه (٥)، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ (٦) فَإِنْ فَعَلْنَ ذلك\n_________\n(١) (فأجاز) أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها، بل توجه إلى عرفات.\n(٢) (فرحلت) أي وضع عليها الرحل.\n(٣) (بطن الوادي) هو وادي عُرَنة، وليست عرنة من أرض عرفات عند الشافعي والعلماء كافة، إلا مالكًا فقال: هي من عرفات.\n(٤) (كحرمة يومكم هذا) معناه متأكدة التحريم، شديدته.\n(٥) (بكلمة اللَّه) قيل: معناه قوله تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان). وقيل: المراد كلمة التوحيد وهي: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم. وقيل: قوله تعالى:\n﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ وهذا الثالث هو الصحيح.\n(٦) (ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه) قال الإمام النووي: المختار أن معناه أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيًا أو امرأة أو أحدًا من محارم الزوجة. فالنهي يتناول جميع ذلك. وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل ولا امرأة، لا محرم ولا غيره، في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه.","vol":"1","page":208},{"text":"فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ (١)، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وقد تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّه (٢). وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قالوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قد بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ فقال بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى الناس (٣) «اللَّهم اشْهَدْ اللَّهم اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ولم يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شيئًا، ثُمَّ رَكِبَ رسول اللَّه - ﷺ - حتى أتى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ (٤)، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بين يَدَيْهِ (٥)، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فلم يَزَلْ وَاقِفًا حتى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حتى غَابَ الْقُرْصُ (٦)، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ\n_________\n(١) (فاضربوهن ضربًا غير مبرح) الضرب المبرح: هو الضرب الشديد الشاق. ومعناه اضربوهن ضربًا ليس بشديد ولا شاق، والبرح المشقة.\n(٢) (كتاب اللَّه) بالنصب، بدل عما قبله. وبالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف.\n(٣) (وينكتها إلى الناس) هكذا ضبطناه: ينكتها. قال القاضي: كذا الرواية فيه، بالتاء المثناة فوق. قال: وهو بعيد المعنى. قال: قيل صوابه ينكبها. قال: ورويناه في سنن أبي داود بالتاء المثناة من طريق ابن العربي. وبالموحدة من طريق أبي بكر التمار. ومعناه يقلبها ويرددها إلى الناس مشيرًا إليهم. ومنه: نكب كنانته إذا قلبها. هذا كلام القاضي.\n(٤) (الصخرات) هي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة. وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات. فهذا هو الموقف المستحب.\n(٥) (وجعل حبل المشاة بين يديه) روى حَبْل وروي جَبَل. قال القاضي عياض ﵀: الأول أشبه بالحديث. وحبل المشاة أي مجتمعهم. وحبل الرمل ما طال منه وضخم. وأما بالجيم فمعناه طريقهم، وحيث تسلك الرجالة.\n(٦) (حتى غاب القرص) هكذا هو في جميع النسخ. وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ. قال: قيل صوابه حين غاب القرص. هذا كلام القاضي، ويحتمل أن الكلام على ظاهره. ويكون قوله: حتى غاب القرص بيانًا لقوله غربت الشمس وذهبت الصفرة. فإن هذه تطلق مجازًا على مغيب معظم القرص فأزال ذلك الاحتمال بقوله: حتى غاب القرص، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":209},{"text":"رسول اللَّه - ﷺ - وقد شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ (١) الزِّمَامَ. حتى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ (٢). وَيَقُولُ بيده اليمنى (٣): «أَيُّهَا الناس السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» (٤) كُلَّمَا أتى حَبْلًا من الْحِبَالِ (٥) أَرْخَى لها (٦) قَلِيلًا حتى تَصْعَدَ، حتى أتى الْمُزْدَلِفَةَ (٧)، فَصَلَّى بها الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ ولم يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شيئًا (٨)، ثُمَّ اضْطَجَعَ رسول اللَّه - ﷺ - حتى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حين تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حتى أتى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فلم يَزَلْ وَاقِفًا حتى أَسْفَرَ جِدًّا (٩) فَدَفَعَ\nقبل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بن عَبَّاسٍ وكان رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ\n_________\n(١) (وقد شنق للقصواء) شنق ضم وضيق.\n(٢) (مورك رحله) قال الجوهري: قال أبو عبيدة: المورك والموركة هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل إذا ملّ الركوب. وضبطه القاضي بفتح الراء قال: وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب تجعل في مقدم الرحل شبه المخدة الصغيرة.\n(٣) (ويقول بيده) أي مشيرًا بها.\n(٤) (السكينة السكينة) أي الزموا السكينة. وهي الرفق والطمأنينة.\n(٥) (كلما أتى حبلًا من الحبال) الحبال جمع حبل. وهوالتل اللطيف من الرمل الضخم. وفي النهاية: قيل: الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل.\n(٦) (أرخى لها) أي أرخى للقصواء الزمام وأرسله قليلًا.\n(٧) (المزدلفة) معروفة. سميت بذلك من التزلف والازدلاف، وهو التقرب، لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي مضوا إليه وتقربوا منها. وقيل: سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل، أي ساعات.\n(٨) (ولم يسبح بينهما شيئًا) أي لم يصلّ بينهما نافلة.\n(٩) (حتى أسفر جدًا) الضمير في أسفر يعود إلى الفجر المذكور أولًا. وقوله: جدًا، بكسر الجيم، أي إسفارًا بليغًا.","vol":"1","page":210},{"text":"أَبْيَضَ وَسِيمًا (١) فلما دَفَعَ رسول اللَّه - ﷺ - مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ (٢) فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ فَوَضَعَ رسول اللَّه - ﷺ - يَدَهُ على وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إلى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ. فَحَوَّلَ رسول اللَّه - ﷺ - يَدَهُ من الشِّقِّ الْآخَرِ على وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ من الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ حتى أتى بَطْنَ مُحَسِّرٍ (٣) فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى التي تَخْرُجُ على الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى (٤)، حتى أتى الْجَمْرَةَ التي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كل حَصَاةٍ منها مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ (٥)، رَمَى من بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بيده، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا\nفَنَحَرَ ما غَبَرَ (٦)، وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ من كل بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا من لَحْمِهَا\n_________\n(١) (وسيمًا) أي حسنًا.\n(٢) (مرت به ظعن يجرين) الظُّعن بضم الظاء والعين، ويجوز إسكان العين، جمع ظعينة. كسفينة وسفن. وأصل الظعينة البعير الذي عليه امرأة. ثم تسمى به المرأة مجازًا لملابستها البعير.\n(٣) (حتى أتى بطن محسّر) سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي أعيا وكلَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِير﴾.\n(٤) (الجمرة الكبرى) هي جمرة العقبة، وهي التي عند الشجرة.\n(٥) (حصى الخذف) أي حصى صغار بحيث يمكن أن يرمى بأصبعين. والخذف، في الأصل، مصدر سمي به. يقال: خذفت الحصاة ونحوها خذفًا من باب ضرب. أي رميتها بطرفي الإبهام والسبابة. قال النووي: وأما قوله: فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف. فكذا هو في النسخ. وكذا نقله القاضي عن معظم النسخ. قال: وصوابه مثل حصى الخذف. قال: وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة مسلم. هذا كلام القاضي: قلت: والذي في النسخ من غير لفظة مثل هو الصواب، بل لا يتجه غيره ولا يتم الكلام إلا كذلك، ويكون قوله: حصى الخذف متعلقًا بقوله حصيات. أي رماها بسبع حصيات حصى الخذف، يكبر مع كل حصاة، فحصى الخذف متصل بحصيات واعترض بينهما يكبر مع كل حصاة، وهذا هو الصواب.\n(٦) (ما غبر) أي ما بقي.","vol":"1","page":211},{"text":"وَشَرِبَا من مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رسول اللَّه - ﷺ - فَأَفَاضَ إلى الْبَيْتِ (١)، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عبد الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ على زَمْزَمَ، فقال: «انْزِعُوا (٢) بَنِي عبد الْمُطَّلِبِ! فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ الناس (٣) على سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ» فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ منه.\nوَكَانَتْ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أبو سَيَّارَةَ (٤) على حِمَارٍ عُرِىٍ، فلما أَجَازَ رسول اللَّه - ﷺ - من الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لم تَشُكَّ قُرَيْشٌ (٥) أَنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عليه وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ فَأَجَازَ ولم يَعْرِضْ له حتى أتى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ (٦).\n_________\n(١) (فأفاض إلى البيت) فيه محذوف تقديره: فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر، فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه.\n(٢) (انزعوا) معناه استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء.\n(٣) (لولا أن يغلبكم الناس) أي لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج، ويزدحمون عليه، بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم، لكثرة فضيلة هذا الاستقاء.\n(٤) (يدفع بها أبو سيارة) أي في الجاهلية.\n(٥) (لم تشك قريش) معنى الحديث أن قريشًا كانت قبل الإسلام تقف بالمزدلفة، وهي من الحرم، ولا يقفون بعرفات. وكان سائر العرب يقفون بعرفات، وكانت قريش تقول: نحن أهل الحرم، فلا نخرج منه، فلما حج النبي - ﷺ - ووصل المزدلفة اعتقدوا أنه يقف بالمزدلفة على عادة قريش، فجاوز إلى عرفات، لقول اللَّه - ﷿ -: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي جمهور الناس. فإن مَن سوى قريش كانوا يقفون بعرفات ويفيضون منها.\n(٦) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٦.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>المبحث الثالث عشر: صفة الأنساك الثلاثة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>أولًا: مفهوم وصفة الأنساك الثلاثة:</span>\nمن وصل إلى الميقات في أشهر الحج، وهي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، وهو يريد الحج من عامه، فإنه مُخيَّر بين ثلاثة أنساك، وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>١ - العمرة وحدها: </span>وهو ما يسمى بالتمتع (١) وهو أن يحرم بالعمرة وحدها من الميقات في أشهر الحج قائلًا عند نية الدخول في الإحرام: (لبيك عمرة). ويستمر في التلبية فإذا وصل مكة وبدأ الطواف قطعها، فإذا طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصر حلَّ له كل شيء حُرِمَ عليه للإحرام.\nفإذا كان اليوم الثامن - التروية - من ذي الحجة أحرم بالحج وحده وأتى بجميع أعماله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>والتمتع أفضل الأنساك لمن لم يكن معه هديٌ</span>؛ لأن النبي - ﷺ - قال بعد أن سعى بين الصفا والمروة: «... لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت\nلم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل\n_________\n(١) التمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من مكة أو من قريب منها من عامه. [المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٨/ ١٦٢].\nوقال الإمام النووي في شرح مسلم، ٨/ ٣٨٥: «التمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحج من عامه».\n(٢) انظر المغني لابن قدامة، ٥/ ٨٢ و٩٤ و٩٥، والمتمع هو: أن يهل بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج ويفرغ منها ويحرم بالحج في عامه.","vol":"1","page":213},{"text":"وليجعلها عمرة ...» (١)، وفي لفظ للبخاري: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>٢ - الجمع بين العمرة والحج: </span>وهو ما يُسمى بـ «القران» (٢) وهو أن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، برقم ١٦٥١، ورقم ١٥٥٧، ومسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٢) القران: أن يحرم بالعمرة والحج جميعًا في أشهر الحج، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجوز أن يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج، ويصير قارنًا، واستدل بقول عائشة في حديثها، قالت: خرجنا مع النبي - ﷺ - في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي - ﷺ -: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحلَّ منهما جميعًا» [البخاري، برقم ١٥٥٦، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، برقم ١٢١١، وبما رواه نافع قال: أراد ابن عمر ﵄ الحج عام حجة الحرورية في عهد ابن الزبير ﵄، فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال ونخاف أن يصدوك، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، إذًا أصنع كما صنع، أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، حتى كان بظهر البيداء، قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم أني جمعت حجة مع عمرة، وأهدى هديًا مقلدًا اشتراه، حتى قدم فطاف بالبيت وبالصفا، ولم يزد على ذلك، ولم يحلل من شيء حرُم عليه، حتى يوم النحر، فحلق، ونحر، ورأى أنه قد قضى طوافه للحج والعمرة بطوافه الأول، ثم قال: كذلك صنع النبي - ﷺ -. [البخاري، برقم ١٧٠٨، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز التحلل بالإحصار، وجواز القران، واقتصار القارن على طواف واحد وسعي واحد، برقم ١٢٣٠].\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول عن هذا الطواف: «أي طوافه بين الصفا والمروة، أما طواف الإفاضة فهو فرض على الجميع» [سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٧٠٨] قال شيخ الإسلام: «ومعنى قوله: كذلك صنع رسول اللَّه - ﷺ - أنه لم يطف بالبيت وبين الصفا والمروة إلا مرة قبل التعريف، مع أنه كان قد جمع الحج إلى العمرة، ولم يرد به أنه لم يطف بالبيت بعد النحر، فإن النبي - ﷺ - قد طاف بعد التعريف، روى ذلك ابن عمر في غير موضع، هو وسائر الصحابة». [شرح العمدة، ١/ ٥٥٩]، وقال: «ويجوز إضافة الحج إلى العمرة لكل محرم بالعمرة، ثم إن أضافه إليها قبل الطواف، وقع الطواف عن القران، وكان قارنًا، وإن فعل ذلك بعد الشروع في الطواف لم يجز ذلك، وهذه الإضافة تتعين على من أحرم بعمرة وضاق الوقت عن أن يعتمر قبل الحج فخشي فوته، إما بأن تكون امرأة وقد حاضت، فلم يمكنها أن تطوف بالبيت فتحرم بالحج، وتصير قارنة، وتترك طواف القدوم ... أو بأن يوافي مكة يوم عرفة ويضيق الوقت عن إتمام العمرة والإحرام بالحج، ونحو ذلك، وكذلك من لم يخش فوات الحج وهو قارن إذا وقف قبل أن يطوف بالبيت، فهو باقٍ على قِرانه لا ينقض العمرة ...» [شرح العمدة، ١/ ٥٥٩]. وقال: «وأصل ذلك حديث عائشة، فإنها قدمت مكة وهي متمتعة، فأمرها رسول اللَّه - ﷺ - أن تهل بالحج ...»، ١/ ٥٥٩.\nمسألة: إذا أحرم بالحج لم يجز أن يدخل عليه العمرة، فإن أدخلها عليه لم تنعقد، ولم يرد في ذلك إلا شيئًا ضعيفًا [شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٥٦٧ - ٥٦٨]، وكذلك يجوز الإحرام بما أحرم به فلان كما فعل علي - ﵁ -، وسيأتي إن شاء اللَّه في صفة حجة الوداع وفوائدها [انظر: شرح العمدة، لابن تيمية ١/ ٥٧٠].","vol":"1","page":214},{"text":"يحرم بالعمرة والحج جميعًا في أشهر الحج من الميقات قائلًا عند نية الدخول في النسك: «لبيك عمرةً وحجًّا» لحديث أنس - ﵁ - قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - أهلَّ بهما جميعًا: «لبيك عمرة وحجًا، لبيك عمرة وحجًا». وفي لفظ: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لبيك عمرة وحجًّا»، وفي لفظ: «لبيك بعمرة وحجٍّ» (١).\nأو يحرم بالعمرة من الميقات ثم في أثناء الطريق يدخل الحج عليها ويلبي بالحج قبل أن يشرع في الطواف، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم، وسعى سعي الحج، وإن شاء أخَّر سعي الحج بعد طواف الإفاضة، ولا يحلق ولا يقصر ولا يحل إحرامه بل يبقى على إحرامه حتى يحل منه بعد التحلل يوم العيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>٣ - الحج وحده: </span>وهو ما يسمى بـ «الإفراد» (٢) وهو أن يحرم بالحج\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب إهلال النبي - ﷺ - وهديه، برقم ١٨٥١.\n(٢) الإفراد: هو أن يحرم بالحج في أشهره ويفرغ منه ثم يعتمر [شرح النووي على صحيح مسلم،\n٨/ ٢٨٥]، ومقصود النووي ﵀ بقوله: ثم يعتمر: أي من لم يعتمر عمرة الإسلام. أما العمرة بعد الحج مباشرة فلم يفعلها الصحابة، إلا ما ثبت عن عائشة ﵂، فمن كان مثلها فلا بأس بالعمرة بعد الحج.","vol":"1","page":215},{"text":"وحده من الميقات في أشهر الحج قائلًا عند نية الدخول في الإحرام: «لبيك حجًا»؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: «قدمنا مع رسول اللَّه - ﷺ - ونحن نقول: لبيك اللَّهم لبيك بالحج، فأمرنا رسول اللَّه - ﷺ -، فجعلناها عمرة» (١).\nوعمل المفرد كعمل القارن سواء بسواء إلا أن القارن عليه هدي - كالمتمتع - شكرًا لله أن يسر له في سفرةٍ واحدةٍ: عمرةً وحجًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>أما المفرد فليس عليه هدي. والأفضل للقارن وكذا المفرد </span>إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة فيقصر أو يحلق ويكون بهذا متمتعًا كما فعل أصحاب النبي - ﷺ - بأمره في حجة الوداع (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>ويدل على مشروعية هذه الأنساك الثلاثة </span>حديث عائشة ﵂، قالت: «خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - عام حجة الوداع: فمنَّا من أهل بعمرة، ومنَّا من أهل بحجٍّ وعمرة، ومنَّا من أهلَّ بالحجِّ ...» (٣). وفي لفظ لمسلم،\nقالت: خرج علينا رسول اللَّه - ﷺ - فقال: «من أراد منكم أن يهلّ بحجٍّ وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهلَّ بحجٍّ فليهل، ومن أراد أن يهلَّ بعمرة فليُهل» (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب من لبَّى بالحج وسمَّاه، برقم ١٥٧٠.\n(٢) البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، برقم ١٦٥٠، ١٦٥١، ومسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٣) هذا من لفظ البخاري، برقم ١٥٦٢.\n(٤) من لفظ مسلم، برقم ١١٤ - (١٢١١).","vol":"1","page":216},{"text":"وفي لفظٍ للبخاري ومسلم: «من كان معه هدي فليهل بالحجِّ مع العمرة، ثم لا يحلَّ حتى يحلَّ منهما جميعًا ...» (١). وفي رواية لمسلم أن عائشة ﵂ قالت: «خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - لا نذكر إلا الحج حتى جئنا سرف فطمثت (٢)، فدخل عليَّ رسول اللَّه - ﷺ - وأنا أبكي، فقال: «ما يبكيك؟» فقلت: واللَّه لوددت أني لم أكن خرجت العام، قال: «ما لك لعلّكِ نفست؟ (٣») قلت نعم، قال: «هذا شيء كتبه اللَّه على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري». قالت: فلما قدمتُ مكة قال رسول اللَّه - ﷺ - لأصحابه: «اجعلوها عمرة»، فأحلّ الناس إلا\n_________\n(١) من البخاري، برقم ١٥٥٦، ومن مسلم، برقم ١١ - (١٢١١).\n(٢) فطمثت: أي حضت.\n(٣) لعلك نفستِ: أي حضتِ.","vol":"1","page":217},{"text":"من كان معه الهدي، قالت: فكان الهدي مع النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وذوي اليسار ...» (١). وفي لفظ للبخاري قالت: «فلما قدمنا تطوَّفنا بالبيت فأمر النبي - ﷺ - من لم يكن ساق الهدي أن يحلَّ فحلَّ من لم يكن ساق الهدي» (٢).\nقال سماحة شيخنا ابن باز ﵀ على قول عائشة ﵂: «فلما قدمت مكة قال رسول اللَّه - ﷺ - لأصحابه اجعلوها عمرة فأحلّ الناس إلا من كان معه الهدي» (٣). قال ﵀: «وهذا هو الصواب الموافق لرواية غيرها من الصحابة، وأما قولها: «فأما من أهل بحجٍّ أو جمع الحج والعمرة فلم يحلّوا حتى كان يوم النحر» (٤). فهذا إما نسيان منها ﵂ للواقع، أو غلط من بعض الرواة أُدرج في الحديث. واللَّه أعلم» (٥).\nقال ابن قدامة ﵀: «أجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء» (٦)؛لقول عائشة ﵂: «خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنَّا من أهلَّ بالحج ..» (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>أما من وصل الميقات في أشهر الحج </span>وهو لا يريد حجًا وإنما يريد العمرة فلا يقال له متمتع وإنما هو معتمر، وكذا من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج كرمضان وشعبان فهو معتمر فقط (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>ثانيًا: أفضل الأنساك الثلاثة:</span>\nأفضل الأنساك: التمتع، ثم القران لمن ساق الهدي، ثم الإفراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>والتمتع: هو </span>أن يحرم بعمرة من الميقات، في أشهر الحج، ويفرغ منها ويحرم بالحج في عامه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>والتمتع أفضل الأنساك</span>؛ لأن النبي - ﷺ - أمر جميع أصحابه الذين لم\n_________\n(١) من ألفاظ مسلم، برقم ١٢٠ - (١٢١١).\n(٢) اتفق البخاري ومسلم على هذه الروايات: البخاري، كتاب الحج، باب كيف تهلّ الحائض والنفساء، برقم ١٥٥٦، وباب التمتع، والقران، والإفراد بالحج، برقم ١٥٦١، ورقم ١٥٦١، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، برقم ١١١ - (١٢١١).\n(٣) مسلم، برقم ١٢٠ - (١٢١١) وتقدم تخريجه.\n(٤) البخاري، برقم ١٥٦٢، ومسلم، برقم ١١٨ - (١٢١١).\n(٥) حاشية سماحة الشيخ ابن باز على بلوغ المرام، ص ٤٤٣.\n(٦) المغني، ٥/ ٨٢.\n(٧) البخاري، برقم ١٥٦٢، ومسلم، برقم ١١١ - (١٢١١)، وتقدم تخريجه.\n(٨) فتاوى مهمة في الحج والعمرة لابن باز، ص ١٠.","vol":"1","page":218},{"text":"يسوقوا الهدي أن يفسخوا حجهم ويجعلوا إحرامهم عمرة، كما هو ثابت عن جماعة من الصحابة، بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وتأسَّف - ﷺ - على سوقه للهدي الذي كان سببًا لعدم تحلُّله بالعمرة مع أصحابه، فلو لم يكن التمتع أفضل الأنساك لما أمر به أصحابه، ولما تأسف على أنه لم يفعله بقوله (١) - ﷺ -: «... لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة». وفي لفظ: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت». وفي لفظ للبخاري: أن النبي - ﷺ - قال لأصحابه الذين لم يسوقوا الهدي: «أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، ثم أقيموا حلالًا حتى إذا كان يوم التروية فأهلِّوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة». فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمَّينا الحج؛ فقال: «افعلوا ما آمركم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل منِّي حرام حتى يبلغ الهدي محلِّه» ففعلوا (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه تعالى يقول: «والصواب أن التمتع\nأفضل، فالمتمتع أفضل من القارن الذي ساق الهدي» (٣) (٤).\n_________\n(١) أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ١٦٣.\n(٢) متفق عليه من حديث جابر: البخاري، برقم ١٥٥٧،ورقم ١٦٥١،ومسلم برقم ١٢١٨،وتقدم تخريجه.\n(٣) سمعته أثناء تقريره ﵀ على زاد المعاد، ٢/ ١٣٥.\n(٤) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في أفضل الأنساك الثلاثة على ثلاثة أقوال على النحو الآتي:\nالقول الأول: أن الإفراد أفضل، وهو أحد قولي الشافعي، ومذهب الإمام مالك، قال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم أن ممن قال إن الإفراد أفضل من التمتع والقران: مالك وأصحابه، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعائشة، والأوزاعي، وأبو ثور، وداود، واحتج من قال بتفضيل إفراد الحج على غيره بأدلة متعددة» ثم ذكر ﵀ أدلتهم بالتفصيل [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ٥/ ١٢٧ - ١٥٨] وقد أجاد وأفاد ﵀ بذكر أدلة هذا القول ومناقشتها في إحدى وثلاثين صفحة، وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٨٣، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٣٣٤].\nالقول الثاني: أن القران أفضل، وهو مذهب أبي حنيفة ومن وافقه: قال العلامة الشنقيطي ﵀: «وذهب جماعة من أهل العلم، إلى أن القران هو أفضل أنواع النسك، وممن قال بهذا: أبو حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والمزني، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب، واحتج أهل هذا القول بأحاديث كثيرة دالة على أن النبي - ﷺ - كان قارنًا في حجته» ثم ذكر الشنقيطي ﵀ أدلة هذا الفريق وناقشها [أضواء البيان، ٥/ ١٥٨ - ١٦٣].\nومن أدلة هذا الفريق: أن النبي - ﷺ - كان قارنًا، قال الإمام ابن القيم ﵀: «إنما قلنا إنه - ﷺ - أحرم قارنًا لبضعة وعشرين حديثًا صحيحة صريحة في ذلك». [زاد المعاد، ٢/ ١٠٧]، ثم ذكر هذه الأحاديث عن سبعة عشر صحابيًا، وعد أسماء هؤلاء الصحابة بالتفصيل الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ١٦١، ثم قال: «وبالجملة فثبوت كون النبي - ﷺ - كان قارنًا بالأحاديث الصحيحة التي ذكرنا طرفًا منها لا مطعن فيه، وقد قدمنا أن القائلين بأفضلية الإفراد معترفون بقرانه - ﷺ - في حجة الوداع، إلا أنهم جمعوا بين الأحاديث بأنه أحرم أولًا مفردًا ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنًا، والذين قالوا بأفضيلة القران جزموا بأنه - ﷺ - أحرم قارنًا في ابتداء إحرامه، واستدلوا لذلك بأحاديث صحيحة، ومنها حديث عمر - ﵁ - عند البخاري، وفيه: «وقل عمرة في حجة» وكان ذلك بالعقيق قبل إحرامه ...» [أضواء البيان، ٥/ ١٦١ - ١٦٢].\nوقد جاء في بعض الأحاديث أن النبي - ﷺ - كان متمتعًا، ولا منافاة؛ فإن الصحابة كان بعضهم يسمي القران تمتعًا، وقد نقل الإمام ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: «والصواب أن الأحاديث في هذا الباب متفقة وليست بمختلفة، إلا اختلافًا يسيرًا يقع مثله في غير ذلك، فإن الصحابة ثبت عنهم أنه - ﷺ - تمتع، والتمتع عندهم يتناول القران» ثم قال ابن القيم: «فهؤلاء الخلفاء الراشدون: عمر، وعثمان، وعلي، وعمران بن حصين، رُوي عنهم بأصح الأسانيد: أن رسول اللَّه - ﷺ - قرن بين العمرة والحج، وكانوا يسمون ذلك تمتعًا، وهذا أنس يذكر أنه سمع النبي - ﷺ - يلبي بالحج والعمرة» زاد المعاد، ٢/ ١١٨ - ١١٩، ثم ذكر خمسة عشر وجهًا في ترجيح حج النبي - ﷺ - قارنًا. [زاد المعاد، ١٣٣ - ١٣٥].\nالقول الثالث: أن التمتع أفضل الأنساك الثلاثة: وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال: إسحاق، والشافعي في أحد قوليه، وأهل الظاهر [المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم للقرطبي، ٣/ ٣٠٩].\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم أن حجة من قال: بأن التمتع أفضل مطلقًا، ومن قال: بأنه أفضل لمن لم يسق الهدي، وكلاهما مروي عن الإمام أحمد، هي: أن النبي - ﷺ - أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا هديًا أن يفسخوا حجهم في عمرة، كما هو ثابت عن جماعة من الصحابة بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وتأسفه صلوات اللَّه وسلامه عليه على سوقه الهدي، الذي كان سببًا لعدم تحلله بالعمرة معهم، قالوا: لو لم يكن التمتع هو أفضل الأنساك لما أمر به أصحابه، ولما تأسَّف على أنه لم يفعله في قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» [البخاري، برقم ١٥٥٧،ومسلم، برقم ١٢١٨] [أضواء البيان،٥/ ١٦٣].\nوقال العلامة محمد بن مفلح المقدسي ﵀: «وأفضل الأنساك التمتع، ثم الإفراد، ثم القران، قال في رواية صالح وعبد اللَّه الذي يختار المتعة؛ لأنه آخر ما أمر به النبي - ﷺ -، وهو يعمل لكل واحد منهما على حدة، وقال أبو داود ﵀: «ونقل المروذي عن أحمد: إن ساق الهدي فالقران أفضل، ثم التمتع؛ لأن في الصحيحين عن عائشة مرفوعًا: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا» [البخاري، برقم ١٥٦١، ومسلم، برقم ١١١ -\n(١٢١١) [قال]: واختاره شيخنا - يعني ابن تيمية - قال: وإن اعتمر وحج في سفرتين، أو اعتمر قبل أشهر الحج فالإفراد أفضل باتفاق الأئمة الأربعة، نص عليه أحمد في الصورة الأولى» [الفروع لابن مفلح، ٥/ ٣٣٠ - ٣٣٤].\nوقال العلامة الشنقيطي بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في أفضل الأنساك: «الأظهر عندي في المسألة: هو ما اختاره العلامة أبو العباس ابن تيمية ﵀ في منسكه، وهو إفراد الحج بسفر ينشأ له مستقلًا، وإنشاء سفر آخر مستقل للعمرة» [أضواء البيان، ٥/ ١٧١].\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأفضل الأنساك التمتع ... وعنه - يعني الإمام أحمد - إن ساق الهدي فالقران أفضل ... والأول أصح» [الكافي لابن قدامة، ٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣].\nوقال ابن القيم ﵀: «ونقل المروذي: أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل وإن لم يسق فالتمتع أفضل» [زاد المعاد، ٢/ ١٤١].\nولكن سمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ١٤١، معلقًا على كلام ابن القيم هذا، يقول: «والأفضل التمتع لأنه الذي تمنَّاه - ﷺ -، وأمر به أصحابه - ﷺ -، وهو الموافق للسنة القولية والفعلية».\nوقال ابن القيم أيضًا: «ذهب جماعة من السلف والخلف إلى إيجاب القران على من ساق الهدي، والتمتع بالعمرة المفردة على من لم يسق الهدي، منهم ابن عباس ﵄ وجماعة» [زاد المعاد، ٢/ ١١٤].\nوقرر ابن القيم وجوب الفسخ إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي فقال: «ونحن نشهد اللَّه علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة تفاديًا من غضب رسول اللَّه - ﷺ - واتباعًا لأمره» [زاد المعاد، ٢/ ١٨٢].\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على زاد المعاد عند كلام ابن القيم هذا، ٢/ ١٨٢، يرجح أن فسخ الحج إلى العمرة مستحب وليس بواجب، وأنه ينبغي للمسلم أن يفسخ الحج إلى العمرة إن لم يكن معه هدي.\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ١٣٥: «والصواب أن المتمتع أفضل ... من القارن الذي ساق الهدي».\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والقران أفضل من التمتع إن ساق هديًا، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وإن اعتمر وحج في سفرتين، أو اعتمر قبل أشهر الحج فالإفراد أفضل باتفاق الأئمة الأربعة» [الأخبار العلمية، من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ١٧٣].\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وممن روي عنه اختيار التمتع: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وسالم، وعكرمة، وهو أحد قولي الشافعي، وروى المروذي عن أحمد إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتع أفضل» ثم ذكر الأدلة [المغني، ٥/ ٨٢ - ٨٣] وقال المرداوي في الإنصاف (٨/ ١٥١): «وأفضلها التمتع، ثم الإفراد، هذا الصحيح من المذهب، نص عليه مرارًا كثيرة، وعليه جماهير الأصحاب، قال في رواية: عبد اللَّه، وصالح: يختار المتعة؛ لأنه آخر ما أمر به النبي - ﷺ -، وهو من مفردات المذهب، وعنه: إن ساق الهدي فالقران أفضل، ثم التمتع، رواها المروذي، واختارها الشيخ تقي الدين، وقال: هو المذهب، وقال: وإن اعتمر وحج في سفرتين، أو اعتمر قبل أشهر الحج فالإفراد أفضل باتفاق الأئمة الأربعة».\nونقل العلامة ابن عثيمين ﵀ عن شيخ الإسلام: أن التمتع واجب على الصحابة - أي من لم يكن معه هدي - أما غيرهم فالمذهب أن التمتع هو الأفضل ...» [الشرح الممتع، ٧/ ٩١]، ويؤكد قول شيخ الإسلام قول ابن عباس في مناظرته: «أقول لكم قال رسول اللَّه - ﷺ -، وتقولون قال أبو بكر وعمر، يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء» [الإمام أحمد بنحوه، ١/ ٣٣٧، والخطيب في الفقه والمتفقه، ١/ ١٤٥، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٢٣٩، وابن حزم في حجة الوداع، ص ٢٦٨].\nوأما شيخنا ابن باز ﵀، فقد سمعته يرجح أن التمتع أفضل الأنساك لمن لم يكن معه هدي، فالمتمتع أفضل من القارن الذي ساق الهدي سمعت هذا الترجيح أثناء تقريره على زاد المعاد،\n٢/ ١٣٥. وذكر ابن القيم ﵀ ما نقله المروذي عن الإمام أحمد: أنه إذا ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل [زاد المعاد، ٢/ ١٤١] فسمعت شيخنا يقول على كلام المروذي: «والأفضل التمتع لأنه الذي تمناه - ﷺ -، وأمر به أصحابه - ﷺ -، وهو الموافق للسنة القولية والفعلية» [سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ١٤١].\nوانظر: شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٤٣٨ - ٥٥٣، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ١٢٧ - ١٧٢، وزاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ١٠٧ - ١٨٢، والمفهم للقرطبي، ٣/ ٣٠٨، وكتاب الفروع، لابن مفلح، ٥/ ٣٣١ - ٣٤٢، والمغني، لابن قدامة، ٥/ ٨٢ - ١١١، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٨/ ١٥١ - ١٦٦.","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>المبحث الرابع عشر: التلبية: مفهومها، وألفاظها، وحكمها، ووقتها، وفوائدها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>أولًا: مفهومها:</span>\nالتلبية: من لبَّى بمعنى: أجاب، فلفظة «لبيك» مثناة على قول سيبويه والجمهور، وتثنيتها للتكثير، والتكرير: أي إجابة لك بعد إجابة، ولزومًا لطاعتك، وقال الأنباري: ثنُّوا لبيك، كما ثنُّوا حنانيك: أي تحنّنًا بعد تحنُّن، وأصل لبيك: لببتك.\nوقال القاضي عياض: «اختلفوا في معنى لبيك، واشتقاقها:\nفقيل: معناها: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلبُّ دارك: أي تواجهها.\nوقيل: معناها: محبتي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبَّة، إذا كانت محبة لولدها، عاطفة عليه.\nوقيل: معناها: إخلاصي لك مأخوذ من قولهم: حبٌّ لباب، إذا كان خالص محضًا ومن ذلك لب الطعام ولبابه.\nوقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، مأخوذ من قولهم: لبّ الرجل بالمكان، وألبَّ به إذا أقام فيه، قال ابن الأنباري: وبهذا قال الخليل.\nقال القاضي: قيل هذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ﴾.\nوقال إبراهيم الحربي في معنى لبيك: أي قربًا منك وطاعة، والإلباب\nالقرب، وقال أبو نصر: معناه: أنا ملب بين يديك: أي خاضع» (١).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٣٣٧ - ٣٣٨، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٥١، وتهذيب السنن لابن القيم، المطبوع مع مختصر سنن أبي داود للمنذري، ومعالم السنن للخطابي، ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ٤/ ٢٢٢، وفتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٤٠٩.","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>ثانيًا: ألفاظ التلبية:</span>\nثبت عن النبي - ﷺ - ألفاظ في التلبية على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>١ - حديث ابن عمر ﵄: </span>أن رسول اللَّه - ﷺ - كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ فقال: «لبَّيك اللَّهم لبَّيْك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (١). وفي لفظ للبخاري، ومسلم، قال ابن عمر: لا يزيد على هؤلاء الكلمات (٢)، وكان ابن عمر يزيد فيها: «لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل» (٣).\nولفظ أبي داود، وابن ماجه: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك، لبيك، وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل (٤).\nوكان عبد اللَّه بن عمر ﵄ يقول: كان عمر بن الخطاب - ﵁ - يُهلُّ\nبإهلال رسول اللَّه - ﷺ - من هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٤٩، ورقم ٥٩١٤، ومسلم، برقم ١٩ - (١١٨٤) وتقدم تخريجه في منافع الحج.\n(٢) البخاري، برقم ٥٩١٥، ومسلم، برقم ٢١ - (١١٨٤).\n(٣) مسلم، برقم ١٩ - (١١٨٤).\n(٤) أبو داود، برقم ١٨١٢، وابن ماجه، برقم ٢٩١٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٠٩، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٥، وتقدم تخريجه في منافع الحج.\n(٥) مسلم، برقم ٢١ - (١١٨٤) وتقدم تخريجه في منافع الحج.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>٢ - حديث عائشة ﵂ </span>قالت: إني لأعلم كيف كان النبي - ﷺ - يلبي: «لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد، والنعمة لك» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>٣ - حديث عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ </span>- ولفظه كلفظ حديث عائشة، قال: كان من تلبية النبي - ﷺ -: «لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>٤ - حديث جابر بن عبد اللَّه - ﵁ </span>- في صفة حجة النبي - ﷺ - وفيه قال: فأهلَّ بالتوحيد: «لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>٥ - حديث أبي هريرة - ﵁ </span>- قال: كان من تلبية النبي - ﷺ -: «لبيك إله الحق لبيك» (٤).\n٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا\nشريك لك، قال: فيقول رسول اللَّه - ﷺ -: «ويلكم قدقد» (٥). فيقولون: إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت. تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرًا.\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٥٥٠، وتقدم تخريجه في منافع الحج.\n(٢) النسائي، برقم ٢٧٥٠، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٢٧٤، وتقدم تخريجه.\n(٣) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه في منافع الحج.\n(٤) النسائي، برقم ٧٥١، وابن ماجه واللفظ له، برقم ٢٩٢٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٧٤، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٦، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على فتح الباري، ٣/ ٤١٠: «إسناده صحيح عند النسائي مرفوعًا».\n(٥) قدقد: أي اقتصروا على هذا الكلام الذي هو توحيد، ولا تضيفوا إليه الشرك.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>ثالثًا: حكم الزيادة على تلبية النبي - ﷺ </span>-:\nأجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه، وحديث جابر عند مسلم عند الإحرام بالحج أو العمرة، ولكن اختلفوا في الزيادة على تلبية النبي - ﷺ - بألفاظ فيها تعظيم اللَّه، ودعاؤه، ونحو ذلك، فكرِه بعضهم الزيادة على تلبية النبي - ﷺ -، وحكاه ابن عبد البر عن مالك، قال: وهو أحد قولي الشافعي، وقال جماعة آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة عن ابن عمر، وأبيه، وزيادات الصحابة الثابتة، واستحب بعضهم الزيادة المذكورة (١).\nقال الشنقيطي ﵀: «الذي يظهر في هذه المسألة: أن الأفضل هو الاقتصار على لفظ تلبيته - ﷺ - الثابتة في الصحيحين وغيرهما؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢). وهو - ﷺ - يقول: «لتأخذوا عني مناسككم» (٣)، وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها» (٤). للأحاديث الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>١ - ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر </span>أنه كان يزيد في تلبية النبي - ﷺ - الكلمات المذكورة في الحديث سابقًا؛ ولزيادة أمير المؤمنين كما تقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>٢ - ما ثبت في حديث جابر - ﵁ - في صفة حجة النبي - ﷺ </span>-، فقد ذكر تلبية النبي - ﷺ - ثم قال: وأهل الناس بهذا الذي يهلُّون به، فلم يردّ رسول\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٤١٠، وأضواء البيان للشنقيطي، (٥/ ٣٤٣).\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٣) مسلم، برقم ١٢٩٧، ولفظه في صحيح مسلم: «لتأخذوا مناسككم».\n(٤) أضواء البيان، ٥/ ٤٤٣، وانظر: فتح الباري، ٣/ ٤١٠.","vol":"1","page":227},{"text":"اللَّه - ﷺ - شيئًا منه، ولزم رسول اللَّه - ﷺ - تلبيته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>٣ - حديث أنس بن مالك - ﵁ </span>-، فعن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك - ﵁ - وهما غاديان من منى إلى عرفة، كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول اللَّه - ﷺ -؟ فقال: «كان يُهلُّ منَّا المهلُّ فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه». وفي لفظ لمسلم: «... ولا يعيب أحدنا على صاحبه» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>٤ - حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ </span>قال: «غدونا مع رسول اللَّه - ﷺ - من منى إلى عرفات فمنَّا الملبِّي ومنَّا المكبِّر» (٣).\nوهذه الأحاديث تدل على أن بعض أصحاب النبي - ﷺ - يزيدون على لفظ تلبيته - ﷺ - وهو يقرهم على ذلك ولا ينكر عليهم ولزم تلبيته - ﷺ - ومعلوم أن الزيادة على تلبية النبي - ﷺ - لو كان فيها محذور لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبد اللَّه ﵄ (٤).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «المقصود أنه لا بأس أن يزيد في التلبية، كما فعل أنس، وعمر، وابن عمر - ﵃ -، وأقرهم - ﷺ -، ولكن الأفضل تلبيته - ﷺ -؛ لأن النبي - ﷺ - لازمها» (٥).\n_________\n(١) مسلم، من حديث جابر، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة، برقم ١٦٥٩، ومسلم، كتاب الحج، باب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات، في يوم عرفة، برقم ١٢٨٥.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفات في يوم عرفة، برقم ١٢٨٤.\n(٤) أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٤٤، وفتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٥) سمعته ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، ٣/ ٤١٠، ٥١٠.","vol":"1","page":228},{"text":"واختار ابن حجر وغيره أنه إن زاد على تلبية النبي - ﷺ - مما ثبت عن الصحابة أو مما أنشأ هو من قبل نفسه مما يليق؛ فإن الأفضل أن يقوله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، ويفرد ما ثبت عن النبي - ﷺ - (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>رابعًا: حكم التلبية:</span>\nاختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في حكم التلبية، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن في حكم التلبية مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>المذهب الأول: أنها سنة من السنن </span>لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي، وأحمد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>المذهب الثاني: واجبة ويجب بتركها دم</span>، حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من الشافعية، وقال: إنه وجد للشافعي نصًا يدل عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>المذهب الثالث: واجبة</span>، لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج،\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٤١٠ - ٤١١.\n(٢) وقد جاء زيادات عن بعض الصحابة منها ما يأتي:\n١ - عن عمر أنه زاد: «لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك، مرهوبًا ومرغوبًا إليك»، رواه الأثرم وابن المنذر، وابن أبي شيبة [الفروع لابن مفلح، ٥/ ٣٨٩، وشرح العمدة، لابن تيمية، ١/ ٥٨٧].\n٢ - عن أنس أنه زاد: «لبيك حقًا حقًا تعبدًا ورقًا» ذكره ابن قدامة في الكافي، وانظر: مجمع الزوائد، ٣/ ٢٢٣، وأخرجه البزار في كشف الأستار، ٢/ ١٣.\n٣ - لبيك عدد التراب [انظر: شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٥٨٨].\n٤ - لبيك غفار الذنوب لبيك.\n٥ - لبيك ذا المعارج. أحمد في المسند، ١/ ١٧٢، وانظر: شرح العمدة، ١/ ٥٨٨، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٣٨٩.","vol":"1","page":229},{"text":"كالتوجه على الطريق، وهو قول بعض المالكية، وبعض الحنفية، لكن زاد من قال بذلك من الحنفية القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر، كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين، وقال ابن المنذر قال أصحاب الرأي: إن كَبَّر، أو هلَّل، أو سبَّح، ينوي بذلك الإحرام فهو محرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>المذهب الرابع: أنها ركن في الإحرام </span>لا ينعقد بدونها، حكاه ابن عبد البر عن الثوري، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكية، والزبيري من الشافعية، وأهل الظاهر قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة (١).\nوالصواب من أقوال أهل العلم: هو ما ذهب إليه الإمام أحمد، والإمام الشافعي في المذهب الأول من هذه المذاهب المذكورة. وهو أن التلبية سنة، قال شيخنا ابن باز ﵀ في حكم التلبية: «سنة مؤكدة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>خامسًا: أول وقت التلبية:</span>\nالصواب أن أول وقت التلبية، هو أول الوقت الذي يركب فيه مركوبه عند إرادة ابتداء السير؛ لصحة الأحاديث الواردة بأنه - ﷺ - أهلَّ حين استوت به راحلته قائمة، واستوى عليها؛ للأحاديث الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>١ - حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ </span>قال: «ما أهل رسول اللَّه - ﷺ - إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره». وفي لفظ للبخاري: «أهل رسول اللَّه - ﷺ - حين استوت به راحلته قائمة». وفي لفظ للبخاري أيضًا: «كان ابن عمر ﵄ إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا ثم يلبي». وفي لفظ للبخاري أيضًا: أن ابن عمر: «إذا\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٤١١، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٤٩ - ٣٥٠.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٧٥، ٧٦.","vol":"1","page":230},{"text":"استوت به راحلته قائمة أحرم ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه - ﷺ - يفعل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>٢ - حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄: </span>«أن إهلال رسول اللَّه - ﷺ - من ذي الحليفة حين استوت به راحلته» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>٣ - حديث أنس بن مالك - ﵁ </span>- قال: «صلَّى النبي - ﷺ - بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهلّ» (٣). وفي لفظ: «صلى رسول اللَّه - ﷺ - ونحن معه بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء (٤) حمد اللَّه، وسبح، وكبر، ثم أهلَّ بحج وعمرة ...» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>٤ - حديث ابن عباس ﵄ </span>قال: صلى رسول اللَّه - ﷺ - الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>٥ - حديث جابر - ﵁ - في حديثه عن صفة حجة الوداع</span>، وفيه:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٦٦، ١٥١٤، ١٦٠٩، ٢٨٦٥، ٥١٥١، ومسلم، برقم ٢٤ -\n(١١٨٦) وتقدم تخريجه في الإحرام.\n(٢) البخاري، برقم ١٥١٥، وتقدم تخريجه في الإحرام.\n(٣) البخاري، برقم ١٥٤٦، وتقدم تخريجه في الإحرام.\n(٤) البيداء: المفَازة التي لا شيء فيها. [النهاية لابن الأثير، مادة: بيد] ..\n(٥) البخاري، كتاب الحج، باب التحميد والتسبيح، والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة، برقم ١٥٥١.\n(٦) مسلم، برقم ١٢٥ - (١٢٤٣) وتقدم تخريجه في الإحرام.","vol":"1","page":231},{"text":"«... فصلى رسول اللَّه - ﷺ -، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه: من راكب، وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه - ﷺ - بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>٦ - حديث ابن عمر ﵄ </span>قال: «بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول اللَّه - ﷺ - فيها، ما أهل رسول اللَّه - ﷺ - إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره» (٢).\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «ومراد ابن عمر: أن النبي - ﷺ - أهلَّ محرمًا حين استوت به راحلته قائمة، من منزله بذي الحليفة، قبل أن يصل إلى البيداء، ووجه الجمع أنه - ﷺ - ابتداء إهلاله حين استوت به راحلته قائمة، فسمعه قوم، ثم لما استوت به على البيداء أعاد تلبيته فسمعه آخرون لم يسمعوا تلبيته الأولى، فحدَّث كل واحد منهم بما سمع، وقال\nبعضهم: أحرم في مصلاة (٣)، فسمعه بعضهم، ولم يسمعه ابن عمر حتى\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه في الإحرام.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٥٢، ومسلم برقم ١١٨٦، وتقدم تخريجه في الإحرام.\n(٣) حجة من قال: إنه أحرم في مصلاه، قول ابن عباس ﵄: «خرج رسول اللَّه - ﷺ - حاجًا، فلما صلى في مجلسه بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسلًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل، فقالوا: إنما أهل رسول اللَّه - ﷺ - حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول اللَّه - ﷺ -، فلما علا على شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين علا على شرف البيداء وايم اللَّه! لقد أهل في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء. قال سعيد: فمن أخذ بقول ابن عباس أهلَّ في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه» [أبو داود، برقم ١٧٧٠، والحاكم، ٢/ ٥٥٢، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص ١٤٠].\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥١٥ يقول: «أما حديث أنه أوجب بعد صلاته، ثم أوجب عندما استوى على راحلته، ثم عند الاستواء على البيداء فهو ضعيف» وسمعته أيضًا يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ١٥٨: «والصواب أنه لم يهل إلا بعد أن قامت به راحلته، أما حديث إهلاله من الأرض فضعيف، ولو كان الحديث جيدًا لكان شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة، فكيف به وهو ضعيف»، وسمعته رحمه اللَّه تعالى يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٤١: «وأما إهلاله وهو على البيداء فهو تكرار».","vol":"1","page":232},{"text":"استوت به راحلته، وجَزْمُ ابن عمر أنه ما أهل حتى استوت به راحلته يدلّ على أنه علم أنه لم يهل حتى استوت به، فالأحاديث متفقة، ومراد ابن عمر بالإنكار والتكذيب خاص بمن زعم أنه لم يلبِّ قبل وصوله البيداء، وهذا الجمع ذكره ابن حجر عن أبي داود، والحاكم (١) وقال ابن حجر في الفتح (٢): فائدة: البيداء فوق عَلَمي ذي الحليفة لمن صعد من\nالوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره» (٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأكثر نصوص أحمد تدلُّ على أن زمن الإحرام هو زمن التلبية» (٤).\nوقال ﵀ بعد أن ساق أحاديث الإحرام بعد الاستواء على الراحلة قائمة: «فهذه نصوص صحيحة: أنه إنما أهل حين استوت به\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٤٠١.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٣/ ٤٠١.\n(٣) أضواء البيان، ٥/ ٣٤٧.\n(٤) شرح العمدة، في بيان مناسك الحج والعمرة، ١/ ٤٢٢.","vol":"1","page":233},{"text":"راحلته، واستوى عليها، ورواتها مثل: ابن عمر، وأنس، وابن عباس في رواية صحيحة» (١).\nوقال ﵀: «فمن زعم أنه أحرم ولم يلبِّ ثم لبَّى حين استوت به ناقته فهو مخالف لجميع الأحاديث، ولعامة نصوص أحمد» (٢).\nفظهر مما تقدم: أن أول وقت التلبية هو وقت انعقاد الإحرام عند الاستواء على المركوب (٣).\nوهذا هو السنة، وإلا فالصواب أن الإحرام ينعقد بمجحرد النية (٤).\nقال شيخنا ابن باز ﵀: «فلو لم يلبِّ فلا شيء عليه؛ لأن التلبية\nسنة مؤكدة» (٥). وقال: «والواجب أن ينوي بقلبه نسكًا من حج أو عمرة، أو كليهما» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>سادسًا: فضائل التلبية:</span>\nالتلبية لها فضائل عديدةعظيمة، ومنها الفضائل الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>١ - التلبية توحيد، ومن حقق التوحيد دخل الجنة</span>؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ في صفة حج النبي - ﷺ - حجةالوداع، وفيه: أن النبي\n_________\n(١) المرجع السابق، ١/ ٤٢٦.\n(٢) شرح العمدة، ١/ ٤٣٢.\n(٣) انظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٤٧.\n(٤) انظر: شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٤٣٤.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٧٥، ٧٦، ٧٧.\n(٦) المرجع السابق، ١٧/ ٧٧.","vol":"1","page":234},{"text":"- ﷺ - كان معه جمع غفير عند إحرامه من ذي الحليفة، قال جابر: «... ورسول اللَّه - ﷺ - بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>٢ - الملبِّي بحجٍّ أو عمرة يُبشَّر بالجنة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «ما أهلَّ مُهِلٌّ (٢)، ولا كبَّر مكبِّر إلا بُشِّر» قيل: يا رسول اللَّه بالجنة؟ قال: «نعم» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>٣ - التلبية من أفضل الأعمال</span>؛ لحديث أبي بكر الصديق - ﵁ -: أن رسول\nاللَّه - ﷺ - سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «العجُّ والثَّجُّ» (٤)، ولفظ الترمذي: أن رسول اللَّه - ﷺ - سُئل: أيُّ الحجِّ أفضل؟ قال: «العجُّ والثجُّ» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>٤ - الملبِّي في الحج أو العمرة يلبِّي معه الشجر والحجر</span>؛ لعظم شأن التلبية؛ لحديث سهل - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ما من مسلمٍ يُلبِّي إلا لبَّى من عن يمينه وشماله: من حَجَرٍ، أو شجر، أو مَدَرٍ حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا» (٦).\n_________\n(١) مسلم، برقم (١٢١٨)، وتقدم تخريجه في منافع الحج.\n(٢) أهل: رفع صوته بالتلبية: الترغيب والترهيب للمنذري، ٢/ ١٣٨.\n(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط، برقم ١٧٠٦، [مجمع البحرين في زوائد المعجمين، ٣/ ٢١٨]، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٢٤.\n(٤) العجُّ: رفع الصوت بالتلبية. الثجُّ: سيلان دم الهدايا والأضاحي.\n(٥) الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر، برقم ٨٢٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٣١، وابن ماجه، كتاب المناسك باب: التلبية برقم ٢٩٢١.\n(٦) الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر، برقم ٨٢٨، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب التلبية، برقم ٢٩٢١، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٤٣١، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ١٦، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٢٢.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>٥ - التلبية من شعار الحجِّ</span>؛ لحديث زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «جاءني جبريل، فقال: يا محمد مُر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعار الحج» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>سابعًا: رفع الصوت بالتلبية سنة للرجال:</span>\nجاء في رفع الصوت بالتلبية أحاديث منها، الآحاديث الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>١ - حديث خلاّد بن السائب بن خلاّد عن أبيه</span>، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال\nبالتلبية» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>٢ - حديث زيد بن خالد الجهني </span>قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «جاءني جبريل فقال: يا محمد مُر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعار الحج» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>٣ - حديث أنس - ﵁ </span>- قال: «صلَّى النبي - ﷺ - بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا» (٤).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب رفع الصوت بالتلبية، برقم ٢٩٢٣، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٧، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٣٠.\n(٢) الترمذي، كتاب الحج، باب رفع الصوت بالتلبية، برقم ٨٢٩، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب رفع الصوت بالتلبية، برقم ٢٩٢٦، وأبو داود، كتاب المناسك، باب كيفية التلبية، برقم ١٨١٤، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٤٣٣، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ١٦.\n(٣) ابن ماجه، برقم ٢٩٢٣، وتقدم تخريجه في فضائل التلبية.\n(٤) البخاري، برقم ١٥٤٨، وتقدم تخريجه في أول وقت التلبية.","vol":"1","page":236},{"text":"قال البخاري - ﵀ - في ترجمة هذا الحديث: «باب رفع الصوت بالإهلال» ونقل ابن حجر: أن الإهلال هنا: رفع الصوت بالتَّلبية، وقوله: «يصرخون بهما جميعًا» أي: بالحج والعمرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>٤ - حديث أبي بكر الصديق - ﵁ </span>-، وفيه: أن رسول اللَّه - ﷺ - سُئل: أي الحج أفضل؟ قال: «العجُّ والثج» (٢). والعجّ: هو رفع الصوت بالتلبية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>ثامنًا: خفض الصوت بالتلبية للنساء:</span>\nالسنة للمرأة أن تخفض صوتها بالتلبية، ولا ينبغي لها رفع الصوت\nبالتلبية، كما عليه جماهير أهل العلم (٣).\nقال الإمام ابن عبد البر ﵀: «وأجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تُسمع نفسها، فخرجت من جملة ظاهر الحديث، وخُصَّت بذلك، وبقي الحديث في الرجال» (٤).\nوالمقصود بالحديث المشار إليه: الأمر برفع الصوت في التلبية.\nقال العلامة الشنقيطي - ﵀ -: «وقال الرافعي في شرحه الكبير: وإنما يستحب الرفع في حق الرجل، ولا يرفع بحيث يجهد ويقطع صوته، والنساء تقتصرن على سماع أنفسهن» (٥).\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٤٠٨.\n(٢) الترمذي، برقم ٨٢٧، وابن ماجه، برقم ٢٩٢١، وتقدم تخريجه في فضائل التلبية.\n(٣) أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٥٢.\n(٤) التمهيد لابن عبد البر، ١٧/ ٢٤٢، وانظر: الاستذكار، لابن عبد البر، ١١/ ١٢٢، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٨/ ٢١٨.\n(٥) أضواء البيان للشنقطي، ٥/ ٣٥٢.","vol":"1","page":237},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وأما المرأة فيستحب لها أن تسمع رفيقتها. قال أحمد في رواية حرب: تجهر المرأة بالتلبية ما تُسمع زميلتها؛ لما روى سليمان بن يسار «أن السنة عندهم أن المرأة لا ترفع الصوت بالإهلال» (١).\nوعن عطاء أنه كان يقول: «يرفع الرجال أصواتهم بالتلبية، فأما المرأة فإنها تسمع نفسها ولا ترفع صوتها» (٢) (٣).\nوقال العلامة ابن عثيمين - ﵀ -: «تسر بها لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما أنها مأمورة إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن تُصفِّق؛ لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة وإن لم يكن عورة يخشى منه الفتنة؛ ولهذا نقول: المرأة تلبِّي سرًا بقدر ما تسمع رفيقتها ولا تعلن» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>تاسعًا: سبب التلبية:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وسبب التلبية ومعناها على ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله - ﷿ - (٥):\n_________\n(١) رواه سعيد بن منصور كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال محقق شرح العمدة: أورده المحب الطبري في القرى، ص ١٧٣، وقال: أخرجه سعيد بن منصور.\n(٢) رواه سعيد بن منصور، كما ذكر شيخ الإسلام في شرح العمدة، ١/ ٥٩٧، وقال محقق شرح العمدة: أورده المحب الطبري في القرى، ص ١٧٣، وقال أخرجه سعيد بن منصور.\n(٣) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، لابن تيمية، ١/ ٥٩٧.\n(٤) الشرح الممتع، ٧/ ١٢٨.\n(٥) المرجع السابق، ٧/ ١٢٧.","vol":"1","page":238},{"text":"﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (١). قال: لما بنى إبراهيم البيت أوحى اللَّه إليه: أن أذن في الناس بالحج، قال: فقال إبراهيم: ألا إن ربكم قد اتخذ بيتًا وأمركم أن تحجوه، فاستجاب له ما سمعه من شيء: من حجرٍ، وشجرٍ، وأكمةٍ، أو تراب، أو شيء: لبيك اللَّهم لبيك» (٢).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقال ابن عبد البر قال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج. انتهى، وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم،\nبأسانيدهم في تفاسيرهم عن: ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد، والأسانيد إليهم قوية، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في مسنده، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه عنه قال: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج، قال ربِّ وما يبلغ صوتي، قال: أذِّن وعليَّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبُّون» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>عاشرًا: فوائد التلبية:</span>\nاشتملت التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة منها الفوائد الآتية:\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٢٧.\n(٢) أخرجه الطبري بإسناده، في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١٨/ ٦٠٦.\n(٣) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٤٠٩، وانظر: جامع البيان للطبري، ١٨/ ٦٠٦، وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٥٧٨.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>الفائدة الأولى: أن قولك: لبيك يتضمن إجابة داعٍ دعاك</span>، ومنادٍ ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>الفائدة الثانية: أن التلبية تتضمن المحبة</span>، ولا يقال: لبيك إلا لمن تحبه وتعظِّمه؛ ولهذا قيل في معناها: أنا مواجه لك بما تحب، وأنها من قولهم: امرأة لبة: أي محبة لولدها؛ ولهذا جاء في أحاديث كثيرة أن عددًا من أصحاب النبي - ﷺ - إذا ناداهم النبي - ﷺ - قال أحدهم لبيك يا رسول اللَّه، ومنها أنه - ﷺ - قال: «يا معاذ بن جبل» قال: لبيك يا رسول اللَّه وسعديك ...» (١).\nوفي حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: «يا أبا هريرة؟» فقلت: لبيك يا رسول اللَّه وسعديك» (٢).\nوفي حديث أبي ذر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال له: «يا أبا ذر؟» قال: قلت: لبيك وسعديك يا رسول اللَّه» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>الفائدة الثالثة: أنها تتضمن دوام العبودية</span>؛ ولهذا قيل: هي من الإقامة: أي أنا مقيم على طاعتك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>الفائدة الرابعة: أنها تتضمن الخضوع والتذلُّل لله وحده: </span>أي خضوعًا بعد خضوع، من قولهم: أنا ملب بين يديك: أي خاضع ذليل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>الفائدة الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص</span>؛ ولهذا قيل: إنها من اللبِّ،\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، برقم ١٢٨، ١٢٩، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة برقم ٣٢.\n(٢) البخاري، كتاب الأطعمة، باب قول اللَّه تعالى: ﴿كُلُوْا مَنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْناكُم﴾ [البقرة: ١٧٢] برقم ٥٣٧٥.\n(٣) البخاري، كتاب الاستئذان، باب من أجاب بلبيك وسعديك، برقم ٦٢٦٨.","vol":"1","page":240},{"text":"وهو الخالص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>الفائدة السادسة: أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى</span>، إذ يستحيل أن يقول المسلم لبيك لمن لا يسمع دعاه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>الفائدة السابعة: أنها تتضمن التقرب من اللَّه</span>؛ لهذا قيل: إنها من الإلباب، وهو التقرب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>الفائدة الثامنة: أنها جعلت في الإحرام شعارًا </span>للانتقال من حال إلى حال، ومن منسك إلى منسك، كما جعل التكبير في الصلاة سبعًا؛ للانتقال من ركن إلى ركن؛ ولهذا كانت السنة أن يلبِّي حتى يشرع في الطواف،\nفيقطع التلبية، ثم إذا سار لبَّى حتى يقف بعرفة فيقطعها، ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها، ثم يُلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها (١)، فالتلبية شعار الحج، والتنقل في أعمال المناسك، فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال: «لبيك اللَّهم لبيك» كما أن المصلِّي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن: «اللَّه أكبر» فإذا حل من نسكه قطعها، كما يكون سلام المصلِّي قاطعًا لتكبيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>الفائدة التاسعة: أنها شعار التوحيد: </span>ملة إبراهيم، الذي هو روح الحج ومقصده، بل روح العبادات كلها، والمقصود منها؛ ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>الفائدة العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة</span>، وباب الإسلام الذي\n_________\n(١) انظر: تهذيب السنن لابن القيم ٢/ ٢٣٥ - ٢٤٠، وقطع التلبية في عرفة، وفي مزدلفة، وفي الطواف يحتاج إلى نظر كما سيأتي في الكلام على التلبية في الطواف.","vol":"1","page":241},{"text":"يدخل منه إليه، وهو كلمة الإخلاص، والشهادة لله بأنه لا شريك له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>الفائدة الحادية عشرة: أنها مشتملة على الحمد لله </span>الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى اللَّه، وأول ما يُدعى إلى الجنة أهله، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>الفائدة الثانية عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلِّها</span>؛ ولهذا عرَّفها باللام المفيدة للاستغراق: أي النعم كلها لك، وأنت موليها والمنعم بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>الفائدة الثالثة عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله\nوحده</span>، فلا ملك على الحقيقة لغيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>الفائدة الرابعة عشرة: أن هذا المعنى مؤكد الثبوت </span>بإنَّ المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>الفائدة الخامسة عشرة: في «إنَّ» وجهان: فتحها وكسرها:</span>\nفالفتح يتضمن معنى التعليل، فمن فتحها فالمعنى: لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك.\nوالكسر تكون به جملة مستقلة مستأنفة، تتضمن ابتداء الثناء على اللَّه، فمن قال: «إنَّ» فقد عمَّ، ومن قال: «أنَّ» بالفتح فقد خصَّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>الفائدة السادسة عشرة: أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك</span>، والنعمة، والحمد لله - ﷿ -، وهذا نوع آخر من الثناء عليه غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العليَّة، فاجتماع الملك والحمد، من أعظم الكمال، والملك وحده كمال، والحمد كمال، واقتران أحدهما بالآخر كمال،","vol":"1","page":242},{"text":"فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمِّنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعي إلى محبته كان في ذلك: من العظمة، والكمال، والجلال، ما هو أولى به، وهو أهل له، وكان في ذكر العبد له ومعرفته له من انجذاب قلبه إلى اللَّه وإقباله عليه، والتوجّه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولُبِّها، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>الفائدة السابعة عشرة: أن النبي - ﷺ - قال: «... وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: </span>لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على\nكل شيء قدير» (١).\nوقد اشتملت التلبية على هذه الكلمات بعينها، وتضمنت معانيها، وقوله - ﷺ -: «وهو على كل شيء قدير» تدخل تحت قوله - ﷺ - في التلبية: «لا شريك لك» وكذلك تحت قوله - ﷺ -: «إن الحمد والنعمة لك»، وكذلك تدخل تحت إثبات الملك له تعالى، فالملك كله له، والحمد كله له، وليس له شريك بوجه من الوجوه، فهو الذي على كل شيء قدير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>الفائدة الثامنة عشرة: أن كلمات التلبية متضمنة للردِّ على كلِّ مبطل في صفات اللَّه وتوحيده</span>؛ فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد؛ فهو سبحانه محمود لذاته، وصفاته، ولأفعاله، فمن جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده، وكلمات التلبية\n_________\n(١) الترمذي، برقم ٣٥٨٥، وأوله «خير الدعاء دعاء يوم عرفة» وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٤٧٢، وتقدم تخريجه في فضائل الحج والعمرة.","vol":"1","page":243},{"text":"كذلك مبطلة لقول مجوس الأمة: القدرية الذين أخرجوا عن ملك الرب وقدرته أفعال عباده من الملائكة، والجن، والإنس، فلم يثبتوا له عليها قدرة، ولا جعلوه خالقًا لها ... فمن علم معنى هذه الكلمات في التلبية، وشهدها، وأيقن بها، باين (١) جميع الطوائف المعطلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>الفائدة التاسعة عشرة: في عطف الملك على الحمد والنعمة </span>بعد كمال الخبر وهو قوله - ﷺ -: «إن الحمد والنعمة لك والملك» ولم يقل: إن الحمد\nوالنعمة والملك لك، لطيفة بديعة، وهي أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين؛ فإنه لو قال: إن الحمد والنعمة والملك لك، كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد على مفرد، فلما تمت الجملة الأولى بقوله: «لك» ثم عطف الملك كان تقديره: والملك لك، فيكون مساويًا لقوله: «له الملك وله الحمد» ولم يقل: له الملك والحمد، وفائدته تكرار الحمد في الثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>الفائدة العشرون: لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر</span>، كان فيه إشعار في اقترانهما وتلازمهمها، وعدم مفارقة أحدهما للآخر، فالإنعام والحمد قرينان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>الفائدة الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة بأنه لا شريك له</span>، لطيفة، وهي أنه أخبر أنه لا شريك له عقب إجابته بقوله: «لبيك» ثم أعادها عقب قوله: «إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» وذلك يتضمن أنه لا شريك له في: الحمد، والنعمة، والملك، والأول يتضمن أنه لا شريك له في إجابة هذه الدعوة، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ\n_________\n(١) باين: أي خالفهم في مذهبهم، وفارقهم ولم يكن منهم.","vol":"1","page":244},{"text":"لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١). فأخبر بأنه لا إله إلا هو في أول الآية، وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته، وأولي العلم، وهذا هو المشهود به، ثم أخبر عن قيامه بالقسط، وهو: العدل، فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط» (٢).\nولا شك أن الاهتمام بمعرفة معنى التلبية، ومعرفة هذه الفوائد التي تضمنتها التلبية تعين العبد المسلم على القيام بعبادة الحج والعمرة والتقرب إلى اللَّه بقول هذه الكلمات على أحسن وجه وأكمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>الحادي عشر: مواطن التلبية:</span>\nالتلبية مشروعة من حين الإحرام إلى الشروع في الإحلال من الإحرام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: «وتشرع التلبية من حين الإحرام إلى الشروع في الإحلال، ففي الحج يلبِّي إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة، وفي العمرة إلى أن يشرع في الطواف» (٣).\nقال العلامة الشنقيطي - ﵀ -: «اعلم أنه يستحب الإكثار من التلبية في دوام الإحرام، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط، وحدوث أمر: من ركوب، أو نزول، أو اجتماع رفاق، أو فراغ من صلاة، وعند إقبال الليل والنهار، ووقت السحر، وغير ذلك من تغاير\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨.\n(٢) تهذيب السنن لابن القيم ﵀، ٢/ ٢٣٥ - ٢٤٠ بتصرف.\n(٣) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، ١/ ٦٠٩.","vol":"1","page":245},{"text":"الأحوال، وعلى هذا أكثر أهل العلم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>الثاني عشر: التلبية في حال طواف القدوم والسعي بعده:</span>\nاختلف العلماء - رحمهم اللَّه تعالى - في استحباب التلبية في حال طواف القدوم والسعي بعده على قولين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>القول الأول: لا يلبي في طواف القدوم والسعي بعده</span>، وبه قال: مالك\nوأصحابه، وهو الجديد الصحيح من قولي الشافعي، وقال ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يُقتدى به يُلبِّي حول البيت إلا عطاء بن السائب، وذكر أبو الخطاب أنه لا يلبِّي، وعللوا ذلك؛ لأنه مشتغل بذكر يخصه، فكان أولى، وقد روى الإمام مالك في الموطأ: أن عبد اللَّه بن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم، حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يُلبِّي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>القول الثاني: لا بأس بالتلبية في طواف القدوم</span>، وبه قال ابن عباس، وربيعة بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب، وابن أبي ليلى، وداود، وأحمد، وقد روي عن عبد اللَّه بن عمر خلاف قوله في القول الأول، فقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق ابن سيرين عن ابن عمر أنه كان إذا طاف بالبيت لبى (٣)، وهو قول للشافعي، قال ابن قدامة مُرجِّحًا هذا القول: «ولنا، أنه زمنُ التلبية فلم يكره له، كما لو لم يكن حول البيت، ويمكن الجمع بين التلبية والذكر المشروع في الطواف، ويكره له رفع الصوت في التلبية؛\n_________\n(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ٥/ ٣٥٣ - ٣٥٤، وانظر: الفروع لابن مفلح، ٥/ ٣٩٠، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٨/ ٢١٧.\n(٢) موطأ الإمام مالك، كتاب الحج، باب قطع التلبية، ١/ ٣٣٨.\n(٣) مصنف ابن أبي شيبة، ٣/ ٦٨١.","vol":"1","page":246},{"text":"لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم وأذكارهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>الثالث عشر: التلبية في مواضع النسك:</span>\nسبق الخلاف في التلبية في طواف القدوم والسعي، وأما غير ذلك فقال العلامة الشنقيطي - ﵀ -: «اعلم أنه لا خلاف بين من يُعتد\nبه من أهل العلم أن المحرم يلبِّي في المسجد الحرام، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد نمرة بقرب عرفات؛ لأنها مواضع نسك، واختلفوا في التَّلبية فيما سوى ذلك من المساجد، وأظهر القولين عندي أنه يُلبِّي في كل مسجد، إلا أنه لا يرفع صوته رفعًا يشوش على المصلين، والعلم عند اللَّه تعالى» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>الرابع عشر: قطع التلبية إذا شرع المعتمر في الطواف وإذا رمى الحاج جمرة العقبة:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وتشرع التلبية من حين\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٥/ ١٠٧، وانظر: المقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٨/ ٢١٧، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٥٥.\n(٢) أضواء البيان، ٥/ ٣٥٦.\n(٣) قال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٣٥٦: «أظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرم يلبِّي في كل مكان، في الأمصار، وفي البراري، ونقل النووي عن العبدري أنه قال به أكثر الفقهاء. خلافًا لمن قال: التلبية مسنونة في الصحاري، ولا يعجبني أن يلبي في المصر، والعلم عند اللَّه تعالى». قلت: يعني الإمام أحمد كما ذكره ابن مفلح في الفروع، ٥/ ٣٩١. قال: «والمنقول عن أحمد: إذا أحرم في مصره، لا يعجبني أن يلبي حتى يبرز؛ لقول ابن عباس لمن سمعه يلبي في المدينة: إن هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزت». [وقال المحقق للفروع: أخرجه أحمد في مسائله برواية أبي داود، ٩٩]، وأما عبارة ابن قدامة في المغني، ٥/ ١٠٦: فقال «ولا يستحب رفع الصوت بالتلبية في الأمصار ولا في مساجدها، إلا في مكة والمسجد الحرام ... وهذا قول مالك، وقال الشافعي: يلبي في المساجد كلها ويرفع صوته أخذًا من عموم الحديث».","vol":"1","page":247},{"text":"الإحرام إلى الشروع في الإحلال، ففي الحج يلبِّي إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة، وفي العمرة إلى أن يشرع في الطواف، قال أحمد: الحاج يُلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، وفي رواية يقطع عند أول حصاة، وقال في رواية الجماعة في المعتمر يقطع التلبية إذا استلم الركن. وهذا هو المذهب» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>وأما قطع التلبية في الحج إذا رمى جمرةالعقبة</span>؛ فلحديث عبد اللَّه بن عباس ﵄: أن أسامة - ﵁ - كان رِدْفَ رسول اللَّه - ﷺ - من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: «لم يزل النبي - ﷺ - يُلبِّي حتى رمى جمرة العقبة» (٢).\nوفي لفظ عن ابن عباس ﵄: «أن رسول اللَّه - ﷺ - أردف الفضل، فأخبر الفضل: أنه لم يزل يُلبي حتى رمى الجمرة» (٣).\nوفي لفظ عن ابن عباس ﵄ عن الفضل: «أن رسول اللَّه - ﷺ - لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة» (٤) (٥).\n_________\n(١) شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١/ ٦٠٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الركوب والإرداف في الحج، برقم ١٥٤٣، ١٥٤٤، وباب التلبية والتكبير غداة النحر حتى يرمي الجمرة، والإرداف في السير، برقم ١٦٨٦، ١٦٨٧. ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر، برقم ١٢٨١، ١٢٨٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب التلبية والتكبير غداة النحر، برقم ١٦٨٥، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب إدامة التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر، برقم ١٢٨٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب النزول بين عرفة وجمع، برقم ١٦٧٠، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب إدامة التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر، برقم ١٢٨١.\n(٥) قال الإمام النووي ﵀: «قوله لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» دليل على أنه يستديم التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة غداة يوم النحر، وهذا مذهب الشافعي، وسفيان، والثوري، وأبي حنيفة، وأبي ثور، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين، وفقهاء الأمصار، ومن بعدهم.\nوقال الحسن البصري: يلبي حتى يصلي الصبح يوم عرفة ثم يقطع.\nوحُكي عن علي وابن عمر، وعائشة، ومالك، وجمهور فقهاء المدينة أنه يلبي حتى تزول الشمس يوم عرفة، ولا يلبي بعد الشروع في الوقوف.\nوقال أحمد، وإسحاق، وبعض السلف: يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة.\nودليل الشافعي والجمهور هذا الحديث الصحيح مع الأحاديث بعده، ولا حجة للآخرين في مخالفتها، فيتعين اتباع السنة» [شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ٣١].\nوانظر أيضًا: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٤٧، فقد قال: «وإذا عرفت مما ذكرنا أول وقت التلبية، وأنه وقت انعقاد الإحرام، فاعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل: أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم: حتى ينتهي رميه إياها»، مما يدل على أن التلبية يديمها الحاج في عرفات، ومزدلفة وغير ذلك حتى يرمي جمرة العقبة، حديث عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -، فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد اللَّه ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام: «لبيك اللَّهم لبيك». وفي لفظ: أن عبد اللَّه بن مسعود لبَّى حين أفاض من جمع، فقيل: أعرابي هذا؟ فقال عبد اللَّه: أنسي الناس أم ضلوا؟ سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: «لبيك اللَّهم لبيك». وفي لفظ عن عبد الرحمن بن يزيد والأسود بن يزيد قالا: سمعنا عبد اللَّه بن مسعود يقول بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة هاهنا يقول: «لبيك اللَّهم لبيك» ثم لبَّى ولبينا معه» [مسلم، كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، برقم ١٢٨٣]، قال النووي ﵀ في شرحه على صحيح مسلم، ٩/ ٣٢: «فيه دليل على استحباب إدامة التلبية بعد عرفات، وهو مذهب الجمهور كما سبق».\nوقال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٣٤٨: «وإذا علمت الصحيح الذي دلت عليه النصوص، فاعلم أن في وقت انتهاء التلبية مذاهب للعلماء غير ما ذكرنا:\nفقد روي عن سعد بن أبي وقاص، وعائشة أنه يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف.\nوعن علي، وأم سلمة أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة، وهذا قريب من قول سعد وعائشة.\nوكان الحسن يقول: يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة.\nوروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة، فإذا غدا ترك التلبية، وكان يترك [التلبية] في العمرة إذا دخل الحرم» ثم قال: «والتحقيق أنه لا يقطعها إلا إذا رمى جمرة العقبة، لدلالة حديث الفضل ابن عباس الثابت في الصحيح على ذلك دلالة واضحة، ودلالة حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح على تلبية النبي - ﷺ - بمزدلفة أيضًا، ولم يثبت في كتاب اللَّه ولا سنة نبيه - ﷺ - شيء يخالف ذلك، والعلم عند اللَّه تعالى» [أضواء البيان ٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩]، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٣٣.\nوالخلاصة: أن التلبية لا تقطع إلا إذا رمى الحاج جمرة العقبة؛ لحديث الفضل، وأسامة، فإذا شرع في الرمي بأول حصاة قطع التلبية؛ لحديث عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - قال: «رمقت النبي - ﷺ - فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة» [ابن خزيمة، ٤/ ٢٨١، والبيهقي في السنن الكبرى، ٥/ ١٣٧، وقال الألباني في تخريج سنن ابن خزيمةـ ٤/ ٢٨١: «إسناده صحيح لغيره».\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٣٤٨: «ومن القرائن الدالةعلى ذلك: ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة، فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة؛ لتتابع رمي الحصيات».\nولكن أخرج الإمام ابن خزيمة ﵀ بسنده عن ابن عباس ﵄ عن أخيه الفضل - ﵁ - قال: «أفضت مع النبي - ﷺ - في عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة» [صحيح ابن خزيمة، ٤/ ٢٨٢، برقم ٢٨٨٧، وقال الألباني في هذا الموضع: إسناده صحيح من طريق ابن عباس، وليس فيه ثم قطع التلبية مع آخرها، السنن الكبرى للبيهقي، ٥/ ١٣٧ من طريق ابن خزيمة مثله، قال البيهقي، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة: هذه زيادة غريبة، وانظر فتح الباري].\nقال الإمام ابن خزيمة، ٤/ ٢٨٢: «فهذا الخبر يصرح أنه قطع التلبية مع آخر حصاة لا مع أولها». قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٣٤٨: «وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا ينبغي العدول عنها».\nوذكر الإمام الشوكاني أن من قال أن التلبية تستمر إلى رمي جمرةالعقبة اختلفوا هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي، فذهب جمهورهم إلى الأول [أي يقطعها مع رمي أول حصاة] وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم ما روى ابن خزيمة ... وساق الحديث، ثم قال الشوكاني: «والأمر كما قال ابن خزيمة؛ فإن هذه زيادة مقبولة، خارجة من مخرج صحيح غير منافية للمزيد، وقبولها متفق عليه كما قرر في الأصول». [نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٣٠٦]. وسمعت شيخنا ابن باز يقول ﵀ أثناء تقريره على فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٣٣: «حديث ابن خزيمة هذا فيه نظر؛ لأنه انفرد به والتلبية تقطع عند الرمي لأول حصاة».","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>وأما قطع التلبية في العمرة إذا شرع في الطواف</span>؛ فلما رُوي في حديث ابن عباس ﵄ (١)، ولما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن\nجده (٢).\n_________\n(١) حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «يُلبي المعتمر حتى يستلم الحجر» [أبو داود، كتاب المناسك، باب متى يقطع المعتمر التلبية، برقم ١٨١٧، قال أبو داود: رواه عبد الملك بن أبي سليمان، وهمام عن عطاء عن ابن عباس موقوفًا. وأخرجه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء متى يقطع التلبية بلفظ: عن عطاء عن ابن عباس قال يرفع الحديث: «إنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر» برقم ٩١٩، ولكن الحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص ١٤٤، وفي ضعيف سنن الترمذي، ص ٩٩، قال الألباني: «والصحيح موقوف على ابن عباس» وانظر: إرواء الغليل، برقم ١٠٩٩، وقال العلامة عبد المحسن بن حمد العباد في كتابه تبصير الناسك، ص ٩٠: «صح ذلك عن ابن عباس في سنن البيهقي، ٥/ ١٠٤».\n(٢) أحمد في المسند، ١١/ ٢٧٨، برقم ٦٦٨٥، ورقم ٦٦٨٦، وذكر محققو المسند بعض شواهده وطرقه، وقالوا: «حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف، الحجاج: هو ابن أرطاة - مدلس، وقد عنعن».\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «قال أبو عبد اللَّه: يقطع التلبية إذا استلم الركن، وهو معنى قول الخرقي: «إذا وصل إلى البيت» وبهذا قال ابن عباس، وعطاء، وعمرو بن ميمون، وطاوس، والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\nوقال ابن عمر، وعروة، والحسن: يقطعها إذا دخل الحرم.\nوقال سعيد بن المسيب: يقطعها حين يرى عرش مكة [أي بيوتها القديمة] وحُكي عن مالك: أنه إن أحرم من الميقات قطع التلبية إذا وصل الحرم، وإن أحرم بها من أدنى الحل قطع التلبية حين يرى البيت». قال ابن قدامة ﵀: «ولنا ...» ثم استدل بحديث ابن عباس، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ثم قال: «... ولأن التلبية إجابة إلى العبادة، وإشعار للإقامة علهيا، وإنما يتركها إذا شرع فيما ينافيها، وهو التحلل منها، والتحلل يحصل بالطواف، والسعي، فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل، فينبغي أن يقطع التلبية، كالحج إذا شرع في رمي جمرة العقبة؛ لحصول التسلسل بها، وأما قبل ذلك فلم يشرع فيما ينافيها، فلا معنى لقطعها واللَّه تعالى أعلم». [المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٥٦].","vol":"1","page":251},{"text":"قال الترمذي ﵀ في آخر حديث ابن عباس: «حديث ابن عباس حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر (١).\n_________\n(١) سنن الترمذي، إثر الحديث برقم ٩١٩، وتمامه: وقال بعضهم: إذا انتهى إلى بيوت مكة قطع التلبية، والعمل على حديث النبي - ﷺ -، وبه يقول: سفيان، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>المبحث الخامس عشر: محظورات الإحرام</span>\nالحظر: المنع والحجر، وحظر الشيء: أي منعه (١).\nومحظورات الإحرام: هي ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>المحظور الأول: حلق الرأس، ويُلحق به سائر شعر البدن</span>، بلا عذر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢). وهذا نص على حلق الرأس، ويقاس عليه سائر شعر البدن.\nوأيضًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٣). وقد فُسِّر قضاء التفث بقضاء ما عليهم من مناسكهم: من رمي الجمار، وحلق الشعر، ووضع الإحرام، والأخذ من الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، وذبح الذبيحة، ولبس الثياب، وما هم عليه في الحج، وأمر الحج كله، والعلم عند اللَّه تعالى (٤).\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «وعلى هذا التفسير فالآية تدل على: أن الأظفار كالشعر بالنسبة للمحرم، ولاسيما أنها معطوفة بثم على نحر الهدايا؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ\nمَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾، والمراد بذكر اسمه على ما\n_________\n(١) القاموس المحيط، ص ٨٢، وشرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ١٥.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٢٩.\n(٤) انظر: جامع البيان للطبري، ١٨/ ٦١٢ - ٦١٤، وتفسر القرآن العظيم، لابن كثير، ١٠/ ٤٨، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٤٠٤.","vol":"1","page":253},{"text":"رزقهم من بهيمة الأنعام: التسمية عند نحر الهدايا، والضحايا، ثم رتب على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، فدل على أن الحلق، وقص الأظفار ونحو ذلك ينبغي أن يكون بعد النحر، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد بين النبي - ﷺ - أن من حلق قبل أن ينحر لا شيء عليه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>المحظور الثاني: تقليم الأظفار من اليدين أو الرجلين بلا عذر</span>؛ لأنه إزالة جزء من بدنه تحصل به الرفاهية.\nفأشبه إزالة الشعر، إلا إذا انكسر ظفره وتأذَّى به فلا بأس أن يزيل المؤذي منه فقط ولا شيء عليه. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وأجمعوا على أن له أن يزيل عن نفسه ما كان منكسرًا منه» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>المحظور الثالث: تعمُّد تغطية الرأس للرجل</span>، وكذلك الوجه على الصحيح للرجل بملاصق كالعمامة والغترة، والطاقية، وشبهها، أما غير المتصل الملاصق كالخيمة والشمسية، وسقف السيارة فلا بأس؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه\nعنهما قال: قام رجل فقال: يا رسول اللَّه ما تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي - ﷺ -: «لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم،\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٤٠٤.\n(٢) الإجماع، لابن المنذر، ص ٦٤، ونقل هذا الإجماع عن ابن المنذر الإمام ابن قدامة في المغني،\n٥/ ١٤٦، والشرح الكبير، ٨/ ٢٢٢.\n(٣) انظر: المغني، لابن قدامة، ٥/ ١٤٦، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٨/ ٢٢٢، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٤٠١ - ٤٠٥، وشرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٥ - ٨.","vol":"1","page":254},{"text":"ولا البرانس (١) [ولا الخفاف] إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين، وليقطع أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا [من الثياب] شيئًا مسَّه زعفران أو ورسٌ] (٢) ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القُفَّازين» (٣).\nأما جواز الاستظلال؛ فلحديث أم الحصين قالت: «حججت مع رسول اللَّه - ﷺ - حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرةالعقبة، وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلالٌ وأُسامة، أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافعٌ ثوبه على رأس رسول اللَّه - ﷺ - من الشمس قالت: فقال رسول اللَّه - ﷺ - قولًا كثيرًا، ثم سمعته يقول: «إن أُمِّر عليكم عبد مجدَّع (٤) [حسبتها قالت] أسودُ يقودكم بكتاب اللَّه تعالى فاسمعوا له وأطيعوا» وفي لفظ قالت: «حججت مع رسول اللَّه - ﷺ - حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالًا وأحدهما\nآخذٌ بخطام ناقة رسول اللَّه - ﷺ - والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبة» (٥).\n_________\n(١) البرانس: الثوب الذي رأسه منه.\n(٢) الورس: الورس: نبت أصفر يكون باليمين تتخذ منه المغرة للوجه، وتصبغ به الثياب [جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٢٤].\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة، وقالت عائشة ﵂: لا تلبس المحرمة ثوبًا بورس أو زعفران برقم ١٨٣٨، وما بين المعقوفتين من باب ما يلبس المحرم من الثياب، برقم ١٥٤٢، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة لبسه وما لا يباح، وبيان تحريم الطيب عليه، برقم ١١٧٧.\n(٤) مجدَّع: أي مقطع الأعضاء، والتشديد للتكثير، وإلا فالجدع قطع الأنف والأذن، والشفة، والذي قطع منه ذلك أجدع.\n(٥) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، وبيان قوله - ﷺ -: «لتأخذوا مناسككم»، برقم ١٢٩٨.","vol":"1","page":255},{"text":"ولحديث جابر - ﵁ - في صفة حج النبي - ﷺ - وفيه: «أنه - ﷺ - نزل في القبة التي ضُربت له بنمرة حتى زاغت الشمس» (١).\nوأما تغطية الوجه؛ فلحديث ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته (٢)، أو قال فأوقصته، قال النبي - ﷺ -: «اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تحنِّطوه، ولا تُخمِّروا رأسه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا». وفي لفظ للبخاري: «ولا تمسوه طيبًا» (٣)، بدلًا من: «ولا تحنِّطوه». وفي لفظ للبخاري: «ولا تغطوا رأسه» (٤) بدلًا من: «ولا تخمروا رأسه». وفي لفظ للبخاري ومسلم: «وكفِّنوه في ثوبيه» (٥). بدلًا من: «وكفنوه في ثوبين». وفي لفظ لمسلم: «وألبسوه ثوبيه» (٦). وفي رواية لمسلم: أن رجلًا أوقصته راحلته وهو محرم، فقال رسول اللَّه - ﷺ -:\n«اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تُخمِّروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا» (٧). وفي لفظ لمسلم: «وقصت رجلًا راحلته، وهو\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٢) وقصته: الوَقْصُ: كسر العُنُق، وقَصْتُ عُنُقَه أقِصُها وَقْصًا، وَوَقَصَتْ به راحِلَتُه. [النهاية، مادة (وقص).\n(٣) من طرف الحديث في صحيح البخاري، برقم، ١٢٦٧.\n(٤) من طرف الحديث في صحيح البخاري، برقم ١٨٣٩.\n(٥) من طرف الحديث في صحيح البخاري، برقم ١٨٥١، وصحيح مسلم، برقم ١٢٠٦.\n(٦) مسلم، برقم: ٩٦ - (١٢٠٦).\n(٧) مسلم، برقم: ٩٨ - (١٢٠٦).","vol":"1","page":256},{"text":"مع رسول اللَّه - ﷺ -، فأمرهم رسول اللَّه - ﷺ - أن يغسِّلوه بماء وسدرٍ، وأن يكشفوا وجهه، ورأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» (١) (٢).\nوالمرأة لا تلبس النقاب والبرقع ولا القفازين؛ لقوله - ﷺ -: «لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين» (٣). ولكن إذا احتاجت إلى ستر وجهها؛ لمرور الرجال الأجانب قريبًا منها، فإنها تسدل الثوب أو الخمار من فوق رأسها على وجهها، قالت عائشة ﵂: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللَّه - ﷺ - محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» (٤).\nوعن فاطمة بنت المنذر رحمها اللَّه قالت: «كنَّا نُخمِّر وجوهنا ونحن\nمحرمات مع أسماء بنت أبي بكر» (٥).\n_________\n(١) مسلم، برقم: ١٠٢ - (١٢٠٦).\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين، برقم ١٢٦٥، وكتاب جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة، برقم ١٨٣٩، وباب المحرم يموت بعرفة ولم يأمر النبي - ﷺ - أن يؤدّى عنه بقية الحج، برقم ١٨٤٩، ١٨٥٠، ١٨٥١، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، برقم ١٢٠٦.\n(٣) متفق عليه، واللفظ للبخاري: البخاري، برقم ١٨٣٨، ومسلم، برقم ١١٧٧، وتقدم تخريجه في المحظور الأول: تعمد تغطية الرأس.\n(٤) أبو داود، كتاب المناسك، باب المحرمة تغطي وجهها، برقم ١٨٣٥، وأحمد، ٦/ ٣٠، وفي سنده يزيد بن أبي زياد القرشي، وحسن إسناده الأرنؤوط لشاهده عند الحاكم، وسيأتي. انظر: شرح السنة للبغوي، ٧/ ٢٤٠.\n(٥) الموطأ، ١/ ٣٢٨، والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٤٥٤، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢١٢: «إسناده صحيح»، وانظر جامع الأصول، ٣/ ٣١.","vol":"1","page":257},{"text":"وعن معاذة عن عائشة ﵂، قالت: «المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت، إلا ثوبًا مسَّه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع، ولا تَلَثَّم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>المحظور الرابع: لبس الرجل للمخيط عمدً في جميع بدنه</span>، أو في بعضه مما هو مفصّل على الجسم كالقميص، والعمامة، والسراويل، والبرانس - وهو كل ثوب رأسه منه - والقفازين، والخفين، والجوربين، وكل ثوب مسه وَرْسٌ أو زعفران؛ لحديث ابن عمر ﵄ وفيه: «لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطع أسفل من الكعبين» (٢).\nثم نسخ قطع الخفين على الصحيح لمن لم يجد النعلين، فعن جابر عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي - ﷺ - يخطب بعرفات: «من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل للمحرم».\nولفظ مسلم: «من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل» (٣).\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ٥/ ٤٧،قال محققو مسند الإمام أحمد، ٤٠/ ٢٢: «وهذا إسناد صحيح، وله شاهد من حديث أسماء بنت أبي بكر، رواه مالك في الموطأ، ١/ ٣٢٨، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: «كنا نخمِّر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر» وإسناده صحيح، وقد أخرجه بنحوه، ابن خزيمة، ٢٦٩٠، والحاكم، ١/ ٤٥٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٨٣٨، ورقم ١٥٤٢، ومسلم، برقم ١١٧٧، وتقدم تخريجه في المحظور الثالث: تعمد تغطية الرأس.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين، برقم ١٨٤١، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، برقم ١١٧٩.","vol":"1","page":258},{"text":"قال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «وأما ما ورد في حديث ابن عمر ﵄ من الأمر بقطع الخفين إذا احتاج إلى لبسهما لفقد النعلين فهو منسوخ؛ لأن النبي - ﷺ - أمر بذلك في المدينة، لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب، ثم لما خطب الناس بعرفات أَذِنَ في لبس الخفين عند فقد النعلين، ولم يأمر بقطعهما، وقد حضر هذه الخطبة من لم يسمع جوابه في المدينة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، كما قد عُلِمَ في علمي أصول الحديث والفقه» (١)، وسمعته أيضًا يقول: «والصواب أنه لا يقطع الخفين إذا لم يجد النعلين؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر بقطع ذلك في عرفات، فالنسخ أقرب» (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وإذا لم يجد نعلين، ولا ما يقوم مقامهما، فله أن يلبس الخف ولا يقطعه، وكذلك إذا لم يجد إزارًا فإنه يلبس السراويل ولا يفتقه، هذا أصح قولي العلماء؛ لأن النبي - ﷺ - رخص في البدل في عرفات» (٣).\nقال ابن تيمية ﵀ فيما يجوز للمحرم لبسه: «يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء، فله أن يلتحف بالجبة، والقميص،\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ٥٣ - ٥٤.\n(٢) أثناء تقريره ﵀ على صحيح البخاري على الحديث رقم.\n(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١١٠.","vol":"1","page":259},{"text":"ونحو ذلك ويتغطَّى به باتفاق الأئمة» (١)، ولو خاط شقوق الإزار أو الرداء ورقعه فلا بأس به؛ فإن الذي يُمنع منه المحرم هو اللباس المصنوع على قدر الأعضاء وما فصِّل عليها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>المحظور الخامس: تعمد استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب </span>أو البدن، أو المأكول، أو المشروب، كأن يشرب قهوة فيها زعفران، إلا إذا كان قد ذهب طعمه وريحه؛ لحديث يعلى بن أمية - ﵁ - أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول اللَّه كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمِّخ بطيب؟ فسكت النبي - ﷺ - ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر - ﵁ - إلى يعلى، فجاءه يعلى وعلى رسول اللَّه - ﷺ - ثوب قد أُظل به، فأدخل رأسه فإذا رسول اللَّه - ﷺ - مُحمّر الوجه، وهو يغطُّ، ثم سرِّي عنه، فقال: «أين السائل عن العمرة؟» فأُتي برجلٍ فقال: «اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك». وفي لفظ: أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، وعليه أثر الخلوق، أو قال: صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ وفي الحديث قال: «أين السائل عن العمرة؟\nاخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك (٣)، واتق الصفرة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك» (٤).\n_________\n(١) فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١١٠.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ١١٩.\n(٣) الخلوق: نوع من الطيب: أحمر أو أصفر، جامع الأصول، لابن الأثير، ٣/ ٣٠.\n(٤) البخاري، كتاب الحج، باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب، برقم ١٥٣٦، وكتاب العمرة، باب: يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج، برقم ١٧٨٩.","vol":"1","page":260},{"text":"وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه تعالى يقول: «وفيه من الفوائد: أن الإنسان إذا نسي فلبس جبة أو عمامة أو ثوبًا جاهل أو ناسٍ وهو محرم فلا شيء عليه؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمره بفدية لجهله، وهكذا لو تضمَّخ بطيب بعد الإحرام وهو جاهل فلا شيء عليه، والناسي من باب أولى (١).\nوقال في المحرم الذي وقصته ناقته: «ولا تحنطوه» وفي رواية: «ولا تمسوه بطيب» (٢)؛ ولقوله - ﷺ -: «لا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس» (٣).\nأما الطيب الذي تطيب به قبل الإحرام في رأسه ولحيته فلا يضر بقاؤه بعد الإحرام؛ لأن الممنوع في الإحرام ابتداء الطيب لاستدامته كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>المحظور السادس: قتل صيد البر الوحشي المأكول، واصطياده</span>؛ لقوله\nتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٤). وقوله سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٥).\nوقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (٦).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره ﵀ على صحيح البخاري، الحديث رقم (٤٣٢٩).\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٦٥، ١٨٣٩، ١٨٤٩، ومسلم، برقم ١٢٠٦، وتقدم تخريجه في المحظور الثالث.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٨٣٨، ومسلم، برقم ١١٧٧، وتقدم تخريجه في المحظور الثالث.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٩٥.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ٩٦.\n(٦) سورة المائدة، الآية: ١.","vol":"1","page":261},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ (١)؛ ولحديث الصَّعب بن جثامة الليثي - ﵁ -: أنه أهدى لرسول اللَّه - ﷺ - حمارًا وحشيًا، وهو بالأبواء أو بودَّان (٢) فردَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: «إنا لم نردُّه إلا أنا حرمٌ». وفي لفظ للبخاري: «أما إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». وفي لفظ للبخاري أيضًا: قال الصعب: فلما عرف ما في وجهي ردَّهُ هديتي، قال: «ليس بنا ردٌّ عليك ولكنا حرم». وفي رواية لمسلم: «أهديت له من لحم حمارِ وحشٍ» (٣).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: أهدى الصعب بن جثَّامة إلى النبي - ﷺ - حما روحش وهو محرم فرده عليه، وقال: «لولا أنا محرمون لقبلناه منك».\nوفي لفظ: «أهدى الصعب بن جثَّامة رجل حمار وحشٍ». وفي لفظ: «عجز حمار وحشٍ يقطر دمًا». وفي لفظ: «أهدي للنبي - ﷺ - شقُّ حمارٍ وحشٍ فردَّه» (٤).\nوعن أبي قتادة الأنصاري في قصة صيده الحمار الوحشي، وهو غير محرم، قال: فقال رسول اللَّه - ﷺ - لأصحابه - وكانوا محرمين -: «أمنكم\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(٢) مكان في طريق الذاهب من المدينة إلى مكة. شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٣٥٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب: إذا أهدي للمحرم حمارًا وحشيًا حيًا لم يقبل، برقم ١٨٢٥، وكتاب الهبة، باب قبول الهدية، برقم ٢٥٧٣، وباب: من لم يقبل الهدية لعله، برقم ٢٥٩٦، ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم، برقم ١١٩٣.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم، برقم ١١٩٣.","vol":"1","page":262},{"text":"أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي من لحمها» (١). وفي لفظ: فقال للقوم: «كلوا» ومنهم محرمون (٢). وفي لفظ للبخاري: أن النبي - ﷺ - قال: «معكم منه شيء؟» فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها حتى نفَّدها وهو محرم» (٣)، وفي لفظ للبخاري، قال معنا رجلها، فأخذها النبي - ﷺ - فأكلها (٤). وفي لفظ للبخاري: «إنما هي طعمة أطعمكموها اللَّه» (٥). وفي لفظ لمسلم: «هو حلال فكلوه» (٦). وفي لفظ لمسلم: «هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه بشيء؟». وفي لفظ للنسائي:\n«هل أشرتم، أو أعنتم؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا» (٧).\nوذكر الإمام النووي ﵀ روايات مسلم لحديث الصعب ثم قال: «وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه إنما أهدى بعض لحم صيد لا كله، واتفق العلماء على تحريم الاصطياد على المحرم، وقال الشافعي: يحرم عليه تملك الصيد، والهبة، ونحوهما، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف، وأما لحم الصيد: فَمَنْ صاده، أو صِيد له، فهو\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب لا يشير المحرم إلى صيد لكي يصداده الحلال برقم ١٨٢٤، ومسلم كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم، برقم ١١٩٦.\n(٢) من طرف الحديث رقم ١٨٢١.\n(٣) من طرف الحديث رقم ٢٥٧٠، ٥٤٠٧.\n(٤) من طرف الحديث رقم ٢٨٥٤، ومسلم كذلك ٦٣ - (١١٩٦).\n(٥) من طرف الحديث رقم ٥٤٩٠، ٥٤٩٢، ومسلم كذلك برقم ٥٧ - (١١٩٦).\n(٦) مسلم، برقم ١١٩٦.\n(٧) النسائي، برقم ٢٨٢٦.","vol":"1","page":263},{"text":"حرام، سواء صيد له بإذنه أو بغير إذنه، فمن صاده حلال لنفسه، ولم يقصد المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم، أو باعه لم يحرم عليه، هذا مذهبنا وبه قال مالك، وأحمد، وداود.\nوقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه.\nوقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلًا: سواء صاده أوصاده غيره له، أو لم يقصده فيحرم مطلقًا، حكاه القاضي عياض عن علي وابن عمر، وابن عباس - ﵃ -،لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١). قالوا: المراد بالصيد المصيد؛ ولظاهر حديث الصعب بن جثامة؛ فإن النبي - ﷺ - ردَّه، وعلل ردَّه بأنه محرم، ولم يقل: لأنك صدته لنا، واحتج الشافعي وموافقوه بحديث أبي قتادة المذكور في صحيح مسلم بعد هذا؛ فإن النبي - ﷺ - قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة وهو حلال قال\nللمحرمين: «هو حلال فكلوه» وفي الرواية الأخرى قال: «فهل معكم منه شيء؟» قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول اللَّه - ﷺ - فأكلها، وفي سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، عن جابر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم» (٢). هكذا الرواية: يصاد\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٩٦.\n(٢) أبو داود، كتاب المناسك، باب لحم الصيد للمحرم، برقم ١٨٥١، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم، برقم ٨٤٦، والنسائي، كتاب المناسك، باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال، برقم ٢٨٣٠، قال الترمذي: «وفي الباب عن أبي قتادة وطلحة، قال أبوعيسى: حديث جابر حديث مفسِّر، والمطلب لا نعرف له سماعًا من جابر، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لا يرون بالصيد للمحرم بأسًا إذا لم يصطده أو يُصد من أجله، قال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب، وأقيس، والعمل على هذا، وهو قول أحمد وإسحاق». [سنن الترمذي، في آخر الحديث رقم ٨٤٦]. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف السنن المذكورة هنا، ولكن قال عبد القادر الأرنؤوط في تخريجه لجامع الأصول، ٣/ ٦٤: «ولكن يشهد له حديث طلحة ... [عن عثمان التيمي قال: كنا مع طلحة بن عبيد اللَّه ونحن حُرُمٌ فأُهدي له طيرٌ، وطلحة راقد فمنَّا من أكل، ومنا من تورَّع فلما استيقظ طلحة وفَّق من أكله، وقال: أكلناه مع رسول اللَّه - ﷺ -[مسلم، برقم ١١٩٧]. وحديث أبي قتادة الطويل الذي تقدم ...» انتهى كلام عبد القادر الأرنؤوط.\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على حديث جابر في منتقى الأخبار لعبد السلام ابن تيمية، الحديث رقم ٢٤٩٠: «وهذا حديث جيد كما قال الشافعي ﵀».\nوحديث جابر أخرجه أيضًا أحمد، ٢٣/ ١٧١، وقال محققو المسند: «صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن إن صح سماع المطلب بن عبد اللَّه من جابر» وذكروا جملة ممن خرجه، وانظر تمام البحث في فتح الباري لابن حجر، ٤/ ٢٢ - ٣٤.\nوعن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان - ﵁ - بالعرج [موضع من أول تهامة] في يوم صائف وهو محرم، وقد غطى وجهه، ثم أتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، فقالوا: أولا تأكل أنت؟ فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي». [الموطأ ١/ ٣٥٤، كتاب الحج، باب ما لا يحل للمحرم أكله من الصيد،] وقال عبد القادر الأرنؤوط في تخريجه لجامع الأصول: «وإسناده صحيح».","vol":"1","page":264},{"text":"بالألف، وهي جائزة على لغة .... قال أصحابنا: يجب الجمع بين هذه الأحاديث وحديث جابر صريح في الفرق وهو ظاهر في الدلالة للشافعي، وموافقيه، وردٌّ لما قاله أهل المذهبين الآخرين، ويحمل حديث أبي قتادة على أنه لم يقصدهم باصطياده، وحديث الصعب أنه قصدهم باصطياده، وتحمل الآية الكريمة على الاصطياد، وعلى لحم ما صيد للمحرم؛ للأحاديث المذكورة، المبينة للمراد من الآية.\nوأما قولهم في حديث الصعب أنه - ﷺ - علل بأنَّه محرم فلا يمنع كونه","vol":"1","page":265},{"text":"صيد له؛ لأنه إنما يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له، بشرط أنه محرم، فبين الشرط الذي يحرم به» (١).\n\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه اللَّه تعالى يقرر: أن صيد البر يحرم على المحرم بأمور: أن يصيده المحرم، أن يكون أمر بصيده، أو أشار به، أو أعان على صيده، أن يكون صيد من أجله (٢)، وقرر أن هذه<span data-type=\"title\" id=toc-373> الأحاديث كلها مدارها على أمرين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>أحدهما: أن يصاد الصيد من أجل المحرم </span>- أي يصيده الحلال من أجل المحرم - أو يساعد المحرم على ذلك، فهذا لا يأكل منه المحرم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>الثاني: إذا صاد الحلال الصيد ولم يقصد به المحرم</span>، ولم يساعده المحرم: لا بعمل، ولا بإشارة، فهذا يأكل منه المحرم، أما حديث\nالصعب بن جثامة، وردّ النبي - ﷺ - عليه الحمار الوحشي [فـ] حمل على أمرين:\nإما أنه أهداه حيًا، وإما أنه صاده من أجله، والمحرم لا يأكل ما صيد من أجله، وأما الصيد الحي فلا يقبله المحرم إذا أُهدي إليه، ولا يشتريه، وبهذا يجتمع شمل الأخبار؛ ولهذا أكل الصحابة من الصيد، وحديث جابر - ﵁ - نص في الباب «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم» وهو حديث جيد كما قال الشافعي ﵀ (٣). واللَّه تعالى أعلم (٤).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٣٥٥ - ٣٥٧.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على أحاديث بلوغ المرام، الحديث ٧٥١، ٧٥٢.\n(٣) سمعته ﵀ أثناء تقريره على أحاديث المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ - لعبد السلام بن تيمية، الأحاديث رقم ٢٤٧٩ - ٢٤٩٠.\n(٤) أجمع العلماء على منع صيد البر للمحرم بحج أو عمرة، وأجمع العلماء على أن ما صاده محرم لا يجوز أكله للمحرم الذي صاده، ولا لمحرم غيره، ولا لحلال غير محرم، واختلف العلماء في أكل المحرم مما صاده الحلال على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لا يجوز له الأكل مطلقًا. القول الثاني: يجوز الأكل مطلقًا. القول الثالث: التفصيل بين ما صاده لأجله، وما صاده لا لأجله، فيمنع الأول دون الثاني [أضواء البيان للشنقيطي،\n٢/ ١٣١ - ١٣٣] ثم قال: «أظهر الأقوال وأقواها دليلًا: هو القول المفصل بين ما صيد لأجل المحرم فلا يحل له، وبين ما صاده الحلال لا لأجل المحرم فإنه يحل» ولا تجوز ذكاة المحرم للصيد، فإن ذبحه فهو ميتة لا يحل أكله لأحد كائنًا من كان [أضواء البيان للشنقيطي،٢/ ١٣٧، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٢٩٠]، ولا شك أن الحيوان البري ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: صيدٌ إجماعًا: كالغزال فيمنع قتله للمحرم.\nالقسم الثاني: ليس بصيد إجماعًا ولا بأس بقتله، بل يستحب قتله: وهو الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، والحية.\nقال الشنقيطي: «والجاري على الأصول تقييد الغراب بالأبقع؛ لما روى مسلم عن عائشة في غير الفواسق المذكورة «... والغراب الأبقع» [مسلم، برقم ٧٢ - (١١٩٩) [أضواء البيان،\n٢/ ١٣٨] قال شيخنا ابن باز في حاشيته على بلوغ المرام، الحديث رقم ٧٠٢: «ولم يذكر تقييد الغراب بالأبقع إلا سعيد [بن المسيب] عن عائشة. ثم قال الشنقيطي: «والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، وما أجاب به بعض العلماء من أن روايات الغراب بالإطلاق متفق عليها، فهي أصح من رواية القيد بالأبقع: لا ينهض، إذ لا تعارض بين مقيد ومطلق؛ لأن القيد بيان للمراد من المطلق» [أضواء البيان ٢/ ١٣٨].\nالقسم الثالث: مختلف فيه: كالأسد، والنمر، والفهد، والذئب، قال العلامة الشنقيطي ﵀: «ولا شك أن السباع العادية: كالأسد، والنمر، والفهد أولى بالقتل من الكلب [العقور] لأنها أقوى منه عقرًا، وأشد منه فتكًا» [أضواء البيان، ٢/ ١٣٨]، قال الشنقيطي ﵀: «والتحقيق أن السباع العادية ليست من الصيد فيجوز قتلها للمحرم وغيره في الحرم وغيره» أضواء البيان، ٢/ ١٣٩.\nوالمحرم أكله ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الخمس الفواسق التي أباح الشارع قتلها في الحل والحرم.\nالقسم الثاني: ما كان طبعه الأذى، وإن لم يوجد منه الأذى: كالأسد، والنمر، والذئب، وما في معناه، فيباح قتله أيضًا.\nالقسم الثالث: ما لا يؤذي بطبعه كالرخم والديدان، فلا أثر في الحرم ولا في الإحرام فيه، ولا جزاء فيه إن قتله [الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٨/ ٣٠٥ - ٣٠٧].\nوأيضًا غير المأكول ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما أُمر بقتله فإنه يقتل من الخمس التي نص عليها النبي - ﷺ -.\nالقسم الثاني: ما نُهى عن قتله، مثل: الضفدع، والنملة، والنحلة، والهدهد، والصرد [طائر صغير فوق العصفور منقاره أحمر، يعرفه أهل الطيور].\nالقسم الثالث: ما سُكِتَ عنه، فإن آذى ألحق بالمأمور بقتله؛ لأن المؤذي يقتل، ولو كان من بني\nآدم إذا كان صائلًا يريد قتل المسلم، أو عرضه، أو ماله، فإن قاتل المسلم فليقاتله، فإن قتل\nالمسلم فهو شهيد، وإن قتل الصائل فهو في النار، وإن لم يؤذي هذا القسم فهو محل توقف، فبعضهم قال يقتل؛ لأن ما سكت عنه الشارع فهو مما عفا عنه، وكره قتله؛ لأن اللَّه خلقه لحكمة، فلا ينبغي أن تقتله، وهو الأحسن، مثل الذباب، والصراصير، والخنفساء، والجعلان، وما أشبهها، لكن إذا كانت تؤذي فإنها تقتل؛ لإزالة أذاها [الشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ١٦٣]. وانظر: الشرح الكبير، ٨/ ٢٧٤،وشرح العمدة، ٢/ ١٢٧ - ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠، ١٨٢ - ١٨٤، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٤٦٨.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>المحظور السابع: عقد النكاح، فلا يتزوج المحرم</span>، ولا يزوج غيره بولاية ولا وكالة، ولا يخطب، ولا يتقدم إليه أحد يخطب بنته أو أخته أو\nغير ذلك؛ لحديث عثمان بن عفان - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «لا يَنْكِحُ المحرِمُ، ولا يُنْكِح، ولا يخطب [ولا يُخطب عليه]» (١) (٢).\nوعقد النكاح ليس فيه فدية ولكن يفسد النكاح (٣)، وهو مذهب جماهير العلماء، والموافق للنصوص الصحيحة (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته، برقم ١٤٠٩، وما بين المعقوفتين زادها ابن حبان، برقم ١٢٤، ولفظه: «لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب، ولا يخطب عليه» [قال شعيب الأرنؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان: «حديث صحيح رجاله ثقات».\n(٢) انظر: شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ١٨٥ - ٢١٦.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٢/ ١٨٥.\n(٤) اختلف العلماء في هذه المسألة بسبب الروايات الواردة في ذلك، قال الإمام النووي ﵀: «فاختلف العلماء بسبب ذلك في نكاح المحرم، فقال مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب.\nوقال أبو حنيفة والكوفيون: يصح نكاحه؛ لحديث قصة ميمونة.\nوأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة أصحها: أن النبي - ﷺ - إنما تزوجها حلالًا، هكذا رواه أكثر الصحابة، قال القاضي وغيره ولم يروا أنه تزوجها محرمًا إلا ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع أنه تزوجها حلالًا، وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به بخلاف ابن عباس؛ ولأنهم أضبط من ابن عباس، وأكثر.\nالجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس على أنه تزوجها في الحرم، وهو حلال، ويقال لمن هو في الحرم: محرم وإن كان حلالًا، وهي لغة شائعة معروفة، ومنه البيت المشهور: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا، أي في حرم المدينة.\nالقول الثالث: أنه تعارض القول والفعل، والصحيح حينئذ عند الأصوليين ترجيح القول؛ لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصورًا عليه.\nوالرابع جواب جماعة من أصحابنا أن النبي - ﷺ - كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خُصَّ به دون الأمة، وهذا أصح الوجهين عند أصحابنا. والوجه الثاني: أنه حرام في حقه كغيره وليس من الخصائص، وأما قوله: «ولا ينكح» فمعناه لا يزوج امرأة بولاية ولا وكالة، قال العلماء: سببه أنه لما منع في مدة الإحرام من العقد لنفسه صار كالمرأة فلا يعقد لنفسه، ولا لغيره، وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوج بولاية خاصة: كالأب، والأخ، والعم، ونحوهم، أو بولاية عامة، وهو السلطان، والقاضي، ونائبه، وهذا هو الصحيح عندنا، وبه قال جمهور أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة دون الخاصة.\nواعلم أن النهي عن النكاح والإنكاح في حال الإحرام نهي تحريم، فلو عقد لم ينعقد سواء كان المحرم هو الزوج والزوجة، أو العاقد لهما بولاية أو وكالة، فالنكاح باطل في كل ذلك، حتى لو كان الزوجان والولي محلين وَوَكَّل الولي أو الزوج مُحرمًا في العقد لم ينعقد، وأما قوله: «ولا يخطب» فهو نهي تنزيه ليس بحرام وكذلك يكره للمحرم أن يكون شاهدًا في نكاح عقده المحلون، وقال بعض أصحابنا: لا ينعقد بشهادته؛ لأن الشاهد ركن في عقد النكاح كالولي، والصحيح الذي عليه الجمهور انعقاده» [شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ٢٠٤ - ٢٠٦]. وقد ذكر العلامة الشنقيطي ﵀: قول جمهور العلماء: من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأدلتهم، وأن منها: حديث عثمان - ﵁ -: «لا ينكح المحرم ولا ينكح، ولا يخطب» [مسلم، برقم ١٤٠٩]. وحديث ميمونة: عن يزيد بن الأصم، قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول اللَّه - ﷺ - تزوجها وهو حلال، قال: وكانت خالتي، وخالة ابن عباس» [مسلم، برقم ١٤١١]. وحديث ابن عباس: أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم، زاد ابن نمير فحدثت به الزهري فقال: أخبرني يزيد بن الأصم أنه نكحها وهو حلال. [مسلم، برقم ١٤١٠]، وما أخرجه الترمذي عن أبي رافع قال: تزوج رسول اللَّه - ﷺ - ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما». قال الترمذي: هذا حديث حسن [الترمذي، برقم ٨٤١]. ثم ذكر قول أبي حنيفة، وأنه استدل بحديث ابن عباس: «أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال» [البخاري، برقم ٤٢٥٨، ومسلم، ١٤١٠] وفي لفظ للبخاري: «تزوج النبي - ﷺ - ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف» [برقم ٤٢٥٨، ومسلم، ١٤١٠]. والمقرر في أصول الفقه أنه إذا اختلف نصان وجب الجمع بينهما إن أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح.\nوقد أجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأوجه منها:\n١ - أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ميمونة وأبي رافع «أنه تزوجها وهو حلال» ووجه الجمع في ذلك: هو أن يفسر قول ابن عباس أنه تزوجها وهو محرم: بأن المراد بكونه محرمًا، كونه في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة عام سبع في عمرة القضاء، كما في صحيح البخاري، وعلى هذا التفسير فلا تعارض بين حديث ميمونة وأبي رافع، وبين حديث ابن عباس.\n٢ - من أجوبة الجمهور: أن حديث ميمونة وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس؛ لأن ميمونة هي صاحبة القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره، وقد تقرر في الأصول: أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدم على خبر غيره؛ لأنه أعرف بالحال من غيره، والأصوليون يمثلون له بحديث ميمونة المذكور مع حديث ابن عباس.\n٣ - ومما يُرجِّح به حديث أبي رافع على حديث ابن عباس: أن أبا رافع هو رسوله إليها يخطبها عليه، فهو مباشر للواقعة وابن عباس ليس كذلك، وهو المقدم عند الأصوليين كما تقدم.\n٤ - ومن ذلك أن ميمونة وأبا رافع كانا بالغين وقت تحمَّل الحديث المذكور، وابن عباس ليس ببالغ وقت التحمل، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المتحمل بعد البلوغ على المتحمل قبله؛ لأن البالغ أضبط من الصبي لما تحمل. [أضواء البيان، ٥/ ٣٦٥ - ٣٧٤].\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على منتقى الأخبار، لعبد السلام ابن تيمية على الأحاديث: ٤٦٨ - ٢٤٧٢، يقول: «هذا يدل على أنه تزوجها وهو حلال غير محرم، فقد أخبرت ميمونةعن نفسها، وأبو رافع كذلك، وهذا مقتضى الأدلة الشرعية، والنبي - ﷺ - أسرع الناس إلى الخير، وما حرمه اللَّه على الأمة فهو منهم إلا ما خصه الدليل؛ ولهذا قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس في قوله: تزوج ميمونة وهو محرم» [أبو داود، برقم ١٨٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥١٧ فقال: «صحيح مقطوع»]. والصواب أنه تزوجها وهو حلال، وليس هناك أحد معصوم إلا الرسل فيما يبلغونه عن اللَّه».\nقال العلامة ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن، ٢/ ٣٥٩: «وقد روى مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار: «أن رسول اللَّه - ﷺ - بعث أبا رافع مولاه ورجلًا من الأنصار فزوَّجاه ميمونة بنت الحارث، ورسول اللَّه - ﷺ - بالمدينة قبل أن يخرج» وهذا وإن كان ظاهره الإرسال فهو متصل؛ لأن سليمان بن يسار رواه عن أبي رافع: «أن رسول اللَّه - ﷺ - تزوج ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال، وكنت الرسول بينهما» وسليمان بن يسار مولى ميمونة، وهذا صريح في تزوجها بالوكالة قبل الإحرام».","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>المحظور الثامن: الوطء الذي يوجب الغسل</span>؛ لقول اللَّه تعالى:\n﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١). والرفث هو الجماع، فمن حصل له الجماع متعمدًا قبل التحلل الأول فسد نسكه، ويجب عليه إتمامه، وعليه بدنة،\nويقضي الحج بعد ذلك، وأما من حصل له الجماع بعد التحلل الأول فإنه لا يبطل حجه، وعليه ذبح شاة، ويأتي التفصيل في ذلك في الفدية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>المحظور التاسع: المباشرة فيما دون الفرج بوطء في غيره</span>، ولو بتقبيل، أو لمس، أو نظر بشهوة (٣)، لقوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ ويدخل في الرفث: المباشرة فيما دون الفرج، كما يدخل فيه الفحش: من القول والفعل، والفسوق: جميع المعاصي، والجدال الممنوع ما كان بالباطل، وهو الجدال الذي يترتب عليه عداوة وبغضاء، وأما الجدال بالتي هي أحسن لإظهار الحق فهو مأمور به، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَجَادِلهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.\n(٢) انظر: شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٢٢٦ - ٢٦٣.\n(٣) انظر: شرح عمدة الأحكام لابن تيمية، ٢/ ٢١٧ - ٢٢٥، وانظر جميع المحظورات في هذا الكتاب المشار إليه، ٢/ ٥ - ٢٧٤، والفدية لجميع هذه المحظورات بالتفصيل والتحقيق فيه،\n٢/ ٢٧٤ - ٤٠٨.\n(٤) سورة النحل، الآية: ١٢٥.","vol":"1","page":271},{"text":"أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (١).\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «والأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>أحدهما: مباشرة النساء بالجماع ومقدماته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>الثاني: الكلام بذلك</span>، كأن يقول المحرم لامرأته: إن أحللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا، ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها،\nقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ (٢). فالمراد بالرفث في الآية: المباشرة بالجماع ومقدماته ... والأظهر في معنى الفسوق في الآية: أنه شامل لجميع أنواع الخروج عن طاعة اللَّه تعالى، والفسوق في اللغة الخروج ... والأظهر في الجدال في معنى الآية: أنه المخاصمة، والمراء: أي لا تخاصم صاحبك، وتماره حتى تغضبه، وقال بعض أهل العلم: معنى لا جدال أي: لم يبق فيه مراء ولا خصومة؛ لأن اللَّه أوضح أحكامه على لسان رسوله - ﷺ -» (٣).\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.\n(٣) أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>المبحث السادس عشر: محظورات الحرمين: مكة والمدينة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>أولًا: تحريم صيد الحرم المكي، وشجره، ونباته، وحشيشه إلا الإذخر:</span>\nوالأصل في تحريم صيد الحرم: النص والإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>أما النص</span>؛ فلأحاديث كثيرة منها، الأحاديث الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>١ - حديث ابن عباس ﵄</span>، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - يوم فتح مكة: «... إن هذا البلد حرمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، لا يُعضد (١) شوكه، ولا ينفّر صيده، ولا يلتقط [لقطته] إلا من عرَّفها ولا يُختلى خلاها» (٢). فقال العباس: يا رسول اللَّه! إلا الإذخر (٣)؛ فإنه [لا بد منه] لقينهم، ولبيوتهم (٤)، [وفي لفظ للبخاري: فإنه لصاغتنا ولقبورنا] [وفي لفظٍ: ولسُقفِ بيوتنا] [فسكت ثم قال] «إلا الإذخر» [قال عكرمة: هل\nتدري ما «ينفر صيدها؟» هو أن تنحِّيه من الظل وتنزل مكانه»] (٥).\n_________\n(١) يعضدُ: العضد: القطع [شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٣٤].\n(٢) خلاها: الخلا: الرطب من الكلأ، قالوا: الخلا والعشب: اسم للرطب منه، والحشيش والهشيم اسم لليابس منه [شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٣٤].\n(٣) الإذخر: هو نبات معروف طيب الرائحة [شرح النووي ٩/ ١٣٦].\n(٤) لقينهم ولبيوتهم: قينهم: هو الحداد، والصائغ، يحتاج إلى الإذخر في وقود النار، ويُحتاج إلى الإذخر في القبور تُسدُّ به فرج اللحد، ويحتاج إليه في سقوف البيوت يجعل فوق الخشب [شرح النووي ٩/ ١٣٦].\n(٥) متفق عليه: البخاري، ١٨٣٢، ٤٢٩٥، ومسلم، برقم ١٣٥٣، وسيأتي تخريجه في فضائل الحرمين.","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>٢ - حديث أبي هريرة - ﵁ </span>- قال: لما فتح اللَّه - ﷿ - على رسوله مكة قام في الناس فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: «إن اللَّه حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها أُحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفّر صيدها، ولا يختلى شوكها (١)، ولاتحلُّ ساقطتها إلا لمنشدٍ (٢)، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُفدَى وإما أن يُقتَل» فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول اللَّه! فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إلا الإذخر» فقام أبو شاه: رجل من أهل اليمن، فقال: اكتبوا لي يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «اكتبوا لأبي شاة» قال الوليد: فقلت للأوزاعي: ما قوله له: اكتبوا لي يا رسول اللَّه؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول اللَّه - ﷺ - (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>وأما الإجماع: </span>فقال الإمام ابن قدامة: «وأجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم» (٤).\nوشجر الحرم المكي ونباته طرفان ووسط:\nطرف لا يجوز قطعه إجماعًا وهو ما أنبته اللَّه في الحرم من غير تسبب الآدميين إلا الإذخر.\n_________\n(١) ولا يختلى شوكها: لا يؤخذ ولا يخبط، ولا يقطع، [شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ١٣٤].\n(٢) إلا لمنشد: إلا لمعرف.\n(٣) متفق عليه: البخاري،١١٢، ٢٤٣٤، ٦٨٨٠، ومسلم، برقم ١٣٥٥،ويأتي تخريجه في فضائل الحرمين.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٥/ ١٧٩ - ١٩٠.","vol":"1","page":274},{"text":"وطرف يجوز قطعه إجماعًا وهو ما زرعه الآدميون من الزروع والبقول والرياحين، ونحوها.\nوطرف اختلف فيه وهو ما غرسه الآدميون من غير المأكول والمشموم، كالأثل، والعوسج، فأكثر العلماء على جواز قطعه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>ثانيًا: تحريم صيد الحرم المدني النبوي، وشجره على المحرم </span>والحلال إلا علف الدواب؛ للأحاديث الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>١ - حديث عبد اللَّه بن زيد - ﵁ </span>-: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومُدِّها (٢) بمثل ما دعاه به إبراهيم لأهل مكة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>٢ - حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ </span>قال: قال النبي - ﷺ -: «إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة: ما بين لابتيها (٤) لا يقطع\nعضاهها (٥)، ولا يصاد صيدها» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>٣ - حديث علي بن أبي طالب - ﵁ </span>- قال: قال النبي - ﷺ -: «المدينة حرام\n_________\n(١) أضواء البيان للشنقيطي، ٢/ ١٥٦.\n(٢) صاعها ومدها: أي فيما يكال بالصاع والمد، أن يبارك فيه، وهو غالب طعام أهل المدينة.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم، ٢١٢٩،ومسلم، برقم ١٣٦٠،ويأتي تخريجه إن شاءاللَّه في فضائل الحرمين.\n(٤) لابتيها: حرتيها: والمدينة النبوية بين حرتين: حرة شرقية وحرة غربية، والحرة: هي الأرض ذات الحجارة السود.\n(٥) عضاهها: العضاة: كل شجر يعظم وله شوك.\n(٦) مسلم، برقم ١٣٦٢، ويأتي تخريجه إن شاءاللَّه في فضائل الحرمين.","vol":"1","page":275},{"text":"ما بين عَيْرٍ إلى ثورٍ» (١).\nوسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «عير جبل جهة الجنوب جهة الميقات، وثور جَبَلٌ ليس بالكبير من جهة الشمال تحت أحد أحمر، وحرم المدينة بين عير إلى ثور، بريد في بريد، وحرمها مثل حرم مكة، إلا أنه جاء استثناء ما يحتاجه أهل المدينة من أخشاب الآبار، والمزارع، والمحال» (٢).\nفظهر أن حرم المدينة ما بين الحرة الشرقية والحرة الغربية، وما بين جبل عير جنوب المدينة وجبل ثور شمال المدينة خلف أحد من جهة الشمال على الصحيح من أقوال أهل العلم.\nوقد حقق الحافظ ابن حجر ﵀: أن جبل ثور جبل صغير يميل لونه إلى الحمرة خلف أحد من جهة الشمال (٣).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «حرم النبي - ﷺ - المدينة، وهي بريد في بريد ١٢ ميلًا، حرمها من عير إلى ثور: جبلان معروفان، وثور\nجبل صغير تحت أحد، وأباح العلف في المدينة والإذخر في مكة، ومن وُجِدَ يصيد أو يقطع يُسلب ما معه من سلاح ومتاع، وثياب؛ ولهذا أخذ سعد - ﵁ - السلب أراد بذلك امتثالًا لأمر النبي - ﷺ -. والسلب خاص\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، برقم ٦٧٥٥، ومسلم، برقم ١٣٧٠، ويأتي تخريجه في فضائل الحرمين.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٧٥٨.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٤/ ٨٣.","vol":"1","page":276},{"text":"بالمدينة، أما مكة ففي صيدها الجزاء» (١).\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «حرم المدينة مسافة بريد في بريد، فهو مربع ما بين عير إلى ثور» (٢). واللَّه تعالى أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>٤ - حديث علي - ﵁ </span>- عن النبي - ﷺ - قال: «... لا يختلى خلاها (٤) ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها (٥) ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة، إلا أن يعلف الرجل بعيره» (٦) (٧).\n_________\n(١) سمعته ﵀ أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ٢٥٠١ - ٢٥١٧.\n(٢) الشرح الممتع، ٧/ ٢٥٧.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ١٩٠ - ١٩٤.\n(٤) يعني المدينة.\n(٥) أشاد بها: عرَّفها على الدوام.\n(٦) أبو داود برقم، ٢٠٣٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٦٩، ويأتي تخريجه في فضائل المدينة.\n(٧) قال العلامة الشنقيطي ﵀: «جماهير العلماء على أن المدينة حرم ... لا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها، وخالف أبو حنيفة الجمهور، فقال: إن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة ولا تثبت له أحكام الحرم من تحريم قتل الصيد، وقطع الشجر، والأحاديث الصحيحة ترد هذا القول وتقضي بأن ما بين لابتي المدينة حرم لا ينفر صيده، ولا يختلى خلاه إلا لعلف ...» [أضواء البيان للشنقيطي، ٢/ ١٦٠].","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>المبحث السابع عشر: فدية المحظورات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>أولًا: فاعل محظورات الإحرام له ثلاث حالات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>الحالة الأولى: أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة </span>فهذا آثم وعليه الفدية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>الحالة الثانية: أن يفعل المحظور لحاجته إلى ذلك </span>مثل: أن يحتاج إلى لبس القميص؛ لدفع برد يخاف منه الضرر، فله فعل المحظور وعليه فديته؛ لحديث كعب بن عجرة - ﵁ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>الحالة الثالثة: أن يفعل المحظور وهو معذور: </span>إما جاهلًا، أو ناسيًا، أو مكرهًا، أو نائمًا فلا إثم عليه. أما الفدية فمحل خلاف بين أهل العلم والأقرب إن شاءاللَّه تعالى أنه لا شيء عليه (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ\n_________\n(١) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى فيمن فعل محظورًا غير متعمدٍ على النحو الآتي:\nالقول الأول: أن جميع المحظورات تسقط بالجهل، أو النسيان، أو الإكراه، وأن المعذور بهذه الأعذار لا يترتب على فعله شيء إطلاقًا؛ واستدل من قال بذلك بالأدلة الآتية:\n١ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقال اللَّه تعالى: «قد فعلت» [مسلم من حديث أبي هريرة، برقم ١٢٥]، ومن حديث ابن عباس عند مسلم، برقم ١٢٦بلفظ: «نعم».\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. [الأحزاب:٥].\n٣ - قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّه مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّه﴾ [النحل:١٠٦]. فالكفر إذا كان يسقط موجبه بالإكراه فما دونه من باب أولى.\n٤ - قول النبي - ﷺ -: «إن اللَّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» [ابن ماجه، برقم ٢٠٤٣، وغيره، وحسنه الإمام النووي في الأربعين، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ١٧٨، وفي إرواء الغليل، ١/ ١٣٣].\n٥ - أن هذا لم يتعمد المخالفة، فلا يعد عاصيًا، وإذا لم يكن عاصيًا لم يترتب عليه الإثم ولا الفدية [الشرح الممتع، ٧/ ٢٢٤].\nقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في الشرح الممتع، ٧/ ٢٣١: «والصحيح أن جميعها تسقط، وأن المعذور بجهل، أو نسيان، أو إكراه لا يترتب على فعله شيء إطلاقًا، لا في الجماع، ولا في الصيد، ولا في التقليم، ولا في لبس المخيط ولا في أي شيء ...».\nالقول الثاني: أن العمد والنسيان في الوطء، والحلق، والتقليم، والصيد سواء، وأما اللبس، والطيب وتغطية الرأس فتسقط بالنسيان، والجاهل بالتحريم والمكره في حكم الناسي؛ لأنه معذور، وممن قال: إن عمد الواطئ ونسيانه سواء: أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي في القديم، وقال في الجديد: لا يفسد الحج، ولا يجب مع النسيان شيء، وحكى ابن عقيل في الفصول رواية عن الإمام أحمد مثل قول الشافعي الجديد أنه لا يفسد حج الناسي والجاهل والمكره. قال المرداوي في الإنصاف، ٨/ ٣٣٤: «... وذكر في الفصول رواية لا يفسد حج الناسي، والجاهل، والمكره، ونحوهم، وخرجها القاضي في كتاب الروايتين، واختاره الشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، ومال إليه في الفروع، وقال: هذا متجه، ورد أدلة الأصحاب، وقال فيه نظر ...». انظر: الفروع لابن مفلح، ٥/ ٤٤٧، والمقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٨/ ٣٣٤، وانظر: شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، لابن تيمية، ٢/ ٣٩٥ - ٤٠٤.\nوقال شيخنا ابن باز ﵀: «تلزم الفدية من تعمد قتل الصيد وهو محرم، أو قتله في الحرم؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]. والجمهور من أهل العلم ألحقوا المخطئ بالمتعمد؛ لأن الإتلاف عندهم يستوي فيه المتعمد وغيره، ولكن صريح القرآن يدل على أن الفدية لا تلزم إلا المتعمد، وهذا هو الأظهر» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٢٠٤]. وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٢/ ١٤٣، والمغني لابن قدامة، ٥/ ٣٩٧.","vol":"1","page":278},{"text":"جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١).\nوقوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢). فقال اللَّه:\n«قد فعلت» (٣).\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٥.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز اللَّه تعالى عن حديث النفس والخواطر، بالقلب إذا لم تستقر، وبيان أنه - ﷺ - لم يكلف إلا ما يطاق، من حديث أبي هريرة، برقم ١٢٥.","vol":"1","page":279},{"text":"وفي حديث ابن عباس ﵄: «نعم» بدلًا من: «قد فعلت» (١).\nولقول النبي - ﷺ - في حديث أبي ذر - ﵁ -: «إن اللَّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (٢).\nوعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «إن اللَّه وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن اللَّه تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها، ما لم تعمل أو تتكلم، أو استكرهوا عليه» (٤).\nوقال اللَّه تعالى في خصوص الصيد الذي هو أحد محظورات الإحرام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٥). فقيد وجوب الجزاء بكون القاتل، متعمدًا، والتعمد وصف مناسب للعقوبة والضمان، فوجب اعتباره\nوتعليق الحكم به، وإن لم يكن متعمِّدًا فلا جزاء عليه ولا إثم، لكن متى زال العذر: فعلم الجاهل، وذكر الناسي، واستيقظ النائم، وزال الإكراه، فإنه يجب التخلي عن المحظور فورًا، فإن استمر عليه مع زوال العذر فهو\n_________\n(١) مسلم، في الكتاب والباب السابقين، برقم ١٢٦.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم ٢٠٤٣، والبيهقي في السنن الكبرى، ٧/ ٣٥٦، والحاكم، ٢/ ١٩٨، وحسنه النووي في الأربعين، وصححه ابن حبان في صحيحه، برقم ٧١٧٥، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٧٨، وفي إرواء الغليل، ١/ ١٣٣.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره، برقم ٢٠٤٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٧، وفي إرواء الغليل، برقم ٨٢.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب المكره، برقم ٢٠٤٥،وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٨٧.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ٩٥.","vol":"1","page":280},{"text":"آثم وعليه الفدية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>ثانيًا: أقسام محظورات الإحرام من حيث الفدية:</span>\nمحظورات الإحرام من حيث الفدية تنقسم إلى أربعة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>القسم الأول: ما لا فدية فيه: وهو عقد النكاح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>القسم الثاني: ما فديته مُغلَّظة وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>القسم الثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>القسم الرابع: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>ثالثًا: مقدار الفدية في محظورات الإحرام على النحو الآتي:</span>\n١ - الفدية في إزالة الشعر، والظفر (٣)، وتغطية الرجل رأسه، ولبسه\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٥/ ٢٢٧، وفتح الباري، ٣/ ٣٩٥، والمختارات للسعدي، ص ٨٨، والمنهج لمريد العمرة والحج للعلامة محمد بن صالح العثيمين، ص ٤٦ - ٤٩. وهذا القول رجحه أيضًا العلامة الجهبذ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز. انظر: مجموع الفتاوى له، ١٦/ ١٣٣ - ١٣٤، و١٧/ ١٦٧ - ١٨٠، وسمعته يميل إلى ترجيحه، وانظر شرح العمدة، لابن تيمية،\n٢/ ٣٩٨، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٢٢٣ - ٢٣١.\n(٢) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ١٩١.\n(٣) اختلف العلماء ﵏ في القدر الذي تجب به الفدية لحلق الشعر، وتقليم الأظفار على أقوال:\nالقول الأول: أن من حلق ثلاث شعرات، أو قلم ثلاثة أظفار فعليه الفدية، وهو مذهب الإمام أحمد والشافعي، وأما ما دون ذلك، فعند أحمد: أن في كل واحد من ذلك: مد من طعام، وعنه قبضة، وعنه درهم، والشافعي كذلك: في الشعرة مد، وفي الشعرتين مدان [المغني لابن قدامة،\n٥/ ٣٨٧ - ٣٨٨، والمقنع مع الإنصاف والشرح الكبير، ٨/ ٢٢٣ - ٢٢٧].\nالقول الثاني: إذا حلق أربع شعرات فعليه الفدية، وهو رواية عن الإمام أحمد [المغني، ٥/ ٣٨٢، و٥/ ٣٨٧، والمقنع مع الشرح الكبير، والإنصاف، ٨/ ٢٢٣، وأضواء البيان].\nالقول الثالث: إذا حلق خمس شعرات فصاعدًا، وهو رواية عن الإمام أحمد، ذكرها المرداوي في الإنصاف، ٨/ ٢٢٤.\nالقول الرابع: إذا حلق ربع الرأس، فعليه الفدية، وهو مذهب أبي حنيفة [أضواء البيان،٥/ ٣٩٩].\nالقول الخامس: إذا حلق ما يحصل له به زوال أذى، أو يحصل له بذلك ترفّه، فعليه الفدية، أما ما دون ذلك فيتصدق فيه بحفنة، وهي يد واحدة: وهو مذهب الإمام مالك وأصحابه [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٩٨ - ٤٠٠، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ١٣٥].\nومن أراد زيادة التفصيل والتحقيق في مسألة حلق الشعر وتقليم الأظفار، فلينظر: أضواء البيان للشنقيطي ﵀، ٥/ ٣٩٨ - ٤٠٦.\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «وأقرب الأقوال إلى ظاهر القرآن هو الأخير - إذا حلق ما به إماطة للأذى وهو مذهب الإمام مالك» [الشرح الممتع، ٧/ ١٣٥].\nوقد ذكر هذه الأقوال الخمسة أيضًا ابن مفلح في الفروع، ٥/ ٣٩٨ - ٤٠٤.","vol":"1","page":281},{"text":"المخيط، ولبس القفازين، وانتقاب المرأة، واستعمال الطيب، الفدية في كل واحد من هذه المحظورات: إما ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع مما يطعم، وإما صيام ثلاثة أيام، يختار ما شاء من هذه الأمور الثلاثة، فإن اختار الشاة فرق جميع اللحم على الفقراء، ولا يأكل منه شيئًا، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١).\nوعن كعب بن عُجرة - ﵁ - عن رسول اللَّه - ﷺ - أنه قال: «لعلك آذاك هوامُّك؟» قال: نعم يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة» وفي رواية\nللبخاري عن عبد اللَّه بن معقل قال: جلست إلى كعب بن عُجرة - ﵁ - فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة، حُمِلتُ إلى رسول اللَّه - ﷺ -، والقمل يتناثر على وجهي فقال: «ما كنت أرى الوجع بلغ\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.","vol":"1","page":282},{"text":"بك ما أرى، أو ما كنت أرى الجَهْدَ بلغ بك ما أرى؟ تجد شاة؟» فقلت: لا، قال: «فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع». وفي لفظ للبخاري: «أيؤذيك هوامُّ رأسك» قلت: نعم، قال: «فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة». وفي لفظ للبخاري: «... أما تجد شاة؟» قلت: لا، قال: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام». وفي رواية للبخاري: «فدعا الحلاق فحلقه ثم أمرني بالفداء» (١).\nوهذا نص في الحلق، أما بقية هذه المحظورات فقاسها أهل العلم على حلق الرأس فجعلوا فيها هذه الفدية؛ لأن ذلك يحرم في حال الإحرام فأشبه حلق الرأس، واللَّه أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>٢ - الوطء الذي يوجب الغسل: </span>فمن جامع في الفرج (٣) قبل التحلل\nالأول فسد حجه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا بالجماع (٤). ويجب عليه أن يتمه، ويقضيه بعد\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المحصر، باب قول اللَّه تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. [البقرة: ١٩٦].برقم ١٨١٤،وزيادات الروايات من أطراف الحديث في البخاري، برقم ٤١٩٠ و٤٥١٧، ٥٦٦٥،وأخرجه مسلم، كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ووجوب الفدية لحلقه، وبيان قدرها، برقم ١٢٠١.\n(٢) انظر شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٩، والمغني، ٥/ ٣٨١ - ٣٨٩، وانظر فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١١٨، والفتاوى الإسلامية، ٢/ ٢٣٢، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ١٩٥.\n(٣) قال الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٣٨٦: «والأظهر أن الإتيان في الدُّبر كالجماع في إفساد الحج، وكذلك الزنا أعاذنا اللَّه وإخواننا المسلمين من فعل كل ما لا يرضي اللَّه تعالى».\n(٤) الإجماع لابن المنذر، ص ٦٣.","vol":"1","page":283},{"text":"ذلك؛ لأن عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، وعبد اللَّه بن عباس - ﵃ - أفتوا بذلك (١)، وغيرهم من الصحابة - ﵃ - جميعًا (٢).\nوعليه بدنة يفرق لحمها على الفقراء بمكة حرسها اللَّه تعالى (٣) (٤).\nفعن عمرو بن شعيب، عن أبيه أن رجلًا أتى عبد اللَّه بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته، فأشار إلى عبد اللَّه بن عمر، فقال: اذهب إلى ذلك فسله، قال شعيب فلم يعرفه الرجل فذهبت معه، فسأل ابن عمر فقال: بطل حجك، فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس واصنع ما\nيصنعون، فإذا أدركت قابلًا فحج واهدِ، فرجع إلى عبد اللَّه بن عمرو وأنا معه، فأخبره فقال: اذهب إلى ابن عباس فسله، قال شعيب فذهبت معه إلى ابن عباس فسأله، فقال له كما قال ابن عمر، فرجع إلى عبد اللَّه بن عمرو، وأنا معه، فأخبره بما قال ابن عباس، ثم قال: ما تقول أنت؟\n_________\n(١) البيهقي، ٥/ ١٦٧، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٦٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٣٤.\n(٢) انظر: المجموع للنووي، ٧/ ٣٨٤.\n(٣) انظر: شرح العمدة، ٢/ ٢٢٧، والمغني، ٥/ ١٦٦، والاستذكار لابن عبد البر، ١٢/ ٢٨٨.\n(٤) الجماع في الحج للمحرم قبل التحلل الأول يترتب عليه خمسة أمور على النحو الآتي:\nالأمر الأول: الإثم، فعليه التوبة إلى اللَّه تعالى، والاستغفار من هذا العمل المحرم؛ لأنه عصى اللَّه لقوله: (فلا رَفَثَ) [البقرة، الآية: ١٩٧].\nالأمر الثاني: فساد الحج فلا يعتبر هذا الحج صحيحًا؛ لأن الصحابة - ﵃ - قضوا وأفتوا بذلك.\nالأمر الثالث: وجوب المضي فيه، وإكماله فاسدًا، لقوله تعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة:١٩٦].\nالأمر الرابع: وجوب القضاء من العام القادم بدون تأخير؛ لأنه ثبت الأمر بذلك في فتوى بعض الصحابة.\nالأمر الخامس: عليه الفدية، وهي بدنة تنحر في القضاء؛ لثبوت ذلك عن بعض الصحابة - ﵃ -. [الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٧/ ١٨٠ - ١٨٣، ٧/ ٢١٤]. ورجَّح العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٣٨١: أن القضاء يجب على الفور في السنة الآتية.","vol":"1","page":284},{"text":"فقال: قَوْلي مثل ما قالا» (١). واللَّه تعالى أعلم (٢) (٣).\nقال الإمام النووي ﵀: «إذا وطئ القارن فسد حجُّه وعمرته، ولزمه المضي في فاسدهما، وتلزمه بدنة للوطء، وشاة بسبب القران، فإذا قضى لزمته شاة أخرى، سواء قضى قارنًا أو مفردًا؛ لأنه توجَّه عليه القضاء قارنًا، فإذا قضى مفردًا لا يسقط عنه دم القران، قال العبدري:\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحج، باب ما يفسد الحج، ٥/ ١٦٧ - ١٦٨، وقال: «هذا إسناد صحيح، وفيه دليل على صحة سماع شعيب بن محمد بن عبد اللَّه من جده عبد اللَّه بن عمرو. ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم، ٢/ ٦٥، وقال: «هذا حديث ثقات رواته حفاظ، وهو كالآخذ باليد في صحة سماع شعيب بن محمد عن جده عبد اللَّه بن عمرو، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٣٣، ٢٣٤، برقم ١٠٤٣.\n(٢) ويكون الإحرام بالحج من العام القادم من الميقات الذي أحرم منه بالحج الذي أفسده؛ لأن ذلك جاء عن بعض الصحابة - ﵃ -: منهم عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس - ﵃ -. [السنن الكبرى، للبيهقي، ٥/ ١٦٧]، ورجَّحه الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٨٣.\nوجاء عن بعض الصحابة - ﵃ -: أنهما إذا أحرما بالحج من العام القادم يتفرقان حتى يقضيا حجهما، روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وابن عباس - ﵃ -[سنن البيهقي، ٥/ ١٦٧]، ورجَّحه الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٣٨١.\nوأفتى شيخنا ابن باز ﵀: أن من جامع قبل التحلل الأول عليه بدنة، تجزئ في الضحية، وعلى زوجته مثل ذلك إن كانت مطاوعة، تذبحان في الحرم لفقراء مكة، فإن عجزا فعلى كل واحد صيام عشرة أيام، وعليهما الحج من قابل بدل الحجة التي أفسداها بالوطء، يحرمان من المحل الذي أحرما منه بالحج الأول، وعليهما التوبة الصادقة، والاستغفار من هذا الذنب العظيم، مع الإكثار من الاستغفار والعمل الصالح. [مجموع فتاوى ابن باز في أركان الإسلام: إعداد عبد اللَّه الطيار وأحمد بن باز، فتاوى الحج والعمرة، ٦/ ٩٨]. نشر دار الوطن، وانظر: أضواء البيان، ٥/ ٣٨١، ٣٨٣.\n(٣) قال شيخنا ابن باز ﵀: «من جامع زوجته قبل التحلل الأول: بطل حجه وحجها، ووجب على كل واحد منهما بدنة، مع إتمام مناسك الحج، فمن عجز منهما عنها [أي عن البدنة] صام عشرة أيام، وعليهما الحج من قابل مع الاستطاعة والاستغفار والتوبة». [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٣٢].","vol":"1","page":285},{"text":"وبهذا كلِّه قال مالك وأحمد» (١).\nأما من حصل له الجماع بعد التحلل الأول؛ فإنه لا يبطل حجه وعليه ذبح شاة يفرق لحمها على مساكين الحرم، والمرأة مثل الرجل في الفدية إذا كانت مطاوعة (٢).\nوقيل عليه مع ذلك - إذا كان الباقي من أعمال التحلل الثاني هو طواف الإفاضة - أن يخرج إلى أدنى الحل خارج الحرم ويحرم منه ويطوف طواف الإفاضة ويسعى بعده وهو محرم (٣) والأصل في ذلك ما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي» (٤) (٥)، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٦).\n_________\n(١) استظهره الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٣٨٨، ونقله عن شرح المهذب للنووي.\n(٢) انظر: شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٢٣٨، ٣٦٧، والاستذكار لابن عبد البر، ١٢/ ٣٠٤، وأضواء البيان، ٥/ ٣٧٨.\n(٣) المغني، ٥/ ٣٧٥، وشرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٢٣٦، و٢/ ٢٣٨، وفتاوى ابن إبراهيم،\n٥/ ٢٢٨، واللقاء الشهري لابن عثيمين، ١٠/ ٦٧، والاستذكار لابن عبد البر، ١٢/ ٣٠٤.\n(٤) البيهقي،٥/ ١٧١،والإمام مالك في الموطأ،١/ ٣٨٤،قال الألباني في إرواء الغليل: «إسناده صحيح»، ٤/ ٢٣٥.\n(٥) أفتى شيخنا عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀: أن من جامع زوجته قبل طواف الإفاضة بعد التحلل الأول، فعليه التوبة إلى اللَّه تعالى، وعليه دم يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء، ولا يلزمه بذلك الذهاب إلى الحل، وإنما عليه التوبة إلى اللَّه، والفدية، والطواف والسعي إن كان قارنًا أو مفردًا ولم يسع مع طواف القدوم، أما إن كان متمتعًا فعليه السعي بعد طواف الإفاضة؛ لأن السعي الأول لعمرته. [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ١٣٣، ١٨٠]. وأفتى ﵀ أن من عجز عن ذبح شاة أو سبع بقرة أو سبع بدنة فلم يستطع ذلك في الفدية لهذا العمل، فعليه أن يصوم عشرة أيام، وزوجته مثله في ذلك كله إن كانت مطاوعة. [مجموع الفتاوى لابن باز، ١٦/ ١٣٢ - ١٣٣].\n(٦) ذكر رحمه اللَّه تعالى: أن ابن عمر ﵄ أوجب على من وطيء بعد التحلل الأول وقبل طواف الإفاضة، أن يحج عامًا قابلًا، وأن ابن عباس ﵄ أوجب عليه أن يعتمر، فإذا اختلف الصحابة على قولين: أحدهما إيجاب حج كامل، والثاني: إيجاب عمرة لم يجز الخروج عنهما ... ولا يعرف في الصحابة من قال بخلاف هذين القولين وقد تقدم أنه لا يفسد جميع الحج فبقي قول ابن عباس ﵄. شرح العمدة، ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>٣ - جزاء الصيد: إن كان للصيد مثل خُيِّر </span>(١) بين ثلاثة أشياء:\n_________\n(١) مسائل تتعلق بجزاء الصيد للمحرم:\n١ - ذهب عامة أهل العلم وهم الجمهور على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا﴾. فالمعنى: فمن قتله منكم متعمدًا لقتله ذاكرًا لإحرامه كما هو صريح الآية، فقاتل الصيد متعمدًا عالمًا بإحرامه عليه الجزاء المذكور في الآية بنص القرآن العظيم، وهو قول عامة العلماء خلافًا لمجاهد ولم يذكر اللَّه تعالى في هذه الآية الكريمة حكم الناسي والمخطئ. [أضواء البيان، ٢/ ١٤٢].\n٢ - لا خلاف بين العلماء أن الناسي والمخطئ لا إثم عليهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥].\nأما وجوب الجزاء عليهما فاختلف فيه العلماء: فذهب جماعة من العلماء: منهم المالكية، والحنفية، والشافعية إلى وجوب الجزاء في الخطأ والنسيان، لدلالة الأدلة أن غرم المتلفات لا فرق فيه بين العامد وغيره، وذهب بعض العلماء إلى أن الناسي والمخطئ لا جزاء عليهما، وبه قال: الطبري، وأحمد في إحدى الروايتين، وهو مذهب داود، وذكر عن ابن عباس؛ لأن مفهوم الآية يدل على أن غير المتعمد ليس كذلك؛ ولأن الأصل براءة الذمة، قال العلامة الشنقيطي: «هذا القول قوي جدًا من جهة النظر والدليل» [أضواء البيان، ٢/ ١٤٤].\n٣ - إذا صاد المحرم الصيد فأكل منه فعليه جزاء واحد لقتله، وليس في أكله إلا التوبة والاستغفار، وهذا قول الجمهور من العلماء.\n٤ - إذا قتل المحرم الصيد مرة بعد مرة حكم عليه بالجزاء في كل مرة، في قول جمهور العلماء.\n٥ - إذا دل المحرم حلالًا على صيد فقتله فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى أن المحرم الدال يلزمه جزاؤه كاملًا؛ لأنه المتسبب، وقاتل الصيد لا يمكن تضمينه لأنه حلال، قال الشنقيطي ﵀: «وهذا القول هو الأظهر» [أضواء البيان، ٢/ ١٤٥].\n٦ - إذا دل المحرم محرمًا آخر على الصيد فقتله فقال بعض العلماء عليهما جزاء واحد بينهما، وهو مذهب الإمام أحمد، وقيل: على كل واحد منهما جزاء كامل، وقيل الجزاء كله على المحرم المباشر، وليس على المحرم الدال إلا الاستغفار والتوبة [أضواء البيان، ٢/ ١٤٦].\n٧ - إذا اشترك المحرمون في قتل صيد بأن باشروا قتله كلهم، فقال مالك وأبو حنيفة على كل واحد منهم جزاء كامل، وقال الشافعي ومن وافقه: عليهم كلهم جزاء واحد، والعلم عند اللَّه تعالى. [أضواء البيان ٢/ ١٤٧].\n٨ - إذا قتل المحلون صيدًا في الحرم، فقيل عليهم جزاء واحد كما ذكر عن أبي حنيفة، وقال مالك: على كل واحد منهم جزاء. [أضواء البيان ٢/ ١٤٧].\n٩ - الصيد ينقسم إلى قسمين: قسم له مثل من النعم، كبقر الوحش، وقسم لا مثل له من النعم كالعصافير، وسيأتي التفصيل في المتن. [أضواء البيان ٢/ ١٤٧].\n١٠ - إذا كان ما قتله المحرم بيضًا، فأكثر العلماء يرون أن في بيض كل طائر قيمته، قال الشنقيطي: وهو الأظهر [أضواء البيان ٢/ ١٥٤].\n١١ - أجمع العلماء على أن صيد الحرم المكي ممنوع، وأن قطع شجره ونباته حرام إلا الإذخر، وشجر الحرم ونباته: طرفان وواسطة: طرف لا يجوز قطعه إجماعًا وهو ما أنبت اللَّه في الحرم من غير تسبب الآدميين إلا الإذخر. وطرف يجوز قطعه إجماعًا، وهو ما زرعه الآدميون من الزروع، والبقول، والرياحين ونحوها، وطرف اختلف فيه، وهو ما غرسه الآدميون من غير المأكول والمشموم: كالأثل، والعوسج فأكثر العلماء على جواز قطعه. [أضواء البيان ٢/ ١٥٦].","vol":"1","page":287},{"text":"\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>إما ذبح المثل وتوزيع جميع لحمه على فقراء مكة</span>، لقول اللَّه تعالى:\n﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١).\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-407> وإما أن ينظر كم يساوي هذا المثل ويخرج ما يقابل قيمته </span>طعامًا يفرَّق على\nالمساكين لكل مسكين نصف صاع؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (٢).\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-408> وإما أن يصوم عن طعام كل مسكين يومًا</span>؛ لقوله تعالى: ﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٣).\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-409> فإن لم يكن للصيد مثل خُيِّر بين شيئين:</span>\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٩٥.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٩٥.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٩٥.","vol":"1","page":288},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-410> إما أن ينظر كم قيمة الصيد المقتول ويخرج ما يقابلها </span>طعامًا ويفرقه على المساكين لكل مسكين نصف صاع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا </span>(١)، قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام﴾ (٢) (٣).\n_________\n(١) انظر: شرح العمدة، ٢/ ٢٨٠، ٣٢٦، والمنهج لمريد العمرة والحج لابن عثيمين، ص ٤٨، والشرح الممتع لابن عثميين، ٧/ ١٩٦، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٤٦٧.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٩٥.\n(٣) المقتول من الصيد قسمان:\nالقسم الأول: قضت فيه الصحابة - ﵃ -، فيجب فيه ما قضت به، وبهذا قال الإمام أحمد والشافعي وعطاء وإسحاق.\nوقال الإمام مالك: يستأنف الحكم فيه؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة:٩٥].\nوالصواب: أنه يجب ما قضت به الصحابة؛ لأنهم أقرب إلى الصواب وأبصر بالعلم، فكان حكمهم حجة على غيرهم، كالعالم مع العامي.\n\" ... القسم الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة؛ لقوله تعالى:\n﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ فيحكمان فيه بأشبه الأشياء من النعم: من حيث الخلقة، والصورة، لا من حيث القيمة، سواء كانت قيمته أزيد من قيمة الصيد المقتول أو أنقص، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة» ثم ذكر الأدلة [شرح العمدة،\n٢/ ٢٨١]. وقال ابن قدامة: «بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة، وليس من شرط الحكم أن يكون فقيهًا؛ لأن ذلك زيادة على أمر اللَّه تعالى به، لكن تعتبر العدالة؛ لأنها منصوص عليها، ولأنها شرط في قبول القول على الغير في سائر الأماكن، وتعتبر الخبرة؛ لأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا لمن له خبرة». [المغني لابن قدامة، ٥/ ٤٠٤ - ٤٠٥].","vol":"1","page":289},{"text":"ومن الصيد الذي له مثل من النعم: الضبع؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: سألت رسول اللَّه - ﷺ - عن الضَّبُع؟ قال: «هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم» (١).\nوقضى عمر بن الخطاب - ﵁ - «في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة» (٢). والجفرة من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر وفُطِمَت وفُصلت عن أمها ورعت (٣).\nوقضى ابن عباس ﵄ في حمام الحرم على المحرم والحلال في كل حمامة شاة (٤)، وقال الإمام مالك: «لم أزل أسمع أن في النعامة إذا قتلها\nالمحرم بدنة» (٥) وغير ذلك مما له مثل (٦).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأطعمة، باب في أكل الضبع، برقم ٣٨٠١، والدارمي، ٢/ ٧٤، والحاكم،\n١/ ٤٥٢، والبيهقي، ٥/ ١٨٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٤٨، وفي إرواء الغليل، ٤/ ٢٤٢، برقم ١٠٥٠.\n(٢) مالك في الموطأ،١/ ٤١٤،والبيهقي،٥/ ١٨٣، ١٨٤،وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٤٥.\n(٣) انظر: إرواء الغليل، ٤/ ٢٤٥، ٢٤٦، وقال: «صحيح موقوفًا»، وأخرجه البيهقي بمعناه،\n٥/ ١٨٤، وانظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ٢٧٧.\n(٤) البيهقي، ٥/ ٢٠٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٤٧.\n(٥) موطأ الإمام مالك، ١/ ٤١٥.\n(٦) وقد نقل الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٤٠٢ - ٤٠٥، وشيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة إجماع الصحابة - ﵃ - على أن المثل: ما مثال الصيد من جهة الخلقة والصورة سواء كانت قيمة أزيد من قيمة المقتول أو أنقص، ولفظ ابن قدامة: «وأجمع الصحابة على إيجاب المثل، فقال عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية: في النعامة بدنة، وحكم أبو عبيدة، وابن عباس في حمار الوحش ببدنة، وحكم عمر فيه ببقرة، وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة، وإذا حكموا بذلك في الأزمنة المختلفة، والبلدان المتفرقة دل ذلك على أنه ليس على وجه القيمة ...» [المغني، ٥/ ٤٠٢].\nومما ذكر عن الصحابة قضاؤهم فيه: الضبع فيه كبش، قضى به عمر، وعلي، وجابر، وابن عباس [وقد قضى فيه رسول اللَّه - ﷺ - قبلهم بكبش إذا صاده المحرم، كما تقدم] وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وفي حمار الوحش بقرة، روي ذلك عن عمر، وقال عروة وغيره، وروي أن فيه بدنة كما جاء عن أبي عبيدة وابن عباس، وفي بقرة الوحش بقرة، روي ذلك عن ابن مسعود، والأيّل فيه بقرة، قال ابن عباس، والوعل، والتَّيثل بقرة [الوعل: التيس الجبلي، والأروى: شاة الوحش وهي أنثاه، والتَّيثل: هو الذكر المسن من الأوعال، والأيل: ذكر الأوعال] والأروى فيها بقرة، ذكر ذلك عن ابن عمر، وفي الظبي شاة، ثبت ذلك عن عمر، وفي الوبر شاة، وقيل: فيه جفرة؛ لأنه ليس بأكبرمنها [والجفرة من أولاد المعز ما أتى عليها أربعة أشهر، وفصلت عن أمها، والذكر جفر، وفي اليربوع جفرة، ذكر ذلك عن ابن عمر، وابن مسعود، وفي الضب جدي، قضى به عمر، وذكر عن جابر: أن فيه شاة، وفي الأرنب عناق، قضى به عمر [والعناق: الأنثى من ولد المعز في أول سنة] المغني لابن قدامة، ٥/ ٤٠٣ - ٤٠٤، وشرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٣٨٣.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية «وما لم يحكم فيه الصحابة أو لم يبلغنا حكمهم فلا بد من استئناف حكم حاكمين، ويجب أن يكونا عدلين، كما قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ «ولا بد أن يكونا من أهل الخبرة» [شرح العمدة، ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦]، وانظر: الفروع لابن مفلح، ٥/ ٤٩٣ - ٥١٠.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>٤ - المباشرة بشهوة فيما دون الفرج: </span>كالقبلة بشهوة، والمفاخذة،\nوالمس بشهوة ونحو ذلك سواء أنزل أو لم ينزل. من وقع منه ذلك فقد ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام، وحجه صحيح لكن\nعليه أن يستغفر اللَّه ويتوب إليه، وقال بعض العلماء المحققين: ويجبر ذلك بذبح رأس من الغنم يجزئ في الأضحية يُوزِّعه على فقراء\nالحرم المكي (١)،وإن أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صام ثلاثة أيام أجزأه ذلك إن شاءاللَّه تعالى، ولكن الأحوط أن يذبح شاة كما\n_________\n(١) انظر: شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٢١٧ - ٢٢٣، والمغني لابن قدامة، ٥/ ١٦٩، وفتاوى إسلامية لابن باز وابن عثيمين، وابن جبرين واللجنة الدائمة، ٢/ ٢٣٢، والفتاوى الإسلامية جمع وإشراف قاسم الشماغي، ٢/ ٢١٢، قال سماحة الشيخ ابن باز هنا: والأحوط له: ذبح شاة.","vol":"1","page":291},{"text":"تقدم. واللَّه أعلم (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>رابعًا: من كرر محظورًا من جنس واحد ولم يفدِ فدى مرة بخلاف صيد:</span>\nفإذا قلم أظفاره مرتين أو أكثر، أو حلق رأسه مرتين أو أكثر، أو لَبِس مخيطًا مرتين أو أكثر، أو باشر مرتين أو أكثر، وهو من جنس واحد فإن عليه فدية واحدة إذا لم يفدِ، قياسًا على تعدد الأحداث من جنس واحد فيكفيه\nوضوء واحد، أما إذا فدى عن الأولى فإنه يفدي عن الثاني؛ لأن الأول انتهى وبرئت ذمته منه بفديته، فيكون الثاني تجديدًا بخلاف الصيد، فإن الفدية تتعدد بتعدده ولو برمية واحدة (٣). والعلم عند اللَّه تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>خامسًا: من فعل محظورًا من أجناس فدى لكل مرة رفض إحرامه أو لا</span>.\nفإذا لبس القميص، وتطيب، وحلق، وقلم أظفاره، وغَطَّى رأسه،\n_________\n(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٦/ ١١٨ - ١١٩: «... وفي الإنزال بغير الجماع نزاع ...» ثم قال: «فإن قبل بشهوة، أو أمذى بشهوة فعليه دم».\nوقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز: «لا يفسد حج من قبَّل امرأته وأنزل بعد التحلل الأول، وعليه أن يستغفر اللَّه ولا يعود لمثل هذا العمل، ويجبر ذلك بذبح رأس من الغنم يجزي في الأضحية، يوزعه على فقراء الحرم المكي، والواجب المبادرة إلى ذلك حسب الإمكان». [مجموع فتاوى اللجنة الدائمة، ١١/ ١٨٨]، وانظ: مجموع الفتاوى لابن باز، ١٦/ ١٣٣.\n(٢) وأفتى شيخنا عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀: من تعاطي العادة السرية واستمناء حتى أنزل وهو محرم بالحج قبل الوقوف بعرفة: أن عليه التوبة إلى اللَّه تعالى؛ لأن تعاطي العادة السرية محرم في الحج وغيره، وعليه ذبيحة يذبحها في مكة للفقراء [مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ١٣٨، ١٣٩،و١٦/ ١٣٣].\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «المباشرة بدون إنزال فيه فدية أذى، وبالإنزال على القول الصحيح فيه فدية أذى» [الشرح الممتع، ٧/ ٢١٥]، وانظر: كتاب الفروع لابن مفلح، ٥/ ٤٦١.\n(٣) انظر: شرح العمدة، لابن تيمية، ٢/ ٢٨١ - ٢٨٤، والمغني لابن قدامة، ٥/ ٣٩٠، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٥٣٥، الشرح الممتع، ٧/ ٢١٩.","vol":"1","page":292},{"text":"فهذه خمسة أجناس فعليه خمس فدى، سواء فعل المحظور بعد أن رفض الإحرام ونوى الخروج أم لا؛ لأن بعض العلماء يرى أنه إذا رفض إحرامه ارتفض وحل، والصواب أنه يبقى على إحرامه ولو رفضه؛ لأنه لا يمكن الخروج من النسك إلا بواحد من ثلاثة أمور هي: إتمام النسك، التحلل إن اشترط، الحصر بشروطه (١).\nواختار شيخنا ابن باز ﵀: أن من فعل محظورًا من أجناس وهو يعلم الحكم الشرعي، وأنه لا يجوز له ذلك بعد الدخول في الإحرام؛ فإن عليه الفدية لكل محظور كفارة مستقلة: وهي إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف الصاع، من قوت البلد، أو ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام: عن لبس المخيط، ومثل ذلك عن تغطية الرأس، ومثل ذلك عن الطيب، ومثل ذلك عن قلم الأظفار، ومثل ذلك عن حلق الشعر، أما إذا كان\nجاهلًا فليس عليه شيء (٢). والعلم عند اللَّه تعالى.\n_________\n(١) انظر: شرح العمدة، ٢/ ٣٩٠ - ٣٩٢، المغني لابن قدامة، ٥/ ٣٩١، والفروع لابن مفلح،\n٥/ ٥٣٨، الشرح الممتع، ٧/ ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، جمع عبد اللَّه الطيار وأحمد بن باز، ٧/ ١٢٣، ٧/ ٣١٥، وانظر للفائدة، ٥/ ٣٩١، مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ١٦٧، ١٧٧، مجموع فتاوى الحج والعمرة له، ٦/ ٢٣٢. وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٤٨١ - ٤٨٨.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>المبحث الثامن عشر: الإحصار عن البيت الحرام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>أولًا: مفهوم<span data-type=\"title\" id=toc-417> الإحصار لغة </span>واصطلاحًا:</span>\nالإحصار لغة: قال ابن فارس ﵀: «الحاء والصاد والراء، وهو الجمع والحبس، والمنع» (١).\nوالحصر: كالضرب والنصر: التضييق والحبس عن السفر وغيره (٢) (٣).\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة لابن فارس، ص ٢٦٨، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n(٢) القاموس المحيط، باب الراء، فصل الحاء، ص ٤٨٠.\n(٣) والحَصَر: ضيق الصدر، وإذا ضاق المرء عن أمر قيل: حصر صدر المرء عن أهله يحصر حصرًا، لقوله تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]. وحَصَره، يحصُرُه، حَصْرًا فهو محصور، وحصيرٌ، وأحصره كلاهما: حبسه عن السفر، وأحصره المرض: منعه من السفر أو من حاجة يُريدها، [لسان العرب لابن منظور، باب الراء، فصل الحاء، ٤/ ١٩٣].\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم أن أكثر علماء العربية يقولون: إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو نحوه، قالوا: تقول العرب: أحصره المرض يُحصِره بضم الياء وكسر الصاد إحصارًا. وأما ما كان من العدو فهو: الحصر، تقول العرب: حصر العدوُّ يَحصُره بفتح الياء وضم الصاد قَصْرًا بفتح فسكون، ومن إطلاق الحصر على ما كان من العدو قوله تعالى:\n﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ومن إطلاق الإحصار على غير العدوّ كما ذكرنا عن علماء العربية قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾»] أضواء البيان، ١/ ١٨٥].\nوقال ابن الأثير ﵀: «الإحصار: المنع والحبس، يقال: أحصره المرض، أو السلطان إذا منعه عن مقصده، فهو مُحْصَرٌ، وحصره إذا حبسه، فهو محصور»، [النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ١/ ٣٩٥].\nوقال الفيومي ﵀: «حصره العدوّ حصرًا: من باب قتل: أحاطوا به ومنعوه من المضي لأمره، وقال ابن السِّكِّيت وثعلب: حصره العدوُّ في منزله: حبسه، وأحصره المرض بالألف منعه من السفر، وقال ابن الفراء: هذا هو كلام العرب وعليه أهل اللغة، وقال ابن القوطيَّة وأبو عمرو الشيباني: «حصره العدوُّ والمرض وأحصره كلاهما بمعنى حبسه»، [المصباح المنير للفيومي، ١/ ١٣٨].","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>والإحصار شرعًا: </span>المنع من المضي إلى بيت اللَّه الحرام (١).\nوقيل: المنع عن إتمام الحج والعمرة، أوهما، لا الواجبات (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>ثانيًا: من أحرم بحج أو عمرة ثم مُنِعَ من الوصول إلى البيت </span>بحصر عدوّ، أو بمرضٍ، أو ضياع نفقة، أو كسر، أو حادث، ولم يستطع أن يذهب من طريق آخر، فعليه أن يبقى على إحرامه إذا كان يرجو زوال هذا الحابس أو المانع قريبًا، كأن يكون المانع سيلًا، أو عدوًّا يمكن التفاوض معه في الدخول وأداء الطواف والسعي، وبقية المناسك ولا يعجل في التحلل؛ لأن النبي - ﷺ - في غزوة الحديبية لم يعجل، بل مكث هو وأصحابه للمفاوضات مع أهل مكة مدة يوم الحديبية لعلهم يسمحون لهم بالدخول؛ لأداء العمرة بدون قتال، فلمَّا لم يتيسر ذلك وصمَّموا على المنع إلا بالحرب، وفرغ رسول اللَّه من قضية الكتاب قال لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا ...» قال الراوي: «فواللَّه ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي اللَّه أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَه، ودعا\nحالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلقوا\n_________\n(١) معجم لغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص ١٥٩.\n(٢) حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٤/ ٢٠٦.","vol":"1","page":295},{"text":"بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا ...» (١).\nوكان تأخر الصحابة - ﵃ - عن النحر والحلق رغبة في أداء العمرة، وغيظًا على الكفار، ويرجون أن ينزل اللَّه الوحي على رسوله - ﷺ - فيغيِّر ما صمَّم عليه من المعاهدة، وليس ذلك بمعصية منهم - ﵃ -، فلما رأوا رسول اللَّه - ﷺ - نحر ثم حلق أيقنوا أنه لا عمرة، ولا قتال، فنحروا ثم حلقوا.\nوإذا قدر المحصر على الهدي فليس له الحلّ قبل ذبحه، ثم يحلق، فإن كان معه هدي قد ساقه أجزأه، وإن لم يكن لزمه شراؤه إن أمكنه، وله نحره في موضع حصره (٢).\nوبيَّن شيخنا ابن باز ﵀: أن المحصر يذبح هديه في المكان الذي أُحْصِرَ فيه، ولو خارج الحرم، ويُعطى للفقراء (٣).\nوكذلك إذا كان المانع من إكمال الحج أو العمرة: مرض، أو حادث، أو ضياع نفقة، فإنه إذا أمكنه الصبر لعله يزول المانع، أو أثر الحادث، ثم يكمل صبر، وإن لم يتمكن من ذلك فهو محصر على الصحيح، يذبح، ثم\nيحلق، أو يقصر، ويتحلل (٤)، كما قال سبحانه: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهُ\n_________\n(١) انظر: قصة صلح الحديبية والمفاوضة العظيمة في صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابه الشروط، برقم ٢٧٣١.\n(٢) المغني، لابن قدامة، ٥/ ١٩٦ - ١٩٨، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٨/ ١٨.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٥٤، و١٨/ ٧، ٩، ١٢.\n(٤) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في معنى الإحصار على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن المراد به حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس، وابن عمر، وأنس، وابن الزبير، وهو قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير - ﵃ -، وبه قال مروان وإسحاق، وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي ﵏، وعلى هذا القول: فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه، ويطوف بالبيت، ويسعى، ويحلق أو يقصر فيكون متحللًا بعمرة، وحجة هذا القول متركبة من أمرين:\nالأمر الأول: أن الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. [البقرة: ١٩٦] نزلت في صد المشركين النبي - ﷺ - وأصحابه، وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست من الهجرة بإجماع العلماء.\nالأمر الثاني: ما جاء في ذلك من الأحاديث والآثار، ومنها حديث ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: «أليس حسبكم سنة رسول اللَّه - ﷺ -» إن حُبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحل من كل شيء حتى يحج عامًا قابلًا فيهدي، أو يصوم إن لم يجد هديًا» [البخاري، برقم ١٨١٠]، ومن الآثار ما رواه الشافعي في مسنده والبيهقي عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: «لا حصر إلا حصر العدو» [أضواء البيان للشنقيطي، ١/ ١٨٦ - ١٨٧، والمغني لابن قدامة، ٥/ ١٩٤ - ٢٠٣، والشرح الكبير والإنصاف مع المقنع، ٨/ ٣١٢ - ٣٢٦].\nالقول الثاني: المراد بالإحصار أنه يشمل ما كان من عدو، ومرض ونحو ذلك من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم، وممن قال به: ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء وقتادة، وعروة بن الزبير، وإبراهيم النخعي، وعلقمة والثوري، والحسن، وأبو ثور، وداود، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد. وحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدو قد تقدمت في حجة الذي قبله، وأما من جهة شموله للإحصار بمرض، فحديث الحجاج بن عمر - ﵁ -، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «من كُسِرَ أو عرج، فقد حلَّ وعليه حجة أخرى». وفي لفظ أبي داود، وابن ماجه: «من عرج أو كسرَ أو مرض» [أحمد، ٣/ ٤٥٠، وأبو داود، برقم ١٨٦٢، والترمذي، برقم ٩٤٠، والنسائي، ٥/ ١٩٩، وابن ماجه، برقم ٣٠٧٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٤٩، ٣٥٠]. ولأنه محصر، يدخل في عموم الآية، ولقصة ضباعة بنت الزبير في الاشتراط، فلو كان المرض يبيح الحل ما احتاجت إلى شرط.\nالقول الثالث: المراد بالإحصار: أنه ما كان من المرض، ونحوه خاصة، دون ما كان من العدو، قال الشنقيطي: «ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمناه من أن الآية الكريمة نزلت في إحصار العدو عام الحديبية» [أضواء البيان، ١/ ١٩٠]. وانظر: المغني، ٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٩/ ٣١٢ - ٣٢٦.\nقال في الإنصاف عن اختيار القول الثاني وأن الإحصار يشمل المرض: «... ويحتمل أنه يجوز له التحلل كمن حصره عدو، وهو رواية عن أحمد، قال الزركشي: ولعلها أظهر، انتهى، واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: مثله حائض تعذر مقامها، وحرم طوافها، أو رجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزيارة أو لعجزها عنه، ولو لذهاب الرفقة، قال في الفروع: وكذا من ضل الطريق، الإنصاف، ٩/ ٣٢٥ - ٣٢٦، ورجح شيخنا ابن باز ﵀ أن الإحصار يشمل العدو والمرض، وعدم النفقة ونحو ذلك. انظر: مجموع الفتاوى له، ١٦/ ١٥٣، ١٨/ ٧، ١١، ١٨. وسمعته يقول أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ٢٦٧٨: «أما قول ابن عباس ﵄ لا حصر إلا من عدو» فقد خالفه غيره، والصواب أنه لا ينحصر في حصر العدو، بل من ضل السبيل، أو مرض أو ضاعت نفقته فإنه ينحر هديًا ويحلق أو يقصر ثم يحل فإن لم يجد هديًا صام عشرة أيام ثم حلق أو قصر ثم تحلل، أما إذا كان يستطيع الحاج أن يذهب إلى البيت ويتحلل بعمرة فهذا هو المطلوب». وقال في مجموع فتاويه، ١٨/ ٧، ٩، ١٢: «إذا لم يستطع المحصر الهدي صام عشرة أيام ثم حلق».\nوقال العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٧/ ٤٥٠: «والصحيح في هذه المسألة أنه إذا أحصر بغير عدو كما لو كان حصر بعدو لعموم الآية: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولم يقيد اللَّه تعالى الحصر بعدو».\nواختار شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية، ص ١٧٧ أن الحصر يكون بالعدو والمرض أو ذهاب النفقة.","vol":"1","page":296},{"text":"فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١).\nوعن عكرمة قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري - ﵁ - قال: قال\nرسول اللَّه - ﷺ -: «من كُسِرَ أو عَرِجَ فقد حلَّ وعليه الحجّ من قابل».\nقال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقالا: صدق.\nوعن الحجاج بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: «من كُسِرَ أو عَرِجَ، أو\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.","vol":"1","page":298},{"text":"مرض ...» (١).\nلكن إذا كان المحصر قد قال عند إحرامه: «فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني» (٢). حل من إحرامه ولم يكن عليه هدي، ولا قضاء (٣).\nوهل يجب على المحصر إذا حلَّ من إحرامه، ولم يكن قد اشترط القضاء أم لا يجب عليه؟ الراجح أنه لا يجب عليه القضاء، إلا إذا كانت حجة الإسلام أو عمرته، فيؤدي الفرض بعد ذلك (٤) (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود بلفظه، كتاب المناسك، باب الإحصار، برقم ١٨٦٢، ١٨٦٣، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الذي يهلُّ بالحج فيكسر أو يعرج، برقم ٩٤٠، بلفظ: «من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى»، والنسائي، بلفظ الترمذي، كتاب مناسك الحج، باب فيمن أحصر بعدو، برقم ٢٨٦٠، ٢٨٦١، وابن ماجه، بلفظ الترمذي والنسائي، كتاب المناسك، باب المحصر، برقم ٣٠٧٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٨١ - ٤٨٢، وفي المواضع الأخرى المذكورة.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٠٨٩،ومسلم، برقم ١٢٠٧،وتقدم تخريجه في الإحرام، مسائل في لإحرام.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٨/ ١٠ - ١١.\n(٤) انظر: زاد المعاد، ٢/ ٩١،والفتاوى الإسلامية، ٢/ ٢٨٨ - ٩٢٢، والمغني لابن قدامة، ٥/ ١٩٤، وتوضيح الأحكام من بلوغ المرام للبسام، ٣/ ٤٠٢، والاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ١٧٧، وأضواء البيان، ١/ ١٩١، وفتح الباري، ٤/ ١٢، ومعالم السنن، ٢/ ٣٦٨، وشرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٣٧٩.\n(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والمحصر بمرض أو ذهاب نفقة كالمحصر بعدو، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومثلهما حائض تعذر مقامها وحرم طوافها ورجعت ولم تطف، لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة، والمحصر يلزمه دم في أصح الروايتين، ولا يلزمه قضاء حجة، إن كان تطوعًا، وهو إحدى الروايتين» الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٧٧.\nوقال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ١٩٦: «فأما من لم يجد طريقًا أخرى فتحلل فلا قضاء عليه، إلا أن يكون واجبًا يفعله بالوجوب السابق في الصحيح من المذهب، وبه قال مالك والشافعي، وعن أحمد أن عليه القضاء، روي ذلك عن مجاهد، وعكرمة، والشعبي، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن النبي - ﷺ - لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل، وسميت عمرة القضية؛ ولأنه حلَّ من إحرامه قبل إتمامه فلزمه القضاء كما لو فاته الحج ...». ثم ردَّ هذا القول ابن قدامة ﵀ فقال: «ووجه الأول أنه تطوع جاز التحلل منه مع صلاح الوقت له، فلم يجب قضاؤه، كما لو دخل في الصوم يعتقد أنه واجب فلم يكن، فأما الخبر فإن الذين صدُّوا كانوا ألف وأربعمائة، والذين اعتمروا مع النبي - ﷺ - كانوا نفرًا يسيرًا، ولم ينقل إلينا أن النبي - ﷺ - أمر أحدًا بالقضاء، وأما تسميتها عمرة القضية، فإنما يعني بها القضية التي اصطلحوا عليها واتفقوا عليها، ولو أرادوا غير ذلك لقالوا: عمرة القضاء، ويفارق الفوات؛ فإنه مفرِّط بخلاف مسألتنا». المغني لابن قدامة، ٥/ ١٩٦، وانظر: المقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٩/ ٣١٢ - ٣٢٧، ٣٢٨، وشرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة، ٢/ ٢٧٤، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ١٨٦١، يبين أن قضاء المحصر على من لم يحج حجة الإسلام.\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ١/ ١٩١: «... وجوب البدل بحجة أخرى أو عمرة أخرى لو كان يلزم لأمر النبي - ﷺ - أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها المشركون» قال الإمام البخاري ﵀: «باب من قال ليس على المحصر بدل ... عن ابن عباس ﵄: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع ... وقال مالك وغيره: ينحر هديه، ويحلق في أي موضع كان، ولا قضاء عليه؛ لأن النبي - ﷺ - وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا، وحلوا من كل شيء قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النبي - ﷺ - أمر أحدًا أن يقضوا شيئًا، ولا يعودوا له، والحديبية خارج من الحرم» البخاري، قبل الحديث رقم ١٨١٣.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>المبحث التاسع عشر: ما يباح للمحرم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>١ - يجوز للمحرم وغير المحرم أن يقتل الفواسق المؤذية في الحلِّ والحرم</span>، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم: العقرب، والحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور» (١).\nوفي لفظٍ لمسلم: «خمسٌ فواسقٌ يقتلن في الحلِّ والحرم: الحيَّة، والغراب الأبقع (٢)، والفأرة، والكلب العقور، والحديَّا» (٣) (٤).\nوعن الأسود عن عبد اللَّه - ﵁ - قال: بينما نحن مع رسول اللَّه - ﷺ - في غارٍ بمنى إذ نزل عليه ﴿وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا﴾ وإنه ليتلوها، وإني لأتلقَّاها من فيه، وإن فاه لرطبٌ بها إذ وثبت علينا حيَّةٌ فقال النبي - ﷺ -: «اقتلوها» فابتدرناها فذهبت، فقال النبي - ﷺ -: «وُقيت شرَّكم كما وقيتم شرها» (٥). قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السَّبُع إذا بدأ المحرم فقتله، لا شيء عليه (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب، برقم ١٨٢٩، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم برقم ٦٧ - (١١٩٨).\n(٢) الغراب الأبقع: هو الذي في ظهره وبطنه بياض.\n(٣) الحديَّا: تصغير حدأة.\n(٤) مسلم، برقم ٦٧ - (١١٩٨).\n(٥) البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب، برقم ١٨٣٠.\n(٦) المغني لابن قدامة، ٥/ ١٧٧، وانظر فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١١٨.","vol":"1","page":301},{"text":"وقال مالك: الكلب العقور ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل: الأسد، والفهد، والذئب، فعلى هذا يباح قتل كل ما فيه أذى للناس في أنفسهم، أو في أموالهم، مثل سباع البهائم كلّها المحرّمُ أكلها، وجوارح الطير: كالبازي، والصقر، والعقاب، والشاهين، ونحوها والحشرات المؤذية، والزنبور، والبق، والبعوض، والبراغيث، والذباب، وقد نص الخبر من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيهًا على ما هو أعلى منها، ودلالة على ما كان في معناها، فنصه على الحدأة والغراب تنبيهٌ على البازي المؤذي ونحوه، وعلى الفارة تنبيهٌ على الحشرات المؤذية، وعلى العقرب تنبيهٌ على الحية، وعلى الكلب العقور تنبيهٌ على السباع المؤذية التي هي أعلا منه ... وهذا إذا اعتدت عليه هذه الأشياء، أما إذا لم تعتدِ عليه فلا يتعرض لها (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ عند تقريره على حديث عائشة\n﵂ في قتل الفواسق يقول: «قتل هذه الأشياء لعلَّة أذاها فيقتلها المحرم في الحل والحرم، وكذلك الحلال، وليست هذه الخمسة للحصر فيدخل فيها الوزغ، والحية، وكل ما يؤذي من الفواسق» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>٢ - إذا لم يجد المحرم إزارًا جاز له لبس السراويل</span>، وإذا لم يجد نعلين جاز له لبس الخفين؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين (٣).\nوالصواب أنه لا يقطع الخفين إذا لم يجد النعلين، ولا يفتق السراويل\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٥/ ١٧٧، بتصرف يسير، وانظر فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١١٨، والفروع لابن مفلح، ٥/ ٥١٠ - ٥١٨.\n(٢) سمعته ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٨٢٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٨٣٨، ومسلم، برقم ١١٧٧، وتقدم تخريجه في محظورات الإحرام.","vol":"1","page":302},{"text":"إذا لم يجد الإزار؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر بذلك في عرفات (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>٣ - لا حرج على المحرم في لبس الخفاف التي ساقها أسفل من الكعبين</span>؛ لكونها من جنس النعلين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>٤ - لا حرج على المحرم أن يغتسل للتبرد، ويغسل رأسه </span>ويحكّه برفق وسهولة إذا احتاج إلى ذلك؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ -، أنه استتر بثوب وهو يغتسل بين قرني البير، فوضع يده على الثوب فطأطأه حتى بدا رأسه، ثم قال لإنسان يصبّ عليه: اصبب، فصبَّ على رأسه، ثم حرَّك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، وقال: «هكذا رأيته - ﷺ - يفعل» (٢).\nوقال ابن عباس ﵄: يدخل المحرم الحمام، ولم يرَ ابن عمر وعائشة بالحكِّ بأسًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>٥ - للمحرم أن يغسل ثيابه</span>، التي أحرم فيها من وسخ ونحوه، ويجوز له إبدالها بغيرها إذا كانت الثياب الثانية مما يجوز للمحرم لبسه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>٦ - لا بأس بوضع النظارة الشمسية أو الطبيَّة </span>على العينين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>٧ - لا بأس بربط الساعة على المعصم أو لبسها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>٨ - لا بأس بالحجامة </span>إذا احتاج إليها المحرم؛ لأن النبي - ﷺ - «احتجم\n_________\n(١) فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٠٩،وفتاوى ابن باز في الحج والعمرة،٥/ ٢٥٧.والحديث تقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الاغتسال للمحرم، برقم ١٨٤٠.\n(٣) البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الاغتسال للمحرم قبل الحديث رقم ١٨٤٠، وقال الألباني في مختصر البخاري، برقم ٣٤٣ عن أثر ابن عباس: «وصله الدارقطني، والبيهقي بسند صحيح عنه». وأما أثر ابن عمر فقال: «وأما أثر ابن عمر فوصله البيهقي، ٥/ ٦٤، بسند حسن عنه، وأما أثر عائشة فوصله بسند فيه جهالة، وعنه البيهقي».","vol":"1","page":303},{"text":"وهو محرم» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذا يدل على أن الحجامة للمحرم عند الحاجة لا بأس بها، حتى ولو قطع بعض شعر الرأس، وإن كفَّر كفارة الأذى فهو أحوط، هذا إذا أخذ شيئًا من شعر رأسه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>٩ - لا بأس بالاستظلال بالمظلة أو الشمسية، أو بسقف السيارة</span>، وبالخيمة والشجرة ونحو ذلك مما لا يكون ملاصقًا للرأس. فقد صح عنه - ﷺ - أنه ظُلِّلَ عليه بثوب حين رمى جمرة العقبة ضحىً (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>١٠ - لا حرج بعقد الإزار وربطه بخيط ونحوه لعدم الدليل </span>المقتضي للمنع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>١١ - يباح للمرأة من المخيط ما شاءت من الثياب وغيرها </span>من كل ما أباحه اللَّه لها، إلا أنها لا تلبس النقاب والبرقع ولا القفازين، وإذا احتاجت إلى أن تضع خمارها على وجهها فلا حرج عليها، بل ينبغي لها أن تسدل خمارها على وجهها من على رأسها إذا قابلت الرجال الأجانب (٤). ولا حرج عليها في لبس الخفين، والشراب، والسراويل كما تقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>١٢ - لا حرج في شد ما يحفظ المال على الوسط </span>ولا حرج في\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحجامة للمحرم، برقم ١٨٣٥.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٨٣٥.\n(٣) مسلم، برقم ١٢١٨، من حديث جابر، ورقم ١٢٩٨ من حديث أم الحصين، وتقدم تخريجهما في محظور الإحرام.\n(٤) تقدمت الأدلة على ذلك في المحظور الثالث من محظورات الإحرام، وفي الإحرام في أعمال مريد الحج أو العمرة عند الميقات.","vol":"1","page":304},{"text":"استخدامه لربط الإزار كذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>١٣ - لا حرج في أن يخيط المحرم الشقوق في إزاره أو ردائه</span>، أو يرقع ذلك، وإنما الممنوع هو ما فُصِّل على هيئة العضو أو البدن (٢).\n_________\n(١) انظر هذه الأمور في: مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز في الحج والعمرة،٥/ ٢٧٥ - ٢٦٠، وفتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١١٠، وشرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ١٥ - ٢١٢.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١١٠، وشرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ١٦.","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>المبحث العشرون: أركان الحج وواجباته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>أولًا: أركان الحج: أربعة على الصحيح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>مفهوم<span data-type=\"title\" id=toc-437> الأركان لغة </span>واصطلاحًا:</span>\nالأركان لغة: جمع ركن، والركن جانب الشيء الأقوى، فيكون عينه الذي لا يقوم ولا يتم إلا به، وسميت أركان الحج تشبيهًا لها بأركان البيت الذي لا يقوم إلا بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>والركن اصطلاحًا: </span>ما يقوم به ذلك الشيء من التقوم.\nوقيل: ركن الشيء ما يتم به وهو داخل فيه بخلاف شرطه وهو خارج عنه (١).\nوقيل: الركن: ماهية الشيء والذي يتركَّب منه، ويكون جزء من أجزائه، ولا يوجد ذلك الشيء إلا به (٢).\nوقيل: الركن عبارة عن جزء الماهية (٣).\nوقيل: الركن ما لا يقوم الشيء إلا به (٤).\n_________\n(١) التعريفات للجرجاني، ص ١٤٩، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ١٢٢، ومعجم لغة الفقهاء للرواس، ص ٢٠٢.\n(٢) حاشية الروض المربع، ٢/ ١٢٢.\n(٣) جامع العلوم والحكم لابن رجب، ١/ ٦٥، وعدة الباحث في أحكام التوارث لعبد العزيز بن ناصر الرشيد، ص٤.\n(٤) معجم لغة الفقهاء للرواس، ص ٢٠٣.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>وأركان الحج أربعة على الصحيح، وهي على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>الركن الأول: الإحرام: وهو نية الدخول في النسك </span>فمن ترك هذه النية لم ينعقد حجه؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١).\nقال الإمام ابن المنذر: «وأجمعوا على أنه إن أراد أن يهلَّ بحج فأهل بعمرة، أو أراد أن يهل بعمرة فلبَّى بحجٍّ أنَّ اللازم له ما عقد عليه قلبه، لا ما نطق به لسانه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>الركن الثاني: الوقوف بعرفة</span>. قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الحرَامِ﴾ (٣).فإن الإفاضة من عرفة إنما تكون بعد الوقوف فيها، وهو الركن الذي يفوت الحج بفواته؛ لحديث عبد الرحمن بن يعمر - ﵁ - قال: شهدت رسول اللَّه - ﷺ - وهو واقف بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول اللَّه كيف الحج؟ قال: «الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تمَّ حجه، أيام منى ثلاثة، ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٤). ثم أردف رجلًا خلفه\nفجعل ينادي بهن». وهذا لفظ ابن ماجه، ولفظ الترمذي: «الحج\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللَّه - ﷺ -، واللفظ له، برقم ١، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنية» وأنه لا يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال، برقم ١٩٠٧.\n(٢) الإجماع لابن المنذر، ص ٦٢، ونقل الإجماع أيضًا ابن عبد البر في التمهيد، ١٠/ ٢٠.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٨.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٠٣.","vol":"1","page":307},{"text":"عرفات، الحج عرفات، الحج عرفات، أيام منى ثلاثٌ، ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ومن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج» (١).\nقال الإمام ابن المنذر: «وأجمعوا على أن الوقوف بعرفة فرض لا حج لمن فاته الوقوف بها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>الركن الثالث: طواف الإفاضة للحج </span>بعد الإفاضة من عرفة ومزدلفة، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂، قالت: حججنا مع النبي - ﷺ -، فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد النبي - ﷺ - منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول اللَّه، إنها حائض، قال: «أحابستنا هي؟» قالت عائشة: يا رسول اللَّه، إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «فلتنفر [إذًا]» ولفظ البخاري: أن عائشة ﵂ قالت: يا رسول اللَّه: إنها حائض، قال: «أحابستنا هي؟» قالوا يا رسول اللَّه، أفاضت يوم\nالنحر، قال: «اخرجوا» (٤) فدل ذلك على أن هذا الطواف لا بدَّ منه وأنَّه\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، برقم ٣٠١٥، وأبو داود، كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة، برقم ١٩٤٩، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب فرض الوقوف بعرفة، برقم ٣٠١٩، والترمذي واللفظ له، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة، برقم ٢٩٧٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٥٦.\n(٢) الإجماع لابن المنذر، ص ٧٣.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٢٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الزيارة يوم النحر، برقم ١٧٣٣، ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، برقم ١٢١١، وما بين المعقوفتين من رواية لمسلم، برقم ٣٨٤ - (١٢١١).","vol":"1","page":308},{"text":"حابسٌ لمن لم يأت به.\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وسُمِّيَ طواف الزيارة؛ لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة بل يرجع إلى منى، ويُسمَّى طواف الإفاضة؛ لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، وهو ركن للحج، لا يتمُّ إلا به، لا نعلم فيه خلافًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>ولطواف الزيارة وقتان: </span>وقت فضيلة، ووقت إجزاء.\nفأما وقت الفضيلة فيوم النحر: بعد الرمي، والنحر، والحلق.\nوأما وقت الجواز فأوله من بعد نصف الليل من ليلة النحر، وبهذا قال الإمام أحمد، والشافعي.\nوقال أبو حنيفة أوله طلوع الفجر من يوم النحر، وآخره آخر أيام النحر، وهذا مبنيٌّ على أول وقت الرمي، ويأتي الكلام فيه إن شاءاللَّه.\nوأما آخر وقته فاحتج بأنَّه نُسُكٌ يفعل في الحج، فكان آخره محدودًا كالوقوف والرمي، قال ابن قدامة: «والصحيح أن آخر وقته غير محدود فإنه متى أتى به صحَّ بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم» (٢). قلت:\nوكلما سارع إليه المسلم قدر استطاعته كان أفضل؛ لأن المسارعة إلى الخيرات من أفضل الأعمال، ثم قد يهجم الموت عليه على غرة، واللَّه المستعان.\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٥/ ٣١١.\n(٢) المرجع السابق، ٥/ ٣١٣.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>الركن الرابع: السعي بين الصفا والمروة</span>؛ لحديث حبيبة بنت أبي تجزئة قالت: دخلنا على دار أبي حسين في نسوة من قريش والنبي - ﷺ - يطوف بين الصفا والمروة، قالت: وهو يسعى يدور به إزاره من شدَّة السعي وهو يقول لأصحابه: «اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي» (١). قالت عائشة ﵂: «ما أتم اللَّه حج من لم يطف بين الصفا والمروة»، وفي لفظ للبخاري ومسلم: «ما أتم اللَّه حج امرئ ولا عمرته ما لم يطف بين الصفا والمروة» (٢)، وفي لفظ: «أن بعض الأنصار قالوا: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر به بين الصفا والمروة، فأنزل اللَّه - ﷿ -: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>ثانيًا: واجبات الحج:</span>\nالواجب لغة: من وجب الشيء يجب وجوبًا: أي لزم، يقال: وجب\nالشيء يجب وجوبًا: إذا ثبت ولزم (٤).\n_________\n(١) أحمد، ٦/ ٤٢١، والحاكم، ٤/ ٧٠، وغيرهما، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٦٩، والحديث أخرجه الدارقطني أيضًا، ٢/ ٢٥٥، والبيهقي، ٥/ ٩٧، وحسنه النووي في المجموع، ٨/ ٨٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العمرة، باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج، برقم ١٧٩٠، وكتاب الحج باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر اللَّه، برقم ١٦٤٣، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، برقم ١٢٧٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر اللَّه، برقم ١٦٤٣، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به برقم ٢٦١ - (١٢٧٧).\n(٤) لسان العرب لابن منظور، ١/ ٧٩٣، وانظر: التعريفات للجرجاني، ص ٣٠٤.","vol":"1","page":310},{"text":"وقيل: واجب: اسم فاعل من وجب اللازم (١).\nوالواجب اصطلاحًا: هو ما يثاب فاعله، ويستحق العقاب تاركه (٢)، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف إلى الاستحباب، كما أن النهي يقتضي التحريم ما لم يصرفه صارف إلى الكراهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>الواجب الأول: الإحرام من الميقات</span>؛ لقوله - ﷺ - حينما وقّت المواقيت: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>الواجب الثاني: الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس لمن وقف نهارًا</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - في صفة حجة النبي - ﷺ -، وفيه: «فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص» (٤)؛ ولحديث جابر - ﵁ - قال: رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (٥)؛ ولأنه لم يرد أن\nالنبي - ﷺ - رخَّص لأحد بالانصراف من عرفة قبل غروب الشمس، وقد ثبت أنه رخَّص للضعفة بالانصراف من مزدلفة في آخر ليلة النحر قبل\n_________\n(١) معجم لغة الفقهاء للرواس، ص ١٦٨.\n(٢) الواجب والفرض عن الشافعي ومن وافقه سواء، وهو كل ما يعاقب على تركه، وفرق بينهما أبو حنيفة، فالفرض عنده آكد من الواجب، لسان العرب لابن منظور، ١/ ٧٩٣، وانظر: التعريفات للجرجاني، ص ٣٠٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٢٦،ورقم ١٥٢٤،ومسلم، برقم١١٨١،وتقدم تخريجه في المواقيت.\n(٤) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه في حجة النبي - ﷺ -.\n(٥) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة راكبًا، وبيان قوله: «لتأخذوا عني مناسككم»، برقم ١٢٩٧.","vol":"1","page":311},{"text":"انصرافه - ﷺ -، ومن لم يدرك جزءًا من النهار، ولا جاء عرفة حتى غابت الشمس فوقف ليلًا فلا شيء عليه، وحجه تام، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «لا نعلم فيه مخالفًا» (١)؛ لأن النبي - ﷺ - وقف إلى الغروب والفعل إذا خرج منه مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>الواجب الثالث: المبيت بمزدلفة</span>؛ لأنه - ﷺ - بات بها، لقول اللَّه تعالى:\n﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّين﴾ (٢)؛ ولحديث جابر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «لتأخذ أمتي نُسُكَها فإني لا أدري لعلي لا ألقاهم بعد عامي هذا» (٣)؛ ولأن النبي - ﷺ - أذن للضعفة بعد منتصف الليل فدل ذلك على أن المبيت بمزدلفة لازم، وقد أمر اللَّه بذكره عند المشعر الحرام، فلو لم يكن المبيت بمزدلفة واجبًا لم يُحتج فيه إلى ترخيص (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>الواجب الرابع: المبيت بمنى ليالي أيَّام التشريق الثلاثة للمتأخرين</span>، وليلتين للمتعجلين، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن\nتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٥). لأن\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٧٤.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٨.\n(٣) مسلم، برقم ١٢٩٧،واللفظ لابن ماجه، برقم ٣٠٢٣،وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٤٧.\n(٤) لما ثبت في صحيح البخاري، برقم ١٦٧٦، ورقم ١٦٧٧، ومسلم، برقم ٢٩٣، ورقم ١٢٩٥، وسيأتي تخريجها إن شاءاللَّه تعالى في المبيت في مزدلفة.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٠٣.","vol":"1","page":312},{"text":"النبي - ﷺ - بات بها ليالي أيام التشريق الثلاث، ولأنه أَذِنَ للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فعن عبد اللَّه بن عمر ﵄: «أن العباس - ﵁ - استأذن النبي - ﷺ -؛ ليبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته فأَذِنَ له» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي - ﷺ - على راحلته وخلفه أسامة فاستقى فأتيناه بإناء من نبيذ، فشرب وسقى فضله أُسامة، وقال: «أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا» فلا نريد تغيير ما أمر به رسول اللَّه - ﷺ - (٢).\nورخص النبي - ﷺ - لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى؛ لحديث عاصم بن عدي - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - رخص للرعاء في البيتوتة يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعدهما يجمعونهما في أحدهما» (٣)، فدلت هذه الرخصة\nوالإذن على أن المبيت بمنى هذه الليالي واجب على غير السقاة والرعاة ومن في حكمهم (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة ليالي منى، برقم ١٧٤٣ - ١٧٤٥، وفي باب سقاية الحاج، برقم ١٦٣٤، ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق والترخيص في تركه لأهل السقاية، برقم ١٣١٥.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق والترخيص في تركه لأهل السقاية، برقم ١٣١٦.\n(٣) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب رمي الرعاء، برقم ٣٠٧١، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الرخصة للرعاء أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا، برقم ٩٥٤، ٩٥٥، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب تأخير رمي الجمار عن عذر، برقم ٣٠٣٧، وأبو داود، كتاب المناسك، باب في رمي الجمار، برقم ١٩٧٥،وأحمد، ٥/ ٤٥٠،وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٨٠، برقم ١٠٨٠.\n(٤) انظر: واجبات الحج مع الأدلة والتعليل في شرح العمدة، لابن تيمية، ٢/ ٦٠٢ - ٦٤٨.","vol":"1","page":313},{"text":"وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «لا بأس لأهل السقاية ومن كان مثلهم أن يبيتوا ليالي منى: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، وهكذا أذن - ﷺ - لرعاة الإبل، وهكذا من كان مثلهم: كالمرضى، والذين لا يستطيعون كالحرَّاس، فمن كان مثل أهل السقاية أو أحوج منهم فمن باب أولى» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>الواجب الخامس: رمي الجمرات مرتبًا: </span>جمرة العقبة يوم النحر قبل الزوال وبعده، ورمي الجمرات الثلاث أيام التشريق بعد زوال الشمس؛ لأن النبي - ﷺ - بدأ بجمرة العقبة ضُحىً يوم النحر، ورمى الجمرات الثلاث أيام التشريق بعد الزوال؛ ولأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّه فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٢). فالحجاج مأمورون بذكر اللَّه في منى وليس في منى ذكر ينفرد به الحج إلا ذكر الجمار؛ لحديث عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر\nاللَّه» (٣)،وقال جابر - ﵁ -: «رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول:\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٧٤٥.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٠٣.\n(٣) أحمد، ٤٠/ ٤٠٨، برقم ٢٤٣٥١، ورقم ٢٤٢٦٨، ورقم ٢٥٠٨٠، وأبو داود، كتاب المناسك، باب في الرمي، برقم ١٨٨٨، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء كيف ترمى الجمار، برقم ٩٠٢، وابن خزيمة في صحيحه، ٤/ ٢٢٢، برقم ٢٧٣٨، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص ١٤٨، وحسن إسناده عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٣/ ٢١٨، وقال الأعظمي في تحقيقه لصحيح ابن خزيمة، ٤/ ٢٢٢: «إسناده صحيح».","vol":"1","page":314},{"text":"لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>الواجب السادس: الحلق أو التقصير</span>؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢)؛ ولأن النبي - ﷺ - أمر به فقال: «وليُقصِّر وليحلّ» (٣)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «اللَّهم اغفر للمحلقين» قالوا: وللمقصرين، قال: (اللَّهم اغفر للمحلقين»، قالوا: وللمقصرين، قال: «اللَّهم اغفر للمحلقين» قالوا: وللمقصرين قالها ثلاثًا، قال: «وللمقصرين» (٤).\nوعن ابن عمر ﵄، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «رحم اللَّه المحلقين» قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: «رحم اللَّه المحلقين» قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: «رحم اللَّه المحلقين» قالوا: والمقصرين يا\nرسول اللَّه؟ قال: «والمقصرين» (٥).\nوعن عبد اللَّه - ﵁ - قال: «حلق النبي - ﷺ - وطائفة من أصحابه، وقصَّر بعضهم» (٦).\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢٩٧، وتقدم تخريجه في الوقوف بعرفة.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من ساق البدن معه، برقم ١٦٩١، ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب الدم على المتمتع، وأنه إذا عدمه لزمه صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، برقم ١٢٢٧، وانظر: البخاري، الحديث رقم ١٦٥١، ومسلم، برقم ١٢١٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال، برقم ١٧٢٨، ومسلم، كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير، وجواز التقصير، برقم ١٣٠٢.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال، برقم ١٧٢٧، ومسلم، كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير، برقم ٣١٨ - (١٣٠١).\n(٦) متفق عليه، البخاري، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال، برقم ١٧٢٩، ومسلم، كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير، برقم ١٣٠١.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>الواجب السابع: طواف الوداع</span>؛ لأن النبي - ﷺ - طاف للوداع عند خروجه من مكة، لأمره - ﷺ - بذلك، فعن ابن عباس ﵄ قال: كان الناس ينصرفون في كل وجهةٍ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «لا ينفرنَّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «أُمِرَ الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفِّف عن المرأة الحائض» (٢).\nفقد دل نهي النبي - ﷺ - عن النفر حتى يكون آخر العهد بالبيت، وهذا النهي يقتضي التحريم، وأُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، وهذا الأمر يقتضي الوجوب، والترخيص للحائض في ترك طواف الوداع يدل على وجوبه، ومثل الحائض في ذلك النفساء، واختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى هل للعمرة طواف وداع؟ على قولين: أقربهما أن العمرة ليس لها\nطواف وداع، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «أما العمرة فليس لها طواف وداع واجب، ولكن لو طاف المعتمر يكون أفضل؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر من اعتمر معه بالوداع، ولا من اعتمر» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>والباقي من أفعال الحج وأقواله سنن: </span>كلبس إزار ورداء أبيضين للرجل، والتلبية من حين الإحرام إلى استلام الحجر الأسود في العمرة،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، برقم ١٣٢٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب طواف الوداع، برقم ١٧٥٥، ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، برقم ١٣٢٨.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٧٥٥.","vol":"1","page":316},{"text":"أما الحج فإلى رمي جمرة العقبة، والمبيت بمنى ليلة عرفة، والرمل، والاضطباع للرجال في موضعهما من طواف القدوم، وتقبيل الحجر الأسود، والأذكار، والأدعية، وصعود الصفا.\nفمن ترك ركنًا لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجبًا جبره بدم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه (١).\nودليل وجوب الدم على تارك الواجب قول ابن عباس ﵄: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا» (٢).\n_________\n(١) انظر: شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٦٥٤، ومنار السبيل، ١/ ٢٦٣، وحاشية الروض لابن القاسم، ٤/ ٢٠٤.\n(٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، ١/ ٤١٩، والدارقطني، ٢/ ٢٤٤، والبيهقي، ٥/ ١٥٢، قال العلامة الألباني: «ثبت موقوفًا» وانظر: إرواء الغليل، ٤/ ٢٩٩.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>المبحث الحادي والعشرون: أركان العمرة وواجباتها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>أولًا: أركان العمرة ثلاثة </span>(١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>الركن الأول: الإحرام: </span>وهو نية الدخول في النسك؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>الركن الثاني: الطواف بالبيت العتيق</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>الركن الثالث: السعي</span>، قال النبي - ﷺ - في الطواف والسعي: «ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ...» (٣). وقال في السعي: «اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي» (٤). وفي حديث عائشة ﵂ قالت: «ما أتم اللَّه حج امرئ ولا عمرته ما لم يطف بين الصفا والمروة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>ثانيًا: واجبات العمرة: اثنان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>الواجب الأول: الإحرام بها من الحلّ</span>؛ لأمره - ﷺ - عائشة ﵂ أن تعتمر من التنعيم (٦)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ في المواقيت: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة ...» (٧).\n_________\n(١) انظر: حاشية الروض، ٤/ ٢٠٣، ومنار السبيل، ١/ ٢٦١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١، ومسلم، برقم ١٩٠٧، وتقدم تخريجه في أركان الحج.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٦٩١،ومسلم، برقم ١٢٢٧،وتقدم تخريجه في واجب الحج السادس.\n(٤) أحمد، ٦/ ٤٢١، والحاكم، ٤/ ٧٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ١٦٩، وتقدم تخريجه في الركن الرابع من أركان الحج «السعي».\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ١٧٩٠، ومسلم، برقم ١٢٧٧، وتقدم تخريجه في السعي في الحج «الركن الرابع من أركان الحج».\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ١٧٨٤،ومسلم، برقم ١٢١٢،وتقدم تخريجه في المواقيت، في مسائل في المواقيت.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٢٦، ومسلم، برقم ١١٨١، وتقدم تخريجه في المواقيت.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>الواجب الثاني: الحلق أو التقصير</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «وليقصِّر وليحلّ» (١)، فمن ترك ركنًا لم تتم عمرته إلا به، ومن ترك واجبًا جبره بدم، ومن وقع في الجماع قبل التقصير أو الحلق في العمرة فعليه شاة؛ لفتوى ابن عباس ﵄ وعمرته صحيحة (٢).\nومن وقع في الجماع قبل الطواف بالبيت لعمرته فسدت إجماعًا، وإن كان الجماع بعد الطواف وقبل السعي فسدت كذلك عند الجمهور، وعليه في الحالتين المضي في فاسدها، والقضاء والهدي (٣) (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم١٦٩١،ومسلم، برقم ١٢٢٧،وتقدم تخريجه في الواجب السادس من واجبات الحج.\n(٢) انظر: سنن البيهقي، ٥/ ١٧٢، قال الألباني في إرواء الغليل: صحيح موقوفًا، ٤/ ٢٣٣، وانظر حاشية الروض، ٤/ ٥٤، وأضواء البيان، ٥/ ٣٨٩.\n(٣) أضواء البيان، ٥/ ٣٨٩، والاستذكار لابن عبد البر، ١٢/ ٢٩٠.\n(٤) أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀: أن من جامع بعد الطواف بالبيت وقبل سعي العمرة فسدت عمرته [وعليه المضي في فاسدها فيتمها فاسدة] وعليه دم، وقضاء العمرة من الميقات الذي أحرم منه بالعمرة الأولى، أما إن كان الجماع بعد الطواف والسعي وقبل التقصير، فالعمرة صحيحة، وعليه عن ذلك: إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام. انظر: مجموع فتاوى اللجنة، ١١/ ١٨٧.\nوأفتى شيخنا ابن باز: أن من حصل له الجماع في العمرة قبل الطواف والسعي؛ فإن عمرته تفسد وتبطل بذلك، وعليه أن يتمها فاسدة، ثم يقضيها بعمرة أخرى يُحرم بها من الميقات الذي أحرم منه بالأولى، كما أفتى بذلك بعض أصحاب النبي - ﷺ -، ثم يطوف ويسعى ويحل، وعليه ذبيحة يذبحها في مكة يوزعها بين الفقراء، وعليه التوبة إلى اللَّه تعالى، وهكذا زوجته إن كانت مطاوعة له [مجموع الفتاوى، لابن باز، ١٦/ ١٣١، و١٧/ ١٣٥، ١٣٦، ١٣٧، ١٣٨]، وأفتى شيخنا ابن باز ﵀: أن من اعتمرت فطافت بالبيت وسعت وعليها العادة، ثم تزوجت ودخل بها زوجها، فإن عليها إتمام العمرة الفاسدةالتي فسدت بالجماع؛ لأنها لازالت محرمة، ثم تقصر، وعليها دم يذبح في مكة للفقراء، وعليها أن تحرم من الميقات بعمرة جديدة بدلًا من التي أفسدتها بالجماع؛ لأن طوافها وهي حائض غير صحيح، ويحرم على زوجها قربانها حتى يجدد العقد بعد العمرة الأخيرة، مع التوبة [مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ١٣٧ - ١٣٨].","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>المبحث الثاني والعشرون: سنن الحج والعمرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>أولًا: سنن الإحرام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>١ - تقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبطين، وحلق شعر العانة، قبل الإحرام</span>؛ لما في ذلك من إزالة الأوساخ، والنظافة؛ ولأن ذلك من سنن الفطرة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>٢ - الغسل عند الإحرام</span>؛ لحديث زيد بن ثابت - ﵁ - أنه رأى النبي - ﷺ - «تجرد لإهلاله واغتسل» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>٣ - التطيب في البدن قبل الإحرام</span>؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: «كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا أراد أن يُحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>٤ - إحرام الرجل في إزار ورداء أبيضين</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم ...» (٤).\n_________\n(١) البخاري، برقم ٥٨٨٨، ٥٨٩٠، ومسلم، برقم ٢٥٧، وتقدم تخريجه في الإحرام.\n(٢) الترمذي، برقم ٨٣٠، وابن خزيمة، ٤/ ١٦١، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٣٣، وتقدم تخريجه في الإحرام.\n(٣) البخاري، برقم ١٥٣٨، ورقم ٢٧١، ٥٩١٨، ٥٩٢٣، ومسلم، برقم ١١٩٠، وتقدم تخريجه في الإحرام.\n(٤) أبو داود، بلفظه، كتاب الطب، باب في الأمر بالكحل، برقم ٣٨٧٨، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من الأكفان، برقم ٩٩٤، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يستحب من الكفن، برقم ١٤٧٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٥٠٢.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>٥ - الإحرام في نعلين</span>؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>٦ - الإحرام بعد صلاة فريضة</span>؛ لأن النبي - ﷺ - أحرم بعد صلاة الظهر؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «صلى رسول اللَّه - ﷺ - الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته وأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وقلدها نعلين ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج ...» (٢). فإن لم يكن في وقت صلاة فريضة، فإنه يصلي ركعتي الوضوء؛ لأن النبي - ﷺ - «تجرد لإهلاله واغتسل» وقد شرع - ﷺ - لأمته ركعتي الوضوء، والصواب أنها تُصلَّى في أي ساعة من ليل أو نهار، وإذا كان الإحرام من ميقات ذي الحليفة فصلَّى في وادي العقيق فريضة أو نافلة ثم أحرم بعدها، فلا بأس؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>٧ - التحميد، والتسبيح، والتكبير عند الاستواء على المركوب قبل التلبية</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: صلى رسول اللَّه - ﷺ - ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم\n_________\n(١) أحمد، ٢/ ٣٤، وذكره الحافظ في التلخيص، ٢/ ٢٣٧، وعزاه لأبي عوانة بسند على شرط الصحيح.\n(٢) مسلم، برقم ٢٥ - (١٢٤٣) وتقدم تخريجه في الإحرام.\n(٣) البخاري، برقم ١٥٣٤، وتقدم تخريجه في الإحرام.","vol":"1","page":321},{"text":"ركب حتى استوت به على البيداء: حمد اللَّه، وسبح، وكبَّر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما، فلما قدمنا أمر الناس فحلُّوا، حتى كان يوم التروية أهلُّوا بالحج» (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «قوله عند الركوب» أي بعد الاستواء على الدابة لا حال وضع الرجل مثلًا في الركاب، وهذا الحكم - وهو استحباب التسبيح، وما ذكر معه قبل الإهلال - قلَّ من تعرض لذكره مع ثبوته» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>٨ - التلفظ بالإهلال بالتلبية ونية الدخول في النسك يكون عند الاستواء على المركوب</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «أهل النبي - ﷺ - حين استوت به راحلته قائمة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>٩ - الإهلال بالتلبية مستقبل القبلة</span>، فعن نافع قال: «كان ابن عمر ﵄ إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت له، ثم ركب فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا ثم يلبِّي، حتى يبلغ الحرم ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طُوىً بات حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم\nأن رسول اللَّه - ﷺ - فعل ذلك» (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة، برقم ١٥٥١.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٤١٢.\n(٣) البخاري، برقم ١٥٥٢، ١٦٦، ١٥١٤، ١٦٠٩، ٢٨٦٥، ٥١٥١، ومسلم برقم ١١٨٦، وتقدم تخريجه في الإحرام.\n(٤) البخاري، برقم ١٥٥٣، وتقدم تخريجه في الإحرام.","vol":"1","page":322},{"text":"وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول عن هذا الحديث: «وهذا يدل على استقبال القبلة عند الإهلال، وهو معلق صحيح» (١). وقال الألباني ﵀: «وقد وصله أبو نعيم في المستخرج» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>١٠ - رفع الصوت بالتلبية</span>؛ لحديث السائب بن خلاد - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>ثانيًا: سنن دخول مكة:</span>\n١١ -<span data-type=\"title\" id=toc-475> ١ - المبيت بذي طوى</span>؛ لحديث نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح، ويغتسل، ويُحدّث أن النبي - ﷺ - كان يفعله» (٤).\nأما الإمساك عن التلبية إذا دخل الحرم، فسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «المحفوظ عن النبي - ﷺ - أنه كان يلبِّي حتى يشرع في الطواف،\nوهذا اجتهاد من ابن عمر ﵄» (٥).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٥٣.\n(٢) مختصر صحيح البخاري، كتاب الحج، باب ٢٩، ١/ ٤٥٩.\n(٣) أبو داود، برقم ١٨١٤، والترمذي، برقم ٨٢٩، وابن ماجه، برقم ١٩٢٦، وصححه الألباني، في صحيح الترمذي، ١/ ٤٣٣، وتقدم تخريجه في التلبية.\n(٤) البخاري، كتاب الحج، باب الاغتسال عند دخول مكة، برقم ١٥٧٣، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب المبيت بذي طوى عند إرادة دخول مكة، والاغتسال لدخولها، ودخولها نهارًا، برقم ١٢٥٩.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٧٣.","vol":"1","page":323},{"text":"١٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-476> ٢ - الاغتسال لدخول مكة</span>؛ لحديث نافع السابق أن ابن عمر كان يفعله «ويحدث أن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك» (١).\n١٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-477> ٣ - دخول مكة نهارًا</span>، فعن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «بات النبي - ﷺ - بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر ﵄ يفعله» (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذا هو الأفضل إن تيسر سواء في العمرة أو في الحج، وإن دخلها ليلًا فلا بأس» (٣) (٤).\n\n١٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-478> ٤ - دخول مكة من أعلاها، والخروج من أسفلها </span>إن تيسير، لحديث عائشة ﵂: «أن النبي - ﷺ - لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب الاغتسال عند دخول مكة، برقم ١٥٧٣، ومسلم، برقم ١٢٥٩، وتقدم.\n(٢) البخاري، كتاب الحج، باب دخول مكة نهارًا أو ليلًا، برقم ١٥٧٤.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٧٤.\n(٤) قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: «باب دخول مكة نهارًا أو ليلًا» أورد فيه حديث ابن عمر ﵄ في المبيت بذي طوى حتى يصبح، وهو ظاهر في الدخول نهارًا، وقد أخرجه مسلم من طريق أيوب عن نافع بلفظ: «كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا»، وأما الدخول ليلًا فلم يقع منه - ﷺ - إلا في عمرة الجعرانة؛ فإنه - ﷺ - أحرم من الجعرانة، ودخل مكة ليلًا، فقضى أمر العمرة، ثم رجع ليلًا فأصبح بالجعرانة، كبائتٍ، كما رواه أصحاب السنن الثلاثة، من حديث محرش الكعبي، وترجم عليه النسائي «دخول مكة ليلًا» وروى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي قال: «كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهارًا، ويخرجون منها ليلًا»، وأخرج عن عطاء: إن شئتم فادخلوا ليلًا، إنكم لستم كرسول اللَّه - ﷺ -، إنه كان إمامًا فأحب أن يدخلها نهارًا، ليراه الناس، انتهى، وقضية هذا أن من كان إمامًا يقتدى به استحب له أن يدخلها نهارًا» [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٤٣٦].","vol":"1","page":324},{"text":"وخرج من أسفلها» (١).\nفأعلى مكة كَداء، وأسفلها كُدى، وهما موضعان بمكة (٢)، وهما الثنية العليا، والثنية السفلى (٣)، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وأهل مكة يقولون: ادخل وافتح، واخرج واضمم، كَداء، وكُداء» (٤).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يدخل من الثنية\nالعليا، ويخرج من الثنيَّة السفلى» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من أين يخرج من مكة، برقم ١٥٧٧، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى، برقم ١٢٥٨.\n(٢) قال أبو عبد اللَّه [أي البخاري] ﵀: «كَداءٌ، وكُدًا موضعان» [أي بمكة]، آخر حديث رقم ١٥٨١ من صحيح البخاري، وجاء في سنن أبي داود، برقم ١٨٦٨ عن عائشة ﵂ قالت: دخل رسول اللَّه - ﷺ - عام الفتح من كَدَاء من أعلى مكة، ودخل في العمرة من كُدى» [قال الشوكاني في نيل الأوطار، ٣/ ٣٦٥: «كداء» بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيدة: لا تصرف، وهي الثنية العليا، قوله: ودخل العمرة من كُدى بضم الكاف والقصر وهي الثنية السفلى ... قال عياض والقرطبي وغيرهما: «اختلف في ضبط كداء وكُدى، فالأكثر على أن العليا بالفتح والمد، والسفلى بالقصر والضم».\n(٣) الثنية: كل عقبة في جبل أو طريق عالٍ فيه تسمى ثنية [فالثنية الطريق العالي] والثنية العليا هي التي ينزل منها إلى المعلى [أو المعلاة] مقبرة أهل مكة [وهي كَداء] وهي التي يقال لها الحجون بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية، ثم عبد الملك، ثم المهدي، على ما ذكره الأزرقي، قال الحافظ ابن حجر: «ثم سُهِّل في عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمان مئة موضع، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمان مائة» والثنية السفلى [كُدا] عند باب الشبيكة بقرب شعب الشاميين، من ناحية قعيقان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع [انتهى بتصرف من فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٤٣٧].\n(٤) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٧٩.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من أين يدخل مكة، برقم ١٥٧٥، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية السفلى والخروج منها من الثنية السفلى، برقم ١٢٥٧.","vol":"1","page":325},{"text":"وهذا من باب الأفضلية، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وهذا هو الأفضل أيضًا» (١).\n\n١٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-479> ٥ - يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد الحرام</span>، ويقول دعاء دخول المسجد (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>ثالثًا: سنن الطواف بالبيت الحرام:</span>\n١٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-481> ١ - طواف القدوم، للقارن والمفرد</span>.\n١٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-482> ٢ - استلام الحجر الأسود وتقبيله مع التكبير</span>، أو ما يقوم مقام ذلك، من استلامه باليد وتقبيلها، أو استلامه بشيء وتقبيل ذلك الشيء، أو الإشارة إليه مع التكبير (٣).\n١٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-483> ٣ - استلام الركن اليماني</span>.\n١٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-484> ٤ - الرمل في الثلاثة الأشواط الأُوَل</span>، والسير في الأربعة المتبقية، وذلك في طواف العمرة، وطواف الحج الأول.\n٢٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-485> ٥ - الاضطباع في طواف العمرة، وطواف الحج </span>الأول أوَّلَ ما يدخل مكة.\n٢١ -<span data-type=\"title\" id=toc-486> ٦ - الدعاء في الطواف، والذكر</span>.\n٢٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-487> ٧ - الدنوّ من البيت عند عدم المشقة</span>.\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري الحديث رقم ١٥٧٥.\n(٢) وسيأتي تخريجه إن شاءاللَّه تعالى في صفة دخول مكة.\n(٣) وسيأتي تخريجه إن شاءاللَّه تعالى في صفة الطواف.","vol":"1","page":326},{"text":"٢٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-488> ٨ - أن يقرأ قبل صلاة ركعتي الطواف: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾</span>.\n٢٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-489> ٩ - أن يصلِّي ركعتي الطواف</span>.\n٢٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-490> ١٠ - القراءة في ركعتي الطواف بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾</span>. في الركعة الأولى بعد الفاتحة و﴿قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد﴾ في الركعة الثانية بعد الفاتحة.\n٢٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-491> ١١ - الشرب من ماء زمزم بعد ركعتي الطواف</span>، ويصب على رأسه، فقد ثبت أن النبي - ﷺ - شرب منها بعد طواف القدوم، وبعد طواف الإفاضة.\n٢٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-492> ١٢ - إذا فرغ من ركعتي الطواف سُنَّ عوده إلى الحجر </span>فيستلمه ثم يخرج إلى الصفا وجاء في مسند أحمد، أنه عاد إلى الحجر بعد صلاة الركعتين فاستلمه، ثم شرب من ماء زمزم، ثم عاد إلى الحجر فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>رابعًا: سنن السعي بين الصفا والمروة:</span>\n٢٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-494> ١ - الموالاة بين السعي والطواف</span>، بأن لا يفصل بينهما بفصل طويل.\n٢٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-495> ٢ - يرقى على الصفا ويرقى على المروة</span>، إلا النساء فيكفيهن أن يبدأن من الصفا ويختمنَ بالمروة.\n٣٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-496> ٣ - يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ </span>أبدأ بما\n_________\n(١) وأدلة هذه السنن للطواف تأتي في صفة الطواف، وانظر: الشرح الكبير لابن قدامة، ٩/ ١٢٤، والكافي لابن قدامة، ٢/ ٤١٤، والإقناع لطالب الانتفاع للحجاوي، ٢/ ١٣، ومفيد الأنام في تحرير الأحكام لحج بيت اللَّه الحرام، لابن جاسر، ١/ ٢٦٨، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب للشيخ عبد القادر بن عمر التغلبي، ١/ ٣٠٧.","vol":"1","page":327},{"text":"بدأ اللَّه به.\n\n٣١ -<span data-type=\"title\" id=toc-497> ٤ - يستقبل البيت وهو على الصفا حتى يراه </span>أو يكون متجهًا حذاءه.\n٣٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-498> ٥ - يقول الذكر المشروع على الصفا</span>، ويدعو رافعًا يديه.\n٣٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-499> ٦ - ستر العورة أثناء السعي بين الصفا والمروة</span>.\n٣٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-500> ٧ - اجتناب النجاسة</span>.\n٣٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-501> ٨ - يسعى على طهارة من الحدث الأكبر والأصغر</span>.\n٣٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-502> ٩ - يسعى سعيًا شديدًا بين العلمين الأخضرين إلا النساء</span>.\n٣٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-503> ١٠ - الذكر والدعاء أثناء السعي بين الصفا والمروة</span>.\n٣٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-504> ١١ - يقول على المروة ما قاله على الصفا </span>ويفعل كذلك، إلا أنه لا يقرأ الآية.\n٣٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-505> ١٢ - الموالاة بين أشواط السعي </span>بحيث لا يفصل بينها بل تكون متصلة؛ لأن الراجح أن الموالاة لا تشترط ولكن الأحوط الموالاة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>خامسًا: سنن الخروج إلى منى يوم الثامن (يوم التروية):</span>\n٤٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-507> ١ - يفعل ما فعله عند الميقات: </span>من الغسل، والنظافة، وتقليم\nالأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، ولبس الإزار والرداء.\n\n٤١ -<span data-type=\"title\" id=toc-508> ٢ - يحرم بالحج يوم التروية من منزله</span>.\n٤٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-509> ٣ - يصلِّي صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر</span>\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٣٩، ١٧/ ٢٣٢، ٣٤٣ - ٣٤٦.","vol":"1","page":328},{"text":"في أوقاتها مع قصر الرباعية.\n\n٤٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-510> ٤ - المبيت بمنى ليلة عرفة حتى يصلي الفجر </span>وتطلع الشمس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>سادسًا: سنن الوقوف بعرفة:</span>\n٤٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-512> ١ - النزول بنمرة إن تيسر إلى الزوال</span>.\n٤٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-513> ٢ - صلاة الظهر والعصر جمعًا وقصرًا بنمرة يوم عرفة </span>بعد الزوال.\n٤٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-514> ٣ - يستقبل القبلة في وقوفه يوم عرفة</span>.\n٤٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-515> ٤ - يجعل الجبل بينه وبين القبلة إن تيسر </span>وإلا فلا حرج.\n٤٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-516> ٥ - أن يكون على طهارة أثناء دعائه </span>وذكره لله تعالى.\n٤٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-517> ٦ - يكثر من الدعاء، والذكر، والالتجاء إلى اللَّه تعالى</span>، ويرفع يديه في دعائه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>سابعًا: سنن المبيت بمزدلفة:</span>\n٥٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-519> ١ - يصلي المغرب والعشاء عند وصوله قبل حطّ الرِّحال جمعًا وقصرًا</span>.\n٥١ -<span data-type=\"title\" id=toc-520> ٢ - ينام مبكرًا ليتقوَّى على أعمال يوم النحر</span>.\n٥٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-521> ٣ - يقف بالمشعر الحرام بعد صلاة الفجر </span>ويستقبل القبلة ويذكر اللَّه تعالى.\n٥٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-522> ٤ - يدعو ويكبِّر ويهلِّل حتى يُسفر جدًا</span>، ثم يفيض قبل طلوع الشمس.\n٥٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-523> ٥ - يسرع في بطن محسرٍ إن تيسر له ذلك</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>ثامنًا: سنن يوم النحر في منى:</span>\n٥٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-525> ١ - يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه أثناء رمي جمرة العقبة</span>.\n٥٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-526> ٢ - الرمي يكون ضحىً إن تيسر</span>.","vol":"1","page":329},{"text":"٥٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-527> ٣ - يكبر مع كل حصاة يرمي بها</span>.\n٥٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-528> ٤ - يقطع التلبية عند رمي جمرة العقبة</span>.\n٥٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-529> ٥ - يبدأ بالتكبير بدلًا من التلبية</span>.\n٦٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-530> ٦ - يرتِّب هذه الأعمال يوم النحر: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم يطوف طواف الإفاضة </span>ويسعى بعده إذا كان عليه سعي، فإن قدَّم أو أخَّر شيئًا من هذه الأعمال فلا حرج.\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>تاسعًا: سنن أيام التشريق:</span>\n٦١ -<span data-type=\"title\" id=toc-532> ١ - الإكثار من التكبير، والتهليل، والتحميد </span>«التكبير المطلق، والمقيد».\n٦٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-533> ٢ - الإكثار من ذكر اللَّه تعالى في هذه الأيام المعدودات</span>.\n٦٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-534> ٣ - أن يجمع الحاج بين الليل والنهار في منى</span>؛ لأن النبي - ﷺ - بقي في منى كذلك.\n٦٤ - ٤ - الدعاء عند الجمرة الأولى بعد رميها، يتقدم قليلًا ثم يستقبل القبلة ويدعو طويلًا.\n٦٥ - ٥ - الدعاء عند الجمرة الثانية بعد رميها: يتقدم قليلًا ويأخذ ذات اليسار ويستقبل القبلة ويدعو طويلًا.\n٦٦ - ٦ - لا يقف للدعاء بعد رمي الجمرة الكبرى بل يرميها ويمضي.\n٦٧ - ٧ - أن يكون على طهارة من الحدث الأكبر والأصغر أثناء الرمي؛ لأنه من ذكر اللَّه تعالى.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>عاشرًا: سنن طواف الوداع:</span>\n٦٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-540> ١ - يبيت بالمحصب قبل الوداع إن تيسَّر</span>، ثم يطوف ويسافر.\n٦٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-541> ٢ - أن يفرد طواف الوداع </span>فيطوف طواف الإفاضة يوم النحر، وطواف الوداع عند النفر.\n٧٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-542> ٣ - يُصلي ركعتين بعده</span>، يقرأ فيهما بالكافرون والإخلاص بعد الفاتحة.\n٧١ -<span data-type=\"title\" id=toc-543> ٤ - يخرج من أسفل مكة من كُدىً إن تيسَّر</span>.","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>المبحث الثالث والعشرون: فضائل مكة والمدينة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>أولًا: فضائل مكة وخصائصها كثيرة، ومنها ما جاء في الأحاديث الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>١ - تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها</span>، إلا لمنشد، على الدوام؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - يوم الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ (١) وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ (٢)، وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (٣). وقال يوم الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هذا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّه يوم خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّه إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّهُ لم يَحِلَّ الْقِتَالُ فيه لِأَحَدٍ قَبْلِي، ولم يَحِلَّ لي إلا سَاعَةً من نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّه إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ (٤) شوكه، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا يَلْتَقِطُ [لقطته] (٥) إلا من عَرَّفَهَا، وفي لفظ: «إلا لمعرف». [وفي لفظ آخر: «إلا لمنشد»] ولا يُخْتَلَى خَلَاهَا» (٦)\nفقال الْعَبَّاسُ: يا رَسُولَ اللَّه إلا الْإِذْخِرَ (٧) فإنه [لا بد منه] لِقَيْنِهِمْ\n_________\n(١) (لا هجرة) قال العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة. والمعنى لا هجرة بعد الفتح من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، وإنما تكون الهجرة من دار الحرب.\n(٢) (ولكن جهاد ونية) معناه لكم طريق إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيء.\n(٣) (وإذا استنفرتم فانفروا) معناه إذا دعاكم السلطان إلى غزو فاذهبوا.\n(٤) (لا يعضد) قال أهل اللغة: العضد: القطع.\n(٥) (لقطته) اللقطة اسم الشيء الذي تجده ملقى فتأخذه، والالتقاط هو أخذه. وأصل اللقط الأخذ من حيث لا يحسّ.\n(٦) (ولا يختلى خلاها) الخلا هوالرطب من الكلأ. قالوا: الخلا والعشب اسم للرطب منه. والحشيش والهشيم اسم لليابس منه. والكلأ يقع على الرطب واليابس. ومعنى يختلى يؤخذ ويقطع.\n(٧) (الإذخر) قال العلايلي في معجمه: الإذخر نبات عشبي، من فصيلةالنجيليات، له رائحة ليمونية عطرة، أزهاره تستعمل منقوعًا كالشاي، ويقال له أيضًا: طيب العرب. والإذخر المكي من الفصيلة نفسها، جذوره من الأفاوية، ينبت في السهول وفي المواضع الجافة الحارة. ويقال له أيضًا: حلفاء مكة.","vol":"1","page":332},{"text":"وَلِبُيُوتِهِمْ (١). [وفي لفظ للبخاري: فإنه لصاغتنا ولقبورنا]. وفي لفظ [ولسُقُفِ بيوتنا] فسكت ثم قال: «إلا الْإِذْخِرَ» قال عكرمة: هل تدري ما ينفَّر صيدها؟ هو أن تنحِّيه من الظل وتنزل مكانه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>٢ - حديث أبي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ</span>، أَنَّهُ قال لِعَمْرِو بن سَعِيدٍ، وهو يَبْعَثُ الْبُعُوثَ (٣) إلى مَكَّةَ: ائْذَنْ لي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قام بِهِ رسول اللَّه - ﷺ - الْغَدَ من يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ (٤) حين تَكَلَّمَ بِهِ، إنه حَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عليه ثُمَّ قال: «إن مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّه ولم يُحَرِّمْهَا الناس، فلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بها دَمًا ولا\nيَعْضِدَ بها شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ (٥) بِقِتَالِ رسول اللَّه - ﷺ - فيها فَقُولُوا له:\n_________\n(١) (لقينهم وبيوتهم) القين هو الحداد والصائغ. ومعناه يحتاج إليه القين في وقود النار. ويحتاج إليه في القبور لتسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات. ويحتاج إليه في سقوف البيوت، يجعل فوق الخشب.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب ليبلغ الشاهد الغائب، برقم ١٠٤، وكتاب الحج، باب: لا يعضد شجر الحرم، برقم ١٨٣٢، وكتاب المغازي، باب حدثني محمد بن بشار، برقم ٤٢٩٥، ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها، برقم ١٣٥٣، والألفاظ من مجموع المواضع.\n(٣) (يبعث البعوث) يعني لقتال ابن الزبير.\n(٤) (سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي) أراد بهذا كله المبالغة في تحقيق حفظه إياه وتيقنه زمانه ومكانه ولفظه.\n(٥) (ترخص) في المنجد: ترخص في الأمر أخذ فيه بالرخصة، والرخصة قال في المقاييس: الرخصة في الأمر خلاف التشديد.","vol":"1","page":333},{"text":"إِنَّ اللَّه أَذِنَ لِرَسُولِهِ ولم يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لي فيها سَاعَةً من نَهَارٍ، وقد عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: ما قال لك عَمْرٌو؟ قال: أنا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا (١) ولا فَارًّا بِدَمٍ (٢) ولا فَارًّا بِخَرْبَةٍ (٣) [قال أبو عبد اللَّه: الخربة البلية] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>٣ - حديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ </span>- قال: لَمَّا فَتَحَ اللَّه - ﷿ - على رسول اللَّه - ﷺ - مَكَّةَ قام في الناس فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عليه، ثُمَّ قال: «إِنَّ اللَّه حَبَسَ عن مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عليها رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كان قَبْلي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لي سَاعَةً من نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، ولا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، ولا تَحِلُّ سَاقِطَتهَا (٥) إلا لِمُنْشِدٍ (٦) وَمَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ (٧) فَهُوَ بِخَيْرِ\nالنَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ» فقال الْعَبَّاسُ: إلا الْإِذْخِرَ يا رَسُولَ\n_________\n(١) (لا يعيذ عاصيًا) أي لا يجيره ولا يعصمه، أراد به عبد اللَّه بن الزبير.\n(٢) (ولا فارًا بدم) أي ولا يعيذ الحرم هاربًا التجأ إليه بسبب من الأسباب الموجبة للقتل.\n(٣) (ولا فارًا بخربة) هي بفتح الخاء وإسكان الراء. هذا هو المشهور. ويقال بضم الخاء أيضًا، حكاها القاضي وصاحب المطالع وآخرون. وأصلها سرقة الإبل. وتطلق على كل خيانة. قال الخليل: هي الفساد في الدين من الخارب، وهو اللص المفسد في الأرض.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الإذخر والحشيش في القبر، برقم ١٣٤٩، وأطرافه في صحيح البخاري، بالأرقام الآتية: ٥٨٧، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣، ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها برقم ١٣٥٣.\n(٥) (ساقطتها) معنى الساقطة ما سقط فيها بغفلة مالكه.\n(٦) (إلا لمنشد) المنشد هو المعرف.\n(٧) (ومن قتل له قتيل) معناه: وليّ المقتول بالخيار. إن شاء قتل القاتل، وإن شاء أخذ فداءه، وهي الدية.","vol":"1","page":334},{"text":"اللَّه، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ في قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إلا الْإِذْخِرَ» فَقَامَ أبو شَاهٍ رَجُلٌ من أَهْلِ الْيَمَنِ، فقال: اكْتُبُوا لي يا رَسُولَ اللَّه، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ».\nقال الْوَلِيدُ فقلت لِلْأَوْزَاعِيِّ: ما قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لي يا رَسُولَ اللَّه؟ قال: هذه الْخُطْبَةَ التي سَمِعَهَا من رسول اللَّه - ﷺ - (١).\nوفي لفظ عن أبي هريرة - ﵁ - قال: إن خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا من بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ (٢) منهم قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رسول اللَّه - ﷺ -، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ فقال: «إِنَّ اللَّه - ﷿ - حَبَسَ عن مَكَّةَ الْفِيلَ (٣) وَسَلَّطَ عليها رَسُولَهُ وَالمؤْمِنِينَ، ألا وَإِنَّهَا لم تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، ألا وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لي سَاعَةً من النَّهَارِ، ألا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هذه، حَرَامٌ لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا (٤) ولا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، ولا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إلا مُنْشِدٌ، وَمَنْ قُتِلَ له\nقَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعطى (يَعْنِي الدِّيَةَ) وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ (٥) أَهْلُ الْقَتِيلِ» قال: فَجَاءَ رَجُلٌ من أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ له أبو شَاهٍ فقال: اكْتُبْ لي\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، برقم ١١٢، وأطرافه في صحيح البخاري، برقم ٢٤٣٤، ٦٨٨٠، ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها، وخلاها، ولقتطها، إلا لمنشد على الدوام، برقم ١٣٥٥، والألفاظ بين المعقوفات من الأطراف في البخاري المذكورة.\n(٢) (بقتيل) متعلق بقتلوا، أي بمقابلة مقتول من بني خزاعة قتله قاتل من بني ليث.\n(٣) (حبس عن مكة الفيل) أي منعه من الدخول فيها حين جاء يقصد خراب الكعبة.\n(٤) (لا يخبط شوكها) أي لا يقطع. وأصل الخبط إسقاط الورق من الشجر.\n(٥) (وإما أن يقاد) من الإقادة، ومعناها تمكين ولي الدم من القود، وأصله أنهم يدفعون القاتل لولي المقتول فيقوده بحبل.","vol":"1","page":335},{"text":"يا رَسُولَ اللَّه، فقال: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ». فقال رَجُلٌ من قُرَيْشٍ: إلا الْإِذْخِرَ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ في بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إلا الْإِذْخِرَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>٤ - ويُنهى عن حمل السلاح بمكة لغير حاجة</span>؛ لحديث جابرٍ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ النبيَّ - ﷺ - يقول: «لا يَحِلُّ لأَحَدِكُمْ أنْ يَحْمِلَ بِمَكَّة السِّلاَحَ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>٥ - وأما حمل السلاح لحاجة لا بدَّ منها فلا بأس به</span>؛ لحديث أنَسِ بنِ مَالكِ - ﵁ - أَنَّ النبي - ﷺ - دخل مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرٌ (٣)، فلما نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فقال: إن ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فقال: «اقْتُلُوهُ» (٤) فقال مَالِكٌ: نعم (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>٦ - ويجوز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد العمرة أو الحج</span>؛ لحديث\nأنس السابق؛ ولحديث جَابِرِ بن عبد اللَّه الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - دخل مَكَّةَ [وقال قُتَيْبَةُ: دخل يوم فَتْحِ مَكَّةَ] وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. وفي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ قال: حدثنا أبو الزُّبَيْرِ عن جَابِرٍ (٦).\n_________\n(١) البخاري، برقم ١١٢، ومسلم برقم ٤٤٨ - (١٣٥٣) وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب النهي عن حمل السلاح بمكة لغير حاجة، برقم ١٣٥٦.\n(٣) (مغفر) المغفر هو ما يلبس على الرأس من درع الحديد.\n(٤) (اقتلوه) قال العلماء: إنما قتله لأنه كان ارتد عن الإسلام وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو النبي - ﷺ - ويسبه، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي - ﷺ - والمسلمين.\n(٥) متفق عليه، البخاري، كاتب جزاء الصيد، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، برقم ١٨٤٦، وأطرافه في البخاري، برقم ٣٠٤٤، كتاب الجهاد، باب قتل الأسير، وكتاب المغازي، باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح، برقم ٤٢٨٦، وكتاب اللباس، باب المغفر، برقم ٥٨٠٨، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام، برقم ٣٥٧، واللفظ للبخاري.\n(٦) مسلم، كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام برقم ١٣٥٨.","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>٧ - حديث جَعْفَرِ بن عَمْرِو بن حُرَيْثٍ عن أبيه: </span>أَنَّ رَسُولَ - ﷺ - خَطَبَ الناس وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.\nوفي رواية: قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى رسول اللَّه - ﷺ - على الْمِنْبَرِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قد أَرْخَى طَرَفَيْهَا (١) بين كَتِفَيْهِ، ولم يَقُلْ أبو بَكْرٍ على الْمِنْبَرِ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>٨ - ومما يدل على فضل مكة على سائر البلدان</span>، حديث عبد اللَّه بن عدي بن الحمراء قال: رأيت رسول اللَّه - ﷺ - وهو على ناقته واقف بالحزورة يقول: «واللَّه إنَّكِ لَخيرُ أرضِ اللَّه، وأحَبُّ أرضِ اللَّه إليَّ، واللَّه لولا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ ما خَرَجْتُ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>ثانيًا: فضائل المدينة وخصائصها ومنها ما جاء في الأحاديث الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>١ - فضل المدينة، ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة، وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها</span>، وبيان حدود حرمها؛ لحديث عبد اللَّه بن زَيْدِ\nبن عَاصِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قال: «إِنَّ إبراهيم حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ المدِينَةَ كما حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ في صَاعِهَا وَمُدِّهَا (٤) بمثلي ما دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ». ولفظ البخاري [مثل ما\n_________\n(١) (طرفيها) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا وغيرها: طرفيها بالتثنية. وكذا هو في الجمع بين الصحيحين للحميدي. وذكر القاضي عياض أن الصواب المعروف طرفها بالإفراد، وإن بعضهم رواه طرفيها بالتثنية.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام برقم ١٣٥٩.\n(٣) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب فضل مكة، برقم ٣١٠٨، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٧٨.\n(٤) (في صاعها ومدها) أي فيما يكال بهما. فهو من باب ذكرالمحل وإرادة الحال، لأن الدعاء إنما هو للبركة في الطعام المكيل، لا في المكاييل، والمد مكيال دون الصاع.","vol":"1","page":337},{"text":"دعا إبراهيم - ﵇ - لمكة] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>٢ - حديث رَافِعِ بن خَدِيجٍ </span>قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إنَّ إبراهيم حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي أُحَرِّمُ ما بين لَابَتَيْهَا» (٢) يُرِيدُ المدِينَة (٣).\nوفي رواية عن نَافِعِ بن جُبَيْرٍ أيضًا: أَنَّ مَرْوَانَ بن الْحَكَمِ خَطَبَ الناس، فذكر مَكَّةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، ولم يذكر المدِينَةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، فَنَادَاهُ رَافِعُ بن خَدِيجٍ فقال: مالي أَسْمَعُكَ ذَكَرْتَ مَكَّةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، ولم تَذْكُرْ المدِينَة وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، وقد حَرَّمَ رسول اللَّه - ﷺ - ما بين لَابَتَيْهَا، وَذَلِكَ عِنْدَنَا في أَدِيمٍ خَوْلَانِيٍّ (٤) إن شِئْتَ أَقْرَأْتُكَهُ. قال: فَسَكَتَ مَرْوَانُ\nثُمَّ قال: قَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ ذلك (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب البيوع، باب بركة صاع النبي - ﷺ - ومده، برقم ٢١٢٩، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة، وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها، وبيان حدود حرمها، برقم ١٣٦٠،واللفظ لمسلم، إلا ما بين المعقوفين فمن البخاري.\n(٢) (لابتيها) اللابة هي الحرة، والمدينة المنورة بين حرتين شرقية وغربية تكتنفانها، والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود، كأنها أحرقت بالنار، ومعنى ذلك اللابتان وما بينهما. والمراد تحريم المدينة ولابتيها.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة، وبيان تحريم صيدها، وبيان حدود حرمها، برقم ١٣٦١.\n(٤) (وذلك عندنا في أديم خولاني) هذا قول رافع بن خديج، وهو صحابي أنصاري شهد أحدًا وما بعدها، يريد رافع أن حديث تحريم المدينة محفوظ عندنا بالكتابة في جلد مدبوغ منسوب إلى خولان وهي كما في معجم البلدان كورة من كور اليمن، وقرية كانت بقرب دمشق خربت، بها قبر أبي مسلم الخولاني، ولعل أديم تلك النواحي في تلك الزمان كان من أنعم الجلود التي يكتبون فيها.\n(٥) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة ... برقم٤٥٧ - (١٣٦١).","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>٣ - حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ </span>- عن جَابِرٍ قال: قال النبي - ﷺ -: «إن إبراهيم حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ المدِينَةَ ما بين لَابَتَيْهَا، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا (١) ولا يُصَادُ صَيْدُهَا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>٤ - حديث سعد - ﵁ </span>- قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إني أُحَرِّمُ ما بين لَابَتَيْ المدِينَةِ، أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أو يُقْتَلَ صَيْدُهَا» وقال: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عنها إلا أَبْدَلَ اللَّه فيها من هو خَيْرٌ منه، ولا يَثْبُتُ أَحَدٌ على لَأْوَائِهَا (٣) وَجَهْدِهَا (٤) إلا كنت له شَفِيعًا أو شَهِيدًا (٥) يوم الْقِيَامَةِ» (٦).\nوفي لفظ عنه: وزاد في الحديث «ولا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ المدِينَةِ بِسُوءٍ إلا أَذَابَهُ اللَّه في النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أو ذَوْبَ الْمِلْحِ في المَاءِ» (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>٥ - حديث عَامِرِ بن سَعْدٍ</span>، أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إلى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَوَجَدَ\n_________\n(١) (عضاهها) العضاه كل شجر يعظم وله شوك. واحدها عضاهة، وعضهة وعضة.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة ... برقم ١٣٦٢.\n(٣) (لأوائها) قال أهل اللغة: اللأواء: الشدة والجوع.\n(٤) (وجهدها) والجهد: هو المشقة.\n(٥) (شفيعًا أو شهيدًا) أو بمعنى الواو. أو للتقسيم. أي شفيعًا لقوم وشهيدًا لآخرين، قال القاضي عياض: إن هذا الحديث رواه جابر، وسعد، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت عميس، وصفية بنت أبي عبيد ﵃، عن النبي - ﷺ - بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك وتطابقهم فيه على صيغة واحدة. بل الأظهر أنه قاله - ﷺ - هكذا.\n(٦) مسلم، في الكتاب والباب السابقين، برقم ١٣٦٣.\n(٧) مسلم، برقم ٤٦٠ - (١٣٦٣) وتقدم في الذي قبله.","vol":"1","page":339},{"text":"عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أو يَخْبِطُهُ (١) فَسَلَبَهُ (٢)، فلما رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ على غُلَامِهِمْ، أو عليهم، ما أَخَذَ من غُلَامِهِمْ، فقال: مَعَاذَ اللَّه! أَنْ أَرُدَّ شيئا نَفَّلَنِيهِ (٣) رسول اللَّه - ﷺ - وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عليهم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>٦ - حديث أنسِ بنِ مالكٍ - ﵁ </span>-، قال: قالَ رسُولُ اللَّه - ﷺ - لأبي طَلحَةَ: «التَمِس لي غُلَامًا من غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي» فَخَرَجَ بِي أبو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - كُلَّمَا نَزَلَ، فكُنتُ أسمعُهُ يُكثِرُ أن يقولَ: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الهَّمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ والجُبْنِ، وضَلَعِ الدَّيْنِ وغَلَبَةِ الرِّجالِ» فَلَمْ أزَلْ أخدُمُهُ حتَّى أقْبَلنَا مِنْ خَيبَرَ، وأقْبَلَ بصفيَّةَ بنتِ حُييٍّ، قَدْ حازَهَا، فكُنتُ أراهُ يَحَوِّي وراءَهُ بعباءَةٍ أو بِكِساءٍ، ثُمَّ يُرْدِفُها ورَاءهُ، حتَّى إذا كنَّا بالصَّهباء صَنَعَ حَيْسًا في نِطَعٍ، ثم أرسَلَني، فدعوتُ رجالًا فأكلوا، وكانَ ذلِكَ بناءَهُ بها. ثُمَّ أقْبَلَ حتى إذا بَدَا له أُحُدٌ قال: «هذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» فلما أَشْرَفَ على المدِينَةِ قال: «اللَّهم اني أُحَرِّمُ ما بين\nجَبَلَيْهَا مِثْلَ ما حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهم بَارِكْ لهم في مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>٧ - حديث أنس - ﵁ - عن عاصم </span>قال: قلت لِأَنَسِ بن مَالِكٍ أَحَرَّمَ\n_________\n(١) (أو يخبطه) الخبط جاء هنا عديلًا للقطع، فيراد به معناه الأصلي، وهو إسقاط الورق.\n(٢) (فسلبه) أي أخذ ما عليه ما عدا الساتر لعورته، زجرًا له عن العودة لمثله.\n(٣) (نفلنيه) التنفيل إعطاء النفل. أي أعطانيه زيادة على نصيبي من قسمة الغنيمة.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ - بالبركة، برقم ١٣٦٤.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأطعمة، باب الحيس، برقم ٥٤٢٥، واللفظ له، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة، وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها، برقم ١٣٦٥.","vol":"1","page":340},{"text":"رسول اللَّه - ﷺ - المدِينَةَ؟ قال: نعم. ما بين كَذَا إلى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا (١) قال ثُمَّ قال لي: هذه شَدِيدَةٌ «من أَحْدَثَ فيها حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه وَالملَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّه منه يوم الْقِيَامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا (٢) قال: فقال ابن أَنَسٍ «أو آوَى مُحْدِثًا» (٣).\nوفي رواية لمسلم أخبرنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قال: سَأَلْتُ أَنَسًا: أَحَرَّمَ رسول اللَّه - ﷺ - المدِينَة؟ قال: نعم هِيَ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذلك فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>٨ - حديث أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ </span>- أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قال: «اللَّهم بَارِكْ لهم\nفي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لهم في صَاعِهِمْ، وَبَارِكْ لهم في مُدِّهِمْ» يعني أهل المدينة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>٩ - حديث أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - قال: </span>قال رسول اللَّه - ﷺ -: «اللَّهم اجْعَلْ بِالمدِينَةِ ضِعْفَيْ ما بِمَكَّةَ من الْبَرَكَةِ» (٦).\n_________\n(١) (فمن أحدث فيها حدثًا) معناه من أتى فيها إثمًا.\n(٢) (صرفًا ولا عدلًا) قال الأصمعي: الصرف التوبة، والعدل الفدية: وروى ذلك عن النبي - ﷺ -. قال القاضي: وقيل المعنى لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضا، وإن قبلت قبول جزاء.\n(٣) (أو آوى محدثًا) أي آوى من أتاه وضمه إليه وحماه. ويقال: أوى بالقصر والمد، في الفعل اللازم والمتعدي جميعًا، لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح. والمد في المتعدي أشهر وأفصح. وبالأفصح جاء القرآن العزيز في الموضعين.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الاعتصام، باب إثم من أوى محدثًا، برقم ٧٣٠٦، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، برقم ١٣٦٦.\n(٥) متفق عليه، البخاري، كتاب البيوع، باب بركة صاع النبي - ﷺ - ومده، برقم ٢١٣٠، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الدينة، برقم ١٣٦٨، واللفظ للبخاري.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب المدينة تنفي الخبث، برقم ١٨٨٥، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، برقم ١٣٦٩، واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>١٠ - حديث علي - ﵁ </span>-، فعن إبراهيم التَّيْمِيِّ عن أبيه قال: خَطَبَنَا عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ فقال: من زَعَمَ أنَّ عِنْدَنَا شيئًا نَقْرَأهُ إلا كِتَابَ اللَّه وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ (قال: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ في قِرَابِ سَيْفِهِ) (١) فَقَدْ كَذَبَ (٢) فيها أَسْنَانُ الْإِبِلِ (٣)، وَأَشْيَاءُ من الْجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا قال النبي - ﷺ -: «المدِينَةُ حَرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ (٤) فَمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًًا، أو آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه\n_________\n(١) (في قراب سيفه) القراب هوالغلاف الذي يجعل فيه السيف بغمده.\n(٢) (فقد كذب) قال النووي: هذا تصريح من علي رضي اللَّه تعالى عنه بإبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من قولهم: إن عليًا أوصى إليه النبي - ﷺ - بأمور كثيرة من أسرارالعلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة. وإنه - ﷺ - خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم. وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها. ويكفي في إبطالها قول علي - ﵁ - هذا.\n(٣) (فيها أسنان الإبل) أي في تلك الصحيفة بيان أسنان الإبل التي تعطى دية.\n(٤) (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور) ذكر ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٤/ ٨٢، قول مصعب الزبيري: ليس في المدينة عير ولا ثور، ثم قال ابن حجر: قال أبو عبيد قوله: «ما بين عير وثور»، هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلًا عندهم يقال له ثور، وإنما ثور بمكة ...\nثم قال ابن حجر: «وقال المحب الطبري في الأحكام: بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه: قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري، أن حذاء أحد، عن يساره، جانحًا إلى ورائه، جبل صغير يقال له: ثور. وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، فكلٌّ أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور. وتواردوا على ذلك، قال: فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه. قال: وهذه فائدة جليلة. انتهى.\nثم قال الحافظ ابن حجر ﵀: وقرأت بخط شيخ شيوخنا ... الحلبي في شرحه: حكى لنا شيخنا أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه خرج رسولًا إلى العراق، فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل. وكان يذكر له الأماكن والجبال. قال: فلما وصلنا إلى أحد، إذا بقربه جبل صغير، فسألته عنه؟ فقال: هذا يُسمَّى ثورًا. قال: فعلمت صحة الرواية. قلت: وكان هذا مبدأ سؤاله عن ذلك.\nوذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغي، نزيل المدينة، في مختصره لأخبار المدينة، أن خَلَفَ أهل المدينة ينقلون عن سلفهم؛ أن خَلْفَ أحدٍ، من جهة الشمال جبلًا صغيرًا إلى الحمرة بتدوير، يسمى ثورًا. قال: وقد تحققته بالمشاهدة. اهـ. من فتح الباري لابن حجر ﵀،٤/ ٨٢ - ٨٣.","vol":"1","page":342},{"text":"وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّه منه يوم الْقِيَامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ (١)، يَسْعَى بها أَدْنَاهُمْ (٢)، [فمن أخفر (٣) مسلمًا فعليه لعنة اللَّه، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل اللَّه منه صرفًا ولا عدلًا] وَمَنْ ادَّعَى إلى غَيْرِ أبيه (٤)،أو انْتَمَى إلى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه وَالْمَلَائِكَةِ\nوَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّه منه يوم الْقِيَامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>١١ - حديث أبي هُرَيْرَةَ عن النبي - ﷺ </span>- قال: «المدِينَةُ حَرَمٌ، فَمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا أو آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ منه يوم الْقِيَامَةِ عَدْلٌ ولا صَرْفٌ» (٦).\n_________\n(١) (وذمة المسلمين واحدة) المراد بالذمة هنا الأمان. معناه أن أمان المسلمين للكافر صحيح، فإذا أمنه أحد المسلمين حرم على غيره التعرض له مادام في أمان المسلم.\n(٢) (يسعى بها أدناهم) أي يتولاها ويلي أمرها أدنى المسلمين مرتبة.\n(٣) (فمن أخفر مسلمًا) معناه من نقض أمان مسلم، فتعرَّض لكافر أمَّنه مسلم، قال أهل اللغة: يقال أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، وخفرته إذا أمنته.\n(٤) (ومن ادعى إلى غير أبيه) هذا صريح في غلظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه، أو انتماء العتيق إلى غير مواليه لما فيه من كفر النعمة وتضييع حقوق الإرث والولاء والعقل وغير ذلك، مع ما فيه من قطيعة الرحم والعقوق.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه، برقم ٦٧٥٥، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، برقم ١٣٧٠.\n(٦) مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، برقم ١٣٧١.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>١٢ - حديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ </span>- أَنَّهُ كان يقول: لو رأيت الظِّبَاءَ تَرْتَعُ بِالمدِينَةِ ما ذَعَرْتُهَا (١)، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ما بين لَابَتَيْهَا حَرَامٌ». وفي رواية لمسلم: حَرَّمَ رسول اللَّه - ﷺ - ما بين لَابَتَيِ المدِينَةِ، قال أبو هُرَيْرَةَ: فَلَوْ وَجَدْتُ الظِّبَاءَ ما بين لَابَتَيْهَا ما ذَعَرْتُهَا وَجَعَلَ أثنى عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ حِمًى (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>١٣ - حديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ </span>- أَنَّهُ قال: كان الناس إذا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جاؤوا بِهِ إلى النبي - ﷺ - فإذا أَخَذَهُ رسول اللَّه - ﷺ - قال: «اللَّهم بَارِكْ لنا في ثَمَرِنَا وَبَارِكْ لنا في مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لنا في صَاعِنَا، وَبَارِكْ لنا في مُدِّنَا، اللَّهم إنَّ إبراهيم عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ ما دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ معه» قال ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ\nوَلِيدٍ له فَيُعْطِيهِ ذلك الثَّمَرَ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>١٤ - الترغيب في سُكْنَى المدينة والصبر على لأوائها</span>؛ لحديث أبي سَعِيدٍ الخدري - ﵁ - فعن أبي سعيد مولى الْمَهْرِيِّ، أنه أَصَابَهُمْ بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ، وأنه أتى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فقال له: إني كَثِيرُ الْعِيَالِ وقد أَصَابَتْنَا شِدَّةٌ فَأَرَدْتُ أن أَنْقُلَ عِيَالِي إلى بَعْضِ الرِّيفِ (٤)، فقال أبو سَعِيدٍ: لَا تَفْعَلْ،\n_________\n(١) (لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها) معنى ترتع: ترعى. وقيل: تسعى وتنبسط. ومعنى ذعرتها أزعجتها، وقيل نفرتها، وكنى بذلك عن عدم صيدها.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب لابتي المدينة، برقم ١٨٧٣، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، برقم ١٣٧٢.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، برقم ١٣٧٣.\n(٤) (الريف) قال أهل اللغة: الريف هو الأرض التي فيها زرع وخصب، وجمعه أرياف. ويقال: أريفنا، صرنا إلى الريف. وأرافت الأرض، أخصبت فهي ريفة.","vol":"1","page":344},{"text":"الْزَمْ المدِينَة فَإِنَّا خَرَجْنَا مع نَبِيِّ اللَّه - ﷺ - أَظُنُّ أَنَّهُ قال حتى قَدِمْنَا عُسْفَانَ فَأَقَامَ بها لَيَالِيَ، فقال الناس: واللَّه ما نَحْنُ هَا هُنَا في شَيْءٍ وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ (١) ما نَأْمَنُ عليهم. فَبَلَغَ ذلك النبي - ﷺ - فقال: «ما هذا الذي بَلَغَنِي من حَدِيثِكُمْ؟ ما أَدْرِي كَيْفَ قال وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ أو وَالَّذِي نَفْسِي بيده لقد هَمَمْتُ أو إن شِئْتُمْ (لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قال) لَآمُرَنَّ بِنَاقَتِي تُرْحَلُ (٢)، ثُمَّ لَا أَحُلُّ لها عُقْدَةً حتى أَقْدَمَ المدِينَة» (٣). وقال: «اللَّهم إن إبراهيم حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا وَإِنِّي حَرَّمْتُ المدِينَة حَرَامًا (٤) ما بين مَأْزِمَيْهَا (٥) أن لَا يُهْرَاقَ\nفيها دَمٌ ولا يُحْمَلَ فيها سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، ولا تُخْبَطَ فيها شَجَرَةٌ إلا لِعَلْفٍ (٦)، اللَّهم بَارِكْ لنا في مَدِينَتِنَا، اللَّهم بَارِكْ لنا في صَاعِنَا، اللَّهم بَارِكْ لنا في مُدِّنَا، اللَّهم بَارِكْ لنا في صَاعِنَا، اللَّهم بَارِكْ لنا في مُدِّنَا، اللَّهم بَارِكْ لنا في مَدِينَتِنَا، اللَّهم اجْعَلْ مع الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بيده ما من الْمَدِينَةِ\n_________\n(١) (وإن عيالنا لخلوف) أي ليس عندهم رجال ولا من يحميهم.\n(٢) (تُرْحَل) أي يشد عليها رحلها.\n(٣) (ثم لا أحل لهاعقدة حتى أقدم المدينة) معناه أواصل السير ولا أحل عن راحلتي عقدة من عقد حملها ورحلها حتى أصل إلى المدينة، لمبالغتي في الإسراع إلى المدينة.\n(٤) (إني حرمت المدينة حرامًا) نصب على المصدر، إما لحرمت على غير لفظه كقوله تعالى: (واللَّه أنبتكم من الأرض نباتًا) وما بين مأزميها بدل من المدينة، ويحتمل أن يكون حرامًا مفعول فعل محذوف، أي جعلت حرامًا ما بين مأزميها، وما بين مأزميها مفعولًا ثانيًا.\n(٥) (ما بين مأزميها) المأزم هو الجبل، وقيل: المضيق بين الجبلين ونحوه، والأول هو الصواب هنا، ومعناه ما بين جبليها.\n(٦) (لعلْف) هو بإسكان اللام، وهو مصدر علفت علفًا. وأما العلف، بفتح اللام، فاسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها.","vol":"1","page":345},{"text":"شِعْبٌ ولا نَقْبٌ (١) إلا عليه مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حتى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا» (ثُمَّ قال لِلنَّاسِ) «ارْتَحِلُوا» فَارْتَحَلْنَا. فَأَقْبَلْنَا إلى الْمَدِينَةِ، فَوَالَّذِي نَحْلِفُ بِهِ أو يُحْلَفُ بِهِ (الشَّكُّ من حَمَّادٍ) ما وَضَعْنَا رِحَالَنَا حين دَخَلْنَا المدِينَة (٢) حتى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عبد اللَّه بن غَطَفَانَ، وما يَهِيجُهُمْ (٣) قبل ذلك شَيْءٌ.\nوفي رواية عن أبي سَعِيدٍ مولى الْمَهْرِيِّ، أَنَّهُ جاء أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ،\nلَيَالِي الْحَرَّةِ (٤)، فَاسْتَشَارَهُ في الْجَلَاءِ (٥) من الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إليه أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لَا صَبْرَ له على جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فقال له: وَيْحَكَ، لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إني سمعت رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يقول: «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ على لَأْوَائِهَا فَيَمُوتَ، إلا كنت له شَفِيعًا أو شَهِيدًا يوم الْقِيَامَةِ، إذا كان مُسْلِمًا».\nوفي رواية أَنَّهُ سمع رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يقول: «إنِّي حَرَّمْتُ ما بين لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ كما حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ» قال: ثُمَّ كان أبو سَعِيدٍ يَأْخُذُ (وقال أبو\n_________\n(١) (شعب ولا نقب) قال أهل اللغة: الشعب هو الفرجة النافذة بين الجبلين. وقال ابن السكيت: هو الطريق في الجبل. والنقب هو مثل الشعب، وقيل هو الطريق في الجبل. قال الأخفش: أنقاب المدينة طرقها وفجاجها.\n(٢) (ما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة ... إلخ) معناه أن المدينة في حال غيبتهم عنها كانت محمية محروسة، كما أخبر النبي - ﷺ - حتى أن بني عبد اللَّه بن غطفان أغاروا عليها حين قدمناه، ولم يكن قبل ذلك يمنعهم من الإغارة عليها مانع ظاهر، ولا كان لهم عدو يهيجهم ويشتغلون به، بل سبب منعهم قبل قدومنا حراسة الملائكة، كما أخبر النبي - ﷺ -.\n(٣) (وما يهيجهم) قال أهل اللغة: يقال هاج الشر وهاجت الحرب وهاجها الناس، أي تحركت وحركوها. وهجت زيدًا، حركته للأمر. كله ثلاثي.\n(٤) (ليالي الحرة) يعني الفتنة المشهورة التي نهبت فيها المدينة سنة ثلاث وستين.\n(٥) (الجلاء) هو الفرار من بلد إلى غيره.","vol":"1","page":346},{"text":"بَكْرٍ: يَجِدُ) أَحَدَنَا في يَدِهِ الطَّيْرُ (١) فَيَفُكُّهُ من يَدِهِ ثُمَّ يُرْسِلُهُ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>١٥ - حديث سَهْلِ بن حُنَيْفٍ - ﵁ </span>- قال: أَهْوَى رسول اللَّه - ﷺ - بيده إلى الْمَدِينَةِ (٣) فقال: «إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>١٦ - حديث عَائِشَةَ ﵂ </span>قالت: قَدِمْنَا المدِينَة وَهِيَ وَبِيئَةٌ (٥) فَاشْتَكَى أبو بَكْرٍ وَاشْتَكَى بِلَالٌ، فلما رَأَى رسول اللَّه - ﷺ - شَكْوَى أَصْحَابِهِ قال: «اللَّهم حَبِّبْ إِلَيْنَا المدِينَة كما حَبَّبْتَ مَكَّةَ أو أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا،\nوَبَارِكْ لنا في صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إلى الْجُحْفَةِ (٦») (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>١٧ - حديث ابن عُمَرَ ﵄ </span>قال: سمعت رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يقول: «من صَبَرَ على لَأْوَائِهَا كنت له شَفِيعًا أو شَهِيدًا يوم الْقِيَامَةِ».\nوفي رواية: عن يُحَنَّسَ مولى الزُّبَيْرِ، أخبره أَنَّهُ كان جَالِسًا عِنْدَ عبد اللَّه بن\n_________\n(١) (في يده الطير) جملة اسمية، وقعت حالًا، نحو كلمته فوه إلى فيّ.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب الترغيب في سكن المدينى والصبر على لأوائها، برقم (١٣٧٤).\n(٣) (أهوى بيده إلى المدينة) أي أومأ بها إليها.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوئاها برقم (١٣٧٥).\n(٥) (وبيئة) يعني ذات وباء، وهو الموت الذريع. هذا أصله، ويطلق أيضًا على الأرض الوخمةالتي تكثر بها الأمراض، لاسيما للغرباء الذين ليسوا مستوطنيها.\n(٦) (وحول حماها إلى الجحفة) قال الخطابي وغيره: كان ساكنو الجحفة في ذلك الوقت يهودًا، قال الإمام النووي: وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوة نبينا - ﷺ -، فإن الجحفة من يومئذ مجتنبة، ولا يشرب أحد من مائها إلا حم.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء برفع الوباء والوجع، برقم ٦٣٧٢، وأطرافه في البخاري برقم ١٨٩٩، ومسلم، كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة، برقم ١٣٧٦.","vol":"1","page":347},{"text":"عُمَرَ في الْفِتْنَةِ (١) فَأَتَتْهُ مَوْلَاةٌ له تُسَلِّمُ عليه فقالت: إني أَرَدْتُ الْخُرُوجَ يا أَبَا عبد الرحمن اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ، فقال لها عبد اللَّه: اقْعُدِي لَكَاعِ (٢)، فَإِنِّي سمعت رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يقول: «لَا يَصْبِرُ على لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلا كنت له شَهِيدًا أو شَفِيعًا يوم الْقِيَامَةِ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>١٨ - حديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ </span>- أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قال: «لَا يَصْبِرُ على لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ من أُمَّتِي، إلا كنت له شَفِيعًا يوم الْقِيَامَةِ أو شَهِيدًا» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>١٩ - صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال إليها</span>؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «على أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ ولا الدَّجَّالُ» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>٢٠ - وحديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ </span>- أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قال: «يَأْتِي الْمَسِيحُ (٦) من قِبَلِ الْمَشْرِقِ هِمَّتُهُ الْمَدِينَةُ حتى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ ثُمَّ تَصْرِفُ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ\n_________\n(١) (في الفتنة) وهي وقعة الحرة التي وقعت زمن يزيد.\n(٢) (اقعدي لكاع) قال أهل اللغة: يقال امرأة لكاع ورجل لُكَع. ويطلق ذلك على اللئيم وعلى العبد وعلى الغبي الذي لا يهتدي لكلام غيره، وعلى الصغير.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة، برقم ١٣٧٧.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة، برقم ١٣٧٨.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل الدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة، برقم ١٨٧٩، ومسلم، كتاب الحج، باب صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال إليها، برقم ١٣٧٩.\n(٦) (يأتي المسيح): أي الدجال.","vol":"1","page":348},{"text":"قِبَلَ الشَّامِ وَهُنَالِكَ يَهْلِكُ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>٢١ - المدينةُ تَنْفِي شِرَارَهَا</span>؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ أن رسول اللَّه - ﷺ - قالَ: «يأتي عَلَى النَّاسِ زمانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابنَ عَمِّه وقَريبَهُ: هَلُمَّ إلى الرخاء! هَلُمَّ إلى الرَّخَاء! والمدينَةُ خَيْرٌ لهمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمونَ، والذي نَفْسي بيدهِ لا يَخْرُجُ منهُمْ أحدٌ رَغبةً عنها إلا أخْلَف اللَّه فيها خَيْرًا منْهُ، ألا إنَّ المدينةَ كالكِير (٢)، تُخْرِجُ الخَبيثَ. لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى تَنْفي المدينَةُ شِرارَها. كما يَنْفي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>٢٢ - حديث أبي هريرة - ﵁ </span>- يقول: قال رسول اللَّه - ﷺ - «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ\nتَأْكُلُ الْقُرَى (٤) يَقُولُونَ يَثْرِبَ (٥) وَهِيَ المدِينَةُ، تنفي الناس كما ينفي الْكِيرُ خَبَثَ الحدِيدِ» (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب صيانة المدينة برقم ١٣٨٠.\n(٢) (كالكير) هو منفخ الحداد الذي ينفخ به النار، أو الموضع المشتمل عليها. الأول يكون من الزق ويكون من الجلد الغليظ. والثاني أي موضع نار الحداد، يكون مبنيًا من الطين، أوهو يسمى كورًا.\n(٣) (خبث الحديد) قال العلماء: خبث الحديد والفضة هو وسخهما وقذرهما الذي تخرجه النار منهما.\n(٤) (أمرت بقرية تأكل القرى) معناه أمرت بالهجرة إليها واستيطانها. وذكروا في معنى أكلها القرى وجهين: أحدهما أنها مركز جيوش الإسلام في أول الأمر. فمنها فتحت القرى وغنمت أموالها وسباياها.\nوالثاني: معناه أن أكلها وميرتها تكون من القرى المفتتحة، وإليها تساق غنائمها.\n(٥) (يقولون يثرب وهي المدينة) يعني أن بعض الناس من المنافقين وغيرهم يسمونها يثرب. وإنما اسمها المدينة وطابة وطيبة. ففي هذا كراهة تسميتها يثرب.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس، برقم ١٨٧١، ومسلم، كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها، برقم ١٣٨٢.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>٢٣ - حديث جَابِرِ بن عبد اللَّه </span>أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ (١) بِالمدِينَةِ، فَأَتَى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رسول اللَّه - ﷺ - ثُمَّ جَاءَهُ فقال: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى ثُمَّ جَاءَهُ فقال: أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إنما المدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا (٢») (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>٢٤ - حديث زَيْدِ بن ثَابِتٍ - ﵁ </span>- عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّهَا طَيْبَةُ، يَعْنِي\nالمدِينَة، وَإِنَّهَا تَنْفِي الخبَثَ كما تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>٢٥ - حديث جَابِرِ بن سَمُرَةَ - ﵁ </span>- قال: سمعت رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يقول: «إن اللَّه تَعَالَى سَمَّى المدِينَة طَابَةَ (٥») (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>٢٦ - من أراد أهل المدينة بسوء أذابه اللَّه</span>؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّهُ\n_________\n(١) (وعك) هو مغث الحمى وألمها. ووعك كل شيء معظمه وشدته.\n(٢) (ينصع) أي يصفو ويخلص ويتميز. والناصع الصافي الخالص. ومنه قولهم: ناصع اللون أي صافيه وخالصه. ومعنى الحديث أنه يخرج من المدينة من لم يخلص إيمانه، ويبقى فيها من خلص إيمانه قال أهل اللغة: يقال نصع الشيء ينصع، بفتح الصاد فيهما، نصوعًا إذا خلص ووضح. والناصع الخالص من كل شيء.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأحكام، باب من بايع ثم استقال البيعة، برقم ٧٢١١، ومسلم، كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها، برقم ١٣٨٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، سورة النساء، باب ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، برقم ٤٥٨٩، ومسلم، كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها، برقم ١٣٨٥.\n(٥) (طابة) هذا فيه استحباب تسميتها طابة، وليس فيه أنها لا تسمى بغيره. فقد سماها اللَّه تعالى المدينة في مواضع من القرآن، وسماها النبي - ﷺ - طيبة.\n(٦) مسلم، كتاب الحج، باب من أراد أهل المدينة بسوء أذابه اللَّه، برقم ١٣٨٥.","vol":"1","page":350},{"text":"قال: قال أبو الْقَاسمِ - ﷺ -: «من أَرَادَ أَهْلَ هذه الْبَلْدَةِ بِسُوءٍ (١) (يَعْنِي المدِينَة) أَذَابَهُ اللَّه كما يَذُوبُ الْمِلْحُ في الْمَاءِ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>٢٧ - حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ </span>- قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «مَنْ أرَادَ أهْلَ المَدينةِ بِسُوءٍ، أذَابَه اللَّه كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ في المَاءِ». لفظ البخاري «لا يَكيدُ أهل المدينة أحدٌ إلا انْمَاعَ كمَا يَنْمَاعُ المِلْح فِي الماءِ» (٣).\nوفي رواية: «بدَهْمٍ أوْ بِسُوءٍ» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>٢٨ - الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار</span>؛ لحديث سُفْيَانَ بن أبي\nزُهَيْرٍ - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «تُفْتَحُ الشَّامُ فَيَخْرُجُ من المدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ (٥) وَالمدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الْيَمَنُ\n_________\n(١) (بسوء) قيل يحتمل أن المراد من أرادها غازيًا مغيرًا عليها، ويحتمل غير ذلك.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب من أراد أهل المدينة بسوء أذابه اللَّه، برقم ٣٨٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب إثم من كاد أهل المدينة، برقم ١٨٧٧، ومسلم، كتاب الحج، باب من أراد أهل المدينة بسوء، برقم ١٣٨٧.\n(٤) (بدهم) أي بغائلة وأمر عظيم.\n(٥) (يبسّون) قال أهل اللغة: يَبِسّون. ويقال أيضًا: يُبسون. فتكون اللفظة ثلاثية ورباعية فحصل في ضبطه ثلاثة أوجه. ومعناه يتحملون بأهليهم. وقيل معناه يدعون الناس إلى بلاد الخصب. وهو قول إبراهيم الحربي. وقال أبو عبيد: معناه يسوقون، والبسّ سوق الإبل. وقال ابن وهب: معناه يزينون لهم البلاد ويحببونها إليهم ويدعونهم إلى الرحيل إليها. ومعناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملًا بأهله باشًّا في سيره مسرعًا إلى الرخاء في الأمصار التي أخبر النبي - ﷺ - بفتحها. قال العلماء: في هذا الحديث معجزات لرسول اللَّه - ﷺ -، لأنه أخبر بفتح هذه الأقاليم، وإن الناس يتحملون بأهليهم إليها ويتركون المدينة. وإن هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب. ووجد جميع ذلك كذلك بحمد اللَّه وفضله، وفيه فضيلة سكنى المدينة والصبر على شدتها وضيق العيش بها.","vol":"1","page":351},{"text":"فَيَخْرُجُ من المدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَخْرُجُ من المدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ وَالمدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ».\nوفي رواية: «يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالمدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالمدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>٢٩ - المدِينَةِ حين يَتْرُكُهَا أَهْلُهَا</span>؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: قال\nرسول اللَّه - ﷺ - لِلْمَدِينَةِ: «لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا على خَيْرِ ما كانت مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي» يَعْنِي السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ (٢).\nوفي رواية: «يَتْرُكُونَ المدِينَة على خَيْرِ ما كانت لَا يَغْشَاهَا إلا الْعَوَافِي (يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ) ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ من مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ المدِينَة يَنْعِقَانِ (٣) بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا (٤) حتى إذا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا على\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة، برقم ١٨٧٥، ومسلم، كتاب الحج، باب الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار، برقم ١٣٨٨.\n(٢) (للعوافي) قد فسرها في الحديث بالسباع والطير. وهو صحيح في اللغة مأخوذ من عفوته، إذا أتيته تطلب معروفه. وأما معنى الحديث فالظاهر المختار أن هذا الترك للمدينة يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة. وتوضحه قصة الراعيين من مزينة فإنهما يخران على وجوههما حين تدركهما الساعة، وهما آخر من يحشر، كما ثبت في صحيح البخاري.\n(٣) (ينعقان) أي يصيحان.\n(٤) (وحشًا) قيل: معناه يجدانها خلاء، أي خالية ليس بها أحد. قال إبراهيم الحربي: الوحش من الأرض هو الخلاء. والصحيح أن معناه يجدانها ذات وحوش. ويكون وحشًا بمعنى وحوشًا. وأصل الوحش كل شيء توحش من الحيوان. وجمعه وحوش. وقد يعبر بواحدة عن جميعه، كما في غيره.","vol":"1","page":352},{"text":"وُجُوهِهِمَا (١» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>٣٠ - ما بين بَيْتِ النبي - ﷺ - وَمِنْبَرِهِ رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الْجَنَّةِ</span>؛ لحديث عبد اللَّه بن زَيْدٍ الْمَازِنيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قال: «ما بين بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الْجَنَّةِ» (٣).\nوفي رواية لمسلم: «ما بين مِنْبَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الْجَنَّةِ» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>٣١ - وحديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ </span>- أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قال: «ما بين بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الجنَّةِ وَمِنْبَرِي على حَوْضِي (٥») (٦).\n_________\n(١) (خرا على وجوههما) أي سقطا ميتين.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة، برقم ١٨٧٤، ومسلم، كتاب الحج، باب الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار، برقم ١٣٨٩.\n(٣) (روضة من رياض الجنة) ذكروا في معناه قولين: أحدهما أن ذلك الموضع بعينه ينقل إلى الجنة. والثاني أن العبادة فيه تؤدي إلى الجنة. قال الطبري: في المراد ببيتي هنا قولان: أحدهما القبر. قاله زيد بن أسلم، كما روى مفسرًا: بين قبري ومنبري. والثاني: المراد بين سكناه، على ظاهره. وروي: ما بين حجرتي ومنبري. قال الطبري. والقولان متفقان، لأن قبره في حجرته، وهي بيته.\n(٤) متفق عليه: البخاري، باب فضل ما بين القبر والمنبر، برقم ١١٩٥، ومسلم، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، برقم ١٣٩٠.\n(٥) (ومنبري على حوضي) قال القاضي: قال أكثر العلماء: ألمراد منبره بعينه، الذي كان في الدنيا. قال: وهذا هوالأظهر.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر، برقم ١١٩٦،ومسلم، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، برقم ١٣٩١.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>٣٢ - أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ</span>؛ لحديث أبي حُمَيْدٍ - ﵁ - قال: خَرَجْنَا مع رسول اللَّه - ﷺ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَسَاقَ الحديث وَفِيهِ: ثُمَّ أَقْبَلْنَا حتى قَدِمْنَا وَادِي الْقُرَى (١) فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إني مُسْرِعٌ فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِي، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ فَخَرَجْنَا حتى أَشْرَفْنَا على المدِينَةِ فقال هذه طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ وهو جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>٣٣ - حديث أَنَسُ بن مَالِكٍ - ﵁ </span>- قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إِنَّ أُحُدًا\nجَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».\nوفي رواية: نَظَرَ رسول اللَّه - ﷺ - إلى أُحُدٍ فقال: «إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>٣٤ - فَضْلِ الصَّلَاةِ بِمَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالمدِينَة</span>؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - يَبْلُغُ بِهِ النبي - ﷺ - قال: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا أَفْضَلُ من أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلا المسْجِدَ الْحَرَامَ».\nوفي رواية: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا خَيْرٌ من أَلْفِ صَلَاةٍ في غَيْرِهِ من الْمَسَاجِدِ إلا المسْجِدَ الْحَرَامَ» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>٣٥ - حديث ابن عُمَرَ ﵄ </span>عن النبي - ﷺ - قال: «صَلَاةٌ في\n_________\n(١) (وادي القرى) هو واد بين المدينة والشام. وهو بين تيماء وخيبر، من أعمال المدينة، سمي وادي القرى لأن الوادي من أوله إلى آخره قرى منظومة. لكنها الآن كلها خراب، ومياهها جارية تتدفق ضائعة لا ينتفع بها أحد، فتحها النبي - ﷺ - بعد فراغه من فتح خيبر سنة سبع. اهـ من معجم البلدان.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب حدثنا يحيى بن بكير، برقم ٤٤٢٢، ومسلم، كتاب الحج، باب أحد جبل يحبنا ونحبه، برقم ١٣٩٢.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب أحد جبل يحبنا ونحبه، برقم ١٣٩٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ١١٩٠،ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة في مسجدي مكة والمدينة، برقم ١٣٩٤.","vol":"1","page":354},{"text":"مَسْجِدِي هذا أَفْضَلُ من أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلا المسْجِدَ الْحَرَامَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>٣٦ - حديث جابر - ﵁ </span>-، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا أَفْضَلُ من أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وصَلاةٌ في المسْجِدِ الحَرام أفضَلُ مِنْ مائَةِ ألفِ صلاةٍ فيما سِواه» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>٣٧ - لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ</span>؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - يَبْلُغُ بِهِ النبي - ﷺ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ (٣) مَسْجِدِي هذا\nوَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (٤).\nوفي رواية لمسلم: أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قال: «إنما يُسَافَرُ إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ (٥») (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>٣٨ - الْمَسْجِدَ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى </span>هو مَسْجِدُ النبي - ﷺ - بِالمدِينَةِ؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: دَخَلْتُ على رسول اللَّه - ﷺ - في بَيْتِ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة في مسجدي مكة والمدينة، برقم ١٣٩٥.\n(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام، ومسجد النبي - ﷺ -، برقم ١٤٠٦، وأحمد، ٣/ ٣٤٣، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه\n١/ ٢٣٦، وفي إرواء الغليل، ٤/ ٣٤١.\n(٣) (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) هكذا وقع في صحيح مسلم هنا: ومسجد الحرام ومسجد الأقصى، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، وقد أجازه النحويون الكوفيون. وتأوله البصريون على أن فيه محذوفًا تقديره: مسجد المكان الحرام، والمكان الأقصى، ومنه قوله تعالى:\n﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾.أي المكان الغربي، ونظائره\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ١١٨٩، ومسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، برقم ١٣٩٧.\n(٥) (إيلياء) مسجد إيلياء هو بيت المقدس.\n(٦) مسلم برقم ٥١٣ - (١٣٩٧) وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":355},{"text":"بَعْضِ نِسَائِهِ فقلت: يا رَسُولَ اللَّه أَيُّ المسْجِدَيْنِ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى؟ قال: فَأَخَذَ كَفًّا من حَصْبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قال: «هو مَسْجِدُكُمْ هذا» (١) (لِمَسْجِدِ المدِينَةِ) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>٣٩ - فَضْلِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ وَفَضْلِ الصَّلَاةِ فيه وَزِيَارَتِهِ</span>؛ لحديث ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - كان يَزُورُ قُبَاءً (٣) رَاكِبًا وَمَاشِيًا.\nوفي رواية: كان رسول اللَّه - ﷺ - يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَيُصَلِّي\nفيه رَكْعَتَيْنِ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>٤٠ - حديث سهل بن حنيف - ﵁ </span>- قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «مَنْ تَطَهَّرَ في بيته، ثُمَّ أتَى مَسجدَ قُباء فصلَّى فيهِ صلاةً كانَ له كأجرِ عُمرة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>٤١ - وحديث أسيد بن ظهير الأنصاري - ﵁ </span>-، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الصَّلاة فِي مسجدِ قُباء كَعُمْرةٍ» (٦). وهذا لمن لم يشد الرحال، وإنَّما زَار\n_________\n(١) (هو مسجدكم هذا) هذا نص بأنه المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في القرآن، وأما أخذه - ﷺ - الحصباء وضربه في الأرض، فالمراد به المبالغة في الإيضاح، لبيان أنه مسجد المدينة، والحصباء الحصى الصغار.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب بيان المسجد الذي أسس على التقوى، برقم ١٣٩٨.\n(٣) (قباء) الفصيح المشهور فيه، المد والتذكير والصرف، وهو قريب من المدينة من عواليها.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ١١٩٤، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه، برقم ١٣٩٩.\n(٥) النسائي، كتاب المساجد، باب فضل مسجد قباء والصلاة فيه، برقم ٧٠٠، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ١٤١٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي ١/ ١٥٠، وفي صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٣٧.\n(٦) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في مسجد قباء، برقم ٣٢٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ١٤١١، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ١٠٤، وفي صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٣٧.","vol":"1","page":356},{"text":"مسجد قباء من المدينةِ، أو قدمَ إلى المدينة، ثم أرادَ زيارة مسجد قُباء، أما شدّ الرِّحال للسفرِ فلا يجوزُ إلاَّ إلى المساجدِ الثلاثة كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>٤٢ - الإيمان يأرِز إلى المدينة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «إن الإيمانَ ليَأرِزْ (١) إلى المدينةِ كَمَا تأرِز الحيَّة إلى جُحْرِها» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>٤٣ - حديث عمر بن الخطاب - ﵁ </span>- قال: «اللَّهم ارْزقني شهادةً في سَبيلك واجعل موتي في بلدِ رَسُولِك - ﷺ -» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>٤٤ - حديث ابن عمر ﵄</span>، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «مَن\nاستطاعَ مِنكم أن يموت بالمدينة فليَفعل؛ فإني أشْهَدُ لمَن ماتَ بها» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>٤٥ - حديث علي - ﵁ </span>-، عن النبي - ﷺ - قال: «لا يُختَلى خلاها (٥)، ولا يُنفر صَيْدها، ولا تُلتقَط لقطتها إلا لمنْ أشاد بها (٦)، ولا يصحّ لرجلٍ أنْ يحمل فيها السِّلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعْلِف رجل بعيره» (٧).\n_________\n(١) يارز: ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض.\n(٢) البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب الإيمان يأرز إلى المدينة، برقم ١٨٧٦.\n(٣) البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب حدثنا مسدد عن يحيى، برقم ١٨٩٠.\n(٤) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب فضل المدينة، برقم ٣١١٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٧٩.\n(٥) أي المدينة.\n(٦) يعرفها تعريفًا مستمرًا.\n(٧) أبو داود، كتاب المناسك، باب تحريم المدينة، برقم (٢٠٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٥٦٩).","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>المبحث الرابع والعشرون: صفة دخول مكة</span>\nإذا وصل المعتمر أو الحاج إلى مكة استحبّ له ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>أولًا: يُستحب له أن يستريح بمكان مناسب حتى يحصل له النشاط </span>والنظافة قبل الطواف وإن لم يفعل ذلك فلا حرج عليه وهذا مستحب؛ لأن النبي - ﷺ - «بات بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>ثانيًا: يستحب له إن تيسر أن يغتسل</span>؛ لأن ابن عمر ﵄ كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل ويَذكُرُ ذلك عن النبي - ﷺ - (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>ثالثًا: يستحب له إن تيسر أن يدخل مكة من أعلاها</span>؛ لأن الداخل يأتي من قبل وجهها، ومن أي طريق دخل فلا بأس، فعن عائشة ﵂ «أن النبي - ﷺ - لما جاء مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها» (٣). قال ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: «إذا أتى مكة جاز أن يدخل مكة من جميع الجوانب، لكن الأفضل أن يأتي من وجه الكعبة اقتداء بالنبي - ﷺ -؛ فإنه دخلها من وجهها من الناحية العليا، وكان - ﷺ - يغتسل لدخول مكة، كما يبيت بذي طوى وهو عند الآبار التي يقال لها آبار الزاهر، فمن تيسر له المبيت بها، والاغتسال، ودخول مكة نهارًا وإلا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري برقم ١٥٧٤، ومسلم، برقم ١٢٥٩، وتقدم تخريجه في سنن دخول مكة.\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم ١٥٧٤، ومسلم، برقم ٢٢٧ - (١٢٥٩).\n(٣) متفق عليه: البخاري برقم ١٥٧٧، ومسلم برقم ١٢٥٨، وتقدم تخريجه في سنن دخول مكة.","vol":"1","page":358},{"text":"فليس عليه شيء من ذلك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>رابعًا: إذا وصل إلى المسجد الحرام فالأفضل له أن يفعل ما يفعل </span>في سائر المساجد، فيقدم رجله اليمنى (٢) ويقول: «أعوذ باللَّه العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» (٣). [بسم اللَّه والصلاة] (٤) [والسلام على رسول اللَّه] (٥) [«اللَّهم اغفر لي ذنوبي»] (٦) اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك» (٧). وإذا خرج من المسجد قال: «بسم اللَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، [اللَّهم اغفر لي ذنوبي] (٨) اللَّهم إني\n_________\n(١) فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١١٩ - ١٢٠ بتصرف يسير، وانظر: شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٤١٠.\n(٢) شرح العمدة، ٤/ ٤١٤، وقد بوّب البخاري في صحيحه ١/ ١٦٤في كتاب الصلاة، أبواب المساجد، بقوله: «باب التيمن في دخول المسجد وغيره».\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيما يقول الرجل عند دخوله المسجد، برقم ٤٦٦، من حديث عبد اللَّه بن عمرو، وفي آخره: «فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حُفِظَ مني سائر اليوم» وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٣٧.\n(٤) رواه ابن السني، برقم ٨٨، وحسنه الألباني في صحيح الكلم الطيب، برقم ٦٣، وابن ماجه، برقم ٧٧١.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد، برقم ٤٦٥ ولفظه: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي - ﷺ - ثم ليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل: اللَّهم إني أسألك من فضلك» وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٣٦.\n(٦) ابن ماجه، برقم ٧٧١، وصححه الألباني، ويأتي تخريجه.\n(٧) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل المسجد، برقم ٧١٣، ولفظه: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللَّهم إني أسألك من فضلك».\n(٨) ابن ماجه، كتاب الأذان، باب الدعاء عند دخول المسجد، برقم ٧٧١، من حديث فاطمة بنت رسول اللَّه - ﷺ - قالت: «كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا دخل المسجد يقول: بسم اللَّه والسلام على رسول اللَّه، اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: بسم اللَّه والسلام على رسول اللَّه، اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك» وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٣٧، وفي تخريج فضل الصلاة، ٨٢ - ٨٤، وفي تخريج الكلم الطيب، برقم ١٦٣.","vol":"1","page":359},{"text":"أسألك من فضلك» [اللَّهم اعصمني من الشيطان الرجيم] (١) (٢)، وهذا الذكر يُقال عند الدخول لسائر المساجد وكذلك دعاء الخروج وليس خاصًا بالمسجد الحرام ومن لم يفعل هذه السنن الأربع فلا حرج عليه بحمد اللَّه تعالى (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>خامسًا: من لم يتيسر له الغسل قبل دخول المسجد </span>فلا بد له من الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ -: «أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت» (٤). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «فيه الدلالة: أن الطهارة شرط للطواف، وفيه الدلالة: على القران، وعلى التمتع بالعمرة كما في آخره» (٥). ولقوله - ﷺ - لعائشة ﵂: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٦).\n_________\n(١) انظر ما تقدم في الهوامش السابقة، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦.\n(٢) ابن ماجه في كتاب الأذان باب الدعاء عند دخول المسجد، برقم ٧٧٣ من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي - ﷺ -، وليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي - ﷺ - وليقل: اللَّهم اعصمني من الشيطان الرجيم» وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٣٨.\n(٣) يرى سماحة العلامة الجهبذ شيخنا عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ أن هذه الأمور مشروعة يستحب فعلها إن تيسر، سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، وعلى صحيح البخاري.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الطواف على وضوء، برقم ١٦٤١، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى من البقاء على الإحرام، برقم ١٢٣٥.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٦٤١.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وإذا سعى على غير وضوء بين الصفا والمروة، برقم ١٦٥٠، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج، والتمتع والقران وجواز إدخال الحج على العمرة ومتى يحل القارن من نسكه، برقم ١٢٠ - (١٢١١).","vol":"1","page":360},{"text":"وعن عبد اللَّه بن عباس ﵄ رفعه إلى النبي - ﷺ - قال: «إن الطواف بالبيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» هذا لفظ ابن خزيمة، ولفظ الترمذي، عن ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قال: «الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير» (١).\nوعن ابن عمر - ﵁ - قال: «أقلُّوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في الصلاة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>سادسًا: تحية المسجد الحرام الطواف لمن أراد الطواف</span>، أما من لم يرد الطواف فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>سابعًا: الركوب في الطواف أو السعي لا بأس به لمن كان به علة كالمريض</span>؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: شكوت إلى رسول اللَّه - ﷺ - أني\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة، كتاب المناسك، باب الرخصة في التكلم بالخير في الطواف والزجر عن الكلام السيء فيه، برقم ٢٧٣٩، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الكلام في الطواف، برقم ٩٦٠، وصححه الألباني في صحيح ابن خزيمة، فقال: «إسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وابن السائب وإن كان اختلط فقد رواه عن سفيان الثوري، عند الحاكم، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، على أنه قد تابعه ثقتان آخران كما هو مبين في الإرواء، فصح الحديث والحمد لله» صحيح ابن خزيمة، ٤/ ٢٢٢، وصححه في صحيح الترمذي، ١/ ٤٩٢، وفي إرواء الغليل، ١/ ١٥٤، برقم ١٢١.\n(٢) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب إباحة الكلام في الطواف، برقم ٢٩٢٣، وصححه الألباني من قول ابن عمر ﵄ موقوف عليه، في صحيح النسائي، ١/ ٣٢٠.\n(٣) انظر: زاد المعاد، ٢/ ٢٢٥.","vol":"1","page":361},{"text":"أشتكي فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة». قالت فطفت ورسول اللَّه - ﷺ - حينئذ يُصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور (١).\nوعن ابن عباس ﵄ «أن رسول اللَّه - ﷺ - طاف وهو على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده، وكبر». ولفظ مسلم: «طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن» (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وهذا حجة لمن قال بجواز الطواف راكبًا، ولكن الأفضل والأحوط أن يطوف ماشيًا خروجًا من الخلاف المشهور، أما الطواف لعلَّةٍ راكبًا فلا بأس به» (٣) (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب المريض يطوف راكبًا، برقم ١٦٣٣،ومسلم، كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير وغيره، واستلام الحجر بمحجن، ونحوه للراكب، برقم ١٢٧٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب المريض يطوف راكبًا، برقم ١٦٣٢،ومسلم، كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب برقم ١٢٧٢.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٦٣٢. ولا شك أن المريض لا بأس بطوافه راكبًا؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: شكوت إلى رسول اللَّه - ﷺ - أني أشتكي؟ فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» [البخاري برقم ١٦٣٣] وهذا الطواف كان في صلاة الفجر اليوم الرابع عشر من ذي الحجة، حينما طاف النبي - ﷺ - طواف الوداع، وصلى الفجر، وقرأ بسورة الطور وكتاب مسطور [البخاري، برقم ١٦١٩، ١٦٣٣].\n(٤) انظر في مسألة الطواف راكبًا: جامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ -، لابن الأثير (٣/ ١٩١)، ونيل الأوطار للشوكاني (٣/ ٣٨٢ - ٣٨٤)، والمغني لابن قدامة (٥/ ٢٤٩)، وأضواء البيان للشنقيطي (٥/ ٢٥٣).","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>المبحث الخامس والعشرون: الطواف بالبيت العتيق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>أولًا: شروط صحة الطواف بالبيت العتيق على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>الشرط الأول: الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر</span>؛ لعموم (١) حديث ابن عباس ﵄، أن النبي - ﷺ - قال: «الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تكلّمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير» (٢).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: «أقلُّوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في الصلاة» (٣).\nوعن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - «أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه\n_________\n(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح العمدة، ٢/ ٥٨٢ - ٥٨٩: «يشترط لصحة كل طواف في الحج والعمرة، وفي غير حج وعمرة عشرة أشياء: أحدها النية، وهي أن يقصد الطواف بالبيت ... الشرط الثاني: أن يكون طاهرًا من الحدث ... الشرط الثالث: أن يكون طاهرًا من الخبث ... الشرط الرابع: السترة ... الشرط الخامس: أن يطوف سبعة أشواط ... الشرط السادس: الترتيب، أن يبتدئ بالحجر الأسود ... الشرط السابع: أن يجعل البيت عن يساره ... الشرط الثامن: الموالاة، وهو أن لا يطيل قطعه فإن أطال قطعه لمكتوبة أقيمت أو جنازة حضرت لم يقطع موالاته، لأنه فرض يخاف فوته ... الشرط التاسع: أن يطوف بالبيت جميعه فلا يطوف في شيء منه، لأن اللَّه يقول: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ [الحج: ٢٩]. فإن اخترق الحجر في طوافه أو الشاذروان لم يصح». [والشاذروان: هو ما فضل من عماد البيت خارج حيطانها وتربط فيه أستار الكعبة. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٢١].\n[وقال الأزرقي في أخبار مكة، ١/ ٣٠٩: «عدد حجارة الشاذروان التي حول الكعبة ثمانية وستون حجرًا في ثلاثة وجوه وطول الشاذروان في السماء ستة عشر أصبعًا وعرضه ذراع»].\n(٢) ابن خزيمة برقم ٢٧٣٩، والترمذي برقم ٩٦٠، وصححه الألباني في صحيح الترمذي\n١/ ٤٩٢، وتقدم تخريجه في صفة دخول مكة.\n(٣) النسائي، برقم ٢٩٢٣،وصححه الألباني من قول ابن عمر ﵄ في صحيح النسائي، ٢/ ٣٢٠.","vol":"1","page":363},{"text":"توضأ ثم طاف بالبيت» (١)؛ ولقول النبي - ﷺ - لعائشة ﵂: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٢).\nوعن عائشة ﵂ قالت: حججنا مع النبي - ﷺ -، فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية فأراد النبي - ﷺ - ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول اللَّه إنها حاضت، فقال: «أحابستنا هي؟» قالت عائشة ﵂: يا رسول اللَّه: إنها قد كانت أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «فلتنفر [إذًا]» (٣)، وهذه الأدلة تبيِّن أن الطواف لا يصح إلا بالطهارة، قال شيخنا ابن باز رحمه اللَّه تعالى: «الوضوء شرط في صحة الطواف في أصح قولي العلماء» (٤). وقال في موضع آخر: «لا يصح الطواف بغير طهارة؛ لأن النبي - ﷺ - لما أراد أن يطوف توضأ، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» (٥») (٦).\nوهذه الأدلة المذكورة صريحة في أن الطهارة شرط (٧) لصحة\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٦٤١، ومسلم، برقم ١٢٣٥، وتقدم تخريجه في صفة دخول مكة.\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم ١٦٥٠، ومسلم، برقم ١٢٠ - (١٢١١)، وتقدم تخريجه في صفة دخول مكة.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٧٣٣، ومسلم، برقم ١٢١١، وتقدم تخريجه في أركان الحج.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٣٦.\n(٥) مسلم، برقم ١٢٩٧، بلفظ: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه». وهذا اللفظ في المتن للبيهقي، ٥/ ١٢٥.\n(٦) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٥٠ - ١٥١، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ١٤٢، ١٦٠، ١٦/ ١٣٦، ١٤٠، ١٥١، ١٧/ ٦٤، ٢١٣ - ٢٢٩، ٣٢٨، ٢٩/ ١١٧.\n(٧) وإذا تيقَّن الحدث وشك في الطهارة وهو في الطواف بنى على ما تيقَّنه فلم يصح طوافه، أما إذا تيقَّن الطهارة وشك في الحدث فكذلك يبني على ما تيقنه، فهو على طهارة، كالصلاة، وأما بعد الطواف فإذا حصل له شك فلا يضره؛ لأن الشك في شرط العبادة بعد الفراغ منها لا يؤثر، وهذه قاعدة عظيمة وهي استصحاب الحال المعلوم وإطراح الشك؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - للرجل الذي يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في صلاته: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» [البخاري، برقم ١٣٧، ومسلم، برقم ٣٦١]. [وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٢٤، وشرح العمدة لابن تيمية، كتاب الطهارة، ص ٨٣، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٩/ ١١٥، وصلاة المؤمن للمؤلف، ١/ ١٩].","vol":"1","page":364},{"text":"الطواف (١).\n_________\n(١) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في اشتراط الطهارة في الطواف على قولين:\nالقول الأول: أن الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، ومن النجاسة، وستر العورة من شروط صحة الطواف، وبه قال أكثر علماء الإسلام، قال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان،\n٥/ ٢٠٢: «... اعلم أن اشتراط الطهارة من الحدث، والخبث، وستر العورة في الطواف هو قول أكثر أهل العلم، منهم: مالك، وأصحابه، والشافعي، وأصحابه، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد». واستدلوا بأدلة منها ما ذكرته في متن هذه الرسالة.\nالقول الثاني: لا تشترط الطهارة، ولا ستر العورة، فلو طاف من عليه جنابة أو حدث، أو عليه نجاسة، أو طاف عريانًا صح طوافه، وبهذا القول قال الإمام أبو حنيفة. قال العلامة الشنقيطي ﵀: «وخالف الإمام أبو حنيفة ﵀ الجمهور في هذه المسألة فقال: لا تشترط للطواف طهارة، ولا ستر عورة، فلو طاف جنبًا أو محدثًا، أو عليه نجاسة، أو عريانًا صح طوافه عنده، واختلف أصحابه في وجوب الطهارة للطواف مع اتفاقهم على أنها ليست بشرط فيه، ومن أشهر الأقوال عندهم: أنه إذا طاف طواف الإفاضة جنبًا فعليه بدنة، وإن طاف محدثًا فعليه شاة، وأنه يعيد الطواف بطهارة مادام بمكة، فإن رجع إلى بلده فالدم على التفصيل المذكور. [أضواء البيان، ٥/ ٢٠٢]. ثم ذكر الشنقيطي ﵀: أدلة الجمهور بالتفصيل، فذكر حديث عائشة: «أن أول شيء بدأ به النبي - ﷺ - حين قدم أنه توضأ، ثم طاف» ثم بين أن وضوءه لطوافه المذكور في هذا الحديث قد دل دليلان على أنه لازم ولا بد منه:\nأحدهما أنه - ﷺ - قال في حجة الوداع: «خذوا عني مناسككم» وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالًا لأمره في قوله: «خذوا عني مناسككم».\nالثاني: أن فعله في الطواف: من الوضوء له، ومن هيئته التي أتى بها عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله: ﴿وليَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتيق﴾ [الحج: ٢٩]. قال: وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي - ﷺ - إذا كان لبيان نص من كتاب اللَّه فهو على اللزوم والتحتم، ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النبي - ﷺ - للسارق من الكوع بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: ﴿فاقطَعُوا أيديهِما﴾ [المائدة: ٣٨]، لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب». ثم ذكر من أدلتهم حديث عائشة «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري» متفق عليه. وفي لفظ لمسلم: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي». ومنها: «الطواف بالبيت صلاة». وفي لفظ: «مثل الصلاة» ثم بين أن درجة الحديث لا تقل عن درجة الحسن، ثم قال: لو سلمنا أنه موقوف فهو قول صحابي، ولم يعلم له مخالف من الصحابة، فيكون حجة، لاسيما وقد اعتضد بما ذكرنا قبله من الأحاديث الصحيحة، وبينا وجه دلالتها على اشتراط الطهارة للطواف. [أضواء البيان، ٥/ ٢٠٢ - ٢٠٧].\nوقال الإمام الخرقي في مختصر المطبوع مع المغني، ٥/ ٢٢٢ عن الطائف بالبيت العتيق: «ويكون طاهرًا في ثياب طاهرة» من الحدث، والنجاسة، والستارة شرائط لصحة الطواف في المشهور عن أحمد، وهو قول مالك، والشافعي، وعن أحمد أن الطهارة ليست شرطًا، فمتى طاف للزيارة غير متطهِّر أعاد ما كان بمكة، فإن خرج إلى بلده جبره بدم، وكذلك يخرج في الطهارة: من النجس، والستارة، وعنه في من طاف للزيارة وهو ناسٍ للطهارة: لا شيء عليه.\nوقال أبو حنيفة: «ليس شيء من ذلك شرطًا، واختلف أصحابه، فقال بعضهم: هو واجب، وقال بعضهم: هو سنة؛ لأن الطواف ركن للحج، فلم يشترط له الطهارة، كالوقوف». قال ابن قدامة: «... ولنا ما روى ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قال: «الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه» رواه الترمذي، برقم ٩٦٠، والأثرم، وعن أبي هريرة - ﵁ -: أن أبا بكر الصديق بعثه في الحجة التي أمَّره عليها رسول اللَّه - ﷺ - قبل حجة الوداع يوم النحر يؤذن: «لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان» [البخاري، برقم ١٦٢٢، ومسلم، برقم ١٣٤٧]، ولأنها عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة والستارة فيها شرطًا، كالصلاة، وعكس ذلك الوقوف» [المغني، ٥/ ٢٢٢ - ٢٢٣].\nواختار شيخ الإسلام: أن الطهارة لا تجب للطواف [انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام،\n٢١/ ٢٧٣، ٢٦/ ١٢٣، ١٢٤، والأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية، ص ١٧٦]، وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ بعد أن ذكر رأي شيخ الإسلام ابن تيمية: «وعليه فالقول الراجح الذي تطمئن إليه النفس، أنه لا يشترط في الطواف: الطهارة من الحدث الأصغر، لكنها بلا شك أفضل وأكمل، واتباعًا للنبي - ﷺ -، ولا ينبغي أن يخل بها الإنسان لمخالفة جمهور العلماء في ذلك، ولكن أحيانًا يضطر الإنسان إلى القول بما ذهب إليه شيخ الإسلام ...» [الشرح الممتع، ٧/ ٢٩٩ - ٣٠٠].\nوالقول الأول: وهو قول الجمهور من علماء الإسلام هو الراجح كما تقدم في تفصيل الأدلة عند العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، وكما رجحه الإمام ابن قدامة، وهو الذي لا يرى شيخنا ابن باز غيره، بل يأمر من طاف محدثًا، أو عليه نجاسة وهو يعلمها وأحدث أثناء الطواف أن يعيد الطواف للأدلة الصريحة الصحيحة المذكورة في متن هذه الرسالة، وفي ما تقدم من رد العلامة الشنقيطي على أصحاب القول الثاني، فعلى هذا يجب على المسلم أن لا يطوف إلا على طهارة كما أنه لا يصلي إلا على طهارة. [انظر: المراجع السابقة، وانظر: مجموع فتاوى شيخنا ابن باز ﵀، ١٠/ ١٤٢، ١٦٠، و١٦/ ١٣٦، ١٤٠، ١٥١، و١٧/ ٦٤، ٢١٣ - ٢١٩، ٣٢٨،\nو٢٩/ ١١٧]. [وانظر: مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١١/ ٢٣٧ - ٢٣٨، و١١/ ٢٤١ - ٢٤٩].","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>الشرط الثاني: الطهارة من النجس:</span>\nاستدل جمهور العلماء على شرطية الطهارة من الخبث للطواف بما تقدم من الأدلة على أن الطواف مثل الصلاة (١)، واستأنس بعضهم لطهارة الخبث للطواف بقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود﴾ (٢). فالطواف بالبيت في هذه الآية قبل الصلاة، قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه تعالى: «... لأنه يدل في الجملة على الأمر بالطهارة للطائفين، والعلم عند اللَّه تعالى» (٣).\nوقال العلامة ابن مفلح ﵀: «... وتشترط الطهارة من حدث، قال\nالقاضي وغيره: الطواف كالصلاة في جميع الأحكام إلا في إباحة النطق» (٤).\n_________\n(١) أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٢١١.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٢٦.\n(٣) أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٢١١.\n(٤) الفروع لابن مفلح (٩/ ٤٠).","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>الشرط الثالث: ستر العورة</span>؛ لحديث أبي بكر الصديق - ﵁ -، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «بعثني في تلك الحجة في مؤذنين يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول اللَّه - ﷺ - عليًا فأمره أن يؤذن بـ «براءة» قال أبو هريرة: «فأذَّن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان». وفي لفظ: أن أبا هريرة - ﵁ - قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: «لا يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل: الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحجَّ عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي - ﷺ - مشرك» (١).\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «... وجوب ستر العورة للطواف يدل عليه كتاب اللَّه في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية (٢). وإيضاح دلالة هذه الآية على ستر\nالعورة للطواف يتوقف أولًا على مقدمتين:\nالأولى منهما: أن تعلم أن المقرر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب ما يستر من العورة، برقم ٣٦٩، وكتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك، برقم ١٦٢٢، وكتاب الجزية والموادعة، باب كيف ينبذ إلى أهل العهد، برقم ٣١٧٧، واللفظ له، ومسلم، كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، وبيان يوم الحج الأكبر، برقم ١٣٤٧.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٣١.","vol":"1","page":368},{"text":"إذا كان له تعلق بسبب النزول، أن له حكم الرفع.\nالمقدمة الثانية: هي أن تعلم أن صورة سبب النزول قطعية الدخول عند جماهير الأصوليين وهو الصواب إن شاءاللَّه (١). فعن ابن عباس ﵄ قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُريانة، فتقول: من يُعيرني تطوافًا (٢) تجعله على فرجها، وتقول:\nاليوم يبدُو بعضُه أو كلُّه ... ... فما بدا منه فلا أحلُّه\nفنزلت هذه الآية: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٣) (٤).\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «ولأجل هذا كان ابن عباس يفسر الزينة المذكورة في هذه الآية: باللباس، ولتعلق هذا التفسير بسبب النزول، فله حكم الرفع كما بيَّنا ...» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>الشرط الرابع: أن يكون الطواف سبعة أشواط كاملة </span>(٦)،فإن ترك شيئًا\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٢٠٩.\n(٢) تِطْوافًا: هو الثَّوب الذي يُطَاف به. [النهاية، لابن الأثير، مادة (طوف).\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٣١.\n(٤) مسلم، كتاب التفسير، تفسير سورة الأعراف، باب في قوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، برقم ٣٠٢٨.\n(٥) أضواء البيان، ٥/ ٢١٠.\n(٦) وإن شكَّ في عدد الأشواط في الطواف بنى على اليقين. قال ابن المنذر: «أجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك»؛ ولأنها عبادة فمتى شك فيها بنى على اليقين كالصلاة، واليقين: هو الأقل، فإن شك هل طاف ثلاثة أو أربعة؟ جعلها ثلاثة، وهكذا يفعل في السعي، بشرط أن يختم بالمروة، وإن شك بعد فراغه من الطواف أو السعي لم يلتفت إليه، كما لو شك في عدد الركعات بعد فراغ الصلاة، [المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٢٤،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٩/ ١١٥،\nوفتاوى ابن باز، ١٦/ ٦٠]، و١٧/ ٢٢٦، ٣٢٣.","vol":"1","page":369},{"text":"من السبع ولو قليلًا لم يجزه؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال عن النبي - ﷺ -: «قدم النبي - ﷺ - فطاف بالبيت سبعًا، وصلَّى خلف المقام ركعتين، ثم خرج ﵊ إلى الصفا، وقد قال اللَّه تعالى:\n﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١). فقد طاف النبي - ﷺ - سبعًا، فيكون تفسيرًا لمجمل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (٢).فيكون ذلك هو الطواف المأمور به، وقد قال النبي - ﷺ -: «... لتأخذوا مناسككم» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>الشرط الخامس: أن يكون الطواف بجميع البيت خارجه</span>، فإن طاف من داخل الحِجر، أو طاف على جداره، أو على شاذروان الكعبة (٤) لم يجزئه؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (٥)، وهذا يقتضي\nالطواف بجميعه، والحِجْر منه (٦)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سألت النبي - ﷺ - عن الجَدْرِ أمِن البيت هو؟ قال: «نعم» قلت: فلما لم يدخلوه في\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب قوله: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبرَاهِيْمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، برقم ٣٩٥، وأطرافه في صحيح البخاري، ١٦٢٣، ١٦٢٧، ١٦٤٥، ١٦٤٧، ١٧٩٣، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يلزم من أحرم بالحج ثم قدم مكة من طواف وسعي، برقم ١٢٣٣.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٢٩.\n(٣) مسلم، برقم ١٢٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٤) شاذروان الكعبة: الإفريز البارز بمقدار ثلثي ذراع في أسفل جدران الكعبة، وقد اختلف الفقهاء فيه هل هو من الكعبة كالحطيم أو ليس من الكعبة. [معجم لغة الفقهاء، ص ٣٠٤].\n(٥) سورة الحج، الآية: ٢٣.\n(٦) الكافي لابن قدامة، ٢/ ٤١٢، ومنار السبيل للضويان، ١/ ٣٤٠.","vol":"1","page":370},{"text":"البيت؟ قال: «إن قومك قصَّرت بهم النفقة» قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: «فعل ذلك قومُكِ ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديثٌ عهدهم بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألزق بابه بالأرض» (١). وفي لفظ للبخاري: «قال جرير فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها» (٢). ولفظ النسائي: «لولا أن الناس حديثٌ عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوِّى على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، وجعلت له بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرجون منه» (٣).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول اللَّه، ألا أدخل البيت؟ قال: «ادخلي الحجر فإنه من البيت» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>الشرط السادس: الترتيب، وهو أن يطوف على يمينه</span>، ويجعل البيت\nعن يساره، فإن نكَسَه فطاف وجعل البيت عن يمينه لم يجزئه ولا يصح طوافه؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: لما قدم رسول اللَّه - ﷺ - مكة دخل المسجد فاستلم الحَجَر، ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم أتى المقام\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، برقم ١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦، ومسلم، كتاب الحج، باب جدر الكعبة وبابها، برقم ٤٠٥ - (١٣٣٣).\n(٢) البخاري برقم ١٥٨٦.\n(٣) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب الحجر، برقم ٢٩١٠، وأصله في البخاري ومسلم كما تقدم، وصححه الألباني في صحيح النسائي (٢/ ٣١٦).\n(٤) النسائي، كتاب المناسك، باب الحجر، برقم ٢٩١١، وهو في الترمذي برقم ٨٧٦، وفي سنن أبي داود، برقم ٢٠٢٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي (٢/ ٣١٦).","vol":"1","page":371},{"text":"فقال: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى البيت بعد الركعتين فاستلم الحجر ثم خرج إلى الصفا» (١)، ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فكان الترتيب فيها شرطًا كالصلاة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>الشرط السابع: أن يبتدئ بالحجر الأسود فيحاذيه</span>، وينتهي إليه في كل شوط؛ لحديث جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - وفيه: «... حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا ....» (٣). فدل على أن النبي - ﷺ - بدأ بالحجر الأسود، وقد قال عبد اللَّه بن عمر ﵄ في صفة طواف النبي - ﷺ - بالبيت: «قدم رسول اللَّه - ﷺ - فطاف بالبيت سبعًا وصلى خلف المقام ركعتين، وسعى بين الصفا والمروة سبعًا، وقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>الشرط الثامن: الموالاة. فيوالي في طوافه ويستأنف الطواف من أوله </span>إذا أحدث أثناء الطواف على الصحيح، وكذلك إذا قطع الطواف وطال\nالفصل بحيث يكون القطع طويلًا (٥)؛ لأن النبي - ﷺ - طاف كذلك، وقد قال: «... لتأخذوا مناسككم» (٦).\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢١٨، والنسائي واللفظ له، في كتاب مناسك الحج، باب كيف يطوف أول ما يقدم؟ وعلى أي شقَّيه يأخذ إذا استلم الحجر، برقم ٢٩٣٩،وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٢٤.\n(٢) الكافي لابن قدامة، ٢/ ٤١٣.\n(٣) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٦٢٣،ومسلم واللفظ له، برقم ١٢٣٤،وتقدم تخريجه في الشرط الرابع.\n(٥) انظر: نيل المآرب بشرح دليل الطالب، لعبد القادر بن عمر التغلبي، ١/ ٣٠٧.\n(٦) مسلم، برقم ١٢٩٧، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":372},{"text":"إلا أن الطائف بالبيت إذا أُقيمت الصلاة، أو حضرت جنازة، فإنه يُصلِّي ثم يبني فيكمل الباقي من الأشواط (١)؛ لقول النبي - ﷺ -: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٢).\nقال الإمام البخاري ﵀: «باب: إذا وقف في الطواف، وقال عطاء فيمن يطوف فتقام الصلاة أو يدفع عن مكانه: إذا سلم يرجع حيث قُطِع عليه (٣).ويذكر نحوه عن ابن عمر (٤)،وعبد الرحمن بن أبي بكر - ﵃ -» (٥) (٦).\n_________\n(١) انظر: الكافي لابن قدامة، ٢/ ٤١٣.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن، برقم ٧١٠، وأبو داود، كتاب التطوع، باب إذا أدرك الإمام ولم يصل ركعتي الفجر، برقم ١٢٦٦.\n(٣) قال ابن حجر في الفتح، ٣/ ٤٨٤: «وصل نحوه عبد الرزاق عن ابن جريج، قلت لعطاء: الطواف الذي يقطع عليَّ الصلاة وأعتدُّ به أيجزئ؟ قال: نعم، وأحبُّ إلي أن لا يعتد به، قال: فأردت أن أركع قبل أن أتم سبعي، قال: لا، أوفِ سبعك، إلا أن تمنع من الطواف». قال العلامة الألباني في مختصر صحيح البخاري، ١/ ٤٧٨: «وصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه نحوه». وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٣/ ٤٨٤: «وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم، حدثنا عبد الملك، عن عطاء، أنه كان يقول في الرجل يطوف بعض طوافه ثم تحضر الجنازة: يخرج فيصلِّي عليها ثم يرجع فيقضي ما بقي عليه من طوافه».\n(٤) قال ابن حجر ﵀ في فتح الباري: «وصل نحوه سعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن زكريا عن جميل بن زيد، قال: رأيت ابن عمر طاف بالبيت فأقيمت الصلاة فصلى مع القوم ثم قام فبنى على ما مضى من طوافه». قال الألباني في مختصر صحيح البخاري، ١/ ٤٧٨: «وجميل هذا ضعيف».\n(٥) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٤٨٤: «وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: أن عبد الرحمن بن أبي بكر طاف في إمارة عمرو بن سعيد على مكة - يعني في خلافة معاوية - فخرج عمرو إلى الصلاة فقال له عبد الرحمن: انظرني حتى أنصرف على وتر، فانصرف على ثلاثة أطواف - يعني ثم صلى - ثم أتمَّ ما بقي» قال الألباني في مختصر صحيح البخاري، ١/ ٤٨٧: «ووصله عبد الرزاق بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي بكر».\n(٦) البخاري، كتاب الحج، باب إذا وقف في الطواف، بعد الحديث رقم ١٦٢٢.","vol":"1","page":373},{"text":"وسمعت شيخنا العلامة الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ يقول: «وهذا هو الصواب إذا أقيمت الصلاة وهو يطوف، فإنه يصلِّي وبعد نهاية الصلاة يقوم ويبدأ من محلِّه، وقال بعض الفقهاء: إنَّ هذا الشوط يضيع عليه، ويبدأ من الحَجَر، والصواب أنه لا يعود وإنما يبدأ من محلِّه؛ لأنه طواف قطعه بنيَّة شرعيَّة ثم رجع إليه، أما من أحدث، أو خرج بدون عذر شرعي وطال الزمن فإنه يعيده من أوله؛ لأن الطواف مثل الصلاة» (١) (٢).\n_________\n(١) سمعته ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، باب ٦٨ «إذا وقف في الطواف»، بعد الحديث رقم ١٦٢٢.\n(٢) قال الإمام الخرقي ﵀: «وإن أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة وهو يطوف أو يسعى خرج فصلى، فإذا صلى بنى» قال الإمام ابن قدامة في المغني مبيِّنًا لقول الخرقي، ٥/ ٢٤٧: «وجملة ذلك: أنه إذا تلبَّس بالطواف أو بالسعي، ثم أقيمت المكتوبة فإنه يصلي مع الجماعة في قول أكثر أهل العلم، منهم: ابن عمر، وسالم، وعطاء، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عنهم في السعي، وقال مالك: يمضي في طوافه ولا يقطعه، إن خاف أن يضر بوقت الصلاة؛ لأن الطواف صلاة، فلا يقطعه لصلاة أخرى». قال الإمام ابن قدامة: «ولنا قول النبي - ﷺ -: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، والطواف صلاة فيدخل تحت عموم الخبر، إذا ثبت ذلك في الطواف بالبيت، مع تأكده، ففي السعي بين الصفا والمروة أولى مع أنه قول ابن عمر، ومن سميناه من أهل العلم، ولم نعرف لهم في عصرهم مخالفًا، وإذا صلى بنى على طوافه وسعيه في قول من سميناه من أهل العلم، قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا خالف في ذلك إلا الحسن، فإنه قال: يستأنف، وقول الجمهور أولى؛ لأن هذا فعل مشروع في أثناء الطواف فلم يقطعه، كاليسر، وكذلك الحكم في الجنازة إذا حضرت يصلّي عليها ثم يبني على طوافه؛ لأنها تفوت بالتشاغل عنها، قال الإمام أحمد: يكون ابتداؤه من الحَجَر، يعني أنه يبتدئ الشوط الذي قطعه من الحجر، حين يشرع في البناء، فإن ترك الموالاة لغير ما ذكرنا وطال الفصل ابتدأ الطواف وإن لم يطل بنى، فلا فرق بين ترك الموالاة عمدًا أو سهوًا، مثل من يترك شوطًا من الطواف يحسب أنه قد أتمه، وقال أصحاب الرأي في من طاف ثلاثة أشواط من طواف الزيارة ثم رجع إلى بلده: عليه أن يعود فيطوف ما بقي، ولنا: أن النبي - ﷺ - والى بين طوافه، وقال: «خذوا عني مناسككم»؛ لأنه صلاة، فيشترط له الموالاة، كسائر الصلوات، أو نقول: عبادة متعلقة بالبيت فاشترطت لها الموالاة، ويرجع في طول الفصل وقصرها إلى العرف من غير تحديد ...» المغني، ٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨.","vol":"1","page":374},{"text":"وقال شيخنا ابن باز ﵀: «والطواف من جنس الصلاة في الجملة، لكن لو قطعه لحاجة مثلًا: كمن طاف ثلاثة أشواط ثم أقيمت الصلاة فإنه يصلي ثم يرجع فيبدأ من مكانه، ولا يلزمه الرجوع إلى الحجر الأسود، بل يبدأ من مكانه ويكمل، خلافًا لما قال بعض أهل العلم: إنه يبدأ من الحجر الأسود، والصواب لا يلزمه ذلك، كما قال جماعة من أهل العلم، وكذا لو حضرت جنازة وصلَّى عليها، أو أوقفه أحد يكلمه، أو زحام، فإنه يكمل طوافه ولا حرج عليه في ذلك واللَّه ولي التوفيق» (١) (٢).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ١٦٠، ١٦/ ١٣٧، ١٧/ ٢١٦.\n(٢) قال العلامة الشنقطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٢٢٧: «أظهر قولي العلماء عندي أنه إن أقيمت الصلاة وهو في أثناء الطواف أنه يصلِّي مع الناس، ولا يستمر في طوافه مقدمًا إتمام الطواف على الصلاة، وممن قال بذلك: ابن عمر، وسالم، وعطاء، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد وأصحابه، وأبو ثور، وروي ذلك عنهم في السعي أيضًا، ولكن عند المالكية لا يجوز قطع الطواف إلا للصلاة المكتوبة خاصة إذا أقيمت وهو في أثناء الطواف، ويبني عندهم إن قطعه للصلاة خاصة، ويندب عندهم إكمال الشوط إن قطعه في أثناء الشوط، وإن قطعه لغيرها لصلاة الجنازة أو تحصيل نفقة لا بد منها لم يبنِ على ما مضى منه بل يستأنف الطواف عندهم؛ لأنه لا يجوز عندهم قطعه لذلك ابتداء ... وقيل يمضي في طوافه ولا يقطعه للصلاة، واحتج من قال بهذا بأن الطواف صلاة فلا تقطع الصلاة، ورد عليه بحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». ومن قال من أهل العلم: إن الطواف يجوز قطعه للصلاة على الجنازة والحاجة الضرورية كالشافعية والحنابلة، قالوا: يبني على ما أتى به من أشواط الطواف، فإن كان قطعه للطواف عند انتهاء شوط من أشواطه بنى على الأشواط المتقدمة، وجاء ببقية الأشواط، وإن كان قطعه له في أثناء الشوط فأظهر قولي أهل العلم عندي أنه يبتدئ من الموضع الذي وصل إليه ويعتد ببعض الشوط الذي فعله قبل قطع الطواف، خلافًا لمن قال: بأنه يبتدئ الشوط الذي قطع الطواف في أثنائه ولا يعتد ببعضه الذي فعله، وهو قول الحسن، وأحد وجهين عند بعض الشافعية، وهو مندوب عند المالكية إن قطع للفريضة ...». [أضواء البيان، ٥/ ٢٢٨]، وانظر: شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣.","vol":"1","page":375},{"text":"وقال الإمام أحمد: «إذا أُعيي في الطواف لا بأس أن يستريح» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>الشرط التاسع: النية</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢). فإذا لم ينوِ الطواف وإنما جعل يدور حول الكعبة؛ ليتابع مدينًا له، يطالبه بدين، أو لأي غرض من الأغراض، فإنه لا يصح طوافه؛ للحديث المذكور آنفًا، فهو لم ينوِ الطواف بل نوى متابعة غريم، أو متابعة إنسان يريد أن يتكلم معه، ويمشي معه حتى ينتهي من طوافه، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يصح طوافه (٣) (٤).\n_________\n(١) المغني لابن قدامة (٥/ ٢٤٨).\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١، ومسلم، برقم ١٩٠٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين (٧/ ٢٨٧).\n(٤) ولكن لو نوى الطواف مطلقًا، دون أن ينويه للعمرة، أو الحج، مثلًا، فهل يجزئ؟ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «... في ذلك خلاف بين العلماء:\nفمنهم من قال: لا يجزئ بل يجب أن ينوي الطواف للعمرة، أو الطواف للحج، أو الطواف للوداع، أو الطواف تطوعًا، كطواف القدوم، وأما مجرد الطواف فلا يجزئ، وهذا المشهور من المذهب: أنه لا بد أن يُعيِّن الطواف.\nوقال بعض العلماء: إنه لا يشترط التعيين، بل يشترط نية الطواف؛ لأن الطواف جزء من العبادة، فكانت النية الأولى محيطة بالعبادة بجميع أجزائها، وقاس ذلك على الصلاة، وقال الصلاة فيها ركوع، وسجود، وقيام، وقعود فلا يجب أن ينوي لكل ركن من أركانها نية مستقلة بل تكفي النية الأولى.\nوعلى هذا فإن نوى العمرة كانت هذه النية شاملة للعمرة من حين أن يحرم إلى أن يحل منها، والطواف جزء من العمرة.\nفإذا جاء إلى البيت الحرام وطاف وغاب عن قلبه أنه للعمرة، أو لغير العمرة، فعلى هذا القول يكون الطواف صحيحًا، وهذا القول هو الراجح مادام متلبسًا بالنسك. فلا بد من نية للطواف لكن على هذا القول تجزئ النية المطلقة؛ لأنها داخلة في نية الدخول في النسك عند الإحرام، ولكن قال الإمام ابن قدامة ﵀: إنه يُعين طواف الإفاضة بالنية فقال: «والنية شرط في هذا الطواف، وهذا قول إسحاق، وابن القاسم صاحب مالك، وابن المنذر». وقال الإمام الخرقي ﵀: «وإن كان طاف للوداع لم يجزه لطواف الزيارة». قال ابن قدامة: «وإنما لم يجزئه عن طواف الزيارة؛ لأن تعيين النية شرط فيه على ما ذكرنا، فمن طاف للوداع فلم يُعين النية له فكذلك لم يصح».\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «ومع كونه الراجح نظرًا هو الأيسر بالناس؛ لأن الإنسان مع الزحام ربما يغيب عن ذهنه أنه نوى أن يطوف للعمرة، فلو قلنا لا بد من تعيين الطواف للنسك المعين لكان في هذا مشقة على الناس، أما إذا قلنا بالقول الراجح: أن نية العبادة تنسحب على جميع العبادة بجميع أجزائها فلا شك أن هذا أيسر للناس، ونظير هذه المسألة مرت علينا في الصلاة، وهي: لو أنه دخل في صلاة الظهر بنية أنها فرض الوقت وغاب عن ذهنه تعيين الظهر، فإن القول الراجح أنها تجزئ، وتصح. انظر: الشرح الممتع، ٢/ ٢٨٦. لأنك ولو سألت هذا الرجل ماذا أردت بهذه الصلاة؟ لكان الجواب: الظهر، والإنسان قد يذهل عن التعيين وقد يأتي والإمام راكع مثلًا، فيدخل في الصلاة بسرعة، ولا يعين النية». الشرح الممتع، ٧/ ٢٨٨.\nوقال ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٣٨: «وإن قصد في طوافه غريمًا وقصد معه طوافًا بنية حقيقية لا حكمية توجه الإجزاء ...».وقال ابن قدامة في الشرح الكبير،٩/ ١١٣: «والنية شرط في الطواف إن تركها لم تصح؛ لأنها عبادة تتعلق بالبيت، فاشترطت لها النية، كالصلاة؛ ولأن النبي - ﷺ -[بين أن] الطواف بالبيت صلاة، والصلاة لا تصح بدون نية». وانظر: الكافي لابن قدامة، ٢/ ٤١٢.\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٢٢٧: «اعلم أن أظهر أقوال العلماء وأصحها إن شاءاللَّه: أن الطواف لا يفتقر إلى نية تخصه؛ لأن نية الحج تكفي فيه، وكذلك سائر أعمال الحج، كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والسعي، والرمي كلها لا تفتقر إلى نية؛ لأن نية النسك بالحج تشمل جميعها، وعلى هذا أكثر أهل العلم، ودليله واضح؛ لأن نية العبادة تشمل جميع أجزائها، وعلى هذا أكثر أهل العلم، ودليله واضح؛ لأن نية العبادة تشمل جميع أجزائها، فكما لا يحتاج كل ركوع وسجود من الصلاة إلى نية خاصة؛ لشمول نية الصلاة لجميع ذلك، فكذلك لا تحتاج أفعال الحج لنية تخص كل واحد منها؛ لشمول نية الحج لجميعها».\nوقد ذكر شروط للطواف تحتاج إلى تفصيل ودراسة تميز كل قول، فمن ذلك: قال في منار السبيل، ١/ ٣٣٩: «وشروط صحة الطواف أحد عشر: ١ - النية. ٢ - الإسلام. ٣ - العقل.\n٤ - دخول وقته. ٥ - ستر العورة. ٦ - اجتناب النجاسة. ٧ - الطهارة من الحدث. ٨ - تكميل السبع. ٩ - جعل البيت عن يساره. ١٠ - كونه ماشيًا مع القدرة. ١١ - الموالاة». وزاد عليها الشيخ عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن جاسر في كتابه مفيد الأنام، ١/ ٢٦٨: «ويشترط لصحة الطواف ثلاثة عشر شيئًا: الإسلام، والعقل، والنية، وستر العورة، والطهارة من الحدث، وطهارة الخبث، وتكميل السبع، وجعل البيت عن يساره، والطواف بجميع البيت، وأن يطوف ماشيًا مع القدرة على المشي، وأن يوالي بينه إلا إذا حضرت جنازة أو أقيمت صلاة، وأن لا يخرج من المسجد أعني أن يطوف بالمسجد، وأن يبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه بكل بدنه». وانظر: نحو هذه الشروط: الشرح الكبير لابن قدامة، ٩/ ١٢٣، وكأن ابن جاسر أخذ هذه الشروط من الإقناع لطالب الانتفاع، ٢/ ١٢.\nوقال ابن قدامة: «وقال الثوري، الشافعي، وأصحاب الرأي: يجزئه وإن لم ينو الفرض الذي عليه، ولنا قول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»؛ ولأن النبي - ﷺ - سماه صلاة، والصلاة لا تصح إلا بالنية اتفاقًا»، المغني، ٥/ ٣٤٦. وانظر: الشرح الممتع، ٧/ ٣٦٩،\n٧/ ٤٠١، فقد فصَّل في ذلك تفصيلًا جيدًا.","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>ثانيًا: صفة الطواف بالبيت على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>١ - يقطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف </span>إن كان متمتعًا أو\nمعتمرًا (١)، ثم يقصد الحجر الأسود، فيحاذيه، ويستقبله ثم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك (٢)، ولا يؤذي الناس بالزحام ويقول عند استلامه: «اللَّه أكبر» (٣)، ولو قال: «بسم اللَّه واللَّه أكبر» (٤) فحسن؛ لما ثبت عن ابن\n_________\n(١) أحمد، ٢/ ١٨٠، والمسند المحقق، ١١/ ٢٧٨، برقم ٦٦٨٥، ورقم ٦٦٨٦، وتقدم تخريجه، والكلام عليه في مبحث التلبية، ومتى تقطع. وانظر المغني، ٥/ ٢٥٦، وشرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٤٦١، سنن أبي داود، برقم ١٨١٧، والترمذي، برقم ٩١٩، وتقدم تخريجه، والكلام عليه في مبحث التلبية، ومتى تقطع.\n(٢) البخاري، برقم ١٦١١، ويأتي تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٦١٣، ومسلم، برقم ١٢٧٢.\n(٤) سمعته من شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٩٧، يقول على حديث عمر: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول اللَّه - ﷺ - يقبلك ما قبلتك». قال شيخنا: «وهذا يدل على سنية تقبيل الحجر في جميع الأطوفة الواجبة والمستحبة، وإنما يُقبّل؛ لأن الرسول - ﷺ - قبله، فنحن نقبله تأسيًا بالرسول - ﷺ - نرجو ثواب ذلك عند اللَّه، وهكذا استلام الركن اليماني طاعة لله، وهكذا السعي بين الصفا والمروة، وثبت أن الحجر الأسود نزل من الجنة على إبراهيم ووضعه مكانه، وكان أبيض من الثلج، ولكن سودته خطايا أهل الشرك، لما رواه الترمذي».","vol":"1","page":378},{"text":"عمر ﵄ أنه كان «... يدخل مكة ضحىً فيأتي البيت فيستلم الحجر ويقول: بسم اللَّه واللَّه أكبر» (١). و<span data-type=\"title\" id=toc-621>للحجر الأسود سنن أربع </span>كلها ثبتت عن النبي - ﷺ - وهي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>السُّنَّة الأولى: يمسحه بيده، ويُقبِّله، ويكبر</span>، وهذا أكمل الحالات؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه: «قبل الحجر، وقال: لولا أني رأيت\nرسول اللَّه - ﷺ - قبَّلك ما قبلتك».وفي لفظ لمسلم: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان «يُقبل الحجر، ويقول: واللَّه إني لأقبلك، وإني أعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول اللَّه - ﷺ - قبلك ما قبلتك» (٢).\nوسأل رجل ابن عمر ﵄ عن استلام الحجر فقال: «رأيت رسول اللَّه - ﷺ -، يستلمه ويقبله» (٣).\n_________\n(١) ثبت عن ابن عمر ﵄ موقوفًا عليه، رواه البيهقي، ٥/ ٧٩، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير، ٢/ ٢٤٧: «سنده صحيح».\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب تقبيل الحجر، برقم ١٦١٠، وباب ما ذكر في الحجر الأسود برقم ٥٩٧، ومسلم، كتاب الحج، باب تقبيل الحجر الأسود في الطواف، برقم ٢٥٠ - (١٢٧٠).\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب تقبيل الحجر، برقم ١٦١١.","vol":"1","page":379},{"text":"وعن ابن عباس ﵄ قال: «طاف النبي - ﷺ - على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده، وكبَّر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>السنة الثانية: فإن لم يتيسر له ذلك مسحَهُ بيده وقبّل يده</span>؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، فعن نافع قال: «رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبَّل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول اللَّه - ﷺ - يفعله» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>السنة الثالثة: فإن لم يتيسر له ذلك استلمه بعصا وقبل ما استلمه به</span>؛ لحديث أبي الطفيل - ﵁ - قال: «رأيت رسول اللَّه - ﷺ - يطوف بالبيت ويستلم\nالركن بمحجنٍ معه، ويقبِّل المحجن» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>السنة الرابعة: فإن لم يتيسر له ذلك أشار إليه بيده وكبر </span>ولا يقبِّل ما يشير به؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: «طاف النبي - ﷺ - على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه» (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري واللفظ له، في كتاب الحج، باب التكبير عند الركن، برقم ١٦١٣، ١٦٣٢، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير وغيره، برقم ١٢٧٢،ولفظه: «أن رسول اللَّه - ﷺ - طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن» وهذا أيضًا لفظ للبخاري، برقم ١٦٠٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الرمل في الحج والعمرة، برقم ١٦٠٦، ومسلم واللفظ له، في كتاب الحج، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف دون الركنين الآخرين، برقم ٤٦ - (١٢٦٧).\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير وغيره، واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب، برقم ١٢٧٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، واللفظ له، في كتاب الحج، باب من أشار إلى الركن إذا أتى عليه، برقم ١٦١٢، ومسلم بنحوه، كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير، برقم ١٢٧٢.","vol":"1","page":380},{"text":"قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أورد فيه حديث ابن عباس: «طاف النبي - ﷺ - على بعير كلما أتى الركن أشار إليه» وقد تقدم قبل بابين بزيادة شرح فيه، قال ابن التين: تقدم أنه كان يستلمه بمحجن فيدل على قربه من البيت، لكن من طاف راكبًا يستحب له أن يبقى إن خاف أن يؤذي أحدًا، فيحمل فعله - ﷺ - على الأمن من ذلك، انتهى. ويحتمل أن يكون في حال استلامه قريبًا حيث أمن ذلك، وأن يكون في حال إشارته بعيد حيث خاف ذلك» (١).\nوهذه سنن من فعل منها ما تيسر فقد أصاب سنة النبي - ﷺ - والحمد لله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>٢ - ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره</span>، وإن قال في ابتداء طوافه: «اللَّهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد - ﷺ -» فحسن؛ لوروده عن علي، وابن عباس ﵄ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>٣ - يرمل الرجل في طواف العمرة، وفي الطواف الأول من الحج</span>، في الثلاثة الأشواط الأُوَل من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ «أن رسول اللَّه - ﷺ - كان إذا طاف بالبيت الطواف\n_________\n(١) فتح الباري، ٣/ ٤٧٦.\n(٢) وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على فتح الباري مع صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٩٧ يقول: «استلام الحجر يكون على أحوال:\n١ - يستلمه ويقبله. ٢ - يستلمه بيده ويقبل يده. ٣ - يستلمه بشيء ويقبله [أي يقبل ذلك الشيء]. ٤ - [يشير إليه و] يكبر».\n(٣) روي ذلك في الخبر: انظر سنن البيهقي، ٥/ ٧٩، ومصنف عبد الرزاق، ٥/ ٣٣، وانظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٢٠، والتلخيص الحبير، ٢/ ٢٤٧، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ٦٠.","vol":"1","page":381},{"text":"الأول خبَّ ثلاثًا (١)، ومشى أربعًا، وكان يسعى ببطن المسيل (٢) إذا طاف بين الصفا والمروة». «وكان ابن عمر يفعل ذلك» وهذا لفظ مسلم، وفي لفظ للبخاري، «كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة»، وفي لفظ للبخاري أن عبيد اللَّه بن عمر قال لنافع: أكان عبد اللَّه [أي ابن عمر] يمشي إذا بلغ الركن اليماني؟ قال: لا، إلا أن يزاحم على الركن؛ فإنه كان لا يدعه حتى يستلمه» (٣).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: «رمل رسول اللَّه - ﷺ - من الحجر إلى\nالحجر ثلاثًا، ومشى أربعًا» (٤).\nوعن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أنه قال: «رأيت رسول اللَّه - ﷺ - رمل من الحَجَر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف». وفي لفظ: «أن رسول اللَّه - ﷺ - رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر» (٥).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول على ترجمة البخاري: «باب الرمل في الحج والعمرة» قال: «يعني طواف القدوم في الحج والعمرة،\n_________\n(١) خب ثلاثًا: الخب هو الرمل، وهما بمعنى واحد، وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى، ولا يثب وثبًا.\n(٢) يسعى ببطن المسيل: أي يسرع شديدًا ببطن الوادي الذي بين الصفا والمروة.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الرمل في الحج والعمرة، برقم ١٦٠٤، وباب من طاف البيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته، برقم ١٦١٦، وباب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة، برقم ١٦٤٤، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب الرمل في طواف العمرة وفي الطواف الأول من الحج، برقم ١٢٦١.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب الرمل في طواف العمرة، وفي الطواف الأول من الحج، برقم ١٢٦٢.\n(٥) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب الرمل في طواف العمرة، وفي الطواف الأول من الحج، برقم ١٢٦٣.","vol":"1","page":382},{"text":"والرمل خاص بالرجال، والرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، أما المشي بين الركنين فإنما كان ذلك في عمرة القضية فقط. والرسول - ﷺ - فعل الرمل حتى في طواف القدوم في حجة الوداع، فاستقرت السنة بالرمل [أي من الحجر إلى الحجر]» (١).\nومما يدل على أن الرمل سنة دائمة في طواف العمرة أو طواف القدوم حديث جابر في صفة حجة النبي - ﷺ - قال - ﵁ -: «... حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدَّم إلى مقام إبراهيم ...» الحديث (٢).\nومما يدل على أن الرمل إنما يكون في طواف العمرة، وطواف الحج\nالأول حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي - ﷺ - لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه» (٣).\nوالرمل يكون للرجال، أما النساء فلا رمل عليهن بالإجماع (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>٤ - يضطبع الرجل في جميع الطواف الأول دون غيره</span>، والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر: يبدي\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٦٠٤، و٦٠٥.\n(٢) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) أبو داود، كتاب المناسك، باب الإفاضة في الحج، برقم ٢٠٠١، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب زيارة البيت، برقم ٣٦٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٦٠.\n(٤) قال الإمام ابن المنذر ﵀ في الإجماع، ص٦١: «وأجمعوا أن لا رمل على النساء حول البيت، ولا في السعي بين الصفا والمروة».","vol":"1","page":383},{"text":"منكبه الأيمن ويغطي الأيسر؛ لحديث يعلى بن أمية - ﵁ - قال: «طاف النبي - ﷺ - مضطبعًا وعليه بردٌ». وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: «طاف النبي - ﷺ - مضطبعًا ببرد أخضر»، ولفظ أحمد: «لما قدم مكة طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له حضرمي» (١).\nوعن ابن عباس ﵄: أن رسول اللَّه - ﷺ - وأصحابه اعتمروا من جعرانة، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم وقذفوها على عواتقهم اليسرى» وهذا من ألفاظ أحمد، ولفظ أبي داود: «أن رسول اللَّه - ﷺ - وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت\nآباطهم، قد قذفوها على عواتقهم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>٥ - يطوف من وراء الحجر؛ لحديث ابن عباس ﵄ </span>قال: «الحِجر من البيت؛ لأن رسول اللَّه - ﷺ - طاف بالبيت من ورائه، وقال اللَّه تعالى: (ولِيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيْق) (٣).\nقال الإمام ابن خزيمة ﵀: «والنبي - ﷺ - أمر عائشة أن تصلِّي في\n_________\n(١) أبو داود، كتاب المنسك، باب الاضطباع في الطواف برقم ١٨٨٣، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء أن النبي - ﷺ - طاف مضطبعًا، برقم ٨٥٩، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الاضطباع، برقم ٢٩٥٤، وأحمد، ٤/ ٢٢٣، ٢٢٤، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٢٦، وفي صحيح سنن الترمذي، ١/ ٤٤٣.\n(٢) أحمد مجموع من ثلاثة ألفاظ، ١/ ٣٠٦، وأبو داود، كتاب المناسك، باب الاضطباع في الطواف، برقم ١٨٨٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٢٦.\n(٣) ابن خزيمة، كتاب المناسك، باب الطواف من وراء الحجر، برقم ٢٧٤٠، وصحح إسناده الألباني في صحيح ابن خزيمة، ٤/ ٢٢٢.","vol":"1","page":384},{"text":"الحجر، وقال: «الحِجر من البيت» (١»).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>٦ - فإذا وصل وحاذى الركن اليماني استلمه بيمينه</span>؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن النبي - ﷺ - قال: «إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطًّا». وفي لفظ لأحمد أيضًا: «إن استلامهما يحط الخطايا». وفي لفظ له: «إن استلام الركنين يحطان الذنوب» (٢).\nوعن ابن عمر ﵄: «أن رسول اللَّه - ﷺ - كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني». ولفظ ابن خزيمة في صحيحه: «كان إذا طاف بالبيت مسح أو قال استلم الحجر والركن في كل طواف» (٣). ولو قال إذا مسحه «بسم اللَّه واللَّه أكبر» فحسن (٤)، ولا يُقبِّله؛ فإن شق عليه مسحُهُ تركه ومضى في طوافه، ولا يُشير إليه، ولا يكبر عند محاذاته؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي\n_________\n(١) صحيح ابن خزيمة، ٤/ ٢٢٣، وقال ابن خزيمة: «أراد بعض الحِجر لا كله، وابن عباس ﵀ لم يرد بقوله الحجر من البيت جميع الحجر، وإنما أراد بعضه على ما أخبرت به عائشة عن النبي - ﷺ - أن بعض الحجر من البيت لا جميعه»، ٤/ ٢٢٣. وحديث عائشة: «الحجر من البيت» أخرجه النسائي، برقم ٢٩١١، والترمذي، برقم ٨٧٦، وأبو داود، برقم ٢٠٢٨، وتقدم تخريجه في الشرط الخامس من شروط الطواف.\n(٢) أحمد، ٨/ ٣١، برقم ٤٤٦٢، و٨/ ١٩١، الرقم ٤٥٨٥، و٩/ ٤٤٣، برقم ٥٦٢١، و٩/ ٥١٤، برقم ٥٧٠١، والترمذي بنحوه، برقم ٩٥٩، والنسائي بنحوه، برقم ٢٩١٩، وابن ماجه بنحوه، برقم ٢٩٥٦، وصححه الألباني، في صحيح الترمذي، ١/ ٤٩١ - ٤٩٢، وتقدم تخريجه في فضائل الحج والعمرة.\n(٣) متفق عليه، البخاري، كتاب الحج، باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، برقم ١٦٠٩، ومسلم بلفظه، كتاب الحج، باب استلام الركنين اليمانيين في الطواف دون الركنين الآخرين برقم، ٢٤٤ - (١٢٦٧)، وابن خزيمة، ٤/ ٢١٦، برقم ٢٧٢٣.\n(٤) ثبت ذلك عن ابن عمر عند استلام الحجر الأسود كما تقدم.","vol":"1","page":385},{"text":"- ﷺ - فيما أعلم، ويفعل ذلك في كل شوط من طوافه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>فعُلِمَ مما تقدم من الأدلة: أنه لا يشرع استلام الركنين الآخرين الشاميين</span>؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم - ﷺ -؛ ولأن النبي - ﷺ - لم يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>٧ - يستحب له أن يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود: </span>﴿رَبَّنَا\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ٦٢.\n(٢) المشروع استلامه من أركان البيت ركنين: الحجر الأسود، والركن اليماني فقط؛ للأحاديث الآتية:\n١ - حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه قال: «لم أرَ رسول اللَّه - ﷺ - يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين» وفي لفظ: «أن رسول اللَّه - ﷺ - كان لا يستلم إلا الحجر، والركن اليماني» [البخاري، برقم ١٦٠٩، ومسلم، برقم ١٢٦٧].\n٢ - حديث ابن عباس ﵄ قال: «لم أرَ رسول اللَّه - ﷺ - يستلم غير الركنين اليمانيين» [البخاري برقم ١٦٠٨، ومسلم، برقم ١٢٦٩] هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري عن أبي الشعثاء أنه قال: ومن يتقي شيئًا من البيت، وكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس ﵄: إنه لا يُستلم هذان الركنان، فقال: ليس شيء من البيت مهجورًا، وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن». [البخاري، برقم ١٦٠٨].\n٣ - حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄: أنه طاف مع معاوية - ﵁ - بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس: لِمَ تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول اللَّه - ﷺ - يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لكُمْ في رَسولِ اللَّه أُسوةٌ حَسنةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فقال معاوية: صدقت». [أحمد، ٣/ ٣٦٩، برقم ١٨٧٧، و٤/ ٨٧، برقم ٢٢١٠، و٥/ ١٩٧، برقم ٣٠٧٤، و٥/ ٤٦٩، برقم ٣٥٣٢، ٣٥٣٣، وقال عنه محققو مسند أحمد في الموضع الأول، ٣/ ٣٧٠: «إسناده حسن لغيره» وقالوا في الموضع الثاني، ٤/ ٨٧: «إسنده قوي على شرط مسلم» وقالوا في الموضع الثالث، ٥/ ١٩٧: «إسناده قوي على شرط مسلم ...». وقالوا في الموضع الرابع، ٥/ ٤٦٩: «إسناده صحيح على شرط الشيخين».\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وهذا من مناقب معاوية - ﵁ -» سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٦٠٨. [وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٢٥].","vol":"1","page":386},{"text":"آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ (١). لحديث عبد اللَّه بن السائب - ﵁ - قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول بين الركنين:\n﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾. ولفظ ابن خزيمة: «... فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>٨ - كلما مرَّ بالحجر الأسود استلمه وقبَّله، وقال «اللَّه أكبر» </span>فإن لم يتيسر استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حاذاه مرة واحدة بيده اليمنى وكبر مرة واحدة، وكلما حاذى اليماني استلمه بيده إن تيسر، وإن لم يتيسر سار\nبدون إشارة، ويكثر في طوافه من الذكر والدعاء والاستغفار، ويُسِرُّ بدعائه وقراءته إن قرأ شيئًا من القرآن، ولا يؤذي الطائفين وليس في الطواف أدعية محددة، ومن خصص لكل شوطٍ من الطواف أو السعي أدعية خاصة فلا أصل له. ولا يطوف من داخل الحِجْر؛ لأنه من البيت فلا بد أن يكون الطواف من ورائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>٩ - فإذا كَمَّل سبعة أشواط وفرغ منها سوَّى رداءه فوضعه على كتفيه </span>وتقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣). ثم يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر ذلك، ويجعله بينه وبين البيت ولو بَعُدَ عنه. وإن\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٠١.\n(٢) أبو داود، كتاب المناسك، باب الدعاء في الطواف، برقم ١٨٩٢، وابن خزيمة، كتاب الحج، باب الدعاء بين الركن اليماني والحجر الأسود، ٤/ ٢١٥، برقم ٢٧٢١، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٢٨.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٢٥، والحديث أخرجه مسلم، ٢/ ٨٨٦ من حديث جابر - ﵁ - في صفة حجة الوداع، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":387},{"text":"لم يتيسر ذلك لزحام ونحوه صلاهما في أي موضع من المسجد، ولا يؤذي الناس ولا يصلِّي في طريقهم، ويستحب له أن يقرأ في الركعة الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ بعد الفاتحة، وفي الثانية بعد الفاتحة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>١٠ - يستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها </span>ويصب على رأسه لفعله - ﷺ -؛ لحديث جابر - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - رمل ثلاثة أطواف من الحَجر إلى الحَجر، وصلَّى ركعتين، ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصبَّ على رأسه، ثم رجع فاستلم الركن، ثم رجع إلى الصفا فقال: أبدأ بما بدأ اللَّه به» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>١١ - يستحب له أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر</span>؛ لحديث جابر في صفة حجة النبي - ﷺ -، وفيه قال: «... ثم تقدَّم إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، [و] (٣) كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾\nو﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا ..» (٤) (٥).\n_________\n(١) مسلم، ٢/ ٨٨٨، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) أحمد في المسند، ٣/ ٣٩٤، والمسند المحقق، ٢٣/ ٣٩٩، برقم ١٥٢٤٣، وقال محققو المسند،\n٢٣/ ٣٩٩: «إسناده صحيح على شرط مسلم».\n(٣) أضفتها؛ ليتمَّ المعنى. [المؤلف].\n(٤) مسلم، ٢/ ٨٨٨، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٥) وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري الحديث رقم ١٥٩٧ يقول: «وقد ثبت أنه - ﷺ - بعد الانتهاء من طواف القدوم استلمه [أي الحجر الأسود] ولم أذكر أنه نقل عنه فعل ذلك بعد طواف الإفاضة ..».","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>والنساء يَطُفْنَ مع الرجال، لكن لا يزاحمن الرجال</span>، ويلتزمن الستر، فعن ابن جُريج قال: أخبرني عطاء إذْ منع ابن هشامٍ النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهّنَّ وقد طاف نساء النبي - ﷺ - مع الرجال؟ قلتُ: أبعدَ الحجاب أو قبلُ؟ قال: إي لعمري لقد أدركتهُ بعد الحجاب، قلتُ كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكنَّ يخالطنَ، كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرةً (١) من الرجال، لا تُخالطهم، فقالت امرأةٌ انطلقي نستلم\nيا أم المؤمنين، قالت: انطلقي عنكِ، وأبتْ، يَخْرُجْنَ متنكِّرات (٢)، بالليل\nفيطُفْنَ مع الرجال، ولكنهنَّ كُنَّ إذا دخلن البيت قُمنَ حتى يدخُلْنَ، وأُخرج الرجال (٣)، وكنتُ آتي عائشة أنا وعُبيد بن عُميرٍ وهي مجاورة في جوف ثبير (٤) قلت: وما حجابها؟ قال: هي في قُبَّة تركية (٥) لها غشاءٌ، وما بيننا وبينها غير ذلك، ورأيت عليها درعًا مُورَّدًا (٦») (٧).\n_________\n(١) حجرة: أي ناحية، منعزلة عن الرجال من ورائهم [انظر: فتح الباري لابن حجر ٣/ ٤٨١].\n(٢) متنكرات: متسترات [فتح الباري لابن حجر ٣/ ٤٨١].\n(٣) إذا دخلن البيت: المعنى إذا أردن دخول البيت أو الحِجر وقفن حتى يدخلن حال كون الرجال مخرجين منه [فتح الباري لابن حجر ٣/ ٤٨١].\n(٤) مجاورة في جوف ثبير: أي مقيمة فيه، وكأنها لم يتيسر لها مكان في المسجد الحرام تعتكف فيه فاتخذت ذلك [فتح الباري ٣/ ٤٨١].\n(٥) قبة تركية: هي قبة صغيرة من لبود تضرب في الأرض [فتح الباري ٣/ ٤٨١].\n(٦) درعًا موَّردًا: قميص لونه لون الورد [فتح الباري ٣/ ٤٨١].\n(٧) البخاري، كتاب الحج، باب طواف النساء مع الرجال برقم ١٦١٨.","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>المبحث السادس والعشرون: السعي بين الصفا والمروة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>أولًا: مفهوم الصفا والمروة: لغة، واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>الصفا لغة: </span>جمع صفاة، وهو الحجر العريض الأملس، أو الحجارة العريضة الملساء، أو العريض من الحجارة الملس (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>والصفا شرعًا: </span>مكان مرتفع في أصل جبل أبي قبيس من شعائر اللَّه، يتم السعي منه إلى المروة (٢)، وهو في جهة البيت الجنوبية الشرقية (٣)، جعله اللَّه تعالى من أعلام دينه الظاهرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ (٤). وقد تعبَّد اللَّه تعالى عباده بهذه الشعيرة، وأمر بتعظيمه؛ لأنه من شعائر اللَّه: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّه فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب﴾ (٥) (٦).\n_________\n(١) لسان العرب، لابن منظور، ١٤/ ٤٦٤، ومعجم البلدان، لياقوت الحموي، ٣/ ٤١١.\n(٢) انظر: القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، (ص ٢١٤)، ومعجم لغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص ٢٤٥.\n(٣) قال الحموي في معجم البلدان، ٣/ ٤١١: «الصفا مكان مرتفع من جبل أبي قُبيس، بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق، ومن وقف على الصفا كان بحذاء الحجر الأسود»، قلت: وهذا في عهد الحموي ﵀، وأما الآن فلم يبق للوادي أثر، بل أرض مبلّطة من البيت إلى الصفا. وقال الحجاوي في الإقناع،٢/ ١٣: «... الصفا ... وهو طرف جبل أبي قبيس».\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٥٨.\n(٥) سورة الحج، الآية: ٣٢.\n(٦) قال الأستاذ الدكتور عبد الملك بن عبد اللَّه بن دهيش في بحثه الموسوم بـ «الصفا والمروة: تاريخها، ومقترحات لتوسعة عرض المسعى، (ص٥): «... الصفا ... جبل صغير يبدأ منه السعي، وهو في الجهة الجنوبية مائلًا إلى الشرق على بعد نحو ١٣٠ متر من الكعبة المشرفة، والمراد به هنا: مكان عالٍ في أصل جبل أبي قبيس جنوب المسجد قريب من باب الصفا، وهو الآن شبيه بالمصلَّى طوله ستة أمتار، وعرضه ثلاثة، وارتفاعه نحو مترين».","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>المروة لغة: </span>واحدة المرو، وهي الحجارة البيض البرَّاقة، وقيل: حجر أبيض برَّاق، وقيل: هي التي تقدح منها النار، وحجر المرو هو الأبيض الصلب، ومروة المسعى التي تذكر مع الصفا، وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السعي إليهما (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>والمروة شرعًا: </span>مكان مرتفع في أصل جبل قعيقعان، من شعائر اللَّه، يتم السعي بينه وبين الصفا (٢)، وهو في جهة البيت العتيق الشرقية الشمالية، جعل اللَّه المروة من شعائر دينه الظاهرة، وتعبد اللَّه سبحانه عباده الحجاج والمعتمرين بالسعي بينها وبين الصفا (٣)، ولا يتم الحج ولا العمرة إلا بالسعي بينهما (٤).\n_________\n(١) لسان العرب، لابن منظور، ١٥/ ٢٧٦، ومعجم البلدان للحموي، ٥/ ١١٦، ومعجم لغة الفقهاء، ص ٣٩٢، والقاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، ص ٣٣٧.\n(٢) انظر: الإقناع لطالب الانتفاع، للحجاوي، ٢/ ١٥، ومعجم البلدان للحموي، ٥/ ١١٧، والقاموس الفقهي، لسعدي أبو جيب، ص ٣٣٧، ومعجم لغة الفقهاء، ص ٣٩٢.\n(٣) قال الحموي في معجم البلدان، ٥/ ١١٦: «وهي في جانب مكة الذي يلي قعيقعان» وقال الحجاوي في الإقناع لطالب الانتفاع، ٢/ ١٥: «المروة، وهي أنف قعيقعان».\n(٤) ذكر الأستاذ الدكتور عبد الملك بن عبد اللَّه بن دهيش في بحثه المشار إليه آنفًا: أن المروة تقع في الجهة الشرقية الشمالية على بعد نحو ٣٠٠ متر من الركن الشامي للكعبة المشرفة، وأنها مكان مرتفع في أصل جبل قعيقعان في الشمال الشرقي من المسجد الحرام، وهو شبيه بالمصلى، وطوله أربعة أمتار، في عرض مترين، وارتفاع مترين، وكان متصلًا بجبل قعيقعان، وقد أصبح المسعى بعد التجديدات السعودية في عهد الملك سعود بطول ٣٩٥مترًا وعرض ٢٠ مترًا.\nوفي فتاوى العلامة محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية ذكر في تقرير لجنة من العلماء والأخيار بتاريخ ٢٣/ ٩/١٣٧٤هـ أنهم نقلوا عن الإمام الشافعي عرض المسعى، فقال: «الظاهر أن التقدير لعرضه بخمسة وثلاثين أو نحوها على التقريب»، ونقل في القرار في هذه الفتوى: أن محمد بن عبد اللَّه الأزرقي قال في كتابه، ٢/ ٩٠: «وذرع ما بين العلم الذي على باب المسجد إلى العلم الذي بحذائه على باب دار العباس بن عبد المطلب وبينهما عرض المسعى خمسة وثلاثون ذراعًا ونصف ذراع». ونقلوا عن الإمام قطب الدين الحنفي في تاريخه المسمى بـ «الإعلام» أن عرض المسعى ستة وثلاثون ذراعًا ونصف». وقد اقترح بعض الناس على الملك سعود ﵀ في عام ١٣٧٧هـ إزالة وكسر صخر الصفا والمروة واستبدالها بجدار آخر الصفا وجدار آخر آخر المروة، فكتب مفتي السعودية محمد بن إبراهيم للملك: «أنه يتعين ترك الصفا والمروة على ما هما عليه ويسعنا ما وسع من قبلنا في ذلك».مجموع فتاوى ابن إبراهيم،٥/ ١٤٥، وما تقدم هو خلاصة ما في هذه الفتاوى، ٥/ ١٣٨ - ١٤٩.","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-644>ثانيًا: سبب مشروعية السعي بين الصفا والمروة:</span>\nعن ابن عباس ﵄ قال: أوَّل ما اتخذ النساء المِنْطَق (١)، من قِبلِ أم إسماعيل، اتخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة (٢)، ثم جاء [وفي رواية: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج] (٣) بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى [قدم مكة، فـ] (٤) وضعهما عند البيت عند دوحةٍ (٥) فوق الزمزم في أعلى المسجد (٦) وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما\nهنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسقاء فيه [وفي رواية: شنَّة فيها] (٧)\n_________\n(١) المنطق: وهو ما تشدُّ به المرأة وسطها عند عمل الأشغال؛ لترفع ثوبها؛ لئلا تعثر في ذيلها، وهو أيضًا النطاق جامع الأصول، لابن الأثير، ١/ ٣٢٠.\n(٢) لتعفي أثرها على سارة: أي لتخفيه عليها، بالترائي لها بزي الخادمة، مختصر البخاري حاشية الألباني، ٢/ ٤١٢.\n(٣) من طرف الحديث رقم ٣٣٦٥.\n(٤) من طرف الحديث عند البخاري برقم ٣٣٦٥.\n(٥) دوحة: الدوحة الشجرة العظيمة، وجمعها الدوح، جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٣٠٢.\n(٦) عند البيت: أي عند المكان الذي بني عليه البيت، وكذلك قوله: «في أعلى المسجد» أي مكان المسجد.\n(٧) من طرف الحديث رقم ٣٣٦٥.","vol":"1","page":392},{"text":"ماء (١) [فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدرُّ لبنها على صبيِّها] (٢)، ثم قفَّى (٣) إبراهيم منطلقًا [إلى أهله] فتبعته أم إسماعيل [حتى لمَّا بلغوا كداء نادته من ورائه] (٤) فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها [وفي رواية: إلى من تتركنا؟ قال: إلى اللَّه]، فقالت له: اللَّه أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، [وفي رواية: قالت: رضيت باللَّه]، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية (٥) حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت (٦)، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُون﴾ (٧). وجعلت أم إسماعيل تُرضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء [ويدرُّ لبنها] حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها فجعلت تنظر إليه يتلوَّى،\nأو قال: يتلبَّط (٨) [قالت: لو ذهبت فنظرت لعلِّي أحسُّ أحدًا] فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها،\n_________\n(١) شنة: الشنة: القربة البالية يكون فيها الماء، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٢.\n(٢) من طرف الحديث رقم ٣٣٦٥.\n(٣) قفى الرجل: إذا ولاَّك قفاه راجعًا عنك، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٢.\n(٤) كداء: بالفتح والمد: الثنية من أعلى مكة، مما يلي المقابر، وبالضم والقصر (كُدى) من أسفلها مما يلي باب العمرة، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٣.\n(٥) الثنية: الطريق في العقبة، وقيل: هو المرتفع من الأرض فيها، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٢.\n(٦) البيت: أي موضع البيت.\n(٧) سورة إبراهيم، الآية: ٣٧.\n(٨) التلبط: الاضطراب، والتقلب ظهرًا لبطن، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٢.","vol":"1","page":393},{"text":"فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، [ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل؟ (تعني الصبي) فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت، فلم تقرُّها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحسُّ أحدًا فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحدًا]، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: «فذلك سعي الناس بينهما»، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صهٍ (١)، تريد نفسها، ثم تسمَّعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث (٢)، [وفي رواية: فقالت: أغث إن كان عندك خير] فإذا هي بالمَلَك [وفي رواية: فإذا جبريل] عند موضع زمزم فبحث بعقبه [هكذا، وغمز عقبه على الأرض] أو قال: بجناحه - حتى ظهر الماء [فدهشت أم إسماعيل] فجعلت تُحوِّضه (٣) وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في\nسقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: «يرحم اللَّه أم إسماعيلَ لو تركت زمزم - أو قال: لوْ لم تغرفْ من زمزم [وفي رواية: لولا أنها عَجِلت] لكانت زمزم عينًا معينًا»، [وفي رواية: لو تركته\n_________\n(١) صهٍ: اسكت، وقوله: «تريد» تعني نفسها، معناه: لما سمعت الصوت سكتت نفسها لتتحققه، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٢.\n(٢) غواث: الغواث، والغياث، والغوث: المعونة، وإجابة المستغيث، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٢.\n(٣) تحوِّضه: أي تجعل له حوضًا يجتمع فيه الماء، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٢.","vol":"1","page":394},{"text":"كان الماء ظاهرًا] قال: فشربت [من الماء] وأرضعت ولدها [وفي رواية: ويدرُّ لبنها على صبيِّها] فقال لها الملَكُ: لا تخافوا الضَّيعة، فإن هاهنا بيت اللَّه يبني هذا الغلام وأبوه، وإن اللَّه لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرَّت بها رفقةٌ من جرهم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كَدَاء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرًا عائفًا (١) فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًّا أو جريَّتين (٢)، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء - فأقبلوا قال: وأم إسماعيل عند الماء - فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم، قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: «فألفى (٣) ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحبُّ الأنس» فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبَّ الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم (٤) وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوَّجوه\nامرأة منهم، وماتت أم إسماعيل [ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله إني مطَّلع تركتي] فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته (٥) فلم يجد\n_________\n(١) عائفًا: العائف: المتردد حول الماء، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٣.\n(٢) الجري: الرسول والوكيل، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٣.\n(٣) فألفى ذلك أم إسماعيل: أي وجد أمَّ إسماعيل [بالنصب على المفعولية]، وهي تحب جنسها [فتح الباري، ٦/ ٤٠٣].\n(٤) فأنفسهم: أي صار عندهم نفيسًا، مرغوبًا فيه، ١٠/ ٣٠٣.\n(٥) تركته: التركة بسكون الراء: ولد الإنسان، والتركة: اسم للشيء المتروك، جامع الأصول،\n١٠/ ٣٠٣.","vol":"1","page":395},{"text":"إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي (١) [وفي رواية: يصيد] لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشَرٍّ، ونحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك اقرئي ﵇ وقولي له يغيِّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس (٢) شيئًا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنَّا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غيِّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك فطلَّقها، وتزوج منهم امرأة أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللَّه ثم [إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله: إني مطَّلع تركتي، قال: فـ] أتاهم بعدُ فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي [وفي رواية: ذهب يصيد] لنا [فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟] قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بخير وسعةٍ، وأثنت على اللَّه - ﷿ -، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللَّهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي - ﷺ -: [بركةٌ بدعوة إبراهيم - ﷺ -] «ولم يكن لهم\nيومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه». قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ ومريه يُثَبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة - وأثنت عليه - فسألني عنك؟ فأخبرته، فسألني\n_________\n(١) يبتغي لنا: يطلب لنا الرزق ويسعى فيه، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٣.\n(٢) آنس شيئًا: أي أبصر شيئًا وأراد: كأنه رأى أثر أبيه وبركة قدومه، [جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٣].","vol":"1","page":396},{"text":"كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تُثْبِت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء اللَّه ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا (١) له تحت دوحةٍ قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن اللَّه أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتُعينني؟ [وفي رواية: إنه قد أمرني أن تعينني عليه] قال: وأعينُك، قال: فإن اللَّه أمرني أن أبني [له] هاهنا بيتًا - وأشار إلى أكمةٍ (٢) مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء [وضعف الشيخ عن نقل الحجارة] جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (٣). قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ\nالْعَلِيم﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>ثالثًا: شروط صحة السعي بين الصفا والمروة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>الشرط الأول: النية</span>، لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل\n_________\n(١) النبل: السهم قبل أن يركب فيه نصله وريشه وهو السهم العربي.\n(٢) أكمة: الأكمة: ما ارتفع من الأرض كالرابية، جامع الأصول، ١٠/ ٣٠٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٢٧.\n(٤) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: يزفون، برقم ٣٣٦٤، وما بين المعقوفات من الطرف، رقم ٣٣٦٥.","vol":"1","page":397},{"text":"امرئ ما نوى» (١)، فلا بد من أن يقصد أصل السعي، ولو نية مطلقة بدون تعيين، فلو دار بين الصفا والمروة؛ ليتابع مدينًا، أو يبحث عن طفلٍ مفقود تائهًا ولم ينوِ السعي، أو دار لغرض آخر لم يجزئه، ومن أهل العلم من قال لا بد من تعيين نية السعي، فينوي بأن هذا سعي العمرة، أو سعي الحج، وهذا أحوط للخروج من الخلاف (٢) (٣).\n_________\n(١) تقدم البحث في النية في الشرط التاسع من شروط الطواف، هل يلزم تعيين النية في جميع أعمال الحج، أم تكفي النية الأولى عند الإحرام، وبقي النية المطلقة بعد ذلك، فراجع هذا الشرط هناك.\n(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح العمدة، ٢/ ٦٣٨ - ٦٤٠، في بيان شروط السعي: «وبكل حال يشترط له ستة أشياء: أحدها نية السعي كما اشترطناها في الطواف. والثاني: استكمال سبعة أشواط تامة. الثالث: الترتيب، وهو أن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ... الرابع: الموالاة وذكر فيها روايتين للإمام أحمد: إن أتمه فلا بأس، وإن استأنف فلا بأس ... الخامس: أن يتقدمه طواف وفيه خلاف ... السادس: أن لا يتقدم على أشهر الحج [أي سعي الحج]».\n(٣) الصواب أن الطهارة من الحدث، والنجس، وستر العورة لا تشترط للسعي، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «أكثر أهل العلم يرون أن لا تشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة، وممن قال بذلك: عطاء، ومالك، والشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي» [المغني لابن قدامة،\n٥/ ٢٤٦]، وقال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم أن جمهور العلماء على أن السعي لا تشترط له طهارة الحدث، ولا الخبث، ولا ستر العورة، فلو سعى وهو محدث، أو جنب، أو سعت امرأة وهي حائض فالسعي صحيح، ولا يبطله ذلك، وممن قال به: الأئمة الأربعة، وجماهير أهل العلم. وقال الحسن: إن كان قبل التحلل تطهر وأعاد وإن كان بعده فلا شيء عليه [أضواء البيان، ٥/ ٢٤٩]، وذكر قول الحسن أيضًا ابن قدامة في المغني، ثم قال: «ولنا قول النبي - ﷺ - لعائشة حين حاضت: «اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت»؛ ولأن ذلك عبادة لا تتعلق بالبيت فأشبهت الوقوف، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: إذا طافت المرأة بالبيت ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة، ثم نفرت، وروي عن عائشة وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت، وصلت ركعتين، ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة، رواه الأثرم، والمستحب مع ذلك لمن قدر على الطهارة أن لا يسعى إلا متطهرًا، وكذلك يستحب أن يكون طاهرًا في جميع مناسكه؛ لأنها إذا لم تشترط الطهارة وهي آكد فغيرها أولى، وقد ذكر بعض أصحابنا رواية عن أحمد أن الطهارة في السعي كالطهارة في الطواف، ولا تعويل عليه» [المغني، ٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧]، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٥١.","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-647>الشرط الثاني: أن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة</span>؛ وهذا هو الترتيب، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجملة ذلك: أن الترتيب شرط في السعي، وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط، فإذا صار على الصفا اعتدَّ بما يأتي بعد ذلك؛ لأن النبي - ﷺ - بدأ بالصفا، وقال: «أبدأ بما بدأ اللَّه به» (١)، فبدأ بالصفا، وقد قال - ﷺ -: «لتأخذوا مناسككم» (٢)، وهذا قول الحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي وأصحاب الرأي، وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ\nاللَّهُ﴾ (٣). فبدأ بالصفا، وقال: «اتبعوا القرآن، فما بدأ اللَّه به فابدأوا به» (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>الشرط الثالث: أن يكون السعي بعد طواف صحيح</span>، قال الإمام ابن\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه من حديث جابر في حجة الوداع.\n(٢) مسلم، برقم ١٢٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٥٨.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٣٧.\n(٥) قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٥٠: «اعلم أن جمهور أهل العلم يشترطون الترتيب، وهو أن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط، وممن قال باشتراط الترتيب: مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، والحسن البصري، والأوزاعي، وداود، وجمهور العلماء، وعن أبي حنيفة خلاف في ذلك» اهـ. قلت وحجة الجمهور ما تقدم في المتن من الأدلة.\nوبين العلامة شيخنا ابن باز ﵀: أن من سعى سبعة أشواط ثم حلق أو قصر، ولكنه كان مبتدئًا بالمروة خاتمًا بالصفا فإنه على هذه الحال قد فاته شوط؛ لأنه لا يحسب له الذي بدأه من المروة، فيسقطه، ويكمل شوطًا ليكمل سعيه.","vol":"1","page":399},{"text":"قدامة: «والسعي تبع للطواف لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى قبله لم يصح، وبذلك قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقال عطاء يجزئه، وعن أحمد يجزئه إن كان ناسيًا، وإن كان عمدًا لم يجزئه سعيه؛ لأن النبي - ﷺ - لما سئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل، والنسيان، قال: «لا حرج» (١) ووجه الأول: أن النبي - ﷺ - إنما سعى بعد طوافه، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» (٢) (٣) (٤)، واختار شيخنا العلامة\n_________\n(١) أبو داود، كتاب المناسك، باب فيمن قدم شيئًا على شيء في حجه، برقم ٢٠١٥، وقال عنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٢٠١٥.\n(٢) مسلم، برقم ١٢٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) المغني لابن قدامة (٥/ ٢٤٠)، وقال: «فعلى هذا إن سعى بعد طوافه ثم علم أنه طاف بغير طهارة لم يعتد بسعيه ذلك». وانظر: كتاب الفروع لابن مفلح، ٦/ ٤٤، فقد ذكر ابن مفلح في الفروع عن أحمد ثلاث روايات، ٦/ ٤٤: وهي أن السعي لا يجزي قبل الطواف، وعنه بلا: سهوًا وجهلًا، وعنه مطلقًا: أي سواء كان متعمدًا أو ناسيًا.\n(٤) قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٥١: «اعلم أن جمهور أهل العلم على أن السعي لا يصح إلا بعد طواف، فلو سعى قبل الطواف لم يصح سعيه عند الجمهور، منهم الأئمة الأربعة، ونقل الماوردي وغيره الإجماع عليه، قال النووي في شرح المهذب: وحكى ابن المنذر عن عطاء وبعض أهل الحديث: أنه يصح، وحكاه أصحابنا عن عطاء، وداود، وحجة الجمهور: أن النبي - ﷺ - لم يسع في حج ولا عمرة إلا بعد الطواف، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» فعلينا أن نأخذ ذلك عنه - ﷺ -، واحتج من قال بصحة السعي قبل الطواف بما رواه أبو داود في سننه ... عن أسامة بن شريك» وفي حديثه: يا رسول اللَّه سعيت قبل أن أطوف ... فكان يقول: «لا حرج» [أبو داود، برقم ٢٠١٥] ثم صحح الشنقيطي إسناده، ونقل تصحيح النووي لإسناده، ثم قال: «وهذا الحديث الصحيح يقتضي صحة السعي قبل الطواف، وجماهير أهل العلم على خلافه، وأنه لا يصح السعي إلا مسبوقًا بطواف ...» قال النووي ﵀ في شرح المهذب: وهذا الحديث محمول على ما حمله عليه الخطابي في معالم السنن، ٢/ ٤٣٣، وغيره، وهو أن قوله: «سعيت قبل أن أطوف: أي سعيت بعد طواف القدوم، وقيل: طواف الإفاضة واللَّه أعلم» أضواء البيان، ٥/ ٢٥١ - ٢٥٢.","vol":"1","page":400},{"text":"ابن باز ﵀: أن الأحوط للمسلم أن لا يسعى إلا بعد طواف، إلا إذا نسي، أو أخطأ فلا حرج (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>الشرط الرابع: أن يكون السعي سبعة أشواط</span>؛ لأن النبي - ﷺ - سعى سبعة أشواط من الصفا إلى المروة؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «... قدم رسول اللَّه - ﷺ - فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعًا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) (٤) وقد قال النبي - ﷺ -: «لتأخذوا مناسككم ...» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>الشرط الخامس: استيعاب ما بين الصفا والمروة</span>؛ ليتيقن الوصول إليهما في كل شوط؛ لأن النبي - ﷺ - قطع جميع المسافة بين الصفا والمروة (٦).\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم أن جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة: مالك، وأحمد، والشافعي، وأصحابهم، على أنه يشترط في صحة السعي أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة في كل شوط، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه ...» ثم قال: «وحجة الجمهور أن المسافة\n_________\n(١) فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٣٩، و١٦/ ١٤٠، و١٧/ ١٧٥، ٣٣٦، ٣٤٠.\n(٢) واختار العلامة ابن عثيمين: أنه يشترط أن يتقدم السعي طواف، ويجب عليه إعادته، لو سعى قبل الطواف، هذا في العمرة، أم الحج فكأنه يرى ظاهر حديث أسامة بن شريك، وأنه خاص بالحج دون العمرة، وقال: «وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز مع النسيان أو الجهل، لا مع العلم والذكر»، الشرح الممتع، ٧/ ٣١٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٦٤٥، ومسلم، برقم ١٢٣٤.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٥) مسلم، برقم ١٢٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٦) انظر: منار السبيل، لابن ضويان، ١/ ٣٤٥، ومفيد الأنام، لابن جاسر، ١/ ٢٧٧.","vol":"1","page":401},{"text":"للسعي محدودة من الشارع، فالنقص عن الحد مبطل كما هو ظاهر» (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>الشرط السادس: أن يكون السعي في المسعى بين الصفا والمروة</span>؛ لأن النبي - ﷺ - سعى في هذا المكان، وهذا تشريع منه - ﷺ -، والعبادات توقيفية لا يجوز الزيادة عليها ولا النقصان إلا في حدود ما شرعه اللَّه ورسوله - ﷺ -.\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم أنه لا يجوز السعي في غير موضع السعي، فلو كان يمر من وراء المسعى، حتى يصل إلى الصفا والمروة من جهة أخرى لم يصح سعيه، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، وعن الشافعي في القديم: أنه لو انحرف عن موضع السعي انحرافًا يسيرًا أنه يجزئه.\nوالظاهر: أن التحقيق خلافه وأنه لا يصح السعي إلا في موضعه» (٣).\nومكان السعي من عهد إبراهيم ﵊، وسعي زوجته هاجر نقله الناس جيل عن جيل، إلى أن سعى النبي الخاتم محمد - ﷺ - بين الصفا والمروة، وشرع ذلك لأمته، ومعه من أصحابه في حجة الوداع أكثر من مائة ألف صحابي (٤) كلهم سعوا في الموضع الذي سعى فيه نبيهم\n_________\n(١) أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(٢) وقد بين الشنقيطي ﵀ مذهب أبي حنيفة في السعي، وأنه لو تركه كله، أو ترك أربعة أشواط منه فأكثر صح حجه وعليه دم، وإن ترك منه ثلاثة أشواط فأقل لزمه عن كل شوط نصف صاع، وحجة أبي حنيفة ومن وافقه كطاوس هي تغليب الأكثر على الأقل، مع جبر الأقل بالصدقة، قال العلامة الشنقيطي: «ولا أعلم مستندًا من النقل للتفريق بين الأربعة والثلاثة، ولا يجعل نصف صاع مقابل الشوط، والعلم عند اللَّه تعالى» أضواء البيان، ٥/ ٢٥٣.\n(٣) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ٥/ ٢٥٣.\n(٤) سيأتي إن شاءاللَّه أن عددهم قيل: بأنه مائة وثلاثون ألف، والعلم عند اللَّه تعالى.","vol":"1","page":402},{"text":"مقتدين به، وقد أمرهم وأمر مَن بعدهم إلى قيام الساعة بقوله - ﷺ -: «لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (١)، ثم نقل\nهؤلاء الصحابة ما أخذوه عن نبيهم - ﷺ - إلى من بعدهم، ونقله المسلمون قرنًا عن قرن بعضهم عن بعض إلى يومنا هذا (٢)، واللَّه ولي التوفيق (٣).\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) هذا آخر ما تيسر النظر في دليله من الشروط، وقد ذكر عبد اللَّه الجاسر في مفيد الأنام، ١/ ٢٧٧: «أن شروط السعي تسعة: إسلام، وعقل، ونية معينة، وموالاة، ومشي القادر، وتكميل السبع، واستيعاب ما بين الصفا والمروة، وكونه بعد طواف صحيح ولو مسنونًا، وبدء بأوتار من الصفا وأشفاع من المروة». وقال: «وسننه: طهارة حدث وخبث، وستر عورة، وذكر، ودعاء، وإسراع ومشي في مواضعه، ورقي، وموالاة بينه وبين طواف ...». وانظر أيضًا منار السبيل،\n١/ ٣٤٥، ولكن بعض هذه الشروط فيه نظر، ويحتاج دليل.\n(٣) وقد قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٣٤: «ويستحب أن يخرج إلى الصفا من بابه، فيأتي الصفا، فيرقى عليه حتى يرى الكعبة، ثم يستقبلها فيكبر اللَّه - ﷿ -، ويهلله ويدعو بدعاء النبي - ﷺ - وما أحب من خير الدنيا والآخرة» المغني، ٥/ ٢٣٤، وقال ابن قدامة في الشرح الكبير: «يجب عليه أن يستوعب ما بين الصفا والمروة، فيلصق عقبيه بأسفل الصفا، ثم يسعى إلى المروة، فإن لم يصعد عليها ألصق أصابع رجليه بأسفل المروة، والصعود عليهما أولى، اقتداء بفعل النبي - ﷺ -، فإن ترك مما بينهما شيئًا ولو ذراعًا لم يجزئه حتى يأتي به، وحكم المرأة في ذلك حكم الرجل إلا أنها لا ترقى لئلا تزاحم الرجال؛ ولأنه أستر لها». الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٩/ ١٢٨، هذا كلام الحنابلة في الطول، ولم يذكروا تحديد العرض.\nوقال النووي في المجموع شرح المهذب، ٨/ ٧٦: «فرع» قال الشافعي والأصحاب: لا يجوز السعي في غير موضع السعي، فلو مر وراء موضع السعي في زقاق العطارين أو غيره لم يصح سعيه؛ لأن السعي مختص بمكان فلا يجوز فعله في غيره كالطواف، قال أبو علي البندنجي في كتابه «الجامع»: موضع السعي بطن الوادي، قال الشافعي في القديم: فإن التوى شيئًا يسيرًا أجزأه، وإن عدل حتى يفارق الوادي المؤدي إلى زقاق العطارين لم يجز، وكذا قال الدارمي: إن التوى في السعي يسيرًا جاز، وإن دخل المسجد أو زقاق العطارين فلا. واللَّه أعلم. انتهى.\nوقال شمس الدين محمد الرملي الشافعي المتوفى سنة ١٠٠٤هـ في «نهاية المحتاج» شرح المنهاج، ٣/ ٢٨٣ ما نصه: ولم أر في كلامهم ضبط عرض المسعى، وسكوتهم عنه لعدم الاحتياج إليه، فإن الواجب استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة كل مرة، ولو التوى في سعيه عن محل السعي يسيرًا لم يضر كما نص عليه الشافعي - ﵁ -. انتهى.\nوفي «حاشية تحفة المحتاج» شرح المنهاج، ٤/ ٩٨ ولما ذكر النص الذي ذكره صاحب المجموع عن الإمام الشافعي قال: الظاهر أن التقدير لعرضه بخمسة وثلاثين أو نحوها على التقريب، إذ لا نص فيه يحفظ من السنة، فلا يضر الالتواء اليسير لذلك، بخلاف الكثير فإنه يخرج عن تقدير العرض ولو على التقريب.\nأما كلام المؤرخين فقد ذكر أبو الوليد محمد بن عبد اللَّه الأزرقي، ٢/ ٩٠ ما نصه بالحرف: وذرع ما بين العلم الذي على باب المسجد إلى العلم الذي بحذائه على باب دار العباس بن عبد المطلب وبينهما عرض المسعى خمسة وثلاثون ذراعًا ونصف ذراع، ومن العلم الذي على باب دار العباس إلى العلم الذي عند دار ابن عباد الذي بحذاء العلم الذي في حد المنارة وبينهما الوادي مائة ذراع وإحدى وعشرين ذراعًا. انتهى.\nوقال الإمام قطب الدين الحنفي في صحيفة ١٠١ في تاريخه المسمى بـ «الأعلام» لما ذكر قصة تعدي ابن الزمن على اغتصاب البعض من عرض المسعى في سلطنة الملك الأشرف قاينباي المحمودي إلى أن قال: قاضي مكة وعلماؤها أنكروا عليه، وقالوا له في وجهه: إن عرض المسعى كان خمسة وثلاثين ذراعًا، وأحضر النقل من تاريخ الفاكهي وذرعوا من ركن المسجد إلى المحل الذي وضع فيه ابن الزمن أساسه فكان سبعة وعشرين ذراعًا.\nوقال باسلامه في تاريخه «عمارة المسجد الحرام» صحيفة ٢٩٩: ذرع ما بين العلم الذي على باب المسجد إلى المسجد إلى العلم الذي بحذائه على دار العباس بن عبد المطلب وبينهما عرض المسعى ستة وثلاثون ذراعًا ونصف، ومن العلم الذي على باب دار العباس إلى العلم الذي عند دار ابن عباس الذي بحذاء العلم الذي في حد المنارة وبينهما الوادي مائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعًا. انتهى. نقل عن مجموع فتاوى مفتي الديار السعودية العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، ٥/ ١٤١ - ١٤٢.\nوقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ حول اقتراح بعض الناس بتأليف لجنة من العلماء لبيان مبدأ السعي ومنتهاه في الصفا والمروة، وذلك بأن يكسر صخر الصفا والمروة، ولا يبقى درج مطلقًا، بل يبقى جدار سميك فقط في آخر الصفا، وجدار آخر ينتهي في آخر المروة يبدأ السعي منه وينتهي إليه، معللًا ذلك بتيسير حصول السعي في العربات على استكمال السعي بين الصفا والمروة:\n«وبعد تأمل الاقتراح المذكور ظهر لنا أنه يتعين ترك الصفا والمروة على ما هما عليه أولًا. ويسعنا ما وسع من قبلنا في ذلك، ولو فتحت أبواب الاقتراحات في المشاعر لأدى ذلك إلى أن تكون في المستقبل مسرحًا للآراء، وميدانًا للاجتهادات، ونافذة يولج منها لتغيير المشاعر وأحكام الحج، فيحصل بذلك فساد كبير. ولا ينبغي أن يلتفت إلى أماني بعض المستصعبين لبعض أعمال الحج واقتراحاتهم، بل ينبغي أن يعمل حول ذلك البيانات الشرعية بالدلائل القطعية المشتملة على مزيد الحث والترغيب في الطاعة والتمسك بهدي رسول اللَّه - ﷺ - وسنته في المعتقدات والأعمال، وتعظيم شعائر اللَّه ومزيد احترامها، في ٤/ ٥/١٣٧٧هـ. مجموع فتاوى ابن إبراهيم، ٥/ ١٤٦ - ١٤٧.","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-652>رابعًا: السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة:</span>\nالسعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، ومن أركان العمرة، والصفا والمروة من أعلام دين اللَّه الظاهرة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ (١). والصواب أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة، لا يصح واحد منهما بدونه، للأدلة الكثيرة الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>١ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ </span>(٢). فتصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر اللَّه يدل على أن السعي بينهما أمر حتم لا بد منه؛ لأن شعائر اللَّه عظيمة لا يجوز التهاون بها، وقد أشار الإمام البخاري في صحيحه إلى أن كونهما من شعائر اللَّه يدل على ذلك، قال ﵀: «بابٌ: وجوب الصفا والمروة، وجُعِلَ من شعائر اللَّه: أي وجوب السعي بينهما مستفاد من كونهما جُعِلا من شعائر اللَّه، قاله ابن المنير في الحاشية» (٣).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٨، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٣١.\n(٣) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني،٣/ ٤٩٧ - ٤٩٨،وانظر: أضواء البيان، ٥/ ٢٣١.","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-654>٢ - أن النبي - ﷺ - طاف في حجه وعمرته بين الصفا والمروة سبعًا</span>، وقد دلَّ على أن ذلك لا بد منه دليلان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>الدليل الأول: </span>أن سعي النبي - ﷺ - بين الصفا والمروة بيان لما أجمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾، وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي - ﷺ - إذا كان لبيان نص مجمل من كتاب اللَّه أن ذلك الفعل يكون لازمًا، والدليل على أن فعله بيانًا للآية هو قوله - ﷺ -: «نبدأ بما بدأ اللَّه به» (١). يعني الصفا؛ لأن اللَّه بدأ به في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية. وفي رواية: «أبدأ» (٢)، بهمزة المتكلم، وفي رواية عند النسائي: «ابدأوا بما\nبدأ اللَّه به» (٣) بصيغة الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>الدليل الثاني: </span>أن النبي - ﷺ - قال: «لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (٤).\nولفظ البيهقي: «خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا» (٥).\n_________\n(١) النسائي، المناسك، باب القول بعد ركعتي الطواف، من حديث جابر، برقم ٢٩٦١، وصححه الألباني في صحيح النسائي، برقم ٢٩٦١، ٢/ ٣٣٠.\n(٢) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) الدارقطني، ٢/ ٢٥٤، وقال النووي في شرح صحيح مسلم، ٨/ ٤٢٧: «وفي رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد صحيح، أن النبي - ﷺ - قال: «ابدأوا بما بدأ اللَّه به» هكذا بصيغة الجمع» ولم أجد هذا اللفظ في سنن النسائي الصغرى، ولا في الكبرى، إلا أن المحقق لسنن النسائي الكبرى أشار في الهامش إلى أنها في نسخة (ت) من النسخ التي رجع إليها، سنن النسائي الكبرى، بتحقيق عبد المنعم شلبي، ٤/ ١٤٢، ولكن العلامة الألباني ذكر أن هذا اللفظ شاذ. انظر: إرواء الغليل، ٤/ ٣١٨.\n(٤) مسلم، برقم ١٢١٨ وتقدم تخريجه.\n(٥) سنن البيهقي الكبرى، ٥/ ١٢٥.","vol":"1","page":406},{"text":"وقد طاف - ﷺ - بين الصفا والمروة سبعًا فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك من مناسكنا، ولو تركناه لكنا مخالفين أمره بأخذه عنه، واللَّه تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ (١).\nوطواف النبي - ﷺ - بين الصفا والمروة ثابت بالروايات الصحيحة الكثيرة المعروفة، ومنها حديث ابن عمر المتفق على صحته (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>٣ - حديث عائشة ﵂</span>، قال عروة: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فواللَّه ما على أحد جناح\nأن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أوَّلتها عليه كانت لا جُناح عليه أن لا يتطوَّف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل (٣)، فكان من أهلَّ يتحرَّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول اللَّه - ﷺ - عن ذلك، قالوا: يا رسول اللَّه إنَّا كنَّا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: وقد سنَّ رسول اللَّه - ﷺ - الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرتُ أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لَعِلمٌ ما كنتُ سمعته، ولقد سمعت\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(٢) أضواء البيان، ٥/ ٢٣٢.\n(٣) قالت عائشة في صحيح البخاري، آخر الحديث رقم ٤٨٦١: «ومناة: صنم بين مكة والمدينة).","vol":"1","page":407},{"text":"رجالًا من أهل العلم يذكرون أن الناس - إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهلُّ بمناة - كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر اللَّه تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول اللَّه، كنَّا نطوف بالصفا والمروة، وإن اللَّه أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوَّف بالصفا والمروة؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قال أبو بكر، فأسْمَع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرَّجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرَّجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن اللَّه تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا،\nحتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت» (١). وفي لفظ للبخاري: أن عائشة ﵂ قالت: «ما أتم اللَّه حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة» (٢). وفي رواية مسلم: عن عروة عن عائشة، قال: قلت لها: إني لا أظنّ رجلًا لو لم يطف بين الصفا والمروة ما ضره؟ قالت: لِمَ؟ قلت: لأن اللَّه يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ إلى آخره، فقالت: ما أتمَّ اللَّه حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، ولو كان كما تقول لكان: «فلا جناح عليه أن لا يطوَّف بهما ...» الحديث (٣) (٤).\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٦٤٣.\n(٢) البخاري، برقم ١٧٩٠.\n(٣) مسلم، برقم ١٢٧٧.\n(٤) مسلم، برقم ٢٦٣ - (١٢٧٧).","vol":"1","page":408},{"text":"وفي رواية لمسلم: «... فلعمري ما أتمَّ اللَّه حج من لم يطف بين الصفا والمروة» (١).\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «فهذه الروايات في الصحيحين عن عائشة فيها الدلالة الواضحة على أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا بد منه، وفيها النص الصريح الصحيح على أن السعي لا بد منه، وأن من لم يسعَ لم يتم له حج ولا عمرة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>٤ - حديث حبيبة بنت أبي تجزية</span>، وفيه: أن النبي - ﷺ - قال لأصحابه: «اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>٥ - حديث عائشة ﵂ </span>وفيه أن النبي - ﷺ - قال لها: «يُجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجتك وعمرتك» (٤). فيفهم من هذا الحديث أنها لو لم تطف بين الصفا والمروة لم يحصل لها إجزاء عن حجها وعمرتها (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>٦ - حديث أبي موسى - ﵁ </span>-، قال: «بعثني النبي - ﷺ - إلى قومي باليمن،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة، وجُعِل من شعائر اللَّه، برقم ١٦٤٣، وكتاب العمرة، باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج، برقم ١٧٩٠، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، برقم ١٢٧٧.\n(٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ٥/ ٢٣٧.\n(٣) أحمد، ٦/ ٤٢١، والحاكم، ٤/ ٧٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٦٩، وتقدم تخريجه في أركان الحج.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، برقم ١٣٣ - (١٢١١).\n(٥) أضواء البيان، ٥/ ٢٤٧.","vol":"1","page":409},{"text":"فجئت وهو بالبطحاء، فقال: «بما أهللت؟» قلت: أهللت كإهلال النبي - ﷺ -، قال: «هل معك من هدي؟» قلت: لا، فأمرني فطفت بالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللت ...». وفي لفظ للبخاري: قال أبو موسى: قدمت على رسول اللَّه - ﷺ - وهو بالبطحاء، فقال: «أحججت؟» قلت: نعم، قال: «بما أهللت؟) [قال] قلت: لبيك بإهلالٍ كإهلال النبي - ﷺ -، قال: «أحسنت، انطلق فطف بالبيت وبالصفا والمروة ...». وفي لفظ للبخاري: «أحسنت، طف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم أحلَّ» فطفت بالبيت وبالصفا والمروة. وفي لفظ للبخاري، قال أبو موسى - ﵁ -: «بعثني رسول اللَّه - ﷺ - إلى أرض\nقومي، فجئت ورسول اللَّه - ﷺ - منيخٌ بالأبطح ...» (١) الحديث.\nفقول النبي - ﷺ -: «طف بالبيت، وبالصفا والمروة» أمر صريح منه - ﷺ - بلزوم السعي بين الصفا والمروة، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب ما لم يقم دليل صارف عن ذلك.\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «الطواف بالصفا والمروة أمر لازم، وفرض ... وهو ركن من أركان الحج ...» (٢) (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من أهل في زمن النبي - ﷺ -، كإهلال النبي - ﷺ -، برقم ١٥٥٩، وباب الذبح قبل الحلق، برقم ١٧٢٤، وكتاب العمرة، باب متى يحل المعتمر، برقم ١٧٩٥، وكتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن، برقم ٤٣٤٦، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز تعليق الإحرام، وهو أن يحرم بإحرام كإحرام فلان فيصير محرمًا بإحرام مثل إحرام فلان، برقم ١٢٢١.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٧٢٤، والحديث رقم ١٧٩٠.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في السعي بين الصفا والمروة في الحج، والعمرة، هل هو ركن من أركان الحج والعمرة لا يجبر بدم، أو هو واجب بجبر بدم، أو هو سنة لا يلزم بتركه دم، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن السعي بين الصفا والمروة: ركن من أركان الحج، والعمرة، وقال به مالك، والشافعي، وأصحابهما، وأم المؤمنين عائشة، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وهو رواية عن أحمد، قال الإمام النووي ﵀: «مذهب جماهير العلماء: من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج ولا يصح إلا به، ولا يجبر بدم ولا غيره، وممن قال بهذا: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور ...»، شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ٢٤، أما عزوه لأحمد، فهو إحدى الروايات عنه.\nوقال الإمام ابن قامة ﵀: «واختلفت الرواية في السعي، فروي عن أحمد: أنه ركن لا يتم الحج إلا به، وهو قول عائشة، وعروة، ومالك، والشافعي ...) المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٣٨، واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة التي ذكرتها في متن هذا البحث.\nالقول الثاني: أن السعي بين الصفا والمروة واجب يجبر بدم، قال الإمام النووي ﵀: «وقال أبو حنيفة: هو واجب، فإن تركه عصى، وجبره بالدم، وصح حجه»، شرح النووي، على صحيح مسلم، ٩/ ٢٥، وقال العلامة الشنقيطي: «وممن قال: إنه واجب يجبر بدم: أبو حنيفة، وأصحابه، والحسن، وقتادة، والثوري، وبه قال القاضي من الحنابلة، وذكره النووي رواية عن أحمد، وقد رواه ابن القصار من المالكية، عن القاضي إسماعيل، عن مالك، وقال ابن قدامة في المغني: إنه أولى، وذكر النووي عن طاوس أنه قال: من ترك من السعي أربعة أشواط لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع، وليس هو بركن، ثم قال: وهو مذهب أبي حنيفة ... وما قاله النووي: إنه مذهب أبي حنيفة: مِنْ أن ترك أقل السعي فيه صدقة بنصف صاع عن كل شوط عزاه شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق، شرح كنز الدقائق للحاكم الشهيد في مختصره المسمى الكافي.\nومعلوم أن مذهب أبي حنيفة في طواف الإفاضة: أن من ترك منه ثلاثة أشواط فأقل فعليه دم، وحجه صحيح، وتفريقه بين الأقل والأكثر في الطواف الذي هو ركن يدل على التفريق بينهما في السعي». أضواء البيان، ٥/ ٢٣٠.\nوقال الإمام ابن قدامة: «وقال القاضي: هو واجب، وليس بركن، إذا تركه وجب عليه دم، وهو مذهب الحسن وأبي حنيفة، والثوري، وهو أولى؛ لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب، لا كونه لا يتم الحج إلا به، وقول عائشة في ذلك مُعارض بقول من خالفها من الصحابة ...»، المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٣٩.\nوحجة هؤلاء الذين قالوا: إن السعي واجب يجبر بدم، هي أن النبي - ﷺ - طاف بينهما، فدل ذلك على أن الطواف بينهما نسك، وفي الأثر المروي عن ابن عباس: «من ترك نسكًا فعليه دم» الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٤٩.\nالقول الثالث: أن السعي بين الصفا والمروة: سنة لا يلزم بتركه دم. أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٣٠.\nقال الإمام النووي: «وقال بعض السلف تطوع» شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ٢٥.\nوقال الإمام ابن قدامة: «وروي عن أحمد أنه سنة لا يجب بتركه دم، رُوي ذلك عن ابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وابن سيرين؛ لقوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ونفي الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه؛ فإن هذا رتبة المباح، وروي أن في مصحف أبي وابن مسعود (فلا جناح عليه أن لا يطوَّف بهما) وهذا إن لم يكن قرآنًا فلا ينحط عن رتبة الخبر؛ لأنهما يرويانه عن النبي - ﷺ -، ولأنه نسك ذو عدد لا يتعلق بالبيت، فلم يكن ركنًا كالرمي» المغني، ٥/ ٢٣٩.\nوقال العلامة الشنقيطي ﵀: «وأما حجة الذين قالوا: إنه سنة لا يجب بتركه شيء فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّه فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّه شَاكِرٌ عَلِيم﴾. قالوا: فرفع الجناح في قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. دليل قرآني على عدم الوجوب، كما قاله عروة بن الزبير، لخالته أم المؤمنين عائشة ﵂» أضواء البيان، ٥/ ٢٤٧، ثم ردَّ عليهم الشنقيطي ﵀، بجواب عائشة ﵂ لابن الزبير، وأن قراءة أبي وابن مسعود للآية لم تثبت قرآنًا لإجماع الصحابة على عدم كتبها في المصاحف العثمانية، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّه شَاكِرٌ عَلِيم﴾ لا دليل فيه على أن السعي تطوع وليس بفرض؛ لأن التطوع المذكور في الآية راجع إلى نفس الحج والعمرة، لا إلى السعي، لإجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع والعلم عند اللَّه تعالى» أضواء البيان، ٥/ ٢٤٩.\nوالصواب القول الأول قول جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة، لا يتم الحج ولا العمرة إلا بهما، لما تقدم من الأدلة الصحيحة الصريحة في متن هذه الرسالة.\nقال شيخنا ابن باز ﵀ في حكم السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة: «ركن من أركان الحج والعمرة؛ لقوله ﵊: «خذوا عني مناسككم»، مسلم بنحوه، برقم ١٢٩٧، والبيهقي بلفظه، ٥/ ١٢٥، وفعله يفسر قوله، وقد سعى في حجه وعمرته ﵊»، مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٣٣٥، وقد ذكر الإمام العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجنكي الشنقيطي ﵀ أدلة الأقوال بالتفصيل، وذكر أدلة الجمهور على أن السعي ركن في الحج والعمرة فأجاد وأفاد غفر اللَّه له. انظر: أضواء البيان، ٥/ ٢٢٩ - ٢٤٩.","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-661>خامسًا: صفة السعي بين الصفا والمروة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>١ - ثم بعد صلاته ركعتين خلف المقام </span>ورجوعه إلى الحجر واستلامه، يخرج إلى المسعى فيتجه إلى الصفا، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ (١) «أبدأ بما بدأ اللَّه به» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>٢ - ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت فيستقبل القبلة </span>فيوحد اللَّه\nويكبره [ويحمده] (٣) ويقول: «[اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر] (٤) [لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد] [يحيي ويميت] (٥) وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده [لا شريك له] (٦) أنجز وعده، ونصر\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٨.\n(٢) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه من حديث جابر - ﵁ -.\n(٣) زادها ابن ماجه، برقم ٣٠٧٤، من حديث جابر - ﵁ - وفيه: «فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت، فكبر اللَّه، وهلَّله، وحمده، وقال: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، فمشى حتى إذا انصبَّت قدماه رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعدتا - يعني قدماه - مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا ...» ابن ماجه، كتاب المناسك، باب حجة رسول اللَّه - ﷺ -، برقم ٣٠٧٤، وحسن إسناده الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٤٩.\n(٤) زيادة النسائي، فعن جابر - ﵁ - «أن رسول اللَّه - ﷺ - كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثًا ...» الحديث، النسائي، كتاب مناسك الحج، باب التكبير على الصفا، برقم ٢٩٧٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٣٤، وأخرجه أحمد في المسند، ٣/ ٣٨٨.\n(٥) زيادة النسائي، برقم ٢٩٧٤، في كتاب المناسك، باب الذكر والدعاء على الصفا، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٣٤، وكذلك زادها ابن ماجه، برقم ٣٠٧٤، وتقدم تخريجه.\n(٦) زيادة ابن ماجه، برقم ٣٠٧٤، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":413},{"text":"عبده، وهزم الأحزاب وحده» (١).\nويرفع يديه بما تيسر من الدعاء (٢) ويكرِّر هذا الذكر والدعاء ثلاث\nمرات يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>٣ - ثم ينزل من الصفا إلى المروة فيمشي حتى يصل إلى العلم الأخضر الأول </span>فيسعى الرجل سعيًا شديدًا إن تيسر له الركض، ولا يؤذي أحدًا؛ لحديث علي - ﵁ -: «أنه رأى رسول اللَّه - ﷺ - يسعى بين الصفا والمروة في المسعى كاشفًا عن ثوبه قد بلغ إلى ركبتيه» (٣).\nوفي حديث جابر - ﵁ -: «حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى» (٤).\nوأما المرأة فلا ترمل في الطواف بالبيت ولا في السعي بين الصفا والمروة، بإجماع أهل العلم، وذلك؛ لأنها عورة وقد تنكشف عورتها في\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه من حديث جابر - ﵁ -.\n(٢) أبو داود، كتاب المناسك، باب في رفع اليدين إذا رأى البيت، برقم ١٨٧٢ عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: «أقبل رسول اللَّه - ﷺ - فدخل مكة، فأقبل رسول اللَّه - ﷺ - إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت، ثم أتى الصفا فعلاه، حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر اللَّه ما شاء أن يذكره ويدعوه ...».\nوصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٢٣. ورواه مسلم في كتاب المغازي، باب فتح مكة، برقم ١٧٨٠، وفيه: «فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد اللَّه ويدعو ما شاء اللَّه أن يدعو».\n(٣) أحمد في المسند، ٢/ ٣٤، برقم ٥٩٧، وقال محققو المسند، ٢/ ٣٤: «إسناده حسن».\n(٤) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":414},{"text":"الرمل، وقد تزاحم الرجال؛ ولهذا لا يشرع لها الرمل، وإنما تمشي متستِّرة في الطواف بالبيت، وفي السعي بين الصفا والمروة (١).\nفإذا وصل إلى العَلَم الأخضر الثاني مشى كعادته حتى يصل إلى المروة، فيرقى عليها [حتى يرى البيت] (٢). ويستقبل القبلة، ويرفع يديه\nفي دعائه، ويقول ويفعل كما قال وفعل على الصفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>٤ - ثم ينزل من المروة إلى الصفا فإذا وصل العلم الأول سعى بينه </span>وبين الثاني سعيًا شديدًا (٣)، فإذا جاوز العلم الثاني مشى كعادته إلى أن يصل إلى الصفا، فإذا وصل قال وفعل كما قال وفعل أول مرة، وهكذا على المروة حتى يُكمِّل سبعة أشواط: ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، ويقول في سعيه ما أحب من ذكر ودعاء، ويكثر من ذلك، وإن دعا في السعي في بطن الوادي بين الميلين الأخضرين بقوله: «رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم» فلا بأس؛ لثبوت ذلك عن ابن عمر وعبد اللَّه بن مسعود - ﵃ - (٤).\n_________\n(١) قال ابن المنذر في الإجماع، ص ٦١: «وأجمعوا على أن لا رمل على النساء حول البيت ولا في السعي بين الصفا والمروة».\n(٢) لا يمكن أن يراه الآن؛ لأن الجدران حالت دونه، وقد رقى النبي - ﷺ - عل المروة حتى بدا له البيت، ففي حديث جابر عند النسائي، في كتاب مناسك الحج، باب الذكر والدعاء على الصفا، برقم ٢٩٧٤، وفيه: «... ثم نزل ماشيًا حتى تصوَّبت قدماه في بطن المسيل، فسعى حتى صعدت قدماه، ثم مشى حتى أتى المروة فصعد فيها، ثم بدا له البيت فقال: لا إله إلا اللَّه ...» الحديث. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٣٣٤.\n(٣) كتاب الفروع، للعلامة محمد بن مفلح، ٦/ ٤٣.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة، ٤/ ٦٨، والبيهقي، ٥/ ٩٥، والطبراني في الدعاء، برقم ٨٧٠، وصححه الألباني موقوفًا في حجة النبي - ﷺ -، ص ١٢٠.","vol":"1","page":415},{"text":"ويستحب أن يكون متطهرًا من الأحداث والأخباث، ولو سعى على غير طهارة أجزأه ذلك، وهكذا المرأة لو حاضت أو نفست بعد الطواف سعت وأجزأها ذلك؛ لأن الطهارة ليست شرطًا في السعي وإنما هي مستحبة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>٥ - فإذا أتمَّ سبعة أشواط مبتدئًا بالصفا خاتمًا بالمروة </span>حلق أو قصر\nرأسه إن كان رجلًا معتمرًا، أو متمتعًا، وإن كانت امرأة فإنها تقصر من كل قرن قدر أنملة، والأنملة هي: (رأس الأصبع). وإذا كان وقت الحج قريبًا وكانت المدة بين العمرة والحج قصيرة بحيث لا يطول فيها الشعر، فإن الأفضل في حقه التقصير؛ ليحلق بقية رأسه في الحج؛ لأن النبي - ﷺ - لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يقصر ويحل (٢)، ولم يأمرهم بالحلق، ولا بد في التقصير من تعميم الرأس ولا يكفي تقصير بعضه، كما أن حلق بعض الرأس لا يكفي، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير، ولا تأخذ زيادة على قدر الأنملة.\nفإذا فعل المحرم ما ذُكِر فقد تمت عمرته وحلَّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام، إلا أن يكون قارنًا أو مفردًا قد ساق الهدي من الحل؛ فإنه يبقى على إحرامه حتى يحل من الحج والعمرة جميعًا بعد التحلل الأول يوم النحر.\nفإذا لم يكن مع القارن أو المفرد هدي فالأفضل في حقه أن يجعلها عمرة ويفعل ما يفعله المتمتع. ويكون بهذا متمتعًا عليه ما على المتمتع؛ لقول النبي\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٦٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٦٩١، ومسلم، برقم ١٢٢٧، وتقدم تخريجه في واجبات الحج.","vol":"1","page":416},{"text":"- ﷺ - في آخر طوافه على المروة: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. فحل الناس كلهم وقصَّروا، إلا النبي - ﷺ - ومن كان معه هدي» (١).\nوإذا حاضت المرأة أو نفست بعد إحرامها بالعمرة قبل أن تطوف بالبيت ولم تطهر حتى يوم التروية أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمة فيه، وتعتبر بذلك قارنة بين الحج والعمرة، وتفعل ما يفعله الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل؛ لقوله - ﷺ - لعائشة لما حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٢). فإذا طهرت طافت بالبيت وبين الصفا والمروة طوافًا واحدًا، وسعيًا واحدًا وأجزأها ذلك عن حجها وعمرتها جميعًا (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وإذا سعى على غير وضوء بين الصفا والمروة، برقم ١٦٥١، وفي باب التمتع والقران، والإفراد بالحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي، برقم ١٥٦٨، وأطرافه في البخاري، برقم ١٥٥٧، ١٥٦٨، ١٥٧٠، ١٦٥١، ١٧٨٥، ٢٥٠٦، ٤٣٥٢، ٧٢٣٠، ٧٣٦٧، ومسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ - برقم ١٢١٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٦٥٠، ومسلم، برقم ١٢٠ - (١٢١١)، وتقدم تخريجه في صفة دخول مكة.\n(٣) انظر التفصيل في زاد المعاد لابن القيم ﵀، ٢/ ١٦٦ - ١٧٧.","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>المبحث السابع والعشرون: أعمال الحج يوم الثامن (يوم التروية)</span>\n١ - إذا كان يوم التروية (١) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة استحب للذين أحلوا بعد العمرة، وهم المتمتعون أن يحرموا بالحج ضُحَى من مساكنهم، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة، فعن جابر - ﵁ - قال: «أمرنا النبي - ﷺ - لما أحللنا أن نحرِم إذا توجَّهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح» (٢).\nأما القارن والمفرد الذين لم يحلوا من إحرامهم فهم باقون على إحرامهم الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>٢ - يستحب الاغتسال، والتنظف، والتطيب</span>، وأن يفعل ما فعل عند إحرامه من الميقات (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>٣ - ينوي الحج بقلبه ويلبي قائلًا: «لبيك حجًا» </span>وإن كان خائفًا من عائق يمنعه من إتمام حجه اشترط فقال: «فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني» (٤).\nوإن كان حاجًا عن غيره نوى بقلبه ثم قال: لبيك حجًا عن فلانٍ، أو\nعن فلانة، أو عن أم فلان إن كانت أنثى، ثم يستمر في التلبية «لبيك\n_________\n(١) سُمِّي يوم التروية؛ لأنهم كانوا يتروّون من الماء، يُعدُّونه ليوم عرفة، المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٦٠.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوب الإحرام، برقم ١٢١٤.\n(٣) تقدمت الأدلة على ذلك كله في مبحث الإحرام، وما يفعله مريد العمرة أو الحج عند الميقات، وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٦١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٠٨٩، ومسلم، برقم ١٢٠٧، وتقدم تخريجه، في مبحث الإحرام.","vol":"1","page":418},{"text":"اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (١).\nوإن زاد: «لبيك إله الحق لبيك» فحسن لثبوت ذلك عن النبي - ﷺ - (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>٤ - يستحب التوجه إلى منى قبل الزوال والإكثار من التلبية</span>؛ لحديث جابر - ﵁ -، وفيه: «فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فأهلُّوا بالحج، وركب رسول اللَّه - ﷺ -، فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس ...» (٣).\nوعن ابن عمر ﵄: «أنه كان يصلي الصلوات الخمس بمنى، ثم يخبرهم أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يفعل ذلك» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>٥ - يصلي بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر </span>قصرًا بلا جمع إلا المغرب والفجر فلا يقصران؛ لأن النبي - ﷺ - صلَّى بالناس من أهل مكة وغيرهم قصرًا، فلا فرق بين أهل مكة، وغيرهم؛\nلأن النبي - ﷺ - لم يأمرهم بالإتمام، ولو كان واجبًا عليهم لبينه لهم (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٤٩، ومسلم، برقم ١١٨٤، وتقدم تخريجه في منافع الحج، وفي أنواع النسك، وأحكام التلبية.\n(٢) النسائي، برقم ٢٧٥١، وابن ماجه، برقم ٢٩٢٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي،\n٢/ ٢٧٤، وصحيح ابن ماجه، ٣/ ١٦، وتقدم تخريجه في منافع الحج، وفي أحكام التلبية.\n(٣) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الخروج إلى منى، برقم ٣٠٠٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٤١.\n(٥) انظر فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٣٠، وفتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٦٧.","vol":"1","page":419},{"text":"عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «صليت مع النبي - ﷺ - بمنى ركعتين، وأبي بكر وعمر، ومع عثمان صدرًا من إمارته ...» (١).\nوعن أنس - ﵁ - قال: «خرجنا مع النبي - ﷺ - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة» قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: «أقمنا بها عشرًا». وفي لفظ لمسلم: «خرجنا من المدينة إلى الحج ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>٦ - يستحب للحاج أن يبيت بمنى ليلة عرفة</span>؛ لفعله - ﷺ - فإذا صلى الفجر مكث حتى تطلع الشمس (٣)، فإذا طلعت سار من منى إلى عرفات ملبيًا أو مكبرًا؛ لقول أنس - ﵁ - «كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر منا المكبر فلا يُنكر عليه» (٤). وقد أقرَّهم النبي - ﷺ - على ذلك، لكن الأفضل لزوم التلبية؛ لأن النبي - ﷺ - لازمها.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٨٢، ومسلم، برقم ٦٩٤، وتقدم تخريجه في الأدب الثلاثين من آداب الحج.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٨١، ومسلم، برقم ١ - (٦٩٣) وتقدم تخريجه في الأدب الثلاثين من آداب الحج.\n(٣) مسلم برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٦٥٩، ومسلم، برقم ١٢٨٥، وتقدم تخريجه في أحكام التلبية.","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-674>المبحث الثامن والعشرون: الوقوف بعرفة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>أولًا: إذا وصل الحاج إلى [قُبَيْل] عرفة استحب له أن ينزل بنمرة </span>(١) إلى الزوال إن تيسر له ذلك؛ لفعله - ﷺ -، كما قال جابر - ﵁ -: «.. وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار رسول - ﷺ -، ولا تشُكُّ قريش\nإلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في\nالجاهلية، فأجاز رسول اللَّه - ﷺ - حتى أتى عرفة (٢) فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي (٣) فخطب الناس\n_________\n(١) نَمِرة: قال الإمام النووي: «بنمرة» هي بفتح النون وكسر الميم، هذا أصلها، ويجوز فيها ما يجوز في نظيرها، وهو إسكان الميم مع فتح النون، وهي موضع بجنب عرفات، وليست من عرفات» [شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٤٣١]، وقيل: «نمرة الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك إذا خرجت من المأزمين تريد الموقف» [معجم البلدان للحموي، ٥/ ٣٠٤]، وقال المرداوي في الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف: نقلًا عن الزركشي: «نمرة موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة تريد الموقف، قاله: ابنُ المنذر»، وقال الإمام ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر، ٥/ ١١٨: «حتى أتى نمرة» هو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم بعرفات»، [وكذلك قال القاضي عياض في مشارق الأنوار، ٢/ ٣٤]. وقال شيخنا ابن باز ﵀ عن نمرة: «والمشهور أنها ليست من عرفة، فهي أمام عرفة، وليست منها على الراجح» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٢٦٧].\n(٢) حتى أتى عرفة: قال الإمام النووي: «.. وأما قوله: «حتى أتى عرفة» فمجاز، والمراد قارب عرفات؛ لأنه فسره بقوله: وجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، وقد سبق أن نمرة ليست من عرفات، وقد قدمنا أن دخول عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جمعًا خلاف السنة» [شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٤٣١].\n(٣) فأتى بطن الوادي: قال الإمام النووي: «بطن الوادي: هو وادي عُرَنة، بضم العين وفتح الراء وبعدها نون، وليست عُرَنة من أرض عرفات عند الشافعي والعلماء كافة، إلا مالكًا فقال: هي من عرفات» [شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٤٣١]، وانظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ٢٣٣، وقال الحموي في معجم البلدان، ٤/ ١١١: «وقال الأزهريُّ: بطن عُرَنة: وادٍ بحذاء عرفات، وقال غيره: بطن عرفة: مسجد عرفة، والمسيل كله، وله ذكر في الحديث، وهو بطن عُرنة، وقد ذكر في بطن أبسط من هذا، وإيَّاها أراد الشاعر فيما أحسب بقوله:\nأباك دون الشعب من عرفات ... ... ... ... بمدفع آيات إلى عُرنات»\nوقال ابن قدامة في الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٩/ ١٦٠: «وليس وادي عرنة من الموقف، ولا يجزئه الوقوف به، قال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء على أن من وقف به لا يجزئه، وحكي عن مالك أنه يجزئه وعليه دم؛ ولنا قول النبي - ﷺ -: «كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عُرنة». [أصله في صحيح مسلم، برقم ٤٩ - (١٢١٨)، واللفظ لابن ماجه، برقم ٣٠١٢، وأبي داود، برقم ١٩٣٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٤، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٧٢].\nوقال العلامة الشنقيطي: «والتحقيق أن عُرنة ليست من عرفة، فمن وقف بعُرنة لم يجزئه ذلك، وما يذكر عن مالك: من أن وقوفه بعرنة يجزئ وعليه دم خلاف التحقيق الذي لا شك فيه، والظاهر أنه لم يصح عن مالك» [أضواء البيان، ٥/ ٢٦٤].\nوقال شيخنا ابن باز في مجموع الفتاوى، ١٧/ ٢٦٢: «يقول النبي - ﷺ -: «الحج عرفة»، فإذا وقف الحاج خارج عرفة، أو في عرنة، أو غيرها فليس له حج، ولكن إذا دخل عرفة بعد زوال الشمس ذلك اليوم، أو في ليلة العيد صحّ حجّه، أما إذا لم يدخل عرفة لا بعد الزوال ولا في الليل فهو ليس له حج».\nوقال العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٧/ ٣٢٣: «بطن عرنة من عرفة، ولكن مع ذلك لا يجوز الوقوف فيه، ولهذا قال - ﷺ -: «وكلها موقف إلا بطن عرنة»، ولو وقف في الوادي [وادي عرنة] ودفع منه فحجه غير صحيح؛ لأن هذا ليس من عرفة شرعًا، وإن كان منها تأريخًا».","vol":"1","page":421},{"text":"» (١). وإن لم يتيسر النزول بها فلا حرج عليه أن ينزل بعرفة (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٢) الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يصح الحج بدونه، قال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٢٥٤: «اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الوقوف بعرفة: ركن من أركان الحج لا يصحّ الحجُّ بدونه.\nوأنهم أجمعوا على أن الوقوف ينتهي وقته بطلوع فجر يوم النحر:\nفمن طلع فجر يوم النحر وهو لم يأتِ عرفة فقد فاته الحج إجماعًا.\nومن جمع في وقوف عرفة بين الليل والنهار وكان جزء النهار الذي وقف فيه من بعد الزوال، فوقوفه تام إجماعًا.\nومن اقتصر على جزء من الليل دون النهار صحّ حجّه، ولزمه دم عند المالكية، خلافًا لجماهير أهل العلم القائلين، بأنه لا دم عليه، وما ذكره النووي عن بعض الخراسانيين: من أن الوقوف بالليل لا يجزئ، ولا يصحّ به الحجّ، حتى يقف معه بعض النهار ظاهر السقوط لمخالفته للنص، وعامة أهل العلم.\nومن اقتصر على جزء من النهار دون الليل لم يصحّ حجّه عند مالك، وهو رواية عن أحمد، وعند الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى: حجه صحيح، وعليه دم، ولا خلاف بين العلماء أن عرفة كلها موقف». [فهذه ست مسائل: أربع عليها الإجماع، والمسائل الأخرى سيأتي التفصيل فيها إن شاء اللَّه تعالى].","vol":"1","page":422},{"text":"ثانيًا: إذا زالت الشمس (١) سُنَّ للإمام أو نائبه أن يخطب خطبة\n_________\n(١) اختلف أهل العلم فيما قبل الزوال يوم عرفة هل هو وقت للوقوف أولا؟ على قولين:\nالقول الأول: وقت ما قبل الزوال يوم عرفة، ليس وقتًا للوقوف، وبه قال جمهور أهل العلم، وحجة الجمهور حديث عروة بن مضرِّس - ﵁ -، قال: أتيت رسول اللَّه - ﷺ - بالموقف - يعني بجمع- قلت: جئتُ يا رسول من جبلي طيئٍ، أكللت مطيَّتي، وأتعبتُ نفسي، واللَّه ما تركت من حَبْلٍ إلا وقفت عليه، فهل لي من حجٍّ؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفة قبل ذلك، ليلًا أو نهارًا فقد تمّ حجُّه، وقضى تفثه». هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك، ليلًا أو نهارًا فقد أتمّ حجَّه وقضى تفثه»، وفي لفظ للنسائي: «من أدرك جمعًا مع الإمام والناس حتى يفيض منها، فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الناس والإمام فلم يدرك». [الترمذي، برقم ٨٩١، وأبو داود، برقم ١٩٥٠، وابن ماجه، برقم ٣٠١٦، والنسائي، برقم ٣٠٤٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٥١، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٧، وفي باقي السنن].\nقال الجمهور: والمراد بالنهار في حديث عروة المذكور خصوص ما بعد الزوال، بدليل أن النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله، قالوا: ففعله - ﷺ - وفعل خلفائه من بعده مُبيِّن للمراد من قوله: «أو نهارًا» [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٥٨].\nقال شيخنا ابن بن باز ﵀: «وزمن الوقوف: ما بعد الزوال من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، هذا هو المجمع عليه بين أهل العلم، أما ما قبل الزوال ففيه خلاف بين أهل العلم، والأكثرون على أنه لا يجزئ الوقوف فيه إذا لم يقف بعد الزوال ولا في الليل» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٢٦١]، وقال في موضع آخر: «من وقف يوم عرفة قبل الزوال فقط فأكثر أهل العلم على عدم إجزاء الوقوف ...» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤١، ١٧٤]، قال العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٧/ ٣٣١: «وحجة الجمهور: أن النبي - ﷺ - لم يقف قبل الزوال، وقال: «خذوا عني مناسككم» [مسلم، برقم ١٢٩٧، بنحوه، والبيهقي بلفظه في السنن الكبرى، ٥/ ١٢٥]، وعليه فيحمل قوله لعروة بن مضرِّس «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا. أي نهارًا» مما يصح الوقوف فيه، فيكون مطلقًا مقيدًا بالسنة الفعلية من رسول اللَّه - ﷺ -، ولا شك أن هذا القول أحوط من القول بأن النهار يشمل ما قبل الزوال».\nالقول الثاني: أن أول وقت الوقوف بعرفة من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، وهو مذهب الإمام أحمد، قال المرداوي في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف،\n٩/ ١٦٧ - ١٦٨: «قوله: ووقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، وهذا هو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، وقدمه في الفروع، وهو من المفردات، وقال ابن بطة، وأبو حفص: وقت الوقوف، من الزوال يوم عرفة، وحُكِي رواية، قال في الفائق واختاره شيخنا، يعني به الشيخ تقي الدين [أي ابن تيمية]، وحكاه ابن عبد البر إجماعًا»، وقال ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٧٤: «وأما أوله [أي الوقوف بعرفة] فمن طلوع الفجر يوم عرفة، فمن أدرك عرفة في شيء من هذا الوقت وهو عاقل فقد تم حجه، وقال مالك والشافعي: أول وقته زوال الشمس يوم عرفة، واختاره أبو حفص العُبكريُّ، وحُمِل عليه كلام الخرقي، وحَكَى ابن عبد البر ذلك إجماعًا ...»، وحجة الإمام أحمد حديث عروة بن مضرِّس في قوله - ﷺ -: «... وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا»، فمذهب الإمام أحمد أنه يدل على شمول الحكم لجميع الليل والنهار، فهو يصدق على أول النهار وآخره، [انظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٦٠]، [ومجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤١]، قال شيخنا ابن باز، عن مذهب الإمام أحمد هذا: «ولكن الجمهور على خلافه، وأنه لا يجزئ الوقوف يوم عرفة إلا بعد الزوال؛ لأنه - ﷺ - وقف بعد الزوال، وهذا هو الأحوط». [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤١ - ١٤٢]، فَعُلِم أن القول بإجزاء الوقوف قبل الزوال من مفردات مذهب الإمام أحمد. [انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٣٣١].","vol":"1","page":423},{"text":"يُبيِّنُ فيها ما يُشرع للحاج في هذا اليوم وما بعده، ويأمرهم فيها\nبتقوى اللَّه وتوحيده، والإخلاص له في كل الأعمال، ويُحذِّرهم من محارمه تعالى، ويوصيهم فيها بالتمسك بكتاب اللَّه وسنة نبيه - ﷺ -، والحكم بهما،","vol":"1","page":424},{"text":"والتحاكم إليهما في كل الأمور، اقتداءً بالنبي - ﷺ - في\nذلك كله، وبعد الخطبة يصلون الظهر والعصر قصرًا\nوجمعًا في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين؛ لفعله (١)\n_________\n(١) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في الجمع والقصر في عرفة ومزدلفة، والقصر في منى هل يكون ذلك لجميع الحجاج المكيين وغيرهم، أم هناك فرق بين أهل مكة وغيرهم، على النحو الآتي:\nأولًا: الجمع في عرفات، وفي مزدلفة، قال الإمام ابن المنذر ﵀ في الإجماع: «ص ٧٣»: «وأجمعوا على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة يوم عرفة، وكذلك من صلَّى وحده».\nوقال ابن المنذر أيضًا ص ٧٤: «وأجمعوا على أن السنة أن يجمع الحاج بجمعٍ [أي المزدلفة] بين المغرب والعشاء».\nوقال ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٦٤: «ويجوز الجمع لكل من بعرفة من مكيٍّ وغيره، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذلك من صلى مع الإمام، وذكر أصحابنا أنه لا يجوز الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخًا إلحاقًا له بالقصر، وليس بصحيح؛ لأن النبي - ﷺ - جمع فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع .. ولو حُرِّم الجمع لبيَّنه لهم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يُقرُّ النبي - ﷺ - على الخطأ، وقد كان عثمان - ﵁ - يتم الصلاة؛ لأنه اتخذ أهلًا، ولم يترك الجمع ... ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف في الجمع بعرفة ومزدلفة، بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره، والحق فيما أجمعوا عليه، فلا يُعرّج على غيره». وانظر: أيضًا: الشرح الكبير لابن قدامه، ٩/ ١٥٧].\nوقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم، ٨/ ٤٣٤: «يشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه، واختلفوا في سببه، فقيل بسبب النسك، وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال أكثر أصحاب الشافعي: هو بسبب السفر، فمن كان حاضرًا أو مسافرًا دون مرحلتين كأهل مكة لم يجز له الجمع كما لم يجز له القصر ...».\nثانيًا: القصر في عرفة والمزدلفة ومنى، فقد اختلف العلماء على قولين:\nالقول الأول: وهو قول جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وعطاء، ومجاهد، والزهري، وابن جريج، قالوا: يتمُّ أهلُ مكة صلاتهم في عرفة، ومزدلفة، ومنى، وحجتهم تحديدهم للمسافة بأربعة برد، أو ثلاثة أيام، وعرفة، ومزدلفة، ومنى أقل مسافة من ذلك، وقالوا: من سافر دون مسافة قصر أتمَّ صلاته، هذا هو دليلهم.\nالقول الثاني: قول مالك، وأصحابه، والقاسم بن محمد، وسالم، والأوزاعي، قالوا: يقصر أهل مكة بعرفة، ومزدلفة، ومنى، وحجتهم ما رواه الإمام مالك بإسناده الصحيح في الموطأ\n[١/ ١٤٩، برقم ١٩] عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم يقول: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفر»، قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار،\n٢/ ٤٠٢: «وأثر عمر رجال إسناده أئمة ثقات»، ثم صلى أمير المؤمنين عمر - ﵁ - في منى ركعتين، ولم ينقل عنه أنه قال لهم شيئًا. [انظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٦٢، والمغني لابن قدامة، ٥/ ٢٦٥، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٩/ ١٥٧].\nقال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان: ٥/ ٢٦٢: «وأظهر قولي أهل العلم عندي أن جميع الحجاج يجمعون الظهر والعصر، ويقصرون، وكذلك في جمع التأخير في مزدلفة يقصرون العشاء، وأن أهل مكة وغيرهم في ذلك سواء، ولا يخفى أن ظاهر الروايات: أن النبي - ﷺ - وجميع من معه جمعوا وقصروا، ولم يثبت شيء يدل على أنهم أتموا صلاتهم بعد سلامه: في منى، ولا مزدلفة، ولا عرفة». ثم قال الشنقيطي رحمه لله، ٥/ ٢٦٣: «وقد قدمنا قول من قال: إن القصر والجمع المذكور لأهل مكة من أجل النسك، والعلم عند اللَّه تعالى».\nقال الإمام ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، ٢/ ٢٣٤: «... فلما أتمها [يعني خطبة يوم عرفة ..] أمر بلالًا فأذن، ثم أقام الصلاة فصلى الظهر ركعتين أسرَّ فيهما بالقراءة، وكان يوم الجمعة، فدلّ على أن المسافر لا يصلي الجمعة، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضًا ومعه أهل مكة، وصلوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام، ولا بترك الجمع، ومن قال: إنه قال لهم: «أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفَرٌ»، فقد غلط فيه غلطًا بيِّنًا، ووَهِمَ وَهْمًا قبيحًا ... ولهذا كان أصح أقوال العلماء: أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة».\nوسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على كلام ابن القيم في زاد المعاد، ٢/ ٢٣٥: «أهل مكة الحجاج يقصرون ويجمعون في عرفة، ومزدلفة، ويقصرون في منى مع الحجاج، والأقرب واللَّه أعلم: أن هذا من أجل شعائر الحج، لا من أجل السفر، ويحتمل أنه من أجل السفر، لكن يشكل عليه أنهم قصروا بمنى، ويجاب على ذلك: أنهم في طريقهم إلى عرفات، والأظهر واللَّه أعلم: أن هذا القصر والجمع من أجل الحج».\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى، ٢٦/ ١٦٨: «وذهب طوائف من أهل المدينة وغيرهم ومنهم مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي، وأحمد كأبي الخطاب في عباداته الخمس، إلى أنه يقصر المكيُّون وغيرهم، وأن القصر هناك لأجل النسك، والحجة مع هؤلاء ...». ثم رجح ذلك رحمه اللَّه تعالى، ورجح ذلك في الفتاوى أيضًا، ٢٦/ ١٣٠.","vol":"1","page":425},{"text":"- ﷺ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>ثالثًا: من لم يُصلِّ مع الإمام صلَّى مع جماعة أخرى </span>إذا زالت الشمس جمعًا وقصرًا في وقت الأولى كما تقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>رابعًا: ثم ينزل إلى الموقف بعرفة إن لم يكن بها</span>، وعليه أن يتأكد من حدودها ثم يكون داخلها، والأفضل أن يجعل جبل الرحمة (٢) بينه وبين القبلة إن تيسر له ذلك (٣)، فإن لم يتيسر استقبالهما استقبل القبلة، وإن لم يستقبل الجبل، لأن النبي - ﷺ - قال: «وقفت ههنا وعرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>خامسًا: خير الدعاء دعاء يوم عرفة</span>، فيستحب في هذا الموقف العظيم أن يجتهد الحاج في ذكر اللَّه تعالى، ودعائه، والتضرع إليه، ويرفع يديه حال الدعاء اقتداءً بنبيه - ﷺ -، فإنه وقف بعد الزوال رافعًا يديه مجتهدًا في الدعاء. قال أُسامة - ﵃ -: «كنت رديف النبي - ﷺ - بعرفات فرفع يديه\nيدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناول الخطام بإحدى يديه وهو\n_________\n(١) مسلم، من حديث جابر، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) جبل الرحمة: اسمه: إلال، بوزن هلال. كتاب الفروع لابن مفلح، ٦/ ٤٧، وصعود هذا الجبل لا أصل له، ولا يشرع، ولا فضيلة فيه، لأنه لم يرد فيه شيء، وإنما هو كسائر أرض عرفة، وعرفة كلها موقف، وكل أرضها سواء، إلا موقف رسول اللَّه - ﷺ -، [وقد جعل الجبل بينه وبين القبلة] فالوقوف فيه أفضل من غيره، كما قال غير واحد [أضواء البيان، ٥/ ٢٦٣].\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٤) ابن ماجه، برقم ٣٠١٢، وأبو داود، برقم ١٩٣٦، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه،\n٢/ ١٧٢، وفي صحيح أبي داود، ١/ ٥٤٤، وأصله في صحيح مسلم، برقم ٤٩ - (١٢١٨).","vol":"1","page":427},{"text":"رافع يده الأخرى» (١)، «ولم يزل واقفًا يدعو حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا» (٢)، وقد حث أمته على الدعاء ورغب فيه فقال - ﷺ -: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (٣).\nوقال - ﷺ -: «ما من يوم أكثر من أن يعتق اللَّه فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء» (٤)، فينبغي للحاج أن لا يفوِّت هذه الفرصة العظيمة، فعليه أن يُكثر من الذكر، والدعاء، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتوبة، والاستغفار إلى أن تغرب الشمس.\nوهذه أدعية جامعة نافعة إن شاء اللَّه تعالى يناسب الدعاء بها في عرفات، وفي المشعر الحرام، وبعد رمي الجمرة الأولى والثانية أيام التشريق، وعلى الصفا والمروة، وفي كل موطن للدعاء، وكل زمان ومكان، وليست مخصصة لهذه المشاعر، لكن لا مانع من الدعاء بها؛ لقوله - ﷺ -: «ما من مسلم يدعو اللَّه بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن\nتُعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشر\n_________\n(١) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب رفع اليدين في الدعاء بعرفة، برقم ٣٠١١، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٤٤.\n(٢) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) الترمذي، برقم ٣٥٨٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤٧٢، وفي الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٦، وفي صحيح الجامع، ٣/ ١٢١، وتقدم تخريجه في فضائل الحج والعمرة.\n(٤) مسلم، برقم ١٣٤٩، وتقدم تخريجه في فضائل الحج والعمرة.","vol":"1","page":428},{"text":"مثلها» قالوا: إذًا نكثر. قال: «اللَّه أكثر» (١).\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:\n١ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾.\n٢ - ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).\n٣ - ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٣).\n٤ - ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٤).\n٥ - ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا\nوَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٥).\n٦ - ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول اللَّه - ﷺ -، باب في انتظار الفرج وغير ذلك، برقم ٣٥٨٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤٧٢، وفي الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٦، وفي صحيح الجامع، ٣/ ١٢١، وتقدم تخريجه في فضائل الحج والعمرة، وأحمد، ٢/ ١٨، وانظر صحيح الترمذي ٣/ ١٤٠.\n(٢) سورة البقرة، الآيتان، ١٢٧ - ١٢٨.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٠١.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.","vol":"1","page":429},{"text":"الْوَهَّابُ﴾ (١).\n٧ - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢).\n٨ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٣).\n٩ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٤).\n١٠ - ﴿ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٥).\n١١ - ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٦).\n١٢ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٧).\n١٣ - ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٨).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٨.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣٨.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ٥٣.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٤٧.\n(٦) سورة آل عمران، الآيات: ١٩١ - ١٩٤.\n(٧) سورة المائدة، الآية: ٨٣.\n(٨) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":430},{"text":"١٤ - ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١).\n١٥ - ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٢).\n١٦ - ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣).\n١٧ - ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤).\n١٨ - ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ (٥).\n١٩ - ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (٦).\n٢٠ - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٧).\n٢١ - ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (٨).\n٢٢ - ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٩).\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٤٧.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٩.\n(٣) سورة يونس، الآيتان: ٨٥ - ٨٦.\n(٤) سورة هود، الآية: ٤٧.\n(٥) سورة إبراهيم، الآية: ٣٥.\n(٦) سورة إبراهيم، الآية: ٤٠.\n(٧) سورة إبراهيم، الآية: ٤١.\n(٨) سورة الكهف، الآية: ١٠.\n(٩) سورة طه، الآيات: ٢٥ - ٢٨.","vol":"1","page":431},{"text":"٢٣ - ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١).\n٢٤ - ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).\n٢٥ - ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (٣).\n٢٦ - ﴿رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (٤).\n٢٧ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٥).\n٢٨ - ﴿رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٦).\n٢٩ - ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (٧).\n٣٠ - ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٨).\n٣١ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ\nصِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (٩).\n٣٢ - ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ (١٠).\n_________\n(١) سورة طه، الآية: ١١٤.\n(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٨٧.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٨٩.\n(٤) سورة المؤمنون، الآيتان: ٩٧ - ٩٨.\n(٥) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٩.\n(٦) سورة المؤمنون، الآية: ١١٨.\n(٧) سورة الفرقان، الآيتان: ٦٥ - ٦٦.\n(٨) سورة الفرقان، الآية: ٨٤.\n(٩) سورة الشعراء، الآيات: ٨٣ - ٨٥.\n(١٠) سورة الشعراء، الآية ٨٧.","vol":"1","page":432},{"text":"٣٣ - ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (١).\n٣٤ - ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (٢).\n٣٥ - ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣).\n٣٦ - ﴿عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٤).\n٣٧ - ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٥).\n٣٨ - ﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٦).\n٣٩ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٧).\n٤٠ - ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ\nصَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٨).\n٤١ - ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٩).\n٤٢ - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا\n_________\n(١) سورة النمل، الآية: ١٩.\n(٢) سورة القصص، الآية: ١٦.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٢١.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٢٢.\n(٥) سورة القصص، الآية: ٢٤.\n(٦) سورة العنكبوت، الآية: ٣٠.\n(٧) سورة الصافات، الآية: ١٠٠.\n(٨) سورة الأحقاف، الآية: ١٥.\n(٩) سورة الممتحنة، الآية: ٤.","vol":"1","page":433},{"text":"غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).\n٤٣ - ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).\n٤٤ - ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣).\n٤٥ - ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).\n٤٦ - «اللَّهمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٥).\n٤٧ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْر، ِ وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهمَّ اغْسِلْ قَلْبِي بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ\nقَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقّيتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» (٦).\n٤٨ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنَ الْعَجْز وَالْكَسَل، وَالْجُبْن وَالْهَرَم وَالْبُخْل،\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ١٠.\n(٢) سورة الممتحنة، الآية: ٥.\n(٣) سورة نوح، الآية: ٢٨.\n(٤) سورة التحريم، الآية: ٨.\n(٥) البخاري، كتاب التفسير، سورة البقرة، باب ﴿وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾، برقم ٤٥٢٢، وفي الدعوات، باب قول النبي - ﷺ -: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، برقم ٦٣٨٩، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الدعاء بـ «اللَّهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، برقم ٢٦٩٠.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم ٨٣٢، ومسلم، في كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٨٩.","vol":"1","page":434},{"text":"وَأَعُوذ بِك مِنْ عَذَاب الْقَبْر، وَمِنْ شَرّ فِتْنَة الْمَحْيَا وَالْمَمَات» (١).\n٤٩ - «اللَّهم إني أَعَوذُ بكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ» (٢).\n٥٠ - «اللَّهمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي اَلَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ اَلَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي اَلَّتِي إِلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ اَلْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ اَلْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» (٣).\n٥١ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى» (٤).\n٥٢ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا،\nأَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا، اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لاَ يُسْتَجَابُ لَهَا» (٥).\n٥٣ - «اللَّهمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي، ... اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ» (٦).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما يتعوذ من الجبن، برقم ٢٨٢٣، ومسلم، في كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من العجز والكسل وغيره، برقم ٢٧٠٦.\n(٢) البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ باللَّه من جهد البلاء، برقم ٦٣٤٧، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، برقم ٢٧٠٧، ولفظه: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء».\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧٢٠.\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧٢١.\n(٥) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧٢٢.\n(٦) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧٢٥، وفيه: [وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ].","vol":"1","page":435},{"text":"٥٤ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِك، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفَجْأَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (١).\n٥٥ - «اللَّهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ ومنْ شَرِّ مَا لَمْ أعْمَلْ» (٢).\n٥٦ - «اللَّهم أكثر مالي، وولدي، وبارك لي فيما أعطيتني» (٣) «[وأطل حياتي على طاعتك وأحسن عملي] واغفر لي» (٤).\n٥٧ - «لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لاَ\nإِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، رَبُّ السَّموَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (٥).\n٥٨ - «اللَّهمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، برقم ٢٧٣٩.\n(٢) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧١٦.\n(٣) يدل عليه دعاء النبي - ﷺ - لأنس «اللَّهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته» البخاري، كتاب الصوم، باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم، برقم ١٩٨٢، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الجماعة في النافلة، برقم ٦٦٠.\n(٤) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٥٣، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٢٤١، وفي صحيح الأدب المفرد، ص ٢٤٤، وما بين المعقوفين يدل عليه قوله - ﷺ - عندما سئل: من خير الناس؟ فقال: «من طال عمره وحسن عمله»، الترمذي، كتاب الزهد عن رسول اللَّه - ﷺ -، باب ما جاء في طول العمر للمؤمن، برقم ٢٣٢٩، وأحمد، برقم ١٧٧١٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧١، وقد سألت سماحة شيخنا ابن باز ﵀ عن الدعاء به وهل هو سنة؟ فقال: «نعم».\n(٥) البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الكرب، برقم ٦٣٤٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب دعاء الكرب، برقم ٢٧٣٠.\n(٦) أبو داود، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، برقم ٥٠٩٠، وأحمد، ٥/ ٤٢، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٢٥٠، وفي صحيح الأدب المفرد، ٢٦٠، وقد حسن إسناده أيضًا العلامة ابن باز في تحفة الأخيار، ص ٢٤.","vol":"1","page":436},{"text":"٥٩ - «لا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» (١).\n٦٠ - «اللَّهمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِى بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِى عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ: أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي» (٢).\n٦١ - «اللَّهمَّ مُصَرِّف الْقُلُوب صَرِّفْ قُلُوبنَا عَلَى طَاعَتك» (٣).\n٦٢ - «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (٤).\n٦٣ - «اللَّهمَّ إني أسألُكَ العَافِيَةَ في الدنيا والآخِرةِ» (٥).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٥٠٥،والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي ١/ ٥٠٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٦٨، ولفظه: «دعوة ذي النون إذْ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب له».\n(٢) أحمد، ١/ ٣٩١، ٤٥٢، والحاكم، ١/ ٥٠٩، وحسنه الحافظ في تخريج الأذكار، وصححه الألباني في تخريج الكلم الطيب، ص٧٣.\n(٣) مسلم، كتاب القدر، باب تصريف اللَّه تعالى القلوب كيف يشاء، برقم ٢٦٥٤.\n(٤) الترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٥٢٢، وأحمد، ٤/ ١٨٢، والحاكم، ١/ ٥٢٥، و٥٢٨، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٦/ ٣٠٩، وصحيح الترمذي،\n٣/ ١٧١. وقد قالت أم سلمة ﵂: «كان أكثر دعائه - ﷺ -».\n(٥) الترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٥١٤، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٧٢٦، ولفظه عند الترمذي: «سلوا اللَّه العافية في الدنيا والآخرة»، وفي لفظ: «سلوا اللَّه العفو والعافية فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية». وقد صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٨٠، و٣/ ١٨٥، و٣/ ١٧٠، وله شواهد، انظرها في: مسند الإمام أحمد بترتيب أحمد شاكر، ١/ ١٥٦ - ١٥٧.","vol":"1","page":437},{"text":"٦٤ - «اللَّهمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِى الأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الآخِرَةِ» (١).\n٦٥ - «رَبِّ أَعِنِّي وَلا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي، وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي، وَيَسِّرِ الْهُدَى إلِيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا، أَوَّاهًا مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» (٢).\n٦٦ - «اللَّهمَّ إنَّا نَسْألُكَ مِنْ خَيْرِ ما سَألَكَ منهُ نَبِيُّكَ محمَّدٌ [- ﷺ -] ونَعُوذُ\nبك مِنْ شَرِّ ما اسْتعاذَ منهُ نَبِيُّكَ محمَّدٌ [- ﷺ -]،وأنتَ المُسْتَعانُ، وعليكَ البَلاغُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاّ باللَّه» (٣).\n٦٧ - «اللَّهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرِّ\n_________\n(١) أحمد، ٤/ ١٨١، والطبراني في الكبير، ٢/ ٣٣/ ١١٦٩، وفي الدعاء، برقم ١٤٣٦، وابن حبان، برقم ٢٤٢٤، ٢٤٢٥ (موارد)، قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١٧٨: «رجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني ثقات».\n(٢) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٦٤، و٦٦٥، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا سلم، برقم ١٥١٠، ١٥١١، والترمذي، كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥١، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب دعاء رسول اللَّه - ﷺ -، برقم ٣٨٣٠، وأحمد ١/ ١٢٧، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٥١٩، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤١٤، وفي صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٨.\n(٣) الترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٥٢١، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الجوامع من الدعاء، برقم ٣٨٤٦، بمعناه، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي، ص ٣٨٧.","vol":"1","page":438},{"text":"لِسَانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي» (١).\n٦٨ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ» (٢).\n٦٩ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ» (٣).\n٧٠ - «اللَّهمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (٤).\n٧١ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَات، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً في قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُني إِلَى حُبِّكَ» (٥).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٥١، والترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٤٩٢، والنسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من شر السمع والبصر، برقم ٥٤٧٠، وغيرهم. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٦٦، وصحيح النسائي، ٣/ ١١٠٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٥٤، والنسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من الجنون، برقم ٥٤٩٣، وأحمد، ٣/ ١٩٢ وصححه الألباني في صحيح النسائي،\n٣/ ١١١٦، وصحيح الترمذي ٣/ ١٨٤.\n(٣) الترمذي، كتاب الدعوات، باب دعاء أم سلمة، برقم ٣٥٩١، وابن حبان، برقم ٢٤٢٢ (موارد)، والحاكم، ١/ ٥٣٢، والطبراني في الكبير، ١٩/ ١٩/٣٦. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٨٤.\n(٤) الترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٥١٣، والنسائي في الكبرى، كتاب النعوت، باب العفو، برقم ٧٧١٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٠.\n(٥) أخرجه أحمد بلفظه، ٥/ ٢٤٣ والترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول اللَّه - ﷺ -، باب ومن سورة ص، برقم ٣٢٣٥، بنحوه وحسنه وقال: سألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - فقال: «هذا حديث حسن صحيح». وفي آخر الحديث قال - ﷺ -: «إنها حقٌّ فادرسوها وتعلموها»، والحاكم ١/ ٥٢١، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٣١٨.","vol":"1","page":439},{"text":"٧٢ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ: عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ اَلْجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ مِنْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا» (١).\n٧٣ - «اللَّهمَّ احْفَظنِي بالإِسْلاَمِ قائِمًا، واحْفَظْنِي بالإِسْلاَمِ قاعِدًا، واحْفَظنِي بالإِسْلاَمِ راقِدًا، ولا تُشْمِتْ بِي عَدُوًّا ولا حاسِدًا، اللَّهمَّ إِنِّي أسْألُكَ مِنْ كُلِّ خَيْر خزائِنُهُ بِيَدِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرَ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ» (٢).\n٧٤ - «اللَّهمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا،\nاللَّهمَّ مَتِّعْنَا بأسْمَاعِنا، وَأَبْصَارِنَا، وقُوَّتِنَا مَا أحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوارثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلاَ تَجْعَلْ مُصيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا» (٣).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الجوامع من الدعاء، برقم ٣٨٤٦، بلفظه، وأحمد، ٦/ ١٣٤، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٥٢١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٧.\n(٢) الحاكم، ١/ ٥٢٥ وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٣٩٨، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٥٤، برقم ١٥٤٠.\n(٣) الترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٥٠٢، واللفظ له، والحاكم، ١/ ٥٢٨ بلفظ: يحول، وصححه ووافقه الذهبي، وابن السني، بلفظ: تحول، برقم ٤٤٦، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٦٨، وصحيح الجامع، ١/ ٤٠٠.","vol":"1","page":440},{"text":"٧٥ - «اللَّهمَّ إني أَعوذ بك من الجُبْنِ، وأعُوذُ بك من البُخْلِ، وأَعوذُ بك أنْ أُرَدَّ إِلى أرذَلِ العُمر، وأعوذُ بك من فِتْنَةِ الدّنيا وعَذَابِ القَبْرِ» (١).\n٧٦ - «اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهمَّ اِغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي» (٢).\n٧٧ - «اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي» (٣).\n٧٨ - «اللَّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (٤).\n٧٩ - «اللَّهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَليْك تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللَّهمَّ إني أعُوذُ بعزَّتِكَ؛ لا إلهَ إلاَّ أَنْتَ أنْ تُضلَّني، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لاَ تَمُوتُ، وَالجِنُّ والإنْسُ يَمُوتُونَ» (٥).\n٨٠ - «اللَّهمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، والسَّلامَةَ مِنْ\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد، باب ما يتعوذ من الجبن، برقم ٢٨٢٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، باب الدعوات، باب قول النبي - ﷺ -: «اللَّهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت»، برقم ٦٣٩٨، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧١٩.\n(٣) مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التهليل والتسبيح والدعاء، برقم ٢٦٦٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم ٨٣٤، مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، برقم ٢٧٠٥.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب قول النبي - ﷺ -: «اللَّهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت»، برقم ٦٣٩٨، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما يعمل، برقم ٢٧١٩.","vol":"1","page":441},{"text":"كُلِّ إثْمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ» (١).\n٨١ - «اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي» (٢).\n٨٢ - «اللَّهمَّ إنِّي أسْألُكَ مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ، فإِنَّهُ لا يَمْلِكُها إلاَّ أنْتَ» (٣).\n٨٣ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ التَّرَدِّي، وَالْهَدْمِ، وَالْغَرَقِ، وَالْحَرقِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا» (٤).\n٨٤ - «اللَّهمَّ إِني أَعوذ بك من الجُوع، فإِنه بِئْسَ الضْجيعُ، وأعوذ بك من الخِيانة، فإِنها بِئْسَتِ البِطانةُ» (٥).\n٨٥ - «اللَّهمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ، والْكَسَلِ، والجُبْنِ، والْبُخْلِ، والْهَرَمِ، والقَسْوَةِ، والغَفْلَةِ، والعَيْلَةِ، والذِّلَّةِ، والْمَسْكَنَةِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ،\n_________\n(١) الحاكم، ١/ ٥٢٥ وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في الدعوات، برقم ٢٠٦، وانظر: الأذكار للنووي، ص٣٤٠، فقد حسنه المحقق عبد القادر الأرنؤوط، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم ١١٨٤.\n(٢) أحمد، ٤/ ٦٣، و٥/ ٣٧٥، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٨٠، وابن أبي شيبة،١٠/ ٢٨١، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٣٩٩.\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير، ١٠/ ٢٢٠، برقم ١٠٣٧٩، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد،\n١٠/ ١٥٩: «رجاله رجال الصحيح غير محمد بن زياد وهو ثقة»، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٤٠٤.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الاستعاذة، برقم ١٥٥٢، والنسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من التردي والهدم، برقم ٥٥٤٦، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ١١٢٣، وصحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٢٥.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٤٧، والنسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من الجوع، برقم ٥٤٨٣، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ١١١٢.","vol":"1","page":442},{"text":"وَالكُفْرِ، والفُسُوقِ، والشِّقَاقَ، والنِّفَاقِ، والسُّمْعَةِ، والرِّياءِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَمِ، والبَكَمِ، والْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَسَيِّئِ الأَسْقَامِ» (١).\n٨٦ - «اللَّهمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ» (٢).\n٨٧ - «اللَّهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ جارِ السوءِ في دَارِ المُقامَةِ؛ فإنَّ جارَ البادِيَةِ يَتَحَوَّلُ» (٣).\n٨٨ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمن نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمن دُعَاءٍ\nلاَ يُسْمَعُ، وَمن عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ هُؤُلاَءِ الأَرْبَعِ» (٤).\n٨٩ - «اللَّهم إني إعوذُ بك من يومِ السوءِ، ومنْ ليلةِ السوءِ، ومنْ ساعة السوءِ، ومنْ صاحبِ السوءِ، ومنْ جارِ السوءِ في دارِ المُقامة» (٥).\n_________\n(١) أخرجه النسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من الجنون، برقم ٥٤٩٣، والحاكم، ١/ ٥٣٠، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٤٠٦، وإرواء الغليل، برقم ٨٥٢.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٤٤،والنسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من الذلة، برقم ٥٤٧٥،وصححه الألباني في صحيح النسائي،٣/ ١١١١،وصحيح الجامع، ١/ ٤٠٧.\n(٣) البخاري في الأدب المفرد، برقم ١١٧، والحاكم، ١/ ٥٣٢، وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه النسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من جار السوء، برقم ٥٥١٧، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٤٠٨، وصحيح النسائي، ٣/ ١١١٨.\n(٤) الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول اللَّه - ﷺ -، بَاب مَا جَاءَ فِي جَامِعِ الدَّعَوَاتِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، ٣٤٨٢، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء في الصلاة، برقم ١٥٤٩، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع، برقم ١٢٩٥، وصحيح النسائي، ٣/ ١١١٣.\n(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١٧/ ٢٩٤، برقم ٨١٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد،\n١٠/ ١٤٤: «ورجاله رجال الصحيح». وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٤١١.","vol":"1","page":443},{"text":"٩٠ - «اللَّهم إني أسألك الجنة وأستجير بك من النار» (١).\n٩١ - «اللَّهمَّ فَقِّهني فِي الدِّينِ» (٢).\n٩٢ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ» (٣).\n٩٣ - «اللَّهمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا» (٤).\n٩٤ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا» (٥).\n٩٥ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللَّه بِأَنَّكَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (٦).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة أنهار الجنة، برقم ٢٥٧٢، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب صفة الجنة، برقم ٣٣٤٠، والنسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من حرِّ النار، برقم ٥٥٣٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣١٩، وصحيح النسائي،\n٣/ ١١٢١/ ولفظه: «من سأل اللَّه الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللَّهم أدخله الجنة ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللَّهم أجره من النار».\n(٢) يدل عليه رواية البخاري ومسلم في دعاء النبي - ﷺ - لابن عباس رضي لله عنهما. البخاري، كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، برقم ١٤٣، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد اللَّه بن عباس، برقم ٢٤٧٧.\n(٣) رواه أحمد، ٤/ ٤٠٣، وابن أبي شيبة، ١٠/ ٣٣٧، والطبراني في المعجم الأوسط، ٤/ ٢٨٤، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٩.\n(٤) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول اللَّه - ﷺ -،باب في العفو والعافية، برقم ٣٥٩٩، وابن ماجه، المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل، برقم ٢٥٩،وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٤٧.\n(٥) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يقال بعد التسليم، برقم ٩٢٥،والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ١٠٢،وأحمد، ٦/ ٢٩٤،و٣٠٥،وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ١٥٢.\n(٦) أخرجه النسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم ١٣٠٠، واللفظ له، والنسائي في الكبرى، كتاب النعوت، باب اللَّه الواحد، برقم ٧٦٦٥، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول بعد التشهد، برقم ٩٨٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ١٤٧.","vol":"1","page":444},{"text":"٩٦ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، [وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ] الْمَنَّانُ [يَا] بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ [الْجَنَّةَ وأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ]» (١).\n٩٧ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّه، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، اَلْأَحَدُ، اَلصَّمَدُ، اَلَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» (٢).\n٩٨ - «ربِّ اغْفِر لي وتُب عَليَّ، إنك أَنت التَّوَّابُ الغَفورُ» (٣).\n٩٩ - «اللَّهمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْب، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهمَّ أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ،\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء، برقم ١٤٩٥، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب اسم اللَّه الأعظم، برقم ٣٨٥٨، والنسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم ١٢٩٩، والترمذي، كتاب الدعوات عن رسول اللَّه - ﷺ -، باب خلق اللَّه مائة رحمة، برقم ٣٥٤٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٧٩، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٩.\n(٢) أبو داود، برقم ٩٨٥، والترمذي، برقم ٣٤٧٥، وابن ماجه، برقم ٣٨٥٧، وأحمد ٥/ ٣٦٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٦٣، وسبق تخريجه.\n(٣) أبو داود، كتب الوتر، باب في الاستغفار، برقم ١٥١٨، والترمذي، كتاب الدعوات عن رسول اللَّه - ﷺ -، باب ما يقول إذا قام من المجلس، برقم ٣٤٣٤، واللفظ له، والنسائي في الكبرى، بر قم ١٠٢٩٢، وابن ماجه، كتب الأدب، باب في الاستغفار، برقم ٣٨١٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢١، وفي صحيح الترمذي، ٣/ ١٥٣.","vol":"1","page":445},{"text":"وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (١).\n١٠٠ - «اللَّهمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ» (٢).\n١٠١ - «اللَّهمَّ طَهِّرْنِي مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، اللَّهمَّ نَقِّنِي مِنْهَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ» (٣).\n١٠٢ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَسُوءِ الْعُمُرِ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ» (٤).\n١٠٣ - «اللَّهمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَرَبَّ إِسْرَافِيلَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ حَرِّ النَّارِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (٥).\n_________\n(١) النسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم ١٣٠٥، وأحمد، ٤/ ٢٦٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٨٠، و١/ ٢٨١.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٤٩١، وحسنه. وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط: «وهو كما قال». انظر تحقيقه لجامع الأصول، ٤/ ٣٤١.\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، برقم ٤٧٦، والنسائي، كتب الغسل، باب الاغتسال بالثلج والبرد، برقم ٤٠٠.\n(٤) النسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من فتنة الدنيا، برقم ٥٤٦٩، ولفظه: «كان النبي - ﷺ - يتعوذ من خمس: من البخل، والجبن، وسوء العمر، وفتنة الصدر، وعذاب القبر»، وأخرجه أبو داود، كتب الوتر، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٣٩، وحسنه الأرنؤوط في تخريجه لجامع الأصول، ٤/ ٣٦٣.\n(٥) أخرجه النسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر من الذكر والدعاء بعد التسليم، برقم ١٣٤٤، وأحمد، ٦/ ٦١، والبيهقي في الدعوات، برقم ١٠٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي،\n٣/ ١١٢١، والسلسلة الصحيحة، برقم ١٥٤٤.","vol":"1","page":446},{"text":"١٠٤ - «اللَّهمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (١).\n١٠٥ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَيَنْفَعُ» (٢).\n١٠٦ - «اللَّهمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السبع، وَرَبَّ الْأَرْضِ، وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ،\nاللَّهمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ» (٣).\n١٠٧ - «اللَّهمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتّ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ وَالْفِتَنَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُلُوبِنَا، وَأَزْوَاجِنَا، وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعَمِك، مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ، قَابِلِينَ لهَا، وَأَتِممْها عَلَيْنَا» (٤).\n_________\n(١) رواه أحمد، ٢٦/ ١٩٩٤٤، والترمذي واللفظ له، كتاب الدعوات عن رسول اللَّه - ﷺ -، باب، برقم ٣٤٨٣، وإسناده عند أحمد صحيح على شرط مسلم، كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تخريجه في المسند.\n(٢) أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من علم لا ينفع، برقم ٧٨٦٧، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما تعوذ منه رسول اللَّه - ﷺ -، برقم ٣٨٤٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٢٧، ولفظه «سلوا اللَّه علمًا نافعًا، وتعوذوا باللَّه من علم لا ينفع».\n(٣) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم ٢٧١٣، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشهد، برقم ٩٦٩، الحاكم، واللفظ له ١/ ٢٦٥، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، ١/ ٢٦، وقال عنه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٦٣٠: «صحيح».","vol":"1","page":447},{"text":"١٠٨ - «اللَّهمَّ إنّي أسْألُكَ خَيرَ المسْأَلَةِ، وخَيْرَ الدُّعَاءِ، وخَيْرَ النَّجَاح، وخَيْرَ العَمَلِ، وخَيْرَ الثَّوابِ، وخَيْرَ الْحَيَاةِ، وخَيْرَ الْمَمَاتِ، وثَبِّتْنِي، وثَقِّلْ مَوَازِينِي، وحَقِّقْ إيْمانِي، وَارْفَعْ دَرَجاتِي، وَتَقَبَّلْ صَلاَتِي، وَاغْفِرْ خَطِيئَتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرجَاتِ العُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ، اللَّهمَّ إنّي أَسْأَلُكَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ، وخَوَاتِمَهُ، وَجَوَامِعَهُ، وَأَوَّلَهُ، وَظَاهِرَهُ، وَبَاطِنَهُ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ آمين، اللَّهمّ إِنّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا آتِي، وَخَيْرَ مَا أَفْعَلُ، وَخَيْرَ مَا أعْمَلُ، وَخَيْرَ مَا بَطَنَ، وَخَيْرَ مَا ظَهَرَ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ. آمين. اللَّهمَّ إنّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَرْفَعَ ذِكْرِي،\nوَتَضَعَ وِزْرِي، وَتُصْلِحَ أَمْرِي، وَتُطَهِّرَ قَلْبي، وَتُحَصِّنَ فَرْجِي، وَتُنَوِّرَ قَلْبِي، وَتَغْفِرَ لِي ذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ آمين، اللَّهمَّ إنّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُبارِكَ فِي نَفْسِي، وَفِي سَمْعِي، وَفِي بَصَرِي، وَفِي رُوحِي، وَفِي خَلْقِي، وَفِي خُلُقِي، وَفِي أهْلِي، وَفِي مَحْيَايَ، وَفِي مَمَاتِي، وَفِي عَمَلِي، فَتَقَبَّلْ حَسَنَاتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ آمِين» (١).\n١٠٩ - «اللَّهمَّ، جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الأَخْلاقِ، وَالأَعْمَالِ، وَالأَهْوَاءِ، وَالأدْوَاءِ» (٢).\n١١٠ - «اللَّهمَّ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَبَارِكْ لِي فِيهِ، وَاخْلُفْ عَلَيَّ كُلَّ غَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ» (٣).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم عن أم سلمة مرفوعًا، ١/ ٥٢٠، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٥٢٠، والبيهقي في الدعوات، برقم ٢٢٥، والطبراني في الكبير، ٢٣/ ٣٢٦، برقم ٧١٧.\n(٢) أخرجه الحاكم، ١/ ٥٢٣، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، ١/ ٥٣٢، الطبراني في المعجم الكبير، ١٩/ ١٩ برقم ٣٦، وصححه الألباني في ظلال الجنة، برقم ١٣.\n(٣) أخرجه الحاكم، ١/ ٥٣٢، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٥١٠، عن ابن عباس ﵄، والبيهقي في الآداب، برقم ١٠٨٤، وفي الدعوات الكبير، ٢١١، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتوحات الربانية، ٤/ ٣٨٣.","vol":"1","page":448},{"text":"١١١ - «اللَّهمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا» (١).\n١١٢ - «اللَّهمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٢).\n١١٣ - «اللَّهم إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فِي أَعْلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ» (٣).\n١١٤ - «اللَّهمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي، وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِي، اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَخْطَأْتُ، وَمَا عَمَدْتُ، وَمَا عَلِمْتُ، وَمَا جَهِلْتُ» (٤).\n_________\n(١) رواه أحمد، ٦/ ٤٨، والحاكم، ١/ ٢٥٥، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي،\n١/ ٢٥٥، قالت عائشة ﵂: فلما انصرف قلت: يا نبي اللَّه ما الحساب اليسير؟ قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه إنه من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك، وكل ما يصيب المؤمن يكفر اللَّه - ﷿ - به عنه حتى الشوكة تشوكه»، وقال عنه العلامة الألباني في مشكاة المصابيح: «وإسناده جيد».\n(٢) أخرجه أحمد، ٢/ ٢٩٩، والحاكم، ١/ ٤٩٩، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وهو عند أبي داود، كتاب الوتر، باب في الاستغفار، برقم ١٥٢٤، والنسائي في صفة الصلاة، باب نوع آخر من الدعاء، أن النبي - ﷺ - أوصى معاذًا أن يقولها في دبر كل صلاة، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٥٣٤.\n(٣) أخرجه ابن حبان (موارد)، ص ٦٠٤، برقم ٢٤٣٦، عن ابن مسعود - ﵁ - موقوفًا، ورواه أحمد من طريق آخر، ١/ ٣٨٦، ٤٠٠، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٨٦٩، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، تحت رقم ٢٣٠١.\n(٤) أخرجه النسائي في الكبرى، ٦/ ٢٤٦، برقم ١٠٨٣٠، والحاكم، ١/ ٥١٠ وصححه، ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد، ٤/ ٤٤٤، وقال الحافظ في الإصابة: «إسناده صحيح»، وصححه الألباني في تخريج رياض الصالحين، في تعليقه على الحديث رقم ١٤٩٥.","vol":"1","page":449},{"text":"١١٥ - «اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ» (١).\n١١٦ - «اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي، أَعُوذُ بِاللَّه مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).\n١١٧ - «اللَّهمَّ مَتِّعْنِي بِسَمْعِي، وَبَصَرِي، وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنِّي،\nوَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ يَظْلِمُنِي، وَخُذْ مِنْهُ بِثَأْرِي» (٣).\n١١٨ - «اللَّهمَّ إنِي أَسْأَلُكَ عِيشَةً نَقِيَّةً، ومِيتَةً سَوِيّةً، ومَردًّا غَيْرَ مُخْزٍ، ولَا فَاضِحٍ» (٤).\n١١٩ - «اللَّهمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي، فَأَحْسِنْ خُلُقِي» (٥).\n١٢٠ - «اللَّهمِ اَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ» (٦).\n_________\n(١) أخرجه النسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من الدين، برقم ٥٤٧٥، وأحمد ٢/ ١٧٣، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ١١١٣.\n(٢) النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، برقم ١٦١٧، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء من الدعاء إذا قام الرجل من الليل، برقم ١٣٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٣٥٦، وفي صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٢٦.\n(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٦٨١، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٥٠، والحاكم، ١/ ٥٢٣، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٨٨.\n(٤) أخرجه الحاكم، ١/ ٥٤١، وزوائد مسند البزار، ٢/ ٤٤٢، برقم ٢١٧٧، والطبراني في الدعاء، برقم ١٤٣٥، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١٧٩: «إسناد الطبراني جيد».\n(٥) أخرجه أحمد، ٦/ ٦٨، و١٥٥، و١/ ٤٠٣، وابن حبان (٢٤٢٣ - موارد)، والطيالسي، ٣٧٤، ومسند أبي يعلى، برقم ٥٠٧٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١١٥، برقم ٧٤.\n(٦) لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب اللَّه له بكل مؤمنٍ ومؤمنة حسنة». أخرجه الطبراني في المعجم الكبير،\n٥/ ٢٠٢، برقم ٥٠٩٢، وفي مسند الشاميين له أيضًا، ٣/ ٣٣٤، برقم ٢١٥٥، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٢١٠: «رواه الطبراني، وإسناده جيد»، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٥٩٠٢، ٥/ ٢٤٢.","vol":"1","page":450},{"text":"١٢١ - «اللَّهمَّ ثَبِّتني وَاجْعَلْني هَادِيًا مَهْدِيًّا» (١).\n١٢٢ - «اللَّهمَّ آتِنِي الْحِكْمَةَ الّتِي مَنْ أُوتِيهَا فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا» (٢).\n١٢٣ - «اللَّهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم [في العالمين] إنك حميد مجيد» (٣).\n\nومن الأفضل أن يكون الحاجُّ يوم عرفة مفطرًا اقتداءً بالنبي - ﷺ -، فعن أم الفضل بنت الحارث ﵂: «أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفه في صوم النبي - ﷺ -، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلتْ إليه بقدح لبنٍ وهو واقف على بعيره فشربه» (٤).\n_________\n(١) دل عليه دعاء النبي - ﷺ - لجرير - ﵁ -. انظر البخاري، برقم ٦٣٣٣، وكذلك بأرقام ٣٠٢٠، ٣٠٣٦، وغيرها.\n(٢) هذا مأخوذ من قوله - ﷾ -: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاء وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ َفقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وفي رواية عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - دعا له: «اللَّهم علمه الحكمة»، البخاري، برقم ٧٥، و٣٧٥٦، وفي ابن ماجه، برقم ١٦٦، وفي الترمذي، برقم ٢٨٢٣، أن ابن عباس - ﵁ - قال: «دعا لي رسول اللَّه - ﷺ - أن يؤتيني الحكمة مرتين». ...\n(٣) البخاري، كتاب الأنبياء، باب حدثنا موسى بن إسماعيل، برقم ٣٣٧٠، وما بين المعقوفين من حديث أبي هريرة عند مسلم، برقم ٤٠٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري كتاب الصوم، باب صوم يوم عرفة، برقم ١٩٨٨، ومسلم كتاب الصيام، باب استحباب الفطر للحاج بعرفة، برقم ١١٢٣.","vol":"1","page":451},{"text":"وعن ميمونه ﵂: أن ناسًا شكَّوا في صيام النبي - ﷺ - يوم عرفة، فأرسلت إليه بحلابٍ (١) وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون» (٢).\nوفي إفطار الحاج يوم عرفة من الفوائد: أنه يتقوَّى بذلك على الدعاء، والتضرع، والتذلل لله تعالى، ويزيد نشاطه في هذا الموقف العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>سادسًا: إذا غربت الشمس وتحقق من غروبها </span>(٣) انصرف الحاج إلى\n_________\n(١) الحلاب: الإناء الذي يحلب فيه. [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ٤٢١].\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم عرفة، برقم ١٩٨٩، ومسلم، كتاب الصيام، باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة، برقم ١١٢٤.\n(٣) من اقتصر في وقوفه في عرفة بعد الزوال على جزء من النهار دون الليل، كأن يفيض من عرفات قبل غروب الشمس فقد انقسم العلماء ﵏ في حكمه إلى فريقين:\nالفريق الأول: قال: لا يصح حج من اقتصر على النهار دون الليل، فعلى هذا القول من وقف بعد الزوال يوم عرفة بعرفة، ثم أفاض قبل غروب الشمس فلا حج له، وبه قال الإمام مالك ﵀، واحتج على قوله بفعل النبي - ﷺ -، وهو أنه بقي حتى غربت الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم» [هذا لفظ البيهقي، ٥/ ١٢٥، ولفظ مسلم، برقم ١٢٩٧: «لتأخذوا مناسككم»، فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا: الجمع في الوقوف بين الليل والنهار. [أضواء البيان، ٥/ ٢٥٩، ٢٦٠]، قال الإمام ابن قدامة في الشرح الكبير، ٩/ ١٧١: «قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدًا من العلماء قال بقول مالك». [وانظر: الاستذكار لابن عبد البر، ١٣/ ٣٤]، [والمغني لابن قدامة، ٥/ ٢٧٣].\nالفريق الثاني: قول جمهور أهل العلم، ومنهم: الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وعطاء، والثوري، وأبو ثور، قالوا: حجه صحيح لا شك في ذلك، لحديث عروة بن مضرِّس، وفيه: «من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفة قبل ذلك: ليلًا أو نهارًا فقد تم حجّه وقضى تفثه». [أبو داود، برقم ١٩٥٠، والترمذي، برقم ٨٩١، والنسائي، برقم ٣٠٤٠، وابن ماجه، برقم ٣٠١٦، وتقدم تخريجه]. قال الإمام الشنقيطي في أضواء البيان عن قول مالك: ٥/ ٢٦٠: «ولا يخفى أن هذا لا ينبغي أن يعارض به الحديث الصريح في محل النزاع الذي فيه: «وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه».\nوهذا الفريق الثاني اختلفوا في وجوب الدم على من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس على قولين:\nالقول الأول: يلزمه دم، وهو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة، والشافعي، في أحد قوليه، والقول الآخر للشافعي: أن الدم سنة، قال الإمام ابن قدامة في الشرح الكبير، ٩/ ١٧٠: «ومن وقف بها نهارًا ودفع قبل الغروب فعليه دم، يعني أنه يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة؛ لأن النبي - ﷺ - فعل ذلك، فعن جابر - ﵁ - قال: «فلم يزل [أي النبي - ﷺ -] واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص». [مسلم، برقم ١٢١٨]،وقد قال - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم»، [وهذا لفظ البيهقي،٥/ ١٢٥]، ولفظ مسلم: «لتأخذوا مناسككم»، قال المرداوي في الإنصاف، ٩/ ١٧٠: «هذا هو المذهب، وعليه الأصحاب».وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة، ٢/ ٥١١: «... لا يجوز الخروج من عرفة حتى تغرب الشمس ...»،وقال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم، ٨/ ٤٣٥: «ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس، ويتحقق كمال غروبها، ثم يفيض إلى مزدلفة، فإن أفاض قبل غروب الشمس صح وقوفه، ويجبر ذلك بدم، وهل الدم واجب أم مستحب فيه قولان للشافعي، أصحهما أنه سنة، والثاني واجب، وهما مبنيان على أن الجمع بين الليل والنهار واجب على من وقف بالنهار أم لا؟ وفيه قولان: أصحهما سنة، والثاني واجب».\nالقول الثاني: أن من وقف بعرفة بعد الزوال، ثم أفاض قبل غروب الشمس، فلم يجمع بين النهار والليل، فلا شيء عليه، وقد ذكر رواية عن الإمام أحمد، قال الإمام المرداوي في الإنصاف، ٩/ ١٧٠: «قوله: ومن وقف بها نهارًا ودفع قبل غروب الشمس فعليه دم، هذا هو المذهب ... وعنه فلا دم عليه كواقف ليلًا».\nوقد ذكر هذه الرواية ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٠: بقوله: «ومن وقف بها نهارًا ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله في «الإيضاح» قبل الفجر، وقاله أبو الوفاء في مفرداته، وقيل: أو عاد مطلقًا، وفي «الواضح»: ولا عذر له لزمه دم، وعنه: لا، كواقف ليلًا».\nوذكر الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٥٩: «أن المقتصر على النهار دون الليل: أظهر الأقوال فيه دليلًا عدم لزوم الدم؛ لحديث عروة وفيه: «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه»، فقوله - ﷺ - فقد تم حجه مرتبًا له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلًا أو نهارًا يدل على أن الواقف نهارًا يتم حجه بذلك، والتعبير بلفظ التمام ظاهر في عدم لزوم الدم، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث، وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهار هو الصحيح من مذهب الشافعي، لدلالة الحديث على ذلك، كما ترى والعلم عند اللَّه تعالى».\nوالذي يترجح هو القول الأول: وهو أن على من أفاض قبل الغروب دم؛ لأنه ترك واجبًا من واجبات الحج، فالواجب عليه أن لا يفيض إلا بعد غروب الشمس؛ لقول جابر المتقدم عن النبي - ﷺ -: أنه لم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص [مسلم، برقم ١٢١٨]، وقد قال - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم» [هذا لفظ البيهقي، ٥/ ١٢٥]، ولفظ مسلم: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» [برقم ١٢٩٧]، وهذا أمر منه - ﷺ - لأمته، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف، ولا صارف؛ ولهذا قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٧٣: «وعلى من دفع قبل الغروب دمٌ في قول أكثر أهل العلم: منهم: عطاء، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ومن تبعهم، وقال ابن جريج: عليه بدنة، وقال الحسن البصري: عليه هدي من الإبل، ولنا: أنه واجب لا يفسد الحج بفواته، فلم يوجب البدنة كالإحرام من الميقات»، وأما حديث عروة بن مضرِّس، فلا يدل على جواز الانصراف من عرفة قبل الغروب ممن وقف بها نهارًا، وأنه لا شيء عليه، وإنما يدل على إجزاء وقوف من وقف بها ليلًا أو نهارًا [تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة افعل ولا حرج، لعبد المحسن العباد، ص ٣٠].\nوقال العلامة محمد بن إبراهيم ﵀: «ومما يدل على عدم جواز الدفع من عرفة قبل الغروب عدم إذن النبي - ﷺ - للضعفة في ذلك مع ما يلقونه في طريقهم من الزحمة، وحطمة الناس، كما رخص لهم في الدفع من مزدلفة آخر ليلة جمع» [مجموع فتاوى ابن إبراهيم، ٦/ ٨٤].\nوقال شيخنا الإمام ابن باز في مجموع فتاويه، ٦١/ ١٤٢: «من وقف بعد الزوال أجزأه، فإن انصرف قبل المغرب فعليه دم إن لم يعد إلى عرفة ليلًا، أعني ليلة النحر». وقال شيخنا أيضًا في الفتاوى، ١٧/ ٢٦١: «ولا يجوز الانصراف قبل الغروب لمن وقف نهارًا، فإن فعل ذلك فعليه دم عند أكثر أهل العلم؛ لكونه ترك واجبًا، وهو الجمع في الوقوف بين الليل والنهار، لمن وقف نهارًا». [وانظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٣٣٣]، وتقدمت النقولات في القول الأول، واللَّه الموفق.\nمسألة: لكن إذا أفاض من وقف بعرفة قبل غروب الشمس، ثم عاد إلى عرفة، فهل يسقط عنه الدم؟ فيه أقوال لأهل العلم:\nالقول الأول: إذا عاد نهارًا قبل غروب الشمس فوقف حتى غربت فلا دم عليه عند الإمام أحمد، ومالك، والشافعي، قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٧٣: «فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حتى غربت الشمس، فلا دم عليه، وبهذا قال: مالك، والشافعي».\nالقول الثاني: إذا أفاض قبل غروب الشمس، ثم عاد قبل الغروب أو بعده، لزمه الدم مطلقًا، ولم يسقط برجوعه ...».\nالقول الثالث: إذا أفاض من عرفة قبل الغروب، فعاد قبل الغروب أو قبل الفجر فلا دم عليه. قال في الإنصاف، ٩/ ١٧٢: «وقال في «الإيضاح»: ولم يعد إلى الموقف قبل الفجر، وقاله ابن عقيل في «مفرداته»، فإن عاد إلى الموقف قبل الغروب أو قبل الفجر، عند من يقول به فلا دم عليه على الصحيح من المذهب، وعليه أكثرهم ..». وانظر: الفروع لابن مفلح، ٦/ ٥٠.\nوالصواب هذا القول الثالث وهو ما اختاره شيخنا ابن باز، في مجموع الفتاوى، ١٦/ ١٤٢، وفي ١٧/ ١٦٣،قال: «من وقف بعرفة نهارًا فعليه أن يستمر إلى الليل، فإن لم يفعل وانصرف قبل الغروب، ولم يعد بعد الغروب فعليه دم، وإن عاد بعد المغرب فوقف ليلًا ... فلا شيء عليه».\nواختاره أيضًا العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٧/ ٣٣٣: «... إذا عاد بعد الغروب فقد عاد في وقت الوقوف، فمقتضى القياس أنه لا شيء عليه، كما لو عاد قبل الغروب».","vol":"1","page":452},{"text":"مزدلفة بسكينةٍ، ووقارٍ، وأكثروا من التلبية، وأسرعوا في المتسع؛ لفعل النبي - ﷺ -، وقوله: «أيها الناس السكينةَ السكينةَ» (١)،وقال حينما سمع زجرًا شديدًا وضربًا وصوتًا للإبل: «أيها الناس عليكم السكينة فإن البر ليس بالإيضاع» (٢)، ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لما خطب بعرفة: «ليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غُفر له» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>سابعًا: ولا يفوت الوقوف بعرفة إلا بطلوع الفجر </span>(٤) من يوم النحر،\nفعن\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٢) البخاري، كتاب الحج، باب أمر النبي - ﷺ - بالسكينة عند الإفاضة وإشارته إليهم بالسوط، برقم ١٦٧١.ومعناه أن السير السريع والتكلف بالإسراع فيه ليس من البر. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٢٢.\n(٣) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٢٢.\n(٤) من اقتصر وقوفه بعرفة على جزء من الليل دون النهار، فقد اختلف العلماء في حكم ذلك على قولين:\nالقول الأول: إن من اقتصر على جزء من الليل دون النهار صح حجُّه، ولزمه دم، وقال بهذا القول المالكية.\nالقول الثاني: أن من اقتصر على جزء من الليل دون النهار صح حجُّه، ووقوفه تامٌّ، ولا دم عليه عند جماهير أهل العلم؛ لحديث عبد الرحمن بن يَعْمُر، قال: شهدت رسول اللَّه - ﷺ - فأتاه ناس، فسألوه عن الحج فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه». هذا لفظ النسائي، برقم ٣٠١٦، ولفظ أحمد، ١/ ٦٤، برقم، ١٨٧٧٤: شهدت رسول اللَّه - ﷺ -، وهو واقف بعرفة وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول اللَّه: كيف الحج؟ فقال: «الحجُّ عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه، أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخّر فلا إثم عليه». [أحمد، ١/ ٦٤، برقم ١٨٧٧٤، ورقم ١٨٧٧٥، ورقم ١٨٩٥٤، وأخرجه الترمذي، برقم ٨٨٩، وأبو داوود، ولفظه قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو بعرفة، فجاءه ناس أو نفر من أهل نجد، فأمروا رجلًا فنادى رسول اللَّه - ﷺ -، كيف الحج؟ فأمر رسول اللَّه - ﷺ - رجلًا فنادى: الحجُّ الحجُّ، يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه ..»، برقم ١٩٤٩، وابن ماجه، برقم ٣٠١٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٥٨، وصححه في باقي السنن.\nقال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٢٥٩: «فقوله - ﷺ - في هذا الحديث الثابت: فقد تمَّ حجه مرتبًا ذلك على إتيانه عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر، نصٌّ صريح في أن المقتصر على الوقوف ليلًا أن حجَّه تامٌّ، وظاهر التعبير بلفظ التمام عدم لزوم الدم، ولم يثبت ما يعارضه من صريح الكتاب أو السنة، وعلى هذا جمهور أهل العم خلافًا للمالكية».\nمسائل في الوقوف بعرفة:\nالمسألة الأولى: اختلف العلماء ﵏ في صحة وقوف المغمى عليه بعرفة حتى يخرج منها على قولين:\nالقول الأول: لا يصح وقوف المغمى عليه بعرفة، وبه قال: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والحسن، وحجتهم هي أن المغمى عليه ليس من أهل العبادة حتى يصح وقوفه، ونقل ابن قدامة في المغني ٥/ ٢٧٥: أن أحمد توقف في هذه المسألة.\nالقول الثاني: يصحّ وقوف المغمى عليه، وبه قال: مالك، وأبو حنيفة، وعطاء.\nقال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٦١: «وأظهر القولين عندي قول من قال بصحته؛ لما قدمنا من أنه لا تشترط له نية تخصه [أي الوقوف بعرفة] كما قدمنا أنه هو الصواب، فلا مانع من صحته من المغمى عليه كما يصح من النائم .. واللَّه تعالى أعلم».\nالمسألة الثانية: اختلف العلماء فيمن وقف بعرفة وهو لا يعلم أنها من عرفات هل يصح حجه؟ على قولين:\nالقول الأول: يصح، فالجمهور، كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، قالوا يصح وقوفه بعرفة، قال ابن قدامه في المغني، ٥/ ٢٧٥: «وكيفما حصل بعرفة، وهو عاقل أجزأه: قائمًا، أو جالسًا، أو راكبًا، أو نائمًا، وإن مر بها مجتازًا فلم يعلم أنها عرفة أجزأه أيضًا، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة».\nالقول الثاني: لا يصح وقوفه إذا لم يعلم أنها عرفة، وذكر هذا القول ابن قدامة في المغني،\n٥/ ٢٧٥، عن أبي ثور؛ لأنه لا يكون واقفًا إلا بإرادة، والأقرب واللَّه أعلم قول الجمهور، وأنه يجزي [انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٧٥، وأضواء البيان، ٥/ ٢٦١].\nالمسألة الثالثة: لا يشترط للوقوف بعرفة: طهارة ولا ستر عورة، ولا استقبال للقبلة، ولا نية، قال ابن قدامه: لا نعلم في ذلك خلافًا. [المغني، ٥/ ٢٧٥].","vol":"1","page":455},{"text":"عبد الرحمن بن يَعْمُر - ﵁ - قال: شهدت رسول اللَّه - ﷺ - وهو واقف\nبعرفة وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول اللَّه، كيف الحج؟ قال: «الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلةِ جمعٍ فقد تمَّ حجُّه» (١).\nوقال عروة بن مُضرِّس - ﵁ -: أتيت رسول اللَّه - ﷺ - بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول اللَّه إني جئت من جبلي طيئٍ، أكللت راحتي، وأتعبتُ نفسي، واللَّه ما تركت من جبلٍ إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه، وقضى تفثه» (٢).\n_________\n(١) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب فرض الوقوف بعرفة، برقم ٣٠١٦، وأبو داود، كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة، برقم ١٩٤٩، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الحج، برقم ٨٨٩، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، برقم ٣٠١٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٧، وفي باقي السنن في المواضع المذكورة أنفًا.\n(٢) أبو داود، برقم ١٩٥٠، والترمذي، برقم ٨٩١، والنسائي، برقم ٣٠٤٠، وابن ماجه، برقم ٣٠١٦، وتقدم تخريجه، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٥١، وصححه في سائر السنن، وفي إرواء الغليل، ٤/ ٢٥٨، برقم ١٠١٦.","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>المبحث التاسع والعشرون: الفوات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>أولًا: مفهوم الفوات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>الفوات لغة: </span>مصدر فات يفوت فوتًا وفواتًا، وجمعه: أفوات، ومعناه: أن يُسبق فلا يُدرك، يُقال: فاتني كذا: أي سبقني (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>وفوات الحج اصطلاحًا: </span>هو أن يطلع على الحاج فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة، قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن الوقوف بعرفة فرض، لا حج لمن فاته الوقوف بها» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>ثانيًا: أحكام الفوات: </span>إذا طلع الفجر من يوم النحر ولم يقف الحاج بعرفة، فقد فاته الحج، فإن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه فقال: «فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني» تحلَّل من إحرامه، ولا شيء عليه، والأفضل له أن يتحلَّل بعمرة، وإن لم يكن اشترط وفاته الوقوف بعرفة؛ فإنه يتحلَّل بعمرة، فيطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصّر، وإذا كان معه هدي ذبحه ويحج عامًا قابلًا ويهدي (٣)، كما أفتى بذلك عمر بن الخطاب - ﵁ -، لأبي أيوب الأنصاري، وهبَّار بن الأسود ﵄.\nفعن سليمان بن يسار: «أن أبا أيوب الأنصاري، خرج حاجًَّا، حتى\nإذا كان بالنازية (٤) من طريق مكة أضلَّ رواحله، وإنه قدم على عمر بن\n_________\n(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور، ٢/ ٦٩، فصل الواو، باب التاء، ومعجم لغة الفقهاء للرواس، ص٣١٩.\n(٢) الإجماع لابن المنذر، ص ٧٣.\n(٣) المغني، ٢/ ٤٢٤، وشرح العمدة ٢/ ٦٥٥ - ٦٦٨، والمنهج لمريد العمرة والحج، ص ٥٨.\n(٤) النازية من طريق مكة. هكذا في موطأ مالك، وأما في سنن البيهقي فبلفظ: «حتى إذا كان بالبادية من طريق مكة ...». قال القاضي عياض في كتابه مشارق الأنوار، ٢/ ٣٤: «النازية: عين ثرة عل طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء، وهي إلى المدينة أقرب، قيل: مضيق الصفراء سُدّت بعد حروب جرت فيها، وضبطناها في السير بتشديد الياء».","vol":"1","page":458},{"text":"الخطاب يوم النحر، فذكر ذلك له، فقال عمر: اصنع كما يصنع المعتمر، ثُمَّ قد حللت، فإذا أدركك الحجُّ قابلًا فاحجج، واهدِ ما استيسر من الهدي» (١).\nوعن نافع عن سليمان بن يسار: «أن هبَّار بن الأسود جاء يوم النحر، وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخطأنا العدة، كُنَّا نرى أن هذا اليوم يوم عرفة؟ فقال عمر: اذهب إلى مكة فطف أنت ومن معك، وانحروا هديًا إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصِّروا، وارجعوا، فإذا كان عامٌ قابلٌ فحجّوا واهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع» (٢).\nوعن ابن عمر - ﵁ -: أنه قال: «من أدرك ليلة النحر من الحاجّ فوقف بجبال عرفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك الحج، ومن لم يُدرِك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، فليأتِ البيت قبل أن يحلق فليطف به\nسبعًا، ويطوف بين الصفا والمروة سبعًا، ثم ليحلق أو يقصِّر إن شاء، وإن كان معه هديه فلينحره قبلُ، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو\n_________\n(١) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب هدي من فاته الحج، برقم ١٥٣، ١/ ٣٨٣، والبيهقي ٥/ ١٧٤، وصححه الألباني في الإرواء، ٤/ ٣٤٤.\nوانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٤٦، وشرح العمدة، ٢/ ٦٦٥.\n(٢) مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب هدي من فاته الحج، برقم ١٥٤، ١/ ١٥٤، والبيهقي،\n٥/ ١٧٤، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٦٠، برقم ١٠٦٨.","vol":"1","page":459},{"text":"يقصّر، ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع، وليهدِ في حجه» (١).\n_________\n(١) البيهقي في السنن الكبرى، ٥/ ١٧٤.\nوانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ٨/ ١١. فقد أفتى بذلك شيخنا ابن باز ﵀: بأن من فاته الحج تحلل بعمرة، وعليه قضاء الحج عامًا قابلًا.\nوسمعت شيخنا ابن باز أثناء تقريره على منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية، الحديث رقم ٢٦٧٤، يقول: «ومن فاته الحج تحلل بعمرة: طاف، وسعى، وقصر، وحل، ثم يشرع له أن يحج من عامٍ قابلٍ، ويهدي، فإن عجز عن الهدي صام ثلاثة أيام في الحجِّ وسبعة إذا رجع إلى أهله، كما أفتى بذلك عمر - ﵁ -». وذكر البيهقي في هذا الموضع ما يدل على وجوب الهدي عن ابن عمر، وابن الزبير ثم قال: «من نسي شيئًا من نسكه أو تركه، فليهرق دمًا». سنن البيهقي، ٥/ ١٧٥.\nقال الإمام مالك ﵀: «ومن قرن الحج والعمرة، ثم فاته الحج، فعليه أن يحج قابلًا، ويقرن بين الحج والعمرة، ويهدي هديين: هديا لقرانه الحج مع العمرة، وهديًا لما فاته من الحج» [موطأ الإمام مالك، ١/ ٣٨٤]، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٥٦٥ - ٥٦٧.","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>المبحث الثلاثون: المبيت بمزدلفة</span>\nأولًا: إذا وصل الحاج إلى مزدلفة (١) صلى بها المغرب ثلاث\n_________\n(١) اختلف العلماء ﵏ في حكم المبيت في مزدلفة إلى ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، من تركه جبر بدم، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: الإمام مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والشافعي في المشهور عنه، وعطاء، والزهري، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وجماهير العلماء من السلف والخلف، واستدل هؤلاء العلماء على ذلك بحديث عبد الرحمن بن يعمر، وفيه: «... الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تمّ حجه» [رواه أهل السنن الأربعة، وأحمد، وتقدم تخريجه]. ومعلوم أن هذا الواقف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر قد فاته المبيت بمزدلفة قطعًا بلا شك، ومع ذلك فقد صرَّح النبي - ﷺ - في الحديث المذكور بأن حجه تام، وحجة الجمهور بأن من ترك المبيت بمزدلفة فعليه دم أثر ابن عباس ﵄ أنه قال: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا» [مالك في الموطأ، ١/ ٤١٩، والدارقطني، ٢/ ٢٤٤، والبيهقي، ٥/ ١٥٢].\nوالمبيت بمزدلفة نسك. وهذا القول هو الصواب الذي لا شك فيه.\nالقول الثاني: قول من قال: بأن المبيت بمزدلفة ركن لا يتم الحج إلا به، وبه قال خمسة من التابعين، وهم: علقمة، والنخعي، والشعبي، والأسود، والحسن البصري، وهم من أئمة التابعين، وممن قال به: بعض الشافعية.\nقال العلامة ابن القيم في زاد المعاد، ٢/ ٢٥٣: «وهو مذهب اثنين من الصحابة: ابن عباس، وابن الزبير ﵄، وإليه ذهب إبراهيم النخعي، والشعبي، وعلقمة، والحسن البصري، وهو مذهب الأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان، وداود الظاهري، وأبي عبيد القاسم بن سلاَّم، واختاره المحمدان: ابن جرير، وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشافعية ...»، واحتجّوا بثلاث حجج، على النحو الآتي:\n١ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّه عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، قالوا: فهذا الأمر القرآني الصريح يدل على أنه لا بد من ذكر اللَّه عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفة.\n٢ - حديث عروة بن مضرِّس، وفيه: «... من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه، وقضى تفثه». [أهل السنن وغيرهم، وتقدم تخريجه]. فقالوا: قوله: «من شهد صلاتنا» يفهم منه أن من لم يدرك الصلاة معهم لم يتم حجه، ولم يقض تفثه، والمراد بها صلاة الصبح بالمزدلفة، كما هو واضح. واستدلوا برواية أخرى لهذا الحديث عند أبي يعلى، ٢/ ٢٤٥: «ومن لم يدرك جمعًا فلا حج له»، ولكنها لم تثبت. واستدلوا برواية أخرى نسبها الحافظ للنسائي، برقم ٤٠٣٠: «من أدرك جمعًا مع الإمام والناس حتى يفيضوا فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإمام والناس فلم يدرك». فتح الباري، ٣/ ٥٢٩. [وقد صححها الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٣٥١].\n٣ - فعل رسول اللَّه الذي خرج مخرج البيان لهذا الذكر المأمور به، وقد قال - ﷺ -: «لتأخذوا\nمناسككم ...» [مسلم، برقم ١٢٩٧].\nوأجاب الجمهور القائلون أن المبيت بمزدلفة واجب يجبر بدم، وليس بركن، عن أدلة هؤلاء القائلين: إنه ركن لا يتمم الحج إلا به بما يأتي:\n\" قالوا: أما الآية التي استُدل بها على أن المبيت بمزدلفة ركن، وهي قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّه عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ فإنها لم تتعرض للوقوف بمزدلفة أصلًا، وإنما أمر فيها بذكر اللَّه عند المشعر الحرام، قالوا: وقد أجمعوا كلهم على أن من وقف بمزدلفة ولم يذكر اللَّه أن حجه تام.\n\" وأما رواية النسائي، برقم ٣٠٤٠، «... ومن لم يدرك مع الإمام والناس فلم يدرك»، وفي لفظ أبي يعلى: «ومن لم يدرك جمعًا فلا حج له» أنها من رواية مطرف عن الشعبي عن عروة، وأن مطرفًا كان يهم في المتون، وقد ارتكب ابن حزم الشطط فزعم أن من لم يصلِّ صلاة الصبح بمزدلفة مع الإمام أن الحج يفوته، التزامًا لما ألزمه به الطحاوي، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإجماع على الإجزاء كما حكاه الطحاوي». وقد صحح الألباني رواية النسائي في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٣٥١، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٣٠٤٠: «أي لم يدرك الأكمل، والمزدلفة فيها أقوال ثلاثة: الوقوف بها واجب، وقيل: سنة، وقيل: ركن، والصواب الأول، وأن المبيت بمزدلفة واجب، أما من وقف بعرفة قبل صلاة الفجر فقد أدرك الحج».\nوقد ذكر العلامة الألباني زيادة أبي يعلى في إرواء الغليل، ٤/ ٢٥٩، ثم قال: «وأنا أظن أنها مدرجة من كلام الشعبي، فقد زاد الدارقطني عقب الحديث في رواية له: «قال الشعبي: ومن لم يقف بجمع جعلها عمرة». [وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٧٠]، ثم نقل الشنقيطي ﵀ تضعيف زيادة أبي يعلى عن الإمام النووي في شرح المهذب، [أضواء البيان، ٥/ ٢٧١].\n\" وقال الجمهور على الاستدلال الثالث لمن قال: إن المبيت بمزدلفة ركن، فقال الجمهور: أما الاستدلال بفعل النبي - ﷺ -، وقوله: «لتأخذوا مناسككم ...»، فلم نخالف أنه نسك ينبغي أن يؤخذ عنه - ﷺ -، ولكن صحة الحج بدونه علمت بدليل آخر، وهو حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي المذكور سابقًا، الدال على عدم اشتراط المبيت بمزدلفة [أضواء البيان، ٥/ ٢٧١].\nالقول الثالث: المبيت بمزدلفة سنة، وبه قال بعض الشافعية، وذكر النووي أن هذا القول مشهور أيضًا، لكن قولهم الأول مع الجمهور أصح منه، وعن عطاء، والأوزاعي: أنها منزل من شاء نزل به، ومن شاء لم ينزل به. [ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح، ٣/ ٥٢٩]\nوحجة من قال: بأن المبيت بمزدلفة: سنة وليس بركن ولا واجب، هي: أنه مبيت، فكان سنة كالمبيت بمنى ليلة عرفة، أي الليلة التاسعة التي صبيحتها يوم عرفة [أضواء البيان، ٥/ ٢٧١].\nوالصواب قول الجمهور؛ لما تقدم من أدلتهم الصحيحة الصريحة، وأن المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، من تركه جبر ذلك بدم. قال شيخنا ابن باز ﵀ بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة المذكورة: «.. والصواب من أقوال أهل العم أنه واجب من تركه فعليه دم ...». [مجموع الفتاوى له، ١٧/ ٢٧٧]، وانظر: [فتاويه أيضًا: ١٦/ ٢٤٢، ١٧٥، ٢٢٢، ١٧/ ٢٨٠، ٢٨٤، ٢٨٦، ٣٢٢، وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٨٤، وزاد المعاد لابن القيم، ٢/ ٢٥٣، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٦٦ - ٢٧٢]. وذكر العلامة ابن عثيمين ﵀ الأقوال الثلاثة، ثم قال: «ولكن القول الوسط أحسن الأقوال، أنه و(٣) يجبر بدم».","vol":"1","page":461},{"text":"ركعات، والعشاء ركعتين، جمعًا بأذانٍ واحدٍ وإقامتين من حين وصوله؛ لفعل النبي - ﷺ - (١)؛ سواء وصل الحاج إلى مزدلفة في وقت المغرب أو بعد دخول وقت العشاء؛ لحديث أسامه بن زيد ﵄، قال: ردفتُ رسول اللَّه - ﷺ - من عرفاتٍ، فلمّا بلغ رسول اللَّه - ﷺ - الشِّعْب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببتُ عليه الوضوءَ فتوضأ وُضوءًا خفيفًا، ثم قلت: الصلاةَ يا رسول اللَّه: فقال: «الصلاة أمامك»، فركب رسول اللَّه - ﷺ - حتى أتى المزدلفة، فصلَّى ثم ردف الفضل غداة جمع»، هذا لفظ مسلم،\nولفظ البخاري: «دفع رسول اللَّه - ﷺ - من عرفة فنزل الشِّعب فبال، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوءَ، فقلت له: الصلاة، فقال: «الصلاة أمامك» فَجَاءَ\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢١٨، من حديث جابر - ﵁ -، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":463},{"text":"المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كلُّ إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلَّى ولم يصلِّ بينهما»، وهذا من لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسانٍ بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلاّها، ولم يصلِّ بينهما شيئًا» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وهذا فيه المبادرة بالصلاة، إذا وصل مزدلفة، فإذا وصلوا بدأوا بالصلاة قبل إناخة الإبل، فلما صلُّوا المغرب أناخوا الإبل، ثم صلّوا العشاء قبل حطِّ الرحال، ثم تحّط الرحال بعد صلاة العشاء»،ثم قال ﵀: «والغالب من فعل النبي - ﷺ - أنه لا يتوضأ وضوءًا جديدًا إلا قد صلَّى بالوضوء الأول، ولكن في هذا الحديث قد يكون للنشاط، أو أحدث بين الوضوءين، أو لأسباب أخرى ...» (٢)، لكن إن لم يتمكن من وصول مزدلفة قبل نصف الليل، فإنه يصلي ولو قبل الوصول إلى مزدلفة، ولا يجوز أن يؤخر الصلاة إلى بعد نصف الليل، بل يصلي في أي مكان كان، ولا يصلي بينهما نافلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>ثانيًا: يبيت الحاج في هذه الليلة بمزدلفة </span>ويحرص أن ينام\nمبكرًا؛ ليكون نشيطًا لأداء مناسك الحج يوم النحر؛ لفعل النبي - ﷺ -؛ فإنه بعد أن صلى المغرب والعشاء اضطجع حتى طلع الفجر (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، برقم ١٦٧٢،ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، يوم النحر، برقم ١٢٨٠.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٦٧٢،وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٨١.\n(٣) مسلم، برقم، ١٢١٨، من حديث جابر - ﵁ -، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-690>ثالثًا: يجوز للضعفة من النساء، والصبيان، ونحوهم، ومن يقوم برعايتهم أن ينزلوا من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل </span>ومغيب القمر (١)؛ للأحاديث الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>الحديث الأول: حديث عبد اللَّه مولى أسماء </span>أنها نزلت ليلة جمعٍ عند المزدلفة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا ومضينا حتى رمت جمرة العقبة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: ما أرانا إلا قد غلّسنا؟ قالت: «يا بني إن رسول اللَّه - ﷺ - أذن للظعن» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>الحديث الثاني: حديث ابن عباس ﵄: </span>«أنا ممن قدَّمَ رسول اللَّه - ﷺ - ليلة المزدلفة في ضعفة أهله» (٣)، وفي لفظٍ: «بعثني رسول اللَّه - ﷺ - من جمعٍ بليلٍ»، وفي لفظ لمسلم: «بعث بي رسول اللَّه - ﷺ - بسحرٍ من جمعٍ».\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>الحديث الثالث: حديث عائشة ﵂ </span>قالت: «استأذنت سودة رسول اللَّه - ﷺ - ليلة جمع أن تدفع قبل\n_________\n(١) زاد المعاد، ٢/ ٢٤٨.\n(٢) متفق عليه، البخاري، كتاب الحج، باب من قدَّم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون، ويقدِّم إذا غاب القمر، برقم ١٦٦٩، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليل قبل زحمة الناس، واستحباب المكث لغيرهم حتى يصلوا الصبح بمزدلفة، برقم ١٢٩١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل ...، برقم ١٦٧٧، ١٦٧٨، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليل ...، برقم ١٢٩٣، ورقم ١٢٩٤.","vol":"1","page":465},{"text":"حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطةً - يعني ثقيلة - فأذِنَ لها، وفي لفظ: «استأذنت النبي - ﷺ - سودة: أن تدفع قبل حطمة الناس - وكانت امرأة بطيئة - فأذِنَ لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنتُ رسول اللَّه - ﷺ - كما استأذنت سودةُ أحبَّ إليَّ من مفروح به» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>الحديث الرابع: حديث عائشة ﵂ </span>قالت: «أرسل النبي - ﷺ - بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت» (٢)، وفي لفظ للنسائي: «أن رسول اللَّه - ﷺ - أمر إحدى نسائه أن تنفر من جمعٍ ليلة جمعٍ فتأتي جمرة العقبة فترميها، وتصبح في منزلها، وكان عطاء يفعله حتى مات» (٣). قال شيخنا ابن باز ﵀: «هي أمُّ سلمة».\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>الحديث الخامس: حديث أم حبيبة ﵂: </span>«أن النبي - ﷺ - بعث بها من جمعٍ بليل»، وفي لفظٍ: قالت: «كُنَّا نفعله على عهد النبي - ﷺ -: نُغَلِّس\nمن جمعٍ إلى منى»، وفي رواية: «نغلِّس من مزدلفة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>الحديث السادس: حديث ابن عمر: </span>«كان عبد اللَّه بن عمر ﵄ يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون اللَّه ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من\n_________\n(١) متفق عليه البخاري كتاب الحج باب من قدم ضعفه أهله بليل برقم ١٦٨٠، ١٦٨١، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليل، برقم ١٢٩٠.\n(٢) أبو داود، كتاب الحج، باب التعجيل من جمع، برقم ١٩٤٢، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب الرخصة في ذلك للنساء، برقم ٣٠٦٦، وقد ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود، برقم ٤٢٣.\n(٣) أبو داود برقم ١٩٤٢ والنسائي ٥/ ٢٧٢ قال ابن حجر في البلوغ وإسناده على شرط مسلم وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط إسناده حسن. انظر جامع الأصول ٣/ ٢٦٣.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة ...، برقم ١٢٩٢.","vol":"1","page":466},{"text":"يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: «أرخص في أولئك رسول اللَّه - ﷺ -» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>الحديث السابع: حديث الفضل</span>،: أن النبي - ﷺ -: «أمر ضعفة بني هاشم أن ينفروا من جمع بليل» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>رابعًا: إذا تبين الفجر الثاني صلى الفجر مبكرًا بأذانٍ وإقامة</span>؛ لحديث جابر - ﵁ -، وفيه: «ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإقامة» (٣)، وهذا تفسير لحديث عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - فإنه قال: «ما رأيت النبي - ﷺ - صلَّى صلاة لغير ميقاتها إلا\nصلاتين: جمع بين المغرب والعشاء، وصلّى الفجر قبل ميقاتها» (٤)، معناه أنه صلى الفجر يوم النحر في أول وقتها بعد طلوع الفجر، ثم يقف عند المشعر الحرام ويستقبل القبلة، ويدعو اللَّه، ويُكَبِّره، ويُهلِّله، ويوحِّده (٥)، ويكثر من الدعاء ويرفع يديه، ويستحب له أن يستمرَّ على ذلك حتى\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب من قدم ضعفه أهله بليل فيقفون بالمزدلفة، ويدعون، ويقدِّم إذا غاب القمر، برقم ١٦٧٦.\nواختار شيخنا ابن باز ﵀: أنه يجوز للنساء مطلقًا الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل من ليلة مزدلفة، وهي ليلة النحر، ولو كنَّ قويّات، وهكذا بقية الضعفاء من كبار السن والمرضى، وأتباعهم، لأن النبي - ﷺ - رخص في ذلك. [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٢].\n(٢) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب تقديم النساء والصبيان إلى منازلهم بمزدلفة، برقم ٣٠٣٤، وقال الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٥٠: «حسن صحيح الإسناد».\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة ...، برقم ١٢٩٢.\n(٤) البخاري كتاب الحج، باب متى يصلي الفجر بجمع، برقم ١٦٨٢.\n(٥) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.","vol":"1","page":467},{"text":"يسفر جدًا، وحيثما وقف من مزدلفة أجزأه ذلك؛ لقوله - ﷺ -: «وقفت ههنا وجمع كلها موقف» (١).وجمع هي مزدلفة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>خامسًا: إذا أسفر جدًا دفع من مزدلفة </span>(٣) إلى منى قبل طلوع\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، برقم ٤٩ - (١٢١٨)، ولفظه: «نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، وو قفت ها هنا وجمع كلها موقف».\nوعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «ارفعوا عن بطن محسِّر، وعليكم بمثل حصى الخذف». [أحمد في المسند، ٣/ ٣٨٣، برقم ١٨٩٦، ولفظ ابن خزيمة، ٤/ ٢٥٤، برقم ٢٨١٦: «ارفعوا عن بطن عُرنة، وارفعوا عن بطن محسر»، وفي لفظ لابن خزيمة: «ارتفعوا عن محسِّر، وارتفعوا عن عرنات»، أما قوله: «العرنات»، فالوقوف بعرنة، ألا يقفوا بعرنة، وأما قوله: «عن محسِّر»: فالنزول بجمع: أي لا تنزلوا محسرًا». ولفظ الطبراني: برقم، ١١٠٠١: «مزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسِّر، ومنى كلها منحر»، وفي لفظ للطبراني، برقم ١١٢٣١: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عُرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسر». وأصل الحديث قال عنه محققو المسند، ٣/ ٣٨٣: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، وقال شيخنا ابن باز في حاشيته على بلوغ المرام، ص ٤٥٦ على إثر الحديث رقم ٧١٠: «خرّج الإمام أحمد بإسناد جيد على شرط مسلم ...» وذكره.\n(٢) للمزدلفة ثلاثة أسماء: مزدلفة، وجمعٌ، والمشعر الحرام، وحدُّها من مأزمي عرفة إلى قرن محسر، وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، وليس وادي محسِّرٍ من مزدلفة. [المغني لابن قدامة،\n٥/ ٢٨٣].\n(٣) اختلف العلماء ﵏ في القدر الذي يكفي في النزول بالمزدلفة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يكفي في النزول بمزدلفة بقدر ما يصلِّي المغرب والعشاء، ويتعشى، ولو أفاض منها قبل نصف الليل، وبعضهم قال: لا بد في ذلك من حط الرحال، وهذا مذهب الإمام مالك وأصحابه».\nالقول الثاني: إن دفع من مزدلفة بعد نصف الليل أجزأه، وإن دفع منها قبل نصف الليل لزمه دم، وهذا مذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد.\nالقول الثالث: إن دفع الحاج من مزدلفة قبل الفجر لزمه دم، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن وقت الوقوف عنده بعد صلاة الصبح، ومن حضر في ذلك الوقت فقد أتى بالوقوف، ومن تركه ودفع ليلًا فعليه دم، إلا إن كان لعذر. [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٧٣]، قال العلامة الشنقيطي: «الأظهر عندي في هذه المسألة: هو أنه ينبغي أن يبيت إلى الصبح؛ لأنه لا دليل مقنعًا يجب الرجوع إليه مع من حدد بالنصف الأخير، ولامع من اكتفى بالنزول، وقياسهم الأقوياء على الضعفاء قائلين: إنه لو كان الدفع بعد نصف الليل ممنوعًا، لما رخص فيه - ﷺ - لضعفة أهله؛ لأنه لا يرخص لأحد في حرام، قياس مع وجود الفارق، ولا يخفى ما في قياس القوي على الضعيف الذي رخص له؛ لأجل ضعفه، كما ترى، ولا خلاف بين العلماء أن السنة أنه يبقى بجمع حتى يطلع الفجر كما تقدم، ومن المعلوم أن جمعًا، والمزدلفة، والمشعر الحرام، أسماء مترادفة، يراد بها شيء واحد، خلافًا لمن خصص المشعر الحرام بقزح دون باقي المزدلفة». [أضواء البيان،\n٥/ ٢٧٣].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٦/ ١٣٥: «فإن كان من الضعفة: كالنساء والصبيان، ونحوهم فإنه يتعجّل من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر، فيصلوا بها الفجر ...».\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في الشرح الممتع، ٧/ ٣٤١: «وهذا هو الصحيح أن المعتبر غروب القمر ... وغروب القمر يكون بعد مضي ثلثي الليل تقريبًا، وقد يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا ..». وقال ابن القيم في زاد المعاد، ٢/ ٢٤٨: «وأذن في تلك الليلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر ..».\nواختار شيخنا ابن باز: «أنه يمكن للضعفاء أن ينفروا إلى منى بعد مضي نصف الليل الأخير، والأفضل بعد غروب القمر ...» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٧٥]، واختار شيخنا أن من عجز عن المبيت في مزدلفة بحيث لم يجد مكانًا، أو منعه الجنود، فلا شيء عليه لقوله تعالى:\n﴿فَاتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، أما إذا كان متساهلًا فعليه دم، وكذا العلامة ابن عثيمين، انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٢٨٧، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٣٤٤، واختار شيخنا ابن باز أن من مرّ بمزدلفة ولم يبت فيها ثم عاد قبل الفجر ومكث بها ولو يسيرًا فلا شيء عليه. [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٢، ١٧/ ٢٨٩، وانظر: اختيارات مهمة في المبيت بالمزدلفة لشيخنا ابن باز، مجموع الفتاوى له، [١٦/ ٤٢، و١٧٥، و٢٢٢، ١٧/ ٢٥٠، ٢٧٧، ٢٧٩، ٢٨٠، ٢٨٤، ٢٨٦، ٢٨٩].","vol":"1","page":468},{"text":"الشمس؛ لحديث عمر - ﵁ -، قال عمرو بن ميمون: «شهدت عمر بن","vol":"1","page":469},{"text":"الخطاب - ﵁ - بجمعٍ الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرقْ ثبير [كيما نغير] وأن النبي - ﷺ - خالفهم أفاض قبل أن تطلع الشمس» (١)، والسنة أن يُلتقط هذا اليوم سبع حصيات مثل حصى الخذف؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر أن يُلتقط له الحصى إلا بعد انصرافه من المشعر الحرام إلى منى؛ لحديث الفضل بن عباس ﵄ قال: قال لي رسول اللَّه - ﷺ - غداة العقبة وهو على ناقته: «هات القط لي حصى»، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف (٢)، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «بأمثال هؤلاء فارموا، وإيّاكم والغلوّ في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين»، ولفظ ابن ماجه: قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - غداة العقبة، وهو على ناقته: «القط لي حصىً»، فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه،\nويقول: «أمثال هؤلاء فارموا»، ثم قال: «يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدين» (٣).\nوسمعت شيخنا ابن باز يقول: «وهذا يدل على أن السنة التقاط الحصى بعد دخول منى، وأن الحصى مثل حصى الخذف، والرمي بالحجر\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب متى يدفع من جمع، برقم ١٦٨٤، ما بين المعقوفين من مسند أحمد، ١/ ٤٢، وسنن ابن ماجه، برقم ٣٠٢٢.\n(٢) أي مثل حصى الحذف، والخذف: حصىً صغار يستطيع الإنسان أن يرمي به بين أصبعين.\n(٣) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى، برقم ٣٠٥٧، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، برقم ٣٠٣٩، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح النسائي،\n٢/ ٣٥٦، وصحيح ابن ماجه، ٣/ ٤٩، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٢٧٨، برقم ١٢٨٣.","vol":"1","page":470},{"text":"الكبير، أو الحذاء من الغلوّ في الدين، فالزيادة في العبادة غلوٌّ، والنقصُ من الجفاء») (١).\nوهذا هو الأفضل، ومن أيِّ موضع التقط الحصى أجزأه ذلك، ولا يتعيّن لقطه من مزدلفة، بل يجوز لقطه من منى، والسنة التقاط سبع حصيات في هذا اليوم مثل حصى الخذف يرمي بها جمرة العقبة، أما في الأيام الثلاثة فيلتقط من منى كل يوم إحدى وعشرين حصاة يرمي بها الجمار الثلاث (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>سادسًا: يكثر الحاج من التلبية في سيره إلى منى </span>فإذا وصل إلى محسِّر (٣) استحب له الإسراع قليلًا إن استطاع ذلك بدون أذىً لأحدٍ؛ لفعله - ﷺ - (٤) (٥).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٣٠٥٧.\n(٢) انظر: فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٧٢.\n(٣) محسَّر: واد بين مزدلفة ومنى.\n(٤) صحيح مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٥) بيّن سماحة شيخنا ابن باز: أن الصبي إذا فاته المبيت بمزدلفة أو منى ليالي التشريق، فعلى وليِّه الهدي؛ لأنه قد لزمته أحكام الحج، بسبب إحرامه: إن كان مميزًا، أو إحرام وليّه عنه إن كان غير مميز؛ ولأنه كالحاج المكلف المتنفّل، والمعتمر المكلف المتنفِّل، فإنهما يلزمهما أحكام الحج والعمرة؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، والآية المذكورة تعم المفترض والمتنفل [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٢٨٨].","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-701>المبحث الحادي والثلاثون: أعمال الحج يوم النحر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>أولًا: رمي جمرة العقبة:</span>\nإذا وصل الحاج إلى منى يوم النحر فالأفضل أن يرتب هذه الأعمال الأربعة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>١ - يقطع التلبية عند جمرة العقبة</span>؛ لحديث عبد اللَّه بن عباس ﵄: أن أسامة كان ردف النبي - ﷺ - من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: «لم يزل النبي - ﷺ - يلبي حتى رمى جمرة العقبة» (١)، وسُمِّيت جمرة العقبة؛ لأنها في عقبة مأزم منى، وخلفها من ناحية الشام وادٍ فيه بايع الأنصار رسول اللَّه - ﷺ - بيعة العقبة، وهي ملاصقة للجبل، وبجانبها طريق مع الجبل يسمى العقبة، والعقبة: هي الطريق مع الجبل، ولهذا سميت بالعقبة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>٢ - يستحب له أن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره</span>، وجمرة العقبة أمامه، ثم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده مع كل حصاة، ويكبر مع كل حصاة، ويتأكد بأن الرمي يقع في الحوض داخل المرمى؛ لحديث عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -، فعن عبد الرحمن بن يزيد: «أنه حجَّ مع عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -، فرآه يرمي الجمرة\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٤٣، ١٥٤٤، ومسلم، برقم ١٢٨١، ١٢٨٢، وتقدم تخريجه في أحكام التلبية.\n(٢) وقد أزيل طرف الجبل المتّصل بجمرة العقبة بناء على فتوى مفتي البلاد السعودية في عصره العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، بتاريخ ١/ ٩/ ١٣٧٥هـ، وأنشئت الطرقات بين جمرة العقبة والجبل، كما هو مشاهد الآن. [انظر: فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ٥/ ١٥٠ - ١٥١].","vol":"1","page":472},{"text":"الكبرى بسبع حصيات [يُكبِّر مع كل حصاة]، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة»، وفي رواية: أن عبد الرحمن بن يزيد كان مع ابن مسعود - ﵁ - حين رمى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها، فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: «من ها هنا - والذي لا إله غيره - قام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة»، وفي لفظ: «أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة» (١).\nوعن جابر - ﵁ - عنه عن النبي - ﷺ -، وفيه: «... ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يُكبِّر مع كل حصاة منها، حصى الخذف، رمى من بطن الوادي ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>٣ - وقت رمي جمرة العقبة، هذه الجمرة الوحيدة </span>التي يستحب للحاج أن يرميها ضُحىً يوم النحر (٣)، أما بقية الأيام فلا تُرمَى الجمار\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب رمي الجمار من بطن الوادي، برقم ١٧٤٧، وباب رمي الجمار بسبع حصيات، برقم ١٧٤٨، وباب من رمى جمرة العقبة فجعل البيت عن يساره، برقم ١٧٤٩، وباب يكبر مع كل حصاة، برقم ١٧٥٠، ومسلم كتاب الحج، باب رمي جمرة العقبة من بطن الوادي، وتكون مكة عن يساره، ويكبر مع كل حصاة، برقم ١٢٩٦.\n(٢) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) أول وقت رمي جمرة العقبة وآخره على النحو الآتي:\nأولًا: أول وقت رمي جمرة العقبة: أجمع العلماء على أن من رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس أجزأه ذلك، بل قال الإمام ابن المنذر في كتابه الإجماع، ص ٧٢: «وأجمعوا على أنه إن رمى جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أنه يجزئ».\nواختلفوا في أول الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة إلى ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أول وقت رمي جمرة العقبة بعد منتصف الليل [وقيده بعضهم بعد غروب القمر، كما صحّ عن أسماء بنت أبي بكر ﵂]، وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وعطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد، كما ذكره ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٩٥، وقال النووي في شرح المهذب: «وبه قال عطاء، وأحمد، وهو مذهب أسماء بنت أبي بكر ﵂، وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد، واستدلوا بحديث عائشة ﵂، قالت: «أرسل النبي - ﷺ - بأمِّ سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت» [أبو داود، برقم ١٩٤٢، والنسائي، برقم ٣٠٦٦]، وتقدم تخريجه في المبيت بمزدلفة، وقال ابن حجر في بلوغ المرام: «إسناده على شرط مسلم، وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٣/ ٢٦٣: «إسناده حسن». [وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٧٦، فقد نقل عن الإمام النووي تصحيحه في شرح المهذب، ثم قال الشنقيطي: «ولا يخفى أن رواية أبي داود المذكورة ظاهرها الصحة».\nقال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل منتصف الليل من ليلة النحر، وكذلك طواف الإفاضة»، وقال ﵀: «الصحيح أن رمي جمرة العقبة في النصف الأخير من ليلة النحر مجزئ للضعفة وغيرهم، ولكن يشرع للمسلم القوي أن يجتهد حتى يرمي في النهار اقتداء بالنبي - ﷺ -؛ لأنه - ﷺ - رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس» [مجموع فتاوى ابن باز،\n١٦/ ١٤٣، وكان يفتي كثيرًا: بأنه يجوز الرمي بعد منتصف الليل، والأفضل بعد غروب القمر، ولكن الأفضل للأقوياء أن يرموا بعد طلوع الشمس، اقتداء بالنبي - ﷺ -، قال شيخنا ابن باز ﵀: «وحديث ابن عباس ﵄: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» [أخرجه أحمد، برقم ٢٠٨٢، و٢٠٨٩،و٢٥٠٧،و٢٨٤١،و٣٠٠٣،و٣١٩٢، و٣٢٠٣، وأبو داود، برقم ١٩٤٠، والنسائي، ٥/ ٢٧١، برقم ٣٠٦٤ والترمذي، برقم ٨٩٣] ضعيف لانقطاعه بين الحسن العرني وابن عباس، وعلى فرض صحته فهو محمول على الندب جمعًا بين الأحاديث، كما نبَّه على ذلك الحافظ ابن حجر ﵀». [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٣، ١٧٥، ٢٢٢، ١٧/ ٢٩٢، ٢٩٤، ٢٩٦، ٣٧٧، ٢٥/ ٢٣١].\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «... ولرمي هذه الجمرة [أي جمرة العقبة] وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء؛\n\nفأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس، قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين على أن رسول اللَّه - ﷺ - إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وقال جابر - ﵁ -: «رمى رسول اللَّه - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضحىً، وأما بعد فإذا زالت الشمس» [رواه مسلم، برقم ٣١٤ - (١٢٩٩)] إلى أن قال: «لأن رميها بعد طلوع الشمس يجزئ بالإجماع، وكان أولى.\nوحديث ابن عباس: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» [أبو داود، برقم ١٩٤٠، وغيره، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٥]، وكذا حديثه: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يقدم ضعفاء أهله بغلس ويأمرهم - يعني - لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس» [أخرجه أبو داود، برقم ١٩٤١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٦] يحمل إذا كان صحيحًا على الاستحباب كما تقدم.\nوأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، ... ثم استدل بحديث عائشة ﵂ في رمي صفية ﵂ قبل الفجر، وبحديث أسماء، وأنها نزلت من مزدلفة بعد غروب القمر، ثم رمت قبل صلاة الفجر، وقال: لأنه وقتٌ للدفع من مزدلفة، فكان وقتًا للرمي، ثم قال في الأخبار في الرمي بعد طلوع الشمس: «والأخبار المتقدمة محمولة على الاستحباب». [المغني، ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥].\nالقول الثاني: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن رمي جمرة العقبة يبتدئ من بعد طلوع الشمس، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، واحتجوا بقول النبي - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم ...» [مسلم، برقم ١٢١٨، والبيهقي بلفظه، ٥/ ١٢٥]، وبحديث ابن عباس، وفيه: «... لا ترموا الجمرة حتى تطلع المشس» [أبو داود، برقم ١٩٤٠، والنسائي، ٥/ ٢٧١، والترمذي، برقم ٨٩٣، وتقدم الحكم عليه].\nالقول الثالث: أول وقت رمي جمرة العقبة للضعفة بعد طلوع الفجر، ولغير الضعفة بعد طلوع الشمس، وهو قول لبعض أهل العلم، واختاره ابن القيم في زاد المعاد، ٢/ ٢٥٢، قال ابن القيم ﵀: «وفي المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها: الجواز بعد نصف الليل مطلقًا للقادر والعاجز، كقول الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه: [قال شيخنا ﵀ تعليقًا على هذا المذهب: وهذا هو الصواب، لكن بعد نصف الليل، والأقوياء الأفضل لهم تأخير الرمي إلى بعد طلوع الشمس]. والثاني: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، كقول أبي حنيفة ﵀، والثالث: لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس، كقول جماعة من أهل العلم، والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حدَّه بالنصف دليل، واللَّه أعلم» [زاد المعاد، ٢/ ٢٥٢]. ويرى العلامة ابن عثيمين ﵀: أنه لا يدفع أحد من مزدلفة، ولا يرمي إلا بعد أن يصلي الفجر ما لم يكن ضعيفًا، أو صاحب ضعيف، ومع ذلك لو دفع بعد نصف الليل فإنه لا يأثم، والمسألة من باب الأفضلية [الشرح الممتع، ٧/ ٣٦١].\nثانيًا: آخر وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى غروب الشمس يوم النحر، قال الإمام ابن قدامه في المغني، ٥/ ٢٩٥: «قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقتٍ لها، وإن لم يكن مستحبًا لها»؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - يُسأل يوم النحر بمنى، فيقول: «لا حرج»، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: «اذبح ولا حرج»، وقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: «لا حرج» [البخاري، برقم ١٧٣٥، بلفظه، ومسلم، برقم ١٣٠٧].\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٣/ ٥٦٩ في قوله: «رميت بعدما أمسيت» أي بعد دخول المساء، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتدَّ الظلام، فلم يتعيَّن لكون الرمي المذكور كان بالليل»، فإن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرمِ جمرة العقبة، فقد اختلف العلماء على قولين:\nالقول الأول: يجوز الرمي ليلًا، وهو قول عبد اللَّه بن عمر ﵄، وبه قال الإمام مالك وأصحابه، والإمام الشافعي، ومحمد بن المنذر، ويعقوب، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:\n١ - حديث ابن عباس ﵄، قال: «كان النبي - ﷺ - يُسأل يوم النحر بمنىً فيقول: «لا حرج»، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: «إذبح ولا حرج»، وقال: رميت بعدما أمسيتُ؟ فقال: «لا حرج» [البخاري، برقم ١٧٣٥]، قالوا: فقد صرّح النبي - ﷺ - بأن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٢].\n٢ - ما روى مالك في الموطأ في كتاب الحج، باب الرخصة في رمي الجمار، ١/ ٤٠٩، عن نافع مولى ابن عمر: «أن ابنة أخٍ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد اللَّه بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئًا»، قال العلامة عبد المحسن بن حمد العباد البدر في كتابه تبصير الناسك، ص ١٤٥: «بإسناد صحيح»، فقال أصحاب هذا القول: فقد أمر ابن عمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي - ﷺ -: أن الرمي ليلًا جائز. [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٥].\nالقول الثاني: لا يجوز الرمي ليلًا، بل إن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرمِ، فإنه يؤخر رمي جمرة العقبة حتى تزول الشمس من الغد ثم يرميها، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو مذهب الإمام أحمد، قال الإمام ابن قدامه في المغني، ٥/ ٢٩٥: «فإن أخرها إلى الليل لم يرمِ حتى تزول الشمس من الغد، وبهذا قال أبو حنيفة وإسحاق ...»، وردّ أصحاب هذا القول على من استدل بحديث: «رميت بعدما أمسيت» فقالوا: إن مراد السائل بقوله: «بعدما أمسيت» يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل، قالوا: والدليل الواضح على ذلك: أن حديث ابن عباس المذكور فيه: كان النبي - ﷺ - يُسأل يوم النحر بمنى ... الحديث، فتصريحه بقوله: «يوم النحر» يدل على أن سؤاله وقع في النهار، والرمي بعد الإمساء وقع في النهار؛ لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٥٦٩: «رميت بعدما أمسيت» أي بعد دخول المساء»، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتدّ الظلام لم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل»، وقال ابن منظور في لسان العرب: «المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعضهم إلى نصف الليل».\nفأجاب أصحاب القول الأول بأجوبة منها:\nالجواب الأول: أن قول النبي - ﷺ -: «لا حرج» بعد قول السائل رميت بعدما أمسيت؟ يشمل لفظه نفي الحرج عمن رمى بعدما أمسى، وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار وجزء من الليل.\nالجواب الثاني: أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس ﵄ المذكور ما هو أعم من يوم النحر، وهو صادق قطعًا بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق، ومعلوم أن الرمي فيها لا يكون إلا بعد الزوال، فقول السائل في بعض أيام التشريق: رميت بعدما أمسيت؛ لا ينصرف إلا إلى الليل، لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم، فلا يسأل عنه صحابي، فعن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - يسأل أيام منى؟ فيقول: «لا حرج»، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: «لا حرج»، فقال رجل: رميت بعدما أمسيت؟ قال: «لا حرج»، [النسائي، برقم ٣٠٦٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٥٩]، فقوله في هذا الحديث الصحيح: أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد، فهو صادق بحسب وضع اللغة، ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا إلى الليل، كما تقدم [أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٢٨٤].\nالجواب الثالث: هو ما تقدم في موطأ الإمام مالك عن ابن عمر في الدليل الثاني من أدلة القائلين بجواز الرمي ليلًا.\nفالراجح جواز الرمي ليلًا، فيرمي من فاته الرمي لجمرة العقبة قبل غروب الشمس، ليلًا، عن اليوم الذي غابت شمسه، فيرمي عن جمرة العقبة ليلة الحادي عشر، وهو الذي يفتي به شيخنا ابن باز ﵀، ويرجحه منذ دهر طويل [انظر: مجموع الفتاوى له:١٧/ ٢٩٩، ٣٠١، ٣٧٧].\nثالثًا: جمهور العلماء على أن رمي جمرة العقبة واجب يجبر بدم، وخالف عبد الملك الماجشون من أصحاب مالك الجمهور، فقال: هو ركن، واحتج الجمهور بالقياس على الرمي في أيام التشريق [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٧].\nرابعًا: أجمع العلماء على أنه لا يرمي من الجمرات يوم النحر إلا جمرة العقبة [أضواء البيان، ٥/ ٢٨٧].","vol":"1","page":473},{"text":"الثلاث إلا بعد الزوال فعن جابر - ﵁ - قال: «رمى رسول اللَّه - ﷺ - يوم النحر ضحىً وأما بعدُ فإذا زالت الشمس»، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري معلقًا: «رمى النبي - ﷺ - يوم النحر ضحىً، ورمى بعد ذلك بعد الزوال» (١)، وجمرة العقبة هي الأخيرة مما يلي مكة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>ثانيًا: نحر الهدي أو ذبحه:</span>\nإذا فرغ الحاج من رمي جمرة العقبة نحر هديه أو ذبحه، وهو شاة، أو سُبُعُ بدنة، أو سُبُعُ بقرة، وهو واجب على المتمتع والقارن؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ\nيَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣).\nويُستحب أن يقول عند ذبحه أو نحره: «بسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّهم\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب الحج، باب رمي الجمار، قبل الحديث رقم ١٧٤٦، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وقت استحباب الرمي، برقم ٣١٤ - (١٢٩٩).\n(٢) جمرة العقبة لها خصائص اختصت بها على سائر الجمرات على النحو الآتي:\n٣ - ١ - ترمى يوم النحر. ٢ - صباحًا. ٣ - ترمى من أسفلها. ٤ - لا يوقف عندها للدعاء. ٥ - تستقبل حال الرمي. ٦ - أحد ما يحلّ به الحاج. ٧ - قطع الحاج التلبية إذا رماها. [فتاوى العلامة محمد بن إبراهيم ﵀، ٦/ ١٥].\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.","vol":"1","page":478},{"text":"منك ولك [اللَّهم تقبل مني]» (١).\nويُسنُّ ذبح الغنم والبقر على جنبها الأيسر موجهة إلى القبلة، ونحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى؛ لحديث زياد بن جبير، قال: «رأيت ابن عمر ﵄ أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها، قال: ابعثها قيامًا مُقَيَّدة سُنّة محمد - ﷺ -» هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنة باركة، فقال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة نبيكم - ﷺ -» (٢).\nويستحب أن يأكل من هديه، ويُهدي، ويتصدق؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣)، ويمتد وقت الذبح على الصحيح إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق (٤) ويجوز له أن يذبح في منى وهو الأفضل أو في مكة؛ لحديث جابر - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال:\n«نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا، وجمع كلها موقف»،هذا لفظ مسلم، ولفظ أبي داود: «وقفت ها هنا بعرفة، وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا بجمع، وجمع كلها موقف، ونحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب الضحية وذبحها مباشرة، والتسمية والتكبير، برقم\n١٨ - (١٩٦٦)، ولفظ مسلم: «بسم اللَّه، واللَّه أكبر [اللَّهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد]» من حديث أنس - ﵁ -، وما بين المعقوفين من حديث عائشة ﵂ عند مسلم، في صحيحه، برقم ١٩٦٧، وعند البيهقي ٩/ ٢٨٧: «اللَّهم منك ولك ...» من حديث جابر - ﵁ -، ومن حديث ابن عباس، ٩/ ٢٨٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب نحر الإبل مقيدة، برقم ١٧١٣، ومسلم، كتاب الحج، باب نحر الإبل قيامًا مقيدة، برقم ١٣٢٠.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٢٨.\n(٤) انظر مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٧٤.","vol":"1","page":479},{"text":"رحالكم» (١)،وفي لفظ لأبي داود: «كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>ثالثًا: الحلق أو التقصير، والحلق أفضل:</span>\nإذا فرغ الحاج من ذبح هديه أو نحره لمن كان له هدي حلق رأسه أو قصَّره، والحلق أفضل للرجل؛ لأن النبي - ﷺ - دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة واحدة؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «رحم اللَّه المحلقين»،قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه، قال: «رحم اللَّه المحلّقين»،قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه، قال: «رحم اللَّه المحلقين»،قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: «والمقصرين» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه: «اللَّهم اغفر للمحلقين»، قالوا: يا رسول اللَّه والمقصرين، قال: «اللَّهم اغفر للمحلقين»، قالوا: يا\nرسول اللَّه والمقصرين؟ قال: «اللَّهم اغفر للمحلقين»، قالوا: يا رسول اللَّه والمقصرين؟ قال: «والمقصِّرين» (٤).\nأما المرأة فليس عليها إلا التقصير تأخذ من كل قرن قدر الأنملة أو أقل.\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٤٩ - (١٢١٨)، وأبو داود، كتاب المناسك، باب الصلاة بجمع، برقم ١٩٣٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٤.\n(٢) أبو داود، كتاب المناسك، باب الصلاة بجمع، برقم ١٩٣٧، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٥: «حسن صحيح».\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال، برقم،١٧٢٧،ومسلم، واللفظ له، في كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير، برقم ٣١٨ - (١٣٠١).\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال، برقم ١٧٢٨، ومسلم، واللفظ له، في كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير، برقم ١٣٠٢.","vol":"1","page":480},{"text":"وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ويُسمَّى هذا التحلل الأول (١).\n_________\n(١) مسائل مهمة في التحلل على النحو الآتي:\nالمسألة الأولى: اختلف العلماء ﵏: هل الحلق نسك أم لا؟ على قولين:\nالقول الأول: الحلق والتقصير نسك لا بد من فعله في الحج، والعمرة، فهو واجب من واجبات الحج، وواجب من واجبات العمرة، يثاب على فعله، ويستحق العقاب من تركه [قاله ابن تيميه في شرح العمدة، ٢/ ٥٤١]، قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٥/ ٣٠٤: «والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة، في ظاهر مذهب أحمد، وقول الخرقي، وهو قول مالكٍ، وأبي حنيفة، والشافعي»، وبيَّن الإمام ابن قدامة أن هذا القول هو الأصح؛ فإن النبي - ﷺ - أمر به، فروى ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: «من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحل»، [البخاري، برقم ١٦٢٣، ومسلم برقم ١٢١١]، وعن جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أحلوا من إحرامكم بطوافٍ بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصِّروا» [البخاري، برقم ١٤٦٦، ومسلم، برقم ١٠٠٥] وأمره يقتضي الوجوب؛ ولأن اللَّه تعالى وصفهم به، بقوله سبحانه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [سورة الفتح: ٢٧]، ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به، كاللبس، وقتل الصيد؛ ولأن النبي - ﷺ - ترحَّم على المحلقين ثلاثًا، وعلى المقصرين مرة، ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل، كالمباحات؛ ولأن النبي - ﷺ - وأصحابه فعلوه في جميع حججهم وعمرهم، ولم يخلَّوا به، ولو لم يكن نسكًا لما داوموا عليه، بل لم يفعلوه إلا نادرًا؛ لأنه لم يكن من عاداتهم فيفعلوه عادة، ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله ...» [المغني لابن قدامه،\n٥/ ٣٠٥ - ٣٠٦ بتصرف].\nوقال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٨٨: «التحقيق أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير».\nالقول الثاني: الحلق والتقصير ليس بنسك، وإنما هو إطلاق من محظور كان محرَّمًا عليه بالإحرام، فأطلق فيه عند الحل، كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام، وهذا القول رواية عن أحمد، فعلى هذه الرواية لا شيء على تاركه، ويحصل الحلُّ بدونه، ووجه ذلك: أن النبي - ﷺ - أمر بالحل من العمرة قبله، فروى أبو موسى قال: قدمتُ على رسول اللَّه - ﷺ -، فقال لي: (بمَ أهللتَ؟) قال: قلت: لبيك بإهلالٍ كإهلال رسول اللَّه - ﷺ -، قال: «أحسنت»، فأمرني فطفت بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم قال لي: «أحلّ» [البخاري، برقم ١٦٠٩، ومسلم، برقم ١٢٢١].\nوعن جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - لما سعى بين الصفا والمروة، قال: «من كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة» [مسلم، برقم ١٢١٨]، وعن سراقه: أن النبي - ﷺ - قال: «إذا قدمتم فمن تطوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلَّ إلا من كان معه هدي» [أخرجه أحمد، برقم ١٥٤١٩، وأبو داود، برقم ١٨٠١،والدارِمِي، برقم ١٨٥٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٥٧٣]؛ ولأن ما كان محرمًا في الإحرام إذا أبيح كان إطلاقًا من محظور، كسائر محرّماته [المغني، ٥/ ٣٠٦].\nوالصواب أن الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة، وواجب من واجبات الحج، وواجب من واجبات العمرة، وعلى من تركه دمٌ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن قول من قال: بأن الحلق أو التقصير ليس بنسك: «واعلم أن هذا القول غلط على المذهب ليس عن أحمد ما يدل على هذا، بل كلامه كله دليل على أن الحلق من المناسك [شرح العمدة، ٢/ ٥٤١].\nوقال العلامة الشنقيطي: «وأظهر القولين عندي: أن الحلق نسك» [أضواء البيان، ٥/ ٢٨٨]\nوقال العلامة محمد بن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع: ٧/ ٣٦٦: «والصواب: أنه نسك، وعبادة وقربة لله، والدليل على هذا: أن النبي - ﷺ - «دعا للمحلقين والمقصرين»، ولا يدعو إلا بشيء مطلوب شرعًا.\nونقل ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٧ اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه نُسُكٌ، ويحلُ قبله، وذكر جماعة على أنه نسك في حلّه قبله روايتين.\nالمسألة الثانية: اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في مسألة التحلل من الحج على أقوال:\nالقول الأول: التحلل الأول يحصل بمجرد رمي جمرة العقبة، فيحل له كل شيء إلا النساء، وبه قال الإمام أحمد في رواية عنه، والإمام مالك، وعطاء، وأبو ثور؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساء» [أبو داود، برقم ١٩٧٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٥٤]، وقول ابن عباس\n﵄، قال: «إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كلُّ شيء إلا النساء»،فقال له رجل: يا ابن عباس والطيب؟ فقال: «أما أنا فقد رأيت رسول اللَّه - ﷺ - يُضمِّخُ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟»،وهذا لفظ ابن ماجه، وأما لفظ النسائي، فقال: «فعن ابن عباس قال: «إذا رمى الجمرة فقد حلَّ له كلُّ شيء إلا النساء» قيل: والطيبُ؟ قال: «أما أنا فقد رأيتُ رسول اللَّه - ﷺ - يتضمَّخ بالمسك، أفطيب هو؟» [ابن ماجه، كتاب المناسك، باب ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة، برقم ٣٠٤١، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب ما يحل للمحرم بعد رمي الجمار، برقم ٣٠٨٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٥٣، وفي صحيح النسائي، ٢/ ٣٦٤]، وأخرجه أحمد، ٥/ ٢٧٦، برقم: ٣٢٠٤، وقال محققو المسند، ٥/ ٢٧٦: «صحيح لغيره، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الحسن بن عبد العزيز فمن رجال مسلم، وهو ثقة إلا أنه لم يسمع من ابن عباس»، ورواه أحمد أيضًا مرفوعًا٤/ ٥، برقم ٢٠٩٠، ولكن فيه الحسن العرني كذلك، وله شاهد عن عائشة ﵂، قالت: «طيبت رسول اللَّه بيدي بذريرة لحجة الوداع للحلِّ والإحرام: حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت»، [أحمد، ٤٣/ ١٩٠، برقم ٢٦٠٧٨، وقال محققو المسند، ٤٣/ ١٩٠: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»، وقال الإمام النسائي ... عن عائشة ﵂، قالت: «طيبت رسول اللَّه - ﷺ -، لحرمه حين أحرم، ولحلِّه بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت» [النسائي، برقم ٢٦٨٦، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٥٦] قال الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٣٨، عن إسناد الإمام أحمد، وإسناد النسائي هذا: «وإسنادهما صحيح على شرط الشيخين» [وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٣٩].\nوقد رجّح هذا القول الإمام ابن قدامه في المغني، ٥/ ٣١٠، فقال: «وعن أحمد أنه إذا رمى جمرة العقبة، فقد حلَّ، وإذا وطئ بعد جمرة العقبة فعليه دم، ولم يذكر الحلق، وهذا يدل على أن الحِلَّ بدون الحلق [يعني التحلل الأول]، وهذا قول عطاء، ومالك، وأبي ثور، وهو الصحيح إن شاء اللَّه تعالى؛ لقوله: [- ﷺ -] في حديث أم سلمة ﵂: «إن هذا يوم رُخِّص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلُّوا - يعني من كل ما حُرمتم منه - إلا النساء ..» [أبو داود، برقم ١٩٦٩، في كتاب المناسك، باب الإفاضة في الحج، وقال الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٦٠: «حسن صحيح».\nقال شيخنا ابن باز في مجموع الفتاوى، ١٧/ ٣١٦: «... التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة عند جمع من أهل العلم، وهو قولٌ قويٌ، وإنما الأحوط هو تأخير التحلل الأول حتى يحلق المحرم، أو يقصرّ، أو يطوف الإفاضة، ويسعى إن كان عليه سعي بعد رمي جمرة العقبة، ومتى فعل الثلاثة المذكورة حلّ التحلّل كله، واللَّه ولي التوفيق».\nالقول الثاني: التحلل الأول لا يحصل إلا برمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير، فإذا فعل ذلك حلَّ له كله شيء إلا النساء، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، والإمام أحمد في الرواية الأخرى، قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٥/ ٣٠٧: «... المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق حلَّ له كلُّ ما كان محظورًا بالإحرام إلا النساء، هذا الصحيح من مذهب أحمد ﵀، نصَّ عليه، في رواية جماعة، فيبقى ما كان محرمًا عليه من النساء: من الوطء، والقبلة، واللمس، لشهوة، وعقد النكاح، ويحلُّ له ما سواه، هذا قول ابن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم، وطاوس، والنخعي، وعبيد بن الحسن، وخارجة بن زيد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وروي أيضًا عن ابن عباس ﵄».\nوعن أحمد أنه يحلُّ له كل شيء إلا الوطء في الفرج، لأنه أغلظ المحرمات، ويُفسدُ النسك بخلاف غيره»، وقال المرداوي في الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف، ٩/ ٢١٣: «وظاهر كلام أبي الخطاب، وابن شهاب، وابن الجوزي ... حلُّ العقدِ، وقاله الشيخ تقي الدين، وذكره عن أحمد، وعنه إلا الوطء في الفرج»، وفي الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص ١٧٥: «يحلُّ للمحرم بعد التحلل الأول كلُّ شيء حتى عقد النكاح، وهذا منصوص أحمد إلا النساء».\nوقال ابن قدامة في المغني، ٥/ ٣٠٩: «وظاهر كلام الخرقي ها هنا: أن الحلَّ إنما يحصلُ بالرمي والحلق معًا، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقول الشافعي، وأصحاب الرأي»، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء» [أحمد، ٤٢/ ٤٠، برقم ٢٥٠٣، قال محققو المسند، ٤٢/ ٤٠: «صحيح دون قوله: «وحلقتم»، وهذا إسناد ضعيف لضعف حجاج بن أرطأة»، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٣٥، برقم ١٠٤٦: «وضعيف بزيادة «وحلقتم»، قال ابن قدامه في المغني، ٥/ ٣١٠: «وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما؛ ولأنهما نسكان يتعقبهما الحلُّ فكان حاصلًا بهما، كالطواف والسعي في العمرة»، وأما التحلل الثاني فيحصل بالطواف بالبيت والسعي لمن كان عليه سعي.\nقال العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٧/ ٣٦٥: «الذي يظهر لي أنه لا يحل إلا بعد الرمي والحلق، والدليل قول عائشة ﵂: «كنت أطيب رسول اللَّه - ﷺ - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» [البخاري، برقم ٢٥٩، ومسلم برقم ١١٨٩]، ولو كان يحل بالرمي لقالت: ولحله قبل أن يحلق، فهي ﵂ جعلت الحلَّ ما بين الطواف والذي قبله، والذي قبله هو الرمي، والنحر، والحلق، ولا سيما وأن النبي - ﷺ - قال: «إن معي الهدي فلا أحل حتى أنحر» [البخاري، برقم ١٥٦٦، ومسلم، برقم ١٢٢٩]، فالصواب أنه لا يحل التحلل الأول إلا بعد الرمي والحلق».\nوتقدم أن شيخنا ابن باز بيّن أن الأحوط أن لا يحل التحلل الأول إلا بعد الرمي والحلق، أو فعل اثنين من ثلاثة. [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ٢٢٤، ١٧/ ١٣١، ٣٢٧، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٨، و٢٥/ ٢٣١، ٢٤٠].\nالقول الثالث: التحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة: هي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة، فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة: تحلّل التحلّل الأول، وحلّ له كلُّ شيء إلا النساء، وإن فعل الثالث تحلل التحلل الثاني، وبهذا يحلُّ له كل شيء حتى النساء، وبهذا قال الإمام الشافعي كما نقله العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٨٩، وهو رواية عن الإمام أحمد، كما قاله ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٧، قال: «وهل يحصل التحلل الأول باثنين من رمي، وحلق، وطواف، واختاره الأكثر، أو بواحد من رمي، وطواف، والثاني بالباقي، فيه روايتان، فعلى الثانية الحلق إطلاق من محظور، وفي «التعليق» نسك كالمبيت بمزدلفة، ورمي يوم الثاني والثالث، واختار الشيخ أنه نسك».\nوقال المرداوي في تصحيح الفروع، ٦/ ٥٧: «... يحصل التحلل الأول باثنين: من رمي، وحلق، وطواف، وهو الصحيح ... والرواية الثانية: يحصل التحلل [أي الأول] بواحد من رمي وطواف»، وهذا على القول بأن الحلق ليس بنسك، والصواب أنه نسك كما تقدم.\nوقال الإمام ابن قدامة في الكافي، ٢/ ٤٤٥: «يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: الرمي، والحلق، والطواف، ويحصل التحلل الثاني بالثالث، إن قلنا إن الحلق نسك، وإن قلنا ليس بنسك حصل التحلل الأول بواحد من اثنين، وهما الرمي والطواف، وحصل التحلل الثاني بالثاني»، وتقدم أن الصواب أن الحلق نسك.\nوقال شيخنا ابن باز في مجموع الفتاوى، ١٧/ ٣٥٤: «يقصد بالتحلل الأول: إذا فعل اثنين من ثلاثة: إذا رمى، وحلق أو قصر، أو رمى، وطاف وسعى إن كان عليه سعي، أو طاف وسعى، وحلق أو قصر، فهذا هو التحلل الأول، وإذا فعل الثلاثة: الرمي، والطواف، والسعي إن كان عليه سعي، والحلق أو التقصير، فهذا هو التحلل الثاني، فإذا فعل اثنين فقط: لبس المخيط، وتطيب وحلَّ له كل ما حرم عليه بالإحرام ما عدا الجماع، فإذا جاء بالثالث حل له الجماع». وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا رمى الجمرة يوم العيد يحصل له التحلل الأول، وهو قول جيد، ولو فعله إنسان فلا حرج عليه إن شاء اللَّه، ولكن الأولى والأحوط أن لا يعجل حتى يفعل معه ثانيًا بعده: الحلق أو التقصير، أو يضيف إليه الطواف والسعي إن كان عليه سعي ..».\nالمسألة الثالثة: القدر الذي يكفي في الحلق أو التقصير في الحج والعمرة: اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجب حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه للرجال، أما النساء فيقصرن من جميع الرأس قدر الأنملة، وبهذا قال الإمام أحمد، وأصحابه، والإمام مالك وأصحابه، ولا يلزم في التقصير تتبع كل شعرة، بل يكفيه أن يأخذ من جميع الرأس، وبعضهم يقول: يكفيه قدر الأنملة في التقصير من جميع الرأس، والمالكية يقولون: يقصره إلى القرب من أصول الشعر. قال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٨٩: «... أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزئ، ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يكفي في الحلق والتقصير ...» إلى أن قال: «وقال مالك، وأحمد، وأصحابهما يجب حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه، ولا يلزمه في التقصير تتبع كل شعره ...».\nوقال العلامة ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٤: «وإن قصر فمن جميه نصَّ عليه، قال شيخنا [يعني ابن تيمية] لا من كل شعرة بعينها».\nالقول الثاني: يكفي حلق ربع الرأس أو تقصير ربعه بقدر الأنملة، وبه قال أبو حنيفة [أضواء البيان، ٥/ ٥٨٩].\nالقول الثالث: يكفي في الحلق والتقصير ثلاث شعرات فصاعدًا؛ لأن ذلك يصدق عليه أنه حلق، أو قصر؛ لأن الثلاث جمع، وبه قال الإمام الشافعي وأصحابه. [أضواء البيان،\n٥/ ٥٨٩]. وذكر ابن مفلح في كتابه الفروع عن الإمام أحمد رواية ٦/ ٥٤، بقوله بعد أن ذكر وجوب حلق الجميع أو تقصيره قال: «وعنه أو بعضه، فيجزئ ما نزل عن رأسه».\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٨٩: «وأظهر الأقوال عندي أنه يلزم حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعره في التقصير؛ لأن فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفي الربع ولا ثلاث شعرات خلافًا للحنفية، والشافعية؛ لأن اللَّه تعالى يقول: «مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ»، ولم يقل بعض رؤوسكم «وَمُقَصِّرِينَ» أي رؤوسكم؛ لدلالة ما ذكر قبله عليه، وظاهره حلق الجميع أو تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه؛ .. ولأن النبي - ﷺ - لما حلق في حجة الوداع حلق جميع رأسه ..» [مسلم، برقم ١٣٠٥، من حديث أنس - ﵁ -، وروى البخاري عن ابن عمر ﵄: «حلق رسول اللَّه في حجته» [البخاري، برقم ١٧٢٦]، ولا شك أن حلق بعض الرأس دون بعض قد نهى عنه رسول اللَّه - ﷺ -، فإنه قد نهى عن القزع [البخاري، برقم ٥٩٢٠، ٥٩٢١، ومسلم، برقم ٢١٢٠]، [انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٣٥٣، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٥٥٨، وحاشية الروض المربع، ١/ ١٦٢]، وقد قال النبي - ﷺ -: «احلقوه كله أو اتركوه كله» [النسائي، برقم ٥٠٦٣، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٣٥٩].\nالمسألة الرابعة: الحلق أفضل من التقصير بالنسبة للرجال، أما النساء فليس عليهن حلق، وإنما عليهن التقصير، فيجب على المرأة في الحج أو العمرة أن تقصِّر من جميع رأسها قدر الأنملة؛ لأنه يصدق عليه أنه تقصير، من غير منافاة لظاهر النصوص؛ ولأن شعر المرأة من جمالها؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» [أبو داود، برقم ١٩٨٤،١٩٨٥،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ٥٥٥].\nالمسألة الخامسة: حكم حلق المرأة رأسها: لا يجوز لخمسة أمور على النحو التالي:\n١ - الإجماع على عدم حلقهن في الحج، قال ابن المنذر في الإجماع، ص ٧٥: «وأجمعوا أن ليس على النساء حلق».\n٢ - أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق، عن علي، وعثمان، وعائشة، وهي يعضد بعضها بعضًا [أضواء البيان، ٥/ ٥٩٥ - ٥٩٧].\n٣ - أنه ليس من عمل نساء الصحابة ومن بعدهم، وفي الحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» [البخاري، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، واللفظ لمسلم، برقم ١٧١٨].\n٤ - حلق النساء تشبه بالرجال وهو حرام «لعن اللَّه المتشبهات من النساء بالرجال» [البخاري، برقم ٥٨٨٥].\n٥ - حلق النساء مثلة، والمثلة لا تجوز؛ لأن شعر رأس المرأة من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها، وتشويه لخلقها [أضواء البيان ٥/ ٥٩٧، قال الشنقيطي في الأضواء، ٥/ ٥٩٨: «وبهذا تعلم أن العرف الذي صار جاريًا في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله سنة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين، ونساء العرب قبل الإسلام، ومن جملة الانحرافات التي عمت البلوى بها في الدين والخلق، والسمت ...».\nوأما ما جاء عن أزواج النبي - ﷺ - من ذلك، فأما ميمونة على تقدير صحة حلقها فالحلق لضرورة المرض، لتمكين آلة الحجم من الرأس، وأما حديث مسلم «وكان أزواج النبي - ﷺ - يأخذن من رؤوسهن حتى يكون كالوفرة»، والوفرة ما جاوز شحمة الأذنين على قول ابن سيده، فتقصير أزواج النبي - ﷺ - رؤوسهن بعد وفاته - ﷺ -؛ لأنهن كن يتجملن له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن، أما بعد وفاته فلهن حكم خاص بهن لا تشاركهن فيه امرأة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهن انقطاعًا كليًا من التزويج، ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع. انظر التفصيل في [أضواء البيان، ٥/ ٥٩٩ - ٦٠١].","vol":"1","page":481},{"text":"فإذا تحلل التحلل الأول: استحب له أن يتطيب؛ لقول عائشة ﵂: «كنت أطيب رسول اللَّه - ﷺ - لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» (١).\nويستحب له أن يتنظف ويلبس أحسن ثيابه.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٣٩، ومسلم، برقم ١١٨٩، وتقدم تخريجه في الإحرام.","vol":"1","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>رابعًا: طواف الإفاضة مع السعي لمن كان عليه سعي:</span>\nيتوجه الحاج بعد الأعمال السابقة إلى مكة؛ ليطوف بالبيت، ويُسمَّى هذا الطواف: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) ويكون طوافه كطواف العمرة، وطواف القدوم الذي ذُكِرَ سابقًا تمامًا، لكن ليس فيه رمل ولا اضطباع.\nثم يُصلِّي ركعتين خلف المقام، ويستحب أن يشرب من زمزم؛ لفعله - ﷺ -،ففي حديث جابر - ﵁ -: «... ثم ركب رسول اللَّه - ﷺ - فأفاض (٢) إلى\nالبيت، فصلَّى بمكة الظهر (٣)، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: «انزعوا (٤) بني عبد المطلب، فلولا أن لا يغلبكم الناس (٥) على\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٢٩.\n(٢) فأفاض إلى البيت: فيه محذوف تقديره: فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة، ثم صلَّى الظهر، فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه. [شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٤٤٣].\n(٣) جاء في حديث جابر هذا أنه صلى الظهر يوم النحر بمكة، وفي حديث ابن عمر عند مسلم أيضًا برقم ١٣٠٨: «أنه - ﷺ - أفاض يوم النحر، ثم رجع وصلَّى الظهر بمنى»، وكذلك قالت عائشة: إنه صلى الظهر بمنى والجمع بين حديث جابر، وحديث ابن عمر وعائشة - ﵃ - أنه طاف طواف الإفاضة وصلى الظهر بمكة في أول وقتها وهي فريضته، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فتكون الظهر الثانية نافلة له، والأولى فرضه. [شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٤٤٣ - ٤٤٤]. وهكذا جمع بين ذلك شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ٢٨٣، وانظر: أضواء البيان، ٥/ ٢١٨.\n(٤) انزعوا: معناه: استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء [شرح النووي، ٨/ ٤٤٤].\n(٥) لولا أن يغلبكم الناس: أي: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج، ويزدحمون عليه، بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لأسقيت معكم؛ لكثرة فضيلة هذا الاستقاء [شرح النووي، ٨/ ٤٤٤].","vol":"1","page":488},{"text":"سقايتكم لنزعتُ معكم، فناولوه دلوًا فشرب منه» (١).\nثم بعد طواف الإفاضة (٢)، وصلاة ركعتين يسعى بين الصفا والمروة\nإن كان متمتعًا؛ لأن سعيه الأول لعمرته وهذا سعي الحج؛ لحديث\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه، وانظر: ما أخرجه البخاري عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، برقم ١٦٣٥.\n(٢) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في أول وقت طواف الإفاضة وآخره على قولين:\nالقول الأول: أول وقت طواف الإفاضة بعد مضي منتصف الليل، وآخره لا حد له، وبهذا قال الإمام أحمد، والشافعي، قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٣١٢: «ولهذا الطواف وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء، فأما وقت الفضيلة فيوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق، ... وأما وقت الجواز فأوله من نصف الليل من ليلة النحر، وبهذا قال الشافعي ... والصحيح أن آخر وقته غير محدود، فإنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم»، وقال الإمام النووي: «وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر، وأفضله بعد رمي جمرة العقبة، وذبح الهدي والحلق، ويكون ذلك ضحوة يوم النحر، ويجوز في جميع يوم النحر، بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة، ولا آخر لوقته بل يصح ما دام الإنسان حيًا، وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات، حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف ليلة النحر قبل الوقوف، ثم أسرع إلى عرفات، فوقف قبل الفجر، لم يصح طوافه؛ لأنه قدَّمه على الوقوف» [شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٤٤٣].\nالقول الثاني: أوله طلوع الفجر من يوم النحر، وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عن أحمد، قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني: «وقال أبو حنيفة: أوله طلوع الفجر من يوم النحر، وآخره آخر أيام النحر، وهذا مبني على أول وقت الرمي، وأما آخر وقته فاحتجّ بأنه نسك، فكان آخره محدودًا، كالوقوف والرمي، والصحيح أن آخر وقته غير محدود، فإنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم ...».\nوهذا القول رواية عن أحمد، قال المرداوي في الإنصاف، ٩/ ٢٢٧: «ووقته بعد منتصف الليل من ليلة النحر، يعني وقت طواف الزيارة، وهذا هو المذهب، وعليه الأصحاب، وعنه وقته من فجر يوم النحر». [وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢١٥].","vol":"1","page":489},{"text":"عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: «خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - عام حجة الوداع ...» الحديث، وفيه: «... فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجِّهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا» (١)، وتعني بالطواف الآخر الطواف بين الصفا والمروة على أصح الأقوال؛ لأن طواف الإفاضة ركن في حق الجميع، وقد فعلوه.\nويدل على صحة ذلك أيضًا ما رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به عن ابن عباس ﵄ أنه سُئِلَ عن متعة الحج فقال أهلّ المهاجرون والأنصار،\nوأزواج النبي - ﷺ - في حجة الوداع، وأهللنا فلمَّا قدمنا مكة قال رسول اللَّه - ﷺ -: «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلَّد الهدي»، فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: «من قلَّد الهدي؛ فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله»، ثم أمرنا عشية التروية أن نهلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تمَّ حجنا وعلينا الهدي» (٢)، وهذا صريح في سعي المتمتع مرتين واللَّه أعلم (٣).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «فيه التصريح في أن المتمتع\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب التمتع والقران والإفراد بالحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي، برقم ١٥٦١، ومسلم واللفظ له، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة ومتى يحل القارن من نسكه، برقم ١٢١١.\n(٢) البخاري، كتاب الحج، باب قول اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، برقم ١٥٧٢.\n(٣) انظر: فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٧٥، وزاد المعاد، ٢/ ٢٧٣.","vol":"1","page":490},{"text":"عليه سعيان: السعي الأول لعمرته، والسعي الثاني لحجِّه» (١).\nأما القارن والمفرد فليس على كل واحدٍ منهما إلا سعي واحد؛ فإن كان قد سعاه بعد طواف القدوم كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة، وإلا سعى بعد طواف الإفاضة (٢) (٣).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٧٢.\n(٢) انظر: حديث جابر - ﵁ - في صحيح مسلم، برقم ١٢١٨، والكلام على ذلك مع التحقيق في زاد المعاد، ٢/ ٢٧٣.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في طواف القارن والمتمتع إلى ثلاثة مذاهب على النحو الآتي:\nالمذهب الأول: أن على القارن طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وأن ذلك يكفيه لحجته وعمرته، وأن على المتمتع طوافين وسعيين، وهذا هو مذهب جمهور العلماء: منهم مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايات.\nواحتجوا بأحاديث صحيحة ليس مع مخالفيهم ما يقاومها:\nأولًا: أدلتهم على أن القارن يكفيه طواف واحد بالبيت، وسعي واحد بين الصفا والمروة منها الأحاديث الآتية:\nالحديث الأول: حديث عائشة ﵂: «أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول اللَّه - ﷺ -: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك» [مسلم، برقم ١٣٣ - (١٢١١) وفي رواية أنها: «أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي - ﷺ - يوم النفر: «يسعك طوافك [أي يكفيك] لحجك وعمرتك» الحديث. [مسلم برقم ٣٣٢ - (١٢١١)].قال الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ١٧٢: «ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنها كانت محرمة أولًا، ومنعها الحيض من الطواف فلم يمكنها أن تحل بعمرة فأهلت بالحج مع عمرتها الأولى فصارت قارنة، وقد صرح النبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح بأنها قارنة، حيث قال: «لحجك وعمرتك» ومع ذلك صرح بأنها يكفيها لهما طواف واحد».\nالحديث الثاني: حديث عائشة ﵂، قالت: «خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من كان معه هديٌ فليُهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحِلّ منهما جميعًا» الحديث. وفيه: «فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلُّوا ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا» [البخاري، برقم ١٥١٦، ومسلم بلفظه، برقم ١٢١١، وتقدم تخريجه]، ومقصودها بالطواف هو الطواف بين الصفا والمروة، أما الطواف بالبيت فهو ركن من أركان الحج في حق الجميع.\nالحديث الثالث: حديث جابر - ﵁ - وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «دخلت العمرة في الحج مرتين» [مسلم، برقم ١٢١٨]، وتصريحه - ﷺ - بدخولها فيه يدل على دخول أعمالها في أعماله حالة القران، وإن أوَّله جماعات من أهل العلم بتأولات أخرى متعددة [أضواء البيان، ٥/ ١٧٧].\nالحديث الرابع: حديث عبد اللَّه ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد، وسعي واحد عنهما حتى يحل منهما جميعًا» [الترمذي، برقم ٩٤٨، وابن ماجه، برقم ٢٩٧٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٨٦، وأصله في صحيح مسلم برقم ١٨١ - (١٢٣٠)، وأخرجه البخاري، في الحج باب طواف القارن، وباب من اشترى الهدي من الطريق، والأحاديث الدالة على أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته، كفعل المفرد كثيرة، وفيما ذكرت من الأحاديث الصحيحة الصريحة كفاية لمن يريد الحق [وانظر: أضواء البيات للشنقيطي، ٥/ ١٧٧].\nثانيًا: أدلتهم على أن المتمتع لا بد له من طوافين بالبيت، وسعيين بين الصفا والمروة، طواف وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجه، أدلة كثيرة، منها الأحاديث الآتية:\nالحديث الأول: حديث ابن عباس ﵄، وفيه أن المهاجرين والأنصار وأزواج النبي - ﷺ - قدموا مع النبي - ﷺ - فمن لم يكن معه الهدي طاف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلَّ، ثم أحرموا بالحج يوم التروية، جاءوا بعد فراغهم من المناسك، فطافوا بالبيت، وبالصفا والمروة [البخاري، برقم ١٥٧٢]،وهذا المعنى، ولفظ الحديث تقدم ذكره في طواف الإفاضة قبل قليل فاكتفيت بالمعنى هنا.\nالحديث الثاني: حديث عائشة ﵂، وتقدم ذكره في متن هذا البحث في طواف الإفاضة، وفيه:\n«... فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلُّوا ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم ...» [البخاري، برقم ١٥٦١، مسلم، برقم ١٢١١، واللفظ لمسلم]، وتعني بالطواف الآخر: الطواف بين الصفا والمروة، أما الطواف بالبيت طواف الإفاضة فهو ركن في حق الجميع.\nقال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ١٨٣: «فهذا نص صريح متفق عليه، يدل على الفرق بين القارن والمتمتع، وأن القارن يفعل كفعل المفرد، والمتمتع يطوف لعمرته، ويطوف لحجه، فلا وجه للنزاع في هذه المسألة بعد هذا الحديث، وحديث ابن عباس المذكور قبله، وقول من قال: إن المراد بالطواف الواحد في حديث عائشة هذا: السعي له وجه من النظر، واختاره ابن القيم، وهو وجيه عندي».\nالمذهب الثاني: المتمتع كالقارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن تيمية [انظر: مجموع فتاويه، ٢٦/ ١٣٨]، فقد استدل من قال بهذا، بحديث جابر - ﵁ -، قال: «لم يطف النبي - ﷺ - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا»، وفي لفظ: «طوافه الأول»، [مسلم، برقم ١٢٧٩].\nقال الإمام النووي ﵀ [في شرح صحيح مسلم، ٩/ ٢٩]: «فيه دليل لما قدمناه أن النبي - ﷺ - كان قارنًا، وأن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، وقد سبق خلاف أبي حنيفة وغيره في المسألة، واللَّه أعلم»، وقال من تمسك بهذا الحديث من الحنفية وغيرهم: «هذا نص صريح صرح فيه جابر بأن النبي - ﷺ - لم يطف هو ولا أصحابه إلا طوافًا واحدًا، ومعلوم أن أصحابه فيهم القارن، وهو من كان معه الهدي، وفيهم المتمتع، وهو من لم يكن معه هدي، وإذن ففي هذا الحديث الصحيح الدليل على استواء القارن والمتمتع في لزوم طواف واحد وسعي واحد فقط» [انظر: أضواء البيان، ٥/ ١٨٤].\nوأجاب المخالفون عن هذا بأجوبة منها:\nالجواب الأول: إن الجمع واجب إن أمكن، قالوا: وهو هنا ممكن، بحمل حديث جابر هذا على أن المراد بأصحاب النبي - ﷺ - الذين لم يطوفوا إلا طوافًا واحدًا للعمرة والحج، خصوص القارنين منهم، كالنبي - ﷺ -؛ لأنه كان قارنًا بلا شك، وإن حمل حديث جابر على هذا كان موافقًا لحديث عائشة، وحديث ابن عباس المتقدمين وهذا واضح.\nالجواب الثاني: أنا لو سلمنا أن الجمع غير ممكن هنا في حديث جابر المذكور مع حديث عائشة وحديث ابن عباس، فقد تقرر في الأصول وعلوم الحديث أن المثبت مقدم على النافي، فيجب تقديم حديث ابن عباس وحديث عائشة؛ لأنهما مثبتان على حديث جابر النافي.\nالجواب الثالث: أن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في الصحيح رواه جابر وحده، وطوافه بعد رجوعه من منى رواه في الصحيح: ابن عباس، وعائشة، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد، قال في مراقي السعود:\nوكثرة الدليل والرواية مرجّح لدى ذوي الدراية [أضواء البيان، ٥/ ١٨٥].\nالمذهب الثالث: القارن والمتمتع يلزم كل واحد منهما طوافان، وسعيان: طواف وسعي للعمرة، وطواف وسعي للحج، وبه قال أبو حنيفة ومن وافقه، واستدلُّوا بأحاديث ضعيفة عن محمد بن الحنفية عند النسائي في الكبرى، وعن ابن عمر عند الدارقطني، وعن عمران بن حصين عند الدارقطني، وقد تكلم عن هذه الأحاديث العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ١٨٦ - ١٩١، ثم قال: «وقد علمت .. أن جميع هذه الأحاديث الدالة على طوافين وسعيين للقارن، ليس فيها حديث قائم ...».\nوأجاب من قال: بأن القارن ليس عليه إلا طواف واحد وسعي واحد كفعل المفرد: أجابوا على الأحاديث المذكورة من وجهين:\nالوجه الأول: هو أن جميع الأحاديث المذكورة ضعيفة كما قال أهل العلم.\nالوجه الثاني: لو سلمنا تسليمًا جدليًا أن بعضها يصلح للاحتجاج فهي معارضة بما هو أقوى منها، وأصح وأرجح، فتكون شاذة. قال العلامة الشنقيطي ﵀ في الأضواء، ٥/ ١٩٠: «وقد اتضح في هذه المسألة أن التحقيق فيها: أن القارن يفعل كفعل المفرد لاندراج أعمال العمرة في أعمال الحج».","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>والأعمال التي يحصل بها التحلل الثاني ثلاثة: </span>رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة مع السعي بعده لمن كان عليه\nسعي، فإذا فعل هذه الثلاثة حل له كل شيءٍ حرم عليه بالإحرام حتى النساء، ومن فعل اثنين منها حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء (١)،كما تقدم.\nوالأفضل للحاج أن يرتب هذه الأمور الأربعة المتقدمة: رمي جمرة العقبة، ثم النحر أو الذبح، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف بالبيت والسعي بعده للمتمتع وكذلك القارن والمفرد إذا لم يسعيا مع طواف القدوم.\nفإن قدَّم بعض هذه الأمور على بعض فلا حرج وأجزأه ذلك، لثبوت الرخصة عن النبي - ﷺ - في ذلك وقد تتابعت الأسئلة عليه في ذلك.\nفجاء رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال: «اذبح ولا حرج».\nفجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال: «ارمِ ولا حرج».\n_________\n(١) انظر فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٧٧.","vol":"1","page":494},{"text":"وجاء آخر فقال: حلقت قبل أن أرمي فقال: «ارمِ ولا حرج».\nوجاء آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: «ارمِ ولا حرج»،فما سئل النبي - ﷺ - يومئذ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: «افعل ولا حرج» (١).\nوقال آخر رميت بعد ما أمسيت، فقال: «لا حرج» (٢).\nوقال آخر: يا رسول اللَّه سعيت قبل أن أطوف. قال: «لا حرج» (٣).\nوعن ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قيل له: في الذبح، والحلق، والرمي، والتقديم، والتأخير، فقال: «لا حرج» (٤).\nفدل ذلك كله على التيسير والتسهيل، والرحمة والرفق في هذه الأمور، ولله الحمد.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الفتيا على الدابة عند الجمرة، برقم ١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨، ومسلم، بهذه الروايات والألفاظ، في كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي، برقم ٣٢٧ - ٣٣٣ (١٣٠٦)، وانظر: جامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ -، ٣/ ٣٠٠ - ٣٠٣.\n(٢) البخاري، برقم ١٧٣٥، وتقدم تخريجه في رمي جمرة العقبة.\n(٣) أبو داود، كتاب المناسك، باب فيمن قدم شيئًا قبل شيء في حجه، برقم ٢٠١٥، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٥٦٤، وابن باز في التحقيق والإيضاح، ص٦٠.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي، برقم ١٣٠٧.","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-710>المبحث الثاني والثلاثون: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق</span>\nيرجع الحاج بعد طواف الإفاضة، والسعي ممن عليه سعي، إلى منى، فيبيت بها ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر لمن أراد التأخر، وهذا المبيت واجب من واجبات الحج إلا على السقاة، والرعاة، ونحوهم فلا يجب عليهم، ووجوب المبيت بمنى في هذه الليالي ثبت بأدلة صحيحة صريحة على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>أولًا: قول اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ </span>وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>ثانيًا: بات النبي - ﷺ - بمنى ليالي التشريق</span>، وقال: «خذوا عني مناسككم لعلّي لا أراكم بعد عامي هذا»، وهذا لفظ البيهقي، ولفظ مسلم: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي\nهذه» (٢)، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا البيتوتة بمنى ليالي التشريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>ثالثًا: أذن النبي - ﷺ - للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته</span>، فعن عبد اللَّه بن عمر ﵄: «أن العباس - ﵁ - استأذن النبي - ﷺ - ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له» (٣)، فدل هذا على وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن\nمقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة.\n_________\n(١) البقرة، الآية: ٢٠٣.\n(٢) مسلم، برقم ١٢٩٧، والبيهقي، ٥/ ١٢٥.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٧٤٣ - ١٧٤٥، ورقم ١٦٣٤، ومسلم، برقم ١٣١٥، وتقدم تخريجه في واجبات الحج.","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>رابعًا: رخّص النبي - ﷺ - لرعاء الإبل في البيتوتة ليالي منى</span>؛ لحديث عاصم بن عدي - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - رخّص للرعاء في البيتوتة، يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعدهما يجعلونهما في أحدهما» (١)، فدلّت هذه الرخصة على أنه يقابلها عزيمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>خامسًا: ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: </span>أنه كان ينهى أن يبيت الحاج وراء العقبة خارج منى، فعن عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب قال: «لا يبيتنَّ أحدٌ من الحجاج لياليَ منى وراء العقبة» (٢).\nوهذه الأدلة تدل على أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق واجب من واجبات الحج، ونسك من أنساكه إلا لهؤلاء، المعذورين، ومن كان في حكمهم (٣).\n_________\n(١) النسائي، برقم ٣٠٧١، والترمذي، برقم ٩٥٤، ٩٥٥، وابن ماجه، برقم: ٣٠٣٧، وأبو داود، برقم ١٩٧٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٨٠، برقم ١٠٨٠.\n(٢) الإمام مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب البيتوتة بمكة ليالي منى، برقم ٢٠٩،والبيهقي،٥/ ١٥٣.\n(٣) اختلف العلماء ﵏ في حكم المبيت في منى ليالي أيام التشريق على أقوال:\nالقول الأول: قول الإمام أحمد ومن معه: المبيت بمنى ليالي منى واجب، فلو ترك المبيت بها في الليالي الثلاث فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وهو أحد قولي الإمام الشافعي، والإمام مالك، فاتضح: أن القول بأن المبيت في منى واجب يجبر تركه بدم هو قول الجمهور؛ للأدلة المذكورة في متن هذا البحث [انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٣٢٤، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف،\n٩/ ٢٣٦، والكافي لابن قدامة، ٢/ ٤٤٨، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣١٣].\nالقول الثاني: المبيت بمنى ليس بواجب، وتركه مكروه، وبه قال الإمام أبو حنيفة، وأصحابه، وهو رواية عن أحمد.\nالقول الثالث: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق سنة وليس بواجب، وهو قول للشافعي، ولكن الأصح عندهم أنه واجب كما تقدم.\nوالصواب أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق واجب من تركه فعليه دم، وفي مذهب أحمد في الذي يترك المبيت روايات: إذا ترك الليالي الثلاث فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وعنه يتصدق بشيء، وعنه لا شيء عليه، فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها ففيه ما في الحصاة الواحدة من الأقوال المذكورة فيها، كما سيأتي إن شاء اللَّه. [المغني،٥/ ٣٢٥،وأضواء البيان، ٥/ ٣١٣].\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٣٨٤: «فإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فاعلم أن أظهر الأقوال دليلًا أن المبيت في منى نسك من مناسك الحج يدخل في قول ابن عباس: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا» [مالك في الموطأ، ١/ ٤١٩، والدارقطني، ٢/ ٢٤٤، والبيهقي، ٥/ ١٥٢]، وتقدم تخريجه في مواقيت الحج والعمرة.","vol":"1","page":497},{"text":"والحاج الذي يرغب في الثواب يجتهد في الاقتداء بالنبي - ﷺ - في المبيت في منى، وفي أداء الأنساك كلها، لما تقدم من قوله - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم ....».\nوقد قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀: «أماكن الحج وأزمنته محدودة من الشارع، وليس فيها مجال للاجتهاد، وقد حجَّ رسول اللَّه - ﷺ - حجة الوداع، وقال فيها: «خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا» (١)، وبين فيها [- ﷺ -] الأزمنة والأمكنة، وحدود منى: من وادي محسر إلى جمرة العقبة، فعلى من حجَّ أن يلتمس مكانًا له داخل حدود منى، فإن تعذر عليه حصول المكان نزل في أقرب مكان يلي منى ولا شيء عليه» (٢)،\nواللَّه المستعان (٣).\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢٩٧ بنحوه، والبيهقي بلفظه، ٥/ ١٢٥.\n(٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١١/ ٢٦٦.\n(٣) كان شيخنا عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يفتي: أن المبيت في منى يسقط عن أصحاب الأعذار: كالسقاة، والرعاة، والمريض الذي يشقق عليه المبيت بمنى، والعاملين على مصلحة الحجاج، والذي لا يجد له مكانًا في منى بعد الاجتهاد في البحث فعجز عن ذلك [مجموع الفتاوى له، ١٦/ ١٦/ ١٤٩، ٢٢٦، ١٧/ ٣٦٢، ٣٦٣].\nويفتي ﵀: أن من ترك المبيت في منى جاهلًا حدودها مع القدرة على المبيت فعليه دم، لأنه ترك واجبًا من غير عذر شرعي [١٦/ ١٤٩]، ومن ترك المبيت ليلة، الحادي عشر والثاني عشر فعليه دم [١٦/ ١٥٠، ١٧/ ٢٤٦]، ومن ترك المبيت ليلة واحدة فعليه في ذلك أن يتصدق بشيء مع التوبة والاستغفار [١٧/ ٣٨٦]، ومن أدركه غروب الشمس من اليوم الثاني عشر وهو في منى وقد ارتحل، فهو في حكم النافر ولا شيء عليه، أما إذا أدركه الغروب وهو لم يرتحل فإنه يلزمه المبيت ليلة الثالث عشر والرمي في اليوم الثالث عشر بعد الزوال [١٦/ ١٥٠]، ويكفي في المبيت ليال أيام منى أكثر الليل إذا تيسر ذلك [١٦/ ٢٢٦، و١٧/ ٢٢٦].\nوسمعته يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٧٤٨، ١٧٤٩: «من نزل في الليل لطواف الإفاضة ولم يرجع إلا بعد طلوع الفجر، فإنه يتصدق بشيء، وإذا كانت ليلتين فدم».","vol":"1","page":498},{"text":"وذكر شيخ الإسلام أن السنة للحاج أن لا يبيت ليالي التشريق إلا بمنى؛ لأن رسول اللَّه - ﷺ - رجع إلى منى بعد طواف الإفاضة فبات بها هو وجميع من معه، وقد قال: «لتأخذوا عني مناسككم»، وهذه السنة الموروثة عنه التي تناقلتها الأمة خلفًا عن سلف، إلا أن أهل السقاية الذين يسقون الحجيج يرخص لهم في المبيت بمكة ... وكذلك يرخص للرعاة، وذكر الأدلة ﵀ (١).\n_________\n(١) شرح العمدة، لابن تيمية، ٢/ ٥٥٦.","vol":"1","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-716>المبحث الثالث والثلاثون: خطب النبي - ﷺ - في الحج ووداعه لأمته ووصاياه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>أولًا: أذانه - ﷺ - في الناس بالحج:</span>\nبعد أن بلَّغ - ﷺ - البلاغ المبين وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في اللَّه حق جهاده، أعلن في الناس وأذَّن فيهم، وأعلمهم أنه حاج في السنة العاشرة - بعد أن مكث في المدينة تسع سنين كلها معمورة بالجهاد والدعوة والتعليم - وبعد هذا النداء العظيم الذي قصد به - ﷺ - إبلاغ الناس فريضة الحج؛ ليتعلموا المناسك منه - ﷺ -؛ وليشهدوا أقواله، وأفعاله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب، وتشيع دعوة الإسلام، وتبلغ الرسالة القريب والبعيد (١)، قال جابر - ﵁ -: إن رسول اللَّه - ﷺ - مكث تسع سنين لم يحج ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن رسول اللَّه - ﷺ - حاجٌّ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللَّه - ﷺ -، ويعمل مثل عمله ... وساق الحديث وفيه: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء (٢) نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك (٣)، ورسول اللَّه - ﷺ - بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله وما عمل به من شيء عملنا به ... وساق الحديث وقال: حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضُرِبت له بنمرة فنزل بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>ثانيًا: خطبه - ﷺ - في حجة الوداع، وتوديعه لأمته ووصاياه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>١ - خطبته - ﷺ - ووداعه ووصيته لأمته في عرفات:</span>\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٤٢٢، وشرح الأبي، ٤/ ٢٤٤.\n(٢) البيداء: اسم للمفازة والصحراء التي لا شيء فيها، وهي هنا موضع بذي الحليفة. فتح الملك المعبود، ٢/ ٩.\n(٣) قيل كان عددهم تسعين ألفًا، وقيل مائة وثلاثين ألفًا. انظر: المرجع السابق، ٢/ ٩، و١٠٥.","vol":"1","page":500},{"text":"قال جابر - ﵁ -: حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: \"إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع (١) ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دمٍ أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله (٢) فاتقوا اللَّه في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه (٣) ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم (٤) أحدًا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهُنَّ ضربًا غير مبرِّح (٥)، ولهُنَّ عليكم رزقهنَّ وكُسوتهنَّ بالمعروف، وقد تركت فيكم ما\n_________\n(١) والمعنى أنه أبطل كل شيء من أمور الجاهلية وصار كالشيء الموضوع تحت القدمين فلا يعمل به في الإسلام، فجعله كالشيء الموضوع تحت القدم من حيث إهماله وعدم المبالاة به. انظر: شرح النووي، ٨/ ٤٣٢، وشرح الأبي، ٤/ ٢٥٥، وفتح الملك المعبود، ٢/ ١٨.\n(٢) والمعنى الزائد على رأس المال باطل، أما رأس المال فلصاحبه بنص القرآن، انظر: شرح النووي، ٨/ ٤٣٣.\n(٣) قيل: الكلمة هي: الأمر بالتسريح بالمعروف، أو الإمساك بإحسان، وقيل: هي لا إله إلا اللَّه، وقيل: الإيجاب والقبول، وقيل: هي قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء، الآية: ٣]. قال النووي: «وهذا هو الصحيح ويدخل فيه القبول والإيجاب» شرح النووي،\n٨/ ٤٣٣، وشرح الأبي، ٤/ ٢٥٦، وفتح الملك المعبود، ٢/ ١٩.\n(٤) والمعنى لا يأذنَّ لأحد من الرجال أو النساء تكرهون أن يدخل منازلكم، وليس المراد من ذلك الزنا؛ لأنه حرام سواء كرهه الزوج أو لم يكرهه؛ ولأن فيه الحد. شرح النووي، ٨/ ٤٣٣، والأبي، ٤/ ٢٥٧، وفتح الملك المعبود، ٢/ ٢٠.\n(٥) غير المبرِّح: لا شديد ولا شاق، انظر: فتح الملك المعبود، ٢/ ١٩، وشرح النووي، ٨/ ٤٣٤.","vol":"1","page":501},{"text":"لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللَّه (١)، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟»، قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبَّابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد» ثلاث مرات ثم أذَّن، ثم أقام، فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئًا ...» (٢)، وقد كان في الموقف جمٌّ غفير لا يُحصي عددهم إلا اللَّه تعالى (٣).\nوعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْمُخَضْرَمَةِ (٤) بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيّ يَوْمٍ هَذَا، وَأَيَّ شَهْرٍ هَذَا، وَأَيَّ بَلَدٍ هَذَا؟»، قَالُوا: هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، وَشَهْرٌ حَرَامٌ، وَيَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، أَلَا وَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَأُكَاثِرُ بِكُمْ الْأُمَمَ، فَلَا تُسَوِّدُوا وَجْهِي، ألَا وَإِنِّي مُسْتَنْقِذٌ أُنَاسًا، وَمُسْتَنْقَذٌ مِنِّي أُنَاسٌ، فَأَقُولُ:\n_________\n(١) والمعنى قد تركت فيكم أمرًا لن تخطئوا إن تمسكتم به في الاعتقاد والعمل، وهو كتاب اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسكت عن السنة؛ لأن القرآن هو الأصل في الدين، أو لأن القرآن أمر باتباع السنة كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ﴾ [النساء، الآية: ٥٩]، وقال:\n﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر، الآية: ٧]. انظر: فتح الملك المعبود، ٢/ ٢٠، وقد جاء عند الحاكم من حديث ابن عباس ﵄ الوصية بـ «... كتاب اللَّه وسنة نبيه ...»، وصححه الألباني في صحيح الترغيب، برقم ٣٦.\n(٢) أخرجه مسلم، في كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٣) قيل: مائة وثلاثون ألفًا. انظر: فتح الملك المعبود، ٢/ ١٠٥.\n(٤) المخضرمة: من خضرم، كدحرج، أي: قطع طرف أذنها.","vol":"1","page":502},{"text":"يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» (١).\nوأُنزل على النبي - ﷺ - في يوم عرفة يوم الجمعة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (٢).\nفعن عمر بن الخطاب - ﵁ -:أن رجلًا من اليهود، قال له: يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرؤنها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا؟ قال: أيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾، قال عمر - ﵁ -: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي - ﷺ -، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة» (٣).\nوهذه أكبر نعم اللَّه تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم - ﷺ -؛ ولهذا جعله اللَّه خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الجن والإنس فلا حلال إلا ما أحلَّه، ولا حرام إلا ما حرَّمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف، قال اللَّه - ﷿ -: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا\nوَعَدْلًا﴾ (٤)، أي صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر، برقم ٣٠٥٧، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٥٨.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٣، والحديث أخرجه البخاري، في كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، برقم ٤٥، وأطرافه في صحيح البخاري بهذه الأرقام: ٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨، ومسلم، كتاب التفسير، باب في تفسير آيات متفرقة، برقم ٣٠١٧.\n(٣) البيهقي في سننه الكبرى، ٣/ ١٨١، برقم: ٥٤١٢.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١١٥.","vol":"1","page":503},{"text":"اللَّه لهم الدين تمت عليهم النعمة (١).\nوقد ذُكِرَ أن عمر بكى عندما نزلت هذه الآية في يوم عرفة، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أَنَّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أُكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص (٢)، وكأنه - ﵁ - توقع موت النبي - ﷺ - قريبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>٢ - خطبته - ﷺ - ووداعه ووصيته لأمته يوم النحر:</span>\nقال جابر - ﵁ -: رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلِّي لا أحُجُّ بعد حجتي هذه» (٣).\nوعن أم الحصين ﵂ قالت: حججت مع رسول اللَّه - ﷺ - فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة ... فقال رسول اللَّه - ﷺ - قولًا كثيرًا ثم سمعته يقول: «إن أُمِّر عليكم عبد مجدَّع أسود يقودكم بكتاب اللَّه تعالى فاسمعوا له وأطيعوا» (٤).\nوعن أبي بكرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه - أو بزمامه - وخطب الناس [وفي رواية: خطبنا النبي - ﷺ - يوم النحر] فقال: «أتدرون أيُّ يوم هذا؟»، قالوا: اللَّه ورسوله أعلم [فسكت]\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ٢/ ١٢.\n(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٢ وعزاه بإسناده إلى تفسير الطبري. وهذا يشهد له قوله - ﷺ -: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ ...». [مسلم، برقم ١٤٥].\n(٣) مسلم، برقم ١٢٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر، برقم ١٢٩٨.","vol":"1","page":504},{"text":"حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس بيوم النحر؟»، قلنا: بلى يا\nرسول اللَّه! قال: «فأي شهر هذا؟»، قلنا: اللَّه ورسوله أعلم [فسكت] حتى ظننا أنه سيسمه بغير اسمه، فقال: «أليس بذي الحجة؟»، قلنا: بلى يا رسول اللَّه. قال: «فأي بلد هذا؟»، قلنا اللَّه ورسوله أعلم [فسكت] حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: «أليست البلدة الحرام؟»، قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا [وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفارًا] [أو ضُلاَّلًا] يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد [منكم] الغائب [فَرُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع] أَلاَ هل بلَّغت»، وفي رواية لمسلم: «ثم انكفأ (١) إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جُزيعةٍ من الغنم (٢) قسمها بيننا، وفي رواية للبخاري ومسلم: «إن الزمان قد استدار (٣) كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض: السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاثة\nمتوالياتٌ: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مُضَرَ الذي بين\n_________\n(١) انكفأ: أي انقلب. انظر: شرح النووي، ١١/ ١٨٣.\n(٢) جزيعة من الغنم: الجزيعة: القطعة من الغنم، تصغير جِزْعة بالكسر، وهو القليل من الشيء، يقال: جزع له جِزْعةً من المال، أي: قطع له منه قطعة. [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب الجيم مع الزاي، ١/ ٢٦٩].\n(٣) إن الزمان قد استدار: قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم، ١١/ ١٨١: «... قال العلماء: معناه: أنهم في الجاهلية يتمسّكون بملة إبراهيم - ﷺ - في تحريم الأشهر الحرم، وكان يشق عليهم تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات، فكانوا إذا احتاجوا إلى القتال أخَّروا تحريم المحرّم إلى الشهر الذي بعده وهو صفر، ثم يؤخرونه إلى السنة الأخرى إلى شهر آخر، وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة حتى اختلط عليهم الأمر، وصادفت حجة النبي - ﷺ - تحريمهم، وقد تطابق الشرع وكانوا في تلك السنة قد حرَّموا ذا الحجة لموافقة الحساب الذي ذكرناه، فأخبر النبي - ﷺ - أن الاستدارة صادفت ما حكم اللَّه به يوم خلق السموات والأرض».","vol":"1","page":505},{"text":"جُمادى وشعبان» (١).\nوسكوته - ﷺ - بعد كل سؤال من هذه الأسئلة الثلاثة كان لاستحضار فهومهم؛ وليقبلوا عليه بكلِّيَّتهم؛ وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه (٢).\nوعن عبد اللَّه بن عباس ﵄ أن رسول اللَّه - ﷺ - خطب الناس يوم النحر فقال: «يا أيُّها الناس، أيُّ يَوْمٍ هَذا؟» قالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قال: «فَأيُّ بَلَدٍ هَذا؟» قالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَأيُّ شَهْرٍ هَذا؟» قالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قال: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا» - فأعادها مرارًا - ثم رفع رأسه فقال: «اللَّهمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» قال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إنَّها لَوَصِيَّتُهُ إلى أمَّتِهِ، «فَلَيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (٣).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: «وقف النبي - ﷺ - يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجَّ بها، وقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر»، وطَفِق (٤) النبي - ﷺ -\nيقول: «اللَّهمّ اشْهَدْ»، وودَّع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي - ﷺ -: «رُبَّ مبلغ أوعى من سامع»، برقم ٦٧، وأطرافه في البخاري: ١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧، ومسلم، كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء، برقم ١٦٧٩، والألفاظ من هذه المواضع.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١/ ١٥٩.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، برقم ١٧٣٩، وطرفه، برقم ٧٠٧٩.\n(٤) طفق: جعل وشرع يقول.\n(٥) البخاري، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، برقم ١٧٤٢.","vol":"1","page":506},{"text":"وعن عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَدًا، وَلَكِنْ سَيَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِي بَعْضِ مَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَيَرْضَى بِهَا، أَلَا وَكُلُّ دَمٍ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ مَا أَضَعُ مِنْهَا دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ - أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُوُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، أَلَا يَا أُمَّتَاهُ! هَلْ بَلَّغْتُ؟» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» (١).\nوقد فتح اللَّه أسماع جميع الحجاج بمنى حتى سمعوا خطبة النبي - ﷺ - يوم النحر، وهذا من معجزاته أن بارك في أسماعهم وقوَّاها حتى سمعها القاصي والداني حتى كانوا يسمعون وهم في منازلهم (٢).فعن عبد الرحمن بن معاذ التيمي - ﵁ - قال: «خطبنا رسول اللَّه - ﷺ - ونحن بمنى فَفُتِحت\nأسماعُنا حتى كُنَّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا ...» (٣).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر، برقم ٣٠٥٥، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٥٧، وفي إرواء الغليل، ٥/ ٢٧٩.\n(٢) انظر: عون المعبود، ٥/ ٤٣٦، وفتح الملك المعبود، ٢/ ١٠٦.\n(٣) أبو داود، كتاب المناسك، باب ما يذكر الإمام في خطبته بمنى، برقم ١٩٥٧، وفي آخره قصة تدل على أنه يوم النحر، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ١٧٢٤.","vol":"1","page":507},{"text":"عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى، فَقَالَ: «نَضَّرَ اللَّه امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِى فَبَلَّغهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيرُ فقيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلاثٌ لا يَغِلُّ عَلَيْهِنَ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلاَصُ الْعَمَلِ لله، وَالنَّصِيحَةُ لِولاةِ الْمُسلِمينَِ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهم؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحيطُ مِنْ وَرَائِهِم» (١).\nوعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - النَّاسَ بِمِنًى، وَنَزَّلَهُمْ مَنَازِلَهُمْ، فَقَالَ: «لِيَنْزِلِ الْمُهَاجِرُونَ هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ - وَالْأَنْصَارُ هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى مَيْسَرَةِ الْقِبْلَةِ - ثُمَّ لِيَنْزِلِ النَّاسُ حَوْلَهُم» (٢).\nوعن الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِىَّ - ﷺ - يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ، يَوْمَ الأَضْحَى بِمِنًى» (٣).\nوعن أَبي أُمَامَةَ قال: «سَمِعْتُ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ» (٤).\nوعن رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى، حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٌّ - ﵁ - يُعَبِّرُ عَنْهُ،\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر، برقم ٣٠٥٦، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٥٨.\n(٢) أبو داود، كتاب المناسك، باب النزول بمنى، برقم ١٩٥١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٤٨.\n(٣) أبو داود، كتاب المناسك، باب من قال خطب يوم النحر، برقم ١٩٥٤، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٤٨ - ٥٤٩.\n(٤) أبو داود، كتاب المناسك، باب من قال خطب يوم النحر، برقم ١٩٥٥، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٤٩.","vol":"1","page":508},{"text":"وَالنَّاسُ بَيْنَ قَاعِدٍ وَقَائِمٍ» (١).\nوعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِيِّ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّه - ﷺ - وَنَحْنُ بِمِنًى، فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا، حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ فِى مَنَازِلِنَا، فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «بِحَصَى الْخَذْفِ»، ثُمَّ أَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ، فَنَزَلُوا فِى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَ الأَنْصَارَ، فَنَزَلُوا مِنْ وَرَاءِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ نَزَلَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>٣ - خطبته - ﷺ - ووصيته لأمته في أوسط أيام التشريق:</span>\nوخطب - ﷺ - الناس في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة وهو ثاني أيام التشريق ويُقال له: يوم الرؤوس؛ لأن أهل مكة يسمونه بذلك؛ لأكلهم رؤوس الأضاحي فيه، وهو أوسط أيام التشريق (٣)، فعن أبي نجيح عن رجلين من أصحاب النبي - ﷺ -، وهما من بني بكر، قالا: رأينا رسول اللَّه\n- ﷺ - يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول اللَّه - ﷺ - التي خطب (٤) بمنى (٥).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب المناسك، باب أي وقت يخطب يوم النحر، برقم ١٩٥٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٤٩.\n(٢) أبو داود، كتاب المناسك، باب ما يذكر الإمام بخطبته بمنى، برقم ١٩٥٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٤٩.\n(٣) انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، ٥/ ٤٣٢، وفتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود، ٢/ ١٠٠، وفتح الباري، ٣/ ٥٧٤.\n(٤) ومعنى قوله: «وهي خطبته التي خطب بمنى» أي مثل الخطبة التي خطبها يوم النحر بمنى، فالخطبتان: في يوم النحر، وفي ثاني أيام التشريق اليوم الثاني عشر متحدتان في المعنى. انظر: عون المعبود ٥/ ٤٣١، وفتح الملك المعبود ٢/ ١٠٠.\n(٥) أبو داود، كتاب المناسك، باب أيّ يوم يخطب بمنى، برقم ١٩٥٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٤٨، ويشهد له حديث سرَّاء بنت نبهان، قالت: خطبنا رسول اللَّه - ﷺ - يوم الرؤوس فقال: «أي يومٍ هذا؟» قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: «أليس أوسط أيام التشريق؟» [أبو داود، برقم ١٩٥٣، وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، فقال على الحديث رقم ٧٣٩: «رواه أبو داود بإسناد حسن»،وقال عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول، ٣/ ٤٢٨: «وفي سنده ربيعة بن عبد الرحمن لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، ولكن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن»،والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، برقم ١٩٥٣.","vol":"1","page":509},{"text":"وعن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة النبي - ﷺ - وسْطَ أيام التشريق فقال: «يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلغت؟» قالوا: بلَّغ رسول اللَّه - ﷺ -، ثم قال: «أي يوم هذا؟» قالوا: يوم حرام. ثم قال: «أيُّ شهر هذا؟» قالوا: شهر حرام، ثم قال: «أي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام. قال: «فإن اللَّه قد حرَّم بينكم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، كَحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، أبلغت؟» قالوا بلَّغ رسول اللَّه - ﷺ -. قال: «ليبلغ الشاهد الغائب» (١).\nوهناك جُمَلٌ من خطبه - ﷺ - في حجة الوداع في الأماكن المقدسة منها حديث ابن عباس ﵄: أن رسول اللَّه - ﷺ - خطب الناس في حجة الوداع فقال: «إن الشيطان قد يئس أن يُعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا، إني قد تركت فيكم ما إن\n_________\n(١) أحمد بترتيب عبد الرحمن البناء، ١٢/ ٢٢٦، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح»، ٣/ ٢٦٦. وانظر: حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه، قال: «كنت آخذ بزمام ناقة رسول اللَّه - ﷺ - في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس ...»، وذكر فيه جملًا تراجع، ويراجع سند الحديث في مسند أحمد، ٥/ ٧٢.","vol":"1","page":510},{"text":"اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتاب اللَّه وسنة نبيه - ﷺ - ...» الحديث (١).\nوحديث أبي أمامة - ﵁ - قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول وهو يخطب الناس على ناقته الجدعاء في حجة الوداع يقول: «يا أيها الناس أطيعوا ربكم، وصلّوا خمسكم، وأدّوا زكاة أموالكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» (٢).\n\nقال الإمام النووي ﵀: «وذهب الشافعي ﵀ إلى أن في الحج<span data-type=\"title\" id=toc-722> أربع خطب مسنونة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>إحداها يوم السابع من ذي الحجة</span>، يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>والثانية: هذه التي ببطن عُرَنة يوم عرفات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>والثالثة: يوم النحر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>والرابعة: يوم النفر الأول</span>، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق.\nقال أصحابنا: وكل هذه الخطب أفراد وبعد صلاة الظهر، إلا التي في عرفات، فإنها خطبتان، وقبل الصلاة، قال أصحابنا: ويعلمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى واللَّه أعلم» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>وخلاصة القول: </span>أن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذه\n_________\n(١) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب، وعزاه إلى الحاكم، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٢١، برقم ٣٦، وله أصل في صحيح مسلم. انظر: حديث رقم ٢٨١٢، وانظر: مسند أحمد، ٢/ ٣٦٨، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم ٤٧٢.\n(٢) الحاكم، ١/ ٤٧٣ وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٤٣١ - ٤٣٢، وانظر أيضًا: زاد المعاد لابن القيم،\n٢/ ٢٥٧.","vol":"1","page":511},{"text":"الخطب، وهذه الوصايا، وهذا التوديع كثيرة منها الفوائد الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>١ - إن كل من قدم المدينة إجابة لأذان النبي - ﷺ - بالحج </span>فقد حج مع النبي - ﷺ -؛ لقول جابر - ﵁ -: «فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتمَّ برسول اللَّه - ﷺ - ويعمل مثل عمله» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>٢ - استحباب نزول الحاج إلى عرفات بعد زوال الشمس </span>إن تيسر ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>٣ - استحباب خطبة الإمام بالحجاج بعرفاتٍ</span>، يبين فيها للناس ما يحتاجون إليه، ويعتني ببيان التوحيد، وأصول الدين، ويحذِّر فيها من الشرك والبدع والمعاصي، ويوصي الناس بالعمل بالكتاب والسنة.\nوقد ثبت أن النبي - ﷺ - خطب في حجة الوداع ثلاث خطب:\nخطبة يوم عرفة، والخطبة الثانية يوم النحر في منى، والخطبة الثالثة في منى يوم الثاني عشر من ذي الحجة. ومذهب الشافعي أن الإمام يخطب يوم السابع من ذي الحجة كذلك (٢)، ويُعلِّم الإمام الناس في كل خطبة ما\nيحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>٤ - تأكيد غلظ تحريم الدماء، والأعراض، والأموال</span>، والأبشار الجلدية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>٥ - استخدام ضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير</span>؛ لقوله - ﷺ -: «كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>٦ - إبطال أفعال الجاهلية، وربا الجاهلية</span>، وأنه لا قصاص في قتلى الجاهلية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>٧ - إن الإمام ومن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يجب أن يبدأ بنفسه</span>\n_________\n(١) تقدم تخريجه من حديث جابر - ﵁ -.\n(٢) انظر: فتح الملك المعبود في تكملة المنهل المورود، ٢/ ٢٠.","vol":"1","page":512},{"text":"وأهله؛ لأنه أقرب لقبول قوله، وطيب نفس من قرب عهده بالإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>٨ - الموضوع من الربا هو الزائد على رأس المال</span>، أما رأس المال فلصاحبه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>٩ - مراعاة حق النساء، ومعاشرتهن بالمعروف</span>، وقد جاءت أحاديث كثيرة بذلك جمعها النووي أو معظمها في رياض الصالحين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>١٠ - وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وجواز </span>تأديبها إذا أتت بما يقتضي التأديب لكن بالشروط والضوابط التي جاءت بالكتاب والسنة، وأن لا يحصل منكر من أجل ذلك التأديب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>١١ - الوصية بكتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه - ﷺ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>١٢ - قوله - ﷺ -: «لتأخذوا عني مناسككم </span>فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»، ففي ذلك لام الأمر، والمعنى: خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال، والأفعال، والهيئات هي أمور الحج وصفته وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها، واحفظوها واعملوا بها، وعلِّموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، فهو كقوله - ﷺ -:\n«صلوا كما رأيتموني أصلِّي» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>١٣ - وفي قوله - ﷺ -: «لَعَلِّي لا أحج بعد حجتي هذه» </span>إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته - ﷺ -، وحثهم على الأخذ عنه، وانتهاز الفرصة وملازمته؛ وبهذا سميت حجة الوداع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>١٤ - الحث على تبليغ العلم ونشره</span>، وأن الفهم ليس شرطًا في الأداء،\n_________\n(١) البخاري، برقم ٧٢٤٦، وتقدم تخريجه في مواقيت رمي الجمار.","vol":"1","page":513},{"text":"وأنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدم ولكن بقلة، وأن الأفضل أن يكون الخطيب على مكان مرتفع؛ ليكون أبلغ في سماع الناس ورؤيتهم له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>١٥ - استخدام السؤال ثم السكوت والتفسير يدل على التفخيم</span>، والتقرير والتنبيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>١٦ - الأمر بطاعة ولي الأمر مادام يقود الناس بكتاب اللَّه تعالى</span>، وإذا ظهرت منه بعض المعاصي والمنكرات، وُعِظَ وَذُكِّر باللَّه وخُوِّف به لكن بالحكمة والأسلوب الحسن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>١٧ - الوصية بطاعة اللَّه، والصلاة، والزكاة، والصيام</span>، وأنه لا فرق بين أصناف الناس إلا بالتقوى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>١٨ - معجزة النبي - ﷺ - الظاهرة الدالة على صدقه</span>، وذلك بسماع الناس لخطبته يوم النحر وهم في منازلهم (١)، فقد فتح اللَّه أسماعهم كلهم لها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>١٩ - الضحية سنة مؤكدة على الصحيح من أقوال أهل العلم</span>، وهي في حق الحاج وغير الحاج فلا يجزئ عنها الهدي، وإنما هي سنة مستقلة؛ لأنه\n- ﷺ - بعد أن خطب الناس بمنى انقلب فذبح كبشين أملحين (٢)، وهذا غير الهدايا التي نحرها بيده وأشرك عليًّا في الهدي وأمره بنحر الباقي من البُدُن.\n_________\n(١) البخاري، برقم ٤٤٠٦، ومسلم، برقم ١٦٧٩.\n(٢) انظر: فتح الباري، ٣/ ٥٧٤، و٥٧٧، وشرح النووي، ٨/ ٤٢٢ - ٤٣٤، و٩/ ٥١ - ٥٢،\nو١١/ ١٨٢، وفتح الملك المعبود في تكملة المنهل المورود شرح سنن أبي داود، ٢/ ٢٠، و٢/ ٥٤، ٢/ ٩٩ - ٢٠٦.","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>المبحث الرابع والثلاثون: رمي الجمار أيام التشريق وأحكامه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>أولًا: مفهوم رمي<span data-type=\"title\" id=toc-751> الجمرات: لغة</span>، واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>الرمي لغة: </span>هو القذف والدفع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>وهو في الاصطلاح: </span>دفع الحصى الصغار بِقُوَّةٍ إلى موضع الرمي داخل حوض الجمرة.\nالجمرات، لغة: الجمرة: الحصاة الصغيرة، وجمعها جمرات، وجمار (١).\nقال الإمام ابن الأثير ﵀: «... الجمار: وهي الأحجار الصغار، ومنه سمِّيت جمار الحج للحصى التي يُرمَى بها، وأما موضع الجمار بمنىً فسُمِّيَ جمرة؛ لأنها تُرمى بالجمار، وقيل: لأنها مجمع الحصى التي يُرمى بها، من الجمرة: وهي اجتماع القبيلة على من نَاوَأها، وقيل: سُمِّيت به من قولهم: أجمر: إذا أسرع (٢).\nوقال العلامة أحمد الفيُّومي ﵀: «الجمرة هي مجتمع الحصى بمنى، فكلُّ كومةٍ من الحصى جمرة، والجمع: جمرات، وجمرات منى ثلاث ...» (٣).\nوعلى هذا فاشتقاق الجمرة: من التجمّر: وهو التجمّع؛ لاجتماع الحصى في الموضع الذي يُرمى فيه.\nأو سُمِّيت الجمرة من التجمّع لاجتماع الحجاج عندها يرمونها،\n_________\n(١) لسان العرب، لابن منظور، باب الراء، فصل الجيم، ٤/ ١٤٦.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، مادة (جمر)، ١/ ٢٩٢.\n(٣) المصباح المنير، للفيومي، مادة (جمر)، ١/ ١٠٨.","vol":"1","page":515},{"text":"والعلم عند اللَّه تعالى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>الجمرة في الاصطلاح: </span>هي مجتمع الحصى الذي تحت العمود الشاخص الذي يقع وسط الحوض في الجمرة الصغرى، والجمرة الوسطى، ويقع الحوض في جهة جمرة العقبة الغربية الجنوبية (٢)، فإذا وقع الحصى داخل الحوض تحت العمود الشاخص أجزأَ عند العلماء، وهو الموضع الذي رمى فيه رسول اللَّه - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>ثانيًا: سبب مشروعية الرمي وحكمته</span>، وردت أحاديث تدل على أن أوَّل من رمى الجمار إبراهيم الخليل - ﷺ -، فعن ابن عباس ﵄، يرفعه إلى النبي - ﷺ - قال: «لما أتى إبراهيم خليل اللَّه المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ (٣) في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض»، قال ابن عباس ﵄: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون» (٤)، وغير ذلك من الحكم (٥).\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان، ٥/ ٢٩٨.\n(٢) وقد أصبح حوض الجمرة الكبرى: جمرة العقبة من جميع الجهات بعد التوسعة السعودية الجديدة في عهد الملك عبد اللَّه بن عبد العزيز وفقه اللَّه تعالى.\n(٣) ساخ في الأرض: أي غاص فيها.\n(٤) ابن خزيمة، بنحوه، برقم ٢٩٦٧، والحاكم، ١/ ٤٦٦، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، على شرط مسلم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٧.\n(٥) وذكر شيخنا ابن باز ﵀ في مجموع فتاويه، ١٧/ ٣١٠ - ٣١٣ حكمًا أخرى هي:\n١ - اقتداءً بأبينا إبراهيم الخليل - ﵇ - حين اعترض له الشيطان في هذه المواقف، وبنبينا محمد - ﷺ - حين شرع ذلك لأمته في حجة الوداع.\n٢ - إقامة ذكر اللَّه تعالى: «إنما جعل الطواف بالبيت، والسّعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر اللَّه» [أحمد، ٤٠/ ٤٠٨]، وتقدم تخريجه.\n٣ - التقيّد بالعدد سبعة له حكمة عظيمة، وهو التذكر بما شرع اللَّه من هذا العدد: ترمى بسبع حصيات: كالطواف سبعًا، والسعي سبعًا.\n٤ - الدين الإسلامي دين امتثال لأمر اللَّه، حتى ولو خفيت الحكمة.\n٥ - رمي الجمار يشعر المسلم بالتواضع والخضوع في امتثال الأمر، كما أنه يعوِّد المسلم على النظام والترتيب في المواعيد.\n٦ - الاحتفاظ بالحصيات وعدم وضعها في غير موضعها يشعر المسلم بأهمية المحافظة على ما شرع ربه وعدم الإسراف، ووضع الأمور في مواضعها من غير تبذير ولا زيادة.\n٧ - الرمي رمز وإشارة إلى عداوة الشيطان.\n٨ - غاية في تحقير المرجوم، والمسلم يرجم الجمار لكن الأصل لرجم إبراهيم - ﵇ - أن رجم الشيطان [رمي الجمرات للشريف، ص ٢٦].","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>ثالثًا: الرمي أيام التشريق واجب من واجبات الحج </span>عند جماهير العلماء، للأدلة الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>الدليل الأول: حديث جابر - ﵁ </span>- قال: «رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>الدليل الثاني: رمي النبي - ﷺ - في أيام التشريق الجمار الثلاث بعد الزوال</span>، وقد قال: «خذوا عني مناسككم لعلِّي لا أراكم بعد عامي هذا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>الدليل الثالث: أمر اللَّه تعالى بذكره في أيام التشريق</span>، فقال - ﷿ -: ﴿وَاذْكُرُوا\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) البيهقي في السنن الكبرى، ٥/ ١٢٥.","vol":"1","page":517},{"text":"اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (١)،فالحجاج مأمورون بذكر اللَّه في منى، وليس في منى ذكر ينفرد به الحج إلا ذكر الجمار؛ لحديث عائشة ﵂، ترفعه: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر اللَّه» (٢).\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب يجبر بدم عند جماهير العلماء، على اختلافٍ بينهم في تعدد الدماء فيه، وعدم تعددها، ولا خلاف بينهم أنه ليس بركن؛ لأن الحج يتمّ قبله، ويتحلّل صاحبه التحلّل الأصغر، والأكبر، فيحلُّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام، فحجّه تام إجماعًا قبل رمي أيام التشريق، ولكن رميها واجب يجبر بدم، لأن النبي - ﷺ - رماها، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» (٣) (٤).\n_________\n(١) البقرة، الآية: ٢٠٣.\n(٢) أحمد، برقم ٢٤٥١، ٤٠/ ٤٠٨، ورقم ٢٤٢٦٨، ورقم ٢٥٠٨٠، وأبو داود، برقم ١٨٨٨، والترمذي، برقم ٩٠٢، وابن خزيمة، ٤/ ٢٢٢، برقم ٢٧٣٨، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص١٤٨، وحسن إسناده الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٣/ ٢١٨، وقال الأعظمي في تحقيقه لصحيح ابن خزيمة، ٤/ ٢٢٢: «إسناده صحيح»، وتقدم تخريجه في واجبات الحج.\n(٣) مسلم بنحوه، برقم ١٢١٨.\n(٤) وقد ذكر العلماء شروطًا لصحة الرمي منها الشروط الآتية:\nالشرط الأول: أن يكون المرمي به حصى؛ لقول الرسول - ﷺ -، وفعله.\nالشرط الثاني: أن يكون الرمي مقصودًا بفعله، فلو رمى في الهواء لا يقصد رمي الجمرة فوقعت الحصاة في المرمى لم يجزه؛ لأنه لم يقصده، ولو رمى إنسانًا فوقعت الحصاة في ثوبه فنفضها فوصلت إلى المرمى لم تجزه، فلا بد من نية مطلق الرمي لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات».\nالشرط الثالث: وقوع الحصى في المرمى في الحوض في مجتمع الحصى.\nالشرط الرابع: غلبة الظن أو العلم بوقوع الحصى في المرمى.\nالشرط الخامس: تفريق الرميات، فلو رماها دفعة واحدة لا تجزئ، وتعتبر واحدة فقط.\nالشرط السادس: ترتيب رمي الجمرات، فيبدأ بالصغرى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، لفعل النبي - ﷺ - وقوله: «لتأخذوا عني مناسككم» انظر: كتاب رمي الجمرات وما يتعلق به من أحكام، للدكتور شرف بن علي الشريف، ص ٦١ - ٧٢.","vol":"1","page":518},{"text":"وكان شيخنا ﵀ يفتي كثيرًا: أن من ترك رميَ الجمار فعليه دم؛ لأنه ترك واجبًا من واجبات الحج يجبر بدم لفقراء الحرم بمكة (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>رابعًا: وقت الرمي أيام التشريق: أوله وآخره على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>١ - أول وقت الرمي أيام التشريق: بعد الزوال</span>، ومن رمى قبل الزوال فلا يصح رميه، بل رميه باطل، وتجب عليه الإعادة في أيام التشريق بعد الزوال، فإن انتهت أيام التشريق ولم يعد، فإنه يجب عليه دم، لجبر هذا النقص، للأدلة الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>الدليل الأول: رمى النبي - ﷺ - بعد الزوال</span>، قال جابر - ﵁ -: «رمى النبي - ﷺ - يوم النحر ضُحىً، ورمى بعد ذلك بعد الزوال»، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «رمى رسول اللَّه - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضُحىً، وأما بعد\nذلك فإذا زالت الشمس» (٣).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٧٣، ١٧/ ٣٦٩، ٣٧٩، ٢٣/ ٤٦٠.\n(٢) قال الحافظ بن حجر في الفتح، ٣/ ٥٧٩ في حكم رمي الجمار أيام التشريق: «وقد اختلف فيه: فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم، وعند المالكية سنة مؤكدة، فيجبر، وعندهم رواية: أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه ...».\nوقال العلامة الشنقيطي، في أضواء البيان، ٥/ ٢٩٣: «اعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب يجبر بدم عند جماهير العلماء على اختلاف بينهم في تعدد الدماء ...».\n(٣) البخاري معلقا مجزومًا به، كتاب الحج، باب رمي الجمار، قبل الحديث رقم ١٧٤٦، وأخرجه مسلم موصولًا في كتاب الحج، باب بيان وقت استحباب الرمي، برقم ١٢٩٩.","vol":"1","page":519},{"text":"فهذا فعل النبي - ﷺ -، وهو قدوتنا وأسوتنا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١).\nقال الإمام النووي ﵀ في شرحه لحديث جابر: «المراد بيوم النحر جمرة العقبة؛ فإنه لا يشرع فيه غيرها بالإجماع، وأما أيام التشريق الثلاثة فيرمي كل يوم منها بعد الزوال، وهذا المذكور في جمرة يوم النحر سنة باتفاقهم، وعندنا يجوز تقديمهُ من نصف ليلة النحر، وأما أيام التشريق فمذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، وجماهير العلماء أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال؛ لهذا الحديث الصحيح ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>الدليل الثاني: أمرنا النبي - ﷺ - أن نأخذ عنه مناسك الحج</span>، فنعمل كما\nعمل - ﷺ -،فعن جابر - ﵁ -،قال: رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلِّي لا أحجّ بعد حجَّتي\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٢) وتمام كلام النووي، ٩/ ٥٣: «... وقال طاوس، وعطاء: يجزئه في الأيام الثلاثة قبل الزوال، وقال أبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه، يجوز في اليوم الثالث قبل الزوال، دليلنا: أنه - ﷺ - رمى كما ذكرنا، وقال: «لتأخذوا مناسككم»، واعلم أن رمي جمار أيام التشريق يشترط فيه الترتيب، وهو أن يبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة ...» [شرح النووي، ٩/ ٥٤]، وقال الحافظ ابن حجر، في الفتح، ٣/ ٥٨٠: «وفيه دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال، وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء وطاوس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقًا، ورخص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال، وقال إسحاق إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزئه».","vol":"1","page":520},{"text":"هذه» هذا لفظ مسلم، ولفظ البيهقي: «خذوا عني مناسككم لعلّي لا أراكم بعد عامي هذا»،ولفظ النسائي قال جابر: رأيت رسول اللَّه - ﷺ - يرمي الجمرة وهو على بعيره، وهو يقول: «يا أيها الناس خذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحج بعد عامي هذا» (١)،ولفظ ابن ماجه: «... لتأخذ أمتي نسكها فإني لا أدري لعلي لا ألقاها بعد عامي هذا» (٢).\nقال الإمام النووي ﵀: «لتأخذوا مناسككم ...» فهذه اللام لام الأمر، ومعناه خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي: من الأقوال، والأفعال، والهيئات، هي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم، فخذوها عني، واقبلوها، واحفظوها، واعملوا بها، وعلِّموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله - ﷺ - في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣)، وقوله - ﷺ -: «لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» فيه إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته - ﷺ -، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا\nسميت حجة الوداع، واللَّه أعلم» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>الدليل الثالث: حديث ابن عباس ﵄</span>، قال: «كان رسول اللَّه - ﷺ -\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢٩٧، والبيهقي، ٥/ ١٢٥، والنسائي، برقم ٣٠٦٢.\n(٢) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الوقوف بجمع، برقم ٣٠٢٣، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٤٧.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة، برقم ٧٨٥.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ٥٠.","vol":"1","page":521},{"text":"يرمي الجمار إذا زالت الشمس» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>الدليل الرابع: حديث عائشة ﵂ </span>حين ذكرت أن النبي - ﷺ - طاف طواف الإفاضة، قالت: «... ثم رجع إلى منى فمكث بها لياليَ أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، والثانية فيطيل القيام، ويتضرّع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>الدليل الخامس: حديث ابن عمر ﵄</span>، فعن وبَرَة قال: «سألت ابن عمر ﵄، متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدتُ عليه المسألة، قال: كُنَّا نتحَيَّن (٣) فإذا زالت الشمس رمينا» (٤).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «قوله: «متى أرمي الجمار؟» يعني في غير يوم الأضحى، قوله: «إذا رمى إمامك فارمه» يعني الأمير الذي على الحج، وكأن ابن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير فيحصل له منه\nضرر، فلما أعاد عليه المسألة لم يسعه الكتمان فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي - ﷺ -، وقد رواه ابن عيينة عن مسعر بهذا الإسناد فقال فيه: «فقلت له: أرأيت إن أخَّر إمامي» أي الرمي، فذكر الحديث» (٥)، وهذا\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الحج باب ما جاء في الرمي بعد الزوال، برقم ٨٩٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٦٣.\n(٢) أبو داود، كتاب المناسك، باب في رمي الجمار، برقم ١٩٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٥٢.\n(٣) كنا نتحيّن: أي نطلب الحين: وهو الوقت.\n(٤) البخاري، كتاب الحج، باب رمي الجمار، برقم ١٧٤٦.\n(٥) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٨٠.","vol":"1","page":522},{"text":"دليل على أن أصحاب النبي - ﷺ - كانوا ينتظرون ويترقَّبون زوال الشمس فلا يرمون قبله، ولو كان الرمي جائزًا قبله لم ينتظروا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>الدليل السادس: حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄</span>، فعن نافع: أن عبد اللَّه بن عمر كان يقول: «لا تُرمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>الدليل السابع: حديث عمر بن الخطاب </span>- ﵁ -، أنه قال: «لا تُرمى الجمرة حتى يميل النهار» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>الدليل الثامن: حديث عائشة ﵂ </span>عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٤)، وهذا يدلّ على أن جميع العبادات توقيفية لا يقبل منها إلا ما كان مشروعًا، أو أقره الشرع المطهر (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>الدليل التاسع: أن الرمي لو كان قبل الزوال في أيام التشريق جائزًا</span>،\nلفعله النبي - ﷺ -؛ فيه من فعل العبادة في أول وقتها؛ ولما فيه من تطويل الوقت حتى يتسع وقت الدعاء عند الجمرة الأولى والوسطى؛ لأن ابن مسعود ذكر عن النبي - ﷺ - أنه دعا بمقدار قراءة سورة البقرة (٦).\n_________\n(١) رمي الجمرات، للدكتور شرف الشريف، ص٩١.\n(٢) موطأ الإمام مالك، كتاب الحج، باب رمي الجمار، برقم ١/ ٤٠٨،برقم ٢١٧،والبيهقي في السنن،٥/ ١٤٩.\n(٣) البيهقي في السنن الكبرى، ٥/ ١٤٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، برقم ١٧١٨، وهذا لفظ مسلم، أما لفظ البخاري فهو: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وتقدم تخريجه.\n(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٤.\n(٦) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٣٨٤.","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>الدليل العاشر: أن الرمي لو كان قبل الزوال جائزًا</span>؛ لبادر إليه الرسول - ﷺ -؛ لما فيه من التَّيسير على أمته، وقد كان - ﷺ - يأمر أمته بالتيسير، فيقول: «يسِّروا ولا تُعسِّروا» (١).\nو«ما خُيِّر رسول اللَّه - ﷺ - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا» (٢).\nوقد كان يقول: «اللَّهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>ومعلوم يقينًا أن الحرّ كان شديدًا جدًا في عام حجة الوداع </span>حتى في وقت الضُّحى بعد ارتفاع الشمس، والدليل على ذلك حديث أم الحصين ﵂، قالت: «حججت مع رسول اللَّه - ﷺ - حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة: أحدهما يقود راحلته والآخر رافعٌ ثوبه على رأس رسول اللَّه - ﷺ - من الشمس ...»\nوفي لفظ: «... والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبة» (٤)، وحديث جابر - ﵁ -، وفيه: «أنه - ﷺ - نزل في القبة التي ضُرِبَتْ له بِنَمِرة حتى زالت الشمس ...» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة، برقم ٦٧، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات اللَّه، برقم٦٤٠٤، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في التجاوز في الأمر، برقم ٢٣٢٧.\n(٣) مسلم، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، برقم ١٨٢٨.\n(٤) مسلم برقم، ١٢٩٨، وتقدم تخريجه في محظورات الإحرام.\n(٥) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-771>وهذا يدل على شدّة الحرِّ في أول النهار</span>، ومعلوم عند جميع الناس أن وقت زوال الشمس وبعده بقليل يكون أشدَّ حرًّا من أول النهار، وقد بيَّن النبي - ﷺ - أن الحكمة من النهي عن الصلاة حتى تزول الشمس هو: أن جهنم حينئذٍ تُسْجَرُ (١)، وبعد الزوال يكون الحرُّ في الغالب قد اشتدَّ على الأرض، وقد أمر - ﷺ - بالإبراد بصلاة الظهر، في شدّة الحرِّ (٢).\nفلما كان الرسول - ﷺ - يتعمَّد أن يؤخِّر الرمي حتى تزول الشمس مع أنه أشقُّ على الناس دلَّ هذا على أن الرمي قبل الزوال في أيام التشريق لا يجوز ولا يجزئ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>الدليل الحادي عشر: أن الرسول - ﷺ - بادر بالرمي حين زالت الشمس</span>، فرمى قبل أن يصلّي الظهر، وكأنه - ﷺ - يترقَّب زوال الشمس ليرمي ثم ليصلِّي الظهر، ولو كان الرمي جائزًا قبل الزوال لفعله - ﷺ - ولو\nمرة واحدة بيانًا للجواز، أو فعله بعض الصحابة، وأقرَّه النبي - ﷺ - (٤).\nحتى في اليوم الثالث عشر يوم النفر لم يرمِ إلا بعد الزوال، وهو يريد أن يصلّي بالمحصب «الأبطح» صلاة الظهر، وهذا يدل دلالة قاطعة أنه لو كان جائزًا لعجّل الرمي قبل الزوال، واللَّه تعالى المستعان.\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، بَاب إِسْلَامِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، برقم ٨٣٢.\n(٢) متفق عليه، البخاري، مواقيت الصلاة، بَاب الإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، برقم ٥٠٢، مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، بَاب اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إِلَى جَمَاعَةٍ وَيَنَالُهُ الْحَرُّ فِي طَرِيقِهِ، برقم ١٤٣٠.\n(٣) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٧/ ٣٨٤.\n(٤) المرجع السابق، ٧/ ٣٨٥.","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>الدليل الثاني عشر: عمل جميع الصحابة بلا استثناء في حياة النبي - ﷺ - وبعد مماته</span>، فكلّهم يرمون في حجهم في أيام التشريق بعد الزوال، وقد حج مع النبي - ﷺ - من المدينة خلق كثير، بلغ عددهم كما ذكر العلماء: مائة وثلاثين ألفًا (١).\nوقد بيّن جابر بن عبد اللَّه ﵄ في صفة حجة الوداع، أن أعدادهم كثيرة جدًا حيث قال: «مكث النبي - ﷺ - تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة: أن رسول اللَّه - ﷺ - حاجٌّ فقدم المدينة بشرٌ كثيرٌ كلّهم يلتمس أن يأتمَّ برسول اللَّه - ﷺ - ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة ...» إلى أن قال: «... فصلّى رسول اللَّه - ﷺ - في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه: من راكب وما شٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه - ﷺ - بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به ...» (٢)، وكل هؤلاء\nعملوا المناسك مع النبي - ﷺ - وقال لهم: «خذوا عني مناسككم، لعلي لا أراكم بعد عامي هذا» (٣)، فأخذوا عنه ذلك وطبَّقوه وعلَّموه من لم يسمع، وبلّغوه مَنْ بعدهم، فلم يرمِ واحدٌ من هؤلاء الصحابة الجمار أيام التشريق إلا بعد الزوال اقتداء بنبيِّهم - ﷺ -، ولم يثبت عن صحابيٍّ واحدٍ أنه أفتى بالرمي قبل الزوال، أو رمى قبل الزوال لا في حياة النبي - ﷺ -، ولا بعد\n_________\n(١) انظر: فتح الملك المعبود في شرح سنن أبي داود، ٢/ ١٠٥.\n(٢) مسلم، برقم ١٢١٨.\n(٣) مسلم بنحوه، برقم ١٢٩٧، والبيهقي بلفظه، ٥/ ١٢٥.","vol":"1","page":526},{"text":"وفاته، وحج الناس في زمن الصحابة ثلاثًا وثمانين حَجةً ولم يرمِ واحد منهم قبل الزوال؛ لمدة أربعٍ وثمانين سنةً، بالعام الذي حج فيه النبي - ﷺ -؛ لأن النبي - ﷺ - مات وعمر أنس بن مالك - ﵁ - عشرون سنة، وهو آخر من مات من الصحابة، وقد عُمِّر حيث عاش مائة وثلاث سنين، وتوفي على الصحيح سنة ثلاث وتسعين هـ - ﵁ - وأرضاه كما قال الإمام النووي والحافظ ابن حجر، والذهبي رحمهم اللَّه تعالى (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «... والرمي بعد الزوال عند جمهور أهل العلم، والأئمة الأربعة، وخالف بعض التابعين، وهو قول شاذ؛ لقوله - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم»، ولو كان هناك رخصة لما أخَّرها رسول اللَّه - ﷺ -، ومعلوم أن الرمي أول النهار فيه سهولة، وفيه سعة، فلو كان جائزًا لبادر إليه رسول اللَّه - ﷺ -، وقد تتبَّعتُ هذا كثيرًا وزمنًا طويلًا، فلم أجد عن صحابيٍّ واحدٍ ما يدل على الرمي قبل الزوال: لا من قوله، ولا من فعله، والصواب أن الرمي قبل الزوال لا يجزئ، ولو\nقال به بعض التابعين، ولو قال به أبو حنيفة في يوم النفر، فهو فاسد، ومن ترك ذلك فعليه دم» (٢) (٣).\n_________\n(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي، ١/ ١٢٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي،\n٣/ ٣٩٥ - ٤٠٦، والإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ١/ ٧١ - ٧٢.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام لابن حجر، الحديث رقم ٧٨١.\n(٣) قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٣٢٨،: «ولا يرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال، فإن رمى قبل الزوال أعاد، نص عليه أحمد، وروي ذلك عن ابن عمر، وبه قال: مالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وروي عن الحسن وعطاء، إلا أن إسحاق، وأصحاب الرأي رخَّصوا في الرمي يوم النفر قبل الزوال ولا ينفر إلا بعد الزوال، وعن أحمد مثله، ورخص عكرمة في ذلك أيضًا، وقال: طاوس: يرمي قبل الزوال وينفر قبله ..» ثم رد عليهم ﵀ بالأدلة المذكورة وانظر: أيضًا كتاب الفروع لابن مفلح، ٦/ ٦٠.","vol":"1","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-774>الثالث عشر: الذي يظهر: أن الثابت عن عطاء: أنه لا يجيز الرمي قبل الزوال</span>، فعن ابن جريج، قال سمعت عطاء يقول: «لا تُرمى الجمرة حتى تزول الشمس، فعاودته في ذلك فقال ذلك» (١)، فقول عطاء الموافق للدليل أولى من غيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>الرابع عشر: المحققون العلماء الرّبّانيُّون</span>، الراسخون في العلم، العالمون باللَّه، وبعلم الكتاب والسنة، الذين قال اللَّه فيهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢) كلهم يقولون بعدم جواز الرمي قبل الزوال:\n*<span data-type=\"title\" id=toc-776> ومنهم هؤلاء الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتَّبعة: </span>الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، إلا أن أبا حنيفة رخَّص في يوم\nالنفر فقط قبل الزوال، ولكن لا ينفر إلا بعد الزوال (٣)، ولا دليل معه يرحمه اللَّه: لا من كتاب، ولا سنة، ولا قولٍ لصحابي واحد، وإنما مجرد رأي رآه غفر اللَّه له.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-777> وتبع هؤلاء الأئمة علماء الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا من شذَّ </span>بقوله، ورأيه، بل المحققون ربما أهملوا القول بالرمي قبل الزوال فلم يذكروا الخلاف؛ لشذوذ هذا القول، إلا عند الحاجة للردّ، منهم شيخ\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة، برقم ١٤٧٨٢، وقال العلامة عبد المحسن العباد البدر في تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة افعل ولا حرج ص٤٢: «بإسناد صحيح عن ابن جريج».\n(٢) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٣٢٨.","vol":"1","page":528},{"text":"الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما ذكر الرمي بعد الزوال ولم يذكر الخلاف في مجموع الفتاوى (١)، وتلميذه العلامة الإمام ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، فقد ذكر الرمي بعد الزوال، ولم يشر إلى الخلاف لشذوذه (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-778> قال شيخ الإسلام والمسلمين ابن تيمية </span>﵀: «الحاج يرمي الجمرات الثلاث أيام منى الثلاثة بعد الزوال، وهذا من العلم العام الذي تناقلته الأمة خلفًا عن سلف عن نبيها - ﷺ - ....»، ثم ذكر الأدلة على ذلك، ومنها: حديث عائشة - ﵁ -، وحديث ابن عباس - ﵁ -، وحديث جابر - ﵁ -، وحديث ابن عمر - ﵁ - (٣) (٤).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-779> وقال العلامة المحقق محمد الأمين الشنقيطي </span>﵀: «اعلم أن\nالتحقيق أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال؛ لثبوت ذلك عن النبي - ﷺ -»، ثم ذكر بعض الأدلة التي ذكرتها سابقًا، ثم قال: «وبهذه النصوص الثابتة عن النبي - ﷺ - تعلم أن قول عطاء، وطاوس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه، كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنه مخالف لفعل النبي - ﷺ - الثابت المعتضد بقوله: «خذوا عني مناسككم»؛ ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه: محمد وأبو يوسف، ولم يرد في كتاب اللَّه ولا سنة نبيه - ﷺ - شيء\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، ٢٦/ ١٦٢، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٤٠.\n(٢) انظر: زاد المعاد، ٢/ ٢٨٧.\n(٣) شرح العمدة، لابن تيمية، ٢/ ٥٥٧.\n(٤) وقد تقدم تخريج هذه الأدلة قبل صفحات.","vol":"1","page":529},{"text":"يخالف ذلك، فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق لا مستند له البتة، مع مخالفته للسنة الثابتة عنه - ﷺ -، فلا ينبغي لأحد أن يفعله ...» (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-780> وقال العلامة الإمام مفتي المملكة العربية السعودية</span>، ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية في عصره؛ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ ردًا على شخص أفتى بجواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق، فردَّ ﵀ بردٍ مفيدٍ مُدَعَّمٍ بالأدلة من الكتاب والسنة، والإجماع، وهذا ملخَّصٌ لهذا الرد الموفق:\nقال ﵀ ما ملخصه: «الأوقات التي وقَّتها اللَّه ورسوله للعبادات ليس لأحد من العلماء تغييرها، بتقديم أو تأخيرٍ، أو زيادةٍ أو نقصانٍ؛ فإن التوقيت من الدين، ولا دين إلا ما شرعه اللَّه ورسوله [- ﷺ -]» (٢).\nثم قال: «والفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه الأمر، وهو داخل في عموم قوله، - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم»، ثم ذكر الأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة على أن الرمي أيام التشريق لا يصح قبل الزوال (٣).\nثم بيَّن ﵀: أن: «الأئمة الأعلام، وجهابذة الإسلام، الذين يحجون على الدوام، ولم يجوِّزوا لأحد حج معهم من الأنام أن يرمي قبل الزوال [ولا فعله أحد منهم بنفسه]، ولم يخالفوا شرع إمام كل إمام»\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥.\n(٢) مجموع فتاوى العلامة ابن إبراهيم، ٦/ ١١٦.\n(٣) وهذه الأدلة التي ذكرها ﵀ قد سبق وأن ذكرتها في أول هذا الكلام عن الرمي أيام التشريق.","vol":"1","page":530},{"text":"وإمامهم في عدم تجويز الرمي قبل الزوال، وسيد الأنام - ﷺ - وسنته الثابتة من فعله التشريعي، الخارج مخرج الامتثال، والتفسير المقتضي للوجوب، ومن قوله - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم» (١)، وبعد أن ساق أدلة كثيرة، نقلية وعقلية قال ﵀:\n«إذا عُلم هذا فإن رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق لا يصح قبل الزوال: بالكتاب والسنة والإجماع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>أما الكتاب </span>فقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>وأما السنة فرميه - ﷺ - بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير المفيد للوجوب</span>، كما في حديث جابر، وحديث ابن عمر، وحديث ابن عباس،\nوحديث عائشة، وقوله - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم» (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>وأما الإجماع فأمرٌ معلوم</span>، وقد نُصَّ عليه في بعض كتب الخلاف، والإجماع، ولا يرد عليه ما ذكره هذا الرجل عن طاوس، وعطاء، وغيرهما، فإن هذا لا يُعدُّ خلافًا أبدًا، ولا يعتبر خلافًا عند العلماء؛ لأنه لاحظّ له من النظر بتاتًا، بل هو مصادم للنصوص» (٥).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن إبراهيم، ٦/ ١١٤، بتصرف يسير.\n(٢) سورة الحشر: من الآية، ٧.\n(٣) مسلم، برقم ١٢١٨ بنحوه، والبيهقي بلفظه، ٥/ ١٢٥.\n(٤) هذه الأحاديث التي أشار إليها ﵀ تقدم تخريجها قبل صفحات، وقد خرجها ﵀ في الفتاوى قبل كلامه هذا.\n(٥) مجموع فتاوى ابن إبراهيم، ٦/ ١١٠.","vol":"1","page":531},{"text":"وقال ﵀: «مَن طاوس وما طاوس؟ ومَن عطاء وما عطاء؟ وسنة رسول اللَّه - ﷺ - كالشمس في رابعة النهار، وقال ابن عباس ﵄ حين ناظر من ناظره في متعة الحج، واحتج مناظره بقول أبي بكر وعمر ﵄: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول اللَّه - ﷺ -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر (١).\nوقال الإمام أحمد رحمة اللَّه عليه: عجبت لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، واللَّه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعلَّه إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، أفتترك توقيت رسول اللَّه - ﷺ - لتوقيتٍ سواه؟ أفتقيس قياسًا السُّنَّةُ تأباه، وكل من\nأهل العلم لا يرضاه؟» (٣).\nوقال الإمام العلامة شيخنا ابن باز ﵀: «... لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة قبل الزوال: ليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر عند أكثر أهل العلم، وهو الحق الذي لا شكّ فيه؛ لأن النبي - ﷺ - إنما رمى بعد الزوال في الأيام الثلاثة المذكورة، وهكذا أصحابه - ﵃ -، وقد قال - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم» (٤)، فالواجب على المسلمين اتباعه في ذلك كما يلزم اتباعه في كل ما شرع اللَّه، وفي ترك كل ما نهى عنه اللَّه ورسوله؛\n_________\n(١) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٠/ ٢٥١، و٢٦/ ٢٧٦.\n(٢) سورة النور: من الآية، ٦٣.\n(٣) فتاوى سماحة العلامة ابن إبراهيم، ٦/ ٩٧، وهذا الرد يقع في هذه الفتاوى، ٦/ ٦٧ - ١١٨.\n(٤) مسلم، برقم ١٢٩٧ بنحوه، والبيهقي، بلفظه، ٥/ ١٢٥.","vol":"1","page":532},{"text":"لقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وقوله - ﷿ -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة» (٣).\nوسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز يقول ﵀: «ولا يجوز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وهناك قول شاذ بجواز الرمي قبل الزوال، وقول شاذ آخر أنه يجوز الرمي قبل الزوال يوم النفر، والقول الصواب أن الرمي بعد الزوال، ومن رمى قبل الزوال فعليه دم، ولا بأس بالرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه، والأفضل بعد الزوال إلى\nالغروب» (٤).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «.. يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يجزئ الرمي قبل الزوال ...» ثم ذكر الأدلة بالتفصيل ﵀ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>الخامس عشر: رمي الجمرات عبادة توقيفيَّة في كيفيّتها، وفي زمانها، ومكانها</span>، لا يجوز القول فيها بالرأي: والفتوى بغير علم، من القول بالرأي، ومن قال برأيه وترك الدليل، فقد خالف الصواب للأمور الآتية:\n_________\n(١) سورة الحشر: من الآية، ٧.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٣) فتاوى ابن باز، ١٧/ ٣٠٠، ٢٩١، ٣٦٥، ٣٧٢، ١٦/ ١٤٣.\n(٤) سمعته ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٧٤٦.\n(٥) الشرح الممتع، ٧/ ٣٨٤.","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-785>الأمر الأول: قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ </span>وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (١)، والقول على اللَّه تعالى بغير علم: أي بغير دليل من كتاب، أو سنة، سواء كان ذلك في أصول الدين، أو فروعه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>الأمر الثاني: قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ </span>(٢)، فقد جعل سبحانه من شرَّع للناس شيئًا من الدين لم يشرعه اللَّه شريكًا له في تشريعه، ومن أطاعه في ذلك فهو مشرك باللَّه\nتعالى شرك الطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>الأمر الثالث: عن عبد اللَّه بن عمر ﵄</span>، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «إِنَّ اللَّه لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُؤُوسًا (٣) جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ»، هذا لفظٌ لمسلم، وفي لفظ له: «إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا اتَّخذ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئلوا فأفتَوْا بغيرعلم، فَضَلُّوا وأضَلُّوا»، ولفظ البخاري: «إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْقَ عالمٌ اتَّخذ\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.\n(٢) سورة الشورى، الآية: ٢١.\n(٣) رؤوس: جمع رأس، وفيه التحذير من اتخاذ الجهال رؤساء. [شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٦٥].","vol":"1","page":534},{"text":"الناس رؤوسًا جُهَّالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علمٍ، فضَلُّوا وأضَلُّوا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>الأمر الرابع: ذمّ السلف للرأي المخالف للدليل، والتحذير من القول بالرأي</span>، ومنهم:\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>١ - قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: «إياكم وأصحاب الرأي</span>؛ فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلُّوا وأضَلُّوا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>٢ - قال عروة بن الزبير - ﵁ -: «السنن، السنن</span>، فإن السنن قِوام الدين [أزهد الناس في العالم أهله]» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>٣ - قال سهل بن حنيف - ﵁ -: «اتهموا رأيكم</span>، فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أردَّ على رسول اللَّه - ﷺ - أمره لرددته، واللَّه ورسوله أعلم»، وفي لفظ له: «اتهموا رأيكم على دينكم» (٤)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي لا تعملوا في أمر الدين بالرّأي المجرَّد الذي لا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، بابٌ: كيف يُقبض العلم، برقم ١٠٠، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي، وتكلف القياس، برقم ٧٣٠٧، ومسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، برقم ١٣ - (٢٦٧٣)، ورقم ١٤ - (٢٦٧٣).\n(٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ١/ ١٣٩، برقم ٢٠١، والدارمي في سننه، ١/ ٤٧، برقم ١٢١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٤١، برقم ٢٠٠١، ورقم ٢٠٠٣، و٢٠٠٥.\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٥١، برقم ٢٠٢٩، ٢٠٣٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب حدثنا عبدان، برقم ٣١٨١، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية، برقم ١٧٨٥.","vol":"1","page":535},{"text":"يستند إلى أصلٍ من الدين» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>٤ - قال الإمام أحمد - ﵀ -: «لا تكاد ترى أحدًا نظر في هذا الرأي </span>إلا وفي قلبه دغل» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>٥ - قال الأوزاعي - ﵀ -: «إذا أراد اللَّه - ﷿ - أن يحرم عبده بركة العلم </span>ألقى على لسانه الأغاليط» (٣).\nوقال الحافظ ابن عبد البر - ﵀ - بعد أن ساق آثارًا كثيرة في ذم الرأي ما ملخصه: قال أكثر أهل العلم: إن الرأي المذموم المعيب المهجور\nالذي لا يحل النظر فيه، والاشتغال به: هو الرأي المبتدع، وشبهه من أنواع البدع (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>وقال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة هو القول في أحكام </span>شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، وردّ الفروع والنوازل بعضها على بعض قياسًا دون ردّها على أصولها من الكتاب أو من السنة (٥)، ثم قال: «ومن تدبّر الآثار المرويّة في ذمّ الرأي المرفوعة وآثار الصحابة والتابعين في ذلك علم أنه ما ذكرنا» (٦)، فرجَّح - ﵀ - هذا القول ثم قال: و«ليس أحد\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ١٣/ ٢٨٨.\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في المرجع السابق، ٣/ ١٠٥٤، برقم ٢٠٣٥.\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٧٣، برقم ٢٠٨٣.\n(٤) جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٥٣.\n(٥) انظر: المرجع السابق، ٢/ ١٠٥٤.\n(٦) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ٢/ ١٠٦٢.","vol":"1","page":536},{"text":"من علماء الأمة يثبت حديثًا عن رسول اللَّه - ﷺ - ثم يردّه، دون ادّعاء نسخ ذلك بأثر أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلًا عن أن يتخذ إمامًا ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم اللَّه - ﷿ - من ذلك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>والحاصل أنه لا يجوز الاعتماد على الرأي، بل يُرجع إلى الكتاب والسنة</span>، أو إلى أحدهما، فإن لم يجد فيرجع إلى الإجماع، فإذا لم يجد الأمور الثلاثة رجع إلى أقوال الصحابة - ﵃ -، فإن وجد قولًا لأحدهم ولم يخالفه أحد من الصحابة، ولا عُرِفَ نصٌّ يخالفه، واشتهر هذا القول في زمانهم أخذ به؛\nلأنه حجة عند جماهير العلماء، فإذا لم يجد قولًا يحتجّ به من أقوال الصحابة، واحتاج إلى القياس رجع إليه بدون تكلّف، بل يستعمله على أوضاعه، ولا يتعسّف في إثبات العلة الجامعة التي هي من أركان القياس، بل إذا لم تكن العلّة الجامعة واضحة، فليتمسّك بالبراءة الأصلية (٢).\nوما أحسن ما قاله الشافعي - ﵀ -:\n\nكلُّ العلوم سوى القرآن مشغلةٌ ... إلا الحديث وعِلمَ الفقهِ في الدين\nالعلمُ ما كان فيه حدَّثنا ... وما سوى ذاك وسواسُ الشياطين (٣)\n\nوما أحسن ما قاله القائل:\n\nالْعِلْمُ قَالَ اللَّه قَالَ رَسُولُهُ ... قَالَ الصَّحَابَةُ لَيْسَ خُلْفٌ فِيهِ\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٨٠.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٠/ ١٤، و١٩/ ١٧٦، وإعلام الموقعين لابن القيم، ١/ ٣٠، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ١٣/ ٢٨٢.\n(٣) ديوان الشافعي، جمع محمد عفيف، ص٨٨، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير، ١٠/ ٢٥٤.","vol":"1","page":537},{"text":"مَا الْعِلْمُ نَصْبُكَ لِلْخِلَافِ سَفَاهَةً ... بَيْنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ رَأْيِ َفِقيهِ\n\nولله در القائل:\n\nوليس كلُّ خلافٍ جاء مُعْتَبرًا ... إلا خلافًا له حظٌّ مِنَ النَّظَرِ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>الأمر الخامس: قول العالم الرباني فيما لا يعلم: اللَّه أعلم نصف العلم</span>.\nمما يدل على خشية العالم لله - ﷿ - أن يردّ علم ما لا يعلمه إلى اللَّه، أو يقول: لا أدري، وقد ثبت عن الصحابة، والتابعين من هذا كثير، ومن ذلك ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>١ - قال عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: «يا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ</span>، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلْيَقُلْ: اللَّه أعْلَمُ؛ فَإنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لاَ يَعْلَمُ: اللَّه أعْلَمُ». قالَ اللَّه\nتَعَالَى لِنَبِيِّهِ - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين﴾ (٢») (٣).\n٢ - قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «من عَلِمَ علمًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم؛ فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم» (٤).\n\n٣ - قال عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - أيضًا: «إن من يُفتي في كل ما يستفتونه لمجنون» (٥).\n٤ - سُئل سعيد بن جبير عن شيء فقال: «لا أعلم»، ثم قال: «ويل للذي يقول لما لا يعلم: إني أعلم» (٦).\n٥ - قال مالك: «ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: لا\n_________\n(١) انظر: فتاوى محمد بن إبراهيم، ٦/ ٤٠، ٩٩.\n(٢) البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة ص، باب ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾،٦/ ٣٧،برقم ٤٨٠٩، وتفسير سورة الدخان، باب ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾،٦/ ٤٦،برقم ٤٨٢٢.\n(٣) سورة ص، الآية: ٨٦.\n(٤) البخاري، برقم ٤٨٢١، ومسلم، برقم ٣٩ - ٤١ (٢٧٩٨).\n(٥) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ٢/ ٨٤٣.\n(٦) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٨٣٦، برقم ١٥٦٨.","vol":"1","page":538},{"text":"أدري؛ فإنه عسى أن يهيأ له خير» (١).\n\n٦ - قال ابن وهب، وقال له ابن القاسم: ليس بعد أهل المدينة أحد أعلم بالبيوع من أهل مصر، فقال مالك: «من أين علموا ذلك؟ قال: منك يا أبا عبد اللَّه، فقال: ما أعلمها أنا، فكيف يعلمونها بي» (٢).\n٧ - عن مالك ﵀ قال: «جُنة العالم لا أدري، فإذا أغفلها\nأُصيبت مقاتلُه» (٣).\n\n٨ - قال الهيثم بن جميل: سمعتُ مالكًا سُئل عن ثمانٍ وأربعين مسألة فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بـ «لا أدري» (٤).\n٩ - قال خالد بن خداش: «قدمت على مالكٍ بأربعين مسألة، فما أجابني منها إلا في خمس مسائل» (٥).\n١٠ - عن ابن وهب، عن مالك، سمع عبد اللَّه بن يزيد بن هُرْمُز يقول: «ينبغي للعالم أن يُورِّث جُلساءه قول: «لا أدري» حتى يكون ذلك أصلًا يفزعون إليه» (٦).\n١١ - وقال ابن وهب: «لو كتبنا عن مالك: لا أدري؛ لملأنا الألواح» (٧).\n_________\n(١) المرجع السابق، ٢/ ٨٣٩، برقم ١٥٧٤.\n(٢) سير أعلام النبلاء للذهبي، ٨/ ٧٦.\n(٣) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ٢/ ٨٤١، وانظر: سير أعلام النبلاء، ٨/ ٧٧.\n(٤) سير أعلام النبلاء، ٨/ ٧٧.\n(٥) المرجع السابق، ٨/ ٧٧.\n(٦) سير أعلام النبلاء، للذهبي، ٨/ ٧٧.\n(٧) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٨٣٩، برقم ١٥٧٦.","vol":"1","page":539},{"text":"١٢ - عن عقبة بن مسلم أنه قال: «صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرًا، فكثيرًا ما كان يُسأل فيقول: «لا أدري»، ثم يلتفت إليَّ فيقول: «تدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسرًا\nإلى جهنم» (١).\n\n١٣ - قال أبو داود: «قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم نصف العلم» (٢).\nوهذا كله يؤكد للمفتي، ومعلِّم الناس الخير أهمية قوله: اللَّه أعلم، أو لا أدري لما لا يعلمه، وأن ذلك من الآداب الجميلة التي تدل على\nخشية اللَّه - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>السادس عشر: أدوار الجسور المتكررة حصل بها اليسر والتيسير: </span>لا شك أن ما كان يحصل من أضرارٍ في بعض الأوقات عند رمي الجمار، قد زال بحمد اللَّه تعالى، فقد أقيم الدور الثاني بناءً على فتوى مفتي البلاد السعودية في عصره: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، بتاريخ ٢٥/ ٦/ ١٣٨٢هـ (٣)، ثم أمر خادم الحرمين الشريفين: الملك عبد اللَّه بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية وفقه اللَّه، بالبدء في إقامة جسورٍ واسعة متكررة فوق الجسر الثاني بعد حج عام ١٤٢٦هـ، فبدأت الاستفادة بالجسر الأول منها في حج عام ١٤٢٧هـ، وكُرِّرَت الأدوار المتعددة فوق\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ٢/ ٨٤١، برقم ١٥٨٥.\n(٢) المرجع السابق، ٢/ ٨٤٢، برقم ١٥٨٦، وفي بعض نسخ جامع بيان العلم وفضله أنه من قول أبي الدرداء، ٢/ ٨٤٢، حاشية المحقق.\nوقال الذهبي في سير أعلام النبلاء، ٨/ ٧٧: «قال ابن عبد البر: صح عن أبي الدرداء: أنَّ لا أدري، نِصف العلم». انظر: ترتيب المدارك، ١/ ١٤٤، ١٥٢.\n(٣) انظر: فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، ٥/ ١٥٥.","vol":"1","page":540},{"text":"الجمرات في هوائها، فحصل بذلك التيسير ولله الحمد، مع التنظيم الجديد الذي جعل مساراتٍ للحجاج للذهاب والإياب، فزال ما كان يُخشى من الضرر، فلا حجة بعد ذلك لمن أفتى بالرمي قبل الزوال، كما أنه لا حجة له قبل ذلك؛ لمخالفة النصوص الشرعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>٢ - آخر وقت الرمي أيام التشريق الثلاثة:</span>\nتقدم: أن أول وقت رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة بعد الزوال،\nولا خلاف بين العلماء أن بقية اليوم وقت للرمي إلى الغروب (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>والأفضل في رمي الجمار أيام التشريق أن تُرْمَى قبل الغروب</span>، وكذلك جمرة العقبة من رماها قبل غروب يوم النحر فقد رماها في وقتٍ لها، وإن كان الأفضل أن تُرمى جمرة العقبة ضحى لغير الضعفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>أما الرمي بعد غروب الشمس ليلًا فقد أجازه بعض أهل العلم</span>؛ لأن النبي - ﷺ - وقَّت ابتداء الرمي بعد الزوال في أيام التشريق ولم يوقِّت\n_________\n(١) أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٩٩.\n(٢) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في نهاية وقت الرمي كلّ يومٍ من أيام التشريق على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: آخر وقت رمي كلّ يومٍ ينتهي بغروب شمس ذلك اليوم، وما بعده قضاء، وقد نقل عن مالك ﵀.\nالقول الثاني: ينتهي رمي كلّ يومٍ بطلوع فجر اليوم الذي بعده، وقد نقل عن أبي حنيفة ﵀.\nالقول الثالث: نهاية الرمي آخر أيام التشريق، فهي كلها كاليوم الواحد، فمن فاته الرمي قبل غروب شمس ذلك اليوم رماه في اليوم الذي بعده بعد الزوال، وإن أخّرها كلّها إلى آخر بومٍ رماها بعد الزوال بالترتيب، ولا شيء عليه، إلا أنه قد خالف السنة، ونقل عن الشافعية، والحنابلة، وأبي يوسف ومحمد من الحنفية، وسيأتي التفصيل في ذلك في الحواشي الآتية إن شاء اله تعالى. [انظر: رمي الجمرات للدكتور شرف الشريف، ص ٦٩].","vol":"1","page":541},{"text":"انتهاءه، وكذلك جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر للأقوياء، فالأحوط أن يرمي قبل الغروب حتى يخرج من الخلاف، ولكن لو اضطر إلى ذلك ودعت الحاجة إليه فلا بأس أن يرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه إلى آخر الليل قبل فجر اليوم الذي بعده (١) (٢)، واستدل\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى العلامة ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ١٦٥ و١٦٧، وأضواء البيان،\n٥/ ٢٨٣، و٥/ ٢٩٩، وانظر: قرار هيئة كبار العلماء في جواز الرمي ليلًا في كتاب توضيح الأحكام من بلوغ المرام، للعلامة عبد الرحمن البسام، ٣/ ٣٧٣، وانظر: آثارًا وأحاديث في جواز الرمي ليلًا في جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٢٧٨ - ٢٨٢، والمجموع للإمام النووي، ٨/ ٢٤٠، واللقاء الشهري مع العلامة ابن عثيمين، ١٠/ ٧٧.\n(٢) اتفق الفقهاء رحمهم اللَّه تعالى على أن الرمي في النهار أفضل من بعد الزوال إلى غروب الشمس، لأن النبي - ﷺ - رمى في النهار ولم يرم بالليل، إلا أنه - ﷺ - ذُكر عنه أنه رخَّص للرعاة بالرمي في الليل، فاختلف العلماء: فمنهم من قال بجواز الرمي بالليل، وقد نقل عن الحنفية، وابن حزم، وبه قال محمد بن المنذر، وروي عن عروة بن الزبير، والنخعي والحسن.\nوقال المالكية يجوز قضاءً في القول المشهور عنهم، والقول الثاني توقف.\nوعند الشافعية وجهان أصحهما الجواز ..\nوقال الحنابلة وإسحاق، وأحد الوجهين عند الشافية لا يجوز الرمي في الليل، فإن غربت الشمس اليوم وهو لم يرم أخَّر الرمي حتى تزول الشمس، من الغد فيرمي للفائت أولًا ثم يرمي لهذا اليوم بالترتيب «رمي الجمرات وما يتعلق بها من أحكام، ص ١٠٠» وقد ذكرت أدلة من قال بالجواز في متن هذا البحث.\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان ٥/ ٢٩٩: «الفرع الثالث: في آخر وقت الرمي أيام التشريق: قد علمت أن أول وقت رميها بعد الزوال، ولا خلاف بين العلماء: أن بقية اليوم وقت للرمي إلى الغروب، واختلفوا فيما بعد الغروب: فمنهم من يقول: إن غربت الشمس ولم يرم رمى بالليل، وبعضهم يقول: الليل قضاء، وبعضهم يقول أداء، وقد قدمنا أقوالهم وحججهم في الكلام على رمي جمرة العقبة. ومنهم من يقول لا يرمي بالليل، بل يؤخِّر الرمي حتى تزول الشمس من الغد، كما قدمناه، مع إجماعهم على فوات وقت الرمي بغروب اليوم الثالث عشر من ذي الحجة الذي هو رابع يوم النحر.\nواعلم: أن هذا الحكم له حالتان:\nالأولى: حكم الرمي في الليلة التي تلي اليوم الذي فاته فيه الرمي من أيام التشريق.\nوالثانية: الرمي في يوم آخر من أيام التشريق.\nأما الليل: فقد قدمنا: أن الشافعية، والمالكية، والحنفية كلهم يقولون: يرمي ليلًا، والمالكية بعضهم يقولون الرمي ليلًا قضاءً وهو المشهور عندهم، وبعضهم يتوقف في كونه قضاءً أو أداءً، ...\nوالحنابلة قدمنا أنهم يقولون: لا يرمي ليلًا، بل يرمي من الغد بعد الزوال، وأما رمي يوم من أيام التشريق في يوم آخر منها فلا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في أيام التشريق الثلاثة، هل هي كيوم واحد، فالرمي جميعًا أداء، لأنها وقت للرمي كيوم واحد، أو كل يوم منها مستقل، فإن فات هو وليلته التي بعده فات وقت رميه، فيكون قضاء في اليوم الذي بعده.\nفعلى القول الأول: لو رمى عن اليوم الأول في الثاني، أو عن الثاني في الثالث، أو عن الأول والثاني في الثالث، فلا شيء عليه، لأنه رمى في وقت الرمي.\nوعلى الثاني يلزمه دم عن كل يوم فاته رمى فيه إلى الغد عند من يقول بتعدد الدماء: كالشافعية، أو دم واحد عن اليومين عند من يقول بعدم التعدد» [أضواء البيان، ٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠].\nقال الشنقيطي ﵀: «والتحقيق في هذه المسألة: أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه [أي في اليوم الذي يليه]، ولا شيء عليه، كما هو مذهب أحمد، ومشهور مذهب الشافعي، ومن وافقهما». [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٠].\nوالدليل على ذلك، حديث عاصم بن عدي العجلاني - ﵁ -: أن رسول اللَّه - ﷺ -: «رخَّص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد بيومين، ويرمون يوم النفر»، وفي لفظ «رخَّص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا» هذان اللفظان لأبي داود، (برقم ١٩٧٤، ١٩٧٥) ولفظ النسائي: «رخص للرعاة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا» وفي لفظ: «رخص للرعاة في البيتوتة يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعده يجمعونهما في أحدها» (برقم ٣٠٦٨، ورقم ٣٠٦٩)، ولفظ الترمذي: «أرخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا»، وفي لفظ: «رخَّص رسول اللَّه - ﷺ - لرعاء الإبل في البيتوتة: أن يرمو يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، فيرمونه في أحدهما، قال مالك: ظننت أنه قال: في الأول منهما ثم يرمون يوم النفر» (برقم ٩٥٤، ٩٥٥) ولفظ ابن ماجه: «رخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا».\nوفي لفظ: «رخَّص رسول اللَّه - ﷺ - لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعون رمي يومين بعد النحر فيرمونه في أحدهما .. قال مالك: ظننت أنه قال: في الأول منهما، ثم يرمون يوم النفر» (برقم ٣٠٣٦،ورقم ٣٠٣٧)،وهذه ألفاظ الحديث في الكتب الستة، وأخرجه أحمد برقم ٢٣٧٧٤، ورقم ٢٣٧٧٥، ورقم ٢٣٧٧٦، ٣٩/ ١٩١ - ١٩٤، بألفاظ نحو ما في الكتب الستة، وفسره الإمام مالك في الموطأ ١/ ٤٠٩، بأن معنى الحديث: أنهم يرمون يوم النحر، ثم لا يرمون اليوم الذي بعده، وهو اليوم الحادي عشر، ثم يرمون اليوم الذي بعده، وهو اليوم الثاني عشر، فيجمعون الرمي اليوم الحادي عشر مع الثاني عشر، وهو يوم النفر الأول، فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الثاني، ثم نفروا مع الناس.\nوهذا نحو كلام الإمام مالك ﵀ قال العلامة الشنقيطي، ٥/ ٣٠١: «وهذا المعنى الذي فسر به الحديث هو صريح معناه في رواية من روى: أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا» وحديث عاصم قال فيه الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وصححه الألباني في صحيح السنن في المواضع المذكورة آنفًا. وقال محققو المسند، ٣٩/ ١٩١: «إسناده صحيح».\nوهذا يدل على أن من فاته الرمي في اليوم الأول رمى في اليوم الذي بعده بعد الزوال ولا شيء عليه، ولكن يرمي بالترتيب لليوم الفائت، ثم يرجع من الجمرة الصغرى ويرمي بالترتيب لليوم الذي بعده كذلك حتى ينتهي بيومه على الترتيب، واللَّه أعلم. [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٥، و١٧/ ٣٧٤].\nقال العلامة الشنقيطي ﵀، ٥/ ٣٠٣: «وبما ذكرنا تعلم أن أيام الرمي كلها كاليوم الواحد، وأن من رمى عن يومٍ في الذي بعده لا شيء عليه؛ لإذن النبي - ﷺ - للرعاء في ذلك، ولكن لا يجوز تأخير يوم إلى يوم آخر إلا لعذر، فهو وقت له، ولكنه كالوقت الضروري، واللَّه تعالى أعلم»، قلت: ويكون الرمي بعد الزوال لا قبله.\nقال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٥/ ٣٣٣ في رمي الجمرات أيام التشريق: «إذا أخَّر رمي يوم إلى يوم بعده، أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة، ولا شيء عليه، إلا أنه يقدِّم بالنية رمي اليوم الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، وبذلك قال الشافعي، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: إن ترك حصاة أو حصاتين أو ثلاثًا إلى الغد رماها وعليه لكل حصاة نصف صاع، وإن ترك أربعًا رماها وعليه دم، ولنا أن أيام التشريق وقت للرمي، فإذا أخَّره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شيء، كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته ... والحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخَّرها كالحكم في رمي أيام التشريق في أنها إذا لم ترمَ يوم النحر رميت من الغد، وإنما قلنا يلزمه الترتيب بنيته؛ لأنها عبادات يجب الترتيب فيها مع فعلها في أيامها، فوجب ترتيبها مجموعة، كالصلاتين المجموعتين والفوائت» [رجح ذلك الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٩٥].\nوقال الشنقيطي ﵀: «وأما رمي جمرة العقبة فقال بعض أهل العلم: إن حكمه مع رمي أيام التشريق كواحد منها، فمن أخّر رميه إلى يوم من أيام التشريق، فهو كمن أخّر يومًا منها إلى يوم، وعليه ففيه الخلاف المذكور، وقال بعض أهل العلم: هو مستقل بوقته دونها؛ لأنه يخالفها في الوقت، والعدد؛ لأنها جمرة واحدة أو ل النهار، وأيام التشريق بعكس ذلك، وله وجه من النظر، واللَّه أعلم». [أضواء البيان/ ٥/ ٣٠٣].\nقلت: تقدم قول ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٩٥: ورمي جمرة العقبة يوم النحر، قال: «... فإن أخّرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد، وبهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق، وقال الشافعي، ومحمد بن المنذر، ويعقوب: يرمي ليلًا ...». وقد تقدم تفصيل ذلك، فيرجع إليه من شاء.","vol":"1","page":542},{"text":"على جواز الرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه بأدلة، منها الأدلة الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>الدليل الأول: </span>حديث ابن عباس ﵄، قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - يُسأل أيام منى، فيقول: «لا حرج»، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: «لا حرج»، فقال رجل: رميتُ بعدما أمسيتُ؟ قال: «لا حرج» [هذا لفظ النسائي] (١)، ولفظ البخاري: كان رسول اللَّه - ﷺ - يُسأل يوم النحر بمنى ...» (٢) الحديث، وقد صرَّح النبي - ﷺ - أن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل (٣)، وقد تقدم في رمي جمرة العقبة أن المساء يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتدّ الظلام، وقول ابن منظور: «المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال\n_________\n(١) النسائي، برقم ٣٠٦٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٥٩، وتقدم تخريجه في رمي جمرة العقبة.\n(٢) البخاري، برقم ١٧٣٥، وتقدم تخريجه في رمي جمرة العقبة.\n(٣) أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٢.","vol":"1","page":545},{"text":"بعضهم: إلى نصف الليل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>الدليل الثاني: </span>عن نافع عن ابن عمر أن ابنة أخٍ لصفية بنت أبي عُبيدٍ نفست بالمزدلفة، فتخلَّفت هي وصفيَّة حتى أتتا منى بعد أن غربت\nالشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن ترميا الجمرة حين أتتا، ولم يرَ عليهما شيئًا» (٢).\nوهذا وإن كان في رمي جمرة العقبة؛ فإن رمي جمرة العقبة وقت الرمي فيه أوسع من وقت الرمي في أيام التشريق، فالرمي فيها بالليل من باب أولى (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>الدليل الثالث: </span>حديث ابن عمر ﵄: أن النبي - ﷺ -: «رخَّص للرعاء أن يرموا بالليل» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>الدليل الرابع: </span>اليوم وقت للرمي، والليل يتبعه في ذلك كليلة النحر تجعل تبعًا ليوم عرفة في حكم الوقوف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>الدليل الخامس: </span>تأمل الواقع، والمشاهدة يدلان على أن الوقت من زوال الشمس إلى الغروب لا يكفي لرمي الأعداد الكثيرة من الحجاج.\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>الدليل السادس: </span>الرمي في الليل جائز؛ لأنه فعل من أفعال الحج،\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، ٣/ ٣٦٩، وانظر ما تقدم في رمي جمرة العقبة.\n(٢) موطأ الإمام مالك، ١/ ٤٠٩، وتقدم في رمي جمرة العقبة: أن إسناده صحيح.\n(٣) تبصير الناسك بأحكام المناسك، للعلامة عبد المحسن العباد، ص ١٥٨.\n(٤) البيهقي، ٥/ ١٥١، وقد ذكر له العلامة الألباني ﵀ طرقًا وشواهد في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٥/ ٦٢٢ - ٦٢٤، ثم قال: «فالحديث بمجموع هذه الطريق والتي قبلها حسن عندي، ولا سيما وقد قال الحافظ في التلخيص، ٢/ ٢٦٣ في حديث ابن عمر: «رواه البزار بإسناد حسن، والحاكم، والبيهقي».","vol":"1","page":546},{"text":"فجاز فعله بالليل، كالطواف، والسعي، والوقوف بعرفة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>خامسًا: صفة رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة:</span>\nيجب الترتيب (٢) في رمي الجمار أيام التشريق الثلاثة على النحو الآتي:\n_________\n(١) انظر: رمي الجمرات وما يتعلق به من أحكام، للدكتور الشريف، طبع جامعة أم القرى، ص ١٠١ - ١٠٢.\n(٢) مسائل في رمي الجمرات على النحو الآتي:\nالمسألة الأولى: يجب الترتيب في رمي الجمرات على الصحيح في أيام التشريق، فيبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات، مثل حصى الخذف، يكبر مع كل حصاة، ثم الجمرة الوسطى، ثم العقبة كذلك؛ لأن النبي - ﷺ - فعل ذلك وقال: «خذوا عني مناسككم» [أضواء البيان، ٥/ ٢٩٥، ٣٠٣، والمغني لابن قدامة، ٥/ ٣٢٩، ومجموع فتاوى ابن باز،\n١٦/ ١٤٥، و١٧/ ٣٧٧، وذكر شيخنا هنا أنه إن لم يرتب ناسيًا أو جاهلًا فذكر في وقت الرمي قبل انقضاء أيام التشريق أعاد، فيبدأ بالجمرة الوسطى، ثم العقبة، حتى يحصل بذلك الترتيب، أما إذا ذكره بعد انتهاء أيام التشريق فنرجو أن لا يكون عليه شيء لأجل الجهل والنسيان، ١٧/ ٣٧٧.\nالمسألة الثانية: لا بد من رمي الحصاة بقوة، فلا يكفي طرحها، ولا وضعها باليد في المرمى؛ لأن ذلك ليس برمي في العرف [أضواء البيان، ٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧]، [وانظر: كتاب رمي الجمرات للدكتور الشريف، ص ٣١ - ٣٢].\nالمسألة الثالثة: الرمي بالحصى الذي مثل حصى الخذف؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: «رأيت النبي - ﷺ - رمى الجمرة بمثل حصى الخذف» [مسلم، برقم ١٢٩٩]، والخذف: الرمي بحصاة أو نحوها بالسبابة والإبهام أو بالسبابتين، وقد حددها فقهاء الحنابلة بأنها أكبر من الحمص، ودون البندق، كما حدّدها بعض فقهاء الشافعية بأنها دون الأنملة [رأس الأصبع] طولًا وعرضًا، وقد نهى النبي - ﷺ - عن الخذف الذي مثَّل بحصاته [رمي الجمرات وما يتعلق به من أحكام، ص ٣٣]، وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٨٩.\nالمسألة الرابعة: الشك في وقوع الحصى في المرمى [الحوض] قال شيخنا ابن باز ﵀: «من شك هل وقع الحصى في المرجم أم لا فعليه التكميل حتى يتيقَّن».\nوقال ﵀: «ولا بد في رمي الجمار من أن يتحقَّق أو يغلب على ظنه أن الحجر وصل إلى الحوض، فإن لم يتحقَّق ذلك، أو يغلب على ظنه أعاد الرمي في الوقت؛ فإن خرج من منى ولم يعد فعليه دم؛ لأنه ترك واجبًا، أما إذا تيسَّر له أن يعيد الرمي في أيام منى أعاده مرتَّبًا بالنية، ولا شيء عليه» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٥، و١٧٣، و١٧/ ١٧٧، ٣٠٩، ٣٧٩، و٣٠/ ١٩٥].\nالمسألة الخامسة: اعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: يستحب رمي جمرة العقبة راكبًا إن أمكن، ورمي أيام التشريق ماشيًا في الذهاب والإياب إن أمكن، وهذا من باب السنة. [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٨].\nالمسألة السادسة: إذا رمى النائب عن العاجز ثم زال عذر المستنيب وأيام الرمي باقية، فقال مالك: يقضي كل ما رماه عنه النائب مع لزوم الدم، وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء ما رمى عنه النائب؛ لأن فعل النائب كفعل المنوب عنه، فيسقط به الفرض، ولكن يندب إعادته، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي، وفي المسألة أقوال أخرى، ورجَّح الشنقيطي في أضواء البيان: أنه يرمي جميع ما رمي عنه، ولا شيء عليه؛ لأن الاستنابة إنما وقعت لضرورة العذر، فإذا زال العذر والوقت باقٍ، فعليه أن يباشر فعل العبادة بنفسه [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٩ - ٣١٠]. [وانظر أيضًا: رمي الجمرات للدكتور شرف الشريف، ص ١٣٣].\nالمسألة السابعة: اختلف العلماء ﵏ في القدر الذي يوجب تركه الدم من رمي الجمار على أربعة أقوال:\nالقول الأول: ذهب مالك وأصحابه إلى أن من أخَّر رمي حصاة واحدة من واحدة من الجمرات إلى الليل لذلك اليوم لزمه دم، وما فوق الحصاة أحرى بذلك سواء عندهم في ذلك رمي جمرة العقبة يوم النحر ورمي الثلاثة أيام التشريق، ومعلوم أن من توقَّف من المالكية في كون الرمي ليلًا قضاء يتوقف في وجوب الدم إن رمى ليلًا، ولكن مشهور مذهبه أن الليل قضاء. [أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٣٠٤].\nالقول الثاني: وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أن الدم يلزمه بترك رمي الجمرات كلها، أو رمى يومًا واحدًا من أيام التشريق، وكذلك رمي جمرة العقبة، فرمي جمرة العقبة، ورمي يومٍ من أيامِ التشريق، ورمي الجميع سواء عندهم فيما يلزم في كل واحد منها دم واحد، وما هو أكثر من نصف رمي يوم عندهم كرمي اليوم يلزم فيه دم، فلو رمى جمرة وثلاث حصيات من جمرة وترك الباقي فعليه دم؛ لأنه رمى عشر حصيات، وترك إحدى عشرة حصاة، فإن ترك أقل من نصف رمي يومٍ كأن ترك جمرة واحدة، فلا دم عليه، ولكن عليه الصدقة عندهم، فيلزمه لكل حصاة نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو شعير إلا أن يبلغ ذلك دمًا فينقص ما شاء هكذا يقولون، وليس لهم مستند من النقل، وغاية ما عندهم من الاستدلال: هو أن رمي اليوم الواحد نسك واحد، فمن ترك جمرة في يوم لم يترك نسكًا، وإنما ترك بعض نسك، والدم يلزم عند أبي حنيفة بفوات الرمي في يومه وليلته التي بعده، ولو رماه من الغد في أيام التشريق، وخالفه في ذلك صاحباه. [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٤].\nالقول الثالث: مذهب الشافعي: أنه إن ترك رمي الجمار الثلاث في يوم من أيام التشريق لزمه دم، وإن ترك ثلاث حصيات من جمرة فما فوقها لزمه دم؛ لأن ثلاث حصيات فما فوقها يقع عليها اسم الجمع، فصار تركها كترك الجمع، وإن ترك حصاة واحدة فثلاثة أقوال عندهم: يجب عليه ثلث دم، والقول الثاني مُدّ، والقول الثالث درهم، وحكم الحصاتين كذلك، قيل: يلزمه ثلثا دم، وقيل: مدان، وقيل: درهمان، فإن ترك الرمي في أيام التشريق كلها فعلى القول المشهور عندهم أنها كيوم واحد، واللازم دم واحد.\nوقولٍ للشافعية ثانٍ: وهو أن الجمرات الثلاث كلها كالشعرات الثلاث، فلا يكمل الدم في بعضها بل لا يلزم إلا بترك جميعها، بأن يترك رمي يوم، وعليه فإن ترك رمي جمرة من الجمار ففيه الأقوال الثلاثة المشهورة عندهم فيمن حلق شعرة أظهرها مُدّ، والثاني درهم، والثالث: ثلث دم، فإن ترك جمرتين فعلى هذا القياس: وهو لزوم مدين، أو درهمين، أو ثلثي دم، وعلى هذا لو ترك حصاة من جمرة، فعلى أن في الجمرة ثلث دم يلزمه في الحصاة جزء من واحد وعشرين جزءًا من دم، وعلى أن فيها مدًّا، أو درهمًا، ففي الحصاة سبع مد، أو سبع درهم ...» [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣٠٥].\nالقول الرابع: وهو مذهب الإمام أحمد: أن من أخّر الرمي كله عن أيام التشريق فعليه دم، وعنه في ترك الجمرة الواحدة دم، ولا شيء عنده في الحصاة والحصاتين، وعنه يتصدق بشيء، وعنه أن في الحصاة الواحدة: دمًا كقول مالك، وعنه أن في ثلاث حصيات دمًا كأحد قولي الشافعي، وفيما دون ذلك كل حصاة كأحد الأقوال عند الشافعي، والعلم عند اللَّه تعالى. [أضواء البيان للشنقيطي،\n٥/ ٣٠٣ - ٣٠٨، وقد ذكر أدلة كل فريق هناك] [وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٣٨٠].\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «فاعلم أن دليلهم في إجماعهم على أن من ترك الرمي كله وجب عليه دم، هو ما جاء عن ابن عباس ﵄ موقوفًا عليه: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا»، وهذا صح عن ابن عباس موقوفًا». [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٦].\nثم قال: أما اختلاف العلماء في لزوم الدم بترك جمرة أو رمي يوم، أو حصاة، أو حصاتين إلى آخر ما تقدم، فهو من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فمالك مثلًا القائل بأن في الحصاة الواحدة دمًا، يقول: الحصاة الواحدة داخلة في أثر ابن عباس المذكور، فمناط لزوم الدم محقق فيها؛ لأنها شيء من نسك، فيتناوله قوله: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه ...» إلى آخره؛ لأن لفظة: شيئًا: نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة عموم.\nوالذين قالوا: لا يلزم في الحصاة والحصاتين دم، قالوا: الحصاة والحصاتان لا يصدق عليهما نسك، بل هما جزء من نسك، وكذلك الذين قالوا: لا يلزم في الجمرة الواحدة دم، قالوا: رمي اليوم الواحد نسك واحد، فمن ترك جمرة واحدة في اليوم لم يترك نسكًا، وإنما ترك بعض نسك، وكذلك الذين قالوا: لا يلزم إلا بترك الجميع، قالوا: إن الجميع نسك واحد، والعلم عند اللَّه تعالى. [أضواء البيان، ٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨].\nالمسألة الثامنة: استقبال القبلة في رمي الجمرة الصغرى فيجعلها بين يديه ويرميها بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة، ثم الوسطى كذلك، هذا هو الأفضل، وبعض الفقهاء يطلق فيقول: يستقبل القبلة أثناء رمي الجمرة الصغرى والوسطى، وبيَّن العلامة ابن عثيمين ﵀ أن في هذا صعوبة، ولكن الصحيح أنه يستقبل القبلة، ويجعل الجمرة الصغرى بين يديه، والوسطى كذلك. هذا هو الأفضل. أما العقبة فتقدم الكلام في صفة الرمي لها. [انظر: كتاب رمي الجمرات، وما يتعلق به من أحكام، للدكتور الشريف، ص ١١٩، والمغني لابن قدامة، ٥/ ٣٢٦].\nالمسألة التاسعة: قال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم: أن التحقيق في عدد الحصيات التي ترمى بها كل جمرة: سبع حصيات، وأحوط الأقوال في ذلك قول مالك وأصحابه، ومن وافقهم: أن من ترك حصاة واحدة كمن ترك رمي الجميع، وقال بعض أهل العلم: يجزئه الرمي بخمس أو بست». [أضواء البيان، ٥/ ٣١٠]. ومجموع الحصى سبعون حصاة: سبع ترمى بها جمرة العقبة يوم النحر، وثلاث وستون ترمى بها الجمرات الثلاث أيام التشريق الثلاثة في كل يوم إحدى وعشرين حصاة كل جمرة سبع، وقال ابن قدامة في المغني: والأولى أن لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات؛ لأن النبي - ﷺ - رمى بسبع حصيات، فإن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس، ولا ينقص أكثر من ذلك، نصَّ عليه، وهو قول مجاهد، وإسحاق، وعنه: إذا رمى بستٍّ ناسيًا فلا شيء عليه، ولا ينبغي أن يتعمَّده، فإن تعمَّد ذلك تصدق بشيء، وكان ابن عمر يقول: ما أبالي أرميت بسبعٍ أو ست، وقال ابن عباس: ما أدري رماها النبي - ﷺ - بسبعٍ أو ست، وعن أحمد: أن عدد السبع شرط، ويشبه مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن النبي - ﷺ - رمى بسبع، وقال أبو حبَّة: لا بأس بما رمى به الرجل من الحصى، فقال عبد اللَّه بن عمرو: صدق أبو حبّة، وكان أبو حبّة بدريًّا، ووجه الرواية الأولى ما روى ابن أبي نجيح، قال: سئل طاوُسٌ عن رجلٍ ترك حصاةً قال: يتصدق بتمرة أو لقمة، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إن أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعدٍ، قال سعد: رجعنا من الحجة مع رسول اللَّه - ﷺ -، بعضنا يقول: رميت بستٍّ، وبعضنا يقول: بسبعٍ، فلم يعب بعضنا على بعض، رواه الأثرم وغيره، ومتى أخلَّ بحصاةٍ واجبة من الأولى لم يصحّ رمي الثانية حتى يكمل الأولى، فإن لم يدرِ من أي الجمار تركه بنى على اليقين ...» [المغني، ٥/ ٣٣٠].\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٣١١: «والتحقيق أنه لا يجوز أقل من سبع حصيات للروايات الصحيحة عن النبي - ﷺ -: أنه كان يرمي الجمار بسبع حصيات مع قوله - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم»، فلا ينبغي العدول عن ذلك؛ لوضوح دليله، وصحته ... والظاهر أن من شكّ في عدد ما رمى يبني على اليقين، وروى البيهقي عن عليٍّ - ﵁ - ما يؤيِّده». [وانظر أيضًا: رمي الجمرات للدكتور شرف الشريف، ص ٣٩ - ٤٠].\nقلت: وأما قول سعد بن ابي وقاص: «رجعنا ...» إلى قوله: بعضنا يقول: رميت بستٍ، وبعضنا يقول: بسبعٍ، فلم يعب بعضنا على بعض» [رواه البيهقي، ٥/ ١٤٩]، فقال ابن التركماني: سكت عنه، وقال الن القطان: لا أعمل لمجاهد سماعًا من سعد، وقال الطحاوي في أحكام القرآن: حديث منقطع لا يثبت أهل الإسناد مثله، وذكر ابن جرير في التهذيب أنه لم يستمر العمل به؛ لأنه لم يصح ...» [الجوهر النقي لابن التركماني، المطبوع مع سنن البيهقي الكبرى، ٥/ ١٤٩].\nالمسألة العاشرة: تكسير الحصى: ثبت عن النبي - ﷺ - أنه أمر ابن عباس أن يلقط له الحصى، واللقط هو: أخذ الحجارة الصغيرة جاهزة دون حاجة إلى تكسير، فإذا بحث الحاج عن حجارة صغيرة ولم يجد، وتعسر عليه ذلك، فلا بأس من أخذ حجر كبير وتكسيره إلى أحجار صغيرة يرمي بها، وأجمع الفقهاء أن اللقط أولى من تكسيره؛ للحديث: «القط لي حصى»؛ ولأن التكسير لا يؤمن أن يطير إلى الإنسان منه شيء يؤذيه. [المغني، ٥/ ٢٨٨، والشرح الكبير مع الإنصاف، ٩/ ١٨٨، ورمي الجمرات، ص ٣٨].\nالمسألة الحادية عشرة: يجزئ الرمي بكل ما يسمى حصى، وهي الحجارة الصغيرة، سواء كان: أبيض، أو أسود، أو أحمر، [انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٨٩].\nالمسألة الثانية عشرة: اتفق الأئمة الأربعة على أنه يجوز أن يأخذ الحصى من حيث شاء: من مزدلفة أو منى، ولكن الأفضل أن يأخذ سبع حصيات يوم النحر لرمي جمرة العقبة صباحًا؛ لفعل النبي - ﷺ -، ويلتقط أيام التشريق كل يومٍ إحدى وعشرين حصاة من منى [ويكره أن يأخذ الحصى من المسجد، ومن الحل خارج الحدود للحرم، ومن المواضع المتنجسة، كالمراحيض، والحمامات المتنجسة، أو من الحصى الذي قد رمي به] [رمي الجمرات للدكتور شرف الشريف، ص ٤٣ - ٤٦]، قال شيخنا ابن باز ﵀: «يُؤخذ الحصى من منى، وإذا أخذ حصى يوم العيد من المزدلفة فلا بأس، وهي سبع يرمي بها يوم العيد جمرة العقبة، ولا يشرع غسلها، بل يأخذها من منى أو المزدلفة ويرمي بها، أو من بقية الحرم، يجزئ ذلك ولا حرج فيه، وأيام التشريق يلقطها من منى ...» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٢٩٣].\nالمسألة الثالثة عشرة: استحب الفقهاء على الاقتصار على لقط الحصى من مزدلفة أو منى؛ لأنه لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه أخذه من غيرهما، كما اتفق الفقهاء على كراهة الرمي كراهة تنزيهية، بحجر أُخذ من خارج حدود الحرم المكي (الحل) أو أخذه من موضع نجس كالمرحاض، أو أخذه من المسجد؛ لئلا يخرج حصى المسجد منه [رمي الجمرات، ص ٤٧].\nالمسألة الرابعة عشرة: اتفق الفقهاء على جواز الرمي بالحصى الذي لم يُغسل، ولكنهم اختلفوا في استحباب غسله، والراجح عدم استحباب الغسل، إلا إذا رأى في الحصى نجاسة ظاهرة ولم يجد غيرها، فتغسل النجاسة؛ لئلا تتنجس اليد أو الثياب [المغني لابن قدامة،\n٥/ ٢٩١، ورمي الجمرات، ص ٥٢ - ٥٣، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٥].\nالمسألة الخامسة عشرة: الرمي بحجر قد رمي به، اختلف الفقهاء في ذلك، والخلاصة: أنه إن وجد حجرًا قرب الجمرات وغلب على ظنه أنه لم يرمَ به فلا بأس بالرمي به، أما الذي يغلب على ظنه أنه قد رمي به، أو تيقّن ذلك، أو أخذه من المرمى فاختلف العلماء في ذلك، فقال الشافعي: يجزئه ذلك، وكذلك جمهور المالكية، والأحناف، مع الكراهة، وأجازه ابن حزم على الإطلاق، وقال الحنابلة وبعض المالكية: لا يصح الرمي به، والذي يظهر واللَّه أعلم أن الأحوط أن لا يرمى به؛ لحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، فإن رمى به أجزأه لعدم الدليل [المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٩٠، ورمي الجمرات، ص ٤٨ - ٥٠].\nالمسألة السادسة عشرة: بيع الحصى وشراؤه، الذي يظهر واللَّه أعلم أنه مثل بيع الماء، الذي يشترك في ملكه جميع الناس؛ لأنهم شركاء فيه، وفي النار، والكلأ، ففي بيع هذه الثلاث خلاف قبل حيازتها، وأما بعد حيازة الماء في الإناء فإنه يجوز بيعه؛ لأنه حازه في إنائه وملكه، فكذا الحصى إذا حازه وملكه بالحيازة، واللَّه تعالى أعلم [انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٩٠، ورمي الجمرات، ص ٥٤].\nالمسألة السابعة عشرة: الموالاة بين الرمي، فقد اختلف العلماء في اشتراط الموالاة بين رمي الجمرة الواحدة، أو رمي الجمرات الثلاث، فجمهور العلماء: من الحنفية، والحنابلة، والقول الصحيح عند الشافعية، والمالكية، إن الموالاة بين الجمرة الواحدة في رميها، وبين الجمرات الثلاث مستحبة، وليست شرطًا في صحة الرمي، وقال بعض الشافعية وبعض المالكية بأن الموالاة شرط في صحة الرمي إذا كان التفريق طويلًا، أما إذا كان يسيرًا فلا يضرُّ. والأقرب واللَّه أعلم رأي الجمهور، ولكن الأفضل الموالاة؛ لفعل النبي - ﷺ -، فقد والى في رميه. واللَّه أعلم، [انظر: رمي الجمرات، ص ٧٢، وحاشية الروض المربع، ٤/ ١٧٨].\nالمسألة الثامنة عشرة: إذا أغمي على المحرم قبل أن يوكِّل عنه أحدًا في الرمي فلا يُرمى عنه، فإذا زال عنه الإغماء في وقت الرمي رمى إن استطاع، أو وكَّل، فإن زال عنه بعد فوات الرمي فَدَى، أما إذا وكَّل المريض ثم أغمي عليه؛ فإن الوكيل يرمي عنه، ولا تنقطع الوكالة بالإغماء، كما لو وكَّل في الحج، ثم أغمي عليه. والعلم عند اللَّه تعالى. [انظر: الجمرات، ص ١٣٧، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٩/ ٢٥٠]. [وانظر: أحكام من فاته الرمي فإنه يجب عليه دم، مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٧٣، ١٧/ ٣٦٩، ٣٧٩، ٢٣/ ٤٦٠].\nالمسألة التاسعة عشرة: من فاته رميُ يومٍ من أيام التشريق رماه في اليوم الذي بعده، وكذلك من فاته رمي جمرة العقبة فلم يرمه يوم النحر، ولا في الليل بعد الغروب رماه بعد الزوال في اليوم الذي بعده. [انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٩٥]، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «إذا أخَّر رمي يوم إلى ما بعده، أو أخَّر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة، ولا شيء عليه، إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، وبذلك قال الشافعي، وأبو ثور، ...» [المغني ٥/ ٣٣٣].\nوقد تقدم الخلاف في ذلك في آخر وقت الرمي أيام التشريق في الحاشية.\nوأفتى شيخنا ابن باز ﵀: أنه يصح تأخير الرمي كله إذا دعت الحاجة إلى ذلك إلى اليوم الثالث عشر، ويرمي مرتبًا، فيبدأ برمي جمرة العقبة عن يوم النحر، بعد الزوال، ثم يرمي الجمرة الصغرى، ثم الوسطى، ثم العقبة عن اليوم الحادي عشر، ثم يرجع فيرمي الثلاث الجمرات عن اليوم الثاني عشر، ثم يرجع فيرميهن عن اليوم الثالث عشر إن لم يتعجّل، لكنه يعتبر مخالفًا للسنة؛ فإن السنة أن يرمي كما رمى النبي - ﷺ -. [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٥، و١٧/ ٣٧٥، وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٩٥، و٥/ ٣٣٣، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٩٩].\nوالدليل على جواز ذلك هو ترخيص النبي - ﷺ - للرعاة: «أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا» فقد حصل الترخيص في رمي اليومين في اليوم الثاني منهما، وتقدم.","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>١ - يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة وهي التي تلي مسجد الخيف</span>، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده بالرمي مع كل حصاة، ويكبِّر على إثر كل حصاة، ولا بد أن يقع الحصى في الحوض، فإن لم يقع في الحوض لم يجزِ. ثم يتقدم حتى يُسهل في مكان لا يصيبه الحصى فيه ولا يؤذي الناس، فيستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو طويلًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>٢ - يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة</span>، ثم يأخذ ذات الشمال ويتقدَّم حتى يسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا يدعو ويرفع يديه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>٣ - ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبِّر مع كل حصاة</span>، ثم","vol":"1","page":553},{"text":"ينصرف ولا يقف عندها ولا يدعو؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصياتٍ يُكبِّر عى إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يُسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيُسهِلُ ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي - ﷺ - يفعله» (١).\nثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال كما رماها في الأول تمامًا. ويفعل عند الأولى والثانية كما فعل في اليوم الأول من أيام التشريق.\nوإذا لم يتعجَّل رمى في اليوم الثالث عشر كما رمى في الأول والثاني، ويعمل عند الأولى والثانية كما عمل في اليوم الأول والثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>سادسًا: إذا عجز المتمتع والقارن عن الهدي </span>وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله، وهو مخيَّر في صيام الثلاثة إن شاء صامها قبل يوم النحر، وإن شاء صامها في أيام التشريق الثلاثة، لحديث عائشة وابن عمر - ﵃ - قالا: «لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي» (٢)، والأفضل أن يقدم صيام الأيام الثلاثة عن يوم عرفة؛ ليكون يوم عرفة مفطرًا؛ لأن النبي - ﷺ - وقف يوم عرفة مفطرًا، فعن ميمونة ﵂: «أن\nالناس شكّوا في صيام النبي - ﷺ - يوم عرفة، فأرسلتُ إليه بحلابٍ (٣) وهو واقف\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويعمل، برقم ١٧٥١، وباب رفع اليدين عند جمرة الدنيا والوسطى، برقم ١٧٥٢،وباب الدعاء عند الجمرتين، برقم ١٧٥٣.\n(٢) البخاري، كتاب الصوم، باب صيام أيام التشريق، برقم ١٩٩٧، ١٩٩٨ ..\n(٣) الحِلاب: الإناء الذي يجعل فيه اللبن، وقيل هو اللبن المحلوب.","vol":"1","page":554},{"text":"في الموقف فشرب منه والناس ينظرون» (١)، وفي رواية: «أن أمَّ الفضل أرسلت إليه بقدح لبنٍ وهو واقف على بعيره فشربه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>سابعًا: من عجز عن الرمي كالكبير، والمريض، والصغير</span>، والمرأة الحامل ونحوهم، جاز أن يوكل من يرمي عنه، لقول اللَّه تعالى:\n﴿فَاتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)، وهؤلاء لا يستطيعون مزاحمة الناس عند الجمرات، وزمن الرمي يفوت، ولا يشرع قضاؤه فجاز لهم أن يوكلوا بخلاف غيره من المناسك (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>أما الأقوياء من الرجال والنساء فلا يجوز لهم التوكيل في الرمي</span>، ويجوز للوكيل أن يرمي عن نفسه ثم عن من وكَّله كل جمرة من الجمار الثلاث في موقفٍ واحدٍ، فيرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات عن نفسه، ثم بسبعٍ عن من وكَّله، وهكذا الثانية والثالثة.\nوهكذا الصبي يجوز أن يرمي عنه وليُّه على التفصيل السابق. وقد رُوِي عن جابر - ﵁ - قوله: «حججنا مع رسول اللَّه - ﷺ - ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم» (٥)، واللَّه أعلم (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٩٨٩، ومسلم، برقم ١١٢٤، وتقدم تخريجه في الوقوف بعرفة.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٩٨٨، ومسلم، برقم ١١٢٣، وتقدم تخريجه في الوقوف بعرفة.\n(٣) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٦، ١٤٧، ١٧/ ٣٠٠ - ٣٠٨، ٣٨٣.\n(٥) أحمد في المسند، ٣/ ٣١٤، وابن ماجه، في كتاب المناسك، باب الرمي عن الصبيان، برقم: ٣٠٣٨، وانظر: تلخيص الحبير، ٢/ ٢٧٠.\n(٦) انظر في التوكيل في الرمي مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ١٥٥، و٢٧٨، وأضواء البيان، ٥/ ٣٠٨، ٣٠٩، والمنهج لمريد العمرة والحج، لابن عثيمين، ص ٦٣، وفتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ٢٤٥.","vol":"1","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>والصواب إن شاء اللَّه تعالى أنه يشترط في الوكيل أن يكون حاجًا ذلك العام</span>؛ لأنَّ الرمي بعض أعمال الحج، فلا يصح إلا مِنْ حاجٍّ؛ لأنه لو رمى غير حاج فَرَمْيُهُ عَبَثٌ ولا ينفعه، وإذا لم يصحّ رميه عن نفسه فلا يصحّ عن غيره.\nويشترط أيضًا أن يرمي الوكيل عن نفسه أولًا، ثم عن من وكَّله، كل جمرة من الجمار الثلاث في موقف واحد على الصحيح (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>ثامنًا: من غربت عليه الشمس من اليوم الثاني عشر </span>وهو لم يخرج من منى؛ فإنه يلزمه التأخر ويبيت في منى، ويرمي الجمار الثلاث في اليوم الثالث عشر بعد الزوال؛ لما ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: «من غربت له الشمس من أوسط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفرنَّ حتى يرمي الجمار من الغد» (٢)، لكن لو غربت عليه الشمس بمنى في اليوم الثاني عشر بغير اختياره، مثل أن يكون قد ارتحل وركب، ولكن تأخر بسبب زحام السيارات فلا يلزمه التأخر على الصحيح (٣) (٤).\n_________\n(١) رمي الجمرات وما يتعلق به من أحكام، للدكتور شرف الشريف، ص ١٣٢، ١٣٥.\n(٢) أخرجه مالك في الموطأ، ١/ ٤٠٧، والبيهقي، ٥/ ١٥٢، وقال عبد القادر الأرنؤوط: «إسناده صحيح». انظر: جامع الأصول، ٣/ ٢٨٢.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٥٠، ١٧٤، ١٧/ ٣٧٠، ٣٨٧.\n(٤) وقال الشنقيطي ﵀ في الأضواء، ٥/ ٣١٢: «والأظهر عندي أنه لو ارتحل من منى فغربت عليه الشمس، وهو سائر في منى لم يخرج منها: أنه يلزمه المبيت والرمي؛ لأنه يصدق عليه أنه غربت عليه الشمس في منى فلم يتعجل منها في يومين خلافًا للمشهور من مذهب الشافعي، القائل: بأنه يستمر في نفره، ولا يلزمه المبيت والرمي.\nوالأظهر عندي أيضًا أنه لو غربت عليه الشمس وهو في شغل الارتحال أنه يبيت، ويرمي، خلافًا لمن قال يجوز له الخروج منها بعد الغروب؛ لأنها غربت وهو مشتغل بالرحيل، وهما وجهان مشهوران عند الشافعي والعلم عند اللَّه تعالى».","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-828>تاسعًا: بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر من أيام التشريق بعد الزوال</span>، إن شاء الحاج تعجَّل وطاف طواف الوداع ثم ذهب إلى بلاده، وإن شاء تأخَّر فبات بمنى ليلة الثالث عشر، ورمى الجمار بعد الزوال في اليوم الثالث عشر، وهذا هو الأفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (١)؛ ولأن النبي - ﷺ - أَذِنَ ورخَّص للناس بالتعجُّلِ، ولم يتعجَّل هو، بل بقي حتى رمى الجمرات الثلاث بعد الزوال من اليوم الثالث عشر، ثم نزل بالأبطح، وصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم رقد رقدة، ثم نهض إلى مكة؛ ليطوف طواف الوداع (٢).\nوهل النزول بالمحصَّب - الأبطح - سُنَّةٌ أم أن النبي - ﷺ - نزله؛ لأنه أسمح لخروجه؟\nقالت طائفة: هو من سنن الحج؛ لأن النبي - ﷺ - قال حين أراد أن ينفر من منى: «نحن نازلون غدًا إن شاء اللَّه بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر»، يعني بالمحصَّب، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب -أو بني المطلب- أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم حتى يُسلِّمُوا إليهم النبي - ﷺ - (٣)، وعن ابن عمر ﵄، «أن\nالنبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر كانوا ينزلون الأبطح» (٤)، وكان ابن عمر يَرَى\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٠٣.\n(٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب الحج، باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح، من حديث أنس - ﵁ -، برقم ١٧٦٣، ورقم ١٧٦٤.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب نزول النبي - ﷺ - بمكة، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، برقم ١٥٨٩، ١٥٩٠.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب النزول بالمحصب، برقم ١٣١٠.","vol":"1","page":557},{"text":"التحصيب سُنّة وقال نافع: «قد حصَّب رسول اللَّه - ﷺ - والخلفاء بعده» (١).\nوعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «من السنة النزول بـ (الأبطح) (٢) عشية النفر» (٣).\nويرى ابن عباس ﵄ وعائشة ﵂ أن النزول بالأبطح كان أسمح لخروج النبي - ﷺ - (٤).\nوالصواب إن شاء اللَّه تعالى أن النزول بالأبطح يوم النفر سنة كما قال ابن عمر وفعل الخلفاء، وهذا القول مال إليه ابن القيم رحمه اللَّه تعالى، ورجحه العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀، فقد سمعته ﵀ يقول: «والصواب أن صلاة الظهر يوم النفر في الأبطح سنة، هذا هو الأفضل، واختلف أهل العلم: هل هذا من السنة، أم نزله [- ﷺ -]؛ لأنه أسمح لخروجه، والصواب كما تقدم» (٥)، فالأفضل أن يفعل الحاج كما فعل النبي - ﷺ -، فإن لم يفعل فلا حرج ولا إثم، وإنما ذلك إذا تيسر بدون مشقة فهو أفضل (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب النزول بالمحصب، برقم ٣٣٨ - (١٣١٠) ..\n(٢) الأبطح: يعني أبطح مكة، وهو مسيل واديها. النهاية.\n(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم٢٦٧٥.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة، من حديث عائشة ﵂، برقم ١٣١١، وحديث ابن عباس، برقم ١٣١٢.\n(٥) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٧٦٣، والحديث رقم ١٧٦٤.\n(٦) انظر: زاد المعاد، ٢/ ٢٩٤، وفتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٥٩٠، وزاد المعاد، ٢/ ٩٢٥، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٦/ ٢٠٧.","vol":"1","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-829>المبحث الخامس والثلاثون: طواف الوداع</span>\nإذا أراد الحاج الخروج من مكة إلى بلده، فلا يخرج حتى يطوف طواف الوداع (١)؛لحديث ابن عباس ﵄، قال: كان الناس ينصرفون في كل وجهٍ، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «لا ينفرنّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت» (٢).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «أُمِر الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفِّفَ عن المرأة الحائض» (٣)، فالحائض ليس عليها وداع وكذلك النفساء.\nوعن عائشة ﵂ «أن صفية بنت حيي ﵂ زوج النبي - ﷺ - حاضت فذكرْتُ ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «أحابستنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلا إذن»، هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: عن عائشة\n﵂ قالت: حاضت صفية بنت حُيَيّ بعدما أفاضت، قالت عائشة:\n_________\n(١) الأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة أطوفة:\nالطواف الأول: الطواف عند الدخول، ويُسمَّى طواف القدوم، والدخول، والورود، وهو سنة لا شيء على تاركه، وهو للقارن، والمفرد.\nالطواف الثاني: طواف الإفاضة، وهو بعد التعريف، ويقال له: طواف الزيارة، وهو طواف الفرض الذي لا بد منه؛ فإنه ركن لا يتم الحج إلا به بغير خلاف، كما قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [سورة الحج، الآية: ٢٩].\nالطواف الثالث: طواف الوداع، وهو لمن أراد من الحجاج الخروج من مكة إلى بلاده، وهو و(٣) من واجبات الحج، ينوب عنه الدم إذا تركه. [المغني، لابن قدامة، ٥/ ٣١٦، وفتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٢٧]، وأضواء البيان، ٥/ ٢١٣، وفتاوى اللجنة الدائمة، ١١/ ٢٢٣.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع، وسقوطه عن الحائض، برقم ١٣٢٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب طواف الوداع، برقم ١٧٥٥، ومسلم، كتاب الحج، باب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، برقم ١٣٢٨.","vol":"1","page":559},{"text":"فذكرت حيضتها لرسول اللَّه - ﷺ -، فقال: «أحابستنا هي؟»، قالت: فقلت: يارسول اللَّه لِلَّهِ إنها قد كانت أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «فلتنفر» (١).\nفيطوف سبعة أشواط بالبيت ثم يُصلِّي ركعتين خلف مقام إبراهيم ﵊ (٢)، ثم يخرج من المسجد الحرام ويقول دعاء\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت، برقم ١٧٥٧، ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوادع وسقوطه عن الحائض، برقم ١٢١١.\n(٢) قال العلماء: «وإن أخَّر طواف الإفاضة فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع»؛ لأن المقصود من طواف الوداع: أن يكون آخر عهده بالبيت وقد حصل، فيكون مجزئًا عن طواف الوداع، حتى لو كان الحاج متمتّعًا أو قارنًا أو مفردًا لم يسعيا بعد طواف القدوم، فإنه عند طواف الإفاضة يطوف سبعة أشواط، ثم يصلي خلف المقام ركعتين، ثم يسعى سبعة أشواط بين الصفا والمروة، ثم يسافر، وهذا الفصل بالسعي بعد الطواف لا يضر؛ لأن النبي - ﷺ - أذن لعائشة أن تأتي بعمرة بعد تمام الحج، فطافت وسعت وسافرت مع النبي - ﷺ -[البخاري، برقم ١٥٦٠، ومسلم، برقم ١٢١١]، فقد حال السعي بين الطواف والخروج ولم يضر، وكذلك طاف النبي - ﷺ - طواف الوداع، وصلى الفجر وقرأ بالطور [البخاري، برقم ٤٨٥٣]، فهذا يدل على أن مثل هذا الفضل لا يضر، [الشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٤٠٠].\nوالأفضل أن يطوف طواف الإفاضة يوم النحر، ثم يطوف طواف الوداع عند الخروج من مكة. ولكن إذا أخر طواف الإفاضة أجزأه عن الوداع بشرط أن ينوي طواف الإفاضة؛ فإن نوى طواف الوداع ولم ينوِ طواف الإفاضة؛ فإن طواف الإفاضة لا يصح؛ لأنه لم يعينه بالنية.\nفإجزاء طواف الإفاضة عن طواف الوداع أو عدمه له ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن ينوي طواف الوداع فقط، فإنه لا يجزئ عن طواف الإفاضة؛ لأنه لم ينوِ الوداع.\nالحالة الثانية: أن ينوي طواف الإفاضة فقط، فهذا يجزئ كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد.\nالحالة الثالثة: أن ينوي طواف الإفاضة، وطواف الوداع، فهذا يجزئ؛ لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [متفق عليه: البخاري، برقم ١، ومسلم، برقم ١٩٠٧]. قال الإمام الخرقي في مختصره المطبوع مع المغني، ٥/ ٣٤٦: «وإن طاف طواف الوداع لم يجزه لطواف الزيارة».\nقال ابن قدامة في المغني، ٥/ ٣٤٦: «وإنما لم يجز عن طواف الزيارة؛ لأن تعيين النية شرط فيه على ما ذكرنا، فمن طاف للوداع فلم يعين النية له، فلذلك لم يصح».","vol":"1","page":560},{"text":"الخروج من المسجد كما تقدم ثم يذهب إلى بلاده (١).\n_________\n(١) الحائض إذا لم تطف طواف الإفاضة، وسافر أهلها، فلها ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: الواجب أن لا تسافر حتى تطهر ثم تطوف طواف الإفاضة ويجزئها عن طواف الوداع كما تقدم.\nالحالة الثانية: إذا لم يبق معها أحد وخافت على نفسها، وكان بالإمكان أن ترجع بعد الطهر، فلا بأس أن تسافر مع أهلها، ولا يقربها زوجها إن كان لها زوج، وتبقى محرمة لم تتحلل التحلل الثاني، فإذا طهرت سافر معها بعض محارمها، وطافت طواف الإفاضة، وسعت بعده إن كان عليها سعي.\nالحالة الثالثة: أن تكون من أهل البلاد البعيدة جدًا، ولا يمكن أن تعود إلى مكة بأي حال من الأحوال، ففي هذه الحالة اختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنها تتحفظ، وتطوف طواف الإفاضة؛ لأنها مضطرة إلى ذلك، ولا شيء عليها. [انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ١٨٥ - ١٨٧،\nو٢٦/ ١٧١ - ٢١١].\nواختاره أيضًا ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين، ٣/ ٢٥ - ٢٨: «فقد تكلم في هذه المسألة كلامًا نفيسًا، وقسم أحوال الحائض في طواف الإفاضة إلى ثمانية أقسام، ثم قال: «القسم الثامن: أن يقال: بل تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج، ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط والواجبات، كما يسقط عنها طواف الوداع بالنص، وكما يسقط عنها فرض السترة إذا شلحتها العبيد، أو غيرهم، وكما يسقط عنها فرض طهارة الجنب إذا عجزت عنها لعدم الماء، أو مرض بها، وكما يسقط فرض اشتراط طهارة مكان الطواف والسعي إذا عرض فيه نجاسة تتعذر إزالتها، وكما يسقط شرط استقبال القبلة في الصلاة إذا عجز عنه، وكما يسقط فرض القيام والقراءة والركوع والسجود إذا عجز عنه المصلّي، وكما يسقط فرض الصوم عن العاجز عنه إلى بدله وهو الإطعام، ونظائر ذلك من الواجبات والشروط التي تسقط بالعجز عنها، إما إلى بدل أو مطلقًا، فهذه ثمانية أقسام لا مزيد عليها، ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بسوى هذا القسم الثامن ...».\nوأفتى شيخنا ابن باز رحمه اللَّه تعالى: أن من حاضت قبل طواف الإفاضة تبقى على إحرامها حتى تطهر وتطوف، وأما من كانت من أهل الديار البعيدة، ولا يمكنها الرجوع جاز لها على الصحيح أن تتحفظ وتطوف» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٨، ١٧/ ٣٢٨].\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث ٧٥٧: «إن المرأة إذا حاضت قبل طواف الإفاضة إذا لم يبق معها أحد من رفقتها؛ فإنها تسافر معهم وترجع بعد الطهر، أما إذا كانت من بلاد بعيدة: كأمريكا، وإندونيسيا، وغيرها من البلاد البعيدة، ولا تستطيع الرجوع فقد ذكر بعض أهل العلم كابن تيمية وغيره، أنها تتحفظ وتطوف، ولا يكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها، وهذا قول قوي».\nواختار هذا القول أيضًا من المعاصرين العلامة ابن عثيمين رحمة اللَّه على الجميع. [انظر: الشرح الممتع، ٧/ ٢٩٩].","vol":"1","page":561},{"text":"ومن ترك طواف الوداع للحج، أو شوطًا منه، فعليه دم يذبحه في مكة، ويوزّعه على فقرائها، ومن سافر، ثم رجع للإتيان بطواف الوداع بعد أن تركه، فإن الدم لا يسقط عنه (١)، وقال بعض أهل العلم: لو رجع بنية طواف الوداع أجزأه ذلك، وسقط عنه الدم، ولكن هذا فيه نظر، والأحوط للمؤمن ما دام سافر مسافة قصر، ولم يودِّع البيت؛ فإن عليه دمًا يجبر به حجه (٢).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٥٠.\n(٢) المرجع السابق، ١٧/ ٣٩٥.","vol":"1","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-830>المبحث السادس والثلاثون: الخلاصة الجامعة في صفة الحج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>أولًا: أعمال المعتمر والحاج عند الميقات:</span>\nإذا وصل المعتمر أو الحاج إلى الميقات شرع له أن يعمل الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>١ - يستحب له أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، وينتف إبطيه، ويحلق شعر عانته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>٢ - أن يتجرد من ثيابه ويستحب له أن يغتسل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>٣ - يستحب له أن يتطيَّب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره في رأسه ولحيته</span>، ولا يضره بقاء الطيب بعد الإحرام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>٤ - أن يحرم الرجل في رداء وإزار ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين</span>، ويحرم في نعلين.\nأما المرأة فيجوز لها أن تحرم فيما شاءت من الثياب المباحة لها مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم، ولا تلبس البرقع، ولا النقاب، والقفازين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>٥ - يستحب له أن يحرم بعد صلاة فريضة </span>- غير الحائض والنفساء - إن كان في وقت فريضة، فإن لم يكن وقت فريضة صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>٦ - ثم بعد الفراغ من الصلاة ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة</span>، فإن كان يريد العمرة قال: لبيك عمرة، أو اللَّهم لبيك عمرة، وإن كان يريد الحج مفردًا قال: لبيك حجًا، أو اللَّهم لبيك حجًا، وإن كان يريد الجمع بين الحج والعمرة (قارنًا)، قال:","vol":"1","page":563},{"text":"لبيك عمرة وحجًا، أو اللَّهم لبيك حجًا وعمرةً. وإن كان حاجًّا أو معتمرًا عن غيره - وكيلًا - نوى ذلك بقلبه ثم قال: لبيك عن فلان، وإن كانت أنثى قال: لبيك عن أم فلان، أو بنت فلان، أو فلانة، والأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة أو سيارة، أو غيرهما اقتداءً بالنبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>٧ - وإذا كان من يريد الإحرام خائفًا من عائق يعوقه عن إتمام نسكه </span>شُرِعَ له أن يشترط فيقول عند إحرامه بالنسك: «... فإن حبسني حابس فمحلّي حيث حبستني»،فمتى اشترط المحرم ذلك عند إحرامه ثم أصابه ما يمنعه من إتمام نسكه فإن له التحلل ولا شيء عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>٨ - وإذا كان مع من يريد الحج أو العمرة أطفال أو صبيان</span>، وأراد أن يحرموا بحج أو عمرة رغبةً في الثواب له ولهم، فإن كان الصبي مميزًا أحرم بإذن وليه، وفعل عند الإحرام ما يفعله الكبير مما تقدم ذكره، وإن كان الصبي أو الجارية دون التمييز نوى عنهما وليهما الإحرام ولبَّى عنهما، ويمنعهما مما يمنع منه الكبير من محظورات الإحرام، وينبغي أن يكونا طاهري الثياب والأبدان حال الطواف.\nوكذلك يؤمر المميز والجارية المميزة بالطهارة قبل الشروع في الطواف.\n\n* -<span data-type=\"title\" id=toc-840> ومن وصل إلى الميقات في أشهر الحج</span>، وهي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، وهو يريد الحج من عامه، فإنه مخيَّر بين ثلاثة أنساك:","vol":"1","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>النسك الأول: العمرة وحدها: </span>وهو ما يسمى بالتمتع، وهو أن يحرم بالعمرة وحدها من الميقات في أشهر الحج قائلًا عند نية الدخول في الإحرام: (لبيك عمرة)، ويستمر في التلبية، فإذا وصل مكة وبدأ الطواف قطع التلبية، فإذا طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصر حل له كل شيء حرم عليه للإحرام، فإذا كان اليوم الثامن - يوم التروية - من ذي الحجة أحرم بالحج وحده وأتى بجميع أعماله، والتمتع أفضل الأنساك لمن لم يكن معه هديٌ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>النسك الثاني: الجمع بين العمرة والحج: </span>وهو ما يُسمّى بـ «القِران»، وهو أن يحرم بالعمرة والحج جميعًا في أشهر الحج من الميقات قائلًا عند نية الدخول في النسك: (لبيك عمرةً وحجًا)، أو يحرم بالعمرة من الميقات ثم في أثناء الطريق يدخل الحج عليها ويلبي بالحج قبل أن يشرع في الطواف، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم، وسعى سعي الحج، وإن شاء أخّر سعي الحج بعد طواف الإفاضة، ولا يحلق ولا يقصر ولا يحل إحرامه، بل يبقى على إحرامه حتى يحلّ منه بعد التحلل يوم العيد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>النسك الثالث: الحج وحده: </span>وهو ما يسمى بـ «الإفراد»، وهو أن يحرم بالحج وحده من الميقات في أشهر الحج قائلًا عند نية الدخول في الإحرام: (لبيك حجًا).\nوعمل المفرد كعمل القارن سواء بسواء، إلا أن القارن عليه هدي\n- كالمتمتع - شُكرًا لله أن يسر له في سفرةٍ واحدةٍ: عمرةً وحجًا، أما المفرد فليس عليه هدي، والأفضل للقارن وكذا المفرد إذا طاف بالبيت،","vol":"1","page":565},{"text":"وسعى بين الصفا والمروة ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، فيقصِّر أو يحلق، ويكون بهذا متمتعًا كما فعل أصحاب النبي - ﷺ - بأمره في حجة الوداع.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-844> أما من وصل الميقات في أشهر الحج وهو لا يريد حجًا، وإنما يريد العمرة</span>، فلا يقال له متمتع، وإنما هو معتمر، وكذا من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج كرمضان وشعبان فهو معتمر فقط.\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>٩ - يجتنب محظورات الإحرام: وهي ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام</span>، وهي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>المحظور الأول: إزالة الشعر من جميع البدن بحلق أو غيره بلا عذر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>المحظور الثاني: تقليم الأظفار من اليدين أو الرجلين بلا عذر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>المحظور الثالث: تعمُّد تغطية الرأس للرجل</span>، وكذلك الوجه على الصحيح للرجل بملاصق كالعمامة والغترة، والطاقية، وشبهها.\nوالمرأة لا تلبس النقاب والبرقع ولا القفازين، ولكن إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال الأجانب قريبًا منها، فإنها تسدل الثوب أو الخمار من فوق رأسها على وجهها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>المحظور الرابع: لبس الرجل للمخيط عمدًا في جميع بدنه</span>، أو في بعضه مما هو مفصّل على الجسم كالقميص، والعمامة، والسراويل، والبرانس - وهو كل ثوب رأسه منه - والقفازين، والخفين، والجوربين، وكل ثوبٍ مسَّه وَرْسٌ أو زعفران.","vol":"1","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>المحظور الخامس: تعمد استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن</span>، أو المأكول، أو المشروب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>المحظور السادس: قتل صيد البر الوحشي المأكول، واصطياده</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>المحظور السابع: عقد النكاح، فلا يتزوج المحرم</span>، ولا يزوج غيره بولاية ولا وكالة، ولا يخطب، ولا يتقدم إليه أحد يخطب بنته أو أخته أو غير ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>المحظور الثامن: الوطء الذي يوجب الغسل</span>؛ لقوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾، والرفث هو الجماع، فمن حصل له الجماع متعمدًا قبل التحلل الأول فسد نسكه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>المحظور التاسع: المباشرة فيما دون الفرج بوطء في غيره</span>، ولو بتقبيل، أو لمس، أو نظر بشهوة.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-855> ويحرم على الحاج وغيره، والمحرم وغير المحرم: صيد الحرم</span>، وشجره، ونباته إلا الإذخر، ولا يلتقط لقطته إلا للتعريف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>ثانيًا: صفة دخول مكة</span>\nإذا وصل المعتمر أو الحاج إلى مكة استحب له ما يأتي:\n\n١٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-857> ١ - يستحب له أن يستريح بمكان مناسب حتى يحصل له النشاط والنظافة قبل الطواف</span>.\n١١ -<span data-type=\"title\" id=toc-858> ٢ - يستحب له إن تيسر أن يغتسل</span>؛ لأن ابن عمر ﵄ كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل ويَذْكُرُ ذلك عن النبي - ﷺ -.\n١٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-859> ٣ - يستحب له إن تيسر أن يدخل مكة من أعلاها</span>؛ لحديث عائشة","vol":"1","page":567},{"text":"﵄.\n\n١٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-860> ٤ - فإذا وصل إلى المسجد الحرام فالأفضل له أن يقدم رجله اليمنى </span>ويقول: «أعوذ باللَّه العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» [بسم اللَّه والصلاة] [والسلام على رسول اللَّه]، اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك»،وإذا خرج من المسجد قال: «بسم اللَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، اللَّهم إني أسألك من فضلك»، [اللَّهم اعصمني من الشيطان الرجيم]،وهذا الذكر يُقال عند الدخول لسائر المساجد، وكذلك دعاء الخروج وليس خاصًا بالمسجد الحرام، ومن لم يفعل هذه السنن الأربع فلا حرج عليه بحمد اللَّه تعالى.\n١٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-861> ٥ - من لم يتيسر له الغسل قبل دخول المسجد فلا بد له من الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر</span>.\n١٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-862> ٦ - تحية المسجد الحرام الطواف لمن أراد الطواف</span>، أما من لم يرد الطواف فلا يجلس حتى يصلي ركعتين.\n١٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-863> ٧ - الركوب في الطواف أو السعي لا بأس به لمن كان به علة كالمريض</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>ثالثًا: صفة الطواف بالبيت</span>\nفإذا وصل المعتمر أو الحاج إلى الكعبة عمل كالآتي:\n\n١٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-865> ١ - يقطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف إن كان متمتعًا أو معتمرًا</span>، ثم يقصد الحجر الأسود ويستقبله ثم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك، ويقول عند استلامه: «اللَّه أكبر»، ولو قال: «بسم","vol":"1","page":568},{"text":"اللَّه، واللَّه أكبر»، فحسن.\n\n١٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-866> ٢ - ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره</span>.\n١٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-867> ٣ - يرمل الرجل في الثلاثة الأشواط الأُوَل من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه</span>، والرمل: هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخُطَى وهو الخَبَبُ، ويمشي في الأربعة الباقية، يبتدئ كل شوط بالحجر الأسود ويختم به.\n٢٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-868> ٤ - يضطبع الرجل في جميع الطواف الأول دون غيره</span>، والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر.\n٢١ -<span data-type=\"title\" id=toc-869> ٥ - فإذا وصل وحاذى الركن اليماني استلمه بيمينه</span>، وإن قال إذا مسحه: «بسم اللَّه واللَّه أكبر»، فحسن، ولا يُقبِّله؛ فإن شقّ عليه مَسْحُهُ تركه ومضى في طوافه، ولا يُشِيرُ إليه، ولا يكبر عند محاذاته؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي - ﷺ - ويفعل ذلك في كل شوط من طوافه.\n٢٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-870> ٦ - يستحب له أن يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود: </span>﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\n٢٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-871> ٧ - كُلَّمَا مَرَّ بالحجر الأسود استلمه وقبله</span>، وقال: «اللَّه أكبر»، فإن لم يتيسر استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حاذاه مرة واحدة بيده اليمنى وكبر مرة واحدة، ويكثر في طوافه من الذكر والدعاء والاستغفار، ويُسِرُّ بدعائه وقراءته إن قرأ شيئًا من القرآن، ولا يؤذي الطائفين وليس في الطواف أدعية محددة، ومن خصَّص لكل شوط من الطواف أو السعي أدعية خاصة فلا أصل له، ولا يطوف من داخل","vol":"1","page":569},{"text":"الحِجْر؛ لأنه من البيت فلا بد أن يكون الطواف من ورائه.\n\n٢٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-872> ٨ - فإذا كَمَّل سبعة أشواط وفرغ منها سوَّى رداءه فوضعه على كتفيه</span>، وتقدّم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، ثم يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر ذلك، ويجعله بينه وبين البيت ولو بَعُدَ عنه، وإن لم يتيسر ذلك لزحام ونحوه صلاهما في أي موضع من المسجد، ولا يؤذي الناس ولا يصلي في طريقهم، ويستحب له أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\n٢٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-873> ٩ - يستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها ويصب على رأسه؛ لفعله - ﷺ </span>-.\n٢٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-874> ١٠ - يستحب له أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>رابعًا: السعي بين الصفا والمروة</span>\n٢٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-876> ١ - ثم يخرج إلى المسعى ويتجه إلى الصفا</span>، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾، أبدأ بما بدأ اللَّه به.\n٢٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-877> ٢ - ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت فيستقبل القبلة فيوحد اللَّه ويكبره [ويحمده]</span>، ويقول: «[اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر]، [لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد] [يحيي ويميت]، وهو على كل شيء قدير، لا إلا اللَّه وحده [لا شريك له] أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ويرفع يديه بما تيسر من الدعاء، ويكرِّر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.","vol":"1","page":570},{"text":"٢٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-878> ٣ - ثم ينزل من الصفا إلى المروة فيمشي حتى يَصِلَ إلى العلم الأخضر الأول </span>فيسعى الرجل سعيًا شديدًا إن تيسر له الركض، ولا يؤذي أحدًا، فإذا وصل إلى العلم الأخضر الثاني مشى كعادته حتى يصل إلى المروة، فيرقى عليها، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه في دعائه، ويقول ويفعل كما قال وفعل على الصفا.\n٣٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-879> ٤ - ثم ينزل من المروة إلى الصفا فإذا وصل العلم الأول سعى بينه وبين الثاني سعيًا شديدًا</span>، فإذا جاوز العلم الثاني مشى كعادته إلى أن يصل إلى الصفا، فإذا وصل قال وفعل كما قال وفعل أول مرة، وهكذا على المروة حتى يكمل سبعة أشواط: ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، ويدعو، ويقول في سعيه ما أحب من ذكرٍ ودعاءٍ، ويكثر من ذلك، وإن دعا في السعي في بطن الوادي بين الميلين الأخضرين بقوله: «رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم»، فلا بأس؛ لثبوت ذلك عن ابن عمر وعبد اللَّه بن مسعود - ﵃ -.\nويستحب أن يكون متطهرًا من الأحداث والأخباث، ولو سعى على غير طهارةٍ أجزأه ذلك، وهكذا المرأة لو حاضت أو نفست بعد الطواف سعت وأجزأها ذلك؛ لأن الطهارة ليست شرطًا في السعي وإنما هي مستحبة.\n\n٣١ -<span data-type=\"title\" id=toc-880> ٥ - فإذا أتمَّ سبعة أشواط مبتدئًا بالصفا خاتمًا بالمروة حلق رأسه إن كان رجلًا معتمرًا، أو متمتعًا</span>، وإن كانت امرأة فإنها تقصر من","vol":"1","page":571},{"text":"كل قرن قدر أنملة، والأنملة هي: رأس الأصبع، وإذا كان وقت الحج قريبًا، وكانت المدة بين العمرة والحج قصيرة بحيث لا يطول فيها الشعر، فإن الأفضل في حقه التقصير؛ ليحلق بقية رأسه في الحج؛ لأن النبي - ﷺ - لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يقصِّر ويحلَّ، ولم يأمرهم بالحلق، ولا بد في التقصير من تعميم الرأس ولا يكفي تقصير بعضه، كما أن حلق بعض الرأس لا يكفي، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير، ولا تأخذ زيادة على قدر الأنملة.\nفإذا فعل المحرم ما ذُكِرَ فقد تمت عمرته وحلَّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام،، إلا أن يكون قارنًا أو مفردًا قد ساق الهدي من الحلِّ؛ فإنه يبقى على إحرامه حتى يحلّ من الحجِّ والعمرةِ جميعًا بعد التحلل الأول يوم النحر.\nفإذا لم يكن مع القارن أو المفرد هدي فالأفضل في حقه أن يجعلها عمرة، ويفعل ما يفعله المتمتع، ويكون بهذا متمتعًا عليه ما على المتمتع.\nوإذا حاضت المرأة أو نفست بعد إحرامها بالعمرة قبل أن تطوف بالبيت ولم تطهر حتى يوم التروية أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمة فيه، وتعتبر بذلك قارنة بين الحج والعمرة، وتفعل ما يفعله الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل، فإذا طهرت طافت بالبيت وبين الصفا والمروة طوافًا واحدًا، وسعيا واحدًا، وأجزأها ذلك عن حجها وعمرتها جميعًا.","vol":"1","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>خامسًا: أعمال الحج اليوم الثامن</span>\n٣٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-882> ١ - إذا كان يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة استحب للذين أحلوا بعد العمرة</span>، وهم المتمتعون أن يحرموا بالحج ضُحىً من مساكنهم، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة، أما القارن والمفرد الذين لم يحلوا من إحرامهم فهم باقون على إحرامهم الأول.\n٣٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-883> ٢ - يستحب الاغتسال، والتنظف، والتطيب</span>، وأن يفعل ما فعل عند إحرامه من الميقات.\n٣٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-884> ٣ - ينوي الحج بقلبه ويلبي قائلًا: «لبيك حجًا»</span>، وإن كان خائفًا من عائق يمنعه من إتمام حجه اشترط فقال: «فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني».\nوإذا كان حاجًا عن غيره نوى بقلبه ثم قال: لبيك حجًا عن فلانٍ، أو عن فلانة، أو عن أم فلان إن كانت أنثى، ثم يستمر في التلبية: «لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك».\nوإن زاد: «لبيك إله الحق لبيك»؛فحسن لثبوت ذلك عن النبي - ﷺ -.\n\n٣٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-885> ٤ - يستحب التوجه إلى منى قبل الزوال والإكثار من التلبية</span>.\n٣٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-886> ٥ - يُصلِّي بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر قصرًا بلا جمع </span>إلا المغرب والفجر فلا يقصران.\n٣٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-887> ٦ - يستحب للحاج أن يبيت بمنى ليلة عرفة؛ لفعله - ﷺ </span>-، فإذا صلَّى الفجر مكث حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت سار من منى إلى","vol":"1","page":573},{"text":"عرفات ملبيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>سادسًا: صفة الوقوف بعرفة</span>\n٣٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-889> ١ - إذا وصل الحاج إلى عرفة استحب له أن ينزل بنمرة إلى الزوال </span>إن تيسر له ذلك؛ لفعله - ﷺ -، وإن لم يتيسر النزول بها فلا حرج عليه أن ينزل بعرفة.\n٣٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-890> ٢ - إذا زالت الشمس سُنَّ للإمام أو نائبه أن يخطب خطبة يُبيِّنُ فيها ما يُشرع للحاج في هذا اليوم وما بعده</span>، ويأمرهم فيها بتقوى اللَّه وتوحيده، والإخلاص له في كل الأعمال، ويُحذِّرهم من محارمه تعالى، ويوصيهم فيها بالتمسك بكتاب اللَّه وسنة نبيه - ﷺ -، والحكم بهما والتحاكم إليهما في كل الأمور، اقتداءً بالنبي - ﷺ - في ذلك كلِّه، وبعد الخطبة يصلون الظهر والعصر قصرًا وجمعًا في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين، لفعله - ﷺ -.\n٤٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-891> ٣ - من لم يُصلِّ مع الإمام صلَّى مع جماعة أخرى إذا زالت الشمس جمعًا وقصرًا </span>في وقت الأولى كما تقدم.\n٤١ -<span data-type=\"title\" id=toc-892> ٤ - ثم ينزل إلى الموقف بعرفة إن لم يكن بها</span>، وعليه أن يتأكد من حدودها ثم يكون داخلها، والأفضل أن يجعل جبل الرحمة بينه وبين القبلة إن تيسر له ذلك، فإن لم يتيسر استقبالهما استقبل القبلة، وإن لم يستقبل الجبل؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة».\n٤٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-893> ٥ - يستحب في هذا الموقف العظيم أن يجتهد الحاج في ذكر اللَّه</span>","vol":"1","page":574},{"text":"تعالى، ودعائه، والتضرع إليه، ويرفع يديه حال الدعاء اقتداءً بنبيه - ﷺ -، فإنه وقف بعد الزوال رافعًا يديه مجتهدًا في الدعاء، قال أسامة - ﵁ -: «كنت رديف النبي - ﷺ - بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى»، «ولم يزل واقفًا يدعو حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا»، وقد حث أمته على الدعاء ورغب فيه، فينبغي للحاج أن لا يفوِّت هذه الفرصة العظيمة، ومن الأفضل أن يكون مفطرًا اقتداءً بالنبي - ﷺ -.\n\n٤٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-894> ٦ - فإذا غربت الشمس وتحقق غروبها انصرف الحجاج إلى مزدلفة </span>بسكينةٍ، ووقار، وأكثروا من التلبية، وأسرعوا في المتسع؛ لفعل النبي - ﷺ -، وقوله.\n٤٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-895> ٧ - ولا يفوت الوقوف بعرفة إلا بطلوع الفجر من يوم النحر</span>.\n٤٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-896> ٨ - إذا طلع الفجر من يوم النحر ولم يقف الحاج بعرفة</span>، فقد فاته الحج، فإن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه فقال: «فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني» تحلل من إحرامه ولا شيء عليه، ولكن الأفضل له أن يتحلَّل بعمرة، وإن لم يكن اشترط وفاته الوقوف بعرفة، فإنه يتحلَّل بعمرة، فيطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، وإذا كان معه هدي ذبحه، ويحج عامًا قابلًا ويهدي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>سابعًا: صفة المبيت بمزدلفة</span>\n٤٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-898> ١ - إذا وصل الحاج مزدلفة صلى بها المغرب ثلاث ركعات</span>،","vol":"1","page":575},{"text":"والعشاء ركعتين، جمعًا بأذانٍ واحدٍ وإقامتين من حين وصوله؛ لفعل النبي - ﷺ -؛ سواء وصل الحاج إلى مزدلفة في وقت المغرب أو بعد دخول وقت العشاء.\n\n٤٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-899> ٢ - يبيت الحاج في هذه الليلة بمزدلفة، ويحرص أن ينام مبكرًا؛ ليكون نشيطًا </span>لأداء مناسك الحج يوم النحر.\n٤٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-900> ٣ - يجوز للضعفة من النساء، والصبيان، ونحوهم أن ينزلوا من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل </span>ومغيب القمر.\n٤٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-901> ٤ - إذا تبيَّن الفجر الثاني صلَّى الفجر مبكرًا، ثم يقف عند المشعر الحرام ويستقبل القبلة</span>، ويدعو اللَّه، ويكبِّرُه، ويهلِّلُه، ويوحِّده، ويكثر من الدعاء ويرفع يديه، ويستحب له أن يستمر على ذلك حتى يسفر جدًا، وحيثما وقف من مزدلفة أجزأه ذلك.\n٥٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-902> ٥ - إذا أسفر جدًا دفع من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس</span>، والسنة أن يلتقط هذا اليوم سبع حصيات مثل حصى الخذف؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر أن يُلتقط له الحصى إلا بعد انصرافه من المشعر الحرام إلى منى، أما في الأيام الثلاثة فيلتقط من منى كل يوم إحدى وعشرين حصاة يرمي بها الجمار الثلاث.\n٥١ -<span data-type=\"title\" id=toc-903> ٦ - يكثر الحاج من التلبية في سيره إلى منى </span>فإذا وصل إلى محسِّر استحب له الإسراع قليلًا إن استطاع ذلك بدون أذىً لأحدٍ؛ لفعله - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>ثامنًا: أعمال الحج يوم النحر</span>\nإذا وصل الحاج إلى منى يوم النحر فالأفضل أن يرتب هذه الأعمال الأربعة:","vol":"1","page":576},{"text":"٥٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-905> ١ - يقطع التلبية عند جمرة العقبة، ويستحب له أن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره</span>، وجمرة العقبة أمامه، ثم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده مع كل حصاة، ويكبر مع كل حصاة، وجمرة العقبة هي الأخيرة مما يلي مكة.\n٥٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-906> ٢ - إذا فرغ الحاج من رمي جمرة العقبة نحر هديه أو ذبحه</span>، وهو شاة، أو سُبُعُ بدنة، أو سُبُعُ بقرة، وهو واجب على المتمتع والقارن، ويستحب أن يقول عند ذبحه أو نحره: «بسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّهم منك ولك [اللَّهم تقبل مني]، ويسن ذبح الغنم والبقر على جنبها الأيسر موجهة إلى القبلة، ونحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، ويستحب أن يأكل من هديه، ويهدي ويتصدق؛ لقوله تعالى:\n﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، ويمتد وقت الذبح على الصحيح إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق، ويجوز له أن يذبح في منى، وهو الأفضل أو في مكة.\n\n٥٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-907> ٣ - إذا فرغ الحاج من ذبح هديه أو نحره لمن كان له هدي حلق رأسه أو قصره</span>، والحلق أفضل للرجل؛ لأن النبي - ﷺ - دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاث مرات، وللمقصرين مرة واحدة، أما المرأة فليس عليها إلا التقصير تأخذ من كل قرن قدر الأنملة أو أقل، وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء ويُسمَّى هذا التحلل الأول.\nفإذا تحلل التحلل الأول: استحب له أن يتطيب؛ لحديث عائشة رضي","vol":"1","page":577},{"text":"اللَّه عنها، ويستحب له أن يتنظف ويلبس أحسن ثيابه.\n\n٥٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-908> ٤ - يتوجه الحاج بعد الأعمال السابقة إلى مكة؛ ليطوف بالبيت</span>. ويُسمَّى هذا الطواف: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج وهو المراد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ويكون طوافه كالطواف الذي ذُكِرَ سابقًا تمامًا، لكن ليس فيه رمل ولا اضطباع.\nثم يُصلِّي ركعتين خلف المقام، ويستحب أن يشرب من زمزم؛ لفعله - ﷺ -.\nثم بعد الطواف وصلاة ركعتين يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا؛ لأن سعيه الأول لعمرته وهذا سعي الحج.\nأما القارن والمفرد فليس عليه إلا سعي واحد؛ فإن كان قد سعاه بعد طواف القدوم كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة، وإلا سعى بعد طواف الإفاضة.\nوالأعمال التي يحصل بها التحلل الثاني ثلاثة: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة مع السعي بعده لمن كان عليه سعي، فإذا فعل هذه الثلاثة حل له كل شيءٍ حرم عليه بالإحرام حتى النساء.\nوالأفضل للحاج أن يرتب هذه الأمور الأربعة المتقدمة: رمي جمرة العقبة، ثم النحر أو الذبح، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف بالبيت والسعي بعده لمن كان عليه سعي.\nفإن قدم بعض هذه الأمور على بعض فلا حرج وأجزأه ذلك.","vol":"1","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>تاسعًا: أعمال الحج أيام التشريق</span>\n٥٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-910> ١ - يرجع الحاج بعد طواف الإفاضة والسعي ممن عليه سعي إلى منى</span>، فيبيت بها ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، وهذا المبيت واجب من واجبات الحج إلا على السقاة والرعاة، ونحوهم فلا يجب عليهم.\n٥٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-911> ٢ - يرمي الجمرات الثلاث في اليومين بعد زوال الشمس </span>وهذا الرمي واجب من واجبات الحج، ولا يجوز الرمي قبل الزوال، ويجب الترتيب في رمي الجمار على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>أ - يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة وهي التي تلي مسجد الخيف</span>، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده بالرمي مع كل حصاة، ويكبر على إثر كل حصاة، ولا بد أن يقع الحصى في الحوض، فإن لم يقع في الحوض لم يجزِ، ثم يتقدم حتى يسهل في مكان لا يصيبه الحصى فيه ولا يؤذي الناس، فيستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو طويلًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>ب - يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة</span>، ثم يأخذ ذات الشمال ويتقدم حتى يسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا يدعو ويرفع يديه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>ج - ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة</span>، ثم ينصرف ولا يقف عندها ولا يدعو.\nثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال كما رماها في الأول تمامًا، ويفعل عند الأولى والثانية كما فعل في اليوم الأول من أيام التشريق.","vol":"1","page":579},{"text":"٥٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-915> ٣ - إذا عجز المتمتع والقارن عن الهدي وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله</span>، وهو مخير في صيام الثلاثة إن شاء صامها قبل يوم النحر، وإن شاء صامها في أيام التشريق الثلاثة، والأفضل أن يقدم صيام الأيام الثلاثة عن يوم عرفة، ليكون يوم عرفة مفطرًا؛ لأن النبي - ﷺ - وقف يوم عرفة مفطرًا.\n٥٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-916> ٤ - من عجز عن الرمي كالكبير، والمريض، والصغير، والمرأة الحامل ونحوهم</span>، جاز أن يوكل من يرمي عنه.\nأما الأقوياء: من الرجال، والنساء فلا يجوز لهم التوكيل في الرمي، ويجوز للوكيل أن يرمي عن نفسه ثم عن من وكَّله كل جمرة من الجمار الثلاث في موقف واحد، فيرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات عن نفسه ثم بسبعٍ عن من وكَّله، وهكذا الثانية والثالثة.\nوهكذا الصبي يجوز أن يرمي عنه وليه على التفصيل السابق.\n\n٦٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-917> ٥ - الأفضل في رمي الجمار أيام التشريق أن تُرْمَى قبل الغروب</span>، وكذلك جمرة العقبة من رماها قبل غروب يوم النحر فقد رماها في وقت لها، وإن كان أفضل أن تُرمى ضحى لغير الضعفة.\nأما الرمي ليلًا فقد أجازه بعض أهل العلم؛ لأن النبي - ﷺ - وقَّت ابتداء الرمي بعد الزوال في أيام التشريق، ولم يوقِّت انتهاءه، وكذلك جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر للأقوياء، فالأحوط أن يرمي قبل الغروب حتى يخرج من الخلاف؛ ولكن لو اضطر إلى ذلك ودعت الحاجة إليه فلا بأس أن يرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه إلى آخر الليل.","vol":"1","page":580},{"text":"٦١ -<span data-type=\"title\" id=toc-918> ٦ - من غربت عليه الشمس من اليوم الثاني عشر وهو لم يخرج من منى</span>، فإنه يلزمه التأخر ويبيت في منى ويرمي الجمار الثلاث في اليوم الثالث عشر بعد الزوال؛ لكن لو غربت عليه الشمس بمنى في اليوم الثاني عشر بغير اختياره، مثل أن يكون قد ارتحل وركب، ولكن تأخر بسبب زحام السيارات فلا يلزمه التأخر.\n٦٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-919> ٧ - بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر من أيام التشريق بعد الزوال</span>، إن شاء الحاج تعجَّل وطاف طواف الوداع، ثم ذهب إلى بلاده، وإن شاء تأخَّر فبات بمنى ليلة الثالث عشر، ورمى الجمار بعد الزوال في اليوم الثالث عشر وهذا الأفضل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>عاشرًا: طواف الوداع</span>\n٦٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-921> إذا أراد الحاج الخروج من مكة فلا يخرج حتى يطوف طواف الوداع</span>، إلا أنه خُفِّفَ عن المرأة الحائض، فالحائض ليس عليها وداع وكذلك النفساء.\nفيطوف سبعة أشواط بالبيت ثم يُصلِّي ركعتين خلف مقام إبراهيم ﵊، ثم يخرج من المسجد الحرام ويقول دعاء الخروج من المسجد كما تقدم ثم يذهب إلى بلاده.","vol":"1","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>المبحث السابع والثلاثون: الخلاصة الجامعة في صفة العمرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>أولًا: أعمال المعتمر عند الميقات</span>\nإذا وصل المعتمر إلى الميقات شرع له أن يعمل الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>١ - يستحب له أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، وينتف إبطيه، ويحلق عانته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>٢ - أن يتجرد من ثيابه، ويُستحبّ له أن يغتسل؛ لفعل النبي - ﷺ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>٣ - يستحب له أن يتطيب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره في رأسه ولحيته</span>، ولا يضره بقاء الطيب بعد الإحرام؛ لحديث عائشة ﵂.\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>٤ - أن يحرم الرجل في رداء وإزار</span>، ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين، ويحرم في نعلين.\nأما المرأة فيجوز لها أن تحرم فيما شاءت من الثياب المباحة لها مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم، إلا أنها لا تلبس البرقع، والنقاب، ولا القفازين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>٥ - يستحب له أن يحرم بعد صلاة فريضة </span>- غير الحائض والنفساء - إن كان في وقت فريضة، فإن لم يكن وقت فريضة صلَّى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>٦ - ثم بعد الفراغ من الصلاة ينوي بقلبه الدخول في نسك العمرة </span>ويقول: لبيك عمرة، أو اللَّهم لبيك عمرة، وإن كان معتمرًا عن غيره - وكيلًا - نوى ذلك بقلبه، ثم قال: لبيك عن فلان، وإن كانت أنثى قال: لبيك عن أم فلان، أو بنت فلان، أو فلانة، والأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة أو سيارة، أو غيرهما اقتداءً بالنبي - ﷺ -.\n٧ - وإذا كان من يريد الإحرام خائفًا من عائق يعوقه عن إتمام نسكه","vol":"1","page":582},{"text":"شُرِعَ له أن يشترط فيقول عند إحرامه بالنسك: «.. فإن حبسني حابس فمحلّي حيث حبستني»، فمتى اشترط المحرم ذلك عند إحرامه، ثم أصابه ما يمنعه من إتمام نسكه، فإن له التحلل ولا شيء عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>٨ - وإن كان مع من يريد العمرة أطفال أو صبيان</span>، وأراد أن يحرموا بالعمرة رغبةً في الثواب له ولهم، فإن كان الصبي مميزًا أحرم بإذن وليِّه، وفعل عند الإحرام ما يفعله الكبير مما تقدم ذكره، وإن كان الصبي أو الجارية دون التمييز نوى عنهما وليهما الإحرام، ولبَّى عنهما، ويمنعهما مما يمنع منه الكبير من محظورات الإحرام، وينبغي أن يكونا طاهري الثياب والأبدان حال الطواف.\nوكذلك يؤمر المميز والجارية المميزة بالطهارة قبل الشروع في الطواف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>٩ - يجتنب المحرم بالعمرة محظورات الإحرام التسعة التي تقدم ذكرها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>ثانيًا: صفة دخول مكة</span>\nإذا وصل المعتمر إلى مكة استحب له ما يأتي:\n\n١٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-933> ١ - يستحب له أن يستريح بمكان مناسب حتى يحصل له النشاط والنظافة قبل الطواف</span>.\n١١ -<span data-type=\"title\" id=toc-934> ٢ - يستحب له إن تيسر أن يغتسل</span>؛ لأن ابن عمر ﵄ كان لا يقدم بمكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل ويَذْكُرُ ذلك عن النبي - ﷺ -.\n١٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-935> ٣ - يستحب له إن تيسر أن يدخل مكة من أعلاها</span>؛ لحديث عائشة ﵂.\n١٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-936> ٤ - فإذا وصل إلى المسجد الحرام</span>، فالأفضل له أن يقدم رجله","vol":"1","page":583},{"text":"اليمنى ويقول: «أعوذ باللَّه العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» [بسم اللَّه والصلاة] [والسلام على رسول اللَّه]، اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك»، وإذا خرج من المسجد قال: «بسم اللَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، اللَّهم إني أسألك من فضلك»، [اللَّهم اعصمني من الشيطان الرجيم]، وهذا الذكر يُقال عند الدخول لسائر المساجد، وكذلك دعاء الخروج، وليس خاصًا بالمسجد الحرام، ومن لم يفعل هذه السنن الأربع فلا حرج عليه بحمد اللَّه تعالى.\n\n١٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-937> ٥ - من لم يتيسر له الغسل قبل دخول المسجد</span>، فلا بد له من الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر.\n١٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-938> ٦ - تحية المسجد الحرام الطواف لمن أراد الطواف</span>، أما من لم يرد الطواف فلا يجلس حتى يصلي ركعتين.\n١٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-939> ٧ - الركوب في الطواف أو السعي لا بأس به لمن كان به علة كالمريض</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>ثالثًا: صفة الطواف بالبيت</span>\nفإذا وصل المعتمر إلى الكعبة عمل كالآتي:\n\n١٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-941> ١ - يقطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف</span>، ثم يقصد الحجر الأسود ويستقبله، ثم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك، ويقول عند استلامه: «اللَّه أكبر»، ولو قال: «بسم اللَّه واللَّه أكبر» فحسن.\n١٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-942> ٢ - ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره</span>.\n١٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-943> ٣ - يرمل الرجل في الثلاثة الأشواط الأُوَل من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه</span>. والرمل: هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخُطَى، وهو الخَبَبُ،","vol":"1","page":584},{"text":"ويمشي في الأربعة الباقية، يبتدئ كل شوط بالحجر الأسود ويختم به.\n\n٢٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-944> ٤ - يضطبع الرجل في جميع الطواف الأول دون غيره</span>، والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر.\n٢١ -<span data-type=\"title\" id=toc-945> ٥ - فإذا وصل وحاذى الركن اليماني استلمه بيمينه</span>، وإن قال إذا مسحه: «بسم اللَّه واللَّه أكبر» فحسن، ولا يُقبِّله؛ فإن شق عليه مَسْحُهُ تركه ومضى في طوافه، ولا يُشِيرُ إليه، ولا يكبِّر عند محاذاته؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي - ﷺ -، ويفعل ذلك في كل شوط من طوافه.\n٢٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-946> ٦ - يستحب له أن يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود:</span>\n﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\n\n٢٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-947> ٧ - كُلَّمَا مَرَّ بالحجر الأسود استلمه وقبله</span>، وقال: «اللَّه أكبر»، فإن لم يتيسر استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حاذاه مرة واحدة بيده اليمنى، وكبِّر مرة واحدة، ويكثر في طوافه من الذكر والدعاء والاستغفار، ويُسِرُّ بدعائه وقراءته إن قرأ شيئًا من القرآن، ولا يؤذي الطائفين، وليس في الطواف أدعية محددة، ومن خصص لكل شوط من الطواف أو السعي أدعية خاصة فلا أصل له، ولا يطوف من داخل الحِجْر؛ لأنه من البيت، فلا بد أن يكون الطواف من ورائه.\n٢٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-948> ٨ - فإذا كَمَّل سبعة أشواط، وفرغ منها سوَّى رداءه</span>، فوضعه على كتفيه، وتقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، ثم يُصلِّي ركعتين خلف المقام إن تيسّر ذلك، ويجعله بينه وبين البيت ولو بَعُدَ عنه، وإن لم يتيسَّر ذلك لزحام ونحوه صلاهما في أي موضع من المسجد، ولا يؤذي الناس ولا يُصلِّي في طريقهم، ويستحب","vol":"1","page":585},{"text":"له أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\n\n٢٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-949> ٩ - يستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها، ويصب على رأسه؛ لفعله - ﷺ </span>-.\n٢٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-950> ١٠ - يستحب له أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>رابعًا: صفة السعي بين الصفا والمروة</span>\n٢٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-952> ١ - ثم يخرج إلى المسعى ويتجه إلى الصفا</span>، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾، أبدأ بما بدأ اللَّه به.\n٢٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-953> ٢ - ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت</span>، فيستقبل القبلة فيوحِّد اللَّه ويكبِّره [ويحمده]، ويقول: «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر»، [لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد] [يحيي ويميت]، وهو على كل شيء قدير، لا إلا اللَّه وحده [لا شريك له]، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ويرفع يديه بما تيسر من الدعاء، ويكرِّر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات، يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.\n٢٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-954> ٣ - ثم ينزل من الصفا إلى المروة</span>، فيمشي حتى يَصِلَ إلى العلم الأخضر الأول، فيسعى الرجل سعيًا شديدًا إن تيسر له الركض، ولا يؤذي أحدًا، فإذا وصل إلى العلم الأخضر الثاني مشى كعادته حتى يصل إلى المروة، فيرقى عليها، ويستقبل القبلة، ويدعو، ويرفع يديه في دعائه، ويقول ويفعل كما قال وفعل على الصفا.\n٣٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-955> ٤ - ثم ينزل من المروة إلى الصفا</span>، فإذا وصل العلم الأول سعى بينه وبين الثاني سعيًا شديدًا، فإذا جاوز العلم الثاني مشى كعادته إلى أن","vol":"1","page":586},{"text":"يصل إلى الصفا، فإذا وصل قال وفعل كما قال وفعل أول مرة، وهكذا على المروة حتى يكمل سبعة أشواط: ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، ويقول في سعيه ما أحب من ذكرٍ ودعاءٍ، ويكثر من ذلك، وإن دعا في السعي في بطن الوادي بين الميلين الأخضرين بقوله: «رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم»، فلا بأس؛ لثبوت ذلك عن ابن عمر وعبد اللَّه بن مسعود - ﵃ -.\nويستحب أن يكون متطهرًا من الأحداث والأخباث، ولو سعى على غير طهارةٍ أجزأه ذلك، وهكذا المرأة لو حاضت أو نفست بعد الطواف سعت وأجزأها ذلك؛ لأن الطهارة ليست شرطًا في السعي، وإنما هي مستحبة.\n\n٣١ -<span data-type=\"title\" id=toc-956> ٥ - فإذا أتمَّ سبعة أشواط مبتدئًا بالصفا</span>، خاتمًا بالمروة حلق رأسه إن كان رجلًا، وإن كانت امرأة فإنها تقصر من كل قرن قدر أنملة، والأنملة هي: رأس الأصبع، وإذا كان وقت الحج قريبًا، أو كانت المدة بين العمرة والحج قصيرة بحيث لا يطول فيها الشعر، فإن الأفضل في حقه التقصير؛ ليحلق بقية رأسه في الحج؛ لأن النبي - ﷺ - لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يقصر ويحل، ولم يأمرهم بالحلق، ولا بد في التقصير من تعميم الرأس، ولا يكفي تقصير بعضه، كما أن حلق بعض الرأس لا يكفي، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير، ولا تأخذ زيادة على قدر الأنملة.\nفإذا فعل المُحْرِمُ ما ذُكِرَ فقد تمت عمرته، وحلَّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام.","vol":"1","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-957>خامسًا: مسائل في العمرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>المسألة الأولى: من كرر العمرة في أشهر الحج لا يلزمه إلا هدي واحد</span>، قال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم: أن من اعتمر في أشهر الحج، وأحلَّ من عمرته، وهو يريد التمتُّع، ثم كرَّر العمرة في أشهر الحج: لا يلزمه إلا هدي تمتعٍ واحدٍ، ولا ينبغي أن يختلف في ذلك، والعلم عند اللَّه تعالى» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>المسألة الثانية: من أحرم بعمرة في أشهر الحج فله أن يدخل عليها الحج فيكون قارنًا</span>، قال العلامة الشنقيطي ﵀: «اعلم: أن من أحرم بعمرة في أشهر الحج له أن يدخل عليها الحج، فيكون قارنًا، وعليه دم القران، ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وإن افتتح الطواف: ففي جواز إدخاله عليها حينئذٍ، خلاف بين أهل العلم ...»، «فجوّزه مالك، ومنعه عطاء، والشافعي، وأبو ثور» (٢).\nواختلفوا أيضًا في إدخال العمرة على الحج، فيكون قارنًا، وعليه دم القران، وقد نُقِلَ عن الشافعية والمالكية جوازه، قال النووي في شرح المهذب: «واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال أصحابنا: يجوز، ويصير قارنًا وعليه دم القران، وهو قول قديم للشافعي، ومنعه الشافعي في مصر، ونُقِل منعه عن أكثر من لقيه» (٣).\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٥٧٠\n(٢) أضواء البيان، ٥/ ٥٧٠ - ٥٧١.\n(٣) أضواء البيان، ٥/ ٥٧١.","vol":"1","page":588},{"text":"قلت: يحتاج جواز إدخال العمرة على الحج، فيكون قارنًا إلى دليل صحيح صريح، ولكن المشروع إذا طاف بالبيت وسعى: أن يتحلَّل ويجعلها عمرة، فيكون متمتعًا إذا حجّ من عامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>المسألة الثالثة: إذا ساق المعتمر الهدي، وهو يريد الحج من عامه: </span>قال العلامة الشنقيطي ﵀ (١): «إذا فرغ المتمتع من عمرته، وكان لم يسق هديًا، فإنَّ له التحلل التامّ، فله مسّ الطيب، والاستمتاع بالنساء، وكل شيء حرم عليه بإحرامه، فإن كان ساق الهدي ففيه للعلماء قولان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>أحدهما: أن له التحلل أيضًا</span>؛ لأن اللَّه يقول في التمتع: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٢)، ولا يمنعه سوق الهدي من ذلك؛ لأنه متمتع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>والقول الثاني: أنه لا يجوز له الإحلال حتى يبلغ الهدي محلَّه يوم النحر</span>، واستدلَّ من قال بهذا بحديث: حفصة ﵂ ... أنها قالت للنبي - ﷺ -: «ما شأنُ النَّاس حَلُّوا بعمرةٍ، ولم تَحْلِلْ أنت من عمرتك؟ فقال: «إني لبَّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحلّ حتى أنحر» (٣)، وكلا القولين قال به جماعة من الأئمة - ﵃ - ...».\nثم قال الشنقيطي ﵀: «أظهر القولين عندي: أنَّ له أن يحلَّ من إحرامه، ولكنَّه يؤخِّر ذبح هدي تمتّعه، حتى يرمي جمرة العقبة يوم\nالنحر، كما قدمنا إيضاحه، والاحتجاج بحديث حفصة المذكور لا\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٥٧١.\n(٢) سورة البقرة، الآية:١٩٦.\n(٣) متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الحج، باب: التمتع والإقران والإفراد بالحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي، برقم ١٥٦٦، ومسلم، كتاب الحج، باب بَيَانِ أَنَّ الْقَارِنَ لاَ يَتَحَلَّلُ إِلاَّ فِى وَقْتِ تَحَلُّلِ الْحَاجِّ الْمُفْرِدِ، برقم ١٢٢٩.","vol":"1","page":589},{"text":"ينهض كلّ النهوض؛ لأن النَّبي - ﷺ - كان قارنًا، فحديثها ليس في محلّ النزاع؛ لأن النزاع فيمن أحرم بعمرة يريد التحلل منها، والإحرام بالحج بعد ذلك، هل يمنعه سوق الهدي من التحلل؟ وحديث حفصة في القران، والقران ليس محل نزاع، وقولها: ولم تحلل أنت من عمرتك؟ تعني: عمرته المقرونة مع الحج، لا عمرة مفردة بإحرام، دون الحج كما هو معلوم ...\nومما يوضحه أنه - ﷺ - قال: «لو أنِّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة» (١)، فدل على أنه لم يجعلها عمرة مفردة الذي هو محل النزاع؛ لأن ظاهره أنها لو كانت مفردة لكان له الإحلال منها مطلقًا، ولا حجة في قوله - ﷺ -: «لم أسق الهدي»؛ لأنه ساقه لقران لا لعمرة مفردة عن الحج ...\nوقول من قال: إن سوق الهدي في عمرته يمنعه من الإحلال منها، حتى ينحر يوم النحر له وجه قويٌّ من النظر؛ لدخوله في ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢).\nوهذا المعتمر المتمتع الذي ساق معه هدي التمتع إن حلَّ من عمرته حلق قبل أن يبلغ هديه محِلَّه، والعلم عند اللَّه تعالى» (٣).\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٣) أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٥٧١ - ٥٧٣.","vol":"1","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-963>المسألة الرابعة: حكم تكرار العمرة:</span>\nالعبادات توقيفية، لا يجوز لأحد أن يتقرَّب لله تعالى بعمل لم يشرعه اللَّه - ﷿ -، ولا رسوله - ﷺ -؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (١).\nفهل تكرار العمرة مشروع؟ وهل حدَّد النبي - ﷺ - زمنًا بين العمرتين؟ والجواب ما جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ» (٢).\nوعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِـ وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (٣).\nقال شيخنا ابن باز ﵀: «لا نعلم أقلَّ حدٍّ بين العمرة والعمرة، أما من كان من أهل مكة، فالأفضل له الاشتغال بالطواف، والصلاة، وسائر القربات، وعدم الخروج خارج الحرم؛ لأداء العمرة إن كان قد أدَّى عمرة الإسلام» (٤).\nوقد أجاب شيخنا ﵀ من سأله عن تكرار العمرة في رمضان\nطلبًا للأجر المرتب على ذلك، فقال: «لا حرج في ذلك؛ [لأنّ] النبي - ﷺ - قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٨ - (٧١٨)، ولفظه عند البخاري ومسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ».\n(٢) البخاري، برقم ١٧٧٣، ومسلم، برقم ١٣٤٩، وتقدم تخريجه في فضائل الحج والعمرة.\n(٣) الترمذي، برقم ٨١٠، والنسائي برقم ٢٦٣١.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٢٣.","vol":"1","page":591},{"text":"إِلاَّ الْجَنَّةُ» متفق عليه (١): فإذا اعتمر ثلاث أو أربع مرات فلا حرج في ذلك، فقد اعتمرت عائشة ﵂ في عهد النبي - ﷺ - في حجة الوداع عمرتين، في أقلّ من عشرين يومًا» (٢) (٣).\n_________\n(١) تقدم تخريجه في الهامش الذي قبل هذا.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٤٣٢، وكانت هذه الفتوى نشرت في مجلة اليمامة، العدد (١١٥١) بتاريخ ٢٥/ ٩/ ١٤١١هـ.\n(٣) وسئل شيخنا ابن باز ﵀ عن الزمن الذي يكون بين العمرتين للرجال والنساء فقال: «لا نعلم في ذلك حدًا محدودًا بل تشرع في كل وقت؛ لقول النبي - ﷺ -: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» متفق على صحته: [البخاري، برقم ١٧٧٣، ومسلم، برقم ١٣٤٩]،، فكلما تيسر للرجل والمرأة أداء العمرة فذلك خير وعمل صالح، وثبت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: «العمرة في كل شهر». وهذا كله في حق من يقدم إلى مكة من خارجها، أما من كان في مكة فالأفضل له الاشتغال بالطواف والصلاة وسائر القربات، وعدم الخروج إلى خارج الحرم لأداء العمرة إذا كان قد أدى عمرة الإسلام، وقد يقال باستحباب خروجه إلى خارج الحرم لأداء العمرة في الأوقات الفاضلة كرمضان؛ لقول النبي - ﷺ -: «عمرة في رمضان تعدل حجة» [البخاري بنحوه، برقم ١٨٦٣، ومسلم، برقم ٢٢٢ - (١٢٥٦) بنحوه أيضًا، ولفظ البخاري ومسلم: «فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي»]، ولكن يجب أن يراعى في حق النساء عنايتهن بالحجاب، والبعد عن أسباب الفتنة، وطوافهن من وراء الناس، وعدم مزاحمة الرجال على الحجر الأسود؛ فإن كُنَّ لا يتقيدن بهذه الأمور الشرعية، فينبغي عدم ذهابهن إلى العمرة؛ لأنه يترتب على اعتمارهن مفاسد تضرهن، وتضر المجتمع، وتربو على مصلحة أدائهن العمرة، إذا كن قد أدين عمرة الإسلام، واللَّه - ﷾ - أعلم» [مجموع فتاوى ابن بارز، ١٦/ ٣٦٢ - ٣٦٤].\nوسئل شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ عَمَّنْ أخذ عمرة عن نفسه، ثم أراد أن يخرج إلى الحل؛ ليأخذ عمرة عمَّن يريد من أقاربه، فقال ﵀: «لا أعلم مانعًا شرعيًا من عمرتك لمن ترى من أقاربك بعد اعتمارك عن نفسك العمرة الواجبة، سواء كان ذلك في وقت الحج أو في غيره.\nأما ميقات العمرة لمن كان داخل الحرم فهو الحلّ: كالتنعيم، والجعرانة، ونحوهما؛ لأن النبي - ﷺ - لما أمر عائشة بالاعتمار أمر عبد الرحمن أخاها أن يعمرها من خارج الحرم» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٤٤٠].\nوسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا عبد العزيز ابن باز عمَّن يريد أن يعتمر عن نفسه، فإذا فرغ من عمرته اعتمر عن والديه، وهما على قيد الحياة، ثم يعتمر عن والدي والديه، فهل هذه الطريقة صحيحة؟ فأجابته اللجنة: «إذا اعتمرت عن نفسك جاز لك أن تعتمر عن أمك، وأبيك إذا كانا عاجزين؛ لكبر سنٍّ، أو مرضٍ لا يرجى برؤه، كما يجوز لك أن تعتمر عن والدي والديك المتوفين» [مجموع فتاوى اللجنة للبحوث العلمية والإفتاء،\n١١/ ٨٠ - ٨١، و١١/ ١٦٥، و١١/ ٣٣٣].\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن كَثْرَةَ الاعْتِمَارِ فِي رَمَضَانَ لِلْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ فيه ثَلاثُ مَسَائِل:\nالمسألة الأولى: الِاعْتِمَارُ فِي الْعَامِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ [مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٢٦٧].\nالمسألة الثانية: الإكثار من الاعتمار والموالاة بينها [مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٢٦٩].\nالمسألة الثالثة: كثرة الِاعْتِمَارُ للْمَكِّيِّ [مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٢٦٧، ٢٩٠].\n* فأما الاعتمار في العام أكثر من مرة، فقال شيخ الإسلام ﵀: «فَأَمَّا كَثْرَةُ الِاعْتِمَارِ الْمَشْرُوعِ، كَاَلَّذِي يَقْدَمُ مِنْ دويرة أَهْلِهِ فَيَحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَ، وَهَذِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَهُمْ، فَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ عُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ ...»، [مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٢٦٧]، ثم ذكر ﵀ في هذه المسألة قولين لأهل العلم:\nالقول الأول: كَرِهَ طَائِفَةٌ من أهل العلم: أن يعتمر المسلم في العام أكثر من مرة، وذكر مِنْهُمْ: الْحَسَن، وَابْن سيرين، وقال: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النخعي: مَا كَانُوا يَعْتَمِرُونَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَمِرُونَ في السنة إلَّا مرَة وَاحِدَة، ولَمْ يَعْتَمِرُوا فِي عَامٍ مَرَّتَيْنِ، فَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فَعَلُوهُ كَالْإِحْرَامِ مِنْ فَوْقِ الْمِيقَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ في كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْم: أَنَّ «الْعُمْرَةَ هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ» [سنن الدارقطني، برقم ٢٢١، و٢٢٢، والبيهقي، ٤/ ٣٥٢، وتقدم تخريجه]، وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وَالْحَجُّ لَا يُشْرَعُ فِي الْعَامِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَذَلِكَ الْعُمْرَةُ. [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٦/ ٢٦٧].\nالقول الثاني: جواز العمرة في العام أكثر من مرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٢٦٨]: «وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: عَطَاءٌ، وطاوس، وَعِكْرِمَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ الصَّحَابَةِ كَعَلِيِّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةُ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اعْتَمَرَتْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - عُمْرَتَهَا الَّتِي كَانَتْ مَعَ الْحَجَّةِ وَالْعُمْرَةَ الَّتِي اعْتَمَرَتْهَا مِنْ التَّنْعِيمِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ الَّتِي تَلِي أَيَّامَ مِنَى، وَهِيَ لَيْلَةُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ ... وَأَيْضًا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ» [البخاري، برقم ١٧٧٣، ومسلم، برقم ١٣٤٩]، ... وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ: رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا حَمَّمَ رَأْسُهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ، ... وقَالَ عَلِيٌّ: اعْتَمِر في الشَّهْرِ إنْ أَطَقْت مِرَارًا، ... قال شيخ الإسلام: «وَهَذِهِ - وَاللَّه أَعْلَمُ - هِيَ عُمْرَةُ الْمحَرّم؛ ِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ بِمَكَّةَ إلَى الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ يَعْتَمِرُونَ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْعُمْرَةَ مِنْ مَكَّةَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ مُرْسَلًا: عَنْ ابْنِ سيرين قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - لِأَهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ» [مصنف ابن أبي شيبة، ٤/ ٣٥٠]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْتَمِرُ إذَا أَمْكَنَ الْمُوسَى مِنْ رَأْسِهِ إنْ شَاءَ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: اعْتَمَرَ فِي الشَّهْرِ مِرَارًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ يَفُوتُ بِهِ كَوَقْتِ الْحَجِّ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُهَا مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الْعَامِ لَمْ تُشْبِهْ الْحَجَّ فِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مَرَّةً» [مجموع فتاوى ابن تيمية،\n٢٦/ ٢٦٨ - ٢٦٩]. وهذه هي المسألة الأولى.\nوأما الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فهِي الْإِكْثَارِ مِنْ الِاعْتِمَارِ وَالْمُوَالَاةِ بَيْنَهَا: مِثْلَ أَنْ يَعْتَمِرَ مَنْ يَكُونُ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِنْ الْحَرَمِ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ كُلَّ يَوْمَيْنِ، أَوْ يَعْتَمِرَ الْقَرِيبُ مِنْ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ يَوْمَانِ: فِي الشَّهْرِ خُمْسَ عُمَرٍ، أَوْ سِتَّ عُمَرٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ يَعْتَمِرَ مَنْ يَرَى الْعُمْرَةَ مِنْ مَكَّةَ كُلَّ يَوْمٍ عُمْرَةً، أَوْ عُمْرَتَيْنِ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ، بَلْ اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهِيَتِهِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ اسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد، فَلَيْسَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ أَصْلًا، إلَّا مُجَرَّدَ الْقِيَاسِ الْعَامِّ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا تَكْثِيرٌ لِلْعِبَادَاتِ، أَوْ التَّمَسُّكَ بالعمومات فِي فَضْلِ الْعُمْرَةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.\nوَاَلَّذِينَ رَخَّصُوا فِي أَكْثَرَ مِنْ عُمْرَةٍ فِي الْحَوْلِ، أَكْثَرُ مَا قَالُوا: يَعْتَمِرُ إذَا أَمْكَنَ الْمُوسَى مِنْ رَأْسِهِ، أَوْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. [مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠].\nوَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، فهي كثرة الاعتمار للمكي، قال شيخ الإسلام ابن تيمة ﵀: «فَإِذَا كَانَ قَدْ تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ السُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ تُكْرَهُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ لِمَنْ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الَّذِي يُوَالِي بَيْنَ الْعُمَرِ مِنْ مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ، فَإِنَّهُ يَتَّفِقُ فِي ذَلِكَ مَحْذُورَانِ:\nأَحَدُهُمَا: كَوْنُ الِاعْتِمَارِ مِنْ مَكَّةَ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ اخْتِيَارِ ذَلِكَ بَدَلَ الطَّوَافِ.\nوَالثَّانِي: الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْعُمَرِ، وَهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ؛ بَلْ يَنْبَغِي كَرَاهَتُهُ مُطْلَقًا فِيمَا أَعْلَمُ لِمَنْ لَمْ يَعْتَضْ عَنْهُ بِالطَّوَافِ، وَهُوَ الْأَقْيَسُ، فَكَيْفَ بِمَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَعْتَاضَ عَنْهُ بِالطَّوَافِ، بِخِلَافِ كَثْرَةِ الطَّوَافِ؛ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مَأْمُورٌ بِهِ، لَا سِيَّمَا لِلْقَادِمِينَ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُمْ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ لَهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام مع فضيلة الصلاة بالمسجد الحرام» [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٦/ ٢٩٠]، [وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى،\n٢٦/ ٢٦٢ - ٢٦٦].","vol":"1","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-964>المسألة الخامسة: عدد عُمَر النبي - ﷺ </span>-:\nاعتمر النبي - ﷺ - أربع عمر، فعن قتادة، قال: «سألت أنسًا - ﵁ -: كم اعتمر النبيُّ - ﷺ -؟ قال: [اعتمر] أربع [عُمَرٍ]، كلُّهُنَّ في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجَّته] عمرةً [من] الحديبية في ذي القعدة، حيث صدَّه المشركون، وعمرة في العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة الجعرانة، إذ قسم غنيمة [وفي رواية: غنائم حنين] [وعمرةً مع حجته] قلت: كم حج؟ قال: واحدة» (١)، ولفظ مسلم: «اعَتَمَرَ أربع\nعُمَرَ، كُلُّهن في ذي القعدة، إلا التي مع حَجَّته: عمرة من الْحُدَيبية، أو زَمنَ الحديبية في ذي القَعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي\nالقَعدة، وعمرة من جِعْرَانةَ، حيث قَسمَ غَنَائِمَ حُنينٍ في ذي القَعدة، وعمرة مع حَجَّته» (٢).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، واللفظ له، كتاب العمرة، بابٌ: كم اعتمر النبي - ﷺ -، برقم ١٧٧٨، وأطرافه في البخاري: برقم ١٧٧٩، ١٧٨٠، ٣٠٦٦، ٤١٤٨، والألفاظ مجموعة من هذه الأطراف، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان عدد عمر النبي - ﷺ -، وزمانهن، برقم ١٢٥٣.\n(٢) مسلم، برقم ١٢٥٣، وتقدم تخريجه في الذي قبله.","vol":"1","page":595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-965>المسألة السادسة: هل اعتمر النبي - ﷺ - في رجب</span>؟\nعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ ﵄ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ»،الحديث، وفيه: «... ثُمّ قَالَ لَهُ: كَمْ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -؟ قَالَ: أَرْبَعٌ، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ (١) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّاهُ، أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟، قَالَتْ: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّه أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إِلَّا وَهُوَ شَاهِد، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ» (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذا كله يدل على أن عائشة ﵂، وأنسًا، وجماعة لم يعلموا أنه - ﷺ - اعتمر في رجب؛ ولهذا حكمت عائشة بأن ابن عمر قد وَهِمَ [يعني نسي]، فابن عمر مثبت للعمرة في رجب، والقاعدة عند أهل العلم: أن المثبت مُقَدَّمٌ على النافي، وابن عمر\nمثبت، وهو حافظ وإمام ثقة، ويجوز عليه النسيان، ولكن النسيان عليه وعلى غيره، والأصل قبول خبر الثقة، فكون أنس، وعائشة، وغيرهما لم يحفظوا هذا لا يمنع مما قاله ابن عمر، وقد يُقال: إن مثل هذا لا يخفى على الصحابة، ولكن هذا يرد عليه أشياء كثيرة ... وكان السلف يعتمرون في رجب، كعمر، وغيره، ولعل السِّرَّ في ذلك ما ذكره ابن عمر، فتكون\n_________\n(١) استنان عائشة: مرور السواك على أسنانها.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العمرة، بابٌ: كم اعتمر النبي - ﷺ -، برقم ١٧٧٥، ١٧٧٦، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان عدد عمر النبي - ﷺ -، وزمانهن، برقم ١٢٥٥.","vol":"1","page":596},{"text":"عمرة رجب الخامسة بعد الأربع التي ذكرها أنس» (١).\nوقال شيخنا ابن باز ﵀: «المشهور عند أهل العلم أنه لم يعتمر [- ﷺ -] في شهر رجب، وإنما عُمَرُه - ﷺ - كلُّها في ذي القعدة، وقد ثبت عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ -: «اعتمر في رجب»، وذكرت عائشة\n﵂: «أنه قد وَهِم في ذلك»، وأن النبي - ﷺ - لم يعتمر في رجب، والقاعدة في الأصول: أن المثبت مُقدَّم على النافي، فلعلَّ عائشة، ومن قال بقولها لم يحفظوا ما حفظ ابن عمر، واللَّه وليُّ التوفيق» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>المسألة السابعة: من لم يؤدِّ عمرة الإسلام مع حجِّ القران</span>، أو التمتع،\nولم يعتمر قبل ذلك، وكان حاجًا وهو داخل مكة، فله أن يحرم بعد الحجِّ من التنعيم، أو الجعرانة، أو عرفات، أو من أي موضع من الحلِّ خارج حدود الحرم، ولا يلزمه الرجوع إلى الميقات (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>المسألة الثامنة: الأقرب أنه لا يجب طواف الوداع على المعتمر</span>، ولكن\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الأحاديث رقم ١٧٧٥ - ١٧٧٨.\n(٢) مجموع فتاوى ومقالات ابن باز ١٧/ ٤٣٣.\n(٣) قال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٦٥٩: «اعلم: أن التحقيق أن النَّبي - ﷺ - لم يعتمر في رجب بعد الهجرة قطعًا، وأنه لم يعتمر بعد الهجرة، إلا أربع عمر:\nالأولى: عمرة الحديبية في ذي القعدة، من عام ستٍّ، وصدَّه المشركون، وأحلَّ ونحر من غير طواف ولا سعي، كما هو معلوم.\nالثانية: عمرة القضاء في ذي القعدة، عام سبع، وهي التي وقع عليها صلح الحديبية ...\nوالثالثة: عمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان، بعد فتح مكة في رمضان عام ثمان.\nالرابعة: العمرة التي قرنها، مع حجة الوداع، هذا هو التحقيق».\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ٣٥٧، ١٧/ ١١.","vol":"1","page":597},{"text":"الأفضل، والأحوط أن يطوف للوداع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>المسألة التاسعة: الحيض لا يكون به الإحصار في الحج</span>، أما العمرة، فيجوز للمرأة أن تشترط؛ لخوف تخلفها عن الرفقة؛ ولأن الحج وقته واسع (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>المسألة العاشرة: من نسي الحلق أو التقصير في العمرة</span>، بعد أن طاف وسعى، ثم لبس قبل أن يحلق أو يقصر؛ فإنه ينزع ثيابه إذا ذكر، ويحلق أو يقصِّر، ثم يعيد لبس ثيابه، ولا شيء عليه، فإن قصَّر أو حلق وثيابه عليه جهلًا منه فلا شيء عليه؛ لجهله (٣).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٥٢، ١٧/ ٣٩٠، ٤٤٢، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة ابن باز، ١١/ ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٣٨.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٦٥.\n(٣) المرجع السابق، ١٧/ ٤٣٦.","vol":"1","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>المبحث الثامن والثلاثون: الهدايا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>أولًا: مفهوم<span data-type=\"title\" id=toc-972> الهدي: لغة</span>، واصطلاحًا:</span>\nالهدي لغة: الهَدْيُ، والهَدِيُّ: واحد الهدي، والهديُّ: هدْيَةُ، وهَدِيَّةٌ، وجمع المخفف: أهداء، والهدي إنما هو: من الإبل، والبقر، والغنم، والهدي: ما أُهدي إلى مكة من النَّعَم، ويُقال: أهديتُ الهدي إلى الحرم: سقته (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>والهدي اصطلاحًا: </span>هو ما ينقل للذبح من النعم إلى الحرم (٢).\nوقيل: هو ما يُهدى إلى البيت الحرام من بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم تقرُّبًا لله تعالى (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-974>والتعريف المختار: </span>الهديُ هو: ما يُهدَى تقربًا لله - ﷿ - إلى البيت الحرام من بهيمة الأنعام للنحر أو الذبح داخل الحرم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>ثانيًا: أنواع الهدايا: عشرة أنواع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>النوع الأول: هدي المحصر</span>، يذبح في موضع الحصر على الصحيح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>النوع الثاني: هدي التمتع والقران</span>، وهو هدي نسك لا يذبح إلا في الحرم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>النوع الثالث: هدي جزاء الصيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>النوع الرابع: هدي فدية الأذى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>النوع الخامس: ما وجب لترك واجب</span>.\n_________\n(١) لسان العرب، فصل الهاء، باب الدال، ١٥/ ٣٥٨، والمصباح المنير، مادة (هدي)، ٢/ ٦٣٦، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٢٥٤.\n(٢) التعريفات للجرجاني، ص ٣١٣.\n(٣) الفقه الميسر، ص ١٨١.","vol":"1","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-981>النوع السادس: هدي الإفساد وما في معناه [</span>أي إفساد الحج بالجماع ...].\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>النوع السابع: هدي الفوات وما في معناه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>النوع الثامن: الهدي المنذور في الذمة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>النوع التاسع: الهدي المعيَّن واجبًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>النوع العاشر: الهدي المعيَّن تطوعًا </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>ثالثًا: الهدي الواجب بالنذر:</span>\nالهدي الواجب بالنذر، كأن يقول: نذرت لله إهداء هذا الهدي المُعيَّن، فالظاهر أنه يتعيَّن بالنَّذر، ولا يكون في ذمَّته، فإن عَطِبَ أو سُرِقَ لا يلزمه بدله؛ لأن حق الفقراء إنما يتعلق بعينه لا بذمة المُهدي، والظاهر أنه ليس له الأكل منه سواء عَطِبَ في الطريق أو بلغ مَحِلَّه، وإذا رآه صاحبه في حالة يغلب على ظنِّهِ أنه سيموت، فإنه تلزمه ذكاته، وإن فرَّط فيه حتى مات كان عليه ضمانه؛ لأنه كالوديعة عنده، أما لو مات بغير تفريطه، أو ضلَّ، أو سُرِقَ فليس عليه بدله (٢)؛ لأنه لم يتعلق الحق بذمته، بل بعين الهدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>والأصل في الهدي الواجب بالنذر، قول اللَّه تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا\nنُذُورَهُمْ﴾ </span>(٣)،وهذا يدل على وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الأمر يدل على\nالوجوب إلا لدليل صارف» (٤) (٥).\n_________\n(١) شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦.\n(٢) أضواء البيان، ٥/ ٥٨٥، و٥/ ٦٥٩ - ٦٨٦.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٢٩.\n(٤) أضواء البيان، ٥/ ٦٥٩ - ٦٨٦\n(٥) انظر: أحكام النذر بالتفصيل والتحقيق: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٦٥٩ - ٦٨٦.","vol":"1","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-988>رابعًا: الهدي الواجب بغير النذر</span>، وهو نوعان (١):\nالنوع الأول (*):<span data-type=\"title\" id=toc-989> الهدي المنصوص عليه في القرآن</span>، وهو أربعة دماء:\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>الدم الأول: دم الإحصار المنصوص عليه في قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ </span>(٢)، وقد تقدم الكلام فيه في الإحصار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>الدم الثاني: دم جزاء الصيد </span>المنصوص عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٣)، وقد تقدم ذكره في فدية محظورات الإحرام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>الدم الثالث: دم فدية الأذى</span>، المذكور في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤)، وقد تقدم ذكره في فدية محظورات الإحرام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>الدم الرابع: دم هدي التمتع والقران </span>(٥)، وتتلخص أحكام هدي التمتع والقران في الأمور الآتية:\n*<span data-type=\"title\" id=toc-994> الأمر الأول: مفهوم القارن الذي يلزمه الهدي: </span>هو من أحرم بالحج في أشْهُرِهِ والعمرة، أو أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة قبل الطواف بالبيت، ثم بقي على إحرامه حتى الحج، فعليه هدي شكر يجب عليه.\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٥٠٢، والمغني لابن قدامة، ٥/ ٤٣٤. أما الهدي المسكوت عنه فهو في أضواء البيان، ٥/ ٥٦٥، وسيأتي التفصيل فيه إن شاء اللَّه في موضعه.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٩٥.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٥) انظر التفصيل في هدي التمتع والقران في أضواء البيان، ٥/ ٥٠٤ - ٦٠٨، والمغني لابن قدامة،\n٥/ ٤٤٧.\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: والنوع الثاني وهو (الهدي المسكوت عنه في القرآن) ذكره المصنف ص ٦٣٢ مصدرا بـ (خامسا:. . . .)","vol":"1","page":601},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-995> الأمر الثاني: مفهوم المتمتع الذي يلزمه الهدي: هو من أحرم بالعمرة في أشهر الحج</span>، وفرغ منها وحج من عامه قبل أن يرجع إلى بلاده.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-996> الأمر الثالث: شروط وجوب هدي المتمتع والقارن على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>الشرط الأول: أن يعتمر في أشهر الحج، فإن اعتمر في غيرها لم يلزمه دم</span>؛ لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، فلم يلزمه دم كالمفرد (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>الشرط الثاني: أن يحج في نفس تلك السنة التي اعتمر في أشهر الحج فيها </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>الشرط الثالث: أن لا يعود إلى بلده أو ما يماثله في المسافة </span>(٣).\nوالأحوط أن يُهدي حتى ولو رجع إلى بلاده أو سافر؛ لعدم صراحة الآية ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٤) فإن منهم من قال: إن سافر بعد العمرة زال السبب فسقط الدم، ومنهم من قال: إن الإشارة راجعة إلى حكم التمتع، وهو لزوم الدم (٥).\nفالأحوط الهدي مطلقًا (٦).\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٥٠٦.\n(٢) المرجع السابق، ٥/ ٥٠٧.\n(٣) أضواء البيان، ٥/ ٥٠٧.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٥) أضواء البيان، ٥/ ٥٠٧.\n(٦) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في مَن اعتمر في أشهر الحج، ثم سافر، ثم حج من عامه ولم يعتمر عمرة في عودته إلى مكة، هل يكون متمتعًا يلزمه الهدي؟ أو يكون مفردًا لا يلزمه الهدي؟ على أقوال على النحو الآتي:\nالقول الأول: إذا عاد إلى بلده الذي سافر منه انقطع التمتع بالعمرة، قال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٠٦: «والحاصل: أن الأئمة الأربعة متفقون على أن السفر بعد العمرة، والإحرام بالحج من منتهى ذلك السفر مسقط لدم التمتع، إلا أنهم مختلفون في قدر المسافة»، فهذا القول يقول أصحابه: لا بد أن يرجع بعد العمرة في أشهر الحج إلى المحلِّ الذي جاء منه، ثم ينشئ سفرًا للحج، ويحرم من الميقات.\nالقول الثاني: يكفيه أن يرجع إلى بلده، أو يسافر مسافة مساوية لمسافة بلده.\nالقول الثالث: يكفيه أن يسافر مسافة قصر.\nالقول الرابع: يكفيه أن يرجع لإحرام الحج إلى ميقاته.\nودليل هذه الأقوال ما فهموه من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ\nالْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]، فقالوا: لا فرق بين حاضري المسجد الحرام، وبين غيرهم، إلا أن غيرهم ترفَّهوا بإسقاط أحد السفرين الذي هو السفر للحج، بعد السفر للعمرة، وإن سافر للحج بعد العمرة زال السبب، فسقط الدم بزواله، وعضدوا ذلك بآثار رووها، عن عمر، وابنه ﵄.\nقال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٠٧: «والأحوط عندي: إراقة دم التمتع، ولو سافر لعدم صراحة دلالة الآية، في إسقاطه؛ وللاحتمال الآخر الذي تمسك به البخاري والحنفية [يعني أن البخاري والحنفية يرون أن الإشارة في قوله تعالى: «ذلك» راجعة إلى نفس التمتع، وأن أهل مكة لا متعة لهم أصلًا، فلا دليل في الآية على أقوال الأئمة الأربعة.\nوعلى القول الآخر: إن الإشارة راجعة إلى حكم التمتع، وهو لزوم ما استيسر من الهدي والصوم عند العجز عنه، لا نفس التمتع، فاستدلال الأئمة بها على الأقوال المذكورة له وجه من النظر كما ترى]. وممن قال بذلك [أي قول البخاري، والحنفية]: الحسن، واختاره ابن المنذر لعموم الآية، قاله في المغني. والعلم عند اللَّه تعالى [أضواء البيان، ٥/ ٥٠٧].\nورجَّح شيخنا ابن باز ﵀ في الفتاوى، ١٦/ ١٣٠، ١٧/ ٩٥ - ١٠٦، القول الأول، ونسبه إلى جمهور أهل العلم، وهو أن من اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى أهله، ثم أحرم بالحج من الميقات مفردًا فليس عليه دم التمتع؛ لأنه في حكم من أخَّر الحج، وهو قول عمر وابنه عبد اللَّه ﵄، أما من سافر إلى غير بلده، كأن يسافر إلى المدينة، أو جدة، أو الطائف، أو غيرها، ثم رجع محرمًا بالحج، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه متمتعًا في أصح قولي العلماء، وعليه هدي التمتع، وقال ﵀: «والمروي عن ابن عباس أنه يكون متمتعًا وأن عليه الهدي؛ لأنه جمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج في سنة واحدة ... والأظهر واللَّه أعلم أن الأرجح ما جاء عن عمر وابنه ﵄، ... ذكر ذلك أبو محمد بن حزم وغيره، لا سيما وهو قول الخليفة الراشد عمر»، فإن أراد أن يأتي بعمرة جديدة بعد سفره فإنه يكون متمتعًا عند الجميع».","vol":"1","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1000>الشرط الرابع: أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام</span>، فأما إن كان من حاضري المسجد الحرام، فلا دم عليه؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1001> وأظهر الأقوال من أقوال أهل العلم في المراد بحاضري المسجد الحرام: </span>أنهم أهل الحرم، ومن بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ لأن المسجد الحرام قد يطلق كثيرًا، ويراد به الحرم كله، ومن على مسافة دون مسافة القصر (٢).\nوقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: «اختلف أهل العلم في المعنى بـ «حاضري المسجد الحرام»، والراجح: أنهم أهل الحرم» (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1002> والظاهر أنه متى حج بعد أن اعتمر في أشهر الحج من تلك السنة فعليه </span>الهدي لظاهر عموم الآية الكريمة، سواء نوى عند الإحرام، أو اعتمر وهو لا يريد الحج، ثم بدا له الحج من عامه، فتخصيصه بالنية\nتخصيص للقرآن بلا دليل (٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1003> والظاهر أيضًا أنه يكون متمتعًا عليه الهدي: </span>سواء كانت العمرة له، والحج عن آخر، أو الحج لشخص والعمرة لشخص آخر، أو الحج له والعمرة عن آخر، وهذا هو المشهور في المذاهب الأربعة، والأقرب للصواب (٥).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٢) أضواء البيان، ٥/ ٥٠٨.\n(٣) مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة ابن باز، ١١/ ٣٩٠ ..\n(٤) أضواء البيان، ٥/ ٥٠٨.\n(٥) أضواء البيان، ٥/ ٥٠٩ - ٥١٠.","vol":"1","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1004>الشرط الخامس: أن يحلَّ من العمرة قبل إحرامه بالحج</span>، فإن أحرم بالحج قبل حلِّه منها صار قارنًا كما وقع لعائشة ﵂ في حجة الوداع على التحقيق، وعليه الهدي للقران أيضًا؛ لأنه تمتع (١).\nواشترط بعضهم أن تكون العمرة قد أحرم بها من الميقات، والظاهر أنَّ من أحرم بالعمرة من دون ميقاته، وحج من عامه، وكانت العمرة في أشهر الحج أنَّ عليه دمين: دم مجاوزة الميقات، ودم المتعة (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1005> الأمر الرابع: أجمع من يعتد به من أهل العلم على أن القارن يلزمه ما يلزم المتمتع من الهدي</span>، والصوم عند العجز عن الهدي، وقد تقدم أن أجلاّء الصحابة يرون أن القران داخل في التمتع، وعلى هذا فهو داخل في عموم الآية، وكلا النسكين فيه تمتع لغة؛ لأن التمتع من المتاع أو المتعة، وهو الانتفاع أو النفع، وهو قد تمتع بنُسُكَيْنِ في سَفْرَةٍ واحدةٍ، فعليه هدي شكران.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1006> الأمر الخامس: القارن كالمتمتع من حاضري المسجد الحرام</span>، فمن كان من حاضري المسجد الحرام، وحج قارنًا فإنه لا هدي عليه؛ لدخوله في اسم المتمتع، وكذلك المتمتع من حاضري المسجد الحرام، إلا أن المتمتع من حاضري المسجد الحرام يحرم بالعمرة من الحلِّ، ثم يفرغ منها، ويحج من عامه، وليس عليه هدي للآية (٣) المذكورة (٤).\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٥١٠.\n(٢) أضواء البيان، ٥/ ٥١١.\n(٣) أضواء البيان، ٥/ ٥١١ - ٥١٤.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.","vol":"1","page":605},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1007> والأظهر أن من كان من حاضري المسجد الحرام يُحرِم بالقران </span>من مكة خلافًا لمن قال: يحرم من أدنى الحلِّ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>وأقرب الأقوال للصواب أن دم القران لا يسقطه السفر</span>، وقد تقدم أن الأحوط أن دم المتعة لا يسقطه السفر؛ لتصريح القرآن بوجوب الهدي على المتمتع، وعدم صراحة الآية بسقوطه بالسفر (٢).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1009> الأمر السادس: ما يجزي في هدي التمتع والقران </span>(٣):\nالتحقيق أنه يجزئ فيه ما استيسر من الهدي، وأقله شاة تجزئ ضحية، وأعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، والتحقيق: أن سبع بدنة أو بقرة يكفي، فلو اشترك سبعة من المتمتعين في بدنة أو بقرة وذبحوها أجزأت للنصوص الصحيحة (٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1010> الأمر السابع: أول وقت نحر الهدي: هو يوم النحر على الصحيح</span>\nالذي لا شك فيه، فلا يجوز نحر الهدي أو ذبحه قبل يوم النحر؛ لأدلة واضحة، وأحاديث كثيرة صحيحة، صريحة، تدل على أن أول وقت النحر هو يوم النحر؛ للأدلة الكثيرة، ومنها على سبيل المثال الأدلة الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>الدليل الأول: لم ينحر النبي - ﷺ - هديه إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة</span>؛ فإنه كان قارنًا - ﷺ -، ونحر يوم النحر مائة: نحر منها بنفسه ثلاثًا وستين، وأكمل عليٌّ - ﵁ - الباقي سبعًا وثلاثين (٥)، وقد قال - ﷺ -: «لتأخذوا\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٥١٦.\n(٢) المرجع السابق، ٥/ ٥١٦.\n(٣) أضواء البيان، ٥/ ٥١٦.\n(٤) المرجع السابق، ٥/ ٥١٦ - ٥١٨.\n(٥) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ٢٥٩.","vol":"1","page":606},{"text":"عني مناسككم» (١)، فيجب على كل قارنٍ ومتمتِّعٍ أن يأخذ وقت النحر من نبيه - ﷺ -، فيجب الاقتداء به - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>الدليل الثاني: لم ينحر عن أحد من أزواجه - ﷺ - إلا بعد رمي جمرة العقبة</span>، وهذا لا شك فيه ولا ريب، وقد كانت أزواجه كلهن متمتعات إلا ما كان من عائشة ﵂، فإنها كانت قارنة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1013>الدليل الثالث: لم ينحر كلُّ من كان معه من أصحابه إلا يوم النحر</span>، وقد كان معه جمٌّ غفير، قيل: بأنهم كانوا نحو مائة وثلاثين ألفًا، وقد كان أصحابه الذين قدموا معه بين قارنٍ ومتمتِّعٍ؛ فإنه - ﷺ - بعد أن طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أمر من لم يسق الهدي أن يحل ويجعلها عمرة، ولم يذكر أنه - ﷺ - أَذِنَ لواحدٍ منهم، ولا أمره بذبح الهدي قبل يوم النحر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>الدليل الرابع: جرى عمل الخلفاء الراشدين، والمهاجرين، والأنصار</span>، وجميع الصحابة كلهم أجمعوا على هذا، فلم ينقل عن واحد منهم: أنه\nنحر هدي تمتعه أو قرانه قبل يوم النحر البتة، ولن يُصْلِحَ آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>الدليل الخامس: قول اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ </span>(٢)، ولا شك أن من الأسوة اتباعه في أفعاله - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>الدليل السادس: قول اللَّه - ﷿ -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ </span>وَمَا نَهَاكُمْ\n_________\n(١) مسلم بنحوه، برقم ١٢٩٧، والبيهقي بلفظه، في السنن الكبرى، ٥/ ١٢٥.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.","vol":"1","page":607},{"text":"عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وما فعله - ﷺ - فقد آتاناه؛ لأنه هو الُمشرِّع لنا، بأقواله، وأفعاله، وتقريراته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1017>الدليل السابع: قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ </span>(٢)، ومن اتِّباعه التأسِّي به - ﷺ - في فعله، وصيغة الأمر في قوله: «فَاتَّبِعُونِي» للوجوب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>الدليل الثامن: من أوضح الأدلة الثابتة في ذلك الأحاديث المتفق عليها</span>، التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه: أنه - ﷺ - أمر أصحابه بفسخ حجّهم في عمرة، وأن يحلُّوا منها الحلّ كله، ثم يحرموا بالحج، وتأسَّف على أنه لم يفعل مثل فعلهم، وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» (٣)، فالذي منعه من ذلك: أنه ساق الهدي، فلو كان هدي التمتع يجوز ذبحه بعد الإحلال من العمرة؛ لجعل\nالحج عمرة، وأحلّ منها، ونحر الهدي بعد الإحلال منها، ولكن المانع الذي منعه من ذلك هو عدم جواز النحر في ذلك الوقت، والحلق الذي لا يصح إحلاله دونه معلق على بلوغ الهدي مَحِلَّه، كما قال اللَّه تعالى:\n﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٤).\nوقد بيَّن - ﷺ - بفعله الثابت عنه أن محِلَّه: منى يوم النحر، وقد ثبت في الصحيح أنه - ﷺ - نحر قبل أن يحلق وأمر بذلك، ولكنه بيَّن أن من قدَّم الحلق على النحر: لا حرج عليه، ولا شيء عليه، ولا خلاف أنه كان يوم\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ٧.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٣١.\n(٣) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.","vol":"1","page":608},{"text":"النحر كما هو معروف، فبيّن بفعله - ﷺ -: أن بلوغه مَحِلَّه يوم النحر بمنى، بعد رمي جمرة العقبة، فمن أجاز ذبح هدي التمتع قبل ذلك، فقد خالف فعل النبي - ﷺ - المبيِّن لإجمال القرآن، وخالف ما عليه الصحابة من بعده - ﷺ -، وخالف ما جرى عليه عمل المسلمين، ولا يثبت بنصٍّ صحيح عن صحابيٍّ واحدٍ أنه نحر هدي تمتُّعٍ أو قرانٍ قبل يوم النحر، فلا يجوز العدول عن هذا الذي فعله النبي - ﷺ - مبيِّنًا به إجمال الآيات القرآنية، وأكده بقوله: «لتأخذوا عني مناسككم» (١) (٢).\nقال العلامة الشنقيطي ﵀: «وبه تعلم أن ذبحه - ﷺ - هديه يوم النحر، وهو قارن، وذبحه عن أزواجه يوم النحر وهنَّ متمتعات، وعن عائشة وهي قارنة: فِعلٌ مبيّنٌ لنصٍّ واجبٍ، فهو واجب، ولا تجوز مخالفته في نوع الفعل، ولا في زمانه، ولا في مكانه، إلا فيما أخرجه دليل\nخاصٌّ، كغير المكان الذي ذبح فيه، من منى؛ لأنه بيَّن - ﷺ - أن منى كلها منحر، ولم يبيّن أن الزمن كله وقت نحر ...» (٣).\nفإذا عرفت ذلك مما تقدم فاعلم: أن الحق الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، وفعل الخلفاء الراشدين، والمهاجرين، والأنصار، وغيرهم من كافة الصحابة، وعلماء المسلمين، وهو أنه لا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر، وهذا هو الحق الذي لا شك فيه» (٤) (٥).\n_________\n(١) مسلم، برقم ١٢٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) انظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٥٢٢ - ٥٤٠.\n(٣) المرجع السابق، ٥/ ٥٣٥ - ٥٣٦.\n(٤) أضواء البيان، ٥/ ٥٤٣، وانظر تمام البحث إلى: ٥/ ٥٥٣.\n(٥) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في وقت وجوب الهدي ووقت نحره على مذاهب على النحو الآتي:\n* فمذهب مالك التحقيق فيه: أن هدي التمتع والقران لا يجب وجوبًا تامًا إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة؛ لأن ذبحه في ذلك الوقت هو الذي فعله رسول اللَّه - ﷺ -، وقال: «لتأخذوا مناسككم»؛ ولهذا لو مات المتمتع قبل يوم النحر قبل رمي جمرة العقبة، لا يلزم إخراج هدي التمتع من تركته، ٥/ ٥٢٢؛ لأنه لم يتم وجوبه، وهذا هو الصحيح المشهور من مذهب مالك، وإذا كان موته بعد رمي جمرة العقبة، فيلزمه، ٥/ ٥٢٣، وقال الشنقيطي عن ما نسب إلى مذهب المالكية: «فمن ظن أن المجزئ هو نحره قبل إحرام الحج، أو بعده قبل وقت النحر، فقد غلط غلطًا فاحشًا». [أضواء البيان، ٥/ ٥٢٤]، وعلى هذا فلا يجوز نحر هدي القران والتمتع عند المالكية قبل يوم النحر، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩٦]، وقد ثبت أن الحلق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لم يبلغ محله إلا يوم النحر. ٥/ ٥٢٥.\nوالحاصل أنه لا يجوز ذبح دم التمتع والقران عند مالك وعامة أصحابه قبل يوم النحر، ٥/ ٥٢٥.\n* مذهب الإمام أحمد في وقت وجوب الهدي: قيل وقت الإحرام بالحج، وقيل: يجب إذا وقف بعرفة، وقال المرداوي في الإنصاف: «يلزم دم التمتع والقران بطلوع فجر يوم النحر، على الصحيح من المذهب، والصواب أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر، وهذا هو الصحيح المشهور من مذهب الإمام أحمد» [٥/ ٥٢٦ - ٥٢٨].\n* مذهب الشافعي: وقت وجوب دم التمتع هو وقت الإحرام بالحج، وأما وقت جواز ذبحه عند الشافعية ففيه قولان:\nالقول الأول: لا يجوز قبل الإحرام بالحج، ويجوز بعده بلا خلاف عندهم.\nالقول الثاني: يجوز بعد الفراغ من العمرة، ولا يجوز قبل الإحرام بلا خلاف عندهم؛ لأنه حق مالي يجب بسببين، هما: الحج والعمرة، فجاز تقديمه على أحدهما قياسًا على الزكاة بعد ملك النصاب، وقبل حلول الحول، ٥/ ٥٢٩ - ٥٣١.\n* مذهب أبي حنيفة: وقت وجوبه هو وقت الإحرام بالحج، أما وقت نحره فهو عند أبي حنيفة وأصحابه يوم النحر، فلا يجوز تقديمه عليه عند الحنفية، وإن قدمه لم يجزئه. ٥/ ٥٢٩.","vol":"1","page":609},{"text":"وقال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «من ذبح هديه قبل يوم النحر فإنه لا يجزئه؛ لأن النبي - ﷺ - وأصحابه لم يذبحوا إلا في أيام النحر، وقد قدموا وهم متمتعون في اليوم الرابع من ذي الحجة، وبقيت الغنم التي","vol":"1","page":610},{"text":"معهم، والإبل موقوفة حتى جاء يوم النحر، فلو كان ذَبْحُها جائزًا قبل ذلك لبادر النبي - ﷺ - وأصحابه إليه في الأيام الأربعة التي أقاموا قبل خروجهم إلى عرفات؛ لأن الناس بحاجة إلى اللحوم في ذلك الوقت، فلما لم يذبح النبي - ﷺ - ولا أصحابه حتى جاء يوم النحر دلّ ذلك على عدم الإجزاء، وأن الذي ذبح قبل يوم النحر قد خالف السنة، وأتى بشرعٍ جديدٍ، فلا يجزئ، كمن صلَّى أو صام قبل الوقت، فلا يصح صوم رمضان قبل وقته، ولا الصلاة قبل وقتها، ونحو ذلك، فالحاصل: أن هذه عبادة أدَّاها قبل الوقت فلا تجزئ، فعليه أن يعيد هذا الذبح إن قدر، وإن عجز صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فتكون عشرة أيام بدلًا من الذبح؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا\nرَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١) (٢).\nوقال العلامة محمد بن صالح بن عثيمين ﵀: «... أصح الأقوال أن أيام الذبح أربعة: يوم العيد، وثلاثة أيام بعده» (٣) (٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1019> الأمر الثامن: فقراء الحرم: هم الموجودون فيه وقت نحر الهدايا: </span>من الآفاقيين، وحاضري المسجد الحرام، فإن ذبح في موضع فيه فقراء، وخلَّى بينهم وبين الذبيحة أجزأه ذلك؛ لأنه يسَّر لهم الأكل منها، بطريق\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٨/ ٢٩ - ٣٠، و١٦/ ١٥٤.\n(٣) الشرح الممتع، ٧/ ٤٩٩.\n(٤) أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٥٥٤.","vol":"1","page":611},{"text":"لا كلفة عليهم فيها، فكأنه أطعمهم بالفعل، واللَّه تعالى أعلم (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1020> الأمر التاسع: آخر وقت نحر الهدي غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق:</span>\nالصواب من أقوال أهل العلم: أن الذبح والنحر: أربعة أيام: يوم\nالنحر، وأيام التشريق الثلاثة، وهو قول علي بن أبي طالب - ﵁ -، وهو مذهب إمام أهل البصرة: الحسن، وإمام أهل مكة: عطاء بن أبي رباح، وإمام أهل الشام: الأوزاعي، وإمام فقهاء أهل الحديث: الشافعي (٢).\nقال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «يجوز ذبح الهدي يوم النحر وفي الأيام الثلاثة بعده؛ لأن أيام التشريق كلها أيام أكل وشرب، وذبح، ولكن ذبحه يوم النحر أفضل إن تيسر ذلك، ولا حرج في ذبحه في منى، أو في مكة، والسنة في توزيعه [أعني هدي التمتع والقران] أن يأكل منه،\n_________\n(١) ومن الأدلة على ذلك قول النبي - ﷺ -: «أيام التشريق أيام أكل وشرب» [مسلم، برقم ١١٤١]. ومن حديث أوس بن الحدثان: «أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب» [مسلم، برقم ١١٤٢].\nوعن جبير بن مطعم يرفعه: «كل عرفات موقف، وارفعوا عن بطن عرنة، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسِّر، وكلُّ فجاج منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح» [أحمد، برقم ١٦٧٥١، ١٦٧٥٢، وقال محققو المسند، ٢٧/ ٣١٦: «حديث صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف»]، وذكروا له شواهد. وقال ابن القيم في زاد المعاد، ٢/ ٣١٨: «الحديث منقطع لا يثبت وصله»، وقال الأرناؤوط في تحقيقه على زاد المعاد، ٢/ ٣١٨: «حديث صحيح ...»، فقال شيخنا ابن باز ﵀ معلقًا على هذا الكلام في زاد المعاد، ٢/ ٣١٨: «هذا غريب من المُحشِّي، يقول: حديث صحيح، ثم يأتي بغير حجة، والصحيح أنه منقطع».\n(٢) انظر: المغني، لابن قدامة، ١٣/ ٣٨٦، وزاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ٣١٩ - ٣٢٠، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٤٩٥ - ٥٠٢. وانظر تفصيل الأقوال كذلك في المبحث الثامن والثلاثين: الأضاحي «سادسًا: وقت ذبح الأضاحي»، فقد فصلت الأقوال هناك.","vol":"1","page":612},{"text":"ويتصدق، ويهدي إلى من شاء من أصحابه وإخوانه» (١) (٢).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٥٤، و١٨/ ٣٠.\n(٢) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في آخر وقت ذبح الهدايا على حسب تفسيرهم للأيام المعلومات التي ذكر اللَّه - ﷿ - أنه يذبح فيها؛ فإن للعلماء فيها أقوالًا كثيرة، وقد قال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٤٩٥: «والتحقيق إن شاء اللَّه تعالى أن غير اثنين من تلك الأقوال الكثيرة باطل لا يعوّل عليه، وإن المعوَّل عليه منها اثنان؛ لأن القرآن دل على أن الأيام المعلومات هي: أيام النحر، بدليل قوله - ﷿ -: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّه فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [سورة الحج، الآية: ٢٨]، وذِكْرِهِم عليها يعني التسمية عند تذكيتها، فاتضح أنها أيام النحر، والقولان المعوَّل عليهما دون سائر الأقوال الأخرى:\nأحدهما: أنها يوم النحر، ويومان بعده، وعليه فلا يذبح الهدي ولا الأضحية في اليوم الأخير من أيام منى، الذي هو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة ...»، وقال ابن قدامة في المغني، ٥/ ٣٨٦: «وهذا قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -، وفي رواية: قول خمسة من أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -، ولم يذكر أنسًا، وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة».\nوالقول الثاني: قول الشافعي، ومن وافقه: إنها أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، قال الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٤٩٦: «وبه قال الأوزاعي، وروي ذلك عن علي - ﵁ -، وابن عباس، وابن عمر - ﵃ - ...»، ثم قال الشنقيطي بعد أن ذكر الأقوال، ٥/ ٤٩٦: «ولا يصح عندي في هذه إلا قولان»، ثم ذكر هذين القولين السابقين.\nثم قال الشنقيطي، ٥/ ٤٩٧ نقلًا عن الإمام النووي في شرح المهذب: «اتفق العلماء على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق، وهي ثلاثة بعد يوم النحر ...» ثم ذكر كلام الإمام النووي وأن الأيام المعلومات أنها العشر الأول من ذي الحجة إلى آخر يوم النحر. ثم ذكر قول ابن عباس الذي رواه البخاري بصيغة الجزم: أن الأيام المعلومات أيام العشر [البخاري، قبل الحديث رقم ٩٦٩]، ثم قال الشنقيطي ﵀، ٥/ ٤٩٨: «تفسير الآيات المعلومات في آية الحج هذه: بأنها العشر الأول من ذي الحجة إلى آخر يوم لا شك في عدم صحته، وإن قال به من أجلاء العلماء، وبعض أجلاء الصحابة ممن ذكرنا، والدليل الواضح على بطلانه: أن اللَّه بيّن أنها أيام النحر، بقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّه فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، وهو ذكره بالتسمية عليها عند ذبحها تقربًا إليه كما لا يخفى، والقول بأنها العشر المذكورة يقتضي أن تكون العشر كلها أيام نحر، وأنه لا نحر بعدها، وكلا الأمرين باطل ...؛ لأن النحر في التسعة التي قبل يوم النحر لا يجوز، والنحر في اليومين بعدها جائز ...» ٥/ ٤٩٨.\nثم ذكر ﵀ كلامًا طويلًا نفيسًا، فليراجعه من شاء في أضواء البيان، ٥/ ٤٩٥ - ٥٠٢.","vol":"1","page":613},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1021> الأمر العاشر: الأفضل أن يكون ذبح الهدايا والضحايا نهارًا</span>؛ لفعل النبي - ﷺ -؛ولمطابقة ذلك للفظ القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، ولكن لو ذبح ليلًا فلا حرج؛ لعدم الدليل على المنع أو الكراهة (١).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1022> الأمر الحادي عشر: العاجز عن الهدي في حجه ينتقل إلى الصوم\nولو غنيًَّا في بلده: </span>هذا هو الظاهر؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢).\nفمن عجز عن الهدي صام كما جاء في هذه الآية الكريمة (٣) (٤).\n_________\n(١) ذكر العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٠٢: خلاف العلماء في ذلك على النحو الآتي:\nالقول الأول: ذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا يجوز ذبح النسك ليلًا، فإن ذبحه ليلًا لم يجزه، وتصير شاته شاة لحم، وهو رواية عن أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، وحجتهم: أن اللَّه خصصه بلفظ الأيام في قوله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، قالو: وذكر اليوم يدل على أن الليل ليس كذلك.\nالقول الثاني: ذهب الشافعي إلى جواز الذبح ليلًا، قال النووي: وبه قال أبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، والجمهور، وهو الأصح عند أحمد. وحجتهم: أن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي.\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٠٢: «وتخصيصه بالأيام أحوط لمطابقة لفظ القرآن، والعلم عند اللَّه تعالى».\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٣) قال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٦٣: «وإن عجز وابتدأ صوم الثلاثة، ثم وجد الهدي بعد أن صام يومًا منها أو يومين، فالأظهر عندي فيه: أنه لا يلزمه الرجوع إلى الهدي؛ لأنه دخل في الصوم بوجه جائز».\nواستحب الانتقال إلى الهدي الإمام مالك ومن وافقه، وممن وافقه: الحسن، وقتادة، والشافعي، وأحمد.\nوعن ابن جريج، وحماد، والثوري، والمزني: إن وجد الهدي قبل أن يكمل صوم ثلاثة أيام فعليه الهدي.\nوقيل: متى قدر على الهدي قبل يوم النحر انتقل إليه: صام أو لم يصم.\nقال الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٥٦٣: «والأظهر ما قدمنا، واللَّه أعلم».\n(٤) وقد اختلف العلماء ﵏ في وقت صيام ثلاثة الأيام في الحج لمن لم يجد الهدي على أقوال:\nالقول الأول: قول أبي حنيفة: إن أول صوم الثلاثة للعاجز عن الهدي هو أشهر الحج بين الإحرامين، قبل التلبس بإحرام الحج، والأفضل عنده أن يؤخرها إلى آخر وقتها، فيصوم السابع، والثامن، ويوم عرفة.\nالقول الثاني: قول أحمد: يجوز صومها عند الإحرام بالعمرة، وفي رواية عنه إذا حلَّ من العمرة.\nالقول الثالث: قول مالك، والشافعي: لا يجوز صومها إلا بعد التلبُّس بإحرام الحج.\nقال الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٥٦١: «وهذا أقرب لظاهر القرآن» [يعني قوله تعالى:\n﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩٦].","vol":"1","page":614},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1023> الأمر الثاني عشر: الصدقة بِلُحُومِ الْهَدْيِ وَجُلُودِهَا وَجِلالِهَا</span>\nعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّه - ﷺ - أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ (١)، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ\nبِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا (٢)، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا. قَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا».\nوفي رواية أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - أَخْبَرَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّه - ﷺ - أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا: لُحُومَهَا، وَجُلُودَهَا، وَجِلَالَهَا فِي الْمَسَاكِينِ، وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا (٣) مِنْهَا شَيْئًا (٤).\n_________\n(١) (على بدنه): قال أهل اللغة: سميت البدنة لعظمها، وتطلق على الذكر والأنثى، وتطلق على الإبل والبقر والغنم. هذا قول أكثر أهل اللغة، ولكن معظم استعمالها في الأحاديث، وكتب الفقه، في الإبل خاصة.\n(٢) (أجلتها): في القاموس: الجل - بالضم والفتح-: ما تلبسه الدابة لتصان به، جمعه: جلال، وأجلال، فلعل الأجلة جمع الجلال، الذي هو جمع الجل.\n(٣) (جزارتها): يقال: جزرت الجزور، وهي الناقة وغيرها: إذا نحرتها. والفاعل جازر، وجزّار، وجزِّير كسكيت. والحرفة: الجزارة، أما الجُزارة بالضم: فما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته، كالعمالة للعامل، وأصل الجزارة: أطراف البعير: اليدان، والرجلان، والرأس. سميت بذلك لأن الجزار كان يأخذها عن أجرته.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب يتصدق بجلود الهدي، برقم ١٧١٧، مسلم، كتاب الحج، باب الصدقة بلحوم الهدي وجلودها وجلالها، برقم ١٣١٧.","vol":"1","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>الأمر الثالث عشر: الاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ وَإِجْزَاءِ الْبَقَرَةِ وَالْبَدَنَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَةٍ </span>فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه ﵄ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.\nوفي لفظٍ لمسلم: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه - ﷺ - أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ.\nوفي رواية لمسلم: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.\nوفي رواية لمسلم: اشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: أَيُشْتَرَكُ فِي الْبَدَنَةِ مَا يُشْتَرَكُ فِي الْجَزُورِ (١)؟ قَالَ: مَا هِيَ إِلَّا مِنْ الْبُدْنِ، وَحَضَرَ جَابِرٌ الْحُدَيْبِيَةَ، قَالَ: نَحَرْنَا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَةً، اشْتَرَكْنَا كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ.\nوفي لفظ عن أبي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: فَأَمَرَنَا إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الْهَدِيَّةِ،\n_________\n(١) (الجزور): قال العلماء: الجزور هو: البعير، قال القاضي: وفرق هنا بين البقرة والجزور؛ لأن البدنة والهدي ما ابتدئ إهداؤه عند الإحرام، والجزور ما اشتري بعد ذلك لينحر مكانها، فتوهّم السائل أن هذا حق في الاشتراك، فقال في جوابه: إن الجزور، لما اشتريت للنسك، صار حكمها كالبدن. وقوله: ما يشترك في الجزور هكذا في النسخ: ما يشترك، وهو صحيح، وتكون ما بمعنى مَن. وقد جاء ذلك في القرآن وغيره، ويجوز أن تكون ما مصدرية، أي اشتركا كالاشتراك في الجزور.","vol":"1","page":616},{"text":"وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ.\nوفي رواية: كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - بِالْعُمْرَةِ، فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ نَشْتَرِكُ فِيهَا (١).\nوعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ.\nوفي رواية: نَحَرَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - عَنْ نِسَائِه، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ: عَنْ\nعَائِشَةَ: بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1025> الأمر الرابع عشر: نَحْرِ الْبُدْنِ قِيَامًا مُقَيَّدَةً: </span>فعَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَتَى عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَالَ: ابْعَثْهَا (٣) قِيَامًا مُقَيَّدَةً (٤) سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ - ﷺ - (٥).\nوعن جابر - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها» (٦).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1026> الأمر الخامس عشر: اسْتِحْبَابِ بَعْثِ الْهَدْيِ إِلَى الْحَرَمِ </span>لِمَنْ لَا\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب الاشتراك في الهدي، برقم ١٣١٨.\n(٢) مسلم، كتاب الحج، الباب السابق، برقم ١٣١٩. وانظر: المغني، لابن قدامة، ٥/ ٤٥٩.\n(٣) (ابعثها قيامًا): أي أثِرها حتى تقوم ثم انحرها.\n(٤) (مقيدة): أي قائمة معقولة، يعني مشدودة بالعقال، وتكون معقولة اليد اليسرى، ويشعر بالقيام قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّه عَلَيْهَا\nصَوَافَّ﴾ [الحج، الآية: ٣٦]، أي: قائمات على ثلاث، معقولة اليد اليسرى.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب نحر الإبل مقيدة، برقم ١٧١٣، ومسلم، كتاب الحج، باب نحر الإبل قيامًا مقيدة، برقم ١٣٢٠.\n(٦) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب كيف تنحر البدن، برقم ١٧٦٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٩٤.","vol":"1","page":617},{"text":"يُرِيدُ الذَّهَابَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَقْلِيدِهِ، وَفَتْلِ الْقَلَائِدِ، وَأَنَّ بَاعِثَهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِذَلِكَ، فعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - يُهْدِي مِنْ الْمَدِينَةِ (١)، فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ (٢)، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ.\nوفي رواية عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيَّ، أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - بِنَحْوِهِ.\nوفي رواية: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ، ثُمَّ لَا يَعْتَزِلُ شَيْئًا (٣) وَلَا يَتْرُكُهُ.\nوفي رواية عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - بِيَدَيَّ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا (٤)، وَقَلَّدَهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا.\nوفي لفظ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ، أَفْتِلُ قَلَائِدَهَا بِيَدَيَّ، ثُمَّ لَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ، لَا يُمْسِكُ عَنْهُ الْحَلَالُ (٥).\nوفي لفظ: عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: أَنَا فَتَلْتُ تِلْكَ الْقَلَائِدَ مِنْ عِهْنٍ (٦)\n_________\n(١) (يهدي من المدينة): أي يبعث بهديه منها إلى الكعبة.\n(٢) (فأفتل قلائد هديه): من فتلت الحبل وغيره، إذا لويته، والقلائد: جمع قلادة، والمراد بها ما يعلق بالهدي من الخيوط المفتولة وغيرها علامة له، والهدي ما يهدى إلى الحرم من النعم.\n(٣) (ثم لا يعتزل شيئًا): أي مما يعتزله الحاج من لبس المخيط، واستعمال الطيب، وملامسة النساء.\n(٤) (أشعرها): إشعار البدن هو أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك علامة تعرف بها أنها هديٌ. [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٢/ ٤٧٩].\n(٥) (لا يمسك عنه الحلال): الجملة صفة لشيء، أي لا يجتنب شيئًا مما لا يجتنبه من لم يكن محرمًا.\n(٦) (من عهن): هو الصوف، وقيل: الصوف المصبوغ ألوانًا.","vol":"1","page":618},{"text":"كَانَ عِنْدَنَا، فَأَصْبَحَ فِينَا رَسُولُ اللَّه - ﷺ - حَلَالًا، يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ يَأْتِي مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ.\nوفي لفظ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - مِنْ الْغَنَمِ، فَيَبْعَثُ بِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلَالًا.\nوفي رواية: قَالَتْ: رُبَّمَا فَتَلْتُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -، فَيُقَلِّدُ\nهَدْيَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ، لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ.\nوفي لفظ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللَّه - ﷺ - مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا.\nوفي رواية عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا نُقَلِّدُ الشَّاءَ فَنُرْسِلُ بِهَا، وَرَسُولُ اللَّه - ﷺ - حَلَالٌ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ (١).\nوفي رواية أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ (٢) كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّه بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي، فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ، قَالَتْ عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّه - ﷺ - بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّه - ﷺ - شَيْءٌ أَحَلَّهُ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة، ثم أحرم، برقم ١٦٩٦، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم .. برقم ٣٦٩ - (١٣٢١).\n(٢) (إن ابن زياد): هكذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم، أن ابن زياد، قال أبو علي الغسّاني والمازريّ والقاضي عياض وجميع المتكلمين على صحيح مسلم: هذا غلط، وصوابه: أن زيادًا بن أبي سفيان، وهو المعروف بزياد بن أبيه، وهكذا وقع على الصواب في صحيح البخاري، والموطأ، وسنن أبي داود، وغيرها من الكتب المعتمدة؛ ولأن ابن زياد لم يدرك عائشة.","vol":"1","page":619},{"text":"اللَّه لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ.\nوفي لفظ: عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ تُصَفِّقُ وَتَقُولُ: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - بِيَدَيَّ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا، وَمَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ، حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1027> الأمر السادس عشر: جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَنْ احْتَاجَ إِلَيْهَا </span>عن أبي هريرة - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّهَا بَدَنَةٌ (٢)، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ (٣)!» فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ.\nوفي لفظ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: «وَيْلَكَ لِلَّهِ ارْكَبْهَا»، فَقَالَ: بَدَنَةٌ، يَا رَسُولَ اللَّه، قَالَ: «وَيْلَكَ لِلَّهِ ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ! ارْكَبْهَا»، وفي لفظ للبخاري قال: فلقد رأيته راكبها يساير النبي - ﷺ -، والنَّعلُ في عنقها (٤).\nوعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - بِرَجُلٍ يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من قلد القلائد بيده، برقم ١٧٠٠، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم .. برقم ٣٦٩ - (١٣٢١).\n(٢) (إنها بدنة): أي هدي، ظانًا أنه لا يجوز ركوب الهدي مطلقًا.\n(٣) (اركبها ويلك): هذه الكلمة أصلها لمن وقع في هلكة، فقيل: لأنه كان محتاجًا قد وقع في تعب وجهد. وقيل: هي كلمة تجري على اللسان، وتستعمل من غير قصد.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب ركوب البدن، برقم ١٦٨٩، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، برقم ١٣٢٢.","vol":"1","page":620},{"text":"فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: «ارْكَبْهَا» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (١).\nوفي رواية عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِبَدَنَةٍ، أَوْ هَدِيَّةٍ، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، أَوْ هَدِيَّةٌ،\nفَقَالَ: «وَإِنْ» (٢).\nوفي رواية عن أبي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه ﵄ سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا (٣») (٤).\nوفي رواية عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا - ﵁ - عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا».\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1028> الأمر السابع عشر: مَا يَفْعَلُ بِالْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ</span>\nعن مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ مُعْتَمِرَيْنِ، قَالَ: وَانْطَلَقَ سِنَانٌ مَعَهُ بِبَدَنَةٍ يَسُوقُهَا، فَأَزْحَفَتْ (٥) عَلَيْهِ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب جواز ركوب البدن، برقم ١٦٨٩، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، برقم ١٣٢٣.\n(٢) (فقال: وإن): هكذا هو في جميع النسخ: وإن: فقط. أي: وإن كانت بدنة.\n(٣) (حتى تجد ظهرًا): أي مركبًا.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، برقم ١٣٢٤.\n(٥) (فأزحَفَت): هذا رواية المحدثين، لا خلاف لهم فيه. قال الخطابي: كذا يقوله المحدّثون، قال: وصوابه والأجود: فأُزحِفت - بضم الهمزة - يقال: زحف البعير إذا قام، وأزحفه. قال الهروي وغيره: يقال: أزحف البعير وأزحفه السير، بالألف، وكذا قال الجوهريّ وغيره. يقال: زحف البعير وأزحف، لغتان. وأزحفه السير، وأزحف الرجل: وقف بعيره. فحصل أن إنكار الخطابي ليس بمقبول، بل الجميع جائز، ومعنى أزحف: وقف من الكلال والإعياء.","vol":"1","page":621},{"text":"بِالطَّرِيقِ، فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا (١)، إِنْ هِيَ أُبْدِعَتْ (٢) كَيْفَ يَأْتِي بِهَا، فَقَالَ: لَئِنْ\nقَدِمْتُ الْبَلَدَ لَأَسْتَحْفِيَنَّ عَنْ ذَلِكَ (٣)، قَالَ: فَأَضْحَيْتُ (٤)، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْبَطْحَاءَ قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ نَتَحَدَّثْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ شَأْنَ بَدَنَتِهِ، فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، بَعَثَ رَسُولُ - ﷺ - بِسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ وَأَمَّرَهُ فِيهَا (٥)، قَالَ: فَمَضَى ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه! كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ عَلَيَّ مِنْهَا؟ قَالَ: «انْحَرْهَا، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا (٦) فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهُ عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ (٧»).\nوفي رواية عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - بَعَثَ بِثَمَانِ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ (٨).\n_________\n(١) (فعيي بشأنها): ذكر صاحبا المشارق والمطالع أنه روي على ثلاثة أوجه: أحدها - وهي رواية الجمهور -: فعيي، بياءين من الإعياء، وهو العجز. ومعناه: عجز عن معرفة حكمها لو عطبت عليه في الطريق، كيف يعمل بها. والوجه الثاني: فعيّ، بياء واحدة مشددة، وهي لغة بمعنى الأولى. والوجه الثالث: فعُنِيَ، من العناية بالشيء والاهتمام به.\n(٢) (أبدعت):معناه: كلت وأعيت ووقفت. قال أبو عبيد: قال بعض الأعراب: لا يكون الإبداع إلا بظلع.\n(٣) (لأستحفين عن ذلك): معناه: لأسألن سؤالًا بليغًا عن ذلك. يقال: أحفى في المسألة إذا ألح فيها وأكثر منها.\n(٤) (فأضحيت): معناه صرت في وقت الضحى.\n(٥) (وأمّره فيها): أي جعله أميرًا فيها ووكيلًا، لينحرها بمكة.\n(٦) (نعليها): ما علّق بعنقها، علامة لكونها هديًا.\n(٧) (رفقتك): المراد بالرفقة جميع القافلة.\n(٨) مسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق، برقم ١٣٢٥.","vol":"1","page":622},{"text":"وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ (١)، فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا\nفَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا (٢)، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1029> الأمر الثامن عشر: لا يشترط في الهدي أن يجمع بين الحلِّ والحرم:</span>\nذكر العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ﵀: أن التحقيق أنه لا يُشترط في الهدي أن يجمع به بين الحلِّ والحرم، فلو اشتراه من منىً ونحره بها من غير أن يخرجه إلى الحلِّ أجزأه، وهو مذهب الشافعية، وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة، وأبو ثور، والجمهور.\nوقال سعيد بن جبير: لا هدي إلا ما أحضر عرفات، وقال ابن قدامة في المغني: وليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل، والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، لكن يستحب ذلك، وكان ابن عمر لا يرى الهدي إلا ما عرَّف به ونحوه، عن سعيد بن جبير.\nومذهب مالك: أنه لا يذبح هدي التمتع والقران بمنى، إلا إذا وقف به بعرفة، وإن لم يقف به بعرفة ذبحه في مكة، فلا بد عنده في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فإن اشتراه في الحرم، لزم إخراجه إلى الحلِّ والرجوع به إلى الحرم وذبحه فيه، ولكن هذا يحتاج إلى دليل صريح، ولا دليل يجب الرجوع إليه؛ ولأن المقصود من الهدي نفع فقراء الحرم، ولا\n_________\n(١) (إن عطب منها شيء): إي إن قارب الهلاك، بدليل قوله: فخشيت عليه موتًا.\n(٢) (ثم اغمس نعلها في دمها): أي النعل التي كانت معلقة بعنقها.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق، برقم ١٣٢٦.","vol":"1","page":623},{"text":"فائدة لهم في جمعه بين الحل والحرم؛ ولأن هذا قول أكثر أهل العلم.\nوقال جماعة من أهل العلم: يُستحبّ أن يكون الهدي معه من بلده، فإن\nلم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل، كما فعل ابن عمر ﵄، ثم إن لم يشتره من الطريق، فمن مكة، ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلًا، بل اشتراه من منى جاز، وحصل الهدي، وهذا هو الظاهر، ولا شك أن سوق الهدي من الحلِّ إلى الحرم: أفضل، ولا يقلّ عن درجة الاستحباب، كما تقدم عن بعض أهل العلم، أما كونه لا يجزئ بدون ذلك، فإنه يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل يجب الرجوع إليه؛ لأن الذي دلّ عليه الشرع أن المقصود التقرب إلى اللَّه بما رزقهم من بهيمة الأنعام، في مكان معيّن في زمن معيّن، والغرض المقصود شرعًا حاصل، ولو لم يجمع الهدي بين الحل والحرم، وأما جمع النبي - ﷺ - في هديه بين الحل والحرم، فهو محتمل للأمر الجبلي، فلا يتمحّض لقصد التشريع؛ لأن تحصيل الهدي أسهل عليه من بلده؛ ولأن الإبل التي قدم بها من اليمن تيسَّر له وجودها هناك، واللَّه جل وعلا أعلم (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1030> الأمر التاسع عشر: سوق الهدي من الميقات إلى الحرم:</span>\nعن ابن عمر ﵄، قال: «تمتَّع رسول اللَّه - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة ..» (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1031> الأمر العشرون: شراء الهدي من الطريق:</span>\nعن ابن عمر ﵄: أنه أهَّل بالعمرة من الميقات، ثم خرج حتى\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٥٧٨ - ٥٨٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من ساق البدن معه، برقم ١٦٩١،ومسلم، كتاب الحج باب وجوب الدم على المتمتع، برقم ١٢٢٧.","vol":"1","page":624},{"text":"إذا كان بالبيداء أهلّ بالحج والعمرة، وقال: ما شأنهما إلا واحد، ثم\nاشترى الهدي من قُديدٍ، ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا فلم يحلّ حتى أحلَّ منهما جميعًا (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1032> الأمر الحادي والعشرون: إشعار الهدي بشقّ سنامه الأيمن بالشفرة:</span>\nكان ابن عمر ﵄ إذا أهدى زمن الحديبية قلَّده وأشعره بذي الحليفة، يطعن في شقِّ سنامه الأيمن بالشفرة، ووجها قِبَلَ القبلة باركة (٢).\nوعن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان، قالا: «خرج النبي - ﷺ - من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلَّد النبي - ﷺ - الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة» (٣).\nوعن ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قلَّد نعلين، وأشعر الهدي في الشق الأيمن بذي الحليفة، وأماط عنه الأذى» (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «صلَّى رسول اللَّه - ﷺ - الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدَّمَ، وقلّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهَلَّ بالحج» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من اشترى الهدي من الطريق، برقم ١٦٩٣، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز التحلل بالإحصار، وجواز القران، برقم١٢٣٠.\n(٢) البخاري، كتاب الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم، برقم ١٦٩٤.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم، برقم ١٦٩٤.\n(٤) الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في إشعار البدن، برقم ٩٠٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،١/ ٤٦٧.\n(٥) مسلم، برقم ٢٠٥ - (١٢٤٣)، وتقدم تخريجه في الإحرام.","vol":"1","page":625},{"text":"فيُسنُّ إشعار الإبل، والبقر، وهو أن يشق صفحة سنامها الأيمن\nحتى يدميها في قول عامة أهل العلم، والغرض من ذلك: أن لا تختلط بغيرها، ولكي يتركها اللص، ولا يحصل ذلك بالتقليد؛ لأنه يحتمل أن ينحلّ ويذهب، وتشعر البقرة؛ لأنها من البُدن، فتشعر كذات السنام، وأما الغنم فلا يسنُّ إشعارها؛ لأنها ضعيفة، وصوفها وشعرها يستر موضع إشعارها (١).\nويسن تقليد الهدي كما تقدم في الأدلة: وهو أن يجعل في أعناقها النعال، وأذان القرب، وعُراها ... وسواء كانت إبلًا أو بقرًا أو غنمًا (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1033> الأمر الثاني والعشرون: ولا يُسنُّ الهدي إلا من بهيمة الأنعام</span>، وأفضله: الإبل، ثم البقر، ثم الغنم؛ ولأن ما كان أكثر لحمًا كان أنفع للفقراء، ولذلك أجزأت البدنة مكان سبع من الغنم (٣).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1034> الأمر الثالث والعشرون: الذكر والأنثى في الهدي سواء؛ لأن اللَّه - ﷿ - قال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا </span>لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه﴾ (٤)،ولم يذكر ذكرًا ولا أنثى (٥).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1035> الأمر الرابع والعشرون: من وجب عليه بدنة أجزأه سبعٌ من الغنم</span>، ومن وجب عليه بقرة أجزأته بدنة؛ لأنها أكثر لحمًا وأوفر، ويجزئه سبع من الغنم؛ لأنها تجزئ عن البدنة فعن البقرة أولى (٦).\n_________\n(١) المغني، ٥/ ٤٥٤، وتقدمت الأدلة على ذلك.\n(٢) المرجع السابق، ٥/ ٤٥٥، وتقدمت الأدلة على ذلك.\n(٣) المغني، لابن قدامة، ٥/ ٤٥٦ - ٤٥٧.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٣٦.\n(٥) المغني، لابن قدامة، ٥/ ٤٥٧.\n(٦) المغني لابن قدامة، ٥/ ٤٥٧ - ٤٥٨.","vol":"1","page":626},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1036> الأمر الخامس والعشرون: إذا أوجب هديًا فله إبداله بخير منه</span>، وبيعه ليشتري بثمنه خيرًا منه (١).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1037> الأمر السادس والعشرون: إذا ولدت الهدية فولدها بمنزلتها إن أمكن سوقه</span>، وإلا حمله على ظهرها، وسقاه من لبنها، فإن لم يمكن سوقه ولا حمله صُنع به ما يُصنع بالهدي إذا عطبت، ولا فرق في ذلك بين ما عيَّنه ابتداء، وما عيَّنه بدلًا عن الواجب في ذمته (٢).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1038> الأمر السابع والعشرون: لا يأكل من هَدْيٍ واجبٍ إلا من هدي التمتع والقران دون ما سواهما</span>، نص عليه أحمد؛ لأن النبي - ﷺ - أكل من هديه وهو قارن، وأكل أزواجه من الهدي وهن متمتعات (٣).\nوقد ذكر العلامة الشنقيطي حكم الأكل من الهدي بأنواعه عند المذاهب الأربعة، ثم ختمها بمذهب الإمام أحمد فقال: «وأما مذهب أحمد ﵀ فهو أنه لا يأكل من هدي واجب إلا هدي التمتع والقران، ويستحب له أن يأكل من هدي التطوع: وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء من غير أن يكون عن و(٣) في ذمته، وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه، ثم قال ﵀: «الذي يرجحه الدليل في هذه المسألة: هو جواز الأكل: من هدي التطوع، وهدي التمتع والقران دون غير ذلك، والأكل من هدي التطوع لا خلاف فيه بين العلماء بعد بلوغه محِلَّه، وإنما خلافهم\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٥/ ٤٤١.\n(٢) المرجع السابق، ٥/ ٤٤١.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٥/ ٤٤٤ - ٤٤٥.","vol":"1","page":627},{"text":"في استحباب الأكل منه، أو وجوبه، ومعلوم أن النبي - ﷺ - ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة في حجة الوداع «أنه أهدى مائة من الإبل»، ومعلوم أن ما زاد على الواحدة، منها تطوع، وقد أكل منها وشرب من مرقها جميعًا، وأما الدليل على الأكل من هدي التمتع والقران، فهو ما قدمنا مما ثبت في الصحيح: أن أزواج النبي - ﷺ - ذبح عنهن - ﷺ - بقرًا، ودخل عليهن بلحمه وهن متمتعات، وعائشة منهن قارنة، وقد أكلن جميعًا مما ذبح عنهن في تمتعهن وقرانهن بأمره - ﷺ -، وهو نص صريح في جواز الأكل من هدي التمتع والقران.\nأما غير ما ذكرنا من الدم، فلم يقم دليل يجب الرجوع إليه على الأكل منه، ولا يتحقق دخوله في عموم «فكلوا منها»؛ لأنه لترك واجب أو فعل محظور فهو بالكفارات أشبه، وعدم الأكل منه أظهر وأحوط، والعلم عند اللَّه تعالى» (١).\nوقد ذكر الشنقيطي ﵀ حكم الأكل المأمور به في قوله تعالى:\n﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ثم ذكر: أن مذهب جمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل في الآيتين للاستحباب، والندب لا للوجوب ... ثم قال: «أقوى القولين دليلًا وجوب الأكل والإطعام من الهدايا والضحايا» (٢)، ثم ناقش الأدلة رحمه اللَّه تعالى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1039> الأمر الثامن والعشرون: هدي التطوع الذي أوجبه بالتعيين </span>ابتداءً\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٦٠٢ - ٦٠٨.\n(٢) أضواء البيان ٥/ ٦٠٢ - ٦٠٥.","vol":"1","page":628},{"text":"من غير أن يكون عن واجبٍ في ذمته، وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه فيستحب أن يأكل منه (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1040> الأمر التاسع والعشرون: ذبح فدية الأذى تجوز في الموضع الذي حلق فيه</span>؛ لحديث كعب بن عجرة، وظاهر كلام الخرقي اختصاص ذلك بفدية الشعر وما عداه من الدماء بمكة، ولكن قال القاضي في الدماء الواجبة بفعل محظور: كاللباس، والطيب، ودم الحلق، وفي الجميع روايتان:\nإحداهما حيث وجد سببه، والثانية محل الجميع الحرم (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1041> الأمر الثلاثون: وما وجب لترك نُسُكٍ، أو فواتٍ فلمساكين الحرم دون غيرهم</span>؛ لأنه هدي وجب لترك نسك، فأشبه هدي القران (٣).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1042> الأمر الحادي والثلاثون: وما وجب نحره بالحرم وجب تفرقة لحمه به</span>.\nوالطعام كالهدي يختص بمساكين الحرم فيما يختص الهدي به (٤)، ومساكين الحرم من كان فيه من أهله، أو وارد إليه من الحجاج وغيرهم الذين يجوز دفع الزكاة إليهم (٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1043> الأمر الثاني والثلاثون: إذا نذر هديًا وأطلق فأقل ما يجزئ شاة</span>، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة؛ لأن المطلق في النذر يجب حمله على المعهود\n_________\n(١) المرجع السابق، ٥/ ٤٤٦.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٥/ ٤٥٠.\n(٣) المرجع السابق، ٥/ ٤٥١.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٥/ ٤٥١.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٥/ ٤٥١.","vol":"1","page":629},{"text":"شرعًا، والهدي الواجب في الشرع إنما هو من النعم، وأقله ما ذكرناه (١) (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1044> الأمر الثالث والثلاثون: شروط الهدي</span>\nالهدي عبادة لله تعالى، لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا لله تعالى، وأن يكون على السنة، ولا يكون الهدي مقبولًا إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه: وشروط الهدي أنواع:\nمن الشروط ما يعود للوقت: أوله، وآخره، وتقدم.\nومنها ما يعود لعدد المهدين لتلك الهدايا، وتقدم.\nومنها ما يعود للهدايا التي تُهدى، وهي أربعة شروط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>الشرط الأول: أن يكون الهدي ملكًا للمهدي</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>الشرط الثاني: أن يكون الهدي من الجنس الذي عيَّنه الشارع: وهو بهيمة الأنعام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>الشرط الثالث: أن يبلغ الهدي السنَّ المعتبره شرعًا</span>.\n_________\n(١) المرجع السابق، ٥/ ٤٥٢.\n(٢) واختلف العلماء ﵏: هل يشرع للحاج أضحية مع الهدي؟ أم جميع ما يذبح وينحر في الحج هدايا؟ فذهب ابن حزم ﵀ ومن معه إلى أن الهدي عمل، والأضحية عمل آخر، فهما عملان متغايران، فالحاج يشرع له التضحية مع الهدي، واستدلوا بحديث أبي بكرة في وصفه لخطبة النبي - ﷺ - في منى، وفيه: «... ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما بيده، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا ...» [البخاري، برقم ١٧٤١، ومسلم بلفظه، برقم ١٦٧٩].\nواختار ابن القيم في زاد المعاد، ٢/ ٢٦٣: أن الحاج لا تشرع له الأضحية، إنما هو الهدي، واختاره النووي في شرحه لصحيح مسلم، ١١/ ١٨٣، واختاره الشنقيطي أيضًا في أضواء البيان، ٥/ ٦١٩، وقال: بأن مالك بن أنس وأصحابه قال: لا تسن الأضحية للحاج؛ لأن ما يذبحه هدي لا أضحية، وخالفهم الجمهور نظرًا لعموم الأدلة التي تأمر بالأضحية في الحج وغيره. واختار شيخنا ابن باز ﵀ أن التضحية مشروعة في الحج وغيره. وقد سمعت ذلك منه أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ٢٦٢.","vol":"1","page":630},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1048>الشرط الرابع: أن يكون الهدي سالمًا من العيوب المانعة من الإجزاء</span>، وهي خمسة، وهذه الشروط كلها هي نفس الشروط في الأضاحي، وستأتي في مبحث الأضاحي الآتي بعد هذا المبحث، بالأدلة، والتفصيل، والتحقيق، إن شاء اللَّه تعالى.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1049> الأمر الرابع والثلاثون: العيوب المكروهة في الهدايا: </span>تسعة، وهذه العيوب المكروهة هي التي تُكره في الأضاحي، وستأتي بالتفصيل في مبحث الأضاحي الآتي بعد هذا المبحث، إن شاء اللَّه تعالى.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1050> الأمر الخامس والثلاثون: تعيين الهدي، وأحكام تعيينه</span>، هي نفس الأحكام في تعيين الأضحية، وستأتي في المبحث الآتي الخاص بالأضاحي.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1051> الأمر السادس والثلاثون: حكم الأكل والإطعام والصدقة، هي نفس ما يأتي في الأضاحي</span>.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1052> الأمر السابع والثلاثون: شروط المذكِّي</span>، وشروط التذكية هي نفس الشروط المذكورة في مبحث الأضاحي.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1053> الأمر الثامن والثلاثون: الآداب المستحبة للمهدي </span>هي الآداب المستحبة للمضحي، ومنها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>١ - يختار الهدي فيحرص على أكمل الهدايا، وأجملها، وأسمنها، وأغلاها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>٢ - الإحسان إلى الذبيحة فيعمل كل ما يريحها عند الذكاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>٣ - ينحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>٤ - يذبح الأغنام والبقر على جنبها الأيسر، ويضع رجله على صفحة عنقها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>٥ - يستقبل القبلة عند الذبح</span>.","vol":"1","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1059>٦ - التسمية عند الذبح، وهي واجبة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>٧ - يسمي عند ذبح الهدي من هو له</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>٨ - استكمال قطع الحلقوم، والمريء، والودجين عند الذبح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>٩ - يدعو بالقبول عند التذكية</span>.\nوهذه الآداب ذُكِرَتْ بأدلتها في مبحث الأضاحي الآتي بعد هذا المبحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>خامسًا: الهدي المسكوت عنه في القرآن:</span>\nالدماء التي لم يذكر حكمها في القرآن، وقد قاسها العلماء على الدماء المذكورة في القرآن الكريم، وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>١ - هدي الفوات؛ فإن من فاته الحج، فعليه أن يتحلَّل بعمرة</span>، ويحج من قابل، ويهدي، فإن لم يجد صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، كما تقدم في الفوات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>٢ - هدي الإحصار، من لم يجده صام عشرة أيام، ثم حلق وتحلل</span>، وتقدم في الإحصار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>٣ - ومذهب أحمد قياس كل دم وجب لترك واجب على دم التمتع</span>، فيصوم عند العجز عنه عشرة أيام: وذلك كدم القران، وترك الإحرام من الميقات، وترك الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، وترك المبيت بمزدلفة، وترك الرمي، وترك المبيت ليالي التشريق بمنى، وترك طواف الوداع، ومفسد الحج إذا عجز عن البدنة في الجماع قبل التحلل الأول (١).\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٤٤٩، وأضواء البيان، ٥/ ٥٦٧ - ٥٧٠.","vol":"1","page":632},{"text":"قال العلامة الشنقيطي ﵀: «والأظهر عندي أن الدماء إن اختلفت أسبابها كمن جاوز الميقات غير محرم، ودفع من عرفة قبل غروب الشمس، ... وترك المبيت بمزدلفة، وترك المبيت بمنى أيام منى أنه تتعدد عليه الدماء بتعدد أسبابها مع اختلافها.\nأما إن كانت الأسباب المتعددة من نوع واحد: كأن ترك رمي يوم، ثم ترك يومًا آخر، أو بات ليلة من ليالي منى في غير منى، ثم كرر ذلك فلتعدِّد وجه، وللاتِّحاد وجه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>سادسًا: الهدي المستحب: وهو هدي التطوع:</span>\nوهو مستحب لمن قصد مكة حاجًا أو معتمرًا، فيستحب له أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام، وينحره ويفرِّقه؛ لأن رسول اللَّه - ﷺ - أهدى مائة بدنة، وهو قارن (٢)، وكان يكفيه لدم القران شاة واحدة، أو سبع بقرة، أو بدنة، وبقية المائة تطوع منه - ﷺ - (٣).\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٥٦٧ - ٥٧٠.\n(٢) كما في حديث جابر عند مسلم، برقم ١٢١٨.\n(٣) أضواء البيان، ٥/ ٥٧٣ - ٥٧٤.","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1068>المبحث التاسع والثلاثون: الأضاحي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>أولًا: مفهومها: </span>هي اسم لما يُذبح أو يُنحر بسبب العيد: من الإبل، والبقر، والغنم: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، تقرُّبًا إلى اللَّه تعالى، وسُمِّيت بذلك واللَّه أعلم؛ لأن أفضل زمن لذبحها ضحى يوم العيد (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>ثانيًا: حكمها: </span>الأضحية مشروعة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>فأما الكتاب</span>؛ فلقول اللَّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>وأما السنة</span>؛ فلحديث أنس - ﵁ - قال: «ضحى النبي - ﷺ - بكبشين، أملحين (٣) أقرنين، ذبحهما بيده، وسَمَّى وكَبَّر، ووضع رجله على صفاحهما». وفي لفظ لمسلم: ويقول: «باسم اللَّه واللَّه أكبر». وفي لفظ للبخاري: «كان النبي - ﷺ - يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>وأما الإجماع: </span>فأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية (٥)، والأضحية سنة\nمؤكدة جدًا لا ينبغي تركها لمن يقدر عليها، وعلى هذا أكثر أهل العلم (٦).\n_________\n(١) انظر: أحكام الأضاحي، للعلامة محمد بن صالح بن عثيمين، ص٥، ومجالس عشر ذي الحجة، للشيخ عبد اللَّه بن صالح الفوزان، ص٦٩.\n(٢) سورة الكوثر، الآية: ٢.\n(٣) الأملح: يقال: كبش أملح: إذا كان بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقي البياض. جامع الأصول لابن الأثير،٣/ ٣٢٥،وانظر: المغني لابن قدامة،١٣/ ٣٦٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب أضحية النبي - ﷺ - بكبشين أقرنين، ويذكر سمينين، برقم ٥٥٥٣، ومسلم، كتاب الأضاحي باب استحباب استحسان الأضحية وذبحها مباشرة بلا توكيل، والتسمية والتكبير، برقم ١٩٦٦.\n(٥) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٠.\n(٦) اختلف العلماء ﵏ في حكم الأضحية، فقال قوم: بأنها سنة، وقال آخرون: بالوجوب. قال الإمام ابن قدامة: «أكثر أهل العلم يرون الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة، روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وأبي مسعود البدري - ﵃ -، وبه قال سويد بن عقبة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وعطاء، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة: هي واجبة؛ لما روى أبو هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» [أحمد، ٢/ ٣٢١،وابن ماجه، برقم ٣١٢٣،وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه،٣/ ٨٢]،وعن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفًا عند النبي - ﷺ - بعرفة فقال: «يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية ...» [أحمد، ٤/ ٢١٥، وأبو داود برقم ٢٧٨٨،والنسائي، برقم ٤٢٣٥،وابن ماجه، برقم ٣١٢٥، والترمذي، وحسنه برقم ١٥١٨،وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٨٢]، المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٠ - ٣٦١، ومن قال: بأن الأضحية سنة احتجوا بحديث ابن عباس يرفعه: «ثلاث هن عليّ فرائض وهن لكم تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى» وفي لفظ الدارقطني: «وركعتا الفجر» بدل «وصلاة الضحى» رواه أحمد، برقم ٢٠٥٠، والدارقطني، ٢/ ٢١، ونقل أحمد شاكر تضعيف هذا الحديث باللفظين]. واستدل الجمهور أيضًا بحديث أم سلمة: أن النبي - ﷺ - قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئًا»، وفي لفظ: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يُضحِّي فليمسك عن شعره وأظفاره»، وفي لفظ: «... فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» [مسلم، برقم ١٩٧٧] فقالوا: علَّقه على الإرادة، والواجب لا يُعلَّق على الإرادة؛ ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها فلم تكن واجبة كالعقيقة، وردوا على أهل الوجوب بأن حديثهم قد ضُعِّف، وقالوا: «ثم نحمله على تأكيد الاستحباب كما قال - ﷺ -: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» [تقدم تخريجه] المغني لابن قدامة، ١٣/ ٢٦١. ولكن من قال بالوجوب استدلوا أيضًا بحديث في الصحيحين عن جندب بن سفيان البجلي قال: شهدت النبي - ﷺ - يوم النحر قال: «من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح [على اسم اللَّه]» [البخاري، برقم ٥٥٦٢، ومسلم، برقم ١٩٦٠، وما بين المعقوفين له]، وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على هذا الحديث: «من ذبح قبل الصلاة فالسنة أن يضحي بأخرى، وإذا صلى الإنسان دخل وقت ضحيته».","vol":"1","page":634},{"text":"وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «والضحية سنة، وقال بعض أهل العلم بوجوبها، والذي عليه جمهور أهل العلم أنها\nسنة مؤكدة لمن قدر لمن كان له سعة، والحجة في ذلك فعله - ﷺ -؛ فإنه كان","vol":"1","page":635},{"text":"يُضحِّي كل سنة، فهي سُنَّة من قوله وفعله ﵊» (١).\nوالأحوط للمسلم أن لا يترك الضحية إذا كان موسرًا له قدرة عليها؛ اتباعًا لسنة نبيه - ﷺ -:القولية، والفعلية، والتقريرية، وبراءة للذمة، وخروجًا من الخلاف عند من قال بالوجوب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>ثالثًا: ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها لما يلي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>١ - الذبح وإراقة الدم تقربًا لله تعالى عبادة مشتملة على تعظيم اللَّه تعالى</span>، وإظهار شعائر دينه، وإخراج القيمة تعطيل لذلك ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ\nأُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام لابن حجر، الحديث رقم ١٣٧٢، وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١١/ ٣٩٤، وروي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان عن أهلهما مخافة أن يُرى ذلك واجبًا». أخرجه البيهقي، ٩/ ٢٩٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ١١٣٩.\n(٢) رجح وجوبها على القادر شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: «وأما الأضحية فالأظهر وجوبها فإنها من أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته». [فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،٢٣/ ١٦٢، وقال: «تجوز الأضحية عن الميت كما يجوز الحج عنه، أو الصدقة عنه، ويُضحَّى عنه في البيت ولا يُذبح عند القبر أضحية ولا غيرها» مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٣٠٦]، وذكر العلامة ابن عثيمين أن الأضحية عن الأموات ثلاثة أٌقسام:\nالقسم الأول: أن تكون تبعًا للأحياء كأن يضحي عن نفسه وأهله وفيهم أموات كما فعل النبي - ﷺ -.\nالقسم الثاني: أن يُضَحِّي عن الميت استقلالًا، فقد نص عليه فقهاء الحنابلة، وبعض العلماء لا يرى ذلك إلا أن يوصي الميت بذلك.\nالقسم الثالث: أن يضحي عن الميت بموجب وصية منه فتنفذ الوصية: أحكام الأضاحي، ص١٧، واختار شيخ الإسلام أن الأضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها. الاختيارات، ص١١٨.\n(٣) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.","vol":"1","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1076>٢ - ذبح الأضحية وعدم التصدق بثمنها هو هدي النبي - ﷺ - وعمل المسلمين</span>، ولم ينقل أحد أن رسول اللَّه - ﷺ - تصدق بثمنها، ولا أحد من أصحابه - ﵃ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>٣ - ومما يؤكد أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها ولو زاد الثمن </span>أن العلماء اختلفوا في وجوبها، وأن القائلين بأنها سنة صَرَّح جمعٌ منهم بأنه يكره تركها للقادر (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والأضحية، والعقيقة، والهدي (٢)، أفضل من الصدقة بثمن ذلك» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>رابعًا: إذا دخل شهر ذي الحجة فلا يأخذ من أراد أن يضحي من شعره ولا بشرته شيئًا</span>؛ لحديث أم سلمة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره» وفي لفظ: «فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>خامسًا: يبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة عيد الأضحى</span>؛ لحديث البراء - ﵁ -،قال: قال النبي - ﷺ -: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن\nنُصلِّي ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبلُ فإنما هو لحم قدَّمه لأهله ليس من النسك في شيء» فقام أبو بردة بن دينار - وقد\n_________\n(١) انظر: أحكام الأضحية، للعلامة ابن عثيمين، ص١٤ - ١٦.\n(٢) الهدي: أي هدي التطوع.\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٦/ ٣٠٤.\n(٤) مسلم، كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو يريد التضحية أن يأخذ من شعره وأظفاره شيئًا، مسلم، برقم ١٩٧٧.","vol":"1","page":637},{"text":"ذبح - فقال: إن عندي جذعة، فقال: «اذبحها ولن تجزي عن أحد بعدك» وفي لفظ لمسلم: يا رسول اللَّه إن عندي جذعة من المعز، فقال: «ضحِّ بها ولا تصلح لغيرك».قال مطرِّف عن عامر، عن البراء، قال النبي - ﷺ -: «من ذبح بعد الصلاة تمَّ نسكُه وأصاب سنة المسلمين» (١).ولحديث جندب بن سفيان البجلي - ﵁ - قال: «شهدت النبي - ﷺ - يوم النحر، قال: «من ذبح قبل أن يصلي فليُعِد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح [على اسم اللَّه]» (٢)؛ ولحديث أنس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نسكُه، وأصاب سنة المسلمين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>سادسًا: آخر وقت ذبح الأضاحي </span>هو غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق على القول الراجح من أقوال أهل العلم، فيكون ذبح الأضاحي أربعة أيام: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة» (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب سنة الأضحية، وقال ابن عمر: هي سنة ومعروف، برقم ٥٥٤٥، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها، برقم ١٩٦١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة، برقم ٥٥٦٢، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها، برقم ١٩٦٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب سنة الأضحية، برقم ٥٥٤٦، ومسلم، كتاب الأضاحي باب وقتها، برقم ١٩٦٢.\n(٤) اختلف العلماء في آخر وقت ذبح الأضاحي: فقيل: آخر الوقت: آخر اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم النحر، ويومان بعده، وهذا قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -،وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة.\nوقيل: آخره آخر أيام التشريق، وهو مذهب الشافعي، وقول عطاء، والحسن، لما روي «كل أيام التشريق ذبح» [أحمد، ٤/ ٨٢، والبيهقي، ٩/ ٢٩٥، وذكر الإمام ابن القيم أن الأقوال أربعة:\n١ - الذبح أربعة أيام: يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة، وأنه قول علي - ﵁ -، قال: وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن، وإمام أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وإمام أهل الشام الأوزاعي، وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي، واختاره ابن المنذر.\n٢ - الذبح يوم النحر ويومان بعده، وهذا مذهب أحمد، ومالك، وأبي حنيفة ﵏، قال أحمد: وهو قول غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ - وذكره الأثرم عن ابن عمر وابن عباس - ﵃ -.\n٣ - وقت النحر يوم واحد وهو قول ابن سيرين.\n٤ - يوم واحد في الأمصار، وثلاثة أيام في منى. زاد المعاد،٢/ ٣١٩ - ٣٢٠، وسمعت سماحة شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ٣٢٠: «أصح هذه الأقوال الأربعة أن الذبح أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده». وانظر المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٨٦، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ٨/ ٤٠٦، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي، ٥/ ٤٩٥.","vol":"1","page":638},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1081>سابعًا: شروط الأضحية: </span>الأضحية عبادة لله تعالى لا تقبل إلا إذا كانت خالصة لله تعالى، وأن تكون على سنة رسول اللَّه - ﷺ -، فإذا لم تكن خالصة وعلى هدي رسول اللَّه - ﷺ - فهي غير مقبولة بل مردودة، ولا تكون الأضحية على هدي رسول اللَّه - ﷺ - إلا باجتماع شروطها، وانتفاء موانعها.\nوشروطها أنواع: منها ما يعود للوقت، وتقدم، ومنها ما يعود لعدد المضحين بها، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى، ومنها ما يعود للمُضحَّى به وهي أربعة شروط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>الشرط الأول: أن تكون الضحية ملكًا للمضحي ملكها بطريق شرعي</span>، فلا تصح الأضحية بمغصوبٍ، أو مسروقٍ، أو مملوكٍ بعقد\nفاسد، أو ما كان ثمنه خبيثًا محرمًا: كالربا وغيره؛ لقول النبي - ﷺ -: «إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبًا» (١).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، برقم ١٠١٥.","vol":"1","page":639},{"text":"وينبغي للمسلم أن يختار الأضحية التي تجتمع فيها الصفات المستحبة؛ لأن ذلك من تعظيم شعائر اللَّه؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١)، وتعظيم البدن من تعظيم شعائر اللَّه، وعن مجاهد في قوله: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال استعظام البدن: استحسانها، واستسمانها» (٢).\nقال يحيى بن سعيد سمعتُ أبا أمامة بن سهل قال: «كنَّا نُسمِّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسمِّنون» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>الشرط الثاني: أن تكون الأضحية من الجنس الذي عينه الشارع </span>وهو: الإبل، والبقر، والغنم: ضأنها ومعزها، وهي بهيمة الأنعام فقط، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (٤).\nوذكر الإمام النووي الإجماع على أنه لا يجزئ في الأضحية إلا: الإبل،\nوالبقر، والغنم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>الشرط الثالث: أن تبلغ الأضحية السنّ المعتبرة شرعًا</span>، فلا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني من غيره: والجذع من الضأن: ما له ستة أشهر\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٣٢.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٥٣٦، والمغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٧.\n(٣) البخاري، كتاب الأضاحي، باب أضحية النبي - ﷺ - بكبشين أقرنين، ويذكر سمينين، رقم الباب ٧، قبل الحديث رقم ٥٥٥٣.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٣٤.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ١٢٥.","vol":"1","page":640},{"text":"ودخل في السابع، ويُعرف إذا مالت الصوفة على ظهره عُلِمَ أنه قد أجذع. وثني المعز إذا تمت له سنة ودخل في الثانية، والبقر إذا صار لها سنتان ودخلت في الثالثة، والإبل إذا صار لها خمس سنين ودخلت في السادسة، قال الأصمعي وغيره: «إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثنيٌّ، ونرى أنه إنما سُمِّي ثنيًا؛ لأنه ألقى ثنيَّته، وأما البقرة فهي التي لها سنتان؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «لا تذبحوا إلا مُسِنَّة» (١)، ومسنة البقرة التي لها سنتان. وقال وكيع: «الجذع من الضأن يكون ابن سبعة أو ستة أشهر» (٢)، فالضحية عبادة لا يشرع فيها إلا ما حدَّده النبي - ﷺ -، وقد قال - ﷺ -: «لا تذبحوا إلا مُسِنّة، إلا أن تعسّر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن» (٣).\nقال الإمام النووي ﵀: «قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء: من الإبل والبقر، والغنم، فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال، وهذا مُجْمَع عليه على ما نقله\nالقاضي عياض.\nوأما الجذع من الضأن فمذهبنا ومذهب العلماء كافة يجزئ سواء وجد غيره أم لا، قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن وأنها لا تجزئ\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٩.\n(٢) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٩، وانظر: أحكام الأضحية لابن عثيمين، ص٢٤.\n(٣) مسلم، كتاب الأضاحي، باب سن الضحية، برقم ١٩٦٣.","vol":"1","page":641},{"text":"بحال، وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يُجوِّزُون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>الشرط الرابع: أن تكون سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء</span>، ومن هذه العيوب ما ثبت في حديث البراء بن عازب - ﵁ - أنه قال: قام فينا رسول اللَّه - ﷺ -، وأصابعي أقصر من أصابعه وأناملي أقصر من أنامله، فقال: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراءُ البيِّن عورُها (٢)، والمريضة البيِّن مرضُها (٣)، والعرجاء البيِّن ظلعُها (٤)، والكسيرة التي لا تنقى» (٥). قال\n[الراوي عن البراء] قلت: فإني أكره أن يكون في السن نقص؟ فقال: «ما كرهت فدعه ولا تُحرِّمه على أحد». وهذا لفظ أبي داود، أما لفظ الترمذي: «لا يُضَحَّى بالعرجاء بيِّن ظلعها، ولا بالعوراء بيِّن عورها، ولا بالمريضة بيِّن\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ١٢٥.\n(٢) العوراء البيّن عورها: وهي التي انخسفت عينها أو برزت، فإن كانت عوراء لا تبصر بعينها ولكن عورها غير بين أجزأت والسليمة من ذلك أولى.\n(٣) المريضة البيّن مرضها: وهي التي ظهر عليها آثار المرض، مثل: الحمى التي تقعدها عن الرعي، ومثل: الجرب الظاهر المفسد للحمها، أو المؤثر في صحتها، ونحو ذلك مما يعده الناس مرضًا بينًا، فإن كان فيها كسل أو فتور يمنعها من المرعى، والأكل، أجزأت لكن السلامة منه أولى.\n(٤) العرجاء: هي التي لا تستطيع مرافقة السليمة في المشي، فإن كان فيها عرج يسير لا يتبين أجزأت والسلامة منه أولى، والظلع: العرج، والظالع: الغامز في مشيته. انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٣٣٤، وأحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٣٤.\n(٥) الكسيرة: الهزيلة، والتي لا تنقى: أي التي ليس فيها مخ، أي مخ العظم، انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٣٣٤، وأحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٣٤.","vol":"1","page":642},{"text":"مرضها، ولا بالعجفاء التي لا تنقى». ولفظ النسائي: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البيِّن ظلعها، والكسيرة التي لا تنقى». [قال الراوي عن البراء] قلت: إني أكره أن يكون في القرن نقص، وأن يكون في السن نقص، قال: «ما كرهته فدعه، ولا تُحرِّمه على أحد».ولفظ ابن ماجه مثل لفظ النسائي إلا أنه قال: إني أكره أن يكون نقص في الأذن، قال: «فما كرهت منه فدعه، ولا تُحرِّمه على أحد». وفي رواية الموطأ نحو رواية أبي داود، والنسائي، إلى قوله: «لا تنقى» وجعل بدل الكسيرة «العجفاء» (١) (٢).\nقال الإمام الترمذي ﵀: «والعمل على هذا عند أهل العلم» (٣).\n\nقال الإمام ابن قدامة ﵀ عن هذه الأربع المذكورة: <span data-type=\"title\" id=toc-1086>«لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنها تمنع الإجزاء» </span>(٤).\nويُلحق بهذه الأربع ما كان به عيب أعظم من هذه العيوب؛ فإن عدم إجزائها أولى، كالعمياء التي لا تبصر بعينها؛ لأنها أولى بعدم الإجزاء من العوراء البين عورها، ومقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين؛ لأنها أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البيِّن ظلعها، وما أصابه سبب الموت: كالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع؛ لأن هذه أولى بعدم الإجزاء من المريضة البين مرضها، والعاجزة عن المشي لِعَاهةٍ-\n_________\n(١) العجفاء: هي الكسيرة التي لا تنقى أي الهزيلة الضعيفة، انظر جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٣٣٥.\n(٢) أبو داود، كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا، برقم ٢٨٠، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما لا يجزئ من الأضاحي، برقم ١٤٩٧، والنسائي، كتاب الضحايا، باب ما نهي عنه من الأضاحي، برقم ٤٣٦٩، وابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضحي به، برقم ٤١٤٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٦٧٦.\n(٣) سنن الترمذي، ص٣٦٤.\n(٤) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٩.","vol":"1","page":643},{"text":"وتُسَمَّى: الزمنى - أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البيِّن ظلعها، وغير ذلك من العيوب التي هي أشد من العيوب الأربع المذكورة (١)،وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول: «العمياء أشد من العوراء، فما كان أشد من هذه الأربع في العيب، كان عدم إجزائه أولى» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>ثامنًا: العيوب المكروهة في الأضحية على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>الأولى: العضباء: وهي مقطوعة الأذن: النصف فما فوقه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>الثانية: المقابلة: وهي التي شُقّت أذنها من الأمام عرضًا</span>. وقال ابن الأثير: «شاة مقابلة إذا قطع من مقدم أذنها وتركت معلقة فيها كأنها زنمة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>الثالثة: المدابرة: وهي التي شُقّت أذنها من الخلف عرضًا</span>، وقال ابن الأثير: «المدابرة التي فعل بها ذلك من مؤخرة أذنها، واسم الجلدة فيها:\nالإقبالة والإدبارة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>الرابعة: الشرقاء: وهي التي شُقّت أذنها طولًا</span>، وقال ابن الأثير: «الشرقاء التي شُقّت أذنها، وقد شرقت الشاة - بالكسر - فهي شاة شرقاء (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>الخامسة: الخرقاء: وهي التي خُرقت أذنها</span>، قال ابن الأثير: «الخرقاء\n_________\n(١) انظر: أحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٣٥ - ٣٦.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٤٣٦٩، وذلك بتاريخ ٢٩/ ٦/١٤١٧هـ.\n(٣) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٦، وانظر: أحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٣٧.\n(٤) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٦، وانظر: أحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٣٧.\n(٥) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٦، وانظر: أحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٣٧.","vol":"1","page":644},{"text":"من الغنم التي في أذنها خرق، وهو ثقب مستدير» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1093>السادسة: المُصفَّرة: وهي التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>السابعة: المستأصلة: وهي التي ذهب قرنها من أصله</span>، قال ابن الأثير: «والمستأصلة: التي استُؤْصل قرنها من أصله» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>الثامنة: البخقاء: وهي التي بخقت عينها</span>، قال ابن الأثير: «والبخقاء: التي تبخق عينها» (٤).وقال في النهاية: «والبخق أن يذهب البصر وتبقى العين قائمة».وقال في القاموس: «البخق أقبح العور وأكثره غمصًا». وعلى هذا فإذا كان البخق عورًا بيِّنًا لم تجز كما يدل عليه حديث البراء السابق (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>التاسعة: المشيّعة: وهي التي لا تتبع الغنم عجفًا، وضعفًا</span>، تكون وراء الغنم: كالمشيع للمسافر، وقيل بفتح الياء؛ لحاجتها إلى من يشيعها؛ لتلحق بالغنم، فإن لم يكن فيها مخ فلا تجزئ، وإن كان فيها مخ ولا تستطيع معانقة الغنم لم تجز أيضًا؛ لأنها كالعرجاء البين ظلعها، وإن كانت تستطيع معانقة الغنم إذا زجرت فهي مكروهة (٦) (٧).\n_________\n(١) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٦، وانظر: أحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٣٧.\n(٢) جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٣٣٧، وقال في التلخيص إنها المهزولة، وذكرها في النهاية بقيل: كذا وقيل: كذا. أحكام الأضاحي، ص٣٨.\n(٣) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٧.\n(٤) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٧.\n(٥) انظر: أحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٣٨.\n(٦) انظر: جامع الأصول لابن الأثير،٣/ ٣٣٧،وأحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٣٨.\n(٧) وجاء في هذه العيوب التسعة حديث علي - ﵁ - قال: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء» وفي رواية: «المقابلة ما قطع طرف أذنها، والمدابرة: ما قطع من جانب الأذن، والشرقاء: المشقوقة، والخرقاء: المثقوبة» هذا لفظ الترمذي في كتاب الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي، برقم ١٤٩٨، وقال: «حديث حسن صحيح»، ولفظ النسائي: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - أن نستشرف العين، والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا بتراء، ولا خرقاء»، وفي لفظ: «وأن لا نُضَحِّي بعوراء» وفي لفظ: «... أو جدعاء»، وهذا لفظ النسائي في كتاب الأضاحي، باب المقابلة، برقم ٤٣٧٢، وباب المدابرة، برقم ٤٣٧٣، وباب الخرقاء، برقم ٤٣٧٤، وباب الشرقاء، برقم ٤٣٧٥. ولفظ أبي داود: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء»، قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أذكر عضباء؟ قال: لا، قلت: فما المقابلة؟ قال: يقطع طرف الأذن، قلت: فما المدابرة، قال: يقطع من مؤخر الأذن، قلت: فما الشرقاء؟ قال: تشق الأذن، قلت: فما الخرقاء؟ قال: تخرق أذنها للسمة» أبو داود، كتاب الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي، برقم ٢٨٠٤. ولفظ ابن ماجه: «نهى رسول اللَّه - ﷺ - أن نضحي بمقابلة، أو مدابرة، أو شرقاء، أو خرقاء، أو جدعاء». ابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضحي به، برقم ٣١٤٢، ولفظ الإمام أحمد: «نهى رسول اللَّه - ﷺ - أن يضحى بالمقابلة، أو بمدابرة، أو شرقاء، أو خرقاء، أو جدعاء»، وفي لفظ عن حُجّيّة بن عدي رجل من كندة قال: سمعت رجلًا سأل عليًّا قال: إني اشتريت هذه البقرة للأضحى، قال عن سبعة، قال: القرن؟ قال: لا يضرك، قال العرج؟ قال: إذا بلغت المنسك فانحر، ثم قال: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن» أحمد برقم ٨٣٢، ورقم ٧٣٤، ورقم ٨٢٦، وصحح إسناده أحمد شاكر في هذه المواضع كلها، ورواه بهذا اللفظ الترمذي عن حجية بن عدي عن علي قال: «البقرة عن سبعة، قلت: فإن ولدت؟ قال: اذبح ولدها معها، قلت: فالعرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك، قلت فمكسورة القرن؟ قال: لا بأس، أُمرنا - أو أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - أن نستشرف العينين، والأذنين». الترمذي، كتاب الضحايا، باب في الضحية بعضباء القرن والأذن، برقم ١٥٠٣، ولفظ ابن ماجه في كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضحى به، برقم ٣١٤٣، عن حجية بن عدي عن علي قال: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن»، وصحح إسناد حديث حجية أحمد شاكر كما تقدم آنفًا، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٣٦٢، وفي صحيح سنن ابن ماجه،\n٣/ ٨٦، وقبل ذلك صحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي، ٤/ ٢٢٥، وروى أحمد لفظ أبي داود في المقابلة والمدابرة والشرقاء، والخرقاء، برقم ٨٥١، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وقال الشوكاني بعد أن ذكر حديث علي هذا الذي رواه الخمسة: «وحديث علي - ﵁ - أخرجه أيضًا البزار [كشف الأستار، برقم ١٢٠٣]، وابن حبان [برقم ٥٩٢٠]، والحاكم [١/ ٤٦٨]، والبيهقي [٩/ ٢٧٥]، وأعله الدارقطني [نيل الأوطار، ٣/ ٤٨٢] وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي، ص١٤٤ في ضعيف أبي داود ص٢١٧، وضعيف سنن النسائي، ص١٤٤، وضعيف ابن ماجه، ص٢٥٣، والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصحح إسناده أحمد شاكر كما تقدم، وقد ذكر الألباني طرقه في إرواء الغليل، ٤/ ٣٦٤، ثم قال: «وجملة القول: إن الحديث بمجموع طرقه هذه صحيح وذكر القرن فيه منكر عندي تفرد جري به».\nوأما ما جاء في المستأصلة، والبخقاء، والمشيعة، والكسراء، والمصفرة؛ لما روي عن يزيد ذي مصر قال: أتيت عتبة بن عبد السلمي، فقلت: يا أبا الوليد إني خرجت ألتمس الضحايا، فلم أجد شيئًا يعجبني، غير ثرماء، فكرهتها، فما تقول؟ قال: أفلا جئتني بها؟ قلت: سبحان اللَّه تجوز عنك ولا تجوز عني؟ قال: نعم. إنك تشك ولا أشك، إنما نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن المصفرة، والمستأصلة، والبخقاء، والمشيعة، والكسراء، فالمصفرة: التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة التي استوصل قرنها من أصله، والبخقاء: التي تبخق عينها، والمشيعة: التي لا تتبع الغنم عجفًا وضعفًا، والكسراء: الكسيرة». أبو داود، كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا، برقم ٢٨٠٣، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، ص٢١٧، وقال الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٣/ ٣٣٧: «وفي إسناده أبو حميد الرعيني، وهو مجهول، ويزيد ذو مصر لم يوثقه غير ابن حبان».\nوأما عضباء الأذن والقرن، فعن علي أن النبي - ﷺ - نهى أن يُضحَّى بعضباء الأذن والقرن. قال قتادة لسعيد بن المسيب: ما الأعضب؟ قال: النصف فما فوقه. هذا لفظ أبي داود، برقم ٢٨٠٥، في كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا. ولفظ النسائي في كتاب الضحايا، باب العضباء، برقم ٤٣٨٩: «نهى رسول اللَّه - ﷺ - أن يُضحى بأعضب القرن» فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب؟ قال: «نعم الأعضب النصف وأكثر من ذلك».ولفظ الترمذي في كتاب الأضاحي، باب في الضحية بعضباء القرن والأذن برقم ١٥٠٤ عن قتادة عن جري بن كليب الهندي عن علي قال: «نهى رسول اللَّه - ﷺ - أن نضحي بأعضب القرن والأذن»،قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: العضب ما بلغ النصف فما فوق ذلك. ولفظ ابن ماجه في كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يُضحَّى به، برقم ٣١٤٥، عن علي قال: «إن رسول اللَّه - ﷺ - نهى أن يضحى بأعضب القرن والأذن». ولفظ الإمام أحمد في المسند ١/ ١٢٩: «نهى رسول اللَّه - ﷺ - أن يُضحَّى بعضباء القرن والأذن»، وحديث علي - ﵁ - في النهي عن التضحية بعضباء القرن والأذن قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الشوكاني في نيل الأوطار، ٣/ ٤٧٩: «حديث علي - ﵁ - صححه الترمذي ... وسكت عنه أبو داود»، وتكلم على إسناده أحمد شاكر في المسند، برقم ٦٣٣، وقال: «إسناده صحيح»، ولكن الألباني ضعفه في ضعيف ابن ماجه، وضعيف النسائي، وضعيف أبي داود، وضعيف الترمذي، وفي إرواء الغليل، برقم ١١٤٩ قال: «منكر». وسمعت شيخنا الإمام ابن باز يقول أثناء تقريره على منتقى الأخبار لابن تيمية، الحديث رقم ٢٧٢١: «حديث علي صحيح»، واللَّه - ﷿ - أعلم.\nقال الشوكاني: «فيه دليل على أنها لا تجزئ التضحية بأعضب القرن والأذن وهو ما ذهب نصف قرنه أو أذنه، وذهب أبو حنيفة والشافعي والجمهور إلى أنها تجزئ التضحية بمكسور القرن مطلقًا ... فالظاهر أن مكسورة القرن لا تجوز التضحية بها إلا أن يكون الذاهب من القرن مقدارًا يسيرًا، بحيث لا يقال لها عضباء؛ لأجله، أو يكون دون النصف ... وكذلك لا تجزئ التضحية بأعضب الأذن وهو ما صدق عليه اسم العضب ...» [نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٤٧٩].\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٤٣٧٢ بتاريخ ٢/ ٧/١٤١٧هـ: «النقص كالشرق أو الخرق مكروه وكذلك المقابلة والمدابرة إلا إذا كان ذلك أكثر من نصف الأذن أو القرن فهذا لا يجزئ، فيكون غير المجزئ خمس: العوراء البين عورها، والعرجاء البين ظلعها، والهزيلة التي لا تنقى، والمريضة البين مرضها، والعضباء: وهي ما ذهب نصف قرنها أو أذنها»، وسمعته يصحح حديث علي في عضباء الأذن والقرن أثناء تقريره على منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية، الحديث رقم ٢٧٢١.\nواختار الإمام الخرقي في مختصره أن عضباء الأذن والقرن لا تجزئ، وقال ابن قدامة في المغني شارحًا ذلك: «أما العيوب الأربعة الأولى فلا نعلم بين أهل العلم خلافًا بأنها تمنع الإجزاء ... وأما العضب وهو ذهاب نصف الأذن والقرن، وذلك يمنع الإجزاء أيضًا، وبه قال النخعي، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة والشافعي تجزئ مكسورة القرن ...» ثم رجح أن عضباء الأذن والقرن لا تجزئ. المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠.","vol":"1","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1097>وذكر بعض أهل العلم أنه يلحق بالعيوب المكروهة العيوب الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>الأولى: البتراء، وهي التي قطع ذنبها: </span>من الإبل، والبقر، والمعز، فتكره التضحية بها؛ لما جاء في رواية النسائي من حديث علي - ﵁ - (١) وبالقياس\n_________\n(١) ولفظه عند النسائي: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نُضحِّي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا بتراء، ولا خرقاء ...» الحديث أخرجه الخمسة وهذا لفظ النسائي، برقم ٤٣٧٢، وتقدم الكلام عليه.","vol":"1","page":648},{"text":"على العضباء، قال ابن الأثير ﵀ في معنى البتراء: «هي التي قطع ذنبها» (١)؛ لأن في الذنب مصلحة للحيوان، ودفاعًا لما يؤذيه، وجمالًا لمؤخره، وفي قطعه فوات هذه الأمور. وأما البتراء بأصل الخلقة فلا تكره ولكن غيرها أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>وأما البتراء من الضأن وهي التي قطعت أليتها أو أكثرها فلا تجزئ</span>، لأن ذلك نقص بيِّن في جزء مقصود منها، أما إذا كانت من نوع لا ألية له بأصل الخلقة أجزأت بدون كراهة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>الثانية: ما قطع أنفها أو شفتها</span>؛ لما جاء في رواية النسائي من حديث علي - ﵁ - (٣)، قال ابن الأثير ﵀ في الجدعاء: «الجدع قطع الأنف،\nوالأذن، والشفة، وهو بالأنف أخص، فإذا أطلق غلب عليه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1101>الثالثة: ما قطع ذكره فتكره التضحية به</span>، قياسًا على العضباء، فأما ما قطعت خصيتاه فلا تكره التضحية به؛ لأن الخصاء يزيد سمنه، وطيب لحمه (٥). وغير ذلك من العيوب التي ذكرها أهل العلم التي تكره التضحية بها (٦)، واللَّه تعالى أعلم.\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، ١/ ٩٣.\n(٢) انظر: أحكام الأضحية لابن عثيمين، ص٤٠.\n(٣) ولفظه عند النسائي: «نهى رسول اللَّه - ﷺ -: أن نضحي بمقابلة، أو مدابرة، أو شرقاء، أو خرقاء، أو جدعاء»، برقم ٤٣٧٤، وتقدم تخريجه والكلام عليه.\n(٤) النهاية في غريب الحديث، ١/ ٢٤٦.\n(٥) أحكام الأضاحي للعلامة ابن عثيمين، ص٤١.\n(٦) ذكر من ذلك الهتماء التي سقطت بعض أسنانها، وكذلك ما قطع شيء من حلمات ضرعها، قياسًا على العضباء، واللَّه - ﷿ - أعلم. انظر: أحكام الأضحية لابن عثيمين، ص٤١.","vol":"1","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1102>تاسعًا: تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته، والبدنة عن سبعة</span>، والبقرة عن سبعة؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ -، حينما سئل: كيف كانت الضحايا على عهد رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: «كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون، حتى تباهى الناس فصارت كما ترى» (١).\nقال الإمام الترمذي ﵀: «والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>وأما البدنة فتجزئ عن سبعة، والبقرة عن سبعة</span>؛ لحديث جابر بن\nعبد اللَّه ﵄، قال: «نحرنا مع رسول اللَّه - ﷺ - عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة». وفي لفظ: «خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - مُهِلِّين بالحج فأمرنا رسول اللَّه - ﷺ - أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة». وفي لفظ: «حججنا مع رسول اللَّه - ﷺ - فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة» (٣).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذا قول أكثر أهل العلم، روي\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما جاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت، برقم ١٥٠٥، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب من ضحى بشاة عن أهله، برقم ٣١٤٧، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ١١٤٢.\n(٢) سنن الترمذي، الحديث رقم ١٥٠٥.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب جواز الاشتراك في الهدي، وإجزاء البدنة والبقرة كل واحدة منهما عن سبعة، برقم ١٣١٨.","vol":"1","page":650},{"text":"ذلك عن علي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة - ﵃ -، وبه قال: عطاء، وطاوس، وسالم، والحسن، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي» (١). ولكن هل يجزئ سُبع البدنة أو سُبع البقرة عن الرجل وأهل بيته؟ أم لا يجزئ السبع إلا عن واحد؟:قولان لأهل العلم، والذي مالت إليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ إلى: أن سُبع البدنة وسبع البقرة لا يجزئ إلا عن واحد واللَّه - ﷿ - أعلم.\nأما الشاة فتجزئ عن الرجل وأهل بيته.\nوأما سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ فيرجِّح أن سبع البدنة وسبع البقرة يجزئ عن الرجل وأهل بيته كالشاة؛ لأن الرجل وأهل بيته في معنى الشخص الواحد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>عاشرًا: تتعين الأضحية بقول المسلم هذه أضحية، فتصير واجبة</span>، أو بذبحها يوم العيد بنية الأضحية، فإذا تعينت الأضحية تعلقت بها الأحكام الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>الحكم الأول: زوال ملكه عنها، فلا يجوز له بيعها، ولا هبتها</span>، ولا\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٣.\n(٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١١/ ٣٩٦، وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٤/ ٢٢٠، فقد قال: «وأما التشريك في سبع منها فمفهوم هذا الحديث وحديث تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته أنه لا يجزئ شرك في سبع من بدنة أو بقرة وجزم به شيخنا وغيره». وقال شيخنا عبد العزيز ابن باز: «في إجزاء السبع من البدنة والبقرة عن الرجل وأهل بيته توقف من بعض أهل العلم، والراجح أنه يجزئ عن الرجل وأهل بيته؛ لأنهم في معنى الشخص الواحد» مجموع فتاوى ابن باز، ١٨/ ٤٤ - ٤٥.","vol":"1","page":651},{"text":"إبدالها إلا بخير منها؛ لأنه جعلها لله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>الحكم الثاني: لا يتصرَّف فيها تصرفًا مطلقًا فلا يستعملها في حرث</span>، ولا يحلب من لبنها ما فيه نقص عليها، أو يحتاجه ولدها المتعين معها، ولا يجزّ شيئًا من صوفها ونحوه إلا أن يكون أنفع لها، وإذا جزَّه فليتصدق به أو ينتفع به والصدقة به أفضل، وإن ولدت ذبح ولدها معها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>الحكم الثالث: إذا حصل لها عيب يمنع الإجزاء: </span>كالعرج البيِّن، فإن كان هذا العيب بتفريط منه لزمه إبدالها بسليمة، وإن كان بدون فعل منه ولا تفريط فإنه يذبحها وتجزئه ما لم تكن واجبة في ذمته قبل التعيين، كما لو نذر أن يُضحِّي ثم عيَّن نذره فتعيبت بدون فعل منه ولا تفريط لزمه إبدالها بسليمة؛ لأن ذمته مشغولة بأضحية سليمة قبل أن يعينها فلا يخرج من عهدة الواجب إلا بأضحية سليمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1108>الحكم الرابع: إذا ضاعت أو سرقت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه</span>\nإلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين؛ لأنها أمانة عنده والأمين لا ضمان عليه إذا لم يفرط، لكن متى وجدها أو استنقذها من السارق لزمه ذبحها، ولو فات وقت الذبح، أما إذا كان ضياعها أو سرقتها بتفريط منه لزمه إبدالها بمثلها أو أفضل. واللَّه أعلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>الحكم الخامس: لا يجوز بيع شيء من الأضحية</span>، لا جلدها، ولا لحمها، ولا يعطي الجزار أجرته منها؛ لحديث علي - ﵁ - قال: «أمرني رسول\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٧٣ - ٣٧٨، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٩/ ٣٧٢ - ٤٠٦، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٤/ ٢٣٢ - ٢٣٨، وأحكام الأضحية للعثيمين، ص٤٢ - ٤٨.","vol":"1","page":652},{"text":"اللَّه - ﷺ - أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها، وجلودها، وأجلَّتها، وأن لا أعطي الجزار منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا»، وفي لفظ لمسلم: «أن النبي - ﷺ - أمره أن يقوم على بدنه، وأمره أن يقسم بدنه كلها: لحومها، وجلودها، وجلالها، في المساكين، ولا يعطي في جزارتها منها شيئًا» (١).\nلكن إذا دفع إلى جازرها شيئًا، لفقره، أو على سبيل الهدية فلا بأس، والأفضل أن يعطيه أجرته كاملة أولًا، ثم يعطيه منها؛ لئلا تقع مسامحة في الأجرة؛ لأجل ما يأخذه، فيكون من باب المعاوضة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>الحادي عشر: يأكل من أضحيته ويتصدق</span>؛ لقول اللَّه - ﷿ -: ﴿فَكُلُوا\nمِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣).\nوعن عبد اللَّه بن واقد - ﵁ - في بيان الأكل من الأضاحي وفيه: «فكلوا، وادَّخِروا، وتصدَّقوا». وفي لفظ: «كلوا وتزوَّدوا» (٤).\nوعن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: «كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد النبي - ﷺ - إلى المدينة». وقال غير مرة: «لحوم الهدي» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب يتصدق بجلود الهدي، برقم ١٧١٧، ومسلم، كتاب الحج، باب الصدقة بلحوم الهدايا وجلودها، وجلالها، وأن لا يعطى الجزار منها شيئًا، برقم ١٣١٧.\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٥٥٦.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٢٨.\n(٤) مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته، برقم ١٩٧١.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي، برقم٥٥٦٧، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته، برقم ١٩٧٢.","vol":"1","page":653},{"text":"وعن سلمة بن الأكوع - ﵁ - في حديثه عن الأكل من لحوم الأضاحي، وفيه: «كلوا وأطعموا، وادخروا» (١).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ - فيه: «كلوا، وأطعموا، واحبسوا، أو ادَّخروا» (٢).\nواستحب كثير من العلماء للمُضحِّي أن يقسم أضحيته أثلاثًا: ثلثًا للادِّخار، وثلثًا للصدقة، وثلثًا للأكل؛ لقوله - ﷺ -: «فكلوا وادَّخروا وتصدقوا» (٣) (٤).\nواستحب بعضهم أن يقسمها أثلاثًا: يأكل ثلثًا، ويُهدي ثلثًا، ويتصدق بثلث؛ للآثار في ذلك (٥) (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي، وما يتزود منها، برقم ٥٥٦٩،ومسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته برقم ١٩٧٤.\n(٢) مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي، برقم ١٩٧٣.\n(٣) مسلم، برقم١٩٧١، وتقدم تخريجه في الصفحات السابقة.\n(٤) سبل السلام للصنعاني، ٧/ ٢٧٠.\n(٥) انظر: المغني، لابن قدامة، ١٣/ ٣٧٩، قال ابن قدامة: (ولنا ما روي عن ابن عباس في صفة ضحية النبي - ﷺ -،قال: «ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السوَّال بالثلث»،رواه الحافظ أبو موسى الأصبهاني في الوظائف، وقال: «حديث حسن»؛ ولأنه قول ابن مسعود، وابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة، فكان إجماعًا. ا. هـ. المغني،\n١٣/ ٣٨٠، وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٩/ ٤١٤ - ٤١٨.\n(٦) سئل شيخنا ابن باز ﵀: هل يجوز: أن يعطى غير المسلم من لحم الأضحية؟ فأجاب بقوله: «لا حرج؛ لقوله جلَّ وعلا: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّه عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [سورة الممتحنة، الآية: ٨]، يُعطى من الأضحية، ومن الصدقة» أي صدقة التطوع. [مجموع فتاوى ابن باز، ١٨/ ٤٧ - ٤٨].","vol":"1","page":654},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1111>الثاني عشر: صفة ذبح الأضاحي وغيرها مما يُذكَّى على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>١ - لا يذبح إلا المسلم المميز العاقل، أو الكتابي</span>، ويقصد المذكي التذكية، ولا يذبح لغير اللَّه، ولا يهل لغير اللَّه، ويُسمِّي عند الذبح أو النحر، ويُذَكِّي بآلة حادِّةٍ غير سنٍّ ولا ظُفرٍ، وينهر الدم في موضعه، ولا بد أن يكون المذكِّي مأذونًا في ذكاته شرعًا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1113>٢ - يراعي المضحي الأمور الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>الأمر الأول: يختار الأضحية، فيحرص على أكمل الأضاحي</span>؛ لأن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك، فعن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه - ﷺ - أمر بكبش\nأقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد (٢)، وينظر في سواد، فأُتي به، ليضحي به، قال لعائشة: «هلُمِّي (٣) المدية» (٤)، ثم قال: «اشحذيها بحجر» (٥). ففعلت، ثم أخذها، وأخذ الكبش، ثم ذبحه، ثم قال: «بسم اللَّه، اللَّهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد ثم ضحى به» (٦).\nوعن أنس قال: «ضحَّى رسول اللَّه - ﷺ - بكبشين أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمَّى، وكبَّر، ووضع رجله على صفاحهما». وفي لفظ لمسلم: «ويقول باسم اللَّه واللَّه أكبر».وفي لفظ للبخاري: «كان رسول\n_________\n(١) أحكام الأضحية للعلامة محمد بن عثيمين، ص٥٦ - ٨٧، وذكر هذه الشروط التسعة بالأدلة، فراجعها.\n(٢) يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد: أي قوائمه سود، وبطنه أسود، وما حول عينيه أسود.\n(٣) هلمي: أي هاتيها. شرح النووي على مسلم، ١٣/ ١٢٠.\n(٤) المدية: السكين. المرجع السابق، ١٣/ ١٢٠.\n(٥) اشحذيها: حدِّديها، شرح النووي على مسلم، ١٣/ ١٢٠.\n(٦) مسلم، كتاب الأضاحي، باب استحباب استحسان الضحية، وذبحها مباشرة بلا توكيل، والتسمية والتكبير، برقم١٩٦٧.","vol":"1","page":655},{"text":"اللَّه - ﷺ - يُضحِّي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين» (١).\nويختار السمين العظيم؛ لقول أبي أمامة بن سهل، قال: «كنَّا نُسمِّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسمِّنون» (٢).\nوهذا من تعظيم شعائر اللَّه (٣).\nوغير ذلك من الصفات الحسنة، التي تزيد الأضحية كمالًا، وجمالًا؛ لأن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبًا (٤)، وإن ضحى بكبشين فلا بأس، فعن أنس - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين» (٥).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول: «إذا ضحى بكبشين تأسيًا به - ﷺ - فلا حرج» (٦).\nوعن عائشة وأبي هريرة ﵄: «أن رسول اللَّه - ﷺ - كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين، عظيمين، سمينين، أقرنين، أملحين، موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته، لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٥٥٣، ومسلم، برقم ١٩٦٦، وتقدم تخريجه في أول الأضحية.\n(٢) البخاري، الأضاحي، باب أضحية النبي - ﷺ - بكبشين أقرنين، ويذكر سمينين، رقم الباب٧، قبل الحديث رقم٥٥٥٣.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٣٦.\n(٤) ومن الصفات التي ثبتت في الأحاديث في أضحية النبي - ﷺ - الصفات الآتية:\n١ - الكبش.٢ - الأقرن.٣ - الأملح.٤ - قوائمه سوداء.٥ - بطنه أسود.٦ - ما حول عينيه أسود. ٧ - يأكل في سواد. ٨ - عظيم. ٩ - موجوء.١٠ - سمين.١١ - فحيل، وجاء في صحيح أبي عوانة كما قال ابن حجر في البلوغ ١٢ - ثمين. انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٠.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٥٥٣،ومسلم، برقم ٩٦٦،وتقدم تخريجه في أول الأضحية.\n(٦) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم٥٥٥٣.","vol":"1","page":656},{"text":"الآخر عن محمد وعن آل محمد - ﷺ -» (١).\nوعن أبي سعيد - ﵁ - قال: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يضحي بكبش أقرن، فحيل، ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>الأمر الثاني: الإحسان إلى الذبيحة، فيعمل كل ما يريحها عند الذَّكاة</span>، ومن ذلك: أن يكون الذبح بآلة حادَّة، وأن يمرها على محل الذبح بقوة وسرعة؛ لأن المطلوب الإسراع في إزهاق النفس على أكمل الوجوه من غير تعذيب؛ لحديث شداد بن أوس - ﵁ - قال: «ثنتان حفظتهما عن رسول اللَّه - ﷺ -، قال: «إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أحدُكم شفرته، فليُرِحْ ذبيحته» (٣).\nويكره أن يحدَّ السكين والبهيمة تنظر إليه؛ لما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: «أمر النبي - ﷺ - بحد الشفار، وأن تُوارَى عن البهائم، وقال: «إذا ذبح أحدكم فليُجْهِزْ» (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: مر رسول اللَّه - ﷺ - على رجل واضع\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب أضاحي رسول اللَّه - ﷺ -، برقم٣١٢٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٨١.\n(٢) أبو داود، كتاب الضحايا، باب ما يستحسن من الضحايا، برقم٢٧٩٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ١٨٤، ورواه الترمذي، كتاب الأضاحي عن رسول اللَّه - ﷺ -، باب ما جاء ما يستحب من الأضاحي، برقم ١٤٩٦، والنسائي، كتاب الضحايا، باب الكبش، برقم ٤٤٠٢.\n(٣) مسلم، كتاب العيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة، برقم١٩٥٥.\n(٤) أحمد في المسند، ٢/ ١٠٨، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، برقم ٣١٧٢، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٦٣١، وضعفه في ضعيف ابن ماجه، ص٢٥٥، وذكر أنه صححه من طريق أحمد، وقال وانظر: «الصحيحة٣١٣٠».","vol":"1","page":657},{"text":"رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: «أفلا قبل هذا؟ أَوَ تريد أن تميتها موتتان»؟ ولفظ الحاكم: «أتريد أن تميتها موتان؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها» (١).\nقال الإمام النووي ﵀: «ويستحب أن لا يحد السكين بحضرة\nالذبيحة، وأن لا يذبح واحدة بحضرة الأخرى، ولا يجرها إلى مذبحها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>الأمر الثالث: إذا كانت الضحية من الإبل نحرها قائمة معقولة يدها اليسرى</span>، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣).\nقال ابن عباس ﵄: «قيامًا على ثلاث معقولة يدها اليسرى» (٤).\nوعن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أن النبي - ﷺ - وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها» (٥).\nوعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها\n_________\n(١) الطبراني في الكبير، ١١/ ٣٣٢، برقم ١١٩١٦، والأوسط، ٣/ ٣٢٠، برقم ١٨٩٠، [مجمع البحرين]، والحاكم، قال المنذري في الترغيب: «ورجاله رجال الصحيح»، وقال الحاكم: «صحيح على شرط البخاري»، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٦٣٠، وقال في مجمع الزوائد،٤/ ٣٣: «رجاله رجال الصحيح».\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم،١٣/ ١١٣،وانظر: أحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٩٤ - ٩٥.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٣٦.\n(٤) تفسير ابن كثير، ١٣/ ٢٢٢.\n(٥) أبو داود، كتاب المناسك، باب كيف تنحر البدن؟ برقم١٧٦٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٩٤.","vol":"1","page":658},{"text":"فقال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمد - ﷺ -» (١).\nفإن لم يتيسر له نحرها قائمة جاز له نحرها باركة إذا أتى بما يجب في الذكاة؛ لحصول المقصود بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>الأمر الرابع: إذا كانت الضحية من غير الإبل ذبحها مضجعة على جنبها الأيسر</span>، ويضع رجله على صفحة عنقها، ليتمكن منها؛ لحديث أنس - ﵁ -\nقال: «ضحى رسول اللَّه - ﷺ - بكبشين، أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى، وكبر، ووضع رجله على صفاحهما» (٢)، فإن كان الذابح لا يستطيع أن يذبح بيمينه ويعمل بيده اليسرى عمل اليمنى وكان الأيسر له أن يضجعها على الجنب الأيمن فلا بأس أن يضجعها عليه؛ لأن المهم راحة الذبيحة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>الأمر الخامس: أن يستقبل القبلة عند الذبح</span>؛ لما رُوي عن النبي - ﷺ - من حديث جابر قال: «ضحى رسول اللَّه - ﷺ - يوم عيد بكبشين فقال حين وجههما: «إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1119>الأمر السادس: التسمية عند الذبح والنحر، وهي واجبة</span>، لقول اللَّه تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥)، وقوله\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب نحر الإبل مقيدة، برقم١٧١٣، ومسلم، كتاب الحج، باب نحر الإبل قيامًا مقيدة، برقم١٣٢٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٥٥٣،ومسلم، برقم ١٩٦٦.وتقدم تخريجه في أول الأضحية.\n(٣) انظر: أحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٨٨ - ٨٩.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب أضاحي رسول اللَّه - ﷺ -، برقم ٣١٢١، وأبو داود، كتاب الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا، برقم ٢٧٩٥، والبيهقي، ٩/ ٢٨٥، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه، ص٢٥٠، وانظر: إرواء الغليل، ٤/ ٣٥٠.\n(٥) سورة الأنعام، الآية: ١١٨.","vol":"1","page":659},{"text":"تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (١)؛ ولقول النبي - ﷺ -: «ما أنهر الدم وذكر اسم اللَّه عليه فكلوه ما لم يكن سن ولا ظفر» (٢).\nوذكر اسم اللَّه تعالى على الذبح أو النحر شرط من شروط ذكاة الحيوان (٣)، ويستحب التكبير: «اللَّه أكبر» مع التسمية (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1120>الأمر السابع: من الآداب المستحبة أن يسمي عند ذبح الأضحية </span>من هي له؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: شهدت مع رسول اللَّه - ﷺ - الأضحى في المصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره وأُتي بكبش فذبحه رسول اللَّه - ﷺ - بيده، وقال: «بسم اللَّه واللَّه أكبر، هذا عني وعن من لم يضحِّ من أمتي» (٥)؛ ولحديث أبي رافع - ﵁ - قال: «ضَحَّى رسول اللَّه - ﷺ - بكبشين، أملحين، موجبين (٦)، خصيين، فقال: أحدهما لمن شهد بالتوحيد، وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته، قال: فكان رسول اللَّه - ﷺ - قد كفانا». وفي رواية لأحمد: «أن رسول اللَّه - ﷺ - كان إذا ضحَّى اشترى كبشين، سمينين،\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١٢١.\n(٢) متفق عليه من حديث رافع بن خديج: البخاري، كتاب الذبائح والعيد، باب إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم غنمًا أو إبلًا بغير أمر أصحابه، لم تؤكل، برقم٥٥٤٣،ومسلم، كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، برقم١٩٦٨.\n(٣) انظر: أحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٥٦ - ٨٧.\n(٤) المرجع السابق، ص٩١.\n(٥) أبو داود، كتاب الضحايا، باب في الشاة يضحى بها عن جماعة، برقم ٢٨١٠، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما يقول إذا ذبح، برقم١٥٢١،وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ١٨٨، وصحيح الترمذي.\n(٦) موجبين: وفي مجمع الزوائد٤/ ٢٢: «موجوءين».","vol":"1","page":660},{"text":"أقرنين، أملحين، فإذا صلَّى وخطب الناس أُتيَ بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: «اللَّهم إن هذا عن أمتي جميعًا ممن شهد لك بالوحدانية، وشهد لي بالبلاغ». ثم يُؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: «هذا عن محمد وآل محمد» فيطعمهما جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يُضحِّي قد كفاه اللَّه\nالمؤنة برسول اللَّه - ﷺ - والغُرْمَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1121>الأمر الثامن: قطع: الحلقوم، والمريء، والودجين، وإنهار الدم: </span>أي إجراؤه من شروط صحة الذكاة، ولكن استكمال هذه الأربعة يكون نهاية الكمال، وهي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1122>الأول: الحلقوم: </span>وهو مجرى النفس [القصبة الهوائية].\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>الثاني: المريء: </span>وهو مجرى الطعام والشراب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>الثالث والرابع: الودجان: </span>وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء فمتى قطعت هذه الأشياء الأربعة حلَّت المذكاة بإجماع أهل العلم (٢). ولا يتجاوز ذلك إلى النخاع فإنه لا يشرع (٣).\nوذكر شيخنا الإمام ابن باز ﵀: أن التذكية الشرعية للإبل والبقر<span data-type=\"title\" id=toc-1125> والغنم: على ثلاث حالات:</span>\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٦/ ٨، و٦/ ٣٩١، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم١١٤٧.\n(٢) انظر: بداية المجتهد، لابن رشد، ١/ ٣٢٥ - ٣٣٢، أحكام الأضاحي للعلامة ابن عثيمين، ص٧٢ - ٨١، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٨/ ٢٦.\n(٣) بداية المجتهد١،/٣٢٧، وذكر أن الإمام مالك كرهه إذا تمادى في القطع ولم ينوِ قطع النخاع من أول الأمر؛ لأنه إن نوى ذلك فكأنه نوى التذكية على غير الصفة الجائزة، وقال مطرف والماجشون: لا تؤكل إن قطعها متعمدًا دون جهل، وتؤكل إن قطعها ساهيًا أو جاهلًا، ١/ ٣٢٧.","vol":"1","page":661},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1126>الحالة الأولى: </span>أن يقطع الذابح: الحلقوم، والمريء، والودجين، وهو أكمل الذبح وأحسنه، فإذا قطعت هذه الأربعة فالذبح حلال عند جميع العلماء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>الحالة الثانية: </span>أن يقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين وهذا حلال صحيح وطيب وإن كان دون الأول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>والحالة الثالثة: </span>أن يقطع الحلقوم والمريء فقط دون الودجين وهو أيضًا صحيح، وقال به جمع من أهل العلم، ودليلهم قوله - ﷺ -: «ما أنهر الدم وذكر اسم اللَّه عليه فكلوا، ليس السن والظفر» (١)، وهذا هو المختار في هذه المسألة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>الأمر التاسع: يدعو عند ذبح الأضحية </span>بالقبول؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «اللَّهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد» (٣). وفي حديث جابر: «اللَّهم منك ولك» (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم٢٥٤٣، ومسلم، برقم١٩٦٨، وتقدم تخريجه في التسمية عند الذبح.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٨/ ٢٦.\n(٣) مسلم، برقم ١٩٦٧، وتقدم تخريجه في صفة ذبح الأضحية.\n(٤) أبو داود، برقم٢٧٩٥، وابن ماجه، برقم٣١٢١، وتقدم تخريجه، وقد قال العلامة الألباني: هذه الجملة لها شاهد من حديث أبي سعيد عند أبي يعلى، فانظر: مجمع الزوائد،٤/ ٢٢،وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم١١٥٢.","vol":"1","page":662},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1130>المبحث الأربعون: العقيقة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>أولًا: مفهوم<span data-type=\"title\" id=toc-1132> العقيقة: لغة </span>واصطلاحًا:</span>\nالعقيقة لغة: مشتقة من العقَّ، وهو القطع؛ وأصل العق: الشق والقطع، وقيل للذبيحة عقيقة؛ لأنها يشقُّ حلقها، ويقال للشعر الذي يخرج على رأس المولود من بطن أمه: عقيقة؛ لأنه يُحلق، وقد جعل الزمخشري الشعر أصلًا، والشاة المذبوحة مشتقة منه (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>والعقيقة شرعًا: </span>الشاة التي تذبح عن المولود في اليوم السابع من ولادته عند حلق شعره (٢)، وهي من حقوق الولد على والده.\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «العقيقة: الذبيحة التي تذبح عن المولود، وقيل: هي الطعام الذي يصنع ويُدعى إليه من أجل المولود» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1134>ثانيًا: حكم العقيقة عن المولود: الذكر والأنثى:</span>\nالعقيقة سنة مؤكدة، سنَّها رسول اللَّه - ﷺ - (٤)؛ للأحاديث الآتية:\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ٣/ ٢٧٦.\n(٢) المرجع السابق، ٣/ ٢٧٦، ومعجم لغة الفقهاء، للروَّاس، ص ٢٨٨، والقاموس الفقهي لغة واصطلاحًا لسعدي أبو جيب، ص ٢٥٨.\n(٣) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٩٢، وقال: «قال أبو عُبيد: الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود، وجمعها: عقائق ... ثم إن العرب سمَّت الذبيحة عند حلق شعره: عقيقة على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه، أو مجاوره، ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية، وصارت العقيقة مغمورة فيه، فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة، وقال ابن عبد البر: أنكر أحمد هذا التفسير، وقال: إنما العقيقة: الذبح نفسه ...» [المغني، ١٣/ ٣٩٣].\n(٤) اختلف العلماء في حكم العقيقة على أقوال:\nالقول الأول: العقيقة سنة مؤكدة، قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ١٣/ ٣٩٣: «والعقيقة سنة في قول عامة أهل العلم، منهم ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وفقهاء التابعين، وأئمة الأمصار».\nالقول الثاني: العقيقة ليست سنة، وهي من أمر الجاهلية، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. [المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٩٣].\nالقول الثالث: العقيقة واجبة، وبه قال الحسن، وداود، وروي عن بريدة، واستدلوا بحديث سمرة: «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه»؛ ولأحاديث الأمر بالعقيقة، وقالوا: ظاهر الأمر الوجوب. [المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٩٤].\nثم رد ابن قدامة على من قال: بأن العقيقة واجبة، وعلى أبي حنيفة وأصحابه الذين قالوا: إن العقيقة من أمر الجاهلية، فقال ﵀: «ولنا على استحبابها هذه الأحاديث: وعن أم كُرْزٍ الكعبية، قالت: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «عن الغلام شاتان، مكافئتان، وعن الجارية شاة»، وفي لفظ: «عن الغلام شاتان مثلان، وعن الجارية شاة» [رواه أبو داود، برقم ٢٨٣٤]، وفي رواية قال: «العقيقة عن الغلام شاتان».\nوالإجماع، قال أبو الزناد: العقيقة من أمر الناس، كانوا يكرهون تركه، وقال أحمد: العقيقة سنة عن رسول اللَّه - ﷺ -، وقد عقَّ عن الحسن والحسين، وفعله أصحابه، وقال النبي - ﷺ -: «الغلام مرتهن بعقيقته»، وهو إسناد جيد، يرويه أبو هريرة عن النبي - ﷺ -.\nوجعلها أبو حنيفة من أمر الجاهلية؛ وذلك لقلة علمه ومعرفته بالأخبار.\nوأما بيان كونها غير واجبة، فدليله ما احتج به أصحاب الرأي من الخبر». [قلت: وهو قولهم] «روي عن النبي - ﷺ - أنه سئل عن العقيقة فقال: «إن اللَّه تعالى لا يحب العقوق» [أحمد،٢/ ١٨٢]، فكأنه كره الاسم، وقال: «من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل» رواه مالك في موطئه»، ثم قال ابن قدامة عن قول أصحاب الرأي: «وما رووه محمول على الاستحباب جمعًا بين الأخبار؛ ولأنها ذبيحة لسرورٍ حادثٍ، فلم تكن واجبة، كالوليمة، والنقيعة [طعام القادم من السفر] [المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥].\nوقال شيخنا ابن باز في مجموع فتاويه، ١٨/ ٤٨: «العقيقة سنة مؤكدة، وليست بواجبة». وانظر: مجموع فتاوى اللجنة الدائمة، ١١/ ٤٣٩.","vol":"1","page":663},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1135>الحديث الأول: حديث سليمان بن عامر الضبِّي</span>، قال: سمعت رسول\nاللَّه - ﷺ - يقول: «مَعَ الْغُلاَمِ عَقِيقَتُهُ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى»","vol":"1","page":664},{"text":"هذا لفظ البخاري وأهل السنن الأربع، ولفظ أحمد: «مع الغُلام عقيقتُهُ، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى»، وقال: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم صلةٌ وصدقة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>الحديث الثاني: حديث سمرة بن جُندبٍ - ﵁ </span>-، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «كل غُلَام رهينةٌ بعقيقته، تذبح عَنهُ يَوْم سابعه، وَيُسَمَّى فِيهِ، ويُحلقُ رَأسُهُ» (٢).\nقال الإمام ابن الأثير ﵀: «كل غُلام رَهِينة بعَقيقته» الرَّهينة: الرَّهْن، والهاءُ للمبالغة، كالشَّتِيمة والشتْم، ثم استُعْمِلا بمعنى المَرْهُون، فقيل: هو رَهْن بكذا، ورَهِينَة بكذا، ومعنى قوله - ﷺ -: «رهينة بعقَيِقته» أن\nالعقَيِقَة لازِمةٌ له لا بُدَّ منها، فشبَّهه في لُزومها له، وعَدم انْفِكاكه منها بالرَّهن في يَدِ المُرْتَهن، قال الخطابي: تكلَّم الناسُ في هذا، وأجْودُ ما قيل\n_________\n(١) البخاري، كتاب العقيقة، باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة، برقم ٥٤٧١، ٥٤٧٢، وأحمد في المسند، ٢٦/ ٩٧٠، برقم ٦٢٣١، وقد أخرجه أحمد في مواضع بأرقام، هي: ١٦٢٢٦، ١٦٢٢٩، ١٦٢٣٠، ١٦٢٣٢، ١٦٢٤٠، ١٦٢٤١، ١٧٨٧١، ١٧٨٧٣، ١٧٨٧٥، ١٧٨٨٥، ١٧٨٨٦، وأبو داود، برقم ٢٨٣٩، والترمذي، برقم ١٥١٥، والنسائي، برقم ٤٢١٤.\n(٢) أحمد في المسند، ٣٣/ ٢٧١، برقم ٢٠٠٨٣، ورقم ٢٠١٩٣، ورقم ٢٠١٩٤، وأبو داود، كتاب الضحايا، بابٌ في العقيقة، برقم ٢٨٣٨، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب من العقيقة، برقم ١٥٢٢، والنسائي، كتاب العقيقة، باب متى يعق، برقم ٤٢٢٠، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب العقيقة، برقم ٣١٦٥، وقد صح سماع الحسن من سمرة بن جندب، فإنه صرَّح بالسماع، فقد روى البخاري في إثر حديث سلمان بن عامر الضبّي عن عبد اللَّه بن أبي الأسود، حدثنا قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته فقال: من سمرة بن جندب» [صحيح البخاري، قبل الحديث رقم ٥٤٧٣]، وقال محققو مسند أحمد، ٣٣/ ٢٧١: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، وقد صرّح الحسن البصري بسماعه لهذا الحديث من سمرة». والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١٩٦، وفي سائر السنن.","vol":"1","page":665},{"text":"فيه ما ذَهب إليه أحمدُ بن حنْبَل، قال: هذا في الشفاعَةِ، يريدُ أنه إذا لم يُعَقَّ عنه فمات طِفلًا لم يَشْفَع في والدَيه، وقيل: معناه أنه مَرهون بأذَى شَعَره، واستدَلُّوا بقوله: «فأمِيطُوا عنه الأذَى» وهو ما عَلق به من دَم الرَّحِم» (١) (٢).\nوقال العلامة ابن القيم ﵀: «والرهن في اللغة: الحبس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣)،وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنّهُ رَهِينَةٌ فِي نَفْسِهِ، مَمْنُوعٌ مَحْبُوسٌ عَنْ خَيْرٍ يُرَادُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ حُبِسَ بِتَرْكِ أَبَوَيْهِ الْعَقِيقَةَ عَمّا يَنَالُهُ مَنْ عَقّ عَنْهُ أَبَوَاهُ، وَقَدْ يَفُوتُ الْوَلَدَ خَيْرٌ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ الْأَبَوَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَسْبِهِ، كَمَا أَنّهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ إذَا سَمّى أَبُوهُ لَمْ يَضُرّ الشّيْطَانُ وَلَدَهُ، وَإِذَا تَرَكَ التّسْمِيَةَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَلَدِ هَذَا الْحِفْظُ، وَأَيْضًا؛ فَإِنّ هَذَا إنّمَا يَدُلّ عَلَى أَنّهَا لَازِمَةٌ لَا بُدّ مِنْهَا، فَشَبّهَ لُزُومَهَا وَعَدَمَ انفكاك المولود عنها بالرهن، وقد\nيستدل بهذا من يرى وجوبها: كَاللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، وَأَهْلِ الظّاهِرِ، وَاللَّه أَعْلَمُ» (٤).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، ٢/ ٢٨٥.\n(٢) وقال الإمام السندي في حاشيته على سنن النسائي، ٧/ ١٦٦: «وقال التوربشتي: أي إنه كالشيء المرهون، لا يتم الانتفاع به دون فكّه، والنعمة إنما تتم على المنعم عليه بقيامه بالشكر، ووظيفته، والشكر في هذه النعمة: ما سنَّه النبي - ﷺ -، وهو أن يعق عن المولود شكرًا لله تعالى، وطلبًا لسلامة المولود، ويحتمل أنه أراد بذلك: أن سلامة المولود، ونشوؤه على النعت المحمود رهينة بالعقيقة ...».\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار، ٣/ ٥٠٣: «... وقيل: إنه مرهون بالعقيقة، بمعنى: أنه لا يُسمَّى، ولا يحلق شعره إلا بعد ذبحها، وبه صرّح صاحب المشارق ...».\n(٣) سورة المدثر، الآية: ٣٨.\n(٤) زاد المعاد، ٢/ ٣٢٦، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ٣٢٦: «المقصود بقوله: «كل غلام رهينة بعقيقته»: اللَّه أعلم بمراده، وتفسيره بأنه محبوس عن الشفاعة لوالديه لا دليل عليه، فهو مرتهن، وقد يكون كما قال المؤلف: محبوس عن خير يُراد به، أو غيره، والعلم عند اللَّه، المهم أنه مرتهن بعقيقته حتى يُعقّ عنه».","vol":"1","page":666},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1137>الحديث الثالث: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄</span>، قال:: سُئل رسول اللَّه - ﷺ - عن العقيقة، فقال: «لا يحبُّ اللَّه العقوق» وكأنه كره الاسم، قال لرسول اللَّه - ﷺ -: إنما سألك: أحدُنا يولَدُ له؟ فقال: «من أحب أن ينْسُك عن ولده، فلينسك عنه، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية: شاة»، قال داود [راويه]: سألت زيد بن أسلم عن «المكافئتان؟» قال: الشاتان: المشبَّهتان تذبحان جميعًا، وهذا لفظ النسائي، ولفظ أحمد: سُئل عن العقيقة فقال: «إن اللَّه لا يحب العقوق» وكأنه كره الاسم، قالوا: يا رسول اللَّه، إنما نسألك عن أحدنا يولد له؟ قال: «من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام: شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة»، ولفظ أبي داود: «لا يحب اللَّه العقوق» كأنه كره الاسم، وقال: «من ولد له ولد فأحبَّ أن ينسك عنه فلينسك: عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>الحديث الرابع: حديث عائشة ﵂: </span>أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة»، وهذا لفظ أحمد، وفي لفظ له آخر: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ -: أن نعقَّ عن الجارية شاة، وعن الغلام\n_________\n(١) النسائي، كتاب العقيقة، برقم ٤٢١٢، وأبو داود، كتاب الضحايا، بابٌ في العقيقة، برقم ٢٨٤٢، وأحمد، ٢/ ١٨٢، والنسخة المحققة، برقم ٦٧١٣، ٦٨٢٢، وقال الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ١٣٧: «حسن صحيح»، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦٥٥، وإرواء الغليل، ٤/ ٣٦٢.","vol":"1","page":667},{"text":"شاتين»، ولفظ الترمذي: «أن رسول اللَّه - ﷺ - أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتانِ، وعن الجارية شاة» (١).\nومعنى: «مكافأتان»، و«مكافئتان» واحد: والمعنى يجزئ في عقيقته: شاتان متساويتان في السن، والشَّبه، ولا ينزل سنهما عن سنِّ أدنى ما يجزئ في الأضحية، وتذبحان جميعًا (٢).\nوأما قوله - ﷺ -: «لا يحب اللَّه العقوق» فقد قال الإمام ابن عبد البر رحمه\n_________\n(١) أحمد، ٤٠/ ٣٠، برقم ٢٤٠٢٨، وبرقم ٢٥٢٥٠، وبرقم ٢٦١٣٤، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما جاء في العقيقة، برقم ١٥١٣، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب العقيقة، برقم ٣١٦٣، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٦٤، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ٩٢.\n(٢) وذكر ابن حجر عن زيد بن أسلم أنه سئل عن قوله: «مكافئتان» فقال: متشابهتان تذبحان جميعًا، أي لا يؤخر ذبح إحداهما عن الأخرى، وحكى أبو داود عن أحمد: المكافأتان: المتقاربتان، قال الخطابي: أي في السنِّ، وقال الزمخشري: معناه: متعادلتان لما يجزئ في الزكاة والأضحية، وأولى من ذلك كله ما وقع في رواية سعيد بن منصور في حديث أم كرزٍ من وجه آخر عن عبيد بن أبي يزيد بلفظ: «شاتان مثلان»، ووقع عند الطبراني في حديث آخر، قيل: ما المكافئتان؟ قال: المثلان، وما أشار إليه زيد بن أسلم: من ذبح إحداهما عقب الأخرى حسن، ويحتمل الحمل على المعنيين معًا» [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٩٢]، وانظر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٥/ ١٠٣.\nوقال الإمام السندي الحنفي في شرحه على سنن ابن ماجه، ٣/ ٥٤٩: «قوله عن الغلام» أي يجزئ في عقيقته: «شاتان مكافئتان» - بالهمز -، أي: متساويتان في السن، بمعنى أن لا ينزل سنهما عن سنِّ أدنى ما يجزئ في الأضحية، وقيل: متساويتان: أي متقاربتان، وهو من كسر الفاء، من مكافأه: إذا ساواه، قال الخطابي: المحدثون يفتحون الفاء «مكافأتان»، وأراد أنه أولى؛ لأنه يريد أن يساوى بينهما، وأما بالكسر «مكافِئتان» فلا، وقال الزمخشري: لا فرق بين الفتح والكسر؛ لأن كل واحدة إذا كانت أختها فقد كوفئت، فهي كافية ومكافأة.\nحاصله: أن الأصل في الفتح والكسر: اعتبار المساواة بالنظر إلى ثالث، فعلى الكسر هما يساويان الثاني، وعلى الفتح يساويهما ثالث، كما هو شأن باب المفاعلة، فإن اكتفى بمساواة إحداهما الأخرى فيصح الفتح والكسر جميعًا. فإن كل واحدة فاعلة لهذه المساواة، ومفعولة، ثم قال الزمخشري: يحتمل أن معناه: متساويتان لما يجب في الأضحية في السِّنَّيْن، ويحتمل مع الفتح: أن يراد مذبوحتان، من كافأ الرجل بين بعيرين إذا نحر هذا ثم هذا معًا، من غير تعيين: كأنه يريد شاتين يذبحهما معًا». وانظر أيضًا: حاشية السندي على سنن النسائي، ٧/ ١٦٤.","vol":"1","page":668},{"text":"اللَّه: «وفي هذا الحديث كراهية ما يقبح معناه من الأسماء، وكان رسول اللَّه - ﷺ - يحب الاسم الحسن، ويعجبه الفأل الحسن ... وكان الواجب بظاهر الحديث أن يقال للذبيحة عن المولود: نسيكه ولا يقال: عقيقة، لكني لا أعلم أحدًا من العلماء مال إلى ذلك، ولا قال به، وأظنهم - واللَّه أعلم - تركوا العمل بهذا المعنى المدلول عليه من هذا الحديث؛ لما صح عندهم من لفظ العقيقة ...»، ثم ذكر حديث سمرة بن جندب - ﵁ -: «كل غلام رهينة بعقيقتة»، «تذبح عنه يوم سابعه، ويُسَمَّى فيه، ويحلق رأسه» (١).\nوحديث سلمان العنسي - ﵁ -: «مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى» (٢)، ثم قال: «... وهما حديثان ثابتان، إسناد كل واحد منهما خير من إسناد حديث زيد بن أسلم هذا» (٣).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في العقيقة: «لا حرج في تسميتها بالعقيقة؛ لتسمية النبي - ﷺ -[لها بذلك] (٤) في الأحاديث الصحيحة» (٥).\n_________\n(١) أحمد، ٣٣/ ٢٧١، برقم ٢٠٠٨٣، ٢١٩٣، ٢١٩٤، وأبو داود، برقم ٢٨٣٨، وبقية أصحاب السنن وتقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، برقم ٥٤٧١، ٥٤٧٢، بنحوه، وأحمد في المسند، ٢٦/ ١٧٠، برقم ٦٢٣١، وتقدم تخريجه.\n(٣) التمهيد لابن عبد البر، ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(٤) سمعته من شيخنا ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٤٧٢. وسمعته أيضًا يقول أثناء تقريره على زاد المعاد لابن القيم، ٢/ ٣٢٥: «... العقيقة سنة مؤكدة، وهي كالأضحية: يأكل، ويهدي، ويتصدق، وفي الأحاديث الصحيحة سمَّاها [النبي]- ﷺ -، فقال: «كل غلام رهينة بعقيقته» فلا بأس بتسميتها عقيقة»، وسمعته يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ٣٣٢، عن خبر جعفر بن محمد عن أبيه: يرفعه مرسلًا: «ابعثوا إلى بيت القابلة برجل، وكلوا، وأطعموا، ولا تكسروا منها عظمًا» [أخرجه البيهقي، ٩/ ٣٠٢، وأبو داود في المراسيل]، قال شيخنا: وهذا مرسل، والمرسل لا حجة فيه، فيأكل، أو يهدي، أو يتصدق ما تيسَّر، وكسر العظم لا بأس به، وذكر بعضهم أن هذا يترك تفاؤلًا».\n(٥) وقال العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب تحفة المودود بأحكام المولود، ص ٣٧: «الفصل السادس: هل تكره تسميتها عقيقة: اختلف فيه فكرهت ذلك طائفة، واحتجوا بأن رسول اللَّه - ﷺ - كره الاسم، فلا ينبغي أن يطلق على هذه الذبيحة الاسم الذي كرهه، قالوا: فالواجب بظاهر هذا الحديث أن يقال لها: نسيكة، ولا يقال لها عقيقة.\nوقالت طائفة أخرى: لا يكره ذلك، ورأوا إباحته، واحتجوا بحديث سمرة: «الغلام مرتهن بعقيقته»، وبحديث سلمان بن عامر: «مع الغلام عقيقة»، ففي هذين الحديثين لفظ العقيقة، فدل على الإباحة، لا على الكراهة، قال أبو عمر: .. وعلى هذا كتب الفقهاء في كل الأمصار ليس فيها إلا العقيقية لا النسيكة، قال: على أن حديث مالك هذا ليس فيه التصريح بالكراهة، وكذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إنما فيهما: كأنه كره الاسم، وقال: «من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل».\nثم قال ابن القيم ﵀: «قلت: ونظير هذا اختلافهم في تسمية العشاء بالعتمة، وفيه روايتان عن أحمد، والتحقيق في الموضعين كراهة هجر الاسم المشروع: من العشاء والنسيكة، والاستبدال به اسم العقيقة والعتمة، فأما إذا كان المستعمل هو الاسم الشرعي، ولم يهجر، وأطلق الاسم الآخر أحيانًا فلا بأس بذلك، وعلى هذا تتفق الأحاديث وباللَّه التوفيق» انتهى كلام ابن القيم ﵀، ص ٣٧.\nوقال العلامة السندي ﵀ في حاشيته على سنن النسائي، ٧/ ١٦٢ - ١٦٣: «وكأنه كره الاسم» يريد أنه ليس فيه توهين لأمر العقيقة، ولا اسقاط لوجوبها، وإنما استبشع الاسم وأحب أن يسميه بأحسن منه، كالنسيكة، والذبيحة، ولذلك قال: «من أحب أن ينسُك عن ولده» بضم السين: أي يذبح، قال: التوربشتي: هذا الكلام هو كأنه كره الاسم غير سديد، أُدرج في الحديث من قول بعض الرواة، ولا يُدرى من هو، وبالجملة فقد صدر عن ظن يحتمل الخطأ، والظاهر أنه ها هنا خطأ؛ لأنه - ﷺ - ذكر العقيقة في عدة أحاديث، ولو كان يكره لعدل عنه إلى غيره، ومن سنته تغيير الاسم إذا كرهه، والأوجه أن يقال: يحتمل أن السائل ظن أن اشتراك العقيقة مع العقوق في الاشتقاق مما يوهن أمرها، فأعلم النبي - ﷺ - أنَّ الذي كرهه اللَّه تعالى من هذا الباب هو العقوق لا العقيقة، ويحتمل أن العقوق هنا مستعار للولد بترك العقيقة: أي لا يحب أن يترك الوالد حق الولد الذي هو العقيقة، كما لا يحب أن يترك الولد حق الوالد الذي هو حقيقة العقوق ... واللَّه تعالى أعلم». انتهى كلام الإمام السندي.","vol":"1","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1139>ثالثًا: وقت العقيقة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>الأفضل أن تذبح عن المولود اليوم السابع</span>، وإن ذُبحت قبل ذلك بعد الولادة فلا بأس، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «فإن ذبحها قبل السابع جاز؛ لأنه فعلها بعد سببها، فجاز كتقديم الكفارة على الحنث ...» (١)، ولكن السنة أن تذبح في اليوم السابع، قال الإمام ابن قدامة: «وإن ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأه» (٢)، وقد دلَّت السنة الثابتة على مشروعية الالتزام بالسنة في اليوم السابع (٣)؛\n_________\n(١) الكافي لابن قدامة، ٢/ ٤٩٨.\n(٢) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٩٧.\n(٣) قال ابن القيم في تحفة المودود بأحكام المولود، ص٤٣: «قال مالك: ولا يعد اليوم الذي ولد فيه، إلا أن يولد قبل الفجر من ليلة ذلك اليوم» وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٩/ ٥٩٥.\nوقال أصحاب الموسوعة الفقهية، ٣٠/ ٢٧٨: «ذهب الشافعية، والحنابلة إلى أن وقت ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود، فلا تصح قبله، بل تكون ذبيحة عادية، وذهب الحنفية والمالكية إلى أن وقت العقيقة يكون في سابع الولادة، ولا يكون قبله، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن يوم الولادة يحسب من السبعة، ولا تحسب الليلة إن ولد ليلًا، بل يحسب اليوم الذي يليها، وقال المالكية: لا يحسب يوم الولادة في حق من ولد بعد الفجر، وأما من ولد مع الفجر أو قبله، فإن اليوم يحسب في حقه، وقالت المالكية: إن وقت العقيقة يفوت بفوات اليوم السابع، وقالت الشافعية: إن وقت الإجزاء في حق الأب ونحوه ينتهي ببلوغ المولود، وقال الحنابلة وهو قول ضعيف عند المالكية: إن فات ذبح العقيقة في اليوم السابع يسن ذبحها في الرابع عشر، فإن فات ذبحها فيه انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين من ولادة المولود، فيسن ذبحها فيه، وهو قول عند المالكية، وهذا مروي عن عائشة ﵂ ....»، قال ابن القيم في تحفة المودود بأحكام المولود، ص ٤٣: «والظاهر أن التقييد بذلك استحبابًا، وإلا فلو ذبح عنه في الرابع، أو الثامن، أو العاشر، أو ما بعده أجزأت، والاعتبار بالذبح لا بالطبخ والأكل».\nوقال سماحة شيخنا ابن باز في مجموع فتاويه، ٢٦/ ٢٦٦ في شأن من لم يُعقَّ عنه: «... يستحب أن يعق عن نفسه؛ لأن العقيقة سنة مؤكدة، وقد تركها والده، فشرع له أن يقوم بها إذا استطاع لعموم الأحاديث». وسمعته أيضًا يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ٣٣٢: «والمقصود أن الإنسان إذا لم يعق عنه والده استحب له أن يعق عن نفسه؛ لأنها سنة، وكونها تجاوزت اليوم السابع لا يؤثر؛ لأنه من باب الأفضلية».\nوسمعت شيخنا ابن باز يذكر: أن من فاته اليوم السابع، فإنه لا يُحدِّد ذبح العقيقة بيومٍ معيَّن، فيذبح في أي وقت تيسر له.","vol":"1","page":671},{"text":"لحديث سمرة بن جندب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلق رأسُه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1141>رابعًا: مقدار ما يذبح في العقيقة:</span>\nالسنة أن يذبح عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ؛ للأحاديث الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>الحديث الأول: حديث أم كرز الكعبية ﵂</span>، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ»، هذا لفظ النسائي، وفي لفظٍ له أيضًا: قالت ﵂: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بِالْحُدَيْبِيَةِ أَسْأَلُهُ عَنْ لُحومِ\nالْهَدْيِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «عَلَى الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَلَى الْجَارِيَةِ شَاةٌ، لَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا»، ولفظ أبي داود: «عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ»، قال أبو داود: سمعت أحمد قال: مكافِئتان، أي مستويتان، أو متقاربتان»، وفي لفظ لأبي داود: قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مِثْلاَنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» (٢).\n_________\n(١) أحمد، برقم ٢٠٠٨٣، ورقم ٢٠١٩٣، وأبو داود، برقم ٢٨٣٨، والترمذي، برقم ١٥٢٢، والنسائي، برقم ٤٢٢٠، وابن ماجه، برقم ٣١٦٥، وصححه الألباني وتقدم تخريجه.\n(٢) النسائي، كتاب العقيقة، باب العقيقة عن الغلام، برقم ٤٢١٥، ٤٢١٦، ٤٢١٧، ٤٢١٨، وأبو داود، كتاب الضحايا، بابٌ في العقيقة، برقم ٢٧٣٤، ورقم ٢٨٣٦، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب الأذان في أذن المولود، برقم ١٥١٦، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب العقيقة، برقم ٣١٦٢، وأحمد، ٤٥/ ١١٣، برقم ٢٧١٣٩، ورقم ٢٧١٤٢، ٢٧١٤٣، ٢٧٣٧١، ٢٧٣٧٢، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن النسائي، وفي سائر صحيح السنن الأربع.","vol":"1","page":672},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1143>الحديث الثاني: حديث ابن عمر ﵄ </span>وفيه: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَنْسُكْ عَنْهُ: عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ»، هذا لفظ النسائي، ولفظ أبي داود: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ: عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1144>الحديث الثالث: حديث عائشة ﵂</span>، قالت: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ -: أن نعقَّ عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>الحديث الرابع: حديث ابن عباس ﵄</span>، قال: «عقَّ رسول اللَّه\n- ﷺ - عن الحسن والحسين - ﵃ -: بكبشين كبشين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>الحديث الخامس: حديث أسماء بنت يزيد ﵂</span>، عن النبي - ﷺ - قال: «عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» (٤).\n_________\n(١) النسائي، برقم ٤٢١٢، وأبو داود، برقم ٢٨٤٢، وأحمد، برقم ٦٧١٣، ٦٨٢٢، وتقدم تخريجه في حكم العقيقة عن المولود، الحديث الثالث.\n(٢) الترمذي، برقم ١٥١٣، وابن ماجه، واللفظ له، برقم ٣١٣٦، وأحمد، ٤٠/ ٣٠، برقم ٢٤٠٢٨، ورقم ٢٥٢٥٠، ورقم ٢٦١٣٤، وتقدم تخريجه في حكم العقيقة، الحديث الرابع.\n(٣) النسائي بلفظه، كتاب العقيقة، باب لم يعق عن الجارية، برقم ٤٢١٩، وأبو داود، كتاب الضحايا، بابٌ في العقيقة، برقم ٢٨٤١، بلفظ: كبشا كبشًا، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ١٣٩، وفي صحيح أبي داود، ٢/ ١٩٧، وقال عن رواية النسائي: «بكبشين كبشين»، وهو الأصح.\n(٤) أحمد في المسند، ٦/ ٤٥٦، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم ٤١٠٥.\nوقد عزاه ابن حجر في فتح الباري، ٩/ ٥٩٢ بلفظ آخر إلى أحمد فقال: «وعند أحمد من حديث أسماء بنت يزيد عن النبي - ﷺ -: «العقيقة حق عن الغلام شاتان، مكافئتان، وعن الجارية شاة»، وبحثت له بهذا اللفظ في أحمد، فلم أجد إلا اللفظ الذي قبل هذا.","vol":"1","page":673},{"text":"وسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «السنة في العقيقة: شاتان عن الغلام، وشاة عن الجارية، ولا حرج أن يزيد إذا كان عنده ضيوف كثير ولا يكفيهم، والعقيقة أمرها واسع، سواء وزَّعها على إخوانه، أو أكل بعضًا وأهدى بعضًا، أو دعا عليها إخوانه، والسنة مثل الضحية، وإزالة شعر الرأس بالحلق خاص بالغلام» (١).\nوهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أن السنة أن يُذبح عن الغلام شاتان متماثلتان متقاربتان، وعن الجارية شاة، يتقرب بها العبد إلى اللَّه تعالى شكرًا على نعمته بهذا المولود (٢).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٤٧٢.\n(٢) قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى: «وهذه الأحاديث حجة الجمهور في التفرقة بين الغلام والجارية، وعن مالك: هما سواء، فيعق عن كل واحد منهما شاة، واحتج بما جاء: «أن النبي - ﷺ - عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا»، [أخرجه أبو داود، برقم ٢٨٤١]، فقد أخرجه أبو الشيخ من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: «كبشين كبشين»، وأخرج أيضًا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مثله، وعلى تقدير ثبوت رواية أبي داود فليس في الحديث ما يرد به الأحاديث المتواردة في التنصيص على التثنية للغلام، بل غايته أن يدل على جواز الاقتصار، وهو كذلك، فإن العدد ليس شرطًا بل مستحب، وذكر الحليمي: أن الحكمة في كون الأنثى على النصف من الذكر أن المقصود استيفاء النفس، فأشبهت الدية، قوَّاه ابن القيم بالحديث الوارد: أن من أعتق ذكرًا عتق كل عضو منه، ومن أعتق جاريتين كذلك، إلى غير ذلك مما ورد، ويحتمل أن يكون في ذلك الوقت ما تيسر العدد. واستدل بإطلاق الشاة والشاتين على أنه لا يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، وفيه وجهان للشافعية، وأصحهما يشترط، وهو بالقياس لا بالخبر، ويذكر الشاة والكبش على أنه يتعين الغنم للعقيقة، وبه ترجم أبو الشيخ الأصبهاني، ونقله ابن المنذر عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وقال البندنيجي من الشافعية: لا نص للشافعي في ذلك، وعندي أنه لا يجزئ غيرها، والجمهور على إجزاء الإبل والبقر أيضًا، وفيه حديث عند الطبراني، وأبي الشيخ عن أنس رفعه: «يعق عنه: من الإبل، والبقر، والغنم، ونص أحمد على اشتراطه كامله، وذكر الرافعي بحثًا أنها تتأدى بالسبع كما في الأضحية، واللَّه أعلم» [فتح الباري، ٩/ ٥٩٢ - ٥٩٣].\nقال ابن القيم ﵀: «الفصل السادس: هل تشرع العقيقة بغير الغنم، كالإبل والبقر أم لا؟ وقد اختلف الفقهاء هل يقوم غير الغنم مقامها في العقيقة، ثم ذكر: عن أنس، وأبي بكرة، أنهما كانا يعقان عن أولادهما بالجزور. ثم قال: «وأنكر بعضهم ذلك، وقال: أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - بشاتين عن الغلام، وعن الجارية بشاة، ولا يجوز أن يعق بغير ذلك، وثبت أن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ولدت غلامًا للمنذر بن الزبير، فقيل لها: هلا عقيت جزورًا؟ فقالت: معاذ اللَّه، كانت عمتي تقول: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة». [البيهقي، ٩/ ٣٠١، وهو حديث صحيح]. ثم قال ابن القيم: «قال ابن المنذر: ولعل حجة من رأى العقيقة تجزئ بالإبل، والغنم والبقر قول النبي - ﷺ -: «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دمًا»، ولم يذكر دمًا دون دم، فما ذبح للمولود على ظاهر هذا الخبر يجزئ، قال: ويجوز أن يقول قائل: إن هذا مجمل وقول النبي - ﷺ -: «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة» مفسَّر، والمفسَّر أولى من المجمل». [انظر: تحفة المودود بأحكام المولود، ص٥٤ - ٥٥].\nقلت: والذي يظهر لي: أنه لا يُعدل عن أحاديث النبي - ﷺ - إلى أقوال الرجال، فقول: من قال: إنه لا يجزئ إلا الغنم قول قوي، وهو الصواب والعلم عند اللَّه تعالى.","vol":"1","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1147>خامسًا: السنُّ المجزئ في العقيقة سنّ الضحايا والهدايا:</span>\nقال العلامة ابن القيم ﵀: «وفي قوله - ﷺ -: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ ...» (١) (٢).\nفاستنبط ﵀، أن هذا الحديث دليل على أنه إنما يجزئ في العقيقة ما يجزئ في النسك: من الضحايا، والهدايا؛ ولأنه ذبح مسنون إما\n_________\n(١) النسائي، برقم ٤٢١٢،وأبو داود، برقم ٢٨٤٢،وأحمد، برقم ٦٧١٣،وتقدم تخريجه في حكم العقيقة.\n(٢) تحفة المودود، بأحكام المولود، ص٥٢.","vol":"1","page":675},{"text":"وجوبًا، وإما استحبابًا: يجري مجرى الهدي والأضحية:\nفي الصدقة، والهدية، والأكل، والتقرب إلى اللَّه، فاعتبر فيها السنّ الذي يجزئ في الهدي والأضحية؛ ولهذا شُرِعَ في حق الغلام شاتان، وشرع أن تكونا مكافِئتين، لا تنقص إحداهما عن الأخرى، فاعتبر أن يكون سنّهما سنّ الذبائح المأمور بها؛ ولهذا جرت مجراها في عامة أحكامها (١)، ثم قال ابن القيم ﵀: «قال أبو عمر بن عبد البر: وقد أجمع العلماء: أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية، إلا من شذّ ممن لا يُعدُّ قوله خلافًا ... وقال مالك: العقيقة، بمنزله النسك، والضحايا، ولا يجوز عوراء، ولا عجفاء، ولا مكسورة، ولا مريضة، ولا يباع من لحمها شيء، ولا جلدها ... ويأكل أهلها منها ويتصدقون» (٢).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «... حكم العقيقة حكم الأضحية:\nفي سنِّها، وأنه يمنع فيها من العيوب ما يمنع فيها، ويستحب فيها من الصفة ما يستحبُّ فيها» (٣).\nوقال شيخنا ابن باز ﵀: «وقد عقَّ النبي - ﷺ - عن الحسن والحسين ﵄، وصاحبها مخير: إن شاء وزَّعها لحمًا بين الأقارب والأصحاب، والفقراء، وإن شاء طبخها ودعا إليها من شاء من الأقارب، والجيران، والفقراء، ...» (٤).\n_________\n(١) انظر: تحفة المودود، بأحكام المولود، ص ٥٢ - ٥٣.\n(٢) المرجع السابق، ص ٥٣.\n(٣) المغني لابن قدامه، ١٣/ ٣٩٩، وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، ٣٠/ ٢٧٩.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٨/ ٥١، وسمعت شيخنا ابن باز أثناء تقريره على منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية، على أحاديث رقم ٢٧٥٦ - ٢٧٦٨، وعلى زاد المعاد لابن القيم، ٢/ ٣٢٧.\nيقول: «العقيقة لم يحدد النبي - ﷺ - في توزيع لحمها بشيء، فإذا أكل وتصدق، وأهدى فلا حرج، وإن جمع الناس عليها فلا حرج؛ لأنها من باب الشكر لله تعالى على هذه النعمة، وقال بعض أهل العلم: إنها مثل الضحية: ثلاثة أثلاث، والصواب أن الأمر مطلق، فما أطلقه اللَّه ورسوله نطلقه ...»، ثم قال: «... فللذي يذبح أن يفعل ما شاء باللحم»، وانظر: المغني لابن قدامه، ١٣/ ٤٠٠.","vol":"1","page":676},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1148>سادسًا: تسمية المولود في اليوم السابع من ولادته:</span>\nالأفضل والسنة أن يُسمَّى المولود في اليوم السابع من ولادته؛ لحديث سمرة بن جندب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «كلُّ غلامٍ رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلق رأسه» (١).\nوإن سمَّاه قبل السابع فلا بأس؛ لحديث أنس بن مالكٍ - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ فسميته باسم أبي إبراهيم - ﵇ - ..» (٢)؛\nولحديث أبي موسى - ﵁ -، قال: «وُلد لي غلامٌ فأتيت به النبي - ﷺ -، فسماه إبراهيم، فحنَّكه بتمرةٍ، ودعا له بالبركة، ودفعه إليَّ ...» (٣)؛ ولحديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: ذهبت بعبد اللَّه بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول اللَّه - ﷺ - حين وُلِدَ ورسول اللَّه - ﷺ - في عباءةٍ يهنأ (٤) بعيرًا له، فقال: «هل معك تمر؟» فقلت: نعم، فناولته تمراتٍ فألقاهن في فيه فلاكهن، ثم فغر فا الصبي (٥) فمجَّه في فيه، فجعل الصبي يتلمَّظه، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «حبُّ\n_________\n(١) أحمد، برقم ٢٠٠٨٣، ورقم ٢٠١٩٣، وأبو داود، برقم ٢٨٣٨، والترمذي برقم ١٥٢٢، والنسائي برقم ٤٢٢٠، وابن ماجه، برقم ٣١٦٥، وتقدم تخريجه في حكم العقيقة.\n(٢) مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، برقم ٢٣١٥.\n(٣) البخاري، كتاب العقيقة، باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه، برقم ٥٤٦٧.\n(٤) يهنأ بعيرًا له: أي يطليه بالقطران.\n(٥) فغر فاه: فتح فمه.","vol":"1","page":677},{"text":"الأنصار التمر»، وسماه عبد اللَّه (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وهذا يدلّ على شرعيه تسمية المولود أول ما يولد، وهذا سنة، ويدل على شرعية التحنيك في أول يوم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1149>سابعًا: تحسين اسم المولود، واختيار الاسم الذي لا محذور فيه شرعًا، ورد على أنواع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1150>النوع الأول: أحبُّ الأسماء إلى اللَّه تعالى </span>عبد اللَّه وعبد الرحمن؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إنَّ أحبَّ أسمائكم إلى اللَّه: عبد اللَّه، وعبد الرحمن»، هذا لفظ مسلم، ولفظ أبي داود\nوالترمذي: «أحبُّ الأسماء إلى اللَّه تعالى: عبد اللَّه وعبد الرحمن» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1151>النوع الثاني: أسماء سمَّاها النبي - ﷺ - ابتداءً</span>، ومنها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>١ - إبراهيم</span>؛ لحديث أبي موسى - ﵁ -، وفيه: «ولد لي غلامٌ، فأتيت به النبي - ﷺ -، فسمّاه إبراهيم، فحنَّكه بتمرٍ ودعا له بالبركة» (٤)؛ ولحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «وُلد لي الليلة غلامٌ، فسمّيته باسم أبي إبراهيم - ﵇ -» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>٢ - عبد اللَّه</span>؛ لحديث أنس - ﵁ -، وفيه: أن النبي - ﷺ - حنَّك ابن أبي طلحة،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب العقيقة، باب تسمية المولود، برقم ٥٤٧٠، ومسلم، واللفظ له، كتاب الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته، برقم ٢١٤٤.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٤٦٧.\n(٣) مسلم، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء، برقم ٢١٣٢، وأبو داود، برقم ٤٩٢٩، والترمذي، برقم ٢٨٣٣ ..\n(٤) البخاري، برقم ٥٤٦٧، وتقدم تخريجه في تسمية المولود.\n(٥) مسلم، برقم ٢٣١٥، وتقدم تخريجه في تسمية المولود.","vol":"1","page":678},{"text":"وسماه: «عبد اللَّه» (١).\n\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-1154> كنَّى بأمِّ عبد اللَّه</span>، فعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول اللَّه كلُّ صواحبي لهنَّ كُنى، قال: «فاكتني بابنك عبد اللَّه بن الزبير» [يعني ابن اختها]، فكانت تُكنَّى: أمُّ عبد اللَّه (٢).\nوَيُؤَيِّده حديث البراء بن عازب - ﵃ -، عن النبي - ﷺ - قال: «الخالة\nبمنزلة الأم» (٣).\n\n٤ - يوسف، عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، قال: «سمّاني رسول اللَّه - ﷺ - يوسف وأقعدني على حجره ومسح على رأسي» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1156>النوع الثالث: أسماء غيَّرها النبي </span>- ﷺ -:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1157>١ - «برَّة» </span>سمّاها زينب؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: أن زينب بنت أبي سلمة، كان اسمها برة (٥)،فقيل: تُزكِّي نفسها، فسماها رسول اللَّه - ﷺ - «زينب» (٦).\n_________\n(١) البخاري، برقم ٥٤٧٠، ومسلم، برقم ٢١٤٤، وتقدم تخريجه في تسمية المولود، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه سمى أكثر من واحد باسم (عبد اللَّه).\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب في المرأة تكنى، برقم ٤٩٧٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود، ٣/ ٢٢١.\n(٣) الترمذي، كتاب البر، باب ما جاء في بر الخالة، برقم ١٩٠٤، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٢١٩٠، وفي صحيح الترمذي، ٢/ ٣٤٣.\n(٤) البخاري، في الأدب المفرد، برقم ٣٦٧، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ١٤٧، وصحح الحافظ ابن حجر إسناده في فتح الباري، ١٠/ ٤٨٦.\n(٥) برة، اسم امرأة، وهو تأنيث بَرّ، والبَرُّ: ضد الفاجر. [جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٣٧٢].\n(٦) البخاري، كتاب الآداب، باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه، برقم ٦١٧٢، ومسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، برقم ٢١٤١.","vol":"1","page":679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1158>٢ - «برة» </span>أسماها جويرية؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: كانت جويرية اسمها برة، فحوّل رسول اللَّه - ﷺ - اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال خرج من عند برّة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>٣ - «عاصية»</span>، سمّاها جميلة؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن رسول اللَّه - ﷺ - غيّر اسم عاصية، وقال: «أنت جميلة»، وفي رواية: أن ابنة لعمر كانت\nيقال لها عاصية، فسمّاها رسول اللَّه - ﷺ - «جميلة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>٤ - «أبو الحكم» </span>كَنَّاه النبيُّ - ﷺ - بأبي شريح أكبر أولاده، فقد كان يكنى بأبي الحكم فقال النبي - ﷺ -: «إن اللَّه هو الحكم وإليه الحكم»، ثم سأل الرجل عن أكبر أولاده؟ فقال: شريح، فقال النبي - ﷺ -: «فأنت أبو شريح» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>٥ - «أصرم» </span>إلى زُرْعة؛ لحديث أسامة - ﵁ -، وفيه: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال لرجل: «ما اسمك؟» قال: أنا أصرم، قال: «بل أنت زُرْعة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>٦ - «حزْن» </span>إلى سهل، سأل النبي - ﷺ - جدَّ سعيد بن المسيب، فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ؟»، قَالَ: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: «بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ»، قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ»،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، وتغيير اسم برة إلى زينب وجويرية، ونحوهما، برقم ٢١٣٩.\n(٢) مسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، برقم ٢١٤٠.\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب تغيير الاسم القبيح، برقم ٤٩٥٥، والنسائي كتاب آداب القضاة، برقم ٥٤٠٢، ٨/ ٢٢٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٢١٦.\n(٤) أبو داود، كتاب الأدب، باب تغيير الاسم القبيح، برقم ٤٩٥٤، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٢١٦.","vol":"1","page":680},{"text":"هذا لفظ البخاري، ولفظ أبي داود، قال: «أنت سهل»، قال: لا، السَّهْلُ يُوطأ ويُمتهن» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>٧ - «فلان» </span>إلى المنذر؛ لحديث سهل، وفيه أن النبي - ﷺ - سأل أبا أُسَيد عن اسم ولده فقَالَ: «مَا اسْمُهُ؟»، قَالَ: فُلَانٌ، فقَال النَّبيّ - ﷺ -: «وَلَكِنْ\nأَسْمِهِ الْمُنْذِرَ» فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ (٢).\nقَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَغَيَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - اسْمَ: الْعَاصِ، وَعَزِيزٍ، وَعَتَلَةَ، وَشَيْطَانٍ، وَالْحَكَمِ، وَغُرَابٍ، وَحُبَابٍ، وَشِهَابٍ، فَسَمَّاهُ هِشَامًا، وَسَمَّى حَرْبًا سَلْمًا، وَسَمَّى الْمُضْطَجِعَ الْمُنْبَعِثَ، وَأَرْضًا تُسَمَّى عَفِرَةَ سَمَّاهَا خَضِرَةَ، وَشِعْبَ الضَّلاَلَةِ سَمَّاهُ شِعْبَ الْهُدَى، وَبَنُو الزِّنْيَةِ سَمَّاهُمْ بَنِي الرِّشْدَةِ، وَسَمَّى بَنِي مُغْوِيَةَ بَنِي رِشْدَةَ» (٣).\nوعن أبي وهب الجشمي - ﵁ -،وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «... وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّه: عَبْدُ اللَّه وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>ومعاني الأسماء المذكورة آنفًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>١ - أصرم: </span>إنما كره أصرم لما فيه من معنى الصرم: وهو القطع.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه، برقم ٦١٩٣، وأبو داود، كتاب الآداب، باب في تغيير الاسم القبيح، برقم ٤٩٥٦.\n(٢) البخاري، كتاب الأدب، باب تحويل الاسم أحسن منه، برقم ٦١٩١.\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب تغيير الاسم القبيح، على إثر حديث رقم ٤٩٥٦، قال أبو داود: «تركت إسنادها للاختصار»، وصححها الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٢١٧.\n(٤) أبو داود، كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء، برقم ٤٩٥٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٢١٤، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٠٤، و١٠٤٠.","vol":"1","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1166>٢ - زرعة: </span>جعله زرعة؛ لأنه من الزرع والزرع النبات، وهو ضد القطع (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>٣ - حزن: </span>الحزونة: ضد السهولة، وهو ما خشن وغلظ من الأرض، ومعنى: «يمتهن»: يداس (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>٤ - عتلة: </span>العتلة: الشدة والغلظة، يقال: عتلت الرجل إذا جذبته جذبًا عنيفًا، ومنه قيل: رجل عُتلٌّ، وهو الجافي الغليظ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>٥ - عزيز: </span>إنما كره العزيز؛ لأن العبد موصوف بالذل والخضوع لله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1170>٦ - شهاب: </span>وكره شهابًا؛ لأن الشهاب الشعلة؛ ولأنه يرجم به الشيطان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>٧ - غراب: </span>وكره غرابًا؛ لأن معناه البعد، والغراب من أخبث الطيور، وقد أُبيح قتله في الحلِّ والحرم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>٨ - عفرة: </span>العفرة من عفر الأرض، وهو لونها، ورويت عثرة بالثاء، وهي التي لا نبات فيها، إنما هي صعيد، علاها العثير: وهو الغبار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>٩ - بني الزنيّة: </span>يقال فلان لزنية، إذا كان ولد زنا، وفلان لرشدة إذا كان النكاح صحيحًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1174>١٠ - الحُبَاب: </span>الحيَّة، وبه يسمَّى الشيطان حُبابًا (٣).\n_________\n(١) جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٣٧٤.\n(٢) المرجع السابق، ١/ ٣٧٦.\n(٣) انظر هذه المعاني: جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٣٧٦.","vol":"1","page":682},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1175>١١ - حرب: </span>تركه لما فيها من القتل والأذى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>١٢ - مُرّة: </span>معناها المُرّ، والمُرُّ: كريه بغيض إلى الطباع (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>النوع الرابع: أسماء نهى عنها النبي - ﷺ </span>-:\nعن سمرة بن جندب - ﵁ -، قال: «نهانا رسول اللَّه - ﷺ -: أن نسمِّيَ\nرقيقنا، بأربعة أسماء: أفلح، ورباح، ويسار، ونافع» (٢).\nوفي رواية عن سمرة عن النبي - ﷺ -، وفيه: «وَلاَ تُسَمِّيَنَّ غُلاَمَكَ يَسَارًا، وَلاَ رَبَاحًا، وَلاَ نَجِيحًا، وَلاَ أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ فَلاَ يَكُونُ فَيَقُولُ: لاَ» (٣) (٤).\nوعن جابر - ﵁ - قال: «أَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ» (٥).\n_________\n(١) جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٣٥٩.\n(٢) مسلم، كتاب الآداب، باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة، برقم ٢١٣٦.\n(٣) مسلم، في الكتاب والباب السابقين، برقم ٢١٣٧.\n(٤) وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٦: «كان هذا النهي أولًا، ثم سمَّى الصحابة ببعض هذه الأسماء، فدلّ ذلك على أنه منسوخ، أو أقرّه بعد ذلك، أو أنه يكون للكراهة ... وقد أقرّ ﵊ اسم حكيم بن حزام، واللَّه - ﷿ - ذكر اسم امرأة العزيز، فللمخلوق ما يليق به، وللخالق ما يليق به، بخلاف الأسماء التي تدلّ على العظمة: كالخالق، والجبار، ورب العالمين، وغير ذلك فهذا لا يطلق إلا على اللَّه».\n(٥) مسلم، في الكتاب والباب السابقين، برقم ٢١٣٧.","vol":"1","page":683},{"text":"ومجموع الأسماء التي جاء النهي عنها في هذه الأحاديث على النحو الآتي:\n\n١ - يسار.\n٢ - رباح.\n٣ - نجيح.\n٤ - أفلح.\n٥ - يعلى.\n٦ - بركة.\n٧ - نافع.\n\nقال الإمام النووي ﵀: «يكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة في الحديث وما في معناها، ولا تختصّ الكراهة بها وحدها، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، والعلّة في الكراهة ما بيّنه - ﷺ - في قوله: «فإنك تقول: أثمَّ هو؟ فيقول: لا، فَكُرِه لبشاعة الجواب»، وربما أوقع بعض الناس في شيء من الطيرة، وأما قوله: أراد النبي - ﷺ -: أن ينهى عن هذه الأسماء، فمعناه: أراد أن ينهى عنها نهي تحريم، فلم ينه، وأما النهي الذي هو لكراهة التنزيه فقد نهى عنه في الأحاديث الباقية» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>النوع الخامس: أسماء محرمة لا يجوز التسمية بها:</span>\n* ملك الأملاك؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «إن أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّه رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ» [لا مَالِكَ إِلا اللَّه - ﷿ -]، قَالَ\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦.","vol":"1","page":684},{"text":"سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهِانْشَاه»، وفي لفظ: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عِنْدَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ، وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ، لا مَالِكَ إِلا اللَّه» هذه ألفاظ مسلم، ولفظ البخاري: «أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوٍْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّه رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ»، وفي لفظ للبخاري: «أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّه -وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ-: أَخْنَعُ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّه رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ» (١).\nومعنى: أخنع: الخانع الذليل، وقال أحمد: أخنع: أوضع (٢).\nومعنى: أخنى: الخنا: الفحش (٣).\nقال الإمام النووي ﵀: «واعلم أن التسمي بهذا الاسم حرام، وكذلك التَّسمي بأسماء اللَّه تعالى المختصة به: كالرحمن، والقدوس، والمهيمن، وخالق الخلق، ونحوها ...» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>النوع السادس: الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم</span>.\nفينبغي للعبد المسلم أن يختار الأسماء المحبوبة لله تعالى، والتي لا محذور فيها شرعًا، قال البخاري رحمه اللَّه تعالى: «بَابُ مَا يُدْعَى النَّاسُ بِآبَائِهِمْ»، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ الْغَادِرَ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب أبغض الأسماء إلى اللَّه، برقم ٦٢٠٥، ٦٢٠٦، ومسلم، كتاب الآداب، باب تحريم التسمِّي بملك الأملاك أو بملك الملوك، برقم ٢١٤٣.\n(٢) تفسير أحمد: أوضع، ذكره مسلم، على إثر حديث رقم ٢١٤٣، والذليل ذكره ابن الأثير في جامع الأصول، ١/ ٣٦٠.\n(٣) جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٣٦٠.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣٦٩، وانظر لزيادة البحث: فتح الباري، لابن حجر، ١٠/ ٥٨٩ - ٥٩٠.","vol":"1","page":685},{"text":"يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» (١).\nقال الإمام ابن حزم ﵀: «اتفقوا على استحسان الأسماء المضافة إلى اللَّه: كعبد اللَّه، وعبد الرحمن، وما أشبه ذلك، واتفقوا على تحريم كل\nاسم مُعبَّدٍ لغير اللَّه، كعبد العزَّى، وعبد هُبَل، وعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>ثامنًا: حلق رأس المولود الذكر:</span>\nيُسنُّ أن يُحلق رأس المولود يوم سابعه، ويُزال عنه الأذى؛ لحديث سمرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «كلُّ غلامٍ رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمَّى فيه، ويُحلق رأسه» (٣).\nوعن علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: عقَّ رسول اللَّه - ﷺ - عن الحسن بشاةٍ، وقال: «يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدّقي بزنة شعره فضّة»، قال: فوزنته، فكان وزنه درهمًا أو بعض درهم (٤).\nوفي حديث سلمان بن عامر الضبي: «مع الغلام عقيقته، فأهر يقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى» (٥) (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب ما يدعى الناس بآبائهم، برقم ٦١٧٧، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، برقم ١٧٣٦.\n(٢) الفروع لابن مفلح، ٦/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٣) أحمد، برقم ٢٠٠٨٣، وأصحاب السنن الأربع، وتقدم تخريجه في حكم العقيقة عن المولود.\n(٤) الترمذي، كتاب الأضاحي، باب العقيقة بشاة، برقم ١٥١٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٦٦، وفي إرواء الغليل، برقم ١١٧٥، وأخرجه أحمد، ٦/ ٣٩٠، ٣٩٢، والحاكم، ٤/ ٢٣٧، والبيهقي، ٩/ ٣٠٤.\n(٥) البخاري، بنحوه، برقم ٥٤٧٢،وأحمد بلفظه، ٢٦/ ١٧٠، برقم ٦٢٣١، وتقدم تخريجه في حكم العقيقة.\n(٦) (أميطوا عنه الأذى): «أي أزيلوا». فتح، ٩/ ٤٩٣، والأذى حلق الرأس، وأخرجه أبو داود بسند صحيح عن الحسن: «أنه كان يقول: «إماطة الأذى حلق الرأس»، [قال الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٢٨٤٠: «صحيح مقطوع»]، ولكن لا يتعيَّن ذلك في حلق الرأس، فقد وقع في حديث ابن عباس عند الحاكم: «ويماط عنه الأذى ويحلق رأسه» فعطفه عليه، فالأولى حمل الأذى على ما هو أعم من حلق الرأس». [فتح الباري، ٩/ ٢٩٣].","vol":"1","page":686},{"text":"قال العلامة المرداوي ﵀: «تنبيه: الظاهر أن مراده بالحلق: الذكر، وهو\nالصحيح وعليه الأكثر، وقدمه في الفروع ... إذ الإناث يكره في حقهن الحلق» (١).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وحكى الماورديُّ كراهة حلق رأس الجارية» (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «ويحلق رأسه [أي الغلام]، ولا يحلق رأس الأنثى ...» (٣).\nوقال سماحة شيخنا ابن باز أيضًا: «... السنة حلق رأس الطفل الذكر عند تسميته في اليوم السابع فقط، أما الأنثى فلا يحلق رأسها؛ لقوله - ﷺ -: «كل غلام رهينة بعقيقته تُذبح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلق رأسه» (٤).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «وينبغي في اليوم السابع حلق رأس الغلام الذكر ...» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1181>تاسعًا: الصدقة بعد حلاقة رأسه بزنة شعره فضّة:</span>\nفعن علي - ﵁ - قال: عقّ رسول اللَّه - ﷺ - عن الحسن بشاة، وقال: «يا فاطمة\n_________\n(١) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف مع المقنع والشرح الكبير، ٩/ ٤٣٩.\n(٢) فتح الباري، ٩/ ٥٩٥، وقال ابن حجر هنا: «وعن بعض الحنابلة يحلق».\n(٣) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، لعبد السلام بن تيمية، الأحاديث رقم ٢٧٥٦ - ٢٧٦٨.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٤٨، والحديث تقدم تخريجه مرات، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز أيضًا، ١٨/ ٢٨.\n(٥) الشرح الممتع، ٧/ ٥٤٠.","vol":"1","page":687},{"text":"احلقي رأسه، وتصدَّقي بِزِنَةِ شعره فِضَّة»، قال: فوزنته فكان وزنه درهمًا أو بعض درهم» (١).\nفهذا الحديث يدل على مشروعية الصدقة بمثل وزن شعره المحلوق (٢).\nقال المرداوي ﵀: «قوله: ويحلق رأسه، ويتصدَّق بوزنه ورِقًا، يعني يوم السابع، وهذا المذهب وعليه الأصحاب ...» (٣).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «وينبغي في اليوم السابع حلق رأس الغلام الذكر، ويتصدق بوزنه ورِقًا أي فضةً» (٤).\nوقد ذكر الإمام ابن القيم آثارًا تدل على الصدقة بوزن شعر الغلام عند حلقة في يوم سابعه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1182>عاشرًا: يُلطَّخ رأسه بزعفران فيُطلى به إن تيسر بعد الحلق:</span>\nفعن بريدة - ﵁ -،قال: كُنَّا في الجاهليَّة إذ وُلِد لأحدنا غلامٌ ذبح شاةً ولطَّخ رأسه\n_________\n(١) الترمذي، برقم ١٥١٩، وأحمد، ٦/ ٣٩٠، ٣٩٢، والحاكم، ٤/ ٢٣٧، والبيهقي، ٩/ ٣٠٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٦٦، وفي إرواء الغليل، برقم ١١٧٥، وتقدم تخريجه.\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على زاد المعاد، لابن القيم، ٢/ ٣٢٩: يذكر أن التصدّق بوزن شعر الغلام فضة ضعيف لا يحتج به، وإنما يحلق رأسه، ويُسمَّى، ويعق عنه، أما البنت فلا دليل على حلق رأسها، ولا يُسنّ، لكن إذا كان هناك مصلحة في حلق رأسها فلا بأس، وقد حسّن الألباني حديث: «احلقي رأسه، وتصدَّقي بزنة شعره فضَّة»، وليس بحسن، والحديث ليس بثابت، ومتنه منكر، وإن صح فهو شاذ.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٩٧.\n(٣) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف مع المقنع والشرح الكبير، ٩/ ٤٣٨.\n(٤) الشرح الممتع، ٧/ ٥٤٠.\n(٥) انظر: تحفة المودود بأحكام المولود، ص ٦٢.","vol":"1","page":688},{"text":"بدمها، فلمّا جاء اللَّه بالإسلام، كُنَّا نذبح شاةً، ونحلق رأسه، ونلطِّخه بزعفرانٍ» (١).\nوعن عائشة ﵂، قالت: كانوا في الجاهلية إذا عَقُّوا عن الصبي\nخضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه، فقال النبي - ﷺ -: «اجعلوا مكان الدَّم خلوقًا» (٢).\nوهذا يدل على نسخ عادة الجاهلية، فعن يزيد بن عبدٍ المزني - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «يُعَقُّ عن الغلام ولا يمسُّ رأسه بدمٍ» (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>الحادي عشر: تحنيك المولود سواء كان ذكرًا أو أنثى:</span>\nالأفضل تحنيك المولود؛ لفعل النبي - ﷺ - في أحاديث منها ما يأتي:\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الضحايا، بابٌ في العقيقة، برقم ٢٨٤٣، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١٩٧: «حسن صحيح».\n(٢) ابن حبان، كتاب الأطعمة، باب العقيقة، برقم ٥٣٠٨، وأخرجه أبو يعلى، برقم ٤٥٢١، والبزار، برقم ٢٣٩، والبيهقي، ٩/ ٣٠٣، وعبد الرزاق، برقم ٧٩٦٣، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان، ١٢/ ١٢٤: «إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير يوسف بن سعيد، فقد روى له النسائي، وهو ثقة. حجاج: هو ابن محمد الأعور، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاري، وقد صرّح ابن جريج بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه». وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ٧٥٢.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الذبائح، باب العقيقة، برقم ٣١٦٦، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه،\n٣/ ٩٣، وفي إرواء الغليل، ٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٤٥٢.\n(٤) سمعت شيخنا ابن باز يقول: «وكانوا في الجاهلية يلطخون رأسه بالدم، فجاء اللَّه بالإسلام، فأمر بالحلق وإزالة الأذى، ويستحب أن يؤذن في اليمنى، ويقيم في اليسرى، وإن كان في سندها بعض الضعف، وكذلك التحنيك، والعقيقة، الأفضل اليوم السابع، فإن تأخَّر فلا حرج، وكذلك التحنيك لو تأخر عن الولادة إلى اليوم السابع أو غيره لا حرج، والتحنيك والأذان ليس من شرط أن يكون بعد الولادة فورًا». [سمعته ﵀ أثناء تقريره على المنتقى لابن تيمية، الحديث رقم ٢٧٦١ - ٢٧٦٨].","vol":"1","page":689},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1184>الحديث الأول: حديث أبي موسى - ﵁ </span>- قال: وُلد لي غلامٌ، فأتيت به النبي - ﷺ - فسمَّاه إبراهيم، فحنَّكه بتمرٍ، ودعا له بالبركة، ودفعه إليَّ ...» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>الحديث الثاني: حديث أنس - ﵁ </span>-، قال: ذهبت بعبد اللَّه بن طلحة الأنصاري إلى رسول اللَّه - ﷺ - حين وُلِدَ، ورسول اللَّه - ﷺ - في عباءةٍ يهنأ بعيرًا له (٢) فقال: «هل معك تمرة؟»، فقلت: نعم، فناولته تمراتٍ، فألقاهنَّ في فيه، فلاكهنَّ ثم فغر فا الصبي (٣)، فمجّه في فيه، فجعل الصبي يتلمَّظه، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «حب الأنصار للتمر»، وسماه عبد اللَّه (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1186>الحديث الثالث: حديث عائشة ﵂: </span>«أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يُؤتَى بالصبيان فيُبرِّك عليهم ويُحنِّكهم» (٥).\nوغير ذلك من الأحاديث الكثيرة، التي تدل على سُنِّيَّة التحنيك (٦).\nقال الإمام النووي ﵀: «اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته بتمرٍ، فإن تعذَّر فما في معناه، وقريب منه من الحلوى، فيمضغ المُحَنِّكُ التَّمْرَ حتى يصير مائعًا بحيث يُبتلع، ثم يفتح فم المولود ويضعها فيه؛ ليدخل شيء منها في جوفه» (٧) (٨).\n_________\n(١) البخاري، برقم ٥٤٦٧، وتقدم تخريجه في تسمية المولود.\n(٢) يهنأ بعيرًا له: أي يطليه بالقطران.\n(٣) فغرفا الصبي: فتح فمه.\n(٤) البخاري، برقم: ٥٤٧٠، ومسلم، برقم ٢١٤٤، وتقدم تخريجه في تسمية المولود.\n(٥) مسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته، برقم ٢١٤٧.\n(٦) انظر: صحيح مسلم، من الحديث رقم ٢١٤٤ - ٢١٤٧.\n(٧) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٤/ ٣٧٠.\n(٨) وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على منتقى الأخبار لعبد السلام بن تيمية، الحديث رقم ٢٧٦٧: «... التحنيك والأذان ليس من شرط أن يكون بعد الولادة فورًا».","vol":"1","page":690},{"text":"وذكر العلامة ابن القيم ﵀ استحباب تحنيك المولود لهذه الأحاديث\nالصحيحة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>الثاني عشر: الأذان في إذن المولود: سواء كان ذكرًا أو أنثى:</span>\nعن أبي رافع - ﵁ - قال: «رأيت رسول اللَّه - ﷺ - أذَّن في أُذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة» (٢).\nوقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ الآثار في ذلك ثم قال: «وسِرُّ التأذين -واللَّه أعلم - أن يكون أوَّل ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أوَّل ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالتَّلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يُلقَّن كلمة التوحيد عند خروجه منها، وغير مستنكر وصول التأذين إلى قلبه، وتأثره به، وإن لم يشعر، مع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حتى يُولد فيقارنه للمحنة التي قدَّرها اللَّه، وشاءها، فيسمع\n_________\n(١) تحفة المودود بأحكام المولود، ص ٢٤.\n(٢) الترمذي، كتاب الأضاحي، باب الأذان في أذن المولود، برقم ١٥١٤، قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وأبو داود، كتاب الأدب، باب في المولود يؤذن في أذنه، برقم ٥١٠٥، والحاكم، ٣/ ١٧٩، والبيهقي، ٩/ ٣٠٥، والطبراني في الكبير، برقم ٩٢٦، ٩٣١، و٢٥٧٨،\nو٢٥٧٩. وأحمد في المسند، ٤٥/ ١٦٦، برقم ٢٧١٨٦، وأخرجه برقم ٢٣٨٦٩، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٤٠٠، برقم ١١٧٣، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ٣٣٣: «والإقامة رويت في حديث في سنده مقال، ولكنَّها وردت عن بعض السلف».","vol":"1","page":691},{"text":"شيطانه ما يضعفه، ويغيظه أول أوقات تعلُّقه به .. وغير ذلك من الحكم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>الثالث عشر: يُعَقُّ عن السقط لأكثر من أربعة أشهر، ويسمَّى:</span>\nعن المغيرة بن شعبة - ﵁ - يرفعه: «والسقط يُصلَّى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (٢).\nوقد ذكر الفقهاء رحمهم اللَّه تعالى أن السِّقط الذي تضعه المرأة ميتًا، أو لغير تمام وقد كَمُلَ له أكثر من أربعة أشهر، فإنه يُغسَّل، ويكفَّن، ويُصلّى عليه، ويُسمَّى، ويُدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه نسمة نُفِخَ فيها الروح، فيُصلَّى عليه كالمستهلِّ الذي يصرخ عند الولادة، فإن المستهلّ يُصلَّى عليه بغير خلاف (٣).\nوكذلك العقيقة؛ لأنه صار بنفخ الروح إنسانًا، له حكم الأطفال، قال شيخنا ابن باز ﵀: «... إذا كان سقوط الجنين في الشهر الخامس وما بعده، فإنه يُغسَّل ويُكَفَّنُ، ويُصلَّى عليه، ويُسمَّى، ويُعقّ عنه؛ لأنه بذلك صار إنسانًا له حكم الأطفال؛ لعموم الأحاديث» (٤).\nوقال ﵀ بعد أن ذكر أحاديث العقيقة: «وهذه الأحاديث تعمّ السقط وغيره، إذا كانت قد نفخت فيه الروح، وهو الذي ولد في الشهر\n_________\n(١) تحفة المودود بأحكام المولود، ص ٢٢، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٥٠٧ - ٥٠٩.\n(٢) أبو داود، كتاب الجنائز، باب المشي أمام الجنازة، برقم ٣١٨٠، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الأطفال، برقم ١٠٣١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n٢/ ٢٩٣، وفي صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٢٥.\n(٣) انظر: مختصر الخرقي المطبوع مع المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٥٨، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ١٠٧.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٢٢٨، ١٨/ ٤٩،","vol":"1","page":692},{"text":"الخامس وما بعده ...» (١).\nفالسقط الذي نفخت فيه الروح له أحكام الأطفال، ويشفع في والديه،\nوهو فرط، ويبعث يوم القيامة؛ ولهذا يُغسَّل، ويُكفَّنُ، ويُصلَّى عليه، ويُقبر في مقابر المسلمين، ويُسمّى، ويُعقّ عنه: عن الذكر شاتان والأنثى شاة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1189>الرابع عشر: الفرع والعتيرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>١ - مفهوم الفرع: </span>الفَرعة - بفتح الراء-: أوَّل ما تلد الناقة، كان المشركون يذبحونه لآلهتهم فنهي المسلمون عنه.\nوقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا تَمَّتْ إبله مائةً قدَّم بكرًا فنحره لصنمه، وقد كانوا يفعلونه في صدر الإسلام ثم نُسِخَ (٣).\nقال الشنقيطي ﵀: «الفرع: هو أول نتاج البهيمة كانوا يذبحونه، ولا يملكونه رجاء البركة في الأمِّ، وكثرة نسلها، وقيل: هو أول النتاج كانوا يذبحونه لآلهتهم» (٤). ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>٢ - مفهوم العتيرة: </span>ذبيحة تُذْبَحُ في رجب، وكانت تذبح في الجاهلية، وكانوا يذبحونها في صدر الإسلام، وأوَّله ثم نُسخ، وأما العتيرة التي كانت تعترها الجاهلية، فهي الذبيحة التي كانت تُذبح للأصنام، فيُصبُّ دمها على رأسها (٥).\nوقال الشنقيطي ﵀: «ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الأول من\n_________\n(١) المرجع السابق، ١٨/ ٤٩.\n(٢) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٥٣٩ - ٥٤٠.\n(٣) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، مادة «فرع»، ٣/ ٤٣٥.\n(٤) أضواء البيان، ٥/ ٦٤٦ - ٦٤٧.\n(٥) النهاية في غريب الحديث، ٣/ ١٨٣، مادة: «عتر».","vol":"1","page":693},{"text":"رجب، ويُسمُّونها الرَّجبيَّة» (١).\nعن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «لا فرع ولا عتيرة»، «والفرع أوَّل\nالنتاج كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب» (٢).\nوقد جاء حديث مخنف بن سليم قال: كُنَّا مع النبي - ﷺ - بعرفاتٍ فسمعته يقول: «يا أيها الناس على كل أهلِ بيتٍ في كل عام: أضحية، وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تسمُّونها الرجبية» (٣).\nوسُئل النبي - ﷺ - عن الفَرَعِ؟ فقال: «حقٌّ»، وسُئل عن العتيرة؟ قال: «والعتيرة حقٌّ» (٤).\nوقد جاء في إباحة الفرع والعتيرة أحاديث صححها النووي وغيره (٥).\nومن أجل هذه الأحاديث اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى:\nفقال بعضهم: «لا فرع ولا عتيرة»:أي: لا فرع واجب، ولا عتيرة واجبة (٦).\nوقالوا في حديث: «العتيرة حقٌّ»، وكذلك في الفرع: «حق»: أي ليس بباطل، وهو كلام خرج على جواب سؤال» (٧).\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٦٤٦ - ٦٤٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العقيقة، باب الفَرَع، برقم ٥٤٧٣، وباب العتيرة، برقم ٥٤٧٤، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب الفرع والعتيرة، برقم ١٩٧٦.\n(٣) الترمذي، كتاب الأضاحي، بابٌ ١٩، برقم ١٥١٨، وابن ماجه، برقم ٣١٢٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ١٦٥.\n(٤) النسائي، كتاب الفرع والعتيرة، برقم ٤٢٢٥، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ١٤٢.\n(٥) انظر: سنن أبي داود، برقم ٢٨٣٠ - ٢٨٣٣، ونيل الأوطار، ٣/ ٥١١ - ٥١٥.\n(٦) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٩٧.\n(٧) المرجع السابق، ٣/ ٥٦٧.","vol":"1","page":694},{"text":"وقال بعضهم بالنسخ، فقد نقل الإمام النووي عن القاضي عياض أن\nجماهير العلماء على نسخ الأمر بالفرع والعتيرة (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول عن الفرع والعتيرة: «وهذا كان في الجاهلية وقد أبطله اللَّه بالإسلام» (٢).\nوقال العلامة الشنقيطي ﵀: «أظهر أقوال أهل العلم عندي هو نسخ الأمر بالفرع والعتيرة؛ لحديث مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا فرع ولا عتيرة» (٣)، فهذا نفي أريد به النهي» (٤).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذه الأحاديث تتعلق بالفرع والعتيرة، وكانوا في الجاهلية يذبحون أول النتاج يأتيهم، ويُسمُّونه الفرع، فلمّا جاء اللَّه بالإسلام نسخ ذلك؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «لا فرع ولا عتيرة»، قال ابن المنذر: ذهب إلى النسخ أكثر أهل العلم، والأحاديث الواردة في الفرع، والعتيرة ضعيفة، أو منسوخة، لكن من أراد أن يتصدق من غير قصد الفرع أو العتيرة على غير طريقة الجاهلية [فلا حرج]، والعتيرة: التي كان أهل الجاهلية يذبحونها في رجب» (٥).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ١٤٦.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٤٧٣، ٥٤٧٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٤٧٣، ومسلم، برقم ١٩٧٦.\n(٤) أضواء البيان، ٥/ ٦٤٦ - ٦٤٧.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث رقم ٢٧٦٩ - ٢٧٧٩.","vol":"1","page":695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1192>المبحث الحادي والأربعون: زيارة مسجد رسول اللَّه - ﷺ </span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-1193>١ - تستحب زيارة مسجد النبي - ﷺ - وهي مشروعة في أيِّ وقت</span>، وفي أيِّ زمان، وليس لها وقت محدد، وليست من أعمال الحج، ولا يجوز شَدُّ الرحال والسفر من أجل زيارة القبر، فإن شَدَّ الرحال على وجه التعبد لا يكون لزيارة القبور، وإنما يكون للمساجد الثلاثة، كما قال النبي - ﷺ -: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (١)، فالبعيد عن المدينة ليس له شد الرحال بقصد زيارة القبر، ولكن يشرع له شد الرحال بقصد زيارة المسجد النبوي الشريف، فإذا وصله زار قبره - ﷺ - وقبور أصحابه، فدخلت الزيارة لقبره تبعًا لزيارة مسجده - ﷺ -؛ لما في زيارة المسجد من الثواب العظيم، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢)، وقال - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>٢ - إذا دخل المسجد النبوي الشريف </span>استحب له أن يُقدِّم رجله\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، باب حج النساء، برقم ١٧٦٥، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، برقم ١٣٩٧.\n(٢) البخاري، كتاب الصلاة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ١١٣٣، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، برقم ١٣٩٥.\n(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي - ﷺ -، برقم ١٤٠٤، وأحمد، ٣/ ٣٤٣، ٥٣ وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٣٦، وإرواء الغليل، ٤/ ٣٤١.","vol":"1","page":696},{"text":"اليمنى عند دخوله ويقول: «أعوذ باللَّه العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. بسم اللَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك» (١) كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>٣ - يصلي ركعتين تحية المسجد، أو يصلي ما شاء</span>، ويدعو في صلاته بما شاء والأفضل أن يفعل ذلك في الروضة الشريفة، وهي ما بين منبر النبي - ﷺ - وحجرته؛ لقوله - ﷺ -: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي» (٢).\nأما صلاة الفريضة فينبغي للزائر وغيره أن يحافظ عليها في الصف الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>٤ - ثم بعد الصلاة إن أراد زيارة قبر النبي - ﷺ - وقف أمام قبره: بأدب</span>، ووقار، وخفض صوت، ثم يسلم عليه - ﷺ - قائلًا: «السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته اللَّهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد». أو يقول: «السلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته»؛ لقوله - ﷺ -: «ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد اللَّه عليَّ روحي حتى أرد ﵇» (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد، برقم ٤٦٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٤٦٦.\n(٢) البخاري في أبواب التطوع، باب فضل ما بين القبر والمنبر، ومسلم، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، برقم ١٣٩٠.\n(٣) رواه أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم ٢٠٤٣، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ٣٨٣، وابن باز في مجموع الفتاوى للحج، ٥/ ٢٨٨.","vol":"1","page":697},{"text":"وإن قال: أشهد أنك رسول اللَّه حقًّا، وأنك قد بلّغت الرسالة، وأدّيت الأمانة، وجاهدت في اللَّه حق جهاده، ونصحت الأمة، فجزاك اللَّه عن أمتك أفضل ما جزى نبيًا عن أمته. فلا بأس؛ لأن هذا كله من أوصافه - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1197>٥ - ثم يأخذ ذات اليمين قليلًا فيسلم على أبي بكر الصدِّيق - ﵁ </span>-، ويدعو له بما يناسبه، ثم يأخذ ذات اليمين قليلًا أيضًا فيسلم على عمر بن الخطاب، ويترضى عنه، ويدعو له، وكان ابن عمر ﵄ إذا سلَّمَ على الرسول - ﷺ - وصاحبيه لا يزيد غالبًا على قوله: السلام عليك يا رسول اللَّه، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف (١). ولا يجوز لأحد أن يتقرب إلى اللَّه بمسح الحجرة، أو الطواف بها، ولا يسأل الرسول - ﷺ - قضاء حاجته، أو شفاء مريضه، ونحو ذلك؛ لأن ذلك كله لا يطلب إلا من اللَّه وحده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>والمرأة لا تزور قبر النبي - ﷺ - ولا قبر غيره؛ لأنه - ﷺ - لعن زوَّارات القبور </span>(٢). لكن تزور المسجد، وتتعبد لله فيه رغبة فيما فيه من مضاعفة الصلاة، وتسلم على النبي - ﷺ - وهي في مكانها، فيبلغ ذلك النبي - ﷺ - وهي في أي مكان كانت؛ لقوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري\nعيدًا، وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٣)، وقال - ﷺ -: «إن لله\n_________\n(١) انظر مجموع فتاوى ابن باز، ٢/ ٣٩٣، و٦/ ٣٢١، و١٦/ ٩٩، و١٧/ ٤٠٥ - ٤٢٤.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية القبور للنساء، برقم ١٠٥٦، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور، برقم ١٥٧٤، وابن حبان، برقم ٧٨٢، وأحمد، ٣/ ٤٤٢، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص ١٨٥، وانظر: الإرواء،\n٣/ ٢١١، وجامع الأصول، ١١/ ١٥٠.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، ٢٠٤٤، والطبراني في الأوسط، ١/ ١١٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٨٣.","vol":"1","page":698},{"text":"ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>٦ - يستحب لزائر المدينة أثناء وجوده بها أن يزور مسجد قباء </span>ويصلِّي فيه؛ «لأن النبي - ﷺ - كان يأتيه راكبًا وماشيًا ويصلي فيه ركعتين» (٢)، وعن سهل بن حنيف قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاةً كان له كأجر عمرة» (٣) وقال أسيد بن ظهير الأنصاري - ﵁ - يرفعه: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1200>٧ - ويسن للرجال زيارة قبور </span>البقيع - وهي مقبرة المدينة - وقبور الشهداء، وقبر حمزة - ﵁ -؛ لأن النبي - ﷺ - كان يزورهم ويدعو لهم، ولقوله - ﷺ -: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزورها فإنها تذكركم الآخرة» (٥).\nويقول إذا زارهم: «السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون [ويرحم اللَّه المستقدمين منا والمستأخرين]\n_________\n(١) النسائي، كتاب الصلاة، باب السلام على النبي - ﷺ -، برقم ١٢٨٢، والحاكم،٢/ ٤٢١، وأحمد،\n١/ ٤٤١، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٧٤.\n(٢) البخاري، أبواب التطوع، باب: إتيان مسجد قباء ما شيًا وراكبًا، برقم ١١٣٦، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته، برقم ١٣٩٩.\n(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ١٤١٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ١/ ٢٣٧، وصحيح النسائي، ١/ ١٥٠.\n(٤) الترمذي، أبواب الصلاة عن رسول اللَّه - ﷺ -، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ٣٢٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ١٤١١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٣٧ وصحيح الترمذي، ١/ ١٠٤.\n(٥) مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - بزيارة قبر أمه، برقم ٩٧٧، واللفظ للترمذي، برقم ١٠٥٤.","vol":"1","page":699},{"text":"نسأل اللَّه لنا ولكم العافية» (١).\nولا شك أن المقصود بزيارة القبور هو تذكر الآخرة والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم، وإتباع سنة النبي - ﷺ -، وهذه هي الزيارة الشرعية. وأما زيارتهم لقصد الدعاء عند قبورهم، أو سؤالهم قضاء الحاجات، أو شفاء المرضى، أو سؤال اللَّه بهم، أو بجاههم، ونحو ذلك فهذه زيارة بدعية منكرة لم يشرعها اللَّه ولا رسوله - ﷺ -، ولا فعلها السلف الصالح.\nوبعض هذه الأمور المذكورة بدعة وليس بشرك: كدعاء اللَّه عند القبور، وسؤال اللَّه بحق الميت، أو جاهه، ونحو ذلك.\nوبعضها بدعة من الشرك الأكبر: كدعاء الموتى، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، أو المدد.\nفتنبه واحذر واسأل ربك التوفيق والهداية للحق فهو سبحانه الموفق والهادي لا إله غيره ولا رب سواه (٢).\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده الأمين، نبينا محمد بن عبد اللَّه، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، برقم ٩٧٤، وابن ماجه واللفظ له، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يقال إذا دخل المقابر، برقم ١٥٤٧، عن بريدة - ﵁ - وما بين المعقوفين من حديث عائشة ﵂ عند مسلم ٢/ ٦٧١.\n(٢) انظر فتاوى ابن باز، ١٦/ ٩٩، ١١٤، و١٧/ ٤٠٥ - ٤٢٤.","vol":"1","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1201>المبحث الثاني والأربعون: آداب العودة من الحج والعمرة أو السفر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1202>١ - يتعجّل في العودة ولا يطيل المكث في </span>السفر لغير حاجة؛ لقول النبي - ﷺ -: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه، ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجِّل إلى أهله» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>٢ - يقرأ دعاء السفر أثناء ركوبه على مركوبه</span>، ويزيد عليه (٢):\n«آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>٣ - يستحبّ له أن يقول أثناء رجوعه من سفره </span>ما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا قفل من غزوٍ، أو حجٍّ، أو عمرةٍ، يكبِّر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق اللَّه وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>٤ - يلتزم بآداب السفر المذكورة في أول هذا الكتاب، في المبحث التاسع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>٥ - يستحبّ له إذا رأى بلدته أن يقول: «آيبون، تائبون، عابدون</span>،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب السفر قطعة من العذاب، برقم ١٨٠٤، ومسلم في كتاب الإمارة، باب السفر قطعة من العذاب واستحباب تعجيل المسافر إلى أهله بعد قضاء شغله، برقم ١٩٢٧، والنهمة: هي الحاجة.\n(٢) تقدم دعاء السفر في آداب الحج والعمرة والسفر في أول الكتاب، في المبحث التاسع.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا أراد سفرًا أو رجع، برقم ٢٢٨٧، ومسلم، كتاب الحج، باب مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرٍ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، برقم ١٣٤٥.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب ما يقول إذا رجع من الحج، برقم ١٧٩٧، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره، برقم ١٣٤٤.","vol":"1","page":701},{"text":"لربنا حامدون». ويردِّد ذلك حتى يدخل بلدته؛ لفعله - ﷺ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>٦ - لا يقدم على أهله ليلًا إذا أطال الغَيْبة لغير حاجة </span>إلا إذا بلَّغهم بذلك، وأخبرهم بوقت قدومه ليلًا؛ لنهي النبي - ﷺ - عن ذلك، قال جابر بن عبد اللَّه ﵄: «نهى النبي - ﷺ - أن يَطْرُقَ (٢) الرَّجُلُ أهلَه ليلًا» (٣). ومن الحكمة في ذلك ما فسَّرته الرواية الأخرى: «حتى تمتشط الشعثة، وتستحدَّ المغيَّبة»، وفي أخرى: «نهى رسول اللَّه - ﷺ - أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخوّنهم، أو يلتمس عثراتهم» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>٧ - يستحبّ للقادم من السفر أن يبتدئ بالمسجد الذي بجواره </span>ويُصلِّي فيه ركعتين؛ لفعل النبي - ﷺ -؛ فإنه «كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين» (٥).\n٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-1209> يستحب للمسافر إذا قدم من سفر أن يتلطَّف بالوِلْدَان </span>من أهل بيته وجيرانه ويحسن إليهم إذا استقبلوه، فعن ابن عباس ﵄ قال: لما قدم النبي - ﷺ - مكة استقبله أُغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحدًا بين\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره، برقم ١٣٤٢.\n(٢) لا يطرق أهله: أي لا يدخل عليهم ليلًا إذا قدم من سفر.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة، برقم ١٨٠١، ومسلم في كتاب الإمارة، باب كراهة الطروق وهو الدخول ليلًا لمن ورد من سفر، برقم ١٩٢٨/ ١٨٤.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب كراهة الطروق وهو الدخول ليلًا لمن ورد من سفر، برقم ١٩٢٨/ ١٨٤.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة إذا قدم من سفر بعد الحديث رقم ٤٤٣، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه، برقم ٧١٦.","vol":"1","page":702},{"text":"يديه والآخر خلفه (١).\nوقال عبد اللَّه بن جعفر - ﵁ -: «كان - ﷺ - إذا قدم من سفر تُلُقِّي بنا، فَتُلُقِّيَ بي وبالحسن أو بالحسين فحمل أحدنا بين يديه والآخر خلفه حتى دخلنا المدينة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>٩ - تستحبّ الهدية، لما فيها من تطييب </span>القلوب وإزالة الشحناء، ويستحب قبولها، والإثابة عليها، ويكره ردّها لغير مانع شرعي؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «تهادوا تحابّوا» (٣).\nوالهدية سبب من أسباب المودة بين المسلمين؛ ولهذا قال بعضهم:\n\nهدايا النَّاس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا\n\nوقد ذُكِرَ أن أحد الحُجَّاج عاد إلى أهله فلم يقدِّم لهم شيئًا فغضب واحد منهم وأنشد شعرًا فقال:\n\nكأن الحجيج الآن لم يقربوا منى ... ولم يحملوا منها سواكًا ولا نعلًا\nأتونا فما جادوا بعود أراكة ... ولا وضعوا في كفِّ طفل لنا نقلا (٤)\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب استقبال الحاج القادمين والثلاثة على الدابة، برقم ١٧٩٨، وفي كتاب اللباس، باب الثلاثة على الدابة، برقم ٥٩٦٥.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد اللَّه بن جعفر ﵄،\nبرقم ٦٧ - (٢٤٢٨)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في ركوب ثلاثة على دابة، برقم ٢٥٦٦،وابن ماجه في كتاب الأدب، باب ركوب ثلاثة على دابة، برقم ٣٧٧٣، وانظر فتح الباري، ١٠/ ٣٩٦.\n(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده، برقم ٦١٤٨، والبيهقي في سننه الكبرى، ٦/ ١٦٩، وفي شعب الإيمان، برقم ٨٩٧٦، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٥٩٤، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، ٣/ ٧٠: «إسناده حسن».وكذا حسّنه الألباني في إرواء الغليل، برقم ١٦٠١.\n(٤) انظر: المنهاج للمعتمر والحاج للشيخ سعود بن إبراهيم الشريم، ص١٢٤.","vol":"1","page":703},{"text":"ومن أجمل الهدايا ماء زمزم؛ لأنها مباركة، قال النبي - ﷺ - في ماء زمزم: «إنها مباركة، إنها طعام طعم [وشفاء سقم]» (١).\nوعن جابر - ﵁ - يرفعه: «ماء زمزم لما شُرِبَ له» (٢).\nويُذكر أن النبي - ﷺ - «كان يحمل ماء زمزم في الأداوي والقرب، فكان يصب على المرضى ويسقيهم» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>١٠ - إذا قدم المسافر إلى بلده استحبت المعانقة</span>؛ لما ثبت عن أصحاب النبي - ﷺ - كما قال أنس - ﵁ -: «كانوا إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>١١ - يستحب جمع الأصحاب وإطعامهم عند القدوم من السفر</span>؛\nلفعل النبي - ﷺ -، فعن جابر بن عبد اللَّه ﵄: «أن رسول اللَّه - ﷺ - لما قدم المدينة نحر جزورًا أو بقرة». زاد معاذ عن شعبة عن محارب سمع\nجابر بن عبد اللَّه يقول: «اشترى مني النبيُّ - ﷺ - بعيرًا بأُوقِيَّتين ودرهم أو درهمين، فلما قدم صرارًا (٥) أمر ببقرة فذبحت فأكلوا منها ...»\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر - ﵁ -، برقم ٢٤٧٣، وما بين المعقوفين عند البزار، والبيهقي والطبراني، وإسناده صحيح، انظر: مجمع الزوائد، ٣/ ٢٨٦.\n(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب الشرب من زمزم، برقم ٣٠٦٢، والبيهقي في السنن الكبرى،\n٥/ ٢٠٢، وأحمد في المسند، ٣/ ٣٧٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٥٩، وإرواء الغليل، برقم ١١٢٣، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٨٣.\n(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب رقم ١١٥، برقم ٩٦٣ مختصرًا، والحاكم في المستدرك، ١/ ٤٨٥، وصححه الألباني في الصحيحة، برقم ٨٨٣، وصحيح الجامع، برقم ٤٩٣١.\n(٤) الطبراني في الأوسط (مجمع البحرين في زوائد المعجمين)، ٥/ ٢٦٢، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ٣٦، وقال: رجاله رجاله الصحيح.\n(٥) صرار: موضع بظاهر المدينة على ثلاثة أميال منها من جهة المشرق. فتح الباري، ٦/ ١٩٤.","vol":"1","page":704},{"text":"الحديث (١). وهذا الطعام يقال له: (النَّقيعة)، وهي طعام يتخذه القادم من السفر (٢).\nوهذا الحديث وما جاء في معناه يدل على إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب عند السلف (٣).\nوصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الطعام عند القدوم، برقم ٣٠٨٩، واللفظ له، ومسلم مختصرًا في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه، برقم ٧١٥/ ٧٢.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ٥/ ١٠٩ والقاموس المحيط، ص٩٩٢، وانظر: المغني لابن قدامة، ١/ ١٩١.\n(٣) قاله ابن بطال كما في فتح الباري، ٦/ ١٩٤.","vol":"1","page":705},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1213>المصادر والمراجع</span>\n١ - الإجماع، لمحمد بن إبراهيم بن المنذر، تحقيق الدكتور أبي حماد صغير أحمد، الطبعة الثانية، ١٤٢٠هـ، مكتبة الفرقان، عجمان، ومكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة.\n٢ - الإجماع، لأبي عمر يوسف بن عبد اللَّه بن عبد البر، جمع وترتيب فؤاد بن عبد العزيز الشلهوب، وعبد الوهاب بن ظافر الشهري، دار القاسم، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ.\n٣ - إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، ت ٧٠٢هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ، عالم الكتب بيروت.\n٤ - الإحكام شرح أصول الأحكام، لعبد الرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، توزيع ونشر ورثة المؤلف.\n٥ - أحكام الأضحية والذكاة، لمحمد بن صالح العثيمين.\n٦ - الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتصحيح وتعليق الشيخ محمد بن صالح العثيمين، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ، دار العاصمة بالرياض المملكة العربية السعودية.\n٧ - أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، لأبي الوليد محمد بن عبد اللَّه بن أحمد الأزرقي، تحقيق علي عمر، مكتبة الثقافة الدينية.\n٨ - الأدب المفرد، للإمام أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري تخريج محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثالثة دار البشائر، بيروت، لبنان.\n٩ - الأذكار، للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، ت ٦٧٦هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، طبعة ١٣٩١هـ، مطبعة الملاح، دمشق، سورية.\n١٠ - إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقة بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت ١٣٧٦ هـ، طبعة ١٤٠٢هـ، مكتبة دار المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١١ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٢ - الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، عبد العزيز بن محمد السلمان، الطبعة العاشرة، ١٤٠٠هـ، الرئاسة الامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٣ - الاستذكار، للإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البر، ت ٤٦٣ هـ، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى، ١٤٠١هـ، دار قتيبة للطباعة والنشر، دمشق، بيروت.\n١٤ - الإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني دار صادر، بيروت،","vol":"1","page":769},{"text":"لبنان.\n١٥ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي طبع وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٦ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام شمس الدين أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد المكتبة العصرية، صيدا، بيروت.\n١٧ - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لعمر بن علي بن أحمد المعروف بابن الملقن، تحقيق عبد العزيز بن أحمد المشيقح، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ دار العاصمة الرياض، الممكة العربية السعودية.\n١٨ - الإقناع لطالب الانتفاع، لموسى ابن أحمد الحجَّاوي، تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ للطباعة والتوزيع.\n١٩ - إكمال إكمال المعلم، لمحمد بن خليفة الأشناني الأبي ضبطه وصححه محمد سالم هاشم دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٢٠ - الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف، لعلي بن سليمان المرداوي، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر.\n٢١ - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، تحقيق أبي حماد صغير أحمد حنيف، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ.\n٢٢ - بحوث وفتاوى في المسح على الخفين، لمحمد بن صالح العثيمين.\n٢٣ - البداية والنهاية، للحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير، ت: ٧٤٧هـ، تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر.\n٢٤ - بلوغ المرام، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني مع حاشية سماحه الشيخ ابن باز ﵀، مراجعة عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، الطبعة الثانية، دار الامتياز للنشر.\n٢٥ - بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت ٣٧٦ ١ هـ، تخريج بدر البدر، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ، مكتبة السندس، الكويت.\n٢٦ - تاريخ المدينة المنورة، لابن شبة.\n٢٧ - تبصير الناسك بأحكام المناسك، لعبد المحسن بن حمد العباد البدر، الطبعة الأولى، ١٤٢٨هـ، دار التوحيد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢٨ - تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، لأبي العُلا محمد عبد الرحمن عبد الرحيم\nالمباركفوري، ت ١٣٥٣ هـ، الطبعة الثانية، ١٤٥٧ هـ، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n٢٩ - تحفة المحتاج بشرح المنهاج، لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، ت ٩٧٤ هـ، دراسة وتحقيق عبد اللَّه محمود عمر محمد، دار الكتب العلمية","vol":"1","page":770},{"text":"بيروت، لبنان.\n٣٠ - تحفة المودود بأحكام المولود، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١هـ، تحقيق بشير محمد عيون، الطبعة الثانية، ١٤٠٧هـ، مكتبة دار البيان، دمشق، ومكتبة المؤيد، الطائف، المملكة العربية السعودية.\n٣١ - التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة، لعبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز الطبعة الثانية والعشرون، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وكالة المطبوعات والبحث العلمي، ١٤٢٥هـ.\n٣٢ - تخريج رياض الصالحين، لمحمد بن ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٣٣ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك، في معرفة أعلام مذهب مالك، القاضي عياض بن موسى اليحصبي، دار مكتبة الحياة، بيروت.\n٣٤ - الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، للإمام زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ت ٦٥٦ هـ، تحقيق محيي الدين ديب مستو، سمير أحمد العطار، يوسف على بدوي، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ، دار ابن كثير، دمشق، بيروت.\n٣٥ - التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، ت ٨١٦ هـ، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، عالم الكتب، بيروت، لبنان.\n٣٦ - تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم)، للإمام أبي الفداء إسماعيل بن الخطيب عمر بن كثير القرشي الدمشقي، ت ٧٧٤ هـ، طبعة ١٤٠٧ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٣٧ - تفسير البغوي (معالم التنزيل)، للإمام الحافظ أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي ت ٥١٦ هـ، تحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٣٨ - تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت ٣١٥ هـ، تحقيق محمود وأحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، دار المعارف بمصر.\n٣٩ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، للحافظ أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، ٧٧٣هـ، توزيع رياسة إدارات البحوث العلمية.\n٤٠ - تمام النصح في أحكام المسح، لمحمد بن ناصر الدين الألباني.\n٤١ - التمهيد، للإمام أبي عمر يوسف بن عبد اللَّه القرطبي ابن عبد البر، ت ٤٦٥هـ.\n٤٢ - تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، الدكتور صالح بن سعد السميحي، الطبعة الأولى، ١٤١٠، دار ابن حزم، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٤٣ - تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة افعل ولا حرج، عبد المحسن بن حمد العباد البدر، الطبعة الأولى، ١٤٢٨هـ، دار التوحيد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٤٤ - تهذيب الأسماء واللغات، لمحيي الدين النووي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٤٥ - تهذيب السنن، لابن القيم المطبوع مع معالم السنن للخطابي، بتحقيق أحمد محمد شاكر،","vol":"1","page":771},{"text":"ومحمد حامد الفقي بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت.\n٤٦ - توضيح الأحكام من بلوغ المرام، عبد اللَّه عبد الرحمن البسام، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية.\n٤٧ - تيسير العلام شرح عمدة الأحكام، عبد اللَّه بن الرحمن البسام، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ، دار السلام، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٤٨ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت ١٣٧٦ هـ، تحقيق محمد زهري النجار، طبعة ١٤٠٤ هـ، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٤٩ - جامع الأصول من أحاديث الرسول، لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، ت ٦٥٦ هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤٥٣ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٥٠ - جامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر يوسف بن عبد البر، ت ٤٦٣ هـ، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.\n٥١ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، للإمام الحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ت ٧٩٥ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٥٢ - الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد اللَّه محمد بن أحمد الأنصاري القرطبى، ت ٦٧١ هـ، تحقيق محمد إبراهيم الحفناوي، ومحمود حامد عثمان، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، دار الحديث، القاهرة.\n٥٣ - الجرح والتعديل، للامام الحافظ أبي محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، ت ٣٢٧ هـ، الطبعة الاولى، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند، سنة ١٢٧١ هـ، ١٩٥٢ م، دار إحياء التراث العربي بيروت.\n٥٤ - حاشية ابن باز على بلوغ المرام، مراجعة عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، الطبعة الثانية عام ١٤٢٥ هـ، دار الامتياز.\n٥٥ - حاشية ابن قاسم على الروض المربع، الطبعة الثالثة، نشر ورثة المؤلف.\n٥٦ - حاشية الإمام السندي على سنن النسائي، للعلامة عبد الهادي السندي، ت ١١٣٨ هـ، المطبوع مع سنن النسائي بعناية عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\n٥٧ - حجة النبي - ﷺ -، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الخامسة، ١٣٩٩ هـ، بيروت،\nالمكتب الإسلامي.\n٥٨ - حجة الوداع، لابن حزم.\n٥٩ - حصن المسلم، للمؤلف (سعيد بن علي بن وهف القحطاني)، ط ٣٥، الرياض، ١٤٢٨هـ.","vol":"1","page":772},{"text":"٦٠ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصفهاني، ت ٤٣٥ هـ، بدون تاريخ، دار الكتب العربية، بيروت، لبنان.\n٦١ - الدعاء، لسليمان بن أحمد الطبراني أبي القاسم، ت ٣٦٠هـ، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٣هـ.\n٦٢ - كتاب الدعوات الكبير، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت ٤٥٨هـ، تحقيق بدر بن عبد اللَّه البدر، منشورات مركز المخطوطات - الكويت.\n٦٣ - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، لأحمد بن الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية، دار الريان للتراث، ط١، ١٤٠٨هـ.\n٦٤ - ديوان الإمام الشافعي، لأبى عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي، ت ٢٥٤ هـ، جمعه وعلق عليه محمد عفيف الزعبي، الطبعة الثالثة، ١٣٩٢ هـ، مؤسسة الزعبي، بيروت، لبنان.\n٦٥ - رمي الجمرات وما يتعلق به من أحكام، الدكتور شرف بن علي الشريف، رسالة ماجستير، طبع جامعة أم القرى، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ، مكة المكرمة.\n٦٦ - الروض المربع شرح زاد المستقنع، تحقيق عبد اللَّه الطيار، الطبعة الثانية، ١٤٢٢هـ دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٦٧ - زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام شمس الدين أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٦٨ - الزهد والرقائق، للإمام عبد اللَّه بن المبارك المروزي، ت ١٨١ هـ، تحقيق أحمد فريد، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار المعراج الدولية للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٦٩ - الزهد، للإمام أحمد بن حنبل، مطبعة أم القرى بمكة المكرمة، عام ١٣٥٧هـ.\n٧٠ - سبل السلام الموصل إلى بلوغ المرام، للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، تحقيق محمد صبحي حسن حلاق، الطبعة الأولى عام ١٤١٨هـ، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية.\n٧١ - السلسبيل في معرفة الدليل، للشيخ صالح البليهي، حاشية على زاد المستنقع، الطبعة الثالثة ١٤٠١هـ، الناشر بدون.\n٧٢ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة ١٤٩٨هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٧٣ - سلسلة الأحاديث الضعيفة، للعلامة ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ،\nالمكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٧٤ - سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، ت ٢٧٩ هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، ١٣٩٨ هـ ة مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، مصر.\n٧٥ - سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، ت ٢٧٥ هـ، تحقيق محمد محيي الدين","vol":"1","page":773},{"text":"عبد الحميد، بدون تاريخ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٧٦ - سنن الدارقطني، للإمام علي بن عمر الدارقطني، ت ٣٨٥هـ، دار المحاسن للطباعة، القاهرة.\n٧٧ - سنن الدارمي، عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمي، ت ٢٥٥ هـ، طبعة ١٤٠٤ هـ، تحقيق عبد اللَّه بن هاشم اليماني، توزيع الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٧٨ - سنن سعيد بن منصور، ت ٢٢٧ هـ، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، تحقيق د سعيد بن عبد اللَّه آل حميد، دار العاصمة، المملكة العربية السعودية.\n٧٩ - سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، ت ٢٧٥ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n٨٠ - السنن الكبرى، لأحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري، وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١١هـ.\n٨١ - السنن الكبرى، للإمام الحافظ أبي بكر أحمد لن الحسين بن على البيهقي، ت ٤٥٨ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٨٢ - سنن النسائي، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب، ت ٣٠٣ هـ، بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، ت ٩١١ هـ، وحاشية السندي، ت ١١٣٨ هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، اعتنى به ورقمه عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\n٨٣ - سير أعلام النبلاء، للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت ٧٤٨ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الرابعة، ١٤٠٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٨٤ - سيرة ابن هشام، لأبي محمد بن عبد الملك بن هشام، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء.\n٨٥ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للإمام أبي القاسم هبة اللَّه بن حسن الطبري اللالكائى، ت ٤١٨ هـ، تحقيق د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، الطبعة الرابعة، ١٤١٦ هـ، دار طيبة، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٨٦ - شرح رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين للإمام النووي، تأليف العلامة محمد بن صالح العثيمين، تحقيق وتجميع الأستاذ عبد اللَّه بن محمد الطيار.\n٨٧ - شرح الزركشي على مختصر الخرقي، تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد الرحمن الجبرين.\n٨٨ - شرح السنة، للإمام الحافظ أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، ت ٥١٩ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٨٩ - شرح السيوطي على سنن النسائي، للعلامة عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر محمد بن سابق الدين، ت ٩١١ هـ، بعناية عبد الفتاح أبوغدة، الطبعة الثانية، ١٤٥٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\n٩٠ - شرح صحيح مسلم للنووي، لمحيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، ت ٦٧٦ هـ، تحقيق لجنة من العلماء بإشراف الناشر، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ، دار القلم، بيروت،","vol":"1","page":774},{"text":"لبنان.\n٩١ - شرح العمدة، في بيان مناسك الحج والعمرة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق صالح بن محمد بن حسن، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ، مكتبة الحرمين، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٩٢ - الشرح الكبير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ٦٨٢هـ، مطبوع معه الإنصاف والمقنع، تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر.\n٩٣ - الشرح الممتع، لابن عثيمين، الطبعة الثالثة، ١٤١٥هـ، مؤسسة آسام للنشر، المملكة العربية السعودية.\n٩٤ - شرح معاني الآثار، لأبي جعفر الطحاوي ت ٣٢١هـ، تحقيق إبراهيم شمس الدين، الطبعة الثانية ١٤٢٧هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٩٥ - شعب الإيمان، للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت ٤٥٨ هـ، تحقيق أبي هاجر محمد السعيد بسيوني زغلول، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٩٦ - الشمائل المحمدية، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبي عيسى، ت٢٧٩هـ، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ.\n٩٧ - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، طبعة دار العلم للملايين، الطبعة الثانية، ١٣٩٩هـ.\n٩٨ - صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، بقلم محمد بن ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية، دار الصديق، الجبيل، المملكة العربية السعودية.\n٩٩ - صحيح البخاري، لأبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري، ت ٢٥٦ هـ، طبعة ١٤١٤ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان. وطبعة ١٣١٥ هـ، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا، والنسخة المطبوعة مع فتح الباري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وإشراف محب الدين الخطيب، بدون تاريخ، مكتبة الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٠٠ - صحيح الترغيب والترهيب، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٥٢ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٠١ - صحيح الجامع الصغير، للعلامة ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٣٨٨ هـ؟ المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٠٢ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، للإمام أبي حاتم محمد بن أحمد بن حبان البستي، ت\n٣٥٤ هـ، رتبه الأمير علاء الدين علي بن سليمان بن بلبان الفارسي، ت ٧٣٩ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٠٣ - صحيح ابن خزيمة، للإمام أبي بكر محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي النيسابوري، ت ٣١١ هـ، تحقيق محمد مصطفى الأعظمى، طبعة ١٣٩٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":775},{"text":"١٠٤ - صحيح سنن الترمذي باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٠٥ - صحيح سنن أبي داود باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٩، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٠٦ - صحيح سنن ابن ماجه باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٠٧ - صحيح سنن النسائي باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٠٨ - صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري االنيسابوري، ت ٢٦١ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n١٠٩ - الصفا والمروة: تاريخها، ومقترحات لتوسعة عرض المسعى، للدكتور عبد الملك بن عبد اللَّه بن دهيش.\n١١٠ - صلاة المؤمن، للمؤلف (سعيد بن علي بن وهف القحطاني).\n١١١ - ضعيف الجامع الصغير، للعلامة الألباني ناصر الدين، الطبعة الأولى ١٣٨٨هـ، المكتب الإسلامي.\n١١٢ - ضعيف سنن الترمذي، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، أشرف على طباعته زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت - لبنان، ط١، ١٤١١هـ- ١٩٩١م، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض.\n١١٣ - ضعيف سنن أبي داود، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض- والمكتب الإسلامي، بيروت - لبنان، ط١، ١٤١٢هـ - ١٩٩١م.\n١١٤ - ضعيف سنن ابن ماجه، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط١، ١٤٠٨هـ- ١٩٨٨م.\n١١٥ - ضعيف سنن النسائي، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١١٦ - الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري، ت ٢٣٥ هـ، تحقيق محمد عبد القادر عطا، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n١١٧ - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، للإمام أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق محمد حامد الفقي، بدون تاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n١١٨ - ظلال الجنة في تخريج السنة، للعلامة ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١١٩ - عدة الباحث في أحكام التوارث، لعبد العزيز بن ناصر الرشيد، للنشر والتوزيع، الرياض.\n١٢٠ - العمدة، لابن قدامة، عبد اللَّه بن أحمد بن قدامة ت ٥٤١هـ، تخريج عبد اللَّه بن سفر العبدلي ومحمد بن دغيليب، مكتبة الطرفين، الطائف، المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":776},{"text":"١٢١ - عمل اليوم والليلة، أحمد بن شعيب النسائي، دراسة وتحقيق: د. فاروق حمادة، الرئاسة العامة للإفتاء، الرياض، ١٤٠٦هـ، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة بيروت.\n١٢٢ - عمل اليوم والليلة، للحافظ أبي بكر أحمد بن محمد الدينوري المعروف بابن السني، ت ٢٦٥ هـ، تحقيق بشير محمد عيون، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، مكتبة دار البيان، دمشق، سورية.\n١٢٣ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ، دار الفكر.\n١٢٤ - فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، لعبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز.\n١٢٥ - فتاوى إسلامية، جمع وترتيب، محمد بن عبد العزيز المسند، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٢٦ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، جمع وترتيب الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ، نشر الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٢٧ - فتاوى محمد بن صالح العثيمين، جمع فهد بن ناصر السليمان، الطبعة الأولى، دار الوطن، المملكة العربية السعودية.\n١٢٨ - فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم، الطبعة الأولى، ١٣٩٩، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة (وقف لله تعالى).\n١٢٩ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت ٨٥٢ هـ، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي وإشراف محب الدين الخطيب، بدون تاريخ، مكتبة الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٣٠ - الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، لأحمد بن عبد الرحمن البنا، دار الشهاب، القاهرة.\n١٣١ - فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود، لأمين محمود خطاب، الطبعة الثانية، ١٤١١ هـ، مكتبة طبرية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٣٢ - الفروع، لمحمد بن مفلح المقدسي، ت٧٦٣هـ، تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٣٣ - الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى، ١٤٢٤هـ،\nالمملكة العربية السعودية.\n١٣٤ - الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، ط١، الدمام: دار ابن الجوزي، ١٤١٧هـ.\n١٣٥ - القاموس الفقهي: لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ، دار الفكر، دمشق، سورية.\n١٣٦ - القاموس المحيط، للعلامة مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ت ٨١٧ هـ الطبعة","vol":"1","page":777},{"text":"الأولى، ١٤٠٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٣٧ - القواعد الفقهية، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار الوطن، الرياض، ط١، ١٤١٣هـ.\n١٣٨ - الكافي لابن قدامة: عبد اللَّه بن أحمد بن محمد، ت ٦٢٠هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، دار هجر.\n١٣٩ - الكافي في فقه أهل المدينة، ابن عبد البر النمري، تحقيق: محمد محمد أحيد ولد، طبعة مكتبة الرياض الحديثة، الطبعة الثانية، ١٤٠٠ هـ /١٩٨٠م.\n١٤٠ - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، للإمام الحافظ عبد اللَّه محمد بن أبي شيبة، توزيع إدارات البحوث العلمية والإفتاء ..\n١٤١ - كشف الأستار عن زوائد البزار، للهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٢، ١٤٠٤هـ.\n١٤٢ - الكلم الطيب، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، ط٣، ١٩٧٧م، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٤٣ - لسان العرب، للإمام أبي الفضل جمال الدين بن مكرم بن علي بن منظور، ت ٧١١ هـ، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ، دار صادر، بيروت، لبنان.\n١٤٤ - اللقاء الشهري، لمحمد بن صالح العثيمين.\n١٤٥ - مجالس عشر ذي الحجة، للشيخ عبد اللَّه بن صالح الفوزان.\n١٤٦ - مجلة اليمامة، العدد (١١٥١)، بتاريخ ٢٥/ ٩/١٤١١هـ.\n١٤٧ - مجمع البحرين في زوائد المعجمين، للحافظ نور الدين علي بن أبى بكر الهيثمي، تحقيق عبد القدوس بن محمد نذير، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ، مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٤٨ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين على بن أبي بكر الهيثمي، ت ٨٠٧ هـ، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n١٤٩ - مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن القاسم، أشرف على طباعته المكتب السعودي بالمغرب.\n١٥٠ - مجموع الفتاوى للإمام ابن باز، جمع الشويعر، الطبعة الثانية ١٤٢٣هـ، توزيع مكتب الدعوة والإرشاد، الرياض.\n١٥١ - مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة،\n١٥٢ - مجموع فتاوى ابن باز، جمع عبد اللَّه الطيار، وأحمد الباز، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٥٣ - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للعلامة عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز، جمع وترتيب د. محمد بن سعد الشويعر، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، الرئاسة العامة لإدارات البحوث والعلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.\n١٥٤ - المجموع، ليحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي.","vol":"1","page":778},{"text":"١٥٥ - مختار الصحاح، للإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، طبعة ١٩٨٥م، مكتبة لبنان، بيروت، لبنان.\n١٥٦ - مختصر الخرقي المطبوع مع المغني، تحقيق عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ، دار هجر للطباعة والنشر.\n١٥٧ - مختصر الشمائل المحمدية، للإمام أبي عيسى محمد بن سورة الترمذي، ت ٢٧٩ هـ، اختصره محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٥٥ هـ، المكتبة الإسلامية، عمان، الأردن.\n١٥٨ - مختصر صحيح البخاري، لمحمد بن ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، ط١، ١٤٢٢هـ.\n١٥٩ - مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق وتقديم صبري بن عبد الخالق أبو ذر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط٣، ١٤١٤هـ/ ١٩٩٢م.\n١٦٠ - مختصر سنن أبي داود، الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت ٦٥٦هـ)، تحقيق أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي، طبعة مكتبة السنة المحمدية.\n١٦١ - مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، لأبي محمدعلي بن أحمدبن سعيد بن حزم الأندلسي، دار زاهد القدسي، الطبعة الثالثة. (ت ٤٥٦هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٦٢ - مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود سليمان بن الأشعث.\n١٦٣ - مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد اللَّه، عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، ت٢٩٠ هـ، تحقيق زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، ١٤٠١هـ ١٩٨١م، بيروت.\n١٦٤ - مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ.\n١٦٥ - المستدرك على الصحيحين، للإمام الحافظ أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الحاكم النيسابوري، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٦٦ - مسند لإمام أحمد، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ت ٢٤١ هـ، بدون تاريخ، المكتب الإسلامي، دار صادر، بيروت، لبنان.\n١٦٧ - مسند الإمام أحمد بشرح أحمد شاكر، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، شرحه وضع فهارسه أحمد محمد شاكر، بدون تاريخ، دار المعارف، مصر.\n١٦٨ - مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، النسخة المحققة، تحقيق مجموعة من أهل العلم أشرف على التحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت- لبنان.\n١٦٩ - مسند أبي داود الطيالسي، لأبي داود سليمان بن داود الطيالسي (٢٠٤ هـ)، تحقيق: د. محمد بن عبد المحسن التركي، طبع دار هجر بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n١٧٠ - مسند الإمام الشافعي، للشافعي؛ محمد بن إدريس (ت ٢٠٤هـ). ترتيب: محمد عابد السندي، ط١، القاهرة، ١٣٦٩هـ.","vol":"1","page":779},{"text":"١٧١ - مسند الشامين، الإمام أحمد بن حنبل، ضبط أحاديثه وخرجها وبيّن درجتها وعلق عليها علي محمد جماز، مطابع الدوحة الحديثة، ط١، ١٤٠١هـ.\n١٧٢ - مسند أبي يعلى الموصلي، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن المثني التميمي، ت ٣٠٧ هـ، تحقيق حسين سليم أسد، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ، دار الثقافة العربية، دمشق، بيروت.\n١٧٣ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقرئ الفيومي، بدون تاريخ، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.\n١٧٤ - المصنف، للحافظ أي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٧٥ - معالم السنن، لحمد بن محمد الخطابي (٣٨٨ هـ)، المطبوع مع مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٧٦ - المعجم الأوسط، للطبراني، المجموع في مجمع البحرين في زوائد المعجمين، مكتبة الرشد، الرياض.\n١٧٧ - معجم البلدان، لياقوت بن عبد اللَّه الحموي، الطبعة الثانية ١٩٩٥م دار صادر صادر، بيروت.\n١٧٨ - معجم الطبراني الكبير، للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، وزارة الأوقاف والشئون الدينية بالجمهورية العراقية.\n١٧٩ - معجم لغة الفقهاء، للأستاذ الدكتور، محمد رواس الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار النفائس، بيروت، لبنان.\n١٨٠ - المغني، لموفق الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، تحقيق د. عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي ود. عبد الفتاح محمد الحلو، الطبعة الأولى، هجر للطباعة والنشر.\n١٨١ - مفردات ألفاظ القرآن، العلامة الراغب الأصفهاني، ت ٥٠٢ هـ، تحقيق صفوان عدنان داوودي، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، دار القلم، دمشق، دار الشامية، بيروت.\n١٨٢ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي،\nت ٦٥٦ هـ، تحقيق محيى الدين مستو وجماعة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ، دار ابن كثير، دمشق، بيروت.\n١٨٣ - مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت اللَّه الحرام، لعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن جاسر، الطبعة الثالثة، ١٤١٢هـ، طبع على نفقة الملك عبد اللَّه بن عبد العزيز آل سعود، وقف لله تعالى.\n١٨٤ - المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار الهجر.\n١٨٥ - منار السبيل، تأليف إبراهيم محمد بن سالم بن ضويان، تحقيق زهير الشاويش، الطبعة","vol":"1","page":780},{"text":"الخامسة ١٤٠٢هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٨٦ - المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، لمجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن تيمية، تصحيح محمد حامد الفقي، ١٤٠٢هـ، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٨٧ - المنهاج للمعتمر والحاج، للشيخ سعود بن إبراهيم الشريم.\n١٨٨ - المنهج لمريد الحج والعمرة، للشيخ محمد بن صالح العثيمين (مطبوع ضمن مجموع الفتاوى).\n١٨٩ - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، لعلي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية.\n١٩٠ - موطأ الإمام مالك، للإمام مالك بن أنس، ت ١٧٩ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وأولاده.\n١٩١ - النهاية في غريب الحديث، للإمام أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، ت ٦٠٦ هـ، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بدون تاريخ، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.\n١٩٢ - نيل الأوطار، للشوكاني، تحقيق أحمد محمد السيد ومحمود إبراهيم بزّال، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ، دار الكلم الطيب، دمشق، بيروت.\n١٩٣ - نيل المآرب بشرح دليل الطالب، لعبد القادر بن عمر التغلبي، الطبعة الثانية ذ١٤٢٠هـ دار النفائس، عمان الأردن.\n١٩٤ - الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب، لشمس الدين محم بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الشهير بابن قيم الجوزية، ت ٧٥١هـ، تحقيق بشير محمد عيون، الطبعة الثانية، ١٤٠٨هـ، مكتابة دار البيان، دمشق، سورية.","vol":"1","page":781}]}