{"ً":{"ٌ":96549,"ٍ":"شرح الدعاء من الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الرقاق والآداب والأذكار/شرح الدعاء من الكتاب والسنة - بن مقدم","files":["127135.pdf"]},"ّ":"الكتاب: شرح الدعاء من الكتاب والسنة\nالمؤلف: أبو عبد الرحمن ماهر بن عبد الحميد بن مقدم\nشرحه: ماهر بن عبد الحميد بن مقدم\nصححه وخرّج أحاديثه وقدم له مؤلف الأصل\nالناشر: مطبعة سفير، الرياض\nتوزيع: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض\nعدد الصفحات: ٦٥٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2544,"ٕ":23,"ٖ":1770155965,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المصحح مؤلف الأصل","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":4},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":8},{"title":"تعريف الدعاء","level":1,"page":9},{"title":"١ - الطلب والسؤال:","level":2,"page":9},{"title":"٢ - العبادة:.","level":2,"page":9},{"title":"٣ - الاستغاثة والاستعانة.","level":2,"page":9},{"title":"٤ - النداء والصياح:.","level":2,"page":10},{"title":"٥ - القول:.","level":2,"page":10},{"title":"٦ - التوحيد:","level":2,"page":10},{"title":"٧ - الثناء:","level":2,"page":10},{"title":"تعريف الدعاء في الشرع:","level":1,"page":10},{"title":"أنواع الدعاء باعتباره ومعناه:","level":1,"page":11},{"title":"تلازم نوعي الدعاء:","level":2,"page":12},{"title":"فضل الدعاء","level":1,"page":13},{"title":"١ - قال الله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾","level":2,"page":13},{"title":"٢ - قال تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾.","level":2,"page":14},{"title":"٣ - وقال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾.","level":2,"page":15},{"title":"٤ - ﴿واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما﴾.","level":2,"page":17},{"title":"٥ - وعن النعمان بن بشير - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: الدعاء هو العبادة.","level":2,"page":18},{"title":"٦ - وقال - ﷺ -: إن ربكم ﵎ حيي كريم.","level":2,"page":20},{"title":"٧ - وقال النبي - ﷺ -: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم.","level":2,"page":21},{"title":"٩ - قال النبي - ﷺ -: من لم يسأل الله يغضب عليه.","level":2,"page":22},{"title":"١٠ - قال النبي - ﷺ -: لا يغني حذر من قدر،.","level":2,"page":23},{"title":"١١ - قال النبي - ﷺ -: لا يرد القضاء إلا الدعاء","level":2,"page":24},{"title":"١٢ - وقال النبي - ﷺ -: الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل،","level":2,"page":24},{"title":"١ - أن يكون الدعاء أقوى من البلاء،.","level":3,"page":25},{"title":"٢ - أن يكون أضعف من البلاء،.","level":3,"page":25},{"title":"٣ - أن يتقاوما، ويمنع كل منهما صاحبه.","level":3,"page":25},{"title":"آداب الدعاء وأسباب الإجابة:","level":1,"page":26},{"title":"١ - الإخلاص لله.","level":2,"page":26},{"title":"٢ - أن يبدأ بحمد لله","level":2,"page":27},{"title":"والصلاة على النبي - ﷺ - حال الدعاء لها ثلاث مراتب:","level":3,"page":29},{"title":"إحداها: أن يصلي على النبي - ﷺ - قبل الدعاء، وبعد حمد الله تعالى.","level":4,"page":29},{"title":"والثانية: أن يصلي عليه أول الدعاء، وأوسطه، وآخره.","level":4,"page":29},{"title":"والثالثة: أن يصلي عليه في أوله، وآخره،","level":4,"page":29},{"title":"٣ - الجزم في الدعاء واليقين بالإجابة","level":2,"page":30},{"title":"٤ - الإلحاح في الدعاء وعدم الاستعجال.","level":2,"page":32},{"title":"ولعل الحكمة في المنع من ذلك:","level":3,"page":36},{"title":"١ - أن هذا القول يدل على تضجر قائله وملله.","level":4,"page":36},{"title":"٢ - وهذا القول فيه اتهام للرب ﵎، وتبخيل.","level":4,"page":37},{"title":"٥ - حضور القلب في الدعاء.","level":2,"page":37},{"title":"٦ - الدعاء في الرخاء والشدة.","level":2,"page":39},{"title":"٧ - لا يسأل إلا الله وحده.","level":2,"page":41},{"title":"٨ - عدم الدعاء على الأهل، والمال، والولد، والنفس.","level":2,"page":42},{"title":"٩ - خفض الصوت بالدعاء بين المخافتة والجهر.","level":2,"page":43},{"title":"١ - أنه أعظم إيمانا.","level":3,"page":43},{"title":"٢ - أنه أعظم في الأدب والتعظيم.","level":3,"page":43},{"title":"٣ - أنه أبلغ في التضرع والخشوع.","level":3,"page":43},{"title":"٤ - أنه أبلغ في الإخلاص.","level":3,"page":43},{"title":"٥ - أنه أبلغ في حضور القلب على الله تعالى في الدعاء.","level":3,"page":44},{"title":"٦ - أنه دال على قرب صاحبه من الله - ﷿ -.","level":3,"page":44},{"title":"٧ - أنه أدعى لدوام الطلب والسؤال","level":3,"page":44},{"title":"١٠ - الاعتراف بالذنب والاستغفار منه، والاعتراف بالنعمة وشكر الله عليها","level":2,"page":44},{"title":"١١ - عدم تكلف السجع في الدعاء.","level":2,"page":45},{"title":"١٢ - التضرع والخشوع والرغبة والرهبة.","level":2,"page":46},{"title":"١٣ - رد المظالم مع التوبة.","level":2,"page":47},{"title":"وذلك أن الظلم نوعان:","level":3,"page":48},{"title":"١ - ظلم العبد مع ربه - ﷿ -.","level":4,"page":48},{"title":"٢ - وظلم العبد مع خلقه تعالى.","level":4,"page":48},{"title":"١٤ - الدعاء ثلاثا.","level":2,"page":49},{"title":"١٥ - استقبال القبلة.","level":2,"page":50},{"title":"١٦ - رفع الأيدي في الدعاء.","level":2,"page":51},{"title":"وفي رفع اليدين فوائد ومنافع كثيرة في العبودية لله تعالى:","level":3,"page":51},{"title":"١ - في مد اليدين زيادة في التذلل والتمسكن.","level":4,"page":52},{"title":"٢ - فيه إيقاظ القلب والفكر، وعدم الغفلة حال الدعاء","level":4,"page":52},{"title":"٣ - فيه وسيلة إلى خشوع القلب والجوارح،","level":4,"page":52},{"title":"٤ - فيه إقرار بقيومية الله تعالى.","level":4,"page":52},{"title":"٥ - فيه إقرار لكرم الله تعالى، وعظيم إحسانه.","level":4,"page":52},{"title":"٦ - فيه إقرار من العبد لعلو ربه تعالى فوق كل شيء","level":4,"page":52},{"title":"٧ - فيه استشعار عظمة الخالق تعالى، وأنه فوق عرشه","level":4,"page":52},{"title":"* صفة رفع الأيدي حال الدعاء:","level":3,"page":53},{"title":"المقام الأول: مقام الدعاء العام","level":4,"page":53},{"title":"المقام الثاني: الاستغفار،.","level":4,"page":53},{"title":"المقام الثالث: الابتهال:.","level":4,"page":54},{"title":"١٧ - الوضوء قبل الدعاء إن تيسر.","level":2,"page":54},{"title":"١٨ - أن لا يعتدي في الدعاء","level":2,"page":55},{"title":"ومن صور الاعتداء في الدعاء ما يأتي:","level":3,"page":56},{"title":"١ - سؤال ما لا يليق بالشخص كطلب منازل الأنبياء،","level":4,"page":56},{"title":"٢ - ومنها: سؤال الله تعالى ما لا يجوز أن يسأله","level":4,"page":56},{"title":"٣ - ومنها: أن يسأل الله ما علم من حكمته سبحانه أنه لا يفعله.","level":4,"page":56},{"title":"٤ - ومن العدوان أن يدعو الله تعالى بغير تضرع وخشوع","level":4,"page":56},{"title":"٥ - أن يدعو على أهله وماله وولده.","level":4,"page":57},{"title":"٦ - ويدخل كذلك الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا.","level":4,"page":57},{"title":"٧ - أو يدعو على نفسه بالموت دون سبب شرعي كالفتنة","level":4,"page":57},{"title":"١٩ - أن يبدأ الداعي بنفسه إذا دعا لغيره.","level":2,"page":57},{"title":"٢٠ - أن يتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا.","level":2,"page":58},{"title":"٢١ - أن يكون المطعم والمشرب والملبس من حلال.","level":2,"page":64},{"title":"٢٢ - لا يدعو بإثم أو قطيعة رحم.","level":2,"page":65},{"title":"٢٣ - أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.","level":2,"page":66},{"title":"٢٤ - الابتعاد عن جميع المعاصي.","level":2,"page":67},{"title":"أوقات وأحوال وأماكن يستجاب فيها الدعاء:","level":1,"page":68},{"title":"١ - ليلة القدر.","level":2,"page":68},{"title":"٢ - جوف الليل الآخر.","level":2,"page":68},{"title":"٣ - دبر الصلوات المكتوبات.","level":2,"page":70},{"title":"٤ - بين الأذان والإقامة.","level":2,"page":73},{"title":"٥ - ساعة من كل ليلة.","level":2,"page":74},{"title":"٦ - عند النداء للصلوات المكتوبة.","level":2,"page":75},{"title":"٧ - عند نزول الغيث.","level":2,"page":75},{"title":"٨ - عند زحف الصفوف في سبيل الله.","level":2,"page":75},{"title":"٩ - ساعة من يوم الجمعة.","level":2,"page":75},{"title":"١٠ - عند شرب ماء زمزم مع النية الصادقة.","level":2,"page":77},{"title":"١١ - في السجود.","level":2,"page":77},{"title":"١٢ - عند الاستيقاظ من النوم ليلا، والدعاء بالمأثور في ذلك.","level":2,"page":78},{"title":"١٣ - إذا نام على طهارة ثم استيقظ من الليل ودعا.","level":2,"page":79},{"title":"١٤ - عند الدعاء بـ لا إله إلا أنت سبحانك","level":2,"page":79},{"title":"١٥ - دعاء الناس عقب وفاة الميت.","level":2,"page":80},{"title":"١٦ - الدعاء بعد الثناء على الله والصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأخير:","level":2,"page":81},{"title":"١٧ - عند دعاء الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب،","level":2,"page":82},{"title":"١٨ - دعاء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب.","level":2,"page":83},{"title":"١٩ - دعاء يوم عرفة في عرفة.","level":2,"page":85},{"title":"٢٠ - الدعاء في شهر رمضان.","level":2,"page":85},{"title":"وفتح أبواب الجنة إيذان بقبول الدعاء والأعمال.","level":3,"page":85},{"title":"٢١ - عند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر.","level":2,"page":85},{"title":"٢٢ - عند الدعاء في المصيبة.","level":2,"page":86},{"title":"٢٣ - الدعاء حالة إقبال القلب على الله، واشتداد الإخلاص.","level":2,"page":86},{"title":"٢٤ - دعاء المظلوم على من ظلمه.","level":2,"page":87},{"title":"٢٥ - دعاء الوالد لولده، وعلى ولده.","level":2,"page":89},{"title":"٢٦ - دعاء المسافر.","level":2,"page":90},{"title":"٢٧ - دعاء الصائم حتى يفطر.","level":2,"page":91},{"title":"٢٨ - دعاء الصائم عند فطره.","level":2,"page":91},{"title":"٢٩ - عاء المضطر.","level":2,"page":92},{"title":"٣٠ - دعاء الإمام العادل.","level":2,"page":94},{"title":"٣١ - دعاء الولد البار بوالديه.","level":2,"page":94},{"title":"٣٢ - الدعاء عقب الوضوء إذا دعا بالمأثور في ذلك.","level":2,"page":95},{"title":"٣٣ - ٣٤ - الدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى. والوسطى:","level":2,"page":95},{"title":"٣٥ - الدعاء داخل الكعبة، ومن صلى داخل الحجر فهو من البيت.","level":2,"page":96},{"title":"٣٦ - الدعاء على الصفا:","level":2,"page":97},{"title":"٣٧ - الدعاء على المروة.","level":2,"page":98},{"title":"٣٨ - الدعاء عند المشعر الحرام.","level":2,"page":98},{"title":"الدعاء من الكتاب والسنة","level":1,"page":100},{"title":"١ - ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين﴾.","level":2,"page":100},{"title":"هي أعظم سورة كما أخبر الصادق المصدوق","level":3,"page":101},{"title":"الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله - ﷿ -.","level":4,"page":102},{"title":"والفائدة الثانية: الحصر.","level":4,"page":102},{"title":"الهداية هي الدلالة","level":3,"page":106},{"title":"١ - هداية دلالة وإرشاد وعلم.","level":4,"page":107},{"title":"٢ - هداية دلالة توفيق وعمل،.","level":4,"page":107},{"title":"تضمنت هذه الدعوات المباركات جملا عديدة من الفوائد، منها:","level":3,"page":111},{"title":"أ - توسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا.","level":4,"page":112},{"title":"ب - وتوسل بالعمل الصالح:","level":4,"page":112},{"title":"جـ - توسل إليه تعالى بنعمه وإحسانه.","level":4,"page":112},{"title":"٢ - ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾.","level":2,"page":113},{"title":"٣ - ﴿وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم﴾.","level":2,"page":113},{"title":"٤ - ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾.","level":2,"page":119},{"title":"٥ - ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾.","level":2,"page":123},{"title":"٦ - ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾.","level":2,"page":123},{"title":"إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء:","level":3,"page":126},{"title":"- أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه.","level":4,"page":126},{"title":"- وأن يستره عن عباده، فلا يفضحه به بينهم.","level":4,"page":127},{"title":"- وأن يعصمه، فلا يوقعه في نظيره.","level":4,"page":127},{"title":"تضمنت هذه الدعوات الجليلات من عظيم الفوائد والمنافع:","level":3,"page":128},{"title":"١ - أن الإيمان هو أعظم أعمال القلوب المستلزم لأعمال الأركان.","level":4,"page":128},{"title":"٢ - أن الإيمان الكامل هو الإيمان بكل ما جاء عن الله تعالى.","level":4,"page":128},{"title":"٣ - إثبات علو الله - ﷿ -.","level":4,"page":128},{"title":"٤ - أن من صفات المؤمن السمع والطاعة.","level":4,"page":128},{"title":"٥ - أن كل الخلق محتاج إلى مغفرة الله ﵎","level":4,"page":128},{"title":"٦ - أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانا بالرسول - ﷺ - كان أشد اتباعا له.","level":4,"page":128},{"title":"٧ - عظم وسعة رحمة الله - ﷿ - لهذه الأمة في إسقاط كثير من التكاليف","level":4,"page":128},{"title":"٨ - من عظيم رحمة الله تعالى علينا كذلك أنه علمنا هذا الدعاء الذي ندعوه","level":4,"page":129},{"title":"٩ - أهمية سؤال الله تعالى: العفو، والمغفرة، والرحمة.","level":4,"page":129},{"title":"١٠ - إثبات ولاية الله الخاصة للمؤمنين التي تقتضي النصرة والعناية والتأييد.","level":4,"page":129},{"title":"١١ - أن العبد محتاج إلى سؤال الله تعالى النصرة على الكافرين في كل زمان.","level":4,"page":129},{"title":"١٢ - أهمية الدعاء للعبد المسلم في حياته ومهماته.","level":4,"page":129},{"title":"١٣ - أهمية الإلحاح في الدعاء، وأنه من أهم الأسباب في قبول الدعاء","level":4,"page":129},{"title":"١٤ - الدعاء الأكمل هو الجامع لأكثر من توسل.","level":4,"page":129},{"title":"١٥ - يستحب البسط في الدعاء.","level":4,"page":129},{"title":"١٦ - أن ذكر بعض الخصال التي يقوم بها العبد إلى الله تعالى.","level":4,"page":129},{"title":"١٧ - أن أعظم التوسل إلى الله تعالى على الإطلاق التوسل إليه بربوبيته تعالى","level":4,"page":130},{"title":"٧ - ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾","level":2,"page":130},{"title":"المفردات:","level":3,"page":130},{"title":"الشرح:","level":3,"page":130},{"title":"تضمنت هذه الدعوات المباركات كثيرا من المنافع والفوائد:","level":3,"page":134},{"title":"١ - أن العلم بالله تعالى هو أشرف العلوم على الإطلاق.","level":4,"page":134},{"title":"٢ - أن الرسوخ في العلم هو قدر زائد على مجرد العلم.","level":4,"page":134},{"title":"٣ - أن سؤال الله تعالى الثبات على الإيمان هو أعظم مقاصد الشارع.","level":4,"page":134},{"title":"٤ - ينبغي للعبد أن يستحضر دوما نعم الله تعالى عليه.","level":4,"page":134},{"title":"٥ - كما أن التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته.","level":4,"page":134},{"title":"٦ - أهمية التوسل إلى الله تعالى بنعمه ﴿بعد إذ هديتنا﴾.","level":4,"page":135},{"title":"٧ - إن الإنسان لا يملك قلبه.","level":4,"page":135},{"title":"٨ - أن التخلية تكون قبل التحلية.","level":4,"page":135},{"title":"٩ - أن العطاء يكون على قدر المعطي.","level":4,"page":135},{"title":"١٠ - أن كل الخلق لا غنى لهم عن دعاء ربهم - ﷿ - في جلب المنافع.","level":4,"page":135},{"title":"٨ - ﴿ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار﴾.","level":2,"page":135},{"title":"١ - من صفات المؤمنين إعلانهم الإيمان بالله ﵎.","level":3,"page":137},{"title":"٢ - أن من صفات المتقين عدم الإعجاب بالنفس.","level":3,"page":137},{"title":"٣ - جوا ز التوسل بالإيمان ﴿ربنا إننا آمنا﴾.","level":3,"page":138},{"title":"٤ - أهمية البسط في الدعاء،:","level":3,"page":138},{"title":"أ- السبب الأول: أن يستحضرالإنسان جميع ما يدعو به بأنواعه.","level":4,"page":138},{"title":"ب- أن الدعاء مخاطبة لله - ﷿ -،.","level":4,"page":138},{"title":"جـ- أنه كلما ازداد دعاء ازداد قربة إلى الله - ﷿ -.","level":4,"page":138},{"title":"د- أنه كلما ازدا د دعاء كان فيه إظهار لافتقار الإنسان إلى ربه - ﷿ -.","level":4,"page":138},{"title":"٥ - أهمية التوسل بالعمل الصالح في الدعاء.","level":3,"page":138},{"title":"٦ - ينبغي للداعي أن يحرص في أدعيته على سؤال المغفرة.","level":3,"page":138},{"title":"٧ - أنه كلما أكثر العبد في التوسل كان أرجى في قبول دعوته","level":3,"page":138},{"title":"أ- بأسمائه تعالى الحسنى ﴿ربنا﴾.","level":4,"page":138},{"title":"ب- بالعمل الصالح ﴿إننا آمنا﴾.","level":4,"page":138},{"title":"٩ - ﴿رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء﴾.","level":2,"page":139},{"title":"١ - إن جميع الخلق مفتقرون إلى الله - ﷿ -،.","level":3,"page":141},{"title":"٢ - إن من أعظم التوسل إلى الله - ﷿ - بالدعاء هو اسم (الرب ..","level":3,"page":141},{"title":"٣ - إنه لاينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية.","level":3,"page":141},{"title":"٤ - إن حسن الظن من حسن العبادة.","level":3,"page":141},{"title":"٥ - إن من تمنى أمرا عظيما، أو رأى شيئا جليلا يتمناه.","level":3,"page":142},{"title":"٦ - إنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة.","level":3,"page":142},{"title":"٧ - فيه دلالة على أن الدعاء يرد القضاء","level":3,"page":142},{"title":"٨ - إثبات سمع الله - ﷿ -، وكرم الله تعالى.","level":3,"page":142},{"title":"٩ - أهمية التوسل بأسماء الله المضافة","level":3,"page":143},{"title":"١٠ - إنه كما يتوسل إليه تعالى بأسمائه.","level":3,"page":143},{"title":"١١ - أن في ذكر هذه القصة العجيبة.","level":3,"page":143},{"title":"١٢ - يستحب الإسرار بالدعاء.","level":3,"page":143},{"title":"١٣ - استحباب الخضوع في الدعاء، وإظهار الذل، والمسكنة","level":3,"page":143},{"title":"١٤ - أن من أحب الوسائل إلى الله تعالى التوسل إليه بضعف الداعي.","level":3,"page":143},{"title":"١٥ - أن الشكوى إلى الله تعالى لاتنافي الصبر،.","level":3,"page":144},{"title":"١٦ - يستحب التوسل إلى الله تعالى بنعمه،.","level":3,"page":144},{"title":"١٧ - ينبغي للداعي أن يكون جل دعائه في مطالب الدين","level":3,"page":144},{"title":"١٨ - أن فعل الخيرات والمسارعة إليها","level":3,"page":144},{"title":"١٩ - أن دعاء الله ﵎ في حالتي الرغبة والرهبة.","level":3,"page":145},{"title":"٢٠ - أن الخشوع من أسباب إجابة الدعاء،","level":3,"page":145},{"title":"١٠ - ﴿ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول﴾","level":2,"page":145},{"title":"١ - إن الإيمان لا بد له من اتباع.","level":3,"page":148},{"title":"٢ - إنه يجب أن يكون الإيمان شاملا لكل ما أنزل الله تعالى».","level":3,"page":148},{"title":"٣ - إن إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان أو بالإسلام.","level":3,"page":148},{"title":"٤ - أهمية التوسل إلى الله ﵎ بأكثر من وسيلة","level":3,"page":148},{"title":"أ- الإيمان به.","level":4,"page":148},{"title":"ب- واتباع الرسول - ﷺ - في قبول دعوتهم.","level":4,"page":148},{"title":"٥ - الحرص على صحبة الأخيار.","level":3,"page":148},{"title":"١١ - ﴿ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا﴾","level":2,"page":148},{"title":"المفردات:.","level":3,"page":149},{"title":"الفوائد:","level":3,"page":152},{"title":"١ - أن الإنسان مفتقر إلى الله تعالى غاية الافتقار.","level":4,"page":152},{"title":"٢ - ينبغي للإنسان أن يدعو الله تعالى بهذا الدعاء.","level":4,"page":152},{"title":"٣ - أن الإنسان لا يخلو من الإسراف على نفسه.","level":4,"page":152},{"title":"٤ - أن البسط في الدعاء أفضل من اختصاره.","level":4,"page":152},{"title":"٥ - أن الذنوب سبب للخذلان والهوان","level":4,"page":152},{"title":"٦ - أن الدعاء من أعظم الأسباب لحصول المرغوب.","level":4,"page":152},{"title":"٧ - ينبغي للعبد ألا يتكل على الأسباب ذاتها","level":4,"page":153},{"title":"١٢ - ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾.","level":2,"page":153},{"title":"١ - الحث على التأمل في خلق السموات والأرض.","level":3,"page":160},{"title":"٢ - إن التأمل في خلق الله تعالى يثمر حسن العبادة","level":3,"page":160},{"title":"٣ - فضيلة إدامة ذكر الله - ﷿ - على كل حال.","level":3,"page":160},{"title":"٤ - انتفاء الباطل في خلق الله تعالى نصا مطلقا","level":3,"page":160},{"title":"٥ - إثبات ما أثبته أهل السنة.","level":3,"page":160},{"title":"٦ - تنزيه الله جل وعلا عن كل عيب ونقص.","level":3,"page":161},{"title":"٧ - إن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء من الوقاية من النار.","level":3,"page":161},{"title":"٨ - إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله تعالى.","level":3,"page":161},{"title":"٩ - إن الدعاء كما يكون بصيغة الطلب","level":3,"page":161},{"title":"١٠ - إن سؤال الله تعالى في مطالب الدين والدار الآخرة.","level":3,"page":161},{"title":"١١ - فضيلة البسط في الدعاء على الاختصار.","level":3,"page":161},{"title":"١٢ - يحسن بالداعي أن يذكر بعض منن وآلاء الله تعالى.","level":3,"page":161},{"title":"١٣ - إن ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه","level":3,"page":162},{"title":"١٤ - جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة.","level":3,"page":162},{"title":"١٥ - أهمية التوسل إلى الله بأسمائه كما في تكرارهم في توسلهم.","level":3,"page":162},{"title":"١٦ - وكذلك التوسل إليه تعالى بصفاته.","level":3,"page":162},{"title":"١٧ - من حسن الدعاء ذكر علة السؤال.","level":3,"page":162},{"title":"١٨ - إن كثرة الثناء مع التوسلات الجليلة بين يدي الدعاء من أعظم أسباب الإجابة.","level":3,"page":162},{"title":"١٩ - مشروعية التوسل إلى الله بصفاته المنفية.","level":3,"page":162},{"title":"٢٠ - فيه ظهور كمال أسماء الله تعالى وصفاته","level":3,"page":163},{"title":"١٣ - ﴿ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾.","level":2,"page":163},{"title":"١٤ - ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾.","level":2,"page":163},{"title":"المفردات.","level":3,"page":163},{"title":"الشرح","level":3,"page":164},{"title":"الفوائد المستنبطة من الدعاء:","level":3,"page":166},{"title":"١ - إن تقديم الاعتراف بالخطأ، وظلم النفس قبل.","level":4,"page":166},{"title":"٢ - أهمية التوسل بربوبية الله تعالى حال الدعاء","level":4,"page":166},{"title":"٣ - جمع هذا الدعاء المبارك أربعة أنواع من التوسل:","level":4,"page":166},{"title":"الأول: التوسل بالربوبية (ربنا).","level":5,"page":166},{"title":"الثاني: التوسل بحال العبد: (ظلمنا أنفسنا).","level":5,"page":166},{"title":"الثالث: تفويض الأمر إلى الله جل وعلا","level":5,"page":166},{"title":"الرابع: ذكر حال العبد إذا لم تحصل له مغفرة الله ورحمته.","level":5,"page":166},{"title":"٤ - منة الله تعالى على آدم بقبول التوبة.","level":4,"page":166},{"title":"٥ - تضمنت هذه الدعوة أخلص شروط التوبة النصوح.","level":4,"page":167},{"title":"٦ - هذه الدعوة من أفضل الصيغ في طلب المغفرة","level":4,"page":167},{"title":"٧ - من كمال الدعاء أن يجمع الداعي حال دعائه بين الرغبة والرهبة والتوبة","level":4,"page":167},{"title":"٨ - من حسن الدعاء وأدبه أن يكون بصيغة التعريض المتضمنة للطلب","level":4,"page":167},{"title":"٩ - إن مطلب المغفرة، والرحمة من أهم المطالب.","level":4,"page":167},{"title":"١٠ - يستحب للداعي أن يذكر سبب الدعوة التي يدعو بها.","level":4,"page":167},{"title":"١١ - فيها بيان أن الذنب ينبغي أن يستعظم، وإن كان صغيرا","level":4,"page":167},{"title":"١٢ - إن الدعاء ملجأ جميع الأنبياء والمرسلين","level":4,"page":167},{"title":"١٥ - ﴿ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾.","level":2,"page":168},{"title":"١ - ينبغي للعبد أن يجتنب كل ما يؤدي - والعياذ لله - إلى سوء المآل والحال","level":3,"page":169},{"title":"٢ - ينبغي الإكثار من هذه الدعوة المهمة.","level":3,"page":169},{"title":"٣ - أهمية الدعاء، فلا غنى للخلائق عنه حتى في الدار الآخرة","level":3,"page":170},{"title":"٤ - دلت هذه الدعوة على المبالغة في سؤال الله تعالى مجانبة الظالمين","level":3,"page":170},{"title":"١٦ - اللهم ﴿أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين﴾.","level":2,"page":170},{"title":"١ - ينبغي للداعي أن يختار في دعائه لربه ﵎ أنبل الألفاظ،","level":3,"page":173},{"title":"أ- ضمير الفصل (أنت).","level":4,"page":173},{"title":"ب- توسل باسم من أسمائه الحسنى (الولي).","level":4,"page":173},{"title":"ج- ومن الأسماء المضافة (خير الغافرين).","level":4,"page":173},{"title":"د- التأكيد والعزم على التوبة، والأوبة: (إنا هدنا إليك).","level":4,"page":173},{"title":"٢ - العناية بأجل المطالب والمقاصد في الدنيا والآخرة حال الدعاء،","level":3,"page":173},{"title":"١٧ - ﴿حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾.","level":2,"page":173},{"title":"والتوكل يقوم على ركنين:","level":3,"page":175},{"title":"الركن الأول: اعتماد القلب على الله تعالى.","level":4,"page":175},{"title":"الركن الثاني: العمل بالأسباب.","level":4,"page":175},{"title":"تضمن هذا الدعاء فوائد كثيرة، منها:","level":3,"page":176},{"title":"١ - أهمية هذه الدعوة لما جاء في فضلها من السنة","level":4,"page":176},{"title":"٢ - أن على العبد أن يستفرغ كل ما في وسعه من الأسباب الشرعية","level":4,"page":176},{"title":"٣ - إن التوكل سبب لكفاية الله تعالى للعبد","level":4,"page":176},{"title":"٤ - فضل كلمة التوحيد، فإن فيها النجاة في الدنيا والآخرة.","level":4,"page":176},{"title":"٥ - أهمية التوسل إلى الله تعالى بتوحيده، والتوكل عليه.","level":4,"page":176},{"title":"٦ - أن الدعاء كما يكون بصيغة الطلب، يكون كذلك بصيغة الخبر.","level":4,"page":176},{"title":"٧ - ينبغي للداعي أن يحسن ظنه بربه حال دعائه.","level":4,"page":176},{"title":"١٨ - ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾.","level":2,"page":176},{"title":"١ - إن الإيمان الصادق يقتضي التوكل على الله تعالى وحده","level":3,"page":180},{"title":"٢ - إن الدعاء لا ينافي التوكل على الله تعالى والتقوي به.","level":3,"page":180},{"title":"٣ - أهمية التوسل إلى الله تعالى حال الدعاء.","level":3,"page":180},{"title":"٤ - ينبغي الاستعاذة من الفتن لشدة خطورتها على الدين","level":3,"page":181},{"title":"١٩ - ﴿رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم﴾.","level":2,"page":181},{"title":"المفردات.","level":3,"page":181},{"title":"الشرح:","level":3,"page":181},{"title":"وفي هذا الدعاء المبارك آداب مهمة ينبغي للداعي أن يعتني بها:","level":3,"page":183},{"title":"١ - ينبغي للداعي أن يتفقه في باب الدعاء حتى يدعو على علم،.","level":4,"page":183},{"title":"٢ - ينبغي للعبد الاعتناء في طلب هذين المقصدين العظيمين.","level":4,"page":183},{"title":"٣ - أهمية سؤال الله بربوبيته، سواء كان في الطلب أو في الاستعاذة.","level":4,"page":183},{"title":"٤ - ينبغي للداعي أن يتجنب الاعتداء في الدعاء","level":4,"page":183},{"title":"٥ - فيه دلاله على أن العبد مهما كانت منزلته","level":4,"page":183},{"title":"٦ - ينبغي للداعي أن يعتني بالأدعية الشرعية.","level":4,"page":183},{"title":"٧ - عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع.","level":4,"page":183},{"title":"٢٠ - اللهم يا ﴿فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا﴾.","level":2,"page":184},{"title":"المفردات:","level":3,"page":184},{"title":"الفوائد:","level":3,"page":186},{"title":"٢١ - ﴿رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾.","level":2,"page":186},{"title":"١ - ينبغي لكل مسلم الإكثار من هذه الدعوة العظيمة.","level":3,"page":189},{"title":"٢ - ينبغي للداعي أن يبث إلى ربه تعالى الشكوى.","level":3,"page":189},{"title":"٣ - ينبغي مجانبة كل الأسباب والأحوال التي تضل العباد.","level":3,"page":189},{"title":"٤ - ينبغي لكل أحد أن لا يأمن على نفسه وذريته من عظام الذنوب","level":3,"page":189},{"title":"٥ - أهمية مسائل التوحيد والعقيدة، وأنه ينبغي للمؤمن الاعتناء بها","level":3,"page":189},{"title":"٢٢ - ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء﴾.","level":2,"page":189},{"title":"١ - أهمية الصلاة، حيث خصها بالدعاء دون غيرها من العبادات.","level":3,"page":191},{"title":"٢ - أهمية التوسل حال الدعاء بربوبية الله - ﷿ -.","level":3,"page":191},{"title":"٣ - أهمية الإلحاح في الدعاء.","level":3,"page":191},{"title":"٤ - ينبغي للداعي أن يكثر من سؤال الله تعالى قبول دعائه.","level":3,"page":191},{"title":"٥ - ينبغي لكل داع أن يدعوا لنفسه ولوالديه ولذريته.","level":3,"page":191},{"title":"٦ - ينبغي للداعي أن يكون جل دعائه في مطالب الدين.","level":3,"page":191},{"title":"٧ - أن الدعاء هو ملجأ جميع الأنبياء والمرسلين والصالحين.","level":3,"page":191},{"title":"٢٣ - ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾.","level":2,"page":191},{"title":"١ - أهمية مطلب سؤال الله المغفرة لأن عليها السلامة والفلاح.","level":3,"page":193},{"title":"٢ - ينبغي للداعي أن يجعل نصيبا في دعائه لوالديه.","level":3,"page":193},{"title":"٣ - عظم الثواب المترتب على هذه الدعوة الطيبة المباركة:","level":3,"page":194},{"title":"أ- كونها ذكرت في كتاب الله، قرآنا يتلى إلى يوم القيامة.","level":4,"page":194},{"title":"ب- عظم أجرها، فإن الداعي ينال بدعائه للمؤمنين.","level":4,"page":194},{"title":"جـ- أنها دعوة من خليل الرحمن","level":4,"page":194},{"title":"د- أنها دعوة مستجابة.","level":4,"page":194},{"title":"٤ - ينبغي للداعي أن يكون له حظ من دعواته لإخوانه المؤمنين.","level":3,"page":194},{"title":"٥ - أن الإكثار من هذه الدعوة توجب المحبة.","level":3,"page":194},{"title":"٦ - يستحب للداعي أن يبدأ بنفسه حال دعائه.","level":3,"page":194},{"title":"٧ - ينبغي للداعي أن يكون أكثر دعائه في أمور الآخرة.","level":3,"page":194},{"title":"٨ - أهمية الأدعية الشرعية.","level":3,"page":194},{"title":"٢٤ - ﴿ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا﴾.","level":2,"page":195},{"title":"المفردات:","level":3,"page":195},{"title":"الشرح:","level":3,"page":195},{"title":"تضمنت هذه الدعوة المباركة من الفوائد العظيمة الفوائد الآتية:","level":3,"page":197},{"title":"١ - ينبغي الفرار من الأماكن التي لا يستطيع العبد القيام بدينه فيها.","level":4,"page":197},{"title":"٢ - أن من أوى إلى الله تعالى، أواه الله تعالى ولطف به","level":4,"page":197},{"title":"٣ - أن من ترك شيئا لله تعالى عوضه الله خيرا منه.","level":4,"page":198},{"title":"٤ - أن من اتقى الله تعالى جعل الله له مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب.","level":4,"page":198},{"title":"٥ - ينبغي للعبد أن يجمع بين الأسباب الدنيوية والشرعية المطلوبة.","level":4,"page":198},{"title":"٦ - أن رحمة الله تعالى نوعان: رحمة عامة لكل الخلق مؤمنهم،.","level":4,"page":198},{"title":"٧ - أن الدعاء ينبغي أن يستجمع معه بذل الأسباب.","level":4,"page":198},{"title":"٨ - أن الجزاء من جنس العمل.","level":4,"page":198},{"title":"٩ - أن الدعاء وظيفة المؤمن في كل مهماته في حياته.","level":4,"page":198},{"title":"١٠ - الإكثار من دعاء الله تعالى بسؤال الرحمة والرشد.","level":4,"page":198},{"title":"١١ - تعظيم الرغبة في الدعاء","level":4,"page":198},{"title":"١٢ - أن الأدعية الشرعية جمعت وحوت كل ما يتمناه العبد في دينه ودنياه.","level":4,"page":199},{"title":"٢٥ - ﴿رب اشرح لي صدري* ويسر لي أمري﴾.","level":2,"page":199},{"title":"١ - فيه بيان لفضيلة الذكر.","level":3,"page":201},{"title":"٢ - أن الدعاء هو العبادة التي خلق الخلق من أجلها.","level":3,"page":201},{"title":"٣ - إن الذكر يعين العبد على القيام بالطاعات وإن شقت.","level":3,"page":201},{"title":"٤ - فيه فضيلة التسبيح.","level":3,"page":202},{"title":"٥ - إن التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته له أثر عظيم","level":3,"page":202},{"title":"٦ - أهمية البسط في الدعاء وأنه مطلوب.","level":3,"page":202},{"title":"٧ - إن مطالب الدين هي أعظم المطالب","level":3,"page":203},{"title":"٨ - ينبغي للداعي أن يجمع مع دعائه لوازمه ومتمماته.","level":3,"page":203},{"title":"٢٦ - ﴿رب زدني علما﴾.","level":2,"page":203},{"title":"٢٧ - ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾.","level":2,"page":205},{"title":"المفردات:","level":3,"page":205},{"title":"الظلم","level":3,"page":205},{"title":"الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه: الكفر، والشرك، والنفاق","level":4,"page":205},{"title":"والثاني: ظلم بينه وبين الناس.","level":4,"page":205},{"title":"والثالث: ظلم بينه وبين نفسه.","level":4,"page":205},{"title":"هذا الدعاء من كمال التوحيد والعبودية في ثلاثة مطالب عظيمة:","level":3,"page":207},{"title":"١ - إثبات كمال الألوهية واختصاصها بالله - ﷿ -: ﴿لا إله إلا أنت﴾.","level":4,"page":207},{"title":"٢ - إثبات كمال التنزيه لله تعالى عن كل نقص، وعيب.","level":4,"page":207},{"title":"٣ - الاعتراف بالذنب والخطأ المتضمن لطلب المغفرة","level":4,"page":207},{"title":"فتضمن هذا الدعاء المبارك أنواع التوحيد الثلاثة:","level":3,"page":208},{"title":"- توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية في قوله تعالى:) لا إله إلا أنت (.","level":4,"page":208},{"title":"- وتوحيد الأسماء والصفات.","level":4,"page":208},{"title":"وفي هذا الدعاء الذي فيه جوامع الأدب، والكلم الطيب الفوائد الكثيرة، منها:","level":3,"page":210},{"title":"١ - أن الدعاء كما يكون طلبا صريحا يكون كذلك تعريضا متضمنا","level":4,"page":210},{"title":"٢ - أن هذه الصيغة جمعت آداب الدعاء، وأسباب الإجابة.","level":4,"page":211},{"title":"٣ - هذه الدعوة فيها من كمال التوحيد.","level":4,"page":211},{"title":"٤ - فيه دلالة على أن التسبيح سبب للإنجاء من الكرب والهم","level":4,"page":211},{"title":"٥ - إن التوحيد والإيمان والإقرار بالذنوب من أكبر أسباب النجاة","level":4,"page":211},{"title":"٦ - إن الذنوب من أعظم الأسباب الموجبة لزوال النعم، وحصول النقم.","level":4,"page":211},{"title":"٧ - ينبغي أن يدعو العبد بحسن ظن عظيم في حق ربه تعالى.","level":4,"page":211},{"title":"٨ - إن ما يوقع على العبد من المصائب فإن سببها تقصيره في حق ربه تعالى.","level":4,"page":211},{"title":"٩ - صحة اعتقاد أهل السنة والجماعة.","level":4,"page":211},{"title":"١٠ - إن كل الخلق مهما كانت رتبهم ومنزلتهم مفتقرون إلى الله","level":4,"page":212},{"title":"٢٨ - ﴿رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين﴾","level":2,"page":212},{"title":"٢٩ - ﴿رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾.","level":2,"page":214},{"title":"هناك نوع آخر، وهو الاستعاذة: ويأتي على نوعين:","level":3,"page":215},{"title":"١ - شر موجود بالفعل، فهذا يطلب رفعه وإزالته.","level":4,"page":215},{"title":"٢ - شر يخاف وقوعه في المستقبل","level":4,"page":215},{"title":"١ - خير موجود بالفعل، فهذا يطلب دوامه وثباته.","level":5,"page":215},{"title":"٢ - خير معدوم، فهذا يطلب وجوده، وحصوله، ووقوعه.","level":5,"page":215},{"title":"أهمية الاستعاذة:","level":3,"page":216},{"title":"المفردات:","level":3,"page":217},{"title":"الشرح:","level":3,"page":217},{"title":"تضمنت هذه الاستعاذة الكثير من الفوا ئد المهمة، منها:","level":3,"page":219},{"title":"١ - أن العاصم على الإطلاق هو الله تعالى من كل شيء.","level":4,"page":220},{"title":"٢ - أنه كلما كان المطلوب مهما.","level":4,"page":220},{"title":"٣ - أنه كما يتوسل بربوبية الله بالطلب","level":4,"page":220},{"title":"٤ - شدة خطورة الشيطان على بني آدم","level":4,"page":220},{"title":"٣٠ - ﴿ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين﴾.","level":2,"page":220},{"title":"١ - إن التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة من التوسلات الجليلة","level":3,"page":222},{"title":"٢ - إن التوسل بالإيمان هو أعظم التوسلات بالأعمال الصالحة","level":3,"page":222},{"title":"٣ - إن سؤال المغفرة من أهم المسائل.","level":3,"page":222},{"title":"٤ - إن سؤال المغفرة مقدم على سؤال الرحمة.","level":3,"page":222},{"title":"٥ - ينبغي للداعي أن يختار في دعائه أجمل الألفاظ","level":3,"page":223},{"title":"٦ - فيه بيان خطورة الاستهزاء بالمؤمنين، وأن مصير ذلك النار.","level":3,"page":223},{"title":"٣١ - ﴿رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين﴾.","level":2,"page":223},{"title":"١ - أهمية هذه الدعوة؛ لأنها بصيغة الأمر.","level":3,"page":225},{"title":"٢ - فيه بيان أهمية التوسل إلى الله تعالى بربوبيته","level":3,"page":225},{"title":"٣ - ينبغي للداعي أن يقدم طلب المغفرة قبل سؤاله الرحمة.","level":3,"page":225},{"title":"٤ - أهمية هذين المطلبين: المغفرة، والرحمة.","level":3,"page":226},{"title":"٥ - إن من آثار وثمرات المغفرة حصول الرحمة.","level":3,"page":226},{"title":"٦ - إن التوسل بأسماء الله تعالى المضافة من أعظم الممادح.","level":3,"page":226},{"title":"٣٢ - ﴿ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما﴾.","level":2,"page":226},{"title":"المفردات:","level":3,"page":226},{"title":"الشرح:","level":3,"page":226},{"title":"١ - عبودية الربوبية","level":4,"page":227},{"title":"٢ - وعبودية لألوهيته وعبادته ورحمته، وهذه عبودية خاصة","level":4,"page":227},{"title":"الفوائد:","level":3,"page":229},{"title":"١ - أهمية هذه الدعوة:","level":4,"page":229},{"title":"أ - حيث ذكرها الله تعالى لناس أثنى عليهم.","level":5,"page":229},{"title":"ب - أنها جاءت بصيغة الفعل المضارع","level":5,"page":229},{"title":"٢ - فيه بيان أنه يندب للداعي أن يذكر سبب علة دعوته","level":4,"page":229},{"title":"٣ - ينبغي للداعي أن يجمع في دعائه بين الخوف والرجاء","level":4,"page":229},{"title":"٤ - أن البسط في الدعاء أمر مرغوب فيه عند الشارع.","level":4,"page":229},{"title":"٥ - إن التوسل بربوبية الله - ﷿ - وألوهيته في الدعاء هو من أعظم أنواع التوسل.","level":4,"page":229},{"title":"٣٣ - ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾.","level":2,"page":229},{"title":"١ - أهمية هذه الدعوة كسابقتها لثناء الله تعالى على قائليها","level":3,"page":233},{"title":"٢ - إن هبة الله تعالى من أعظم النعم، ولذلك توسلوا بها.","level":3,"page":233},{"title":"٣ - إن سؤال الله ﵎ إصلاح الزوجة والذرية من المقاصد.","level":3,"page":233},{"title":"٤ - ينبغي للداعي أن يعظم رغبته في الدعاء.","level":3,"page":233},{"title":"٥ - فيه بيان لعظم الدعاء، وأنه من أعظم الأسباب في إعطاء المرجو،.","level":3,"page":233},{"title":"٣٤ - ﴿رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين﴾.","level":2,"page":234},{"title":"٣٥ - ﴿ولا تخزني يوم يبعثون * يوم لا ينفع مال ولا بنون﴾.","level":2,"page":237},{"title":"١ - يحسن بالداعي أن يجمع في دعائه من خيري الدنيا والآخرة.","level":3,"page":238},{"title":"٢ - ينبغي للداعي أن يسأل الله تعالى أن يزيده من العلم والحكمة.","level":3,"page":238},{"title":"٣ - ينبغي للعبد أن يسأل الله تعالى أن يرزقه مرافقة الصالحين","level":3,"page":239},{"title":"٤ - وكذلك أن يرزقه الثناء الحسن في الدنيا لما يترتب عليه من","level":3,"page":239},{"title":"أ - الدعاء له.","level":4,"page":239},{"title":"ب - الاقتداء، والتأسي به.","level":4,"page":239},{"title":"ج - القبول عند المخاصمة، والوعظ، وغير ذلك.","level":4,"page":239},{"title":"٥ - أهمية التوسل بصفات الله تعالى.","level":3,"page":239},{"title":"٦ - أن ذكر العلة في السؤال من حسن الدعاء، كما أفاد قوله:","level":3,"page":239},{"title":"أ - ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم﴾.","level":4,"page":239},{"title":"ب - وكقوله تعالى: ﴿واغفر لأبي إنه كان من الضالين﴾.","level":4,"page":239},{"title":"٧ - يحسن بالداعي أن يدعو لوالديه","level":3,"page":239},{"title":"٨ - أن جميع الأنبياء والمرسلين مشفقون من يوم القيامة.","level":3,"page":239},{"title":"٩ - أن القلب هو أعظم مضغة، فإن صلحت صلح سائر الجسد.","level":3,"page":239},{"title":"١٠ - ينبغي للعبد أن لا يغتر بعمله.","level":3,"page":240},{"title":"٣٦ - ﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي﴾.","level":2,"page":240},{"title":"المفردات:","level":3,"page":240},{"title":"طلب ﵊ كمال السعادة البشرية الدنيوية والأخروية:","level":3,"page":242},{"title":"١ - التوفيق للشكر على نعمه الجليلة الدينية والدنيوية.","level":4,"page":242},{"title":"٢ - وعمل الطاعات المرضية.","level":4,"page":242},{"title":"٣ - ومرافقة خير البرية.","level":4,"page":242},{"title":"تضمنت هذه الدعوة المباركة جملا من الفوائد","level":3,"page":242},{"title":"١ - أهمية سؤال الله تعالى العون على الطاعة.","level":4,"page":242},{"title":"٢ - أن نعمة الإسلام هي أعظم النعم على الإطلاق.","level":4,"page":243},{"title":"٣ - إثبات صفة الرضى لله.","level":4,"page":243},{"title":"٤ - أن الإيمان بصفات الله تعالى يوجب حسن العمل والقول.","level":4,"page":243},{"title":"٥ - إن وصف العبودية هو أعظم الأوصاف.","level":4,"page":243},{"title":"٦ - أهمية مطلب مرافقة الصالحين.","level":4,"page":243},{"title":"٧ - العناية بإصلاح الأعمال والأقوال حتى تكون عند الله مقبولة.","level":4,"page":243},{"title":"٨ - يستحب للداعي أن يشرك والديه في الدعاء؛ لعظم فضلهما عليه.","level":4,"page":244},{"title":"٩ - إن الوالدين من أعظم النعم من الله عز شأنه على العبد.","level":4,"page":244},{"title":"١٠ - أهمية الأدعية القرآنية.","level":4,"page":244},{"title":"٣٧ - ﴿رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي﴾.","level":2,"page":244},{"title":"١ - إن الاعتراف بالذنب توبة وندم، مع الاقلاع عن الذنب","level":3,"page":246},{"title":"٢ - تقديم الاعتراف بالذنب وظلم النفس قبل الطلب.","level":3,"page":246},{"title":"٣ - ينبغي لمن وقع في ذنب المبادرة إلى التوبة والأوبة في الحال.","level":3,"page":246},{"title":"٤ - إن الاعتراف بظلم النفس، وطلب المغفرة من الله من سنن الأنبياء","level":3,"page":246},{"title":"٥ - إن هذه الدعوة من أهم الدعوات في طلب المغفرة.","level":3,"page":246},{"title":"٦ - دلت هذه الدعوة الكريمة على محبة الله للتوبة والمغفرة.","level":3,"page":246},{"title":"٧ - إن التوسل إلى الله تعالى بهذا الاسم (الرب) يناسب الدعاء به.","level":3,"page":247},{"title":"٣٨ - ﴿رب نجني من القوم الظالمين﴾.","level":2,"page":247},{"title":"١ - ينبغي للعبد أن يحرص في دعائه على سؤال الله تعالى العصمة","level":3,"page":248},{"title":"٢ - لم تستجلب النعم، وتدفع النقم بمثل الدعاء","level":3,"page":249},{"title":"٣ - أهمية التوسل بصفات الله تعالى حال السؤال والطلب","level":3,"page":249},{"title":"٣٩ - ﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾.","level":2,"page":249},{"title":"١ - في هذه الآية تعليم وإرشاد أن على العبد أن يفرغ ما في وسعه","level":3,"page":250},{"title":"٢ - أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى العلم","level":3,"page":250},{"title":"٣ - ينبغي للعبد أن يسأل ربه - ﷿ - الهداية الحسية، والمعنوية","level":3,"page":250},{"title":"٤ - افتقار الخلق كلهم إلى الله تعالى بالهداية والتوفيق.","level":3,"page":251},{"title":"٥ - فضل الدعاء في جلب المنافع، ودفع المضار.","level":3,"page":251},{"title":"٤٠ - ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾.","level":2,"page":251},{"title":"١ - أن الشكوى إلى الله تعالى لا تنافي الصبر","level":3,"page":253},{"title":"٢ - على الداعي أن يتوسل إلى الله بأنواع التوسل المشروعة","level":3,"page":253},{"title":"٣ - مشروعية الاستعاذة من الفقر.","level":3,"page":253},{"title":"٤١ - ﴿رب انصرني على القوم المفسدين﴾.","level":2,"page":254},{"title":"١ - لا عاصم على الإطلاق إلا الله ﵎.","level":3,"page":255},{"title":"٢ - أن الداعي ينبغي له أن يجانب مصاحبة المفسدين.","level":3,"page":255},{"title":"٣ - أهمية التوسل إلى الله بالدعاء على المفسدين.","level":3,"page":255},{"title":"٤٢ - ﴿رب هب لي من الصالحين﴾.","level":2,"page":255},{"title":"١ - إن كل أحد وإن علا قدره من البشر مفتقر إلى الله - ﷿ -.","level":3,"page":259},{"title":"٢ - أهمية الصلاح، وأنه مطمع، ومأمل كل الأنبياء والمرسلين والصالحين.","level":3,"page":260},{"title":"٣ - ينبغي للعبد حين سؤاله ربه الذرية أن يقيدها بالصلاح.","level":3,"page":260},{"title":"٤ - أهمية التوسل إلى الله حال الدعاء بأسمائه الحسنى.","level":3,"page":260},{"title":"٥ - الإكثار من الدعاء للأبناء بالصلاح.","level":3,"page":260},{"title":"٦ - على العبد أن يتخير في دعائه أحسن الألفاظ.","level":3,"page":260},{"title":"٧ - أن الذرية الصالحة هبة محضة من الله تعالى.","level":3,"page":260},{"title":"٨ - أن من أعظم أسباب هبة الولد الصالح الدعاء.","level":3,"page":260},{"title":"٩ - يحسن للداعي أن يذكر بعض الأمور الحميدة","level":3,"page":260},{"title":"١٠ - أهمية الدعاء في حياة المؤمن.","level":3,"page":260},{"title":"٤٣ - ﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي﴾.","level":2,"page":261},{"title":"المفردات:","level":3,"page":261},{"title":"تضمن هذا السؤال كمال السعادة البشرية المرجوة في الدنيا والآخرة:","level":3,"page":263},{"title":"١ - أن يوقفه للشكر على النعم الدنيوية والشرعية","level":4,"page":263},{"title":"٢ - أن يوفقه بالطاعة المرضية عنده جل وعلا.","level":4,"page":263},{"title":"٣ - أن يصلح له ذريته على صراط الله تعالى المستقيم.","level":4,"page":263},{"title":"٤ - التوفيق إلى التعبد بمقتضيات صفاته، وآثارها.","level":4,"page":263},{"title":"الفوائد:","level":3,"page":263},{"title":"١ - أهمية هذه الدعوة؛ فإنها تكررت مرتين في كتاب الله تعالى","level":4,"page":263},{"title":"٢ - أهمية سؤال الله - ﷿ - التوفيق إلى الشكر.","level":4,"page":263},{"title":"٣ - أن نعم الله تعالى على العبد، وعلى الخلق لا تحصى","level":4,"page":264},{"title":"٤ - أن نعمة الإسلام هي أعظم النعم من الله - ﷻ -.","level":4,"page":264},{"title":"٥ - إن أحق من يشكر بعد الله تعالى الوالدين.","level":4,"page":264},{"title":"٦ - أهمية سؤال الله تعالى التوفيق إلى أحسن الأعمال","level":4,"page":264},{"title":"٧ - ينبغي مراقبة الله تعالى في الأعمال، وأن تكون خالصة.","level":4,"page":264},{"title":"٨ - إثبات صفة (الرضا) لله تعالى","level":4,"page":264},{"title":"٩ - ينبغي للداعي أن يبذل ما في وسعه بالتقرب إلى الله تعالى.","level":4,"page":264},{"title":"١٠ - ينبغي للداعي أن يسأل الله على الدوام إصلاح ذريته.","level":4,"page":264},{"title":"١١ - أهمية التوسل بالعمل الصالح","level":4,"page":265},{"title":"١٢ - إن التوبة من الذنوب من أعظم أسباب قبول الدعاء.","level":4,"page":265},{"title":"١٣ - إن إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان، أو بالإسلام.","level":4,"page":265},{"title":"١٤ - ينبغي للعبد أن يجدد توبته، وإنابته إلى الله خاصة.","level":4,"page":265},{"title":"١٥ - ينبغي للداعي أن يكون له حظ كبير في أدعيته لوالديه، ولذريته","level":4,"page":265},{"title":"٤٤ - ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾.","level":2,"page":265},{"title":"١ - أهمية هذه الدعوة المباركة التي ينبغي لكل مسلم الإكثار منها.","level":3,"page":269},{"title":"٢ - أن من أعظم حقوق المؤمن على المؤمن الدعاء.","level":3,"page":269},{"title":"٣ - أهمية سؤال الله ﵎ المغفرة.","level":3,"page":269},{"title":"٤ - ينبغي للمؤمن ألا ينسى فضل من سبقه بالإيمان.","level":3,"page":269},{"title":"٥ - جمع هذا الدعاء توسلين جليلين من التوسلات المهمة، وهما:","level":3,"page":269},{"title":"أ - التوسل إليه بربوبيته.","level":4,"page":269},{"title":"ب وتوسل إليه تعالى بنعمته عليهم بالإيمان.","level":4,"page":269},{"title":"٤٥ - ﴿ربنا عليك توكلنا﴾","level":2,"page":269},{"title":"٤٦ - ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا﴾.","level":2,"page":270},{"title":"المفردات:","level":3,"page":270},{"title":"في هذه الدعوات فوائد كثيرة، منها:","level":3,"page":274},{"title":"١ - أهمية التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، وهو من موجبات إجابة الدعاء.","level":4,"page":274},{"title":"٢ - تذييل الدعاء باسم يناسب المطلوب، دل على ذلك ختمهم باسم (العزيز الحكيم).","level":4,"page":274},{"title":"٣ - أهمية سؤال الله تعالى المغفرة، كما في غالب الأدعية القرآنية.","level":4,"page":274},{"title":"٤ - أهمية تقديم الأهم في الدعاء،.","level":4,"page":274},{"title":"٥ - أهمية تكرير التوسل بربوبية الله تعالى المؤذن للإجابة.","level":4,"page":274},{"title":"٦ - أن الدعاء سلاح الأنبياء، والمؤمنين في كل أحوالهم.","level":4,"page":275},{"title":"٧ - التوسل إلى الله تعالى بأكثر من توسل","level":4,"page":275},{"title":"أ- توسلهم بأعمالهم الصالحة.","level":5,"page":275},{"title":"ب -وتوسلهم بأسمائه تعالى الحسنى: (ربنا، العزيز، الحكيم).","level":5,"page":275},{"title":"٨ - أن العبد لا غنى له عن ربه - ﷿ - طرفة عين.","level":4,"page":275},{"title":"٩ - ينبغي لكل داع أن يخص في دعواته سؤال ربه تعالى السلامة","level":4,"page":275},{"title":"١٠ - أهمية معرفة مسالك العلة التي جاءت في الكتاب والسنة","level":4,"page":275},{"title":"١١ - أهمية التوكل، دل على ذلك تصديرهم به.","level":4,"page":276},{"title":"١٢ - ينبغي للداعي معرفة معاني أسماء الله الحسنى.","level":4,"page":276},{"title":"٤٧ - ﴿ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير﴾.","level":2,"page":276},{"title":"١ - أهمية سؤال الله تعالى بهذه الدعوة:","level":3,"page":280},{"title":"أ - إتمام النور.","level":4,"page":280},{"title":"ب - سؤال الله تعالى المغفرة للذنوب.","level":4,"page":280},{"title":"٢ - أن كل الخلق مفتقرون.","level":3,"page":280},{"title":"٣ - أن التوسل باسمه تعالى (القدير) مناسب في أي سؤال.","level":3,"page":280},{"title":"٤ - أن من أعظم ثمرات التوبة النصوح","level":3,"page":281},{"title":"٥ - فضل الدعاء، وعظم شأنه.","level":3,"page":281},{"title":"٤٨ - ﴿رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا﴾.","level":2,"page":281},{"title":"فإن هذه الدعوة المباركة لها من الأهمية الشيء الكبير، وذلك:","level":3,"page":283},{"title":"أ - أن دعوة الأنبياء مستجابة، فيرجى لنا استجابة الله لهم فينا.","level":4,"page":283},{"title":"ب - أن رسول الله - ﷺ - بشر بالأجر العظيم بها.","level":4,"page":283},{"title":"الفوائد:","level":3,"page":284},{"title":"١ - أهمية سؤال الله تعالى المغفرة، كما في غالب الأدعية","level":4,"page":284},{"title":"٢ - أن الداعي ينبغي له أن يبدأ بالسؤال: بالأهم، ثم الذي يليه.","level":4,"page":284},{"title":"٣ - أهمية سؤال الله تعالى المغفرة للوالدين؛ لعظم شأنهما.","level":4,"page":284},{"title":"٤ - يحسن بالداعي أن يشرك إخوانه المؤمنين بالدعاء.","level":4,"page":284},{"title":"٥ - أن الإكثار من هذه الدعوة ينال الداعي بها الإجابة المؤكدة لأمرين:","level":4,"page":284},{"title":"أ - أنها دعوة من نبي من أولي العزم.","level":5,"page":284},{"title":"ب - أنها دعوة بظهر الغيب.","level":5,"page":284},{"title":"٦ - أهمية التوسل بربوبية الله تعالى في الدعاء.","level":4,"page":284},{"title":"٧ - ينبغي للداعي أن يشمل ذريته في الدعاء حتى يعود النفع له، ولهم.","level":4,"page":285},{"title":"٨ - ينبغي أن يكون جل الدعاء في أمور الآخرة.","level":4,"page":285},{"title":"٩ - جواز الدعاء على الظلمة، ويتأكد ذلك عند مظنة ضررهم على غيرهم.","level":4,"page":285},{"title":"١٠ - يحسن للداعي أن يذكر علة دعائه.","level":4,"page":285},{"title":"٤٩ - اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك.","level":2,"page":285},{"title":"٥٠ - اللهم آتني الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا.","level":2,"page":286},{"title":"٥١ - اللهم ثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.","level":2,"page":287},{"title":"٥٢ - اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا.","level":2,"page":289},{"title":"٥٣ - اللهم قني شح نفسي","level":2,"page":289},{"title":"المفردات:","level":3,"page":290},{"title":"علم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي - ﷺ - الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء:","level":3,"page":294},{"title":"١ - العلم بالتوحيد.","level":4,"page":294},{"title":"٢ - والعلم باللغة.","level":4,"page":294},{"title":"٣ - والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه - ﷺ -.","level":4,"page":294},{"title":"٥٤ - اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.","level":2,"page":294},{"title":"المفردات:","level":3,"page":294},{"title":"الشرح:","level":3,"page":295},{"title":"٥٥ - اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، وفتنة القبر","level":2,"page":296},{"title":"المفردات:","level":3,"page":296},{"title":"الشرح:","level":3,"page":297},{"title":"٥٦ - اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل","level":2,"page":303},{"title":"المفردات:","level":3,"page":303},{"title":"الشرح:","level":3,"page":303},{"title":"٥٧ - اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء.","level":2,"page":305},{"title":"المفردات:","level":3,"page":305},{"title":"الشرح:","level":3,"page":305},{"title":"٥٨ - اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري","level":2,"page":307},{"title":"المفردات:","level":3,"page":308},{"title":"الشرح:","level":3,"page":308},{"title":"وذلك يقوم على ركنين عظيمين:","level":3,"page":308},{"title":"١ - الإخلاص لله وحده في كل عبادة.","level":4,"page":308},{"title":"٢ - والمتابعة للرسول - ﷺ -، بأن يكون خالصا صوابا.","level":4,"page":308},{"title":"٥٩ - اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى.","level":2,"page":311},{"title":"الشرح:","level":3,"page":311},{"title":"٦٠ - اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن.","level":2,"page":313},{"title":"المفردات:","level":3,"page":314},{"title":"الشرح:","level":3,"page":314},{"title":"٦١ - اللهم اهدني، وسددني","level":2,"page":315},{"title":"المفردات:","level":3,"page":316},{"title":"الشرح:","level":3,"page":316},{"title":"يترتب عليه فائدتان:","level":3,"page":316},{"title":"١ - صلاح الأعمال.","level":4,"page":316},{"title":"٢ - مغفرة الذنوب.","level":4,"page":317},{"title":"٦٢ - اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك","level":2,"page":318},{"title":"المفردات:","level":3,"page":318},{"title":"الشرح:","level":3,"page":319},{"title":"٦٣ - اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل.","level":2,"page":320},{"title":"الشرح:","level":3,"page":321},{"title":"٦٤ - اللهم أكثر مالي، وولدي، وبارك لي فيما أعطيتني.","level":2,"page":322},{"title":"الشرح:","level":3,"page":323},{"title":"٦٥ - لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم.","level":2,"page":326},{"title":"المفردات:","level":3,"page":327},{"title":"الشرح:","level":3,"page":328},{"title":"٦٦ - اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين.","level":2,"page":330},{"title":"المفردات:","level":3,"page":330},{"title":"الشرح:","level":3,"page":331},{"title":"٦٧ - لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين","level":2,"page":333},{"title":"٦٨ - اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك","level":2,"page":333},{"title":"المفردات:","level":3,"page":334},{"title":"الشرح:","level":3,"page":334},{"title":"٦٩ - اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.","level":2,"page":339},{"title":"الشرح:","level":3,"page":340},{"title":"٧٠ - يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.","level":2,"page":341},{"title":"٧١ - اللهم إني أسألك [اليقين]، و[العفو و] العافية في الدنيا والآخرة","level":2,"page":342},{"title":"المفردات:","level":3,"page":342},{"title":"جمع هذا الدعاء بهذه الكلمة بين ثلاث مزايا:","level":3,"page":348},{"title":"أولها: شموله لخيري الدنيا والآخرة.","level":4,"page":348},{"title":"وثانيها: أنه أفضل الدعاء على الإطلاق.","level":4,"page":349},{"title":"وثالثها: إنه أحب إلى الله - ﷾ - من كل دعاء يدعو به العبد","level":4,"page":349},{"title":"٧٢ - اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا.","level":2,"page":349},{"title":"المفردات:","level":3,"page":349},{"title":"الشرح:","level":3,"page":350},{"title":"٧٣ - رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي","level":2,"page":350},{"title":"المفردات:","level":3,"page":351},{"title":"الشرح:","level":3,"page":351},{"title":"الهداية نوعان:","level":3,"page":353},{"title":"أ - هداية دلالة وإرشاد.","level":4,"page":353},{"title":"ب - وهداية توفيق وتثبيت.","level":4,"page":353},{"title":"٧٤ - اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد - ﷺ -،","level":2,"page":357},{"title":"الشرح:","level":3,"page":357},{"title":"٧٥ - اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري","level":2,"page":358},{"title":"الشرح:","level":3,"page":359},{"title":"٧٦ - اللهم إني أعوذ بك من البرص، والجنون، والجذام","level":2,"page":360},{"title":"المفردات:","level":3,"page":361},{"title":"الشرح:","level":3,"page":361},{"title":"٧٧ - اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق","level":2,"page":362},{"title":"المفردات:","level":3,"page":363},{"title":"الشرح:","level":3,"page":363},{"title":"٧٨ - اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني.","level":2,"page":364},{"title":"المفردات:","level":3,"page":364},{"title":"الشرح:","level":3,"page":365},{"title":"٧٩ - اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات.","level":2,"page":366},{"title":"الشرح:","level":3,"page":366},{"title":"٨٠ - اللهم إني أسألك من الخير كله: عاجله وآجله","level":2,"page":372},{"title":"الشرح:","level":3,"page":373},{"title":"٨١ - اللهم احفظني بالإسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا،","level":2,"page":376},{"title":"المفردات:","level":3,"page":376},{"title":"الشرح:","level":3,"page":376},{"title":"٨٢ - اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك.","level":2,"page":377},{"title":"المفردات:","level":3,"page":378},{"title":"الشرح:","level":3,"page":379},{"title":"٨٣ - اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن","level":2,"page":383},{"title":"الشرح:","level":3,"page":383},{"title":"٨٤ - اللهم اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري.","level":2,"page":385},{"title":"المفردات:","level":3,"page":385},{"title":"الشرح:","level":3,"page":385},{"title":"في باب الدعاء ينبغي البسط لأربعة أسباب","level":3,"page":386},{"title":"السبب الأول: أن يستحضر الإنسان جميع ما يدعو به بأنواعه.","level":4,"page":386},{"title":"السبب الثاني: أن الدعاء مخاطبة لله - ﷿ -.","level":4,"page":386},{"title":"السبب الثالث: أنه كلما ازداد دعاء، ازداد قربه إلى الله - ﷿ -.","level":4,"page":386},{"title":"السبب الرابع: أنه كلما ازداد دعاء، كان فيه إظهار لافتقار الإنسان","level":4,"page":386},{"title":"٨٥ - اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت","level":2,"page":387},{"title":"المفردات:","level":3,"page":387},{"title":"الشرح:","level":3,"page":388},{"title":"تضمن هذا الدعاء الجليل توسلين عظيمين:","level":3,"page":390},{"title":"١ - توسل بظلم النفس بتقصيرها وضعفها.","level":4,"page":390},{"title":"٢ - توسل بأسماء الله تعالى الحسنى.","level":4,"page":390},{"title":"٨٦ - اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت","level":2,"page":391},{"title":"المفردات:","level":3,"page":392},{"title":"الشرح:","level":3,"page":393},{"title":"٨٧ - اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك","level":2,"page":395},{"title":"المفردات:","level":3,"page":395},{"title":"الشرح:","level":3,"page":395},{"title":"٨٨ - اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.","level":2,"page":396},{"title":"٨٩ - اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي","level":2,"page":397},{"title":"الشرح:","level":3,"page":398},{"title":"٩٠ - اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت.","level":2,"page":399},{"title":"المفردات:","level":3,"page":399},{"title":"الشرح:","level":3,"page":399},{"title":"٩١ - اللهم إني أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردي","level":2,"page":401},{"title":"المفردات:","level":3,"page":401},{"title":"الشرح:","level":3,"page":401},{"title":"٩٢ - اللهم إني أعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع","level":2,"page":403},{"title":"٩٣ - اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل","level":2,"page":404},{"title":"الشرح:","level":3,"page":404},{"title":"٩٤ - اللهم إني أعوذ بك من الفقر، والقلة، والذلة","level":2,"page":409},{"title":"المفردات:","level":3,"page":410},{"title":"الشرح:","level":3,"page":410},{"title":"٩٥ - اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة","level":2,"page":411},{"title":"الشرح:","level":3,"page":412},{"title":"٩٦ - اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع","level":2,"page":413},{"title":"الشرح:","level":3,"page":413},{"title":"٩٧ - اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء، ومن ليلة السوء،","level":2,"page":414},{"title":"الشرح:","level":3,"page":415},{"title":"٩٨ - اللهم إني أسألك الجنة وأستجير بك من النار","level":2,"page":417},{"title":"الشرح:","level":3,"page":417},{"title":"٩٩ - اللهم فقهني في الدين اللهم علمني الكتاب والحكمة.","level":2,"page":419},{"title":"الشرح:","level":3,"page":420},{"title":"١٠٠ - اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم.","level":2,"page":421},{"title":"الشرح:","level":3,"page":421},{"title":"١٠١ - اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني","level":2,"page":422},{"title":"الشرح:","level":3,"page":423},{"title":"١٠٢ - اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا طيبا، وعملا متقبلا.","level":2,"page":425},{"title":"الشرح:","level":3,"page":425},{"title":"١٠٣ - اللهم إني أسألك يا ألله بأنك الواحد الأحد، الصمد","level":2,"page":427},{"title":"المفردات:","level":3,"page":428},{"title":"الشرح:","level":3,"page":428},{"title":"١٠٤ - اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك","level":2,"page":429},{"title":"المفردات","level":3,"page":429},{"title":"الشرح:","level":3,"page":430},{"title":"١٠٥ - اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت","level":2,"page":431},{"title":"المفردات:","level":3,"page":431},{"title":"الشرح:","level":3,"page":432},{"title":"اختلف العلماء في تحديد اسم الله الأعظم:","level":3,"page":433},{"title":"١ - أنه الاسم الذي ورد في كل الأحاديث.","level":4,"page":433},{"title":"٢ - أنه أكثر اسم ورد في كتاب الله تعالى.","level":4,"page":433},{"title":"٣ - هو الاسم جامع لجميع معاني أسماء الله تعالى الحسنى","level":4,"page":433},{"title":"١٠٦ - رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الغفور.","level":2,"page":433},{"title":"الشرح:","level":3,"page":434},{"title":"١٠٧ - اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق.","level":2,"page":435},{"title":"فيه من معان ومقاصد جليلة","level":3,"page":436},{"title":"١ - توسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا.","level":4,"page":436},{"title":"٢ - وتفويض الأمور إلى الله تعالى.","level":4,"page":436},{"title":"٣ - والتوكل عليه جل وعلا.","level":4,"page":436},{"title":"٤ - وسؤاله التوفيق إلى كمال العبودية من العبادات.","level":4,"page":436},{"title":"٥ - وفيه سؤال أعلى نعيم الآخرة، وأعلى نعيم الدنيا","level":4,"page":437},{"title":"المفردات:","level":3,"page":437},{"title":"الشرح:","level":3,"page":437},{"title":"الحاجات التي يطلبها العبد من الله تعالى نوعان:","level":3,"page":438},{"title":"النوع الأول: ما علم أنه خير محض.","level":4,"page":438},{"title":"النوع الثاني: ما لا يعلم هل هو خير للعبد أم لا","level":4,"page":438},{"title":"والموجب لخشية الله تعالى في السر والعلانية، أمور منها:","level":3,"page":440},{"title":"١ - قوة الإيمان بوعده ووعيده على المعاصي.","level":4,"page":440},{"title":"٢ - النظر في شدة بطشه وانتقامه وقوته وقهره.","level":4,"page":440},{"title":"٣ - قوة المراقبة لله، والعلم بأنه شاهد ورقيب على قلوب عباده.","level":4,"page":440},{"title":"١٠٨ - اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك","level":2,"page":445},{"title":"المفردات:","level":3,"page":445},{"title":"الشرح:","level":3,"page":446},{"title":"١٠٩ - اللهم طهرني من الذنوب والخطايا، اللهم نقني منها.","level":2,"page":447},{"title":"الشرح:","level":3,"page":447},{"title":"١١٠ - اللهم إني أعوذ بك من البخل، والجبن، وسوء العمر،","level":2,"page":448},{"title":"الشرح:","level":3,"page":448},{"title":"١١١ - اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، ورب إسرافيل","level":2,"page":449},{"title":"المفردات","level":3,"page":450},{"title":"الشرح:","level":3,"page":450},{"title":"١١٢ - اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي.","level":2,"page":451},{"title":"المفردات","level":3,"page":452},{"title":"الشرح:","level":3,"page":452},{"title":"١١٣ - اللهم إني أسألك علما نافعا، وأعوذ بك من علم لا ينفع.","level":2,"page":452},{"title":"الشرح:","level":3,"page":452},{"title":"١١٤ - اللهم رب السموات السبع ورب الأرض، ورب العرش","level":2,"page":453},{"title":"المفردات:","level":3,"page":454},{"title":"الشرح:","level":3,"page":454},{"title":"١١٥ - اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام","level":2,"page":458},{"title":"المفردات:","level":3,"page":459},{"title":"الشرح:","level":3,"page":459},{"title":"١١٦ - اللهم إني أسألك خير المسألة، وخير الدعاء، وخير النجاح","level":2,"page":462},{"title":"الشرح:","level":3,"page":464},{"title":"١١٧ - اللهم جنبني منكرات الأخلاق، والأهواء، والأعمال، والأدواء.","level":2,"page":473},{"title":"المفردات:","level":3,"page":473},{"title":"الشرح:","level":3,"page":473},{"title":"١١٨ - اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف علي","level":2,"page":475},{"title":"١١٩ - اللهم حاسبني حسابا يسيرا.","level":2,"page":476},{"title":"الشرح:","level":3,"page":476},{"title":"١٢٠ - اللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.","level":2,"page":477},{"title":"المفردات:","level":3,"page":477},{"title":"الشرح:","level":3,"page":478},{"title":"١٢١ - اللهم إني أسألك إيمانا لا يرتد، ونعيما لا ينفد","level":2,"page":480},{"title":"المفردات:","level":3,"page":480},{"title":"الشرح:","level":3,"page":480},{"title":"١٢٢ - اللهم قني شر نفسي، واعزم لي على أرشد أمري","level":2,"page":486},{"title":"المفردات:","level":3,"page":487},{"title":"الشرح:","level":3,"page":487},{"title":"١ - عزم في الدخول إلى الهدى والرشاد","level":4,"page":488},{"title":"٢ - وعزم على الدوام والثبات على هذا الهدى","level":4,"page":488},{"title":"الهداية نوعان:","level":3,"page":489},{"title":"١ - هداية دلالة وإرشاد.","level":4,"page":489},{"title":"٢ - هداية توفيق.","level":4,"page":490},{"title":"١٢٣ - اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدو،","level":2,"page":490},{"title":"الشرح:","level":3,"page":490},{"title":"١٢٤ - اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني","level":2,"page":491},{"title":"الشرح:","level":3,"page":492},{"title":"١٢٥ - اللهم متعني بسمعي، وبصري، واجعلهما الوارث مني","level":2,"page":493},{"title":"المفردات:","level":3,"page":493},{"title":"الشرح:","level":3,"page":494},{"title":"١٢٦ - اللهم إني أسألك عيشة نقية، وميتة سوية، ومردا غير مخز","level":2,"page":495},{"title":"المفردات:","level":3,"page":495},{"title":"الشرح:","level":3,"page":495},{"title":"١٢٧ - اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت","level":2,"page":496},{"title":"المفردات:","level":3,"page":498},{"title":"الشرح:","level":3,"page":498},{"title":"١٢٨ - اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني.","level":2,"page":503},{"title":"الشرح:","level":3,"page":503},{"title":"١٢٩ - اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا","level":2,"page":505},{"title":"١٣٠ - اللهم أحسنت خلقي فأحسن خلقي.","level":2,"page":507},{"title":"الشرح:","level":3,"page":507},{"title":"١٣١ - اللهم ثبتني واجعلني هاديا مهديا","level":2,"page":509},{"title":"الشرح:","level":3,"page":509},{"title":"١٣٢ - اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد","level":2,"page":510},{"title":"تضمن هذا الدعاء المبارك على عدة مقاصد ومطالب جليلة","level":3,"page":512},{"title":"١ - سؤال الله تعالى الثبات على الهدى في كل الأحوال.","level":4,"page":512},{"title":"٢ - التوفيق إلى صالح الأعمال على التمام.","level":4,"page":512},{"title":"٣ - الشكر على النعم والآلاء في الليل والنهار.","level":4,"page":512},{"title":"٤ - إصلاح أعمال القلب، والأركان.","level":4,"page":512},{"title":"٥ - الفوز بكل خير ومنوال على الدوام.","level":4,"page":512},{"title":"٦ - السلامة من كل شر في كل الأحوال والأزمان.","level":4,"page":512},{"title":"٧ - مغفرة الذنوب في الماضي، والحال، والمآل.","level":4,"page":512},{"title":"المفردات:","level":3,"page":512},{"title":"الشرح:","level":3,"page":513},{"title":"والعزم نوعان:","level":3,"page":515},{"title":"أحدهما: عزم المريد على الدخول في الطريق.","level":4,"page":515},{"title":"والثاني: العزم على الاستمرار على الطاعات بعد الدخول فيها.","level":4,"page":515},{"title":"ويكون ذلك على ركنين:","level":3,"page":518},{"title":"١ - الإخلاص لله تعالى فيها.","level":4,"page":518},{"title":"٢ - المتابعة فيما جاء في الكتاب الحكيم، وسنة المصطفى - ﷺ -.","level":4,"page":518},{"title":"أشار إلى مقامين:","level":3,"page":518},{"title":"أحدهما: أن يعبد الله تعالى مستحضرا لرؤية الله تعالى إياه","level":4,"page":518},{"title":"والثاني: أن يعبده على مشاهدته إياه بقلبه","level":4,"page":519},{"title":"١٣٣ - اللهم إني أسألك الفردوس أعلى الجنة.","level":2,"page":521},{"title":"المفردات:","level":3,"page":522},{"title":"الشرح:","level":3,"page":522},{"title":"١٣٤ - اللهم جدد الإيمان في قلبي.","level":2,"page":529},{"title":"الشرح:","level":3,"page":529},{"title":"١٣٥ - اللهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع.","level":2,"page":531},{"title":"الشرح:","level":3,"page":531},{"title":"١٣٦ - اللهم إني أعوذ بك من جار السوء، ومن زوج تشيبني.","level":2,"page":532},{"title":"الشرح:","level":3,"page":532},{"title":"١٣٧ - اللهم لا تخزني يوم القيامة.","level":2,"page":534},{"title":"المفردات:","level":3,"page":535},{"title":"الشرح:","level":3,"page":535},{"title":"١٣٨ - اللهم إني أسألك المعافاة في الدنيا والآخرة.","level":2,"page":536},{"title":"المفردات:","level":3,"page":537},{"title":"الشرح:","level":3,"page":537},{"title":"١٣٩ - اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع","level":2,"page":539},{"title":"هذا الدعاء المبارك فيه استعاذة من أربعة مطالب مهمة:","level":3,"page":540},{"title":"١ - علم لا ينفع.","level":4,"page":540},{"title":"٢ - وعمل لا يرفع،","level":4,"page":540},{"title":"٣ - وقلب لا يخشع،","level":4,"page":540},{"title":"٤ - وقول لا يسمع.","level":4,"page":540},{"title":"شروط القبول، والإجابة والتي أعظمها:","level":3,"page":540},{"title":"أ- الإخلاص.","level":4,"page":540},{"title":"ب- المتابعة.","level":4,"page":540},{"title":"١٤٠ - اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل","level":2,"page":541},{"title":"الشرح:","level":3,"page":542},{"title":"١٤١ - اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وأعوذ بك من عذاب","level":2,"page":543},{"title":"١٤٢ - اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك.","level":2,"page":545},{"title":"الشرح","level":3,"page":546},{"title":"١٤٣ - اللهم اغفر لي، اللهم اجعلني يوم القيامة فوق كثير.","level":2,"page":548},{"title":"الشرح:","level":3,"page":548},{"title":"هذا الحديث العظيم مشتمل على فوائد عديدة في الدعاء، فمنها","level":3,"page":549},{"title":"١ - استحباب طلب الدعاء من الرجل الصالح.","level":4,"page":549},{"title":"٢ - استحباب الوضوء لإرادة الدعاء.","level":4,"page":549},{"title":"٣ - استحباب رفع اليدين في الدعاء خلافا لمن خص ذلك بالاستسقاء","level":4,"page":549},{"title":"٤ - يستحب لمن دعا لشخص أن يذكر اسمه","level":4,"page":550},{"title":"٥ - أهمية سؤال الله تعالى المغفرة وأنها أحق بالتقديم في السؤال.","level":4,"page":550},{"title":"٦ - أن التخلية مقدمة على التحلية.","level":4,"page":550},{"title":"٧ - تعظيم الرغبة والهمة في حال الدعاء.","level":4,"page":550},{"title":"٨ - أن من طلب منه الدعاء أن يدعو في حاله وحينه، ولا يؤخره","level":4,"page":550},{"title":"١٤٤ - اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت","level":2,"page":550},{"title":"الشرح:","level":3,"page":551},{"title":"قوله: فيمن هديت: فيه فوائد:","level":3,"page":552},{"title":"أولا: أن يدخله في جملة المهديين وزمرتهم.","level":4,"page":552},{"title":"ثانيا: أن فيه توسلا إليه بإحسانه وإنعامه.","level":4,"page":552},{"title":"ثالثا: أن ما حصل لأولئك من الهدى لم يكن منهم","level":4,"page":552},{"title":"رابعا: أن الهداية التي نطلبها لا تحصل هكذا غالبا","level":4,"page":553},{"title":"١ - أما علو الذات: فهو - ﷾ - علي بذاته، فوق كل خلقه","level":5,"page":557},{"title":"٢ - وعلو الصفات: فله علو الكمال في صفاته التي لا أكمل منها","level":5,"page":557},{"title":"٣ - وعلو الغلبة والقهر: هو الغالب والقاهر لكل شيء","level":5,"page":557},{"title":"٤ - وعلو النزاهة عن كل العيوب، والنقائص، لكماله من كل الوجوه.","level":5,"page":558},{"title":"٥ - وهو المتعالي عن الشريك، والنظير، والمثيل.","level":5,"page":558},{"title":"١٤٥ - رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.","level":2,"page":558},{"title":"الشرح","level":3,"page":559},{"title":"١٤٦ - أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو، الحي القيوم.","level":2,"page":560},{"title":"الشرح:","level":3,"page":560},{"title":"في مضامينه:","level":3,"page":560},{"title":"١ - طلب المغفرة بأجمل العبارات وأجلها","level":4,"page":560},{"title":"٢ - وفيه توسل بأسماء الله الحسنى","level":4,"page":561},{"title":"٣ - وإقرار بألوهية الله ﵎","level":4,"page":561},{"title":"٤ - وعزم على التوبة في الحال والاستقبال.","level":4,"page":561},{"title":"فائدة: فوائد الاستغفار محو الذنوب، وستر العيوب، وإدرار الرزق","level":3,"page":562},{"title":"١٤٧ - اللهم اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأعذني من.","level":2,"page":563},{"title":"المفردات:","level":3,"page":563},{"title":"١٤٨ - اللهم أحيني على سنة نبيك - ﷺ - وتوفني على ملته","level":2,"page":565},{"title":"١٤٩ - اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت.","level":2,"page":566},{"title":"المفردات:","level":3,"page":566},{"title":"الصلاة: أصل الصلاة الدعاء، والتبرك والتمجيد","level":3,"page":566},{"title":"فالصحيح أن معنى الآل","level":3,"page":570},{"title":"١ - من تحرم عليهم الصدقة.","level":4,"page":570},{"title":"٢ - أنهم ذريته وأزواجه خاصة.","level":4,"page":570},{"title":"البركة هي:","level":3,"page":570},{"title":"١ - الثبوت واللزوم، ومنه قول: برك البعير يبرك بروكا.","level":4,"page":570},{"title":"٢ - النماء والزيادة.","level":4,"page":570},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":573}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,373":372,"1,374":373,"1,375":374,"1,376":375,"1,377":376,"1,378":377,"1,379":378,"1,380":379,"1,381":380,"1,382":381,"1,383":382,"1,384":383,"1,385":384,"1,386":385,"1,387":386,"1,388":387,"1,389":388,"1,390":389,"1,391":390,"1,392":391,"1,393":392,"1,394":393,"1,395":394,"1,396":395,"1,397":396,"1,398":397,"1,399":398,"1,400":399,"1,401":400,"1,402":401,"1,403":402,"1,404":403,"1,405":404,"1,406":405,"1,407":406,"1,408":407,"1,409":408,"1,410":409,"1,411":410,"1,412":411,"1,413":412,"1,414":413,"1,415":414,"1,416":415,"1,417":416,"1,418":417,"1,419":418,"1,420":419,"1,421":420,"1,422":421,"1,423":422,"1,424":423,"1,425":424,"1,426":425,"1,427":426,"1,428":427,"1,429":428,"1,430":429,"1,431":430,"1,432":431,"1,433":432,"1,434":433,"1,435":434,"1,436":435,"1,437":436,"1,438":437,"1,439":438,"1,440":439,"1,441":440,"1,442":441,"1,443":442,"1,444":443,"1,445":444,"1,446":445,"1,447":446,"1,448":447,"1,449":448,"1,450":449,"1,451":450,"1,452":451,"1,453":452,"1,454":453,"1,455":454,"1,456":455,"1,457":456,"1,458":457,"1,459":458,"1,460":459,"1,461":460,"1,462":461,"1,463":462,"1,464":463,"1,465":464,"1,466":465,"1,467":466,"1,468":467,"1,469":468,"1,470":469,"1,471":470,"1,472":471,"1,473":472,"1,474":473,"1,475":474,"1,476":475,"1,477":476,"1,478":477,"1,479":478,"1,480":479,"1,481":480,"1,482":481,"1,483":482,"1,484":483,"1,485":484,"1,486":485,"1,487":486,"1,488":487,"1,489":488,"1,490":489,"1,491":490,"1,492":491,"1,493":492,"1,494":493,"1,495":494,"1,496":495,"1,497":496,"1,498":497,"1,499":498,"1,500":499,"1,501":500,"1,502":501,"1,503":502,"1,504":503,"1,505":504,"1,506":505,"1,507":506,"1,508":507,"1,509":508,"1,510":509,"1,511":510,"1,512":511,"1,513":512,"1,514":513,"1,515":514,"1,516":515,"1,517":516,"1,518":517,"1,519":518,"1,520":519,"1,521":520,"1,522":521,"1,523":522,"1,524":523,"1,525":524,"1,526":525,"1,527":526,"1,528":527,"1,529":528,"1,530":529,"1,531":530,"1,532":531,"1,533":532,"1,534":533,"1,535":534,"1,536":535,"1,537":536,"1,538":537,"1,539":538,"1,540":539,"1,541":540,"1,542":541,"1,543":542,"1,544":543,"1,545":544,"1,546":545,"1,547":546,"1,548":547,"1,549":548,"1,550":549,"1,551":550,"1,552":551,"1,553":552,"1,554":553,"1,555":554,"1,556":555,"1,557":556,"1,558":557,"1,559":558,"1,560":559,"1,561":560,"1,562":561,"1,563":562,"1,564":563,"1,565":564,"1,566":565,"1,567":566,"1,568":567,"1,569":568,"1,570":569,"1,571":570,"1,572":571,"1,573":572,"1,624":573,"1,625":574,"1,626":575,"1,627":576,"1,628":577,"1,629":578,"1,630":579,"1,631":580,"1,632":581,"1,633":582,"1,634":583,"1,635":584,"1,636":585,"1,637":586,"1,638":587,"1,639":588,"1,640":589,"1,641":590,"1,642":591,"1,643":592,"1,644":593,"1,645":594,"1,646":595,"1,647":596,"1,648":597,"1,649":598,"1,650":599},"ٜ":{"1":[3,650]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"8":[3],"9":[4,5,6,7],"10":[8,9,10,11,12],"11":[13],"12":[14],"13":[15,16],"14":[17],"15":[18],"17":[19],"18":[20],"20":[21],"21":[22],"22":[23],"23":[24],"24":[25,26],"25":[27,28,29],"26":[30,31],"27":[32],"29":[33,34,35,36],"30":[37],"32":[38],"36":[39,40],"37":[41,42],"39":[43],"41":[44],"42":[45],"43":[46,47,48,49,50],"44":[51,52,53,54],"45":[55],"46":[56],"47":[57],"48":[58,59,60],"49":[61],"50":[62],"51":[63,64],"52":[65,66,67,68,69,70,71],"53":[72,73,74],"54":[75,76],"55":[77],"56":[78,79,80,81,82],"57":[83,84,85,86],"58":[87],"64":[88],"65":[89],"66":[90],"67":[91],"68":[92,93,94],"70":[95],"73":[96],"74":[97],"75":[98,99,100,101],"77":[102,103],"78":[104],"79":[105,106],"80":[107],"81":[108],"82":[109],"83":[110],"85":[111,112,113,114],"86":[115,116],"87":[117],"89":[118],"90":[119],"91":[120,121],"92":[122],"94":[123,124],"95":[125,126],"96":[127],"97":[128],"98":[129,130],"100":[131,132],"101":[133],"102":[134,135],"106":[136],"107":[137,138],"111":[139],"112":[140,141,142],"113":[143,144],"119":[145],"123":[146,147],"126":[148,149],"127":[150,151],"128":[152,153,154,155,156,157,158,159],"129":[160,161,162,163,164,165,166,167,168],"130":[169,170,171,172],"134":[173,174,175,176,177,178],"135":[179,180,181,182,183,184],"137":[185,186],"138":[187,188,189,190,191,192,193,194,195,196,197],"139":[198],"141":[199,200,201,202],"142":[203,204,205,206],"143":[207,208,209,210,211,212],"144":[213,214,215,216],"145":[217,218,219],"148":[220,221,222,223,224,225,226,227],"149":[228],"152":[229,230,231,232,233,234,235],"153":[236,237],"160":[238,239,240,241,242],"161":[243,244,245,246,247,248,249],"162":[250,251,252,253,254,255,256],"163":[257,258,259,260],"164":[261],"166":[262,263,264,265,266,267,268,269,270],"167":[271,272,273,274,275,276,277,278],"168":[279],"169":[280,281],"170":[282,283,284],"173":[285,286,287,288,289,290,291],"175":[292,293,294],"176":[295,296,297,298,299,300,301,302,303],"180":[304,305,306],"181":[307,308,309,310],"183":[311,312,313,314,315,316,317,318],"184":[319,320],"186":[321,322],"189":[323,324,325,326,327,328],"191":[329,330,331,332,333,334,335,336],"193":[337,338],"194":[339,340,341,342,343,344,345,346,347,348],"195":[349,350,351],"197":[352,353,354],"198":[355,356,357,358,359,360,361,362,363],"199":[364,365],"201":[366,367,368],"202":[369,370,371],"203":[372,373,374],"205":[375,376,377,378,379,380],"207":[381,382,383,384],"208":[385,386,387],"210":[388,389],"211":[390,391,392,393,394,395,396,397],"212":[398,399],"214":[400],"215":[401,402,403,404,405],"216":[406],"217":[407,408],"219":[409],"220":[410,411,412,413,414],"222":[415,416,417,418],"223":[419,420,421],"225":[422,423,424],"226":[425,426,427,428,429,430],"227":[431,432],"229":[433,434,435,436,437,438,439,440,441],"233":[442,443,444,445,446],"234":[447],"237":[448],"238":[449,450],"239":[451,452,453,454,455,456,457,458,459,460,461,462],"240":[463,464,465],"242":[466,467,468,469,470,471],"243":[472,473,474,475,476,477],"244":[478,479,480,481],"246":[482,483,484,485,486,487],"247":[488,489],"248":[490],"249":[491,492,493],"250":[494,495,496],"251":[497,498,499],"253":[500,501,502],"254":[503],"255":[504,505,506,507],"259":[508],"260":[509,510,511,512,513,514,515,516,517],"261":[518,519],"263":[520,521,522,523,524,525,526,527],"264":[528,529,530,531,532,533,534,535],"265":[536,537,538,539,540,541],"269":[542,543,544,545,546,547,548,549],"270":[550,551],"274":[552,553,554,555,556,557],"275":[558,559,560,561,562,563,564],"276":[565,566,567],"280":[568,569,570,571,572],"281":[573,574,575],"283":[576,577,578],"284":[579,580,581,582,583,584,585,586,587],"285":[588,589,590,591,592],"286":[593],"287":[594],"289":[595,596],"290":[597],"294":[598,599,600,601,602,603],"295":[604],"296":[605,606],"297":[607],"303":[608,609,610],"305":[611,612,613],"307":[614],"308":[615,616,617,618,619],"311":[620,621],"313":[622],"314":[623,624],"315":[625],"316":[626,627,628,629],"317":[630],"318":[631,632],"319":[633],"320":[634],"321":[635],"322":[636],"323":[637],"326":[638],"327":[639],"328":[640],"330":[641,642],"331":[643],"333":[644,645],"334":[646,647],"339":[648],"340":[649],"341":[650],"342":[651,652],"348":[653,654],"349":[655,656,657,658],"350":[659,660],"351":[661,662],"353":[663,664,665],"357":[666,667],"358":[668],"359":[669],"360":[670],"361":[671,672],"362":[673],"363":[674,675],"364":[676,677],"365":[678],"366":[679,680],"372":[681],"373":[682],"376":[683,684,685],"377":[686],"378":[687],"379":[688],"383":[689,690],"385":[691,692,693],"386":[694,695,696,697,698],"387":[699,700],"388":[701],"390":[702,703,704],"391":[705],"392":[706],"393":[707],"395":[708,709,710],"396":[711],"397":[712],"398":[713],"399":[714,715,716],"401":[717,718,719],"403":[720],"404":[721,722],"409":[723],"410":[724,725],"411":[726],"412":[727],"413":[728,729],"414":[730],"415":[731],"417":[732,733],"419":[734],"420":[735],"421":[736,737],"422":[738],"423":[739],"425":[740,741],"427":[742],"428":[743,744],"429":[745,746],"430":[747],"431":[748,749],"432":[750],"433":[751,752,753,754,755],"434":[756],"435":[757],"436":[758,759,760,761,762],"437":[763,764,765],"438":[766,767,768],"440":[769,770,771,772],"445":[773,774],"446":[775],"447":[776,777],"448":[778,779],"449":[780],"450":[781,782],"451":[783],"452":[784,785,786,787],"453":[788],"454":[789,790],"458":[791],"459":[792,793],"462":[794],"464":[795],"473":[796,797,798],"475":[799],"476":[800,801],"477":[802,803],"478":[804],"480":[805,806,807],"486":[808],"487":[809,810],"488":[811,812],"489":[813,814],"490":[815,816,817],"491":[818],"492":[819],"493":[820,821],"494":[822],"495":[823,824,825],"496":[826],"498":[827,828],"503":[829,830],"505":[831],"507":[832,833],"509":[834,835],"510":[836],"512":[837,838,839,840,841,842,843,844,845],"513":[846],"515":[847,848,849],"518":[850,851,852,853,854],"519":[855],"521":[856],"522":[857,858],"529":[859,860],"531":[861,862],"532":[863,864],"534":[865],"535":[866,867],"536":[868],"537":[869,870],"539":[871],"540":[872,873,874,875,876,877,878,879],"541":[880],"542":[881],"543":[882],"545":[883],"546":[884],"548":[885,886],"549":[887,888,889,890],"550":[891,892,893,894,895,896],"551":[897],"552":[898,899,900,901],"553":[902],"557":[903,904,905],"558":[906,907,908],"559":[909],"560":[910,911,912,913],"561":[914,915,916],"562":[917],"563":[918,919],"565":[920],"566":[921,922,923],"570":[924,925,926,927,928,929],"573":[930]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح الدعاء من الكتاب والسنة\nللشيخ د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nشرحه ماهر بن عبد الحميد بن مقدم\n\nصححه وخرّج أحاديثه وقدم له مؤلف الأصل","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة المصحح مؤلف الأصل</span>\nإن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.\nفقد شرح اللَّه صدر الأخ ماهر بن عبد الحميد بن مقدم أبي عبد الرحمن من الكويت لشرح كتابي: «الدعاء من الكتاب والسنة»، فشرحه شرحًا مفيدًا نافعًا، على منهج أهل السنة والجماعة، وقد طلب مني تصحيحه وتخريج أحاديثه، والتقديم له، فشرفني بذلك، فقرأت ما كتبه كله، وصحّحت ما يحتاج إلى تصحيح، سواء في اللغة، أو في الإملاء، على قدر ما يسّر اللَّه من ذلك، وخرّجنا أحاديثه، وآثاره، وعملنا له فهارس تفصيلية علمية، ثم قرأت الكتاب مرة أخرى بعد الصفّ، وراجعناه مرات عديدة، وقد ألفيت الشرح شرحًا جيّدًا، رجع فيه شارحه إلى أصول شروح الأحاديث المعتمدة، وكتب أهل السنة النافعة، فجزاه اللَّه خيرًا، وضاعف مثوبته، ونفعني وإياه بهذا الشرح في حياتنا، وبعد مماتنا، ونفع به من انتهى إليه، وصلى اللَّه وسلّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nكتبه\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\nحرر في ضحى يوم الجمعة ١٠/ ٩/ ١٤٣١هـ.","vol":"1","page":3},{"text":"﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)\n\nاللَّهُ ... الأوَّلُ ... الآخِرُ ... الظَّاهِرُ ... الباطِنُ ... العليُّ ... الأعْلَى\nالمُتعالِ ... العظيمُ ... المجيدُ ... الكبيرُ ... السميعُ ... البصيرُ ... العليمُ\nالخبيرُ ... الحميدُ ... العزيزُ ... القديرُ ... القادرُ ... المقتدرُ ... القويُّ\nالمتينُ ... الغنيُّ ... الحكيمُ ... الحليمُ ... العفوُّ ... الغفورُ ... الغفَّارُ\nالتَّوَّابُ ... الرَّقيبُ ... الشَّهيدُ ... الحفيظُ ... اللَّطيفُ ... القريبُ ... المُجيبُ\nالودودُ ... الشاكرُ ... الشكورُ ... السيِّدُ ... الصَّمدُ ... القاهِرُ ... القَهَّارُ\nالجَبَّارُ ... الحَسيبُ ... الهادي ... الحَكَمُ ... القُدُّوسُ ... السَّلامُ ... البَرُّ\nالوهَّابُ ... الرحمنُ ... الرحيمُ ... الكريمُ ... الأكرمُ ... الرءوفُ ... الفتَّاحُ\nالرَّازقُ ... الرَّزَّاقُ ... الحيُّ ... القَيُّومُ ... الربُّ ... الملكُ ... المليكُ\nالواحدُ ... الأحدُ ... المتكبِّرُ ... الخالقُ ... الخلاّقُ ... البارئُ ... المصوِّرُ\nالمؤمنُ ... المهيمنُ ... المحيطُ ... المُقيتُ ... الوكيلُ ... الكافي ... الواسعُ\nالحقُّ ... الجميلُ ... الرفيقُ ... الحييُّ ... السِّتِّيرُ ... الإلهُ ... القابضُ\nالباسطُ ... المُعطي ... المُقدِّمُ ... المؤخِّر ... المبينُ ... المنَّانُ ... الوليُّ\nالموْلى ... النَّصيرُ ... الشَّافي ... مالكُ الملكِ\nجامعُ الناسِ ... نورُ السمواتِ والأرضِ ... ذو الجلالِ والإكرامِ\nبديعُ السمواتِ والأرضِ (٢)\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(٢) انظر هذه الأسماء مع أدلتها من الكتاب والسنة في كتاب: (شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة) ... للمؤلف.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة الشارح</span>\nإنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كلام اللَّه تعالى، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فمن أعظم نعم اللَّه جل وعلا على المسلم، أن شرّفه بهذا الدين القويم، المحروم منه أكثر العالمين، نعمة مخصصة منه جل وعلا.\nومن عظيم نعمه جل وعلا على عباده التي لا تُحصى، أن أذن لهم بالدعاء، وأرشدهم إلى سبله، ووعدهم بالإجابة، والإثابة عليه منه تفضلًا، وتكرمًا وإحسانًا، وبيّن كتاب ربنا جلّ ثناؤه أهميته وعظم شأنه، فقد افتتح كتابه الحكيم به في أعظم سورة في القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ*صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، واختتم عز شأنه كتابه بسورتين بأفضل ما يتعوذ بهما المتعوذون (المعوذتين)، فأول القرآن وآخره مشتملٌ على الدعاء «وإذا تأمل العبد آيات التنزيل رأى فيه نحو ثلاثمائة آية في الدعاء وفيها من أسرار التنزيل عجبًا» (٢).\n_________\n(١) سورة الفاتحة، الآيتان: ٦ - ٧.\n(٢) تصحيح الدعاء، للعلامة بكر أبو زيد ﵀، ص ٢٣٩.","vol":"1","page":5},{"text":"وقد سمى اللَّه - ﷿ - الدعاء دينًا، فقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١)، وسماه عبادة، والتي من أجلها خلق الخلق: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٢).\nوالسنة المطهرة عن المصطفى - ﷺ - حافلة بفضائله، منوهةٌ بعلو شأنه، ومكانته، ورفع منزلته، ولا يخفى في عناية الشارع الكريم بالدعاء، دلالة على أنه أعظم العبادات، وأجلّ الطاعات، وروح العبادات ولبّها، وأفضلها.\nفعن مطرف بن عبد اللَّه قال: «تذكرت ما جماع الخير؟ فإذا الخير: كثير الصوم، والصلاة، وإذا هو في يد اللَّه - ﷿ -، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد اللَّه - ﷿ - إلا أن تسأله فيعطيك، فإذًا جماع الخير الدعاء» (٣).\nولقد قيّض اللَّه ﵎ في كل زمن وحين، علماء يصونون هذا الدين العظيم من كلّ شائبة، في كل علمٍ من علومه، ولقد قيّض اللَّه جل وعلا من كتب في علمٍ من علومه الجليلة «الدعاء» هو الأخ الشيخ الدكتور الفاضل «سعيد بن علي بن وهف القحطاني» - حفظه اللَّه - ﷿ - وسدده - فقد جمع كتابًا شاملًا مانعًا من أصح ما كتب في هذا\n_________\n(١) سورة غافر، الآية: ٦٥.\n(٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(٣) الزهد للإمام أحمد، ص ٢٤١.","vol":"1","page":6},{"text":"الباب، فقد جعل اللَّه ﵎ لهذا الكتاب القبول الواسع في أرجاء العالم الإسلامي، فلا تكاد ترى بيتًا إلا وفيه هذا الكتاب، وقد لا أكون مبالغًا إذا قلت بل في كل دار من دور البيت، وهذه بشرى نزفها إليه في هذه الدنيا، ونسأل اللَّه ﵎ أن يتم له البشرى الكاملة في الدار الآخرة في أعلى الفردوس، ونحن معه.\nولما كان هذا الكتاب الجليل بهذا القبول والأهمية، أحببت أن أقوم بشرحه، وإن كنت لست أهلًا له، لكني آمل أن أكون من الذين قال فيهم الرسول - ﷺ -: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (١)، فقمت مستعينًا باللَّه - ﷿ -، وهو خير المعين، لعلّي أقتطف من هذا المعين من الأجر والثواب العظيم، من رب كريم رحيم، ثم استعنت باللَّه - ﷿ - ثم باللآلئ المنثورة من أقوال أهل العلم في الكتب المبسوطة في هذا الفن، فسهَّل عليَّ هذا المسلك والطريق، فلله الحمد والمنة، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه.\nأما عملي في الكتاب: فقد قمت بشرح الأدعية التي في الكتاب شرحًا مبسطًا، مع ذكر بعض الفوائد في الآيات القرآنية والسنة النبوية، وقد أضفت بعض الأحاديث في الفضائل، وكذلك في السنن والآداب، وجعلت الرمز (*) حتى يتميز بين الأصل والشرح، واعلم يا عبد اللَّه أن هذا الموضوع العظيم الجليل القدر لا يعطَى حقه في هذا\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب علامة الحب في اللَّه - ﷿ -، برقم ٦١٦٨، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، برقم ٢٦٤٠.","vol":"1","page":7},{"text":"الجهد المتواضع، لكن العبد يتقرب إلى مولاه ما استطاع إليه سبيلًا، واعلم يا عبد اللَّه أن الإكثار من الدعاء، والتشبث به يدخل العبد في جنة معجلة قبل جنة الآخرة.\nوختامًا هذا جهد المقل، فإن كان خيرًا فمن اللَّه - ﷿ -، وإن كان غير ذلك فمن نفسي، ومن الشيطان، وآمل من كل أخ كريم ألاّ يبخل عليَّ بالنصح والبيان في مواطن الزلل، وأسأل اللَّه جل وعلا أن يجعل هذا العمل المتواضع مباركًا نافعًا، وأن يرزق مؤلفه، وشارحه، وطابعه، وناشره، وقارئه، مرافقة سيّد الأوّلين والآخرين في الفردوس الأعلى «اللَّهم آمين».\nوآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.\nكتبه\nماهر بن عبد الحميد بن مقدم\nغفر اللَّه له، ولوالديه، ولجميع المسلمين\nالأحد ٢٨ محرم ١٤٣٠هـ.\nالموافق٢٥ يناير ٢٠٠٩م","vol":"1","page":8},{"text":"بسم اللَّه الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مُقَدِّمَةُ المؤلف</span>\nإنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًَا كَثِيرًَا. أمَّا بَعْدُ:\nفَهَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ كِتَابِي «الذَّكْرُ وَالدُّعَاءُ وَالعِلاَجُ بِالرُّقَى مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» (١)، اخْتَصَرْتُ فِيهِ قِسْمَ الدُّعَاءِ؛ لِيَسْهُلَ الانْتِفَاعُ بِهِ، وَزِدْتُ عَلَيْهِ أَدْعِيَةً، وَفَوَائِدَ نَافِعَةً، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَسْأَلُ اللَّهَ - ﷿ - بِأسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلاَ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًَا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.\nوَصَلَّى اللَّهُ، وَسَلَّمَ، وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ، وَأَصْحَابِهِ، وأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.\nالمؤلف\nحرر في شعبان ١٤٠٨هـ\n_________\n(١) وقد طبع الأصل المذكور، ولله الحمد، مع تخريج أحاديثه تخريجًا موسَّعًا في أربعة مجلدات: الأذكار «حصن المسلم» في المجلد الأول والثاني، والدعاء في المجلد الثالث، والعلاج بالرقى في المجلد الرابع منها.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>تعريف الدعاء</span>\nالدعاء في اللغة: مأخوذ من مادة (دَعَو) التي تدلّ في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك (١).\nويأتي الدعاء باللغة بعدة معانٍ (٢):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>١ - الطلب والسؤال: </span>وهو طلب الطالب للفعل من غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>٢ - العبادة: </span>كما في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٣ - الاستغاثة والاستعانة: </span>ومنه قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٦).\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، ٢/ ٢٧٩.\n(٢) ما سيذكر من معانيه مأخوذة من الكتاب النفيس (الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية، ١/ ٢٦ - ٣٦ بتصرف يسير.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣٨.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.\n(٥) سورة الشعراء، الآية: ٢١٣.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>٤ - النداء والصياح: </span>ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>٥ - القول: </span>ومنه قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>٦ - التوحيد: </span>كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ\nيَدْعُوهُ (٤)﴾، يقول: «لا إله إلا اللَّه ويدعوه» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>٧ - الثناء: </span>ومنه قوله - ﷿ -: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٦)، وغير ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>تعريف الدعاء في الشرع:</span>\nقال الخطابي -﵀-: «هو استدعاء العبد ربه - ﷿ - العناية، واستمداده إياه المعونة، وحقيقة إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة» (٧).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيميه - ﵀-: «دعاء المسألة: هو\n_________\n(١) سورة القمر، الآية: ٦.\n(٢) سورة القمر، الآية:١٠.\n(٣) سورة يونس، الآية:١٠.\n(٤) سورة الجن، الآية: ١٩.\n(٥) الدعاء المأثور، ص٣١.\n(٦) سورة الإسراء، الآية ١١٠.\n(٧) شأن الدعاء، ص٤.","vol":"1","page":11},{"text":"طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره ودفعه» (١).\nوعُرِّف الدعاء كذلك بأنه: «الرغبة إلى اللَّه - ﷿ -، أو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى اللَّه، والاستكانة له» (٢)، وهناك تعريفات أخرى لا تخرج عن هذه المعاني، وكل ما ذكر يدخل في معنى الدعاء، الذي يدل: على معاني سمو في العبودية للَّه تعالى من التذلل والخضوع، والاستكانة والرغبة والرهبة، والتعلق في ظاهر العبد وباطنه بين يدي اللَّه تعالى، في مقام عظيم لا يعبر عنه إلا من لازمه، وذاق حلاوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>أنواع الدعاء باعتباره ومعناه:</span>\nكل دعاء ورد في كتاب اللَّه تعالى، وسنة المصطفى - ﷺ -، فإنه يتناول نوعين اثنين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة (٣)، فإن الدعاء في القرآن يُراد به هذا تارة، وهذا تارة، ويُراد به مجموعهما (٤).\nقال العلامة ابن سعدي ﵀: «كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير اللَّه تعالى، والثناء على الداعين يتناول: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، وهذه قاعدة نافعة، فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة، دعاء المسألة فقط،\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، ١٥/ ١٠.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١١/ ٩٥، ونسبه للطيبي.\n(٣) مجموع الفتاوى، ١/ ٦٩، و٢/ ٤٥٦، وجلاء الأفهام، ص ١٨.\n(٤) بدائع الفوائد، ٣/ ٢.","vol":"1","page":12},{"text":"ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>تلازم نوعي الدعاء:</span>\nمن خلال ما مضى تبين لنا أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وكلٌّ من نوعي الدعاء متلازمان، فإذا أريد به المسألة والطلب يدل على العبادة بطريق التضمن؛ لأن الداعي دعاء المسألة عابد للَّه تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته، وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لبُّ العبادة، ومخّها، وروحها، وحقيقتها، فالآيات التي ورد فيها الدعاء مرادًا به دعاء المسألة، تدل هذه الآيات بطريق التضمن على دعاء العبادة، وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام، وذلك لأن العابد للَّه تعالى كالذي يذكر اللَّه تعالى مثلًا، فهو في الحقيقة سائل للَّه تعالى، يسأله الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فإنه يعبد اللَّه تعالى خوفًا من عقابه، وطمعًا في رحمته، ولا يخلو العابد في قرارة نفسه من الخوف والرجاء؛ ولهذا فالعبادة تستلزم السؤال والطلب، فإذا أريد من الدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة استلزامًا (٢).\n_________\n(١) القواعد الحسان لتفسير القرآن، ص ١٥٤.\n(٢) مجموع الفتاوى، ١٥/ ١١، وبدائع الفوائد، ٣/ ٣.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>فضل الدعاء</span>\nذكر المؤلف وفقه اللَّه فضل الدعاء من الكتاب والسنة على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ </span>إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١)\nهذا وعد من اللَّه محقق أن من دعاه، فإنه تعالى سيجيبه، «فقد علّق في هذه الآية الإجابة بالدعاء تعليق المسبب بالسبب» (٢).\nودلت الآية الكريمة على أن الدعاء عبادة عظيمة، «وأن ترك دعاء الرب - ﷾ - استكبار، ولا أقبح من هذا الاستكبار، وكيف يستكبر العبد من دعاء من هو خالق له، ورازقه، وموجده من عدم، وخالق العالم كله ... فلا شك أن هذا طرف من الجنون، وشعبة من كفران النعم» (٣).\nوقد استدل بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي﴾ «أن الدعاء واجب، إذ لا صارف له عن الوجوب» (٤)؛ لأن الأصل في الأوامر\n_________\n(١) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٨/ ١٣٩.\n(٣) تحفة الذاكرين للشوكاني، ص ٢٨.\n(٤) تفسير القرطبي، ٣/ ١٤٩، وتفسير الشوكاني، ١/ ٤٦٠.","vol":"1","page":14},{"text":"الوجوب ما لم يأت دليل يصرفه عن الوجوب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ </span>أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢).\nوهذا وعد أخر صريح من ربنا - ﷻ - بإجابة الدعاء، واللَّه - ﷾ - لا يخلف الميعاد، وقد علق هذا الوعد العظيم على الدعاء بـ «إذا» التي تدل على التحقيق، فدلت هذه الآية الكريمة على غاية الاستعطاف من اللَّه - ﷿ - لخلقه بدعائه والتقرب إليه، وذلك: أنه أضافهم إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا، وأنه - رفع الواسطة بينه وبين داعيه، وذلك أن «كل سؤال في القرآن يأتي التعقيب عليه بالجواب (قل)، أو (فقل)، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ (٣)، وقال جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٤)، وقال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ (٥)، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ (٦)، أما\n_________\n(١) انظر: شرح الكوكب المنير، ٣/ ٣٩، وروضة الناظر، ٢/ ٧٠.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢١٩.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٢٠.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢١٥\n(٦) سورة طه، الآية: ١٠٥.","vol":"1","page":15},{"text":"في هذه الآية فلم يقل جلَّ شأنه قل، أو فقل، بل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيْبٌ﴾ (١).\nوهذا رد صريح على من جعل بينه وبين اللَّه تعالى من الوسطاء والأنداد من البشر وغيرهم في دعائه؛ فإنه محروم من هذه الوسيلة المباشرة العظيمة مع اللَّه تعالى، وقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ يدل على قرب اللَّه تعالى من الداعي، قربًا خاصًا يدل على العناية التامة بالإجابة، والمعونة، والتوفيق، والسداد، «ولهذا لم يرد القرب موصوفًا به اللَّه - ﷿ - إلا في حال الدعاء، وفي حال السجود كقوله - ﷺ -: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (٢» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>٣ - * وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً </span>إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤).\nأمر اللَّه تعالى عباده المؤمنين بدعائه الذي فيه صلاحهم في دنياهم وأخراهم في تذلل، واستكانة، وخشوع، وقوله: «خفية» أي أن يكون سرًا في النفس؛ لأنه أدل على الإخلاص الذي فيه السلامة من الرياء والسمعة.\n_________\n(١) انظر: تفسير الرازي، ٢٢/ ٣١.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٢.\n(٣) شرح عقيدة أهل السنة والجماعة للعلامة ابن عثيمين ﵀، ص ١٨٧.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ٥٥.","vol":"1","page":16},{"text":"وهذا يدل على أهمية الدعاء، وعلو شأنه، وذلك «لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب، وأنه عاجز عن تحصيله، وعرف أن ربه ﵎ يسمع الدعاء، ويعلم الحاجة، وهو قادر على إيصالها إليه، ولاشك أن معرفة العبد نفسه بالعجز، والنقص، ومعرفة ربه بالقدرة، والكمال من أعظم العبادات» (١).\nثم قال تعالى: ﴿إنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يقصد تاركي الدعاء: وهذا نهاية في الكرم، وغاية في الإفضال، أنه جعل إمساكك عن دعائه ومسألته التي فها خلاصك، وصلاح دينك ودنياك، اعتداء منك» (٢).\n[قال الإمام ابن كثير: «وقال ابن جُرَيْج: يكره رفع الصوت والنداء والصياحُ في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة، ثم روي عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء ولا في غيره.\nوقال أبو مِجْلِز: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ لا يسأل منازل الأنبياء» (٣).\nوقال الشيخ السعدي ﵀: «﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي:\n_________\n(١) روح المعاني، ٥/ ٥٠٦.\n(٢) الدعاء المأثور، ص ٣٨.\n(٣) تفسير ابن كثير، ٣/ ٤٢٨.","vol":"1","page":17},{"text":"المتجاوزين للحد في كل الأمور، ومن الاعتداء كون العبد يسأل اللَّه مسائل لا تصلح له، أو يتنطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكل هذا داخل في الاعتداء المنهي عنه» (١)].\n* وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٢) «أمر تعالى أن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوّف، وتأمّل للَّه - ﷿ - حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، فيدعو الإنسان خوفًا من عقابه، وطمعًا في ثوابه» (٣).\nوهذا يدلنا على فضل الدعاء، وأنه محبوب عند اللَّه ﵎؛ لأنه روح العبادة، ولبُّها، وأفضلها؛ لما فيه من كمال التذلل للَّه تعالى من شدة الافتقار، وإظهار غاية العجز والحاجة إليه ـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٤ - ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ </span>(٤).\nنهى اللَّه - ﷾ - في هذه الآية الكريمة عن الحسد، وتمني زوال النعم مما في أيدي الغير، ثم بين السبب الأعظم الذي ينال به العبد\n_________\n(١) تفسير السعدي، ١/ ٢٩١.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٦.\n(٣) تفسير القرطبي، ٤/ ١٩٨.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٣٢.","vol":"1","page":18},{"text":"مما يتمناه عند غيره، هو الإلحاح على ربه في سؤاله من فضله وخيره، فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ففيه حث وترغيب على سؤال اللَّه من إحسانه الدائم، وإنعامه الذي لا ينفد، فإن خزائنه مملوءة لا تنفد، ولا تنقطع أبدًا على طوال الزمان والمكان.\nوقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأمر بسؤاله تعالى واجب (١).\n* وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ (٢).\nأخبر - أنه لا يبالي، ولا يعبأ، ولا يكترث بغير هؤلاء، وأنه لولا دعاؤكم إياه دعاء العبادة، ودعاء المسألة، ما عبأ ولا اعتنى بكم، فدل على أن الدعاء سبب لعناية اللَّه تعالى بعبده، وإصلاح شأنه وأموره (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٥ - وعن النعمان بن بشير - ﵁ - عن النَّبِيُّ - ﷺ - قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»</span>، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ\n_________\n(١) القرطبي، ٣/ ١٤٩، وتقدم.\n(٢) سورة الفرقان، الآية: ٧٧.\n(٣) فيض الرحمن تفسير جواهر القرآن، ٢/ ٣١٣.","vol":"1","page":19},{"text":"دَاخِرِينَ﴾ (١).\nدل هذا الحديث على أن الدعاء هو أفضل العبادة: «فهذه الصيغة المقتضية للحصر من جهة تعريف المسند إليه، ومن جهة تعريف المسند، ومن جهة ضمير الفصل تقتضي أن الدعاء هو أعلى أنواع العبادة، وأرفعها، وأشرفها» (٢).\n«كقول النبي - ﷺ -: «الحج عرفة» (٣) أي معظم الحج الوقوف بعرفة» (٤).\n«ولم يرد هذا اللفظ في أي نوع من أنواع العبادة الأخرى» (٥).\n* وقد جاء كذلك عن النبي - ﷺ - في بيان أن الدعاء هو أفضل العبادة، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﵁ - أنه قال: «أفضل العبادة\n_________\n(١) أبو داود، ٢/ ٧٨، برقم ١٤٨١، والترمذي، ٥/ ٢١١، برقم ٢٩٥٩، وابن ماجه،\n٢/ ١٢٥٨، برقم ٣٨٢٨، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، ٣/ ١٥٠، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٤.\n(٢) تحفة الذاكرين، ص ٣٣.\n(٣) أخرجه أحمد، ٣١/ ٦٤، برقم ١٨٧٧٤، وأبو داود، كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة، ٢/ ١٤١، برقم ١٩٤٩ بلفظ: «الْحَجُّ: الْحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ»، والترمذي، كتاب الحج، باب فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، برقم ٨٨٩، ٣/ ٢٣٧، والنسائي، كتاب مناسك الحج، فرض الوقوف بعرفة، برقم ٣٠١٦ (٥/ ٢٥٦، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر، برقم ٣٠١٥، ٢/ ١٠٠٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣١٧٢.\n(٤) شأن الدعاء للخطابي، ص ٥.\n(٥) شرح الإحياء للزبيدي، ٥/ ٤.","vol":"1","page":20},{"text":"الدعاء» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٦ - وقال - ﷺ -: «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ </span>يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (٢).\n* وجاء في لفظ آخر: «صفرًا خائبتين» (٣).\n* ومعنى «صفرًا»: أي فارغة.\nوفي لفظ: «حتى يضع فيهما خيرًا» (٤).\nفحياؤه صفة كمال تليق به، ليس كحياء المخلوقين الذي هو\n_________\n(١) أخرجه الحاكم، ١/ ٤٩١، وقال: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي، والطبراني في الأوسط، برقم ٩٢٦٤، ٩/ ١٠٧، وفى الصغير، برقم ١١١٤، ٢/ ٢٥١ وأخرجه ابن عدي، ٥/ ٨٨، في ترجمة رقم ١٢٦٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم ١١٢٢، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم ١٥٩٧.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، ٢/ ٧٨، برقم ١٤٨٨ والترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن بشار، ٥/ ٥٥٧، برقم ٣٥٥٦ وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء، ٢/ ١٢٧١، برقم ٣٨٦٥، وقال ابن حجر: «سنده جيد»، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٩، وفي غيره.\n(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن بشار، ٥/ ٥٥٧، برقم ٣٥٥٦، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٣٨٦٥، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١٦٣٥.\n(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك، ١/ ٤٩٨، بلفظ: «إن الله رحيمٌ، حييٌّ، كريم، يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم لا يضع فيهما خيرًا»، وحسنه ابن حجر في الفتح، ١١/ ١٢١، وصحح الألباني لفظ الحاكم في صحيح الجامع، برقم ١٧٦٨.","vol":"1","page":21},{"text":"تغير وانكسار، فإن حياءه تعالى كرم، وبر، وجود، وجلال» (١).\nفسعة كرمه، وجوده، وعظيم فضله وإحسانه تقتضي ألا يرد من دعاه وسأله.\nوهذا الحديث يدل على غاية الإكرام من اللَّه تعالى لعبده، وإغرائه في دعائه، وشد للهمم إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٧ - وقال النبي - ﷺ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ </span>وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّه بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا»، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟، قَالَ: «اللَّه أَكْثَرُ» (٢).\nهذا الحديث فيه دليل على أنه لابد من الإجابة على إحدى الأوجه الثلاثة، وأن الداعي لن يعدم من دعائه خيرًا، فإما أن يُعطَى في العاجل، وإما أن تدخر دعوته لليوم الآخر، وإما أن يصرف اللَّه تعالى عنه من الشر والسوء، ما هو خير من سؤاله، وكل ذلك بمقتضى حكمته تعالى، وما يصلح للداعي.\n_________\n(١) مدارج السالكين، ٢/ ٢٧٢.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب في انتظار الفرج وغير ذلك، ٥/ ٥٦٦، و٥/ ٤٦٢، برقم ٣٥٧٣، وأحمد، ٣/ ١٨، برقم ١١١٥٠، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، ٥/ ١١٦، وصحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٤٠.","vol":"1","page":22},{"text":"وقولهم: «إذًا نكثر»: «أي إذا كان الدعاء لا يُردّ منه شيء، ولا يخيب الداعي في شيء منه، نكثر الدعاء لعظيم فوائده» (١).\n٨ - عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ» (٢).\nوالمراد بقوله: «أكرم»: «أي أسرع ميلًا، وأنفع تأثيرًا، وأكثر فضلًا» (٣)؛ لما فيه من التذلل، والانكسار، والاعتراف بقوة اللَّه تعالى، وكمال قدرته، وغناه، ودلّ هذا الحديث أيضًا على فضل الدعاء، وعلو منزلته؛ لأنه يجتمع فيه من أنوع التعبد ما لا يجتمع في غيره، حيث لم توصف عبادة بهذا اللفظ سواه، فينبغي للعبد أن يلازمه، ويكثر منه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.\nوبيّن النبي - ﷺ - أن الدعاء سبب للأمان من غضب اللَّه تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٩ - قال النبي - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» </span>(٤).\n_________\n(١) الفتوحات الربانية، ٧/ ٢٦٥.\n(٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في الدعاء، ٥/ ٤٥٥، برقم ٣٣٧٠، وسنن ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، ٢/ ١٢٥٩، برقم ٣٨٢٩، ومسند الإمام أحمد، ١٤/ ٣٦٠، برقم ٨٧٤٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٣٨.\n(٣) شرح السندي على ابن ماجه، ٤/ ٢٦٢، ورش البرد شرح الأدب المفرد، ص ٣٦٩.\n(٤) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب منه، ٥/ ٥٥٣، ٣٣٧٣، والأدب المفرد للبخاري، ص ٢٢٩، ومسند أبي يعلى، ١٢/ ١٠. وقال عنه الألباني في صحيح الترمذي: «صحيح».","vol":"1","page":23},{"text":"وفي لفظ:\n* «من لا يدعو اللَّه يغضب عليه» (١)، «في هذا دليل على أن الدعاء من العبد لربه من أهم الواجبات، وأعظم المفروضات؛ لأن تجنب ما يغضب اللَّه تعالى منه لا خلاف في وجوبه» (٢).\nقال ابن القيم: «وهذا يدل على أن رضاه في مسألته وطاعته، وإذا رضي الرب تعالى، فكل خير في رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه» (٣).\nقال سفيان الثوري ﵀: «يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك غيرك يا رب» (٤).\nوبيّن - ﷺ - أنّ الدعاء من أقوى الأسباب في رفع البلاء ودفعه وردّه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>١٠ - قال النبي - ﷺ -: «لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ</span>، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ\n_________\n(١) الحاكم في مستدركه، ١/ ٦٦٨، برقم: ١٨٠٧، ولفظ أحمد في المسند، ١٩/ ٣٨٥، برقم: ٩٣٤٢، وابن ماجه في سننه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، ٢/ ١٢٥٨، برقم: ٣٨١٧: من لم يدع الله سبحانه غضب عليه». وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٣١٠٠، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٣٦٥٤.\n(٢) تحفة الذاكرين، ص ٣١.\n(٣) انظر: الجواب الكافي لابن القيم، ص ٩، والنص منقول عن فيض القدير، ٢/ ١٢.\n(٤) نوادر الأصول للحكيم الترمذي، ٢/ ١٦٨، وانظر: تفسير ابن كثير، ٤/ ٨٥.","vol":"1","page":24},{"text":"مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإنَّ الْبَلاَءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ (١) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٢).\nوهو يرد القضاء والقدر قبل نزوله أو بعد نزوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>١١ - قال النبي - ﷺ -: «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ» </span>(٣).\nوفي لفظ: «ادْعُوا فَإِنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ القَضَاءَ» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>١٢ - وقال النبي - ﷺ -: «الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ</span>، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ» (٥).\nفدلّت هذه الأحاديث على أنّ اللَّه جلَّ قدْره يدفع بالدعاء ما قد قضاه على العبد، فهو من قدر اللَّه تعالى أيضًا: «فقد يقضي بشيء\n_________\n(١) يعتلجان: يتدافعان ويتصارعان.\n(٢) مستدرك الحاكم، ١/ ٦٦٩، بلفظه، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، والمعجم الأوسط للطبراني، ٣/ ٦٦، وبلفظ: «لن ينفع حذر من قدر» مسند الإمام أحمد،\n٤٥/ ٢٦، برقم ٢٢٠٤٤، والمعجم الكبير للطبراني، ٣٠/ ١٠٣، ومسند البزار، ٢/ ٤١٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٧٧٣٩.\n(٣) سنن الترمذي، كتاب القدر عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء، ٤/ ٤٤٨، برقم ٢١٣٩، والطبراني في الكبير، ٦/ ٢٥١، برقم ٦١٢٨، ومسند البزار، ٦/ ٥٠٢، برقم ٢٥٤٠. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٥٤٨.\n(٤) الدعاء للطبراني، ٢/ ٧٩٨، برقم ٢٩، وحسّن إسناده محقق الكتاب.\n(٥) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب في دعاء النبي - ﷺ -، ٥/ ٥٥٢، برقم ٣٥٤٨، مسند الإمام أحمد، ٣٦/ ٣٧٠، برقم ٢٢٠٤٤، والمعجم الكبير للطبراني،\n٢٠/ ١٠٣، برقم ٢٠١، ومستدرك الحاكم، ١/ ٦٦٩، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٥٤٨.","vol":"1","page":25},{"text":"على عبد قضاء مقيدًا بألا يدعوه، فإذا دعاه اندفع عنه» (١).\nفينبغي للعبد أن يعلم أن للدعاء مع البلاء ثلاثة مقامات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>١ - أن يكون الدعاء أقوى من البلاء</span>، فيدفعه لاستكماله شروط وواجبات الدعاء ومستحباته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>٢ - أن يكون أضعف من البلاء</span>، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد لنقص في الداعي: مثل قلة اليقين، أو الغفلة، وغير ذلك من التخلف في واجباته وشروطه، ولكن قد يخففه على قدر تحققه من أسباب الإجابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>٣ - أن يتقاوما، ويمنع كل منهما صاحبه </span>(٢).\nوبيّن ﵊ أن ملازمة الدعاء يقي العبد (٣) من الصفات المذمومة: كالعجز وغيره من صفات النقص.\n* قال النبي - ﷺ -: «أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ فِي الدُّعَاءِ، وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ» (٤).\n_________\n(١) تحفة الذاكرين، ص ٣٦.\n(٢) انظر: شروط الدعاء وموانع الإجابة للمؤلف سعيد بن علي بن وهف.\n(٣) انظر: الجواب الكافي، ص ٩ - ١٠.\n(٤) الأدب المفرد للبخاري، ص ٣٥٩، وصحيح ابن حبان، ١٠/ ٣٥٠، برقم ٤٤٩٨، والطبراني في الأوسط، ٥/ ٣٧١، برقم ٥٥٩١، وقال: لا يروى عن النبي - ﷺ - إلا بهذا الإسناد. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان، ٦/ ٤٢٩، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٣١: «رجاله رجال الصحيح غير مسروق بن المرزبان، وهو ثقة». وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٧٩٥، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٦٠١.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>آداب الدعاء وأسباب الإجابة </span>(١):\nبعد أن ذكر المؤلف وفقه اللَّه تعالى فضل الدعاء من الكتاب والسنة، ذكر آداب الدعاء، وأسباب الإجابة باختصار على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>١ - الإخلاص للَّه</span>.\nوهذا هو أعظم شروط (٢) قبول الدعاء وأهمها، وأوكدها، فالإخلاص في الدعاء للَّه تعالى هو الذي تدور عليه دوائر الإجابة، فهو روح العبادة، وهو أحد شرطي قبول العمل، وقد أمرنا - ﷾ - أن ندعوه مخلصين له الدين، قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣).\nوالإخلاص في الدعاء «هو تصفية الدعاء، والعمل من كل ما يشوبه، وصرف ذلك كله للَّه تعالى وحده، لا شريك له، ولا رياء ولا سمعة ...» (٤).\nوجاءت السنة النبوية في تأكيد هذا المطلب العظيم، فعن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: «كنت خلف النبي - ﷺ - فقال: «يَا غُلامُ، إِنِّي\n_________\n(١) انظر هذه الآداب وأسباب الإجابة مع أدلتها في الأصل، ٣/ ٩٢٧ - ٩٧٥.\n(٢) الشيخ - حفظه الله - قد فصل في تبويب هذه الآداب، في كتابه النفيس: «شروط الدعاء»، فارجع إليه، ص ٢٤.\n(٣) سورة غافر، الآية: ١٤.\n(٤) شروط الدعاء للمؤلف، ص ٢٤.","vol":"1","page":27},{"text":"مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» (١).\nولأهمية الإخلاص في الدعاء للَّه رب العالمين: أنه - ﷾ - يجيب الكافر إذا أخلص في توجهه للَّه - ﷿ - حال دعائه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٢).\nفالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يدرك أهمية هذا الأمر الجليل، وأن يعلم أن الدعاء حق للَّه - ﷿ - خالص، لا يجوز أن يشرك معه غيره كائنًا من كان، فقد أجمع أهل العلم قاطبة أن من صرف شيئًا من الدعاء لغير اللَّه، فقد وقع في الشرك الأكبر الذي لا يُغفر والعياذ باللَّه، فتبيّن من هذا أن الإخلاص للَّه تعالى، وصحة الاعتقاد، له أثره الخاص في استجابة الدعاء، قال شيخ الإسلام: إجابة الدعاء تكون عن صحة الاعتقاد، وعن كمال الطاعة؛ لأنه عقب آية الدعاء بقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٢ - أن يبدأ بحمد للَّه</span>، والثناء عليه، ثم بالصلاة على\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد، ٤/ ٤١٠، برقم ٢٦٦٩، واللفظ له، والترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، برقم ٢٥١٦، ومستدرك الحاكم، ٣/ ٦٢٤. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣٠٩.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٦٥.\n(٣) مجموع الفتاوى، ١٤/ ٣٣.","vol":"1","page":28},{"text":"النبي - ﷺ -، ويختم بذلك.\nفمن الأدب في خطاب العظماء أن يُقدّم لهم الثناء والمدائح قبل سؤالهم، وللَّه المثل الأعلى، فهو تعالى أولى بهذا المقصد، وقد جاء هذا الأدب في ثنايا كتاب اللَّه الحكيم، ظاهر في غاية الظهور والبيان في سورة الفاتحة، حيث افتتحها عز شأنه بالحمد والثناء عليه، إرشادًا وتعليمًا لنا في تقديم الحمد والثناء عليه تعالى قبل دعائه.\nوجاء في السنة المطهرة ما يؤكد أهمية هذا الأمر كذلك، فقد سمع النبي - ﷺ - رجلًا يدعو في صلاته، فلم يُصلِّ على النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: «عَجَّلَ هَذَا»، ثم دعاهُ فَقَالَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحمِيدِ ربه وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ لِيَدْعُ بِمَا شَاءَ» (١).\nفقوله: «عجل هذا»: حيث قدم الوسيلة قبل الغاية، وهو الدعاء، وهذا من الاستعجال الذي لا يستحب في هذا المقام الكريم.\nلذا ينبغي للعبد أن يتخيَّر لدعائه والثناء على ربه - ﷿ - أحسن الألفاظ، وأنبلها، وأعظمها؛ لأنه يخاطب ملك الملوك ربّ\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، ١/ ٥٥١، برقم ١٤٨٣، وسنن الترمذي، كتاب اللباس، باب بأي رِجل يبدأ إذا انتعل، ٤/ ٢٤٤، برقم ١٧٧٩، وسنن ابن ماجه، كتاب اللباس، باب لبس النعال وخلعها، ٢/ ١١٩٥، برقم ٣٦١٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٤٧٦.","vol":"1","page":29},{"text":"العالمين.\nودلَّت السنة كما تقدم على أهمية الصلاة على النبي - ﷺ - حال الدعاء؛ لأنها أقرب لحصول الإجابة، بل وأكدت على أنَّ تارك الصلاة على النبي - ﷺ - قد يحجب دعاؤه، «كُلُّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -» (١)، وهذا الأثر جاء عن علي - ﵁ -، وهو في حكم المرفوع؛ لأن مثله لايقال من قبل الرأي؛ لأنه من أمور الغيب التي لا تدرك إلابد ليل شرعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>والصلاة على النبي - ﷺ - حال الدعاء لها ثلاث مراتب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>«إحداها: أن يُصلي على النبي - ﷺ - قبل الدعاء، وبعد حمد اللَّه تعالى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>والثانية: أن يُصلي عليه أول الدعاء، وأوسطه، وآخره</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>والثالثة: أن يُصلِّي عليه في أوله، وآخره</span>، ويجعل حاجته متوسطة بينهما» (٢).\nولايخفى أن العبد ينال الجزاء الأوفى في الصلاة عليه دلّ على ذلك قوله - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ أُمَّتِي صَلاةً مُخْلِصًَا مِنْ قَلْبِهِ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَرَفَعَهُ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَكَتَبَ لَهُ\n_________\n(١) المعجم الأوسط للطبراني، ١/ ٢٢٠، ومسند الفردوس، ١/ ٣٢١، وهو في شعب الإيمان ٣/ ١٣٦ بلفظ: «كُلُّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ عَنِ السَّمَاءِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ». وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٠٣٥.\n(٢) جلاء الأفهام لابن القيم، ص ٣٧٥.","vol":"1","page":30},{"text":"بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ» (١)، والصلاة في اللغة: هي الدعاء (٢)، فإذا تقدمت أمام الدعاء صارت كالمفتاح له، وكذلك حصول الإجابة للداعي؛ لأنه دعاء بالغيب مستجاب كما في الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٣ - الجزم في الدعاء واليقين بالإجابة:</span>\n«فمن أعظم الشروط لقبول الدعاء الثقة باللَّه تعالى، وأنه على كل شيء قدير، فاللَّه تعالى لكمال قدرته يقول للشيء كن فيكون، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، ومما يزيد ثقة المسلم بربه - ﷿ - أن يستيقن أن جميع خزائن الخيرات والبركات عند اللَّه تعالى، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٤) (٥).\nوقد أمرنا المصطفى - ﷺ - أن نعزم حال دعائنا فقال: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ وَلَا يَقُلْ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي فَإِنَّهُ لَا\n_________\n(١) عمل اليوم والليلة للنسائي، ص ١٦٦، وصححه الألباني في: صحيح النسائي، برقم ١٢٩٧، وصحيح الترغيب والترهيب، برقم ١٦٥٩.\n(٢) الصحاح، ص ٥٩٦.\n(٣) سورة النحل، الآية ٤٠.\n(٤) سورة الحجر، الآية ٢١.\n(٥) شروط الدعاء للمؤلف، ص ٢٩.","vol":"1","page":31},{"text":"مُسْتَكْرِهَ لَهُ» (١).\nقوله: «فليعزم» أي يحسن الظن باللَّه في الإجابة؛ لأنه يدعو ربًا كريمًا جوادًا قديرًا، وإذا تأكد هذا الأمر في قلب العبد، فليدعُ مستيقنًا بإجابة ربه تعالى له، قال - ﷺ -: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (٢).\nواللَّه تعالى يجيب دعاء عبده على قدر حسن ظنه به، قال تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ»، وفي لفظ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» (٣)، ففيه ترغيب من اللَّه تعالى لعباده بتحسين ظنونهم، وأنه تعالى يعاملهم على حسبها، فمن ظنّ به خيرًا أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميل تفضلاته، ونثر عليه محاسن كراماته وعطائه، ومن لم يكن في ظنه هكذا، لم يكن اللَّه تعالى له هكذا، فعلى العبد أن يكون حسن الظن بربه في جميع حالاته، ويستعين\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له، ٨/ ٧٤، برقم ٦٣٣٧، صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب العزم بالدعاء، ولا يقل: إن شئت، ٤/ ٢٠٦٣، برقم ٢٦٧٨.\n(٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا عبد الله بن معاوية، ٥/ ٥١٧، برقم ٣٤٧٩، المستدرك، ١/ ٦٧٠، وصححه الألباني في: صحيح الترمذي، برقم ٣٤٧٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٥٩٤.\n(٣) أخرجه أحمد، ١٥/ ٣٥، برقم ٩٠٧٦، والطبراني في المعجم الكبير ٢٢/ ٨٧، وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦٦٣.","vol":"1","page":32},{"text":"على تحصيل ذلك باستحضاره ما ورد من الأدلة الدّالّة على سعة رحمة اللَّه ـ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>٤ - الإلحاح في الدعاء وعدم الاستعجال</span>.\nوهذا هو الأدب الجميل للمؤمن الصادق الراغب فيما عند اللَّه تعالى، ويدل على سمة من سمات العبودية الدّالّة على افتقار الداعي، وَذُلِّهِ إلى ربه العزيز الكريم، ففي الإلحاح يلج الداعي إلى باب الملك العظيم، قال أبو الدرداء - ﵁ -: «من يكثر قرع باب الملك يوشك أن يستجاب له» (٢).\nوالإلحاح في اللغة: الإقبال على الشيء، ولزومه، والمواظبة عليه، يقال: ألحَّ السحاب: دام مطره (٣).\nوالسنة في الإلحاح أن يلحَّ ثلاثًا، فعن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - أنه قال: «كان النبي - ﷺ - إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا» (٤).\nوعنه أيضًا - ﵁ - أنه قال: «كَانَ - ﷺ - يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلاَثًا وَيَسْتَغْفِرَ ثَلاَثًا» (٥).\n_________\n(١) تحفة الذاكرين، ص ١٢.\n(٢) شرح السنة للبغوي، ٥/ ١٩١.\n(٣) النهاية في غريب الحديث، ٤/ ٢٣٦.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، ٣/ ١٤١٨، برقم ١٧٩٤.\n(٥) سنن أبي داود، كتاب الوتر، باب في الاستغفار، ١/ ٥٦١، برقم ١٥٢٦. مسند أحمد، ٦/ ٢٩٠، برقم ٣٧٤٤. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، برقم ٢٦٩.","vol":"1","page":33},{"text":"وفي حديث قصة سحره - ﷺ - عن عائشة ﵂ «فدعا، ثم دعا، ثم دعا» (١).\nولا يكره الزيادة على ثلاث لأن النبي - ﷺ -: «دعا لجند أحمس ورجالها خمسًا» (٢).\nويكون الإلحاح في الدعاء بذكر ربوبيته - ﷿ -، فهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء، كما في غالب أدعية القرآن الكريم، وكذلك التوسل إليه بإلاهيته وأسمائه وصفاته، وأن ذلك من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء كما في الحديث الذي ذكره النبي - ﷺ -: «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب» الحديث (٣).\nوما جاء في الإلحاح بذكر أسمائه وصفاته عن النبي - ﷺ -: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (٤).\nومعنى ألظوا: أي الزموا هذه الدعوات، وأكثروا منها.\nومن الإلحاح في الدعاء تكرير الطلب، كما قال النبي - ﷺ -: «مَنْ\n_________\n(١) متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب تكرير الدعاء، ٨/ ٨٣، برقم ٦٣٩١، صحيح مسلم، كتاب السلام، باب السحر، ٤/ ١٧٢٠، برقم ٢١٨٩، واللفظ له.\n(٢) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذي الخلصة، برقم ٤٣٥٥، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، برقم ٢٤٧٦.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، ٢/ ٧٠٣، برقم ١٠١٥.\n(٤) مسند أحمد، ٢٩/ ١٣٨، برقم ١٧٥٩٦، وسنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن حاتم، ٥/ ٥٣٩، برقم ٣٥٢٤، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٢.","vol":"1","page":34},{"text":"سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ النَّارِ» (١).\nوجاء في الحديث القدسي أن الإلحاح سبب في غفران الذنوب مهما عظمت وحصول المطالب، قال اللَّه في الحديث القدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي» (٢).\nوكان السلف يرون أن أفضل الدعاء الإلحاح على اللَّه تعالى، قال الأوزاعي ﵀: «كان يُقال: أفضل الدعاء الإلحاح على اللَّه، والتضرع» (٣).\nقال ابن القيم ﵀: «وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالًا، وهو يحب الملحِّين في الدعاء، وكلما ألحَّ العبد عليه في السؤال أحبَّه وأعطاه» (٤).\nوقول المؤلف - حفظه اللَّه -: «وعدم الاستعجال»: يشير إلى\n_________\n(١) سنن الترمذي، كتاب صفة الجنة عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في صفة أنهار الجنة، ٤/ ٦٩٩، برقم ٢٥٧٢، سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب صفة الجنة، ٢/ ١٤٥٣، برقم ٤٣٤٠، سنن النسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من النار، ٨/ ٢٧٩، برقم ٥٥٢١، مسند أحمد،٢١/ ٢٨٨، برقم ١٣٧٥٥، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣١٩.\n(٢) رواه الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده، ٥/ ٥٤٨، برقم ٣٥٤٠، مسند أحمد، ٣٥/ ٣٧٥، برقم ٢١٤٧٢، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٧.\n(٣) شعب الإيمان، ٢/ ٣٨.\n(٤) حادي الأرواح، ١/ ١٨١.","vol":"1","page":35},{"text":"قول النبي - ﷺ -: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (١)، وفي لفظ لمسلم: «لا يَزَالُ يُسْتَجابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بإثم أو قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ما لم يستعجلْ» قيل: يا رَسول اللَّه، ما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوتُ، وقد دَعَوتُ، فلَمْ أرَ يَستجيبُ لي، فَيَسْتَحْسِرُ عند ذلك، ويَدَعُ الدعاءَ» (٢). وهذا يدل على أن من موانع الإجابة: الاستعجال في الدعاء.\nوقوله: «قد دعوت، وقد دعوت»: أي مرة بعد مرة، يعني مرات كثيرة، استبطاءً للإجابة، «وهذا بمنزلة من بذر بذرًا أو غرس غرسًا، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله» (٣)، وهذا يدل على جهل الداعي، وعدم معرفته وفهمه لمقاصد الشارع، فإن قول الرسول - ﷺ -: «لا يزال يستجاب»، يدلّ على تأكيد حصول الاستجابة وعظمها، هذا ما أفاده حرفا «السين والتاء»، وكذلك يدلّ على استمرارية الإجابة كلما تكررت الدعوة، كما أفاد الفعل المضارع «يستجاب»، فيحسن بالعبد الصالح ملازمة الطلب والسؤال، والإلحاح، وإن تأخرت الإجابة، قال بعض الصالحين:\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل، ٨/ ٧٤، برقم ٦٣٤٠، وصحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ٤/ ٢٠٥٩، برقم ٢٧٣٥.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، برقم ٢٧٣٥.\n(٣) الجواب الكافي، ص ١٠.","vol":"1","page":36},{"text":"«لا يكنْ تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك، فهو الذي ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد» (١)؛ لأنه تعالى هو أحكم الحاكمين، وهو أرحم الراحمين، فهو أرحم بك من نفسك، فالعبد لا يعرف المصلحة: هل في حصول مطلوبه بالسرعة، أوفي تأخيره، أو دفع بلاء آخر لا يدريه، أو ادخار الأجر في اليوم الآخر، وليجعل أمام عينيه في حال دعائه وسؤاله ما جاء عن النبي - ﷺ - في بيان سعة فضل اللَّه، وعظيم إحسانه وإنعامه، وخيره الذي لاينفد، قال النبي - ﷺ -: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى، لَا يَغِيضُهَا (٢) نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ (٣) اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ ...» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>ولعلّ الحكمة في المنع من ذلك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>١ - أن هذا القول يدل على تضجر قائله وملله</span>، وهذا يؤدي إلى انقطاعه عن الدعاء، وتركه لأهمّ العبادات وأجلّها. وقد أشير إلى هذا في الحديث بقوله: «فيستحسرعند ذلك ويدع الدعاء».\n_________\n(١) الدعاء ومنزلته من العقيدة، ١/ ١٨٥.\n(٢) أي: لا ينقصها.\n(٣) أي: دائمة الصب، تصب العطاء صبًا، لا ينقصها العطاء الدائم.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ٩/ ١٢٢، برقم ٤٦٨٤، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف، ٢/ ٦٩، برقم ٩٩٣.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>٢ - «وهذا القول فيه اتهام للرب ﵎، وتبخيل </span>للكريم الجواد الذي لا تعجزه الإجابة، ولا ينقصه العطاء» (١). وليس معنى الاستعجال: سؤال اللَّه تعالى أن يعجل الإجابة للداعي، فقد دعا النبي - ﷺ - كما في حديث الاستسقاء «عاجلًا غير آجل» (٢) أي آجل، فيشرع للعبد سؤال اللَّه تعالى في تعجيل الإجابة له.\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٥ - حُضور القلب في الدعاء</span>.\nهذا الأدب العظيم الذي هو من أعظم شروط إجابة الدعاء، ينبغي للعبد الداعي أن يحرص عليه أشدّ الحرص، وعليه أن يستحضر أنه يدعو رب السموات والأرض، فلائق بعظمته تعالى أن يدعوه العبد، ويكون قلبه حاضرًا، ومستيقظًا للَّه تعالى، قال النووي ﵀: «اعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر، والعلم به أوضح من أن يذكر» (٣).\nوقد بيّن الصادق المصدوق - ﷺ - خطورة الغفلة، وعدم يقظة القلب حال الدعاء، وأنه من موانع الإجابة، قال - ﷺ -: «فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ\n_________\n(١) الدعاء ومنزلته من العقيدة، ١/ ١٨٥.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب صلاة الاستسقاء، باب رفع اليدين في الاستسقاء، برقم ١١٦٩، مسند أحمد، ٢٩/ ٦٠٧، برقم ١٨٠٦٦، وسنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء، برقم ١٢٦٩، وصحيح ابن خزيمة، ٢/ ٣٣٥، برقم ١٤١٦، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ١٠٤٨.\n(٣) الأذكار، ص ٣٤١.","vol":"1","page":38},{"text":"أَيُّهَا النَّاسُ، فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ» (١).\nوفي لفظ: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (٢). قوله: «وأنتم موقنون بالإجابة»: أي والحال أنكم موقنون بها، أي: كونوا عند الدعاء على حالة تستحقون بها الإجابة، أو أراد: وأنتم معتقدون أن اللَّه تعالى لا يخيبكم لسعة كرمه، وكمال قدرته، وإحاطة علمه ...» (٣).\nقال عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: «إن اللَّه لا يقبل من مسمِّعٍ، ولا مراء، ولا لاعب، إلا داعٍ دعا يثبت من قلبه» (٤).\nفغفلة القلب حال الدعاء تبطل قوته، وتضعف أثره، فيصبح بمنزلة القوس الرخو جدًا، فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، ولا يبلغ الهدف المقصود، «هذا إذا كان يمكن للداعي إحضار قلبه، فأما إذا كان لا يمكنه، وليس في وسعه إلا الدعاء، فالدعاء أفضل من تركه» (٥).\n_________\n(١) مسند أحمد، ١١/ ٢٣٥، برقم ٦٦٥٥، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ١٦٥٢.\n(٢) سنن الترمذي، برقم ٣٤٧٩، تقدم تخريجه.\n(٣) تحفة الأحوذي، ٩/ ٣١٦.\n(٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٠٦، وشعب الإيمان، للبيهقي، ٢/ ٥١، ومصنف بن أبي شيبة، برقم ٢٩٢٧٠، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٦٠٦.\n(٥) الفتاوى البزازية، ٤/ ٤٢ نقلًا عن الدعاء ومنزلته، ١/ ١٨٩.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>٦ - الدعاء في الرخاء والشدة</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكَرْبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» (١).\nوالعبد الصالح يعرف ربه تعالى في كل أحواله وأوقاته، فهو يدعو ربه - ﷿ - في سرائه وضرائه، وشدته ورخائه، وصحته وسقمه، في فقره وفي غناه وفي كل أحواله، فمن كان كذلك كان اللَّه تعالى له سميعًا، قريبًا، مجيبًا، ومؤيدًا ونصيرًا إذا ما وقع في شدة وبلاء؛ فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا نجّى اللَّه - ﷿ - يونس - ﵇ - من بطن الحوت؛ لأنه كان من المسبحين في رخائه قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢).\nقال الحسن البصري: «ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملًا صالحًا في حال الرخاء، فذكره اللَّه تعالى به في حال البلاء، وإن العمل الصالح يدفع عن صاحبه» (٣).\nواستجاب ربنا تعالى لزكريا لدعائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي\n_________\n(١) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب أن دعوة المسلم مستجابة، ٥/ ٤٦٢، برقم ٣٣٨٢، مسند أبي يعلى، ١١/ ٢٨٣، برقم ٦٣٩٦، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٣٨٢، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٥٩٣.\n(٢) سورة الصافات، الآيتان: ١٤٣ - ١٤٤.\n(٣) تفسير القرطبي، ١٥/ ٨٣.","vol":"1","page":40},{"text":"الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١).\nأي أنهم كانوا ملازمين العبادة والطاعة في كل أحوالهم، لا يشغلهم عن ذلك أمر، كما أفاد ذلك الفعل المضارع «يسارعون»، ومن أدلة السنة ما حكى لنا سيد الأولين والآخرين في قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فنجاهم اللَّه تعالى (٢)؛ لأنهم عرفوه - ﷿ - في حال رخائهم، فأنجاهم يوم شدتهم؛ لذا ينبغي للعبد أن يجتهد غاية الاجتهاد في التقرب إلى اللَّه تعالى، وطلب مرضاته، والإكثار من الأعمال الصالحة، ودعائه حال الرخاء، حتى ينال ما يرجوه، فقد كانت وصية النبي - ﷺ - لابن عباس ﵄: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» (٣).\nوالمراد بالمعرفة المطلوبة من العبد في الحديث هي: «المعرفة الخاصة التي تقتضي ميل القلب إلى اللَّه تعالى بالكلية، والانقطاع إليه، والإنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له» (٤).\nونقل الصحابة هذه الوصية لغيرهم من التابعين، قال رجل لأبي الدرداء: «أوصني، فقال: اذكر اللَّه في السراء، يذكرك اللَّه - ﷿ - في\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ٩٠.\n(٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، برقم ٣٤٦٥، ومسلم، كتاب العلم، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، والتوسل بصالح الأعمال، برقم ٢٧٤٣.\n(٣) مسند أحمد، ٥/ ١٩، برقم ٢٨٠٣، المستدرك، ٣/ ٥٤١، المعجم الكبير للطبراني،\n١١/ ١٢٣، برقم ١١٢٤٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع ٢٩٦١.\n(٤) جامع العلوم والحكم، ص ١٨٧.","vol":"1","page":41},{"text":"الضراء» (١).\nوعنه أيضًا - ﵁ -: «ادع اللَّه في يوم سرائك؛ لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٧ - لا يسأل إلا اللَّه وحده</span>.\nلأنه هو تعالى المنفرد في الإجابة والعطاء، فلا يسأل غيره، ولا يشرك معه أحدًا كائنًا من كان، كما في حديث ابن عباس ﵄: «... وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ» (٣).\nوفي أمره - ﷺ - أن لا يسأل إلا اللَّه ﵎؛ «لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل، والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع الضرر، ونيل المطلوب، وجلب المانع، ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلاللَّه تعالى وحده؛ لأنه حقيقة العبودية» (٤).\nومما لا يخفى أن إفراد اللَّه جل وعلا في السؤال، وغيره من أمور العبادة: من أعظم أسباب الغنى باللَّه تعالى، والانقطاع عن\n_________\n(١) حلية الأولياء، ١/ ٢٠٩.\n(٢) المصنف لعبد الرزاق، ١١/ ١٨٠، وشعب الإيمان للبيهقي، ٢/ ٥٢.\n(٣) سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب حدثنا أحمد بن محمد،\n٤/ ٦٦٧، برقم ٢٥١٦، مسند أحمد ٤/ ٤١٠، برقم ٢٦٦٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣٠٩.\n(٤) جامع العلوم والحكم، ١/ ٤٨١.","vol":"1","page":42},{"text":"غيره، وهذا من كمال العبودية للَّه ربِّ العالمين، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «أصابتني فاقة، فأتيت النبي - ﷺ -، فوجدته يخطب الناس، وهو يقول: «أَيُّهَا النَّاسُ وَاَللَّه مَهْمَا يَكُنْ عِنْدَنَا مَنْ خَيْرٍ فَلَنْ نَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>٨ - عدم الدعاء على الأهل، والمال، والولد، والنفس</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ، ولاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةَ يُسْألُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ» (٢).\n«لأن مقصود الدعاء منه جلب النفع، ودفع الضر، فإن الدعاء على هؤلاء لا مصلحة وراءه، بل هو الضرر المحض على الداعي نفسه» (٣).\nبل أمرنا الشارع أن ندعو لأنفسنا ولأهلينا بالخير، دخل رسول اللَّه - ﷺ - على أبي سلمة وقد شق بصره، ثم قال: «إن الروح إذا قبض\nتبعه البصر»، فضج ناس من أهله، فقال: «لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ\n_________\n(١) هو في صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، ٢/ ١٢٢، برقم ١٤٦٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، ٢/ ٧٢٩، برقم ١٠٥٣ بلفظ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ» دون ذكر لفاقة أبي سعيد - ﵁ -.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر،\n٤/ ٢٣٠٤، برقم ٣٠٠٩.\n(٣) الدعاء، محمد الحمد، ص ٤٠.","vol":"1","page":43},{"text":"بِالخَيْرِ، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٩ - خفض الصوت بالدعاء بين المخافتة والجهر</span>.\nقال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢).\nوقال جل وعلا: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٣).\n«دلّت هذه الآية الكريمة على أن الأمر في الدعاء الوسط، وهو بقدر ما يسمع الداعي نفسه، ولا يسمع غيره» (٤).\nوذكر ابن القيم رحمه اللَّه تعالى في فوائد خفض الصوت والإسرار بالدعاء فوائد عديدة، وأسرارًا بديعة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>١ - «أنه أعظم إيمانًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٢ - أنه أعظم في الأدب والتعظيم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٣ - أنه أبلغ في التضرع والخشوع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٤ - أنه أبلغ في الإخلاص</span>.\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له، إذا حضر، ٢/ ٦٣٤، برقم ٩٢٠.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٥.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥.\n(٤) انظر: الدعاء وأحكامه الفقهية، ١/ ١٢٨.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>٥ - أنه أبلغ في حضور القلب على اللَّه تعالى في الدعاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٦ - أنه دال على قرب صاحبه من اللَّه - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٧ - أنه أدعى لدوام الطلب والسؤال </span>...» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>١٠ - الاعتراف بالذنب والاستغفار منه، والاعتراف بالنعمة وشكر اللَّه عليها</span>.\n«وهذا الأدب من أهم الآداب العظيمة أن يقدم الداعي بين يدي دعائه التوبة إلى اللَّه - ﷿ - من الذنوب، فإن تراكم الذنوب واجتماعها قد يكون سببًا من أسباب عدم إجابة الدعاء، قال يحيى بن معاذ الرازي: «لا تستبطئ الإجابة إذا دعوت، وقد سددت طرقها بالذنوب (٢» (٣).\nكما أن التوبة والأوبة والتقوى من أهم الأسباب لقبول الدعاء، ورفعه إلى رب الأرض والسماء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤).\nوقد جمع هذه المطالب المهمة سيد الاستغفار:\nقال النبي - ﷺ -: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ\n_________\n(١) انظر: بدائع الفوائد، ٣/ ١٠٦، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١٥/ ١٥.\n(٢) رواه البيهقي في شعب الإيمان، ٢/ ٥٤.\n(٣) فقه الأدعية والأذكار، عبد الرزاق البدر، ٢/ ٢٦٠.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٢٧.","vol":"1","page":45},{"text":"إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»، قَالَ: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>١١ - عدم تكلف السجع في الدعاء</span>.\n«السجع هو: موالاة الكلام على روي واحد، ومنه سجعت الحمامة إذا رددت صوتها، وقال الأزهري: هوالكلام المقفى من غير مراعاة وزن» (٢).\nوالمنهي عنه من السجع هو التكلف فيه، وذلك أن حال الداعي حال ذلة وضراعة، فالتكلف لا يناسب هذه الصفة، فقد يذهب الخشوع والتذلل حال الدعاء.\nوأما إذا جاء السجع على اللسان دون تكلف وعلى سليقته، فلا بأس بذلك، فإن معظم الأدعية في الكتاب والسنة قد جاءت مسجوعة.\nوقد ذم السلف السجع في الكلام، فعن عائشة ﵂ أنها\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، ٨/ ٦٧، برقم ٦٣٠٦.\n(٢) انظر: فتح الباري، ١١/ ١٤٣.","vol":"1","page":46},{"text":"قالت لابن أبي السائب [من قُصَّاص التابعين]: «اجتنب السجع من الدعاء، فإن رسول اللَّه - ﷺ - وأصحابه كانوا لا يفعلون ذلك» (١).\nوجاء في صحيح البخاري من نصيحة ابن عباس ﵄ لأحد أصحابه، ومما قال فيها: «فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول اللَّه - ﷺ - وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك، يعني لا يفعلون إلا الاجتناب» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>١٢ - التَّضرع والخشوع والرغبة والرهبة</span>.\n«الضراعة: الذل والخضوع والابتهال، يقال: ضَرَع، يضرعُ ضراعةً: خَضع وذلَّ، واستكان وتضرع إلى اللَّه: ابتهل (٣).\nوهذا الأدب في غاية الأهمية للداعي: أن يدعو في حال تضرع وخشوع وخضوع وذلّ، فإن ذلك «هو روح الدعاء ولبُّه ومقصوده، فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه» (٤).\nواللَّه تعالى يحب من عبده أن يتضرَّع إليه، ويتملق له، وأن يديم\nقرع بابه، قال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ\n_________\n(١) مسند أحمد، ٤٣/ ١٩، برقم ٢٥٨٢٠.\n(٢) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب ما يكره من السجع في الدعاء، ٨/ ٧٤، برقم ٦٣٣٧.\n(٣) انظر: شروط الدعاء للمؤلف حفظه الله، ص ٥٠.\n(٤) مجموع الفتاوى، ١٥/ ١٦.","vol":"1","page":47},{"text":"الْمُعْتَدِينَ﴾ (١).\nوبيَّن تعالى أن من حكم البلاء كالأمراض والخوف ونقص الأموال والأنفس من أجلِّ مقاصده حمل العباد على الدعاء، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٣).\nومن حسن الدعاء الجمع فيه بين الرغبة والرهبة، فإنها من سنن الأنبياء قبلنا، قال تعالى عن زكريا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>١٣ - ردُّ المظالم مع التوبة</span>.\nوهذا المطلب من أعظم المطالب والمقاصد للداعي، ذلك أن الذنوب وتراكمها من الأسباب الرئيسة المانعة من قبول الدعاء والتوبة، ومفهوم المخالفة أن الأوبة من المعاصي والآثام توجب قبول الدعاء، وخير مثال على ذلك دعاء يونس - ﵇ -: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٥٥.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٩٤.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ٤٢.\n(٤) سورة الأنبياء، الآية: ٩٠.","vol":"1","page":48},{"text":"أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، وجاء من السنة ما يدل على ذلك.\nفعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ - ﷿ - طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٣)، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» (٤).\n\nوهذا الحديث الجليل دلّ في منطوقه ومفهومه على خطورة الظلم،<span data-type=\"title\" id=toc-58> وذلك أن الظلم نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>١ - ظلم العبد مع ربه - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٢ - وظلم العبد مع خلقه تعالى</span>.\nولا شك أن مأكل الحرام وملبسه ومشربه والتغذي به داخل في هذه المظالم بنوعيها، والعبد مأمور باجتنابهما في كل أحواله،\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ٨٧.\n(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٥١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٢.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، ٢/ ٧٠٣، برقم ١٠١٥.","vol":"1","page":49},{"text":"حتى يكون دعاؤه مقبولًا عند ربه - ﷿ -.\nوقوله - ﷺ -: «فأنى يستجاب لذلك»: استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، وفضل اللَّه واسع» (١).\nقال بعض السلف: «لا تستبطئ الإجابة وقد سدَدْتَ طرقها بالمعاصي» (٢).\nوالمظالم توجب العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، قال النبي - ﷺ -: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» (٣).\nوالبغي: هو الظلم.\nولاشك أن من أعظم العقوبات الدنيوية: ردّ الدعاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>١٤ - الدّعاء ثلاثًا</span>.\nوقد تقدّم عند شرح الإلحاح في الدعاء.\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم، ١/ ٢٠٦.\n(٢) المرجع السابق، ١/ ١٠٨.\n(٣) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في النهي عن البغي، ٤/ ٤٢٦، برقم ٤٩٠٤، سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والزهد، باب حدثنا علي بن حجر، ٤/ ٦٦٤، برقم ٢٥١١، سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب البغي، ٢/ ١٤٠٨، برقم ٤٢١١، المستدرك،\n٢/ ٣٥٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٥١١، وصحيح الترغيب والترهيب، برقم ٢٥٣٧.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>١٥ - استقبال القبلة</span>.\n«إن من آداب الدعاء أن يستقبل الداعي القبلة وقت دعائه، ذلك أن القبلة هي الجهة الفاضلة التي أمر اللَّه المسلمين بالاتجاه إليها في عبادتهم، فكما أنها قبلة للمسلمين في الصلاة، فهي قبلة لهم في الدعاء» (١).\nوكلما كانت الدعوة من الأهمية بمكان كبير تأكد هذا الاستحباب، وقد دلّ على ذلك فعل النبي - ﷺ - في وقائع كثيرة: ففي يوم بدر حين نظر رسول اللَّه - ﷺ - إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل النبي - ﷺ - القبلة، ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه (٢).\nوعن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - عنه قال: «استقبل النبي - ﷺ - الكعبة فد عا على نفر من قريش ...» (٣).\nوهذا الأدب في الدعاء حال استقبال القبلة هو الأكمل للداعي والأفضل، إلا أنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - الدعاء غير مستقبل القبلة في عدة أحاديث.\n_________\n(١) فقه الأدعية والأذكار، عبد الرزاق البدر، ٢/ ١٩٨.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم، ٣/ ١٤٨٣، برقم ١٧٦٣.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب دعاء النبي - ﷺ - على كفار قريش، ٥/ ٧٤، برقم ٣٩٦٠، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، ٣/ ١٤٢٠، برقم ١٧٩٤.","vol":"1","page":51},{"text":"ولهذا عقد البخاري ﵀ في صحيحه: باب الدعاء غير مستقبل القبلة. قال القرطبي: والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان؛ لإظهار وضع الفقر والحاجة إلى اللَّه - ﷿ -، والتذلل له والخضوع، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبي - ﷺ - حسبما ورد في الأحاديث (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>١٦ - رفع الأيدي في الدعاء</span>.\nوهذا أدب عظيم يدلّ على ذُلِّ الداعي، واستكانته، وخضوعه بين يدي خالقه العظيم يمد يديه إليه راغبًا راهبًا، طامعًا بنزول بركاته، وخيراته، ونعمائه الجليلة، وكلما عظمت حاجة المخلوق، واشتدت رغبته، زاد في إلحاحه، وبالغ في رفع يديه متذللًا متوسلًا، وقد جاء رفع اليدين عن النبي - ﷺ - في أحاديث كثيرة حتى عدها بعض أهل العلم في جملة ما تواتر عن النبي - ﷺ - (٢).\nوقد تقدم في فضائل الدعاء ما جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْن» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>وفي رفع اليدين فوائد ومنافع كثيرة في العبودية للَّه تعالى:</span>\n_________\n(١) تفسير القرطبي، ٧/ ٢٢٥.\n(٢) ذكر السيوطي أنه ورد عنه - ﷺ - نحو مائة حديث في رفع يديه، في تدريب الراوي،٢/ ١٨٠.\n(٣) أخرجه الترمذي، برقم ٣٥٥٦، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>١ - في مدّ اليدين زيادة في التذلّل والتّمسكن </span>والافتقار للَّه رب العالمين حال الدعاء، وهذا هو روح العبادة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٢ - فيه إيقاظ القلب والفكر، وعدم الغفلة حال الدعاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٣ - فيه وسيلة إلى خشوع القلب والجوارح</span>، واستحضار ما يدعو به الداعي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٤ - فيه إقرار بقيومية اللَّه تعالى</span>، وأنه قائم على كل شيء في تدبير كل الأمور، ومنها حال الداعي، فيستدعي ذلك كمال المراقبة للَّه تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٥ - فيه إقرار لكرم اللَّه تعالى، وعظيم إحسانه</span>، واستشعار جوده، وكرمه، كمثل الفقير يمدّ يديه إلى الغني، يأمل منه العطاء، والحالة هنا أجلّ، وأكبر؛ لأنّها كمال الفقر من العبد، وكمال العز والغنى للرب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٦ - فيه إقرار من العبد لعلو ربه تعالى فوق كل شيء</span>، فله العلو المطلق من كل الوجوه: علوّ القدر، وعلوّ القهر، وعلوّ الذات، فيصير [اللَّه - ﷿ -] للقلب صمدًا يتجه إليه تعالى في دعائه المطلق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>٧ - فيه استشعار عظمة الخالق تعالى، وأنه فوق عرشه</span>، فوق سبع سمواته، وهو يسمعه ويراه، ويعلم بحاله، ولا يخفى عليه شيء،\nفيثمر له الحب والتعظيم، وكمال التوحيد والعبودية.","vol":"1","page":53},{"text":"فدلّ هذا الأدب الجليل على استجماع مراتب العبودية للَّه تعالى الظاهرة والباطنة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-72> صفة رفع الأيدي حال الدعاء:</span>\nعن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا وموقوفًا: «المسألة: أن ترفع يديك حذو منكبيك، أو نحوهما، والاستغفار: أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال: أن تمدّ يديك جميعًا»، وفي رواية: «والابتهال هكذا: ورفع يديه، وجعل ظهورهما مما يلي وجهه» (١).\nوقال العلامة بكر أبو زيد ﵀ معلقًا على هذا الحديث: «وقد جاءت الأحاديث من فعل النبي - ﷺ - مُبيِّنة مقام كل حالة من هذه الصفات الثلاث، لا أنها من اختلاف التنوع فلينتبه، وبيانها كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المقام الأول: مقام الدعاء العام</span>، ويسمى المسألة، ويقال الدعاء: وهو رفع اليدين إلى المنكبين، ونحوهما: ضامًا لهما، باسطًا لبطنهما نحو السماء، وظهورهما إلى الأرض ... وهذه هي الصفة العامة لرفع اليدين حال الدعاء مطلقًا ...\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>المقام الثاني: الاستغفار</span>، ويقال للإخلاص: وهو رفع إصبع واحدة، وهي السبابة من اليد اليمنى، وهذه الصفة خاصة بمقام\nالذكر والدعاء حال الخطبة على المنبر، وحال التشهد في الصلاة،\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، ١/ ٥٥٣، برقم ١٤٩١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٤٨٩، و١٤٩٠.","vol":"1","page":54},{"text":"وحال الذكر والتمجيد والتهليل، خارج الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>المقام الثالث: الابتهال: </span>وهو التضرع والمبالغة في المسألة، ويسمى أيضًا: دعاء الرهب، وصفته: رفع اليدين مدًا نحو السماء حتى تُرى عفرة إبطيه: أي بياضهما، وهذه الصفة أخصّ من الصفتين السابقتين في المقام الأول، والثاني، وهي خاصّة في حال الشدة والرهبة، كحال الجدب، والنازلة، بتسلط العدو، ونحو ذلك من مقامات الرهب» (١).\nوقد صحّ عن النبي - ﷺ - ما يدلّ على جواز رفع السّبابة في الدعاء، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَدْعُو بِإِصْبَعَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَحِّدْ أَحِّدْ»، أي الذي تطلب منه واحدًا هو اللَّه تعالى، قَالَ الترمذي: إِذَا أَشَارَ الرَّجُلُ بِإِصْبَعَيْهِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ، لَا يُشِيرُ إِلَّا بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>١٧ - الوضوء قبل الدعاء إن تيسَّر</span>.\nوهذا من كمال الأدب وحسنه أن يكون الداعي على أحسن الأحوال من الطهارة: الحسية، والمعنوية، للتهيؤ لدعاء اللَّه تعالى\nوسؤاله، كما دلّ على ذلك دعاء النبي - ﷺ - حين فرغ من حنين ...\n_________\n(١) تصحيح الدعاء، ص ١١٦.\n(٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا محمد بن بشار، ٥/ ٥٥٧، برقم ٣٥٥٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٥٥٧.","vol":"1","page":55},{"text":"فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ» وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ» (١).\nوهذا الوضوء ليس بلازم، إذ المضطر قد لا يسعفه الوقت للاستعداد بالوضوء، فيتجه إلى اللَّه تعالى بالسرعة، فيجيبه اللَّه تعالى على حسب قوة إخلاصه ورجائه وتضرعه وخشوعه، ثم إنَّ الوضوء للدعاء ليس صفة دائمة في جميع دعوات النبي - ﷺ -، فقد نقلت عائشة عن النبي - ﷺ - أنه كان يذكر اللَّه في كل أحيانه (٢)، ولايخفى أن الدعاء نوع من الذكر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>١٨ - أن لا يعتدي في الدعاء</span>.\nنهى ربنا جل وعلا عن الاعتداء في الدعاء، فقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤).\nوإن كان هذا النهي عن الاعتداء عمومًا إلا أنّ فيه ما يدلّ على النهي عن الاعتداء في الدعاء من باب أولى؛ لأنه جاء النهي عقب\nالأمر بالدعاء، «وتدلّ هذه المادة على التجاوز في الشيء، وتقدم\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أوطاس، ٥/ ١٥٥، برقم ٤٣٢٣، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين، ﵄، ٤/ ١٩٣٤، برقم ٢٤٩٨.\n(٢) انظر: صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب ذكر اللَّه تعالى في حال الجنابة وغيرها، برقم ٣٧٣.\n(٣) الدعاء ومنزلته في العقيدة، ١/ ٢٠٧، ٢٠٨.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ٥٥.","vol":"1","page":56},{"text":"لما ينبغي أن يقتصر عليه، والتعدي: تجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه، والاعتداء مشتق من العدوان» (١).\n\nوصور الاعتداء كثيرة لا تحصى في هذه الوريقات، فمنها ما قد يبلغ إلى حد الكفر والعياذ باللَّه كدعاء غير اللَّه تعالى، فإنه أعظم أنواع الاعتداء وأشده، ومنها دون ذلك<span data-type=\"title\" id=toc-78> ومن صور الاعتداء في الدعاء ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>١ - سؤال ما لا يليق بالشخص كطلب منازل الأنبياء</span>، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ أنَّه سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا، فَقَالَ أَيْ بُنَىيّ، سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>٢ - ومنها: سؤال اللَّه تعالى ما لا يجوز أن يسأله: </span>كسؤاله المعونة على المحرمات، وارتكاب الذنوب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٣ - ومنها: أن يسأل اللَّه ما عُلم من حكمته سبحانه أنه لا يفعله </span>كأن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو أن يكون ملكًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>٤ - ومن العدوان أن يدعو اللَّه تعالى بغير تضرّع وخشوع</span>، كالمستغني\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة، ٤/ ٣٤٩، الدعاء ومنزلته في العقيدة، ١/ ١٧٢.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الوتر، باب في الدعاء، ١/ ٥٥١، برقم ١٤٨٢، والمستدرك،\n١/ ١٦٢، والسنن الكبرى للبيهقي، ١/ ١٩٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٧٨.","vol":"1","page":57},{"text":"عن ربه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>٥ - أن يدعو على أهله وماله وولده</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>٦ - ويدخل كذلك الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٧ - أو يدعو على نفسه بالموت دون سبب شرعي كالفتنة </span>في الدين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>١٩ - أن يبدأ الداعي بنفسه إذا دعا لغيره </span>(١).\nعن أُبيّ بن كعب - ﵁ - أن رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: «كانَ إِذَا ذَكَرَ\nأَحَدًا، فَدَعَا لَهُ، بَدَأَ بِنَفْسِهِ» (٢)، ويستشهد لذلك بعموم: «ابدأ بنفسك» (٣).\nوجاء مثله في القرآن الكريم من دعاء إبراهيم - ﵇ -: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٤)، ومن دعوات\n_________\n(١) قال المؤلف وفقه الله: «قد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه بدأ بنفسه بالدعاء، وثبت أيضًا أنه لم يبدأ بنفسه، كدعائه لأنس، وابن عباس، وأم إسماعيل، وغيرهم. وانظر التفصيل في هذه المسألة في: شرح النووي لصحيح مسلم، ١٥/ ١٤٤، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٩/ ٣٢٨، وفتح الباري شرح صحيح البخاري، ١/ ٢٨١».\n(٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء أن الداعي يبدأ بنفسه،\n٥/ ٤٦٣، برقم ٣٣٨٥، سنن النسائي الكبرى، ٦/ ٣٩١، برقم ١١٢٤٨، مسند أحمد، ٤٥/ ٦٤، برقم ٢١١٢٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٣٨٥.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ثم القرابة، برقم ٩٩٧.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٤١.","vol":"1","page":58},{"text":"المؤمنين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (١)، وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢).\nقال الساعاتي ﵀: «يعني إذا دعا لأحد بخير بدأ بنفسه، ثم عمم، اقتداء بأبيه إبراهيم ﵊ حيث قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، فتتأكد المحافظة على ذلك، وعدم الغفلة عنه، وإذا كان لا أحد أعظم من الوالدين ولا أكبر حقًا على المؤمنين منهما، ومع ذلك قدم الدعاء لنفسه عليهما في القرآن الكريم في غير موضع، فيكون على غيرهما أولى» (٣).\nقال المؤلف حفظه اللَّه: «وثبت أنه - ﷺ - لم يبدأ بنفسه، كدعائه لأنس، وابن عباس، وأم إسماعيل - ﵃ -» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٢٠ - أن يتوسَّلَ إلَى اللَّهِ بأسمائِهِ الحُسْنَى وصفاتِهِ العُلا</span>، أو بِعَملٍ صالحٍ قامَ به الدَّاعي نفسُه، أو بِدِعاءِ رجلٍ صالحٍ حيٍّ حاضرٍ.\nذكر المؤلف حفظه اللَّه أنواع التوسل المشروعة حال الدعاء، فإنها أرجى في قبول الدعاء واستجابته.\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ١٠.\n(٢) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(٣) الفتح الرباني، ١٤/ ٢٧٢.\n(٤) انظر: شروط الدعاء، ص ٦٧.","vol":"1","page":59},{"text":"والتوسل من الوسيلة وهي: القربة والطاعة، وما يتوصّل به إلى الشيء، ويتقرب به إليه (١)، قال الراغب: «الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة لتضمنها لمعنى الرغبة» (٢).\nقا ل اللَّه تعا لى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (٣).\nومعنى قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: «أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه» (٤).\nوأول هذه الأنواع في التوسلات وأعظمها وأفضلها: التوسل إلى اللَّه تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٥).\nوهو أن يقدم الداعي اسمًا من أسمائه الحسنى ما يناسب المطلوب: كأن يقول: يا رحمن ارحمني، يا غني اغنني، يا غفور اغفر لي، أو أن يتوسل بالأسماء الحسنى المضافة، كأن تقول: ارزقني يا خير الرازقين، ارحمني يا أرحم الراحمين، ومثل ذي الجلال والإكرام، قال النبي - ﷺ -: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (٦).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، ص ٩٧٢.\n(٢) مفردات ألفاظ القرآن، ص ٨٧١.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٣٥.\n(٤) تفسير ابن كثير، ٢/ ٧٦.\n(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(٦) مسند أحمد، برقم ١٧٥٩٦، وسنن الترمذي، برقم ٣٥٢٤، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":60},{"text":"ومعنى ألظوا: الزموه، واثبتوا عليه، وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم (١).\nأو يتوسل باسم دالٍّ على معانٍ كثيرة: مثل: «الرب» كما في غالبية أدعية القرآن، وكذلك اسم «الصمد»، و«المجيد»، و«العظيم»، وكذلك بالاسم الأعظم المتضمن لكل الأسماء الحسنى والصفات العلا، أو يتوسل بصفة من صفاته كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢)، فقنا: من الوقاية وهي من الصفات الفعلية، وكالتوسل بصفة العلم والقدرة، كما في دعاء النبي - ﷺ -: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي» (٣).\nوكذلك يستعاذ بصفاته جل وعلا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي» (٤).\nالنوع الثاني: «التوسل»: بعمل صالح قام به الداعي نفسه:\n«كأن يقول الداعي: اللَّهم بإيماني بك، أو محبتي لك، أو باتباعي لرسولك أن تغفر لي».\nومن ذلك أن يذكر الداعي عملًا صالحًا ذا بال، فيه خوف من\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، ص ٨٣٦.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٩١.\n(٣) مسند الإمام أحمد، ٣٠/ ٢٦٥، برقم ١٨٣٢٥، سنن النسائي، كتاب السهو، نوع آخر،\n٣/ ٥٤، برقم ١٣٠٥، مصنف ابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٦٤، المستدرك، ١/ ٥٢٤، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ١٣٠١.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب العلم، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، ٤/ ٢٠٨٦، برقم ٢٧١٧.","vol":"1","page":61},{"text":"اللَّه سبحانه، وتقواه إياه، وإيثار رضاه على كل شيء، وطاعته له جل شأنه ... ثم يتوسل به إلى اللَّه تعالى في دعائه ليكون أرجى لقبوله وإجابته» (١).\nوالأدلة على ذلك كثيرة جدًا، منها دعاء المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢).\nوقصة أصحاب الغار، فقد كان كل واحد منهم يقول: «فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا» (٣).\nالنوع الثالث: أو بدعاء رجل صالح حي حاضر له:\n«كأن يقع المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم في نفسه التفريط في جنب اللَّه ﵎، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى اللَّه تعالى، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعو له ليُفْرَج عنه كربه، ويزول عنه همه» (٤).\nيدل على ذلك حديث أنس - ﵁ - عندما جاء الأعرابي والنبي - ﷺ -\n_________\n(١) شروط الدعاء للمؤلف، ص ٥٦.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، ٤/ ١٧٣، برقم ٣٤٦٥، صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، والتوسل بصالح الأعمال، ٤/ ٢١٠٠، برقم١٧٤٣.\n(٤) شروط الدعاء للمؤلف، ص ٥٧ - ٥٨.","vol":"1","page":62},{"text":"يخطب يوم الجمعة، فشكا له ما هم فيه من الشدة، فدعا له - ﷺ - فلم ينزل من منبره حتى رأيت المطر، يتحادر من لحيته (١).\nومن ذلك سؤال أبي هريرة - ﵁ - للنبي - ﷺ - أن يدعو لأمه بالهداية إلى الإسلام، فدعا لها، فهداها اللَّه تعالى (٢).\nوكذلك توسل الصحابة - ﵃ - بدعاء العباس، فقد ثبت «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا - ﷺ - فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا - ﷺ - فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ» (٣).\nوالمراد بقوله: «إنا نتوسل إليك بعمّ نبينا» أي: بدعائه، والمعنى إنا كنا نتوسل بنبينا - ﷺ - بدعائه لك، والآن بعد موته نتوسل إليك بدعاء عمّه.\n* التوسل إلى الله - ﷿ - بذكر حال الداعي وعجزه وضعفه:\n«فكما أن اللَّه تعالى يحب من الداعي أن يتوسل إليه بأسمائه وصفاته ونعمه العامة والخاصة، فإنه يحب منه أن يتوسل إليه بضعفه وعجزه وفقره، وعدم قدرته على تحصيل مصالحه، ودفع\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، ٢/ ١٢، برقم ٩٣٣، مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، ٢/ ٦١٥، برقم ٨٩٧.\n(٢) مسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل أبي هريرة الدوسي - ﵁ -، ٤/ ١٩٣٨، برقم ٢٤٩١.\n(٣) البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، ٢/ ٢٧، برقم ١٠١٠.","vol":"1","page":63},{"text":"الأضرار عن نفسه» (١).\nكما كان، من دعاء موسى - ﵇ -: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢).\nوكما في دعاء زكريا - ﵇ -: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٣)، «فتوسل إلى اللَّه تعالى بضعفه وعجزه، وهذا من أحب الوسائل إلى اللَّه تعالى؛ لأنه يدل على التبري من الحول، والقوة، وتعلق القلب بحول اللَّه وقوته» (٤).\n* التوسل إلى الله - ﷿ - بسابق نعمه وآلائه:\nكما في دعاء زكريا - ﵇ -، فكان في آخره: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٥).\nفتوسل إلى اللَّه تعالى بسابق إنعامه عليه، وإحسانه في إجابة دعائه، ولم يرُدّه خائبًا.\nودعاء يوسف - ﵇ -: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا\n_________\n(١) تيسير اللطيف المنان، ص ١٣٢.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٢٤.\n(٣) سورة مريم، الآية: ٤.\n(٤) تفسير ابن سعدي، ص ٥٦٩.\n(٥) سورة مريم، الآية: ٤.","vol":"1","page":64},{"text":"وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (١).\nوكما جاء من دعوات الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢).\nفتوسلوا إلى اللَّه تعالى بسابق نعمته عليهم من الهداية والصلاح.\nودعاء الوتر يدل على هذا المقصد: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ» (٣).\nففيه توسل للَّه تعالى بإحسانه وإنعامه على من سبق عليهم بالهداية والعافية والولاية ... فدل على أهمية هذا التوسل في إعطاء ما يرجو العبد في دينه ودنياه.\nواللَّه - يحبّ من عبده أن يتوسل إليه بأنواع التوسلات له في دعائه؛ لما في ذلك من كمال العبودية، [والتَّذَلُّلِ] له تعالى في كل الأحوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٢١ - أن يكون المطعم والمشرب والملبس من حلال</span>.\nفمن أراد أن يكون مجاب الدعوة، فليجتهد في أن يكون مأكله\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ١٠١.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٨.\n(٣) سنن أبي داود، كتاب الوتر، باب القنوت في الوتر، ١/ ٥٣٦، برقم ١٤٢٧، سنن النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الدعاء في الوتر، ٣/ ٢٤٨، برقم ١٧٤٥، سنن ابن ماجه، كتب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القنوت في الوتر، ١/ ٣٧٢، برقم ١١٧٨، مسند الإمام أحمد، ٣/ ٢٤٥، برقم ١٧١٨، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ١١٧٩.","vol":"1","page":65},{"text":"ومشربه وملبسه من الحلال، فللحلال سر عجيب في قبول الأعمال عند اللَّه تعالى، ومن آكدها الدعاء، وقد تقدم آنفًا قول النبي - ﷺ -: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، ... ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ثُمَّ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» (١).\nوفي الحديث إشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بالحلال لمن أراد الدعاء أكثر من غيره (٢).\nولما سُئل سعد بن أبي وقاص - ﵁ - تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -؟ فقال: «ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها، ومن أين خرجت» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٢٢ - لا يدعو بإثم أو قطيعة رحم</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «مَا عَلَى الأرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّه تَعَالَى بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللهُ إيَّاها، أَوْ صَرفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللهُ أكْثَرُ» (٤)،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، ٢/ ٧٠٣، برقم ١٠١٥.\n(٢) شرح النووي، ٧/ ١٠٠.\n(٣) جامع العلوم والحكم، ١/ ٢٧٥، وهو أيضًا في السيرة الحلبية، ٢/ ٥٠٧.\n(٤) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب في انتظار الفرج وغير ذلك،\n٥/ ٥٦٦، برقم ٣٥٧٣، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٥٧٣.","vol":"1","page":66},{"text":"فدلّ على أن الدعاء بالإثم بجميع أنواعه، وقطيعة الرحم مانع من موانع إجابة الدعاء، «ويدخل في الإثم الدعاء على سبيل الاختبار، فليس للعبد أن يختبر الرب - ﷿ -، ويدخل في قطعة الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم» (١)، فليحذر الداعي من ذلك، وفي الحديث بشارة عظيمة لكل مسلم بأن اللَّه تعالى يجيبه إذا دعاه.\nوقوله - ﷺ -: «اللَّهُ أَكْثَر» يعني: اللَّه أكثر إجابة، ففي هذا الحديث حثٌّ على الإكثار من الدعاء قدر الإمكان، فإنّ دعاءه مجاب في الحال، أو في المآل، أو يصرف السوء والضر عنه بما هو خير له من السؤال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٢٣ - أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» (٢).\nقال ابن علان ﵀: «والخطاب للأمة الموجودين حقيقة، ولمن سيأتي بطريق التبع، وقوله: (أو ليوشكن اللَّه): [أو: عاطفة]: أي: ليكونن أحد الأمرين: إما امتثال ما أُمرتم به، أو وقوع ما أُنذرتم به\n_________\n(١) انظر: جامع أحكام القرآن للقرطبي، ٢/ ٢٠٨، والمنهاج في شعب الإيمان، ١/ ٥٢٩.\n(٢) أخرجه أحمد ٣٨/ ٣٣٢، رقم ٢٣٣٠١)، والترمذي، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ٤/ ٤٦٨، رقم ٢١٦٩، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢١٦٩، وصحيح الجامع الصغير، برقم ٦٩٤٧.","vol":"1","page":67},{"text":"في قوله: (ليوشكن اللَّه أن يبعث عليكم عقابًا منه) بجور الولاة، أو تسليط العداة، أوغير ذلك من البلاء، (ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)؛ لكون الحكمة الإلهية جعلته جزاء لما فرطتم فيه من ترك، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>٢٤ - الابتعاد عن جميع المعاصي</span>.\nالابتعاد عن المعاصي والذنوب بجميع أنواعها من أهم الأسباب لقبول الأعمال، ومنها الدعاء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).\nفقد كان الأنبياء والمرسلون يحثون أممهم على التوبة والاستغفار؛ لما في ذلك من عظيم الثمرات الدنيوية والأخروية، قال تعالى مُبيِّنًا عن نوح - ﵇ -: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٣).\n_________\n(١) دليل الفالحين، ١/ ٤٨١.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٢٧.\n(٣) سورة نوح، الآيات: ١٠ - ١٢.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>أوقات وأحوال وأماكن يستجاب فيها الدعاء </span>(١):\nمن واسع فضل اللَّه ﵎؛ الذي لا يحد ولا يعد، أنه - تعالى- مجيب للدعاء دون قيد بوقت أوحال أو زمان أو مكان على الإطلاق، إلا أنه تعالى من كمال كرمه وفضله، كذلك جعل في بعض الأوقات والأحوال والأماكن مزيدًا من العناية بالإجابة والقربة؛ حثًا منه تعالى إلى اقتناصها، وتشمير ساعد الجد إلى العناية بها، وقد ذكر المؤلف وفقه اللَّه بعض الأوقات والأحوال والأماكن التي يستجاب فيها الدعاء، وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>١ - ليلة القدر</span>. قال اللَّه - ﷿ -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٢). فعن عائشة ﵂ قالت: «قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٢ - جوف الليل الآخر</span>.\n_________\n(١) انظر هذه الأوقات والأحوال والأماكن مع أدلتها بالتفصيل في الأصل، ٣/ ٩٧٥ - ١١١٧.\n(٢) سورة القدر، الآيات: ١ - ٥.\n(٣) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا قتيبة، ٥/ ٥٣٤، برقم ٣٥١٣، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٧٨٩.","vol":"1","page":69},{"text":"قال النبي - ﷺ -: «أقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» (١)، وهذا قربٌ خاص يقتضي الإجابة والإثابة والعناية. وعن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: قيل: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الدُّعاءِ أسْمَعُ؟ قال: «جَوفُ اللَّيلِ الآخِرُ، ودُبُرَ الصلواتِ المكتوباتِ» (٢).\nاعلم يا عبد اللَّه أن هذا الوقت هو أشرف الأوقات، حيث ينزل رب العالمين إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل [نزولًا يليق بجلاله؛ والنزول من صفاته الفعلية التي يفعلها إذا شاء]، قال النبي - ﷺ -: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (٣).\nقال ابن بطال ﵀: «هو وقت شريف، خصّه اللَّه تعالى [بالنزول فيه إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل]، فيتفضل - ﷾ - على عباده لإجابة دعائهم، وإعطاء سؤالهم، وغفران ذنوبهم،\n_________\n(١) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا قتيبة، ٥/ ٥٦٩، برقم ٣٥٧٩، سنن النسائي، كتاب المواقيت، باب النهي عن الصلاة بعد العصر، ١/ ٢٧٩، برقم ٥٧٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١١٥٨.\n(٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا قتيبة، ٥/ ٥٢٦، برقم ٣٤٩٩، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم ٩٦٨.\n(٣) البخاري، أبواب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، ٢/ ٥٣، برقم ١١٤٥، مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، ١/ ٥٢١، برقم ٧٥٨.","vol":"1","page":70},{"text":"وهو وقت غفلة وخلوة، واستغراق في النوم، واستلذاذ له، ومفارقة اللذة والدعة، صعب، ولا سيما أهل الرفاهية، وفي زمن البرد، وكذا أهل التعب، ولاسيما في قصر الليل، فمن آثر القيام لمناجاة ربه تعالى، والتضرع إليه مع ذلك، دلّ على خلوص نيته، وصحّة رغبته فيما عند اللَّه جل وعلا؛ فلذلك نبّه اللَّه عباده إلى الدعاء في هذا الوقت الذي تخلو فيه النفس من خواطر الدنيا، وعلقها، ليستشعر العبد الجد والإخلاص لربه» (١).\nوهذا الوقت الشريف يا عبد اللَّه قد أثنى ربك جل وعلا على المستغفرين به، قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْاسْحَارِ﴾ (٢)، قال القرطبي: «خصَّ السحر بالذكر؛ ... لأنه مظنة القبول، وقت إجابة الدعاء، وهو وقت التجليات الإلهية، وتنزل الفيوضات الربانية» (٣).\nوالاستغفار نوع من أنواع الدعاء؛ لأن الدعاء يعمُّ ما كان دفعًا للمضارِّ، أو جلبًا للمسارِّ، وذلك: إمّا ديني، أو دنيوي، والاستغفار من النوع الأول، وهو طلب دفع السوء والشرّ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٣ - دُبُر الصلوات المكتوبات</span>.\nكما في حديث أبي أمامة - ﵁ - حين سأل النبي - ﷺ -: أَيُّ الدُّعَاءِ\n_________\n(١) فتح الباري، ١١/ ١٣٣، وما بين المعقوفين من كلام المصحّح سعيد بن علي بن وهف.\n(٢) سورة آل عمران، الآية ١٧.\n(٣) تفسير القرطبي، ٤/ ٢٥.\n(٤) انظر: فتح الباري، ٣/ ٣١، ومجموع الفتاوى، ١٠/ ٢٣٩.","vol":"1","page":71},{"text":"أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» (١).\nاختلف أهل العلم في معنى «دبر»: هل هو آخر جزء من الصلاة، أي قبل السلام؛ لأن دبر كل شيء مؤخره؟، أو المراد به بعد انقضاء الصلاة، أي بعد السلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (٢).\nأو المراد مجموع الأمرين؟ ذهب شيخ الإسلام وابن القيم أنه آخر الصلاة بعد التشهد وقبل السلام، قال ابن القيم: ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام، فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه، كدبر الحيوان (٣).\nوقال شيخ الإسلام - ﵀ - عن حديث معاذ الذي قال فيه النبي - ﷺ - لمعاذ: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أُحِبُّكَ، قَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٤).\n_________\n(١) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا محمد بن يحيى، ٥/ ٥٢٦، برقم ٣٤٩٩، والنسائي في الكبرى، كتاب الأذان، ما يستحب من الدعاء دبر الصلوات المكتوبات، ٦/ ٣٢، برقم ٩٨٥٤، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٦٧.\n(٢) سورة ق، الآية: ٤٠.\n(٣) زاد المعاد، ١/ ٧٨.\n(٤) مسند أحمد، ٣٦/ ٤٢٩، برقم ٢٢١١٩، سنن أبي داود، كتاب الوتر، باب في الاستغفار، ١/ ٥٦١، برقم ١٥٢٤، المستدرك، ١/ ٢٧٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٣٦٢.","vol":"1","page":72},{"text":"يتناول ما قبل السلام، ويتناول ما بعده أيضًا (١).\nوالذي يظهر أنه يُراد به مجموعهما، فقد جاء عن النبي - ﷺ - أنه كان يدعو قبل السلام وبعد السلام، واليك الأدلة:\n١ - رغب النبي - ﷺ - بالذكر دبر كل صلاة، فقال: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً» الحديث (٢). والمراد بعد السلام إجماعًا، ... والذكر نوع من الدعاء.\n٢ - ثبت عنه - ﷺ - أنه دعا بعد الصلاة من ذلك، ففي حديث علي في صفة صلاة النبي - ﷺ - دعا: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، ...» (٣)، فقد جاء أنه دعا قبل السلام، وثبت أنه دعا بعد التسليم، وفيه: «فإذا سلم من الصلاة قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللَّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (٤).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٥٠٠.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته، ١/ ٤١٨، برقم ٥٩٦.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ١/ ٥٣٥، برقم ٧٧١.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد ومواقع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٣، ومسند أحمد، ٢/ ١٣٣، برقم ٧٢٩.","vol":"1","page":73},{"text":"ولفظ رواية الترمذي: «ويقول عند انصرافه من الصلاة» (١).\nولهذا قال ابن القيم: «ولعله كان يقوله في الموضعين» (٢).\nومن الأدعية عن أبي أيوب قال: ما صليت وراء نبيكم إلا سمعته حين ينصرف يقول: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ، وَذُنُوبِي كُلَّهَا ...» (٣).\nومن دعائه - ﷺ - بعد الصلاة: أن كعبًا - ﵁ - ذكر أن صهيبًا حدثه أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يقول عند انصرافه من الصلاة: «اللَّهمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي جَعَلْتَهُ لِي عِصْمَةَ أَمْرِي ...» (٤).\nوغيره من الأدعية، فدل على أن للدعاء بعد السلام موطنًا عظيمًا من مواطن الإجابة، واللَّه - ﷿ - أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٤ - بين الأذان والإقامة</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «إِنَّ الدُّعَاءَ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَادْعُوا» (٥).\n_________\n(١) سنن الترمذي/ ٥/ ٤٨٧، برقم ٣٤٢٣، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣٤٢٣، وصحيح أبي داود، ٧٢٩.\n(٢) زاد المعاد، ١/ ٧٦.\n(٣) رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة: الكبير، ٨/ ٢٢٧، ٤/ ٣٦٣، الصغير، ١/ ٣٦٥، وقال في مجمع الزوائد، ١٠/ ١١١: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وإسناده جيد».\n(٤) سنن النسائي، كتاب صفة الصلاة، نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة،\n٣/ ٧٣، برقم ١٣٤٦، صحيح ابن حبان، ٥/ ٣٧٣، صحيح ابن خزيمة، ١/ ٣٦٦، المعجم الأوسط للطبراني، ٧/ ١٤١، وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١٤٦، والألباني في ضعيف النسائي، برقم ١٣٤٦.\n(٥) مسند أحمد،٢٠/ ٤١، برقم ١٢٥٨٤، وهذا لفظه، وسنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب في العفو والعافية، ٥/ ٥٧٧، برقم ٣٥٩٥، دون لفظة: «فادعوا»، وهي مذكورة في مسند أبي يعلى، ٦/ ٣٥٣، برقم ٣٦٧٩، وصحح الشيخ الألباني لفظ الترمذي، في صحيح الترمذي، برقم ٢١٢، وفي صحيح الجامع، برقم ٣٤٠٨، وصحح لفظ أبي يعلى محققه حسين أسد.","vol":"1","page":74},{"text":"وهذا الوقت المبارك ينبغي أن يشغل بالدعاء عن غيره من العبادات، فـ «كثير من الناس يهملون الدعاء بين الأذان والإقامة، ويشتغلون بتلاوة القرآن، لا شك أنه عمل جليل، ولكن تلاوة القرآن لها وقت آخر، فكونك تستغل هذا الوقت بالدعاء والذكر أفضل؛ لأن الدعاء المقيد في وقته أفضل من الدعاء المطلق» (١)، [ويشرع له أيضًا أن يجمع بين ذلك كله فيدعو، ويقرأ، والحمد للَّه] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٥ - ساعة من كل ليلة</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» (٣).\nفينبغي للعبد أن يعتني بهذه البشارة الكريمة من النبي - ﷺ -، فإن العبد لا بد له من صحوة حال تقلبه بالليل، فليغتنم أن يدعو فيها.\n_________\n(١) تسهيل الإلمام بفقه الأحاديث من بلوغ المرام، للعلامة صالح الفوزان، ٦/ ٣٢٥.\n(٢) المصحح: سعيد بن علي بن وهف.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب في الليل ساعة مستجاب فيها الدعاء،\n١/ ٥٢١، برقم ٧٥٧.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>٦ - عند النداء للصلوات المكتوبة</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «ثِنْتَانِ لاَ تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ - الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُ بَعْضًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٧ - عند نزول الغيث</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «اُطْلُبُوا إجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَنُزُولِ الْغَيْثِ» (٢).\nوقال النبي - ﷺ -: «ثِنْتَانِ مَا تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَتَحْتَ المَطَرِ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>٨ - عند زحف الصفوف في سبيل اللَّه</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «ثِنْتَانِ لاَ تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ - الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُ بَعْضًا» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>٩ - ساعة من يوم الجمعة</span>.\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ -: ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب الدعاء عند اللقاء، ٢/ ٣٢٦، برقم ٢٥٤٢، والمستدرك، ٢/ ١١٣، والسنن الكبرى للبيهقي، ١/ ٤١٠، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٢٢١٥.\n(٢) الأم للشافعي، ١/ ٢٥٣، وحسّنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٦٩.\n(٣) المستدرك، ٢/ ١١٤، وصححه، ووافقه الذهبي، والطبراني في المعجم الكبير، ٦/ ١٣٥، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم ٣٠٧٨.\n(٤) سنن أبي داود، برقم ٢٥٤٢، وتقدم تخريجه قبل حديثين.","vol":"1","page":76},{"text":"سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». وأشار بِيَدِهِ يقللها (١).\nوعند مسلم: «وهي ساعة خفيفة»، وقوله: «وهي ساعة خفيفة»، وفي اللفظ الآخر: «أشار بيده يقللها» ترغيبًا فيها، وحضًا عليها؛ ليسارة وقتها، وغزارة فضلها، فإذا لم يعلم العبد وقت هذه الساعة، وكذا وقت ليلة القدر بالتحديد - بعثه ذلك على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بيَّن لاتّكل الناس على ذلك، وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها (٢).\nوقال النبي - ﷺ -: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ». يُرِيدُ سَاعَةً «لاَ يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ - ﷿ - شَيْئًا إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ - ﷿ -، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ» (٣).\nوجاء عنه - ﷺ -: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ» (٤).\nورجح ابن القيم ﵀ وغيره من أهل العلم: «أنّ الساعة\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة، ٢/ ٢١٣، برقم ٩٣٥، واللفظ له، ومسلم، كتاب الجمعة، باب في الساعة التي في يوم الجمعة، ٢/ ٥٨٤، برقم ٨٥٢.\n(٢) من كلام ابن المنير، نقلًا عن الفتح، ٢/ ٤٨٩.\n(٣) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الإجابة أية ساعة هي في يوم الجمعة، ١/ ٤٠٥، برقم ١٠٥٠، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٩٦٣.\n(٤) مسلم، كتاب الجمعة، باب في الساعة التي في يوم الجمعة، ٢/ ٥٨٤، برقم ٨٥٣.","vol":"1","page":77},{"text":"في يوم الجمعة هي بعد العصر» (١).\nوقال ابن القيم ﵀: «وعندي أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضًا، فكلاهما ساعة إجابة، وان كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة العصر» (٢).\nوالعبد يحرص على الدعاء في هذين الوقتين، وخاصة آخر العصر، واللَّه أعلم.\nوأرجح الأقوال فيها أنها آخر ساعة من ساعات العصر يوم الجمعة، وقد تكون ساعة الخطبة والصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>١٠ - عند شرب ماء زمزم مع النية الصادقة</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>١١ - في السجود</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (٤).\n_________\n(١) زاد المعاد، ٢/ ٣٨٨ - ٣٩٧.\n(٢) المصدر السابق نفسه، ٢/ ٣٩٤.\n(٣) مسند أحمد، ٢٣/ ١٤٠، برقم ١٤٨٤٩، والمستدرك، ١/ ٤٧٣، والسنن الكبرى للبيهقي، ٥/ ١٤٨، وقال عنه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، تحت الحديث رقم ٨٨٣: «إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات».\n(٤) مسلم، برقم ٤٨٢، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":78},{"text":"وقال النبي - ﷺ -: «وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهَدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (١).\nقوله: «فقمن»: أي حقيق وجدير أن يستجاب لكم، قال النووي ﵀: «فيه الحث على الدعاء في السجود، فيستحب أن يجمع في سجوده بين الدعاء والتسبيح» (٢)؛ لأن العبد يكون في غاية الذل والخضوع للَّه تعالى، وهذا قربٌ خاصٌّ يقتضي الإجابة والمعونة والتسديد كما سبق بيانه، حيث يضع أعز الأعضاء في الأرض للَّه تعالى ساجدًا خاشعًا، فهو موقف ذليل، بين يدي عزيز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>١٢ - عند الاستيقاظ من النوم ليلًا، والدعاء بالمأثور في ذلك</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «مَنْ تَعَارَّ (٣) مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، ١/ ٣٤٨، برقم ٤٧٩.\n(٢) شرح صحيح مسلم، ٤/ ٤٢٣.\n(٣) تعارّ: «هَبَّ من نومه واستَيْقَظ»، النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٥٠٥، وقال في موضع آخر، ٣/ ٤٣٤: «أي إذا اسْتَيْقَظ ولا يكونُ إلاَّ يَقَظةً مع كَلامٍ».","vol":"1","page":79},{"text":"وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ» (١).\nقال ابن بطال ﵀: «وعد اللَّه على لسان نبيه - ﷺ - أن من استيقظ من نومه لهجًا لسانه بتوحيد ربه، والإذعان له بالملك، والاعتراف بنعمه يحمده عليها، وينزهه عما لا يليق به، بتسبيحه والخضوع له بالتكبير والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه، أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلّى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به، ويخلص نيته لربه ـ» (٢).\nولا يخفى عليك يا عبد للَّه أهمية التوحيد، فإنه من أعظم الأسباب على الإطلاق في إجابة الدعاء، وقبول الأعمال، والفوز برضى الرحمن، ودخول أعلى الجنان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>١٣ - إذا نام على طهارة ثم استيقظ من الليل ودعا</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ طَاهِرًا، فَيَتَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ، فَيَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>١٤ - عند الدعاء بـ «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ </span>إِنِّي كُنْتُ\n_________\n(١) صحيح البخاري، أبواب التهجد، باب فضل من تعارّ من الليل فصلى، ٢/ ٥٤، برقم ١١٥٤.\n(٢) نقلًا عن فتح الباري، ٣/ ٥٠، طبعة الريان للتراث.\n(٣) مسند أحمد، ٣٦/ ٣٧٣، برقم ٢٢.٤٨، سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في النوم على طهارة، ٤/ ٤٧٠، برقم ٥٠٤٤، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٣٢٨٨.","vol":"1","page":80},{"text":"مِنَ الظَّالِمِينَ».\nقال النبي - ﷺ -: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ، إِذْ دَعَا وهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (٢).\nلأنها جمعت من كمال التوحيد:\n١ - الإقرار بوحدانية اللَّه ﵎.\n٢ - تنزيهه عن الظلم لكمال عدله وحكمته.\n٣ - الإقرار بالذنب.\n٤ - كمال الأد ب في السؤال؛ حيث لم يطلب من اللَّه تعالى بصيغة الطلب الصريحة، وإنما بالتعريض بالحال (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>١٥ - دعاء الناس عقب وفاة الميت</span>.\nعن أم سلمة ﵂ قالت: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ»، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ، فَإِنَّ\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ٨٧.\n(٢) مسند أحمد، ٣/ ٦٦، برقم ١٤٦٢، سنن الترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا محمد بن يحيى، ٥/ ٥٢٩، برقم ٣٥٠٥، المستدرك، ١/ ٥٠٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٦٨.\n(٣) انظر: الأدعية القرآنية، رقم ٢٧.","vol":"1","page":81},{"text":"الْمَلاَئِكَةَ يُؤْمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ». ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ،\nوَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>١٦ - الدعاء بعد الثناء على اللَّه والصلاة على النبي - ﷺ - في التشهّد الأخير:</span>\nوهو موطن عظيم من مواطن الإجابة، فقد كان النبي - ﷺ - يدعو ويستعيذ فيه في الأمور المهمة العظام، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «مَا صَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - أرْبَعًَا أوِ اثْنَتَيْنِ إلاَّ سَمِعْتُهُ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَسُوءِ الْمَحْيَا وَالمَمَاتِ» (٢).\nوفي رواية: «كَانَ - ﷺ - يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ» (٣).\nوالأحاديث في فعله - ﷺ - وإقراره كثيرة، فمنها:\nعن عبد اللَّه بن مسعود - ﷺ - قال: «كُنْتُ أُصَلِّي وَالنَّبِيُّ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ» (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حُضر، ٢/ ٦٣٤، برقم ٩٢٠.\n(٢) صحيح ابن حبان، ٣/ ٢٨٣، وصححه الأرنؤوط في تعليقه على الكتاب، وصححه الشيخ الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، على الحديث رقم ٩٩٨.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد مواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، ١/ ٤١٣، برقم ٥٩٠، موطأ مالك، ٢/ ٣٠١.\n(٤) سنن الترمذي، أبواب الدعاء، باب ما ذكر في الثناء على الله والصلاة على النبي - ﷺ - قبل الدعاء، ٢/ ٤٨٨، برقم ٥٩٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٥٩٣.","vol":"1","page":82},{"text":"ورواية أبي يعلى: «كنت في المسجد أُصلي، فدخل رسول اللَّه - ﷺ - ومعه أبو بكر وعمر، ... ثم دعوت لنفسي، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «سل تعط»، ثم قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًا فليقرأه كما يقرأ ابن أم عبد»، قال: فرجعت إلى منزلي، فأتاني أبو بكر فقال: هل تحفظ مما كنت تدعو شيئًا؟ قلت: نعم، اللَّهمَّ إني أسألك إيمانًا لا يَرتدُّ، ونعيمًا لا ينفد، ومرافقة نبينا محمد - ﷺ - في أعلى جنة الخلد، فأتى عمر عبد اللَّه ليبشره فوجد أبا بكر خارجًا قد سبقه، فقال: إن فعلت إنك لسبّاق بالخير» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>١٧ - عند دعاء اللَّه باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب</span>، وإذا سُئل به أعطى (٢).\nأخبر الصادق المصدوق - ﷺ - أن للَّه تعالى الاسم الأعظم، من دعا به أجابه تعالى، وأعطاه منواله، وقد جاءت عدة أحاديث، منها:\nسمع النبي - ﷺ - رجلًا يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ، الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ»، فَقَالَ: «قَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (٣).\n_________\n(١) مسند أبي يعلى، ١/ ٢٦، برقم ١٧، وقال عنه محققه حسين أسد: «إسناده حسن»، وانظر شرحه في الحديث رقم ١٢١.\n(٢) انظر اسم الله الأعظم في حديث رقم ٢٠٣، و١٠٤، و١٠٥ من هذا الكتاب.\n(٣) مسند أحمد، ٣٨/ ٦٤، برقم ٢٢٩٦٥، واللفظ له، والترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب جامع الدعوات عن النبي - ﷺ -، ٥/ ٥١٥، برقم ٣٤٧٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٦٣، برقم ٢٧٦٥.","vol":"1","page":83},{"text":"«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْمَنَّانُ، [يا] بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ» (١).\nقال النبي - ﷺ - عندما سمع رجلًا يصلي ويدعو بهذا الدعاء: «لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (٢). فاحرص عليهما في دعائك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>١٨ - دعاء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدعُو لأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ إلاَّ قَالَ المَلَكُ: وَلَكَ بِمثْلٍ»، وفي لفظ: «دَعوَةُ المَرءِ المُسْلِمِ لأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُستَجَابَةٌ، عِندَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأخِيهِ بخيرٍ قال المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمين، وَلَكَ بِمثْلِ» (٣).\nقال النووي ﵀: «بظهر الغيب»: أي في غيبته المدعو له وفي سره، لأنه أبلغ في الإخلاص، ولو دعا لجماعة من المسلمين\n_________\n(١) أبو داود في الوتر، باب الدعاء، ١/ ٥٥٤، برقم ١٤٩٧، والترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب حدثنا محمد بن حاتم، ٥/ ٥٣٩، برقم ٣٥٢٤، والنسائي في صفة الصلاة، باب الدعاء بعد الذكر، ٣/ ٥٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،\n٥/ ٢٣٣.\n(٢) أبو داود في الوتر، باب الدعاء، ١/ ٥٥٤، برقم ١٤٩٧. وانظر: تخريج الحديث السابق.\n(٣) مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب، ٤/ ٢٠٩٤، برقم ٢٧٣٣.","vol":"1","page":84},{"text":"حصلت هذه الفضيلة ولو دعا لجملة المسلمين، فالظاهر حصولها أيضًا، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة، لأنها تُستجاب ويحصل له مثلها» (١).\nقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «... فالملك يؤمّن على دعائك إذا دعوت لأخيك بظهر الغيب، ويقول: «لك بمثله، وهذا يدل على فضيلة هذا، لكن هذا فيمن لم يطلب منك أن تدعو له، أما من طلب منك أن تدعو له فدعوت له، فهذا كأنك شاهد، لأنه يسمع كلامك؛ لأنه هو الذي طلب منك، لكن إذا دعوت له بظهر الغيب بدون أن يخبرك، ويطلب منك فهذا هو الذي فيه الأجر، وفيه الفضل واللَّه الموفق» (٢).\nوهذه البشارة الجليلة من النعم العظيمة للداعي والمدعو له، فإن الداعي ينال الإجابة المتحققة له، وللمدعو له، والأجر والثواب العظيم لاتّباعه أمر الشارع، فاحرص على الدعاء لإخوانك المسلمين كي تنال هذه الفضائل الزكية في الدنيا والآخرة، ولا تنسَ أن يكون لك نصيبٌ من الدعاء للمستضعفين من المؤمنين كما كان من دعاء المصطفى - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ» (٣).\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم للنووي، ١٧/ ٤٩.\n(٢) شرح رياض الصالحين، ٤/ ٧٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، ٦/ ٤٨، برقم ٤٥٩٨، مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة، ١/ ٤٧٦، برقم ٦٧٥، وفي روايات في الصحيحين: (أنجِ) بالهمز.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>١٩ - دعاء يوم عرفة في عرفة</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>٢٠ - الدعاء في شهر رمضان</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ» (٢)، وفي لفظ لمسلم: «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>وفتح أبواب الجنة إيذان بقبول الدعاء والأعمال</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>٢١ - عند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر</span>.\nكما جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «إِنَّ للَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ ...»، وفي آخر الحديث يقول اللَّه - ﷿ -:\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب دعاء يوم عرفة، ٥/ ٥٧٢، برقم ٣٥٨٥، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٨٤، برقم ٢٨٣٧.\n(٢) البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ٤/ ١٢٣، برقم، ٣٢٧٧.\n(٣) مسلم، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، ٢/ ٧٥٨، برقم ١٠٧٩.","vol":"1","page":86},{"text":"«فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>٢٢ - عند الدعاء في المصيبة </span>بـ «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا».\nعن أم سلمة ﵂ أنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: مَا أَمَرَه اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>٢٣ - الدعاء حالة إقبال القلب على اللَّه، واشتداد الإخلاص</span>.\nفهو السبب الأعظم والأهم لإجابة الدعاء، فكلما اشتد الإخلاص، وإقبال القلب على اللَّه جل وعلا وحده، كانت الإجابة أرجى وأقرب للإجابة والقبول:\nقال الشوكاني - ﵀ -: «أقول: هذا الأدب هو أعظم الآداب في إجابة الدعاء، لأن الإخلاص هو الذي تدور عليه دوائر الإجابة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله - ﷿ -، ٨/ ٨٦، برقم ٦٤٠٨،واللفظ له، ومسلم، كتاب العلم، باب فضل مجالس الذكر، ٤/ ٢٠٦٩، برقم ٢٦٨٩.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة، ٢/ ٦٣١، برقم ٩١٨.","vol":"1","page":87},{"text":"الْكَافِرُونَ﴾ (١)، فمن دعا ربه غير مخلص، فهو حقيق ألا يجاب إلا أن يتفضل اللَّه عليه، وهو ذو الفضل العظيم» (٢).\nفحيثما وجد الإخلاص كانت الإجابة معه؛ وللإخلاص عند اللَّه تعالى موقع وذمة: وجد من مؤمن أو كافر، طائع، أو فاجر (٣). وهذا من كمال فضل اللَّه تعالى، وسعة عدله ورحمته حتى مع أشد أعدائه.\nوقد بيَّن اللَّه تعالى لنا في كتابه كيف أجاب دعاء الكافرين حال كربهم واضطرارهم، وذلك لشدة إخلاصهم وتعلق قلوبهم به، وإفراده بالدعاء والسؤال. قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٤)، فهو تعالى يعلم أنهم سيعودون إلى شركهم وكفرهم، فأجابهم لشدة ضرورتهم وإخلاصهم، فدلَّ على عظم هذا المطلب الجليل.\nوقد تقدَّم ما جاء في قصة أصحاب الغار.\nقال ابن عقيل - ﵀ -: «يقال: لا يُستجاب الدعاء بسرعة إلا لمخلص أو مظلوم» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>٢٤ - دعاء المظلوم على من ظلمه</span>.\n_________\n(١) سورة غافر، الآية: ١٤.\n(٢) تحفة الذاكرين، ص ٥٦.\n(٣) انظر: جامع أحكام القرآن، ١٣/ ٢٢٣.\n(٤) سورة العنكبوت، الآية: ٦٥.\n(٥) كتاب الفنون لابن عقيل، نقلًا من كتاب الدعاء، د. محمد الحمد، ص ٨٥.","vol":"1","page":88},{"text":"قال النبي - ﷺ - لمعاذ بن جبل - ﵁ - عندما بعثه إلى اليمن: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (١).\nوقال النبي - ﷺ -: «دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ» (٢)، وقال: «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ» (٣).\nوقال النبي - ﷺ -: «ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: ... وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ - ﷿ -: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (٤).\nلأنه ﵎ من كمال عدله أنه حرَّم الظلم على نفسه، وحرمه على عباده، والظلم محرم حتى مع الكافر والفاجر، قال النووي ﵀ عن معنى: «فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب»: «أي\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم، ٣/ ١٢٩، برقم ٢٤٤٨، مسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، ١/ ٥٠، برقم ٩١.\n(٢) مسند أحمد، ١٤/ ٣٩٨، برقم ٨٧٩٥، وسند الطيالسي، برقم ٢٤٥٠، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٧٦٧.\n(٣) مسند أحمد، ٢٠/ ٢٢، برقم ١٢٥٤٩، والأحاديث المختارة للضياء محمد بن عبد الواحد بن أحمد الحنبلي المقدسي، ٣/ ١٨٢، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب،\n١/ ٢٦٠.\n(٤) مسند أحمد ١٣/ ٤١٠، برقم ٨٠٤٣، بلفظه، والترمذي، كتاب صفة الجنة عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها، ٤/ ٦٧٣، برقم ٢٥٢٦، وابن ماجه، كتاب الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته، ١/ ٥٥٧، برقم ١٧٥٢، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٦٩٢ - ٦٩٣.","vol":"1","page":89},{"text":"أنها مسموعة لا ترد» (١).\nوقال ابن حجر: «أي ليس لها صارف يصرفها ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>٢٥ - دعاء الوالد لولده، وعلى ولده</span>.\nفإن من عظم حق الوالد على ولده أنّ اللَّه تعالى بحكمته قد جعل دعاءه له مستجابًا، قال النبي - ﷺ -: «ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ لاَ تُرَدُّ دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ» (٣).\nوكذلك مستجابة إذا دعا عليه، قال - ﷺ -: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» (٤).\nفلخطورة هذا الأمر ينبغي للوالد أن يعوّد نفسه الدعاء لولده بالصلاح، والخير، والتوفيق، والسداد، وأن يكتم غيظه قدر ما أمكن، فإن في ساعة الغضب تخرج دعوات لا يُؤمن شرُّها.\nفليتأس بدعوات الأنبياء والصالحين لذرياتهم، فمن دعوات\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١/ ١٩٧.\n(٢) فتح الباري، ٣/ ٤٢٢.\n(٣) السنن الكبرى للبيهقي، ٣/ ٣٤٥، والضياء في المختارة، ٢/ ٤٢٦، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٧٩٧.\n(٤) مسند أحمد، ١٢/ ٤٧٩، برقم ٧٥١٠، الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في دعوة الوالدين، ٤/ ٣١٤، برقم ١٩٠٥، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب دعوة الوالد ودعوة المظلوم، ٢/ ١٢٧٠، برقم ٣٨٦٢، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٧٤١، وصحيح ابن ماجه، برقم ٣١١٥.","vol":"1","page":90},{"text":"إبراهيم - ﵇ -: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾ (١)، ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ (٢)، وعباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>٢٦ - دعاء المسافر</span>.\nكما في الحديث السابق: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ»\nلما كان السفر قطعة من العذاب كما قال النبي - ﷺ -: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» (٤).\nوانفراده عن الصديق والحميم والأهل فينشأ عن ذلك انكسار النفس الذي من أعظم أسباب إجابة الدعاء، وهو حقيقة العبودية والذل والافتقار إلى اللَّه ﵎، ويخلص العبد في ذلك للَّه تعالى، واللَّه تعالى لسعة كرمه ورحمته بعباده، يجيب دعاءه لمن هذه حاله، ومتى طال السفر كان أقرب إلى الإجابة.\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ٤٠.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٣٥.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٧٤.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب العمرة، باب السفر قطعة من العذاب، ٣/ ٨، برقم ١٨٠٤، صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب السفر قطعة من العذاب واستحباب تعجيل المسافر إلى أهله، بعد قضاء شغله، ٣/ ١٥٢٦، برقم ١٩٢٧.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>٢٧ - دعاء الصائم حتى يُفطر</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهم: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرُ، والإِمَامُ العادلُ، ودعوةُ المَظْلُومِ، يَرْفَعُها اللهُ فوقَ الغَمَامِ، ويَفْتَحُ لها أَبْوَابُ السماء، ويقول الرَّبُّ: وعِزَّتي لأنصُرَنَّكِ وَلَو بَعدَ حِينٍ» (١).\nقال الحكيم الترمذي: «... فالصوم منع النفس عن الشهوات، وإذا ترك شهوته من أجله [اللَّه] صفا قلبه، وصارت دعوته بقلب فارغ، قد زايلته ظلمة الشهوات، وتولته الأنوار، فاستجيب له ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>٢٨ - دعاء الصائم عند فطره</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَة مَا تُرَدُّ» (٣).\nوهذه مزية ومنقبة عظيمة للصائم، فينبغي له أن يشغل حال صومه بالدعاء، قال النووي ﵀: «يُستحب للصائم أن يدعو في حال صومه بمهمات الآخرة والدنيا له وللمسلمين»، ثم (ذكر\n_________\n(١) سنن الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله - ﷺ -، باب في العفو والعافية، ٥/ ٥٧٨، برقم ٣٥٩٨، سنن ابن ماجه، كتاب الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته، ١/ ٥٥٧، برقم ١٧٥٢، صحيح ابن خزيمة، ٣/ ١٩٩، برقم ١٩٠١، وقال الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه،\n١/ ٢٩٢: «ضعيف ... وصح منه شطره الأول لكن بلفظ المسافر، وفي رواية الوالد مكان الإمام، سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥٩٦ - ٧٩٧، التعليق على ابن خزيمة ١٩٠١.\n(٢) نوادر الأصول، ١/ ٤٥١.\n(٣) سنن ابن ماجه، كتاب الصيام، باب في الصائم دعوة لا ترد، ١/ ٥٥٧، والمستدرك،\n١/ ٤٢١، برقم ١٧٥٣، شعب الإيمان للبيهقي، ٣/ ٤٠٧، وابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم ٤٨٠، وحسّنه الحافظ ابن حجر كما ذكر ذلك ابن علان صاحب الفتوحات الربانية، ٤/ ٣٤٢.","vol":"1","page":92},{"text":"الحديث) ثم قال: فيقتضي باستحباب دعاء الصائم من أول اليوم إلى آخره؛ لأنه يسمى صائمًا في ذلك» (١).\nوالصوم هنا يعم الفرض والنفل؛ لأنه - ﷺ - أطلق الصائم، ولم يقيده بوصف، والأصل بقاء الإطلاق على إطلاقه، وقد جعل اللَّه - آية الدعاء وسط آيات الصوم إرشادًا إلى الاجتهاد في الدعاء، والسبب أن الصوم من أخلص العبادات للَّه تعالى، وهو سر بين العبد وربه - ﷿ -، فكان جزاؤه الإجابة والقبول جزاء وفاقًا.\n\n٢٩ - دعاء المضطرّ.\nقال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢)، قال النبي - ﷺ -: «أدْعُوكَ إِلَى اللهِ - ﷿ - وَحْدَهُ الَّذِي إِذَا مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَ عَنْكَ ...» (٣).\nوالمضطر: «المكروب المجهود» (٤)، وهو الذي انقطعت به السبل، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فيلجأ إلى اللَّه تعالى باضطراره، واللَّه ﵎ يجيب المضطر إذا دعاه، ولو كان\nمشركًا لكمال عدله، وفضله، وسعة رحمته جل وعلا، فكيف\n_________\n(١) المجموع، ٦/ ٢٧٥.\n(٢) سورة النمل، الآية: ٦٢.\n(٣) مسند أحمد، ٣٤/ ٢٣٩، برقم ٢٠٦٣٦، شعب الإيمان للبيهقي، ٨/ ٢٢٤، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٤٢٠.\n(٤) تفسير البغوي، ٦/ ١٧.","vol":"1","page":93},{"text":"بالمؤمن الموحِّد للَّه تعالى؛ ولهذا ينبغي للمضطر ألا يذهل عن الدعاء في حال الاضطرار، فإنه مستجاب بالحال بوعد حق صادق من رب العالمين.\nجاء رجل إلى مالك بن دينار فقال له: إني أسألك باللَّه أن تدعو لي فأنا مضطر، فقال: إذًا فاسأله أنت، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه (١).\nقال القرطبي ﵀: «ضمن اللَّه تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجأ ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده - موقع وذمة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر» (٢). ومن أقوى الأدلة وأبينها في أنّ اللَّه تعالى يجيب دعاء المضطر في الحال: دعاء يونس - ﵇ -، وأصحاب الصخرة الثلاثة في الغار.\nوذكر بعض أهل العلم صفة المضطر: كالغريق، أو المعطل في مفازة وقد أشرف على الهلاك، فكل من كان صاحبه مضطرًا لا بد له أن يدعو لأجله (٣).\n- دعاء الذاكر اللَّه كثيرًا:\nقال النبي - ﷺ -: «ثَلَاثَةٌ لَا يُرَدُّ دُعَاؤُهُم: الذَّاكِرُون اللهَ كَثِيرًا، وَدَعْوَةُ\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي، ١٣/ ٢٢٣.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن، ١٣/ ٢٢٣.\n(٣) الدعاء المأثور، ص ٧١، والأزهية، ص ١٣٤.","vol":"1","page":94},{"text":"الْمَظْلُومِ، وَالْإِمَامُ الْمُقْسِطُ» (١)؛ لأنّ الذاكر معلق قلبه ولسانه في ذكر اللَّه تعالى، في ليله ونهاره، في سفره وحضره، فهو مع معية اللَّه ﵎ له حال ذكره، التي تقتضي الإجابة، والعناية والولاية، قال اللَّه - ﷿ - في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي» (٢)، ومن كمال عدل اللَّه - ﷿ - وفضله أن جعل قاعدة عظيمة في الجزاء والبلاء في الدنيا والآخرة: «الجزاء من جنس العمل»، فمن ذكر اللَّه تعالى في كل أحواله، جازاه اللَّه تعالى بالاستجابة حال دعائه، فإذا أردت أن تكون مجاب الدعوة، فالزم هذا المقام العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>٣٠ - دعاء الإمام العادل</span>.\nقال النبي - ﷺ -: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>٣١ - دعاء الولد البار بوالديه</span>.\nأخبر النبي - ﷺ - أنّ من النعم على الوالدين أن يرزقا بولد صالح يكون سببًا للدعاء لهما بعد موتهما. قال - ﷺ -: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقةٍ جَاريَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ\n_________\n(١) شعب الإيمان للبيهقي، ٢/ ١٠٥، وحسنه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٢١١، برقم ١٢١١.\n(٢) مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى، ٤/ ٢٠٦٧، برقم ٢٦٧٥.\n(٣) سنن الترمذي، برقم ٢٥٢٦، مسند أحمد، ١٣/ ٤١٠، برقم ٨٠٤٣، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":95},{"text":"صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «تُرْفَعُ لِلْمَيِتِ بَعْدَ مَوْتِهِ دَرَجَتُهُ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَيُّ شَيْءٍ هَذَهِ؟ فَيُقَالُ: وَلَدُكَ اسْتَغْفَرَ لَكَ» (٢).\nوفي هذا حث للوالدين على إصلاح ولدهما حال حياتهما، وتربيته على أحسن الأعمال، ووصيتهما له بالدعاء لهما بعد موتهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>٣٢ - الدعاء عقب الوضوء إذا دعا بالمأثور في ذلك</span>.\nفقد جاء عن رسول اللَّه - ﷺ - أنه قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ (أوْ فَيُسْبِغُ) الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>٣٣ - ٣٤ - الدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى. والوسطى:</span>\n«كَانَ [النبيُّ - ﷺ -] إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الْوُقُوفَ، ثُمَّ يَأْتِي\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، ٣/ ١٢٥٥، برقم ١٦٣١.\n(٢) الأدب المفرد للبخاري، ص ٢٨، برقم ٣٦، وحسّن إسناده العلامة الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٢٧.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، ١/ ٢٠٩، برقم ٢٣٤.","vol":"1","page":96},{"text":"الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمَّا يَلِي الْوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» (١).\n- ولا شك أن الدعاء في مكة له ميزة؛ لحديث:\nعبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ» (٢).\nففي الحديث تعظيم الدعاء بمكة عند الكفار، وما زادت عند المسلمين إلا تعظيمًا (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>٣٥ - الدعاء داخل الكعبة، ومن صلى داخل الحِجْر فهو من البيت</span>.\nعن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: «أَنَّ النبي - ﷺ - لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا» (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، بَاب رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ جَمْرَةِ الدُّنْيَا وَالْوُسْطَى، ٢/ ١٧٨، برقم ١٧٥٢.\n(٢) البخاري، كتاب الوضوء، بَاب إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْمُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ، ١/ ٥٧، برقم ٢٤٠.\n(٣) فتح الباري، ١/ ٤١٩.\n(٤) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره والصلاة فيها والدعاء في نواحيها كلها، ٢/ ٩٦٨، برقم ١٣٣٠.","vol":"1","page":97},{"text":"وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْبَيْتَ هوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلاَلٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِم، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ في أَوَّلِ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلاَلًا، فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» (١).\nوعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ الْجَدْرِ (٢): أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ» (٣)، «ومن دعا داخل الحجر، فقد دعا داخل الكعبة لأن الحجر من البيت لما سبق من الأحاديث» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>٣٦ - الدعاء على الصفا:</span>\nكما في حديث جابر - ﵁ - في صفة حجة النبي - ﷺ -، وفيه: «فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فاستقبل القبلة، فوحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرهُ، وَقَالَ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحج، بَابُ إِغْلَاقِ الْبَيْتِ وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ، ٢/ ١٤٩، برقم ١٥٩٨، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره والصلاة فيها والدعاء في نواحيها كلها، ٢/ ٩٦٧، برقم ١٣٢٩.\n(٢) الجدر: حجر الكعبة المعروف.\n(٣) البخاري، كتاب الحج بَابُ فَضْلِ مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا، ٢/ ١٤٥، برقم ١٥٨٤.\n(٤) شروط الدعاء للمؤلف، ص ٩٣.","vol":"1","page":98},{"text":"ثَلاَثَ\nمَرَّاتٍ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٣٧ - الدعاء على المروة</span>.\nففعل النبي - ﷺ - على المروة كما فعل على الصفا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>٣٨ - الدعاء عند المشعر الحرام</span>.\nقال جابر - ﵁ - عن حجة النبي - ﷺ -: «ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقبلَ القِبْلَةً، فَدعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ، ووَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (٣).\n- وإذا كان الدعاء في المساجد، كان لذلك فضيلة على غيرها من البقاع؛ لأن المساجد أحبُّ البقاع إلى اللَّه تعالى.\nقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤). أمر اللَّه ﵎ نبيه والمؤمنين أن يخلصوا للَّه تعالى الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها (٥).\nوتخصيص الدعاء بالمساجد يدل على أن الدعاء فيها أفضل وأجوب من الدعاء في غيرها، وكلما فضل المسجد كالمساجد\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، ٢/ ٨٨٨، برقم ١٢١٨.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، ٢/ ٨٩١، برقم ١٢١٨.\n(٤) سورة الجن، الآية: ١٨.\n(٥) تفسير القرطبي، ١٩/ ١٦.","vol":"1","page":99},{"text":"الثلاثة كانت الصلاة والدعاء فيه أفضل (١).\n«والمؤمن يدعو ربه دائمًا أينما كان: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢)، ولكن هذه الأوقات، والأحوال، والأماكن تُخَصُّ بمزيد عناية» (٣).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، ٢٧/ ١٣٠، وانظر: الدعاء وأحكامه الفقهية، ٢/ ٦٨٥.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.\n(٣) كلام المؤلف حفظه الله تعالى، ووفقه لكل خير.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الدعاء من الكتاب والسنة</span>\nالحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>١ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * </span>الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١).\nبدأ المؤلف حفظه اللَّه تعالى بحمد اللَّه تعالى، والصلاة على النبي - ﷺ - قبل الدعاء من الكتاب؛ لأن هذا هو الأدب الجميل الذي ينبغي للداعي أن يبدأ به كما تقدم في آداب الدعاء التي ذكرها المؤلف (٢).\nوأوّل هذه الأدعية الكريمة في كتاب ربنا - ﷻ - في أعظم سورة من سور القرآن الكريم، وهي الفاتحة، التي سماها النبي - ﷺ - «أم القرآن»؛ حيث قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ: أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي» (٣)، وفي لفظ: «أُمُّ الْقُرْآنِ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ\n_________\n(١) سورة الفاتحة، الآيات ١ - ٧.\n(٢) انظر هذه الآداب في الأصل رقم (٢).\n(٣) مسند أحمد، ١٥/ ٤٩١، برقم ٩٧٩٠، وسنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الحجر، ٥/ ٢٩٧، برقم ٣١٢٤، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٣١.","vol":"1","page":101},{"text":"الْعَظِيمُ» (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-133>هي أعظم سورة كما أخبر الصادق المصدوق </span>- ﷺ - لأبي سعيد بن المعلى - ﵁ -: «لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ... ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» (٢).\nوجاء في فضلها كذلك أنه - ﷺ - قال: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (٣).\nوقد أخبر النبي - ﷺ - أن ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هي آية من آياتها، حيث قال: «إِذَا قَرَأْتُمُ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاقْرَءُوا (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَ(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إِحْدَاهَا» (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب التفسير، بَاب قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾،\n٦/ ٨١، برقم ٤٧٠٣.\n(٢) البخاري، كتاب التفسير، بَاب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، ٦/ ١٧، برقم ٤٤٧٤.\n(٣) مسند أحمد، ٣٥/ ١٩، برقم ٢١٠٩٤، سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - ﷺ -، باب ومن سورة الحجر، ٥/ ٢٩٧، برقم ٣١٢٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٣٤٤.\n(٤) أخرجه الدارقطني، برقم ١١٨، السنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٤٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ١٧٩، برقم ١١٨٣.","vol":"1","page":102},{"text":"وسُمِّيت هذه السورة الجليلة بـ (أم القرآن)؛ لأنها شملت كل أنواع التوحيد الثلاثة: من «معرفة الذات، والصفات، والأفعال، وإثبات الشرع، والقدر، والمعاد، وتجريد توحيد الربوبية والإلهية، والتوكل، والتفويض» (١)، واشتملت كذلك على «أنفع الدعاء، وأعظمه، وأحكمه» (٢)، وهو طلب الهداية التي هي أصل السعادة والفلاح في الدارين.\nقول تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: «الجار والمجرور متعلق بمحذوف؛ وهذا المحذوف يُقَدَّر فعلًا متأخِّرًا مناسبًا؛ فإذا قلت: «باسم اللَّه»، وأنت تريد أن تأكل، تقدر الفعل: «باسم اللَّه آكل»\nقلنا: إنه يجب أن يكون متعلقًا بمحذوف؛ لأن الجار والمجرور معمولان؛ ولا بد لكل معمول من عامل. وقدرناه متأخرًا لفائدتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>الفائدة الأولى: التبرُّك بتقديم اسم اللَّه - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>والفائدة الثانية: الحصر</span>؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركًا به، ومستعينًا به، إلا باسم اللَّه - ﷿ - ...» (٣). «أي: أبتدئ بكل اسم للَّه تعالى؛ لأنّ لفظ (اسم) مفرد\n_________\n(١) الضوء المنير على التفسير لابن القيم، ١/ ٢٣.\n(٢) مجموع الفتاوى، ١٤/ ٣٢٠.\n(٣) شرح سورة الفاتحة للعلامة ابن عثيمين ﵀، ١/ ٤.","vol":"1","page":103},{"text":"مضاف، فيعمّ جميع الأسماء الحسنى» (١).\n(اللَّه): هذا الاسم الجليل هو أعظم الأسماء الحسنى، وأعلاها، تفرّد به ﵎، وقد قبض اللَّه تعالى أفئدة الجاهلين، وألسنتهم على التسمّي به، من غير مانع، ولا وازع (٢)، فلم يتجاسر أحد على التسمي به.\n«فعلم أن اسمه (اللَّه) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دالٌّ عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم اللَّه، واسم اللَّه دالٌّ على كونه مألوهًا معبودًا، تألهه الخلائق محبةً وتعظيمًا وخضوعًا وفزعًا» (٣). وقد ذكر هذا الاسم في القرآن (٢٧٢٤) مرة (٤).\nولهذا عدّ جمعٌ من أهل العلم أنه اسم اللَّه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى (٥).\nوأصله: من (الإله): «والإله في لغة العرب: أطلق لمعانٍ أربعة، وهي: المعبود، والملجأ، والمفزوع إليه، والمحبوب حبًا عظيمًا» (٦).\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي، ص ٢٧.\n(٢) الأسنى للقرطبي، ص ٣٤٨.\n(٣) انظر: مدارج السالكين، ١/ ٣٢.\n(٤) أسماء اللَّه الحسنى، د. عمر الأشقر، ص ٣٣.\n(٥) انظر: اسم الله الأعظم، د. عبد الله الدميجي، ص ١٣٠.\n(٦) منهج جديد لدراسة التوحيد، ص ١٥.","vol":"1","page":104},{"text":"و﴿الرَّحْمَن، الرَّحِيم﴾: اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة، التي وسعت كل شيء، وعمَّت كل حيٍّ، و﴿الرَّحمن﴾: أشد مبالغة من ﴿الرَّحيم﴾؛ لأن بناء فعلان أشد مبالغة من فعيل (١).\n«وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿الحمد﴾ وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم: الكمال الذاتي، والوصفي، والفعلي؛ فهو كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله، ولا بدّ من قيد وهو «المحبّة، والتعظيم»؛ قال أهل العلم: لأن مجرد وصفه بالكمال دون محبة، ولا تعظيم: لا يسمّى حمدًا؛ وإنّما يُسمّى مدحًا؛ ... و(أل) في ﴿الحمد﴾ للاستغراق: أي استغراق جميع المحامد.\nوقوله تعالى: ﴿للَّه﴾: اللام للاختصاص، والاستحقاق» (٢).\nوقوله تعالى: ﴿ربِّ الْعَالَمِينَ﴾: الرب يطلق على: المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيّم، والمُنعم، ولا يُطلق غير مضاف إلاَّ على اللَّه ﵎ (٣).\nو﴿العالمين﴾: ... هو كلّ ما سوى اللَّه تعالى، فهو من العالَم؛\n_________\n(١) البدائع والفوائد، ١/ ٢٤.\n(٢) تفسير الفاتحة للعلامة ابن عثيمين، ١/ ٩.\n(٣) النهاية، ٢/ ١٧٩، والمفردات، ص ١٨٤.","vol":"1","page":105},{"text":"وُصفوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم - (١). والعوالم كثيرة: كعالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الملائكة، وعالم الطير، وعالم الدوّاب، وغيرها الكثير ما علمنا منها، وما لم نعلم، وقد ثبت في الحديث القدسي الجليل أن اللَّه ﵎ يقول: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قاَلَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي ...» (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: الملك: احتواء الشيء والقدرة على الاستبدادية، النافذ الأمر في ملكه، المتصرف فيه كيف يشاء (٣).\nو﴿الدين﴾: الجزاء والحساب.\nوقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: جاء في الحديث القدسي السابق الذكر: «فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (٤).\n_________\n(١) تفسير الفاتحة لابن عثيمين، ١/ ١٠.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها ١/ ٢٩٥، برقم ٣٩٦.\n(٣) لسان العرب، ٦/ ٤٢٦٦، والنهاية، ٤/ ٣٥٢.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، ١/ ٢٩٦، برقم ٣٩٥.","vol":"1","page":106},{"text":"وقوله: ﴿إياك﴾: «مفعول به مقدَّم، وعامله: ﴿نعبد﴾؛ وقُدِّم على عامله لإفادة الحصر؛ فمعناه: لا نعبد إلا إياك» (١).\nوالعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه تعالى ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة، والباطنة، والاستعانة: طلب العون، وهي الاعتماد على اللَّه تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار مع اليقين في تحصيل ذلك (٢).\nفينبغي للعبد حينما يقرأ هذه الآية أن يستحضر أنه يخص ربَّه - ﷿ - بالعبادة والاستعانة في كل أموره وأحواله فلا غنى للعبد عن ربه تعالى طرفة عين.\nثم شرع في سؤال أجلِّ المطالب، وأشرف المواهب، وهو سؤال اللَّه تعالى الهداية؛ فإن هذا الطلب أنفع الدعاء، وأعظمه، وأحكمه، وحاجة الناس إليه أعظم من حاجتهم إلى سائر الأدعية، ولهذا أُمر به كل مسلم أن يدعو به في كل ركعة من الصلاة، سبع عشرة مرة فرضًا، ولم يكن لأي دعاء آخر مثله.\n\nوقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾:<span data-type=\"title\" id=toc-136> الهداية هي الدلالة</span>\n_________\n(١) تفسير سورة الفاتحة لابن عثيمين، ١/ ١٣.\n(٢) انظر: العبودية، ص ٨٠، والقواعد الحسان، ص ١٥٥.","vol":"1","page":107},{"text":"والإرشاد (١)، وهي نوعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>١ - هداية دلالة وإرشاد وعلم</span>، وهذه الدلالة التي يملكها الرسل، والعلماء والدعاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>٢ - هداية دلالة توفيق وعمل</span>، التي لا يملكها إلا ربّ العزة والجلال، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) (٣).\nفالعبد حينما يدعو بهذا الدعاء العظيم ينبغي له أن يستحضر هذا المطلب العظيم، وما دلّ عليه من معانٍ جليلة، فيقول: أي يا ربنا دلّنا وأرشدنا، ووفقنا إلى التمسك بصراطك المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، الموصل إلى دارك جنات النعيم، فإن من ثبت عليه في الدنيا، ثبت «قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط» (٤).\nوقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: فيه توسل إلى اللَّه تعالى بنعمه، وإحسانه إلى من أنعم اللَّه عليه، وإحسانه إلى من أنعم عليه بالهداية، وهذا من التوسلات الجليلة (٥)، التي يحسن بالداعي\n_________\n(١) المفردات للراغب، ص ٥٣٦.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٥٦.\n(٣) بدائع الفوائد، ص ٣٣٠ - ٣٣٣.\n(٤) انظر: مدارج السالكين، ١/ ٥٢، وتفسير الفاتحة للعلامة ابن عثيمين، ١/ ١٦.\n(٥) الضوء المنير على التفسير، ١/ ٤٠.","vol":"1","page":108},{"text":"الاعتناء بها حال دعائه، أي أن الداعي يقول: «قد أنعمت بالهداية على من هديت، وكان ذلك نعمة منك، فاجعل لي نصيبًا من هذه النعمة، واجعلني واحدًا من هؤلاء المنعم عليهم، فهو توسّل إلى اللَّه بإحسانه ... ولما كان سؤال اللَّه الهداية إلى الصراط المستقيم، أجلّ المطالب، ونيله أشرف المواهب: علّم اللَّه عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده، والثناء عليه، وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء» (١).\nوقوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقد فسّر - ﷺ - ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، قال: «هم اليهود»، و﴿الضَّالِّينَ﴾، قال: «النصارى»، «فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضُلاَّل» (٣).\nويدخل في المغضوب عليهم: «كل من علم بالحق ولم يعمل\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ١٣٠.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٦٩.\n(٣) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة فاتحة الكتاب، برقم ٢٩٥٣، ورقم ٢٩٥٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٣٢٦٣.","vol":"1","page":109},{"text":"به» (١).\nوكذلك يدخل في الضالين: «كل من عمل بغير الحق جاهلًا به» (٢).\nفقد جاء في الحديث القدسي أن اللَّه تعالى يقول: «... فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٣)،قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (٤).\n«ويستحب كذلك [التأمين] لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي، وسواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، وفي جميع الأحوال؛ لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «إذَا أمَّنَ الإمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٥» (٦).\nومعنى «آمين»: قال الجوهري: «معنى آمين: كذلك فليكن، وقال الترمذي: معناه: لا تُخَيِّبْ رجَاءَنا. وقال الأكثرون: معناه:\n_________\n(١) تفسير سورة البقرة لابن عثيمين، ١/ ١٧.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) سورة الفاتحة، الآيتان: ٦ - ٧.\n(٤) صحيح مسلم، برقم ٣٩٥، وتقدم تخريجه.\n(٥) البخاري، كتاب الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين، ١/ ١٥٦، برقم ٧٨٠. ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين، ١/ ٣٩٧، برقم ٤١٠.\n(٦) تفسير ابن كثير، ١/ ٦٤.","vol":"1","page":110},{"text":"اللَّهُمَّ استَجِبْ لَنَا» (١).\nفاحرص يا عبد اللَّه أن تؤمِّن في دعائك حينما تقرأ هذه السورة العظيمة؛ فإن «التأمين طلب الإجابة من الرب سبحانه، واستنجازها فهو تأكيد لما تقدم من الدعاء وتكرير له» (٢).\nوأختم بكلام نفيس لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في أهمية تدبر وتأمل ما جاء في هذه السورة الجليلة «فإذا تأمل العبد هذا، وعلم أنها نصفان: نصف للَّه تعالى، وهو أولها إلى قوله: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ونصف للعبد دعاء يدعو به لنفسه، وتأمل أن الذي علّمه هذا هو اللَّه تعالى، وأمره أن يدعو به، ويكرره في كل ركعة، وأنه سبحانه من فضله وكرمه، ضمن إجابة هذا الدعاء إذا دعاه، وأخلص، وحضور قلب تبيّن له ما أضاع أكثر الناس» (٣).\nويقول ﵀ فيما ينبغي للمعلم أن يعلمه: «ومن أعظم ما تنبهه عليه: التضرع عند اللَّه، والنصيحة، وإحضار القلب في دعاء الفاتحة إذا صلَّى» (٤). وإذا أردت يا عبد اللَّه أن تقتطف من ثمار هذه السورة الكريمة، فاستحضر كل كلمة تقرؤها، وما دلّت عليه من معنى، وكذلك فاجعل الحديث القدسي السابق الذكر مرآة أمام\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) تحفة الذاكرين، ص ٣٨.\n(٣) الدرر السنية، ١٠/ ٢٨.\n(٤) المصدر السابق، ١/ ١١٥.","vol":"1","page":111},{"text":"عينك، واستحضر كلام الرب - ﷿ - بكل يقين إذا ما قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال لك الرّبُّ - ﷿ -: «حمدني عبدي»، وهكذا، فإنه سوف يفتح عليك بابًا عظيمًا من لذة القلب، وبرد اليقين، وانشراح الصدر، والسكينة، والطمأنينة، والتوفيق إلى الإحسان، المؤذن للإجابة والقبول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>تضمنت هذه الدعوات المباركات جملًا عديدة من الفوائد، منها:</span>\n١ - افتقار كل العباد إلى طلب الهداية من اللَّه - ﷻ -، حتى الأنبياء والرسل.\n٢ - «بلاغة القرآن»؛ حيث حذف حرف الجر من «اهدنا»، والفائدة من ذلك: لأجل أن تتضمن طلب الهداية التي هي هداية العلم، وهداية التوفيق» (١).\n٣ - «إسناد النعمة إلى اللَّه تعالى وحده في هداية الذين أنعم اللَّه عليهم؛ لأنها فضل محض من اللَّه ﵎» (٢).\n٤ - إن سؤال اللَّه ﵎ الهداية هو أجلّ المطالب، ونيله أشرف المواهب، الذي لم يُعطَ أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه.\n٥ - أنه كلما أكثر الداعي من أنواع التوسل إلى اللَّه تعالى كان أرجى له في قبول دعائه.\n_________\n(١) تفسير سورة الفاتحة للعلامة ابن عثيمين، ١/ ١٦.\n(٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":112},{"text":"٦ - جمعت في هذه السورة العظيمة جملًا من أنواع التوسل:\n\nأ - توسّلٌ إلى اللَّه تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا: (اللَّه، الرب، الرحمن، الرحيم، مالك يوم الدين والهداية إلى الصراط المستقيم).\nب - وتوسلٌ بالعمل الصالح: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>جـ- توسل إليه تعالى بنعمه وإحسانه: </span>﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾ وهذه الوسيلة الجليلة لا يكاد يرد معها الدعاء.\n٧ - عَلَّم اللَّه تعالى في هذه السورة الكريمة كيفية دعائه وذلك أن يقدم الداعي:\nأ-حمده.\nب - والثناء عليه وتمجيده.\nجـ- ذكر أسماء حسنى تناسب المطلوب.\nد- توحيده وإخلاص العبودية له.\nهـ- التأمين بعد الدعاء. فاجتمع جُلّ شروط الدعاء، وآدابه، ومستحباته بهذه السورة على إيجازها، فحق لها أن تُسمَّى «أمَّ القرآن».\n٨ - تضمنت هذه السورة الجليلة أنواعًا من أسماء اللَّه تعالى وصفاته: فمن الأسماء الحسنى: اسم الجلالة «اللَّه»، و«الرحمن»،","vol":"1","page":113},{"text":"و«الرحيم»، وأسماء مضافة: «ربّ العالمين»، «مالك يوم الدين»، ومن الصفات: «الهداية»، و«الغضب»، حيث جاء التعبير عن المغضوب عليهم باسم المفعول الدّالّ على أنّ الغضب عليهم حاصل من اللَّه تعالى ومن أوليائه، وهذا من بلاغة القرآن» (١). وغضبه تعالى من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته وحكمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>٢ - ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>٣ - ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ </span>(٣).\nهذه أولى الدعوات التي ذكرها المؤلف حفظه اللَّه تعالى من دعوات إبراهيم - ﵇ - إمام الحنفاء، وقدوة الموحدين، وخليل الرحمن، الذي وصفه ربنا - ﷿ - بأنه الجامع لخصال الخير كلّها: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤).\nفهذه الدعوة المباركة جمعت عدة مطالب عظيمة لا غنى عنها للعبد في أمور دينه ودنياه.\nأولها: سؤال اللَّه تعالى القبول في الأعمال، والأقوال، فقال وابنه\n_________\n(١) تفسير سورة الفاتحة لابن عثيمين، ١/ ١٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٢٧.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٢٨.\n(٤) سورة النحل، الآية: ١٢٠.","vol":"1","page":114},{"text":"إسماعيل ﵉: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١).\nوقوله: «و(يرفع): فعل مضارع، والمضارع للحاضر، أو للمستقبل، ورفع البيت ماضٍ؛ لكنه يعبَّر بالمضارع عن الماضي على حكاية الحال، كأن إبراهيم يرفع الآن، يعني: ذكِّرهم بهذه الحال التي كأنها الآن مشاهدة أمامهم» (٢).\nففيه تنبيه للعبد أن يستحضر هذه المعاني وكأنها أمامه، من جليل الأعمال من رفع القواعد، وكذلك دعاؤهما، حتى يتأسى العبد بهذه المقاصد والمطالب الجليلة من إخلاص العمل للَّه تعالى، وما يحمل الدعاء في طياته من جميل المعاني من الخوف، والرجاء، والرغبة، والرهبة.\n﴿رَبَّنَا﴾: «ربّ» منادى حذفت منه (يا) النداء، وأصله: يا ربنا، حذفت «يا» النداء للبداءة بالمدعو المنادى، وهو اللَّه جلّ شأنه، أي كلّ واحد يقول بلسانه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ (٣).\nفقد جاء في صحيح البخاري «... ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لِأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي، فَجَاءَ فَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ يُصْلِحُ نَبْلًا لَهُ، فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا، قَالَ: أَطِعْ رَبَّكَ، قَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ، قَالَ: إِذَنْ أَفْعَلَ،\nأَوْ كَمَا\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٢٧.\n(٢) تفسير سورة البقرة للعلامة ابن عثيمين ﵀، ٢/ ٥٧.\n(٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":115},{"text":"قَالَ، قَالَ: فَقَامَا فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١).\nانظر يا عبد اللَّه، وتأمّل في شأنهما: يقومان بأجلّ الأعمال وأرفعها بإذنٍ من ربهما تعالى، وهما يسألان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، فتأمّل كيف كان حالهما من الخوف والرجاء ألاّ يتقبل عملهما، فإذا كان هذا حال إمام الحنفاء، وقدوة الموحدين، فكيف بحالنا وتقصيرنا؟.\nفعن وهيب بن الورد أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك؟» (٢). وهذا كما حكى اللَّه تعالى عن حال المؤمنينَ الخُلَّص في قوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ (٣)، أي يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٤)، أي: خائفة ألاّ يتقبل منهم، كما جاء في الحديث أن عائشة ﵂ سألت رسول اللَّه - ﷺ - عن هذه الآية: «أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ، وَيُصَلُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (يزفّون)، ٤/ ١٤٥، برقم ٣٣٦٥.\n(٢) تفسير ابن كثير، ١/ ٢٥٤.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.\n(٤) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":116},{"text":"يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (١)، والتعرض لوصف الربوبية في دعائهم؛ لأن إجابة الدعاء من شأن الربوبية وخصائصها لما فيها من معاني التربية والإصلاح والتدبير، وقولهما: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾: «القبول: أخذ الشيء والرضا به، فتقبّل اللَّه سبحانه للعمل أن يتلقّاه بالرضى فيرضى عن فاعله، وإذا رضي اللَّه تعالى عن فاعله، فلا بدّ أن يثيبه الثواب الذي وعده إيّاه» (٢): وقولهما: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ تعليل لطلب القبول، ومزيد استدعاء للإجابة.\nوالسميع والعليم اسمان للَّه تعالى من أسمائه الحسنى يدلاّن على صفة السمع والعلم، أي: أنت السميع لأقوالنا التي من جملتها دعاؤنا العليم بما في ضمائر نفوسنا من الإذعان لك، والطاعة في القول والعمل، ولا يخفى عليك شيء في قلوبنا.\n«وقصر صفتي السمع والعلم عليه تعالى لإظهار اختصاص دعائهما به تعالى، وانقطاع رجائهما عمّا سواه بالكلية» (٣).\n«ولمّا كان العبد مهما كان، لابدّ أن يعتريه التقصير ويحتاج إلى التوبة قالا: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾، قالاه هضمًا لأنفسهما، وتعليمًا للذرّية\n_________\n(١) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - ﷺ -، باب ومن سورة المؤمنون،\n٥/ ٣٢٧، برقم ٣١٧٥، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٧٩، برقم ٢٥٣٧، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ٣٠٤، برقم ١٦٢.\n(٢) تفسير سورة البقرة للعلامة ابن عثيمين، ٢/ ٥٨.\n(٣) تفسير أبي السعود، ١/ ١٦١.","vol":"1","page":117},{"text":"بعدهما أن يلازموا هذا الطلب، والمقصد الجليل» (١).\nوقولهما: ﴿إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: هذه الجملة كسابقتها تعليل لطلب القبول، ومزيد استدعاء للإجابة.\nالتواب: أي أنك كثير التوبة على عبادك، فهو يقبل التوبة من عبده كلما تكررت التوبة منه إلى ما لانهاية.\nالرحيم: أي ذو الرحمة الشاملة للمؤمنين يوم القيامة، وهذا الاسم: يخصّ به المؤمنين يوم القيامة، أما الرحمن فهي رحمته ﵎ الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم.\nالفوائد: تضمنت هاتان الآيتان الكثير من الفوائد الجليلة منها:\n١ - أهمية القبول حيث إن مدار الأعمال الصالحة عليه، وذلك يقوم على الإخلاص للَّه تعالى، والاتباع لما جاء به الشرع المطهر.\n٢ - دلّت الآية: أنّ على العبد ملازمة سؤال اللَّه قبول أعماله بعد أدائه لها، ومنها الدعاء، فقد كان هذا من هدي المصطفى - ﷺ -: فإنه كان يستغفر ثلاثًا بعد الصلاة، وكان يقول بعد صلاة الصبح: «اللهمَّ إنّي أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا مُتقبّلًا» (٢)، وكان يقول\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي، ١/ ٢.\n(٢) انظر شرح هذا الدعاء في الدعاء رقم:١٠٢.","vol":"1","page":118},{"text":"- ﷺ -: «ربّ تقبّل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي» (١)، وكان - ﷺ - يستعيذ من عمل لا يُرفع: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن عمل لا يُرفع» (٢)، وغير ذلك.\n٣ - ينبغي للعبد أن يكون في حال عبادته لربه ودعائه، خائفًا راجيًا، كجناحي الطائر، فلا يغلّب الخوف، فيقع في القنوط، ولا يغلب الرجاء، فيقع في الغرور، والأمن من مكر اللَّه تعالى.\n٤ - التوسّل إلى اللَّه تعالى بأسمائه وصفاته ما يناسب المطلوب والسؤال؛ فإن (السميع) مناسب في سماع دعائهما، و(العليم) مناسب للعلم بنياتهما، وصدق تضرعهما، وكذلك (التواب الرحيم) ..\n٥ - ملازمة التواضع والإخبات للَّه تعالى في حال القيام بطاعته ولو بأجلّ العبادات والمقامات.\n٦ - أن الدعاء ملجأ ومقصد كل الأنبياء والمرسلين، وأن العبد لا غنى له عنه في كل أحواله الشرعية والدنيوية.\n٧ - طرد الإعجاب بالنفس، وعدم الإدلال على اللَّه تعالى بما قام من العمل، فإنّ ذلك مفسد للعمل.\n_________\n(١) انظر شرح هذا الدعاء في الدعاء رقم: ٧٣.\n(٢) انظر شرح هذا الدعاء في الدعاء رقم: ١٣٩.","vol":"1","page":119},{"text":"٨ - أهمية سؤال اللَّه ﵎ الثبات على الإسلام، «وهو يشمل على الاستسلام للَّه تعالى ظاهرًا أو باطنًا (١).\n٩ - «أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء، لأنّ الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.\n١٠ - «شدة افتقار الإنسان إلى ربه تعالى؛ حيث كرر كلمة «ربنا»، وأنه بحاجة إلى ربُوبيَّتِهِ اللَّه تعالى الخاصة التي تقتضي عناية خاصة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>٤ - ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ </span>(٣).\nبيّن اللَّه جلّ في علاه في كتابه (الذكر الحكيم) دعوات لأهل الهمم القليلة، وأصحاب الحظوظ الدنيوية يسألون حظ الدنيا فقط: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٤).\nثم ثنّى - بأصحاب الهمم العالية الذين يسألون خيري الدنيا\n_________\n(١) تفسير سورة البقرة، لابن عثيمين، ٢/ ٦٤.\n(٢) تفسير سورة البقرة للعلامة ابن عثيمين، ٢/ ٦٤.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٠١.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٠٠.","vol":"1","page":120},{"text":"والآخرة، وذكر سبحانه هذه الدعوة في سياق الثناء والتبجيل في كتابه الكريم تعليمًا لنا في التأسي والعمل بالتنزيل بملازمتها مع فهم معانيها ومضامينها، وما حوته من جوامع الكلم الطيب، مع قلّة المباني، وعظيم المعاني.\nفقدموا توسلهم بأجمل الأسامي والصفات: (ربنا): نداء فيه إقرار بالربوبية العامة للَّه تعالى المستلزمة لتوحيده في الألوهية، فجمعوا بين أنواع التوحيد التزامًا وتضمنًا، وهم يستحضرون كذلك ربوبيته الخاصة لخيار خلقه الذين رباهم بلطفه، وأصلح لهم دينهم ودنياهم، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهذا متضمن لافتقارهم إلى ربهم، وأنهم لا يقدرون على تربية نفوسهم من كل وجه، فليس لهم غير ربهم يتولاهم، ويصلح أمورهم» (١).\nلهذا ينبغي للداعي أن يستحضر هذه المعاني الجميلة من ربوبيته تعالى العامة لكل الخلق، وربوبيته الخاصة، فإن ذلك يوجب للعبد الخشوع والخضوع، وتذوق حلاوة المناجاة، والدعاء التي لا يعادلها أي شيء من المحبوبات.\n﴿آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: سؤال من خير الدنيا كله بأوجز لفظ وعبارة، فجمعت هذه الدعوة كل خير يتمناه العبد، «فإنّ الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودارٍ رحبةٍ، وزوجةٍ\n_________\n(١) المواهب الربانية للعلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي، ص ١٢٤.","vol":"1","page":121},{"text":"حسنةٍ، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيءٍ، وثناء جميل، إلى غير ذلك» (١).\n﴿وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾: أما «الحسنة في الآخرة فلا شك أنها الجنة؛ لأن من لم ينلها يومئذٍ فقد حُرم جميع الحسنات» (٢)، فهي أعلى حسنة، ويدخل في حسنات الآخرة كذلك: «الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب» (٣)، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة.\n﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: «وهذا يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام» (٤)، وتتضمن هذه الوقاية أيضًا «ألاّ يدخل النار بمعاصيه، ثم تخرجه الشفاعة» (٥)، ثم بين - علو درجتهم، وبعد منزلتهم في الفضل، كما دلّ على ذلك اسم الإشارة (أولئك) ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٦).\nولما كان هذا الدعاء المبارك الجامع لكل معاني الدعاء من أمر الدنيا والآخرة، كان أكثر أدعيته - ﷺ - كما أخبر بذلك أنس - ﵁ - أنه قال:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ١/ ٣٤٣.\n(٢) ابن جرير الطبري، ١/ ٥٥٣.\n(٣) ابن كثير، ١/ ٣٤٢.\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) تفسير القرطبي، ١/ ٧٨٦.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٠٢.","vol":"1","page":122},{"text":"كان أكثر دعاء النبي - ﷺ - (١).\nواقتدى بذلك أنس - ﵁ -، فكان لا يدعه في أي دعاء يدعو به (٢)، وقد طلب منه بعض أصحابه أن يدعو لهم، فدعا لهم بهذه الدعوة المباركة، ثم قال: «إذا آتاكم اللَّه ذلك فقد آتاكم الخير كله» (٣).\nتضمنت هذه الدعوة جملًا من الفوائد، منها:\n١ - يحسن بالداعي أن يجمع في دعائه خيري الدنيا والآخرة.\n٢ - ينبغي لكل داعٍ أن يكون جُلَّ دعائه ونصيبه الأكبر في أمورالآخرة، فجاء في هذا الدعاء سؤال أمرين عظيمين من أمور الآخرة: وأمرٍ واحدٍ من أمور الدنيا ﴿وَفِي الآخِرَةْ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\n٣ - أهمية التوسل بصفاته تعالى الفعلية (قنا)؛ لقول اللَّه، وتأسيًّا برسولنا - ﷺ -.\n٤ - ينبغي للداعي أن يكون من أصحاب الهمم العالية.\n٥ - «أن الإنسان لا يذم إذا طلب حسنة الدنيا مع حسنة الآخرة.\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب قول النبي - ﷺ -: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة)، ٨/ ٨٣، برقم ٦٣٩٨، ومسلم، كتاب العلم، باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ٤/ ٢٠٧٠، برقم ٢٦٩٠.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب العلم، باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ٤/ ٢٠٧٠، برقم ٢٦٩٠.\n(٣) فتح الباري، ١١/ ٢٢٩.","vol":"1","page":123},{"text":"٦ - أن كل إنسان محتاج إلى حسنات الدنيا والآخرة».\n٧ - من حُسن الدعاء أن يجمع في مطالبه بين الرغبة: ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾، والرهبة: ﴿قِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. حتى يكون العبد بين الخوف والرجاء.\n٨ - أهمية الأدعية في كتاب اللَّه تعالى، فهي كافية وشافية من جميع المطالب التي يتمناها العبد في دينه، ودنياه، وآخرته.\nفعلى العبد ملازمة هذه الدعوة اتباعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>٥ - ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>٦ - ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا </span>رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).\nهاتان الآيتان الكريمتان اللتان هما آخر آيات سورة البقرة قد جاءت الأخبار في فضلهما في عدة أحاديث عن الصادق المصدوق حيث قال - ﷺ -: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (٣).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة، برقم ٥٠٠٨، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، برقم ٨٠٨.","vol":"1","page":124},{"text":"وجاء عنه - ﷺ -: «أُعْطِيتُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ بَيْتِ كَنْزٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلي» (١)، وما جاء كذلك: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ - ﵇ - قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ إِلا الْيَوْمَ فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بنورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأْ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلا أُعْطِيتَهُ» (٢).\nفقد حوت هذه الآيات الكثير من المعاني الجليلة، والمقاصد العظيمة، والدلالات الواسعة، ففي صدرها أخبر ربنا - ﷻ - أن رسول اللَّه - ﷺ - ومن معه من المؤمنين قد أقروا بأصول الإيمان العظيمة، بالإيمان باللَّه - ﷿ -، والاستسلام الكامل له ﵎ ظاهرًا وباطنًا، وأنهم قد جمعوا بين كمال الإيمان، وشمول الإسلام، وفي الإخبار عنهم جميعًا مع النبي - ﷺ - في سياق واحد فضيلة ظاهرة، وشرفٌ عظيمٌ للمؤمنين، وفيه بيان «بأن رسول اللَّه - ﷺ - مشارك للأمّة في الخطاب الشرعيّ له، وقيامه التامّ به، وأنه فاق؛ بل فاق جميع المرسلين في القيام بالإيمان وحقوقه» (٣).\n﴿وَقَالُوْا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: أي سمعنا قولك، وفهمنا ما جاءنا من\nالحق،\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد، برقم ٢١٣٤٤، مستدر الحاكم، ١/ ٥٦٣، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٦/ ٣١٢: «رواه كله أحمد بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح»، وقال الأرناؤوط في تخريجه للمسند: «صحيح لغيره».\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، برقم ٨٠٨.\n(٣) تفسير ابن سعدي، ص ٩٦١.","vol":"1","page":125},{"text":"وتيقنّا بصحته، وأطعنا بامتثال أوامرك، واجتنبنا نواهيك.\n«وهذا إقرار منهم بركني الإيمان اللّذَين لا يقوم إلا بهما، وهما: السمع: المتضمّن للقبول والتسليم، والطاعة المتضمنّة لكمال الانقياد وامتثال الأمر» (١).\n﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: «قدموا السمع والطاعة على المغفرة؛ لأن تقدم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول»، وفي (٢) طلبهم المغفرة لأنهم علموا أنهم لا بد وأن يقع منهم التقصير والنقصان بطبيعتهم البشرية، فإن ذلك من لوازمهم التي لا تنفك عنهم، ثم أقرّوا للَّه تعالى: الرجوع، والمآب في جميع الأمور الدنيوية والأخروية إليه، ومن أعظمها يوم القيامة.\nولا يخفى في هذه الدعوات جميل الأدب، وحسن الاختيار، وجميل الثناء والطلب، الموجب القبول والرضى عند بارئهم ﵎.\nولما كمل من ذلك الأدب الجليل المعبر عن كمال الخضوع والتعظيم، شرعوا في أنواع المطالب والسؤال.\nفقالوا: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾: يا ربنا لا تؤاخذنا إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا الحرام كذلك.\n﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾: أي الصواب في العمل، جهلًا منّا بوجهه الشرعي.\n_________\n(١) فقه الداعية، ٤/ ٤٤٠.\n(٢) تفسير أبي السعود، ٢/ ٣٢٧.","vol":"1","page":126},{"text":"وقد جاء الخبر عن النبي - ﷺ - أن اللَّه ﵎ قال: (نعم) (١).\nوفي لفظ قال - ﷿ -: «قد فعلت» (٢).\nوقد جاء ما يشير إلى ذلك عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي اَلْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٣).\n﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾: أي لا تكلّفنا من الأعمال الشاقّة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والأعباء الشديدة التي كانت عليهم.\n﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: وتكرير لفظ الربوبية في الآيات لإبراز مزيد من الضّراعة الموصل إلى كمال العبادة المؤذن إلى القبول والإجابة.\nأي: لا تحمّلنا من التكليف والمصائب والبلاء ما لا نقدر عليه.\n﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي: «اصفح عنّا فيما بيننا وبينك من تقصيرنا، وزللنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تُظهِر على مساوينا، وأعمالنا القبيحة.\n\n﴿وَارْحَمْنَآ﴾: «فيما يُستقبل فلا توقعنا بتوفيقك إلى ذنب آخر؛ ولهذا قالوا:<span data-type=\"title\" id=toc-148> إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء:</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-149> أن يعفو اللَّه عنه فيما بينه وبينه</span>.\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه - ﷾ - لم يكلف إلا ما يطاق، برقم ١٢٥.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه - ﷾ - لم يكلف إلا ما يطاق، برقم ١٢٦.\n(٣) سنن ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم ٢٠٤٥، والسنن الكبرى للبيهقي، ٦/ ٨٤، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١٢٣.","vol":"1","page":127},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-150> وأن يستره عن عباده، فلا يفضحه به بينهم</span>.\n-<span data-type=\"title\" id=toc-151> وأن يعصمه، فلا يوقعه في نظيره</span>.\nوقد تقدم أن اللَّه تعالى: قد قال: (قد فعلت») (١).\nوفي تقديم العفو والمغفرة على طلب الرحمة كما تقدم: أن التخلية سابقة على التحلية، ولم يأتِ في هذه الجمل الثلاث قوله: (ربنا): «لأنها فروع لهذه الدعوات الثلاث، ونتائج لها ﴿أَنتَ مَوْلاَنَا﴾ أي: أنت مالكنا، وسيّدنا، وناصرنا.\n﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: «حيث أتى بـ (الفاء) إيذانًا بالسببية؛ لأن اللَّه - ﷿ - لما كان مولاهم ومالكهم، ومدبر أمورهم، تسبّب عنه أن دعوه بأن ينصرهم على أعدائهم» (٢).\nأي: يا ربنا انصرنا على الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيّك، وعبدوا غيرك، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة، كما في دعاء النبي - ﷺ -: «اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ» (٣).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ١/ ٤٧٥، والحديث في مسلم، برقم ١٢٦، وتقدم تخريجه ..\n(٢) الألوسي، ٣/ ١١٢.\n(٣) رواه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الجمعة، باب كم صلاة الجمعة، برقم ١٠٤٤٥، وأحمد، ٢٤/ ٢٤٧، برقم ١٥٤٩٢، والبخاري في الأدب المفرد، ص ٢٤٣، والحاكم، ١/ ٥٠٧، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، وصحيح ابن خزيمة، ٢/ ١٥٥، والطبراني في الكبير، ٥/ ٤٧، برقم ٤٥٤٩، ومسند البزار، ٩/ ١٧٥، برقم ٣٧٢٤، وصححه الألباني في تعليقه على صحيح ابن خزيمة، ٢/ ١٥٥، وفي صحيح الأدب المفرد، ص ٢٥٤، وغيرهما.","vol":"1","page":128},{"text":"وهذا يدل على عنايتهم الكبرى بدينهم، وأنه شغلهم الشاغل مرضات اللَّه تعالى في كل الأحوال والأوقات؛ فإن همَّ الدين والآخرة هو الهمّ المرغوب فيه حيث يحوي خيري الدنيا والآخرة، قال النبي - ﷺ -: «مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>تضمنت هذه الدعوات الجليلات من عظيم الفوائد والمنافع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>١ - أن الإيمان هو أعظم أعمال القلوب المستلزم لأعمال الأركان</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>٢ - أن الإيمان الكامل هو الإيمان بكل ما جاء عن اللَّه تعالى</span>، وبكل ما جاء عن رسول اللَّه - ﷺ -، مع الانقياد والتسليم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>٣ - «إثبات علوّ اللَّه - ﷿ </span>- لقوله تعالى: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّه﴾، والنزول يكون من أعلى إلى الأسفل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>٤ - أن من صفات المؤمن السمع والطاعة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>٥ - أن كل الخلق محتاج إلى مغفرة اللَّه ﵎</span>، وحتى الأنبياء والرسل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>٦ - أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالرسول - ﷺ - كان أشد اتباعًا له» </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>٧ - عِظم وسَعَة رحمة اللَّه - ﷿ - لهذه الأمة في إسقاط كثير من التكاليف</span>\n_________\n(١) رواه أحمد بلفظه، برقم ٢١٥٩٠، وصحح إسناده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ٩٨٦، برقم ٤٠٤، وأخرجه الترمذي بلفظ: «مَنْ كانَتِ الآخرةُ هَمَّهُ، جعل اللَّهُ غِناه في قلبه، وجمع عليه شَمْلَهُ، وأتَتْهُ الدنيا وهي راغِمَة، وَمَنْ كانت الدنيا هَمَّه، جعل الله فَقْرَه بين عينيه، وفَرَّق عليه شَمْلَهُ، ولم يأتهِ من الدنيا إلا ما قُدِّر له»، برقم ٢٤٦٥، وابن ماجه بلفظ: «مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ»، برقم ٤١٠٥.\n(٢) تفسير سورة البقرة للعلامة ابن عثيمين، ٣/ ٤٤٦ - ٤٦١.","vol":"1","page":129},{"text":"الشّاقّة، دلّ عليه قول اللَّه - ﷿ -: «قد فعلت»، فينبغي ملازمة حمده وشكره آناء الليل وأطراف النهار بما تفضّل علينا بهذا الدين العظيم، فله المنَّة، والحمد، والثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>٨ - من عظيم رحمة اللَّه تعالى علينا كذلك أنه علّمنا هذا الدعاء الذي ندعوه</span>، ثم يستجيب لنا تفضّلًا منه ونعمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>٩ - أهمية سؤال اللَّه تعالى: (العفو، والمغفرة، والرحمة)</span>؛ لما فيها من كل خير يتمنّاه العبد، ومن كلّ شرٍّ يخافه في الدنيا والآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>١٠ - إثبات ولاية اللَّه الخاصّة للمؤمنين التي تقتضي النصرة والعناية والتأييد</span>، وهذه غير ولاية اللَّه العامّة لكل الخلق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>١١ - أن العبد محتاج إلى سؤال اللَّه تعالى النصرة على الكافرين في كل زمان</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>١٢ - أهمّيّة الدعاء للعبد المسلم في حياته ومهمّاته</span>، وذلك أنه تعالى ضمنّه في آيات لها فضل عظيم كما جاء بالأخبار عنها قرآن يتلى إلى يوم الدين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>١٣ - أهمية الإلحاح في الدعاء، وأنه من أهم الأسباب في قبول الدعاء</span>؛ حيث ورد التوسل بربوبيّته تعالى أربع مرات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>١٤ - الدعاء الأكمل هو الجامع لأكثر من توسّل</span>؛ حيث جمعوا التوسل بأسمائه تعالى وصفاته، وكذلك بأعمالهم الصالحة «سمعنا وأطعنا».\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>١٥ - يُستحبّ البسط في الدعاء </span>لما فيه من كمال العبودية المقتضي لكثرة الثواب، وإجابة الدعاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>١٦ - أنَّ ذكر بعض الخصال التي يقوم بها العبد إلى اللَّه تعالى </span>حال الدعاء، ليس من باب التزكية، وإنما من باب التوسل إليه تعالى بعمله الصالح","vol":"1","page":130},{"text":"المتضمّن للتذلّل والخشوع له جل وعلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>١٧ - أن أعظم التوسل إلى اللَّه تعالى على الإطلاق التوسل إليه بربوبيته تعالى</span>، التي تحصل بها المحبوبات، وتندفع بها المكروهات؛ ولهذا كانت أغلبية أدعية القرآن مصدرة بالتوسل به (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>٧ - ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>المفردات:</span>\nلا تزغ: الزيغ: الميل عن الاستقامة والانحراف عن الحق، ومنه زاغت الشمس أي مالت وانحرفت (٣).\nالوهاب: اسم من أسماء اللَّه تعالى الحسنى: من صيغ المبالغة مبالغة على وزن فعّال، والهبة هي: «العطية الخالية عن الأعواض والأغراض» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>الشرح: </span>ما زلنا نقتطف من جميل أدعية المؤمنين في كتاب ربنا الحكيم، ذكرها اللَّه تعالى ثناءً على أهلها، وتأسيًا لنا في ملازمة الدعاء بها، والعمل في مضامينها، وذكر لنا دعوات أخرى في غاية الأهمية من هذا المعين المبارك لأناس قرن اللَّه - ﷿ - شهادتهم\n_________\n(١) المواهب الربانية للعلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي، ص ١٢٣\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٨.\n(٣) مفردات ألفاظ القرآن للراغب، ص ٣٨٧.\n(٤) لسان العرب، ١/ ٨٠٣.","vol":"1","page":131},{"text":"بشهادته، وأثنى عليهم في مواضع كثيرة من الذكر الحكيم، قال اللَّه تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (١).\nفهم ورثة الأنبياء، ونعم الميراث العظيم، هم العلماء، وصفهم تعالى بكمال الوصف الثابت، وبالأساس الراسخ.\nقال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، فهم أصحاب العقول السليمة، والمفاهيم المستقيمة.\nفبعد أن عطر بالوصف والثناء عليهم بخلوص الإيمان واليقين في قلوبهم، فأثمر لهم من عظيم المعارف والهمم، آمنوا بالكتاب كله: محكمه، ومتشابهه؛ لأنه جاء من ربهم الحكيم الخبير، ذكر لنا فواح هذا العطر النافع والناصح؛ لنتأمل من هذا الروض الجميل في أهم مقاصد الدين، حتى نستن بهم عملًا وقولًا.\nفقالوا: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ صدروا دعاءهم بربوبيته تعالى التي هي أفضل وأعلى الغايات، وهو استقامة القلوب على ما يحبه اللَّه تعالى ويرضاه، والثبات على ذلك: فقالوا: يا ربنا، ويا مدبر أمورنا، لا تُمِل قلوبنا بعد الهدى الذي أنعمت به\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٧.","vol":"1","page":132},{"text":"علينا، توسلوا بسابق إحسانه وإنعامه بعد التوسل بربوبيته دلالة على أهمية مطلبهم لربهم، وأنهم في تضرع كبير لهذا المطلب المهم، لا كالذين أزاغ اللَّه قلوبهم من اتباع المتشابه في القرآن ابتغاء الفتنة، فهم ضلوا وأضلوا، والعياذ باللَّه، أما العلماء فقد اهتدوا وهدوا.\nفتضمّن هذا المطلب الجليل سؤال اللَّه تعالى الثبات على الدين القويم، والصراط المستقيم الذي عليه النجاة في يوم الدين، ولا يكون ذلك إلا بالتوفيق من اللَّه تعالى رب العالمين.\nلهذا كان أكثر دعاء نبي الرحمة - ﷺ -: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (١)، وجاء عنه - ﷺ -: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (٢).\n﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾: ومن جميل تضرعهم وتوسلهم سألوا اللَّه تعالى بلفظ الهبة إشارة إلى أن ذلك منه تعالى تفضل محض دون شائبة وجوب عليه - ﷾ - (٣).\nوسألوا ربهم ﴿رَحْمَةً﴾ بالتنوين والتنكير دلالة على التفخيم\n_________\n(١) سنن الترمذي، كتاب القدر عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، برقم ٢١٤٠، وسنن النسائي الكبرى، كتاب صفة الصلاة، باب الاستغفار بعد التسليم، برقم ٧٦٩٠، ومسند الإمام أحمد، برقم ١٢٢٠٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢١٤٠.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء، برقم ٢٦٥٤.\n(٣) روح المعاني، ٣/ ١٤٦.","vol":"1","page":133},{"text":"والتعظيم (١)، أي رحمة عظيمة واسعة شاملة التي تقتضي حصول نور الإيمان والتوحيد والمعرفة في القلب، وحصول الطاعة في الجوارح والأركان.\nفالرحمة من آثارها التوفيق، والدوام على الهدى في الدنيا، والنعيم الأبدي في الآخرة؛ ولهذا كثرة الأدعية في كتاب اللَّه لهذا المطلب الجليل.\n﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: جُعلت الرحمة من عنده؛ لأن تيسير الأسباب، وتكوين الهيئات منه جل وعلا تفضلًا وتكرمًا، وفيها معاني التعظيم والإجلال للَّه تعالى، وهذا من حسن دعائهم، وأدبهم مع ربهم - ﷿ - التي ملأت قلوبهم حبًا وتعظيمًا له - ﷻ -.\n﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ﴾ عللوا طلبهم، وأكَّدوه بخصوصية الهبة المطلقة الكاملة للَّه تعالى، التي لايعدّها عادٌّ، ولا يحدّها حادّ، إيمانًا منهم بكمال صفاته تعالى، ومن جملتها هباته تعالى؛ لأن هبات الناس بالنسبة لما أفاض اللَّه تعالى من الخيرات شيء لا يُعبأ به.\nلذلك قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ «حيث استحضروا عند طلب الرحمة أحوج ما يكونون إليه، وهو يوم تكون الرحمة سببًا للفوز الأبدي، فأعقبوا بذكر هذا اليوم دعاءهم على سبيل الإيجاز، كأنهم قالوا: وهب لنا من لدنك رحمة، وخاصة يوم\n_________\n(١) روح المعاني للألوسي، ٣/ ١٤٧.","vol":"1","page":134},{"text":"تجمع الناس» (١). «توسَّلوا إلى ربهم بالإيمان ومنة اللَّه تعالى به، من الوسائل المطلوبة، فيكون هذا من تمام دعائهم» (٢).\nوفيه إقرار منهم بكمال صفاته الفعلية؛ لذلك قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>تضمنت هذه الدعوات المباركات كثيرًا من المنافع والفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>١ - أن العلم باللَّه تعالى هو أشرف العلوم على الإطلاق</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>٢ - «أن الرسوخ في العلم هو قدر زائد على مجرد العلم</span>، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالمًا محققًا» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>٣ - أن سؤال اللَّه تعالى الثبات على الإيمان هو أعظم مقاصد الشارع </span>المطلوبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>٤ - ينبغي للعبد أن يستحضر دومًا نعم اللَّه تعالى عليه</span>، وخاصة نعمة الدين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>٥ - كما أن التوسل إلى اللَّه تعالى بأسمائه وصفاته</span>، كذلك يتوسل إليه بصفاته المنفية عنه تعالى ﴿إنَّ اللَّه لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ﴾. وهذا النفي يتضمّن صفات الكمال، ومنها كمال صدقه وقدرته جلَّ وعَلا.\n_________\n(١) التحرير والتنوير لابن عاشور، ٣/ ١٦٩.\n(٢) المواهب الربانية، ص ١٢٧.\n(٣) تفسير ابن سعدي، ص ١٢٧.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>٦ - «أهمية التوسل إلى اللَّه تعالى بنعمه ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>٧ - «إنّ الإنسان لا يملك قلبه</span>؛ لأنه بين إصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبه كيف يشاء، فيسأل اللَّه ألاَّ يزغه».\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>٨ - «أن التخلية تكون قبل التحلية</span>، يعني يُفرغ المكان من الشوائب والأذى، ثم يطهر، دلَّ عليه قوله: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا) ثم قال: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>٩ - أن العطاء يكون على قدر المعطي</span>؛ لقوله تعالى: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً)، هذا من باب التوسل بحال المدعو، ومن باب التوسل بصفات اللَّه - ﷿ -» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>١٠ - أن كل الخلق لا غنى لهم عن دعاء ربهم - ﷿ - في جلب المنافع</span>، ودفع المضار.\nفبعد هذا الوصف الجميل لهم، يجدر بالعبد السالك إلى طريق اللَّه المستقيم أن يحرص على هذه الكلمات اليافعات، والدعوات المباركات، ويستحضر هذه المعاني، والمطالب العالية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>٨ - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ </span>(٢).\nهذه الدعوة المباركة من دعوات أهل العلم والإيمان، سطّرها لنا\n_________\n(١) تفسير آل عمران، لابن عثيمين ﵀، ١/ ٥٥ - ٥٦، بتصرف يسير.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦.","vol":"1","page":136},{"text":"ربنا في كتابه دعواتٍ تُتلى إلى يوم القيامة، دلالة جلية على أهميتها.\nفبعد أن ذكر اللَّه - ﷿ - حُبَّ الناس الشهوات من النساء والبنين وغيرها من ملذات الدنيا، وإيثار بعضهم لهذه الدار على الآخرة، أعقب بذكر الدار الحقيقية التي لا يفنى نعيمها ولا ينفد، التي أعدها لأصحاب النفوس الزكيَّة، الذي كان من جليل أعمالهم وأقوالهم: ﴿يقولون ربنا إننا آمنا﴾: جاء بصيغة المضارع (يقولون) الذي يدلّ على الاستمرارية والتجدد في سؤالهم، وتضرّعهم بهذه الدعوات.\n﴿ربّنا إننا آمنا﴾: توسّلوا إلى اللَّه تعالى بربوبيته التي من مقتضاها الإجابة والعناية، وذلك أن ربوبية اللَّه ﵎ ربوبيتان: عامة: لجميع الخلائق بالرزق، والتدبير والإصلاح، وخاصة: لأوليائه التي تقتضي الحفظ، والعناية، والإجابة، وإصلاح أحوالهم وشؤونهم في دينهم ودنياهم، فهم توسّلوا بهذه الربوبية العليّة التي من مقتضاها إجابة دعائهم.\n﴿إنَّنا آمنَّا﴾: أكدوا إيمانهم بـ «إنَّ» المؤكدة، دلالة على قوة إيمانهم، وصفاء توحيدهم من كل أدران الشرك والشك، أي آمنّا بك وبكتابك وبرسولك، وبكل ما جاء منك، قدموا توسلهم بإيمانهم باللَّه قبل سؤالهم؛ لأنه من أعظم الوسائل التي يحبها اللَّه - ﷿ -، أن يتوسّل العبد إلى ربّه تعالى بما منَّ عليه من الإيمان، والأعمال الصالحة، إلى تكميل نعم اللَّه تعالى عليه، بحصول الثواب","vol":"1","page":137},{"text":"الكامل، واندفاع العقاب» (١).\nوقوله: ﴿فاغفر لنا﴾: «الفاء هنا للسببية، أي بسبب إيماننا فاغفر لنا؛ لأن الإيمان لا شك أنه وسيلة للمغفرة، وكلما قوي الإيمان قويت أسباب المغفرة، والمغفرة: مأخوذة من الغفر، وهو الستر والوقاية.\nومنه (المِغْفَر) الذي يلبسه المقاتل في رأسه ليستر الرأس، ويقيه السهام، فمغفرة الذنوب: سترها في الناس، والعفو عن عقوبتها» (٢).\nوقوله: «ذنوبنا»: المراد كل الذنوب من الصغائر والكبائر.\nوقوله: ﴿وقنا عذاب النار﴾: أي اجعل بيننا وبين النار وقاية تجنبنا هذا الشر الأليم.\nتضمنت هذه الدعوة: التوفيق إلى الأعمال، والأقوال، والأخلاق التي تقي عذاب النار، والفوز بدار القرار.\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>١ - «من صفات المؤمنين إعلانهم الإيمان باللَّه ﵎</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>٢ - أنّ من صفات المتقين عدم الإعجاب بالنفس</span>، وأنّهم مقصرون لطلبهم المغفرة من اللَّه تعالى.\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي، ١/ ٣٦٣.\n(٢) تفسير آل عمران للعلامة ابن عثيمين، ١/ ١٠٨.","vol":"1","page":138},{"text":"٣ - جواز التوسل بالإيمان ﴿ربّنا إنّنا آمّنّا﴾» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>٤ - أهمية البسط في الدعاء</span>، فإنّ «سؤال المغفرة يغني عن سؤال الوقاية من النار، إلا أنه في باب الدعاء ينبغي البسط لأربعة أسباب:\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>أ- السبب الأول: أن يستحضرالإنسان جميع ما يدعو به بأنواعه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>ب- أنّ الدعاء مخاطبة للَّه - ﷿ </span>-، وكلّما تبسّط الإنسان مع اللَّه في المخاطبة كان ذلك أشوق، وأحبّ إليه مما لودعا على سبيل الاختصار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>جـ- أنه كلما ازداد دعاء ازداد قربة إلى اللَّه - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>د- أنه كلما ازدا د دعاء كان فيه إظهار لافتقار الإنسان إلى ربه - ﷿ </span>-» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>٥ - أهمية التوسل بالعمل الصالح في الدعاء</span>، وأنّ من أعظم أنواعه على الإطلاق التوسل بإيمان العبد بربه تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>٦ - ينبغي للداعي أن يحرص في أدعيته على سؤال المغفرة</span>، والوقاية من النار، فمن تحصَّل بهذين المطلوبين فاز في الدنيا والآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>٧ - أنه كلما أكثر العبد في التوسل كان أرجى في قبول دعوته</span>، فقد توسلوا بوسيلتين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>أ- بأسمائه تعالى الحسنى ﴿رَبَّنَا﴾</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>ب- بالعمل الصالح ﴿إِنَّنَا آمَنَّا﴾</span>.\n_________\n(١) المصدر السابق، ١/ ١١٦.\n(٢) تفسير سورة آل عمران لابن عثيمين، ١/ ١١٦.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>٩ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ </span>(١).\nهذه إحدى دعوات زكريا - ﵇ - التي قصّها اللَّه تعالى في كتابه.\nلما رأى زكريا - ﵇ - أنّ اللَّه يرزق مريم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذٍ في الولد، وكان شيخًا كبيرًا قد وهن العظم منه، واشتعل الرأس شيبًا، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعقيمًا، لكنه لكمال إيمانه، وحسن ظنه بربه بكمال قدرته تعالى، ونفوذ مشيئته وحكمته، أقبل على الدعاء من غير تأخير، كما أفاد قوله تعالى: ﴿هنالك﴾.\nسأل ربه، وناداه نداء خفيًا، كما في قوله تعالى في سورة مريم: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٢)، فقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ (٣): جاء الطلب بلفظ الهبة؛ لأنّ الهبة إحسان محض، ليس في مقابله شيء، وهو يناسب ما لا دخل فيه للوالد؛ لكبر سنّه، ولا للوالدة؛ لكونها عاقرًا لا تلد، فكأنه قال: أعطني من غير وسط معتاد» (٤)؛ لأنه لم ينظر - ﵇ - إلى الأسباب والمسببات بظروفها العادية؛ بل نظر إلى خالقها، وموجدها، ومكونها، وهذا هو الإيمان الصادق الخالص للَّه\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٣٨.\n(٢) سورة مريم، الآية: ٣.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣٨.\n(٤) تفسير الألوسي، ٣/ ٢٣٢.","vol":"1","page":140},{"text":"تعالى، وعلى حسن ظن العبد بربه ينال من كراماته، وسحب فضائله التي لا تحدّ ولا تعدّ.\nوقوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾: أي من عندك، إضافة العندية إلى اللَّه تعالى ليكون أبلغ وأعظم؛ لأنّ هديّة الكريم عظيمة وجليلة تليق بمقام العظيم الكريم.\n﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾: في تقييد الذرية بالطيّبة إشارة مهمّة أنّ العبد لا يسأل اللَّه تعالى الذرية فقط، فلابدّ أن يقيّدها بالصلاح والطيب التي يُرجى منها الخير في الدنيا والآخرة، فالذُّرِّيَّة الطيّبة، هي الطيّبة «في أقوالها، وأفعالها، وكذلك في أجسامها، فهي تتناول الطيب الحسّيّ، والطيِّب المعنوي» (١).\nقوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٢): تعليل للسؤال: أي إني ما التجأت إليك، وسألتك إلا لأنك مجيب الدعاء، غير مخيّب للرجاء، وختم الدعاء بأحسن ختام من التوسل بأسمائه تعالى الحسنى، وصفاته العُلا التي تناسب الدعاء، فجاءته البشارة العاجلة عقيب السؤال، كما أفاد ذلك حرف التعقيب (الفاء) في قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣).\n_________\n(١) تفسير آل عمران للعلامة محمد بن عثيمين، ١/ ٢٣٢.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٣٨.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣٩.","vol":"1","page":141},{"text":"الفوائد:\nتضمّنت هذه الدعوة المباركة فوائد، وحِكَمًا، منها (١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>١ - «إنّ جميع الخلق مفتقرون إلى اللَّه - ﷿ </span>-، حتى الأنبياء لايستغنون عن دعاء اللَّه تعالى في كل أحوالهم، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>٢ - إن من أعظم التوسل إلى اللَّه - ﷿ - بالدعاء هو «اسم (الربّ)</span>؛ لقوله: (ربّه)، ولم يقل (اللَّه)؛ ولهذا أكثر الأدعية مصدرة بـ (الربّ)؛ لأنّ إجابة الداعي من مقتضى الربوبية؛ فلهذا يتوسل الداعي دائمًا باسم (الرب)، قال النبي - ﷺ -: «يمدّ يديه إلى السماء: يا ربّ، يا ربّ» (٣). (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>٣ - إنه لاينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية</span>؛ لأنّ الذريّة قد يكونون نكدًا وفتنة، وإنّما يسأل الذريّة الطيّبة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>٤ - إنّ حُسن الظنّ من حسن العبادة</span>، وأنه تعالى يجازي عبده، ويعطيه على قدر حسن الظنّ به، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ\n_________\n(١) استنبطت الفوائد من هذه الدعوة في هذه السورة، وفي سورة مريم، وفي سورة الأنبياء.\n(٢) تفسير آل عمران للعلامة ابن عثيمين ﵀، ١/ ٢٣٦.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، برقم ١٠١٥.\n(٤) تفسير آل عمران، ١/ ٢٣٦.\n(٥) المرجع السابق، ١/ ٢٣٨.","vol":"1","page":142},{"text":"دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، حيث أقبل على الدعاء مباشرة لحسن ظنّه\nبربه تعالى، كما جاء في الحديث القدسي عن ربّ العزّة والجلال: «أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>٥ - إنّ من تمنى أمرًا عظيمًا، أو رأى شيئًا جليلًا يتمناه</span>، أن يقبل على الدعاء في لحظته، ولايؤخره، دل عليه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا﴾ ففي «تقديم الظرف للإيذان بأنه أقبل على الدعاء من غير تأخير» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>٦ - «إنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة</span>، ومنها الدعاء؛ دعاء اللَّه تعالى، وهومن أكبرالأسباب» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>٧ - فيه دلالة على أن الدعاء يردّ القضاء</span>، وذلك أن من الأسباب العادية، أن العقيم والعجوز لاتلد، فلمّا دعا اللَّه تعالى أن يرزقه الولد، جاءت البشرى مباشرة، كما أفاد قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ (٤) عقب دعائه مباشرة، دلّ على ذلك بـ «الفاء السببية»، والتي تفيد التعقيب والترتيب بدون مهلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>٨ - «إثبات سمع اللَّه - ﷿ -، وكرم اللَّه تعالى</span>، وقدرته، وجه ذلك:\n_________\n(١) البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾، برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، برقم ٢٦٧٥، ومسند أحمد واللفظ له، ١٥/ ٤٦٦، برقم ٩٧٤٩.\n(٢) روح المعاني، ٣/ ٢٣١.\n(٣) تفسير آل عمران، للعلامة ابن عثيمين، ١/ ٢٣٨.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ٣٩.","vol":"1","page":143},{"text":"أنه يسمع الدعاء، ويجيب من دعاه، وقادرعلى الإجابة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>٩ - أهمية التوسل بأسماء اللَّه المضافة </span>(إنك سميع الدعاء)، وأنها من أعظم الوسائل إلى إجابة الدعاء، حيث اختاره - ﷺ - دون غيره من الأسماء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>١٠ - إنه كما يُتوسل إليه تعالى بأسمائه</span>، كذلك يُتوسل إليه جل وعلا بأفعاله، فقوله: ﴿هَبْ لِي﴾، توسّل بصفة الهبة، وهي صفة فعلية، وهي مشتقة من اسمه (الوهّاب).\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>١١ - أن في ذكر هذه القصة العجيبة</span>، وما تضمنته من دعوة جليلة «حتى لا ييأس أحد من فضل اللَّه تعالى ورحمته، ولايقنط من فضله تعالى وتقدّس» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>١٢ - يستحب الإسرار بالدعاء</span>، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>١٣ - استحباب الخضوع في الدعاء، وإظهار الذُّلِّ، والمسكنة</span>، والضعف؛ لقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>١٤ - أنّ من أحبّ الوسائل إلى اللَّه تعالى التوسل إليه بضعف الداعي</span>، وعجزه، وفقره إلى اللَّه تعالى؛ لأنه يدلّ على التبري من\n_________\n(١) تفسير سورة آل عمران، للعلامة ابن عثيمين، ١/ ٢٣٩.\n(٢) البداية والنهاية، ٢/ ٣٩٥.\n(٣) سورة مريم، الآية: ٣.\n(٤) سورة مريم، الآية: ٤.","vol":"1","page":144},{"text":"الحول والقوة، وتعلّق القلب بحول اللَّه، وقوته؛ لقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>١٥ - أنَّ الشكوى إلى اللَّه تعالى لاتنافي الصبر</span>، وإ نما هي من كمال العبودية للَّه تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>١٦ - يُستحبّ التوسّل إلى اللَّه تعالى بنعمه</span>، وعوائده الجميلة السابقة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، «أي لم أشقَ يا ربّ بدعائك؛ لأنك لم تخيّب دعائي؛ بل كنت تجيب دعوتي، وتقضي حاجتي، فهوتوسّل إليه بما سلف من إجابته وإحسانه طالبًا أن يجازيه على عادته التي عوّده من قضاء حوائجه، وإجابته إلى ما سأله» (٢). لهذا يستحسن للداعي أن يستحضر نعم اللَّه تعالى عليه، وأنوع إحسانه بين يدي دعائه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>١٧ - ينبغي للداعي أن يكون جُلُّ دعائه في مطالب الدين</span>؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ (٣)، أي: «وإني خفت من يتولى على بني إسرائيل من بعد موتي، ألاّ يقوموا بدينك حق القيام، ولا يدعوا عبادك إليك» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>١٨ - أنّ فعل الخيرات والمسارعة إليها </span>من أعظم أسباب\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن سعدي، ص ٥٦٩، وتيسير اللطيف المنان، ص ١٣٢.\n(٢) بدائع الفوائد، ٣/ ٥٠٤.\n(٣) سورة مريم، الآية: ٥.\n(٤) تفسير ابن سعدي، ص ٥٦٤.","vol":"1","page":145},{"text":"الإجابة، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ بسبب ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (١)، علّل جلّ وعلا بإجابته لدعائه، ووهبه إياه يحيى، وإصلاح له زوجه بـ «إن» التي هي من حروف التعليل، وكذلك التأكيد (٢)،أي استجبنا لهم بسبب مسارعتهم إلى القربات والطاعات، «ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها إلاّ انتهزوا الفرصة فيها» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>١٩ - أنّ دعاء اللَّه ﵎ في حالتي الرغبة والرهبة </span>من أسباب إجابة الدعاء، دلّ عليه في الآية السابقة: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>٢٠ - أنّ الخشوع من أسباب إجابة الدعاء</span>، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٤) بالجملة الاسمية التي تدلّ على الدوام والثبوت، «والخشوع هو: التذلّل، والتضرّع، والخوف اللازم للقلب الذي لايفارقه» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>١٠ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ </span>فَاكْتُبْنَا\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ٩٠.\n(٢) انظر بتوسع: القياس في القرآن الكريم والسنة والنبوية، ص ٣٦١.\n(٣) ابن سعدي، ص ٦١٥.\n(٤) سورة الأنبياء، الاية: ٩٠.\n(٥) تفسير ابن كثير، ص ١٠٤٦.","vol":"1","page":146},{"text":"مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١).\nهذا الدعاء جاء ذكره في كتاب اللَّه العزيز تنويهًا بأهميّته، والحثّ على العناية به في كتابٍ يُتلى إلى يوم القيامة؛ لأنه جاء عن خلصاء أصحاب عيسى، وأصفيائه، وأنصاره، سمّاهم اللَّه ﵎ (الحواريون) من صفائهم، كالشيء الأبيض الخالص البياض، من شدة النقاء والصفاء.\nفقد أخلصوا سرائرهم، وعلانيتهم، ونياتهم، فصاروا في أعلى درجات النقاء في ظاهرهم وباطنهم.\nقولهم: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ قدّموا توسّلهم بربوبيته تعالى؛ «لأنّ الربوبية تدور على ثلاثة أشياء: الخلق، والملك، والتدبير، وإجابة الدعاء، داخل في هذه الثلاثة، فلذلك كان كثيرًا ما يتوسّل به الداعون من الأنبياء والمرسلين، وغيرهم من المؤمنين، كما في الحديث الصحيح: (يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ) (٢).\nأي: يا ربّنا صدَّقنا بكتابك الذي أنزلته (وهو الإنجيل)، وبكلّ ما أنزلته، وهذا الإيمان الكامل الذي يتضمّن الإيمان بكلّ ما أنزل اللَّه تعالى على أنبيائه من الكتب من قبلهم، ومن بعدهم، وفي تقديم\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٥٣.\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار، برقم ١٠١٥.","vol":"1","page":147},{"text":"الإيمان باللَّه «لأنّه هو أصل كلّ شيءٍ، ومقدّم على كل شيء، والإيمان باللَّه تعالى يتضمّن أمورًا: الأول: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيّته، والإيمان بأسمائه، وصفاته جلّ وعلا» (١).\n﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسولَ﴾: أي امتثلنا بما أتى به ظاهرًا وباطنًا، وهذا هو ثمرة الإيمان، والاتّباع، والإذعان، فجمعوا في دعائهم عدّة توسّلاتٍ عظيمة: توسّلًا بربوبيته، وبإيمانهم، وعملهم الصالح بين دعائهم، وطلبهم، استمطارًا لسحائب الإجابة منه - ﷿ -.\n﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: هذه الغاية عندهم بعد تقديمهم الوسيلة: «فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقروا لك بالتوحيد، وصدَّقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم، فيما تكرمهم من كرامتك، وأحلّنا محلّهم ...» (٢).\nويدخل في ذلك دخولًا أوليًّا أمتنا أمة الحق والوسط، وهذا إخبار ربّ العالمين، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣)؛ لأنها هي آخر الأمم.\nقال شيخ المفسرين الطبري: «يعرف خلقه - جل ثناؤه- بذلك سبيل الذين رضي أقوالهم وأفعالهم: ليحتذوا طريقهم، ويتبعوا\n_________\n(١) تفسير سورة آل عمران لابن عثيمين ﵀، ١/ ٤٨٣.\n(٢) تفسير سورة آل عمران لابن عثيمين ﵀، ١/ ٤٨٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.","vol":"1","page":148},{"text":"منهاجهم، فيصلوا إلى مثل الذي وصلوا إليه من درجات كرامتهم» (١).\nتضمّن هذا الدعاء من الآداب والفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>١ - «إنّ الإيمان لا بد له من اتباع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>٢ - إنّه يجب أن يكون الإيمان شاملًا لكل ما أنزل اللَّه تعالى» </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>٣ - «إنّ إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان أو بالإسلام</span>، وما أشبه ذلك لا يعد من الرياء، لا سيما في الاتباع؛ لأن في ذلك فائدة، وهي تقوية المتبوع» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>٤ - أهمية التوسل إلى اللَّه ﵎ بأكثر من وسيلة</span>، فقد توسّل الأنبياء إلى اللَّه تعالى بوسيلتين عظيمتين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>أ- الإيمان به</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>ب- واتباع الرسول - ﷺ - في قبول دعوتهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>٥ - الحرص على صحبة الأخيار</span>؛ لأن في ذلك الصلاح في الدنيا، والفلاح في الآخرة، لقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>١١ - ﴿ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا </span>وَثَبِّتْ\n_________\n(١) انظر: جامع البيان، ٢/ ٢٦٤.\n(٢) تفسير سورة آل عمران لابن عثيمين ﵀، ١/ ٣٠٨ - ٣١٣.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) المرجع السابق بتصرف يسير، ١/ ٣١٥.","vol":"1","page":149},{"text":"أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>المفردات: </span>«السّرف: تجاوز الحدّ في كل فعل يفعله الإنسان» (٢).\nفالإسراف: «مجاوزة الحدّ، ومجاوزة الحدّ هي إما في غلو، وإما في تقصير» (٣).\nما زلنا نقتطف من معين كتاب ربنا المبارك من جميل المباني، ودقائق المعاني، كلمات يستعذب بها الفؤاد، وتطيب الألسن، دعوات تتدفق منها الرحمات، والبركات، والخيرات.\nيُبيِّن لنا ربّنا من جميل الإشادة بالمؤمنين الصادقين الصابرين من أتباع الأنبياء والرسل، في الصبر، والثبات، والقوة، في مواضع المحن، وشديد البلاء، حثًّا لنا على الاقتداء بفعلهم ودعائهم، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٤)، فما أصابهم الوهن والجزع، ولا الضعف لصلابتهم في الدين، وقوة يقينهم، فما كان لهم من القول في هذه الشدة إلاّ التضرّع إليه بالدعاء: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ (٥)، أي\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٤٧.\n(٢) المفردات، مادة (سرف).\n(٣) تفسير سورة آل عمران للعلامة ابن عثيمين ﵀، ٢/ ٢٦٥.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٤٦.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٤٧.","vol":"1","page":150},{"text":"استر، وتجاوز عن صغار سيئاتنا، سألوا اللَّه تعالى المغفرة، وهم في أشدّ البلاء: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾، أي وكذلك كبائر ذنوبنا، وإنما أضافوا إلى أنفسهم بهذا السؤال مع أن الظاهر أنهم برآء من التفريط في جنب اللَّه - ﷿ - هضمًا لأنفسهم، واستقصارًا لهممهم (١)، وهذا من كمال العبودية للَّه ربّ العالمين.\nعلموا أنّ الذنوب والإسراف فيها أعظم أسباب الخذلان والخسران، وأنّ التّخلّي عنها من أعظم أسباب النصر، فسألوا ربّهم المغفرة من كل الذنوب، وهذه هي صفات المتقين، فهم في رجاء وخوف، حتى وهم على أسنّة الشدائد والمصائب؛ لكون أكبر همّهم هو التّوجّه إلى اللَّه تعالى بأهمّ المطالب الدنيوية والأخروية، وهي:\n١ - المغفرة للذنوب.\n٢ - وتثبيت الأقدام في مواضع الزّلل.\n٣ - والنّصر والظّفر على أعداء اللَّه تعالى.\nقوله: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾: أي قوِّ قلوبنا على جهادهم؛ لتثبت أقدامنا فلا ننهزم، والأقدام إنما تثبت عند ثبوت قوّة القلب واليقين، والعبد محتاج إلى اللَّه أن يثبّت قدمه في ثلاث مواطن: «أن يثبته في مواطن القتال إذ لو لم يثبته اللَّه لفرّ، وأن يثبته اللَّه عند الشبهات؛ إذ لو لم يثبته اللَّه لزاغ، وأن يثبته اللَّه عند الشهوات، إذ لو لم يثبته اللَّه\n_________\n(١) القرطبي، ٢/ ٥٨٠، وروح المعاني، ٣/ ١٣١.","vol":"1","page":151},{"text":"لهلك» (١).\n﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي اجعل النصر لنا عليهم، فنكون الغالبين، وهم المخذولين، فإنّ النصر لا يستجلب إلاّ منك عزَّ شأنك.\nوفي طلبهم النصر مع كثرتهم المفرطة كما دلّ عليها لفظة (كأيّن) (٢) في الآيات السابقة إيذانًا بأنّهم لا ينظرون إلى كثرتهم، ولا يُعوِّلون عليها، بل يسندون ثباتهم إلى اللَّه تعالى، مع كمال يقينهم بأنّ النّصر من اللَّه جلّ في علاه (٣)، فلمّا جمعوا من عظيم الخصال في عصيب الحال، من الصبر، وترك الوهن، والضعف، والاستكانة، وطلب المغفرة والتوبة، وحسن الأدب في الخضوع بالدعاء، والاستنصار باللَّه تعالى وحده، أجابهم بحسن الثواب جزاءً وفاقًا، فقال عزّ من قائل: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤)، ثواب الدنيا: النّصر، والغنيمة، والتمكين في الأرض، وحسن ثواب الآخرة: هو النعيم الأبدي في روضات الجنّات، وتخصيص ثواب الآخرة بالحسن لتفضيله ومزيّته على كل ثواب ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين أحسنوا العمل،\n_________\n(١) تفسير سورة آل عمران، لابن عثيمين، ٢/ ٢٦٦.\n(٢) (كأيّن): التي تفيد الكثرة.\n(٣) روح المعاني، ٣/ ١٣١ - ١٣٢.\n(٤) سورة آل عمران، الآية ١٤٨.","vol":"1","page":152},{"text":"والقول، والفعل، فنالوا أفضل المحابّ، ومحبته تعالى هي صفة فعليَّة من صفاته العليَّة التي تليق به - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>الفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>١ - «أنّ الإنسان مفتقر إلى اللَّه تعالى غاية الافتقار</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>٢ - ينبغي للإنسان أن يدعو اللَّه تعالى بهذا الدعاء</span>، لا سيّما عند ملاقاة الكفار، حتى ينتصر عليهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>٣ - أن الإنسان لا يخلو من الإسراف على نفسه: </span>إمّا في غلو، وإمّا في تقصير» (١)، فينبغي له الإكثار من هذا الدعاء؛ لأنه مناسب لحاله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>٤ - أنّ البسط في الدعاء أفضل من اختصاره</span>؛ فإنهم لو قالوا: (اغفر لنا) لكفى المعنى، ولكن بسطوا في الدعاء في قولهم: (اغفر لنا)، أي للصغائر: (إسرافنا) للكبائر؛ لأن الدعاء مقام عظيم في العبودية، فكلما أكثر العبد منه، وبالغ فيه، زادت عبوديته لربّه تعالى، وهذا منتهى العبادات والمقامات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>٥ - أنّ الذنوب سبب للخذلان والهوان</span>؛ ولهذا سألوا اللَّه تعالى إزالتها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>٦ - أنّ الدعاء من أعظم الأسباب لحصول المرغوب</span>، ودفع المكروه؛ لقوله: (فآتاهم)، فرتّب الثواب على الدعاء بـ (الفاء) التي تفيد التعقيب، والترتيب، والسبب.\n_________\n(١) تفسير آل عمران، ٢/ ٢٦٧.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>٧ - ينبغي للعبد ألاّ يتّكل على الأسباب ذاتها</span>، بل على خالقها وموجدها،: «فهم على كثرتهم لم ينظروا إلى كثرتهم، ولا يعوّلون عليها، بل يسندون ثباتهم ونصرهم إلى اللَّه تعالى» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>١٢ - ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * </span>رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٢).\nسبحانك: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة، وأصله من التنزيه والإبعاد عن السوء (٣).\nالأبرار: جمع بر، والبرّ هو: التوسّع في فعل الخير (٤).\nوالخزي: الذلّ والهوان (٥).\n_________\n(١) روح المعاني، ٣/ ١٣١.\n(٢) سورة آل عمران، الآيات: ١٩١ - ١٩٤.\n(٣) تفسير سورة آل عمران لابن عثيمين، ٢/ ٥٤٣.\n(٤) مفردات القرآن، مادة (بر).\n(٥) المصدر نفسه، مادة (خزي).","vol":"1","page":154},{"text":"هذه الدعوات الجليلة من أهل الإيمان، ينبغي للعبد أن يقف رويدًا عندها بالتأمل والتدبر بما حوته من عظيم المنافع في مسائل الإيمان والمعاد.\nفقد جاء عن ابن عمر ﵄ أنّه قال لأُمِّنَا الصدّيقة بنت الصدّيق ﵄: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِيهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: فَسَكَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِيِ قَالَ: (يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي)، قُلْتُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَك، وَأُحِبُّ مَا يَسُرُّك، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: وَكَانَ جَالِسًا، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غُفِرَ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» (١). إنه موقف عظيم للنبي - ﷺ -، ينبغي للعبد أن يتأمّل جيّدًا في هذا الخلق العظيم العجيب في أقطار السموات والأرض، وما يسمو به ذلك من المعارف، والإيمان، والحبّ، والتعظيم، والذكر الكثير لله ربّ العالمين.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ\n_________\n(١) رواه ابن حبان في صحيحه، ٢/ ٣٨٦، برقم ٦٢٠، وقال عنه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ١٠٦، برقم ٦٨،: «إسناده جيد».","vol":"1","page":155},{"text":"وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١).\nأي: «هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت، وبحار، وجبال، وقفار، وأشجار، ونبات، وزروع، وثمار.\n﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أي تعاقبهما، وتعارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا، وتارة يقصر هذا، ثمّ يعتدلان.\n﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقول التامّة الذكيّة التي تدرك الأشياء بحقائقها على جليّاتها» (٢).\nثم وصف أصحاب العقول السليمة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أي: يذكرون اللَّه في كلّ أحوالهم، وأوقاتهم سرًَّا وعلانية.\n﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يتأمّلون في عظيم خلقه، وبديع صنعه، فدلّ هذا على أنّ التفكّر في خلق السموات والأرض من صفات أولياء اللَّه تعالى؛ لأنهم إذا تفكّروا بها، وتدبروا في خلقها العجيب، أثمر لهم برد اليقين، وقوّة التسليم بأن اللَّه تعالى خلق هذه الأجرام بالحق الذي يسمو منه الحكم الباهرة، فقالوا:\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآيتان: ١٩٠ - ١٩١.\n(٢) تفسير ابن كثير، ١/ ٥٥٩.","vol":"1","page":156},{"text":"﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، أي: لم تخلقه عبثًا لكمال حكمتك، وسعة علمك.\n﴿سُبْحَانَكَ﴾: من «التسبيح، وهو التنزيه، والإبعاد عن السوء، والذي ينزه اللَّه تعالى عنه شيئان: (النقص)، (ومماثلة المخلوقات») (١)، أي: ننزهك عن كل نقص وعيب، ومن ذلك أن تخلق شيئًا عبثًا لا حكمة فيه، فإن خلقك وفعلك كامل من كل الوجوه، لكمال حكمتك وحمدك وجلالك، وهذا يدلّ على حسن توسّلهم حال دعائهم.\n﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: قدّموا التنزيه المتضمّن لكل كمال قبل السؤال لشدّة رجائهم في الوقاية من هذا المهلك الرهيب، توسّلوا إليه تعالى أن يبعد عنهم أشدّ الشرّ وأعظمه، ثم بيّنوا علة سؤالهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: أي من أدخلته النار فقد أهنته، وأخزيته أمام الجميع في المحشر، وهذا الخزي العظيم الذي لا نصير لهم في هذا اليوم العظيم، ذكروا هذا الكلام في سياق الأخبار متضمنًا لسؤالهم اللَّه تعالى الوقاية من النار.\n﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾: أي داعيًا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول محمد - ﷺ -، وقيل: المنادي هو كتاب اللَّه تعالى، وكلاهما صحيح ومتعيّن: «وهذا صريح في\n_________\n(١) تفسير آل عمران للعلامة ابن عثيمين ﵀، ٢/ ٥٤٣ - ٥٤٨).","vol":"1","page":157},{"text":"الإيمان بالرسول والمرسل» (١)؛ لأن «عامّة ألفاظ القرآن تدلّ على معنيين فأكثر» (٢).\n﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾: في هذا إخبار منهم بمنَّة اللَّه عليهم بالإيمان، فقدَّموا هذا التوسّل ليكون وسيلة إلى الغاية العظيمة المرجوَّة عندهم من المغفرة والنجاة في الدار الآخرة.\n﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: أي بسبب إيماننا اغفر لنا ذنوبنا، وهذا من حسن توسّلهم إلى اللَّه تعالى، حيث توسّلوا للَّه بأفضل أعمالهم، وهو إيمانهم به تعالى، والإيمان به يعني: الإيمان:\n١ - بوجوده.\n٢ - وربوبيته.\n٣ - وألوهيته.\n٤ - وأسمائه، وصفاته، وأفعاله.\nففي تكرير النداء إظهار لكمال التضرع والخضوع، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه الداعي من الضراعة والرغبة والرهبة في دعائه إلى مولاه - ﷿ -، فإن ذلك أرجى في الإجابة والقبول.\n﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: الذنوب طلبوا مغفرتها، والسيئات طلبوا\n_________\n(١) الضوء المنير على التفسير للصالحي، ٢/ ١٦٠.\n(٢) مجموع الفتاوى، ١٥/ ١١.","vol":"1","page":158},{"text":"تكفيرها؛ لأن الذنوب هي: الكبائر، والسيئات هي الصغائر (١).\n﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: طلبوا المغفرة من صغائر الذنوب، بعد أن سألوا المغفرة لكبار ذنوبهم، يدلّ على بسطهم في دعائهم لهذا المطلب الجليل، وقد بيّنا أهمية البسط في الدعاء سابقًا.\n﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: طلبوا الوفاة مع الأبرار وجملتهم، فتضمن هذا الدعاء سؤال اللَّه التوفيق لفعل الخير، وترك الشرّ، الذي به يكون العبد من الأبرار.\n﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾: وفي تكرير النداء بربوبية اللَّه تعالى إظهارًا لكثرة تضرعهم، وإلحاحهم المؤمّل منه الإجابة والقبول، وهذا يدل على كمال إيمانهم، وعبوديتهم لربهم جلّ وعلا.\nسألوا اللَّه ﵎ أن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة الرسل من النصر والتمكين في الأرض، والفوز برضوان اللَّه تعالى، وجنانه في دار الآخرة، ثم أكّدوا ذلك متوسّلين أنّه لا يخلف الميعاد؛ لكمال صدقه في قوله ووعده، وكمال قدرته جلّ وعلا، كما قال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ (٢)، وقال عزّ من قائل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٣)، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا\n_________\n(١) تفسير آل عمران للعلامة ابن عثيمين ﵀، ٢/ ٥٥٥.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٤٧.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٢٢.","vol":"1","page":159},{"text":"وَعَدْلًا﴾ (١)؛ لأن إخلاف الوعد إما أن يكون لكذب الواعد، وإما أن يكون لعجز الواعد، وكلا الأمرين منتفيين عن اللَّه جلّ وعلا (٢).\nثم بيّن - ﷾ - من سننه القويمة التي لا تتغيّر ولا تتبدّل، كما قال عزّ شأنه: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (٣)، أنه يجيب من دعاه، ولاذ ببابه، وبجنابه العظيم.\n﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ الآيات ... أكّد - ﷾ - بالإجابة السريعة (كما دلّت الفاء)، والعظيمة بحصول مطلوبهم، كما دلّ على ذلك حرف (الفاء)، و(السين)، و(التاء) الذي يفيد المبالغة، والتأكيد (٤).\n«وقوله: (ربهم)، ولم يقل اللَّه: (لأنهم كانوا يدعون بقولهم: ﴿رَبَّنَا﴾، فالموقع هنا يقتضي الربوبية، وهي هنا ربوبية خاصة؛ لأن ربوبيته تعالى تنقسم إلى قسمين: عامّة وخاصّة، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، «ومقتضى الربوبية العامّة مطلق التصرف، ومقتضى الربوبية الخاصّة النصر، والتأييد، و[الحفظ]» (٥).\nوهذه الآيات البيّنات المشتملة على حسن الدعوات التي دعا بها\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١١٥.\n(٢) تفسير آل عمران، لابن عثيمين، ٢/ ٥٦٥.\n(٣) سورة فاطر، الآية: ٤٣.\n(٤) تفسير الطاهر بن عاشور، ٣/ ٢٠٢.\n(٥) تفسير آل عمران لابن عثيمين، ٢/ ٥٦٨.","vol":"1","page":160},{"text":"أُلو الألباب تحث العبد على الاجتهاد في الإكثار من الدعاء بها بتضرّعٍ وتذلّلٍ، ومما يدلّ على أهميتها ما ثبت عن النبي - ﷺ -: أنه كان يقرؤها إذا قام من الليل (١).\nتضمّنت هذه الدعوات الكثير من الفوائد المهمّة والجليلة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>١ - الحث على التأمّل في خلق السموات والأرض</span>؛ لأنّ اللَّه تعالى ذكر فيهما آيات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>٢ - إنّ التأمّل في خلق اللَّه تعالى يثمر حسن العبادة: </span>من الذكر، والتضرّع، والدّعاء، وزيادة الإيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>٣ - «فضيلة إدامة ذكر اللَّه - ﷿ - على كل حال</span>، وأنه من لوازم العقل ومقتضياته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>٤ - انتفاء الباطل في خلق اللَّه تعالى نصًّا مطلقًا</span>، وإذا انتفى الباطل ثبت الحقّ في مقابله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>٥ - إثبات ما أثبته أهل السنة: </span>أن الصفات المنفية لا يُراد بها مجرد النفي، وإنما يُراد بها النفي مع إثبات كمال الضدّ.\n_________\n(١) أخرج الإمام البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ...﴾ أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ قَعَدَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ، فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ». ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ١٩١ (٧٦٣).","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>٦ - تنزيه اللَّه جلّ وعلا عن كلّ عيبٍ ونقصٍ</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>٧ - إنّ صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء من الوقاية من النار</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>٨ - إثبات التوسّل في الدّعاء بصفات اللَّه تعالى</span>، من قوله: ﴿فَقِنَا﴾؛ لأنهم بنوا ﴿فَقِنَا﴾ على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾ يعني أننا نتوسل إلى اللَّه - ﷿ - بتَنَزُّهِهِ عن النقص أن يقينا من النار» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>٩ - إن الدّعاء كما يكون بصيغة الطلب</span>، يكون كذلك بصيغة الخبر المتضمّن للطلب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَه﴾ أي: لا تخزنا فتدخلنا النار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>١٠ - إن سؤال اللَّه تعالى في مطالب الدِّين والدار الآخرة </span>هي أفضل المطالب، وأعلى المراتب في الدعاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>١١ - فضيلة البسط في الدعاء على الاختصار</span>؛ لأنه مقام عبودية، فكلما كثّره وطوّله العبد ازداد عبودية، وقربةً، وشوقًا إلى اللَّه تعالى؛ ولأنه يدلّ على الإلحاح الذي هو من موجبات الإجابة، فكل هذه الأسباب وغيرها تجعل الدعاء أكثر استجابة وقربة إلى اللَّه تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>١٢ - يحسن بالداعي أن يذكر بعض منن وآلاء اللَّه تعالى </span>عليه حال دعائه لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾.\n_________\n(١) تفسير سورة آل عمران للعلامة ابن عثيمين، ٢/ ٥٤٤ - ٥٥١، و٢/ ٥٥٧.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>١٣ - «إنّ ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه</span>، لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>١٤ - جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة</span>؛ لقوله ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>١٥ - أهمية التوسل إلى اللَّه بأسمائه كما في تكرارهم في توسلهم </span>لهذا الاسم الجليل «الرب».\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>١٦ - وكذلك التوسّل إليه تعالى بصفاته</span>، كما في قوله: (فَقِنَا)، وكذلك بصدق وعده: ﴿مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾، وهما صفتان فعليتان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>١٧ - من حسن الدعاء ذكر علّة السؤال</span>؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، وكقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: ما سألناك أن تعطينا إلا لأنك لا تخلف الميعاد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>١٨ - إن كثرة الثناء مع التوسّلات الجليلة بين يدي الدعاء من أعظم أسباب الإجابة</span>، وسرعة إعطاء المطلوب، كما يظهر في ثنائهم وتوسلاتهم، وما أفاد قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>١٩ - مشروعية التوسّل إلى اللَّه بصفاته المنفية </span>كما في: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، وقوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾، فيتوسل بها كما\n_________\n(١) المصدر السابق نفسه.","vol":"1","page":163},{"text":"يتوسل بصفات الإثبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>٢٠ - فيه ظهور كمال أسماء اللَّه تعالى وصفاته </span>... من سعة الكرم، والفضل، والعلم، والسمع، والإجابة، والقدرة، وكثرة المتعلقات، والآثار لهذه الأسماء والصفات في الخلق، وهذا من أعظم آثار وثمرات الأسماء والصفات في الخلق والكون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>١٣ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ </span>(١).\nلقد استوفينا شرحًا لمثيلتها من (سورة آل عمران) فارجع إليها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>١٤ - ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ </span>(٣).\nهذه الدعوة المباركة من دعاء أبوينا ﵉، فهي الدعوات العظيمة المهمة لما حوته من عظيم المقاصد، والمدلولات الجليلة في كيفية التوبة والأوبة، من الذنوب والمعاصي، فذكرها ربنا - ﷻ -؛لتكون لنا نبراسًا وهديًا مستقيمًا، نستهلّ به دعاءنا في حياتنا الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>المفردات: </span>(الربّ): هو المربّي، والمدبّر، والمُصلح، والسيّد،\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٨٣.\n(٢) انظر: ص١٤٨ من هذا الكتاب.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":164},{"text":"والمالك، والمنعم (١).\nالظلم: «وضع الشيء في غير محلّه المختصّ به، إمّا بنقصان أو زيادة، أو بعدول عن وقته، أو مكانه، والظلم يقال في مجاوزة الحدّ، ويستعمل في الذنب الكبير، وفي الذنب الصغير» (٢)، ويطلق الظلم على الشرك؛ لأنه أعظم الظلم، وأقبحه، قال تعالى مبيِّنًا لوصايا لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣).\nالمغفرة: هي ستر الذنب، والتجاوز عنه، مأخوذة من (المغفر): الذي يستر به المقاتل رأسه، ويتقي به السهام وغيرها، فالمغفر جامع للستر والوقاية (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>الشرح: </span>«هذا الخبر الذي أخبر اللَّه - ﷿ - عن أبينا آدم من قيله الذي لقَّاه اللَّه تعالى إياه، فقال تائبًا إليه من خطيئته تعريف منه جلّ وعلا ذكره جميع المخاطبين بكتابة كيفية التوبة إليه من الذنوب ... وأن خلاصهم مما هم عليه مقيمون من الضلالة، نظير خلاص أبيهم آدم من خطيئته، فقالا لربهما: يا ربنا فعلنا بأنفسنا من الإساءة إليها بمعصيتك، وخلاف أمرك، وبطاعتنا عدوك فيما لم يكن لنا أن نطيعه\n_________\n(١) النهاية لابن الأثير، ٢/ ١٧٩.\n(٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، ص ٥٣٧.\n(٣) سورة لقمان، الآية: ١٣.\n(٤) انظر: مقاييس اللغة لابن فارس مادة (غفر)، ٤/ ٣٨٥، لسان العرب لابن منظور، ٤/ ٣٢٣، وانظر أيضًا: تفسير سورة آل عمران للعلامة ابن عثيمين ﵀، ١/ ١٩٢.","vol":"1","page":165},{"text":"فيه به بعقوبتك إيَّانا عليه، (وَتَرْحَمْنَا): بتعطّفك علينا، وتركك أخذنا به: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: لنكوننّ من الهالكين (١)، استدلّ بالآية أن الصغائر يعاقب عليها مع اجتناب الكبائر إن لم تغفر (٢)، فغفر اللَّه لهما ذلك: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٣)، وهذه سنّة اللَّه تعالى التي لا تتغير في الصادقين المسرعين في توبتهم إليه بالعفو، والتجاوز، والصفح، وإن كان الذنب عظيمًا.\nقال ابن كثير ﵀: «وهذا اعتراف، ورجوع، وإنابة، وتذلل، وخضوع، واستكانة، وافتقار إليه تعالى، وهذا السرّ ما سرى في أحد من ذرّيته إلا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأخراه» (٤).\n«فمن أشبه آدم بالاعتراف وسؤال المغفرة والندم، والإقلاع، إذا صدرت منه الذنوب، اجتباه ربّه وهداه، ومن أشبه إبليس إذا صدر منه الذنب، لا يزال يزداد من المعاصي؛ فإنه لا يزداد من اللَّه تعالى إلاّ بُعدًا» (٥).\nوفي تقديم طلب المغفرة على الرحمة دلالة دقيقة على أن\n_________\n(١) جامع البيان (تفسير الطبري)، ٣/ ٤٢٧.\n(٢) تفسير أبي السعود، ٢/ ٤٨٦.\n(٣) سورة طه، الآيتان: ١٢١ - ١٢٢.\n(٤) البداية والنهاية، ١/ ١٨٤.\n(٥) تفسير ابن سعدي، ٣/ ١٣.","vol":"1","page":166},{"text":"الرحمة لا تنال إلا بالمغفرة، وهذا التعبير ظاهر في أغلب سياقات الدعاء في القرآن (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>الفوائد المستنبطة من الدعاء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>١ - إن تقديم الاعتراف بالخطأ، وظلم النفس قبل </span>طلب المغفرة هو أرجى في قبول المغفرة والإجابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>٢ - أهميّة التوسّل بربوبية اللَّه تعالى حال الدعاء</span>، كما في تصدير دعائهم بـ (ربّنا) الذي يدلّ على التربية، والعناية، والإصلاح، ومن ذلك إجابة دعائهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>٣ - جمع هذا الدعاء المبارك «أربعة أنواع من التوسّل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>الأول: التوسّل بالربوبية (ربنا)</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>الثاني: التوسّل بحال العبد: (ظلمنا أنفسنا)</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>الثالث: تفويض الأمر إلى اللَّه جلّ وعلا: </span>﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>الرابع: ذكر حال العبد إذا لم تحصل له مغفرة اللَّه ورحمته: </span>﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>٤ - «منّة اللَّه تعالى على آدم بقبول التوبة</span>، فيكون في ذلك منّتان:\n_________\n(١) انظر: الدعاء في القرآن الكريم، ص ٦٧.\n(٢) تفسير سورة البقرة، ابن عثيمين، ١/ ١٣٥.","vol":"1","page":167},{"text":"الأولى: التوفيق للتوبة، والثانية: قبول التوبة» (١)، وهذه منه عامّة لكل من يتوب إلى اللَّه تعالى، فينبغي للعبد أن يشكر ربه إن وفّقه للتوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>٥ - تضمّنت هذه الدعوة أخلص شروط التوبة النّصوح</span>، وهي: ترك الذنب، والندم عليه، والعزيمة مستقبلًا على عدم العودة إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>٦ - هذه الدعوة من أفضل الصيغ في طلب المغفرة</span>؛ لأن ربّنا علّمها أبا البشر، وجُعِلت قرآنًا يُتلى إلى قيام الساعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>٧ - من كمال الدعاء أن يجمع الداعي حال دعائه بين الرغبة والرهبة والتوبة: </span>﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>٨ - من حُسن الدعاء وأدبه أن يكون بصيغة التعريض المتضمّنة للطلب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>٩ - إنّ مطلب المغفرة، والرحمة من أهمّ المطالب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>١٠ - يُستحبّ للدّاعي أن يذكر سبب الدعوة التي يدعو بها: </span>﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>١١ - فيها بيان أن الذنب ينبغي أن يُستعظم، وإن كان صغيرًا</span>؛ فإنه في حقّ العظيم عظيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>١٢ - إنّ الدعاء ملجأ جميع الأنبياء والمرسلين</span>، وأنه لاغنى لأحد\n_________\n(١) المصدر السابق.","vol":"1","page":168},{"text":"عنه من الخلق أجمعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>١٥ - ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ </span>(١).\nهذه دعوة أصحاب الأعراف، «والأعراف: موضع بين الجنة والنار، يشرف على كل منهما، وليس هو موضع استقرار، وإنما هو موضع أُناسٍ تساوت حسناتهم وسيئاتهم، يمكثون فيه مدة كما يشاء اللَّه، ثم يدخلون الجنة، وفي ذلك حِكَمٌ نبَّه اللَّه تعالى عليها ...» (٢).\nوقد ذكر اللَّه - ﷿ - دعوتهم في قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: وإذا صُرفت أبصار أصحاب الأعراف حيال وجوه أصحاب النار، رأوا منظرًا شنيعًا في تشويه اللَّه تعالى لهم، وهَوْلًا فظيعًا في ما هم فيه، فتضرّعوا إلى اللَّه ألاّ يصيبهم ما أصابهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: سألوا اللَّه تعالى أن يُعيذهم من سوء حال الظالمين في النار، وهذا يدلّ على شدّة العذاب المحيط بهم، والعياذ باللَّه تعالى: «وفي وصفهم بـ (الظلم): دون ما هم عليه حينئذٍ من العذاب، وسوء الحال الذي هو الموجب للدعاء إشعارٌ بأنّ المحذور عندهم ليس نفي العذاب فقط؛ بل مع ما يوجبه، ويؤدي إليه من الظلم» (٣) دلالة على سوء هذا الوصف المهين.\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٤٧.\n(٢) المواهب الربانية، ص ٣٧.\n(٣) تفسير أبي السعود، ٢/ ٤٩٦.","vol":"1","page":169},{"text":"ولما كان اللَّه تعالى «قد قضى أنّ أصحاب الأعراف سيدخلون الجنّة، جعل الطمع والرجاء في قلوبهم، والدعاء أن يجيرهم من النار، ولا يجعلهم مع القوم الظالمين في ألسنتهم، والدعاء مع الرجاء والطمع لا تتخلف عند الإجابة» (١).\nفالمؤمن ينبغي له أن يلازم سؤال اللَّه تعالى ألاّ يجعله مع القوم الظالمين في الدنيا ولا في الآخرة، فينبغي له أن يفارقهم، ولا يجاورهم في الدنيا، حتى لا يحوطه من العذاب ما يحوطهم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٢).\nوحتى لا يكون معهم في الآخرة لما هم فيه من سوء المكان من العذاب المهين، فالنجاة في الابتعاد عنهم، والتمسك بصراط اللَّه تعالى المستقيم.\nتضمّنت هذه الدعوة جُملًا من الفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>١ - ينبغي للعبد أن يجتنب كلّ ما يُؤدّي - والعياذ للَّه - إلى سوء المآل والحال </span>إلى جهنم وبئس المصير من الأقوال والأفعال والأخلاق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>٢ - ينبغي الإكثار من هذه الدعوة المهمّة</span>؛ لأنّها تضمّنت الاستعاذة من أسوأ الخصال التي تورد سوء المآل.\n_________\n(١) المواهب الربانية، ص ٣٨.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>٣ - أهمّية الدعاء، فلا غِنى للخلائق عنه حتى في الدار الآخرة</span>، فما استجلب النعم، ودفعت النقم بمثله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>٤ - دلّت هذه الدعوة على المبالغة في سؤال اللَّه تعالى مجانبة الظالمين</span>، كما دلّ قوله: (مع)، ولم يقل (من) دلالة على شدّة المباعدة؛ فإن السؤال ألاّ يكون معهم آكد في توكيد اللفظ والمعنى، ألاّ يكون منهم من باب أولى. واللَّه تعالى أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>١٦ - اللَّهُمَّ ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ* </span>وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١).\nهذه الدعوة المباركة من دعوات موسى - ﵇ - تحمل في طيّاتها من كمال الآداب الجميلة، والمطالب الجليلة، التي يحسن بالداعي فهم معانيها ومضامينها، حتى يدعو ربّه الكريم بأجمل المباني، وأجلّ المعاني، وقدّم المؤلف حفظه اللَّه (اللَّهم)، ومعناها: يا اللَّه، حتى تتناسب في البدء بالدعاء أدبًا وكمالًا، فبدأ - ﵇ - بالثناء على اللَّه ﵎ بدءًا بضمير الفصل (أنت) الذي يفيد: «التوكيد، والحصر، وإزالة اللبس بين الصفة والخبر» (٢)، فقال: أنت القائم\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآيتان: ١٥٥ - ١٥٦.\n(٢) تفسير سورة البقرة لابن عثيمين، ١/ ١٠٢.","vol":"1","page":171},{"text":"بأمورنا الدنيوية والأخروية، وأنت ناصرنا، وحافظنا، لا غيرك (١)، قدّم ذكر ولايته تعالى لهم على المغفرة؛ ليكون أدعى للإجابة، وتمهيدًا لطلب المغفرة والرحمة، وهذا من حُسن أدبه في الدعاء لربه - ﷿ -، وكذلك في اختياره التوسّل إلى اللَّه تعالى باسم من أسمائه تعالى الحسنى، وهو (الوليّ): الذي له تعالى الولاية العامة على كل الخلائق: بالخلق، والتدبير، والرزق، والتصريف، وله الولاية الخاصّة لأوليائه: من الحفظ، والعناية، والرعاية، والنصرة على عدوّهم، وهذه الولاية التي سألها موسى - ﵇ -.\nوفي تقديم طلب المغفرة قبل الرحمة، من باب التخلية قبل التحلية؛ لأن التخلية أهمّ من التحلية (٢).\nوقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: اعتراض تذييلي مقرر لما قبله من الدعاء، وتخصيص المغفرة بالذكر؛ لأنها الأهم بحسب المقام (٣).\nأي أنّ كلّ «غافر سواك، إنما يغفر لغرض، كحب الثناء، ودفع الضرر، أما أنت فإنك تغفر لا لطلب عوض، ولا غرض، بل لمحض الفضل والكرم» (٤).\n_________\n(١) تفسير أبي السعود، ٣/ ٣٦.\n(٢) روح المعاني، ٦/ ١١١.\n(٣) تفسير أبي السعود، ٣/ ٣٦.\n(٤) روح المعاني، ٦/ ١١١.","vol":"1","page":172},{"text":"والغفر - كما تقدم مرارًا- هو: «الستر، وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قُرنت مع الغفر يُراد بها أن لا يُوقعه في مثله في المستقبل» (١).\nثم شرع سؤال خيري الدنيا والآخرة بأوجز لفظٍ، وأشمل معنى، فقال - ﵇ -: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فقوله: (اكتب): طلب ذلك بفعل الكتابة لإفادة معنى الثبات والتجدد، قال ابن عاشور ﵀: «لمعنى العطاء المحقّق حصوله، المجدد مرة بعد مرة؛ لأن الذي يريد تحقيق عقد، وعدة، أو عطاء، وتعلقه بالتجدد في المستقبل يكتب به في صحيفته، ولو كان العطاء أو التعاقد لمرة واحدة لم يحتج للكتابة، فالمعنى آتنا الحسنة تلو الحسنة في أزمان حياتنا، ويوم القيامة» (٢).\nوقد تقدم سابقًا في تفسير معنى الحسنة في سورة البقرة، وهي كلمة جامعة لكل ما يتمنّاه العبد في دينه، ودنياه، وآخرته.\nثم ختم دعاءه بقوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: أي تبنا، وأنبنا إليك، في جميع أحوالنا: «والجملة مستأنفة مسوق لتعليل الدعاء؛ فإن التوبة مما يوجب قبول الوعد المحتوم» (٣).\nوهي من أهم مؤكدات قبول وإجابة الدعاء، فَحَسُنَ الختام بها.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ص ٦٤٦.\n(٢) التحرير والتنوير، ٨/ ٣١٠.\n(٣) تفسير أبي السعود، ٣/ ٣٦.","vol":"1","page":173},{"text":"الفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>١ - ينبغي للداعي أن يختار في دعائه لربه ﵎ أنبل الألفاظ</span>، وأجمل المعاني والتعظيم مثل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>أ- ضمير الفصل (أنت)</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>ب- توسّل باسم من أسمائه الحسنى (الولي) </span>كما في قوله: (وليّنا).\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>ج- ومن الأسماء المضافة (خير الغافرين)</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>د- التأكيد والعزم على التوبة، والأوبة: (إنا هدنا إليك)</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>٢ - العناية بأجلّ المطالب والمقاصد في الدنيا والآخرة حال الدعاء</span>، وهي: طلب المغفرة، والرحمة: (فاغفر لنا وارحمنا).\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>١٧ - ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ </span>(١).\nحسب: يستعمل في معنى الكفاية (حسبنا اللَّه) أي: كافينا (٢).\nهذا الدعاء المبارك الذي أمر - ﷾ - نبي الرحمة - ﷺ - أن يقوله إذا تولى عنه المعرضون بما جاءهم من الحق والهدى والصراط المستقيم، ولم يقبلوا منه النصيحة، ولا الموعظة الحقة أن يستعين\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١٢٩.\n(٢) مفردات القرآن للراغب، مادة (حسب).","vol":"1","page":174},{"text":"باللَّه عليهم في الدعاء، والتوكل عليه، وقبل أن نشرح هذا الدعاء ينبغي أن نعلم أن الدعاء يُطلق على نوعين اثنين:\n١ - دعاء مسألة وطلب.\n٢ - دعاء العبادة، وهذا يدخل في كلّ ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير اللَّه، والثناء على الداعين يتناول هذين النوعين، وكلاهما متلازمان، فالداعي دعاء المسألة يستلزم دعاء العبادة، وبالعكس، فالداعي دعاء العبادة هو مُتعبِّدٌ للَّه تعالى، طالبٌ وداعٍ دعاء بلسان مقاله، ولسان حاله ربه، قبول تلك العبادة، والإثابة عليها، والداعي دعاء المسألة، هو كذلك داعٍ للَّه تعالى بلسانه وحاله إن اللَّه يقبل دعاءه، ويثيبه عليه.\n﴿حَسْبِي اللَّهُ﴾: أي كافيني ربي من جميع ما أهمّني.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾: لا معبود بحقٍّ إلاّ هو، تضمّنت هذه الكلمة العظيمة التي عليها الفلاح والنجاح: نفي وإثبات، (لا إله) نفي لكل الآلهة التي تُعبد من دون اللَّه ﵎: (إلاَّ هو) إثبات في تخصيص العبودية له جلّ وعلا بالحق، دون أحدٍ سواه.\n﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾:التوكل: هو اعتماد القلب على اللَّه وحده، وسكونه، وعدم اضطرابه؛ أي: اعتمدت عليه، ووثقت به وحده في جلب ما ينفع، ودفع ما يضر، وفي تقديم (عليه) للحصر والقصر:","vol":"1","page":175},{"text":"أي لا أعتمد إلا عليه وحده عزَّ شأنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>والتوكل يقوم على ركنين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>الركن الأول: اعتماد القلب على اللَّه تعالى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>الركن الثاني: العمل بالأسباب</span>.\n﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: أي هو مالك أعظم المخلوقات على الإطلاق المحيط بكل شيء الذي هو سقف المخلوقات، وعليه استوى كما يليق به جلّ وعلا، فدونه من المخلوقات داخلون في ربوبيته، وملكه من باب أولى.\nوهذا الدعاء، وإن كان من باب الإخبار، إلا أنه متضمّن للسؤال والطلب، كما بيّنا سابقًا، وكأنّ حال السائل يقول: اكفني يا ربي من كل شيء يهمّني، ويخيفني، فتضمّن هذا الدعاء كمال حُسن الظن، واليقين باللَّه، وتوحيده، والتوكّل عليه، والثناء له، في ملكوته لكل شيء، فهو المستحقّ أن يفزع، ويرجع إليه في كل الأمور.\nوقد جاء في فضل هذا الدعاء المبارك من حديث أبي الدرداء - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مَنْ قالَ فِي كُلّ يَوْمٍ حِينَ يُصْبحُ، وَحِينَ يُمْسِي: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ سَبْعَ مَرَّاتٍ كَفَاهُ اللَّهُ تَعالى ما أهمَّهُ مِنْ أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ» (١).\n_________\n(١) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة، ص ١٣٢، وابن عساكر، ٣٦/ ١٩٦، وصحح إسناده الأرناؤوط في زاد المعاد، ٢/ ٣٧ موقوفًا، وحسّنه سليم الهلالي في عمل اليوم والليلة، برقم ٧٢.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>تضمّن هذا الدعاء فوائد كثيرة، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>١ - أهمية هذه الدعوة لما جاء في فضلها من السنة </span>في الكفاية من كل ما يهمّ العبد في دينه ودنياه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>٢ - أنّ على العبد أن يستفرغ كل ما في وسعه من الأسباب الشرعية </span>وغيرها في تحقيق مقصوده، ثم يتوكل عليه جلّ وعلا، وهذا من كمال التوحيد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>٣ - إنّ التوكّل سبب لكفاية اللَّه تعالى للعبد</span>، كما قال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>٤ - فضل كلمة التوحيد، فإنّ فيها النجاة في الدنيا والآخرة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>٥ - أهمية التوسّل إلى اللَّه تعالى بتوحيده، والتوكل عليه</span>، وربوبيته تعالى لأعظم مخلوقاته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>٦ - أن الدعاء كما يكون بصيغة الطلب، يكون كذلك بصيغة الخبر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>٧ - ينبغي للداعي أن يُحسن ظنّه بربه حال دعائه</span>، كما في قوله: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، وهذا من التوسّل، والعمل الصالح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>١٨ - ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * </span>وَنَجِّنَا\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآية: ٣.","vol":"1","page":177},{"text":"بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١).\nهذه الدعوة المباركة ضمن الدعوات الكثيرة التي ذكرت في كتاب ربنا لموسى - ﵇ - مع فرعون كما سبق لما فيها من مقصدٍ عظيمٍ، في شأنٍ مهمّ وخطيرٍ، في كيفية تعامل المؤمن مع الكافرين والظالمين، عند الفتن، والتسلّط عليهم، وأن ملجأهم الأول اللَّه جلّ وعلا في التوكل والإنابة إليه، والالتجاء إليه بالدعاء، والتضرّع، وهذه الدعوة لها شبه من دعوة نوح - ﵇ - وقومه، وقد شرحناها سابقًا.\n«يخبر - ﷾ - أنه لم يؤمن بموسى مع ما جاء به من الآيات البينات، والحجج القاطعات، والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون (٢) من الذرية، وهم الشباب على وجه التخوف منه، ومن ملّته أن يردّوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر» (٣)، كما قال تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ (٤).\nثم أمرهم ﵊ بإخلاص التوكل على اللَّه تعالى:\n_________\n(١) سورة يونس، الآيتان: ٨٥ - ٨٦.\n(٢) وقيل: بني إسرائيل، ورجّحه ابن جرير، والصحيح قول ابن كثير ﵀، لأن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى - ﵇ -، واستبشروا بمجيئه.\n(٣) تفسير ابن كثير، ٢/ ٥٧٩.\n(٤) سورة يونس، الآية: ٨٣.","vol":"1","page":178},{"text":"﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (١):أمرهم - ﵇ - بالتوكل؛ لأن اللَّه تعالى يكفي كل ما يهمّ العبد، ويخافه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) أي: «كافيه، وكثيرًا ما يقرن اللَّه تعالى بين العبادة والتوكل» (٣) لتلازمهما، وأنهما لا ينفكان ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (٤).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «التوكل على اللَّه تعالى نوعان:\nأحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد، وحظوظه الدنيوية، أو دفع مكروهاته، ومصائبه الدنيوية.\nالثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه، ويرضاه من الإيمان، واليقين، والجهاد، والدعوة إليه.\nوفي النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا اللَّه ﵎، فمتى توكّل عليه العبد في النوع الثاني، حقّ توكله كفاه، والنوع الأول تمام الكفاية، ومتى توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضًا، لكن لا يكون له عاقبة المتوكل فيما يحبه ويرضاه» (٥).\nقال لهم موسى إن كنتم صدّقتم باللَّه، وما جاء به من الحقّ، ومن\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ٨٤.\n(٢) سورة الطلاق، الآية: ٣.\n(٣) تفسير ابن كثير، ٢/ ٥٧٩.\n(٤) سورة هود، الآية: ١٢٣.\n(٥) الفوائد، ص ٧٨.","vol":"1","page":179},{"text":"ذلك نصره، فتوكّلوا عليه وحده، كرر الشرط تأكيدًا وبيانًا أن كمال الإيمان بتفويض الأمر إلى اللَّه - ﷿ -، فكان منهم الاستجابة والطاعة الفورية، كما أفادت (الفاء) التعقيبية: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: أسلمنا أمورنا إليه، ورضينا بما كتب علينا من قضائه وقدره الذي كلّه خير.\nوفي تقديمهم التوكل على سؤالهم، فهذا من باب التوسّل إليه بأعمالهم الصالحة.\nولا يخفى «في ترتيب الدعاء على التوكل تلويح بأن حقّ الداعي أن يبني دعاءه على التوكل على اللَّه، فإنه أرجى للإجابة» (١).\n﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: «أي: لا تسلّطهم علينا فيعذبونا حتى يفتنونا عن ديننا، ولا تجعلنا فتنة لهم يفتنون بنا غيرنا، فيقولون لهم: لو كان هؤلاء على حق لما سُلّطنا عليهم وعذبناهم» (٢).\nسألو السلامة والعصمة في دينهم لهم ولغيرهم، وهذا يدلّ على قوة إيمانهم على ما هم فيه من الشدَّة والكُرْبة، وبعد أن دعوا اللَّه تعالى في أن يصون دينهم عن الفساد والهلاك، أتبعوه بسؤال اللَّه السلامة لأنفسهم (٣) من الهلاك والضرّ، فقالوا:\n_________\n(١) تفسير أبي السعود، ٤/ ٦٧٠.\n(٢) تفسير الشوكاني، ٢/ ٤٦٦.\n(٣) انظر: المرجع السابق.","vol":"1","page":180},{"text":"﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: خلّصنا بواسع رحمتك من مجاورة القوم الكافرين، وتخصيص التوسل برحمته؛ لأنّ بها يحصل المطلوب، ويزول المكروه، وفي هذا دليل على اهتمامهم بأمر دينهم فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يستعيذ من مصائب الدين؛ لأنها أشد المصائب والمهالك، «وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا» (١).\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>١ - إن الإيمان الصادق يقتضي التوكل على اللَّه تعالى وحده: </span>﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>٢ - إن الدعاء لا ينافي التوكل على اللَّه تعالى والتقوي به</span>، بل هو أدلُّ على التوجه بالتوكل والاعتماد على اللَّه تعالى، والمؤمن لا يتمنّى البلاء، ولكن يثبت عند اللقاء» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>٣ - أهمية التوسل إلى اللَّه تعالى حال الدعاء</span>، حيث توسلوا إليه بعملهم الصالح: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا)، وتوسلوا إليه باسم من أسمائه الحسنى (رَبَّنَا)، وصفة من صفاته العلا (برحمتك) «نجنا برحمتك».\n_________\n(١) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا علي بن حجر، برقم ٣٥٠٢، والنسائي، كتاب الجمعة، الصلاة قبل الجمعة والإمام على المنبر، برقم ١٠١٥١. وحسّنه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٧٨٣.\n(٢) في ظلال القرآن، ٣/ ١٨١٦.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>٤ - ينبغي الاستعاذة من الفتن لشدة خطورتها على الدين</span>، فقد كان - ﷺ - يأمر بالاستعاذة منها: «تعوَّذوا باللَّه من الفتن: ما ظهر منها، وما بطن» (١)، وكان - ﷺ - يقول في دعائه قبل السلام: «اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>١٩ - ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ </span>وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>المفردات: </span>العَوذ: الالتجاء إلى الغير، والتعلّق به، يقال: عاذ فلان بفلان (٤)، «وحقيقة معناه: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>الشرح: </span>هذه الدعوة المباركة من النبي نوح - ﵇ - بعد أن أهلك اللَّه تعالى ابنه مع الكافرين في الطوفان، سأل ربه سؤال استعلام عن حال ولده الذي غرق: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، برقم ٢٨٦٧.\n(٢) البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، برقم ١٣٧٧، وبنحوه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٨٨.\n(٣) سورة هود، الآية: ٤٧.\n(٤) مفردات ألفاظ القرآن، ص ٥٩٤.\n(٥) بدائع الفوائد، ٢/ ٢٠٠.","vol":"1","page":182},{"text":"وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ (١)، «لعلّه ﵊ حملته الشفقة، وأنّ اللَّه تعالى وعده بالنجاة لأهله، فظن أن الوعد لعمومهم: من آمن، ومن لم يؤمن، فبيّن له تعالى إنه ليس من أهلك الذين وعدتهم بالإجابة» (٢)، فقال تعالى له: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٣)، فقال نوحٌ - ﵇ - نادمًا، وملتمسًا الصفح من ربه: إني أستجير بك، وأحتمي بجنابك من أن أسألك ما ليس لي به علم صحيح بأنه جائز السؤال به لجهلي، وسعة علمك الذي وسع كل شيء.\nوقوله: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾: ما فرط مني من قول، وما صدر عني من فعل بسبب جهلي، لا عن قصدٍ مني، وهذا دأب الصادقين في سرعة التوبة إلى اللَّه تعالى، مخافة أن يدركهم غضبه وعقابه، وطلب المغفرة قبل الرحمة؛ لأن التخلية مقدمة على التحلية.\nثم أعقبها ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾، وتتداركني برحمتك التي وسعت كل شيء ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا في الدنيا بالاحتجاب عن علمك وحكمتك، وخسروا آخرتهم وسعادتهم، فدلّ على أن المغفرة والرحمة سبب لدفع المرهوب، والاستجلاب للمرغوب\n_________\n(١) سورة هود، الآية: ٤٥.\n(٢) تفسير ابن سعدي، ص ٤٢٩.\n(٣) سورة هود، الآية: ٤٦.","vol":"1","page":183},{"text":"المحبوب.\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>وفي هذا الدعاء المبارك آداب مهمّة ينبغي للداعي أن يعتني بها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>١ - ينبغي للداعي أن يتفَقَّه في باب الدعاء حتى يدعو على علمٍ</span>، وبصيرةٍ، وفهمٍ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>٢ - ينبغي للعبد الاعتناء في طلب هذين المقصدين العظيمين: </span>المغفرة، والرحمة حال دعائه، كما في غالب الأدعية؛ لأن فيهما الوقاية والعناية، وذلك أنّ المغفرة هي ستر الذنب، والتجاوز عنه، وهذه هي الوقاية، والرحمة تقتضي الإحسان، والإنعام، والخيرات، وهذه هي العناية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>٣ - أهمية سؤال اللَّه بربوبيته، سواء كان في الطلب أو في الاستعاذة</span>؛ فإنه من مؤكدات الإجابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>٤ - ينبغي للداعي أن يتجنّب الاعتداء في الدعاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>٥ - فيه دلاله على أن العبد مهما كانت منزلته</span>، فإنه مفتقر إلى اللَّه بالتوبة والمغفرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>٦ - ينبغي للداعي أن يعتني بالأدعية الشرعية</span>؛ فإن فيها السلامة من الخلل، والزلل، وفيها كمال المقصد والمقاصد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>٧ - «عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع» </span>(١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الشوكاني، ٣/ ٤٢٨.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>٢٠ - «اللَّهُم يا ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا </span>وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>المفردات:</span>\nفاطر: فطر الشيء يفطره وفطَّره: شقه، وتفطَّر الشيء: تشقّق، وأصل الفطر: الشقَّ طولًا، وجمعه فطور، قال تعالى: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (٢)، أي: اختلال، ووهْيٍ فيه، والفطر والفطرة: الابتداء والاختراع (٣).\nهذه الدعوة المباركة من النبي يوسف الصديق - ﵇ -: «دعا به ربه - ﷿ - لمّا تمّت النعمة عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منَّ اللَّه تعالى به عليه من النبوة والملك، سأل ربه - ﷿ - كما أتمّ نعمته عليه في الدنيا، أن يستمرّ بها عليه في الآخرة، وأن يتوفّاه مسلمًا حين يتوفّاه، وأن يُلحقه بالصالحين، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين» (٤).\nوهذا يدلّنا على أهمية الدعاء، وأنه منهج كل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وأنه ملجؤهم إليه في سرائهم وضرائهم، وفي كل أحوالهم، وأنه ينبغي أن يكون الدعاء ملجأ العبد في حياته\n_________\n(١) انظر: سورة يوسف، الآية: ١٠١،وانظر للفائدة: كتاب الفوائد لابن القيم، ص ٤٣٦، و٤٣٧.\n(٢) سورة الملك، الآية ٣.\n(٣) انظر: الصحاح، ٢/ ٢٨١، واللسان، ٥/ ٣٤٣٢، والمفردات، ص ٦٤.\n(٤) تفسير ابن كثير، ٢/ ٦٢٢.","vol":"1","page":185},{"text":"في جميع شؤونه، وفي كل صغيرة وكبيرة.\nفصدر دعائه بأجمل الألفاظ، وأكمل المعاني، من أسمائه الحسنى، وصفاته العلا.\nفقال: ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي يا خالق السموات والأرض، ومبدعهما، ومبتدئهما من غير مثال سابق.\n﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: مالك كل أموري، وكل أحوالي، في الأولى والآخرة. فسأل اللَّه تعالى الولاية الخاصة التي من مقتضاها: العناية، والرعاية.\n﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾: سأل اللَّه تعالى الثبات على الإسلام حتى يتوفاه عليه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).\nوهذا المطلب الجليل كان المصطفى - ﷺ - يسأله ربه ﵎: «يا وليَّ الإسلام وأهله، مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه» (٢).\nثم سأل ربه تعالى أن يكمل له هذه النعمة في مرافقة الصالحين من أوليائه في جنات النعيم، فقال تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.\nولا يدلّ هذا الدعاء المبارك على أن يوسف - ﵇ - دعا باستعجال\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n(٢) ذكره صاحب العقيدة الطحاوية، ص ٤٢٠، وصححه الشيخ الألباني في الموضع نفسه، كما ذكره الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٨٢٣، وقال: «أخرجه السلفي في الفوائد المنتقاة»، وصححه.","vol":"1","page":186},{"text":"الموت، فإن هذا لا يجوز في شريعتنا (١). كما قال النبي - ﷺ -: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>الفوائد:</span>\n«جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد، والاستسلام للرب - ﷿ -، وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجلّ غايات العبد، وأن ذلك بيد اللَّه تعالى، لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد، وطلب مرافقة السعداء» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>٢١ - ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ </span>(٤).\nهذه من دعوات أبينا إبراهيم - ﵊ - تحمل في طياتها من جليل المعنى، وعظيم المقصد والمطلب في التوسل إلى اللَّه تعالى في الوقاية من أدران الشرك بأنواعه.\n«أي واذكر إبراهيم - ﵇ - في هذه الحالة الجميلة ﴿رَبِّ اجْعَلْ\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ٢/ ٦٦٢.\n(٢) البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء بالموت والحياة، برقم ٦٣٥١، مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨٠.\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ٦٦٣.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٣٥.","vol":"1","page":187},{"text":"هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾: أي الحرم آمنًا، فاستجاب اللَّه دعاءه شرعًا وقدرًا، فحرّمه اللَّه تعالى في الشرع، ويسّر من أسباب حرمته قدرًا ما هو معلوم، حتى إنه لم يُرده ظالم بسوء إلا قصمه اللَّه تعالى، كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم» (١).\nومن خواص هذا المكان المبارك الطيّب الطاهر أنه من أراد به مجرد الإرادة بالسوء والشرّ، فإنّ اللَّه تعالى يذيقه من العذاب الشديد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢).\nوعن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - في قول اللَّه - ﷿ -: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال: لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإِلْحَادٍ وَهُوَ بِعَدَنِ أَبْيَنَ لَأَذَاقَهُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا» (٣).\nولما دعا للبلد الحرام بالأمن، دعا لنفسه ولبنيه بالأمن كذلك، فقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾: أي وأبعدني وبنيّ جانبًا بعيدًا عن عبادتها، «وكان إبراهيم التيمي يقول: من يأمن البلاء بعد الخليل حين يقول: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) كما عبدها أبي وأمي» (٤).\n_________\n(١) الفوائد، ص ٢٠١.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٢٥.\n(٣) مسند الإمام أحمد، ٧/ ٣٤٠، برقم ٤٣١٦، المستدرك، ٢/ ٣٨٨، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقوّى الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة، ١٤/ ١٥٩روايته موقوفًا، وضعف الرواية المرفوعة.\n(٤) تفسير القرطبي، ٥/ ٣٣٣.","vol":"1","page":188},{"text":"فسأل اللَّه تعالى الثبات على التوحيد الصافي النقي، من كل أدران شرك، وكل شائبة تقدح فيه، له ولذريته، بكل شفقة وخوف ورجاء.\nقال ابن كثير ﵀: «ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته» (١).\nفقد تضمّن سؤاله - ﵇ - الأمان وما يضادّه من سلب الإيمان.\nوهذا الدعاء، وإن كان في القرون الغابرة، فمازال ساريًا في عبادة الأصنام إلى يومنا هذا، بل وفي بعض البلاد، التي تنسب إلى الإسلام، ويدخل في هذا الدعاء، كل من عُبد دون اللَّه ﵎، من حجر، أو شجر، أو بشر؛ فلذلك كانت هذه الدعوة في غاية الأهمية في كل زمان، ومكان، وتُتلى في الكتاب الحكيم المعجز إلى قيام الساعة، وهذا من أوجه إعجازه. ثم ذكر الموجب لخوفه منها، وعلى بنيه لكثرة من افتتن وابتلي بعبادتها من البشر: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ وهذا يدل على شدة شفقته على ذريته في مجانبتها، وأن ذلك شغله الشاغل، وهمّه الأكبر، وهذا يدلّنا على أهمية العناية بمسائل التوحيد، وما يضادّه من الشرك والكفر، وأنَّ أصفياء اللَّه تعالى وأنبياءه؛ بل وخليله، يلوذون به تعالى في وقايتهم من الشرك بأنواعه وأشكاله، فيا ليت الدعاة يعتنون بهذا الأمر العظيم في تبليغه للناس، وكذلك كل من له ولاية عامة أو\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ٢/ ٧٢٩.","vol":"1","page":189},{"text":"خاصة، ومن ذلك تعليم الوالدين لأبنائهم عظم هذه الأمور.\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>١ - ينبغي لكل مسلم الإكثار من هذه الدعوة العظيمة</span>؛ لاشتمالها في الاستعاذة من أعظم الذنوب، وأخطر الشرور وهو (الشرك).\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>٢ - ينبغي للداعي أن يبثّ إلى ربه تعالى الشكوى </span>مما يخافه ويخشاه، وأن هذه سنة الأنبياء في الدعاء، كما في قول يعقوب - ﵇ -: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>٣ - ينبغي مجانبة كل الأسباب والأحوال التي تُضلّ العباد </span>عن دينهم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>٤ - ينبغي لكل أحد أن لا يأمن على نفسه وذريته من عظام الذنوب</span>، مهما كان في عبادة وطاعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>٥ - أهمية مسائل التوحيد والعقيدة، وأنه ينبغي للمؤمن الاعتناء بها</span>، ومن جملة ذلك الدعاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>٢٢ - ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ </span>(٢).\nلا يزال ذكر الحديث عن أدعية خليل الرحمن في كتاب ربنا الجامع للخيرات الدنيوية والأخروية التي ينبغي للعبد العناية بها\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ٨٦.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٤٠.","vol":"1","page":190},{"text":"وملازمتها، حيث ذكرها ربنا ﵎ لملازمة الدعاء بها، والعمل بمقاصدها ومضامينها.\nقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاة﴾ أي: يا ربّ اجعلني ممن يحافظ على الصلاة في أوقاتها وأركانها وشروطها، وكل ما يؤدي إلى القيام بكمالها، وخصّ إقامة الصلاة بالدعاء لأهميتها؛ ولكونها شعار الإيمان ورأس الإسلام.\nوقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: واجعل كذلك بعض ذريتي من يقيمها على الوجه الأتمّ والأكمل، وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فمن للتبعيض، وإنما خص بعض ذريته بهذا الدعاء لعلمه بإعلام اللَّه له، أن من ذريته من لا يقيم الصلاة، ويكون بعضهم كفارًا، أو فسقة، أو لا يصلّون (١).\nوهذه الدعوات من خير الدعوات التي يدعو بها العبد المؤمن له ولذريته، فلا أحبّ له من أن يكون مقيمًا للصلاة هو وذريته على الوجه الأكمل والأتم.\nوقوله: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾ أي وتقبّل دعائي، ولا يخفى في تكرار التوسل بربوبية اللَّه تعالى لكمال التضرّع والتذلل بين يدي اللَّه تعالى، «وإظهار أن كل دعوة من هذه الدعوات مقصودة بالذات» (٢).\n_________\n(١) روح المعاني، للألوسي، ٨/ ٣٥١.\n(٢) ابن عاشور، ١/ ٧٠٠.","vol":"1","page":191},{"text":"الفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>١ - أهمية الصلاة، حيث خصّها بالدعاء دون غيرها من العبادات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>٢ - أهمية التوسل حال الدعاء بربوبية اللَّه - ﷿ </span>-؛ لأن إجابة الدعاء من لوازمها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>٣ - أهمية الإلحاح في الدعاء</span>، وأنه من الأسباب العظيمة الموجبة للإجابة، حيث كرّر لفظ الربوبية (مرتين).\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>٤ - ينبغي للداعي أن يكثر من سؤال اللَّه تعالى قبول دعائه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>٥ - «ينبغي لكل داع أن يدعوا لنفسه ولوالديه ولذريته» </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>٦ - ينبغي للداعي أن يكون جُلَّ دعائه في مطالب الدين </span>لأنها هي أهم المقاصد والمطالب التي يكون عليها الفلاح في الدارين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>٧ - أن الدعاء هو ملجأ جميع الأنبياء والمرسلين والصالحين </span>بل الخلق كلهم أجمعين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>٢٣ - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ </span>(٢).\nهذه الدعوة العظيمة من الدعوات الجليلة التي دعا بها خليل الرحمن فيها أعظم المطالب والمقاصد التي عليها النجاة، في الدار الآخرة، وهو طلب المغفرة له ولجميع المؤمنين يدل دلالة جليلة\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ٤/ ٤٣١.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٤١.","vol":"1","page":192},{"text":"على ما أوتيه - ﷺ - من الشفقة لجميع المؤمنين.\nقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي﴾: خصَّ نفسه بالمغفرة، وقدّمها في الدعاء هضمًا لها وشعورًا بالتقصير مما لا يسلم منه البشر.\nقوله: ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ دعا لهما بالمغفرة لعظم حقهما عليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١)، إلا أنه دعا لأبيه بالمغفرة إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلمّا أصرّ على الكفر تبرأ منه قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (٢)، فدلّت الآية الكريمة على عدم جواز الدعاء للمشركين بالمغفرة ما داموا على الكفر، والشرك سواء كان في حياتهم أو بعد مماتهم؛ لكن له أن يدعو لهم بالهداية والتوفيق للإيمان، كما قال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: «باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم» (٣)، ثم ذكر الأدلة في ذلك.\nوقوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾: أي واستر ذنوب المؤمنين، وتجاوز عن سيئاتهم يوم يثبت ويتحقق محاسبة أعمال المكلَّفين على الوجه الأعدل منك، ولا يوجد أعدل منك يا ربنا.\nوفي هذه الدعوة البشارة الكبيرة لكل مؤمن ومؤمنة بالمغفرة؛ لأن\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٢٤.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٤.\n(٣) البخاري، كتاب الجهاد، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألّفهم، قبل الحديث رقم ٢٩٣٧.","vol":"1","page":193},{"text":"اللَّه تعالى لا يرد دعاء خليله فيما سأله، وكذلك بشارة النبي - ﷺ -، فعن عبادة بن الصامت - ﵁ -، قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة» (١)، والحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، فهنيئًا لمن أصابته هذه الدعوة الطيِّبة.\nلذا ينبغي للعبد أن يكثر من هذه الدعوة المباركة الشاملة لكل مؤمنٍ ومؤمنةٍ من لدن آدم إلى قيام الساعة، ويدخل في ذلك الداعي وأهله دخولًا أوليًا.\nقال ابن كثير ﵀: «ينبغي لكلِّ داعٍ أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته» (٢).\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>١ - أهمّية مطلب سؤال اللَّه المغفرة لأنّ عليها السلامة والفلاح </span>في الدنيا والآخرة، حيث خصّ سؤالها خليل الرحمن في دعائه، وذكرها لنا ربنا لنقتدي به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>٢ - ينبغي للداعي أن يجعل نصيبًا في دعائه لوالديه</span>؛ لأنه من كسبهما؛ ولعظيم فضلهما عليه.\n_________\n(١) قال حمدي عبد المجيد السلفي في مسند الشاميين للطبراني، ٣/ ٢٣٤: «أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١٩/ ٩٠٩، وأبو يعلى، ٢/ ٣٤٦، قلت: وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٢١٠، وقال: «رواه الطبراني وإسناده جيد»، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٥/ ٢٤٢، برقم ٥٩٠٢.\n(٢) تفسير ابن كثير، ٤/ ٤٣١.","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>٣ - عِظم الثواب المترتب على هذه الدعوة الطيبة المباركة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>أ-كونها ذكرت في كتاب اللَّه، قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>ب-عِظم أجرها، فإن الداعي ينال بدعائه للمؤمنين </span>بكل مؤمن ومؤمنة حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>جـ-أنها دعوة من خليل الرحمن</span>، واللَّه جلَّ وعلا لا يردّ دعوة خليله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>د- أنها دعوة مستجابة</span>، فإنّ دعوة المرء المسلم لأخيه المسلم بالغيب مستجابة كما تقدّم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>٤ - ينبغي للداعي أن يكون له حظ من دعواته لإخوانه المؤمنين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>٥ - أنّ الإكثار من هذه الدعوة توجب المحبة</span>، وكمال الأخوة بين المؤمنين، وهذا من مقاصد الشارع الحكيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>٦ - يستحبّ للداعي أن يبدأ بنفسه حال دعائه</span>، كما قال - ﷾ - لنبيه - ﷺ -: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١)، هذا في الأغلب، وذلك أنه ثبت عنه - ﷺ - أنه دعا ولم يبدأ بنفسه، كدعائه لأنس وابن عباس وغيرهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>٧ - ينبغي للداعي أن يكون أكثر دعائه في أمور الآخرة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>٨ - أهميّة الأدعية الشرعية</span>؛ فإنّ فيها عظيم المقاصد والمعاني التي تجمع كل مطالب الدنيا والآخرة التي يتمنّاه العبد بأوجز لفظ،\n_________\n(١) سورة محمد، الآية: ١٩.","vol":"1","page":195},{"text":"وأجمل عبارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>٢٤ - ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>المفردات:</span>\n(الهيئة): هي «الحالة التي يكون عليها الشيء محسوسة كانت أو معقولة» (٢).\n«وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء، أي أصلح ورتب» (٣).\n«والرشد: خلاف الغي، ويُستعمل استعمال الهداية» (٤).\nوهو: «إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب، والاهتداء إليه» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>الشرح:</span>\n«يخبر ربنا ﵎ عن أولئك الفتية الذين فرّوا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم، فلجأوا إلى غارٍ في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين اللَّه تعالى من رحمته ولطفه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا﴾ (الآية») (٦)، فأفادت هذه الآية «أن وظيفة المؤمن\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ١٠.\n(٢) مفردات الراغب، مادة (هيأ).\n(٣) تفسير أبي السعود، ٤/ ١٧١.\n(٤) مفردات الراغب، مادة (رشد).\n(٥) تفسير أبي السعود، ٤/ ١٧١.\n(٦) تفسير ابن كثير، ٣/ ١٠٥.","vol":"1","page":196},{"text":"التفكر في جميع آيات اللَّه التي دعا اللَّه تعالى العباد إلى التفكر فيها» (١)، المنبثقة في ملكوت السموات والأرض، وأن كل آية تدلّ على كمال وحدانيته جلّ وعلا، وأن آياته لم تخلق عبثًا، وإنما فيها من بديع الحكم ما يستنير منها أهل الإيمان، فيزدادون إيمانًا وهدى، ومفتاح إلى طريق كسب العلم والمعرفة، واليقين إلى كسب العلم والمعرفة.\nفلما فرّوا بدينهم ممن كان يطلبهم من الكافرين، وبذلوا السبب في ذلك اشتغلوا بأهم الأسباب: التضرّع إلى اللَّه واللجوء إليه بالدعاء، فقالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: سألوا اللَّه ﵎ «أنْ يمنَّ عليهم برحمة عظيمة، كما أفاد التنوين في ﴿رَحْمَةً﴾ تناسب عنايته باتّباع الدين الذي أمر به، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾، فإن ﴿مِنْ﴾، تفيد معنى الابتداء، و﴿لَدُنْكَ﴾: تفيد معنى العندية، فذلك أبلغ ما لو قالوا: آتنا رحمة؛ لأن الخلق كلهم بمحل الرحمة» (٢)، فسألوا رحمة خاصة من ربهم جلَّ وعلا تقتضي كمال العناية بهم، وتفيض عليهم من كمال الإحسان والإنعام.\nوقوله: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ أي يسِّر لنا وسهِّل علينا الوصول إلى طريق الهداية والرشاد في الأقوال والأفعال في أمر ديننا ودنيانا.\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي، ٥/ ١٢.\n(٢) تفسير ابن عاشور، ١٥/ ٢٥.","vol":"1","page":197},{"text":"«حيث جمعوا بين السعي والفرار من الفتنة إلى محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرّعهم وسؤالهم اللَّه - ﷿ - تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم، وعلى الخلق» (١)، فجعل اللَّه لهم مخرجًا، ورزقهم من حيث لا يحتسبون، وهي سُنّة اللَّه تعالى التي لا تتبدل مع المتقين الصادقين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢).\nوهذا السؤال من المؤمنين كان أيضًا من هدي المصطفى - ﷺ - في سؤاله لربه - ﷿ -: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَهْدِيكَ لأَرْشَدِ أَمْرِي» (٣)، «وَمَا قَضَيْتَ لِي مِنْ قَضَاءٍ، فَاجْعَلْ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>تضمنت هذه الدعوة المباركة من الفوائد العظيمة الفوائد الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>١ - ينبغي الفرار من الأماكن التي لا يستطيع العبد القيام بدينه فيها</span>، وإن ذلك من أوجب الواجبات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>٢ - «أنَّ من أوى إلى اللَّه تعالى، أواه اللَّه تعالى ولطف به</span>، وجعله\n_________\n(١) تفسير السعدي، ٥/ ١٣.\n(٢) سورة الطلاق، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٣) مسند الإمام أحمد، ٢٦/ ١٩٩، برقم ٢٦٢٩٦، مصنف ابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٨٢، برقم ٣٠٠٠٧، وصحيح ابن حبان، ٣/ ١٨٣، برقم ٩٠١، والدعوات الكبير، للبيهقي، ص ١٤٢، والمعجم الكبير للطبراني، ٩/ ٥٣، برقم ٨٣٦٩، والمعجم الصغير له أيضًا، ٢/ ٨، برقم ٦٨٢، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن، برقم ٢٠٩٥.\n(٤) الأدب المفرد، للبخاري، ص ٢٢٢، ومسند الطيالسي، ٣/ ١٤٨، والدعوات الكبير للبيهقي، ص ٢٨٨، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ٢٤٣.","vol":"1","page":198},{"text":"سببًا لهداية الضالين» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>٣ - أنّ من ترك شيئًا للَّه تعالى عوّضه اللَّه خيرًا منه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>٤ - أنّ من اتّقى اللَّه تعالى جعل اللَّه له مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>٥ - ينبغي للعبد أن يجمع بين الأسباب الدنيوية والشرعية المطلوبة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>٦ - أنّ رحمة اللَّه تعالى نوعان: رحمة عامة لكل الخلق مؤمنهم</span>، وكافرهم، ورحمة خاصة لعباده الصالحين التي تقتضي العناية والتوفيق والهدى والسداد، والعبد يسأل ربه على الدوام أن يمنَّ عليه من خزائن رحمته الخاصة المكنونة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>٧ - أنّ الدّعاء ينبغي أن يستجمع معه بذل الأسباب</span>، فهم سألوا اللَّه تعالى، ثمّ بذلوا الأسباب التي منها فرارهم بدينهم إلى الكهف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>٨ - أن الجزاء من جنس العمل</span>، فهم حفظوا إيمانهم فحفظهم اللَّه تعالى بأبدانهم ودينهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>٩ - أنّ الدعاء وظيفة المؤمن في كل مهماته في حياته</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>١٠ - الإكثار من دعاء اللَّه تعالى بسؤال الرحمة والرشد</span>؛ لأن فيهما الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>١١ - تعظيم الرغبة في الدعاء </span>كما أفاد سؤالهم: ﴿رَحْمَةً﴾ بالتنوين\n_________\n(١) تيسير اللطيف المنان، ص ١٦٣.","vol":"1","page":199},{"text":"التي تدلّ على التعظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>١٢ - أنّ الأدعية الشرعية جمعت وحوت كلّ ما يتمنّاه العبد في دينه ودنياه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>٢٥ - ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* </span>وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (١).\nهذه الدعوة المذكورة في كتاب ربنا ﷻ لنبي اللَّه موسى - ﵇ - سألها اللَّه تعالى، لأمر عظيم وكبير، حين أمره اللَّه تعالى، بدعوة فرعون أعْتَى أهل الأرض كفرًا، وطغيانًا، وأكثر جنودًا وعتادًا، ادّعى الألوهية كذبًا وزورًا؛ ولذلك جاءت قصص موسى - ﵇ - في كتاب اللَّه كثيرة ومتنوعة.\nولما كان هذا الأمر الخطب في غاية الأهمية والخطورة سأل اللَّه تعالى التوفيق إلى بعض المطالب والمقاصد التي تكون له عونًا لدعوته؛ فإن الدعاء هو سلاح المؤمن الذي يستنصر به، فبه تستجلب الخيرات، وتدفع به الشرور، والعبد يسأل ربه محسنًا الظن به، فإن الداعي يُعطَى طلبه على قدر ظنه بربه الكريم، كما قال النبيّ - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﵎: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي» (٢).\n_________\n(١) سورة طه، الآيات: ٢٥ - ٢٨.\n(٢) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:) وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ (، برقم ٧٤٠٥، ومسلم بلفظه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر، والدعاء والتقرب إلى اللَّه تعالى، برقم ٢٦٨٦، ولفظ البخاري: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي»، ومسلم باللفظ نفسه، برقم ٢٦٧٥.","vol":"1","page":200},{"text":"فبدأ بقوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أي وسِّعْه بالنور، والإيمان، والحكمة، حتى أتحمّل الأذى بكل أنواعه القولي والفعلي؛ فإن انشراح الصدر يحوّل مشقّة التكليف إلى راحة، ونعيم، ويسر (١).\nوقوله: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾: أي سهِّل عليَّ كل أمر أسلكه، وكل طريق أقصده في سبيلك، وهوّن عليَّ ما أمامي من الشدائد.\nقال العلامة ابن سعدي ﵀: «ومن تيسير الأمر أن ييسّر للداعي أن يأتي جميع الأمور من أبوابها، ويخاطب كل أحد بما يناسب له، ويدعوه بأقرب الطرق الموصلة إلى قبول قوله» (٢).\nفلمّا كانت أهم وسائل الدعوة إلى اللَّه قدرة الداعي على البيان، والإفهام بالقول قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: ففي هذا طلب التوفيق إلى حسن الكلام في الدعوة إلى اللَّه في خطاب الناس، والتأثير على عقولهم، وعواطفهم بالحكمة بالقول، وإلى الرفق بالفعل.\nوسؤاله - ﵇ - لربه أن يزول عنه (اللثغ) «وذلك حين عرض عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه حين كان صغيرًا\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي، ٥/ ١٥٣.\n(٢) المصدر السابق نفسه.","vol":"1","page":201},{"text":"في بيت آسية زوجة فرعون، ولم يسأل - ﵇ - أن يزول من لسانه بالكلية، بل بحيث يزول العي، ويحصل له فهم ما يُراد منه، وهو قدر الحاجة» (١).\nوبعد أن سأل ربه تعالى من المطالب الأخرى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ بيّن الغاية من هذه المطالب ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ (٢)، وعبّر بقوله: (كَيْ)، والتي تفيد العلية (٣)، أي: سألتك تلك الأمور حتى نذكرك الذكر الكثير من التسبيح والتهليل وغيره.\nفتضمّنت هذه الدعوة المباركة سؤال اللَّه تعالى الإعانة على أمور الدين من العبادة، والطاعة، والذكر، والتسبيح؛ لهذا يندب للداعي ذكر علة دعائه خاصة إذا كان من أمور الدين.\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>١ - فيه بيان لفضيلة الذكر</span>، «فإن مدار العبادات كلها والدين على ذكر اللَّه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>٢ - أنّ الدعاء هو العبادة التي خُلِقَ الخلق من أجلها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>٣ - إن الذكر يعين العبد على القيام بالطاعات وإن شقّت</span>، ويهوّن\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ٣/ ٢٠٤.\n(٢) سورة طه، الآيات: ٢٩ - ٣٥.\n(٣) انظر: القياس في القرآن والسنة النبوية، ص ٣٥١.","vol":"1","page":202},{"text":"عليه الوقوف بين يدي الجبابرة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>٤ - فيه فضيلة التسبيح</span>؛ لأنه عطف الذكر على التسبيح، وهو داخل به من عطف العام على الخاص لعظمة شأنه، وأنه من الأسباب العظيمة من النجاة من المرهوب، وحصول المرغوب، فكانت الأنبياء تلجأ إلى اللَّه في شدائدهم، كما في دعوة يونس: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وكذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (٢)، وأنه تعالى قال لنبيّه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>٥ - إن التعبّد بأسماء اللَّه تعالى وصفاته له أثر عظيم </span>في عبودية العبد لرب العالمين؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾، فإن لكل اسم وصفة عبودية خاصة وثمرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>٦ - أهمية البسط في الدعاء وأنه مطلوب </span>«فكلّما كثّره العبد وطوّله وأعاده ونوّع جمله، كان ذلك أبلغ في العبودية من التذلل، وأقرب له من ربه، وأعظم لثوابه» (٤)، فهو - ﵇ - لم يوجز في دعائه\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٥٨٣، وتيسير اللطيف المنان، للسعدي أيضًا، ص ١٣٥.\n(٢) سورة الصافات، الآية: ١٤٣.\n(٣) سورة الحجر، الآيتان: ٩٧ - ٩٨.\n(٤) جلاء الأفهام، ص ٢٣٠.","vol":"1","page":203},{"text":"كأن يقول: «اللَّهم أعني أو وفقني»، وإنما عدَّد مطالبه وسؤاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>٧ - إنّ مطالب الدِّين هي أعظم المطالب</span>، وأسمى المراتب التي ينبغي لكل داعٍ العناية بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>٨ - ينبغي للداعي أن يجمع مع دعائه لوازمه ومتمماته </span>لكي يبذل الأسباب، والجد بها في نيل مطلوبه؛ فإنه سأل ربه أن يعينه، ثم ذهب إلى دعوته، فجمع بين الدعاء، وأسباب حصول مقصوده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>٢٦ - ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ </span>(١).\nأمر ربنا - ﷿ - نبيّه محمدًا - ﷺ - أن يسأله الزيادة في العلم، والأمر لنبيّنا هو أمر لنا كذلك؛ فإن الخطاب وُجّه إليه - ﷺ -؛ لأنه هو القدوة والأسوة للأمة بأكملها، ومعلوم أن الخطاب للقدوة خطاب لأتباعه من حيث الأصل (٢)، إلا ما خصّه الدليل به دون غيره.\nفقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وقل يا محمد: ربِّ زدني علمًا إلى ما علمتني، أمره بمسألته من فوائد العلم ما لا يعلم (٣).\nفأمره تعالى بزيادة في العلم، وأهمّها علم كتابه الكريم؛ فإنه الموصل إلى الترقّي في العلوم والمعارف والمنافع في الدنيا والآخرة، ولم يأمره - ﷾ - بطلب الزيادة في الشيء إلا في العلم دلالة واضحة على فضيلة العلم، وأنه أفضل الأعمال، «فلم يزل - ﷺ - في\n_________\n(١) سورة طه، الآية: ١١٤.\n(٢) قواعد التفسير، ٢/ ٥٧٩.\n(٣) تفسير الطبري، ٥/ ٣٢٥.","vol":"1","page":204},{"text":"الزيادة والترقي في العلم حتى توفّاه اللَّه تعالى» (١).\nوهذا المطلب كان من مطالب الصحابة - ﵃ -، فكان من دعاء عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: «اللَّهُمَّ زِدْنِي إِيمَانًا وَيَقِينًا وَفَهْمًا، أَوْ قَالَ: وَعِلْمًا» (٢).\nفانهلّ أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها من تلكم الساعة إلى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة بطلبه، والانشغال به آناء الليل والنهار.\nوقد جاءت أحاديث متنوعة تحث على هذا المطلب العظيم، فكان من أدعيته - ﷺ -: «اللَّهُمَّ انْفَعَني بِمَا عَلَّمْتنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُني، وَزِدْنِي عِلْمًا» (٣).\nوفي لفظ: «اللهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وارْزُقْنِي عِلْمًا تَنْفَعُنِي بِهِ» (٤).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ٣/ ٢٣٠.\n(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٩/ ١٠٥، والبيهقي في شعب الإيمان، ١/ ١٤٩، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٢٩٦: «رواه الطبراني وإسناده جيد».\n(٣) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا أبو كريب، برقم ٣٥٩٩، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، برقم ٢٥١، ومصنف ابن أبي شيبة،\n١٠/ ٢٨١، والبيهقي في شعب الإيمان، ٤/ ٩١، ومسند عبد بن حميد، ٢/ ٣٢، والطبراني في الأوسط، ٢/ ٢٠٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٨٤٥.\n(٤) هذا اللفظ في: السنن الكبرى للنسائي، كتاب صفة الصلاة، نوع آخر، ٤/ ٤٤٤، برقم ٧٨٠٨، وشعب الإيمان، للبيهقي، ٦/ ١٨، والدعوات الكبير له أيضًا، ص ١٥٨، ومستدرك الحاكم، ١/ ٥١٠، والديلمي في الفردوس، ١/ ١٣٥، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة، ١١/ ٩: «وهو كما قالا».","vol":"1","page":205},{"text":"وقد استنبط بعض العلماء «الأدب في تلقي العلم أن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنَّى، ويصبر حتى يفرغ المُملي والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>٢٧ - ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>المفردات:</span>\n﴿سُبْحَانَكَ﴾: أصله من التسبيح: وهو تنزيه اللَّه تعالى، أي إبعاد اللَّه تعالى عن كل سوء ونقص، المتضمِّن لكل كمال (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>«الظلم: </span>وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به، إمّا بنقصان، أو بزيادة، وإمّا بعدول في وقته أو مكانه، وهو ثلاثة أنواع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>الأول: ظلم بين الإنسان وبين اللَّه تعالى، وأعظمه: الكفر، والشرك، والنفاق</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>والثاني: ظلم بينه وبين الناس</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>والثالث: ظلم بينه وبين نفسه» </span>(٤).\nهذه الدعوة من الدعوات العظيمة المباركة في كتاب ربنا جل\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي، ٥/ ١٩٤.\n(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٨٧.\n(٣) انظر معاني التسبيح في الكتاب النفيس: «التسبيح في الكتاب والسنة»، ١/ ٣٥.\n(٤) مفردات الراغب، ص ٥٣٧.","vol":"1","page":206},{"text":"شأنه دعاء يونس - ﵇ - الذي بعثه جلَّ في عُلاه إلى أهل (نينوى) من أرض موصل في العراق، وقد قصّ لنا كتاب اللَّه تعالى في عدّة مواضع عنهم كما في هذه السورة، وفي سورة (الصّافّات)، وفي سورة (القلم) دلالة على أهميتها لما فيها من الحكم، والفوائد الجليلة في مصالح الدين والدنيا والآخرة، وقد ذكرت لنا التفاسير:\nأن اللَّه ﵎ أرسله إلى قومه، فدعاهم إلى اللَّه تعالى بالإيمان به، فأبوا عليه، ولم يؤمنوا، وتمادوا في كفرهم فوعدهم بالعذاب بعد ثلاث، ثم خرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم قبل أن يأمره اللَّه تعالى، فظنّ أن اللَّه تعالى لن يقضي عليه عقوبة ولا بلاء، فلمّا تحقّقوا من ذلك، وعلموا أنّ النبيَّ لا يكذب خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم ... ثمّ تضرّعوا إلى اللَّه تعالى وجأروا إليه ... فرفع اللَّه عنهم العذاب، قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (١).\nوأما يونس - ﵇ -، فإنه ذهب فركب مع القوم في السفينة، فلججت بهم، وخافوا أن يغرقوا، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم ... فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يُلقوه، ثم أعادوها ثلاث مرات فوقعت عليه، قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ٩٨.","vol":"1","page":207},{"text":"الْمُدْحَضِينَ﴾ (١)، فألقى بنفسه في البحر، فأرسل اللَّه تعالى من البحر حوتًا عظيمًا، فالتقم يونس، وأوحى اللَّه جلَّ شأنه ألاَّ يأكله، بل يبتلعه ليكون بطنه له سجنًا (٢).\nفلما صار - ﵇ - في بطن الحوت ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾: «قال ابن مسعود - ﵁ -: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل» (٣)، فاستغاث بربه السميع العليم الذي لا تخفى عليه خافية في السماء والأرض، مهما دقّت وخفت، فأنجاه اللَّه تعالى كما هي سنته مع الموحدين المخلصين الداعين.\n\nففي القصة من الحِكَمِ والمنافع التي تستدعي ذكرها أن قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: تضمن<span data-type=\"title\" id=toc-381> هذا الدعاء من كمال التوحيد والعبودية في ثلاثة مطالب عظيمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>١ - إثبات كمال الألوهية واختصاصها باللَّه - ﷿ -: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>٢ - إثبات كمال التنزيه للَّه تعالى عن كل نقصٍ، وعيبٍ</span>، وسوء المتضمن لكماله تعالى من كل الوجوه: ﴿سُبْحَانَكَ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>٣ - الاعتراف بالذنب والخطأ المتضمن لطلب المغفرة</span>،\n_________\n(١) سورة الصافات، الآية ١٤١.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٢٦٤.\n(٣) مصنف بن أبي شيبة، ١١/ ٥٤٢، برقم ٣٢٥٢٧، المستدرك، ٢/ ٤١٥، برقم ٣٤٤٥، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي، وانظر: تفسير ابن كثير، ٣/ ٢٦٤.","vol":"1","page":208},{"text":"المستلزم لكمال العبادة من الخضوع، والذل للَّه تعالى: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>فتضمّن هذا الدعاء المبارك أنواع التوحيد الثلاثة:</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-386> توحيد الألوهية المتضمِّن لتوحيد الربوبية في قوله تعالى:) لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ </span>(.\n-<span data-type=\"title\" id=toc-387> وتوحيد الأسماء والصفات </span>في قوله: «سُبْحَانَكَ» فهذه أنواع التوحيد التي عليها الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.\nوكذلك تضمّن هذا الدعاء الجليل صدق العبودية للَّه تعالى ربّ العالمين من كل الوجوه؛ «فإن التوحيد والتنزيه يتضمّنان إثبات كل كمال للَّه تعالى ربّ العالمين، وسلب كلّ نقصٍ، وعيبٍ، وتمثيلٍ عنه، والاعتراف بالظلم يتضمّن إيمان العبد بالشرع، والثواب، والعقاب، ويوجب انكساره، ورجوعه إلى اللَّه تعالى، واستقالته عثرته، والاعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربّه - ﷿ -، فها هنا أربعة أمور قد وقع التوسل بها: التوحيد، والتنزيه، والعبودية، والاعتراف» (١).\nوكأنّ لسان حاله يقول: أي يا ربّ أنت الواحد المنفرد بالألوهية، المنزّه عن كل نقصٍ وعيبٍ، ومن ذلك أن ما وقع لي ليس بظلم منك، فأنت الكامل في أسمائك، وصفاتك، المنزّه عن كل سوء، فإني ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي بتعريضي للهلاك، فتضمّن هذا الإقرار: طلب الغفران منه جلّ وعلا، والتجاوز عنه، وإنقاذه ممّا هو\n_________\n(١) زاد المعاد، ٤/ ٢٠٨.","vol":"1","page":209},{"text":"فيه من الكرب، والشدة، بألطف الكلمات، وفي هذا الدعاء من دقائق الأدب، وحسن الطلب، ما يوجب استجابته منها:\nذكر ظلمه لنفسه، وسلك نفسه مسلك الظالمين لأنفسهم، ولم يطلب من اللَّه بصيغة الطلب الصريح أن يغفر له ذنبه؛ لاستشعاره أنه مسيء ظالم، وهو الذي أدخل الضر على نفسه، وأنه تعالى لم يظلمه، فتضمّن الطلب على ألطف وجه (١).\nفكأنه يقول: إن تعذبني فبعدلك، وإن تغفر لي فبرحمتك.\nوقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: بـ (الفاء): التي تفيد التعقيب دون مهلة، وبالإجابة الواسعة العظيمة التي يشير إليها (الألف، والسين، والتاء) التي تفيد المبالغة.\nثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: «يقول جلّ ثناؤه: وكما أنجينا يونس من كرب الحبس في بطن الحوت في البحر إذ دعانا، كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا، ودعونا» (٢).\nوهذه البشارة، والوعد العظيم الذي لا يتخلف من اللَّه ربّ العالمين لكل مؤمن ومؤمنة إذا وقع في الشدائد والهموم، فدعا ربه القدير بهذه الدعوة العظيمة بصدقٍ وإخلاصٍ أن ينجيه ويفرج عنه.\nوجاءت هذه البشارة كذلك عن سيد الأولين والآخرين نبينا\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى، ١٠/ ٢٤٧.\n(٢) ابن جرير الطبري، ٥/ ٢٧٦.","vol":"1","page":210},{"text":"محمد - ﷺ - حيث قال: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ) فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (١).\nوفي رواية أخرى عنه - ﷺ -: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ أَوْ أُحَدِّثُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنْكُمْ كَرْبٌ أَوْ بَلاَءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا دَعَا بِهِ فَفَرَّجَ عَنْهُ؟ فقَالُوا: بَلَى، قَالَ: دُعَاءُ ذِي النُّونِ»؟ (٢).\nقال ابن القيم ﵀: «أمّا دعوة ذي النون فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للربّ - ﷿ -، واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهمّ والغمّ، وأبلغ الوسائل إلى اللَّه - ﷾ - في قضاء الحوائج» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>وفي هذا الدعاء الذي فيه جوامع الأدب، والكلم الطيب الفوائد الكثيرة، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>١ - أن الدعاء كما يكون طلبًا صريحًا يكون كذلك تعريضًا متضمنًا</span>\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن يحيى، برقم ٣٥٠٥، وسنن النسائي الكبرى، كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة، برقم ١٠٤١٧، ومسند أحمد، ٣/ ٦٦، برقم ١٤٦٢، وشعب الإيمان للبيهقي، ٢/ ١٣٤، والدعوات الكبير له، ١/ ١٢٦، والمستدرك، ١/ ٥٠٥، برقم ١٨٦٣، ومسند أبي يعلى، ٢/ ١١٠، وكشف الأستار عن زوائد البزار، ١/ ٢٥، ومكارم الأخلاق للخرائطي، ١/ ٢٣٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٧٨٥ وغيره.\n(٢) سنن النسائي الكبرى، كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة، برقم ١٠٤١٦، والحاكم، ١/ ٥٠٥، وصححه، والدعوات الكبير للبيهقي، ١/ ٢٧١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٧٤٤.\n(٣) زاد المعاد، ٤/ ٢٠٨.","vol":"1","page":211},{"text":"للطلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>٢ - أن هذه الصيغة جمعت آداب الدعاء، وأسباب الإجابة</span>، فيحسن بالعبد أن يكثر منها حال دعائه، وكربه، وغمومه، وشدائده، كما أخبر بذلك الشارع الحكيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>٣ - هذه الدعوة فيها من كمال التوحيد</span>، والإيمان باللَّه تعالى، الذي ينبغي لكل داع أن يضمن هذه المضامين في أدعيته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>٤ - فيه دلالة على أن التسبيح سبب للإنجاء من الكرب والهمّ</span>، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>٥ - إن التوحيد والإيمان والإقرار بالذنوب من أكبر أسباب النجاة </span>من مهالك الدنيا والآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>٦ - إن الذنوب من أعظم الأسباب الموجبة لزوال النعم، وحصول النقم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>٧ - ينبغي أن يدعو العبد بحسن ظنٍّ عظيم في حقّ ربه تعالى </span>حال دعائه؛ فإن اللَّه تعالى يعامله على حسب ظنّه به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>٨ - إن ما يوقع على العبد من المصائب فإن سببها تقصيره في حق ربه تعالى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>٩ - صحّة اعتقاد أهل السنة والجماعة </span>أن التنزيه يتضمّن الكمال والتعظيم للَّه ربّ العالمين؛ فإن قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي أنزهك عن\n_________\n(١) سورة الحجر، الآيتان: ٩٧ - ٩٨.","vol":"1","page":212},{"text":"كلِّ سوء، ومن ذلك ما وقع مني؛ فإنه ليس بظلم منك؛ فإنّك تنزّه عنه، وإنما بسبب جنايتي على نفسي، فدل أن التنزيه يتضمن الثناء والتعظيم من كل الوجوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>١٠ - إن كل الخلق مهما كانت رتبهم ومنزلتهم مفتقرون إلى اللَّه </span>تعالى فعليهم أن يفرّوا إليه وحده بالدعاء والرجاء والرغبة والرهبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>٢٨ - ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ </span>(١).\nهذه الدعوة الطيبة المباركة الثانية لزكريا - ﵇ - ذكرها المؤلف حفظه اللَّه تعالى ووفقه عقب الدعوة الأولى له، فتلك جاءت بلفظ حصول المطلوب الذي يرغبه وهو الولد بصيغة الطلب، وهذه جاءت بطلب عدم وقوع ما يكرهه في أن يكون فردًا دون ولد، وهو متضمن لسؤال اللَّه تعالى أن يرزقه ولدًا، وكلا الدعوتين فيهما من كمال الأدب وحسنه في سؤال رب العالمين كما ترى، والعبد يتخير في مناجاة ملك الملوك الوسائل النبيلة التي تليق في الثناء والطلب على ربه الكريم.\n﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ دعا ربه دعاءً خفيًا منيبًا قائلًا: ربي لا تتركني وحيدًا بلا ولد ولا وارث.\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾: أي أنت خير من يبقى بعد كل من يموت،\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ٨٩.","vol":"1","page":213},{"text":"فيه مدح له تعالى بالبقاء، وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء، وفي ذلك استمطار لسحائب لطفه - ﷿ - (١)، توسّل إليه بما يناسب مطلوبه باسمه تعالى: ﴿خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، بل أتى على وزن (افعل) للتفضيل زيادة في المبالغة في الثناء على اللَّه تعالى، استعطافًا للإجابة.\nفاستجاب - ﷾ - لدعائه، ورزقه نبيًا صالحًا سمّاه اللَّه تعالى ﴿يَحْيَى﴾ - ﵇ -، وجعل امرأته ولودًا، بعد أن كانت عاقرًا، دلالة على كمال قدرته - ﷾ -، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.\nثم بين - ﷾ - سبب إجابته له، فقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ كانوا يبادرون في وجوه الخيرات على اختلاف أشكالها وأنواعها في أوقاتها الفاضلة، ويكمِّلونها على الوجه اللائق الكامل ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ كانوا ملازمي الخضوع والتضرع في كل الأحوال والأوقات.\n﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾: أي وكانوا أيضًا يفزعون إلينا بالدعوات، ويسألون الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوّذون من الأمور المرهوب منها، من مضارّ الدنيا والآخرة، في حال الرخاء، وفي حال الشِّدّة، وجاء اللفظ بصيغة المضارع: ﴿وَيَدْعُونَنَا﴾: لفائدتين:\n١ - كثرة سؤالهم، ومداومتهم في الدعاء بالرغبة والرهبة، كما أفاد\n_________\n(١) روح المعاني، ١٠/ ١٢٩.","vol":"1","page":214},{"text":"الفعل المضارع ﴿يُسَارِعُونَ﴾.\n٢ - تصور صورتهم الجميلة في الذهن، فكأنّ المخاطب يراها في حينه، فينشأ عن ذلك التأسي في فعلهم والاقتداء بهم.\nأما الفوائد فقد ذُكرت مستوفاة كما في الدعوة السابقة فليرجع إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>٢٩ - ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * </span>وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (١).\nإنّ النّاظر في الأدعية القرآنية، وكذلك السنّة النّبويّة يجد أنّها جاءت بعدة أنواع، فمنها: طلب حصول الفعل، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ (٢)، ومنها ما جاء بطلب عدم الوقوع، وذلك في النفي، وتكون صيغته لا تفعل، مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ (٣)، ومنها ما جاءت بصيغة الخبر المتضمنة للطلب، وهي كذلك أنواع، مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٤)، وأكمل الأدعية ما كان جامعًا من الأنواع كلها، وهذه هي غالب أدعية النبي - ﷺ - تجمع هذه الأنواع مثال ذلك: قوله - ﷺ - لأبي بكر - ﵁ -، لما قال له: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قُلْ:\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآيتان: ٩٧ - ٩٨.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٩٣.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٨٦.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٢٤.","vol":"1","page":215},{"text":"اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا ...» (الحديث) (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-401>هناك نوع آخر، وهو الاستعاذة: ويأتي على نوعين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>١ - شرّ موجودٌ بالفعل، فهذا يطلب رفعه وإزالته</span>، أو تخفيفه مثل: «أعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ ما أجِدُ وأُحَاذِرُ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>٢ - شرٌّ يخاف وقوعه في المستقبل</span>، فإنه يطلب منعه، مثل: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَعَذَابِ الْقَبْرِ» (٣)، فالاستعاذة يجب أن يعلم أنها خاصة بدفع الضرر الحاصل أو المتوقع، كما أن الخير المطلق نوعان كذلك:\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>١ - خيرٌ موجود بالفعل، فهذا يطلب دوامه وثباته</span>، وأن لا يُسلب ولا يزول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>٢ - خيرٌ معدوم، فهذا يطلب وجوده، وحصوله، ووقوعه</span>.\nفهذه أربعة هي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين،\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم ٨٣٤، مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، برقم ٢٧٠٥.\n(٢) مسلم، كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، برقم ٢٢٠٢، وابن ماجه، كتاب الطب، باب ما عَوَّذ به النبي - ﷺ - وما عُوِّذ به، برقم ٣٥٢٢، واللفظ له.\n(٣) أحمد، ١٦/ ١٤٧، برقم ١٠١٨٠، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في جامع الدعوات عن رسول اللَّه - ﷺ -، برقم ٣٤٩٤، والنسائي، كتاب السهو، نوع آخر، برقم ١٣١٠، والبيهقي في الكبرى، ٢/ ١٥٤، برقم ٢٩٩٨، والحاكم، ١/ ٥٣٣، والبزار، ٢/ ١٧٥، وقال محققو مسند الإمام أحمد، ١٦/ ١٤٧: «إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن أبي عائشة، فمن رجال مسلم».","vol":"1","page":216},{"text":"وعليها مدار طلباتهم، وأسئلتهم وأمنياتهم» (١).\nوقد جمع هذه المطالب المصطفى - ﷺ - بهذا الدعاء العظيم في أمره لأم المؤمنين عائشة ﵂: «عَلَيْكِ بِجُمَلِ الدُّعَاءِ وَجَوَامِعِهِ»، وفي رواية: «عَلَيْكِ بِالْكَوَامِلِ»، أَوْ كَلِمَةً أُخْرَى، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهَا: «قُولِي: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ ...، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>أهمية الاستعاذة:</span>\nلما كانت الاستعاذة نوعًا خاصًا من أنواع الأدعية، يجب إفراده - ﷾ - به، كما أن الطلب والسؤال عبادة مختصة باللَّه تعالى، لهذا جاء الكتاب والسنة لتحقيق هذه العبودية الحقة للَّه تعالى، لا يشاركه فيه أي مشارك، «وهذا من تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين للَّه رب العالمين وحده، الذي هو أساس سعادة العبد، وفلاحه في الدنيا والآخرة، وأما الاستعاذة بغير اللَّه تعالى من الخلق؛ فإنها طغيان، وشرٌّ عظيم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٣» (٤)؛ لذا ينبغي للداعي معرفة هذا\n_________\n(١) انظر: الدعاء ومنزلته في العقيدة، ١/ ٨٦ - ٨٨، و١/ ١٤٦ - ١٥٩.\n(٢) سنن ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الجوامع من الدعاء، برقم ٣٨٤٦، مسند أحمد، ٤٢/ ٦٧، برقم ٢٥١٣٧، الأدب المفرد للبخاري، ص ١٧٨، برقم ٦٥٤، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٤٩٨، والأرناؤوط في تعليقه على المسند، ٤٢/ ٦٧.\n(٣) سورة الجن، الآية: ٦.\n(٤) فقه الأدعية، ٤/ ٤٩٩ - ٥٠٠.","vol":"1","page":217},{"text":"المقصد الجليل، وأهمّيته في سؤال اللَّه تعالى، وأن الاستعاذة جاءت في الكتاب والسنة بأوجز لفظ وأجمعه وأكمله، وأدله على المراد. ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>المفردات:</span>\nأعوذ: أي ألتجئ وأتحصّن «لأن لفظ (عاذ) وما تصرّف منه يدل على الحرز والتحصّن والنجاة، وحقيقة معناه: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه» (١).\nهمزات: جمع هَمْزَ: والهمز في اللغة: النخس والدفع (٢)، والمقصود هنا: وساوس الشياطين، وجميع إصاباتهم وأذاهم لبني آدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>الشرح:</span>\nخلق اللَّه - ﷾ - بحكمته الشرّ في هذه الدار، وخلق أعظم الشرّ، ومنبعه، وأصله، وأعظم أسبابه، وهو الشيطان الرجيم، تتسامى في ذلك الحكم العظيمة، من الابتلاءات المتنوعة الكثيرة، فيزداد الذين اهتدوا هدى، ويضل اللَّه الظالمين بضلالهم. فلما كانوا يروننا ولا نراهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (٣) أمرنا بالاستعاذة بربنا - ﷻ - الذي يراهم ولا يرونه أن يقينا هذا الشرّ الخطير.\n﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾: أي اسأل اللَّه تعالى أن يعصمك، ويحميك بجنابه العظيم؛ لما له من الأسماء الحسنى، والصفات\n_________\n(١) بدائع الفوائد، ٢/ ٢٠٠.\n(٢) تفسير القرطبي، ٦/ ٨٤٥٢.\n(٣) سورة الأعراف، الآية ٢٧.","vol":"1","page":218},{"text":"العُلا الجليلة.\n﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾: «همزاتهم: دفعهم الوساس، والإغواء في القلب» (١)، وجمعهم دلالة على كثرتها وتنوّعها، وكان النبي - ﷺ - يستعيذ من أنواع شرور الشيطان كلِّها: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ: مِنْ نَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ، وَهَمْزِهِ» ثم فسر هذه المعاني بعض رواة الحديث فقال: «نَفْثُهُ: الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَهَمْزُهُ: الْمُوتَةُ» (٢)، والموتة هي تشبه الجنون، لكن الذي «يظهر: أن همزات الشياطين إذا أُفردت دخل فيها جميع إصابتهم لابن آدم، وإذا قُرنت بالنفخ والنفث كان نوعًا خاصًا» (٣).\nوقوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾: كرّر التوسل بربوبيته زيادة في التضرّع، والتوسل به تعالى من شرورهم؛ لشدّة خطرهم وأذاهم لبني آدم، أي أحتمي بك يا ربي أن يحضرني الشيطان في\n_________\n(١) إغاثة اللهفان، ١/ ١٥٤.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، برقم ٧٦٤، سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة، برقم ٢٤٢، ابن ماجه، كتاب الصلاة، باب الاستعاذة في الصلاة، برقم ٨٠٧، سنن الدارقطني، كتاب الصلاة، باب الاستفتاح بعد التكبير، ١/ ٢٨٩، مسند أحمد، ٦/ ٣٧٨، برقم ٣٨٢٨، ورقم ٣٨٣٠، و١١٤٧٣، و١٦٧٣٩، و١٦٧٤٠، و١٦٧٦٠، و١٦٧٨٤، ٢٢١٧٩، ٢٥٢٢٦، وابن حبان، ٥/ ٧٨، وصحيح ابن خزيمة، ١/ ٢٣٨، ومصنف عبد الرزاق، ٢/ ٨٢، ومصنف ابن أبي شيبة، ١/ ٢٣١، والحاكم، ١/ ٢٠٧، وسنن البيهقي الكبرى، ٢/ ٣٤، والمعجم الكبير للطبراني، ٢/ ١٣٤، برقم ١٥٦٨، والدارمي، ١/ ٩٤، ومسند أبي يعلى، ٢/ ٣٥٨، وحسّنه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٥١ - ٥٤.\n(٣) إغاثة اللهفان، ١/ ١٥٤ - ١٥٥.","vol":"1","page":219},{"text":"أي أمرٍ من أموري، كما أخبر بذلك - ﷺ -: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِه ...» (١).\nوقوله - ﷺ -: «كل شيء»: دلالة على العموم، فتضمّنت هذه الاستعاذة العظيمة: الاستعاذة من مادة الشرّ كلّه، وأصله، والتي هي «من جميع نزغات الشيطان، ومن مسّه، ووسوسته، فإذا أعاذ اللَّه عبده من هذا الشرّ، وأجاب دعاءه، سلم من كل شرّ، ووُفِّقَ لكل خير» (٢). وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ أي أعذني أن يحضر في كل الأحوال والأوقات، ومن ذلك حال النزع التي هي أشدّ الأحوال.\nوكان النبيّ - ﷺ - يُعلِّم الصحابة هذه الكلمات عند الفزع من النوم، قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄: قال رسولُ اللَّه - ﷺ -: «إذا فَزِعَ أحَدُكم في النوم فَلْيَقُلْ: أَعوذ بكلمات اللَّه التَّامَّة من غضبه، وعِقَابِهِ، وشرِّ عِبادِهِ، ومن هَمَزَاتِ الشَّياطينِ، وأنْ يَحضُرونِ، فإنَّها لَنْ تَضُرَّهُ، فكان عبد اللَّه بن عمرو يُعَلِّمُها من بلغ من ولده ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>تضمنت هذه الاستعاذة الكثير من الفوا ئد المهمّة، منها:</span>\n_________\n(١) مسلم، كتاب الأشربة، باب لعق الأصابع والقصعة، وأكل اللقمة الساقطة بعد مسح ما يصيبها من أذى، وكراهة مسح اليد قبل لعقها، برقم ٢٠٣٣.\n(٢) تفسير ابن سعدي، ص ٦٥٣.\n(٣) الترمذي، بلفظه، كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن حاتم، برقم ٣٥٢٨، وأبو داود، كتاب الطب، باب كيف الرقى، برقم ٣٨٩٣، وابن أبي شيبة، ٥/ ٤٣٩، والترمذي الحكيم في نوادر الأصول فى أحاديث الرسول، ١/ ٢، وحسّنه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٧٩٣، وصحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٢٨، برقم ١٦٠١.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>١ - أن العاصم على الإطلاق هو اللَّه تعالى من كل شيء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>٢ - أنه كلما كان المطلوب مهمًا</span>، كان من حسن الدعاء المبالغة في التضرّع، حيث كُرّر التوسل بالربوبية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>٣ - أنه كما يتوسل بربوبيّة اللَّه بالطلب</span>، كذلك يتوسل بها في الاستعاذة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>٤ - شدّة خطورة الشيطان على بني آدم</span>؛ لإنه مترصِّدٌ له في أحواله كلها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>٣٠ - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ </span>(١).\nهذه الدعوة الطيبة المباركة التي ذكرها اللَّهُ - ﷿ -، في المؤمنين الصادقين، في سؤالهم لربهم، قد جمعت من المطالب والوسائل الجليلة، وقد تقدم من ذلك عدّة آيات دلالة على أهمية هذه المطالب، والوسائل، فتكرارها بين دفتي الكتاب العزيز، بيان من اللَّه الرؤوف الرحيم لعباده أن يعتنوا بها، بالسؤال والطلب، بين الحين والآخر، فإنّ فيها النجاة من كل مرهوب، والنيل لكل مطلوب.\nوسبب ورود هذا الدعاء الطيّب أن الكفار في النار يسألون الخروج منها، والرجعة إلى الدنيا، فقال ربّ العزّة والجلال لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أي امكثوا صاغرين مهانين ﴿وَلَا\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٩.","vol":"1","page":221},{"text":"تُكَلِّمُونِ﴾: أي لا تعودوا إلى سؤالكم، ثم بيّن جلّ وعلا علّة تعذيبهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا ...﴾ يقول الشنقيطي - ﵀ - عن قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ ...﴾: قد تقرّر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه أن (إنَّ) المكسورة المشدّدة من حروف التعليل، كقولك: عاقبه إنه مسيء: أي لأجل إساءته، أن من الأسباب التي أدخلتهم النار هو استهزاؤهم، وسخريتهم من هذا الفريق المؤمن (١).\nوقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾: دلالة ظاهرة على استمراريتهم في الدعاء، والإكثار منه في حياتهم الدنيا، كما أفاد الفعل المضارع بعد كان (٢).\n﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾: أي بك وبرسلك، وما جاؤا به من عندك، قدّموا التوسّل بإيمانهم قبل سؤالهم؛ لأن الإيمان هو أعظم أعمال القلوب المقتضى لقبول الدعاء، وحصول الرجاء.\n﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾: استر علينا مما يوقع من تقصيرنا في حقك وحق غيرنا فتجاوزه عنا، وتعطف علينا برحماتك التي لا تُعدُّ ولا تُحصى.\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾: أكدوا إيمانهم ويقينهم بأنه تعالى خير من رحم، وفيه دلالة على أهمية التوسل بأسمائه تعالى المضافة في الدعاء؛ فإن فيها من كمال الأدب، والثناء على اللَّه.\n_________\n(١) أضواء البيان، ٥/ ٥٦٣.\n(٢) المصدر السابق، ٢/ ٢٤٣.","vol":"1","page":222},{"text":"تضمّن هذا الدعاء من الآداب الجمة، حيث «إنهم جمعوا بين الإيمان المقتضي لأعماله الصالحة، والدعاء لربهم بالمغفرة والرحمة، والتوسّل إليه بربوبيته، ومنّته عليهم بالإيمان، والإخبار بسعة رحمته، وعموم إحسانه، وفي ضمنه ما يدل على خضوعهم، وخشوعهم وانكسارهم لربهم، وخوفهم، ورجائهم» (١).\nفلمّا قدّموا الصبر مع جميل أفعالهم ودعائهم، كان الجزاء وفقًا لهذا الصبر: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢).\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>١ - إنّ التوسّل إلى اللَّه تعالى بالأعمال الصالحة من التوسّلات الجليلة </span>التي يُرجى معها الإجابة والعطاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>٢ - إن التوسّل بالإيمان هو أعظم التوسلات بالأعمال الصالحة</span>، حيث خصّوا توسّلهم به دون غيره\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>٣ - إن سؤال المغفرة من أهم المسائل </span>التي ينبغي للداعي أن يحرص عليها، كما في أكثر الدعوات في الكتاب والسنة؛ لأن في حصول المغفرة السلامة من العذاب، وكلِّ المكروهات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>٤ - إن سؤال المغفرة مقدّم على سؤال الرحمة</span>؛ لأن التخلية مقدمة على التحلية.\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي، ٥/ ٣٨٣.\n(٢) سورة المؤمنون، الآية: ١١١.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>٥ - ينبغي للداعي أن يختار في دعائه أجمل الألفاظ</span>، وأنبل المعاني، كما في قوله: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فـ (أنت) ضمير الفصل يفيد: التأكيد، والحصر المتضمن الثناء والتعظيم للَّه ربّ العالمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>٦ - فيه بيان خطورة الاستهزاء بالمؤمنين، وأن مصير ذلك النار</span>، والعياذ باللَّه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>٣١ - ﴿رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ </span>(١).\nهذا أمر من اللَّه تعالى لنبيه - ﷺ - أن يطلب أهم مطلبين، وهما: طلب المغفرة، وسؤال الرحمة، وأن يُتوسّل إليه تعالى بأفضل التوسلات، وهو التوسّل بأسمائه الحسنى المتضمنة للصفات العُلا، إيذانًا بأن الدعاء بما فيه من المطالب العُلا من أهم الأمور التي ينبغي أن يعتني بها الداعون العناية الكبرى، إذ أُمر به (٢) من قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بمن عداه من العباد؟\n﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ قال ابن كثير ﵀: «الغفر إذا أُطلق معناه: محو الذنب، وستره عن الناس، والرحمة معناها: أن يُسدّده\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآية: ١١٨.\n(٢) نوّه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن: «الدعاء الذي أُمر به - ﷺ - أفضل لنا مما فعله، ولم يأمر به»، ثم ضرب أمثلة، انظر: مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٢٦٦، فدلّ على أن الأدعية التي جاءت بصيغة الأمر أفضل من غيرها، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":224},{"text":"ويُوفقه في الأقوال والأفعال» (١): أي يا رب استر عليَّ ذنوبي، وتجاوز عنها بعفوك، وارحمني بأن تُسدِّدني، وتُوفِّقني في الأقوال، والأفعال، وفي تقديم المغفرة قبل الرحمة من باب التخلية قبل التحلية، فبالمغفرة يزول المكروه، وبالرحمة يحصل المطلوب من النعم الدينية والدنيوية.\nثم ختم السؤال بخير الختام، بوصف كمال رحمته - ﷿ - التي وسعت الخلق كلهم أجمعين: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ أنت: ضمير الفصل الذي يفيد ثلاث فوائد:\n١ - التوكيد\n٢ - الحصر\n٣ - الفصل بين الصفة والخبر (٢).\nوخَتْم الدعاء بهذا التوسل الجليل مناسب لما طلب في أول الدعاء مما لا يخفى، و﴿خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ من أسماء اللَّه الحسنى المضافة التي جاءت على وزن (خير) أفعل للتفضيل التي تدلّ على عظم هذه الرحمة، وسعتها لكل شيء.\nفهو جلّ وعلا أرحم الراحمين، وخير الراحمين، فمن كمال رحمته تعالى أنها وسعت كل شيء في هذا الكون العجيب، قال\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ٣/ ٣٥٨.\n(٢) تفسير سورة البقرة، لابن عثيمين، ١/ ١٠٢.","vol":"1","page":225},{"text":"تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، وخصّ من رحمته العظيمة خواصّ من العباد ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)، فمن أراد أن ينال هذه الرحمة التي فيها السعادة في الدارين، فليتّبع الرسول - ﷺ - بالأقوال، والأفعال، وفي كل الأحوال.\nفهذا الإرشاد من اللَّه تعالى بملازمة هذا الدعاء المبارك لما تضمنه من خيري الدنيا والآخرة الذي يتمنّاه كل عبدٍمؤمنٍ، لذا علَّم النبي - ﷺ - نظير هذا الدعاء أبا بكر الصديق: حيث سأله - ﵁ - قائلًا: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي! فقال: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (٣).\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>١ - أهمية هذه الدعوة؛ لأنها بصيغة الأمر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>٢ - فيه بيان أهمية التوسل إلى اللَّه تعالى بربوبيته </span>التي من مقتضياتها إجابة الدعاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>٣ - ينبغي للداعي أن يقدم طلب المغفرة قبل سؤاله الرحمة</span>، كما هي\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٥٧.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، ومسلم، كتاب العلم، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، برقم ٢٧٠٥.","vol":"1","page":226},{"text":"عامة الأدعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>٤ - أهمية هذين المطلبين: المغفرة، والرحمة: </span>فالمغفرة تندفع بها جميع المكروهات، والرحمة التي تحصل بها جميع المحبوبات (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>٥ - إن من آثار وثمرات المغفرة حصول الرحمة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>٦ - إن التوسّل بأسماء اللَّه تعالى المضافة من أعظم الممادح </span>التي يُمدح بها رب العزّة والجلال، ومن أهم الأسباب الموجبة لقبول الدعاء؛ لأنه تعالى علّمنا بهذا الدعاء كيف ندعوه، وكيف نتوسّل إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>٣٢ - ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا*</span>إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>المفردات:</span>\nغرامًا: أي ملازمًا دائمًا غير مفارق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>الشرح:</span>\nهذه الدعوة المباركة ضمن دعوات وخصال لعباد اللَّه تعالى وصفهم، وأثنى عليهم في أكمل الصفات، ونعتهم بأجمل النعوت، وأضافهم إلى نفسه الكريمة إضافة تشريف وتعظيم، إجلالًا لقدرهم، فصدَّر صفاتهم بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾، وذلك أن\n_________\n(١) المواهب الربانية للعلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀، ص ١٣٥.\n(٢) سورة الفرقان، الآيتان: ٦٥ - ٦٦.","vol":"1","page":227},{"text":"العبودية للَّه تعالى نوعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>١ - عبودية الربوبية</span>، فهذه يشترك فيها سائر الخلق مسلمهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم، فكلهم عبيد للَّه مربوبون مُدَبّرون: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>٢ - وعبودية لألوهيته وعبادته ورحمته، وهذه عبودية خاصة</span>، وهي: عبودية أنبيائه وأوليائه، وهي المراد هنا؛ ولهذا أضافها إلى اسمه الرحمن (٢).\nفيا له من شرف عظيم، ومكرمة كريمة لمن كان مثلهم.\nثم ذكر من الخصال الجميلة أدعية دعوها، فقالوا: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾: أي نجّنا يا ربنا من عذابها، ومن أسبابه في الدنيا؛ بتيسير الأعمال الصالحة، واجتناب السيئات المقتضية لها، وفيه إشارة لما ينبغي عليه المؤمن من الخوف من العذاب، مع الرجاء، فيجمع بين الترغيب والترهيب كالجناحين للطائر، وأن العبد ينبغي له أن لا يغترّ بعمله مهما كان صالحًا، فهم مع كل هذه الصفات الجليلة يخافون من عذابه، ويبتهلون إليه تعالى لكي يصرفه عنهم، غير مغترّين بأعمالهم، وهذا من حسن العبادة، وكمالها.\nكما قال تعالى عن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ\n_________\n(١) سورة مريم، الآية: ٩٣.\n(٢) تفسير السعدي، ٥/ ٤٩٣ بتصرف يسير.","vol":"1","page":228},{"text":"وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (١)، وقد بينا بذلك ما جاء في معناها وما ثبت عن النبي - ﷺ - في تفسيرها (٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: ثم ذكروا علّة هذا السؤال: أن عذابها كان شرًّا دائمًا، وهلاكًا غير مفارق لمن عُذِّب به، فغرامًا ملازمًا دائمًا بمنزلة الغريم لغريمه: كملازمة الدائن للمديون من حيث لا يفارقه بإلحاحه ومطالبته؛ و«لهذا قال الحسن: كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه فليس بغرام، وإنما الغرام: الملازم ما دامت السموات والأرض» (٣).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: أي بئس المنزل منظرًا، وبئس المقيم مقامًا، هذا منهم على وجه التضرّع والخوف، يستفرغون نهاية الوسع في سؤالهم من النجاة منها، وكأنهم على كمال صفاتهم غارقون في المعاصي والآثام.\nولا يخفى في أهمية الاستعاذة من النار، حيث صدَّروا استعاذتهم بها؛ لأنها أشدّ شرًّا توعد اللَّه به، وفي هذه الدعوات بيان أن الداعي يحسن له أن يذكر سبب ما يدعوه ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.\n(٢) تقدم التعليق وتفسير هذه الآية في الدعاء الثالث من هذا الكتاب.\n(٣) تفسير ابن كثير، ٣/ ٤٤٦.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>الفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>١ - أهمّية هذه الدعوة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>أ - حيث ذكرها اللَّه تعالى لناسٍ أثنى عليهم</span>، وأضافهم إلى نفسه في كتاب يُتلى إلى يوم القيامة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>ب - أنّها جاءت بصيغة الفعل المضارع </span>في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ الذي يدلّ على كثرة سؤالهم بها، ومداومتهم عليها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>٢ - فيه بيان أنه يندب للداعي أن يذكر سبب علّة دعوته </span>كما في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا﴾ ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>٣ - ينبغي للدّاعي أن يجمع في دعائه بين الخوف والرجاء</span>، وأن ذلك أرجى في قبول الدعاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>٤ - أن البسط في الدعاء أمر مرغوب فيه عند الشارع</span>، كما يظهر في بسطهم في ذكر علّة دعوتهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>٥ - إن التوسّل بربوبية اللَّه - ﷿ - وألوهيته في الدعاء هو من أعظم أنواع التوسل </span>على الإطلاق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>٣٣ - ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ </span>(١).\nقرّة أعين: كناية عن السرور والفرح، وهو مأخوذ من القرر، وهو\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآية: ٨٤.","vol":"1","page":230},{"text":"البرد، لأن دمعة السرور باردة (١). قال الزجاج: يقال: أقرّ اللَّه عينك: صادف فؤادك ما يحبه (٢).\nهذه الدعوة الثانية من دعوات عباد الرحمن الذين جمعوا الخصال والفعال الحميدة، ومن جميل الكلمات الحسان من الدعوات، فقالوا:\n﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾: أي يا ربنا هب لنا من هباتك العظيمة الكثيرة أزواجًا، وذرية صالحة «من يعمل لك بالطاعة، فتقرّ أعيننا بهم في الدنيا والآخرة» (٣).\nفهم يلحّون بهذا السؤال، كما أفاد الفعل المضارع «يقولون» أن يرزقهم اللَّه تعالى من يخرج من أصلابهم ومن ذرياتهم من يطيعه، ويعبده وحده لا شريك له.\nوهذا الدعاء لأزواجهم وذريتهم في صلاحهم؛ فإنه دعاء لأنفسهم؛ لأن نفعه يعود عليهم، ويدوم في الدنيا والآخرة، كما قال النبي - ﷺ -: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ\n_________\n(١) انظر: تفسير الماوردي (النكت والعيون)، ٤/ ١٦١، وتذكرة الحفاظ، ٣/ ٢٩٣.\n(٢) انظر: تفسير البغوي، ٥/ ٢٢٧، والألوسي، ٥/ ١٥٢، ولم ينسباه للزجاج، وقد نسبه للزجاج كثير من المفسرين مثل: غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري، ١٠/ ٢٠٣، والرازي في مفاتيح الغيب، ٢٤/ ١٠٠، وابن عادل الحنبلي في اللباب، ١٤/ ٥٧٦، والشوكاني في فتح القدير، ص ١٢٣٠.\n(٣) أخرجه الطبري في تفسيره، ١٩/ ٣١٨، وحسّن إسناده صاحب التفسير الصحيح،\n٣/ ٥٠٩.","vol":"1","page":231},{"text":"صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (١)، وفي الآخرة مرافقتهم في جنات النعيم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢).\n«بل ويعود هذا النفع إلى عموم المسلمين؛ لأن بصلاح من ذُكر يكون سببًا لصلاح كثير ممن يتعلق بهم، وينتفع بهم» (٣).\n«وهذا هو الشعور الفطري الإيماني العميق، شعور الرغبة في مضاعفة السالكين في الدرب إلى اللَّه - ﷿ -، وفي أولهم الذرية والأزواج، فهم أقرب الناس تبعة، وهم أول أمانة يُسأل عنها الرجال» (٤).\n﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: أي واجعلنا أئمة هدىً يقتدي بنا أهل التقوى، في الفعل، والقول، وفي إقامة الدين، وسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين يُقتدَى بهم، هو طلب من اللَّه أن يهديهم، ويوفقهم، ويمنَّ عليهم بالعلوم النافعة، والأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة التي توصلهم إلى هذه المنزلة العليّة.\n«وسؤالهم هذا هو كذلك سؤال لأعلى درجات العبودية، وهي\n_________\n(١) مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم ١٦٣١.\n(٢) سورة الطور، الآية: ٢١.\n(٣) تفسير ابن سعدي، ص ٦٨٨.\n(٤) في ظلال القرآن، ٤/ ٢٥٨.","vol":"1","page":232},{"text":"درجات الكُمَّلِ من عباد اللَّه، والصدّيقين، وهي درجة الإمامة في الدين، وهذه الدرجة السامية لا تتمّ إلا بالصبر واليقين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١» (٢)، فهذا الدعاء دلّ بمنطوقة ومفهومه على سؤال اللَّه أن يكونوا كاملين لهم ولغيرهم، هادين مهتدين، وهذه أعلى الحالات، وأجلّ الكمالات، ولمّا كانت هممهم ورغباتهم عالية، كان الجزاء من جنس العمل، فجازاهم بالمنازل والدرجات العالية ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ (٣).\nوقد بيّن المصطفى - ﷺ - علو منازل أهل الغرف، من علوّ، ورفعة المكانة، والمكان، قال النبي - ﷺ -: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ؛ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» (٤)، وفي لفظ لأحمد: «في تفاضل الدرجات» (٥)، وفائدة ذكر المشرق والمغرب بيان للرفعة، وشدة\n_________\n(١) سورة السجدة، الآية: ٢٤.\n(٢) انظر: تفسير ابن سعدي، ٥/ ٤٩٩ بتصرف.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٧٥.\n(٤) البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، برقم ٣٢٥٦، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف، كما يرى الكوكب في السماء، برقم ٢٨٣٠.\n(٥) المسند، ١٤/ ١٧٨، برقم ٨٤٧١.","vol":"1","page":233},{"text":"البعد، فدل على سموّ منازل أهل الغرف، جعلنا اللَّه من أهلها (آمين)، وكذلك دلّ على التفاوت العظيم في الدرجات في جنات النعيم.\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>١ - أهمية هذه الدعوة كسابقتها لثناء اللَّه تعالى على قائليها</span>، وكذلك ملازمتهم، وتكرارهم هذه الدعوة بين الحين والآخر، كما أفاد الفعل المضارع (يقولون).\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>٢ - إن هبة اللَّه تعالى من أعظم النعم، ولذلك توسّلوا بها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>٣ - إن سؤال اللَّه ﵎ إصلاح الزوجة والذرية من المقاصد </span>المهمّة التي ينبغي للداعي الاعتناء بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>٤ - ينبغي للداعي أن يعظم رغبته في الدعاء</span>، وأن يسأل اللَّه تعالى أعلى المطالب، وأسمى المراتب، كما في سؤالهم اللَّه تعالى أعلى مراتب الدين ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>٥ - فيه بيان لعظم الدعاء، وأنه من أعظم الأسباب في إعطاء المرجوّ</span>، وأنه يدلّ على عظم كرم اللَّه تعالى، وكمال قدرته، وسمعه، وعلمه، ويدلّ على محبّة اللَّه تعالى له، ولعلك يا عبد اللَّه قد علمت لماذا وصفهم تعالى بهذه الصفات الجميلة، والخصال الحميدة، وشرّفهم بأن أضافهم إلى نفسه الكريمة، فجاهِدْ نفسك بأن تكون على شاكلتهم.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>٣٤ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ* </span>وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (١).\nبعدأن قدّم الخليل إبراهيم - ﵇ - الثناء على ربّه - ﷿ - بما له من الصفات العلية، والنعوت الجليلة، والأفضال الجزيلة قبل السؤال؛ لأنها أعظم الوسائل الموجبة لقبول الدعاء واستجابته، وهذا النوع هو أعلى أنواع التوسل إلى اللَّه - ﷿ - كما تقدم، وهو التوسل إليه تعالى بالأسماء الحسنى، أو بالصفات العُلا، سواء كانت ذاتية أو فعلية.\nفبدأ بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.\nقوله: ﴿حُكْمًا﴾: «معرفة بك، وبحدودك، وأحكامك» (٢)، «أي علمًا أعرف به الأحكام، والحلال، والحرام، وأحكم به بين الأنام» (٣)، وقيل هب لي نبوة (٤)، و«لا يجوز تفسير الحكم بالنبوة، لأنها حاصلة له - ﵇ -» (٥).\nوقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾: أي اجعلني مع الصالحين في\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآيات: ٨٣ - ٨٥.\n(٢) تفسير القرطبي، ٧/ ١٠٥.\n(٣) تفسير ابن سعدي، ٥/ ٥٢٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري، ١٩/ ٣٦٤.\n(٥) تفسير الدعوات المباركات، ص ٣٤.","vol":"1","page":235},{"text":"الدنيا والآخرة، كما قال النبي - ﷺ - عند الاحتضار: «اللَّهُمّ في الرفيق الأعلى»، قالها ثلاثًا (١)، وهذا المطلب كان من سؤال النبي - ﷺ -: «اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِين» (٢).\nفالعبد يجتهد أن يرافق الصالحين في الدنيا، فإن الرحمة والسلامة، والهدى تحوطهم حتى ينال صحبتهم، ومنازلهم ومقامهم في الآخرة، وإن لم يعمل بعملهم كما قال النبي - ﷺ -: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (٣).\nوقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾: يعني الثناء الحسن بين الناس، أُذكر بالخير، والثناء الطيّب في باقي الأمم الآتية من بعدي، «وهذا يتضمّن سؤال الدوام والختام على الكمال، وطلب نشر الثناء عليه، وهذا ما تتغذى به الروح من بعد موته؛ لأن الثناء عليه يستدعي دعاء الناس له، والصلاة والتسليم جزاء على ما\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، برقم ٦٥٠٩، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب في فضل عائشة ﵄، برقم ٢٤٤٤.\n(٢) أحمد بلفظه، ٢٤/ ٢٤٧ برقم ١٥٤٩٢، والنسائي في الكبرى، كتاب الجمعة، كم صلاة الجمعة، برقم ١٠٣٧٢، والحاكم، ١/ ٥٠٧، ٣/ ٢٣ - ٢٤، والأدب المفرد للبخاري، برقم ٦٩٩، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد للبخاري، برقم ٥٣٨، ص ٢٥٩، وسيأتي تخريجه في الدعاء رقم ١٢٧.\n(٣) البخاري، كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله - ﷿ -، برقم ٦١٦٨_ ٦١٦٩، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، برقم ٢٦٤٠.","vol":"1","page":236},{"text":"عرفوه من زكاء نفسه» (١).\nفاستجاب اللَّه دعاءه، «فوهب له من العلم والحكم، ما كان به من أفضل المرسلين، وألحق بإخوانه المرسلين، وجعله محبوبًا مقبولًا، مُعظَّمًا مُثنىً عليه في جميع الملل، في كل الأوقات» (٢)، وفي كل الأزمنة.\n«وقد أخذ أهل العلم من هذه الدعوة الترغيب في العمل الصالح الذي يكسب العبد به الثناء الحسن، ويورّثه الذكر الجميل، إذ هو الحياة الثانية، كما قيل: (قد مات قوم وهم في الناس أحياء) أي بذكرهم الطيّب، وسيرتهم العطرة» (٣).\n«روى أشهب عن مالك قال: قال اللَّه - ﷿ -: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾: لا بأس أن يحب الرجل أن يُثنى عليه صالحًا، ويُرى في عمل الصالحين، إذا قصد به وجه اللَّه تعالى» (٤).\nبعد أن سأل الله سعادة الدنيا سأل الله سعادة الأخرى الأبدية:\nقوله: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾:أي من السعداء في الآخرة الذين يستحقون ميراث جنات الخلد، وقد أجاب اللَّه تعالى دعوته، فرفع منزلته في أعلى جنات النعيم، وفي هذا حثٌّ من اللَّه\n_________\n(١) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، ١٩/ ١٥٦.\n(٢) تفسير ابن سعدي، ص ٦٩٣.\n(٣) فقه الأدعية والأذكار، د. عبد الرزاق عبد المحسن البدر، ٤/ ٣٦٠.\n(٤) تفسير القرطبي، ٧/ ١٠٥.","vol":"1","page":237},{"text":"﵎ لعباده على قوّة الهمم إلى الجدّ في السؤال بهذه الدعوات المباركات؛ لما تتضمنه من خيري الدنيا والآخرة.\nوانظر فوائد هذه الدعوة في الدعوة القادمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>٣٥ - ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * </span>إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١).\nهذه الدعوة المباركة تكملة لدعوات خليل الرحمن، فقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾: الخزي هو: الذل، والهوان.\nيقال: خزي الرجل: لَحِقَه انكسار إما من نفسه وإما من غيره (٢).\nأي اعصمني من الذلّ والهوان يوم القيامة، يوم بعث الخلائق لمحاسبتهم، فتضمّن هذا الطلب السلامة من الفضيحة بالتوبيخ على الذنوب، والعقوبة عليها. وهذا الدعاء من خليل الرحمن، كان من دعاء نبينا محمد - ﷺ -: «اللهم لا تخزني يوم القيامة، ولا تخزني يوم البأس، فإن من تخزه يوم البأس فقد أخزيته» (٣).\nثم ذكر العلّة في سؤاله لذاك اليوم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآيات: ٨٧ - ٨٩.\n(٢) مفردات ألفاظ القرآن، مادة (خزي).\n(٣) عمل اليوم والليلة لابن السني، برقم ١٢٨، وعلل الحديث لابن أبي حاتم، برقم ٢٠٦٥، والدعاء الأول منه في مسند أحمد، ٢٩/ ٥٩٦، برقم ١٨٠٥٦، والجملتان الأوليتان في المعجم الكبير للطبراني، ٣/ ٢٠، ومسند الفردوس للديلمي، ١/ ١٤٣، ورواية الإمام أحمد صححها الأرناؤوط في مسند أحمد، ٢٩/ ٥٩٦.","vol":"1","page":238},{"text":"* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: أي لا يقي المرء من عذاب اللَّه ولو افتدى بملء الأرض ومن عليها ذهبًا وبشرًا، إلاّ من أتى اللَّه بقلب سليم من كل المساوئ، والعيوب من أمراض الشبهات، كالشرك، والشك، والنفاق، والإصرار على البدع والضلالات، ومن أمراض الشهوات مثل حب الدنيا، وغرورها، وبالجملة السالم من الخصال الذميمة، المتصف بالصفات الجميلة، وخصّ القلب بالذكر لأنه الذي إذا سلم سلمت الجوارح كلها، وإذا فسد فسدت سائر الجوارح، وهذا المطلب المهمّ كان من مطالب النبي - ﷺ -: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا» (١).\nتضمنت هذه الدعوات الجليلات جملًا من الفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>١ - يحسن بالداعي أن يجمع في دعائه من خيري الدنيا والآخرة</span>، وأن تكون الدار الآخرة هي مقصده، ومطلبه الأعظم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>٢ - ينبغي للداعي أن يسأل اللَّه تعالى أن يزيده من العلم والحكمة </span>لما ينفعه في دينه ودنياه وآخرته.\n_________\n(١) سنن النسائي، كتاب السهو، نوع آخر من الدعاء، برقم ١٣٠٤، والسنن الكبرى له أيضًا، ١/ ٣٨٧، كتاب صفة الصلاة، نوع آخر، برقم ١٢٢٨، ومسند أحمد، ٢٨/ ٣٣٨، برقم ١٧١١٤، ومصنف ابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٤١، والمعجم الكبير للطبراني، ٦/ ٤٥٠، وحسنه لغيره الأرناؤوط في تعليقه على المسند، ٢٨/ ٣٣٨، وسيأتي في الدعاء رقم ١٣٢ آخر الكتاب.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>٣ - ينبغي للعبد أن يسأل اللَّه تعالى أن يرزقه مرافقة الصالحين </span>في الدنيا والآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>٤ - وكذلك أن يرزقه الثناء الحسن في الدنيا لما يترتب عليه من </span>الفوائد الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>أ - الدعاء له</span>.\nب - الاقتداء، والتأسي به.\nج - القبول عند المخاصمة، والوعظ، وغير ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>٥ - أهمية التوسّل بصفات اللَّه تعالى</span>، ومنها صفة (الهبة) الفعلية، كما في كثير من الأدعية القرآنية؛ فإن فيها من كمال الأدب، والتعظيم، والثناء على اللَّه تعالى حال السؤال، والدعاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>٦ - أن ذكر العلة في السؤال من حسن الدعاء، كما أفاد قوله:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>أ - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>ب - وكقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>٧ - يحسن بالداعي أن يدعو لوالديه </span>وإن كانوا على غير صلاح، ولا هدى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>٨ - أن جميع الأنبياء والمرسلين مشفقون من يوم القيامة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>٩ - أن القلب هو أعظم مضغة، فإن صلحت صلح سائر الجسد</span>،\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآيتان: ٨٨ - ٨٩.\n(٢) سورة الشعراء، الآية: ٨٦.","vol":"1","page":240},{"text":"وإن فسدت فسد سائر الجسد؛ لهذا خصَّها ﵊ بالذكر دون غيرها.\n\n١٠ - ينبغي للعبد أن لا يغترَّ بعمله، فإذا كان إمام الأنبياء يخاف من ذلك اليوم على ما أوتي من الخصال الحميدة، فمن باب أولى من كان دونه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>٣٦ - ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ </span>وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>المفردات:</span>\n﴿أَوْزِعْنِي﴾: قال الجوهري: «استوزعت اللَّه فأوزعني، أي استلهمته فألهمني»، وقال الراغب: «وتحقيقه أولعني بذلك» (٢)، والمعنى: أي ألهمني، واجعلني مولعًا به، راغبًا في تحصيله.\nهذه من الدعوات المباركة في كتاب ربنا - ﷻ - الذي نحن متعبدون بتلاوته، المأمورون بتدبره، والعمل به.\nففي هذه الدعوات العلم النافع، والعمل الموفق الصالح، إذا تدبّرها العبد، وعمل بمقاصدها، وما دلّت عليه من المدلولات، فإن مآلها الخير العظيم في الدارين من كل خير.\n_________\n(١) سورة النمل، الآية: ١٩.\n(٢) المفردات، ص ٨٦٨.","vol":"1","page":241},{"text":"فلقد أعطى اللَّه تعالى سليمان - ﵇ - النبوة والملك، وعُلِّم منطق الطير، فكان شاكرًا لأنعم اللَّه عليه.\nفقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾: أي ألهمني، ووفقني لشكر نعمائك، وأفضالك عليَّ بالنعم الكثيرة التي لا تُعَدُّ، ولا تُحصى، فتضمّن سؤال اللَّه تعالى التوفيق لملازمة شكره على الدوام.\n﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾: «أدرج فيه والديه تكثيرًا للنعمة؛ فإن الإنعام عليهما إنعام عليه من وجه مستوجب الشكر، أو تعميمًا لها» (١)، فإن النعمة عليه يرجع نفعها إليهما كذلك.\nلهذا سأل ربه ﵎ التوفيق للقيام بشكر نعمه الدينية، والدنيوية، وهذا من كمال الشكر وأحسنه؛ فإن النعم من اللَّه على عبده المؤمن لا تُعَدّ ولا تحصى، والتي أعظمها نعمة الإسلام التي مغبون فيها كثير من الناس.\n﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: صالحًا - بالتنوين والتنكير-: للتفخيم والتكثير، فسأل اللَّه تعالى التوفيق بالقيام بالأعمال الجليلة والكثيرة التي تستوجب رضاه الذي هو أمنية كل مؤمن، فإن تمام الشكر وأكمله، أن يكون باللسان، والقلب، والأركان.\nوقوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾: فيه نكتة مهمة: أن ليس كل عمل يعمله العبد\n_________\n(١) الألوسي، ١١/ ٢٦٩.","vol":"1","page":242},{"text":"الصالح، وإن كان ظاهره صلاحًا، بل قد لا يكون مرضيًا عند اللَّه - ﷿ - لما فيه من المنقصات من الرياء والعجب والشرك. والثاني: غير موافق لشريعته الحكيمة التي أنزلها تعالى على لسان نبيه - ﷺ - من المتابعة.\nوفي هذا بيان على الحثّ في تصحيح الأعمال، والأقوال، والنيات، وعلى السبق إلى أفضل الأعمال التي توجب رضا اللَّه تعالى الذي هو أعظم مطلوب، وأهمّ مقصود.\nوقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾: أي وأدخلني الجنة دار رحمتك التي لا يدخلها أحد إلا أن تتغمَّده برحمتك وفضلك.\nقوله: ﴿فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ ألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك في أعلى جنانك؛ جنات الخلد التي لا يدخلها إلا الصالحون.\n\nفقد<span data-type=\"title\" id=toc-466> طلب ﵊ كمال السعادة البشرية الدنيوية والأخروية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>١ - التوفيق للشكر على نعمه الجليلة الدينيَّةِ والدنيويَّة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>٢ - وعمل الطاعات المرضيّة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>٣ - ومرافقة خير البريَّة</span>.\nوقد<span data-type=\"title\" id=toc-470> تضمنت هذه الدعوة المباركة جملًا من الفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>١ - أهمية سؤال اللَّه تعالى العون على الطاعة</span>، ومن أخصِّها الشكر","vol":"1","page":243},{"text":"التي تستوجب حفظ النعم الدينية والدنوية، وهذا المقصد كان من سؤال المصطفى - ﷺ -: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>٢ - أن نعمة الإسلام هي أعظم النعم على الإطلاق</span>؛ ولهذا كان المصطفى - ﷺ - يسأل اللَّه تعالى أن يتمّ عليه هذه النعمة: «اللَّهُمَّ احْفَظْنِي بِالْإِسْلَامِ قَائِمًا ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>٣ - إثبات صفة الرضى للَّه</span>، تعالى وهي من الصفات الفعلية التي تتعلق بمشيئته - ﷿ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>٤ - أن الإيمان بصفات اللَّه تعالى يوجب حسن العمل والقول</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>٥ - إن وصف العبودية هو أعظم الأوصاف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>٦ - أهمية مطلب مرافقة الصالحين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>٧ - العناية بإصلاح الأعمال والأقوال حتى تكون عند اللَّه مقبولة</span>\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الوتر، باب في الاستغفار، برقم ١٥٢٦، النسائي، كتاب صفة الصلاة، نوع آخر من الدعاء، برقم ١٣٠٣، وفي السنن الكبرى له أيضًا، كتاب صفة الصلاة، نوع آخر، برقم ١٢٢٧، والمسند، ٣٦/ ٤٢٩، برقم ٢٢١١٩، ورقم ٢٢١٢٦، وابن أبي شيبة،\n١٠/ ٢٨٤، برقم ٣٠٠١٣، وابن خزيمة، ١/ ٣٦٩، برقم ٧٥١، والمستدرك، ١/ ٢٧٣، برقم ١٠١٠، والأدب المفرد للبخاري، ص ١٧٢، برقم ٦٩٠، ومسند عبد بن حميد، ١/ ٥٤، والبزار، ٥/ ٤٣٨، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، ٦/ ١٤٥٧، وعمل اليوم والليلة لابن السني، ص ٢٢٥، وصححه الألباني في التعليقات الحسان، ٦/ ١٤٥٧، وفي صحيح الأدب المفرد، ص١١٨، برقم ٥٣٤.\n(٢) المستدرك، ١/ ٥٢٥، برقم ١٩٢٤، صحيح ابن حبان، ٣/ ٢١٤، المختارة، ١/ ١٧٢، الدعوات الكبير للبيهقي، ١/ ٣٤٥، مكارم الأخلاق للخرائطي، ص ٢٣٩، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٥٤، برقم ١٥٤٠، وانظر شرحه عند الرقم ٧٧.","vol":"1","page":244},{"text":"ومرضية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>٨ - يستحب للداعي أن يشرك والديه في الدعاء؛ لعظم فضلهما عليه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>٩ - إن الوالدين من أعظم النعم من اللَّه عزّ شأنه على العبد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>١٠ - أهمية الأدعية القرآنية</span>؛ لاستجماعها جوامع الكلم من حسن الأدب، وكمال المقصد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>٣٧ - ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ </span>(١).\nهذه الدعوة الثانية ذكرها المؤلف لموسى - ﵇ - هي من ضمن عدة دعوات في أمور مهمّات، سطَّرها كتاب ربنا بأساليب عديدة، في مواضع كثيرة، تنبئ عن أهمّيتها وشدّة العناية بها، وتبيّن ما ينبغي للعبد أن يكون عليه في مواطن الفتن والشدائد، وكيفيّة التعامل بها على منهج اللَّه القويم، والصراط المستقيم، الذي من تمسّك به، فلن يضلّ في الدنيا، ولن يشقى في الآخرة.\nوسبب هذه الدعوة أن موسى - ﵇ - قتل رجلًا قبطيًا خطأً دون قصد أو تعمّد، حين أقدم رجل إسرائيلي من شيعته على الاستنصار به على القبطي، فضربه بقبضة يده فمات في الحال، وعدَّ ذلك ذنبًا لأنه قتل نفسًا لم يأمره اللَّه بقتلها.\nقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ اعترافٌ وندمٌ منه، فحمله ندمه على الخضوع لربه، والاستغفار من ذنبه، قال قتادة\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ١٦.","vol":"1","page":245},{"text":"﵀ عن الأية: «عَرَفَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﵇ - مِنْ أَيْنَ الْمَخْرَجِ» (١)، «ثم لم يزل يعدد ذلك على نفسه، مع علمه بأنه قد غفر له، حتى أنه في القيامة يقول: إني قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، وإنما عدده على نفسه ذنبًا من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر؛ فإن الأنبياء يُشفقون مما لا يشفق منه غيرهم» (٢).\nفإذا كان نبي اللَّه - ﵇ - يعدد ذنبه على نفسه، مع علمه بمغفرة اللَّه له، فكيف بنا نحن لا نعدد ذنوبنا وسيئاتنا التي نجترحها في الليل والنهار، ولا نعلم هل يغفر لنا أم لا! فإن العبد ينبغي له أن يقف متأملًا في حاله، وفي مصيره، وإنه مسؤول عن كل صغير وكبير، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل.\nذكر العلامة ابن سعدي ﵀ من فوائد هذه القصة: «أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد، أو عرف، لا يجوز، وأن الذي يقتل النفوس بغير حقٍّ يُعدُّ من الجبارين المفسدين في الأرض، ولو كان غرضه من ذلك الإرهاب، ولو زعم أنه مصلح، حتى يرد في الشرع بما يبيح قتل النفس» (٣)، ومن الفوائد: أن العبد ينبغي له أن يستعظم الذنب، ويخاف عاقبته، ويتوسّل إلى اللَّه بذكر مظلمته، وعزمه على التوبة والأوبة.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير، ٩/ ٢٩٥٥، وحسّن إسناده في التفسير الصحيح، ٤/ ٤٦.\n(٢) تفسير القرطبي، ٧/ ٢٣٣.\n(٣) تيسير الكريم المنان، ص ١٣١.","vol":"1","page":246},{"text":"فكأنه ﵀ يحكي حال اليوم وما يقوم به المتجاهلون على الدين والشرع، من قتل الأبرياء، واستحلال الدماء والأموال والأنفس بدعوى الجهاد، وإنما هو ضلال وفساد، نسأل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة.\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>١ - إن الاعتراف بالذنب توبة وندم، مع الإقلاع عن الذنب</span>، والعزيمة على أن لا يعود إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>٢ - تقديم الاعتراف بالذنب وظلم النفس قبل الطلب</span>، من موجبات الإجابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>٣ - ينبغي لمن وقع في ذنب المبادرة إلى التوبة والأوبة في الحال</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>٤ - إن الاعتراف بظلم النفس، وطلب المغفرة من اللَّه من سنن الأنبياء </span>والمرسلين، كما قال أبوينا ﵉: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>٥ - إن هذه الدعوة من أهم الدعوات في طلب المغفرة</span>؛ حيث ذكرها تعالى في سياق الثناء المقتضي للتأسي والاقتداء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>٦ - دلّت هذه الدعوة الكريمة على محبة اللَّه للتوبة والمغفرة</span>؛ لقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾، حي ث رتب المغفرة بـ (الفاء) التي تفيد السببية، والتعقيب، والترتيب دون مهلة.\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>٧ - إن التوسل إلى اللَّه تعالى بهذا الاسم (الرب) يناسب الدعاء به </span>في أي مطلوب؛ لأن ربوبية اللَّه تعالى من لوازمها إجابة الدعوات كما تقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>٣٨ - ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ </span>(١).\nهذه الدعوة المباركة من دعوات موسى - ﵇ - التي تكرّرت في كتاب اللَّه - ﷿ -؛ فإن فيها إرشادًا من اللَّه تعالى لنا في التمسك بطرق الخير، ومجانبة طرق الباطل؛ لنكون في عصمة اللَّه في ديننا ودنيانا.\nسأل موسى - ﵇ - ربه النجاة من فرعون وزمرته، فقال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: توسل بربوبية اللَّه - ﷿ - التي من معانيها التربية والعناية والإصلاح والتدبير، وإجابة الدعاء، فناسب أن يسأل ربه - ﷿ - في إصلاح أمره، وتدبير حاله، في النجاة من هؤلاء الظلمة، أي: يا ربي نجّني، وخلّصني من هؤلاء القوم الكافرين، الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بك، ووصفهم بالظلم إظهار لشناعة هذا الوصف، ومن كان من أهله.\nفأنجاه السميع العليم، كما هي عادته مع أنبيائه وأوليائه الذين يفرون إليه في كل أمورهم، وأحوالهم، وعند الشدائد والمهالك، والأخطار.\nوسؤال اللَّه النجاة من الظالمين، كما هو دأب الأنبياء\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٢١.","vol":"1","page":248},{"text":"والمرسلين، كان له نصيب من أدعية المؤمنين، كما قصَّ اللَّه لنا عن المؤمنة آسية زوج فرعون حين قالت: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، فسألت النجاة من فرعون الظالم، ثمّ عمّمت سؤال النجاة من كلّ من يتّصف بهذه الصفة الشنيعة التي حرّمها ذو الجلال والإكرام على نفسه، وعلى عبيده.\nفقد جاء عن أبي هريرة - ﵁ - في قصة تعذيبها أنه قال: «إِنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لِامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يديها ورجليها، فكان إِذَا تَفَرَّقُوا عَنْهَا أَطْلَقَتْهَا الْمَلَائِكَةُ، فَقَالَتْ:) رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، قَالَ: فَكَشَفَ لَهَا عَنْ بَيْتِهَا فِي الْجَنَّةِ» (٣)، وهذا حكمه حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال بالرأي.\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>١ - ينبغي للعبد أن يحرص في دعائه على سؤال اللَّه تعالى العصمة</span>،\n_________\n(١) سورة التحريم، الآية: ١١.\n(٢) سورة التحريم، الآية: ١١.\n(٣) أخرجها ابن جرير عن أبي رافع في التفسير، ٢٤/ ٤٠٩، وذكر فيه بعد ذكر الأوتاد: «ثم جعل على ظهرها رحىً عظيمة حتى ماتت»، ولم يذكر تظليل الملائكة لامرأة فرعون، وبلفظه تفسير الصنعاني، ٢/ ٣٧١، ومستدرك الحاكم، ٢/ ٥٢٣، وصححه ووافقه الذهبي، وشعب الإيمان للبيهقي، ٣/ ١٧٨، وعزاها السيوطي في الدر المنثور، ١٤/ ٥٩٥ إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان عن سلمان - ﵁ -، وبلفظ المتن أخرجه أبو يعلى، ١١/ ٣١٦، وصحح الشيخ الألباني لفظ المتن في السلسلة الصحيحة، ٦/ ٣٥، برقم ٢٥٠٨.","vol":"1","page":249},{"text":"والحفظ من الظالمين؛ لشدة خطرهم على الدين والنفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>٢ - لم تستجلب النعم، وتدفع النقم بمثل الدعاء</span>؛ ولذلك كان ملجأ الأنبياء، والأولياء في كل زمان ومكان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>٣ - أهمية التوسّل بصفات اللَّه تعالى حال السؤال والطلب</span>، كما في توسَّل موسى - ﵇ - ﴿نَجِّنِي﴾، وهذه صفة فعلية عليّة، تدلّ على كمال القوة، والإرادة، والنصرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>٣٩ - ﴿عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ </span>(١).\nهذه دعوة مباركة أخرى ضمن دعوات موسى - ﵇ - في الكتاب الحكيم.\nحين قتل موسى - ﵇ - القبطي أصبح ﴿فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٢)، ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (٣)، فأثنى اللَّه ﵎ على هذا الرجل الصالح.\nووصفه بالرجولية؛ لأنه خالف الطريق، فسلك طريقًا أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فنصحه في الخروج فأخذ بها، فلما أخذ طريقًا سالكًا قاصدًا وجهة مدين، وهي جنوبي\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٢٢.\n(٢) سورة القصص، الآية: ١٨.\n(٣) سورة القصص، الآية ٢٠.","vol":"1","page":250},{"text":"فلسطين حيث لا ملك لفرعون بها.\nقال تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾: خرج منها فارًا بنفسه، منفردًا خائفًا، لا شيء معه من زاد ولا راحلة، ولا حذاء، أسند إلى دعاء ربه مستغيثًا به الذي من طرق بابه، ولاذ بجنابه، لا يردُّه، ولا يُخيّبه (١).\n﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: أي إلى الطريق الأقوم، والمختصر الموصل إليها بسهولةٍ، ورفقٍ، فهداه اللَّه - ﷿ - إليها، وهداه - ﷾ - إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هاديًا مهديًا (٢).\nمن فوائد هذا الدعاء:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>١ - في هذه الآية تعليم وإرشاد أن على العبد أن يفرغ ما في وسعه </span>في بذل الأسباب، ثم يلجأ إلى اللَّه تعالى أن ييسر له الأسباب، وهذا من كمال التوكّل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>٢ - «أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى العلم</span>، أو التكلم به إذا لم يترجّح عنده أحد القولين؛ فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه إلى الصواب من القولين، بعد أن يقصد الحق بقلبه، ويبحث عنه، فإن اللَّه تعالى لا يخيب من هذه حاله» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>٣ - ينبغي للعبد أن يسأل ربه - ﷿ - الهداية الحسيّة، والمعنوية</span>، حتى\n_________\n(١) تفسير القرطبي، ٧/ ٢٣٧.\n(٢) تفسير ابن كثير، ٦/ ٢٣٦.\n(٣) تيسير اللطيف المنان، ص ١٣١.","vol":"1","page":251},{"text":"يهديه ربه - ﷿ - إلى أسهل وأقرب الطرق الموصلة لذلك المقصد في دينه ودنياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>٤ - افتقار الخلق كلهم إلى اللَّه تعالى بالهداية والتوفيق</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>٥ - فضل الدعاء في جلب المنافع، ودفع المضار</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>٤٠ - ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ </span>(١).\nهذه الدعوة ضمن دعوات ذكرها المؤلف حفظه اللَّه تعالى ووفقه، من دعوات موسى - ﵇ -، الذي كثر عنها الحديث في كتاب ربنا دلالة على أهميتها، والدعوة إلى العناية بها، فهمًا، وعلمًا، وسؤالًا، ومطلبًا، ففيها من الخيرات والمنافع الكثيرة التي تعود على العبد بما يصلح أموره، وأحواله في الدنيا، ومرجعه في الآخرة.\nفقد ذكر المفسرون أن موسى - ﵇ - لما جهد في السفر، وانقطع عن الأهل، بلغ به الجوع كل مبلغ، ولم يكن معه من الطعام ما يأكله، فعرف أين المقصد، وأين المخرج، فعرف أن المفرّ إلى ربه ﵎ الذي اعتنى به منذ صغره إلى هذه الحال، عرف ربه في الرخاء، فعرفه في الشدة، فتوسّل إليه بألطف الوسائل.\nقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾: ذكر حاله إلى ربه ﵎ بألطف الكلمات والعبارات، المتضمن لطلب إنزال اللَّه الخيرات، وهذا من أبلغ الوسائل، وألطفها لما فيها من حسن\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٢٤.","vol":"1","page":252},{"text":"الأدب وكمال الطلب.\nوكأني بحاله يقول: يا ربي، إني لما أنزلت إليَّ من فضلك وغناك وخيرك فقير إلى أن تغنيني بك عمن سواك.\n«وهذا سؤال منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغ من السؤال بلسان المقال» (١).\n«فإن اللَّه تعالى كما يحب من الداعي أن يتوسل إليه بأسمائه، وصفاته، ونعمه العامة والخاصة، فإنه يحب منه أن يتوسّل إليه بضعفه، وعجزه، وفقره، وعدم قدرته على تحصيل مصالحه، ودفع الأضرار عن نفسه، لما في ذلك من إظهار التضرع والمسكنة، والافتقار للَّه - ﷿ - الذي هو حقيقة كل عبد» (٢).\nفقد تضمّن كتاب ربنا أنواعًا في كيفية الطلب والدعاء، فتارة يكون الدعاء بصيغة الطلب: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٣).\nوتارة يكون بصيغة الخبر المتضمن للطلب مثل هذا الدعاء، وكدعاء زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٤).\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي، ٦/ ١٦.\n(٢) تفسير اللطيف المنان، ص ١٣٢.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ١١٨.\n(٤) سورة مريم، الآية: ٤.","vol":"1","page":253},{"text":"وكقوله تعالى عن أيوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١)، والعبد الصالح السالك طريق الأنبياء والمرسلين يحسن به الاقتداء بهم، والأخذ بسننهم في الدعاء) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ «٢).\nفيجمع العبد بين هذه التوسلات العلية في سؤاله ورغبته:\nوإذا كان موسى - ﵇ - قد سأل اللَّه الخير بصيغة الحال، فإنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه سأل اللَّه - ﷿ - الخير بصيغة الطلب، كما في الحديث العظيم الذي قال فيه النبي - ﷺ - لأُمِّنا عائشة ﵂ حين قال لها: «عَلَيْكِ بِالْكَوَامِلِ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ ...، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ»، وفي رواية: «عليك بالجوامع الكوامل» (٣).\nتضمنت هذه الدعوة المباركة جملًا من الفوائد منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>١ - أن الشكوى إلى اللَّه تعالى لا تنافي الصبر</span>، بل من كمال الإيمان باللَّه تعالى، والرضا بقدره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>٢ - على الداعي أن يتوسل إلى اللَّه بأنواع التوسل المشروعة</span>، وإن ذلك من كمال العبودية التي يحبها اللَّه - ﷿ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>٣ - مشروعية الاستعاذة من الفقر</span>، وأنها سُنَّة الأنبياء والمرسلين،\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية ٨٣.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ٩٠.\n(٣) سنن ابن ماجه، برقم ٣٨٤٦، مسند أحمد، برقم ٢٥١٣٧، ورقم ٢٥١٣٨، واللفظ له، الأدب المفرد للبخاري، وقد تقدم تخريجه في الدعاء رقم ٢٩، مع التعليق عليه.","vol":"1","page":254},{"text":"فقد كان من دعاء رسولنا محمد - ﷺ -: «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>٤١ - ﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ </span>(٢).\nهذا الدعاء من نبي اللَّه لوط - ﵇ -، وقد كان مرسلًا إلى قوم قد جمعوا بين الشرك، والكفر، والفعل الشديد النكران.\nفكانوا يأتون الذكران من العالمين، ولم يسبقهم أحد مثلهم من السابقين، وقصَّ ربّنا - ﷿ - لنا عن دعوته لهم، فلم يستجيبوا له، حتى أقرب الناس إليه زوجه، فلمّا يئس منهم دعا عليهم بعد أن تمادوا إلى أشد النكران والكفران.\nحيث أرادوا الفاحشة في ملائكة العذاب حين أتوه بالبشرى في صورة أضياف آدميين شباب.\nفأوى إلى المليك المقتدر السميع القريب فقال: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾: يا رب انصرني عليهم بإنزال العذاب الموعود الذي لا يتخلف، والآتي المتحقق، وتوسّلَ إلى اللَّه تعالى بربوبيته التي من معانيها النفع، ودفع الضر، والنصر، والتربية، والتدبير، فكان في غاية الحسن في السؤال.\nوقوله: ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾: على أصحاب الفاحشة الذين\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، برقم ١٥٤٤،والنسائي، برقم ٥٤٧٥، وسيأتي تخريجه وشرحه، في الدعاء رقم ٩٤.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٣٠.","vol":"1","page":255},{"text":"سنُّوا هذا الفعل لمن بعدهم، وإنما وصفهم (بالْمُفْسِدِينَ): مبالغة في استنزال العذاب عليهم، وقد بيَّن اللَّه تعالى لنا في كيفية هلاكهم: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ (١)، فكما قلبوا فطرتهم، قلب اللَّه - ﷿ - أجسادهم وبيوتهم جزاءً وفاقًا.\nوفي هذا القصص عبرة للعباد، وإرشاد إلى الاعتصام باللَّه تعالى في سؤال اللَّه العصمة، والاستعاذة به - ﷿ - من المنكرات المضلَّة التي تُفسد القلب، والعقل، والجسم، والفطرة السليمة.\nتضمنت هذه الدعوة المباركة من الفوائد الكثيرة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>١ - لا عاصم على الإطلاق إلا اللَّه ﵎</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>٢ - أن الداعي ينبغي له أن يجانب مصاحبة المفسدين</span>، حتى لا يصيبه ما أصابهم، وأن يستعين باللَّه في دعائه كذلك عليهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>٣ - أهمية التوسّل إلى اللَّه بالدعاء على المفسدين</span>، كما أفاد لفظ (انْصُرْنِي)، ولم يقل (أعذني) دلالة على شدة خطورتهم، وأنه من عُصِمَ منهم فقد نُصِرَ نَصْرًا مُؤزَّرًا من اللَّه جلّ شأنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>٤٢ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ </span>(٢).\nالصلاح: «ضد الفساد، وهما مختصّان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقُوبل في القرآن تارة بالفساد، وتارة بالسيئة، قال تعالى:\n_________\n(١) سورة الحجر، الآية: ٧٤.\n(٢) سورة الصافات، الآية: ١٠٠.","vol":"1","page":256},{"text":"﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٢» (٣).\nهذه الدعوة ضمن دعوات إبراهيم - ﵇ -، حيث سأل اللَّه تعالى أن يهب له ولدًا صالحًا، فبعد أن طلب الصلاح لنفسه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ طلب الصلاح من اللَّه تعالى لذريته، حتى يتم الكمال له ولذريته، ومطلب الصلاح هو سؤال الأنبياء والمرسلين.\nفقد طلبه سليمان - ﵇ - فقال: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤).\nوطلبه يوسف - ﵇ - فقال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٥)، وهي -كما تقدم - دعوة نبينا محمد - ﷺ -: «اللَّهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين»؛ لأن الصلاح هو أفضل الخصال، وأسماها، وأشرف مقامات السالكين إلى اللَّه تعالى، فمن ناله صلح أمره وشأنه في الدنيا، وحسنت عاقبته في الآخرة.\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية ١٠٢.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٦.\n(٣) انظر: مفردات القرآن، مادة (صلح).\n(٤) سورة النمل، الآية: ١٩.\n(٥) سورة يوسف، الآية: ١٠١.","vol":"1","page":257},{"text":"فإن الولد الصالح من أعظم النعم، وأقرِّ الأعين، وأحبِّ المُنى، وهل يكون الفلاح في الآخرة إلا بالصلاح، وسؤال اللَّه تعالى الصلاح للذرية يدخل فيه سؤال اللَّه صلاح البدن، والخلق، والدِّين أن يكون سليمًا مستقيمًا في خِلْقته، وخُلُقه في ظاهره وباطنه، وهذه من أعظم النعم التي يتمناها كل عبدٍ صالح.\nوقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ فيه بيان أن رزق الولد الصالح مِنَّةٌ ربانيةٌ، ومِنحةٌ إلهيةٌ، والهبة هي: عطاء بلا عوض، ولا ثمن، فالهبة منه - ﷿ - كمال محض؛ لأن الإعطاء منه تفضلًا، وابتداءً من غير استحقاق، ولا مكافأة (١).\nقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قَيّد في سؤاله الصلاح، وهذا أمر مهمٌّ؛ لأن من الذرية ما يكون سببًا للهمِّ والنّكَدِ، وسوء الخُلُقِ.\nقال ابن جرير الطبري ﵀: «يقول: يا ربِّ هبْ لي منك ولدًا يكون من الصالحين الذين يطيعونك، ولا يعصونك، ويصلحون في الأرض، ولا يفسدون» (٢).\nففي صلاح الذرية النفع الكبير للوالدين في الدارين، ففي الدنيا طاعتهما، والقيام على خدمتهما، وبذل المعروف لهما، وبعد موتهما بالدعاء لهما، قال النبي - ﷺ -: «إذا ماتَ الإِنْسانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إلاَّ\n_________\n(١) انظر: النهاية، ٥/ ٢٣١، واللسان، ٦/ ٤٩٢٩.\n(٢) تفسير الطبري، ١/ ٣١٤.","vol":"1","page":258},{"text":"مِنْ ثَلاَثةٍ: صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ وَلَدٍ صالحٍ يَدْعُو لهُ» (١)، وقوله ﵊: «بَخٍ بَخٍ، خَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فَيَحْتَسِبُهُ» (٢)، وفي الآخرة من رفع الدرجات، والمنازل العُلا، قال ﵊: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» (٣)، وفي لفظ آخر موقوفًا على أبي هريرة: «ترفعُ للميّت بعدَ موتِهِ درجتُه، فيقولُ: أيْ ربِّ، أيُّ شيءٍ هذا؟ فيُقالُ: ولدُكَ استغفَرَ لَكَ» (٤).\nولمّا كانت هبة الولد الصالح عطية عظيمة من اللَّه تعالى، ونعمة جليلة من نعمه، كان شكرها، وحمد الرب ﵎ عليها واجبًا على العبد، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ وَمَا\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم ١٦٣١.\n(٢) السنن الكبرى للنسائي، ٦/ ٥٠، برقم ٩٩٩٥، ومسند الإمام أحمد، ٢٤/ ٤٣٠، وشعب الإيمان للبيهقي، ١٢/ ٢١٦، برقم ١٥٦٦٢، وبأرقام: ١٨٠٧٦، ٢٣١٠٠، والمعجم الأوسط للطبراني، ٥/ ٢٢٥، والمعجم الكبير له أيضًا، ٢٢، ٣٤٨، ومسند الشاميين له أيضًا، ١/ ٣٥٧، ومسند البزار، ٢/ ١٢٣، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم، برقم ٨١٧، و١٩٧٣، و٦٢٢١، و٦٢٦٩، وموارد الظمآن للهيثمي، ص ٢٣٢، والفردوس للديلمي،\n٢/ ٢٧، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ١٥٥٧، ورقم ٢٠٠٩.\n(٣) سنن ابن ماجه، أبواب الأدب، باب بر الوالدين، برقم ٣٦٦٠، ومسند أحمد، ١٦/ ٣٥٧، برقم ١٠٦١١، والطبراني في المعجم الأوسط، ٥/ ٢١٠، ومصنف ابن أبي شيبة، ١٠/ ٣٩٦، برقم ٣٠٣٥٩، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم ٢٤٩٧، وحسّنه في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ١٢٩، برقم ١٥٩٨، وصحيح ابن ماجه، برقم ٣٦٥٠.\n(٤) الأدب المفرد للبخاري، ص ٢٨، برقم ٣٦، وحسّن إسناده الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ١٧، برقم ٢٧.","vol":"1","page":259},{"text":"أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (١)؛ ولأن بالشكر تدوم النعم ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢)، فقد وفّى خليل الرحمن بهذه النعمة خير التمام، حيث قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٣)، أكد الجملة بـ (إنَّ) (٤)، و(اللام) للدعاء، والإجابة، أي وهب اللَّه لي على الكبر إسماعيل، وإسحاق؛ لأنه تعالى سميع الدعاء، وهذه هي عادة اللَّه ﵎ مع الصادقين السائلين أن يجيبهم، ويؤتيهم سؤلهم؛ لأنه - ﷻ - مجيب لمن دعاه، كما دلّ قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾ «بالفاء التي تفيد التعقيب والترتيب والسببية، أي فبسبب دعائه ببشارته» (٥)، ودلّت هذه البشارة أنها جاءت عقب الدعاء مباشرة، كما دلّ على ذلك بـ (الفاء) التي تدلّ على التعقيب دون مهلة، وهذا يدلّ على عظم شأن الدعاء، فما استجلبت النعم، ودفعت النقم بمثله.\nتضمن هذا الدعاء من الفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>١ - إن كل أحد وإن علا قدره من البشر مفتقر إلى اللَّه - ﷿ </span>-، ومفتقر\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣١.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٧.\n(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٣٩.\n(٤) (إن): هي حرف توكيد، تنصب الاسم، وترفع الخبر، وكذلك أنها تفيد العليّة كما صرح بذلك الأصوليون. انظر: القياس في القرآن الكريم والسنة النبوية، وليد الحسيني.\n(٥) تفسير سورة الصافات للعلامة ابن عثيمين ﵀، ص ٢٣٤.","vol":"1","page":260},{"text":"إلى من يغنيه، لقوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن َالصَّالِحِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>٢ - أهمية الصلاح، وأنه مطمع، ومأمل كل الأنبياء والمرسلين والصالحين</span>، فينبغي للعبد أن يسأله له، ولأهله، ولذريته، ولجميع المسلمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>٣ - ينبغي للعبد حين سؤاله ربه الذرية أن يقيّدها بالصلاح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>٤ - أهمية التوسل إلى اللَّه حال الدعاء بأسمائه الحسنى</span>، وكذلك بصفاته الفعلية العُلا، ومنها (الهبة) المشتقة من اسمه تعالى (الوهّاب).\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>٥ - الإكثار من الدعاء للأبناء بالصلاح</span>؛ لأن الذرية الصالحة من آثار العبد الصالح، كما في دعاء إبراهيم، وإسماعيل ﵉: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>٦ - على العبد أن يتخيّر في دعائه أحسن الألفاظ</span>، وأجمل المعاني، كما دلّ قوله: ﴿هَبْ لِي﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>٧ - أن الذرية الصالحة هبة محضة من اللَّه تعالى</span>، فمن أوتيها ينبغي له أن يحمد اللَّه تعالى عليها كثيرًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>٨ - أن من أعظم أسباب هبة الولد الصالح الدعاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>٩ - يحسن للداعي أن يذكر بعض الأمور الحميدة </span>التي يتمناها حال سؤاله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>١٠ - أهمية الدعاء في حياة المؤمن</span>؛ لما فيه من تحصيل المنافع،","vol":"1","page":261},{"text":"واعطاء المرجو في العاجل والآجل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>٤٣ - ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ </span>وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>المفردات:</span>\nأوزعني: أي ألهمني، وأولعني أن أشكر نعمتك بحيث لا أنفكُّ عن شكرها، وقد سبق لنا أن شرحنا مثل هذه الدعوة المباركة الطيبة على لسان سليمان - ﵇ -، إلاّ أنه ختم الدعاء هناك بقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢)، وختم هنا بقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾.\nفبدأ اللَّه تعالى بالوصية لمن كان سببًا في وجوده في هذه الحياة الدنيا بعد اللَّه - ﷿ - بالإحسان إليهما، وبرِّهما، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه، ففيه بيان أن العبد إذا بلغ أربعين سنة أن يجدد التوبة للَّه تعالى.\n﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾: يا ربي وفقني أن أشكر\n_________\n(١) سورة الأحقاف، الآية: ١٥.\n(٢) سورة النمل، الآية: ١٩.","vol":"1","page":262},{"text":"نعمك التي لا تُحصى عليّ من نعم الدنيا، والدين الذي هو أعظم النعم التي أسبغتها عليّ، فكم من محروم منها. تضمّن هذا السؤال التوفيق للعمل بالطاعات، واجتناب المحرّمات.\n﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾: أدرج ذكر والديه تكثيرًا للنعم، والنعم على الوالدين نعم على أولادهم؛ لأنهم لابد أن ينالهم شيئًا منها، ومن أسبابها وآثارها، خصوصًا نعم الدين، فسأل ربه التوفيق للقيام بشكر نعمته الدينية والدنيوية.\n﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: وألهمني ووفقني أن أعمل صالحًا ترضاه في المستقبل، فجمع بين أنواع الشكر المطلوبة: شكرها باللسان، بالثناء والذكر، المستلزم للشكر بالجنان، وأردفه الشكر بالأركان، وهو القيام بصالح الأعمال عنده جل وعلا عليه وعلى والديه.\nوقوله: ﴿صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: فتقييده بـ (ترضاه) يدلّ أنه ليس كل عمل صالحٍ في الظاهر يرضاه اللَّه تعالى، بل لا بدّ أن يوفّق إلى الأعمال والأقوال الموجبة لرضاه جل وعلا، من صدق الإخلاص، وحسن العبادة في المتابعة.\n﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾: أي واجعل الصلاح ساريًا في ذريتي، راسخًا فيهم، متمكنين منه، ولذلك عُدِّي بـ (في) (١)، وفيه إشارة إلى\n_________\n(١) فتح البيان لصديق حسن خان، ٦/ ٣٠١ بتصرف يسير.","vol":"1","page":263},{"text":"أن صلاح الآباء يورث صلاح الأبناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>تضمن هذا السؤال كمال السعادة البشرية المرجوة في الدنيا والآخرة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>١ - أن يوقفه للشكر على النعم الدنيوية والشرعية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>٢ - أن يوفقه بالطاعة المرضية عنده جل وعلا </span>التي تكون بالمتابعة والإخلاص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>٣ - أن يصلح له ذريته على صراط اللَّه تعالى المستقيم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>٤ - التوفيق إلى التعبد بمقتضيات صفاته، وآثارها</span>، ومنها صفة الرضا في قوله: ﴿صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.\nقوله: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين﴾: ختم هذا الدعاء بتجديد التوبة، والاستسلام للَّه تعالى في أمره ونهيه، قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: «هذا فيه إرشاد لمن بلغ أربعين سنة أن يجدد التوبة والإنابة إلى اللَّه - ﷿ -، ويعزم عليها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>الفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>١ - أهمية هذه الدعوة؛ فإنها تكررت مرتين في كتاب اللَّه تعالى: </span>مرة على لسان سليمان - ﵇ -، ومرّة هنا على لسان الصالحين من عباده تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>٢ - أهمّية سؤال اللَّه - ﷿ - التوفيق إلى الشكر</span>؛ لقوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ٤/ ٢٠٢.","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>٣ - أن نعم اللَّه تعالى على العبد، وعلى الخلق لا تُحصى</span>، كما أفاد قوله: ﴿نِعْمَتَكَ﴾ مفرد مضاف يفيد العموم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>٤ - أن نعمة الإسلام هي أعظم النعم من اللَّه - ﷻ </span>- التي ينبغي للعبد استشعارها، وحمده تعالى عليها سرًا وعلانية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>٥ - إن أحق من يُشْكَر بعد اللَّه تعالى الوالدين </span>لقوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>٦ - أهمية سؤال اللَّه تعالى التوفيق إلى أحسن الأعمال </span>لقوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>٧ - ينبغي مراقبة اللَّه تعالى في الأعمال، وأن تكون خالصةً </span>لوجهه - ﷿ -: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>٨ - إثبات صفة (الرِّضَا) لله تعالى</span>، وهي صفة فعلية تتعلق بمشيئتة وإرادته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>٩ - ينبغي للداعي أن يبذل ما في وسعه بالتقرب إلى اللَّه تعالى </span>بالأعمال، والأقوال، والأخلاق التي تقتضي رضاه تعالى؛ لأن رضاه صفة فعلية، والصفات الفعلية تتعلق بمشيئته متى وُجد سبب الرضا وُجد الرضا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>١٠ - ينبغي للداعي أن يسأل اللَّه على الدوام إصلاح ذريته</span>؛ لأن النفع يعود عليهم جميعًا، بل وعلى المؤمنين.\n_________\n(١) كما في قوله: (صالحًا) بالتنوين الذي يفيد التفخيم والتكثير، روح المعاني، ١٤/ ٣٠.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-536>١١ - أهمية التوسل بالعمل الصالح</span>، وكلّما كثّره العبد كان أرجى في الإجابة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>١٢ - إن التوبة من الذنوب من أعظم أسباب قبول الدعاء: </span>﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>١٣ - «إن إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان، أو بالإسلام</span>، وما أشبه ذلك، لا يُعدّ من الرياء، ولا سيما في الاتباع» (١)، بل يدلّ على الإقرار لله تعالى، والخضوع والتذلل له، وهذا من أعظم أنواع التوسل بالعمل الصالح؛ لأن الإسلام هو الاستسلام في ظاهر العبد، وباطنه لله رب العالمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>١٤ - ينبغي للعبد أن يجدد توبته، وإنابته إلى اللَّه خاصة </span>إذا كمل أربعين عامًا (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>١٥ - ينبغي للداعي أن يكون له حظ كبير في أدعيته لوالديه، ولذريته</span>؛ فإن هذا النفع يعود عليه، وعليهم جميعًا في الصلاح في الدنيا، والأنس والاجتماع بعضهم مع بعض في جنات النعيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>٤٤ - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ </span>وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ\nرَؤُوفٌ\n_________\n(١) تفسير آل عمران للعلامة ابن عثيمين ﵀، ١/ ٣٠٨.\n(٢) تفسير ابن كثير، ٤/ ٢٠٢.","vol":"1","page":266},{"text":"رَّحِيمٌ﴾ (١).\nهذه الدعوات هي في غاية الأهمية، ذكرها ربنا ﵎ لأهل الإيمان المخلصين من بعد الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين من التابعين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، دعوات تدلّ على المحبة والتآخي في قلوب المؤمنين؛ فإن حقوق المؤمن على المؤمن كثيرة، ومنها الدعاء له في غيبته: في حياته، وبعد موته.\nبعد أن أثنى اللَّه - ﷿ - على المهاجرين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّه وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّه وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٢).\nثم ثنَّى بالأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾.\nثم الصنف الثالث من المؤمنين الذين جاؤوا من بعدهم إلى يوم القيامة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فاستوعبت هذه الآيات جميع المسلمين، وليس أحدٌ إلاّ له فيها حق.\n﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾: ذكروهم في\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ١٠.\n(٢) سورة الحشر، الآية: ١٠.","vol":"1","page":267},{"text":"الثناء عليهم في محبتهم بالسبق بالإيمان، اعترافًا بفضلهم؛ لأن الأخوّة في الدين عندهم أعزّ وأشرف من أخوَّة النسب، فجمعوا في الدعاء بطلب المغفرة لهم وللسابقين، وهذا من كمال الدعوات وأحسنها وأنفعها.\nقال العلامة ابن سعدي ﵀: «وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين من السابقين من الصحابة، ومن قبلهم، ومن بعدهم، وهذا من فضائل الإيمان، أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان، المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين، التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضًا؛ ولهذا ذكر اللَّه تعالى في هذا الدعاء نفي الغل في القلب الشامل لقليله وكثيره، الذي إذا انتفى، ثبت ضده، وهو المحبّة بين المؤمنين» (١).\nفجمعوا في هذه الدعوة المباركة بين سلامة القلب، وسلامة الألسن، فليس في قلوبهم أي ضغينة، ولا وقيعة، ولا استنقاص لأحد بالذكر في اللسان، دلالة على جماع المحبّة الصادقة للَّه ربِّ العالمين.\nقال أبو مظفر السمعاني ﵀: «وفي الآية دليل على أن الترحم للسلف، والدعاء لهم بالخير، وترك ذكرهم بالسوء من\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي، ص ١٠١٢.","vol":"1","page":268},{"text":"علامة المؤمنين» (١).\nثم أكّدوا في تضرّعهم بإجابة دعائهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: توسّلوا إليه تعالى باسمين كريمين دالَّين على كمال رحمة اللَّه تعالى، أي: يا ربنا ما دعوناك بهذا السؤال والدعاء إلا لأنك رؤوف رحيم. والرؤوف: اسم للَّه تعالى يدلّ على شدّة الرحمة وأعلاها، فهو أخصُّ من الرحمة.\nومن كانت هذه خصالهم في الحبّ والمودّة في القلب واللسان بالدعاء والثناء لإخوانهم المؤمنين، جازاهم اللَّه تعالى خير الجزاء، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٢)، وقد تقدّمت بشارة الرسول - ﷺ - فيمن دعا لإخوانه المؤمنين «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة» (٣).\nولا يخفى يا عبد اللَّه أن في الإكثار من هذه الدعوة العظيمة خيرات كثيرة في الدنيا والآخرة؛ لما في ذلك من الاستجابة لأمر اللَّه تعالى، وكثرة الحسنات التي لا تُعدُّ ولا تُحصى للداعي بها كما\n_________\n(١) تفسير أبي المظفر السمعاني، ٥/ ٤٠٢.\n(٢) سورة الحشر، الآية: ١٠.\n(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١٩/ ٩٠٩، ومسند الشاميين، ٣/ ٢٣٤، وأبو يعلى، ٢/ ٣٤٦. وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع، برقم ٦٠٢٦، وتقدم.","vol":"1","page":269},{"text":"تقدم، وأن الدعاء بهذه الدعوات الطيبة يثمر في قلب العبد حب المؤمنين، والبُعد عن الكراهية، والحسد، والغلّ فتطهر بذلك القلوب، وهذا من أعظم مقاصد الدين.\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>١ - أهمية هذه الدعوة المباركة التي ينبغي لكل مسلم الإكثار منها </span>في ليله ونهاره، فإن ثمارها ومنافعها لا تُحصى في الدنيا والآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>٢ - أن من أعظم حقوق المؤمن على المؤمن الدعاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>٣ - أهمية سؤال اللَّه ﵎ المغفرة</span>؛ لأن من عظيم ثمارها زوال السيئات والمكروهات، وحصول النعم والخيرات، والفوز بالجنات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>٤ - ينبغي للمؤمن ألا ينسى فضل من سبقه بالإيمان</span>، فيذكره بالثناء والدعاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>٥ - جمع هذا الدعاء توسلين جليلين من التوسلات المهمة، وهما:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>أ - التوسل إليه بربوبيته</span>، كما في قوله: ﴿رَبَّنَا﴾، وباسمين من أسمائه الحسنى: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>ب- وتوسل إليه تعالى بنعمته عليهم بالإيمان</span>، وعلى من قبلهم، وهو توسّل بسابق الإحسان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>٤٥ - ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا </span>وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ","vol":"1","page":270},{"text":"الْمَصِيرُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>٤٦ - ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا </span>إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>المفردات:</span>\nالإسوة والأسوة: ما يُتأسَّى به، مثل قِدوَة وقُدوة، ويقال: هو إسوتك أي مثلك، وأنت مثله (٣).\nقال أبو السعود: خصلةٌ حميدةٌ حقيقةٌ بأنْ يُؤتَسَى ويُقْتَدى بهَا، ويتبع أثرها (٤).\nالفتنة، أصل الفتن: إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، ثم أطلق على الابتلاء والامتحان (٥).\nبعد أن ذكر اللَّه جلّ شأنه من تبرئ إبراهيم - ﵇ - والذين معه من الذين كفروا من قولهم وفعلهم، وبارزوا لهم التبري حتى يؤمنوا باللَّه تعالى وحده، ويوحِّدوا له العبادة لا شريك له، شرعوا في التوسل إليه تعالى بأسمائه الحسنى، وجميل أفعالهم، فجمعوا بين توسلين في حال دعائهم، استعطافًا لقبول دعائهم: ...\n_________\n(١) سورة الممتحنة، الآية: ٤.\n(٢) سورة الممتحنة، الآية: ٥.\n(٣) تفسير القرطبي، ٩/ ٣٠٩.\n(٤) انظر: تفسير أبي السعود، ٨/ ٢٣٦.\n(٥) انظر: المفردات، مادة (فتن)، وتذكرة الحفاظ، ٣/ ١٩٧.","vol":"1","page":271},{"text":"من التوكل والإنابة إليه - ﷿ -، والإيمان باليوم الآخر، ولمّا كانت هذه الخصال يحبّها اللَّه تعالى، حثَّنا وأكّد - ﷾ - لنا في الاقتداء بهم، واتباع سيرته - ﵇ -، والذين معه، إلاّ في استغفاره لأبيه، قال قتادة في هذه الآية: «ائتسوا به في كل شيء، ما خلا قوله لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فلا تأتسوا بذلك منه، فإنها كانت عن موعدة وعدها إياه» (١).\nفأمَرَنا ربنا ﵎ بالاقتداء بهم بالقول والفعل والدعاء.\n﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾: بعد أن تبرؤوا شرعوا في التوسل إليه تعالى بخالص أعمالهم، وعبودياتهم له تعالى، مقدمة لسؤالهم ليكون أرجى في الإجابة والقبول: أي يا ربنا توكلنا عليك في جميع أمورنا: صغيرها، وكبيرها، وسلّمنا أمورنا إليك وحدك.\n﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾: وإليك رجعنا بالاعتراف لك بكل ذنوبنا دون غيرك.\n﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: وإليك مصيرنا ومرجعنا يوم تبعثنا من قبورنا، وتحشرنا يوم القيامة إلى موقف العرض، «وفي تقديم الجار والمجرور (إليك) دلالة للحصر» (٢)، والقصر في التوكل والإنابة والمصير عليه وحده جل وعلا دلالة على كمال توحيدهم، وإيمانهم.\n_________\n(١) أخرجه الطبري في التفسير، ٢٣/ ٣١٨، وقال حكمت بن بشير بن ياسين في التفسير الصحيح، ٤/ ٤٧٣: «بإسناد حسن».\n(٢) تفسير ابن عاشور، ٢٨/ ١٤٧.","vol":"1","page":272},{"text":"﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: للآية معنيان:\nالأول: جاء عن مجاهد أنه قال: «لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا» (١).\nالمعنى الثاني: ما جاء عن قتادة أنه قال: «يقول: لا تظهرهم\nعلينا فيُفتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحقٍّ هم عليه» (٢)، والآية تحتمل هذين المعنيين؛ لأن القاعدة في تفسير كتاب اللَّه تقول: «إذا احتمل اللفظ معاني عدّة، ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها» (٣)، فتضمن هذا الدعاء المبارك سؤال اللَّه السلامة في الدين والدنيا.\nوهذا المقصد العظيم كان من سؤال المصطفى - ﷺ -: «... ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ...» (٤)، والفتنة في الدين هي أخطر وأصعب الفتن، والعياذ باللَّه.\nكما قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٥)، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٦).\n_________\n(١) تفسير مجاهد، ٢/ ٦٦٧، وتفسير الطبري، ٢٣/ ٣٢٠، وصحح إسناده في التفسير الصحيح، ٤/ ٤٧٣.\n(٢) تفسير الطبري، ٢٣/ ٣٢٠، وصحح إسناده في التفسير الصحيح، ٤/ ٤٧٣.\n(٣) انظر: قواعد التفسير لخالد بن عثمان السبت، ٢/ ٨٠٧.\n(٤) انظر شرح الحديث في الدعاء رقم ٨٢.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ٢١٧.","vol":"1","page":273},{"text":"أي أن فتنة المسلم عن دينه حتى يرجع إلى الكفر بعد إيمانه أكبر عند اللَّه من القتل، وإزهاق النفس.\nوقولهم: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا﴾: بعد أن سألوا اللَّه تعالى أن يصلح لهم دينهم في معاشهم، سألوه تعالى ما يصلح لهم أمورهم في آخرتهم: أي: واستر ذنوبنا فيما بيننا وبين غيرك، وتجاوز عنها فيما بيننا وبينك.\n«وفي تكرار النداء بقولهم: ﴿رَبَّنَا﴾ إظهار للمبالغة في التضرع مع كل دعوة من الدعوات الثلاث» (١)، وهذا يدلّ على شدّة إخلاصهم في دينهم، وكثرة توسّلهم إلى اللَّه تعالى في مطلوبهم.\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ثم بيّنوا علّة سؤالهم له ﵎ تأكيدًا وتحقيقًا بأنه تعالى هو: ﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالب الذي لا يُغلب، ولا يُذلُّ من لاذ بجنابه جلّ وعلا.\n﴿الْحَكِيمُ﴾: أي أنت الحكيم في أقوالك، وأفعالك، وشرعك، وقدرك، فتضع الأشياء في محلها، «واقتران العزيز بالحكيم يدلّ على كمال آخر غير كمال كل اسم بمفرده، وذلك: أن عزته جلّ وعلا مقرونة بالحكمة، فلا تقتضي ظلمًا وجورًا وسوءًا، كما في المخلوقين قد تأخذه العزّة بالإثم فيظلم، وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونة بالعزّ الكامل، بخلاف المخلوق، فإن حكمته قد\n_________\n(١) تفسير ابن عاشور، ٢٨/ ١٣ بتصرف يسير.","vol":"1","page":274},{"text":"يعتريها الذل» (١).\nثم كرَّر - ﷾ - الحثَّ على التأسِّي بهم، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ للمبالغة في التأسِّي بهم في أفعالهم، وأقوالهم، ودعائهم.\nثم قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ تهييج من اللَّه للمؤمنين باللَّه تعالى واليوم الآخر إلى الاقتداء والتأسِّي بهم.\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>في هذه الدعوات فوائد كثيرة، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>١ - أهمية التوسّل إلى اللَّه تعالى بالعمل الصالح، وهو من موجبات إجابة الدعاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>٢ - تذييل الدعاء باسم يناسب المطلوب، دلّ على ذلك ختمهم باسم (العزيز الحكيم)</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>٣ - أهمية سؤال اللَّه تعالى المغفرة، كما في غالب الأدعية القرآنية</span>، والسنة النبوية؛ لما فيها من إزالة كل مرهوب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>٤ - أهمية تقديم الأهم في الدعاء</span>، كما جاء في سؤالهم العصمة، والنجاة من المفسدين لدينهم، وعقيدتهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>٥ - أهمية تكرير التوسل بربوبية اللَّه تعالى المؤذن للإجابة</span>، والقبول، والعناية، والحفظ؛ لأنّ ربوبية اللَّه - ﷿ - ربوبيتان: عامة، وخاصة، فالعامة لجميع الخلائق، والخاصة لخواصّ خلقه من المؤمنين، فهم يسألون هذه الربوبية التي تقتضي ما ذكر من\n_________\n(١) القواعد المثلى للعلامة ابن عثيمين ﵀، ص ١٠.","vol":"1","page":275},{"text":"العناية؛ ولهذا كانت أغلب أدعية القرآن مصدّرة بالتوسل إلى اللَّه بربوبيته؛ لأنها أعظم الوسائل على الإطلاق، التي تحصل بها المحبوبات، وتندفع لها المكروهات (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>٦ - أن الدعاء سلاح الأنبياء، والمؤمنين في كل أحوالهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>٧ - التوسل إلى اللَّه تعالى بأكثر من توسل</span>، وهو آكد في حصول الإجابة، دلّ على ذلك أنهم جمعوا بين توسلين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>أ- توسلهم بأعمالهم الصالحة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>ب - وتوسلهم بأسمائه تعالى الحسنى: (ربنا، العزيز، الحكيم)</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>٨ - أن العبد لا غنى له عن ربه - ﷿ - طرفة عين</span>، وأنه هو ملجأه، وملاذه في الشدائد والمصائب، وكل الأحوال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>٩ - ينبغي لكل داع أن يخصّ في دعواته سؤال ربه تعالى السلامة </span>من الفتن في الدين؛ لأنها أشد الفتن والمصائب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>١٠ - أهمية معرفة مسالك العلّة التي جاءت في الكتاب والسنة </span>حيث إنها تعين في معرفة معاني كتاب اللَّه تعالى، وسنة المصطفى - ﷺ -، وما حوى من الأدعية الكريمة، كما في هذه الآية، فقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ علّلوا دعوتهم، أي ما دعوناك إلا لأنك أنت العزيز الذي تُعزّ من تشاء، فنسألك من عزتك التي لا ترام أن تعزَّنا، وتنصرنا على هؤلاء الكفرة الفجرة؛\nولأنك\n_________\n(١) المواهب الربانية للعلامة ابن سعدي ﵀، ص ١٢٥.","vol":"1","page":276},{"text":"حكيم، فحكمتك تمنع أن تكون النصرة للكافرين على المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>١١ - أهمية التوكل، دلّ على ذلك تصديرهم به</span>؛ لأنه من توكل على اللَّه فقد كفاه ما يهمّه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>١٢ - ينبغي للداعي معرفة معاني أسماء اللَّه الحسنى</span>، وصفاته العلا حتى يتوسل بما يناسب مطلوبه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>٤٧ - ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ </span>(٢).\nهذا الدعاء النافع جاء ذكره في كتاب اللَّه العزيز الحكيم من دعاء المؤمنين في يوم القيامة حين ينطفئ نور المنافقين، والعياذ باللَّه، فقد صحّ عن مجاهد ﵀ في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (٣)، قال: «قول المؤمنين حين يطفأ نور المنافقين» (٤).\nكما في الآية نفسها من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ\nيَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآية: ٣.\n(٢) سورة التحريم، الآية: ٨.\n(٣) سورة التحريم، الآية: ٩.\n(٤) تفسير مجاهد، ٤/ ٤٠٣، وتفسير الطبري، ٢٣/ ٤٩٦، وصحح إسناده في التفسير الصحيح، ٤/ ٥١١.\n(٥) سورة التحريم، الآية: ٩.","vol":"1","page":277},{"text":"وهذا النور أحد العلامات التي يَعرِف بها النبي - ﷺ - أمته، قال - ﷺ -: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِالسُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُنْظِرُ بَيْنَ يَدَيَّ، فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ؟ مَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: «غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، ولَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ غَيْرِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، وَأَعْرِفُهُمْ بِنُورِهِمُ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ» (١).\nالسعي: المشي السريع، نورهم: أي نور إيمانهم، وطاعتهم على الصراط.\n﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: أي يضيء قدّامهم.\n﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: أي وعن أيمانهم، وشمالهم على وجه الإضمار، يعني جهة أيمانهم وشمالهم (٢).\nيقولون: أي يقول المؤمنون إذا طفئ نور المنافقين إشفاقًا\nوخوفًا.\n﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾: المراد بالإتمام المداومة والاستمرارية إلى\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٣٦/ ٦٤، برقم ٢١٧٣٧ - ٢١٧٣٩، والبيهقي في شعب الإيمان، ٤/ ٢٦٢، والبزار، ٢/ ١١٦، والطبراني في الأوسط، ٣/ ٣٠٤، والحاكم، ٢/ ٥٢٠، وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٣، برقم ١٨٠.\n(٢) تنوير الأذهان من تفسير روح البيان للبروسوي، ٤/ ٣٧٥.","vol":"1","page":278},{"text":"أن يصلوا إلى دار السلام، جاء عن الضحاك: «ليس أحد إلا يُعطَى نورًا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين فلما رأى المؤمنون ذلك أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفأ نور المنافقين» (١).\nقال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀: «حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه، ويتمتعون بروحه وراحته، ويشفقون إذا طفئت الأنوار، التي تعطى المنافقين، ويسألون اللَّه تعالى أن يُتمِّمَ لهم نورهم، فيستجيب اللَّه دعوتهم، ويوصلهم بما معهم من النور واليقين، إلى جنات النعيم، وجوار الرب الكريم، وكل هذا من آثار التوبة النصوح» (٢).\n﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: علَّلوا بسؤالهم أنك يا ربنا ما سألناك بهذه المطالب إلا لأنك على كل شيء قدير، فلا يعجزك\nشيء، فأتمم لنا هذا الخير، وأدمه إلى أن نصل إلى موعودنا دار السلام.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ٤/ ٤٠٥، ورواية الطبري في تفسيره ٢٣/ ٤٩٦ عن الحسن: «ليس أحد إلا يُعطى نورًا يوم القيامة، يعطى المؤمن والمنافق، فيطفأ نور المنافق، فيخشى المؤمن أن يطفأ نوره»، ورواية الحاكم في المستدرك وصححها، ٢/ ٥٣٨: «ليس أحد من الموحدين إلا يُعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق». وعزاه السيوطي في الدر المنثور، ١٤/ ٥٩٣ للحاكم، والبيهقي في البعث،\n(٢) تفسير ابن سعدي، ص ١٠٣٦.","vol":"1","page":279},{"text":"وهذا النور يا عبد اللَّه على قدر نور أعمالك في الدنيا، فالجزاء من جنس العمل، فقد جاء عن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - عن قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: «قَالَ: يُؤْتَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ، مِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلُ الْجَبَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلُ النَّخْلَةِ، وَأَدْنَاهُمْ نُورًا مَنْ نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِهِ يُطْفَأَ مَرَّةً، وَيُوقَدُ أُخْرَى» (١)، وهذا الخبر حكمه حكم المرفوع، أي من قول المصطفى - ﷺ -؛ لأنه من أمور الغيب التي لا تعلم إلا بخبر من الشارع.\nوالعبد يسأل اللَّه - ﷿ - أن يتم نوره، ويسبغه عليه في الدنيا حتى يتم له كمال النور على الصراط يوم القيامة، فقد جاء عن النبي - ﷺ - أنه سأل ربه ﵎ أن يرزقه نورًا في كل أجزاء جسده الشريف؛ ليكمل له العلم، والمعارف، والهدى، ولنا في رسول اللَّه - ﷺ - أسوة حسنة (٢): «اللهُمَ اجعَل فِي قَلبِي نُورًا وفِي سَمعي نُورًا وعَن يَمينِي\nنُورًا وعن يَسارِي نُورًا وفَوقِي نُورًا وتَحتِي نُورًا وأَمامِي نُورًا وخَلفِي\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة، ١٣/ ٢٢٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٤٧٨، وتفسير ابن أبي حاتم، ١٠/ ٣٣٣٦، وتفسير الطبري، ٢٣/ ١٧٩، وصححه الألباني في شرح العقيدة الطحاوية، ص ٤٦٩، وبنحوه في معجم الطبراني الكبير، ٩/ ٣٥٧، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٥٩١.\n(٢) فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه كان يدعو بها في سجوده، كما في سنن النسائي، كتاب التطبيق، باب الدعاء في السجود، برقم ١١٢١، السنن الكبرى للنسائي، ١/ ٢٣٧، ومصنف بن أبي شيبة، ١٠/ ٢٢١، والمعجم الكبير للطبراني، ١١/ ٣١٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٣٦٣.","vol":"1","page":280},{"text":"نُورًا وأَعظِم لِي نُورًا»، قال كُرَيب: وسَبعًا فِي التَابُوت فَلقيتُ رَجلًا مِن ولَدِ العَباس فَحدَّثنِي بِهنَّ فذكر: «عَصبِي ولَحمِي ودَمِي وشَعَرِي وبَشَرِي ... وزِدنِي نُورًا وزِدنِي نُورًا وزِدنِي نُورًا» (١).\nالفوائد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>١ - أهمية سؤال اللَّه تعالى بهذه الدعوة</span>، فإن فيها سؤالين من أجلّ المطالب في الدين والدنيا والآخرة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>أ - إتمام النور: </span>أي إسباغه الذي من آثاره العلم، والهدى، والإيمان؛ لهذا كان النبي - ﷺ - يسأل ربه كما تقدم في ذهابه إلى الصلاة، وفي سجوده، وقيامه بالليل، بل سأل اللَّه تعالى في سياق البسط والتطويل أن يرزقه نورًا عظيمًا، كما أفاد (التنوين) في كل أجزاء جسده الطاهر، فمن رزق هذا النور في الدنيا، فإنه سوف يكمل له هذا النور في الآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>ب - سؤال اللَّه تعالى المغفرة للذنوب</span>، وهذا فيه الوقاية من كل الشرور ومن أعظمها النار والعياذ باللَّه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>٢ - أن كل الخلق مفتقرون</span>، حتى الأنبياء، إلى هذين المطلبين في\nالدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>٣ - أن التوسل باسمه تعالى (القدير) مناسب في أي سؤال</span>،\n_________\n(١) البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل، برقم ٦٣١٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٦٣، والأدب المفرد، وهذا لفظه، ص ٢٤٢، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ٢٥٤.","vol":"1","page":281},{"text":"ومطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>٤ - أن من أعظم ثمرات التوبة النصوح: </span>الفلاح، والنجاح، والأمان إلى دار السلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>٥ - فضل الدعاء، وعظم شأنه</span>، وأن منافعه تعود على الداعي بالخير في الدنيا والآخرة، فلا غنى للخلق عنه مهما كانت رتبهم، وعلو منازلهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>٤٨ - ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا </span>وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ (١).\nهذه هي الدعوة الثانية من دعوات نوح - ﵇ - جمعت، وشملت لأهم مطالب الدنيا والآخرة، وهي طلب المغفرة العامة له، ولوالديه، ولكل المؤمنين من لدن آدم إلى قيام الساعة، الأحياء منهم والأموات.\nوذلك لما علم نوحٌ - ﵇ - بوحي من اللَّه تعالى أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، توجه إلى ربه بالدعاء أن يهلكهم، ولا يترك منهم على الأرض من يسكن الديار (٢)، وعلَّل ذلك بأنهم إن تُركوا\nفسيكونون سبب الضلال لغيرهم، ولا يلدوا إلا فجّارًا كفّارًا لا يرجى منهم، أو من ذريتهم أي خير، ولذا دعا عليهم بهذا الدعاء.\n_________\n(١) سورة نوح، الآية: ٢٨.\n(٢) تفسير الشوكاني، ٥/ ٢٩٩.","vol":"1","page":282},{"text":"قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: أي استر عليَّ ذنوبي، وتجاوز عنها: قالها هضمًا لنفسه، وتعليمًا لمن بعده، ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾: خصّهما لعظم فضلهما عليه، فكان أولى وأوجب، وأحب له في ذكرهما بدعائه قبل غيرهما.\n﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًاَ﴾: منزلي من المصدقين الموحدين، فإن في صحبتهم السلامة، والثبات على الدين، قال النبي - ﷺ -: «لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ» (١)، وتقييده (مؤمنًا)، هذا القيد الواجب في الدعاء، أما الكافر فلاحظ له في طلب المغفرة له، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢)، والدعاء للكافرين بالهداية، والتوفيق للإيمان والإسلام جائز؛ لذا بوّب البخاري ﵀ في صحيحه: «باب الدعاء\nللمشركين بالهدى ليتألفهم» (٣)، فبعد أن «خصّ أولًا من يتصل به نسبًا ودينًا؛ لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمّ المؤمنين\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، برقم ٤٨٣٤، الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في صحبة المؤمن، برقم ٢٣٩٥، والإمام أحمد، ١٧/ ٤٣٧، برقم ١١٣٣٧، وابن حبان، ٢/ ٣١٤، والحاكم، ٤/ ١٢٨، وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان،\n١٢/ ١٦، وفي الآداب له، برقم ٢٣٥، والطبراني في الأوسط، ٣/ ٢٧٧، والطيالسي،\n٣/ ٦٦٤، والديلمي في الفردوس، ٢/ ٥٩، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٣/ ٩٥، برقم ٣٠٣٦.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٣.\n(٣) البخاري، كتاب الجهاد، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألّفهم، قبل الحديث رقم ٢٩٣٧.","vol":"1","page":283},{"text":"والمؤمنات» (١)، فقال: ﴿وللْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾: أي واستر، وتجاوز عن ذنوب كل الموحدين المصدقين بك والمصدقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>فإن هذه الدعوة المباركة لها من الأهمية الشيء الكبير، وذلك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>أ - أن دعوة الأنبياء مستجابة، فيرجى لنا استجابة اللَّه لهم فينا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>ب - أن رسول اللَّه - ﷺ - بشّر بالأجر العظيم بها</span>، فقال - ﷺ -: «مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَهٍ حَسَنَةً» (٢).\nفلك أن تتصور عظم هذا الأجر؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، إلى أضعاف مضاعفة كثيرة في بلايين المؤمنين، من لدن أبي البشر إلى يوم الحشر، وهذا يدلّ على عظم فضل اللَّه على المؤمنين.\n«ولذا يستحبّ مثل هذا الدعاء اقتداء بنوح - ﵇ -» (٣)، وذلك أن نبينا - ﷺ - أُمر بالاقتداء بالأنبياء قبله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاهُ\nاقْتَدِهْ﴾ (٤)، ونحن مأمورون بالاقتداء برسولنا - ﷺ -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه\n_________\n(١) تنوير الأذهان من تفسير روح البيان للبروسوي، ٤/ ٤٢٠.\n(٢) مسند الشاميين للطبراني، ٣/ ٢٣٤، والمعجم الكبير له، ١٩/ ٩٠٩، وحسّنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع، برقم ٦٠٢٦.\n(٣) تفسير ابن كثير، ٤/ ٥٦٨.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ٩٠.","vol":"1","page":284},{"text":"كَثِيرًا﴾ (١).\nثم ختم - ﵇ - الدعاء: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾: أي لا تزد الظالمين أنفسهم بالكفر إلا هلاكًا وخسرانًا ودمارًا، «وقد يشمل هذا كل ظالم إلى يوم القيامة، كما شمل دعاؤه للمؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>الفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>١ - أهمية سؤال اللَّه تعالى المغفرة، كما في غالب الأدعية</span>؛ لأنها من أعظم أسباب دخول الجنة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>٢ - أن الداعي ينبغي له أن يبدأ بالسؤال: بالأهمّ، ثم الذي يليه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>٣ - أهمية سؤال اللَّه تعالى المغفرة للوالدين؛ لعظم شأنهما</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>٤ - يحسن بالداعي أن يشرك إخوانه المؤمنين بالدعاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>٥ - أن الإكثار من هذه الدعوة ينال الداعي بها الإجابة المؤكدة لأمرين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>أ - أنها دعوة من نبي من أولي العزم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>ب - أنها دعوة بظهر الغيب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>٦ - أهمية التوسل بربوبية اللَّه تعالى في الدعاء</span>، وأنها سنة جميع الأنبياء والمرسلين.\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٢) فتح البيان لصديق حسن خان، ٧/ ٢٢١.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>٧ - ينبغي للداعي أن يشمل ذريته في الدعاء حتى يعود النفع له، ولهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>٨ - ينبغي أن يكون جُلُّ الدعاء في أمور الآخرة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>٩ - جواز الدعاء على الظلمة، ويتأكد ذلك عند مظنة ضررهم على غيرهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>١٠ - يحسن للداعي أن يذكر عِلَّة دعائه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>٤٩ - «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ</span>، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (١).\nهذا الدعاء المبارك مقتبس من سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).\nوقد جاء نظير هذا الدعاء من السنة المطهرة، فقد كان النبي - ﷺ - يفتتح صلاته في قيام الليل: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ\nالْحَقِّ بِإذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (٣).\nفهذا الدعاء جليل القدر، فيه أعظم المقاصد، وأرفع المطالب، وهو طلب العبد من الرب ﵎ الهداية، التي عليها الفلاح\n_________\n(١) مقتبس من سورة البقرة، الآية: ٢١٣.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢١٣.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧٠.","vol":"1","page":286},{"text":"في الدنيا، والدار الآخرة، ثم ذكر علّة مطلبه وسؤاله فقال: ﴿إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. أي: يا ربي، ما سألتك هذا الأمر العظيم إلا لأن بيدك الهداية والاستقامة، فتوفِّق من شئت إليها، فأسألك أن تنعم عليَّ بالهداية، هداية العلم والإرشاد، وهداية التوفيق والثبات على صراطك المستقيم، الذي ليس فيه اعوجاج في الدنيا حتى أثبت على صراط الآخرة الذي من نجا منه فقد فاز فوزًا عظيمًا، وهُدي إلى صراط مستقيم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>٥٠ - «اللَّهُمَّ آتِني الحِكْمَةَ الَّتي مَنْ أُوتِيهَا فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا» </span>(٢).\n«تضمّن سؤال اللَّه تعالى الحكمة، وهي: العلوم النافعة والمعارف\nالصائبة، وإصابة الصواب في الأقوال، والأفعال، وهذا أفضل وأعظم العطايا، وأجلٌّ الهبات» (٣).\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، قال النبي\n_________\n(١) سورة الحج، الآيتان: ٢٣ - ٢٤.\n(٢) قال - ﷾ -: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة البقرة، الآية:٢٦٩].\n(٣) تفسير ابن سعدي، ١/ ٣٣٢.","vol":"1","page":287},{"text":"- ﷺ -: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (١)، وأعظم وأجلُّ ما يدخل في الحكمة تعلُّم القرآن، فقد صحَّ عن ابن عباس ﵄ في تفسير الحكمة أنه قال: «يعني المعرفة بالقرآن: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>٥١ - «اللَّهُمَّ ثَبِّتْنِي بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ» </span>(٣).\nهذه الدعوة المباركة الجليلة اقتبسها المؤلف حفظه اللَّه تعالى وسدَّده من قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي\nالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٤).\nوهذه الآية الكريمة نزلت في سؤال المسلم في القبر، فعن البراء بن عازب ﵄، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ\n_________\n(١) البخاري، كتاب الزكاة، باب إنفاق المال في حقه، برقم ١٤٠٩، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها، برقم ٨١٦.\n(٢) تفسير الطبري، ٥/ ٥٧٦، وابن أبي حاتم في التفسير، ٢/ ٥٣١، وحسّن إسناده في التفسير الصحيح، ١/ ٣٧٨.\n(٣) مقتبس من سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.","vol":"1","page":288},{"text":"اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١)؛ ولهذا كان - ﷺ -: «إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ» (٢).\nوتضمن هذا الدعاء المبارك، سؤال اللَّه تعالى الثبات في الحياة الدنيا «عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة على تقديم ما يحبه اللَّه تعالى على هوى النفس ومراداتها، وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي، والخاتمة الحسنة، وفي القبر عند سؤال الملكين للجواب\nالصحيح إذا قيل للميت: «من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟» (٣).\nوهذا الدعاء الطيب له نظائر في أدعية المصطفى - ﷺ -، من جوامع الكلم التي أوتيها، فمنها: «... إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَسْأَلَةِ وَخَيْرَ الدُّعَاءِ وَخَيْرَ النَّجَاحِ وَخَيْرَ الْعَمَلِ وَخَيْرَ الثَّوَابِ وَخَيْرَ الْحَيَاةِ وَخَيْرَ الْمَمَاتِ وَثَبِّتْنِي ...» (٤)، وكذلك في دعاء النبي - ﷺ - لجرير بن عبد اللَّه - ﵁ -:\n_________\n(١) البخاري، كتاب التفسير، سورة إبراهيم، باب يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، برقم ٤٦٩٩، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه، برقم ٢٨٧١.\n(٢) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف، برقم ٣٢٢٣، والزهد للإمام أحمد بن حنبل، ص ١٢٩، والسنن الكبرى للبيهقي، ٤/ ٥٦، والدعوات الكبير له، ٢/ ٢٩٤، والسنن الصغير له، ٢/ ٢٩، وإثبات عذاب القبر له أيضًا، ١٢٤، وعمل اليوم والليلة لابن السني، ص ١٢٤، وفضائل الصحابة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، ص ٤٧٥، برقم ٧٧٣، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٣/ ٢٠٧.\n(٣) تفسير السعدي، ص ٤٨٤.\n(٤) الحاكم، ١/ ٢٥، وصححه ووافقه الذهبي، والدعوات الكبير للبيهقي، ١/ ٣٤٨، المعجم الكبير للطبراني، ٢٣/ ٣١٦، والأوسط، ٦/ ٢١٣، قال الهيثمي في مجمع الزوائد،\n١٠/ ٢٨٠: «رواه الطبراني في الكبير، وراوه في الأوسط باختصار بأسانيد، وأحد إسنادي الكبير، والسياق له، ورجال الأوسط ثقات».","vol":"1","page":289},{"text":"«اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا» (١)، ومن دعاء النبي - ﷺ -: «رَبِّ أَعِنِّي ... وَثَبِّتْ حُجَّتي» (٢)، وقوله: (وثبتني) يفيد العموم، أي سأل اللَّه تعالى الثبات في الدنيا، والبرزخ والآخرة، فوافق هذا الدعاء الطيب الأدعية التي جاءت عن المصطفى - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>٥٢ - «اللَّهُمَ حَبَّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا</span>، وَكَرِّهْ\nإِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ» (٣).\nهذا الدعاء المقتبس، قد جاء في دعاء النبي - ﷺ -، في أصل الكتاب رقم (١٢٧) فانظر شرحه هناك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>٥٣ - «اللَّهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي </span>وَاجْعَلْنِي مِنَ\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من لا يثبت على الخيل، برقم ٣٠٣٦، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل جرير بن عبد الله - ﵁ -، برقم ٢٤٧٥.\n(٢) أبو داود، كتاب الوتر، باب ما يقول الرجل إذا سلم، برقم ١٥١٢، والترمذي، كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥١، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب أبواب الدعاء، برقم ٣٨٣٠، والنسائي في الكبرى، ٦/ ١٥٥، برقم ١٠٣٦٨، والإمام أحمد،\n٣/ ٤٥٢، برقم ١٩٩٧، وابن أبي شيبة، ١/ ٢٣٦، وابن حبان، ٣/ ٢٢٧، وعبد بن حميد، ص ٢٣٦، والأدب المفرد للبخاري، ص ٢٣٢، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٥١٧.\n(٣) مقتبس من سورة الحجرات، الآية: ٧.","vol":"1","page":290},{"text":"الْمُفْلِحِينَ» (١).\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>المفردات:</span>\nالشح: هو البخل مع الحرص، وذلك فيما كان عادة كما قال تعالى (٣): ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (٤).\nالفلاح: الظفر وإدراك البُغْية، وهو ضربان: دنيوي، وأخروي، فالدنيوي: الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا، والأخروي أربعة أشياء ...: (٥)\nأعلاه: الفوز بأعلى الجنات.\nتضمن هذا الدعاء الاستعاذة من أشد الخصال المذمومة التي جُبلت عليها أكثر النفوس، وهو الشحّ، وهو البخل مع الحرص، والتعلّق بالمال الذي يمنع من الإنفاق في الواجبات والمستحبات، بل يوصل إلى سفك الدماء، واستحلال المحارم، وإلى الظلم، والفجور، فَيُورِدُ العبدَ ويوصله إلى شر الموارد، والهلكات في الدنيا والآخرة، ولهذا حذَّر المصطفى - ﷺ - من هذا المرض العضال، وبيَّن\n_________\n(١) مقتبس من سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٣) مفردات القرآن، ص ٤٤٦.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١٢٨.\n(٥) المفردات، ص ٦٤٤.","vol":"1","page":291},{"text":"أنه سبب في هلاك الأمم الغابرة، قال النبي - ﷺ -: «... وَإِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ: أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا» (١).\nوفي رواية: «... وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» (٢).\nفقد جاء عن سفيان الثوري رحمه اللَّه تعالى أنه قال: «كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلًا يقول: «اللَّهم قني شح نفسي» لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: «إني إذا وقيت شُحَّ نفسي لم أسرق،\nولم أزن، ولم أفعل»، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -» (٣).\nوقوله: «واجعلني من المفلحين»: أي الفائزين في الدنيا، والآخرة، ومن حصل له ذلك، فقد أدرك كل مطلوب، ونُجّي من كل مرهوب. ونختم بكلام جامع للعلامة السعدي - رحمه اللَّه تعالى، قال: «ووقاية شُح النفس لكل ما أمر به العبد، ونهي عنه، فإنه إن كانت نفسه شحيحة، لا تنقاد لما أمرت به، ولا تخرج ما\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد، ١١/ ٢٦، برقم ٦٤٨٧، والنسائي في الكبرى، ٦/ ٤٨٦، برقم ١١٥١٩، والحاكم، ١/ ١١، والبيهقي في السنن، ١٠/ ٢٤٣، وشعب الإيمان له،\n١٣/ ٢٨٣، والآداب له أيضًا، ص ١٠٤، والطيالسي، ٤/ ٢٩، والبزار، ٢/ ٤٣٨، والبخاري في الأدب المفرد، ص ١٧١، وابن حبان، ١١/ ٥٧٩، والمعجم الكبير للطبراني، ٢٢/ ٢٠٤، والأوسط له، ٣/ ٣٤٠، والحميدي، ٢/ ٤٩٠، وعبد بن حميد، ٣٤٦، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٢٦٣، برقم ٢٢١٧.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم ٢٥٧٨.\n(٣) تفسير ابن كثير، ٤/ ٤٤٦.","vol":"1","page":292},{"text":"قبلها من النفقات المأمورة بها لم يفلح، بل خسر الدنيا والآخرة، وإن كانت نفسه سمحة مطمئنة منشرحة لشرع اللَّه طالبة لمرضاته؛ فإنها ليس بينها وبين فعل ما كلفت به إلا العلم به، ووصول معرفته إليها، والبصيرة بأنه مُرضي للَّه تعالى، وبذلك تفلح وتنجح، وتفوز كل الفوز» (١).\nوفي ختام هذه الآية من آيات الدعاء نكون قد ختمنا شرح آيات الدعاء في هذا الكتاب الطيب الذي أحسن المؤلف وفقه اللَّه في اختيار أفضل الأدعية القرآنية الجامعة لكل خيرات الدنيا والآخرة.\nهذا آخر ما ذكر المؤلف وفّقه اللَّه تعالى من الأدعية القرآنية، ثم بدأ بعد ذلك بالأدعية النبوية.\nولا شك أن النبي - ﷺ - قد أعطاه اللَّه تعالى جوامع الكلم، كما قال\n- ﷺ - عن نفسه: «بُعِثْتُ بِجَوامِعِ الْكَلِمِ» (٢)، وقد فسّر ابن مسعود - ﵁ - بعض معاني ولوازم جوامع الكلم، حيث قال: «عُلِّمَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ وَجَوَامِعَهُ أَوْ جَوَامِعَ الْخَيْرِ وَفَوَاتِحَهُ».\nوأمر النبي - ﷺ - عائشة ﵂ فقال لها: «يا عائشة عليك بالجوامع الكوامل»، وفي لفظ: «عليك بجمل الدعاء وجوامعه» (٣)،\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي، ٧/ ٣٣٤، ٧/ ٤٠٤.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي - ﷺ -: «نصرت بالرعب مسيرة شهر»، برقم ٢٩٧٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم ٥٢٣، بلفظ: «أُعْطِيتُ».\n(٣) أخرجه ابن ماجه، برقم ٣٨٤٦، وأحمد، برقم ٢٥١٣٧، وسبق تخريجه في آخر شرح الدعاء رقم ٢٩.","vol":"1","page":293},{"text":"ومعنى جوامع الكلم ما قاله الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀: «وبلغني أن جوامع الكلم: أن اللَّه - ﷿ - يجمع الأمور الكثيرة، التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، والأمرين، أو نحو ذلك» (١)، «وحاصله أنه - ﷺ - يتكلم بالكلام الموجز القليل اللفظ الكثير المعنى» (٢).\nفإذا كان الأمر كذلك فينبغي لكل داع أن يعتني بأدعية المصطفى - ﷺ - العناية الفائقة، فإن فيها جماع الخير كله وتمامه وشموله، وكل أنواعه، من جليل المقاصد الرفيعة، وأشرف المطالب العالية، من خيري الدنيا والآخرة، وغير ذلك؛ فإن فيها السلامة من الخطأ، والزلل، وذلك أن الدعاء فيه «مناجاة العبد لسيد السادات الذي ليس\nله مثيل، ولا نظير، ولو تقدم بعض خدم ملوك الدنيا إلى صاحبه، ورئيسه في حاجة لرفعها إليه، أو معونة يطلبها منه، ليتخير له محاسن الكلام، ولتَتَخلَّص إليه بأجود ما يقدر عليه من البيان، ولئن لم يستعمل هذا المذهب في مخاطبته إياه، ولم يسلك هذه الطريقة فيها معه، أوشك أن ينبو سمعه عن كلامه، وألاَّ يحظَى بطائل من حاجته عنده، فما ظنّك برب العزة سبحانه «وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى»، وبمقام عبده الذليل بين يديه، ومن عسى أن يبلغ بجهد بيانه كنه\n_________\n(١) البخاري، كتاب التعبير، باب المفاتيح في اليد، بعد الحديث رقم ٧٠١٣.\n(٢) فقه الأدعية والأذكار لعبد الرزاق البدر، ٢/ ٥٩.","vol":"1","page":294},{"text":"الثناء عليه ...» (١).\n\nقال القاضي عياض ﵀: «أذن اللَّه تعالى في دعائه، و<span data-type=\"title\" id=toc-598>عَلَّم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلَّم النبي - ﷺ - الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>١ - العلم بالتوحيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>٢ - والعلم باللغة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>٣ - والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه - ﷺ </span>-» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>٥٤ - «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>المفردات:</span>\n«اللَّهم»: يا اللَّه: ولا تستعمل هذه الكلمة إلا في الطلب، فلا يقال اللَّهم غفور رحيم، وإنما يقال: اللَّهم اغفر لي، وارحمني .. ونحو ذلك.\n«ربنا»: معنى الرب: هو المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والمنعم، والمتصرف للإصلاح، ولا يستعمل الرب لغير اللَّه إلا\n_________\n(١) شأن الدعاء للخطابي، ص ١٥ - ١٦.\n(٢) نقلًا عن الفتوحات الربانية، ١/ ١٧.\n(٣) البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾، برقم ٤٥٢٢، ورقم ٦٣٨٩، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، برقم ٢٦٩٠.","vol":"1","page":295},{"text":"بالإضافة، نحو: رب الدار، ورب البيت (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>الشرح:</span>\nهذه أول الدعوات النبوية الجليلة في كتاب المؤلف حفظه اللَّه تعالى ووفقه، بدأ بها لأنها كانت أكثر دعوات النبي - ﷺ -، فقد جاءت هذه الدعوة في كتاب اللَّه بلفظ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ (٢). وجاءت بالسنة بزيادة «اللَّهم»، فأصبح اللفظ: «اللَّهم ربنا»، ولم يأت مثل هذا اللفظ الجليل في القرآن العظيم: «اللَّهم ربنا» إلا في دعوة عيسى - ﵇ -: ﴿اللَّهمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٣).\nفنادى اللَّه تعالى بهذا اللفظ مرتين: مرة بوصف الألوهية «اللَّهم» الجامعة لجميع الكمالات من الأسماء والصفات، ومرةً بوصف\nالربوبية «ربنا» المنبئة عن التربية والإنعام، إظهارًا لغاية التضرع، ومبالغة في الدعاء استعطافًا لله تعالى ليجيب الدعاء (٤)، وذلك لعظم هذه الدعوة؛ لما فيها من جزيل المعاني، وعظيم المطالب والمقاصد، فقد جمعت معاني الدعاء كلِّه من خيري الدنيا والآخرة، [وفيها الالتجاء إلى اللَّه تعالى، وطلب الوقاية من عذاب النار، التي هي أعظم الشرور بأوجز لفظ، وهذا من جوامع الكلم التي أعطيها\n_________\n(١) النهاية، ٢/ ١٧٩.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٠١.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ١١٤\n(٤) تفسير أبي السعود، ٢/ ٣٤٠، والضوء المنير، ٢/ ٤٧٢.","vol":"1","page":296},{"text":"نبينا - ﷺ -] جاءت بها الشريعة العظيمة المطهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>٥٥ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ</span>، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ قَلْبِي بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>المفردات:</span>\nالفتنة: الامتحان والاختبار (٢) من قولهم: فَتَنْتَ الذهب، إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره العبد، وتطلق كذلك على القتل، والإحراق، والنميمة (٣).\nالمسيح الدجَّال: الدجَّال على وزن «فعَّال» أي كثير الكذب\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم ٨٣٢، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٨٩.\n(٢) النهاية، ص ٦٩١، والمفردات، ص ٦٢٣.\n(٣) فتح الباري، ٢/ ٤١٠.","vol":"1","page":297},{"text":"والتلبيس، وهو من الدجل، وهو التغطية، وسُمِّي بذلك لأنه يُغطِّي الحق بباطله، «والمسيح» هو الممسوحة إحدى عينيه، فهو أعور (١).\nاغسل: أي أزح، وامسح.\nالمأثم: هو الوقوع في الإثم.\nالدنس: الوسخ.\nالمغرم: هو الغُرم وهو: الدَّين.\nباعد: صيغة مفاعلة للمبالغة، أي المبالغة في طلب السلامة من الذنوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>الشرح:</span>\nهذه الاستعاذات التي كان يستعيذ بها النبي - ﷺ - هي من أهم الاستعاذات، و[فيها الاستعاذة] من أخطر الشرور والأمور في الدين\nوالدنيا والآخرة؛ لهذا كان يستعيذ بها في كل صلاة قبل التشهد، وكان يأمر بها، كما جاء عن ابن عباس ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ» (٢).\nفقوله: «كما يعلمهم السورة من القرآن» دلالة ظاهرة على أهمية هذه الاستعاذات، وأنه ينبغي الاعتناء بها، والعناية الكبرى في الإكثار، والعمل بما دلت عليه.\n_________\n(١) المصدر السابق نفسه، ١٣/ ٩١.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٩٠.","vol":"1","page":298},{"text":"قوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من فتنة النار» أي الفتنة التي تؤدي إلى دخول النار، ومنها سؤال خزنتها لأهلها، وتوبيخهم كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (١)، ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ...﴾ (٢).\n«وعذاب النار»: أي بالإحراق بعد فتنتها.\nقوله: «وفتنة القبر»: وهو سؤال الملكين في القبر، وجاء في تسميتهما عن النبي - ﷺ - منكر ونكير (٣)، وهي فتنة عظيمة، لا يثبت عندها إلا المؤمن، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ\nفِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّه الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٤)، وصحَّ عن النبي - ﷺ - أنها نزلت في عذاب القبر (٥).\nقوله: «وعذاب القبر»: عطف العام على الخاص، فعذابه ينشأ منه فتنة بأن يتحير في الجواب، فيعذب لذلك، كما في الكافر، والمنافق، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وقد يكون لغيرها، كأن\n_________\n(١) سورة الملك، الآية: ٨.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٧١.\n(٣) انظر: مصنف بن أبي شيبة، ٣/ ٣٧٨، مصنف عبد الرزاق، ٣/ ٥٨٢، والبيهقي في شعب الإيمان، ١/ ٣٥٨، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٥٦٠.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(٥) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، برقم ١٣٦٩، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه، برقم ٢٨٧١.","vol":"1","page":299},{"text":"يجيب بالحق، ولا يتحيّر، ثم يعذّب على تفريطه في بعض المأمورات أو المنهيات، كإهمال التنزه من البول، والنميمة، والنوم عن الصلاة المكتوبة، وردَّ القرآن، وغير ذلك، كما جاء عن النبي - ﷺ - (١) في أحاديث مشهورة كثيرة.\nقوله: «وشرِّ فتنة الغنى»: قيَّد الاستعاذة بالشرّ؛ لأن فيه خير باعتبار، وشر باعتبار آخر، فالاستعاذة من شره يخرج ما فيه من الخير، وشر الغنى: مثل البطر، والطغيان، والتفاخر، والاستعلاء، وإزدراء الفقراء، وصرف المال في المحرمات، والشحّ بما يجب إخراجه من واجبات المال ومندوباته، أو الإسراف، والانخراط في الشهوات.\nقوله: «وشر فتنة الفقر»: أيضًا قيّده بالشر كسابقه، ففيه خير وشر،\nوشره ما ينشأ: «عنه من حسد الأغنياء، والطمع في مالهم، والتذلّل لهم بما يدنّس العرض، وينقص الدين، ويوجب عدم الرضا بما قسم» (٢)، والسخط، والقنوط لمن لا صبر له، يمنعه من ذلك إيمان قوي يدفعه عن ذلك، وقد يدفع إلى التورّط بعظائم الأمور بما لا يليق بأهل الدين والمروءة، كالزنى والقتل، والسرقة، والحرابة.\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال»: استعاذ منه لأنه هو أعظم الفتن الكائنة في الدنيا؛ ولهذا ما من نبي بعثه اللَّه\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١٢٧.\n(٢) فيض القدير، ٢/ ١٢٧، وشرح صحيح مسلم للقاضي عياض، ٨/ ٢٠٢.","vol":"1","page":300},{"text":"إلا حذّر منه قومه، وأنذر، قام رسول اللَّه - ﷺ - يومًا في الناس، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: «إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ [والنبيُّون من بعده]، وَلَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ [تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ]، [أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ]» (١).\nفمن صفاته الخَلْقية أنه أعور العين اليمنى.\nومن صفاته الخُلقية أنه خداع، ويُلبس الأمور على الناس بالكذب، فهو منبع من منابع الكفر، ومصدر من مصادر الفتن\nالكبرى لما يظهر على يده من الأمور الخارقة من ادعاء الألوهية، فهو يضلّ ضعيف الإيمان، وهو من أشراط الساعة الكبرى.\nقوله: «اللَّهمّ اغسل قلبي بماء الثلج والبرد»: جمع بينهما مبالغة في التطهير، أي طهِّرْني منها بأنواع مغفرتك، وخصَّها لأن بردها أسرع لإطفاء حرِّ عذاب النار التي هي غاية الحرِّ، وجعل الخطايا بمنزلة جهنم لكونها سببها، فعبّر عن إطفاء حرّها بذلك، وذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، تبيانًا لأنواع المغفرة التي لا يخلص من الذنوب إلا بها.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي، برقم ٣٠٥٧، ورقم ٣٣٣٧، ورقم ٣٤٣٩، ورقم٦١٧٥، ومسلم بنحوه، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، برقم ١٦٩.","vol":"1","page":301},{"text":"قوله: «ونقِّ قلبي من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدنس»: أي نظِّف قلبي من الذنوب، كما يُنظّف الثوب الأبيض من الوسخ؛ لأن زوال الوسخ في الثوب الأبيض أظهر بخلاف سائر الألوان، والقصد من هذا التشبيه أن ينظّف قلبه من كلّ الذنوب كنظافة الثوب الأبيض المنظَّف من الوسخ، فلا يبقى فيه أثر، ولا يخفي في بداية الدعاء بسؤال اللَّه تعالى أن يغسل قلبه، ثمّ كرّر بسؤال تنقية القلب أهمية هذه المضغة، فإنها موقع نظر الرب جلّ وعلا، وبصلاحها صلاح الجسد كله، وبفسادها فساد للبدن كله.\nقوله: «وباعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب»: أي باعد بيني وبين خطاياي من محو ما حصل من الخطايا السابقة، وترك المؤاخذة عليها، والوقاية والعصمة من الوقوع فيها مستقبلًا، وعبّر بصيغة المفاعلة «باعد» مبالغة في البعد\nبينه وبين خطاياه، وشبّه ذلك ببعد المشرق والمغرب، أو لأن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنَّه أراد ألا يبقى لها منه اقتراب بالكلية (١).\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم».\nكان النبي - ﷺ - يُكثر من الاستعاذة من الإثم والمعاصي والذنوب، وما يوجبها من الأقوال والأفعال والأخلاق، فعن عروة أَنَّ عَائِشَةَ\n_________\n(١) الفتوحات الربانية لابن علان، ١/ ٤٣٧، وفيض القدير، ٢/ ١٢٧.","vol":"1","page":302},{"text":"﵄ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ»، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ» (١)، وكذلك كان يكثر - ﷺ - الاستعاذة من الدين، وهو إما الاستدانة فيما يكرهه اللَّه، أو فيما يجوز، ثم عجز عن أدائه، أما الدَّيْن الذي احتاج إليه وهو قادر على أدائه، فلا يستعاذ منه، ويدخل في الدين ما يلزم الإنسان أداؤه بسبب جناية أو دِية أو معاملة ونحو ذلك، وقد أخبر النبي - ﷺ - أن من استدان وأراد أن يردّ ولم يستطع كان معه العون من اللَّه، قال - ﷺ -: «إن اللَّه مع المدين حتى يقضى دينه» (٢) هذا ما لم يكن فيما يكرهه اللَّه.\nويستفاد من هذا الحديث سدّ الذرائع؛ لأن النبي - ﷺ - استعاذ من الدين؛ لأنه في الغالب ذريعة إلى الكذب في الحديث، والخلف في الوعد (٣)، والانشغال عن الواجبات الشرعية، والأعمال الصالحة.\nفينبغي للعبد الاحتياط لهذا الأمر، وأن لا يتساهل فيه، فالنبي - ﷺ - لم يُصلِّ على صاحب الدين، حتى تكفل أبو قتادة بالسداد عنه، فصلَّى عليه، وأخبر جبريل - ﵇ - أن الشهيد يُغفر له كلُّ ذنب إلا\n_________\n(١) البخاري، كتاب الاستقراض، باب من استعاذ من الدين، برقم ٢٣٩٧، وبرقم ٦٣٦٨، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٨٩.\n(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، ١/ ١٤٥، والضياء في المختار، ٩/ ١٩٢، وصححه الألباني في سلسلة الحاديث الصحيحة، برقم ١٠٠٠.\n(٣) انظر: فتح الباري، ٥/ ٧٦.","vol":"1","page":303},{"text":"الدين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>٥٦ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ والْبُخْلِ</span>، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>المفردات:</span>\nالعجز: تخلُّف العبد عن فعل الخير لعدم القدرة.\nالكسل: ترك العبد فعل الشيء مع القدرة عليه.\nالجبن: هو مهابة الأشياء، والتأخّر عن فعلها.\nوالهرم: الكِبَرُ والردُّ إلى أرذل العمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>الشرح:</span>\nقوله: (كان يتعوّذ) «يدلّ الفعل المضارع بعد (كان) على المداومة على الفعل» (٣).\nأي أنه كان - ﷺ - يداوم على هذا الدعاء لأهميته، وذلك: أن العجز\n_________\n(١) أخرجه مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل اللَّه كفرت خطاياه، إلا الدَّين، برقم ١٨٨٦، ولم أجد رواية عن جبريل في كل الكتب التي خرّجت الحديث، فكلها عن عبد اللَّه بن عمرو عن رسول اللَّه - ﷺ -، لا عن جبريل عن رسول اللَّه - ﷺ -.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما يُتعوذ من الجبن، برقم ٢٨٢٣، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من العجز والكسل وغيره، برقم ٢٧٠٦.\n(٣) انظر: أضواء البيان، ٢/ ٢٤٣.","vol":"1","page":304},{"text":"والكسل يفوّت على العبد كثيرًا من الواجبات من أعمال الصالحات التي ترجع إليه بالنفع في دينه ودنياه وآخرته، واستعاذته كذلك من (الجبن): وهو مهابة للأشياء يؤدي إلى عدم الوفاء بكثير من الواجبات وحقوق اللَّه تعالى، كالقتال في سبيله، وعدم الجرأة في الصدع بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعدم مخالفة هوى النفس والشيطان واستعاذته من (الهرم) أي كبر السن الذي يؤدّي إلى تساقط بعض القوى، وضعفها كاختلال العقل والحواس والعجز عن كثير من الطاعات، والتساهل عن بعضها، وقوله: (وفتنة المحيا): هو ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها من النساء والأموال والأولاد، ويدخل كذلك من فتن الدين، ومن أعظم الفتن في الدنيا أن يموت العبد والعياذ باللَّه بسوء الخاتمة عند الموت. (والممات): قيل: فتنة القبر، وقيل: عند\nالاحتضار، وأضيفت الفتنة إلى الموت لقربها منه (١)، ويحتمل كل هذه المعاني.\nقال ابن بطال ﵀: «هذه كلمة (أي: المحيا والممات) جامعة لمعانٍ كثيرةٍ، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه تعالى في رفع ما نزل، ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه - ﷿ - في جميع ذلك» (٢).\n_________\n(١) فتح الباري، ٢/ ٤١٢.\n(٢) نقلًا عن فتح الباري، ١١/ ٢١٠.","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>٥٧ - «اللهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ</span>، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>المفردات:</span>\nقوله: (جهد البلاء): الجَهد بالفتح هو كل ما يصيب المرء من شدة ومشقة، وبالضم ما لا طاقة له بحمله، ولا قدرة له على دفعه.\nقوله: (درك الشقاء) الدَّرَك: اللحوق والوصول إلى الشيء، والشقاء، هو الهلاك، أو ما يؤدي إلى الهلاك، وهو نقيض السعادة.\nقوله: (سوء القضاء): ما يسوء الإنسان ويحزنه، ويوقعه في\nالمكروه من الأقضية المُقدَّرة عليه.\nقوله: (شماتة الأعداء): فرحة الأعداء ببلاء يُصيب العبد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>الشرح:</span>\nكان النبي - ﷺ - يُكثر من هذا الدعاء، وأمر به أيضًا فدلّ على شدّة أهمّيته، والعناية به لما احتواه من عظيم الاستعاذات، وشمولها، في أهمّ المهمّات، في أمور الدين والدنيا والآخرة.\nقوله: (اللَّهم إني أعوذ بك من جهد البلاء): اللَّهمّ أجرني من\n_________\n(١) البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء، برقم ٦٣٤٧، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، برقم ٢٧٠٧، ولفظه: «كان رسول الله - ﷺ - يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء».\n(٢) انظر: الفتوحات الربانية، ٣/ ٦٢٦.","vol":"1","page":306},{"text":"شدّة البلاء ومشقّته، والذي ما لا طاقة لي بحمله، ولا أقدر على دفعه، سواء كان هذا البلاء جسديًا كالأمراض وغيرها، أو كان بلاء معنويًا ذِكريًا كأن يُسلِّط عليَّ من يؤذيني بالسبّ والشتم والغيبة والنميمة والبهتان وغير ذلك، فهذه استعاذة من جميع البلاءات بشتى أنواعها وأشكالها.\nقوله: (ودَرَك الشقاء): وأجرني من أن يلحقني مشقّة، وهلكة في دنياي، في نفسي، وأهلي، ومالي، وفي آخرتي، من عقوبة وعذاب بما اقترفته بسبب الذنوب والآثام.\nقوله: (وسوء القضاء) هو ما يسوء الإنسان ويحزنه أو يوقعه في المكروه من القضية المقدّرة عليه، وهو شامل في الدين، والدنيا،\nفي النفس، والأهل، والمال، والولد، والخاتمة (١)، وهذه الاستعاذة تتضمّن الحفظ في كل الأمور المذكورة.\nوالاستعاذة من سوء القضاء لا يخالف الأمر بالرضا بالقضاء؛ فإن الاستعاذة منه من قضاء اللَّه - ﷾ - وقدره، والتي شرعها لنا وجعلها سُنّة لعباده؛ لهذا يجب أن يعلم أن القضاء باعتبار العباد ينقسم إلى قسمين: خير وشر، فشرع لهم سبحانه الدعاء بالوقاية من شره، والاستعاذة منه، فهذا في القضاء المقضي المخلوق، أما قضاء اللَّه الذي هو حكمه وفعله، فكلّه خير لا شرّ فيه أبدًا. كما قال النبي - ﷺ -:\n_________\n(١) فيض القدير، ٥/ ٢٠١، ٣/ ٢٥٦، الفتوحات الربانية، ٣/ ٦٢٦.","vol":"1","page":307},{"text":"«والشر ليس إليك» (١). لكماله جلّ وعلا من كل الوجوه، فلا يدخل الشرّ في صفاته ولا في أفعاله، ولا يلحق في ذاته جلّ وعلا.\nقوله: (شماتة الأعداء): فرح الأعداء بما ينزل على الشخص من مكروه، وسوء ومحنة، فينكأ القلب عندها، ويحزن، ويبلغ من النفس أشدّ مبلغ، وقد يؤدّي إلى العداوة والبغضاء والحقد، وقد يُفضي إلى استحلال ما حرّمه اللَّه تعالى من القتال والانتقام والتعدي والظلم؛ لهذا أستعيذ منه لخطورته.\nفدلّ هذا الدعاء الجليل على أنه من جوامع الكلم التي أوتيها النبي - ﷺ - الذي جمع الاستعاذة من جميع الشرور في الدين والدنيا، فاعتن بهذا الدعاء العظيم في ليلك ونهارك، وفي سفرك وحضرك،\nحتى تكون في حفظ اللَّه وعصمته من جميع شرور الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>٥٨ - «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي</span>، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧١.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧٢٠.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-615>المفردات:</span>\nعصمة أمري: أي ما يعتصم ويستمسك به، أمري: الأمر: الشأن والحال.\nمعاشي: أي عَيشي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>الشرح:</span>\nقوله: (اللَّهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري): دعا بإصلاح الدين أولًا؛ لأنه أعظم المقاصد، وأهم المطالب؛ لأن من فسد دينه فقد خاب وخسر الدنيا والآخرة، وسؤال اللَّه إصلاح الدين هو أن يوفق إلى التمسك بالكتاب والسنة وفق هدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين في كل الأمور،<span data-type=\"title\" id=toc-617> وذلك يقوم على ركنين عظيمين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>١ - الإخلاص للَّه وحده في كل عبادة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>٢ - والمتابعة للرسول - ﷺ -، بأن يكون «خالصًا صوابًا»</span>.\nفإن التمسك بهذين الأصلين عصمة للعبد من الشرور كلها، أسبابها، ونتائجها ونهاياتها، ومن مضلات الفتن، والمحن، والضلالات التي تضيع الدين والدنيا.\nفنسأل اللَّه أن يصلح لنا ديننا الذي يحفظ لنا جميع أمورنا.\nقوله: (وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي): أي أصلح لي عيشي في هذه الدار الفانية القصيرة، بأن أُعْطَى الكفاف والصلاح،","vol":"1","page":309},{"text":"فيما أحتاج إليه، وأن يكون حلالًا مُعينًا على طاعتك، وعبادتك على الوجه الذي ترضاه عني، وأسألك صلاح الأهل، من الزوجة الصالحة، والذرية والمسكن الهنيء، والحياة الآمنة الطيبة، قال جلّ شأنه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).\nقوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: أي في الدنيا بالقناعة، وراحة البال، والرزق الحلال والتوفيق لصالح الأعمال، «فالحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت» (٢).\nقوله: (وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي): أي وفّقني للعمل\nالصالح الذي يرضيك عني، وملازمة طاعتك، والتوفيق إلى حسن الخاتمة حتى رجوعي إليك يوم القيامة، فأفوز بالجنان، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ (٣)، لم يقل تعالى ممدود، بل قال: ﴿مَعْدُودٍ﴾ أي يُعدّ عدًّا إلى هذا اليوم العظيم، فينبغي لنا أن نعدّ العُدّة إلى هذا اليوم.\nقوله: (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير): أي اجعل يا اللَّه الحياة سببًا في زيادة كل خير يرضيك عني من العبادة والطاعة.\nويُفهم من ذلك أن طول عمر المسلم زيادة في الأعمال\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٩٧.\n(٢) تفسير ابن كثير، ٢/ ٧٩٠.\n(٣) سورة هود، الآية: ١٠٤.","vol":"1","page":310},{"text":"الصالحة الرافعة للدرجات العالية في الدار الآخرة، كما سُئل النبي - ﷺ -: مَن خير الناس؟ فقال: «مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ» (١).\nقوله: (واجعل الموت راحة لي من كل شر): أي اجعل الموت راحة لي من كل هموم الدنيا وغمومها من الفتن والمحن، والابتلاءات بالمعصية والغفلة، ويُفهم من ذلك أن المؤمن يستريح غاية الراحة (٢)، ويسلم السلامة الكاملة عند خروجه من هذه الدار،\nكما جاء في الصحيحين: أن رسول اللَّهِ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ» (٣).\n«قال الحرالي: قد جمع في هذه الثلاثة: صلاح الدنيا، والدين، والمعاد، وهي أصول مكارم الأخلاق الذي بُعث لإتمامها، فاستقى من هذا اللفظ الوجيز صلاح هذه الجوامع الثلاث التي حلت في\n_________\n(١) مسند أحمد، ٢٩/ ٢٤٠، برقم ١٧٦٩٨، والترمذي، كتاب الزهد، باب حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، برقم ٢٣٢٩، وسنن الدارمي، ١/ ٢٠٥، ومصنف بن أبي شيبة، ١٣/ ٢٥٤، برقم ٣٥٥٦١، ومستدرك الحاكم، ١/ ٣٣٧، والطيالسي، ٢/ ١٩٤، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٣٦٤، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٨٣٦.\n(٢) فقه الأدعية والأذكار بتصرف، ٤/ ٤٩٤.\n(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب سكرات الموت، برقم ٦٥١٢، مسلم، كتاب الجنائز، باب ما جاء في مستريح ومستراح منه، برقم ٩٥٠.","vol":"1","page":311},{"text":"الأولين بداياتها، وتمت غاياتها ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>٥٩ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى» </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>الشرح:</span>\nهذا الدعاء العظيم، شامل لأربعة مطالب عظيمة، وجليلة، لا غنى عنها لأي عبد سائر إلى اللَّه - ﷿ - لما فيها من أهم مطالب الدنيا والآخرة.\nفبدأ بسؤال (الهدى) وهو أعظم مطلوب للعباد، لا غنى لهم عنه في هذه الدار؛ لأن الهدى: هو طلب الهداية، وهي كلمة شاملة تتناول كل ما ينبغي أن يُهتدى إليه من أمر الدنيا والآخرة من حسن الاعتقاد، وصلاح الأعمال، والأقوال، والأخلاق.\nقوله: (التُّقَى): أي التقوى: وهو اسم جامع لفعل ما أمر اللَّه به، وترك ما نهى عنه، «قال الطيبي: أطلق الهدى والتقى؛ ليتناول كل ما ينبغي أن يهتدي إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق، وكل ما يجب أن يتقي منه من الشرك، والمعاصي، ورذائل الأخلاق، وطلب العفاف» (٣). وأصل الكلمة من التوقي، وهو أن\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١٣٧.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧٢١.\n(٣) نقلًا عن شرح صحيح الأدب المفرد، للشيخ حسين العوايشة، ٢/ ٣٣٣.","vol":"1","page":312},{"text":"تجعل بينك وبين عقوبة اللَّه تعالى وقاية، ويكون بفعل الطاعات، واجتناب المحرمات.\nقوله: (العفاف):هو التنزُّه عما لا يُباح، والصيانة عن مطامع الدنيا، فيشمل العفاف بكل أنواعه «العفاف عن الزنا كله بأنواعه: زنى النظر، وزنى اللمس، وزنى الاستماع، وزنى الفرج» (١)، والتعفُّف عن الكسب، والرزق الحرام.\nقوله: (الغنى): وهو غنى النفس بأن يستغني العبد عن الناس، وعمّا في أيديهم، فيستغني العبد بما أعطاه اللَّه، سواء أُعطي قليلًا أو كثيرًا، وهذه الصفة يحبها اللَّه - ﷿ -، قال النبي - ﷺ -: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ\nالتَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ» (٢)، وسؤال اللَّه (العفاف والغنى)، وهما داخلان في الهدى والتقى من باب التخصيص بعد التعميم، وذلك لعظم شأنهما، وشدة احتياج الخلائق لهما.\nقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ عن هذا الحديث، فقال: «هذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها، وهو يتضمن سؤال خير الدين وخير الدنيا، فإن الهدى هو: العلم النافع، والتقى: العمل الصالح، وترك ما نهى عنه اللَّه ورسوله، وبذلك يصلح الدين، فإن الدين علوم نافعة ومعارف صادقة فهو (الهُدَى)، وقيام بطاعة اللَّه ورسوله، فهو (التقى)، والعفاف، والغنى يتضمّن\n_________\n(١) شرح رياض الصالحين للعلامة ابن عثيمين ﵀، ٤/ ٥٨.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين، برقم ٢٩٦٥.","vol":"1","page":313},{"text":"العفاف عن الخلق، وعدم تعليق القلب بهم، والغنى باللَّه وبرزقه، والقناعة بما فيه، وحصول ما يطمئن به القلب من الكفاية، وبذلك تتم سعادة الحياة الدنيا، والراحة القلبية، وهي الحياة الطيبة، فمن رُزِقَ الهُدى، والتقى، والعفاف، والغنى نال السعادتين، وحصل على كل مطلوب، ونجا من كل مرهوب (١).\nوهذا الدعاء المبارك من جوامع الكلم التي أوتيها النبي - ﷺ - التي تجمع فيها قلة الألفاظ والمباني، وكثرة المعاني، وسعة مدلولاتها، ومقاصدها في الدارين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>٦٠ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ</span>، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا. أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» (٢).\n_________\n(١) بهجة قلوب الأبرار، ص ٢٤٩.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧٢٢.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>المفردات:</span>\nزكَّاها: أي طهرها.\nفيه حرص الصحابة على نقل ألفاظ الحديث بكل دقة وأمانة كما سمعوها - ﵃ - من النبي - ﷺ -، دون زيادة ولا نقصان دلالة على عدالتهم وصدقهم في القول والإخبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>الشرح:</span>\nقوله: (اللَّهم آت نفسي تقواها): فيه طلب من اللَّه تعالى أن يعطيه تقوى النفس بأن يحرزها عن متابعة الهوى، وارتكاب الفجور، والفواحش.\nقوله: (وزكِّها أنت خير من زكَّاها): أي طهِّر نفسي من خلق\nذميم، ومن كل عيب وذنب؛ لأنك «أنت خير من زكاها»: أي لا مُزكّي لها إلا أنت، فإنك تطهر النفوس فتصبح طاهرة طيبة بمقتضى حكمتك ومشيئتك، وسعة علمك لمن استحق ذلك.\nقوله: (أنت وليها ومولاها): وهذا استئناف على بيان الموجب، وأن إيتاء التقوى، وتصليح التزكية فيها، إنما كان لأنه هو المتولي لأمرها، وربها وسيدها ومالكها.\nقوله: (اللَّهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع): علم لا أعمل به، ولا أعمله، ولا يبدل أخلاقي وأقوالي لقلة الإخلاص، أو من رياء وسمعة، أو علم لا يحتاج إليه.","vol":"1","page":315},{"text":"قوله: (ومن قلب لا يخشع): لقساوته؛ لا يتأثر بالمواعظ، وبالزواجر، ولا بالنصائح، وفي قرن الاستعاذة من علم لا ينفع بالقلب الذي لا يخشع، إشارة إلى أن العلم النافع ما أورث الخشوع للَّه تعالى.\nقوله: (ومن نفس لا تشبع): من جمع حطام الدنيا، ولا تقنع بما أتيتها من فضلك، ولا تفتر عن الجمع، ويدخل كذلك بالنهمة، وهي كثرة الأكل، والطعام دون شبع.\nقوله: (ومن دعوة لا يستجاب لها): لفقدها شروط الاستجابة، أو لسوء بالداعي (١)، أو لعدم حسن ظنه بربه بالإجابة، أو دعوةٍ لا\nيحبها اللَّه لما فيها من سوء أو قطيعة رحم؛ فإن اللَّه تعالى سميع قريب مجيب كريم، لا يردُّ من دعاه لسعة كرمه وجوده وقربه من سائليه، فمن رُدَّ دعاؤه فقد خاب وخسر، والعياذ باللَّه، ومنع من خير الأبواب التي لا تغلق إلا على شقِيٍّ. ودلّ هذا الدعاء المبارك على أهمية التوسل بصفات اللَّه تعالى، ومنها صفة التزكية الفعلية (وزكها أنت خير من زكاها). فإن التوسل بصفات اللَّه تعالى وأسمائه أرجى في قبول الدعاء، ورفعه إلى ربّ الأرض والسماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>٦١ - «اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي</span>، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١٥٣، الفتوحات الربانية لابن علان، ٣/ ٦٣٢.","vol":"1","page":316},{"text":"وَالسَّدَادَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>المفردات:</span>\n(اهدني): الهداية هي الدلالة والإرشاد.\n(السداد): السداد هو الاستقامة، والقصد في الأمور (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>الشرح:</span>\nهذا الدعاء المبارك يتضمن أهم المطالب، وأشرف المواهب، ولا يحصل الفلاح والسعادة إلا بهما، وهما الهداية والسداد، فسؤال اللَّه الهُدَى وهو المعرفة بالحق تفصيلًا وإجمالًا، والتوفيق لاتباعه\nظاهرًا وباطنًا.\n\nوسؤال اللَّه السداد، وهو التوفيق والاستقامة في جميع الأمور بما يكون صوابًا على الحق، والطريق المستقيم في القول والفعل والاعتقاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣) بيّن اللَّه تعالى أنه<span data-type=\"title\" id=toc-628> يترتب عليه فائدتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>١ - صلاح الأعمال</span>.\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧٢٥.\n(٢) شرح النووي، ٩/ ٥٢.\n(٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٧٠ - ٧١.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>٢ - مغفرة الذنوب </span>(١).\nعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «سَلِ اللهَ تَعَالَى الْهُدَى، وَالسَّدَادَ، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَاذْكُرْ بِالسَّدَادِ تَسْدِيدَكَ السَّهْمَ» (٢).\nوقوله - ﷺ -: (واذكر بالهدى هدايتك الطريق): أن تذكر في حال دُعائك الهداية من ركب متن الطريق «لا يكاد يفارق الجادة، ولا يعدل عنها يمنة ويسرة خوفًا من الضلال، وبذلك يصيب الهداية، وينال السلامة، يقول: إذا سألت اللَّه تعالى الهدى، فاخطر بقلبك هداية الطريق، وسل اللَّه الاستقامة، كما تتحرَّاه في هداية الطريق إذا\nسلكتها» (٣).\nقوله: (والسداد سداد السهم): واخطر المعنى في قلبك كذلك حين تسأل اللَّه السداد مثل سداد السهم نحو الغرض، لا يعدل عنه يمينًا ولا شمالًا، فكذلك تسأل اللَّه تعالى أنَّ ما تنويه من السداد على شاكلة السهم (٤)، وكذلك تسأل اللَّه غاية السداد وأكمله، ففي هذا الحديث أهمية استحضار المعاني والمدلولات؛ لأن الداعي يسأل رب السموات والأرض رب العالمين؛ فإن من قام في قلبه من ذلك\n_________\n(١) شرح رياض الصالحين لابن عثيمين، ٤/ ٦٢.\n(٢) أخرجه أحمد، ٢/ ٩١، برقم ٦٦٤، ورقم ١١٦٨، والحاكم، ٤/ ٢٦٨ بلفظ: «يا علي سل الله ...»، والبزار، ٢/ ١١٩، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣٠٤٦.\n(٣) معالم السنن للخطابي، ٤/ ١٩٩.\n(٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":318},{"text":"حصل له الخشوع والخضوع والتضرع، واستلذاذ لذة المناجاة التي لا ألذّ منها، فيثمر ذلك على الجوارح من كمال الهمّة وكثرة النشاط والراحة والسكينة، فإن هذا هو لبّ العبادة، ومقصودها الأعظم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>٦٢ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ</span>، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>المفردات:</span>\nقوله: (من زوال نعمتك): النعمة: كل ملائم تحمد عاقبته، أي النعم الظاهرة والباطنة؛ لأنه مفرد مضاف يفيد العموم.\nقوله: (تحوّل عافيتك): أي تبدل العافية بضدها من عافية إلى\nمرض وبلاء، والفرق بين الزوال والتحوّل، أن الزوال: ذهاب الشيء من غير بدل.\nوالتحوّل: إبدال الشيء بالشيء كإبدال الصحة بالمرض، والغنى بالفقر.\nقوله: (فجاءة نقمتك): الفجأة: البغتة، والنقمة: العقوبة (٢).\n(وجميع سخطك): السخط: الكراهية للشيء، وعدم الرضا به (٣)،\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء، برقم ٢٧٣٩.\n(٢) الفتوحات الربانية، ٣/ ٦٣٠.\n(٣) تحفة الذاكرين، ص ٤٢١.","vol":"1","page":319},{"text":"وهي صفة من صفات اللَّه الفعلية العظيمة التي تليق به جلّ وعلا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>الشرح:</span>\nقوله: (اللَّهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك): أي يا اللَّه إني ألتجئ إليك من ذهاب جميع نعمك الظاهرة والباطنة، الدنيوية والأخروية ما علمتها، وما لم أعلمها؛ لأن نعمك لا تُحصى، ولا تُعدُّ «استعاذ النبي - ﷺ - من زوال نعمته؛ لأن ذلك لا يكون إلا عند عدم شكرها» (٢)، فتضمّنت هذه الاستعاذة المباركة التوفيق لشكر النعم، والحفظ من الوقوع في المعاصي؛ لأنها تزيل النعم، قال اللَّه - ﷾ -: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي\nلَشَدِيدٌ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤).\nوقال جلّ شأنه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٥).\nقوله: (وتحول عافيتك): أي أعوذ بك يا اللَّه من تبدّل العافية التي\n_________\n(١) سورة الشورى، الآية: ١١.\n(٢) النهاية، ص ٣٢٢.\n(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٧.\n(٤) سورة الرعد، الآية: ١١.\n(٥) سورة الشورى، الآية: ٣٠.","vol":"1","page":320},{"text":"أعطيتني إياها، وهي السلامة من الأسقام والبلاء والمصائب، إلى الأمراض والبلاء، فتضمّنت أيضًا هذه الاستعاذة سؤال اللَّه دوام العافية وثباتها، والاستعاذة به - ﷿ - من تحوّل العافية؛ لأن بزوالها تسوء عيشة العبد، فلا يستطيع القيام بأمور دنياه ودينه، وما قد يصاحبه من التسخط وعدم الرضا وغير ذلك.\nقوله: (وفجأة نقمتك): أي أعوذ بك من العقوبة، والانتقام بالعذاب مباغتة، دون توقع وتحسب، وخُصَّ فجاءت النقمة بالاستعاذة؛ لأنها أشد وأصعب من أن تأتي تدريجيًا، بحيث لا تكون فرصة للتوبة.\nقوله: (وجميع سخطك): أي ألتجئ وأعتصم إليك أن تعيذني من جميع الأسباب الموجبة لسخطك جلّ شأنك؛ فإنّ من سخطت عليه فقد خاب وخسر، ولو كان في أدنى شيء، وبأيسر سبب؛\nولهذا قال النبي - ﷺ -: «وجميع سخطك»، فهي استعاذة من جميع أسباب سخطه - ﷻ - من الأقوال والأفعال والأعمال، «وإذا انتفت الأسباب المقتضية للسخط حصلت أضدادها وهو الرضى» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>٦٣ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ» </span>(٢).\n_________\n(١) الفتوحات الربانية، ٣/ ٦٣١.\n(٢) مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، برقم ٢٧١٦.","vol":"1","page":321},{"text":"هذا الدعاء المبارك فيه من الاستعاذات الجامعة التي تعمّ كلّ شرٍّ مما عمله العبد، ومما لم يعمله، في الماضي والحاضر والمستقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>الشرح:</span>\nقوله: (اللَّهم إني أعوذ بك من شرّ ما عملت): أي من السيئات، أو من شر ما اكتسبته، مما قد يقتضي عقوبة في الدنيا، أو يقتضي في الآخرة (١)، أو عمل يحتاج فيه إلى العفو «من حسنات يعني: من شر تَركي العمل بها» (٢)، فتضمّنت هذه الاستعاذة: الاستعاذة من كلّ الشرور، والذنوب الماضية.\nاستعاذ النبي - ﷺ -، وهو المعصوم، ليلتزم خوف اللَّه، وإعظامه،\nوإجلاله، والافتقار إليه في كل أحواله، وليبيّن صفة الدعاء، ليُقتدَى به (٣)، فهو - ﷺ - أعماله: سابقها، ولاحقها، كلّها خير لا شرّ فيها.\nقوله: (ومن شرّ ما لم أعمل): من الحسنات، أي من شرِّ تركي العمل بها، أو المُراد من شرِّ ما لم أعمله بعدُ من السيئات والآثام، بأن تحفظني منه في المستقبل، ومن كل عمل لا يرضيك، ويجلب غضبك، وتضمنت هذه الاستعاذة: الاستعاذة من كل الشرور، والذنوب الحالية والمستقبلية.\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم، ٩/ ٥٠.\n(٢) قول الألباني ﵀، انظر: شرح الأدب المفرد للعوايشة، ٢/ ٣٦٧.\n(٣) فيض القدير، ٢/ ١٧ بتصرف يسير.","vol":"1","page":322},{"text":"ففي هذه الاستعاذة بيان ودلالة «إلى أن ما يصيب العبد من الشرِّ إنما هو بسبب ما عملته يداه، أو بسبب ما عملته أيدي الناس، وإن لم يكن هو العامل المباشر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)، وفي هذا دلالة على ضعف الإنسان، وشدة افتقاره إلى مولاه وخالقه - ﷿ -، في إصلاح شؤونه، واستقامة أموره، والوقاية من شرور نفسه، وسيئات أعماله، وأنه لا غنى له عن ربه - ﷿ - وسيده طرفة عين، وأنه ينبغي له دائمًا السير على هذا المنوال، حتى يظفر برضا ربه - ﷿ -، ولا يخفى عليك يا عبد اللَّه في أهمية هذه\nالدعوة الطيبة لما أخبرت به أمُّنا أم المؤمنين عائشة ﵄ أن هذه الدعوة كانت أكثر ما كان يدعو بها - ﷺ -، وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>٦٤ - «اللَّهُمَّ أكْثِرْ مَالِي، وَوَلَدِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أعْطَيْتَنِي» </span>(٣)، «[وَأطِلْ حَيَاتِي عَلَى طَاعَتِكَ، وَأحْسِنْ\n_________\n(١) سورة الشورى، الآية: ٣٠.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.\n(٣) يدل عليه دعاء النبي - ﷺ - لأنس: «اللهمّ أكثر ماله، وولده وبارك له فيما أعطيته» البخاري، كتاب الصوم، باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم، برقم ١٩٨٢، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الجماعة في النافلة، والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات، برقم ٦٦٠.","vol":"1","page":323},{"text":"عَمَلِي] وَاغْفِرْ لِي» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>الشرح:</span>\nروى البخاري عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: «دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: «أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ»، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي خُوَيْصَةً، قَالَ: «مَا هِيَ؟» قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا، وَوَلَدًا، وَبَارِكْ لَهُ»، فَإِنِّي لَمِنْ\nأَكْثَرِ الْأَنْصَارِ مَالًا، وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَة (٢).\nورواية مسلم: قالت فيه أم أنس ﵄: «يا رسول الله، خويدمك، ادعُ اللَّه له، قال: فدعا لي بكل خير وكان في آخر ما دعا لي به أن قال: «اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه» (٣).\nوفي رواية أخرى لمسلم: «عن أم سليم أنها قالت: يا رسول الله\n_________\n(١) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٥٣، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٢٤١، وفي صحيح الأدب المفرد، ص ٢٤٤، وما بين المعقوفين يدل عليه قوله - ﷺ - عندما سئل: من خير الناس؟ فقال: «من طال عمره وحسن عمله»، الترمذي، برقم ٢٣٢٩، وأحمد، برقم ١٧٧١٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٧١، قال المؤلف وفقه اللَّه: وقد سألت سماحة شيخنا ابن باز ﵀ عن الدعاء به، وهل هو سنة؟ فقال: «نعم».\n(٢) البخاري، كتاب الصوم، باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم، برقم ١٩٨٢\n(٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، برقم ٦٦٠، وبرقم ٢٤٨٠.","vol":"1","page":324},{"text":"خادمك أنس، ادع الله له، قال: فدعا لي بكل خير، وكان في آخر ما دعا لي به أن قال: «اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته» (١).\nوفي رواية قالت أم أنس: يا رسول اللَّه، هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: «اللهم أكثر ماله، وولده» (٢).\nوفي رواية: «فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله، أنيس، فدعا لي رسول الله - ﷺ - ثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة» (٣). وهي موافقة لرواية الترمذي (٤).\nوفي رواية للترمذي: «قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي - ﷺ -؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي - ﷺ -، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان، كان يجيء منها ريح المسك» (٥).\nقول أم أنس ﵄ لرسول اللَّه - ﷺ -: (خويدمك): تصغير خادم\n_________\n(١) مسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل أنس بن مالك - ﵁ -، برقم ٢٤٨٠.\n(٢) مسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل أنس بن مالك - ﵁ -، برقم ٢٤٨١، وزاد في رواية: «وبارك له فيه».\n(٣) مسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل أنس بن مالك - ﵁ -، برقم ٢٤٨١.\n(٤) الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أنس بن مالك، برقم ٣٨٢٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٠٠٧.\n(٥) الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أنس بن مالك، برقم ٣٨٣٣، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٠١٠، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٢٤١.","vol":"1","page":325},{"text":"للتحبب، صُغِّر تلطفًا، وطلبًا لمزيد من الشفقة عليه، وفيه إيثار الأم لولدها.\nقولها: «ادع اللَّه له»: فيه طلب الدعاء للولد، أو غيره ممن يُتوسّم فيه الخير، والصلاح، من أهل الخير، وفيه أيضًا طلب دعاء المرء لغيره، ممن يحبه ويهمّه أمره.\nقوله: «اللَّهم أكثر مالي وولدي، وبارك لي فيما أعطيتني»: فيه جواز سؤال اللَّه كثرة المال، والولد مع البركة فيهما، وفيه استحباب أنه إذا دعا بشيء يتعلق في أمر من أمور الدنيا، أن يضمّ إلى دعائه طلب البركة، والصيانة فيه (١)، والبركة: هي الزيادة، والنماء، والدوام على الخير.\nقوله: «وأطل حياتي على طاعتك»: فيه جواز سؤال اللَّه طول\nالعمر، وأنه لا يخالف ما كتب اللَّه في اللوح المحفوظ؛ فإن الدعاء من جملة القدر المكتوب (٢)، ولكن يقيد بطاعة اللَّه؛ لأن طول العمر بغير طاعة لا خير فيه.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «في هذا الحديث الكثير من الفوائد: جواز التصغير على معنى التلطف لا التحقير، والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، والدعاء بكثرة المال والولد، وأن ذلك لا ينافي الخير الأخروي، وفيه حسن التلطّف في السؤال، وفيه\n_________\n(١) شرح الأدب المفرد، ٢/ ٣١٠.\n(٢) من كلام العلامة الألباني ﵀، السلسلة الصحيحة، بعد الحديث رقم ٢٢٤١.","vol":"1","page":326},{"text":"التحدث بنعم اللَّه تعالى، وبمعجزات النبي - ﷺ -» (١).\nقوله: «وأحسن عملي» وحسن العمل يكون بالإخلاص لله فيه، ومتابعة النبي - ﷺ -.\nقوله: «واغفر لي»: وختم الدعاء بسؤال اللَّه المغفرة بعد سؤال اللَّه من أمور الدنيا؛ لأنها هي الأهمّ، وعليها الفلاح والنجاة، وفيه بيان أن على العبد أن لا يجعل جُلَّ دعائه وهمّه أمر الدنيا، فلا بد أن تكون الآخرة هي همه، والشاغل الأكبر، فيقرن بينهما في السؤال. كما في دعاء سليمان - ﵇ -: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢). فإذا كان الأنبياء ﵈ محتاجون إلى مغفرة اللَّه تعالى، فنحن أولى\nبذلك؛ لكثرة تقصيرنا وتفريطنا، وكثرة ذنوبنا، واللَّه المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>٦٥ - «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ</span>، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (٣).\n_________\n(١) فتح الباري، ٤/ ٢٢٩.\n(٢) سورة ص، الآية: ٣٥.\n(٣) البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الكرب، برقم ٦٣٤٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب دعاء الكرب، برقم ٢٧٣٠.","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>المفردات:</span>\nالعظيم: هو اسم جليل لربنا - ﷿ -، يدلّ على عظمة الذات، والصفات لله جلَّ وعلا، وهو من صفات الذات والفعل كذلك، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّه أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (١).\nالكريم: هذا الاسم للَّه تعالى يدل على سعة خيراته وفضائل كرائمه التي لا تحد ولا تعد فهو الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل، فمن كمال كرمه تعالى أنه تعالى يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما فارغتين دون عطاء، وهو يدل على صفة الذات والفعل.\nالحليم: وهذا الاسم يدل على الصفح والأناة، فاللَّه تعالى لا يعجل العقوبة على عباده مع كثرة ذنوبهم وعصيانهم، بل يرزقهم\nولا يحبس أفضاله عليهم، وهو من صفة الأفعال.\nالعرش: هو سرير الملك وهو أعظم المخلوقات، فوق جميع العباد استوى عليه تعالى استواء يليق بجلاله وعظمته، واستوائه جل وعلا من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته [فاستواؤه على العرش معلوم، والإيمان به واجب، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة]، أما علوّه تعالى فهو من الصفات الذاتية.\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآية: ٥.","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>الشرح:</span>\nهذا حديث عظيم جليل القدر، ينبغي الاعتناء به، والإكثار منه عند الكرب، والأمور العظيمة، قال الطبري: كان السلف يدعون به ويسمونه دعاء الكرب (١).\nفقد كان النبي - ﷺ - يقوله عند كربه وإذا حزبه أمر أي: إذا نزل وألمَّ به أمر شديد، سُمِّي بدعاء الكرب لأنه ذِكْرٌ يُستفتح به الدعاء ثم يدعو بما شاء (٢)، ولأنه كذلك يتضمن الدعاء لأنه في سياق بيان الحال، وقد بيَّنا في تفسير بعض آيات الدعاء، أن الدعاء يكون بالطلب الصريح، ويكون بالطلب غير الصريح من شكاية الحال: من ضعفٍ، وعجزٍ، وغير ذلك، المتضمن للسؤال بالكشف عن ما ألمَّ به العبد من ضر (٣).\n«وهذا الدعاء المبارك فيه كلمات إيمان، عظيمة، كلمات، وتوحيد، وتعظيم، وإخلاص للَّه - ﷿ -، بالإفراد له تعالى: بالألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات، وفي هذا الحديث: دلالة واضحة على أن أعظم علاج للكرب، هو الإيمان، والتوحيد الخالص للَّه تعالى، وأن ترديد هذه الكلمات العظام مُذْهِبٌ للكرب، والهمّ، والغمّ، فما دفعت شدائد الدنيا، وأهوال الآخرة بمثل التوحيد، فإذا\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ٥٥.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ٥٥.\n(٣) مثل دعاء موسى - ﵇ -: «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ».","vol":"1","page":329},{"text":"قالها المسلم مُتأمِّلًا لمعانيها مُتفكِّرًا في دلالاتها: سكن قلبه، واطمأنّت نفسه، وزال عنه كربه، وشدته» (١)، فلا يثبت الكرب والهمّ أمام كلمات التوحيد والتعظيم الخالص للَّه تعالى رب العالمين، واقتران اسمه تعالى: «العظيم الحليم» دلالة على كمال آخر غير الكمال في إفراد أحدهما، ففي اقترانهما دلالة كمال عظمته مع حلمه تعالى عكس البشر، فإنه قد يكون عظيمًا، وليس بحليم، وقد يكون حليمًا وهو ذليل، فهو تعالى لم تمنعه عظمته من الحلم بخلقه، ولم يكن حلمه جل وعلا عن ضعف وعجز، بل عن كمال العظمة والجلال، وكذلك سعة حلمه مع كمال عظمته جل وعلا، فهو العظيم الحليم على الإطلاق.\nووجه ذكر اسمه تعالى «العظيم»؛ لأنه تعالى لا يتعاظم عليه شيء مهما كان، ومن ذلك تفريج الكروب والهموم، فكأنه يقول: يا رب أنت العظيم الذي لا يتعاظم عليك شيء، وأنت الحليم فلم\nتُعجِّل عليَّ عقوبتك مع كثرة ذنوبي، وأنت رب السموات والأرض، ورب أعظم مخلوقاتك عرشك العظيم، أسألك أن تَفْرُجَ عنِّي: كربي، وهمّي، وغمّي.\nووجه ذكر اسمه تعالى «الحليم» في هذا الدعاء المبارك: لأن كرب المؤمن غالبًا يكون بسبب تقصيرٍ في حق ربه؛ فإن المصائب بسبب الذنوب قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ\n_________\n(١) فقه الأدعية والأذكار، ٤/ ١٨٦ بتصرف.","vol":"1","page":330},{"text":"أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١)، وقد يكون حصول الكرب بسبب الغفلة.\nوفي تكرير ذكر العرش لأنه أعظم المخلوقات (٢)، والموجودات وتنبيهًا على عظم شأن خالقه - ﷿ -، فإن من كان كذلك لا يعجزه أي أمر مهما كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>٦٦ - «اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ</span>، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>المفردات:</span>\nلفظ الحديث: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ».\nالمكروب: أي المغموم والمحزون، والكَرْب بالفتح فسكون:\nما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه ويغمَّه ويُحزنه (٤).\n_________\n(١) سورة الشورى، الآية: ٣٠.\n(٢) قال ابن عباس ﵄: «الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى»، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، برقم ٨٢٨، والطبراني في المعجم الكبير، ١٢/ ٣٩، والترمذي الحكيم في نوادر الأصول، ٣/ ١٣٩، والضياء المقدسي في المختارة، ١٠/ ٣١٠، وأبو الشيخ في العظمة، ٢/ ٥٨٢، وصححه الألباني في شرح الطحاوية، ص ٨٤٢، وهذا حكمه حكم المرفوع.\n(٣) أبو داود، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، برقم ٥٠٩٠، وأحمد، ٣٤/ ٧٥، برقم ٢٠٤٣٠، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٢٥٠، وفي صحيح الأدب المفرد، ٢٦٠، وقد حسن إسناده أيضًا العلامة ابن باز في تحفة الأخيار، ص ٢٤.\n(٤) فيض القدير، ٣/ ٥٢٦.","vol":"1","page":331},{"text":"والفرق بين الكرب والحزن: أن الكرب حزن مع شدة (١).\nالشأن: الأمر والحال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>الشرح:</span>\nهذه الكلمات الواردة في الحديث كلمات إيمان، وتوحيد، وإخلاص للَّه - ﷿ -، وبعد عن الشرك كله، كبيره وصغيره، وفي هذا أوضح دلالةً على أن أعظم علاج الكرب، هو تجديد الإيمان، وترديد كلمات التوحيد «لا إله إلا أنت»؛ فإنه ما زالت شدَّة، ولا ارتفع همٌّ ولا كربٌ بمثل توحيد اللَّه، وإخلاص الدين له، وتحقيق توحيد العبودية له - ﷿ - التي خُلق الخلق من أجلها، فإن القلب عندما يُعمر بالتوحيد والإخلاص، ويُشغل بهذا الأمر العظيم، الذي هو أعظم الأمور، وأجلها على الإطلاق، تذهب عنه الكُربات، وتزول عنه الشدائد، والغموم خاصة إذا فُهِمَتِ المعاني، وعُمل بالمقاصد،\nفإن يونس - ﵇ - ما أزال اللَّه عنه الكربات إلا عند قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣). قال النبي - ﷺ -: «ألا أخبركم بشيء: إذا نزل برجل منكم كرْبٌ، أو بلاء من بلايا الدنيا، دعا به يُفرج عنه؟ فقيل له: بلى، فقال: دعاء ذي النون» (٤).\n_________\n(١) العلم الهيب في شرح الكلم الطيب، ص ٣٣٥.\n(٢) المصدر نفسه.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٨٧.\n(٤) أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة، ٦/ ١٦٨، برقم ١٠٤١٦، الحاكم، ١/ ٥٠٥، رقم ١٨٦٤، والدعوات الكبير للبيهقي، ص ١٢٥، وابن عساكر، ٤٥/ ٣٨، وصحح إسناده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٢٤٣. وانظر: العلم الهيب، ص ٣٣٩.","vol":"1","page":332},{"text":"وقوله - ﷺ -: «دعوات المكروب»: أي الدعوات النافعة المزيلة للمكروب المغموم.\n«اللَّهم رحمتك أرجو»: في تأخير الفعل «أرجو» دلالة على الاختصاص (١)، أي نخصّك وحدك برجاء الرحمة منك، فلا نرجوها من أحد سواك، وتخصيص السؤال بصفة الرحمة؛ لأنها وسعت كل شيء قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٢)، فرحمته تعالى وسعت كل جزء وذرة في هذا الكون العظيم، ومنها عبيده.\nقوله: «فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين»: فيه شدة الافتقار، والاحتياج إلى مولاه وخالقه - ﷿ -، وأنه لا غنى له عن ربه طرفة عين في كل شأن من شؤونه،\nوقوله: «طرفة عين» خارج مخرج المبالغة. أي ولا لحظة واحدة.\nقوله: «وأصلح لي شأني كله»: فيه سؤال اللَّه تعالى أن يصلح كل أحواله وشؤونه وأموره في كل جزئيةٍ من جزئياته، وكل جانب من جوانبه في حياته، وبعد مماته كما دلَّ قوله: «كله».\nثم ختم بأحسن وأعظم الكلم «لا إله إلا أنت» إقرار، وإذعان، وإشهاد بالوحدانية الحقَّة [من الألوهية، والربوبية، والأسماء\n_________\n(١) العلم الهيب، ص ٣٣٩.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.","vol":"1","page":333},{"text":"والصفات] للَّه تعالى، وفيه إشارة إلى أن الدعاء إنما ينفع المكروب، ويزيل همّه وكربه، إذا كان مع حضور وشهود، ومن شهد للَّه تعالى بالتوحيد والجلال، مع جمع الهمّة وحضور البال، فهو حريٌّ بزوال الكرب في الدنيا، والرحمة، ورفع الدرجات في العقبى» (١).\nودلّ هذا الدعاء المبارك على أهمية التوسل بصفات اللَّه تعالى في كل ما يرجوه العبد ويخافه، وخاصة صفة الرحمة؛ فإن لها تأثيرًا عظيمًا في تفريج الهموم والغموم.\nقوله: «اللَّهم رحمتك أرجو»؛ فإن من مقتضيات رحمته تعالى، وثمراتها الإحسان والإنعام، وزوال الأوهام والأحزان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>٦٧ - «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» </span>(٢).\n[تقدم شرح] هذا الدعاء المبارك في الأدعية القرآنية رقم (١٤) فارجع إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>٦٨ - «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ</span>، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ\n_________\n(١) فيض القدير، ٣/ ٥٢٦.\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، بابٌ: حدثنا محمد بن يحيى، برقم ٣٥٠٥، والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٥٠٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٦٨، ولفظه: «دعوة ذي النون إذْ دعاه وهو في بطن الحوت: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له».","vol":"1","page":334},{"text":"بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>المفردات:</span>\nالناصية: مقدمة الرأس.\nماضٍ: نافذ.\nالهمُّ: المكروه الوارد على القلب في الأمر المستقبل.\nالحزن: وهو عكس الهمّ: هو المكروه الوارد على القلب على\nأمر قد مضى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك»: اعتراف العبد بأنه مخلوق للَّه تعالى، مملوك له، هو وآباؤه وأمهاته، ابتداءً من أبويه المقربين، وانتهاءً إلى آدم وحواء، فالكل مماليك للَّه - ﷿ - خالقهم، ومدبّر أمورهم، وشؤونهم، لا غنى لهم عنه طرفة عين، وليس لهم\n_________\n(١) أحمد، ٦/ ٢٤٧، برقم ٣٧١٢، ورقم ٤٣١٨، والحاكم، ١/ ٥٠٩، والطبراني في المعجم الكبير، ٩/ ١٣، والبزار، ٥/ ٣٦٣، وابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٥٣، وحسنه الحافظ ابن حجر في تخريج الأذكار، وصححه الألباني في تخريج الكلم الطيب، ص٧٣.\n(٢) مفتاح دار السعادة، ١/ ٣٧٦.","vol":"1","page":335},{"text":"من يلوذون ويعوذون به سواه، وهذا فيه كمال التذلّل والخضوع والاعتراف بالعبودية للَّه تعالى؛ لأنه لم يكتف بقوله: «إني عبدك» بل زاد فيه «ابن عبدك ابن أمتك» دلالة على التأكيد والمبالغة في التذلّل، والعبودية للَّه تعالى؛ لأن من ملك رجلًا ليس مثل من ملكه مع أبويه» (١).\nوهذا يدلنا على أهمية الأدعية الشرعية لكمالها في ألفاظها ومعانيها، وجلال مقاصدها ومدلولاتها.\nقوله: «ناصيتي بيدك»: «أي مقدمة الرأس بيد اللَّه تعالى، يتصرّف فيه كيف يشاء، ويحكم فيه بما يريد، لا معقب لحكمه، ولا رادّ لقضائه» (٢).\nقوله: «ماض فيَّ حكمك»: يتناول الحكمين: الحكم الديني\nالشرعي، والحكم القدري الكوني، فكلاهما ماضيان في العبد شاء أم أبى، لكن الحكم الكوني لا يمكن مخالفته، وأما الحكم الشرعي «الأوامر والمنهيات» فقد يخالفه العبد، ويكون متعرضًا للعقوبة.\nقوله: «عدلٌ فيَّ قضاؤك»: إقرارٌ من العبد بأن «جميع أقضيته - ﷾ - عليه، من كل الوجوه: من صحة وسقم، وغنى وفقر، ولذة وألم، وحياة وموت، وعقوبة وتجاوز، وغير ذلك عدلٌ لا جور فيه، ولا ظلم بأي وجهٍ من الوجوه. قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ\n_________\n(١) العلم الهيب في شرح الكلم والطيب، ص ٣٤٣.\n(٢) فقه الأدعية، ٤/ ١٩٢.","vol":"1","page":336},{"text":"لِلْعَبِيدِ﴾ (١» (٢).\nثم شرع في الدعاء بعد إظهار غاية التذلل والخضوع لربه تعالى، وهذا من أدب السائلين، وهذه الحالة أقرب إلى إجابة السؤال ولا سيما إذا كان المسؤول منه كريمًا، ومن أكرم من اللَّه ﵎ الذي لا يوازيه أيُّ كريم ولا يعادله أيّ نظير، إذا تضرع إليه عبده، وتذلل له، وأظهر الخضوع والخشوع ثم سأل حاجة ينفذها في ساعته على ما هو اللائق لكرمه وجوده (٣).\nقوله: «أسألك بكل اسم هو لك»: أتوسّل إليك بكل اسم من أسمائك الحسنى، وهذا هو أعظم أنواع التوسّل إلى اللَّه تعالى\nبالدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤).\nقوله: «سمَّيت به نفسك»: أي اخترته لنفسك الذي يليق بكمالك وجلالك.\nقوله: «أو أنزلته في كتابك»: في كتبك المنزلة على رسلك، يتعبّد به عبادك ويسألونك ويدعونك به، وأنا أحدهم.\nقوله: «أو علمته أحدًا من خلقك»: من الأنبياء والملائكة، ومنهم محمّد - ﷺ - كما في حديث الشفاعة الطويل الذي يقول فيه: «... فَأَخِرُّ\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية: ٤٦.\n(٢) العلم الهيب في شرح الكلم الطيب، ص ٣٤٣.\n(٣) العلم الهيب، ص ٣٤٣ بتصرف يسير.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.","vol":"1","page":337},{"text":"لَهُ سَاجِدًا، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي، وَلَيْسَ يَحْمَدُهُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي ...» (١).\n«أو استأثرت به في علم الغيب عندك»: أي خصصت به نفسك في علم الغيب، فلم يطّلع عليه أحد، وهذا كلّه تقسيم لقوله: «بكل اسم هو لك»، وهذا يدلّ على أن أسماءه تعالى الحسنى غير محصورة في عدد معين، فجعل أسماءه تعالى ثلاثة أقسام:\nقسم سمَّى به نفسه، فأظهره لمن شاء من أنبيائه ورسوله، وملائكته أو غيرهم، ولم يُنزله في كتابه.\nوقسم أنزله في كتابه، فتعرَّف به إلى عباده.\nوقسم استأثر به في علم الغيب عنده لا يطّلع عليه أحد، فتضمّن\nهذا الدعاء المبارك التوسّل إليه تعالى بأسمائه الحسنى كلّها، ما علم العبد منها، وما لم يعلم، والعلم بأسماء اللَّه وصفاته أصل لكل العلوم؛ لأنه كُلَّما كان عظيم العلم والمعرفة باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته زادت خشية العبد لربه، وعظمت مراقبته وعبوديته له جلّ وعلا، وازداد بُعدًا عن الوقوع في سخطه ومعصيته؛ ولهذا كان أعظم ما يطرد الهمّ والحزن والغمّ أن يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته، وأن يعمر قلبه بذكرها، والثناء بها عليه (٢)، واستحضار\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، برقم ١٩٣، ومسند الإمام أحمد، واللفظ له، ٤/ ٣٣٢، برقم ٢٥٤٦.\n(٢) فقه الأدعية والأذكار، ٤/ ١٩٢.","vol":"1","page":338},{"text":"معانيها، فبعد أن قدَّم جملًا من الإقرار بالتذلل والخضوع له تعالى، والإيمان بكمال حكمه وقضائه وعدله، وهو توسل إليه بعمله الصالح، وتوسل إليه كذلك بأفعاله، ثم توسل إليه بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العُلا، فجمع ثلاثة أنواع من التوسّلات الجليلة مقدمة بين يدي دعائه دلالة على أهمية هذه الوسائل في إعطاء ما يسأله العبد ربه - ﷿ - فقال: «أن تجعل القرآن ربيع قلبي»: أي: فرح قلبي، وسروره، وخُصَّ «الربيع» دون فصول السنة؛ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الزمان، ويميل إليه ويخرج من الهمّ والغمّ، ويحصل له النشاط والسرور والابتهاج» (١).\n«فتضمّنت هذه الدعوة سؤال اللَّه تعالى أن يجعل قلبه مرتاحًا إلى\nالقرآن، مائلًا إليه، راغبًا في تدبره» (٢).\nوهذا يدلّ على أن القرآن هو الشفاء الناجح لمن تأمله وتدبّره، وتمسّك به.\nقوله: «ونور صدري»: أي تشرق في قلبي بأنوار المعرفة، فأميّز الحق والباطل.\nقوله: «وجلاء حزني، وذهاب همّي»: الجلاء هو: الانكشاف، أي انكشاف حزني وهمّي؛ لأن القرآن شفاء، كما قال تعالى:\n_________\n(١) العلم الهيب، ص ٣٤٤.\n(٢) تحفة الذاكرين، ص ٢٩٧.","vol":"1","page":339},{"text":"﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢)؛ لأنه كلام اللَّه تعالى الذي ليس كمثله شيء، وأي شيءٍ يقف أمام هذا الكلام العظيم، فالقرآن الذي هو أفضل الذكر، كاشف للحزن، ومُذهب للهمّ لمن يتلوه بالليل والنهار بتدبّر وتفكّر، فليس شيء مثله مُذهب للأوهام والأحزان، والأمراض النفسية العصرية، وفيه من نعيم القلب، وأنسه، ولذّاته، وراحته ما لا يوصف، وعلى قدر تحصيل العبد لكتاب اللَّه تعالى: تلاوةً، وحفظًا، وفهمًا، ومدارسةً، وعملًا ينال من السعادة والراحة والطمأنينة والعافية في البدن والنفس ما لا يحصيه إلا اللَّه تعالى.\nولعلّك يا عبد اللَّه بعد أن رأيت عظمة معاني هذا الدعاء\nالمبارك، وما تضمّن من مقاصد ومعانٍ جليلة، علمت معنى قول المصطفى - ﷺ -: «ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>٦٩ - «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» </span>(٤).\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٤٤.\n(٣) أخرجه أحمد، ٧/ ٣٤١، برقم ٤٣١٨، وابن حبان، ٣/ ٢٥٣، برقم ٩٧٣، وابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٥٣، وأبو يعلى، ٩/ ١٩٨، وصححه الشيخ الألباني في التعليقات الحسان، برقم ٩٧٢، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٩٩.\n(٤) مسلم، كتاب القدر، باب تصريف اللَّه تعالى القلوب كيف شاء، برقم ٢٦٥٤.","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-649>الشرح:</span>\nفي هذا الحديث بيان لأمرٍ عظيمٍ، وشأنٍ خطيرٍ وكبيرٍ، وهو أن اللَّه جلّ قدره هو الذي يتولّى قلوب العباد بنفسه، فيصرّفها كلها كقلبٍ واحدٍ كيف يشاء، باقتدار تام، لا يشغله قلب عن قلب، وأنه هو جلّ وعلا يتولّى الأمر بنفسه، لا يكله لأحدٍ من الملائكة، ولم يُطلِعْ أحدًا على سرائره من خلقه لمحض رحمته وفضله، وكمال حكمته جلّ وعلا، وفيه بيان أن العبد ليس إليه شيء من أمر سعادته، أو شقاوته، بل إن الأمر كلّه للَّه، فإن اهتدى فبهداية اللَّه تعالى إيَّاه، وإن ضلّ فبصرفه له بحكمته وعدله، وعلمه السابق - ﷿ -، فلعظم هذا الأمر كان سيد الأولين والآخرين، المزكَّى من رب العالمين، مفتقرًا إلى اللَّه - ﷿ - في كل حين بالدعاء؛ لتثبيت قلبه على دينه وطاعته، فكيف بنا نحن؟ فهذا التعليم المهمّ منه - ﷺ - لأمته أن\nيكونوا ملازمين لمقام الخوف، مشفقين غير آمنين من سلب الدين واليقين والإيمان، [ولكن مع ذلك لا ييأسون من رحمة اللَّه تعالى، بل يجمع العبد بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة] (١).\nقوله: «صرِّف قلوبنا على طاعتك»: أي ثبِّت قلوبنا، واصرفها إلى طاعتك ومرضاتك في كل ما تحبه من الأقوال، والأعمال والأخلاق.\n_________\n(١) انظر: أوراد الذاكرين، ص ١٥٢، وفقه الأدعية، ٤/ ٤٨٤.","vol":"1","page":341},{"text":"وقوله: «على [طاعتك]» أي أن ينقلب القلب من طاعة إلى طاعة أخرى، من صلاة إلى صيام إلى زكاة» (١)، فسأل اللَّه تعالى الثبات على الدين جملة وتفصيلًا، ودلَّ الحديث والذي بعده على أهمية التوسّل إلى اللَّه ﵎ بأفعاله ومنها «التصريف» الفعلية التي تتضمّن كمال المشيئة، والحكمة البليغة، وكذلك [يدل على] صفة «الأصابع» الذاتية الجليلة، [على الوجه اللائق باللَّه - ﷿ -، لا يشبه أحدًا من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>٧٠ - «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» </span>(٢).\nعن أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ\nالْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (٣).\nوفي حديث عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول اللَّه، إنك تُكثر أن\n_________\n(١) شرح رياض الصالحين لابن عثيمين، ٤/ ٦١.\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا أبو موسى الأنصاري، برقم ٣٥٢٢، وأحمد، ١٨/ ١٠٠، برقم ١٢١٠٧، والحاكم، ١/ ٥٢٥، و٥٢٨، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٦/ ٣٠٩، وصحيح الترمذي، ٣/ ١٧١. وقد قالت أم سلمة\n﵂: «كان أكثر دعائه - ﷺ -».\n(٣) الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، برقم ٢١٤٠، وأحمد، ١٩/ ١٦٠، برقم ١٢١٠٧، ومصنف بن أبي شيبة، ١١/ ٣٦، برقم ٣١٠٤٤، وشعب الإيمان للبيهقي، ٢/ ٢٠٩، ومسند أبي يعلى، ٦/ ٣٥٩، والمختارة للضياء المقدسي، ٢/ ٤٥٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢١٤٠.","vol":"1","page":342},{"text":"تدعو بهذا الدعاء؟\nفقال - ﷺ -: «إِنَّ قَلْبَ الْآدَمِيِّ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ - ﷿ -، فَإِذَا شَاءَ أَزَاغَهُ، وَإِذَا شَاءَ أَقَامَهُ» (١).\nوقوله: «إن قلوب» تعليلًا لسبب دعوته - ﷺ -، وهي أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه، من يشأ يضللْه، ومن يشأ يهديه، فينبغي للعبد الإكثار من هذه الدعوات المهمة التي تتعلق بأجل مقامات العبودية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>٧١ - «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ [اليقين]، و[العفو و] الْعَافِيَةَ\nفِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>المفردات:</span>\n«اليقين»: هو الأمر الثابت الذي لا شك يخالجه (٣)، فاليقين من\n_________\n(١) مسند أحمد، ٤١/ ١٥١، برقم ٢٤٦٠٤، وسنن النسائي الكبرى، كتاب صفة الصلاة، الاستغفار بعد التسليم، ٤/ ٤١٤، برقم ٧٦٩٠ من حديث النواس بن سمعان، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، برقم ١٩٩، ومستدرك الحاكم، ١/ ٥٢٥، وصحيح ابن حبان، ١/ ١٣٥، والأسماء والصفات للبيهقي، ص ٣٢٢، وهناك روايات عن أم سلمة، وعن سبرة بن فاتك الأسدي، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ١٦٥، وغيره.\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا يوسف بن عيسى، برقم ٣٥١٤، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٧٢٦، ولفظه عند الترمذي: «سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة»، وفي لفظ: «سلوا الله العفو والعافية فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية»، وقد صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ١٨٠، و٣/ ١٨٥، و٣/ ١٧٠، وله شواهد، انظرها في: مسند الإمام أحمد بترتيب أحمد شاكر، ١/ ١٥٦ - ١٥٧.\n(٣) تذكرة الحفاظ، ٤/ ٣٥٦.","vol":"1","page":343},{"text":"صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: علمٌ يقينٌ، ولا يقال: معرفةُ يقينٌ، وهو مكوّن الفهم مع ثبات الحكم (١).\n«العفو»: التجاوز عن الذنب: وترك العقاب عليه.\n«العافية»: هي كلمة جامعة في تأمين اللَّه تعالى للعبد، ودفاع عنه كل نقمة، ومحنة، وشرٍّ وبلاء، والسلامة من الأسقام، والبلايا، وهي الصحة ضد المرض (٢).\nهذا الدعاء المبارك الجليل القدر فيه أجلّ المطالب، وأهم المقاصد التي يتمنّاها كل عبد في دينه، ودنياه، وآخرته، ففيها سؤال اللَّه ﵎ السلامة، والوقاية من كل الشرور، بكل أنواعها الظاهرة والباطنة، الجليّة والخفيّة، فإن السلامة والحفظ مبتغى كل\nالخلائق، في هذه المعمورة، وخاصة عباد اللَّه ﵎ المؤمنين.\nولهذا كانت هذه الدعوة وما تتضمنه من مقاصد عظيمة عزيزة وجليلة عند الشارع الحكيم، في قوله، وأمره، وفعله، ولما كانت الآفات والبلايا منها ظاهرة، كأمراض البدن، وعلله الحسية، ومنها باطنة معنوية كآفات القلب، قُدِّم سؤال السلامة في أهمّ أنواعه، وهو القلب: «اللَّهم إني أسألك اليقين»، وهو تمام العلم وكماله، وهو المنافي للشك والريب، فهذا سؤالٌ لِأَعلى درجات الإيمان، الذي\n_________\n(١) المفردات، ص ٨٩٢.\n(٢) انظر: النهاية، ص ٦٢٧، معجم مقاييس اللغة، ٤/ ٥٦، فيض القدير، ٢/ ٣٢.","vol":"1","page":344},{"text":"عليه الفلاح في الدنيا والآخرة (١).\nقال ابن مسعود - ﵁ -: «اليقين الإيمان كله» (٢)؛ فلذا كان من دعائه - ﵁ -: «اللَّهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفهمًا» (٣).\nفإذا رسخ اليقين في القلب، انقطع عن الدنيا، وتعلّق بالآخرة، قال سفيان الثوري ﵀: «لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي، لطار اشتياقًا إلى الجنة، وهروبًا من النار»، قال ابن حجر ﵀ معلقًا: «فإذا أيقن القلب، انبعثت الجوارح كلها للقاء اللَّه\n- ﷿ - بالأعمال الصالحة» (٤).\nولا شك أن هذا هو منتهى الإرادات والمنى، فدلّ هذا المطلب العظيم على أنه أهمّ مسائل الدِّين، لأنه يتعلّق في أهم منازله، وهو مسائل الإيمان والتوحيد، الذي هو حق اللَّه تعالى على كل العبيد.\nوقوله: «والعفو والعافية في الدنيا والآخرة»: جمع بين عافيتي الدين والدنيا؛ لأنه لا غنى عنهما للعبد، فإن النجاة والفلاح منوطة بهما.\n_________\n(١) انظر: اللآلئ الزكية في شرح الأدعية النبوية، ص ٩٤.\n(٢) أخرجه أحمد، ١٤/ ٢٧٨، برقم ٨٦٣٠، والبخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النبي - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس»، قبل الحديث رقم ٨، والحاكم،\n٢/ ٤٤٦، وانظر: سلسلة الآثار الصحيحة، ٢/ ٥٣٦.\n(٣) ذكره الإمام ابن تيمية في كتاب الإيمان، ١/ ٢٨٤، وعزاه بإسنادٍ إلى الإمام أحمد، وصحح إسناده، ابن حجر في الفتح، ١/ ٦٨.\n(٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":345},{"text":"فسؤال اللَّه تعالى «العفو»: يتضمّن سؤال اللَّه السلامة من الذنوب، وتبعاتها، ونتائجها، وآثارها.\nو«العافية»: هو طلب السلامة والوقاية من كل ما يضرُّ العبد في دينه ودنياه، من السقام والمصائب والمكاره والفتن والمحن.\nوقد دلّ أمر النبي - ﷺ -، وقوله، وفعله، [على] أهمية هذه المقاصد الجليلة، فمن ذلك ما جاء عن عمّ النبي - ﷺ - العباس - ﵁ - أنه جاء للنبي - ﷺ - فقال: «يارسول اللَّهِ، عَلِّمْني شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللَّه تَعَالى، قَالَ: «سَلُوا اللَّه العافِيةَ»، فَمكَثْتُ أَيَّامًا، ثُمَّ جِئتُ فَقُلْتُ: يا رسولَ اللَّه: علِّمْني شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللَّهَ تعالَى، قَالَ لي: «يَا عبَّاسُ، يا عمَّ رَسولِ اللَّهِ، سَلُوا اللَّه العافيةَ في الدُّنْيا والآخِرةِ» (١)، ففي تعليم النبي - ﷺ - لعمِّه\nالذي هو صنو أبيه، هذا الدعاء دون غيره من الأدعية بعد تكريره له، وكذلك خطابه بأداة المناداة «يا عباس»، «يا عم رسول اللَّه» التي تفيد التأكيد والتنبيه، يدل دلالة جليلة على أهمية هذه الدعوة الجليلة.\nومن الأدلة كذلك، أن رجلًا «جاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «تَسْأَلُ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا يوسف بن عيسى، برقم ٣٥١٤، مسند الإمام أحمد، ٣/ ٣٠٣، برقم ١٧٨٣، مسند البزار، ٤/ ١٣٩، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٧٢٦، وصححه الألباني في: صحيح الترمذي، ٣/ ١٧١، وصحيح المشكاة، برقم ٢٤٩٠، والتحقيق الثاني من سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٥٢٣.","vol":"1","page":346},{"text":"الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ثُمَّ أَتَاهُ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «تَسْأَلُ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، ثُمَّ أَتَاهُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «تَسْأَلُ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّكَ إِذَا أُعْطِيتَهُمَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِيتَهُمَا فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ» (١).\nدلّ هذا الحديث على حرص الصحابة - ﵃ - على علوّ الهمة، ومن ذلك حرصهم على معرفة أفضل الدعاء.\nومن الأدلة السنيّة التي تدلّ على أهمية هذين المطلبين: (العفو،\nوالعافية) أنه كان - ﷺ - يلازم سؤالهما ربه - ﷿ - في صباحه ومسائه.\nفعن ابن عمر ﵄: أنه قال: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدَعُ هَؤُلاَءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ استُرْ عَوْرَاتي، وآمِنْ رَوْعَاتي، اللَّهمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَينِ يَدَيَّ، ومِنْ خَلْفي، وَعن يَميني، وعن شِمالي، ومِن فَوْقِي، وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحتي» (٢).\n_________\n(١) أحمد، ١٩/ ٣٠٤، برقم ١٢٢٩١، واللفظ له، والترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا يوسف بن عيسى، برقم ٣٥١٢، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، برقم ٣٨٤٨، والأدب المفرد للبخاري، ص ٢٢٢، ومسند البزار، ٢/ ٢٧٤، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ٢٤٣، برقم ٤٩٦، وحسنه الأرناؤوط لغيره في تعليقه على المسند، ١٩/ ٣٠٤.\n(٢) أبو داود، واللفظ له، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، برقم ٥٠٧٦، ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى، برقم ٣٨٧١، أحمد، ٣/ ٤٠٨، برقم ٤٧٨٥، صحيح ابن حبان، ٣/ ٢٤١، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ٤٨٨، برقم ٥٠٨، وصحيح ابن ماجه، برقم ٣١٢١.","vol":"1","page":347},{"text":"فسؤاله - ﷺ - العافية (في الدين): هو طلب الوقاية والسلامة من كل أمر يشين الدين ويخلّ به، ويخدش في عقيدة المؤمن، وتوحيده، من الفتن والضلالات، والشبهات، والشهوات من كل أنواعهما.\nوسؤال اللَّه تعالى العافية (في الدنيا): هو طلب السلامة والأمان من كل ما يضرّ العبد في دنياه، من المصائب والبلايا، والشدائد، والمكاره، وسؤال اللَّه تعالى العافية (في الآخرة): هو طلب النجاة، والوقاية من أهوال الآخرة، وشدائدها، وكرباتها، وما فيها من العقوبات، بدأَ من الاحتضار، وعذاب القبر، والفزع الأكبر، والصراط، والنجاة من أشد الأهوال، والعذاب بالنار، والعياذ باللَّه.\nوأما سؤاله - ﷺ - العافية (للأهل): فبوقايتهم من الفتن، وحمايتهم من البلايا والمحن.\nوأما في (المال): فبحفظه مما يتلفه من غرق أو حرق أو سرقة، أو نحو ذلك، فجمع في ذلك سؤال اللَّه الحفظ من جميع العوارض المؤذية، والأخطار المضرة» (١).\nفدلّ ذلك كله على أن هذه الدعوات الكريمة الجليلة من جوامع الكلم: «وذلك أنه ليس شيء يعمل للآخرة يتلقى إلا باليقين، وهو\n_________\n(١) فقه الأدعية والأذكار، ٣/ ٣١.","vol":"1","page":348},{"text":"الإيمان الراسخ الذي لا شك فيه ولا ريب، وهو أعلى الدرجات كما سبق، وليس شيء من الدنيا يهنأ لصاحبه إلا مع العافية، وهي الأمن والصحة، وفراغ القلب من كل مكروه، فجمع أمر الدنيا كله في كلمة، والآخرة في كلمة» (١).\nوأختم لك بشرح نفيس للعلامة الشوكاني ﵀ فقد قال: «العافية: دفاع اللَّه - ﷾ - عن العبد، فقوله (٢): دفاع اللَّه تعالى عن العبد، يفيد أن العافية: جميع ما يدفعه اللَّه تعالى عن العبد من البلايا والمحن كائنة ما كان.\nولهذا قال النبي - ﷺ - في هذا الحديث: «فإن أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية»، سأل النبي ربه - ﷾ - أن يرزقه العفو الذي هو\nالعمدة في الفوز بدار المعاد، ثم سأله أن يرزقه العافية التي هي العمدة في صلاح أمور الدنيا والسلامة من شرورها ومحنها، فكان هذا الدعاء من الكلم الجوامع، والفوائد، والنوافع.\n\nثم علق ﵀ على الأحاديث التي ذكرناها سابقًا فقال: «إن الدعاء بالعافية أحب إلى اللَّه - ﷾ - من كل دعاء كائنًا ما كان، كما يفيده هذا العموم، وتدلّ عليه هذه الكلية، ف<span data-type=\"title\" id=toc-653>جمع هذا الدعاء بهذه الكلمة بين ثلاث مزايا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>أولها: شموله لخيري الدنيا والآخرة</span>.\n_________\n(١) فيض القدير، ٤/ ١٠٦.\n(٢) أي عن صاحب (الصحاح).","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-655>وثانيها: أنه أفضل الدعاء على الإطلاق</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>وثالثها: إنه أحب إلى اللَّه - ﷾ - من كل دعاء يدعو به العبد </span>على الإطلاق كائنًا ما كان (١).\nفينبغي للعبد الصالح ملازمة هذه الدعوات المباركات في الصباح والمساء، اقتداء واستنانًا بالنبي - ﷺ - في ليله ونهاره: في سفره وحضره، وفي سرائه وضرائه، وفي كل أحواله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>٧٢ - «اللهمّ أحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، وَأجِرْنَا </span>مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الآخِرَةِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>المفردات:</span>\n«الخزي»: هو الذلّ والهوان (٣). ويأتي بمعنى الهلاك، والوقوع في بلية (٤).\n«عاقبتنا»: العاقبة آخر كل شيء.\n_________\n(١) تحفة الذاكرين، ٤٥٤ - ٤٥٩.\n(٢) أحمد، ٢٩/ ١٧١، برقم ١٧٦٢٨، والحاكم، ٣/ ٥٩١، والطبراني في الكبير، ٢/ ٣٣/ ١١٦٩، وفي الدعاء، برقم ١٤٣٦، وابن حبان، برقم ٢٤٢٤، ٢٤٢٥ (موارد)، والدعوات الكبير للبيهقي، ١/ ٣٥٩، والديلمي في الفردوس، ١/ ١٤١، قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١٧٨: «رجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني ثقات»، وقال الأرناؤوط في تعليقه على المسند: «رجاله موثقون».\n(٣) المفردات، ٢٨١.\n(٤) النهاية، ص ٢٦٣.","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>الشرح:</span>\n«اللَّهمّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها»: أي يا اللَّه اجعل عاقبة كل أمر من أموري حسنًا طيبًا، فإن الأعمال بالخواتيم، فاجعل أعمالنا كلها طيّبة، مرضيّة عندك، وثبّتنا على ذلك إلى أن نلقاك بأحسن أعمالنا.\n«وأجرنا من خزي الدنيا» أي اعصمنا من هلاك الدنيا، وهي مصائبها، وغرورها، وشرورها، ومن كل ذلٍّ وهوانٍ، وفضيحة فيها.\n«وعذاب الآخرة» أي: أعذنا من جميع أنواع عذاب الآخرة، كما يفيد «إضافة اسم الجنس». فتضمّن هذا السؤال السلامة، والأمان من كل الأوجه، فإن من سلم من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة، فقد ظفر بخير الدارين، وَوُقِيَ من كلِّ شرٍّ فيهما، فدلّ هذا الدعاء على أنه من جوامع الكلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>٧٣ - «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ</span>، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الهُدَى إِلَيَّ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُخْبِتًا أَوَّاهًا مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ","vol":"1","page":351},{"text":"قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>المفردات:</span>\n«رهَّابًا»: الرهبة، الخوف، والفزع.\n«مخبتًا»: الخاشع، والمخلص في خشوعه.\n«أواهًا»:المتضرّع، والبكّاء، وقيل كثير الدعاء.\n«منيبًا»:التائب، والراجع إلى اللَّه في أموره.\n«حوبتي»:الحوْبةُ، والحوبُ: الإثم، والذنب.\n«حجتي»: الحجة: الدليل، والبيِّنة (٢).\n«سخيمة قلبي»: غلّ القلب، وحقده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>الشرح:</span>\nهذا الدعاء العظيم اشتمل على اثنين وعشرين سؤالًا، ومطلبًا هي من أهم مطالب العبد، وأسباب صلاحه، وسعادته في الدنيا والآخرة (٣):\n_________\n(١) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٦٤، و٦٦٥، وأبو داود، كتاب الوتر، باب ما يقول الرجل إذا سلّم، برقم ١٥١٠، و١٥١١، والترمذي، كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥١، وابن ماجه، أبواب الدعاء، باب دعاء رسول الله - ﷺ -، برقم ٣٨٣٠، والنسائي في السنن الكبرى، ٦/ ١٥١، وأحمد ٣/ ٤٥٢، برقم ١٩٩٧، وصحيح ابن حبان، ٣/ ٢٢٧، ومصنف ابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٨٠، وعبد بن حميد، ١/ ٢٣٦، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٥١٩، ومسند الشهاب، ٢/ ٣٤٤، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤١٤، وفي صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٨.\n(٢) جامع الأصول، ٤/ ٣٣٧.\n(٣) فقه الأدعية، ٤/ ٤٨٧.","vol":"1","page":352},{"text":"١ - قوله: «رب أعني»: أي أطلب منك العون، والتوفيق لطاعتك، وعبادتك على الوجه الأكمل الذي يُرضيك عنِّي، وأطلب منك العون على جميع الأمور الدينية والدُّنيوية، والأخروية، وفي مقابلة الأعداء أمدّني بمعونتك وتوفيقك.\n٢ - قوله: «ولا تُعن عليَّ»: ولا تمدّ العون لمن يمنعني عن طاعتك: من النفس الأمّارة بالسوء، ومن شياطين الإنس والجن.\n٣ - قوله: «وانصرني»، وهو طلب النصرة، وهي الغلبة، أي في كل أحوالي، [وانصرني] على الكفار أعدائي، وأعداء دينك، وقيل انصرني على نفسي الأمّارة بالسوء؛ فإنها أعدى أعدائي ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (١)، ولا مانع من إرادة الجميع؛ لأنه - ﷺ - لم يُخصِّص نوعًا معينًا، والأصل إبقاء العموم\nعلى عمومه.\nفتضمّن هذا الدعاء سؤال اللَّه تعالى النصر والظفر على كل الأعداء، سواء كان العدوُّ خارجيًَّا، أو داخليًَّا.\n٤ - قوله: «ولا تنصر عليَّ»: ولا تجعلني مغلوبًا، فتسلّط عليَّ أحدًا من خلقك، ولا تنصر النفس الأمارة بالسوء عليَّ، فأتّبع الهوى وأترك الهدى.\n٥ - قوله: «وامكُر لي»: المكر هو الخداع، وهو من اللَّه إيقاع بلائه\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ٥٣.","vol":"1","page":353},{"text":"بأعدائه من حيث لا يشعرون (١)، أي أنزل مكرك بمن أراد بي شرًّا وسوءًا (٢)، وارزقني الحيلة السليمة، والطريقة المثلى في دفع كيد عدوي، فأسلم من كيدهم وشرّهم.\n٦ - قوله: «ولا تمكر عليَّ»: أي ولا تهدِ عدويّ إلى طريق دفعه إياي عن نفسه، ولا تعاملني بسوء نيتي، فأغترّ وأتجاوز الحد من حيث لا أشعر فأهلك.\n\n٧ - قوله: «واهدني»:<span data-type=\"title\" id=toc-663> الهداية نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>أ - هداية دلالة وإرشاد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>ب - وهداية توفيق وتثبيت</span>، والعبد حينما يسأل اللَّه تعالى الهداية ينبغي أن يستحضر هذه المعاني، فيقول: دلّني، ووفّقني لطرق\nالهداية والمعرفة، ووفّقني لها، ولا أزيغ عنها حتى ألقاك، فتضمّن هذا السؤال التوفيق إلى فعل الخيرات من الأعمال الصالحات، والعلم النافع، واجتناب المحرّمات.\n٨ - قوله: «ويسّر الهُدى إليَّ»: أي سهّل لي اتِّباع الهداية، وسلوك طريقها، وهيّئ لي أسباب الخير، حتى لا أستثقل الطاعة، ولا أنشغل عن العبادة.\n٩ - قوله: «وانصرني على من بغى عليّ»: وانصرني على من ظلمني\n_________\n(١) شرح الأدب المفرد، ٢/ ٣٢١.\n(٢) المكر من صفات الله تعالى الفعلية المقيدة التي تقع بمشيئته، فلا تطلق على الله تعالى إلا في سبيل المقابلة والجزاء لمن يمكر به تعالى وبأوليائه.","vol":"1","page":354},{"text":"وتعدّى عليَّ، وهذا تخصيص بعد العموم في قوله أولًا: «وانصرني ولا تنصر عليَّ»، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «دعاء عادل، لا دعاء معتدٍ، يقول: انصرني على عدوّي مطلقًا» (١)، وهو يدلّ على أهمية النصرة، والظفر على من اعتدى وبغى بغير حقّ؛ لما في ذلك من سرور القلب، وطمأنينة النفس، وراحة البال من وقاية الأعداء، والثقة بقدرة اللَّه تعالى ونصره.\n١٠ - قوله: «اللَّهُمَّ اجعلني لكَ شكَّارًا» بعد: أن توسَّل إليه تعالى فيما ينفعه في تعامله وسيره مع خلقه، شرع في التوسل إلى اللَّه تعالى فيما ينفعه ويقرّبه، ويصلح أحواله مع عبادته لربه تعالى، وأن هذه المطالب هي الأعظم والأهمّ عنده، كما دلّ على ذلك صيغ المبالغة، وتقديم الجار والمجرور، فقال: «اللَّهم اجعلني\nلك شكَّارًا»: أي كثير الشكر، كما تفيده صيغة المبالغة في قوله: «شكَّارًا»، أي اجعلني كثير الشكر في السرّاء والضرّاء في القول، والعمل، وفي السرّ، وفي العلن على النعماء والآلاء، وفي تقديم الجار والمجرور «لك» للدلالة على الاختصاص، أي أخصّك بالشكر؛ لأنك خالق النعم، ومعطيها، سأل اللَّه التوفيق إلى الشكر؛ لأن به تدوم النعم.\n١١ - قوله: «لك ذكَّارًا»: أي كثير الذكر لك في كل الأوقات، والأحوال قائمًا، وقاعدًا، وعلى جنب في الصباح، والمساء، وفي\n_________\n(١) الرد على البكري، ١/ ٢٠٧، نقلًا من فقه الأدعية، ص ٤٨٨.","vol":"1","page":355},{"text":"السر والعلن، وفي سؤاله تعالى التوفيق إلى الذكر؛ لأنه هو أفضل الأعمال.\n١٢ - قوله: «لك رهّابًا»: أي خائفًا منك في كل أحوالي: في ليلي ونهاري، في سفري وفي حضري، وفي الغيب والشهادة.\n١٣ - قوله: «لك مطواعًا»: أي كثير الطوع، وهو الانقياد والامتثال والطاعة لأوامرك، والبعد عن نواهيك.\n١٤ - قوله: «لك مخبتًا»: أي كثير الإخبات، وعلامته: أن يذلّ القلب بين يدي اللَّه تعالى إجلالًا وتذلّلًا، أي لك خاشعًا متواضعًا خاضعًا.\n١٥ - قوله: «إليك أواهًا منيبًا»: «والأوَّاه: هو: كثير التضرّع والدعاء\nوالبكاء للَّه - ﷿ - (١)، كثير الرجوع إليك من الذنوب والخطايا. وتقديم الجار والمجرور في هذا، والذي قبله للاهتمام والاختصاص، وتحقيق الإخلاص، أي أخصّك وأخلص لك وحدك.\nسأل اللَّه تعالى التوفيق إلى روح العبادات، وأزكاها، وأسماها، وأهمّها، للقيام بها على الوجه الأكمل، والأمثل، والأتمّ، وكما دلّت الصيغ (شكارًا، ذكارًا، رهابًا، مطواعًا ...) على كمال الذُّل والعبودية لله تعالى، وأنه ينبغي للعبد أن يتوسّل إليه تعالى\n_________\n(١) تحفة الذاكرين، ص ٤٢٧.","vol":"1","page":356},{"text":"[بأسمائه الحسنى، وصفاه العلا، ويسأله] التوفيق إلى أفضل الأعمال من العبادات الخالصة له تعالى، فإن ذلك يرجع إليه بعظيم الثواب، ورفع الدرجات.\n١٦ - قوله: «ربّ تقبّل توبتي»: أي اجعلها صحيحة بشرائطها، واستجماع آدابها، وتقبّلها مني.\n١٧ - قوله: «واغسل حَوْبتي»: أي امسح ذنبي وإثمي، وذكر الغسل ليفيد إزالته بالكلية.\n١٨ - قوله: «وأجب دعوتي»: أي أجب كل دعواتي، واجعلها مقبولة عندك مستجابة [نافعة لي].\n١٩ - قوله: «وثبّت حجّتي»: كسابقه يفيد العموم، أي ثبت حُججي،\nفي الدنيا على أعدائك بالحجة الدامغة، والدعوة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بالأدلة البينات الساطعة، وثبّت قولي في الآخرة عند سؤال الملكين في القبر، والحجج هي البيِّنات والدلائل.\n٢٠ - قوله: «واهدِ قلبي»: إلى معرفتك، ومعرفة الحق والهدى والصراط المستقيم، وإلى كل خير ترضاه، فبهدايته تهتدي كل الجوارح، والأركان في البدن.\n٢١ - قوله: «وسدّد لساني»: أي صوّب لساني حتى لا ينطق إلا بالحق، ولا يقول إلا الصدق.","vol":"1","page":357},{"text":"٢٢ - «واسلُلْ سخيمة قلبي»: أي أخرج من قلبي: الحقد، والغلّ، والحسد، والغشّ، [والبغضاء للمؤمنين]، وغير ذلك من ظلمات القلب. فالزم هذا الدعاء المبارك الذي فيه جميع المنافع التي يحتاجها العبد في دينه، ومعاشه، ومعاده، فقد ذكر الحافظ عمر بن علي البزّار في ترجمته لشيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الدعاء كان غالب دعائه ﵀» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>٧٤ - «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ - ﷺ </span>-، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ - ﷺ -، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَا حَوْلَ\nوَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>الشرح:</span>\nأصل هذا الحديث العظيم الذي هو في غاية الأهمية، أن أبا أمامة - ﵁ - قال: دعا رسول اللَّه - ﷺ - بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا قال: «ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله» فذكر هذا الدعاء المبارك جليل القدر.\n_________\n(١) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، ص ٣٧، نقلًا من فقه الأدعية، ص ٤٩٠.\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن حاتم، برقم ٣٥٢١، وابن ماجه، أبواب الدعاء، كتاب الجوامع من الدعاء، برقم ٣٨٤٦، بمعناه، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي، ص ٣٨٧.","vol":"1","page":358},{"text":"فهذا الدعاء المبارك لا شيء أجمع وأنفع منه؛ لأنه لم يُبقِ من خير في الدنيا والآخرة، إلا وقد سأله النبي - ﷺ -، ولم يُبقِ من شر في الدنيا والآخرة إلا وقد استعاذ منه - ﷺ -، فمن سأل اللَّه - ﷿ - من خير ما سأله منه نبيه - ﷺ -، فقد سأل الخير كله على اختلاف أنواعه ما عُلم منه وما جُهل، ومن استعاذ من شرّ ما استعاذ منه نبيه - ﷺ -، فقد استعاذ من الشرّ كله على اختلاف أنواعه (١) ما علمه العبد، وما لم يعلمه، وهذا من جوامع الكلم.\nقوله: «وأنت المستعان»: بضمير الفصل، الذي يفيد كما تقدم التأكيد، والحصر والقصر، و«المستعان»: [اسم من الأسماء الحسنى] أي أطلب منك وحدك لي العون، على [أموري كلِّها: في\nالدين، والدنيا، والآخرة، فأنت الذي تعين على هذه الأمور وغيرها، وتجيب دعواتي].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>٧٥ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي</span>، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي» (٢).\n_________\n(١) تحفة الذاكرين، ص ٤٥٣.\n(٢) أبو داود، أبواب الوتر، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٥١، والترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا أحمد بن منيع، برقم ٣٤٩٢، والنسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من شر السمع والبصر، برقم ٥٤٧٠، وفي السنن الكبرى له، ٤/ ٤٤٦، ومسند أحمد، ٢٤/ ٣٠٤، برقم ١٥٥٤١، وغيرهم. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٦٦، وصحيح النسائي، ٣/ ١١٠٨.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من شرِّ سمعي»: يا اللَّه، إني أعوذ بك من كل ما حرَّمت السماع منه ولا ترضاه: كالشرك، والكفر، والغيبة، [والنميمة، والكذب]، والزور، والبهتان، والمعازف، أو بأن لا أسمع إلاَّ الحق من ذكر ونصح وموعظة.\nقوله: «ومن شرّ بصري»: كي لا أرى شيئًا لا ترضاه من المحرمات من النساء، والمُرد من الصبيان، ومنه النظر على وجه الاحتقار لأحد من الخلق، أو أهمل النظر والاعتبار في المخلوقات العجيبة في الأرض والسماء.\nقوله: «ومن شرِّ لساني»: أعذني من كلّ محرّم أنطقه بلساني،\nكالكذب، والغيبة، والنميمة، والسبّ، والقذف، وغيره من المحرّمات؛ فإن اللسان أكثر الخطايا والمهالك فيه.\nوالاستعاذة من شرِّ اللسان يتضمّن نقيضه بأن لا ينطق إلا الحق كالذكر، والثناء عليك، والشكر على نعمتك وآلائك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا أتكلّم فيما لا يَعنيني، والسكوت عما يُغنيني، وحفظ اللسان من اللغو، واللَّهو، والباطل.\nقوله: «ومن شرِّ قلبي»: أعذني من كل شرٍّ من السيئات في قلبي، كالنفاق، والحسد، والحقد، والرياء، والكبر، وسوء الظن، ومن","vol":"1","page":360},{"text":"الاعتقادات الفاسدة، ومن حُبّ الدنيا من الشهوات والشبهات.\nقوله: «ومن شر منييِّ»: أي من شرِّ فرجي، بأن أوقعة في غير محلّه من الزنى، واللواط، والاستمناء، وغير ذلك من المحرّمات، أو يوقعني في مقدمات الزنى من النظر، واللمس، والمشي، والعزم، وأمثال ذلك؛ فإن شهوة الفرج من أعظم ما ابتُلي به الإنسان، فقد تؤدي إلى المسالك الرديئة، وإلى المهالك البعيدة، وخاصّة في هذا الزمان، مع كثرة دعاة الفتن والفساد، [وكثرة دواعيه]، وانتشارها، وكثرة وسائلها، وسهولة حصولها في كل مكان [إلاّ من رحمه الله تعالى].\nولا يخفى بتخصيص الاستعاذة من هذه الجوارح لما فيها من مناط الشهوة، ومثار الّلذة؛ ولأنها أصل كل شرٍّ وقاعدته ومنبعه؛ فإن اللَّه الحكيم جلّ قدره خلق هذه الآلات والحواس للانتفاع بها في\nمنابع الخير، كالطاعات، وسبل الخيرات، والتأمّل في الآفاق من عجائب [قدرة اللَّه - ﷿ -]، واستعمالها في الوقاية من الشرور والمعاصي، المؤدّية إلى الهلكات في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>٧٦ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ</span>، وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ» (١).\n_________\n(١) أبو داود، أبواب الوتر، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٥٤، والنسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من الجنون، برقم ٥٤٩٣، والطيالسي، ص ٢٦٨، وأحمد، ٢٠/ ٣٠٩، رقم ١٣٠٠٤، وابن حبان، ٣/ ٢٩٥، برقم ١٠١٧، والحاكم، ١/ ٧١٢، والضياء في المختارة، ٦/ ٣٤٠، وأبو يعلى، ٥/ ٢٧٧، برقم ٢٨٩٧، والطبراني في الصغير، ١/ ١٩٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٥/ ٢٧٦، وفي صحيح الجامع الصغير، برقم ١٢٨١.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>المفردات:</span>\nالبَرَصُ: داءٌ معروف، نسأَل الله العافيةَ منه، ومن كل داءِ، وهو بياض يقع في الجسد (١)، مما يغير الصورة والشكل.\nالجنون: زوال العقل.\nالجذام: علة تسقط الشعر وتفتت اللحم وتجري الصديد مما ينفر الناس منه لبشاعته.\nسيئ الأسقام: الأمراض القبيحة الرديئة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>الشرح:</span>\nاستعاذ النبي - ﷺ - من الأمراض التي تُغيّر في الخِلْقة؛ لشدة\nفظاعتها، ونفورها عند الناس، فاستعاذ - ﷺ - منها:\nقوله: «من البرص»: وهو مرض يُظهر في الأعضاء بياضًا غريبًا رديئًا يُغيّر في الخلق، والصورة، والشكل، فينظر الناظر إليها، فيحصل للمصاب منها الحزن والهمّ والكدر.\nقوله: «الجنون»: استعاذ - ﷺ - من «الجنون»: وهو ذهاب العقل، وهو على درجات مختلفة من ذلك، ولا يخفى علينا أهمية الاستعاذة منه كذلك.\n_________\n(١) لسان العرب، ٧/ ٥، مادة (برص).\n(٢) الفتوحات الربانية، ٣/ ٦٤١.","vol":"1","page":362},{"text":"قوله: «الجذام»: وهو مرض خطير، وشديد، ومعدٍ بقدرة اللَّه تعالى، يحصل بسببه سقوط الشعر، وتقطع الأعضاء، واللحم، ويجري الصديد منه، مما ينفّر منه الناس لشدة فظاعته، وسوء منظره، ويوضع صاحبه في معزل عن الخلق، نسأل اللَّه السلامة، والعافية.\nوقوله: «ومن سيئ الأسقام»: أي الأمراض الخطيرة الرديئة: كالفالج، والسل، والأمراض المزمنة، مع اختلاف أنواعها، وكأمراض هذا الزمان مثل: السرطان، والإيدز، وغير ذلك، والعياذ باللَّه، ولم يستعذ - ﷺ - من كل الأمراض؛ لأن منها ما إذا تحامل عليها العبد على نفسه بالصبر خفّت مؤنته كالحمى، والصداع، والرمد، أما تلك الأمراض المزمنة؛ فإن العبد قد لا يؤمن عليه السخط، والوقوع في الأمور غير المحمودة، في أمور دينه، ويفرّ منه الصديق،\nوالحميم، والأنيس، والمداوي، والاستعاذة «من سيئ الأسقام»: مع دخول الثلاثة «البرص، والجنون، والجذام» فيها هو من عطف العام على الخاص لكونها أبغض شيء إلى العرب، لما تفسد هذه الأمراض الخلقة، وتورث الآفات والعاهات، ولذا عدّوا من شروط الرسالة: السلامة ممّا ينفر منه الخَلْق ويشوِّه الخُلُق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>٧٧ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ</span>،\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١٢٢، ٣/ ١٥٠.","vol":"1","page":363},{"text":"وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَهْوَاءِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>المفردات:</span>\nمنكرات: المنكر كل فعل تتفق في استقباحه العقول، وتحكم بقبحه الشريعة.\nالأهواء: هي الزيغ والانهماك في الشبهات والشهوات.\nالأدواء: جمع داء، وهو السقم والمرض (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق»: أي يا اللَّه أجرني من الأخلاق السيئة التي ينكرها العباد، كالحقد، والحسد،\n[والكبر]، والبخل، والجبن، وسوء اللسان من: السب، والشتم، والقذف، والتعدي بالجوارح: بالضرب باليد، أو الرجل؛ فإن الأخلاق المنكرة سببٌ لجلب كل شر، ودفع كل خير.\nقوله: «والأعمال»: أي أعوذ باللَّه من الأعمال السيئة: كالقتل، والزنى، وشرب الخمر، والسرقة، والبطش، والتعدي، والظلم بغير حق، وغير ذلك.\nقوله: «الأهواء»: جمع هوى، وهو هوى النفس، وميلها إلى\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب دعاء أم سلمة، برقم ٣٥٩١، وابن حبان، ٣/ ٢٤٠، برقم ٩٦٠، والحاكم، ١/ ٥٣٢، والطبراني في الكبير، ١٩/ ١٩/٣٦، والبيهقي في الدعوات الكبير، ١/ ٣٥١، والترمذي الحكيم في نوادر الأصول، ١/ ٢٠٣، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٨٤.\n(٢) انظر: الفتوحات الربانية، ٣/ ٦٤٠، وفيض القدير، ٢/ ١٠٠.","vol":"1","page":364},{"text":"المستلذات، والانهماك في الشهوات الباطلة، والاستعاذة كذلك من الزيغ والضلالات الفاسدة في الاعتقادات، والشبهات فإن الشر كل الشر أن يكون الهوى يُصيِّر صاحبه باتباعه كالعابد له، فلا شيء في الشر أزيد منه؛ لأنه يضيع الدنيا والدين والعياذ باللَّه، قال اللَّه - ﷾ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (١)، وهوى الشبهات أشد وأخطر من هوى الشهوات.\nقوله: «والأدواء»: [جمع داء، وهو المرض، والمعنى:] أعوذ بك من منكرات الأسقام، والأمراض الخطيرة، مثل الجذام، والبرص، والسل، والسرطان والأيدز، وغير ذلك، فهذه كلها بوائق الدهر، وإنما استعاذ - ﷺ - من هذه الأربع المنكرات؛ لأن ابن آدم لا ينفك منها في تقلبه في ليله ونهاره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>٧٨ - «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>المفردات:</span>\nالعفوُّ: أصله المحو والطمس: مأخوذ من عفت الرياح الآثار إذا\n_________\n(١) سورة الجاثية، الآية: ٢٣.\n(٢) تحفة الذاكرين، ص ٤٢٢، وفيض القدير، ٢/ ١١٠ بتصرف.\n(٣) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا يوسف بن عيسى، برقم ٣٥١٣، والنسائي في الكبرى، برقم ٧٧١٢، وبنحوه ابن ماجه، أبواب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، برقم ٣٨٥٠، ومسند أحمد، ٤٢/ ٢٣٦، برقم ٢٥٣٨٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٠.","vol":"1","page":365},{"text":"أخفتها ومسحتها (١)، وهو من صيغ المبالغة على وزن «فعول» وهو اسم من أسماء اللَّه الحسنى يدل على سعة صفحه عن ذنوب عباده مهما كان شأنها إذا تابوا وأنابوا.\nالكريم: هو البهي الكثير الخير، العظيم النفع (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>الشرح:</span>\nفي تعليم النبي - ﷺ - لهذا الدعاء، دون غيره في هذه الليلة المباركة [ليلة القدر، كما دلّ على ذلك حديث عائشة ﵂] يدل دلالة واضحة على أهميته، فالعفو هو سؤال اللَّه - ﷿ - التجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه. قال القرطبي رحمه اللَّه تعالى: «العفو، عفو اللَّه - ﷿ - عن خلقه، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها، بخلاف الغفران، فإنه\nلا يكون معه عقوبة البتة» (٣).\nقوله: «تحب العفو» أي أن اللَّه تعالى يحب أسماءه وصفاته، ويحب من عبيده أن يتعبَّدوه بها، والعمل بمقتضاها وبمضامينها [ويحب اللَّه تعالى العفوَ من عباده بعضهم عن بعض فيما يحب اللَّه العفو فيه]. وهذا المطلب في غاية الأهمية، وذلك أن الذنوب إذا تُرِكَ العقاب عليها يأمن العبد من استنزال اللَّه تعالى عليه المكاره والشدائد، حيث إن الذنوب والمعاصي من أعظم الأسباب في إنزال\n_________\n(١) لسان العرب، ٤/ ٣٠١٩، المفردات، ص ٣٣٩.\n(٢) البيان في أقسام القرآن، س ٢٨٦.\n(٣) تفسير القرطبي، ١/ ٧٩٧.","vol":"1","page":366},{"text":"المصائب، وإزالة النعم في الدنيا، أما الآخرة فإن العفو يترتب عليه حسن الجزاء في دخول النعيم المقيم.\nولا يخفى في تقديم التوسل باسمين كريمين للَّه تعالى قبل سؤاله له أهميّة جليلة في إعطاء المرجوّ منه تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>٧٩ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ</span>، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ» (١).\nقال النبي - ﷺ -: «إنها حق، فادرسوها ثم تعلموها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>الشرح:</span>\nهذا الدعاء المبارك الذي بين يديك يا عبد اللَّه، هو من أجمع الأدعية وأكملها، وأجلّها قدرًا وشأنًا؛ لتضمّنه سؤال اللَّه تعالى\n_________\n(١) أخرجه أحمد بلفظه، ٣٦/ ٤٢٣، برقم ٢٢١٠٩، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة ص، برقم ٣٢٣٥، بنحوه، وحسنه، وقال: سألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - فقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وفي آخر الحديث قال - ﷺ -: «إنها حقٌّ فادرسوها ثم تعلّموها»، والموطأ، برقم ٧٣٦، والحاكم، ١/ ٥٢١، والبزار، ٢/ ١٢١، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٣١٨.\n(٢) هذه الزيادة عند أحمد، والترمذي كما في التخريج السابق، وصححها الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٥٨٢.","vol":"1","page":367},{"text":"التوفيق إلى القيام بأفضل الأعمال من الصالحات، وسؤاله الوقاية من كل المنكرات والسيئات، والفتن والمحن في الدين والمعاش، والمعاد، فينبغي للعبد الإكثار منه، وفهم مقاصده ومدلولاته، والعمل بمضامينه؛ فإن من [تعلَّمه] وعمل به نال السعادة والهنا في الدنيا، والبرزخ، والآخرة، فمن جلالة هذا الدعاء، وعلو مكانته أن اللَّه ﵎ أمر حبيبه النبي - ﷺ - حينما رآه في المنام، ورؤية الأنبياء حق فقال له: «يا محمد، إذا صليت فقل: اللَّهم إني أسألك فعل الخيرات، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ»، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا»، فأمر - ﷺ - بمدارسته وتعلّم معانيه ومقاصده، فدلّ على خصوصية هذا الدعاء على غيره لهذه الأمور\nكما ترى.\nقوله: «اللَّهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات» تضمّن هذا السؤال طلب كل خير، وترك كل شرّ؛ فإن الخيرات: تجمع كل ما يحبه اللَّه - ﷻ -، ويُقرّب إليه من الأعمال والأقوال، ومن الواجبات والمستحبات. والمنكرات: تشمل كل ما يكرهه اللَّه تعالى، ويباعد عنه من الأقوال والأعمال، فمن تحصَّل له هذا المطلوب، حصل له خير الدنيا والآخرة، وهذا من الجوامع التي أوتيها النبي - ﷺ -؛ فإنه كان يحبّ مثل هذه الأدعية الجامعة، كما في حديث عائشة ﵂","vol":"1","page":368},{"text":"أنها قالت: «كان النبي - ﷺ - يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك» (١).\nقوله: «وحُبَّ المساكين»: حب المساكين يدخل من جملة فعل الخيرات، وإنما أفرده بالذكر، وهو ما يُسمّى بعطف الخاص على العام لشرفه وقوة العناية والاهتمام به، فقد سأل النبي - ﷺ - اللَّه أن يجعله منهم، ويرزقه الحشر والوفاة معهم «اللَّهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين» (٢).\nوحب المساكين هو أصل الحب في اللَّه تعالى؛ لأنه ليس عندهم من الدنيا ما يوجب محبتهم لأجله، فلا يحبون إلا للَّه - ﷿ -، والحب في اللَّه من أوثق عُرى الإيمان، وهو أفضل الإيمان، قال النبي - ﷺ -: «من أحب للَّه، وأبغض للَّه، وأعطى للَّه، ومنع للَّه، فقد استكمل الإيمان» (٣)، وتذوق حلاوة الإيمان، قال النبي - ﷺ -: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، برقم ١٤٨٢، والطيالسي، ٢/ ٤٤٤، وابن أبي شيبة، ٦/ ٢١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٧٨.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، برقم ٢٣٥٢، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مجالسة الفقراء، برقم ٤١٢٦، والحاكم،\n٤/ ٣٢٢، والسنن الكبرى للبيهقي، ٧، ١٢، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم ٣٠٨، وفي صحيح سنن ابن ماجه، برقم ٣٣٢٨.\n(٣) أبو داود، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان، برقم ٤٦٨٣، والترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق، باب حدثنا أبو حفص، برقم ٢٥٢١ بنحوه، ومسند أحمد،\n٢٤/ ٣٨٣، مصنف عبد الرزاق، ٣/ ١٩٧، وابن أبي شيبة، ١١/ ٤٧، وأبو يعلى، ٣/ ٦٠، والطبراني في الكبير، ٨/ ١٣٤، وحسّنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة،\n١/ ٦٥٧، برقم ٣٨٠، وصحيح الجامع، برقم ٥٩٦٥.","vol":"1","page":369},{"text":"فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (١)، ووصَّى أمَّنا أمَّ المؤمنين الصدِّيقة بنت الصدِّيق عائشة ﵄ فقال لها: «يا عائشة أحبِّي المساكين، وقرّبيهم، فإن اللَّه يقربك يوم القيامة» (٢).\nقوله: «وأن تغفر لي، وترحمني»، سأل المغفرة والرحمة لأنهما يجمعان خير الآخرة كله، فبالمغفرة يأمن العبد من العذاب، وكل شرٍّ، وأما الرحمة فهي دخول الجنة، وعلوّ درجاتها، فجميع ما في\nالجنة من النعيم بالمخلوقات فإنه من رحمته تعالى، قال النبي - ﷺ -: «إن اللَّه - ﷿ - يقول للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي» (٣) أن تستر عليَّ ذنوبي، وتمحوها، وأن ترحمني بتوالي نعمك عليَّ في الدنيا والآخرة، وأن توفقني إلى التوبة وتقبلها مني.\nقوله: «وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون»: وإذا أردت أن توقع بقوم فتنة وعقوبة في الدين، أو عقوبة دنيوية من\n_________\n(١) البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، برقم ١٦، ومسلم، واللفظ له، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، برقم ٤٣.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، برقم ٢٣٥٢، والبيهقي في السنن الكبرى، ٧/ ١٢، وشعب الإيمان له، ٣/ ٥٠، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٣٢٥٢.\n(٣) البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى:) وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (، برقم ٤٨٥٠، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، برقم ٢٨٤٦.","vol":"1","page":370},{"text":"البلايا والمحن والعذاب، فتوفّني إليك قبل وقوعها، وافتتان الناس بها؛ فإن المقصود من هذا الدعاء العظيم السلامة من الفتن طول الحياة، والنجاة من الشر كله قبل حلوله، ووقوعه، وبأن يتوفّاه اللَّه تعالى سالمًا معافىً قبل حلول الفتن، وهذا لا شك من أهم الأدعية لأنه من أعظم المنى أن يحيى المؤمن معافىً سليمًا مدة حياته من الفتن والمحن، ثم يقبضه اللَّه تعالى إليه قبل وقوعها؛ ولهذا أمر النبي - ﷺ - أصحابه أن «يتعوّذوا باللَّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن» (١).\nوفيه جواز الدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين، كما جاء عن النبي - ﷺ - قال: «اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: الْمَوْتُ، وَالْمَوْتُ خَيْرٌ\nلِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَاب» (٢).\nقوله: «وأسألك حُبك» ثم شرع في سؤال أعظم المطالب، وأسمى المراتب، وأغلى الأماني، فقال: «وأسألك حُبك»: أي أسألك حبّك إيّاي، وهذا أعظم مطلوب أن يكون العبد محبوبًا عند اللَّه - ﷿ -، وتضمن سؤاله حبه تعالى، سؤال محبة العبد لربه تعالى، أي وأسألك حبي إياك، فلا يكون شيء أحب إليَّ منك، فدلّ هذا الدعاء العظيم من أجلِّ الأدعية لتضمّنه جوامع الكلم؛ لأنه يجمع كل خير، فإذا كانت محبّة\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه، برقم ٢٨٦٧.\n(٢) أحمد، ٣٩/ ٣٦، برقم ٢٣٦٢٥، وأبو نعيم في معرفة الصحابة، ٥/ ٢٥٢٥، برقم ٦١١٤، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٢٩، وصحيح الجامع، برقم ١٣٩.","vol":"1","page":371},{"text":"اللَّه تعالى ثابتة في قلب العبد نشأت عنها حركات الجوارح، فكانت بحسب ما يحبه اللَّه تعالى ويرتضيه، فأحب ما يحبه اللَّه تعالى من الأعمال، والأقوال كلها ففعل حينئذ الخيرات كلها، وترك المنكرات كلها، وهذا كمال العبودية للَّه تعالى رب العالمين، ومن طلب محبة اللَّه - ﷿ - أعطاه اللَّه تعالى فوق ما يريده من الدنيا تبعًا.\nفمن رزق هذه المحبة كانت كل أعماله، وأقواله، وأفعاله مسددة على مراد اللَّه تعالى، فيُجعل له الحب والقبول في الأرض، وفي السماء كما في الصحيح (١).\nقوله: «وحبّ من يحبُّك»، وأسألك حب من يحبك من الأنبياء\nوالعلماء والصالحين.\nقوله: «وحّب عمل يقرّبني إلى حبك» أي وأسألك أن توفّقني إلى أحب الأعمال الصالحة التي تقرّبني إلى حبّك، فمن رزق هذه المحابّ فاز في الدنيا والآخرة.\nوفي سؤال هذه المحاب وهي داخلة في صدر الدعاء «فعل الخيرات» هو من عطف الخاص على العام لجلالة شرف وقوة الاهتمام بهذه المطالب المهمة من المحاب، وأنها هي أصل فعل الخيرات كلها، ومنتهاها وجماعها إليها.\n_________\n(١) البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، برقم ٣٢٠٩، مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده، برقم ٢٦٣٧.","vol":"1","page":372},{"text":"ثم أمر النبي - ﷺ - بفهمها والعمل بمقتضاها، وذلك لعظم شأنها لما حوته من المطالب، والمقاصد الجليلة في الدنيا والآخرة، وأنه ينبغي العناية بفهم الألفاظ، واستحضار المعاني عند السؤال، فإن ذلك أرجى في قبول الدعاء، وأكثر أثرًا في النفس، وتذوق حلاوة الإيمان، ولذَّة مناجاة اللَّه ﵎.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>٨٠ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ: عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ</span>، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ [مَا اسْتَعَاذَ بِكَ] [مِنْهُ] عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ. اللَّهُمَّ\nإِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا» (١).\n_________\n(١) ابن ماجه، أبواب الدعاء، باب الجوامع من الدعاء، برقم ٣٨٤٦، بلفظه، وأحمد،\n٤١/ ٤٧٤، برقم ٢٥٠١٩، ولفظ الزيادة الثانية له، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٥٢١، ولفظ الزيادة الأولى له، وابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٦٣، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٧.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>الشرح:</span>\nهذا الدعاء العظيم الذي بين يديك أطلق عليه سيد الأولين والآخرين، بعد أوصاف كمالٍ وجلالٍ: أنه من «الكوامل الجوامع» (١) الذي ليس بعده مبنى يفيد في معنى الكمال في سعة المعنى، وشموله، واحتوائه على أجلّ المقاصد، وأعلى المطالب منه، حيث أمر به - ﷺ - إلى أحب أزواجه، وابنة أحب رجاله، فما من خير يتمناه العبد ما علمه وما لم يعلمه في دينه ودنياه وآخرته إلا وقد دخل فيه، وما من شرٍّ يخافه العبد مما علمه، ومما لم يعلمه في دنياه وآخرته إلا وقد دخل في الاستعاذة منه، وغير ذلك أنه من دعا به فقد كفاه ما دعا به سيد الأولين والآخرين طول حياته في سرِّه وعلانيته، فأظنك يا عبد اللَّه قد علمت لماذا وصفه - ﷺ - بأنه من\nالكوامل الجوامع، بعد كل هذه المزايا ينبغي للعبد أن يفرّ إليه في كل أحواله في أدعيته في ليله ونهاره، وفي سفره وحضره، مع قلّة ألفاظه، وجزالة معانيه، وعذوبة كلماته، التي تجعلك يا عبد اللَّه أن تتشبّث به.\nقوله: «اللَّهمّ إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم»: أي يا اللَّه أعطني من جميع أنواع الخير مطلقًا في\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار بلفظ: «الْجَوَامِعِ الْكَوَامِلِ»، شرح مشكل الآثار، ١٥/ ٢٩٠، وقال يوسف بن موسى جمال الدين الملطي في المعتصر من المختصر من مشكل الآثار، ٢/ ٢٣٩: «وله طرق كثيرة صحيحة».","vol":"1","page":374},{"text":"الدنيا والآخرة ما علمت منه وما لم أعلم، والتي لا سبيل لاكتسابها بنفسي إلا منك (١)، فأنت تعلم أصلح الخير لي في العاجل والآجل.\nقوله: «وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه، وما لم أعلم»: أي: اللَّهمّ أجرني واعصمني من جميع الشرور العاجلة والآجلة في الدنيا والآخرة، الظاهرة منها والباطنة، والتي أعلم منها، والتي لا أعلمها؛ فإن الشرور إذا تكالبت على العبد أهلكته.\nقوله: «اللَّهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك»: تأكيد لما قبله، وتفضيل لاختيار الرسول على اختيار الداعي، لكمال نصحه، وحرصه على المؤمنين من أنفسهم، وهذا الدعاء الجليل، يتضمن كل ما فات الإنسان من أدعية عن النبي - ﷺ - التي لم تبلغه أو لم يسمع بها، فهو يسأل كل ما سأله النبي - ﷺ - بأوجز لفظ، وبأشمل\nمعنى.\nقوله: «وأعوذ بك من شر ما استعاذ به عبدُك ونبيُّك»: وهذا كسابقه، فذاك في [سؤال] الخير، وهذا في الاستعاذة من الشر، ويدخل كذلك كل شر ما استعاذ منه الرسول - ﷺ -.\nقوله: «اللَّهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل»: أي وفقني يا اللَّه إلى الأسباب القولية والفعلية الموصلة إلى الجنة،\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١٢٨ بتصرف.","vol":"1","page":375},{"text":"وهذا الدعاء فيه تخصيص الخير الذي سأله من قبل؛ لأن هذا الخير هو أعظمه، وأكمله، وهو الجنة، فلا خير أعظم منها [إلا رضى اللَّه، والنظر إلى وجهه الكريم].\nقوله: «وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل»: أي قني واعصمني من الوقوع في الأسباب الموجبة لدخول النار، سواء كانت [اعتقادية، أو] قولية أو فعلية، وهذا الدعاء فيه تخصيص من الشر المستعاذ منه من قبل، والعياذ باللَّه، فهي أشد الشر وأخطره، فما من شر أشد منها.\nقوله: «وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا»، وفي رواية وهي مفسرة للرواية الأخرى: «وَمَا قَضَيْتَ لِي مِنْ قَضَاءٍ، فَاجْعَلْ عَاقِبَتَهُ لِي رَشَدًا» (١):\nأي أسألك يا اللَّه أن تكون عواقب كل قضاء تقضيه لي خيرًا، سواء كان في السراء أو الضراء، وافق النفس أو خالفها؛ لأن كل الفوز والغنيمة في الرضا بقضائك؛ فإنك لا تقضي للمؤمن إلا خيرًا، قال النبي - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن، إنّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن\n_________\n(١) الأدب المفرد للبخاري، ص ٢٢٢، ومسند الطيالسي، ٣/ ١٤٨، ومسند إسحاق بن راهويه، ٢/ ٥٩٠، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ٢٤٣، برقم ٤٩٨، وصحيح الجامع، برقم ٤٠٤٧.","vol":"1","page":376},{"text":"أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>٨١ - «اللَّهُمَّ احْفَظنِي بالإِسْلاَمِ قائِمًا، واحْفَظْنِي بالإِسْلاَمِ قاعِدًا</span>، واحْفَظنِي بالإِسْلاَمِ راقِدًا، ولا تُشْمِتْ بِي عَدُوًّا ولا حاسِدًا. اللَّهُمَّ إِنِّي أسْألُكَ مِنْ كُلِّ خَيْر خزائِنُهُ بِيَدِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرَ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>المفردات:</span>\nتشمت: الشماتة هي الفرح ببلية العبد.\nحاسدًا: الحسد تمني زوال نعمة المحسود.\nالخزائن: جمع خزينة وهي ما يحفظ فيه، ويودع من الذخائر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم احفظني بالإسلام قائمًا»: أي اجعلني يا الله متمسكًا بالإسلام حال قيامي.\nقوله: «واحفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظني بالإسلام راقدًا» أي في حال كوني قاعدًا، وحال كوني راقدًا، أي في جميع الأحوال،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، برقم ٢٩٩٩.\n(٢) الحاكم، ١/ ٥٢٥ وصححه ووافقه الذهبي، وابن حبان، ٣/ ٢١٤، والدعوات الكبير للبيهقي، ص ١٦٥، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٣٩٨، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٥٤، برقم ١٥٤٠.\n(٣) المفردات، ص ٢٨٠.","vol":"1","page":377},{"text":"حيث إن هذه الأحوال متقلب الإنسان كلها، ففيه سؤال اللَّه أن يجعله متمسكًا بالإسلام في كل أحواله، والموت عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).\nقوله: «ولا تشمت بي عدوًا ولا حاسدًا»: أي أسألك يا اللَّه ألا تجعل عدوي يفرح ببلية تنزل عليَّ، ولا حاسدًا يتمنى زوال نعمتي، فيسوء عيشي.\nقوله: «اللَّهم إني أسألك من كلِّ خير خزائنه بيدك»: فيه سؤال اللَّه تعالى من كل أنواع الخير، وأقسامه المخزونة عنده جل وعلا، ما علمناها، وما جهلناها.\nقوله: «وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك»: أي أستعيذ بك من كل الشرور وأنواعها، مما أعلمها، ومما لا أعلمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>٨٢ - «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ</span>، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ\nالْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّاتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.","vol":"1","page":378},{"text":"أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>المفردات:</span>\nاقسم: قسمة ونصيبًا.\nقلَّمَا: تدل على القلة والندرة.\nتهون: أي سهل وخفف.\nخشيتك: الخشية الخوف مقترن بالتعظيم.\nالثأر: الذحل ... والطَّلَبُ بالدَّمِ، وقيل الدم نفسه (٢).\nتبلغنا: توصلنا.\nما يحول: ما يحجب ويمنع.\nواجعله الوارث منا: كناية عن الاستمرارية إلى آخر العمر.\nاليقين: هو استقرار العلم الذي لا يتقلب، ولا يحول، ولا يتغيّر، وهو أعلى درجات الإيمان، فهو إيمان لا شك فيه (٣).\nهذه الدعوة جامعةٌ لأبواب الخير والسعادة في الدنيا والآخرة،\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا علي بن حجر، برقم ٣٥٠٢، والنسائي في الكبرى، ٦/ ١٠٦، والحاكم، ١/ ٥٢٨، وابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم ٤٤٥، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٦٨، وصحيح الجامع، ١/ ٤٠٠.\n(٢) انظر: لسان العرب، ٤/ ٩٧.\n(٣) الفتوحات الربانية، ٣/ ٢٦٨، العلم الهيب، ص ٥٢٤.","vol":"1","page":379},{"text":"فقد جمعت من مقاصد ومطالب جليلة فيما يحتاجه العبد في دينه ودنياه، ومعاده؛ لهذا كان ﵊ نادرًا ما يقوم من مجلس إلا وقد رطب لسانه من هذه الكلمات، والدعوات الجميلة، [فقد ذكر الترمذي وغيره عن خالد بن أبي عمران أن ابن عمران قال: «قلما كان رسول الله - ﷺ - يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه» الحديث] (١). فيحسن بالعبد أن يتعلم معانيها، ويعمل بمقاصدها ويكثر منها، خاصة في المجالس اتباعًا واقتداء بالنبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك»: اللَّهم اجعل لنا حظًَّا ونصيبًا من خوفك المقترن بتعظيمك وإجلالك، ما يكون حاجزًا لنا ومانعًا من الوقوع في المعاصي والذنوب والآثام، وهذا فيه دلالةٌ على أن خشية اللَّه هي أعظم رادع وحاجز للإنسان عن الوقوع في الذنوب؛ ولهذا كان\nالعلماء هم أكثر خشية للَّه جل وعلا لمعرفتهم وعلمهم باللَّه جل وعلا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢)، فكلما ازدادت معرفة العبد باللَّه بما له من الأسماء الحسنى والصفات العُلا، امتلأ القلب خشية، وأحجمت الأعضاء، والجوارح، جميعها\n_________\n(١) سنن الترمذي، ٥/ ٥٢٨، برقم ٣٥٠٢.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":380},{"text":"عن ارتكاب المعاصي.\nقوله: «ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك»: ويسر لي من طاعتك ما يكون سببًا لنيل رضاك، وبلوغ جنتك العظيمة، التي أعددتها لعبادك المتقين (١).\nقوله: «ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا»: أي اقسم لنا من اليقين الذي هو أعلى الإيمان، وأكمله، كما قال عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - اليقين: هو الإيمان كله (٢).\nفهو إيمان لا شك فيه، ولا تردد، فالغائب عنده كالمشاهد من قوته، قال سفيان الثوري: لو أن اليقين وقع في القلب، لطار اشتياقًا\nإلى الجنة وهروبًا من النار (٣).\nفنسألك من اليقين ما يكون سببًا لتهوين المصائب والنوازل التي تحل علينا، واليقين كلما قوي في الإنسان كان ذلك فيه أدعى إلى الصبر على البلاء؛ لعلم الموقن أن كل ما أصابه إنما هو من عند\n_________\n(١) الفتوحات الربانية، ٣/ ٢٦٩، فيض القدير، ٢/ ١٣٢ بتصرف يسير.\n(٢) البخاري موقوفًا معلقًا مجزومًا به، كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النبي - ﷺ -: (بني الإسلام على خمس»، المستدرك موقوفًا، ٢/ ٤٤٦، والبيهقي في شعب الإيمان، ٧/ ١٢٣ موقوفًا ومرفوعًا، وأشار إلى ضعف المرفوع، ومثله في الآداب برقم ٧٥٧، والطبراني في الكبير، ٩/ ١٠٤، برقم ٨٥٤٠، والترمذي الحكيم في نوادر الأصول، ١/ ٧٠، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٧٠: «صحيح موقوف ... رواه الطبراني في الكبير ورواته رواة الصحيح، وهو موقوف وقد رفعه بعضهم».\n(٣) فتح الباري، ١/ ٦٣.","vol":"1","page":381},{"text":"اللَّه (١) الحكيم العليم، فيرضى ويسلم ويكون بردًا وسلامًا على قلبه.\nقوله: «ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا»: أي أدم عليَّ السمع والبصر وسائر قواي أتمتع بها في مدة حياتي؛ لأنها الدلائل الموصلة إلى معرفتك وتوحيدك، من البراهين المأخوذة: إما من الآيات المنزلة وطريق ذلك السمع، أو من الآيات في الآفاق والأنفس، وطريق ذلك البصر (٢).\nقوله: «وأجعله الوارث منا»: اجعل يا اللَّه تمتعنا بالحواس والقوى صحيحة وسليمة إلى أن نموت، وقوله «وقواتنا ما أحييتنا»: أي متعنا بسائر قوانا من الحواس الظاهرة والباطنة، وكل أعضائنا البدنية، سأل التمتع بكامل قواه طول حياته إلى موته؛ لأن الضعف وسقوط القوة في الكبر يضرُّ الدين والدنيا مما لا يخفى (٣).\nقوله: «الوارث منا»: يحتمل معنيين: الأول: الباقي بعدنا؛ لأن\nوارث المرء إلا الدين يبقى بعده، ومعنى بقائه دوامه إلى يوم الحاجة إليه، والثاني: الذي يرث ذكرنا فنذكر به بعد انقضاء الآجال وانقطاع الأعمال، وهذا المعنى سؤال خليل الرحمن: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٤).\n_________\n(١) فقه الأدعية، ص ٣١٦.\n(٢) الفتوحات الربانية، ٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(٣) العلم الهيب، ص ٥٢٥.\n(٤) العلم الهيب، ص ٥٢٦، الفتوحات الربانية، ٣/ ٢٧٠.","vol":"1","page":382},{"text":"قوله: «واجعل ثأرنا على من ظلمنا»: أي وفقنا للأخذ بثأرنا ممن ظلمنا، دون أن نتعدَّى فنأخذ بالثأر من غير الظالم.\nقوله: «وانصرنا على من عادانا»: تعميم بعد تخصيص أي اكتب لنا الظفر والفوز على من تعدَّى علينا بغير حق.\nقوله: «ولا تجعل مصيبتنا في ديننا»: أي لا تُصيبنا بما ينقص ديننا ويذُهبه من اعتقاد سيئ، أو تقصير في الطاعات، أو فعل المحرمات، أو كتسليط الكفار، والمنافقين، والظلمة على أهل الدين والإيمان؛ لأن مصيبة الدين هي أعظم المصائب، التي لا تنجبر ولا يُعوِّض عنها، خلاف مصائب الدنيا.\nقوله: «ولا تجعل الدنيا أكبر همنا»: أي لا تجعل أكبر قصدنا وتعلقنا، وحزننا لأجل الدنيا؛ فإن من كان أكبر همه الدنيا كان في معزل عن الآخرة، بل اجعله مصروفًا في عمل الآخرة، وفي هذا دليل على أن القليل من الهمّ لابُدَّ منه في الدنيا ويُرخص فيه (١).\nقوله: «ومبلغ علمنا»: أي لا تجعل أكثر علمنا وتفكيرنا في أحوال الدنيا كالكافرين، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٢)﴾.\nقوله: «ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا»: أي لا تجعلنا مغلوبين\n_________\n(١) الفتوحات الربانية، ٣/ ٢٧٠.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٧.","vol":"1","page":383},{"text":"من الكفار، والظلمة، والفجرة، بتوليتهم علينا، فيكونوا سببًا لتعذيبنا في ديننا ودنيانا، ويجوز حمله على ملائكة العذاب في القبر، أو في النار، ولا مانع من إرادة الجميع، واللَّه تعالى أعلم (١). ويحسن بالداعي أن يستحضر كل هذه المعاني حال دعائه.\nولقد بيَّن اللَّه تعالى في عدة آيات سؤال الأنبياء والمؤمنين السلامة من الظالمين والكافرين كما ذكر اللَّه عن موسى - ﵇ -: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، وإبراهيم والذين معه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)، ونبينا محمد - ﷺ -: ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>٨٣ - «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ</span>، وَأعُوذُ بِكَ أنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأعُوذُ بِكَ\nمِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>الشرح:</span>\nقوله: «من البخل»: الذي هو ضد الكرم؛ لأنه يؤدي إلى عدم\n_________\n(١) الفتوحات الربانية، ٣/ ٢٧٠.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٢١.\n(٣) سورة الممتحنة، الآية: ٥.\n(٤) سورة المؤمنون، الآية: ٩٤.\n(٥) البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من البخل، برقم ٦٣٧٠، وانظر في صحيح البخاري: الأرقام: ٢٨٢٢، و٦٣٦٥، و٦٣٧٤، و٦٣٩٠.","vol":"1","page":384},{"text":"الوفاء بكثير من الواجبات المالية، كالزكاة، والإنفاق على من يلزم عليه الإنفاق، كالوالدين، والزوجة، والذرية، وغير ذلك.\nقوله: «من الجبن»، وهو المهابة للأشياء، والتأخّر عن فعلها، وهو ضد الشجاعة؛ لأنه يؤدّي إلى عدم الوفاء بكثير من الواجبات كفرض الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، والصَّدْع بالحق، وإنكار المنكر، وكذلك عدم الجرأة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، وبشجاعة النفس وقوتها تتم العبادات على أكمل وجه، ومن ذلك نصرة المظلوم، والجهاد في سبيل اللَّه.\nقوله: «أن أُردَّ إلى أرذل العمر»: أن يُردَّ إلى أرذل العمر، وهو البلوغ إلى حدٍّ في حالة الكبر، وهو ما يسمى بالخرف، يعود معه كالطفل في سخف العقل، وقلّة الفهم، وضعف القوة البدنية والعقلية، فيصبح عالة على غيره.\nقوله: «من فتنة الدنيا»: أي الافتتان بالدنيا في شهواتها وغرورها، فإنها تنسي الآخرة، وتدخل في هذه الاستعاذة المهمّة كل الفتن\nحال الحياة في هذه الدار.\nقوله: «من عذاب القبر» مما يعرض له عند مساءلة الملكين، وما ينشأ عنهما من فتنة عظيمة، ومشاهدة أعماله السيئة في أقبح صورة كما ثبت، وضيقه، وضمّته، فعذاب القبر ينشأ بعد فتنة الملكين، فتضمّن السؤال سؤال اللَّه تعالى العصمة منه بالتوفيق إلى صالح","vol":"1","page":385},{"text":"الأعمال المانعة من عذابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>٨٤ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي</span>، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي، وَخَطَئي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>المفردات:</span>\nالإسراف: مجاوزة الحدِّ في كل شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>الشرح:</span>\nهذا الدعاء من أجمع الأدعية في الاستغفار؛ لأنه دعاء بألفاظ التعميم، والشمول، مع البسط والتفصيل بذكر كل معنى بصريح لفظه، دون الاكتفاء بدلالة اللفظ الآخر عليه؛ ليأتي الاستغفار على ما علمه العبد من ذنوبه، وما لم يعلمه، ومعلوم أنه لو قيل: اغفرلي\nكلَّ ما صنعت؛ لكان أوجز، ولكن ألفاظ الحديث في مقام الدعاء والتضرّع، وإظهار العبودية والافتقار لربّ العالمين، واستحضار الأنواع التي يتوب العبد منها تفصيلًا أحسن وأبلغ من الإيجاز والاختصار (٢)؛ ولهذا يحسن العناية والتدبير واستحضار المعاني عند\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب قول النبي - ﷺ -: «اللهمّ اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت»، برقم ٦٣٩٨، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل، وشر ما لم يعمل، برقم ٢٧١٩.\n(٢) جلاء الأفهام، ص ٢٣٠، ومدارج السالكين، ١/ ٢٧٣.","vol":"1","page":386},{"text":"الدعاء بها؛ لأن ذلك يورث أثرًا عظيمًا طيبًا في النفس، ويورث الخشوع، والخضوع، والتذلّل بين يدي اللَّه تعالى، وهذا من كمال العبودية لله رب العالمين، يقول العلامة ابن عثيمين ﵀: <span data-type=\"title\" id=toc-694>«في باب الدعاء ينبغي البسط لأربعة أسباب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>السبب الأول: أن يستحضر الإنسان جميع ما يدعو به بأنواعه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>السبب الثاني: أن الدعاء مخاطبة للَّه - ﷿ </span>-، وكلَّما بسط الإنسان مع اللَّه تعالى في المخاطبة، كان ذلك أشوقَ وأحبَّ إليه ممّا دعا على سبيل الاختصار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>السبب الثالث: أنه كلما ازداد دعاء، ازداد قربه إلى اللَّه - ﷿ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>السبب الرابع: أنه كلما ازداد دعاء، كان فيه إظهار لافتقار الإنسان </span>إلى ربه - ﷿ - ...» (١).\nوالمعنى: يا اللَّه اغفر لي ذنوبي كلَّها: صغيرها وكبيرها، ما صدر عنِّي من جهل نفسي، ومجاوزتي للحدِّ في كلِّ شيء، اللَّهم اغفري\nذنوبي كلَّها مما علمتها، ومما لم أعلمها، في حال جدّي، وهزلي، وفي حال خطئي وتعمّدي، فأنا متّصفٌ بكلّ هذه الذنوب ومُقِرٌّ بها.\nقوله: «وكل ذلك عندي»: إقرار العبد لربه بكثرة الذنوب، «ومتحقّق لها، فهو كالتذييل للسابق: أي أنا متصف بهذه الأشياء\n_________\n(١) تفسير سورة آل عمران، ١/ ١١٦.","vol":"1","page":387},{"text":"فاغفرها» (١)، فدلّ على أن إقرار العبد على نفسه بالتقصير من أسباب قبول توبته ومغفرته لذنوبه، واللَّه أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>٨٥ - «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ</span>. فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>المفردات:</span>\nظلمت نفسي: الظلم: وضع الشيء في غير محلّه، وهو على مراتب: أعلاها الشرك، ويندرج تحته الذنوب الكبيرة والصغيرة (٣).\nفاغفر لي: الغفر: الستر والتغطية، مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على رأس المحارب لحمايته من الضرب، فهو وقاية وحماية.\nالغفور: اسم من أسماء اللَّه الحسنى العظيمة، وهو من أبنية المبالغة؛ لأنه يفعل ذلك بعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يُحصى، والمعنى: الذي يكثر منه ستر الذنوب لعباده المؤمنين، والتجاوز عنها.\n_________\n(١) الفتوحات الربانية، ٣/ ٦٣٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم ٨٣٤، مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، برقم ٢٧٠٥.\n(٣) المفردات، ص ٥٣٧.","vol":"1","page":388},{"text":"الرحيم: اسم من [أسماء اللَّه الحسنى] الكريمة الدالة على كثرة الرحمة، والتعطف على عباده المؤمنين، وفي تعليم النبي - ﷺ - لأبي بكر هذا الدعاء إشارة إلى إيثار أمر الآخرة على أمر الدنيا الزائلة، وخصّ الدعاء بالصلاة؛ لأنها بالإجابة أحقّ، فهي محلّ المناجاة بين العبد وخالقه، ولا يخفى اختيار الحبيب للحبيب في مناجاة السميع القريب له دلالة على عظم شأن هذا الدعاء، فيجدر بنا العناية به استنانًا واقتداءً بالحبيب - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>الشرح:</span>\nهذا الحديث عظيم القدر، من تدبَّره وتمعَّن فيه ظهر له من جلالته؛ لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير، والإقرار بنهاية الكمال لله تعالى، وطلب العفو، والتجاوز الموصل إلى حصول النعيم الأبدي.\nقوله: «اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا»: هذا اعتراف من العبد إلى ربه بالتقصير بملابسته ما يستوجب العقوبة أو النقص، وإن الإنسان لا يعرى عن التقصير ولو كان صدّيقًا.\nقوله: «ظلمًا كثيرًا»، أكده بالمصدر، ووصفه زيادة في التذلّل\nوالخضوع للمولى - ﷾ -» (١).\nوهذا تعليم للداعي أنه ينبغي حالة دعائه أن يظهر غاية التذلّل والخضوع لربه؛ فإن ذلك أقرب للإجابة، وأكثر ثوابًا وجزاء.\n_________\n(١) شرح الأدب المفرد، ٢/ ٣٨٥.","vol":"1","page":389},{"text":"«وفيه دليل على أن الواجب على العبد أن يكون على حذر من ربه تعالى في كل أحواله، وإن كان من أهل الاجتهاد في العبادة في أقصى غاية، إذ كان الصدِّيق مع موضعه في الدِّين لم يسلم مما يحتاج إلى الاستغفار إلى ربه تعالى منه» (١)، فمن باب أولى من كان دونه.\nقوله: «ولا يغفر الذنوب إلا أنت»: أي لا أحد يقدر على ستر الذنوب، والتجاوز عنها إلا أنت وحدك، ففيه الإقرار بالوحدانية للَّه تعالى، واستجلاب المغفرة منه.\nقوله: «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني»: دلّ تنكير «مغفرة» على أن المطلوب غفران عظيم، لا يُدرك كنهه، ووصفه بكونه من عنده - ﷾ - بيان لذلك العظم؛ لأن الذي يكون من عند اللَّه تعالى لا يحيط به وصف، وفيه إشارة إلى طلب مغفرة متفضّل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره.\nوالمعنى: هبْ لي مغفرة تفضلًا، وإن لم أكن لها أهلًا بعملي؛ لهذا أضافها إليه «من عندك» فإنها تكون أعظم وأبلغ، فإن عظم\nالعطاء من عظم المُعطي (٢).\nوقدّم «ظلمت نفسي»: وهو الاعتراف بالتقصير والذنب على سؤال المغفرة، فاغفر لي أدبًا جميلًا، كما قال ذلك أبوانا: آدم وحواء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ\n_________\n(١) الفتوحات الربانية، ١/ ٦٠٩.\n(٢) الفتح، ٢/ ٤١٣، والفتوحات الربانية، ١/ ٦١٠.","vol":"1","page":390},{"text":"الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، ولا يخفى حسن ترتيب هذا الحديث، حيث قدّم الاعتراف بالذنب، ثم الوحدانية، ثم سؤال المغفرة؛ فإن الاعتراف بذلك أقرب إلى العفو والثناء على السيد بما هو أهله، وأرجى لقبول سؤاله.\n\nقوله: «إنك أنت الغفور الرحيم»: إنك أنت مشعر بالتعليل، أي اغفر لي، وارحمني لأن من دعاك يا ربنا، ولجأ إليك، وسألك المغفرة والرحمة، تغفر له وترحمه؛ لأنك كثير المغفرة، وكثير الرحمة بنا يا ربنا، ف<span data-type=\"title\" id=toc-702>تضمّن هذا الدعاء الجليل توسلين عظيمين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>١ - توسل بظلم النفس بتقصيرها وضعفها</span>، وهو من التوسّلات الجليلة التي يحبها اللَّه - ﷿ - كما سبق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>٢ - توسّل بأسماء اللَّه تعالى الحسنى</span>، ولا يخفى بحسن الختام مقابلةً في السؤال والطلب فـ (اغفر لي) مناسب (للغفور)، و(الرحيم) مناسب لـ (وارحمني)، وهو مناسب ما أمر اللَّه تعالى به في الدعاء\nبأسمائه الحسنى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢).\nقال الكرماني: هذا الدعاء من الجوامع؛ لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير، وطلب غاية الإنعام، فالمغفرة بستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات [ولا شك، ولا ريب أن رحمة اللَّه صفة\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.","vol":"1","page":391},{"text":"من صفاته العظيمة، تليق بجلاله، ومن مقتضاها وآثارها إيصال الخيرات، ودفع النقمات]، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار، وفي الثاني طلب إدخال الجنة، وهذا هو الفوز العظيم، وهذا الدعاء الجليل قد جاء بمثيله في تضمّنه لهذه المطالب والمقاصد، من قول النبي - ﷺ -: «إِنَّ أَوْفَقَ الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، يَا رَبِّ فَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي، إِنَّكَ أَنْتَ رَبِّي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ إِلَّا أَنْتَ» (١).\nوقوله: (أوفق) أي: «أكثر موافقته للداعي» (٢)، ولا يخفى في قوله: «أوفق» على وزن أفعل يدل على تفضيله، وأهميته في باب الأدعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>٨٦ - «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ،\nوَإِلَيْكَ أَنَبْتُ</span>، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ» (٣).\n_________\n(١) أحمد، ١٦/ ٤٠١، برقم ١٠٦٨١، وبنحوه الطبراني في المعجم الكبير، ٣/ ٢٩٥، برقم ٣٤٤٩، وفي مسند الشاميين له أيضًا، ٢/ ٤٤٥، والبخاري في الأدب المفرد، ص ٢٣٢، وقال السيوطي في الجامع الكبير، برقم ٩٥٨٤: «رواه محمد نصر المروزي»، وقال الشيخ الأرناؤوط في تعليقه على المسند، ١٦/ ٤٠١: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير عمرو بن عاصم».\n(٢) فيض القدير، ٣/ ٧٩.\n(٣) مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، برقم ٢٧١٩، وبنحوه برقم: ٧٦٩، والبخاري، أبواب التهجد، باب التهجد بالليل، برقم ١١٢٠، وانظر الأرقام: ٦٣١٧، و٧٣٨٥، و٧٤٤٢، و٧٤٩٩.","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>المفردات:</span>\nقوله - ﷺ -: «لك أسلمت وبك آمنت»: أي لك انقدت، واستسلمت، لحكمك وأمرك، ومن ذلك نطقي بالشهادتين، وبك صدقت بذاتك، وما يليق بها من كمال الصفات، وفيه إشارة إلى الفرق بين الإيمان والإسلام، وفي تقديم الجار والمجرور «لك» دلالة على الاختصاص، أي أخصّك بالانقياد والاستسلام دون أحد غيرك.\n«وعليك توكلت»: فوّضت أموري كلّها إليك.\n«وإليك أنبت»: أي أقبلت بعباداتي وطاعتي لك، وأعرضت عما سواك.\n«وبك خاصمت»: أي بك أحاج وأدافع، وأقاتل أعداءك بالحجة والبيان والسيف والسنان.\n«اللَّهم إني أعوذ بعزتك»: استعاذ بعزته، وهي صفة من صفات\nاللَّه تعالى الجليلة، وهي مشتقة من اسمه تعالى العزيز، والعزّة يُراد بها ثلاثة معانٍ: عزة القوة والقدرة، وعزة الامتناع، وعزة القهر والغلبة، والرب ﵎ له العزة التامّة بالاعتبارات الثلاثة» (١).\n_________\n(١) مدارج السالكين، ٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩، والنونية، ص ١٤٢.","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>الشرح:</span>\nقدم النبي - ﷺ - في دعائه، جملة من أجلّ العبادات، والمقامات العبودية للَّه تعالى بين يدي دعائه توسلًا عظيمًا، من تخصيص العبودية له تعالى من أعمال القلوب، والأركان، فبدأ بالإقرار الكامل له تعالى بالإسلام، والإيمان، والتوكل، والرجوع إليه في كل مهامه وشؤونه الدنيوية، والدينية، والدفاع عنه والمجاهدة لدينه بالحجة والقوة، مقدمة قبل سؤاله؛ ليكون أرجى في القبول، فالوسيلة مقدمة على الوصيلة.\nقوله - ﷺ -: «اللهم إني أعوذ بعزتك»: استعاذ بصفة من صفاته العظيمة وهي العزة الكاملة، فمن أراد العزة فليطلبها منه تعالى، قال - ﷿ -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (١).\nولا تنال العزة إلا بالإيمان بالله تعالى، والخضوع له والتوكل عليه في كل الأمور، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nوقرن هذه الاستعاذة بـ (لا إله إلا أنت) أي لا معبود بحق إلا أنت مبالغةً في تحقيق العبودية، وطمعًا في الاستجابة: «أن تضلّني» أي أن تغويني وتضلّني بعد الهداية، ولا يخفى في تقديم هذه التوسلات من\n_________\n(١) سورة فاطر، الآية: ١٠.\n(٢) سورة المنافقون، الآية: ٨. .","vol":"1","page":394},{"text":"الأعمال الصالحات، وإثبات الوحدانية لربّ الأرض والسموات، والتوسّل بكمال الصفات في الاستعاذة من الضلالات [أن ذلك] يدلّ على أهمية هذا المطلب، وأنه مطلب خطير، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (١)، وقال عز شأنه: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، فدلّ على أن الهداية والضلال بيد الله تعالى رب العالمين. فينبغي للعبد أن يسأل الله تعالى دائمًا أن يعصمه من الضلالة، وأن يُديم عليه الهداية إلى أن يلقاه يوم القيامة.\nوفيه دليل على جواز الاستعاذة بصفة من صفات الله تعالى الجليلة.\nقوله: «أنت الحيّ الذي لا يموت والجن والإنس يموتون» تأكيد لانفراد الله تعالى بالحياة: أي أنت الحيّ لك الحياة الكاملة التي لا يعتريها أي نقص المتصفة بكل كمال، المستلزمة لكل صفات الذات، فحياته تعالى لا يعتريها نوم، ولا نعاس، ولا تبيد، ولا تفنى، والخلق كلهم، ميتون ومنتهون، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٣)، وقال\nتعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه﴾ (٤).\nففي هذا الدعاء المبارك جمع في بداياته، وطياته ونهاياته، توسلين من التوسّلات العظيمة إلى الله تعالى: التوسّل بالعمل\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٣٦.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٩.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٨٨.","vol":"1","page":395},{"text":"الصالح [كقوله: «اللَّهمّ لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت ...»]، والتوسل بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا [كقوله: «أنت الحي الذي لا يموت ...»]؛ لبيان أهمية الاستعاذة من الضلالة، فإنها تورد الموارد المهلكة، وتضيع الدين والدنيا والآخرة وفي العصمة منها، النجاة من كل مرهوب، وحصول كل مرغوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>٨٧ - «اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزائِمَ مَغْفِرَتِكَ</span>، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>المفردات:</span>\nموجبات: بكسر الجيم، جمع موجبة، وهي ما أوجبت لقائلها الرحمة من قربه.\nعزائم: جمع عزيمة، والعزيمة عقد القلب على إمضاء الأمر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>الشرح:</span>\nهذا الدعاء من جوامع الكلم التي أوتيها سيد الأولين والآخرين - ﷺ -، فإنه سأل أولًا أن يرزقه ما يوجب له رحمته - ﷿ -، من الأقوال، والأفعال، والخصال، فقد دخل بذلك تحت رحمته التي وسعت كل شيء، واندرج في سلك أهلها، وفي عداد مستحقها، ثم سأل اللَّه\n_________\n(١) الحاكم، ١/ ٥٢٥، وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الدعوات، برقم ٢٠٦، وانظر: الأذكار للنووي، ص٣٤٠، فقد حسنه المحقق عبد القادر الأرنؤوط.\n(٢) تحفة الذاكرين، ص ٤٥٠، والفتوحات الربانية، ٢/ ٤٢٨.","vol":"1","page":396},{"text":"تعالى أن يهب له عزمًا على الخير يكون سببًا لمغفرته من الأعمال، والأقوال كذلك، ولما كان الإنسان بعد مغفرة ذنوبه لا يأمن من الوقوع في معاصٍ أُخَر، وذنوبٍ مستأنفة، سأل ربه - ﷿ -، أن يرزقه السلامة والحفظ، من كل الذنوب والآثام، كائناَ ما كان، كما دلّ عليه «كل» التي تفيد العموم والشمول في كل فرد من أفرادها، ثم سأل ما يكمل له في كمال العبودية من الأعمال الصالحات، ومن ذلك التوفيق إلى كل نوع من أنواع البر، وهو الطاعة، بشتى أنواعها (١)، وكيفياتها، وفي التعبير «بالغنيمة»، وهو الظفر، ومنه الغنائم في الحرب، وهي ما يصيب المسلمون من أموال أهل الحرب دلالة على شدة العناية، والرجاء في الحصول على هذه [الغنيمة] الجليلة، ثم ختم السؤال والطلب بأغلى مراد مطلوب في الآخرة، وهي الجنة، وسأل السلامة والنجاة من أشد مرهوب في دار الآخرة، وهي النار، والعياذ بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>٨٨ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» </span>(٢).\nهذه الدعوة المباركة قد جاءت في كتاب ربنا ﵎، في\n_________\n(١) تحفة الذاكرين ص ٤٥٠، والفتوحات الربانية: ٢/ ٤٢٨ بتصرف يسير.\n(٢) لحديث عبادة - ﵁ -، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة»، الطبراني في مسند الشاميين، ٣/ ٢٣٤، برقم ٢١٥٥، وقال الزين العراقي في تخريج أحاديث الإحياء،٣/ ٧٢: «ولأبي الشيخ ابن حبان في الثواب، والمستغفري في الدعوات من حديث أنس»، وجوَّد إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٣٥٢، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٦٠٢٦، ٣/ ٣٤٥.","vol":"1","page":397},{"text":"دعاء إبراهيم - ﵇ -: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (١). وفي دعوة نوح - ﵇ -: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢).\nوكذلك في أمر الرب - ﷿ - لنبيه - ﷺ -: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣).\n[فدلَّ ذلك] على أهمية هذه الدعوة المباركة، وإنها من سنن الأنبياء والمرسلين؛ ولهذا أمر اللَّه تعالى نبيه بها، فجاءت البشارة من سيد الأولين والآخرين على فضلها، كما في الحديث: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب اللَّه له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة» (٤).\nفانظر رعاك اللَّه تعالى إلى عظم هذا الأجر الجزيل، من رب كريم، بالدعاء بكلمات يسيرة تنال هذا الثواب الكبير، فيشمل هذا الاستغفار كل مؤمن ومؤمنة من لدن آدم إلى قيام الساعة، ولك بكل\nواحد منهم حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها: «هذا أقل ما يكون من التضعيف»، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>٨٩ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي» </span>(٥).\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ٤١.\n(٢) سورة نوح، آية: ٢٨.\n(٣) سورة محمد، آية: ١٩.\n(٤) انظر تخريجه للمؤلف حفظه الله، كما تقدم في تخريج الحديث رقم ٨٨.\n(٥) أخرجه أحمد، ٢٧/ ١٤٤، برقم ١٦٥٩٩، والترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا علي بن حجر، برقم ٣٥٠٠، والنسائي في السنن الكبرى، ٦/ ٢٤، برقم ٩٨٢٨، والطبراني في المعجم الأوسط، ٧/ ٧٣، برقم ٦٨٩١، والصغير، ٢/ ١٩٦، برقم ١٠١٩، وابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٨١ وأبو يعلى، ١٣/ ٢٠٥، برقم ٧٢٧٣، وحسنه الألباني في ضعيف الترمذي، برقم ٣٧٩٤، وصحيح الجامع الصغير، ١/ ٣٩٩.","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-713>الشرح:</span>\nقوله: «اللهم»: يا اللَّه بأسمائك الحسنى، وصفاتك العُلا، أسألك أن تستر عليَّ كل ذنوبي، فتمحها، فإن الذنوب إذا تراكمت قَسَّت القلب، وفَسَّدت الحال، والمآل، وأوردت دار البوار.\nقوله: «ووسِّع لي في داري»: ووسع محل سكني في الدنيا، لأسعد بالسكن الواسع الهنيء؛ لأن ضيق المرافق والدار يُضيِّق الصدر، ويشتت الأمتعة، ويجلب الهم، ويشغل البال، وقيل المراد القبر: إذ هو الدار الحقيقية، أي فوسع قبري، واجعله روضة من رياض الجنة [ولا مانع من أن ينوي الداعي بذلك هذين الأمرين حتى يحصل على السعادتين].\nقوله: «وبارك لي في رزقي»: أي اجعل رزقي حلالًا طيبًا، محفوظًا بالنماء، والزيادة في الخير، ووفقني بالرضا بما قسمته لي،\nوعدم التفات إلى غيره (١).\nقوله: «فهل تراهنَّ تركن شيئًا»: هذا الاستفهام منه - ﷺ - لبيان أنهن لم يتركن شيئًا من خيري الدنيا والآخرة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها النبي - ﷺ -، وذلك أن المغفرة هي تنقية العبد من آثار الذنوب والآثام، وهذا يوصل إلى دخول الجنان، وبسَعَة الدار،\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١١٠.","vol":"1","page":399},{"text":"وبركة الرزق الحلال في الحال، يحيى الحياة الطيبة الهنيئة في هذه الدار، وهذه كمال السعادة المرجوة في الدارين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>٩٠ - «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَمْلِكُهَا إِلاَّ أَنْتَ» </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>المفردات:</span>\n«فضلك»: الفضل هو الزيادة عن الاقتصار (٢).\nوالإفضال: الإحسان، والفواضل: الأيادي الجميلة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>الشرح:</span>\nسأل المصطفى - ﷺ - من فضل اللَّه كما أمر - ﷾ - بذلك: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ\nمِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤) أي اسألوا اللَّه تعالى من مزيد إحسانه وإنعامه من أمور الدنيا والآخرة كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء﴾ (٥)، حيث إن الفضل بيده جل وعلا يتصرّف فيه كيف شاء، ويعطيه من شاء، بكمال الحكمة والقدرة، فلا يُسأل إلا منه.\nقوله: «اللَّهم إنّي أسألك من فضلك ورحمتك»: أي أسألك يا\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير، ١٠/ ١٧٨، وابن أبي شيبة، ٧/ ٩٤، ودلائل النبوة للبيهقي، ٦/ ١٢٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١٥٩: «رجاله رجال الصحيح غير محمد بن زياد وهو ثقة»، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٤/ ٥٧، صحيح الجامع، ١/ ١١٤.\n(٢) المفردات ص: ٣٨١.\n(٣) الصحاح، ٥/ ١٧٩١، واللسان، ٥/ ٣٤٢٨.\n(٤) سورة النساء، ص: ٣٢.\n(٥) سورة آل عمران، آية: ٧٣.","vol":"1","page":400},{"text":"اللَّه الزيادة من خيرك وعطائك وآلائك التي لا غنى لي عنها، وأسألك رحمتك التي وسعت كل شيء، أن تسبغ عليَّ من رحماتك، وتعطفك الدائم عليَّ؛ لأنه يا ربي لا غنى لي عن فضائلك ورحماتك طرفة عين.\nقوله: «فإنه لا يملكها إلا أنت»: «أي لا يملك الفضل والرحمة غيرك، فإنك مُقدِّرها ومُرسلها، فلا يطلبان إلا منك» (١)؛ لأنه - ﷿ - هو مالك كل شيء، وله كل شيء، ومقدر لكل شيء، فلا يسأل إلا منه جل وعلا.\nقوله: «فأُهديت له شاة مصلية» يدلّ على سرعة استجابة رب العالمين لنبيه - ﷺ - يدل على ذلك بـ «الفاء» التي تدلّ على التعقيب والترتيب دون مهلة، فأهديت له هذه الشاة مباشرة ترتيبًا وتعقيبًا على دعائه، وهكذا كل من دعا اللَّه رب العالمين، بحسن ظن ويقين، وصدق في التوجه، أعطاه اللَّه ما سأله في العاجل أو الآجل على\nمقتضى حكمته، كما بيَّن اللَّه تعالى عن موسى ﵊ حينما قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢)، فكانت الاستجابة: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (٣)، ورزقه اللَّه في العاجل والآجل، كما قصّ لنا ربنا في كتابه الكريم.\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١٤٤.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٢٤. .\n(٣) سورة القصص، الآية: ٢٥.","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>٩١ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي</span>، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْغَرَقِ، وَالْحَرَقِ، وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>المفردات:</span>\n«الهدم»: بسكون الدال أي سقوط البناء، ووقوعه على الشيء.\n«التردي»: السقوط من عالٍ كالوقوع من شاهق جبل أو في بئر.\n«الغرق»: بكسر الراء الموت غرقًا بالماء.\n«الغم»: ألم يصيب القلب في الحاضر، يجهد القلب والعقل والجسد.\n«الحرق»: الالتهاب بالنار.\n«مدبرًا»: المولي دُبره: المنهزم في الجهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>الشرح:</span>\nاستعاذ - ﷺ - من هذه الأمور مع ما فيها من نيل الشهادة، كما دلَّت على ذلك الأحاديث؛ لأنها مجهدة، مغلقة، لا يثبت المرء عندها،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، واللفظ له، كتاب الوتر، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٥٢، والنسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من التردي والهدم، برقم ٥٥٤٦، والنسائي في الكبرى، ٤/ ٤٦٧، برقم ٧٩١٨، وأحمد، ١٤/ ٣٠٣، برقم ٨٦٦٧، والطبراني في الكبير، ١٩/ ١٧٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ١١٢٣، وصحيح سنن أبي داود، ٥/ ٢٧٥.","vol":"1","page":402},{"text":"فربما استزله الشيطان فأخل بدينه، ولأنه يُعد فجأة ومؤاخذة أسف؛ ولأنها في الظاهر مصائب ومحن وبلاء كالأمراض السابقة المستعاذ منها، والفرق بين الشهادة الحقيقية وبين هذه الشهادة أن الشهادة الحقيقية أُمنية كل مؤمن ومطلوبه، وقد يجب عليه السعي لها في بعض حالات القتال، بخلاف هذه الأمور يجب التحرز عنها والسعي لعدم الوقوع فيها؛ لأن الموت حينها يكون بغتة، دون توبة، ورد للمظالم، وإقرار للوصية، وعدم النطق بالشهادة لما يفجؤه من فزع وهلع، وما يدهمه من الخوف.\nقوله: «وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدبرًا»: أي أعوذ بك أن أموت في حال هروبي من قتال أعدائك فارًا من الزحف أثناء الجهاد، وهو من الكبائر الموبقات كما جاء في الصحيح، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مرتدًا، أو مدبرًا عن ذكرك، ومقبلًا على غيرك (١).\nقوله: «وأعوذ بك أن أموت لديغًا»: أي أعوذ بك أن أموت عقب لدغ ذوات السم، كالحية والعقرب وغيرهما، فيكون من قبيل موت الفجأة، فلا يستطيع إعداد الوصية والتوبة، وقد يتأخر موته فينشغل بالألم الشديد من شدة اللدغ، ولا يخفى [ما] في أهمية هذه الاستعاذات في حياة المؤمن، وهو يشاهد ويسمع من وقع فيها، فإنها أمور مفزعة ومقلقة، فينبغي التوخّي عنها قدر الاستطاعة ببذل الأسباب، والاستعانة باللَّه جل وعلا بالدعاء.\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١٤٨، الفتوحات الربانية،: ٣/ ٦٤٢.","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-720>٩٢ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ؛ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ</span>، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ؛ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ» (١).\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من الجوع»: فيه استعاذة من ألم الجوع، وشدة مصابرته؛ فإن الجوع يضعف القوى، ويشوش الدماغ، فيثير أفكارًا رديئة، وخيالات فاسدة، فيخل بوظائف العبادات، والمراقبات، ويثير الغضب، وسوء الخلق.\nقوله: «فإنه بئس الضجيع»: أي المضاجع، أي النائم معي في\nالفراش الواحد، فلما كان يلازم صاحبه في المضجع سُمي ضجيعًا، وقوله: «بئس» لأنه يمنع استراحة البدن، وخُصّ الضجيع بالجوع لينبه على أن المراد الجوع الذي يلازم الليل والنهار.\nقوله: «وأعوذ بك من الخيانة»: وهي مخالفة الحق بنقض العهد في السر، وهي تشمل الخيانة بين العبد والعبد، وتشمل الخيانة بين العبد وربه تعالى، فهي شاملة لجميع التكاليف الشرعية التي أمر اللَّه - ﷿ -[بها]، قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الوتر، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٤٧، والنسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من الجوع، برقم ٥٤٨٣، وفي السنن الكبرى، ٤/ ٤٥٢، برقم ٧٨٥١، وابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب التعوذ من الجوع، برقم ٣٣٥٤، وابن حبان،\n٣/ ٣٠٤، والحاكم، ١/ ٥٣٤، وأبو يعلى، ١١/ ٢٩٧، وعبد الرزاق، ١٠/ ٤٤٠، وابن أبي شيبة، ١٠/ ١٨٧، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ٩١، وصحيح ابن ماجه،\n٢/ ٢٣٨، وصحيح النسائي، ٣/ ١١١٢.","vol":"1","page":404},{"text":"وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).\nقوله: «فإنها بئس البطانة»: هي خلاف الظهارة، واستعيرت لمن يخصه الرجل بالاطلاع على باطن أمره، فلما كانت الخيانة أمرًا يبطنه الإنسان ويُسرّه، ولا يُظهره سُميت بطانة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>٩٣ - «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ، والكَسَلِ، والجُبْنِ، والبُخْلِ</span>، والهَرَمِ، والقَسْوَةِ، والغَفْلَةِ، والعَيْلَةِ، والذِّلَّةِ، والمَسْكَنَةِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ، والكُفْرِ، [والشِّرْك] (٣)، والفُسُوقِ، والشِّقاقِ، والنِّفاقِ، والسُّمْعَةِ، والرِّياءِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَمِ، والبَكَمِ، والجُنُونِ،\nوالجُذامِ، والبَرَصِ، وَسَيِّىءِ الأَسْقامِ» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>الشرح:</span>\nاستعاذ - ﷺ - من آفات الجسد، وآفات الدين لما ينشأ عنهما من\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٧.\n(٢) فيض القدير، ٢/ ١٢٣، ١٥٠.\n(٣) زادها ابن حبان في صحيحه، ٣/ ٣٠٠، وانظر: صحيح موارد الظمآن، ٢/ ٤٥٦، برقم ٢٠٧٢.\n(٤) أخرجه النسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من الجنون، برقم ٥٤٩٣، والحاكم،\n١/ ٥٣٠، والبيهقي في الدعوات الكبير، ١/ ٤٥٩، والطبراني في الصغير، ١/ ١٩٩، والضياء المقدسي في المختارة، ٣/ ٤١، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٤٠٦، وإرواء الغليل، برقم ٨٥٢.","vol":"1","page":405},{"text":"مفاسد في الدين والدنيا والآخرة.\nقوله: «العجز»: تقدم في حديث رقم (٥٦)، ورقم (٦٠) معناه: وهو تخلف العبد عن أسباب الخير لسلب قدرته وقوته، واستعاذته منه - ﷺ -؛ لأنه يمنع من أداء الحقوق الواجبة عليه الدينية والدنيوية، وقد ذمّ اللَّه جلّ وعلا العاجز في كتابه، وضرب فيه مثلًا للعبرة والاتعاظ، قال عز شأنه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (١).\nقوله: «الكسل»: وهو تخلف العبد عن أسباب الخير مع وجود القدرة، وهي صفة ذميمة تدعو إلى التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه بسبب عدم انبعاث النفس إلى الخير، فيضيع على العبد كثير من المنافع الدنيوية والشرعية، وقد ذم اللَّه - ﷾ - المنافقين، وذكر من صفاتهم الكسل: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ (٢).\nقوله: «البخل»: يمنع صاحبه من إنفاق الحقوق المالية عليه،\nكالزكاة، والضيافة، والإنفاق على من يعول، والحقوق القولية كعدم الصلاة على النبي - ﷺ -، وعدم الرد على السلام.\nقوله: «الجبن»: الخوف من الحرب، والجهاد في سبيل اللَّه، والخوف من الصدع بالحق: في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومجاهدة الشيطان والنفس.\nقوله: «الهرم»: كبر السن المؤدي إلى تساقط القوى، ومن\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٧٥.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٥٤.","vol":"1","page":406},{"text":"اختلال العقل، والحواس، وتشوّه المنظر، وقد يصبح ثقيلًا على غيره [فيكون كالطفل في المهد والعياذ باللَّه - ﷿ -].\nقوله: «القسوة»: غلظة القلب، وصلابته، بحيث لا يقبل موعظة حسنة، ولا يخاف العقوبة، ولا يرحم من يستحق الرحمة، كما ذكر اللَّه تعالى عن بني إسرائيل: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة﴾ (١).\nقوله: «الغفلة»: غيبة الشيء عن البال، وذهول عن الخير، وعدم تذكره، والتنبه لما ينبغي له، واستعمل في تاركه إهمالًا وإعراضًا كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُون﴾ (٢).\nقوله: «العيلة»: بفتح العين المهملة، وهي الفاقة والحاجة وعدم القدرة على القيام بما يحتاج إليه هو ومن يعوله.\nقوله: «الذلة» - بالكسر-: الهوان على الناس، ونظرتهم إليه بعين الاحتقار والاستخفاف، وهي ضد العزة.\nقوله: «المسكنة»: قلة المال، وسوء الحال، وهي الخضوع، والذلة لما يعرض [عند] الحاجة.\nقوله: «الفقر»: أصله كسر فقار الظهر، وهو خلو اليد من المال.\nقوله: «الكفر»: أصله الستر، وهو عدم الإيمان باللَّه، وهو أنواع: منه كفر العناد، والجحود، والنفاق، وأورده عقب الفقر؛ لأنه قد يفضي إليه.\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٧٤.\n(٢) سورة الأنبياء، الآية: ١.","vol":"1","page":407},{"text":"قوله: «الشرك»: وهو نوعان: النوع الأول الأكبر: وهو أن يجعل مع اللَّه ندًا، أو شريكًا في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته، وهو الشرك الأكبر المخرج من الملّة، والعياذ باللَّه تعالى.\nوالنوع الثاني الأصغر: مثل الرياء، والحلف بغير اللَّه [وهو ما ورد في النصوص تسميته شركًا، ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، أو هو كل وسيلة قولية أو إرادية، أو فعلية توصل إلى الشرك الأكبر] وهو غير مخرج من الملة، وهو من الكبائر.\nقوله: «الفسوق»: خروج عن الاستقامة بارتكاب المعاصي، والوقوع في المحرمات.\nقوله: «الشقاق»: مخالفة الحق بأن يصير كل واحد من المتنازعين في شق وناحية أخرى، والاستعاذة منه لأنه يؤدي إلى الفرقة بين الإخوة، فتحصل العداوة والبغضاء، مما يؤدي إلى ضعف القوة بين المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ\nرِيحُكُمْ﴾ (١).\nقوله: «النفاق»: وهو إظهار عكس ما ينطوي عليه القلب، وهو نوعان: نفاق اعتقادي، وهو أن يظهر الإيمان، ويبطن الكفر، وهو مخرج من الملة، والعياذ باللَّه، ونوع عملي، كالإخلاف في الوعد، والكذب، وخيانة الأمانة [والغدر، والفجور في المخاصمة، وهو نفاق أصغر].\nقوله: «السمعة»: [الإخبار بالعمل، وإظهار الصوت بالذكر، أو\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٤٦.","vol":"1","page":408},{"text":"القراءة؛ ليسمعه الناس فيحصل على الثناء والمدح]، فلا يعمله للَّه - ﷿ - خالصًا.\nقوله: «والرياء»: بكسر الراء والمد: إظهار العبادة ليراها الناس فيحمدوه، وذكر هذه الخصال؛ لكونها أقبح خصال الناس، فاستعاذته - ﷺ - منها إبانة وزجر الناس عن التخلق بها بألطف وجه وأحسن عبارة.\nقوله: «الصمم»: بطلان السمع، أو ضعفه.\nقوله: «البكم» - بالتحريك-: هو الخرس [وعدم استطاعة النطق بالكلام].\nقوله: «الجنون»: زوال العقل.\nقوله: «الجذام»: علَّةٌ تُسقط الشعر، وتُفتت اللحم، وتُجري الصديد منه، مما ينفر الناس منه لبشاعته، والقذارة فيه.\nقوله: «البرص»: عِلَّةٌ تُحدث في الأعضاء بياضًا رديئًا مما تغير الصورة والشكل.\nقوله: «سيئ الأسقام»: أي الأمراض الفاحشة الرديئة الخطيرة، كالفالج، والسل، والأمراض المزمنة، كأمراض هذا الزمان، مثل: السرطان وأنواعه، والإيدز، وغير ذلك، ولم يستعذ - ﷺ - من سائر الأسقام من الأمراض؛ لأن منها ما إذا تحامل الإنسان فيها على نفسه بالصبر خفت مؤنته، كالحمى، والصداع، والرمد، وغير ذلك، وإنما استعاذ - ﷺ - من السقم المزمن، فينتهي صاحبه إلى حال يفر منه الحميم والصديق، ويقل معه الأنيس والجليس، والمداوي، [ويقلّ","vol":"1","page":409},{"text":"معه العمل الصالح، أو يحصل عدم الصبر، والعياذ باللَّه].\nوالاستعاذة من «سيئ الأسقام»: مع دخول الثلاثة: «الجنون، والجذام، والبرص» فيه هو من عطف العام على الخاص؛ لكونها أبغض شيء إلى العرب؛ لما تُفسد الخلقة، وتورث الآفات والعاهات؛ لهذا عدّوا من شروط الرسالة: السلامة من كل ما ينفر الخَلق، ويشوّه الخُلُق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>٩٤ - «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ</span>، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ» (٢).\nوفي رواية: «... من الفقر، والفاقة، والقلة، والذلة، والعيلة ...» (٣).\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١٥٠.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الوتر، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٤٤،والنسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من الذلة، برقم ٥٤٧٥، والنسائي في الكبرى، ٤/ ٤٥١، برقم ٧٤٣٨ وما بعده، والحاكم، ١/ ٥٣١، وأحمد، ١٣/ ٤١٨، برقم ٨٠٥٣، والبيهقي، ٧/ ١٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٥/ ٢٦٩، وصحيح ابن ماجه، برقم ٣٠٩٩،\n(٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْقَسْوَةِ، وَالْغَفْلَةِ، وَالْعَيْلَةِ، وَالذِّلَّةِ، وَالْمَسْكَنَةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفُسُوقِ، وَالشِّقَاقِ، وَالنِّفَاقِ، وَالسُّمْعَةِ، وَالرِّيَاءِ». المعجم الصغير للطبراني، ١/ ١٩٩، والحاكم، ١/ ٥٣٠، والضياء المقدسي في المختارة، ٦/ ٣٤٤، وابن حبان، برقم ٢٤٤٦، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٣٥٧، «... والحاكم من طريقين عن قتادة به، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي. قلت [الألباني]: إسناده عند الحاكم على شرط البخاري فقط»، وفي صحيح الجامع الصغير، برقم ١٢٨٥.","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>المفردات:</span>\nالفقر: أصله كسر فقار الظهر، وهو خلوّ ذات اليد من المال، سواء عنده بعض كفايته، أو لم يجد كفايته.\nالفاقة: شدة الحاجة إلى الخلق.\nالقلة: قلة الشيء من قلة المال أو قلة أبواب الخير، أو قلة العدد أو المدد .. إلخ.\nالذلة: الصغار والهوان، مثل انحطاط القدر عند الناس.\nالعيلة: الفقر، وهو خلوّ اليد من الرزق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من الفقر» أي: يا اللَّه أعذني من عدم كفايتي من المال الذي أقوت به نفسي، وأهلي، وأولادي، وأخاف من أن يؤدي بي إلى عدم الصبر، وإلى التسخّط وعدم القناعة، وتسلّط الشيطان عليَّ بذكر نعم الأغنياء، وأعذني يا إلهي من شدة\nالحاجة إلى الخلق، والتعرّض لهم بالسؤال والطلب والاحتياج إلى غيرك، أستعيذ منهما لأنهما قد يفضيان إلى الخلل في الدين والمروءة والعزة.\nقوله: «القلة» - بالكسر-: أعوذ بك من قلّة المال، التي يخاف منها قلّة الصبر من الإقلال، أو المراد قلة أبواب الخير والبر، أو قلة العدد، أو المدد، أو قلة الأنصار (١)، ولا مانع من إرادة الجميع، أي\n_________\n(١) فيض القدير،٢/ ١٤٩، والفتوحات الربانية،١/ ٦٥١، وشرح الأدب المفرد،٢/ ٣٣٧ بتصرف.","vol":"1","page":411},{"text":"قِلَّة كانت؛ لأن الأصل بقاء العموم على عمومه، ما لم يأت مخصِّص، ولم يخصِّصِ الشارع بفرد من هذه الأفراد، ولم يحدد نوعًا من أنواع الإقلال، واللَّه - ﷿ - أعلم.\nقوله: «الذلة»: أن أكون ذليلًا في أعين الناس يستحقروني، ويستخفّون بشأني، والتذلّل للأغنياء على وجه المسكنة، أو المراد الذلّة الحاصلة من المعصية، والخطيئة (١)، ولا مانع من إرادة الجميع؛ لأنه لم يخصِّص نوعًا من أنواع الذلة كما سبق، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها نبيُّنا - ﷺ -.\nقوله: «وأعوذ بك أن أظلم»: أعوذ بك أن أعتدي، وأجور في حقٍّ من حقوقك، أو في حقٍّ من حقوق خلقك.\nقوله: «أو أُظلم»: أي أعوذ بك أن يقع عليَّ ظلمٌ وبغي، من العباد بغير حقٍّ.\nاستعاذ - ﷺ - من هذه الأمور؛ لما فيها من شدّةٍ في النفس، ونقصٍ\nفي الدين من الإخلال عن كثير من العبادات، والتسخّط على اللَّه - ﷿ -، وعدم الصبر، والقناعة، وإتعاب العقل والبدن بالتفكير والهمّ، والحزن، فلا تطيب الحياة، ولا ترضى النفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>٩٥ - «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَارِ السُّوءِ فِي دَارِ الْمُقَامَةِ</span>؛ فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ» (٢).\n_________\n(١) شرح الأدب المفرد، ٢/ ٣٣٨.\n(٢) البخاري في الأدب المفرد، برقم ١١٧، وأخرجه النسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من جار السوء، برقم ٥٥١٧، والحاكم، ١/ ٥٣٢، وصححه ووافقه الذهبي، ومسند أبي يعلى، ١١/ ٤١١، برقم ٦٥٣٦، وابن أبي شيبة، ٨/ ٣٥٩، وشعب الإيمان للبيهقي، ٧/ ٨١، والدعوات الكبير له، ١/ ٤٥٨، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم ١٢٩٠، وصحيح النسائي، ٣/ ١١١٨.","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>الشرح:</span>\nقوله: «المقامة» - بالضم-: الإقامة، أي دار الإقامة، كما في قوله تعالى: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ (١) أي: لا موضع لكم (٢).\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من جار السوء»: أي: أستعيذ بك من كل مجاور جمع الصفات الدنيئة، والأخلاق الرذيلة، قال النبيّ - ﷺ -: «واللَّهِ لا يُؤمِن، وَاللَّهِ لا يُؤمِن، وَاللَّهِ لا يُؤمِن»، قيل: من يا رسول اللَّه؟ قال: «الذي لا يأمَنُ جارُه بوائِقَهُ» (٣)، أي: شروره، وعدوانه.\nوقد استعاذ المصطفى - ﷺ - من جار السوء في دار المقامة؛ لأنه:\nهو الشر الدائم، والأذى الملازم؛ ولهذا قال: «فإن جار البادية يتحول»؛ لأن مدته قصيرة يمكن تحملها، فلا يعظم الضرر فيه، ويشمل جار المقام: الزوجة، والخادم، والصديق الملازم، وفيه إيماء أنه ينبغي تجنّب جار السوء، والتباعد بالانتقال عنه إذا وجد لذلك سبيلًا، بمفارقة الزوجة [إذا تعسَّر إصلاحها]، وبيع الخادم، وأن المسافر إذا وجد من أحد من رفقته ما يذم شرعًا فارقه، وينبغي\n_________\n(١) سورة الأحزاب، آية: ١٣.\n(٢) المصباح، ٢/ ١٣٩، فضل الله الصمد،١/ ١٨٤.\n(٣) البخاري، كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه، برقم ٦٠١٦، ومسلم بنحوه، كتاب الإيمان، باب بيان تحريم إيذاء الجار، برقم ٤٦.","vol":"1","page":413},{"text":"الحرص على جوار أهل الصلاح والتقوى، وفي الحديث فضل الاستعاذة باللَّه تعالى، والالتجاء إليه، والاستعانة به في كل الأمور، وفيه بيان تفصيل معاناة العبد حين الدعاء، وبثّ الشكوى والهمّ إلى اللَّه ﵎ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>٩٦ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، ومِنْ دُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ</span>، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاَءِ الأَرْبَعِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع»: يا اللَّه الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العُلا، أعذني من قلب لا يخشع لذكرك وموعظتك، ولا تؤثّر فيه النصيحة، وذلك القلب القاسي، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٣).\nقوله: «ومن دعاء لا يُسمع»: أعوذ بك من دعاء لا يُستجاب،\n_________\n(١) شرح صحيح الأدب المفرد،١/ ١٤٤، أوراد الذاكرين، ص ١٦٣.\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا أبو كريب، برقم ٣٤٨٢، وأبو داود، كتاب الوتر، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٤٩، والنسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من الشقاق والنفاق، برقم ٥٤٧٠، وأحمد، ١١/ ١٢٠، برقم ٦٥٦١، وابن أبي شيبة، ١٠/ ١٩٢، وعبد الرزاق، ١٠/ ٤٣٩، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ١٣٨٤ - ١٣٨٥، وفي صحيح الجامع، برقم ١٢٩٧.\n(٣) سورة الزمر، الآية: ٢٢.","vol":"1","page":414},{"text":"ولا يُعتدّ به، فكأنه غير مسموع، وذلك بأن يكون الدعاء يكرهه اللَّه؛ لما فيه من إثم أو قطيعة رحم، وكون الداعي لم يأت بشروط الدعاء، من الإخلاص، والمأكل الحلال، وغير ذلك، ومن لم يستجب اللَّه دعاءه فقد خاب وخسر؛ لأنه طُرد من الباب الذي لا يُستجلب الخير إلا منه، ولا يُستدفَع الضرُّ إلا منه؛ لأن اللَّه تعالى كريم سميع قريب، مجيبٌ للدعاء، فمن حُرم ذلك فقد حُرم الخير كله، والعياذ باللَّه.\nقوله: «ومن نفس لا تشبع»: وأعوذ بك من نفس لا تقنع بما أتيتها من خيرك وعطائك، ولا تشبع من جمع الحطام، والحرام، ولا تشبع من كثرة الطعام، والإنعام الذي يؤدي إلى (النهمة).\nقوله: «وأعوذ بك من علم لا ينفع»: أعذني من علم لا أعمل به، ولا أنتفع به، ولا أُعلِّمه، ولا يُهذّب الأخلاق والأعمال والأقوال؛ لأن العلم النافع هو الذي يزيد في الخوف من اللَّه ﵎،\nويزيد في بصيرة العبد بعيوب نفسه، وآفات عمله، ويزهّد في الدنيا (١).\nقوله: «أعوذ بك من هؤلاء الأربع»: زيادة في تأكيد أهمية الاستعاذة من هؤلاء الأربع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>٩٧ - «اللَّهُمَّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنْ يَوْمِ السُّوءِ، وَمِنْ لَيْلَةِ السُّوءِ</span>، وَمِنْ سَاعَةِ السُّوءِ، وَمِنْ صَاحِبِ السُّوءِ، وَمِنْ\n_________\n(١) تحفة الذاكرين، ص ٤١٩، فيض القدير، ٢/ ١٥٣، ٥/ ٤٧٨، الفتوحات الربانية،٣/ ١٣٢.","vol":"1","page":415},{"text":"جَارِ السُّوءِ في دَارِ الْمُقامَةِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من يوم السوء»: استعاذة باللَّه تعالى من يوم يكون فيه القبح والفحش، والشر، وتكون فيه المصائب، ونزول البلاء، والغفلة، فهذه استعاذة كاملة من كل سوء وشرٍّ يقع في اليوم (٢).\nقوله: «ومن ليلة السوء»: عطف الخاص على العام، ومن ليلة ينزل فيها شر، وسوء وبلاء.\nقوله: «ومن ساعة السوء»: تخصيص بعد تخصيص لشدة\nالافتقار إلى حفظ اللَّه تعالى للعبد في كل الأزمنة، وفيه بيان أن العاصم هو اللَّه جلَّ وعلا، لا أحد سواه، وأن العباد لا غنى لهم عنه تعالى طرفة عين في كل الأحوال والأوقات.\nقوله: «ومن صاحب السوء»: ومن صاحب الشرّ الذي ليس فيه صلاح؛ فإن مصاحبته فيها ضرّ وهلاك في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير، ١٧/ ٢٩٤، برقم ٨١٠، والديلمي، ١/ ٤٦١، برقم ١٨٧٣. قال الهيثمي في الزوائد، ١٠/ ١٤٤: «ورجاله رجال الصحيح». وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم ١٤٤٣، وصحيح الجامع، ١/ ٢٧٨، برقم ١٢٩٩.\n(٢) فيض القدير، ٢/ ١٣٩ بتصرف.","vol":"1","page":416},{"text":"عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (١).\nقوله: «ومن جار السوء في دار المقامة»: لأن شرّه دائم، وأذاه ملازم، الذي لا يأتمر بأوامر اللَّه تعالى، ولا ينتهي عن نواهيه، ومنها معرفة حق الجار، ويشمل جار المقام: الزوجة، والخادم، والصديق الملازم، وفيه إيماء إلى أنه ينبغي تجنب جار السوء، والتباعد بالانتقال عنه إن وجد إلى ذلك سبيلًا.\nوجاء في رواية أخرى عن النبي - ﷺ -: «اللَّهم إني أعوذ بك من جار في دار المقامة فإن جار البادية يتحول» (٢)، فيه بيان علّة الاستعاذة من جار السوء في دار المقام، فإنه ثابت ولا يتحول، عكس جار البادية، وفيه بيان تفصيل معاناة العبد حال الدعاء، وبث الشكوى،\nوالهمّ، والحزن له تعالى، وإظهار العبد فاقته، وفقره، واحتياجه إلى ربه تعالى، الذي هو روح العبادة ولبُّها؛ فإن أحقّ من يلجأ إليه، ويشكو له الهم والحزن، وكلّ ما به هو الربّ - ﷿ -، كما ذكر اللَّه عن يعقوب أنه قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٣).\nوفي الحديث بيان لأهمية الاستعاذة من كل الشرور، وإن التفصيل في الاستعاذة أمر مطلوبٌ ومُهمّ؛ لأن المقام مقام عبادة،\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآيات: ٢٧ - ٢٩.\n(٢) البخاري في الأدب المفرد، برقم ١١٧، وأخرجه النسائي، برقم ٥٥١٧، والحاكم، ١/ ٥٣٢، وصححه ووافقه الذهبي، ومسند أبي يعلى، ١١/ ٤١١، برقم ٦٥٣٦، وابن أبي شيبة، ٨/ ٣٥٩، وشعب الإيمان للبيهقي، ٧/ ٨١، والدعوات الكبير له، ١/ ٤٥٨، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم ١٢٩٠، وفي صحيح النسائي، ٣/ ١١١٨.\n(٣) سورة يوسف، آية: ٨٦.","vol":"1","page":417},{"text":"فكلما أكثر فيه العبد من السؤال والدعاء، كان أكثر عبودية للَّه تعالى الذي يستوجب الخضوع له تعالى، والحبّ والتعلّق به، والتملُّق له، وفيه وعيد من أذى الجار، كائنًا ما كان؛ لأنَّ النبي - ﷺ - لم يخصّص جارًا دون جار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>٩٨ - «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَأَسْتَجِيْرُ بِكَ مِنَ النَّارِ» </span>(١) (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ).\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>الشرح:</span>\nقوله: «من سأل اللَّه الجنة»: أي دخولها بصدق، وإيمان، وحسن\nنية، وإلحاح.\nقوله: «قالت الجنة: اللَّهم أدخله الجنة»: فيه تعظيم للسائل، حيث إن اللَّه تعالى يخلق لهذه الدار الحياة والقدرة على النطق بذكره، وهي جماد، وهذا من كمال قدرة رب العالمين، وأنه لا يعجزه شيء جل وعلا، كما أنطق الحصى بالتسبيح والطعام في عهد النبي - ﷺ - (٢)، كما في قول ابن مسعود - ﵁ -: «... ولقد كنا نسمع\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة أنهار الجنة، برقم ٢٥٧٢، وابن ماجه، برقم ٣٣٤٠، والنسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من حر النار، برقم ٥٥٢١، والنسائي في الكبرى، ٦/ ٣٣، والإمام أحمد، ٢٠/ ٤٠٨، برقم ١٣١٧٣، والحاكم،\n١/ ٥٣٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣١٩، وصحيح النسائي، ٣/ ١١٢١، ولفظه: «من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهمّ أدخله الجنة ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار: اللهمّ أجره من النار».\n(٢) فيض القدير، ٦/ ١٤٤.","vol":"1","page":418},{"text":"تسبيح الطعام وهو يؤكل» أي على عهد النبي - ﷺ - (١).\nقوله: «ومن استجار ...» الحديث: كسابقه.\nوهنا في إنطاق النار على الكلام حقيقته (٢)، حيث تطلب من خالقها أن تُجِرْهُ من النار إذا أتى بالعدد المذكور، وهو الثلاثة؛ فإن التقيّد بهذا العدد مشروط في جعل اللَّه لهذه الجمادات القدرة على النطق بإنطاق اللَّه تعالى لها؛ فإن ذلك يُعطي المؤمن العزم، والجدَّ في السؤال والطلب بإلحاح، والتقيد بالعدد ثلاثة هو أقل درجات الإلحاح في الدعاء، واللَّه أعلم.\nودلّ هذا الحديث الجليل على عظم فضل اللَّه - ﷿ - لعباده الداعين، وأنه تعالى يسخّر لهم الجنة والنار على عظمهما في التوسّل إلى اللَّه، والدعاء لهم، كما سخّر لهم الملائكة الكرام\nالعظام حملة العرش في الدعاء لهم: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣).\n_________\n(١) البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم ٣٥٧٩.\n(٢) هذا هو الأصل، أن يحمل الكلام على الحقيقة، قال ابن عبد البر: «وحمل كلام الله تعالى، وكلام نبيه - ﷺ - على الحقيقة، أولى بذوي الدين والحق» التمهيد، ٥/ ١٦، ٧/ ١٤٥، والقاعدة في ذلك: «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة» انظر: قواعد الترجيح، ٢/ ٣٨٧.\n(٣) سورة غافر، الآيتان: ٧ - ٨.","vol":"1","page":419},{"text":"كما أن الشارع الحكيم شرع لنا سؤال اللَّه تعالى الجنة كذلك، وحثّنا على سؤال أعلاها، وهي الفردوس الأعلى، قال النبيّ - ﷺ -: «إذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس (١) الأعلى» (٢).\nفينبغي للعبد أن يكثر الدعاء بسؤال اللَّه تعالى تلكم المنزلة العظيمة التي فوقها عرش الرحمن، وليس فوقها منزلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>٩٩ - «اللَّهُمَّ فَقِّهْنِي فِي الدِّينِ [اللَّهُمَّ عَلِّمْنِي الكِتَابَ وَالحِكْمَةِ]» </span>(٣).\nهذا الدعاء مأخوذ من دعاء النبي - ﷺ - لابن عباس ﵄: «اللَّهم فقهه في الدين». وفي لفظ: «اللَّهم علّمه الكتاب والحكمة» (٤).\nفيسنُّ للدّاعي أن يجمع بين هذه الروايات في الدعاء، فيقول: «اللَّهمّ علّمني الكتاب، والحكمة، وفقّهني في الدين».\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب المجاهدين في سبيل الله، برقم ٢٧٩٠.\n(٢) صحيح ابن حبان، ٣/ ٢٣٨، برقم ٩٥٨، والضياء المقدسي في المختارة، ٣/ ٣٧٨، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم، ٢/ ٧٤٠، والبيهقي في البعث والنشور، ص ٢٢٩، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، برقم ٩٥٤.\n(٣) يدل عليه رواية البخاري ومسلم في دعاء النبي - ﷺ - لابن عباس ﵄. البخاري، كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، برقم ١٤٣، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب فضائل عبد الله بن عباس ﵄، برقم ٢٤٧٧، وما بين المعقوفين، البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي - ﷺ -: اللهم علمه الكتاب، برقم ٧٥، ورقم ٣٧٥٦، ورقم ٧٢٧٠.\n(٤) البخاري، برقم ٧٥، ورقم ١٤٣، وتقدم تخريجه في الحاشية السابقة.","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-735>الشرح:</span>\nقوله - ﷺ -: «اللَّهم علمه الكتاب» أي كتاب اللَّه - ﷿ -، القرآن، فهذا السؤال تضمّن التوفيق إلى تعلّم أفضل العلوم، وأسماها، وهو القرآن الذي يجمع كل العلوم الشرعية المطلوبة، الذي عليها الفلاح في الدارين.\nقال النبي - ﷺ -: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (١).\nقوله: «الحكمة»: أي السنة النبوية.\nقوله: «اللَّهم فقهني في الدين» الفقه في اللغة الفهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٢). أي معرفة الأحكام الشرعية، وكيفية الاستنباط منها في الكتاب والسنة.\nوبيّن النبي - ﷺ - أهمية الفقه في الدِّين، وأن من رزقه اللَّه تعالى الفقه في الدين نال محبته - ﷿ - التي هي أعظم المحابّ، وأعلاها،\nفقال - ﷺ -: «من يُرِدِ اللَّهُ به خيرًا يفقهه في الدين» (٣).\nقال ابن القيم ﵀ في مفهوم الحديث: «وهذا يدلّ على أن من لم يفقهه في دينه لم يرد به خيرًا، كما أن من أراد به خيرًا فقهه في دينه، ومن فقهه في دينه فقد أراد به خيرًا إذا أريد بالفقه العلم\n_________\n(١) البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، برقم ٥٠٢٧.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٤٤.\n(٣) البخاري، كتاب العلم، باب من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، برقم ٧١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، برقم ١٠٣٧.","vol":"1","page":421},{"text":"المستلزم للعمل، وأما إن أريد به مجرد العلم، فلا يدلّ على أن من فقه في الدين فقد أريد به خيرًا؛ فإن الفقه حينئذ يكون شرطًا لإرادة الخير، وعلى الأول يكون موجبًا» (١).\nفتضمّنت هذه الدعوات المهمّات التوفيق إلى أكمل العلوم: الكتاب، والسنة، والفهم، والمعرفة في الاجتهاد فيهما، فينبغي للعبد طالب العلم خاصة أن يكثر من هذا الدعاء المبارك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>١٠٠ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ» </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>الشرح:</span>\nاشتمل هذا الحديث على أعظم شر وأخطره يُستعاذ باللَّه منه،\nوهو الشرك، فإن الشرك باللَّه العظيم أعظم الظلم والجرم، قال اللًّه تعالى عن لقمان وهو يعظ ابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة، ١/ ٤٦.\n(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ص ٢٥٠، برقم ٧١٦، والضياء المقدسي، ١/ ٤٥، وهو في عمل اليوم والليلة لابن السني، برقم ٢٥٨، وهناد في الزهد، ٢/ ٤٣٤، برقم ٨٤٩، والحكيم الترمذي، ٤/ ١٤٢، وأبو يعلى ١/ ٦٠، برقم ٥٨، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ٢٦٦، برقم ٥٥١.\n(٣) سورة لقمان، الآية: ١٣.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٤٨.","vol":"1","page":422},{"text":"فأخبر النبي - ﷺ - أن العبد غير آمن من الوقوع في الشرك، وأنه لشدّة خفائه أخفى من دبيب النمل، فقد يقع فيه العبد، ويتسلّل إلى نفسه وهو لا يعلم، ولا يدري، هذا الإخبار من الرسول لخير البشرية بعد الرسل، وهم الصحابة رضوان اللَّه عليهم، الذين عصرهم هو خير العصور، فكيف بنا نحن، ولا شك في أن هذا بيانًا على أن أفضل الناس قد يقع منه الشرك من حيث لا يعلم، «والمراد بالشرك هنا الرياء والسمعة والعجب، وهذه الذمائم لا تذهب عن الرجل ما لم يعرف نفسه» (١)، وهكذا ينبغي للعبد أن يراقب نفسه، ويحاسبها بين الحين والآخر حتى لا يقع فيه.\nوقول أبي بكر - ﵁ -: «وهل الشرك إلا من جعل مع اللَّه إلهًا آخر»، وفيه تعظيم أبي بكر للشرك، وأن بعض المسائل قد تخفى على كبار العلماء (٢).\nفعليك يا أخي أن تلتجئ إلى اللَّه أن يُعيذك من هذا الشرك، وأن تبذل كل الأسباب في الابتعاد عنه: قولًا، وفعلًا، وأن تكثر من هذا\nالدعاء العظيم؛ فإن اللَّه رب العالمين لا يخيب من التجأ إليه، وأخلص في قوله وعمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>١٠١ - «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي</span>،\n_________\n(١) فضل الله الصمد، ٢/ ١٧٩.\n(٢) شرح الأدب المفرد، ٢/ ٣٩٥.","vol":"1","page":423},{"text":"وَزِدْنِي عِلْمًا» (١).\nوفي لفظٍ: «وأعوذ باللَّه من حال أهل النار» (٢)، وفي لفظٍ آخر: «وارزقني علمًا تنفعني به» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>الشرح:</span>\nهذا الحديث اشتمل على دعوة جامعة تتعلق بالعلم، وما ينبغي أن يكون عليه شأن المسلم، وطالب العلم مع العلم، وهو يتكوّن من أربع جمل، ثلاث منها في تحقيق هذا المطلب الجليل والمقصد العظيم للعلم.\nقوله: «اللَّهم انفعني بما علمتني»: أي أسألك يا اللَّه الانتفاع بما أتعلمه من العلوم المفيدة، وأن أعمل بمقتضاه خالصًا لوجهك الكريم، لا للانتفاع به في أغراض الدنيا وزخرفها، ومن رياء\nوسمعة؛ فإن العلم النافع هو المقصود، والوسيلة به إلى التعبد للَّه تعالى، فيصلح الأعمال، والأقوال الظاهر منها والباطن (٤).\nقوله: «وعلمني ما ينفعني»: فيه سؤال اللَّه أن يمنّ عليه بالعلم\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا أبو كريب، برقم ٣٥٩٩، وابن ماجه، المقدمة، باب الانتفاع بالعلم، برقم ٢٥١، وابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٨١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٥٣، وصحيح الترمذي، برقم ٢٨٤٥.\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا أبو كريب، برقم ٣٥٩٩، ابن ماجه، كتاب الأدب، باب فضل الحامدين، برقم ٣٨٠٤، وضعف الألباني هذه الزيادة في التخريج السابق.\n(٣) أخرجه النسائي في الكبرى، ٤/ ٤٤٤، والحاكم، وصححه، ١/ ٥١٠، والدعوات الكبير للبيهقي، ١/ ١٥٨، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ١١/ ٩، برقم ٣١٥١.\n(٤) فقه الأدعية الأذكار، ٤/ ٤٩٥ بتصرف يسير.","vol":"1","page":424},{"text":"النافع، وهو علم الشريعة الذي فيه صلاح الدين والدنيا من العبادات والمعاملات، والعلم باللَّه وبأسمائه وصفاته الذي هو أشرف العلوم، وما يجب له من القيام بأمره، وتحقيق طاعته.\nقوله: «وزدني علمًا»: أي زدني علمًا إلى ما علمتني، كما قال تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١)، ولم يأمر نبيه بزيادة في أي أمر إلا في العلم؛ فإن الزيادة فيه ترقي العبد إلى الزيادة في المعارف والعلوم التي تقتضي العمل؛ فإن العلم وسيلة للعمل، وهو أول المعارف، وأصلها قال اللَّه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم العمل: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢).\nوهنا أمر لا بد من التنبيه إليه، أن من يدعو اللَّه تعالى بأن يمنحه العلم النافع، وأن ينفعه بما علمه كما في الدعاء السابق، لابد له مع الدعاء من بذل الأسباب المشروعة لتحصيل العلم، قال العلامة ابن سعدي ﵀: «الأدعية القرآنية والنبوية الأمر بها، والثناء على الداعين بها، يستتبع لوازمها ومتمماتها، فسؤال اللَّه الهداية يستدعي فعل جميع الأسباب التي تدرك بها الهداية العلمية والعملية» (٣).\nقوله: «وأعوذ باللَّه من حال أهل النار»: استعاذ من حالهم لما فيه من الألم الشديد، والعذاب المديد، وهذا حال من لم ينتفع بعلمه، ولم يعمل به، فكان حاله ومصيره هو عذاب النار والسعير.\n_________\n(١) سورة طه، الآية: ١١٤.\n(٢) سورة محمد، الآية:١٩.وانظر: فيض القدير، ٢/ ١٣٣،وفقه الأدعية، ٤/ ٤٩٥ بتصرف يسير.\n(٣) مجموع الفوائد، ص ٩٧.","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>١٠٢ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا» </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>الشرح:</span>\nهذا الدعاء المبارك الذي كان - ﷺ - يستفتح بعد صلاة الصبح به كل يوم في غاية المناسبة؛ لأن الصبح هو بداية اليوم، ومفتتحه والمسلم ليس له مطمع في يومه إلا تحصيل هذه الأهداف، والمقاصد العظيمة، والأهداف النبيلة في تحديد همته في أول النهار، وهي «العلم النافع، والرزق الطيب، والعمل المتقبل»، وكأنه في افتتاحه ليومه بذكر هذه المقاصد الثلاثة دون غيرها، يحدّد أهدافه ومقاصده في يومه، ولا ريب في ذلك أنه أجمع للقلب، وأضبط لسير العبد (٢)، ومسلكه في هذه الحياة، وفيه استعانة وتضرّع لربه في صباحه، وأول يومه أن يمدَّ له العون، والخير، والتوفيق للسير على هذه الأهداف كل يوم؛ فإن هذه المقاصد الثلاث عليها\nالفلاح في الدنيا والآخرة.\nوتأمّل كيف بدأ النبي - ﷺ - هذا الدعاء بسؤال اللَّه العلم النافع، قبل سؤاله الرزق الطيب، والعمل المتقبَّل، وفي هذا إشارة إلى أن العلم النافع مقدم به، وبه يبدأ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الصلاة، باب ما يقال بعد التسليم، برقم ٩٢٥، والنسائي في السنن الكبرى، ٦/ ٣١، برقم ٩٨٥٠، وفي عمل اليوم والليلة له، برقم ١٠٢،وأحمد،\n٤٤/ ١٤٠، برقم ٢٦٥٢١، ورقم و٢٦٦٠٢، ورقم ٢٦٧٠٠، ورقم ٢٦٧٣١، والحاكم،\n١/ ٤٧٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ١٥٢، برقم ٧٥٣.\n(٢) فقه الأدعية، ٤/ ٤٠.","vol":"1","page":426},{"text":"وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ (١)، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل؛ لأنه لا يمكن أن يكون العمل صحيحًا وموافقًا للكتاب والسنة دون علم، وفي البدء بالعلم النافع حكمةٌ ظاهرة لا تخفى على المتأمل، ألا وهي أن العلم النافع به يستطيع المرء أن يميز بين العمل الصالح وغير الصالح، ويستطيع أن يميّز بين الرزق الطيّب وغير الطيّب.\nقوله: «علمًا نافعًا» فيه دلالةٌ على أن العلم نوعان:\nعلمٌ نافع، وعلم ليس بنافع، كما تقدّم في حديث: «سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نافِعًا، وَتَعوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» (٢)، قال الحسن البصري ﵀: «العلم علمان، علم باللسان، وعلم بالقلب، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان هو حجة اللَّه على ابن آدم» (٣)، فالعلم النافع هو ما باشر القلب، فأوجب له السكينة والخشوع، والإخبات\nللَّه تعالى، وإذا لم يباشر القلوب ذلك من العلم، وإنما كان على اللسان فهو حجة اللَّه على بني آدم.\nقوله: «رزقًا طيبًا» فيه إشارة كذلك إلى أن الرزق نوعان: طيب، وخبيث، واللَّه تعالى لا يقبل إلا طيبًا، وقد أمر اللَّه تعالى المؤمنين\n_________\n(١) سورة محمد، الآية: ٩.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما تعوذ منه رسول اللَّه - ﷺ -، برقم ٣٨٤٣، وابن أبي شيبة،\n٩/ ١٢٣، برقم ٢٧٢٤٨، وأبو يعلى، ٣/ ٤٣٧، برقم ١٩٢٧، وعبد بن حميد، ص ٣٣٠، والبيهقي في شعب الإيمان، ٣/ ٢٧٦، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٧، بقرم ٣١٠٠، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٥١١.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، ١٣/ ٢٣٥، برقم ٣٥٥٠٢، والدارمي، ١/ ٥٤، والحكيم الترمذي،\n٢/ ١٧٦، وشعب الإيمان للبيهقي، ٣/ ١٨٨، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ص ٣١٣.","vol":"1","page":427},{"text":"بما أمر به المرسلين، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٢)، فإن من أعظم الأسباب الموجبة لإجابة الدعاء طيب المأكل.\nقوله: «عملًا متقبلًا» فيه إشارة إلى أنه ليس كل عمل يتقرب به العبد إلى اللَّه متقبلًا، بل المتقبَّل من العمل هو الصالح فقط، والصالح هو ما كان للَّه تعالى وحده، وعلى هدي وسنة المصطفى - ﷺ -، فلا بد أن يكون خالصًا للَّه، وصوابًا على هدي النبي - ﷺ - (٣).\nفهذا دعاء عظيم النفع، كبير الفائدة، يحسن بالمسلم أن يحافظ عليه كل صباح، تأسّيًا بالنبي الكريم - ﷺ -، ثم يُتبع الدعاء بالعمل، فيجمع بين الدعاء، وبذل الأسباب، وهذا أكمل الدعاء؛ لينال هذه الخيرات العظيمة، والأفضال الكريمة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>١٠٣ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللَّهُ بِأَنَّكَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ،\nالصَّمَدُ</span>، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (٥).\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآية:٥١.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٢.\n(٣) قول الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ﴾ سورة الملك، الآية:٣.\n(٤) فقه الأدعية والأذكار للدكتور عبد الرازاق البدر، ٤/ ٤٠ - ٤٣.\n(٥) أخرجه النسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم ١٣٠١، واللفظ له، والنسائي في الكبرى، برقم ٧٦٦٥، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول بعد التشهد، برقم ٩٨٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ١٤٧.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>المفردات:</span>\nالأحد: الكامل في أحديته، فلا شبيه له، ولا نظير.\nالواحد: هو الذي توحّد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك.\nالصمد: المقصود في الحوائج، وهو الذي انتهى سؤدده.\nكفوًا: أي مماثلًا، واللَّه تعالى ليس له مماثل، ولا نظير في كمال ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله بوجه من الوجوه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>الشرح:</span>\nهذا الدعاء العظيم فيه توسّل إلى اللَّه - ﷿ - بأجمل الوسائل، وأعلاها، وهو التوسّل بأسماء اللَّه الحسنى، وبصفاته العظمى العلا مقدمة قبل سؤال اللَّه تعالى المغفرة للذنوب، والتجاوز عنها، ثم أكّد سؤاله وعلّله: بأنك يا ربي عظيم المغفرة للذنوب، مهما تكررت وبلغت، عظيم الرحمة التي وسعت كل شيء، فناسب في ختم هذين الاسمين، السؤال والطلب.\nقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾: فيه جواز التوسّل بصفات اللَّه تعالى المنفية، في الدعاء، وأن من معاني «الصمد» هذه المنفيات عنه تعالى.\nوهذا الدعاء الجليل فيه مظنّة اسم اللَّه الأعظم؛ لتضمنّه أعظم\n_________\n(١) تفسير ابن السعدي ١/ ١٧٤، الفتوحات الربانية ٣/ ٦٣٦.","vol":"1","page":429},{"text":"الأسماء الحسنى «اللَّه»، فينبغي الإكثار من الاعتناء به في حال الدعوات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>١٠٤ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ [وَحْدَكَ </span>لاَ شَرِيكَ لَكَ] الْمَنَّانُ [يَا] بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ [الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ]» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>[المفردات]:</span>\nالمنان: اسم من أسماء اللَّه تعالى الحسنى، أي كثير العطاء، من المنَّة بمعنى النعمة، أو النعمة الثقيلة، أي صاحب النعم المتتالية دون طلب عوض، وغرض.\nبديع السموات والأرض: أي مبدعهما بمعنى مخترعهما ومنشئهما على غير مثال سابق.\nذا الجلال والإكرام: ذو الجلال: صاحب العظمة والكمال والإكرام: هو سعة الفضل، والجود بما ليس له حدود.\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء، برقم ١٤٩٥، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب اسم اللَّه الأعظم، برقم ٣٨٥٨، والنسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم ١٢٩٩، وفي السنن الكبرى له، ١/ ٣٨٦، ١٢٢٤، والترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا قتيبة، برقم ٣٥٤٤، وأحمد، ١٩/ ٢٣٨، برقم ١٢٢٠٥،وابن حبان، ٣/ ١٧٥، وابن أبي شيبة،\n١٠/ ٢٧٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٧٩، وفي صحيح ابن ماجه،\n٢/ ٣٢٩، وفي السلسلة الصحيحة، برقم ١٣٤٢.","vol":"1","page":430},{"text":"الحي: اسم من أسمائه تعالى، وهو الذي له الحياة الدائمة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات.\nالقيوم: اسم من أسمائه تعالى: وهو القائم بنفسه، فلم يحتج إلى أحد، والمقيم لغيره بالتدبير والإصلاح، وكل صفات الفعل ترجع إلى هذا الاسم الجليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>الشرح:</span>\nبدأ بمقدمة من الثناء على اللَّه تعالى، واستحقاقه الحمد بكل أنواعه، وإثبات وحدانيته وألوهيته بالعبادة دون غيره، ثم ذكر جملًا من أسمائه الحسنى، مقدمة بين يدي دعائه، فجمع بين التوسل بالعمل الصالح للَّه تعالى، توسّلًا بما له من الكمالات التي لا تُحصى، رجاء عظيمًا في قبول دعوته؛ لما شملته من أسمى مطلب في الدنيا والآخرة، وهو مغفرة الذنوب، واستعاذة من أعظم مرهوب، وهو النار.\nقوله: «يا بديع السموات والأرض»: يا خالق ومنشئ السموات والأرض على غير مثال سابق.\nقوله: «يا ذا الجلال والإكرام»: يا صاحب العظمة، والكبرياء، والمجد، ويا واسع الفضل والجود والكرم، تُكرم أولياءك، وخواصّ\nخلقك، بأنواع الكرم والجود، بما ليس له حدود، ولا مُقيّد بقيود.\nقوله: «يا حي يا قيوم»: يا دائم الحياة الذي ليس لك ابتداء، وليس لك فناء، ولا انتهاء، يا قائم بتدبير الخلق، والغني عن كل الخلق، الكلّ مفتقرٌ إليك، ومحتاجٌ لك.","vol":"1","page":431},{"text":"قوله: «إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار»: بعد ثنائه على اللَّه تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا، شرع في سؤال أعظم مطلب، وهو الجنة، واستعاذ من أشد مرهب، وهو النار والعياذ باللَّه.\nقوله - ﷺ -: «لقد دعا اللَّه تعالى باسمه الأعظم»: والاسم الأعظم من ثمرات الدعاء به أنه يفيد أصل التعجيل، أو زيادته، وكمالًا في المستجاب، أو في بدل المدعو به (١)، فهو لا شك له أكبر الأثر في قبول وإجابة الدعاء، فحريٌ الاعتناء به أشد العناية، حتى يتكرّم ربنا بإعطائنا ما نرجوه في العاجل والآجل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>١٠٥ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّه لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ</span>، الأَحَدُ، الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>المفردات:</span>\nالأحد: اسم من أسماء اللَّه تعالى الحسنى، ومعناه الفرد الذي لا نظير له، ولا شبيه له في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على اللَّه تعالى.\n_________\n(١) الفتوحات الربانية: ٣/ ٦٣٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول بعد التشهد، برقم ٩٨٥، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في جامع الدعوات عن رسول اللَّه - ﷺ -، برقم ٣٤٧٥، وابن ماجه، برقم ٣٨٥٧، والنسائي في الكبرى، ٤/ ٣٩٤، برقم ٧٦١٩، وأحمد ٣٨/ ٦٤، برقم ٢٢٩٦٥، وعبد الرزاق، ٢/ ٤٨٥، برقم ٤١٧٨، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٦٣، وفي صحيح الترغيب والترهيب، برقم ١٦٤٠.","vol":"1","page":432},{"text":"الصمد: في اللغة «القصد»، وهو اسم من أسمائه تعالى، والمعنى هو السيد الذي يُقصد بالسؤال والرغبة والرهبة والحوائج، وهو الذي انتهى سؤدده، فلا أحد فوقه جلَّ وعلا، وهو الذي لا جوف له، ولا يأكل، ولا يشرب.\nكفوًا أحد: أي لا مثيلًا، ولا نظيرًا لكماله تعالى على الإطلاق من كل الوجوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اللَّه»: أي أسألك يا اللَّه بأني أقر وأشهد أنك أنت المعبود بحق، لا أحد سواك، وهذا قسم استعطافي، أي: أسألك باستحقاقك لتلك الصفات الثبوتية، والسلبية (١).\nقوله: «الأحد الصمد»: أي أسألك باسمك الأحد الذي لا نظير له، ولا شبيه، ولا عديل، المنفرد بالربوبية، والألوهية، لكمال أسمائك وصفاتك وأفعالك، وأنت السيد الذي ليس فوقك أحد، وأنت الذي تصمد القلوب لك بالسؤال والحاجة.\nقوله: «الذي لم يلد ولم يولد»: الذي ليس له ولد، ولا والد، ولا صاحبة، وهذا النفي متضمن لكمال غناه، وعدم حاجته جل وعلا لأحد من خلقه.\nقوله: «ولم يكن له كفوًا أحد»: أي ليس لك مماثل، ولا شبيه، ولا نظير في ذاتك، ولا في صفاتك، ولا في أفعالك بوجه من\n_________\n(١) الفتوحات الربانية، ٣/ ٦٣٦.","vol":"1","page":433},{"text":"الوجوه، وهذا النفي متضمّن لكماله تعالى من كل الوجوه في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله - ﷿ -.\n\nقوله - ﷺ -: «لقد سألت اللَّه باسمه الأعظم»: فيه دلالة أن للَّه اسمًا أعظم، إذا دعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى، وفيه دلالة على تفاضل بين أسماء اللَّه تعالى، فهناك اسم أعظم، وهناك اسم عظيم، فأسماء اللَّه وصفاته كلها عظيمة، لا نقص فيها البتة، لكن بيّن النبي - ﷺ - أن هناك اسمًا، هو أعظم الأسماء، مذكور في هذا الحديث، والذي قبله، واللَّه تعالى أعلم. وقد<span data-type=\"title\" id=toc-751> اختلف العلماء في تحديد اسم اللَّه الأعظم</span>، والذي عليه الأكثر هو اسم الجلالة «اللَّه» وذلك:\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>١ - أنه الاسم الذي ورد في كل الأحاديث </span>التي أخبر بها المصطفى - ﷺ - أن فيها اسم اللَّه الأعظم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>٢ - أنه أكثر اسم ورد في كتاب اللَّه تعالى</span>، حيث ورد (٧٢٤) مرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>٣ - هو الاسم جامع لجميع معاني أسماء اللَّه تعالى الحسنى</span>، متضمن لسائر صفاته العلا؛ ولهذا يضيف تعالى سائر الأسماء إليه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١). فيقال:\n«الرحمن»، «الرحيم» من أسماء اللَّه، ولا يقال «اللَّه من أسماء الرحمن» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>١٠٦ - «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ» </span>(٣).\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(٢) مدارج السالكين، ١/ ٣٢، أسماء الله الحسنى للدكتور عمر الأشقر، ص٣٣.\n(٣) أبو داود، كتاب الوتر، باب في الاستغفار، برقم ١٥١٨، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا قام من المجلس، برقم ٣٤٣٤، واللفظ له، والنسائي في الكبرى، ٦/ ١١٩، برقم ١٠٢٢٠، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب الاستغفار، برقم ٣٨١٤، وأحمد،\n٨/ ٣٥٠، برقم ٤٧٢٦، والبخاري في الأدب المفرد، ٢١٧، والطبراني في الكبير،\n٥/ ١١٩، والأوسط، ٦/ ٢٣١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٥/ ٢٤٨، صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢١، وفي صحيح الترمذي، ٣/ ١٥٣.","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-756>الشرح:</span>\nسبب هذا الدعاء ما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نعدَّ لرسول اللَّه - ﷺ - في المجلس الواحد مائة مرة «رب اغفر لي وتُب عليَّ، إنك أنت التواب الغفور»، وفي لفظ: (الرحيم).\nفإذا كان المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - ﷺ - يعدّون له طلب المغفرة بهذا العدد الجمّ، فكيف بنا ونحن نخطئ بالليل والنهار ما اللَّه به عليم، فمن باب أولى أن نجتهد بأكثر من ذلك العدد، وهذه رحمة من اللَّه - ﷿ - لعباده، فإن العباد خطاؤون كما قال - ﷺ -: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (١). فجعل اللَّه تعالى لهم كفارة\nبما يقعون به، وليعلم أن الخطأ الذي يصدر من بني آدم له سببان:\nإما تقصير في واجب، أو فعل المحرم، ولا يخلو أي عبد من ذلك، فجعل الدواء الاستغفار.\n_________\n(١) الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول اللَّه - ﷺ -، باب حدثنا هناد، برقم ٢٤٩٩، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، برقم ٤٢٥١، والحاكم، ٤/ ٢٤٤، وابن أبي شيبة، ١٣/ ١٨٧، والبزار، برقم ٧٢٣٦، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٤٢٤١، وتخريج المشكاة، برقم ٢٣٤١.","vol":"1","page":435},{"text":"قوله: «رب اغفر لي» توسل بربوبية اللَّه - ﷿ - العظيمة في أن يستر اللَّه على عبده الذنب ويتجاوز عنه.\nقوله: «وتب عليَّ» أي وفّقنا للتوبة فنتوب، والتوبة من العبد: هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة ومن اللَّه - ﷿ -: هي توفيق العبد للتوبة ثم قبولها منه.\nقوله: «إنك أنت التواب الغفور»، تعليل للطلب، فهي وسيلة يتوسّل بها الداعي إلى حصول المطلوب، والتوّاب هو: اسم من أسماء اللَّه تعالى الحسنى على صيغة المبالغة على وزن «فعال» (١)؛ لكثرة من يتوب اللَّه - ﷿ - عليهم، وكثرة توبته على العبد. والغفور: هو الذي يستر ذنوب عباده، ويغطّيهم بستره (٢)، ولا يخفى في ختام بهذين الاسمين ما يناسب المطلوب، وهذا الذي ينبغي للداعي أن يتوسل إلى ربه بأسمائه الحسنى بما يناسب مطلوبه، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>١٠٧ - «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ</span>، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ\n_________\n(١) اشتقاق أسماء الله، ص ٦٢.\n(٢) شأن الدعاء، ص ٥٢.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.","vol":"1","page":436},{"text":"وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًَا لاَ يَنْفَدُ، وأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لاَ تَنْقَطِعْ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعَدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأْلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» (١).\n\nهذا الدعاء كبير النفع، عظيم الشأن، وغزير الفوائد؛ لما<span data-type=\"title\" id=toc-758> فيه من معانٍ ومقاصد جليلة</span>، ومطالب عالية في العقيدة والأخلاق والعبادات الظاهرة والباطنة، ففيه:\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>١ - توسل إلى اللَّه تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>٢ - وتفويض الأمور إلى اللَّه تعالى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>٣ - والتوكل عليه جل وعلا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>٤ - وسؤاله التوفيق إلى كمال العبودية من العبادات</span>.\n_________\n(١) النسائي، كتاب السهو، نوع آخر، برقم ١٣٠٥، والسنن الكبرى له، ١/ ٣٨٧، وأحمد، ٣٠/ ٢٦٥، برقم ١٨٣٢٥، وابن حبان، ٥/ ٣٠٤، وأبو يعلى، ٣/ ١٩٥، والحاكم، ١/ ٤٢٥، وابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٦٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٨٠، برقم ١٣٠٤، وفي صحيح الجامع، برقم ١٣٠١.","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-763>٥ - وفيه سؤال أعلى نعيم الآخرة، وأعلى نعيم الدنيا</span>، وغير ذلك من المطالب المهمة.\nوإنما تعظم فائدة هذا الدعاء، وغيره من الأدعية، في فهم معانيها، والتدبر في دلالاتها، ومقاصدها النفيسة، والمجاهدة في تحصيل تحقيقها: قولًا، وفعلًا، والإكثار منها في السؤال والطلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>المفردات:</span>\nقوله: «القصد»: التوسط والاعتدال.\nقوله: «نعيمًا لا ينفد»: أي لا ينقطع ولا ينتهي.\nقوله: «قرة عين لا تنقطع»: ما تقرّ به العين من لذة وسرور.\nقوله: «برد العيش»: أصل البرد في الكلام: السهولة.\nقوله: «خشيتك»: خوف مقترن مع تعظيم.\nقوله: «ضراء»: عكس السراء، وهي الحال المضرة.\nقوله: «فتنة»: الاختبار والامتحان. ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم بعلمك الغيب»: الباء للاستعطاف والتذلّل، أي\nأنشدك بحق علمك ما خفي على خلقك (١)، ولم يخف عليك مما استأثرت به، فيه تفويض العبد أموره إلى اللَّه جل شأنه، وطلب الخيرة في أحواله، وشأنه منه جل وعلا، وتوسلًا إليه سبحانه\n_________\n(١) العلم الهيب، ٣١١.","vol":"1","page":438},{"text":"وتعالى بعلمه الذي وسع كل شيء، وأحاط بكل شيء.\nقوله: «وبقدرتك على الخلق»: توسل لكمال قدرته النافذة على جميع المخلوقات: إنسها، وجنّها، وملائكتها، وهذا توسل بصفة القدرة بعد صفة العلم، أرجَى في قبول الدعاء واستجابته؛ لأن التوسل بأسماء اللَّه وصفاته كما سبق مرارًا هو أكبر الوسائل التي يرجى معها استجابة الدعاء.\n\n«وينبغي أن يعلم أن<span data-type=\"title\" id=toc-766> الحاجات التي يطلبها العبد من اللَّه تعالى نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>النوع الأول: ما عُلِم أنه خير محضٍ</span>، كسؤال خشيته من اللَّه تعالى، وطاعته وتقواه، وسؤال الجنة، والاستعاذة من النار، فهذا يطلب من اللَّه تعالى بغير تردد، ولا تعليم بالعلم بالمصلحة؛ لأنه خير محض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>النوع الثاني: ما لا يعلم هل هو خير للعبد أم لا</span>، كالموت والحياة، والغنى والفقر، والولد والأهل، وكسائر حوائج الدنيا التي يجهل عواقبها، فهذه لا ينبغي أن يُسأل اللَّه منها إلا ما يعلم فيه الخيرة للعبد؛ لأن العبد جاهل بعواقب الأمور، وقد تضمّن الدعاء في هذا الحديث النوعين معًا؛ فإنه لما سأل الموت والحياة قيّد ذلك بما يعلم اللَّه تعالى أن فيه الخيرة لعبده، ولما سأل الخشية وما\nبعدها مما هو خير صرف جزم به، ولم يقيّده بشيء» (١).\nولهذا ينبغي للعبد أن يفقه في باب الدعاء، ما يدعو به؛ لأنه يدعو رب الأرض والسموات، فينبغي أن يتخيَّر لمولاه أجمل\n_________\n(١) مجموع رسائل ابن رجب: ١/ ١٦٤.","vol":"1","page":439},{"text":"الألفاظ، وأحسن المعاني، وأنبل الأماني.\nقوله: «أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي»: أسألك بأن تحيني حياة طيبة، بأن يغلب خيري على شرّي، بأن أتمسك بشريعتك، متبعًا لسنة نبيك - ﷺ -، إذا كانت الحياة خيرًا لي، وفي هذا تفويض كامل للَّه تعالى، وتقديم اختياره تعالى على اختيار نفسه، لعجزه، وضعف اختيار العبد لنفسه، فهو عاجز عن تحصيل مصالحه، ودفع مضارّه إلا بما أعانه اللَّه عليه، ويَسَّره له، وفيه كذلك حسن الظن باللَّه جل وعلا بكمال أفعاله، وصفاته المقترنة بكمال الحكمة والعلم والعدل.\nقوله: «وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي»: بأن تغلب سيئاتي على حسناتي، بأن تقع الفتن والفساد والشر في الدين، ففي هذه الحال يكون الموت خيرًا لما فيه من الراحة للمؤمن، والسلامة من البلايا؛ ولهذا جاء النهي في السنة عن تمني الموت لضُر نزل بالعبد لجهله بالعواقب، ففي صحيح البخاري عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ» (١). أي علّة النهي عن تمني الموت بأن العبد إن كان محسنًا فحياته يرجى أن يزداد بها إحسانًا، وإن كان مسيئًا فإنه\nيسترضي اللَّه بالإقلاع عن الذنوب، وطلب المغفرة.\nثم شرع في سؤال المنجيات الثلاث كما جاء في الحديث عن النبي - ﷺ -: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب التمني، باب ما يُكره من التمني، برقم ٧٢٣٥.","vol":"1","page":440},{"text":"بِنَفْسِهِ، وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ: خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَصْدَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَكَلِمَةُ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ» (١).\nقوله: «وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة»: أي أسألك يا إلهي دوام الخشية مع الخوف في السر والعلن، والظاهر والباطن في حال كوني مع الناس، أو غائبًا عنهم، فإن خشيتك رأس كُل خير، فقد مدح اللَّه جل وعلا في عدة آيات من يخشاه بالغيب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٢)، وقال: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (٣).\n\n«وقد فُسّر الغيب في هذه الآيات بالدنيا؛ لأن أهلها في غيب عما وعدوا به من أمر الآخرة،<span data-type=\"title\" id=toc-769> والموجب لخشية اللَّه تعالى في السر والعلانية، أمور منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>١ - قوة الإيمان بوعده ووعيده على المعاصي</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>٢ - النظر في شدة بطشه وانتقامه وقوته وقهره</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>٣ - قوة المراقبة للَّه، والعلم بأنه شاهد ورقيب على قلوب عباده</span>\n_________\n(١) الطبراني في الأوسط، ٥/ ٣٢٨، برقم ٥٤٥٢، والبيهقي في شعب الإيمان، ٢/ ٢٠٣، ومسند الشهاب، ١/ ٢١٤، ومسند الفردوس، ١/ ١٧٣، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، ٢/ ٧، وروى البزار القسم الأول منه، ٢/ ٣٤٦، وقال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: «وبالجملة فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن على أقل الدرجات إن شاء الله تعالى»، ٤/ ٣٠١،، برقم ١٨٠٢.\n(٢) سورة الملك، الآية: ١٢.\n(٣) سورة ق، الآية: ٣٣.","vol":"1","page":441},{"text":"وأعمالهم، وأنه مع عباده، حيث كانوا» (١).\nقوله: «وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب»: وهذا المطلب عزيز جدًا يقلّ في واقع العبد، لذلك سأله ربَّه تعالى، وأسألك يا اللَّه النطق بالحق في جميع أحوالي، في حال غضبي، وفي حال رضاي، فلا أداهن في حال رضى الناس وغضبهم عليَّ، ويكون الحق مقصدي في جميع الأحوال.\nقوله: «وأسألك القصد في الغنى والفقر»: وبأن أكون مقتصدًا معتدلًا في حال غناي وفقري، فلا أنفق في الغنى بسرف، ولا طغيان، ولا أضيّق في حال فقري خوف نفاد الرزق، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢).\nوالقوام هو القصد، والتوسّط، وفي كل الأمور.\nقوله: «وأسألك نعيمًا لا ينفد»: أي أسألك نعيمًا لا ينقضي، ولا ينتهي، وليس ذلك إلا نعيم الآخرة، قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٣)، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (٤) أي في الجنة، فهو دائم لا ينتهي ولا ينقص.\n«أما نعيم الدنيا فهو نافد، كما أن الدنيا كلها نافذة، وكأنه حين\n_________\n(١) مجموع رسائل ابن رجب ١/ ١٦٤.\n(٢) سورة الفرقان، الآية: ٦٧.\n(٣) سورة النحل، الآية: ٩٦.\n(٤) سورة ص، الآية: ٥٤.","vol":"1","page":442},{"text":"ينزل به الموت وسكراته لم يذق نعيمًا من نعيم الدنيا» (١).\nقوله: «وأسألك قرة عين لا تنقطع»: وقرة العين هي من جملة النعيم الذي أسأله في الدنيا والآخرة؛ لأن النعيم منه ما هو منقطع، ومنه ما لا ينقطع، فمن قرّت عينه بالدنيا فقُرَّة عينه منقطعة، سروره فيها زائل؛ لأن لذاتها مشوبة بالفجائع والمنغصات، فلا تقرَّ عين المؤمن في الدنيا إلا باللَّه - ﷿ -، وذكره ومحبته والأنس به، والمحافظة على طاعته في الليل والنهار، ومن أعظمها الصلاة، كما قال المصطفى - ﷺ -: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (٢)، وقرّة العين في الآخرة تشمل النعيم في البرزخ، وفي الجنة، وقرّة العين التي لاتنقطع هي التي لا تنتهي، فإنّ من قرَّت عينه باللَّه جلّ وعلا فقد حصلت له قرة عين لا تنقطع في الدنيا، ولا في البرزخ، ولا في الآخرة.\nقوله: «وأسألك الرضى بعد القضاء»: سأل الرضى بعد حلول القضاء؛ لأنه حينئذ تتبين حقيقة الرضا، وأما الرضى قبل القضاء، فهو عزم ودعوى من العبد، فإذا وقع القضاء، فقد تنفسخ العزائم، وسؤال اللَّه الرضى بعد القضاء يتضمن الرضا بما فيه من خير أو شر، فأما في الخير فيرضى ويقنع به ولا يتكلف في طلب\n_________\n(١) مجموع رسائل ابن رجب، ص ١٧٣.\n(٢) مسند أحمد، ٢١/ ٤٣٣، برقم ١٤٠٣٧، وعبد الرزاق، والنسائي في السنن الكبرى،\n٥/ ٢٨٠، والطبراني في الكبير، ٢٠/ ٤٢٠، والحاكم، ٢/ ١٦٠، وجوّد إسناده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١٣/ ٩٤، وفي صحيح الجامع، برقم ٣٠٩٨.","vol":"1","page":443},{"text":"الزيادة،\nويشكر على ما أوتي به. وأما في الشر فيصبر، ولا يتكلّف في طلب الزيادة، ويشكر على ما أوتي به، وأما في الشر فيصبر ولا ينزعج ولا يتسخّط، ويتلّقاه بوجهٍ منبسطٍ، وخاطرٍ منشرحٍ، وشكرٍ مستمرٍّ (١)، والرضى بالقضاء مقام عظيم، من حصل له فقد ﵁، فإن الجزاء من جنس العمل، قال اللَّه تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢).\n«قال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب اللَّه الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين» (٣).\nقوله: «وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت»: أي أسألك الراحة بعد الموت، ويكون ذلك برفع الروح إلى الجنان في عليين، وهذا يدل على أن العيش وطيبه، وبرده، إنما يكون بعد الموت للمؤمن، فإن العيش قبل الموت منغصٌ لما فيه من الهموم والغموم.\nقوله: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك»: جمع هذا الدعاء أطيب وأهنأ شيء في الدنيا، وهو الشوق إلى لقاء اللَّه - ﷿ -، وأنعم وأطيب شيء في الآخرة هو النظر إلى وجه اللَّه الكريم، الذي لا شيء أجمل، ولا أنعم، ولا أهنأ من رؤيته، فعن صهيب - ﵁ -، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، يَقُولُ\nاللهُ ﵎: تُريدُونَ شَيئًا أَزيدُكُمْ؟ فَيقُولُونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ\n_________\n(١) الشر في القضاء كما سبق في المخلوق، وليس في صفات الله تعالى وأفعاله؛ لأنها كلها خير، وحق، وعدل، وفضل، ولطف، وليعلم أن الله تعالى لا يخلق شرًا محضًا، بل لا بد فيه من خير من جهة أخرى.\n(٢) سورة المجادلة، الآية: ٢٢.\n(٣) مجموع رسائل ابن رجب، ١/ ١٧٥.","vol":"1","page":444},{"text":"وُجُوهَنَا؟ ألَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قال: فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَى رَبِّهِمْ - ﷿ -» (١)، فهو أعظم من كل نعيم في الجنة وما فيها.\nقوله: «في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مُضلة»: أي أسألك شوقًا لا يوجد فيه ما يُضرني في ديني، ولا في دنياي بأن أحيا حياة خالية من الضرّ والبلاء الذي لا صبر عليه، وخالية من الفتن المضلّة، الموقعة في الحيرة، ومفضية إلى الهلاك.\nقوله: «اللَّهم زَينا بزينة الإيمان»: يا اللَّه زيَّن بواطننا وظواهرنا بزينة الإيمان، فتشمل زينة الباطن بالاعتقاد الصحيح، واليقين الثابت، وزينة اللسان بالذكر والقرآن، وزينة الظاهر بالأعمال الصالحة، والطاعة الدائمة، فإن الزينة الكاملة النافعة الدائمة، هي زينة الإيمان والتقوى إذا شملت القلب والبدن. فقد سمَّى اللَّه تعالى التقوى لباسًا، وأخبر أنها خير من لباس الأبدان ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٢) (٣).\nقوله: «واجعلنا هداة مهتدين»: بأن نهدي أنفسنا، ونهدي غيرنا، وهذا أفضل الدرجات، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٤)، وكما في دعاء النبي - ﷺ - لمعاوية - ﵁ -: «اللَّهم اجعله هاديًا\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم - ﷾ -، برقم ١٨٠.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٦.\n(٣) مجموع رسائل ابن رجب، ١/ ١٨٠.\n(٤) سورة الأنبياء، الآية: ٧٣.","vol":"1","page":445},{"text":"مهديًا، واهده، واهد به» (١).\nووصف الهداة بالمهتدين، وذلك أن يكون العبد عالمًا بالحق متبعًا له، معلّمًا لغيره ومرشدًا له، «ويدخل فيمن دعا إلى الهدى، ومن دعا إلى التوحيد من الشرك إلى السنة من البدعة» (٢)، فحقّ على الداعي أن يعتني بهذا الدعاء العظيم الجامع والشامل لكل خيرات الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>١٠٨ - «اللَّهُمَّ ارزُقني حُبَّكَ، وحُبَّ مَنْ يَنْفَعُني حُبُّهُ عندَك</span>، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَني مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَ مَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>المفردات:</span>\n«زويت»: صرفت ومحيت.\n_________\n(١) أخرجه أحمد،٢٩/ ٤٢٦،برقم ١٧٨٩٥،والترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب معاوية بن أبي سفيان - ﵁ -، برقم ٣٨٤٢، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم، ٤/ ١٨٣٦، والطبراني في الأوسط، ١/ ٢٠٥، وابن حبان، ١٦/ ١٧٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي\n٣/ ٢٣٦، والمشكاة، برقم ٦٢٣، سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٩٦٩.\n(٢) مجموع رسائل ابن رجب، ١/ ١٨٠.\n(٣) أخرجه الترمذي كتاب الدعوات، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد،، برقم ٣٤٩١، وحسنه. ومصنف ابن أبي شيبة، ١٠/ ٣٥٤، برقم ٣٠٢٠٨، وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط: «وهو كما قال». انظر تحقيقه لجامع الأصول، ٤/ ٣٤١.","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم ارزقني حُبَّك»: اللَّهم ارزقني بفضلك حُبك، لأنه لا سعادة لقلبي، ولا لذة، ولا نعيم، ولا صلاح إلا بأن تكون أحب إليّ من كل شيء مما سواك، وارزقني حُبَّ نبينا محمد - ﷺ - باتباعه، لا ينفعني عندك إلا حُبُّه، وارزقني حبَّ أوليائك كالملائكة، والأنبياء، والمؤمنين.\nقوله: «اللَّهم ما رزقتني مما أحب، فاجعله قوة لي فيما تحب»: اللَّهمّ أسألك ما رزقتني مما أحب من عافية البدن وقوته، ومتاع الدنيا من المال والأولاد والفراغ، فاجعله قوّة وعدّة وإعانة لي فيما تحبّ بأن تصرفه فيما تحبّه وترضاه من الطاعة والعبادة، من الأقوال والأفعال.\nقوله: «اللَّهمّ ما زَويْت عنِّي مما أحبّ، فاجعله فراغًا لي فيما تُحبّ» اللَّهمّ ما صرفت ومحوت عني من محابّي من المال والأولاد، وزخرف الدنيا وزينتها، فاجعله سببًا لفراغي بمحابّك من الطاعة، والعبادة لك، ولا تشغل به قلبي وفكري، فيُشغَل عن ذكرك يا اللَّه.\nسأل اللَّه تعالى التوفيق إلى محابّه في كل أحواله؛ لأن محبة اللَّه تعالى هي أعظم العون على القيام بطاعته تعالى، واجتناب مناهيه، فينبغي للعبد الإكثار من سؤال اللَّه ﵎ محبّته؛ لأنها أعظم المطالب، وأسمى المراتب.\nقد انطوى تحت هذا الحديث عدّة مقامات عظيمة: مقام الحب،","vol":"1","page":447},{"text":"ومقام التوحيد، ومقام الصبر، ومقام الشكر، ومقام الرضى، ومقام التسليم، ومقام الأُنس، ومقام البسط، ومقام التمكين، وغير ذلك، ولم يجتمع مثلها في حديث قصير إلا قليلًا، فأنت ترى جُلّ مقامات العبودية قد دخلت فيه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>١٠٩ - «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْهَا </span>كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم طهّرني من الذنوب والخطايا، اللَّهم نقني منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»: جمع بين طهارة الذنوب ونقائها، مبالغة في سؤال اللَّه السلامة من الذنوب، ومحو أثرها، كنقاء وصفاء الثوب الأبيض من الوسخ، لأن التطهير فيه أظهر من أي لون آخر.\nثم سأل اللَّه تعالى التطهير بأنواع المغفرة التي تمحق الذنوب، وذكر التطهير بأنواعه الثلاثة: «الثلج، والبرد، والماء البارد»، تعبير عن غاية المحو، فإن الثواب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقيّة، يكون في غاية النقاء، فذكر أنواع التطهير مبالغة في توكيد التطهير،\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١٠٩.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، برقم ٤٧٦، والنسائي، كتاب الغسل والتيمم، باب الاغتسال بالثلج والبرد، برقم ٤٠٠، واللفظ له.","vol":"1","page":448},{"text":"وخصَّ هذه الثلاثة بالذكر كذلك؛ لأنها منزلة من السماء، ولا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بواحدة منها، فكان تبيانًا لأنواع المغفرة التي لا يخلص من الذنوب إلا بها، أي: طهّرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمنزلة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث والأنجاس، وفي سؤال اللَّه تعالى المغفرة يتضمّن سؤال اللَّه تعالى العصمة من اقتراف الذنوب بكل أنواعها وأشكالها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>١١٠ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ، وَسُوءِ الْعُمُرِ</span>، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>الشرح:</span>\nتكرّرت في دعوات النبي - ﷺ - الاستعاذة من هذه المطالب المهمّة؛ لأن فيها يقع الضرر في الدين والدنيا، وذلك أن البخل: يمنع من أداء الواجبات المالية المفروضة على العبد، كالزكاة،\n_________\n(١) انظر: تحفة الذاكرين، ١٥٣ - ١٦٠، والفتوحات الربانية، ١/ ٤٣٨.\n(٢) النسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من سوء العمر، برقم ٥٤٦٩، ولفظه: «كان النبي - ﷺ - يتعوذ من خمس: اللهم إني أعوذ بك من البخل، والجبن، وأعوذ بك سوء العمر، وأعوذ بك من فتنة الصدر، وأعوذ بك من عذاب القبر»، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب صفة الصلاة، الاستعاذة من سوء العمر، برقم ٧٨٨١، وأخرجه أبو داود، كتاب الوتر، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٣٩، وابن حبان، ٣/ ٣٠٠، برقم ١٠٢٤، والبزار، ١/ ٤٥٥، وحسنه الأرنؤوط في تخريجه لجامع الأصول، ٤/ ٣٦٣، وقال في تحقيقه لصحيح ابن حبان، ٣/ ٣٠٠: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، وقال الشيخ الألباني في التعليقات الحسان، ٣/ ١٠٧٣: «صحيح لغيره».","vol":"1","page":449},{"text":"والإنفاق على من تجب عليه النفقة: كالوالدين، والزوجة، والذرية، وغير ذلك، واستعاذ من «الجبن» الذي هو ضدّ الشجاعة والإقدام، وهو صفة ذميمة، يؤدي إلى عدم الوفاء بكثير من الواجبات الشرعية، كالجهاد في سبيل اللَّه، والصدع بالحق من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وغير ذلك.\nقوله: «وسوء العمر»، هو البلوغ إلى حدّ الهرم، مما يؤدي إلى الخرف من ذهاب العقل، فيصبح كالطفل في قلّة الفهم، وضعف القوّة الذهنية والبدنية، فيصبح عالة على الأهل.\nقوله: «وأعوذ بك من فتنة الصدر»: هو استعاذة بكل ما ينطوي عليه الصدر من الغلّ، والحسد، والشكوك، والوسواس، وعقيدة غير مرضية من سوء الاعتقاد، «وعذاب القبر»، فإنه حق ثابت في الكتاب والسنة، وقد كان - ﷺ - يستعيذ منه في كل صلاة لخطورة أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>١١١ - «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَرَبَّ إِسْرَافِيلَ</span>، أَعُوذُ بِكَ مِنَ حَرِّ النَّارِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (١).\n_________\n(١) أخرجه النسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من حر النار، برقم ٥٥١٩، وفي الكبرى، كتاب صفة الصلاة، الاستعاذة من حر النار، وأحمد، ٤٠/ ٣٨٠، برقم ٢٤٣٢٤، والبيهقي في الدعوات، برقم ١٠٩، وأبو يعلى، ٨/ ٢١٣، برقم ٤٧٧٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ١١٢١، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم ١٥٤٤.","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>المفردات:</span>\n«الرب»: هو: السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح.\n«جبريل»: المَلَك الموكّل بالوحي.\n«ميكائيل»: الموكل بالقطر، والنبات.\n«وإسرافيل»: المَلَك الموكل بالنفخ في الصور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم رب جبريل»: فيه توسّل إلى اللَّه بربوبية جبريل، وهو الموكل بالوحي الذي فيه حياة القلوب، وهدايتها.\nقوله: «ورب ميكائيل»: وهو توسّل بربوبية اللَّه لميكائيل الموكل بالقطر والنبات الذي فيه حياة الأرض والحيوان.\nقوله: «ورب إسرافيل»: وهو الموكل بالنفخ بالصور الذي هو سبب حياة العالم، وعودة الأرواح إلى الأشباح.\nفوجه تخصيص السؤال بربوبيته لهؤلاء الملائكة، وهو ربّ كلّ شيء لانتظام هذا الوجود بهم؛ ولأنهم أشرف الملائكة؛ لما أنها موكلة بالحياة بأنواعها، والإتيان على هذا الترتيب لفضل مراتبهم بالذكر.\nفالتوسل إلى اللَّه - ﷾ - بربوبيته لهذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير في حصول المطلوب (١).\n_________\n(١) انظر: فيض القدير، ٢/ ١٠١.","vol":"1","page":451},{"text":"قوله: «أعوذ بك من حرِّ النار»: سأل اللَّه النجاة من النار بعد توسله بربوبيته العظيمة لهذه الأملاك العظيمة؛ لعظم أمرها، وخطورة شأنها، وشدّة هولها، وهذا من أفضل أنواع التوسل قبل الدعاء كما تقدم.\nقوله: «وعذاب القبر»: القبر هو أول منزل من منازل الآخرة، فعَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ - ﵁ -، قَالَ: «كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى، حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فَلا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «إنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ نَجا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ، فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ». قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْه» (١).\nفعذاب القبر حق وثابت؛ ولهذا كان المصطفى - ﷺ - يأمر بالاستعاذة منه في كل صلاة، فلا ينجو منه إلا المؤمن الموحِّد المُخلِص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>١١٢ - «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» </span>(٢).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب حدثنا هناد، برقم ٢٣٠٨، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، برقم ٤٢٦٧، وأحمد، ١/ ٥٠٣، برقم ٤٥٣، والحاكم، ١/ ٣٧١، والبيهقي، ٤/ ٢٥٦، والمقدسي في المختارة، ١/ ٥٢٤، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٣٤٤٢، وصحيح الجامع الصغير، برقم ١٦٨٤.\n(٢) رواه أحمد، ٣٣/ ١٩٧، برقم ١٩٩٩٢، والترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا أحمد بن معاوية، برقم ٣٤٨٣، واللفظ له، والبزار، ٩/ ٥٣، والأسماء والصفات للبيهقي، ٢/ ٤٣٠، وإسناده عند أحمد صحيح على شرط مسلم، كما قال محققو المسند، ٣٣/ ١٩٧.","vol":"1","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>المفردات:</span>\nالرشد: خلاف الغي، يستعمل استعمال الهداية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785><span data-type=\"title\" id=toc-787>الشرح:</span></span>\nسأل اللَّه تعالى أن يوقع في نفسه الرشد، وهو طاعة اللَّه ورسوله، كما أرشد النبي - ﷺ - خطيبًا في خطبته: «من يطع اللَّه ورسوله فقد رشد، ومن يعص اللَّه ورسوله فقد غوى» (٢).\nأي: يا اللَّه، يا ذا الأسماء الحسنى، والصفات العُلا، ألقِ في نفسي الهداية، والصلاح، والرشاد، والسداد، واعصمني من شرِّ نفسي؛ لأنها أمَّارة بالسوء، فشرّ النفس أحد منابع الشر وأصوله، وطرقه المؤدية إلى الهلاك، إذا لم يعصم اللَّه تعالى العبد منها، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>١١٣ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ» </span>(٤).\n_________\n(١) المفردات ص ٣٥٤.\n(٢) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم ٨٧٠.\n(٣) سورة يوسف، الآية: ٥٣.\n(٤) أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب صفة الصلاة، الاستعاذة من علم لا ينفع، برقم ٧٨١٨، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما تعوذ منه رسول الله - ﷺ -، برقم ٣٨٤٣، والطبراني في الأوسط، ٧/ ١٥٤، برقم ٧١٣٩، وابن حبان، ١/ ٢٨٣، برقم ٨٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٢٧، ولفظه: «سلوا الله علمًا نافعًا، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع».","vol":"1","page":453},{"text":"الشرح:\nأمر رسولنا - ﷺ - أن نسأل اللَّه علمًا نافعًا، وهو الذي يُهذِّب الأخلاق الباطنة، فيسري إلى الأعمال الظاهرة، فيصلح الظاهر، والباطن، والعلم النافع هو العلم بالشريعة الذي يفيد المكلف ما يجب عليه من أمور دينه في عباداته، ومعاملاته، وأخلاقه، وسلوكه.\nوأفضل العلوم النافعة في الوجود، وأولاها: العلم باللَّه جلّ شأنه، وأسمائه، وصفاته، [وأفعاله]، [و] الذي يجوز في حقه تعالى، وما لا يجوز، فهذا هو أعظم العلوم وأنفعها، ومن علامة إرادة اللَّه الخير لعبده، التوفيق لطلب العلم وتفقهه، قال النبي - ﷺ -: «من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين» (١).\nقوله: «وتعوذوا باللَّه من علم لا ينفع»: وهو العلم الذي لا يُعمل به، ولا يُعلمه، ولا ينتفع به، ولا يُهذِّب الأخلاق والأقوال والأفعال، وهذا حجة على صاحبه، ويدخل كذلك في علم لا ينفع من لا يؤذن في تعلمه، كالعلوم الفاسدة، مثل: السحر وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>١١٤ - «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ [السَّبْعِ] وَرَبَّ الْأَرْضِ، وَرَبَّ الْعَرْشِ </span>الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ،\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، برقم ٧١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، برقم ١٠٣٧.","vol":"1","page":454},{"text":"أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>المفردات:</span>\nالفلق: بسكون اللام، وهو الشق. ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>الشرح:</span>\nهذا دعاء عظيم، ذو شأن كبير؛ لما فيه من التوسلات العظيمة إلى اللَّه ﵎ بربوبيته لكل شيء، والتي منها الأجرام العظيمة من السموات السبع، والأرضين السبع، وأعظم المخلوقات العرش العظيم، وبإنزاله لكلامه العظيم، ووحيه المبين، بأن يحفظه من جميع الشرور، كما اشتمل على التوسل إلى اللَّه جل وعلا ببعض أسمائه الحسنى الجليلة، الدالة على كمال صفاته العظيمة، بأن يقضي عن الإنسان دينه، ويغنيه من الفقر.\nقوله: «اللَّهم رب السموات السبع، ورب الأرض، ورب العرش العظيم»: أي يا خالق هذه الكائنات العظيمة ومبدعها، وموجدها من\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم ٢٧١٣، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":455},{"text":"العدم، وخُص بربوبيته لهذه المخلوقات بالذكر؛ لعظمها وكبرها، ولكثرة ما فيها من الآيات البينات، والدلالات الباهرات على كمال خالقها وعظمة مبدعها (١)، قال اللَّه تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nوقوله: «رب العرش العظيم» توسل بربوبيته لأعظم المخلوقات كما روى عبد الرحمن بن زيد قال: حدثني أبي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس»، قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ، إِلَّا كَحَلَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاةٍ مِنَ الْأَرْضِ» (٣)، والكرسي أكبر من السموات والأرض ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٤)، فانظر رحمك اللَّه إلى عظم هذا العرش العظيم بهذه العظمة والسعة والمجد، فكيف بخالقه وموجده ومبدعه؟ تبارك ربنا وتعالى الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nوقوله: «فالق الحب والنوى»: منه الفلق، وهو الشق أي: شاق حبة الطعام والنوى، وهي: عجمة التمر؛ لتخرج الأشجار والزروع؛ فإنَّ النباتات إما أشجار أصلها نوى، أو زروع أصلها الحب، فاللَّه - ﷾ -\n_________\n(١) فقه الأدعية: ٤/ ٧٥.\n(٢) سورة غافر، الآية: ٥٧.\n(٣) الطبري في التفسير، ٥/ ٣٩٩، برقم ٥٧٩٤، العظمة لأبي الشيخ، ٢/ ٥٨٧، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ١/ ١٠٨، برقم ١٠٩،\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.","vol":"1","page":456},{"text":"لكمال قدرته، وبديع خلقه هو الذي يفتح هذا الحبّ والنوى اليابس الذي كالحجر لا ينمو ولا يزيد، فينفرج وتخرج منه الزروع العظيمة، والأشجار الكبيرة، وفي هذا آية باهرةٌ على كمال المبدع، وعظمة خالقه - ﷾ - كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) (٢)، «والتخصيص في ذكرهما إما لفضلهما، واحتياج كل الخلائق لهما، أو لكثرة وجودهما في ديار العرب» (٣)، ولا شك أن كلا الأمرين متعين فيهما.\nقوله: «ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان»: فيه توسُّل إلى اللَّه - ﷿ - بإنزاله لهذه الكتب العظيمة المشتملة على هداية الناس، وفلاحهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وخص هذه الكتب الثلاثة؛ لأنها أعظم كتب أنزلها اللَّه تعالى، وذكرها مرتبة ترتيبًا زمنيًا، «والفرقان» هو القرآن (٤)، وسُمِّي فرقانًا لأنه يفرق بين الحق والباطل، وفي هذا دلالة على أن هذه الكتب من كلام اللَّه، أي صفة من صفاته، وهي صفة الكلام العظيمة، وهي صفة ذات وفعل، ولهذا فرق جل وعلا في هذا الدعاء بينهما، ففي المخلوقات قال: «رب» و«وفالق»، وفي كلامه ووحيه قال: «مُنزل»؛ لأن كلامه تعالى غير مخلوق.\nثم شرع بسؤال مطلوبه بعد ذكر هذه الوسائل العظيمة طمعًا في\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ٩٥.\n(٢) فقه الأدعية، ٤/ ٧٥، وانظر: تفسير الرازي، ١٣/ ٩٣، فله كلام نفيس جدًا.\n(٣) الفتوحات الربانية، ١/ ٧٢٨.\n(٤) كما في رواية ابن ماجه: (والقرآن العظيم) ٣٨٣١.","vol":"1","page":457},{"text":"حصول الإجابة.\nقوله: «أعوذ بك من شرِّ كل شيء أنت آخذ بناصيته»: شملت هذه الاستعاذة على كل الشرور، فإن (كل) من صيغ العموم، (شيء) أعم العمومات، فما من شر إلا وقد استعيذ منه. وأعوذ: أي ألتجيء، وأعتصم بك، وأحتمي بجانبك: فمن استعاذ بك عذته.\nقوله: «ومن شر كل دابة» الدابة: هي كل ما يدبُّ على الأرض، وهو يشمل الذي يمشي على بطنه، أو على رجلين، أو على أربع، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).\nقوله: «أنت آخذٌ بناصيتها»، والناصية هي مقدم الرأس، فيه دلالة على أن كل المخلوقات داخلةٌ تحت قهره وسلطانه وتصرفه قادرٌ عليها، يتصرف فيها كيف يشاء، ويحكم فيها ما يريد عز شأنه.\nثم شرع في التوسل ببعض أسمائه الحسنى، وصفاته العظيمة العُلا فقال: «اللَّهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء»: أي يا اللَّه، أنت الأول الذي لا شيء قبلك، ولا معك، وأنت الآخر الباقي بلا انتهاء، بعد فناء كل شيء، وأنت «الظاهر فليس فوقك شيء»: أي أنت العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منك، «وأنت الباطن»: أي أنت المطلع على السرائر والضمائر والخبايا والخفايا، وأنت المحتجب عن الخلق، فلا يقدر أحد على\n_________\n(١) سورة النور، الآية: ٤٥.","vol":"1","page":458},{"text":"إدراك ذاتك مع كمال ظهورك.\nومدار هذه الأسماء الأربعة على بيان إحاطة الرب - ﷾ -، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية، أما الزمانية فقد دل عليها اسمه الأول والآخر، والمكانية فقد دل عليها اسمه الظاهر والباطن، وهذا مقتضى تفسير النبي - ﷺ -، ولا تفسير أكمل من تفسيره (١).\nقوله: «اقض عنَّا الدين» فبعد تلك التوسلات الجليلة من أسمائه العليَّة شرع في السؤال والطلب: أي أدِّ عنا الحقوق التي بيننا وبينك، والحقوق التي بيننا وبين عبادك، وفي هذا تبرؤ العبد من الحول والقوة، وأنه لا حول له ولا قوة له إلا باللَّه العظيم.\nقوله: «وأغننا من الفقر» الغنى: هو عدم الحاجة لوجود الكفاية، والفقر: خلو ذات اليد، والفقير من وجد بعض كفايته، أو لم يجد شيئًا، والديْن والفقر همّهما عظيم يصيب العبد بسببهما الهم والحزن، وقد يوقعان الضرر في الدين والدنيا من ذل السؤال، والاحتياج إلى الخلق، والوقوع في المحذورات الشرعية من الكذب والإخلاف في الوعد، والتثاقل عن الطاعات، وغير ذلك الكثير من المذمومات (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>١١٥ - «اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ</span>، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ،\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، ١/ ٣١، والحق الواضح، ص ٢٥.\n(٢) الفتوحات الربانية، ١/ ٧٢٧، والعلم الهيب، ص ١٧٩، وفقه الأدعية، ٤/ ٧٤ - ٧٨.","vol":"1","page":459},{"text":"وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُلُوبِنَا، وَأَزْوَاجِنَا، وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمِكَ مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ، قَابِلِينَ لَهَا، وَأَتِمِمْهَا عَلَيْنَا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>المفردات:</span>\nألف: اجتماع مع التئام.\nالفواحش: قبائح الذنوب والكبائر مثل الزنى واللواط (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم ألف بين قلوبنا»: أي اجعل بينها الإيناس والمودة والتراحم؛ لنثبت على الإسلام، ونقوى على الإيمان؛ لنصرة دينك، ونكون على قلب واحد كالجسد الواحد.\nقوله: «وأصلح ذات بيننا»: أبعد عنا يا اللَّه الشحناء والفراق والشقاق بين الخصماء، لنكون على المحبة والإخاء فيما بيننا.\nقوله: «واهدنا سبل السلام»: سُبل: جمع سبيل، وهي الطرق: أي دلنا ووفقنا إلى الطريق الذي فيه السلامة من الآفات والمهلكات\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشهد، برقم ٩٦٩، والحاكم، واللفظ له ١/ ٢٦٥، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، ١/ ٢٦، وابن حبان، ٣/ ٢٧٧، وبمحوه في الأدب المفرد، ص١٢٢، ومسند البزار، ٥/ ١٥٣، وقال عنه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٦٣٠: «صحيح».\n(٢) المفردات، ص ٨١.","vol":"1","page":460},{"text":"والضلالات، بالقيام بصالح الأعمال: من الواجبات والمستحبات، واجتناب المحرمات والمكروهات، حتى توصلنا إلى دار السلام وهي الجنة ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١).\nقوله: «ونجنا من الظلمات إلى النور»: أي انقذنا من ظلمات الدنيا والتي أعظمها: الشرك، والكفر، والنفاق، والفسوق، والمعاصي، والشرور إلى نور الطاعات والصالحات، والتي أعظمها: الإيمان، والتوحيد الخالص للَّه، جَمَعَ كلمة «ظلمات» وَوَحَّد «النور»؛ لأن طرق الشر كثيرة، وطريق الحق واحد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ (٢).\nقوله: «وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن»: أي أبعد عنا قبائح الذنوب القولية والفعلية التي تستقبحها كل العقول السليمة: الظاهرة منها، والباطنة، مثل: الزنى، واللواط، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن﴾ (٣)، فسمَّاها اللَّه فواحش لتناهي قبحها، ففيه بيان أن العبد لا قوة له إلا باللَّه تعالى، لضعفه وعجزه في دفع الشرور، والسيئات، والمهلكات، وأنه لا غنى له عن ربه طرفة عين في كل أموره.\nقوله: «وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا»: فيه سؤال اللَّه\nأن توظَّفَ هذه الأعضاء في الطاعات، والزيادة في الخيرات؛ فإن البركة هي النماء في الخير، والدوام عليه.\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١٢٧.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٥١.","vol":"1","page":461},{"text":"قوله: «وأزواجنا وذرياتنا»: بتوفيقهم للطاعات، والإكثار من النسل الطيِّب، فتقر أعيننا بهم في الدنيا والآخرة، سأل اللَّه تعالى البركة لزوجه، ولذريته؛ ليكمل له الخير في كل محابه؛ فإنه لا أقرّ لعين العبد في أن يراه أهله على الطاعة، والاستقامة؛ لأن ذلك يعود عليهم جميعًا في نيل الزلفى، والاجتماع بعضهم مع بعض في جنات اللَّه العلا.\nقوله: «وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم» أي وفقنا للتوبة، وثبِّتنا عليها، ثم علَّل طمعه في ذلك بأن عادته جلَّ شأنه التفضل «إنك أنت التواب الرحيم» أي الرّجاع بعباده إلى مواطن النجاة، والتوّاب اسم من أسماء اللَّه الحسنى الدال على كثرة قبول توبة عباده، فهو يقبل توبة عبده كلما تكررت توبته لربه إلى ما لا نهاية [وهو الذي يوفق لها].\nوالرحيم: [اسم من أسماء اللَّه الحسنى يشتق منه صفة الرحمة للَّه - ﷿ -، على ما يليق بجلاله، ولا تشبه رحمته رحمة المخلوق]، والرحيم: المبالغة في الرحمة، والرحمة هي: العطف، والرأفة، وهي خاصة بالمؤمنين، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (١). و«الرحمن» عام لجميع الخلائق: مؤمنهم، وكافرهم، إنسهم، وجنهم.\nقوله: «واجعلنا شاكرين لنعمك»: أي إنعامك، بأن توفِّقنا إلى شكر نعمك التي لا تُحصى في الليل والنهار، وفي السرّ والعَلَن،\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣.","vol":"1","page":462},{"text":"فإن شكرها يقيض حفظها ودوامها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١).\nقوله: «مثنين بها عليك»: أي من الثناء، وهو المدح، والمراد هنا التحدث بالنعم، كما أمر اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٢)، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٣).\nقوله: «قابلين لها»:بالقول، والعمل، [والاعتراف، والتحدّث بها].\nقوله: «وأتممها علينا»، فيه طلب حفظ النعم، ودوامها، وبقائها (٤).\nقوله: «وأتممها علينا»: فيه طلب حفظ النعمة، وتمامها، وكمالها، ودوامها، ولا يكون ذلك إلا بحفظ أوامر اللَّه تعالى، والبعد عن محارمه ومعاصيه، وشكره جلَّ وعلا على كل نعمه، فتضمَّن هذا الدعاء سؤال اللَّه تعالى التوفيق إلى طاعته، والبعد عن معاصيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>١١٦ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَسْأَلَةِ، وَخَيْرَ الدُّعَاءِ،\nوَخَيْرَ النَّجَاحِ</span>، وَخَيْرَ الْعَمَلِ، وَخَيْرَ الثَّوَابِ، وَخَيْرَ الْحَيَاةِ، وَخَيْرَ الْمَمَاتِ، وَثَبِّتْنِي، وَثَقِّل مَوَازِينِي، وَحَقِّقْ\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ٧.\n(٢) سورة البقرة، الآية:٢٣١.\n(٣) سورة الضحى، الآية: ١١.\n(٤) انظر: فيض القدير، ٢/ ١١٨، شرح الأدب المفرد، ٢/ ٢٨٢ بتصرف.","vol":"1","page":463},{"text":"إِيمَانِي، وَارْفَعْ دَرَجَاتِي، وَتَقَبَّلْ صَلاَتِي، وَاغْفِرْ خَطِيئَتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ العُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ، وَخَوَاتِمَهُ، وَجَوَامِعَهُ، وَأَوَّلَهُ، وَظَاهِرَهُ، وَبَاطِنَهُ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا مِنَ الْجَنَّةِ آمِينْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا آتِي، وَخَيْرَ مَا أَفْعَلُ، وَخَيْرَ مَا أَعْمَلُ، وَخَيْرَ مَا بَطَنَ، وَخَيْرَ مَا ظَهَرَ، وَالدَّرَجَاتِ العُلَا مِنَ الْجَنَّةِ آمِينْ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ أنْ تَرْفَعَ ذِكْرِي، وَتَضَعَ وِزْرِي، وَتُصْلِحَ أمْرِي، وَتُطَهِّرَ قَلْبِي، وَتُحَصِّنَ فَرْجِي، وَتُنَوِّرَ قَلْبِي، وَتَغْفِرَ لِي ذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا مِنَ الْجَنَّةِ آمِينْ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ أنْ تُبَارِكَ فِي نَفْسِي، وَفِي سَمْعِي، وَفِي بَصَرِي، وَفِي رُوحِي، وَفِي خَلْقِي، وَفِي خُلُقِي، وَفِي أَهْلِي، وَفِي مَحْيَايَ، وَفِي مَمَاتِي، وَفِي عَمَلِي، فَتَقَبَّلْ\nحَسَنَاتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ العُلَا مِنَ الْجَنَّةِ، آمِينْ» (١).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم عن أم سلمة مرفوعًا، ١/ ٥٢٠، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٥٢٠، والبيهقي في الدعوات، برقم ٢٢٥، والطبراني في الكبير، ٢٣/ ٣٢٦، برقم ٧١٧، والأوسط، ٦/ ٢١٣، برقم ٦٢١٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: «رواه الطبراني في الكبير ورواه في الأوسط باختصار بأسانيد، وأحد إسنادي الكبير، والسياق له، ورجال الأوسط ثقات»، مجمع الزوائد، ١٠/ ٢٨٠.","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-795>الشرح:</span>\nهذا الدعاء العظيم المبارك الجامع لكل خيرات الدنيا والآخرة تفصيلًا، وتنويعًا، فهو أشمل وأكثر الأحاديث التي جاءت عن النبي - ﷺ - التي فيها من التفصيل والتعميم والشمول في طلب كل أنواع الخير، وذلك «إنَّ الجملة الطلبية إذا وقعت موقع الدعاء والسؤال، كان بسطها وتطويلها أنسب من اختصارها وحذفها؛ ولهذا يشرع تكرارها، وإبداؤها، وإعادتها؛ لأن في مقام الدعاء والتضرّع، وإظهار العبودية، والافتقار، واستحضار الأنواع التي يدعو بها العبد، ويسألها ربّه جلَّ وعلا أفضل، وأبلغ من اختصارها، فكلما كَثَّر العبدُ الدعاءَ، وطوَّله، وأعاده، وأبداه، ونوَّع جمله، كان ذلك أبلغ في عبوديته، وإظهار فقره، وتذلُّلِه، وحاجته، وكان ذلك أقربَ له من ربه، وأعظم لثوابه، واللَّه تعالى يحبُّ الملحِّين في الدعاء» (١).\nقوله: «اللَّهم إني أسألك خير المسألة، وخير الدعاء»: استفتح هذا الدعاء المبارك بسؤال اللَّه تعالى خير المسألة، وخيرها هو:\nأقواها تأثيرًا في الإجابة، وأحسنها جمعًا للمطلوب الذي العبد أحوج إليه من غيره من خيري الدنيا والآخرة، وقوله (خير) على وزن فَعْل للتفضيل.\n_________\n(١) جلاء الإفهام، ص ٢٣٠.","vol":"1","page":465},{"text":"قوله: «وخير النجاح»: أي التمام والكمال في الأمور، والحصول على كل المطلوب.\nقوله: «وخير العمل»: أي التوفيق إلى أفضل العمل، وأحسنه الذي يحبّه الربُّ جلَّ وعلا، الذي فيه الثواب الأكثر، والأجزل، ومنه الصلاة؛ لأنها أفضل العمل قال النبي - ﷺ -: «اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» (١).\nقوله: «وخير الثواب»: فيه سؤال اللَّه أن يثيبه أكثر الثواب، وأحسنه، وأعظمه، بمضاعفة الأجر والثواب، فتضمّن هذا السؤال التوفيق إلى أفضل الأعمال، والأقوال عند اللَّه تعالى، وأرفعها قدرًا.\nقوله: «وخير الحياة»: أي أفضل الحياة، وأحسنها، بأن تكون في طاعة الرحمن، وحسن العبادة له، واجتناب معاصيه - ﷿ -، والحياة الطيبة المطمئنة الآمنة من البلاء، والمصائب، والأكدار.\nقوله: «وخير الممات»: بأن يموت مَرْضِيًَّا عنه، مغفورًا له مثابًا، متشبثًا على الحق، وحسن الخاتمة من العمل الصالح، وكلمة الشهادة.\nقوله: «وثبتني»: سؤال اللَّه الثبات، والاستقامة في جميع الأمور في الأقوال، والأفعال، والأخلاق في الدنيا، والبرزخ والآخرة؛ لما في حذف المفعول من إشعار بالتعميم والشمول.\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب المحافظة على الوضوء، برقم ٢٧٧، وأحمد، ٣٧/ ١١٠، برقم ٢٢٤٣٦، وابن حبان، ٣/ ٣١١، والحاكم، ١/ ١٣٠، والبيهقي، ١/ ٨٢، والدارمي، ١/ ٦٦، وحسن إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة، ١/ ١٨١، برقم ١١٥.","vol":"1","page":466},{"text":"قوله: «وثقِّل موازيني»: بكثرة الحسنات من الأعمال الفاضلات الصالحات على السيئات، ومنها حسن الخلق؛ لأنه أثقل الأعمال في الميزان، فإن من كثرت حسناته على سيئاته فقد فاز بالسعادة الأبدية، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (١).\nقوله: «وحقِّق إيماني»: بأن يكون ثابتًا قويًا لا شك فيه، ولا ريب، سأل ربه تعالى أجلَّ مطالب الدين الذي عليه الفلاح في الدارين.\nقوله: «وارفع درجاتي»: في الدنيا بإعلاء الثناء، والذكر الحسن، والقبول في الموعظة، وامتثال الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والشفاعة، وغير ذلك، ورفع الدرجات والمنازل العالية في الآخرة.\nقوله: «وتقبَّل صلاتي»: بأن تكون مقبولة؛ لأنها رأس الإيمان وأساسه، وقبولها يستلزم قبول غيرها من العمل.\nقوله: «واغفر خطيئتي»: أي تجاوز عن كل خطيئاتي: سرّها، وعلانيتها: صغيرها، وكبيرها التي بيني وبينك، وبيني وبين عبادك؛ لأنَّ من غفر اللَّه له ذنوبه نجا من كل مرهوب، ونال كل محبوب.\nقوله: «وأسألك الدرجات العُلا من الجنة آمين»: ختم هذا\nالدعاء بأعظم ما يتمنَّاه كل مؤمن، وهو الجنة، بل سأل الدرجات العُلا التي فيها، وهي أعلى منازلها ورتبها، وهذا الدعاء كالتخصيص في الدعاء السابق: «وارفع درجاتي» من باب عطف الخاص على\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٨.","vol":"1","page":467},{"text":"العام؛ لأهميّة هذا الخاص، وشدّة العناية به، وذلك أن درجات الجنة هي أعلى وأغلى الدرجات والأمنيات، وهذا تعليم لرفع الهمة في الدعاء المستلزم للإكثار من العبادة الرافعة لدرجات الآخرة.\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ (١)، كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ، وَأَنْعِمَا» (٢).\nوقال النبي - ﷺ -: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ، أَوْ الْمَغْرِبِ؛ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ، وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» (٣).\nثم ختم بالتأمين، ومعناه [اللهمّ استجب]، والتأكيد لما سبق من الدعاء.\n_________\n(١) أي أهل الجنة الذين دونهم في الرتب، ولا يخفى عليك عظم هذا النعيم، والرفعة العالية، حيث إن أصحاب الجنة يرونهم كما يرون الكواكب في أعلى السماء؛ لعظم التفاضل وعلو المراتب.\n(٢) الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق - ﵁ - ...، برقم ٣٦٥٨، واللفظ له، وابن ماجه، المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ -، برقم ٩٦، وأحمد،\n١٧/ ٣٠١، برقم ١١٢٠٦، والطبراني في الكبير، ٢/ ٢٥٤، برقم ٢٠٦٥، وأبو يعلى،\n٢/ ٣٦٩، وابن أبي شيبة، ١٢/ ٣٢٥٨٨، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٨٩٢، وصحيح ابن ماجه، برقم ٩٦.\n(٣) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف، كما يرى الكوكب في السماء، برقم ٢٨٣١، وبنحوه في: أحمد، ١٤/ ١٧٨، برقم ٨٤٧١، وابن حبان،\n١٦/ ٤٠٤، والطبراني في الأوسط، ٩/ ١٨٤، برقم ٩٤٨٨، والدارمي، ١/ ٢١٤ وغيرها.","vol":"1","page":468},{"text":"ولا تخفى أهمية هذه الدعوات السابقة، بما حوته من مطالب عالية، وكذلك أنها جاءت بصيغة التفضيل التي تدلّ على الخيريّة، والأفضليّة، وهذا تحقيقًا في تعظيم الرغبة، والطلب في الدعاء الذي أمر به المصطفى - ﷺ -: «إذَا دَعَا أحَدُكُمْ فَلْيُعَظِّمِ الرغبةَ؛ فَإِنَّه لاَ يَتَعَاظمُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ» (١).\nقوله: «اللَّهم إني أسألك فواتح الخير وخواتمه»: «فجمع في السؤال بين طرفي الخير.\nقوله: «وجوامعه»: سأل اللَّه جوامع الخير؛ لأنه ما يجمع الأمر المتفرّق هو أقرب إلى ضبطه، وأسهل لتيسيره، وأقرب لحصوله» (٢).\nثم أكَّد الطلب فقال: «وأوله، وآخره، وظاهره، وباطنه» سؤال اللَّه كل الخير من جميع أنواعه، وصوره الظاهرة والباطنة، بأشمل، وأوسع عبارة في السؤال، وكان يغني سؤال اللَّه الخير بلفظة واحدة: «اللَّهم إني أسألك الخير كله» لكن في باب التضرع والسؤال، كما\nسبق أفضل في البسط والشمول، وحتى يستحضر أنواع الخير التي يتمنّاها العبد من ربه التي فيها سعادته في الدنيا والآخرة، ولا يخفى أن التفصيل في سؤال اللَّه تعالى الخير؛ لأنه تتشوق إليه كل نفس؛ فإن هذا المطلب عزيز في النفوس.\n_________\n(١) ابن حبان، ٣/ ١٧٧، والدعوات الكبير للبيهقي، ٢/ ٩٣، وبنحو منه في صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب العزم بالدعاء، ولا يقل إن شئت، برقم ٢٦٧٩ بلفظ: «إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة، فإن اللَّه لا يتعاظمه شيء أعطاه». وأما رواية ابن حبان، فصححها الألباني في التعليقات الحسان، ٣/ ٨١٧، برقم ٨٩٣.\n(٢) تحفة الذاكرين، ٤٣٨.","vol":"1","page":469},{"text":"ثم ختم بقوله: «والدرجات العُلا من الجنة آمين» كرّر سؤال الدرجات العُلا من الجنة، وهي أعلى مراتبها كما سبق؛ لأن هذا المطلب لا أسمى، ولا أفضل منه لكل راغب في ما عند اللَّه تعالى في أن يكون في أعالي الجنان على الدوام؛ ولهذا كرّره - ﷺ - بعد كل جملة من جمل الدعاء خمس مرات دلالة على أنه حق على كل داعٍ أن يكون جلَّ دعائه في هذه الأمور.\nقوله: «اللَّهم إني أسألك خير ما آتي» أي أسألك خير الذي آتيه من جميع الأمور، من الأقوال، والأفعال، والأخلاق كما دلَّ عليه اسم الموصول (ما).\nثم عطف عليه «خير ما أفعل، وخير ما بطن، وخير ما ظهر»: من عطف الخاص على العام، والنكتة فيه معروفة؛ لأهميته، وشدة العناية به، ففيه سؤال اللَّه أن تكون كل أعماله، وأفعاله على الوجه الأكمل، والأمثل المرضي عنده - ﷿ -.\nثم ختم السؤال: «وأسألك الدرجات العُلا من الجنة آمين» مرة ثالثة، وهذا أقلّ درجات الإلحاح، وهذا يدلُّك على عظم هذا المطلوب، وأنه ينبغي أن يكون أكثر السؤال والمنوال، وهو دأب الراغبين في علو الهمة، والرغبة فيما عند اللَّه تعالى في دار الآخرة.\nقوله: «اللَّهم إني أسألك أن ترفع ذكري»: سأل اللَّه أن يُعلي ذكره بالثناء عليه؛ لأنه يترتب على ذلك مصالح من قبول الحق، وامتثال الموعظة الحسنة، وهذا قد سأله خليل الرحمن إبراهيم: ﴿وَاجْعَلْ","vol":"1","page":470},{"text":"لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (١).\nقوله: «وتضع وزري»: أن تسقط عني ذنوبي وآثامي.\nقوله: «وتُصلح أمري»:سؤال اللَّه إصلاح أحواله كلها، وشؤونه، كما يدلّ عليه إضافة اسم الجنس إلى الضمير.\nقوله: «وتطهر قلبي»: سأل اللَّه طهارة القلب من كل ما يشينه من سوء وإثم، فإذا طهر القلب أبصر الحق فتبعه، وعرف الباطل فاجتنبه (٢).\nقوله: «وتحصّن فرجي»: أي أسألك أن تعصمني من الوقوع بالذنوب المتعلقة بالفرج، ومنها النظر إلى كل ما حرُم الذي هو بريد الزنى، ومقدماته من الزنى، والاستمناء.\nقوله: «وتُنور قلبي»: أسألك أن تنوّره بأنوار المعرفة، والهداية؛ لأن بتنويره يستلزم تنوير كل الأعضاء إلى اتباع الحق، واجتناب الباطل، سأل طهارة القلب أولًا من باب التخلية التي قبل التحلية، فإذا دخل النور فيه استلزم الهداية، وأنوار المعرفة، والحكمة، والعلم، والهدى، فيسري على كل الأعضاء، والأركان في الجسد.\nقوله: «وتغفر لي ذنبي»: وأن تستر وتتجاوز عن سيئاتي كلها،\nففي المغفرة الأمان من العذاب، والسلامة من كل مرهوب، والفوز بكل محبوب.\nثم ختم الدعاء بمرة رابعة «وأسألك الدرجات العُلا من الجنة\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآية: ٣٤.\n(٢) تحفة الذاكرين، ٤٣٩ بتصرف.","vol":"1","page":471},{"text":"آمين»؛ لأن الدرجات العُلا هي منازل السابقين المقربين عند رب العالمين؛ ولهذا يحسن الإلحاح في طلبها.\nقوله: «اللَّهم إني أسألك أن تبارك في نفسي»: البركة هي الخير والنمو الدائم، والثابت، وسؤال اللَّه البركة في النفس بأن تكون منشرحة لقبول الحق، ومحبة الخير، نشيطة في الطاعة قوية في الهمَّة.\nقوله: «وفي سمعي، وفي بصري»: والبركة فيهما أن يكونا صحيحين سالمين من كل آفة وعيب، واستعمالهما في الحق، وردّ الباطل، وتوظيفهما في طاعة اللَّه، ومرضاته.\nقوله: «وفي روحي» إذا كانت الروح مباركة، كانت جميع الأعمال الصادرة عنها مباركة جارية على الصواب والرشاد.\nقوله: «وفي خَلْقي»: والبركة في الخَلْق وهي الخِلْقة تحسينها، واستواء الصورة فيها، خالية من العيوب، والآفات المشوهة للصورة، والمنفِّرة منها.\nقوله: «وفي خُلُقي» سؤال البركة في الخُلُق بأن يكون حسنًا على الوجه الأكمل، فإذا بورك فيه كان سببًا لجلب كل خير، ودفع كل شرٍّ، وهو من أعظم ما يثقل به ميزان المؤمن يوم القيامة، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزانِ المؤمِنِ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ خُلُقٍ\nحَسَنٍ» (١). ...\n_________\n(١) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق، برقم ٢٠٠٢، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول، ص ٢٢٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٧٦.","vol":"1","page":472},{"text":"قوله: «وفي أهلي»: سأل اللَّه البركة في الأهل، بأن يكونوا قرة عين له في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا صلاحهم، وكثرة النسل، وفي الآخرة مرافقتهم معه في جنات النعيم.\nقوله: «وفي محياي»: من رزق طيب، وزوجة وذرية صالحة، والحياة الآمنة، والتوفيق لصالح الأعمال.\nقوله: «وفي مماتي»: على التوبة، والعمل الصالح، وحسن الختام، والسلامة من ميتة مصارع السوء.\nقوله: «وفي عملي» سؤال البركة في الأعمال، بأن تكون كثيرة على الوجه الصواب من الإخلاص، والسداد، والاتباع، المقتضي لمضاعفة الأجر والثواب.\nقوله: «فتقبّل حسناتي»: بأن تكون مقبولة، وذخيرة لي في آخرتي، فتضمن هذا الطلب سؤال اللَّه تعالى أن يكون من المتقين، لأن اللَّه تعالى يتقبل منهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١).\nقوله: «وأسألك الدرجات العُلا من الجنة آمين» ختم بهذا الدعاء خمس مرات؛ لأنه أعظم مقصد، وأجل مطلب للأنبياء والمرسلين، بأن يكونوا في أعالي جنات النعيم المقيم؛ فإنها منزلة\nرفيعة، وعظيمة، لا يصلها إلا المشمرون الدائبون في مرضات اللَّه تعالى بالقول والعمل، مع حسن الإلحاح في سؤالها، والتأمين عند\n_________\n(١) سورة المائدة، آية: ٢٧.","vol":"1","page":473},{"text":"خاتمتها، ينالها الداعون بإذن اللَّه الكريم المنان.\nفقد تضمّن هذا الدعاء المبارك جليل القدر على خمسة وأربعين سؤالًا، ومطلبًا في أهم مهمّات الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>١١٧ - «اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ اَلْأَخْلَاقِ، وَالْأَهْوَاءِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَدْوَاءِ» </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>المفردات:</span>\nالمنكرات: الإنكار ضد العرفان، والمنكر كل فعل تتفق في استقباحه العقول، وتحكم بقبحه الشريعة.\nالأهواء: جمع هوى، هي الزيغ، والانهماك في الشبهات والشهوات.\nالأدواء: جمع داء، وهو السقم، والمرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق»: أي يا اللَّه\nأجرني من الأخلاق السيئة التي ينكرها العباد: كالحقد، والحسد، والبخل، والجبن، وسوء اللسان: من السب، والشتم، والقذف،\n_________\n(١) أخرجه الحاكم، ١/ ٥٣٢، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، ١/ ٥٣٢، وابن أبي شيبة، ١٠/ ٣٥٤، برقم ٣٠٢١٠، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول،\n١/ ٢٠٣، والطبراني في المعجم الكبير، ١٩/ ١٩ برقم ٣٦، وبنحوه ابن حبان، ٣/ ٢٤٠، وصححه الألباني في ظلال الجنة، برقم ١٣، وفي التعليقات الحسان له، ٣/ ٩٤٥.","vol":"1","page":474},{"text":"والتعدي بالجوارح: كالضرب باليد أو الرجل؛ فإن الأخلاق المنكرة سبب لجلب كل شر، ودفع كل خير.\nقوله: «والأعمال»: أي منكرات الأعمال الظاهرة، اللَّهم إني أستعيذ بك من الأعمال السيئة: كالقتل، والزنى، وشرب الخمر، والسرقة، والبطش، والتعدي، والظلم بغير حق، وغير ذلك.\nقوله: «الأهواء»: جمع هوَى، وهو هوى النفس، وميلها إلى المستلذات، والانهماك في الشهوات الباطلة؛ لأنه يشغل عن الطاعة، ويؤدي إلى الأشر، والبطر، والاستعاذة كذلك من: الزيغ، والضلالات الفاسدة في الاعتقادات، والشبهات؛ فإن الشرّ كلّ الشرّ أن يكون الهوى يُصيَّر صاحبه باتباعه كالعابد له، فلا شيء في الشرّ أزيد منه؛ لأنه يضيّع الدنيا والدين، والعياذ باللَّه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه﴾ (١).\nقوله: «والأدواء»: وأعوذ بك من منكرات الأسقام، والأمراض الخطيرة، مثل: الجذام، والبرص، والسّلّ، والسرطان، والأيدز، وغير ذلك، فهذه كلها من بوائق الدهر، وإنما استعاذ - ﷺ - من هذه الأربع المنكرات؛ لأن ابن آدم لا ينفكّ منها في تقلبه في ليله ونهاره (٢).\nفتضمَّنت هذه الاستعاذات المهمّة من كلّ الذنوب الظاهرة\nوالباطنة.\n_________\n(١) سورة الجاثية، الآية: ٢٣.\n(٢) انظر: فيض القدير، ٢/ ١١٠، الفتوحات الربانية، ٣/ ٦٣٩، تحفة الذاكرين، ص ٤٢٢.","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>١١٨ - «اللَّهُمَ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَبَارِكْ لي فِيهِ، وَاخْلُفْ عَلَيَّ </span>كُلَّ غَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ» (١).\nقوله: «اللَّهم قنعني بما رزقتني»: اللَّهم إني أسألك أن ترضِّني بما أتيتني من الكفاف، مما أستغني به عن السؤال، واجعلني راضيًا برزقك، منشرح الصدر والبال.\nقوله: «وبارك لي فيه»: وزدني في رزقي، واجعله ناميًا، وخيرًا دائمًا من الحلال الطيب.\nقوله: «واخلف عليَّ كُل غائبة لي بخير»: أي أسألك أن تجعل لي عوضًا حاضرًا، أو مما غاب عليَّ وفات، ولا أتمكن من إدراكه، سواء ما غاب عني من مال، أو ولد، أو أي أمر من الأمور، حتى يعود إليَّ بالخير العاجل أو الآجل (٢)، ففيه سؤال اللَّه التعويض والتفويض.\nفتضمّن هذا الدعاء المبارك سؤال اللَّه تعالى بأن يرزقه خير ما فات عن العبد من أي خير كان، وفيه كذلك التعريض، وتفويض\nالأمور إلى الرب - ﷿ -، حتى لا ينشغل بالحزن، والندم، والحسرة\n_________\n(١) أخرجه الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٤٥٥، عن ابن عباس ﵄، وابن خزيمة، ٤/ ٢١٨، وابن أبي شيبة، ٤/ ١٠٩، والبيهقي في شعب الإيمان، ٤/ ٤٥٤، وفي الآداب له، برقم ١٠٨٤، وفي الدعوات الكبير له أيضًا، ٢١١، والضياء المقدسي في المختارة، ٤/ ٢٢٩، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتوحات الربانية، ٤/ ٣٨٣.\n(٢) انظر: تحفة الذاكرين، ص ٢٤٢، أوراد الذاكرين، ص ٢١٠.","vol":"1","page":476},{"text":"على فقدانه، وأنْ يكل أمره إلى ربه الكريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>١١٩ - «اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًَا يَسِيرًَا» </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>الشرح:</span>\nثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من نوقش الحساب عُذِّب»، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، أفليس قال اللَّه تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (٢)، قال: «ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العَرْض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب» (٣).\nوسبب هذا الدعاء المبارك أن عائشة ﵂ سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول في بعض صلاته: «اللَّهم حاسبني حسابًا يسيرًا»، فلما انصرف قالت: قلت يا رسول اللَّه: ما الحساب اليسير؟ قال النبي - ﷺ -:\n«أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنه من نوقش الحساب يا عائشة\n_________\n(١) رواه أحمد، ٤٠/ ٢٦٠، برقم ٢٤٢١٥، والحاكم، ١/ ٥٧، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، ١/ ٥٧، وابن خزيمة، ٢/ ٣٠، برقم ٨٤٩، وابن حبان،\n١٦/ ٣٧٢، والطبراني في الأوسط، ٤/ ٧٤، وسياق الحديث: قالت عائشة ﵂: فلما انصرف قلت: يا نبي الله ما الحساب اليسير؟ قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه إنه من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك، وكل ما يصيب المؤمن يكفر الله - ﷿ - به عنه حتى الشوكة تشوكه»، وقال عنه العلامة الألباني في مشكاة المصابيح: «وإسناده جيد»، وحسّنه في التعليقات الحسان، برقم ٧٣٢٨.\n(٢) سورة الانشقاق، الآية: ٨.\n(٣) البخاري، كتاب الإيمان، باب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه، برقم ١٠٣، ومسلم، باب في دوام نعيم أهل الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم ٢٨٧٦.","vol":"1","page":477},{"text":"يومئذ هلك».\nبيَّن - ﷺ - معنى هذا الدعاء أن الحساب اليسير هو عرض ذنوب العبد المؤمن على اللَّه، فيقرره بذنوبه، ثم يغفر له بعد أن يخلو اللَّه بعبده دون أن يطّلع عليه أحد، قال النبي - ﷺ -: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ، حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>١٢٠ - «اللَّهُمَّ أعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>المفردات:</span>\n«تجتهدوا»: من الجهد، وهو استفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو عمل، يقال: جهد الرجل في الشيء: إذا جدَّ فيه وبالغ (٣)،\nوالمقصود هنا الجد، والمبالغة في الدعاء.\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه، برقم ٦٠٧٠، وبنحوه مسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله، برقم ٢٧٦٨.\n(٢) أخرجه أحمد، ١٣/ ٣٦٠، برقم ٧٩٨٢، ونص حديث أبي هريرة عنده: &lt;قَالَ أَتُحِبُّونَ أَنْ تَجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؟ قُولُوا: اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى شُكْرِكَ، وَذِكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ&gt;، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في الاستغفار، برقم ١٥٢٤، والنسائي، كتاب السهو، نوع آخر من الدعاء، برقم ١٣٠٣، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٩٠، والحاكم، ١/ ٢٧٣، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وهو عند أبي داود، برقم ١٥٢٤، والنسائي في الكبرى، برقم ٩٩٧٣، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٥٣٤.\n(٣) النهاية، ص ١٧٥.","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-804>الشرح:</span>\nهذا الدعاء جليل القدر، عظيم الشأن؛ لشرف متعلقه، وذلك أن: «أنفع الدعاء: طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضادّه، وعلى تكميله، وتيسير أسبابه فتأملها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه: تأملت أنفع الدعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) &gt; (٢).\nلهذا وصَّى المصطفى - ﷺ - حبيبه معاذًا أن لا يدع هذا الدعاء الجليل بعد كل صلاة، وكذلك حثّه - ﷺ - بأسلوب التشويق والترغيب: «أتحبون أن تجتهدوا» للأمة كلها.\nقوله: «اللَّهم أعني على ذكرك»: فيه الطلب من اللَّه، والعون على القيام بذكره؛ لأنه أفضل الأعمال، قال النبي - ﷺ -: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إنْفاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ &gt; قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: &lt;ذِكْرُ اللَّهِ تعالى» (٣).\n_________\n(١) سورة الفاتحة، الآية: ٥.\n(٢) مدارج السالكين، ١/ ٧٥ - ٧٨.\n(٣) أخرجه أحمد، ٣٦/ ٣٣، برقم ٢١٧٠٢، والترمذي، واللفظ له، كتاب الدعوات، باب منه، برقم ٣٣٧٧، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب فضل الذكر، برقم ٣٣٧٠، والموطأ، ٢/ ٢٩٥، والحاكم، ١/ ٤٩٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٦٨٨، وصحيح ابن ماجه، برقم ٣٠٥٧.","vol":"1","page":479},{"text":"والذكر يشمل القرآن، وهو أفضل الذكر، ويشمل كل أنواع الذكر من التهليل، والتسبيح، والاستغفار، والصلاة على النبي - ﷺ - والدعاء.\nقوله: «وشكرك»: أي شكر نعمتك الظاهرة والباطنة التي لا يمكن إحصاءها: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١)، والقيام بالشكر يكون بالعمل، كما قال اللَّه تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢)، ويكون باللسان، بالحمد، والثناء، والتحدث بها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (٣).\nوأعظم الشكر تقوى اللَّه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤)، ولا شكّ أن التوفيق إلى الشكر يحتاج إلى شكر آخر، إلى ما لا نهاية، قال ابن رجب ﵀: «كل نعمة على العبد من اللَّه تعالى في دين أو دنيا، تحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى، تحتاج إلى شكر ثانٍ، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدًا، فلا يقدر العبد على القيام\nبشكر النعم، وحقيقة الشكر: الاعتراف بالعجز في الشكر» (٥).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ١٨.\n(٢) سورة سبأ، الآية: ١٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣١.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٢٣.\n(٥) لطائف المعارف، ص ٣٠١.","vol":"1","page":480},{"text":"قوله: «وحسن عبادتك»: على القيام بها على الوجه الأكمل والأتمّ، ويكون ذلك من صدق الإخلاص للَّه فيها، واتّباع ما جاء عن النبي - ﷺ -، وعدم الابتداع فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>١٢١ - «اللَّهُمّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لاَ يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لاَ يَنْفَدُ</span>، وَمُرَافَقَةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فِي أَعْلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>المفردات:</span>\nلا يرتدّ: لا يرجع من الإسلام إلى الكفر.\nلاينفد: لا ينقطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>الشرح:</span>\nهذا الدعاء العظيم من الأدعية العظيمة؛ لاشتماله على أعظم المقاصد، وأرجى المطالب، وأعلى الأماني في الدنيا والآخرة، فقد دعا به من خيرة الصحابة الميامين عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -، في مرافقة سيد الأولين والآخرين في أعلى جنات النعيم، ولا شك أن هذا أعظم وأعلى المنازل؛ ولهذا كان - ﵁ - يلازم هذا الدعاء في خير\nالأعمال، وأفضلها، ألا وهي الصلاة، فقد كان - ﵁ - يقول: «قد صليت منذ كذا وكذا، ما صليت فريضة ولا تطوعًا إلا دعوت اللَّه به في دبر\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان، ٥/ ٣٠٣، برقم ١٩٧٠، عن ابن مسعود - ﵁ - موقوفًا، ورواه أحمد من طريق آخر، ٧/ ٣٥٩، برقم ٤٣٤٠، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٨٦٩، والحاكم، ٣/ ٣١٧، وبنحوه الطبراني في الكبير، ٧/ ٤٥٣، برقم، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، تحت رقم ٢٣٠١، وفي التعليقات الحسان، برقم ١٩٦٧.","vol":"1","page":481},{"text":"كل صلاة» (١)، ويقول - ﵁ - «إنه من دعائي الذي لا أكاد أن أدع» (٢)، أي هذا الدعاء، وهذا يدل على كمال همّته، وشدّة حرصه لمطلوبه، وسبب هذا الدعاء، أن رسول اللَّه - ﷺ - دخل المسجد وهو مع أبي بكر وعمر، وإذا ابن مسعود يصلي، وإذا هو يقرأ (النساء)، فانتهى إلى رأس المائة، فجعل ابن مسعود يدعو وهو قائم يصلي، فقال النبي - ﷺ -: «اسأل تعطه، اسأل تعطه» (٣).\nقوله: «اللَّهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد»: أي أسألك يا اللَّه إيمانًا ثابتًا قويًا، لا شكّ فيه، ولا تردّد، وأن تعصمني من الوقوع إلى الردّة وهي الكفر، وهذا أعظم مطلوب في الدنيا؛ لأنه أفضل الأعمال عند اللَّه تعالى، فعن عبد اللَّه بن حُبشي الخثعمي أن النبي - ﷺ - سُئل: أي العمل أفضل؟ قال «إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ» (٤).\nقدم دعاءه في سؤال اللَّه تعالى الإيمان الثابت قبل سؤاله أعلى الجنان؛ لأنها لا تنال هذه المنزلة العلية إلا بالإيمان الكامل.\nقوله: «ونعيمًا لا ينفد»: أي نعيمًا دائمًا لا ينتهي، ولا ينقص، ولا\n_________\n(١) تاريخ ابن عساكر، ٣٣/ ٩٦، وبنحوه أحمد، ٧/ ٣٥٩، برقم ٤٣٤٠.\n(٢) صححه لغيره الأرناؤوط في تعليقه على مسند أحمد، ٦/ ١٧٨، برقم ٣٦٦٢.\n(٣) مسند أحمد، ٧/ ٣٥٩، برقم ٤٣٤٠، ومسند ابن راهويه، ١/ ٨٤، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٥/ ٣٧٩، برقم ٢٣٠١، وصححه بشواهده الأرناؤوط في تعليقه على المسند، ٧/ ٣٥٩.\n(٤) النسائي، كتاب الزكاة، جهد المقل، برقم ٢٥٢٦، والسنن الكبرى له، ٢/ ٣١، برقم ٢٣١٧، وأحمد، ٢٤/ ١٢٢، برقم ١٥٤٠١، والبيهقي، ٣/ ٩، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٥٠٤، وفي صحيح الترغيب والترهيب، برقم ١٣١٨.","vol":"1","page":482},{"text":"ينقطع، وهو نعيم الجنة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (١)، أما النعيم في الدنيا، فهو زائل، ومنقص، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٢).\nوقوله: «ومرافقة نبينا محمد في أعلى جنة الخلد»: بعد أن سأل اللَّه النعيم المقيم في الجنة، سأل اللَّه الكريم العظيم أن يكون مرافقاُ للنبي - ﷺ - في أعلى درجة من الجنة، وهو من عطف الخاص على العام؛ لعظم أهمية هذه المرتبة والمنزلة، فهي أعظم النعيم، وأرفعه، وأكمله، وأعلاه، في أن يكون مع النبي - ﷺ - في أعلى درجات الجنان، ولا شك أنه أعظم مطلب أخروي، عظم رغبته - ﵁ - عملًا في قوله - ﷺ -: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُولَنَّ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ وَلَكِنْ لِيُعْظِمْ رَغْبَتَهُ فَإِنَّ اللَّهَ - ﷿ - لَا يَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» (٣).\nوقوله: &lt;في أعلى درجة الجنة&gt;: لأن في الجنة مائة درجة، قال - ﷺ -: «فإِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (٤).\nوأعلى درجة هي الفردوس الأعلى، قال النبي - ﷺ -: «والفردوس\n_________\n(١) سورة ص، الآية: ٥٤.\n(٢) سورة النحل، الآية: ٩٦.\n(٣) مسند أحمد، ١٦/ ٦، برقم ٩٩٠٠، وقال محققو المسند: «إسناده صحيح على شرط مسلم». وفي حديث لمسلم، برقم ٢٦٧٨: «إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه».\n(٤) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، برقم ٢٧٩٠، والترمذي، واللفظ له، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة درجات الجنة، برقم ٢٥٣٠.","vol":"1","page":483},{"text":"أعلاها درجة» (١).\nولهذا حثنا - ﷺ - أن نسألها: «فإذا سألتم اللَّه تعالى فسلوه الفردوس الأعلى» (٢).\nوقال - ﷺ -: «إذا سألتم اللَّه تعالى فأسألوه الفردوس، فإنه سر الجنة» (٣)، أي أفضل موضع فيها.\nوفي رواية أخرى عنه أنه دعا فقال: «ومرافقة محمد في أعلى عليين في جنانك، جنان الخلد» (٤).\nوهذه الرواية تفسر الرواية السابقة، وهي سؤاله أن يكون في أعلى الجنان، لأن «عليّون»، صيغة مبالغة من العلوّ، علوّ المكانة والارتفاع، وعلوّ المنزلة والقدر في الجنة، قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ\nكِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ ثم فخمه وعظم مرتبته وشأنه ﴿وَمَا أَدْرَاكَ\n_________\n(١) الترمذي، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة درجات الجنة، برقم ٢٥٣١، وأحمد، ٣٧/ ٣٦٩، برقم ٢٢٦٩٥، وابن أبي شيبة، ١٣/ ١٣٨، برقم ٣٥٢١١، والضياء في المختارة، ٣/ ٣٣٧، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٢١، وصحيح الترمذي، برقم ٢٥٣١.\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير، ٣/ ٢٣١، برقم ٣٢٣٥، وابن حبان، ٣/ ٢٣٨، برقم ٩٥٨، وصححه الألباني في التعليقات الحسان، برقم ٩٤٥، وأصله في صحيح البخاري، برقم ٢٧٩٠، ورقم ٧٤٢٣.\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير، ١٨/ ٢٥٤، برقم ٦٣٥، والبيهقي في البعث والنشور، ص ٢٣١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢١٤٥، وصحيح الجامع، برقم ٥٩٢.\n(٤) رواه الحاكم ٣/ ٣١٧، وصححه ووافقه الذهبي، وبنحوه في مسند أحمد، ٧/ ٣٥٩، برقم ٤٣٤٠، وابن حبان، ٥/ ٣٠٣،وصحح إسناده بشواهده الأرناؤوط في تعليقه على المسند، ٧/ ٣٥٩، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان، برقم ١٩٦٧.","vol":"1","page":484},{"text":"مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (١).\nقال الفرّاء: عليون ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له (٢)، ووجه هذا أنه منقول من جمع عليّ من العلو، قال الزجاج: هو أعلى الأمكنة.\nقال ابن كثير: والظاهر أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع، ولعظم شأن هذا المكان قال اللَّه تعالى: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٣) أي الملائكة المقربون (٤).\nولقد جاء في السنة المطهرة ما يدلّ أن عليين هو أعلى مرتبة، وأسمى منزلة، فقد جاء في حديث طويل عن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - عن أدنى أهل الجنة منزلة ... فيقول اللَّه جلّ ذكره له: «أَلَمْ تَرْضَ أَنْ أُعْطِيَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا مُنْذُ خَلَقْتُهَا إِلَى يَوْمِ أَفْنَيْتُهَا وَعَشَرَةَ أَضْعَافِهِ؟، ثم ذكر ما له من نعيم ما لا يتصور عقل، ولا يصفه واصف ... فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: أَلا تَسْمَعُ مَا يُحَدِّثُنَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ (عبد الله بن مسعود) يَا كَعْبُ عَنْ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا، فَكَيْفَ أَعْلاهُمْ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: &lt;مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، إِنَّ اللَّهَ - ﷿ - جَعَلَ دَارًا، فَجَعَلَ فِيهَا مَا شَاءَ مِنَ الأَزْوَاجِ، وَالثَّمَرَاتِ، وَالأَشْرِبَةِ، ثُمَّ أَطْبَقَهَا، ثُمَّ لَمْ يَرَهَا أَحَدٌ مِنَ خَلْقِهِ، لا جِبْرِيلُ وَلا غَيْرُهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ، ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ\n_________\n(١) سورة المطففين، الآيات: ١٨ - ٢١.\n(٢) معاني القرآن، ٣/ ٢٤٧.\n(٣) سورة المطففين، الآية: ٢١.\n(٤) تفسير ابن كثير ص ١٦٩٣.","vol":"1","page":485},{"text":"نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)، قَالَ: وَخَلَقَ دُونَ ذَلِكَ جَنَّتَيْنِ، وَزَيَّنَهُمَا بِمَا شَاءَ، وَأَرَاهُمَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ كِتَابُهُ فِي عِلِّيِّينَ نَزَلَ تِلْكَ الدَّارَ الَّتِي لَمْ يَرَهَا أَحَدٌ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ عِلِّيِّينَ لَيَخْرُجُ فَيَسِيرُ فِي مُلْكِهِ، فَمَا تَبْقَى خَيْمَةٌ مِنْ خِيَمِ الْجَنَّةِ إِلا دَخَلَهَا مِنْ ضَوْءِ وَجْهِهِ، فَيَسْتَبْشِرُونَ بِرِيحِهِ، فَيَقُولُونَ: وَاهًا (٢) لِهَذَا الرِّيحِ! هَذَا ريحُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ عِلِّيِّينَ، قَدْ خَرَجَ يَسِيرُ فِي مُلْكِهِ» (٣).\nفانظر يا أخي في اللَّه علوّ هذه المنزلة، وتأمّل ما جاء فيها من النعيم المقيم، ألا يهفو قلبك إلى هذه المنزلة العظيمة الأبدية؟ ألا تريد أن تكون من ساكنيها أبد الآبدين، لا تحول عنها ولا تزول، فشمِّرْ يدَ الجدّ في الدعاء من الأن، وأكثر من هذين الدعاءين في النهار، وفي كل فرض ونفل، كما كان يفعل هذا الصحابي الجليل مع حسن الظن باللَّه ذي الجلال والإكرام، وأكثر طرق الباب، فإنه سوف يُفتح، قال أبو الدرداء - ﵁ -: «جدّوا بالدعاء، فإنه من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له» (٤)، وتذكَّرِ الحديث القدسيَّ، واجعله دائمًا أمام عينيك، عن ربِّ العزة والجلال أنه قال: «يَا عِبادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي،\nفَأَعْطَيْتُ\n_________\n(١) سورة السجدة، الآية: ١٧.\n(٢) عجبًا.\n(٣) الطبراني في المعجم الطبير، ٨/ ٣٠٩، برقم ٩٦٤٨، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٥٩١.\n(٤) المصنف لابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٠٢، وعبد الرزاق، ١٠/ ٤٤٢، والبيهقي في شعب الإيمان، ٢/ ٥٢،.","vol":"1","page":486},{"text":"كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ (١) إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» (٢).\nفأكثر من هذه الدعوة يا عبد اللَّه، وكنْ عظيم الهمة والرغبة في ليلك ونهارك، وفي كل صلواتك، واقتدِ بهذا الصحابي الذي قال عنه النبي - ﷺ -: «اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، وتمسكوا بعهد ابن مسعود» (٣)، والذي قاله عنه أبو حذيفة - ﵁ -: &lt;كَانَ أَقْرَبُ النَّاسِ هَدْيًا وَدَلًّا وَسَمْتًا بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - &gt; (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>١٢٢ - «اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي، وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِي</span>، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَخْطَأْتُ، وَمَا عَمَدْتُ، وَمَا عَلِمْتُ، وَمَا جَهِلْتُ» (٥).\n_________\n(١) المخيط: الإبرة، والمعنى لا ينقص شيئًا أصلًا، وضرب المثل بالمخيط في البحر، لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة والأدب، باب تحريم الظلمة، برقم ٢٥٧٧.\n(٣) أحمد، ٣٨/ ٢٨٠، برقم ٢٣٢٤٥، والترمذي، كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ كليهما، برقم ٣٦٦٢، وابن أبي شيبة، ١٢/ ١١، والحاكم، ٣/ ٧٥، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٢٨٩٥، وفي صحيح ابن ماجه، برقم ٧٩، وقال الحافظ في الإصابة: إسناده صحيح.\n(٤) الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب عبد الله بن مسعود - ﵁ -، برقم ٣٨٠٧، وأحمد، ٣٨/ ٣٦٦، برقم ٢٣٣٤١، وابن أبي شيبة، ١٣/ ٤١١، والطبراني في الكبير، ٩/ ٨٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٩٤٤.\n(٥) أخرجه النسائي في الكبرى، ٦/ ٢٤٦، برقم ١٠٨٣٠، والحاكم، ١/ ٥١٠ وصححه، ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد، ٣٣/ ١٩٧، برقم ١٩٩٩٢، وصحيح ابن حبان، ٣/ ١٨١، وقال الحافظ في الإصابة: «إسناده صحيح»، وصححه الألباني في تخريج رياض الصالحين، في تعليقه على الحديث رقم ١٤٩٥، والتعليقات الحسان، برقم ٨٩٦، والأرناؤوط في تعليقه على المسند، ٣٣/ ١٩٧.","vol":"1","page":487},{"text":"وفي رواية عن عثمان بن أبي العاص أنه سمع رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «اللَّهم إني أستهديك لأرشد أمري، وأعوذ بك من شر نفسي» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>المفردات:</span>\n«اعزم لي»: العزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر (٢)؛ فإنَّ أصل العزم: هو الجد والصبر، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٣)، «لأرشد»: الرشد هو: ضد الغيّ، وهو الطاعة والصلاح والصواب، «أستهديك»: السين: سين الطلب، أي أطلب الهداية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>الشرح:</span>\nأمر رسولنا - ﷺ - الرحمة للعالمين، الصحابي الجليل، عمران أن يسأل اللَّه تعالى أن يقيه شر النفس؛ لأنها هي أحد مبادئ ومنابع وأصول الشر؛ فإن شر النفس يولد الأعمال السيئة، والذنوب\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٢٦/ ١٩٩، برقم ١٦٢٩٦، وابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٨٢، برقم ٣٠٠٠٧)، والطبراني في الكبير، ٩/ ٥٣، برقم ٨٣٦٩، وأخرجه أيضًا: ابن حبان ٣/ ١٨٣، وقال الشيخ الألباني في تعليقه على رياض الصالحين، ص ٥٠٦: &lt;إسناده جيد &gt;، وصححه الوادعي في (صحيح المسند) مما ليس في الصحيحين، ٢/ ٧، برقم ٩٠٥، وبنحوه الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا أحمد بن منيع، برقم ٣٤٨٣.\n(٢) فيض القدير، ٢/ ١٣٠.\n(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.","vol":"1","page":488},{"text":"الكبيرة، والآثام العظيمة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (١).\nثم أمره أن يسأل اللَّه تعالى: «واعزم لي على أرشد أمري»: سأل العزيمة على الرشد؛ لأنها مبدأ الخير؛ فإن الإنسان قد يعلم الرشد، وليس له عزم؛ فإذا عزم على فعله أفلح، والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر الذي يستلزم القصد الجازم المتصل بالفعل، وقيل: استجماع قوى الإرادة على الفعل، ولا قدرة للعبد على ذلك إلا باللَّه ﵎؛ فلهذا سأل اللَّه تعالى أن يمضي قلبه، وقصده إلى أحسن الصلاح، والطاعة له تعالى في كل أحواله وأموره؛ لأنه طريق النجاة في الدار الآخرة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة باللَّه تعالى، والتوكل عليه، في تحصيل العزم، في العمل بمقتضى العزم، بعد حصول العزم، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين﴾ (٢)، والعزم نوعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>١ - عزم في الدخول إلى الهدى والرشاد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>٢ - وعزم على الدوام والثبات على هذا الهدى</span>، بعد الدخول فيه، والانتقال من حال إلى حال أكمل منها؛ ولهذا سمى اللَّه تعالى خواص الرسل «أولي العزم».\nفإن عون اللَّه تعالى للعبد على قدر قوة عزيمته، وضعفها، فمن\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ٥٣.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.","vol":"1","page":489},{"text":"صمّم على إرادة الخير أعانه ربه تعالى، وثبته عليه (١)، ثم أمره أن يدعو «اللَّهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت، وما عمدت وما علمت وما جهلت».\nفيه سؤال اللَّه تعالى المغفرة، وهي الستر، والتجاوز عن كل الذنوب بكل مراتبها وأنواعها، التي يقترفها العبد في كل أحواله وأوقاته، فما من ذنب إلا وقد دخل فيه هذا الاستغفار العظيم؛ فإن الفائدة في سؤال اللَّه تعالى غفران الذنوب بهذا التفصيل والتعميم تكثيرًا لمقام العبودية والذل للَّه تعالى، وحتى يستحضر العبد ما يدعو به؛ فإن استحضار هذه الذنوب بأنواعها، وإفرادها له وقع عظيم في النفس في تقوية إرادتها في عدم الوقوع بها في العاجل والآجل.\nوفي الحديث الآخر أن النبي - ﷺ - دعا: «اللَّهم إني أستهديك لأرشد أمري» فيه سؤال اللَّه تعالى طلب الهداية كما أفاده حرف (السين).\n\nفإن<span data-type=\"title\" id=toc-813> الهداية نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>١ - هداية دلالة وإرشاد </span>قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٢) أي دللناه طريق الحق، وطريق الباطل، وهذه الهداية هي التي دعا إليها الرسل، وأولو العلم، والصالحون في كل زمان ومكان.\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١٣٠، مجموع رسائل ابن رجب، ١/ ٣٦٢ - ٣٩٦، شرح حديث (شداد ابن أوس) بتصرف.\n(٢) سورة الإنسان، الآية: ٣.","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>٢ - هداية توفيق: </span>وهي لا يقدر عليها إلا اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١).\nوالعبد يسأل اللَّه تعالى الهدايتين: أن يدله على طريق الخير، وأن يوفقه ويثبته عليه، وقوله: «لأرشد أمري»: أي أن توفقني إلى أفضل السبل الموصلة إلى صلاح أموري، وشؤوني، في ديني، ودنياي، فأفوز برضاك، وأنال جنتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>١٢٣ - «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ</span>، وَشَمَاتَةِ الأعْدَاءِ» (٢).\nغلبة الدين: شدته وثقله.\nغلبة العدو: تسلط العدو بغير حق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من غلبة الدَّيْن»: استعاذ - ﷺ - من شدة الدين، وثقله بحيث لا قدرة على وفائه سيما مع الطلب؛ لما فيه من الوقوع بالمحذورات الشرعية: كالخلف في الوعد والكذب كما\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٥٦.\n(٢) أخرجه النسائي، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من غلبة الدين، برقم ٥٤٧٥، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب صفة الصلاة، باب الانصراف من الصلاة، برقم ٧٨٦٣، وأحمد\n١١/ ١٨٩، برقم ٦٦١٨، وابن حبان، ٣/ ٣٩٤، والحاكم، ١/ ٥٣١، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ١١١٣.","vol":"1","page":491},{"text":"أخبر بذلك النبي - ﷺ -، والانشغال عن الطاعات؛ ولما فيه كذلك من\nالغم على القلب، وإتعاب العقل، ووهن الجسد، والنفس، وإنما استعاذ من غلبته؛ لأن الاستدانة بدون غلبة قد يحتاج إليها كثير من العباد، وقد مات - ﷺ - ودرعه مرهونة في أصواع من شعير.\nقوله: «وغلبة العدو»: والاستعاذة من تسلط العدو بغير حق؛ لأنه يتحكم بمن يعاديه، وينزل به أنواع المضار في دينه ودنياه.\nقوله: «وشماتة الأعداء»: والاستعاذة من شماتة الأعداء، وهي فرحهم ببلية تنزل على من يعادونه؛ فإن في ذلك موقعًا عظيمًا في القلب، وتأثيرًا كبيرًا في النفس (١).\nولا يخفى أن الاستعاذة من كل الأمور السابقة لما فيها من المضار والمساوئ في الدين والدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>١٢٤ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي</span>، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).\n_________\n(١) انظر تحفة الذاكرين ص ٤٢٣.\n(٢) النسائي، كتاب قيام الليل، وتطوع النهار، باب ذكر ما يستفتح به القيام، برقم ١٦١٧، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، برقم ١٣١٨، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، برقم ٧٦٦، وابن ماجه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل، برقم ١٣٥٦، وابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٦٠، برقم ٢٩٩٤٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٣٥٦، وفي صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٢٦.","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>الشرح:</span>\nأصل هذا الدعاء الجامع أن عائشة ﵂ أخبرت عن قيام الليل\nللنبي - ﷺ -، واستفتاحه بالصلاة بهذا الدعاء والذكر، فقالت: كان يكبر عشرًا، ويسبح عشرًا، ويستغفر عشرًا، ثم ذكرت هذا الدعاء، وفي رواية أنه قال: «اللَّهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا، وضيق القيامة» (١).\nوهذا الدعاء قد جمع خيري الدنيا والآخرة، وكذلك فيه استعاذة من عظام الشرور في الدنيا والآخرة.\nقوله: «اللَّهم اغفر لي»: أي استر يا اللَّه ذنوبي، وتجاوز عنها، «واهدني»: فيه سؤال اللَّه الهداية الكاملة، وهي الدلالة والمعرفة إلى طرق الحق، والتوفيق على هذا الطريق المستقيم بأن لا يزيغ عنه إلى أن يلقى ربه - ﷿ -، فعندما يسأل العبد «الهداية» ينبغي له أن يستحضر هذه المعاني.\nقوله: «وارزقني»: الرزق النافع الطيب الحلال الذي يعود على العبد بالبركة، والخير، و«عافني»: أي من جميع البلايا والشرور في الدين والدنيا والآخرة، ففيه سؤال اللَّه السلامة الكاملة من كل شرّ، المتضمن العافية والصحة، ثم استعاذ اللَّه من ضيق المقام يوم القيامة؛ فإنه مقام عظيم من كثرة الخلق، والحر الشديد، والبلاء الرهيب، في هذا اليوم العصيب، فتلك الاستعاذة تتضمن سؤال اللَّه\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، برقم ٥٠٨٧، والنسائي في الكبرى، كتاب صلاة العيدين، الخطبة يوم العيد، برقم ١٠٦٢٣، عمل اليوم والليلة لابن السني، برقم ٧٥٩، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ١٣٥٦.","vol":"1","page":493},{"text":"تعالى النجاة والسلامة من شرّ هذا اليوم الموعود، وفي الرواية الأخرى: «اللَّهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا»: لأن ضيقها يشتّت\nالعقل، ويشغل القلب بالهمّ، والحزن، وضيق النفس، فينشغل عن كثير من العبادات النافعة، والمصالح المهمّة، وتضمّن هذا الدعاء كذلك سؤال اللَّه الراحة النفسية، والبدنية، وطيب النفس والحياة.\nوهذا يدلنا على أهمية التمسك، والعناية بالأدعية الشرعية؛ فإنها كاملة في ألفاظها، شاملة في معانيها، ومدلولاتها، فهي تجمع من كل خير في الدين، والدنيا، والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>١٢٥ - «اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِسَمْعِي، وَبَصَرِي، وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنِّي</span>، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ يَظْلِمُنِي، وَخُذْ مِنْهُ بِثَأْرِي» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>المفردات:</span>\n«الوارث مني»: استعارة من وارث الميت.\n«انصرني»:النصر هو الظفر، والغلبة.\n«وخذ منه بثأري»: أي اثأر لي.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب اللهم متعني بسمعي، برقم ٣٦٠٤، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٥٠، والحاكم، ١/ ٥٢٣، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٨٨.","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم متّعني بسمعني وبصري»: يا اللَّه انفعني بسمعي وبصري، واجعلهما سليمين صحيحين، واحفظهما من جميع\nالأسقام والأمراض حتى أستعملهما في مرضاتك وطاعتك.\nقوله: «واجعلهما الوارث مني»: أي أبقي لي هاتين الحاستين بكامل قوامهما عند الكبر صحيحًا سليمًا إلى أن أموت، فيكون البصر والسمع هما الوارث مني سائر القوى، والباقي بعدها.\nقوله: «وانصرني على من يظلمني»: اجعلني غالبًا منتصرًا على من تعدَّى عليَّ بغير حق، وعلى من تعدَّى على دينك، فأنتقم منه، لأنه لا قدرة للعبد على الإنصاف والانتصار إلا بإقدار الرب جل وعلا له.\nقوله: «وخذ منه بثأري»: اجعل إدراك ثأري مقصورًا على من ظلمني، ولا تجعلني ممَّن تعدَّى في طلب ثأره، فأخذ به غير الجاني، وفيه إشارة إلى قوة المخالفين والأعداء حثًا على تصحيح الالتجاء، والصدق في الرغبة (١) إلى الربِّ العظيم، حتى يكون منصورًا محفوظًا في كل الأحوال والأوقات من الظلمة والأعداء.\nجاء بحرف الاستعلاء (على) الذي يفيد التمكين والاستعلاء، أي اجعلني متمكنًا مستعليًا عليه بالنصرة والغلبة، ولا يخفى مجيء الفعل المضارع: (يظلمني) ليفيد الاستمرارية والتجدّد، أي سؤال اللَّه\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١١١.","vol":"1","page":495},{"text":"النصرة في الحال وفي الاستقبال، وفي كل الأحوال، واللَّه أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>١٢٦ - «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ عِيشَةً نَقِيَّةً، ومِيتَةً سَوِيَّةً،\nومَرَدًّا غَيْرَ مَخْزٍ </span>ولا فاضِحٍ» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>المفردات:</span>\n«عيشة نقية»: أي عيشة مملوءة بالاستقامة والصلاح.\n«عيشة تقيَّة»: خالية من الأكدار والمصائب.\n«وميتة سويَّة»: معتدلة.\n«مردًّا غير مخز»: مرجعًا إلى الآخرة، سالمًا من الذل، والعذاب، والهوان.\n«ولا فاضح»: غير كاشف للمساوئ والعيوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم إني أسألك عيشة نقية «وتقية»: اللَّهم إني أسألك حياة مليئة بالاستقامة، والصلاح على دينك وطاعتك، ونقية من المعاصي والأكدار والمصائب، فإن النقيّ من كل شيء خياره،\n_________\n(١) أخرجه الحاكم، ١/ ٥٤١، وكشف الأستار، ٤/ ٥٥، برقم ٣١٨٦، والدعوات الكبير للبيهقي، ١/ ٢٨٣، والطبراني في المعجم الأوسط، ٧/ ٣٠٦، برقم ٧٥٧٢، في الدعاء، برقم ١٤٣٥، وبنحوه: أحمد، ٣٢/ ١٤٤، برقم ١٩٤٠٢، ومسند الشهاب، ٢/ ٣٤٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١٧٩: «إسناد الطبراني جيد»، وقال محققو مسند أحمد،٣٢/ ١٤٤: «حديث صحيح لغيره».","vol":"1","page":496},{"text":"وأطيبه؛ لأنه لم يشب بما يلحقه، ولا خالطه ما يكدره (١).\n«وميتةً سويةً»: وأسألك عند الموت ميتة نقية معتدلة خالية من الأمراض، فلا أردّ إلى أرذل العمر، ولا أقاسي مشاق الهرم، وتكون\nبحسن خاتمة، من النطق بالشهادتين، والتوبة النصوح، والختام على عمل صالح.\nقوله: «ومردًا غير مُخزٍ ولا فاضح»: وأسألك مرتجعًا إلى دار الآخرة سالمًا من الذُل والعذاب، ولا كاشف للمساوئ والعيوب (٢)، وتضمَّن هذا الدعاء سؤال اللَّه العافية في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا معافىً من كل شرٍّ وبلاء، وفي الممات سلامة من سوء الخاتمة، وفي الآخرة السلامة من عذاب القبر، وأهوال الحشر، وعذاب جهنّم، والفوز والستر والتجاوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>١٢٧ - «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لاَ قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ</span>، وَلاَ بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلاَ هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ، وَلاَ مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلاَ مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ،\n_________\n(١) تحفة الذاكرين، ص ٤٣٣.\n(٢) انظر فيض القدير، ٢/ ١٣٥، تحفة الذاكرين، ص ٤٣٣، وأوراد الذاكرين، ص ١٦٠.","vol":"1","page":497},{"text":"وَرَحْمَتِكَ، وَفَضْلِكَ، وَرِزْقِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لاَ يَحُولُ وَلاَ يَزُولُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ الْعَيْلَةِ، وَالأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ، اللَّهُمَّ\nإِنِّي عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا وَشَرِّ مَا مَنَعْتَنَا، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزِيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، اللَّهُمَّ قَاتِلِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، إِلَهَ الْحَقِّ [آمِينْ]» (١).\n_________\n(١) أحمد بلفظه، ٢٤/ ٢٤٦، برقم ١٥٤٩٢، وما بين المعقوفين للحاكم، ١/ ٥٠٧، ٣/ ٢٣ - ٢٤، والنسائي في الكبرى، كتاب الجمعة، باب كم الجمعة، ٦/ ١٥٦، والبزار، ٩/ ١٧٥، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٩٩، وأبو نعيم في معرفة الصحابة،\n٣/ ١٦٤٤، والدعوات الكبير للبيهقي، ١/ ٢٧٩، وصححه الألباني في تخريج فقه السيرة، ص ٢٨٤، وفي صحيح الأدب المفرد للبخاري، برقم ٥٣٨، ص ٢٥٩، وقال محققو المسند، ٢٤/ ٢٤٧: &lt;رجاله ثقات&gt;.","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>المفردات:</span>\n«لا قابض لما بسطت»: القبض هو الإمساك والتضييق، والبسط: السعة.\n«بركاتك»: الخير، والنماء، والزيادة.\n«العيلة»: الفقر.\n«غير خزايا»: جمع خزيان وهو من وقع في ذل المعصية «ولا مفتونين»: غير واقعين في الفتنة، والبلية الأخروية.\n«رجزك»: العذاب المعلق، قال تعالى: ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (١) أي مزلزل مزعج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم لك الحمد كله»: يا اللَّه لك المحامد، نخصك بها لكمالك وعظمتك.\nبدأ بالحمد والثناء على اللَّه، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وذلك أرجا وأوقع في قبول الدعاء، كما تقدم في آداب الدعاء.\nقوله: «اللَّهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت»: اللَّهم لا أحد يستطيع أن يُضيِّق ما وسعت، وبسطت له لكمال قدرتك ومشيئتك، ولا أن يُوسع إذا أردت أن تضيق عليه، فلك المشيئة والقدرة الكاملة.\nقوله: «ولا هادي لمن أضللت، ولا مُضلَّ لمن هديت»: أي لا\n_________\n(١) سورة سبأ، آية: ٥.","vol":"1","page":499},{"text":"أحد يقدر أن يهدي من أردت إضلاله، ولو اجتمع عليه جميع الخلائق، ولا يقدر أحد أن يُضلَّ من هديت، لنفوذ مشيئتك، وقدرتك، وحكمتك.\nقوله: «ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت»: من علم، أو رزق، أو مال، أو سلطان، أو جاه، أو غير ذلك، فلا أحد يقدر\nعلى المنع أو الإعطاء إلا بإذنك.\nولا يخفى في تعظيم كمال صفاته جل وعلا، حيث نفى ما يُضادّ كمال صفاته من كل وجه.\nقوله: «اللَّهم ابسط علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، ورزقك»: بعد أن قدم الثناء على اللَّه جل وعلا، والتوسل بأسمائه وصفاته، شرع بمطلوبه من خيري الدنيا والآخرة، اللَّهم وسِّع علينا وكثِّر من خيراتك، ورحماتك، وفضلك، ورزقك، وأدمها، فأنت مالك كل شيء، فنسأله منك لا من أحد سواك.\nقوله: «اللَّهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول»: أسألك يا اللَّه النعيم الدائم الذي لا يتحول، ولا يتغير، وهو نعيم الآخرة.\nقوله: «اللَّهم إني أسألك النعيم يوم العيلة»: أسألك يا اللَّه أن تكمل علي النعيم يوم الشدة والفقر، وأن تُغنيني عن السؤال، والافتقار لسواك من الخلق.\nقوله: «والأمن يوم الخوف»: وأسألك الأمان، والاطمئنان، يوم أن يحل الخوف والفزع.","vol":"1","page":500},{"text":"وفي رواية: «والأمن يوم الحرب» (١): سؤال اللَّه الأمان، وثبات الأقدام في الحرب والقتال.\nقوله: «اللَّهم إني عائذ بك من شرِّ ما أعطيتنا»: فيه طلب\nالاستعاذة من شر ما يُعطاه، من الرزق والخير، فيؤدي به إلى ترك ما يجب عليه من الزكاة، وصلة الأرحام، وبأن يكون سببًا للطغيان والعصيان والاستكبار، قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٢)، وقد لا يوظّف ما أعطاه اللَّه ورزقه في الطاعات والخيرات.\nقوله: «وشرِّ ما منعتنا»: استعاذ من الشر الذي منعه اللَّه منه، لكمال علمه، وحكمته بحاله، فيؤدي إلى الحسد، وما يتولَّد عن الحسد، كالسعي في هلاكه بغيًا وعدوانًا، ومن الحزن، والهمّ المانع من الأمور المهمّة في الدين، والدنيا، بسبب عدم القناعة والرضى بما قسم اللَّه له.\nقوله: «حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا»: أي اجعل الإيمان محبوبًا لنا في نفوسنا، مُزينًا في قلوبنا، فيتزَّين ظاهرنا بالأعمال الصالحة، بما زيّنت به باطننا، فإنه أعظم أعمال القلوب الموصلة إلى دار الخلود.\nقوله: «وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان»: أي اجعل قلوبنا ونفوسنا تكره وتبغض هذه المعاصي العظام من الكفر، والخروج\n_________\n(١) الأدب المفرد، للإمام البخاري، برقم ٦٩٩، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ٥٣٨.\n(٢) سورة العلق، الآيتان: ٦ - ٧.","vol":"1","page":501},{"text":"عن الطاعة، والعمل بالمعصية.\nقوله: «واجعلنا من الراشدين»: اجعلنا راشدين مستقيمين، في أعمالنا على طاعتك، وحسن عبادتك في الظاهر والباطن، وفي كل أحوالنا، كما أفادته الجملة الاسمية من الدوام والثبات.\nقوله: «اللَّهم توفنا مسلمين»: اللَّهمّ أمتنا على الإسلام، ففيه سؤال اللَّه تعالى الموت بحسن الخاتمة.\nكما قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١)، فمن مات عليه بُعث سالمًا من العذاب.\nقوله: «وأحْيِنا مسلمين»: بأن نحيا على الإسلام، وذلك بالاستسلام لك في الظاهر والباطن.\nقوله: «وألحقنا بالصالحين»: بأن نلحق في ركبهم، وهذا لا يكون إلا إذا صحبهم العبد في الدنيا وأحبهم، كما قال النبي - ﷺ -: «المرء مع من أحبّ».\nقوله: «غير خزايا»: أصل الخزي، هو الذل الذي يُستحيا من مثله لما يخاف من الفضيحة منه، والمعنى لا تذلّني بمعصيتك، ولا تُهني بترك أوامرك.\nقوله: «ولا مفتونين»: أي غير واقعين في الفتنة الدينية، والبلية الأخروية، أو لا معذبين، نسأل اللَّه الحفظ والسلامة في الدنيا\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.","vol":"1","page":502},{"text":"والآخرة (١).\nقوله: «اللَّهم قاتل الكفرة الذين يُكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك»: بتثبيتنا، وقذف الخوف والوهن في قلوبهم، أو بإمداد الملائكة، وفيه بيان من يستحق عليهم القتال، وبيان العلّة في\nقتالهم، وهو من يصدّ عن سبيل اللَّه، ويكذّب الرسل.\nقوله: «واجعل عليهم رجزك وعذابك» أي أنزل عليهم الرجس والعذاب، وإنما خصّ الرجس بالذكر مع كونه داخلًا تحت العذاب لبيان شدته وقوته (٢).\nقوله: «اللَّهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق آمين» هذا الدعاء كسابقه، فذاك للكافرين عامّة، وهذا في كفار أهل الكتاب، ثم ختم باسمين من أسمائه جلّ وعلا، وهذا من حسن الختام، ومعنى اسمه تعالى «الإله» هو المألوه، أي المستحقّ أن يؤلّه: يعبد، ويفرد بالعبادة دون أحد سواه.\nواسمه «الحق» هو الإله الحق: ضد الباطل، وكل معبود دونه باطل، فهو سبحانه متحقق في وجوده، وفي ربوبيته، وإلهيته، وأسمائه، وصفاته أزلًا وأبدًا.\nقوله: «آمين» أي استجب، فهو طلب الإجابة من الرب - ﷿ - واستنجازها، والتأمين: تأكيد لما تقدّم من الدعاء، وتكرير له بأوجز عبارة، فيُندب للداعي أن يؤمّن في نهاية دعائه - كما تقدم سابقًا في\n_________\n(١) انظر: فضل الله الصمد، ٢/ ٤٩، وشرح الأدب المفرد، ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٧ بتصرف.\n(٢) تحفة الذاكرين، ص ٢٥٤.","vol":"1","page":503},{"text":"آداب الدعاء- ويدلّ كذلك على تضرّع العبد للربّ، وذلّه، وعبوديته في الطمع في إجابة مسألته، ففيه نوع من الإلحاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>١٢٨ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي،\nوَارْزُقْنِي» </span>(١).\n«... وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم اغفر لي»: سؤال اللَّه المغفرة، وهو محو الذنوب، وسترها عن الناس.\nقوله: «وارحمني»: أي تعطَّف عليَّ، ففيه سؤال اللَّه الرحمة التي تقتضي توالي الخيرات والبر والإحسان والنعم، ففي المغفرة يأمن العبد من كل مرهوب، وفي سؤال الرحمة يفوز العبد بكلّ مرغوب.\nقوله: «وعافني»: أي سلّمني من جميع الآفات، والفتن، والنجاة من البلايا والمحن في الدين والدنيا والآخرة.\nقوله: «وارزقني»: أعطني ما ينفعني عطاءً واسعًا بما يغنيني عن\n_________\n(١) مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، برقم ٢٦٩٦، ورقم ٢٦٩٧، وفي رواية لمسلم: «فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك»، وفي سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين، برقم ٨٥٠: قال: «فلما ولَّى الأعرابي قال النبي - ﷺ -: «لقد ملأ يديه من الخير».\n(٢) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين، برقم ٢٨٤، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلوات، باب ما يقول بين السجدتين، برقم ٨٩٨، والحاكم، ١/ ٢٧١، صحيح ابن ماجه، ١/ ١٤٨، وصحيح الترمذي، ١/ ٩٠.","vol":"1","page":504},{"text":"سواك، من الرزق الحلال أستعين به على القيام بالتكاليف المطلوبة من الإنفاق على الأهل، والولد، والفقير وغير ذلك، سأل الرزق الذي تقوم به الأبدان، ثم سأل ما به قوام الأرواح، وارزقني العلم والإيمان واليقين، وهذا الأخير أفضل أنواع الرزق الذي يعود نفعه\nعلى العبد في الدنيا والآخرة، كما كان من دعاء النبي - ﷺ -: «... وارزقني علمًا تنفعني به» (١).\nقوله: «واهدني»: أرشدني ووفقني للحق الذي الصلاح فيه الحال، والمآل حتى أتوصَّل به إلى أبواب السعادة في الدنيا والآخرة؛ فإن الهداية هديتان: كما سبق هداية علم وبيان، وهداية توفيق ورشد، فالعبد يسألهما ربه - ﷿ -.\nقوله - ﷺ -: «هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك»: أي تجمع لك كل الخيرات التي تطلبها في دنياك وآخرتك، وتتضمن الوقاية من كل شر فيهما.\nقوله - ﷺ -: «اجبرني» [سأل اللَّه] أن يجبره لما فيه سدّ حاجته، وأن يردَّ عليه ما ذهب من خير، وأن يعوّضه، ويصلح ما نقص منه، فإن من أسمائه تعالى «الجبار»، «ومن معانيه الجليلة: الذي يجبر الضعيف والكسير، ويغني الفقير، وييسّر كل عسير» (٢)، فعندما يدعو العبد به ينبغي أن يستحضر هذه المعاني الجليلة.\n_________\n(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الاستعاذة، الاستعاذة من علم لا ينفع، برقم٧٨٠٨، والحاكم، ١/ ٥١٠، والبيهقي في الدعوات الكبير، ١٥٧ - ١٥٨، والطبراني في الدعاء، برقم١٤٠٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٣١٥١.\n(٢) الحق الواضح، ص ٧٧.","vol":"1","page":505},{"text":"قوله: «وارفعني» [سأل اللَّه] أن يرفع قدره في الدنيا والآخرة؛ لحذفه المفعول الذي يفيد العموم، ففي الدنيا من رفع المكانة من الثناء الحسن، والقبول عند الناس، والرفعة في العلم والقدر، وفي الآخرة في الدرجات العُلا في أعالي الجنان.\n\n«اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَأرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا» (١).\nقوله: «اللَّهم زدنا»: يا اللَّه زدنا من خيرك وفضلك، وعطائك من خيري الدارين، ومن العلوم والمعارف، وفي هذا مشروعية طلب الزيادة من نعم اللَّه الواسعة، ولما كانت الزيادة ربما تكون في شيء من أمور الدنيا والآخرة، ويلحق النقص بشيء آخر، قال: «ولا تنقصنا»: أي لا تُذهب منا شيئًا مما أعطيتنا إياه.\nقوله: «وأكرمنا»: من عطاياك [الدينية، و] الدنيوية المباركة، ومنها قضاء حاجاتنا في هذه الدار، ومن أعظم الإكرام تقوى اللَّه، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢)، وأكرمنا بالآخرة برفع\n_________\n(١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المؤمنين، برقم ٣١٧٣، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، صفة الغسل من الجماعة، برقم ١٤٤٣، والإمام أحمد،\n١/ ٣٥١، برقم ٢٢٣، وعبد الرزاق، ٣/ ٣٤٨، والحاكم، ١/ ٥٣٥، وصححه، والبزار،\n١/ ٤٢٧، وعبد بن حميد، برقم ١٥، وحسّنه الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ١١/ ٢٨٢، برقم ٨٨٤٧.\n(٢) سورة الحجرات، آية: ١٣.","vol":"1","page":506},{"text":"درجاتنا في الجنان، لأنك أنت أكرم الأكرمين.\nقوله: «ولا تهنا» أي لا تذلنا بتسليط الكفار والأعداء علينا بسبب ذنوبنا وتقصيرنا [،ولا تهنّا بردّ دعائنا].\nقوله: «وأعطنا ولا تحرمنا»: قال الطيبي: عطف الأوامر، وهي\n«زدنا، وأكرمنا، وأعطنا» على النواهي «لا تنقصنا، ولا تُهنا، ولا تحرمنا» تأكيدًا، ومبالغة، وتعميمًا (١)، أي: وأعطنا ما سألناك، ومن خير ما لم نسألك، ولا تمنعنا من خيرك وفضلك، ولا تجعلنا من المحرومين، تضمّن هذا الدعاء سؤال اللَّه تعالى من كل خير في الدنيا والآخرة.\nقوله: «وآثرنا، ولا تؤثر علينا»: اخترنا بعنايتك، ورحمتك، ولا تؤثر علينا غيرنا، فتعزّه وتذلّنا، ففيه سؤال اللَّه تعالى أن يجعله من الغالبين على أعدائه، لا من المغلوبين.\nقوله: «وارضنا، وارض علينا»: أي اجعلنا راضين بما قضيت لنا، أو علينا بإعطائنا: الصبر، والقناعة، والرضا في كل ما هو آت منك حتى ندرك رضاك.\nقوله: «وارض عنا»: فهو أعظم مطلوب ومرغوب يأمله منك العبد في الدنيا والآخرة.\nسأل الرضى: «لأن منزلة «الرضى»: هي أشرف المنازل بعد النبوة، فمن ﵁، فقد ﵁؛ لقوله تعالى: ﴿رَضِيَ\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ١٠٨.","vol":"1","page":507},{"text":"اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ (١)، فجعل أحد الرضاءين مقرونًا بالآخر» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>١٣٠ - «اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي» </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>الشرح:</span>\nأي كما جعلت يا اللَّه خلقي مستقيمًا معتدلًا في غاية الإحسان والإتقان، أسألك أن تُحسّن أخلاقي فتكون في غاية الحسن، والكمال كهيئة خَلْقي.\nفيه توسل إلى اللَّه تعالى بصفاته، وأفعاله من كمال القدرة، وحسن التصوير، وهو من أعظم أنواع التوسل إلى اللَّه تعالى.\nقوله: «كما أحسنت» فيه توسلٌ آخر، وهو توسل بنعمه السابقة، فجمع بين توسلين عظيمين، قبل الدعاء لما يترتب عليها من الاستجابة والقبول.\nوسؤال النبي - ﷺ - أن يُحسّن خُلُقَه تعليمًا له ولأمته في سؤال لما له من شأن عظيم، وفضل كبير، وموقع جليل في قلوب العباد، فقد جاءت الأحاديث الكثيرة في بيان فضله، وعلو شأنه: فعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لم يكن رسول اللَّه - ﷺ - فاحشًا، ولا\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ٢٢.\n(٢) فيض القدير، ٢/ ١٠٨.\n(٣) أخرجه أحمد، ١/ ٣٧٣، برقم ٣٨٢٣، وأرقام ٢٤٣٩٢، و٢٥٢٢١، والأدب المفرد، برقم ٢٩٠،، وابن حبان، برقم ٩٥٩، والطيالسي،٣٧٤، ومسند أبي يعلى، برقم ٥١٨١، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١١٣، برقم ٧٤.","vol":"1","page":508},{"text":"متفحشًا، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» (١).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة، من حسن الخُلق» (٢)، وهو من أعظم\nالأسباب في القرب من النبي - ﷺ - في الجنة، فعن جابر - ﵁ - أن رسول - ﷺ - قال: «إن من أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» (٣).\nوغير ذلك من الأحاديث الكثيرة في فضل حسن الخلق.\n«وحسن الخلق يكون مع اللَّه تعالى، ويكون مع عباد اللَّه، فحسن الخلق مع اللَّه تعالى: يكون الرضا بحكمه شرعًا وقدرًا، وتلقي ذلك بالانشراح وعدم التضجر، وعدم الأسى والحزن، وحمده وشكره على بلائه ونعمائه سرًا وعلنًا، وحسن الخلق مع الخلق هو كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه.\nكف الأذى: بألا يؤذي الناس لا بلسانه، ولا بجوارحه.\nوبذل الندى: يعني العطاء، من مال وعلم وجاه وغير ذلك.\n_________\n(١) البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥٩، ومسلم، كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه - ﷺ -، برقم ٢٣٢١.\n(٢) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق، برقم ٢٠٠٢، والأدب المفرد، برقم ٤٧٠، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول، برقم ١٧٢،وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، تحت الرقم ٨٧٦، وفي صحيح الترغيب والتهيب، برقم ٢٦٤١.\n(٣) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معالي الأخلاق، برقم ٢٠١٨، وابن حيان، ٢/ ٢٣١، وابن أبي شيبة، برقم ٢٥٨٢٩، وعبد الرزاق، ١١/ ١٤٤، والطبراني في الكبير، ١٩/ ٨٠، برقم ٤٦١٦، وصححه الألباني في التعليقات الحسان، برقم ٤٨٢، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٧٩١.","vol":"1","page":509},{"text":"وطلاقة الوجه: أن يلاقي الناس بوجه منبسط (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>١٣١ - «اللَّهُمَّ ثَبِّتْنِي وَاجْعَلْنِي هَادِيًا مَهْدِيًَّا» </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>الشرح:</span>\nوأصل هذا الدعاء المبارك أن جرير بن عبد اللَّه البجلي - ﵁ - شكا إلى النبي - ﷺ - أنه لا يثبت على الخيل، فضرب - ﷺ - بيده الكريمة على صدره ثم دعا له فقال: «اللَّهم ثبته، واجعله هاديًا مهديًا».\nقوله: «اللَّهم ثبته»: تضمن هذا الدعاء المبارك التوفيق إلى الثبات في كل الأحوال، ومن كل الأنواع من الثبات الحسي والمعنوي، الدنيوي والأخروي، كما أفاد حذف المفعول الذي يفيد العموم، وهذا من جوامع الكلم في الدعاء؛ فإن سؤال اللَّه تعالى الثبات في الدنيا يكون: في ثبات القلب أمام ملاقاة أعداء اللَّه تعالى يستلزم ثبات الأقدام والجسد، وكذلك الثبات أمام الفتن، والضلالات، والزيغ، والشهوات، والشبهات، وكذلك تضمّن سؤال اللَّه تعالى الثبات عند الاحتضار الذي يأتي الشيطان لإضلال العبد، وكذلك في البرزخ عند سؤال منكر ونكير، وكذلك في اليوم الآخر على الصراط، فتضمّنت هذه الكلمات القليلة المعاني الكثيرة والجليلة في الدين والدنيا والآخرة.\n_________\n(١) شرح رياض الصالحين للعلامة ابن عثيمين ﵀، ٢/ ٣٤١.\n(٢) دلّ عليه دعاء النبي - ﷺ - لجرير - ﵁ -. انظر: البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب حرق الدور والنخيل، برقم ٣٠٢٠، وكذلك برقم ٤٣٥٦، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل جرير بن عبد الله، برقم ٢٤٧٥، و٢٤٧٦.","vol":"1","page":510},{"text":"قوله: «واجعلني هاديًا مهديًا»: وهذه أكمل الحالات، وأفضل الدرجات أن يجتمع في العبد الهداية القاصرة والمتعدية، أي أن يكون مهديًا بنفسه، هاديًا لغيره، وهذا من أجل النعم من الرب - ﷿ - أن يثبت العبد، ويهديه على الهدى، ثم يرزقه التوفيق إلى دعوة الناس من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما يترتب على ذلك من الأجر العظيم له، وهذا يدل على أهمّية الأدعية النبوية،\nالتي فيها أجلّ المقاصد، والمطالب الدنيوية والأخروية بأوجز الألفاظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>١٣٢ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ</span>، وَأَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًَا سَلِيمًَا، وَلِسَانًَا صَادِقًَا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ» (١).\n_________\n(١) أحمد، ٢٨/ ٣٣٨، برقم ١٧١١٤، و٢٨/ ٣٥٦، برقم ١٧١٣٣، والترمذي، كتاب الدعوات، باب منه، برقم ٣٤٠٧، والنسائي، كتاب السهو، نوع آخر من الدعاء، برقم ١٣٠٤، ومصنف ابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٧١، برقم ٢٩٩٧١، والطبراني في المعجم الكبير بلفظه، برقم ٧١٣٥، وبرقم ٧١٥٧، و٧١٧٥، ورقم ٧١٧٦، و٧١٧٧، و٧١٧٨، و٧١٧٩، و٧١٨٠، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، ٣/ ٢١٥، برقم ٩٣٥، و٥/ ٣١٠، برقم ١٩٧٤، وحسنه شعيب الأرنؤوط في صحيح ابن حبان، ٥/ ٣١٢، وحسنه بطرقه محققو المسند، ٢٨/ ٣٣٨، وذكره الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة في المجلد السابع، برقم ٣٢٢٨، وفي صحيح موارد الظمآن، برقم ٢٤١٦، ٢٤١٨، وقال: «صحيح لغيره».","vol":"1","page":511},{"text":"هذا الدعاء العظيم المبارك، في غاية الأهمية، فقد اشتمل على أعظم مطالب الدين، والدنيا، والآخرة، [و] فيه من جوامع الكلم التي لا تستقصيها هذه الوريقات لجلالة قدرها (١).\nولهذا أمر النبي - ﷺ - شداد بن أوس، والصحابة - ﵃ - بالإكثار من هذا\nالدعاء بأجمل الألفاظ، وأجلّ المعاني فقال: «يا شداد بن أوس، إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضة، فاكنز هؤلاء الكلمات» (٢).\nوفي لفظ «إذا اكتنز الناس الدنانير والدراهم، فاكتنزوا الكلمات ...» (٣).\nومما يدل على أهمية هذه الدعوات الطيبات أن النبي - ﷺ -[كان يقولها في صلاته، ففي رواية عند ابن حبان، والطبراني، ولفظ الحديث عند النسائي عن شداد - ﵁ - أن النبي - ﷺ -] [كان يقول في صلاته]: اللهم إني أسألك الثبات ...» الحديث (٤).\nأي أنه كان يكثر من هذه الدعوات (٥) في أعظم الأعمال، وهي الصلاة، فقوله - ﷺ -: «فأكثروا»، وأمر - ﷺ - (باكتنازها)؛ لأن نفعها دائم لا\n_________\n(١) قد شرح هذا الدعاء العلامة الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في مؤلف خاص له. انظر مجموع الرسائل له، ١/ ٣٦٢ - ٣٩٦.\n(٢) أحمد، ٤/ ١٢٣، رقم ١٧١٥٥، أخرجه ابن أبي شيبة، ٦/ ٤٦، رقم ٢٩٣٥٨، والطبراني في الكبير، ٧/ ٢٧٩، برقم ٧١٣٥، وأبو نعيم في الحلية، ٦/ ٧٧، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٣٢٢٨.\n(٣) ابن حبان، ٣/ ٢١٥، والمعجم الكبير للطبراني، ٧/ ٢٨٧، برقم ٧١٧٥، وصححه الألباني لغيره في التعليقات الحسان، برقم ٩٧١.\n(٤) النسائي، برقم ١٣٠٤، والطبراني في المعجم الكبير، ٧/ ٢٩٤، برقم ٧١٧٨، ورقم ٧١٧٩، ورقم ٧١٨٠، وابن حبان في صحيحه، ٥/ ٣١٠، برقم ١٩٧٤، وقال الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، ٢/ ٤٤٦، برقم ٢٠٤٧ - ٢٤١٦: «صحيح لغيره».\n(٥) [تقدم] مرارًا أن فعل المضارع بعد كان يفيد الدوام على الفعل، والاستمرار عليه.","vol":"1","page":512},{"text":"ينقطع في الدنيا وفي الآخرة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (١)، وهذا هو الكنز الحقيقي الذي لا يفنى.\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-837>تضمَّن هذا الدعاء المبارك على عدة مقاصد ومطالب جليلة </span>في أعظم مهمات الدين، والمعاش، والمعاد، منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>١ - سؤال اللَّه تعالى الثبات على الهدى في كل الأحوال</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>٢ - التوفيق إلى صالح الأعمال على التمام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>٣ - الشكر على النعم والآلاء في الليل والنهار</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>٤ - إصلاح أعمال القلب، والأركان</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>٥ - الفوز بكل خير ومنوال على الدوام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>٦ - السلامة من كل شر في كل الأحوال والأزمان</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>٧ - مغفرة الذنوب في الماضي، والحال، والمآل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>المفردات:</span>\nالكنز: «أصل الكنز المال المدفون تحت الأرض؛ فإذا أخرج منه الواجب عليه لم يبق كنزًا، وإن كان مكنوزًا» (٢)، والكنز: هو الشيء النفيس المدخر، ومنه قول النبي - ﷺ -: «لا حول ولا قوة إلا باللَّه كنز من كنوز الجنة» (٣). «أي المدخر لقائلها، والمتصف بها، كما يدخر\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ٤٦.\n(٢) انظر: المفردات، ص ٧٢٧، والنهاية، ص ٨١٤.\n(٣) البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا علا عقبة، برقم ٦٣٨٤، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، برقم ٢٧٠٤.","vol":"1","page":513},{"text":"الكنز» (١).\nالعزيمة: العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر، يقال: عزمتُ الأمر، وعزمت عليه، واعتزمت، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢). (٣)\nالرشد: الرَّشَدُ والرُّشْدُ: خلاف الغي (٤)، وهو الصلاح والفلاح، والصواب (٥).\nالقلب السليم: هو الخالي من الشرك والكفر، والنفاق والإثم وكل وصف ذميم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>الشرح:</span>\nقوله: «اللَّهم إني أسألك الثبات في الأمر»: سأل اللَّه تعالى الثبات في الأمر، وهي صيغة عامة يندرج تحتها كل أمر من الأمور» (٦) من أمور الدنيا، والدين، والآخرة؛ فإن الثبات عليها يكون بالتوفيق [إليها] بالاستقامة، والسداد، وأعظم ذلك الثبات على الدين والطاعة، والاستقامة على الهدى، وأحوج ما يكون العبد [لهذه] الاستقامة، عند الاحتضار من نزغات الشيطان وإغوائه، والثبات في\n_________\n(١) النهاية، ص ٨١٤.\n(٢) سورة آل عمران، آية ١٥٩.\n(٣) المفردات، ص ٥٦٥.\n(٤) المصدر السابق، ص ٣٥٤.\n(٥) تحفة الذاكرين، ص ٤٢٨.\n(٦) تحفة الذاكرين، ص ٤٢٨.","vol":"1","page":514},{"text":"سؤال الملكين، وعند المرور على الصراط وقد جمع اللَّه ﵎ كل هذه الأمور، في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١)، فتضمّنت هذه الدعوة الجليلة الثبات في كل الأحوال، والأوقات، والأماكن.\nوقوله: «والعزيمة على الرشد»: «سأل اللَّه تعالى عزيمة الرشد، وهي الجد في الأمر، بحيث ينجز كل ما هو رشد من أموره» (٢) في\nأمور معاشه وآخرته، والرشد كما [تقدم] هو الصلاح، والفلاح، والصواب، فلذلك كانت العزيمة على الرشد مبدأ الخير؛ فإن الإنسان قد يعلم الرشد، وليس له عليه عزيمة، فإذا عزم على فعله أفلح، والعزيمة: هي القصد الجازم المتصل بالفعل، وهو عقد القلب على إمضاء الفعل، ولا قدرة للعبد على ذلك إلا باللَّه تعالى؛ فلهذا كان من أهم الأمور سؤال اللَّه تعالى العزيمة على الرشد؛ ولهذا علَّم النبي - ﷺ - أحد الصحابة أن يقول: «قل اللَّهم قني شر نفسي، واعزم لي على أرشد أمري» (٣).\nفالعبد يحتاج إلى الاستعانة باللَّه، والتوكل عليه في تحصيل العزم، وفي العمل بمقتضى العزم بعد حصول العزم، قال اللَّه تعالى:\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(٢) تحفة الذاكرين، ص ٤٢٨.\n(٣) أخرجه أحمد، ٣٣/ ١٩٧، برقم ١٩٩٩٢، والنسائي في الكبرى، ٦/ ٢٤٦، كتاب صلاة العيدين، الصلاة بعد العيدين، برقم ١٠٧٦٤، وابن حبان، ٣/ ١٨١، برقم ٨٩٩، والحاكم، ١/ ٥١٠، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، والطبراني في الكبير، ١٣/ ١٥١، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، ٤/ ٣٢٣، برقم ٢٣٥٤، وصححه الألباني في التعليقات الحسان، برقم ٨٩٦، وصححه محققو المسند، ٣٣/ ١٩٧.","vol":"1","page":515},{"text":"﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١).\nوالرشد: هو طاعة اللَّه ورسوله، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (٢).\nوكان النبي - ﷺ - يقول في خطبته: «من يطع اللَّه ورسوله فقد رشد،\nومن يعصي اللَّه ورسوله فقد غوى» (٣).\nوالرشد ضد الغي، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي﴾ (٤)، فمن لم يكن رشيدًا، فهو: إما غافل، أو ضال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>والعزم نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>أحدهما: عزم المريد على الدخول في الطريق</span>، وهو من البدايات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>والثاني: العزم على الاستمرار على الطاعات بعد الدخول فيها</span>، وعلى الانتقال من حال كامل، إلى حال أكمل منه، وهو من النهايات، ولهذا سمَّى اللَّه تعالى خواصّ الرسل أولي العزم، وهم خمسة، وهم أفضل الرسل.\nفالعزم الأول يحصل للعبد به الدخول في كل خير، والتباعد من كل شر، إذ به يحصل للكافر الخروج من الكفر، والدخول في\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(٢) سورة الحجرات، الآية: ٧.\n(٣) انظر: صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم ٨٧٠.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٥٦.","vol":"1","page":516},{"text":"الإسلام، وبه يحصل للعاصي الخروج من المعصية، والدخول في الطاعة، فإن كانت العزيمة صادقة، وصمم عليها صاحبها، وحمل على هوى نفسه، وعلى الشيطان حملة صادقة، ودخل فيما أُمِرَ به من الطاعات فقد فاز.\nوعون اللَّه للعبد على قدر قوة عزيمته، وضعفها، فمن صمَّم على إرادة الخير أعانه، وثبّته.\nومن صَدَقَ العزيمة يئس منه الشيطان، ومتى كان العبد مترددًا\nطمع فيه الشيطان، وسوّفه، ومنَّاه.\nسُئل بعض السلف متى ترتحل الدنيا من القلب؟ قال: إذا وقعت العزيمة ترحّلت الدنيا من القلب، ودرج القلب في ملكوت السماء، وإذا لم تقع العزيمة اضطرب القلب، ورجع إلى الدنيا (١).\nقوله - ﷺ -: «وأسألك موجبات رحمتك»: موجبات- بكسر الجيم-: جمع موجبة، وهي ما أوجبت لقائلها الرحمة، من قربة، أيّ قربةٍ كانت، أي: نسألك من الأفعال، والأقوال، والصفات التي تتحصَّل بسببها رحمتك (٢)، والتي توجب بها الجنة التي هي أعظم رحماتك، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّه هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).\nقوله: «وعزائم مغفرتك»: العزائم: جمع عزيمة: وهي عقد\n_________\n(١) مجموع رسائل ابن رجب، ١/ ٣٧٢ - ٣٧٧.\n(٢) تحفة الذاكرين، ٤٥٠، وانظر: أوراد الذاكرين، ص ١٦٨.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٠٧.","vol":"1","page":517},{"text":"القلب على إمضاء الأمر كما مر، أي أسألك أن ترزقنا من الأعمال والأقوال والأفعال التي تعزم، وتتأكد بها مغفرتك، وهذا الدعاء من جوامع الكلم النبوية، فإنه سأله أولًا أن يرزقه ما يوجب له رحمة اللَّه - ﷿ -، ومن فعل ما يوجب له الرحمة، فقد دخل بذلك تحت رحمته التي وسعت كل شيء، واندرج في سلك أهلها، وفي عداد مستحقها، ثم سأله أن يهب له عزمًا على الخير يكون به مغفورًا له؛ فإن من غفر اللَّه تعالى له ذنوبه، وتفضّل عليه برحمته، فقد ظفر بخيري الدنيا والآخرة، واستحق العناية الربانية في محياه ومماته؛\nلأنه قد صفا من كدورات الذنوب (١).\nوهذان المطلبان قد تقدما كثيرًا في أدعية القرآن، وكذلك السنة؛ لأن في المغفرة التخلية من كل الذنوب وتبعاتها، وهي التصفية، والتنقية من آثارها وشؤمها في الدنيا والآخرة، والرحمة تحلية، التي تتحصل بمقتضاها النعم، والآلاء، ومن أجلها النعيم المقيم، في جنات النعيم.\nقوله: «وأسألك شكر نعمتك»: أي أسألك التوفيق لشكر نعمك التي لا تُحصى؛ لأن شكر النعمة يوجب مزيدها، وحفظها، واستمرارها على العبد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢)، والشكر يكون: بالقلب، واللسان، والأركان.\nفالشكر بالقلب: ذكرها، وعدم نسيانها.\n_________\n(١) تحفة الذاكرين، ٤٥٠ - ٤٥١.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٧.","vol":"1","page":518},{"text":"والشكر باللسان: الثناء، والحمد بالنعم، وذكرها، وتعدادها، والتحدث بها.\nوالشكر بالأركان، أن يستعان بنعم اللَّه تعالى على طاعته، وأن يجنب في استعمالها في شيء من معاصيه (١).\nقوله: «وحسن عبادتك»: يكون بإتقانها، والإتيان بها على أكمل\n\nوجه،<span data-type=\"title\" id=toc-850> ويكون ذلك على ركنين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>١ - الإخلاص للَّه تعالى فيها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>٢ - المتابعة فيما جاء في الكتاب الحكيم، وسنة المصطفى - ﷺ </span>- الرؤوف الرحيم، وأعظم الإحسان في العبادة مقام (الإحسان): قال النبي - ﷺ - حينما سأله جبريل عن الإحسان، فقال: «الإحسان أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» (٢).\n«ف<span data-type=\"title\" id=toc-853>أشار إلى مقامين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>أحدهما: أن يعبد اللَّه تعالى مستحضرًا لرؤية اللَّه تعالى إياه</span>، ويستحضر قرب اللَّه منه، واطّلاعه عليه، فيخلص له العمل، ويجتهد في إتقانه، وتحسينه.\n_________\n(١) مجموع رسائل ابن رجب، ١/ ٣٧٧ - ٣٧٩، وانظر: اللآلئ الزكية في شرح الأدعية النبوية، ص ٧٨.\n(٢) البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان، برقم ٥٠، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله - ﷾ -، برقم ٩.","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>والثاني: أن يعبده على مشاهدته إياه بقلبه</span>، فيعامله معاملة حاضر لا معاملة غائب» (١).\nفينبغي للداعي حينما يدعو ربه تعالى المجيب أن يستحضر هذه المعاني.\nوقوله: «وأسألك قلبًا سليمًا»: هو القلب النقي من الذنوب، والعيوب «الذي ليس فيه شيء من محبة اللَّه ما يكرهه اللَّه تبارك\nوتعالى، فدخل في ذلك سلامته من الشرك الجلي والخفي، ومن الأهواء والبدع، ومن الفسوق والمعاصي: كبائرها، وصغائرها، الظاهرة، والباطنة، كالرياء، والعجب، والغِلِّ، والغش، والحقد، والحسد، وغير ذلك، وهذا القلب السليم هو الذي لا ينفع يوم القيامة سواه، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢)، فإذا سلم القلب لم يسكن فيه إلا الرب ﵎» (٣).\nقوله: «ولسانًا صادقًا»: أي محفوظًا من الكذب، والإخلاف بالوعد، سأل اللَّه تعالى لسانًا صادقًا؛ لأنه من أعظم المواهب، وأجلّ المنح والرغائب؛ فإنه أول الطريق إلى درجة الصدِّيقيَّة التي هي أعلى الدرجات بعد الأنبياء، قال النبي - ﷺ -: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرَّجُل\n_________\n(١) مجموع رسائل ابن رجب، ١/ ٣٨٠.\n(٢) سورة الشعراء، الآيتان: ٨٨ - ٨٩.\n(٣) ابن رجب، ١/ ٣٨٠.","vol":"1","page":520},{"text":"يصدق، ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند اللَّه صديقًا ...» (١).\nقوله: «وأسألك من خير ما تعلم»: هذا سؤال جامع لكل خير ما علمه العبد، وما لم يعلمه، فما من خير إلا وقد دخل فيه؛ لهذا أسنده إلى ربه تعالى العليم، الذي وسع علمه كل شيء، في العالم السفلي والعلوي، «وهذا السؤال العام بعد سؤال تلك الأمور\nالخاصة من الخير، هو من باب ذكر العام بعد الخاص» (٢).\nقوله: «وأعوذ بك من شر ما تعلم»: وهذه الاستعاذة شاملة من كل الشرور: صغيرها، وكبيرها، الظاهر منها، والباطن، حيث قيد الاستعاذة من الشرور الذي يعلمها سبحانه؛ لأن الرب ﵎ يعلم كل شيء، وهذا في غاية التلطف، والأدب، والتعظيم للرب حال الدعاء.\nقوله: «وأستغفرك لما تعلم»: ختم الدعاء بطلب الاستغفار الذي عليه المعوَّل، والمدار؛ فإنه خاتمة الأعمال الصالحة، كما في كثير من العبادات.\nوهذا الاستغفار يعمّ كل الذنوب التي عملها العبد في الماضي، والحاضر، والمستقبل، «فإن من الذنوب ما لا يشعر العبد بأنه ذنب بالكلية، كما قال النبي - ﷺ - لأبي بكر: «يا أبا بكر لَلشرك فيكم، أخفى\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأدب، باب قول اللَّه تعالى:) يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين ([التوبة: ١١٩،برقم ٦٠٩٤، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب، وحسن الصدق، وفضله، برقم ٢٦٠٧.\n(٢) مجموع رسائل لابن رجب، ١/ ٣٨٩.","vol":"1","page":521},{"text":"من دبيب النمل ...» الحديث (١)، ومن الذنوب ما ينساه العبد، ولا يذكره وقت الاستغفار، فيحتاج العبد إلى استغفار عام من جميع ذنوبه، ما علم منها، وما لم يعلم، والكل قد علمه اللَّه، وأحصاه» (٢).\nثم ختم دعاءه، بأحسن ختام، من صفات اللَّه تعالى العظام «إنك\nأنت علام الغيوب»: باسم من أسمائه المضافة، التي تدل على سعة العلم، فإن (علَّام) صيغة مبالغة لكثرة العلم وشموله، فهذا توسّل جليل، لهذا المقام العظيم، فيه غاية الأدب والتعظيم، للرب الجليل، وذلك أنه أكّده بـ (إنَّ) وضمير الفصل (أنت) الذي يفيد التأكيد، والحصر والقصر، في اختصاص رب العالمين بالعلم الواسع، ومن ضمنه ذلك الداعي السائل لهذه المطالب العلية، في الدين، والدنيا، والآخرة.\nوأنت ترى رعاك اللَّه، إلى جلالة هذه الكلمات في هذه الدعوات، من المقاصد، والمطالب، والمضامين المهمّة؛ لذا أمر - ﷺ - باكتنازها؛ لأنها هي الكنز الحقيقي الذي ينمو في ازدياد من الخير في الدار الدنيا، والادخار في الدار الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>١٣٣ - «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْفِرْدَوْسَ أَعْلَى الْجَنَّة» </span>(٣).\n_________\n(١) الأدب المفرد، برقم ٧١٦، وأحمد، ٢٣/ ٣٨٤، برقم ١٩٦٠٦، وأبو يعلى، ١/ ٦٠، وابن أبي شيبة، ١٠/ ٣٣٧، والطبراني في الأوسط، ٤/ ١٠، وعمل اليوم والليل لابن السني، برقم ٢٨٥، والترمذي في نوادر الأصول، ٤/ ١٠١، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٧١٦، وصحيح الجامع الصغير، برقم ٣٧٣٠.\n(٢) مجموع رسائل ابن رجب، ١/ ٣٩١ - ٣٩٢.\n(٣) مأخوذ من قول النبي - ﷺ -: «... فَإذِا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنًّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ». البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، برقم ٢٧٩٠، ورقم ٧٤٢٣.","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>المفردات:</span>\nالفردوس: الفردوس اسم من أسماء الجنة، وأصله البستان الواسع الذي يجمع كل ما في البساتين، من أصناف الثمر، والمراد هنا مكان الجنة من أفضلها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>الشرح:</span>\nهذا الدعاء المبارك فيه أعظم مطلب، وأسمى مقصد، وأجلّ مأمل في الدار الآخرة؛ فإن الرب الحكيم العليم، جعل الجنة جنان عالية، عليَّة مكانًا، ومكانةً، بعضها فوق بعض، على قدر أعمال العباد، حتى تتسابق الهمم على نيل أعلاها، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (٢)، وقال النبي - ﷺ -: «من آمن باللَّه، وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على اللَّه تعالى أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل اللَّه أو جلس في أرضه [أو جلس في بيته] فقالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نبشِّرُ الناس؟ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن جرير، ١٥/ ٤٣٠ - ٤٣٧، وانظر: المنتقى من الفردوس لعبد الملك السلمي القرطبي، ٨٣ - ١٠٠.\n(٢) سورة المطففين، الآية: ٢٦.","vol":"1","page":523},{"text":"الجنة» (١).\nوفي لفظ: «ألا أخبر الناس؟ فقال: «ذر الناس يعملون؛ فإن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلى الجنة، وأوسطها» (٢) فقوله - ﷺ -: «في الجنة مائة\nدرجة»: «تعليل لترك البشارة المذكورة» (٣).\nقال الطيبي ﵀: «هذا الجواب من أسلوب الحكيم، أي بشرهم بدخولهم الجنة بما ذكر من الأعمال، ولا تكتف بذلك، بل بشرهم بالدرجات، ولا تقتنع بذلك، بل بشرهم بالفردوس الذي هو أعلاها» (٤).\nقوله: «ذر الناس يعملون»: «أي لا تطمعهم في ترك العمل، والاعتماد على مجرد الرجاء» (٥).\nقوله - ﷺ -: «أوسط الجنة وأعلى الجنة»: «المراد بالأوسط هنا الأعدل، والأفضل، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٦)،\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، برقم ٢٧٩٠، وما بين المعقوفين ذكر القاري أنها في بعض نسخ البخاري. انظر: عمدة القاري، ١٤/ ٩٠.\n(٢) الترمذي، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة درجات الجنة، برقم ٢٥٣٠، والطبراني في الكبير، ٢٠/ ١٥٧، برقم ٣٢٧، وكشف الأستار، ١/ ١٩، وبنحوه: أحمد، ١٤/ ١٤٣، برقم ٨٤١٩، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٩١٣، وصحيح الجامع، برقم ٥٧٤١.\n(٣) فتح الباري، ٦/ ١٦.\n(٤) المرجع السابق، ٦/ ١٦\n(٥) فيض القدير، ٣/ ٥٦١.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.","vol":"1","page":524},{"text":"فعلى هذا فعطف الأعلى عليه للتأكيد، وقال الطيبي: المراد بأحدهما العلوّ الحسّي، وبالآخر العلوّ المعنوي، وقال ابن حبان: أي «الفردوس وسط الجنة في العرض، (وأعلى الجنة) يريد به في الارتفاع» (١).\nقلت: قول الطيبي، وكذلك قول ابن حبان هو الصحيح؛ لأنه كما هو معلوم أن لعطف يفيد المغايرة، والأمر الثاني: «أن التأسيس مقدم على التأكيد» (٢).\nلأن فيه زيادة للمعنى، وهذا هو الأصل.\nوقول ابن حجر ﵀: أن معنى الأوسط: الأعدل، والأفضل فصحيح، إذا لم يقر معه لفظ يغايره كما هنا، ومما يدل على ذلك، ما جاء عن سمرة بن جندب - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا» (٣).\nوالربوة - بالضم والفتح-: ما ارتفع من الأرض (٤)، فغاير بين رفعتها مكانًا، وبين «أوسطها وأفضلها» مكانة، أي علوّ شأنها وقدرها.\n_________\n(١) انظر الفتح، ٦/ ١٧، وصحيح ابن حبان، ٧/ ٦٤ برقم ٤٥٩٢.\n(٢) انظر هذه القاعدة في: قواعد الترجيح للحربي، ٢/ ٤٧٣.\n(٣) أخرجه أحمد، ٢١/ ٢٨٠، برقم ١٣٧٤١، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المؤمنين، برقم ٣١٧٤، والطبراني في المعجم الكبير، ٧/ ٢١٣، برقم ٦٨٨٥، وبنحوه البزار، برقم ٤٦٤٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٥٣٦، وفي صحيح الجامع، برقم ٧٨٥٢.\n(٤) النهاية، ص ٣٤٤.","vol":"1","page":525},{"text":"قال ابن القيم ﵀: «أنزه الموجودات، وأظهرها، وأنورها، وأعلاها ذاتًا وقدرًا عرش الرحمن، وكلّما قرب إلى العرش كان أنور، وأزهر، فلذا كان الفردوس أعلى الجنان وأفضلها» (١).\nولما كانت الفردوس أعلى الجنان درجة، كما قال النبي - ﷺ -: «والفردوس أعلاها درجة ...» (٢)، فهي كذلك تتفاوت في العلو\nوالرفعة كما قال النبي - ﷺ - لأم حارثة، حينما سألت عنه حين أصيب يوم بدر، فقال لها: «ويحك، أهبلت، أوَجنةٌ واحدةٌ هي؟ إنها جنان في جنة»، وفي رواية: «إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى» (٣)، فلذلك حثّنا - ﷺ - أن نسأل أعلاها، فقال: «فإذا سألتم اللَّه فسلوه الفردوس [الأعلى]» (٤).\nففي بيان النبي - ﷺ - في تفصيل لدرجات الجنة، وإن الفردوس هي أعلاها، وحثّه - ﷺ - لنا في سؤالها يدل دلالة واضحة على حرصه، وعنايته للخير لأمته في أحسن أسلوب من الترغيب والتشويق، وفي أمر النبي - ﷺ - الجميع بالدعاء بالفردوس، بل بالفردوس الأعلى «إن درجة المجاهد قد ينالها غير المجاهد، إما بالنية الخالصة، أو بما\n_________\n(١) فيض القدير، ٤/ ١٠٧.\n(٢) أخرجه أحمد، ٣٧/ ٣٦٩، برقم ٢٢٦٩٥، والترمذي، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة درجات الجنة، برقم ٢٥٣١، وابن أبي شيبة، ١٣/ ١٣٨، برقم ٣٥٢١١، والمقدسي في المختارة، ٣/ ٣٣٧، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٢٢، وصحيح الترمذي، ٢٥٣١.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، برقم ٦٥٥٠ - ٦٥٦٧.\n(٤) البخاري في جزء من حديث، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، برقم ٧٤٢٣، وما بين المعقوفين من موارد الظمآن، برقم ٢٤٣٢.","vol":"1","page":526},{"text":"يوازيه من الأعمال الصالحة» (١).\nفقد بيّن لك يا عبد اللَّه نبي الرحمة محمد - ﷺ - منزلة الفردوس عن باقي الجنان، وأرشدك إلى أعظم الأسباب والأبواب إلى نيلها، وهو دعاء اللَّه ﵎ وسؤاله.\nوهو أعظم الأسباب، وأيسر الأبواب، فشدَّ ساعد الجد والعمل من هذه اللحظة، ولا تسوِّف، ولا تتأخر أبدًا من الآن في الإلحاح، وطرق الباب آناء الليل وأطراف النهار؛ فإنه سوف يفتح لك الباب [إن شاء اللَّه].\nقال أبو الدرداء - ﵁ -: «جدوا في الدعاء، فإنه من يُكثر قرع الباب يوشك أن يُفتح له» (٢).\nوتَذَكَّر قول المصطفى - ﷺ -: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة اللَّه غالية، ألا إن سلعة اللَّه الجنة» (٣)؛ فإن هذه السلعة غالية، نفيسة، لاتنال بالأماني، والتسويف، والقعود، وإنما تنال بالهمة، والعزيمة في القول والفعل، فكن كيِّسًا، ولا تكن عاجزًا.\nوقد رُوي: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ،\n_________\n(١) الفتح، ٦/ ١٧.\n(٢) المصنف لابن أبي شيبة، برقم ٨٤٤١، وعبد الرزاق، برقم ١٩٦٤٤، وتقدم تخريجه.\n(٣) الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق، باب حدثنا محمد بن حاتم المؤدب، برقم ٢٤٥٠، والحاكم، ٣/ ٤٠٨، وصححه، وعبد بن حميد، برقم ٤٦٠، والبيهقي في الشعب،\n٢/ ٢٦٦، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٤، وصحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٣٧٧.","vol":"1","page":527},{"text":"وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ [الأماني]» (١).\nوالكيس هو العاقل (٢) الذي عنده «القدرة على جودة استنباط ما هو أصلح في بلوغ الخير» (٣)، وهذا هو اللبيب الحازم، الذي ينظر في عواقب الأمور، فينظر إلى الدنيا وقد علم أنها دار الفناء، وأن\nالجنة هي دار القرار، وهذه الدار عالية، وعليَّة، درجات بعضها فوق بعض، كلما علت اتسعت، وعلت في المنزلة والمكانة، وأن الفردوس هي أعلى الجنان، فعند ذلك تعلو همّته، وتصدق عزيمته، فجعل هذه المنزلة العظيمة هي مقصده الأعظم، فشمّر في العمل في لحظته وآنه، فقوله: «دان نفسه»: «أي حاسبها، وأذلها، واستبعدها، وقهرها، فجعلها منقادة لأوامر اللَّه تعالى وطاعته، «وعمل لما بعد الموت»: قبل نزوله؛ لأن الموت عاقبة أمور الدنيا، فالكيس من أبصر العاقبة، «والعاجز من اتبع نفسه هواها»: أي الذي غلبت عليه نفسه وقهرته، فأعطاها ما تشتهيه.\n«وتمنى على اللَّه الأماني»: أي أنه يتمادى بالمعصية، ويتمنى على اللَّه المغفرة، فالتمني مذموم؛ لأنه يُفضي بصاحبه إلى الكسل، بخلاف\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ٢٨/ ٣٥٠، برقم ١٧١٢٤، والترمذى (٤/ ٦٣٨، رقم ٢٤٥٩، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، برقم ٤٢٦٠، والبيهقي، في الشعب، برقم ١٠٠٦١، والطبراني في الكبير، ٧/ ٢٨١، برقم ٧١٤١، وفي الصغير له، ٢/ ١٠٧، برقم ٨٦٣، والحاكم، ١/ ٥٧، وصححه على شرط البخاري، والطيالسي، ٣/ ٤٤٥، والبزار، ٨/ ٤١٧، برقم ٣٤٨٩. وما بين المعقوفين زيادة من مسند الفردوس، برقم ٤٩٣٠،\n(٢) النهاية، ص ٨٢٠.\n(٣) انظر: فيض القدير، ٥/ ٦٧.","vol":"1","page":528},{"text":"الرجاء؛ فإنه تعليق القلب بمحبوب يحصل حالًا» (١)، فيجمع ما تتوق نفسه إلى المحبوب بالجد والعمل، مع حسن الظن بربه تعالى.\nوختامًا أذكر لك رعاك اللَّه ما جاء في فضل الفردوس من الكتاب والسنة من أوصاف عظيمة، عسى أن تكون لك حافزًا في العمل، والهمّة، والسؤال لربك بالرغبة، والإلحاح، والضراعة.\n«الفردوس: ربوة الجنة، وأوسط الجنة، وأعلى الجنة، وأفضلها، وأحسنها، فإنه سر الجنة (٢)، وأعلاها (الجنة) درجة، وأن العرش على الفردوس، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة\nالأربعة» (٣)، وإن من دخلها لا يبغي عنها تحولًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ (٤).\n«أي: خالدين في جنات الفردوس، لا يبغون عنها حولًا، أي تحولًا إلى منزل آخر؛ لأنها لا يوجد منزل أحسن منها، يرغب فيها إلى التحول إليه عنها، بل هم خالدون فيها دائمًا من غير تحول، ولا انتقال ...» (٥).\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) السر بالكسر السين وشدة الراء، المراد أفضل موضع فيها، والسر جوف كل شيء ولبه وخالصه (النهاية).\n(٣) انظر هذه الروايات الصحيحة في/ البخاري، برقم ٢٧٩٠، و٧٤٢٣، وصحيح الترمذي، برقم ٢٥٣١، و٣١٧٤، وصحيح ابن ماجه،٤٣٣١، وصحيح النسائي، برقم٢٥٣٠، وصحيح الجامع، برقم ٥٩٢، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم٩٢٢، و١٨١١، و٢٠٠٣.\n(٤) سورة الكهف، الآيتان/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٥) أضواء البيان للشنقيطي، ٤/ ١٥٠.","vol":"1","page":529},{"text":"جعلني اللَّه وإياك من أهلها «اللَّهم آمين»، اللَّهم يا خير الرازقين، ارزقنا مرافقة نبينا محمد - ﷺ - في أعلى الفردوس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>١٣٤ - «اللَّهُمَّ جَدِّدِ الإيْمَانَ فِي قَلْبِي» </span>(١).\nقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: رسول اللَّه - ﷺ -: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم، كما يخلق الثوب، فاسألوا اللَّه أن يجدد الإيمان في قلوبكم».\nالمفردات:\nليخلق: أي يكاد أن يبلى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>الشرح:</span>\nهذا الدعاء فيه من عظيم المقصد، وأجلّ مطلب، في إصلاح أهم مضغة في الجسد، التي هي محلّ نظر الرب ﵎، التي إن صلحت صلح سائر الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله؛ فلهذا اهتم الشارع الحكيم إلى سؤال اللَّه ﵎ في إصلاح هذه المضغة.\n[وقد] تقدم من أدعية المصطفى - ﷺ -: «اللَّهم مصرف القلوب\n_________\n(١) مقتبس من حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنّ الإِيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكُمْ كما يَخْلَقُ الثَّوْبُ الخَلقُ، فاسْأَلُوا اللَّهَ أن يُجَدِّدَ الإِيمانَ في قُلُوبِكُمْ»، الحاكم، ١/ ٤، وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ٥٢: «رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن»، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ١١٣، برقم ١٥٨٥.\n(٢) فيض القدير، ٢/ ٣٢٣.","vol":"1","page":530},{"text":"صرف قلوبنا على طاعتك»، «يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك»، «اللَّهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيّنه في قلوبنا»، وغير ذلك الكثير من الأدعية.\nقوله - ﷺ -: «إن الإيمان ليخلق»: أكد الأمر بـ (إنّ» أي الإيمان ليتلف ويبلى ويتغير، ثم شبهه بالأمر المحسوس المشاهد بالثوب الذي يبلى ولا يبقى، وهذا في غاية الأهمية في تثبيت الأمر المهم في الذهن، وتأكيد الحقائق المهمة الجليله، بالأمور المحسوسة، الذي يقتضي المراقبه، وحسن المجاهدة «شبه - ﷺ - الإيمان بالشيء الذي لا يستمر على هيئته» (١)؛ فإن الثوب يبلى لرداءته، أو كثرة استعماله، وكذلك الإيمان، لا يبقى على حال، فهو يضعف، ويفتر\nبسبب كثرة المعاصي والآثام، والبعد عن ذكر اللَّه - ﷿ -، وقلّة [الأعمال] الصالحات والطاعات، وعدم تجديد التوبة بعد الذنوب والسيئات.\nففيه دليل على صحة اعتقاد أهل السنة والجماعة، كما هو مقرَّر في كتب العقيدة: إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي والآثام.\nثم أمر النبي - ﷺ - فقال: «فاسألوا اللَّه أن يجدد الإيمان في قلوبكم»، وقد تقدم أن في أمره - ﷺ - بالدعاء، أفضل من غيره من الأدعية التي لم يأمر بها.\nوفي صيغة المضارع «أن يجدد»: الذي يدلّ على الاستمرارية\n_________\n(١) فيض القدير، ٢/ ٣٢٣.","vol":"1","page":531},{"text":"والتجدّد، فيه حث على الاعتناء بهذا الدعاء، وملازمته، والاعتناء به على الدوام، وتضمّن هذا الدعاء المبارك سؤال اللَّه ﵎ التوفيق إلى صالح الأعمال، والتي من أجلّها: مسائل الإيمان من حسن الاعتقاد، المنافي للشبهات، والبدع، والضلالات، وكذلك تضمّن سلامته من الشرك، والرياء، والسمعة، والنفاق، وباقي الذنوب، والشرور، والسيئات.\nفخذ بوصية المصطفى - ﷺ - تكن من الفائزين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>١٣٥ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ صَلَاةٍ لَا تَنْفَعُ» </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>الشرح:</span>\nالصلاة أعظم صلة بين العبد وربه - ﷿ -، وهي أفضل الأعمال، وأحبها إلى اللَّه - ﷿ -، كما جاء في الأدلة الوفيرة في عظم منزلتها، فهي من أعظم الأعمال الرافعة في الدرجات الآخرة، فلا عمل بعد توحيد اللَّه ﵎ أفضل منها، وذلك لاشتمالها على التوحيد، والتعظيم والثناء على اللَّه - ﷿ - بكلِّ أنواعه، واشتغال كل الأعضاء، والحركات في البدن للَّه ﵎، وثمراتها، وفوائدها لا تعدّ، ولا تحصى، فمن منافعها، أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ (٢).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الوتر، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٤٩، وابن حبان، ٣/ ٢٩٣، والضياء في المختارة، ٦/ ١٥٦، والدعوات الكبير للبيهقي، ١/ ٤٦٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ١٣٧٠.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٥.","vol":"1","page":532},{"text":"لذا استعاذ منها نبي الرحمة، التي جعلت الصلاة قرة عينه من عدم منافعها، وذلك يكون لعدم الإتيان بها على الوجه الصحيح من الإخلاص، وصحة الأركان، والواجبات، والشروط (١).\nفتضمّنت هذه الاستعاذة الطيبة، التوفيق إلى القيام بها على الوجه الأكمل والأتمّ، فإذا أقامها العبد كما ينبغي، اقتطف من ثمار، ومنافع الخيرات في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>١٣٦ - «اللَّهُمَّ إنِّي أّعُوذُ بِكَ مِنْ جَارِ السُّوءِ، وَمِنْ زَوْجٍ تُشَيِّبُنِي </span>قَبْلَ المَشِيبِ، وَمِنْ وَلَدٍ يَكُونُ عَليَّ رَبًّا، وَمِنْ مَالٍ يَكُونُ عَلَيَّ عَذَابًَا، وَمِنْ خَلِيْلٍ مَاكِرٍ عَيْنُهُ\nتَرَانِي، وَقَلْبُهُ يَرْعَانِي؛ إِنْ رَأَى حَسَنَةً دَفَنَهَا، وَإِذَا رَأَى سَيِّئَةً أَذَاعَهَا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>الشرح:</span>\nهذا الدعاء المبارك فيه استعاذة من خمسة مجاورين من الصفات الذميمة التي لا ينفك عنها العبد في عيشه في هذه الدار.\nفأولها: «جار السوء»:وتقدم شرحه في الدعاء رقم (٩٥)، (٩٧).\nوقوله: «ومن زوج تُشِّيبني قبل المشيب»: «وهي المرأة السوء،\n_________\n(١) اللآلئ الدرية في شرح الأدعية النبوية، ٧٠.\n(٢) الطبراني في الدعاء، ٣/ ١٤٢٥، برقم ١٣٣٩، وهناد في الزهد، برقم ١٠٣٨، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٧/ ٣٧٧، برقم ٣١٣٧،: «قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم من رجال التهذيب ...».","vol":"1","page":533},{"text":"وهي التي تراها فتسوؤك لقبح ذاتها، أو أفعالها، وتحمل لسانها عليك بالبذاءة، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك» (١).\nفينشأ بسببها الشيب قبل وقته، بسبب ما يحصل من الهم، والغم، وكدر العيش.\nقوله: «ومن ولد يكون عليَّ ربًَّا»: أي أستعيذ بك أن ترزقني ولدًا يكون عليَّ مالكًا، لعقوقه وعدم برّه، وتسلّطه عليَّ كأنه هو المالك السيد، وأنا العبد المملوك عنده.\nقوله: «ومن مال يكون عليَّ عذابًا»: ومن مال يكون سببًا لعذابي وخسارتي، لحرصي على جمعه من غير حِلِّه، وهذا المال الحرام الذي تفقد بركته وخيره في معاش العبد، ويورد شرّ الموارد في\nالآخرة، وتضمّنت هذه الاستعاذة والتي قبلها وبعدها أضداد هذه الشرور في سؤال اللَّه تعالى الرزق من الزوجة الصالحة، والولد الصالح، والمال الحلال في الكسب والإنفاق، وكذلك مصاحبة الصالحين الذين يعينون العبد في دينه ودنياه وآخرته.\nقوله: «ومن خليل ماكر»: أي أعوذ بك من صديق يظهر المحبة، والخلّة والودّ، وهو في باطن الأمر محتال مخادع.\nقوله: «عينه تراني»: أي ينظر إليَّ نظر الخليل لخليله خداعًا، ومداهنة، ومكرًا.\nقوله: «وقلبه يرعاني»: أي قلبه يراعي إيذائي، وهو لي بالمرصاد، يتربص بي الشرّ والسوء.\n_________\n(١) بداية المبتدئ وهداية السالك، ص ٢١٤.","vol":"1","page":534},{"text":"قوله: «إن رأى حسنة دفنها»: أي إذا علم مني بفعل حسنةً فعلتها.\n«دفنها»: سترها، وغطّاها، وكتمها، ولم ينشرها.\nقوله: «وإذا رأى سيئة أذاعها»: أي إذا علم مني بفعل سيئة زللت بها، نشرها، وأظهرها خبرًا بين الناس (١)، فهذا والعياذ باللَّه ليس بخليل ولا صديق، إنما [هو] عدوّ غشوم، ظلوم، وحاله هذه: حال المنافقين التي بيّنها اللَّه ﵎ في كتابه العزيز: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>١٣٧ - «اللَّهُمَّ لاَ تُخْزِنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» </span>(٣).\nأصل هذا الدعاء المبارك، أن رجلًا من بني كنانة قال: «صليت خلف النبي - ﷺ - عام الفتح، فسمعته يقول: «اللَّهم لا تخزني يوم القيامة».\nوجاء عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول هذه الدعوات، فعن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يدعو بهذه الدعوات كلّما سلّم»: «اللَّهم لا تخزني يوم القيامة، ولا تخزني يوم البأس، فإن من تخزه يوم البأس فقد أخزيته» (٤).\n_________\n(١) انظر: فيض القدير، ٢/ ١٤٥، وبداية المبتدئ وهداية السالك، ص ٢١٥ بتصرف.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٢٠.\n(٣) أحمد في المسند، ٢٩/ ٥٩٦، برقم ١٨٠٥٦، وقال محققو المسند: «إسناده صحيح»، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٣/ ٢٠، برقم ٢٥٢٤ بلفظ: «اللهم لا تخزني يوم القيامة، ولا تخزني يوم البأس».\n(٤) أخرجه ابن السني قس عمل اليوم والليلة، برقم ١٢٩، وقال محققه سليم الهلالي: &lt;إسناده صحيح&gt;، وأورده ابن أبي حاتم في علل الحديث، برقم ٢٠٦٥.","vol":"1","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>المفردات:</span>\nالخزي: يقال خزي الرجل: لحقه انكسار، إما من نفسه، أو من غيره (١)، وخزي يخزي خزيًا، أي: ذلَّ وهان (٢).\nالبأس: البأس والبؤس والبأساء كلها الشدة والمكروه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>الشرح:</span>\nدلّ قول الصحابي: «كان رسول اللَّه يدعو بهذه الدعوات كلّما\nسلّم» على أهمية هذه الدعوات، وذلك أن فعل المضارع بعد كان يدل على المداومة على الفعل، والاستمرارية عليه، وقد تقدَّم ذكر ذلك مرارًا، وقوله: «كلما سلم»: يحتمل قبل السلام أو بعد السلام، وكلا الموطنين موطن عظيم في الإجابة، كما بينا في آداب الدعاء.\nهذه الدعوة المباركة شبيهةٌ بدعوة خليل الرحمن في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ (٤)، وقد شرحناها، وهي برقم (٣٥)، فاجتمع عليهما الصلاة والسلام في هذه الاستعاذة المهمة.\nقوله - ﷺ -: «اللَّهم لا تخزني يوم القيامة» أي: يا اللَّه لا تذلّني، وتهينني بالتوبيخ على الذنوب والمعاصي، والعقوبة عليها، والفضيحة بها أمام الخلائق يوم القيامة، استعاذ - ﷺ - ليكون ملازمًا\n_________\n(١) المفردات، ٢٨١.\n(٢) النهاية، ٢٦٣.\n(٣) تذكرة الحفاظ، ١/ ١٥٣.\n(٤) سورة الشعراء، الآية: ٨٧.","vol":"1","page":536},{"text":"للخوف والخشية، وهضم النفس، وتعليمًا لأمته بملازمة هذه الدعوة، وإلا فهو - ﷺ - مغفور له ما قدم وما أخر.\nقوله: «ولا تخزني يوم البأس»: أي يوم الشدة، والمكاره، وشدة الحاجة، والافتقار.\nثم علّل سبب دعوته: «فإن من تخزه يوم البأس فقد أخزيته»: أي فقد ذلّلته وأهنته، وفي هذا التفصيل في الدعاء، وتعليل سبب الدعوة، دون الإيجاز والاختصار، كما بيَّنا سابقًا (١)؛ لأنه مقام عبودية، فكلّما بسط العبد الدعاء، وزاد فيه، زادت عبوديته المقتضية لكثرة الثواب والأجر، وكذلك بثّ الشكوى إلى اللَّه تعالى،\nواستحضار ما يدعو به العبد، فتضمن هذا الدعاء سؤال اللَّه تعالى السلامة من كل المكاره في الدنيا والآخرة، وأنه يحسن بالداعي أن يذكر علة وسبب دعوته؛ فإنها من سنن الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، كما تقدّم في أدعية الكتاب، واللَّه تعالى الموفق إلى الهدى والصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>١٣٨ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» </span>(٢).\n_________\n(١) ارجع إلى الدعاء رقم (٨٤)، فهناك توسع في الشرح.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، برقم ٣٨٥١، والمعجم الكبير للطبراني، ٢٠/ ١٦٥، والديلمي في الفردوس، برقم ٦١٤٥، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٢٥٩، برقم ٣٨٤١، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١١٣٨.","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-869>المفردات:</span>\nالمعافاة: هي أن يعافيك اللَّه من الناس، ويعافيهم منك، وأن يُغْنِيك اللَّه عنهم، ويُغْنيهم عنك، ويَصْرف أذاهُم عنك، ويصرف أذَاكَ عنهم (١)، وحقيقتها حفظ اللَّه ﵎ للعبد، عن كل ما يكرهه، ويحزنه، ويسوءه في دينه، ودنياه، وآخرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>الشرح:</span>\nهذه الدعوة المباركة، أخبر سيد الأولين والآخرين، أنها أفضل دعوة، فعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ما من دعوة يدعو بها العبد، أفضل من: اللَّهم إني أسألك المعافاة في الدنيا والآخرة».\nوجاء عن أبي بكر - ﵁ - أنه خطب الناس على منبر رسول اللَّه - ﷺ - فقال: قام رسول اللَّه في مقامي هذا عام الأوَّل، ثم بكى أبو بكر - ﵁ - ثم سُرِّي عنه فقال: سمعت رسول اللَّه يقول: «إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا فِي الدُّنْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَقِينِ وَالْمُعَافَاةِ، فَسَلُوهُمَا اللَّهَ - ﷿ -» (٢).\nوقد تقدّم في الدعاء رقم (٧١) «اللَّهم إني أسألك اليقين، والعفو، والعافية في الدنيا والآخرة»، بشرح موسَّع لمعنى هذه\n_________\n(١) نظر النهاية، ٦٢٧.\n(٢) رواه أحمد في المسند، ١/ ٢١٢، برقم ٣٨، وأبو يعلى، ١/ ١٢١، وبنحوه في الترمذي، كتاب الدعوات، أحاديث شتى من أبواب الدعوات، برقم ٣٥٥٣، وسنن ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، برقم ٣٨٤٩، والسنن الكبرى للنسائي، ٦/ ٢٢٢، والسنن الصغير للبيهقي، ١/ ١٥، وصححه لغيره الأرناؤوط في تعليقه على المسند،\n١/ ٢١٢، وصححه محقق مسند أبي يعلى، ١/ ١٢١.","vol":"1","page":538},{"text":"الدعوات.\nدلّت هذه الدعوة على عظم شأنها، وجلالة قدرها، وأنها لا يعدلها شيء، وذلك أن السلامة والحفظ والأمان هي أجلّ المقاصد، والمطالب التي يتشوّف إليها كل العباد؛ فإنه من أُعطي هذا المطلوب، نجا من كل مرهوب، وحصل له كل مطلوب، وهذه الدعوة يا عبد اللَّه من جوامع الكلم كما تقدّم؛ لأنه ليس شيء يعمل للآخرة يتلقى إلا باليقين، وهو الإيمان الثابت الراسخ الذي لا ريب فيه ولا شك، وهذا أفضل العمل، فعن عبد اللَّه بن حبشي الخثعمي - ﵁ - قال: سُئل رسول اللَّه - ﷺ -: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان لا شك فيه» (١).\nوعلى قدر الإيمان يكون رفع المنازل في الجنان، فعَن أَبِي هُرَيْرَةَ\n- ﵁ -، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ فِي الْغُرْفَةِ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الشَّرْقِيَّ أَوْ الْكَوْكَبَ الْغَرْبِيَّ الْغَارِبَ فِي الْأُفُقِ أوالطَّالِعَ فِي تَفَاضُلِ الدَّرَجَاتِ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُولَئِكَ النَّبِيُّونَ؟ قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَأَقْوَامٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» (٢).\n_________\n(١) النسائي، برقم ٢٥٢٦، والكبرى له، برقم ٢٣١٧، وأحمد، برقم ١٥٤٠١وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٥٠٤، وتقدم.\n(٢) الترمذي، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في ترائي أهل الجنة في الغرف، واللفظ له برقم ٢٥٥٦، ومسند الإمام عبد اللَّه بن المبارك، ص ٧١، وفي صحيح البخاري: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -: قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ؛ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ، لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ»، البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وانها مخلوقة، برقم ٣٢٥٦، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ترائي أهل الجنة الغرف، كما يرى الكوكب في السماء، برقم ٣٨٣١، وأما رواية الترمذي، فقد صححها الشيخ الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٥٥٦.","vol":"1","page":539},{"text":"قوله: «وأقوام آمنوا باللَّه ورسوله، وصدقوا المرسلين»: أي أن هذه الغرف، والمنازل العُلا، ينالها أيضًا أقوام غير الأنبياء المرسلين «ولم يذكر عملًا، ولا شيئًا سوى الإيمان، والتصديق للمرسلين، وذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ، وتصديق المرسلين من غير سؤال، ولا تلجلج، وإلاّ كيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة، ولو كان كذلك، كان جميع الموحدين في أعلى الغرفات، وأرفع الدرجات، وهذا محال» (١)\nقوله: «المعافاة في الدنيا والآخرة»: أي السلامة والأمان في الدارين: ففي الدنيا، فإنه ليس شيء يهنأ فيها إلا مع السلامة، والعناية والوقاية، من شرورها كلها: ظاهرها وباطنها، ومن جملتها\nالسلامة من الخلق، والاستغناء عنهم.\nقوله: «والمعافاة في الآخرة»: السلامة، والنجاة من الذنوب وتبعاتها، ومن جملة ذلك من القصاص، والحقوق التي بينك وبين العباد، وبين العباد وبينك، فمن رُزق المعافاة، ضمن دخول منازل وجنان الرحمن، فتضمّنت هذه الدعوات المباركة خيري الدنيا والآخرة، فاعتني بها يا عبد اللَّه في دعائك، وأكثر منها في ليلك ونهارك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>١٣٩ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ</span>، وَعَمَلٍ\n_________\n(١) التذكرة للقرطبي، ٤٣٣.","vol":"1","page":540},{"text":"لاَ يُرْفَعُ، وَقَلَبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَقَولٍ لاَ يُسْمَعُ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>هذا الدعاء المبارك فيه استعاذة من أربعة مطالب مهمة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>١ - علم لا ينفع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>٢ - وعمل لا يُرفع</span>،\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>٣ - وقلب لا يخشع</span>،\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>٤ - وقول لا يُسمع</span>.\nوقد تقدم في شرح الدعاء رقم (٦٠)، والدعاء رقم (٩٦) بعض معاني هذا الدعاء، مثل: «علم لا ينفع»، و«قلب لا يخشع»، فارجع إليها غير مأمور.\n\nقوله: «عمل لا يُرفع»: أي لا يصعد إلى اللَّه ﵎، وكونه لا يصعد أي لا يُقبل؛ لفقدانه،<span data-type=\"title\" id=toc-877> شروط القبول، والإجابة والتي أعظمها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>أ- الإخلاص</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>ب- المتابعة</span>.\nفهو تعالى يصعد إليه العمل الصالح، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان، ١/ ٢٨٣، برقم ٨٣، وأبو يعلى، ٥/ ٢٣٢، وأحمد، ٢٠/ ٣٠٨، برقم ١٣٠٠٣، وابن أبي شيبة، ١٠/ ١٨٧، وصححه الألباني في التعليقات الحسان، برقم ٨٣، وفي كتاب العلم لأبي خيثمة، ص ٦٤.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ١٠.","vol":"1","page":541},{"text":"قوله: «وقولٍ لا يُسمع»: القول يشمل: الذِّكْر، والدعاء، وقوله: (لا يُسمع): أي لا يُستجاب، ولا يُقبل، فحُكمه حكم عدم السماع؛ لأنه تعالى هو السميع، الذي وسع سمعه [ما في] السموات و[وما في] الأرض، فكونه لا يَسمعه تعالى أي لا يقبله؛ لأنه فَقَدَ شروط الإجابة والقبول كما سبق.\nوتضمّنت هذه الاستعاذات الأربع إلى ضدِّها، بالتوفيق إلى علمٍ نافعٍ، وعملٍ صالحٍ مقبولٍ يُرفع إلى اللَّه ﵎، وقلب خاشع للذكر والموعظة، وقولٍ مقبولٍ مستجاب مسموع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>١٤٠ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ</span>، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (١).\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كنت أخدم رسول اللَّه - ﷺ - كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول. الحديث.\nالمفردات:\nالهمّ: المكروه المؤلم على القلب على أمر مستقبل يتوقعه.\nالحزن: المكروه المؤلم على القلب على أمر قد مضى.\nضَلع الدين: أصل الضلع وهو بفتح المعجمة واللام: الاعوجاج، يقال: ضلَع - بفتح اللام - يضلع: أي مال، والمراد به\n_________\n(١) البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من غلبة الرجال، برقم ٦٣٦٣، قال أنس: «كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ ...».","vol":"1","page":542},{"text":"هنا ثِقل الدين وشدّته، الذي يميل بصاحبه عن الاستواء.\nغلبة الرجال: شدّة تسلّطهم وقهرهم بغير حق تغلبًا وجدلًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>[الشرح]:</span>\nالعجز، والكسل، والبخل، والجبن: تقدم شرحها سابقًا.\nاستعاذ النبي - ﷺ - من هذه الأمور؛ لأنها منغصات للحياة، من جميع الوجوه، في النفس، والجسد، والعقل، والقلب.\nقوله: «اللَّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن»: استعاذ منهما لما فيهما من شدة الضرر على البدن، وإذابة قواه، وتشويش الفكر والعقل، والإنشغال بهما يفوِّتان على العبد الكثير من الخير، وانشغال الفؤاد والنفس عن الطاعات والواجبات، هذا إن كان الهمّ والحزن في أمور الدنيا، أما همّ الآخرة، فهو محمود؛ لأنه يزيد في\nالطاعة، ويبعث النفس على الجدّ، والعمل، والمراقبة، قال النبي - ﷺ -: «مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا: هَمَّ الْمَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ في أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ» (٢).\nوقال النبي - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ\n_________\n(١) فتح الباري، ١١/ ٢٠٧، وفيض القدير، ٢/ ١٥١.\n(٢) ابن ماجه، أبواب الزهد، باب الهم بالدنيا، برقم ٤١٠٦، والحاكم، ٢/ ٤٤٣، وابن أبي شيبة، ١٣/ ٢٢٠، والبزار، ٥/ ٦٨، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٢٠٧، وصحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٧٠.","vol":"1","page":543},{"text":"جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (١).\nقوله: «وضلَعَ الدين»: أي شدّته وثقله، حتى يميل صاحبه عن الاستواء والاعتدال؛ فلهذا استعاذ منه - ﷺ -: لما فيه كذلك من شغل العبد عن القيام بالعبادة على الوجه الأكمل، والوقوع في المحذورات الشرعية كما سبق، مثل: الإخلاف في الوعد، والوقوع في الكذب.\nواستعاذ النبي - ﷺ -: «من غلبة الرجال»: وهو تسلّطهم، وظلمهم، وغلبتهم بغير الحق، يؤدي إلى وهن النفس، وضعفها، وإلى الذلة والهوان، فيفتر عن الطاعة والعبادة (٢)؛ لما يوقع في النفس من الخور\nوالأحزان، والأوهام، الذي قد يؤدّي إلى الحقد، والانتقام.\nفينبغي لكل مؤمن أن يُعنى بهذا الدعاء الجليل، فنحن في أشدّ الحاجة إليه في زمننا هذا، وقد تكالبت علينا الهموم، والغموم والأعداء من كل مكان، فنسأل اللَّه السلامة في ديننا ودنيانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>١٤١ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ </span>الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ\n_________\n(١) الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق، باب حدثنا قتيبة، برقم ٢٤٦٥، والدارمي، ١/ ٤٥، وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٩، وحسنه في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٩.\n(٢) اللآلئ الدرية في شرح الأدعية النبوية، ص ٦٠.","vol":"1","page":544},{"text":"مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجالِ» (١).\nقد تقدّم شرح بعض كلمات هذا الدعاء، مثل «عذاب النار، وعذاب القبر، فتنة الدجال» في دعاء رقم (٥٥)، ورقم (٨٣)، ورقم (١٥١).\nأمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة من هذه الأمور الأربعة؛ لأنها أشد الشرور في الدنيا والآخرة؛ ولهذا أمر - ﷺ - بالاستعاذة منها، وقد بيَّنا سابقًا أن الدعاء الذي فيه أمر من النبي آكدَ من غيره من الأدعية، وكان - ﷺ - يتعوذ منها في دبر كل صلاة لشدة خطورتها.\nعن ابن عباس - ﵃ - قال: «كان رسول اللَّه - ﷺ - يتعوّذ في دبر كل صلاة من هذه الأربع» (٢).\nوأمرنا المصطفى - ﷺ - التعوذ (من الفتن ما ظهر منها وما بطن): لأنها في غالب سبب هتك الحُرَم، وسفك الدماء، ونهب الأموال، ومع هذا فهي أعظم الأسباب في الوقوع بالإثم، ولهذا سأله نبيه - ﷺ -، أنه إذا أراد بقوم فتنة أن يتوفاه غير مفتون (٣).\nوأرشدنا إلى أن نقول ذلك، وندعوه به، ففي ذلك دليل على أن «خطبها عظيم، وإثمها وخيم، وعقابها جسيم، وفيه دليل على أن\n_________\n(١) انظر: مسلم، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، برقم ٢٨٦٧، وفيه: «تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب النَّار» ...، [تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَاب الْقَبْر ...] إلى آخره.\n(٢) رواه الإمام أحمد في المسند، ٤/ ٤٩٦، برقم ٢٧٧٨، والطبراني في الكبير، ١٢/ ١٦٦، برقم ١٢٧٧٩، وعبد بن حميد، ص ٢٣٤، وصححه إسناده الأرناؤط، ٤/ ٤٩٦، وحسن إسناده الألباني في صحيح أبي داود أثناء تعليقه على الحديث رقم ٩٠٤.\n(٣) انظر شرح هذا الدعاء، رقم (٨٩).","vol":"1","page":545},{"text":"الفتنة أعظم من الموت كما وصفها اللَّه - ﷾ - بأنها أكبر من القتل» (١)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل﴾ (٢)، وقال عز شأنه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل﴾ (٣)، فإن فتنة المؤمن في دينه حتى يرد إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند اللَّه تعالى من القتل (٤).\nقوله: «ما ظهر منها وما بطن»: إن من الفتن ما يكون ظاهرًا، وما يكون باطنًا خفيًا لا يُرى ولا يُعلم، وهذا أشدّ ما يكون من الفتن، والعياذ باللَّه، فتضمّنت هذه الاستعاذة العظيمة من جميع أنواع الفتن.\n«ثم عطف فتنة المسيح الدجال على الفتن العامة، وهو من عطف الخاص على العام، ويستفاد منه أن فتنة المسيح الدجال، أشدّ الفتن وأعظمها، كما يقتضيه نكتة هذا العطف» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>١٤٢ - «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ» </span>(٦).\nقال - ﷺ -: «من سأل اللَّه الشهادة بصدق، بلّغه اللَّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه».\nوفي لفظ آخر: «من طلب الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم\n_________\n(١) تحفة الذاكرين، ص ٤٤٢.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢١٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير، ١٩٧.\n(٥) تحفة الذاكرين ص ٤٤٢.\n(٦) مقتبس من قوله - ﷺ -: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة، برقم ١٩٠٩.","vol":"1","page":546},{"text":"تصبه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>[الشرح]:</span>\nقوله - ﷺ -: «بصدق»: قيد السؤال بهذا المطلب الجليل.\nلأنه هو أساس قبول الأعمال، ومعيار صحة النية من الأقوال والأعمال والأخلاق.\nقوله: «بلغه اللَّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه»: أي جازاه اللَّه ﵎ تفضلًا منه ونعمه، على صدق نيته وإخلاصها، المنازل العلا للشهداء، وإن مات على فراشه، أو على أي حالٍ مات فيها.\nقال النووي ﵀: «فيه استحباب سؤال الشهادة، واستحباب نية الخير» (٢).\nوفي هذا دليل على سعة كرم اللَّه تعالى وفضله أنه يعطي العبد على صدق نيته مع حسن الدعاء، وقوة الرجاء، المنازل العلا وإن\nلم يعملها، وأدلة ذلك في الكتاب والسنة لا حصر لها، فينبغي للعبد أن يحسن نيته، ويصلحها في طلب الأعمال الجليلة حتى يُعطاها وإن كان لم يفعلها، وقد بيّن النبي - ﷺ - معنى الشهادة في سبيل اللَّه تعالى: «من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو سبيل اللَّه» (٣).\nوقد بين كتاب ربنا - ﷻ - في كثير من الآيات عظم منزلة الشهداء،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة، برقم ١٩٠٨.\n(٢) شرح صحيح مسلم، ٧/ ٦٤.\n(٣) البخاري، كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا، برقم ١٢٣، ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، برقم ١٩٠٤.","vol":"1","page":547},{"text":"وأنها بعد درجة الصديقية، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١).\nوسنة المصطفى - ﷺ - حافلةٌ بذكر فضل الشهداء فمنها:\nقال النبي - ﷺ -: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَإِنَّ لَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ الشَّهِيد، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ» (٢).\nوفي رواية: «لما يرى من فضل الشهادة» (٣).\nقوله - ﷺ -: «إن في الجنة مائة درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ...» الحديث (٤).\nفلمّا كان عظم الشهادة، وعلوّ منازل أهلها، كان أكثر دعاء الفاروق عمر بن الخطاب - ﵁ - لها، فعن عبد اللَّه بن عمر - ﵃ - قال: «كان جُلَّ (٥) دعاء عمر - ﵁ - بها: «اللَّهم ارزقني الشهادة في سبيلك».\nوعن حفصه ﵂، أن عمر قال: «اللَّهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك» فقالت حفصه: «أنى يكون\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٦٩.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا، برقم ٢٨١٧، ومسلم، واللفظ له، كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، برقم ١٨٧٧.\n(٣) البخاري، برقم ٢٨١٧، ومسلم، برقم ١٨٧٧.\n(٤) البخاري، برقم ٢٧٩٠، وتقدم تخريجه.\n(٥) أي معظم دعائه.","vol":"1","page":548},{"text":"هذا؟ قال: يأتيني به اللَّه إن شاء» (١).\nفانظر رعاك اللَّه تعالى، وسددك على الهدى، لما صدق عمر - ﵁ - مع اللَّه تعالى في سؤاله ربه تعالى، وأحسن الظن بربه الكريم، الذي لا يخيب من أحسن الظن به، وصدق في دعائه وسؤاله، أعطاه ما تمنى مع خلاف حصول ذلك عادة؛ ولهذا قالت حفصة ﵂: «أنَّى يكون هذا»؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>١٤٣ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ </span>مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأَدْخِلْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>[الشرح]:</span>\nهذا الدعاء المبارك جاء في دعاء النبي - ﷺ - لهذين الصحابيين الجليلين، فعن أبي موسى - ﵁ - قال: «لما فرغ النبي - ﷺ - من حنين، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دُريد بن الصِّمَّة، فُقتل دُريد، وهزم اللَّه أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرُمي أبو عامر في رُكبته، رماه رجل من بني جُشم بسهم، فأثبته في رُكبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عمِّ من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى\n_________\n(١) انظر صحيح البخاري، أبواب فضائل أبواب المدينة، باب كراهية النبي - ﷺ - أن تُعرى المدينة، برقم ١٨٩٠.\n(٢) البخاري، برقم ٤٣٢٣، كتاب المغازي، باب غزوة أوطاس، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين ﵄، برقم ٢٤٩٨، والدعاء في المتن مقتبس من دعاء النبي - ﷺ - لعُبَيْدٍ أبي عامر، ومن دعائه - ﷺ - لأبي\nبردة ﵄.","vol":"1","page":549},{"text":"فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقته، فلما رآني ولَّى، فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحي، ألا تثبت؟ فكفّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل اللَّه صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء، قال: يا ابن أخي، أقرئ النبي - ﷺ - السلام وقل له: استغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي - ﷺ - في بيته على سرير مُرمل، وعليه فراش قد أثَّر رمال السرير بظهره وجبينه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، فدعا رسول اللَّه - ﷺ - بماء فتوضأ منه ثم رفع يديه، ثم قال: «اللَّهم اغفر لعبيد أبي عامر» «حتى رأيت بياض إبطيه»، ثم قال: «اللَّهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس»، فقلت: ولي يا رسول اللَّه! استغفر»، فقال - ﷺ -: «اللَّهم اغفر لعبد اللَّه بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مُدخلًا كريمًا»، «قال أبو بُرده: إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>هذا الحديث العظيم مشتمل على فوائد عديدة في الدعاء، فمنها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>١ - استحباب طلب الدعاء من الرجل الصالح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>٢ - «استحباب الوضوء لإرادة الدعاء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>٣ - استحباب رفع اليدين في الدعاء خلافًا لمن خص ذلك بالاستسقاء» </span>(١).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، ٨/ ٤٣.","vol":"1","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-891>٤ - يستحب لمن دعا لشخص أن يذكر اسمه</span>، وكذلك كنيته، واسم أبيه، أو قبيلته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>٥ - أهمية سؤال اللَّه تعالى المغفرة وأنها أحق بالتقديم في السؤال</span>، وهذا هدي الأنبياء والمرسلين، كما في دعوة إبراهيم - ﵇ - ونوح كما تقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>٦ - أن التخلية مقدمة على التحلية</span>؛ حيث قدم - ﷺ - سؤال اللَّه تعالى المغفرة، وهي التخلية من الذنوب وآثارها على التحلية في قوله «اللَّهم اجعله فوق كثير من خلقك من الناس» أي في المنزلة، والرتبة في الجنان، وقوله كذلك لعبد اللَّه بن قيس: «وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا».\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>٧ - تعظيم الرغبة والهمة في حال الدعاء</span>، كما دل [عليه] قوله: «اللَّهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من الناس».\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>٨ - أن من طلب منه الدعاء أن يدعو في حاله وحينه، ولا يؤخرّه</span>،\nوهذه سنة الأنبياء، كما في دعاء النبي - ﷺ - وكذلك في دعاء زكريا: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>١٤٤ - «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ</span>، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ،\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٣٨. وانظر شرح هذا الدعاء في الدعاء رقم (٩).","vol":"1","page":551},{"text":"وَقِنِي شَرَّمَا قْضَيْتَ، إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>[الشرح]:</span>\nهذا الدعاء الجليل، عظيم القدر والشأن، مشتمل على مقاصد ومطالب عظيمة، في الدين، والدنيا، والآخرة، وفيه معان جلال، في مسائل العقيدة والتوحيد، من التوسلات: بأسماء اللَّه تعالى وصفاته، وأفعاله، وتوسلٌ بآلائه وإنعامه، وكذلك إثبات وإقرار بصفاته تعالى المثبتة والمنفية، وإيمان بالقضاء والقدر، والمشيئة، بأجمل المباني، وأوسع المعاني، وقد ثبت هذا الدعاء المبارك\nفي حالتين: في دعاء قنوت الوتر الذي علمه النبي - ﷺ - للحسن بن علي - ﵁ -، وثبت عن أنس - ﵁ - في قوله: «كان يعلمنا هذا الدعاء» كما في تخريج المؤلف حفظه اللَّه في الحاشية، فدلّ على أهمية هذا الدعاء المبارك من أمرين: تعليمه لابن ابنته الحسن كما سبق، وكذلك للصحابة، كما قال أنس «وكان يعلمنا ..» فقد ذكرنا في عدة مواضع أن فعل المضارع بعد كان، يدل على\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٣/ ٢٤٩، برقم ١٧٢٣، والبزار، ٤/ ١٧٥، وابن حبان، ٣/ ٢٢٥، وقال محققو المسند، ٣/ ٢٤٩: «إسناده صحيح»، وهذه رواية مطلقة غير مقيدة بالوتر كما جاء في الرواية الأخرى، ففي هذه الرواية قال أنس - ﵁ -: «وكان يعلمنا هذا الدعاء ...»، ومقيدة بالوتر عند أبي داود، أبواب الوتر، باب القنوت في الوتر، برقم ١٤٢٧، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الدعاء في الوتر، برقم ١٧٤٥، وله في الكبرى، كتاب الطهارة، صفة الغسل من الجنابة، برقم ١٤٤٦، والحاكم، ٣/ ١٧٢، وابن خزيمة،\n٢/ ١٥١، وأبو يعلى، ١٢/ ١٣٢، وابن أبي شيبة، ٢/ ٣٠٠، وعبد الرزاق، ٣/ ١٠٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٢٨١.","vol":"1","page":552},{"text":"المداومة على الفعل، والاستمرارية عليه.\nفبدأ بأولى المطالب وأجلّها، الذي عليها الفلاح في الدارين الهداية: «اللَّهم اهدني»: سأل اللَّه ﵎ الهداية التامة النافعة، الجامعة لعلم العبد بالحق، والسير عليه، فإن أصل الهداية كما سبق: الدلالة، وهي نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهي معرفة الحق، والعلم به، وهداية توفيق وسداد وثبات، وهذه الهداية لا يملكها إلا هو - ﷿ -، فينبغي للعبد حين يسأل اللَّه - ﷻ - الهداية أن يستحضر هاتين الدلالتين التي تجمع بين: العلم، والعمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>قوله: «فيمن هديت»: فيه فوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>أولًا: أن يدخله في جملة المهديين وزمرتهم</span>، وهم كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>ثانيًا: أن فيه توسلًا إليه بإحسانه وإنعامه</span>، وهو من التوسّلات\nالجليلة المقتضية للإجابة كما سبق في توسّل زكريا - ﵇ -: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٢) أي: يا رب قد هديت من عبادك بشرًا كثيرًا فضلًا منك وإحسانًا، فأنعم عليَّ بالهداية كما أنعمت عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>ثالثًا: أن ما حصل لأولئك من الهدى لم يكن منهم</span>، ولا بأنفسهم، وإنما كان منك، فأنت الذي هديتهم.\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٦٩.\n(٢) سورة مريم، الآية: ٤.","vol":"1","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>رابعًا: أن الهداية التي نطلبها لا تحصل هكذا غالبًا</span>، بل لابد لها من أسباب نبذلها، وأهم هذه الأسباب، وأجلها الدعاء، وصدق التوجه إليك، والمجاهدة في تحصيلها (١).\nقوله: «وعافني فيمن عافيت»: فيه سؤال اللَّه ﵎ العافية المطلقة الظاهرة، والباطنة، في الدين، والدنيا، والآخرة؛ لأن مفرد المضاف يفيد العموم، فلم يخص نوعًا معينًا من أنواع العافية، والعافية كما تقدم مرارًا هي السلامة، والوقاية من أمراض القلوب، وأمراض الأبدان، فيدخل في ذلك العافية عن الكفر، والشرك، والفسوق، والغفلة، والأسقام، وكل الخزايا، والبلايا، وفعل ما لا يحبه، وترك ما يحبه، فهذه هي حقيقة العافية؛ ولهذا ما سُئل الربّ - ﷿ - شيئًا أحب إليه من العافية؛ لأنها كلمةٌ جامعة للتخلص من الشر كله، وأسبابه، ونتائجه، وتبعاته، ولقد شرحنا معاني هذه الكلمة الجامعة في الدعاء رقم (٧١)، ورقم (١٣٨).\nقوله: «وتولّني فيمن توليت»: فيه توسل إلى اللَّه ﵎ بفعل الولاية، وهو مشتق من اسمين للَّه تعالى من الأسماء الحسنى: (الولي، والمولى): اللذين يدلان على معنى الولاية العامة: وهي لكل الخلائق، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَق﴾ (٢)،وولاية خاصة: وهي ولاية اللَّه تعالى للمؤمنين، كما قال\n_________\n(١) انظر: الفتوحات الربانية، ١/ ٥٤٤، دروس وفتاوى الحرم المكي للعلامة ابن عثيمين:\n١/ ٣٨٤ - ٣٩١، و«شرح دعاء القنوت له»، فقه الأدعية والأذكار، بتصرف يسير،\n٣/ ١٧٥ - ١٧٦.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ٦٢.","vol":"1","page":554},{"text":"تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١)، وهذه هي الولاية المقصودة في هذا الدعاء المبارك التي تقتضي: التوفيق، والنصرة، والعناية، والصبر عن كل ما يغضب اللَّه ﵎، وفي هذا تنبيه على أن من حصل له ذلّ في الناس، فهو بنقصان ما فاته من تولى اللَّه تعالى، وإلا فمع الولاية الكاملة ينتفي الذل كله، ولو سلّط عليه من في أقطار الأرض.\nقوله: «فيمن توليت» كسابقه توسّلُ اللَّه من أنعم عليهم بالولاية الخاصة.\nقوله: «وبارك لي فيما أعطيت»: البركة هي النماء والخير الكثير الثابت، وتكون حسية أو معنوية، ففي هذا سؤال اللَّه - ﷿ - البركة في كل ما أعطاه الرب - ﷻ -: من علم أو مال، وفي العمر، والأهل، والذرية، والمسكن، وغير ذلك، بأن ينميه، ويثبته، ويحفظه ويسلمه من كل الآفات.\nقوله: «وقني شر ما قضيت»: أي شر الذي قضيته، فإن اللَّه - ﷻ - يقضي بالخير، ويقضي بالشر لحكمته البالغة، التي لا تحيط بها كل\nالخلائق، أما قضاؤه بالخير، فهو خير محض في القضاء والمقضي، أي في الفعل، والمفعول، مثل القضاء للناس بالرزق الواسع، والآمن والهداية والنصر ونحو ذلك، أما قضاؤه بالشر فهو خير في القضاء؛ لأنه فعله فهو خير محض من كل الوجوه، وشر في المقضي وهو المفعول أي: المخلوق، مثل «القحط» فهو خير من\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٧.","vol":"1","page":555},{"text":"ناحية تذكير الناس بربهم، ولجوئهم إليه، كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١)، (٢)، فظاهر هذه الأمور، من المصائب شر، ولكنها في حقيقة الأمر خير من وجه آخر، وينبغي أن يعلم أن اللَّه ﵎ لا يخلق شرًا محضًا لا خير فيه البتة، فكل شر مهما عظم وكبر، فلابد فيه من الخير، فالشر واقع في بعض مخلوقاته، لا في خلقه، ولا في فعله، ولا في صفاته، وهذا من كمال الرب عز شأنه، «وهذا الدعاء يتضمّن سؤال اللَّه تعالى الوقاية، من الشرور، والسلامة من الآفات، والحفظ من البلايا والفتن» (٣).\nقوله: «قني»: توسّل بصفة من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته وحكمته.\nقوله: «إنك تقضي»: فيه التوسل إلى اللَّه - ﷿ - بأنه يقضي على شيء؛ لأن له الحكم التام، والمشيئة النافذة، والقدرة الشاملة، فهو - ﷾ - يقضي في عباده بما يشاء، ويحكم فيهم بما يريد، لا رادَّ\nلحكمه، ولا معقِّب لقضائه، والقضاء هنا يعمُّ القضاء الشرعي، وهي أحكامه الشرعية، وقضاؤه الكوني: وهي أقداره التي قدرها لمن في السموات والأرض من مخلوقاته.\nقوله: «إنك تقضي»: وقع كالتعليل لسؤال ما قبله، أي: لا يعطي تلك الأمور المهمة إلا من كملت فيه حقائق القدرة، ولم يوجد منها\n_________\n(١) سورة الروم، الآية: ٤١.\n(٢) انظر: المصادر السابقة مع التصرف.\n(٣) فقه الأدعية، ٣/ ١٧٧ - ١٧٨.","vol":"1","page":556},{"text":"شيء في غيره (١).\nقوله: «ولا يقضى عليك»: أي: لا يقضي عليك أحد كائنًا من كان، فالعباد لا يحكمون على اللَّه - ﷿ - بشيء، بل هو الذي يحكم عليهم بما شاء، ويقضي فيهم فيما يريد، «ويدخل في هذا حكمه الشرعي، والقدري والجزائي» (٢).\nفقوله: «ولا يقضى عليك» من الصفات المنفيه عن اللَّه تعالى، فأي صفة تنفي عن اللَّه تعالى تقتضي نقصًا، فلا بد أن تتضمن كمالًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣)، فنفى اللَّه تعالى أن يقتضي عليه أحد، أو يعقّب في حكمه «وذلك لكمال ملكه، وعزته، وعظمته، وسلطانه، وحكمته، وعدله ﵎» (٤).\nقوله: «إنه لا يذل من واليت»: هذا كالتعليل لما سبق في قوله:\n«وتولني فيمن توليت»، يذلّ: بفتح فكسر، وكذا يعزّ (٥) أي: لا يصير ذليلًا حقيقة من واليته، فإن اللَّه - ﷾ - إذا تولّى العبد، فلا يذلّ، ولا يلحقه هوان في الدنيا، ولا في الآخرة.\nقوله: «لا يعز من عاديت» يعني: إذا عادى اللَّه ﵎\n_________\n(١) انظر: الفتوحات الربانية، ١/ ٥٤٥ شرح دعاء القنوت، ودروس وفتاوى في الحرم المكي ١/ ٣٩١، فقه الأدعية، ٣/ ١٧٨.\n(٢) تيسير الكريم المنان، ٣٧٤.\n(٣) سورة الرعد، الآية: ٤١.\n(٤) النفي في صفات الله - ﷿ -، ٣٥٦ - ٧٥٦ بتصرف يسير جدًا.\n(٥) الفتوحات الربانية، ١/ ٥٤٥.","vol":"1","page":557},{"text":"العبد، فإنه لا يعزّ، ولو اجتمع أهل الأرض والسموات معه، بل حاله الذل والخسران، فمن أراد العز فليطلبه من اللَّه - ﷿ -، ومن أراد أن يتّقي الذلّ فليكن مع اللَّه جل وعلا، قال اللَّه جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (١)، ودلّ قوله: (عاديت) على صفة العداوة الفعلية للَّه تعالى، تقتضي العقاب، والعذاب، والذلّ، والخسران.\nقوله: «تباركت ربنا وتعاليت»: قوله: تباركت أي: تعاظمت يا اللَّه، فلك العظمة الكاملة من كل الوجوه والاعتبارات، ومن ذلك كثرة بركاتك، وعمّت خيراتك التي يتقلّب بها أهل السموات والأرض (٢).\nقوله: «وتعاليت»: أي أن لك العلو المطلق من كل الوجوه من الكمال: علوّ الذات، وعلوّ الغلبة والقهر، وعلوّ النزاهة عن كل العيوب والنقائص والآفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>١ - أمّا علوّ الذات: فهو - ﷾ - عليَّ بذاته، فوق كل خلقه</span>، مستوٍ على عرشه، كما يليق بجلاله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>٢ - وعلوّ الصفات: فله علوّ الكمال في صفاته التي لا أكمل منها</span>، ولا أعلى منها، التي لا تحيط كل الخلائق ببعض معاني صفة واحدة من صفاته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>٣ - وعلوّ الغلبة والقهر: هو الغالب والقاهر لكل شيء</span>، فلا ينازعه\n_________\n(١) سورة فاطر، الآية: ١٠.\n(٢) المصدر السابق، ١/ ٥٤٦.","vol":"1","page":558},{"text":"منازع، ولا يغالبه مغالب، فدانت له كل الكائنات، وخضعت تحت سلطانه كل المخلوقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>٤ - وعلوّ النزاهة عن كل العيوب، والنقائص، لكماله من كل الوجوه </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>٥ - وهو المتعالي عن الشريك، والنظير، والمثيل</span>.\nفقد تضمّن هذا الدعاء العظيم أعظم مسائل الإيمان، وأصول السعادة والأمان في الدارين، فمن أعظم مسائل الإيمان تضمنه في إثبات صفات وأفعال الكمال والجلال للَّه تعالى التي منها: صفة (الهداية)، المشتقة من اسم (الهادي)، وصفة (الولاية) المشتقة من اسم (الولي، والمولى)، وصفة (البركة والتبارك) للَّه - ﷿ -، وصفة (الوقاية)، وصفة (القاضي)، وصفة (العداوة)، وصفة (التعالي) المشتقة من أسماء (العلي، الأعلى، المتعال)، وصفة من صفاته المنفيه: (ولا يقضى عليك)، والإقرار بالمشيئة الكاملة، والإرادة النافذة لكل المخلوقات، وتضمّن أصول السعادة في سؤال: الهداية، والعافية، والتولي، والبركة، والوقاية، فإن هذه المطالب الجليلة\nعليها السعادة، والهناء في الدنيا، والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>١٤٥ - «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» </span>(٢).\n_________\n(١) انظر: التفسير الكبير لشيخ الإسلام ابن تيمية، ٦/ ١٣٥، شرح النونيه للهراس، ٢/ ٢١٣، تفسير السعدي، ٥/ ٤٨٧، الحق الواضح، ص ٢٥.\n(٢) مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل، برقم ٢١٤، قيل للنبي - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: «لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ».","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>[الشرح]:</span>\nهذه الدعوة جاءت عن النبي - ﷺ - عن ابن جدعان، كما في التخريج في الحاشية: أنه لم يقل: «رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»: «أي لم يكن مصدّقًا بالبعث، ومن لم يصدّق به فهو كافر، ولا ينفعه عمل، قال القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى: «وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشد عذابًا من بعض، بحسب جرائمهم» (١).\nومما لا يخفى في تخصيص النبي - ﷺ - بهذه الدعوة في الذكر دلالة جليلة على أهميتها، وكذلك أنها جاء عن خليل الرحمن في قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٢).\nفإذا كان خليل الرحمن يطمع أن يغفر له خطيئته يوم القيامة، فمن باب أولى نحن أن نسأل اللَّه تعالى، ونلحَّ عليه في ذلك، فدلّت هذه الدعوة على أنها مطلب [إبراهيم أحد] أولي العزم من الرسل، وذلك:\nأن من غفر اللَّه تعالى له ذنوبه، قد نجى من كل مرهوب، وتحصَّل له كل مرغوب في ذلك اليوم العظيم، وقوله: «يوم الدين» دون ذكر غيره من أسماء يوم القيامة، لا ستحضار أهمية هذا المطلب في ذلك اليوم الذي يكون فيه العبد أحوج ما يكون إلى\n_________\n(١) شرح النووي، ٢/ ٨٩.\n(٢) سورة الشعراء، الآية: ٨٢.","vol":"1","page":560},{"text":"مغفرة الرب العظيم؛ فإن يوم الدين يوم الجزاء والحساب على الأعمال؛ لأن الرب عز شأنه من أسمائه «الدَّيان» (١).\nومعناه: الذي يحاسب ويجازي العباد أجمعين.\nفيفصل بينهم بالحق المبين، بميزان العدل، والحق، والفصل يوم الدين، فينبغي للعبد أن يعتني بهذه الدعوة المباركة اقتداءً واتباعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>١٤٦ - «أسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ، الحَيُّ القَيُّومُ</span>، وَأتُوبُ إلَيهِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>[الشرح]:</span>\nهذا الدعاء فيه استغفار عظيم، وتوسّلات جليلة، ومعانٍ عظيمة في طلب المغفرة من رب العالمين، بأجمل العبارات، وأسمى\n\nالكلمات، فإن<span data-type=\"title\" id=toc-912> في مضامينه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>١ - طلب المغفرة بأجمل العبارات وأجلّها </span>في اقتران الطلب بأجمل الأسماء وأجلها (اللَّه).\n_________\n(١) كما جاء في الحديث الصحيح: «... أنا الملك أنا الديَّان»، أخرجه البخاري معلقًا في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (ولا تنفع الشفاعة عنده)، قبل الحديث رقم ٧٨٤١، وأحمد، برقم ١٦٠٤٢، والحاكم، ٢/ ٤٣٢، وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٦٠٨.\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا أبو موسى، برقم ٣٥٧٧، وابن سعد، ٧/ ٦٦، والطبراني، ٥/ ٨٩، برقم ٤٦٧٠، وأبو داود، أبواب الوتر، باب في الاستغفار، برقم ١٥١٩ وابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٩٩،، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم ٢٨٣١: «مَنْ قَالَهُ غَفَرَ اللهُ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ»، وصحيح أبي داود، برقم ٢٨٣١.","vol":"1","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>٢ - وفيه توسّل بأسماء اللَّه الحسنى: </span>(اللَّه، العظيم، الحي، القيوم).\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>٣ - وإقرار بألوهية اللَّه ﵎ </span>(لا إله إلا هو) المتضمّن لتوحيد الربوبية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>٤ - وعزم على التوبة في الحال والاستقبال</span>.\nقوله: «من قال استغفر اللَّه»: أي من سأل اللَّه ﵎ المغفرة للذنوب كما دل حرف الـ «سين» الطلب، أي من طلب التجاوز عن الذنوب وسترها وترك العقاب عليها.\nوفي قرنه بـ (اللَّه العظيم) الذي يدل على الإقران على كمال آخر زائد في كمال كل اسم على انفراده: على عظم وجلالة ألوهيته ﵎، التي تدل على عظم الذات، والصفات، والأفعال، والسلطان، المستحق للتعظيم من جميع العالمين، وفي تخصيص اسم (العظيم): مناسب في طلب المغفرة من الذنوب العظام، فإن العظيم لا يتعاظم عليه شيء مهما كبر، وإن كانت من أكبر الكبائر كالفرار من الزحف.\nقوله: «لا إله إلا هو»: إقرار وإذعان من العبد باستحقاق العبودية الحقة للَّه ﵎.\nقوله: «الحي القيوم»: ذكر هذين الاسمين الجليلين يدل في غاية\nالمناسبة في طلب المغفرة كذلك؛ لأن جميع الأسماء الحسنى والصفات العُلا الذاتية والفعلية ترجع إليهما، فالصفات الذاتية: ترجع كلها إلى اسم (الحي)، والفعلية إلى اسم (القيوم).","vol":"1","page":562},{"text":"قوله: «وأتوب إليه»: فيه إقرار وتأكيدٌ وعزمٌ على التوبة إلى اللَّه ﵎ «فينبغي ألا يتلفظ بهذا إلا إذا كان صادقًا فيه في باطن الأمر كظاهره، وإلا كان كاذبًا بين يدي اللَّه - ﷿ -، فيخشى عليه مقته» (١).\nقوله: «وإن كان فر من الزحف»: هذه بشارة عظيمة، وكريمة من رب العالمين، وهذا من «فضل اللَّه - ﷾ - على عباده، إن من ارتكب كبيره، بل وإن كانت من أعظم الكبائر، كالفرار من الزحف، الذي أخبر النبي - ﷺ - أنها من الموبقات المهلكة، قال ﵊: «اجتنبوا السبع الموبقات ... (فذكر منها) التولي يوم الزحف» (٢) أنه يغفر له.\nوالفرار من الزحف: الفرار من الجهاد في سبيل اللَّه، حال قتال الكفار في الحرب، فدلّ هذا الاستغفار العظيم على أنه تعالى يغفر الذنوب العظام التي لا توجب على مرتكبها حكمًا في النفس، أو المال، كالفرار من الزحف، أو مثله من الذنوب» (٣) إذا قال العبد مخلصًا، صادقًا، مستحضرًا معانيه، ينال هذه البشارة العظيمة، من\nالمغفرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>فائدة: فوائد الاستغفار محو الذنوب، وستر العيوب، وإدرار الرزق</span>، وسلامة الخلق، والعصمة في المال، وحصول الآمال،\n_________\n(١) الفتوحات الربانية، ٣/ ٧٠١.\n(٢) البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا ...)، برقم ٢٧٦٦، مسلم، كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها، برقم ٨٩.\n(٣) الفتوحات الربانية، ٣/ ٧٠١، بداية المبتدئ وهداية السالك، ٩٦، بتصرف يسير.","vol":"1","page":563},{"text":"وجريان البركة في الأموال، وقرب المنزلة من الديان، ورضى الغفور الرحمن (١)، وكثرة [الأموال، والبنين، ونزول الأمطار]، وقوة في الأبدان، والعيش بأمان في الدنيا وإلى دخول الجنان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>١٤٧ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي، وَأَعِذْنِي مِنْ </span>مُضِلاتِ الْفِتَنِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>المفردات:</span>\nالغيظ: أشد الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه (٣).\nجاء هذا الدعاء المبارك من النبي - ﷺ - لأم المؤمنين عائشة\n_________\n(١) المفردات، ص ٦١٩.\n(٢) مأخوذ من دعاء النبي (لعائشة ﵂: «اللهمَّ اغفرْ لهَا ذنبَهَا، وأذْهبْ غَيْظَ قَلْبِهَا، وأعذْهَا منْ مُضِلاّت الفِتَنْ» أخرجه ابن عساكر بإسناده في «الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين»، ص ٨٥ عن عائشة ﵂، وقال: «هذا حديث صحيح حسن، من حديث بقية بن الوليد»، وأخرجه ابن السني بنحوه في عمل اليوم والليلة، برقم ٤٥٧، وفي نسخة أخرى لابن السني قال: «وأجرني من الشيطان» بدل: «من مضلات الفتن»، وانظر تخريجه عند الألباني في الضعيفة، برقم ٤٢٠٧.\nوله شاهد عن أم سلمة ﵂ عند أحمد، برقم ٢٦٥٧٦، ٤٤/ ٢ بنحوه، ولفظه: «قُولي اللَّهُمَّ رَبَّ مُحَمَّد النَّبِيِّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، وَأذْهِبْ غَيْظَ، وَأجِرْنِي منْ مُضِلَّات الْفِتَنِ مَا أحَيْيَتْنَا»، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٢٧، وهو عند عبد بن حميد،\nص ٤٤٣، برقم ١٥٣٤، والطبراني في المعجم الكبير، ٢٣/ ٣٣٨، برقم ٧٨٥، والدعوات الكبير للبيهقي، ١/ ٤٨٥، بدون لفظة: «ما أحييتنا».\nوله شاهد عن أم هانئ ﵂ قالت: يَا رَسُولَ الله عَلِّمْنِي دُعاءَ أدْعُو به، قَالَ: «قُولي: اللَّهُمَّ اغْفرْ لي ذَنْبِي ...» الحديث، أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب، برقم ٥٢، ومساوئ الأخلاق، برقم، ٣٢٣.\n(٣) الفتوحات الربانية، ٣/ ٧٠٢.","vol":"1","page":564},{"text":"﵂، فعن محمد بن أبي بكر قال: «كانت عائشة ﵂، إذا غضبت عرَّك النبي - ﷺ - بأنفها ثم يقول: «يا عويش! قولي: اللَّهم ربَّ محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن» (١).\nقوله: «اللَّهم ربَّ محمد»: فيه توسل بربوبيته تعالى لنبيه - ﷺ -، وهو تعالى ربّ كل شيء ومليكه؛ لعظم شأنه - ﷺ -، وأن التوسل بربوبيته له، أقرب للإجابة في حصول المطلوب، هذا الدعاء فيه طلب السلامة من أشد الشرور الظاهرة، والباطنة، في الدين والدنيا، والآخرة، فبدأ في سؤال اللَّه تعالى السلامة من أشدها فقال: «اللَّهم اغفر لي»: سأل اللَّه تعالى المجاوزة عن الذنوب، وترك العقاب عليها، وهذا المطلب الجليل غالب في أدعية الكتاب والسنة؛ لأن الذنوب تورد العبد شر الموارد في الدنيا والآخرة، فكان في تقديم هذا المطلب أولى من غيره من المطالب، ثم شرع في سؤال اللَّه تعالى السلامة من أشد الشرور الباطنة.\nفقال: «وأذهب غيظ قلبي»: «أي شدة الغضب الذي يكون\nمنشأه غليان دم القلب وفورانه لأمر يعرض على خلاف المراد» (٢).\nسأل اللَّه تعالى أن يذهب الغيظ في القلب؛ لأنه منهك للنفس، متعب للقلب والبدن، فقد يتولّد منه الحقد، والكراهية، والبغضاء، والتعدي، والانتقام، وسوء المآل والحال، لهذا دعا اللَّه ﵎ العباد إلى إمساك النفس عند اعتراء الغيظ، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ\n_________\n(١) أخرجه ابن السني، ٤٥٦، قال محققه: «إسناده حسن».\n(٢) الفتوحات الربانية ٣/ ٢٧٨.","vol":"1","page":565},{"text":"الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس﴾ (١).\nوقال النبي - ﷺ -: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه اللَّه - ﷿ - على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يخيره من الحور العين ما شاء» (٢).\nقوله: «وأعذني من مضلات الفتن»: فيه استعاذة من مهلكات، ومعضلات الفتن الشديدة، الموقعة في الحيرة، والمفضية إلى الهلاك، التي تضيع من شدتها الدين، والدنيا والآخرة، فتضمّنت هذه الاستعاذة النجاة والسلامة من الوقوع بها.\nدلّ هذا الدعاء المبارك على أهميته؛ حيث علّمه - ﷺ - إلى أحب زوجاته، التي أبوها هو أحب أصحابه، فاعتنِ به في دعائك؛ فإن\nالسلامة من الشرور فيها الهناء، والسعادة، والمنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>١٤٨ - «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّكَ - ﷺ - وَتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِهِ</span>، وَأَعِذْنِي مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ» (٣).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٤.\n(٢) أخرجه أبو داود، أول كتاب الأدب، باب من كظم غيظاَ، برقم ٤٧٧٧، والترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق، باب حدثنا عبد بن حميد، برقم ٢٤٩٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحلم، برقم ٤١٨٦، وأحمد، ٢٤/ ٣٩٨، برقم ١٥٦٣٧، والطبراني في الكبير، ٢٠/ ١٨٩، برقم ٤١٧، وفي الصغير، ٢/ ٢٥٠، برقم ١١١٢، والبيهقي، ٨/ ١٦١، برقم ١٦٤٢٢، وأبو يعلى، برقم ١٤٩٧، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٤١٧٦، وصحيح الترغيب والترهيب، برقم ٢٧٥٣.\n(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى، ٥/ ٩٥ من دعاء ابن عمر موقوفًا عليه، والصغرى، ٤/ ١٩٢، وقد نقل ذلك ابن الملقن في البدر المنير، ٦/ ٣٠٩، وقال نقلًا عن الضياء: «إسنادها جيد». وقال ابن مسعود - ﵁ -: «لا يقل أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن»، أخرجه ابن جرير، في تفسيره، ١٣/ ٤٧٥، برقم ١٥٩١٢، وذكره ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري، ٤/ ١٣.","vol":"1","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>١٤٩ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ </span>عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، [فِي الْعَالَمِينَ] إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>المفردات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>الصلاة: أصل الصلاة الدعاء، والتبرك والتمجيد</span>، يقال صليت عليه، أي: دعوت له وزكيت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ\nصَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٢)، (٣).\nأخبر ربنا ﵎ أنه هو، وملائكته يصلون على النبي - ﷺ -، قال جلّ شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ (٤).\nفدلّت هذه الآية الكريمة على علوّ منزلة، ورفعة درجته - ﷺ -،\n_________\n(١) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا موسى بن إسماعيل، برقم ٣٣٧٠، وما بين المعقوفين من حديث أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، برقم ٤٠٥.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(٣) المفردات، ص ٤٩٠.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.","vol":"1","page":567},{"text":"وذلك بأن الرب - ﷿ - يُصلّي عليه، وملائكته الذين لا يُحصي عددَهم إلا الربُّ - ﷻ -.\nوقد اختلف أهل العلم على معنى الصلاة من اللَّه تعالى، بعد إجماعهم بأن أصل الصلاة في اللغة كما سبق هي الدعاء، وشواهد ذلك كثيرة، فأصح ما قيل في معنى صلاة اللَّه تعالى، ما ذكره البخاري رحمه اللَّه تعالى في صحيحه عن كبير التابعين، أبي العالية رحمه اللَّه تعالى أنه قال: «صلاة اللَّه على رسوله ثناؤه عليه عند الملأ الأعلى» (١).\nوذكر العلامة ابن القيم ﵀: «أن صلاة اللَّه ﵎ على عبده نوعان: عامة، وخاصة، أما العامة: فهي صلاته على عباده المؤمنين، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ (٢).\nومنه دعاء النبي - ﷺ - بالصلاة على آحاد المؤمنين، كقوله: «اللَّهم صل على آل أبي أوفى» (٣).\nالنوع الثاني: صلاته الخاصة على أنبيائه ورسله، خصوصًا على خاتمهم، وخيرهم محمد - ﷺ - (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري تعليقًا، كتاب التفسير، باب قوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي ...)، قبل الحديث رقم ٤٧٩٧، وحسنه الألباني ﵀ في فضل الصلاة على النبي، ص٩٥.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣.\n(٣) البخاري، كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، برقك ١٤٩٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بالصدقة، برقم ١٠٧٨.\n(٤) جلاء الأفهام لابن القيم، ص ١٢١.","vol":"1","page":568},{"text":"وقد أمر نبينا - ﷺ - بعد أمر اللَّه تعالى لنا أن نصلي عليه، وأن نجتهد في الإكثار منها، قال - ﷺ -: «صلوا عليَّ، واجتهدوا في الدعاء، وقولوا: اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد» (١).\nفهذا الأمر من الشارع الحكيم بالصلاة عليه فيه أولًا: «اقتداء باللَّه تعالى وملائكته».\nوثانيًا: «جزاءً له بعض حقوقه علينا».\nوثالثًا: «تكميلًا لإيماننا» (٢).\nوقد بشر - ﷺ -: أنَّ من صلَّى عليه، نال الأجر المضاعف من خيري الدنيا والآخرة، فقال: «من صلى عليَّ صلاة واحدة، صلى اللَّه عليه\nبها عشرًا» (٣).\nوفي رواية: «من صلى عليَّ من أمتي صلاةً مخلصًا من قلبه، صلى اللَّه عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات» (٤).\n_________\n(١) أخرجه النسائي، كتاب السهو، نوع آخر، برقم ١٢٩٢، وفي الكبرى له أيضًا، كتاب الطهارة، وجوب الغسل إذا التقى الختانان، برقم ١٢١٦، والطبراني في الكبير، ٥/ ٢١٨، برقم ٥١٤٣، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١٢٩٢، وصحيح الجامع الصغير، برقم ٣٧٨٣.\n(٢) انظر تفسير ابن السعدي، ص٧٨٨.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ثم يسأل الله له الوسيلة، برقم ٣٨٤.\n(٤) النسائي، كتاب السهو، باب الفضل في الصلاة على النبي - ﷺ -، برقم ١٢٩٩، وله في الكبرى، كتاب الأذان، الدعاء عند الأذان، برقم ٩٨٠٩، والبزار، برقم ٣١٦٠، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ١٦٥٩، وصحيح النسائي، برقم ١٢٩٧.","vol":"1","page":569},{"text":"وأخبر - ﷺ - أن أولى الناس به يوم القيامة، وأقربهم منه أكثرهم عليه صلاة عن إيمان، وعن محبة له واتباع لشريعته» (١): «إنَّ أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة» (٢).\nوقوله تعالى ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣): «أي ادعوا اللَّه أن يسلمه تسليمًا تامًا، أي اسألوا اللَّه له السلامة من كل آفة في حياته، ومن كل بلاء في حشره ﵊؛ «وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ» (٤)، فقول المسلم: اللَّهم صل على محمد، يعني سلّمه من الآفات الجسدية حيًا وميتًا، وكذلك يتضمّن الدعاء\nبالسلامة لدينه وشريعته أن يسلمها اللَّه تعالى من الأعداء، فلا يسطو عليها بتحريف أو تغيير، إلا سلَّط اللَّه عليه من يُبَيِّن ذلك، وهذا هو الواقع وللَّه الحمد والمنة» (٥).\n«فصلاة العبد على الرسول هي ثناء على الرسول، وإرادة من اللَّه أن يُعليَ ذكره، ويزيده تعظيمًا وتشريفًا، والجزاء من جنس العمل، فمن أثنى على رسوله جزاه اللَّه من جنس عمله بأن يثني عليه، ويزيد\n_________\n(١) شرح رياض الصالحين للعلامة ابن باز ﵀، ٤/ ٥٠٧.\n(٢) الترمذي، كتاب الوتر، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي - ﷺ -، برقم ٤٨٤، وابن أبي شيبة، ١١/ ٥٠٥، برقم ٣٢٤٧٤، وابن حبان، ٣/ ١٩٢، والبيهقي في الكبرى،\n٣/ ٢٤٩، وحسّنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ١٦٦٨.\n(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب فضل السجود، برقم ٨٠٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم ١٨٢.\n(٥) شرح رياض الصالحين للعلامة ابن عثيمين: ٤/ ٥٠٣ - ٥٠٥.","vol":"1","page":570},{"text":"تشريفه وتكريمه» (١).\n\nوقوله - ﷺ -: «وعلى آل محمد»:<span data-type=\"title\" id=toc-924> فالصحيح أن معنى الآل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>١ - من تحرم عليهم الصدقة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>٢ - أنهم ذريته وأزواجه خاصة </span>(٢).\nوقوله: «وبارك على محمد»<span data-type=\"title\" id=toc-927> البركة هي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>١ - الثبوت واللزوم، ومنه قول: برك البعير يبرك بروكًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>٢ - النماء والزيادة </span>(٣).\n«والتبريك: الدعاء بذلك، فهذا الدعاء يتضمّن إعطاء من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته وثبوته له، ومضاعفته له وزيادته، هذا حقيقة البركة» (٤).\nوقوله: «إنك حميد مجيد»: ختم الدعاء بأحسن الختام، باسمين من أسماء اللَّه ﵎ الحسنى، وأكده بـ «إنَّ» زيادة في التأكيد و«الحميد»: صيغة مبالغة على وزن (فعيل)، والحمد نقيض الذم، وهو أعمُّ وأصدق في الثناء على المحمود من المدح والشكر (٥)، فاللَّه ﵎ هو المحمود في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها، ومن الأفعال أتمَّها\n_________\n(١) جلاء الأفهام، ص ١٢٧.\n(٢) انظر جلاء الأفهام للعلامة ابن القيم، ١٦٦ - ١٧٣.\n(٣) معجم مقاييس اللغة، ٤/ ٣٥٢.\n(٤) جلاء الأفهام، ص ٢٣٧.\n(٥) لسان العرب، ٣/ ١٥٦، تفسير الطبري، ١٣/ ١٧٩.","vol":"1","page":571},{"text":"وأحسنها، فإنها دائرة بين الفضل والحكمة والعدل (١).\nو«المجيد»: من صيغ المبالغة على وزن «فعيل»: وأصل المجد: السعة، والكثرة، يقال: رجل ماجدٌ إذا كان سخيًا، واسع العطاء، ويدلّ كذلك على الشرف، والرفعة، وعظم القدر، والشأن، والجلال (٢).\nوفي اقتران هذين الاسمين الكريمين يدل على معنى زائد في الكمال: «لأن الواحد قد يكون منيعًا غير محمود، كاللص المتحصن وقد يكون محمودًا غير منيع، أما المجيد، فهو من جمع بينهما، وكان منيعًا لا يرام، وكان في منعته حميد الخصال، جميل الأفعال» (٣)، فاستحق تعالى الحمد على مجده، لكماله، وسعة جلالة صفاته التي لا منتهى لها من الكمال والمجد.\nولما كانت الصلاة على النبي - ﷺ - وهي ثناء اللَّه تعالى، وتكريمه،\nوالتنويه به، ورفع ذكره، وزيادة حُبِّه وتقريبه كما تقدم، كانت مشتملة على الحمد والمجد، فكأن المصلي طلب من اللَّه تعالى أن يزيد في حمده ومجده، فإن الصلاة عليه هي نوع حمد له وتمجيد، هذا حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له، وهذا كما تقدم أن الداعي يُشرع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه، أو يفتتح دعاءه به، وتقدم أن هذا من قوله تعالى:\n_________\n(١) تفسير ابن السعدي، ٥/ ٦٢٤.\n(٢) المفردات، ص ٤٦٣، لسان العرب، ٥/ ٤١٣٨، والمقصد الأسنى، ص ١٢٣.\n(٣) الأسماء والصفات للبيهقي، ١/ ١١١.","vol":"1","page":572},{"text":"﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١)، (٢).\n[وقد ذكر المؤلف وفقه اللَّه الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - في ختام الأدعية؛ لأن هذا من الآداب التي يحتاجها المسلم في دعائه: يبدأ بحمد اللَّه، والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلِّي على النبي - ﷺ -، ثم يختم دعاءه بالصلاة على النبي - ﷺ -، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في آداب الدعاء].\nوالحمد للَّه رب العالمين، كما يليق بجلاله، وعظيم سلطانه، اللَّهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(٢) جلاء الأفهام، ٢٤٥ - ٢٤٦.","vol":"1","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>المصادر والمراجع</span>\n١ - اتحاد السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين لمحمد الحسيني الزبيدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت (١٤١٤هـ/١٩٩٤م).\n٢ - إثبات عذاب القبر، لأحمد بن الحسين البيهقي أبي بكر، تحقيق: د. شرف محمود القضاة، دار الفرقان - عمان الأردن، الطبعة الثانية، ١٤٠٥.\n٣ - الأحاديث المختارة لضياء الدين الحنبلي المقدسي، دراسة وتحقيق: عبدالملك بن عبد اللَّه بن دهيش، عجمان مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة، الطبعة الثانية (١٣٢٠هـ/١٩٩٩م).\n٤ - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان لعلاء الدين علي بن لبان الفارسي، حققه وخرّج أحاديثه: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى (١٤١٢هـ/١٩٩١م).\n٥ - إحياء علوم الدين مع إتحاف السادة المتقين، تأليف: الإمام أبي حامد الغزالي، دار إحياء التراث العربي، بيروت (١٤١٤هـ/١٩٩٤م).\n٦ - اختيار الأولى في شرح اختصام الملأ الأعلى، لابن رجب الحنبلي، تحقيق جاسم الدوسري، مكتبة دار الأقصى، الكويت، الطبعة الأولى، (١٤٠٦هـ/١٩٩٨٥م).\n٧ - آداب الدعاء تأليف: يوسف بن المقدسي الحنبلي، حققه: محمد خلوف آل عبد اللَّه، دار النوادر، دمشق، الطبعة الأولى (١٤٢٨هـ/٢٠٠٧م).\n٨ - الأدب المفرد، لمحمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق:","vol":"1","page":624},{"text":"محمد فؤاد عبدالباقي، دار البشائر، الإسلامية - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٩ - ١٩٨٩،\n٩ - الأدعية القرآنية، أ. د. سيد محمد ساداتي الشنقيطي، دار الحضارة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨هـ- ٢٠٠٧م.\n١٠ - الأذكار النووية، للإمام شرف الدين يحيى بن شرف النووي، دار ابن حزم، الطبعة الثانية، ١٤٢٠هـ- ٢٠٠٤م،. ودار الحديث، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٤١٨هـ- ١٩٩٨م.\n١١ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية (١٤٠٥هـ/١٩٨٥م).\n١٢ - الأزهية في أحكام الأدعية، تأليف: محمد الزركشي، تحقيق: أم عبد اللَّه محروس العسلي، إشراف: محمود بن محمد الحداد، دار الفرقان، مصر والسودان، الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ/١٩٨٨م).\n١٣ - الاستغاثة في الرد على البكري، لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار الوطن، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.\n١٤ - اسم «اللَّه» الأعظم، جمع ودراسة الدكتور عبد اللَّه الدميجي، دار الوطن، الطبعة الأولى (١٤١٩هـ/١٩٩٨م).\n١٥ - أسماء اللَّه الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة، للدكتور محمود الرضواني، مكتبة السبيل، الطبعة الأولى (١٤٢٦هـ/٢٠٠٥م).\n١٦ - أسماء اللَّه الحسنى، تأليف: عبد اللَّه الغصن، دار الوطن، الطبعة الأولى (١٣١٧هـ).","vol":"1","page":625},{"text":"١٧ - أسماء اللَّه الحسنى، للدكتور عمر الأشقر، دار النفائس، الأردن (الطبعة الثانية)، (١٤٢٧هـ/٢٠٠٧م).\n١٨ - الأسماء والصفات، لأحمد بن الحسين أبي بكر البيهقي، تحقيق عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي، ط ١، جدة.\n١٩ - الأسنى في شرح أسماء اللَّه الحسنى، للإمام شمس الدين القرطبي، تحقيق الشحات الطحان، مكتبة فياض، الطبعة الأولى (١٣٢٧هـ/٢٠٠٦م).\n٢٠ - اشتقاق أسماء الله، لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.\n٢١ - الإصابة في تمييز الصحابة، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق محمد علي البجاوي، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١٢هـ- ١٩٩٢م.\n٢٢ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (١٤١٧هـ/١٩٩٦م).\n٢٣ - الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، للحافظ عمر بن علي البزاز، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٠هـ.\n٢٤ - الإعلام بأوجز أحكام الألباني الإمام، جمع وإعداد محمد بن كمال السيوطي، دار ابن رجب، مصر الطبعة الأولى (١٤١٤هـ).\n٢٥ - إغاثة اللَّهفان من مصائد الشيطان، ابن قيم الجوزية، دراسة وتحقيق: محمد عثمان الخشت، مكتبة القرآن-القاهرة.\n٢٦ - إكمال المعلم بفوائد مسلم، (شرح صحيح مسلم)، الفصيل بن عياض بن موسى بن عياض، دار الوفاء، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.\n٢٧ - الأم، للإمام محمد بن إدريس الشافعي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت،","vol":"1","page":626},{"text":"ط٢، ١٤٠٣، ١٩٨٣م.\n٢٨ - بدائع الفوائد، لابن القيم الجوزية، تحقيق جماعة من الباحثين، دار الخير، الرياض، ط (١٤١٤هـ).\n٢٩ - بداية المبتدئ وهداية السالك في أوراد الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، للدكتور محمد سعيد البخاري، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى (١٤٢٦هـ-٢٠٠٥م).\n٣٠ - البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء، مكتبة المعارف، بيروت.\n٣١ - البعث والنشور، للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق الشيخ عامر أحمد حيدر، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.\n٣٢ - بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار. عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣١هـ- ٢٠١٠م.\n٣٣ - تاريخ مدينة دمشق، لأبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر، دار الفكر، ١٩٩٥م.\n٣٤ - التبيان في أقسام القرآن، لمحمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله بن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، ط٢، ١٤٠٢هـ.، ودار إحياء العلوم، ط١، ١٤٠٩هـ- ١٩٨٨م.\n٣٥ - التحرير والتنوير، لسماحة الأستاذ محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون، تونس.\n٣٦ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لمحمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، مطبعة المعرفة، الطبعة الثانية، ١٣٨٤هـ.","vol":"1","page":627},{"text":"٣٧ - تحفة الأخيار، للعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار القاسم، ودار الحديث، الطبعة الأولى، ٢٠٠٣م ..\n٣٨ - تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين، الإمام محمد بن علي الشوكاني، تخريج وتحقيق سيد إبراهيم، علي حسن،، دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى (١٤١٩هـ-١٩٩٨م).\n٣٩ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٩هـ- ١٩٧٩م.\n٤٠ - تذكرة الحفاظ، للحافظ شمس الدين الذهبي، طبعة دار الفكر العربي، ١٣٧٤هـ.\n٤١ - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، لأبي عبد الله بن محمد القرطبي، دار العفان، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ- ٢٠٠١م، وطبعة دار المعرفة، الطبعة الرابعة، ١٤٢١هـ.\n٤٢ - تراجع العلامة الألباني فيما نص عليه تصحيحًا وتضعيفًا، جمع وإعداد: أبو الحسن محمد الشيخ، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى (١٤٢٤هـ-٢٠٠٣م).\n٤٣ - التسبيح في الكتاب والسنة، للدكتور محمد بن إسحاق كندو، مكتبة دار المنهاج، الرياض، الطبعة الأولى (١٤٢٦هـ).\n٤٤ - تسهيل الإلمام بفقه الأحاديث من بلوغ المرام، للعلامة صالح بن عبد الله الفوزان، الطبعة الأولى، ١٤٢٧هـ- ٢٠٠٦م، بدون ناشر.\n٤٥ - تصحيح الدعاء، د. بكر بن عبد اللَّه أبو زيد، دار العاصمة، الرياض،","vol":"1","page":628},{"text":"الطبعة الأولى (١٤١٩هـ-١٩٩٩م).\n٤٦ - التعليقات الحسان، على صحيح ابن حبان وتمييز سقيمه من صحيحه، وشاذه من محفوظه، للعلامة المحدث الإمام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.\n٤٧ - تفسير ابن أبي حاتم (تفسير القرآن العظيم مسندًا عن رسول الله والصحابة والتابعين)، لابن أبي حاتم الرازي، مكتبة الدار، ودار طيبة، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ. ومكتبة نزار مصطفى الباز، ١٤١٧هـ.\n٤٨ - تفسير أبي السعود، للقاضي: أبي السعود مصطفى العمادي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى (١٤١٩هـ-١٩٩٩م).\n٤٩ - تفسير أبي المظفر منصور السمعاني، دار الوطن، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ.\n٥٠ - تفسير أسماء اللَّه الحسنى، لأبي إسحاق الزجاج، تحقيق أحمد الدقاق، دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الرابعة (١٤٠٣هـ).\n٥١ - تفسير البغوي، لأبي القاسم البغوي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤١٥هـ، ودار طيبة، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ.\n٥٢ - تفسير الدعوات المباركات من القرآن العظيم، للشيخ محمد بن عالم الإيديني، دار القلم، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م.\n٥٣ - التفسير الصحيح، موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور، إعداد الأستاذ الدكتور حكمت بن بشير بن ياسين، دار المأثر، المدينة المنورة، الطبعة الأولى (١٤٢٠هـ-١٩٩٩م).\n٥٤ - تفسير القرآن، للإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ.\n٥٥ - تفسير الفخر الرازي، لمحمد بن عمر بن الحسين الرازي، دار الفكر","vol":"1","page":629},{"text":"للطباعة والنشر - الطبعة الثالثة - بيروت.\n٥٦ - تفسير القرآن العظيم، للإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، دار زمزم، الرياض، طبع: دار الحديث القاهر، الطبعة السابعة (١٤١٤هـ-١٩٩٣م)، دار الصديق، الجبيل، مؤسسة الريان، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٢٥هـ-٢٠٠٤م).\n٥٧ - تفسير القرآن الكريم للعلامة محمد بن صالح بن عثيمين ﵀: تفسير سورة البقرة، وآل عمران، والكهف، والصافات، وص، والحجرات، وعم.\n٥٨ - التفسير الكبير لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تحقيق الدكتور: عبد الرحمن عميرة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٨هـ-١٩٨٨م).\n٥٩ - تفسير الماوردي (النكت والعيون)، أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٦٠ - تفسير مجاهد، لمجاهد بن جبر المخزومي التابعي أبو الحجاج، المنشورات العلمية.\n٦١ - تلبيس إبليس لأبي الفرج بن الجوزي، دار الخير - بيروت - دمشق - الطبعة الأولى (١٤١٩هـ-١٩٩٨م).\n٦٢ - التلخيص الحبير، لابن الحجر العسقلاني، إعداد: مركز الدراسات والبحوث بمكة المكرمة، نزار الباز، الطبعة الأولى (٤١٧هـ-١٩٩٧م).\n٦٣ - تنوير الأذهان من تفسير روح البيان، تأليف: إسماعيل البروسوي، اختصار","vol":"1","page":630},{"text":"محمد الصابوني، دار القلم-دمشق-الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ).\n٦٤ - التواضع والخمول، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد ابن أبي الدنيا القرشي البغدادي، تحقيق محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.\n٦٥ - تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، تأليف الشيخ سليمان بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الوهاب، نشر وتوزيع رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة.\n٦٦ - تيسير الكريم المنان، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - المؤسسة السعيدية بالرياض - طبعة أخرى دار ابن الجوزي - الطبعة الثانية.\n٦٧ - تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٠هـ- ١٩٨٠م.\n٦٨ - جامع الأصول في أحاديث الرسول، تأليف: مجد الدين ابن الأثير الجزري، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط دار الفكر (١٣٩٠هـ-١٩٧٠م).\n٦٩ - جامع البيان في تأويل القرآن لابن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٢١هت١٩٩٢م)، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى (١٤١٥هـ-١٩٩٤م).\n٧٠ - جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، تقديم مروان كجك، دار المؤتمن، المؤسسة السعودية بمصر، الطبعة الثانية (١٣١٥هـ-١٩٩٤م)، مؤسسة الرسالة، تحقيق شعيب الرناؤوط، إبراهيم باحبس، الطبعة العاشرة (١٤٢٤هـ-٢٠٠٤م).\n٧١ - الجامع الكبير في الحديث، جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية،","vol":"1","page":631},{"text":"بيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٠م.\n٧٢ - الجامع لأحكام القرآن، للإمام أبي عبد اللَّه محمد القرطبي .. دار الكتب العلمية بيروت (١٤١٣هـ-١٩٩٣م)، ودار الحديث، القاهرة، مراجعة وتعليق الدكتور محمد الحفناوي، وتخريج محمود عثمان (١٤٢٣هـ-٢٠٠٢م).\n٧٣ - جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام، الإمام ابن القيم الجوزية، تحقيق محيي الدين مستو، دار ابن كثير، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ-١٩٨٨م).\n٧٤ - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. ابن القيم الجوزية، دار النهار، وطبعة أخرى: جمعية إحياء التراث الإسلامي، الطبعة الثانية (١٤٢٤هـ-٢٠٠٣م).\n٧٥ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن، عبد الرحمن محمد الثعالبي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.\n٧٦ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لمحمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، دار الكتاب العربي، الطبعة الرابعة، ١٤١هـ، ومؤسسة الرسالة، ١٤١٢هـ.\n٧٧ - حاشية السندي على سنن ابن ماجه، للإمام أبي الحسن الحنفي- دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى (١٤١٦هـ-١٩٩٦م).\n٧٨ - الحق الواضح المبين، تأليف العلامة ابن سعدي، دار ابن القيم، الدمام، الطبعة الأولى (١٤٠٦هـ-١٩٨٦م).\n٧٩ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله","vol":"1","page":632},{"text":"الأصفهاني، دار الكتب العلمية، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥هـ.\n٨٠ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دارالكتب العليمة، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ.\n٨١ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبد الرحمن بن القاسم النجدي، مطابع المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية ١٣٨٥هـ.\n٨٢ - دروس وفتاوى الحرم المكي، للعلامة ابن عثيمين، دار ابن الجوزي، القاهرة.\n٨٣ - الدعاء المأثور، وآدابه، لأبي بكر الطرطوشي، تحقيق الدكتور محمد رضوان، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٠٩هـ).\n٨٤ - الدعاء في القرآن الكريم، تأليف: الدكتور محمد محمود عبود زوين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، (١٤٢٢هـ-٢٠٠٢م).\n٨٥ - الدعاء للحافظ أبي القاسم الطبراني، دراسة تحقيق الدكتور محمد البخاري، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٠٧هـ-١٩٨٤م).\n٨٦ - الدعاء وأحكامه الفقهية، تأليف: خلود بن عبد الرحمن المهيزع، دار الصميعي، الطبعة الأولى (١٤٢٩هـ-٢٠٠٨م).\n٨٧ - الدعاء ومنزلته في العقيدة، لأبي عبد الرحمن جيلان العروسي، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى (١٤١٧هـ-١٩٩٦م).\n٨٨ - الدعاء: مفهومه- وأحكامه، إعداد: محمد الحمد، دار ابن خزيمة، الطبعة الثانية (١٤١٨هـ-١٩٩٨م).","vol":"1","page":633},{"text":"٨٩ - الدعاء، تأليف: أبي عبد الرحمن عطية، مكتبة البلد الأمين، القاهرة (١٤٢٠هـ-١٩٩٩م).\n٩٠ - الدعوات الكبير، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، تحقيق بدر بن عبد الله البدر، غراس للنشر والتوزيع، الكويت، الطبعة الأولى.\n٩١ - دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، للعلامة محمد بن علان الصديقي الشافعي، دار الكتاب العربي.\n٩٢ - رش البرد شرح الأدب المفرد، تأليف د. محمد السلفي، دار الداعي، الرياض، الطبعة الثانية (١٤٢٧هـ).\n٩٣ - روح المعاني، للعلامة أبي الفضل الألولسي، دار الفكر، بيروت (١٤١٧هـ-١٩٩٧م).\n٩٤ - روضة الناظر وجنة المناظر، موفق الدين ابن قدامة المقدسي، مكتبة المعارف، ومكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٣هـ- ١٩٩٣م.\n٩٥ - الرياض الناضرة والحدائق الزاهرة، للعلامة ابن سعدي، ضمن: المجموعة الكاملة للشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀.\n٩٦ - زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم الجوزية، حققه: شعب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة الطبعة السادسة والعشرون، (١٤١٢هـ-١٩٩٢م).\n٩٧ - الزهد، للإمام أحمد بن حنبل، دار الكتب العلمية، ١٣٩٦هـ.\n٩٨ - الزهد، لهناد بن السري الكوفي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ.","vol":"1","page":634},{"text":"٩٩ - سلسلة الآثار الصحيحة، تأليف أبو عبد اللَّه الداني بن منير، دار الفاروق، الطبعة الأولى (١٤٢٤هـ-٢٠٠٣م).\n١٠٠ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للعلامة محمد بن ناصر الدين اللباني، مكتبة المعارف، الطبعة الثانية (١٤١٥هـ-١٩٩٥م).\n١٠١ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ.\n١٠٢ - سنن النسائي (المجتبى من السنن)، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ - ١٩٨٦.\n١٠٣ - سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد، الباقي دار الفكر - بيروت.\n١٠٤ - سنن ابن ماجه، تحقيق العلامة الألباني، مكتبة المعارف.\n١٠٥ - سنن أبي داود، الطبعة الأولى عام ١٤٢٠هـ، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٠٦ - سنن أبي داود، تحقيق العلامة الألباني، مكتبة المعارف.\n١٠٧ - سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، ت ٢٧٩ هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، ١٣٩٨ هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، مصر.\n١٠٨ - سنن الترمذي، تحقيق العلامة الألباني، مكتبة المعارف.\n١٠٩ - سنن الدارقطني، للإمام علي بن عمر الدارقطني، ت ٣٨٥هـ، دار المحاسن للطباعة، القاهرة.","vol":"1","page":635},{"text":"١١٠ - سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت ٢٥٥ هـ، طبعة ١٤٠٤ هـ، تحقيق عبد الله بن هاشم اليماني، توزيع الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١١١ - السنن الصغرى لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، الطبعة الأولى، دار الجيل، بيروت، ١٩٩٥م - ١٤١٥هـ.\n١ - السنن الكبرى، لأحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري، وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١١هـ.\n١١٢ - السنن الكبرى، للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي، ت ٤٥٨ هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١١٣ - السيرة الحلبية، نور الدين بن إبراهيم الحلبي الشافعي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ٢٠٠٢م.\n١١٤ - شأن الدعاء لأبي سليمان الخطابي، تحقيق أحمد الدقاق، دار المليون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى (١٤٠٤هـ-١٩٨٤م).\n١١٥ - شرح أسماء اللَّه الحسنى في ضوء الكتاب والسنة، للدكتور الفاضل سعيد بن علي بن وهف القحطاني، مؤسسة الجريسي، الطبعة الحادية عشر، ربيع الثاني (١٤٢٧هـ).\n١١٦ - شرح أسماء اللَّه الحسنى، الفخر الدين الرازي، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي، ط٢، (١٤١٠هـ).\n١١٧ - شرح أسماء اللَّه الحسنى، وصفاته، إعداد الدكتورة حصة الصغير، دار القاسم، الرياض، الطبعة الأولى (١٤٢٠هـ).","vol":"1","page":636},{"text":"١١٨ - شرح السنة، للإمام البغوي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وزهير الشاويش.\n١١٩ - شرح العقيدة الطحاوية، تخريج العلامة الألباني ﵀، المكتب الإسلامي الطبعة السابعة (١٤٠٣هـ-١٩٨٣م).\n١٢٠ - شرح العقيدة الواسطية، للعلامة محمد بي عثيمين، تحقيق سعد الجميل، دار ابن الجوزي، ط (٤) (١٤١٧هـ).\n١٢١ - شرح القواعد المثلى للعلامة ابن عثيمين، دار الآثار، الطبعة الأولى (١٤٢٣هـ-٢٠٠٢م).\n١٢٢ - شرح الكوكب المنير، لمحم بن أحمد النجار، مكتبة العبيكان، ١٤١٣هـ- ١٩٩٣م.\n١٢٣ - شرح القصيدة النونية، لمحمد خليل الهراس، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، ١٤١٥هـ- ١٩٩٥م، ومكتبة ابن تيمية، ١٤٠٧هـ.\n١٢٤ - شرح رياض الصالحين، للعلامة ابن عثيمين ﵀، دار ابن الجوزي القاهر، الطبعة الأولى (١٤٢٧هـ-٢٠٠٦م).\n١٢٥ - شرح صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، بقلم حسين بن عودة العوايشة، المكتبة الإسلامية، عمان، الردن، الطبعة الأولى (١٤٢٣هـ-٢٠٠٣م).\n١٢٦ - شرح عقيدة أهل السنة والجماعة للعلامة ابن عثيمين ﵀،.\n١٢٧ - شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، الشيخ عبد اللَّه الغنيمان، دار العاصمة، الطبعة الثالثة (١٤٢٨هـ-٢٠٠٧م).\n١٢٨ - شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر الطحاوي، مؤسسة الرسالة، الطبعة","vol":"1","page":637},{"text":"الأولى، ١٤١٥هـ.\n١٢٩ - شروط الدعاء للمؤلف، حفظه الله، توزيع مؤسسة الجريسي، الرياض.\n١٣٠ - شعب الإيمان، للإمام أبي بكر البيهقي، تحقيق: أبي هاجر زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، (١٤١٠هـ-١٩٩٠م)، والدار السلفية، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ- ١٩٨٨م.\n١٣١ - شفاء العليل، للإمام ابن القيم، خرج نصوصه وعلق عليه: مصطفى الشلبي، مكتبة السوادي، جدة، الطبعة الثانية، (١٤١٥هـ-١٩٩٥م).\n١٣٢ - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل الجوهري، دار العلم، بيروت، ط (٢) (١٣٩٩هـ).\n١٣٣ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، للإمام أبي حاتم محمدبن أحمد بن حبان البستي، ت٣٥٤ هـ، رتبه الأمير علاء الدين علي بن سليمان بن بلبان الفارسي، ت ٧٣٩ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٣٤ - صحيح ابن خزيمة، للإمام أبي بكر محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي النيسابوري، ت ٣١١ هـ، تحقيق محمد مصطفى الأعظمى، طبعة ١٣٩٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٣٥ - صحيح ابن ماجه، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٣٦ - صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، بقلم محمد بن ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية ١٤١٥هـ، دار الصديق، الجبيل، المملكة العربية السعودية.\n١٣٧ - صحيح البخاري، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ت:","vol":"1","page":638},{"text":"٢٥٦هـ، الطبعة الثانية ١٤١٩هـ، مكتبة دار السلام، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٣٨ - صحيح سنن ابن ماجه باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٣٩ - صحيح سنن أبي داود، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٤٠ - صحيح سنن الترمذي، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٤١ - صحيح سنن النسائي، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٤٢ - صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ت ٢٦١ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n١٤٣ - صحيح الترغيب والترهيب، للعلامة الألباني، مكتبة المعارف الطبعة الأولى (١٤٢١هـ-٢٠٠٠م).\n١٤٤ - صحيح الجامع الصغير وزيادته، للعلامة الألباني ﵀، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٠٨هـ-١٩٨٨م).\n١٤٥ - الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، لأبي عبد الرحمن بن مقبل الوادعي ﵀، دار الآثار، صنعاء، الطبعة الرابعة (١٤٢٨هـ-٢٠٠٧م).\n١٤٦ - شرح صحيح مسلم للنووي، دار أبي حيان، الطبعة الأولى (١٤١٥هـ-","vol":"1","page":639},{"text":"١٩٩٥م).\n١٤٧ - صحيح موارد الظمآن، للعلامة الألباني، دار الصميعي، الرياض، الطبعة الأولى (١٤٢٢هـ-٢٠٠٢م).\n١٤٨ - صفة صلاة النبي، للعلامة الألباني، مكتبة المعارف، الطبعة الثانية (١٤١٧هـ-١٩٩٦م).\n١٤٩ - صيد الخاطر، للإمام ابن الجوزي، علي الطنطاوي، دار المنارة، جدة، الطبعة الخامسة (١٤١٢هـ-١٩٩١م).\n١٥٠ - ضعيف الجامع الصغير وزيادته، للعلامة الألباني ناصر الدين، الطبعة الأولى ١٣٨٨هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٥١ - ضعيف سنن النسائي، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت ..\n١٥٢ - الضوء المنير على التفسير، لابن قيم الجوزية، جمع على الحمد الصالحي، مكتبة دار السلام.\n١٥٣ - طريق الهجرتين، للعلامة الإمام ابن القيم، تحقيق عمر بن محمود، دار البنا لقيم، الدمام، ط (٢) (١٤١٤هـ).\n١٥٤ - العبودية، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، ١٣٩١هـ، ودار المدني للطباعة والنشر، ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.\n١٥٥ - عدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، لابن الجزري، مع تحفة الذاكرين، دار الكتاب العربي.\n١٥٦ - العظمة، لأبي الشيخ عبد الله الأصفهاني، دار العاصمة، الرياض،","vol":"1","page":640},{"text":"الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.\n١٥٧ - علل الحديث، لعبد الرحمن بن محمد بن أبي حاتم الرازي، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٥هـ، والسلفية، الطبعة الأولى.\n١٥٨ - العلم الهيب في شرح الكلم الطيب، تأليف الإمام أبي محمد العيني، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى (١٤١٩هـ-١٩٩٨م).\n١٥٩ - العلم لأبي خيثمة، زهير بن حرب النسائي، المعارف الأولى، ٢٠٠٠م.\n١٦٠ - العلو للعلي العظيم، للإمام الذهبي، دارسة عبد اللَّه البراك، دار الوطن، الطبعة الأولى (١٤٢٠هـ-١٩٩٩م)، وتحقيق الألباني المسمى مختصر العلو، المكتب الإسلامي.\n١٦١ - عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، لأحمد بن يوسف بن عبد الدائم السمين الحلبي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (١٤١٧هـ-١٩٩٦م).\n١٦٢ - عمل اليوم والليلة، تأليف: الحافظ أبي بكر المعروف بـ «ابن السني»، بقلم: أبي أسامة الهلالي، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٢٢هـ-٢٠٠١م)، وطبعة أخرى، تخريج حلمي الرشيدي، دار البصيرة، الإسكندرية، الطبعة الأولى (١٤٢٧هـ-٢٠٠٦م).\n١٦٣ - عمل اليوم والليلة، للإمام أحمد النسائي، تحقيق ودراسة د. فاروق حمادة، دار الكلم الأولى، دمشق، الطبعة الرابعة (١٤٢١هـ-٢٠٠١م).\n١٦٤ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعلامة أبي الطيب آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":641},{"text":"١٦٥ - غرائب القرآن ورغائب الفرقان، لنظام الدين النيسابوري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ.\n١٦٦ - الفتاوى البزازية، للإمام فخر الدين بن منصور الفرغاني، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الرابعة، ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.\n١٦٧ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، للإمام أحمد بن حجر العسقلاني، دار السلام، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٨هـ-١٩٩٧م)، وطبعة أخرى، دار الريان للتراث، القاهرة، تحقيق: محيي الدين الخطيب، ط (١) (١٤٠٧هـ-١٩٨٦م).\n١٦٨ - فتح البيان في مقاصد القرآن، للعلامة: أبي الطيب القنوجي البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٢٠هـ-١٩٩٩م).\n١٦٩ - الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، تأليف أحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٧٠ - فتح الرحيم الملك العلام، للعلامة ابن سعدي، دار المنهاج، الطبعة الأولى (١٤٢٤هـ-٢٠٠٣م).\n١٧١ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية، لمحمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ، ومكتبة الرشد، الطبعة الثانية، ١٤٢٨هـ- ٢٠٠٧م، الرياض.\n١٧٢ - الفتوحات الربانية على الأذكار النووية، للعلامة محمد الصديقي، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٢٦هـ-٢٠٠٥م)، ودار العثمانية.\n١٧٣ - مسند الفردوس، لأبي شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي","vol":"1","page":642},{"text":"الهمذاني الملقب إلكيا، تحقيق السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦م، بيروت.\n١٧٤ - فضائل الصحابة، لأبي عبد الله أحمد بن حنبل، مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى.\n١٧٥ - فضل اللَّه الصمد في توضيح الأدب المفرد، لفضل اللَّه الجيلاني، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى (١٤٢٢هـ-٢٠٠٢م).\n١٧٦ - فقه الأدعية والأذكار، تأليف: الدكتور عبد الرزاق البدر، كنوز أشبيليا، الطبعة الأولى، (١٤٢٦هـ).\n١٧٧ - فقه الدعاء، تأليف: مصطفى العدوي، مكتبة مكة، طنطا، الطبعة الأولى، (١٤٢٢هـ-٢٠٠١م).\n١٧٨ - الفوائد، تأليف: الإمام ابن القيم الجوزية، ترتيب وتعليق علي بن عبد الحميد، ابن حزم، جدة، (١٤١٧هـ-١٩٩٦م).\n١٧٩ - في ظلال القرآن، لسيد قطب، دار الشروق، الطبعة الحادية والعشرون، ١٤١٤هـ.\n١٨٠ - فيض القدير شرح الجامع الصغير، للعلامة: محمد المناوي، مطبعة مصطفى محمد، الطبعة الأولى ١٣٥٦هـ-١٩٣٨م.\n١٨١ - القاموس المحيط، محمد الفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط (٥)، (١٤١٦هـ).\n١٨٢ - قنوت الوتر رواية ودراية، تأليف الدكتور: محمد بن عمر بازمول مكتبة الإمام أحمد، القاهر، الطبعة الأولى (١٤٢٨هـ-٢٠٠٧م).\n١٨٣ - قواعد الترجيح عند المفسرين، حسين الحربي، دار القاسم، الرياض،","vol":"1","page":643},{"text":"الطبعة الأولى (١٤١٧هـ-١٩٩٦م).\n١٨٤ - قواعد التفسير، لخالد بن عثمان السبت، دار ابن عفان، الخبر، الطبعة الأولى (١٤١٧هـ-١٩٩٧م).\n١٨٥ - القواعد الحسان لتفسير القرآن، للعلامة ابن سعدي، دار الصميعي، الطبعة الأولى (١٤٢٠هـ-١٩٩٩م).\n١٨٦ - القواعد الكلية للأسماء والصفات، للدكتور إبراهيم البريكان، دار الهجرة، الرياض ط (٢) (١٤١٤هـ-١٩٩٤م).\n١٨٧ - القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، للعلامة ابن عثيمين ﵀، أضواء السلف، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.\n١٨٨ - القياس في القرآن الكريم، والسنة النبوية، دارسة نظرية، تأليف: د. وليد بن علي الحسين. مكتبة الرشد، الطبعة الأولى (١٤٢٦هـ-٢٠٠٥م).\n١٨٩ - الكامل في ضعفاء الرجال، لعبد الله بن عدي الجرجاني، دار الفكر، الطيعة الثالثة، ١٤٠٩هـ.\n١٩٠ - كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، تحقيق: الشيخ عماد الدين أحمد، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ-١٩٨٥م).\n١٩١ - كتاب الدعوات الكبير، للإمام أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: بدر البدر، منشورات مركز المخطوطات، الكويت، الطبعة الأولى (١٤٠٩هـ-١٩٨٩م).\n١٩٢ - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، للإمام الحافظ عبد اللَّه بن أبي شيبة، حققه: عبد الخالق الأفغاني، الدار السلفية، الهند، الطبعة الثانية","vol":"1","page":644},{"text":"(١٣٩٩هـ-١٩٧٩م).\n١٩٣ - كشف الأستار عن زوائد البزار، لأبي بكرالهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٢، ١٤٠٤هـ.\n١٩٤ - كيف تحظى بدعاء النبي - ﷺ -، للدكتور: محمد النعيم، دار المجتمع، الخبر، الطبعة الأولى (١٤٢٦هـ-٢٠٠٧م).\n١٩٥ - اللآلئ الزكية في شرح الأدعية النبوية، إعداد اللجنة العلمية بمكتبة الإمام الذهبي - الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٢٩هـ.\n١٩٦ - اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الدمشقي الحلبي، دار الكتب العلمية، ١٩٩٨م.\n١٩٧ - لسان العرب، للإمام العلامة جمال الدين بن منظور، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة (١٤١٤هـ-١٩٩٤م).\n١٩٨ - لطائف المعارف، للإمام زين الدين ابن رجب الحنبلي، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الثانية (١٤١٧هـ-١٩٩٦م).\n١٩٩ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين الهيثمي، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٢٠٠ - مجموع رسائل ابن رجب الحنبلي، تحقيق ناصر النجار، الناشر مكتبة أولاد الشيخ للتراث (٢٠٠٥م).\n٢٠١ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم، وساعده ابنه محمد، طُبع بأمر الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، الطبعة الأولى (١٣٨٩م).","vol":"1","page":645},{"text":"٢٠٢ - المجموع شرح المهذب، للإمام الحافظ أبي زكريا محيي الدين النووي، المطبعة المنيرية.\n٢٠٣ - مدارج السالكين، للإمام ابن القيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفقي، توزيع دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب.\n٢٠٤ - المستدرك على الصحيحين للإمام أبي عبد اللَّه الحاكم، ومعه تلخيص الذهبي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى (١٤١٨هـ-١٩٩٨م).\n٢٠٥ - مسند أبي يعلى الموصلي، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن المثني التميمي، ت ٣٠٧ هـ، تحقيق حسين سليم أسد، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ، دار الثقافة العربية، دمشق، بيروت.\n٢٠٦ - مسند الإمام أحمد بشرح أحمد شاكر، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، شرحه وضع فهارسه أحمد محمد شاكر، بدون تاريخ، دار المعارف، مصر ..\n٢٠٧ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: جمع من العلماء، بإشراف: د. عبد اللَّه التركي، وشعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى (١٤١٩هـ-١٩٩٩م).\n٢٠٨ - مسند الشاميين، الإمام أحمد بن حنبل، ضبط أحاديثه وخرجها وبيّن درجتها وعلق عليها علي محمد جماز، مطابع الدوحة الحديثة، ط١، ١٤٠١هـ.\n٢٠٩ - مسند عبد بن حميد (المنتخب من مسند عبد بن حميد) لعبد بن حميد بن نصر أبي محمد الكشي، تحقيق: صبحي البدري السامرائي، ومحمود محمد خليل الصعيدي، مكتبة السنة - القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.","vol":"1","page":646},{"text":"٢١٠ - مسند البزار (البحر الزخار)، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة.\n٢١١ - مسند الحميدي، عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، مكتبة المتنبي - بيروت، القاهرة.\n٢١٢ - مسند الشهاب، محمد بن سلامة بن جعفر أبو عبد الله القضاعي، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفيمؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م.\n٢١٣ - مسند الطيالسي، سليمان بن داود بن الجارود، تحقيق الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، هجر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n٢١٤ - مشكاة المصابيح، لمحمد عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٢١٥ - المصباح المنير، لأحمد بن علي الفيومي، مكتبة لبنان، ١٩٨٧م، ودار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ.\n٢١٦ - مصنف عبد الرزاق الصنعاني، حققه حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، (١٣٩١هـ-١٩٧٢م).\n٢١٧ - معالم السنن، لحمد بن حمد الخطابي، المكتبة العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠١هـ.\n٢١٨ - معتصر المختصر، لأبي المحاسن يوسف بن موسى الحنفي، عالم الكتب.\n٢١٩ - المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق طارق بن","vol":"1","page":647},{"text":"عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين - القاهرة، ١٤١٥هـ.\n٢٢٠ - المعجم الصغير (الروض الداني)، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، تحقيق محمد شكور محمود الحاج أمرير، المكتب الإسلامي، دار عمار، بيروت، عمان، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م.\n٢٢١ - المعجم الكبير للحافظ أبي القاسم الطبراني، حققه: حمدي السلفي، مطبعة الوطن العربي، الطبعة الأولى (١٤٠٠هـ-١٩٨٠م).\n٢٢٢ - معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسيني بن فارس، تحقيق وضبط: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثالثة (١٤٠٢هـ).\n٢٢٣ - معرفة الصحابة، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار الوطن للنشر - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n٢٢٤ - مفتاح دار السعادة، للإمام ابن القيم الجوزية، تحقيق: علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي الأثري، دار ابن عفان، الخبر، الطبعة الأولى، (١٤١٦هـ-١٩٩١م).\n٢٢٥ - المفردات، للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية (١٤١٨هـ-١٩٩٧م).\n٢٢٦ - المفهم شرح صحيح مسلم، لأبي العباس القرطبي، حققه: جماعة من العلماء، دار الكتاب المصري، القاهرة، ودار الكتاب اللبناني-بيروت.\n٢٢٧ - المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، لأبي حامد محمد الغزالي، مكتبة الفرقان.","vol":"1","page":648},{"text":"٢٢٨ - مكارم الأخلاق، لأبي بكر محمد بن جعفر ٣٢٧هـ، تحقيق ودراسة د. سعاد سليمان الخندقاوي، تقديم مراجعة وتقديم، أ. د موسى شاهين لاشين أ. د محمد رشاد خليفة، مطبعة المدني، الطبعة الأولى ١٤١١هـ -١٩٩١، مصر القاهرة.\n٢٢٩ - مناسك الحج والعمرة، للعلامة الألباني، مكتبة المعارض، الرياض، الطبعة الولى (١٤٢٠هـ-١٩٩٩م).\n٢٣٠ - المنتقى من صفة الفردوس، للإمام العلامة عبد الملك بن حبيب المالكي السلمي القرطبي، دار القمة، ودار الإيمان، ٢٠٠٥م.\n٢٣١ - المنهاج في شعب الإيمان، الحسين بن الحسن الحليمي، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٣٩٩هـ.\n٢٣٢ - منهج الإمام ابن القيم في شرح أسماء اللَّه الحسنى، تأليف: مشرف بن علي الغامدي، دار ابن الجوزي، ط (١) (١٤٢٦هـ-٢٠٠٥م).\n٢٣٣ - منهج جديد لدراسة التوحيد، عبد الرحمن عبد الخالق، الدار السلفية.\n٢٣٤ - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، ت ٧٠٨هـ، تحقيق محمد بن عبد الرزاق حمزة، بدون تاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان ..\n٢٣٥ - المواهب الربانية، للعلامة ابن السعدي، اعتناء: أبو عبد الرحمن الماضي، دار الرمادي، الدمام، الطبعة الثانية (١٤١٧هـ-١٩٩٦م).\n٢٣٦ - موسوعة له الأسماء الحسنى للشرباصي، دار الجيل بيروت، الطبعة الأولى (١٤٠٢هـ-١٩٨٢م).\n٢٣٧ - نزل الأبرار بالعلم المأثور، من الأدعية والأذكار، للعلامة محمد صديق","vol":"1","page":649},{"text":"خان، دار المعرفة، بيروت.\n٢٣٨ - النهاية في غريب الحديث، لمجد الدين أبي السعادات ابن الأشر، أشرف عليه: علي بن عبد الحميد، دار ابن الجوزي، الرياض، الطبعة الثالثة (١٤٢٥هـ)، وطبعة أخرى، تحقيق: طاهر الزاري الطناجي، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة.\n٢٣٩ - النهج الأسمى لمحمد الحمود، مكتبة الذهبي، الكويت، الطبعة الثامنة، ١٤٢٨هـ.\n٢٤٠ - نوادر الأصول في أحاديث الرسول، محمد بن علي بن الحسن أبو عبد الله الحكيم الترمذي، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت،١٩٩٢م.\n٢٤١ - نيل الأوطار بتخريج أحاديث كتاب الأذكار، للعلامة: أبي زكريا النووي، حقق نصوصه وخرّج أحاديثه: أبو أسامة سليم الهلالي، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الثانية (١٤٢٥هـ-٢٠٠٤م).\n٢٤٢ - هؤلاء دعا لهم الرسول - ﷺ -، جمع وتحقيق: د. محمد عاشور، م. جمال عبد المنعم، دار الاعتصام، القاهرة.\n٢٤٣ - الوابل الصيب، للعلامة ابن القيم، طبع مطابع النصر الحديثة، الرياض، توزيع رئاسة البحوث العلمية والإفتاء.\n٢٤٤ - وللَّه الأسماء الحسنى فادعوه بها، لعبد العزيز بن ناصر الجليل، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى (١٣٢٩هـ-٢٠٠٨م).","vol":"1","page":650}]}